ألف سؤال وإشكال - ج 1

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 1 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

ألف سؤال وإشكال

بقلم
علي الكوراني العاملي
المجلد الأول
الطبعة الأولى 1424 - 2003
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 2 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ألف سؤال وإشكال
تأليف : علي الكوراني العاملي
ناشر : دار الهدى لطباعه والنشر
النسخ : 3000 عدد
الطبعة الأولى 1424 - 2003
الشابك : 3 - 98 - 5902 - 964
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 3 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة وأتم السلام على سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين ، واللعنة على أعدائهم أجمعين
وبعد ، فقد طرح المخالفون لمذهب أهل البيت الطاهرين عليهم السلام عدداً من إشكالاتهم وشبهاتهم على مذهب الحق وأتباعه ، وأكثروا تكرارها في خطبهم وكتبهم ، وملؤوا منها الأسواق ، وعبؤوا بها مواقعهم في شبكات النت ، ووزعوا كتيباتها وأشرطتها على الحجاج والزوار ، في بلاد الحرمين ، وغيرها من بلاد المسلمين ، والمهجر !
وقد أجاب عنها فقهاء الشيعة وعلماؤهم من القدماء والمعاصرين ، فجزاهم الله خير الجزاء لدفاعهم عن ظلامة أهل البيت الطاهرين عليهم السلام ومذهبهم الحق .
وهذه أسئلة وإشكالات علمية كتبناها لتكون جواباً على ما يثيرونه علينا ، وتنبيهاً إلى أن الأولى لهم أن يعالجوا المشكلات والتناقضات التي امتلأت بها مصادرهم ، وقامت عليها مؤلفاتهم وأبحاثهم في عقائدهم وفقههم وتفسيرهم ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 4 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فإن إصلاح الدار أوجب من انتقاد الجار !
وقد اعتمدنا فيها على مصادرهم الأساسية في الحديث والتفسير والفقه والعقائد ، وأقوال كبار أئمتهم من القدماء والمتأخرين .
واعتمدنا في ترتيب أبوابها على كتب : الوهابية والتوحيد ، وتدوين القرآن ، والعقائد الإسلامية ، وآيات الغدير ، وغيرها .
أما المنهج الذي اخترناه فهو تحرير المسألة بعبارة مليئة ، موثقة من المصادر ، ثم توجيه الأسئلة حولها أو الإشكالات ، وبذلك يسهل الأمر على القارئ ، والباحث .
والله ولي القصد والتوفيق ، والهادي إلى سواء السبيل .
علي الكوراني العاملي
شوال المكرم 1423
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 5 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الأول : تخبطهم في توحيد الله تعالى وصفاته المقدسة

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 6 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 7 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 1 زعمهم أن الله تعالى يرى بالعين !

قال أهل البيت عليهم السلام إن الله تعالى يعرف بالعقل والقلب ، ويستحيل أن تراه العيون ، لأنها لا ترى إلا الشئ المادي الذي يخضع لقوانين الزمان والمكان ، والله تعالى لا تدركه الأبصار ولا الأوهام : ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيٌْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) .
ففي الإحتجاج : 2 / 190 : من حديث الإمام الرضا عليه السلام قال : ( يا أبا الصلت إن الله تبارك وتعالى لا يوصف بمكان ، ولا يدرك بالأبصار والأوهام ) . ( والكافي : 1 / 143 ) .
أما المخالفون لمذهب أهل البيت عليهم السلام فقالوا إن الله تعالى يرى بالعين في الآخرة ، وقال بعضهم يرى بالعين حتى في الدنيا !
ففي البخاري : 1 / 195 ، عن أبي هريرة قال : ( إن الناس قالوا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة ؟ قال : هل تمارون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب ؟ قالوا : لا يا رسول الله . قال : فهل تمارون في الشمس ليس دونها سحاب ؟ قالوا : لا . قال : فإنكم ترونه كذلك ! ! ) .
وفي البخاري : 2 / 141 : عن عبد الله بن عمر قال : ( ذكر النبي ( ص ) يوماً بين ظهري الناس المسيح الدجال فقال : إن الله ليس بأعور إلا أن المسيح الدجال أعور العين ) . انتهى . يعني طمأنهم النبي صلى الله عليه وآله أن عيني الله سالمتان ، والحمد لله !
ونقل في هامش شرح الترمذي : 6 / 188 عن ابن العربي : ( إن الله لم ينزل هذه الآية ( لا تدركه الأبصار ) لنفي الرؤية لله ولا جاءت بها عائشة ، فإنه سبحانه وتعالى يرى في الدنيا والآخرة جوازاً ووقوعاً ) !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 8 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأول ما ظهرت أحاديث الرؤية بالعين والتشبيه من عمر بن الخطاب قال : ( إن كرسيه وسع السماوات والأرض ، وإن له أطيطاً كأطيط الرحل الجديد إذا رُكِبَ ، من ثقله . رواه البزار ورجاله رجال الصحيح ) . ( مجمع الزوائد : 1 / 83 )
وفي رواية السيوطي في الدر المنثور : 1 / 328 : عن عبد بن حميد ، وابن أبي عاصم في السنة ، والبزار ، وأبي يعلى ، وابن جرير ، وأبي الشيخ ، والطبراني ، وابن مردويه ، والضياء المقدسي في المختارة ، عن عمر . . . وإن له أطيطاً كأطيط الرحل الجديد إذا ركب من ثقله ، ما يفضل منه أربع أصابع ) .
ويبدو أن عمر أخذه من كعب الأحبار ، فقد روى ابن خزيمة في توحيده ص 225 قال : ( اجتمع ابن عباس وكعب فقال ابن عباس : إنا بنو هاشم نزعم أو نقول : إن محمداً رأى ربه مرتين ، قال فكبر كعب حتى جاوبته الجبال ! فقال : إن الله قسم رؤيته وكلامه بين محمد وموسى ) ! انتهى .
وهذا يدل على أن كعباً كان يتبنى الرؤية وكان بنو هاشم ينفونها ، وقد نسبها هذا الأثر إلى بني هاشم زاعماً أنهم قبلوا بها ، وليس بصحيح !
وفي تفسير الطبري : 52 / 12 : عن كعب الأحبار قال لرجل : ( سألت أين ربنا ، وهو على العرش العظيم متكئٌ واضعٌ إحدى رجليه على الأخرى ، ومسافة هذه الأرض التي أنت عليها خمسمائة سنة ، ومن الأرض إلى الأرض مسيرة خمسمائة سنة ، وكثافتها خمسمائة سنة ، حتى أتمَّ سبع أرضين ، ثم من الأرض إلى السماء مسيرة خمسمائة سنة ، وكثافتها خمسمائة سنة ، والله على العرش متكئ ) !
* *
وقد رد عليٌّ عليه السلام على كعب الأحبار في مجلس عمر وكذَّبه ، كما كذَّبت
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 9 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عائشة حديثهم الذي زعموا فيه أن النبي صلى الله عليه وآله رأى ربه ، وكذلك ابن عباس وابن مسعود ، وجمهور الصحابة .
روى المجلسي في البحار : 36 / 194 : ( عن ابن عباس أنه حضر مجلس عمر بن الخطاب يوماً وعنده كعب الحبر ، إذ قال ( عمر ) : يا كعب أحافظ أنت للتوراة ؟ قال كعب : إني لأحفظ منها كثيراً . فقال رجل من جنبة المجلس : يا أمير المؤمنين سله أين كان الله جل ثناؤه قبل أن يخلق عرشه ، ومِمَّ خلق الماء الذي جعل عليه عرشه ؟
فقال عمر : يا كعب هل عندك من هذا علم ؟
فقال كعب : نعم يا أمير المؤمنين ، نجد في الأصل الحكيم أن الله تبارك وتعالى كان قديماً قبل خلق العرش ، وكان على صخرة بيت المقدس في الهواء ، فلما أراد أن يخلق عرشه تَفَلَ تَفَلَةً كانت منها البحار الغامرة واللجج الدائرة ، فهناك خلق عرشه من بعض الصخرة التي كانت تحته ، وآخر ما بقي منها لمسجد قدسه !
قال ابن عباس : وكان علي بن أبي طالب عليه السلام حاضراً ، فَعَظَّمَ عَلِيٌّ رَبَّهُ وقام على قدميه ونفض ثيابه ! فأقسم عليه عمر لمََّا عاد إلى مجلسه ، ففعله .
قال عمر : غُصْ عليها يا غواص ما تقول يا أبا الحسن ، فما علمتك إلا مفرجاً للغم . فالتفت علي عليه السلام إلى كعب فقال :
( غلط أصحابك وحرفوا كتب الله وفتحوا الفرية عليه !
يا كعب ويحك ! إن الصخرة التي زعمت لا تحوي جلاله ولا تسع عظمته ، والهواء الذي ذكرت لا يحوز أقطاره ، ولو كانت الصخرة والهواء قديمين معه لكان لهما قِدْمته ، وعزّ الله وجل أن يقال له مكان يومى إليه ، والله ليس كما يقول الملحدون
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 10 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولا كما يظن الجاهلون ، ولكن كان ولا مكان بحيث لا تبلغه الأذهان ، وقولي ( كان ) عجز عن كونه وهو مما عَلَّمَ من البيان يقول الله عز وجل ( خَلَقَ الإنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ) فقولي له ( كان ) مما علمني من البيان لأنطق بحججه وعظمته ، وكان ولم يزل ربنا مقتدراً على ما يشاء محيطاً بكل الأشياء ، ثم كَوَّنَ ما أراد بلا فكرة حادثة له أصاب ، ولا شبهة دخلت عليه فيما أراد ، وإنه عز وجل خلق نوراً ابتدعه من غير شئ ، ثم خلق منه ظلمة ، وكان قديراً أن يخلق الظلمة لامن شئ كما خلق النور من غير شئ ، ثم خلق من الظلمة نوراً وخلق من النور ياقوتة غلظها كغلظ سبع سماوات وسبعٍ أرضين ، ثم زجر الياقوتة فماعت لهيبته فصارت ماءً مرتعداً ، ولا يزال مرتعداً إلى يوم القيامة ، ثم خلق عرشه من نوره وجعله على الماء ، وللعرش عشرة آلاف لسان يسبح الله كل لسان منها بعشرة آلاف لغة ليس فيها لغة تشبه الأخرى ، وكان العرش على الماء من دونه حجب الضباب وذلك قوله : ( وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ ) .
يا كعب ويحك ! إن من كانت البحار تفلته على قولك ، كان أعظم من أن تحويه صخرة بيت المقدس أو يحويه الهواء الذي أشرت إليه أنه حل فيه !
فضحك عمر بن الخطاب وقال : هذا هو الأمر ، وهكذا يكون العلم ، لا كعلمك يا كعب . لا عشت إلى زمان لا أرى فيه أبا حسن ) . انتهى .
* *
الأسئلة
1 - بماذا تفسرون تبني عمر لتجسيم كعب الأحبار ومقولة أطيط العرش من ثقل الله تعالى ، رغم وضوح قوله تعالى : ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيٌْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) ( سورة الشورى : 11 ) ، ورغم نفي أهل البيت عليهم السلام والصحابة لأفكار كعب ؟
2 - ألا ترون أن أحاديث التجسيم لم تكن معروفة في عهد النبي صلى الله عليه وآله ولا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 11 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
في عهد أبي بكر ، ولم تُرْوَ إلا في زمن عمر عن كعب الأحبار وجماعته ، ثم تبناها رواة بني أمية ونشروها بين المسلمين ، وأدخلوها في صحاحهم ؟ !
3 - كيف تجعلون ذات الله تعالى خاضعة لقوانين الزمان والمكان ، مع أنه سبحانه وتعالى كان ( قبلهما ) ، أي كان ولا زمان ولا مكان ، ثم خلقهما ؟ !
4 - ما معنى تحريم العمل بالمتشابه ، ووجوب رد المتشابه من القرآن والسنة إلى المحكم منهما ، فما بالكم تأخذون بالمتشابه من آيات الصفات ، ولا تردونها إلى الآيات المحكمة ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 12 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 2 اعترف أئمتهم بأن توحيدهم مأخوذ من اليهود !

قال ابن تيمية في كتابه ( العقل في فهم القرآن ) ص 88 ، ما لفظه :
( ومن المعلوم لمن له عناية بالقرآن أن جمهور اليهود لا تقول إن عزير ( كذا ) ابن الله ، وإنما قاله طائفة منهم ، كما قد نقل أنه قال فنحاص بن عازورا ، أو هو وغيره .
وبالجملة ، إن قائلي ذلك من اليهود قليل ، ولكن الخبر عن الجنس كما قال : الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم . فالله سبحانه بين هذا الكفر الذي قاله بعضهم وعابه به . فلو كان ما في التوراة من الصفات التي تقول النفاة إنها تشبيه وتجسيم فإن فيها من ذلك ما تنكره النفاة وتسميه تشبيهاً وتجسيماً بل فيها إثبات الجهة ، وتكلم الله بالصوت ، وخلق آدم على صورته وأمثال هذه الأمور ، فإن كان هذا مما كذبته اليهود وبدلته ، كان إنكار النبي ( ص ) لذلك وبيان ذلك أولى من ذكر ما هو دون ذلك !
فكيف والمنصوص عنه موافقٌ للمنصوص في التوراة ! فإنك تجد عامة ما جاء به الكتاب والأحاديث في الصفات موافقاً مطابقاً لما ذكر في التوراة ! !
وقد قلنا قبل ذلك إن هذا كله مما يمتنع في العادة توافق المخبرين به من غير مواطأة وموسى لم يواطئ محمداً ، ومحمد لم يتعلم من أهل الكتاب ، فدل ذلك على صدق الرسولين العظيمين وصدق الكتابين الكريمين ) . انتهى !
يقصد ابن تيمية أن الشئ الوحيد الذي عابه الله على اليهود في توحيدهم هو قولهم ( عزير ابن الله ) ، وهذا يعني أنه أقر ما بقي من صفات التجسيم لله
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 13 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
تعالى الموجودة في توراتهم !
وقد شذ ابن تيمية في قوله بصحة عقائد التوراة ، فإن أحداً غيره من علماء المسلمين لم يفهم من رد القرآن لنبوة عزير ، أنه أقر ببقية افتراءات اليهود في التوحيد والصفات ، ولا أنه يقر بأن التوراة الفعلية صحيحة غير محرفة !
نعم شذ مثله البخاري وقال بصحة ألفاظ التوراة ، كما يأتي ! !
أما محمد بن عبد الوهاب فقلد إمامه ابن تيمية ، وقال في حديث الحاخام الذي زعموا أنه علم نبينا صلى الله عليه وآله توحيد اليهود ! قال في آخر كتابه المسمى ( التوحيد ) :
( فيه مسائل : الأولى : تفسير قوله : والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة .
الثانية : أن هذه العلوم وأمثالها باقية عند اليهود الذين في زمنه ( ص ) لم ينكروها ولم يتأولوها .
الثالثة : أن الحبر لما ذكر ذلك للنبي ( ص ) صدقه ، ونزل القرآن بتقرير ذلك !
الرابعة : وقوع الضحك الكثير من رسول الله ( ص ) عنده ، لما ذكر الحبر هذا العلم العظيم .
الخامسة : التصريح بذكر اليدين ، وأن السماوات في اليد اليمنى والأرضين في الأخرى .
السادسة : التصريح بتسميتها الشمال .
السابعة : ذكر الجبارين والمتكبرين عند ذلك .
الثامنة : قوله كخردلة في كف أحدهم .
التاسعة : عظمة الكرسي بنسبته إلى السماوات .
العاشرة : عظمة العرش بنسبته إلى الكرسي .
الحادية عشرة : أن العرش غير الكرسي والماء .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 14 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الثانية عشرة : كم بين كل سماء إلى سماء .
الثالثة عشرة : كم بين السماء السابعة والكرسي .
الرابعة عشرة : كم بين الكرسي والماء .
الخامسة عشرة : أن العرش فوق الماء .
السادسة عشرة : أن الله فوق العرش .
السابعة عشرة : كم بين السماء والأرض .
الثامنة عشرة : كثف كل سماء خمسمائة سنة .
التاسعة عشرة : أن البحر الذي فوق السماوات ، بين أسفله وأعلاه مسيرة خمسمائة سنة ) . انتهى ! !
الأسئلة
1 - بناء على ما قاله إمامكم ابن عبد الوهاب في المسألة الثانية والثالثة ، من أن علوم التجسيم كانت محفوظة عند اليهود ، وأن خاخامهم علمها للنبي صلى الله عليه وآله ! فهل كان القرآن المكي خالياً من التوحيد حتى أخذه النبي صلى الله عليه وآله يهود المدينة ؟ ! !
2 - هل تقبلون هذه المسافات التي ذكرها إمامكم ابن عبد الوهاب بين الأرض ومكان وجود الله تعالى ، وكم تبلغ بالكيلومتر ؟ !
3 - تعرفون أن عمر بن الخطاب منع المسلمين من تدوين القرآن والسنة ، وأنه نفسه الذي جاء بنسخة معربة من التوراة وطلب من النبي صلى الله عليه وآله أن يعترف بها وينشرها بين المسلمين ، فزجره النبي صلى الله عليه وآله وسماه وجماعته ( المتهوكين ) وحذر المسلمين منهم !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 15 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لكن عمر واصل بعد النبي صلى الله عليه وآله نشر ثقافة اليهود التي كان معجباً بها ، واستطاع مع كعب الأحبار أن يبثوا الإسرائيليات في ثقافة المسلمين ! !
وقد تبع البخاري عمر فقال إن التوراة الفعلية صحيحة منزلة بألفاظها من عند الله تعالى ، وأن معنى تحريف اليهود للكتاب في مثل قوله تعالى : ( فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ) ، أنهم يتأولونها ، وليس معناه أنهم غيروا ألفاظها !
قال في صحيحه : 8 / 216 : ( باب قوله تعالى : بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ . . . يحرفونه : يزيلونه ، وليس أحد يزيل لفظ كتاب الله من كتب الله عز وجل ، ولكنهم يحرفونه يتأولونه عن غير تأويله ) ! !
أما ابن تيمية فقد زاد على البخاري وأخذ عقيدته بالله تعالى من التوراة وقال بصحة كل ما فيها من تجسيم وكفر ، ما عدا قولهم إن عزيراً ابن الله !
فكيف تقبلون ادعاءه وقد نص القرآن وأجمعت أجيال المسلمين على أن اليهود والنصارى حرفوا توراتهم وإنجيلهم ، وأنه لا يوثق بما فيهما ؟ !
قال الله تعالى : ( فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلا قَلِيلاً مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) . ( سورة المائدة - 13 )
وقال تعالى : ( وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ ) . ( سورة الأنعام : 91 ) وقال تعالى : ( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّيْنَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 16 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بِمَا عَصَوا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ) . ( سورة البقرة : 61 )
فالذين يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء عليهم السلام هل يستبعد عليهم أن يحرفوا ما أنزل الله تعالى ، فكيف نثق بما في أيديهم ؟ !
بل وصل طمعهم إلى محاولة تحريف القرآن ! قال تعالى : ( وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) . ( سورة آل عمران : 78 )
وقال تعالى : ( أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) . ( سورة البقرة : 75 )
4 - ما قولكم في رد ابن حجر على البخاري وابن تيمية ؟
قال في فتح الباري : 13 / 436 : ( قوله : وليس أحد يزيل لفظ كتاب الله من كتب الله عز وجل ، ولكنهم يحرفونه يتأولونه عن غير تأويله . . .
قال شيخنا بن الملقن في شرحه هذا الذي قاله أحد القولين في تفسير هذه الآية وهو مختاره أي البخاري ، وقد صرح كثير من أصحابنا بأن اليهود والنصارى بدلوا التوراة والإنجيل ، وفرعوا على ذلك جواز امتهان أوراقهما ، وهو يخالف ما قاله البخاري هنا . انتهى
وهو كالصريح في أن قوله وليس أحد إلى آخره من كلام البخاري ذيَّل به تفسير ابن عباس ، وهو يحتمل أن يكون بقية كلام بن عباس في تفسير الآية .
وقال بعض الشراح المتأخرين : اختُلف في هذه المسألة على أقوال :
أحدها أنها بدلت كلها ، وهو مقتضى القول المحكي بجواز الامتهان ، وهو إفراط ، وينبغي حمل إطلاق من أطلقه على الأكثر وإلا فهي مكابرة ، والآيات والأخبار كثيرة في أنه بقي منها أشياء كثيرة لم تبدل ، من ذلك قوله
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 17 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
تعالى : ( الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيل ) . . الآية ، ومن ذلك قصة رجم اليهوديين ، وفيه وجود آية الرجم ، ويؤيده قوله تعالى : ( قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) .
ثانيها : أن التبديل وقع ولكن في معظمها وأدلته كثيرة ، وينبغي حمل الأول عليه .
ثالثها : وقع في اليسير منها ومعظمها باق على حاله ، ونصره الشيخ تقي الدين بن تيمية في كتابه الرد الصحيح على من بدل دين المسيح .
رابعها : إنما وقع التبديل والتغيير في المعاني لا في الألفاظ ، وهو المذكور هنا ! ( أي هو قول البخاري ) !
وقد سئل بن تيمية عن هذه المسألة مجرداً فأجاب في فتاويه : إن للعلماء في ذلك قولين ، واحتج للثاني من أوجه كثيرة ، منها قوله تعالى : ( لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ ) وهو معارض بقوله تعالى : ( فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ ) ، ولا يتعين الجمع بما ذكر من الحمل على اللفظ في النفي وعلى المعنى في الإثبات لجواز الحمل في النفي على الحكم وفي الاثبات على ما هو أعم من اللفظ والمعنى .
ومنها ، أن نسخ التوراة في الشرق والغرب والجنوب والشمال لا يختلف ، ومن المحال أن يقع التبديل فتتوارد النسخ بذلك على منهاج واحد !
وهذا استدلال عجيب لأنه إذا جاز وقوع التبديل جاز إعدام المبدل ، والنسخ الموجودة الآن هي التي استقر عليها الأمر عندهم عند التبديل ، والأخبار بذلك طافحة .
أما فيما يتعلق بالتوراة فلأن بختنصر لما غزا بيت المقدس وأهلك بني
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 18 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إسرائيل ومزقهم بين قتيل وأسير ، وأعدم كتبهم حتى جاء عزيرا فأملاها عليهم .
وأما فيما يتعلق بالإنجيل فإن الروم لما دخلوا في النصرانية جمع ملكهم وأكابرهم على ما في الإنجيل الذي بأيديهم . وتحريفهم المعاني لا ينكر بل هو موجود عندهم بكثرة ، وإنما النزاع هل حرفت الألفاظ أو لا ، وقد وجد في الكتابين ما لا يجوز أن يكون بهذه الألفاظ من عند الله عز وجل أصلاً !
وقد سرد أبو محمد بن حزم في كتابه الفصل في الملل والنحل أشياء كثيرة من هذا الجنس ، من ذلك أنه ذكر أن في أول فصل في أول ورقة من توراة اليهود . . . وأن الله تعالى قال لما أكل آدم من الشجرة هذا آدم قد صار كواحد منا في معرفة الخير والشر ، وأن السحرة عملوا لفرعون نظير ما أرسل عليهم من الدم والضفادع ، وأنهم عجزوا عن البعوض ، وأن ابنتي لوط بعد هلاك قومه ضاجعت كل منهما أباها بعد أن سقته الخمر فوطأ كلاً منهما فحملتا منه ! ! إلى غير ذلك من الأمور المنكرة المستبشعة ! !
وذكر في مواضع أخرى أن التبديل وقع فيها إلى أن أعدمت فأملاها عزرا المذكور على ما هي عليه الآن ، ثم ساق أشياء من نص التوراة التي بأيديهم الآن الكذب فيها ظاهر جداً ! ثم قال : وبلغنا عن قوم من المسلمين ينكرون أن التوراة والإنجيل اللتين بأيدي اليهود والنصارى محرفان ، والحامل لهم على ذلك قلة مبالاتهم بنصوص القرآن والسنة ، وقد اشتملا على أنهم يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون على الله الكذب وهم يعملون ، ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويلبسون الحق بالباطل ويكتمون الحق وهم يعلمون ) . انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 19 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
5 - اعترف اليهود والنصارى بضياع النسخة الأصلية من التوراة والإنجيل ، وأنها وقع فيها التغيير وكتبت بعد عصر أنبيائها بقرون ! فهل تقبلون أن يكون ابن تيمية مَلَكياً متعصباً للتوراة أكثر من اليهود أنفسهم ؟ !
يقول الدكتور أحمد الشلبي في ( مقارنة الأديان ، اليهودية ) ص 254 :
وقد تعرض لهذا الموضوع العلامة ول ديورانت وكتب عنه موجزا يمكن أن نقتبسه ، قال هذا الباحث :
( كيف كتبت هذه الأسفار ، ومتى كتبت ، وأين كتبت ؟ ذلك سؤال كتب في الإجابة عنه آلاف المجلدات ، ولكن يجب أن نفرغ منه هنا في فقرة واحدة ، إن العلماء مجمعون على أن أقدم ما كتب من أسفار التوراة هو سفر التكوين ، وقد كتب بعضه في يهوذا وبعضه في إسرائيل ، ثم تم التوافق بين ما كتب هنا وهناك بعد سقوط دولتي اليهود ، والرأي الغالب أن سفر التثنية من كتابة عزرا ، ويبدو أن أسفار التوراة الخمسة قد اتخذت صورتها الحاضرة حوالي عام 300 ق م . ) . ( قصة الحضارة : 2 / 367 - 368 )
ويقول متولي يوسف شلبي في ( أضواء على المسيحية ) ص 40 :
( كما أنهم يتفقون كذلك على أن أقدم نسخة لهذا الإنجيل ( متى ) كانت باللغة اليونانية وقد ضاعت .
يقول جيروم إن : متى كتب الإنجيل باللسان العبري ، وهو في أرض يهودية للمؤمنين في اليهود .
ج - تاريخ تدوينه وترجمته : يختلف المسيحيون كثيراً في تحديد تاريخ تدوين إنجيل متى ، كما يختلفون في من ترجمه ؟
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 20 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
1 - رأي ابن البطريق : يقول : إن متى دون إنجيله في عهد قلديوس ولكنه لم يعين السنة التي تم فيها أو بدئ فيها بتدوين هذا الإنجيل ، ويقول عن مترجمه إنه يوحنا .
2 - رأي جرجس زوين ( لبناني ) : يقول : إن متى كتب بشارته في أورشليم سنة 39 م ، لأنه كتبه إجابة لمطلب اليهود الذين آمنوا بالمسيح ، أو كتبه استجابة للرسل ، وكانت لغة تدوينه بالعبرانية لا باليونانية كما ذكر ذلك أو سيبيدس في تاريخه . فالسيد جرجس زوين اللبناني يحدد سنة التدوين 39 م ويحدد لغة التدوين ، ولكنه لم يحدد من هو المترجم .
3 - رأي الدكتور بوست : يقول : كتب متى إنجيله قبل خراب أورشليم ، وكانت لغة تدوينه باليونانية . وبهذا يخالف الدكتور بوست إجماع المؤرخين المسيحيين في الاتفاق على أن لغة التدوين التي كتب بها متى إنجيله هي أما العبرية ، أو السريانية ) . انتهى .
فكيف ادعى البخاري وابن تيمية للتوراة والإنجيل ما لم يدعه لها الباحثون من اليهود والنصارى ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 21 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 3 اتهموا نبينا صلى الله عليه وآله بأن الحاخام علمه التوحيد !

مما استندوا اليه في قولهم بالتجسيم ، أن خاخاماً جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وقال له إن الله تعالى جسدٌ وله يدٌ وأصابع ! فصدقه النبي صلى الله عليه وآله وضحك له !
ففي صحيح البخاري : 6 / 33 : ( عن عبد الله بن عمر قال : جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله ( ص ) فقال : يا محمد إنا نجد أن الله يحمل السماوات على إصبع والأرضين على إصبع والشجر على إصبع والماء والثرى على إصبع وسائر الخلائق على إصبع فيقول أنا الملك ! فضحك النبي ( ص ) حتى بدت نواجذه تصديقاً لقول الحبر ) !
وفي مسند أحمد : 1 / 457 : ( عن عبد الله بن مسعود قال جاء حبر إلى رسول الله ( ص ) فقال : يا محمد أو يا رسول الله إن الله عز وجل يوم القيامة يحمل السماوات على إصبع والأرضين على إصبع والجبال على إصبع والشجر على إصبع والماء والثرى على إصبع وسائر الخلق على إصبع ، يهزهن فيقول أنا الملك ! فضحك رسول الله ( ص ) حتى بدت نواجذه تصديقاً لقول الحبر ) .
ورواه أيضاً في موارد أخرى مثل : 8 / 174 ، و 202 ، وفي : 6 / 33 : ( فقال : يا محمد ، إنا نجد أن الله يجعل السماوات على إصبع . . . ) ، أي نجد في التوراة أو في كتبنا !
وقد قبل روايته ابن عبد الوهاب وأوردها في آخر كتابه الذي سماه ( التوحيد ) ، وعقد لها باباً خاصاً هو آخر باب في كتابه !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 22 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأسئلة
1 - كم إصبع لمعبودكم : خمسة أو ستة ؟ ففي رواية البخاري خمسة ، وفي رواية ابن حنبل ستة ، فهل له عند الحنابلة إصبع زائدة ؟ !
2 - لماذا خالفتم العلماء الذين نفوا أن يكون النبي صلى الله عليه وآله قد أقر الحاخام على تجسيمه ، بقرينة أنه تلا قوله تعالى : ( وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) . ( سورة الزمر : 67 ) وقالوا إن صح أنه صلى الله عليه وآله ضحك ، فقد ضحك استغراباً وسخرية من قول الحاخام لا تصديقاً ، وإذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال ؟ !
قال النووي في شرح مسلم : 17 / 130 : ( ظاهر الحديث أن النبي ( ص ) صدق الحبر في قوله إن الله تعالى يقبض السماوات والأرضين والمخلوقات بالأصابع ثم قرأ الآية التي فيها الإشارة إلى نحو ما يقول .
قال القاضي : وقال بعض المتكلمين ليس ضحكه ( ص ) وتعجبه وتلاوته للآية تصديقاً للحبر بل هو رد لقوله وإنكار وتعجب من سوء اعتقاده ، فإن مذهب اليهود التجسيم ففهم منه ذلك . وقوله تصديقا له إنما هو من كلام الراوي على ما فهم ) .
وقال ابن حجر في فتح الباري : 13 / 336 : ( ضحكه ( ص ) من قول الحبر فيحتمل الرضى والانكار واما قول الراوي تصديقا له فظن منه وحسبان ) .
3 - هل تقبلون بهذه الخفة التي نسبها النص إلى الله تعالى ( يهزهن فيقول أنا الملك ! ) وفي بعضها ( أنا الملك ) مكرراً ! كأنه يرقص من فرحه بقدرته ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 23 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 4 البابا المعاصر يذم تنزيه القرآن ، ويؤيد تجسيم الوهابيين !

أعلن البابا يوحنا بولس الثاني إصرار المسيحية على التجسيم ، وانتقد التوحيد والتنزيه في قرآن المسلمين !
جاء ذلك في كتاب العبور إلى الرجاء وهو حوار مع البابا للصحافي الإيطالي فيتوري ميسوري ، بمناسبة ذكرى مرور خمس عشرة سنة على اعتلائه السدة البابوية - قال في الكتاب المذكور الذي نشرته جريدة السفير اللبنانية بمناسبة زيارة البابا إلى لبنان ، قال البابا :
( من يطالع القرآن ، وكان ملماً بالعهدين القديم والجديد يتبين له جلياً ما وقع فيه للوحي الإلهي من اختزال . ومن المستحيل ألا يلحظ عدم مقاربة ما قاله الله عن ذاته بلسان الأنبياء أولاً في العهد القديم ، ثم وبشكل نهائي بواسطة ابنه في العهد الجديد . الغني الذي يتجلى في كشف الله لذاته ، والذي يشكل تراث العهدين القديم والجديد ، كل ذلك قد تغاضى عنه الإسلام !
بالفعل القرآن يصف الله بأجمل ما عرفه اللسان البشري من الأسماء الحسنى ، ولكنه في النهاية إلهٌ متعال عن العالم ذو جلال ، لا ( إلهنا معنا عمانوئيل ) !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 24 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأسئلة
1 - نحن نوافق البابا على فهمه تنزيه القرآن لله تعالى ، ونقول له : نعم إن الله تعالى ليس من نوع الطبيعة لأنه خالقها : ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَئٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) أما أنتم فبدل أن ترتقوا بأذهانكم إلى معرفة خالق الطبيعة والزمان والمكان الذي هو فوقها عز وجل ، فقد جسدتموه في عيسى المسيح عليه السلام وجعلتم الله تعالى مخلوقاً محدوداً ( إلهاً معكم ومن نوعكم ) على حد تعبير عمانوئيل !
فهل تقولون أنتم للبابا : مهلاً أيها الحبر ، فنحن مثلكم نعتقد بأن الله جسم على صورة آدم ، وهو شاب أمرد أجعد الشعر ، يلبس نعلين من ذهب ؟ !
وهل تقولون له : نحن مثلكم أخذنا معبودنا من الأحبار ، فمرجعنا في التوحيد والصفات هو التوراة ، فنحن نقبل كل ما وصفته به التوراة من أنه جالس على كرسي وحوله الملائكة ، تحمل عرشه ملائكة على أشكال الحيوانات ، الثور والأسد والنسر والوعل !
أما القرآن فنؤول آياته التي تخالف ذلك ؟ ! !
2 - ألا ترون الفرق بين القرآن والبخاري ، وأن كل الناس حتى غير المسلمين يفهمون من القرآن تنزيه الله تعالى وأنه ليس من نوع المادة والمخلوقات . . بينما تفهمون أنتم من البخاري التشبيه والتجسيم ، وتحتاجون بسببه إلى التمسك بالآيات المتشابهة من القرآن ، وترك المحكمات ؟ ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 25 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 5 إمامهم ابن تيمية يتبنى أن معبودهم جسم !

قال في ( تلبيس الجهمية ) ص 619 : ( قال بعضهم : قد قال الله تعالى : وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ . فقد ذم الله من اتخذ إلهاً جسداً ، والجسد هو الجسم فيكون الله قد ذم من اتخذ إلهاً هو جسم .
فيقال له : هذا باطل من وجوه ، أحدها : أن هذا إنما يدل على نفي أن يكون جسداً لاعلى نفي أن يكون جسماً ! والجسم في اصطلاح نفاة الصفات أعم من الجسد ) ! !
وقال في منهاج السنة : 2 / 563 : ( فهذا المصنف الإمامي - يقصد العلامة الحلي في كتابه منهاج الكرامة - اعتمد على طريق المعتزلة ومن تابعهم من أن الاعتماد في تنزيه الرب عن النقائص على نفي كونه جسماً ، ومعلوم أن هذه الطريقة لم يرد بها كتاب ولا سنة ! ولا هي مأثورة عن أحد من السلف ! فقد علم أنه لا أصل لها في الشرع ) ! !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 26 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأسئلة
1 - ما الفرق بين أن نقول إن الله تعالى جسم أو جسد ؟ ! فكل منهما من عالم الطبيعة ويحتاج إلى مكان وزمان ؟ والله تعالى يقول : ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَئٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) ( سورة الشورى : 11 ) ؟ ! وعلى قول شيخكم ابن تيمية : ( إن هذا إنما يدل على نفي أن يكون جسداً لاعلى نفي أن يكون جسماً ) ! يكون الله تعالى جسماً ، فلا يصدق عليه أنه : ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَئٌ ) ؟ !
2 - نحن لا نقول إن الله تعالى جسم ، بل نقول إنه تعالى شئ لا كالأشياء ، لنخرجه بذلك عن الحدين حد التعطيل وحد التشبيه ، كما أمرنا أئمتنا عليهم السلام . وما دام شيخكم يقول إن الله تعالى جسم ، فلماذا يشنع على هشام بن الحكم فيما نسبه إليه من أن الله تعالى جسم لا كالأجسام ؟ !
وانظروا إلى ما قاله شيخكم ناصر القفاري في كتابه أصول مذهب الشيعة الإمامية : 1 / 529 : ( وقد حدد شيخ الإسلام ابن تيمية أول من تولى كبر هذه الفرية من هؤلاء فقال : وأول من عرف في الإسلام أنه قال إن الله جسم هو هشام بن الحكم . ( منهاج السنة : 1 / 20 ) .
فإذا كان القول بأنه الله تعالى جسم فرية ، فلماذا يفتريها ابن تيمية ؟ ! وإن كان له وجه صحيح ، فلماذا جعله كفراً من هشام بن الحكم ، وإيماناً منه ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 27 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 6 أغرب أنواع التقية في العالم يكتمون معبودهم خوفاً من المسلمين !

يشنع الوهابيون على الشيعة وينبزونهم بأنهم يستعملون التقية ، مع أن التقية سلوك بشري فطري ، وحكمٌ شرَّعه الله تعالى في كتابه للمسلمين ، أن يداروا الظالم ويتقوه ، عند الخوف على النفس والمال !
والوهابيون أنفسهم يستعملون التقية في حياتهم العادية ، بل يستعملون مع المسلمين أسوأ أنواع التقية وهو التقية في معبودهم المجسم الذي يعبدونه ! ! ويخفون عنهم أنه ( شاب ذي وفرة ، قدماه في خضرة ، عليه نعلان من ذهب ، على وجهه فراش من ذهب ) !
فقد رواه الدارقطني في كتابه رؤية الله ص 190 ، قال : حدثنا محمد بن إسماعيل الفارسي ، حدثنا أبو زرعة الدمشقي ، حدثنا أحمد بن صالح ، حدثنا ابن وهب ، أخبرني عمرو بن الحارث ، أن سعيد بن أبي هلال أخبره ، عن مروان بن عثمان أخبره عن عمارة بن عامر ، عن أم الطفيل امرأة أبيّ بن كعب ، أنها سمعت رسول الله يذكر أنه رأى ربه عز وجل في النوم في صورة شاب ذي وفرة قدماه في خضرة ، عليه نعلان من ذهب ، على وجهه فراش من ذهب ) . انتهى .
وقبله إمامهم ابن تيمية في مجموع فتاويه : 3 / 336 ، و 386 ، وغيره .
وقال إمامهم الذهبي في سير أعلامه : 10 / 602 : ( فأما خبر أم الطفيل ، فرواه محمد ابن إسماعيل الترمذي وغيره . . . ثم صحح الذهبي الحديث ونفى أن يكون مناماً وقال : ( وقد قال علي رضي الله عنه : حدثوا الناس بما يعرفون ، ودعوا ما ينكرون . وقد صح أن أبا هريرة كتم حديثاً كثيراً مما لا يحتاجه المسلم في
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 28 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
دينه وكان يقول : لو بثثته فيكم لقطع هذا البلعوم ، وليس هذا من باب كتمان العلم في شئ ، فإن العلم الواجب يجب بثه ونشره ويجب على الأمة حفظه ، والعلم الذي في فضائل الأعمال مما يصح إسناده يتعين نقله ويتأكد نشره ، وينبغي للأمة نقله ، والعلم المباح لا يجب بثه ولا ينبغي أن يدخل فيه إلا خواص العلماء ) . انتهى .
وقصده بالعلم المباح أي المحظور ، من تسمية الشئ بضده ، فيجب كتمانه إلا على خواص العلماء ! شبيهاً بالعلم الذي يحصره اليهود والنصارى برؤساء الإكليروس ، أي كبار الكرادلة والحاخامات ! !
وقد عقد إمام الوهابيين في كتاب توحيده باباً تحت عنوان ( باب من جحد شيئاً من الأسماء والصفات ) ليقول إن الإيمان بكل صفات الله تعالى واجب وإنكار شئ منها كفر ، وبما أن عدداً من صفات الله تعالى على مذهبه يلزم منها التجسيم ، كما رأيت من شرحه لحديث الحاخام ، لذا تحدث عن وجوب كتمان ذلك ، واستشهد مثل الذهبي بروايتين عن علي عليه السلام وابن عباس ليثبت جواز كتمان هذا العلم ، مع أنه لا علاقة للروايتين بالموضوع !
* *
الأسئلة
1 - لماذا يخاف الوهابيون من مصارحة المسلمين بأن معبودهم شاب أجعد له غرة مدلاة على جبهته ، ويلبس نعلين ذهب ، إلى آخر أوصافه . . . ؟ !
2 - لماذا لا يفتي لهم علماؤهم باستحباب صنع تمثال لمعبودهم ، لكي يربوا أولادهم على معرفته ، ويضعوه في بيوتهم وسياراتهم ، فيذكرونه أكثر ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 29 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
3 - هل يوجد فرق جوهري بين عبادتهم للشاب الأجعد الشعر ، وبين عبادة اليهود لمعبودهم الشايب ، وعبادة السيخ لأصنامهم المختلفة ؟ !
4 - كيف يدعون أنهم أهل التوحيد وأنهم رافعوا راية التوحيد ، وهم يعبدون شاباً على صورة آدم ، أجعد الشعر ؟ !
5 - كيف يفتون بكفر المسلمين ويتهمونهم بأنهم يشركون بالله تعالى لأنهم يتوسلون إليه بنبيه صلى الله عليه وآله ، بينما هم يعبدون صنماً مادياً مخلوقاً يزعمون أنه الله الخالق ؟ ! ( سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ ) .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 30 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 7 هل تستطيعون تفسير كلام شيخكم ابن عثيمين المتهافت ؟ !

قال في شرح العقيدة الواسطية لابن تيمية ص 250 : ( وأما الجسم فنقول : ماذا تريدون بالجسم ؟ أتريدون أنه جسم مركب من عظم ولحم وجلد ونحو ذلك ، فهذا باطل ومنتف عن الله , لأن الله ليس كمثله شئ وهو السميع البصير . أم تريدون بالجسم ما هو قائم بنفسه متصف بما يليق به ؟
فهذا حق من حيث المعنى ، لكن لا نطلق لفظه نفياً ولا إثباتاً ) . انتهى .
* *
الأسئلة
1 - ينفي ابن عثيمين أن يكون الله تعالى جسماً من نوع أجسامنا مركباً من لحم وعظم ، والى هنا يمكن أن يقال إن قصده أن الله تعالى شئ لا كالأشياء ، وهذا يطابق قوله تعالى ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) . لكن لابد أن نضيف إلى صفة الجسمية التي أطلقها على الله تعالى ، أنه يصحح أن آدم على صورة الله تعالى ، وأن له يداً بخمس أصابع كما تقول رواية البخاري ، أو ست أصابع كما تقول رواية أحمد ! وله أعضاء أخرى كما يعتقدون !
وهذا يقتضي أن يكون له جسم مادي ، فهل يقول إنه جسمه ليس من لحم وعظم ، بل من مادة أخرى ؟
وبعد أن أثبت جسمٌ من حيث المعنى ، فماذا ينفعه توقفه في إطلاق الجسم عليه أو نفيه عنه كما قال ( لكن لا نطلق لفظه نفياً ولا إثباتاً ) ؟ ! أليس هذا من الحيل اللفظية التي يستعملها ابن تيمية وتلاميذه ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 31 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 8 حديث الأعرابي الذي استندوا إليه في التجسيم

زعم ابن تيمية أن الله تعالى موجود في جهة مكانية ، وتشبث بحديث أبي رزين العقيلي أن الله تعالى كان قبل خلق الخلق في عماء تحته هواء وفوقه هواء ! فقد روى أحمد : 4 / 11 : عن وكيع ، عن عمه أبي رزين قال : ( قلت يا رسول الله أين كان ربنا عز وجل قبل أن يخلق خلقه ؟ قال : كان في عماء ما تحته هواء وما فوقه هواء ، ثم خلق عرشه على الماء ) ! ! ( ورواه في : 4 / 12 ، وابن ماجة : 1 / 64 / 181 والترمذي : 4 / 351 / 5109 ، والطبراني في المعجم الكبير : 19 / 207 ، وغيرهم ) .
وقد رد علماء الجرح والتعديل هذا الحديث ، ولكن ابن تيمية تمسك به ، واستشهد به في كتبه أكثر من ثلاثين مرة !
قال في كتابه الاستقامة ص 126 : ( وقال له أبو رزين العقيلي : أين كان ربنا قبل أن خلق السماوات والأرض ؟ قال : في عماء ، ما فوقه هواء وما تحته هواء ، ثم خلق عرشه على الماء . ومن نفى الأين عنه يحتاج إلى أن يستدل على انتفاء ذلك بدليل ) ! !
وقال في تأويل مختلف الحديث ص 206 : ( ونحن نقول إن حديث أبي رزين هذا مختلف فيه ، وقد جاء من غير ذا الوجه بألفاظ تستشنع أيضاً ، والنقلة له أعراب ) ! !
وقد اضطر الألباني إلى تضعيفه في ضعيف ابن ماجة ص 17 رقم 181 ، ولكنه في الوقت نفسه كتب إيمانه به حتى لا يغضب عليه من يقدسون ابن تيمية !
قال الألباني : ( ضعيف . ظلال الجنة / 612 . مختصر العلو / 193 ، 250 . ثم نقض ذلك في هامشه فقال : العماء : السحاب . قال العلماء : هذا من حديث الصفات ، فنؤمن به من غير تأويل ولا تشبيه ، ونكل علمه إلى عالمه ) ! !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 32 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأسئلة
1 - كيف تأخذون دينكم وأصل عقيدتكم في التوحيد من أبي رزين العقيلي ، وهو أعرابي ضعفه علماء الجرح والتعديل ، وشهدوا بعدم فهمه ؟ !
2 - كيف تعتقدون بحديث هذا الأعرابي ، وهو يستلزم أن يكون الهواء والسحاب والمكان والزمان موجودة مع الله تعالى قبل خلق الخلق ؟ ! ومعنى ذلك وجود أربعة آلهة قديمة مع الله ، أو قبله ، والعياذ بالله !
فهل زدتم على قول النصارى بالتثليث ، فقلتم بالتخميس ؟ !
3 - هل رأيتم كيف ضعف الألباني حديث أبي رزين وأسقطه ، ثم نقل قول أحدهم في الإيمان به كأنه ارتضاه : ( فنؤمن به من غير تأويل ولا تشبيه ) ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 33 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 9 حديث أم الطفيل الذي يزعم أن الله تعالى شاب أجعد الشعر !

فقد رووا أن النبي صلى الله عليه وآله رأى ربه ، وأنه معاذ الله شابٌ وافر الشعر ، يلبس نعلين من ذهب ، ويقف في أرض خضراء ! وقد صححه كل أئمتهم !
قال الذهبي في سيره : 10 / 602 : ( فأما خبر أم الطفيل فرواه محمد بن إسماعيل الترمذي وغيره : حدثنا نعيم ، حدثنا ابن وهب ، أخبرنا عمرو بن الحارث ، عن سعيد بن أبي هلال ، أن مروان بن عثمان حدثه ، عن عمارة بن عامر ، عن أم الطفيل امرأة أبي بن كعب : سمعت رسول الله ( ص ) يذكر أنه رأى ربه في صورة كذا ، فهذا خبر منكر جداً ، أحسن النسائي حيث يقول : وَمَنْ مروان بن عثمان حتى يُصَدَّقَ على الله ؟ !
وهذا لم ينفرد به نعيم ، فقد رواه أحمد بن صالح المصري الحافظ ، وأحمد بن عيسى التستري ، وأحمد بن عبد الرحمن بن وهب ، عن ابن وهب ، قال أبو زرعة النصري : رجاله معروفون .
قال الذهبي : قلت : بلا ريب ، قد حدث به ابن وهب وشيخه وابن أبي هلال وهم معروفون عدول ! فأما مروان ، وما أدراك ما مروان ؟ فهو حفيد أبي سعيد بن المعلى الأنصاري ، وشيخه هو عمارة بن عامر بن عمرو بن حزم الأنصاري ، ولئن جوزنا أن النبي ( ص ) قاله ، فهو أدرى بما قال ، ولرؤياه في المنام تعبير لم يذكره ( ص ) ، ولا نحن نحسن أن نعبره ، فأما أن نحمله على ظاهره الحسي ، فمعاذ الله أن نعتقد الخوض في ذلك بحيث أن بعض الفضلاء قال : تصحف الحديث ، وإنما هو : رأي رِئِيَّة بياء مشددة . وقد قال علي رضي الله عنه : حدثوا الناس بما يعرفون ودعوا ما ينكرون .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 34 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد صح أن أبا هريرة كتم حديثاً كثيراً مما لا يحتاجه المسلم في دينه ، وكان يقول : لو بثثته فيكم لقطع هذا البلعوم ، وليس هذا من باب كتمان العلم في شئ ، فإن العلم الواجب يجب بثه ونشره ويجب على الأمة حفظه ، والعلم الذي في فضائل الأعمال مما يصح إسناده يتعين نقله ويتأكد نشره وينبغي للأمة نقله ، والعلم المباح لا يجب بثه ولا ينبغي أن يدخل فيه إلا خواص العلماء ) ! ! انتهى كلام الذهبي . ‍
وقصده بالعلم المباح ، العلم الممنوع ، من تسمية الشئ بضده ، وقد نقل كلامه بعينه تقريباً إمام الوهابيين حيث عقد باباً في آخر كتابه التوحيد ، تحت عنوان : باب من جحد شيئاً من الأسماء والصفات ! ويقصد به أن الإيمان بكل صفات الله تعالى واجب وإنكار شئ منها كفر ، وبما أن عدداً من صفات الله تعالى على مذهبه يلزم منها التجسيم ، لذا نقل كلام الذهبي عن وجوب كتمان ذلك العلم إلا عن أهله !
وقد صححه الألباني مرجعهم في الحديث تعليقته على سنة ابن أبي عاصم برقم ( 471 ) وجاء فيه أنها سمعت رسول الله ( ص ) يذكر أنه رأى ربه عز وجل في المنام : ( في أحسن صورة ، شاباً ، موفراً ، رجلاه في خضرة ، عليه نعلان من ذهب ، على وجهه فراش من ذهب ) !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 35 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأسئلة
1 - ما دام حديث أم الطفيل من المتشابه المختلف في صحته ، فلماذا تمسكتم به وتركتم أحاديث التنزيه المحكمة المتفق على صحتها ؟ كما فعلتم بآيات التنزيه المحكمة والمتشابهة ؟ !
2 - ما دمتم توجبون كتمان العلم بالله تعالى ، فهل تقولون إن النبي صلى الله عليه وآله كان يكتم أهم صفات معبوده عن عامة المسلمين ؟ ! وما حكم الوهابي الذي يقول لا أريد أن أكتم صفات معبودي ، بل أريد أن أخبر بها أولادي وأجعل له تمثالاً في بيتي حتى يعرف أولادي معبودهم من صغرهم ؟ !
3 - ورد في صفات معبودكم أنه جعد الشعر ، وأنه له وفرة أي شعر منسدل فهل رأيتم شخصاً أجعد الشعر وله وفرة ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 36 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 10 كيف تقولون إن معبودكم تحمل عرشه الحيوانات ؟ !

صحح إمام الوهابية محمد عبد الوهاب في آخر كتابه ( التوحيد ! ) حديث الأوعال التي تحمل عرش الله تعالى ! ونسب إلى النبي صلى الله عليه وآله أنه قال : ( كم ترون بينكم وبين السماء ؟ قالوا : لا ندري ، قال : فإن بينكم وبينها إما واحداً أو اثنين أو ثلاثاً وسبعين سنة ( وكأن الشك من النبي صلى الله عليه وآله حيث لم يذكر ابن عبد الوهاب أن الشك من الراوي ) والسماء فوقها كذلك حتى عد سبع سماوات ، ثم فوق السماء السابعة بحر بين أعلاه وأسفله كما بين سماء إلى سماء ، ثم فوق ذلك ثمانية أوعال بين أظلافهن وركبهن كما بين سماء إلى سماء ، ثم على ظهورهن العرش بين أعلاه وأسفله كما بين سماء إلى سماء ، ثم الله فوق ذلك تبارك وتعالى ) !
* *
الأسئلة
1 - قبلتم رواية الأوعال التي تحمل العرش ، فهل تقبلون رواياتكم التي تقول إن الأسد والثور والنسر تشارك الأوعال في حمل عرش معبودكم ؟ !
2 - هل تحرمون لحم الأوعال لأنها حيوان مقدس يحمل عرش معبودكم ؟ !
3 - حسب حديث إمامكم المزعوم تكون المسافة من الأرض إلى معبودكم تكون مئة وخمسين ألف كيلو متر تقريباً ! لأنها مسافة عشر سماوات كل سماء 73 سنة سيراً على الأقدام ، ومعدل سير الإنسان في السنة 15 ألف كيلو متر ، بمعدل أربعين كيلو متراً في اليوم تقريباً ، فيكون مكان معبودكم بين الأرض والقمر ! هل تصدقون ذلك ؟ ! !
4 - ألا تخافون على معبودكم من المركبات الفضائية التي يطلقونها ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 37 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 11 حديث أن الله خلق آدم على صورته وطوله ستون ذراعاً !

أصل هذا الحديث كما بينه الإمام الرضا عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وآله رأى شخصاً يسب صاحبه ويقول له : ( قبح الله وجهك ) ، فقال له النبي صلى الله عليه وآله : ( لا تقبح وجهه فإن الله خلق آدم على صورته ) أي خلقه على صورة المشتوم ، فلا تلعن صورة أخيك التي اختارها الله لأبينا آدم وأولاده .
ولكنهم حرفوه فقالوا كما قال اليهود إن الله على صورة البشر ، وإن النبي صلى الله عليه وآله قال إن الله خلق آدم على صورة الرحمن ، وطوله ستون ذراعاً !
ففي فتاوي ابن باز : 4 / 368 رقم 2331 : ( سؤال : عن أبي هريرة عن النبي ( ص ) أنه قال : خلق الله آدم على صورته ستون ذراعاً ، فهل هذا الحديث صحيح ؟
الجواب : نص الحديث : خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعاً ، ثم قال : إذهب فسلم على أولئك النفر ، وهم نفر من الملائكة جلوس فاستمع فما يحيونك فإنها تحيتك وتحية ذريتك ، فذهب فقال : السلام عليكم ، فقالوا : السلام عليك ورحمة الله ، فزادوه ورحمة الله ، فكل من يدخل الجنة على صورة آدم طوله ستون ذراعاً ، فلم يزل الخلق تنقص بعده إلى الآن . رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم . وهو حديث صحيح ، ولا غرابة في متنه فإن له معنيان ( كذا والصحيح : معنيين ) : الأول : أن الله لم يخلق آدم صغيراً قصيراً كالأطفال من ذريته ثم نما وطال حتى بلغ ستين ذراعاً ، بل جعله يوم خلقه طويلاً على صورة نفسه النهائية طوله ستون ذراعاً .
والثاني : أن الضمير في قوله ( على صورته ) يعود على الله بدليل ما جاء في رواية أخرى صحيحة ( على صورة الرحمن ) وهو ظاهر السياق ولا يلزم على
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 38 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ذلك التشبيه فإن الله سمى نفسه بأسماء سمى بها خلقه ووصف نفسه بصفات وصف بها خلقه ، ولم يلزم من ذلك التشبيه ، وكذا الصورة ، ولا يلزم من إثباتها لله تشبيهه بخلقه ، لأن الاشتراك في الاسم وفي المعنى الكلي لا يلزم منه التشبيه فيما يخص كلاً منهما ، لقوله تعالى : ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَئٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير ) . انتهى .
الأسئلة
1 - اعترف إمامكم أن العقيدة لا يصح أن تبنى على خبر الواحد ، فكيف ناقض نفسه وبنى لكم عقيدتكم في الذات الإلهية وهي أعظم العقائد على خبر واحد مطعون في راويه ؟ قال ابن تيمية في منهاجه : 2 / 133 : ( الثاني : أن هذا من أخبار الآحاد فكيف يثبت به أصل الدين الذي لا يصح الإيمان إلا به ) ! وقد عقد ابن الجوزي باباً لتقرير ذلك في كتابه دفع شبه التشبيه ، فقال ص 27 :
( الباب الثالث إثبات أن خبر الواحد يفيد الظن ولا يفيد العلم عند السلف وأئمة المحدثين وأنه لا يبنى عليه أصول الإعتقاد . . ) .
2 - لماذا أخذتم بتفسير هذا الحديث بالمتشابه ، ولم تأخذوا بالمحكم ، وقد رأيتم كلام أئمة المذاهب في تفسيره !
3 - ما دام ابن باز يقول إن آدم على صورة الله ، والله تعالى على صورة آدم وأن هذا ليس تشبيهاً أبداً ! فهل تقبلون أن نقول : إن فلاناً على صورة آدم ، وآدم على صورته ، ولكنه لا يشبه آدم أبداً ، فننفيه من شبه ولد آدم ؟ ! وهل يقبل قاضيكم أن يقال له : هذه الصورة صورة المجرم لكنها لا تشبهه أبداً ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 39 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 12 أحاديثهم المزعومة عن أطيط العرش وأزيزه وصريره !

فقد رووا عن عمر وغيره ، أن الله تعالى يجلس على عرشه ، وأن العرش له أطيط ، وصرير ، وأزيز ، من ثقل الله ! ( سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ ) .
ففي مجمع الزوائد : 1 / 83 : ( عن عمر أن امرأة أتت النبي ( ص ) فقالت : أدع الله أن يدخلني الجنة ، فَعَظَّمَ الرب تبارك وتعالى وقال : إن كرسيه وسع السماوات والأرض ، وإن له أطيطاً كأطيط الرَّحْل الجديد إذا رُكب من ثقله ) ! !
وقال الهيثمي : رواه البزار ورجاله رجال الصحيح ) ! !
الأسئلة
1 - كيف تأخذون بما خالف العقل والقرآن ، حتى لو رواه ثقة ؟ !
2 - هل تقبل عقولكم أن الله تعالى خالق كل شئ ، والذي ليس كمثله شئ وجود مادي له ثقل ووزن ؟ !
3 - ما رأيكم فيما رويناه في الكافي : 1 / 130 : ( عن صفوان بن يحيى قال : سألني أبو قرة المحدث أن أدخله على أبي الحسن الرضا عليه السلام فأستأذنته فأذن لي فدخل فسأله عن الحلال والحرام ، ثم قال له : أفتقرُّ أن الله محمول ؟ فقال أبو الحسن عليه السلام : كل محمول مفعول به مضاف إلى غيره محتاج ، والمحمول اسم نقص في اللفظ ، والحامل فاعل وهو في اللفظ مدحة ، وكذلك قول القائل : فوق وتحت وأعلى وأسفل ، وقد قال الله : ( وَللهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ) ، ولم يقل في كتبه ، إنه المحمول بل قال : إنه الحامل في البر والبحر ، والممسك السماوات والأرض أن تزولا ، والمحمول ما سوى الله ! ولم يسمع
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 40 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أحد آمن بالله وعظمته قط قال في دعائه : يا محمول ! !
قال أبو قرة : فإنه قال : ( وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ ) وقال : ( الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ ) ؟
فقال أبو الحسن عليه السلام : العرش ليس هو الله ، والعرش اسم علم وقدرة ، وعرشه فيه كل شئ ، ثم أضاف الحمل إلى غيره : خلق من خلقه ، لأنه استعبد خلقه بحمل عرشه ، وهم حملة علمه ، وخلقاً يسبحون حول عرشه وهم يعملون بعلمه ، وملائكة يكتبون أعمال عباده ؟ واستعبد أهل الأرض بالطواف حول بيته ، والله ( عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ) كما قال ، والعرش ومن يحمله ومن حول العرش الله الحامل لهم ، الحافظ لهم ، الممسك القائم على كل نفس ، وفوق كل شئ ، وعلى كل شئ ، ولا يقال : محمول ولا أسفل ، قولاً مفرداً لا يوصل بشئ فيفسد اللفظ والمعنى .
قال أبو قرة : فتكذب بالرواية التي جاءت أن الله إذا غضب إنما يعرف غضبه أن الملائكة الذين يحملون العرش يجدون ثقله على كواهلهم ، فيخرون سجداً ، فإذا ذهب الغضب خف ورجعوا إلى مواقفهم ؟
فقال أبو الحسن عليه السلام : أخبرني عن الله تبارك وتعالى منذ لعن إبليس إلى يومك هذا هو غضبان عليه ، فمتى رضي ؟ وهو في صفتك لم يزل غضبان عليه وعلى أوليائه وعلى أتباعه ! كيف تجترئ أن تصف ربك بالتغيير من حال إلى حال وأنه يجري عليه ما يجري على المخلوقين ؟ ! سبحانه وتعالى ، لم يزُل مع الزائلين ، ولم يتغير مع المتغيرين ، ولم يتبدل مع المتبدلين ، ومن دونه يده وتدبيره ، وكلهم إليه محتاج ، وهو غني عمن سواه ) ؟
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 41 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 13 هل تعرفون أقدم من روى أحاديث التشبيه والتجسيم ؟ !

إنهم : عمر بن الخطاب ، وابنه عبد الله ، وأبو موسى الأشعري ، وابنه أبو بكرة ، وابن عمرو بن العاص ، وأبو هريرة . . . ومصدرها جميعاً كعب الأحبار !
وقد واصل بنو أمية سياسة عمر في تقريب طبقة الأحبار والقساوسة وتلاميذهم ، وأمروا المسلمين أن يأخذوا من علمهم ، حتى امتلأت مصادرهم برواياتهم ، ونقلوا إلى ثقافة المسلمين عقائد التوراة وثقافتها !
وهم كثيرون ، أمثال : مقاتل بن سليمان البلخي وتلامذته ، ووهب بن منبه وإخوته ، وعبد الله بن سلام وأولاده ، والحسن البصري وتلامذته . . وحماد بن سلمة ، وأمثالهم . . .
ثم واصل بعض الملوك العباسيين نفس الخط ، خاصة المتوكل العباسي فتبنوا أئمة مجسمين مثل أحمد بن حنبل ، والبخاري ، وأبي يعلى الموصلي ، والسمناني ، والدارمي ، وأبي العباس السراج ، وإسحاق الحنظلي . . وغيرهم من المشبهين والمجسمين ، الذين نشروا في المسلمين ثقافة اليهود بتشجيع من السلطة الأموية ، ثم الخلفاء العباسيين ، ما عدا قلة منهم !
وسنعقد فصلاً لتبني الخلفاء القرشيين لأحبار اليهود والثقافة اليهودية !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 42 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأسئلة
1 - إذا حذفتم روايات كعب الأحبار وتلاميذه ، وروايات عمر وابنه ، وأبي موسى الأشعري وابنه ، وابن عمرو بن العاص ، فماذا يبقى عندكم من روايات الصفات التي يقوم عليها دينكم ، ويعتبرها المسلمون تجسيماً وتشبيهاً ؟
2 - ماذا تقولون فيما نقله الذهبي عن الإمام مالك من أن أحاديث التجسيم إنما رواها من التابعين موظف عند بني أمية وليس عالماً ؟ !
قال الذهبي في سير أعلام النبلاء : 8 / 103 : ( أبو أحمد بن عدي : حدثنا أحمد بن علي المدائني ، حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن جابر ، حدثنا أبو زيد بن أبي الغمر قال ابن القاسم سألت مالكاً عمن حدث بالحديث الذي قالوا : إن الله خلق آدم على صورته ، والحديث الذي جاء : إن الله يكشف عن ساقه ، وأنه يدخل يده في جهنم حتى يخرج من أراد ، فأنكر مالك ذلك إنكاراً شديداً ونهى أن يحدث بها أحد ! فقيل له إن ناساً من أهل العلم يتحدثون به فقال : من هو ؟ قيل ابن عجلان عن أبي الزناد ، قال لم يكن ابن عجلان يعرف هذه الأشياء ولم يكن عالماً ، وذكر أبا الزناد فقال : لم يزل عاملاً لهؤلاء حتى مات ) . انتهى . وقصد مالك بهؤلاء : بني أمية !
3 - لو كانت هذه الأحاديث صحيحة ، وهي في ذات الله تعالى وصفاته أهم عقيدة إسلامية ، لكانت معروفة جيداً في زمن النبي صلى الله عليه وآله من كل الصحابة أو من غالبهم ؟ فلماذا لم يروها بقية الصحابة ، بل استنكروها ؟ ! !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 43 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 14 من تكفير المجسمين لمن خالفهم وإرهابهم لهم !

شملت فتواهم بالتكفير أمهم عائشة لأنها كذبت ما رووه عن النبي صلى الله عليه وآله أنه رأى ربه ، وقالت إن ذلك فرية عظيمة على الله تعالى !
وأشد من تجرأ عليها ابن خزيمة شيخ البخاري ، الذي يلقبونه إمام الأئمة فقد بالغ في التهجم عليها في كتابه المسمى التوحيد !
روى البخاري في صحيحه : 6 / 50 : ( عن مسروق قال : قلت لعائشة : يا أُمَّتَاه هل رأى محمد ( ص ) ربه ؟ فقالت : لقد قَفَّ شعري مما قلت ! أين أنت من ثلاث من حدثكهن فقد كذب : من حدثك أن محمداً رأى ربه فقد كذب ، ثم قرأت : لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ . وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ . ومن حدثك أنه يعلم ما في غدٍ فقد كذب ، ثم قرأت : وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً ، ومن حدثك أنه كتم فقد كذب ثم قرأت : يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّك . . الآية ، ولكنه رأى جبرئيل عليه السلام في صورته مرتين ) .
وفي صحيح مسلم : 1 / 110 : ( عن عائشة : من زعم أن محمداً رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية ) . انتهى .
وقد هاجمها ابن خزيمة في كتاب التوحيد ص 225 فقال : ( هذه لفظة أحسب عائشة تكلمت بها في وقت غضب ، ولو كانت لفظة أحسن منها يكون فيها درك لبغيتها كان أجمل بها ، ليس يحسن في اللفظ أن يقول قائل أو قائلة : قد أعظم ابن عباس الفرية ، وأبو ذر ، وأنس بن مالك ، وجماعات من الناس
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 44 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الفرية على ربهم ! ولكن قد يتكلم المرء عند الغضب باللفظة التي يكون غيرها أحسن وأجمل منها . . . نقول كما قال معمر بن راشد لما ذكر اختلاف عائشة وابن عباس في هذه المسألة : ما عائشة عندنا أعلم من ابن عباس . . . وإذا اختلفا فمحال أن يقال قد أعظم ابن عباس الفرية على الله ، لأنه قد أثبت شيئاً نفته عائشة . . . الخ . ) . انتهى .
* *
وقد قوي أمر الحنابلة المجسمة في بغداد في عصر المتوكل وبعده ، وكان لهم أتباع سوقة يهاجمون من يخالفهم ، وهجومهم على الطبري مشهور عندما سألوه عن قعود الله على العرش ، فنفى أن الله تعالى يقعد على العرش ويقعد النبي صلى الله عليه وآله إلى جنبه ! فأرادوا قتله ! وعندما توفي هجموا على جنازته ومنعوا دفنه في مقابر المسلمين !
وكذلك هاجموا ابن حبان المحدث المعروف شبيهاً بما فعلوا بالطبري !
قال الحموي في معجم الأدباء : 9 / جزء 18 / 57 في ترجمة الطبري : ( فلما قدم إلى بغداد من طبرستان بعد رجوعه إليها تعصب عليه أبو عبد الله الجصاص وجعفر بن عرفة والبياضي . وقصده الحنابلة فسألوه عن أحمد بن حنبل في الجامع يوم الجمعة ، وعن حديث الجلوس على العرش ، فقال أبو جعفر : أما أحمد بن حنبل فلا يعد خلافه . فقالوا له : فقد ذكره العلماء في الاختلاف ، فقال : ما رأيته روي عنه ولا رأيت له أصحاباً يعول عليهم . وأما حديث الجلوس على العرش فمحال ، ثم أنشد :
سبحان من ليس له أنيسُ * ولا له في عرشه جليسُ
فلما سمع ذلك الحنابلة منه وأصحاب الحديث وثبوا ورموه بمحابرهم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 45 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقيل كانت ألوفاً ، فقام أبو جعفر بنفسه ودخل داره فرموا داره بالحجارة حتى صار على بابه كالتل العظيم !
وركب نازوك صاحب الشرطة في ألوف من الجند يمنع عنه العامة ، ووقف على بابه يوماً إلى الليل وأمر برفع الحجارة عنه .
وكان قد كتب على بابه : سبحان من ليس له أنيس ولا له في عرشه جليس ، فأمر نازوك بمحو ذلك ، وكتب مكانه بعض أصحاب الحديث :
لأحمدَ منزلٌ لا شكَّ عالٍ * إذا وافى إلى الرحمن وافد
فيدنيه ويقعده كريماً * على رغم لهم في أنف حاسد
على عرش يغلفه بطيب * على الأكباد من باغ وعاند
له هذا المقام الفرد حقاً * كذاك رواه ليثٌ عن مجاهد
فخلا في داره وعمل كتابه المشهور في الاعتذار إليهم ، وذكر مذهبه واعتقاده ، وجرح من ظن فيه غير ذلك ، وقرأ الكتاب عليهم وفضل أحمد بن حنبل ، وذكر مذهبه وتصويب اعتقاده !
ولم يزل في ذكره إلى أن مات ! ولم يخرج كتابه في الاختلاف حتى مات فوجدوه مدفوناً في التراب ، فأخرجوه ونسخوه أعني اختلاف الفقهاء ، هكذا سمعت من جماعة منهم أبي رحمه الله ) !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 46 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأسئلة
1 - ما رأيكم في عقيدة أمكم عائشة التي حكمت بأن من زعم أن النبي صلى الله عليه وآله رأى ربه ، فقد أعظم الفرية على الله تعالى ؟ فهل أن ابن تيمية ومقلديه أعظموا الفرية على ربهم ! وهل يعني هذا تكفيرها لهم ؟ وهل عائشة بحكمها هذا موحدة لله تعالى ، أم مشركة ، أم ضالة ؟ !
2 - لم نجد حديثاً في مصادر السنة عن الرؤية في الإسراء إلا سؤال أبي ذر وسؤال عائشة للنبي صلى الله عليه وآله ، وقد نفى فيهما الرؤية بالعين ! فالذين نسبوا إليه الرؤية لم يرووا عنه حديثاً واحداً بأنه رأى ربه بعينه ، بل قالوا ذلك من اجتهادهم ! فلا مقابل في الحقيقة لحديث أبي ذر وعائشة بأن النبي صلى الله عليه وآله قد نفى الرؤية ، إلا اجتهادات ليست بأحاديث !
أما الرواية عن ابن عباس فهي متعارضة ومضطربة ، فلابد لهم من القول بسقوطها والرجوع إلى الأصل الذي هو عدم ثبوت ذلك عنه إلا بدليل ، وقد نقل ابن خزيمة نفسه قبل هجومه على عائشة أحاديث عن ابن عباس ينفي فيها الرؤية بالعين ! فما قولكم ؟ !
3 - ما رأيكم فيما قاله الشيخ محمد عبده في تفسير المنار : 9 / 148 :
( فعلم مما تقدم أن ما روي عن ابن عباس من الإثبات هو الذي يصح فيه ما قيل خطئاً في نفي عائشة إنه استنباط منه ، لم يكن عنده حديث مرفوع فيه ، وإنه على ما صح عنه من تقييده الرؤية القلبية معارض مرجوح بما صح من تفسير النبي ( ص ) لآيتي سورة النجم وهو أنهما في رؤيته ( ص ) لجبريل بصورته التي خلقه الله عليها .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 47 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
على أن رواية عكرمة عنه لا يبعد أن تكون مما سمعه من كعب الأحبار الذي قال فيه معاوية ( الراوي ) إن كنا لنبلو عليه الكذب ، كما في صحيح البخاري . ورواية ابن إسحاق لا يعتد بها في هذا المقام فإنه مدلس وهو ثقة في المغازي لا في الحديث . فالإثبات المطلق عنه مرجوح روايةً كما هو مرجوح درايةً ) . انتهى .
وقال في تفسير المنار : 9 / 139 : ( فعائشة وهي من أفصح قريش تستدل بنفي الإدراك على نفي الرؤية مع ما علم من الفرق بينهما ، وتستدل على نفيها أيضاً بقوله تعالى : وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ، وقد حملوا هذا وذاك على نفي الرؤية في هذه الحياة الدنيا ، ولكن إدراك الأبصار للرب سبحانه محال في الآخرة كالدنيا ) . انتهى . ؟ !
4 - هل توافقون على هذا الإرهاب الفكري الذي مارسه أجدادكم على الطبري وابن حبان ، وغيرهما ، ويمارسه آباؤكم وأبناؤهم على المسلمين خاصة في الحرمين الشريفين ؟ !
5 - ما رأيكم في الطبري وابن حبان ، هل هما مسلمان عندكم أم كافران ؟
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 48 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 15 ما هو موقفكم من الحشوية ؟

يرى بعض الباحثين أن الحشوية هم الحنابلة المجسمون ، ولهم قصص في التجسيم ، وفي جمع الإسرائيليات ونشرها ، وقد وصلت مزاعمهم إلى أن بعضهم رأى الله تعالى في الدنيا ، وأنه شاب أجعد الشعر ، أو رآه راكباً على جمل أحمر !
قال أبو زهرة في المذاهب الإسلامية : 1 / 232 : ( قال ابن الجوزي في ذلك :
( رأيت من أصحابنا من تكلم في الأصول بما لا يصلح . . . فصنفوا كتباً شانوا بها المذهب ! ورأيتهم قد نزلوا إلى مرتبة العوام فحملوا الصفات على مقتضى الحس ، فسمعوا أن الله خلق آدم على صورته فأثبتوا له صورة ، ووجهاً زائداً على الذات ، وفماً ، ولهوات ، وأضراساً ، وأضواء لوجهه ويدين وإصبعين ، وكفاً ، وخنضراً ، وإبهاماً ، وصدراً ، وفخذاً ، وساقين ، ورجلين ، وقالوا ما سمعنا بذكر الرأس ! وقد أخذوا بالظاهر في الأسماء والصفات فسموها بالصفات تسمية مبتدعة ، ولا دليل لهم في ذلك من النقل ولا من العقل ، ولم يلتفتوا إلى النصوص الصارفة عن الظواهر إلى المعاني الواجبة لله تعالى ، ولا إلى إلغاء ما توجبه الظواهر من صفات الحدث .
ولم يقنعوا أن يقولوا صفة فعل حتى قالوا صفة ذات ، ثم لما أثبتوا أنها صفات قالوا لا نحملها على توجيه اللغة ، مثل اليد على النعمة والقدرة ، ولا المجئ والإتيان على معاني البر واللطف ، ولا الساق على الشدة ، بل قالوا نحملها على ظواهرها المتعارفة ، والظاهر هو المعهود من نعوت الآدميين !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 49 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والشيء إنما يحمل على حقيقته إن أمكن ، فإن صرف صارف حمل على المجاز . ثم يتحرجون من التشبيه ويأنفون من إضافته إليهم ويقولون : نحن أهل السنة ! ! وكلامهم صريح في التشبيه ) .
* *
الأسئلة
1 - ما رأيكم فيما قاله ابن الجوزي الذي هو من أئمة الحنابلة ؟
2 - ما رأيكم فيما قاله ابن عساكر عن أجدادكم المجسمة الحشوية : قال في كتابه تبين كذب المفتري : 1 / 310 :
( إن جماعة من الحشوية والأوباش الرعاع المتوسمين بالحنبلية أظهروا ببغداد من البدع الفظيعة والمخازي الشنيعة ما لم يتسمح به ملحد فضلاً عن موحد ، ولا تجوز به قادح في أصل الشريعة ، ولا معطل ، ونسبوا كل من ينزه الباري تعالى وجل عن النقائص والآفات ، وينفي عنه الحدوث والتشبيهات ، ويقدسه عن الحلول والزوال ، ويعظمه عن التغير من حال إلى حال وعن حلوله في الحوادث وحدوث الحوادث فيه ، إلى الكفر والطغيان ، ومنافاة أهل الحق والإيمان ! !
وتناهوا في قذف الأئمة الماضين وثلب أهل الحق وعصابة الدين ، ولعنهم في الجوامع والمشاهد ، والمحافل والمساجد ، والأسواق والطرقات ، والخلوة والجماعات ، ثم غرهم الطمع والإهمال ومدهم في طغيانهم الغي والضلال ، إلى الطعن فيمن يعتضد به أئمة الهدى وهو للشريعة العروة الوثقى ، وجعلوا أفعاله الدينية معاصي دنية ، وترقوا من ذلك إلى القدح في
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 50 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الشافعي رحمة الله عليه وأصحابه ، واتفق عود الشيخ الإمام الأوحد أبي نصر ابن الأستاذ الإمام زين الإسلام أبي القسم القشيري رحمه الله من مكة حرسها الله ، فدعا الناس إلى التوحيد وقدس الباري عن الحوادث والتحديد ، فاستجاب له أهل التحقيق من الصدور الأفاضل والسادة الأماثل .
وتمادت الحشوية في ضلالتها ، والإصرار على جهالتها ، وأبوا إلا التصريح بأن المعبود ذو قدم وأضراس ولهوات وأنامل ، وأنه ينزل بذاته ويتردد على حمار في صورة شاب أمرد بشعر قطط ، وعليه تاج يلمع ، وفي رجليه نعلان من ذهب ! وحفظ ذلك عنهم وعللوه ، ودونوه في كتبهم وإلى العوام ألقوه ، وأن هذه الأخبار لا تأويل لها ، وأنها تجري على ظواهرها ، وتُعتقد كما ورد لفظها ، وإنه تعالى يتكلم بصوت كالرعد كصهيل الخيل ! وينقمون على أهل الحق لقولهم إن الله تعالى موصوف بصفات الجلال ، منعوت بالعلم والقدرة والسمع والبصر والحياة والإرادة والكلام ، وهذه الصفات قديمة وإنه يتعالى عن قبول الحوادث ، ولا يجوز تشبيه ذاته بذات المخلوقين ، ولا تشبيه كلامه بكلام المخلوقين .
ومن المشهور المعلوم أن الأئمة الفقهاء على اختلاف مذاهبهم في الفروع كانوا يصرحون بهذا الإعتقاد ويدرسونه ، ظاهراً مكشوفاً لأصحابهم ومن هاجر من البلاد إليهم ، ولم يتجاسر أحد على إنكاره ، ولا تجوز متجوز بالرد عليهم ، دون القدح والطعن فيهم ، وإن هذه عقيدة أصحاب الشافعي ، يدينون الله تعالى بها ) . انتهى . فما رأيكم ؟ !
3 - ما هو موقفكم من الحشوية أول من سموا أنفسهم ( أهل السنة ) هل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 51 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ترون أنهم أسلافكم من أهل السنة ؟ !
4 - إذا كان اعتقادكم بالصفات الحسية لله تعالى اجتهاداً منكم ، فلماذا تحرمون الإجتهاد على غيركم ، وتحكمون بكفر أو ضلال من ينزه الله تعالى عن الصفات الحسية ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 52 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 16 يحرمون التأويل ويرتكبونه وينفون المجاز ويستعملونه ! !

قام مذهب ابن تيمية في التجسيم على أساس باطل هو تحريم تأويل صفات الله تعالى ووجوب حملها على ظاهرها الحسي المادي ! فقال إن يد الله في قوله تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ) ( سورة الفتح : 10 ) معناها أن الله تعالى له يد وهي جارحة كأيدينا ! وخالف بذلك المسلمين الذين قالوا إن معنى ( يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ) قدرته فوق قدرتهم , تعالى الله أن يكون حسياً له جوارح حسية مثلنا !
لكنك تراهم يرتكبون التأويل الذي حرَّموه عندما يضيق بهم الدليل ، خاصة عندما يصلون إلى فضائل أهل البيت عليهم السلام الذين لا يحبونهم ، أو إلى مطاعن بني أمية الذين يحبونهم !
وقد اضطروا بسبب هذا الأساس الباطل إلى إنكار وجود المجاز في القرآن والسنة ، فكل الألفاظ بزعمهم يجب أن تحمل على معناها اللغوي المادي ، ولا يجوز أن تحمل على معان مجازية ، أو تؤوَّل !
فعندما يقول القرآن أو الحديث ( يد الله ، أو عين الله ، أو وجه الله ) فمعناه عندهم أن الله تعالى له يد وعين ووجه حقيقةً لا مجازاً ! وعندما يقول ( كل شئ هالك إلا وجهه ) فمعناه عندهم أن الله يفنى ويبقى وجهه فقط ! !
لكن عندما يقول النبي صلى الله عليه وآله : ( ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ قالوا بلى . فقال صلى الله عليه وآله : من كنت مولاه فعلي مولاه ) . تراهم يحملون عليها مساحيهم ومعاول تأويلهم ، لكي يميعوا معناها ! !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 53 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال شيخهم ابن باز في فتاويه : 4 / 382 : ( الصحيح الذي عليه المحققون ( من هم هؤلاء المحققون ؟ ! ) أنه ليس في القرآن مجاز على الحد الذي يعرفه أصحاب فن البلاغة ، وكل ما فيه فهو حقيقة في محله ) . انتهى .
* *
الأسئلة
1 - نزل القرآن باللغة العربية وهي مبنية على الحقيقة والمجاز والكناية والتشبيه والاستعارة ، وغيرها من وسائل البلاغة وأساليبها ، وهذا من مالها وأسرار بلاغتها ، فعن الإمام الصادق عليه السلام قال : ( نزل القرآن بإياك أعني واسمعي يا جارة ) . ( الكافي : 2 / 631 ) . وروي عن ابن عباس أنه قال : ( نزل القرآن بإياك أعني واسمعي يا جارة ) . ( عصمة الأنبياء الفخر الرازي ص 112 )
وسأل المأمون الإمام الرضا عليه السلام عن قوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله : ( عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ ) ( سورة التوبة : 43 ) فقال عليه السلام : ( هذا مما نزل بإياك أعني واسمعي يا جارة ، خاطب الله عز وجل بذلك نبيه وأراد به أمته ، وكذلك قوله تعالى : ( وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِين ) . ( سورة الزمر : 65 ) ( عيون أخبار الرضا عليه السلام : 2 / 180 ) فما هو دليلكم على نفي المجاز في القرآن ؟ !
2 - يلزم على قولكم بنفي المجاز في القرآن والسنة لوازم كثيرة باطلة ، لا يمكنكم الالتزام بها ! فكيف تفسرون قوله تعالى : ( وَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلَهاً آخَرَ لا إِلَهَ إِلا هُوَ كُلُّ شَئٍْ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) ( سورة القصص : 88 ) ؟
هل تقولون والعياذ بالله إن الله يفنى إلا صورة وجهه ؟ ! !
3 - إن كنتم تعتقدون بحرمة التأويل فتحرمون تأويل الآيات المتشابهة !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 54 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فلماذا تناقضون أنفسكم فترتكبون تأويل الآيات المحكمة التي تنفي التشبيه والتجسيم ، ولا تأخذون بها بظاهرها ، وتحملون المتشابه على المحكم كما يفعل عامة المسلمين ؟ !
من هذه الآيات المحكمة قوله تعالى : ( ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شئ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَئٍْ وَكِيلٌ . لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) . ( سورة الأنعام : 102 - 103 ) .
( فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنَ الأَنْعَامِ أَزْوَاجاً يَذْرَأُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَئٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) . ( سورة الشورى : 11 )
( يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً ) . ( سورة طه : 110 )
( الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا للهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) . ( سورة البقرة : 22 )
( وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ) . ( سورة الأعراف : 143 )
( وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ) . ( سورة البقرة : 55 )
( يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَاناً مُبِيناً ) . ( سورة النساء : 153 )
( وَقَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوّاً كَبِيراً ) . ( سورة الفرقان : 21 )
( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ . اللهُ الصَّمَدُ . لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ . وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ) ( سورة الاخلاص : 4 )
فلماذا تقولون إن التأويل حرام ، ثم تؤولون كل ذلك بالتشبيه ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 55 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
4 - إذا كان القرآن كله حقيقة والتأويل فيه حرام ، فالسنة أيضاً كلها حقيقة والتأويل فيها حرام ! فما بالكم لا تتركون حديثاً للنبي صلى الله عليه وآله يخالف رأيكم إلا أعملتم فيه معول التأويل ؟ !
5 - ما دام التأويل عندكم حراماً منكراً ، فما ينتج عنه حرام ومنكر ! فكيف تستندون في تفسيركم للقرآن والسنة إلى تأويلكم أو تأويل المتأولين ، وتبنون مذهبكم على الحرام والمنكر ؟ !
6 - ما دام التأويل عندكم حراماً منكراً ، فلا فرق بين أن ترتكبوه أنتم أو يرتكبه غيركم ، فما بالكم تبحثون عن شخص أول الآية أو الحديث فتستندون اليه ؟ ! أليس مثلكم في ذلك كمن أفتى بتحريم ذبيحة ثم بحث عمن يحللها لكي يأكل منها ؟ ! وهل سمعتم بالطلمنكي المؤول الذي وجده إمامكم ابن تيمية وإمامكم ابن باز ؟ ! قال ابن باز في فتاويه : 1 / 148 : ( قال أبو عمر الطلمنكي رحمه الله تعالى : أجمع المسلمون من أهل السنة على أن معنى قوله تعالى ( وهو معكم أين ما كنتم ) ونحو ذلك من القرآن أنه علمه ، وأن الله فوق السماوات بذاته مستوٍ على عرشه كما نطق به كتابه ) . انتهى .
فقد استند ابن باز كإمامه إلى تأويل الطلمنكي ، والى إجماع المسلمين عليه ، الذي ادعاه الطلمنكي !
فإن صح إجماعهم فهو إجماع على التأويل ينقض تحريمكم له ، وإن لم يصح ، فلا ينفعكم تأويل الطلمنكيين ! فما رأيكم ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 56 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 17 ما رأيكم في هذه الأحاديث الموضوعة ؟

أما نحن وعامة المنزهين من المسلمين ، فنعتقد أنها أحاديث وأقوال موضوعة لتأييد مذهب كعب الأحبار ، وأمثاله من المشبهين والمجسمين ، وإن صح شبيه لها فلا بد من تأويله ، لأن القاعدة اللغوية تقول يحمل اللفظ على معناه الحقيقي ، حتى يمنع مانع لفظي أو عقلي فيحمل على المجازي :
قالوا : إن الله تعالى له سمع وبصر كسمع الإنسان وبصره .
وقالوا : رأى النبي ربه شاباً أجعد واقفاً على أرض خضرة ، يلبس نعلين من ذهب !
وقالوا : له عينان سالمتان ، أما الدجال فعينه عوراء .
وقالوا : له أيدي وأعين ورجلان . . . وأعضاء .
وقالوا : قد يكون له أذن وقد يكون بلا أذن ، لكن له جنب وحقو .
وقالوا : إنه يمشي وقد يركض ويهرول .
وقالوا : إنه تعالى يرى بالعين في الدنيا .
وقالوا : إنه يلبس قباء وجبة ويركب على جمل .
وقالوا : إنه فتى أمرد جعد الشعر يلبس نعلين من ذهب .
وقالوا : إنه يغضب كغضب الانسان وإنه يضحك في الدنيا والآخرة .
وقالوا : إنه يظهر لعباده ضاحكاً .
وقالوا : إنه ضحك لطلحة وسعد .
وقالوا : إنه يضحك . . ويظل يضحك .
وقالوا : منطقه كالرعد ، وضحكه كالبرق .
وقالوا : يظهر متجسداً لأبي بكر خاصة .
وقالوا : يجلس على العرش ولعرشه أطيط وصرير وأزيز من ثقله .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 57 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقالوا : إنه تعالى أثقل من الحديد .
وقالوا : الشمس تذهب كل يوم إلى تحت العرش .
وقالوا : حملة العرش حيوانات كما في التوراة .
وقالوا : حملة العرش ملائكة صوفية يتكلمون الفارسية .
وقالوا : جالس على كرسيه وغائب عن العالم ، وحوله الأنبياء على كراسي .
وقالوا : يجلس أبو بكر على كرسي عند العرش .
وقالوا : يجلس صاحب أحمد بن حنبل على سجاد العرش .
وقالوا : جنة عدن مسكن الله تعالى وعرشه فيها .
وقالوا : يرى بالعين في الآخرة وإن رؤيته بالعين من أكبر اللذات .
وقالوا : يكشف عن ساقه بل عن ساقيه ، ويعفو عن المنافقين .
وقالوا : إنه يجلس على الجسر ويضع رجله على الأخرى .
وقالوا : لا تمتلئ النار حتى يضع الله رجله فيها .
وقالوا : إن الله تعالى جسم ينزل إلى الأرض كل ليلة .
وقالوا : إنه تعالى ينزل ليلة النصف من شعبان ، ويوم عرفة . . . ! !
إلى آخر مقولاتهم وافترائهم . . . ! !
* *
الأسئلة
1 - ألا ترون أن أحاديث التشبيه والتجسيم إنما يرويها المتأثرون بالثقافة اليهودية ، الذين سماهم النبي صلى الله عليه وآله ( المتهوكون ) وحذر المسلمين منهم ؟ !
2 - ما الذي تقبلونه من هذه النصوص ، وما الذي تكذبونه ؟
3 - عندما ينزل الله إلى الأرض بزعمكم ، هل يصعد أم لا ؟
4 - تزعمون أن معبودكم ينزل كل ليلة ، والأرض دائماً عليها ليل ، فبأي توقيت ينزل ؟
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 58 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 18 قولهم بالثنائية بين ذات الله تعالى وصفاته

صفات الله الذاتية عندنا عين ذاته سبحانه وتعالى ولا اثنينية بينهما ، بينما قال المخالفون إن صفاته غير ذاته ، ويلزم من قولهم أن تكون الذات الإلهية المقدسة مركبة من جزءين ، لأن الصفات شئ والذات شئ آخر !
قال الصدوق رحمه الله في كتاب التوحيد ص 243 ، عن هشام بن الحكم من حديث الزنديق مع الإمام الصادق عليه السلام ، فكان من قوله عليه السلام أن قال له :
ثم يلزمك إن ادعيت اثنين فلا بد من فرجة بينهما حتى يكونا اثنين فصارت الفرجة ثالثاً بينهما ، قديماً معهما ، فيلزمك ثلاثة ! فإن ادعيت ثلاثة لزمك ما قلنا في الاثنين ، حتى يكون بينهم فرجتان فيكون خمساً ، ثم يتناهى في العدد إلى ما لا نهاية في الكثرة ) ! !
وقال في ص 83 : ( أن أعرابياً قام يوم الجمل إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال : يا أمير المؤمنين أتقول إن الله واحد ؟ قال : فحمل الناس عليه ، قالوا يا أعرابي أما ترى ما فيه أمير المؤمنين من تقسم القلب ، فقال أمير المؤمنين عليه السلام : دعوه فإن الذي يريده الأعرابي هو الذي نريده من القوم ، ثم قال : يا أعرابي إن القول في أن الله واحد على أربعة أقسام : فوجهان منها لا يجوزان على الله عز وجل ، ووجهان يثبتان فيه ، فأما اللذان لا يجوزان عليه فقول القائل : واحد يقصد به باب الأعداد ، فهذا ما لا يجوز ، لأن مالا ثاني له لا يدخل في باب الأعداد ، أما ترى أنه كفر من قال ( ثالث ثلاثة ) .
وقول القائل : هو واحد من الناس ، يريد به النوع من الجنس ، فهذا ما لا يجوز عليه لأنه تشبيه ، وجل ربنا عن ذلك وتعالى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 59 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأما الوجهان اللذان يثبتان فيه فقول القائل : هو واحد ليس له في الأشياء شبه ، كذلك ربنا ، وقول القائل : إنه عز وجل أحديُّ المعنى ، يعنى به أنه لا ينقسم في وجود ولا عقل ولا وهم . كذلك ربنا عز وجل ) . انتهى .
وقد نتج من قولهم بالاثنينية أنهم قالوا إن القرآن كلام الله فهو جزء من ذاته تعالى ، وهو قديم غير مخلوق ولا محدث !
ورد عليهم أئمة أهل البيت عليهم السلام بأن القرآن كلام الله تعالى وهو محدث مخلوق ، وليس معنى كونه كلام الله تعالى أنه جزء من ذاته ، بل معناه أنه تعالى خلقه وارتضاه ونسبه إلى نفسه . قال الله تعالى : ( مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ) . ( سورة الأنبياء : 2 )
* *
الأسئلة
1 - ما دامت صفات الله تعالى غير ذاته عندكم ، فأيهما كان قبل الآخر ؟
2 - إذا كانت صفات الله تعالى غير ذاته يلزم أن يكون تعالى مركباً من أجزاء ، فهل تلتزمون بلوازم ذلك ؟
3 - كيف تفسرون قوله تعالى : ( مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ) . ( سورة الأنبياء : 2 )
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 60 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 19 ما هو موقفكم من علماء المذاهب الأربعة وأتباعهم ؟

وقف أئمة المذاهب قديماً ، ثم في عصرنا ، ضد مقولة التشبيه والتجسيم التي ظهرت في الحنابلة ، وضد ابن تيمية الذي أحياها . وقد ألفوا في تنزيه الله تعالى ونفي تشبيههم كتباً متعددة ، ومن أشهر مؤلفيهم من غير الشيعة : البيهقي ، والسبكي الشافعي ، وابن الجوزي الحنبلي ، والفخر الرازي الأشعري ، والمهدي ابن تومرت المالكي ، وغيرهم ، وغيرهم .
* *
الأسئلة
1 - هل تحكمون بكفر أئمة المذاهب الأربعة وأتباعهم أو بضلالهم ، لأن أكثرهم أشعرية ، وبعضهم معتزلة ؟
2 - وهل تحكمون بكفر علماء الأشاعرة ، لأنهم قامت عليهم حجتكم ، وبكفر عوام الأشاعرة إذا قامت عليهم حجتكم فلم يقبلوها ؟ !
3 - ما رأيكم في الأحاديث الكثيرة التي تبطل مذهبكم في التشبيه ، والتي رواها البيهقي في كتابه الأسماء والصفات وغيره ، هل تردونها أم تؤولونها ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 61 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 20 إسقاطهم لعقيدتهم بالتشبيه والتجسيم على الشيعة !

قال ناصر القفاري في كتابه أصول مذهب الشيعة الإمامية : 2 / 527 :
( الفصل الثالث : عقيدتهم في أسماء الله وصفاته .
للشيعة في هذا الفصل أربع ضلالات :
الضلالة الأولى : ضلالة الغلو في الإثبات ، وما يسمى بالتجسيم .
الضلالة الثانية : تعطيلهم الحق جل شأنه من أسمائه وصفاته .
الضلالة الثالثة : وصف الأئمة بأسماء الله وصفاته .
الضلالة الرابعة : تحريف الآيات بدافع عقيدة التعطيل للأسماء والصفات .
وسأتوقف عند كل مسألة من هذه المسائل الأربع وأبين مذهب الشيعة فيها من خلال مصادرها إن شاء الله .
المبحث الأول : الغلو في الإثبات ( التجسيم ) :
اشتهرت ضلالة التجسيم بين اليهود ، ولكن أول من ابتدع ذلك بين المسلمين هم الروافض ، ولهذا قال الرازي ( ؟ ) : اليهود أكثرهم مشبهة ، وكان بدء ظهور التشبيه في الإسلام من الروافض مثل هشام بن الحكم ، وهشام بن سالم الجواليقي ، ويونس بن عبد الرحمن القمي وأبي جعفر الأحول ( 1 ) .
وكل هؤلاء الرجال المذكورين هم ممن تعدهم الإثنا عشرية في الطليعة من شيوخها ، والثقات من نقلة مذهبها ( 2 ) . . . وقد حدد شيخ الإسلام ابن تيمية أول من تولى كبر هذه الفرية من هؤلاء فقال : ( وأول من عرف في الإسلام أنه قال إن الله جسم هو هشام بن الحكم ) . ( 3 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 62 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقبل ذلك يذكر الأشعري في مقالات الإسلاميين أن أوائل الشيعة كانوا مجسمة ، ثم بين مذاهبهم في التجسيم ونقل بعض أقوالهم في ذلك إلا أنه يقول بأنه قد عدل عنه قوم من متأخريهم إلى التعطيل ( 4 ) .
وهذا يدل على أن اتجاه الاثني عشرية إلى التعطيل قد وقع في فترة مبكرة ، وسيأتي ما قيل في تحديد ذلك ( 5 ) .
وقد نقل أصحاب الفرق كلمات مغرقة في التشبيه والتجسيم منسوبة إلى هشام بن الحكم وأتباعه تقشعر من سماعها جلود المؤمنين . يقول عبد القاهر البغدادي : زعم هشام بن الحكم أن معبوده جسم ذو حد ونهاية وأنه طويل عريض عميق وأن طوله مثل عرضه . . . ( 6 ) .
ويقول : إن هشام بن سالم الجواليقي مفرط في التجسيم والتشبيه لأنه زعم أن معبوده على صورة الإنسان . . . وأنه ذو حواس خمس كحواس الإنسان ( 7 ) . وكذلك ذكر أن يونس بن عبد الرحمن القمي مفرط أيضاً في باب التشبيه ، وساق بعض أقواله في ذلك ( 8 ) . وقال ابن حزم : ( قال هشام إن ربه سبعة أشبار بشبر نفسه ) ( 9 ) . انتهى .
وقال في هامشه : ( 1 ) اعتقادات فرق المسلمين والمشركين ص 97 . ( 2 ) أنظر محسن الأمين / أعيان الشيعة : 1 / 106 . ( 3 ) منهاج السنة : 1 / 20 . ( 4 ) أنظر : مقالات الإسلاميين : 1 / 106 - 109 .
( 5 ) في المبحث الثاني . ( 6 ) الفرق بين الفرق ص 65 . ( 7 ) المصدر السابق : ص 68 69 . ( 8 ) السابق ص 70 . ( 9 ) الفصل : 5 / 40 .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 63 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأسئلة
1 - وعد القفاري أن ينقل نصوص عقائد الشيعة من مصادرهم ، فلماذا لم ينقل أي نص من مصادرهم ؟ !
2 - ما حكم الشيخ الذي يكذب ؟ فالمصدر الشيعي الوحيد الذي نقل منه القفاري هو كتاب أعيان الشيعة للسيد محسن الأمين ، وعند مراجعته وجدناه لا يتعلق بالموضوع أبداً ؟ !
3 - ما حكم الشيخ الذي يدلس ؟ فيقول : ( قال الرازي ) ، فيوهم أنه الفخر الرازي المعروف ، لأنه هو المتبادر إلى الذهن من اسم الرازي مجرداً ، فهل تعرف من هو الرازي الذي نقل كلامه في اتهام الشيعة ؟ !
4 - ما هو الفرق بين ( توحيدكم ) وما نسبتموه إلى هشام بن الحكم وتلاميذه من التشبيه والتجسيم ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 64 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 65 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الثاني : لماذا ينكرون مشروعية التوسل والاستشفاع والاستغاثة ؟

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 66 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 67 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 21 مخالفتهم للمسلمين في زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله والتوسل به

أجمع المسلمون على استحباب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله ، وقبور الأئمة من أهل بيته عليهم السلام ، وقبور المؤمنين والأولياء . . وعلى ذلك جرت سيرتهم على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم ، من صدر الإسلام إلى عصرنا هذا .
لكن جاء ابن تيمية في القرن الثامن وخالف عامة المسلمين ، وقال لا يستحب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله ولاغيره ! وحكم بأن من نوى زيارته صلى الله عليه وآله ولو بخطوة ، ولو من داخل المسجد فهو عاص ! فإن كان ناوياً التوسل إلى الله بصاحب القبر فهو مشرك ، مهدور الدم ، واجب القتل !
قال الذهبي في سير أعلام النبلاء : 4 / 484 راداً على ابن تيمية ما نصه : ( فمن وقف عند الحجرة المقدسة ذليلاً مسلماً مصلياً على نبيه فيا طوبى له فقد أحسن الزيارة وأجمل في التذلل والحب ، وقد أتى بعبادة زائدة على من صلى عليه في أرضه أو في صلاته ، إذ الزائر له أجر الزيارة وأجر الصلاة عليه ، والمصلي عليه في سائر البلاد له أجر الصلاة فقط . فمن صلى عليه واحدةً صلى الله عليه عشراً . ولكن من زاره صلوات الله عليه وأساء أدب الزيارة ، أو سجد للقبر أو فعل ما لا يشرع ، فهذا فعل حسناً وسيئاً ، فيُعَلَّم برفق والله غفور رحيم . فوالله ما يحصل الانزعاج لمسلم والصياح وتقبيل الجدران وكثرة البكاء ، إلا وهو محب لله ولرسوله ، فحبه المعيار والفارق بين أهل الجنة وأهل النار ، فزيارة قبره من أفضل القرب ، وشد الرحال إلى قبور الأنبياء والأولياء ، لئن سلَّمنا أنه غير مأذون فيه لعموم قوله صلوات الله عليه : ( لا تشدوا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 68 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ) فشد الرحال إلى نبينا ( ص ) مستلزمٌ لشد الرحل إلى مسجده وذلك مشروعٌ بلا نزاع ، إذ لا وصول إلى حجرته إلا بعد الدخول إلى مسجده ، فليبدأ بتحية المسجد ، ثم بتحية صاحب المسجد ، رزقنا الله وإياكم ذلك ) . انتهى .
وقال الحافظ الممدوح في كتابه ( رفع المنارة لتخريج أحاديث التوسل والزيارة ) ص 51 - 54 : ( كلام الأئمة الفقهاء في استحباب زيارة القبر الشريف : قال الإمام المجمع على علمه وفضله أبو زكريا النووي : ( واعلم أن زيارة قبر رسول الله ( ص ) من أهم القربات وأنجح المساعي ، فإذا انصرف الحجاج والمعتمرون من مكة استحب لهم استحباباً متأكداً أن يتوجهوا إلى المدينة لزيارته ( ص ) وينوي الزائر مع الزيارة التقرب وشد الرحل إليه والصلاة فيه . ( المجموع : 8 / 204 ) .
وقال أيضاً في الإيضاح في مناسك الحج : ( إذا انصرف الحجاج والمعتمرون من مكة فليتوجهوا إلى مدينة رسول الله ( ص ) لزيارة تربته ( ص ) فإنها من أهم القربات وأنجح المساعي ، وقد روى البزار والدارقطني بإسنادهما عن ابن عمر قال قال رسول الله ( ص ) : ( من زار قبري وجبت له شفاعتي ) ( ص 214 ) .
وعلق الفقيه ابن حجر الهيتمي على الحديث فقال في حاشية الإيضاح : الحديث يشمل زيارته ( ص ) حياً وميتاً ، ويشمل الذكر والأنثى ، والآتي من قرب أو بُعد ، فيستدل به على فضيلة شد الرحال لذلك وندب السفر للزيارة ، إذ للوسائل حكم المقاصد . انتهى . ‍ ( ص 214 حاشية الايضاح ) .
وقال الإمام المحقق الكمال ابن الهمام الحنفي في شرح فتح القدير : ( المقصد الثالث في زيارة قبر النبي ( ص ) : قال مشايخنا رحمهم الله تعالى من أفضل المندوبات . وفي مناسك الفارس وشرح المختار : إنها قريبة من الوجوب لمن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 69 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
له سعة ، ثم قال بعد كلام ما نصه : والأولى فيما يقع عند العبد الضعيف تجريد النية لزيارة قبر النبي ( ص ) ثم إذا حصل له إذا قدم زيارة المسجد ، أو يستفتح فضل الله سبحانه في مرة أخرى ينويهما فيها ، لأن في ذلك زيادة تعظيمه وإجلاله ( ص ) . انتهى . ‍ ( : 3 / 179 - 180 ) .
وقال محقق مذهب الحنابلة أبو محمد بن قدامة المقدسي : ( ويستحب زيارة قبر النبي ( ص ) لما روى الدارقطني بإسناده عن ابن عمر قال قال رسول الله ( ص ) : ( من حج فزار قبري بعد وفاتي فكأنما زارني في حياتي ) وفي رواية : ( من زار قبري وجبت له شفاعتي ) ، رواه باللفظ الأول سعيد ، ثنا حفص بن سليمان عن ليث عن مجاهد عن ابن عمر ) . انتهى كلام الحافظ الممدوح .
* *
الأسئلة
1 - سيرة المسلمين عبر العصور إجماع عملي على زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وقبور الأنبياء والأولياء عليهم السلام والصلاة والدعاء عندها ؟ وقد أقرها أهل البيت عليهم السلام والصحابة والسلف ، وزاروا هذه القبور المباركة وصلوا عندها ، فما حكم من خرج عن هذا الإجماع العملي للأمة ؟ !
2 - عامة الأمة يقصدون الحج وزيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله ، فهل هم بسبب هذه النية كفارٌ أو ضُلاَّل ، ما عدا حفنة قليلة يقلدون ابن تيمية ؟ !
3 - هل رأيتم أحداً مثلكم يكفر عامة المسلمين أو يضللهم ، ثم ينصب نفسه ناطقاً رسمياً باسمهم ، فيقول نحن أهل التوحيد وأهل السنة والجماعة ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 70 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 22 عدم فهمهم لآيات التوسل الثلاث

قال الله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) . ( سورة المائدة : 35 ) فقد أمر سبحانه بابتغاء الوسيلة أي بالبحث عنها ومعرفتها للتوسل بها إلى الله تعالى ، فهي تدل على مشروعية أصل التوسل إليه تعالى بل وجوبه للأمر به . وهو يبطل أصل مقولتهم بأن التوسل إلى الله شرك ، فهل أمرنا سبحانه بالشرك ؟ !
وكلمة ( الوسيلة ) في الآية مطلقة ، تشمل التوسل بالأعمال الصالحة والأولياء الصالحين . وقد حاول ابن تيمية وأتباعه أن يضيقوا إطلاقها ويحصروا مدلولها بالتوسل بالأعمال دون الأشخاص ، ثم قالوا إنها تشمل الأشخاص الأحياء دون الأموات لأنهم لا ينفعون ! ولا دليل لهم على ذلك إلا الاستحسان والتحكم !
* *
وقال تعالى : ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّاباً رَحِيماً ) . ( سورة النساء : 64 )
والمجئ إلى الرسول صلى الله عليه وآله في الآية مطلق ، يشمل المجئ إليه في حياته والمجئ إلى قبره الشريف بعد وفاته ، وهكذا فهم المسلمون الآية وطبقوها . لكن ابن تيمية حصر المجئ إليه صلى الله عليه وآله بحياته فقط ، واستدل عليه بأن النبي لا ينفع بعد موته ، والتوسل به شرك أكبر !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 71 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال تعالى : ( أولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً ) . ( سورة الإسراء - 57 )
فقد دلت الآية على مشروعية أصل التوسل ، ومدحت المتوسلين بأنهم يبحثون عن الوسيلة الأقرب إلى الله تعالى ، ونحن نقول إن أقرب الناس وسيلة إلى الله تعالى هم محمد وأهل بيته الطاهرون فالتوسل بهم مشروع بل مأمور به !
وقد تخبط مفسروهم في تفسير الآية في وجوه بعيدة لا يدل عليها ظاهر اللفظ ، ولا ورد بها حديث شريف !
وكذلك قوله تعالى عن أولاد يعقوب عليه السلام : ( قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ ) ( سورة يوسف : 97 ) ، وغيرها معادل على مشروعية التوسل .
* *
الأسئلة
1 - ما دليلكم على تخصيص الوسيلة في الآية وحصرها بالأعمال دون الأشخاص ، مع أنها مطلقة ؟ !
2 - ما دليلكم على أن الأمر بالمجئ في الآية الثانية مختص بحياته ، مع أنه أمر مطلق يشمل المجئ إليه في حياته والمجئ إلى قبره بعد وفاته ؟ !
3 - تضمنت الآية الثالثة مبدئين أقرهما الله تعالى : أولهما ، مشروعية أصل التوسل إلى الله تعالى . وثانيهما ، أن الأتقياء يبتغون الأقرب وسيلة إلى ربهم فيتوسلون بهم . فما هو دليلكم على رفض هذين المبدئين ؟ !
4 - هل عندكم أقرب وسيلة إلى الله تعالى من محمد وآل محمد صلى الله عليه وآله ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 72 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 23 هدم الوهابيين لقبور الأنبياء والأئمة عليهم السلام والصحابة ( رض )

فقد أقدموا على هدم الكثير من قبور الصحابة والأولياء ومنها قبور أئمة أهل البيت عليهم السلام في البقيع وقبابهم ، وأشهرها قبر الإمام الحسن السبط ، والإمام زين العابدين ، والإمام محمد الباقر ، والإمام جعفر الصادق عليهم السلام . هدموها ب‍ ( فتوى ) مشؤومة من القاضي النجدي سليمان بن بليهيل ، أصدرها في يوم 8 شوال 1344 ه‍ ، وما زال مشهدهم المقدس إلى اليوم بدون بناء !
بل تمادوا في غيهم وطغيانهم فحاولوا هدم قبر النبي صلى الله عليه وآله ، بحجة أن وجود القبر في المسجد حرام ، والصلاة عنده حرام ، وبناء القبة عليه حرام ، والتوسل بالنبي صلى الله عليه وآله حرام ! ! لكنهم خافوا من نقمة المسلمين !
وما زالوا مصرين على هذا الانحراف ، فقد أفتى شيخهم ابن باز عدة فتاوى بوجوب هدمها ، لكنه استعمل فيها التقية من المسلمين ، فجعلها عامة لكل القباب والبناء على القبور !
قال في جوابه على سؤال رقم 116 من فتاويه : ( يقول السائل : ما حكم البناء على القبر ؟ وما الحكم لو كان البناء مسجداً ؟
الجواب : أما البناء على القبور فهو محرم ، سواء كان مسجداً أو قبة أو أي بناء ، فإنه لا يجوز ذلك ؟ . . . والخلاصة أنه لا يجوز البناء على القبور ، لا مسجد ولا غير مسجد ولا قبة ، وأن هذا من المحرمات العظيمة ، ومن وسائل الشرك فلا يجوز فعل ذلك ، وإذا وقع فالواجب على ولاة الأمور إزالته وهدمه وألا يبقى على القبور مساجد ولا قباب . . الخ . ! ( موقع ابن باز : http : / / ibnbaz . org )
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 73 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أما شيخهم مقبل الوادعي ومرجعهم في اليمن ، فكتب رسالة صريحة بعنوان : ( حكم القبة المبنية على قبر الرسول ( ص ) ، وأفتى فيها بوجوب هدم القبة الشريفة وهدم المسجد ، وجعل القبر الشريف خارج المسجد ! ! وقد جرت مناقشات حول كتابه في شبكات الإنترنت ، منها في موقع القلعة السلفي بتاريخ : 18 - 3 - 2001 ( http : / / www . qal 3 ah . net : 4444 / vb / index . php )
وقال السيد يوسف الرفاعي في كتابه ( نصيحتي إلى علماء نجد ) في مقابلة مع مجلة المنبر : ( http : / / www . 14 masom . com / menbar / 07 / 05 . htm )
( عندما هدموا بقية القبب لم تبق سوى قبة الحبيب المصطفى فحاولوا هدمها ، ومن كان حاضراً من المسلمين من أهل مكة والمدينة نصحوا الملك عبد العزيز وأعلموه بالأمر ، فحال بينهم وبين هدم القبة . كذلك أشرت إلى هذا الموضوع في كتابي .
وهناك أحد علماء السلفيين يدعى مقبل الوادعي وهو من اليمن ، كتب رسالة يطالب فيها بإخراج قبر النبي الشريف !
والمصيبة أنها أُقرّت ومنح عليها الماجستير !
كما قرأت في كتاب ( الجنائز ) أن الألباني قال : ( أنا لا أصلي في الحرم النبوي لوجود القبر فيه ويجب إخراجه ) ! والحمد لله أن الحكومة السعودية لا تستمع للأصوات التي تطالب إخراج قبر النبي ( ص ) من الحرم النبوي ، لأنها تدرك قدسية هذه الأمور عند المسلمين ولا تشجع الأفكار المتطرفة ، ونسأل الله تعالى أن يهدي المسؤولين الكرام لإعادة بناء أضرحة أهل البيت قريباً ) . انتهى كلام الرفاعي ، وهو عالم سني .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 74 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد أخذوا فتاويهم هذه من شيخهم ابن تيمية ، الذي تعرض لوجوب هدم القبة النبوية بشكل غير صريح خوفاً من المسلمين ! لكن تلميذه ابن القيم كان أكثر صراحة من شيخه ابن تيمية ، فأفتى بوجوب هدم قبة قبر النبي صلى الله عليه وآله وإخراج قبره من المسجد !
قال في كتابه إغاثة اللهفان : 1 / 210 : ( وأبلغ من ذلك أن رسول الله هدم مسجد الضرار ، ففي هذا دليل على هدم ما هو أعظم فساداً منه كالمساجد المبنية على القبور ، فإن حكم الإسلام فيها أن تهدم كلها حتى تسوى بالأرض ، وهي أولى بالهدم من مسجد الضرار ! وكذلك القباب التي على القبور يحب هدمها كلها ! لأنها أسست على معصية الرسول لأنه قد نهى عن البناء على القبور ) ! !
* *
الأسئلة
1 - ماذا تقولون في مدح الله تعالى للمؤمنين لبنائهم مسجداً على قبر أهل الكهف في قوله تعالى : ( وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَاناً رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً ) . ( سورة الكهف : 21 )
والَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ : هم بقول أكثر المفسرين المؤمنون الموحدون غلبوا رأي المشركين الذين خالفوا بناء المسجد فقالوا ( ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَاناً ) وليس مسجداً . بينما قال المسلمون : لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً ، أي على قبرهم ، وقد سماه الله مسجداً فبنوه ليعبدوا الله فيه ويتبركوا بهم ، ولو كان عملهم منكراً لما أقره الله تعالى وسماه مسجداً . ( تفسير الواحدي : 2 / 657 ، وأبي السعود : 5 / 215 ، وفتح القدير : 3 / 277 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 75 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
2 - كانت القباب والمباني على قبور الأنبياء والأولياء عليهم السلام موجودة عند مجئ الإسلام ، ولم يتعرض لها المسلمون في الفتح الإسلامي ولم يهدموها ، ومنها قبر داود وقبر موسى صلى الله عليه وآله في القدس وقبور غيرهم ، بل أقرها الخلفاء وصلوا عندها ، ولم يستنكرها أهل البيت عليهم السلام . فهل كانوا جميعاً على ضلال ؟
3 - إن المسجد الحرام والكعبة الشريفة التي نتوجه إليها في صلاتنا ونطوف حولها مليئة بقبور الأنبياء والأولياء عليهم السلام ! بل إن حجر إسماعيل عليه السلام الذي أمرنا النبي صلى الله عليه وآله أن ندخله في طوافنا ما هو إلا مُحَوَّطةٌ أقامها إسماعيل عليه السلام على قبر أمه هاجر رضي الله عنها ، حتى لا تدوسَ القبر أقدام الطائفين ، ثم أوصى عليه السلام أن يدفنوه في نفس المكان . وقد استفاضت مصادر التاريخ والحديث عند الشيعة والسنة ، بوجود قبر هاجر وإسماعيل وقبور الأنبياء عليهم السلام حول الكعبة الشريفة !
ففي تاريخ الطبري : 1 / 221 : ( وعاش إسماعيل فيما ذكر مائةً وسبعاً وثلاثين سنة ، ودفن في الحجر عند قبر أمه هاجر ) .
وفي تفسير القرطبي : 2 / 130 : ( ما بين الركن والمقام إلى زمزم قبور تسعة وتسعين نبياً ، جاءوا حجاجاً فقبروا هنالك عليهم السلام ) .
وفي الكافي : 4 / 210 : ( عن الإمام الصادق عليه السلام : ( الحجر بيت إسماعيل وفيه قبر هاجر وقبر إسماعيل ) .
وفي الكافي : 4 / 214 : ( عن الإمام الباقر عليه السلام قال : ( صلى في مسجد الخيف سبعمائة نبي ، وإن ما بين الركن والمقام لمشحون من قبور الأنبياء عليهم السلام وإن آدم عليه السلام لفي حرم الله عز وجل ) .
وفي علل الشرائع : 1 / 37 ، عن الإمام الصادق عليه السلام قال : ( إن إسماعيل دفن أمه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 76 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
في الحجر ، وجعله عالياً ، وجعل عليها حائطاً ، لئلا يوطأ قبرها ) .
فهل تقولون إن كل المسلمين الذين يطوفون حول تلك القبور ويصلون عندها ملعونون لأنهم اتخذوها مساجد ؟ !
وهل تتركون الحج والصلاة إلى القبلة ، لأنها صلاة إلى القبور ؟ !
4 - إذا كانت الصلاة إلى جهة فيها قبر حراماً ، فكيف أمرنا الله تعالى أن نصلي إلى الكعبة الشريفة ، وحولها العديد من قبور الأنبياء عليهم السلام ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 77 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 24 لماذا أغمضوا عيونهم عن قبر إمامهم أحمد في بغداد ؟ !

من عجائب ابن تيمية وأتباعه أن حركتهم نشأت في بغداد ، ثم حمل رايتها ابن تيمية في القرن الثامن في الشام ، ثم نشطت في القرن الحادي عشر في الجزيرة ، وكانت أبرز شعاراتها محاربة زيارة القبور والصلاة عندها والتوسل إلى الله تعالى بأصحابها .
وطول هذه المدة كان قبر إمامهم أحمد بن حنبل في بغداد مبنياً عليه ضريح وقبة ، ومتخذاً عليه مسجداً ، وكان وما زال مزاراً لهم ولبقية الحنابلة ، وهم يروون عنه الكرامات والمنامات ، ويغالون في استجابة الدعاء عنده ، ولم يقوموا بهدمه ، ولا نهوا الناس عن زيارته ، ولا أفتوا بوجوب هدم قبته وتسوية القبر بالأرض أو نقله إلى خارج المسجد ! كما فعلوا ذلك في قبور الأئمة عليهم السلام ، وكما حاولوا بقبر النبي صلى الله عليه وآله ! !
ألا يدل هذا على شئ في نفوسهم ، وأنهم يكيلون بمكيالين !
* *
الأسئلة
1 - ما قولكم في تقديسكم لقبر إمامهم أحمد بن حنبل وزيارتكم له خلفاً عن سلف ! وفي رواياتكم الصريحة في الغلو في قبر أحمد ، والتوسل به واستجابة الدعاء عنده ؟ ! فهل هو عندكم أفضل من رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ !
2 - لماذا لا تطبقون مذهبكم وفتاواكم على قبر إمامكم أحمد ، الذي ما زال
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 78 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مزاراً ومصلى ومحل توسل إلى اليوم ، فلماذا لا تطلبون من الحكومة العراقية أن تهدم قبته وتسوي القبر بالأرض ؟ !
3 - ما قولكم في الكرامات التي يرويها أسلافكم لقبر أحمد بن حنبل وزواره ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 79 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 25 من تهافت منطقهم : تكرار زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله حرام !

مقتضى إطلاق الأحاديث الشريفة وفتاوي أئمة المذاهب جميعاً استحباب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله لمن دخل المسجد النبوي سواء أراد أداء الفريضة فيه أم غيرها أو لم يرد الصلاة فيه ، وسواء قبل صلاته أو بعدها ، وسواء كان ذلك مرة أو أكثر !
وخالف أتباع ابن تيمية جميع المسلمين في ذلك فقالوا : دخول المسجد بنية زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله معصية ، والخطوة الواحدة داخل المسجد بنية زيارته معصية ، وإن كانت هذه الخطوة مع نية التوسل به فهي شرك !
وأفتوا بأن أصل زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله مشروعة ، لكن تكرارها حرام ! فصارت زيارة قبر أقدس شخص في الوجود صلى الله عليه وآله قليلها حلال وكثيرها حرام ؟ !
فإن زعموا أن النبي صلى الله عليه وآله نهى أن يجعل قبره عيداً أي محفلاً ، وأن هذا يشمل زيارة قبره الشريف فلا فرق في ذلك بين المرة والمرات ! واللازم عليهم أن يحرموا زيارة القبر الشريف كلياً ، لأن المسلمين يجتمعون حوله ويحتفلون بزيارته طوال السنة ، والذي يزوره أول مرة والذي يزوره للمرة الخمسين ، مشاركون في هذا الاحتفاء والاحتفال ! !
قال إمام المسجد النبوي الشيخ صلاح البدير في خطبة صلاة الجمعة لعام 1422 :
( ويشرع لزائر المسجد النبوي من الرجال زيارة قبر النبي ( ص ) وقبري صاحبيه أبي بكر وعمر ( رض ) بالسلام عليهم والدعاء لهم . أما النساء فلا يجوز لهن زيارة القبور في أصح قولي العلماء ! !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 80 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال : ( المخالفة السادسة : التكرار والإكثار من زيارة قبره ( ص ) ، كأن تكون زيارته بعد كل فريضة ، أو في كل يوم بعد فريضة بعينها ، ففي هذا مخالفة لهدي النبي ( ص ) وفي هذا مخالفة لقوله ( ص ) : لا تجعلوا قبري عيداً ) .
* *
الأسئلة
1 - كيف تزعمون أن زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله مشروعة بشرط أن لا يخطو المسلم خطوة واحدة بنية الزيارة ؟ !
فهل تقولون للمسلمين زوروا القبر لكن لا تنووا زيارته ، فهذا محال ، لأن الذي يخطو إلى القبر فقد قصده ونوى زيارته !
وإن قلتم إن زيارته مشروعة ، لزمكم أن تكون نيته والقصد اليه مشروعة ، فمحال أن يكون العمل مشروعاً محبوباً لله تعالى وقصده معصية ؟ !
2 - نراكم تعبرون باستحباب زيارة مسجد النبي صلى الله عليه وآله ، ولم نرَ لأحد منكم فتوى باستحباب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وقد يعبر بعضكم بأنها مشروعة لكن تشترطون أن تكون بدون قصد إليها ، وتنهون عن تكرارها !
قال الشيخ البدير في خطبة الجمعة في المسجد النبوي في موسم حج سنة 1422 :
( المخالفة السادسة : التكرار والإكثار من زيارة قبره ( ص ) كأن تكون زيارته بعد كل فريضة ، أو في كل يوم بعد فريضة بعينها ، ففي هذا مخالفة لهدي النبي ( ص ) ، وفي هذا مخالفة لقوله ( ص ) : لا تجعلوا قبري عيداً ) .
فلماذا تخافون من المسلمين وتستعملون معهم التقية ولا تجهرون برأيكم في أن زيارة النبي صلى الله عليه وآله غير مستحبة أبداً ، بل هي جائزة على كراهة ، بشرط
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 81 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أن تكون في العمر مرة واحدة لا أكثر ! فإذا كررها المسلم كلما دخل إلى المسجد فهي معصية ، وصاحبها محدث في المدينة ، يستتاب عند القاضي ، فإن تاب من هذه الجريمة يعزر حسب نظر القاضي أو يعفى عنه ، وإن أصرَّ على جريمته يجب قتله ، والأفضل أن يكون قتله قرب قبر النبي صلى الله عليه وآله حتى يكون عبرةً للآخرين !
3 - ما رأيكم في إمامكم الألباني الذي تقدم عنه أنه لا يصلي في المسجد النبوي لوجود قبر النبي صلى الله عليه وآله فيه ؟
4 - ما رأيكم في إمامكم ابن باز الذي نقلوا عنه أنه افتخر بأنه صلى إماماً في المسجد النبوي ثلاثين سنة ، وكان يمر من عند قبر النبي صلى الله عليه وآله ولم يسلم عليه حتى مرة واحدة ، لأن النبي صلى الله عليه وآله رجل جاء ومضى ! !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 82 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 26 يقولون بفتح باب الإجتهاد ويجبرون المسلمين على اتباع رأيهم !

إذا أردنا أن نحملهم على الأحسن نقول إن ابن تيمية وأتباعه المشايخ وصل اجتهادهم إلى أن الزيارة الأولى للنبي صلى الله عليه وآله معفوة ، والزيارة الثانية وما بعدها حرام وبدعة ! لكن بما أنهم يرون أن باب الإجتهاد مفتوح ، وأن على المجتهد أن يعمل باجتهاده وما وصل إليه رأيه ، لأنه إن أصاب فله أجران ، وإن أخطأ فله أجر واحد ، فلماذا يصادرون حق الإجتهاد المشروع من المسلمين في أداء حجهم وزيارة قبر نبيهم صلى الله عليه وآله وأئمتهم عليهم السلام ، ويلزموهم بالعمل باجتهادهم هم ؟ !
وبأي شرع تفتحون باب الإجتهاد لأنفسكم فقط وتقفلونه على علماء المذاهب وملايين المسلمين أتباع المذاهب الأربعة ، والخمسة ، والسبعة ، وتحكمون عليهم بالكفر أو الضلال ، إذا لم يقلدكم ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 83 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأسئلة
1 - إذا كان الميزان عندكم في العقائد والأحكام الشرعية هو الإجتهاد فهو مفتوح لجميع المسلمين ، فلماذا حصرتم حق الإجتهاد بكم ، وتريدون إلزام المسلمين بالعمل باجتهادكم ، وتنعونهم من العمل باجتهادهم ؟
أما إذا كان الميزان عندكم إجماع المسلمين مقابل الرأي الشاذ ، فأنتم الأقلية الشاذة ، فعددكم لا يبلغ مليون نسمة من مجموع مليار ونصف مسلم !
بل أنتم أقلية حتى في بلادكم ، فلو أجريتم استفتاء في المملكة العربية السعودية على فتاوى ابن تيمية وتقليده لما بلغتم مليون شخص ! أما لو اقتصرنا على الفقهاء ، فكم يبلغ عدد فقهائكم من مجموع فقهاء المسلمين ؟ !
2 - نحن نطعن في اجتهادكم بأنه لا يقوم على أساس علمي ، فما هو الكتاب الذي تتبينونه في أصول الفقه ؟ ! ونراكم تتناقضون في إجتهاداتكم ، وتتخبطون في مبانيكم ، فمرة تعتبرون أن الأصل في الأشياء الحل حتى يرد نهي ، ومرة تعتبرون أن الأصل فيها الحرمة حتى يرد الترخيص ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 84 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 27 تحريفهم لكتب العلماء وحذفهم منها زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله !

قال الحافظ الممدوح في رفع المنارة ص 57 : ( قال الله تبارك وتعالى : وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّاباً رَحِيماً ) ( سورة النساء : 64 ) ، وهذه الآية تشمل حالتي الحياة وبعد الانتقال ، ومن أراد تخصيصها بحال الحياة فما أصاب ، لأن الفعل في سياق الشرط يفيد العموم ، وأعلى صيغ العموم ما وقع في سياق الشرط ، كما في إرشاد الفحول ص 122 .
إلى أن قال الممدوح : وقد فهم المفسرون من الآية العموم ولذلك تراهم يذكرون معها حكاية العتبي الذي جاء للقبر الشريف ، فقال ابن كثير في تفسيره : 2 / 306 : وقد ذكر جماعة منهم الشيخ أبو النصر بن الصباغ في كتابه الشامل الحكاية المشهورة عن العتبي قال : كنت جالساً عند قبر النبي ( ص ) فجاء أعرابي فقال : السلام عليك يا رسول الله . سمعت الله يقول : ( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّاباً رَحِيماً ) وقد جئتك مستغفراً لذنبي مستشفعاً بك إلى ربي . ثم أنشأ يقول :
يا خيرَ من دُفنتْ بالقاع أعظمُهُ * فطابَ من طيبهنَّ القاعُ والنَّسَمُ
نفسي الفداءُ لقبرٍ أنتَ ساكنُه * فيه العفافُ وفيه الجودُ والكرمُ
ثم انصرف الأعرابي ، فغلبتني عيني فرأيت النبي ( ص ) في النوم فقال : يا عتبي إلحق الأعرابي فبشره أن الله قد غفر له ) . ‍
وقد ذكر قصة العتبي الإمام المجمع على فضله وعلمه يحيى بن شرف النووي الشافعي في كتابه الأذكار ، ولكن خلع " المحقق " ربقة الأمانة ! فحذف قصة العتبي في الطبعة التي حققها لحساب دار الهدى بالرياض سنة 1409 ! !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 85 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولم يكتف بهذا التحريف فله نظائر أخرى منها : قال الإمام النووي في الأذكار : ( فصل في زيارة قبر رسول الله ( ص ) وأذكارها : إعلم أنه ينبغي لكل من حج أن يتوجه إلى زيارة رسول الله ( ص ) سواء كان ذلك طريقه أو لم يكن ، فإن زيارته ( ص ) من أهم القربات وأربح المساعي وأفضل الطلبات . . إلخ ) . هذه عبارة الإمام النووي ، ولكن المحقق حرَّف عبارة النووي ، وهذا نص تحريفه ص 295 : ( فصل في زيارة مسجد رسول الله ( ص ) . . . الخ . ) . ! ! انتهى كلام الممدوح .
فانظروا إلى انعدام الأمانة العلمية عند هؤلاء ! وجرأتهم على تحريف مصادر المسلمين ، وتزوير كتاب الأذكار للنووي ، مع أنه كتاب مطبوع ومؤلفه فقيه معروف ! وهذا مثلٌ من تحريفاتهم ، ولها أمثال أخرى !
* *
الأسئلة
1 - ما قولكم في المواد الجنائية والأخلاقية التي توجد في مثل هذا العمل :
أ - خيانة الأمانة العلمية في كتاب النووي بحذف قسم منه .
ب - تزوير نسبة الكتاب المحرف إلى صاحبه بعد تحريفه .
ج‍ - كتمان العلم على المسلمين بحذف فتاوى علمائهم .
2 - ما قولكم في الذي ارتكب هذا التحريف في كتاب النووي ، وما هو واجب المحكمة تجاهه ، وحكم قاضيكم فيه ؟ !
3 - هل تسقط عدالة الفقيه أو الراوي إذا ارتكب التحريف والتزوير ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 86 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 28 مخالفة الوهابيين لجميع المسلمين في التوسل والاستشفاع !

فقد أجمع المسلمون قولاً وعملاً على مشروعية التوسل والاستشفاع بالنبي صلى الله عليه وآله وجوزوا ذلك بالأئمة من أهل بيته عليهم السلام ، وكذلك الاستشفاء والتبرك بآثاره صلى الله عليه وآله وآثار الأنبياء والأئمة عليهم السلام والأولياء الصالحين .
بينما حرم الوهابيون كل ذلك وعدُّوه شركاً بالله تعالى ، بحجة أنه توسل بالأموات الذين لا ينفعون ولا يضرون ، بينما أجازوا التوسل بمشايخهم الأحياء لأنهم ينفعون ! ! فالتوسل بالميت عندهم شرك حتى لو كان بالنبي صلى الله عليه وآله !
والتوسل بالحي عندهم إيمان وعبادة ، حتى لو كان بشخص كافر !
فلو قال شخص : اللهم إني أتوسل إليك بنبيك صلى الله عليه وآله ، فقد كفر ! ولو قال : اللهم أتوسل إليك بالشيخ حنتوش ، أو بالمستر فوكس ، فهو مؤمن ! !
كل ذلك لأن النبي صلى الله عليه وآله بزعمهم عاجز لا يقدر على نفع من توسل واستغاث به إلى الله تعالى ، بينما فوكس وجعموص قادران على النفع ، فالتوسل بهما حلال وإيمان ! وقد استدل إمامهم ابن تيمية على رأيه بأن عمر توسل بالعباس عم النبي صلى الله عليه وآله ولم يتوسل بالنبي صلى الله عليه وآله وفسر ذلك بأن عمر مثله يعتقد أن التوسل بالميت حرام وشرك ، والتوسل بالحي حلال حتى بالكافر !
مع أن العقل والشرع يقولان : إن حكم التوسل واحد ، فإن كان بالميت شركاً بالله تعالى لأنه دعاء غير الله تعالى ، فهو بالحي شركٌ أيضاً ! فلو جاز بالحي لجاز بالميت ، ومحال أن يكون بعض الشرك إيماناً لا يخرج عن الإسلام ، وبعضه حرام مخرج عن الإسلام !
قال ابن باز في جواب سؤال عن الاستغاثة بالحي فيما يقدر عليه : ( أما الحي فلا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 87 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بأس أن يتعاون معه ، لأن له عملاً فيما يجوز شرعاً من الأسباب الحسية كما قال تعالى : ( فََاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ ) ، في قصة موسى ، فإن موسى حيٌّ وهو المستغاث به ، فاستغاثه الإسرائيلي على الذي من عدوه وهو القبطي ، وهكذا الإنسان مع إخوانه ومع أقاربه ، يتعاونون في مزارعهم ، وفي إصلاح بيوتهم ، وفي إصلاح سياراتهم ، وفي أشياء أخرى من حاجاتهم يتعاونون بالأسباب الحسية المقدورة ، فلا بأس . . . فالتعاون مع الأحياء شئ جائز بشروطه المعروفة ، وسؤال الأموات والاستغاثة بالأموات والنذر لهم أمر ممنوع ومعلوم عند أهل العلم ( من هم ؟ ) أنه شرك أكبر ) ! ( موقع فتاوي ابن باز : http : / / ibnbaz . org / )
* *
الأسئلة
1 - ما رأيكم بالمسلم الذي يعمل بفتوى مذهبه ، فينوي من بلده حج بيت الله تعالى وزيارة قبر نبيه صلى الله عليه وآله والتوسل به إلى الله تعالى ، ويعتقد أن ذلك من أفضل القربات إلى ربه ، هل هو بفتواكم مشركٌ يجب منعه من دخول الحرمين حتى يسلم على أيديكم ، أو يقتل ؟ !
2 - ما دام التوسل بالحي عندكم جائزاً ، فأنتم تقرون مبدأ التوسل ، ولا مانع عندكم من أصل التوسل بالنبي صلى الله عليه وآله إلا أنه بزعمكم ميت لا ينفع !
فلو اعتقد المسلم بأن النبي حيٌّ عند ربه يرزق ويسمع وينفع بإذن ربه ، فالتوسل له حلال ، فلماذا تحرمونه عليه وتحكمون عليه بأنه مشرك كافر ؟ ! !
3 - ما حكم ملايين المسلمين في العصور الماضية بمن فيهم أئمة المذاهب وحتى أسلافكم أنتم هل هم كفار لأنهم يعتقدون بالتوسل بالنبي صلى الله عليه وآله ؟
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 88 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 29 مخالفتهم للأحاديث الصحيحة في مشروعية التوسل

روى السنيون بسند صحيح عن النبي صلى الله عليه وآله أنه عَلَّمَ المسلمين أن يتوسلوا به إلى الله تعالى ، وقد توسلوا به في حياته فاستجاب الله لهم .
روى الترمذي : 5 / 229 رقم 3649 : ( حدثنا محمود بن غيلان أخبرنا عثمان بن عمر ، أخبرنا شعبة ، عن أبي جعفر ، عن عمارة بن خزيمة بن ثابت ، عن عثمان بن حنيف : أن رجلاً ضرير البصر أتى النبي ( ص ) فقال : أدع الله أن يعافيني . قال : إن شئت دعوت ، وإن شئت صبرت فهو خير لك . قال : فادعه . قال فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعوه بهذا الدعاء : اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة . يا محمد إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى لي ، اللهم فشفعه فيَّ . هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث أبي جعفر ، وهو غير الخطمي ) .
( ورواه ابن ماجة في : 1 / 441 ، وقال : قال أبو إسحاق هذا حديث صحيح . ورواه أحمد في مسنده : 4 / 138 ، بروايتين . ورواه الحاكم في المستدرك : 1 / 313 ، وقال : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ! ورواه في : 1 / 519 ، بسندين آخرين ، وقال بعدهما : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه . ورواه في : 1 / 526 ، وقال : تابعه شبيب بن سعيد الحبطي عن روح بن القاسم ، مع زيادات في المتن والإسناد والقول . . . وقال أيضاً : هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه ، وإنما قدمت حديث عون بن عمارة لأن من رسمنا أن نقدم العالي من الأسانيد . ورواه الطبراني في كتاب الدعاء ص 320 ، وما بعدها بعدة طرق ، وكذا في المعجم الكبير : 9 / 31 ، والصغير : 1 / 183 ، وصححه . ورواه في مجمع الزوائد : 2 / 279 ، وقال : قلت : روى الترمذي وابن ماجة طرفاً من آخره خالياً عن القصة ، وقد قال الطبراني عقبه : والحديث صحيح ، بعد ذكر طرقه التي روى بها . ورواه في كنز العمال : 2 / 181 ، و 6 / 521 ( ت ، ه‍ ، ك ، عن عثمان بن حنيف . حم . ت . حسن صحيح غريب . هك . وابن السني ، عن عثمان بن حنيف ) ورواه ابن خزيمة في صحيحه : 2 / 225 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 89 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي السنن الكبرى للنسائي : 6 / 168 : ( عن عثمان بن حنيف أن رجلاً أعمى أتى النبي ( ص ) فقال : يا رسول الله إني رجل أعمى ، فادع الله أن يشفيني ، قال بل أدَعُك ، قال : أدع الله لي مرتين أو ثلاثاً . قال : توضأ ثم صل ركعتين ثم قل : اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيي محمد نبي الرحمة ، يا محمد إني أتوجه بك إلى الله أن يقضي حاجتي ، أو حاجتي إلى فلان ، أو حاجتي في كذا وكذا . اللهم شفع في نبيي وشفعني في نفسي ) . انتهى . ثم رواه النسائي بروايتين أيضاً .
* *
الأسئلة
1 - بأي وجه شرعي تردون الأحاديث الصحيحة حتى على موازينكم كحديث الأعمى ، وتتمسكون في مقابلها باستحسانكم وشبهاتكم ؟ !
2 - لماذا تصرون على مقولتكم الباطلة بأن النبي صلى الله عليه وآله ميت لا ينفع ، وتردون الأحاديث الصحيحة في حياته عند ربه ونفعه لنا حياً وميتاً صلى الله عليه وآله ؟ !
3 - تعترضون على المسلمين قائلين : لماذا تتوسلون بالمخلوق ، ولا تدعون الله تعالى مباشرة ؟ ! هلاَّ وجهتم اعتراضكم إلى النبي صلى الله عليه وآله لماذا علَّم هذا الأعمى أن يتوسل به إلى الله تعالى ، ولم يعلمه أن يدعو ربه مباشرة ؟ !
4 - لماذا لا تعترضون على الله تعالى لأنه أمرنا أن نبتغي اليه الوسيلة فقال في آخر سورة أنزلها على نبيه صلى الله عليه وآله : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) ( سورة المائدة : 35 ) ، أم تقولون بأن هذه الآية منسوخة بفتوى أحمد عبد الحليم الحراني ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 90 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 30 لصحابة علموا الناس التوسل بالنبي صلى الله عليه وآله بعد وفاته

فقد روى الطبراني بسند صحيح أن الصحابي الجليل عثمان بن حنيف طبَّق حديث التوسل بالنبي صلى الله عليه وآله بعد وفاته ، مما يدل على أن التوسل به صلى الله عليه وآله ليس مخصوصاً بحياته ! قال الصديق المغربي في رسالته ( إرغام المبتدع الغبي بجواز التوسل بالنبي ) ص 11 :
( وبعد ، فإن الشيخ الألباني سامحه الله تعالى صاحب غرض وهوى ، إذا رأى حديثاً أو أثراً لا يوافق هواه فإنه يسعى في تضعيفه بأسلوب فيه تدليس وغش ، ليوهم قراءه أنه مصيب مع أنه مخطئ بل خاطئ غاش ، وبأسلوبه هذا ضلَّلَ كثيراً من أصحابه الذين يثقون به ويظنون أنه على صواب والواقع خلاف ذلك .
ومن المخدوعين به من يدعى حمدي السلفي الذي يحقق المعجم الكبير ، فقد أقدم بجرأة على تضعيف أثر صحيح لم يوافق هواه كما لم يوافق هوى شيخه ، وكان كلامه في تضعيفه هو كلام شيخه نفسه ! فأردت أن أرد الحق إلى نصابه ، ببيان بطلان كلام الخادع والمخدوع به ، وعلى الله اعتمادي ، وإليه تفويضي واستنادي :
روى الطبراني في المعجم الكبير : 9 / 17 ، من طريق ابن وهب ، عن شبيب ، عن روح بن القاسم ، عن أبي جعفر الخطمي المدني ، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف ، عن عمه عثمان بن حنيف ( رضي الله عنه ) : أن رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفان ( رضي الله عنه ) في حاجة له فكان عثمان لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته ، فلقي عثمان بن حنيف فشكا إليه ذلك ، فقال له عثمان بن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 91 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
حنيف : إئت الميضأة فتوضأ ثم ائت المسجد فصل فيه ركعتين ثم قل : اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد ( ص ) نبي الرحمة . يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي فتقضي لي حاجتي . وتذكر حاجتك ، ورح إليه حتى أروح معك . فانطلق الرجل فصنع ما قال له ، ثم أتى باب عثمان بن عفان فجاء البواب حتى أخذ بيده ، فأدخله على عثمان بن عفان فأجلسه معه على الطنفسة ، وقال له ما حاجتك فذكر حاجته فقضاها له ، ثم قال : ما ذكرت حاجتك حتى كانت هذه الساعة ، وقال : ما كانت لك من حاجة فأتنا .
ثم إن الرجل خرج من عنده فلقي عثمان بن حنيف فقال له : جزاك الله خيراً ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إليَّ حتى كلمتَه فيَّ . فقال عثمان بن حنيف : والله ما كلمتُه ، ولكن شهدتُ رسول الله ( ص ) وأتاه رجل ضرير فشكا إليه ذهاب بصره ، فقال له النبي ( ص ) أو تصبر ؟ فقال : يا رسول الله إنه ليس لي قائد وقد شقَّ علي . فقال له النبي ( ص ) : إئت الميضأة فتوضأ ثم صل ركعتين ، ثم ادع بهذه الدعوات ! قال عثمان بن حنيف : فوالله ما تفرقنا وطال بنا الحديث ، حتى دخل علينا الرجل كأنه لم يكن به ضُرٌّ قَطْ .
صححه الطبراني ، وتعقبه حمدي السلفي بقوله : لاشك في صحة الحديث المرفوع ، وإنما الشك في هذه القصة التي يستدل بها على التوسل المبتدع ، وهي انفرد بها شبيب كما قال الطبراني ، وشبيب لا بأس بحديثه ، بشرطين : أن يكون من رواية ابنه أحمد عنه ، وأن يكون من رواية شبيب عن يونس بن يزيد . والحديث رواه عن شبيب بن وهب وولداه إسماعيل وأحمد ، وقد تكلم الثقات في رواية ابن وهب عن شبيب في شبيب ، وابنه إسماعيل لا يعرف ، وأحمد وإن روى القصة عن أبيه إلا أنها ليست من طريق يونس
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 92 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بن يزيد ، ثم اختلف فيها على أحمد . ورواه ابن السني في عمل اليوم والليلة ، والحاكم من ثلاثة طرق بدون ذكر القصة ، ورواه الحاكم من طريق عون بن عمارة البصري عن روح بن القاسم به ، قال شيخنا محمد ناصر الدين الألباني : وعون هذا وإن كان ضعيفاً فروايته أولى من رواية شبيب لموافقتها لرواية شعبة وحماد بن سلمة ، عن أبي جعفر الخطمي . انتهى .
وفي هذا الكلام تدليس وتحريف نبينه فيما يلي :
أولاً : هذه القصة رواها البيهقي في دلائل النبوة من طريق يعقوب بن سفيان ، حدثنا أحمد بن شبيب بن سعيد ، ثنا أبي عن روح بن القاسم ، عن أبي جعفر الخطمي ، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف ، عن عمه عثمان بن حنيف ، أن رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفان ( رضي الله عنه ) ، فذكر القصة بتمامها . ويعقوب بن سفيان هو الفسوي الحافظ الإمام الثقة ، بل هو فوق الثقة ، وهذا إسناد صحيح البخاري ، ومعنى ذلك أنها صحيحة ، وهذا الذي يوافق كلام الحافظ ويبطل ما استنبطه الألباني من كلام الحافظ في مقدمة فتح الباري ، فليتأمل . وإن الحفاظ أيضاً صححوا هذه القصة ، كالمنذري في الترغيب والترهيب : 1 / 476 بإقراره للطبراني ، والهيثمي في مجمع الزوائد : 2 / 279 ، أيضاً ، وقبلهما الإمام الحافظ الطبراني في معجمه الصغير : 1 / 307 ، الروض الداني . وغيرهم .
ثانياً : أحمد بن شبيب من رجال البخاري ، روى عنه في الصحيح وفي الأدب المفرد ، ووثقه أبو حاتم الرازي ، وكتب عنه هو وأبو زرعة ، وقال ابن عدي : وثقه أهل البصرة وكتب عنه علي بن المديني . وأبوه شبيب بن سعيد التميمي الحبطي البصري أبو سعيد ، من رجال البخاري أيضاً ، روى عنه في الصحيح وفي الأدب المفرد . ووثقه أبو زرعة وأبو حاتم والنسائي والذهلي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 93 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والدارقطني والطبراني في الأوسط . قال أبو حاتم : كان عنده كتب يونس بن زيد ، وهو صالح الحديث لا بأس به . وقال ابن عدي : ولشبيب نسخة الزهري عنده عن يونس عن الزهري أحاديث مستقيمة . وقال ابن المديني : ثقة كان يختلف في تجارة إلى مصر ، وكتابه كتاب صحيح .
هذا ما يتعلق بتوثيق شبيب ، وليس فيه اشتراط صحة روايته بأن تكون عن يونس بن يزيد ، بل صرح ابن المديني بأن كتابه صحيح . وابن عدي إنما تكلم على نسخة الزهري عن شبيب فقط ، ولم يقصد جميع رواياته !
فما ادعاه الألباني تدليس وخيانة ! يؤكد ذلك أن حديث الضرير صححه الحفاظ ولم يروه شبيب عن يونس عن الزهري ! وإنما رواه عن روح بن القاسم !
ودعواه ضعف القصة بالاختلاف فيها حيث لم يذكرها بعض الرواة عند ابن السني والحاكم لون آخر من التدليس ! لأن من المعلوم عند أهل العلم أن بعض الرواة يروي الحديث وما يتصل به كاملاً ، وبعضهم يختصر منه بحسب الحاجة ، والبخاري يفعل هذا أيضاً ، فكثيراً ما يذكر الحديث مختصراً أو يوجد عند غيره تاماً . والذي ذكر القصة في رواية البيهقي إمام فذ ، يقول عنه أبو زرعة الدمشقي : قدم علينا رجلان من نبلاء الناس أحدهما وأرحلهما يعقوب بن سفيان ، يعجز أهل العراق أن يرو مثله رجلاً .
وتقديمه رواية عون الضعيف على من زاد القصة ، لون ثالث من التدليس والغش ! فإن الحاكم روى حديث الضرير من طريق عون مختصراً ، ثم قال : تابعه شبيب بن سعيد الحبطي عن روح بن القاسم زيادات في المتن والإسناد ، والقول فيه قول شبيب فإنه ثقة مأمون ، هذا كلام الحاكم ، وهو يؤكد ما تقرر
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 94 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عند علماء الحديث والأصول أن زيادة الثقة مقبولة ، وأن من حفظ حجة على من لم يحفظ ! والألباني رأى كلام الحاكم لكن لم يعجبه لذلك ضرب عنه صفحاً ، وتمسك بأولوية رواية عون الضعيف عناداً وخيانة .
ثالثاً : تبين مما أوردناه وحققناه في كشف تدليس الألباني وغشه ، أن القصة صحيحة جداً ، رغم محاولاته وتدليساته ، وهي تفيد جواز التوسل بالنبي ( ص ) بعد انتقاله ، لأن الصحابي راوي الحديث فهم ذلك ، وفهم الراوي له قيمته العلمية ، وله وزنه في مجال الاستنباط .
وإنما قلنا إن القصة من فهم الصحابي على سبيل التنزل ، والحقيقة أن ما فعله عثمان بن حنيف من إرشاده الرجل إلى التوسل كان تنفيذاً لما سمعه من النبي ( ص ) كما ثبت في حديث الضرير . قال ابن أبي خيثمة في تاريخه : حدثنا مسلم بن إبراهيم ، ثنا حماد بن سلمة أنا أبو جعفر الخطمي ، عن عمارة بن خزيمة ، عن عثمان بن حنيف ( رضي الله عنه ) : أن رجلاً أعمى أتى النبي ( ص ) فقال : إني أصبت في بصري فادع الله لي قال : إذهب فتوضأ وصل ركعتين ثم قل : اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيي محمد نبي الرحمة . يا محمد إني أستشفع بك إلى ربي في رد بصري . اللهم فشفعني في نفسي ، وشفع نبيي في رد بصري . وإن كانت حاجة فافعل مثل ذلك . إسناده صحيح .
والجملة الأخيرة من الحديث تصرح بإذن النبي ( ص ) في التوسل به عند عروض حاجة تقتضيه .
وقد أعلَّ ابن تيمية هذه الجملة بعلل واهية . بينت بطلانها في غير هذا المحل . وابن تيمية جرئ في رد الحديث الذي لا يوافق غرضه ولو كان في الصحيح ! مثال ذلك : روى البخاري في صحيحه حديث ( كان الله ولم يكن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 95 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
شئ غيره ) وهو موافق لدلائل النقل والعقل والإجماع المتيقن ، لكنه خالف رأيه في اعتقاده قدم العالم ، فعمد إلى رواية للبخاري أيضاً في هذا الحديث بلفظ ( كان الله ولم يكن شئ قبله ) فرجحها على الرواية المذكورة ، بدعوى أنها توافق الحديث الآخر ( أنت الأول فليس قبلك شئ ) . قال الحافظ ابن حجر : مع أن قضية الجمع بين الروايتين تقتضي حمل هذه الرواية على الأولى لا العكس ، والجمع مقدم على الترجيح بالاتفاق .
قلت : تعصبه لرأيه أعماه عن فهم الروايتين اللتين لم يكن بينهما تعارض . . .
مثالٌ ثانٍ : حديث أمر رسول الله ( ص ) بسد الأبواب الشارعة في المسجد وترك باب علي ، حديث صحيح ، أخطأ ابن الجوزي بذكره في الموضوعات . ورد عليه الحافظ في القول المسدد . وابن تيمية لانحرافه عن علي كما هو معلوم ، لم يكفه حكم ابن الجوزي بوضعه ، فزاد من كيسه حكاية اتفاق المحدثين على وضعه ! ! وأمثلة رده للأحاديث التي يردها لمخالفة رأيه كثيرة يعسر تتبعها ) . انتهى كلام الحافظ المغربي ، وهو كلام متين . .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 96 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأسئلة
1 - لماذا رددتم الحديث الصحيح الذي علَّم فيه النبي صلى الله عليه وآله المسلمين التوسل به في حياته ، وطبقه الصحابة بعد وفاته ؟ !
2 - ما رأيكم في إشكالات الصديق المغربي على إمامكم الألباني ؟
3 - ما قولكم في استغاثة عبد الله بن عمر بالنبي صلى الله عليه وآله عندما أصابه خَدَرٌ في بدنه ، فقال ( يا محمداه ) ! هل تحكمون بشركه أو بجهله ؟
قال القاضي عياض في الشفا : 2 / 23 : ( وروي أن عبد الله بن عمر خدرت رجله فقيل له أذكر أحب الناس إليك يزل عنك فصاح يا محمداه فانتشرت ) .
وقال المناوي في فيض القدير : 1 / 512 : ( كما شرعت الصلاة عليه عند خدر الرجل لخبر ابن السني : إن رجلاً خدرت رجله عند ابن عباس فقال له : أذكر أحب الناس إليك . . . قال الهيتمي : إسناد الطبراني في الكبير حسن . اه‍ .
وبه بطل قول من زعم ضعفه فضلاً عن وضعه ، بل أقول : المتن صحيح ، فقد رواه ابن خزيمة في صحيحه باللفظ المذكور عن أبي رافع المزبور ، وهو ممن التزم تخريج الصحيح ، ولم يطلع عليه المصنف أو لم يستحضره ، وبه شنعوا على ابن الجوزي . انتهى .
وقد رواه البخاري في الأدب المفرد ص 207 ، والحربي في غريب الحديث : 2 / 673 ، وابن الأثير في النهاية : 2 / 13 ، والنووي في الأذكار ص 305 ، والصالحي في سبل الهدى والرشاد : 11 / 431 . . الخ . فما قولكم فيه ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 97 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 31 عائشة علمت المسلمين أن يتوسلوا بقبر النبي صلى الله عليه وآله !

عقد الدارمي في سننه : 1 / 43 باباً تحت عنوان : ( باب ما أكرم الله تعالى نبيه ( ص ) بعد موته ) ، وروى فيه هذا الحديث : ( حدثنا أبو النعمان ، ثنا سعيد بن زيد ، ثنا عمرو بن مالك النكري حدثنا أبو الجوزاء أوس بن عبد الله قال : قحط أهل المدينة قحطاً شديداً فشكوا إلى عائشة فقالت : أنظروا قبر النبي ( ص ) فاجعلوا منه كوىً إلى السماء ، حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف ، قال ففعلوا فمطرنا مطراً حتى نبت العشب وسمنت الإبل حتى تفتقت من الشحم ، فسمي عام الفتق ) .
وقد تحير ابن تيمية وأتباعه كالألباني في رواية عائشة في التوسل لأنها صريحة وهي على موازين علماء الجرح والتعديل صحيحة ! وبحثا عن منفذ لتضعيفها ، فتعقبهم النقاد من أتباع المذاهب المختلفة وكشفوا ما ارتكبوه في تضعيف حديث عائشة اتباعاً للهوى !
قال الصديق المغربي في كتابه : ( إرغام المبتدع الغبي في جواز التوسل بالنبي صلى الله عليه وآله ص 23 : ( قال الدارمي في سننه . . . ونقل روايته ثم قال : ضعف الألباني هذا الأثر بسعيد بن زيد ، وهو مردود لأن سعيداً من رجال مسلم ، ووثقه يحيى بن معين . ذكر الألباني تضعيفه في كتابه ( التوسل أنواعه وأحكامه ط . ثانية ص 128 ) واحتج بحجج باطلة على عادته في تمويهاته ، حيث نقل كلام ابن حجر في التقربب الذي يوافق هواه ولم ينقل من هنالك أنه من رجال مسلم في صحيحه ، فلننتبه إلى هذا التدليس وهذه الخيانة التي تعود عليها هذا الرجل ، الذي يصف أعداءه بكتمان الحق وما يخالف آراءهم ، كما في مقدمته الجديدة لآداب زفافه والتي حلاها بما دل على اختلاطه من هجرٌ وخناً ، ثم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 98 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أردف ذلك بنقل ترجمة سعيد بن زيد من الميزان للذهبي ، زيادة في الكتم والتعمية ، وقد خان فلم يذكر ما ذكر الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب : 4 / 29 من نقل أقوال موثقيه ، زيادةً على أنه من رجال مسلم في الصحيح . . . وضعفه أيضاً باختلاط أبي النعمان ، وهو تضعيف غير صحيح لأن اختلاط أبي النعمان لم يؤثر في روايته ، قال الدارقطني : تغير بآخره وما ظهر له بعد اختلاطه حديث منكر وهو ثقة . وقول ابن حبان وقع في حديثه المناكير الكثيرة بعد اختلاطه رده الذهبي فقال : لم يقدر ابن حبان أن يسوق له حديثاً منكراً ! ) .
* *
الأسئلة
1 - خالفتم أمكم عائشة فيما صح عنها في البخاري من نفيها المؤكد رؤية النبي صلى الله عليه وآله لربه سبحانه وتكفيرها من قال ذلك ، ورجحتم على قولها قول عكرمة البربري ! ثم خالفتموها في التوسل بالنبي بعد وفاته صلى الله عليه وآله ، ورجحتم على قولها قول إمامكم ابن تيمية !
فأي قيمة تبقى عندكم لكلام أمكم ، التي تدَّعون تقديرها وإطاعتها ؟ !
2 - حكمت عائشة بكفر من يزعم أن النبي صلى الله عليه وآله رأى ربه ، فشمل حكمها إمامكم ابن تيمية ! وشملكم لأنكم قبلتم منه وقلدتموه فيه !
وكفَّر إمامكم ابن تيمية كل من يتوسل بالنبي صلى الله عليه وآله بعد وفاته ، فشمل حكمه أمكم عائشة لأنها أمرت المسلمين بالتوسل بالميت وهو شرك أكبر ؟ !
فأي أبناء بارِّين بأمكم أنتم وقد بلغ من بركم بها أنكم تكفرونها ؟
وأي أم محبة لكم هي ، وقد بلغ من حبها لكم أنها تكفركم ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 99 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 32 النبي صلى الله عليه وآله سيد الأحياء عند ربه وهو ينفع حياً وميتاً

من الإشكالات عليهم أن المسلم الذي يدافع عن بيته وماله فيقتل فهو حيٌّ عند ربه يرزق بنص القرآن ، بقوله تعالى : ( وََلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ) . ( سورة آل عمران : 169 ) فكيف تجعلون النبي صلى الله عليه وآله الذي هو أفضل الخلق ميتاً لا يسمع ولا ينفع من يتوسل به إلى ربه ، لأنه لا يستطيع أن يدعو له ؟ !
وأصل مشكلة هؤلاء المشايخ أنهم ينقصون من مقام النبي صلى الله عليه وآله ولا يفهمون شخصيته الربانية المقدسة ، لغلظة أذهانهم وغلبة التفكير المادي عليهم !
فهم يتصورون أن النبي صلى الله عليه وآله إذا مات فقد انقطع عن الدنيا ، فكأنهم غربيون لا يؤمنون بعالم الغيب والروح ، ولا بحياة الشهداء عند ربهم ، ولا يستوعبون أن الأنبياء عليهم السلام أحياءٌ عند ربهم بحياة أعلى من حياة الشهداء .
والعجيب فيهم أنهم يغمضون أعينهم عن الأحاديث الشريفة الصحيحة الصريحة في حياة نبينا صلى الله عليه وآله وأن سلامنا يبلغه ، وأنه يرد الجواب على من سلَّم عليه ، وأن صلاتنا عليه تبلغه ، وأعمالنا تعرض عليه !
وينسون أن الله تعالى أمرنا بآية صريحة في كتابه أن نأتي إليه صلى الله عليه وآله ونستغفر الله عنده ونطلب منه أن يستغفر لنا ، فقال : ( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّاباً رَحِيماً ) ( سورة النساء : 64 )
وهو أمرٌ عام لكل عصر ، ومطلقٌ لحياة النبي صلى الله عليه وآله أو بعد وفاته ، وتخصيصه بحياته تحكُّمٌ بلا دليل .
قال الصديق المغربي في الرد المحكم المتين ص 44 : ( فهذه الآية عامة تشمل حالة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 100 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الحياة وحالة الوفاة وتخصيصها بأحدهما يحتاج إلى دليل وهو مفقود هنا .
فإن قيل : من أين أتى العموم حتى يكون تخصيصها بحالة الحياة دعوى تحتاج إلى دليل ؟ قلنا : من وقوع الفعل في سياق الشرط . والقاعدة المقررة في الأصول أن الفعل إذا وقع في سياق الشرط كان عاماً ، لأن الفعل في معنى النكرة لتضمنه مصدراً منكراً ، والنكرة الواقعة في سياق النفي أو الشرط تكون للعموم وضعاً ) . انتهى .
ولا يتسع المجال لاستقصاء الأدلة من الآيات والأحاديث وفتاوى فقهاء المذاهب ، على حياة نبينا صلى الله عليه وآله عند ربه ، وسماعه سلامنا وصلاتنا عليه وتوسلنا به ، واستغفاره ودعائه لنا ، فنكتفي ببعضها :
منها : ما رواه في مجمع الزوائد : 9 / 24 قال : ( باب ما يحصل لأمته ( ص ) من استغفاره بعد وفاته ) : عن عبد الله بن مسعود ، عن النبي ( ص ) قال : إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام . قال وقال رسول الله ( ص ) : حياتي خير لكم تحدثون وتحدث لكم ، ووفاتي خير لكم تُعرض عليَّ أعمالكم ، فما رأيت من خير حمدت الله عليه ، وما رأيت من شر استغفرت الله لكم ) . رواه البزار ورجاله رجال الصحيح . انتهى . كما صححه عدد كبير من علماء السنة ، وقد عدَّدَ من صححه الحافظ السقاف في الإغاثة ص 11 .
ومنها : أنه لو كان نبينا صلى الله عليه وآله لا يسمع توسل المتوسلين إلى الله تعالى به كما يزعمون ، فإن من اللغو والعبث أن يخاطبه المسلمون في صلاتهم فيقولون : ( السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ) ؟ !
وقد تحير أتباع ابن تيمية الحراني بهذا الإشكال ، لأنهم مع جميع المسلمين يقولون في صلواتهم : ( السلام عليك أيها النبي ) !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 101 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وارتكب الألباني محاولة مفضوحة للهروب من هذا الإشكال فوجد رواية ضعيفة عن ابن مسعود أعرض عنها المسلمون تقول أن بعض المصلين قال : ( السلام على النبي ورحمة الله وبركاته ) فتشبث بها وحاول أن يغير صيغة السلام في صلاة المسلمين ، من الخطاب إلى الغيبة !
وقد رد عليه الحافظ الصديق المغربي في رسالته ( القول المقنع في الرد على الألباني المبتدع ص 13 ) وكذا في رسالته ( إرغام المبتدع الغبي في جواز التوسل بالنبي ) فقال في الأخيرة ص 19 : ( تواتر عن النبي ( ص ) تعليم التشهد في الصلاة ، وفيه السلام عليه بالخطاب ونداؤه ( السلام عليك أيها النبي ) وبهذه الصيغة علمه على المنبر النبوي أبو بكر وعمر وابن الزبير ومعاوية ، واستقر عليه الإجماع كما يقول ابن حزم وابن تيمية !
والألباني لابتداعه خالف هذا كله وتمسك بقول ابن مسعود ( فلما مات قلنا السلام على النبي ) ، ومخالفة التواتر والإجماع هي عين الابتداع ) . انتهى .
ولا ينفع الألباني وغيره من علمائهم أن يغيروا صيغة السلام على النبي صلى الله عليه وآله في الصلاة ، لأن إمامهم ابن تيمية وابن عبد الوهاب كانا يقولان في صلاتهما : ( السلام عليك أيها النبي ) فيخاطبونه وهو ميت وهو نوع من التوسل وهو عندهما شرك أكبر ! فإن أرادوا أن يخلصوا أنفسهم من ( الشرك ) فقد وقع فيه أئمتهم !
ومنها : ما رواه الحافظ الممدوح في رفع المنارة ص 62 ، قال : ( قد صح أن النبي ( ص ) قال : الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون . أخرجه البيهقي في حياة الأنبياء ص 15 ، وأبو يعلى في مسنده : 6 / 147 ، وأبو نعيم في أخبار أصبهان : 2 / 44 ، وابن عدي في الكامل : 2 / 739 . وقال الهيثمي في المجمع : 8 / 211 : ورجال أبى يعلى ثقات . اه‍ ، والحديث له طرق .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 102 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال رسول الله ( ص ) : مررت على موسى وهو قائم يصلي في قبره . أخرجه مسلم : 4 / 1845 ، وأحمد : 3 / 120 ، والبغوي في شرح السنة : 13 / 351 ، وغيرهم .
وقال ابن القيم في نونيته عند الكلام على حياة الرسل عليهم السلام بعد مماتهم ( النونية مع شرح ابن عيسى : 2 / 160 ) .
والرسل أكمل حالةً منه ( الشهيد ) بلا * شك ، وهذا ظاهر التبيان
فلذاك كانوا بالحياة أحق من * شهدائنا بالعقل والبرهان
وبأن عقد نكاحه لم ينفسخ * فنساؤه في عصمة وصيان
ولأجل هذا لم يحل لغيره * منهن واحدة مدى الأزمان
أفليس في هذا دليل أنه * حيٌّ لمن كانت له أذنان . انتهى
ومن العجيب أن ابن القيم تلميذٌ مغال في شيخه ابن تيمية ، ومع ذلك يعترف بأن النبي صلى الله عليه وآله حيٌّ عند ربه يسمع وينفع , مع أن شيخه يقول إن التوسل به صلى الله عليه وآله شرك لأنه ميت لا يسمع ولا ينفع ! !
قال الشيخ أحمد زيني دحلان شيخ الشافعية في الدرر السنية : 1 / 42 ، في حديثه عن محمد بن عبد الوهاب : ( حتى أن بعض أتباعه كان يقول : عصاي هذه خير من محمد ، لأنها ينتفع بها في قتل الحية ونحوها ، ومحمد قد مات ولم يبق فيه نفع أصلاً ! ! ) . انتهى .
ونقله أيضاً الشيخ الزهاوي شيخ الأحناف في العراق ، في كتابه الفجر الصادق ص 18 . والشيخ أبو حامد الإستانبولي من علماء الأحناف في تركيا في كتابه التوسل بالنبي ص 245 . والسيد محسن الأمين من علماء الشيعة في كتابه كشف الإرتياب ص 127 .
على أن اعتقاد أتباع ابن تيمية بأن النبي صلى الله عليه وآله بعد وفاته لا ينفع ، ثابتٌ عليهم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 103 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لا يحتاج إلى رواية مسندة عن ابن عبد الوهاب ولاغيره ، لأن ذلك عقيدتهم إلى اليوم ، وعليه يرتكز تحريمهم التوسل بالنبي صلى الله عليه وآله وكل الأموات ، وإن سألت أي شيخ منهم هل ينفع النبي صلى الله عليه وآله اليوم ؟ لرأيته يلف ويدور ولا يقول ينفع ! بينما تراهم يجوزون التوسل بأي شخص حي حتى لو كان كافراً بوالاً على عقبيه ! ( وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً ) ( سورة النساء : 88 )
* *
الأسئلة
1 - إذا كان النبي صلى الله عليه وآله لا ينفع لأنه ميت ، فكيف وصف الله تعالى عن الشهداء العاديين بأنهم ( أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ) وهم أقل درجة من الرسل ؟ !
2 - لقد فهم جميع المسلمين قوله تعالى : ( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ . . . ) بأنها تشمل حياته صلى الله عليه وآله وبعد وفاته ، وعملوا بها ، وأفتى بها فقهاء جميع المذاهب ودونوها في مناسكهم ! فما دليلكم على حصرها بحياته صلى الله عليه وآله ؟ وهل كان المسلمون كلهم على ضلال حتى جاء ابن تيمية في القرن الثامن واكتشف أن جميع المسلمين مشركون كفار لأنهم يقصدون زيارة النبي صلى الله عليه وآله ويتوسلون إلى الله به عند قبره ؟ ! !
3 - ما رأيكم في الأدلة الثلاثة التي ذكرناها على حياة النبي صلى الله عليه وآله عند ربه ؟
4 - هل تخاطبون النبي صلى الله عليه وآله في صلاتكم فتقولون كما يقول المسلمون : ( السلام عليك أيها النبيُّ ورحمة الله وبركاته ) أم تقلدون الألباني ؟
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 104 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وإذا قلدتم الألباني ، فهل أن من يسلم على النبي صلى الله عليه وآله بصيغة الخطاب ، يكون مشركاً ، ومنهم أئمتكم ؟ !
5 - هل يستطيع أحدكم أن يجيب بلا مواربة ولا تقية على السؤال التالي :
أيهما أنفع الآن برأيكم : العصا ، أم النبي صلى الله عليه وآله
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 105 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 33 لصلاة على النبي وآله صلى الله عليه وآله شرط لقبول الصلاة

فقد أفتى أكثر فقهاء المذاهب بوجوبها وبطلان الصلاة بتركها ، وأفتى بعضهم باستحبابها ، وأصحها عندهم الصلاة الإبراهيمية ، رواها البخاري : 6 / 27 : ( باب قوله : إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما . عن كعب بن عجرة ، قيل : يا رسول الله أما السلام عليك فقد عرفناه فكيف الصلاة ؟ قال : قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد ، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد .
وفي صحيح مسلم : 2 / 16 : ( عن أبي مسعود الأنصاري قال : أتانا رسول الله ( ص ) ونحن في مجلس سعد بن عبادة فقال له بشير بن سعد : أمرنا الله تعالى أن نصلي عليك يا رسول الله ، فكيف نصلي عليك ؟ قال فسكت رسول الله ( ص ) حتى تمنينا أنه لم يسأله ، ثم قال رسول الله : قولوا : اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم ، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد . والسلام كما قد علمتم ) .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 106 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأسئلة
1 - مقتضى وجوب الصلاة على النبي وآله صلى الله عليه وآله في الصلاة أن صلاة المسلم لاترفع إلى الله تعالى إلا بالصلاة عليهم ! وهذا نوع من التوسل إلى الله تعالى لقبول صلاتنا ! فلو كان كل توسل شركاً فكيف يفرض الله علينا أن نشرك به نبيه وآله صلى الله عليه وآله في أهم مظهر عملي لتوحيده وعبادته ؟ !
2 - إذا كان بعض الصحابة أفضل من آل محمد عند الله تعالى كما تزعمون ، فلماذا لم يأمرنا بالصلاة عليهم والتوسل بهم في صلاتنا ؟
3 - إذا قال المسلم في صلاته : ( اللهم صل على محمد وأصحاب محمد ) فهل تبطل صلاته ؟ !
4 - على مَا يدل هذا الأمر الإلهي في الصلاة برأيكم ؟ ولماذا فرض الله تعالى على الأمة إلى يوم القيامة أن تقرن نبيها في صلاتها بآله ؟ !
5 - لو كان عندكم أمر إلهي بوجوب الصلاة على الصحابة ، أو على أبي بكر وعمر مع النبي صلى الله عليه وآله فبماذا كنتم تفسرونها ، وماذا كنتم تصنعون بالشيعة ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 107 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 34 روت عائشة أن علياً عليه السلام أقرب الخلق وسيلة إلى الله تعالى

كانت عائشة تروي عن النبي صلى الله عليه وآله أن الذي يقتل الخوارج بعده هو أقرب الخلق وسيلة إلى الله تعالى . وقد أكد لها عمرو بن العاص أنه هو المقصود لأنه قتل الخوارج في مصر ، وفيهم ذو الثدية الموصوف !
وعندما قتلهم علي عليه السلام في حرب النهروان ، اكتشفت عائشة كذب ابن العاص فلعنته ! قال القاضي النعمان في شرح الأخبار : 1 / 141 : ( عن مسروق ، قال : دخلت على عائشة فقالت لي : يا مسروق إنك من أبر ولدي بي وإني أسألك عن شئ فأخبرني به . فقلت : سلي يا أماه عما شئت . قالت : المخدج من قتله ؟ قلت : علي بن أبي طالب عليه السلام . قالت : وأين قتله ؟ قلت على نهر يقال لأعلاه تأمرا ، ولأسفله النهروان بين أحافيف ( أخافيق ) وطرق . فقالت : لعن الله فلاناً تعني عمرو بن العاص فإنه أخبرني أنه قتله على نيل مصر !
قال مسروق : يا أماه فإني أسألك بحق الله وبحق رسوله وبحقي فإني ابنك ، لما أخبرتني بما سمعت من رسول الله فيهم . قالت : سمعته يقول فيهم : ( تقصد أهل النهروان ) : هم شر الخلق والخليقة ، يقتلهم خير الخلق والخليقة ، وأقربهم إلى الله وسيلة ! !
قال مسروق : وكان الناس يومئذ أخماساً ، فأتيتها بخمسين رجلاً عشرة من كل خمس ، فشهدوا لها أن علياً قتله ) .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 108 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأسئلة
1 - ما رأيكم فيمن أبغض علياً عليه السلام ، أو حاربه ؟ ! وهل صح عندكم أنه لا يبغضه إلا منافق ، وأن حربه حرب النبي صلى الله عليه وآله وسلمه سلمه ؟ !
2 - بماذا تفسرون قول النبي صلى الله عليه وآله الذي روته عائشة في علي عليه السلام أنه أقرب الخلق وسيلة إلى الله تعالى ؟
3 - لقد لعنت عائشة عمراً بن العاص ، فلماذا تستنكرون علينا لعنه والبراءة منه ؟ ! ولماذا لا تطيعون أمكم فتلعنوه ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 109 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 35 جوَّزوا التوسل بالحيوانات ، وحرَّموه بالأنبياء عليهم السلام !

من الإشكالات عليهم أنهم جوزوا التوسل في صلاة الاستسقاء بالحيوانات فكيف حرموه بالأنبياء والأولياء عليهم السلام ؟ !
قال النووي في المجموع : 5 / 66 : ( وقال أبو إسحاق : استحب إخراج البهائم لعل الله تعالى يرحمها ، لما روي أن سليمان عليه السلام خرج ليستسقي فرأى نملة تستسقي فقال : إرجعوا فإن الله تعالى سقاكم بغيركم ) .
وقال في المجموع : 5 / 70 : ( يستحب أن يستسقى بالخيار من أقارب رسول الله ( ص ) وبأهل الصلاح من غيرهم ، وبالشيوخ والضعفاء والصبيان والعجائز وغير ذوات الهيئات من النساء ) . انتهى .
وقد يقال إن إخراج الحيوانات إنما هو لطلب الرحمة لها ، وهو غير التوسل بها ، لكن الغرض من صلاة الاستسقاء هو الاستسقاء للناس ، وطلب الرحمة للحيوان ليس إلا وسيلة لطلب الرحمة للإنسان .
* *
الأسئلة
1 - إذا وقع أحدكم في مشكلة ، أو كانت له حاجة ملحة ، أو أراد أن يصلي للاستسقاء ، فيجوز له عندكم أن يتوسل إلى الله تعالى حتى بقطته ! ولا يجوز له أن يتوسل اليه بنبيه محمد صلى الله عليه وآله ! فما هذا المذهب بالله عليكم ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 110 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 36 ألفوا فتوى إمامهم أحمد باستحباب التوسل بالنبي صلى الله عليه وآله

مما يشكل به عليهم أن إمامهم أحمد بن حنبل نص على مشروعية التوسل بالنبي صلى الله عليه وآله واستحبابه .
قال الحافظ الممدوح في رفع المنارة : ( وهو - التوسل - السؤال بالنبي أو بالولي أو بالحق أو بالجاه أو بالحرمة أو بالذات وما في معنى ذلك . وهذا النوع لم ير المتبصر في أقوال السلف من قال بحرمته أو أنه بدعة ضلالة ، أو شدد فيه وجعله من موضوعات العقائد ، كما نرى الآن . لم يقع هذا إلا في القرن السابع وما بعده ! وقد نقل عن السلف توسلٌ من هذا القبيل .
وقال ابن تيمية في التوسل والوسيلة ص 98 : ( هذا الدعاء ( أي الذي فيه توسل بالنبي ) ونحوه قد روي أنه دعا به السلف ، ونقل عن أحمد بن حنبل في منسك المروزي التوسل بالنبي ( ص ) في الدعاء ) . انتهى .
وقال في ص 65 : ( والسؤال به ( أي بالمخلوق ) فهذا يجوزه طائفة من الناس ونقل في ذلك آثار عن بعض السلف ، وهو موجود في دعاء كثير من الناس ) . ثم ذكر ابن تيمية أثراً فيه التوسل بالنبي ( ص ) لفظه : ( اللهم إني أتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة ( ص ) تسليما . يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك وربي يرحمني مما بي ) . وقال : فهذا الدعاء ونحوه روي أنه دعا به السلف ، ونقل عن أحمد بن حنبل في منسك المروزي التوسل بالنبي ( ص ) في الدعاء ) . انتهى . وهذا نص عبارة أحمد بن حنبل ، قال في منسك المروزي بعد كلام ما نصه : ( وسل الله حاجتك متوسلاً إليه بنبيه ( ص ) تقض من الله عز وجل ) . هكذا ذكره ابن تيمية في الرد على الأخنائي ص 168 ) انتهى . !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 111 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأسئلة
1 - ما دام التوسل بالميت شركاً ، فلماذا لم تحكموا على أحمد بن حنبل بأنه مشرك واتخذتموه إماماً ؟ !
2 - إذا كنتم ترون أن فتوى إمامكم أحمد بالتوسل خطأ مغفور لأنه حصل عن شبهة فلا يستوجب الحكم عليه بالشرك ، فلماذا لا تحكمون بذلك على غيره من المسلمين ؟ !
3 - إذا اختلفت فتوى إمامكم أحمد مع ابن تيمية ، بأي الفتويين تعملون ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 112 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 37 قبر إمامهم ابن حنبل مزار وهو كان يزور القبور ويتوسل بالأموات !

يتعجب الإنسان عندما يقرأ عن الحنابلة في القديم وحتى في الحاضر ، فيجد أنهم يعترفون أن إمامهم أحمد وكبار أئمتهم كانوا يزورون القبور ويتوسلون إلى الله تعالى بأصحابها !
ويرى أنهم هم بنوا على قبر أحمد بن حنبل في بغداد مسجداً وقبة ، وجعلوه مزاراً يزورونه ويصلون عند قبره ، ويتوسلون ويتبركون ويتمسحون به ! وما زال ذلك دين الحنابلة وديدنهم إلى اليوم !
فما بالهم يسكتون عن قبر أحمد بن حنبل وعمن يزوره ، ولا يمنعون الناس من التوسل والتبرك والتمسح به ، ولا يفتون بوجوب هدم قبته ؟ !
فهل كان إمامهم أحمد وأسلافهم وإخوانهم مشركين ؟
وكيف صار ذلك حلالاً ، بينا صار قصد زيارة أفضل الخلق وسيد المرسلين صلى الله عليه وآله حراماً ، والتوسل به إلى الله بدعةً وشركاً وكفراً ؟ !
وهل أحمد بن حنبل ، وأحمد بن تيمية ، أفضل من النبي صلى الله عليه وآله ؟ !
ففي النهاية لابن كثير : 12 / 323 : ( وفي صفر سنة 542 رأى رجل في المنام قائلاً يقول له : من زار أحمد بن حنبل غفر له . قال : فلم يبق خاصٌ ولا عامٌ إلا زاره ، وعقدت يومئذ ثم مجلساً ، فاجتمع فيه ألوفٌ من الناس ) ! !
وفي وفيات الأعيان لابن خلكان : 1 / 64 : ( أحمد بن حنبل . . . توفي ضحوة الجمعة لثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول . . . ودفن بمقبرة باب حرب وباب حرب منسوب إلى حرب بن عبد الله أحد أصحاب أبي جعفر المنصور وإلى
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 113 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
حرب هذا تنسب المحلة المعروفة بالحربية ، وقبر أحمد بن حنبل مشهور بها يزار ) .
وفي مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي الحنبلي ص 454 : ( حدثني أبو بكر بن مكارم بن أبي يعلى الحربي وكان شيخاً صالحاً قال : كان قد جاء في بعض السنين مطرٌ كثير جداً قبل دخول رمضان بأيام ، فنمت ليلة في رمضان فأريت في منامي كأني قد جئت على عادتي إلى قبر الإمام أحمد بن حنبل أزوره ، فرأيت قبره قد التصق بالأرض حتى بقي بينه وبين الأرض مقدار ساف أو سافين ، فقلت : إنما تم هذا على قبر الإمام أحمد من كثرة الغيث ! فسمعته من القبر وهو يقول : لا ، بل هذا من هيبة الحق عز وجل لأنه عز وجل قد زارني ! ! فسألته عن سر زيارته إياي في كل عام فقال عز وجل : يا أحمد ، لأنك نصرت كلامي فهو ينشر ويتلى في المحاريب . فأقبلت على لحده أقبله ثم قلت : يا سيدي ما السر في أنه لا يقبل قبر إلا قبرك ؟ فقال لي : يا بني ، ليس هذا كرامة لي ولكن هذا كرامة لرسول الله ( ص ) ! لأن معي شعرات من شعره ! ألا ومن يحبني يزورني في شهر رمضان ! قال ذلك مرتين ) ! !
وفي طبقات الحنابلة لأبي يعلى الموصلي : 2 / 186 : ( سمعت رزق الله يقول : زرت قبر الإمام أحمد صحبة القاضي الشريف أبو علي فرأيته يقبل رجل القبر ! فقلت له : في هذا أثر ؟ قال لي : أحمد في نفسي شئ عظيم ، وما أظن أن الله تعالى يؤاخذني بهذا ) ! !
وفي تاريخ بغداد للخطيب : 4 / 423 : ( عن أبي الفرج الهندباني يقول : كنت أزور قبر أحمد بن حنبل فتركته مدة ، فرأيت في المنام قائلاً يقول لي : لمَ تركت زيارة إمام السنة ) ! !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 114 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي عمدة القاري في شرح البخاري للعيني : 5 جزء 9 / 241 : ( سعيد العلائي قال : رأيت في كلام أحمد بن حنبل . . أن الإمام أحمد سئل عن تقبيل قبر النبي ( ص ) وتقبيل منبره ، فقال : لا بأس بذلك . قال فأريناه للشيخ تقي الدين بن تيمية ، فصار يتعجب من ذلك ويقول : ( عجبت ! أحمد عندي جليل ، يقول هذا الكلام ) ! وأي عجب وقد روينا عن الإمام أحمد أنه غسل قميصاً للشافعي وشرب الماء الذي غسله به ! !
وفي تاريخ الإسلام للذهبي : 14 / 335 : ( قال ابن خزيمة : هل كان ابن حنبل إلا غلاماً من غلمان الشافعي ؟ ) .
* *
الأسئلة
1 - لا يمكنكم المكابرة وإنكار هذه النصوص عن إمامكم وأسلافكم ، فأمركم يدور بين رد رأي ابن تيمية الذي كفر المسلمين لتوسلهم بالأموات ، وبين الحكم بكفر إمامكم ابن حنبل ، فأيهما تختارون ؟ !
2 - إذا كنتم تخالفون أحمد ابن حنبل في كثير من عقائده وفقهه ، وتتبعون ابن تيمية ، فلماذا تزعمون أنكم حنابلة ، ولا تقولون إنكم تيميين ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 115 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 38 يلة ابن تيمية لتكفير المتوسلين وهدر دمائهم !

يتعمد ابن تيمية في مؤلفاته وكذا أتباعه ، يتعمدون الخلط بين مفهوم النداء ، والتوسل ، والاستشفاع ، والاستغاثة ، والدعاء ، والعبادة !
فيجعلونها كلها عبادة للمنادى ، والمتوسل به ، والمستشفع به ، والمستغاث به ! فعندما تقول : يا رسول الله أتوسل بك ، أو أستشفع بك ، أو أغثني ، يقولون لك إنك عبدته من دون الله تعالى !
والحيلة في كلام إمامهم أنه افترض مسبقاً أن المتوسل أو المستغيث بالنبي صلى الله عليه وآله ( يدعوه ) وجعل معنى : ( يدعوه ) ، يطلب منه بدل الطلب من الله تعالى ، لا أنه يطلب من الله بواسطته ! فيقول له : ها ، لقد اعترفت أنك دعوت الرسول والولي بدل الله تعالى ! فأنت إذن كافر ! وهذا من أسوأ أنواع المصادرة على المطلوب ، حيث يضع الحكم المختلف عليه في لفافة ويجعله جزءً من مقدمة مسلَّمة عند مخالفه !
مع أن المتوسل البرئ لم يَدْعُ النبي صلى الله عليه وآله بدلَ الله تعالى ! بل توسل به واستغاث به واستشفع به إلى الله تعالى ، لكرامته عند ربه !
ومثل ابن تيمية في ذلك كمثل شرطي رأى شخصاً يتوسل إلى رئيس مكتب الملك ، ليتوسط له عند الملك ! فقال له : إنك تعديت على شرعية الملك وجعلت رئيس مكتبه هو الملك ! فعملك هذا محاولة انقلاب يدخل في جرائم أمن الدولة الكبرى ، وتستحق به الإعدام ! !
وقد حاول أن يستدل على هذه المصادرة المفضوحة بأن المستغيث يطلب من الرسول صلى الله عليه وآله أو الولي ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى ، وهذا يستلزم أنه يؤلهه !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 116 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لكن هذا كذب وافتراء على المسلمين المتوسلين لأنهم يعرفون أن الأمر كله لله تعالى ، وأنه ليس للنبي صلى الله عليه وآله ولا لمخلوق مع الله ذرة شراكة ، وإنما يستشفعون بنبيه لكرامته على ربه ، فهو يطلب من الله بواسطة نبيه ، أو يطلب من نبيه أن يشفع له إلى ربه !
أو كمثل شرطي من هيئة الأمر بالمعروف الوهابية رآك وقد تعطلت سيارتك في الطريق فناديت شخصاً : يا محمد ساعدني ، أغثني ، أتوسل بك ، فأخذك وسلمك إلى مشايخه ويقول لهم : رأيته يعبد شخصاً من دون الله تعالى ، فأقيموا عليه الحد الشرعي ! فأخذوك إلى الإعدام وأنت تصرخ والله ما عبدته بل توسلت به ليساعدني مما أعطاه الله من قدرة !
* *
الأسئلة
1 - إذا كان التوسل والاستغاثة إشراكاً بالله تعالى ، فلا فرق فيهما بين الميت والحي ، فكيف صار قولكم : يا جعموص بن فنحوص ساعدنا وأغثنا ، إيماناً ! وقولنا يا رسول الله ساعدنا وأغثنا ، شركاً أكبر !
2 - إن قول المتوسل أو المستغيث : ( يا محمد ) ، أو ( يا علي ) ما هو إلا نداء لا أكثر ! والنداء يتبع النية والغرض منه ، وأغراض الناس من النداء عديدة مديدة ، فلماذا تلغونها جميعاً وتفسرون ندائهم بالعبادة ؟ ! ولا تسألون المنادي عن نيته وغرضه من ندائه ؟ !
3 - ما دام ابن تيمية يدعي أن ( لازم المذهب ليس مذهباً ) فعندما يقال له يلزم على قولك هذا أن يكون الله تعالى جسماً ، يقول إن لازم المذهب ليس بمذهب ! فكيف احتج على المتوسل بلوازم عمله ، وحسب فهمه هو ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 117 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 39 يطنة ابن تيمية في نقل التوسل من الفقه إلى أصول العقائد !

كانت مسألة التوسل والاستشفاع والاستغاثة لمدة ثمانية قرون مسألة فقهية ، وكان فقهاء المذاهب جميعاً يبحثونها في باب الحج والزيارة ، فيفتون بجواز بعض فروعها وحرمة بعضها !
حتى جاء هذا الشخص السوري الذي نصبه الحاكم المملوكي الشر كسي لمدة قليلة بمنصب ( شيخ الإسلام في الشام ) أي قاضي القضاة ، فابتدع في هذه المسألة ونقلها من فروع الفقه إلى أصول الدين !
ومثَلُ ذلك أن ننقل مادة جزائية من القانون التجاري أو الجنائي ، ونضعها في جرائم الدولة والتآمر على النظام !
والسبب في نقل ابن تيمية للتوسل من المخالفات العادية إلى المخالفة في أصول الدين ، أنه بذلك فقط يستطيع أن يكفر المسلمين ويستحل قتلهم ويستبيح أموالهم وأعراضهم ، بحجة أنهم يتوسلون بنبيهم صلى الله عليه وآله فهم مشركون ! !
* *
الأسئلة
1 - هل كان جميع فقهاء المسلمين على ضلال عندما بحثوا مسألة التوسل في الفقه ولم يبحثوها في أصول العقائد ؟ !
2 - إذا قدمت إلى القاضي ( تهمة بجريمة ) وكان تقياً ، فهل يحتاط بأن يصنفها في الجرائم العادية ، أو في جرائم أمن الدولة ليحكم على صاحبها بالإعدام ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 118 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
3 - هل ابن تيمية وابن عبد الوهاب محتاطون في الفتوى بإراقة دماء المسلمين ؟ !
4 - هل تعملون بقاعدة : ( الحدود تدرأ بالشبهات ) ، وهل رأيكم أنها يجب أن تستبدل بقاعدة : ( الحدود تقام بالشبهات ) ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 119 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 40 هل رجع ابن تيمية عن رأيه وجوَّز التوسل بالنبي صلى الله عليه وآله ؟ !

نقلوا في ترجمة ابن تيمية أنه تراجع عن رأيه عندما سجنوه في مصر وحاكموه على آرائه الشاذة ، ومنها تحريم التوسل بالنبي صلى الله عليه وآله .
قال السقاف في رسالته البشارة والإتحاف : ( أما مسألة التوسل فقد اختلفت آراء دعاة السلفية فيها بشكل ملحوظ ، مع أن الموجودين في الساحة منهم اليوم يقولون بأن هذه المسألة من مسائل العقائد ، وليست كذلك قطعاً .
أما ابن تيمية فقد أنكر في كتابه ( قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ) التوسل ومرادنا التوسل بالذوات ، ثم رجع عن ذلك كما نقل تلميذه ابن كثير في البداية والنهاية : 14 / 45 ، حيث قال : قال البرزالي : وفي شوال منها شكى الصوفية بالقاهرة على الشيخ تقي الدين ، وكلموه في ابن عربي وغيره إلى الدولة فردوا الأمر في ذلك إلى القاضي الشافعي ، فعقد له مجلس وادعى عليه ابن عطاء بأشياء فلم يثبت عليه منها شئ ، لكنه قال : لا يستغاث إلا بالله لا يستغاث بالنبي استغاثة بمعنى العبادة ، ولكن يتوسل به ويتشفع به إلى الله . فبعض الحاضرين قال ليس عليه في هذا شئ ، ورأى القاضي بدر الدين بن جماعة أن هذا فيه قلة أدب ) . انتهى .
ويؤيد ذلك ظاهر كلام ابن تيمية في رسالته التي كتبها من سجنه ، وهي في مجموعة رسائله ، قال في ص 16 : ( وكذلك مما يشرع التوسل به في الدعاء كما في الحديث الذي رواه الترمذي وصححه أن النبي ( ص ) علم شخصاً أن يقول : اللهم إني أسألك وأتوسل إليك بنبيك محمد نبي الرحمة . يا محمد يا رسول الله إني أتوسل بك إلى ربي في حاجتي ليقضيها . اللهم فشفعه فيَّ . فهذا التوسل به
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 120 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
حسن ، وأما دعاؤه والاستغاثة به فحرام ! والفرق بين هذين متفق عليه بين المسلمين . المتوسل إنما يدعو الله ويخاطبه ويطلب منه لا يدعو غيره إلا على سبيل استحضاره لا على سبيل الطلب منه . وأما الداعي والمستغيث فهو الذي يسأل المدعو ويطلب منه ويستغيثه ويتوكل عليه ) . انتهى .
لكن المتأمل يجد أن ابن تيمية لفَّ كلامه بلفافة ، حيث جوَّز التوسل لأنه دعاء لله وليس للنبي صلى الله عليه وآله ، وبهذا كذب نفسه عندما قال إن التوسل بالميت دائماً دعاء له وهو شرك ! لكنه جعل التوسل قسماً في مقابل الاستغاثة مع أنهما شئ واحد ! ثم جعل الاستغاثة دعاءً للنبي صلى الله عليه وآله من دون الله تعالى وعبادةً وتوكلاً عليه من دون الله تعالى !
وهذا ما لا يقصده أحدٌ من المسلمين بتوسله بنبيه صلى الله عليه وآله ! !
* *
الأسئلة
1 - بماذا تفسرون تراجع إمامكم ابن تيمية تراجع عن رأيه في أن التوسل بالميت شرك ، وفتواه بالعمل بحديث الترمذي في التوسل حتى بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله حيث قال : ( لا يستغاث إلا بالله ، لا يستغاث بالنبي استغاثة بمعنى العبادة ، ولكن يتوسل به ويتشفع به إلى الله . . . فهذا التوسل به حسن ، وأما دعاؤه والاستغاثة به فحرام ) ؟ !
2 - أنتم بين أمرين ، إما أن تقولوا إن ابن تيمية تراجع عن رأيه في التوسل ، وإما أنه استعمل التقية مع قضاة المذاهب الربعة ! فأيهما تختارون ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 121 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 41 بن عبد الوهاب وحفيده زادا على ابن تيمية !

قال محمد بن عبد الوهاب ( عقائد الإسلام ص 26 ) : ( فمن قصد شيئاً من قبر أو شجر أو نجم أو نبي مرسل لجلب نفع أو كشف ضر ، فقد اتخذ إلهاً من دون الله ، فكذب بلا إله إلا الله ، يستتاب وإلا قُتل ، وإن قال هذا المشرك : لم أقصد إلا التبرك وإني لأعلم أن الله هو الذي ينفع ويضر ، فقل له : إن بني إسرائيل ما أرادوا إلا ما أردت ، كما أخبر الله تعالى عنهم إنهم لما جاوزوا البحر ، أتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة ، فأجابهم بقوله : إنكم قوم تجهلون ) . انتهى .
وبذلك أفتى بكفر كل من توسل بنبينا صلى الله عليه وآله أو بغيره من الأنبياء عليهم السلام حتى لو كان ذلك في اعتقاده لا ينافي التوحيد !
وبهذا يظهر لك أن أصل مشكلة هؤلاء أنهم يشعرون أنهم بحاجة إلى هدر دماء المسلمين وإباحة أموالهم واتخاذ أعراضهم جواري ! فيسلكون طريق الإفراط والتنطع ويكفرونهم للشبه الواهية ! !
وقال سليمان حفيد ابن عبد الوهاب في ( تيسير العزيز الحميد ) ص 209 : ( فحديث الأعمى شئ ، ودعاء غير الله تعالى والاستغاثة به شئ آخر . فليس في حديث الأعمى شئ غير أنه طلب من النبي ( ص ) أن يدعو له ويشفع له ، فهو توسل بدعائه وشفاعته ، ولهذا قال في آخره : اللهم فشفعه فيَّ ، فعلم أنه شفع له . وفي رواية أنه طلب من النبي ( ص ) أن يدعو له ! فدل الحديث على أنه ( ص ) شفع له بدعائه ، وأن النبي ( ص ) أمره هو أن يدعو الله ، ويسأله قبول شفاعته . فهذا من أعظم الأدلة أن دعاء غير الله شرك لأن النبي ( ص ) أمره أن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 122 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يسأل قبول شفاعته ، فدل على أن النبي ( ص ) لا يدعى ، ولأنه ( ص ) لم يقدر على شفائه إلا بدعاء الله له . فأين هذا من تلك الطوام ؟ ! والكلام إنما هو في سؤال الغائب ( يقصد النبي بعد موته ) أو سؤال المخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله ! أما أن تأتي شخصاً يخاطبك ( يعني شخصاً حياً ) فتسأله أن يدعو لك فلا إنكار في ذلك على ما في حديث الأعمى . فالحديث سواء كان صحيحاً أو لا ، وسواء ثبت قوله فيه يا محمد أو لا ، لا يدل على سؤال الغائب ( الميت ) ولا على سؤال المخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله بوجه من وجوه الدلالات . ومن ادعى ذلك فهو مفتر على الله وعلى رسوله ( ص ) ! ! انتهى .
فانظر كيف شكك في حديث الأعمى الذي صححه علماء المذاهب ، وقبله إمامه ابن تيمية !
ثم انظر كيف افترض أن المستشفع ( يدعو ) النبي صلى الله عليه وآله من دون الله تعالى ، ويطلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى ! !
كل ذلك لكي يثبت أن المسلم المستغيث إلى الله برسوله قد كفر واستبدل عبادة الله بعبادة الرسول ! ويستحل بذلك قتله وأخذ ماله وعرضه ! ! حتى لو قال أشهد أن لا إله إلا الله ، وأن الضار النافع هو الله تعالى فقط ! !
وقال صلاح البدير إمام الجمعة في المسجد النبوي : ( والاستغاثة بالأموات ، والاستعانة بهم ، أو طلب المدد منهم ، أو ندائهم وسؤالهم لسد الفاقة وجلب الفوائد ودفع الشدائد ، شركٌ أكبر ! يخرج صاحبه عن ملة الإسلام ، ويجعله من عُبَّاد الأوثان ) . انتهى .
وبذلك حكم هذا الشيخ على كل المسلمين بالكفر ، لأنهم يقولون : يا رسول
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 123 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الله إنا نتوسل بك إلى الله ، ونستشفع بك إليه ، ونستغيث إلى الله بجاهك عنده أن يرحمنا ! ! وحكم بوجوب قتلهم وجعل أموالهم غنائم ونسائهم وبناتهم إماءً ، له وللمطوعين الذين على شاكلته ! !
* *
الأسئلة
1 - بماذا تفسرون التناقض بين فتوى إمامكم ابن عبد الوهاب وحفيده سليمان ، وفتوى إمامهما ابن تيمية حيث تراجع عن تكفير المسلمين لتوسلهم بالأموات ، بينما أكد عليه الآخران ؟ !
2 - هل السبب أن حاجة ابن عبد الوهاب إلى قتل من خالفه في الجزيرة أكثر من حاجة ابن تيمية إلى قتل من خالفه من المسلمين في بلاد الشام ؟ !
3 - لو أن الحكومة السعودية أطاعتكم وحكمت بكفر المسلمين لأنهم يقصدون زيارة قبر نبيهم صلى الله عليه وآله والتوسل به إلى الله تعالى ، والكافر يحرم دخوله إلى المدينة ومكة ، فكم شخص يبقى عندكم في موسم الحج ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 124 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 42 لطلب من النبي صلى الله عليه وآله ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى

قال محمد بن عبد الوهاب : ( الشفاعة شفاعتان : منفية ومثبتة ، فالمنفية : ما كانت تطلب من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله لقوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون ) . والمثبتة : هي التي تطلب من الله والشافع مكرم بالشفاعة والمشفوع له من رضي الله قوله وعمله بعد الإذن كما قال : ( من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ) . ( كشف الإرتياب ص 208 ، عن رسالة أربع قواعد ص 25 طبعة المنار بمصر ) .
وقال السيد محسن الأمين في ( كشف الإرتياب عن أتباع محمد بن عبد الوهاب ) ص 229 : وقال ابن تيمية أيضاً في رسالة زيارة القبور ( ص 153 - 155 طبع المنار بمصر ) ما حاصله :
مطلوب العبد إن كان مما لا يقدر عليه إلا الله فسائله من المخلوق مشرك ، من جنس عُبَّاد الملائكة والتماثيل ومن اتخذ المسيح وأمه إلا هين ، مثل أن يقول لمخلوق حي أو ميت : اغفر ذنبي أو أنصرني على عدوي أو إشف مريضي أو عافني أو عاف أهلي أو دابتي ، أو يطلب منه وفاء دينه من غير جهة معينة ، أو غير ذلك .
وإن كان مما يقدر عليه العبد فيجوز طلبه منه في حال دون حال ، فإن مسألة المخلوق قد تكون جائزة ، وقد تكون منهياً عنها ، قال الله تعالى : ( فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب ) ، وأوصى النبي ( ص ) ابن عباس : إذا سألت فاسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله ، وأوصى طائفة من أصحابه أن لا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 125 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يسألوا الناس شيئاً ، فكان سوط أحدهم يسقط من كفه فلا يقول لأحد ناولني إياه . وقال : فهذه المنهي عنها . والجائزة طلب دعاء المؤمن لأخيه . . . الخ . ) . انتهى . ( ونحوه في فتح القدير : 2 / 450 )
* *
الأسئلة
1 - إذا كان ميزانكم لجواز التوسل بالميت أنه لا يجوز أن نطلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى ، فلماذا جعلتم طلبنا الشفاعة من النبي صلى الله عليه وآله شركاً أكبر وكفراً ، مع أنها مقدورة له صلى الله عليه وآله بنص القرآن والسنة ؟ !
2 - لقد طلب نبي الله سليمان من وزرائه أن يأتوه بعرش بلقيس من اليمن : ( قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْل أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ) ( سورة النمل : 38 ) وهو أمر لا يقدر عليه إلا الله تعالى ، فهل تحكمون بشرك نبي الله سليمان وكفره ؟ !
3 - ما هو السر في جعلكم طلب ما لا يقدر عليه إلا الله ، شركاً ؟ فإن قلتم إن الطالب يدَّعي للحي أو للميت شراكةً في قدرة الله تعالى ، فهذا غير صحيح ( بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ . لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ) ( سورة الأنبياء : 26 - 27 )
وإن قلتم إن التوسيط لله تعالى حرام وشرك ، فلا فرق في التوسيط بين ما يقدر عليه المخلوق وما لا يقدر ، ولافرق في توسيط الحي أو الميت .
وعليه يجب أن تردوا كل أنواع التوسل والشفاعة ، ولا يبقى فيها حلال وحرام ، كما زعمتم !
4 - إن قلتم إن التوسل والاستشفاع والاستغاثة منها ما أذن به الله تعالى فهذا ليس شركاً ، ومنها ما لم يأذن به فهذا شرك .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 126 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فجوابه : نعم ، وهذا هو جوهر خلافكم مع المسلمين ، فهم يقولون إن الله تعالى أكرم النبي وآله صلى الله عليه وآله وأذن بالتوسل والاستغاثة بهم بل وأمر به ، بمثل قوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) ( سورة المائدة : 35 ) فصار ذلك عبادةً لله وامتثالاً لأمره سبحانه ، ومحالٌ أن يأمرنا بما هو شركٌ وكفرٌ ، كما تزعمون !
5 - ما معنى قول إمامكم : ( مثل أن يقول لمخلوق حي أو ميت : اغفر ذنبي أو أنصرني على عدوي . . . أو يطلب منه وفاء دينه من غير جهة معينة ، أو غير ذلك ) وما هو مثال التوسل الحلال بالميت ليقضي له دينه من جهة معينة ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 127 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 43 من هم المتوسل بهم عند المسلمين ؟

جوَّز الوهابيون أن يتوسل المسلم إلى الله تعالى بأي شخص حتى بالكافر ، فالشرط الوحيد عندهم أن يكون حياً لا ميتاً ، حتى لو كان كافراً ! وقد رووا أن عائشة مرضت ، فدعت يهودية لترقيها ، وهو نوع من التوسل !
روى مالك في الموطأ : 2 / 943 : ( عن يحيى بن سعيد ، عن عمرة بنت عبد الرحمن ، أن أبا بكر الصديق دخل على عائشة وهي تشتكي ، ويهودية ترقيها ! فقال أبو بكر : إرقيها بكتاب الله ) . انتهى ، ولعله يقصد بكتاب الله التوراة ، لأن اليهودية لا تقر بالقرآن !
كما أن سيرة أئمة المذاهب السنية وأتباعهم حتى الحنابلة حافلةٌ بالتوسل بمن يعتقدون صلاحه من أئمة المذاهب وشيوخ العلم والتصوف ، وقد تقدم توسل إمامهم أحمد بقبر الشافعي ، وتوسلهم بقبر أحمد !
كما ورد عندهم وعندنا الحث على التوسل في صلاة الاستسقاء بالأخيار والضعفاء والمرضى . كما في مجموع النووي : 5 / 66 : و : 5 / 70
أما في مذهب أهل البيت عليهم السلام فعمدة التوسل والاستشفاع روايةً وعملاً بالله تعالى وأسمائه الحسنى ، وبالنبي وآله المعصومين صلوات الله عليهم . ولم أجد في سيرة أئمتنا عليهم السلام ولا في سلوك أصحابهم وشيعتهم ذكراً للتوسل بأحد غير المعصومين ، وإن وجد فهو تبعٌ للتوسل بهم وفي موارد خاصة كصلاة الاستسقاء . كما ورد في بعض الأدعية تعليم التوسل بالملائكة المقربين والأنبياء السابقين عليهم السلام وكتب الله المنزلة وعباده الصالحين ، وبالأعمال الصالحة . ( مصباح المتهجد ص 358 و 302 )
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 128 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأسئلة
1 - ما قولكم بفتاوى فقهاء المذاهب الأربعة هذه التي تنص على التوسل بالصالحين والضعفاء والمرضى والحيوانات والأعمال ، وتنص على أنه توسل واستشفاع ؟
2 - كيف تقبلون أن يكون مذهبكم أن التوسل بالكافر طاعة وإيمان والتوسل برسول الله صلى الله عليه وآله كفر وإشراك بالله تعالى ؟ !
3 - التوسل يعني أن المتوسل به يؤمل أن يكون أقرب وسيلة إلى الله تعالى ، فهل ترى عائشة أن المرأة اليهودية أقرب وسيلة إلى الله منها ومن أبيها ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 129 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 44 تحريم الوهابيين التسمية بعبد النبي وعبد علي وعبد الحسين

فقد خالفوا كل المسلمين وجعلوا التسمية بعبد النبي وعبد الرسول صلى الله عليه وآله وأمثالها ، شركاً لأنها تعني في أذهانهم عابد النبي وعلي والحسين !
لكن كلمة عبد وردت في القرآن بمعنى عابد ، كما في قوله تعالى : ( قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً ) ( سورة مريم : 30 ) ، كما وردت بمعنى غلام ، كقوله تعالى : ( وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) . ( سورة النور : 32 )
وتجمع الأولى غالباً على عباد ، والثانية على عبيد .
* *
الأسئلة
1 - هل ترون أن قول المسلم لأخيه يا سيدي شركٌ بالله تعالى ؟ وهل تحكمون بكفره وشركه عندما يقول للملك أو لغيره يا مولاي ؟ أو يقول لشيخه أنا خادم لك وعبد لك ، أم تقولون هذا احترام لا يقصد به العبادة ؟ !
2 - إذا استعمل شخص لفظاً مشتركاً فقال أنا قتلت ، فهل تأخذونه بأشد المعاني فيحكم قاضيكم بأنه قاتل ويقتله ، أم تسألونه عن قصده من القتل وهل قتل نفساً محترمة ، أو قتل وقته ، أو قتل المسألة بحثاً ؟ !
3 - ما قولكم فيما رواه إمامكم أحمد في مسنده : 5 / 419 : ( حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا يحيى بن آدم ثنا حنش بن الحرث بن لقيط النخعي الأشجعي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 130 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عن رياح بن الحرث قال جاء رهط إلى علي بالرحبة فقالوا : السلام عليك يا مولانا ، قال كيف أكون مولاكم وأنتم قوم عرب ؟ قالوا : سمعنا رسول الله ( ص ) يوم غدير خم يقول من كنت مولاه فإن هذا مولاه . قال رياح فلما مضوا تبعتهم فسألت من هؤلاء ؟ قالوا نفر من الأنصار فيهم أبو أيوب الأنصاري .
حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا أبو أحمد ثنا حنش عن رياح بن الحرث قال : رأيت قوماً من الأنصار قدموا على علي في الرحبة ، فقال مَن القوم ؟
قالوا مواليك يا أمير المؤمنين ، فذكر معناه ) . انتهى .
فهل معنى ذلك أن كل مسلم هو مولى لعلي بن أبي طالب عليه السلام ، فيصح أن يقال لكل واحد منكم : ( أنت عبد علي ) ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 131 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الثالث : بعض الإشكالات عليهم في مسائل شفاعة نبينا صلى الله عليه وآله

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 132 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 133 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 45 الشفاعة يوم القيامة حقيقية وليست شكلية

مكن تقريب الشفاعة إلى الذهن بأنها ( قاعدة الاستفادة من الدرجات الإضافية ) كأن يقال للطالب الذي حصل على معدل عال : يمكنك أن تستفيد من النمرات الإضافية على معدل النجاح ، فتعطيها إلى أصدقائك ، الأقرب فالأقرب من النجاح .
ولنفرض أن الانسان يحتاج للنجاة من النار ودخول الجنة إلى 51 درجة ( مَنْ رَجُحَتْ حسناتُه على سيئاتِه ) ، فالذي بلغ عمله 400 درجة مثلاً يسمح له أن يوزع 349 درجة على أعزائه ، ولكن ضمن شروط ، بأن يكونوا مثلاً من أقربائه القريبين ، وأن يكون عند أحدهم ثلاثين درجة فما فوق ، وذلك لتحقيق أفضل استفادة وأوسعها من الدرجات الإضافية .
وقد نصت بعض الأحاديث عن الأئمة من أهل البيت عليهم السلام على أن شفاعة المؤمن تكون على قدر عمله ، ففي مناقب آل أبي طالب : 2 / 15 : عن الإمام الباقر عليه السلام في قوله تعالى : ( وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) ، قال : ذلك النبي صلى الله عليه وآله وعلي عليه السلام يقوم على كُوم قد علا الخلايق فيشفع ، ثم يقول : يا علي إشفع ، فيشفع الرجل في القبيلة ، ويشفع الرجل لأهل البيت ويشفع الرجل للرجلين على قدر عمله . فذلك المقام المحمود ) . انتهى . وروت في مصادر السنة شبيهاً به أيضاً .
وبما أن درجات الملائكة والأنبياء والأوصياء عليهم السلام ودرجات المؤمنين متفاوتة وأعظمهم عملاً وأعلاهم درجةً نبينا صلى الله عليه وآله فليس غريباً أن يكون أعظمهم شفاعة عند الله تعالى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 134 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وبما أن سيئات الناس تتفاوت دركاتها ويصل بعضها إلى تحت الصفر بألوف الدرجات مثلاً . . فالذين تشملهم الشفاعة هم الأقرب إلى النجاح والأفضل من مجموع المسيئين ، وقد وردت في شروطهم عدة أحاديث ، منها عن النبي صلى الله عليه وآله : ( إن أدناكم مني وأوجبكم عليَّ شفاعةً : أصدقكم حديثاً ، وأعظمكم أمانةً ، وأحسنكم خلقاً ، وأقربكم من الناس ) . ( مستدرك الوسائل : 11 / 171 ) .
وعلى هذا فالشفاعة مقننة بقوانين دقيقة ككل الأعمال الإلهية الدقيقة الحكيمة ، وليست من نوع الوساطات والمحسوبيات الدنيوية ، كما يتصوره بعض المستشرقين أو المسلمين .
قال المستشرق اليهودي جولد تسيهر في كتابه مذاهب التفسير الإسلامي ص 192 ، مادحاً المعتزلة لقولهم بعدم شمول الشفاعة لمرتكبي الكبائر : ( لا يريدون التسليم بقبول الشفاعة على وجه أساسي حتى لمحمد ، ذلك بأنه يتعارض مع اقتناعهم بالعدل الإلهي المطلق ) .
وقال بعض المتأثرين بالأفكار الوهابية : ( إن الشفاعة إنما هي بالشكل فقط ، وليست حالة وساطة بالمعنى الذي يفهمه الناس في علاقتهم بالعظماء حيث يلجأون إلى الأشخاص الذين تربطهم بهم علاقة مودة أو مصلحة أو موقع معين ليكونوا الواسطة في إيصال مطالبهم وقضاء حوائجهم عنده ) .
وقال : ( إن الشفاعة هي كرامة من الله لبعض عباده فيما يريد أن يظهره من فضلهم في الآخرة فيشفعهم في من يريد المغفرة له ورفع درجته عنده ، لتكون المسألة في الشكل واسطة في النتائج التي يتمثل فيها العفو الإلهي الرباني ، تماماً كما لو كان النبي السبب أو الولي هو الواسطة .
وقال : ( وفي ضوء ذلك لا معنى للتقرب للأنبياء والأولياء ليحصل الناس على
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 135 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
شفاعتهم ، لأنهم لا يملكون من أمرها شيئاً بالمعنى الذاتي المستقل ، بل الله هو المالك لذلك كله على جميع المستويات ، فهو الذي يأذن لهم بذلك في مواقع محددة ، ليس لهم أن يتجاوزوها . الأمر الذي يفرض التقرب إلى الله في أن يجعلنا ممن يأذن لهم بالشفاعة له ) . ( خلفيات مأساة الزهراء صلى الله عليه وآله : 1 / 221 ) .
* *
الأسئلة
1 - لماذا تصرفون آيات الشفاعة عن ظهورها في الشفاعة الحقيقية وتجعلونها شفاعة شكلية ؟ !
2 - لماذا تقبلون شفاعة إبراهيم والأنبياء السابقين عليهم السلام التي نصت عليها التوراة والإنجيل ، وتتوقفون في شفاعة نبينا صلى الله عليه وآله ؟ !
3 - ألا ترون أن تصور اليهود لربهم ووصفهم له بعدم الحكمة في أعماله ، قد أثر عليكم فقستم الشفاعة التي أخبر عنها سبحانه على شفاعات الدنيا عند الحكومات والشخصيات ، ولذلك نفيتموها ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 136 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 46 افتراؤهم على النبي صلى الله عليه وآله أنه شهد بشفاعة الأصنام وسجد لها !

فقد زعم رواتها أن النبي صلى الله عليه وآله مدح أصنامهم وسجد لها ! وتبنت صحاح الخلافة القرشية رواية هذه الفرية مع الأسف !
قال السيوطي في الدر المنثور : 4 / 366 : ( وأخرج البزار والطبراني وابن مردويه والضياء في المختارة بسند رجاله ثقات من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : إن رسول الله ( ص ) قرأ أفرأيتم اللات والعزى ومنات الثالثة الأخرى تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى ! ففرح المشركون بذلك وقالوا قد ذكر آلهتنا ! فجاء جبريل فقال : إقرأ على ما جئتك به ، فقرأ : أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ، تلك الغرانيق العلى ، وإن شفاعتهن لترتجى ! فقال ما أتيتك بهذا ! هذا من الشيطان فأنزل الله : وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته . . . ! وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه بسند صحيح عن سعيد بن جبير . . الخ . ) ! .
وزعمت رواياتهم أن النبي صلى الله عليه وآله سجد للأصنام ! ( فقال : وإنهن لهن الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لهي التي ترتجى ، فكان ذلك من سجع الشيطان وفتنته ، فوقعت هاتان الكلمتان في قلب كل مشرك بمكة ، وذلقت بها ألسنتهم وتباشروا بها وقالوا : إن محمداً قد رجع إلى دينه الأول ودين قومه ! فلما بلغ رسول الله ( ص ) آخر النجم سجد وسجد كل من حضر من مسلم ومشرك ! ! ففشت تلك الكلمة في الناس وأظهرها الشيطان حتى بلغت أرض الحبشة فأنزل الله : وما أرسلنا من قبلك . . . ) ! !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 137 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي بعض رواياتهم : ( ألقى الشيطان على لسانه : وهي الغرانيق العلى شفاعتهن ترتجى ، فلما فرغ من السورة سجد وسجد المسلمون والمشركون إلا أبا أحيحة سعيد بن العاص فإنه أخذ كفاً من تراب فسجد عليه وقال : قد آن لابن أبي كبشة أن يذكر آلهتنا بخير ! فبلغ ذلك المسلمين الذين كانوا بالحبشة أن قريشاً قد أسلمت فأرادوا أن يقبلوا ، واشتد على رسول الله ( ص ) وعلى أصحابه ما ألقى الشيطان على لسانه فأنزل الله : ( وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي . . الآية ) .
وقد روى قصة الغرانيق في مجمع الزوائد : 6 / 32 و : 7 / 70 ، ورواها البخاري ومسلم لكنهما حذفا جزءاً يسيراً منها ! ففي البخاري : 2 / 32 : ( عن عبد الله أن النبي ( ص ) قرأ سورة النجم فسجد بها فما بقي أحد من القوم إلا سجد ! فأخذ رجل من القوم كفاً من حصى أو تراب فرفعه إلى وجهه وقال يكفيني هذا ) . ومسلم : 2 / 88
وبذلك تعرف من أين أخذ المستشرقون وسلمان رشدي ما كتبوه ! !
* *
الأسئلة
1 - ما حكم من يزعم أن النبي صلى الله عليه وآله قد خان الرسالة واتبع الشيطان ومدح الأصنام وسجد لها ؟ !
2 - كيف تثقون بمصادركم التي تنسب هذه الفرية العظيمة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ !
3 - هل عرفتم من أين دخلت الإسرائيليات والقرشيات إلى مصادركم ، وصارت منفذاً للمستشرقين للطعن في الإسلام ونبيه صلى الله عليه وآله ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 138 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
4 - ما رأيكم في روايات البخاري في أول كتابه عن عائشة عن أحد الطلقاء ، تحت عنوان ( باب كيف كان بدء الوحي ) وأن النبي صلى الله عليه وآله لم يكن واثقاً بنبوته ، وأنه جاء من جبل حراء وهو يرتجف ، فأخذته خديجة إلى النصراني ورقة بن نوفل فطمأنه أنه نبي ! قال البخاري فيما قال : ( عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت أول ما بدئ به رسول الله ( ص ) من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ، ثم حبب إليه الخلاء وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه ، وهو التعبد الليالي ذوات العدد ، قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك ث ، م يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها ، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء فجاءه الملك فقال إقرأ . قال : ما أنا بقارئ . قال فأخذني فغطني حتى بلغ منى الجهد ، ثم أرسلني فقال : إقرأ . قلت : ما أنا بقارئ ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ منى الجهد ، ثم أرسلني فقال : إقرأ . فقلت : ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني ! فقال : إقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق . إقرأ وربك الأكرم ، فرجع بها رسول الله ( ص ) يرجف فؤاده فدخل على خديجة بنت خويلد فقال : زملوني زملوني ، فزملوه حتى ذهب عنه الروع ، فقال لخديجة وأخبرها الخبر : لقد خشيت على نفسي ، فقالت خديجة : كلا والله ما خزيك الله أبداً إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق ، فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة وكان امرأً قد تنصر في الجاهلية ، وكان يكتب الكتاب العبراني فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب ، وكان شيخاً كبيراً قد عمي ، فقالت له خديجة : يا ابن عم إسمع من ابن أخيك ، فقال له ورقة : يا ابن أخي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 139 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ماذا ترى ؟ فأخبره رسول الله ( ص ) ما رأى فقال له ورقة : هذا الناموس الذي نزل الله على موسى ، يا ليتني فيها جذعاً ، ليتني أكون حياً إذ يخرجك قومك ! فقال رسول الله ( ص ) أو مخرجيَّ هم ؟ قال : نعم ، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي ، وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً . ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي ) ! انتهى .
فهل رواية البخاري عن بعثة الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وآله ولقائه بجبرئيل عليه السلام في هذا الأفق البدوي الملبد بالشك والريب هي الصحيحة ، أم الأفق المبين الذي قال فيه تعالى : ( إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ . ذِي قُوَةٍ عِنْدَ ذي الْعَرْشِ مَكِينٍ . مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ . وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ . وَلَقَدْ رَآهُ بِالأفُقِ الْمُبِينِ . وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ ) . ( سورة التكوير : 19 - 24 ) ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 140 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 47 لم ترو مصادرهم أن النبي صلى الله عليه وآله كان يبغض اللات والعزى !

من افتراءات مصادرهم على النبي صلى الله عليه وآله أنه كان قبل بعثته يحب أصنام قريش اللات والعزى ومناة وهبل ، وكان يأكل من لحم القرابين التي تذبح لها وأن زيداً بن عمرو بن نفيل الذي هو ابن عم عمر ، كان ينهاه عن ذلك !
ففي مجمع الزوائد : 9 / 417 : ( باب ما جاء في زيد بن عمرو بن نفيل . . . قال فمر زيد بن عمرو بالنبي ( ص ) وزيد بن حارثة ، وهما يأكلان من سفرة فدعياه ، فقال : يا ابن أخي لا آكل ما ذبح على النصب ! قال فما رؤي النبي ( ص ) يأكل ما ذبح على النصب من يومه ذلك حتى بعث ) ! ! ( ورواه البخاري : 4 / 232 ونحوه في : 6 / 225 وأحمد : 1 / 189 و : 2 / 68 و 89 و 127 )
وعلى هذه الروايات الصحاح والحسان عندهم يكون زيد بن عمرو بن نفيل أتقى من نبينا محمد صلى الله عليه وآله وأولى بالنبوة منه ، لأنه الوحيد الذي كان على ملة إبراهيم عليه السلام وليس نبينا صلى الله عليه وآله ، ولا أباه وجده عبد المطلب عليهما السلام ! !
ويكون ابن عمه عمر أيضاً أهلاً للنبوة حيث رووا عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال : لو لم أبعث فيكم لبعث عمر . وأنه قال : لو كان نبي بعدي لكان عمر . وأنه قال : قد كان في الأمم محدثون فإن يكن في أمتي أحد فهو عمر . وأنه قال : إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه ! وأنه كلما تأخر عنه الوحي خشي أن ينزل على عمر ! ورووا على لسان علي عليه السلام أنه قال : كنا نتحدث إن ملكاً ينطق على لسان عمر ! ووضعوا على لسان ابن مسعود أنه قال : لو وضع علم عمر في كفة وعلم أهل الأرض في كفة لرجح علم عمر ) ! ! ( راجع الغدير : 6 / 331 )
فالنبوة في الأصل من حق بني عدي ولكن الحظ جعلها لبني هاشم !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 141 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد تفضلت بعض رواياتهم فاعترفت بشئ للنبي صلى الله عليه وآله قبل البعثة وقالت إن خديجة هي التي كانت تعبد اللات والعزى وتحث النبي صلى الله عليه وآله على عبادتهما ، فكان يمتنع من ذلك ! قال أحمد في مسنده : 4 / 222 و : 5 / 362 : ( عن عروة بن الزبير ( ابن أخت عائشة ) قال : حدثني جار لخديجة بنت خويلد أنه سمع النبي ( ص ) وهو يقول لخديجة : أي خديجة والله لا أعبد اللات والعزى والله لا أعبد أبداً ! قال فتقول خديجة : خل اللات خل العزى . قال : كانت صنمهم التي كانوا يعبدون ثم يضطجعون ) ! ! انتهى .
وكل ذلك عملٌ يقصد منه المساس بشخصية النبي وأجداده صلى الله عليه وآله من أجل تكبير شخصية الحاكم وأقاربه ! !
أما مصادرنا فقد روت الحقيقة ، وهي أن النبي صلى الله عليه وآله كان يكره الأصنام من صغره ، قال الصدوق قدس سره في قصة الراهب بحيرى إنه قال للنبي صلى الله عليه وآله : ( يا غلام أسألك عن ثلاث خصال بحق اللات والعزى إلا ما أخبرتنيها . فغضب رسول الله صلى الله عليه وآله عند ذكر اللات والعزى وقال : لا تسألني بهما فوالله ما أبغضت شيئاً كبغضهما ، وإنما هما صنمان من حجارة لقومي !
فقال بحيرى : هذه واحدة ، ثم قال : فبالله إلا ما أخبرتني .
فقال : سل عما بدا لك فإنك قد سألتني بإلهي وإلهك الذي ليس كمثله شي . فقال : أسألك عن نومك ويقظتك ، فأخبره عن نومه ويقظته وأموره وجميع شأنه ، فوافق ذلك ما عند بحيرى من صفته التي عنده ، فانكب عليه بحيرى فقبل رجليه وقال : يا بني ما أطيبك وأطيب ريحك ، يا أكثر النبيين أتباعاً . . . الخ . ) ( كمال الدين : 1 / 184 )
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 142 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأسئلة
1 - هل تعتقدون أن النبي صلى الله عليه وآله كان يعبد الأصنام ويأكل من لحم قرابينها قبل بعثته ؟
2 - ما دمتم تعتقدون أن زيد بن عمرو بن نفيل الذي هو ابن عم عمر ، كان أوعى من النبي صلى الله عليه وآله وأتقى ، فلماذا لم يبعثه الله نبياً وبعث الأقل منه درجة ؟ !
3 - عندما بعث النبي صلى الله عليه وآله كان زيد بن نفيل موجوداً فلماذا لم يسلم ؟ أم تعتقدون أنه يوجد أشخاص لا يحتاجون إلى نبوة نبينا صلى الله عليه وآله ومنهم زيد ، ومنهم عمر الذي كان يعترض على النبي صلى الله عليه وآله ويوجهه فينزل الوحي موافقاً لرأي عمر ؟ !
4 - هل تقبلون أحاديث عائشة في حق خديجة عليها السلام ، مع أن عائشة تصرح بأنها كان تغار منها غيرة عمياء وتكرهها ! وهل تقبلون من ذلك أن جبرئيل جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وأخبره أن يبشر خديجة من الله تعالى ببيت في الجنة لا لغوٌ فيه ولا صخب ، فجعلته عائشة بيتاً من قصب ؟ ! !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 143 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 48 بعض الصحابة كانوا يقسمون باللات والعزى !

تدل مصادر الفقه السني على أن عادة القسم باللات والعزى بقيت في أذهان القرشيين وعلى ألسنتهم حتى بعد إسلامهم ! فقد روى البخاري : 6 / 51 : ( عن أبي هريرة قال قال رسول الله ( ص ) : من حلف فقال في حلفه واللات والعزى فليقل لا إله إلا الله . ومن قال لصاحبه تعال أقامرك فليتصدق ) . ( ورواه أيضاً في : 7 / 97 و 144 و 222 و 223 ، ومسلم : 5 / 81 و 82 ، وابن ماجة : 1 / 678 ) .
وروى ابن ماجة بعده عن مصعب بن سعد ، عن سعد بن أبي وقاص قال : حلفت باللات والعزى فقال رسول الله ( ص ) قل : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، ثم انفث عن يسارك ثلاثاً ، وتعوَّذ ولا تعد ) . ( ورواه أبو داود في : 2 / 90 ، والترمذي : 3 / 46 و 51 ، والنسائي في : 7 / 7 ، وأحمد : 1 / 183 و 186 و : 2 / 309 ، والبيهقي : 1 / 149 و : 10 / 30 ، ومالك في المدونة : 2 / 108 ) .
* *
الأسئلة
1 - هذا يدلنا على أن الصحابة كانوا حديثي عهد بالإسلام ، وأن رواسب الجاهلية حتى في عبادة الأصنام كانت ما تزال في لا وعيهم وعلى ألسنة بعض كبارهم كسعد بن أبي وقاص .
ومن يخلف النبي صلى الله عليه وآله لابد أن يكون نقياً من هذه الرواسب الجاهلية ، مكرمٌ الله وجهه عن السجود للأصنام ، فهل تعرفون هذه الصفة في غير علي عليه السلام ؟ !
2 - نحن نفتي بأن اليمين الشرعي لا ينعقد إلا بالله تعالى ، ومن حلف بغيره فلا يمين له ولا شئ عليه . وقد أفتى منكم ابن قدامة في المغني : 1 / 169 و :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 144 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
11 / 162 وابن حزم في المحلى : 8 / 51 ، بأن من حلف باللات والعزى فلا شئ عليه إلا الاستغفار ، وعلله في : 11 / 163 بقوله : ( لأن الحلف بغير الله سيئة والحسنة تمحو السيئة ، وقد قال الله تعالى : إن الحسنات يذهبن السيئات ، وقال النبي ( ص ) : إذا عملت سيئة فأتبعها حسنة تمحها . ولأن من حلف بغير الله فقد عظم غير الله تعظيماً يشبه تعظيم الرب تبارك وتعالى ، ولهذا سمي شركاً لكونه أشرك غير الله مع الله تعالى في تعظيمه بالقسم به ، فيقول لا إله إلا الله توحيداً لله تعالى وبراءة من الشرك ) .
فهل تفتون بذلك وأن من حلف بصنم لا يخرج عن الملة ولا شئ عليه إلا التهليل ، وتقولون إن من حلف بالنبي صلى الله عليه وآله أو بأحد من عترته عليهم السلام فهو مشرك يخرج من الملة ؟ !
3 - أنتم تعرفون أن رواسب التعصب القبلي كانت أقوى من رواسب عبادة الأصنام ، ولا طريق لنا لمعرفة النقي منها إلا شهادة النبي صلى الله عليه وآله ، وعندنا شهادته لعلي صلى الله عليه وآله في صحاحكم بأنه مع القرآن والحق ، ولا يميل مع عشيرته ، فهل عندكم شهادة مثلها تبرئ أهل السقيفة من العصبية القرشية والقبلية ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 145 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 49 فسروا لنا هذا الحديث الصحيح عندكم في اللات والعزى !

في صحيح مسلم : 8 / 182 : ( عن عائشة قالت سمعت رسول الله ( ص ) يقول : لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى ! فقلت يا رسول الله إن كنت لأظن حين أنزل الله : ( هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ) أن ذلك تاماً ؟ قال : إنه سيكون من ذلك ما شاء الله ) . انتهى . ( ورواه الحاكم : 4 / 446 و 549 وقال في الموردين : هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه . ورواه البيهقي في سنه : 9 / 181 والهندي في كنز العمال : 14 / 211 . وقال عنه السيوطي في الدر المنثور : 6 / 61 : وأخرج مسلم والحاكم وصححه . . وقال عن الحديث الأول في : 3 / 231 أخرج أحمد ومسلم والحاكم وابن مردويه عن عائشة ) . انتهى .
* *
الأسئلة
1 - كيف تفسرون هذا الحديث الصحيح عندكم أي قطعي الصدور عن النبي الصادق الأمين الذي لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وآله ؟ واللات والعزى هي أصنام قريش ، فهل عبدتهما بعد النبي صلى الله عليه وآله ، أو ستعبدهما في المستقبل ؟
2 - ألا يحتمل أن يكون ذلك إخباراً نبوياً بأن قريشاً ستطيع شخصين من دون الله تعالى يكون تأثيرهما عليها كتأثير اللات والعزى في الجاهلية ؟ !
3 - لماذا اختار النبي صلى الله عليه وآله اللات والعزى صنمي قريش دون غيرهما من الأصنام ، واختار قريشاً دون غيرها من العرب ؟
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 146 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 50 لماذا تردون تفسير المقام المحمود لنبينا صلى الله عليه وآله بالشفاعة ؟ !

قال الله تعالى : ( وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً ) ( سورة الإسراء : 79 ) ، وقد فسره أهل البيت عليهم السلام بأنه مقام رئاسة المحشر والشفاعة .
قال الصدوق في ( التوحيد ) ص 255 - 262 في حديث عن أمير المؤمنين عليه السلام :
( ثم يجتمعون في موطن آخر يكون فيه مقام محمد صلى الله عليه وآله وهو المقام المحمود ، فيثني على الله تبارك وتعالى بما لم يثن عليه أحد قبله ، ثم يثني على الملائكة كلهم فلا يبقى ملك إلا أثنى عليه محمد صلى الله عليه وآله ، ثم يثني على الرسل بما لم يثن عليهم أحد قبله ، ثم يثني على كل مؤمن ومؤمنة ، يبدأ بالصديقين والشهداء ثم بالصالحين ، فيحمده أهل السماوات والأرض ، فذلك قوله : عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً ، فطوبى لمن كان له في ذلك المقام حظ ، وويل لمن لم يكن له في ذلك المقام حظ ولا نصيب ) . انتهى .
أما السنيون فكانوا قبل أن تقوى شوكة الحنابلة موافقين لمذهب أهل البيت عليهم السلام ، قال الرازي في تفسيره : 11 جزء 21 / 31 : قال الواحدي : أجمع المفسرون على أنه ( أي المقام المحمود ) مقام الشفاعة ) . انتهى . وهو ما يفهم من رواية البخاري : 5 / 228 و : 8 / 184 ، وابن ماجة : 1 / 239 ، وهو صريح : 4 / 365 رواية الترمذي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ( ص ) في قوله : ( عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً ) وسئل عنها قال : هي الشفاعة ) . انتهى .
لكن الحنابلة فقد ردوا هذه الأحاديث الصحيحة وأشربوا في قلوبهم حب
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 147 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الإسرائيليات التي تصف الله تعالى بأنه يجلس على العرش والأنبياء عليهم السلام حوله فقالوا إن المقام المحمود أن الله تعالى يقعده على العرش إلى جنبه !
وقد وجدوا ما يتشبثون به من أقوال كعب الأحبار وتلاميذه ، وما رواه عنه عمر من أن العرش يبقى منه أربعة أصابع تتسع لجلوس نبينا صلى الله عليه وآله ! !
قال عالمهم ابن أبي عاصم في كتاب السنة ص 305 : ( 695 - حدثنا أبو بكر ، ثنا ابن فضيل ، عن ليث ، عن مجاهد : عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً . قال يقعده معه على العرش ) . انتهى .
وزاد عليه الخلال الحنبلي في كتابه السنة : 1 / 215 فحكم بكفر كل من أنكر إقعاد الله تعالى لنبيه على العرش إلى جنبه لأنه بزعمهم ينكر فضيلة للنبي صلى الله عليه وآله فهو زنديق يجب قتله ! !
ونتج عن ذلك فتن كثيرة في بغداد وغيرها ، وصف ابن الأثير إحداها في تاريخه : 5 / 121 بقوله : ( في سنة 317 ه‍ وقعت فتنة عظيمة ببغداد بين أصحاب أبي بكر المروزي الحنبلي وبين غيرهم من العامة ودخل كثير من الجند فيها ، وسبب ذلك أن أصحاب المروزي قالوا في تفسير قوله تعالى : عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً ، هو أن الله سبحانه يقعد النبي ( ص ) معه على العرش ! وقالت طائفة إنما هو الشفاعة ، فوقعت الفتنة فقتل بينهم قتلى كثيرة ) .
وذكرها الذهبي في تاريخ الإسلام : 23 / 384 ، وأنها كانت بسبب تفسير آية المقام المحمود ، حيث قالت الحنابلة إنها تعني أن الله يقعده على عرشه كما قال مجاهد . وقال غيرهم : بل هي الشفاعة العظمى ) . انتهى .
* *
وجاء ابن تيمية في القرن الثامن فأحيا تجسيم الحنابلة ، وتبنى مقولة قعود النبي على العرش مع الله تعالى ! ( منهاج السنة : 1 / 264 ) ! !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 148 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وتبعه ابن القيم في ذلك ( بدائع الفوائد : 4 / 39 ) ! ! ونسب القول به إلى الطبري !
لكن الشيخ محمود أبو رية كذبه في كتابه أضواء على السنة المحمدية ص 190 فقال في هامشه : ( نقلنا هذا الخبر عن ابن القيم في الطبعة الثانية ، ولكن تبين أن ابن القيم هذا وهو حنبلي لم يكن صادقاً فيما نسبه إلى ابن جرير الطبري ، فقد جاء في تاريخه الذي ذكره صاحب معجم الأدباء ( ج 18 / 57 - 59 ) أنه لما قدم إلى بغداد من طبرستان تعصب عليه قوم وسأله الحنابلة عن حديث الجلوس على العرش فقال : أما حديث الجلوس على العرش فمحال ، ثم أنشد : سبحان من ليس له أنيسُ ولا له في عرشه جليسُ
فلما سمع ذلك الحنابلة وأصحاب الحديث وثبوا ورموه بمحابرهم فدخل داره ، فرموا داره بالحجارة حتى صار على بابه كالتل العظيم ، فركب صاحب الشرطة في عشرات ( ألوف ) من الجند يمنع عنه العامة ووقف على بابه يوماً إلى الليل ، وأمر برفع الحجارة ، وكان قد كتب على بابه هذا البيت الذي أوردناه آنفاً ، فأمر صاحب الشرطة بمحوه وكتب مكانه بعض أصحاب الحديث هذه الأبيات :
لأحمد منزلٌ لا شكَّ عالٍ * إذا وافى إلى الرحمن وافد
فيدنيه ويقعده كريماً * على رغم لهم في أنف حاسد
على عرش يغلفه بطيب * على الأكباد من باغ وعاند
له هذا المقام الفرد حقاً * كذاك رواه ليث عن مجاهد )
وتبع ابن تيمية في هذه العقيدة ابن عبد الوهاب وجماعته !
لكن الألباني تشجع وخالفهم فقال : ( إن قول مجاهد هذا وإن صح عنه لا يجوز أن يتخذ ديناً وعقيدة ما دام أنه ليس له شاهد من الكتاب والسنة ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 149 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فياليت المصنف إذ ذكره عنه جزم برده وعدم صلاحيته للاحتجاج به ، ولم يتردد فيه ) . انتهى . ( البشارة والإتحاف للسقاف ص 27 )
وليت الألباني استكمل شجاعته فشهد بأن فكرة قعود الله تعالى على العرش وإقعاد الأنبياء عليهم السلام حوله فكرة يهودية ، جاءت من كعب الأحبار إلى عمر ثم إلى مجاهد !
وقد شهد بذلك الشيخ محمود أبو رية ونقل في كتابه القيم أضواء على السنة المحمدية ص 190 عن كتاب العقيدة والشريعة للمستشرق جولد تسيهر ص 42 و 43 قال : ( وهناك جمل أخذت من العهد القديم والعهد الجديد وأقوال للربانيين ، أو مأخوذة من الأناجيل الموضوعة وتعاليم من الفلسفة اليونانية ، وأقوال من حكم الفرس والهنود ، كل ذلك أخذ في الإسلام عن طريق الحديث حتى لفظ ( أبونا ) لم يعدم مكانه في الحديث المعترف به ، وبهذا أصبحت ملكاً خالصاً للاسلام بطريق مباشر أو غير مباشر ! وقد تسرب إلى الإسلام كنز كبير من القصص الدينية حتى إذا ما نظرنا إلى المواد المعدودة في الحديث ونظرنا إلى الأدب الديني اليهودي فإننا نستطيع أن نعثر على قسم كبير دخل الأدب الديني الإسلامي من هذه المصادر اليهودية ) . انتهى .
وهي كذلك عقيدة مسيحية ، ففي قاموس الكتاب المقدس ص 795 : ( وقد وصف يسوع بأنه رئيس كهنة المؤمنين العظيم الذي نضح قدس الأقداس السماوي بدمه ، والذي جلس عن يمين الأب هناك حيث هو الآن يشفع فيهم ) . ( عب 4 : 14 و 7 : 25 و 9 : 12 ) الخ .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 150 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأسئلة
1 - ما هي عقيدتكم في قعود الله تعالى على العرش ، وإقعاده نبينا صلى الله عليه وآله إلى جنبه ؟
2 - هل تُكفرون المسلمين لأنهم لا يوافقونكم على هذه العقيدة اليهودية ؟
3 - هل تكفرون إمامكم الألباني لأنه أنكرها ، وتتبرؤون منه وتفتون بإحراق كتبه ، وتنبشون قبره وتخرجونه من مقابر المسلمين كما منعتم الطبري من الدفن فيها ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 151 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 51 ما رأيكم في توسيعات بولس وعمر للشفاعة ؟ !

إلى حد إلغاء العقوبة والمسؤولية عن الناس ؟ !
من المعروف أن بولس الذي نَصَّر النصارى قد اخترع عقيدة الفداء التي تقول إن الله تعالى أرسل ابنه المسيح عليه السلام لكي يقتل ويصلب فيفدي بنفسه البشر ، ويتحمل خطاياهم ! وأن الشرط الوحيد لشمول الإنسان بشفاعة المسيح هو الإيمان بأنه ابن الله تعالى !
ففي العهد القديم والجديد : 3 / 386 : ( يا أولادي أكتب إليكم هذا لكي لا تخطئوا وإن أخطأ أحدٌ فلنا شفيع عند الأب ، يسوع المسيح البار ، وهو كفارة لخطايانا . ليس لخطايانا فقط بل لخطايا كل العالم أيضاً ) !
وفي كتاب مقارنة بين الأديان للدكتور الشلبي : 2 / 245 : ( فادعى شاؤول ( بولس ) أن السيد المسيح بعد نهايته على الأرض ظهر له وصاح فيه وهو في طريقه إلى دمشق : لماذا تضطهدني ! فخاف شاؤول وصرخ : من أنت يا سيد ؟ قال : أنا يسوع الذي تضطهده ! قال شاؤول : ماذا تريد أن أفعل ؟ قال يسوع : قم وكرز بالمسيحية ! ويقول لوقا في ختام هذه القصة جملة ذات بال غيرت وجه التاريخ هي : وللوقت جعل يكرز في المجامع بالمسيح أنه ابن الله ) ( أعمال 9 : 3 - 30 ) .
* *
أما عمر فقد وسع شفاعة نبينا صلى الله عليه وآله وعفو الله تعالى حتى شملت كل الناس المطيع منهم والعاصي ! المسلم والمنافق والكافر !
ففي الدر المنثور : 6 / 285 : ( وأخرج ابن مردويه عن عبد الرحمن بن ميمون أن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 152 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كعباً دخل يوماً على عمر بن الخطاب فقال له عمر : حدثني إلى ما تنتهي شفاعة محمد يوم القيامة ؟ ! فقال كعب : قد أخبرك الله في القرآن أن الله يقول : ( ما سلككم في سقر إلى قوله اليقين ) قال كعب : فيشفع يومئذ حتى يبلغ من لم يصل صلاة قط ويطعم مسكيناً قط ومن لم يؤمن ببعث قط ، فإذا بلغت هؤلاء لم يبق أحد فيه خير ! ) انتهى .
ومعناه شمول الشفاعة حتى للكافر الذي لا يؤمن بيوم الدين !
وفي مجمع الزوائد : 1 / 16 : ( عن عمر أن رسول الله ( ص ) أمره أن يؤذن في الناس أنه : من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له مخلصاً دخل الجنة ، فقال عمر : يا رسول الله إذاً يتكلوا فقال : دعهم . رواه أبو يعلى والبزار إلا أن عمر قال يا رسول الله إذاً يتكلوا ! قال دعهم يتكلوا ) .
وفي مجمع الزوائد : 1 / 23 : ( عن عقبة بن عامر قال : جئت في اثني عشر راكباً حتى حللنا برسول الله ( ص ) فقال أصحابي : من يرعى إبلنا وننطلق فنقتبس من رسول الله ( ص ) فإذا راح اقتبسناه ما سمعنا من رسول الله ( ص ) ؟ فقلت : أنا ، ثم قلت في نفسي : لعلي مغبون ، يسمع أصحابي ما لا أسمع من نبي الله ( ص ) ، فحضرت يوماً فسمعت رجلاً قال : قال رسول الله ( ص ) : من توضأ وضوء كاملاً ثم قام إلى صلاة كان من خطيئته كيوم ولدته أمه ، فتعجبت من ذلك ، فقال عمر بن الخطاب : فكيف لو سمعت الكلام الآخر كنت أشد عجباً ! فقلت : أردد عليَّ جعلني الله فداءك ، فقال عمر بن الخطاب : إن نبي الله ( ص ) قال : من مات لا يشرك بالله شيئاً فتحت له أبواب الجنة يدخل من أيها شاء ، ولها ثمانية أبواب !
فخرج علينا رسول الله ( ص ) فجلست مستقبله فصرف وجهه عني ، فقمت
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 153 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فاستقبلته ففعل ذلك ثلاث مرات ، فلما كانت الرابعة قلت : يا نبي الله بأبي أنت وأمي لم تصرف وجهك عني ؟ ! فأقبل عليَّ فقال : أواحدٌ أحب إليك أم اثنا عشر ؟ مرتين أو ثلاثاً ! فلما رأيت ذلك رجعت إلى أصحابي ) !
وفي مجمع الزوائد : 1 / 22 : ( عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : جئت ورسول الله ( ص ) قاعد في أناس من أصحابه فيهم عمر بن الخطاب وأدركت آخر الحديث ورسول الله ( ص ) يقول : من صلى أربع ركعات قبل العصر لم تمسه النار ! فقلت بيدي هكذا يحرك بيده إن هذا حديث جيد ، فقال عمر بن الخطاب : لما فاتك من صدر الحديث أجود وأجود ! قلت يا ابن الخطاب فهات ، فقال عمر بن الخطاب : حدثنا رسول الله ( ص ) أنه من شهد أن لا إله إلا الله دخل الجنة ) ! !
وفي مجمع الزوائد : 1 / 32 و 49 : ( عن عمر بن الخطاب أنه سمع النبي ( ص ) يقول : من مات يؤمن بالله واليوم الآخر ، قيل له أدخل من أي أبواب الجنة الثمانية شئت . رواه أحمد وفي إسناده شهر بن حوشب وقد وثق ) . انتهى .
ومعنى هذه الأحاديث عن عمر : أن مجرد شهادة لا إله إلا الله تكفي لدخول الجنة ، ولو بدون الإيمان بأحد من الأنبياء عليهم السلام ، وبدون عمل صالح ! !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 154 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأسئلة
1 - هل تقبلون هذه الأحاديث عن عمر ، ويوجد مثلها عن غير عمر ؟
2 - هل يكون عمر هو المقصود بقول النبي صلى الله عليه وآله الذي رواه معاذ بن جبل قال قال رسول الله ( ص ) : ما بعث الله نبياً قط إلا وفي أمته قدرية ومرجئة يشوشون عليه أمر أمته . ألا وإن الله قد لعن القدرية والمرجئة على لسان سبعين نبياً ) . ( مجمع الزوائد : 7 / 203 )
3 - إذا لم يكن عمر مؤسس مذهب المرجئة وإمامهم ، فمن هو مؤسسها ؟
4 - ما رأيكم فيما رواه البخاري : 8 / 139 : ( عن أبي هريرة أن رسول الله ( ص ) قال : كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى ! قالوا يا رسول الله ومن يأبى ؟ قال من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى . انتهى .
( ورواه الحاكم : 1 / 55 بلفظ آخر وقال : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ) .
فالذين عصوا الرسول صلى الله عليه وآله من أمته مستثنوْن ولا يدخلون الجنة ، فكيف يدخلها من شهد بالتوحيد فقط ولم يشهد بغيره ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 155 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 52 ما رأيكم في قول عمر وابن تيمية بفناء النار ونقل أهلها إلى الجنة !

من بديهيات عقائد الإسلام الخلود في الآخرة لأهل الجنة وأهل النار ، قال الله تعالى : ( وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) ( سورة البقرة : 39 )
قال الصدوق قدس سره في الإعتقادات ص 53 : ( اعتقادنا في الجنة أنها دار البقاء ودار السلامة ، لا موتٌ فيها ولا هرم ولا سقم ولا مرض ولا آفة ولا زوال ولا زمانة ولا هم ولا غم ولا حاجة ولا فقر . وأنها دار الغنى ودار السعادة ، ودار المقامة ودار الكرامة ، لا يمس أهلها نصب ولا يمسهم فيها لغوب ، لهم فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين وهم فيها خالدون . وأنها دارٌ أهلها جيران الله تعالى وأولياؤه وأحباؤه وأهل كرامته . . .
واعتقادنا في النار أنها دار الهوان ودار الانتقام من أهل الكفر والعصيان ، ولا يخلد فيها إلا أهل الكفر والشرك ) .
وقال في ص 81 : ( اعتقادنا في قتلة الأنبياء وقتلة الأئمة المعصومين عليهم السلام ، أنهم كفار مشركون مخلدون في أسفل درك من النار . ومن اعتقد بهم غير ما ذكرناه ، فليس عندنا من دين الله في شي ) .
وفي البحار : 8 / 361 عن عيون أخبار الرضا عليه السلام : ( فيما كتب للمأمون من محض الإسلام : إن الله لا يدخل النار مؤمناً وقد وعده الجنة ، ولا يخرج من النار كافراً وقد أوعده النار والخلود فيها ، ومذنبو أهل التوحيد يدخلون النار ويخرجون منها والشفاعة جائزة لهم .
وفي تفسير الإمام العسكري عليه السلام ص 578 : ( قال الله تعالى : وما هم بخارجين من
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 156 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
النار ) كان عذابهم سرمداً دائماً ، وكانت ذنوبهم كفراً ، لا تلحقهم شفاعة نبي ولا وصي ، ولا خيِّر من خيار شيعتهم ) .
وقال الطوسي في تفسير التبيان : 2 / 524 : ( الخلود في اللغة هو طول المكث ، ولذلك يقال : خلده في السجن وخلد الكتاب في الديوان . وقيل للأثافي : خوالد ما دامت في موضعها ، فإذا زالت لا تسمى خوالد . والفرق بين الخلود والدوام : أن الخلود يقتضي ( في ) كقولك خلد في الحبس ، ولا يقتضي ذلك الدوام ، ولذلك جاز وصفه تعالى بالدوام دون الخلود .
إلا أن خلود الكفار المراد به التأبيد بلا خلاف بين الأمة . . . ومعنى خلودهم فيها استحقاقهم لها دائماً مع ما توجبه من أليم العقاب ، فأما من ليس بكافر من فساق أهل الصلاة ، فلا يتوجه إليه الوعيد بالخلود ) .
عقيدة السنيين
روت مصادر السنيين تشويشات من تأثير رأي عمر ، لكنها روت ما يوافق القرآن شبيهاً بما في مصادرنا كما في البخاري : 7 / 203 ، من حديث طويل : ( عن أنس قال قال رسول الله ( ص ) : يجمع الله الناس يوم القيامة فيقولون لو استشفعنا على ربنا حتى يريحنا من مكاننا . . . فأرفع رأسي فأحمد ربي بتحميد يعلمني ثم أشفع فيحد لي حداً ، ثم أخرجهم من النار وأدخلهم الجنة ، ثم أعود فأقع ساجداً مثله في الثالثة أو الرابعة حتى ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن . وكان قتادة يقول عند هذا : أي وجب عليه الخلود ) .
وقد فسرت مصادرهم عبارة ( إلا من حبسه القرآن ) بالتأبيد ، كما في البخاري : 8 / 183 و : 5 / 147 : ( إلا من حبسه القرآن ووجب عليه الخلود . . . إلا من حبسه القرآن يعني قول الله تعالى : خالدين فيها ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 157 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي هذه العقيدة الأساسية تدخَّل عمر بن الخطاب أيضاً ، فقال إن أهل النار ليسوا مخلدين فيها ، فالنار تفنى وينقل أهلها إلى الجنة ! !
وقد وافقه على ذلك ابن تيمية ! وعلله تلميذه ابن القيم بأن النار كالسجن لابد أن تخرب بمرور الوقت ، فلا يبقى لأهلها مكان إلا الجنة !
قال السيوطي في الدر المنثور : 3 / 350 : ( وأخرج ابن المنذر عن الحسن عن عمر قال : لو لبث أهل النار في النار كقدر رمل عالج لكان لهم يوم على ذلك يخرجون فيه . انتهى ! !
وعالج : صحراء رملية ذارية بين نجد والبحرين .
وقد تحمس لرأي عمر ابن قيم الجوزية في رسالته حادي الأرواح ، ومن المتأخرين محمد رشيد رضا في تفسير المنار : 8 / 68 ، حيث أورد في كتابه رسالة ابن قيم كلها ، وهي نحو خمسين صفحة ، ومدح ابن القيم وغلا فيه لأنه مفكر إسلامي نابغة استطاع أن يحل المشكلة ويثبت رأي الخليفة بخمسة وعشرين دليلاً ، رصف كلامها رصف الخطيب المكثر !
وتدور رسالة ابن قيم المدرسة الجوزية على محور واحد هو أن النار تفنى كما يخرب السجن ، فلا يبقى محل لأهلها إلا أن ينقلوا إلى الجنة ! !
لكن الشوكاني تشجع وألف رسالة في الرد على عمر وابن تيمية ، قال في مقدمة فتح القدير : 1 / 9 : ( للشوكاني مؤلفات ، منها كتاب نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار . . . وكشف الأستار في إبطال القول بفناء النار ) . انتهى .
* *
وقد أخذ عمر عقيدته هذه من اليهود ولم يأخذ بتكذيب القرآن لهم ، ففي سيرة ابن هشام : 2 / 380 : ( قال ابن إسحاق : وحدثني مولى لزيد بن ثابت عن عكرمة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 158 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أو عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس قال : قدم رسول الله ( ص ) المدينة واليهود تقول : إنما مدة الدنيا سبعة آلاف سنة ، وإنما يعذب الله الناس في النار بكل ألف سنة من أيام الدنيا يوماً واحداً في النار من أيام الآخرة ، وإنما هي سبعة أيام ثم ينقطع العذاب ! !
فأنزل الله في ذلك من قولهم : ( وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لا تَعْلَمُونَ . بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) ( سورة البقرة : 80 - 81 ) أي خلداً أبداً . ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) ( سورة البقرة : 82 ) أي من آمن بما كفرتم به وعمل بما تركتم من دينه فلهم الجنة خالدين فيها ، يخبرهم أن الثواب بالخير والشر مقيم على أهله أبداً ولا انقطاع له ) .
* *
الأسئلة
1 - هل توافقون على رأي عمر بفناء النار وانتهاء العقاب في الآخرة ؟
2 - بماذا تفسرون تبني عمر لهذه العقيدة اليهودية مع تكذيب القرآن لها ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 159 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 53 ما قولكم في شفاعات عمر المخترعة ؟ !

ما هو موقفك إذا قال لك شخص : اليوم مات فلان المجرم الظالم القاتل ، فتعال لندخله الجنة ! فقلت له كيف ؟ ! فقال : نقف في طريق جنازته ونقول عندما يمرون بها : رحمه الله كان عبداً صالحاً ، فيقبل الله شهادتنا ويصير المجرم من أهل الجنة ! !
أو قال لك : اليوم مات فلان المؤمن الزاهد العابد فتعال لندخله النار فنقف في طريق جنازته ونقول عندما تمر : لعنه الله كان رجلاً سيئاً ، فيقبل الله شهادتنا ويصير المؤمن من أهل النار ! !
لاشك أنك تضحك على عقله وتقول له : إنك تهزأ وتهرق وتسخر بالله تعالى فتتصور أنه مثلك يهزأ ويلعب ، كما وصف اليهود معبودهم !
لكن منطق اليهود هذا وسخريتهم بأنفسهم وربهم ، تبناه عمر بن الخطاب وروته صحاحهم مع الأسف !
قال البخاري في صحيحه : 2 / 100 : ( عن أبي الأسود قال : قدمت المدينة وقد وقع بها مرض فجلست إلى عمر بن الخطاب فمرت بهم جنازة فأثنى على صاحبها خيراً فقال عمر : وجبت . ثم مر بأخرى فأثنى على صاحبها خيراً ، فقال عمر : وجبت . ثم مر بالثالثة فأثنى على صاحبها شراً ، فقال : وجبت . فقال أبو الأسود فقلت : وما وجبت يا أمير المؤمنين ؟ قال : قلت كما قال النبي ( ص ) : أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة ، فقلنا وثلاثة قال : وثلاثة . فقلنا واثنان قال : واثنان . ثم لم نسأله عن الواحد ) !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 160 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ورواه البخاري أيضاً في : 3 / 149 والنسائي : 4 / 51 وفيه : ( فقلت وما وجبت يا أمير المؤمنين ؟ قال : قلت كما قال رسول الله ( ص ) : أيما مسلم شهد له أربعة قالوا خيراً أدخله الله الجنة . قلنا : أو ثلاثة ؟ قال : أو ثلاثة . قلنا : أو اثنان ؟ قال : أو اثنان ) ! ! ( ورواه الترمذي : 2 / 261 . ورواه أحمد : 1 / 21 و 22 و 27 و 30 و 45 و 46 ، والبيهقي في سننه : 10 / 124 ) .
وإليكم هذه الرواية التي تدل على أن هذه العقيدة من أخبار الآحاد وأن أصلها وأساسها من عمر الذي تفرد بها من بين الصحابة !
قال أحمد في مسنده : 1 / 54 : ( حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا وكيع ثنا عمر بن الوليد الشني عن عبد الله بن بريدة قال : جلس عمر مجلساً كان رسول الله ( ص ) يجلسه ، فمر عليه الجنائز ، قال فمروا بجنازة فأثنوا خيراً فقال : وجبت . ثم مروا بجنازة فأثنوا خيراً فقال : وجبت . ثم مروا بجنازة فقالوا خيراً فقال : وجبت . ثم مروا بجنازة فقالوا هذا كان أكذب الناس ، فقال : إن أكذب الناس أكذبهم على الله ، ثم الذين يلونهم من كذب على روحه في جسده ، قال قالوا : أرأيت إذا شهد أربعة ؟ قال : وجبت . قالوا : أو ثلاثة ؟ قال : وثلاثة ، قال وجبت . قالوا : واثنين ؟ قال : وجبت ، ولأن أكون قلت واحد أحب إلي من حمر النعم . قال فقيل لعمر : هذا شئ تقوله برأيك أم شئ سمعته من رسول الله ( ص ) ؟ قال : لا ، بل سمعته من رسول الله ( ص ) . انتهى .
فالمجلس هو ذلك المجلس الرسمي الذي كان يجلسه رسول الله صلى الله عليه وآله لوداع الجنائز ، وقد تعجب الصحابة الحاضرون من قول عمر لأن ذلك ينقض عدالة قوانين العقاب والثواب الإلهية ، ولم يسمعوا شبيهه من النبي صلى الله عليه وآله ! وقد تجرأ بعضهم أن يسأل عمر رغم عنفه وسطوته ، فأكد لهم أنه سمع ذلك من النبي صلى الله عليه وآله ! !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 161 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأسئلة
1 - ما رأيكم في هذه الفرية العمرية على الله تعالى التي تلغي قانون العقاب والثواب ، وتجعلهما تابعين للمصادفة ، شبيهاً بلعب القمار ؟ !
2 - هل تبنون عقيدتكم على خبر الواحد كخبر عمر المذكور وتخصصون به عمومات القرآن وإطلاقاته ، كما فعلتم في خبر أبي بكر : ( نحن معاشر الأنبياء لا نورث ) ، فجعلتم به عترة الأنبياء عليهم السلام مُسْتَثْنَوْنَ من قانون الإرث ! !
3 - ما هو السبب في تبني عمر لهذه المقولة ونسبته إياها إلى النبي صلى الله عليه وآله ؟
4 - هل رأيتم روايات انعدام الحكمة في إرادة الله تعالى وأفعاله وتبعيتها للمصادفة ، إلا في ثقافة اليهود وفي رواياتكم ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 162 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 54 ما قولكم في ادعاء عمر وكعب الأحبار أن كل المسلمين في الجنة ؟ !

[
قال الله تعالى : ( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ ، ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ) ( سورة فاطر : 32 ) وقد ورد في تفسيرها عن أهل البيت عليهم السلام أن المقصود بها عترة النبي صلى الله عليه وآله من أبناء فاطمة عليهم السلام ، وأن السابقين بالخيرات منهم الأئمة المعصومون ، والمقتصد من يعرف حق الإمام ، والظالم لنفسه من لم يعرف حق الإمام ، وأنهم جميعاً صالحون حتى الظالم لنفسه ما دام ليس ظالماً لغيره .
فوراثة الكتاب في هؤلاء الصالحين ، دون الفاسقين الذين هم قسم رابع غير هذه الثلاثة . وهذا هو المعنى الوحيد المعقول للآية .
روى في الإحتجاج : 2 / 301 : ( عن أبي بصير قال سألت أبا عبد الله عليه السلام عن هذه الآية : ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ؟ قال : أي شئ تقول ؟ قلت : إني أقول إنها خاصة لولد فاطمة . فقال عليه السلام : أما من سلَّ سيفه ودعا الناس إلى نفسه إلى الضلال من ولد فاطمة وغيرهم فليس بداخل في الآية ، قلت : من يدخل فيها ؟ قال : الظالم لنفسه الذي لا يدعو الناس إلى ضلال ولا هدى ، والمقتصد منا أهل البيت هو العارف حق الإمام ، والسابق بالخيرات هو الإمام ) .
وقال المجلسي قدس سره في البحار : 23 / 218 : ( روى السيد ابن طاووس في كتاب سعد السعود من تفسير محمد بن العباس بن مروان قال : حدثنا علي بن عبد الله بن أسد ، عن إبراهيم بن محمد ، عن عثمان بن سعيد ، عن إسحاق بن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 163 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يزيد الفراء ، عن غالب الهمداني ، عن أبي إسحاق السبيعي قال : خرجت حاجاً فلقيت محمد بن علي فسألته عن هذه الآية : ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ . . الآية ؟ فقال : ما يقول فيها قومك يا أبا إسحاق ؟ يعني أهل الكوفة ، قال قلت : يقولون إنها لهم . قال : فما يخوفهم إذا كانوا من أهل الجنة ؟ ! قلت : فما تقول أنت جعلت فداك ؟ فقال : هي لنا خاصة يا أبا إسحاق ، أما السابق بالخيرات فعلي بن أبي طالب والحسن والحسين والشهيد منا أهل البيت ، وأما المقتصد فصائم بالنهار وقائم بالليل ، وأما الظالم لنفسه ففيه ما جاء في التائبين وهو مغفور له . يا أبا إسحاق بنا يفك الله عيوبكم ، وبنا يحل الله رباق الذل من أعناقكم ، وبنا يغفر الله ذنوبكم ، وبنا يفتح الله وبنا يختم لا بكم ، ونحن كهفكم كأصحاب الكهف ، ونحن سفينتكم كسفينة نوح ، ونحن باب حطتكم كباب حطة بني إسرائيل ) .
وقال ابن شعبة الحراني في تحف العقول ص 425 : ( لما حضر علي بن موسى صلى الله عليه وآله مجلس المأمون وقد اجتمع فيه جماعة علماء أهل العراق وخراسان . فقال المأمون : أخبروني عن معنى هذه الآية : ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا . . الآية ؟ فقالت العلماء : أراد الله الأمة كلها . فقال المأمون : ما تقول يا أبا الحسن ؟
فقال الرضا عليه السلام : لا أقول كما قالوا ولكن أقول : أراد الله تبارك وتعالى بذلك العترة الطاهرة . فقال المأمون : وكيف عنى العترة دون الأمة ؟
فقال الرضا لنفسه : ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ ، ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِير . ثم جعلهم كلهم في الجنة فقال عز وجل : جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا ، فصارت الوراثة للعترة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 164 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الطاهرة لا لغيرهم .
ثم قال الرضا عليه السلام : هم الذين وصفهم الله في كتابه فقال : إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ، وهم الذين قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إني مخلف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي لن يفترقا حتى يردا علي الحوض ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما ، يا أيها الناس لا تعلموهم فإنهم أعلم منكم .
قالت العلماء : أخبرنا يا أبا الحسن عن العترة هم الآل أو غير الآل ؟
فقال الرضا عليه السلام : هم الآل . فقالت العلماء : فهذا رسول الله يؤثر عنه أنه قال : أمتي آلي ، وهؤلاء أصحابه يقولون بالخبر المستفيض ( ! ! ) الذي لا يمكن دفعه : آل محمد أمته ! فقال الرضا عليه السلام : أخبروني هل تحرم الصدقة على آل محمد ؟
قالوا : نعم . قال عليه السلام : فتحرم على الأمة ؟ قالوا : لا .
قال عليه السلام : هذا فرق بين الآل وبين الأمة ، ويحكم أين يذهب بكم ، أصرفتم عن الذكر صفحاً ، أم أنتم قوم مسرفون ، أما علمتم أنما وقعت الرواية في الظاهر على المصطفين المهتدين دون سائرهم !
قالوا : من أين قلت يا أبا الحسن ؟
قال عليه السلام : من قول الله : ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ) . ( سورة الحديد : 26 ) فصارت وراثة النبوة والكتاب في المهتدين دون الفاسقين . أما علمتم أن نوحاً سأل ربه فقال : ( فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ ) ( سورة هود : 45 ) وذلك أن الله وعده أن ينجيه وأهله ، فقال له ربه تبارك وتعالى : ( إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ) ( سورة هود : 46 ) فقال المأمون : فهل فضل الله العترة على سائر الناس ؟ فقال الرضا عليه السلام : إن الله
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 165 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
العزيز الجبار فضل العترة على سائر الناس في محكم كتابهُ .
قال المأمون : أين ذلك من كتاب الله ؟
قال الرضا عليه السلام : في قوله تعالى : إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ . ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ . ( سورة آل عمران : 23 - 34 ) وقال الله في موضع آخر : أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً . ( سورة النساء : 54 ) ثم رد المخاطبة في أثر هذا إلى سائر المؤمنين فقال : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ ) ( سورة النساء : 59 ) يعني الذين أورثهم الكتاب والحكمة وحسدوا عليهما بقوله : أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً ، يعني الطاعة للمصطفين الطاهرين ، والملك هاهنا الطاعة لهم . قالت العلماء : هل فسر الله تعالى الاصطفاء في الكتاب ؟
فقال الرضا عليه السلام : فسر الاصطفاء في الظاهر سوى الباطن في اثني عشر موضعاً . فأول ذلك قول الله : وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِين . ( سورة الشعراء : 214 ) وهذه منزلة رفيعة وفضل عظيم وشرف عال حين عنى الله عز وجل بذلك الآل فهذه واحدة . والآية الثانية في الاصطفاء قول الله : إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) ( سورة الأحزاب : 33 ) وهذا الفضل الذي لا يجحده معاند ، لأنه فضل بين .
والآية الثالثة ، حين ميز الله الطاهرين من خلقه أمر نبيه في آية الابتهال فقال : قل يا محمد : ( تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) . ( سورة آل عمران : 61 ) فأبرز النبي صلى الله عليه وآله علياً والحسن والحسين وفاطمة عليهم السلام فقرن أنفسهم بنفسه . . . إلى آخر الرواية ) . انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 166 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وهذا المعنى هو المقصود بقول النبي صلى الله عليه وآله الذي رواه عمر : ( سابقنا سابق ، ومقتصدنا ناج ، وظالمنا مغفور له ) لأنه يستحيل أن يكون مقصوده صلى الله عليه وآله كل ظالم من أمته ، وقد نص القرآن والسنة على دخولهم بعضهم النار .
قال السيوطي في الدر المنثور : 5 / 252 : ( وأخرج العقيلي وابن هلال وابن مردويه والبيهقي من وجه آخر عن عمر بن الخطاب سمعت رسول الله ( ص ) يقول : سابقنا سابق ، ومقتصدنا ناج ، وظالمنا مغفور له ، وقرأ عمر : فمنهم ظالم لنفسه . . الآية ) . انتهى . ( وروى السيوطي نحوه عن أنس ، ورواه في كنز العمال : 2 / 10 و 485 عن عمر وأضاف لمصادره : الديلمي في الفردوس والبيهقي في البعث والنشور ) .
ويؤيده ما رواه السيوطي : 5 / 251 ، عن الطبراني والبيهقي في البعث ، عن أسامة بن زيد : فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات ، قال قال رسول الله ( ص ) : كلهم من هذه الأمة ، وكلهم في الجنة ) . انتهى . ( ونحوه في كنز العمال : 2 / 486 ، ومجمع الزوائد : 7 / 96 . وتعبير كلهم من الأمة يدل على أنهم ليسوا كل الأمة ) .
* *
غير أن عمر وكعب الأحبار وَسَّعَا بعد ذلك ( الذين اصطفاهم الله وأورثهم الكتاب ) فجعلوهم كل المسلمين !
قال السيوطي في الدر المنثور : 5 / 252 : ( وأخرج عبد بن حميد عن صالح أبي الخليل قال قال كعب : يلومني أحبار بني إسرائيل أني دخلت في أمة فرقهم الله ثم جمعهم ثم أدخلهم الجنة ! ثم تلا هذه الآية : ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ، حتى بلغ جنات عدن يدخلونها . . . قال قال : فأدخلهم الله الجنة جميعاً ) .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عبد الله
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 167 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بن الحارث أن ابن عباس سأل كعباً عن قوله : ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا . . الآية ؟ قال : نجوا كلهم . ثم قال : تحاكت مناكبهم ورب الكعبة ، ثم أعطوا الفضل بأعمالهم ) .
وقال السيوطي في الدر المنثور : 5 / 252 : ( وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر والبيهقي في البعث عن عمر بن الخطاب أنه كان إذا نزع بهذه الآية قال : ألا إن سابقنا سابق ، ومقتصدنا ناج ، وظالمنا مغفور له ) . انتهى .
وزعم الخولاني وهو من تلامذة كعب أنه قرأ ذلك في كتب اليهود !
قال السيوطي في الدر المنثور : 5 / 252 : ( وأخرج عبد بن حميد عن أبي مسلم الخولاني قال : قرأت في كتاب الله ( كتب الله ) أن هذه الأمة تصنف يوم القيامة على ثلاثة أصناف : صنف منهم يدخلون الجنة بغير حساب ، وصنف يحاسبهم الله حساباً يسيراً ويدخلون الجنة ، وصنف يوقفون ويؤخذ منهم ما شاء الله ، ثم يدركهم عفو الله وتجاوزه ) .
وقد وافق عثمان بن عفان كعباً على تفسيره ! قال السيوطي في تفسيره : 5 / 252 : ( وأخرج سعيد بن منصور وابن أبى شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن عثمان بن عفان أنه نزع بهذه الآية قال : إن سابقنا أهل جهاد ، ألا وإن مقتصدنا ناج أهل حضرنا ، ألا وإن ظالمنا أهل بدونا ) . انتهى .
وكذلك وافقت عائشة على هذا التعميم ! فقد روى الحاكم : 2 / 426 ، عن عقبة بن صهبان الحراني قال : قلت لعائشة : يا أم المؤمنين أرأيت قول الله عز وجل : ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِير ؟ فقالت عائشة : أما السبَّاق فمن مضى في حياة رسول الله فشهد له بالحياة والرزق . وأما المقتصد فمن اتبع
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 168 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
آثارهم فعمل بأعمالهم حتى يلحق بهم . وأما الظالم لنفسه فمثلي ومثلك ومن اتبعنا ، وكل في الجنة . صحيح الإسناد ولم يخرجاه ) . ( ورواه في مجمع الزوائد : 7 / 96 . وقال عنه السيوطي في الدر المنثور : 5 / 251 : وأخرج الطيالسي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط والحاكم وابن مردويه عن عقبة بن صهبان قلت لعائشة . . . الخ ) .
ومن الواضح أن عثمان وعائشة اعتمدا على كعب الأحبار وعمر ، أو على فهمهما للآيات ، حيث لم يذكرا رواية عن النبي صلى الله عليه وآله .
ولم أجد من خالف توسيع عمر وكعب بصراحة إلا الحسن البصري !
قال السيوطي في الدر المنثور : 5 / 252 : ( وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي عن كعب الأحبار أنه تلا هذه الآية : ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ، إلى قوله : لغوب ، قال : دخلوها ورب الكعبة . وفي لفظ قال : كلهم في الجنة ، ألا ترى على أثره والذين كفروا لهم نار جهنم فهؤلاء أهل النار . فذكر ذلك للحسن فقال : أبت ذلك عليهم الواقعة !
وأخرج عبد بن حميد عن كعب في قوله : جنات عدن يدخلونها قال : دخلوها ورب الكعبة ، فأخبر الحسن بذلك فقال : أبت والله ذلك عليهم الواقعة ) . انتهى .
يقصد الحسن البصري أن التقسيم الثلاثي للمسلمين الذي ورد في سورة الواقعة يردُّ تفسير كعب وعمر وهو قوله تعالى : وَكُنْتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاثَةً . فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ . وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ . وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ . أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ . فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ . ( سورة الواقعة : 7 - 12 )
وكلام الحسن البصري يدل على أن توسيع عمر وكعب لورثة الكتاب كان برأيهما وليس عندهما حديث نبوي ، وكلامه قوي لأن الخطاب عنده في الآية للمسلمين ، ولو كان المقصود بالمصطفين الذين أورثهم الله الكتاب كل المسلمين
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 169 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لكانوا جميعاً من أهل الجنة ، ولما بقي معنى لتقسيم المسلمين في سورة الواقعة إلى سابقين وأصحاب يمين في الجنة ، وأصحاب شمال في النار .
* *
الأسئلة
1 - كيف تفسرون الآية ؟ ومن هم هؤلاء الذين اصطفاهم الله وأورثهم الكتاب وحكم بأن أقسامهم الثلاثة من أهل الجنة ؟
2 - ما هو الدافع لعمر وكعب الأحبار لتوسيع الآية لجميع المسلمين ؟
3 - هل تعتبرون ما رواه الحاكم : 2 / 426 ، تأييداً لقول عمر : عن أبي الدرداء قال : سمعت رسول الله ( ص ) يقول في قوله عز وجل : فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات ، قال : السابق والمقتصد يدخلان الجنة بغير حساب ، والظالم لنفسه يحاسب حساباً يسيراً ثم يدخل الجنة .
ثم قال الحاكم : وقد اختلفت الروايات عن الأعمش في إسناد هذا الحديث فروي عن الثوري ، عن الأعمش ، عن أبي ثابت ، عن أبي الدرداء ، وقيل عن شعبة ، عن الأعمش ، عن رجل من ثقيف ، عن أبي الدرداء . وقيل عن الثوري أيضاً عن الأعمش قال : ذكر أبو ثابت ، عن أبي الدرداء وإذا كثرت الروايات في الحديث ظهر أن للحديث أصلاً ) . انتهى .
4 - كيف يصح الاستدلال بمثل هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله ، وهو لو صح فإنما يدل على أن ورثة الكتاب المصطفين كلهم في الجنة ، ولا يدل على أن هؤلاء المصطفون هم كل الأمة ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 170 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 55 هل تقبلون عقيدة فداء المسلمين باليهود والنصارى يوم القيامة ؟

روى مسلم : 8 / 104 : ( عن أبي موسى الأشعري قال قال رسول الله ( ص ) : إذا كان يوم القيامة دفع الله عز وجل إلى كل مسلم يهودياً أو نصرانياً فيقول هذا فكاكك من النار ) ! ! ( ورواه ابن ماجة : 2 / 1434 عن أنس وزاد في أوله ( إن هذه الأمة مرحومة عذابها بأيديها ) وروى السيوطي نحوه في الدر المنثور : 5 / 251 عن ابن أبي حاتم والطبراني ، ومجمع الزوائد : 7 / 95 وقال : رواه الطبراني وفيه سلامة بن رونج وثقه ابن حبان وضعفه جماعة وبقية رجاله ثقات . وفي أحمد : 4 / 407 و 408 و : 4 / 391 و 398 و 402 و 410 بروايات متعددة ، وكنز العمال : 1 / 73 و 86 و : 12 / 159 و 170 - 172 و : 4 / 149 عن مصادر متعددة ) .
والظاهر أن هذه المقولات ردةُ فعل من بعض المسلمين على زعم اليهود بأنهم لا تمسهم النار إلا أياماً معدودة ثم يخلفهم فيها المسلمون ! فاخترع لهم أبو موسى الأشعري أو غيره نظرية فداء المسلم من النار بيهودي أو نصراني ! كما يفعل المجرم فيفدي نفسه من مشكلة تحصل له في الدنيا بأن يجعلها في رقبة غيره زوراً وبهتاناً ! !
وفي الدر المنثور : 1 / 84 : ( وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة قال : اجتمعت يهود يوماً فخاصموا النبي ( ص ) فقالوا : لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات ، وسموا أربعين يوماً ثم يخلفنا فيها ناس وأشاروا إلى النبي وأصحابه ! فقال رسول الله ( ص ) ورد يده على رؤسهم : كذبتم بل أنتم خالدون مخلدون فيها لا نخلفكم فيها إن شاء الله تعالى أبداً ، ففيهم أنزلت هذه الآية : قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّاماً مَعْدُودَات . يعنون أربعين ليلة .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 171 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأسئلة
1 - هل توافقوننا على أن أبا موسى الأشعري كذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وأن ما ادعاه من وضع جرائم أحد على ظهر آخر أمرٌ لا يقبله دينٌ ولا عقل ، ويرده قول الله تعالى : وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى .
2 - هل تقبلون ما استدلت به بعض مصادركم على عقيدة فداء المسلمين بغيرهم بقوله تعالى : وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ . ( سورة العنكبوت : 13 ) مع أنه ليس في الآية دلالة على أن الأثقال التي حملوها تسقط عن أصحابها ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 172 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 56 هل تثبتون الشفاعة لليهود والنصارى وتحرمون منها بني هاشم ؟ !

وسع أتباع الخلافة القرشية شفاعة النبي صلى الله عليه وآله حتى شملت اليهود والنصارى لكنهم لم يسمحوا أن تشمل شفاعته آباءه وأعمامه ! !
والسبب في ذلك أن بطون قريش يحتاجون من أجل إثبات شرعية حكمهم إلى نفي الشرعية عن آباء النبي صلى الله عليه وآله وأعمامه ، ونفي أنهم يمثلون خط التوحيد في أبناء إسماعيل عليه السلام ، فلو اعترفوا بذلك لكان بنو عبد المطلب ورثة إبراهيم ، وكان علي عليه السلام وارثهم .
لذلك زعموا أن عم النبي صلى الله عليه وآله وأباه وجده كانوا كفاراً فجاراً ، وأنهم في جهنم كأبي لهب ، ولا يوجد منهم وارث للنبي صلى الله عليه وآله إلا قريش وأبو بكر وعمر ! وأن علياً يشاركهم بصفته مسلماً ، وليس بصفته وارث بني عبد المطلب !
في الكافي : 1 / 448 : عن الإمام الصادق عليه السلام قال : ( إن مثل أبي طالب مثل أصحاب الكهف أسروا الإيمان وأظهروا الشرك ، فآتاهم الله أجرهم مرتين ) .
وعنه عليه السلام : وقد قيل له : إنهم يزعمون أن أبا طالب كان كافراً ؟ فقال : كذبوا كيف يكون كافراً وهو يقول :
ألم تعلموا أنا وجدنا محمداً * نبياً كموسى خُطَّ في أول الكتْبِ
وفي حديث آخر : كيف يكون أبو طالب كافراً وهو يقول :
لقد علموا أن ابنَنا لا مكذبٌ * لدينا ولا يَعبأ بقيل الأباطلِ
وأبيضُ يستسقى الغمام بوجهه * ثِمالُ اليتامى عصمةٌ للأراملِ
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 173 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

كيف عالج أتباع عمر أحاديث شفاعة النبي صلى الله عليه وآله لأقاربه ؟

كيف عالج أتباع عمر أحاديث شفاعة النبي صلى الله عليه وآله لأقاربه ؟
منذ أن أخبر النبي صلى الله عليه وآله المسلمين بأنه سيشفع يوم القيامة لبني عبد المطلب ( وأحاديثها صحيحة عندهم ) ، تحرك حساد بني عبد المطلب وردوا على النبي صلى الله عليه وآله في حياته وأشاعوا عدم شفاعته لهم !
ويكفي أن تلاحظ الغضب النبوي في الحديث التالي الذي رواه في مجمع الزوائد : 9 / 170 : ( وأتاه العباس فقال يا رسول الله إني انتهيت إلى قوم يتحدثون فلما رأوني سكتوا وما ذاك إلا لأنهم يبغضونا ! فقال رسول الله ( ص ) : أو قد فعلوها ؟ ! والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدهم حتى يحبكم ، أيرجون أن يدخلوا الجنة بشفاعتي ، ولا يرجوها بنو عبد المطلب ) !
وفي مجمع الزوائد : 7 / 188 و 390 : ( عن أنس قال خرج رسول الله ( ص ) وهو غضبان ! فخطب الناس فقال : لا تسألوني عن شئ اليوم إلا أخبرتكم به ، ونحن نرى أن جبريل معه ! قلت فذكر الحديث إلى أن قال فقال عمر : يا رسول الله إنا كنا حديثي عهد بجاهلية فلا تبد علينا سوآتنا فاعف عفا الله عنك ) !
وفي مجمع الزوائد : 9 / 258 : ( وجلس على المنبر ساعة وقال : أيها الناس مالي أوذى في أهلي ؟ ! فوالله إن شفاعتي لتنال حي حا ، وحكم ، وصدا ، وسلهب ، يوم القيامة ) ! انتهى . وقد صحح الهيثمي الحديث الثاني وقال عنه : ( رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح ) .
وقد بلغ من تفاقم القضية وكثرة أحاديثها أن الهيثمي عقد باباً : 8 / 214 في عدة صفحات بعنوان : باب في كرامة أصله صلى الله عليه وآله . وأورد فيه أحاديث عن طهارة آباء النبي وأمهاته صلى الله عليه وآله ، ونقل حوادث خطيرة أهان فيها القرشيون أسرة النبي صلى الله عليه وآله ! هذا وهم في حياته ، وتحت قيادته في المدينة ! وهم مسلمون مهاجرون
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 174 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أو طلقاء استحقوا القتل بالأمس في فتح مكة ، فمنَّ عليهم النبي صلى الله عليه وآله وعفا عنهم ! قال في مجمع الزوائد : 9 / 257 : ( عن عبد الرحمن بن أبي رافع أن أم هاني بنت أبي طالب خرجت متبرجة قد بدا قرطاها ، فقال لها عمر بن الخطاب : اعلمي فإن محمداً لا يغني عنك شيئاً ، فجاءت إلى النبي ( ص ) فأخبرته به فقال رسول الله ( ص ) : ما بال أقوام يزعمون أن شفاعتي لا تنال أهل بيتي ؟ ! وإن شفاعتي تنال حا وحكم ! وحا وحكم قبيلتان ) . انتهى .
وفي البحار : 93 / 219 : ( أن عمر قال لها : غطي قرطك فإن قرابتك من محمد لا تنفعك شيئاً ! فقالت له : هل رأيت لي قرطاً يا ابن اللخناء ! ثم دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله فأخبرته بذلك وبكت . . . الخ . ) .

الاختراع القرشي شفاعة الضحضاح لرئيس بني هاشم !

ثم انظر كيف عالج القرشيون هذه الغضبة النبوية الصريحة والأحاديث النبوية الصحيحة في شفاعته لبني عبد المطلب ، فاخترعوا لرئيسهم أبي طالب ( شفاعة الضحضاح ) وزعموا أن النبي صلى الله عليه وآله يشفع له فينقله الله من قعر النار إلى ضحضاح من نار يغلي منه أم دماغه ! !
قال البخاري : 7 / 203 : ( عن أبي سعيد الخدري أنه سمع رسول الله ( ص ) وذكر عنده عمه أبو طالب فقال : لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي منه أم دماغه ) ! ! ( ورواه في : 4 / 202 ونحوه أحمد : 1 / 290 و 295 و 206 و 207 و : 3 / 9 و 50 و 55 والحاكم : 4 / 582 والبيهقي في البعث والنشور ص 59 والذهبي في تاريخ الإسلام : 1 / 234 وغيره وغيره ) .
وفي البخاري : 4 / 247 : قال له عمه العباس : ( ما أغنيت عن عمك فوالله كان يحوطك ويغضب لك ؟ قال : هو في ضحضاح من نار ، ولولا أنا لكان في الدرك
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 175 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأسفل من النار ) ! ! ( ورواه في : 7 / 121 و 203 ومسلم : 1 / 135 وأحمد : 1 / 206 و 207 و 210 و : 3 / 50 و 55 ) .
هذه الشفاعة التي ابتكرها ( العقل ) القرشي لا يقبلها عقل ! لأن الشفاعة إما أن يأذن بها الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وآله فينجو صاحبها من النار ويدخل الجنة ، وإما أن لا يأذن بها فيبقى الشخص في مكانه في النار . .
أما شفاعة الضحضاح فهي أقرب إلى الشفاعة العكسية ، لأن الضحضاح كما قال السدي وهو من أتباع السلطة : ( إن أهل النار إذا جزعوا من حرها استغاثوا بضحضاح في النار فإذا أتوه تلقَّاهم عقارب كأنهن البغال الدهم ، وأفاع كأنهن البخاتي ، فضربنهم ) ! ( الدر المنثور : 4 / 127 )

ماذا فعلوا بوعد النبي صلى الله عليه وآله أن يصل رحم عمه أبي طالب ؟

كما توجد عدة أحاديث نبوية تنص بشكل خاص على شفاعة النبي صلى الله عليه وآله لأبي طالب رضوان الله عليه . فقد روى في كنز العمال : 12 / 152 عن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وآله قال : إن لأبي طالب عندي رحماً سأبلها ببلالها ) . ( راجع أيضاً : 16 / 10 و : 12 / 42 ) ومعنى بلال الرحم : صلتها حتى تروى وترضى .
لكن البخاري وجد المخرج من ذلك ! فروى عن عمرو بن العاص ( وزير معاوية ) أن النبي صلى الله عليه وآله قد أعلن براءته من ولاية آل أبي طالب ! وفي نفس الوقت وعدهم أن يبل رحمهم بشئ ما ! قال البخاري : 7 / 73 : باب يبل الرحم ببلالها . عن قيس بن أبي حازم أن عمرو بن العاص قال : سمعت النبي ( ص ) جهاراً غير سر يقول : إن آل ( أبي طالب ) قال عمر وفي كتاب محمد بن جعفر بياض ، ليسوا بأوليائي ، إنما وليي الله وصالح المؤمنين ) . زاد عنبسة بن عبد الواحد ، عن بيان ، عن قيس ، عن عمرو بن العاص قال : سمعت النبي ( ص ) :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 176 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولكن لهم رحمٌ أبلها ببلاها ، يعني أصلها بصلتها . قال أبو عبد الله ( أي البخاري ) ببلاها كذا وقع ، وببلالها أجود وأصح ، وببلاها لا أعرف له وجهاً . ( وروى نحوه مسلم : 1 / 133 والترمذي : 5 / 19 والنسائي : 6 / 248 - 250 وأحمد : 2 / 360 و 519 ) .

عمل المعروف ينجي الكفار من النار إلا أبا طالب !

كما توجد أحاديث تدل على أن من يقدم شربة لنبي من الأنبياء ، أو خدمة بسيطة لمؤمن من المؤمنين ، تشمله الشفاعة ، فكيف بأبي طالب الذي نذر كل وجوده وأولاده وعشيرته لنصرة النبي صلى الله عليه وآله ورسالته ، وتحمل أذى قريش ومكائدها وتهديدها ؟ ففي ابن ماجة : 2 / 496 : ( عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله ( ص ) : يُصَفُّ الناس يوم القيامة صفوفاً ، وقال ابن نمير أهل الجنة ، فيمر الرجل من أهل النار على الرجل فيقول : يا فلان أما تذكر يوم استسقيت فسقيتك شربة ؟ قال فيشفع له . ويمر الرجل فيقول : أما تذكر يوم ناولتك طهوراً ؟ فيشفع له . قال ابن نمير ويقول : يا فلان أما تذكر يوم بعثتني في حاجة كذا وكذا فذهبت لك ؟ فيشفع له ) . انتهى .
وفي الدر المنثور : 2 / 249 : عن ابن مسعود قال قال رسول الله ( ص ) في قوله : فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله ، قال : أجورهم يدخلهم الجنة ، ويزيدهم من فضله الشفاعة فيمن وجبت لهم النار ، ممن صنع إليهم المعروف في الدنيا ) . انتهى .
لكن جواب علماء السلطة حاضر ، وهو أن أبا طالب مجرم كبير مثل أبي لهب وأبي جهل وفراعنة قريش الذين كذبوا النبي صلى الله عليه وآله وتآمروا لقتله ! ولذلك لا تؤثر فيه الشفاعة إلا بنقله من قعر جهنم إلى الضحضاح ! !
فحماة الأنبياء في منطق السلطة كأعداء الأنبياء عليهم السلام ، بل أسوأ حالاً !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 177 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

أحاديث نجت من الرقابة القرشية !

رغم عمل علماء السلطة ورواتها ، فقد استطاعت بعض الأحاديث أن تعبر نقاط التفتيش ، وتنجو من رقابة الثقافة القرشية الحاكمة .
منها ما في مجمع الزوائد : 8 / 216 في قول عمر لصفية عمة النبي صلى الله عليه وآله وما أجابه به : ( قال : فغضب النبي ( ص ) وقال : يا بلال هجر بالصلاة فهجر بلال بالصلاة فصعد المنبر ( ص ) فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : ما بال أقوام يزعمون أن قرابتي لا تنفع ؟ ! كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي ! فإنها موصولة في الدنيا والآخرة ) .
وفي فردوس الأخبار : 4 / 399 ح 6683 : ( ما بال أقوام يزعمون أن رحمي لا تنفع ؟ ! والله إن رحمي لموصولة في الدنيا والآخرة ) .
وقال ابن الأثير في أسد الغابة : 1 / 134 : ( عن شهر بن حوشب قال أقام فلانٌ ( يقصد معاوية ) خطباء يشتمون علياً رضي الله عنه وأرضاه ويقعون فيه ، حتى كان آخرهم رجلٌ من الأنصار أو غيرهم يقال له أنيس ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : إنكم قد أكثرتم اليوم في سب هذا الرجل وشتمه ، وإني أقسم بالله أني سمعت رسول الله ( ص ) يقول : إني لأشفع يوم القيامة لأكثر مما على الأرض من مدر وشجر ، وأقسم بالله ما أحدٌ أوصل لرحمه منه ، أفترون شفاعته تصل إليكم وتعجز عن أهل بيته ) ؟ ! انتهى .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 178 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأسئلة
1 - ما قولكم هل تشمل شفاعة النبي صلى الله عليه وآله بني عبد المطلب أم لا ؟
2 - ما رأيكم فيما رواه البخاري من أن النبي صلى الله عليه وآله تبرأ من ولاية آل أبي طالب .
3 - هل تعترفون بوجود حسد من قريش لبني عبد المطلب ، وأن النبي صلى الله عليه وآله كان يقف في وجه الحاسدين بشدة ؟
4 - بماذا تفسرون سخاء أحاديث صحاحكم بالشفاعة والجنة على العاصين من المسلمين ، وعلى المنافقين ، وعلى اليهود والنصارى ، وبخلها على أقارب النبي صلى الله عليه وآله وأسرته ؟ ! هل هي مصادفة أم خط سياسي متعمد ؟ !
5 - ما دام ثبت عندكم أن بطون قريش بخلوا على بني عبد المطلب بشفاعة النبي يوم القيامة وردوا عليه في حياته ، فلماذا لا يمكن برأيكم أن يكونوا بخلوا عليهم بخلافته وخالفوا قوله ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 179 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 57 عقدة بطون قريش من بني هاشم عشيرة النبي صلى الله عليه وآله

الأسرة المصطفاة في القرآن

المتأمل في آيات القرآن وتاريخ الدين الإلهي ، لابد له من القول إن الله تعالى من نبيه إبراهيم عليه السلام وما بعده قد اختار الأنبياء عليهم السلام وأسرهم لتبليغ الدين الإلهي ، وإقامة الحكم به في المجتمعات البشرية .
فالأسرة المصطفاة من ذرية إبراهيم أساسٌ في نظام الدين الإلهي ، ولكنه اصطفاء من الله العليم بشخصيات عباده ، الحكيم في اختيار أنبيائه وأوليائه . . فليست الأسرة المصطفاة هنا كالأسر التي يختارها الناس بهواهم ، أو بعلمهم المحدود ، أو كالأسر التي تتسلط بالقوة وتفرض نفسها على الناس !
قال الله تعالى :
( إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ . ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ واللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) . ( سورة آل عمران : 33 - 34 )
وقال عن جمهرة أسر الأنبياء عليهم السلام :
( وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ . وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاً هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ . وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ . وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلاً فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ . وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ . ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ . أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ . أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ ) . ( سورة الأنعام : 83 - 90 )
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 180 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال عن دعاء زكريا بالذرية الطيبة :
( هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ ) . ( سورة آل عمران : 38 )
وقال عن ذرية نبينا صلى الله عليه وآله وكثرتهم :
( وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْماً عَرَبِيّاً وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا وَاقٍ . وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلا بِإِذْنِ اللهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ ) ( سورة الرعد : 37 - 38 )
( إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ . فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ . إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ ) . ( سورة الكوثر )
وقال عن دعاء الملائكة للذريات المؤمنة :
( الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَئْ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ . رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنِ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ . وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) . ( سورة غافر : 7 - 9 )
وقال عن الأسرة والذرية في الآخرة أيضاً :
( وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَوةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَأُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ . جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ . سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ) . ( سورة الرعد : 22 - 24 )
( إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ . فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ . كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ . مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ . وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَئٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ) . ( سورة الطور : 17 - 21 )
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 181 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فمبدأ الأسرة والذرية نظام طبيعي في بني آدم ، وقد أقره الله تعالى واستفاد منه في رسالاته للبشر .
وإذا كانت البشرية قد عانت الويلات والمآسي وأنواع الظلم والاضطهاد من نظام الأسر الفاسدة المتجبرة ، فذلك يرجع إلى فساد تلك الأسر ، ولا يصح جعله سبباً لرفض بنية الأسرة وفكرتها . فهذه البنية الاجتماعية تختزن إيجابيات كبرى لحمل الرسالة واستمرارها ، كما أن فيها خطر سلبيات كبرى أيضاً بأن تتحول إلى ملك عضوض .
وقد تحدث القرآن عن الأجيال التي فسدت من أسر الأنبياء عليهم السلام وأتباعهم ، وذم المنحرفين منها ، واستثنى الصالحين ، فقال تعالى :
( أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا . فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَوةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا . إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا ) . ( سورة مريم : 58 - 60 )

الاختيار الإلهي الصعب على قريش !

من المتفق عليه بين المسلمين أن الله تعالى اختار بني إسماعيل من العرب ، واختار بني هاشم من بني إسماعيل ، واختار أسرة نبينا صلى الله عليه وآله واصطفاها لأن فيها خير خلقه صلى الله عليه وآله ، ثم عترته الأئمة المعصومون الذين أمره الله أن يوصي المسلمين بمودتهم وطاعتهم ، فنفذ أمر ربه كما في حديث الثقلين الصحيح المتواتر الذي روته مصادر الجميع مختصراً ومطولاً ، منه ما رواه أحمد : 3 / 17 : ( عن أبي سعيد الخدري عن النبي ( ص ) قال : إني أوشك أن أدعى فأجيب وإني تارك فيكم الثقلين كتاب الله عز وجل وعترتي كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 182 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأرض وعترتي أهل بيتي وإن اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض فانظروني بمَ تخلفوني فيهما ) . انتهى .
ولو فكرتَ في كلامه صلى الله عليه وآله لرأيت أنه لا يمكن تفسير قوله : ( وإن اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض ) ، إلا أن الله تعالى أخبره بأنه سيكون من عترته وذريته إمامٌ معصوم في كل عصر ، يواصل خط نبوته إلى يوم القيامة !

لماذا ألغت قريش أسرة النبي صلى الله عليه وآله ؟

وقد كان اختيار الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله من بطن بني هاشم أمراً صعباً على بطون قريش ، لأن معنى الإيمان به الاعتراف بزعامته وزعامة عشيرته ! وهو ما لا يقبله رؤساء بطون قريش حتى لو كان أمراً من الله تعالى !
وبهذا يجب أن نفسر وقوفهم ضد النبي صلى الله عليه وآله ومحاولاتهم قتله ، ومعاداتهم لعشيرته بني هاشم ومحاصرتهم في الشعب بضع سنين ، حتى يسلموهم محمداً فيقتلونه !
إن زعماء بطون قريش لم يكونوا يؤمنون بقضية اسمها قضية الآلهة ، أما مقولتهم ( إن محمداً سفه آلهتنا وأفسد شبابنا ) فليست إلا شعاراً في وجه الإسلام وبني هاشم ! وإلا فإنهم حاضرون لأن يضحوا بكل آلهتهم وأن يكسروا أصنامها بأيديهم ، بشرط أن تبقى الزعامة لهم ولا يسلبها منهم محمد !
لا يمكننا أن نفهم تاريخ الإسلام والمشركين إلا إذا وعينا أن محمداً صلى الله عليه وآله وعشيرته بنو هاشم كانوا عقدة العقد عند بطون قريش ، فقد عجزوا عن إخضاعهم بسبب أن زعيمهم القوي الشجاع أبا طالب استمات في الدفاع عن النبي صلى الله عليه وآله ! وأن خططهم في قتل النبي صلى الله عليه وآله فشلت ، الواحدة تلو الأخرى !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 183 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وعندما توفي أبو طالب حامي النبي صلى الله عليه وآله وكثفت بطون قريش عملها لقتل محمد ، فاجأهم بأنه وجد أنصاراً في يثرب وهاجر إليهم ، وسرعان ما شكل دولة تجثم في طريق قوافلهم التجارية .
وبدؤوا حروبهم في بدر ، واستمرت معاركهم مع محمد ثماني سنين لكنهم فشلوا في كسب نتيجة تنفس شيئاً من عقدهم !
وإذا بمحمد يفاجؤهم في مكة بعشرة آلاف من جنود الله ، ويجبرهم على خلع سلاحهم ورفع أيديهم والتسليم ، وإعلان الإسلام والطاعة لمحمد صلى الله عليه وآله وعشيرته !
هذا كله في جانب ، وفي جانب آخر القرآن الذي كان يتنزل على محمد بذمهم ولعنهم ووعيدهم ، فيسري في العرب أبلغ من قصائد امرئ القيس !
لقد وصفهم في سوره الأولى بأنهم فراعنة ، ووعدهم بالأخذ الوبيل ، فقال للنبي صلى الله عليه وآله : ( وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلاً . وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً . إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالاً وَجَحِيمًا . وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا . يَوْمَ تَرْجُفُ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلاً . إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً . فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلاً ) . ( المزمل : 10 - 16 )
نعم ، لقد أجبر محمد زعماء بطون قريش وجنودهم على خلع سلاحهم والتسليم ! لكنه لم يعلن اتخاذهم عبيداً أرقاء ، ولم يسب نساءهم ويوزعها على المسلمين ، بل قال لهم : إذهبوا فأنتم فعلاً طلقاء !
ثم فتح الباب أمامهم أن يكون لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم ! ودعاهم بعد فتح بلدهم مباشرة لأن يخرجوا معه ويقاتلوا هوازن أي تحالف قبائل نجد الذين تجمعوا في حنين ! فخرجوا معه بألفين من جنودهم إلى حنين ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 184 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وهم حيارى سكارى مما حدث لهم !
ثم ذهبت السكرة من زعماء قريش وجاءت الفكرة . . يجب أن نرث سلطان محمد ونقصي بني هاشم ! وسرعان ما تصرفوا فأزاحوا عن قيادتهم أبا سفيان ابن عم بني هاشم ، ونصبوا سهيل بن عمر الداهية وأحد الفراعنة الذين كان يلعنهم النبي صلى الله عليه وآله في قنوته !
وبعد معركة حنين ورحيل النبي صلى الله عليه وآله إلى المدينة أمسك سهيل بمكة وتوابعها ، حتى صار ( أسيد بن عتاب الأموي ) الحاكم المعين من قبل النبي صلى الله عليه وآله حاكماً بالاسم فقط حتى أنه اختبأ عندما توفي النبي صلى الله عليه وآله خوفاً من القتل ، واحتاج إلى أمان من الحاكم الحقيقي سهيل بن عمر السهمي !
ولا يتسع المجال لبيان نشاطات قريش في السنتين من حياة النبي صلى الله عليه وآله بعد فتح مكة ، لكن غرضنا منها نظريتها التي روجت لها بأن آباء النبي صلى الله عليه وآله كفار وعمه أبا طالب كافر ، وإنما مثله في بني هاشم ( كمثل نخلة نبتت في كبا ) أي مزبلة ! ! وبالتالي فلا شرعية لعشيرته وأسرته لتدعي وراثته وإنما هو من قريش ، وقريش أولى بسلطان ابنها ، وخلافته في بطون قبائلها !
وهكذا استطاعت قريش أن تخترع حصاراً جديداً لبني هاشم وبني عبد المطلب ، أحكمته هذه المرة أكثر من حصارها لهم في شعب أبي طالب ، فألبسته ثوباً من الدين الذي جاء به محمد صلى الله عليه وآله ، فنجح الحصار وطال قروناً وأجيالاً ، إلا من رحم ربك من أصحاب البصائر !
إن هذه الحقائق تكفي للباحث السوي الذهن ، ليقرر إعادة النظر في الأحكام التي أصدرتها الخلافة القرشية وفقهاؤها على أبي طالب عم النبي صلى الله عليه وآله وعلى كل آبائه وأجداده الطاهرين عليهم السلام !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 185 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

عبد المطلب عليه سيماء الأنبياء وبهاء الملوك

اتفقت أحاديث أهل البيت عليهم السلام على أن عبد المطلب رضوان الله عليه مؤمن بالله الواحد الأحد ، وأنه كان يجهر بأنه على ملة جده إبراهيم ، فهو وليٌّ من أولياء الله ، ملهمٌ بواسطة الإلهام والرؤية الصادقة . . بل يحتمل الناظر في هذه الأحاديث أن عبد المطلب كان من الأنبياء عليهم السلام وأنه كان مأموراً أن يعبد ربه على دين إبراهيم عليه السلام ويأمر أولاده بذلك .
ففي الكافي : 1 / 446 ، عن الإمام الصادق عليه السلام قال : ( يحشر عبد المطلب يوم القيامة أمة وحده ، عليه سيماء الأنبياء وهيبة الملوك ) .
وعنه عليه السلام قال : ( نزل جبرئيل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وآله فقال : يا محمد إن ربك يقرؤك السلام ويقول : إني قد حرمت النار على صلب أنزلك وبطن حملك ، وحجر كفلك ، فالصلب صلب أبيك عبد الله بن عبد المطلب ، والبطن الذي حملك فآمنة بنت وهب ، وأما حجر كفلك فحجر أبي طالب . وفي رواية ابن فضال وفاطمة بنت أسد ) .
وفي الكافي : 1 / 448 : عن الإمام الصادق عليه السلام قال : ( كان عبد المطلب يفرش له بفناء الكعبة لا يفرش لأحد غيره ، وكان له ولد يقومون على رأسه فيمنعون من دنا منه ، فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله وهو طفل يدرج حتى جلس على فخذيه ، فأهوى بعضهم إليه لينحيه عنه ، فقال له عبد المطلب : دع ابني فإن الملك قد أتاه ) .
وفي الكافي : 4 / 58 : عن الإمام الصادق عليه السلام قال : إن أناساً من بني هاشم أتوا رسول الله صلى الله عليه وآله فسألوه أن يستعملهم على صدقات المواشي وقالوا : يكون لنا هذا السهم الذي جعله الله للعاملين عليها فنحن أولى به ، فقال رسول
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 186 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الله صلى الله عليه وآله : يا بني عبد المطلب إن الصدقة لا تحل لي ولا لكم ولكني قد وعدت الشفاعة ، فما ظنكم يا بني عبد المطلب إذا أخذت بحلقة باب الجنة أتروني مؤثراً عليكم غيركم . . . الخ . ) . ( ورواه في تهذيب الأحكام : 4 / 58 وتفسير العياشي : 2 / 93 وتفسير نور الثقلين : 2 / 235 ، و : 3 / 210 ووسائل الشيعة : 6 / 185 ومستدرك الوسائل : 7 / 119 ) .
* *
الأسئلة
1 - هل تعتقدون بنظام الأسرة المصطفاة في الدين الإلهي كما يقول تعالى : إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ . ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ واللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) . ( سورة آل عمران : 33 - 34 ) وهل هي أسرة مصطفاة للتبرك ، أم لتبليغ الدين والحكم بين الناس ؟
2 - هل آل محمد وذريته صلى الله عليه وآله خارجون عن هذا الاختيار أم داخلون فيه ؟
3 - هل تعتقدون بحسد قبائل قريش لبني هاشم ، وأنه كان سبباً رئيسياً لتكذيبهم للنبي صلى الله عليه وآله ؟
4 - بماذا تفسرون تأكيد النبي صلى الله عليه وآله على مودة آله وعترته عليهم السلام ؟ !
5 - بماذا تفسرون افتخار النبي صلى الله عليه وآله بنبوته وجده عبد المطلب عندما قاتل في معركة حنين ، وهل يمكن أن يفتخر سيد المرسلين بجده الكافر ؟ !
6 - بماذا تفسرون ما ثبت عندكم عن عبد المطلب من إلهامه حفر زمزم وموقفه عند غزو أبرهة للكعبة ، ورعايته الخاصة لحفيده النبي صلى الله عليه وآله ؟ !
7 - بأي مبرر شرعي تردون شهادة أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله بأن جدهم أبا طالب
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 187 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وآباء النبي صلى الله عليه وآله كلهم كانوا مؤمنين على ملة إبراهيم عليه السلام ؟
8 - ألا تلاحظون أن المسلمين اليوم منقسمون كما كان العرب في زمن النبي صلى الله عليه وآله ! فأكثرهم مع قريش المناهضين لبني هاشم ، وقلة مع بني هاشم ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 188 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 58 من صبغ شعره بالأسود ، هل يستحق جهنم ؟ !

ألهم الله تعالى عبد المطلب عدة سنن وتشريعات فعمل بها وعممها ما استطاع ، وعندما بعث الله حفيده صلى الله عليه وآله جعلها جزءاً من الدين . منها الطواف حول البيت سبعة أشواط ، ودية القتيل ألف ناقة ، والقسامة على القوم المتهمين بالقتل ، وغيرها .
ومنها سنة الخضاب بالسواد خلافاً لليهود ، وخلافاً للخضاب بالأحمر والأصفر أي بالحناء والورس الذي كانت تستعمله العرب . وقد نص السهيلي في الروض الأنف : 1 / 7 كما نقله في المجموع : 18 / 254 ، أن أول من خضب بالسواد من العرب عبد المطلب .
وقد أقر الإسلام سنة الخضاب بالسواد وجعلها مستحبة ، ولم يحرم الخضاب بغيرها ، بل لم يوجب في الأصل تغيير لون الشيب ، وإنما جعله مستحباً في بعض الحالات .
روى الكليني في الكافي : 6 / 481 : ( عن أبي جعفر عليه السلام قال : دخل قوم على الحسين بن علي صلوات الله عليهما فرأوه مختضباً بالسواد فسألوه عن ذلك ، فمد يده إلى لحيته ثم قال : أمر رسول الله صلى الله عليه وآله في غزاة غزاها أن يختضبوا بالسواد ليقووا به على المشركين ) .
وفي الكافي : 6 / 480 : ( عن أبي عبد الله عليه السلام قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله فنظر إلى الشيب في لحيته فقال النبي صلى الله عليه وآله : نورٌ ، ثم قال : من شاب شيبةً في الإسلام كانت له نوراً يوم القيامة ) .
قال فخضب الرجل بالحناء ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله فلما رأى الخضاب قال :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 189 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
نورٌ وإسلامٌ ، فخضب الرجل بالسواد ، فقال النبي صلى الله عليه وآله : نورٌ وإسلامٌ وإيمانٌ ، ومحبةٌ إلى نسائكم ، ورهبةٌ في قلوب عدوكم ) .
وروى البخاري : 4 / 216 : ( عن أنس بن مالك : أتي عبيد الله بن زياد برأس الحسين بن علي فجعل في طست فجعل ينكته وقال في حسنه شيئاً فقال أنس : كان أشبههم برسول الله ( ص ) وكان مخضوباً بالوسمة ) . أي بالسواد .
وفي وسائل الشيعة : 1 / 403 : ( عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه سئل عن قول رسول الله صلى الله عليه وآله : غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود ، فقال : إنما قال ذلك والدين قلٌّ ، وأما الآن وقد اتسع نطاقه وضرب بجرانه ، فامرؤٌ وما اختار ) . انتهى .
ومعناه أن الأمر بتغيير الشيب ليس للوجوب ، بل هو لإثبات الرخصة في مورد توهم الحظر والتحريم ، كما يعتقد اليهود .
* *
وتدخلت بطون قريش في هذا التشريع كعادتها ، لحساسيتها من عبد المطلب وأولاده ، وتمسكت بالخضاب بالأحمر والأصفر ، فنتج عن ذلك أن ولدت أحاديث تُحَرِّم الخضاب بالسواد ، وتَحْرِم صاحبه من الجنة والشفاعة ، وتسوِّد وجهه يوم القيامة ! !
قال ابن قدامة في المغني : 1 / 76 : ( وعن الحكم بن عمر الغفاري قال : دخلت أنا وأخي رافع على أمير المؤمنين عمر وأنا مخضوب بالحناء وأخي مخضوب بالصفرة ، فقال عمر بن الخطاب : هذا خضاب الإسلام ، وقال لأخي رافع : هذا خضاب الإيمان . وكره الخضاب بالسواد . قيل لأبي عبد الله تكره الخضاب بالسواد ؟ قال : إي والله ) !
بل روى الحاكم : 3 / 526 قصة أخرى جعل رأي الخليفة عمر حديثاً قال : ( دخل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 190 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عبد الله بن عمر على عبد الله بن عمرو وقد سوَّدَ لحيته ، فقال عبد الله بن عمر : السلام عليك أيها الشويب ! فقال له ابن عمرو : أما تعرفني يا أبا عبد الرحمن ؟ قال بلى أعرفك شيخاً فأنت اليوم شاب ! إني سمعت رسول الله : الصفرة خضاب المؤمن ، والحمرة خضاب المسلم ، والسواد خضاب الكافر ) .
وروى النسائي : 8 / 138 : ( عن ابن عباس رفعه أنه قال قوم يخضبون بهذا السواد آخر الزمان كحواصل الحمام لا يريحون رائحة الجنة ) . وقال النسائي : والناس في ذلك مختلفون والله تعالى أعلم ، لعل المراد الخالص ، وفيه أن الخضاب بالسواد حرامٌ أو مكروهٌ ، وللعلماء فيه كلام ، وقد مال بعض إلى جوازه للغزاة ليكون أهيب في عين العدو ، والله تعالى أعلم ) . ورواه أبو داود في : 2 / 291 ، وأحمد : 1 / 273 ، والبيهقي : 7 / 311 .
وفي مجمع الزوائد : 5 / 163 : روايةً موثقة عند ابن حنبل وابن معين وابن حبان عن أبي الدرداء قال قال رسول الله ( ص ) : من خضب بالسواد سوَّد الله وجهه يوم القيامة ) ! .
ولذا أجمع فقهاؤهم على ذم الخضاب بالسواد ، وأغلبهم على أنه ذمَّ تحريم وقليل منهم على أنه ذم تنزيه !
وسئل ابن باز كما في فتاويه : 4 / 58 ، طبعة مكتبة المعارف بالرياض :
س : ما مدى صحة الأحاديث التي وردت في صبغ اللحية بالسواد فقد انتشر صبغ اللحية بالسواد عند كثير ممن ينتسبون إلى العلم ؟
جواب : ( في هذا الباب أحاديث صحيحة كثيرة ، وذكر حديث حواصل الحمام ، وقال بعده : وهذا وعيدٌ شديد ، وفي ذلك أحاديث أخرى كلها تدل على تحريم الخضاب بالسواد وعلى شرعية الخضاب بغيره ) . انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 191 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد فات ابن باز وأمثاله أن أبا بكر وعمر قبلا في زمن النبي صلى الله عليه وآله الخضاب بالسواد ولو أنه خضاب عبد المطلب ، وأنهما اختضبا بالسواد في زمن النبي صلى الله عليه وآله ( مسند أحمد : 3 / 100 و : 3 / 108 و 160 و 178 ) ، وأن النهي عن الخضاب به والأمر بخضاب الجاهلية بالأصفر وإلا
حمر كان بعد النبي صلى الله عليه وآله فقط ، ومنه ولدت أحاديث النهي عن السواد ! وأن بعض أئمتكم كالزهري الذي روى عنه البخاري في صحيحه نحو 1200 حديثاً ، تجرأ في القرن الثاني وخالف سنة عمر بعد أن خفَّت حدة المسألة ، وكان يصبغ شيبه بالسواد ويقول إن النبي صلى الله عليه وآله أمر بتغيير الشيب ولم يحدد لون الصبغ !
قال أحمد : 2 / 309 : ( قال رسول الله ( ص ) : إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم . قال عبد الرزاق في حديثه : قال الزهري : والأمر بالإصباغ ، فأحلكها أحب إلينا . قال معمر : وكان الزهري يخضب بالسواد ) .
* *
الأسئلة
1 - بماذا تفسرون التشريعات التي سنها عبد المطلب ثم أنزلها الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وآله ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 192 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
2 - ما رأيكم بفتوى تحريم الخضاب بالسواد ؟
3 - على فرض تحريم الخضاب بالسواد شرعاً ، هل يستحق من فعله أن يكون من أهل جهنم ؟
4 - ما رأيكم في تدخلات عمر حتى في الأحكام الشرعية ! وهل توافقون على كلمة أم سلمة التي رواها البخاري : 6 / 69 عن عمر نفسه : ( فقالت أم سلمة عجباً لك يا بن الخطاب دخلت في كل شئ ، حتى تبتغي أن تدخل بين رسول الله ( ص ) وأزواجه ! ) ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 193 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 59 حب عمر لبني هاشم وفضيحته التي صارت فضيلة !

إقرأ معي في البخاري : 1 / 32 : ( باب الغضب في الموعظة والتعليم ) :
( عن أبي بردة عن أبي موسى قال : سئل النبي ( ص ) عن أشياء كرهها فلما أكثر عليه غضب ، ثم قال للناس سلوني عما شئتم ! قال رجل : مَنْ أبي ؟ قال أبوك حذافة ! فقام آخر فقال : مَن أبي يا رسول الله ؟ فقال أبوك سالم مولى شيبة ! فلما رأى عمر ما في وجهه قال : يا رسول الله إنا نتوب إلى الله عز وجل !
باب : من برك على ركبتيه عند الإمام أو المحدث : عن الزهري قال أخبرني أنس بن مالك أن رسول الله ( ص ) خرج فقام عبد الله بن حذافة فقال من أبي ؟ فقال أبوك حذافة ، ثم أكثر أن يقول سلوني ! فبرك عمر على ركبتيه فقال : رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد ( ص ) نبياً ، فسكت ! ) . انتهى .
هل رأيت الأمور الغريبة في هذا النص ؟ !
يقول البخاري : لقد أكثروا السؤال على النبي صلى الله عليه وآله فغضب ! وجعل البخاري عنوان الباب الغضب في التربية والتعليم ، يعني غضب النبي صلى الله عليه وآله !
ثم قال البخاري : قال النبي صلى الله عليه وآله : سلوني عما شئتم !
فكيف غضب من أسئلتهم ، ثم قال لهم سلوني ما شئتم عما شئتم ؟ !
فسألوه هل هم أولاد شرعيون ، أو أولاد زنا ؟ ! !
فما هذا السؤال العجيب ، وما المناسبة ؟ !
وما هذا الجواب من النبي صلى الله عليه وآله حيث بلغ غضبه أوجه ، وجبرئيل إلى جنبه ! فبرَّأ صحابياً ، وفضح آخر على رؤوس الأشهاد ، وأعلن أنه ابن زنا !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 194 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم أصرَّ النبي صلى الله عليه وآله على المسلمين : سلوني سلوني سلوني !
فقام عمر وأعلن التوبة ؟ ! فهدَّأ الموقف وسكت النبي صلى الله عليه وآله !
فما هي القصة ، وما سبب هذا الغضب والتحدي والفضح النبوي !
وما سبب هذه التوبة العمرية ، التي اختصرها البخاري وفصلها غيره ، حتى رووا أنه قبَّل رجل النبي صلى الله عليه وآله وهو يسترضيه !
لكي تحصل على أجوبة لهذه الأسئلة عليك أن تجمع أشلاء هذه القصة في الصحاح ، ولا تغترَّ إذا وجدتها قطعاً مجزأة ، ووجدت فوق القطعة منها عنواناً مضللاً لتغطيتها !
وستجد أن بعض قطعها مفيدة جداً كالتي رواها مسلم وبيَّن فيها أن غضب النبي صلى الله عليه وآله لم يكن من أسئلة المسلمين كما زعم البخاري ! بل كان لشئ كريه بلغه عن أصحابه ! فصعد المنبر وخطب وطلب منهم أن يسألوه ( عن أنسابهم ) وتحداهم فخافوا وبكوا ، فقام عمر وتاب ! !
قال مسلم في صحيحه : 7 / 92 : ( عن أنس بن مالك قال : بلغ رسول الله ( ص ) عن أصحابه شئ فخطب ! فقال : عرضت عليَّ الجنة والنار فلم أر كاليوم في الخير والشر ، ولو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً . قال فما أتى على أصحاب رسول الله ( ص ) يوم أشد منه ! ! قال غطَّوْا رؤسهم ولهم خنين ! قال فقام عمر فقال : رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً ! قال فقام ذاك الرجل فقال : من أبي ؟ قال أبوك فلان ، فنزلت : يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ! انتهى . وروى جزء منها في : 3 / 167
فالمسألة إذن غضبٌ نبويٌّ لما بلغه عن ( أصحابه ) وخطبةٌ نبوية نارية بحضور جبرئيل ! وتحدٍّ نبوي لهم في أنسابهم ! وبكاء أصحاب الفرية من
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 195 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الخوف ! وأن ذلك اليوم كان أشد يوم مر عليهم مع نبيهم . . وأن النبي صلى الله عليه وآله أجابهم وطعن في نسبهم وتحداهم أن يسألوه عن نسبهم ! فسأله بعضهم عن نسبه ففضحه النبي صلى الله عليه وآله ! ! فقام عمر إلى النبي صلى الله عليه وآله وبرك عند رجليه وقبل قدمه ! وأعلن توبته وتوبتهم ! !
فأين هذا مما فعله البخاري فنسب الذنب إلى النبي صلى الله عليه وآله وأنه غضب في تعليمه للمسلمين من سؤال سألوه ؟ !
وأين بروك التلميذ بين يدي أستاذه من بروك عمر على أقدام النبي صلى الله عليه وآله ؟ !
لقد بلغ من براعة البخاري أنه قطع قصة الحديث وجعله ستة أشلاء ، واخترع لكل قطعة منه عنواناً ، أو عقد باباً ( مناسباً ) ، واتهم النبي صلى الله عليه وآله بسوء الخلق ! ! كل ذلك للتغطية على عمر !
ففي : 1 / 31 : ( عقد له باباً باسم : باب الغضب في الموعظة والتعليم إذا رأى ما يكره فجعله من نوع غضب المدرس والواعظ !
وفي ص 32 : ( جعله من نوع تأدب التلميذ بين يدي معلمه فسمى الباب : باب من برك على ركبتيه عند الإمام أو المحدث !
وفي ص 136 : ( وضع جزءً منه تحت عنوان : باب وقت الظهر عند الزوال ! بمناسبة أن خطبة النبي ( ص ) النارية القاصعة كانت عند الزوال !
وفي : 4 / 73 : ( جعل جزءً منه تحت عنوان : ما جاء في قول الله تعالى وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه . . بحجة أن الراوي قال : قام فينا النبي ( ص ) مقاماً فأخبرنا عن بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة منازلهم وأهل النار منازلهم !
وفي : 7 / 157 : ( عقد له باباً باسم باب التعوذ من الفتن ! وكأن الموضوع كان
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 196 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
حديثاً هادئاً عاماً لكل الأمة عن الفتن الآتية ، وأن عمر قال : رضينا بالله رباً وبمحمد رسولاً . . . نعوذ بالله من الفتن !
وفي : 8 / 142 : ( عقد له باباً باسم : باب ما يكره من كثرة السؤال وتكلف ما لا يعنيه وحشر فيها آية : لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ! مع أنه كان ينبغي أن يسمي الباب : باب وجوب امتثال أمر النبي صلى الله عليه وآله إذا أمر بالسؤال ، لأن موضوع الآية المحشورة كراهة السؤال ، وموضوع الحديث أمر النبي صلى الله عليه وآله المكرر المشدد لمؤذيه من قريش أن يسألوه !
ولعل البخاري يقصد بكراهة السؤال كراهة إلحاح المعلم على تلاميذه بقوله سلوني ! وأن الخطأ كان من النبي صلى الله عليه وآله لإلحاحه عليهم أن يسألوه عن آبائهم ! وأن موقف عمر هو تصحيح خطأ النبي صلى الله عليه وآله كما هي عادته ! !

ماذا قال شراح البخاري ؟

لاخبر عند شراح الصحاح عن القضية ! فلا رأوا ولا سمعوا ولا قرؤوا ، ولا شموا رائحة شئ يستوجب التساؤل والبحث !
قال شيخ الشراح ابن حجر في فتح الباري : ( قوله قال رجل : هو عبد الله بن حذافة بضم أوله وبالذال المعجمة والفاء ، القرشي السهمي ، كما سماه في حديث أنس الآتي .
قوله فقام آخر : هو سعد بن سالم مولى شيبة بن ربيعة ، سماه ابن عبد البر في التمهيد في ترجمة سهيل بن أبي صالح ، وأغفله في الإستيعاب ولم يظفر به أحد من الشارحين ، ولا من صنف في المبهمات ولا في أسماء الصحابة ، وهو صحابي بلا مرية ، لقوله فقال من أبي يا رسول الله ؟ ووقع في تفسير مقاتل في نحو هذه القصة أن رجلاً من بني عبد الدار قال من أبي ؟ قال سعد : نسبه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 197 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إلى غير أبيه ، بخلاف ابن حذافة ! وسيأتي مزيد لهذا في تفسير سورة المائدة .
قوله فلما رأى عمر . . هو بن الخطاب . . ما في وجهه ، أي من الغضب ، قال : يا رسول الله إنا نتوب إلى الله ، أي مما يوجب غضبك ، وفي حديث أنس الآتي بعد أن برك عمر على ركبتيه ، فقال : رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً ، والجمع بينهما ظاهر ، بأنه قال جميع ذلك فنقل كل من الصحابيين ما حفظ ، ودل على اتحاد المجلس اشتراكهما في نقل قصة عبد الله بن حذافة . . .
قوله : باب من برك : هو بفتح الموحدة والراء المخففة يقال : برك البعير إذا استناخ ، واستعمل في الآدمي مجازاً .
قوله : خرج ، فقام عبد الله بن حذافة : فيه حذف يظهر من الرواية الأخرى والتقدير : خرج فسئل فأكثروا عليه ، فغضب ! فقال سلوني فقام عبد الله .
قوله : فقال رضينا بالله رباً . . قال ابن بطال : فهم عمر منه أن تلك الأسئلة قد تكون على سبيل التعنت أو الشك ، فخشي أن تنزل العقوبة بسبب ذلك ! فقال رضينا بالله رباً الخ . فرضي النبي ( ص ) بذلك ، فسكت !
قوله وقال سلوني : في حديث أنس المذكور فصعد المنبر فقال : لا تسألوني عن شئ إلا بينته لكم . وفي رواية سعيد بن بشير عند قتادة عن أبي حاتم : فخرج ذات يوم حتى صعد المنبر ، وبيَّن في رواية الزهري المذكورة في هذا الباب وقت وقوع ذلك وأنه بعد أن صلى الظهر ، ولفظه : خرج حين زاغت الشمس فصلى الظهر فلما سلم قام على المنبر فذكر الساعة ثم قال : من أحب ( ! ) أن يسأل عن شي فليسأل عنه فذكر نحوه .
قوله : فقام رجل فقال يا رسول الله من أبي . . . بيَّن في حديث أنس من رواية
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 198 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الزهري اسمه ، وفي رواية قتادة سبب سؤاله ، قال فقام رجل كان إذا لاحى أي خاصم دعي إلى غير أبيه ، وذكرت اسم السائل الثاني ، وأنه سعد ، وأني نقلته من ترجمة سهيل بن أبي صالح من تمهيد بن عبد البر .
وزاد في رواية الزهري الآتية بعد حديثين فقام إليه رجل فقال : أين مدخلي يا رسول الله ؟ قال : النار ! ولم أقف على اسم هذا الرجل في شئ من الطرق كأنهم أبهموه عمداً للستر عليه !
وللطبراني من حديث أبي فراس الأسلمي نحوه ، وزاد : وسأله رجل في الجنة أنا ؟ قال : في الجنة ، ولم أقف على اسم هذا الآخر .
ونقل ابن عبد البر عن رواية مسلم أن النبي ( ص ) قال في خطبته : لا يسألني أحد عن شئ إلا أخبرته ، ولو سألني عن أبيه ، فقام عبد الله بن حذافة ، وذكر فيه عتاب أمه له وجوابه ، وذكر فيه فقام رجل فسأل عن الحج فذكره ، وفيه : فقام سعد مولى شيبة فقال مَن أنا يا رسول الله ؟ قال أنت سعد بن سالم مولى شيبة . وفيه فقام رجل من بني أسد فقال : أين أنا ؟ قال : في النار ! فذكر قصة عمر . . .
قوله : فلما رأى عمر ما بوجه رسول الله ( ص ) من الغضب . . بين في حديث أنس أن الصحابة كلهم فهموا ذلك ، ففي رواية هشام فإذا كل رجل لافاً رأسه في ثوبه يبكي ، وزاد في رواية سعيد بن بشير : وظنوا أن ذلك بين يدي أمر قد حضر ! وفي رواية موسى بن أنس عن أنس الماضية في تفسير المائدة : فغطوا رؤوسهم ولهم خنين . . زاد مسلم من هذا الوجه : فما أتى على أصحاب رسول الله ( ص ) يوم كان أشد منه !
قوله : فقال إنا نتوب إلى الله عز وجل . . زاد في رواية الزهري : فبرك عمر على
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 199 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ركبته فقال رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد رسولاً . وفي رواية قتادة من الزيادة نعوذ بالله من شر الفتن . وفي مرسل السدي عند الطبري في نحو هذه القصة : فقام إليه عمر فقبل رجله وقال : رضينا بالله رباً فذكر مثله ، وزاد : وبالقرآن إماماً فاعف عفى الله عنك فلم يزل به حتى رضي ) !

الحادثة في بعض روايات أهل البيت عليهم السلام

قال النيشابوري في الفضائل ص 134 : ( عن سليم بن قيس يرفعه إلى أبي ذر والمقداد وسلمان قالوا : قال لنا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب : إني مررت بفلان يوماً فقال لي : ما مثل محمد في أهل بيته إلا كمثل نخلة نبتت في كناسة ! قال : فأتيت رسول الله صلى الله عليه وآله فذكرت ذلك له ، فغضب غضباً شديداً ، فقام فخرج مغضباً وصعد المنبر ففزعت الأنصار ولبسوا السلاح لما رأوا من غضبه ، ثم قال : ما بال أقوام يعيرون أهل بيتي ؟ ! وقد سمعوني أقول في فضلهم ما أقول ، وخصصتهم بما خصهم الله تعالى به ، وفضل علياً عليهم بالكرامة وسبقه إلى الإسلام وبلائه ، وأنه مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ! ثم إنهم يزعمون أن مثلي في أهل بيتي كمثل نخلة نبتت في كناسة ! ألا إن الله سبحانه وتعالى خلق خلقه وفرقهم فرقتين ، وجعلني في خيرها شعباً وخيرها قبيلة ، ثم جعلهم بيوتاً فجعلني في خيرها بيتاً ، حتى حصلت في أهل بيتي وعشيرتي وبني أبي ، أنا وأخي علي بن أبي طالب . . .
أنا خير النبيين والمرسلين ، وعلي خير الوصيين ، وأهل بيتي خير بيوت أهل النبيين ، وفاطمة ابنتي سيدة نساء أهل الجنة أجمعين .
أيها الناس : أترجون شفاعتي لكم وأعجز عن أهل بيتي . . .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 200 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أيها الناس : لو أخذت بحلقة باب الجنة ثم تجلى لي الله عز وجل ، فسجدت بين يديه ثم أذن لي في الشفاعة ، لم أوثر على أهل بيتي أحداً .
أيها الناس : عظموا أهل بيتي في حياتي وبعد مماتي ، وأكرموهم وفضلوهم لا يحل لأحد أن يقوم لأحد غير أهل بيتي ، فانسبوني من أنا ؟ !
قال فقام الأنصار وقد أخذوا بأيديهم السلاح ، وقالوا : نعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله ، أخبرنا يا رسول الله من آذاك في أهل بيتك حتى نضرب عنقه ؟ ! !
قال : أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ، ثم انتهى بالنسب إلى نزار ، ثم مضى إلى إسماعيل بن إبراهيم خليل الله ، ثم مضى منه إلى نوح ، ثم قال : أنا وأهل بيتي كطينة آدم عليه السلام نكاح غير سفاح !
سلوني ، والله لا يسألني رجل إلا أخبرته عن نسبه وعن أبيه !
فقام إليه رجل فقال : من أنا يا رسول الله ؟ فقال : أبوك فلان الذي تدعى إليه ! قال فارتد الرجل عن الإسلام .
ثم قال صلى الله عليه وآله والغضب ظاهر في وجهه : ما يمنع هذا الرجل الذي يعيب على أهل بيتي وأهلي وأخي ووزيري وخليفتي من بعدي وولي كل مؤمن ومؤمنة بعدي ، أن يقوم ويسألني عن أبيه ، وأين هو في جنة أم في نار ؟ !
قال فعند ذلك خشي فلان على نفسه أن يذكره رسول الله صلى الله عليه وآله ويفضحه بين الناس فقام وقال : نعوذ بالله من سخط الله وسخط رسوله ، ونعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله ، أعف عنا عفى الله عنك ، أقلنا أقالك الله ، أسترنا سترك الله ، إصفح عنا جعلنا الله فداك .
فاستحيا النبي صلى الله عليه وآله وسكت ، فإنه كان من أهل الحلم وأهل الكرم وأهل العفو ثم نزل صلى الله عليه وآله ) ! !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 201 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأسئلة
1 - ما رأيكم فيما فعله البخاري في هذا الحديث ، الذي هو حديث حادثة واحدة كما هو واضح ، وكما ذكر شارحه ؟
2 - ما هو الشئ الذي بلغه عن أصحابه فأوجب استنفاره وغضبه واستنفار المسلمين بالسلاح ، ونزول جبرئيل لمساعدته وتوجيهه في موقفه وخطبته ؟ !
3 - هل تقولون إن النبي صلى الله عليه وآله غضب بغير حق كما أشار البخاري ؟
4 - هل تعرفون حادثة أخرى تحدى فيها النبي صلى الله عليه وآله بعض أصحابه واتهمهم في أنسابهم ؟ !
5 - هل يدل قول النبي صلى الله عليه وآله لعمر ومن شاركه بالكلام على بني هاشم سلوني عن أنسابكم ، أن النبي صلى الله عليه وآله كان سيفضحه لو سأله ؟ !
6 - هل تدل هذه الحادثة على أن نسب بني هاشم إلى إسماعيل وإبراهيم هو القدر المتيقن من النسب الصحيح ، وأن صحة أنساب الآخرين محل توقف ؟
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 202 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 60 هل تقبلون بدعة إسقاط المحرمات عن أهل بدر ؟

في البخاري : 5 / 10 ، في قصة حاطب بن بلتعة الذي خان المسلمين وكتب إلى مشركي مكة أن النبي صلى الله عليه وآله قاصد إليهم بجيشه ، قال : ( فقال عمر إنه قد خان الله ورسوله والمؤمنين فدعني فلأضرب عنقه ، فقال : أليس من أهل بدر ؟ فقال ( صلى الله عليه وآله ) : لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة ، أو فقد غفرت لكم . فدمعت عينا عمر وقال : الله ورسوله أعلم ) . انتهى . ورواه مسلم : 7 / 168
* *
الأسئلة
1 - هل تعتقدون أن جميع المسلمين البدريين مغفور لهم مهما عملوا ، حتى لو ارتكبوا المحرمات ، وخانوا الإسلام والمسلمين ! ألا يتناقض ذلك مع قانون المجازاة وقانون العدل الإلهي ؟ !
2 - ما قولكم فيمن شرك في قتل عثمان من البدريين أو أهل بيعة الشجرة مثل ابن عديس البلوي ، وعمرو بن الحمق الخزاعي ؟
في تاريخ الطبري : 3 / 385 : ( كتب إلي السري : عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة وأبي حارثة وأبي عثمان ، قالوا : لما كان في شوال سنة 35 خرج أهل مصر في أربع رفاق على أربعة أمراء ، المقلل يقول ستمائة والمكثر يقول ألف ، على الرفاق عبد الرحمن بن عديس البلوي وكنانة بن بشر الليثي ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 203 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وسودان بن حمران السكوني ، وقتيرة بن فلان السكوني . وعلى القوم جميعاً الغافقي بن حرب العكي ، ولم يجترئوا أن يعلموا الناس بخروجهم إلى الحرب وإنما خرجوا كالحجاج ومعهم ابن السوداء .
وخرج أهل الكوفة في أربع رفاق ، وعلى الرفاق زيد بن صوحان العبدي والأشتر النخعي وزياد بن النضر الحارثي وعبد الله بن الأصم أحد بني عامر ابن صعصعة ، وعددهم كعدد أهل مصر ، وعليهم جميعاً عمرو بن الأصم .
وخرج أهل البصرة في أربع رفاق ، وعلى الرفاق حكيم بن جبلة العبدي وذريح بن عباد العبدي . . . الخ .
ثم أورد الطبري دخولهم إلى المدينة وما جرى في أحداث قتل عثمان !
وقال ابن كثير في البداية والنهاية : 7 / 191 : ( ونشأ بمصر طائفة من أبناء الصحابة يؤلبون الناس على حربه والانكار عليه ، وكان عظم ذلك مسندا إلى محمد بن أبي بكر ، ومحمد بن أبي حذيفة ، حتى استنفرا نحوا من ستمائة راكب يذهبون إلى المدينة في صفة معتمرين في شهر رجب ، لينكروا على عثمان فساروا إليها تحت أربع رفاق ، وأمر الجميع إلى عمرو بن بديل بن ورقاء الخزاعي ، وعبد الرحمن بن عديس ) .
وقال الدكتور حسن بن فرحان في كتابه ( نحو إنقاذ التاريخ الإسلامي ) ص 148 : ( فالخارجون على عثمان أصناف كثيرة وليسوا متفقين في الأهداف ( تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ ) مع جزمنا بأنهم على باطل وان عثمان رضي الله عنه على حق ، لكن في الوقت نفسه نعرف لعبد الرحمن بن عديس البلوي رضي الله عنه صحبته وبيعته تحت الشجرة وهو من الخارجين على عثمان . ونعرف للأشتر - فاتك بن الحارث النخعي - حقه وتدينه وندمه وكراهيته لمقتل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 204 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عثمان وهو من الخارجين لكنه اعتزل عنهم آخر الأمر فلم يكن من محاصري عثمان يوم مقتله وقد ندم . كل هذا بأسانيد صحيحة وليس هنا مجال ذكرها .
كذلك نعرف لأبناء بديل بن ورقاء رضي الله عنهم صحبتهم وهم من الخارجين ، ونعرف لعمرو بن الحمق الخزاعي رضي الله عنه صحبته وهجرته وهو من الخارجين ، والعجب فيمن يعذر معاوية في الخروج على علي رضي الله عنه ولا يعذر عبد الرحمن بن عديس البلوي في الخروج على عثمان رضي الله عنهما ، مع أن عبد الرحمن بن عديس أفضل من معاوية فهو من أصحاب بيعة الرضوان الذين شهد لهم النبي ( ص ) بالجنة ! أما معاوية فلم يكن أسلم يومئذ ولا عمرو بن العاص ولا كل أهل الشام الذين حاربوا علياً بصفين ، فابن عديس خير منهم جميعاً ، ومع هذا تجد المؤرخين يتهمون ابن عديس - تبعاً لسيف بن عمر - بأنه من السبئية ! !
سبحان الله ؟ أصحاب رسول الله ( ص ) سبئية ؟ ! أصحاب بيعة الرضوان سبئية ؟ ! ) . انتهى .
فما هو موقفكم ممن بايع تحت الشجرة ، وزعمتم أن النبي صلى الله عليه وآله شهد له بالجنة ، ثم شارك في قتل عثمان ، هل تحكمون بكفره أم تقولون إنه من أهل بيعة الرضوان ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 205 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 61 هل تشمل الشفاعة من لم يعتقد بعدالة الصحابة ؟

من تناقضات المخالفين لمذهب أهل البيت عليهم السلام أنهم يوسعون الشفاعة من جهة لتشمل من يحبونهم من المنافقين وحتى اليهود والنصارى ! فإذا وصلوا إلى من يخالفهم في صحابتهم المفضلين الستة ضيقوا عليهم الشفاعة وحكموا بحرمانهم من الشفاعة !
روى الديلمي في فردوس الأخبار : 2 / 498 : ( عن عبد الرحمن بن عوف عن النبي ( ص ) أنه قال : شفاعتي مباحة إلا لمن سب أصحابي ) ! !
وفي : 1 / 98 : ( عن عبد الرحمن بن عوف أيضاً وفيه : فشفاعتي محرمة على من شتم أصحابي ) . ( ورواه في حلية الأولياء كما في كنز العمال : 14 / 398 ) .
وروى الشيرازي في الألقاب وابن النجار كما في كنز العمال : 14 / 635 : ( عن أم سلمة قالت قال رسول الله ( ص ) : نعم الرجل أنا لشرار أمتي ! فقال له رجل من مزينة : يا رسول الله أنت لشرارهم فكيف لخيارهم ؟ قال : خيار أمتي يدخلون الجنة بأعمالهم ، وشرار أمتي ينتظرون شفاعتي . ألا إنها مباحةٌ يوم القيامة لجميع أمتي إلا رجل ينتقص أصحابي ) . انتهى . ( وحياة الصحابة : 3 / 45 ) .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 206 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأسئلة
1 - هل تصححون هذه الأحاديث ؟
2 - وهل تبقونها عامة شاملة لكل من سب صحابياً فتشمل معاوية وغيره من الصحابة أنفسهم ، أم تحصرونها بمن سب صحابتكم الستة المفضلين أبا بكر وعمر وعثمان وعائشة وحفصة ومعاوية ؟ ! وتبيحون الباقين ؟
3 - لماذا لا تحكمون بحرمان الصحابي من الشفاعة إذا سب صحابياً وشتمه ، كعمر الذي سب سعد بن عبادة في السقيفة وأمر بقتله ، ثم ذم الستة الذين عينهم للشورى ذماً أشد من الشتم ! ومعاوية الذي لعن أمير المؤمنين علياً عليه السلام على منابر المسلمين ؟
4 - إذا كان حب الصحابة ديناً ، وسبهم كفراً ، فلماذا لم تذكر ذلك آية صريحة في القرآن كآية المودة لأهل البيت عليهم السلام ولا أحاديث صريحة متفق عليها من النبي صلى الله عليه وآله كأحاديثه في حب أهل البيت عليهم السلام وبغضهم ؟ !
5 - ألا ترون أن راية صحابة النبي صلى الله عليه وآله رفعت بعده في مقابل عترته وأهل بيته عليهم السلام ؟ وأن أحاديث حب الصحابة وعدالتهم والشهادة لهم بالجنة وتحريم سبهم . . وأمثالها ، ما هي إلا نسخة مقابلة للآيات والأحاديث النبوية في أهل البيت عليهم السلام ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 207 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 62 هل تؤمنون برب يعبث ويلغو في قوله وفعله ؟

روى البخاري : 2 / 72 : ( عن أبي هريرة عن النبي ( ص ) قال : لا يموت لمسلم ثلاثة من الولد فيلج النار ، إلا تحلَّةَ القسم ) . ( ورواه في : 7 / 224 . ومسلم : 8 / 39 وفيه ( فتمسه النار ) وابن ماجة : 1 / 512 والنسائي : 4 / 22 و 25 بعدة روايات وفي بعضها : فتمسه النار . والترمذي : 2 / 262 وأحمد : 2 / 240 و 276 و 473 و 479 والبيهقي في سننه : 4 / 67 و : 7 / 78 ومجمع الزوائد : 1 / 163 و : 5 / 287 وكنز العمال : 3 / 284 و 293 و : 4 / 323 و : 10 / 216 والدر المنثور : 4 / 280 وفي عدد من رواياته : تمسه النار . وفي عدد آخر : يلج النار ، وفي أكثرها ( تحلة القسم ) .
ومقصودهم بالقسم قوله تعالى : ( وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ) . ( سورة هود : 119 ) وقوله تعالى : ( وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلُّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ) . ( سورة السجدة : 13 )
فيكون المعنى أن هذا الوالد الذي خسر أولاده الثلاثة يستحق الجنة لكن يجب عليه أن يدفع ضريبة يمين الله تعالى ، ويدخل النار لمدة قليلة ، حتى لا يكون الله حانثاً بقسمه !
وفكرة تحلة القسم فكرة يهودية ، تقول إن الله تعالى وعد يعقوب أن لا يعذب أولاده إلا ( تحلة القسم ) ( تفسير كنز الدقائق : 2 / 47 )
فالله تعالى عندهم مثل حاكم دنيوي بنى سجناً وأقسم أن يملأه من المجرمين ، ولما وجد أنه كبيرٌ لم يمتلئ بالمجرمين الموجودين ، أمر شرطته أن يقبضوا على الناس من الشارع ويضعوهم في السجن حتى يملأه ويفي بيمينه ، ولا يكون كاذباً حانثاً !
ولكنه منطق يرفضه العقل والقرآن لمنافاته لقوانين الحق والعدل الإلهي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 208 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
التي أقام الله تعالى عليها الكون والحياة ، وأنزلها في كتابه وأوحى بها إلى رسوله صلى الله عليه وآله فخضع لها العلماء والفلاسفة والمفكرون !
وقد حاول بعضهم أن يجعل القسم قوله تعالى : ( وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً . ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً ) ( مريم : 71 - 72 ) ، لكنه تفسير من الرواة ، لأنه ليس في هذه الآية قسم حتى يكون ورودهم تحلة للقسم ، ولأن الورود فيها يتحقق بالمرور من فوق النار ، بينما تعبير البخاري وغيره الولوج والدخول في النار !
ومن مفارقات البيهقي أنه رد تفسيرهم لتحلة القسم بهذه الآية من سورة مريم كما في سننه : 10 / 64 ، بحجة أنه يحلل التلاعب بالأيمان ، وكأن التلاعب بالأيمان حرام على الناس حلال على الله تعالى !
* *
الأسئلة
1 - ما ذنب هذا الوالد وغيره من المساكين الذين أدخلتهم صحاحكم في جهنم ظلماً وعدواناً ، لتحليل يمين الله تعالى ؟ !
2 - هل أنتم حاضرون من أجل تصحيح البخاري أن تنسبوا إلى الله تعالى العبث واللغو والظلم ؟ !
3 - لماذا لا تعترفون بتأثير كعب الأحبار واليهود على تصور الصحاح السنية لله تعالى وأفعاله ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 209 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 63 ما هو موقفكم من المرجئة ؟

كان اليهود أسبق الأمم إلى تحريف الدين وتعويم قانون العقوبة الإلهي ، فقد أسقطوا المحرمات عن أنفسهم تجاه الأمم الأخرى ، وقالوا إن الإيمان أمرٌ في القلب ، مهما كان عمل الإنسان !
وهذا هو بالضبط مذهب المرجئة الذي زرعه اليهود في عقائد المسلمين ، عن طريق بعض الصحابة !
وقد روت مصادر السنة والشيعة أن النبي صلى الله عليه وآله أخبر بظهور المرجئة والقدرية في أمته وحذر من خطرهم ، وأنهم لا تنالهم شفاعته ، لأنهم يحرفون الإسلام ويشوشون أمر الأمة من بعده .
ففي مجمع الزوائد : 7 / 207 : ( عن أنس بن مالك قال رسول الله ( ص ) : صنفان من أمتي لا يردان عليَّ الحوض ولا يدخلان الجنة ، القدرية والمرجئة . رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح غير هارون بن موسى الفروي وهو ثقة ) . ( وروى الترمذي نحوه : 3 / 308 )
وفي مجمع الزوائد : 7 / 203 : ( عن معاذ بن جبل قال قال رسول الله ( ص ) : ما بعث الله نبياً قط إلا وفي أمته قدرية ومرجئة يشوشون عليه أمر أمته . ألا وإن الله قد لعن القدرية والمرجئة على لسان سبعين نبياً ) . ( راجع الخصال ص 72 وثواب الأعمال ص 212 ) .
* *
وقد ولد مذهب المرجئة في عهد عمر ، وقالوا إن الإيمان قول بلا عمل ! فهو معنى قول عمر إن النبي صلى الله عليه وآله قال له : ( يا عمر إنك لا تسأل عن أعمال الناس ، ولكن تسأل عن الفطرة ) ! ( الدر المنثور : 2 / 116 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 210 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وهو معنى توسيعات عمر المتقدمة للشفاعة لكل من نطق بالتوحيد !
وهو معنى قول عبد الله بن عمرو بن العاص : ( قال رسول الله ( ص ) : من لقي الله لا يشرك به شيئاً لم تضره معه خطيئة ) ! ( مسند أحمد : 2 / 170 )
وهو معنى ما رواه الترمذي : 3 / 87 : أن النبي ( ص ) سمع ذات يوم رجلاً يقول : الله أكبر الله أكبر ، فقال : على الفطرة . فقال : أشهد أن لا إله إلا الله ، قال : خرجت من النار ) ! ( ونحوه في مسلم : 2 / 4 وأحمد : 3 / 241 )
وقد تصدى علي والأئمة من أهل البيت عليهم السلام لرد هذه التحريفات :
ففي علل الشرائع للصدوق : 2 / 602 ، عن علي عليه السلام قال : ( يحشر المرجئة عمياناً ، إمامهم أعمى ، فيقول بعض من يراهم من غير أمتنا : ما تكون أمة محمد إلا عمياناً ! فأقول لهم : ليسوا من أمة محمد ، لأنهم بدَّلوا فبدل ما بهم ، وغيَّروا فغير ما بهم ) .
وأول ما أطلق اسم المرجئة رسمياً على المتخلفين عن بيعة علي عليه السلام ونصرته على الفئة الباغية .
قال النعماني في شرح الأخبار : 2 / 82 : ( فأما المتخلفون عن الجهاد مع علي عليه السلام وقتال من نكث بيعته ومن حاربه وناصبه ، فإنه تخلف عنه في ذلك من المعروفين من الصحابة : سعد بن أبي وقاص وكان أحد الستة الذين سماهم عمر للشورى ، وعبد الله بن عمر بن الخطاب ، ومحمد بن مسلمة ، واقتدى بهم جماعة فقعدوا بقعودهم عنه ، ولم يشهدوا شيئاً من حروبه معه ولا مع من حاربه . وهذه الفرقة هم أصل المرجئة وبهم اقتدوا ، وذهب إلى ذلك من رأيهم جماعة من الناس وصوبوهم فيه وذهبوا إلى ما ذهبوا إليه ، فقالوا في الفريقين في علي ومن قاتل معه وفي الذين حاربوه وناصبوه ومن قتل من
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 211 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الفريقين : إنهم يخافون عليهم العذاب ويرجون لهم الخلاص والثواب ، ولم يقطعوا عليهم بغير ذلك وتخلفوا عنهم . والإرجاء في اللغة التأخير فسموا مرجئة لتأخيرهم القول فيهم ، وتأخرهم عنهم ولم يقطعوا عليهم بثواب ولا عقاب ، لأنهم زعموا أنهم كلهم موحدون ولا عذاب عندهم على من قال : لا إله إلا الله ، فقدموا المقال وأخروا الأعمال فكان هذا أصل الإرجاء ، ثم تفرق أهله فرقاً إلى اليوم يزيدون على ذلك من القول وينقصون ) . انتهى .
وهو يدل على أنهم تمسكوا بمقولة كعب وعمر وعبد الله بن عمرو بن العاص ، التي تكتفي لدخول الجنة بالتوحيد بدون عمل .
وقد أحب المستشرقون المرجئة لأنهم يسقطون فرائض الإسلام ويقولون كما يقول اليهود والنصارى : لا يضر مع الإيمان عمل !
قال الدكتور حسن إبراهيم في كتابه تاريخ الإسلام : 1 / 416 : ( وهي طائفة المرجئة التي ظهرت في دمشق حاضرة الأمويين بتأثير بعض العوامل المسيحية خلال النصف الثاني من القرن الأول الهجري . وقد سميت هذه الطائفة المرجئة من الإرجاء هو التأخير ، لأنهم يرجئون الحكم على العصاة من المسلمين إلى يوم البعث . كما يتحرجون عن إدانة أي مسلم مهما كانت الذنوب التي اقترفها . . . وهؤلاء هم في الحقيقة كتلة المسلمين التي رضيت حكم بني أمية ، مخالفين في ذلك الشيعة والخوارج . ومع هذا فإنهم يتفقون في العقيدة إلى حد ما مع طائفة المحافظين وهي أهل السنة ، وإن كانوا - كما يرى فون كريمر - قد ألانوا من شدة عقائد هؤلاء السنيين باعتقادهم ( أنه لا يخلد مسلم مؤمن في النار ) وعلى العموم فهم يضعون العقيدة فوق العمل . وكانت آراؤهم تتفق تماماً مع رجال البلاط الأموي ومن يلوذ به ، بحيث لا يستطيع
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 212 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أحد من الشيعيين أو الخوارج أن يعيش بينهم ، في الوقت الذي تمكن فيه المسيحيون وغيرهم من المسلمين أن ينالوا الحظوة لديهم ، أو يشغلوا المناصب العالية ) . انتهى .
ويكشف لنا النص التالي عن الإمام الصادق عليه السلام سر تقريب بني أمية لهم ، قال عليه السلام : ( لعن الله القدرية ، لعن الله الخوارج ، لعن الله المرجئة لعن الله المرجئة . قال قلت : لعنت هؤلاء مرة ولعنت هؤلاء مرتين ! قال : إن هؤلاء يقولون إن قتلتنا مؤمنون ! فدماؤنا متلطخة بثيابهم إلى يوم القيامة ، إن الله حكى عن قوم في كتابه : ( قَالُوا إِنَّ اللهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) قال : كان بين القاتلين والقائلين خمسمائة عام فألزمهم الله القتل برضاهم ما فعلوا ) . انتهى . ( الكافي : 2 / 409 ) .
ومعنى كلامه عليه السلام أن المرجئة زعموا أن قتلة الإمام الحسين عليه السلام مؤمنون من أهل الجنة ولا يعاقبون على جريمتهم ! وبذلك صار المرجئة شركاء لبني أمية في الجريمة ، لأن من رضي بعمل قوم شَرِكهم فيه !
* *
وقد تورُّط أصحاب المذاهب الأربعة في الإرجاء ، خاصة أبو حنيفة ( راجع المجروحين لابن حبان : 3 / 63 ، وكتاب الرفع والتكميل للكنوي 154 ) .
أما الصحاح فيأخذك العجب من كثرة رواتها المرجئة !
منهم من باب المثال : الفأفاء ، وكان رأس في المرجئة متعصباً لبني أمية مبغضاً لعلي عليه السلام بل كان مبغضاً للنبي صلى الله عليه وآله ! وكان يقرأ لخلفاء بني أمية القصائد في هجاء النبي صلى الله عليه وآله ! وقد قتله العباسيون في ثورتهم . . ومع ذلك فهو معتمدٌ عند
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 213 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ابن المديني شيخ البخاري ويقول عنه قتل مظلوماً ، وروى عنه البخاري في الأدب المفرد ومسلم والنسائي وابن ماجة والترمذي وأبي داود ! ( راجع ترجمته في تهذيب التهذيب : 3 / 83 وغيره )
ومنهم الحماني ، الذي روى عنه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة . . قال في تهذيب التهذيب : 6 / 109 : ( وقال أبو داود : كان داعية في الإرجاء ! ! )
ومنهم شعيب بن إسحاق ، مولى بني أمية الذي روى عنه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة . . قال في تهذيب التهذيب : 4 / 304 : ( قال أبو طالب عن أحمد : ثقة ما أصح حديثه وأوثقه . وقال أبو داود : ثقة وهو مرجئ ) !
ومنهم الغنوي الذي روى عنه مسلم والأربعة . . قال في تهذيب التهذيب : 1 / 411 : ( وقال العجلي : كوفي ثقة ، وقال العقيلي : مرجئ متهم متكلم فيه ) . انتهى .
وقد سجل ابن شاذان هذا التناقض على أصحاب الصحاح فقال في الإيضاح ص 502 : ( ومن جهة أخرى تروون عن المرجئة ويروون عنكم ، وتروون عن القدرية ويروون عنكم ، وتروون عن الجهمية ويروون عنكم ، فتقبلون منهم بعض أقاويلهم وتردون عليهم بعضها ، فلا الحق أنتم منه على ثقة ، ولا الباطل أنتم منه على يقين ، وأنتم عند أنفسكم أهل السنة والجماعة ! ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 214 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأسئلة
1 - ما هو موقفكم من المرجئة ؟
2 - هل تقبلون مقولة المرجئة المعاصرين : الدين أمر في القلب ولا علاقة له بالعمل ، أو تقولون : إن الإيمان قول وعمل ؟
3 - هل تعتبرون عمر إمام المرجئة أو عاملاً في تأسيس مذهبهم ؟
4 - ما رأيكم في اعتماد صحاحكم على الرواة من المرجئة ؟ !
5 - هل أنتم مرجئة في الصحابة تكتفون منهم بالقول دون العمل ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 215 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 64 هل أنتم معنا في البداء أو مع اليهود ؟

زعم اليهود أن يد الله تعالى مغلولة ، وأنه فرغ من الخلق والأمر ولا يستطيع تغيير شئ ! قال الله تعالى : ( وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً وَاللهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ) . ( سورة المائدة : 64 )
وقد وافق مخالفونا اليهود فقالوا إن الله تعالى قد فرغ من الأمر فلا يمكنه التغيير ! كما في مسند أحمد : 2 / 52 : ( عن ابن عمر قال قال عمر : يا رسول الله أرأيت ما نعمل فيه أفي أمر قد فرغ منه أو مبتدأ أو مبتدع ؟ قال : فيما فرغ منه فاعمل يا ابن الخطاب فإن كل ميسر لما خلق له ) ! ( وروى نحوه : 1 / 29 ، وفيه ( قال عمر : ألا نتكل ؟ ) ونحوه في الترمذي : 4 / 352 والحاكم : 2 / 462 وصححه . وفي مجمع الزوائد : 7 / 194 عن أبي بكر وعمر وقال : رواه البزار ورجاله رجال الصحيح ) .
فهذه النصوص الصحيحة عندهم تقول بالجبر في أفعال الانسان ، وبالجبر على الله في تكوين الكون معاً . ومثلها ما نسبه البخاري إلى النبي صلى الله عليه وآله أن الله تعالى يتحمل مسؤولية خطيئة آدم عليه السلام ، تماماًً كما في توراة اليهود !
قال البخاري : 4 / 131 : ( عن أبي هريرة : قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : احتج آدم وموسى فقال له موسى : أنت آدم الذي أخرجتك خطيئتك من الجنة ؟ فقال له آدم : أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه ثم تلومني على أمر قدر علي قبل أن أخلق ؟ فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : فحج آدم موسى مرتين ) ! !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 216 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
( ورواه بصيغة فيها تعنيفٌ لآدم عليه السلام قال في : 7 / 214 : ( فقال له موسى يا آدم أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة ) ! ( ونحوه أيضاً : 8 / 203 ) !
وخالفناهم نحن شيعة أهل البيت عليهم السلام لأن الكون كله تحت سلطان الله تعالى حدوثاً وبقاءً ، ولذا نعتقد بالبداء وهو المحو والإثبات في أفعال الله تعالى التي لم يخبر بها ملائكته ورسله على نحو الحتم ، كما قال تعالى : ( يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ) . ( سورة الرعد - 39 ) .
وفي شرح الأسماء الحسنى للسبزواري : 2 / 84 : عنه عليه السلام : ( أنحن في أمر فرغ أم في أمر مستأنف ؟ فقال في أمر فرغ ، وفي أمر مستأنف ) .
وقد شنع علينا مخالفونا لعقيدتنا بالبداء ، وافترى علينا بعضهم بأنا ننسب الجهل إلى الله تعالى ! وأن معنى البداء الذي نعتقد به أن الأمر يبدو لله تعالى ويظهر بعد أن لم يكن ظاهراً ! وهذا كفرٌ لأنه ينسب الجهل إلى العليم المطلق والحكيم المطلق عز وجل .
بل معنى البداء أن الله تعالى يبدي الأمر لعباده بشكل ، ثم يمحوه ويبديه على واقعه . ومن ذلك أن زكريا عليه السلام طلب من الله تعالى ولداً يرثه ويرث من آل يعقوب : ( وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً . يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً ) . ( سورة مريم : 5 - 6 ) ، فوهب له يحيى عليه السلام ، وكان ظاهر الأمر أنه استجاب له ووهبه له لكي يرثه ويرث من آل يعقوب ، ولكن يحيى استشهد في حياة أبيه زكريا ولم يرثه بل ورثهما معاً عيسى عليهم السلام ، ففي مثل هذا الأمر يقال ( بدا لله تعالى في نبيه يحيى عليه السلام ) .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 217 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأسئلة
1 - ما رأيكم بالبداء كما نعتقد به ؟
2 - كيف تفسرون قوله تعالى : ( يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ) ( سورة الرعد : 39 )
3 - كيف تفسرون قوله تعالى في جواب اليهود : ( بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ ) هل يداه مبسوطتان في الرزق وعطاء المخلوقين فقط ؟ أم في محو ما يشاء وإثباته من التكوين ؟
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 218 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 65 شفاعة النبي صلى الله عليه وآله يوم القيامة بيد أهل بيته عليهم السلام

ثبت عندنا وعندهم بأحاديث صحيحة أن علياً عليه السلام هو صاحب لواء النبي صلى الله عليه وآله يوم القيامة ، وهو آمر السقاية على حوضه ، وهو قسيم الله بين الجنة والنار !
ففي الخصال للصدوق ص 624 ، عن علي عليه السلام قال : ( أنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله ومعي عترتي وسبطايَ على الحوض ، فمن أرادنا فليأخذ بقولنا وليعمل عملنا ، فإن لكل أهل بيت نجيب . ولنا شفاعة ولأهل مودتنا شفاعة ، فتنافسوا في لقائنا على الحوض ، فإنا نذود عنه أعداءنا ونسقي منه أحباءنا وأولياءنا ، ومن شرب منه شربةً لم يظمأ بعدها أبدًا . حوضنا مترعٌ فيه مثعبان ينصبان من الجنة أحدهما من تسنيم ، والآخر من معين ، على حافتيه الزعفران ، وحصاه اللؤلؤ والياقوت ، وهو الكوثر ) . ( رواه فرات الكوفي 366 ، وتفسير نور الثقلين : 5 / 511 ) .
وفي أمالي الصدوق ص 61 : ( عن أمير المؤمنين عليه السلام قال رسول الله صلى الله عليه وآله : يا علي أنت أخي ووزيري ، وصاحب لوائي في الدنيا والآخرة ، وأنت صاحب حوضي ، من أحبك أحبني ومن أبغضك أبغضني ) .
وفي مناقب الصحابة لابن حنبل ص 661 : ( عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله ( ص ) : أعطيت في علي خمساً هن أحب إلي من الدنيا وما فيها :
أما واحدة : فهو تَكْأتي بين يدي ، حتى يفرغ من الحساب .
وأما الثانية : فلواء الحمد بيده ، آدم عليه السلام ومن ولد تحته .
وأما الثالثة : فواقفٌ على عقر حوضي يسقي من عرف من أمتي .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 219 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأما الرابعة : فساتر عورتي ومسلمي إلى ربي .
وأما الخامسة : فلست أخشى عليه أن يرجع زانياً بعد إحصان أو كافراً بعد إيمان ) . ( ورواه أبو نعيم في الحلية : 10 / 211 والطبري في الرياض النضرة في فضائل العشرة : 2 / 203 وكنز العمال 6 / 403 ) .
وفي الغدير : 1 / 321 : ( أخرج الطبراني بإسناد رجاله ثقات عن أبي سعيد الخدري قال : قال النبي ( ص ) : يا علي معك يوم القيامة عصا من عصي الجنة ، تذود بها المنافقين عن الحوض . ( الذخاير 91 ، الرياض : 2 / 211 ، مجمع الزوائد : 9 / 135 ، الصواعق 104 . انتهى . وهو في الطبراني الصغير : 2 / 89 ، وفردوس الأخبار : 5 / 317 / 408 ، وفي طبعة أخرى من الصواعق / 174 )
وفي مستدرك الحاكم : 3 / 138 ( عن علي بن أبي طلحة قال : حججنا فمررنا على الحسن بن علي بالمدينة ، ومعنا معاوية بن حديج ، فقيل للحسن : إن هذا معاوية بن حديج الساب لعلي ، فقال علي به ، فأتي به فقال : أنت الساب لعلي ؟ ! فقال : ما فعلت ! فقال : والله إن لقيته ، وما أحسبك تلقاه يوم القيامة ، لتجده قائماً على حوض رسول الله صلى الله عليه وآله يذود عنه رايات المنافقين ، بيده عصاً من عوسج ! حدثنيها الصادق المصدوق ، وقد خاب من افترى ) . هذا حديث صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه ) . انتهى . ورواه في مسند أبي يعلى : 6 / 174 وفيه : ( لتجدنه مشمر الإزار على ساق يذود عنه رايات المنافقين ذود غريبة الإبل ) . ورواه أبو يعلى : 12 / 139 ، والطبراني في الأوسط : 3 / 22 ، وفي الكبير : 913 ، وفي مجمع الزوائد : 9 / 130 ، و 272 ، وفيه : ( قال : يا معاوية بن حديج إياك وبغضنا فإن رسول الله قال : لا يبغضنا ولا يحسدنا أحدٌ إلا ذيد عن الحوض يوم القيامة بسياط من نار ) . ( ورواه في مختصر تاريخ دمشق : 12 جزء 24 / 393 ، وفي كفاية الطالب ص 89 ، عن أبي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 220 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كثير ، وفي شرح نهج البلاغة : 8 جزء 15 / 18 ، عن المدائني ) .
وفي فردوس الأخبار : 3 / 444 : ( عن أنس بن مالك عن النبي ( ص ) قال : ليرفعن أناسٌ من أصحابي وأنا على الحوض فإذا عاينوني عرفتهم وأنا على الحوض قد ذبلت شفاههم فاختلجوا دوني .
وعن ابن عباس قال : قال رسول الله : من أحب علياً وأطاعه في دار الدنيا ورد على حوضي غداً ، وكان معي في درجتي في الجنة . ومن أبغض علياً في دار الدنيا وعصاه ، لم أره ولم يرني يوم القيامة ، واختلج دوني وأخذ به ذات الشمال إلى النار ) .
وفي مصنف ابن أبي شيبة : 15 / 109 : ( عن حذيفة قال : المنافقون الذين فيكم اليوم شرٌ من المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله ( ص ) قال الراوي - هو شقيق - قلت : يا أبا عبد الله وكيف ذاك ؟ ! قال : إن أولئك كانوا يسرون نفاقهم ، وإن هؤلاء أعلنوه ! ! ) .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 221 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأسئلة
1 - هل تقبلون هذه الأحاديث الصحيحة في فضل علي عليه السلام ودوره في يوم المحشر ؟
2 - ما دامت وصية النبي صلى الله عليه وآله في الدنيا بالقرآن وعترته أهل بيته عليهم السلام ، وشفاعته في يوم القيامة بيد أهل بيته عليهم السلام فما هي حاجتكم إلى غيرهم ؟ !
3 - إذا كان أبو بكر وعمر وعثمان أفضل الناس بعد النبي صلى الله عليه وآله فلا بد أن يكون لهم دور معه في المحشر ، فهل عندكم ولو حديث واحد عن ذلك ، غير حديث الصحابة المطرودين عن الحوض ؟ !
4 - ما هو السبب في اختفاء المنافقين بعد النبي صلى الله عليه وآله ، وما هو النفاق الذي كانوا يسرونه في حياة النبي صلى الله عليه وآله فأعلنوه بعده ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 222 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 66 من هما المخاطبان بقوله تعالى : ( أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ ) ؟

قال الله تعالى : ( إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ . وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ . مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ . وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ . وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ . وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ . أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ . مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ . الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيد . قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ . قَالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَىَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ . مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ . يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيد ) . ( سورة ق : 17 - 30 )
قال أكثر مفسريهم إن المخاطب ب‍ ( ألقيا ) شخص مفرد ، وهو القرين ، أو مالك خازن النار ، وأن الأمر جاء بصيغة المثنى للتأكيد ، كما تقول ( ألقِ ، ألقِ ) ! وقالوا إن العرب تستعمل المثنى للمفرد .
وهو ادعاءٌ باطل لا شاهد له من كلام العرب ، وهو يتنافى مع مصداقية النص القرآني الدقيق دائماً ، خاصة أنه تعالى كرر التثنية فقال : ( فألقياه في العذاب الشديد ) . ولا حجة فيما استشهدوا له بخطاب الشعراء للمثنى كقولهم يا صاحبيَّ وهم يقصدون صاحباً واحداً ، وقول امرئ القيس : ( قفا نبك من ذكرى خليل ومنزل ) فإن للشعر ضروراته ، ولم يأتوا من غير الشعر بمثال مقنع ، وروايتهم قول الحجاج : ( يا حرسي اضرب عنقه ) إما مخترعة ، أو أنه ثنى الضمير لأن عنده اثنين يقتلان الناس فالمثنى موجود في ذهنه !
ولهذا احتاج الحسن البصري أن يقول : أصل ألقيا ( ألقين ) فالألف فيها بدل نون التوكيد . . الخ . وهو تمحل آخر بلا دليل للتخلص من المخاطب المثنى !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 223 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

لماذا هرب المفسرون من كون المخاطب مثنى ؟ !

ويتعجب الإنسان : لماذا يصر هؤلاء المفسرون الكبار على جعل المخاطب شخصاً واحداً ، ويتكلفون هذه التمحلات ، ويهربون من جعله مثنى حقيقياً هو الرقيب والعتيد ، أو السائق والشهيد ، مثلاً ؟ !
والجواب : أن جعل المخاطب مثنى فيه خطر عليهم ! لأن الحديث الشريف لم يقبل أن يفسر المخاطبين في الآية بالملكين ، بل فسرهما بمحمد صلى الله عليه وآله وعلي عليه السلام ! لذلك طبقوا قاعدتهم في سد الذرائع وأنكروا المثنى من أساسه ، لكي يسدوا الطريق على الحديث النبوي الذي ما رواه السنة والشيعة ونص على أن المخاطبيْن هما : محمد صلى الله عليه وآله وعلي عليه السلام ، فرسول الله صلى الله عليه وآله حاكم المحشر ، ومعه علي عليه السلام قسيم الجنة والنار !
فهذا هو السبب في إصرارهم على إنكار المثنى وجعله مفرداً ! وقولهم إن المخاطب مفرد مفرد ، حتى لو كانت صيغته التثنية ! !
قال ابن منظور في لسان العرب : 15 / 428 : ( وقال أبو عكرمة الضبي في قول امرئ القيس : ( قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ) قال : أراد قفن فأبدل الألف من النون الخفيفة كقوله قوما أراد قومن . قال أبو بكر : وكذلك قوله عز وجل : ألقيا في جهنم ، أكثر الرواية أن الخطاب لمالك خازن جهنم وحده ، فبناه على ما وصفناه ) . انتهى .
ومقصوده ب‍ ( أكثر الرواية أن الخطاب لمالك خازن جهنم وحده ) روايتهم عن مفسري الدولة الأموية كالحسن البصري وعكرمة ، مقابل ( أقل الرواية ) عن رسول الله صلى الله عليه وآله التي غيبوها لأنها تقول إن المخاطب بها مثنى ! !
ففي تفسير الجلالين : ( ألقيا في جهنم ) أي : ألق ألق ، أو ألقين ، وبه قرأ الحسن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 224 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فأبدلت النون ألفاً ) . انتهى . ( راجع وتأمل في ضياعهم وتمحلاتهم : مبسوط السرخسي : 18 / 184 ، وتفسير الطبري : 27 / 103 و 26 / 212 ، وتفسير ابن الجوزي : 7 / 196 والقرطبي : 12 / 149 ، وابن كثير : 4 / 241 ، وبرهان الزركشي : 2 / 239 ، وتفسير الثعالبي : 5 / 287 .
وقد تأثر بهم أكثر المفسرين من السنة والشيعة مع الأسف ، وخالفهم بعضهم فجعل المخاطب مثنى حقيقياً ، هو السائق والشهيد ، كالرازي ، أو جعله خازن النار وملك معه كابن منظور ، أو ملكين آخرين كصاحب الميزان ، ولم يتتبعوا روايات التفسير النبوي ، ولا بحثوا في أسانيدها !
وأشهر رواية لتفسير النبي صلى الله عليه وآله للآية قصة أبي حنيفة التالية مع الأعمش التي روتها مصادر السنة والشيعة بسند صحيح ، وكانت تحدياً من الأعمش رحمه الله في ختام حياته لأبي حنيفة والمخالفين لأهل البيت عليهم السلام !
روى الطوسي في الأمالي ص 628 : ( 1294 / 7 : وعنه ( حدثنا الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن بن علي بن الحسن الطوسي قدس الله روحه ) قال : أخبرنا جماعة ، عن أبي المفضل قال : حدثنا إبراهيم ابن حفص بن عمر العسكري بالمصيصة قال : حدثنا عبيد بن الهيثم بن عبيد الله الأنماطي البغدادي بحلب قال : حدثني الحسن بن سعيد النخعي ابن عم شريك قال : حدثني شريك بن عبد الله القاضي قال : حضرت الأعمش في علته التي قبض فيها ، فبينا أنا عنده إذ دخل عليه ابن شبرمة وابن أبي ليلى وأبو حنيفة ، فسألوه عن حاله ، فذكر ضعفاً شديداً ، وذكر ما يتخوف من خطيئاته ، وأدركته رنة فبكى ، فأقبل عليه أبو حنيفة ، فقال : يا أبا محمد إتق الله وانظر لنفسك ، فإنك في آخر يوم من أيام الدنيا ، وأول يوم من أيام الآخرة ، وقد كنت تحدث في علي بن أبي طالب بأحاديث ، لو رجعت عنها كان خيراً لك .
قال الأعمش : مثل ماذا يا نعمان ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 225 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال : مثل حديث عباية : ( أنا قسيم النار ) .
قال : أوَ لمثلي تقول هذا يا يهودي ؟ ! أقعدوني سندوني أقعدوني :
حدثني - والذي إليه مصيري - موسى بن طريف ، ولم أر أسدياً كان خيراً منه قال : سمعت عباية بن ربعي إمام الحي قال : سمعت علياً أمير المؤمنين عليه السلام يقول : أنا قسيم النار ، أقول هذا وليي دعيه ، وهذا عدوي خذيه .
وحدثني أبو المتوكل الناجي في إمرة الحجاج وكان يشتم علياً عليه السلام شتماً مقذعاً - يعني الحجاج - عن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 226 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أبي سعيد الخدري ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إذا كان يوم القيامة يأمر الله عز وجل فأقعد أنا وعلي على الصراط ، ويقال لنا : أدخلا الجنة من آمن بي وأحبكما ، وأدخلا النار من كفر بي وأبغضكما . قال أبو سعيد : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : ما آمن بالله من لم يؤمن بي ، ولم يؤمن بي من لم يتول - أو قال لم يحب - علياً ، وتلا : أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيد ) .
قال فجعل أبو حنيفة إزاره على رأسه ، وقال : قوموا بنا ، لا يجيئنا أبو محمد بأطم من هذا . قال الحسن بن سعيد : قال لي شريك بن عبد الله : فما أمسى - يعني الأعمش - حتى فارق الدنيا رحمه الله ) . انتهى .
وقد روى هذا الحديث ( الصاعقة ) الشيخ الطوسي رحمه الله في أماليه وغيره من مصادرنا بأسانيد متعددة ، ورواه عدد من علمائهم ، ومنهم الحاكم الحسكاني النيسابوري ، وهو من أولاد بريدة الأسلمي ، في كتابه القيم شواهد التنزيل بسنده عن الكلابي ، وعن الحماني عن شريك : حدثنيه أبو الحسن المصباحي ، حدثنا أبو القاسم علي بن أحمد بن واصل ، حدثنا عبد الله بن محمد بن عثمان ، حدثنا يعقوب بن إسحاق من ولد عباد بن العوام ، حدثنا يحيى بن عبد الحميد ، عن شريك ، عن الأعمش قال : حدثنا أبو المتوكل الناجي : عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إذا كان يوم القيامة قال الله تعالى لمحمد وعلي : أدخلا الجنة من أحبكما ، وأدخلا النار من أبغضكما ، فيجلس علي على شفير جهنم فيقول لها : هذا لي وهذا لك ! وهو قوله : ألقيا في جهنم كل كفار عنيد ) . ورواه بأسانيد أخر فيها الصحيح على مبانيهم ! !
قال المفيد في تصحيح اعتقادات الإمامية ص 108 : ( وقد جاء الخبر بأن الطريق يوم القيامة إلى الجنة كالجسر يمر به الناس ، وهو الصراط الذي يقف عن يمينه رسول الله صلى الله عليه وآله وعن شماله أمير المؤمنين عليه السلام ويأتيهما النداء من قبل الله تعالى : أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ ) . انتهى .
* *
الأسئلة
1 - هل توافقون المفسرين على تفسير المثنى في الآية بالمفرد ! وما هو دليلكم على مخالفة الظاهر الصريح وجعل الاثنين واحداً ؟ !
2 - هل يجوز أن نترك حديثاً صحيح السند في تفسير آية ، ونأخذ بأقوال المفسرين الظنية الاستحسانية أو بتكلفاتهم وتغييرهم لمعاني ألفاظ اللغة ؟ !
3 - ما رأيكم في أسانيد الحديث النبوي الذي نص على أن الآية خطاب للنبي صلى الله عليه وآله وعلي عليه السلام ؟ !
4 - ما رأيكم في قول أحمد بن حنبل عندما سئل عن حديث علي قسيم الجنة والنار ، فقال إنكم تروون أنه لا يحبه إلا مؤمن ولا يبغضه إلا منافق ، فقد قسم أهل الجنة والنار . ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 227 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 67 ما رأيكم في شفاعة أويس القرني أحد شيعة أهل البيت عليهم السلام ؟

استكثر المخالفون شفاعة أهل البيت عليهم السلام الواسعة يوم القيامة ، مع أنهم رووا بأحاديث صحيحة شفاعة أويس القرني وهو أحد شيعة أهل البيت الذي بذل مهجته دونهم ! وأن النبي صلى الله عليه وآله أخبر أنه سيأتي بعده وأنه يشفع لمثل ربيعة ومضر ، فمن أدركه منكم فاستطاع أن يستغفر له فليستغفر له ( ابن حبان : 3 / 151 ) .
وقد كان أويس رضي الله عنه من شيعة أمير المؤمنين عليه السلام ، فقد تهرب من أبي بكر وعمر وعثمان ، ولما تولى الخلافة علي عليه السلام ظهر أويس وحارب معه في الجمل وصفين ، واستشهد بين يديه .
في تاريخ الطبري : 10 / 145 : ( وأويس القرني . . . وكان ورعاً فاضلاً . روي أنه قتل يوم صفين : حدثنا أبو كريب قال : حدثنا أبو بكر قال : حدثنا هشام عن الحسن قال : قال رسول الله ( ص ) : ليدخلن الجنة بشفاعة رجل من أمتي مثل ربيعة ومضر . قال هشام فأخبرني حوشب أنه قال : هو أويس القرني ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 228 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي طبقات ابن سعد : 6 / 161 : ( قال أخبرنا مسلم بن إبراهيم قال : حدثنا سلام بن مسكين قال : حدثني رجل قال : قال رسول الله ( ص ) : خليلي من هذه الأمة أويس القرني . قال أخبرنا عفان بن مسلم قال : حدثنا حماد بن سلمة عن سعيد الجريري ، عن أبي نضرة ، عن أسير بن جابر بن عمر أنه ( أن عمر ؟ ) قال لأويس : استغفر لي ، قال : كيف أستغفر لك وأنت صاحب رسول الله ( ص ) ؟ ! قال : سمعت رسول الله ( ص ) يقول : إن خير التابعين رجل يقال له أويس ) . ( ورواه الحاكم : 3 / 402 ، والخطيب في الجمع والتفريق : 1 / 480 وابن معين في تاريخه ( رواية الدوري ) : 1 / 324 ، والجامع الصغير : 3 رقم 4001 ) .
وفي طبقات ابن سعد : 6 / 161 : ( عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال : نادى رجل من أهل الشام يوم صفين فقال : أفيكم أويس القرني ؟ قالوا نعم ، قال إني سمعت رسول الله ( ص ) يقول : إن ( من ) خير التابعين أويساً القرني ، ثم ضرب دابته فدخل فيهم ) . ( ورواه أحمد : 3 / 480 ، وقد رواه أبو نعيم في الحلية : 2 / 86 وقال في مجمع الزوائد : 10 / 22 ، رواه أحمد وإسناده جيد ورواه ابن سعد في الطبقات : 6 / 163 واللالكائي في كرامات الأولياء 109 ، بطريقين ، وابن معين في تاريخه ( رواية الدوري ) : 1 / 324 واللواتي في تحفة النظار : 2 / 190 )
ورواه أبو نعيم في الحلية : 2 / 221 ، وقال بعده : ( ورواه جماعة عن شريك ، وقال ابن عمار الموصلي : ذكر عند المعافى بن عمران أن أويساً قتل في الرجالة مع علي بصفين ، فقال معافي : ما حدث بهذا إلا الأعرج ! فقال له عبد ربه الواسطي : حدثني به شريك ، عن يزيد ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ! قال : فسكت ) ! ! انتهى .
وفي اختيار معرفة الرجال : 1 / 315 : ( وروى الحسن بن الحسين القمي ، عن علي بن الحسن العرني ، عن سعد بن طريف ، عن الأصبغ بن نباتة ، قال كنا مع علي عليه السلام بصفين فبايعه تسعة وتسعون رجلاً ، ثم قال : أين المائة لقد عهد إلي رسول الله صلى الله عليه وآله أن يبايعني في هذا اليوم مائة رجل . قال : إذْ جاء رجلٌ عليه قباء صوف متقلداً بسيفين فقال : أبسط يدك أبايعك ، قال علي عليه السلام : على مَا تبايعني ؟ قال : على بذل مهجة نفسي دونك ! قال : من أنت ؟ قال : أنا أويس القرني . قال فبايعه فلم يزل يقاتل بين يديه حتى قتل ، فوجد في الرجالة .
وفي رواية أخرى ، قال له أمير المؤمنين عليه السلام : كن أويساً . قال : أنا أويس . قال كن قرنياً ، قال : أنا أويس القرني .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 229 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وإياه يعني دعبل بن علي الخزاعي في قصيدته التي يفتخر فيها على نزار ، وينقض على الكميت بن زيد ، قصيدته التي يقول فيها :
ألا حييت عنا يا مدينا * أويس ذو الشفاعة كان منا
فيوم البعث نحن الشافعونا
( راجع : خصائص الأئمة ص 53 ، الخرائج والجرائح : 1 / 200 والثاقب في المناقب ص 266 وجامع الرواة : 1 / 110 ، ومدينة المعاجز : 2 / 299 ، ومعجم رجال الحديث : 4 / 154 ) .
* *
الأسئلة
1 - بماذا تفسرون غياب أويس القرني عن أبي بكر وعمر وعثمان ، وظهوره مع علي عليه السلام وشهادته معه ؟ ! وبيعته له على بذل مهجته دونه ؟
2 - ما رأيكم بالأحاديث الصحيحة التي رواها الحاكم وغيره عن ظلم عمال الخلافة وإيذائهم لأويس في الكوفة ؟ !
3 - إذا كان أويس القرني المبشر به من النبي صلى الله عليه وآله والمشهود له بالجنة يشفع لمئات الألوف أو الملايين ، وهو واحد من شيعة علي عليه السلام ، فكم عدد الذين سيشفع لهم إمامه علي عليه السلام وبقية العترة الطاهرة ؟
4 - ألا ترون أن النبي صلى الله عليه وآله لم يكتف بمدح علي عليه السلام وأمر الأمة باتباعه ، وبيان أنه مع الحق والحق معه ومع القرآن والقرآن معه ، حتى جعل للأمة علامات لخط الهدى ، ومنها عمار بن ياسر وأويس القرني ؟ !
5 - ما هو سبب التعتيم القرشي على أويس القرني ، وعلى صحابة كبار مجمع على جلالتهم عند جميع المسلمين ، مثل حذيفة بن اليمان والمقداد وسلمان وعمار وبريدة وعثمان بن حنيف وخالد بن سعيد بن العاص ، وأمثالهم ، حتى أن أبناءكم لا يعرفون شيئاً عنهم ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 230 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 68 علي عليه السلام ميزان الإسلام والكفر والإيمان والنفاق !

روى الجميع أن علياً عليه السلام ميزان الإسلام والكفر ، والإيمان والنفاق ، لا يحبه إلا مؤمن ولا يبغضه إلا منافق . . فماذا بقي لغيره من الصحابة ؟ !
روى الحاكم : 3 / 129 : ( عن أبي ذر رضي الله عنه قال : ما كنا نعرف المنافقين إلا بتكذيبهم الله ورسوله والتخلف عن الصلوات ، والبغض لعلي بن أبي طالب ) . هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ) . ( ورواه أحمد في فضائل الصحابة : 2 / 639 ، والدارقطني في المؤتلف والمختلف : 13763 ، والهيثمي في مجمع الزوائد : 9 / 132 ) .
وروى الترمذي : 4 / 327 ، و : 5 / 293 و 298 : باب مناقب علي : عن أبي سعيد الخدري قال : إن كنا لنعرف المنافقين نحن معشر الأنصار ببغضهم علي بن أبي طالب ) .
وروى النسائي في : 8 / 115 ، ( عن أم سلمة قالت : كان رسول الله ( ص ) يقول : لا يحب علياً منافق ، ولا يبغضه مؤمن . وقال : هذا حديث حسن ) . ( ورواه النسائي أيضاً : 5 / 137 ، وابن ماجة : 1 / 42 ، والترمذي : 4 / 327 و : 5 / 594 ، وأحمد : 2 / 579 و 639 وفضائل الصحابة : 2 / 264 ، وعبد الرزاق في مصنفه : 11 / 55 ، وابن أبي شيبة في مصنفه : 12 / 56 ، والحاكم : 3 / 129 وقال : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ! ووافقه الذهبي في تلخيص المستدرك . ورواه الطبراني في الأوسط : 3 / 89 ، ومجمع الزوائد : 1299 وقال : رجال أبي يعلى رجال الصحيح . وتاريخ بغداد عن صحابة متعددين في : 2 / 72 و : 4 / 41 و : 13 / 32 / 153 و : 14 / 426 و : 2 / 255 ، والبيهقي في سننه : 5 / 47 ، وابن عبد البر في الإستيعاب : 3 / 37 ) .
وفي الترمذي : 5 / 601 : ( عن الأعمش : إنه لا يحبك إلا مؤمن . هذا حديثٌ حسنٌ صحيح ) .
وفي الطبراني الكبير : 1 / 319 و : 23 / 380 : ( عن أبي الطفيل قال : سمعت أم سلمة تقول : أشهد أني سمعت رسول الله ( ص ) يقول : من أحب علياً فقد أحبني ، ومن أحبني فقد أحب الله ، ومن أبغض علياً فقد أبغضني ، ومن أبغضني فقد أبغض الله ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 231 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي فردوس الأخبار : 3 / 64 : ( عن ابن عباس أن النبي ( ص ) قال : علي باب حطة ، من دخل منه كان مؤمناً ، ومن خرج منه كان كافراً .
عن أبي ذر أن النبي ( ص ) قال : علي باب علمي ومبين لأمتي ما أرسلت به من بعدي ، حبه إيمانٌ وبغضه نفاق والنظر إليه رأفة ومودته عبادة ) .
وفي صحيح مسلم : 1 / 60 ، تحت عنوان : باب حب علي من الايمان . عن زر بن حبيش قال قال علي : والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي ( ص ) إلي أن لا يحبني إلا مؤمن ، ولا يبغضني إلا منافق ) .
( ورواه ابن ماجة : 1 / 42 ، والنسائي في سننه : 8 / 115 و 117 وفي خصائص علي : 1375 ، وأحمد في مسنده : 1 / 84 و 95 و 128 وفضائل الصحابة : 2 / 264 ، وابن أبي شيبة في المصنف : 12 / 56 ، وعبد الرزاق في المصنف : 11 / 55 ، وابن أبي عاصم في السنة : 5842 ، وابن حبان في صحيحه : 9 / 40 ، والخطيب في تاريخ بغداد : 2 ص 255 و : 14 / 426 ، وابن عبد البر في الاستيعاب : 3 / 37 ، وأبو نعيم في الحلية : 8 / 185 ، وابن حجر في الإصابة : 2 / 503 ، والحاكم في المستدرك : 3 / 139 ، والبيهقي في سننه : 5 / 47 ، وابن حجر في فتح الباري : 7 / 57 ، ومسند أبي يعلى : 1 / 237 )
وفي فتح الباري : 7 / 72 : ( وفي كلام أمير المؤمنين كرم الله وجهه يقول : لو ضربت خيشوم المؤمن بسيفي هذا على أن يبغضني ما أبغضني ، ولو صببت الدنيا بجمانها على المنافق على أن يحبني ما أحبني ! وذلك أنه قُضِيَ فانقضى على لسان النبي الأمي ( ص ) أنه قال : يا علي لا يبغضك مؤمن ، ولا يحبك منافق ) .
وهو في نهج البلاغة : 2 / 154 ، شرح محمد عبده ، وقال ابن أبي الحديد في شرحه 2 : 485 : في الخبر الصحيح المتفق عليه أنه لا يحبه إلا مؤمن ولا يبغضه إلا منافق ، وحسبك بهذا الخبر ، ففيه وحده كفاية .
وقال في موضع آخر : قال شيخنا أبو القاسم البلخي : قد اتفقت الأخبار
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 232 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الصحيحة التي لا ريب عند المحدثين فيها أن النبي ( ص ) قال له : لا يبغضك إلا منافق ولا يحبك إلا مؤمن ) . ( البحار : 39 / 294 )
* *
الأسئلة
1 - صحت الأحاديث عندكم أن علياً عليه السلام كان في زمن النبي صلى الله عليه وآله ميزاناً من الله تعالى للإسلام والكفر والإيمان والنفاق ، فهل انتهى مفعول هذا الميزان الشرعي بمجرد وفاة النبي صلى الله عليه وآله ؟ !
2 - هل توجد درجة وسط بين حب علي عليه السلام وبغضه ؟ ولماذا لم يبينها النبي صلى الله عليه وآله ويبين حكمها للمسلمين ؟ !
3 - هل الذين استغلوا انشغال علي عليه السلام تجهيز جنازة النبي صلى الله عليه وآله ولم يدْعوه إلى السقيفة ، ثم هاجموا داره ليجبروه على بيعتهم ، كانوا محبين له ؟ !
4 - هل الذين رفضوا بيعة علي عليه السلام بعد عثمان ، أو نكثوا بيعته وخرجوا عليه وحاربوه ، كانوا محبين له أم مبغضين ؟ !
5 - هل تختبرون إسلامكم وإيمانكم بحب علي عليه السلام أو بغضه ؟ !
6 - هل يمكنك أن تحب شخصاً وتحب مبغضيه ومحاربيه وقاتليه ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 233 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 69 شهدوا أن أكثر الصحابة في النار لا تشملهم الشفاعة !

فقد رووا في أصح صحاحهم أن الصحابة من أهل النار ولا ينجو منهم إلا مثل همل النعم ! وهمل النعم : ما ينفرد عن القطيع ، ومعناه أن قطيع الصحابة في النار ، والمنفرد عنهم الخارج عن قطيعهم قد يدخل الجنة !
في البخاري : 7 / 208 : ( عن أبي هريرة عن النبي ( ص ) قال : بينا أنا قائم فإذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال : هلمَّ فقلت أين ؟ قال إلى النار والله ! قلت وما شأنهم ؟ قال : إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى ! ثم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال : هلم ! قلت أين ؟ قال : إلى النار والله ! قلت : ما شأنهم ؟ قال : إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى ! فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم ) ! ! وقد صرحت الرواية الآتية للبخاري بأن هؤلاء المطرودين عن الحوض من الصحابة ، وفسرها شراحه بالصحابة !
( وروى شبيهاً به في : 7 / 195 و 207 - 210 وص 84 و 87 و : 8 / 86 و 87 ، ونحوه مسلم : 1 / 150 و : 7 / 66 وابن ماجة : 2 / 1440 وأحمد : 2 / 25 و 408 و : 3 / 28 و : 5 / 21 و 24 و 50 و : 6 / 16 ، والبيهقي في سننه : 4 / 14 ، ونقل رواياته المتعددة في كنز العمال : 13 / 157 و : 14 / 48 و : 15 / 647 وقال رواه ( مالك والشافعي حم م ن - عن أبي هريرة ) انتهى .
وفي البخاري : 2 / 975 : ( عن ابن المسيب أن النبي ( ص ) قال : يرد على الحوض رجالٌ من أصحابي فيحلؤون عنه فأقول يا رب أصحابي ! فيقول : فإنه لاعلم لك بما أحدثوا بعدك ، إنهم ارتدوا على أعقابهم القهقرى ) ! ( وشبيه به في : 8 / 86 )
وفي مسلم : 1 / 150 : ( عن أبي هريرة قال قال رسول الله ( ص ) : ترد علي أمتي الحوض وأنا أذود الناس عنه ، قالوا يا نبي الله أتعرفنا ؟ قال : نعم تردون عليَّ غراً محجلين من آثار الوضوء . ولَيُصَدَّ عني طائفةٌ منكم فلا يصلون فأقول يا رب هؤلاء
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 234 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
من أصحابي ؟ ! فيجيبني ملكٌ فيقول : وهل تدري ما أحدثوا بعدك ؟ ! ) .
وفي مسلم : 7 / 70 : ( عن أبي هريره أن النبي ( ص ) قال : لأذودن عن حوضي رجالاً كما تذاد الغريبة من الإبل ) . ( ورواه أحمد : 2 / 298 ، المسند الجامع تحقيق د . عواد : 3 / 343 و : 5 / 135 و 18 / 471 ، والبيهقي في البعث والنشور ص 125 ومجمع الزوائد : 10 / 665 )
وروى مسلم : 2 / 369 ، وأحمد : 5 / 390 : ( عن عمار بن ياسر قال : أخبرني حذيفة عن النبي ( ص ) قال : في أصحابي إثنا عشر منافقاً ، منهم ثمانيةٌ لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط ) ! انتهى
وقال المفيد في الإفصاح ص 50 : ( وقال ( النبي ) عليه السلام : أيها الناس بينا أنا على الحوض إذ مُر بكم زمراً فتفرق بكم الطرق فأناديكم : ألا هلموا إلى الطريق ، فيناديني مناد من ورائي : إنهم بدلوا بعدك ، فأقول : ألا سحقاً ، ألا سحقاً . ( 1 ) .
وقال عليه السلام : ( ما بال أقوام يقولون إن رحم رسول الله لا تنفع يوم القيامة ! بلى والله إن رحمي لموصولةٌ في الدنيا والآخرة ، وإني أيها الناس فرطكم على الحوض ، فإذا جئتم قال الرجل منكم يا رسول الله أنا فلانٌ بن فلان ، وقال الآخر : أنا فلانٌ بن فلان فأقول : أما النسب فقد عرفته ، ولكنكم أحدثتم بعدي فارتددتم القهقرى ) . ( 2 ) .
وقال عليه السلام ، وقد ذكر عنده الدجال : أنا لفتنة بعضكم أخوف مني لفتنة الدجال ( 3 ) . وقال عليه السلام : إن من أصحابي من لا يراني بعد أن يفارقني . ( 4 ) .
في أحاديث من هذا الجنس يطول شرحها ، وأمرها في الكتب عند أصحاب الحديث أشهر من أن يحتاج فيه إلى برهان .
على أن كتاب الله عز وجل شاهد بما ذكرناه ، ولو لم يأت حديث فيه لكفى في بيان ما وصفناه . قال الله سبحانه وتعالى : ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ ) ( سورة آل عمران : 144 )
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 235 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فأخبر تعالى عن ردتهم بعد نبيه ( صلى الله عليه وآله ) على القطع والثبات !
وجاء في هامشه : ( 1 ) مسند أحمد : 6 / 297 ، ومسند أبي يعلى : 11 / 387 ) ( 2 ) مسند أحمد : 3 : 18 و 62 قطعة منه ( 3 ) كنز العمال : 14 / 322 / 28812 ( 4 ) مسند أحمد : 6 / 307 .
* *
الأسئلة
1 - كيف تتعقلون أن الله تعالى أمرنا أو أجاز لنا أن نأخذ ديننا من الصحابة الذين شهد النبي صلى الله عليه وآله بأن أكثريتهم الساحقة من أهل النار ؟ !
2 - ما دامت أكثرية الصحابة في النار ، فالقاعدة تقضي أن يكون الأصل في الصحابي الفسق وعدم العدالة ، حتى يثبت أنه من أهل الجنة . فكيف صار الصحابة كلهم عدولاً ؟ !
3 - عندما يخبر النبي صلى الله عليه وآله أمته أن أكثر أصحابه من أهل النار ، فلا بد أن يعين لها ميزاناً لمعرفة الصالح والفاسق منهم ، فما هو الميزان ؟
4 - ما هي النسبة بين أحاديث النبي صلى الله عليه وآله هذه في الصحابة ، وبين الآيات التي تستدلون فيها على مدحهم وأنهم من أهل الجنة . فلماذا لا تكون هذه الأحاديث مخصصة لتلك الآيات ، ومفسرة لها ؟
5 - ما هي النسبة بين هذه الأحاديث القطعية في الصحابة ، وبين الأحاديث التي تعارضها ، وتشهد لهم جميعاً أو لأكثرهم بالصلاح والجنة ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 236 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 70 أحاديثهم الصحيحة في مقام فاطمة الزهراء عليها السلام يوم القيامة

فقد رووا أحاديث صحيحة تدل على مقامها العظيم ومكانتها عليها السلام ، وأنها سيدة نساء أهل الجنة ، وأنها تعبر المحشر في موكب خاص ، ويأمر الله الخلائق أن يحنوا رؤوسهم احتراماً وإجلالاً لها !
ففي كشف الخفاء للعجلوني : 1 / 96 : ( 263 - إذا كان يوم القيامة نادى مناد من وراء الحجب يا أهل الجمع
غضوا أبصاركم عن فاطمة بنت محمد ( ص ) ورضي عنها حتى تمر ) . رواه الحاكم عن علي ورواه أبو بكر الشافعي في الغيلانيات عن أبي هريرة بلفظ : إذا كان يوم القيامة نادى مناد من بطنان العرش يا أهل الجمع نكسوا رؤوسكم وغضوا أبصاركم حتى تجوز فاطمة إلى الجنة ) .
وفي تاريخ بغداد : 8 / 136 : ( أنبأنا أبو الفرج محمد بن أحمد بن الحسن القاضي الشافعي ، حدثنا أحمد بن سلمان ، حدثنا حسين بن معاذ بن أخ عبد الله بن عبد الوهاب الحجبي ، حدثنا شاذ بن فياض ، عن حماد بن سلمة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : قال رسول الله ( ص ) : إذا كان يوم القيامة نادى مناد : يا معشر الخلائق طأطئوا رؤوسكم حتى تجوز فاطمة بنت محمد ) .
وفي سبل الهدى والرشاد : 11 / 50 : ( روى تمام في الفوائد والحاكم والطبراني عن علي ، وأبو بكر الشافعي عن أبي هريرة ، وتمام عن أبي أيوب أبو الحسين بن بشران ، والخطيب عن عائشة والأزدي عن أبي سعيد بأسانيد ضعيفة ، إذا ضم بعضها إلى بعض أفاد القبول ، أن رسول الله ( ص ) قال : إذا كان يوم القيامة نادى مناد من بطنان العرش أيها الناس ، وفي لفظ : يا أهل الجمع
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 237 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
غضوا أبصاركم ونكسوا رؤوسكم حتى تجوز فاطمة بنت محمد إلى الجنة . وفي لفظ : حتى تمر على الصراط ، فتمر وعليها ريطتان خضراوان ) . انتهى .
وتدل بعض الأحاديث على أن هذا المشهد قبل أن يفرغ أهل المحشر من الحساب ، ولذا تكون فاطمة أول شخص تدخل الجنة مقدمة لرسول الله صلى الله عليه وآله .
ففي كنز العمال : 12 / 110 : ( أول شخص يدخل الجنة فاطمة بنت محمد ، ومثلها في هذه الأمة مثل مريم في بني إسرائيل ) . ( أبو الحسن أحمد بن ميمون في كتاب فضائل علي ، والرافعي عن بدل بن المحبر عن عبد السلام بن عجلان عن أبي يزيد المدني ) .
وفي ميزان الاعتدال للذهبي : 2 / 618 : ( عن عبد السلام بن عجلان عن أبي يزيد المدني ، عن أبي هريرة قال رسول الله : أول شخص يدخل الجنة فاطمة . أخرجه أبو صالح المؤذن في مناقب فاطمة ) . انتهى . ( اللمعة البيضاء ص 55 : عن مقتل الحسين للخوارزمي : 56 ، والفردوس : 1 / 38 ح 81 ، ونظم درر السمطين : ص 180 ، والخصائص الكبرى للسيوطي : 2 / 225 ، ومسند فاطمة الزهراء : ص 52 ح 114 ، ومناقب ابن شهر آشوب ) .
وفي أمالي الصدوق ص 69 : ( حدثنا محمد بن إبراهيم ، قال : حدثنا أبو جعفر محمد بن جرير الطبري قال : حدثنا أبو محمد الحسن بن عبد الواحد الخزاز قال : حدثني إسماعيل بن علي السندي ، عن منيع بن الحجاج ، عن عيسى بن موسى ، عن جعفر الأحمر ، عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر قال : سمعت جابر بن عبد الله الأنصاري يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إذا كان يوم القيامة تقبل ابنتي فاطمة على ناقة من نوق الجنة مدبجة الجنبين ، خطامها من لؤلؤ رطب ، قوائمها من الزمرد الأخضر ، ذنبها من المسك الأذفر ، عيناها ياقوتتان حمراوان ، عليها قبة من نور يرى ظاهرها من باطنها ، وباطنها من ظاهرها ، داخلها عفو الله ، وخارجها رحمة الله ، على رأسها تاج من نور ، للتاج سبعون ركناً ، كل ركن مرصع بالدر والياقوت ، يضئ كما يضئ الكوكب الدري في أفق السماء ، وعن يمينها
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 238 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
سبعون ألف ملك ، وعن شمالها سبعون ألف ملك ، وجبرئيل آخذ بخطام الناقة ينادي بأعلى صوته : غضوا أبصاركم حتى تجوز فاطمة بنت محمد . . . ) . انتهى .
* *
الأسئلة
1 - هل رويتم حديثاً واحداً عن مقام عائشة وحسابها في المحشر ؟
2 - ما دامت هذه مكانة فاطمة عليها السلام عند الله تعالى ، فكيف تقولون إنها أخطأت بمطالبتها بإرثها من النبي صلى الله عليه وآله ، وإن أبا بكر أصاب بمصادرة إرثها ؟ !
3 - ما دامت هذه مكانة فاطمة عليها السلام عند الله تعالى ، فلا بد أن تقولوا إن غضبها على أبي بكر وعمر وعدم بيعتها له ، كانت حقاً ، ولم تكن ذنباً ومعصية توجب نقص مقامها !
4 - روينا أن من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية ، واعتقادنا أن فاطمة تعرف إمام زمانها وهو علي عليه السلام .
ورويتم أن من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية ، وفي اعتقادكم أن إمام زمان فاطمة عليها السلام أبو بكر وأنها غضبت عليه ولم تبايعه ، فهل تختارون أن إمامته غير صحيحة ، أو أن فاطمة - والعياذ بالله - ماتت ميتة جاهلية ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 239 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الرابع : كثرة الأكاذيب في جمع القرآن والمحافظة عليه !

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 240 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 241 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 71 من جواهر النبي صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين عليه السلام في وصف القرآن

في مصنف ابن أبي شيبة : 7 / 164 : عن علي عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وآله قال :
( كتابُ الله ، فيه خبر ما قبلكم ، ونبأ ما بعدكم ، وحكم ما بينكم ، هو الفصل ليس بالهزل ، هو الذي لا تزيغ به الأهواء ، ولا يشبع منه العلماء ، ولا يخلق عن كثرة رد ، ولا تنقضي عجائبه ، هو الذي من تركه من جبار قصمه الله ، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله ، هو حبل الله المتين ، وهو الذكر الحكيم ، وهو الصراط المستقيم ، هو الذي من عمل به أجر ، ومن حكم به عدل ، ومن دعا إليه هديَ إلى صراط مستقيم ) .
وفي نهج البلاغة : 2 / 91 عن علي عليه السلام قال :
( واعلموا أن هذا القرآن هو الناصح الذي لا يغش ، والهادي الذي لا يضل ، والمحدث الذي لا يكذب . . وما جالس هذا القرآن أحد إلا قام عنه بزيادة أو نقصان : زيادة في هدى ، أو نقصان في عمى .
واعلموا أنه ليس على أحد بعد القرآن من فاقة ، ولا لأحد قبل القرآن من غنىً ، فاستشفوه من أدوائكم ، واستعينوا به على لأوائكم ، فإن فيه شفاء من أكبر الداء وهو الكفر والنفاق والغي والضلال . . فاسألوا الله به وتوجهوا إليه بحبه ، ولا تسألوا به خلقه ، إنه ما توجه العباد إلى الله بمثله .
واعلموا أنه شافع مشفع ، وقائل مصدق ، وأنه من شفع له القرآن يوم القيامة شفع فيه ، ومن محل به القرآن يوم القيامة صدق عليه ، فإنه ينادي مناد يوم القيامة : ألا إن كل حارث مبتلى في حرثه وعاقبة عمله ، غير حرثة القرآن ، فكونوا من حرثته وأتباعه ، واستدلوه على ربكم ، واستنصحوه على أنفسكم ، واتهموا عليه آراءكم ، واستغشوا فيه أهواءكم .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 242 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
العمل ، ثم النهاية النهاية . والاستقامة الاستقامة ، ثم الصبر الصبر ، والورع الورع . إن لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم ، وإن لكم علماً فاهتدوا بعلمكم . وإن للإسلام غاية فانتهوا إلى غايتكم . واخرجوا إلى الله بما افترض عليكم من حقه ، وبين لكم من وظائفه . أنا شاهد لكم ، وحجيج يوم القيامة عنكم ) .
* *
الأسئلة
1 - هذان نموذجان من كلام النبي صلى الله عليه وآله وعلي عليه السلام في وصف القرآن ومدحه ، بينما لم نجد أي كلام في وصف القرآن ومدحه لأبي بكر ، ولا لعمر ، ولا لعثمان ! فما هو السبب ؟ ! بل رويتم عنهم أن القرآن وأن فيه لحناً ! !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 243 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 72 مشكلة جمع القرآن افتعلها عمر !

عندما أوصى النبي صلى الله عليه وآله أمته بأن تتمسك بعده بالثقلين القرآن والعترة ، فمعنى ذلك أن القرآن كان موجوداً ، وأن على المسلمين أن يأخذوا نسخته الكاملة من العترة . .
لكن السلطة التي جاءت بعد النبي صلى الله عليه وآله رفضت أن تأخذ القرآن من العترة ، وقال رواتها إن القرآن لم يكن مجموعاً بل موزعاً عند هذا وذاك ، على ( العسب والرقاع واللخاف وصدور الرجال ) ( البخاري : 8 / 119 ) .
ففي الواقع لم تكن توجد مشكلة اسمها مشكلة جمع القرآن ، بل الدولة افتعلتها ! ( والدولة هنا تعني عمر ) الذي لم يقبل نسخة القرآن التي جاء بها علي عليه السلام لتكون النسخة الرسمية للمسلمين ، كما رفض طلب الأنصار أن تعتمد الدولة نسخة أبيّ بن كعب ، كما رفض بقية نسخ القراء الأربعة الذين رووا أن النبي صلى الله عليه وآله أمر المسلمين أن يأخذوا القرآن منهم ! روى البخاري : 6 / 102 أن النبي صلى الله عليه وآله قال : ( خذوا القرآن من أربعة : من عبد الله بن مسعود ، وسالم ، ومعاذ وأبيّ بن كعب ) . انتهى .
لقد اعتبر عمر أن جمع القرآن من حق الدولة وحدها ، وشكل لهذه المهمة لجنة ثلاثية منه ومن أبي بكر وزيد بن ثابت ، فهو اللجنة بالحقيقة ، لأن أبا بكر لا يخالفه ، وزيد غلام كاتب له . وبقيت اللجنة وظل عمر يجمع في القرآن ويودعه عند حفصة حتى مات قبل أن ينشره ! !
وفي نفس الوقت اخترع عمر الأحرف السبعة ووسَّع القراءات فتفاوتت
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 244 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قراءات الناس فاختلفوا في المساجد وعند الكتاتيب ، ثم تفاقمت مشكلة الفراغ القرآني في خلافة عثمان وكادت تقع معركة بين المسلمين المشاركين في فتح أرمينية ، فجاء حذيفة من أرمينية وأصر هو والصحابة على عثمان حتى اعتمد نسخة القرآن الفعلية ! وقد فصلنا ذلك في كتاب تدوين القرآن .
* *
الأسئلة
1 - كيف تغمضون عيونكم عن هذه الأحاديث والنصوص الصحيحة ، وتقبلون نصوصاً تقول إن القرآن كان يواجه خطر الضياع لأنه كان مكتوباً بشكل بدائي ساذج على العظام وصفائح الحجارة وسعف النخل ، فنهضت الدولة وشمرت عزيمتها لإنقاذ كتاب الله من الضياع ، وشكلت لجنة عتيدة بذلت جهوداً مضنية في جمعه ، حتى أنها استعملت آياته وسوره من الناس على باب المسجد ؟ ! ( عن هشام بن عروة قال : لما استحر القتل بالقراء فَرِق أبو بكر على القرآن أن يضيع فقال لعمر بن الخطاب ولزيد بن ثابت : أقعدا على باب المسجد فمن جاءكما بشاهدين على شئ من كتاب الله فاكتباه ) . ( كنز العمال : 2 / 573 عن ابن أبي داود في المصاحف ونحوه عن ابن سعد ) .
2 - أنظروا إلى هذا التناقض في رواياتكم عن جمع القرآن ، الذي عجز علماؤكم عن حله ، لأنه لا حل له بدون رد ادعاء أبي بكر وعمر وزيد !
- فقد رويتم وروينا أن النبي صلى الله عليه وآله قال : إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي . . وهذا يعني أن القرآن كان مجموعاً في عهده صلى الله عليه وآله وأن واجب الأمة أن تأخذه وتأخذ تفسيره من العترة .
- كما رويتم بأحاديث صحيحة أن بعض الصحابة وأولهم علي عليه السلام جمعوا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 245 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
القرآن في عهد النبي صلى الله عليه وآله ، وأن علي .
- ثم نقضتم ذلك فرويتم بأحاديث صحيحة أيضاً أن النبي صلى الله عليه وآله أمر المسلمين أن يأخذوا القرآن من أربعة : ابن مسعود ، وأبي بن كعب ، وسالم ومعاذ . فلا من العترة أخذتم ، ولا من هؤلاء الأربعة ؟ !
- ثم نقضتم ذلك فرويتم أن القرآن لم يكن مجموعاً ، وأن أبا بكر وعمر جمعاه من السعف واللخم ، والقحوف ، وصدور الرجال . . الخ !
- ثم نقضتم ذلك بأن القرآن لم يكن مجموعاً في عهد أبي بكر ولا عمر ، حتى جمعه عثمان في أواخر خلافته ، وهو هذا القرآن !
- ثم نقضتم ذلك فقلتم إن أبا بكر شكل لجنة لجمع القرآن من ثلاثة أشخاص : أبي بكر وعمر وزيد بن ثابت ، وأن هذه اللجنة عملت طوال خلافة أبي بكر وخلافة عمر ، بضع عشرة سنة ولم يظهر منها نتيجة !
- ثم نقضتم ذلك فقلتم إن اللجنة العتيدة كانت تجمع القرآن وتضعه أمانة عند حفصة ، وأن قرآن عثمان كتب من صحف حفصة !
- ثم نقضتم ذلك أيضاً فرويتم أن حفصة لم تعط الصحف لعثمان وبقي مصراً على أخذها ، وبقيت مصرة على منعه حتى ماتت ، وبعد دفنها رجع مروان مع أخيها عبد الله بن عمر إلى بيتها وأخذ تلك الصحف وأحرقها !
3 - ألا تدل هذا التناقضات على أن مسألة جمع القرآن كانت مسألة سياسية ولو كانت مسألة فنية لا نحلت في شهر وأقل ؟ ! وما هي إلا أن عمر يريد أن يدخل في القرآن آراءه وقراءاته التي ستعرفونها ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 246 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 247 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الخامس : لماذا رفض عمر نسخة القرآن الشرعية وأخذ يجمعه عند حفصة ؟ !

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 248 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 249 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 73 وصية النبي صلى الله عليه وآله بالقرآن التي يرويها السنة والشيعة

صح عند السنة والشيعة أن النبي صلى الله عليه وآله أوصى المسلمين بأن تتمسك بعده بالقرآن والعترة ، وبذلك أوجب عليهم أن يطيعوا العترة ويأخذوا منهم القرآن ومعالم دينهم ! وقد أكد النبي صلى الله عليه وآله وصيته هذه مراراً ، كما في حديث الثقلين الذي صحت روايته عند الطرفين ، ومن نصوصه ما رواه أحمد : 3 / 17 : ( عن أبي سعيد الخدري عن النبي ( ص ) قال : إني أوشك أن أدعى فأجيب ، وإني تارك فيكم الثقلين كتاب الله عز وجل وعترتي . كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض . وعترتي أهل بيتي ، وإن اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض ، فانظروا بمَ تخلفوني فيهما ؟ ! ) . انتهى . وقد بلغت مصادر هذا الحديث من الكثرة وتعدد الطرق في المصادر ، أن أحد علماء الهند ألف في جمع أسانيده كتاب ( عبقات الأنوار ) من عدة مجلدات .
كما صح عند السنيين أن النبي صلى الله عليه وآله شهد لعدة أشخاص من صحابته بأنهم حفاظ القرآن ، وأمر المسلمين بأن يأخذوا القرآن منهم !
روى البخاري : 6 / 102 : ( عن مسروق ذكر عبد الله بن عمرو عبد الله بن مسعود فقال لا أزال أحبه ، سمعت النبي ( ص ) يقول : خذوا القرآن من أربعة : من عبد الله بن مسعود ، وسالم ، ومعاذ ، وأبيّ بن كعب ) . ( ونحوه في : 4 / 228 ، ورواه مسلم : 7 / 148 و 149 ، وأحمد : 2 / 163 و 190 و 191 ، وغيرهم كثير ) .
وفي مجمع الزوائد : 9 / 52 : ( وعن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله ( ص ) : خذوا القرآن من أربعة من ابن أم عبد ، ومعاذ ، وأبيّ ، وسالم ، ولقد هممت أن أبعثهم في الأمم كما بعث عيسى بن مريم الحواريين في بني إسرائيل ) !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 250 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

بأي الوصيتين عمل عمر ؟ !

بموجب الوصية النبوية كان الواجب على أبي بكر وعمر أن يأخذا القرآن من علي عليه السلام ، أو يكتباه عن نسخة أي واحد من هؤلاء الأربعة ، ويعمما نسخته على بلاد المسلمين . وقد روت المصادر أن المسلمون طالبوا عمر بتبني مصحف أهل البيت عليهم السلام أو أحد مصاحف هؤلاء الأربعة ، ولكنه نهاهم وقال لا أسمح لأحد أن يقوم بذلك ، أنا سأقوم بجمع القرآن !
قال عمر بن شبة في تاريخ المدينة : 2 / 705 : ( جاءت الأنصار إلى عمر فقالوا : نجمع القرآن في مصحف واحد فقال : إنكم أقوام في ألسنتكم لحن ، وإني أكره أن تحدثوا في القرآن لحناً . فأبى عليهم ) ! !
وفي مصنف ابن أبي شيبة : 7 / 151 : ( أن زيد بن ثابت استشار عمر في جمع القرآن فأبى عليه فقال : أنتم قوم تلحنون ! ) .
فلم يأخذ عمر القرآن لامن العترة ولا من الأربعة الذين شهد لهم ، بل خالفهم وآذاهم ورد عليهم في القرآن وغيره ! ومنع الدولة طوال عهد أبي بكر وطوال عهده أن تتبنى نسخة من القرآن تكون النسخة الشرعية !
والعجيب أن الذي أبقى الدولة نحو ربع قرن بعد وفاة نبيها صلى الله عليه وآله بلا نسخة قرآن رسمية ! هو الذي رفع في وجه النبي صلى الله عليه وآله شعار ( كتاب الله حسبنا ) ولم يرض أن يكتب النبي صلى الله عليه وآله لأمته كتاباً يؤمنها من الضلال !
كما أبقى الأمة بلا نسخة رسمية مدونة من الحديث النبوي ! بل منع الصحابة من مجرد رواية الحديث عن نبيهم صلى الله عليه وآله !
لقد وعد عمر المسلمين بأنه سيجمع القرآن على اجتهاده ، وشكل لجنة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 251 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لجمعه في عهد أبي بكر مؤلفة من أبي بكر وعمر وزيد بن ثابت ! وعملت اللجنة العتيدة طوال خلافة أبي بكر وطوال خلافة عمر ، وكانت نتيجة عملها صحف عمر التي كانت مودعة عند حفصة ! والتي رفضت حفصة أن تعطيها لعثمان حتى أخذها مروان يوم وفاتها وأحرقها ! !
قال عمر بن شبة في تاريخ المدينة : 3 / 1003 : ( عن ابن شهاب قال حدثني أنس قال : لما كان مروان أمير المدينة أرسل إلى حفصة يسألها عن المصاحف ليمزقها وخشي أن يخالف الكتاب بعضه بعضاً فمنعتها إياه . . . قال الزهري : فحدثني سالم قال : لما توفيت حفصة أرسل مروان إلى ابن عمر بعزيمة ليرسلن بها ، فساعة رجعوا من جنازة حفصة أرسل بها ابن عمر فشققها ومزقها مخافة أن يكون في شئ من ذلك خلاف لما نسخ عثمان ! ) . ( ونحوه في مجمع الزوائد : 7 / 156 ، وقال : رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح ) .
وبذلك نعرف أن مصحف عمر الذي جمعه لينشره ويلزم المسلمين به ، كان فيه تحريفات لم يتحملها جماعة عثمان لأنها تخالف المصحف الذي جمعه خليفتهم عثمان !
ولا بد أن يكون في مصحف عمر كل ما روي عن عمر من قراءات شاذة كان يقرأ بها ، وفيه سورتا الحفد والخلع اللتان كان يقرؤهما في صلاته ، والكثير الكثير من اجتهادات عمر التي أراح الله المسلمين منها ! !
* *
الأسئلة
1 - إذا لم يكن معنى وصية النبي صلى الله عليه وآله بالثقلين القرآن والعترة أنها وصيةٌ للأمة بالدستور والمرجع لتفسيره ، فما عسى أن يكون معناها ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 252 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
2 - إن قلتم إنَّ أخذ القرآن ومعالم الدين ليس محصوراً بالعترة النبوية الطاهرة عليهم السلام ، أليس من واجب عمر أن يأخذ القرآن من الأربعة الذين سماهم النبي صلى الله عليه وآله وأمر الأمة أن تأخذ القرآن منهم ؟
3 - كيف تحول موقف عمر غير الشرعي والغريب ، إلى فضيلة لعمر وخدمة للقرآن ، وصار انتقاده تهمةً بالخروج عن إجماع الأمة ، فهل الأمة تعني عمر وحده ، حتى لو خالفه كل الصحابة ومعهم وصية نبيهم صلى الله عليه وآله ؟ ! !
4 - كيف تحلون التناقض الصارخ بين رواياتكم الصحيحة في جمع القرآن وفيها أنواع التناقض في أصل الجمع ، وزمانه ، وأبطاله ، وكيفيته . . الخ . . . ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 253 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

بأي الوصيتين عمل عمر ؟ ! 250المسألة : 74 بدعة عمر بأن القرآن نزل على سبعة أحرف !

إذا كنت مسلماً سنياً وكنت من أعلم العلماء ، فلن تستطيع أن تقنع أطفالك بنظرية عمر ، بأن القرآن نزل على سبعة حروف !
بل سوف تتحير من أول الأمر ماذا تقول لهم ؟ !
فهل تقول لهم إن الله تعالى أنزل القرآن بسبعة نصوص ؟
يعني أنزل الله سبعة قرائين ؟ ! أو أنزله بسبع طبعات منقحة ؟ !
وماذا تجيب إذا سألك ولدك الناشئ فقال لك : يا أبتي نحن نعرف أن الملك أو رئيس الجمهورية يصدر المرسوم بنسخة واحدة ونص واحد ! وأنت تقول إن جبرئيل كان يضبط نص القرآن على النبي كل سنة مرة ، فهل تقصد أنه نزل على النبي من الأول سبع نسخ ، وكان جبرئيل يضبط عليه سبعة نسخ ؟ !
ولماذا السبع نسخ ، ألا تكفي نسخة واحدة ؟ !
ثم ما هو الفرق بين هذه النسخ ؟ !
تقول لابنك : لا يا ولدي ، القرآن نسخة واحدة ، ومعنى السبعة حروف أن الله تعالى استعمل فيه سبعة أنواع من لغات العرب .
فيقول لك : ولكن هذا لا يقال له نزل على سبعة حروف ، بل يقال إن ألفاظه مختارة من كلمات سبع قبائل !
ثم تقول له . . ويقول لك . . حتى تعجز أمام ابنك ! ! ولا يمكنك أن تسكته إلا بأن تقول له : أسكت فهذه المقولة حديث نبوي رواه عنه الفاروق عمر ، فيجب عليك أن تقبلها حتى ولو لم تفهمها ولم يفهمها أبوك وعلماؤك !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 254 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد يسكت ابنك ، لكن يبقى السؤال يجول في نفسه ويقول :
هل يمكن أن يتكلم النبي صلى الله عليه وآله بغير المعقول ؟ !
ألا يمكن أن يكون عمر مشتبهاً ؟
لقد تحير كبار علماء السنة ومفسروهم وما زالوا متحيرين إلى يومنا هذا في نظرية عمر ( الأحرف السبعة ) ! فلا هم يستطيعون أن يردوها لأنها بتصورهم حديث نبوي رواه عمر ! ولا هم يستطيعون أن يقنعوا بها أحداً ، أو يقتنعوا هم بها ! ! وسيظلون متحيرين إلى آخر الدهر ، لسبب بسيط هو أنهم يبحثون عن معنى معقول لمقولة ليس لها معنى معقول ! !
من كبار العلماء المتحيرين الإمام ابن جزي المشهود له في التفسير وعلوم القرآن ، فقد نقل في تاريخ القرآن ص 87 قوله : ( ولا زلت أستشكل هذا الحديث - أي حديث نزول القرآن على سبعة أحرف - وأفكر فيه وأمعن النظر من نحو نيف وثلاثين سنة حتى فتح الله عليَّ بما يمكن أن يكون صواباً إن شاء الله تعالى ، وذلك أني تتبعت القراءات صحيحها وضعيفها وشاذها فإذا هي يرجع اختلافها إلى سبعة أوجه ) ! ! انتهى .
وأنت ترى أن ابن جزي بعد تفكير أكثر من ثلاثين سنة غير مطمئن إلى ما توصل إليه ، وإن سماه فتحاً علمياً ! ولذا عبر عنه بأنه ( يمكن أن يكون صواباً ) ومن حقه أن يشك في هذا الفتح ، لأن معناه أن نسخة القرآن نزلت من عند الله تعالى مفصلة على حسب قراءات سوف يولد أصحابها ! وسوف تكون اختلافاتهم في سبعة وجوه لا أكثر ! !
فكيف تعقَّل هذا العالم أن نسخة القرآن نزل بها جبرئيل مفتوحة لاجتهادات القراء الذين سوف يأتون ! ثم اعتبر ذلك فتحاً علمياً ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 255 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بالله عليك هل تتعقل أن مؤلفاً يؤلف كتاباً بسبعة نصوص سوف تظهر على يد أشخاص بعد نشره ؟ ! !
قال السيوطي في الإتقان في علوم القرآن : 1 / 172 : ( وقال ابن حجر : ذكر القرطبي عن ابن حبان أنه بلغ الاختلاف في الأحرف السبعة إلى خمسة وثلاثين قولاً ، ولم يذكر القرطبي منها سوى خمسة ، ولم أقف على كلام ابن حبان في هذا ، بعد تتبعي مظانه .
قلت : قد حكاه ابن النقيب في مقدمة تفسيره عنه بواسطة الشرف المزني المرسي . فقال : قال ابن حبان اختلف أهل العلم في معنى الأحرف السبعة على خمسة وثلاثين قولاً ) .
وقال السيوطي في ص 176 : ( قال ابن حبان : فهذه خمسة وثلاثون قولاً لأهل العلم واللغة في معنى إنزال القرآن على سبعة أحرف ، وهي أقاويل يشبه بعضها بعضاً وكلها محتملة ويحتمل غيرها ) . انتهى .
وهو اعتراف من ابن حبان بأن جميع هذه الأقوال لا تزيد عن كونها احتمالات إستنسابية غير مقنعة !
ثم نقل السيوطي تصريحاً مشابهاً لأحد علمائهم فقال : ( وقال المرسي : هذه الوجوه أكثرها متداخلة ، ولا أدري مستندها ، ولا عمن نقلت ، ولا أدري لم خص كل واحد منهم هذه الأحرف السبعة بما ذكر ، مع أن كلها موجودة في القرآن فلا أدري معنى التخصيص ! وفيها أشياء لا أفهم معناها على الحقيقة ، وأكثرها يعارضه حديث عمر مع هشام بن حكيم الذي في الصحيح ، فإنهما لم يختلفا في تفسيره ولا أحكامه ، إنما اختلفا في قراءة حروفه . وقد ظن كثير من العوام أن المراد بها القراءات السبع ، وهو جهل قبيح ) انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 256 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
هذه نماذج من أقوال أكبر علمائهم ! وهي كافية للتدليل على أن النظرية برأيهم غير قابلة للفهم والتعقل . . فهل يجوز نسبتها والحال هذه إلى الله تعالى وإلى رسوله صلى الله عليه وآله ؟ !

سبب ابتداع عمر هذه البدعة ؟

السبب ببساطة أن النبي صلى الله عليه وآله كان في حياته يصحح نص القرآن لمن يقرؤه فكان مصدر نص القرآن واحداً مضبوطاً .
أما بعد وفاته صلى الله عليه وآله وأحداث السقيفة وبيعة أبي بكر ، فقد جاءهم علي بنسخة القرآن بخط يده حسب أمر النبي صلى الله عليه وآله فرفضوا اعتمادها ، لأنه كان فيها برأيهم تفسير بعض الآيات أو كثير منها وهي لمصلحة علي والعترة عليهم السلام ، فأخذها علي عليه السلام وقال : لهم لن تروها بعد اليوم ، إن النبي صلى الله عليه وآله أمرني أن أعرضها عليكم فإن قبلتموها فهو ، وإلا فإني أحفظها وأقرأ النسخة التي تعتمدونها ، حتى لا يكون في أيدي الناس نسختان للقرآن !
روى الكليني في الكافي : 2 / 633 : ( عن عبد الرحمن بن أبي هاشم ، عن سالم بن سلمة قال : قرأ رجل على أبي عبد الله عليه السلام وأنا أستمع حروفاً من القرآن ليس على ما يقرؤها الناس ، فقال أبو عبد الله : كف عن هذه القراءة ، إقرأ كما يقرأ الناس حتى يقوم القائم فإذا قام القائم عليه السلام قرأ كتاب الله عز وجل على حده ، وأخرج المصحف الذي كتبه علي عليه السلام .
وقال : أخرجه علي عليه السلام إلى الناس حين فرغ منه وكتبه فقال لهم : هذا كتاب الله عز وجل كما أنزله الله على محمد صلى الله عليه وآله وقد جمعته من اللوحين فقالوا : هو ذا عندنا مصحف جامع فيه القرآن لا حاجة لنا فيه فقال أما والله ما ترونه بعد يومكم هذا أبداً ، إنما كان علي أن أخبركم حين جمعته لتقرؤوه ) ! انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 257 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
من ذلك اليوم ولدت أرضية التفاوت في النص القرآني ، فالناس يقرؤون ولا يستطيع الخليفة أن يصحح لهم كما كان الرسول صلى الله عليه وآله !
وما لبث التفاوت في قراءاتهم ، أن انتشر ثم تحول إلى اختلاف بين القراء في هذه الكلمة وتلك ، وهذه الآية وتلك ، فهذا يقرأ في صلاته أو يعلم المسلمين بنحو ، وذاك بنحو آخر ! وهذا يؤكد صحة قراءته وخطأ القراءة المخالفة ، وذاك بعكسه . . وهذا يتعصب لهذه القراءة وقارئها ، وهذا لذاك . . إلى آخر المشكلة الكبيرة التي تهم كيان الدولة الإسلامية وتمس قرآنها المنزل ! !
هنا كان لابد أن تتدخل الدولة لحل المشكلة ، وكان الواجب على عمر أن يختار نسخة من القرآن ويعتمدها من علي عليه السلام أو من غيره كما فعل عثمان ، ولكنه لم يرد اعتماد نسخة معينة فاختار حل المشكلة بالتسامح في نص القرآن ! وأفتى بصحة جميع القراءات المختلف عليها ! واستند بذلك إلى حديث ادعاه على النبي صلى الله عليه وآله ولم يدعه غيره بأن في القرآن سعة ، وأنه نزل على سبعة أحرف ! !
روى النسائي : 2 / 150 : ( عن ابن مخرمة أن عمر بن الخطاب قال : سمعت هشام بن حكيم بن حزام ( من الطلقاء ) يقرأ سورة الفرقان فقرأ فيها حروفاً لم يكن نبي الله ( ص ) أقرأنيها ! قلت من أقرأك هذه السورة ؟ ! قال رسول الله ( ص ) . قلت كذبت ، ما هكذا أقرأك رسول الله ( ص ) ! فأخذت بيده أقوده إلى رسول الله ( ص ) وقلت : يا رسول الله إنك أقرأتني سورة الفرقان وإني سمعت هذا يقرأ فيها حروفاً لم تكن أقرأتنيها ! فقال رسول الله ( ص ) : إقرأ يا هشام فقرأ كما كان يقرأ ، فقال رسول الله ( ص ) : هكذا أنزلت ! ثم قال إقرأ يا عمر فقرأت ، فقال : هكذا أنزلت ! ! ثم قال رسول الله ( ص ) : إن القرآن أنزل على
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 258 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
سبعة أحرف ! ) . ( ورواه البخاري : 6 / 100 و : 6 / 110 و : 3 / 90 و : 8 / 215 ، ومسلم : 2 / 201 بروايتين ، وأبو داود : 1 / 331 ، والترمذي : 4 / 263 ، والبيهقي : 2 / 383 ، وأحمد : 1 / 24 و 39 و 45 و 264 )
وكلام عمر صريح في أن النبي صلى الله عليه وآله قال : نزلت من عند الله هكذا وهكذا ! أي بنحوين مختلفين بل بسبعة أشكال ! تعالى الله عن ذلك !
وستعرف أن عمر قام بتحريف حديث نبوي في أن القرآن نزل على سبعة أقسام من المعاني ، ولا علاقة له بألفاظ القرآن وحروفه !
فالنظرية إذن ، ولدت على يد عمر عندما واجه مشكلة لا يعرفها ، ولم يعالجها بنسخة القرآن ، بل روى عن النبي صلى الله عليه وآله حديث الأحرف السبعة ليثبت مشروعية التسامح والتفاوت في قراءة النص القرآني !
ولكنه بذلك سكَّن المشكلة تسكيناً آنياً ، ثم حيَّر أتباعه من علماء الأمة أربعة عشر قرناً في تصور معنى معقول لنظريته العتيدة وحديثه الغريب المزعوم عن رسول الله صلى الله عليه وآله !

من أدلة بطلان بدعة عمر

أولاً : أن صاحب المقولة لم يطبقها ! فقد رخص بقراءة القرآن بسبعة أنواع ، لكنه لم يسمح لأحد بذلك ! فكان يتدخل في القراءات ويحاسب عليها ، ويرفض منها ويقبل ، ويأمر بمحو هذا وإثبات ذاك ! وكم وقعت مشاكل بينه وبين أبيِّ بن كعب وغيره من القراء ، بسبب أنه قرأ آية بلفظ لم يعجب عمر !
فقد كانت هذه التوسعة المزعومة خاصة به دون غيره ! !
ثانياً : أن عثمان نقضها وأوجب أن يقرأ القرآن بالحرف الذي كتب عليه مصحفه ! فأين صارت السبعة أحرف التي قلتم إن حديثها صحيح متواتر ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 259 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لقد صار معناها أن القرآن نزل من عند الله تعالى على سبعة أحرف ، ثم صار في زمن عثمان إلى حرف واحد ! ! فيكون حديث عمر مفصلاً لمشكلة اضطراب القراءة في زمنه فقط ! فهل رأيتم حديثاً نبوياً لا دور له إلى يوم القيامة إلا أداء وظيفة خاصة وهي تسكين مشكلة اختلاف القراءات آنياً ؟ !
ثالثاً : إن التوسعة على الناس والتسامح في نص القرآن مسألة كبيرة وخطيرة ! فكيف لم تكن معروفة في زمن النبي صلى الله عليه وآله لعامة الصحابة والمسلمين ، ثم عرفت على يد عمر عندما وجدت مشكلة تفاوت القراءات ؟ !
وأكبر دليل على أنها لم تكن موجودة وأن الذي اخترعها عمر ، أن المسلمين كانت عندهم حساسية من أدنى تغيير في ألفاظ القرآن ، وكان هذا سبب اختلافهم في القراءة ، فلو أن النبي صلى الله عليه وآله أجاز لهم التوسع في ألفاظه وتبديلها كما زعم عمر ، لما اختلفوا !
بل رووا أن النبي صلى الله عليه وآله كان يؤكد على الدقة والحساسية حتى في الأدعية التي يعلمهم إياها ! ففي البخاري : 1 / 67 : ( عن البراء بن عازب قال : قال لي النبي ( ص ) : إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن ، ثم قل : اللهم أسلمت وجهي إليك وفوضت أمري إليك وألجأت ظهري إليك ، رغبة ورهبة إليك ، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك . اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيك الذي أرسلت .
فإن مت من ليلتك فأنت على الفطرة ، واجعلهن آخر ما تتكلم به .
قال : فرددتها على النبي ( ص ) ، فلما بلغت اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت قلت : ورسولك ، قال : لا ، ونبيك الذي أرسلت ) ! انتهى .
فما دام النبي صلى الله عليه وآله لا يقبل تغيير لفظة النبي بالرسول ، فكيف يرضى بتغيير
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 260 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ألفاظ القرآن الموحاة من رب العالمين ؟ !
رابعاً : إذا صحت نظرية عمر في الأحرف السبعة ، وأن الله تعالى قد وسع على المسلمين في قراءة نص كتابه ، فلماذا حَرَمَ الله نبيه من هذه النعمة وحرم عليه تبديل شئ منه فقال تعالى : ( وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) ( سورة يونس : 15 ) ، وألزمه بحفظه حرفياً بدقة عالية وكان ينزل عليه جبرئيل كل عام مرة ليضبط عليه نص القرآن ، وفي سنة وفاته ضبطه عليه مرتين ليتأكد من دقة تبليغه له ؟ !
وهل يقبل العقل من رئيس عادي أن يصدر قانوناً ويتشدد مع وزيره في ضبط نصه وطباعته ، وبعد نشره للتطبيق يجيز للناس أن يقرؤوه بعدة نصوص ، ولو بتغيير ألفاظه ؟ ! !
خامساً : هشام بن حكيم بن حزام الذي قال عمر إن القصة حدثت معه ، هو أحد الطلقاء الذين أسلموا تحت السيف في فتح مكة ، أي في السنة الثامنة للهجرة ، ولا بد أن يكون اختلاف عمر معه في القراءة بعد أن جاء هشام إلى المدينة مع ألوف الطلقاء الذين أرسلتهم قريش ليكونوا لها ثقلاً في المدينة !
فزمن القصة نحو السنة الأخيرة من حياة النبي صلى الله عليه وآله ومعناها أن النبي صلى الله عليه وآله كان إلى ذلك الوقت يقرأ نص القرآن بصيغة واحدة وحرف واحد ولم يقل لجبرئيل شيئاً ، إلى أن جاءه جبرئيل في أواخر حياته وقال له كما زعموا : ( إن الله عز وجل يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرف ، قال : أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك ! ) فصعد جبرئيل ثم نزل وزاده حرفاً فقال له
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 261 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
النبي صلى الله عليه وآله : ( أمتي لا تطيق ذلك ) وظل يساومه ويستزيده وجبريل يصعد وينزل ، حتى وصل معه إلى سبعة أحرف ! ( النسائي : 2 / 150 ، وغيره من مصادرهم ! ! ) فهل تجدون هذا النوع من تعامل الأنبياء عليهم السلام مع ربهم تعالى ، إلا في روايات اليهود ؟ !

الأحاديث الصحيحة التي رفضوها من أجل بدعة عمر !

وهي توافق أحاديث أهل البيت عليهم السلام وتفسر الأحرف السبعة في الحديث النبوي بالمعاني ، لكن القوم ظلموها مع أن فيها الصحيح ، ولم يفتحوا لها أسماعهم ، لمجرد أنها تعارض تفسير عمر ومن تبعه وتحريفهم !
وأكبر مرجح لها على حديث عمر وما وافقه أنها ذات معنى معقول ، وأنها تسد ذريعة التوسع في تحريف نص القرآن !
روى الحاكم : 1 / 553 و : 2 / 289 : ( عن ابن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال : نزل الكتاب الأول من باب واحد على حرف واحد ، ونزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف : زاجراً وآمراً وحلالاً وحراماً ومحكماً ومتشابهاً وأمثالاً ، فأحلُّوا حلاله وحرِّموا حرامه ، وافعلوا ما أمرتم به ، وانتهوا عما نهيتم عنه ، واعتبروا بأمثاله واعملوا بمُحْكمه ، وآمنوا بمتشابهه ، وقولوا آمنا به كل من عند ربنا . هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ) . ( ورواه السيوطي في الدر المنثور : 2 / 6 ، عن ابن جرير والحاكم وصححه وأبو نصر السجزي في الإبانة عن ابن مسعود عن النبي ( ص ) . . . وعن الطبراني عن عمر بن أبي سلمة أن النبي ( ص ) قال لعبد الله بن مسعود . . . إلخ . وعن ابن الضريس وابن جرير وابن المنذر عن ابن مسعود . . . إلخ . وعن البيهقي في شعب الإيمان عن أبي هريرة قال قال رسول الله ( ص ) : أعربوا القرآن واتبعوا غرائبه وغرائبه فرائضه وحدوده ، فإن القرآن نزل على خمسة أوجه حلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال ، فاعملوا بالحلال واجتنبوا الحرام واتبعوا المحكم وآمنوا بالمتشابه واعتبروا بالأمثال ) . انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 262 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال السيوطي في الإتقان ص 170 وهو يعدد الأربعين وجهاً في تفسير كلام عمر : ( الحادي عشر : أن المراد سبعة أصناف ، والأحاديث السابقة ترده ، والقائلون به اختلفوا في تعيين السبعة فقيل : أمر ونهي وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال ، واحتجوا بما أخرجه الحاكم والبيهقي عن ابن مسعود عن النبي ( ص ) قال : ( كان الكتاب الأول ينزل من باب واحد على حرف واحد ، ونزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف : زاجر ، وآمر ، وحلال ، وحرام ، ومحكم ، ومتشابه ، وأمثال . . الخ . ) . انتهى .
وقصده بالأحاديث السابقة التي ترد هذا الوجه : أحاديث عمر التي تنص على أن السبعة أحرف تقصد ألفاظ القرآن لا معانيه ! وبهذا يكون السيوطي وقف إلى صف الذين أقفلوا باب الحل المعقول لورطة الأحرف السبعة !
وقال في ص 172 : ( السادس عشر : إن المراد بها سبعة علوم : علم الإنشاد والإيجاد ، وعلم التوحيد والتنزيه ، وعلم صفات الذات ، وعلم صفات الفعل ، وعلم العفو والعذاب ، وعلم الحشر والحساب ، وعلم النبوات ) . انتهى .
ولا بد أن السيوطي يرد هذا الوجه أيضاً ، لأن حديث عمر يقول إن المقصود بالسبعة الألفاظ لا المعاني !
وقال الهيثمي في مجمع الزوائد : 7 / 152 : ( وعن عبد الله يعني ابن مسعود أن النبي ( ص ) قال : أنزل القرآن على سبعة أحرف لكل آية منها ظهر وبطن . . . الخ . رواه البزار وأبو يعلى في الكبير وفي رواية عنده لكل حرف منها بطن وظهر ، والطبراني في الأوسط باختصار آخره ، ورجال أحدهما ثقات . ورواية البزار عنه محمد بن عجلان عن أبي إسحاق ، قال في آخرها : لم يرو محمد بن عجلان عن إبراهيم الهجري غير هذا الحديث ، قلت : ومحمد بن عجلان
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 263 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إنما روى عن أبي إسحاق السبيعي ، فإن كان هو أبو إسحاق السبيعي فرجال البزار أيضاً ثقات ) . انتهى .

أهل البيت عليهم السلام . . كلامهم نور

روى الكليني في الكافي : 2 / 630 : ( عن زرارة ، عن الإمام الباقر عليه السلام قال : إن القرآن واحد نزل من عند واحد ، ولكن الاختلاف يجئ من قبل الرواة . . . .
عن الفضيل بن يسار قال : قلت لأبي عبد الله عليه السلام : إن الناس يقولون : إن القرآن نزل على سبعة أحرف ، فقال : كذبوا ! أعداء الله ! ولكنه نزل على حرف واحد من عند الواحد ! ) انتهى .
ويدل قوله عليه السلام : كذبوا أعداء الله ، على أنه كان يوجد جماعة يريدون تمييع نص القرآن بهذه المقولة ! ويدل أيضاً على جواز الجمع بين فاعلين مضمر وظاهر لغرض التأكيد على الفاعل ، مثل تمييز أحد المعطوفات بإعراب آخر لتأكيده ، كما ورد في القرآن ، وقد فاتت هذا القواعد النحاة في استقرائهم كلام العرب ، كما فاتهم إضافة ( بقي ) إلى أخوات كان ، مع أنها شقيقتها !
وروى المجلسي في بحار الأنوار : 90 / 3 : حديثاً جاء فيه : ( عن إسماعيل بن جابر قال سمعت أبا عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام يقول : إن الله تبارك وتعالى بعث محمداً فختم به الأنبياء فلا نبي بعده ، وأنزل عليه كتاباً فختم به الكتب فلا كتاب بعده ، أحل فيه حلالاً وحرم حراماً ، فحلاله حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة ، فيه شرعكم وخبر من قبلكم وبعدكم ، وجعله النبي صلى الله عليه وآله علماً باقياً في أوصيائه ، فتركهم الناس وهم الشهداء على أهل كل زمان ، فعدلوا عنهم ثم قتلوهم واتبعوا غيرهم . . . ضربوا بعض القرآن ببعض ، واحتجوا بالمنسوخ ، وهم يظنون أنه الناسخ ، واحتجوا بالمتشابه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 264 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وهم يرون أنه المحكم ، واحتجوا بالخاص وهم يقدرون أنه العام ، واحتجوا بأول الآية وتركوا السبب في تأويلها ، ولم ينظروا إلى ما يفتح الكلام وإلى ما يختمه ، ولم يعرفوا موارده ومصادره ، إذ لم يأخذوه عن أهله . . . ولقد سأل أمير المؤمنين صلوات الله عليه شيعتُه عن مثل هذا فقال : إن الله تبارك وتعالى أنزل القرآن على سبعة أقسام كل منها شاف كاف ، وهي : أمر ، وزجر وترغيب ، وترهيب ، وجدل ، ومثل ، وقصص . وفي القرآن ناسخ ومنسوخ ، ومحكم ومتشابه ، وخاص وعام ، ومقدم ومؤخر ، وعزائم ورخص ، وحلال وحرام ، وفرائض وأحكام ، ومنقطع ومعطوف ، ومنقطع غير معطوف ، وحرف مكان حرف ، ومنه ما لفظه خاص ، ومنه ما لفظه عام محتمل العموم ، ومنه ما لفظه واحد ومعناه جمع ، ومنه ما لفظه جمع ومعناه واحد ، ومنه ما لفظه ماض ومعناه مستقبل ، ومنه ما لفظه على الخبر ومعناه حكاية عن قوم أخر ، ومنه ما هو باق محرف عن جهته ، ومنه ما هو على خلاف تنزيله ، ومنه ما تأويله في تنزيله ، ومنه ما تأويله قبل تنزيله ، ومنه ما تأويله بعد تنزيله . ومنه آيات بعضها في سورة وتمامها في سورة أخرى ، ومنه آيات نصفها منسوخ ونصفها متروك على حاله ، ومنه آيات مختلفة اللفظ متفقة المعنى ، ومنه آيات متفقه اللفظ مختلفة المعنى ، ومنه آيات فيها رخصة وإطلاق بعد العزيمة . . . الخ ) .
وينبغي الالتفات إلى أنه عليه السلام استعمل كلمة ( أقسام ) وترك استعمال كلمة ( أحرف أو حروف ) حتى لا يحرفها أحد بألفاظ القرآن كما حرفوا السبعة أحرف في الحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وآله !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 265 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال المحقق البحراني في الحدائق الناضرة : 8 / 99 : ( ثم اعلم أن العامة قد رووا في أخبارهم أن القرآن قد نزل على سبعة أحرف كلها شاف واف ، وادعوا تواتر ذلك عنه صلى الله عليه وآله ، واختلفوا في معناه إلى ما يبلغ أربعين قولاً ، أشهرها الحمل على القراءات السبع . وقد روى الصدوق قدس سره في كتاب الخصال بإسناده إليهم عليهم السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله : أتاني آت من الله عز وجل يقول إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على حرف واحد ، فقلت يا رب وسع على أمتي ، فقال : إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على سبعة أحرف .
وفي هذا الحديث ما يوافق أخبار العامة المذكورة ، مع أنه عليه السلام قد نفى ذلك في الأحاديث المتقدمة وكذبهم في ما زعموه من التعدد ، فهذا الخبر بظاهره مناف لما دلت عليه تلك الأخبار والحمل على التقية أقرب فيه ) . انتهى .
وقال المحقق الهمداني في مصباح الفقيه : 2 / 274 : ( والحق أنه لم يتحقق أن النبي صلى الله عليه وآله قرأ شيئاً من القرآن بكيفيات مختلفة ، بل ثبت خلافه فيما كان الاختلاف في المادة أو الصورة النوعية التي يؤثر تغييرها في انقلاب ماهية الكلام عرفاً ، كما في ضم التاء من أنعمت ، ضرورة أن القرآن واحد نزل من عند الواحد كما نطقت به الأخبار المعتبرة المروية عن أهل بيت الوحي والتنزيل ، مثل ما رواه ثقة الإسلام الكليني بإسناده عن أبي جعفر عليه السلام قال : إن القرآن واحد من عند الواحد ولكن الاختلاف يجئ من قبل الرواة ! وعن الفضيل بن يسار في الصحيح قال قلت لأبي عبد الله عليه السلام : إن الناس يقولون نزل القرآن على سبعة أحرف ، فقال كذبوا أعداء الله ولكنه نزل على حرف واحد من عند الواحد . ولعل المراد بتكذيبهم تكذيبهم بالنظر إلى ما أرادوه من هذا القول مما يوجب تعدد القرآن ، وإلا فالظاهر كون هذه العبارة صادرة عن النبي صلى الله عليه وآله بل قد يدعى
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 266 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
تواتره ، ولكنهم حرفوها عن موضعها وفسروها بآرائهم ، مع أن في بعض رواياتهم إشارة إلى أن المراد بالأحرف أقسامه ومقاصده ، فإنهم على ما حكي عنهم رووا عنه صلى الله عليه وآله أنه قال : نزل القرآن على سبعة أحرف : أمر وزجر وترغيب وترهيب وجدل وقصص ومثل . ويؤيده ما روي من طرقنا عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال : إن الله تبارك وتعالى أنزل القرآن على سبعة أقسام كل قسم منها كاف شاف ، وهي أمر وزجر وترغيب وترهيب وجدل ومثل وقصص . . . فظهر مما ذكرنا أن الاستشهاد بالخبر المزبور لصحة القراءات السبع وتواترها عن النبي صلى الله عليه وآله في غير محله . وكفاك شاهداً لذلك ما قيل من أنه نقل اختلافهم في معناه إلى ما يقرب من أربعين قولاً ! ) .
وقال السيد الخوئي في مستند العروة : 14 / 474 : ( هذا ، وحيث قد جرت القراءة الخارجية على طبق هذه القراءات السبع لكونها معروفة مشهورة ، ظن بعض الجهلاء أنها المعني بقوله صلى الله عليه وآله على ما روي عنه ، إن القرآن نزل على سبعة أحرف ، وهذا كما ترى غلط فاحش ، فإن أصل الرواية لم تثبت ، وإنما رويت من طريق العامة ، بل هي منحولة مجعولة كما نص الصادق عليه السلام على تكذيبها بقوله : كذبوا أعداء الله ! نزل على حرف واحد ) . انتهى .
وقال السيد الخوئي في البيان ص 180 : بعد إيراد روايات السبعة أحرف : ( وعلى هذا فلا بد من طرح الروايات ، لأن الالتزام بمفادها غير ممكن . والدليل على ذلك :
أولاً : أن هذا إنما يتم في بعض معاني القرآن ، التي يمكن أن يعبر عنها بألفاظ سبعة متقاربة . . .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 267 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثانياً : إن كان المراد من هذا الوجه أن النبي صلى الله عليه وآله قد جوز تبديل كلمات القرآن الموجودة بكلمات أخرى تقاربها في المعنى ، ويشهد لهذا بعض الروايات المتقدمة ، فهذا الاحتمال يوجب هدم أساس القرآن ، المعجزة الأبدية ، والحجة على جميع البشر . . . وقد قال الله تعالى : قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ . . . ( سورة يونس : 15 ) وإذا لم يكن للنبي صلى الله عليه وآله أن يبدل القرآن من تلقاء نفسه ، فكيف يجوز ذلك لغيره ؟ ! وإن رسول الله صلى الله عليه وآله علم البراء بن عازب دعاء كان فيه ( ونبيك الذي أرسلت ) فقرأ براء : ( ورسولك الذي أرسلت ) ، فأمره صلى الله عليه وآله أن لا يضع الرسول موضع النبي ! فإذا كان هذا في الدعاء فماذا يكون الشأن في القرآن ؟ . . .
ثالثاً : أنه صرحت الروايات المتقدمة بأن الحكمة في نزول القرآن على سبعة أحرف هي التوسعة على الأمة ، لأنهم لا يستطيعون القراءة على حرف واحد ، وأن هذا هو الذي دعا النبي صلى الله عليه وآله إلى الاستزادة إلى سبعة أحرف . وقد رأينا أن اختلاف القراءات أوجب أن يكفر بعض المسلمين بعضاً حتى حصر عثمان القراءة بحرف واحد وأمر بإحراق بقية المصاحف .
ويستنتج من ذلك . . . أن الاختلاف في القراءة كان نقمةً على الأمة وقد ظهر ذلك في عصر عثمان ( ظهرت نقمته ) ، فكيف يصح أن يطلب النبي صلى الله عليه وآله من الله ما فيه فساد الأمة ؟ ! وكيف يصح على الله أن يجيبه إلى ذلك ؟ !
وقد ورد في كثير من الروايات النهي عن الاختلاف ، وأن فيه هلاك الأمة ، وفي بعضها أن النبي صلى الله عليه وآله تغير وجهه واحمر حين ذكر له الاختلاف في القراءة . . . وحاصل ما قدمناه : أن نزول القرآن على سبعة أحرف لا يرجع إلى معنى صحيح ، فلا بد من طرح الروايات الدالة عليه ، ولا سيما بعد أن دلت
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 268 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أحاديث الصادقين عليهم السلام على تكذيبها وأن القرآن إنما نزل على حرف واحد ، وأن الاختلاف قد جاء من قبل الرواة ) . انتهى .
* *
الأسئلة
1 - هل تقبلون أن القرآن الذي هو كلام الله تعالى لم ينزل على حرف واحد بل على سبعة أحرف ؟ !
2 - إذا قبلتم مقولة عمر فهل تجوزون تبديل كلمات القرآن بغيرها ؟ !
3 - ماذا كان موقفكم لو قال شخص غير عمر إن نص القرآن ليس واحداً بل يتسع لسبعة أنواع يختارها القارئ ؟ !
4 - لماذا تردون الأحاديث التي تعارض مقولة عمر وتنص على أن القرآن نزل على سبعة أحرف ، أي سبعة معاني ، مع أنها أحاديث صحيحة ؟ !
5 - إذا كان عندنا نصان لحديث نبوي ، أحدهما يرويه صحابي وليس له معنى معقول ، والآخر يرويه صحابي آخر وله معنى معقول . . فبأي النصين نأخذ ؟ !
6 - مالكم أعرضتم عن رواية عبد الله بن مسعود وغيره من الصحابة ، وأعرضتم عن حديث أهل بيت نبيكم ، وقد أوصاكم صلى الله عليه وآله بالقرآن وبهم ، وقد بينوا لكم أن القرآن نزل من عند الواحد على حرف واحد ، على قلب واحد صلى الله عليه وآله ؟ !
7 - هل تعرفون نصاً مكتوباً ، إلهياً ، أو نبوياً ، أو نصاً لبشر ، أجاز صاحبه تغيير كلماته وجمله بأخرى ولو بمعناها كما زعم عمر ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 269 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 75 علي عليه السلام يحرك عثمان لتخليص المسلمين من بدعة عمر !

كان علي عليه السلام يضغط على عمر لكي تعتمد الدولة نسخة واحدة من القرآن ، ولم يسمع عمر نصيحته ، بل أجاز قراءة القرآن بأشكال مختلفة ، محتجاً بأنه نزل على سبعة أحرف ، وأنه مشغول بجمعه !
ولم تمض سنوات حتى سبب عمل عمر تفاوتاً بين مصاحف الصحابة ، ومصاحف أهل المدينة والشام والعراق واليمن ، واختلف فيه الصبيان عند الكتاتيب والمعلمين ، واختلف الناس في الأمصار ، حتى وصل الاختلاف إلى الجيش العراقي والجيش الشامي اللذين كانا في فتح أرمينية بقيادة حذيفة بن اليمان ، فكفَر بعضهم بقرآن بعض وكاد يقع بينهم قتال ، فاستكبر ذلك حذيفة وقصد المدينة وأصر مع علي عليه السلام على عثمان أن يوحد نسخة القرآن قبل أن تصير متعددة كإنجيل النصارى ، وواصلا سعيهما حتى تمت كتابة المصحف المعروف بمصحف عثمان !
وخير شهادة لدور علي عليه السلام العظيم في ذلك ما قاله عبد الله بن الزبير العدو اللدود لعلي وبني هاشم ، والذي بلغ من كرهه لهم أنه ترك الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله في خطبه في مكة فعوتب على ذلك فقال : إن هذا الحي من بني هاشم إذا سمعوا ذكره أشر أبت أعناقهم ، وأبغض الأشياء إليَّ ما يسرهم ! وفي رواية : إن له أهيل سوء . . . الخ ! ( الصحيح من السيرة : 2 / 153 ، عن العقد الفريد : 4 / 413 ط دار الكتاب العربي ، وأنساب الأشراف : 4 / 28 ، وغيرهما ) .
يقول ابن الزبير كما يروي عنه عمر بن شبة في تاريخ المدينة : 3 / 990 :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 270 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
( حدثنا الحسن بن عثمان قال : حدثنا الربيع بن بدر ، عن سوار بن شبيب قال : دخلت على ابن الزبير في نفر ، فسألته عن عثمان لم شقق المصاحف ولم حمى الحمى ؟ فقال قوموا فإنكم حرورية ، قلنا : لا والله ما نحن حرورية . قال : قام إلى أمير المؤمنين عمر رجل فيه كذب وولع ! ! فقال : يا أمير المؤمنين إن الناس قد اختلفوا في القراءة ، فكان عمر قد هم أن يجمع المصاحف فيجعلها على قراءة واحدة ، فطعن طعنته التي مات فيها ، فلما كان في خلافة عثمان ، قام ذلك الرجل فذكر له ، فجمع عثمان المصاحف ، ثم بعثني إلى عائشة فجئت بالصحف التي كتب فيها رسول الله القرآن ، فعرضناها عليها حتى قومناها ، ثم أمر بسائرها فشققت ) . انتهى .
فقد اعترض سوار ورفقاؤه القراء على عثمان لأنه وحَّد نسخة القرآن ومزق الباقي ! وقد تعودوا هم على الاختلاف وتعلموا من عمر أن القرآن نزل على سبعة نسخ كلها صحيحة !
ودافع ابن الزبير عن عثمان بأنه لم يخالف عمر ، فقد كان عمر ينوي توحيد نسخة القرآن ، والتنازل عن الأحرف السبعة !
وقال لهم ابن الزبير إن السبب في نية عمر تلك ، أنه يوجد ( رجل فيه كذب وولع ) كان يصر عليه بهذا العمل ، ثم ( قام ذلك الرجل ) وأخذ يصر على عثمان ، فجمع القرآن من مصحف خالتي عائشة !
فهذا الرجل الكبير الحكيم الذي كان السبب في توحيد نسخة القرآن هو الذي يكرهه عبد الله بن الزبير ويصفه بأنه ( فيه ولع وكذب ) وهو الذي واصل مسعاه مع عثمان حتى نجح في هدفه !
فمن هو هذا الشخص الحكيم الحريص على قرآن المسلمين ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 271 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إنه علي عليه السلام الذي قلما تتحدث روايات السلطة عن دوره ، لكنها تحدثت عن دور حذيفة في جمع القرآن ، وهو الشيعي المطيع لإمامه !

روايات السلطة تصف تفاقم أزمة الأحرف السبعة !

قال عمر بن شبة في تاريخ المدينة : 3 / 991 :
( عن أنس بن مالك أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان ، وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق وأفزع باختلافهم في القراءة ، فقال حذيفة لعثمان : يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في القرآن اختلاف اليهود والنصارى ، فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا الصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك ، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان ، فأمر عثمان زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، فنسخوها في المصاحف .
وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة : إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شئ من القرآن فاكتبوه بلسان قريش ، فإنما أنزل بلسانهم ، ففعلوا ذلك ، حتى إذا نسخ المصحف رد عثمان الصحف إلى حفصة ، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا ، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق ) . ( ورواه البخاري : 6 / 99 بتفاوت يسير . وكنز العمال : 2 / 581 ، وقال في مصادره ( ابن سعد ، خ ، ت ، ن ، وابن أبي داود ، وابن الأنباري معاً في المصاحف ، حب ، ق ) . انتهى . )
ثم أضاف ابن شبة : ( عن ابن شهاب قال : حدثني أنس بن مالك أنه اجتمع لغزوة أرمينية وأذربيجان أهل الشام وأهل العراق ، فتذاكروا القرآن فاختلفوا فيه حتى كاد يكون بينهم فتنة ، فركب حذيفة بن اليمان إلى عثمان لما رأى من اختلافهم في القرآن فقال : إن الناس قد اختلفوا في القرآن حتى والله إني
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 272 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لأخشى أن يصيبهم ما أصاب اليهود والنصارى من الاختلاف ، ففزع لذلك عثمان فزعاً شديداً ، فأرسل إلى حفصة فاستخرج المصاحف التي كان أبو بكر أمر بجمعها زيداً ، فنسخ منها مصاحف بعث بها إلى الآفاق .
عن ابن شهاب الزهري ، عن خارجة بن زيد ، عن زيد بن ثابت أن حذيفة بن اليمان قدم من غزوة غزاها بفرج أرمينية فحضرها أهل العراق وأهل الشام ، فإذا أهل العراق يقرؤون بقراءة عبد الله بن مسعود ويأتون بما لم يسمع أهل الشام ، ويقرأ أهل الشام بقراءة أبي بن كعب ويأتون بما لم يسمع أهل العراق ، فيكفرهم أهل العراق ! قال : فأمرني عثمان أن أكتب له مصحفاً فكتبته فلما فرغت منه عرضه .
حدثنا عبد الله بن وهب قال حدثني عمرو بن الحارث أن بكيراً حدث : أن ناساً كانوا بالعراق يسأل أحدهم عن الآية فإذا قرأها قال فإني أكفر بهذه ! ففشا ذلك في الناس واختلفوا في القراءة ، فكلم عثمان بن عفان في ذلك ، فأمر بجمع المصاحف فأحرقها ، وكتب مصاحف ثم بثها في الأجناد ) . انتهى .
فالسبب الأساسي الذي حرك عثمان لمعالجة فتنة الأحرف السبعة العمرية هو علي عليه السلام ، فقد أصر هو وحذيفة على عثمان وجعله يصدر مرسوماً خلافياً بذلك ، ويبدو أن خطبة عثمان التالية كانت بعد مجئ حذيفة قائد الجبهة الشرقية للفتوحات ومعه عدد من القادة العسكريين يحذرون من المشكلة .
قال في كنز العمال : 2 / 582 : ( عن أبي قلابة قال : لما كان في خلافة عثمان جعل المعلم يعلم قراءة الرجل ، والمعلم يعلم قراءة الرجل ، فجعل الغلمان يتلقون فيختلفون حتى ارتفع ذلك إلى المعلمين ، حتى كفر بعضهم بقراءة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 273 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بعض ، فبلغ ذلك عثمان فقام خطيباً فقال : أنتم عندي تختلفون وتلحنون ، فمن نأى عني من الأمصار أشد اختلافاً وأشد لحناً ! فاجتمعوا يا أصحاب محمد فاكتبوا للناس إماماً ) انتهى .
أما ما رواه أحمد عن فزع أهل الكوفة إلى ابن مسعود وتسكينه لهم ، فهو يعبر عن سياسة عمر ، ولعل القضية كانت في عهد عمر !
قال أحمد : 1 / 445 : ( عن عثمان بن حسان ، عن فلفلة الجعفي قال : فزعت فيمن فزع إلى عبد الله في المصاحف فدخلنا عليه فقال رجل من القوم : إنا لم نأتك زائرين ولكن جئناك حين راعنا هذا الخبر ! فقال : إن القرآن نزل على نبيكم ( ص ) من سبعة أبواب على سبعة أحرف أو قال حروف وإن الكتاب قبله كان ينزل من باب واحد على حرف واحد ) .
كانت مشكلة وأزمة خطيرة إذن ، شملت التلاميذ ومعلميهم في مكاتب القرآن ، والمصلين في المساجد ، وحكام الأمصار والمجاهدين في جيوش الفتح ، بسبب فتنة أحرف عمر السبعة ! وكان علاجها الوحيد تدوين القرآن على حرف واحد وجمع المسلمين عليه ، ورمي مقولة عمر في السلة !

حذيفة يحمل بأمر علي عليه السلام لواء توحيد القرآن

قال ابن عساكر في تاريخ دمشق : 42 / 457 : ( قالت بنو عبس لحذيفة إن أمير المؤمنين عثمان قد قتل فما تأمرنا ؟ قال آمركم أن تلزموا عماراً . قالوا : إن عماراً لا يفارق علياً ! قال : إن الحسد أهلك الجسد ! وإنما ينفركم عن عمار قربه من علي ؟ ! فوالله لعلي أفضل من عمار أبعد ما بين التراب والسحاب ، وإن عماراً لمن الأخيار . وهو يعلم أنهم إن لزموا عماراً كانوا مع علي ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 274 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال الذهبي في السير : 2 / 361 : ( حذيفة بن اليمان . من نجباء أصحاب محمد ( ص ) ، وهو صاحب السر . . . حليف الأنصار ، من أعيان المهاجرين . . . عن ابن سيرين أن عمر كتب في عهد حذيفة على المدائن إسمعوا له وأطيعوا وأعطوه ما سألكم . . . وليَ حذيفة إمرة المدائن لعمر ، فبقي عليها إلى بعد مقتل عثمان ، وتوفي بعد عثمان بأربعين ليلة . . . وحذيفة هو الذي ندبه رسول الله ( ص ) ليلة الأحزاب ليجس له خبر العدو ، وعلى يده فتح الدينور عنوة . ومناقبه تطول ، رضي الله عنه . . .
خالد عن أبي قلابة عن حذيفة قال : إني لأشتري ديني بعضه ببعض مخافة أن يذهب كله . . .
أبو نعيم : حدثنا سعد بن أوس ، عن بلال بن يحيى قال : بلغني أن حذيفة كان يقول : ما أدرك هذا الأمر أحد من الصحابة إلا قد اشترى بعض دينه ببعض . قالوا : وأنت ؟ قال : وأنا والله ! ) . انتهى .
وكما كان حذيفة من حواريي النبي صلى الله عليه وآله وموضع سره ، صار بعده من خاصة شيعة علي عليه السلام . وهذا يؤكد أنه لا يقوم بعمل مهم إلا بأمر علي عليه السلام ، مضافاً إلى شهدة ابن الزبير وغيرها من أنه عليه السلام كان وراء توحيد نسخة القرآن !
وقد اعترف الجميع أن الذي قام بدور ( يا للمسلمين . . للقرآن ) هو حذيفة الذي كان حاكماً على المدائن ، وقائداً لجيش الفتح في فارس وآذربيجان وأرمينية ، وقد جاء إلى المدينة خصيصاً مع وفد من جيش الفتح ، شاكياً إلى عثمان طالباً منه حل المشكلة الخطيرة داخل جيوش الفتح ، فاستجاب له عثمان بعد أن كانت المسألة نصف ناضجة في ذهنه ، وأصدر مرسومه التاريخي بتوحيد القرآن ، وبقي حذيفة في المدينة يواكب تدوين القرآن ، ثم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 275 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قام بتنفيذ المرسوم عملياً بأمر عثمان مستعملاً نفوذ حذيفة الأدبي باعتباره من كبار أصحاب النبي عليه السلام ، وكان عليه أن يصادر المصاحف التي فيها تغيير عن المصحف العثماني ، وهي مصحف عمر الذي عند حفصة ، ومصحف أبي موسى الأشعري ، ومصحف أبي ، ومصحف ابن مسعود .
أما مصحف عمر فقد استعصت به حفصة ولم تسلمه إلى عثمان حتى توفيت ، فأخذه مروان وأحرقه .
وأما مصحف أبي بن كعب فيظهر أن عثمان أخذه من ورثته بدون مشكلة . فقد روى في كنز العمال : 2 / 585 : ( عن محمد بن أبيّ بن كعب أن ناساً من أهل العراق قدموا عليه فقالوا ، إنا تحملنا إليك من العراق ، فأخرج لنا مصحف أبيٍّ ، فقال محمد قد قبضه عثمان قالوا : سبحان الله أخرجه ، قال : قد قبضه عثمان - أبو عبيد في الفضائل وابن أبي داود ) انتهى .
وأما مصحف أبي موسى فقد ذهب حذيفة إلى البصرة وصادره منه وهو يتأسف على زياداته ويترجاه أن يبقيها !
بينما استعصى ابن مسعود رحمه الله بمصحفه حتى توفي !
قال ابن شبة في تاريخ المدينة : 3 / 998 : ( حدثنا عمرو بن مرة الجملي قال : استأذن رجل على ابن مسعود فقال الآذن : إن القوم والأشعري ، وإذا حذيفة يقول لهم : أما إنكما إن شئتما أقمتما هذا الكتاب على حرف واحد فإني قد خشيت أن يتهون الناس فيه تهون أهل الكتاب ! أما أنت يا أبا موسى فيطيعك أهل اليمن ، وأما أنت يا ابن مسعود فيطيعك الناس . قال ابن مسعود : لو أني أعلم أن أحداً من الناس أحفظ مني لشددت رحلي براحلتي حتى أنيخ عليه قال : فكان الناس يرون أن حذيفة ممن عمل فيه حتى أتى على حرف واحد !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 276 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
حدثنا عبد الأعلى بن الحكم الكلابي قال : أتيت دار أبي موسى الأشعري فإذا حذيفة بن اليمان وعبد الله بن مسعود وأبو موسى الأشعري فوق إجار ، فقلت : هؤلاء والله الذين أريد ، فأخذت أرتقي لهم فإذا غلام على الدرجة فمنعني أن أرتقي إليهم فنازعته حتى التفت إليَّ بعضهم فأتيتهم حتى جلست إليهم ، فإذا عندهم مصحف أرسل به عثمان فأمرهم أن يقيموا مصاحفهم عليه ، فقال أبو موسى : ما وجدتم في مصحفي هذا من زيادة فلا تنقصوها ، وما وجدتم من نقصان فاكتبوه فيه ! فقال حذيفة : فكيف بما صنعنا ؟ ! والله ما أحد من أهل هذا البلد يرغب عن قراءة هذا الشيخ يعني ابن مسعود ، ولا أحد من أهل اليمن يرغب عن قراءة هذا الآخر يعني أبا موسى .
وكان حذيفة هو الذي أشار على عثمان أن يجمع المصاحف على مصحف واحد ! ) انتهى .
ويبدو أن محل هذه الحادثة البصرة مركز ولاية أبي موسى الأشعري ، ولا بد أن حذيفة ذهب خصيصاً لمصادرة مصحف أبي موسى ! وأن عبد الله بن مسعود كان زائراً ، لقول حذيفة فيها ( من أهل هذا البلد ) وهو يدل على أن أهل البصرة غير اليمانيين كانوا يقرؤون بقراءة ابن مسعود ، واليمانيين بقراءة أبي موسى ! ولو كانت الحادثة في المدينة لما صح ذلك لأن أهلها كانوا يقرؤون بقراءة أبيّ !
ويظهر من كلام أبي موسى أنه سلم نسخته إلى حذيفة خوفاً من عثمان ومنه ، رغم إضافاتها العزيزة على قلبه ! ولابد أنهم أتلفوا نسخته وخلصوا الأمة الإسلامية من زياداتها السامرية ، كما خلصوها من زيادات عمر وتنقيصاته ، وفتنة أحرفه السبعة . . جزاهم الله خيراً .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 277 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأسئلة
1 - أين القرآن من جمع أبي بكر وعمر للقرآن الذي تدعونه ! وأين عمل اللجنة العتيدة التي هي مثل لجان حكوماتنا المعاصرة !
فقد بلغ الأمر بالمسلمين من أعمال عمر أنه : ( جعل المعلم يعلم قراءة الرجل ، والمعلم يعلم قراءة الرجل ، فجعل الغلمان يتلقون فيختلفون حتى ارتفع ذلك إلى المعلمين ، حتى كفر بعضهم بقراءة بعض ، فبلغ ذلك عثمان فقام خطيباً فقال : أنتم عندي تختلفون وتلحنون ، فمن نأى عني من الأمصار أشد اختلافاً وأشد لحناً ! ) ؟ ! !
2 - رأيتم تعبير الرواة والصحابة بأن عثمان كتب القرآن على حرف واحد ! وهل معنى ذلك إلا أنه أبطل الأحرف السبعة العمرية ؟ !
3 - من الذي حفظ الله به القرآن : هل هو عمر الذي رفض أن تتبنى الدولة نسخة رسمية من القرآن ، واخترع الأحرف السبعة ، وأفتى بتعويم نص القرآن وسبَّبَ كل هذه المصيبة في المسلمين ؟
أم عليٌّ عليه السلام الذي جاء بنسخة القرآن إلى أبي بكر وعمر فرفضاها ، ثم سعى في خلافة عمر وعثمان لأن تعتمد الدولة نسخة القرآن على حرف واحد ، وتخلص المسلمين من فرية الأحرف السبعة وغيرها ؟ !
4 - ما رأيكم في قول عبد الله بن الزبير أن القرآن كتب عن نسخة خالته عائشة ، وقول زيد إنه كتب عن نسخة أبي بكر ؟ !
5 - ما رأيكم بقول حذيفة : ( ما أدرك هذا الأمر أحد من الصحابة إلا قد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 278 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
اشترى بعض دينه ببعض . قالوا : وأنت ؟ قال : وأنا والله ! ) ؟ !
6 - روى البخاري في صحيحه : 4 / 215 و : 7 / 139 : ( عن إبراهيم قال ذهب علقمة إلى الشام فلما دخل المسجد قال : اللهم يسر لي جليساً صالحاً فجلس إلى أبي الدرداء ، فقال أبو الدرداء : ممن أنت ؟ قال من أهل الكوفة ، قال : أليس فيكم أو منكم صاحب السر الذي لا يعلمه غيره ؟ يعني حذيفة ، قال قلت : بلى ، قال : أليس فيكم أو منكم الذي أجاره الله على لسان نبيه ( ص ) يعني من الشيطان يعني عماراً ؟ قلت : بلى . . . ) . وروى عنه وصف نفوذ المنافقين بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله فقال : 8 / 100 : ( عن حذيفة بن اليمان قال : إن المنافقين اليوم شر منهم على عهد النبي ( ص ) كانوا يومئذ يسرون واليوم يجهرون . . . إنما كان النفاق على عهد النبي ( ص ) فأما اليوم فإنما هو الكفر بعد الإيمان ! ! ) انتهى . فمَن هم هؤلاء الذين كانوا يجهرون بالنفاق ، في عهد أبي بكر وعمر وعثمان ، وما هو النفاق الذي كانوا يجهرون به ؟ !
ملاحظة : ورد في مصادرنا الطعن على عثمان بن عفان لحرقه المصاحف ، ولضربه الصحابي عبد الله بن مسعود . . وهما أمران صحيحان ، لكن لا علاقة لقضية ابن مسعود بتوحيد نسخة القرآن ، كما أن حرق عثمان للمصاحف موضوع مستقل ، وإن كان من نتائج توحيده لنسخة القرآن .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 279 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 76 نسخة علي عليه السلام هي النسخة التي كتبوا عنها مصحف عثمان

شكَّل عثمان لجنة لتدوين نسخة القرآن من اثني عشر عضواً ، وجعل رئيسها سعيد بن العاص الأموي ، وكاتبها زيد بن ثابت كاتب عمر ، وقد جعلها البخاري رباعية على عادته في الاختصار والحذف ، قال في : 4 / 156 : ( باب نزل القرآن بلسان قريش . . . عن ابن شهاب عن أنس أن عثمان دعا زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحرث بن هشام ، فنسخوها في المصاحف . وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة : إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شئ من القرآن فاكتبوه بلسان قريش ، فإنما نزل بلسانهم ففعلوا ذلك ) .
وقال عمر ابن شبة في تاريخ المدينة : 3 / 993 : ( حدثنا هشام عن محمد قال : كان الرجل يقرأ فيقول له صاحبه : كفرت بما تقول ، فرفع ذلك إلى ابن عفان فتعاظم في نفسه ، فجمع اثني عشر رجلاً من قريش والأنصار منهم أبيّ بن كعب ، وزيد بن ثابت ، وأرسل إلى الرقعة التي كانت في بيت عمر فيها القرآن ، قال وكان يتعاهدهم ، قال فحدثني كثير بن أفلح أنه كان فيمن يكتب لهم ، فكانوا كلما اختلفوا في شئ أخروه . قلت لم أخروه ؟ قال لا أدري .
قال محمد : فظننت أنا فيه ظناً ولا تجعلوه أنتم يقيناً ، ظننت أنهم كانوا إذا اختلفوا في الشئ أخروه حتى ينظروا آخرهم عهداً بالعرضة الأخيرة فكتبوه على قوله .
حدثنا وهب بن جرير قال حدثنا هشام بنحوه ، وزاد : قال محمد فأرجو أن تكون قراءتنا هذه آخرتها عهداً بالعرضة الأخيرة ) . انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 280 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وعليه ، لابد من القول إن الأعضاء الإستشاريين كانوا كثيرين ، وأن يكون حذيفة في طليعتهم ، وعلي عليه السلام مرجعهم ، وأن الأعضاء الكتاب والنساخين كانوا كثيرين أيضاً ، وكان أبرزهم زيد بن ثابت .
والظاهر أن اسم أبي بن كعب جاء في اللجنة بدل اسم ابنه محمد بن أبي بن كعب ، لأن أبيّاً توفي في زمن عمر ، وقد ورد اسم ولده محمد بأنه سلم مصحف أبيه كعب إلى الخليفة عثمان . وقد أشكل المستشرقون على ذكر أبي بن كعب في لجنة جمع القرآن وضخموا ذلك ، وأرادوا أن يطعنوا بسببه في نسخة القرآن ، على عادتهم السيئة !
ومَن الذي هو آخرهم عهداً بالعرضة الأخيرة ، غير علي عليه السلام الذي كان ملازماً للنبي صلى الله عليه وآله ، والذي رووا أنه جمع القرآن بعد وفاته صلى الله عليه وآله واعتذروا له عن تأخره عن بيعة أبي بكر بأنه كان مشغولاً بجمع القرآن ؟ !
أما ما جاء في الرواية من أنهم كتبوه عن صحف عمر عند حفصة ، فيرده ما ثبت من امتناعها عن إعطائها لهم حتى ماتت ! كما يرده رسالة عثمان إلى الأمصار التي بعثها مع المصاحف ، وذكر فيها أسماء أربعة من اللجنة ، ولم يذكر أي صعوبات مما ذكرته روايات عمر وزيد في جمع القرآن ، بل بشر عثمان المسلمين بأنه نسخ لهم نسخ القرآن عن آخر نسخة غضة طرية مسموعة من فم رسول الله صلى الله عليه وآله ، لكنه نسب النسخة إلى عائشة ! !
قال في تاريخ المدينة : 3 / 997 : ( عن أبي محمد القرشي : أن عثمان بن
عفان كتب إلى الأمصار : أما بعد فإن نفراً من أهل الأمصار اجتمعوا عندي فتدارسوا القرآن ، فاختلفوا اختلافاً شديداً ، فقال بعضهم قرأت على حرف أبي الدرداء .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 281 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال بعضهم قرأت على حرف عبد الله بن مسعود ، وقال بعضهم قرأت على حرف عبد الله بن قيس ، فلما سمعت اختلافهم في القرآن والعهد برسول الله ( ص ) حديث ، ورأيت أمراً منكراً ، فأشفقت على هذه الأمة من اختلافهم في القرآن ، وخشيت أن يختلفوا في دينهم بعد ذهاب من بقي من أصحاب رسول الله ( ص ) الذين قرأوا القرآن على عهده وسمعوه من فيه ، كما اختلفت النصارى في الإنجيل بعد ذهاب عيسى بن مريم ، وأحببت أن نتدارك من ذلك ، فأرسلت إلى عائشة أم المؤمنين أن ترسل إليَّ بالأدم الذي فيه القرآن الذي كتب عن فم رسول الله ( ص ) حين أوحاه الله إلى جبريل ، وأوحاه جبريل إلى محمد وأنزله عليه ، وإذا القرآن غض ، فأمرت زيد بن ثابت أن يقوم على ذلك ، ولم أفرغ لذلك من أجل أمور الناس والقضاء بين الناس ، وكان زيد بن ثابت أحفظنا للقرآن ، ثم دعوت نفراً من كتَّاب أهل المدينة وذوي عقولهم ، منهم نافع بن طريف ، وعبد الله بن الوليد الخزاعي ، وعبد الرحمن بن أبي لبابة ، فأمرتهم أن ينسخوا من ذلك الأدم أربعة مصاحف وأن يتحفظوا ) . انتهى .
فالمصحف الذي بأيدينا مكتوب عن تلك النسخة الفريدة المكتوبة من فم النبي صلى الله عليه وآله ، والتي لم يدع أحد غير علي عليه السلام أنها عنده ، ولا روى أحد أنها كانت عند أحد غيره ! فالقرآن الفعلي لا ينطبق إلا على قراءة علي عليه السلام وهو يخالف ما ثبت في نسخ غيره !
قال الذهبي في سير أعلام النبلاء : 2 / 426 : ( حفص ، عن عاصم ، عن أبي عبد الرحمن قال : لم أخالف علياً في شئ من قراءته ، وكنت أجمع حروف عليٍّ ، فألقى بها زيداً في المواسم بالمدينة فما اختلفنا إلا في التابوت كان زيد يقرأ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 282 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بالهاء وعليٌّ بالتاء ) . انتهى .
ونعيد تأكيد القول إن مصحفنا الفعلي لا يمكن أن يكون كتب عن صحف عمر التي كان عند حفصة واستعصت بها حتى ماتت !
قال عمر بن شبة في تاريخ المدينة : 3 / 1003 : ( قال الزهري : فحدثني سالم قال ، لما توفيت حفصة أرسل مروان إلى ابن عمر بعزيمة ليرسلن بها ، فساعة رجعوا من جنازة حفصة أرسل بها ابن عمر ، فشققها ومزقها مخافة أن يكون في شئ من ذلك خلاف لما نسخ عثمان ! ! ) .
فلا بد من رد رواية أن القرآن كتب عنها إما لأنها رواية مكذوبة ، أو أن السلطة قالتها لرد المعترضين على فعل عثمان .
ثم إن عثمان في رسالته إلى الأمصار نسب النسخة الغضة إلى عائشة ، ولم يذكر حفصة !
ثم إن نسخة حفصة لابد أن تكون فيها قراءات عمر الثابتة عنه برواياتهم القطعية ، والتي لا توجد في مصحفنا والحمد لله .
كما لا يمكن أن يكون عن مصحف عثمان ، لشهادة عثمان في رسالته إلى الأمصار ، ولأنهم رووا أن عثمان لما أكملوا نسخ القرآن وعرضوه عليه نظر فيه وقال : ( إن فيه لحناً وستقيمه العرب بألسنتها ) !
ففي كنز العمال : 2 / 586 ، عن كتاب المصاحف لابن الأنباري وابن أبي دؤاد ، قال : ( عن قتادة أن عثمان لما رفع إليه المصحف قال : إن فيه لحناً وستقيمه العرب بألسنتها . . . وعن عكرمة قال : لو كان المملي من هذيل والكاتب من ثقيف لم يوجد فيه هذا ) !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 283 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كما لا يمكن أن يكون عن نسخة عائشة ، لأن أحداً لم يدع أن عائشة كان عندها نسخة ذلك القرآن الذي وصفه عثمان في رسالته إلى الأمصار : ( القرآن الذي كتب عن فم رسول الله صلى الله عليه وآله حين أوحاه الله إلى جبريل وأوحاه جبريل إلى محمد وأنزله عليه ، وإذا القرآن غض ) .
فلو كان عندها لما استكتبت نسخة من القرآن المتداول كما في رواية مسلم : 2 / 112 : ( عن أبي يونس مولى عائشة أنه قال أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفاً وقالت إذا بلغت هذه الآية فآذني حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ، فلما بلغتها آذنتها فأملت عليَّ حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر ، وقوموا لله قانتين ) !
ولو كان عندها مثل تلك النسخة لاحتجت بها على نساء النبي صلى الله عليه وآله عندما خالفنها في مسألة رضاع الكبير ومسألة كفاية خمس رضعات . . فقد قالت كما في صحيح مسلم : 4 / 167 : ( كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرِّمن ، ثم نسخن بخمس معلومات فتوفي رسول الله ( ص ) وهن فيما يقرأ من القرآن ! ) .
وقال أحمد : 6 / 271 : ( كانت عائشة تأمر أخواتها وبنات أخواتها أن يرضعن من أحبت عائشة أن يراها ويدخل عليها وإن كان كبيراً خمس رضعات ثم يدخل عليها ! وأبت أم سلمة وسائر أزواج النبي ( ص ) أن يدخلن عليهن بتلك الرضاعة أحداً من الناس ، حتى يرضع في المهد . . ) انتهى .
فقد كان مهماً عند عائشة أن تحتج لمسألة الرضاعة ، لأن نساء النبي صلى الله عليه وآله خالفنها وانتقدنها ، وكانت متحمسة لإثبات صحة عملها !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 284 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فالقرآن الفعلي يختلف عما ثبت في كل هذه النسخ ، ولا ينطبق إلا على نسخة علي بن أبي طالب عليه السلام ، وما روي عنه عليه السلام من قراءات ، وقد تقدم من سير الذهبي ( 2 / 426 ) أن عاصماً روى عن أستاذه أنه قال : ( لم أخالف علياً في شئ من قراءته ، وكنت أجمع حروف عليّ ٍ ) .
وعليه ، لابد من حمل ما ورد في رسالة عثمان إلى الأمصار من نسبة النسخة إلى عائشة ، أنه قول سياسي لغرض من الأغراض .
* *
ملاحظة :
إن استنادنا بأن مصحف عثمان كتب عن نسخة مصحف علي عليه السلام ، إنما يدل على أن النسخته الأصلية التي كتبوا عنها هي مصحف علي عليه السلام ، ولا يدل على أنهم كتبوه عنها حرفياً ولم يتصرفوا في مكان بعض آياتها وترتيبها ، فقد شهدوا بأنهم وضعوا بعض الآيات في مكانها الفعلي حسب اجتهادهم !
وسيأتي ذلك في المسألة 79 ، عن زيد بن ثابت وغيره !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 285 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأسئلة
1 - ما دام علي عليه السلام هو الذي سعى في توحيد نسخة القرآن ، وهو الذي أعطى عثمان النسخة التي كتبها سماعاً من فم رسول الله صلى الله عليه وآله ، فكيف تقولون إن أبا بكر وعمر جمعا القرآن ثم جمعه عثمان ولم يجمعه علي عليه السلام ؟ !
2 - كيف تحلون الروايات المتناقضة في نسخة حفصة ، فمنها يقول إن القرآن كتب عنها ، ومنها ما يقول إنها استعضت بها حتى ماتت !
3 - كيف تحلون الروايات المتناقضة في نسخة عائشة ، فمنها يقول إنها غضة طرية مكتوبة من فم النبي صلى الله عليه وآله ، ومنها يقول إنها استكتبت نسخة وأضافت إليها كلمة صلاة العصر بعد الصلاة الوسطى ؟ !
4 - ما رأيكم في قول عثمان عن القرآن الفعلي ( إن فيه لحناً ) وأين هو اللحن ، وهل قومته العرب كما زعم ؟
5 - هل تفتون بفسق أو كفر من قال إن القرآن الفعلي فيه لحن ، كما قال عثمان ، أو يقول إن فيه نقصاً لآيات وخطأً من الكتاب كما قالت عائشة ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 286 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 287 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل السادس : تحريف القرآن جائز وشرعي ! بفتوى عمر وفقهاء السنة ! !

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 288 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 289 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 77 عمر يفتي بجواز تحريف القرآن !

ما تقولون في هذه الفتوى :
( لا يجب قراءة القرآن بنصه ، لا في الصلاة ولا في غيرها ! بل يجوز لكل أحد أن يغير ألفاظه ويقرأه بالمعنى ، أو بما يقرب من المعنى ، بأي ألفاظ شاء ! والشرط الوحيد أن لا يبدل المعنى فينقلب رأساً على عقب وتصير آية الرحمة آية عذاب وآية العذاب آية رحمة !
فمن قرأ بهذا الشرط فقراءته صحيحة شرعاً ، وهي قرآن أنزله الله تعالى ! لأن الله رخص للناس أن يقرؤوا كتابه بأي لفظ بهذا الشرط البسيط ! ! ) .
لعلكم تقولون إن صاحب هذه الفتوى فاسق أو كافر ! !
لكن لا تعجلوا بالحكم فصاحبها . . عمر بن الخطاب ، وصاحبه أبو موسى !
روى أحمد في مسنده : 4 / 30 : ( قرأ رجل عند عمر فَغَيَّر عليه فقال : قرأت على رسول الله ( ص ) فلم يغير علي ! قال فاجتمعنا عند النبي ( ص ) قال فقرأ الرجل على النبي ( ص ) فقال له : قد أحسنت ! قال فكأن عمر وجد من ذلك فقال النبي ( ص ) : يا عمر إن القرآن كله صواب ، ما لم يجعل عذاب مغفرة أو مغفرة عذاباً ) ! ! انتهى . ( في مجمع الزوائد : 7 / 150 : رواه أحمد ورجاله ثقات )
وروى أحمد : 5 / 41 : عن أبي موسى الأشعري عن النبي ( ص ) قال : ( أتاني جبريل وميكائيل فقال جبريل إقرأ القرآن على حرف واحد ، فقال ميكائيل استزده ، قال إقرأه على سبعة أحرف كلها شاف كاف ، ما لم تختم آية رحمة بعذاب أو آية عذاب برحمة ! ! ) . انتهى . وقال عنه في مجمع الزوائد : 7 / 150 : ( رواه أحمد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 290 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والطبراني بنحوه إلا أنه قال واذهب وأدبر ، وفيه علي بن زيد بن جدعان وهو سئ الحفظ وقد توبع وبقية رجال أحمد رجال الصحيح ) !
وقال السيوطي في الإتقان : 1 / 168 ، عن أبي هريرة من حديث عمر : ( إن القرآن كله صواب ما لم تجعل مغفرة عذاباً أو عذاباً مغفرة . أسانيدها جياد ) . انتهى . ( راجع أيضاً التاريخ الكبير للبخاري : 1 / 382 ، وأسد الغابة : 5 / 156 ، وكنز العمال : 1 / 550 و 618 ، و 619 ، و : 2 / 52 و 603 ، لترى بقية المصيبة ! ) .
وزاد الطبري في تفسيره : 1 / 34 ، عن ابن أبي موسى الأشعري أن ميكائيل ساعد أباه وعمر فعلم النبي صلى الله عليه وآله أن لا يقبل بقراءة القرآن بنص واحد وأن يستزيد جبرئيل : ( عن عبد الرحمن بن أبي بكرة ، عن أبيه ، قال : قال رسول الله ( ص ) : قال جبريل : إقرؤوا القرآن على حرف ، فقال ميكائيل : استزده ، فقال على حرفين ، حتى بلغ ستة أو سبعة أحرف فقال : كلها شاف كاف ما لم يختم آية عذاب برحمة ، أو آية رحمة بعذاب ، كقولك هلم وتعال ) ! ( وقال في هامشه : رواه الإمام أحمد في المسند ( ج 7 حديث 20447 ) بشئ من الاختصار . ورواه أيضاً ( ج 7 حديث 20537 ) بنحوه وفيه زيادة : نحو قولك تعال ، وأقبل ، وهلم واذهب ، وأسرع وأعجل ) ! ! !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 291 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأسئلة
1 - ما رأيكم في هذه الفتوى أو القنبلة التخريبية التي تنص على جواز تحريف القرآن جهاراً نهاراً ، وتنسب ذلك إلى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله ؟ ! !
2 - هل رأيتم أن عمر كان يعطي لنفسه الحق الذي لم يعطه الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وآله ؟ فإن الله لم يعط لرسوله حق إضلال أمته ، بينما عندما قال النبي صلى الله عليه وآله للمسلمين إيتوني بدواة وقرطاس أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً ، قال له عمر : كتاب الله حسبنا ! ! ولا نريد كتابك ونريد أن نضل !
ثم لم يعط الله تعالى لنبيه الحق في تغيير القرآن فقال له : ( قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) ( سورة يونس : 15 ) لكن عمر أعطى لنفسه حق التغيير في كتاب الله تعالى فقال : ( إن القرآن كله صواب ما لم تجعل مغفرة عذاباً أو عذاباً مغفرة ! ! ) .
2 - إذا كذبتم هذه الروايات عن عمر وهي صحاح وجياد وحسان ! فأخبرونا من الكاذب من رواتها ، حتى نشطب على رواياته في مصادركم ؟ !
3 - لماذا تشنون حملة على الشيعة وتتهمونهم بالقول بتحريف القرآن بسبب وجود روايات في مصادرهم تضيف إلى الآية كلمة تفسيرية أو ما شابه ؟ ! وإمامكم عمر يقول لكم : إذا رأيتم أحداً يقرأ القرآن غلطاً فلا تغيِّروا عليه ، فقد غيرت يوماً على شخص قراءته فقال النبي ( ص ) كله صحيح ، كله تمام !
أو كما قال أبو موسى الأشعري ونسب إلى أبيّ بن كعب أنه دهش وشك في نبوة النبي ( ص ) فقال له لا تشك فنص القرآن هكذا أنزله الله ! ! أي مفتوحاً عائماً ، يصح أن تقرأه بأي لفظ ، بشرط بسيط أن لا يكون بعكس المعنى ! !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 292 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
4 - ما قولكم الآن في مقولة عمر بالأحرف السبعة ؟ ! ألا ترون أنها بسيطة أمام هذه الفرية الكبيرة ؟ ! فالأحرف السبعة تهز أركان وحدة نص القرآن !
وهذه الفرية تخرب نص القرآن وتهدم صرحه من أصله ! !
5 - ماذا يريد عمر من سياسته تجاه القرآن ؟ !
فقد غيَّب النص القرآني الموحد ونُسخته الرسمية في عهد أبي بكر وعهده كما غيَّب السنة !
وشكل لجنة شكلية لجمع القرآن ، وأبعد منها كل الذين أمر النبي صلى الله عليه وآله المسلمين أن يأخذوا القرآن منهم ! !
وأعلن أنه ضاع من القرآن أكثره ، وأن اللجنة التي كلفها بجمعه بذلت جهوداً كبيرة لجمعه من الناس والمكتوبات بشرط شاهدين عاديين فقط ! بل بشاهد واحد كما زعموا في آيات آل خزيمة ! .
ثم كان يخبئ القرآن الذي تجمعه اللجنة المحترمة أي هو عند بنته حفصة ولا يطلع عليه أحداً ، والحمد لله أنه تم إحراقه بعد وفاة حفصة ! !
ثم طرح مقولة الأحرف السبعة ، لكن لم يسمح بها للناس ، ولم يستفد منها أحد إلا هو نفسه ! !
ثم طرح رأيه بتعويم نص القرآن وتمييعه ، وأعطى لنفسه الحق في أن يرخص للناس فيما لم يرخص الله به لرسوله صلى الله عليه وآله ؟ ! !
فماذا يريد عمر ؟ وهل رأيتم أحداً صنع بالقرآن ما صنعه عمر ؟ !
6 - إسمحوا لنا الآن أن نسألكم عن معنى قوله تعالى : ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) . ( سورة الحجر : 9 )
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 293 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 78 فتاوي فقهائهم تبعاً لعمر بجواز تحريف القرآن !

أثمرت فتنة عمر ثمارها السيئة في فقه المذاهب السنية ، فأفتى فقهاؤهم بصحة أحاديث نزول القرآن على سبعة أحرف ، وهذا يلزمه أنهم يفتون بجواز تحريفه وقراءته بسبعة أشكال !
ولم يقفوا عند هذا الحد ، بل أفتوا بصراحة بجواز تغيير نص القرآن ، وبجواز تغيير نص تشهد الصلاة الذي رووه عن النبي صلى الله عليه وآله بطريق أولى لأنه أخف من القرآن !
قال الشافعي في اختلاف الحديث ص 489 وفي الأم : 1 / 142 :
( وقد اختلف بعض أصحاب النبي في بعض لفظ القرآن عند رسول الله ( ص )
ولم يختلفوا في معناه ، فأقرهم وقال : هكذا أنزل ، إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرؤوا ما تيسر منه ! ! فما سوى القرآن من الذكر أولى أن يتسع هذا فيه إذا لم يختلف المعنى ! قال : وليس لأحد أن يعمد أن يكف عن قراءة حرف من القرآن إلا بنسيان ، وهذا في التشهد وفي جميع الذكر أخف ! ! ) .
وقال البيهقي في سننه : 2 / 145 : ( قال الشافعي رحمه الله : فإذا كان الله برأفته بخلقه أنزل كتابه على سبعة أحرف ، معرفة منه بأن الحفظ قد نزر ليجعل لهم قراءته وإن اختلف لفظهم فيه ، كان ما سوى كتاب الله أولى أن يجوز فيه اختلاف اللفظ ما لم يخل معناه ! ) .
وقال ابن قدامة الحنبلي في المغني : 1 / 575 : ( فصل . وبأي تشهد تشهد مما صح عن النبي ( ص ) جاز ، نص عليه أحمد فقال : تشهد عبد الله أعجب إليَّ وإن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 294 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
تشهد بغيره فهو جائز لأن النبي ( ص ) لما علمه الصحابة مختلفاً دل على جواز الجميع ، كالقراءات المختلفة التي اشتمل عليها المصحف . . . وقال ابن حامد : رأيت بعض أصحابنا يقول لو ترك واواً أو حرفاً أعاد الصلاة لقول الأسود : فكنا نتحفظه عن عبد الله كما نتحفظ حروف القرآن ، والأول أصح لما ذكرنا . وقول الأسود يدل على أن الأولى والأحسن الإتيان بلفظه وحروفه وهو الذي ذكرنا أنه المختار ، وعلى الثاني أن عبد الله كان يرخص في إبدال لفظات من القرآن فالتشهد أولى ! فقد روي عنه أن إنساناً كان يقرأ عليه : ( إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ ، طَعَامُ الأَثِيمِ ) فيقول طعام اليتيم ، فقال له عبد الله : قل طعام الفاجر ) ! !
وقال في عون المعبود : 4 / 244 : ( وحديث أحمد بإسناد جيد صريح فيه . وعنده بإسناد جيد أيضاً من حديث أبي هريرة : أنزل القرآن على سبعة أحرف عليماً حكيماً غفوراً رحيماً . وفي حديث عنده بسند جيد أيضاً : القرآن كله صواب ما لم يجعل مغفرةً عذاباً أو عذاباً مغفرةً ، ولهذا كان أبيُّ يقرأ كلما أضاء لهم سعوا فيه بدل مشوا فيه ، وابن مسعود : أمهلونا أخرونا ، بدل أنظرونا . . . ) ! ! .
وقال ابن حزم في الأحكام : 4 / 528 : ( فإن ذكر ذاكر الرواية الثابتة بقراءات منكرة صححت عن طائفة من الصحابة ، مثل ما روي عن أبي بكر الصديق ( رض ) ( وجاءت سكرة الموت ) . ومثل ما صح عن عمر ( رض ) من قراءة ( صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم والضالين ) ، ومن أن ابن مسعود ( رض ) لم يعد المعوذتين من القرآن ، وأن أبياً ( رض ) كان يعد القنوت من القرآن ونحو هذا .
قلنا : كل ذلك موقوف على من روى عنه شئ ليس منه عن النبي ( ص ) البتة ، ونحن لا ننكر على من دون رسول الله ( ص ) الخطأ ، فقد هتفنا به هتفاً ، ولا حجة فيما روي عن أحد دونه عليه السلام ، ولم يكلفنا الله تعالى الطاعة له ولا أمرنا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 295 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بالعمل به ولا تكفل بحفظه ، فالخطأ فيه واقع فيما يكون من الصاحب فمن دونه ممن روى عن الصاحب والتابع ، ولا معارضة لنا بشئ من ذلك . . .
ومن العجب أن جمهرة من المعارضين لنا وهم المالكيون قد صح عن صاحبهم ما ناه المهلب بن أبي صفرة الأسدي التميمي ، قال ابن مناس : نا ابن مسرور ، نا يحيى نا يونس بن عبد الأعلى ، نا ابن وهب حدثني ابن أنس قال : أقرأ عبد الله بن مسعود رجلاً : ( إن شجرة الزقوم طعام الأثيم ) فجعل الرجل يقول : طعام اليتيم ، فقال له ابن مسعود : طعام الفاجر . قال ابن وهب : قلت لمالك : أترى أن يقرأ كذلك ؟ قال : نعم أرى ذلك واسعاً ! فقيل لمالك : أفترى أن يقرأ بمثل ما قرأ عمر بن الخطاب فامضوا إلى ذكر الله ؟ قال مالك : ذلك جائز ، قال رسول الله ( ص ) : أنزل القرآن على سبعة أحرف فاقرؤوا منه ما تيسر مثل : تعلمون يعلمون . قال مالك : لا أرى في اختلافهم في مثل هذا بأساً ، ولقد كان الناس ولهم مصاحف ، والستة الذين أوصى لهم عمر بن الخطاب كانت لهم مصاحف .
قال أبو محمد : فكيف يقولون مثل هذا ؟ ! أيجيزون القراءة هكذا ؟ ! فلعمري لقد هلكوا وأهلكوا وأطلقوا كل بائقة في القرآن ! أو يمنعون من هذا ؟ ! فيخالفون صاحبهم في أعظم الأشياء ، وهذا إسناد عنه في غاية يخالفهم الصحة وهو مما أخطأ فيه مالك مما لم يتدبره لكن قاصداً إلى الخير ولو أن امرءاً ثبت على هذا وجازه بعد التنبيه له على ما فيه ، وقيام حجة الله تعالى عليه في ورود القرآن بخلاف هذا لكان كافراً ، ونعوذ بالله من الضلال ) .
فهذه فتاواهم صريحة بجواز تحريف القرآن واستبدال ألفاظه بألفاظ أخرى ! وأن الألفاظ التي يختارها القارئ بدل ألفاظ القرآن تكون قرآناً منزلاً من عند
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 296 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الله عز وجل ! ولم يخالفهم إلا ابن حزم ! تعالى الله عما ينسبون إليه علواً كبيراً .
* *
أما فقهاء مذهب أهل البيت عليهم السلام فهم أتباع القرآن والعترة المحافظون على كتاب ربهم ، لذا تراهم يحكمون ببطلان الصلاة إذا غيَّر المصلي في قراءتها حرفاً واحداً من القرآن ، أو غيَّر حركة إعراب واحدة !
قال السيد الخوئي في منهاج الصالحين : 1 / 164 :
( مسألة 606 ) : تجب القراءة الصحيحة بأداء الحروف وإخراجها من مخارجها على النحو اللازم في لغة العرب ، كما يجب أن تكون هيئة الكلمة موافقة للأسلوب العربي ، من حركة البنية ، وسكونها ، وحركات الإعراب والبناء وسكناتها ، والحذف ، والقلب ، والإدغام ، والمد الواجب ، وغير ذلك ، فإن أخل بشئ من ذلك بطلت القراءة ) .
( ونحوه في منهاج الصالحين للسيد السيستاني : 1 / 207 ، وتحرير الوسيلة للسيد الخميني : 1 / 167 )
وقال الشيخ زين الدين في كلمة التقوى : 1 / 417 :
( المسألة 457 ) : تجب القراءة الصحيحة بإخراج الحروف من مخارجها المعروفة بحيث لا يبدل حرفاً بحرف ، أو يلتبس به عند أهل اللسان . وموافقة الأسلوب العربي في هيئة الكلمة وهيئة الجملة في حركات بناء الهيئة وسكناته وحركات الإعراب والبناء في آخر الكلمة وسكناتهما ، والمد الواجب ، والإدغام والحذف ، والقلب في مواضعها ) .
وقال صاحب جواهر الكلام : 13 / 341 :
( ولو كان الإمام يلحن في قراءته لم يجز إمامته بمتقن على الأظهر ) بل المشهور نقلاً وتحصيلاً ، بل لا أجد فيه خلافاً بين المتأخرين ، لأصالة عدم سقوط القراءة ونقصان صلاة الإمام عن صلاة المأموم ) . انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 297 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأسئلة
1 - ما رأيكم في فتاوى هؤلاء الفقهاء وأمثالهم واستدلالهم على جواز تغيير ألفاظ التشهد بجواز تغيير ألفاظ القرآن وهي أهم منها ؟ !
فهل ترون أنهم مجتهدون مخطئون لأنهم أفتوا بجواز تحريف القرآن وتغيير ألفاظه ؟ ! أم أهل ضالون ، أم تكفرونهم لتجويزهم تحريف كتاب الله تعالى ؟ !
2 - ما رأيكم بقول الشافعي إن القرآن يتسع لتغيير ألفاظه فما سواه أولى ! قال : ( فما سوى القرآن من الذكر أولى أن يتسع هذا فيه ) ! !
3 - ما رأيكم في قول إمامكم ابن قدامة : ( وعلى الثاني أن عبد الله كان يرخص في إبدال لفظات من القرآن فالتشهد أولى ! فقد روي عنه أن إنساناً كان يقرأ عليه : ( إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ ، طَعَامُ الأَثِيمِ ) فيقول طعام اليتيم ، فقال له عبد الله : قل طعام الفاجر ! ! ) ؟ !
4 - ما رأيكم في قول العظيم آبادي في عون المعبود : ( وفي حديث عنده بسند جيد أيضاً : القرآن كله صواب ما لم يجعل مغفرةً عذاباً أو عذاباً مغفرةً ) !
5 - لماذا تكتمون هذه الفتاوى عن جماهير المسلمين خوفاً منهم ؟ ! ولا تقولون لهم إقرؤوا سورة الإخلاص بهذه الصورة مثلاً : ( إقرأ الله واحد صامد لا مولود ولا والد ولا له مكافئ واحد ! ! ) أو أنظمها شعراً بمعناها ، فمن قرأها بهذا الشكل فصلاته صحيحة ، لأنها تكون قرآناً منزلاً من رب العالمين !
6 - رأيتم في المقابل فتاوى فقهاء مذهبنا ومحافظتهم على ألفاظ القرآن وحركات إعرابها ، وحكمهم ببطلان صلاة من خالفها !
فمن الذي أفتى بالتحريف ، ومن الذي حفظ الله به كتابه ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 298 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 79 هل يبقى عندكم تواتر لنص القرآن ؟

يجب أولاً أن نطمئن المسلمين من جميع المذاهب والاتجاهات ، إلى أن هذه الأمة المباركة امتازت عن غيرها من الأمم فيما امتازت بكتاب الله عز وجل ، حيث لا يوجد على وجه الأرض كتابٌ سماويٌّ محفوظُ النسخةِ جيلاً عن جيل ، وحرفاً بحرف ، غير القرآن !
وأن الأحاديث في مصادر هذه الطائفة أو تلك ، التي توهم وقوع التحريف فيه ليس لها قيمة علمية ولا عملية ، مهما كانت أسانيدها . . لأن الله تعالى قد تكفل بحفظ كتابه وجعل أقوى وسيلة لضمانة قوة نصه الذاتية ، ثم المحافظين عليه من أهل بيت النبوة عليهم السلام .
إن القرآن كلام الله تعالى ، وهي حقيقة تفاجئ كل منصف يقرأ القرآن فيقف عندها الذهن ، ويتفكر فيها العقل ، ويخشع القلب لجلالها .
يجد نفسه أمام متكلم فوق البشر ، وأفكار أعلى من أفكارهم ، وألفاظ ومعانٍ انتقاها العليم الحكيم ، وصاغها بعلمه وقدرته وحكمته !
يجد أن نص القرآن متميزٌ عن كل ما قرأ وسمع ، وكفى بذلك دليلاً على سلامته من تحريف المحرفين وتشكيك المشككين .
إن القوة الذاتية لنص القرآن هي أقوى سند لنسبته إلى الله تعالى ، وأقوى ضمان لإباءِ نسيجِه عما سواه ، ونفيه ما ليس منه !
فقد جعله الله أشبه بطبقٍ من الجواهر الفريدة ، إذا وضع بينها غيرها انفضح ! وإذا أخذ منها شئ إلى مكان آخر ، نادى بغربته حتى يرجع إلى طبقه !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 299 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لقد أتقن الله تعالى بناء القرآن بدقة متناهية وإعجاز كبناء السماء ! ( فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ . وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ . إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ) . ( سورة الواقعة : 75 - 77 )
والتناسب بين عناصر القسم الذي تراه في القرآن ، يدل على التشابه في دقة بناء السماء ومواقع نجومها ، وبين سور القرآن وآياته وكلماته وحروفه !
وإلى اليوم لم يكتشف العلماء من بناء الكون إلا القليل ، وكلما اكتشفوا جديداً خضعت أعناقهم لبانيه عز وجل !
ولم يكتشفوا من بناء القرآن إلا القليل ، وكلما اكتشفوا منه جديداً خضعت أعناقهم لبانيه عز وجل ! !
من جهة أخرى ، فإن التاريخ لم يعرف أمة اهتمت بحفظ كتاب وضبطه ، والتأليف حول سوره وآياته وكلماته وحروفه ، فضلاً عن معانيه ، كما اهتمت أمة الإسلام بالقرآن ، وهذا سند ضخم ، رواته الحفاظ والقراء والعلماء وجماهير الأمة ، سنداً متصلاً جيلاً عن جيل إلى جيل السماع من فمِ الذي أنزله الله على قلبه صلى الله عليه وآله !
فسند القرآن العظيم هو هذه القوة الذاتية والمعمارية الفريدة ، وتلك العناية الفائقة المميزة من أمة الإسلام عبر أجيالها ! !
هذا هو اعتقاد المسلمين بالقرآن سواءٌ منهم الشيعة والسنة ، وسواء استطاع علماؤهم وأدباؤهم أن يعبِّروا عنه ، أم بقي حقائق تعيش في عقولهم وقلوبهم وتعجز عنها ألسنتهم والأقلام !
ونحن الشيعة نفتخر بأن اعتقادنا بالقرآن راسخ ، ورؤيتنا له صافية ، ونظرياتنا حوله واضحة ، لأنها مأخوذة من منبع واضح صافٍ ، منبع أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله ، وباب مدينة علمه !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 300 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وإذا كانت بعض المصادر السنية قبل الشيعية فيها ما يخالف ذلك ، فلا عبرة بكل ما خالف حقيقة القرآن الساطعة وشمسه الطالعة ! !
لكنا مضطرون لسد باب التهريج على شيعة أهل البيت الطاهرين عليهم السلام ، وأن نكشف بعض ما في مصادر مخالفينا من طوام حول القرآن ، ومنها أن التواتر الذي يزعمونه ويتبجحون به بأسانيد رواتهم لا وجود له عندهم !
فأين سندهم المتواتر للمعوذتين ، وأحاديثهم عنها ما بين مثبت ومشكك والمشكك أعلى صحة لأن البخاري اختاره !
وأين سندهم المتواتر للبسملة ، والنافي لقرآنيتها من أوائل السور منهم أضعاف المثبت لها على تخوف وظن وترجيح !
وأين سندهم المتواتر لآيات خزيمة وآل خزيمة ، وادعاءات زيد بن ثابت كاتب عمر المفضل ، وفتاه المقرب ؟ !

آيات خزيمة ضاعت مراراً . . ووجدها زيد ! !
في كثير من رواياته ، ذكر زيد بن ثابت لنفسه دوراً بارزاً في جمع المصحف من زمن أبي بكر وعمر ، ولم يذكر دورهما هما بشكل بارز ! ولا بد أن رواياته هذه كانت بعد موت عمر !
يقول زيد إن آية بل آيات خزيمة وأبي خزيمة المسكينة قد ضاعت ، نعم ضاعت في الجمع الأول قبل بضع عشرة سنة عندما جمع هو القرآن في زمن عمر ، ثم وجدها زيد عن خزيمة !
ثم ضاعت ثانية ووجدها زيد أيضاً ! ولم تكن موجودة عند أحد من الناس إلا عند آل خزيمة ! فقبل زيد شهادة خزيمة وحده ولم يطلب شاهدين ، لأن النبي صلى الله عليه وآله سماه : ( ذا الشهادتين ) !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 301 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي رواية عن زيد نفسه أنه وجدها عند ابن خزيمة وليس عند خزيمة ، وفي رواية أنه وجدها عند أبي خزيمة لا ابنه ولا حفيده !
وفي رواية أنه وجدها عند ( خزيمة آخر ) فأجرى عليهم جميعاً حكم خزيمة ذي الشهادتين ، لمجرد اسم خزيمة !
( فالتمستها فوجدتها مع خزيمة بن ثابت أو ابن خزيمة . . .
وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع أحد غيره . . .
فلم أجدهما مع أحد منهم حتى وجدتهما مع رجل آخر يدعي خزيمة أيضاً ) .
وقد أكثرت مصادرهم من رواية آيات خزيمة ، وفي بعضها أن الذي وجدها هو عمر أو عثمان وليس زيد بن ثابت !
وفي بعضها أن الذي وجدها صاحبها خزيمة ! كما في كنز العمال : 2 / 576 عن طبقات ابن سعد !
روى البخاري : 8 / 177 : ( أن زيد بن ثابت حدثه قال : أرسل إليَّ أبو بكر فتتبعت القرآن حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع أحد غيره ! لقد جاءكم رسول من أنفسكم ، حتى خاتمة براءة ) .
ورواه في : 6 / 22 و 98 وفي : 3 / 206 ، وفيه : ( فلم أجدها إلا مع خزيمة ابن ثابت الأنصاري الذي جعل رسول الله ( ص ) شهادته شهادة رجلين . ورواه أحمد : 5 / 188 ، والترمذي : 4 / 347 ، وكنز العمال : 2 / 581 ! فالآية في هذه الروايات آخر التوبة ، والذي وجدها زيد عند أبي خزيمة ، والوقت في زمن أبي بكر !
وقال البخاري : 5 / 31 : ( أنه سمع زيد بن ثابت يقول : فقدت آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف كنت أسمع رسول الله ( ص ) يقرؤها فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري : من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 302 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر ، فألحقناها في سورتها في المصحف )
فالآية من سورة الأحزاب ، والذي وجدها زيد وزملاؤه النُّساخ ، وجدوها عند خزيمة ، والوقت كما يبدو زمن عثمان !
وفي كنز العمال : 2 / 574 ، عن ابن أبي داود وابن عساكر : ( عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال : أراد عمر بن الخطاب أن يجمع القرآن فقام في الناس فقال : من كان تلقى من رسول الله ( ص ) شيئاً من القرآن فليأتنا به ، وكانوا كتبوا ذلك في الصحف والألواح والعسب ، وكان لا يقبل من أحد شيئاً حتى يشهد شاهدان فقتل وهو يجمع ذلك ، فقام عثمان فقال من كان عنده من كتاب الله شئ فليأتنا به ، وكان لا يقبل من ذلك شيئاً حتى يشهد عليه شاهدان ، فجاء خزيمة بن ثابت فقال : قد رأيتكم تركتم آيتين لم تكتبوهما ! قالوا ما هما ؟ قال : تلقيت من رسول الله ( ص ) : لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم إلى آخر السورة ، فقال عثمان : وأنا أشهد أنهما من عند الله ، فأين ترى أن نجعلهما ؟ قال : أختم بهما آخر ما نزل من القرآن ، فختم بهما براءة ) ! فالذي وجدها خزيمة نفسه ، والوقت في زمن عمر ، وعند جمع عثمان للقرآن !
وفي تاريخ المدينة : 3 / 1001 : عن خارجة بن زيد ، عن زيد بن ثابت قال : عرضت المصحف فلم أجد فيه هذه الآية : من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا . قال : فاستعرضت المهاجرين أسألهم عنها فلم أجدها مع أحد منهم ، ثم استعرضت الأنصار أسألهم عنها فلم أجدها مع أحد منهم ! ! حتى وجدتها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري فكتبتها ، ثم عرضته مرة أخرى فلم أجد فيه هاتين الآيتين : لقد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 303 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
جاءكم رسول من أنفسكم إلى آخر السورة ، قال : فاستعرضت المهاجرين أسألهم عنها فلم أجدهما مع أحد منهم ، ثم استعرضت الأنصار أسألهم عنهما فلم أجدهما مع أحد منهم ! ! حتى وجدتهما مع رجل آخر يدعي خزيمة أيضاً من الأنصار فأثبتهما في آخر ( براءة ) ! ! قال زيد : ولو تمت ثلاث آيات لجعلتها سورة واحدة ) . انتهى .
فالآية من سورة التوبة ، والذي وجدها زيد ، مع خزيمة آخر ، والوقت بقرينة بقية الرواية زمن جمع عثمان للمصحف !
ومن الطريف أن زيد بن ثابت يدعي أنه كان صاحب قرار في تدوين المصحف الإمام ، وأنه كان يتصرف برأيه كأنه لا يوجد أحد غيره ! وأنه لو كان ما عثر عليه ثلاث آيات لجعلها سورة مستقلة وصار قرآننا 115 سورة ! ! وربما كان اسم السورة الأخيرة : ( سورة زيد بن ثابت ) !
وقد أطال الباحثون والمستشرقون في أمر آيات آل خزيمة ، لأنها تثير الشبهة على القرآن ، وأن فيه آيات كتبت بشهادة شخص واحد فهي غير متواترة ، وبذلك تبطل دعوى المسلمين بتواتر قرآنهم !
وهذا الإشكال يرد على الذين يثقون بزيد بن ثابت ، ويصدقون مبالغاته ومبالغات أمثاله ، التي فتحت على القرآن والوحي والنبي صلى الله عليه وآله باباً دخل منه المستشرقون وأعداء الإسلام فوجهوا سهامهم إلى الإسلام والقرآن !
أما الحقيقة ، فهي أن نسخ القرآن كانت كثيرة ميسرة ، وأن حفظة القرآن ومدونيه من أهل البيت عليه السلام وبقية الصحابة كانوا حاضرين على مشروع توحيد نسخة القرآن ، وأن زيداً كان كاتباً من الكتاب ، وأنه كذب في تضخيم دوره في جمع القرآن ! وكذب في أنه كتبه زمن أبي وعمر للدولة ! نعم قد - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 304 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يكون كتبه بالأجرة لأحد من الناس ، كما كان غيره يكتب عن النسخ الكثيرة المتداولة ! ثم كذب في زعمه أنه وجد آيات لم يجدها غيره !
* *
الأسئلة
1 - هل تقصدون بقولكم إن القرآن متواتر أن جميع سوره وآياته وصلت إليكم حسب أسانيدكم الخاصة برواية الثقاة جيلاً عن جيل ؟ !
2 - ألا يكفي لتواتر القرآن توارث المسلمين لنسخته جيلاً فجيلاً وشهادة قرائهم وعلمائهم ومؤلفاتهم حول القرآن التي أحصت سوره وآياته ، وبحثت في قراءاته وإعراب كلماته ، وأن فقه المسلمين وعلومهم ومؤلفاتهم ، على اختلاف مذاهبهم مبنية على آياته ؟ !
3 - هل يختص هذا التواتر بمذهب أو مذاهب معينة ، أو يشمل كل المسلمين على اختلاف مذاهبهم ؟ !
4 - ما قولكم في روايات مصادركم التي تستلزم عدم تواتر بعض سور القرآن أو آياته ، كروايات البسملة ، والمعوذتين التي لا رواية عندكم على قرآنيتها إلا رواية الجهني التي تركها البخاري ! وآيات خزيمة ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 305 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل السابع : زيد بن ثابت الذي جعله عمر كبير القراء بدل أبيّ بن كعب ؟ !

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 306 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 307 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 80 من هو زيد بن ثابت الذي تبناه عمر وقربه ؟ !

كان زيد بن ثابت في خلافة عمر شاباً صغير السن دون العشرين عاماً ، وكان يتكلم العبرية ، وقد اعتمد عليه عمر وجعله وزيره وكاتبه الخاص ، ونائبه على ولاية المدينة العاصمة عندما يسافر . ففي تاريخ المدينة : 2 / 693 : ( أن عمر استعمل زيداً على القضاء ، وفرض له رزقاً . . . ) .
وفي سير أعلام النبلاء : 2 / 438 : ( أن عمر استخلف زيداً وكتب إليه من الشام : إلى زيد بن ثابت ، من عمر ) . يقصد الذهبي أن عمر قدم اسم زيد على اسمه فخالف أعراف العرب والخلافة بسبب حبه لزيد !
ثم قال الذهبي : ( كان عمر بن الخطاب كثيراً ما يستخلف زيد بن ثابت إذا خرج إلى شئ من الأسفار ، وقلما رجع من سفر إلا أقطع زيد بن ثابت حديقة من نخل . ورجاله ثقات ) .
وفي الصحيح من السيرة : 5 / 30 ، عن زيد : ( كان عمر يستخلفني على المدينة فوالله ما رجع من مغيب قط إلا قطع لي حديقة نخل ) .
ويظهر أن علاقة عمر بزيد كانت من حياة النبي صلى الله عليه وآله ، فقد قال ابن كثير في سيرته : 4 / 494 : ( إن زيد بن ثابت أخذ بيد أبي بكر فقال : هذا صاحبكم فبايعوه . . . ) . ( راجع أيضاً أحمد : 5 / 185 ) .
أما في عهد عثمان فصار زيد والي بيت المال والصدقات . قال البخاري في تاريخه : 8 / 373 : ( كان زيد بن ثابت عامل عثمان على بيت المال ) .
وقال في سير أعلام النبلاء : 4 / 424 : ( عن قبيصة بن ذؤيب قال : كنا في خلافة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 308 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
معاوية وإلى آخرها نجتمع في حلقة بالمسجد بالليل : أنا ، ومصعب وعروة ابنا الزبير وأبو بكر بن عبد الرحمن ، وعبد الملك بن مروان ، وعبد الرحمن المسور ، وإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة . وكنا نتفرق بالنهار ، فكنت أنا أجالس زيد بن ثابت وهو مترئس بالمدينة في القضاء والفتوى والقراءة والفرائض في عهد عمر وعثمان وعلي . ثم كنت أنا وأبو بكر بن عبد الرحمن نجالس أبا هريرة ، وكان عروة يغلبنا بدخوله على عائشة ) . انتهى .
لكن قول قبيصة عن منصب زيد في عهد علي عليه السلام اشتباه ، فزيد لم يكن مع علي عليه السلام بل مع معاوية فقد كان يروي في فضل معاوية حديثاً لم يصححه أحد من العلماء أبداً !
قال في سير أعلام النبلاء : 3 / 129 : ( عن زيد بن ثابت : دخل النبي ( ص ) على أم حبيبة ، ومعاوية نائم على فخذها فقال : أتحبينه ؟ قالت : نعم . قال : للهُ أشد حباً له منك له ، كأني أراه على رفارف الجنة ) ! !
أما ما رواه عنه أحمد في مسنده ، والصدوق في علل الشرائع وربما غيرهما في فضل علي وأهل البيت عليهم السلام ، فلعل الرواة عنه كالقاسم بن حسان وسعيد بن المسيب استخرجوا ذلك منه في فترة من خلافة علي عليه السلام أو في حالة منه لم تدم ! قال أحمد : 5 / 181 ونحوه ص 189 : ( عن القاسم بن حسان عن زيد بن ثابت قال : قال رسول الله ( ص ) : إني تارك فيكم خليفتين كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والأرض أو ما بين السماء إلى الأرض ، وعترتي أهل بيتي ، وإنهما لن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض ) .
وروى الصدوق في علل الشرائع : 1 / 144 : ( حدثنا أبو حاتم قال : حدثنا أحمد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 309 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بن عبدة قال : حدثنا أبو الربيع الأعرج قال : حدثنا عبد الله بن عمران ، عن علي بن زيد بن جدعان ، عن سعيد بن المسيب عن زيد بن ثابت قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : من أحب علياً في حياتي وبعد موتي كتب الله له الأمن والإيمان ما طلعت الشمس أو غربت . ومن أبغضه في حياتي وبعد موتي مات ميتة جاهلية ، وحوسب بما عمل ) . انتهى .
وإلا فقد كان زيد شاباً مندفعاً في موجة السقيفة وقد أفرط في عدائه لعلي والعترة عليهم السلام وكان فيمن هاجموا بيت علي وفاطمة الزهراء صلى الله عليه وآله لإحراقه على من فيه إن لم يبايعوا ! فقد عد التاريخ من المهاجمين مع عمر بن الخطاب : خالد بن الوليد ، وعبد الرحمن بن عوف ، وثابت بن قيس ، وزياد بن لبيد ، ومحمد بن مسلمة ، وزيد بن ثابت وسلمة بن سالم بن وقش ، وسلمة بن أسلم ، وأسيد بن حضير . ( الصحيح من السيرة : 5 / 30 عن أنساب الأشراف ) .
وكان زيد ممن تخلف عن بيعة علي عليه السلام فلم يبايع !
( الصحيح من السيرة : 5 / 30 عن الطبري : 4 / 430 و 431 ، والكامل : 3 / 191 )
وكان يحرض الناس على سب علي عليه السلام ! ( الصحيح : 5 / 30 )

زيد بن ثابت . . يهودي من أم أنصارية ؟ !

المعروف أن زيد بن ثابت عربي أنصاري ، لكن ابن مسعود يقول إنه يهودي ، ويؤيده أنه لا يعرف أبوه ثابت ولا أقاربه في الأنصار !
قال ابن شبة في تاريخ المدينة : 3 / 1006 : ( قيل لعبد الله : ألا تقرأ على قراءة زيد ؟ قال : مالي ولزيد ولقراءة زيد ! لقد أخذت من في رسول الله ( ص ) سبعين سورة وإن زيد بن ثابت ليهودي له ذؤابتان ) !
ونقل الفضل بن شاذان في الإيضاح ص 519 : شهادة من أبيّ بن كعب تدل على
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 310 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أن زيداً كان يدرس مع صبيان اليهود مع أنهم لا يقبلون في مدارسهم غير صبيانهم ، قال : ( ومثل قول أبيّ بن كعب في القرآن : لقد قرأت القرآن وزيد هذا غلام ذو ذؤابتين يلعب بين صبيان اليهود في المكتب ) . انتهى .
وعليه لا يمكن أن نثق في تبرئة زيد لنفسه من اليهودية التي رواها البخاري : 8 / 120 : ( عن زيد بن ثابت أن النبي ( ص ) أمره أن يتعلم كتاب اليهود حتى كتبت للنبي ( ص ) كتبه وأقرأته كتبهم إذا كتبوا إليه ) .
فمتى كانت تأتي للنبي صلى الله عليه وآله كتب باللغة العبرية وكان اليهود في الجزيرة يكتبون بالعربية ؟ !
ويؤيد ما قلناه أن أحمد : 5 / 182 ، روى عن زيد أنها اللغة السريانية وليست العبرية ! قال : ( قال زيد بن ثابت قال لي رسول الله ( ص ) : تحسن السريانية إنها تأتيني كتب ؟ قال قلت لا ، قال فتعلمها ، فتعلمتها في سبعة عشر يوماً ) ! !

معرفة زيد بن ثابت بشئ من الحساب وجهل الخلفاء به !

الميزة الأساسية في زيد التي جعلته مرغوباً عند الخلفاء الثلاثة ، أنه موظف مطيع يعرف شيئاً من الكتابة والحساب ، وهي مهنة عزيزة في الجزيرة لا يجيدها أبو بكر ولا عمر ولا عثمان !
وكان الكاتب يعني السكرتير الخاص ووزير المالية ، ومقسم المواريث الشرعية ، وقد نقل الذهبي في سير أعلام النبلاء : 2 / 435 : حادثة في محاصرة عثمان قال : ( فجاء أبو حية المازني مع ناس من الأنصار فقال : ما يصلح معك أمر ! فكان بينهما كلام وأخذ بتلبيب زيد هو وأناس معه ، فمر به ناس من الأنصار فلما رأوهم أرسلوه ، وقال رجل منهم لأبي حية : أتصنع هذا برجل لو مات الليلة ما دريت ما ميراثك من أبيك ؟ ! ) . انتهى .
وهذا يدل على حالة الثقافة والرياضيات في الجزيرة ، وأن أبا بكر وعمر
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 311 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وعثمان بعد أن أبعدوا العترة الطاهرة وتلاميذهم ، لم يكن عندهم من يحسب الإرث إلا زيد ! ولذا كانوا ينفذون فتاواه الجُزافية في مواريث المسلمين !
قال ابن حجر في تهذيب التهذيب : 5 / 18 : ( وقال ابن أبي خيثمة : كان هو وخارجة بن زيد بن ثابت في زمانهما يستفتيان وينتهي الناس إلى قولهما ويقسمان المواريث ويكتبان الوثائق ) . انتهى .
وقال الترمذي : 3 / 285 : ( واختلف فيه أصحاب النبي ( ص ) فورث بعضهم الخال والخالة والعمة . وإلى هذا الحديث ذهب أكثر أهل العلم في توريث ذوي الأرحام ، وأما زيد بن ثابت فلم يورثهم وجعل الميراث في بيت المال ! ) .
وقال الدارمي في سننه : 2 / 361 و 362 : ( عن خارجة بن زيد عن زيد بن ثابت أن أتي في ابنة أو أخت ، فأعطاها النصف وجعل ما بقي في بيت المال ! وقال زيد بن ثابت : للجدة السدس وللإخوة للأم الثلث ، وما بقي فلبيت المال ) .
وفي مصنف عبد الرزاق : 7 / 125 : ( عبد الرزاق عن معمر عن قتادة أن زيد بن ثابت قال : ترث أمه منه الثلث ، وما بقي في بيت المال ) !
وفي سير أعلام النبلاء : 2 / 434 : ( عن الشعبي أن مروان دعا زيد بن ثابت وأجلس له قوماً خلف ستر ، فأخذ يسأله وهم يكتبون ففطن زيد فقال يا مروان أغدراً ؟ إنما أقول برأيي ! رواه إبراهيم بن حميد الرؤاسي عن ابن أبي خالد ، نحوه وزاد : فمحوه ) ! ! انتهى .
أي محوا ما كتبوه من إجابات زيد في المواريث وغيرها ، لأنها كانت تخرصات لا ترجع إلى قرآن ولا سنة ولا قاعدة حسابية !
وفي المبسوط : 29 / 182 : ( أبو حنيفة احتج بما نقل عن ابن عباس أنه كان يقول : ألا يتقي الله زيد بن ثابت يجعل ابن الابن ابناً ولا يجعل أب الأب أباً ) !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 312 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولكن زيداً كان مدعوماً من السلطة فهو لا يخشى كلام ابن عباس ، بل يرد عليه ويتهمه بأنه مثله يقول بالظن والاحتمال ! قال الدارمي في سننه : 2 / 346 : ( عن عكرمة قال أرسل ابن عباس إلى زيد بن ثابت : أتجد في كتاب الله للأم ثلث ما بقي ؟ فقال زيد : إنما أنت رجل تقول برأيك وأنا رجل أقول برأيي ) ! !
ولذلك كان الإمام الباقر عليه السلام يجهر بإدانة أحكام زيد في المواريث :
روى الكليني في الكافي : 7 / 407 : أنه قال : ( الحكم حكمان حكم الله وحكم الجاهلية ، وقد قال الله عز وجل : أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ . واشهدوا على زيد بن ثابت لقد حكم في الفرائض بحكم الجاهلية ! ) . انتهى .
هذا هو علم زيد بن ثابت الذي جعله عمر أميناً على مشروع جمعه للقرآن وقربه وأحبه ! بينما أقصى أهل البيت عليهم السلام والصحابة الكبار ، ثم اتبعوا سنة عمر فسموه حبر الأمة ! ووضعوا له المدائح على لسان النبي صلى الله عليه وآله ومنها أنه أعلم الأمة بالحساب والرياضيات ! !
قال ابن حجر في تهذيب التهذيب : 3 / 345 : ( وقال أبو هريرة يوم مات زيد : مات اليوم حبر الأمة وعسى الله أن يجعل في ابن عباس منه خلفاً ) . انتهى .
بل وضعوا في مدح علمه أحاديث على لسان رسول الله صلى الله عليه وآله ! !
قال أحمد : 3 / 281 : ( عن أنس بن مالك عن النبي ( ص ) قال : أرحم أمتي بأمتي أبو بكر ، وأشدهم في دين الله عمر . وقال عفان مرة : في أمر الله عمر ، وأصدقهم حياء عثمان ، وأفرضهم زيد بن ثابت . . . ) ! ( راجع كشف الخفاء للعجلوني : 1 / 108 وتصحيح بعضهم له ! وأصل الحديث : أقضى أمتي عليٌّ ، فزادوا فيه ونقصوا منه ! ! ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 313 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

ثروة زيد بن ثابت وترفه !

كان أبو بكر وعمر وعثمان كرماء جداً على زيد بن ثابت ، فاستطاع أن يجمع ثروة خيالية ، في حين كان يوجد في المسلمين جوع حقيقي وعري حقيقي ! وقد أعطاه عثمان في مرة مئة ألف درهم ! ( راجع الصحيح من السيرة : 5 / 32 عن أنساب الأشراف : 5 / 38 ) . وكانت الشاة بدرهم واحد !
وقد بلغت ثروة زيد أنه خلف من الذهب والفضة ما كان يكسر بالفؤوس ، غير ما خلف من الأموال والضياع بقيمة مائة ألف دينار ! ( الغدير : 8 / 284 و 336 ، عن مروج الذهب : 1 / 434 ) .
وكان كبعض المثقفين المتغربين ، لا يتقيد بآداب الخلاء الشرعية :
قال النووي في المجموع : 2 / 85 : ( أما حكم المسألة فقال أصحابنا يكره البول قائماً بلا عذر ، كراهة تنزيه ولا يكره للعذر وهذا مذهبنا . وقال ابن المنذر اختلفوا في البول قائماً ، فثبت عن عمر بن الخطاب ، وزيد بن ثابت وابن عمر وسهل بن سعد ، أنهم بالوا قياماً . . . ) . انتهى .
وكانت له جوار مغنيات وغلمان مغنون ، منهم وهيب الذي أسعده الحظ عندما رآه عثمان يغني في بيت المال ، فجعل له راتباً !
قال البيهقي في سننه : 6 / 348 : ( زيد بن ثابت كان في أمارة عثمان على بيت المال فدخل عثمان فأبصر وهيباً يغنيهم ، فقال : من هذا ؟ فقال مملوك لي ، فقال أراه يعينهم ! ! أفرض له ألفين ، قال ففرض له ألفاً ، أو قال ألفين ) ! !
وفي مصنف ابن أبي شيبة : 7 / 618 : ( فأبصر وهيباً يغنيهم في بيت المال ، فقال : من هذا ؟ فقال زيد : هذا مملوك لي ، فقال عثمان : أراه يعين المسلمين وله حق ، وإنا نفرض له ، ففرض له ألفين ! فقال زيد : والله لا نفرض لعبد ألفين ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 314 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ففرض له ألفاً ) ! ! ( والاستيعاب : 1 / 189 )
لكن حظ الجارية التالية كان سيئاً ، فقد اتهمها زيد ونفى عنها الولد :
قال السرخسي في المبسوط : 17 / 99 : ( وعن زيد بن ثابت أنه كان يطأ جاريته فجاءت بولد فنفاه ، فقال : كنت أطأها ولا أبغي ولدها ، أي أعزل عنها ) . ( ورواه الشافعي في كتاب الأم : 7 / 242 ) .

أحاديث زيد عن نفسه . . وادعاؤه القرب من النبي صلى الله عليه وآله !

إذا قرأت البخاري فلا تدري من الذي يتحدث عن نفسه وخصوصياته أكثر : عائشة ، أم زيد بن ثابت ؟
يتحدث زيد عن نفسه أنه كان صبياً ابن عشر سنوات أو بضع عشرة سنة ، وكان مقرباً للنبي صلى الله عليه وآله يكتب له القرآن والرسائل ، وأنه أمره أن يتعلم العبرية أو السريانية فتعلمها قراءة وكتابة وتكلماً بمعجزة في أسبوعين !
وأنه كان وهو في نحو الخامسة عشرة يجلس ملاصقاً للنبي صلى الله عليه وآله حتى أن النبي كان يضع فخذه على فخذه ، ثم يوحى إليه فيثقل بدنه !
قال البخاري : 1 / 97 : ( وقال زيد بن ثابت : أنزل الله على رسول الله ( ص ) وفخذه على فخذي فثقلت عليَّ حتى خفت أن ترض فخذي ) !
فهل هذا يناسب مقام النبي صلى الله عليه وآله ؟ !
وقال في : 3 / 211 : ( عن سهل بن سعد الساعدي أنه قال : رأيت مروان بن الحكم جالساً في المسجد فأقبلت حتى جلست إلى جنبه فأخبرنا أن زيد بن ثابت أخبره أن رسول الله ( ص ) أملى عليه : لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ . فَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاً وَعَدَ اللهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً ، قال فجاءه ابن أم مكتوم وهو يملها عليَّ فقال : يا رسول الله لو
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 315 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أستطيع الجهاد لجاهدت ، وكان رجلاً أعمى ، فأنزل الله تعالى على رسوله ( ص ) وفخذه على فخذي فثقلت عليَّ حتى خفت أن ترض فخذي ثم سري عنه ، فأنزل الله عز وجل : ( غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ ) ! ( ورواه أيضاً 5 / 182 ، وأحمد : 5 / 191 ، وأبو داود : 1 / 563 . ومسلم : 6 / 43 بدون وصف الوحي واتكاء النبي صلى الله عليه وآله بفخذه على فخذ زيد ! )
ولا يمكنك فهم هذا الحديث حتى تعرف أن مروان بن الحكم الذي هو طليق مطروداً من النبي صلى الله عليه وآله كان يحاول أن يثبت لنفسه منزلة المهاجرين والمجاهدين لأنه من أولي الضرر الذين سقط عنهم الجهاد ! وكان زيد بن ثابت يساعده على ذلك بالأحاديث النبوية ومنها هذا الحديث !
بينما كان أبو سعيد الخدري يخالفه ويروي عن النبي صلى الله عليه وآله أن رتبة الصحابي والمهاجر لا تثبت لمسلمة الفتح الطلقاء !
روى أحمد في مسنده : 3 / 22 و : 5 / 187 : ( عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله ( ص ) أنه قال لما نزلت هذه السورة : إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ . . قال قرأها رسول الله ( ص ) حتى ختمها وقال : الناسُ حِيزٌ وأنا وأصحابي حِيز ، وقال لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية .
فقال له مروان كذبت ، وعنده رافع بن خديج وزيد بن ثابت وهما قاعدان معه على السرير ، فقال أبو سعيد لو شاء هذان لحدثاك ، ولكن هذا يخاف أن تنزعه عن عرافة قومه ، وهذا يخشى أن تنزعه عن الصدقة فسكتا ، فرفع مروان عليه الدرة ليضربه ، فلما رأيا ذلك قالوا : صدق ! ) . انتهى .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 316 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأسئلة
1 - ما رأيكم في زيد بن ثابت ، هل هو من كبار الصحابة عندكم ؟
2 - ما رأيكم في نسب زيد هل هو عربي ، وكيف تفسرون إتقانه للغة العبرية ؟ وهل رأيتم أن النبي صلى الله عليه وآله جاءته ولو رسالة واحدة بالعبرية ؟ !
3 - هل يقبل أحدكم أن تقسم تركته بفتوى زيد ويؤخذ قسم منها من الورثة إلى خزانة الدولة ؟ !
4 - هل يجوز للحكومة أن تعمل بفتوى زيد وعثمان فتوظف مغنيين يعينون المسلمين بغنائهم في الوزارات ؟ !
5 - ما رأيكم في قول زيد في آيات خزيمة وآل خزيمة وأنها ضاعت من القرآن مرات ووجدها هو وحده ، فهي غير متواترة ؟ !
قال البخاري : 8 / 177 ، عن زيد بن ثابت : ( أرسل إليَّ أبو بكر فتتبعت القرآن حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري ، لم أجدها مع أحد غيره : لقد جاءكم رسول من أنفسكم ، حتى خاتمة براءة ) ؟ ! !
6 - ما رأيكم في ثروات الصحابة التي جمعوها من بيت المال ، مثل زيد وعبد الرحمن بن عوف وطلحة والزبير ، وكنزهم للذهب حتى كان يكسر بالفؤوس ! وفي المسلمين جياع وعرايا ؟ !
7 - ما رأيكم في مروان بن الحكم ، هل هو صحابي جليل من المهاجرين الذين سقط عنهم الجهاد لأنه كان أعرج أفحج ، فقد كان يسخر بالنبي صلى الله عليه وآله ويمشي كالأفحج فقال له النبي صلى الله عليه وآله ( كن كذلك ) فصار كذلك ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 317 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 81 من هو القارئ ابن أبزى الذي قربه عمر بدل أبيّ بن كعب ؟ !

اعتمد عمر على عبد الرحمن ابن أبزى بصفته قارئاً للقرآن ، وهو غلام أسود من مكة ، وكان في زمن عمر صغير السن حيث لم يذكروا ولادته لكنه توفي نحو سنة 72 هجرية كما ذكر الذهبي . ومعنى أبزى : ( خروج الصدر ودخول الظهر . . . يقال : رجل أبزى وامرأة بزواء ) . ( معجم البلدان : 1 / 411 )
وكان ابن أبزى مقرباً من سيده نافع بن عبد الحارث بن حبالة الملكاني حليف خزاعة ، الذي قيل إنه أسلم يوم الفتح وأقام بمكة ولم يهاجر . ( أسد الغابة : 5 / 7 ) . وكان الملكاني هذا والياً لعمر على مكة والطائف ، فغاب وجعل غلامه عبد الرحمن بن أبزى نائبه في ولاية مكة ، فأقره عمر لما سمع عنه ، ثم أعجب به ونقله إلى المدينة ، وجعله من المقربين !
قال ابن الأثير في أسد الغابة : 5 / 7 ، عن الملكاني : ( واستعمله عمر بن الخطاب على مكة والطائف وفيهما سادة قريش وثقيف ، وخرج إلى عمر واستخلف على مكة مولاه عبد الرحمن بن أبزى فقال له عمر : استخلفت على آل الله مولاك ؟ ! فعزله واستعمل خالد بن العاص بن هشام ) . انتهى !
والصحيح أن عمر لم يعزل ابن أبزى بل أقره نائباً لواليه على مكة والطائف ثم رآه وأعجبه وجعله من خاصته ، فصار هذا الغلام الخمري من الصحابة وشخصيات التاريخ الإسلامي ، لأنه محظوظ بصوته ومعرفته بشئ من الحساب ! وقد ترجم له البخاري في تاريخه : 5 / 245 ، وروى له في صحيحه : 1 / 87 و 88 فتوى عمر بوجوب ترك الصلاة لمن لم يجد ماء ، وتحريم التيمم ! !
وروى له في : 3 / 44 و 45 و 46 ، في شراء السلف ، وفي : 4 / 239 و : 6 / 15 في التوبة على قاتل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 318 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
النفس المحترمة . وروى له مسلم : 1 / 193 و : 8 / 242 . وروى له النسائي في : 1 / 165 و 168 و 169 و : 3 / 235 و 244 و 245 و 247 و 250 و : 7 / 289 و : 8 / 62 .
وفي مسلم : 2 / 201 ، أن عمر قال عن ابن أبزى : ( إنه قارئ لكتاب الله عز وجل وإنه عالم بالفرائض ، أما إن نبيكم ( ص ) قد قال إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين ) . انتهى . يقصد أن عبد الرحمن بن أبزى عالم بالحساب كزيد بن ثابت ، وقارئ للقرآن كأبي بن كعب .
ولعل أهم ما روى ابن أبزى عن عمر السورتين اللتين اخترعهما عمر وسماهما : ( الخلع والحفد ) وكان يقرؤهما في صلاته أو قنوته ! كما في سنن البيهقي : 2 / 211 ، وكنز العمال : 8 / 74 و 75 .

هل كان عبد الرحمن بن أبزى مغنياً شارب خمر ؟ !

روى النسائي في : 8 / 335 ، ما يدل على أنه كان يشرب الخمر ولا يكتفي بالنبيذ ، قال : ( عن سفيان ، عن سلمة بن كهيل ، عن ذر بن عبد الله ، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى ، عن أبيه قال : سألت أبيّ بن كعب عن النبيذ فقال : إشرب الماء ، واشرب العسل ، واشرب السويق واشرب اللبن الذي نجعت به ، فعاودته فقال : الخمر تريد ، الخمر تريد ! ! ) . انتهى .
فهذا هو ابن أبزى ، الذي وثقوه ورووا له ، ولم يلتفتوا إلى تضعيف بعض علمائهم فيه ، وقولهم إنه لم يثبت له ولا لأبيه رؤية ولا صحبة للنبي صلى الله عليه وآله .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 319 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

كان ابن أبزى في جيش يزيد لقتال الإمام الحسين عليه السلام

كان عبد الرحمن بن أبزى من أتباع معاوية ولذا سكن الشام ، وشارك في جيش يزيد الذي أرسله لقتال الإمام الحسين عليه السلام !
ولا بد أنه كان معروفاً لأن المختار قبض عليه في الكوفة بعد خمس سنين ! وقد ذمت الرواية التالية المختار رحمه الله ومدحت ذكاء ابن أبزى في التخلص منه !
قال في الأخبار الطوال ص 298 : ( ولما تجرد المختار لطلب قتلة الحسين هرب منه عمر بن سعد ، ومحمد بن الأشعث ، وهما كانا المتوليين للحرب يوم الحسين ، وأتيَ بعبد الرحمن بن أبزى الخزاعي ، وكان ممن حضر قتال الحسين فقال له : يا عدو الله أكنت ممن قاتل الحسين ؟ قال : لا ، بل كنت ممن حضر ولم يقاتل . قال : كذبت اضربوا عنقه . فقال عبد الرحمن : ما يُمكنك قتلي اليوم حتى تعطى الظفر على بني أمية ويصفو لك الشام ، وتهدم مدينة دمشق حجراً حجراً ، فتأخذني عند ذلك فتصلبني على شجرة بشاطئ نهر كأني أنظر إليها الساعة ! فالتفت المختار إلى أصحابه وقال : أما إن هذا الرجل عالم بالملاحم ، ثم أمر به إلى السجن ، فلما جن عليه الليل بعث إليه من أتاه به ، فقال له : يا أخا خزاعة ، أظرفاً عند الموت ؟ !
فقال عبد الرحمن بن أبزى : أنشدك الله أيها الأمير أن أموت هاهنا ضيعة . قال : فما جاء بك من الشام ؟ قال : أربعة آلاف درهم لي على رجل من أهل الكوفة أتيته متقاضياً . فأمر له المختار بأربعة آلاف درهم ، وقال له : إن أصبحت بالكوفة قتلتك . فخرج من ليلته حتى لحق بالشام ) !

عبد الرحمن بن أبزى . . وثقه البخاري وجعله من الصحابة !

قال في الجوهر النقي : 2 / 347 ، تعليقاً على رواية ابن أبزى التي ادعى فيها أن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 320 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
النبي صلى الله عليه وآله سهى في صلاته : ( قلت : في هذا الحديث علتان ، إحداهما أن عبد الرحمن بن أبزى مختلف في صحبته . . . الخ . ) . انتهى .
وروى العقيلي في الضعفاء : 4 / 99 : أنه كان كذاباً ! قال : ( حدثنا عبد الله بن علي حدثنا أحمد بن سعيد الرازي حدثنا أحمد بن سليمان حدثنا أبو داود عن شعبة قال أفادني ابن أبي ليلى عن سلمة بن كهيل عن عبد الله بن أبي أوفى أن النبي ( ص ) كان يوتر بثلاث ، فلقيت سلمة فسألته ؟ فقال حدثني بن عبد الرحمن بن أبزى ! قلت إنما أفادني عنك عن عبد الله بن أبي أوفى ! فقال : ما ذنبي إن كان يكذب عليّ ؟ ! ) .
وفي كتاب المجروحين لابن حبان : 2 / 244 : ( أخبرنا الثقفي قال : حدثنا أحمد بن سعيد الدارمي قال : حدثنا أحمد بن سليمان قال : حدثنا أبو داود عن شعبة قال : أفادني ابن أبى ليلى عن سلمة بن كهيل عن ابن أبى أوفى : أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يوتر بثلاث . فلقيت سلمة فقال حدثني عبد الرحمن بن أوفى . قلت إنما أفادني عنك عن ابن أبى أوفى ! قال : ما ذنبي إن كان يكذب عليَّ ) .
. . وفي الإصابة : 4 / 238 : ( 090 ) عبد الرحمن بن أبزى الخزاعي مولاهم تقدم أبوه في الهمزة ، وأما عبد الرحمن فقال خليفة ويعقوب بن سفيان والبخاري والترمذي وآخرون : له صحبة . وقال أبو حاتم : أدرك النبي ( ص ) وصلى خلفه . وقال البخاري هو كوفي . . .
وسكن عبد الرحمن بعد ذلك بالكوفة وروى عن النبي ( ص ) وعن أبيه وأبي بكر وعمر وعلي وأبي بن كعب وغيرهم . روى عنه ابناه عبد الله وسعيد وعبد الرحمن بن أبي ليلى والشعبي وأبو مالك الغفاري ، وغيرهم . وذكره ابن حبان في ثقات التابعين ، وقرأت بخط مغلطاي لم أر من وافقه على ذلك . قلت :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 321 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال أبو بكر بن أبي داود : لم يحدث عبد الرحمن بن أبي ليلى عن تابعي إلا عن عبد الرحمن بن أبزى . لكن العمدة على قول الجمهور ، والله أعلم ) .
وقال في : 1 / 176 ، عن أبيه أبزى : ( وقال ابن منده : لا تصح له ( لأبزى ) صحبة ولا رؤية . ثم أخرج حديثه عن بن السكن واستغربه ! ورجح أبو نعيم هذه الرواية وقال : لا يصح لأبزى رواية ولا رؤية ، واستصوب بن الأثير كلامه . قلت : وكلام ابن السكن يرد عليه ، والعمدة في ذلك على البخاري فإليه المنتهى في ذلك ) .
وكأن البخاري عند ابن حجر هو الجمهور ، لأنه يتعصب للمحبين لعمر فهو الناطق بلسان الجمهور !
أما لماذا صار عبد الرحمن عندهم خيراً من أبيه أبزى ، فلأن أبزى شهد صفين مع علي عليه السلام ، وبذلك استحق نزع صفة الصحابي ، روى ابن خياط 148 عن أبزى أنه قال : ( شهدنا مع علي ثمان مائة ممن بايع بيعة الرضوان ، قتل منا ثلاثة وستون ، منهم عمار بن ياسر ) . انتهى .
بينما ولده عبد الرحمن أحبه عمر وقربه ، فصار من الصحابة ! مع أنه كان في زمن النبي صلى الله عليه وآله طفلاً أو غلاماً صغيراً ، وكان هو وأبوه أبزى غلامين لسيد واحد ، يعيشان في بيت واحد !
وقال في أسد الغابة : 1 / 44 : ( أبزى والد عبد الرحمن بن أبزى الخزاعي ، ذكره محمد بن إسماعيل ( أي البخاري ) في الوحدان ، ولم تصح له صحبة ولا رؤية . ولابنه عبد الرحمن صحبة ورؤية ) !
وقد وجدوا حلاً لذلك بأن عبد الرحمن كان طفلاً في فتح مكة أو في حجة الوداع ورأى النبي صلى الله عليه وآله وهو يصلي ، وكأن أباه كان نائماً فلم ير النبي صلى الله عليه وآله ! !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 322 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأسئلة
1 - من أين أخذ عبد الرحمن بن أبزى القرآن حتى صار قارئاً ؟
2 - ما هي النسبة برأيكم بين ابن أبزى وبين أبيّ بن كعب ؟
3 - هل تقدمون توثيقات البخاري على تضعيفات غيره ؟
4 - من هو الأفضل عندكم ، أبزى الذي شارك في صفين مع أمير المؤمنين عليه السلام أم ولده عبد الرحمن الذي شرك في قتال الحسين عليه السلام ؟
5 - ما قولكم فيما رواه عبد الرحمن عن عمر أنه كان يعجبه أن ينزل زوجة النبي في قبرها : ( عن عامر قال أخبرني عبد الرحمن بن أبزى قال : صليت مع عمر على زينب زوج النبي ( ص ) فكبر أربعاً ثم أرسل إلى أزواج النبي ( ص ) من يدخلها قبرها ؟ وكان عمر يعجبه أن يدخلها قبرها ، فأرسلن إليه : يدخلها قبرها من كان يراها في حياتها ، قال : صدقن ) . ( البيهقي في سننه : 4 / 37 وكنز العمال : 15 / 711 ، عن ابن سعد والطحاوي ) . ؟
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 323 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الثامن : محنة كبير قراء المسلمين أبي بن كعب مع عمر ! !

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 324 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 325 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 82 شهادة عظيمة لأبي بن كعب رووها وخالفوها ! !

رووا في صحاحهم أن الله جلت عظمته أمر رسوله صلى الله عليه وآله أن يعلم القرآن لأبي بن كعب ، وبذلك فقد وجب على جميع المسلمين بمن فيهم أبو بكر وعمر وعثمان ، أن يأخذوا القرآن من أبي بن كعب !
روى البخاري : 6 / 90 : ( عن أنس بن مالك أن نبي الله ( ص ) قال لأبي بن كعب : إن الله أمرني أن أقرئك القرآن . قال : آلله سماني لك ؟ ! قال : نعم . قال : وقد ذكرت عند رب العالمين ؟ ! قال : نعم . فذرفت عيناه ! ) .
وقال مسلم : 2 / 195 : ( قال رسول الله ( ص ) لأبي بن كعب : إن الله أمرني أن أقرأ عليك : لم يكن الذين كفروا ، قال وسماني لك ؟ قال نعم ، قال فبكى ) انتهى . ورواه مسلم : 7 / 150 ، والبخاري : 4 / 228 ، وغيرهما .
وقد رووا أن عمر وجه المسلمين إلى أبيّ بن كعب ليأخذوا عنه القرآن ، لكن لابد أن يكون ذلك قبل أن تسوء علاقته معه !
روى الحاكم في المستدرك : 3 / 272 : ( أن عمر بن الخطاب خطب الناس فقال : من أراد أن يسأل عن القرآن فليأت أبيّ بن كعب ، ومن أراد أن يسأل عن الحلال والحرام فليأت معاذ بن جبل ، ومن أراد أن يسأل عن الفرائض فليأت زيد بن ثابت ، ومن أراد أن يسأل عن المال فليأتني فإني له خازن . صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ) . ( ورواه : 6 / 210 ، والزوائد : 1 / 135 وغيرهما ) .
وقال البخاري : 2 / 252 ، إن عمر عندما ابتدع صلاة التراويح جعل له إمامتها : ( ثم عزم فجمعهم على أبيّ بن كعب ، ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم ، قال عمر : نعم البدعة ) . انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 326 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي تهذيب الكمال : 2 / 269 : ( عن أبي نضرة العبدي : قال رجل منا يقال له جابر أو جويبر : طلبت حاجة إلى عمر في خلافته فانتهيت إلى المدينة ليلاً ، فغدوت عليه وقد أعطيت فطنة ولساناً أو قال منطقاً فأخذت في الدنيا فصغرتها فتركتها لا تسوى شيئاً ، وإلى جنبه رجل أبيض الشعر أبيض الثياب فقال لما فرغت : كل قولك كان مقارباً إلا وقوعك في الدنيا ، وهل تدري ما الدنيا ؟ إن الدنيا فيها بلاغنا ، أو قال زادنا إلى الآخرة ، وفيها أعمالنا التي نجزى بها في الآخرة ، قال : فأخذ في الدنيا رجل هو أعلم بها مني . فقلت : يا أمير المؤمنين من هذا الرجل الذي إلى جنبك ؟ قال : سيد المسلمين أبي بن كعب ) .
وقال في تحفة الأحوذي : 10 / 271 : ( فضل أبي بن كعب رضي الله عنه ) هو أبي بن كعب الأنصاري الخزرجي كان يكتب للنبي ( ص ) الوحي وهو أحد الستة الذين حفظوا القرآن على عهد رسول الله ( ص ) وأحد الفقهاء الذين كانوا يفتون على عهد رسول الله ( ص ) وكان أقرأ الصحابة لكتاب الله تعالى ، كنَّاهُ النبي ( ص ) أبا المنذر ، وعمر أبا الطفيل ! وسماه النبي ( ص ) : سيد الأنصار وعمر : سيد المسلمين . مات بالمدينة سنة تسع عشرة ) .
وفي تاريخ البخاري : 2 / 40 : ( عن أبي بردة قال عمر لأبي : يا أبا الطفيل ، قال أبو عبد الله : وله ابن يقال له : الطفيل ) . انتهى .
فإن قلت : لماذا غير عمر كنية النبي صلى الله عليه وآله له بأبي المنذر ، وكناه أبا الطفيل مع أن أبا المنذر أحسن منها من عدة جهات ؟
فالجواب : لعل عمر فعل ذلك لأنه رأى أبا المنذر لقباً كبيراً على أبيّ ، أو فعله إكراماً لأم الطفيل زوجة أبي بن كعب ، التي كانت من حزب كعب الأحبار وعمر في التجسيم ، فعنها يروون حديث رؤية النبي صلى الله عليه وآله لربه على
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 327 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
شكل شاب يلبس نعلين من ذهب ! كما تقدم في المسألة السابعة !

موقف عمر من أبيّ . . رغم هذه الشهادات !

لكن هذه الشهادات الضخمة من الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله بحق أبيّ ، وتسمية عمر له بسيد المسلمين ، لم تقنع عمر أن يأخذ عنه القرآن ويعتمد مصحفه رسمياً للدولة ، مع شدة حاجة المسلمين إلى ذلك !
فقد روى البخاري : 5 / 149 : هذا الموقف الغريب لعمر : ( قال عمر : أقرؤنا أبي وأقضانا علي ، وإنا لندع من قول أبي ، وذاك أن أبيّاً يقول لا أدع شيئاً سمعته من رسول الله ( ص ) وقد قال الله تعالى ما ننسخ من آية أو ننسيها ) . انتهى .
( ورواه بتفاوت يسير : 6 / 103 ، وأحمد : 5 / 113 بثلاث روايات . وكنز العمال : 2 / 592 وقال في مصادره ( خ ، ن ، وابن الأنباري في المصاحف ، قط في الإفراد ، ك ، وأبو نعيم في المعرفة ، ق ، الدلائل ) ورواه الذهبي في سيره : 1 / 391 و 394 وتذكرة الحفاظ : 1 / 20 وفي كثير من رواياته : ( وإنا لندع من لحن أبيٍّ ، وفي بعضها : كثيراً من لحن أبيٍّ ! !
ومعناه أن عمر يشهد بأن النبي صلى الله عليه وآله قد أمر المسلمين بأخذ القرآن عن أبيّ لأنه أقرأ الصحابة ، لكنه برأي عمر ليس أقرأهم ! لأنه يلحن ويغلط ولا يعلم المنسوخ ! وعمر لا يلحن ويعرف المنسوخ ، فيحق له أن يرفض قراءة أبيّ ، ويأمر المسلمين بترك رأي أبيّ واتباعه هو ! !

عمر يضع حداً بطريقته لصراعه مع أبيّ بن كعب ! !

روى الحاكم : 2 / 225 ، وصححه : ( عن ابن عباس قال : بينما أنا أقرأ آية من كتاب الله عز وجل وأنا أمشي في طريق من طرق المدينة ، فإذا أنا برجل يناديني من بعدي : أتبعْ ( أي أكمل ) ابنَ عباس ، فإذا هو أمير المؤمنين عمر فقلت : أتبعك على أبيِّ بن كعب ؟ فقال : أهو أقرأها كما سمعتك تقرأ ؟ قلت :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 328 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
نعم ، قال فأرسل معي رسولاً قال : إذهب معه إلى أبي بن كعب فانظر يقرأ أبي كذلك ؟ قال فانطلقت أنا ورسوله إلى أبي بن كعب ، قال فقلت : يا أبيّ قرأت آية من كتاب الله فناداني من بعدي عمر بن الخطاب : أتبع ابن عباس ، فقلت أتبعك على أبي بن كعب ، فأرسل معي رسوله ، أفأنت أقرأتنيها كما قرأت ؟ قال أبيٌّ : نعم . قال فرجع الرسول إليه فانطلقت أنا إلى حاجتي ، قال : فراح عمر إلى أبيّ فوجده قد فرغ من غسل رأسه ووليدته تدري لحيته بمدراها ، فقال أبيٌّ : مرحباً يا أمير المؤمنين أزائراً جئت أم طالب حاجة ؟ فقال عمر بل طالب حاجة ، قال فجلس ومعه موليان له حتى فرغ من لحيته ، وأدرت جانبه الأيمن من لمته ، ثم ولاها جانبه الأيسر ، حتى إذا فرغ أقبل إلى عمر بوجهه فقال : ما حاجة أمير المؤمنين ؟
فقال عمر : يا أبيّ على مَا تقنِّط الناس ؟
فقال أبيّ : يا أمير المؤمنين إني تلقيت القرآن من تلقاء جبريل وهو رطب . فقال عمر : تا الله ما أنت بمنته وما أنا بصابر ، ثلاث مرات ، ثم قام فانطلق ! ) .
ولم تذكر الرواية الآية ، وكيف أن قراءة أبيّ لها تقنيط للناس ، وقراءة عمر تأميل لهم بالجنة ! وقد تكون مثل توسيعاته المتقدمة للشفاعة ! لكنه غضب من إصرار أبيّ ، وأعلن أنه لن يصبر عليه بعد اليوم ! وما أنا بصابر ‍‍‍‍‍‍ ! !
فهل كان عمر يفكر بحبس شيخ القراء المشهود له من النبي صلى الله عليه وآله ؟ كلا ، بل قرر أن يمنعه من تعليم المسلمين القرآن وتصحيح قراءتهم بالوسيلة العمرية المفضلة ، وهي السوط على رأس ووجه أكبر شيبة في الأنصار ، وأكبر حفظة القرآن بشهادة الخليفة ! على باب مسجد النبي صلى الله عليه وآله أو داخل المسجد ، على مرأى جماعته ومسمعهم ! وهكذا نفذ خليفة النبي وصية
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 329 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
النبي صلى الله عليه وآله معكوسة تماماً ، كما نفذ وصية النبي بآله وعترته صلى الله عليه وآله ! !
وقد أغفلت الصحاح الستة قصة ضرب عمر لأبيّ بن كعب ، لكن روتها مصادر أخرى موثوقة عندهم وتفاوتت في ذكر السبب . . والذي يظهر من رواية الراغب في محاضرات الأدباء : 1 / 133 أن السبب هو خروج عدد من تلاميذ أبيّ ومحبيه معه من المسجد ومشيهم معه في الطريق ! قال الراغب : ( ونظر عمر إلى أبيّ بن كعب وقد تبعه قوم ، فعلاه بالدرة وقال : إنها فتنة للمتبوع ومذلة للتابع ) .
ولكن الدارمي وعمر بن شبة صرحا بأن السبب أن أبيّاً خالف أمر الخليفة بعدم تحديث الناس عن النبي صلى الله عليه وآله ! قال الدارمي : 1 / 132 : ( عن سليمان بن حنظلة قال : أتينا أبي بن كعب لنحدِّث إليه ، فلما قام قمنا ونحن نمشي خلفه فرهقنا عمر فتبعه فضربه عمر بالدرة ! قال فاتقاه بذراعيه فقال يا أمير المؤمنين ما تصنع ؟ ! ! قال : أو ما ترى ؟ فتنة للمتبوع مذلة للتابع ! ) انتهى .
وقال ابن شبة في تاريخ المدينة : 2 / 691 : ( حدثني أبو عمرو الجملي ، عن زاذان أن عمر خرج من المسجد فإذا جمع على رجل فسأل : ما هذا ؟ قالوا : هذا أبيّ بن كعب كان يحدث الناس في المسجد فخرج الناس يسألونه ، فأقبل عمر حرداً فجعل يعلوه بالدرة خفقاً ، فقال : يا أمير المؤمنين أنظر ما تصنع ، قال : فإني على عمد أصنع ، أما تعلم أن هذا الذي تصنع فتنة للمتبوع مذلة للتابع ! ! ) انتهى . فالسبب ليس مخالفة أبيّ لعمر في قراءة القرآن فقط ، بل يضاف إليه مخالفته لمرسوم عمر بمنع الصحابة من مجرد التحديث عن النبي صلى الله عليه وآله ! فكل صحابي يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وآله فهو جريمة يعاقب عليها ! فإن قال ذلك في المسجد النبي صلى الله عليه وآله فالجريمة مضاعفة ! ! وهناك سبب أكبر ! !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 330 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 83 أبي بن كعب خزرجي ضد سقيفة عمر !

لابد أن نضيف إلى السببين المصرح بهما عند الراغب والدارمي ، ثلاثة أسباب أخرى ، لكره عمر لأبيّ بن كعب ، وهي :
1 - أن أبياً من الأنصار الذين يصعب على المتعصب لقريش كعمر أن يحبهم ، خاصة الخزرج الذين ينتسب إليهم أبيّ ، والذين وقف رئيسهم سعد بن عبادة في السقيفة ضد أبي بكر وعمر ، واتهمهما بالمؤامرة وغصب الخلافة فاصطدم به عمر حتى قال : ( اقتلوا سعداً قتله الله ، فوثب قيس بن سعد فأخذ بلحية عمر وقال : والله يا بن صهاك الجبان في الحرب والفرَّار ، الليث في الملأ والأمن ، لو حركت منه شعرة ما رجعت وفي وجهك واضحة . فقال أبو بكر : مهلاً يا عمر مهلاً فإن الرفق أبلغ وأفضل ) . ( الإحتجاج : 1 / 93 )
وقد بقي سعد رئيس الخزرج معارضاً معادياً لأبي بكر وعمر ، وبقي عمر يضطغن عليه حتى نفاه إلى الشام ، ثم قتله .
وقد كان أبيُّ بن كعب مع سعد بن عبادة كعامة الخزرج وبعض الأوس ، الذين وقفوا ضد فرض عمر بيعة أبي بكر .

أبي بن كعب كان مع المعتصمين في بيت فاطمة عليها السلام

2 - أن أبي بن كعب كان مع الذين اعتصموا في بيت فاطمة عليها السلام وهاجمهم عمر وأشعل الحطب في باب البيت ، وهددهم بإحراقه على من فيه إن لم يبايعوا أبا بكر ! !
قال اليعقوبي في تاريخه : 2 / 124 : ( وتخلف عن بيعة أبي بكر قوم من المهاجرين
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 331 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والأنصار ، ومالوا مع علي بن أبي طالب ، منهم : العباس بن عبد المطلب والفضل بن العباس والزبير بن العوام ، وخالد بن سعيد ، والمقداد بن عمرو ، وسلمان الفارسي ، وأبو ذر الغفاري ، وعمار بن ياسر ، والبراء بن عازب ، وأبيّ بن كعب ، فأرسل أبو بكر إلى عمر بن الخطاب وأبي عبيدة بن الجراح والمغيرة بن شعبة ، فقال : ما الرأي ؟ قالوا : الرأي أن تلقى العباس بن عبد المطلب ، فتجعل له في هذا الأمر نصيباً يكون له ولعقبه من بعده ، فتقطعون به ناحية علي بن أبي طالب حجة لكم على علي ، إذا مال معكم ، فانطلق أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح والمغيرة حتى دخلوا على العباس ليلاً . . .
واجتمع جماعة إلى علي بن أبي طالب يدعونه إلى البيعة له ، فقال لهم : أغدوا عليَّ غداً محلقين الرؤوس ، فلم يغد عليه إلا ثلاثة نفر . وبلغ أبا بكر وعمر أن جماعة من المهاجرين والأنصار قد اجتمعوا مع علي بن أبي طالب في منزل فاطمة بنت رسول الله ، فأتوا في جماعة حتى هجموا الدار . . ) . انتهى .

أبي بن كعب أحد الاثني عشر المعترضين على أبي بكر في المسجد !

3 - روى الطبرسي في الإحتجاج : 1 / 93 ، حديثاً طويلاً عن السقيفة ، قال فيه :
( قال عمر : اقتلوا سعدا قتله الله ، فوثب قيس بن سعد فأخذ بلحية عمر وقال : والله يا بن صهاك الجبان في الحرب والفرار ، الليث في الملأ والأمن ، لو حركت منه شعرة ما رجعت وفي وجهك واضحة .
فقال أبو بكر : مهلاً يا عمر مهلاً ، فإن الرفق أبلغ وأفضل .
فقال سعد : يا بن صهاك وكانت جدة عمر الحبشية : أما والله لو أن لي قوة على النهوض لسمعتها مني في سككها زئيراً أزعجك وأصحابك منها ولألحقنكما بقوم كنتما فيهم أذناباً أذلاء تابعين غير متبوعين ، لقد اجترأتما ! !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 332 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم قال للخزرج : إحملوني من مكان الفتنة فحملوه وأدخلوه منزله ، فلما كان بعد ذلك بعث إليه أبو بكر أن قد بايع الناس فبايع . فقال : لا والله حتى أرميكم بكل سهم في كنانتي وأخضب منكم سنان رمحي وأضربكم بسيفي ما أقلَّتْ يدي ، فأقاتلكم بمن تبعني من أهل بيتي وعشيرتي . ثم وأيم الله لو اجتمع الجن والإنس عليَّ لما بايعتكما أيهما الغاصبان حتى أعرض على ربي وأعلم ما حسابي . فلما جاءهم كلامه قال عمر : لابد من بيعته . فقال بشير بن سعد : إنه قد أبى ولجَّ وليس بمبايع أو يقتل ، وليس بمقتول حتى يقتل معه الخزرج والأوس فاتركوه فليس تركه بضائر ، فقبلوا قوله وتركوا سعداً ، فكان سعد لا يصلي معهم .
قال وبايع جماعة الأنصار ومن حضر من غيرهم ، وعلي بن أبي طالب مشغول بجهاز رسول الله صلى الله عليه وآله ، فلما فرغ من ذلك وصلى على النبي صلى الله عليه وآله والناس يصلون عليه ، من بايع أبا بكر ومن لم يبايع ، جلس في المسجد ، فاجتمع عليه بنو هاشم ومعهم الزبير بن العوام ، واجتمعت بنو أمية إلى عثمان بن عفان ، وبنو زهرة إلى عبد الرحمن بن عوف ، فكانوا في المسجد كلهم مجتمعين ، إذ أقبل أبو بكر ومعه عمر وأبو عبيدة بن الجراح فقالوا : ما لنا نراكم حلقاً شتى قوموا فبايعوا أبا بكر فقد بايعته الأنصار والناس ، فقام عثمان وعبد الرحمن بن عوف ومن معهما فبايعوا وانصرف علي وبنو هاشم إلى منزل علي عليه السلام ومعهم الزبير . . .
قال : فذهب إليهم عمر في جماعة ممن بايع فيهم أسيد بن حصين وسلمة بن سلامة فألفوهم مجتمعين فقالوا لهم : بايعوا أبا بكر فقد بايعه الناس ، فوثب الزبير إلى سيفه ، فقال عمر : عليكم بالكلب العقور . . . فاكفونا شره ، فبادر سلمة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 333 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بن سلامة فانتزع السيف من يده فأخذه عمر فضرب به الأرض فكسره وأحدقوا بمن كان هناك من بني هاشم ومضوا بجماعتهم إلى أبي بكر ، فلما حضروا قالوا : بايعوا أبا بكر فقد بايعه الناس ، وأيم الله لئن أبيتم ذلك لنحاكمنكم بالسيف . . . فقال علي عليه السلام : أنا أحق بهذا الأمر منه وأنتم أولى بالبيعة لي أخذتم هذا الأمر من الأنصار واحتججتم عليهم بالقرابة من الرسول وتأخذونه منا أهل البيت غصباً ، ألستم زعمتم للأنصار أنكم أولى بهذا الأمر منهم لمكانكم من رسول الله صلى الله عليه وآله فأعطوكم المقادة وسلموا لكم الإمارة ، وأنا أحتج عليكم بمثل ما احتججتم على الأنصار ، أنا أولى برسول الله حياً وميتاً ، وأنا وصيه ووزيره ومستودع سره وعلمه ، وأنا الصديق الأكبر والفاروق الأعظم أول من آمن به وصدقه ، وأحسنكم بلاءا في جهاد المشركين وأعرفكم بالكتاب والسنة وأفقهكم في الدين وأعلمكم بعواقب الأمور ، وأذر بكم لساناً وأثبتكم جناناً ، فعلامَ تنازعونا هذا الأمر ؟ أنصفونا إن كنتم تخافون الله من أنفسكم ، واعرفوا لنا الأمر مثل ما عرفته لكم الأنصار ، وإلا فبوؤا بالظلم والعدوان وأنتم تعلمون . . .
فقال عمر : إنك لست متروكاً حتى تبايع طوعاً أو كرهاً .
فقال علي عليه السلام : إحلب حلباً لك شطره ، أشدد له اليوم ليرد عليك غداً إذاً والله لا أقبل قولك ، ولا أحفل بمقامك ، ولا أبايع .
فقال أبو بكر : مهلاً يا أبا الحسن ما نشك فيك ولا نكرهك .
فقال أبو عبيدة إلى علي عليه السلام فقال : يا بن عم لسنا ندفع قرابتك ولا سابقتك ولا علمك ولا نصرتك ، ولكنك حدث السن وكان لعلي عليه السلام يومئذ ثلاث وثلاثون سنة ، وأبو بكر شيخ من مشايخ قومك ، وهو أحمل لثقل هذا الأمر ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 334 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد مضى الأمر بما فيه فسلم له ، فإن عمرك الله يسلموا هذا الأمر إليك ، ولا يختلف فيك اثنان بعد هذا إلا وأنت به خليق وله حقيق ، ولا تبعث الفتنة في أوان الفتنة فقد عرفت ما في قلوب العرب وغيرهم عليك . . .
فقال بشير بن سعد الأنصاري الذي وطَّأ الأرض لأبي بكر ، وقالت جماعة من الأنصار : يا أبا الحسن لو كان هذا الأمر سمعته منك الأنصار قبل بيعتها لأبي بكر . . . الخ ) .
وفي الإحتجاج للطبرسي : 1 / 97 : ( عن أبان بن تغلب قال : قلت لأبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام : جعلت فداك هل كان أحد في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله أنكر على أبي بكر فعله وجلوسه مجلس رسول صلى الله عليه وآله ؟ قال : نعم كان الذي أنكر على أبي بكر اثنا عشر رجلاً .
من المهاجرين : خالد بن سعيد بن العاص ، وكان من بني أمية ، وسلمان الفارسي ، وأبو ذر الغفاري ، والمقداد بن الأسود ، وعمار بن ياسر ، وبريدة الأسلمي .
ومن الأنصار : أبو الهيثم بن التيهان ، وسهل وعثمان ابنا حنيف ، وخزيمة بن ثابت ذو الشهادتين ، وأبي بن كعب ، وأبو أيوب الأنصاري .
قال : فلما صعد أبو بكر المنبر تشاوروا بينهم فقال بعضهم لبعض : والله لنأتينه ولننزلنه عن منبر رسول الله صلى الله عليه وآله ! وقال آخرون منهم : والله لئن فعلتم ذلك إذاً أعنتم على أنفسكم فقد قال الله عز وجل : وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ، فانطلقوا بنا إلى أمير المؤمنين عليه السلام لنستشيره ونستطلع رأيه ، فانطلق القوم إلى أمير المؤمنين بأجمعهم فقالوا : يا أمير المؤمنين تركت حقاً أنت أحق به وأولى به من غيرك ، لأنا سمعنا رسول الله يقول ( علي مع الحق والحق
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 335 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مع علي يميل مع الحق كيفما مال ) ولقد هممنا أن نصير إليه فننزل عن منبر رسول الله صلى الله عليه وآله ، فجئناك لنستشيرك ونستطلع رأيك فما تأمرنا ؟
فقال أمير المؤمنين : وأيم الله لو فعلتم ذلك لما كنتم لهم إلا حرباً ، ولكنكم كالملح في الزاد وكالكحل في العين ، وأيم الله لو فعلتم ذلك لأتيتموني شاهرين بأسيافكم مستعدين للحرب والقتال وإذا لأتوني فقالوا لي بايع وإلا قتلناك ، فلا بد لي من أدفع القوم عن نفسي ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله أوعز إليَّ قبل وفاته وقال لي : يا أبا الحسن إن الأمة ستغدر بك من بعدي وتنقض فيك عهدي ، وإنك مني بمنزلة هارون من موسى ، وإن الأمة من بعدي كهارون ومن اتبعه والسامري ومن اتبعه ! فقلت : يا رسول الله فما تعهد إليَّ إذا كان كذلك ؟ فقال : إذا وجدت أعوانا فبادر إليهم وجاهدهم ، وإن لم تجد أعواناً كف يدك واحقن دمك حتى تلحق بي مظلوماً .
فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وآله اشتغلت بغسله وتكفينه والفراغ من شأنه ثم آليت على نفسي يميناً أن لا أرتدي برداء إلا للصلاة حتى أجمع القرآن ، ففعلت ، ثم أخذت بيد فاطمة وابنيَّ الحسن والحسين فدرت على أهل بدر وأهل السابقة فناشدتهم حقي ودعوتهم إلى نصرتي ، فما أجابني منهم إلا أربعة رهط سلمان وعمار وأبو ذر والمقداد ، ولقد راودت في ذلك بقية أهل بيتي ، فأبوا علي إلا السكوت لما علموا من وغارة صدور القوم وبغضهم لله ورسوله ولأهل بيت نبيه ، فانطلقوا بأجمعكم إلى الرجل فعرفوه ما سمعتم من قول نبيكم ، ليكون ذلك أوكد للحجة وأبلغ للعذر وأبعد لهم من رسول الله صلى الله عليه وآله إذا وردوا عليه .
فسار القوم حتى أحدقوا بمنبر رسول الله صلى الله عليه وآله وكان يوم الجمعة ، فلما صعد أبو بكر المنبر قال المهاجرون للأنصار : تقدموا وتكلموا فقال الأنصار للمهاجرين : بل تكلموا وتقدموا أنتم فإن الله عز وجل بدأ بكم في الكتاب . . . فأول من تكلم به خالد بن سعيد بن العاص ، ثم باقي المهاجرين ، ثم بعدهم الأنصار . . .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 336 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فقام إليه خالد بن سعيد بن العاص وقال :
إتق الله يا أبا بكر فقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال ونحن محتوشوه يوم بني قريظة حين فتح الله له باب النصر وقد قتل علي بن أبي طالب عليه السلام يومئذ عدة من صناديد رجالهم وأولي البأس والنجدة منهم : يا معاشر المهاجرين والأنصار إني موصيكم بوصية فاحفظوها وموعدكم أمراً فاحفظوه ، ألا إن علي بن أبي طالب أميركم بعدي وخليفتي فيكم ، بذلك أوصاني ربي . ألا وإنكم إن لم تحفظوا فيه وصيتي وتوازروه وتنصروه اختلفتم في أحكامكم واضطرب عليكم أمر دينكم ووليكم أشراركم .
ألا وإن أهل بيتي هم الوارثون لأمري والعالمون لأمر أمتي من بعدي .
اللهم من أطاعهم من أمتي وحفظ فيهم وصيتي فاحشرهم في زمرتي واجعل لهم نصيباً من مرافقتي يدركون به نور الآخرة .
اللهم ومن أساء خلافتي في أهل بيتي فأحرمه الجنة التي عرضها كعرض السماء والأرض .
فقال له عمر بن الخطاب : أسكت يا خالد فلست من أهل المشورة ولا ممن يقتدى برأيه .
فقال له خالد : بل أسكت أنت يا بن الخطاب ، فإنك تنطق على لسان غيرك وأيم الله لقد علمت قريش أنك من ألأمها حسباً ، وأدناها منصباً ، وأخسها قدراً ، وأخملها ذكراً ، وأقلهم غناءا عن الله ورسوله ، وإنك لجبان في الحروب ، بخيل بالمال ، لئيم العنصر ، مالك في قريش من فخر ، ولا في الحروب من ذكر ، وإنك في هذا الأمر بمنزلة الشيطان : إِذْ قَالَ لِلإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرئٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِين . فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ . فأبلس عمر ، وجلس خالد بن سعيد .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 337 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم قام سلمان الفارسي وقال . . .
ثم قام أبو ذر الغفاري فقال . . .
ثم قام المقداد بن الأسود فقال . . .
ثم قام إليه بريدة الأسلمي فقال . . .
ثم قام عمار بن ياسر فقال . . .
ثم قام أبيُّ بن كعب فقال : يا أبا بكر لا تجحد حقاً جعله الله لغيرك ، ولا تكن أول من عصى رسول الله صلى الله عليه وآله في وصيه وصفيه ، وصدف عن أمره ، أردد الحق إلى أهله تسلم ، ولا تتماد في غيك فتندم ، وبادر الإنابة يخف وزرك ، ولا تخصص بهذا الأمر الذي لم يجعله الله لك نفسك فتلقى وبال عملك ، فعن قليل تفارق ما أنت فيه وتصير إلى ربك ، فيسألك عما جنيت وما ربك بظلام للعبيد .
ثم قام خزيمة بن ثابت فقال . . .
ثم قام أبو الهيثم بن التيهان فقال . . .
ثم قام سهل بن حنيف فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي محمد وآله ثم قال . . . وقام معه أخوه عثمان بن حنيف ، وقال . . .
قال الصادق عليه السلام : فأفحم أبو بكر على المنبر حتى لم يحر جواباً ، ثم قال : وليتكم ولست بخيركم ، أقيلوني أقيلوني !
فقال له عمر بن الخطاب : إنزل عنها يا لكع ! إذا كنت لا تقوم بحجج قريش لِمَ أقمت نفسك هذا المقام ؟ والله لقد هممت أن أخلعك وأجعلها في سالم مولى أبي حذيفة .
قال : فنزل ثم أخذ بيده وانطلق إلى منزله ، وبقوا ثلاثة أيام لا يدخلون
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 338 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله !
فلما كان في اليوم الرابع جاءهم خالد بن الوليد ومعه ألف رجل فقال لهم : ما جلوسكم فقد طمع فيها والله بنو هاشم ؟ وجاءهم سالم مولى أبي حذيفة ومعه ألف رجل ، وجاءهم معاذ بن جبل ومعه ألف رجل ، فما زال يجتمع إليهم رجل رجل حتى اجتمع أربعة آلاف رجل ، فخرجوا شاهرين بأسيافهم يقدمهم عمر بن الخطاب حتى وقفوا بمسجد رسول الله صلى الله عليه وآله فقال عمر :
والله يا أصحاب عليّ لئن ذهب منكم رجل يتكلم بالذي تكلم بالأمس لنأخذن الذي فيه عيناه . فقام إليه خالد بن سعيد بن العاص وقال : يا بن صهاك الحبشية أبأسيافكم تهددوننا أم بجمعكم تفزعوننا ، والله إن أسيافنا أحد من أسيافكم وإنا لأكثر منكم وإن كنا قليلين لأن حجة الله فينا ، والله لو لا أني أعلم أن طاعة الله ورسوله وطاعة إمامي أولى بي ، لشهرت سيفي وجاهدتكم في الله إلى أن أبلي عذري .
فقام أمير المؤمنين وقال : أجلس يا خالد ، فقد عرف الله لك مقامك وشكر لك سعيك ، فجلس .
وقام إليه سلمان الفارسي فقال : الله أكبر الله أكبر ! سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله بهاتين الأذنين وإلا صمتا يقول : بينا أخي وابن عمي جالس في مسجدي مع نفر من أصحابه إذ تكبسه جماعة من كلاب أصحاب النار يريدون قتله وقتل من معه ، فلست أشك ألا وإنكم هم !
فهمَّ به عمر بن الخطاب فوثب إليه أمير المؤمنين عليه السلام وأخذ بمجامع ثوبه ثم جلد به الأرض ، ثم قال : يا بن صهاك الحبشية لولا كتاب من الله سبق وعهد من رسول الله تقدم ، لأريتك أينا أضعف ناصراً وأقل عدداً ! ! ثم التفت
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 339 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إلى أصحابه فقال : انصرفوا رحمكم الله ، فوالله لا دخلت المسجد إلا كما دخل أخواي موسى وهارون إذ قال له أصحابه : فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ . والله لا دخلته إلا لزيارة رسول الله صلى الله عليه وآله أو لقضية أقضيها ، فإنه لا يجوز بحجة أقامها رسول الله صلى الله عليه وآله أن يترك الناس في حيرة ! !
وعن عبد الله بن عبد الرحمن قال : ثم إن عمر احتزم بآزاره وجعل يطوف بالمدينة وينادي : ألا إن أبا بكر قد بويع له فهلموا إلى البيعة ، فينثال الناس يبايعون ، فعرف أن جماعة في بيوت مستترون ، فكان يقصدهم في جمع كثير ويكبسهم ويحضرهم المسجد فيبايعون !
حتى إذا مضت أيام أقبل في جمع كثير إلى منزل علي عليه السلام فطالبه بالخروج فأبى ، فدعا عمر بحطب ونار وقال : والذي نفس عمر بيده ليخرجن أو لأحرقنه على ما فيه ! فقيل له : إن فاطمة بنت رسول الله وولد رسول الله وآثار رسول الله صلى الله عليه وآله فيه ، وأنكر الناس ذلك من قوله فلما عرف إنكارهم قال : ما بالكم أتروني فعلت ذلك ، إنما أردت التهويل ، فراسلهم علي أن ليس إلى خروجي حيلة لأني في جمع كتاب الله الذي قد نبذتموه وألهتكم الدنيا عنه ، وقد حلفت أن لا أخرج من بيتي ولا أدع ردائي على عاتقي حتى أجمع القرآن .
قال : وخرجت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله إليهم فوقفت خلف الباب ثم قالت : لا عهد لي بقوم أسوء محضراً منكم ، تركتم رسول الله صلى الله عليه وآله جنازة بين أيدينا وقطعتم أمركم فيما بينكم ولم تؤمرونا ، ولم تروا لنا حقاً ، كأنكم لم تعلموا ما قال يوم غدير خم ، والله لقد عقد له يومئذ الولاء ليقطع منكم بذلك منها الرجاء ، ولكنكم قطعتم الأسباب بينكم وبين نبيكم . والله حسيب بيننا وبينكم في الدنيا والآخرة ) . انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 340 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
هذا ، وقد روى في الإحتجاج : 1 / 153 : كلاماً طويلاً لأبي بن كعب رحمه الله اعتراضاً على أبي بكر في مسجد النبي صلى الله عليه وآله في أول جمعة من شهر رمضان تلك السنة : ( عن محمد ويحيى ابني عبد الله بن الحسن ، عن أبيهما ، عن جدهما ، عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال : لما خطب أبو بكر قام إليه أبي بن كعب وكان يوم الجمعة أول يوم من شهر رمضان وقال : يا معشر المهاجرين الذين اتبعوا مرضات الله ، وأثنى الله عليهم في القرآن ، ويا معشر الأنصار الذين تبوؤا الدار والإيمان وأثنى الله عليهم في القرآن :
تناسيتم أم نسيتم ، أم بدلتم ، أم غيرتم ، أم خذلتم ، أم عجزتم ؟
ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله قام فينا مقاماً أقام فينا علياً فقال : من كنت مولاه فهذا مولاه يعني علياً ، ومن كنت نبيه فهذا أميره ؟
ألستم تعلمون أن رسول الله قال : يا علي أنت مني بمنزلة هارون من موسى طاعتك واجبة على من بعدي كطاعتي في حياتي غير أنه لا نبي بعدي ؟ ألستم تعلمون أن رسول الله قال : أوصيكم بأهل بيتي خيراً فقدموهم ولا تقدموهم ، وأمروهم ولا تأمروا عليهم ؟
أو لستم تعلمون أن رسول الله قال : أهل بيتي منار الهدى والدالون على الله أو لستم تعلمون أن رسول الله قال لعلي : أنت الهادي لمن ضل ؟
أو لستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال : علي المحيي لسنتي ، ومعلم أمتي ، والقائم بحجتي ، وخير من أخلف من بعدي ، وسيد أهل بيتي وأحب الناس أليَّ ، طاعته كطاعتي على أمتي ؟ . . . الخ .
فقامت إليه رجال من الأنصار فقالوا : أقعد رحمك الله يا أبيّ ، فقد أديت ما سمعت الذي معك ، ووفيت بعهدك ) . انتهى .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 341 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 84 أبي بن كعب قتله أهل العُقدة ( صحيفة التحالف ضد عترة النبي ) !

روى الحاكم : 2 / 226 : ( عن جندب قال : أتيت المدينة لأتعلم العلم ، فلما دخلت مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله إذا الناس فيه حلق يتحدثون ، قال : فجعلت أمضي حتى انتهيت إلى حلقة فيها رجل شاحب عليه ثوبان كأنما قدم من سفر ، فسمعته يقول : هلك أصحاب العقد ورب الكعبة ولا آسى عليهم ، يقولها ثلاثاً ، هلك أصحاب العقد ورب الكعبة ، هلك أصحاب العقد ورب الكعبة ، هلك أصحاب العقد ورب الكعبة !
قال : فجلست إليه فتحدث ما قضي له ثم قام ، فسألت عنه فقالوا : هذا سيد الناس أبي بن كعب ! قال فتبعته حتى أتى منزله فإذا هو رث المنزل رث الكسوة رث الهيئة ، يشبه أمره بعضه بعضاً فسلمت عليه فرد عليَّ السلام ، قال : ثم سألني ممن أنت ؟ قال قلت من أهل العراق ، قال أكثر شئ سؤالاً وغضب ! قال : فاستقبلت القبلة ثم جثوت على ركبتي ورفعت يدي هكذا ومد ذراعيه فقلت : اللهم إنا نشكوهم إليك ، إنا ننفق نفقاتنا وننصب أبداننا ونُرحل مطايانا ابتغاء العلم ، فإذا لقيناهم تجهموا لنا وقالوا لنا ، قال : فبكى أبيٌّ وجعل ترضاني ويقول : ويحك إني لم أذهب هناك ، ثم قال أبيٌّ :
أعاهدك لئن أبقيتني إلى يوم الجمعة لأتكلمن بما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله لا أخاف فيه لومة لائم . قال ثم انصرفت عنه وجعلت أنتظر يوم الجمعة فلما كان يوم الخميس خرجت لبعض حاجتي فإذا الطرق مملوءة من الناس ، لا آخذ في سكة إلا استقبلني الناس ، قال فقلت ما شان الناس ؟ قالوا إنا نحسبك غريباً ؟ قال قلت : أجل ، قالوا مات سيد المسلمين أبي بن كعب ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 342 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال فلقيت أبا موسى بالعراق فحدثته ، فقال : هلا كان يبقى حتى تبلغنا مقالته ؟ ! هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ) . انتهى ، ( ورواه بروايات أخرى في ترجمة أبي هنا ، وفي : 3 / 302 وفي طبقات ابن سعد : 3 / 500 و 501 ، وجاء فيه قول الراوي الآخر : ( قلت لأبيّ بن كعب : ما لكم أصحاب رسول الله ( ص ) نأتيكم من البعد نرجو عندكم الخبر أن تعلمونا فإذا أتيناكم استخففتم أمرنا كأنا نهون عليكم ؟ ! فقال : والله لئن عشت إلى هذه الجمعة لأقولن فيها قولاً لا أبالي أستحييتموني عليه أو قتلتموني ! ! فلما كان يوم الجمعة من بين الأيام أتيت المدينة فإذا أهلها يموجون بعضهم في بعض في سككهم ، فقلت : ما شأن هؤلاء الناس ؟ ! قال بعضهم : أما أنت من أهل هذا البلد ؟ قلت لا ، قال فإنه قد مات سيد المسلمين اليوم أبيُّ بن كعب ، قلت : والله إن رأيت كاليوم في الستر أشد مما ستر هذا الرجل ) . انتهى .
وفي مسند أحمد : 5 / 140 : ( عن قيس بن عباد قال أتيت المدينة للقي أصحاب محمد ( ص ) ولم يكن فيهم رجل ألقاه أحب إلي من أبيّ . . . ثم حدث فما رأيت الرجال متحت أعناقها إلى شئ متوحها إليه ! قال : سمعته يقول : هلك أهل العقدة ورب الكعبة ! ألا لا عليهم آسى ، ولكن آسى على من يهلكون من المسلمين ! وإذا هو أبيّ ، والحديث على لفظ سليمان بن داود ) .
وفي صحيح ابن خزيمة : 3 / 33 : ( ثم استقبل القبلة فقال : هلك أهل العقدة ورب الكعبة ثلاثاً . ثم قال والله ما عليهم آسى ولكن آسى على من أضلوا قال قلت من تعني بهذا قال الأمراء ) . ( ونحوه في حلية الأولياء : 3 / 110 ) .
وفي تهذيب الكمال : 2 / 270 : ( عن عتي بن ضمرة قال : قلت لأبي بن كعب ما شأنكم يا صحابة رسول الله ( ص ) نأتيكم من الغربة نرجو عندكم الخير أن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 343 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
نستفيده عندكم فتهاونون بنا ؟ ! فقال أبيّ : أما والله لئن عشت إلى هذه الجمعة لأقولن قولاً لا أبالي أَستحييتموني أو قتلتموني !
قال فلما كان يوم الجمعة من بين الأيام خرجت من منزلي فإذا أهل المدينة يؤذنون في سككها ! فقلت لبعضهم : ما شأن الناس ؟ قالوا وما أنت من أهل البلد ؟ قلت : لا ، قال : فإن سيد المسلمين مات اليوم ! قلت : من هو ؟ قال : أبيُّ بن كعب . فقلت في نفسي : والله ما رأيت كاليوم في الستر أشد مما ستر هذا الرجل !
وفي المعجم الأوسط : 7 / 217 : ( هلك أهل العقدة ورب الكعبة والله ما عليهم آسى ولكني آسى على من أهلكوا من أمة محمد ) ! !
وفي نيل الأوطار : 3 / 222 : ( فسمعته يقول : هلك أهل العقدة ورب الكعبة ألا لا عليهم آسي ولكن آسى على من يهلكون من المسلمين ! وإذا هو أبيُّ يعني ابن كعب . هذا لفظ أحمد ، وقد أخرج الحديث أيضاً النسائي وابن خزيمة في صحيحه . ومتحت بفتح الميم وتاءين مثناتين بينهما حاء مهملة أي مدت . وأهل العقدة بضم العين المهملة وسكون القاف يريد البيعة المعقودة للولاية ) .
وفي الكافي : 4 / 545 : عن الإمام الباقر عليه السلام قال : ( كنت دخلت مع أبي عليه السلام الكعبة فصلى على الرخامة الحمراء بين العمودين فقال : في هذا الموضع تعاقد القوم إن مات رسول الله صلى الله عليه وآله أو قتل ألا يردوا هذا الأمر في أحد من أهل بيته أبداً ! قال قلت : ومن كانوا ؟ قال : كان الأول والثاني ، وأبو عبيدة بن الجراح ، وسالم ابن الحبيبة ) . ! انتهى .
وهكذا قتل أبيُّ بن كعب قبل أن ينفذ عهده الذي عاهد الله عليه أن يفضح
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 344 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
المؤامرة على عترة النبي صلى الله عليه وآله ! ! ولا مجال لذكر فعاليات الشبكة القرشية وحلفائها اليهود ، التي كانت وراء السقيفة !

قول أبيّ : ما زالت هذه الأمة مكبوبة على وجهها منذ فقدوا نبيهم !

في شرح نهج البلاغة : 20 / 22 ، كلام منطقي عن الصحابة ، قال فيه : ( وإنما غرضنا الذي إليه نجري بكلامنا هذا أن نوضح أن الصحابة قوم من الناس لهم ما للناس وعليهم ما عليهم ، من أساء منهم ذممناه ومن أحسن منهم حمدناه ، وليس لهم على غيرهم من المسلمين كبير فضل إلا بمشاهدة الرسول ومعاصرته لا غير ، بل ربما كانت ذنوبهم أفحش من ذنوب غيرهم لأنهم شاهدوا الأعلام والمعجزات ، فقربت اعتقاداتهم من الضرورة ، ونحن لم نشاهد ذلك فكانت عقائدنا محض النظر والفكر ، وبمعرضية الشبه والشكوك فمعاصينا أخف لأنا أعذر .
ثم نعود إلى ما كنا فيه فنقول : وهذه عائشة أم المؤمنين ، خرجت بقميص رسول الله ( ص ) فقالت للناس : هذا قميص رسول الله لم يبل ، وعثمان قد أبلى سنته ، ثم تقول : اقتلوا نعثلاً ، قتل الله نعثلاً . . .
ثم قد حصر عثمان ، حصرته أعيان الصحابة ، فما كان أحد ينكر ذلك ، ولا يعظمه ولا يسعى في إزالته . . .
وهذا المغيرة بن شعبة وهو من الصحابة ، ادعي عليه الزنا وشهد عليه قوم بذلك ، فلم ينكر ذلك عمر ولا قال : هذا محال وباطل لأن هذا صحابي . . .
وهاهنا من هو أمثل من المغيرة وأفضل : قدامة بن مظعون لما شرب الخمر في أيام عمر فأقام عليه الحد ، وهو رجل من علية الصحابة ، ومن أهل بدر . . .
وقال أبو بكر في مرضه الذي مات فيه : وددت إني لم أكشف بيت فاطمة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 345 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولو كان أغلق على حرب ، فندم . . .
ثم ينبغي للعاقل أن يفكر في تأخر علي عليه السلام عن بيعه أبى بكر ستة أشهر إلى إن ماتت فاطمة ، فإن كان مصيباً فأبو بكر على الخطأ في انتصابه في الخلافة . . .
ثم قال أبو بكر في مرض موته أيضاً للصحابة : فلما استخلفت عليكم خيركم في نفسي يعني عمر فكلكم ورم لذلك أنفه يريد أن يكون الأمر له . لما رأيتم الدنيا قد جاءت . . .
وكلمة أبيّ بن كعب مشهورة منقولة : ما زالت هذه الأمة مكبوبة على وجهها منذ فقدوا نبيهم ! وقوله : ألا هلك أهل العقيدة ( العقدة ) ، والله ما آسي عليهم إنما آسي على من يضلون من الناس ! !
ثم قول عبد الرحمن بن عوف : ما كنت أرى أن أعيش حتى يقول لي عثمان يا منافق ، وقوله : لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما وليت عثمان شسع نعلي ، وقوله : اللهم إن عثمان قد أبى أن يقيم كتابك فافعل به وافعل ) ! !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 346 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 85 نماذج من صراع عمر مع أبي على قراءة القرآن !

روت مصادرهم خلافات كثيرة بين عمر وأبيّ ، فقد أراد عمر أن يفرض عليه رأيه في آيات القرآن ، وكان أبيّ يرفض ذلك حتى وصل الأمر إلى أن عمر أهان أبياً وهو في عمر أبيه وهو شيخ الأنصار ! وضربه بالسوط على باب مسجد النبي صلى الله عليه وآله ، كما تقدم ! !
وكانت مواقف عمر في خلافه مع أبيّ متفاوتة إلى حد التناقض ! فأحياناً كان يخضع لقول أبيّ ، وأحياناً كانا يفترقان بدون نتيجة عملية !
ففي الدر المنثور : 2 / 344 : ( وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن عدي عن أبي مجلز أن أبي بن كعب قرأ : ( مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيَانِ ) ، قال عمر كذبت ! قال أنت أكذب ! فقال رجل : تكذب أمير المؤمنين ؟ ! قال أنا أشد تعظيماً لحق أمير المؤمنين منك ، ولكن كذبته في تصديق كتاب الله ، ولم أصدق أمير المؤمنين في تكذيب كتاب الله ! فقال عمر : صدق ) .
ونقل في كنز العمال : 13 / 261 ، عن ابن راهويه : ( أن عمر بن الخطاب رد على أبي بن كعب قراءة آية فقال أبي : لقد سمعتها من رسول الله ( ص ) وأنت يلهيك يا عمر الصفق بالبقيع ! فقال عمر : صدقت ! إنما أردت أن أجربكم هل منكم من يقول الحق ، فلا خير في أمير لا يقال عنده الحق ولا يقوله !
ثم نقل عن ابن أبي دؤاد وابن عساكر : ( أن أبي بن كعب قال لعمر : والله يا عمر إنك لتعلم أني كنت أحضر وتغيبون ، وأدنى وتحجبون ويصنع بي ويصنع بي ، والله لئن أحببت لألزمن بيتي فلا أحدث شيئاً ولا أقرئ أحداً حتى أموت !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 347 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فقال عمر بن الخطاب : اللهم غفراً ، إنا لنعلم أن الله قد جعل عندك علماً فعلم الناس ما علمت ) . انتهى .
وأحياناً كانت تشتد المواجهة فيصر عمر على رأيه ، ويوبخ أبياً ولا يقبل منه ، ويأمر المسلمين بكتابة المصحف على ما يقوله هو ، وأن يمحوا ما يقوله أبيٌّ ! الخ . ففي تاريخ المدينة : 2 / 711 : ( عن خرشة بن الحر قال : رأى معي عمر بن الخطاب لوحاً مكتوباً فيه : إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله ، فقال : من أملى عليك هذا ؟ قلت أبيُّ بن كعب ، فقال إن أبياً كان أقرأنا للمنسوخ ، إقرأها : فامضوا إلى ذكر الله ! ) . ( وفي الدر المنثور : 6 / 219 : عن أبي عبيد في فضائله ، وسعيد بن منصور ، وابن أبي شيبة ، وابن المنذر ، وابن الأنباري في المصاحف . وقراءة عمر في البخاري : 6 / 63 )
وروى البيهقي : 3 / 227 ( عن سالم ، عن أبيه قال : ما سمعت عمر بن الخطاب يقرؤها إلا : فامضوا إلى ذكر الله . . . أنبأ الشافعي ، أنبأ سفيان بن عيينة ، فذكره بنحوه ) .
والسبب في إصرار عمر على تحريف نص القرآن أن كلمة ( السعي ) في الآية مشتركة بين السعي المعنوي والمادي ! لكنها في ذهن عمر تعني الركض ! وبما أن المطلوب لصلاة الجمعة هو المضي والذهاب وليس الركض فلا يصح التعبير بالسعي ! فلا بد أن تكون نزلت من عند الله : فامضوا ، وأن ( فاسعوا ) اشتباه من النبي صلى الله عليه وآله أو جبرئيل عليه السلام ! !
وعندما يجتهد عمر ويضع في رأسه شيئاً ، يغيب عنه أن النبي صلى الله عليه وآله أمر المسلمين أن يأخذوا القرآن من أبيّ بن كعب ، وليس من عمر !
ويبدو أن هذا المعنى العمري للسعي كان موجوداً في أذهان بعضهم ، ففي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 348 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الدر المنثور : 6 / 219 عن البيهقي : ( عن عبد الله بن الصامت قال : خرجت إلى المسجد يوم الجمعة فلقيت أبا ذر ، فبينا أنا أمشي إذ سمعت النداء فرفعت في المشي لقول الله : إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله فجذبني جذبة فقال : أو لسنا في سعي ؟ ! ) .
أما عليٌّ وأهل البيت عليهم السلام فكانوا ملتفتين إلى أن السعي هنا ليس بمعنى الركض بل بمعنى السعي المعنوي الذي يتناسب مع المشي إلى صلاة الجمعة بسكينة ووقار .
روى المغربي في دعائم الإسلام : 1 / 182 : ( عن علي عليه السلام أنه سئل عن قول الله تعالى : يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله ، قال : ليس السعي الاشتداد ، ولكن يمشون إليها مشياً ) .
وروى الصدوق في علل الشرائع : 2 / 357 : ( عن حماد عن الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال : إذا قمت إلى الصلاة إن شاء الله فأتها سعياً وليكن عليك السكينة والوقار ، فما أدركت فصل وما سبقت به فأتمه فإن الله عز وجل يقول : يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله . ومعنى قوله فاسعوا هو الإنكفات ) .
وفي تفسير علي بن إبراهيم : 2 / 367 ، عن الإمام الباقر عليه السلام ( إسعوا : اعملوا لها وهو قص الشارب ، ونتف الأبط وتقليم الأظافير والغسل ولبس أفضل ثيابك ، وتطيب للجمعة فهو السعي ، يقول الله : ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن ) انتهى .
وقال الراغب في مفرداته ص 233 : ( السعي المشي السريع وهو دون العدو .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 349 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ويستعمل للجد في الأمر خيراً كان أو شراً ، قال تعالى : وسعى في خرابها ، وقال : نورهم يسعى بين أيديهم . وقال : ويسعون في الأرض فساداً ، وإذا تولى سعى في الأرض ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 350 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى ، إن سعيكم لشتى . وقال تعالى : وسعى لها سعيها ، كان سعيهم مشكوراً . وقال تعالى : فلا كفران لسعيه ) .
وقال الخليل في كتاب العين : 2 / 202 : ( السعي عدو ليس بشديد . وكل عمل من خير أو شر فهو السعي ، يقولون السعي العمل أي الكسب . والمسعاة في الكرم والجود ) .
وقال الجوهري في الصحاح : 6 / 2377 : ( سعى الرجل يسعى سعياً أي عدا ، وكذلك إذا عمل وكسب ) .
وقال الطريحي في مجمع البحرين : 2 / 375 : ( فاسعوا إلى ذكر الله ، أي بادروا بالنية والجد ، ولم يرد للعدو والإسراع في المشي . والسعي يكون عدواً ومشياً وقصداً وعملاً ، ويكون تصرفاً بالصلاح والفساد . والأصل فيه المشي السريع لكنه يستعمل لما ذكر وللأخذ في الأمر ) .
* *
ولا تجد أحداً من السنيين انتصر للقرآن ، فأيد أبياًّ وخطَّأ عمر ! بل تراهم غضوا أبصارهم عن فضيحة عمر ، وخرسوا عن شهادته الزور بالنسخ ، ودعوا له بالستر والسلامة ، كما فعل البخاري !
وغاية ما وصلت إليه جرأة كبارهم الانتقاد البعيد بالإشارة البعيدة !
قال البيهقي في سننه : 3 / 227 : ( قال الشافعي : ومعقول أن السعي في هذا الموضع العمل لا السعي على الأقدام ، قال الله تعالى : إن سعيكم لشتى ، وقال : ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن ، وقال : وكان سعيكم مشكوراً ، وقال : وأن ليس للإنسان إلا ما سعى . وقال : وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها . قال الشيخ ( البيهقي ) : وقد روي عن أبي ذر ما يؤكد هذا ) انتهى . وقد أخذها الشافعي عن أهل البيت عليه السلام كما رأيت !
وتبع الشافعي والبيهقي ، ابن قدامة في المغني : 2 / 143 .
أما السيوطي فقد جمع ست عشرة رواية في قراءة عمر هذه ، ولم يعلق عليها ! ( الدر المنثور : 6 / 219 ) وروى فيها : ( ما سمعت عمر يقرؤها قط إلا فامضوا إلى ذكر الله . . . لقد توفي عمر وما يقول هذه الآية التي في سورة الجمعة إلا : فامضوا إلى ذكر الله ! وروى عن ابن عباس ومحمد بن كعب قال : السعي العمل ) . ( راجع كنز العمال : 2 / 591 تحت الأرقام : 48087 و 4809 و 4821 و 4822 ، والتسهيل لابن جزي : 2 / 445 . قرأ عمر : وامضوا إلى ذكر الله ) انتهى .
وتفسير السعي بالعمل ، الذي رواه عن ابن عباس ومحمد بن أبيّ بن كعب ، هو رد غير صريح على عمر ، وقول محمد مؤشر على أن نسبة ذلك إلى أبيه كذب عليه !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 351 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 86 محاولة عمرية لتحريف القرآن أحبطها أبيُّ بن كعب !

قال الله تعالى : ( إِنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ . لَقَدْ تَابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤوفٌ رَحِيمٌ ) . ( سورة التوبة : 116 - 117 )
وقال تعالى : ( الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ . وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ . وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ . وَالسَّابِقُونَ الأَوَلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) . ( سورة التوبة : 97 - 100 )
فقد جعل الله المسلمين ثلاثة أقسام : السابقين من المهاجرين ، والسابقين من الأنصار ، والتابعين الذين اتبعوهم بإحسان .
لكن عمر أراد أن يحذف حرف الواو قبل كلمة ( الذين ) فيجعلهم قسمين : المهاجرين ، ثم الأنصار الذين اتبعوا المهاجرين ويفرض على الأنصار اتباع المهاجرين وطاعتهم ، ويحذف القسم الثالث : ( التابعين ) !
فانظر إلى هذه الضربة الفنية العمرية في تحريف كتاب الله تعالى ، التي لا يهتدي إليها حتى إبليس !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 352 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
روى الحاكم : 3 / 305 : ( عن أبي سلمة ومحمد بن إبراهيم التيمي قالا : مر عمر بن الخطاب برجل وهو يقول : وَالسَّابِقُونَ الأَوَلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِي اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ . . إلى آخر الآية ، فوقف عليه عمر فقال : انصرف ، فلما انصرف قال له عمر : من أقرأك هذه الآية ؟ قال : أقرأنيها أبي بن كعب . فقال : إنطلقوا بنا إليه ، فانطلقوا إليه فإذا هو متكئ على وسادة يرجل رأسه فسلم عليه فرد السلام فقال : يا أبا المنذر ، قال لبيك ، قال : أخبرني هذا أنك أقرأته هذه الآية ؟ قال : صدق تلقيتها من رسول الله ( ص ) .
قال عمر : أنت تلقيتها من رسول الله ( ص ) ؟ !
قال : نعم أنا تلقيتها من رسول الله . ثلاث مرات كل ذلك يقوله ، وفي الثالثة وهو غضبان : نعم والله ، لقد أنزلها الله على جبريل وأنزلها جبريل على محمد ، فلم يستأمر فيها الخطاب ولا ابنه ! ! فخرج عمر وهو رافع يديه وهو يقول : الله أكبر ، الله أكبر ! ) . ( ورواه في كنز العمال : 2 / 605 وقال : ( أبو الشيخ في تفسيره ، ك ، قال الحافظ ابن حجر في الأطراف : صورته مرسل . قلت : له طريق آخر عن محمد بن كعب القرظي مثله أخرجه ابن جرير وأبو الشيخ ، وآخر عن عمر بن عامر الأنصاري نحوه ، أخرجه أبو عبيد في فضائله ، وسيد وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه هكذا . صححه ، ك ) .
وفي تاريخ المدينة : 2 / 707 : ( حدثنا معاذ بن شبة بن عبيدة قال حدثني أبيّ عن أبيه عن الحسن : قرأ عمر : والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار الذين اتبعوهم بإحسان ( بدون واو ) فقال أبيٌّ : وَالسَّابِقُونَ الأَوَلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ ، فقال عمر : والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار الذين اتبعوهم بإحسان ، وقال : أشهد أن الله أنزلها هكذا ، فقال أبي : أشهد أن الله أنزلها هكذا ، ولم يؤامر فيها الخطاب ولا ابنه ! ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 353 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
( وقال في هامشه : في منتخب كنز العمال : 2 / 55 عن عمرو بن عامر الأنصاري أن عمر بن الخطاب قرأ : والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار الذين . . . ورد في نفس المرجع : 2 / 56 عن أبي سلمة ومحمد بن إبراهيم التيمي قالا . . . وروى رواية الحاكم المتقدمة ، ثم قال : وانظر تفسير ابن كثير 4 : 228 ) .
وروى في كنز العمال : 2 / 597 : ( عن عمرو بن عامر الأنصاري أن عمر بن الخطاب قرأ : والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار الذين اتبعوهم بإحسان . فرفع الأنصار ولم يلحق الواو في الذين ، فقال زيد : والذين اتبعوهم بإحسان . فقال عمر : الذين اتبعوهم بإحسان . فقال زيد : أمير المؤمنين أعلم ! فقال عمر : ائتوني بأبيّ بن كعب ، فسأله عن ذلك فقال أبيّ : والذين اتبعوهم بإحسان ، فجعل كل واحد منهما يشير إلى أنف صاحبه بإصبعه ، فقال أبيّ : والله أقرأنيها رسول الله ( ص ) وأنت تتبع الخبط ، فقال عمر : نعم إذن ، فنعم إذن فنعم إذن ، نتابع أبياً ) ! ( أبو عبيد في فضائله ، وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه . وقال في هامشه : الخبط بفتح الخاء والباء - - الورق ينفض بالمخابط ويجفف ويطحن ) . انتهى .
وقال السيوطي في الدر المنثور : 3 / 269 : ( أخرج أبو عبيد وسيد وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن حبيب الشهيد عن عمرو بن عامر الأنصاري أن عمر بن الخطاب قرأ : والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار الذين اتبعوهم بإحسان . فرفع الأنصار ولم يلحق الواو في الذين ! فقال له زيد بن ثابت : والذين . فقال عمر الذين ! فقال زيد أمير المؤمنين أعلم ! فقال عمر : إئتوني بأبي بن كعب ، فأتاه فسأله عن ذلك فقال أبي : والذين . فقال عمر : فنعم إذن نتابع أبياً ) .
ثم قال السيوطي : وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن محمد بن كعب القرظي قال مرَّ عمر برجل يقرأ : السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ، فأخذ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 354 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عمر بيده فقال : من أقرأك هذا ؟ قال أبي بن كعب . قال : لا تفارقني حتى أذهب بك إليه ، فلما جاءه قال عمر : أنت أقرأت هذا هذه الآية هكذا ؟ قال نعم . قال وسمعتها من رسول الله ( ص ) ؟ قال نعم . قال : لقد كنت أرى أنا رُفعنا رفعةً لا يبلغها أحد بعدنا ! فقال أبيٌّ : تصديق ذلك في أول سورة الجمعة : وآخرين منهم لما يلحقوا بهم . وفي سورة الحشر : والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان . وفي الأنفال : والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم ) .
* *
ومعنى قول عمر : ( قد كنت أرى أنا رُفعنا رفعةً لا يبلغها أحد بعدنا ) ، أنه يرى أن قريشاً فوق الجميع فلا يساوى بها أحد ، بينما وجود الواو في الآية يجعل الأنصار معهم على قدم المساواة ! فالحل عند عمر أن تقرأ الآية المئة من سورة التوبة : ( والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصارُ الذين اتبعوهم ) ، فتحذف الواو وترفع كلمة الأنصار ليكون المعنى أن الله رضي عن المهاجرين وعن أتباعهم الأنصار ! !
فعمر يريد أن يجعل اختيار الله تعالى لقريش من أجل قبائلها كلها وليس من أجل أن يختار منهم بني هاشم ، ويختار منهم محمداً صلى الله عليه وآله وآله المطهرين المعصومين فقط .
يريد عمر طبقية لقريش على العالم ، وأنها شعب الله المختار ، على خطى اليهود الذين زعموا أنهم شعب الله المختار والناس خدم لهم !
وهذا التحريف يثير حفيظة كل مسلم ، ويثير حفيظة الأنصار بصورة خاصة لأن الله جعلهم على قدم المساواة مع المهاجرين وإن ذكر اسمهم بعدهم ، وعمر يريد أن يجعلهم تابعين لهم !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 355 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولا يمكن أن نصدق أن موقف عمر كان وليد ساعته عندما سمع رجلاً يقرأ الآية في الطريق ! فهذه الضربة ( الفنية ) للأنصار لابد أنها كانت مدروسة حاضرة عنده ، وقد يكون هو الذي دبَّر رجلاً ليقرأها ويقول أقرأنيها أبيّ بن كعب ، ليكون ذلك سبباً لذهاب عمر إليه ليناقشه فيها لعله يقبل معه ! ! بل لابد أن الموضوع كان مطروحاً مرات مع خاصته في دار الخلافة ، ومع أبيّ نفسه ، وأن ذلك أثار الأنصار فأعلنوا نفيرهم من أجلها ، كما أتذكر أني قرأت !
أما زيد بن ثابت ، الأنصاري أماً اليهودي أباً ، فقد سلَّم لعمر ( فقال زيد : أمير المؤمنين أعلم ) . ولو وقف في وجهه ولم يخش سطوته لربح المعركة ، لأن كل الأنصار سيقفون إلى جانبه ، ويؤيدهم أهل البيت عليهم السلام ، ولكن زيداً ضعيف الشخصية !
لكن أبي بن كعب رحمه الله مع أنه يخاف سطوة عمر ويداريه كثيراً ، فقد وقف في وجهه لأنه حافظ للقرآن ، وأكبر سناً من عمر ، ومن صحابة النبي صلى الله عليه وآله المقربين ، والمسألة تمس كيان الأنصار !
وقد دافع الشوكاني عن عمر بأن المسألة اشتباه رجع عنه عمر عندما شهد له أبيّ ! لكن بماذا يفسر تأكيد عمر وشهادته أن الآية نزلت بدون واو ؟ !
قال عمر : ( أشهد أن الله أنزلها هكذا . ابن شبة : 2 / 707 ) !
فإذا كان قوله هذا اجتهاداً من عنده لأن مكانة قريش برأيه عند الله أعلى من مكانة الأنصار ، فهو جرأة على تحريف كتاب الله ! !
وإن كان صادقاً في شهادته فلماذا تراجع بمجرد شهادة أبيٍّ وتأكيده ؟ ! ولماذا لم يقل لأبيّ إن شهادتك في مقابل شهادتي ، فلنرجع إلى شهادات الصحابة ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 356 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بل كيف أمر بكتابتها في القرآن كما قال ابن كعب ، ولم يطلب حتى شاهداً آخر عليها ، ألا يحتاج النص القرآني إلى شاهدين ، بل إلى تواتر ؟ !
مهما يكن ، فلولا موقف أبيّ بن كعب لارتكب عمر تغيير آية في كتاب الله تعالى بحذف واو واحدة ! لكن الله تعالى حفظ كتابه وهو القائل :
( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) . ( سورة الحجر : 9 )
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 357 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 87 آيات مزعومة وتحريفات نسبوها إلى أبيّ بن كعب !

من أساليبهم في تخفيف الجرم . . إشراك الآخرين فيه ! وهو أسلوب أكثر محبو عمر من استعماله لتخفيف مقولاته التحريفية في القرآن ، وقد فضحتهم قراءته ( فامضوا إلى ذكر الله ) التي رووا بشكل قطعي أنها من مختصاته ، وأنها من أسباب اختلافه مع أبيّ ! لكنك تجدهم نسبوها أيضاً إلى عبد الله بن الزبير ، وابن مسعود وابن عباس ، وحتى إلى أبيّ بن كعب ! !
وكذلك الأمر في بدعة عمر للأحرف السبعة ، وحذفه سورتي المعوذتين من القرآن ، وغيرها من تحريفاته !
ولهذا السبب صار على الباحث عندما يصل إلى تحريف قرآني ثبت عن عمر ، أن يتوقف في صحة نسبته إلى غيره ، لأن النسبة قد تكون لغرض تخفيف الجرم عن عمر بإثبات شراكة غيره له !

آية عمر : صراط من أنعمت عليهم . . وغير الضالين ، نسبوها إلى أبيّ !

قال السيوطي في الدر المنثور : 1 / 15 : ( أخرج وكيع ، وأبو عبيد ، وسعيد بن منصور ، وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي داود وابن الأنباري كلاهما في المصاحف من طرق ، عن عمر بن الخطاب أنه كان يقرأ : سراط من أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم وغير الضالين .
وأخرج أبو عبيد وعبد بن حميد وابن أبي داود وابن الأنباري عن عبد الله بن الزبير قرأ : صراط من أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم وغير الضالين ، في الصلاة .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 358 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأخرج ابن أبي داود عن إبراهيم قال كان عكرمة والأسود يقرأنها : صراط من أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم وغير الضالين ) .
وفي كنز العمال : 2 / 593 : ( عن عمر أنه كان يقرأ : سراط من أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين - وكيع وأبو عبيد ، ص ، وعبد بن حميد وابن المنذر ، وابن أبي داود ، وابن الأنباري معاً في المصاحف ) .
ورواه البغوي في معالم التنزيل : 1 / 42 : والراغب في محاضراته : 2 / 199 وابن جزي في التسهيل . . وغيرهم . . وغيرهم .
ومن بين هذه الروايات المتظافرة ، تجدهم رووا رواية نسبوا فيها قراءة عمر إلى أبيّ بن كعب ! قال السيوطي في الدر المنثور : 1 / 17 : ( وأخرج ابن شاهين في السنة عن إسماعيل ابن مسلم قال : في حرف أبي بن كعب : غير المغضوب عليهم وغير الضالين . آمين . بسم الله ) . انتهى .
ومن الواضح أن ذلك لتخفيف جريمة عمر ، أو لتسويق قراءته !
كما أن من الواضح أن قراءة عمر أسبق من قراءة عكرمة وابن الزبير ، وأنهما قلداه فيها ، فقولهم عن عمر : ( أنه كان يقرأ ) ، يفيد الدوام .
وإذا سألتهم : لماذا كان عمر يقرأ هكذا ويخالف المسلمين كلهم ؟ !
فلا تجد جواباً إلا أنه استحلى ذلك ! !
والحمد لله أن أحداً من المسلمين لم يطعه في تصحيحاته للقرآن !
وبذلك تجلى قوله تعالى : ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 359 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 88 آية عمر : وهو أب لهم نسبوها إلى أبيّ بن كعب !

المسالة : 88
آية عمر : وهو أب لهم . . نسبوها إلى أبيّ بن كعب !
قال السيوطي في الدر المنثور : 5 / 183 : ( وأخرج عبد الرزاق ، وسعيد بن منصور وإسحاق بن راهويه ، وابن المنذر ، والبيهقي عن بجالة قال : مر عمر بن الخطاب بغلام وهو يقرأ في المصحف : النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم ! فقال يا غلام حُكَّها ، فقال : هذا مصحف أبيّ ! فذهب إلى أبيّ فسأله فقال : إنه كان يلهيني القرآن ويلهيك الصفق بالأسواق ) .
( ورواه عبد الرزاق في المصنف : 10 / 181 عن بجالة التيمي . ورواه ابن شبة في تاريخ المدينة : 2 / 708 ، والبيهقي في سننه : 7 / 69 والذهبي في سير أعلام النبلاء : 1 / 397 وفي كنز العمال : 2 / 569 ورمز له ( ص ك ) . وفي : 13 / 259 وفيه ( وشغلك الصفق بالأسواق إذ تعرض رداءك على عنقك بباب ابن العجماء ) انتهى . يقصد أبيُّ : أنك كنت مشغولاً ببيع القماش في سوق المدينة عند بيت ابن العجماء فتضع الرداء على عنقك ليراه المشتري ! وابن العجماء عدوي من عشيرة عمر ، ولم أجد له ترجمة ، وقد ترجمت المصادر لعدة من بناته !
والسؤال في هذه الزيادة المزعومة وأمثالها : ما دام ابن كعب قد أكد أن هذه الزيادة جزء من الآية ، والخليفة قبل منه ذلك . . فلماذا لا نجدها وأمثالها في القرآن ، خاصة أن معناها يوافق بقية الآية ؟ !
والجواب : هو معمارية القرآن ، وحس المسلمين في الرقابة على نص القرآن ! وصدق الله العظيم : ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) ! .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 360 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 89 ونسبوا بدعة عمر في الأحرف السبعة إلى أبيّ بن كعب !

عرفنا أن مقولة نزول القرآن على سبعة أحرف قد ابتدعها عمر وسوَّقها ! وأن أبرز رواياتها قصته مع هشام بن حكيم ، وزعمه أن النبي صلى الله عليه وآله صحح قراءة كل منهما ، وأن عمر شك في نبوة النبي صلى الله عليه وآله بسبب ذلك ، فأخبره صلى الله عليه وآله أن القرآن من أصله نزل بصيغ مختلفة ! !
هذه القصة بنفسها تقريباً نسبوها إلى أبيّ بن كعب رحمه الله .
فقد روى النسائي في سننه : 2 / 150 ، رواية عمر في الأحرف السبعة ، ثم روى ثلاث روايات عن أبيّ بن كعب : ( أن رسول الله ( ص ) كان عند أضاة بني غفار فأتاه جبريل عليه السلام فقال : إن الله عز وجل يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرف ، قال : أسأل الله معافاته ومغفرته ، وإن أمتي لا تطيق ذلك ! ثم أتاه الثانية فقال إن الله عز وجل يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرفين ، قال : أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك ! ثم جاءه الثالثة فقال إن الله عز وجل يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على ثلاثة أحرف فقال : أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك ! ثم جاءه الرابعة فقال إن الله عز وجل يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على سبعة أحرف ، فأيما حرف قرؤوا عليه فقد أصابوا ! !
ورواية أخرى قال : أقرأني رسول الله ( ص ) سورة فبينا أنا في المسجد جالس إذ سمعت رجلاً يقرؤها يخالف قراءتي فقلت له من علمك هذه السورة ؟ فقال رسول الله ( ص ) فقلت لا تفارقني حتى نأتي رسول الله ( ص ) فأتيته فقلت يا رسول الله إن هذا خالف قراءتي في السورة التي علمتني ! فقال
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 361 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
رسول الله ( ص ) : إقرأ يا أبيّ فقرأتها فقال لي رسول الله ( ص ) : أحسنت . ثم قال للرجل : إقرأ فقرأ فخالف قراءتي فقال له رسول الله ( ص ) : أحسنت ! ثم قال رسول الله ( ص ) : يا أبيُّ إنه أنزل القرآن على سبعة أحرف كلهن شاف كاف !
ثم رواية ثالثة عن أبيّ أنه قال : ما حاك في صدري منذ أسلمت إلا أني قرأت آية وقرأها آخر غير قراءتي فقلت أقرأنيها رسول الله ( ص ) وقال الآخر أقرأنيها رسول الله ( ص ) ! فأتيت النبي ( ص ) فقلت يا نبي الله أقرأتني آية كذا وكذا ، قال نعم ، وقال الآخر ألم تقرئني آية كذا وكذا ؟ قال نعم ، إن جبريل وميكائيل أتياني فقعد جبريل عن يميني وميكائيل عن يساري فقال جبريل : إقرأ القرآن على حرف ، قال ميكائيل استزده استزده حتى بلغ سبعة أحرف ، فكل حرف شاف كاف ! ) انتهى .
وهذا يدل على مكانة أبيّ بن كعب الكبيرة في نفوس المسلمين ، وثقتهم بقراءته ، فاستغلت السلطة اسمه لترويج مقولتها في توسيع النص القرآني !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 362 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 90 آيات أبي موسى الأشعري نسبوها إلى أبيّ بن كعب !

روى البخاري : 7 / 175 ، عن ابن عباس : ( سمعت النبي ( ص ) يقول لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثاً ، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ، ويتوب الله على من تاب . وروى عن أنس بن مالك أن رسول الله ( ص ) قال : لو أن لابن آدم وادياً من ذهب أحب أن يكون له واديان ، ولن يملأ فاه إلا التراب ، ويتوب الله على من تاب ) . انتهى .
وهذا يعني أنهما حديثان للنبي صلى الله عليه وآله وليسا آيتين ، لكن روى مسلم : 3 / 100 ، حديث أنس لكن بنص حديث ابن عباس . وروى بعده : ( عن أبي الأسود عن أبيه قال : بعث أبو موسى الأشعري إلى قراء أهل البصرة فدخل عليه ثلاثمائة رجل قد قرأوا القرآن فقال : أنتم خيار أهل البصرة وقراؤهم ، فاتلوه ولا يطولن عليكم الأمد فتقسو قلوبكم كما قست قلوب من كان قبلكم . وإنا كنا نقرأ سورة كنا نشبهها في الطول والشدة ببراءة فأنسيتها ! غير أني قد حفظت منها : لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى وادياً ثالثاً ، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب . وكنا نقرأ سورة كنا نشبهها بإحدى المسبحات فأنسيتها غير أني حفظت منها : يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة ! ! ) . انتهى .
فهذا نص صريح من الأشعري بضياع كثير من سورتين من القرآن !
وروى أحمد : 3 / 238 ، أن أنساً نص على أن آية وادي التراب حديث قدسي عن النبي صلى الله عليه وآله عن الله عز وجل وليس آية ، وكذا في : 5 / 219 ( عن أبي واقد الليثي قال كنا نأتي النبي ( ص ) إذا أنزل عليه فيحدثنا فقال لنا ذات يوم : إن الله
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 363 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عز وجل قال : إنا أنزلنا المال لإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ولو كان لابن آدم واد لأحب أن يكون إليه ثان ولو كان له واديان لأحب أن يكون إليهما ثالث ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ثم يتوب الله على من تاب ) . ( وقريباً منه عن عائشة في : 6 / 55 ) .
لكنه رواه أيضاً في : 3 / 122 ، بصيغة الشك بين الحديث والآية : ( عن أنس قال كنت أسمع رسول الله ( ص ) يقول فلا أدري أشئ نزل عليه أم شئ يقوله ؟ وهو يقول : لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى لهما ثالثاً ، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ، ويتوب الله على من تاب ) . ( وقريب منها في : 3 / 272 .
ثم رواه أحمد : 4 / 368 بصيغة الجزم بأنه آية : ( عن زيد بن أرقم قال : لقد كنا نقرأ على عهد رسول الله ( ص ) : لو كان لابن آدم واديان من ذهب وفضة لابتغى إليهما آخر ولا يملأ بطن ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب ) .
ورواه في : 5 / 117 ، عن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 364 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ابن عباس قال : ( جاء رجل إلى عمر يسأله فجعل ينظر إلى رأسه مرة وإلى رجليه أخرى هل يرى عليه من البؤس شيئاً ؟ ثم قال له عمر كم مالك ؟ قال أربعون من الإبل . قال ابن عباس فقلت : صدق الله ورسوله : لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى الثالث ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب . فقال عمر ما هذا ؟ فقلت هكذا أقرأنيها أبيٌّ ! قال فمر بنا إليه ، قال فجاء إلى أبيّ فقال : ما يقول هذا ؟ قال أبيٌّ : هكذا أقرأنيها رسول الله ( ص ) ! قال أفأثبتها ؟ فأثبتها ! ) .
ورواه مجمع الزوائد : 7 / 141 ، وقال : ( قال : أفأثبتها في المصحف ؟ قال : نعم ! رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح ) .
ثم رواها الهيثمي من قول عمر وليس ابن عباس ولا أبيّ ولا غيرهما ! قال : ( وعن ابن عباس قال جاء رجل إلى عمر فقال أكلتنا الضبع ، قال : معسر ؟ يعني السِّنة ، قال فسأله عمر ممن أنت ؟ قال فما زال ينسبه حتى عرفه ، فإذا هو موسر ، فقال عمر : لو أن لابن آدم واد وواديين لابتغى إليهما ثالثاً ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ، ثم يتوب الله على من تاب .
قلت : رواه ابن ماجة غير قول عمر ثم يتوب الله على من تاب ، رواه أحمد ورجاله ثقات ، ورواه الطبراني في الأوسط ) .
ورواه في : 10 / 243 ، عن عائشة وقال : ( رواه أحمد وأبو يعلى إلا أنه قال إنما جعلنا المال لتقضى به الصلاة وتؤتى به الزكاة ، قالت : فكنا نرى أنه مما نسخ من القرآن ! ) . ( ورواه الدارمي : 2 / 318 عن أنس بصيغة التشكيك قريباً مما في أحمد : 3 / 272 )
ورواه ابن شبة في تاريخ المدينة : 2 / 707 ، وفيه : ( قال عمر : أفنكتبها ؟ قال لا آمرك . قال : أفندعها ؟ قال لا أنهاك ! قال : كان إثباتك أولى من رسول الله ( ص ) أم قرآن منزل ) ! انتهى .
أي ليتك كنت تثبتت من النبي صلى الله عليه وآله هل هي قرآن أم لا ؟
( ورواه السيوطي في الدر المنثور : 1 / 106 وفيه : ولا يملأ عين ابن آدم إلا التراب . . . قال ابن عباس فلا أدري أمن القرآن هو أم لا . وفي : 6 / 378 عن ابن عباس . . وسأله عمر : أفأثبتها في المصحف ؟ قال : نعم . ثم عن ابن الضريس عن ابن عباس . . . فقال عمر أفأكتبها ؟ قال : لا أنهاك . قال فكأن أبياً شك أقولٌ من رسول الله ( ص ) أو قرآن منزل ) ! .
* *
ويتعجب الباحث من هذه الغزارة في الروايات ، كما يتعجب من سلوك عمر ! فمرة يمحو هو الآية ، ومرة يرد شهادة أبيّ ، ومرة يحب أن يكتبها لكنه ينتظر إشارة من أبيّ أو ابن عباس فيسأله : أفأكتبها في المصحف ؟
فهل الملاك في كون نص من القرآن هو رأي عمر أو أبيّ ، أو رأي ابن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 365 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عباس ، أو زيد بن ثابت كما تقول رابعة ؟
أو هو شهادة اثنين من الصحابة كما تقول خامسة ؟
إلى آخر التناقضات الواردة في روايات جمع القرآن عندهم !
لكن المتتبع يعرف أن الملاك الأول والأخير هو رأي عمر وأنه كان يكتب ذلك في مصحفه الذي عند حفصة ، وأحرقه مروان وأراح المسلمين منه . والحمد لله القائل : ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 366 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 91 آيات وادي التراب وذات الدين نسبوها إلى أبيّ بن كعب !

روى الحاكم : 2 / 224 : ( عن أبي بن كعب قال قال لي رسول الله ( ص ) : إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن فقرأ : لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين . ومن نعتها ( أي من صفة هذه السورة وآياتها ) : لو أن ابن آدم سأل وادياً من مالٍ فأعطيته لسأل ثانياً ، وإن أعطيته ثانياً سأل ثالثاً ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ، ويتوب الله على من تاب ، وإن الدين عند الله الحنيفية غير اليهودية ولا النصرانية ، ومن يعمل خيراً فلن يكفره . هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ) .
وروى الهيثمي في مجمع الزوائد : 7 / 140 : ( عن أبيّ بن كعب قال قال رسول الله ( ص ) إن الله أمرني أن أقرأ عليك قال فقرأ عليَّ : لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة رسول من الله يتلو صحفاً مطهرة فيها كتب قيمة وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة . إن الدين عند الله الحنيفية غير المشركة ولا اليهودية ولا النصرانية ومن يفعل خيراً فلن يكفره .
قال شعبة : ثم قرأ آيات بعدها ، ثم قرأ : لو كان لابن آدم واديان من مال لسأل ثالثاً ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب قال : ثم ختم ما بقي من السورة ! !
وفي رواية عن أبي بن كعب أيضاً : أن رسول الله ( ص ) قال إن الله تبارك وتعالى أمرني أن أقرأ عليك القرآن فذكر نحوه ، وقال فيه : لو أن ابن آدم سأل وادياً من مال فأعطيه لسأل ثانياً ولو سأل ثانياً فأعطيه لسأل ثالثاً ، والباقي بنحوه . قلت في الترمذي بعضه ، وفي الصحيح طرف منه ، رواه أحمد وابنه ، وفيه عاصم بن بهدلة وثقه قوم وضعفه آخرون ، وبقية رجاله رجال الصحيح ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 367 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ورواه في كنز العمال : 2 / 567 وفيه : إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن ، فقرأ عليه لم يكن ، وقرأ عليه إن ذات الدين عند الله الحنيفية . . ط حم ت ، حسن صحيح ، ك ص ) .
وعلى هذه الروايات الصحيحة السند عندهم ! ينبغي أن تسمى هذه الآيات المخلوطة من آية وادي التراب وذات الدين وغيرهما . كما ينبغي أن تسمى : ( الآيات المنزلة إلى أبيَّ بن كعب ) ! لأنهم قالوا في نصوصها إن النبي صلى الله عليه وآله قال لأبيّ : ( إن الله أمرني أن أقرأ عليك ) !
ولا ينبغي الشك في كذب كل روايات الزيادة والنقصان المنسوبة إلى أبيّ بن كعب رحمه الله ، لأنه ثبت أنهم كذبوا عليه ونسبوا اليه ما ثبت لغيره من مقولات الزيادة والنقص في القرآن ! !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 368 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 92 ونسبوا واحدة من آيتي عمر إلى أبي بن كعب !

في مصنف عبد الرزاق : 9 / 51 : ( عن عدي بن عدي ، عن أبيه أو عن عمه ، أن مملوكاً كان يقال له كيسان ، فسمى نفسه قيساً وادعى إلى مواليه ولحق بالكوفة ، فركب أبوه إلى عمر بن الخطاب ، فقال : يا أمير المؤمنين ولد على فراشي ثم رغب عني ، وادعى إلى مواليه ومولاي ! فقال عمر : أزيدَ بنَ ثابت ألم تعلم أنا كنا نقرأ : لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم ، فقال زيد : بلى ! فقال عمر : انطلق فأقرن ابنك إلى بعيرك ، ثم انطلق به فاضرب بعيرك سوطاً وابنك سوطاً ، حتى تأتي أهلك ) ! ! ( ورواه مجمع الزوائد : 1 / 97 ، والطبراني في الكبير : 5 / 121 ) ورواه في كنز العمال : 6 / 208 عن التمهيد ، وجعل أبيّ بن كعب بدل زيد بن ثابت ) !
وفي البخاري : 8 / 26 عن عمر في حديث : ( إن الله بعث محمداً ( ص ) بالحق وأنزل عليه الكتاب فكان مما أنزل الله آية الرجم فقرأناها وعقلناها ووعيناها فلذا رجم رسول الله ( ص ) ورجمنا بعده فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله : والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء ، إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف ، ثم إنا كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله : أن لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم ، أو إن كفراً بكم أن ترغبوا عن آبائكم ) . ( ونحوه في مسند أحمد : 1 / 47 ، ومصنف عبد الرزاق : 9 / 50 ) .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 369 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 93 آية عمر : ولو حميتم كما حموا لفسد المسجد الحرام ، نسبوها إلى أبيّ !

قال الله تعالى : ( إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شئٍْ عَلِيمًا ) . ( سورة الفتح : 26 )
والآية تصف حال قريش وحال المسلمين يوم الحديبية ، حيث قصد النبي صلى الله عليه وآله بأصحابه أداء العمرة ، ولما وصلوا إلى الحديبية قرب مكة أخذت قريش حمية الجاهلية فأرسلت إلى النبي صلى الله عليه وآله أنها لا تسمح له بدخوله مكة ، واستعدت للحرب ، وجرت مفاوضات انتهت إلى عقد الصلح المعروف بصلح الحديبية !
روى الحاكم : 2 / 225 ، وصححه على شرط الشيخين : ( عن أبي بن كعب أنه كان يقرأ : ( إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية ولو حميتم كما حموا لفسد المسجد الحرام ، فأنزل الله سكينته على رسوله ) فبلغ ذلك عمر فاشتد عليه ! فبعث إليه وهو يهنأ ناقة له ( يدهنها بالقطران ) فدخل عليه فدعا أناساً من أصحابه فيهم زيد بن ثابت فقال : من يقرأ منكم سورة الفتح ؟ فقرأ زيد على قراءتنا اليوم فغلظ له عمر ، فقال له أبيٌّ : أأتكلم ؟ فقال تكلم ، فقال : لقد علمت أني كنت أدخل على النبي ( ص ) ويقرءوني وأنتم بالباب ، فإن أحببتَ أن أقرئ الناس على ما أقرأني أقرأت ، وإلا لم أقرئ حرفاً ما حييت ! قال بل أقرئ الناس ) . ( ورواه في الدر المنثور : 6 / 79 وكنز العمال : 2 / 568 وقال ( ن ، وابن أبي داود في المصاحف ، ك ، وروى ابن خزيمة بعضه ) ونحوه ص 594 وقال ( ن ، وابن أبي داود في المصاحف ، ك ، وروى ابن خزيمة بعضه . ونقله في ص 595 عن ابن داود ) .
وروى الذهبي في سير أعلام النبلاء : 1 / 397 : ( عن أبي إدريس الخولاني أن أبا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 370 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الدرداء ركب إلى المدينة في نفر من أهل دمشق ، فقرؤوا يوماً على عمر : إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية ولو حميتم كما حموا لفسد المسجد الحرام . فقال عمر : من أقرأكم هذا ؟ قالوا أبي بن كعب . فدعا به فلما أتى قال : إقرؤوا فقرؤوا كذلك ، فقال أبيٌّ : والله يا عمر إنك لتعلم أني كنت أحضر ويغيبون وأدنى ويحجبون ويصنع بي ويصنع بي ، ووالله لئن أحببت لألزمن بيتي فلا أحدث شيئاً ولا أقرئ أحداً حتى أموت ! فقال عمر : اللهم غفراً ، إنا لنعلم أن الله قد جعل عندك علماً فعلم الناس ما علمت ) . ( ورواه في كنز العمال : 2 / 594 )
والذي يعرف قصة عمر في الحديبية واعتراضه بجفاء على النبي صلى الله عليه وآله لقبوله الصلح ، وإصراره على أن يدخل النبي صلى الله عليه وآله مكة عنوة ويقاتل قريشاً ! وتصريحه بأنه شك في نبوة النبي صلى الله عليه وآله يومئذ ، وقيامه بأعمال لإفساد الصلح وإيقاع الحرب . . يعرف أن الزيادة المزعومة في الآية منه لامن أبيّ بن كعب ، وأن الرواة حرفوا فيها لتبرئة عمر على عادتهم !
لقد عمل عمر بكل ما استطاع في الحديبية ( ليحمِّي ) المسلمين فظلوا باردين ولم يستجيبوا له ! وبعد سنوات انكشف لعمر وجه الحكمة من الصلح النبوي وأن المسلمين لو حموا وقاتلوا كما أراد ، لكان ذلك ضرراً على مكة وحرمتها فقال : ولو حميتم كما حموا لفسد المسجد الحرام ! لكن غفل عن أنه لا تناسب بين حمية الجاهلية القرشية وحمية المسلمين لإسلامهم ! ولا بين ذلك وبين فساد المسجد الحرام !
فلو أن المسلمين حموا لإسلامهم لهزموا المشركين ودخلوا المسجد الحرام فاتحين ، كما أخبر الله تعالى : ( وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأَدْبَارَ ثُمَّ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 371 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا . سُنَّةَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً . وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ) . ( سورة الفتح : 22 - 24 )
* *
فمقولة : ( لفسد المسجد الحرام ) لا تصح إلا إذا كان مقصوده فساده بقتل أهله القرشيين المشركين ، الذين صاروا فيما بعد أنصار عمر وسكنوا المدينة واختاروه وأبا بكر لخلافة النبي صلى الله عليه وآله ؟ !
فالزيادة محاولة لإثبات مكرمة لكفار قريش ، وهي ترتبط بعمر القرشي ، وأبيُّ بن كعب الأنصاري بريئًٌ منها ! ! وشهادة الحاكم بأن روايتها صحيحة على شرط الشيخين ، تضرُّ رواتها ولا تُقَوِّم قناتها !
* *
ونورد فيما يلي خلاصة موقف عمر في الحديبية ، لمزيد التوضيح :
في البخاري : 3 / 178 : من رواية طويلة تحت عنوان ( باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحروب وكتابة الشروط ) ، جاء فيها :
خرج رسول الله ( ص ) زمن الحديبية حتى كانوا ببعض الطريق ، قال النبي ( ص ) : إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة فخذوا ذات اليمين ، فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقترة الجيش فانطلق يركض نذيراً لقريش ! وسار النبي ( ص ) حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت به راحلته فقال الناس : حل حل ، فألحت فقالوا خلأت القصواء خلأت القصواء ! فقال النبي ( ص ) : ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق ، ولكن حبسها حابس الفيل ، ثم قال : والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها ، ثم زجرها فوثبت ! قال فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 372 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الماء يتبرضه الناس تبرضاً ، فلم يلبثه الناس حتى نزحوه ، وشكي إلى رسول الله ( ص ) العطش فانتزع سهما من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيه ، فوالله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه !
فبينما هم كذلك إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من خزاعة وكانوا عيبة نصح رسول الله ( ص ) من أهل تهامة ، فقال إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا إعداد مياه الحديبية ومعهم العوذ المطافيل وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت ، فقال رسول الله ( ص ) : إنا لم نجئ لقتال أحد ولكنا جئنا معتمرين ، وإن قريشاً قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم ، فإن شاؤوا ماددتهم مدة ويخلوا بيني وبين الناس ، فإن أظهر فإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا وإلا فقد جموا ، وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي ، ولينفذن الله أمره .
فقال بديل : سأبلغهم ما تقول ، قال فانطلق حتى أتى قريشاً ، قال إنا قد جئناكم من هذا الرجل وسمعناه يقول قولاً فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا . فقال سفهاؤهم لا حاجة لنا أن تخبرنا عنه بشئ ، وقال ذوو الرأي منهم هات ما سمعته يقول ، قال سمعته يقول كذا وكذا فحدثهم بما قال النبي ( ص ) . . .
ثم ذكر البخاري مجئ رسول قريش عروة بن مسعود ومفاوضته لهم ، ثم مجئ رسول آخر وهو رجل من بني كنانة ، ثم مجئ رجل يقال له مكرز بن حفص ( فلما أشرف عليهم قال النبي ( ص ) هذا مكرز وهو رجل فاجر فجعل يكلم النبي ( ص ) ، فبينما هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو . . . قال الزهري في حديثه : فجاء سهيل بن عمرو فقال : هات أكتب بيننا وبينكم كتاباً ، فدعا النبي ( ص ) الكاتب . . .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 373 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فقال عمر بن الخطاب : فأتيت نبي الله ( ص ) فقلت ألست نبي الله حقاً ؟ قال بلى قلت : ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟ قال : بلى . قلت : فلم نعطي الدنية في ديننا إذاً ؟ قال إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري .
قلت : أو ليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به ؟
قال : بلى ، فأخبرتك أنا نأتيه العام ؟ قال : قلت لا ، قال : فإنك آتيه ومطوف به ! قال : فلما فرغ من قضية الكتاب ، قال رسول الله ( ص ) لأصحابه قوموا فانحروا ثم احلقوا . . . فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضاً ، حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً غماً ) ! !
وفي البخاري : 6 / 45 : ( فقال يا ابن الخطاب إني رسول الله ولن يضيعني الله أبداً ، فرجع متغيظاً فلم يصبر حتى جاء أبا بكر ! فقال يا أبا بكر ألسنا على الحق وهم على الباطل ؟ ! قال : يا ابن الخطاب إنه رسول الله ولن يضيعه الله أبداً . فنزلت سورة الفتح ) .
وفي تاريخ الطبري : 2 / 280 : ( فلما التأم الأمر ولم يبق إلا الكتاب وثب عمر بن الخطاب فأتى أبا بكر فقال : يا أبا بكر أليس برسول الله ؟ ! ) .
وروى في كنز العمال : 10 / 494 ، تحريض عمر لأبي جندل ابن سهيل بن عمرو على قتل أبيه : ( فلصق به عمر وأبوه آخذ بيده يجتره وعمر يقول : إنما هو رجل ومعك السيف ) .
وفي سيرة ابن هشام : 2 / 476 : ( أن عمر بن الخطاب قال لرسول الله ( ص ) : يا رسول الله دعني أنزع ثنيتي سهيل بن عمرو ويدلع لسانه ، فلا يقوم عليك خطيباً في موطن أبداً ! قال : فقال رسول الله ( ص ) : لا أمثل به فيمثل الله بي وإن كنت نبياً ) . انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 374 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وهذا تصرف غريب من عمر ، لأن سهيل بن عمر رسول قريش المفاوض ، وقتله أو التمثيل به مخالف لكل الأعراف والأديان !
* *
وقد أظهر عمر ندمه بقوله : ولو حميتم كما حموا لفسد المسجد الحرام ! لأن سهيل بن عمرو صار رئيس قريش بعد فتح مكة ، وصار صديقاً حميماً لعمر ، وكان له الدور الأكبر في إنجاح السقيفة !
ولهذا وضعوا على لسان النبي صلى الله عليه وآله كما في سيرة ابن هشام : 2 / 476 ، وتاريخ الطبري : 2 / 162 : ، ما عبر عنه ابن إسحاق بأنه بلغه ! قال : ( قال ابن إسحاق : وقد بلغني ( ؟ ) أن رسول الله ( ص ) قال لعمر في هذا الحديث : إنه عسى أن يقوم مقاماً لا تذمه ) . انتهى .
والمقصود بالمقام تأييد سهيل في مكة لبيعة السقيفة كما روى الحاكم والبيهقي في الدلائل : ( قال عمر : دعني يا رسول الله أنزع ثنيتي سهيل بن عمرو فلا يقوم خطيباً في قومه أبداً . فقال : دعها فلعلها أن تسرك يوماً ، فلما مات النبي ( ص ) نفر أهل مكة فقام سهيل عند الكعبة فقال : من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات والله حي لا يموت ) . ( الدر المنثور : 2 / 81 ) .
فقد طمأن سهيل القرشيين بأن مرحلة عبَّاد محمد قد انتهت ، وأن قريشاً هي التي تحكم من الآن وصاعداً ، وتعبد الله ولا تعبد محمداً !
ولابد أنه كان اتفق مع أبي بكر وعمر على مضمونها ، فجاءت نسخة من خطبة أبي بكر في المدينة ! !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 375 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

عمر يعترف أنه كان يبحث عن أنصار للثورة على النبي صلى الله عليه وآله !

في مغازي الواقدي : 2 / 607 : ( عن ابن عباس قال قال لي عمر في خلافته : ارتبت ارتياباً ما رتبته منذ أسلمت إلا يومئذ ! ولو وجدت ذلك اليوم شيعة تخرج عنهم رغبة من القضية لخرجت . . .
عن أبي سعيد الخدري قال عمر : والله لقد دخلني يومئذ من الشك حتى قلت في نفسي : لو كنا مائة رجلٍ على مثل رأيي ما دخلنا فيه أبداً ! ! ) . انتهى .

واعتزل عمر عن النبي والمسلمين ، ولم يبايع بيعة الشجرة ! !

قال البخاري : 5 / 69 : ( عن نافع قال إن الناس يتحدثون أن ابن عمر أسلم قبل عمر ، وليس كذلك ولكن عمر يوم الحديبية أرسل عبد الله إلى فرس له عند رجل من الأنصار يأتي به ليقاتل عليه ! ورسول الله ( ص ) يبايع عند الشجرة وعمر لا يدري بذلك ! فبايعه عبد الله ثم ذهب إلى الفرس فجاء به إلى عمر وعمر يستلئم للقتال ، فأخبره أن رسول الله ( ص ) يبايع تحت الشجرة ، قال فانطلق فذهب معه حتى بايع رسول الله ( ص ) فهي التي يتحدث الناس أن ابن عمر أسلم قبل عمر ) . انتهى . قال ابن كثير في سيرته : 3 / 328 : ( تفرد به البخاري من هذين الوجهين ) .
فالبخاري يقول إن عمر كان متغيظاً من الصلح معتزلاً النبي صلى الله عليه وآله ! وكان يستلئم للقتال وكانت له فرس عند شخص فأرسل ابنه لأخذها ! وكان مكان اعتزاله بعيداً لأنه لم يكن يعرف بنزول الوحي بالبيعة ولا سمع نداء منادي النبي صلى الله عليه وآله بالبيعة ، ولا رأى المسلمين يذهبون إلى البيعة تحت الشجرة ، حتى رجع ابنه عبد الله وأخبره بأن المسلمين يبايعون فزال تغيظه وذهب وبايع !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 376 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ويقول إن سبب حديث الناس بأن ابن عمر أسلم قبل أبيه ، أن ابنه بايع بيعة الشجرة قبله ، لأنها كانت بمثابة تجديد إسلام المسلمين ، خاصة من استثقل منهم الأمر النبوي بالإحلال من الإحرام ونحر الأضحية بدون دخول مكة ، وبالأخص الذين شكوا في نبوة النبي صلى الله عليه وآله كعمر !
ولو صح كلام البخاري لكان معناه أن عمر اعتذر للنبي صلى الله عليه وآله وزال تغيظه وجدد إسلامه وبايعه تحت الشجرة ، وأن النبي صلى الله عليه وآله قبل منه ذلك واستغفر له ولم يبق في قلبه شئ عليه بعد بيعة الشجرة !
لكن بيعة الشجرة نزل بها الوحي عندما أرسل النبي صلى الله عليه وآله إلى مشركي مكة طالباً الصلح ، وقبل مجئ سهيل بن عمر وإبرام الصلح معه ، وقد نص على ذلك المحدثون منهم الصالحي في سبل الهدى والرشاد : 5 / 48 .
فكيف يكون تغيظه زال وجدد إسلامه بالبيعة ، ثم قام بما يرويه نفسه من محاولاته لتخريب الصلح بعد مجئ سهيل وعند إبرامه وبعد إبرامه ! وأنه قام بتحريك أبي جندل بن سهيل عمرو لقتل أبيه !
ففي أحمد : 4 / 330 ودلائل النبوة : 5 / 331 : ( فرفع رسول الله ( ص ) صوته وقال : يا أبا جندل إصبر واحتسب فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجاً ومخرجاً ، إنا قد عقدنا مع القوم صلحاً وأعطيناهم وأعطونا على ذلك عهداً ، وإنا لا نغدر . ومشى عمر بن الخطاب إلى جنب أبي جندل وقال له : إصبر واحتسب فإنما هم المشركون وإنما دم أحدهم دم كلب ، وجعل عمر يدني قائم السيف منه ! قال عمر : رجوت أن يأخذ السيف فيضرب به أباه ، قال فضن الرجل بأبيه ) !
فهل هذا حال من أطاع نبيه وجدد إسلامه ورضي بحكم ربه ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 377 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

نزلت سورة الفتح في رجوع النبي صلى الله عليه وآله من الحديبية ! !

نزلت سورة الفتح في رجوع النبي صلى الله عليه وآله من الحديبية ! !
بل نجد في البخاري اعتراف عمر بأنه كلم النبي صلى الله عليه وآله في طريق الرجوع من الحديبية ثلاث مرات فلم يجبه ! ولا بد أنه لم يجبه في الحديبية أيضاً فلا يمكن أن يكون صلى الله عليه وآله راضياً على عمر في الحديبية ، ثم غاضباَ عليه مقاطعاً له في طريق الرجوع منها !
قال البخاري : 5 / 66 : ( عن زيد بن أسلم عن أبيه أن رسول الله ( ص ) كان يسير في بعض أسفاره ، وكان عمر بن الخطاب يسير معه ليلاً فسأله عمر بن الخطاب عن شئ فلم يجبه رسول الله ( ص ) ثم سأله فلم يجبه ، ثم سأله فلم يجبه ! ! ! وقال عمر بن الخطاب ثكلتك أمك يا عمر نزرت رسول الله ( ص ) ثلاث مرات كل ذلك لا يجيبك . قال عمر فحركت بعيري ثم تقدمت أمام المسلمين وخشيت أن ينزل فيَّ قرآن فما نشبت أن سمعت صارخاً يصرخ بي ، قال فقلت لقد خشيت أن يكون نزل فيَّ قرآن وجئت رسول الله ( ص ) فسلمت فقال : لقد أنزلت عليَّ الليلة سورة لهي أحب إليَّ مما طلعت عليه الشمس ثم قرأ : ( إنا فتحنا لك فتحاً مبينا ) . ( ورواه الترمذي : 5 / 61 )
ومما يلاحظ على رواية البخاري :
1 - أن المحدثين نصوا على أن نزول السورة كان في منطقة كراع الغميم ، أي بعد يومين أو أكثر من ترك الحديبية ! ومعناه أن النبي صلى الله عليه وآله كان مغاضباً عمر طول إقامته عشرين يوماً في الحديبية وفي طريق رجوعه إلى كراع الغميم حيث نزلت سورة الفتح !
2 - حذف البخاري آخر الحديث وأن عمر سأل النبي صلى الله عليه وآله : أوَ فتحٌ هوَ ؟ ! ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 378 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لكنه رواه في مناسبة أخرى ( : 4 / 70 ) زعم فيها أن النبي صلى الله عليه وآله قرأ سورة الفتح على عمر خاصة فقال : ( فنزلت سورة الفتح فقرأها رسول الله ( ص ) على عمر إلى آخرها فقال عمر يا رسول الله أوَ فتحٌ هوَ ؟ قال : نعم ) . انتهى .
بينما روى السيوطي في الدر المنثور : 6 / 79 : ( أخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم والنسائي وابن جرير والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن سهل بن حنيف . . . فنزلت سورة الفتح فأرسل رسول الله ( ص ) إلى عمر فأقرأه إياها قال : يا رسول الله أوَ فتحٌ هو ؟ قال نعم ) .
3 - يريد عمر وأتباعه كالبخاري أن يقولوا : إن النبي صلى الله عليه وآله هو الذي صالح عمر وكلمه بعد أن غاضبه ! لكن الصحيح المعقول ما رواه في سبل الهدى والرشاد : 5 / 59 : ( وروى ابن أبي شيبة والإمام أحمد ، وابن سعد ، وأبو داود ، وابن جرير ، وابن المنذر ، والحاكم وصححه ، وابن مردويه ، والبيهقي في الدلائل ، عن مجمع بن جارية الأنصاري قال : شهدنا الحديبية مع رسول الله ( ص ) فلما انصرفنا عنها إلى كراع الغميم إذ الناس يوجفون الأباعر ، فقال الناس بعضهم لبعض : ما للناس ؟ قالوا : أوحي إلى رسول الله ( ص ) فخرجنا مع الناس نوجف ، فإذا رسول الله ( ص ) على راحلته عند كراع الغميم فاجتمع الناس إليه فقرأ عليهم : إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ، فقال رجل من أصحاب النبي ( ص ) : أوَ هوَ فتحٌ ؟ فقال : إي والذي نفسي بيده إنه فتح ) ! ! . انتهى .
فكيف يجمعون بين هذه الرواية ، ورواية أن النبي صلى الله عليه وآله أرسل على عمر وقرأها عليه ؟ ! هل بعد تلاوتها على المسلمين ، أم قبلها ؟ وهل تخصيص النبي صلى الله عليه وآله لعمر بتلاوتها عليه لو صح ، فضيلة ، أم هو إقامة حجة عليه ، لأنه ما زال متغيظاً معترضاً غير مقتنع بالصلح ، وما زال النبي صلى الله عليه وآله مغاضباً له ؟
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 379 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي سنن البيهقي : 9 / 222 : ( قال ابن شهاب : فما كان في الإسلام فتح أعظم منه ، كانت الحرب قد أجحرت الناس فلما أمنوا لم يكلم بالإسلام أحد يعقل إلا قبله ، فلقد أسلم في سنتين من تلك الهدنة أكثر ممن أسلم قبل ذلك ) .

عمر وعقدة شجرة بيعة الرضوان !

في الدر المنثور : 6 / 73 : ( وأخرج البخاري وابن مردويه عن طارق بن عبد الرحمن قال : انطلقت حاجاً فمررت بقوم يصلون ، فقلت : ما هذا المسجد ؟ قالوا : هذه الشجرة حيث بايع رسول الله ( ص ) بيعة الرضوان .
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن نافع قال بلغ عمر بن الخطاب أن ناساً يأتون الشجرة التي بويع تحتها ، فأمر بها فقطعت ) . انتهى .
وهذه المحاولة واحدة من محاولات عمر المتعددة لتنقيص مقام النبي صلى الله عليه وآله وإزالة آثاره وأماكن بركته ، وهي تدل على ذكرى سيئة لشجرة الرضوان وبيعة الرضوان في نفسه !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 380 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأسئلة على الفصل الخاص بأبيّ بن كعب
1 - ما هو واجب عمر أمام الشهادة النبوية العظيمة لأبيّ بن كعب رضي الله عنه ؟ ولماذا خالف النبي صلى الله عليه وآله ولم يأخذ منه القرآن ؟
2 - بماذا تفسرون قول عمر الذي رواه البخاري : 5 / 149 : ( أقرؤنا أبيّ ، وأقضانا عليّ ، وإنا لندع من قول أبيّ ، وذاك أن أبيّاً يقول لا أدع شيئاً سمعته من رسول الله ( ص ) ، وقد قال الله تعالى ما ننسخ من آية أو ننسيها ) ؟ ! !
3 - هل عمر ظالم لأبي بن كعب في ضربه إياه ، أم لا ؟ وما هو المبرر الشرعي لهذه الإهانة لصحابي جليل مثل أبيّ ؟ !
4 - ما رأيكم بمن لم يبايع أبا بكر وعمر ، مثل سعد بن عبادة ، هل هو ضال ويموت ميتة جاهلية ؟
5 - ما رأيكم في هجوم عمر على بيت علي وفاطمة صلى الله عليه وآله وتهديده بحرقه عليهم إن لم يخرجوا ويبايعوا ؟ هل هو عمل جائز أم حرام ؟
6 - ما رأيكم في البيعة المأخوذة بالإجبار والإكراه ، هل هي بيعة صحيحة شرعاً ؟
7 - كيف تفسرون قول أبيّ بن كعب : ( هلك أصحاب العقدة ورب الكعبة . . . والله ما آسى عليهم إنما آسى على من يضلون من الناس ) ! ، فمن الذين أضلوا المسلمين برأيه ؟ وما هي المقالة التي أراد أن يقولها ويخشى بسببها القتل ؟ !
8 - كيف تفسرون قول أبيّ بن كعب : ( ما زالت هذه الأمة مكبوبة على وجهها منذ فقدوا نبيهم ) ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 381 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
9 - لما ذا لا تقرؤون في صلاتكم مثل عمر : ( يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فامضوا إلى ذكر الله ) ؟ !
10 - لماذا لا تصححون قرآنكم بشهادة عمر وتكتبون فيه ( فامضوا ) بدل ( فاسعوا ) ؟ !
11 - لماذا لا تصححون قرآنكم بشهادة عمر وتكتبون فيه : ( صراط من أنعمت . . وغير الضالين ) ؟ !
12 - بماذا تفسرون محاولة عمر حذف الواو من آية ( وَالسَّابِقُونَ الأَوَلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ . . ) ؟ !
13 - هل يصح معنى آية عمر : ولو حميتم كما حموا لفسد المسجد الحرام ؟
14 - لقد شهد عمر على نفسه أنه شك في نبوة نبينا صلى الله عليه وآله فشكه قطعي وتجديد إسلامه ظني ، فكيف تثبتون أنه جدد إسلامه وزال شكه ؟ !
15 - بماذا تفسرون قول عمر في رواية ابن عباس وأبي سعيد الخدري : ( والله لقد دخلني يومئذ من الشك حتى قلت في نفسي : لو كنا مائة رجلٍ على مثل رأيي ما دخلنا فيه أبداً ) ! ! وما حكم الشاك في نبوة النبي صلى الله عليه وآله ؟ وما حكم من نوى الخروج على النبي صلى الله عليه وآله ورفض أمره ، لكنه لم يستطع ؟ !
16 - متى زال تغيظ عمر من الصلح في الحديبية وجدد إسلامه ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 382 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 383 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل التاسع : من أقوال عمر وشركائه القائلين بتحريف القرآن !

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 384 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 385 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 94 زعم عمر بن الخطاب أن القرآن ضاع أكثر من ثلثيه ! !

قال الطبراني في الأوسط : 6 / 361 : ( حدثنا محمد بن عبيد بن آدم بن أبي إياس العسقلاني ، حدثني أبي ، عن جدي آدم بن أبي إياس ، ثنا حفص بن ميسرة ، عن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، عن عمر بن الخطاب قال : قال رسول الله ( ص ) : القرآن ألف ألف حرف وسبعة وعشرون ألف حرف ، فمن قرأه صابراً محتسباً كان له بكل حرف زوجة من الحور العين ) .
ثم قال الطبراني : ( لا يروى هذا الحديث عن عمر إلا بهذا الإسناد تفرد بحفص بن ميسرة ) .
ورواه السيوطي في الدر المنثور : 6 / 422 ، وقال : ( قال بعض العلماء هذا العدد باعتبار ما كان قرآناً ونسخ رسمه ، وإلا فالموجود الآن لا يبلغ هذه العدة ) .
( راجع الجامع الصغير : 2 / 264 والإتقان : 1 / 70 ) .
وقال الهيثمي في مجمع الزوائد : 7 / 163 : ( رواه الطبراني في الأوسط عن شيخه محمد بن عبيد بن آدم بن أبي إياس ، ذكره الذهبي في الميزان لهذا الحديث ولم أجد لغيره في ذلك كلاماً ، وبقية رجاله ثقات ) .
( ورواه في كنز العمال : 1 / 517 ، و : 1 / 541 وقال : الطبراني في الأوسط ، وابن مردويه ، وأبو نصر السجزي في الإبانة ، عن عمر . قال أبو نصر : غريب الإسناد والمتن ، وفيه زيادة على ما بين اللوحين ، ويمكن حمله على ما نسخ منه تلاوة مع المثبت بين اللوحين اليوم ) .
وعدد حروف القرآن الذي بأيدينا ثلاث مئة ألف حرف وكسراً ، فلا تبلغ ثلث العدد الذي قاله عمر ، فيكون مقصوده ضياع أكثر من ثلثي القرآن ! !
ولا يمكن قبول تفسير السيوطي بأن ما نسخ من القرآن أكثر من الثلثين ! فلو
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 386 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كان ذلك لبان وشاع ، ولا يعقل أن يكون المنسوخ أكثر من القرآن الفعلي !
وقد تلقى بعض علمائهم هذا الأثر عن عمر بالقبول وأخذ يفسره ، وقد صرح الهيثمي أن أحداً قبل الذهبي لم يطعن أو يتكلم في محمد بن عبيد بن آدم ، الذي هو شيخ الطبراني ، وبقية رواة الحديث ثقات !
ومن المعروف أن الذهبي كثيراً ما يطعن براوٍ موثق بسبب متن حديث لم يعجبه ، مع أنه راويه ليس مسؤولاً عنه !
أما قول ابن حجر في لسان الميزان : 5 / 276 : ( محمد بن عبيد بن آدم بن أبي إياس العسقلاني : تفرد بخبر باطل ، قال الطبراني . . الحديث ) . فإن أراد به أن معنى الحديث باطل فهو صحيح ، وإن أراد الطعن بمحمد بن عبيد ، فالتفرد ليس طعناً ، وهو من شيوخ الطبراني الموثقين عندهم ، ولذلك اعتبره السيد الخوئي قدس سره موثقاً فقال في البيان ص 202 : ( وأخرج الطبراني بسند موثق عن عمر بن الخطاب مرفوعاً : القرآن ألف ألف وسبعة وعشرون ألف حرف ، بينما القرآن الذي بين أيدينا لا يبلغ ثلث هذا المقدار ، وعليه فقد سقط من القرآن أكثر من ثلثيه ) . انتهى .
وقد ترجم السمعاني في الأنساب : 4 / 191 ، لجده آدم بن إياس ومدحه وترجم له ولم يضعفه ، قال : ( قال أبو حاتم الرازي : حضرت آدم بن أبي إياس العسقلاني وقال له رجل : سمعت أحمد بن حنبل وسئل عن شعبة : كان يملي عليهم ببغداد أو يقرأ ؟ قال : كان يقرأ رمزاً ، وكان أربعة أنفس يكتبون : آدم ويملي الناس . فقال آدم : صدق ، كنت سريع الخط وكنت أكتب ، وكان الناس يأخذون من عندي . . .
وحفيده محمد بن عبيد بن آدم العسقلاني يروي عن أبي عمير عيسى بن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 387 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
محمد النحاس الرملي ، روى عنه سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني ) .
ثم لو تنزلنا وقلنا إن حديث عمر هذا ضعيف بمحمد بن عبيد ، فإن شواهده الآتية ترفعه إلى درجة الصحيح عندهم .
فمن شواهده : ما رواه عبد الرزاق : 7 / 330 : ( عن معمر ، عن ابن جدعان ، عن يوسف بن مهران ، أنه سمع ابن عباس يقول : أمر عمر بن الخطاب منادياً فنادى أن الصلاة جامعة ، ثم صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : يا أيها الناس لا تُخد عن آية الرجم فإنها قد نزلت في كتاب الله عز وجل وقرأناها ، ولكنها ذهبت في قرآن كثير ذهب مع محمد ( ص ) وآية ذلك أنه ( ص ) قد رجم . . . ) .
وهذا السند مقبول عندهم ، فجميع رواته موثقون حتى ابن جدعان الذي هو علي بن زيد بن جدعان ، وليس لهم عليه مأخذ إلا أنه كان يتشيع ! والتشيع ليس تضعيفاً عندهم .
قال العجلي في الثقات : 2 / 154 : ( علي بن زيد بن جدعان بصري ، يكتب حديثه وليس بالقوي ، وكان يتشيع . وقال مرة لا بأس به ) .
وحتى الذين لا يقبلون حديث ابن جدعان ويضعفونه ، فقد قبلوا روايته عن يوسف بن مهران ! قال الرازي في الجرح والتعديل : 9 / 229 : ( يوسف بن مهران ، مكي روى عن ابن عباس وابن عمر ، روى عنه علي بن زيد بن جدعان ، سمعت أبي يقول ذلك . . . ثنا عبد الرحمن قال : سألت أبي عن يوسف بن مهران فقال : لا أعلم روى عنه غير علي بن زيد بن جدعان ، يكتب حديثه ويذاكر به . نا عبد الرحمن قال : سئل أبو زرعة عن يوسف بن مهران فقال : مكي ثقة ) .
وقال في هامش : المجروحين : 2 / 103 : ( علي بن زيد بن جدعان أحد علماء
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 388 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
التابعين ، اختلفوا فيه فقوى أمره جماعة كالجريري ومنصور بن زاذان وحماد بن سلمة ، وتكلم فيه الأكثرون . قال شعبة : كان رفاعاً ، وقال مرة : حدثنا علي قبل أن يختلط . وكان ابن عيينة يضعفه . . . ) . وقال في هامش سير أعلام النبلاء : 2 / 134 ، عن حديث آخر : ( وإسناده ضعيف لضعف علي بن زيد وهو ابن جدعان ، ومع ذلك فقد حسنه الترمذي ( 3206 ) في التفسير ) .
وقال في : 3 / 375 : ( وفي سند الطبراني محمد بن سعيد الأثرم وهو ضعيف ، وفي سند البزار علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف ، لكن يتقوى كل منهما بالآخر فيحسن ، وآخر من حديث ابن عباس عند ابن عدي : 89 / 2 ، وفي سنده حكيم بن جبير وهو ضعيف ، فالحديث صحيح بهذه الشواهد ) . انتهى .
فهذا الحديث بشواهده صحيح عندهم ، فضلاً عن صلاحيته كشاهد لحديث الطبراني عن عمر .
ومن شواهده : ما رواه ابن عساكر في تاريخه : 7 / 265 : ( وأخبرنا أبو عبد الله البلخي ، أنا ثابت بن بندار ، أنا الحسين بن جعفر قالا : أنا الوليد بن بكر ، نا علي بن أحمد بن زكريا ، نا أبو مسلم صالح بن أحمد العجلي ، حدثني أبي أحمد ، حدثني أبو عثمان البغدادي ثقة ، نا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار ، عن ابن أبي مليكة ، عن المسور بن مخرمة ، قال عمر بن الخطاب لعبد الرحمن بن عوف : ألم يكن فيما يقرأ : قاتلوا في الله آخر مرة كما قاتلتم فيه أول مرة ؟ قال : متى ذاك يا أبا محمد ؟ قال : إذا كانت بنو أمية الأمراء وبنو مخزوم الوزراء .
وقد روي هذا الحديث عن ابن أبي مليكة من وجه آخر : أخبرناه أعلى من هذا بأربع درجات أبو بكر بن المزرفي ، نا أبو الحسين بن المهتدي ، نا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 389 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عيسى بن علي ، أنا عبد الله بن محمد ، نا دواد بن عمرو ، نا نافع بن عمر ، عن ابن أبي مليكة ، عن المسور بن مخرمة ، قال قال عمر بن الخطاب لعبد الرحمن بن عوف : ألم تجد فيما أنزل الله : جاهدوا كما جاهدتم أول مرة ؟ قال : بلى . قال : فإنا لا نجدها ؟ ! قال : أسقطت فيما أسقط من القرآن ! قال أتخشى أن يرجع الناس كفاراً قال ما شاء الله . قال : لئن رجع الناس كفاراً ليكونن أمراؤهم بني فلان ووزراؤهم بني فلان . . ) . انتهى .
وقال في الدر المنثور : 1 / 106 : ( وأخرج أبو عبيد وابن الضريس وابن الأنباري عن المسور بن مخرمة قال : قال عمر لعبد الرحمن بن عوف : ألم تجد فيما أنزل علينا أن جاهدوا كما جاهدتم أول مرة فإنا لا نجدها ؟ ! قال : أسقطت فيما أسقط من القرآن ) ! !
( ورواه في كنز العمال : 2 / 567 من مسند عمر وقال : في رواية أخرى : . . فرفع فيما رفع ) !
ومن شواهده : ما رواه في الدر المنثور : 1 / 106 : ( وأخرج أبو عبيد وابن الضريس وابن الأنباري في المصاحف عن ابن عمر قال : لا يقولن أحدكم قد أخذت القرآن كله ، ما يدريه ما كله ؟ ! قد ذهب منه قرآن كثير ، ولكن ليقل قد أخذت ما ظهر منه ) ! ! انتهى .
فهذه الشواهد ، وكل أحاديث الباب شواهد له وبعضها صحيح بنفسه كقول عمر ( ولكنها ذهبت في قرآن كثير ذهب مع محمد ) ! ونصوصهم على أن سورة الأحزاب ضاع منها أكثر من مئتي آية ! وأن سورة براءة ضاع أكثرها . . فهي كافيةٌ للحكم بصحة قول عمر الأول ، وأنه كان يرى أن القرآن الموجود بين أيدينا أقل من ثلث القرآن المنزل ، وأنه فُقد أكثر من ثلثيه بعد النبي صلى الله عليه وآله ! !
ولو قايسنا قول عمر هذا بمجموع روايات مصادرنا التي تدعي أنهم حذفوا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 390 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
العديد من آيات القرآن في فضائل أهل البيت عليهم السلام ومطاعن قريش ! لكانت شيئاً قليلاً أمام مقولة عمر العجيبة ! !
على أنا نرد الجميع ، ونقول بعصمة القرآن عن الزيادة والنقص .
* *
الأسئلة
1 - ألا تقتنعون من مجموع هذه الأحاديث والآثار الثابتة عن عمر ، الصريحة في نقص القرآن ، بأنه كان يقول بوقوع النقص في القرآن ؟ !
2 - لماذا تغمضون عيونكم عن هذه الطامات الموجودة في مصادركم من الأحاديث والآثار ، وفيها الصحيح والحسن والموثق ، وترفعون أصواتكم بالويل والثبور لروايات مشابهة في مصادرنا ، مع أنها أقل منها وأخف ؟ !
3 - نراكم تعالجون هذه الأحاديث ، مرة بالتضعيف ، ومرة بالتأويل والحمل على نسخ التلاوة ، وسيأتي الكلام فيه ، ومرة بالسكوت والإعراض . . إلى آخر أساليبكم المستميتة في الدفاع عن عمر ! فلماذا لا تصح تلك العلاجات للروايات المشابهة في مصادرنا ؟ !
أم أن الحمل على الأحسن لرواتكم ومصادركم واجب ولمصادرنا حرام ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 391 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 95 قال عمر : ضاع من سورة الأحزاب ثلثاها ! وقالت عائشة : نصفها !

قال السيوطي في الدر المنثور : 5 / 180 : ( وأخرج ابن مردويه عن حذيفة قال : قال لي عمر بن الخطاب : كم تعدون سورة الأحزاب ؟ قلت : ثنتين أو ثلاثاً وسبعين . قال : إنها كانت لتقارب سورة البقرة ، وإنْ كان فيها لآية الرجم .
وأخرج ابن الضريس عن عكرمة قال : كانت سورة الأحزاب مثل سورة البقرة أو أطول ، وكان فيها آية الرجم ) .
ورواه الشوكاني في فتح القدير : 4 / 259 ، وقال بعده : ( وأخرج أبو عبيد في الفضائل وابن الأنباري وابن مردويه عن عائشة قالت : كانت سورة الأحزاب تقرأ في زمان النبي ( ص ) مائتي آية ، فلما كتب عثمان المصاحف لم يقرر منها إلا على ما هو الآن ) ! ( ورواه في كنز العمال : 2 / 480 ، من مسند عمر عن ابن مردويه . ولكنهم أكثروا روايته عن أبيّ بن كعب رحمه الله كما في مسند أحمد : 5 / 132 ، والحاكم : 2 / 415 ، و : 4 / 359 وقال في الموردين : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه . والبيهقي في سننه : 8 / 211 كما في رواية الحاكم الثانية ) .
وبما أن سورة البقرة 286 آية ، فيكون الناقص من سورة الأحزاب حسب قول عمر وعكرمة وعائشة أكثر من 200 آية ! !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 392 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأسئلة
1 - نحن نعتقد أن أصل القول بنقص القرآن من عمر وأبي موسى الأشعري وعائشة ، لكن على مبناكم فإن رواية الحاكم صحيحة ، وهي تقول بنقص أكثر من 200 آية من سورة الأحزاب ! فما رأيكم ؟ !
2 - لو دار الأمر بين رواية عمر القائلة بأن الناقص من سورة الأحزاب أكثر من الثلثين ، ورواية عائشة القائلة بأن الناقص منها أكثر من النصف ، فأيهما ترجحون ؟ ! !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 393 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 96 قال أبو موسى الأشعري : سورة براءة ضاع أكثرها !

قال الهيثمي في مجمع الزوائد : 5 / 302 : ( وعن أبي موسى الأشعري قال : نزلت سورة نحواً من براءة فرفعت ! فحفظت منها : إن الله ليؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم ، فذكر الحديث . رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير علي بن زيد وفيه ضعف ، ويحسن حديثه لهذه الشواهد ) .
وقال السيوطي في الدر المنثور : 1 / 105 : ( وأخرج أبو عبيد في فضائله وابن الضريس عن أبي موسى الأشعري قال : نزلت سورة شديدة نحو براءة في الشدة ثم رفعت وحفظت منها : إن الله سيؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم ) !
والمتتبع لإدعاءات الزيادة في القرآن يجد أن أصل رواتها أشخاص معدودون هم عمر وأبو موسى الأشعري ، وقد كانا يضيفان ما يريان أنه قرآن إلى نسختهم ! وقد ادعت عائشة آيات السخلة ! كما أضافت هي وحفصة إلى مصحفهما كلمة ( وصلاة العصر ) في آية : حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى !
وقد تقدم في مسألة توحيد عثمان لنسخة المصحف ، أن مروان صادر نسخة عمر التي عند حفصة يوم موتها ، وأتلفها !
كما تقدم قول أبي موسى الأشعري لحذيفة عندما صادر نسخته : ( ما وجدتم في مصحفي هذا من زيادة فلا تنقصوها ، وما وجدتم من نقصان فاكتبوه فيه ، فقال حذيفة : فكيف بما صنعنا ؟ ! ) !
لذلك ينبغي التثبت في رواية الزيادات عن غير هؤلاء من الصحابة ، ممن ثبت عنه بالأحاديث الصحيحة أنه لا يقول بالزيادة كحذيفة وأبيّ وابن مسعود ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 394 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فلا يصح نسبة الزيادة إليه ، لأنه كان لا يقول بها . ولهذا نرد روايتهم عن حذيفة رحمه الله بضياع أكثر سورة براءة ، وإن وثقها في مجمع الزوائد : 7 / 28 ، قال : ( عن حذيفة قال : تسمون سورة التوبة هي سورة العذاب ، وما تقرؤون منها مما كنا نقرأ إلا ربعها . رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات ) . وقال الحاكم : 2 / 330 : ( عن حذيفة : قال : ما تقرؤون ربعها ، يعني براءة وإنكم تسمونها سورة التوبة وهي سورة العذاب ! هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ) .
وقال السيوطي في الدر المنثور : 3 / 208 : ( وأخرج ابن أبي شيبة ، والطبراني في الأوسط ، وأبو الشيخ ، والحاكم ، وابن مردويه ، عن حذيفة رضي الله عنه قال : التي تسمون سورة التوبة هي سورة العذاب ! والله ما تركت أحداً إلا نالت منه ، ولا تقرؤون منها مما كنا نقرأ إلا ربعها ! ! ) . انتهى .
وقد نصت رواياتهم على أن حذيفة وأبا موسى الأشعري كانا على طرفي نقيض في الزيادة المدعاة في السورة ، فأبو موسى يقول إن للسلطة الحق في الاستعانة بالفجار وأن تعطيهم مناصب الدولة ومقدرات المسلمين كما فعل عمر ، ويقرأ آيات مزعومة في ذلك نزلت في سورة التوبة ! بينما كان حذيفة يشن حملة عليهم ويصرخ إنهم اليوم أخطر منهم في زمن النبي صلى الله عليه وآله لأنهم صاروا في السلطة ، وأنهم يعلنون نفاقهم ، كما ورد في البخاري !
فالزيادة المزعومة في سورة التوبة لمصلحة أبي موسى والسلطة ، وحذيفة ضدها ! ويظهر ذلك من قوله عن سورة التوبة إنها سورة العذاب ، وما تركت أحداً زعماء قريش إلا ونالت منه ! فكيف يصح أن ينسب اليه تأييد زيادة أبي موسى المزعومة فيها ؟ !
ولو صح عن حذيفة أنه تكلم في سورة التوبة فلا بد أنه يقصد تشديد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 395 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الحملة على المنافقين وأنكم لا تقرؤون السورة حق قراءتها ! وليس التخفيف عن المنافقين والتنظير لاعتماد الدولة عليهم ! ! وقد كانت هذه المسألة قضية مهمة كان ينتقدها الصحابة في زمن أبي بكر وعمر !
* *
الأسئلة
1 - ما رأيكم في أبي موسى الأشعري ؟ وكيف تفسرون الأحاديث التي تصفه بالنفاق ، وتنص على أن النبي صلى الله عليه وآله قد لعنه ؟ !
2 - ما رأيكم في هذه الرواية الحسنة عن أبي موسى في تحرف القرآن ؟ !
3 - إذا كنتم تجيزون الصلاة خلف كل بر وفاجر ، فهل تجيزون توظيف الفجار في الدولة وتسليمهم مقدرات المسلمين ؟ !
4 - ما رأيكم في اعتماد أبي بكر وعمر وعثمان على الفساق والمنافقين وإعطائهم مناصب الدولة ، وفي اعتراض أمثال حذيفة ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 396 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 397 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل العاشر : السؤال والبحث العلمي في القرآن حرام ؟ !

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 398 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 399 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 97 كل طلبة العلوم الدينية السنة يستحقون الجلد والنفي بفتوى عمر !

اتفق علماؤهم على صحة قضية صبيغ التميمي ، الذي كان رئيس قومه فسأل عمر عن معنى آيات في القرآن فغضب عمر من سؤاله وأمر أن يضرب بعراجين النخل الرطبة على رأسه مكشوفاً وعلى بدنه حتى يسيل الدم على رأسه ويجري على ظهره ، وعلى عقبيه ، ويثخن بالجراح !
ثم أمر أن يرسل إلى السجن حتى تبرأ جراحه ، ثم يعاد ضربه بنفس الطريقة ! ثم أمر أن يلبس تباناً ( لباس مثل الكيس ) ويحمل على جمل إلى عشيرته ويطاف به فيها وفي العشائر الأخرى ويشهر به ، وينادى عليه الخطيب إن صبيغاً ابتغى العلم فأخطأه وتكلف ما كفي وما خفي ! وأن يحرم رزقه وعطاءه من بيت المال ، وأن لا يجالسه أحد ، ولا يبايعه أحد ، وإن مرض فلا يعوده أحد ، وإن مات فلا يشهد أحد جنازته ! !
وقد رووا محنة صبيغ التميمي بأكثر من ثلاثين رواية ، وصحح فقهاؤهم روايتها وحكمها !
فمن ذلك ما رواه الدارمي : 1 / 54 : ( عن سليمان بن يسار أن رجلاً يقال له صبيغ قدم المدينة فجعل يسأل عن متشابه القرآن فأرسل إليه عمر وقد أعد له عراجين النخل فقال : من أنت ؟ قال أنا عبد الله صبيغ ، فأخذ عمر عرجوناً من تلك العراجين فضربه وقال : أنا عبد الله عمر فجعل له ضرباً حتى دمي رأسه ، فقال يا أمير المؤمنين حسبك قد ذهب الذي كنت أجد في رأسي !
وروى عن نافع مولى عبد الله . . . فأرسل عمر إلى رطائب من جريد فضربه بها حتى ترك ظهره دبرة ثم تركه حتى برأ ، ثم عاد له ! ثم تركه حتى برأ ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 400 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فدعا به ليعود له ! ! قال فقال صبيغ : إن كنت تريد قتلي فاقتلني قتلاً جميلاً وإن كنت تريد أن تداويني فقد والله برئت ! ! فأذن له إلى أرضه وكتب إلى أبي موسى الأشعري أن لا يجالسه أحد من المسلمين ) !
وفي كنز العمال : 2 / 331 : ( فقام إليه وحسر عن ذراعيه فلم يزل يجلده حتى سقطت عمامته فقال : والذي نفس عمر بيده لو وجدتك محلوقاً لضربت رأسك ، ألبسوه ثياباً واحملوه على قتب ، وأخرجوه حتى تقدموا به بلاده ، ثم ليقم خطيب ثم يقول : إن صبيغاً ابتغى العلم فأخطأه ، فلم يزل وضيعاً في قومه حتى هلك وكان سيد قومه . ( ابن الأنباري في المصاحف ، ونصر المقدسي في الحجة ، واللالكائي ، وابن عساكر ) .
وقال ابن قدامة في المغني : 12 / 80 : ( ظاهر كلام أحمد والخرقي أنه لا يعتبر في ثبوت أحكام التوبة من قبول الشهادة وصحة ولايته في النكاح إصلاح العمل ، وهو أحد القولين للشافعي ، وفي القول الآخر يعتبر إصلاح العمل . . . ولأن عمر لما ضرب صبيغاً أمر بهجرانه حتى بلغته توبته ، فأمر أن لا يكلم إلا بعد سنة .
ولنا : قوله عليه السلام : التوبة تجب ما قبلها ، وقوله : التائب من الذنب كمن لا ذنب له ، ولأن المغفرة تحصل بمجرد التوبة فكذلك الأحكام ، ولأن التوبة من الشرك بالإسلام لا تحتاج إلى اعتبار ما بعده وهو أعظم الذنوب كلها ، فما دونه أولى ) . انتهى .
ثم نقض ابن قدامة مبناه الفقهي القوي المتقدم فقال : ( وما ورد عن عمر في حق صبيغ إنما كان لأنه تائب من بدعة وكانت توبته بسبب الضرب والهجران ، فيحتمل أنه أظهر التوبة تستراً بخلاف مسألتنا . وقد ذكر القاضي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 401 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أن التائب من البدعة يعتبر له مضي سنة لحديث صبيغ رواه أحمد . . .
والصحيح أن التوبة من البدعة كغيرها إلا أن تكون التوبة بفعل يشبه الإكراه كتوبة صبيغ فيعتبر له مدة تظهر أن توبته عن إخلاص لا عن إكراه ) ! !
وهكذا طبق الفقهاء على صبيغ المظلوم أنه لابد أن تمضي عليه سنة حتى يعرف أنه ( اجتنب من كان يواليه من أهل البدع ويوالي من كان يعاديه من أهل السنة ) ، ولكن صبيغاً لم يكن له فئة غير أهل السنة ، وإن كان له فئة فكيف يعرف أنه اجتنبهم وهو ممنوع المجالسة والمكالمة ؟ ! !
* *
الأسئلة
1 - كيف تفسرون تساهل عمر في قراءة القرآن بسبعة أشكال ، وفي نفس الوقت تحريمه البحث العلمي في القرآن والسؤال عن آياته ؟ !
2 - هل ترون عمر مصيباً في عمله بصبيغ ، أم مخطئاً ؟
3 - لماذا لا تطبقون حكم عمر على طلبتكم الذين يسألون عن معاني آيات القرآن ، وعلى أنفسكم ؟ !
4 - كيف تصح التوبة من الشرك بمجرد إعلان صاحبها ، ولا تصح من صبيغ إلا بعد مضي سنة ؟ !
5 - بماذا تفسرون تحريم عمر للسؤال والبحث العلمي في القرآن ، ألا تحتملون أن سبب ذلك قلة علمه ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 402 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 403 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الحادي عشر : البسملة أعظم آية في كتاب الله كتموها وأنكروها !

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 404 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 405 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 98 خوف الجن والطلقاء ومحبيهم من البسملة !

كانت البسملة سلاحاً من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله لطرد شياطين قريش ، فعندما كانوا يجتمعون على باب داره ليسبوه أو يؤذوه ، كان يرفع صوته بالبسملة فيولون فراراً ! في الكافي : 8 / 266 ، عن الإمام الصادق عليه السلام قال : ( كتموا بسم الله الرحمن الرحيم ، فنعم والله الأسماء كتموها ، كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا دخل إلى منزله واجتمعت عليه قريش يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ويرفع بها صوته ، فتولي قريش فراراً ! فأنزل الله عز وجل في ذلك : ( وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً ) . ( سورة الإسراء : 46 )
وفي الكافي : 2 / 624 : عنه عليه السلام أنه قال للمفضل بن عمرو : ( يا مفضل إحتجز من الناس كلهم ببسم الله الرحمن الرحيم ، وبقل هو الله أحد ، إقرأها عن يمينك وعن شمالك ومن بين يديك ومن خلفك ومن فوقك ومن تحتك فإذا دخلت على سلطان جائر فاقرأها حين تنظر إليه ثلاث مرات ، واعقد بيدك اليسرى ثم لا تفارقها حتى تخرج من عنده ) . انتهى .
وفي السنة الثامنة للهجرة فاجأ النبي صلى الله عليه وآله مشركي مكة بجيش من عشرة آلاف مقاتل ، وأجبرهم على خلع سلاحهم والتسليم ، وخيَّرهم بين الإسلام والقتل ، فأسلموا مكرهين ، فعفا عنهم وسماهم الطلقاء !
وبعد فتح مكة تكاثر الطلقاء في المدينة وسعوا ليكونوا أكثرية قوية واستطاعوا بعد النبي صلى الله عليه وآله أن يأخذوا خلافته في السقيفة .
لكن خوفهم من البسملة بقي ! فالذي كان بالأمس يؤذي النبي صلى الله عليه وآله فيقرأ عليه البسملة فترتعد فرائصه ويولي فراراً ، يصعب عليه أن يتحمل سماعها
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 406 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
اليوم من النبي صلى الله عليه وآله في مسجده بالمدينة ! كما يصعب عليه أن يقرأها بعد النبي صلى الله عليه وآله ويجهر بها ؟ !
وقد ظهر انتقام الطلقاء من البسملة بعد النبي صلى الله عليه وآله أنهم حرَّموا قولها في الصلاة جهراً ، أي حذفوها عملياً من الصلاة !
وهذا معنى قول الإمام الصادق عليه السلام : ( كتموا بسم الله الرحمن الرحيم ، فنعم والله الأسماء كتموها ) ! ! ويبدو أنهم أقنعوا أبا بكر وعمر بذلك فتركاها ، فقد رووا عنهما أنهما تركاها في صلاتهما ، وروي عنهما أنهما قالاها ، ولابد أن يكون ذلك قبل قرار الحذف !
ثم نشروا مقولتهم بأن النبي صلى الله عليه وآله لم يكن يجهر بها ! ! ثم وصل أمرهم إلى إنكار أن البسملة آية من القرآن كما سترى ! !
قال النووي في المجموع : 3 / 343 : ( قالوا : ولأن الجهر بها منسوخ ، قال سعيد بن جبير : كان رسول الله ( ص ) يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم بمكة ، وكان أهل مكة يدعون مسيلمة الرحمن ، فقالوا إن محمداً يدعو إلى إله اليمامة ، فأمر رسول الله ( ص ) فأخفاها فما جهر بها حتى مات .
قالوا : وسئل الدارقطني بمصر حين صنف كتاب الجهر فقال : لم يصح في الجهر بها حديث . قالوا : وقال بعض التابعين : الجهر بها بدعة ! قالوا قياساً على التعوذ ) . انتهى .
ونلاحظ أنهم اعترفوا بجهر النبي صلى الله عليه وآله بها في مكة ! وزعموا أن الوحي نسخها بسبب مسيلمة ، قبل أن يوجد اسم مسيلمة !
أما ( بعض التابعين ) الذين قالوا إن الجهر بها بدعة ! فمن يكونون غير بعض الطلقاء ؟ ! !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 407 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأما قول الدارقطني فهو عدم اطلاع منه أو تعصب ، وستعرف أن الشافعية وغيرهم رووا أحاديث صحاحاً عن أبي هريرة وأنس في المدينة أن النبي صلى الله عليه وآله كان يجهر بها !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 408 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 99 تحير المخالفون لأهل البيت عليهم السلام في كل المسائل المتعلقة بالبسملة !

قال فقهاء مذهب أهل البيت عليهم السلام :
البسملة أعظم آية في كتاب الله تعالى ، وهي آية من سورة الحمد ، ومن كل سورة عدا براءة ، وفي سورة النمل آية وبعض آية . وقد وافقنا على ذلك الشافعي والزهري وعطاء وابن المبارك ، فقط ! ويستحب عندنا الجهر بها سواء في الصلاة الجهرية أو الإخفاتية . ( راجع تذكرة الفقهاء للعلامة الحلي : 1 / 114 ) .
أما أتباع المذاهب الأخرى فقد تحيروا في كل ما يتعلق بالسملة ، واختلفوا فيها :
هل هي من القرآن ، أم هي زائدة للفصل بين السور ؟
وهل هي من القرآن على سبيل القطع ، أو على سبيل الظن ؟
وهل هي جزء من سورة الحمد ، أم لا ؟
وهل هي جزء من كل سورة ، أم لا ؟
وهل تشرع قراءتها في الصلاة ، أم لا ؟
وهل يجهر بها ، أم لا ؟
وفي كل واحدة من هذه المسائل فروع اختلفوا فيها أيضاً ! حتى بلغت آراؤهم المتعلقة بالبسملة عشرات الآراء والفتاوي !
وإذا أردت لكل رأي دليله من الأحاديث النبوية فهي جاهزة ! وكلها صحيحة السند صريحة الدلالة ، على الإثبات أو النفي ، لا فرق ! !
أما الظنون والاستحسانات والاستنباطات فسوقها مزدحم ، وفيها ما لا يخطر ببالك من الركاكة ! مثل استدلالهم على عدم قرآنية البسملة بالحديث
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 409 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
النبوي الذي يقول إن الله قسم سورة الحمد بينه وبين عبده ، فقال أبو حنيفة إن النبي صلى الله عليه وآله بدأ في الحديث من شرح آيات الحمد من آية : ( الحمد لله ) لامن البسملة ، فهذا دليل على إعدام البسملة ونفيها من القرآن !
واستدل بأن القسمة لابد أن تكون متساوية ، فتكون الحمد ست آيات ، ومع البسملة تكون سبع آيات ولا تنقسم قسمين متساويين ! فالبسملة ليست آية ! والسبع المثاني ليست سورة الحمد !
قال السرخسي في المبسوط : 1 / 15 ، مدافعاً عن رأي أبي حنيفة : ( والمسألة في الحقيقة تنبني على أن التسمية ليست بآية من أول الفاتحة ولا من أوائل السور عندنا ، وهو قول الحسن فإنه كان يعد إياك نعبد وإياك نستعين آية . . .
ولنا حديث أبي هريرة عنه أن النبي ( ص ) قال يقول الله تعالى قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فإذا قال العبد الحمد لله رب العالمين يقول الله تعالى حمدني عبدي . . . فالبداءة بقوله الحمد لله رب العالمين دليل على أن التسمية ليست بآية من أول الفاتحة ، إذ لو كانت آية من أول الفاتحة لم تتحقق المناصفة فإنه يكون في النصف الأول أربع آيات إلا نصفاً ، وقد نص على المناصفة . والسلف اتفقوا على أن سورة الكوثر ثلاث آيات ، وهي ثلاث آيات بدون التسمية . و
لأن أدنى درجات اختلاف الأخبار والعلماء إيراث الشبهة ، والقرآن لا يثبت مع الشبهة فإن طريقه طريق اليقين والإحاطة ) . انتهى .
وقد فات أبا حنيفة ومقلده السرخسي أنه لا يناسب إمام مذهب مثله ولا طالب علم ، أن ينتقي حديثاً واحداً في الموضوع ويفسره كما يظن ويبني عليه مذهباً ، فلماذا أغمض عينه عن أحاديث الباب الكثيرة الصحيحة الصريحة ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 410 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفاتهما : أن بدء النبي صلى الله عليه وآله بآية الحمد قد يكون لنسيان الراوي ما قاله صلى الله عليه وآله في البسملة ، ولو صح أنه بدأ بها ، فلا يكون دليلاً على قتل البسملة ورد أحاديث جزئيتها لسورة الحمد ، وهي صحيحة عندهم !
وفاتهما : أن المناصفة بين الله تعالى وعبده في سورة الحمد ، هي مناصفة معنوية قبل أن تكون لفظية بتعداد الكلمات والحروف !
وفات السرخسي : أن يقول لنا أي سلف هؤلاء الذين أجمعوا على عد سورة الكوثر ثلاث آيات ، وكأنه لم يقرأ اختلاف أقوال العدادين ومبانيهم في عدِّ البسملة وتركها ! أو وصل بعض الآيات وفصلها !
على أن أسوأ ما وقع فيه السرخسي قوله : ( ولأن أدنى درجات اختلاف الأخبار والعلماء إيراث الشبهة ، والقرآن لا يثبت مع الشبهة ) ! !
يقول ما دامت توجد شبهة ولو بسيطة على قرآنية البسملة في الحمد وأوائل السور لحديث أو قول أحد العلماء ، فقد اهتزت قرآنيتها ووجب أن لا تعد من القرآن ! ! فهل يلتزم هو بذلك في المعوذتين ؟ !
مهما يكن ، فقد تأسفت لأني ضيعت وقتي في تتبع آرائهم في البسملة وتمحلاتهم وتوحلاتهم ، فلا أضيع فيها وقت القارئ ، وأكتفي بنماذج قليلة وأكثرها من مجموع النووي فقد سوَّد كغيره صفحات كثيرة في الموضوع .
ولا يفوتني قبل ذلك أن أشير إلى أن المخالفين لأهل البيت عليهم السلام مع شدة اختلافهم وتناقض آرائهم في البسملة ، اتفقوا على أن من جحد أنها من القرآن لا يحكم بكفره ، ومن أثبتها منه على نحو الظن لا يحكم بكفره ، ومن أثبتها على نحو القطع فإن كان من العلماء يحكم بكفره ، وإن كان العوام فبعضهم يحكم بكفره وآخرون بإسلامه ! !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 411 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

البسملة في أوائل السور ليست عندهم من القرآن ! ومن قال إنها منه قال : أظن ظناً !

قال ابن قدامة الحنبلي في المغني : 1 / 522 : ( وروي عن أحمد أنها ليست من الفاتحة ولا آية من غيرها ولا يجب قراءتها في الصلاة ، وهي المنصورة عند أصحابه ، وقول أبي حنيفة ، ومالك ، والأوزاعي ، وعبد الله ابن معبد الرماني .
واختلف عن أحمد فيها فقيل عنه هي آية مفردة كانت تنزل بين سورتين فصلا بين السور . وعنه إنما هي بعض آية من سورة النمل . كذلك قال عبد الله بن معبد والأوزاعي : ما أنزل الله بسم الله الرحمن الرحيم إلا في سورة : ( إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ) .
وقال النووي الشافعي في المجموع : 3 / 333 : ( ثم هل هي في الفاتحة وغيرها قرآن على سبيل القطع كسائر القرآن ، أم على سبيل الحكم لاختلاف العلماء فيها ؟ فيه وجهان مشهوران لأصحابنا ، حكاهما المحاملي وصاحب الحاوي والبندنيجي . أحدهما : على سبيل الحكم بمعنى أنه لا تصح الصلاة الا بقراءتها في أول الفاتحة ، ولا يكون قارئاً لسورة غيرها بكمالها إلا إذا ابتدأها بالبسملة .
والصحيح : أنها ليست على سبيل القطع إذ لا خلاف بين المسلمين أن نافيها لا يكَفَّر ، ولو كانت قرآناً قطعاً لكُفِّر كمن نفى غيرها ! . . . وضعف إمام الحرمين وغيره قول من قال إنها قرآن على سبيل القطع ! قال هذه غباوة عظيمة من قائل هذا لأن ادعاء العلم حيث لا قاطع محال . وقال صاحب الحاوي : قال جمهور أصحابنا هي آية حكماً لا قطعاً . . . وقال مالك والأوزاعي وأبو حنيفة وداود : ليست البسملة في أوائل السور كلها قرآناً ، لا في الفاتحة ولا في غيرها . وقال أحمد هي آية في أول الفاتحة وليست بقرآن في أوائل السور
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 412 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وعنه رواية أنها ليست من الفاتحة أيضاً . . . !
واحتج من نفاها في أول الفاتحة وغيرها من السور بأن القرآن لا يثبت بالظن ولا يثبت إلا بالتواتر وبحديث أبي هريرة عن النبي ( ص ) : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ، فإذا قال العبد : الحمد لله رب العالمين . . إلى آخر الحديث ، ولم يذكر البسملة . رواه مسلم ) .
وقال في المجموع : 16 / 235 : ( والثانية : أنها ليست من كلام الله سبحانه وتعالى ، وإنما كانت وحياً منه ، وقد يوحى ما ليس بقرآن كما روي عن النبي ( ص ) أنه قال : أتاني جبريل يأمرني أن أجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ، ولم يكن ذلك قرآناً وكلاماً من الله تعالى ) ! !
وقال في ص 337 : ( وفي سنن البيهقي عن علي وأبي هريرة وابن عباس وغيرهم : أن الفاتحة هي السبع من المثاني وهي السبع آيات وأن البسملة هي الآية السابعة . وفي سنن الدارقطني عن أبي هريرة قال قال رسول الله ( ص ) : إذا قرأتم الحمد فاقرأوا بسم الله الرحمن الرحيم ، إنها أمُّ القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني ، وبسم الله الرحمن الرحيم إحدى آياتها . قال الدارقطني رجال إسناده كلهم ثقات . فهذه الأحاديث متعاضدة محصلة للظن القوي بكونها قرآناً حيث كتبت ، والمطلوب هنا هو الظن لا لقطع خلاف ما ظنه القاضي أبو بكر الباقلاني حيث شنع على مذهبنا وقال لا يثبت القرآن بالظن . وأنكر عليه الغزالي وأقام الدليل على أن الظن يكفي فيما نحن فيه ) !
وقال في ص 338 : ( وأما الجواب عن قولهم لا يثبت القرآن إلا بالتواتر فمن وجهين : أحدهما ، أن إثباتها في المصحف في معنى التواتر . والثاني ، أن التواتر إنما يشترط فيما يثبت قرآناً على سبيل القطع ، أما ما يثبت قرآناً على
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 413 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
سبيل الحكم فيكفي فيه الظن كما سبق بيانه ، والبسملة قرآن على سبيل الحكم على الصحيح وقول جمهور أصحابنا ) !
وقال السيد الخوئي رحمه الله في البيان ص 445 :
واستدل القائلون بأن البسملة ليست جزء من السورة بوجوه :
الوجه الأول : أن طريق ثبوت القرآن ينحصر بالتواتر ، فكل ما وقع النزاع في ثبوته فهو ليس من القرآن ، والبسملة مما وقع النزاع فيه .
والجواب أولاً : أن كون البسملة من القرآن مما تواتر عن أهل البيت عليهم السلام ولا فرق في التواتر بين أن يكون عن النبي صلى الله عليه وآله وبين أن يكون عن أهل بيته الطاهرين عليهم السلام بعد أن ثبت وجوب اتباعهم .
وثانياً : أن ذهاب شرذمة إلى عدم كون البسملة من القرآن لشبهة لا يضر بالتواتر ، مع شهادة جمع كثير من الصحابة بكونها من القرآن ، ودلالة الروايات المتواترة عليه معنى .
وثالثاً : أنه قد تواتر أن النبي صلى الله عليه وآله يقرأ البسملة حينما يقرأ سورة من القرآن وهو في مقام البيان ، ولم يبين أنها ليست منه وهذا يدل دلالة قطعية على أن البسملة من القرآن . نعم لا يثبت بهذا أنها جزء من السورة . ويكفي لإثباته ما تقدم من الروايات فضلاً عما سواها من الأخبار الكثيرة المروية من الطريقين . والجزئية تثبت بخبر الواحد الصحيح ، ولا دليل على لزوم التواتر فيها أيضاً . . . ) . انتهى . ( راجع أيضاً : الخلاف للشيخ الطوسي : 1 / 332 ، المعتبر للمحقق الحلي : 2 / 179 ، تذكرة الفقهاء للعلامة الحلي : 1 / 114 ، تفسير سورة الحمد للسيد محمد باقر الحكيم ص 139 ، وتفسير القرطبي : 1 / 93 )
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 414 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 100 تخبط المخالفين لأهل البيت عليهم السلام في الجهر بالبسملة !

قال النووي في المجموع : 3 / 342 : ( وفي كتاب الخلافيات للبيهقي عن جعفر بن محمد قال : اجتمع آل محمد ( ص ) على الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم . . . وقال أبو جعفر محمد بن علي : لا ينبغي الصلاة خلف من لا يجهر بها ) ! انتهى .
أقول : ما دام ثبت عندكم إجماع أهل البيت عليهم السلام على الجهر بها ، واختلاف غيرهم فيها ، فلماذا لا تتبعون أهل بيت نبيكم صلى الله عليه وآله ؟ ! ( أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) ( سورة يونس : 35 )
وفي مبسوط السرخسي : 1 / 15 : ( وكان مالك يقول لا يأتي المصلي بالتسمية لا سراً ولا جهراً ، لحديث عائشة أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يفتتح القراءة بالحمد لله رب العالمين . . .
ولنا حديث أنس قال صليت خلف رسول الله ( ص ) وخلف أبي بكر وعمر فكانوا يفتتحون القرآن ببسم الله الرحمن الرحيم . وتأويل حديث عائشة أنه كان يخفي التسمية ، وهو مذهبنا . . .
وقال الشافعي : يجهر بها الإمام في صلاة الجهر ، وهو قول ابن عباس وأبي هريرة . وعن عمر فيه روايتان .
واحتج بحديث أبي هريرة أن النبي ( ص ) كان يجهر بالتسمية ولما صلى معاوية بالمدينة ولم يجهر بالتسمية أنكروا عليه وقالوا أسرقت من الصلاة أين التسمية ؟ ! فدل أن الجهر بها كان معروفاً عندهم .
ولنا حديث عبد الله بن المغفل عنه أنه سمع ابنه يجهر بالتسمية في الصلاة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 415 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فنهاه عن ذلك فقال يا بني إياك والحدث في الإسلام فإني صليت خلف رسول الله ( ص ) وخلف أبي بكر وعمر فكانوا لا يجهرون بالتسمية . وهكذا روي عن أنس ) .
وقال النووي في المجموع : 3 / 332 : ( ويجب أن يبتدئها ببسم الله الرحمن الرحيم فإنها آية منها ، والدليل عليه ما روته أم سلمة أن النبي ( ص ) قرأ بسم الله الرحمن الرحيم فعدها آية ، ولأن الصحابة أثبتوها فيما جمعوا من القرآن ، فدل على أنها آية منها ، فإن كان في صلاة يجهر فيها جهر بها كما يجهر بسائر الفاتحة ، لما روى ابن عباس أن النبي ( ص ) جهر ببسم الله الرحمن الرحيم ، ولأنها تقرأ على أنها آية من القرآن ، بدليل أنها تقرأ بعد التعوذ ، فكان سنتها الجهر كسائر الفاتحة ) . انتهى .
* *
فهل رأيت منطق هؤلاء العاملين في إنتاج الفقه التبريري للحكام ، ومحاولاتهم البائسة في الاستدلال والتفسير ؟ !
فالبسملة عندهم ليست من القرآن ، ومن ينكر أنها آية من القرآن مسلم تام الإسلام !
والبسملة قرآن حكماً ! وظناً لا قطعاً ! فمن أثبت قرآنيتها بنحو قطعي فهو كافر إذا كان من العلماء ! ومن العوام فيه اختلاف ! !
وقراءتها في الصلاة مكروهة سراً وجهراً ، بل يجوز قراءتها سراً ويكره الجهر بها ، بل يستحب الجهر بها ! بل الأحوط عدم قراءتها أصلاً !
إلى آخر فتاواهم المتضاربة المتناقضة ! !
ومنشأ مصيبتهم : أن البسملة موجودة فعلاً في القرآن وهذا يحتاج إلى تفسير !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 416 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفيها أحاديث صحيحة أنها آية ، وأحاديث صحيحة أنها ليست آية ! فهي أحاديث متناقضة ، منها عن أنس وحده ستة أحاديث ببضعة أشكال ! فهم يحتاجون إلى تبرير هذه الأحاديث المتناقضة !
والجهر بالبسملة مكروه عند قريش ، فهو يحتاج إلى توجيه !
وبعض الحكام قرأ بها وبعضهم تركها ، وبعضهم جهر بها وبعضهم أخفاها وبعضهم عمل بالشكلين ! وعمل الجميع صحيح ! يحتاج إلى فتوى تسنده !
لذلك يرى هؤلاء الفقهاء الموظفون أنه لا طريق أمامهم إلا أن يهجروا منطق العقل ، ويقبلوا الضدين والنقيضين ، بل الأضداد والنقائض ! ليحلوا المعضلة ! !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 417 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 101 أهل البيت عليهم السلام يخوضون معركة من أجل البسملة

البسملة أعظم آية في القرآن ، وسورة الحمد هي السبع المثاني

في تفسير العياشي : 1 / 21 ، عن الإمام الصادق عليه السلام : ( ما لهم قاتلهم الله عمدوا إلى أعظم آية في كتاب الله ، فزعموا أنها بدعة إذا أظهروها ، وهي بسم الله الرحمن الرحيم ) .
وفي وسائل الشيعة ( آل البيت ) : 6 / 59 : ( عن الإمام الحسن العسكري ، عن آبائه عن أمير المؤمنين عليهم السلام قال : بسم الله الرحمن الرحيم آية من فاتحة الكتاب ، وهي سبع آيات تمامها بسم الله الرحمن الرحيم . . .
قيل لأمير المؤمنين عليه السلام : أخبرنا عن بسم الله الرحمن الرحيم أهي من فاتحة الكتاب ؟ قال فقال نعم كان رسول الله صلى الله عليه وآله يقرؤها ويعدها آية منها ويقول : فاتحة الكتاب هي السبع المثاني ) .
وفي معاني الأخبار ص 121 : ( وكان علي عليه السلام يؤم الناس ويجهر بالقراءة ) .
وروى الكليني رحمه الله في الكافي : 8 / 58 : خطبة بليغة لعلي عليه السلام بسند صحيح عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن حماد بن عيسى ، عن إبراهيم بن عثمان ( بن عمر اليماني ) عن سليم بن قيس الهلالي . يتحسر فيها الإمام عليه السلام لأنه لا يتمكن من تصحيح التحريف الذي أحدثه الولاة في عقائد الإسلام وتشريعاته ! ! ونحن نورد منها أكثر من الشاهد لفوائدها :
قال الكليني رحمه الله : ( خطب أمير المؤمنين عليه السلام فحمد الله وأثنى عليه ثم صلى على النبي صلى الله عليه وآله ثم قال : ألا إن أخوف ما أخاف عليكم خلتان : اتباع الهوى
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 418 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وطول الأمل ، أما اتباع الهوى فيصد عن الحق ، وأما طول الأمل فينسي الآخرة . . . وإنما بدء وقوع الفتن من أهواء تتبع وأحكام تبتدع ، يخالف فيها حكم الله يتولى فيها رجال رجالاً !
ألا إن الحق لو خلص لم يكن اختلاف ، ولو أن الباطل خلص لم يخف على ذي حجى ، لكنه يؤخذ من هذا ضغثٌ ومن هذا ضغث فيمزجان فيجللان معاً ! فهنالك يستولي الشيطان على أوليائه ، ونجا الذين سبقت لهم من الله الحسنى .
إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : كيف أنتم إذا لبستم فتنة يربو فيها الصغير ويهرم فيها الكبير ، يجري الناس عليها ويتخذونها سنة فإذا غير منها شئ قيل قد غيرت السنة ، وقد أتى الناس منكراً .
ثم تشتد البلية ، وتسبى الذرية ، وتدقهم الفتنة كما تدق النار الحطب ، وكما تدق الرحا بثفالها ، ويتفقهون لغير الله ، ويتعلمون لغير العمل ، ويطلبون الدنيا بأعمال الآخرة .
ثم أقبل بوجهه عليه السلام وحوله ناس من أهل بيته وخاصته وشيعته فقال :
قد عملت الولاة قبلي أعمالاً خالفوا فيها رسول الله صلى الله عليه وآله متعمدين لخلافه ناقضين لعهده مغيرين لسنته ! ولو حملت الناس على تركها وحولتها إلى مواضعها وإلى ما كانت في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله لتفرق عني جندي ، حتى أبقى وحدي أو في قليل من شيعتي الذين عرفوا فضلي وفرض إمامتي من كتاب الله عز وجل وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله ! !
أرأيتم لو أمرت بمقام إبراهيم صلى الله عليه وآله فرددته إلى الموضع الذي وضعه فيه رسول الله صلى الله عليه وآله ، ورددت فدك إلى ورثة فاطمة عليها السلام ورددت صاع رسول صلى الله عليه وآله كما كان ، وأمضيت قطائع أقطعها رسول الله صلى الله عليه وآله لأقوام لم تمض لهم ولم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 419 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
تنفذ ! ورددت دار جعفر إلى ورثته وهدمتها من المسجد ! ورددت قضايا من الجور قضي بها ، ونزعت نساءً تحت رجال بغير حق فرددتهن إلى أزواجهن واستقبلت بهن الحكم في الفروج والأرحام ، وسبيت ذراري بني تغلب ، ورددت ما قسم من أرض خيبر ، ومحوت دواوين العطايا وأعطيت كما كان رسول الله صلى الله عليه وآله يعطي بالسوية ولم أجعلها دولة بين الأغنياء ، وألقيت المساحة وسويت بين المناكح ، وأنفذت خمس الرسول كما أنزل الله عز وجل وفرضه ورددت مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله إلى ما كان عليه ، وسددت ما فتح فيه من الأبواب وفتحت ما سد منه ، وحرمت المسح على الخفين ، وحددت على النبيذ ، وأمرت بإحلال المتعتين ، وأمرت بالتكبير على الجنائز خمس تكبيرات ، وألزمت الناس الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ، وأخرجت من أدخل مع رسول الله صلى الله عليه وآله في مسجده ممن كان رسول الله أخرجه ، وأدخلت من أخرج بعد رسول الله صلى الله عليه وآله ممن كان رسول الله أدخله ، وحملت الناس على حكم القرآن ، وعلى الطلاق على السنة ، وأخذت الصدقات على أصنافها وحدودها ، ورددت الوضوء والغسل والصلاة إلى مواقيتها وشرائعها ومواضعها ، ورددت أهل نجران إلى مواضعهم ، ورددت سبايا فارس وسائر الأمم إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله ، إذاً لتفرقوا عني ! !
والله لقد أمرت الناس أن لا يجتمعوا في شهر رمضان إلا في فريضة ، وأعلمتهم أن اجتماعهم في النوافل بدعة ، فتنادى بعض أهل عسكري ممن يقاتل معي : يا أهل الإسلام غيرت سنة عمر ، ينهانا عن الصلاة في شهر رمضان تطوعاً ! ولقد خفت أن يثوروا في ناحية جانب عسكري ! !
ما لقيت من هذه الأمة من الفرقة وطاعة أئمة الضلالة ، والدعاة إلى النار . . .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 420 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ما لقي أهل بيت نبي من أمته ما لقينا بعد نبينا صلى الله عليه وآله ! والله المستعان على من ظلمنا ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ) . انتهى .
وشاهدنا من الخطبة قوله عليه السلام : ( وألزمت الناس الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ) ، وأنه مما غيرته الولاة قبله !
ويظهر من رواية الشافعي التالية أن أهل المدينة في زمن معاوية كانوا يجهرون بالبسملة عملاً بسنة النبي صلى الله عليه وآله وكان جلهم من الأنصار ومن أهل البيت عليهم السلام ، وقلَّ فيهم الطلقاء ، لأنهم صاروا ولاة أو انتقلوا إلى الشام ، ولذلك اعترض أهل المدينة على معاوية عندما صلى بهم ولم يقرأ البسملة ، وقالوا له ( كما في الأم للشافعي : 1 / 129 ) : ( يا معاوية سرقت صلاتك ! أين بسم الله الرحمن الرحيم ؟ ! . . . فصلى بهم صلاة أخرى فقال ذلك فيها ، الذي عابوا عليه ) ! !
وفي دعائم الإسلام : 1 / 110 : ( وقال جعفر بن محمد صلوات الله عليه : التقية ديني ودين آبائي إلا في ثلاث : في شرب المسكر ، والمسح على الخفين ، وترك الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ) .
وفي عيون أخبار الرضا : 1 / 196 : في صفة صلاة الإمام الرضا عليه السلام قال إنه كان ( يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في جميع صلاته بالليل والنهار ) .
وفي الكافي : 3 / 313 : ( عن يحيى بن أبي عمران الهمداني قال : كتبت إلى أبي جعفر ( الإمام الجواد ) عليه السلام : جعلت فداك ما تقول في رجل ابتدأ ببسم الله الرحمن الرحيم في صلاته وحده في أم الكتاب فلما صار إلى غير أم الكتاب من السورة تركها ، فقال العباسي : ليس بذلك بأس ؟
فكتب بخطه : يعيدها مرتين على رغم أنفه ، يعني العباسي ) .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 421 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأسئلة على الفصل الخاص بالبسملة
1 - هل البسملة من القرآن ، أم هي زائدة للفصل بين السور ؟
2 - هل هي من القرآن على سبيل القطع ، أو على سبيل الظن ؟
3 - هل هي جزء من سورة الحمد ، أم لا ؟
4 - هل هي جزء من كل سورة ، أم لا ؟
5 - هل تشرع قراءتها في الصلاة ، أم لا ؟
6 - هل يجهر بها ، أم لا ؟ وهل توافقون على قول بعضهم كما في المجموع : 3 / 343 ، أن الجهر بها منسوخ ، وأنه لم يصح فيه حديث ، وأنه بدعة ؟
7 - هل يدل حديث أبي هريرة عن النبي ( ص ) قال يقول الله تعالى : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ، فإذا قال العبد الحمد لله رب العالمين يقول الله تعالى حمدني عبدي . . . على أن البسملة ليست من القرآن ؟ !
8 - ما رأيكم في قول ابن قدامة في المغني : 1 / 522 : ( وروي عن أحمد أنها ليست من الفاتحة ولا آية من غيرها ولا يجب قراءتها في الصلاة ، وهي المنصورة عند أصحابه ) ؟
9 - كيف تفسرون قوله تعالى : ( وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ) ( سورة الحجر : 87 ) وما هي السبع المثاني إن لم تكن سورة الحمد ؟
10 - هل تشترطون التواتر لإثبات آية من القرآن ، وأين التواتر عندكم في
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 422 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
البسملة والمعوذتين وآيات خزيمة التي زعم زيد بن ثابت أنها لم توجد عند غيره ! وقد تقدم قول زيد في البخاري : 8 / 177 : ( فتتبعت القرآن حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع أحد غيره ) !
11 - ما دام ثبت عندكم إجماع أهل البيت عليهم السلام على الجهر بالبسملة ، فلماذا لا تأخذون بما أجمع عليه بيت نبيكم صلى الله عليه وآله الذين أوصاكم باتباعهم مع القرآن فقال : إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي ؟ !
12 - ما رأيكم بقول الفخر الرازي في تفسيره : 1 / 105 بعد أن نقل رواية البيهقي الجهر بالبسملة عن عمر وابن عباس وابن عمر وابن الزبير ، قال ما لفظه : ( وأما أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان يجهر بالتسمية فقد ثبت بالتواتر ، ومن اقتدى في دينه بعلي بن أبي طالب فقد اهتدى . والدليل 1 عليه قول رسول الله ( ص ) : اللهم أدر الحق مع علي حيث دار ) ؟ !
13 - ما رأيكم في قول الفخر الرازي : 1 / 106 ، عن روايات أنس المتناقضة في البسملة : ( وأيضاً ففيها تهمة أخرى ، وهي أن علياً كان يبالغ في الجهر بالتسمية ، فلما وصلت الدولة إلى بني أمية بالغوا في المنع من الجهر بها سعياً في إبطال آثار علي ) ؟ !
14 - بماذا تفسرون أصل مشكلة البسملة ، واضطراب سلوك الحكام فيها ، واختلاف الفقهاء وتضاد فتاواهم وتناقضها ؟
15 - ما قولكم في بدعة التراويح ، وهل يجوز لأحد من الحكام المعاصرين أن يبتدع مثلها ؟
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 423 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الثاني عشر : سورتا الحسن والحسين صلى الله عليه وآله وسورتا عمر !

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 424 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 425 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 102 تشكيكهم في سورتي المعوذتين ، وعدم قطعهم بأنهما من القرآن !

كان النبي صلى الله عليه وآله يهتم اهتماماً خاصاً بولديه الحسن والحسين صلى الله عليه وآله ويعوذهما بكلمات الله تعالى لدفع الحسد والشر عنهما ، وكان يفعل ذلك عمداً أمام الناس لتركيز مكانتهما في قلوب المسلمين ، والتأكيد على أنهما بقيته وسبطاه وامتداده في الأمة ، كما كان إسحاق وإسماعيل بقية إبراهيم وامتداده صلى الله عليه وآله !
وبعد نزول المعوذتين كان يعوذهما بهما !
وهذا كل ذنب المعوذتين الذي حاولوا لأجله نفيهما من القرآن ، ووضعوا ذلك في رقبة عبد الله بن مسعود ، وأبيّ بن كعب ! ولنرَ قصتهما :
روى أحمد : 5 / 130 : ( عن زر قال قلت لأبيّ : إن أخاك يحكهما من المصحف فلم ينكر ! قيل لسفيان : ابن مسعود ؟ ! قال : نعم ، وليسا في مصحف ابن مسعود . كان يرى رسول الله ( ص ) يعوذ بهما الحسن والحسين ولم يسمعه يقرؤهما في شئ من صلاته ، فظن أنهما عوذتان وأصر على ظنه ، وتحقق الباقون كونهما من القرآن فأودعوهما إياه ) .
وروى نحوه ابن ماجة لكنه لم يذكر الحسن والحسين ، قال في : 2 / 1161 : ( عن أبي سعيد قال : كان رسول الله ( ص ) يتعوذ من عين الجان ثم أعين الإنس ، فلما نزل المعوذتان أخذ بهما وترك ما سوى ذلك ) . ( ورواه الترمذي : 3 / 267 وكنز العمال : 7 / 77 ) . ورواه في كنز العمال : 2 / 261 و : 10 / 108 ، عن عمر بن الخطاب ، قال : ( إن النبي ( ص ) كان يعوذ حسناً وحسيناً يقول : أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة ) . انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 426 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أما البخاري فروى تعويذ النبي صلى الله عليه وآله للحسنين صلى الله عليه وآله بغير المعوذتين ، قال في : 4 / 119 : ( عن ابن عباس قال : كان النبي ( ص ) يعوذ الحسن والحسين ويقول : إن أباكما كان يعوذ بها إسماعيل وإسحاق : أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة ) . ( ونحوه ابن ماجة : 2 / 1165 ، وأبو داود : 2 / 421 ، والترمذي : 3 / 267 ، وأحمد : 1 / 236 و 270 ، والحاكم : 3 / 167 و : 4 / 416 وقال في الموردين : صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ) .
ورواه البخاري بعدة روايات عن عائشة لكنها لم تسم الحسنين صلى الله عليه وآله ! قال في : 7 / 24 : ( عن مسروق عن عائشة أن النبي ( ص ) كان يعوذ بعض أهله يمسح بيده اليمنى ويقول : الله رب الناس أذهب الباس واشفه وأنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك ، شفاء لا يغادر سقماً ) .
وفي : 7 / 26 : ( قالت : كان النبي ( ص ) يعوذ بعضهم يمسحه بيمينه . . . أذهب الباس رب الناس واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقماً ) . ( ونحوه أحمد : و 6 / 44 و 45 . . إلخ ) .
ورواه مجمع الزوائد : 5 / 113 ، بعدة روايات ، وفي إحداها تفصيل جميل وهي عن عبد الله بن مسعود قال : ( كنا جلوساً مع رسول الله ( ص ) إذ مرَّ به الحسين والحسن وهما صبيَّان فقال : هاتوا ابنيَّ أعوذهما مما عوذ به إبراهيم ابنيه إسماعيل وإسحاق ، قال : أعيذكما بكلمات الله التامة من كل عين لامة ومن كل شيطان وهامة . رواه الطبراني وفيه محمد بن ذكوان وثقه شعبة وابن حبان وضعفه جماعة ، وبقية رجاله ثقات ) . انتهى .
وبهذا العمل النبوي المكرر ارتبطت المعوذتان في أذهان جيل الصحابة بالحسنين صلى الله عليه وآله ، وسرى إليهما منهما الحب أو الحسد ! ولهذا حاول بعضهم حذفهما من القرآن وأن يضع بدلهما ( سورتي ) الحفد والخلع اللتين كان يقرأ بهما عمر في صلاته !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 427 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

روايات مصادر السنة ما بين مثبت لقرآنية المعوذتين وبين مشكك !

روايات مصادر السنة ما بين مثبت لقرآنية المعوذتين وبين مشكك !
عمدة الروايات المثبتة لقرآنيتهنا عن عقبة بن عامر الجهني ، وقد رواها البيهقي عنه في سننه : 2 / 394 بشكل مهزوز قال : ( كنت أقود برسول الله ( ص ) ناقته فقال لي : يا عقبة ألا أعلمك خير سورتين قرئتا ؟ قلت : بلى يا رسول الله . فأقرأني قل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس . فلم يرني أعجب بهما فصلى بالناس الغداة فقرأ بهما ، فقال لي : يا عقبة كيف رأيت ؟ كذا قال العلاء بن كثير . وقال ابن وهب عن معاوية عن العلاء بن الحارث وهو أصح .
ثم رواه برواية أخرى جاء فيها : فلم يرني سررت بهما جداً . . .
ثم رواه برواية أخرى تدل على أن عقبة هو الذي سأل النبي صلى الله عليه وآله عنهما ، وأن النبي أراد تأكيد أنهما من القرآن فصلى بهما : ( عن عقبة بن عامر أنه سأل رسول الله ( ص ) عن المعوذتين ، فأمهم بهما رسول الله ( ص ) في صلاة الفجر ) . انتهى .
لكن رواها عنه مسلم : 2 / 200 ، بشكل قوي فقال : ( عن عقبة بن عامر قال : قال رسول الله ( ص ) : ألم تر آيات أنزلت الليلة ، لم ير مثلهن قط ، قل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس . . . قال لي رسول الله ( ص ) : أنزل أو أنزلت علي آيات لم ير مثلهن قط ، المعوذتين ) .
ورواها الترمذي : 5 / 122 و : 4 / 244 ، وقال في الموردين : ( هذا حديث حسن صحيح ، ثم روى عن عقبة : أمرني رسول الله ( ص ) أن أقرأ بالمعوذتين في دبر كل صلاة . وقال هذا حديث حسن غريب ) .
وروى الهيثمي في مجمع الزوائد : 7 / 148 ، عدة روايات في إثبات أن المعوذتين من القرآن .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 428 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال الشافعي في الأم : 7 / 199 : ( عن عبد الرحمن بن يزيد قال : رأيت عبد الله يحك المعوذتين من المصحف ويقول لا تخلطوا به ما ليس منه . ثم قال عبد الرحمن : وهم يروون عن النبي ( ص ) أنه قرأ بهما في صلاة الصبح . وهما مكتوبتان في المصحف الذي جمع على عهد أبي بكر ثم كان عند عمر ثم عند حفصة ثم جمع عثمان عليه الناس ، وهما من كتاب الله عز وجل ، وأنا أحب أن أقرأ بهما في صلاتي ) . انتهى .
وهو يدل على أن الراوي وهو شامي قد صدق مقولة جمع القرآن ثلاث مرات ! لكن شهادته بأنه رأى ابن مسعود أو روى عنه ، محل شك !
قال البخاري عنه في تاريخه : 5 / 365 : ( 1155 : عبد الرحمن بن يزيد بن جابر الأزدي الشامي ، سمع مكحولاً وبشر بن عبيد الله وأبا طعمة ، سمع منه ابن المبارك ، قال حماد ابن مالك : مات سنة اربع وخمسين . قال إبراهيم بن موسى : سمعت عيسى بن يونس ذكر سعيد بن عبد العزيز فذكر خيراً ولم يكن عبد الرحمن بن يزيد من إجلاسها . قال الوليد : كان عند عبد الرحمن كتاب سمعه وكتاب آخر لم يسمعه . قال يحيى بن بكير : مات سنة ثلاث وخمسين ومائة ) .

لماذا اقتصر البخاري في صحيحه على روايات التشكيك ؟ !

اختار البخاري أن يقف في صف المشككين في قرآنية المعوذتين ! فمع أنه روى رواية عقبة في تاريخه الكبير : 3 / 353 ، لكنه تراجع عنها في صحيحه وعقد عنوانين للمعوذتين لكنه اكتفى بروايات التشكيك المتزلزلة التي رووها عن أبيّ بن كعب دون غيرها ! ! مع أنه ألف تاريخه قبل صحيحه كما في تذكرة الحفاظ : 2 / 555 !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 429 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال في صحيحه : 6 / 96 : ( سورة قل أعوذ برب الفلق . . . عن زر بن حبيش قال : سألت أبيَّ بن كعب عن المعوذتين . فقال : سألت رسول الله ( ص ) فقال : قيل لي فقلت . فنحن نقول كما قال رسول الله ( ص ) . . . سورة قل أعوذ برب الناس . . . وحدثنا عاصم عن زر قال : سألت أبي بن كعب : قلت أبا المنذر إن أخاك ابن مسعود يقول كذا وكذا . فقال أبيّ : سألت رسول الله ( ص ) فقال لي : قيل لي فقلت ! قال : فنحن نقول كما قال رسول الله ( ص ) ! ! انتهى .
وبذلك يكون البخاري متوقفاً في أن المعوذتين من القرآن ، لإعراضه عن رواية الجهني التي رواها في تاريخه ! !
فإن قلت : توجد مواضع متعددة من صحيح البخاري صرح فيها عند ذكر بعض الآيات من هاتين السورتين بقوله : قال تعالى . . وهذا يؤكد أنه يرى أنهما من القرآن . فقد قال في كتاب القدر : ( وقوله تعالى : قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق ) . وقال في كتاب الطب : ( باب السحر وقول الله تعالى : ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر . . . وقوله تعالى : ومن شر حاسد إذا حسد . وقال في كتاب التوحيد : باب قول الله تعالى : ملك الناس .
فالجواب : أن البخاري يعرف الاختلاف في أن المعوذتين من القرآن أم زائدتان ؟ ! ومع ذلك تعمد أن يروي رواية التشكيك فيهما فقط ويترك الروايات التي تثبت أنهما من القرآن ! فلماذا ترك أحاديث صحيحة على شرطه ، وقد روى بعضها الحاكم ؟ !
لذلك فإن ما ذكره من كلمات ظاهرها أنه يعتقد بقرآنية المعوذتين ، يزيد الإشكال عليه : بأنك عندما وصلت إلى أحاديث أنهما من القرآن ، وعمدتها عندك وعند أستاذك ابن خزيمة أحاديث الجهني . . لم تروِ شيئاً منها ! ورويت
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 430 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بدلها الأحاديث التي تقول بأنهما وحيٌ علمه جبريل للنبي صلى الله عليه وآله ليتعوذ بهما ويعوذ الحسنين صلى الله عليه وآله ، ولكن جبرئيل لم يقل له إنهما من القرآن ؟ !
فالإشكال على البخاري أنه اقتصر على الروايات النافية لجزئيتهما ، مع علمه بوجود أحاديث صحيحة تثبت جزئيتهما ! وهو يفهم أن التشكيك في جزئية سورة من القرآن نفيٌ لقرآنيتها لأن القرآن لا يثبت بالظن بل باليقين ؟ ! !
وقد درس البخاري عند أستاذه ابن خزيمة صحيحه : 1 / 266 ، وفيه : ( باب قراءة المعوذتين في الصلاة ضد قول من زعم أن المعوذتين ليستا من القرآن . . أخبرنا . . . ) وأورد الرواية التي تركها البخاري ! ! !
وقال ابن نجيم المصري في البحر الرائق : 2 / 68 : ( وما وقع في السنن وغيرها من زيادة المعوذتين أنكرها الإمام أحمد وابن معين ، ولم يخترها أكثر أهل العلم ، كما ذكره الترمذي . كذا في شرح منية المصلي ) . انتهى .
فمن هم الذين زعموا إن المعوذتين ليستا من القرآن عند ابن خزيمة ؟ هل هم الشيعة ؟ ! وما هي السنن التي تقول بزيادة المعوذتين إلا روايات البخاري التي رواها هو وغيره ؟ ! ولكن الفرق أن غيره روى معها ما يثبت أنهما من القرآن ، بينما هو اقتصر على رواية التشكيك ! !
ثم لو كان القول بزيادتهما لا وجود له ، فلماذا احتاج إمامكم أحمد بن حنبل أن يرده ؟ ! وهل هذا القول إلا ما رواه البخاري ؟ !
فالصحيح أن البخاري وقع في تناقض حيث ظهر من بعض كلامه أنه يقول بجزئية المعوذتين من القرآن ، بينما اقتصر في روايته على ما تمسك به النافون لجزئيتهما !
وهذه المسألة واضحة عند فقهائهم حيث اختلفوا في كفر من سخر بآيات
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 431 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
المعوذتين ! قال ابن نجيم في البحر الرائق : 5 / 205 : ( ويكفر إذا أنكر آية من القرآن أو سخر بآية منه إلا المعوذتين ففي إنكارهما اختلاف ، والصحيح كفره ، وقيل لا ، وقيل إن كان عامياًّ يكفر ، وإن كان عالماً : لا ) .
فمن هم هؤلاء الذين قالوا ( لا يكفر من سخر بآياتهما ) وأن قرآنيتهما لم تثبت ؟ ! هل هم الشيعة ؟ ! !
* *
الأسئلة
1 - ماذا تفهمون من حديث البخاري في تعويذ النبي صلى الله عليه وآله للحسن والحسن صلى الله عليه وآله ونصه على أنه كتعويذ إبراهيم لإسماعيل وإسحاق ؟ قال في : 4 / 119 : ( عن ابن عباس قال : كان النبي ( ص ) يعوذ الحسن والحسين ويقول : إن أباكما كان يعوذ بها إسماعيل وإسحاق : أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة ) ؟ !
2 - ماذا تفهمون من رواية عائشة لتعويذ النبي صلى الله عليه وآله للحسن والحسين صلى الله عليه وآله وعدم ذكرها اسمهما ، بل قالت ( يعوذ بعض أهله ، يعوذ بعضهم ) البخاري : 7 / 24 و 26 ؟ !
3 - إذا كان الحديث الذي يثبت أن المعوذتين من القرآن هو حديث الجهني فقط ، فأين التواتر الذي تحتاجون اليه لإثبات قرآنيتهما ؟ !
4 - بماذا تفسرون اقتصار البخاري على روايات التشكيك في قرآنية المعوذتين ، وهي صحيحة على مبناه وعند أستاذه ؟ ! !
5 - لماذا كانت قراءة المعوذتين في الصلاة أمراً مستنكراً عند أتباع الخلافة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 432 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وكان أول من جهر بقراءتهما عبيد الله بن زياد بعد نحو أربعين سنة من وفاة النبي صلى الله عليه وآله ؟ ! قال ابن أبي شيبة في المصنف : 7 / 216 : ( عن مغيرة عن إبراهيم قال : أول من جهر بالمعوذتين في الصلاة عبيد الله بن زياد ) . انتهى .
فهل جاء هذا العرف عند عامة الناس إلا من القول بزيادتهما ، أو التشكيك فيهما ، فمن هو المشكك ؟ !
6 - ما رأيكم في فتوى البخاري وابن حبان وغيرهما الذين جوزوا أن يضم المصلي إلى قراءة المعوذتين سورة أخرى ، لأنهما مشكوك في قرآنيتهما ! ! قال ابن حبان في صحيحه : 6 / 201 : ( ذكر الإباحة للمرء أن يضم قراءة المعوذتين إلى قراءة قل هو الله أحد في وتره ) ؟ ! !
7 - ما رأيكم في قول الرازي في المحصول : 4 / 480 : ( أنكر ابن مسعود كون المعوذتين من القرآن ، فكأنه ما شاهد قراءة الرسول ( ص ) لهما ولم يهتدِ إلى ما فيهما من فصاحة المعجزة ، أو لم يصدق جماعة الأمة في كونهما من القرآن . فإن كانت تلك الجماعة ليست حجة عليه فأولى أن لا تكون حجة علينا ، فنحن معذورون في أن لا نقبل قولهم ) . ؟ ! !
8 - ما رأيكم في قول النووي في شرح المهذب : ( أجمع المسلمون على أن المعوذتين والفاتحة من القرآن وأن من جحد منهما شيئاً كفر وما نقل عن ابن مسعود باطل ليس بصحيح ، ففيه نظر ، وقد سبقه لنحو ذلك أبو محمد بن حزم فقال في أوائل المحلى : ما نقل عن بن مسعود من إنكار قرآنية المعوذتين فهو كذب باطل ، وكذا قال الفخر الرازي في أوائل تفسيره : الأغلب على الظن أن هذا النقل عن ابن مسعود كذب باطل .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 433 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والطعن في الروايات الصحيحة بغير مستند لا يقبل ، بل الرواية صحيحة والتأويل محتمل والإجماع الذي نقله إن أراد شموله لكل عصر فهو مخدوش وإن أراد استقراره فهو مقبول ) . ؟ ! ! ( فتح الباري : 8 / 571 )
9 - هل تقولون بكفر منكر المعوذتين ومانع الزكاة ؟ وهل توافقون على قول ابن الصباغ : ( وإنما قاتلهم أبو بكر على منع الزكاة ، ولم يقل إنهم كفروا بذلك وإنما لم يكفروا لأن الإجماع لم يكن استقر ، قال : ونحن الآن نكفر من جحدها ! قال : وكذلك ما نقل عن ابن مسعود في المعوذتين يعني أنه لم يثبت عنده القطع بذلك ثم حصل الاتفاق بعد ذلك ) ؟ ! ! ( فتح الباري : 8 / 572 )
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 434 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 103 سورتا الحفد والخلع بدل المعوذتين ، كان يصلي بهما عمر !

ترتبط قصة سورتي الحفد والخلع المزعومتين بعملهم لحذف سورتي المعوذتين من جهة ، وحذفهم قنوت النبي صلى الله عليه وآله ودعاءه على زعماء قريش من جهة أخرى !

لعن النبي صلى الله عليه وآله زعماء قريش في صلاته !

كان النبي صلى الله عليه وآله يقنت في صلاته ويدعو على فراعنة قريش ويسميهم بأسمائهم ويلعنهم ، ومنهم أبو سفيان ، وسهيل بن عمرو ، والحارث بن هشام ، وصفوان بن أمية ، وبعض زعماء قبائل العرب ! واستمر النبي صلى الله عليه وآله في ذلك حتى بعد فتح مكة وإعلان الملعونين إسلامهم تحت السيف ، وكان ذلك من أصعب الأمور عليهم !
ففي صحيح مسلم : 2 / 134 ، عن أبي هريرة : ( كان رسول الله ( ص ) يقول حين يفرغ من صلاة الفجر من القراءة ويكبر ويرفع رأسه سمع الله لمن حمده ، ربنا ولك الحمد ، ثم يقول وهو قائم : اللهم أنج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة والمستضعفين من المؤمنين . اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم كسني يوسف اللهم العن لحيان ورعلاً وذكوان وعصية عصت الله ورسوله )
ثم قال أبو هريرة : ثم بلغنا أنه ترك ذلك لما أنزل : لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَئٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ) . انتهى .
ولكن كلام أبي هريرة الأخير كان مداراة للسلطة القرشية ، لأن مسلماً نفسه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 435 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بعد ذلك أنه قال : ( والله لأقربن بكم صلاة رسول الله ( ص ) فكان أبو هريرة يقنت في الظهر والعشاء الآخرة وصلاة الصبح ، ويدعو للمؤمنين ويلعن الكفار ) . انتهى .
وقد عملت السلطة القرشية بعد النبي صلى الله عليه وآله لمعالجة هذه المشكلة لأن عدداً من الملعونين وأبناءهم الطلقاء سكنوا المدينة بعد فتح مكة ، وبثقلهم استطاع عمر أن ينتزع الخلافة من بني هاشم والأنصار ! فقد ورد أن عدد الذين كان أرسلهم النبي صلى الله عليه وآله منهم في جيش أسامة تسع مئة مقاتل ! وهذا يعني أن عددهم كان ألوفاً
* *
وقد عالج الخلفاء وأتباعهم مشكلة الملعونين بعدة معالجات :
منها ، أنهم رووا أن النبي صلى الله عليه وآله اعترف بخطئه ، ودعا الله تعالى أن يجعل لعنه لهم ( صلاة وقربة ، زكاة وأجراً ، زكاة ورحمة ، كفارة له يوم القيامة ، صلاة وزكاة وقربة تقربه بها يوم القيامة ، مغفرة وعافية وكذا وكذا . . بركة ورحمة ومغفرة وصلاة فإنهم أهلي ) على حد تعبير الروايات ! فقد روى البخاري : 7 / 157 ( عن أبي هريرة أنه سمع النبي ( ص ) يقول : اللهم فأيما مؤمن سببته فاجعل ذلك له قربة إليك يوم القيامة ) . وروى مسلم : 8 / 26 عن أبي هريرة أيضاً ( سمعت رسول الله ( ص ) يقول : اللهم إنما محمد بشر يغضب كما يغضب البشر ، وإني قد اتخذت عندك عهداً لن تخلفنيه ، فأيما مؤمن آذيته أو سببته أو جلدته فاجعلها له كفارة وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة ) . وروى مسلم سبع روايات أخرى . وروت مصادرهم عشرات الروايات من نوعها !
ومنها ، زعمهم أن الله تعالى أنزل عليه توبيخاً لذلك بقوله تعالى : ( لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَئٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ) ( سورة آل عمران : 128 ) فإنك
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 436 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
تجد الروايات في تفسيرهم لها من كل حدب وصوب في تخطئته صلى الله عليه وآله وتوبيخه لأنه دعا بأمر ربه على طغاة قريش ولعنهم ! وكأنهم وجدوا ضالتهم من القرآن ضد النبي صلى الله عليه وآله ! !
فقد عقد البخاري لها أربعة أبواب ! روى فيها كيف رد الله تعالى دعاء نبيه صلى الله عليه وآله عليهم ومنعه من لعنهم !
ولم يسم البخاري في أكثر رواياته أولئك الملعونين المحترمين حفاظاً على ( كرامتهم ) ! قال في : 5 / 35 : ( عن سالم عن أبيه أنه سمع رسول الله ( ص ) إذا رفع رأسه من الركوع من الركعة الأخيرة من الفجر يقول اللهم العن فلاناً وفلاناً وفلاناً بعد ما يقول سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد ، فأنزل الله عز وجل : ليس لك من الأمر شئ . . إلى قوله : فإنهم ظالمون ) . وفي : 5 / 35 : ( كان رسول الله ( ص ) يدعو على صفوان بن أمية وسهيل بن عمرو والحرث بن هشام فنزلت : ليس لك من الأمر شئ إلى قوله فإنهم ظالمون ) انتهى .
ونتيجة رواياتهم : أن الآية نزلت عدة مرات ، من أجل عدة أشخاص أو فئات ، وفي أوقات متفاوتة ، فبلغت أسباب نزولها العشرين مناسبة متناقضة في الزمان والمكان والأشخاص الملعونين ! !
ومنها ، أن جبرئيل جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وهو يقنت ويلعنهم في صلاته ، فقطع عليه قنوته وصلاته ووبخه وعلمه بدل اللعن ( سورتي الحفد والخلع ) ! !
قال البيهقي في سننه : 2 / 210 : ( عن خالد بن أبي عمران قال : بينا رسول الله ( ص ) يدعو على مضر ( يعني قريش ) إذ جاءه جبرئيل فأومأ إليه أن اسكت فسكت ، فقال : يا محمد إن الله لم يبعثك سَبَّاباً ولا لَعَّاناً ! وإنما بعثك رحمة ولم يبعثك عذاباً ، ليس لك من الأمر شئ أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 437 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ظالمون . ثم علمه هذا القنوت :
اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونؤمن بك ونخضع لك ونخلع ونترك من يكفرك .
اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد ونرجو رحمتك ونخشى عذابك ونخاف عذابك الجد ، إن عذابك بالكافرين ملحق ) .
ثم قال البيهقي : ( هذا مرسل وقد روي عن عمر بن الخطاب صحيحاً موصولاً .
ثم روى أن عمر قنت بعد الركوع فلعن كفرة أهل الكتاب ! وقال :
بسم الله الرحمن الرحيم . اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك ولا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك .
بسم الله الرحمن الرحيم . اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد ولك نسعى ونحفد ونخشى عذابك الجد ونرجو رحمتك ، إن عذابك بالكافرين ملحق . رواه أبو سعيد بن عبد الرحمن ابن أبزى عن أبيه عن عمر فخالف هذا في بعضه ) . انتهى .
وكرر البيهقي في روايات متعددة ، ليس أكثر منها إلا روايات السيوطي في الدر المنثور : 6 / 420 ، تحت عنوان : ( ذكر ما ورد في سورة الخلع وسورة الحفد ) .
ثم أفتى فقهاؤهم باستحباب ذلك شرعاً ففي فتح العزيز : 4 / 250 : ( واستحب الأئمة منهم صاحب التلخيص أن يضيف إليه ( القنوت ) ما روي عن عمر ) ! ! وأفتى به مالك في المدونة : 1 / 103 ، والشافعي في الأم : 7 / 148 ، والنووي في المجموع : 3 / 493 ، وأوردوا رواية البيهقي وقنوت عمر .
ومن الطبيعي أن تكون هاتان ( السورتان ) موجودتين في مصحف عمر الذي كان عند حفصة ! ولم يسعه نشره ، حتى أحرقه مروان والحمد لله .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 438 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

ابن حزم يتجرأ ويفضح سورتي عمر !

وقد تجرأ ابن حزم وأفتى بأن ( السورتين ) من كلام عمر وليست مأثورة عن النبي صلى الله عليه وآله ! ! قال في المحلى : 4 / 148 : ( وقد جاء عن عمر القنوت بغير هذا ، والمسند أحب إلينا . فإن قيل : لا يقوله عمر إلا وهو عنده عن النبي ( ص ) . قلنا لهم : المقطوع في الرواية على أنه عن النبي ( ص ) أولى من المنسوب إليه عليه السلام بالظن الذي نهى الله تعالى عنه ورسوله عليه السلام .
فإن قلتم ليس ظناً ، فأدخلوا في حديثكم أنه مسند فقولوا : عن عمر عن النبي ( ص ) ! فان فعلتم كذبتم ، وإن أبيتم حققتم أنه منكم قولٌ على رسول الله ( ص ) بالظن الذي قال الله تعالى فيه : إن الظن لا يغني من الحق شيئاً ) .
وقال في : 3 / 91 : ( ويدعو المصلي في صلاته في سجوده وقيامه وجلوسه بما أحب ، مما ليس معصية ، ويسمي في دعائه من أحب . وقد دعا رسول الله ( ص ) على عصية ورعل وذكوان ، ودعا للوليد بن الوليد وعياش بن أبي ربيعة وسلمة بن هشام ، يسميهم بأسمائهم ، وما نهى عليه السلام قط عن هذا ولا نُهِيَ هو عنه ) انتهى .
وكلامه الأخير ضربة قوية لسورتي الحفد والخلع ، وتكذيب لحديث الشافعي والبيهقي : ( يا محمد إن الله لم يبعثك سباباً ولا لعاناً ) الخ . !

ونسبوا سورتي الحفد والخلع العمريتين إلى أبيّ بن كعب !

بهذا التوضيح الموجز تعرف أن سورتي الحفد والخلع عمريتان قرشيتان ، ولا علاقة لهما بالأنصار ولا بأبيّ بن كعب !
وأن كل رواية تنسبهما إليه رحمه الله فهي لاستغلال اسمه في تسويقهما ! من نوع
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 439 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ما رواه في الدر المنثور : 6 / 420 ، عن حماد قال : ( قرأنا في مصحف أبيّ بن كعب : اللهم إنا نستعينك وتستغفرك ونثني عليك الخير ولا نكفرك ، ونخلع ونترك من يفجرك . قال حماد : هذه الآية سورة ! !
وفي مصحف ابن عباس قراءه أبيٍّ وأبي موسى : بسم الله الرحمن الرحيم . اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك الخير ولا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك . وفي مصحف حجر : اللهم إنا نستعينك . وفي مصحف ابن عباس قراءة أبيّ وأبي موسى : اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد ، نخشى عذابك ونرجو رحمتك إن عذابك بالكفار ملحق ) . انتهى .
فإن أرادوا نسبتها إلى أبيٍّ نفسه ، فقد عرفت ما فيه .
وإن أرادوا نسبتها إلى مصحفه ، فإن ابنه محمداً سلمه إلى عثمان عندما وحد المصحف ، ولم يكن عند أحد .
* *
الأسئلة
1 - معنى اللعن الطرد من رحمة الله تعالى ، فكيف تتصورون أن النبي صلى الله عليه وآله يلعن أحداً من عند نفسه بدون إذن الله تعالى أو أمره ؟
2 - كيف تتصورون أن الأمر الإلهي يصدر بطرد شخص من رحمته ، ثم يكون الرجل صالحاً ؟ !
3 - كيف تتعقلون أن الله تعالى أخبر عن أكثر فريش أنهم حق عليهم البقول ولن يؤمنوا ، ثم تقولون صاروا مؤمنين ؟ ! قال الله تعالى : ( لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ ، لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ) ( يس : 6 - 7 )
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 440 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
4 - كيف تقبلون بما نسبه مسلم إلى النبي صلى الله عليه وآله من أنه كان يؤذي ويسب ويضرب ظلماً بدون حق ؟ ( صحيح مسلم : 8 / 26 عن أبي هريرة : سمعت رسول الله ( ص ) يقول : اللهم إنما محمد بشر يغضب كما يغضب البشر ، وإني قد اتخذت عندك عهداً لن تخلفنيه ، فأيما مؤمن آذيته أو سببته أو جلدته فاجعلها له كفارة وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة ) ؟ ! !
5 - هل تقبلون أسباب النزول المتناقضة التي روتها صحاحكم في سبب نزول قوله تعالى : ( لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَئٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ) ؟ !
6 - هل تقبلون رواية البيهقي في نزول جبرئيل وتوبيخ النبي صلى الله عليه وآله وقطع صلاته ، أم توافقون على كلام ابن حزم في رده ؟ !
7 - هل تقبلون نسبة سورتي الحفد والخلع إلى أبيّ بن كعب ؟ !
8 - هل تفتون باستحباب القنوت بسورتي عمر ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 441 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الثالث عشر : صحِّحوا مصاحفكم أو خطِّئوا مصادركم !

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 442 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 443 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 104 إفتحوا مصاحفكم وصححوها أو ارفضوا البخاري وعمر !

وقف عمر بن الخطاب في وجه النبي صلى الله عليه وآله ورفض أن يكتب وصيته لأمته لكي يؤمنها من الضلال ! فقال عمر ( كتاب الله حسبنا ) !
فوقفتم معه وصحتم في وجه نبيكم : ( القول ما قاله عمر ) ! !
ووقف عمر في السقيفة وقال نحن قبائل قريش ، ومحمد قرشي ، فمن ذا ينازعنا سلطان محمد ؟ ! فوقفتم معه ! !
وهاجم عمر بيت علي وفاطمة صلى الله عليه وآله وأحضر الحطب وأشعله في باب الدار ، وهددهم إن لم يخرجوا ويبايعوا أن يحرق عليهم البيت بمن فيه ! وفيه علي وفاطمة والحسن والحسين وعدد من كبار المهاجرين والأنصار وقفوا إلى جانب أهل البيت عليهم السلام !
فوقفتم مع عمر ، وقلتم ما فعله هو الحق !
ثم أخذتم من عمر كل دينكم ، وأطعتموه فيما قال وفيما فعل ، بل جعلتموه أساس دينكم فتوليتم من والاه وعاديتم من رفضه وعاداه !
فما لكم تخذلونه في آيات من كتاب الله بيَّنها لكم ، وكان يقرؤها في صلاته وغير صلاته ؟ !
فمن الآن توبوا عن مخالفة إمامكم ، وليفتح كل منكم مصحفه ويصححه حسب قراءة عمر :
صححوا هذه الآية في سورة الجمعة :
قال البخاري في صحيحه : 6 / 63 : ( وقرأ عمر : فامضوا إلى ذكر الله ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 444 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وروى ابن شبة في تاريخ المدينة : 2 / 711 : ( عن إبراهيم عن خرشة بن الحر قال : رأى معي عمر بن الخطاب لوحاً مكتوباً فيه : إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله ، فقال : من أملى عليك هذا ؟ قلت أبي بن كعب ، فقال إن أبياً كان أقرأنا للمنسوخ ، إقرأها : فامضوا إلى ذكر الله ! ) . ( ورواه البيهقي في سننه : 3 / 227 والسيوطي في الدر المنثور : 6 / 219 )
وصححوا آيتين في سورة الحمد :
قال السيوطي في الدر المنثور : 1 / 15 : ( أخرج وكيع وأبو عبيد وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي داود وابن الأنباري كلاهما في المصاحف من طرق ، عن عمر بن الخطاب أنه كان يقرأ : سراط من أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم وغير الضالين ) . ( ورواه البغوي في معالم التنزيل : 1 / 42 والراغب في المحاضرات : 2 / 199 وابن جزي في التسهيل ، وغيرهم . . وغيرهم ) .
وفي تفسير ابن كثير : 1 / 31 : ( ولهذا روى أبو عبد القاسم بن سلام في كتاب فضائل القرآن عن أبي معاوية ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن الأسود ن عن عمر بن الخطاب أنه كان يقرأ : غير المغضوب عليهم وغير الضالين . وهذا إسناد صحيح ) .
وفي فتح الباري : 8 / 122 : ( ويؤيده قراءة عمر : غير المغضوب عليهم وغير الضالين . ذكرها أبو عبيد وسعيد بن منصور بإسناد صحيح ) .
وصححوا ثلاث آيات في سورة البقرة وآل عمران وطه :
قال البخاري : 6 / 72 ( كما قرأ عمر : الحي القيام ، وهي من قمت ) . وقد دافع البخاري عن عمر في : 8 / 18 ، بأن معنى القيام نفس معنى القيوم ! ‍‍‍وفي فتح الباري : 8 / 510 : ( قوله كما قرأ عمر الحي القيام . . وقد أخرج أبو عبيدة في فضائل القرآن من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن أبيه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 445 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عن عمر أنه صلى العشاء الآخرة فاستفتح آل عمران فقرأ : الله لا إله إلا هو الحي القيام . وأخرج بن أبي داود في المصاحف من طرق عن عمر أنه قرأها كذلك ) .
وصححوا في مصحفكم آية في سورة النازعات :
وهي قوله تعالى : ( أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً نَخِرَةً ) فاكتبوها ( ناخرة ) بالألف !
قال السيوطي في الدر المنثور : 6 / 312 : ( وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن عمر بن الخطاب أنه كان يقرأ : أئذا كنا عظاماً ناخرة ، بألف ) . ( وكذلك في كنز العمال : 2 / 591 )
وفي تاريخ ابن معين : 2 / 121 : ( سمعت يحيى بن معين يقول : حدثنا غندر ، عن شعبة ، عن سفيان ، عن الأعمش ، عن زيد بن معاوية عن ابن عمر أنه قرأ عظاماً ناخرة ) وفي مجمع الزوائد : 7 / 133 ( عن ابن عمر أنه كان يقرأ هذا الحرف : أئذا كنا عظاماً ناخرة .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 446 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأسئلة
1 - ماذا تختارون : تصحيح المصاحف ، أو تخطئة البخاري وعمر ؟ !
2 - ما رأيكم في قول عمر وما روي عن ابن مسعود أن معنى فاسعوا إلى ذكر الله ، أي فاركضوا ركضاً ! ففي مجمع الزوائد : 7 / 124 ( عن إبراهيم قال قال عبد الله بن مسعود . . . لو قرأتها فاسعوا سعيت حتى يسقط ردائي ! وكان يقرؤها فامضوا . رواه الطبراني وإبراهيم لم يدرك ابن مسعود ورجاله ثقات ) ! !
3 - ما رأيكم في فتوى القرطبي بأن من جحد قراءات عمر ليس بكافر ؟ !
قال في تفسيره : 1 / 83 : ( ومما يحكون عن عمر بن الخطاب أنه قرأ : غير المغضوب عليهم وغير الضالين ، مع نظائر لهذه الحروف كثيرة لم ينقلها أهل العلم على أن الصلاة بها تحل ، ولا على أنها معارض بها مصحف عثمان ، لأنها حروف لو جحدها جاحد أنها من القرآن لم يكن كافراً ، والقرآن الذي جمعه عثمان بموافقة الصحابة له لو أنكر بعضه منكر كان كافراً ، حكمه حكم المرتد يستتاب ، فإن تاب وإلا ضربت عنقه ) .
4 - ما رأيكم في ترجيح من رجح قراءة عمر على المصحف الموجود ، وفي تخطئة ابن حجر لعمر ؟ ففي فتح الباري : 8 / 530 : ( قال أبو عبيدة في قوله تعالى ( عظاما نخرة ) : ناخرة ونخرة سواء ، وقال الفراء مثله ، قال وهما قراءتان أجودهما ناخرة . ثم أسند عن ابن الزبير أنه قال على المنبر ما بال صبيان يقرءون نخرة إنما هي ناخرة .
قلت قرأها نخرة بغير ألف جمهور القراء وبالألف الكوفيون لكن بخلف عن عاصم .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 447 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
تنبيه : قوله والباخل والبخيل . في رواية الكشميهني بالنون والحاء المهملة فيهما ، وبغيره بالموحدة والمعجمة ، وهو الصواب . وهذا الذي ذكره الفراء قال هو بمعنى الطامع والطمع والباخل والبخل . وقوله سواء أي في أصل المعنى وإلا ففي نخرة مبالغة ليست في ناخرة ) . انتهى .
5 - لو أنصفتم لرأيتم أن المشكلة ليست هذه القراءات العمرية فقط ، بل الكثير غيرها أيضاً من آراء عمر وشهاداته في الآيات وقراءاته !
فماذا تصنعون عندما يثبت لكم قول أو فعل لعمر يخالف القرآن الذي بأيدي المسلمين ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 448 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة : 105 آيات عائشة التي أكلتها السخلة ! فجعلت قرآن المسلمين ناقصاً إلى يوم الدين ! !

ترتبط قصة سخلة عائشة التي أكلت الآيات بمسألة رضاع الكبير التي تفردت بها عائشة فقالت يجوز للمرأة أو لبعض أقربها أن ترضع الرجل الكبير فيكون ابناً لها من الرضاعة ! واعترض عليها نساء النبي صلى الله عليه وآله واستنكرن ذلك ، لكنها أصرت على قولها ، وزادت عليه أن الرضاعة التي تجعله محرماً عليها خمس رضعات وليس خمس عشرة رضعة أو عشر رضعات ! وادعت أنه نزلت آية تكتفي بخمس رضعات وكانت تقرأ في القرآن حتى توفي النبي صلى الله عليه وآله وكانت مكتوبة مع آيات غيرها على ورقة تحت سريرها ، فانشغلت بوفاة النبي صلى الله عليه وآله فدخلت سخلة وأكلت تلك الورقة !
قال مسلم : 4 / 167 : ( عن عائشة أنها قالت : كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ، ثم نسخن بخمس معلومات ، فتوفي رسول الله ( ص ) وهن فيما يقرأ من القرآن ) ! ورواه الدارمي : 2 / 157 ، وابن ماجة : 1 / 625 ، ومسند الشافعي ص 416 ، وروى بعده قولها : ( لقد نزلت آية الرجم ورضاعة الكبير عشراً ، ولقد كان في صحيفة تحت سريري ، فلما مات رسول الله ( ص ) وتشاغلنا بموته دخل داجن فأكلها ) . انتهى .
والداجن : الحيوان الذي يربى في المنزل ، ولذا قلنا : أكلتها السخلة .
وكانت عائشة ترسل الرجل الذي