ألف سؤال وإشكال - ج 2

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 1 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الف سؤال وإشكال
على المخالفين لأهل البيت الطاهرين
بقلم
علي الكوراني العاملي
المجلد الثاني
الطبعة الأولى 1424 - 2004
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 2 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الكتاب : ألف سؤال وإشكال ج 2
المؤلف : علي الكوراني العاملي
الناشر : دارالهدى
الطبعة : الأولى
العدد : 3000 نسخة
1424 هجرية - 2003 ميلادية
ISBN : 964 - 8222 - 60 - 6
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 3 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 4 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 5 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 6 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 7 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
تقديم بقلم :
سماحة آية الله السيد علي الحسيني الميلاني
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطاهرين
وبعد ، فإن العقائد أهم مطالب الدين وأشرف مسائل المسلمين ، لا سيما الإمامة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله ، إذ بالإمام يُعبد الله عز وجل ، ومنه تؤخذ معالم الدين .
وعقيدتنا أن النبي صلى الله عليه وآله قد أوصى بالإمامة ونصَّ على أن الإمام من بعده عليُّ بن أبي طالب عليه السلام . أما مخالفونا فقد حاولوا أن يبرروا الأمر الواقع بعد وفاته صلى الله عليه وآله فاضطربوا وتحيروا ، فمنهم من ذهب إلى أن النبي صلى الله عليه وآله لم ينص على أحد ومات بغير وصية كالقاضي العضدي والتفتازاني وغيرهما . ومنهم من زعم أنه نص وأوصى ، واختلف هؤلاء بين قائل بأنه كان نصاً جلياً ، وقائل بأنه كان نصاً خفياً ، وقد أغرب ابن تيمية بقوله إن النبي صلى الله عليه وآله نص بالوصية على خلافة أبي بكر ، ولكن خفي عليه ، وعلى ابنته ، وعلى عمر ، وعلى سائر المهاجرين والأنصار ! ( منهاج السنة : 1 / 498 ) .
فلما رأوا أن هذه الدعاوى لا تُقنع ولا تصلح لتبرير ما وقع ، عمدوا إلى استعمال القوة ضد الشيعة ، محاولين القضاء على مذهب أهل البيت عليهم السلام بالقضاء على أتباعه ! بل تصدوا إلى كل من روى حديثاً في صالحهم من غيرهم ، كما فعلوا بالنسائي والحاكم النيسابوري ، وابن السقا الواسطي ، وأمثالهم من أئمتهم .
كما وضعوا كتباً للتهجم على الشيعة والتشيع وأكثروا ، وسلكوا فيها كل الطرق للرد على هذا المذهب وأنصاره ، والصد عن تقدمه وانتشاره ! فكم من رواية اختلقوا ، وكم من حقيقة كتموا أو حرفوا !
وقد قابل ذلك علماء هذه الطائفة بالصبر والتحمل ، ولم تثن عزائمهم التهجمات ولا السياط والسجون ، حتى استشهد منهم الكثير !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 8 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد انقسمت الكتب التي ألفها علماؤنا في الباب إلى ثلاثة أنواع :
منها ، ما وضعوه جواباً على شبهات الخصوم ، كالرد على كتاب ( العثمانية ) للجاحظ وكتاب ( الشافي في الإمامة ) في الرد على كتاب ( المغني ) للقاضي عبد الجبار المعتزلي و ( عبقات الأنوار ) في الرد على ( التحفة الاثني عشرية ) والرد على ( الصواعق المحرقة ) و ( الوشيعة ) ( ومسائل جار الله ) وغير ذلك .
ومنها ، ما ألفوه للتعريف بمذهب الشيعة وبيان أدلتهم على عقائدهم ، كشروح ( التجريد ) و ( منهاج الكرامة في معرفة الإمامة ) ( ونهج الحق وكشف الصدق ) و ( دلائل الصدق ) و ( الغدير في الكتاب والسنة والأدب ) . . .
ومنها ، ما كتبوه سؤالاً للمخالفين وإشكالاً عليهم ، على ضوء رواياتهم وأقوال علمائهم في أشهر كتبهم ، وهذا النوع في كتب أصحابنا قليل ككتاب أغلاط العامة للشيخ الكراجكي ، وكتاب مخالفة أهل السنة للكتاب والسنة ، للعلامة الحلي .
ومن أحسن ما أخرج للناس في زماننا في هذا المجال كتاب ( ألف سؤال وإشكال ) من مؤلفات العلامة حجة الإسلام والمسلمين الشيخ علي الكوراني العاملي دام فضله ، فقد وقفت عليه فألفيته حاوياً لأمهات المسائل الخلافية ، يطرحها بأسلوب بديع وأدب رفيع ، مستنداً إلى أشهر الكتب المعتمدة عند أهل السنة ، ومستشهداً بآراء وأقوال كبار علمائهم في مختلف العلوم ، ثم يلقي على أساسها الأسئلة ويلزمهم بلوازم أدلتهم ، فإن وافقوا عليها ورد عليهم الإشكال ، وإن أبوا الالتزام بها وجب عليهم رفع اليد عن صحة تلك الكتب ، ورفض أصحاب تلك الأقوال .
هذا ، بالإضافة إلى ما يجده القارئ فيه من تحقيقات ثمينة وفوائد جليلة .
فأسال الله العلي القدير لسماحة الشيخ الكوْراني المزيد من التوفيق والتسديد ، فإنه في هذا الزمان ، من أبرز حماة المذهب الحق والذابين عنه باليد واللسان ، وأن ينفع الباحثين بآثاره القيمة ، وأن يجعل كتابه في كتابه يوم القيامة ، والسلام عليه ورحمة الله وبركاته .
ذو القعدة الحرام 1424 علي الحسيني الميلاني
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 9 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة وأتم السلام على سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين ، واللعنة على أعدائهم أجمعين
وبعد ، فقد طرح المخالفون لمذهب أهل البيت الطاهرين عليهم السلام إشكالاتهم وشبهاتهم على مذهبنا وأتباعه ، وكرروها في خطبهم وكتبهم ، وملؤوا منها الأسواق ، ومواقعهم في شبكات النت ، ووزعوا كتيباتها وأشرطتها في الحرمين ، وفي بلاد المسلمين ، والمهجر !
وهي شبهاتٌ أجاب عنها علماء الشيعة القدماء والمعاصرون ، فجزاهم الله خير الجزاء لدفاعهم عن ظلامة أهل البيت الطاهرين عليهم السلام ومذهبهم الحق .
وهذه أسئلة وإشكالات علمية ، كتبناها لتكون جواباً على ما يثيرونه علينا ، وتنبيهاً إلى أن الأولى لهم أن يعالجوا المشكلات التي امتلأت بها مصادرهم ، وقامت عليها مؤلفاتهم وآراؤهم في مسائل العقائد والفقه والتفسير ، فإن إصلاح الدار أوْجبُ من انتقاد الجار !
وقد اعتمدنا في هذه المسائل على مصادرهم الأساسية في الحديث والتفسير والفقه والعقائد ، وأقوال كبار أئمتهم من القدماء والمتأخرين .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 10 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
واعتمدنا في ترتيب أبوابها على كتبنا : الوهابية والتوحيد ، وتدوين القرآن ، والعقائد الإسلامية ، وآيات الغدير ، وغيرها .
أما المنهج الذي اخترناه فهو تحرير المسألة بعبارة مليئة موثقة ، ثم توجيه الأسئلة حولها أو الإشكالات ، لتسهيل الأمر على القارئ والباحث .
وهذا هو المجلد الثاني من كتاب ( ألف سؤال وإشكال على المخالفين لأهل البيت الطاهرين عليهم السلام ) ، وقد لاقى المجلد الأول منه رواجاً حسناً ، ونفدت نسخه في مدة قصيرة ، لبساطة منهجه وقوة حجته بفضل الله تعالى .
ومع أنه مضت شهور على صدور المجلد الأول وانتشرت نسخه المطبوعة في البلاد ، وفي شبكات النت ، إلا أنه لم يصلنا أيُّ نقدٍ أو ردٍّ على شئ من مسائله من المخالفين لأهل البيت الطاهرين عليهم السلام مع أن منهم متفرغين في إلقاء الشبهات على المذهب وأتباعه ! ولعلهم بحاجة إلى وقت أطول لكي يراجعوا ويفكروا ، ولا نظن أنهم يأتون بطائل ، أو يرجعون إلى حاصل .
نسأل الله أن يهديهم إلى الكفِّ عن عملهم لتشويه مذهب أهل البيت عليهم السلام ، وأن يتجهوا بدل ذلك إلى احترام مذاهب المسلمين والتقريب بينهم ، وإنصاف أهل بيت نبيهم صلى الله عليه وآله والاعتراف بمقامهم الرباني وفضائلهم وظلامتهم ، والتعايش والتحابب مع شيعتهم ، ومع أتباع كافة المذهب ، خاصة في هذا الظرف الذي تشهد فيه الأمة هجمة من أعدائها على كافة بلادها ، وكافة أبنائها ومقدساتها .
والله ولي القصد والتوفيق ، والهادي إلى سواء السبيل .
حرره : علي الكوراني العاملي عامله الله بلطفه
الحوزة العلمية بقم المشرفة - شوال المكرم 1424
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 11 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل السابع عشر : أهل السنة . . ضد السنة !

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 12 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 13 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة 110 : جريمة تغييب سنة النبي صلى الله عليه وآله

مع أن النبي صلى الله عليه وآله أمر المسلمين بكتابة حديثه وتبليغه إلى الناس ، فقد ارتكبت السلطة بعده صلى الله عليه وآله عملاً غريباً بإعلانها تحريم كتابة حديثه صلى الله عليه وآله بل تحريم مجرد تحديث الناس بالحديث النبوي ولو في المسجد !
وقد جمع أبو بكر وعمر ما كتبه الناس من أحاديث النبي صلى الله عليه وآله ثم أحرقاها !
وواصل عمر سياسة التشديد على الصحابة ، فضرب بعضهم وحبَس بعضاً آخر لمجرد أنه حدَّث حديثاً عن النبي صلى الله عليه وآله !
كما أصدر مرسوماً مشدداً إلى ولاته بحرق كل ما كتب من السنة أو مَحْوِه !
ولا يمكنك أن تجد تفسيراً لذلك إلا في شعار ( حسبنا كتاب الله ! ) الذي رفعه عمر بالتفاهم مع زعماء قريش في وجه النبي صلى الله عليه وآله قبل أن يغمض عينيه ! فقد اتفقوا فيما بينهم على أن يقبلوا منه القرآن دون السنة !
أما عليٌّ وبقية أئمة العترة عليهم السلام فقد وقفوا في وجه قرار منع التحديث ، وشجعوا الصحابة على التحديث وتدوين الحديث ، عملاً بأمر النبي صلى الله عليه وآله بكتابة سنته الذي روته مصادرهم فضلاً عن مصادرنا :
روى أبو داود : 2 / 176 ( عن عبد الله بن عمرو قال : كنت أكتب كل شئ أسمعه من رسول الله ( ص ) أريد حفظه فنهتني قريش ، وقالوا أتكتب كل شئ تسمعه ورسول الله ( ص ) بشر يتكلم في الغضب والرضا ؟ ! فأمسكت عن الكتاب ، فذكرت ذلك لرسول الله ( ص ) فأومأ بإصبعه إلى فيه فقال : أكتب ، فوالذي نفسي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 14 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بيده ما يخرج منه إلا حق ! ) . ( ورواه أحمد : 2 / 192 ، بتفاوت يسير ) .
وروى أحمد : 2 / 215 ، عن ( عبد الله بن عمرو بن العاص قال قلت : يا رسول الله إني أسمع منك أشياء أفاكتبها ؟ قال : نعم . قلت : في الغضب والرضا ؟ قال : نعم ، فإني لا أقول فيهما إلا حقاً ! ) .
وروى الحاكم : 1 / 105 حديث النسائي هذا وفيه ( ما خرج منه إلا حق ) ثم قال : فليعلم طالب هذا العلم أن أحداً لم يتكلم قط في عمرو بن شعيب ، وإنما تكلم مسلم في سماع شعيب من عبد الله بن عمرو ، فإذا جاء الحديث عن عمرو بن شعيب عن مجاهد عن عبد الله بن عمرو ، فإنه صحيح ) . انتهى .
وقال في ص 106 : ( نعم فإنه لا ينبغي لي أن أقول إلا حقاً ) وقال : ( رواة هذا الحديث قد احتجَّا بهم ( يقصد البخاري ومسلماً ) عن آخرهم غير الوليد ، وأظنه الوليد بن أبي الوليد الشامي ، فإنه الوليد بن عبد الله ، وقد عُلِّمتْ على أبيه الكتَبة ، فإن كان كذلك فقد احتج مسلم به ) .
وروى الحاكم أيضاً : 3 / 528 ( عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : قلت يا رسول الله أتأذن لي فأكتب ما أسمع منك ؟ قال نعم . قلت في الرضاء والغضب ؟ قال : نعم فإنه لا ينبغي لي أن أقول عند الرضاء والغضب إلا حقاً ! ثم قال ( صحيح الإسناد ولم يخرجاه ) . انتهى .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 15 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأسئلة
1 - قام الدين الإلهي على إرسال الأنبياء عليهم السلام وتنزيل الكتب والصحف الإلهية ، فالكتاب والكتابة من أولى خصائصه وبدهياته ، فما هو السبب في أن الجيل الأول من صحابة نبينا صلى الله عليه وآله حرَّموا تدوين أحاديثه فضيعوا حقيقتها على أجيال الأمة ، ولم يسمحوا بكتابتها إلا بعد قرن أو قرنين ، حتى وصلت الينا في حالتها الفعلية ، ومشاكلها الكثيرة التي تضج منها مصادر السنة النبوية !
بل فتحوا بذلك الباب للأعداء لاتهام الإسلام بالتخلف عن الكتابة ، التي هي من أول شروط المدنية والوعي الثقافي ؟ !
2 - ألا ترون أن رواية الشاب عبد الله العاص ، تكشف لنا حقيقة خطيرة هي أن القرشيين الذين دخل الإسلام قليلٌ منهم باختيارهم ، ودخل فيه أكثرهم مجبرين تحت السيف بعد هزيمتهم على يد النبي صلى الله عليه وآله في فتح مكة ، كانوا يخافون أن يكرِّس النبي صلى الله عليه وآله الخلافة من بعده لعترته ، فكوَّنوا في حياة النبي صلى الله عليه وآله حركة عملت داخل الصحابة لمنع تدوين كلامه الشريف ، وكانت تصل بالشباب الذين يدونون أحاديثه الشريفة مثل عبد الله العاص وتنهاهم عن ذلك ، بحجة أن النبي بشر يغضب ويتكلم على أشخاص ويحذر منهم ويلعنهم بغير حق ، فإذا كُتب ذلك صار جزءً من الدين ، وأضرَّ بمصلحة هؤلاء القرشيين !
وقد جاء موقف النبي صلى الله عليه وآله حاسماً ، حيث أمر بمواصلة كتابة حديثه لأن منطقه مصون بعصمة الله تعالى في الرضا والغضب : ( وما ينطق عن الهوى ) . فماذا تقولون في هذا التفسير ؟
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 16 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
3 - ما رأيكم في الرواية التالية عن عبد الله العاص ، التي تدل على أن الذين نهوه عن كتابة الحديث كانوا يتعمدون الكذب على النبي صلى الله عليه وآله في حياته ويسخرون من كتابة أحاديثه ؟ ! فقد روى الهيثمي في مجمع الزوائد : 1 / 151 : ( عن عبد الله بن عمرو قال كان عند رسول الله ( ص ) ناس من أصحابه وأنا معهم وأنا أصغر القوم فقال النبي ( ص ) : من كذب على متعمداً فليتبوأ مقعده من النار . فلما خرج القوم قلت : كيف تحدثون عن رسول الله ( ص ) وقد سمعتم ما قال ! وأنتم تنهمكون في الحديث عن رسول الله ( ص ) ؟ ! فضحكوا فقالوا : يا ابن أخينا إن كل ما سمعنا منه عندنا في كتاب ! ) . انتهى .
فالرواية تشير إلى أنهم قرشيون ( فقالوا يا ابن أخينا ) ، وأنهم كانوا يكذبون عمداً على النبي صلى الله عليه وآله ، وأن ابن العاص انتقدهم بأنكم سمعتم لتوِّكم تحذير النبي صلى الله عليه وآله لمَن يكذب عليه ووعيده له بنار جهنم ، وها أنا أراكم تتحدثون عن لسانه بما لم يقل ؟ ! فضحكوا منه وقالوا له : أيها الولد إننا نكتب حديثه مثلك فنحن نتحدث عنه مما هو مكتوب عندنا ! !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 17 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة 111 : تدوين السنة حرام والأحوط شرعاً إحراق السنة

قال الذهبي في تذكرة الحفاظ : 1 / 5 : ( قالت عائشة : جمع أبي الحديث عن رسول الله ( ص ) وكانت خمسمائة حديث ، فبات ليلته يتقلب كثيراً ! قالت فغمني فقلت : أتتقلب لشكوى أو لشئ بلغك ؟ فلما أصبح قال : أي بنية هلمي الأحاديث التي عندك فجئته بها فدعا بنار فحرقها ، فقلت لمَ أحرقتها ؟ قال خشيت أن أموت وهي عندي فيكون فيها أحاديث عن رجل قد ائتمنته ووثقت ولم يكن كما حدثني ، فأكون قد نقلت ذاك ! ) . انتهى .
وغرض عائشة تبرير فعل أبيها ، وكفّ ألسنة الناس عنه ! ولذلك لم تذكر في هذه الرواية أن أباها ناشد الناس أن يأتوه بما كتبوه من حديث النبي صلى الله عليه وآله ، فتصور الناس أنه يريد تدوين السنة ، فأتوه به بطيب نية فجمعه عنده ثم أحرقه !
أما عمر فأحرق السنة ولم يتأرق أبداً !
قال ابن سعد في الطبقات : 5 / 140 : ( عبد الله بن العلاء قال سألت القاسم يملي عليَّ أحاديث فقال : إن الأحاديث كثرت على عهد عمر بن الخطاب ، فأنشد الناس أن يأتوه بها ، فلما أتوه بها أمر بتحريقها ! ) . انتهى .
وضغط الصحابة على عمر فطلب المهلة شهراً !
روى في كنز العمال : 10 / 291 عن ابن عبد البر في كتاب العلم : ( عن الزهري ، عن عروة أن عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنن فاستفتى أصحاب رسول الله ( ص ) في ذلك فأشاروا عليه أن يكتبها ، فظل عمر يستخير الله فيها شهراً !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 18 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم أصبح يوماً وقد عزم الله له فقال : إني كنت أريد أن أكتب السنن ، وإني ذكرت قوماً كانوا قبلكم كتبوا كتاباً فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله ، وإني والله لا أشوب كتاب الله بشئ أبداً ) ! انتهى .
وروى عن ابن سعد في الطبقات ، عن الزهري قال : أراد عمر بن الخطاب أن يكتب السنن فاستخار الله شهراً ، ثم أصبح وقد عُزم له ( يقصد عزم له الله ) فقال : ذكرت قوماً كتبوا كتاباً فأقبلوا عليه وتركوا كتاب الله ) ! انتهى .
ثم أصدر مرسوماً خلافياً بمحو السنة المدونة !
روى في كنز العمال : 10 / 291 عن ابن عبد البر في العلم وأبي خثيمة : ( عن ابن وهب قال : سمعت مالكاً يحدث أن عمر بن الخطاب أراد أن يكتب هذه الأحاديث أو كتبها ثم قال : لا كتاب مع كتاب الله .
عن يحيى بن جعدة قال : أراد عمر أن يكتب السنة ، ثم بدا له أن لا يكتبها ، ثم كتب في الأمصار : من كان عنده شئ من ذلك فليمحه ) ! ! انتهى .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 19 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأسئلة
1 - كيف تفسرون تحريم عمر تدوين السنة ، مع أنه كان يرى أن العلم الذي له قيمة يجب أن يُدَوَّن ، فهو الذي طلب من النبي صلى الله عليه وآله أن يسمح له ولرفقائه أن يكتبوا أحاديث اليهود ، لأنها أخذت بمجامع قلوبهم حسب تعبيره !
قال السيوطي في الدر المنثور : 5 / 148 : ( عن الحسن ، أن عمر بن الخطاب قال : يا رسول الله إن أهل الكتاب يحدثونا بأحاديث قد أخذت بقلوبنا ، وقد هممنا أن نكتبها ! فقال : يا ابن الخطاب أمتهوكون أنتم كما تهوكت اليهود والنصارى ؟ ! ) .
وقال الحاكم في المستدرك : 1 / 106 : ( وقد صحت الرواية عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أنه قال : قيدوا العلم بالكتاب . . . عن عبد الملك بن عبد الله بن أبي سفيان أنه سمع عمر بن الخطاب يقول : قيدوا العلم بالكتاب ) . انتهى .
2 - لماذا اعتذر أبو بكر وابنته عائشة بأن السبب في تحريمه تدوين السنة وإحراق المكتوب منها ، هو الخوف من كذب رواتها قال : ( خشيت أن أموت وهي عندي فيكون فيها أحاديث عن رجل قد ائتمنته ووثقت ، ولم يكن كما حدثني ) ! ولم يعتذر بذلك عمر ؟ !
وإذا صح عذر أبي بكر ، فلماذا خالفوه ودونوا السنة بعد أكثر من مئة سنة وبعد أن كثرت وسائط الرواة ، وزاد الكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ ! !
3 - من هم هؤلاء القوم الذين قال عنهم عمر إنهم كتبوا كتاباً فيه سنة نبيهم فتركوا كتاب ربهم ، ولماذا لم يسمهم ! ( فقال : إني كنت أريد أن أكتب السنن ، وإني ذكرت قوماً كانوا قبلكم كتبوا كتاباً فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله ، وإني والله لا أشوب كتاب الله بشئ أبداً ) ؟ ! لقد كان أذكى من صاحبه أبي موسى حيث
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 20 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أوهم أنه يريد اليهود ولم يسمِّهم ، بينما سماهم أبو موسى ! ففي مجمع الزوائد : 1 / 150 ، عن أبي موسى قال : قال رسول الله ( ص ) : إن بني إسرائيل كتبوا كتاباً واتبعوه وتركوا التوراة ) . لكنه كلام لا ينطبق على تاريخ اليهود ولا النصارى أبداً ! فالذي حدث بعد نبي الله موسى عليه السلام أن أكثر قومه أطاعوا وصيه يوشع عليه السلام مدة قليلة ثم انقلبوا على أعقابهم بعد يوشع ولم يقبلوا الأوصياء عليهما السلام ، بل شكلوا دولة القضاة التي هي أشبه بدولة الخلفاء القرشية . وفي هذه المدة لم يكتبوا أحاديث موسى ولا يوشع عليه السلام ، بل قاموا بتحريف التوراة .
والأمر بعد داود وسليمان عليهما السلام أوضح ، فقد انقلبوا على أعقابهم أيضاً ولم يقبلوا آصف بن برخيا الذي كان وصي سليمان عليهما السلام ، والذي ذكره الله تعالى في القرآن بقوله : قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ! وبعد ذلك بزمان طويل كتبوا كتباً في تشريعات موسى عليه السلام ! ولكنهم لم يُكِبُّوا عليها ولم يتركوا التوراة ، لأنها شروح للتوراة المحرفة ، متجانسة معها .
أما النصارى فبعد تضييعهم الإنجيل كتبوا الأناجيل الموجودة وأكبوا عليها !
فالذين عناهم أبو موسى وعمر لا وجود لهم ! !
4 - تشير النصوص إلى أن تدوين السنة كان مطلباً مُلِحّاً لعامة الصحابة ، وأنهم ضغطوا على عمر فاستمهلهم ليفكر في الأمر ، وفكر شهراً حتى هدأ جَوُّهم ، ثم صعد المنبر وأعلن للمسلمين ما عزمه الله له ! ( فأشاروا عليه أن يكتبها ، فظل عمر يستخير الله فيها شهراً ! ثم أصبح يوماً وقد عزم الله له فقال . . . ) ؟ ! فهل نزل الوحي على عمر بأن رأيه وعزمه بمنع كتابة السنة هو عزم الله تعالى ، وأن أمره الولاة بمحو المكتوب منها وإحراقه ، قرارٌ من الله تعالى ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 21 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة 112 : تواضع عمر للصحابة لكي ينفذوا قراره

روى ابن ماجة : 1 / 12 ( عن قرظة بن كعب قال : بعثنا عمر بن الخطاب إلى الكوفة وشيعنا ، فمشى معنا إلى موضع يقال له صِرار فقال : أتدرون لم مشيت معكم ؟ قال قلنا : لحق صحبة رسول الله ( ص ) ولحق الأنصار .
قال لكني مشيت معكم لحديث أردت أن أحدثكم به ، فأردت أن تحفظوه لممشاي معكم . إنكم تقدمون على قوم للقرآن في صدورهم هزيز كهزيز المرجل ، فإذا رأوكم مدوا إليكم أعناقهم وقالوا أصحاب محمد ، فأقلوا الرواية عن رسول الله ( ص ) ثم أنا شريككم ) . انتهى .
ورواه الدارمي : 1 / 85 عن قرظة بن كعب وقال في آخره : ( قال قرظة : وإن كنتُ لأجلس في القوم فيذكرون الحديث عن رسول الله ( ص ) وإني لمن أحفظهم له ، فإذا ذكرت وصية عمر سكتتُ ) ! !
وفي رواية أخرى : ( فما حدثت بشئ ، وقد سمعت كما سمع أصحابي ) ! !
ثم قال الدارمي : ( معناه عندي الحديث عن أيام رسول الله ( ص ) ليس السنن والفرائض ) . انتهى .
يريد الدارمي التخفيف عن عمر ، وأن يحصر منعه عن التحديث بالأمور السياسية وحروب النبي صلى الله عليه وآله دون بيان الفرائض وأحكام الإرث والمستحبات ! ولكنه بذلك يخالف نص عمر في المنع ، ويعترف عن عمر بأن السبب سياسي ، وأن عذر عمر بانشغال الناس بالحديث عن القرآن ، عذر شكلي لا أكثر !
ورواه الحاكم في مستدركه : 1 / 102 وقال في آخره ( فلما قدم قرظة قالوا حدثنا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 22 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال : نهانا ابن الخطاب ! هذا حديث صحيح الإسناد له طرق تجمع ويذاكر بها . وقرظة بن كعب الأنصاري صحابي سمع من رسول الله صلى الله عليه وآله ، ومن شرطنا في الصحابة أن لا نطويهم . وأما سائر رواته فقد احتجَّا بهم ) . انتهى .
* *
الأسئلة
1 - من الواضح أن المطلب الذي أراده عمر من هؤلاء الصحابة مطلبٌ مهم عنده ، وصعبٌ عليهم ، لأنه يخالف توجيهات النبي صلى الله عليه وآله التي عملوا به ، ولذا خرج إلى توديعهم مسافة طويلة ، مع أنه لم يكن يخرج إلى توديع أحد من الصحابة ، فهذه المرة هي المرة الوحيدة ! و ( صِرار ) بكسر أوله ، وبالراء المهملة أيضاً في آخره : بئر قديمة ، على ثلاثة أميال من المدينة تلقاء حرة وأقم ) . ( معجم ما استعجم للبكري : 3 / 830 ) .
ويفهم من قوله لهم ( وأنا شريككم ) أنهم كانوا يرون أن عدم التحديث عن النبي صلى الله عليه وآله إثمٌ ومعصية لأنه كتمانٌ لما سمعوه من النبي صلى الله عليه وآله ومخالفة لأمره إياهم بأن يبلغ الشاهد منهم الغائب ! فأراد عمر أن يطمئنهم بأن كتمانهم ضرورة ، وأنه لا إثم عليهم فيه ! وإن يكن فيه إثم فهو شريكهم فيه !
فهل يوجد فرق بين كلامه هذا وقوله : يا صحابة رسول الله ، اكتموا أحاديث نبيكم صلى الله عليه وآله ، وأنا شريككم في الإثم ؟ !
وهل يجوز أن تطلب من أحد أن يفعل محرماً وتكون شريكه في الإثم ؟ !
2 - يدل قول الصحابي قرظة : ( فما حدثت بشئ وقد سمعت كما سمع أصحابي . . وإن كنت لأجلس في القوم فيذكرون الحديث عن رسول الله ( ص ) وإني لمن أحفظهم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 23 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
له ، فإذا ذكرت وصية عمر سكتت . . . ! فلما قدم قرظة قالوا حدثنا قال : نهانا ابن الخطاب ! ) . على أن المسألة ليست طلباً أخوياً ، بل نهيٌ مشدد ، وتهديدٌ أيضاً !
فهل يجوز لصحابي أن يأمر الصحابة بالكتمان وينهاهم عن التبليغ الواجب ؟ !
3 - كيف تتصورون حالة المسلم الجديد في الكوفة الذي سمع بمجئ صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله إليها ، ففرح وجاء يسألهم عن النبي صلى الله عليه وآله ليحدثوه عنه فقالوا له معذرةً لا نستطيع أن نحدث عنه صلى الله عليه وآله بشئ ، لأن عمر نهانا عن الحديث عنه صلى الله عليه وآله ! وكيف تتصورون حالة طالب العلم الذي جاء إلى المدينة فواجه نفس الكلام ؟ ! أليس من حقه أن يقول ما بال هؤلاء الصحابة ! بالأمس مات نبيهم ودفنوه وجلسوا مكانه ، وهاهم يدفنون سنته معه ويكتمونها ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 24 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة 113 : التحديث عن النبي صلى الله عليه وآله حرام . وعقوبته الإقامة الجبرية !

روى الحاكم : 1 / 110 : ( عن سعد بن إبراهيم عن أبيه ، أن عمر بن الخطاب قال لابن مسعود ولأبي الدرداء ولأبي ذر : ما هذا الحديث عن رسول الله ؟ ! وأحسبه حبسهم بالمدينة حتى أصيب . . . هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، وإنكار عمر أمير المؤمنين على الصحابة كثرة الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله فيه سنة ولم يخرجاه ) . انتهى .
وقول الحاكم ( كثرة الحديث ) كلامٌ منه ، فقد نهاهم عمر عن التحديث كلياً ! !
وروى في كنز العمال : 10 / 285 عن ابن عساكر : ( عن عبد الرحمن بن عوف قال : والله ما مات عمر بن الخطاب حتى بعث إلى أصحاب رسول الله ( ص ) فجمعهم من الآفاق : عبد الله بن حذافة ، وأبا الدرداء ، وأبا ذر ، وعقبة بن عامر ، فقال : ما هذه الأحاديث التي قد أفشيتم عن رسول الله ( ص ) في الآفاق ؟ قالوا أتنهانا ؟ !
قال لا ، أقيموا عندي ، لا والله لا تفارقوني ما عشت ! فنحن أعلم نأخذ ونرد عليكم . فما فارقوه حتى مات ) . انتهى .
وروى الدارمي : 1 / 136 : ( ثنا الأوزاعي ، حدثني أبو كثير ، حدثني أبي قال : أتيت أبا ذر وهو جالس عند الجمرة الوسطى وقد اجتمع الناس عليه يستفتونه فأتاه رجل فوقف عليه ثم قال : ألم تُنْهَ عن الفتيا ؟ ! فرفع رأسه إليه فقال : أرقيبٌ أنت عليَّ ؟ ! لو وضعتم الصمصامة على هذه وأشار إلى قفاه ، ثم ظننت أني أنفذ كلمة سمعتها من رسول الله قبل أن تجيزوا عليَّ لأنفذتها ! ) !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 25 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد بتره البخاري فقال في : 1 / 25 : ( وإنما العلم بالتعلم ، وقال أبو ذر : لو وضعتم الصمصامة على هذه وأشار إلى قفاه ، ثم ظننت أني أنفذ كلمة سمعتها من رسول الله ( ص ) قبل أن تجيزوا عليَّ لأنفذتها ) . انتهى . فانظر إلى أمانة البخاري ! !
وروى في كنز العمال : 10 / 299 عن ابن عبد البر في العلم ، وابن عساكر والدينوري : ( عن ابن سيرين أن عمر قال لأبي موسى : أما بلغني أنك تفتي الناس ولست بأمير ؟ قال : بلى . قال : فولِّ حارَّها من تولى قارَّها ) . انتهى .
يقصد أنك لست الخليفة ، ولذلك يحرم عليك الفتوى في أمور الدين ، لأن حق الفتوى فقط للخليفة الذي هو عمر ، وعلى الباقين طاعته !
* *
الأسئلة
1 - ما هو المستند الفقهي عند عمر في حبسه الصحابة بجرم التحديث عن النبي صلى الله عليه وآله ؟ وإذا كان له مستند صحيح فلماذا لا تحكمون بحبس المحدِّثين ؟ !
2 - ما هو المستند الشرعي لحصر الفتوى وبيان أحكام الشرع الشريف بمن كان رئيس الدولة ، أو موظفاً عند الحكومة ؟ ! وهل تلتزمون بذلك ؟ !
3 - لم يثبت عندكم حديث أن الصحابة كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ، ومع ذلك قبله علماؤكم به في الفقه وأصول الفقه والعقائد ! فما رأيكم بمن يقتدي بالصحابة الذين حبسهم عمر بجرم الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله ، لأنهم صحابة أتقياء الذي رفضوا أن يكتموا الحق ، وما رأيكم عليهما السلام إذا دعا على عمر لأنه حبسهم ظلماً وعدواناً ، وكتَمَ الحق ؟ فهل يكفر بذلك ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 26 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة 114 : السبب الحقيقي لتغييب أبي بكر وعمر سنة النبي صلى الله عليه وآله !

روى أبو داود : 2 / 404 : ( عن عمرو بن أبي قرة قال : كان حذيفة بالمدائن ، فكان يذكر أشياء قالها رسول الله ( ص ) لأناس من أصحابه في الغضب ، فينطلق ناس ممن سمع ذلك من حذيفة فيأتون سلمان فيذكرون له قول حذيفة ، فيقول سلمان : حذيفة أعلم بما يقول ، فيرجعون إلى حذيفة فيقولون له : قد ذكرنا قولك لسلمان فما صدقك ولا كذبك .
فأتى حذيفة سلمان وهو في مَبْقَلة فقال : يا سلمان ما يمنعك أن تصدقني بما سمعت من رسول الله ( ص ) ؟ فقال سلمان : إن رسول الله ( ص ) كان يغضب فيقول في الغضب لناس من أصحابه ، ويرضى فيقول في الرضا لناس من أصحابه ! أما تنتهي حتى تورث رجالاً حبَّ رجال ورجالاً بغضَ رجال ، وحتى توقع اختلافاً وفرقة ؟ ولقد علمت أن رسول الله ( ص ) خطب فقال : أيما رجل من أمتي سببته سبَّةً أو لعنته لعنةً في غضبي فإنما أنا من ولد آدم أغضب كما يغضبون ، وإنما بعثني رحمة للعالمين فاجعلها عليهم صلاة يوم القيامة . والله لتنتهين أو لأكتبن إلى عمر ) . انتهى .
فهذه الحادثة التي وقعت في المدائن في عهد عمر ، بين اثنين من كبار الصحابة ، تدل على أن حذيفة الذي أجمع المسلمون على أنه صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وآله وأنه كان يعرف أسماء المنافقين ، كان يروي أحاديث غضب النبي صلى الله عليه وآله على بعض أصحابه ولعنه إياهم ، وأنها كانت أحاديث خطيرة بحيث لو عرفها المسلمون لتبرؤوا من أولئك الصحابة ، وأن سياسة عمر كانت تحريم روايتها
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 27 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
تحريماً مشدداً ، إلى حد أن الوالي الذي يرويها يتعرض لغضب الخليفة وعقوبته عزله ، حتى لو كان من وزن حذيفة أمين رسول الله صلى الله عليه وآله ! فسياسة عمر كانت التغطية المشددة على الممدوحين والملعونين على لسان النبي صلى الله عليه وآله ! !
أما الحديث الذي نسبته الرواية إلى النبي صلى الله عليه وآله عن لسان سلمان رحمه الله ( إن رسول الله ( ص ) كان يغضب فيقول في الغضب لناس من أصحابه ، ويرضى فيقول في الرضا لناس من أصحابه ) ! فسوف تعرف أنه موضوع وأن النبي صلى الله عليه وآله لا ينطق عن الهوى وأن الملعونين على لسان الأنبياء عليهم السلام محكومٌ عليهم من الله تعالى بالطرد الأبدي من رحمته لعصيانهم وطغيانهم ، وأن اللعن الإلهي لا يمكن رفعه .
بل يفهم من الآيات والأحاديث أن لعنة الأنبياء عليهم السلام تجري في ذرية الملعون إلى يوم القيامة ، فهو يبلغ حداً ينضب صلبه من الخير ويختار أولاده طريق الشر !
وهذا ما يفسر لنا تشاؤم العرب من الملعون ، فقد تشاءم عمر من ناقة لعنها بدوي ! فكيف بمن لعنه رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ ! روى في كنز العمال : 3 / 877 ( عن أبي عثمان قال : بينما عمر يسير ورجل على بعير له فلعنه ، فقال من هذا اللاعن ؟ قالوا : فلان قال : تخلف عنا أنت وبعيرك ، لا تصحبنا راحلة ملعونة ) ! !
إن رواية أبي داود وأمثالها تدل على أن السبب الحقيقي في منع كتابة الحديث النبوي والتحديث ، هو التغطية على الذين غضب عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله ولعَنَهُم ، والتغطية على مَن مدحهم وأمرَ الصحابة والأمة باتباعهم ! وهذا واضح من قوله : ( حتى تورث رجالاً حبَّ رجال ، ورجالاً بغضَ رجال ، وحتى توقع اختلافاً وفرقة ) ، وأن الموضوع يتصل بأناس من وزن أهل البيت عليهم السلام ورجال السلطة كعمر وأبي بكر ! وهذا يستوجب إعادة النظر في أصل شرعية السلطة وشخصياتها ! !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 28 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأسئلة
1 - أليس من حق المسلمين أن يعرفوا موقف نبيهم صلى الله عليه وآله من صحابته ، وقد بينه لهم وأبلغهم إياه وأمرهم بإبلاغه ؟ فلماذا كتمه أبو بكر وعمر ، ونهيا عن كتابته وروايته ، والله تعالى يقول : إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ . ؟ !
2 - هل يستحق الصحابة الملعونون على لسان رسول الله صلى الله عليه وآله أن ترتكب السلطة تغييب السنة النبوية للتغطية عليهم ، وتتهم رسولَ الله صلى الله عليه وآله من أجلهم بأنه أخطأ في ذمهم ولعنهم ، كما أخطأ في مدح غيرهم من عترته عليهم السلام وشيعتهم ، وتفتري عليه بأنه يقول في الغضب والرضا غير الحق ، وهي تقرأ قول الله تعالى : وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ، إِنْ هُوَ إلا وَحْيٌ يُوحَى . ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 29 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة 115 : تفنيد ما زعموه من أعذار لتغييب السنة !

يرجع ما ذكره أبو بكر وعمر وأتباعهما ، في الدفاع عن منعهما من كتابة سنة النبي صلى الله عليه وآله وروايتها ، إلى ثلاثة أمور :
الأول : أن هدفهما التثبت ومنع الكذب في التحديث عن النبي صلى الله عليه وآله ، وقد اعتذر بذلك أبو بكر ، ثم اعتذروا به عن عمر .
الثاني : الخوف من انشغال الناس بالحديث عن القرآن . وقد ذكره عمر في أوائل خلافته .
الثالث : الخوف من اختلاط الحديث النبوي بالقرآن . وقد اعتذر به عمر ، ولعله في أواخر خلافته ، حيث كثر انتقاد الصحابة لسياسة منع التحديث !
* *
الأسئلة
1 - لماذا لم يرد عذر التثبت من الحديث إلا على لسان أبي بكر ، ولم يؤكد عليه عمر ، بل لم يذكره أبداً في حيثيات حكمه ؟
2 - إذا كان غرض السلطة التثبت في رواية الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله ، فلماذا لم تستعمل الطرق الطبيعية لتعليم الصحابة كيف يتثبتون ، فتعلن مثلاً أن يحضر كل من يحفظ حديثاً أو عنده شئ مكتوبٌ من السنة ، إلى دار الخلافة ، ثم تكلف شخصاً أو هيئة للتثبت وطلب الشهود على كل حديث .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 30 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فهل خفي عليها ذلك حتى قامت بإحراق السنة وحرَّمت كتابتها وروايتها ؟ !
وقد قالت إنها استعملته في القرآن ؟ أم أنها لم تكن تريد سنة النبي صلى الله عليه وآله أصلاً ، فجمعتها لكي تحرقها ! أما أنها كانت تريد الإنتقاء فتأخذ بعضها وتغيب بعضها ؟ !
3 - إن أبا بكر لم يكتف بحرق ما جمعه من مدونات الصحابة من السنة ، بل نهى عن الحديث كلياً ، وأمر المسلمين أن يكتفوا بما حلله القرآن وحرمه فقط ، وهذا يكشف عن رفضه للسنة كلياً ، بحجة أن فيها أحاديث مختلفاً فيها !
قال في تذكرة الحفاظ : 1 / 2 عن أبي بكر : ( جمع الناس بعد وفاة نبيهم فقال : إنكم تحدثون عن رسول الله ( ص ) أحاديث تختلفون فيها والناس بعدكم أشد اختلافاً ، فلا تحدثوا عن رسول الله شيئاً ! ! فمن سألكم فقولوا بيننا وبينكم كتاب الله فاستحلوا حلاله وحرموا حرامه ) ! انتهى .
فكيف تجمعون بين قول أبي بكر : فلا تحدثوا عن رسول الله شيئاً ! ( تذكرة الحفاظ : 1 / 2 ) ، وقولكم عن النبي صلى الله عليه وآله : حدثوا عن أهل الكتاب ولاحرج ! أليس معنى ذلك رفض سنة النبي صلى الله عليه وآله التي هي نصف الإسلام ، واستيراد سنة اليهود والنصارى بدلها ؟ !
4 - كيف تقولون إن عمر منع عن كثرة التحديث وليس عن أصله ، مع أن قراراته بالمنع جاءت نهياً وزجراً مطلقاً بدون تعليل ! وقد صرح قرظة بأن عمر نهاهم عن الحديث ومنعهم منه منعاً باتاً ، لكي لا يشغلوا الناس به عن القرآن !
5 - إن مقولة عمر ( جرِّدوا القرآن ) وإيهامه الناس بأن الحديث يشغلهم عن القرآن غير صحيح ، لأن غرضه إما ضرورة التوازن في صرف المسلمين أوقاتهم بين القرآن والسنة ، وإما المحافظة على فهم القرآن وعدم تشويشه بالسنة .
وترك التحديث عن النبي صلى الله عليه وآله ليس علاجاً لأي من المشكلتين ؟ ! فمسألة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 31 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الوقت - على أنها بعيدة عن قصد عمر - علاجها بتوجيه قسم من المسلمين إلى الاهتمام بالقرآن وتعليمه ، وقسم آخر إلى السنة .
ومسألة التشويش على فهم القرآن علاجها بأن يعين عمر مفسرين موثوقين عنده ، عايشوا نزول القرآن وتفسير النبي صلى الله عليه وآله لآياته ، يقومون بتفسير القرآن للمسلمين بالأحاديث التي يرتضيها عمر .
لكن مقصوده الحقيقي هو أن يترك المسلمون السنة ، ويقرؤوا القرآن ولو من غير فهم ، ولا يسألوا عن معاني آياته ، ولا يفسروها حتى بأحاديث النبي صلى الله عليه وآله !
ويؤيد ذلك منعه المسلمين من السؤال عن معاني آيات القرآن كما في قصة صبيغ التميمي وغيره ! وهذه سياسة التجهيل بدل التعليم ! والكتمان بدل التبليغ !
6 - أما مقولة اختلاط السنة بالقرآن ، فلو قالها غير عمر لسخر منه العلماء وقالوا هذا امتهانٌ للعقل ! فالقرآن والسنة مقولتان متميزتان ، وقد كانا معاً ولم يختلطا ولم يشتبها ، حتى عند متوسطي الثقافة والمعرفة ، فضلاً عن العلماء والفقهاء !
ولكن كلامه صار عند محبيه عذراً مقبولاً لمجرد أنه صدر عن عمر ! وصاروا يبحثون عن وجه معقول لكلام غير معقول ! ومثله قول عمر ومن وافقه : نزل القرآن على سبعة أحرف ! وأن النبي صلى الله عليه وآله قصد ألفاظه لا معانيه ، فما زال محبوه إلى يومنا يبحثون عن السبعة أشكال التي نزل فيها القرآن من عند الواحد الأحد !
قال الباحث المصري محمود أبو رية تعليقاً على عذر اختلاط السنة بالقرآن ، في كتابه أضواء على السنة المحمدية ص 50 : ( وهو سبب لا يقتنع به عاقل عالم . . اللهم إلا إذا جعلنا الأحاديث من جنس القرآن في البلاغة ، وأن أسلوبها في الإعجاز من أسلوبه ! وهذا ما لا يقره أحد حتى الذين جاءوا بهذا الرأي ، إذ معناه إبطال
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 32 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
معجزة القرآن وهدم أصولها من القواعد . . . وبين الحديث والقرآن ولا ريب فروق كثيرة يعرفها كل من له بصر بالبلاغة وذوق في البيان . . . على أن هذا السبب الذي يتشبثون به قد زال بعد أن كتب القرآن في عهد أبي بكر على ما رووه ، وبعد أن نسخ في عهد عثمان ووزعت منه نسخ على الأمصار ، وأصبح من العسير بل من المستحيل أن يزيدوا على القرآن حرفاً واحداً . . . ) . انتهى .
فما رأيكم ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 33 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة 116 : دفاع ابن حبان عن أبي بكر وعمر في تغييب السنة ؟

من أقدم المدافعين عن تغييب أبي بكر وعمر لسنة النبي صلى الله عليه وآله ، محمد بن حبَّان البستي الخراساني توفي سنة 354 ، قال في كتابه المجروحين : 1 / 33 :
( أخبرنا عبد الملك بن محمد قال : سمعت عباس بن محمد يقول : سمعت يحيى بن معين يقول : لو لم نكتب الحديث من ثلاثين وجهاً ما عقلناه .
قال أبو حاتم ( يقصد نفسه ابن حبان ) : فهذا عناية هذه الطائفة ( يعني أهل السنة والجماعة وقد تسموا بذلك في عهد معاوية ) بحفظ السنن على المسلمين ، وذب الكذب عن رسول رب العالمين ، ولولاهم لتغيرت الأحكام عن سننها ، حتى لم يكن يعرف أحد صحيحها من سقيمها ، والملزق بالنبي ( ص ) والموضوع عليه ، مما رويَ عن الثقات والأئمة في الدين .
فإن قال قائل : فكيف جَرَحْتَ مَنْ بعد الصحابة ؟ وأبيتَ ذلك في الصحابة ، والسهوُ والخطأ موجودٌ في أصحاب رسول الله ( ص ) كما وجد فيمن بعدهم من المحدثين ؟ يقال له : إن الله عز وجل نزَّه أقدار أصحاب رسوله عن ثلب قادح ، وصان أقدارهم عن وقيعة متنقص ، وجعلهم كالنجوم يقتدى بهم . . . فالثلب لهم غير حلال ، والقدح فيهم ضد الإيمان ، والتنقيص لأحدهم نفس النفاق ، لأنهم خير الناس قرناً بعد رسول الله ، بحكم من وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ، إِنْ هُوَ إلا وَحْيٌ يُوحَى ( ص ) . وإن من تولى رسول الله إيداعهم ما ولاه الله بيانه الناس ، لبالحري من أن لا يجرح ، لأن رسول الله لم يودع أصحابه الرسالة وأمرهم أن يبلغ الشاهد الغائب إلا وهم عنده صادقون جائزوا الشهادة ، ولو لم يكونوا كذلك لم يأمرهم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 34 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بتبليغ من بعدهم ما شهدوا منه ، لأنه لو كان كذلك لكان فيه قدحاً في الرسالة . وكفى بمن عدله رسول الله شرفاً ! وإن من بعد الصحابة ليسوا كذلك ، لأن الصحابي إذا أدى إلى من بعده يحتمل أن يكون المبلغ إليه منافقاً أو مبتدعاً ضالاً ينقص من الخبر أو يزيد فيه ، ليضل به العالم من الناس ، فمن أجله ما فرقنا بينهم وبين الصحابة ، إذ صان الله عز وجل أقدار الصحابة عن البدع والضلال ! ) .
وقال في : 1 / 34 : ( ذكر بعض السبب الذي من أجله منع عمر بن الخطاب الصحابة من إكثار الحديث : حدثنا عمر بن محمد الهمداني قال : . . . عن قرظة بن كعب قال : خرجنا نريد العراق فمشى معنا عمر بن الخطاب إلى صرار فتوضأ ثم قال : أتدرون لم مشيت معكم ؟ قالوا : نعم نحن أصحاب رسول الله ( ص ) مشيت معنا . قال : إنكم تأتون أهل قرية لهم دويٌّ بالقرآن كدويِّ النحل ، فلا تصدوهم بالأحاديث ، جردوا القرآن ، وأقلوا الرواية عن رسول الله ( ص ) ، إمضوا وأنا شريككم ! فلما قدم قرظة قالوا : حدثنا قال : نهانا عمر بن الخطاب !
قال أبو حاتم : لم يكن عمر بن الخطاب - وقد فعل - يتهم الصحابة بالتقول على النبي ( ص ) ولا ردَّهم عن تبليغ ما سمعوا من رسول الله ، وقد علم أنه قال : ليبلغ الشاهد منكم الغائب ، وأنه لا يحل لهم كتمان ما سمعوا من رسول الله ، ولكنه علم ما يكون بعده من التقول على رسول الله ، لأنه قال : إن الله تبارك وتعالى نزل الحق على لسان عمر وقلبه ! وقال : إن يكن في هذه الأمة محدثون فعمر منهم ! فعمر من الثقات المتقين ، الذين شهدوا الوحي والتنزيل ، فأنكر عليهم كثرة الرواية عن النبي ( ص ) ! ! انتهى .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 35 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأسئلة
1 - ما رأيكم في افتخار ابن حبان بأن طائفته أهل السنة قد اهتموا بتدوين السنة ولولاهم لضاعت ! ويقول إنه لا يصح الإشكال على عمر بأنه نهى عن كتابتها وعن التحديث وحبس الصحابة بسبب ذلك ، وأحرق المكتوب من السنة ، وأمر ولاته في أرجاء الدولة الإسلامية أن يمحوا ما كتبه المسلمون منها . . . ! الخ . لأن عمر ومن تبعه من الصحابة معصومون ، بدليل أن النبي صلى الله عليه وآله سلمهم أمانة الرسالة وأوصى بهم وهو لا ينطق عن الهوى ، فأمرُه أمرُ الله تعالى ونهيُه نهيُ الله تعالى ، ومجرد تزكيته صلى الله عليه وآله لصحابته وتسليمهم أمانة الرسالة للأجيال ، تجعلهم عدولاً معصومين وتجعل عملهم حجة ، فيجب أن نتبعهم ونقدسهم ، سواء دونوا السنة أم حرموا الأمة من تدوينها ، أم أحرقوا المدون منها ! وسواء رووها أم منعوا من روايتها وعاقبوا من رواها !
وكأن ابن حبان أصيب بغرام الصحابة فقرأ وصية النبي صلى الله عليه وآله للأمة : إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي . . . قرأها : وصحابتي ! ! وإلا فما دليله على أن النبي صلى الله عليه وآله ترك الإسلام أمانة بأيدي أبي بكر وعمر ؟ ! وكيف لم يدعيا هما ذلك مع شدة حاجتهما اليه في السقيفة ، وعندما نهيا الأمة عن التحديث والتدوين ؟ !
وما قيمة ما رواه عن النبي صلى الله عليه وآله أحاديث مكذوبة في عصمة عمر ، لم يروها عمر نفسه ، ولا احتج به في تصحيح أعماله عندما كان الصحابة يخطئونه ؟ !
وكيف جعل ابن حبَّان نفسه أفهم من الصحابي قرظة بن كعب ، فزعم أن عمر نهاهم عن نوع من الأحاديث دون غيرها ، أو نهاهم عن كثرة التحديث ، والحديث الصحيح عندهم يقول : ( فلما قدم قرظة قالوا : حدثنا قال : نهانا عمر بن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 36 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الخطاب . . . قال قرظة : وإن كنت لأجلس في القوم فيذكرون الحديث عن رسول الله ( ص ) وإني لمن أحفظهم له ، فإذا ذكرت وصية عمر سكتت ! قال : فما حدثت بشئ ، وقد سمعت كما سمع أصحابي ) ! !
لكن ابن حبان من أولئك الذين يجعلون الأسود أبيض كالثلج ، من أجل عمر !
2 - لو سألنا ابن حبان : إن الصحابة الذين زعمتم أن النبي صلى الله عليه وآله ألزم الأمة بأخذ الدين منهم وطاعتهم ، قد اختلفوا على آراء متناقضة لا يمكن الجمع بينها ، فقد حبس بعضهم بعضاً ، وسبَّ بعضهم بعضاً ، وتبرأ بعضهم من بعض ، وكفَّر بعضهم بعضاً ، وقتل بعضهم بعضاً . . ! فهل يعقل أن يعطي الله الحكيم تعالى ورسوله الرحيم صلى الله عليه وآله أمانة الرسالة بيد أناس من هذا النوع ؟ !
هل تجيبون على ذلك بأنهم جميعاً معصومون عن الخطأ مهما عملوا فيلزم منه أن الله أنزل ديناً على نبي ، وسلمه إلى صحابته المتناقضين المتناحرين ؟ !
أو تقولون إذا اختلفوا فالحق مع عمر ومن تبعه ، لأن الله أجرى الحق على لسان عمر ! وإن اقتتلوا وتبرأ بعضهم من بعض ولعن بعضهم بعضاً فيجب علينا أن نتولى عمر ، ومن رضي عنه عمر ونترك الباقين ؟ فيكون مقصودكم من عدالة الصحابة : عمر فقط ، ويكون له حق النقض عليهم ، ويكون معنى : إن الله ورسوله سلماً أمانة الرسالة إلى الصحابة ، أنهما سلماها إلى عمر وحده ؟ ! !
بل يكون لعمر عندكم حق نقض أوامر رسول الله صلى الله عليه وآله ! لأنكم دافعتم عن نقضه أمر النبي صلى الله عليه وآله لصحابته بتبليغ أحاديثه ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 37 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة 117 : دفاع الذهبي عن أبي بكر وعمر في تغييب السنة

من أكثر المتحمسين في الدفاع عن تغييب أبي بكر وعمر للسنة ، الحافظ الذهبي المتوفي سنة 748 ، قال في تذكرة الحفاظ : 1 / 2 : ( أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أفضل الأمة ، وخليفة رسول الله ( ص ) . . . أن الصديق جمع الناس بعد وفاة نبيهم فقال : إنكم تحدثون عن رسول الله ( ص ) أحاديث تختلفون فيها ، والناس بعدكم أشد اختلافاً ، فلا تحدثوا عن رسول الله شيئاً ! فمن سألكم فقولوا بيننا وبينكم كتاب الله ، فاستحلوا حلاله وحرموا حرامه .
فهذا المرسل يدلك أن مراد الصديق التثبت في الأخبار والتحري ، لا سدُّ باب الرواية ، ألا تراه لمَّا نزل به أمر الجدة ولم يجده في الكتاب ، كيف سأل عنه في السنة ، فلما أخبره الثقة ما اكتفى حتى استظهر بثقة آخر ، ولم يقل حسبنا كتاب الله كما تقوله الخوارج . . . نعم ، فرأس الصادقين في الأمة الصديق وإليه المنتهى في التحري في القول وفي القبول .
وقد نقل الحاكم فقال . . . قالت عائشة : جمع أبي الحديث عن رسول الله ( ص ) وكانت خمسمائة حديث ، فبات ليلته يتقلب كثيراً قالت فغمني فقلت : أتتقلب لشكوى أو لشئ بلغك ؟ فلما أصبح قال : أيْ بنيَّه ، هلمي الأحاديث التي عندك فجئته بها ، فدعا بنار فحرقها ، فقلت لم أحرقتها ؟ قال خشيت أن أموت وهي عندي فيكون فيها أحاديث عن رجل قد ائتمنته ووثقت ولم تكن كما حدثني ، فأكون قد نقلت ذاك . فهذا لا يصح والله أعلم ) . انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 38 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولم يذكر الذهبي علة رده لحديث الحاكم وقوله لا يصح ! ومن عادته أن يرد ما صح عنده بلا سبب ، بل دفعاً بالصدر كما يقولون ، من أجل الدفاع عن أبي بكر وعمر ، فقط لا غير ! وهل يريد الذهبي أكثر صراحة من حديثه المرسل الذي ارتضاه هو عن أبي بكر في منع السنة وفيه : ( فلا تحدثوا عن رسول الله شيئاً ! فمن سألكم فقولوا بيننا وبينكم كتاب الله فاستحلوا حلاله وحرموا حرامه ) !
كما أن الذهبي نسيَ أن شعار ( كتاب الله حسبنا ) قبل أن يكون شعار الخوارج كان شعاراً لعمر وأبي بكر ، وأنه رفعه في وجه النبي صلى الله عليه وآله ، وأن أبا بكر وغيره أيدوه وصاحوا : القول ما قاله عمر ! وأن ذلك مروي ببضع روايات في البخاري ، وبأكثر منها صراحةً في غيره ! ( قال عمر : إن النبي غلبه الوجع وعندنا كتاب الله حسبنا ، فاختلفوا وكثر اللغط ! قال : قوموا عني ولا ينبغي عندي التنازع ! فخرج ابن عباس يقول إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله وبين كتابه ) ! ( البخاري : 1 / 37 )
ثم قال الذهبي :
( أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ، أبو حفص العدوي ، الفاروق وزير رسول الله ( ص ) ، ومن أيد الله به الإسلام وفتح به الأمصار ، وهو الصادق المحدَّث الملهم ، الذي جاء عن المصطفى ( ص ) أنه قال : ( لو كان بعدي نبي لكان عمر ) الذي فر منه الشيطان وأُعْلِيَ به الإيمان وأُعْلِنَ الأذان . قال نافع بن أبي نعيم ، عن نافع ابن عمر قال : قال النبي صلى الله عليه وآله : إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه .
فيا أخي إن أحببت أن تعرف هذا الإمام حق المعرفة ، فعليك بكتابي ( نعم السَّمَر في سيرة عمر ) فإنه فارق فيصل بين المسلم والرافضي ! فوالله ما يغض من عمر إلا جاهل دائص ، أو رافضي فاجر ، وأين مثل أبي حفص ؟ فما دار الفلك على مثل شكل عمر ، وهو الذي سنَّ للمحدثين التثبت في النقل وربما كان
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 39 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يتوقف في خبر الواحد إذا ارتاب ، فروى الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد : أن أبا موسى سلم على عمر من وراء الباب ثلاث مرات فلم يؤذن له ، فرجع فأرسل عمر في أثره فقال لم رجعت ؟ قال سمعت رسول الله ( ص ) يقول : إذا سلم أحدكم ثلاثاً فلم يجب فليرجع . قال لتأتيني على ذلك بينة أو لأفعلن بك ! فجاءنا أبو موسى منتقعاً لونه ونحن جلوس فقلنا ما شأنك ؟ فأخبرنا وقال : فهل سمعه أحد منكم ؟ فقلنا نعم ، كلنا سمعه فأرسلوا معه رجلاً منهم حتى أتى عمر فأخبره .
أحبَّ عمر أن يتأكد عنده خبر أبي موسى بقول صاحب آخر ، ففي هذا دليل عن أن الخبر إذا رواه ثقتان كان أقوى وأرجح مما انفرد به واحد ، وفي ذلك حض على تكثير طرق الحديث لكي يرتقى عن درجة الظن إلى درجة العلم ، إذ الواحد يجوز عليه النسيان والوهم ، ولا يكاد يجوز ذلك على ثقتين لم يخالفهما أحد . وقد كان عمر من وجله أن يخطئ الصاحب على رسول الله صلى الله عليه وآله يأمرهم أن يقلوا الرواية عن نبيهم ، ولئلا يتشاغل الناس بالأحاديث عن حفظ القرآن .
وقد روي عن شعبة وغيره ، عن بيان الشعبي ، عن قرظة بن كعب قال : لما سيَّرنا عمر إلى العراق مشى معنا عمر وقال : أتدرون لم شيعتكم ؟ قالوا نعم تكرمة لنا . قال : ومع ذلك إنكم تأتون أهل قرية لهم دويٌّ بالقرآن كدوي النحل ، فلا تصدوهم بالأحاديث فتشغلوهم . جردوا القرآن وأقلوا الرواية عن رسول الله ، وأنا شريككم ! فلما قدم قرظة بن كعب قالوا حدثنا فقال : نهانا عمر رضي الله عنه !
. . . عن أبي هريرة قلت له : أكنت تحدث في زمان عمر هكذا ؟ فقال : لو كنت أحدث في زمان عمر مثل ما أحدثكم ، لضربني بمخفقته !
. . . عن سعد بن إبراهيم ، عن أبيه أن عمر حبس ثلاثة : ابن مسعود وأبا الدرداء وأبا مسعود الأنصاري ، فقال قد أكثرتم الحديث عن رسول الله ( ص ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 40 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ابن علية عن رجاء بن سلمة قال : بلغني أن معاوية كان يقول : عليكم من الحديث بما كان في عهد عمر ! فإنه كان قد أخاف الناس في الحديث عن رسول الله ( ص ) . انتهى .
شحن الذهبي كلامه كما ترى بتأجيج عاطفة حب عمر التي تربى عليها السنيون ، وبُغضهم للرافضة الذي تربوا عليه ، لأن الرافضة لا يقبلون أعذار عمر لتعطيل السنة ، ولا يقبلون ما سطره محبوه من أسرار الحكمة الإلهية في فعله ، وأنه مسددٌ معصومٌ في كل أقواله وأفعاله حتى في تعطيل سنة رسول الله صلى الله عليه وآله !
وهذا يدل على أن الذهبي وهو باحث متتبع إمام عندهم ، ليس لديه ما يدافع به عن أبي بكر ولا عمر إلا العاطفة ! لكن هل سيتخذ نفس الموقف إذا وجد في تاريخ الأنبياء عليهم السلام أن أحد الحكام بعد إبراهيم أو بعد موسى أو سليمان عليهما السلام منع أمته من تدوين أحاديثه وروايتها ، وهل سيدافع عنه بالعاطفة ؟ !
بل ما هو موقفه لو أن عثمان أو علياً عليه السلام أو حاكماً مسلماً بعد عمر ، منع المسلمين من رواية أحاديث عمر وسيرته وفتاواه ، وعاقب على ذلك بحجة المحافظة على صحتها وسلامتها وإيصالها إلى الأجيال ؟ !
وهل سمعتم في التاريخ أن أصحاب نبي منعوا رواية سنته وتدوينها ، لشدة حرصهم عليها ! حتى ضاع كثير منها ، واختلط صحيحها بمكذوبها ؟ !
أو سمعتم أن ولداً من شدة محافظته على جواهر أبيه وحرصه على إيصالها سالمة إلى أحفاده ، أخفى مكانها ولم يخبر به أحداً ، حتى مات وضاع منها ما ضاع ، وحصل منها ما حصل غير سالم ؟ !
لا أدري بأي ذهن يفكر المدافعون عن سياسة تغييب السنة ومنع روايتها وتدوينها ؟ وهل يخفى عليهم ذلك ، أم يتصورون أنه كان خافياً على الخلفاء ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 41 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كلا . . ولكنه التعصب للأشخاص يُعمي عن السواطع ، ويصمُّ عن القوارع !
وعلى هذا التعصب قام تاريخ ، وبنيت ثقافة وتربت أجيال . . إلا من عصم الله .
أما نحن فنحب رسول الله صلى الله عليه وآله حباً مطلقاً غير مشروط ، وأما غيره فنحبُّهم حباً مشروطاً بأن لا يصطدم مع بدائه العقل ، فإذا اصطدم نكون مع عقولنا ! ومشروطاً بأن لا يصطدم مع أمر النبي صلى الله عليه وآله ونهيه ، فإذا اصطدم فنحن مع النبي صلى الله عليه وآله لاغير !
أيها المسلم ، يكفيك أثقالٌ حملتها بالوراثة فكلفت نفسك تبرير أعمال الصحابة المتناقضة ، دون أن يكلفك بذلك الله تعالى ولا رسوله صلى الله عليه وآله !
وحسبتها جزءً من الدين ، وما أنزل الله بها من الدين !
وحاشا الله تعالى أن يكلف المسلمين باتباع جماعة متضاربين !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 42 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأسئلة
1 - يؤكد الذهبي على جانب واحد هو أن أبا بكر وعمر عمل ما عملاه من إحراق أحاديث النبي صلى الله عليه وآله ومحوها ، ومنع الناس من كتابتها ، ومنع الصحابة من تحديث الناس عن نبيهم صلى الله عليه وآله . . من أجل الحفاظ على سنة النبي صلى الله عليه وآله وإيصالها إلى الأجيال سالمة كاملة ! فكيف تفسرون ذلك ؟ !
2 - كيف يفسر الذهبي ما رواه الشافعي في مسنده ص 390 وص 420 ، وفي كتاب الأم : 7 / 16 و 303 : ( عن عبيد الله بن أبي رافع ، عن أبيه قال : قال رسول الله ( ص ) : لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته ، يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول : ما ندري ، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه ! ؟
ورواه في كنز العمال : 1 / 173 بلفظ : ( ألا هل عسى رجل يبلغه الحديث عني وهو متكئ على أريكته فيقول : بيننا وبينكم كتاب الله ، فما وجدنا فيه حلالاً استحللناه وما وجدنا فيه حراماً حرمناه ! وإن ما حرم رسول الله كما حرم الله ) .
وفي ص 194 بلفظ : ( عسى أحدكم أن يكذبني وهو متكئ على أريكته ! يبلغه الحديث عني فيقول : ما قال ذا رسول الله ! دع هذا وهات ما في القرآن ! ) . انتهى .
وإذا لم تنطبق هذه الأحاديث على أبي بكر وعمر ، فعلى من تنطبق ؟ !
3 - بماذا تفسرون قول الذهبي : ( فما دار الفلك على مثل شكل عمر ) ؟ ! هل يقصد أنه متفرد بجماله المادي والمعنوي على كل العالم ، فلا يوجد له نظير تحت أفلاك السماء ، حتى من الصحابة والأنبياء عليهم السلام ؟ !
4 - قال الذهبي : ( وهو الذي سنَّ للمحدثين التثبت في النقل ، وربما كان يتوقف في خبر الواحد إذا ارتاب ، فروى الجريري عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد : أن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 43 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أبا موسى سلَّمَ على عمر من وراء الباب ثلاث مرات فلم يؤذن له ، فرجع فأرسل عمر في أثره فقال : لم رجعت ؟ قال سمعت رسول الله يقول : إذا سلم أحدكم ثلاثاً فلم يجب فليرجع . قال لتأتيني على ذلك ببينة ، أو لأفعلن بك ) ! انتهى .
أقول : لابد أن نحمل عمل عمر على أنه تأديبٌ لصديقه أبي موسى الأشعري ، في مرة من مرات عدم رضاه عليه ! ولا يمكن أن نحمله على أنه كان يتثبت من أحاديث الآحاد ، وهو الذي نهى عن أصل التحديث عن النبي صلى الله عليه وآله حتى مع التثبت ، وعاقب عليه بالجلد والسجن ؟ ! وهو الذي قَبِل من أبي بكر حديثاً لم يروه أحد غيره ، وخصص به عموم القرآن ، عندما رفض أبو بكر أن يعطي الزهراء عليهما السلام إرثها من النبي صلى الله عليه وآله وادعى أن النبي صلى الله عليه وآله مستثنى من آيات الإرث ، وأنه سمعه يقول : نحن معاشر الأنبياء لا نورث ! فلم يقل له عمر : ( لتأتيني على ذلك ببينة أو لأفعلن بك ) !
قال الغزالي في المستصفى ص 249 : ( وكلام من ينكر خبر الواحد ولا يجعله حجة في غاية الضعف ، ولذلك تُرك توريث فاطمة رضي الله عنها بقول أبي بكر : نحن معاشر الأنبياء لا نورث . . الحديث ) !
وقال في المنخول ص 252 : ( قالت المعتزلة : لا يخصص عموم القرآن بأخبار الآحاد ، فإن الخبر لا يقطع بأصله بخلاف القرآن .
وقالت الفقهاء يخصص به لأنه يتسلط على فحواه ، وفحواه غير مقطوع به .
قال القاضي : أنا أتوقف فيه ، إذ ظاهر القرآن مقطوع الأصل غير مقطوع الفحوى ، ونص أخبار الآحاد مقطوع الفحوى غير مقطوع الأصل . والمختار أنه يخصص ، لعلمنا أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يقبلون حديثاً نصاً ينقله إليهم الصدِّيق في تخصيص عموم القرآن ، كيف وكانوا يقبلون نقل التفسير من الآحاد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 44 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وهو أعظم من التخصيص ، ولما أن هموا بقسمة تركة رسول الله ( ص ) نقل أبو بكر عنه أنه قال : نحن معاشر الأنبياء لا نورث ، فتركوه ، وإن كانت آية الوراثة تشمله بعمومها ) ! !
وقال الرازي في المحصول : 3 / 86 : ( أجمعت الصحابة على تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد ، وبينوه بخمس صور ، إحداها : أنهم خصصوا قوله تعالى : يوصيكم الله في أولادكم . . . بما رواه الصديق أنه عليه الصلاة والسلام قال : نحن معاشر الأنبياء لا نورث ) . انتهى . فما رأيكم ؟ !
5 - قال الذهبي : ( ابن علية ، عن رجاء بن سلمة قال : بلغني أن معاوية كان يقول : عليكم من الحديث بما كان في عهد عمر ! فإنه كان قد أخاف الناس في الحديث عن رسول الله ) ! انتهى . فمعاوية يمدح عمر بمنعه التحديث عن النبي صلى الله عليه وآله ويقول إنه اختار أحاديث معينة سمح بها ، فعليكم بها دون غيرها مما حدَّث به الصحابة الذين كسروا سياسة المنع بعد عمر !
فهل تقبلون قول معاوية وتجعلون من شروط التصحيح أن يكون الحديث مروياً في زمن عمر ، ومسكوتاً عليه منه ؟
وإن فعلتم ذلك فهل يبقى شئ من أحاديثكم في فضائل عمر وأبي بكر وعثمان ومعاوية ، أم ترفضونها لأنها ظهرت بعد وفاتهم ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 45 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة 118 : إعطاؤهم عمر حق النقض على أحاديث النبي صلى الله عليه وآله ! !

أراد الشيخ رشيد رضا صاحب تفسير المنار أن يحقق قفزة في الدفاع عن تغييب أبي بكر وعمر للسنة النبوية ، فأغمض عينيه أولاً عن بدائه العقل في الكتابة والتدوين ، وعن تاريخ الدين الإلهي والأنبياء عليهم السلام والشعوب .
وأهمل ثانياً كل الأحاديث الآمرة بكتابة السنة ، كحديث عبد الله العاص ، وسنذكر طرفاً منها . ثم بحث ، وبحث . . فوجد بعض روايات عن النبي ( تنهى ) عن كتابة حديثه صلى الله عليه وآله ، فحمد الله عليها لأنها ترفع المسؤولية عن عاتق أبي بكر وعمر ، وتضعها على عاتق النبي صلى الله عليه وآله ، وتقول هو الذي نهى عن كتابة حديثه !
فأفتى رضا بترجيح روايات منع التدوين على روايات الأمر بالتدوين ، وجعل دليله فعل أبي بكر وعمر ! أي استدل بالمدعى عليه على إثبات الدعوى ! !
ثم بحث ، وبحث . . فجاء بفرية تخرُّ منها الجبال ! فزعم أن عمل أبي بكر وعمر يكشف أن لهما حق النقض على سنة رسول الله صلى الله عليه وآله ! !
قال في تفسيره ( : 10 / 766 و : 19 / 511 ، كما نقله عنه أبو رية في أضواء على السنة المحمدية ) : ( وقول عمر بن الخطاب عند الفكر في كتابة الأحاديث أو بعدم الكتابة مع كتاب الله في الرواية الأولى ، وقوله في الرواية الثانية بعد الاستشارة في كتابتها : والله إني لا أشوب كتاب الله بشئ أبداً .
وقولُ ابن عباس : كنا نكتب العلم ولا نكتبه . أي لا لأحد أن يكتب عنا .
ونهيه في الرواية الأخرى عن الكتابة . . .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 46 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ومحوُ زيد بن ثابت للصحيفة ثم إحراقها ، وتذكيره بالله من يعلم أنه توجد صحيفة أخرى في موضع آخر ولو بعيداً ، أن يخبره بها ليسعى إليها ويحرقها . . .
وقولُ سعيد بن جبير عن ابن عمر : إنه لو كان يعلم بأنه يكتب عنه لكان ذلك فاصلاً بينهما . ومحوُ عبد الله بن مسعود للصحيفة التي جاءه بها عبد الرحمن بن الأسود وعلقمة ، وقوله عند ذلك : إن هذه القلوب أوعية فاشغلوها بالقرآن ولا تشغلوها بغيره .
كل هذا الذي أورده ابن عبد البر ، وأمثاله مما رواه غيره ، كإحراق أبي بكر لما كتبه ، وعدم وصول شئ من صحف الصحابة إلى التابعين ، وكون التابعين لم يدونوا الحديث لنشره إلا بأمر الأمراء ، يؤيد ما ورد من أنهم كانوا يكتبون الشئ لأجل حفظه ، ثم يمحونه . . . وإذا أضفت إلى هذا ما ورد في عدم رغبة كبار الصحابة في التحديث بل في رغبتهم عنه ، بل في نهيهم عنه ، قويَ عندك ترجيح كونهم لم يريدوا أن يجعلوا الأحاديث ( كلها ) ديناً عاماً دائماً كالقرآن !
ولو كانوا فهموا من النبي أنه يريد ذلك لكتبوا ولأمروا بالكتابة ، ولجمع الراشدون ما كتب ، وضبطوا ما وثقوا به وأرسلوه إلى عمالهم ليبلغوه ويعملوا به ، ولم يكتفوا بالقرآن ) . انتهى .
فتأمل جيداً قوله : ( قويَ عندك ترجيح كونهم لم يريدوا أن يجعلوا الأحاديث ( كلها ) ديناً عاماً دائماً كالقرآن ) ! فالسر كله في رفض بعض السنة وقبول بعضها ! !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 47 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأسئلة
1 - نلاحظ أن هذا المفسر المثقف الناصبي ، وغيره من الذين احتجوا بأحاديث نهي النبي صلى الله عليه وآله عن كتابة حديثه ، لم يسألوا أنفسهم أنه لو صح أنه كانت توجد أثارة من علم عن النبي صلى الله عليه وآله تنهى عن رواية حديثه أو كتابته ، لتمسك بها أبو بكر وعمر مع شدة حاجتهم إليها !
مع أنا لا نجد شيئاً من ذلك رغم تتبع علمائهم لأعذارهم وحرصهم على تبرير فعلتهم ! فقد طلب أبو بكر من الناس أن يأتوه بما دونوه من سنة النبي صلى الله عليه وآله وجاؤوه به صادقين وهم لا يتصورون أنه سيحرقه ! وتأرق ليله كما تقول عائشة ، ثم قرر إحراقه بحجة وجوب التحقق من رواة الحديث النبوي !
فلو كان هناك أثارة من علم ، أو شبهة تنهى عن التدوين ، لاستند إليها وأراح نفسه ! ولو قلنا إنه لم يطلع عليها لأطلعه عليها الصحابة !
ولو وجد شئ من ذلك لقاله الصحابة لعمر عندما أشاروا عليه بتدوين السنة ، ولم يذكر أحد منهم ولا نصف رواية ، تزعم أن النبي صلى الله عليه وآله نهى عنه !
ألا يكفي ذلك للحكم بأن أحاديث النهي عن الكتابة قد وُضعت بعد قرار تغييب السنة ومنع كتابتها ، من أجل تبرير عمل أبي بكر وعمر ؟ !
أوَليس ذلك موجباً لأن يتوقف الباحث المنصف في أحاديث النهي ، ولا يعارض بها أحاديث الأمر بالتدوين ، كما ارتكب رشيد رضا ؟ !
2 - ما توصل اليه رشيد رضا من تتبعه لآراء ( كبار الصحابة ) في تدوين السنة وأنهم ( لم يريدوا أن يجعلوا الأحاديث كلها ديناً عاماً دائماً كالقرآن ) هو وصفٌ دقيق لحالة الشيخين وتحيرهما وتصرفاتهما المتضاربة تجاه سنة النبي صلى الله عليه وآله !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 48 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فقد أرادا أن يكون ( بعض ) سنة النبي صلى الله عليه وآله ديناً كالقرآن وليس ( كلها ) ! ولكنهما لم يجرؤا على إعلان ذلك خوفاً من أن يقرأ عليهما بعض الصحابة : ( أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ) ؟ ! ألم يقل لكم الله تعالى : ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) . ( الحشر : 7 ) ؟ ! !
نعم ، إنه لا تفسير لمواجهتما للنبي صلى الله عليه وآله لمنعه من كتابة وصيته ، ثم منعهما من تدوين سنته ، ثم مصادرتهما حرية الصحابة في تحديث الأمة عن نبيها صلى الله عليه وآله ، ثم تحديثهما هما عن النبي صلى الله عليه وآله . . الخ . إلا أنهما أرادا اختيار هذا ( البعض ) الذي يصلح أن يكون جزءاً من الدين ، واستبعاد ذلك ( البعض ) الذي لا يصلح ! ! وقد صرح بنحو ذلك عمر فقال للصحابة الذين حبسهم بجرم التحديث : ( أقيموا عندي ، لا والله لا تفارقوني ما عشت ! فنحن أعلم نأخذ ونرد عليكم ) . ( كنز العمال : 19 / 285 ) !
نعم إن الذي أفصح عنه رشيد رضا هو لبُّ المسألة ، وهو تحديد دائرة الدين وجعل هذا الشئ جزءً منه أو خارجاً عنه !
لكن الذي يملك هذا الحق في اعتقادنا نحن أتباع أهل البيت الطاهرين عليهم السلام هو فقط رسول الله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله ! لا عمر ، ولا علي ، ولا كل الصحابة ، ولا كل أهل الأرض أجمعين أكتعين !
ويظهر أن أتباع أبي بكر وعمر يعتقدون أن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله أعطيا هذا الحق للشيخين فصارا أمينين على الرسالة بعد النبي صلى الله عليه وآله ! وهذا يعني تأسيس دين جديد يكون فيه لأبي بكر وعمر حق النقض على أحاديث خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله ؟ ! ! فهل تعطون لهما حقاً لم يعطه الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وآله فقال : وَلَوْ تَقَوَلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيل . لأخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ . ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ . فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أحد عَنْهُ حَاجِزِينَ . ( الحاقّة : 43 - 46 ) ؟ ! !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 49 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
3 - ما دام الله تعالى أعطى بزعمكم لعمر بن الخطاب حق الحذف والإثبات في سنة النبي صلى الله عليه وآله ! فلا بد أن تضيفوا أصلاًً جديداً لأصول الإسلام وهو : عدم حجية سنة النبي صلى الله عليه وآله إلا ما أمضاه عمر وجعله جزءاً من الدين !
لكن كيف تعرفون ذلك بيقين ، والأحاديث عن عمر متفاوتة بل متناقضة ؟ ! فلا بد لكم من الاحتياط بترك السنة حتى تعلموا ما أمضاه منها عمر ! !
وبعبارة أخرى : لو فرضنا أن سنة النبي صلى الله عليه وآله عشرون ألف حديثاً ، ثابتاً قطعيَّ الصدور عنه صلى الله عليه وآله ، فبعضها جزءٌ من الدين وبعضها ليس منه ، وما لم تعلموا ذلك يقيناً يجب التوقف عن نسبة أي حديث منها ، حتى يثبت إمضاء عمر له !
فيكون المطلوب في البحث العلمي صحة السند إلى عمر ، لا إلى النبي صلى الله عليه وآله ! ويكون الميزان الشرعي ما قَبِلَهُ عمر من قول النبي ، وليس ما قاله النبي صلى الله عليه وآله ! ! ويكون الأصل عدم حجية قول النبي صلى الله عليه وآله حتى نعرف رأي عمر فيه ! !
وعلى هذا الأصل لا يسلم لكم من السنة حتى ربع صحيح البخاري !
وعليه ، فالأصح أن تسموا السنة سنة عمر وليس سنة النبي صلى الله عليه وآله ؟ ! لأنكم جعلتم حق طاعة عمر على الأمة أعظم من حق النبي صلى الله عليه وآله ، لأن طاعة النبي صلى الله عليه وآله في مثل قوله تعالى : وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ، مشروطة بأن لا يزيد في أوامر ربه حرفاً ولا ينقص منها حرفاً ، بينما وجوب طاعة عمر غير مشروط ، فله أن ينقص ما شاء من أحاديث النبي صلى الله عليه وآله ويمنع من العمل بها ! ! فأفصحوا وأعلنوها بأن عمر نبي فوق النبي صلى الله عليه وآله ! !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 50 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة 119 : أحاديث غيبوها عن البحث من أجل تبرير تغييب السنة !

أمر النبي صلى الله عليه وآله بكتابة أحاديثه الشريفة
روى البخاري في صحيحه : 1 / 36 : ( فجاء رجل من أهل اليمن فقال : أكتب لي يا رسول الله ، فقال : اكتبوا لأبي فلان ) .
وفي : 3 / 95 : ( فقام أبو شاه رجل من أهل اليمن فقال اكتبوا لي يا رسول الله ، فقال رسول الله ( ص ) : اكتبوا لأبي شاه . قلت للأوزاعي : ما قوله اكتبوا لي يا رسول الله ؟ قال هذه الخطبة التي سمعها من رسول الله ( ص ) . انتهى .
( ورواه في : 8 / 38 وأحمد في مسنده : 2 / 238 ، ومسلم : 4 / 110 و 111 ، وأبو داود : 1 / 448 و : 4 / 34 ، وص 177 و 368 ) . وجاء في هامش ص 76 : الذين كتبوا عبد الله بن عمرو ، وكان عنده صحيفة يسميها الصادقة . والترمذي : 4 / 146 ، وقال : هذا حديث حسن صحيح . وقد روى شيبان عن يحيى بن أبي كثير مثل هذا . والبيهقي في السنن : 8 / 52 ، والسيوطي في الدر المنثور : 1 / 122 .
وعقد الهيثمي في مجمع الزوائد : 1 / 150 ، باباً بعنوان ( باب كتابة العلم ) لم يرو فيه ما تقدم من البخاري ، وروى فيه أحاديث وآثاراً في تحريم كتابة السنة ، وفي الحث على كتابتها ، وضعَّفها ما عدا بعض الآثار .
وأولها : حديثٌ ظاهر الوضع لمصلحة عمر : عن ابن عباس وابن عمر قالا : خرج رسول الله ( ص ) معصوباً رأسه فرقى المنبر فقال : ما هذه الكتب التي يبلغني أنكم تكتبونها ، أكتاب مع كتاب الله ؟ ! يوشك أن يغضب الله لكتابه فيسري عليه ليلاً فلا يترك في ورقة ولا في قلب منه حرفاً إلا ذهب به ! فقال بعض من حضر
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 51 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
المجلس : فكيف يا رسول الله بالمؤمنين والمؤمنات ؟ قال من أراد الله به خيراً أبقى في قلبه لا إله إلا اله . رواه الطبراني في الأوسط وفيه عيسى بن ميمون الواسطي وهو متروك ، وقد وثقه حماد بن سلمة ) .
أقول : لو كان لهذا الحديث وجود لرفعه عمر علماً عندما تحير شهراً ! !
ثم روى الهيثمي حديثاً آخر مثله مكذوباً على أبي سعيد الخدري لمصلحة أبي بكر وعمر ، قال : كنا قعوداً نكتب ما نسمع من النبي ( ص ) فخرج علينا فقال : ما هذا تكتبون ؟ فقلنا : ما نسمع منك ، فقال : أكتاب مع كتاب الله ! امحضوا كتاب الله وأخلصوه ! قال فجمعنا ما كتبناه في صعيد واحد ، ثم أحرقناه بالنار ! فقلنا : أيْ رسولَ الله ، نتحدث عنك ؟ قال : نعم ، تحدثوا عني ولا حرج ، ومن كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار . قال قلنا : أيْ رسولَ الله ، أنتحدث عن بني إسرائيل ؟ قال : نعم ، تحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ، فإنكم لا تحدثون عنهم بشئ ، إلا وقد كان فيهم أعجب منه .
وقال الهيثمي : قلت : له حديث في الصحيح بغير هذا السياق ، رواه أحمد وفيه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهو ضعيف ، وبقية رجاله رجال الصحيح .
ثم روى حديثاً آخر مكذوباً أيضاً : عن أبي هريرة قال : قال رسول الله : لا تكتبوا عني إلا القرآن فمن كتب عني غير القرآن فليمحه ! وحدثوا عن بني إسرائيل ولاحرج ، فذكر الحديث . رواه البزار وفيه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهو ضعيف .
ثم روى أثراً عن أبي بردة بن أبي موسى وصححه ، قال : كتبت عن أبي كتاباً فقال لولا أن فيه كتاب الله لأحرقته ، ثم دعا بركن أو بإجانة فغسلها ثم قال عِ عني ما سمعت مني ولا تكتب عني ، فإني لم أكتب عن رسول الله كتاباً ، كدت أن تهلك أباك ! رواه الطبراني في الكبير والبزار بنحوه ، إلا أن البزار قال إحفظ كما حفظنا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 52 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عن رسول الله . ورجاله رجال الصحيح . انتهى .
ويكفي لرد هذا الأحاديث والحكم بأنها مكذوبة على رسول الله صلى الله عليه وآله ، أنه لو صح شئ منها لأخذه عمر قميص عثمان يوم فكر شهراً والصحابة يُلحُّون عليه في كتابة السنة ، ولَخَطَبَ به فوق المنبر مرات !
وأما أثر أبي موسى فلا قيمة له ، لأنه نهيٌ من أبي موسى وليس نهياً نبوياً !
ومما رواه الهيثمي : ( عن أبي هريرة قال : ما كان أحد أعلم بحديث رسول الله ( ص ) مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب بيده ويعيه بقلبه ، وكنت أعيه بقلبي ولا أكتب بيدي . واستأذن رسول الله في الكتابة عنه فأذن له .
وعن رافع بن خديج قال خرج علينا رسول الله ( ص ) فقال : تحدثوا ، وليتبوأ من كذب على مقعده من جهنم . قالوا يا رسول الله أنا نسمع منك أشياء فنكتبها قال : اكتبوا ولا حرج . وعن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله ( ص ) : قيِّد العلم . قلت : وما تقييده ؟ قال : الكتابة .
وعن ثمامة قال : قال لنا أنس : قيدوا العلم بالكتابة . رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح .
وعن أنس قال شكى رجل إلى النبي ( ص ) سوء الحفظ فقال : استعن بيمينك . وعن أبي هريرة أن رجلاً شكى إلى رسول الله ( ص ) سوء الحفظ فقال : استعن بيمينك على حفظك ) . انتهى .
وهذه الأحاديث حتى لو ضعَّفوها ، تؤيد ما صح عندهم من أمر النبي صلى الله عليه وآله بكتابة حديثه كما في البخاري ، وتنسجم مع أسلوب الدين الإلهي في الكتاب والكتابة ، ومع سيرة الأنبياء عليهم السلام ، وسيرة العقلاء والشعوب في كل العصور .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 53 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأسئلة
1 - ما دام صح عندكم في البخاري أن النبي صلى الله عليه وآله أمر أن يكتبوا خطبته الشريفة إلى رجل يماني طلبها ، مع أن النبي صلى الله عليه وآله كان على قيد الحياة ، وبإمكان المسلم أن يرجع اليه ويسأله عما يريد ! فكيف ترفعون اليد عنها ، وتقبلون ما يعارضها مع أنه ضعيف معلول ، توجد قرائن على وضعه لمصلحة تغييب السنة ؟ !
2 - ما دام ثبت عندكم أن بعض أحاديث النهي عن الكتابة موضوعة لتبرير عمل أبي بكر وعمر ، ألا يوجب ذلك أن تفتحوا باب الشك في الأحاديث المؤيدة لأعمالهما الأخرى ، التي اعترض عليها الصحابة أو أهل البيت عليهم السلام ؟ !
3 - لماذا تُعرضون عن أحاديث أهل البيت عليهم السلام التي تؤكد أمر النبي صلى الله عليه وآله بكتابة السنة ، وتعرضون عن سيرتهم العملية في مقاومة تغييب السنة ، وأنتم تروون أن النبي صلى الله عليه وآله أوصى الأمة قائلاً : ( إني تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي : كتاب الله وعترتي أهل بيتي ) ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 54 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة 120 : أحاديث وجوب طلب العلم .

عندما يصل المدافعون عن سياسة تغييب السنة إلى أحاديث وجوب طلب العلم وبذله ، وأحاديث وجوب أن يبلغ الشاهد الغائب ، وأحاديث ثواب التحديث وحفظ الأحاديث . . الخ . يحاولون العبور عنها وتجاهلها ، أو الالتفاف عليها كما التفُّوا على أحاديث الأمر بكتابة السنة ، ويقولون إنها تقصد التبليغ الشفهي دون المكتوب ، وتقصد الحفظ في الصدر بدون الكتابة !
لكن هل يستطيع عاقل أن يقنع نفسه بأن النبي صلى الله عليه وآله أكد على أمته فقال : إحفظوا أحاديثي وحدثوا بها ، لكن يحرم عليكم أن تكتبوها ! وبلغوها إلى الأجيال لكن تبليغاً شفهياً فقط ، لا كتبياً ؟ !
ونحن نورد فينا يلي نماذج لأربعة أنواع من الأحاديث في مصادرهم ، كلها تأمر بالتحديث وتدوين الحديث ، أو تستلزم ذلك بالضرورة ، وهي :
أحاديث وجوب طلب العلم وتعليمه .
وأحاديث وجوب التبليغ والتحديث
وأحاديث النهي عن كتمان العلم
وأحاديث من حفظ على أمتي أربعين حديثاً .
أما أحاديث وجوب طلب العلم ، وفيها أحاديث صحيحة متفق عليها ، وهي بمجموعها متواترة في مصادر الشيعة والسنة . فإذا كان طلب العلم فريضة ، وعلم الدين إنما هو كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وآله ، فهو يستلزم بالضرورة أنه يجب على الصحابة بذل العلم وأن يحدثوا بما سمعوه من النبي صلى الله عليه وآله كما يستلزم جواز
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 55 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كتابة الحديث أو وجوبها ، لأنه لا يمكن لأكثر المسلمين أن يحفظوا الحديث من إلقائه مرة أو مرتين ، بل ولا خمس مرات !
فهل سقطت هذه الفريضة بمجرد وفاة النبي صلى الله عليه وآله أم أراد عمر أن يحصر مصدر العلم به شخصياً ، وبأحاديث أهل الكتاب التي أجازها وشجعها ؟ !
روى البخاري في صحيحه : 1 / 28 : ( باب فضل من علَّمَ وعَلِم . . . عن النبي ( ص ) قال : مَثَلُ ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضاً فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير ، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا . وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعانٌ لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعَلِمَ وعَلَّم ، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به ) .
وفي ابن ماجة : 1 / 81 : ( قال رسول الله ( ص ) : طلب العلم فريضة على كل مسلم ) .
( قال فإني سمعت رسول الله ( ص ) يقول : من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة ، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضاً لطالب العلم ، وإن طالب العلم يستغفر له من في السماء والأرض حتى الحيتان في الماء ، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب . إن العلماء ورثة الأنبياء ، إن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً إنما ورثوا العلم ، فمن أخذه أخذ بحظ وافر ) .
وقد عقد أبو داود : 2 / 175 باباً باسم ( باب الحث على طلب العلم ) أورد فيه روايات . وكذلك الترمذي : 4 / 137 باسم ( باب فضل طلب العلم ) ، وأوسع منه في مستدرك الحاكم : 1 / 89 و : 3 / 511 ومسند أحمد : 4 / 240 ، والدارمي : 1 / 95 والبيهقي : 1 / 282 والهيثمي : 1 / 124 و 131 و 191 و 201 وكنز العمال : 10 / 130 إلى 261 و : 12 / 85 و : 13 / 426 و : 15 / 840 و : 16 / 127 . . . وغيرها .
كما عقد الترمذي : 4 / 138 باباً باسم ( باب ما جاء في الاستيصاء بمن يطلب العلم ) . جاء فيه عن أبي هارون قال : ( كنا نأتي أبا سعيد فيقول مرحباً بوصية رسول الله إن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 56 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
النبي ( ص ) قال : إن الناس لكم تبعٌ وإن رجالاً يأتونكم من أقطار الأرض يتفقهون في الدين ، فإذا أتوكم فاستوصوا بهم خيراً .
عن أبي سعيد الخدري عن النبي ( ص ) قال : يأتيكم رجال من قبل المشرق يتعلمون فإذا جاؤوكم فاستوصوا بهم خيراً . قال : فكان أبو سعيد إذا رآنا قال مرحباً بوصية رسول الله ( ص ) . انتهى .
والسؤال هنا : كيف نفَّذ أبو بكر وعمر هذه الوصية ! وأي صدمة كان يواجهها طالب العلم عندما كان يأتي إلى مدينة النبي صلى الله عليه وآله ومركز أصحابه ، فلا يجد شخصاً يعلمه أو يحدثه عن رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ ! لأن أبا بكر وعمر منعا التحديث عن النبي صلى الله عليه وآله تحت طائلة العقوبة والسوط والسجن ! !
* *
الأسئلة
1 - هل ألغى أبو بكر وعمر فريضة طلب العلم في مدة سلطتهما ؟ فإن كان الجواب بالإيجاب فهو البدعة مقابل القرآن والسنة ! وإن كان بالنفي فكيف يجب طلب العلم ويحرم التحديث عن النبي صلى الله عليه وآله ؟ !
2 - استطاع عمر أن يتخلص من مطلب الصحابة في تدوين السنة النبوية ، وأن يمنع كتابتها في المدينة المنورة وبقية ولايات الدولة الإسلامية ، وأن يمنع مجرد التحديث عن النبي صلى الله عليه وآله منعاً باتاً ، حتى أنه حبس بعض الصحابة بهذا الجرم ! وضرب بعض الصحابة الكبار مثل أبي بن كعب ! فهل وجدتم اعتراضاً من أحد من الصحابة على تعطيل عمر لفريضة طلب العلم ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 57 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وإذا لم يعترض الصحابة على تعطيل فريضة لخوفهم من عمر ، فمعناه أن عمر كان بإمكانه أن يوقف أي فريضة مشابهة ، والصحابة أمامه مشلولون لا يملكون إلا الصمت ! ! فقد روى عمر بن شبة في تاريخ المدينة : 2 / 681 ، قال : ( بينما عمر يمشي وخلفه عدة من أصحاب رسول الله وغيرهم ، بدا له فالتفت ، فما بقي منهم أحدٌ إلا سقط إلى الأرض على ركبتيه ) ! !
ألا يستوجب ذلك إعادة النظر في أعمال عمر التي سكت عليها الصحابة طيلة خلافته ! وكل ما ادعيتم أنه إجماع الصحابة لسكوتهم عن فعل عمر ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 58 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة 121 : آيات وأحاديث النهي عن كتمان العلم

قال الله تعالى : أم تَقُولُونَ إِنَّ إبراهيم وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطَ كَانُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أعلم أم اللهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللهِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ . ( سورة البقرة : 140 )
وقال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ . إِلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وأنا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ . ( سورة البقرة : 159 - 160 )
وروى البخاري : 1 / 38 ونحوه في : 3 / 74 ( عن أبي هريرة قال : إن الناس يقولون أكثر أبو هريرة ، ولولا آيتان في كتاب الله ما حدثت حديثاً ، ثم يتلو : إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى . . إلى قوله الرحيم . إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق ، وإن إخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم ، وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله ( ص ) بشبع بطنه ، ويحضر ما لا يحضرون ، ويحفظ ما لا يحفظون ) .
وروى في : 1 / 48 : ( قال ابن شهاب : كان عروة يحدث عن حمران ، فلما توضأ عثمان قال : ألا أحدثكم حديثاً ، لولا آية ما حدثتكموه : سمعت النبي ( ص ) يقول : لا يتوضأ رجل يحسن وضوءه ويصلي الصلاة إلا غفر له ما بينه وبين الصلاة حتى يصليها . قال عروة الآية : إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا . . . ) . ( ونحوه في مسلم : 1 / 142 و : 7 / 167 وابن ماجة : 1 / 97 وأحمد : 2 / 240 و 247 والحاكم : 2 / 271 والسيوطي في الدر المنثور : 1 / 163 )
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 59 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال السيوطي في : 2 / 162 : ( وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير في قوله : الذين يبخلون . . الآية . . قال : هؤلاء يهود يبخلون بما آتاهم الله من الرزق ، ويكتمون ما آتاهم الله من الكتب إذا سئلوا عن الشئ !
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال : كان علماء بني إسرائيل يبخلون بما عندهم من العلم ، وينهون العلماء أن يعلموا الناس شيئاً ، فعيَّرهم الله بذلك ، فأنزل الله : الذين يبخلون . . الآية ! !
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن سعيد بن جبير : الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل قال : هذا في العلم ، ليس للدنيا منه شئ ) !
وعقد الترمذي : 4 / 138 ، باباً باسم ( باب ما جاء في كتمان العلم ) وروى فيه ( عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ( ص ) : من سئل عن علم ثم كتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار . ثم قال : وفي الباب عن جابر ، وعبد الله بن عمر . قال أبو عيسى ( أي الترمذي ) : هذا حديث حسن ) .
وفي سنن ابن ماجة : 1 / 97 : ( عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله ( ص ) : من كتم علماً مما ينفع الله به في أمر الناس وأمر الدين ، ألجمه الله يوم القيامة بلجام من النار ) . انتهى .
وروى ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : 20 / 267 ، عن علي عليه السلام : ليس كل ذي عين يبصر ، ولا كل ذي أذن يسمع ، فتصدقوا على أولي العقول الزَّمِنَة والألباب الحائرة ، بالعلوم التي هي أفضل صدقاتكم . ثم تلا : إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ .
* *
الأسئلة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 60 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
1 - إذا لم يكن نهي عمر أمراً بالكتمان ، فهل هو أمر ببذل العلم والحديث ؟ !
وإذا لم يكن امتناع قرظة وأمثاله عن التحديث كتماناً ، فما هو الكتمان الذي تنهى عنه الآيات والأحاديث ؟ !
أليس من الكتمان امتناع أكثر الصحابة من التحديث عن النبي صلى الله عليه وآله رغم إلحاح المسلمين عليهم ، خاصة المسلمين الجدد الذين لم يروا نبيهم صلى الله عليه وآله ، وكانوا في شغف لأن يسمعوا أحاديثه ، ويتعرفوا على أخباره ؟ !
قال الحاكم في المستدرك : 1 / 102 : ( فلما قدم قرظة قالوا حدثنا ، قال : نهانا ابن الخطاب ! هذا حديث صحيح الإسناد له طرق تجمع ويذاكر بها ) . انتهى .
وفي مصنف عبد الرزاق : 3 / 584 : ( أتى رجل أبا الدرداء فسأله عن آية فلم يخبره فولى الرجل وهو يقول : إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى . . ! ! ) .
2 - هل تقدمون نهي أبي بكر وعمر عن التحديث وأمرهما بالكتمان ، على نهي الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله عن الكتمان ، وأمرهما ببذل العلم ؟ !
وماذا تقولون في فتاوي أئمتكم كالجصاص والآمدي والمناوي وغيرهم : ففي الأحكام للآمدي : 2 / 59 : ( ومنها قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى . . الآية . ووجه الحجة بها أن الله تعالى توعد على كتمان الهدى ، وذلك يدل على إيجاب إظهار الهدى ، وما يسمعه الواحد من النبي ( ص ) فهو من الهدى فيجب عليه إظهاره ) .
وفي أحكام القرآن للجصاص : 1 / 122 : ( ولذلك قال أبو هريرة : لولا آية في كتاب
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 61 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الله عز وجل ما حدثتكم ، ثم تلا : الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى ، فأخبر أن الحديث عن رسول الله ( ص ) من البينات والهدى الذي أنزله الله تعالى . . . وقد روى حجاج ، عن عطاء ، عن أبي هريرة ، عن النبي ( ص ) قال : من كتم علماً يعلمه ، جاء يوم القيامة ملجماً بلجام من نار .
فإن قيل : روي عن ابن عباس أن الآية نزلت في شأن اليهود حين كتموا ما في كتبهم من صفة رسول الله ( ص ) ؟
قيل له : نزول الآية على سبب غير مانع من اعتبار عمومها في سائر ما انتظمته ، لأن الحكم عندنا للفظ لا للسبب ، إلا أن تقوم الدلالة عندنا على وجوب الاقتصار به على سببه ) .
وفي فيض القدير للمناوي : 4 / 707 : ( وقد تظافرت النصوص القرآنية على ذم كاتم العلم : إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إلا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ . وإذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ ! فوصف المغضوب عليهم بأنهم يكتمون العلم ، تارةً بخلاً به ، وتارة اعتياضاً عن إظهاره بالدنيا ، وتارة خوفاً أن يُحتجَّ عليهم بما أظهروه منه ! وهذا قد يبتلى به طوائف من المنتسبين للعلم ، فإنهم تارةً يكتمونه بخلاً به ، وتارة كراهة أن ينال غيرهم من الفضل والتقدم والوجاهة ما نالوه ، وتارة اعتياضاً برئاسة أو مال فيخاف من إظهاره انتقاص رتبته ، وتارة يكون قد خالف غيره في مسألة أو اعتزى إلى طائفة قد خولفت في مسألة ، فيكتم من العلم ما فيه حجة لمخالفه ، وإن لم يتيقن أن مخالفه مبطل ! وذلك كله مذمومٌ ، وفاعله مطرودٌ من منازل الأبرار ومقامات الأخيار ، مستوجب للَّعنة في هذه الدار ودار القرار ) . انتهى .
فهل ينطبق ذلك على أبي بكر وعمر ومن أطاعهما في كتمان السنة ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 62 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
3 - احتج علينا المخالفون بأنا نقول بإمامة علي والأئمة من ذريته عليهم السلام استناداً إلى نص النبي صلى الله عليه وآله فقالوا أين النص ؟ وأجبناهم بالأحاديث الصحيحة المتواترة التي رواها رواتهم ودونتها صحاحهم رغم تغييب السنة ، كحديث الغدير ، وحديث الثقلين ، وحديث المنزلة ، وعشرات غيرها !
ولنا أن نجيبهم أيضاً ، بأن سياسة أبي بكر وعمر في تغييب السنة وتعطيلها ، تُسقط حجتكم علينا ومطالبتكم بالأحاديث من مصادركم ، لأن أئمتكم تعمدوا تغييبها ، وعاقبوا رواتها بالضرب والسجن !
وبهذا يظهر بطلان قول ابن تيمية في منهاج سنته : 7 / 48 : ( لكن أهل العلم يعلمون بالاضطرار أن النبي ( ص ) لم يبلغ شيئاً من إمامة علي ، ولهم على هذا طرق كثيرة يثبتون بها هذا العلم ، منها : أن هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله ، فلو كان له أصل لنقل كما نقل أمثاله من حديثه ، لا سيما مع كثرة ما ينقل من فضائل علي من الكذب الذي لا أصل له ، فكيف لا ينقل الحق الصدق الذي قد بلغ للناس ؟ ! ولأن النبي ( ص ) أمر أمته بتبليغ ما سمعوا منه ، فلا يجوز عليهم كتمان ما أمرهم الله بتبليغه ) . انتهى .
لأنا نقول له : نعم إن النبي صلى الله عليه وآله بلَّغ الأمة ولاية علي عليه السلام في عشرات الأحاديث والخطب في مناسبات عديدة ، وأمر الحاضرين بتبليغ ما سمعوا منه ، لكن مخالفي علي عليه السلام ألزموا المسلمين بعدم كتابة الحديث ، وحرموا عليهم حتى قول ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله ) ! فالكتمان وقع منهما لامن النبي صلى الله عليه وآله !
ولذا ورد عن الإمام العسكري عليه السلام في قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أنزل اللهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قليلاً أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إلا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ . ( البقرة : 174 ) قال : ( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتَابِ ، المشتمل على ذكر فضل محمد صلى الله عليه وآله على جميع النبيين ، وفضل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 63 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
علي عليه السلام على جميع الوصيين ، وَيَشْتَرُوَن به - بالكتمان - ثَمَناً قليلاً ، يكتمونه ليأخذوا عليه عرضاً من الدنيا يسيراً ، وينالوا به في الدنيا عند جهال عباد الله رياسة . قال الله تعالى : أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ - يوم القيامة - إِلا النَّارَ ، بدلاً من إصابتهم اليسير من الدنيا لكتمانهم الحق . وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بكلام خير ، بل يكلمهم بأن يلعنهم ويخزيهم ويقول بئس العباد أنتم ! غيَّرتم ترتيبي وأخرتم من قدمته ، وقدمتم من أخرته ، وواليتم من عاديته ، وعاديتم من واليته ) . انتهى .
ويظهر منه أن الكتمان المذموم في الآية شامل لكتمان اليهود ، ولكتمان قريش لصفات النبي وآله ، وكتمان فضائلهم صلوات الله عليهم . فما رأيكم ؟ !
4 - نعيد آية الكتمان لنعرف حكم اللعن فيها ، قال الله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُون ) َ . فمن هم الذين يشملهم هذا اللعن ، وهل لعنهم واجبٌ ، أو مستحب ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 64 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة 122 : أحاديث وجوب التبليغ والتحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله

ماذا يصنع المدافعون عن تغييب السنة بهذه المجموعة من الأحاديث المتواترة التي تنص على أنه صلى الله عليه وآله كان يوصي دائماً بأن يبلغ الحاضر الغائب ؟ !
فقد عقد البخاري : 1 / 34 باباً باسم ( باب ليبلغ العلم الشاهد الغائب ) وأورد فيه ما يدل على وجوب تبليغ أحاديث النبي صلى الله عليه وآله . وكذا في : 2 / 191 ، وفيها : ( قال : اللهم اشهد ، فليبلغ الشاهد الغائب ، فرب مبلغ أوعى من سامع ) ونحوه في : 5 / 94 و 127 . وفي : 6 / 236 : ( ألا ليبلغ الشاهد الغائب ، فلعل بعض من يبلغه أن يكون أوعى له من بعض من سمعه ) . ثم قال البخاري : ( وكان محمد إذا ذكره قال : صدق النبي ( ص ) ، ثم قال : ألا هل بلغت ألا هل بلغت ؟ ) . وكرره في : 8 / 186 وفي : 8 / 91 : ( فإنه رب مبلغ يبلغه من هو أوعى له ) . وفي ص 115 : ( ألا ليبلغ الشاهد الغائب فلعل بعض من يبلغه أن يكون أوعى له من بعض من سمعه ) .
ونحوه في صحيح مسلم : 5 / 108 ، وابن ماجة : 1 / 85 و 86 ، والترمذي : 2 / 152 ، وعقد الأخير في : 4 / 141 ، باباً باسم ( باب في الحث على تبليغ السماع ) روى فيه عن زيد بن ثابت ( سمعت رسول الله ( ص ) يقول : نَضَّرَ الله أمراً سمع منا حديثاً فحفظه حتى يبلغه غيره فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ، ورب حامل فقه ليس بفقيه . ثم قال الترمذي : وفي الباب عن عبد الله بن مسعود ، ومعاذ بن جبل ، وجبير بن مطعم ، وأبي الدرداء ، وأنس . وروى نحوه عن عبد الله بن مسعود . ثم قال : هذا حديث حسن صحيح ) .
وكذا في مستدرك الحاكم : 3 / 174 ، وسنن البيهقي : 5 / 140 و : 6 / 92 وفيه : ( ألا ليبلغ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 65 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الشاهد الغائب ، مرتين ، فرب مبلغ هو أوعى من سامع ) . ونحوه في : 8 / 20 و : 9 / 212 وسنن النسائي : 5 / 206 ، ومسند أحمد : 1 / 83 و 437 و : 4 / 31 ، وكذا في : 5 / 37 و 39 و 183 .
وفي ص 4 من مسند أحمد : 5 / : ( ألا إن ربي داعيَّ ، وإنه سائلي هل بلغت عبادي ، وأنا قائل له رب قد بلغتهم ، ألا فليبلغ الشاهد منكم الغائب ) .
وفي ص 41 منه : ( فلعل الغائب أن يكون أوعى له من الشاهد ) . وفي ص 45 منه : ( ألا ليبلغ الشاهد الغائب ، مرتين ) .
وفي ص 73 منه : ( ثم قال ليبلغ الشاهد الغائب فإنه رب مبلغ أسعد من سامع . قال حميد قال الحسن حين بلغ هذه الكلمة : قد والله بلغوا أقواماً كانوا أسعد به ) .
وفي 366 منه : ( فليبلغ الشاهد الغائب . ولولا عزمة رسول الله ( ص ) ما حدثتكم ) .
وفي : 6 / 456 ( فمن حضر مجلسي وسمع قولي فليبلغ الشاهد منكم الغائب ) .
وفي مجمع الزوائد : 1 / 139 : ( وعن عبادة بن الصامت أن رسول الله ( ص ) كان يقول إني محدثكم الحديث فليحدث الحاضر منكم الغائب . رواه الطبراني في الكبير ورجاله موثقون . وفيه : ( فرفع يديه ( ص ) إلى السماء فقال : اللهم اشهد . ثم قال يا أيها الناس ليبلغ الشاهد منكم الغائب . ( وقال الراوي ) : فأدنوا نبلغكم كما قال لنا رسول الله . رواه البزار ورجاله موثقون ) .
وفي كنز العمال : 10 / 224 : ( إني أحدثكم الحديث فليحدث الحاضر منكم الغائب . طب - عن عبادة بن الصامت ) .
وفي ص 229 : إني أحدثكم بحديث فليحدث الحاضر منكم الغائب - الديلمي عن عبادة بن الصامت . نضر الله عبداً سمع مقالتي فوعاها ثم بلغها عني فرب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه - حم ، ه‍ ، ص - عن أنس ، الخطيب عن أبي هريرة ، طب‍ عن عمير بن قتادة الليثي ، طس عن سعد ، الرافعي في تاريخه عن ابن عمر ) . انتهى . وقد أورد تحت الأرقام التي بعده نحو ثلاثين حديثاً بألفاظ ما تقدم ، أو مضمونها ، أو ما يشهد لها .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 66 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأسئلة
1 - هذه أحاديث نبوية صحيحة ومتواترة ، تؤكد فريضة شرعية في أعناق الصحابة : أن يبلغوا ما سمعوه من رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ !
فما قولكم بمن يستدركُ على رسول الله صلى الله عليه وآله ويقول : أيها المسلمون قال رسول الله ليبلغ الشاهد منكم الغائب ، ولكني أنهاكم عن ذلك وأعاقبكم عليه ، فلا تحدثوا عن رسول الله صلى الله عليه وآله بشئ ، وأنا شريككم في الإثم ! فإن لم يكن هذا استدراكاً على النبي صلى الله عليه وآله ، فما هو الاستدراك الذي يعتبر رداً على النبي صلى الله عليه وآله ؟ !
2 - عاش الصحابة خوفاً شديداً من عمر ، لنهيه إياهم عن كتابة الحديث والتحديث ، وأزمة تأنيب ضمير لتركهم فريضة فرضها عليهم النبي صلى الله عليه وآله !
ونلاحظ ذلك حتى عند الصحابة والرواة الذين حدثوا الناس بعد وفاة عمر بسنين طويلة ، كما في قول أبي هريرة الذي تقدم من البخاري : ( ولولا آيتان في كتاب الله ما حدثت حديثاً ، ثم يتلو : إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ . . . ) وفي قول البخاري عن شيخه محمد بن سلام : ( وكان محمد إذا ذكره قال : صدق النبي ( ص ) ، ثم قال : ألا هل بلغت ، ألا هل بلغت ؟ وما تقدم من مجمع الزوائد : ( ولولا عزمة رسول الله ( ص ) ما حدثتكم . . . فأدنوا نبلغكم كما قال لنا رسول الله ( ص ) !
فما قولكم في هذا الإرهاب العمري الذي صار ديناً ، أو خوفاً مستمراً ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 67 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة 123 : أحاديث : من حفظ على أمتي أربعين حديثاً

اهتم عدد من علماء المسلمين السنة والشيعة بتأليف كتاب يحتوي على أربعين حديثاً ، في موضوع واحد ، أو مواضيع متعددة ، لقول النبي صلى الله عليه وآله : ( من حفظ من أمتي أربعين حديثاً ينتفعون به بعثه الله يوم القيامة فقيهاً عالماً ) . وقد أوردت معاجم المؤلفات أسماء العديد منها :
من ذلك : الأربعون حديثاً لمحمد بن المقري المتوفى 381 ( معجم المؤلفين : 8 / 210 ) ، والأربعون حديثاً لابن أبي الصيف المتوفى 609 ، عن أربعين شيخاً في أربعين بلداً ( الأعلام : 6 / 36 ) ، والأربعون حديثاً الطائية لأبي الفتوح الطائي المتوفى سنة 555 عن أربعين شيخاً ( الأعلام : 7 / 24 ) ، والأربعون حديثاً في العبادات ، لابن أبي زيد الأندلسي ( الأعلام : 8 / 240 ) والأربعون البلدانية لابن عساكر ، والأربعون في الجهاد للمقري ، والأربعون العشارية للعراقي ، وهي مطبوعة .
ومن أشهرها عند الشيعة الأربعون حديثاً للبهائي من الشيعة ، والأربعون حديثاً للنووي من السنة .
وقد أورد الطهراني رحمه الله في المجلد الأول من الذريعة نحو ثمانين كتاباً لمؤلفين شيعة باسم : الأربعون حديثاً ، وقال في ص 1 / 409 : ( قد تحققت السنة الأكيدة البالغة إلينا بالطرق الصحيحة عن سيد الرسل صلى الله عليه وآله بقوله : من حفظ على أمتي أربعين حديثاً . . إلخ . قال شيخنا الشهيد سنة 786 في أول أربعينه : إن حديث حفظ الأربعين هو المشهور في النقل الصحيح عنه صلى الله عليه وآله .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 68 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كما عقد العلامة المجلسي في أول مجلدات البحار باباً لمن حفظ أربعين حديثاً ، أورد فيه ما وصل إليه من رواياته عن كتب كثيرة بأسانيد متعددة ومتون متقاربة ، وقال في آخر الباب : هذا المضمون مشهور مستفيض بين الخاصة والعامة بل قيل إنه متواتر ) . انتهى . ( ورواه في الكافي : 1 / 49 ، ونحوه في عيون أخبار الرضا عليه السلام : 1 / 28 و 41 ، والخصال ص 541 ، و 542 ، والأمالي ص 382 ، وثواب الأعمال ص 134 ، وغيرها ) .
ونسبه العلامة إلى النبي صلى الله عليه وآله بلا ترديد في تحرير الأحكام : 1 / 40 فقال : قال صلى الله عليه وآله : من حفظ من أمتي أربعين حديثاً ينتفعون به ، بعثه الله يوم القيامة فقيهاً عالماً ) .
ورواه في كنز العمال : 10 / 158 بألفاظ متقاربة وطرق متعددة ، منها : ( من حفظ على أمتي أربعين حديثاً من سنتي أدخلته يوم القيامة في شفاعتي - ابن النجار - عن أبي سعيد .
من حمل من أمتي أربعين حديثاً بعثه الله يوم القيامة فقيهاً عالماً - عن أنس .
وفي ص 164 : ( من تعلم أربعين حديثاً ابتغاء وجه الله تعالى ليعلم به أمتي في حلالهم وحرامهم ، حشره الله يوم القيامة عالماً - أبو نعيم - عن علي .
وفي ص 224 : ( من حفظ على أمتي أربعين حديثاً من أمر دينها ، بعثه الله يوم القيامة فقيهاً عالماً - عد في العلل - عن ابن عباس عن معاذ ، حب في الضعفاء - عن ابن عباس ، ابن سعد وابن عساكر من طرق عن أبي هريرة ، ابن الجوزي عن أنس .
من حفظ على أمتي أربعين حديثاً فيما ينفعهم من أمر دينهم ، بُعث يوم القيامة من العلماء ، وفضل على العالم على العابد سبعين درجة ، الله أعلم بما بين كل درجتين - ع ، عد ، هب - عن أبي هريرة . انتهى . ونحوه الأحاديث التي بعده إلى رقم 29192 .
ومن طريف ما رواه في كنز العمال : 10 / 232 : ( من كتب عني أربعين حديثاً رجاء أن يغفر الله له ، غفر له وأعطاه ثواب الشهداء . ابن الجوزي في العلل ، عن ابن عمرو .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 69 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لكن مع تصحيح علماء الشيعة لهذا الحديث ، وكثرة طرقه عند السنيين ، وعمل الجميع به ، وتأليفهم الكتب الأربعينية ، فلا عبرة بتضعيفهم له ! !
* *
الأسئلة
1 - ما رأيكم في أسانيد حديث ( من حفظ على أمتي أربعين حديثاً . . ) ، ولماذا لا تأخذون بسنده الصحيح من طرق أهل البيت عليهم السلام ؟
2 - من الواضح أن هدف النبي صلى الله عليه وآله أن تصل أحاديثه وما أوحاه الله اليه إلى أوسع نطاق من الأمة والعالم ، وأن يحفظ الصحابة والرواة هذه الأحاديث ويعلموها للناس ، بمختلف الوسائل المناسبة المتجددة في كل عصر .
فلماذا لا تعترفون بأن عمر نقض هذا الغرض النبوي في إصراره على تغييب السنة ومنع تدوينها ، وحتى التحديث بها ، ومعاقبته على ذلك ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 70 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة 124 : متى تم الإفراج عن تدوين السنة وبأي شروط ؟ !

استطاع عمر بن الخطاب أن يمنع الأمة من كتابة حديث نبيها صلى الله عليه وآله ! واستبدلها بإسرائيليات تميم الداري التي كان يلقيها في المسجد النبوي يومين أسبوعياً ! ! ثم زاده عثمان يوماً آخر ، فصارت مجالس تميم ثلاثة أيام .
ثم أضاف اليه كعب الأحبار وأعطاه يومين في الأسبوع !
ولك أن تقدر حالة أهل البيت عليهم السلام والصحابة الأبرار ، الذين حرَّم عليهم عمر باسم مصلحة الإسلام أن يقولوا : قال رسول الله صلى الله عليه وآله ! !
وحالة الجمهور المتعطش لمعرفة سيرة نبيه ومعجزاته وأحاديثه صلى الله عليه وآله !
وهذا التعطش يفسر لنا الخروقات لقانون عمر ، التي لم يستطع السيطرة عليها !
وقد استمر منع التحديث وكتابة الحديث بعد عمر في خلافة عثمان ، لكنه كان متسامحاً غالباً في خرق المنع ، فكثرت في زمنه الخروقات !
ومع أن عصر خلافة علي عليه السلام الذي دام أكثر من خمس سنوات ، كَسَرَ منع عمر وفتح الباب على مصراعيه للتحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وكتابة حديثه . . لكن ما أن استشهد الإمام عليه السلام وسيطر معاوية حتى أعاد سياسة المنع العمرية ! فكان معاوية يقول : ( عليكم من الحديث بما كان في عهد عمر ، فإنه كان قد أخاف الناس في الحديث عن رسول الله ( ص ) . ( تذكرة الحفاظ للذهبي : 1 / 5 )
وعادت سياسة المنع ، وغالى فيها المتعصبون لعمر ، ورووا الأحاديث التي تنهى عن كتابة التحديث ، وكان بعضهم ينظر إلى كتابة الأحاديث على أنها إثم ! لكن ذلك لم يمنع انتشار التحديث الشفهي خاصة أن السلطة كانت بحاجة اليه !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 71 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وهكذا استمر منع التدوين أكثر من قرن من الزمان ، حتى دعا عمر بن عبد العزيز الأموي ، في مطلع القرن الثاني علماء السلطة إلى كتابته ، وعمل شخصياً على كسر حرمة الكتابة !
( قال أبو قلابة : خرج علينا عمر بن عبد العزيز لصلاة الظهر ومعه قرطاس ، ثم خرج علينا لصلاة العصر وهو معه فقلت له : يا أمير المؤمنين ما هذا الكتاب ؟ قال : حديث حدثني به عون بن عبد الله ، فأعجبني فكتبته ) . ( الدارمي : 1 / 130 ) .
لكن مع ذلك ، تأخرت استجابتهم لدعوته فترة زمنية طويلة !
قال الدارمي : 1 / 126 : ( عن عبد الله بن دينار قال كتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم : أن أكتب إلى بما ثبت عندك من الحديث عن رسول الله ( ص ) ، وبحديث عمر ، فإني قد خشيت درس العلم وذهابه ) .
وفي طبقات ابن سعد : 8 / 480 : ( أخبرنا يزيد بن هارون ، عن يحيى بن سعيد ، عن عبد الله بن دينار قال : كتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن محمد بن حزم أن : أنظر ما كان من حديث رسول الله ( ص ) ، أو سنة ماضية ، أو حديث عمرة ( خادمة عائشة ) فاكتبه ، فإني خشيت دروس العلم وذهاب أهله ) .
وفي تنوير الحوالك للسيوطي ص 4 : ( وأخرج الهروي في ذم الكلام من طريق يحيى بن عبد الله بن دينار ، قال : لم يكن الصحابة ولا التابعون يكتبون الحديث إنما كانوا يؤدونها لفظاً ويأخذونها حفظاً ، إلا كتب الصدقات والشئ اليسير الذي يقف عليه الباحث بعد الاستقصاء ، حتى خيف عليه الدروس وأسرع في العلماء الموت ، فأمر أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز أبا بكر الحزمي فيما كتب إليه : أن انظر ما كان من سنة ، أو حديث عمر ، فاكتبه ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 72 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
شروط عمر بن عبد العزيز لتدوين السنة !
الشرط الأول : أن يقوم بالمشروع أمويون دون سواهم ! فالخليفة الأموي هو صاحب المشروع ، وقد طلب أن يُرسل اليه كل ما يدون ! لكنه مات قبل أن يرسل اليه ابن حزم وغيره ما جمعوه .
والمكلف بالمشروع ابن حزم الأنصاري النسب ، الأموي الهوى ، وهو والي بني أمية على المدينة ، ثم قاضيهم فيها ! الذي كان يلبس خاتماً ذهبياً بارزاً ، وكان راتبه ثلاث مئة دينار ، وهو مبلغ كبير في ذلك العصر . قال الذهبي في سيره : 5 / 313 : ( أبو بكر بن محمد ابن عمرو بن حزم . . . أمير المدينة ، ثم قاضي المدينة . . . قال أبو الغصن المدني : رأيت في يد أبي بكر بن حزم خاتم ذهب فصُّهُ ياقوتة حمراء ! قلت : لعله ما بلغه التحريم ! ويجوز أن يكون فعله وتاب ! وقيل : كان رزقه في الشهر ثلاث مئة دينار . . . وقيل : مات في سنة سبع عشرة ) . انتهى .
ومع الوالي والقاضي ابن حزم : ابن شهاب الزهري ، من علماء البلاط الأموي ، أخذ علم الحديث من سالم ونافع عبدي عمر ، وكان يرى أن أحاديث أبي بكر وعمر وعثمان سنة كسنة رسول الله صلى الله عليه وآله ! ففي طبقات ابن سعد : 2 / 388 : ( وأخبرت عن عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر أخبرني صالح بن كيسان قال : اجتمعت أنا والزهري ونحن نطلب العلم فقلنا نكتب السنن ، قال وكتبنا ما جاء عن النبي ( ص ) .
قال ثم قال : نكتب ما جاء عن الصحابة فإنه سنة ! قال قلت : إنه ليس بسنة فلا نكتبه ، قال فكتب ولم أكتب ، فأنجح وضيعت . . . ! !
وأخبرت عن عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن الزهري قال : كنا نكره كتاب العلم ، حتى أكرهنا عليه هؤلاء الأمراء . . . !
وأخبرت عن عبد الرزاق قال : سمعت معمراً قال : كنا نرى أنا قد أكثرنا عن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 73 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الزهري حتى قتل الوليد ، فإذا الدفاتر قد حملت على الدواب من خزائنه ، يقول من علم الزهري ! ) . انتهى .
فسبب تَحَسُّر ابن كيسان أن زميله الزهري ( أنجَحَ ) بكتابة سنة الخلفاء ، وفاز بجائزة الدولة ، ومنها ألوف الوليد بن عبد الملك بن مروان التي قبضها الزهري ثمناً لدفاتره ! أما هو فلم ( يُنجح ) لأنه اقتصر على سنة النبي صلى الله عليه وآله !
والشرط الثاني : أن تدون أحاديث أبي بكر وعمر وعثمان وسنتهم ، وأحاديث عائشة إلى جانب أحاديث النبي صلى الله عليه وآله أما أحاديث أبي هريرة فقد كتب لهم الخليفة : ( إلا حديث أبي هريرة ، فإنه عندنا ) ! ( الطبقات : 7 / 447 )
وقد تقدم ذلك في كلام صالح بن كيسان ، وفي مرسوم الخليفة لابن حزم : ( أنظر ما كان من حديث رسول الله ، أو سنة ماضية ، أو حديث عمرة ، فاكتبه ) ، فسنة أبي بكر وعمر وعثمان سنة ماضية شرعية ، يجب أن تدون مع سنة النبي صلى الله عليه وآله ومعها حديث عائشة ، لأن أحاديث عمرة هي أحاديث عائشة !
قال الذهبي في من له رواية في كتب الستة : 2 / 514 : ( عمرة بنت عبد الرحمن . . . من فقهاء التابعين ، أخذت عن عائشة وكانت في حجرها . ماتت 106 ) .
وقال ابن سعد في الطبقات : 2 / 387 : أن عمر بن عبد العزيز قال : ( ما بقي أحد أعلم بحديث عائشة منها ، يعني عمرة ، قال : وكان عمر يسألها ) .
وفي طبقات المحدثين بأصبهان : 2 / 190 : عن ( عبد الله بن دينار قال : كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطاة : أنظر ما كان من حديث عمرة عن رسول الله ( ص ) فاكتبه ، فإني أخشى ذهاب العلماء ودروس العلم ) . انتهى .
وقد مات الخليفة الأموي ، ومات ابن حزم والزهري ، قبل نشر ما جمعوه ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 74 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
( فتوفي عمر وقد كتب ابن حزم كتباً قبل أن يبعث بها إليه ) . ( تنوير الحوالك 4 ) ، وتأخر ظهور المسانيد نصف قرن آخر !
وقد ورث العباسيون خلافة بني أمية ، وورثوا منها هذا المشروع وعدَّلوا في شروطه ، وكلف المنصور العباسي مالك بن أنس أن يكت كتاباً سهلاً موطأً ليفرضه على الناس ويحملهم عليه ، فألف له ( الموطأ ) ونشره الخليفة ، وألزم به المسلمين ! ولكن الخط الأموي عاد وغلب في زمن المتوكل العباسي فألفوا الصحاح الستة وغلبت الموطأ ، لأنها أقرب منه إلى خط عمر ومعاوية !
* *
الأسئلة
1 - إذا كان عمل عمر في منع كتابة السنة غير شرعي ، فلماذا تدافعون عنه ؟ وإذا كان شرعياً فلماذا خالفتموه وكتبتم ؟ !
2 - ألا ترون أن تأخير كتابة السنة النبوية قرناً أو قرنين من الزمان ، قد كلف السنة الشريفة خسارات أساسية كبيرة ؟ !
- فلو أن عمر سمح للصحابة أن يدونوا السنة ، لوصلت إلينا بأسانيد عالية بواسطة واحدة ، بينما صارت الآن بوسائط عديدة ! والفرق كبير بين الحديث المنقول بواسطة راو واحد ، أو عن بضعة رواة ، على مدى قرن أو قرنين ؟ !
- ولكان كذب الرواة على رسول الله صلى الله عليه وآله قليلاً ، بينما هو اليوم كثير كثير !
- ولكانت رقابة الصحابة وتذكيرهم لبعضهم عاملاً مهماً في ضبط السنة ، بينما كتبت السنة برضا الحكام بلا رقابة على المؤلفين !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 75 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- ولوصلت الينا أحاديث المعارضة لحكم أبي بكر وعمر وعثمان ، بينما لا نجد منها اليوم إلا لقليل !
- ولظهرت مكانة العترة النبوية الذين أمر النبي صلى الله عليه وآله الأمة أن تتمسك بالقرآن وبهم ، ولنقدوا أحاديث النبي صلى الله عليه وآله وبينوا الصحيح منها والمكذوب !
فهل تعترفون بأن عمر يتحمل مسؤولية ذلك جميعاً ؟ !
3 - ما هو أقدم كتاب في الحديث عندكم ؟ وهل كَتَبَ البخاري صحيحه نقلاً من كتب لمؤلفين قبله ، أو من أفواه الرواة ؟ !
4 - يمتاز شيعة أهل البيت عليهم السلام بأنهم لم يطبقوا تحريم عمر ، وواصلوا التحديث وكتابة الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله والأئمة من العترة الطاهرة عليهم السلام .
ومن جهة أخرى ، فإن حضور الأئمة من العترة النبوية عليهم السلام الذي هو امتدادٌ لوجود النبي صلى الله عليه وآله بحكم عصمتهم وعلمهم عليهم السلام قد استمر ثلاثة قرون وكان الرواة يتلقون منهم الحديث النبوي ويكتبونه مباشرة ، وكان الراوي الذي عنده كتاب يسمى ( صاحب أصل ) ، ثم جاء مؤلفوا الموسوعات كالكليني والصدوق ومن بعدهم فألفوا موسوعاتهم من تلك الأصول المكتوبة ، ووثقوها بالسماع المباشر . ألا ترون أن ذلك يمثل ميزةً كبرى للأحاديث المروية في مصادرنا ، وأنها أدقُّ في نقل معاني الأحاديث النبوية وألفاظها ، وأصحُّ من مصادركم التي اعتمدت محفوظات راوٍ عن راوٍ عن راوٍ ، لمدة قرنين من الزمان ؟ !
وقد أخبرني السيد مرتضى الرضوي أن الكاتب المصري الدكتور حفني داود كان يقول له : ألاحظ أن أحاديثكم مروية بألفاظ النبي صلى الله عليه وآله وأهل البيت عليهم السلام ، بينما أحاديثنا مروية بالمعنى ! فما رأيكم بذلك ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 76 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
5 - لماذا لم يكلف الخليفة الأموي غير ابن حزم والزهري بكتابة السنة ، وأين هو عن بقية علماء الإسلام ، وأين هو عن الإمامين محمد الباقر وجعفر الصادق عليهما السلام ، وهو يعرفهما جيداً ، وقد طبقت شهرتهما في عصره الآفاق ؟ !
6 - كيف تثقون بالزهري وابن حزم ، وهما موظفان عند بني أمية ، وهذه أخبار ترفهما وتقربهما إلى السلطة في مصادر الجرح والتعديل ؟ !
7 - هل أن سنة أبي بكر وعمر وعثمان وعائشة برأيكم ، سنةٌ شرعية تعبَّدنا الله تعالى بها كسنة النبي صلى الله عليه وآله ؟ !
8 - قال مالك في الموطأ : ( عمر بن عبد العزيز كتب إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن : أنظر ما كان من حديث رسول الله ( ص ) أو سنة ، أو حديث عمر ، أو نحو هذا ، فاكتبه لي ) . انتهى . ( تنوير الحوالك ص 6 ) . فهل الحديث النبوي غير السنة وما معنى قوله ( أو نحو هذا ) ؟ !
9 - ما قولكم في زعم البخاري أن عمر بن العزيز أمر ابن حزم أن لا يقبل إلا حديث النبي صلى الله عليه وآله ؟ قال في صحيحه : 1 / 33 : ( وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم : أنظر ما كان من حديث رسول الله ( ص ) فاكتبه ، فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء ، ولا تقبل إلا حديث النبي ( ص ) . انتهى .
فمن أين أتى به البخاري ، وهل قاله إلا ليرفع خلطهم لسنة النبي صلى الله عليه وآله بغيرها ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 77 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة 125 : كيف صار الرافضونَ سنة النبي صلى الله عليه وآله أهل السنة والجماعة !

من مفارقات التاريخ وما أكثرها ، أن الذي واجه النبي صلى الله عليه وآله في مرض وفاته ومنعه من كتابة وصيته وعهده لأمته ، ورفع في وجهه شعار رفض سنته فقال له : ( كتاب الله حسبنا ) ! صار هو رئيس الدولة بعد النبي صلى الله عليه وآله ! !
وأن الذي أصدر مرسوماً من دار الخلافة بتحريم كتابة السنة النبوية ونهى عن التحديث بها . . صارت دولته دولة السنة ، وصار أتباعها : ( أهل السنة والجماعة ) !
أما الذين جاهدوا من أجل تبليغ سنة النبي صلى الله عليه وآله وتدوينها ، وتحملوا اضطهاد الحكومات وعقوبات المنع ، فصاروا أعداء السنة والخارجين عن الجماعة !
إنها السياسة التي تجعل الأبيض أسود كالليل ، والفحم أبيض كالثلج ! !
والذي حدث أن السلطة الأموية اختارت اسم ( عام الجماعة ) لعام تسلط معاوية على المسلمين ، وسمت أتباعها ( أهل الجماعة ) ، وسمت من خالفهم ( أهل الفرقة والفتنة ) . ثم طورت اسم أتباعها فصار ( أهل السنة والجماعة ) ! وصار اسم من خالفهم ( أهل البدعة والفرقة ) !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 78 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأسئلة
1 - ما معنى قول عمر للنبي صلى الله عليه وآله الذي رواه البخاري في عدة مواضع من صحيحه : ( قال عمر إن النبي غلبه الوجع وعندنا كتاب الله حسبنا ، فاختلفوا وكثر اللغط ! ! قال : قوموا عني ولا ينبغي عندي التنازع ! فخرج ابن عباس يقول إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله وبين كتابه ) ! ! ( صحيح البخاري : 1 / 37 )
وما حكم من قال في عصرنا : حسبنا كتاب الله ، لا نريد سنة النبي صلى الله عليه وآله ؟ !
2 - مهما كان دفاعكم عن عمر ومؤيديه الذين صاحوا في وجه النبي صلى الله عليه وآله : ( القول ما قاله عمر ) ! فهل يصدق عليهم : ( أهل السنة النبوية ) أم السنة العمرية ؟ !
3 - في تهذيب الكمال : 2 / 269 : ( عن أبي نضرة العبدي : قال رجل منا يقال له جابر أو جويبر : طلبت حاجة إلى عمر في خلافته فانتهيت إلى المدينة ليلاً ، فغدوت عليه . . . وإلى جنبه رجل أبيض الشعر أبيض الثياب . . . فقلت : يا أمير المؤمنين من هذا الرجل الذي إلى جنبك ؟ قال : سيد المسلمين أبيُّ بن كعب ) .
وفي تحفة الأحوذي : 10 / 271 : ( فضل أبي بن كعب رضي الله عنه ) هو أبيُّ بن كعب الأنصاري الخزرجي كان يكتب للنبي ( ص ) الوحي وهو أحد الستة الذين حفظوا القرآن على عهد رسول الله ( ص ) ، وأحد الفقهاء الذين كانوا يفتون على عهد رسول الله ( ص ) ، وكان أقرأ الصحابة لكتاب الله تعالى ، كنَّاهُ النبي ( ص ) أبا المنذر ، وعمر أبا الطفيل ! وسماه النبي ( ص ) : سيد الأنصار ، وعمر : سيد المسلمين . مات بالمدينة سنة تسع عشرة ) .
وفي تاريخ المدينة لابن شبة : 2 / 691 : ( حدثني أبو عمرو الجملي ، عن زاذان أن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 79 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عمر خرج من المسجد فإذا جَمْعٌ على رجل فسأل : ما هذا ؟ قالوا : هذا أبي بن كعب كان يحدث الناس في المسجد ، فخرج الناس يسألونه ، فأقبل عمر حرداً فجعل يعلوه بالدرة خفقاً ، فقال : يا أمير المؤمنين أنظر ما تصنع ! قال : فإني على عمد أصنع ، أما تعلم أن هذا الذي تصنع فتنة للمتبوع مذلة للتابع ) ! انتهى .
فمن هو الأحق باسم أهل السنة : أبيُّ بن كعب الذي ضربه عمر من أجل تحديثه المسلمين بأحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله أم عمر الذي ضربه بجرم نشر السنة ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 80 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة 126 : المعنى الأصلي لأهل السنة والجماعة : أهل سنة عمر وجماعة معاوية !

المعنى المشهور في عصرنا لاسم ( أهل السنة والجماعة ) أنهم أتباع المذاهب الأربعة المعروفة بالمذاهب السنية : المالكي والحنفي والشافعي والحنبلي .
وفي المقابل يزعم السلفيون أو الوهابيون أنهم هم ( أهل السنة والجماعة ) مع أن أسلافهم متعصبةُ الحنابلة كانوا يعرفون باسم : المجسمة ، أو حشوية أهل الحديث . لكنهم يحاولون إثبات أن أئمة المذاهب وكبار علمائها كانوا يقولون مثلهم بالتجسيم ، ويفسرون الصفات الإلهية على ظاهرها الحسي بلا تأويل !
لكن عند البحث عن أصل هذه التسمية نكتشف أن معنى ( أهل السنة ) عند الأمويين ليس الحديث النبوي ، بل أهل سنة أبي بكر وعمر وعثمان ! وأن السنة التي أمر عمر بن عبد العزيز بتدوينها هي سنة الخلفاء إلى جانب أحاديث النبي صلى الله عليه وآله !
فقد كتب في مرسومه إلى ابن حزم : ( أنظر ما كان من حديث رسول الله ( ص ) ، أو سنة ماضية ، أو حديث عمرة ، فاكتبه فإني خشيت دروس العلم وذهاب أهله ) . ( طبقات ابن سعد : 8 / 480 ) ( أنظر ما كان من حديث رسول الله ، أو سنة ، أو حديث عمر ، أو نحو هذا ، فاكتبه لي ) . ( تنوير الحوالك ص 6 ) .
وفي طبقات ابن سعد : 2 / 388 : ( وأخبرت عن عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر أخبرني صالح بن كيسان قال : اجتمعت أنا والزهري ونحن نطلب العلم فقلنا نكتب السنن ، قال وكتبنا ما جاء عن النبي ( ص ) قال : ثم قال : نكتب ما جاء عن الصحابة فإنه سنة ! قال قلت إنه ليس بسنة فلا نكتبه ، قال فكتب ولم أكتب فأنجح وضيعت . . . ! ! ) . انتهى . فهذه النصوص تدل على أن مقصود الخليفة الأموي بالسنة الماضية ليس الحديث والسنة النبوية ، فقد جعلها قسيماً لحديث النبي صلى الله عليه وآله !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 81 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قد يقال : إن السنة عند الزهري وبني أمية تعني سنة النبي صلى الله عليه وآله ، لكنها تشمل أيضاً سنة الخلفاء وسيرتهم ؟
والجواب : أن هذا صحيح في فهمنا اليوم ، لكن في مرسوم عمر بن عبد العزيز : ( أنظر ما كان من حديث رسول الله ، أو سنة ، أو حديث عمر ، أو نحو هذا ، فاكتبه لي ) فقد جعل ( السنَّة الماضية ) مقابل الحديث النبوي ، مضافاً إلى القرائن الأخرى على أنهم كانوا يستعملون السنة في عصر عمر وعثمان ومعاوية بمعنى سنة الخلفاء دون سنة النبي ! وأحياناً بمعنى يشمل سنة النبي صلى الله عليه وآله وسنة أبي بكر وعمر ، وأحياناً يعبرون بسيرة أبي بكر وعمر ! فقد جعلوا أقوال أبي بكر وعمر وعملهما سنة كسنة النبي صلى الله عليه وآله ! كما رأيت في مناقشة صالح بن كيسان للزهري !
ولذلك رفض علي عليه السلام في الشورى عرض عبد الرحمن بن عوف عليه أن يبايعه على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسنة الشيخين ، لأنه يعني أن يعترف بأن سيرتهما جزءٌ من الإسلام !
ففي مسند أحمد : 1 / 75 : ( عن أبي وائل قال : قلت لعبد الرحمن بن عوف : كيف بايعتم عثمان وتركتم علياً ؟ قال : ما ذنبي ، قد بدأت بعلي فقلت أبايعك على كتاب الله وسنة رسوله وسيرة أبي بكر وعمر ؟ قال فقال : فيما استطعت . قال : ثم عرضتها على عثمان فقبلها ) .
وفي فتح الباري : 13 / 171 : ( فقال أي عبد الرحمن مخاطباً لعثمان : أبايعك على سنة الله وسنة رسوله وخليفتيه من بعده . . . فقال نعم فبايعه ) .
وفي الفصول للجصاص : 4 / 55 : ( فقال علي : أعمل بكتاب الله وسنة نبيه ، واجتهاد رأيي ، وعرضه على عثمان فقبله على ما شرطه عليه ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 82 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي محصول الرازي : 6 / 87 : ( قال لعثمان أبايعك على كتاب الله وسنة رسوله وسيرة الشيخين ، فقال نعم ، وكان ذلك بمشهد من عظماء الصحابة ولم ينكر عليه أحد فكان ذلك إجماعاً ! فإن قلت : إن علياً خالف فيه ؟ قلت : إنه لم ينكر جوازه لكنه لم يقبله ونحن لا نقول بوجوبه ) . ونحوه في أحكام الآمدي : 4 / 207 وغيره .
وفي كفاية الخطيب ص 150 : ( عن ابن سيرين قال : كان في زمن الأول الناس لا يسألون عن الإسناد حتى وقعت الفتنة ، فلما وقعت الفتنة سألوا عن الإسناد ليحدث حديث أهل السنة ، ويترك حديث أهل البدعة ) . انتهى .
يقصد بذلك أنه بعد فتنة عثمان صار المطلوب عند المحدثين أن يكون الراوي من أهل السنة أي سنة عمر ، وإن كان شيعياً فيجب أن يكون حديثه حديث أهل السنة ، أي يرتضيه أهل سنة عمر !
وفي أمالي الطوسي ص 709 : ( فقال علي عليه السلام : عليَّ عهد الله وميثاقه ، لئن وليت أمركم لأعملن بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله ) .
سنة عمر مطلب لدهماء الناس !
فقد عمل عمر على تركيز سنته في دهماء الناس تشبُّهاً برسول الله صلى الله عليه وآله !
روى مالك في الموطأ : 2 / 824 ، عن عمر : ( ثم قدم المدينة فحطب الناس ، فقال : أيها الناس : قد سنت لكم السنن ، وفرضت لكن الفرائض ، وتركتم على الواضحة . إلا أن تضلوا بالناس يميناً وشمالاً ) . انتهى .
وكان بعضهم مشغوفاً بسنة عمر حتى لو كانت مخالفة لسنة رسول الله صلى الله عليه وآله !
وعندما يقول السنيون سنة الخلفاء أو سنة الصحابة ، فالعمدة فيها سنة عمر بن الخطاب ، لأن خلافة أبي بكر كانت قصيرة ، وعثمان مختلف فيه عندهم .
وقد أفرط أتباع عمر في إطاعته في حياته وبعد وفاته ، حتى اشتكت عائشة من
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 83 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
اتِّباع الناس لعمر في تحريمه الطيب في مني ، فقالت : ( كنت أطيِّب رسول الله ( ص ) إذا رمى جمرة العقبة قبل أن يفيض ، فسنة رسول الله أحق أن يؤخذ بها من سنة عمر ) . ( إرواء الغليل للألباني : 4 / 239 ، قال : أخرجه الطحاوي : 1 / 421 بسند صحيح ) .
واشتكى من ذلك عبد الله بن عمر ! قال ابن كثير في سيرته : 4 / 278 : ( وقد كان الصحابة يهابونه كثيراً ، فلا يتجاسرون على مخالفته غالباً ، وكان ابنه عبد الله يخالفه فيقال له : إن أباك كان ينهى عنها ، ( أي متعة الحج وهي الإحلال من الإحرام بعد العمرة ) فيقول : لقد خشيت أن تقع عليكم حجارة من السماء ، قد فعلها رسول الله ! أفسنة رسول الله نتبع ، أو سنة عمر بن الخطاب ؟ ! ) !
وقد اشتكى من ذلك أمير المؤمنين علي عليه السلام في خطبة بليغة رواها في الكافي بسند صحيح : 8 / 58 ، قال : ( خطب أمير المؤمنين عليه السلام فحمد الله وأثنى عليه ثم صلى على النبي صلى الله عليه وآله ، ثم قال : ألا إن أخوف ما أخاف عليكم خَلتان : اتباع الهوى ، وطول الأمل ، أما اتباع الهوى فيصد عن الحق ، وأما طول الأمل فينسي الآخرة .
إلا إن الدنيا قد ترحلت مدبرة ، وإن الآخرة قد ترحلت مقبلة ، ولكل واحدة بنون ، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا ، فإن اليوم عملٌ ولا حساب ، وإن غداً حسابٌ ولا عمل .
وإنما بدءُ وقوع الفتن من أهواءٌ تتبع وأحكام تبتدع ، يخالف فيها حكم الله يتولى فيها رجالٌ رجالاً !
إلا إن الحق لو خَلُصَ لم يكن اختلاف ، ولو أن الباطل خلص لم يَخْفَ على ذي حجى ، لكنه يؤخذ من هذا ضِغْثٌ ومن هذا ضغثٌ فيمزجان فيجللان معاً ، فهنالك يستولي الشيطان على أوليائه ، ونجا الذين سبقت لهم من الله الحسنى !
إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : كيف أنتم إذا لبستم فتنة يربو فيها الصغير ويهرم فيها الكبير ، يجري الناس عليها ويتخذونها سنة ، فإذا غير منها شئ قيل : قد غيرت السنة وقد أتى الناس منكراً !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 84 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم تشتد البلية وتسبى الذرية وتدقهم الفتنة كما تدق النار الحطب وكما تدق الرحا بثفالها ، ويتفقهون لغير الله ويتعلمون لغير العمل ، ويطلبون الدنيا بأعمال الآخرة .
ثم أقبل بوجهه وحوله ناس من أهل بيته وخاصته وشيعته فقال :
قد عملت الولاة قبلي أعمالاً خالفوا فيها رسول الله صلى الله عليه وآله متعمدين لخلافه ، ناقضين لعهده ، مغيرين لسنته ، ولو حَمَلتُ الناس على تركها وحوَّلتها إلى مواضعها وإلى ما كانت في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله لتفرق عني جندي ، حتى أبقى وحدي ، أو في قليل من شيعتي الذين عرفوا فضلي وفرض إمامتي من كتاب الله عز وجل وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله ! ! أرأيتم لو أمرتُ بمقام إبراهيم عليه السلام فرددته إلى الموضع الذي وضعه فيه رسول الله صلى الله عليه وآله ، ورددتُ فدك إلى ورثة فاطمة عليهما السلام ، ورددتُ صاع رسول صلى الله عليه وآله كما كان وأمضيتُ قطائع أقطعها رسول الله صلى الله عليه وآله لأقوام لم تمض لهم ولم تنفذ ، ورددت دار جعفر إلى ورثته وهدمتها من المسجد ، ورددت قضايا من الجور قضي بها ، ونزعت نساءً تحت رجال بغير حق فرددتهن إلى أزواجهن واستقبلت بهن الحكم في الفروج والأرحام ، وسبيت ذراري بني تغلب ، ورددت ما قسم من أرض خيبر ، ومحوت دواوين العطايا ، وأعطيت كما كان رسول الله صلى الله عليه وآله يعطي بالسوية ، ولم أجعلها دولة بين الأغنياء ، وألقيت المساحة ، وسويت بين المناكح وأنفذت خُمس الرسول كما أنزل الله عز وجل وفرضه ، ورددت مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله إلى ما كان عليه ، وسددت ما فتح فيه من الأبواب ، وفتحت ما سدَّ منه ، وحرمت المسح على الخفين ، وحددت على النبيذ ، وأمرت بإحلال المتعتين ، وأمرت بالتكبير على الجنائز خمس تكبيرات ، وألزمت الناس الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم وأخرجت من أدخل مع رسول الله صلى الله عليه وآله في مسجده ممن كان رسول الله أخرجه ، وأدخلت من أخرج بعد رسول الله صلى الله عليه وآله ممن كان رسول الله أدخله ، وحملت الناس على حكم القرآن وعلى الطلاق على السنة ، وأخذت الصدقات على أصنافها وحدودها ، ورددت الوضوء والغسل والصلاة إلى مواقيتها وشرائعها ومواضعها ، ورددت أهل نجران إلى مواضعهم ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 85 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ورددت سبايا فارس وسائر الأمم إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله ، إذن لتفرقوا عني ! ! والله لقد أمرت الناس أن لا يجتمعوا في شهر رمضان إلا في فريضة ، وأعلمتهم أن اجتماعهم في النوافل بدعة ، فتنادى بعض أهل عسكري ممن يقاتل معي : يا أهل الإسلام غُيِّرتْ سنة عمر ، ينهانا عن الصلاة في شهر رمضان تطوعاً ! ولقد خفت أن يثوروا في ناحية جانب عسكري ! !
ما لقيتُ من هذه الأمة من الفرقة ، وطاعة أئمة الضلالة والدعاة إلى النار ) ! !
وقد كان ملوك بني أمية يستكتبون الناس سنة عمر ليختاروا منها ما يلائمهم ، وفي نفس الوقت نقم بعض الناس على عثمان وغيره من الحكام الأمويين لأنهم تركوا سنة عمر !
إن هذه النصوص وغيرها تثبت أن سنة عمر جُعلت إلى جانب سنة النبي صلى الله عليه وآله بل كانت مقدمة عليها ، وأن اسم أهل السنة كان يطلق على أتباع سنة عمر ، كما كان يطلق على أتباع سنة النبي صلى الله عليه وآله !
وأن معنى السنة الممضاة ، أي المتبعة عند الناس ، التي أصدر عمر بن عبد العزيز مرسومه بتدوينها هي سنة عمر ! فقد جعلها في صف حديث النبي صلى الله عليه وآله وحديث عمر ، وحديث عمرة بنت عبد الرحمن ، الراوية عن عائشة !
وأن حكم علي عليه السلام قد استطاع أن يحدث موجة نبوية ، ويهزَّ وجدان المسلمين في أمور كثيرة ، منها التمييز بين سنة النبي صلى الله عليه وآله وسنة عمر !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 86 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأسئلة
1 - ماذا تفهمون من تبني الدولة الأموية لتدوين سنة عمر إلى جانب سنة رسول الله صلى الله عليه وآله ؟
2 - بماذا تفسرون قول عمر ( الموطأ : 2 / 824 ) : ( أيها الناس : قد سنت لكم السنن ، وفرضت لكن الفرائض ، وتركتم على الواضحة ، إلا أن تضلوا بالناس يميناً وشمالاً ) .
3 - ما هو موقفكم من قول عمر وفعله وتقريره ، هل تعتبرونه جزء من الدين كسنة النبي صلى الله عليه وآله ، حتى لو خالف النبي صلى الله عليه وآله ؟ !
4 - لماذا شرط عبد الرحمن بن عوف على عليِّ عليه السلام العمل بسنة الشيخين وهو يعرف أن علياً عليه السلام لا يقبل بذلك ، بينما صهره عثمان يقبل بأي شرط ؟ !
5 - ما قولكم في نقمة عبد الرحمن بن عوف على عثمان بعد مدة قصيرة من خلافته ، واتهامه له بالانحراف عن الإسلام ، وموته مهاجراً له ؟ !
6 - ما رأيكم فيما جاء في خطبة عليٍّ عليه السلام من مخالفات عمر وأبي بكر وعثمان وتحريفات الإسلام في عصرهم ، وبماذا تفسرون قوله عليه السلام : ( ما لقيت من هذه الأمة من الفرقة ، وطاعة أئمة الضلالة والدعاة إلى النار ) ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 87 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة 127 : من هم أهل أهل سنة النبي صلى الله عليه وآله وأهل جماعة الإسلام

سمى معاوية السنة التي قتل فيها أمير المؤمنين عليه السلام واضطر الإمام الحسن عليه السلام للتنازل له عن الحكم ( عام الجماعة ) ، وبذلك أضافوا إلى اسم أهل السنة : أهل الجماعة . فأهل الجماعة الذي أطلقه معاوية لم يكن بمعنى جماعة الإسلام ، بل بمعنى اجتماعهم على خلافته !
قال ابن كثير في تفسيره : 4 / 567 : ( فإن معاوية بن أبي سفيان استقل بالملك حين سلم إليه الحسن بن علي الإمرة سنة أربعين ، واجتمعت البيعة لمعاوية وسمي ذلك عام الجماعة ، ثم استمروا فيها متتابعين بالشام وغيرها ، لم تخرج عنهم إلا مدة دولة عبد الله بن الزبير في الحرمين ) .
وفي مسند ابن راهويه : 4 / 21 : ( توفيت حفصة أم المؤمنين سنة إحدى وأربعين ، عام الجماعة ) .
وفي مقدمة ابن الصلاح ص 178 : ( أفضلهم على الإطلاق أبو بكر ثم عمر . ثم إن جمهور السلف على تقديم عثمان على علي . وقدَّم أهل الكوفة من أهل السنة علياً على عثمان ، وبه قال منهم سفيان الثوري أولاً ، ثم رجع إلى تقديم عثمان ، روى ذلك عنه وعنهم الخطابي . وممن نقل عنه من أهل الحديث تقديم عليٍّ على عثمان محمد بن إسحاق بن خزيمة . وتقديم عثمان هو الذي استقرت عليه مذاهب أصحاب الحديث ، وأهل السنة ) . انتهى .
فأهل السنة كما في هذا النص غير أصحاب الحديث النبوي ، وهم أهل سنة عمر الذين يفضلون عثمان على علي عليه السلام !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 88 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال الشيخ أبو رية في كتابه شيخ المضيرة أبو هريرة الدوسي ص 309 : ( إننا لا نعرف شيئاً اسمه ( أهل السنة ) ولا شيئاً آخر يقابلها من سائر الفرق ، أو المذاهب التي استحدثت بين المسلمين لتعريفهم ، وبخاصة فإن وصف أهل السنة هذا لم يكن معروفاً قبل معاوية بن أبي سفيان ، وقد استحدثوه في عهده في العام الذي وصفوه بأنه ( عام الجماعة ) نفاقاً للسياسة لعنها الله ، وما كان إلا عام الفرقة ) .
وفي الطرائف للسيد ابن طاووس ص 205 : ( وجه تسميتهم بأهل السنة والجماعة : ومن ذلك ما ذكره الشيخ العسكري في كتاب الزواجر وهو من علماء السنة قال : إن معاوية سمى العام عام السنة . ومن ذلك ما ذكر ابن عبد ربه في كتاب العقد الفريد قال : لما صالح الحسن معاوية سمى ذلك العام عام الجماعة ) .
وروى في كنز العمال : 8 / 439 ، عن ابن عساكر ، وصححه : ( عن ربيعة بن قسيط أنه كان مع عمرو بن العاص عام الجماعة وهم راجعون ، فمُطروا دماً عبيطاً قال ربيعة : فلقد رأيتني أنصب الإناء فيمتلي دماً عبيطاً ! فظن الناس أنها هي دماء الناس بعضهم في بعضهم ، فقام عمرو بن العاص فأثنى على الله بما هو أهله ، ثم قال : يا أيها الناس أصلحوا ما بينكم وبين الله تعالى ، ولا يضركم لو اصطدم هذا الجبلان ) .
وقال ابن أبي الحديد في شرح النهج : 11 / 44 : روى أبو الحسن علي بن محمد بن أبي سيف المدايني في كتابه ( الأحداث ) : كتب معاوية نسخة واحدة إلى عماله بعد عام الجماعة : أن برئت الذمة ممن روى شيئاً من فضل أبي تراب وأهل بيته ، فقامت الخطباء في كل كورة وعلى كل منبر يلعنون علياً ويبرؤون ويقعون فيه وفي أهل بيته ، وكان أشد كل الناس بلاء حينئذ أهل الكوفة !
وكتب معاوية إلى عماله في جميع الآفاق ألا يجيزوا لأحد من شيعة علي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 89 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأهل بيته شهادة ! وكتب إليهم : أن انظروا من قبلكم من شيعة عثمان محبيه وأهل ولايته ، والذين يروون فضائله ومناقبه ، فأدنوا مجالسهم وقربوهم وأكرموهم واكتبوا لي بكل ما يروي كل رجل منهم واسمه واسم أبيه وعشيرته ، ففعلوا ذلك حتى أكثروا في فضائل عثمان ومناقبه ، لما كان يبعث إليهم معاوية من الصلات والكساء والحباء والقطائع !
ثم كتب إلى عماله : إن الحديث في عثمان قد كثر وفشا في كل مصر وفي كل وجه وناحية ، فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الأولين ، ولا تتركوا خبراً يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلا وتأتوني بمناقض له في الصحابة ، فإن هذا أحبُّ إليَّ وأقرُّ لعيني وأدحضُ لحجة أبي تراب وشيعته ، وأشد إليهم من مناقب عثمان وفضله .
فقرئت كتبه على الناس ، فرويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها ، وجدَّ الناس في رواية ما يجري هذا المجرى ، حتى أشادوا بذكر ذلك على المنابر ، وألقيَ إلى معلمي الكتاتيب فعلموا صبيانهم وغلمانهم من ذلك الكثير الواسع ، حتى رووه وتعلموه كما يتعلمون القرآن ، وحتى علموه بناتهم ونسائهم وخدمهم وحشمهم ، فلبثوا بذلك ما شاء الله .
ثم كتب إلى عماله نسخة واحدة إلى جميع البلدان : أنظروا من قامت عليه البينة أنه يحب علياً وأهل بيته فامحوه من الديوان ، وأسقطوا عطاءه ورزقه !
وشفع ذلك بنسخة أخرى : من اتهمتموه بموالاة هؤلاء القوم فنكلوا به واهدموا داره ! ! فلم يكن البلاء أشد ولا أكثر منه بالعراق ولا سيما بالكوفة ، حتى أن الرجل من شيعة علي ليأتيه من يثق به فيدخل بيته فيلقي إليه سره ، ويخاف من خادمه ومملوكه ولا يحدثه ، حتى يأخذ عليه الإيمان الغليظة ليكتمن عليه !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 90 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فظهر حديثٌ كثيرٌ موضوعٌ وبهتانٌ منتشر ، ومضى على ذلك الفقهاء والقضاة والولاة ، وكان أعظم الناس في ذلك القراء المراءون والمستضعفون الذين يظهرون الخشوع والنسك ، فيفتعلون الأحاديث ليحظوا بذلك عند ولاتهم ، ويقربوا مجالسهم ويصيبوا بها الأموال والضياع والمنازل !
حتى انتقلت تلك الأخبار والأحاديث إلى أيدي الديانين الذين لا يتسلحون الكذب والبهتان ، فقبلوها ورووها وهم يظنون أنها حق ، ولو علموا أنها باطلة لما رووها ولا تدينوا بها .
فلم يزل الأمر كذلك حتى مات الحسن بن علي ، فازداد البلاء والفتنة ، فلم يبق أحد من هذا القبيل إلا وهو خائف على دمه ، أو طريد في الأرض !
ثم تفاقم الأمر بعد قتل الحسين ووليَ عبد الملك بن مروان ، فاشتد على الشيعة وولَّى عليهم الحجاج بن يوسف .
وقد روى ابن عرفة المعروف بنفطويه وهو من أكابر المحدثين وأعلامهم في تأريخه ما يناسب هذا الخبر وقال : إن أكثر الأحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة افتعلت في أيام بني أمية ، تقرباً إليهم بما يظنون أنهم يرغمون به أنوف بني هاشم ) . انتهى .
( راجع النصائح الكافية لمن يتولى معاوية : 97 - 99 والبحار 44 : 123 والنص والاجتهاد : 368 ) .
وفي العقد الفريد لابن عبد ربه : 4 / 349 : ( لما قدم أبو الأسود الدؤلي على معاوية عام الجماعة قال له معاوية : بلغني يا أبا الأسود أن علي بن أبي طالب أراد أن يجعلك أحد الحكمين ، فما كنت تحكم به ؟
قال : لو جعلني أحدهما لجمعت ألفاً من المهاجرين وأبناء المهاجرين ، وألفاً من الأنصار وأبناء الأنصار ، ثم ناشدتهم الله : المهاجرون وأبناء المهاجرين أولى بهذا الأمر أم الطلقاء ؟ ! قال له معاوية : لله أبوك أيَّ حَكَمٍ كنتَ تكون لو حكمت ) ! !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 91 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
جماعة الإسلام أهل الحق وإن قلوا
ومن الواضح أن معاوية لم يكن من أهل سنة النبي صلى الله عليه وآله فإنما أهلها من اتبعها وإن قلوا ، ولم يكن من جماعة الإسلام ، لأنهم أهل الحق وإن قلوا ، وقد روى تحديد جماعة المسلمين أهل البيت عليهم السلام عن النبي صلى الله عليه وآله وأعرض عنها مخالفوهم !
ففي أمالي الصدوق ص 413 : ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله : من فارق جماعة المسلمين فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه ، قيل : يا رسول الله وما جماعة المسلمين ؟ قال : جماعة أهل الحق وإن قلوا ) .
وفي المحاسن للبرقي : 1 / 220 : عن الإمام الصادق عن آبائه عليهم السلام : قال : ( سئل رسول الله صلى الله عليه وآله عن جماعة أمته ، فقال : جماعة أمتي أهل الحق وإن قلوا ) . وفي رواية أخرى : من كان على الحق وإن كانوا عشرة ) .
وفي الخصال للصدوق ص 584 : ( الجماعة أهل الحق وإن قلوا ، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال : المؤمن وحده حجة ، والمؤمن وحده جماعة ) .
وفي كتاب سليم بن قيس ص 484 : ( سأل ابن الكوَّا علياً عليه السلام عن السنة والبدعة وعن الجماعة والفرقة ، فقال عليه السلام : يا ابن الكوا حفظت المسألة فافهم الجواب : السنة والله سنة محمد صلى الله عليه وآله والبدعة ما فارقها . والجماعة والله مجامعة أهل الحق وإن قلوا ، والفرقة مجامعة أهل الباطل وإن كثروا ) .
وفي كنز العمال : 16 / 183 : عن كتاب وكيع ، من حديث طويل : ( عن يحيى بن عبد الله بن الحسن عن أبيه قال : كان علي يخطب فقام إليه رجل فقال يا أمير المؤمنين ! أخبرني من أهل الجماعة ، ومن أهل الفرقة ، ومن أهل السنة ، ومن أهل البدعة ؟
فقال : ويحك ، أما إذ سألتني فافهم عني ، ولا عليك أن لا تسأل عنها أحداً بعدي :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 92 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فأما أهل الجماعة فأنا ومن اتبعني وإن قلوا ، وذلك الحق عن أمر الله وأمر رسوله فأما أهل الفرقة فالمخالفون لي ومن اتبعني وإن كثروا .
وأما أهل السنة فالمتمسكون بما سنه الله لهم ورسوله صلى الله عليه وآله وإن قلوا وإن قلوا . وأما أهل البدعة فالمخالفون لأمر الله ولكتابه ورسوله ، العاملون برأيهم وأهوائهم وإن كثروا . وقد مضى منهم الفوج الأول وبقيت أفواج ، وعلى الله قصمها واستئصالها عن جديد الأرض .
فقام إليه عمار فقال : يا أمير المؤمنين ، إن الناس يذكرون الفئ ويزعمون أن من قاتلنا فهو وماله وأهله فئٌ لنا وولده . فقام رجل من بكر بن وائل يدعى عباد بن قيس وكان ذا عارضة ولسان شديد فقال : يا أمير المؤمنين والله ما قسمتَ بالسوية ، ولا عدلتَ في الرعية !
فقال علي عليه السلام : ولمَ ويحك ؟ قال : لأنك قسمت ما في العسكر ، وتركت الأموال والنساء والذرية . فقال عباد : جئنا نطلب غنائمنا ، فجاءنا بالتُّرَّهات !
فقال له علي عليه السلام : إن كنت كاذباً فلا أماتك الله حتى تدرك غلام ثقيف !
فقال رجل من القوم : ومن غلام ثقيف يا أمير المؤمنين ؟ فقال عليه السلام : رجل لا يدع لله حرمة إلا انتهكها .
قال : فيموت أو يقتل ؟ قال عليه السلام : بلي يقصمه قاصم الجبارين قتلةً بموت فاحش يحترق منه دبره ، لكثرة ما يجري من بطنه . ( يقصد الحجاج الثقفي ، وهكذا مات ! )
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 93 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يا أخا بكر ! أنت امرؤ ضعيف الرأي ، أما علمت أنا لا نأخذ الصغير بذنب الكبير ! وأن الأموال كانت لهم قبل الفرقة وتزوجوا على رَشدة ، وولدوا على الفطرة ، وإنما لكم ما حوى عسكرهم ، وما كان في دورهم فهو ميراث لذريتهم ، فإن عدا علينا أحد منهم أخذناه بذنبه ، وإن كفَ عنا لم تحمل عليه ذنب غيره .
يا أخا بكر ! لقد حكمتُ فيهم بحكم رسول الله صلى الله عليه وآله في أهل مكة ، قسم ما حوى العسكر ولم يعرض لما سوى ذلك ، وإنما اتبعت أثره حذوَ النعل بالنعل .
يا أخا بكر ! أما علمت أن دار الحرب يحل ما فيها ، وأن دار الهجرة يحرم ما فيها إلا بحق ، فمهلاً مهلاً رحمكم الله ! فإن أنتم لم تصدقوني ، وأكثرتم عليَّ - - وذلك أنه تكلم في هذا غير واحد - فأيكم يأخذ أمه عائشة بسهمه ؟ !
قالوا أيُّنا يا أمير المؤمنين ؟ ! بل أصبت وأخطأنا ، وعلمت وجهلنا ، ونحن نستغفر الله ! وتنادى الناس من كل جانب : أصبت يا أمير المؤمنين ! أصاب الله بك الرشاد والسداد !
فقام عمار فقال : يا أيها الناس ! إنكم والله إن اتبعتموه وأطعتموه لم يضل بكم عن منهاج نبيكم قيد شعرة ، وكيف يكون ذلك وقد استودعه رسول الله المنايا والوصايا وفصل الخطاب ، على منهاج هارون بن عمران ، إذ قال له رسول الله صلى الله عليه وآله : أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ، فضلاً خصه الله به إكراماً منه لنبيه ، حيث أعطاه الله ما لم يعطه أحداً من خلقه .
ثم قال علي عليه السلام : أنظروا رحمكم الله ما تؤمرون به فامضوا له ، فإن العالم أعلم بما يأتي من الجاهل الخسيس الأخس ، فإني حاملكم إن شاء الله تعالى إن أطعتموني على سبيل الجنة ، وإن كان ذا مشقة شديدة ومرارة عتيدة ، وإن الدنيا حلوة الحلاوة لمن اغتر بها ، ومن بعدها الشقوة والندامة عما قليل ، ثم إني مخبركم أن خيلاً من بني إسرائيل أمرهم نبيهم أن لا يشربوا من النهر ، فلجُّوا في ترك أمره فشربوا منه إلا قليلاً منهم ، فكونوا رحمكم الله من أولئك الذين أطاعوا نبيهم ، ولم يعصوا ربهم .
وأما عائشة فأدركها رأي النساء ، وشئ كان في نفسها عليَّ يغلي في جوفها كالمرجل ، ولو دُعيت لتنال من غيري ما أتت إليَّ لم تفعل ! ولها بعد ذلك حرمتها الأولى ، والحساب على الله ، يعفو عمن يشاء ويعذب عمن يشاء .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 94 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فرضي بذلك أصحابه وسلموا لأمره بعد اختلاط شديد فقالوا : يا أمير المؤمنين حكمت والله فينا بحكم الله إنا جهلنا ومع جهلنا لم نأت ما يكره أمير المؤمنين ) .
* *
الأسئلة
1 - روى ابن سعد في الطبقات : 3 / 342 ، عن عبد الرحمن بن أبزى عن عمر قال : هذا الأمر في أهل بدر ما بقي منهم أحد ، ثم في أهل أحد ما بقي منهم أحد ، وفي كذا وكذا ، وليس فيها لطليق ولا لولد طليق ، ولا لمسلمة الفتح شئ ) . انتهى .
ورواه في تاريخ دمشق : 59 / 145 ، وفي أسد الغابة : 4 / 387 ، والإصابة : 4 / 70 . فقد حكم عمر أنه لا نصيب للطلقاء في الخلافة ، فكيف صار حكم معاوية شرعياً عندكم ؟ !
2 - صحح الشيخ الألباني الحديث النبوي الذي رواه ابن عساكر : 18 / 160 : ( أول من يغير سنتي رجل من بني أمية ) . وقال : ولعل المراد بالحديث تغيير نظام اختيار الخليفة ، وجعله وراثة ، والله أعلم ) ( الصحيحة : 4 / 329 - 330 ) . فكيف تصححون هذا الحديث وتقولون إن معاوية كان على سنة رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ !
3 - صحح الألباني حديث أن الخلافة ثلاثون سنة ، في صحيحته : 1 / 742 ، وقال : ( رواه أحمد ، وأبو داود ، والترمذي والحاكم . وهذا من دلائل صدق نبوة النبي ( ص ) فإن أبا بكر تولى عام 11 ه‍ ، وتنازل عنها الحسن بن علي عام 41 ه‍ . وهي ثلاثون عاماً كاملة ) . انتهى . وقد رويتم أن ما بعد الخلافة ملكٌ عضوضٌ يعضُّ المسلمين ، فكيف تسمون معاوية خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 95 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
4 - هل يشترط في أهل السنة أن يكونوا كثرة ؟ وفي جماعة الإسلام أن يكونوا جمهوراً واسعاً أو أكثرية ، وما هو الدليل الشرعي على ذلك ؟ !
5 - من هم جماعة الإسلام الذين أمرنا النبي صلى الله عليه وآله أن نكون معهم ، ونهانا عن مفارقتهم ؟ ! وهل يعقل أن يكون جماعة أمة النبي صلى الله عليه وآله بدون أهل بيته ، وقد قال صلى الله عليه وآله فيهم : إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ؟ !
6 - ما هي الأحكام الشرعية المتعلقة بالكثرة وسواد الأمة الإسلامية عندكم ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 96 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة 128 : أقدم نص ورد فيه اسم ( أهل السنة والجماعة )

لم أجد أثراً في مصادر المسلمين لاسم ( أهل السنة والجماعة ) ، لا في زمن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي عليه السلام ، إلا حديثاً نبوياً وردت فيه هذه التسمية وصفاً لشيعة علي والعترة الطاهرة عليهم السلام ، رواه الثعلبي المتوفى 427 ه‍ في تفسيره قال : ( عن الإمام محمد بن أسلم الطوسي ، عن يعلى بن عبيد ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن قيس بن أبي حازم ، عن جرير بن عبد الله البجلي قال قال رسول الله ( ص ) : من مات على حب آل محمد مات شهيداً .
ألا ومن مات على حب آل محمد مات مغفوراً له .
ألا ومن مات على حب آل محمد مات تائباً .
ألا ومن مات على حب آل محمد مات مؤمناً مستكمل الإيمان .
ألا ومن مات على حب آل محمد بشَّره ملك الموت بالجنة ثم منكر ونكير .
ألا ومن مات على حب آل محمد يزفُّ إلى الجنة كما تزف العروس إلى زوجها .
ألا ومن مات على حب آل محمد فتح الله له بابين من الجنة .
ألا ومن مات على حب آل محمد جعل الله زوار قبره ملائكة الرحمة .
ألا ومن مات على حب آل محمد مات على السنة والجماعة .
ألا ومن مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوباً بين عينيه آيسٌ من رحمة الله تعالى . ألا ومن مات على بغض آل محمد مات كافراً .
ألا ومن مات على بغض آل محمد لم يشم رائحة الجنة ) . انتهى .
ونقله عن الثعلبي كثيرون من علماء السنة ، كالزمخشري في الكشاف : 3 / 82 ، 339 الطبعة الثانية ، والقرطبي في تفسيره : 16 / 23 والفخر الرزي في تفسيره :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 97 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
27 / 165 ، والمقريزي في فضل آل البيت / 128 ، وابن الفوطي في الحوادث الجامعة ص 153 ، والحموي في فرائد السمطين ص 49 ، وابن حجر في الصواعق ص 109 أوله ، والحضرمي في رشفة الصادي ص 45 ، والقندوزي في ينابيع المودة 2 / 332 و : 3 / 139 ، والشبلنجي في نور الأبصار ص 104 ، والحنفي في أرجح المطالب ص 320 ، واللكهنوي في مرآة المؤمنين ص 5 .
ورواه من علمائنا محمد بن أحمد القمي المتوفى 412 ، في كتابه مائة منقبة ص 67 ، وهو المنقبة السابعة والثلاثون ، بسنده عن عبد الله بن عمر ، برواية أطول من رواية الثعلبي ، ومحمد بن علي الطبري المتوفى 525 ه‍ ، في كتابه بشارة المصطفى ص 305 .
ونقله العديد من علمائنا عن الثعلبي والزمخشري ، كالسيد ابن طاووس في الطرائف ص 159 ، عن الثعلبي ، وفي سعد السعود ص 141 عن الزمخشري ، والعلامة الحلي في الرسالة السعدية ص 22 ، والمجلسي في البحار : 23 / 233 ، عن الثعلبي ، وفي : 27 / 111 عن الكشاف والثعلبي ، وفي : 65 / 137 عن جامع البيان . وفي إحقاق الحق : 9 / 486 ، عن مخطوطة تفسير الثعلبي .
فيكون هذا الحديث أقدم نص ورد فيه تعبير أهل ( السنة والجماعة ) ، وتكون تسميتهم مأخوذة منه . ولم نجد حديثاً غيره فيه هذا الاسم إلا حديثاً مكذوباً ذكره ابن عدي في الكامل في الضعفاء ( 5 / 329 ) عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال : ( طوبى لأهل السنة والجماعة من أهل القرآن والذكر ) . وقال ابن عدي : هذا حديث منكر بهذا الإسناد ) . انتهى .
وقال الذهبي في ميزان الإعتدال : 2 / 641 : عبد الغفور ، أبو الصباح الواسطي ، عن أبي هاشم الرماني وغيره . قال يحيى بن معين : ليس حديثه بشئ . وقال ابن حبان :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 98 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كان ممن يضع الحديث . وقال البخاري : تركوه . وقال ابن عدي : عبد الغفور بن عبد العزيز أبو الصباح الواسطي . ضعيف منكر الحديث . . .
محمد بن عمرو بن حنان ، حدثنا بقية ، حدثنا عبدا لغفور الأنصاري ، عن عبد العزيز الشامي ، عن أبيه ، عن النبي ( ص ) قال : طوبى لأهل السنة والجماعة ، من أهل القرآن والذكر ) . انتهى .
وقد انتقد قدماء علمائنا تسمية من خالف أهل البيت عليهم السلام أنفسهم بأهل السنة والجماعة ، فقال الفضل بن شاذان الأزدي المتوفى 260 ه‍ في ( الإيضاح ) ص 503 : ( ومن جهة أخرى تروون عن المرجئة ويروون عنكم ، وتروون عن القدرية ويروون عنكم ، وتروون عن الجهمية ويروون عنكم ، فتقبلون منهم بعض أقاويلهم وتردون عليهم بعضها ، فلا الحق أنتم منه على ثقة ، ولا الباطل أنتم منه على يقين ، وأنتم عند أنفسكم أهل السنة والجماعة ، فهذه صفتكم التي تعرفونها من أنفسكم وتنطق بها عليكم ألسنتكم ! فالحمد لله الذي بصرنا ما جهلتم ، وعرفنا ما جحدتم ) . انتهى .
وقال القاضي النعمان المغربي المتوفى 363 ، في شرح الأخبار : 1 / 367 : ( والذي تعلق العامة به من قولهم إنهم أهل السنة والجماعة ، وإن النبي صلى الله عليه وآله ذكر السنة والجماعة وفضلهما ، فالسنة سنة رسول الله صلى الله عليه وآله لا يتهيأ لأحد أن يقول إنها سنة غيره . والجماعة الذين عناهم رسول الله صلى الله عليه وآله بالفضل هم المجتمعون على القوام بكتاب الله جل ذكره وسنة رسوله صلى الله عليه وآله فأما من قال في دين الله والحلال والحرام والقضايا والأحكام برأيه وبقياسه واستحسانه ، وبغير ذلك مما هو من ذات نفسه ، فليس من أهل السنة ولا من الجماعة التي أثنى عليها رسول الله صلى الله عليه وآله ) .
وقال أبو الفتح الكراجكي المتوفى 449 ه‍ ، في ( التعجب من أغلاط العامة ) ص 65 :
(
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 99 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ومن العجب أن يكون كل مجتهد مصيباً إلا الشيعة ، فإنهم في اجتهادهم على خطأ وبدعة ! وكل من أفتى في الإسلام بفتوى ، سواء قام إليها أم رجع إلى غيرها ، فهو من فقهاء الأمة ، وفتواه معدودة في خلاف أهل الملة ، وأقواله مسموعة ، وهو من أهل السنة والجماعة . إلا الأئمة من أهل بيت النبوة عليهم السلام فإن الباقر والصادق وآبائهما والأئمة من ذريتهما صلوات الله عليهم أجمعين ، ليسوا عندهم من الفقهاء ، ولا يعدون أقوالهم خلافاً ، ولا يصدقون لهم قولاً ، ولا يصوبون لهم فعلاً ، وليسوا من أهل السنة والجماعة ، ومن اتبعهم واقتدى بهم فهو من أهل البدعة ! وهذا من التجريد في العدواة إلى الغاية ! ! ) .
* *
الأسئلة
1 - هل عندكم نص ورد فيه استعمال تعبير ( أهل السنة والجماعة ) إسماً كالعلم أقدم من هذا النص ؟ وما دام هذا أقدم نص لهذا الاسم فكل الاستعمالات المتأخرة عنه تكون مأخوذة منه ، أو تحريفاً له ! ما رأيكم ؟ !
2 - لما ذا لا تقبلون تعريف النبي صلى الله عليه وآله لأهل السنة والجماعة بأنهم أتباع أهل بيته الطاهرين عليهم السلام بقوله : ( ألا ومن مات على حب آل محمد مات على السنة والجماعة ) . وقد بيَّنَ بذلك من هم أهل السنة وأهل البدعة والفرقة ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 100 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة 129 : موقف أهل البيت عليهم السلام من تغييب السنة

وقف علي وأئمة العترة النبوية عليهم السلام وشيعتهم ضد سياسة منع الحديث ، وكان علي عليه السلام وأهل بيته يحدِّثون المسلمين ، ويأمرون من يطيعهم بذلك .
روى في كنز العمال : 10 / 262 : ( عن علي ( ع ) قال : قال رسول الله ( ص ) : اكتبوا هذا العلم فإنكم تنتفعون به أما في دنياكم وأما في آخرتكم ، وإن العلم لا يضيِّع صاحبه ) .
وروى ابن شهرآشوب في الإحتجاج : 1 / 42 ، من حديث : ( ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله : يا معشر المسلمين واليهود : اكتبوا بما سمعتم ، فقالوا : يا رسول الله قد سمعنا ووعينا ولا ننسى . فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : الكتابة أذكر لكم ) .
وفي الكافي : 1 / 41 : ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله : تذاكروا وتلاقوا وتحدثوا ، فإن الحديث جلاء للقلوب ، إن القلوب لتَرِينُ كما يرينُ السيف ، وجلاؤها الحديث ) .
وفي الكافي : 1 / 52 : ( عن أبي بصير قال : سمعت أبا عبد الله ( الإمام الصادق عليه السلام ) يقول : اكتبوا ، فإنكم لا تحفظون حتى تكتبوا . . . وعن عبيد بن زرارة قال قال أبو عبد الله عليه السلام : احتفظوا بكتبكم فإنكم سوف تحتاجون إليها ) .
وفي الكافي : 1 / 57 : ( عن سماعة بن مهران ، عن أبي الحسن موسى ( الإمام الكاظم عليه السلام ) قال قلت : أصلحك الله أنا نجتمع فنتذاكر ما عندنا ، فلا يرِدُ علينا شئ إلا وعندنا فيه شئ مُسَطَّر ، وذلك مما أنعم الله به علينا بكم ، ثم يرد علينا الشئ الصغير ليس عندنا فيه شئ فينظر بعضنا إلى بعض ، وعندنا ما يشبهه فنقيس على أحسنه ؟ فقال : وما لكم وللقياس ! إنما هلك من هلك من قبلكم بالقياس ، ثم قال : إذا جاءكم ما تعلمون فقولوا به ، وإن جاءكم ما لا تعلمون فها ، وأهوى بيده إلى فيه ( أي اسكتوا ) . . .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 101 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فقلت : أصلحك الله أتى رسول الله صلى الله عليه وآله الناس بما يكتفون به في عهده ؟ قال : نعم وما يحتاجون إليه إلى يوم القيامة ، فقلت : فضاع من ذلك شئ ؟ فقال : لا ، هو عند أهله ) !
. . . عن أبي شيبة قال : سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول : ضلَّ علم ابن شبرمة عند الجامعة ، إملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وخط علي عليه السلام بيده ! إن الجامعة لم تدع لأحد كلاماً ، فيها علم الحلال والحرام . إن أصحاب القياس طلبوا العلم بالقياس فلم يزدادوا من الحق إلا بعداً . إن دين الله لا يصاب بالقياس ) . انتهى .
* *
الأسئلة
1 - قال عبد الله العاص في الصحيح عندكم : ( فنهتني قريش وقالوا أتكتب كل شئ تسمعه ورسول الله ( ص ) بشر يتكلم في الغضب والرضا ؟ ! فأمسكتُ عن الكتاب ، فذكرت ذلك لرسول الله ( ص ) ، فأومأ بإصبعه إلى فيه فقال : أكتب ، فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق ! ) .
فما رأيكم لو أن النبي صلى الله عليه وآله كان في زمن أبي بكر وعمر وقيل له : لقد نهتنا قريش عن كتابة سنتك ، فماذا تأمر ماذا يمكن أن يقول ؟ !
2 - ثبت عندكم أن النبي صلى الله عليه وآله قال : ( إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي ) ومعناه : خذوا سنتي من عترتي ، فلماذا لم يأخذ عمر والأمة السنة منهم عليهم السلام ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 102 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 103 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الثامن عشر: تَهَوُّك المخالفين لأهل البيت الطاهرين عليهم السلام

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 104 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 105 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة 130 : بماذا تفسرون إعجاب عمر بأحبار اليهود وثقافتهم ؟

كان عمر معجباً بثقافة اليهود ، حتى في حياة النبي صلى الله عليه وآله !
وكان يدرسُ عندهم في المدينة !
وقد عرَّبوا له التوراة وجاء بها إلى النبي صلى الله عليه وآله ليعترف بها ، فغضب صلى الله عليه وآله وزجره ! وله في ذلك قصص مع النبي صلى الله عليه وآله . قال السيوطي في أسباب النزول : 1 / 21 ، إن عمر كان يأتي اليهود فيسمع منهم التوراة .
وقال في الدر المنثور : 5 / 148 : ( وأخرج ابن الضريس عن الحسن أن عمر بن الخطاب قال : يا رسول الله إن أهل الكتاب يحدثونا بأحاديث قد أخذت بقلوبنا ، وقد هممنا أن نكتبها ؟ ! فقال ( ص ) : يا ابن الخطاب أمتهوكون أنتم كما تهوكت اليهود والنصارى ؟ ! أما والذي نفس محمد بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية ، ولكني أعطيت جوامع الكلم واختصر لي الحديث اختصاراً ! ) . انتهى .
وهذا يدل على أن عمر لم يكن وحده مغرماً بثقافة اليهود ، بل كان معه آخرون من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله ! وأنهم بلغ إعجابهم بأحاديث اليهود أنهم طلبوا من النبي صلى الله عليه وآله أن يجيز لهم كتابتها رسمياً ! ولعلهم كانوا كتبوها بالفعل لكنهم أرادوا من النبي صلى الله عليه وآله أن يمضي عملهم ويعطيه الشرعية !
ويدل طلبهم هذا فيما يدل على أن التدوين في مفهوم العرب كان يعني القبول والإعجاب ، وأن كل ما يأخذ بقلب الإنسان لبلاغته أو صدقه ، فهو يستحق الكتابة والتدوين ، لكي يحفظ ويستفاد منه .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 106 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ويدل على أن عمر وأبا بكر لم يكونا يعطيا هذا الاحترام لسنة النبي صلى الله عليه وآله ! !
فأي ظلم هذا ؟ !
وروى أحمد في مسنده : 3 / 469 ( عن عبد الله بن ثابت قال : جاء عمر بن الخطاب إلى النبي ( ص ) فقال : يا رسول الله إني مررت بأخ لي من قريظة فكتب لي جوامع من التوراة إلا أعرضها عليك ؟ ! قال فتغير وجه رسول الله ( ص ) قال عبد الله : فقلت له ألا ترى ما بوجه رسول الله ( ص ) ؟ فقال عمر : رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد رسولاً . قال فسري عن النبي ( ص ) ثم قال : والذي نفسي بيده لو أصبح فيكم موسى ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم ) . ( أحمد : 4 / 265 ، ونحوه الدارمي : 1 / 115 ، وغيرهما ) .
وفي الدر المنثور : 4 / 3 : ( وأخرج أبو يعلي ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ونصر المقدسي في الحجة ، والضياء في المختارة ، عن خالد بن عرفطة قال : كنت جالساً عند عمر إذ أتاه رجل من عبد القيس فقال له عمر أنت فلان العبدي . . . فقال ( عمر ) : انطلقت أنا فانتسخت كتاباً من أهل الكتاب ثم جئت به في أديم فقال لي رسول الله ( ص ) : ما هذا في يدك يا عمر ؟ فقلت يا رسول الله كتاب نسخته لنزداد به علماً إلى علمنا ! فغضب رسول الله ( ص ) حتى احمرت وجنتاه ! ! ثم نودي بالصلاة جامعة فقالت الأنصار : أغضب نبيكم ، السلاح ! فجاؤوا حتى أحدقوا بمنبر رسول الله ( ص ) فقال : يا أيها الذين آمنوا إني قد أوتيتُ جوامع الكلم وخواتيمه ، واختصر لي اختصاراً ، ولقد أتيتكم بها بيضاء نقية ، فلا تتهوكوا ولا يغرنكم المتهوكون ) ! انتهى .
وهذا يدل على أن عمر وجماعته كانوا متهوكين بالفعل ، لأن النبي صلى الله عليه وآله نهى المسلمين عن التهوك ، وعن الاغترار بالمتهوكين !
وفي سنن أبي داود : 2 / 403 ( عن الأقرع مؤذن عمر بن الخطاب ، قال بعثني عمر
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 107 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إلى الأسقف فدعوته فقال له عمر : وهل تجدني في الكتاب ؟ قال : نعم ، قال : كيف تجدني ؟ قال : أجدك قرناً ، فرفع عليه الدرة فقال : قرْنُ مَهْ ؟ فقال : قرن حديد أمينٌ شديد ، قال : كيف تجد الذي يجئ من بعدي ؟ فقال : أجده خليفة صالحاً غير أنه يؤثر قرابته ، قال عمر : يرحم الله عثمان ، ثلاثاً . فقال : كيف تجد الذي بعده ؟ قال : أجده صدأ حديد ، فوضع عمر يده على رأسه فقال : يا دفراه يا دفراه ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إنه خليفة صالح ولكنه يستخلف حين يستخلف والسيف مسلول والدم مهراق ! قال أبو داود : الدفر النتن ) . انتهى .
وهذا يدل على أن عمر أراد نقل الخلافة إلى عثمان ، وان الشورى كانت شكلية ، خاصة وأنه جعل حق النقض فيها لعبد الرحمن بن عوف صهر عثمان !
ويدل على أن عمر كان يؤمن بثقافة الأسقف النصراني ، لأنه أخذ علمه من أحبار اليهود ! ويؤمن بأن الأسقف يعلم أحداث المستقبل ، ولذا سأله عن مستقبل الدولة والأمة الإسلامية ، وقَبِلَ منه ، رغم أنه هدده بالضرب بالدرة !
إلى غير ذلك من النصوص العجيبة في احترام عمر لحاخامات اليهود وأساقفة النصارى ، الذين أخذت أحاديثهم بقلبه كأحاديث النبي صلى الله عليه وآله وأكثر !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 108 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأسئلة
1 - ألم يكن يعرف عمر أن الإسلام قد نسخ دين اليهود ، وأنهم أعدى أعداء الإسلام ونبيه صلى الله عليه وآله ؟ ! فبماذا تفسرون إصراره على الدراسة عندهم ؟ !
2 - ما هو هدف عمر وجماعته من طلبهم من النبي صلى الله عليه وآله أن يجيز لهم كتابة ثقافة اليهود ؟ !
3 - ما هو هدف اليهود من تعريب توراتهم المحرفة وإرسال عمر بها ، وطلبه من النبي صلى الله عليه وآله ليعترف بها ، فهل أرادوها أن تكون إلى جنب القرآن أو بديلاً له ؟ !
4 - يدل تحذير النبي صلى الله عليه وآله من المتهوكين على أنهم موجودون في عصره بالفعل ، وليس تحذيراً من جماعة فرضيين ، فمن هم غير عمر وجماعته ؟ !
وما رأيكم في أمة حذرها نبيها صلى الله عليه وآله من التأثر بجماعة تأثروا بثقافة اليهود فكانوا هم خلفاءها وحكامها ؟ !
5 - لماذا لا نجد فرقاً بين احترام عمر لثقافة اليهود ، واحترام عرب الجاهلية لها وإن وجدتم فرقأً فأخرجوه لنا ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 109 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة 131 : بماذا تفسرون المكانة التي أعطاها عمر لكعب الأحبار ؟

استمرت علاقة عمر باليهود بشكل مميز في حياة النبي وبعده صلى الله عليه وآله ، وعندما قدم الحاخام كعب الأحبار من اليمن إلى المدينة في خلافة عمر ولم يكن أعلن إسلامه ، خرج عمر لاستقباله إلى خارج المدينة ! وهو احترام وتعظيم خاص لم يسجله التاريخ من خليفةٍ لأحد من غير المسلمين !
ثم جعله عمر المستشار الثقافي الأول للخلافة الاسلامية ، فاستطاع كعب وتلاميذه أن يزرعوا التجسيم ويبثوا أنواع الإسرائيليات في عقائد المسلمين !
قال السيوطي في الدر المنثور : 2 / 168 : ( وأخرج ابن جرير ، عن عيسى بن المغيرة قال : تذاكرنا عند إبراهيم إسلام كعب فقال : أسلم كعب في زمان عمر ، أقبل وهو يريد بيت المقدس فمرَّ على المدينة فخرج إليه عمر ! فقال : يا كعب أسلم . قال ألستم تقرؤون في كتابكم : مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفاراً ، وأنا قد حُمِّلْتُ التوراة ! فتركه ) . انتهى .
ومعنى قوله فتركه ، أي لم يدعه بعدها إلى الإسلام ، لكنه قربه وكان يسمع منه !
ففي كنز العمال : 12 / 567 : عن طبقات ابن سعد : ( قال عمر بن الخطاب : والله ما أدري أخليفة أنا أم ملك ؟ . . . وعن نعيم بن حماد : أن عمر بن الخطاب قال : أنشدك بالله يا كعب أتجدني خليفة أم ملكاً ؟ قال : بل خليفة ، فاستحلفه فقال كعب : خليفة والله من خير الخلفاء ، وزمانك خير زمان ) . انتهى .
وفي الدر المنثور : 4 / 57 : ( عن الحسن البصري أن عمر قال لكعب : ما عدن ؟ قال هو قصر في الجنة لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد أو حاكم عدل ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 110 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي : 5 / 347 : ( قصور من ذهب في الجنة ، يسكنها النبيون ، والصديقون ، وأئمة العدل ) .
وفي كنز العمال : 12 / 561 ، عن ابن المبارك وأبي ذر الهروي في الجامع : ( عن الحسن قال : قال عمر بن الخطاب : حدثني يا كعب عن جنات عدن . قال : نعم يا أمير المؤمنين ، قصور في الجنة ، لا يسكنها إلا نبي أو صديق أو شهيد أو حاكم عدل ، فقال عمر : أما النبوة فقد مضت لأهلها ، وأما الصديقون فقد صدقت الله ورسوله ، وأما الحكم العدل ، فإني أرجو الله أن لا أحكم بشئ إلا لم آل فيه عدلاً ، وأما الشهادة فأنَّى لعمر بالشهادة ؟ ! ) . انتهى .
وفي تاريخ المدينة لعمر ابن شبة : 3 / 891 : ( لما قدم عمر من مكة في آخر حجة حجها أتاه كعب فقال : يا أمير المؤمنين اعهد فإنك ميت في عامك ! قال عمر وما يدريك يا كعب ؟ قال : وجدته في كتاب الله . قال : أنشدك الله يا كعب هل وجدتني باسمي ونسبي عمر بن الخطاب ؟ قال : اللهم لا ، ولكني وجدت صفتك وسيرتك وعملك وزمانك ) ! !
وقال ابن كثير في النهاية : 1 / 19 : ( كان يتحدث بين يدي عمر بن الخطاب بأشياء من علوم أهل الكتاب ، فيستمع له عمر تأليفاً له ، وتعجباً مما عنده مما يوافق كثير منه الحق الذي ورد به الشرع المطهر ، فاستجاز كثير من الناس نقل ما يورده كعب الأحبار لهذا ، ولما جاء من الإذن في التحديث عن بني إسرائيل ، لكن كثيراً ما يقع فيما يرويه غلط كبير وخطأ كثير ) . انتهى .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 111 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأسئلة
1 - ألم يكن في الصحابة عالمٌ حتى يحتاج عمر إلى حاخام يهودي يمني ، ويجعله مستشاره ومرجعه في أمور العقيدة ، وتفسير القرآن ، والتنبؤ بالمستقبل ؟ !
2 - المفروض أن يكون عمر أعلم من كعب الأحبار ، فقد كان مسلماً يسمع من النبي صلى الله عليه وآله ، وحتى في أحاديث اليهود فقد كان يدرس عندهم في بيت المدراس في المدينة ، وكان جار بني زريق اليهود ، لأن بيته في العوالي بينهم .
بينما كان كعب الأحبار حاخاماً عادياً عاش ودرس في اليمن ، ويهود اليمن أقل علماً من يهود المدينة وخيبر !
فكيف جعله مستشاره ومرجعه ومرجع المسلمين ؟ !
3 - هل توافقون ابن كثير في اعتذاره عن احترام عمر لكعب الأحبار وسماعه منه ، قال : ( فيستمع له عمر تأليفاً له ، وتعجباً مما عنده مما يوافق كثير منه الحق الذي ورد به الشرع ) . مع أن هذا خلاف الظاهر ، وخلاف تعظيم السنة المتبعين لعمر وتجليلهم لكعب الأحبار وإعجابهم بعلمه وتقواه !
قال الذهبي في تذكرة الحفاظ : 1 / 52 : ( هو كعب بن ماتع الحميري ، من أوعية العلم ومن كبار علماء أهل الكتاب ، أسلم في زمن أبي بكر ، وقدم من اليمن في دولة أمير المؤمنين عمر فأخذ عنه الصحابة وغيرهم ! ! وأخذ هو من الكتاب والسنة عن الصحابة ! ! وتوفي في خلافة عثمان ، وروى عنه جماعة من التابعين مرسلاً ، وله شئ في صحيح البخاري وغيره ) ! ! انتهى .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 112 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة 132 : بماذا تفسرون المكانة التي أعطاها عمر لتميم الداري ؟

تميم الداري من نصارى بلاد الشام ، كان يعمل في تجارة الخمر من الشام إلى الجزيرة ، وكان قصَّاصاً لقصص أهل الكتاب ، اليهود والنصارى .
وقد أعلن إسلامه قبيل وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسكن المدينة ، وكان مقرباً من اليهود ومن عمر وكعب الأحبار ، ونشط هو وتلامذته في إشاعة التجسيم والإسرائيليات في عقائد المسلمين !
وقد كتب عمر لتميم الداري مرسوماً خلافياً أن يقص قصص أهل الكتاب يوم السبت في مسجد النبي صلى الله عليه وآله ! وحضر أول جلسة احتراماً له وتأييداً !
ثم زاد في إكرامه فجعل له يومين في الأسبوع ! !
فقام تميم بنشر الإسرائيليات والأكاذيب ، كما ترى في أحاديثه ومنها حديث الجساسة والدجال في مسلم وغيره !
ومن أكاذيب تميم زعمه أنه كان يهدي إلى النبي صلى الله عليه وآله زقَّ خمر فيقبله منه ، حتى نزل تحريم الخمر ! مع أن تحريم الخمر نزل في السنة الثانية أو الثالثة ، وتميم جاء إلى المدينة بعد شمول الإسلام للجزيرة في السنة التاسعة أو العاشرة !
قال في فتح الباري : 8 / 209 : ( وروى أحمد وأبو يعلى من حديث تميم الداري أنه كان يهدي لرسول الله ( ص ) كل عام راوية خمر ، فلما كان عام حُرِّمت جاء براوية فقال : أشَعَرْتَ أنها قد حُرِّمت بعدك ؟ قال : أفلا أبيعها وأنتفع بثمنها فنهاه ) . !
ورواه الطبراني في الكبير : 2 / 57 وفيه : أهدى له راوية فضحك النبي ( ص ) فقال : إنها قد حُرِّمت ، قال : فأبيعها ؟ قال : إنه حرام شراؤها وثمنها ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 113 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي الدر المنثور : 2 / 317 : ( عن وهب بن كيسان قال : قلت لجابر بن عبد الله متى حُرِّمت الخمر ؟ قال : بعد أحد ) . انتهى . أي في السنة الثالثة للهجرة .
وفي مسند أحمد : 3 / 449 : ( عن الزهري عن السائب بن يزيد أنه لم يكن يُقَصُّ على عهد رسول الله ( ص ) ولا أبي بكر ، وكان أول من قَصَّ تميماً الداري استأذن عمر بن الخطاب أن يقصَّ على الناس قائماً ، فأذن له عمر ) . انتهى .
وهذا يشير إلى أنه كان قبل ذلك يقص وهو قاعد ، على شكل حلقة في المسجد ، ثم صارت حلقته قصصاً لمدة أطول بشكل رسمي وهو قائم ! !
وفي تاريخ المدينة لعمر بن شبة : 1 / 11 : ( عن ابن عمر قال : خرج عمر إلى المسجد فرأى حلقاً في المسجد فقال ما هؤلاء ؟ فقالوا قُصَّاص ، فقال : وما القُصَّاص ؟ سنجمعهم على قاصٍّ يقصُّ لهم في يوم سبت مرة ، إلى مثلها من الآخر ، فأمر تميم الداري . . . ثم روى رواية أحمد المتقدمة . . .
عن نافع : فأذن له قال : وجلس إليه هو وابن عباس ! وقال أبو عاصم مرة : وجلس إليه في أصحابه وهو يقص ، فسمعه يقول ( إياك وزلة العالم ) فأراد أن يسأله عنها ، فكره أن يقطع به !
قال : وتحدث هو وابن عباس وتميم يقص ، وقاما قبل أن يفرغ . . .
عن ابن شهاب أنه سئل عن القصص فقال : لم يكن إلا في خلافة عمر ، سأله تميم أن يرخص له في مقام واحد في الجمعة ، فرخص له فسأله أن يزيده فزاده مقاماً آخر ! ثم استخلف عثمان فاستزاده فزاده مقاماً آخر ، فكان يقوم ثلاث مرات في الجمعة ) . انتهى .
وثقافة القصاصين موضوع خطير ، ابتدعه عمر ، وفرضه على المسلمين بدون
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 114 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مشورة أحد من الصحابة ، لأجل ملأ فراغ الذي أحدثه تغييبه للسنة النبوية ! ومنعه البحث العلمي والسؤال عن تفسير القرآن !
وقد كتب عديدون في ثقافة القصاصين وتأثيرها في ثقافة المسلمين ، لكنها إلى الآن تحتاج إلى بحوث جادة تكشف دوافعها وموادها وتأثيراتها على الأمة !
وتدل هذه النصوص وغيرها وهي كثيرة ، على أن عمر اختار لتميم الداري يوم السبت ! ثم اختار تميم أن يضيف له يوم الجمعة ! ثم أضيف لهما يوم ثالث ! !
* *
الأسئلة
1 - لماذا أطلق عمر يد الحاخامات والقساوسة أمثال كعب ، وتميم ، وعبد الله ابن سلام ، وأولاد منبِّه ، لتدريس المسلمين قصص اليهود والنصارى في مسجد النبي صلى الله عليه وآله ، في الوقت الذي منع فيه من تدوين القرآن ، وكتابة الحديث ، بل منع الصحابة من مجرد التحديث عن النبي صلى الله عليه وآله !
2 - ألم يكن في صحابة النبي صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام علماء ووعاظ يستطيعون أن يعلموا الناس في المسجد النبوي معالم دينهم ، حتى احتاج الأمر إلى تميم وكعب وأمثالهم من قصاصين أهل الكتاب ؟ !
3 - هل تحكمون بعدالة كعب الأحبار وتميم الداري وأمثالهما من اليهود والنصارى ، الذين أسلموا بعد انتصار الإسلام وشموله الجزيرة ، وتقبلون الأساطير والإسرائيليات التي ترويها عنهم الصحاح والمسانيد ؟ !
4 - هل تقبلون أسطورة البيهقي التي رواها في دلائل النبوة : 6 / 80 ( باب ما جاء
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 115 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
في الكرامة التي ظهرت على تميم الداري شرفاً للمصطفى ( ص ) وتنويهاً باسم من آمن به : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ . . . فبينا نحن ذات يوم إذ خرجت نار بالحَرَّة ، فجاء عمر إلى تميم فقال : قم إلى هذه النار ، فقال يا أمير المؤمنين ومن أنا وما أنا ؟ قال : فلم يزل به حتى قام معه ، قال وتبعتهما فانطلقا إلى النار ، فجعل تميم يحوشها بيده حتى دخلت الشعب ، ودخل تميم خلفها ! قال : فجعل عمر يقول : ليس من رأى كمن لم يرَ . قالها ثلاثاً . لفظ حديث الصنعاني ) انتهى .
وهل تلاحظون محاولة الرواة تمرير المعجزات المزعومة للصحابة الذين يحبونهم ، بأنها شرف للمصطفى صلى الله عليه وآله ، بينما لا يروون لعترته وآله عليهم السلام مثلها ؟ !
5 - ما رأيكم في إهانة عمر للصحابي أبي بن كعب وضربه إياه ، لأنه خالف أمر عمر بعدم التحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وأنتم تسمونه سيد المسلمين ؟ ! فقد روى الدارمي : 1 / 132 : ( عن سليمان بن حنظلة قال : أتينا أبي بن كعب لنحدِّث إليه ، فلما قام قمنا ونحن نمشي خلفه ، فرهقنا عمر فتبعه فضربه عمر بالدرة ! قال فاتقاه بذراعيه فقال يا أمير المؤمنين ما تصنع ! قال : أوَما ترى ؟ فتنة للمتبوع مذلة للتابع ! ) .
وقد تقدم ذلك في المسألة ( 124 )
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 116 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة 133 : هل تثقون بالحاخامات والقساوسة وتطلبون منهم الدعاء ؟

صحَّ عندكم أن عائشة كانت إذا مرضت تستدعي يهودية لترقيها ! وأن أبا بكر أقرَّها على ذلك وشجعها ! فقد روى مالك في الموطأ : 2 / 943 ( عن يحيى بن سعيد عن عمرة بنت عبد الرحمن ، أن أبا بكر الصديق دخل على عائشة وهي تشتكي ويهودية ترقيها ! فقال أبو بكر : إرقيها بكتاب الله ) . انتهى .
وقد يكون قصد أبي بكر بقوله : ( إرقيها بكتاب الله ) التوراة وليس القرآن ، لأن اليهودية لاتحفظ القرآن ، ولا تعتقد به !
وقال الشافعي في كتاب الأم : 7 / 241 : ( باب ما جاء في الرقية . سألت الشافعي عن الرقية فقال : لا بأس أن يرقي الرجل بكتاب الله وما يعرف من ذكر الله . قلت : أيرقي أهل الكتاب المسلمين ؟ ! فقال : نعم ) ! !
* *
الأسئلة
1 - بماذا تفسرون أن زوجة النبي صلى الله عليه وآله تستدعي يهودية لتدعو لها وترقيها ؟ فهل تقولون إن عقيدة عائشة بالإسلام كانت ضعيفة ، وإنها تأثرت بنساء المدينة اللواتي كنَّ يعتقدن بثقافة اليهود ويسترقين نسائهن ، وأنها في ذلك لم تطع النبي صلى الله عليه وآله في نهيه عن التهوك ؟ !
2 - هل تعتقدون بأن اليهود أقرب إلى الله تعالى منكم ! وإذا مرض طالب علم منكم فهل تقتدون بعائشة وتأتون له بحاخام أو يهودي ليرقيه ، ويدعو له !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 117 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة 134 : احترام عمر وأتباعه للتوراة المحرفة !

نعتقد نحن الشيعة بأن التوراة والإنجيل الموجودَيْن محرَّفان ، لا يمكن الوثوق بنسختهما ولا الاعتماد عليها .
قال العلامة الحلي في تذكرة الفقهاء : 2 / 429 : ( لا يجوز الوقف على كتابة التوراة والإنجيل لأنهما منسوخان محرفان ، ولا نعلم فيه خلافاً ، لما روى العامة أن رسول الله صلى الله عليه وآله خرج إلى المسجد فرأى في يد عمر صحيفة فيها شئ من التوراة فغضب النبي صلى الله عليه وآله لما رأى الصحيفة مع عمر وقال له : أفي شك أنت يا بن الخطاب ألم آت بها بيضاء نقية ؟ ! لو كان أخي موسى حياً ما وسعه إلا اتِّباعي .
ولولا أن ذلك معصية لما غضب منه صلى الله عليه وآله .
وكذا لا يجوز الوقف على كتابة كتب الضلال وجميع ما لا يحل كتابته ، لأنها جهة محرمة ، قال الشيخ رحمه الله : المنع من الوقف على كتابة التوراة والإنجيل لاعتبار أنهما مبدَّلان محرَّفان ، لا باعتبار أنهما منسوخان ، لأن النسخ لا يذهب بحرمتهما ) .
وقال في الخلاف : 1 / 344 : ( إذا قرأ بالفارسية هل يكون قرآناً أم لا ، فعندنا لا يكون قرآناً ، وعنده ( أبو يوسف ) يكون قرآناً . . .
دليلنا : قوله تعالى : وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ . نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ . عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ . بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِين . . . ( الشعراء : 192 - 195 ) وإذا ثبت أنه بغير العربية لا يكون قرآناً سقط قولهم ، وثبت أنها لا تجزي ) . انتهى .
وقال الشيخ الطوسي في المبسوط : 1 / 107 : ( ولا يجوز أن يقرأ القرآن بغير لغة العرب ، بأي لغة كان ، ومتى قرأ بغير العربية على ما أنزله الله ، لم يكن ذلك قرآناً ولا تجزيه صلاته ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 118 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال المحقق الحلي في المعتبر : 2 / 166 : ( ولا تصح الصلاة مع الإخلال بالفاتحة عمداً ولو بحرف ، وكذا إعرابها وترتيب آيها ، وعليه علماؤنا أجمع ، أما بطلان الصلاة مع العمد فلقوله صلى الله عليه وآله : لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب ) . انتهى .
وفي المقابل نرى أن عمر وأتباعه من الصحابة والفقهاء ، يحترمون التوراة الموجودة إلى حد التقديس ، وقد تقدم أن عمر كان يدرسها عند اليهود ، وأنهم ترجموها له وجاء بها إلى النبي صلى الله عليه وآله لكي يعترف بها !
وقد وصل بهم الأمر أن زعموا أن النبي صلى الله عليه وآله أمر عبد الله بن سلام أن يقرأ التوراة ليلة والقرآن ليلة ! ( قال : قلت يا رسول الله قد قرأت القرآن والتوراة والإنجيل ؟ قال : إقرأ بهذا ليلة وبهذا ليلة . ) ! ( تاريخ دمشق : 29 / 131 ، والزوائد : 2 / 270 ، وكنز العمال : 13 / 481 ، وتذكرة الحفاظ : / 27 وقال : ( فهذا إن صح ففيه الرخصة في تكرير التوراة وتدبرها ) . راجع أيضاً الصحيح من السيرة : 1 / 102 .
وبعضهم يقول بصحة التوراة الموجودة وعدم تحريفها إلا في قولهم عزير بن الله ! وقد تقدم ذلك عن ابن تيمية في المجلد الأول ص 12 .
وزعم إمامهم عبد الله العاص أن التوراة والقرآن سَمْنٌ وعَسَل ! فقال : ( رأيت فيما يرى النائم كأن في إحدى أصبعيَّ سمناً وفي الأخرى عسلاً ، فأنا ألعقهما ، فلما أصبحت ذكرت ذلك لرسول الله ( ص ) فقال : تقرأ الكتابين التوراة والفرقان ! فكان يقرؤهما ) ! ! ( مسند أحمد : 2 / 222 ) .
فكان ابن العاص يخلط السمن بالعسل ويطعمه للمسلمين ! وقد فرح عندما عثر في حمص على حمل جملين من كتب اليهود والنصارى ، فنقلهما إلى المدينة ، وكان يحدث المسلمين منهما عن الله تعالى ورسله عليهم السلام !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 119 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال ابن حجر في فتح الباري : 1 / 167 : إنه قد ظفر في الشام بحمل جمل من كتب أهل الكتاب ، فكان ينظر فيها ويحدث منها ) . انتهى .
وقال عنه الشيخ محمود أبو رية في كتابه القيم شيخ المضيرة أبو هريرة ص 124 :
( هو أحد العبادلة الثلاثة الذين رووا عن كعب الأحبار ، وكان قد أصاب يوم اليرموك زاملتين من كتب أهل الكتاب ، وكان يرويها للناس ، فتجنب كثير من أئمة التابعين الأخذ عنه . وكان يقال له : لا تحدثنا من الزاملتين ) . انتهى .
ومعنى قولهم إنه كان يحدث منها : أنه كان يقرؤها ويختار ما أعجبه منها وينسبه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله كما تشهد به مروياته ! فأين الكذب المتعمد الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وآله : ( من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار ) ! !
وقد حاولوا تبرير فعل ابن عمرو وغيره بأن النبي صلى الله عليه وآله أجاز لهم التحديث عن اليهود ولا حرج ! !
قال ابن كثير في تفسيره : 1 / 5 : ( ولهذا غالب ما يرويه إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير في تفسيره عن هذين الرجلين ، ابن مسعود وابن عباس . ولكن في بعض الأحيان ينقل عنهم ما يحكونه من أقاويل أهل الكتاب التي أباحها رسول الله ( ص ) حيث قال بلغوا عني ولو آية ، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ، ومن كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار . رواه البخاري عن عبد الله بن عمرو . ولهذا كان عبد الله بن عمرو قد أصاب يوم اليرموك زاملتين من كتب أهل الكتاب ، فكان يحدث منهما بما فهمه من هذا الحديث من الإذن في ذلك ) ! ! انتهى . وعذر ابن كثير أقبح من ذنب ! لأن معناه أن النبي صلى الله عليه وآله أقر كل ثقافة اليهود والنصارى وأجاز نسبتها اليه ! ! وأننا عندما نجد حديثاً في البخاري وغيره يقول قال رسول الله . . فقد يكون من ثقافة اليهود ، لكن الصحابة نسبوه اليه بسبب قوله حدثوا عن أهل الكتاب ولا حرج ! !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 120 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد اعترفوا بأن الصحابي قد يكذب جهاراً على النبي صلى الله عليه وآله فيقول فعل رسول الله كذا . . فيجعله مقدمة لما حطَّبه من كتب اليهود مع أنه لم يفعل ذلك ! !
قال ابن كثير في النهاية : 2 / 12 : ( وقد روى الإمام أحمد عن يزيد بن هارون ، عن العوام بن حوشب ، حدثني مولى لعبد الله بن عمرو ، عن عبد الله قال : نظر رسول الله ( ص ) إلى الشمس حين غابت فقال : في نار الله الحامية ، لولا ما يَزَعُها من أمر الله لأحرقت ما على الأرض ) . فيه غرابة وفيه رجل منهم لم يسمَّ ، ورفعه فيه نظر وقد يكون موقوفاً من كلام عبد الله بن عمرو ، فإنه أصاب يوم اليرموك زاملتين من كتب المتقدمين فكان يحدث منها ) ! ! انتهى .
وقال في فتح الباري : 1 / 167 : إنه قد ظفر في الشام بحمل جمل من كتب أهل الكتاب فكان ينظر فيها ويحدث منها ) . انتهى .
ومعناه أن قول الراوي أو قول عبد الله العاص : ( نظر رسول الله ( ص ) إلى الشمس حين غابت فقال . . ) هو افتراءٌ متعمدٌ من أحدهما ، وأن النص ليس حديثاً نبوياً بل من الخيشتين اللتين جاء بهما ابن العاص من كتب اليهود ! !
وقد شهد ابن كثير في بعض روايات عبد الله بن عمرو بأنها أشبه بروايات عبد الله بن سلام ، فقد يكون اقتسم الزاملتين مع ابن عمرو العاص ، أو أصاب زاملتين غيرهما ، وما أكثر أحاديث الزوامل في الصحاح والمسانيد !
قال في النهاية : 2 / 398 : ( قلت : وهذا عن عبد الله بن سلام أشبه ، ولكن الرواية عن عبد الله بن عمرو أكثر ، مع أنه كان قد وجد يوم اليرموك زاملتين من كتب أهل الكتاب وكان يحدث عنهما كثيراً !
ثم قال ابن كثير : وليعلم أن كثيراً من السلف كانوا يطلقون التوراة على كتب أهل الكتاب ، فهي عندهم أعم من التي أنزلها الله على موسى ! وقد ثبت شاهد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 121 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ذلك من الحديث ) ! انتهى .
وهذه شهادة منه بأن رواياتهم عن النبي صلى الله عليه وآله التي رووها عن ابن سلام ، أو وهب ابن منبه ، وعبد الله العاص ، وعبد الله بن عمر ، وأبي هريرة ، وكعب الأحبار ، وأمثالهم ، وتلاميذهم . . فيها من مصادر أقل من توراتهم ، كالتلمود وكتب حاخامات اليهود ، وقساوسة النصارى العادية ، وأنهم كانوا يسمونها توراة ويروون عنها ! ! وهذا من أسوأ أنواع الخلط والخيانة العلمية !
أما فقهاؤهم فقد جوَّز بعضهم قراءة التوراة في الصلاة ! مع القرآن أو بدله ! !
قال النووي في روضة الطالبين : 8 / 58 : ( قلت : قال القفال في شرح التلخيص : لو قرأ التوراة الموجودة اليوم ، لم يحنث ، لأنا نشك أن الذي قرأه مبدل أم لا . والله أعلم ) . وقصده بقوله : لم يحنث ، لم تبطل صلاته ! ! .
وقال السرخسي في المبسوط : 1 / 234 : ( وأما إذا كان ما قرأ موافقاً لما في القرآن تجوز به الصلاة عند أبي حنيفة ، لأنه تجوز قراءة القرآن بالفارسية وغيرها من الألسنة ، فيجعل كأنه قرأ القرآن بالسريانية والعبرانية ، فتجوز الصلاة عنده ) !
وفي حاشية ابن عابدين : 1 / 523 : ( وإن قرأ المكتوب في الصحف الأولى إذا كان كالتسبيح ليس يغير ( يضر ) ، والصحف الأولى جمع صحيفة ، المراد بها التوراة والإنجيل والزبور ، وتمام الكلام في شروح الوهبانية ) .
وفي البحر الرائق : 1 / 347 : ( وفي الخلاصة : ولا ينبغي للحائض والجنب أن يقرأ التوراة والإنجيل . كذا روي عن محمد ) . انتهى .
وكل هذه المصائب جاءت من عمر ، الذي كان مشغوفاً بثقافة اليهود وتوراتهم وإسرائيلياتهم ، فقرَّب كعب الأحبار وابن سلام وتميماً الداري وأمثالهم !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 122 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأسئلة
1 - ما رأيكم في نُسَخ التوراة والإنجيل الموجودة ، هل هي محرفة ، أم يصح الاعتماد على شئ من نصوصها ؟ !
2 - كيف تفسرون التضارب بين كلام ابن تيمية وغيره الذين قالوا باعتبار نسخة التوراة الموجودة ما لم يثبت تحريفها ، وقول الذهبي في سير أعلام النبلاء : 2 / 418 : ( ونحن نعظم التوراة التي أنزلها الله على موسى عليه السلام ونؤمن بها ، فأما هذه الصحف التي بأيدي هؤلاء الضلال ، فما ندري ما هي أصلاًً ، ونقف ، فلا نعاملها بتعظيم ولا بإهانة ، بل نقول : آمناً بالله وملائكته وكتبه ورسله . ويكفينا في ذلك الإيمان المجمل ، ولله الحمد ) ؟ !
3 - كيف تفسرون ما رواه البخاري : 4 / 145 : ( عن عبد الله بن عمرو أن النبي ( ص ) قال : بلغوا عني ولو آية ، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ، ومن كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار ) ؟
أما نحن فنقول إن أصل الحديث قد يكون صحيحاً ، لكن جماعتكم حرفوا معناه ، قال الصدوق + في كتاب معاني الأخبار ص 158 : ( معنى قول النبي صلى الله عليه وآله : حدث عن بني إسرائيل ولا حرج : عن عبد الأعلى بن أعين قال : قلت لأبي عبد الله عليه السلام : جعلت فداك حديث يرويه الناس أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال : حدث عن بني إسرائيل ولا حرج ؟ قال : نعم . قلت : فنحدث عن بني إسرائيل بما سمعناه ولا حرج علينا ؟ ! قال عليه السلام : أما سمعت ما قال صلى الله عليه وآله : كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع ! فقلت : فكيف هذا ؟ قال : ما كان في الكتاب أنه كان في بني إسرائيل فحدث أنه كائن في هذه الأمة ، ولا حرج ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 123 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي الثاقب في المناقب لابن حمزة ص 306 : ( عن جابر بن عبد الله ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : حدثوا عن بني إسرائيل ولاحرج ، فإنه قد كانت فيهم الأعاجيب ، ثم أنشأ يحدث صلى الله عليه وآله فقال : خرجت طائفة من بني إسرائيل حتى أتوا مقبرة لهم ، وقالوا : لو صلينا فدعونا الله تعالى فأخرج لنا رجلاً ممن مات نسأله عن الموت ، ففعلوا ، فبينما هم كذلك إذ أطلع رجل رأسه من قبر بين عينيه أثر السجود ، فقال : يا هؤلاء ما أردتم مني ، لقد مِتُّ منذ عام وما سكنت عني حرارة الموت ، حتى كان الآن ، فادعوا الله أن يعيدني كما كنت !
قال جابر بن عبد الله : وقد رأيت وحقِّ الله وحقِّ رسول الله من الحسن بن علي أفضل وأعجب منها ، ومن الحسين بن علي أفضل وأعجب منها . . . الخ . ) .
4 - لماذا لا تقبلون تفسير أهل البيت عليهم السلام لحديث النبي صلى الله عليه وآله وأنتم تزعمون أنكم تحبونهم وتروون أن النبي صلى الله عليه وآله أمركم بالتمسك بالقرآن وبهم ؟ !
خاصة أنكم رويتم ما يؤيد تفسيرهم المتقدم ، ففي مسند أحمد : 3 / 12 ، عن أبي هريرة : ( فقلنا يا رسول الله أنتحدث عن بني إسرائيل ؟ قال : نعم ، تحدثوا عن بني إسرائيل ولاحرج ، فإنكم لا تحدثون عنهم بشئ إلا وقد كان فيهم أعجب منه ) .
وقال ابن عابدين في حاشية رد المحتار : 6 / 724 : ( وفي لفظ لأحمد بن منيع ، عن جابر : حدثوا عن بني إسرائيل فإنه كان فيهم أعاجيب .
وأخرج النسائي بإسناد صحيح عن أبي سعيد الخدري عن النبي ( ص ) أنه قال : حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ، وحدثوا عني ولا تكذبوا عليَّ ، فقد فرق عليه الصلاة والسلام بين الحديث عنه والحديث عنهم ، كما نقله البيهقي عن الشافعي ) .
وفي فتح الباري : 6 / 361 : ( وحدثوا عن بني إسرائيل ولاحرج : أي لا ضيق عليكم في الحديث عنهم . . . وقيل : معنى قوله ( لا حرج ) : لا تضيق صدوركم بما تسمعونه عنهم من الأعاجيب ، فإن ذلك وقع لهم كثيراً .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 124 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقيل : لا حرج في أن لا تحدثوا عنهم ، لأن قوله أولاً حدثوا صيغة أمر تقتضي الوجوب ، فأشار إلى عدم الوجوب وأن الأمر فيه للإباحة بقوله ولا حرج ، أي في ترك التحديث عنهم ) . انتهى .
فلماذا لا تأخذون بأحد هذه الوجوه في تفسير الحديث ، وهي موافقة لتفسير أهل البيت عليهم السلام ؟ !
5 - ألا ترون أن أكثر من روى حديث ( حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ) هو عبد الله العاص وأبو هريرة اللذان أكثرا من رواية أساطير اليهود والنصارى ، فلعلهما يريدان بوضع الحديث تبرير عملهما ؟
فحديث البخاري عن ابن العاص ( بلغوا عني ولو آية ، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ، ومن كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار ) . ورواه عنه أحمد : 2 / 159 , و 202 ، و 214 ، وعبد الرزاق : 6 / 109 ، والترمذي : 4 / 147 ، وابن بهرام الدارمي : 1 / 136 .
وحديث أبي هريرة رواه أحمد : 2 / 474 و 502 ، و أبو داود : 2 / 180 ، والشافعي في رسالته ص 397 .
قال السيد علي الشهرستاني في وضوء النبي : 2 / 500 : ( فيمكننا أن نطرح احتمالاً فيما رواه البخاري وغيره عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وآله قوله ( حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ) وأنها جاءت لإعذار أمثاله ممن رووه عن بني إسرائيل ، إذ لا يعقل أن يجيز النبي صلى الله عليه وآله كما في رواية عبد الله نقل الإسرائيليات ولاحرج ، ويحظر على الآخرين نقل روايته صلى الله عليه وآله كما جاء في نقل الآخرين عنه . وكذا يمكننا طرح احتمال آخر في سبب تسمية عبد الله صحيفته بالصادقة ، وأنها جاءت لرفع تشكيكات المشككين من الصحابة والتابعين ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 125 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وعدم اطمئنانهم بنقولاته عن رسول الله صلى الله عليه وآله لمخالفتها لما سمعوه وتلقوه عنه صلى الله عليه وآله ! فتأكيد عبد الله باختصاصه بتلك الأحاديث دون المسلمين ، وقوله : ( هذه الصادقة ، فيها ما سمعت من رسول الله ليس بيني وبينه فيها أحد ) ، قد تكون جاءت لرفع هذا التشكيك ) . انتهى . فما قولكم ؟ !
6 - كيف تجمعون بين نهي النبي صلى الله عليه وآله عن سؤال اليهود عن شئ من الدين ، وبين تجويزه الرواية عنهم وعن كتبهم بشكل مفتوح ؟ !
فقد روى عبد الرزاق في المصنف : 10 / 312 : ( عن زيد بن أسلم أن النبي ( ص ) قال : لا تسألوا أهل الكتاب عن شئ ، فإنهم إن يهدوكم قد أضلوا أنفسهم ! قيل : يا رسول الله ألا نحدث عن بني إسرائيل ؟ قال : تحدثوا ولا حرج ) ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 126 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة 135 : اليهود نَسَبوا الصفات البشرية المادية إلى الله تعالى !

افترى اليهود على الله تعالى ، ونفوا عنه العلم والعدل ! فقد جاء في توراتهم ص 6 : ( 8 . وسمعا صوت الرب الإله ماشياً في الجنة عند هبوب ريح النهار . فاختبأ آدم وامرأته من وجه الرب الإله في وسط شجر الجنة . 9 . فنادى الرب الإله آدم وقال له : أين أنت . 10 . فقال : سمعت صوتك في الجنة فخشيت لأني عريان فاختبأت . 11 . فقال : من أعلمك إنك عريان ، هل أكلت من الشجرة التي أوصيتك أن لا تأكل منها . 12 . فقال آدم : المرأة التي جعلتها معي ، هي أعطتني من الشجرة فأكلت ) . ! !
وجعلوه موجوداً مادياً يسكن في السماء ! ففي ص 579 من توراتهم :
( 18 . فقال ملك إسرائيل ليهوشافاط أما قلت لك أنه لا يتنبأ عليَّ خيراً بل شراً . 19 . وقال : فاسمع إذا كلام الرب . قد رأيت الرب جالساً على كرسيه وكل جند السماء وقوف لديه عن يمينه وعن يساره . 20 . فقال الرب : من يغوي أخآب فيصعد ويسقط في راموت جلعاد . فقال : هذا هكذا وقال : ذاك هكذا ) . انتهى .
وزعموا أن جدهم يعقوب صارعه فعجز الله أن يغلبه !
قال ابن حزم في الفصل : 1 جزء 1 / 141 : ( ذكر في هذا المكان ( من التوراة ) أن يعقوب صارع الله عز وجل . . . حتى قالوا إن الله عز وجل عجز عن أن يصرع يعقوب ! ! وفيه أن يعقوب قال : رأيت الله مواجهة وسلمت عليه ) ! !
ووصفوه بالطيش والغضب والظلم !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 127 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال الدكتور شلبي في مقارنة الأديان : 1 / 267 : ( يروى التلمود أن الله ندم لِمَا أنزله باليهود وبالهيكل ، ومما يرويه التلمود على لسان الله قوله : تب لي لأني صرحت بخراب بيتي وإحراق الهيكل ونهب أولادي ! !
وليست العصمة من صفات الله في رأي التلمود ، لأنه غضب مرة على بني إسرائيل فاستولى عليه الطيش ، فحلف بحرمانهم من الحياة الأبدية ، ولكنه ندم على ذلك بعد أن هدأ غضبه ، ولم ينفذ قسمه ، لأنه عرف أنه فعل فعلاً ضد العدالة ) . انتهى .
وقال الدكتور شلبي : 1 / 192 : ( على أن مسألة الألوهية كلها سواء اتجهت للوحدانية أو للتعدد ، لم تكن عميقة الجذور في نفوس بني إسرائيل ، فقد كانت المادية والتطلع إلى أسلوب نفعي في الحياة من أكثر ما يشغلهم ، وإذا تخطينا عدة قرون فإننا نجد الفكر اليهودي الحديث يجعل لليهود رباً جديداً نفعياً كذلك ، ذلك هو تربة فلسطين وزهر برتقالها !
والذي يقرأ رواية ( طوبى للخائفين ) للكاتبة اليهودية يائيل ديان ، ابنة القائد الصهيوني العسكري موشى ديان ، يجد أحد أبطالها إيفري ينصح ابنه الطفل بأن يتخلى عن الذهاب للكنيس ( معبد اليهود ) وأن يحول اهتمامه لإلاهه الجديد : تراب فلسطين ! ونقتبس فيما يلي سطوراً من هذه الرواية :
. . . الصبي يحب أن يذهب إلى الكنيس مع أمه ، ولكنه عندما عاد مرة من المعبد الذي لا يذهب إليه إلا القليلون ، ثار أبوه في وجهه بحديث له مغزى عميق قال له : أيام زمان حين كنا يهوداً في روسيا وغيرها ، كان من الضروري بالنسبة لنا أن نطيع التعليمات ونحافظ على ديننا ، فقد كان الدين اليهودي لنا وسيلتنا لنتعاون ونتعاطف ونذود عنا الردى ، أما الآن فقد أصبح لدينا شئ أهم هو الأرض ، أنت الآن إسرائيلي ولست مجرد يهودي ، إني قد تركت في روسيا كل شي ، ملابسي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 128 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ومتاعي وأقاربي وإلهي ، وعثرت هنا على رب جديد ، هذا الرب الجديد هو خصب الأرض وزهر البرتقال ! ألا تحس بذلك ؟ . . . وأخذ إيفري حفنة من تراب الأرض وسكبها في كف ابنه ، وقال له : امسك هذا التراب ، إقبض عليه ، تحسسه ، تذوقه ، هذا هو ربك الوحيد ، إذا أردت أن تصلي للسماء فلا تصل لها لكي تسكب الفضيلة في أرواحنا ، ولكن قل لها أن تنزل المطر على أرضنا ، هذا هو المهم : إياك أن تذهب مرة أخرى إلى المعبد ) ! !
وقال د . شلبي أيضاً : 1 / 267 : ( ويقرر التلمود أن الله هو مصدر الشر كما أنه مصدر الخير ، وأنه أعطى الإنسان طبيعة رديئة وسنَّ له شريعة لم يستطع بطبيعته الرديئة أن يسير على نهجها ، فوقف الإنسان حائراً بين اتجاه الشر في نفسه ، وبين الشريعة المرسومة إليه ، وعلى هذا فإن داود الملك لم يرتكب خطيئة بقتله أوريا واتصاله بامرأته ، لأن الله هو السبب في كل ذلك ! ! ) . ( التلمود شريعة إسرائيل ص 17 ) .
وتبعهم المتهوكون فقالوا بمادية الله تعالى وصفاته البشرية !
قال ابن تيمية في كتابه ( العقل في فهم القرآن ) ص 88 ، ما لفظه : ( ومن المعلوم لمن له عناية بالقرآن أن جمهور اليهود لا تقول إن عزيراً ابن الله ، وإنما قاله طائفة منهم ، كما قد نقل أنه قال فنحاص بن عازورا ، أو هو وغيره . وبالجملة ، إن قائلي ذلك من اليهود قليل ، ولكن الخبر عن الجنس كما قال : الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم . فالله سبحانه بيَّنَ هذا الكفر الذي قاله بعضهم وعابه به . فلو كان ما في التوراة من الصفات التي تقول النفاة إنها تشبيه وتجسيم فإن فيها من ذلك ما تنكره النفاة وتسميه تشبيهاً وتجسيماً بل فيها إثبات الجهة ، وتكلم الله بالصوت ، وخلق آدم على صورته وأمثال هذه الأمور ، فإن كان هذا مما كذبته اليهود وبدلته ، كان إنكار النبي ( ص ) لذلك وبيان ذلك أولى من ذكر
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 129 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ما هو دون ذلك ! فكيف والمنصوص عنه موافقٌ للمنصوص في التوراة ! فإنك تجد عامة ما جاء به الكتاب والأحاديث في الصفات موافقاً مطابقاً لما ذكر في التوراة ! ! وقد قلنا قبل ذلك إن هذا كله مما يمتنع في العادة توافق المخبرين به من غير مواطأة وموسى لم يواطئ محمداً ، ومحمد لم يتعلم من أهل الكتاب ، فدل ذلك على صدق الرسولين العظيمين ، وصدق الكتابين الكريمين ) . انتهى !
يقصد ابن تيمية أن الشئ الوحيد الذي عابه الله على اليهود في توحيدهم ، هو قولهم ( عزير ابن الله ) ، وهذا يعني أنه أقرَّ ما بقي من صفات تجسيم الله تعالى الموجودة في توراتهم ! !
وقال ابن تيمية في الإيمان ص 424 : ( وفي الصحيحين في حديث الشفاعة : يقول كل من الرسل إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله . . . وكذلك ضحكه إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر ، كلاهما يدخل الجنة ، وضحكه إلى الذي يدخل الجنة آخر الناس ويقول : أتسخر بي وأنت رب العالمين ! وكل هذا في الصحيح ) .
وقال المزي في تهذيب الكمال : 20 / 33 : ( وقال حنظلة بن أبي سفيان ، عن عروة بن محمد : لما استعملت على اليمن قال لي أبي : أوَلِيتَ اليمن ؟ قلت : نعم . قال : إذا غضبت فانظر إلى السماء فوقك وإلى الأرض أسفل منك ثم أعظم خالقهما .
وقال سماك بن الفضل : كنت عند عروة بن محمد جالساً وعنده وهب بن منبه فأتي بعامل لعروة فشكيَ ، فأكثروا عليه فقالوا : فعل وفعل وثبتت عليه البينة .
قال : فلم يملك وهب نفسه فضربه على قرنه بعصاً فإذا دماؤه تشخب وقال : أفي زمن عمر بن عبد العزيز تصنع مثل هذا !
قال : فاشتهاها عروة وكان حليماً واستلقى على قفاه وضحك ، وقال : يعيب علينا أبو عبد الله الغضب في حكمته ، وهو يغضب !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 130 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فقال وهب : وما لي لا أغضب وقد غضب خالق الأحلام ! إن الله تعالى يقول : فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ ، يقول : أغضبونا ) . انتهى .
فقد فسر وهب بن منبه قوله تعالى : فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ . ( الزخرف : 55 ) بأن الله تعالى يغضب كغضب البشر ، قياساً على ثقافته اليهودية التي تزعم أن الله تعالى استولى عليه الطيش فغضب مرةً على بني إسرائيل ، وحلف بحرمانهم من الحياة الأبدية ! !
لكن أهل البيت عليهم السلام قالوا إن الله تعالى عن أن يغضب كغضبنا ، وإن معنى ( آسَفُونَا ) أغضبوا أولياءنا ، ففي الكافي : 1 / 144 : عن الإمام الصادق عليه السلام قال :
( إن الله عز وجل لا يأسف كأسفنا ، ولكنه خلق أولياء لنفسه يأسفون ويرضون ، وهم مخلوقون مربوبون ، فجعل رضاهم رضا نفسه وسخطهم سخط نفسه ، لأنه جعلهم الدعاة إليه والأدلاء عليه ، فلذلك صاروا كذلك ، وليس أن ذلك يصل إلى خلقه ، لكن هذا معنى ما قال من ذلك . وقد قال : من أهان لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة ودعاني إليها ، وقال : مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ . وقال : إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إنما يُبَايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ ، فكل هذا وشبهه على ما ذكرت لك وهكذا الرضا والغضب وغيرهما من الأشياء مما يشاكل ذلك . لو كان يصل إلى الله الأسف والضجر وهو الذي خلقهما وأنشأهما ، لجاز لقائل هذا أن يقول : إن الخالق يبيد يوماً ما ، لأنه إذا دخله الغضب والضجر دخله التغيير ، وإذا دخله التغيير لم يؤمن عليه الإبادة ، ثم لم يعرف المكون من المكون ولا القادر من المقدور عليه ، ولا الخالق من المخلوق ! ! تعالى الله عن هذا القول علواً كبيراً ، بل هو الخالق للأشياء لا لحاجة ، فإذا كان لا لحاجة استحال الحد والكيف فيه ، فافهم إن شاء الله تعالى ) . انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 131 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أقول : ومما يؤيد تفسيرهم عليهم السلام قوله تعالى : فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ ، بأنهم آسفوا أولياءه ، أن فعل ( آسفونا ) جاء بجمع المتكلم ولم يقل : آسفوني . فمعناه آسفوا أولياءنا ، ونسب الفعل إلى نفسه لأن إغضابهم إغضاب له تعالى .
وروى الكليني في الكافي : 1 / 130 ، من حديث طويل : ( عن صفوان بن يحيى قال : سألني أبو قرة المحدث أن أدخله على أبي الحسن الرضا عليه السلام فأستأذنته فأذن لي ، فدخل فسأله عن الحلال والحرام ، ثم قال له : أفتقرُّ أن الله محمول ؟
فقال أبو الحسن : كل محمول للمفعول مضاف إلى غيره محتاج ، والمحمول اسم نقص في اللفظ ، والحامل فاعل وهو في اللفظ مدحة ، وكذلك قول القائل : فوق وتحت وأعلى وأسفل ، وقد قال الله : وَللهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ، ولم يقل في كتبه إنه المحمول ، بل قال إنه الحامل في البر وبالبحر والممسك السماوات والأرض أن تزولا ، والمحمول ما سوى الله ، ولم يسمع أحد آمن بالله وعظمته قط قال في دعائه : يا محمول !
قال أبو قرة : فتكذب بالرواية التي جاءت أن الله إذا غضب إنما يعرف غضبه أن الملائكة الذين يحملون العرش يجدون ثقله على كواهلهم فيخرون سجداً ، فإذا ذهب الغضب خفَّ ورجعوا إلى مواقفهم ؟
فقال أبو الحسن عليه السلام : أخبرني عن الله تبارك وتعالى منذ لعن إبليس إلى يومك هذا هو غضبانٌ عليه فمتى رضيَ ، وهو في صفتك لم يزل غضباناً عليه ، وعلى أوليائه وعلى أتباعه ! كيف تجتري أن تصف ربك بالتغير من حال إلى حال ، وأنه يجري عليه ما يجري على المخلوقين ؟ ! سبحانه وتعالى لم يزُل مع الزائلين ، ولم يتغيَّر مع المتغيرين ، ولم يتبدَّل مع المتبدلين ، وَمَنْ دونَه عبيدُه وتدبيره ، وكلهم إليه محتاج وهو غنيٌّ عمن سواه ) ! انتهى .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 132 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأسئلة
1 - هل تعتقدون بتأثير كعب وعبد الله بن سلام ووهب بن منبه ، وغيرهم من الحاخامات المقربين إلى عمر ، على ثقافة المسلمين في تجسيم الله تعالى ؟
2 - هل تقبلون أحاديث البخاري ومسلم في صفات الله تعالى ومجيئه وضحكه وغضبه وفرحه ، على ظاهرها الحسي ، أم تردونها ، أم تؤولونها ؟
3 - ما قولكم في تفسير الإمام الصادق عليه السلام لآية : فَلَمَّا آسَفُونَا . . ونفيه الغضب البشري عن الله تعالى ، ونفي الإمام الرضا عليه السلام اتصاف الله تعالى بصفات متغيرة ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 133 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة 136 : مذهب أهل البيت عليهم السلام أبعد المذاهب عن الثقافة اليهودية

أهل البيت عليهم السلام لم يكونوا محتاجين إلى علم اليهود !
عقيدتنا أن الله تعالى أورث علياً وأئمة العترة الطاهرة عليهم السلام الكتاب ومواريث الأنبياء عليهم السلام ، وآتاهم الحكمة وفصل الخطاب ، وفضَّلهم على آل إبراهيم وأوصياء الأنبياء ، وجعلهم أئمة يهدون بالحق ، وفرض على الأمة طاعتهم ، وأمرها أن تهتدي بهم وتقتدي بهم .
وقد روى الجميع أن النبي صلى الله عليه وآله قال : ( أنا مدينة العلم وعلي بابها ، فمن أراد المدينة فليأتها من الباب ) ، وقال صلى الله عليه وآله : ( إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي ) ، ومع هذا حاولوا أن ينفوا أن يكون علي والعترة عليهم السلام هم المصطفوْن الذين أورثهم الله الكتاب بقوله : ( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ) . ( فاطر : 32 ) وينفوا أنهم ورثوا العلم من النبي صلى الله عليه وآله !
ولإثبات رأيهم هذا رووا أن علياً عليه السلام نفى أن يكون النبي ورَّثهم شيئاً !
بل ترى عند مصادرهم حساسية من أن يكون النبي صلى الله عليه وآله أوصى إلى علي بشيء ! أو ورَّث علياً أو أحداً من أهل بيته عليهم السلام شيئاً ! سواء من ماله الشخصي ، أو العام أو من العلم ! فهم يبادرون إلى نفي ذلك ويقولون كلا . . كلا . . إن النبي صلى الله عليه وآله لم يوص بشئ ، ولا ورَّث شيئاً ، لا لأهل بيته ، ولا لأحد ! !
وأكثر المتحمسين للنفي عائشة التي يغلي قلبها على علي عليه السلام كالمرجل ! والتي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 134 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لم ينفعها نهي النبي صلى الله عليه وآله إياها عن بغض علي عليه السلام ، بل أوصلتها حساسيتها منه إلى حرب الجمل وعشرين ألف قتيل ، ومصائب ما زالت تعاني منها الأمة !
قال البخاري في صحيحه : 3 / 186 : ( عن الأسود قال ذكروا عند عائشة أن علياً رضي الله عنهما كان وصياً ، فقالت : متى أوصى إليه ! وقد كنت مُسندته إلى صدري أو قالت حجري ، فدعا بالطست فلقد انخنث في حجري ! ! فما شعرت أنه قد مات ! فمتى أوصى إليه ؟ ! ) . ( ورواه أيضاً : 5 / 143 ، ورواه مسلم : 5 / 74 ، والنسائي : 1 / 32 و 75 و : 6 / 241 ، وابن ماجة : 1 / 519 ، وأحمد : 6 / 32 ) .
وقال مسلم : 5 / 75 : ( عن مسروق عن عائشة قالت : ما ترك رسول الله صلى الله عليه وآله ديناراً ، ولا درهماً ، ولا شاة ، ولا بعيراً ، ولا أوصى بشئ ! ) . ورواه النسائي : 6 / 240 ، وابن ماجة : 2 / 900 ، وأبو داود : 1 / 654 .
ولكن الحاكم روى حديثاً وصححه بأن النبي صلى الله عليه وآله لم يُتَوَفَّ في حجر عائشة ، بل توفي وهو يناجي علياً عليه السلام ، قال في المستدرك : 3 / 138 : ( عن أم سلمة رضي الله عنها قالت : والذي أحلف به أن كان علي لأقرب الناس عهداً برسول الله صلى الله عليه وآله . عدنا رسول الله صلى الله عليه وآله غداةً وهو يقول جاء عليٌّ جاء عليٌّ ؟ مراراً ! فقالت فاطمة رضي الله عنها كأنك بعثته في حاجة ، قالت : فجاء بعد . قالت أم سلمة : فظننت أن له إليه حاجة ، فخرجنا من البيت فقعدنا عند الباب وكنت من أدناهم إلى الباب ، فأكب عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وجعل يسارُّهُ ويناجيه ثم قُبض رسول الله صلى الله عليه وآله من يومه ذلك ، فكان عليٌّ أقرب الناس عهداً . ( هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ! ) .
وروى أحمد في مسنده : 6 / 62 : أن عائشة أقسمت أنها كانت غائبة يومين بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله ولم تشهد جنازته ! قال : ( عن عمرة عن عائشة قالت : والله ما علمنا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 135 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بدفن رسول الله حتى سمعت صوت المساحي من آخر الليل ليلة الأربعاء ) ! ! ورواه البيهقي في سننه : 3 / 409 !
فكيف تقول عائشة إن النبي صلى الله عليه وآله توفي في غرفتها وفي حِجرها ! وكيف تركت جنازته وذهبت خارج بيتها إلى هنا وهناك لتدبير أمر الخلافة لأبيها ؟ !
وهل يجب على النبي صلى الله عليه وآله أن يخبر عائشة بما يوصي به لعلي عليه السلام أو بما يورثه إياه من العلم ، وأن يكون ذلك في حضورها ؟ ! !
وقد كان البخاري ألين من عائشة بعض الشئ في توريث النبي صلى الله عليه وآله فاعترف بأنه ورَّثَ أرضاً وسلاحاً وبغلة ، قال في : 5 / 144 : ( عمرو بن الحرث قال : ما ترك رسول الله ( ص ) ديناراً ولا درهماً ولا عبداً ولا أمة ، إلا بغلته البيضاء التي كان يركبها ، وسلاحه ، وأرضاً جعلها لابن السبيل صدقة ) ! انتهى .
وقد ورد أن أرض الصدقة هذه سبعة بساتين أوقفها رسول الله صلى الله عليه وآله وجعل علياً ولياً عليها ، ولم يشر البخاري إلى ذلك وكأن النبي صلى الله عليه وآله جعلها سائبة بلا متولٍّ !
لكن بقيت أمام مصادرهم مشكلة أكبر من البغلة والأرض ، وهي صحيفة من العلم كانت مربوطة في ذؤابة سيف النبي صلى الله عليه وآله ، وقد توصلوا إلى حلها فجعلوها العلم الوحيد الذي ورثه النبي صلى الله عليه وآله لأهل بيته عليهم السلام ، وهوَّنوا من أمرها بأنها لم يكن فيها كثير علم ، بل أحكامٌ عامة ! !
لهذا ترى مصادرهم تؤكد وتكرر بقصد ، عن لسان علي وأهل بيته عليهم السلام يحلفون بالأيْمان المغلَّظة أن النبي صلى الله عليه وآله لم يورثهم غير هذه الصحيفة الصغيرة ، وأن مضمونها عام وعادي ! وقد روى البخاري روايتها في صحيحه ثمان مرات على الأقل ! كلها عن علي وأولاد علي عليهم السلام وكلها يؤكد فيها عليٌّ عليه السلام و ( براءته ) من تهمة توريث النبي صلى الله عليه وآله إياه شيئاً من العلم غير هذه الصحيفة !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 136 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال البخاري : 2 / 221 : ( عن إبراهيم التيمي ، عن أبيه ، عن علي رضي الله عنه قال : ما عندنا شئ إلا كتاب الله وهذه الصحيفة عن النبي ( ص ) : المدينة حرم ما بين عائر إلى كذا ، من أحدث فيها حدثاً أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل . وقال : ذمة المسلمين واحدة فمن أخفر مسلماً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، لا يقبل منه صرف ولا عدل ، ومن تولى قوماً بغير إذن مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، لا يقبل منه صرف ولا عدل . قال أبو عبد الله ( أي البخاري ) : عدلٌ : فداء ) .
وقال في : 4 / 30 : ( عن أبي جحيفة قال : قلت لعلي : هل عندكم شئ من الوحي إلا ما في كتاب الله ؟ قال لا ، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما أعلمه إلا فهماً يعطيه الله رجلاً في القرآن . قلت وما في الصحيفة ؟ قال : العقل ، وفكاك الأسير ، وأن لا يُقتل مسلم بكافر ) ! . وكرر البخاري ذلك بصيغ متضاربة عن مضمون هذه الصحيفة في : 4 / 67 و 69 و : 8 / 10 و 45 و 47 و 144 . ثم قلدته أكثر المصادر ، مثل مسلم : 4 / 115 و 217 و : 6 / 85 ، وابن ماجة : 2 / 168 وأبو داود : 1 / 168 و : 2 / 177 والنسائي : 8 / 23 !
وكان ابن حنبل صاحب الرقم القياسي حيث رواها في المجلد الأول من مسنده فقط عشر مرات في الصفحات 97 و 81 و 100 و 102 و 110 و 118 و 119 و 126 و 151 و 152 ! !
لكن هل نفعت هذه الروايات في إقناع المسلمين بأن نبيهم صلى الله عليه وآله كان بدعاً من الرسل والأنبياء عليهم السلام الذين أمروا أممهم بالوصية ، وأوصى كل واحد إلى وصيه وأهل بيته !
فهل يعقل أن يكون خاتم النبيين وأفضلهم صلى الله عليه وآله قد بلَّغ المسلمين وجوب الوصية على كل مسلم ، وأخبرهم بوفاته عن قريب ، وحجَّ بالمسلمين حجة الوداع ، ثم مات ولم يكتب شيئاً ، ولم يوص بشئ ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 137 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال البخاري : 3 / 186 : ( حدثنا طلحة بن مصرف قال : سألت عبد الله بن أبي أوفى ، هل كان النبي أوصى ؟ فقال : لا . فقلت : كيف كتب على الناس الوصية أو أمروا بالوصية ؟ ! قال أوصى بكتاب الله ) ! !
ورواه في : 5 / 144 و : 6 / 107 وتبعه الباقون ، فرووه عشرات المرات !
وأمام سيل هذه التأكيدات يبدو أن السنِّيين المتأخرين مقتنعون بأن نبينا صلى الله عليه وآله الذي هو أعظم الأنبياء وخاتمهم عليهم السلام ، كان أكثر الأنبياء سذاجةً ، فترك أمته سائبةً بدون راع ، وتركها فكرياً من أفقر الأمم فلم يكتب لها شيئاً من توجيهاته ، ولا شبيهاً بالوصايا العشر التي كتبها موسى لليهود ، أو وصايا عيسى للحواريين ؟ !
وحتى القرآن الذي هو خاتم الكتب الإلهية ، زعموا أنه أوصاهم به وتركه موزعاً مهدداً بالضياع ، حتى قام الصحابة بجهود مضنية وجمعوه ! !
لقد أقنعهم الذين أبعدوا آل النبي صلى الله عليه وآله عن السلطة بأن الله تعالى الذي اختار آل نوح وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين وورثهم علوم الأنبياء عليهم السلام وجعل أممهم بعد أنبيائها غنيةً بهم ، لم يخترْ آل محمد ، بل حَرَمَهُم من إرث محمد صلى الله عليه وآله العلمي ، والسياسي ، وحتى المادي ، ومرَّغ أنوفهم بالتراب ، وجعلهم من يوم وفاته سوقةً عاديين ! يجب أن يحرق عليهم دارهم بمن فيه إن لم يبايعوا الخليفة الذي اختاره تحالف قبائل قريش ! !
كان إنكار الوصية النبوية ضرورياً لهم ، لأن القول بوجودها يعني أنها لعلي عليه السلام ، ويعني بطلان الأساس الذي بنوا عليه خلافتهم ووراثتهم للنبي صلى الله عليه وآله !
لكن إذا ابتعدنا عن الخلافة ، فهم حاضرون للاعتراف بالتفوق العلمي لعلي عليه السلام ، وأن النبي صلى الله عليه وآله ميَّزه عن غيره بأمر الله تعالى ، لكن في العلم فقط ! ! فقد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 138 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
رووا أن النبي خص علياً بالتعليم ، وشهد علماؤهم كأحمد بن حنبل أنه صدر من النبي صلى الله عليه وآله من الأحاديث في عليٍّ عليه السلام ما لم يصدر في شأن أحد من الصحابة أبداً !
وأحاديثهم في علم علي عليه السلام كثيرة ، رووها في جو بعيد عن الخلافة ، أو أفلتت من رقابة الدولة ، وبعضها ينص على أن الله تعالى الذي أقرأ رسوله صلى الله عليه وآله فلا ينسى ، أمره أن يعلم علياً عليه السلام وأعطاه وعياً وحفظاً فلا ينسى !
قال السيوطي في الدر المنثور : 6 / 260 : ( وأخرج سعيد بن منصور ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه ، عن مكحول قال : لما نزلت : وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ، قال رسول الله ( ص ) : سألت ربي أن يجعلها أذن علي . قال مكحول : فكان علي يقول : ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله شيئاً فنسيته !
وأخرج ابن جرير ، وابن أبي حاتم ، والواحدي ، وابن مردويه ، وابن عساكر ، وابن النجاري ، عن بريدة قال قال رسول الله ( ص ) لعلي : إن الله أمرني أن أدنيك ولا أقصيك ، وأن أعلمك وأن تعي ، وحقٌّ لك أن تعي . فنزلت هذه الآية : وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ) !
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن علي قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله : يا علي إن الله أمرني أن أدنيك وأعلمك لتعي ، فأنزلت هذه الآية : وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ، فأنت أذن واعية لعلمي ) . انتهى .
وهذا يدل بوضوح على أن الله تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وآله أن يُعِدَّ علياً عليه السلام إعداداً علمياً خاصاً لما بعده .
أما كيف أعده وماذا وَرَّثَهُ ، فينبغي أن تعرفه من مصادر شيعته . . فقد روى الصفار في بصائر الدرجات ص 159 : ( عن أبي عبد الله عليه السلام قال ذكروا وُلد الحسن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 139 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فذكروا الجفر فقال : والله إن عندي لجلديْ ماعز وضأن ، إملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وخط علي عليه السلام بيده . وإن عندي لجلداً سبعين ذراعاً أملاه رسول الله صلى الله عليه وآله وخطه علي عليه السلام بيده ! وإن فيه لجميع ما يحتاج إليه الناس حتى أرش الخدش ) .
وروى الكليني في الكافي : 1 / 235 : ( عن أبي جعفر عليه السلام قال : سألته عما يتحدث الناس أنه دُفعت إلى أم سلمة صحيفة مختومة فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وآله لما قُبض ورَّث علياً عليه السلام علمه وسلاحه وما هناك . ثم صار إلى الحسن عليه السلام ، ثم صار إلى الحسين عليهما السلام ، فلما خشينا أن نُغشى استودعها أم سلمة ، ثم قبضها بعد ذلك علي بن الحسين عليه السلام . قال فقلت : نعم ، ثم صار إلى أبيك ، ثم انتهى إليك ، قال : نعم ) .
وفي : 1 / 228 : ( عن جابر قال سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول : ما ادعى أحد من الناس أنه جمع القرآن كله كما أنزل إلا كذاب ، وما جمعه وحفظه كما نزله الله تعالى إلا علي بن أبي طالب ، والأئمة من بعده .
. . . عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال : ما يستطيع أحد أن يدعي أن عنده جميع القرآن كله ظاهره وباطنه غير الأوصياء ) .
وفي : 1 / 238 : ( عن أبي بصير قال دخلت على أبي عبد الله عليه السلام فقلت له : جعلت فداك إني أسألك عن مسألة ، هاهنا أحد يسمع كلامي ؟ قال : فرفع أبو عبد الله عليه السلام ستراً بينه وبين بيت آخر فاطلع فيه ثم قال : يا أبا محمد سل عما بدأ لك ، قال قلت : جعلت فداك إن شيعتك يتحدثون أن رسول الله صلى الله عليه وآله علم علياً عليه السلام باباً يفتح له منه ألف باب ؟ قال فقال : يا أبا محمد علم رسول الله صلى الله عليه وآله علياً عليه السلام ألف باب يفتح من كل باب ألف باب ! قال قلت : هذا والله العلم . قال : فنكت ساعة في الأرض ثم قال : إنه لعلمٌ وما هو بذاك . قال ثم قال : يا أبا محمد وإن عندنا الجامعة وما يدريهم ما الجامعة ؟ قال قلت : جعلت فداك وما الجامعة ؟ قال : صحيفة طولها سبعون ذراعاً بذراع
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 140 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
رسول الله صلى الله عليه وآله وإملائه من فلق فيه وخط علي بيمينه ، فيها كل حلال وحرام ، وكل شئ يحتاج الناس إليه حتى الأرش في الخدش . . . إلخ ) .
وفي : 1 / 241 : ( عن بكر بن كرب الصيرفي قال : سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول : إن عندنا ما لا نحتاج معه إلى الناس ، وإن الناس ليحتاجون إلينا ، وإن عندنا كتاباً إملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وخط علي عليه السلام صحيفةٌ فيها كل حلال وحرام . . . وإنكم لتأتونا بالأمر فنعرف إذا أخذتم به ، ونعرف إذا تركتموه ! ) .
وفي : 1 / 296 : ( عن أبي عبد الله عليه السلام قال : كان في ذؤابة سيف رسول الله صلى الله عليه وآله صحيفة صغيرة ، فقلت لأبي عبد الله عليه السلام : أي شئ كان في تلك الصحيفة ؟ قال : هي الأحرف التي يفتح كل حرف ألف حرف . قال أبو بصير : قال أبو عبد الله عليه السلام : فما خرج منها حرفان حتى الساعة ! ) . انتهى .
وقال السيد الأرموي محقق كتاب الإيضاح لابن شاذان ص 466 : ( فممن صرح بهذا المطلب المحقق الشريف الجرجاني ، فإنه قال في مبحث العلم من شرح المواقف ، عند ذكر الماتن أعني القاضي عضد الدين الإيجي ( أنظر ص 276 من طبعة بولاق سنة 1366 ) ما نصه : الجفر والجامعة ، وهما كتابان لعلي رضي الله عنه قد ذكر فيهما على طريقة علم الحروف ، الحوادث التي تحدث إلى انقراض العالم ، وكانت الأئمة المعروفون من أولاده يعرفونهما ويحكمون بهما . وفي كتاب قبول العهد الذي كتبه علي بن موسى رضي الله عنهما إلى المأمون : إنك قد عرفت من حقوقنا ما لم يعرف آباؤك وقبلت منك عهدك ، إلا أن الجفر والجامعة يدلان على أنه لا يتم !
ولمشايخ المغاربة نصيب من علم الحروف ينتسبون فيه إلى أهل البيت ، ورأيت أنا بالشام نظماً أشير فيه بالرموز إلى أحوال ملوك مصر ، وسمعت أنه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 141 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مستخرج من ذينك الكتابين . . .
وقال الشيخ الأجل بهاء الملة والدين محمد بن الحسين العاملي في شرح الأربعين حديثاً ، عند شرحه الحديث الحادي والعشرين ما نصه :
وقد تظافرت الأخبار بأن النبي صلى الله عليه وآله أملى لعلي عليه السلام كتابي
الجفر والجامعة ، وأن فيهما علم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة .
ونقل الشيخ الجليل عماد الإسلام محمد بن يعقوب الكليني في كتاب الكافي عن الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام أحاديث كثيرة في أن ذينك الكتابين كانا عنده ، وأنهما لا يزالان عند الأئمة عليهم السلام يتوارثونهما واحداً بعد واحد . . .
وقال الدميري في حياة الحيوان في باب الجيم تحت عنوان ( الجفرة ) ما نصه :
فائدة : قال ابن قتيبة في كتاب أدب الكاتب : وكتاب الجفر جلد جفر كتب فيه الإمام جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام لآل البيت كل ما يحتاجون إلى علمه ، وكل ما يكون إلى يوم القيامة . وإلى هذا الجفر أشار أبو العلاء المعري بقوله :
لقد عجبوا لأهل البيت لما * أتاهم علمهم في مِسك جَفْرِ
ومرآةُ المنجم وهي صغرى * أرتْهُ كل عامرة وقَفْرِ
ثم قال المحقق الأرموي رحمه الله : أقول : البيتان من لزوميات أبي العلاء وما قبلهما ثلاثة أبيات ، فمجموع القطعة خمسة أبيات ، فإن أردت أن تلاحظها فراجع ج 2 من طبعة مكتبة صادر بيروت ص 249 ، وأما الكتاب المنقول عنه الكلام فالصحيح أنه تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة كما صرح به ابن خلكان ، واشتبه الأمر على الدميري ، فإنا راجعنا أدب الكاتب لابن قتيبة فلم نجد هذا المطلب فيه ، وأما تأويل مختلف الحديث فالقصة مذكورة فيه ( انظر ص 85 ) .
وأما ما ذكره السيد الجرجاني فيما تقدم من كلامه عن الرضا عليه السلام ( إلا أن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 142 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الجفر والجامعة يدلان على أنه لا يتم ) فهو مأخوذ من كتاب الفخري لابن الطقطقي ، فإن شئت فراجع ) . انتهى .
أهل البيت عليهم السلام وقفوا ضد اليهود من زمن عمر !
فقد وقفوا في وجه كعب الأحبار وتلاميذه ، وردُّوا أفكارهم التحريفية الكافرة وانتقدوا السلطة لأنها أطلقت أيديهم وألسنتهم لتعبث في عقول المسلمين !
وقد ذكرنا في المجلد الأول ، المسألة الأولى ردَّ علي عليه السلام على كعب الأحبار في مجلس عمر عندما قال كعب ، كما في البحار : 36 / 194 : ( نجد في الأصل الحكيم أن الله تبارك وتعالى كان قديماً قبل خلق العرش ، وكان على صخرة بيت المقدس في الهواء ، فلما أراد أن يخلق عرشه تَفَلَ تَفَلَةً كانت منها البحار الغامرة واللجج الدائرة ، فهناك خلق عرشه من بعض الصخرة التي كانت تحته وآخر ما بقي منها لمسجد قدسه ) !
قال ابن عباس : وكان علي بن أبي طالب عليه السلام حاضراً ، فَعَظَّمَ عَلِيٌّ رَبَّهُ وقام على قدميه ونفض ثيابه ! فأقسم عليه عمر لمََّا عاد إلى مجلسه ، ففعله . قال عمر : غُصْ عليها يا غواص ، ما تقول يا أبا الحسن ، فما علمتك إلا مفرجاً للغم . فالتفت علي عليه السلام إلى كعب فقال : ( غلط أصحابك ، وحرَّفوا كتب الله ، وفتحوا الفرية عليه !
يا كعب ويحك ! إن الصخرة التي زعمت لا تحوي جلاله ولا تسع عظمته ، والهواء الذي ذكرت لا يحوز أقطاره ! ولو كانت الصخرة والهواء قديمين معه لكان لهما قِدْمته وعزّ الله وجل أن يقال له مكان يومى إليه ! والله ليس كما يقول الملحدون ولا كما يظن الجاهلون ، ولكن كان ولامكان بحيث لا تبلغه الأذهان ، وقولي ( كان ) عجز عن كونه ، وهو مما عَلَّمَ من البيان يقول الله عز وجل : خَلَقَ الإنسان عَلَّمَهُ الْبَيَانَ فقولي له ( كان ) مما علمني من البيان لأنطق بحججه وعظمته ، وكان ولم يزل ربنا مقتدراً على
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 143 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ما يشاء محيطاً بكل الأشياء ، ثم كَوَّنَ ما أراد بلا فكرة حادثة له أصاب ، ولا شبهة دخلت عليه فيما أراد ، وإنه عز وجل خلق نوراً ابتدعه من غير شئ ، ثم خلق منه ظلمة ، وكان قديراً أن يخلق الظلمة لامن شئ كما خلق النور من غير شئ ، ثم خلق من الظلمة نوراً وخلق من النور ياقوتةً غلظها كغلظ سبع سماوات وسبعٍ أرضين ، ثم زجر الياقوتة فماعت لهيبته فصارت ماءً مرتعداً ، ولا يزال مرتعداً إلى يوم القيامة .
ثم خلق عرشه من نوره وجعله على الماء ، وللعرش عشرة آلاف لسان يسبح الله كل لسان منها بعشرة آلاف لغة ليس فيها لغة تشبه الأخرى ، وكان العرش على الماء من دونه حجب الضباب وذلك قوله : وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ .
يا كعب ويحك ! إن من كانت البحار تفلته على قولك ، كان أعظم من أن تحويه صخرة بيت المقدس أو يحويه الهواء الذي أشرت إليه أنه حلَّ فيه ) ! انتهى .
وخطابه عليه السلام لكعب شديد يدل على أنه عليه السلام لم يقبل إسلامه بل يعامله على أنه حاخام يهودي فيقول له : ( غلط أصحابك وحرفوا كتاب الله وفتحوا الفرية عليه ) ! !
من جهة أخرى ، كان أهل البيت عليهم السلام معارضة ، واليهود لا يغضبون السلطة ويتقربون إلى معارضة مضطهدة ، بل يتقربون إلى خليفة ينعمون بامتيازاته ، وقد كانوا يحقدون على أهل البيت عليهم السلام ويؤججون عداء السلطة لهم .
ولهذه الأسباب مجتمعة ، وهي : استغناء الأئمة عليهم السلام عن علم اليهود ، وموقفهم ضدهم ، وتقرب اليهود من السلطة وابتعادهم عن المعارضة ، خلت مصادر الشيعة من الإسرائيليات ، إلا ما تسرب إليها من الرواة السنيين ، خاصة الذين استبصروا وبقيت فيهم رواسب ، أو روايات رووها عن السنيين !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 144 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأسئلة
1 - هل توافقوننا على أن مذهب أهل البيت عليهم السلام أبعد المذاهب الإسلامية عن الثقافة اليهودية ، لأن أهل البيت عليهم السلام كانوا معادين لليهود ولم يكونوا بحاجة إلى علمهم ، ولأن اليهود كانوا مع السلطة ضد المعارضة ؟ !
2 - ألا ترون في تضخيم بعضهم لابن سبأ اليهودي الذي يلعنه الشيعة وزعمهم أنه هو الذي أسس التشيع ، محاولةً للتغطية على دور كعب الأحبار والحاخامات الذين تبنتهم الخلافة القرشية ، ونشروا ثقافة اليهود بين المسلمين ؟ !
3 - بماذا تفسرون قوله تعالى : ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا . . ومن هم هؤلاء ؟ وبماذا تفسرون ما رواه البخاري في : 4 / 138 قال ( إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين . . إلى قوله يرزق من يشاء بغير حساب ، قال ابن عباس : وآل عمران المؤمنون من آل إبراهيم وآل عمران ، وآل ياسين وآل محمد صلى الله عليه وسلم ) . ؟ !
4 - هل أوصى النبي صلى الله عليه وآله برأيكم ، أم لا ؟
5 - هل ورَّث النبي صلى الله عليه وآله من علومه لأهل البيت عليهم السلام أم لا ؟
6 - بماذا تفسرون أن علياً والأئمة من عترته عليهم السلام لم يحتاجوا إلى علم أحد ولم يدرسوا عند أحد ، واحتاج الناس إلى علمهم ؟ !
7 - هل رأيتم مستوى علم علي عليه السلام مقارناً بعلم عمر وأبي بكر وبقية الخلفاء ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 145 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل التاسع عشر : الطعن في عصمة الأنبياء والإنتقاص من مقامهم عليهم السلام

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 146 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 147 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة 137 : نؤمن بالعدالة المطلقة لله تعالى والعصمة التامة للأنبياء والأئمة عليهم السلام

امتاز الشيعة عن غيرهم من جميع مذاهب المسلمين والأديان الأخرى ، بعقيدتهم بالعدالة الكاملة لله تعالى ، والعصمة الكاملة لأنبيائه وأوصيائه عليهم السلام ، فهم ينزهونهم عن جميع المعاصي والمعائب ، قبل البعثة والإمامة وبعدها ، في تبليغ الرسالة ، أو في سلوكهم الشخصي والعام .
وقد عرَّف الإمام الصادق عليه السلام العصمة كما في معاني الأخبار للصدوق : ص 132 : ( قال : سألت أبا عبد الله عليه السلام عن ذلك فقال : المعصوم هو الممتنع بالله من جميع محارم الله ، وقال الله تبارك وتعالى : ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم ) .
وفي معاني الأخبار ص 132 : ( عن الإمام موسى بن جعفر ، عن أبيه جعفر بن محمد ، عن أبيه محمد بن علي ، عن أبيه علي بن الحسين عليهم السلام قال : الإمام منا لا يكون إلا معصوماً ، وليست العصمة في ظاهر الخلقة فيعرف بها ، ولذلك لا يكون إلا منصوصاً . فقيل له : يا ابن رسول الله فما معنى المعصوم ؟ فقال : هو المعتصم بحبل الله وحبل الله هو القرآن لا يفترقان إلى يوم القيامة ، والإمام يهدي إلى القرآن والقرآن يهدي إلى الإمام ، وذلك قول الله عز وجل : إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ) .
وفي معاني الأخبار ص 132 : ( عن محمد بن أبي عمير قال : ما سمعت ولا استفدت من هشام بن الحكم في طول صحبتي له شيئاً أحسن من هذا الكلام في صفة عصمة الإمام ، فإني سألته يوماً عن الإمام أهو معصوم ؟ فقال : نعم . فقلت : فما صفة العصمة فيه ؟ وبأي شئ تعرف ؟ فقال : إن جميع الذنوب لها أربعة أوجه ولا خامس لها : الحرص والحسد والغضب والشهوة ، فهذه منفية عنه .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 148 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لا يجوز أن يكون حريصاً على هذه الدنيا وهي تحت خاتمه لأنه خازن المسلمين ، فعلى ماذا يحرص !
ولا يجوز أن يكون حسوداً لأن الإنسان إنما يحسد من فوقه وليس فوقه أحد ، فكيف يحسد من هو دونه !
ولا يجوز أن يغضب لشئ من أمور الدنيا إلا أن يكون غضبه لله عز وجل ، فإن الله عز وجل قد فرض عليه إقامة الحدود ، وأن لا تأخذه في الله لومة لائم ولا رأفة في دينه حتى يقيم حدود الله عز وجل .
ولا يجوز له أن يتبع الشهوات ويؤثر الدنيا على الآخرة ، لأن الله عز وجل حبب إليه الآخرة كما حبب إلينا الدنيا ، فهو ينظر إلى الآخرة كما ننظر إلى الدنيا فهل رأيت أحداً ترك وجهاً حسناً لوجه قبيح ، وطعاماً طيباً لطعام مر ، وثوباً لينا لثوب خشن ، ونعمةً دائمةً باقية لدنيا زائلة فانية ) . انتهى . ( ورواه في علل الشرائع : 1 / 204 . وأمالي الصدوق ص 731 : والخصال ص 215 )
تهوكهم في الطعن بعصمة الأنبياء عليهم السلام
افترى اليهود على إبراهيم عليه السلام بأنه كان قبل نبوته يعبد الأوثان ! وأخذ السنيون ذلك منهم مع الأسف ! ففي قاموس الكتاب المقدس ص 596 : ( وقد أدرك إبراهيم بالوحي والإلهام وجود إله واحد أبدي خالق السماوات والأرض ، وسيد الكون . ( سفر الكوين : 18 : 19 ) وكان إيمان إبراهيم جديداً بالنسبة لأور التي كان يقيم فيها ، حيث كانت مركز عبادة القمر ، بل أن أبا إبراهيم نفسه كان يخدم آلهة أور الوثنية ( سفر يشوع : 24 : 2 ) .
واتهموا إبراهيم عليه السلام بأنه تزوج سارة وهي أخته ! فأخذوا ذلك منهم !
في قاموس الكتاب المقدس ص 9 : ( وقد عاش إبراهيم الجزء الأول من حياته مع
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 149 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أبيه وإخوته في أور الكلدانيين ، وقد تزوج من ساري وكانت أخته بنت أبيه وليست بنت أمه ، كما نعرف ذلك من تك 20 : 12 ) ! !
وافتروا عليه بأنه كذب ولم يقل إن سارة زوجته ! فأخذوها منهم !
في التوراة والإنجيل ص 21 ( موقع ArabicBible . com ) :
( 14 . ولما اقترب أبرام من مصر استرعى جمال ساراي أنظار المصريين ، وشاهدها أيضاً رؤساء فرعون فأشادوا بها أمامه . 15 . فأخذت المرأة إلى بيت فرعون . 16 . فأحسن إلى أبرام بسببها وأجزل له العطاء ، من الغنم والبقر والحمير والعبيد والإماء والأتن والجمال .
17 . ولكن الرب ابتلى فرعون وأهله ببلايا عظيمة بسبب ساراي زوجة أبرام .
18 . فاستدعى فرعون أبرام وسأله ماذا فعلت بي ؟ لماذا لم تخبرني أنها زوجتك ؟ 19 . ولماذا ادعيت أنها أختك حتى أخذتها لتكون زوجة لي ؟ والآن ها هي زوجتك ، خذها وامض في طريقك .
20 . وأوصى فرعون رجاله بأبرام فشيعوه وامرأته وكل ما كان يملك ) . ! !
واتهموا نبي الله إسحاق عليه السلام بنفس التهمة ! فأخذها السنيون منهم !
في التوراة صفحة 46 : ( 6 . فأقام إسحاق في مدينة جرار 7 . وعندما سأله أهل المدينة عن زوجته قال : هي أختي ، لأنه خاف أن يقول : هي زوجتي لئلا يقتله أهل المدينة من أجل رفقة ، لأنها كانت رائعة الجمال . 8 . وحدث بعد أن طال مكوثه هناك ، أن أبيمالك ملك الفلسطينيين أطل من النافذة ، فشاهد إسحاق يداعب امرأته رفقة . 9 . فاستدعاه إليه وقال : أنها بالحقيقة زوجتك ، فكيف قلت هي أختي ؟ فأجاب إسحق : لأني قلت : لعلي أقتل بسببها . 10 . فقال أبي مالك : ما هذا الذي فعلت بنا ؟ لقد كان يسيراً على أي واحد من الشعب أن يضطجع مع
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 150 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
زوجتك فتجلب بذلك علينا إثماً . 11 . وأنذر أبيمالك كل الشعب قائلاً : كل من يمس هذا الرجل أو زوجته فحتماً يموت ) .
واتهموا إبراهيم عليه السلام بأنه طرد هاجر وابنها إسماعيل عليه السلام فأخذوها منهم !
في قاموس الكتاب المقدس ص 443 : ( وعندما بلغت سارة سن 89 ، جاءها الموعد بميلاد إسحاق الذي ولدته بعد سنة . وغيَّر الله اسم ساراي إلى سارة في ذلك الوقت - وقت الموعد ) . ( تك 17 : 15 - 22 و 18 : 9 - 15 و 21 : 1 - 5 ) .
وعندما فطم إسحاق أقام والداه وليمة عظيمة . . . ولاحظت سارة أن إسماعيل يمزح ، وقد قيل أنه كان يصوب سهامه على إسحاق مهدداً بقتله من باب التخويف ، فطلبت سارة من إبراهيم أن يطرد الجارية مع ابنها !
وقد ظن البعض أن ذلك كان قساوة وشراً من سارة ، غير أن البعض الآخر يعتقد أن سارة لم تطلب طرد هاجر إلا إلى الخيام الأخرى لإبراهيم والتي كان يقيم فيها عبيده الآخرون ، أي أن سارة منعت الجارية وابنها من السكن في خيمة السيد ، وجعلتها تأخذ مكانها كجارية فقط ، واختلفت الآراء في سارة ، ولكنها كانت في الحق مؤمنةً فاضلة ، وزوجةً أمينة وأما مثالية . وقد ماتت سارة وهي في سن 127 سنة ، بعد ولادة إسحاق بما يزيد على 36 سنة ، ودفنها إبراهيم في حقل المكفيلة ، الذي اشتراه لهذا الغرض ) .
وفي قاموس الكتاب المقدس ص 73 : ( وقد حثت سارة إبراهيم أن يأخذ أمتها زوجة لكي يعقب منها نسلاً ، لأن سارة كانت عاقراً ( تك 16 : 1 - 4 ) وكان هذا النظام في الزواج معمولاً به في تلك الأزمنة . وقد دلت الاكتشافات على أنه كان موجوداً في ( نوزي ) بالقرب من كركوك في العراق أما هذا العمل من ناحية سارة فمصدره ضعف الإيمان بمواعيد الرب لإبراهيم وسارة بأن يكون لهما ابن !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 151 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وبعد أن حملت سارة نظرت إلى سيدتها باحتقار لأنها كانت عاقراً فطردتها سيدتها ، ولاقاها ملاك الرب في الطريق وأمرها أن ترجع إلى سيدتها وإلى بيت إبراهيم ، ووعدها بأنها ستلد ابناً تسميه إسماعيل وأنه يكون أبا لجمهور من الناس ، وأنه سيسكن البرية كحمار وحشي . ( تك 16 : 5 - 14 )
وبعد أن رجعت هاجر ولدت إسماعيل لما كان إبراهيم ابن ست وثمانين سنة ، وبعد أن كان له في أرض كنعان عشر سنين ( تك 16 : 3 - 16 ) . وقد ختن إسماعيل في الثالثة عشرة من عمره . ( تك 17 : 25 ) وهي السن التي يختن فيها الأولاد العرب في الوقت الحاضر .
وفي الوليمة التي أقيمت بمناسبة فطام إسحاق ، سَخِر إسماعيل من أخيه الصغير وكان إسماعيل حينئذ قد بلغ السادسة عشرة من عمره . فألحَّت سارة على إبراهيم أن يطرد هاجر وابنها فطردهما . ( تك 21 : 8 - 14 ) . فتاهت الأم وابنها في برية بئر سبع في جنوب فلسطين ، وكانا على وشك الهلاك من الظمأ . فأرى الله هاجر بئر ماء ووعدها ثانية بأن ابنها إسماعيل سيصير مصدر أمة عظيمة . ومنذ ذلك الحين سكن إسماعيل في برية فاران في جنوب فلسطين على حدود شبه جزيرة سيناء ، وأصبح ماهرا في استعمال القوس . وأخذت له أمه زوجة من بلادها ، من مصر . ( تك 21 : 15 - 21 ) وولد له اثنا عشر ابناً الذين أصبحوا آباء القبائل العربية ( أنظر إسماعيليين ) وولد له أيضاً ابنة اسمها محلة . ( تك 28 : 9 ) أو بسمة ( تك 36 : 3 ) وقد تزوجها عيسو . وقد اشترك إسماعيل مع إسحاق في دفن أبيهما إبراهيم في مَمْرا بالقرب من حَبْرون . ( تك 25 : 9 ) . وقد مات إسماعيل بعد أن بلغ من العمر 137 سنة . ( تك 25 : 17 ) .
واتهموا إبراهيم وبقية الأنبياء عليهم السلام بأنهم كانوا يشربون الخمر !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 152 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
في قاموس الكتاب المقدس ص 776 : ( وقد أتقن القدماء الاعتناء بالكروم ووضع ملكي صادق خبزاً وخمراً إمام أبرام . ( تك 14 : 18 )
وشرب لوط خمراً . ( تك 19 : 33 ) . وأحضر يعقوب خمراً لإسحاق . ( تك 27 : 25 ) وتنبأ يعقوب قبل موته بأن يهوذا يشتهر بتربية الكرم . ( تك 49 : 12 ) .
وكان أولاد أيوب يشربون الخمر . ( أي 1 : 18 ) وندد صاحب الأمثال بمن يدمن الخمر . ( أم 23 : 30 و 31 ) وكذلك إشعياء النبي . ( أش 5 : 11 ) ! !
وزعموا أن لوطاً سكن في سدوم اختلافه مع إبراهيم عليهما السلام !
وفي التوراة والإنجيل ص 22 ( موقع ArabicBible . com ) : ( 5 . وكان للوط المرافق لأبرام غنم وبقر وخيام أيضاً . 6 . فضاقت بهما الأرض لكثرة أملاكهما فلم يقدرا أن يسكنا معاً . 7 . ونشب نزاع بين رعاة مواشي أبرام ورعاة مواشي لوط ، في الوقت الذي كان فيه الكنعانيون والفرزيون يقيمون في الأرض . 8 . فقال أبرام للوط : لا يكن نزاع بيني وبينك ، ولابين رعاتي ورعاتك لأننا نحن أخوان 9 . أليست الأرض كلها أمامك ؟ فاعتزل عني . أن اتجهت شمالاً ، أتجه أنا يميناً ، وإن تحولت يميناً أتحول أنا شمالاً ) .
ونسبوا إلى سارة رضي الله عنها الظلم والقسوة !
في التوراة والإنجيل ص 26 : ( 4 . فعاشر هاجر فحبلت منه . ولما أدركت أنها حامل هانت مولاتها في عينيها ، 5 . فقالت ساراي لأبرام : ليقع ظلمي عليك ، فأنا قد زوجتك من جاريتي ، وحين أدركت أنها حامل هنتُ في عينيها . ليقض الرب بيني وبينك . 6 . فأجابها أبرام : ها هي جاريتك تحت تصرفك ، فافعلي بها ما يحلو لك . فأذلتها ساراي حتى هربت منها ) .
وفي التوراة ص 36 : ( 9 . ورأت سارة أن ابن هاجر المصرية الذي أنجبته لإبراهيم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 153 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يسخر من ابنها إسحاق . 10 . فقالت لإبراهيم : أطرد هذه الجارية وابنها ، فإن ابن الجارية لن يرث مع ابني إسحاق . 11 . فقبح هذا القول في نفس إبراهيم من أجل ابنه . 12 . فقال الله له : لا يسوء في نفسك أمر الصبي أو أمر جاريتك ، واسمع لكلام سارة في كل ما تشير به عليك لأنه بإسحاق يدعى لك نسل . 13 . وسأقيم من ابن الجارية أمَّةً أيضاً لأنه من ذريتك . 14 . فنهض إبراهيم في الصباح الباكر وأخذ خبزاً وقربة ماء ودفعهما إلى هاجر ، ووضعهما على كتفيها ، ثم صرفها مع الصبي فهامت على وجهها في برية بئر سبع . 15 . وعندما فرغ الماء من القربة طرحت الصبي تحت إحدى الأشجار 16 . ومضت وجلست مقابله ، على بعد نحو مئة متر ، لأنها قالت : لا أشهد موت الصبي . فجلست مقابله ورفعت صوتها وبكت . 17 . وسمع الله بكاء الصبي ، فنادى ملاك الله هاجر من السماء وقال لها : ما الذي يزعجك يا هاجر ؟ لا تخافي لأن الله قد سمع بكاء الصبي من حيث هو ملقى . 18 . قومي واحملي الصبي ، وتشبثي به لأنني سأجعله أمة عظيمة . 19 . ثم فتح عينيها فأبصرت بئر ماء ، فذهبت وملأت القربة وسقت الصبي . 20 . وكان الله مع الصبي فكبر ، وسكن في صحراء فاران ، وبرع في رمي القوس . 21 . واتخذت له أمه زوجة من مصر ) .
واتهموا نبي الله هارون وموسى عليهما السلام بالشرك والمعاصي !
في قاموس الكتاب المقدس ص 995 : ( غير أن هارون أظهر ضعف إيمان في حالات كثيرة ، وكان أولها لما تأخر موسى وهو على الجبل مع الرب . فقد ضج الشعب وارتد عن طاعة الله ، وطلب إلى هارون أن يصنع له تماثيل آلهة ليعبدها . فصنع هارون عجل الذهب وبنى له مذبحاً ( خر ص 32 ) . ومع هذا غفر الله له خطأه وأمر برسمه هو وذريته كهنة على بني إسرائيل . ( خر 40 : 12 - 15 ) . وبذلك تأسست الكهانة اللاوية ، وأصبح هارون أول رئيس كهنة . . .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 154 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وكان الله كثير الإحسان لهارون بالرغم من أخطائه . وكانت آخر أخطائه أنه لم يقدس الرب إمام بني إسرائيل ، لا هو ولا موسى ، في أواخر رحلة بني إسرائيل إلى فلسطين وحينما شعر الشعب بالظمأ أمام قادش ، فأمر الله بعقابهما ، بمنعهما من دخول فلسطين ، أي بموتهما قبل الوصول إليها . ( عد 20 : 1 - 13 ) وغادر بنو إسرائيل قادش وأتوا إلى جبل هور ، فأمر الرب موسى أن يأخذ هارون وابنه ألعازار ، ويصعد بهما إلى الجبل وهناك يخلع ثياب هارون الكهنوتية ويلبسها لابنه ولما نفذ هارون ذلك مات هارون ، وانضم إلى آبائه وبكاه قومه ثلاثين يوماً . ( عد 20 : 22 - 29 و 33 : 37 - 39 وتث 10 : 6 ) . وكان عمره عند وفاته مئة وثلاث وعشرين سنة . ولا يزال أثر المكان الذي مات فيه محفوظاً إلى اليوم على إحدى قمتي جبل هور بالقرب من بترا . وسمي هارون ( قدس الرب ) . ( مز 106 : 16 ) وكان اليهود المتأخرون يحفظون ذكراه بإكرام وهم يصومون تذكاراً له في اليوم الأول من شهر آب . وظلت رئاسة الكهنوت عند العبرانيين في بيت هارون إلى دمار أورشليم والهيكل في سنة 70 م ) .
واتهموا أنبيائهم عليهم السلام بالحِيَل والدَّجل والبلاهة !
في التوراة والإنجيل ص 47 : ( 27 - 1 . ولما شاخ إسحاق وضعف بصره استدعى ابنه الأكبر عيسو وقال له : يا بني 2 . ها أنا قد شخت ولست أعرف متى يحين يوم وفاتي . 3 . فالآن خذ عدتك : جعبتك وقوسك ، وامض إلى البرية واقتنص لي صيداً . 4 . وجهز لي طعاماً شهياً كما أحب وائتني به لآكل ، لتباركك نفسي قبل أن أموت . 5 . وسمعت رفقة حديث إسحاق لابنه عيسو . فعندما انطلق عيسو إلى البرية ليصطاد صيداً ويأتي به . 6 . قالت رفقة لابنها يعقوب : سمعت أباك يقول
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 155 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لعيسو أخيك 7 . اقتنص لي صيداً ، وجهز لي أطعمة شهية لآكل وأباركك إمام الرب قبل موتي . 8 . والآن يا بني أطع قولي في ما آمرك به ، 9 . واذهب إلى قطيع الماشية ، واختر جديين لأجهز لأبيك أطعمة شهية كما يحب 10 . تقدمها لأبيك ليأكل ، فيباركك قبل وفاته . 11 . فقال يعقوب لرفقة أمه : أخي عيسو رجل أشعر ، وأنا رجل أملس . 12 . وقد يجُسُّني أبي فيتبين خداعي ، وأستجلب على نفسي لعنة لا بركة . 13 . فقالت له أمه : لعنتك عليَّ يا بنيَّ ، فأطع قولي فقط ، واذهب وأحضر الجديين لي . 14 . فذهب واختارهما وأحضرهما لأمه ، فأعدت رفقة الأطعمة المطيبة كما يحب أبوه 15 . وتناولت ثياب بكرها عيسو الفاخرة الموجودة عندها في البيت وألبست يعقوب ابنها الأصغر 16 . وكذلك غطت يديه وملاسة عنقه بجلد الجديين . 17 . وأعطته ما أعدته من الأطعمة الشهية والخبز . 18 . فأقبل على أبيه وقال : يا أبي . فأجابه : نعم يا ابني من أنت ؟ 19 . فقال يعقوب : أنا عيسو بكرك وقد فعلت كما طلبت ، والآن قم واجلس وكل من صيدي حتى تباركني . 20 . فقال إسحق : كيف استطعت أن تجد صيداً بمثل هذه السرعة يا ولدي ؟ فأجابه : لأن الرب إلهك قد يسر لي ذلك . 21 . وقال إسحق : اقترب مني لأجسك يا ابني لأرى أن كنت حقاً ابني عيسو أم لا . 22 . فدنا يعقوب من أبيه إسحاق فجسه وقال : الصوت صوت يعقوب ، أما اليدان فهما يدا عيسو . 23 . ولم يعرفه لأن يديه كانتا مشعرتين كيدي أخيه عيسو ، فباركه ! !
24 . وسأل : هل أنت ابني عيسو ؟ فأجاب : أنا هو . 25 . ثم قال : قدم لي من صيدك حتى أكل وأباركك . فأحضر يعقوب إليه الطعام فأكل ثم قدم له خمراً فشرب ! 26 . فقال له إسحاق أبوه : تعال وقبلني يا ولدي . 27 فاقترب منه وقبله ، فتنسم رائحة ثيابه وباركه قائلاً : ها أن رائحة ابني كرائحة حقل باركه الرب ، 28 .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 156 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فلينعم عليك الرب من ندى السماء ومن خيرات الأرض ، فيكثر لك الحنطة والخمر . 29 . لتخدمك الشعوب ، وتسجد لك القبائل ، لتكن سيداً على إخوتك . وبنو أمك لك ينحنون . وليكن لاعنوك ملعونين ، ومباركوك مباركين .
30 . ولما فرغ إسحاق من مباركة يعقوب ، وخرج يعقوب من عند أبيه ، رجع عيسو من صيده ، 31 . فجهز هو أيضاً أطعمة طيبة وأحضرها إلى أبيه وقال : ليقم أبي ويأكل من صيد ابنه فتباركني نفسك . 32 . فقال إسحق : من أنت ؟ فأجابه : أنا ابنك بكرك عيسو 33 . فارتعد إسحاق بعنف وقال : من هو إذا الذي اصطاد صيداً وأحضره إليَّ فأكلت من الكل قبل أن تجئ ، وباركته ؟ وحقاً يكون مباركاً . 34 . فما أن سمع عيسو كلام أبيه حتى أطلق صرخة هائلة ومُرَّةً جداً ، وقال : باركني أنا أيضاً يا أبي . 35 . فأجاب : لقد مكر بي أخوك وسلب بركتك ! 36 . فقال : ألم يدع اسمه يعقوب ؟ لقد تعقبني مرتين : أخذ بكوريتي ، وها هو يسلبني الآن بركتي . ثم قال : أما احتفظت لي ببركة ؟ 37 . فأجاب إسحق : لقد جعلته سيداً لك وصيرت جميع إخوته له خداماً ، وبالحنطة والخمر أمددته . فماذا أفعل لك الآن يا ولدي ؟ . 38 . فقال عيسو : ألك بركة واحدة فقط يا أبي ؟ باركني أنا أيضاً يا أبي . وأجهش عيسو بالبكاء بصوت عال . 39 . فأجابه أبوه : ها مسكنك يكون في أرض جدباء لا يهطل عليها ندى السماء . 40 . بسيفك تعيش ولأخيك تكون عبداً ولكن حين تجمح تحطم نيره عن عنقك .
41 . وحقد عيسو على يعقوب من أجل ما ناله من بركة أبيه . فناجى نفسه : قريباً يموت أبي ، وبعدئذ أقتل أخي يعقوب . 42 . فبلغ رفقة وعيد عيسو ابنها الأكبر ، فأرسلت واستدعت يعقوب ابنها الأصغر وقالت له : عيسو يخطط لقتلك . 43 . والآن يا ابني اصغ لقولي ، وقم اهرب إلى أخي لابان إلى حاران . 44 وامكث
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 157 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عنده أياماً قلائل ريثما يهدأ سخط أخيك . 45 . ومتى سكن غضبه ونسي ما صنعت به ، عندئذ أبعث إليك لتعود من هناك ) ! !
وافتروا على سليمان عليه السلام أنه أشرك بالله تعالى :
في التوراة ص 554 : ( 9 . فغضب الرب على سليمان لأن قلبه مال عن الرب إله إسرائيل الذي تراءى له مرتين . 10 . وأوصاه في هذا الأمر أن لا يتبع آلهة أخرى فلم يحفظ ما أوصى به الرب . 11 . فقال الرب لسليمان من أجل أن ذلك عندك ولم تحفظ عهدي وفرائضي التي أوصيتك بها ، فإني أمزق المملكة عنك تمزيقاً وأعطيها لعبدك ) . انتهى .
أقول : لهذا العمل اليهودي دلالاتٌ خطيرةٌ ، ونتائجُ واسعةٌ في عقائدهم وحياتهم ، سواءً في تعاملهم مع ربهم وأنبيائهم عليهم السلام ، أو مع الشعوب الأخرى !
فهو يكشف سبب التعقيد في اليهود ، الذي تحول من حالة في الشخص اليهودي المنحرف ، إلى صفة في الجماعة اليهودية كلها ، إلا من عصم الله .
فليس المهم عند اليهودي عبادة ربه وطاعته ، بل المهم أن يستعمل الحيَل مع ربه لحماية نفسه منه ، وكسب ما يمكنه منه !
وإذا كان رب العالمين معاذ الله كذلك ، وكان الأنبياء عليهم السلام جماعة أنانيين شهوانيين ، يسيؤون استعمال السلطة والبركة التي أعطاهم إياها ! فماذا عسى أن يكون اليهودي العادي ؟ ! !
وهو يكشف منشأ نظرتهم الدونية إلى أنفسهم فضلاً عن غيرهم ، فعقيدة أنهم شعب الله المختار لا تقلل من عقيدة الدونية ، بل هي ترفقها ! فما دام أنبياء هذا الشعب سيؤون ذميمون ، فصفات عامة الشعب أحطُّ منها وأسوأ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 158 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ومن كانت هذه عقيدته في أنبيائه عليهم السلام ونفسه ، فلا عجب أن تكون نظرته إلى بقية شعوب العالم بأنهم حمير خلقهم الله ليركبهم أبناء الشعب اليهودي ؟ !
كما أنه يكشف سبب حرصهم على نشر النظرة الدونية إلى الإنسان في العالم ، التي تزعم أن الإنسان حيوان يحركه الجنس لا أكثر !
ولذا كان دارون وفرويد اليهوديان أبطالاً قوميين عند اليهود ! لابتكارهما نظريات تساعد في تركيز النظرة اليهودية في ثقافة شعوب العالم !
وأخيراً ، فإنا بذلك نضع يدنا على فعالية أحبار يهود المدينة وخيبر والشام واليمن ، ونابغتهم كعب الأحبار ، في تخريب عقيدة المسلمين في صفات الله تعالى والطعن في عدالته ، ونفيهم لعصمة الأنبياء عليهم السلام ، وخاصة نبينا صلى الله عليه وآله فإن أول هدف وأهمه عند اليهودي أن يجعلك مثله تنتقد الله تعالى ورسله ، وتطول لسانك عليهم ، فبذلك تقف معه على الطريق الذي يريده لك !
راجع ما كتبناه في ( المجلد الأول ص 485 ) عن دور كعب في تخريب عقائد المسلمين وزرع اليأس في نفوسهم من المستقبل ، وزعمه حتمية انتهاء الإسلام وفناء أمته ، وهدم الكعبة وخراب مكة ، خراباً لا تسكن بعده أبداً !
البخاري يتبنى التهوُّك والطعن في عصمة الأنبياء عليهم السلام !
قال العلامة الحلي رحمه الله في نهج الحق وكشف الصدق ص 159 :
( ذهبت الإمامية إلى أن النبي صلى الله عليه وآله يجب أن يكون منزهاً عن دناءة الآباء وعهر الأمهات ، بريئاً من الرذائل والأفعال الدالة على الخسة ، كالاستهزاء به والسخرية والضحك عليه ، لأن ذلك يسقط محله من القلوب ، وينفِّر الناس عن الانقياد إليه فإنه من المعلوم بالضرورة الذي لا يقبل الشك والارتياب .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 159 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وخالفت السنة فيه : أما الأشاعرة فباعتبار نفي الحسن والقبح ، فلزمهم أن يذهبوا إلى جواز بعثة ولد الزنا المعلوم لكل أحد ، وأن يكون أبوه فاعلاً لجميع أنواع الفواحش وأبلغ أصناف الشرك ! وهو ممن يُسخر به ويُضحك عليه ويُصفع في الأسواق ويُستهزأ به ، ويكون قد ليط به دائماً لأبنة فيه ، قواداً ، وتكون أمه في غاية الزنا والقيادة والإفتضاح بذلك ، لا تردُّ يدَ لامس ! ويكون هو في غاية الدناءة والسفالة ، ممن قد ليط به طول عمره ، حال النبوة وقبلها ، ويصفع في الأسواق ، ويعتمد المناكير ، ويكون قواداً بصاصاً . فهؤلاء يلزمهم القول بذلك حيث نفوا التحسين والتقبيح العقليين ، وأن ذلك ممكنٌ فيجوز من الله وقوعه ، وليس هذا بأبلغ من تعذيب الله من لا يستحق العذاب ، بل يستحق الثواب طول الأبد !
وأما المعتزلة ، فلأنهم جوَّزوا صدور الذنب عنهم عليهم السلام ، لزمهم القول بجواز ذلك أيضاً ، واتفقوا على وقوع الكبائر منهم ، كما في قصة إخوة يوسف !
فلينظر العاقل بعين الإنصاف : هل يجوز المصير إلى هذه الأقاويل الفاسدة ، والآراء الردية ؟ وهل يبقى مكلفٌ ينقاد إلى قبول قول من كان يفعل به الفاحشة طول عمره إلى وقت نبوته ؟ وأنه يصفع ويستهزأ به حال النبوة ؟ ! وهل يثبت بقول هذا حجة على الخلق ؟ !
واعلم أن البحث مع الأشاعرة في هذا الباب ساقط ، وأنهم إن بحثوا في ذلك استعملوا الفضول ، لأنهم يجوزون تعذيب المكلف على أنه لم يفعل ما أمره الله تعالى به ، من غير أن يعلم ما أمره به ، ولا أرسل إليه رسولاً البتة ! بل وعلى امتثال أمره به ، وإن جميع القبائح من عنده تعالى ! وإن كل ما وقع في الوجود فإنه فعله تعالى وهو حسن ! لأن الحسن هو الواقع والقبيح هو الذي لم يقع .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 160 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فهذه الصفات الخسيسة في النبي وأبويه تكون حسنة ، لوقوعها من الله تعالى ، فأي مانع حينئذ من البعثة باعتبارها ؟ !
فكيف يمكن للأشاعرة منع كفر النبي عليه السلام وهو من الله ، وكل ما يفعله تعالى فهو حسن ! وكذا أنواع المعاصي ! وكيف يمكنهم مع هذا المذهب التنزيه للأنبياء عليهما السلام ؟ ! نعوذ بالله من مذهب يؤدي إلى تحسين الكفر وتقبيح الإيمان ، وجواز بعثة من اجتمعت فيه كل الرذائل والسقطات . وقد عرفت من هذا أن الأشاعرة في هذا الباب ، قد أنكروا الضروريات ! ) . انتهى .
أقول : لو أخذنا البخاري مثالاً لوجدناه يطعن في عصمة الأنبياء عليهم السلام ! وقد استوفينا ذلك في المجلد الخامس من كتاب العقائد الإسلامية :
فقد نسب البخاري إلى نبي الله إبراهيم عليه السلام في : 4 / 112 و 113 ، وكرر ذلك في : 6 / 121 ، أنه كذب ثلاث كذبات ، اثنتان لله ، وواحدة لغير الله ! قال : ( لم يكذب إبراهيم عليه السلام إلا ثلاث كذبات ، ثنتين منهن في ذات الله عز وجل ، قوله : إِنِّي سَقِيمٌ ، وقوله : بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا ! وقال بينا هو ذات يوم وسارة إذ أتى على جبار من الجبابرة فقيل له إن ههنا رجلاً معه امرأة من أحسن الناس فأرسل إليه فسأله عنها فقال من هذه ؟ قال : أختي ) !
وزعم في : 5 / 226 : أن إبراهيم عليه السلام يستحي من ربه يوم القيامة أن يشفع للناس بسبب كذباته الثلاث ! وكرر ذلك في : 5 / 225 و : 7 / 203 و : 8 / 172 و 183 ، و 192 ، و 201 ! !
ونسب البخاري إلى نبي الله موسى عليه السلام غضوبٌ بطَّاش !
روى في : 2 / 92 ، ما يقوله اليهود حرفياً في نبي الله موسى عليه السلام ووضعه على لسان نبينا صلى الله عليه وآله ، مثل أن موسى عليه السلام كان قوي الشخصية والبدن وقد غضب على ملك الموت ولطمه ففقأ عينه وأرسله إلى السماء أعور باكياً شاكياً ! فعالجه الله تعالى
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 161 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأعاده ليقبض روح موسى عليه السلام ! واحتاج عزرئيل إلى استعمال الحيلة مع موسى عليه السلام فأعطاه تفاحة مسمومة ، فشمها موسى فمات ! !
قال البخاري : ( باب من أحب الدفن في الأرض المقدسة . . . أرسل ملك الموت إلى موسى فلما جاءه صكه ! فرجع إلى ربه فقال : أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت ! فرد الله عز وجل عليه عينه وقال : إرجع فقل له يضع يده على متن ثور ، فله بكل ما غطت به يده بكل شعرة سنة ، قال : أي رب ثم ماذا ؟ قال : ثم الموت . قال : فالآن . فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر ، قال قال رسول الله ( ص ) فلو كنت ثم لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر ) ! وكرر البخاري هذا الحديث المزعوم في : 4 / 130 ، فقال : ( باب وفاة موسى وذكره بعد . . . ( كذا ) ! وحذف منه جملة ( ففقأ عينه ) ، التي أثبتها مسلم : 7 / 99 ! !
قال ابن حجر في فتح الباري : 6 / 315 : ( صكه : أي ضربه على عينه ، وفي رواية همام عن أبي هريرة عند أحمد ومسلم : جاء ملك الموت إلى موسى فقال أجب ربك ، فلطم موسى عين ملك الموت ففقأها !
وفي رواية عمار بن أبي عمار عن أبي هريرة عند أحمد والطبري : كان ملك الموت يأتي الناس عياناً فأتى موسى فلطمه ففقأ عينه . . . وفي رواية عمار : فقال يا رب عبدك موسى فقأ عيني ، ولولا كرامته عليك لشققت عليه ) ! !
ونسب البخاري إلى نبي الله موسى عليه السلام أنه ركض عارياً وراء ثيابه !
روى البخاري قصة ( ثوبي حجر ) التي يزعم فيها اليهود أن نبي الله موسى عليه السلام كان يغتسل ووضع ثيابه على حجر ، فركض الحجر هارباً بثيابه ، وركض موسى وراءه عارياً ، ورآه بنو إسرائيل ! فغضب موسى على الحجر وأخذ ثيابه منه وضربه بعصاه !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 162 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وزعموا أن ذلك كان بتدبير الله تعالى لكي يبرئ موسى عليه السلام من اتهام بني إسرائيل لموسى عليه السلام بأن له أُدْرَة ! وكأن تبرئة الله تعالى لنبيه عليه السلام لا تتم إلا بإهانته !
قال البخاري : 4 / 129 : ( فوضع ثيابه على الحجر ثم اغتسل ، فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها وإن الحجر عدا بثوبه فأخذ موسى عصاه وطلب الحجر ، فجعل يقول ثوبي حجر ! ثوبي حجر ! حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل فرأوه عرياناً أحسن ما خلق الله وأبرأه مما يقولون ، وقام الحجر فأخذ ثوبه فلبسه وطفق بالحجر ضرباً بعضاه ! فوالله إن بالحجر لندباً من أثر ضربه ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً ، فذلك قوله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيهاً ) . انتهى .
وكرره البخاري هذا الحديث على عادته بمثله أو بنحوه في : 6 / 28 و : 1 / 73 !
ونسب البخاري إلى نبي الله سليمان عليه السلام مفرط في الجنس ، معرض عن الذكر !
روى في : 3 / 209 عن سليمان عليه السلام : ( قال سليمان بن داود عليهم السلام لأطوفن الليلة على مائة امرأة أو تسع وتسعين ، كلهن يأتي بفارس يجاهد في سبيل الله ! فقال له صاحبه : قل إن شاء الله ، فلم يقل إن شاء الله ! فلم يحمل منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل ! والذي نفس محمد بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرساناً أجمعون ) ! وكرره البخاري بنحوه : 4 / 136 و : 6 / 160 !
كما تبنى البخاري رواية اليهود واتهامهم لداود عليه السلام ! قال في : 4 / 134 : ( وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ . . . إِنَّ هَذَا أخي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً . . . يقال للمرأة نعجة ، ويقال لها أيضاً شاة . . . الخ . ) ! وبذلك تبنى كل إسرائيليات السلطة لأنها مبنية على أن المقصود بتسع وتسعين نعجة : تسعٌ وتسعون امرأة ! !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 163 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ونسب البخاري إلى الأنبياء عليهم السلام أنهم عصبيون كما فعلت التوراة !
فالأنبياء عليهم السلام عنده غير معصومين عن الغضب المفرط انتقاماً لأنفسهم ! حيث روي حديثين في أن نبياً قرصته نملة ، فغضب وأحرق قرية النمل بالنار ، قال في : 4 / 22 : ( قرصت نملة نبياً من الأنبياء فأمر بقرية النمل فأحرقت ، فأوحى الله إليه إن قرصتك نملة أحرقت أمة من الأمم تسبح الله ) وكرره البخاري في : 4 / 100 ! !
وفضل البخاري عيسى عليه السلام على نبينا صلى الله عليه وآله !
وقد روى ذلك مرة واحدة ، ربما لأنها رواية مسيحية وليست إسرائيلية !
قال في : 4 / 94 : ( قال النبي ( ص ) : كل بني آدم يَطعن الشيطان في جنبيه بإصبعه حين يولد ، غير عيسى بن مريم ، ذهب يطعن فطعن في الحجاب ) ! ! انتهى .
أما تفسير هذا الحديث المزعوم ، فيعرفه البخاري والقساوسة ، فما معنى أن الشيطان يطعن في جنبه ، وهل بهذه الطعنة بالإصبع يتسلط عليه ؟
وما معنى أنه أراد أن يطعن في جنبيَّ عيسى عليه السلام فذهبت طعنة إصبعه في الحجاب ، ولم تصل إلى جنبيِّ عيسى ، ووقعت في الحجاب والستر الذي اتخذته مريم ؟ ! ولماذا خص الله به عيسى من دون الرسل والبشر حتى نبينا صلى الله عليه وآله ؟ !
أما مصادرنا فتبرئ جميع الأنبياء عليهم السلام من الظلم والمعصية
ونكتفي هنا بالرواية الصحيحة لقصة إبراهيم عليه السلام وموضع الباقي في الدفاع عن الأنبياء عليهم السلام ، ورد طعونهم في عصمتهم : فقد روى الكليني في الكافي : 8 / 370 : ( عن الإمام الصادق عليه السلام قال : إن إبراهيم عليه السلام كان مولده بكوثى ربا وكان أبوه من أهلها وكانت أم إبراهيم وأم لوط سارة وورقة - وفي نسخة رقية - أختين وهما ابنتان للاحج ، وكان لاحج نبياً منذراً ولم يكن رسولاً ، وكان إبراهيم عليه السلام في
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 164 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
شبيبته على الفطرة التي فطر الله عز وجل الخلق عليها حتى هداه الله تبارك وتعالى إلى دينه واجتباه ، وإنه تزوج سارة ابنة لاحج وهي ابنة خالته ، وكانت سارة صاحبة ماشية كثيرة وأرض واسعة وحال حسنة وكانت قد ملَّكت إبراهيم عليه السلام جميع ما كانت تملكه ، فقام فيه وأصلحه ، وكثرت الماشية والزرع حتى لم يكن بأرض كوثى ربا رجل أحسن حالاً منه .
وإن إبراهيم عليه السلام لما كسر أصنام نمرود أمر به نمرود فأوثقه وعَمل له حيراً وجمع له فيه الحطب وألهب فيه النار ، ثم قذف إبراهيم عليه السلام في النار لتحرقه ، ثم اعتزلوها حتى خمدت النار ، ثم أشرفوا على الحير فإذا هم بإبراهيم عليه السلام سليماً مطلقاً من وثاقه ، فأخبر نمرود خبره فأمرهم أن ينفوا إبراهيم عليه السلام من بلاده ، وأن يمنعوه من الخروج بماشيته وماله ، فحاجَّهم إبراهيم عليه السلام عند ذلك فقال : إن أخذتم ماشيتي ومالي فإن حقي عليكم أن تردوا عليَّ ما ذهب من عمري في بلادكم ! واختصموا إلى قاضي نمرود فقضى على إبراهيم عليه السلام أن يسلم إليهم جميع ما أصاب في بلادهم ، وقضى على أصحاب نمرود أن يردوا على إبراهيم عليه السلام ما ذهب من عمره في بلادهم ! فأخبر بذلك نمرود ، فأمرهم أن يخلوا سبيله وسبيل ماشيته وما له وأن يخرجوه ، وقال : إنه إن بقي في بلادكم أفسد دينكم وأضر بآلهتكم ، فأخرجوا إبراهيم ولوطاً معه صلى الله عليهما من بلادهم إلى الشام ، فخرج إبراهيم ومعه لوط لا يفارقه وسارة ، وقال لهم : إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ ، يعني بيت المقدس ، فتحمل إبراهيم عليه السلام بماشيته وماله وعمل تابوتاَ وجعل فيه سارة وشد عليها الأغلاق غيرةً منه عليها ، ومضى حتى خرج من سلطان نمرود وصار إلى سلطان رجل من القبط يقال له : عرارة ، فمر بعاشر له فاعترضه العاشر ليُعَشِّر ما معه ، فلما انتهى إلى العاشر ومعه التابوت ، قال العاشر
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 165 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لإبراهيم عليه السلام : إفتح هذا التابوت حتى نُعَشِّر ما فيه ، فقال له إبراهيم عليه السلام : قل ما شئت فيه من ذهب أو فضة ، حتى نعطي عُشره ولا نَفتحه ، قال : فأبى العاشر إلا فتحه ، قال : وغضب إبراهيم عليه السلام على فتحه ، فلما بدت له سارة وكانت موصوفة بالحسن والجمال قال له العاشر : ما هذه المرأة منك ؟ قال إبراهيم عليه السلام : هي حرمتي وابنة خالتي ، فقال له العاشر : فما دعاك إلى أن خبيتها في هذا التابوت ؟ فقال إبراهيم عليه السلام : الغيرةُ عليها أن يراها أحد ، فقال له العاشر : لست أدعك تبرح حتى أعلم الملك حالها وحالك ، قال : فبعث رسولاً إلى الملك فأعلمه ، فبعث الملك رسولاً من قبله ليأتوه بالتابوت ، فأتوا ليذهبوا به فقال لهم إبراهيم عليه السلام : إني لست أفارق التابوت حتى تفارق روحي جسدي ، فأخبروا الملك بذلك فأرسل الملك أن احملوه والتابوت معه ، فحملوا إبراهيم عليه السلام والتابوت وجميع ما كان معه حتى أدخل على الملك فقاله له الملك : إفتح التابوت ، فقال إبراهيم عليه السلام : أيها الملك إن فيه حرمتي وابنة خالتي وأنا مفتدٍ فتْحَهُ بجميع ما معي !
قال : فغصب الملك إبراهيم عليه السلام على فتحه ، فلما رأى سارة لم يملك حلمه سفهه أن مد يده إليها فأعرض إبراهيم عليه السلام بوجهه عنها وعنه غيرةً منه ، وقال : اللهم احبس يده عن حرمتي وابنة خالتي ، فلم تصل يده إليها ولم ترجع إليه !
فقال له الملك : أن إلهك الذي فعل بي هذا ؟ فقال له : نعم ، أن إلهي غيور يكره الحرام وهو الذي حال بينك وبين ما أردت من الحرام !
فقال له الملك : فادع إلهك يرد عليَّ يدي ، فإن أجابك لم أعرض لها ، فقال : إبراهيم عليه السلام : إلهي رُدَّ عليه يده ليكف عن حرمتي :
قال : فردَّ الله عز وجل عليه يده ، فأقبل الملك نحوها ببصره ثم أعاد بيده نحوها فأعرض إبراهيم عليه السلام عنه بوجهه غيرةً منه وقال : اللهم احبس يده عنها ، قال :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 166 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فيبست يده ولم تصل إليها ! ! فقال الملك لإبراهيم عليه السلام : أن إلهك لغيور وإنك لغيور ، فادع إلهك يرد عليَّ يدي فإنه أن فعل لم أعد .
فقال له إبراهيم عليه السلام : أسأله ذلك على إنك أن عدت لم تسألني أن أسأله ، فقال الملك : نعم ، فقال إبراهيم عليه السلام : اللهم إن كان صادقاً فردَّ عليه يده ، فرجعت إليه يده ! فلما رأى ذلك الملك من الغيرة ما رأى ، ورأى الآية في يده عظَّمَ إبراهيم عليه السلام وهابه وأكرمه واتقاه وقال له : قد أمِنْتَ من أن أعرض لها ، أو لشئ مما معك فانطلق حيث شئت ، ولكن لي إليك حاجة ، فقال إبراهيم عليه السلام : ما هي ؟ فقال له : أحب أن تأذن لي أن أخدمها قبطية عندي جميلة عاقلة تكون لها خادماً ، قال : فأذن له إبراهيم عليه السلام فدعا بها فوهبها لسارة ، وهي هاجر أم إسماعيل عليه السلام فسار إبراهيم عليه السلام بجميع ما معه ، وخرج الملك معه يمشي خلف إبراهيم عليه السلام إعظاماً لإبراهيم عليه السلام وهيبةً له ، فأوحى الله تبارك وتعالى إلى إبراهيم أن قف ولا تمش قدام الجبار المتسلط ويمشي هو خلفك ، ولكن اجعله أمامك وامش خلفه وعظمه وهبه ، فإنه مسلط ولا بد من إمرة في الأرض برة أو فاجرة ، فوقف إبراهيم عليه السلام وقال للملك : إمض ، فإن إلهي أوحى إليَّ الساعة أن أعظمك وأهابك ، وأن أقدمك أمامي وأمشي خلفك إجلالاً لك ، فقال له الملك : أوحى إليك بهذا ؟ فقال له إبراهيم عليه السلام : نعم ، فقال له الملك : أشهد أن إلهك لرفيق حليم كريم ، وأنك ترغبني في دينك ، قال : وودعه الملك فسار إبراهيم عليه السلام حتى نزل بأعلى الشامات ، وخلَّف لوطاً في أدنى الشامات .
ثم إن إبراهيم عليه السلام لما أبطأ عليه الولد قال لسارة : لو شئت لبعتني هاجر لعل الله أن يرزقنا منها ولداً فيكون لنا خلفاً ، فابتاع إبراهيم عليه السلام هاجر من سارة ، فوقع عليها فولدت إسماعيل عليه السلام ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 167 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي الكافي : 4 / 201 : ( عن الإمام الصادق عليه السلام قال : لما ولد إسماعيل حمله إبراهيم وأمه على حمار وأقبل معه جبرئيل حتى وضعه في موضع الحِجْر ، ومعه شئ من زاد وسقاء فيه شئ من ماء ، والبيت يومئذ ربوةٌ حمراء من مَدَر فقال إبراهيم لجبرئيل عليهما السلام : هاهنا أمرت ؟ قال : نعم .
قال : ومكة يومئذ سَلَمٌ وسَمَر ، وحول مكة يومئذ ناسٌ من العماليق ) .
اتهامهم الأنبياء عليهم السلام بارتكاب المعاصي حتى في تبليغ رسالة ربهم !
فقد صرح بعضهم بأن الأنبياء عليهم السلام يعصون ربهم حتى في تبليغ الرسالة ، لكن الله تعالى يصحح لهم ما عصوا فيه ، ويتوبون من معصيتهم !
قال ابن تيمية في منهاج سنته : 2 / 400 : ( والذنوب إنما تضر أصحابها إذا لم يتوبوا منها والجمهور الذين يقولون بجواز الصغائر عليهم يقولون إنهم معصومون من الإقرار عليها ، وحينئذ فما وصفوهم إلا بما فيه كمالهم ، فإن الأعمال بالخواتيم . مع أن القرآن والحديث وإجماع السلف معهم في تقرير هذا الأصل !
فالمنكرون لذلك يقولون في تحريف القرآن ما هو من جنس قول أهل البهتان ، ويحرفون الكلم عن مواضعه ) . انتهى .
ومقصود ابن تيمية بالجمهور ، أتباع المذاهب السنية ، وتعبيره بالصغائر لكي يجعل آيات الغرانيق الشيطانية التي افتروها على النبي صلى الله عليه وآله وصحح هو روايتها ودافع عنها ، من المعاصي الصغيرة ! مع أنها خيانةٌ للوحي ، وكفرٌ بالله العظيم ، وعبادةٌ للأصنام وسجودٌ لها !
وهذا الكلام من أصله باطل ، لأنه يستوجب سلب الثقة بكل كلام النبي عليه السلام ! فما دام قد يخطئ أو يخون الرسالة ويبلِّغ الكفرَ بدلَ التوحيد ! فلا ينفع بعد ذلك
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 168 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أن الله تعالى لا يقره على الخطأ ، وأنه ينبهه بعد مدة فيقول النبي للناس إن الشئ الفلاني الذي بلغتكم إياه كان خطأ مني أو من شيطاني ، وقد نبهني اليه جبرئيل وتاب الله عليَّ ! فخذوا الصحيح ودعوا الخطأ !
فمن أين يثق الناس بأن هذا البديل الذي بلغه الآن ليس منه أو من الشيطان كسابقه ؟ ! فإن من وقع في خطيئة مرة يمكن أن يقع فيها مئة مرة ، ومن خان الوحي مرة ، قد يخونه مئة مرة ! !
* *
الأسئلة
1 - بماذا تفسرون تميز مذهب أهل البيت عليهم السلام بالقول بالعصمة التامة للأنبياء عليهما السلام مخالفاً بذلك اليهود وكافة المذاهب الرسمية عند الخلافة ؟ !
2 - هل توافقوننا على عصمة الأنبياء عليهم السلام عصمة تامة شاملة ، أم لا ؟ وإن كنتم ترون أنهم معصومون في التبليغ فقط ، فهل تردُّون روايات البخاري وغيره ، التي تقول إن النبي صلى الله عليه وآله أخطأ وعصى ربه في التبليغ ، في قصة الغرانيق وغيرها ؟ !
3 - تقولون إن النبي صلى الله عليه وآله قد يعصي ويخطئ ، لكن الله تعالى ينبهه ولا يقره على الخطأ ، وقد رويتم أنه صلى الله عليه وآله أخطأ في النهي عن تأبير النخل ، وأن الله لم ينهه الله تعالى حتى خرب الموسم وخرج التمر شيصاً ، فما قولكم في هذه الروايات الصحيحة عندكم ؟ !
4 - استدل الشيعة على عصمة الأنبياء والأوصياء عليهما السلام بأدلة العقل ، وأن الله تعالى يستحيل أن يوجب على العباد طاعة غير المعصوم . واستدلوا بآيات القرآن مثل قوله تعالى : وَإِذِ ابْتَلَى إبراهيم رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 169 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ . ( البقرة - 124 ) ، التي دلت على أن الإمامة والنبوة عهدٌ إلهي لا ينال ظالماً ، سواء في الماضي أو الحاضر . . الخ . فما رأيكم ؟ !
5 - ما هو الفرق بين عقيدتكم في الأنبياء عليهم السلام وبين عقيدة اليهود فيهم ، وهل ترون أنه من باب الصدفة أن المصادر السنية تنسب إلى الأنبياء عليهم السلام كل ما نسبته إليهم روايات بني إسرائيل ! أم تقرون بتأثير المتهوكين والأحبار ، الذين أطلقت الخلافة أيديهم في ثقافة المسلمين ؟ !
6 - هل تنسبون إلى إبراهيم صلى الله عليه وآله أنه كان يعبد الأصنام والنجوم ، ثم صار موحداً ؟ وهل تقبلون أنه تزوج أخته ! وانه خاف أن يقتله الملك ليأخذ زوجته سارة إن قال هذه زوجتي ، فقال هذه أختي ! ! وهل تقبلون بما نسبته التوراة والإسرائيليات إلى سارة عليهما السلام ؟ !
7 - هل تقبلون ما نسبته التوراة إلى إبراهيم وبنيه وموسى وهارون عليهما السلام ؟ !
8 - ما رأيكم في إشكال العلامة الحلي على الأشعريين بقوله : ( أما الأشاعرة فباعتبار نفي الحسن والقبح ، فلزمهم أن يذهبوا إلى جواز بعثة ولد الزنا لمعلوم لكل أحد ، وأن يكون أبوه فاعلاً لجميع أنواع الفواحش وأبلغ أصناف الشرك ! وهو ممن يُسخر به ويُضحك عليه ويُصفع في الأسواق ويُستهزأ به ، ويكون قد ليط به دائماً لأبنة فيه ، قواداً ، وتكون أمه في غاية الزنا والقيادة والإفتضاح بذلك لا تردُّ يدَ لامس ) ! ! ؟ !
وفي إشكاله على المعتزلة بقوله : ( وأما المعتزلة ، فلأنهم جوَّزوا صدور الذنب عنهم عليهما السلام ، لزمهم القول بجواز ذلك أيضاً ، واتفقوا على وقوع الكبائر منهم ، كما في قصة إخوة يوسف ) ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 170 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
9 - هل توافقون على رواية البخاري بأن إبراهيم عليه السلام كذب ثلاث كذبات ؟ ! قال : لم يكذب إبراهيم عليه السلام إلا ثلاث كذبات ، ثنتين منهن في ذات الله عز وجل قوله : إِنِّي سَقِيمٌ ) ( : 4 / 112 و 113 ) ؟ !
10 - هل تقبلون رواية البخاري بأن نبي الله موسى عليه السلام قد فقأ عين ملك الموت ، وأنه ركض عارياً أمام الناس وراء ثوبه ؟ !
11 - هل تقبلون رواية البخاري عن نبي الله سليمان عليه السلام وأنه رفض أن يول ( إن شاء الله ) ؟ !
د
12 - هل تقبلون روايته في : 4 / 22 : ( قرصت نملة نبياً من الأنبياء عليهم السلام فأمر بقرية النمل فأحرقت ) ؟ !
13 - وتفضيله نبي الله عيسى عليه السلام على نبينا صلى الله عليه وآله وجميع الأنبياء عليهم السلام فيما نسبه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال : ( كل بني آدم يَطعن الشيطان في جنبيه بإصبعه حين يولد ، غير عيسى بن مريم ) ؟ !
14 - ما رأيكم في روايتنا المتقدمة في الكافي : 8 / 370 عن الإمام الصادق عليه السلام في تنزيه إبراهيم عليه السلام ؟ !
15 - ما رأيكم في قول ابن تيمية في منهاج سنته : 2 / 400 : ( والذنوب إنما تضر أصحابها إذا لم يتوبوا منها ، والجمهور الذين يقولون بجواز الصغائر عليهم يقولون إنهم معصومون من الإقرار عليها ) ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 171 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل العشرون : قرشيات البخاري في الطعن بنبينا صلى الله عليه وآله أسوأ من الإسرائيليات !

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 172 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 173 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة 138 : مقارنة بين مقام نبينا صلى الله عليه وآله في مذهب أهل البيت الطاهرين عليهم السلام وغيره

نعتقد نحن الشيعة بأن نبينا صلى الله عليه وآله خاتم الأنبياء والمرسلين وأفضلهم ، وأنه أفضل مخلوقات الله تعالى ، وقد صح عندنا أن الله تعالى خلق نور النبي وأهل بيته صلى الله عليه وآله قبل خلق الخلق ، وأنه معصوم قبل البعثة وبعدها ، عن الكبائر والصغائر ، وعن كل ما يشين شخصيته ، أو ينافي مقامه العظيم .
ونعتقد أن حرمته صلى الله عليه وآله ميتاً كحرمته حياً ، وأنه يسمع السلام ويرد الجواب ، ونعتقد باستحباب زيارة قبره الشريف والتوسل به ، والتبرك بقبره وبآثاره ، والصلاة عند قبره ، وفي البقاع التي صلى فيها ، أو جلس فيها ، وباستحباب تشييد قبره وإعماره وتجليله صلى الله عليه وآله . . . الخ .
أما السنيون فقد رووا في مصادرهم أن الله خلق نور النبي صلى الله عليه وآله قبل الخلق وأنه كان نبياً وآدم عليه السلام بين الماء والطين ، ولكن بعضهم لم يقبل ذلك !
كما أن مصادرهم روت تفضيل بعض أنبياء بني إسرائيل على نبينا صلى الله عليه وآله كالبخاري كما تقدم من البخاري !
ويقول السنيون إنهم يعتقدون بعصمة النبي صلى الله عليه وآله عن المعاصي في التبليغ دون غيره ، لكنهم نسبوا اليه نقائص كثيرة ، ورووا أيضاً أحاديث وصححوها أنه عصى وأخطأ في التبليغ !
ورووا أن عمر بن الخطاب كان يصحح له أخطاءه ، فينزل الوحي مؤيداً لقول عمر كما سيأتي ! وقد رد عليهم علماء الشيعة ، ودافعوا عن ساحة النبي المقدسة صلى الله عليه وآله .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 174 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أما ابن تيمية وأتباعه الوهابيون فينقصون من مقامه صلى الله عليه وآله كثيراً ! ويحرِّمون قصد زيارة قبره الشريف ، والصلاة عنده ، ويحرمون التوسل به ، بل يعدُّون نداءه شركاً لأن النبي صلى الله عليه وآله بزعمهم ميتٌ لا ينفع ولا يضر !
وقد بلغ سوء الأدب بهم أن قالوا ( محمد طارش ومات ) فمَثَله عندهم كمثل شخص كلف بنقل رسالة وأوصلها ، وانتهى الأمر !
* *
الأسئلة
1 - ما هو السبب برأيكم في أن عقيدة الشيعة في عصمة النبي صلى الله عليه وآله وقوله وفعله وسيرته ومقامه عند ربه ، أعمق من عقيدتكم فيه ؟ هل السبب اهتمام الشيعة بالنص القرآني والنص النبوي في فهم شخصيته ومقامه صلى الله عليه وآله حيث قام مذهبهم على النص ؟ أم ترون أنهم تأثروا بثقافة من خارج الإسلام تغالي بالأشخاص فغلوا في شخصية النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام ؟
2 - من الواضح أن اليهود لا قداسة عندهم ولا احترام لأنبيائهم عليهم السلام بمن فيهم جدهم إبراهيم عليه السلام الذي يقوم كل افتخارهم على الانتساب اليه ! وأن السنيين تأثروا بثقافتهم في نظرتهم إلى الأنبياء وتفسيرهم لآيات القرآن فيهم عليهم السلام . فهل بحث أحد منكم العامل السياسي في نسبة مصادركم الأخطاء والمعاصي إلى نبينا صلى الله عليه وآله ، والعامل الثقافي اليهودي في ذلك ؟ !
3 - لماذا لا تدخلون في حسابكم أن تكون سلطة الخلافة أنقصت من مقام النبي صلى الله عليه وآله ونسبت اليه الأخطاء والمعاصي لتبرير عمل الحكام ، وأنقصت من مقام
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 175 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عترته عليهم السلام لإبعادهم عن الخلافة ، وفتحت باب الثقافة اليهودية لفقرها العلمي ، بينما تمسك الشيعة بأهل البيت الطاهرين المطهرين عليهم السلام وأخذوا منهم عقيدتهم في مقامات النبي صلى الله عليه وآله ومقامات عترته عليهم السلام ؟
4 - أين هي ثقافة الغلو من الشعوب الأخرى التي نتهم بأنا تأثرنا بها في عقيدتنا بعصمة نبينا الشاملة وعترته الطاهرين صلى الله عليه وآله ؟ !
وهل تستطيعون إثبات المفردات التي ترون أنا تأثرنا بها ، نحن والمسلمون من أتباع المذاهب الأخرى ، الذين يؤمنون مثلنا بمقام النبي صلى الله عليه وآله ؟ !
5 - هل توافقوننا على أن الموقف العلمي من دعوى غلو الشيعة في مقام النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام ، ودعوى تنقيص السنة من مقامهم ، أنه يجب الرجوع إلى نصوص القرآن وما صح من السنة والتعمق فيها ، وفحص المؤثرات الخارجية كالتهوك والتمجس ونحوهما ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 176 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة 139 : البخاري نموذجاً للطعن في عصمة نبينا صلى الله عليه وآله والإنتقاص من مقامه !

نأخذ البخاري نموذجاً في أحاديثه التي تطعن في عصمة النبي صلى الله عليه وآله ، علماً بأنه يوجد أضعافها في مصادرهم الأخرى !
لقد عرفنا طرفاً من تهوك البخاري وطعنه بعصمة الأنبياء عليهم السلام !
أما عندما يصل إلى نبينا صلى الله عليه وآله تنضم القرشيات إلى الإسرائيليات وتتعاونان في طعن خبيث مبطن في عصمته وشخصيته صلى الله عليه وآله ! !
فقد بدأ البخاري كتابه عن بدء الوحي بالفرية القرشية التي تقول إن النبي صلى الله عليه وآله من الأساس لم يكن على يقين من بعثته ، بل كان في شك وحيرة ! وأنه اطمأن بنبوته بتطمين قسيس نصراني ، ثم تأخر عليه الوحي فعاد اليه الشك وقرر أن ينتحر ! !
ثم يزعم البخاري أن النبي صلى الله عليه وآله غير معصوم حتى في تبليغ رسالة ربه ، فقد غلبه الشيطان فخان الرسالة وغيَّر القرآن ! واستبدل ذم أصنام قريش بمدحها ، وسجد لها هو والمشركون ، فعبد الأصنام وكفر برب العالمين !
ثم يزعم ثالثاً ، أن نبينا صلى الله عليه وآله ليس أفضل من أنبياء بني إسرائيل عليهم السلام ! فموسى عليه السلام على عيوبه ومعاصيه ! أفضل منه ، ويونس عليه السلام على تركه لقومه ومغاضبته خير منه ، وعيسى عليه السلام خير منه ومن جميع الأنبياء ! !
ويزعم رابعاً ، أن نبينا صلى الله عليه وآله عصبي المزاج سئ الأخلاق مع المسلمين ، غير مسدد في منطقه ، ولذا ينطق عن الهوى ويسب ويشتم ويلعن بغير حق !
كما أنه غير مسدد في عمله فقد يؤذي ويجلد الناس ظلماً وعدواناً !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 177 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ويزعم خامساً ، أن النبي صلى الله عليه وآله ساذج ضعيف الشخصية والتدبير ، يقع في أخطاء فظيعة ، فيصححها له عمر ، وينزل الوحي موبخاً له مؤيداً لعمر !
ويزعم سادساً ، أن النبي صلى الله عليه وآله ظالم لقومه قريش ، فقد ظلمهم في بدر وأخذ منهم أسارى بغير حق ، وأخذ من الأسرى فدية مقابل إطلاقهم ، فعاقبه الله بهزيمته ، وجرحه وكسر أسنانه في أحد !
ويزعم سابعاً ، أن النبي صلى الله عليه وآله غير مسدد في حكمه وقضائه بين المسلمين ، فقد يقضي لشخص بالباطل لأنه حاذق في كلامه !
ويزعم ثامناً ، أن النبي صلى الله عليه وآله ينهى عن الأمر ويرتكبه ، فقد نهى المسلمين عن التمني وقول ( لو ) لكنه تمنى وقالها مرات !
ويزعم تاسعاً ، أن النبي صلى الله عليه وآله صاحب ذهن مشوش ينسى كثيراً ، فقد نسي أنه جُنُب فلم يغتسل وبدأ في صلاته ! كما نسي عدد ركعات الصلاة ونقَّص منها ! وأخطأ في قراءة القرآن في صلاته ، فصحح له بدوي !
ويزعم عاشراً ، أن النبي صلى الله عليه وآله غلب عليه المرض في آخر حياته فأخذ يهذي ، وطلب من المسلمين أن يأتوه بدواة وقرطاس ليكتب لهم كتاباً يؤمِّنهم من الاختلاف والضلال إلى يوم القيامة ، فرفض ذلك عمر وقال نبيكم غلب عليه الوجع ، وأيده أكثر الحاضرين ، ومنعوه من كتابة ذلك العهد !
وحادي عشر ، تقول عائشة إن النبي صلى الله عليه وآله سُحِرَ ففقد ذاكرته ، وبقي لستة أشهر مسحوراً يخيَّلُ إليه أنه فعل الشئ وهو لم يفعله ، وأنه أتى زوجته ولم يأتها ! !
* *
ما أدري ألم يتفكر العلماء في أعاجيب البخاري التي ينسبها إلى نبينا صلى الله عليه وآله ؟ ! !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 178 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ألم يقرؤوا فيه أن النبي صلى الله عليه وآله بزعمه مفرط في الجنس ، يأتي نساءه التسعة في ليلة واحدة ، ويباشر زوجته وهي حائض ، ويتبذَّل تبذلاً لا يناسب وجيهاً اجتماعياً عادياً ، فيبول وهو واقف ، ويستقبل ضيوفه وهو مضطجع ، ويستمع الغناء ويشاهد الرقص ، ويشرب النبيذ !
أما عمر بن الخطاب فكان محافظاً أكثر منه ، حيث قال له أحجب نساءك فلم يفعل ، فأنزل الله آية الحجاب ، وأمره بما أمره به عمر !
* *
كما يزعم البخاري أن النبي صلى الله عليه وآله كان مغرماً بزوجته عائشة ، فكان يفضلها على زوجاته ويستمع معها الغناء من جاريتين تغنيان لهما ، ويحملها على كتفه ويضع خده على خدها لتشاهد من شباك الغرفة رقص الأحباش ، ويأخذها معه في غزواته ، وربما ترك جيشه وسابقها ، وقد سبقها مرة ، وسبقته مرة !
وقد روت عنه عائشة أكثر من ألفي حديث ، نشرت فيها قصص حياتهما الشخصية ، مما لا يناسب زوجين مسلمين محافظين ! !
* *
إلى غير ذلك من مطاعن البخاري في نبينا صلى الله عليه وآله التي لو أردنا استقصاءها لخرجنا عن قصد هذا الكتاب ، فنكتفي بذكر بعضها في المسائل التالية !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 179 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأسئلة
1 - هل تقبلون هذه الأمور التي ينسبها البخاري إلى نبينا صلى الله عليه وآله ؟
2 - كيف تقولون إن البخاري صحيحٌ من الجلد إلى الجلد ، وإنه أصح كتاب بعد كتاب الله تعالى ، مع أن فيه ما يخالف قطعيَّ العقل ، وفيه الأحاديث المتعارضة التي لو كلفت عالماً منصفاً بالجمع بينها ، لقال لك كلفني بحمل صخور الجبال فهو أسهل ! !
وفيه الأحاديث المتناقضة التي لا يستطيع البخاري ولا كل الإنس والجن أن يجمعوا بينها ! بل لا بد لهم أن يسقطوا واحداً منها أو أكثر ؟ ! !
3 - منهجنا في الحديث النبوي أنا نعتبر كل ما روي عن النبي وآله صلى الله عليه وآله ثروة علمية يجب أن تخضع للبحث العلمي من قبل العلماء المختصين ، وأن باب الإجتهاد مفتوح على مدى العصور في تصحيح أي حديث منها أو تضعيفه ، والمسلمون يعتمدون على تصحيح مراجعهم وتضعيفهم .
أما أنتم فقد تبنيتم كتاب البخاري وجعلتموه معصوماً من الجلد إلى الجلد ، وأوجبتم على علماء المسلمين وعوامهم أن يعملوا به ، مع أن الكتب التي ألفها شيوخ البخاري وعلماء الحديث بعده كثيرة ، ولا تقل عنه .
فأي المنهجين هو الصحيح ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 180 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة 140 : افتتح البخاري صحيحه بالطعن في النبي صلى الله عليه وآله واتهمه بأنه كان يشك في نبوته !

افتتح البخاري صحيحه بخرافتهم عن بدء الوحي وكررها في كتابه مرات ! فروى عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وآله لم يبعث نبياً في جوٍّ واضح ، ولا رأى جبرئيل بالأفق المبين كما قال تعالى : وَاللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ . وَالصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ . إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ . ذِي قُوَةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ . مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ . وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ . وَلَقَدْ رَآهُ بِالآفُقِ الْمُبِينِ . وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ . وَمَا هُو بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ . فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ . إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ . لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ . وَمَا تَشَاءُونَ إلا أَنْ يَشَاءَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) . ( سورة التكوير : 17 - 29 )
يقول البخاري كلا ! فقد كان الأفق غائماً وكانت النبوة مشكوكة ! ويزعم الذي جاء للنبي صلى الله عليه وآله أشبه بكابوس منه بمَلَك ، وكان تعامله معه وحشياً ! فقد أمره أن يقرأ ، ولم يقبل عذره بأنه لا يعرف القراءة ، فغطه غطاً عنيفاً ثلاث مرات !
هل تعرفون أن قولنا : ( أمسكه وخبزه بالأرض ثم عجنه ) أخف من قوله ( غطه )
لأن معناها أنه خنقه وحبس نفسه إلى قرب الموت ، ولم يكتف بذلك مرة واحدة ، بل كرره ثلاث مرات ! !
قال ابن الأثير في النهاية : 3 / 373 : ( الغط : العصر الشديد والكبس ) .
وقال النووي في شرح مسلم : 3 / 199 : ( يقال غطه وغته وضغطه وعصره وخنقه غمزه ، كله بمعنى واحد ) ! ! انتهى .
والأهم من مصيبة الإرعاب والتعذيب ، أن النبي صلى الله عليه وآله لم يعرف جبرئيل ، ولا فهم كلامه ، ولا عرف ما يريده منه !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 181 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فقد عاد إلى منزله في مكة مرعوباً شاكياً إلى زوجته خديجة عليهما السلام فطمأنته ، لكنها بقيت هي أيضاً في شك ! فأخذت زوجها إلى ورقة بن نوفل ، وهو قسيس عجوز من قبيلتها بني زهرة ، وعرضت عليه مشكلته ، فسأله ورقة وأجابه ، فطمأنه بأن الذي جاءه هو جبرئيل ، وأنه فعلاً قد بعث نبياً ! !
لكن النبي صلى الله عليه وآله لم يطمئن ، خاصة بعد أن انقطع عنه الوحي ! فقرر أن يلقي بنفسه من رأس جبل شاهق وينتحر ! وذهب مراراً إلى رؤوس الجبال ، لكنه كلما ذهب إلى رأس جبل لينتحر ، كان جبرئيل يأتيه ويمنعه من ذلك ! !
قال بخاري في صحيحه : 8 / 67 : ( باب التعبير وأول ما بدئ به رسول الله ( ص ) من الوحي . . عن عائشة أنها قالت : أول ما بدئ به رسول الله من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ، فكان يأتي حِرَاء فيتحنَّث فيه ، وهو التعبد الليالي ذوات العدد ، ويتزود لذلك ، ثم يرجع إلى خديجة فتزوده لمثلها ، حتى فجأه الحق وهو في غار حراء ، فجاءه الملك فيه فقال : إقرأ ، فقال له النبي ( ص ) : ما أنا بقارئ ، قال فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجَهد ! ثم أرسلني فقال : إقرأ ! فقلت : ما أنا بقارئ ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ! ثم أرسلني فقال : إقرأ ! فقلت : ما أنا بقارئ فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ! ثم أرسلني فقال : إقرأ باسم ربك ! ثم أرسلني فقال : إقرأ باسم ربك الذي خلق ، حتى بلغ ما لم يعلم . فرجع بها ترجف بوادره ، حتى دخل على خديجة فقال : زمِّلوني زمِّلوني ، فزمَّلوه حتى ذهب عنه الروع ! فقال يا خديجة مالي ؟ ! وأخبرها الخبر وقال : قد خشيت على نفسي ! فقالت له : كلا ، أبشر فوالله لا يخزيك الله أبداً ، إنك لتصل الرحم ، وتصدق الحديث ، وتحمل الكَل ، وتقري الضيف ، وتعين على نوائب الحق .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 182 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم انطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي ، وهو ابن عم خديجة أخو أبيها ، وكان امرءاً تنصَّر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العبري فيكتب بالعربية من الإنجيل ما شاء الله أن يكتب ، وكان شيخاً كبيراً قد عمي ، فقالت له خديجة : أي ابن عم إسمع من ابن أخيك ، فقال له ورقة : ابنَ أخي ماذا ترى ؟ فأخبره النبي ( ص ) ما رأى فقال ورقة : هذا الناموس الذي أنزل على موسى ، يا ليتني فيها جذعاً أكون حياً حين يخرجك قومك ؟ فقال رسول الله : أو مُخرجيَّ هم ؟ فقال ورقة : نعم ، لم يأت رجل قط بما جئت به إلا عودي ، وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً ، ثم لم ينشب ورقه أن توفي !
وفتر الوحي فترة حتى حزن النبي ( ص ) فيما بلغنا حزناً غدا منه مراراً كي يتردى من رؤس شواهق الجبال ، فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي منه نفسه تبدى له جبريل فقال : يا محمد إنك رسول الله حقاً ، فيسكن لذلك جأشه وتقرُّ نفسه فيرجع فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك ! فإذا أوفى بذروة جبل تبدَّى له جبريل فقال له مثل ذلك ) ! !
نعم ، افتتح البخاري كتابه بهذه الخرافة : 1 / 2 وكررها في : 4 / 124 ، و 6 / 88 ! !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 183 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأسئلة
1 - كيف تفسرون قوله تعالى : وَلَقَدْ رَآهُ بِالآفُقِ الْمُبِينِ ، وهل الأفق الذي زعم البخاري أن النبي صلى الله عليه وآله رأى فيه جبرئيل عليه السلام أفقٌ مبين ، وقد احتاج إلى نصراني ضعيف الشخصية مثل ورقة ابن نوفل ، ليبينه له ويهدئ خوفه ورعبه ؟ !
2 - كيف تقبلون هذه الخرافة وهي تناقض نص القرآن على أن نبينا صلى الله عليه وآله كان على بصيرة ويقين من أمره ، كقوله تعالى : ( قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أدعو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أنا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أنا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) . ( يوسف : 108 ) وقوله تعالى : ( إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ ) . ( النمل : 10 )
3 - كيف تقبلون خرافة البخاري وهي تناقض الآيات التي تنص على بشارة الأنبياء عليهم السلام بنبينا صلى الله عليه وآله ، وأن الناس كانوا ينتظرون النبي الموعود من ذرية إسماعيل عليه السلام ، وكان عدد منهم يعرفونه ! فكيف لم يكن هو يعرف نفسه حتى بعد نزول جبرئيل عليه عليهما السلام ؟ !
قال الله تعالى : ( وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يدي مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِى مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ ) . ( الصف : 6 )
وقال تعالى : ( الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ أَلَّذِينَ خَسِرُوا أنفسهم فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ) . ( الأنعام : 20 )
وقال تعالى : ( وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَئٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ) . ( الأعراف : 156 )
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 184 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال تعالى : ( الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الآمّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالأنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أنزل مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) . ( الأعراف : 157 )
وقال تعالى : ( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فضلاً مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أثر السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الأنْجِيلِ كَزَرْعٍ أخرج شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عظيماً ) . ( آخر سورة الفتح ) .
4 - روى في الكافي : 5 / 374 : عن الإمام الصادق عليه السلام قال : ( لما أراد رسول الله صلى الله عليه وآله أن يتزوج خديجة بنت خويلد أقبل أبو طالب في أهل بيته ، ومعه نفر من قريش حتى دخل على ورقة بن نوفل عم خديجة ، فابتدأ أبو طالب بالكلام فقال :
الحمد لرب هذا البيت ، الذي جعلنا من زرع إبراهيم ، وذرية إسماعيل ، وأنزلنا حرماً آمناً ، وجعلنا الحكام على الناس ، وبارك لنا في بلدنا الذي نحن فيه ، ثم إن ابن أخي هذا - يعني رسول الله صلى الله عليه وآله - ممن لا يوزن برجل من قريش إلا رجَحَ به ، ولا يُقاس به رجل إلا عظم عنه ، ولا عِدْل له في الخلق .
وإن كان مقلاً في المال فإن المال رِفْدٌ جار وظلٌّ زائل . وله في خديجة رغبة ولها فيه رغبة ، وقد جئناك لنخطبها إليك برضاها وأمرها ، والمهر عليَّ في مالي الذي سألتموه عاجله وآجله ، وله ورب هذا البيت حظٌّ عظيم ودينٌ شائعٌ ورأيٌ كامل .
ثم سكت أبو طالب وتكلم عمها وتلجلج وقَصُر عن جواب أبي طالب ، وأدركه القطع والبهر ، وكان رجلاً من القسيسين ، فقالت خديجة مبتدئة :
يا عماه إنك وإن كنت أولى بنفسي مني في الشهود ، فلستَ أولى بي من نفسي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 185 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قد زوجتك يا محمد نفسي ، والمهر عليَّ في مالي ، فأمر عمك فلينحر ناقة فليولم بها ، وادخل على أهلك .
قال أبو طالب : أشهدوا عليها بقبولها محمداً وضمانها المهر في مالها ، فقال بعض قريش : يا عجباه ! المهر على النساء للرجال ؟ ! فغضب أبو طالب غضباً شديداً وقام على قدميه ، وكان ممن يهابه الرجال ، ويُكره غضبه ، فقال : إذا كانوا مثل ابن أخي هذا ، طُلِبَتِ الرجال بأغلى الأثمان وأعظم المهر ، وإذا كانوا أمثالكم لم يزوجوا إلا بالمهر الغالي !
ونحر أبو طالب ناقة ، ودخل رسول الله صلى الله عليه وآله بأهله ) . انتهى .
فهل ترون أن شخصية ورقة مهيأة لمثل هذا الدور الذي زعمته له رواية البخاري ؟ !
5 - نعتقد أن نبينا صلى الله عليه وآله كان نبياً منذ ولادته ، وأنه كان على هدى ربه ، يتعبد لله في حراء ، وأنه في الأربعين بُعثَ رسولاً ، وأن الله تعالى قرن به ملكاً منذ طفولته ، فقد قال علي عليه السلام : ( ولقد قرن الله به صلى الله عليه وآله من لدن أن كان فطيماً أعظم ملك من ملائكته ، يسلك به طريق المكارم ، ومحاسن أخلاق العالم ليله ونهاره .
ولقد كنت أتبعه اتِّبَاعَ الفصيل أثر أمه ، يرفعُ لي في كل يوم من أخلاقه علماً ، ويأمرني بالاقتداء به .
ولقد كان يجاور في كل سنة بحراء ، فأراه ولا يراه غيري . ولم يجمع بيتٌ واحدٌ يومئذ في الإسلام غير رسول الله صلى الله عليه وآله وخديجة وأنا ثالثهما ، أرى نور الوحي والرسالة وأشم ريح النبوة ) . ( نهج البلاغة : 2 / 157 ) .
وتعتقدون أنتم بأنه صلى الله عليه وآله كان نبياً وآدم بين الماء والطين ، أو بين الروح والجسد ، فهو إذن يعرف الملائكة من صغره ، ويعرف أنه نبي من الله تعالى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 186 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ففي مجمع الزوائد : 8 / 223 : ( عن العرباض بن سارية قال قال رسول الله ( ص ) : إني عند الله لخاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته ، وسأنبئكم بأول ذلك دعوة إبراهيم وبشرى عيسى ، ورؤيا أمي التي رأت ، وكذلك أمهات المؤمنين يرين ، وفي رواية : وإن أم رسول الله ( ص ) رأت حين وضعته نوراً أضاءت منه قصور الشام ، وفي رواية وبشارة عيسى قومه . رواه أحمد بأسانيد والبزار والطبراني بنحوه . . . وأحد أسانيد أحمد رجاله رجال الصحيح ، غير سعيد بن سويد وقد وثقه ابن حبان . وعن ميسرة العجر قال : قلت يا رسول الله متى كتبت نبياً ؟ قال : وآدم بين الروح والجسد . رواه أحمد والطبراني ، ورجاله رجال الصحيح ) .
وقال الألباني في كتاب السنة لابن أبي عاصم ص 179 : ( عن ميسرة الغجر قال : قلت يا رسول الله متى كتبت نبياً ؟ قال : وآدم بين الروح والجسد . إسناده صحيح ، رجاله كلهم ثقات رجال الصحيح . والحديث مخرج في الصحيحة ( 1856 ) ، وذكرت له هناك شاهداً من حديث أبي هريرة ) . انتهى .
وقد روته مصادر عديدة بلفظه أو نحوه مثل : أحمد : 4 / 66 و : 5 / 59 ، و 379 ، والحاكم : 2 / 609 ، وابن أبي شيبة : 8 / 438 ، والطبراني في الأوسط : 4 / 2727 ، والكبير : 12 / 73 ، والضحاك في الآحاد والمثاني : 5 / 347 ، والسيوطي في الدر المنثور : 5 / 184 ، وغيرهم .
كما نص عديدون على صحته ، مثل كشف الخفاء : 2 / 129 و 132 وتحفة الأحوذي : 10 / 56 ، ومغني المحتاج : 3 / 124 ، وفتح القدير : 4 / 267 ، والباقلاني في إعجاز القرآن ص 58 ، وغيرهم .
وفي كشف الخفاء للعجلوني : 2 / 129 : ( وقال التقي السبكي : ( فإن قلت : النبوة وصف لا بد أن يكون الموصوف به موجوداً ، وإنما تكون بعد أربعين سنة فكيف يوصف به قبل وجوده وقبل إرساله ؟
قلت : جاء أن الله تعالى خلق الأرواح قبل الأجساد ، فقد تكون الإشارة بقوله كنت نبياً إلى روحه الشريفة أو حقيقته ، والحقائق تقصر عقولنا عن معرفتها وإنما يعرفها خالقها ومن أمدًّه بنور إلهي .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 187 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ونقل العلقمي عن علي بن الحسين عن أبيه عن جده مرفوعاً أنه قال : كنت نوراً بين يدي ربي عز وجل قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف عام ) . انتهى .
فمع هذه الرواية الصحيحة كيف تقبلون رواية عائشة في البخاري التي تزعم أن النبي صلى الله عليه وآله تفاجأ برؤية الملك ، وكان جاهلاً بنبوته حتى بعد البعثة ؟ !
6 - الوضع الطبيعي المنطقي عندما نزل جبرئيل عليه السلام من السماء على رسول الله صلى الله عليه وآله لأول مرة ، أن يسلم على النبي صلى الله عليه وآله ويخبره أنه رسول ربه اليه ، وأن الله بعثه رسولاً ، وأنه سينزِّل عليه قرآناً ، ثم يتلو عليه أول آياته ، ويشرح له مهمته ، ثم يودعه . كل ذلك في جو ملئ باليقين والاطمئنان والخشوع .
فكيف تقبلون هذا التعامل الإرهابي الذي نسبه البخاري إلى جبرئيل عليه السلام ، وهذا الجو من الرعب وعدم الثقة وعدم الوضوح ، الذي سيطر على البعثة ؟
( فجاءه الملك فيه فقال : إقرأ ، فقال له النبي ( ص ) : ما أنا بقارئ ، قال فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجَهد ! ثم أرسلني فقال : إقرأ ! فقلت : ما أنا بقارئ ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ! ثم أرسلني فقال : إقرأ ! فقلت : ما أنا بقارئ فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ! ثم أرسلني فقال : إقرأ باسم ربك ! ثم أرسلني فقال : إقرأ باسم ربك الذي خلق ، حتى بلغ ما لم يعلم . فرجع بها ترجف بوادره حتى دخل على خديجة فقال : زمِّلوني زمِّلوني ، فزمَّلوه حتى ذهب عنه الروع ! ) !
فهل هذه رواية لبعثة سيد المرسلين من رب العالمين ، أم رواية حادثة غريبة كروايات كهَّان العرب المصابين بالعُصاب عند تعامل جِنِّيِّهم معهم ؟ !
7 - ما رأيكم بما نسبه البخاري إلى النبي صلى الله عليه وآله من قوله : ( فقال يا خديجة مالي ؟ ! وأخبرها الخبر وقال : قد خشيت على نفسي ) ! فهل تقبلون أنه لم يكن يعرف ما جرى له ، وكان يخاف على نفسه الجنون ؟ ! وأن خديجة أعقل منه وأعرف بالله
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 188 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
تعالى وعدله : ( فقالت له : كلا ، أبشر فوالله لا يخزيك الله أبداً ، إنك لتصل الرحم ، وتصدق الحديث ، وتحمل الكل ، وتقري الضيف ، وتعين على نوائب الحق ) .
ثم أخذته لتعرضه على قسيس عجوز أعمى ، كما تجرُّ المرأة القوية زوجها البسيط إلى عرَّاف ، أو قارئ حظ ؟ !
8 - هل سمعتم بنسخة الإنجيل العبرية التي كان يتعلم فيها العرب ويكتب منها ورقة بن نوفل ؟ ! أم هي تصورات عائشة الأمية ؟ !
9 - ما رأيكم في ورقة بن نوفل ، وما دام عرف صدق نبوة النبي صلى الله عليه وآله ، فلماذا لم يُسلم ؟ مع أنه عاش حتى كثر المسلمون ؟ !
قال في فتح الباري : 8 / 554 : ( وتمسك ابن القيم الحنبلي بقوله في الرواية التي في بدء الوحي : ثم لم ينشب ورقة أن توفي ، يرد ما وقع في السيرة النبوية لابن إسحاق أن ورقة كان يمر ببلال والمشركون يعذبونه وهو يقول أحد أحَد ، فيقول : أحد والله يا بلال ، لئن قتلوك لاتخذت قبرك حناناً ، هذا والله أعلم وهمٌ لأن ورقة قال : وإن أدركني يومك حياً لأنصرنك نصراً مؤزراً ، فلو كان حياً عند ابتداء الدعوة لكان أول من استجاب وقام بنصر النبي ( ص ) كقيام عمر وحمزة !
قلت : وهذا اعتراض ساقط ، فإن ورقة إنما أراد بقوله : فإن يدركني يومك حياً أنصرك ، اليوم الذي يخرجونك فيه ، لأنه قال ذلك عنه عند قوله : أوَ مُخرجيَّ هم ؟ وتعذيب بلال كان بعد انتشار الدعوة ) . انتهى . ( راجعوا في ترجمة ورقة : مسند أحمد : 1 / 312 ، و : 6 / 65 و 223 و 233 ، وصحيح البخاري : 4 / 124 و : 6 / 88 ، ومستدرك الحاكم : 3 / 213 ، ومجمع الزوائد : 9 / 416 ، و فتح الباري : 8 / 554 ، والإصابة : 6 / 474 ، وفيض القدير : 6 / 520 ، وتفسير القرطبي : 1 / 115 و 11 / 88 ، والتبيان : 1 / 451 ، وابن كثير : 1 / 32 ، والأم : 2 / 153 ، وأمالي الطوسي : 302 ومناقب آل أبي طالب : 1 / 16 و 42 ، والفضائل لابن شاذان ص 38 ، وسعد السعود لابن طاووس ص 214 ، وبحار الأنوار : 15 / 395 , والصحيح من السيرة 2 / 287 ، و أحاديث عائشة للعسكري : 2 / 250 )
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 189 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
10 - هل تعرفون كيف استغل أعداء الإسلام خرافة البخاري عن البعثة ، حتى قالوا إن نبيكم صلى الله عليه وآله كان يشك في نبوته حتى أخبره القسيس ، وزعموا أن ورقة بن نوفل أستاذه ومعلمه ، وأنه هو الذي بعثه وليس الله تعالى ! !
وسبب كل ذلك أكاذيب البخاري ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 190 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة 141 : افترى البخاري على نبينا صلى الله عليه وآله بأنه يئس وقرر الانتحار !

قال البخاري في : 8 / 67 : ( وفَتَرَ الوحي فترةً حتى حزن النبي ( ص ) فيما بلغنا حزناً غدا منه مراراً كي يتردى من رؤس شواهق الجبال ! فكلما أوفى بذِرْوَة جبل لكي يلقي منه نفسه ، تبدَّى له جبريل فقال يا محمد إنك رسول الله حقاً ، فيسكن لذلك جأشه وتقرُّ نفسه فيرجع . فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك ! فإذا أوفى بذروة جبل تبدَّى له جبريل فقال له مثل ذلك ) ! ! انتهى .
أقول : رغم إجماع السنيين على صحة كل أحاديث البخاري ، فقد حاول بعض شراحه أن يتخلصوا من هذه الفضيحة ، وفتشوا عن منفذ ينفذون منه فوجدوا عبارة : ( حتى حزن النبي صلى الله عليه وآله فيما بلغنا حزناً غدا منه مراراً كي يتردى ) فقالوا إن قول : فيما بلغنا ، هو قول الزهري ، وليس قول عائشة صاحبة الحديث !
قال ابن حجر في فتح الباري : 12 / 316 : ( حتى حزن النبي ( ص ) فيما بلغنا . . هذا وما بعده من زيادة معمر على رواية عقيل ويونس ، وصنيعُ المؤلف يوهم أنه داخل في رواية عقيل . وقد جرى على ذلك الحميدي في جمعه ، فساق الحديث إلى قوله وفتر الوحي ، ثم قال : انتهى حديث عقيل المفرد عن ابن شهاب إلى حديث ذكرنا . وزاد عنه البخاري في حديثه المقترن بمعمر عن الزهري ، فقال : وفتر الوحي فترة حتى حزن ، فساقه إلى آخره .
والذي عندي : أن هذه الزيادة خاصة برواية معمر ، فقد أخرج طريق عقيل أبو نعيم في مستخرجه من طريق أبي زرعة الرازي ، عن يحيى بن بكير شيخ البخاري
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 191 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فيه في أول الكتاب بدونها ، وأخرجه مقروناً هنا برواية معمر ، وبيَّن أن اللفظ لمعمر ، وكذلك صرح الإسماعيلي أن الزيادة في رواية معمر . وأخرجه أحمد ومسلم والإسماعيلي وغيرهم وأبو نعيم أيضاً ، من طريق جمع من أصحاب الليث عن الليث ، بدونها .
ثم إن القائل فيما بلغنا هو : الزهري ، ومعنى الكلام أن في جملة ما وصل إلينا من خبر رسول الله ( ص ) في هذه القصة . وهو من بلاغات الزهري وليس موصولاً .
وقال الكرماني : هذا هو الظاهر ويحتمل أن يكون بلغه بالإسناد المذكور . ووقع عند ابن مردويه في التفسير من طريق محمد بن كثير عن معمر بإسقاط قوله فيما بلغنا ، ولفظه : فترةً حزن النبي ( ص ) منها حزناً غدا منه . . إلى آخره ، فصار كله مدرجاً على رواية الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ! والأول هو المعتمد ) . انتهى .
أقول : يقصد ابن حجر أن محاولات النبي صلى الله عليه وآله الانتحار ، ليست تتمة لحديث عائشة ، بل من بلاغات الزهري ، وهي مرسلة ، وقد زادها الراوي معمر في الحديث ، وقد أخطأ البخاري بجعلها جزءً منه !
لكن يَرِدُ عليه أولاً ، أنه اعترف بأن ابن مردويه روى التتمة عن معمر بدون ( فيما بلغنا ) ، بل ساق الحديث قطعة واحدة من رواية الزهري عن عائشة !
فيكون ما بعدها جزء من الحديث ، وليس من بلاغات الزهري .
وثانياً ، أن قوله : ( والأول هو المعتمد ) وترجيحه أن تكون بقية الحديث من بلاغ الزهري ، قولٌ بلا دليل ، وترجيحٌ بلا مرجح ، خاصة بعد المؤيدات الكثيرة لكونها جزء أصلياً من الحديث بدليل سرد البخاري ، ورواية ابن مردويه له !
وثالثاً ، أن ابن حجر نفسه عاد ونقض حكمه عندما ذكر أن التتمة رواها ابن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 192 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
سعد حديثاً مسنداً عن ابن عباس ! قال : ( قوله فيها : فإذا طالت عليه فترة الوحي . . قد يتمسك به من يصحح مرسل الشعبي في أن مدة الفترة كانت سنتين ونصفاً كما نقلته في أول بدء الوحي ، ولكن يعارضه ما أخرجه ابن سعد من حديث ابن عباس بنحو هذا البلاغ الذي ذكره الزهري ، وقوله : مكث أياماً بعد مجئ الوحي لا يرى جبريل ، فحزن حزناً شديداً حتى كاد يغدو إلى ثبير مرة وإلى حراء أخرى ، يريد أن يلقي نفسه ، فبينا هو كذلك عامداً لبعض تلك الجبال إذ سمع أنت رسول الله حقاً وأنا جبريل ، فانصرف وقد أقر الله عينه وانبسط جأشه ، ثم تتابع الوحي ، فيستفاد من هذه الرواية تسمية بعض الجبال التي أبهمت في رواية الزهري ، وتقليل مدة الفترة . والله أعلم ) .
ثم عاد ابن حجر ونقض رأيه أيضاً في ص 118 ، فقال : ( وأما المعنى الذي ذكره الإسماعيلي فوقع قبل ذلك في ابتداء مجئ جبريل ، ويمكن أن يؤخذ مما أخرجه الطبري من طريق النعمان بن راشد ، عن ابن شهاب ، فذكر نحو حديث الباب وفيه : فقال لي يا محمد أنت رسول الله حقاً ، قال : فلقد هممت أن أطرح نفسي من حالق جبل ، أي من علوه )
وحديث ابن سعد الذي ذكره ابن حجر ، رواه في الطبقات : 1 / 196 . وحديث الطبري رواه في تاريخه : 2 / 47 ، وفي تفسيره : 30 / 317 : ( عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة أنها قالت كان أول ما ابتدئ به رسول الله ( ص ) من الوحي الرؤيا الصادقة كانت تجئ مثل فلق الصبح ، ثم حبب إليه الخلاء ، فكان بغار حراء يتحنث فيه الليالي ذوات العدد ، قبل أن يرجع إلى أهله ، ثم يرجع إلى أهله فيتزود لمثلها ، حتى فجأه الحق ، فأتاه فقال : يا محمد أنت رسول الله ، قال رسول الله ( ص ) فجثوت لركبتي وأنا قائم ، ثم رجعت ترجف بوادري ، ثم دخلت على خديجة فقلت :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 193 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
زملوني زملوني ، حتى ذهب عني الروع ، ثم أتاني فقال : يا محمد ، أنا جبريل وأنت رسول الله ، قال : فلقد هممت أن أطرح نفسي من حالق من جبل فتمثل إليَّ حين هممت بذلك فقال : يا محمد ، أنا جبريل وأنت رسول الله ، ثم قال : إقرأ ، قلت : ما أقرأ ؟ قال : فأخذني فغطني ثلاث مرات ، حتى بلغ مني الجهد ، ثم قال : إقرأ باسم ربك الذي خلق فقرأت ، فأتيت خديجة ، فقلت : لقد أشفقت على نفسي ، فأخبرتها خبري ، فقالت : أبشر فوالله لا يخزيك الله أبداً . . . الخ . ) ! انتهى .
وهذا الحديث يزيد في طينهم بلَّة ، لأن محاولة الانتحار المزعومة فيه تأتي بعد تطمين جبرئيل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وآله فتأمل !
ويَرِدُ عليه رابعاً ، أنا لو سلمنا أن تتمة الحديث من بلاغات الزهري ، فهي عند البخاري صحيحة حيث أوردها جزءً من حديث عائشة ، ولعلها عنده مسندة . مضافاً إلى أن ابن سعد رواها مستقلة ، وكثرة شواهدها الصحيحة في هذا الباب ، وفي باب ما رووه في تفسير قوله تعالى : ( مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ) . كما ترى في تفسير الصنعاني : 3 / 327 ، وتفسير ابن كثير : 4 / 265 ، ونهايته : 3 / 23 .
* *
الأسئلة
1 - هذه فضيحة من فضائح البخاري وطامة من طاماته ، وهي افتراؤه على النبي صلى الله عليه وآله بأنه كان مرتاباً في نبوته حتى بعد أن طمأنه ورقة بن نوفل !
وأنه كان غير معصوم ، وكان عصبياً متوتراً ، لا يعرف الحكم الشرعي في حرمة قتل نفسه ، أو لا يتقيد به !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 194 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وتجعله بدوياً عامياً ، يختار الانتحار خوفاً من الفضيحة وانكشاف كذبه !
أو لأن ربه ، وحاشا لله ، ظالمٌ غير عادل ، حيث بعثه نبياً ، ثم قطع وحيه عنه وتركه لتكذيب الناس ! ! فهل يقبل أحدكم أن ينسب إلى نبيه صلى الله عليه وآله هذا التصرف ، أو إلى أيِّ إنسان عاقل متزن ؟
2 - قال ابن حجر في فتح الباري : 12 / 318 : ( قال الإسماعيلي : موَّهَ بعض الطاعنين على المحدثين فقال : كيف يجوز للنبي ( ص ) أن يرتاب في نبوته حتى يرجع إلى ورقة ويشكو لخديجة ما يخشاه ، وحتى يوافي بذروة جبل ليلقي منها نفسه ، على ما جاء في رواية معمر ؟ !
قال : وإن جاز أن يرتاب مع معاينة النازل عليه من ربه ، فكيف ينكر على من ارتاب فيما جاءه به ، مع عدم المعاينة ؟ ! ) . انتهى .
وقد جعل ( الإسماعيلي ) الإشكال تمويهاً وطعناً على المحدثين ! وكأن محور المشكلة هي المحدث الإسماعيلي وجماعته ، ولم يفقه أنه إشكال على الحديث وأنه طعن بعصمة رسول الله صلى الله عليه وآله وطعن بإيمانه ، بل بعقله ! !
ثم حاول الإسماعيلي بكلام طويل أن يدافع عن البخاري وأتباعه من محدثي الخلافة ، ويهوِّن الأمر ، ويقنعنا بصحة صدور الشك والارتياب والإقدام المتكرر على الانتحار ، من أعقل الخلق وأكملهم ، وخاتم النبيين ، وسيد المرسلين صلى الله عليه وآله ! ! فما رأيكم ، هل توافقونه وتنسبون إلى النبي صلى الله عليه وآله أنه شك وارتاب في نبوته وحاول الانتحار ، أم تنزهونه صلى الله عليه وآله عن ذلك ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 195 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة 142 : البخاري يروي قصة الغرانيق ويفتري على نبينا صلى الله عليه وآله بأنه مدح الأصنام ! !

ويفتري على نبينا صلى الله عليه وآله بأنه مدح الأصنام وسجد لها ! !
الغرانيق جمع غَرْنوق ، وهو طائر أبيض من طيور الماء يشبه الكركي ، يعلو في طيرانه . وقد شبهت به قريش أصنامها المفضلة عندها على كل أصنام العرب : اللات ، والعزى ، ومُناة ، لأن مقامها عند الله بزعمها مقامٌ عال كطائر الغرنوق ! ( النهاية : 3 / 364 ، والعين : 4 / 458 ، ولسان العرب : 10 / 287 )
قال الرازي في تفسيره : 24 / 12 : ( والغرانيق تصعد في الجو جداً عند الطيران ، فإن حجب بعضها عن بعض ضباب أو سحاب ، أحدثت عن أجنحتها حفيفاً مسموعاً يلزم به بعضها بعضاً ، فإذا نامت على جبل فإنها تضع رؤوسها تحت أجنحتها ، إلا القائد فإنه ينام مكشوف الرأس فيسرع انتباهه وإذا سمع جرساً صاح ) . انتهى .
وقد كان موقف النبي صلى الله عليه وآله من الأصنام من أول بعثته موقفاً صريحاً حاسماً لا مساومة فيه ، رافضاً لها كلها ، داعياً إلى عبادة رب العالمين وحده لا شريك له ، وكانت سور القرآن تتوالى مهاجمةً الأصنام وعُبَّادها ، مسفهةً أحلامهم ، حتى قال القرشيون : إن محمداً قد سب آلهتنا وسفه أحلامنا !
في ذلك الجو نزلت سورة النجم ، بعد أكثر من عشرين سورة من القرآن ، كلها صريحة في رفض الأصنام ، ومنها سورة الكافرون ، وقل هو الله أحد !
لكن سورة النجم تميزت بأنها ذمَّت أصنام قريش الثلاثة بأسمائها ، فقال الله تعالى : أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى . وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأخرى . أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأنثى . تِلْكَ إذا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 196 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قِسْمَةٌ ضِيزَى . إِنْ هي إِلا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أنزل اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى . ( 19 - 23 ) فكان ذلك إعلاناً بتسفيه أصنام قريش ( اللات والعزى ومناة ) وإسقاطها إلى الأبد !
ومن الطبيعي أن يكون تأثير ذلك على قريش كبيراً ، وأن يثير كبرياءها وردة فعلها العنيفة ، وهذا ما حدث بالفعل فقد تصاعدت مؤامراتهم عليه صلى الله عليه وآله حتى وصلت إلى قرار قتله صلى الله عليه وآله ، فأنجاه الله بالهجرة .
في هذا السياق القطعي من السيرة لا يمكننا أن نفسر قصة الغرانيق إلا بأنها ردة فعل قرشية ، وأن أصلها أن أحد المشركين القرشيين أجاب على ذم أصنام قريش في سورة النجم : أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى ، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأخرى ، أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأنثى ، تِلْكَ إذا قِسْمَةٌ ضِيزَى ، إِنْ هي إِلا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أنزل اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى .
وقام بتحريفها إلى مدح للأصنام وقال : أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى . وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأخرى . تلك الغرانيق العلى ، وإن شفاعتهن لترجى !
فأعْجَبَ ذلك القرشيين وتمنوا لو أن قرآن محمد قال هذا المديح في آلهتهم ، بدل ذمها وذمهم !
ومن المؤكد أن رواة قريش وضعوا قصة الغرانيق بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله ولم يكن لها عين ولا أثر في سيرته صلى الله عليه وآله في مكة ولا بعدها ، وإلا لرفعها المشركون علماً ، وطبَّل بها اليهود وزمَّروا ! وكذبها النبي صلى الله عليه وآله والمسلمون !
لكن السؤال : ما هو غرض طلقاء قريش من ترويج هذه القصة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله ونسبتها اليه ، مع أن أصنامهم انتهت وهدمت ، وتبرؤوا منها ودخلوا في الإسلام تحت السيف ، ثم رضوا به لمطامع الدنيا ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 197 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الجواب : أن الغرض منها إثبات أن النبي صلى الله عليه وآله لم يكن معصوماً عصمة مطلقة حتى تكون كل تصرفاته وأقواله حجة ، بل كان يخطئ حتى في تبليغ الوحي ! وبذلك يمكن تبرير مخالفة الخلفاء والسلطة لأوامره صلى الله عليه وآله !
فالمهم عندهم تبرير مخالفة النبي صلى الله عليه وآله ، وليكن ثمن ذلك قصة الغرانيق التي تزعم أنه صلى الله عليه وآله ارتكب خيانة في نص القرآن والعياذ بالله ، وكفَرَ ومَدَح أصنام قريش لكي ترضى عنه ، وسَجَدَ لها وسجد معه مشايخ قريش ، وكل من كان في المسجد ، وزاد البخاري أن كل الإنس والجن سجدوا يومها ! !
وزادت الرواية المزعومة أن زعماء قريش طاروا فرحاً بخيانة النبي صلى الله عليه وآله في نص القرآن ! وطبيعي أن يطير المستشرقون فرحاً بهذه الخرافة القرشية ! !
وأخيراً المرتد سلمان رشدي والحكومات الغربية ! !
البخاري يروي فرية الغرانيق في ست مواضع !
روى البخاري : 2 / 32 : ( عن عبد الله قال قرأ النبي ( ص ) النجم بمكة فسجد فيها وسجد من معه ، غير شيخ أخذ كفاً من حصى أو تراب ورفعه إلى جبهته وقال يكفيني هذا ، فرأيته بعد ذلك قتل كافراً . . .
وعن عبد الله أن النبي ( ص ) قرأ سورة النجم فسجد بها ، فما بقي أحد من القوم إلا سجد ، فأخذ رجل من القوم كفاً من حصى أو تراب فرفعه إلى وجهه وقال يكفيني هذا ، فلقد رأيته بعد قتل كافراً . . .
وعن ابن عباس أن النبي ( ص ) سجد بالنجم وسجد معه المسلمون والمشركون ، والجن والإنس ! ورواه ابن طهمان عن أيوب ) .
وفي : 4 / 239 : ( عن عبد الله قال : قرأ النبي ( ص ) النجم فسجد ، فما بقي أحد إلا سجد إلا رجل رأيته أخذ كفاً من حصى فرفعه فسجد عليه وقال : هذا يكفيني ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 198 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فلقد رأيته بعد قتل كافراً بالله ) . وفي : 5 / 7 : بنحوه .
وفي : 6 / 52 : ( قال فسجد رسول الله ( ص ) وسجد مَن خلفه إلا رجلاً رأيته أخذ كفاً من تراب فسجد عليه ، فرأيته بعد ذلك قتل كافراً وهو أمية بن خلف ) . انتهى .
فهذه ستة مواضع رواه البخاري فيها على الأقل .
ورواه مسلم بنحوه في : 2 / 88 ، ورواه في : 6 / 52 ، وسمى الذي سجد : أمية بن خلف .
وقال الحاكم في المستدرك : 1 / 221 : ( عن عبد الله قال : أول سورة قرأها رسول الله صلى الله عليه وآله على الناس الحج ، حتى إذا قرأها سجد فسجد الناس ، إلا رجل أخذ التراب فسجد عليه فرأيته قتل كافراً . هذا حديث صحيح على شرط الشيخين بالإسنادين جميعاً ، ولم يخرجاه ، إنما اتفقا على حديث شعبة عن أبي إسحاق عن الأسود عن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وآله قرأ والنجم ، فذكره بنحوه ، وليس يعلل أحد الحديثين الأخيرين ، فإني لا أعلم أحداً تابع شعبة على ذكره النجم ، غير قيس بن الربيع . والذي يؤدي إليه الإجتهاد صحة الحديثين ، والله أعلم ) . انتهى .
وقال البيهقي في سننه : 2 / 314 : ( عن عكرمة ، عن ابن عباس أن النبي ( ص ) سجد فيها يعني والنجم ، وسجد فيها المسلمون والمشركون والجن والإنس . رواه البخاري في الصحيح عن أبي معمر وغيره ، عن عبد الوارث ) . انتهى .
وصححه في مجمع الزوائد : 7 / 115 ، قال : ( أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى . . . عن ابن عباس فيما يحسب سعيد بن جبير ، أن النبي ( ص ) كان بمكة ، فقرأ سورة والنجم حتى انتهى إلى : أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأخرى ، فجرى على لسانه : تلك الغرانيق العلى ، الشفاعة منهم ترتجى . قال : فسمع بذلك مشركو أهل مكة فسرُّوا بذلك فاشتدَّ على رسول الله ( ص ) فأنزل الله تبارك وتعالى : وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إلا إذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 199 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يُحْكِمُ اللهُ آيَاتِهِ . رواه البزار والطبراني . . . ورجالهما رجال الصحيح ، إلا أن الطبراني قال : لا أعلمه إلا عن ابن عباس ، عن النبي ( ص ) ! وقد تقدم حديثٌ مرسل في سورة الحج أطول من هذا ، ولكنه ضعيف الإسناد ) . انتهى .
ويقصد بالحديث المرسل الحديث الذي ضعفوه بابن لهيعة ، وقد وثقه عدد من علمائهم ، وله شواهد صحيحة تجعله حسناً ، وهو في مجمع الزوائد : 7 / 70 ، وفيه :
( حين أنزل الله السورة التي يذكر فيها والنجم إذا هوى ، فقال المشركون : لو كان هذا الرجل يذكر آلهتنا بخير أقررناه وأصحابه ، فإنه لا يذكر أحداً ممن خالف دينه من اليهود والنصارى بمثل الذي يذكر به آلهتنا من الشتم والشر . فلما أنزل الله السورة التي يذكر فيها والنجم وقرأ : أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأخرى ، ألقى الشيطان فيها عند ذلك ذكر الطواغيت ، فقال : وإنهم من الغرانيق العلى وإن شفاعتهم لترتجى ، وذلك من سجع الشيطان وفتنته ، فوقعت هاتان الكلمتان في قلب كل مشرك ، وذلقت بها ألسنتهم واستبشروا بها ، وقالوا : إن محمداً قد رجع إلى دينه الأول ودين قومه ، فلما بلغ رسول الله ( ص ) آخر السورة التي فيها النجم سجد وسجد معه كل من حضره من مسلم ومشرك ، غير أن الوليد بن المغيرة كان كبيراً فرفع ملء كفه تراب فسجد عليه ، فعجب الفريقان كلاهما من جماعتهم في السجود لسجود رسول الله ( ص ) !
فأما المسلمون فعجبوا من سجود المشركين من غير إيمان ولا يقين ، ولم يكن المسلمون سمعوا الذي ألقى الشيطان على ألسنة المشركين .
وأما المشركون فاطمأنت أنفسهم إلى النبي ( ص ) وحدثهم الشيطان أن النبي ( ص ) قد قرأها في السجدة فسجدوا لتعظيم آلهتهم ، ففشت تلك الكلمة في الناس وأظهرها الشيطان حتى بلغت الحبشة ! فلما سمع عثمان بن مظعون وعبد الله
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 200 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بن مسعود ومن كان معهم من أهل مكة أن الناس أسلموا وصاروا مع رسول الله ( ص ) ، وبلغهم سجود الوليد بن المغيرة على التراب على كفه ، أقبلوا سراعاً ! فكبُر ذلك على رسول الله ( ص ) فلما أمسى أتاه جبريل عليه السلام فشكا إليه ، فأمره فقرأ له ، فلما بلغها تبرأ منها جبريل وقال : معاذ الله من هاتين ما أنزلهما ربي ولا أمرني بهما ربك ! ! فلما رأى ذلك رسول الله ( ص ) شق عليه وقال : أطعتُ الشيطان وتكلمتُ بكلامه وشرَّكني في أمر الله ! فنسخ الله ما يلقى الشيطان وأنزل عليه : وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبيٍّ إلا إذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللهُ مَا يُلْقِى الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آيَاتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ . لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِى الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وإن الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ) . ( الحج : 52 - 53 ) . فلما برأه الله عز وجل من سجع الشيطان وفتنته ، انقلب المشركون بضلالهم وعداوتهم . فذكر الحديث وقد تقدم في الهجرة إلى الحبشة . رواه الطبراني مرسلاً وفيه ابن لهيعة ، ولا يحتمل هذا من ابن لهيعة ) . انتهى .
أقول : ما ذنب ابن لهيعة إذا روى ما وضعه رواة قريش قبل أن يولد ؟ ! فمضافاً إلى روايته فقد أورد السيوطي قصة الغرانيق في الدر المنثور : 4 / 194 ، بعدة طرق بعضها صحيح ، وقال في ص 366 : ( وأخرج البزار ، والطبراني ، وابن مردويه ، والضياء في المختارة بسند رجاله ثقات ، من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : إن رسول الله ( ص ) قرأ : أفرأيتم اللات والعزى ومنات الثالثة الأخرى ، تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى ! ففرح المشركون بذلك وقالوا : قد ذكر آلهتنا . فجاء جبريل فقال : إقرأ على ما جئتك به ، فقرأ : أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى ! فقال : ما أتيتك بهذا ! هذا من الشيطان فأنزل الله : وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبيٍّ إلا إذا تَمَنَّى . . إلى آخر الآية . وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 201 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بسند صحيح ، عن سعيد بن جبير . . . ! ! ) . انتهى .
أقول :
مع كل ذلك نفوا أن يكون البخاري ومسلمً روياها ، أويكون لها سند صحيح !
فلو قطعنا النظر عن رواية ابن لهيعة ، فقد رأيت أنه رواها البزار والطبراني بسند صحيح ، والمختارة بسند موثق ، وقد رواها البخاري في ست مواضع ، ومسلماً في موضعين ! وقد رأيت قول البيهقي عن سجود النبي صلى الله عليه وآله والمشركين في سورة النجم : ( رواه البخاري في الصحيح عن أبي معمر ) ، أي سجود المشركين في سورة النجم !
فهل يبقى معنى لإنكارهم إلا المكابرة ، والتعسف لجعل رواية البخاري ومسلم موضوعاً آخر ، لأنهما حذفا منها فقرة الغرانيق ! ولم يوردا عودة المهاجرين المزعومة ! مع أن حادثة سجود المشركين مع النبي صلى الله عليه وآله لم يروها أحد أبداً إلا في أسطورة الغرانيق ، فهي قصة واحدة لا أكثر ؟ !
وابن كثير الذي يعيش بين أحاديث البخاري ومسلم وغيرهما ، هل غاب عنه ذلك حتى يقول في تفسيره : ( قد ذكر كثير من المفسرين هنا قصة الغرانيق وما كان من رجوع كثير من مهاجرة الحبشة ظناً منهم أن مشركي قريش قد أسلموا ،
ولكنها من طرق كلها مرسلة ، ولم أرها من وجه صحيح ) .
ثم يقول : ( وقد ذكرها محمد بن إسحاق في السيرة بنحو من هذا ، وكلها مرسلات ومنقطعات ، والله أعلم ) . انتهى .
أطمئن بأن ابن كثير والرازي والبيهقي وغيرهم ، يعرفون رواية البخاري ومسلم لها ، فقد قرؤوا رواياتهما في سجود المشركين مع النبي صلى الله عليه وآله ، وهو أمرٌ لم يُروَ أبداً إلا في قصة الغرانيق ! لكنهم يقولون الحمد لله حيث أن البخاري ومسلماً لم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 202 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يذكرا الغرانيق ، ولا رجوع المسلمين من الحبشة ، فنقول إنهما لم يروياها !
ولا يتسع المجال لإيراد كل كلام ابن كثير الكثير ، فقد أطال بلا طائل ، فقال في تفسيره : 3 / 239 ، مضافاً إلى ما تقدم : ( قال ابن أبي حاتم : حدثنا يونس بن حبيب ، حدثنا أبو داود ، حدثنا شعبة ، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير قال : قرأ رسول الله ( ص ) بمكة النجم فلما بلغ هذا الموضع : أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ، قال : فألقى الشيطان على لسانه : تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن ترتجى قالوا ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم ، فسجد وسجدوا . . .
ورواه ابن جرير عن بندار عن غندر عن شعبة به بنحوه وهو مرسل .
وقد رواه البزار في مسنده ، عن يوسف بن حماد ، عن أمية بن خالد ، عن شعبة ، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس فيما أحسب الشك في الحديث : أن النبي ( ص ) قرأ بمكة سورة النجم حتى انتهى إلى : أفرأيتم اللات والعزى وذكر بقيته . . . ثم قال البزار : لا نعلمه يروى متصلاً إلا بهذا الإسناد تفرد بوصله أمية بن خالد ، وهو ثقة مشهور . . .
ثم رواه ابن أبي حاتم ، عن أبي العالية ، وعن السدي ، مرسلاً .
وكذا رواه ابن جرير ، عن محمد بن كعب القرظي ، ومحمد بن قيس مرسلاً أيضاً ، وقال قتادة : كان النبي ( ص ) يصلي عند المقام إذ نعس فألقى الشيطان على لسانه وإن شفاعتها لترتجي وإنها لمع الغرانيق العلى ، فحفظها المشركون وأجرى الشيطان أن النبي ( ص ) قد قرأها فذلقت بها ألسنتهم . . .
ثم قال ابن أبي حاتم : حدثنا موسى بن أبي موسى الكوفي ، حدثنا محمد بن إسحاق الشيبي ، حدثنا محمد بن فليح ، عن موسى بن عقبة ، عن ابن شهاب قال : أنزلت سورة النجم وكان المشركون يقولون لو كان هذا الرجل يذكر آلهتنا بخير
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 203 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أقررناه وأصحابه ، ولكنه لا يذكر من خالف دينه من اليهود والنصارى بمثل الذي يذكر آلهتنا من الشتم والشر . وكان رسول الله ( ص ) قد اشتد عليه ما ناله وأصحابه من أذاهم وتكذيبهم وأحزنه ضلالهم ، فكان يتمنى هداهم ، فلما أنزل الله سورة النجم قال : أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى . ألكم الذكر وله الأنثى ، ألقى الشيطان عندها كلمات حين ذكر الله الطواغيت فقال : وإنهن لهن الغرانيق العلى ، وإن شفاعتهن لهي التي ترتجى ، وكان ذلك من سجع الشيطان وفتنته ، فوقعت هاتان الكلمتان في قلب كل مشرك بمكة ، وذلقت بها ألسنتهم وتباشروا بها وقالوا : إن محمداً قد رجع إلى دينه الأول ، ودين قومه ! فلما بلغ رسول الله ( ص ) آخر النجم سجد وسجد كل من حضره من مسلم أو مشرك ، غير أن الوليد بن المغيرة كان رجلاًَ كبيراً فرفع ملء كفه تراباً فسجد عليه ، فعجب الفريقان كلاهما من جماعتهم في السجود ، لسجود رسول الله ( ص ) . . .
وقد ساقها البغوي في تفسيره مجموعة من كلام ابن عباس ومحمد بن كعب القرظي وغيرهما بنحو من ذلك ، ثم سأل ههنا سؤالاً : كيف وقع مثل هذا مع العصمة المضمونة من الله تعالى لرسوله صلاة الله وسلامه عليه ، ثم حكى أجوبة عن الناس من ألطفها أن الشيطان أوقع في مسامع المشركين ذلك ، فتوهموا أنه صدر عن رسول الله ( ص ) وليس كذلك في نفس الأمر ، بل إنما كان من صنيع الشيطان لا عن رسول الرحمن ( ص ) . والله أعلم . وهكذا تنوعت أجوبة المتكلمين عن هذا بتقدير صحته ، وقد تعرض القاضي عياض رحمه الله في كتاب الشفاء
لهذا وأجاب بما حاصله أنها كذلك لثبوتها ) ! ! انتهى .
وأنت تلاحظ أن نفيه لها نفي مضطرب خجول ، وكأنه يستبطن القبول !
وقال القسطلاني في شرح البخاري : وقد طعن في هذه القصة وسندها غير واحد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 204 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
من الأئمة ، حتى قال ابن إسحاق وقد سئل عنها : هي من وضع الزنادقة .
وقال القاضي عياض : إن هذا حديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة ، ولا رواه أحد بسند متصل ، وإنما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون المولعون بكل غريب ، المتلقفون عن الصحف كل صحيح وسقيم !
ثم نقل قول أبي بكر بن العربي : إن جميع ما ورد في هذه القصة لا أصل له ) ! ( هامش عصمة الأنبياء للرازي ص 94 ) .
وذكر عبد الله النعيم في كتابه الاستشراق في السيرة النبوية - نشر المعهد العالمي للفكر الإسلامي 1417 ، أن المصادرَ التي روت حديث الغرانيق هي : طبقات ابن سعد : 1 / 205 ، وتاريخ الطبري : 2 / 226 ، وتاريخ ابن الأثير : 2 / 77 ، وسيرة ابن سيد الناس : 1 / 157 ! وقال في ص 97 : ( يعتبر الواقدي أول من روَّج لهذه الفرية ، ثم أخذها عنه ابن سعد ، والطبري ، وغيرهم ) .
ونقل في ص 93 : ( نقْدَ القرضاوي في كتابه ( كيف نتعامل مع السنة النبوية ) وجاء فيه : ( ومعنى هذا أن تفهم السنة في ضوء القرآن ، ولهذا كان حديث الغرانيق مردوداً بلا ريب ، لأنه منافٍ للقرآن ) . انتهى .
وقال في ص 98 : ( ولم يروِ ابن إسحاق وابن هشام هذه الواقعة إطلاقاً . ومهما يكن من أمر فالواقدي هو أصلها . إن ما يدعو للتساؤل هو : كيف أمكن تمرير هذه الواقعة مع علم أصحابها بعصمة الرسل ) . انتهى .
ثم نقل نقد القاضي عياض في كتابه الشفا لحديث الغرانيق سنداً ومتناً .
أقول :
لا قيمة لهذا لهذا النفي بعدما عرفت ، ولا معنى للإنكار إلا المكابرة ، فجميع من رواها يتحمل وزرها ! وهم البخاري ومسلم وغيرهما وإن حذفوا بعضها
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 205 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأبقوا سجود النبي صلى الله عليه وآله المزعوم لأصنام قريش وسجود المشركين معه ! وقد سمَّوا من زعماء المشركين الذين سجدوا أمية بن خلف ، وأبا أحيحة ، وهو سعيد بن العاص !
وقد تبين لك أن بعض الحفاظ يستعملون التدليس وربما الكذب ! ليغطوا على البخاري ! ومن التدليس ما فعله الفخر الرازي عندما قال في تفسيره : 23 / 49 :
( وأيضاً فقد روى البخاري في صحيحه أن النبي ( ص ) قرأ سورة النجم وسجد فيها المسلمون والمشركون والإنس والجن ، وليس فيه حديث الغرانيق ! وروي هذا الحديث من طرق كثيرة وليس فيها البتة حديث الغرانيق ) ! !
تناقض الفخر الرازي في رواية الغرانيق !
بحث الفخر الرازي فرية الغرانيق في كتابه عصمة الأنبياء عليهم السلام وتفسيره : 23 / 49 فدافع عن النبي صلى الله عليه وآله ونفاها عنه ، ودافع عن البخاري وغيره من صحاحهم ! لكنه عاد في أواخر تفسيره : 32 / 141 ، واتهم بها النبي صلى الله عليه وآله ! !
قال في عصمة الأنبياء عليهم السلام ص 93 : ( الجواب الذي يدل على أنه عليه السلام ما غيَّر وما بدَّل وجوه خمسة . . . وأورد ستة وجوه ، ومال إلى الوجه الخامس فقال :
الخامس ، أن المتكلم بذلك بعض الكفرة ، فإنه عليه الصلاة والسلام لما انتهى من قراءة هذه السورة إلى هذا الموضع وذكر أسماء آلهتهم وقد علموا من عادته أنه يعيبها ، فقال بعض من حضر من الكفار : تلك الغرانيق العلا ، فاشتبه على القوم ، لأنهم كانوا يلغطون عند قراءته ويكثرون من الكلام طلباً لتغليطه وإخفاء قراءته ) . انتهى .
ولم يذكر الرازي أنه أخذ هذا الوجه من كتاب تنزيه الأنبياء للشريف المرتضى !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 206 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بل لم يشر إلى الكتاب أصلاًً مع أنه تأثر بمنهجه كثيراً ، وهو مؤلفٌ قبله بأكثر من قرن ونصف وكان مشهوراً ، بل يمكن القول إن كتاب الرازي عصمة الأنبياء عليهم السلام هو نفس كتاب تنزيه الأنبياء عليهم السلام للسيد المرتضى ، مصوغاً بقلم سني !
كما نفى هذه الفرية عن النبي صلى الله عليه وآله ، في تفسيره ، قال الجزء 23 / 49 :
( المسألة الثانية : ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآية أن الرسول ( ص ) لما رأى إعراض قومه عنه وشق عليه ما رأى من مباعدتهم عما جاءهم به تمنى . . . إلى آخر ما ذكره في كتاب العصمة ، ثم قال : ( هذا رواية عامة المفسرين الظاهريين ، أما أهل التحقيق فقد قالوا هذه الرواية باطلة موضوعة واحتجوا عليه بالقرآن والسنة والمعقول . . . أما القرآن فوجوه . . .
وأما السنة فهي ما روي عن محمد بن إسحاق بن خزيمة أنه سئل عن هذه القصة فقال : هذا وضع من الزنادقة ، وصنف فيه كتاباً .
وقال الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي : هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل ، ثم أخذ يتكلم في أن رواة هذه القصة مطعون فيهم .
وأيضاً فقد روى البخاري في صحيحه أن النبي ( ص ) قرأ سورة النجم وسجد فيها المسلمون والمشركون والإنس والجن ، وليس فيه حديث الغرانيق . وروي هذا الحديث من طرق كثيرة وليس فيها البتة حديث الغرانيق .
وأما المعقول فمن وجوه : أحدها : أن من جوَّز على الرسول ( ص ) تعظيم الأوثان فقد كفر ، لأن من المعلوم بالضرورة أن أعظم سعيه كان في نفي الأوثان . . .
وخامسها : وهو أقوى الوجوه : أنا لو جوزنا ذلك ارتفع الأمان عن شرعه ، وجوًّزنا في كل واحد من الأحكام والشرائع أن يكون كذلك ، ويبطل قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أنزل إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 207 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ، فإنه لافرق في العقل بين النقصان عن الوحي وبين الزيادة فيه . فبهذه الوجوه عرفنا على سبيل الإجمال أن هذه القصة موضوعة . أكثر ما في الباب أن جمعاً من المفسرين ذكروها ، لكنهم ما بلغوا حد التواتر ، وخبر الواحد لا يعارض الدلائل النقلية والعقلية المتواترة ) . انتهى .
إلى هنا يبدو الرازي منسجماً ، فقد وافق من قال إن القصة فريةٌ من الزنادقة القرشيين على النبي صلى الله عليه وآله ، واتهام باطل بأنه مدحَ أصنامهم وسجد لها ، وسجد معه القرشيون ، وكل من في المسجد ! وقد عرفت ما في دفاعه عن البخاري وبقية مصادرهم التي روتها بطرق متعددة وصححتها !
لكنه عاد وخضع للثقافة القرشية الرسمية ، وصرح في تفسيره : 32 / 141 ، بنسبة الكفر إلى النبي صلى الله عليه وآله ! فقال وهو يعدد فوائد كلمة " قل " في ( قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ) ! ! :
( الحادي والثلاثون : كأنه تعالى يقول : يا محمد ألست أنت الذي قلت : من كان يؤمن بالله وباليوم الآخر فلا يقفن مواقف التهم ، وحتى أن بعض المشايخ قال لمريده الذي يريد أن يفارقه : لا تخف السلطان ، قال : ولمَ ؟ قال : لأنه يوقع الناس في أحد الخطأين ، أما أن يعتقدوا أن السلطان متدين لأنه يخالطه العالم الزاهد ، أو يعتقدوا أنك فاسق مثله ، وكلاهما خطأ .
فإذا ثبت أنه يجب البراءة عن موقف التهم فسكوتك يا محمد عن هذا الكلام يجرُّ إليك تهمة الرضا بذلك لا سيما وقد سبق أنَّ الشيطان ألقى فيما بين قراءتك : تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى ، فأزل عن نفسك هذه التهمة و : قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ، لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ) ! انتهى .
فأين حملة الفخر الرازي على الزنادقة واضعي فرية الغرانيق ، وقوله إن النبي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 208 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
صلى الله عليه وآله لم يغيِّر في سورة النجم ولم يبدِّل ؟ ! !
بل أين فتواه وقوله : ( من جوَّز على الرسول ( ص ) تعظيم الأوثان فقد كفر ! لأن من المعلوم بالضرورة أن أعظم سعيه كان في نفي الأوثان ) ؟ ! انتهى . فقد نسب هو هذه الفرية إلى النبي صلى الله عليه وآله ، وضلَّ عنه أن سورة الكافرون نزلت بالاتفاق قبل سورة النجم ، فجعلها بعدها ! !
قال الزركشي في البرهان : 1 / 193 : ( أول ما نزل من القرآن بمكة : إقرأ باسم ربك ، ثم نون ، ثم والقلم ، ثم يا أيها المزمل ، ثم المدثر ، ثم تبت يدا أبي لهب ، ثم إذا الشمس كورت ، ثم سبح اسم ربك الأعلى ، ثم والليل إذا يغشى ، ثم والفجر ، ثم والضحى ، ثم ألم نشرح ، ثم والعشر ، ثم والعاديات ، ثم أنا أعطيناك الكوثر ، ثم ألهاكم التكاثر ، ثم أرأيت الذي ، ثم قل يا أيها الكافرون ، ثم سورة الفيل ، ثم الفلق ، ثم الناس ، ثم قل هو الله أحد ، ثم والنجم إذا هوى ، ثم عبس وتولى ) . ( راجع فهرست ابن النديم ص 28 ، وتفسير الميزان للطباطبائي : 13 / 233 )
غرانيق قريش يتصيدها بروكلمان ومونتغمري
في كتابه : ( الاستشراق في السيرة النبوية ) ( منشورات المعهد العالمي للفكر الإسلامي 1417 ) انتقد الباحث السوداني عبد الله النعيم استغلالَ المستشرقين لرواية الغرانيق ، ونقل في ص 51 افتراءَ المستشرق بروكلمان وقوله عن النبي صلى الله عليه وآله :
( ولكنه على ما يظهر اعترف في السنوات الأولى من بعثته بآلهة الكعبة الثلاث اللواتي كان مواطنوه يعتبرونهن بنات الله ، وقد أشار إليهن في إحدى الآيات الموحاة إليه بقوله : تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترجى . . . ثم ما لبث أن أنكر ذلك وتبرأ منه في اليوم التالي ) ! !
ونقل في ص 96 عن المستشرق مونتغمري وات قوله : ( تلا محمد الآيات الشيطانية
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 209 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
باعتبارها جزءً من القرآن ، إذ ليس من المتصور أن تكون القصة من تأليف المسلمين أو غير المسلمين ، وإن انزعاج محمد حينما علم بأن الآيات الشيطانية ليست جزءً من القرآن ، يدل على أنه تلاها ، وأن عبادة محمد بمكة لا تختلف عن عبادة العرب في نخلة والطائف ( محلتان لأصنام قريش ) ولقد كان توحيد محمد غامضاً ، ولاشك أنه يعدُّ اللات والعزى ومناة كائنات سماوية أقل من الله ) . انتهى .
ومع أن المستشرقين لا يحتاجون إلى الروايات الموضوعة ليتشبثوا بها ، لأنهم يكذبون على نبينا صلى الله عليه وآله وعلى مصادرنا جهاراً نهاراً ، لكن المؤسف أن تحفل مصادر السنيين وفي طليعتها البخاري بالإفتراءات على النبي صلى الله عليه وآله في مثل قصة الغرانيق ، وقصة ورقة بن نوفل ، وغيرهما من القرشيات المخالفة للعقل ، فتقدِّم للمستشرقين مادةً ومستمسكاً للطعن في النبي صلى الله عليه وآله والقرآن والإسلام !
وقد بحثنا فرية الغرانيق في المجلد الخامس من العقائد الإسلامية .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 210 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأسئلة
1 - هل تقبلون هذه الفرية على رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ !
2 - ما رأيكم في رواية البخاري ومسلم لها وحذفهما اسم الغرانيق منها ؟ !
3 - ما دام البخاري يروي أمثال هذه الطامات الكفرية ، فلماذا تصرون على أنه صحيح من الجلد إلى الجلد ، ولا تخضعون رواياته للبحث العلمي ، ولا تعطون للمجتهدين حق الجرح والتعديل والبحث فيها ؟ !
4 - ما رأيكم في تناقض الفخر الرازي في قصة الغرانيق ، وهل صحيح أن المجلد الأخير من تفسيره ليس بقلمه ، بل بقلم القمولي المصري ؟ !
5 - ما قولكم في استغلال أعداء الإسلام أمثال بروكلمان ومونتغمري وسلمان رشدي ، لقصة الغرانيق ، وما سموه الآيات الشيطانية ، وهل تتحمل مصادركم إثم ذلك ؟ !
6 - ألا ترون أن للخلافة القرشية ضلعاً في نشر فرية الغرانيق ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 211 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة 143 : زعمت عائشة أن النبي صلى الله عليه وآله قد سُحِر !

قال الله تعالى : وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إلا رجلاً مَسْحُوراً .
لكن عائشة قالت لقد سُحِر النبي صلى الله عليه وآله وأثَّر عليه السحر ، فكان صلى الله عليه وآله يتخيل أنه فعل الشئ مع أنه لم يفعله ! وزعمت أن يهودياً سَحَره فأخذ مشطه صلى الله عليه وآله وبعض شَعره ، وجعل فيه سحراً ودفنه في بئر ! وأنه صلى الله عليه وآله فقد حواسه وذاكرته ، وبقي على تلك الحالة ستة أشهر رجلاً مسحوراً ! حتى دلَّهُ رجلٌ أو ملَك على الشخص الذي سحره والبئر التي أودع فيها المشط والمشاطة من شعره ! فذهب إلى البئر ، ولكنه لم يستخرج المشط منها أو استخرجه وفكَّ عقد خيط الجلد الذي لفَّ به ! وأمر بدفن البئر ، ولم يقتل الذي سحره ، لأنه لم يُرِدْ أن يثير فتنة !
روى البخاري هذه الخرافة عن عائشة في خمس مواضع ! منها في : 4 / 91 : ( عن عائشة قالت : سُحِرَ النبي ( ص ) ! وقال الليث كتب إلى هشام أنه سمعه ووعاه عن أبيه ، عن عائشة قالت : سُحر النبي ( ص ) حتى كان يخيل إليه أنه يفعل الشئ وما يفعله حتى كان ذات يوم دعا ودعا ، ثم قال : أُشْعِرتُ أن الله أفتاني فيما فيه شفائي ؟ أتاني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي ، والآخر عند رجلي فقال أحدهما للآخر : ما وجعُ الرجل ؟ قال : مَطْبُوب ! قال : ومن طَبَّهُ ؟ قال : لبيد بن الأعصم . قال : في ماذا ؟ قال : في مشط ومشاقة وجف طلعة ذكر ! قال : فأين هو ؟ قال : في بئر ذِروان ! فخرج إليها النبي ( ص ) ثم رجع فقال لعائشة حين رجع : نخلها كأنها رؤوس الشياطين ! فقلت : استخرجتهُ ؟ فقال : لا ، أما أنا فقد شفاني الله ، وخشيتُ أن يثير ذلك على الناس شراً ، ثم دُفِنَتْ البئر ) . انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 212 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي : 4 / 68 : ( سُحر حتى كان يُخَيَّلُ إليه أنه صنع شيئاً ولم يصنعه ) ! !
وفي : 7 / 88 : ( مكث النبي كذا وكذا ، يخيل إليه أنه يأتي أهله ولا يأتي ) ! !
وفي : 7 / 29 : ( كان رسول الله سُحر حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن ! قال سفيان : وهذا أشد ما يكون من السحر إذا كان كذا ) . ! !
وكرره البخاري بروايات متعددة : 7 / 28 و 164 ، وروته عامة مصادرهم !
واقرأ ما يقوله ابن حجر شيخ شراح البخاري في المدة التي بقي فيها رسول الله صلى الله عليه وآله مسحوراً مجنوناً ، معاذ الله !
قال في فتح الباري : 10 / 192 : ( ووقع في رواية أبي ضمرة عند الإسماعيلي : فأقام أربعين ليلة ، وفي رواية وهيب عن هشام عند أحمد : ستة أشهر ، ويمكن الجمع بأن تكون الستة أشهر من ابتداء تغير مزاجه ، والأربعين يوماً من استحكامه !
وقال السهيلي : لم أقف في شئ من الأحاديث المشهورة على قدر المدة التي مكث النبي ( ص ) فيها في السحر ، حتى ظفرت به في جامع معمر عن الزهري أنه لبث ستة أشهر كذا قال وقد وجدناه موصولاً بإسناد الصحيح فهو المعتمد ) . انتهى .
أقول : يقصد السهيلي ما في مسند أحمد : 6 / 63 : ( عن عائشة قالت : لبث رسول الله ( ص ) ستة أشهر يرى أنه يأتي نساءه ، ولا يأتي ) ! ! . انتهى .
وإن أردت فاقرأ في مصادرهم تلك التفاصيل العامية عن أسطورتهم وفريتهم في طريقة السحر ، وأن ولداً يهودياً سرق مشط النبي صلى الله عليه وآله وشيئاً من شعره ( مشاطة شعره ) وأعطاها إلى اليهودي لبيد الأعصم ، فجعل معها خيطاً من جلد وعقده اثنتي عشرة عقدة ، وفي رواية أحد عشرة عقدة ! ثم قرأ عليها السحر ولفَّ الجميع في قماشة ، ثم دفنها تحت صخرة بئر ذروان ، الذي يقع خارج المدينة ، وكان ماؤها بسبب السحر أحمر كالحنَّاء ، وكان النخل الذي يسقى منها طلعه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 213 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كأنه رؤوس الشياطين !
وأنه بعد ستة أشهر أمضاها النبي صلى الله عليه وآله مريضاً مسحوراً نصف مجنون وحاشاه ! دلَّه الملك على البئر فذهب إليها ، أو أرسل علياً والزبير ، فاستخرجوا المشط وفكوا عقد الخيط ، حتى شفي النبي صلى الله عليه وآله من السحر ! ( راجع المجموع : 12 / 243 ) .
ثم اقرأ تأكيد ابن حجر على تأثير السحر على حواس النبي صلى الله عليه وآله وبعض عقله ! !
قال : ( قوله : حتى كان رسول الله ( ص ) يخيَّل إليه أنه كان يفعل الشئ وما فعله .
قال المازري : أنكر بعض المبتدعة هذا الحديث وزعموا أنه يحط منصب النبوة ويشكك فيها ، قالوا : وكل ما أدى إلى ذلك فهو باطل ، وزعموا أن تجويز هذا يعدم الثقة بما شرعوه من الشرائع ، إذ يحتمل على هذا أن يخيل إليه أنه يرى جبريل وليس هو ثمَّ ، وأنه يوحى إليه بشئ ولم يوح إليه بشئ !
قال المازري : وهذا كله مردود ، لأن الدليل قد قام على صدق النبي ( ص ) فيما يبلغه عن الله تعالى ، وعلى عصمته في التبليغ ، والمعجزات شاهدات بتصديقه ، فتجويز ما قام الدليل على خلافه باطل .
وأما ما يتعلق ببعض أمور الدنيا التي لم يبعث لأجلها ، ولا كانت الرسالة من أجلها ( . . . ) فهو في ذلك عرضة لما يعترض البشر كالأمراض ، فغير بعيد أن يخيل إليه في أمر من أمور الدنيا ما لا حقيقة له ، مع عصمته عن مثل ذلك في أمور الدين ! قال : وقد قال بعض الناس إن المراد بالحديث أنه كان ( ص ) إليه أنه وطأ زوجاته ولم يكن وطأهن ، وهذا كثيراً ما يقع تخيله للإنسان في المنام ، فلا يبعد أن يخيل إليه في اليقظة !
قلت : وهذا قد ورد صريحاً في رواية ابن عيينة في الباب الذي يلي هذا ولفظه : حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن ، وفي رواية الحميدي أنه يأتي أهله ولا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 214 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يأتيهم . وفي مرسل يحيى بن يعمر عند عبد الرزاق : سُحر النبي ( ص ) ، عن عائشة : حتى أنكر بصره ! وعنده في مرسل سعيد بن المسيب : حتى كاد ينكر بصره ! قال عياض : فظهر بهذا أن السحر إنما تسلط على جسده وظواهر جوارحه لا على تمييزه ومعتقده . . .
وقال عياض : يحتمل أن يكون المراد بالتخيل المذكور أنه يظهر له من نشاطه ما ألفه من سابق عادته من الاقتدار على الوطأ ، فإذا دنا من المرأة فَتَرَ عن ذلك ، كما هو شأن المعقود ، ويكون قوله في الرواية الأخرى حتى كاد ينكر بصره ، أي صار كالذي أنكر بصره بحيث أنه إذا رأى الشئ يخيل أنه على غير صفته فإذا تأمله عرف حقيقته . ويؤيد جميع ما تقدم أنه لم ينقل عنه في خبر من الأخبار أنه قال قولاً فكان بخلاف ما أخبر به ) . انتهى .
أقول : هذا بعض كلامهم الطويل العليل ! الذي يريد ابن حجر ومن استشهد بهم أن يقنعوك بأن نبيك صلى الله عليه وآله كان لمدة ستة أشهر مسحوراً ، وقد مرض من ذلك وانتثر شعر رأسه ، وصار أقرع أو كالأقرع ، وصار يذوب ولا يدري ما عراه !
وكان يتصور أنه يرى شيئاً وهو لا يراه ، ويتصور أنه أكل ولم يأكل ، وأنه شرب ولم يشرب ، وأنه نام مع زوجته ولم يفعل !
ويريدون أن يطمئنوك بأن النبي صلى الله عليه وآله بخير وعافية ، فالسحر ( إنما تسلط على جسده وظواهر جوارحه ) أي على قسم من عقله وليس على القسم المتعلق بدينه ! فاحمد ربك أن نبيك صلى الله عليه وآله لم يكفر ، ولم يهرب من المدينة إلى مشركي مكة !
ويريد المازري أن يقنعك بأن عصمة النبي صلى الله عليه وآله إنما هي في تبليغه الرسالة فقط - ما عدا حديث الغرانيق طبعاً - وأنه في غير التبليغ قد يصاب بالسحر وبالجنون ، فيفقد التمييز في الأمور الدنيوية التي لم يبعث من أجلها !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 215 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أرأيت كيف أن القرشيات فاقت بافترائها على النبي الهاشمي صلى الله عليه وآله كل ما افترته الإسرائيليات على أنبيائهم عليهم السلام ؟ !
وهل فهمت معنى قوله صلى الله عليه وآله : ( ما أوذي نبي مثل ما أوذيت ) ؟ ! !
علماء الشيعة يردون هذه الفرية ، وقليل من علماء السنة !
وقد رد هذه الفرية علماء الشيعة ، وتجرأ على ردها قليل من علماء السنة !
قال الطوسي في تفسير التبيان : 1 / 384 : ( ما روي من أن النبي صلى الله عليه وآله سُحِر وكان يرى أنه يفعل ما لم يفعله ، فأخبار آحادٍ لا يلتفت إليها ، وحاشا النبي صلى الله عليه وآله من كل صفة نقصٍ ، إذ تنفر من قبول قوله ، لأنه حجة الله على خلقه ، وصفيه من عباده ، اختاره الله على علم منه ، فكيف يجوز ذلك مع ما جنبَّه الله من الفظاظة والغلظة وغير ذلك من الأخلاق الدنيئة والخلق المشينة ؟ !
ولا يجوِّز ذلك على الأنبياء عليهم السلام إلا من لم يعرف مقدارهم ، ولا يعرفهم حقيقة معرفتهم ، وقد قال الله تعالى : وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ، وقد أكذب الله من قال : إِنْ تَتَّبِعُونَ إلا رجلاً مَسْحُوراً . فقال : وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إلا رجلاً مَسْحُوراً . فنعوذ بالله من الخذلان ) .
وقال ابن إدريس العجلي في السرائر : 3 / 534 : ( والرسول صلى الله عليه وآله ما سُحِر عندنا بلا خلاف لقوله تعالى : وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ، وعند بعض المخالفين أنه سُحر ، وذلك بخلاف التنزيل المجيد ) !
وممن تجرأ ومال إلى موافقتنا في ردها : النووي في المجموع : 19 / 242 قال : ( وأكتفي بهذا القدر من أحاديث سحر الرسول ( ص ) . . . تنبيه : قال الشهاب بعد نقل التأويلات عن أبي بكر الأصم أنه قال : إن حديث سحره ( ص ) المروي هنا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 216 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
متروكٌ ، لما يلزمه من صدق قول الكفرة أنه مسحور ، وهو مخالف لنص القرآن حيث أكذبهم الله فيه .
ونقل الرازي عن القاضي أنه قال : هذه الرواية باطلةٌ ، وكيف يمكن القول بصحتها والله تعالى يقول : وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ، وقال : وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى . ولأن تجويزه يفضي إلى القدح في النبوة ، ولأنه لو صح ذلك لكان من الواجب أن يصلوا إلى ضرر جميع الأنبياء عليهم السلام والصالحين ، ولقدروا على تحصيل الملك العظيم لأنفسهم ، وكل ذلك باطل ، ولكان الكفار يعيرونه بأنه مسحور ، فلو وقعت هذه الواقعة لكان الكفار صادقين في تلك الدعوى ، ولحصل فيه عليه السلام ذلك العيب ، ومعلوم أن ذلك غير جائز ) . انتهى . ‍
أقول : إن أصل المشكلة عندهم أنهم يقبلون كلام عمر وعائشة والبخاري مهما كان ، ولا يسمحون لأنفسهم ولا لأحد أن يبحثه وينقده ! وقد أوقعهم ذلك في مشكلات عديدة في العقائد والفقه ! تحيروا وما زالوا متحيرين فيها دون أن يجرأ أحد منهم على القول معاذ الله إنها تهمة الكفار التي برَّأ الله نبيه صلى الله عليه وآله منها ، فهي مكذوبة على عائشة ، أو من خيالات النساء !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 217 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأسئلة
1 - كيف تعتقدون بصحة أحاديث عائشة عن سحر النبي صلى الله عليه وآله والله تعالى يقول : وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إلا رجلاً مَسْحُوراً ؟ ! فقد نفى عنه السحر ووصف من اتهمه بذلك بأنهم ظالمون ، فهل يشمل ذلك عائشة والبخاري ؟
2 - إذا تعارض الحديث في البخاري أو غيره مع القرآن ، فهل تردُّونه ، أم تردون القرآن ؟ !
3 - قالت عائشة : حتى كان يخيل إليه أنه يفعل الشئ وما يفعله ! أليس هذا الجنون بعينه ؟ وإن قبلناه فمن يضمن لنا احتمال أن يكون الله تعالى أنزل على النبي صلى الله عليه وآله وحياً وأوامر ، فتصور النبي صلى الله عليه وآله أنه بلغها ولم يبلغها ؟ !
4 - هل تقبلون تبريرات ابن حجر وغيره لأسطورة سحر النبي صلى الله عليه وآله ؟
5 - هل تعتقدون بالقدرات الخارقة للسحر وتأثيره على الناس والمؤمنين والأنبياء عليهم السلام ؟ ! وإذا صح ذلك فلماذا لم يَصِر السَّحَرَة حكام الأرض ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 218 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 219 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الحادي والعشرون : طعنهم في عصمة نبينا صلى الله عليه وآله وتفضيل بعض أصحابه عليه !

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 220 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 221 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة 144 : الأخطاء النبوية . . والتصحيحات العمرية !

الوضع الطبيعي للعلاقة بين النبي صلى الله عليه وآله وعمر أن تكون علاقة مسلم تابع بنبيٍّ متبوع مُطاع ، لكن الثابت أن عمر كان كثير الاعتراض على النبي صلى الله عليه وآله !
والتفسير الصحيح لذلك أنه خطأ من عمر ، وأن الاعتراض على رسول الله صلى الله عليه وآله أمرٌ كبير لأنه كما قال الله تعالى : وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى . إِنْ هُوَ إلا وَحْيٌ يُوحَى . . . وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ، وَاتَّقُوا اللهَ ، إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ .
لكن عمر ومجبيه خرجوا عن المألوف ، وفسروا اعتراضات عمر بأنه كان دائماً مصيباً ، بينما كان النبي صلى الله عليه وآله يقع في الخطأ ! وأن الوحي كان ينزل مؤيداً لرأي عمر منتقداً لرأي النبي صلى الله عليه وآله ، بل كان أحياناً يوبِّخ النبي صلى الله عليه وآله ، معاذ الله ! !
فكأن النبي صلى الله عليه وآله عندهم رجلٌ ساذج ، يقع في أخطاء فيصححها له عمر !
وكأن المطلوب أن يثبتوا لعمر فضائل ، ولو بالطعن في شخصية النبي صلى الله عليه وآله !
وقد ألفوا في هذا الطعن المغطى به صلى الله عليه وآله كتباً ونظموا أراجيز وسموه ( موافقات عمر ) ومعناها : موافقات الله تعالى لرأي عمر ، ولو بتخطئة رأي النبي صلى الله عليه وآله ! !
ففي الأعلام : 2 / 63 : ( أبو بكر بن زيد بن أبي بكر الحسني الجراعي الدمشقي . . . ( 825 - 883 ) له . . . نفائس الدرر في موافقات عمر ) .
وفي : 3 / 301 : ( الجلال السيوطي ( 849 - 911 ) ، وعدَّ من مؤلفاته : قطف الثمر في موافقات عمر ) . وكذا في كشف الظنون : 2 / 1353
وفي : 5 / 302 : ( . . . - 937 ه‍ ) محمد بن إبراهيم بن محمد بن مقبل البلبيسي . . . صنَّف : شرح نظم الدرر في موافقات عمر للبدر الغزي ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 222 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي : 7 / 44 : ( محمد بن جمال الدين عبد الله بن أبي حفص سراج الدين عمر ، من علماء حلب ، ولي قضاءها مرات ، واستقضيَ بدمشق والقاهرة . له كتب منها . . . الموافقات العمرية للقرآن الشريف ) .
وفي معجم المؤلفين : 2 / 22 : ( أحمد بن النقيب ( 771 - 816 ه‍ ) أحمد بن علي بن محمد المقدسي . . . له الموافقات التي وقعت في القرآن لعمر بن الخطاب ) .
وفي إيضاح المكنون : 1 / 447 : ( الدر المستطاب في موافقات عمر بن الخطاب ، لحامد بن علي بن إبراهيم بن عبد الرحيم العمادي ، المفتي الدمشقي الحنفي المتوفى سنة 1171 ) .
وفي : 2 / 658 : ( نظم الدرر في موافقات عمر ، أعني عمر بن الخطاب رضي الله عنه لبدر الدين محمد بن محمد الغزي ) .
وفي هدية العارفين : 1 / 497 : ( ابن البدر الخطيب عبد الباقي بن عبدا لباقي بن عبد القادر بن عبدا لباقي بن إبراهيم بن عمر البعلي الدمشقي . . . ولد سنة 1005 وتوفي في ذي الحجة من سنة 1071 . من تصانيفه شرح الجامع الصحيح للبخاري لم يكمل . اقتطاف الثمر في موافقات عمر ) .
وفي : 2 / 233 : ( محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن بدر بن مفرج بن بدر بن عثمان الغزي . . . توفي سنة 935 . . . من تصانيفه . . . شرح نظم الدرر في موافقات عمر . . . نظم الدرر في موافقات عمر ) . انتهى .
قال ابن حجر في فتح الباري : 1 / 200 : ( وروى البزار بإسناد حسن ، من حديث أبي سعيد الخدري في هذه القصة أن النبي ( ص ) أذن لمعاذ في التبشير ، فلقيه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 223 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عمر فقال : لا تعجل ، ثم دخل فقال : يا نبي الله أنت أفضل رأياً ، إن الناس إذا سمعوا ذلك اتكلوا عليها ! قال : فَرُدَّهُ ! وهذا معدودٌ من موافقات عمر ، وفيه جواز الإجتهاد بحضرته ( ص ) ! !
وقال في فتح الباري : 7 / 42 : ( عن عمرو بن دينار قال : كان ابن عباس يقرأ : وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ ، ولا محدث . والسبب في تخصيص عمر بالذكر لكثرة ما وقع له في زمن النبي ( ص ) من الموافقات التي نزل القرآن مطابقاً لها ) ! !
وفي تحفة الأحوذي : 10 / 125 : ( فإن يك في أمتي أحد ) أي من المحدثين ( فعمر بن الخطاب ) وفي بعض النسخ : يكون عمر بن الخطاب ، والسبب في تخصيص عمر بالذكر لكثرة ما وقع له في زمن النبي ( ص ) من الموافقات التي نزل القرآن مطابقاً لها ، ووقع له بعد النبي ( ص ) عدة إصابات ) . انتهى .
وقال الصالحي في سبل الهدى والرشاد : 3 / 197 : ( عن عبادة بن الصامت قال : ( بايعنا رسول الله ( ص ) بيعة النساء وذلك قبل أن تفترض علينا الحرب ، على ألا نشرك بالله شيئاً ، ولا نسرق ، ولا نزني ، ولا نقتل أولادنا ، ولا نأتي ببهتان نفتريه من بين أيدينا وأرجلنا ، ولا نعصيه في معروف . . .
وقوله : على بيعة النساء ، يعني على وفق ما نزلت عليه بيعة النساء بعد ذلك عام الحديبية ، وكان هذا مما نزل على وفق ما بايع عليه أصحابه ليلة العقبة ، وليس هذا بعجيب ، فإن القرآن نزل بموافقات عمر بن الخطاب ) . انتهى .
وفي تاريخ المدينة لابن شبة : 3 / 859 : ( موافقاته رضي الله عنه . . . قال ابن عمر : ما أنزل الله أمراً قط فقالوا فيه وقال فيه عمر ، إلا نزل القرآن على نحو ما قال عمر ) ! ( ورواه أحمد : 2 / 95 ، والترمذي : 5 / 280 ، وروى عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله قال : إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه ) !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 224 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم ذكر ابن شبَّه عدداً من موافقات الله تعالى لعمر ، بعضها واضح الكذب ، وبعضها محرَّف ، وفي بعضها تخطئة صريحة للنبي صلى الله عليه وآله !
* *
الأسئلة
1 - هل تقبل عقولكم أن يكون خير البشر وأفضل الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وآله بهذه الصفات التي تنسبها اليه هذه الروايات ؟ !
2 - هل تعتقدون أن النبي صلى الله عليه وآله يمكن أن يخطئ في الأمر بل في الأمور ويصيب عمر ؟ ألا يلزم من ذلك أن عمر أفضل من النبي صلى الله عليه وآله وأولى بالنبوة ؟ !
3 - لو أن رواياتكم قالت إن الذي كان يصحح أخطاء النبي صلى الله عليه وآله شخصٌ غير عمر ، هل كنتم تسكتون عن هذ المنقصة لنبيكم صلى الله عليه وآله ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 225 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة 145 : افتروا على النبي صلى الله عليه وآله بأنه كان يشتم ويلعن ويؤذي ويضرب ! بعكس عمر ! !

ويضرب بغير حق ! أما عمر فكان غضبه حقاً وعزاً ! !
قال الله تعالى : ( لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ) . ( المائدة : 78 ) واللعن ، هو الحكم الإلهي بطرد شخص شرِّير من رحمة الله ، وهو أمر معروفٌ في كل الأديان ، ولذا تتشاءم الأمم من الملعونين على لسان الأنبياء عليهم السلام وتنبذهم .
وقد لعن النبي صلى الله عليه وآله عدداً من زعماء قريش ، فصارت لعنته دمغة عليهم !
لكن القرشيين ابتكروا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله أسلوباً لإبطال اللعن النبوي ! فزعموا أن النبي صلى الله عليه وآله اعترف بأنه غير معصوم ، وأنه يغضب كما يغضب الإنسان العامي فيسب ويلعن ويؤذي ويضرب المؤمنين ظلماً وعدواناً ! وأنه صلى الله عليه وآله دعا لمن لعنهم وظلمهم وآذاهم بغير حق ، بأن يعوضهم الله ويجعل لعنته عليهم : ( صلاةً وقربةً ، وزكاةً وأجراً ، وزكاةً ورحمةً ، وكفارةً له يوم القيامة ، وقربةً تقربه بها يوم القيامة ، ومغفرةً وعافيةً ، وكذا وكذا . . وبركةً ورحمةً ومغفرةً وصلاةً . . على حدِّ تعابيرهم ) ! !
وقد رووا ذلك في عشرات الروايات ودونوها في أصح كتبهم ! فصار الملعونون على لسان النبي صلى الله عليه وآله بهذه الأدعية أربح وأفضل من غيرهم !
قال البخاري ( وهو مولى بني جُعف محمد بن إسماعيل بن برد زبه البخاري الخرتنكي ) في صحيحه : 7 / 157 : ( باب قول النبي ( ص ) من آذيته فاجعله له زكاة ورحمة . . . عن أبي هريرة أنه سمع النبي ( ص ) يقول : اللهم فأيما مؤمن سببته فاجعل ذلك له قربة إليك يوم القيامة ) ! !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 226 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وروى مسلم ( وهو مولى بني قشير مسلم بن حجاج النيشابوري ) في صحيحه : 8 / 25 : ( عن أبي هريرة أن النبي ( ص ) قال : اللهم إني أتخذ عندك عهداً لن تخلفنيه ، فإنما أنا بشر ، فأيُّ المؤمنين آذيته أو شتمته أو لعنته أو جلدته ، فاجعلها له صلاة وزكاة وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة ) . انتهى . ورواه بسبع روايات أخرى بنحوه !
وقالت عائشة بنت أبي بكر بن قحافة ، كما في مسند أحمد : 6 / 160 : ( كان رسول الله ( ص ) يرفع يديه يدعو حتى أسأم ! ويقول : اللهم إنما أنا بشر ، فلا تعاقبني بشتم رجل من المسلمين إن آذيته ) .
ونحوه : 6 / 225 و 258 ، وفي رواية أخرى : 2 / 390 : ( فأيما مسلم لعنته أو آذيته ) .
ورواه : 2 / 243 ، و 493 ، وفيه : ( إنما أنا بشر أغضب كما يغضب البشر ) .
وفي : 3 / 33 : ( فأي المؤمنين آذيته أو شتمته أو جلدته أو لعنته ، فاجعلها له صلاة وزكاة وقربة تقربه بها يوم القيامة ) .
وفي مصنف عبد الرزاق : 2 / 251 : ( عن عائشة قالت : كان رسول يرفع يديه يدعو ، حتى إني لأسأم له مما يرفعهما ) !
وفيه : 11 / 190 : ( إنما أنا بشر ، فأي المؤمنين آذيته ، أو شتمته ، أو جلدته ، أو لعنته ، فاجعلها له صلاة وكفارة ، وقربة تقربه بها يوم القيامة ) .
* *
بل رووا أحاديث أكثر جرأة على مقام النبي صلى الله عليه وآله فزعموا أنه كان يدعو على قريش ويلعنهم في قنوته ، فبعث الله تعالى اليه جبرئيل فوبخه وقال له : إن الله يقول لك إني لم أبعثك سبَّاباً ! بل بعثتك رحمة للعالمين ، والقرشيون قومك وأهلك أولى بالرحمة الإلهية ، فلماذا تسبهم وتلعنهم ؟ ! وعلَّمه دعاء عاماً يقوله في قنوته ، ليس فيه ما يمس قريش ! وهو ( سورتا الخلع والحفد ) اللتين كان يحبهما عمر ، ويقرؤهما في صلاته !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 227 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال البيهقي في سننه : 2 / 210 : ( بينا رسول الله ( ص ) يدعو على مضر ( يعني قريشاً ) إذ جاءه جبرئيل فأومأ اليه أن اسكت فسكت ، فقال : يا محمد إن الله لم يبعثك سَبَّاباً ولا لعاناً ! وإنما بعثك رحمة ولم يبعثك عذاباً ، ليس لك من الأمر شئ أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون . ثم علمه هذا القنوت :
اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونؤمن بك ، ونخضع لك ونخلع ونترك من يكفرك . اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد ، وإليك نسعى ونحفد ، ونرجو رحمتك ونخشى عذابك ونخاف عذابك الجد ، إن عذابك بالكافرين ملحق ) .
ثم قال البيهقي : ( هذا مرسل وقد روى عن عمر بن الخطاب صحيحاً موصولاً عن عبيد بن عمير أن عمر قنت بعد الركوع فقال : اللهم اغفر لنا وللمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات وألف بين قلوبهم وأصلح ذات بينهم وانصرهم على عدوك وعدوهم . اللهم ألعن كفرة أهل الكتاب الذين يصدون عن سبيلك ويكذبون رسلك ويقاتلون أوليائك . اللهم خالف بين كلمتهم وزلزل أقدامهم وأنزل بهم بأسك الذي لا ترده عن القوم المجرمين .
بسم الله الرحمن الرحيم . اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك ولا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك .
بسم الله الرحمن الرحيم . اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد ولك نسعي ونحفد ونخشى عذابك الجد ونرجو رحمتك ، إن عذابك بالكافرين ملحق ) ! !
وفي مجمع الزوائد : 8 / 267 : ( وعن عبد الله بن عثمان بن خثيم قال : دخلت على أبي الطفيل عامر بن واثلة فوجدته طيب النفس ، فقلت يا أبا الطفيل أخبرني عن النفر الذين لعنهم رسول الله ( ص ) قال قال : اللهم إنما أنا بشر فأيما عبد من المؤمنين دعوت عليه بدعوة فاجعلها له زكاة ورحمة . رواه الطبراني في الأوسط واللفظ له ، وأحمد بنحوه ، وإسناده حسن ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 228 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
هذا عن غضب النبي صلى الله عليه وآله وإيذائه للمؤمنين ولعنهم وضربهم !
أما عن غضب عمر ، فقالوا إن الله أجرى الحق على لسانه وقلبه في الرضا والغضب ! وإن الملائكة تحدثه ، والملك ينطق على لسانه .
وإن جبرئيل جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال له : أقرئ عمر السلام ، وأعلمه إن رضاه حكم ، وغضبه عز ! ! فشهد له الله تعالى بأنه معصومٌ في الرضا والغضب .
قال المناوي في فيض القدير : 2 / 278 : ( إن الله جعل الحق ، يعني أجراه على لسان عمر ، فكان كالسيف الصارم والحسام القاطع .
قال الطيبي : جعل بمعنى أجرى فعدَّاه بعلى ، وفيه معنى ظهور الحق واستعلائه على لسانه ، ووضع جعل موضع أجراه ، إيذاناً بأن ذلك كان خلقياً ثابتاً لازماً مستقراً .
وقلبه ، فكان الغالب على قلبه جلال الله ، فكان الحق معتمله ، حتى يقوم بأمر الله وينفذ بمقاله وحاله ، وفاء بما قلَّدَه الله الخلق من رعاية هذا الدين الذي ارتضاه لهم . ومن ثم جاء في خبر : إن غضبه عزٌّ ورضاه حكم ، وذلك لأن من غلب على قلبه سلطان الحق فغضبه للحق عز للدين ، ورضاه عدل لأن الحق هو عدل الله ، فرضاه بالحق عدل منه على أهل ملته . ومعنى رضاه حكم : أنه إذا رضي رضي الحق ) . انتهى .
مضافاً إلى ما قرأت ، تجد في تاريخ دمشق لابن عساكر : 44 / 71 : ( أن جبريل أتى النبي ( ص ) فقال : أقرئ عمر السلام وأعلمه أن غضبه عز ورضاه عدل ) .
وفيه : 44 / 72 : ( عن عقيل بن أبي طالب أن النبي ( ص ) قال لعمر بن الخطاب : إن غضبك عز ورضاك حكم ) . ( ورواه أبو الشيخ ابن حبان في طبقات المحدثين بأصبهان : 2 / 34 ، وابن أبي شيبة في المصنف : 7 / 486 و 487 ، والطبراني في الأوسط : 6 / 242 ، والكبير : 12 / 48 ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 229 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ومجمع الزوائد : 9 / 69 ، وفي كنز العمال : 10 / 365 ، عن مصادر متعددة بروايات كثيرة ، وفي : 12 / 596 و 603 وج : 11 / 578 و 579 ، بأحاديث كثيرة ، وفيها : إن الله عز وجل عند لسان عمر وقلبه . . . إن الله جعل الحق على قلب عمر ولسانه . . . لو لم أبعث فيكم لبعث عمر ، أيد الله عز وجل عمر بملكين يوفقانه ويسددانه ، فإذا أخطأ صرفاه حتى يكون صواباً ) . انتهى .
* *
ولو قلت لهم : إن قولكم هذا في عمر غلوٌّ وتفضيلٌ له على النبي صلى الله عليه وآله !
لأجابوك : إنك لا تحب الصحابة ، والذي يطعن فيهم وينكر مناقبهم ، يطعن في الإسلام ورسوله صلى الله عليه وآله ! ! أو قالوا لك : إنها فضيلة للنبي صلى الله عليه وآله أن الله جعل في أمته من يحفظ الدين بعده مثل عمر ! !
البيهقي أراد أن يطببها فأعماها !
حاول علماء السلطة توجيه أحاديث رفع اللعن وإعادة الاعتبار للملعونين على لسان النبي صلى الله عليه وآله ، فوقعوا في إشكالات أشد ! ‍
فقد حاول البيهقي أن يحفظ كرامة النبي صلى الله عليه وآله بالقول إن الله تعالى أباح له أن يسبَّ ويلعن ويجلد المؤمنين ! ! قال في سننه : 7 / 60 ( باب ما يستدل به على أنه جعل سبه للمسلمين رحمة ، وفي ذلك كالدليل على أنه له مباح ) ! ! انتهى .
ومعنى كلام البيهقي : أن النبي صلى الله عليه وآله لعن أناساً وآذاهم بغير حق ، وهذا ذنبٌ يخرج صاحبه عن العدالة ، وسلوكٌ سئ لا يليق بمسلم عادي !
لكن المخرج من ذلك عند البيهقي أن نقول إن الله أحل لنبيه هذه المحرمات وأطلق لسانه ويده في أعراض المسلمين ! !
وبذلك يتهم البيهقي الله تعالى بأنه أحل لنبيه صلى الله عليه وآله هذا السلوك ! !
فانظر كيف كلفه رفع اللعن عن الملعونين أن ينسب الظلم إلى الله تعالى !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 230 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
النووي وابن حجر يغرقان في الاحتمالات !
قال النووي في شرح مسلم : 16 / 152 : ( فإن قيل : كيف يدعو على من ليس هو بأهل للدعاء عليه ، أو يسبه أو يلعنه ونحو ذلك ؟
فالجواب : ما أجاب به العلماء ، ومختصره وجهان :
أحدهما ، أن المراد ليس بأهل لذلك عند الله تعالى وفي باطن الأمر ، ولكنه في الظاهر مستوجب له ، فيظهر له ( ص ) استحقاقه لذلك بأمارة شرعية ، ويكون في باطن الأمر ليس أهلاً لذلك ، وهو ( ص ) مأمور بالحكم بالظاهر والله يتولى السرائر .
والثاني ، أن ما وقع من سبه ودعائه ونحوه ليس بمقصود ، بل هو مما جرت به عادة العرب في وصل كلامها بلا نية ، كقوله : تربت يمينك ، وعُقْرَى حَلْقَى ، وفي هذا الحديث : لا كبرت سنك ، وفي حديث معاوية : لا أشبع الله بطنه ، ونحو ذلك ، لا يقصدون بشئ من ذلك حقيقة الدعاء فخاف ( ص ) أن يصادف شئ من ذلك إجابة ، فسأل ربه سبحانه وتعالى ورغب إليه في أن يجعل ذلك رحمة وكفارة وقربة وطهوراً وأجراً ، وإنما كان يقع هذا منه في النادر والشاذ من الأزمان ، ولم يكن ( ص ) فاحشاً ولا متفحشاً ولا لعاناً ولا منتقماً لنفسه ) . انتهى .
أقول : كلمة ( عَقْرَى حَلْقَى ) رُويت في دعاء للنبي صلى الله عليه وآله على امرأة ، أي عقرها الله وأقعدها ، وأصابها بمرض في حلقها .
وأنت ترى أن كلام النووي بلا محصل ، فهو على الوجه الأول يثبت أن النبي صلى الله عليه وآله اعترف بأنه لعن وشتم وضرب وآذى بغير حق ، لكنه اعتذر مما قد يكون بغير حق في الواقع في علم الله تعالى ! وهذا خلاف الظاهر ! ولو صح فهو لا يغير من أمر الملعونين والمشتومين والمجلودين شيئاً ، لأن استحقاقهم الظاهري ما زال موجوداً ! فتكون أحاديثهم في تبرئتهم ورفع اللعن عنهم بلا معنى عملي ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 231 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بل اللازم عليهم أن يقولوا كما أن النبي صلى الله عليه وآله يلعنهم لاستحقاقهم الظاهري ، فنحن مأمورون بالظاهر أيضاً ، ونكون معذورين إذا خالف الواقع .
أو يقولون : مهما كان الوجه لفعل النبي صلى الله عليه وآله فهو أمر يخصه ، ونحن مأمورون بالتأسي به بقوله : ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيراً ) . ( الأحزاب : 21 ) فالواجب علينا التأسي ، ونحن مثابون على التأسي به في لعن من نلعنهم ، ولا تثريب علينا ولا اعتراض !
وعلى الوجه الثاني ، يكون كلام النبي صلى الله عليه وآله لغواً بدون قصد ، وإن جوَّزناه على النبي صلى الله عليه وآله كما فعلوا ، فهو لا يحتاج إلى الاعتذار !
على أنه لا يصلح لرفع الإشكال لأنه لا يشمل الجَلْد الوارد في الأحاديث والذي لا يمكن أن كون لغواً بغير قصد ، كما تنبه اليه ابن حجر !
قال في فتح الباري : 11 / 147 : ( قوله : باب قول النبي ( ص ) من آذيته فاجعله له زكاة ورحمة . كذا ترجم بهذا اللفظ وأورده بلفظ : اللهم فأيما مؤمن سببته فاجعل ذلك له قربة إليك يوم القيامة . أورده من طريق يونس وهو ابن يزيد عن بن شهاب .
وقد أخرجه مسلم من هذا الوجه مثله ، وظاهر سياقه أنه حذف منه شئ من أوله ، وقد بينه مسلم من طريق ابن أخي بن شهاب عن عمه ، بهذا الإسناد بلفظ : اللهم إني اتخذت عندك عهداً لن تخلفنيه فأيما مؤمن سببته أو جلدته فاجعل ذلك كفارة له يوم القيامة . ومن طريق أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ : اللهم إنما أنا بشر فأيما رجل من المسلمين سببته أو لعنته أو جلدته فاجعله له زكاة ورحمة .
ومن طريق الأعرج عن أبي هريرة مثل رواية بن أخي بن شهاب ، لكن قال : فأي المؤمنين آذيته شتمته ، أو لعنته ، أو جلدته ، فاجعلها له صلاة ، وزكاة ، وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 232 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ومن طريق سالم عن أبي هريرة بلفظ : اللهم إنما محمد بشر ، يغضب كما يغضب البشر ، وإني قد اتخذت عندك عهداً . . الحديث ، وفيه : فأيما مؤمن آذيته ، والباقي بمعناه بلفظ أو .
وأخرج من حديث عائشة بيان سبب هذا الحديث ، قالت : دخل على رسول الله ( ص ) رجلان فكلماه بشئ لا أدري ما هو ، فأغضباه فسبهما ولعنهما ! فلما خرجا قلت له ، فقال : أوَما علمت ما شارطت عليه ربي ، قلتُ : اللهم إنما أنا بشر فأي المسلمين لعنته أو سببته فاجعله له زكاةً وأجراً .
وأخرجه من حديث جابر نحوه ، وأخرجه من حديث أنس ، وفيه تقييد المدعو عليه بأن يكون ليس لذلك بأهل ، ولفظه : إنما أنا بشر أرضى كما يرضى البشر ، وأغضب كما يغضب البشر ، فأيما أحد دعوت عليه من أمتي بدعوة ليس لها بأهل أن يجعلها له طهوراً ، وزكاة ، وقربة يقربه بها منه يوم القيامة . . .
وقوله : اللهم فأيما مؤمن ، الفاء جواب الشرط المحذوف لدلالة السياق عليه .
قال المازري : إن قيل : كيف يدعو ( ص ) بدعوة على من ليس لها بأهل ؟ !
قيل : المراد بقوله ليس لها بأهل عندك : في باطن أمره ، لا على ما يظهر مما يقتضيه حاله وجنايته حين دعائي عليه ، فكأنه يقول : من كان باطن أمره عندك أنه ممن ترضى عنه ، فاجعل دعوتي عليه التي اقتضاها ما ظهر لي من مقتضى حاله حينئذ ، طهوراً وزكاة .
قال : وهذا معنى صحيح لا إحالة فيه ، لأنه ( ص ) كان متعبداً بالظواهر وحساب الناس في البواطن على الله . انتهى .
وهذا مبني على قول من قال إنه كان يجتهد في الأحكام ويحكم بما أدى إليه اجتهاده . أما من قال كان لا يحكم إلا بالوحي ، فلا يتأتى منه هذا الجواب .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 233 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم قال المازري : فإن قيل : فما معنى قوله وأغضب كما يغضب البشر ، فإن هذا يشير إلى أن تلك الدعوة وقعت بحكم سوْرة الغضب ، لا أنها على مقتضى الشرع فيعود السؤال ؟ !
فالجواب : أنه يحتمل أنه أراد أن دعوته عليه أو سبه أو جلده كان مما خيِّر بين فعله له عقوبة للجاني ، أو تركه والزجر له بما سوى ذلك ، فيكون الغضب لله تعالى بعثه على لعنه أو جلده ، ولا يكون ذلك خارجاً عن شرعه .
قال : ويحتمل أن يكون ذلك خرج مخرج الإشفاق وتعليم أمته الخوف من تعدي حدود الله ، فكأنه أظهر الإشفاق من أن يكون الغضب يحمله على زيادة في عقوبة الجاني لولا الغضب ما وقعت ، أو إشفاقاً من أن يكون الغضب يحمله على زيادة يسيرة في عقوبة الجاني لولا الغضب ما زادت ، ويكون من الصغائر على قول من يجوزها ، أو يكون الزجر يحصل بدونها .
ويحتمل أن يكون اللعن والسب يقع منه من غير قصد إليه ، فلا يكون في ذلك كاللعنة الواقعة رغبة إلى الله وطلباً للإستجابة .
وأشار عياض إلى ترجيح هذا الاحتمال الأخير فقال : يحتمل أن يكون ما ذكره من سب ودعاء غير مقصود ولا منوي ، لكن جرى على عادة العرب في دعم كلامها وصلة خطابها عند الحرج والتأكيد ، للعتب لا على نية وقوع ذلك كقولهم : عَقْرى حَلْقى ، وتربت يمينك ، فأشفق من موافقة أمثالها القدر فعاهد ربه ورغب إليه أن يجعل ذلك القول رحمة وقربة . انتهى .
وهذا الاحتمال حسن إلا أنه يرد عليه قوله : جلدته ، فإن هذا الجواب لا يتمشى فيه إذ لا يقع الجلد عن غير قصد ! وقد ساق الجميع مساقاً واحداً ، إلا إن حمل على الجلدة الواحدة فيتجه ! ثم أبدى القاضي احتمالاً آخر فقال : كان لا يقول
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 234 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولا يفعل ( ص ) في حال غضبه إلا الحق ، لكن غضبه لله قد يحمله على تعجيل معاقبة مخالفه ، وترك الإغضاء والصفح . ويؤيده حديث عائشة : ما انتقم لنفسه قط إلا أن تنتهك حرمات الله . وهو في الصحيح .
قلت : فعلى هذا فمعنى قوله : ليس لها بأهل ، أي من جهة تعيُّن التعجيل ! وفي الحديث كمال شفقته ( ص ) على أمته وجميل خلقه وكرم ذاته ، حيث قصد مقابلة ما وقع منه بالجبر والتكريم . وهذا كله في حق معين في زمنه واضح ، وأما ما وقع منه بطريق التعميم لغير معين حتى يتناول من لم يدرك زمنه ( ص ) ، فما أظنه يشمله والله أعلم ) . انتهى كلام ابن حجر .
وتلاحظ أنه حكم بصحة أحاديث رفع اللعن ، ثم نقل احتمالات المازري وعياض في رد الإشكالات عليها ، وكأنه ارتضاها ، حيث لم يردَّ منها إلا قول المازري بعدم قصد النبي صلى الله عليه وآله لها ، فقال إن عدم القصد لا يصح في الجلد !
ثم مال إلى احتمال عياض بأن الذين لعنهم النبي صلى الله عليه وآله أو جلدهم مستحقون لذلك لكن النبي صلى الله عليه وآله اعتذر عن تعجيله بمجازاتهم ، لا عن أصلها !
وهو احتمال بعيد لأن أحاديثهم صريحة في أن النبي صلى الله عليه وآله اعترف بأنه يغضب كعامة البشر ، فيشتم ويؤذي ويلعن ويجلد من لا يستحق ذلك !
فيبقى الإشكال : كيف يرتكب النبي صلى الله عليه وآله ذلك وهو صاحب الخلق العظيم ؟ !
* *
على أن الإشكالات الأربعة التالية تبقى واردة على كل احتمالاتهم وتطويلاتهم :
الأول : أن اللعن من النبي صلى الله عليه وآله إنشاء يتضمن الإخبار بأن ذلك الشخص مطرودٌ من رحمة الله تعالى ، وهذا الإخبار لا يكون إلا بوحي الله تعالى ، فيكون معنى قوله صلى الله عليه وآله : لعن الله فلان ، أو اللهم ألعن فلاناً : أن الله أخبرني أنه صدر فيه حكم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 235 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الطرد من رحمته ، وها أنا أخبركم ، وألعن من لعنه الله تعالى ! ومثل هذا الإخبار عن الله تعالى لا يرتفع بدعاء النبي صلى الله عليه وآله بأن يحول لعنته عليه إلى رحمة !
بعبارة أخرى : إن تصورهم أن حقيقة اللعن أنه إنشاء من النبي صلى الله عليه وآله يترتب عليه أثر من الله تعالى ، غير صحيح ، فهو حكمٌ يصدر من الله تعالى بطرد الشخص من الرحمة ، فيخبر به النبي صلى الله عليه وآله وينشئ هو لعنَ من لعنه الله ، قال الله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ . ( البقرة : 159 ) ولذا قال تعالى : أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً . . ( النساء : 52 ) .
فهل وجدوا نصيراً للملعونين يرفع لعنهم ، وهو النبي صلى الله عليه وآله ؟ ! !
* *
الثاني : إن أحاديث رفع اللعن معارضة باللعن الوارد في القرآن لأشخاص كثيرين معينين وغير معينين ؟ ! لأن النبي صلى الله عليه وآله لعن من لعنهم الله تعالى ، فلو صح أنه رفع لعنته عنهم وجعلها رحمة ، لصار الملعونون في القرآن مرحومين على لسان النبي صلى الله عليه وآله ؟ ! وكيف يكون شخص ملعونَ الله ، ومرحومَ نبيه صلى الله عليه وآله !
* *
الثالث : قال في فتح الباري : 10 / 389 : ( وقد أخرج أبو داود عن أبي الدرداء بسند جيد رفعه : إن العبد إذا لعن شيئاً صعدت اللعنة إلى السماء فتغلق أبواب السماء دونها ، ثم تهبط إلى الأرض فتأخذ يمنة ويسرة ، فإن لم تجد مساغاً رجعت إلى الذي لعن ، فإن كان أهلاً ، وإلا رجعت إلى قائلها .
وله شاهد عند أحمد من حديث ابن مسعود بسند حسن ) . انتهى . ( راجع أيضاً سنن أبي داود : 2 / 457 و 458 ، والترمذي : 3 / 236 ، والزوائد : 8 / 74 ، باب فيمن لعن ما ليس بأهل للعنة ) .
فقد صح عندهم أن لعن المؤمن كقتله ! وأن من لعن شخصاً أو شيئاً وليس
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 236 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بأهل للعن ، رجعت اللعنة عليه ! فكيف يقبلون بعد ذلك أن النبي صلى الله عليه وآله اعترف بأنه لعن من ليس أهلاً للعن ؟ ! وهل هذا إلا سوء أدب مع النبي صلى الله عليه وآله ؟ ! !
* *
الرابع : أن أحاديثهم في رفع اللعن بعضها يدل على رفع كل أنواعه ، وبعضهما على رفعه عمن لا يستحقه فقط ، والحديث الذي رواه أحمد وحسَّنه الهيثمي يدل على أن النبي صلى الله عليه وآله أبطل لعن كل من لعنهم ، وأن قيد ( من ليس له بأهل ) الوارد في بعضها قيدٌ توضيحي وليس احترازياً ، قال في مجمع الزوائد : 8 / 267 : ( وعن عبد الله بن عثمان بن خثيم قال دخلت على أبي الطفيل عامر بن واثلة فوجدته طيب النفس فقلت يا أبا الطفيل أخبرني عن النفر الذين لعنهم رسول الله ( ص ) قال قال : اللهم إنما أنا بشر فأيما عبد من المؤمنين دعوت عليه بدعوة فاجعلها له زكاة ورحمة ) . انتهى .
فقد فهم هذا الصحابي أن النبي صلى الله عليه وآله رفع لعن جميع من لعنهم ، وهم نحو خمسين نوعاً من أصحاب الانحراف والمعاصي ، كقول ابن عباس : ( لعن النبي صلى الله عليه وآله المخنثين من الرجال والمترجلات من النساء ، وقال : أخرجوهم من بيوتكم وأخرج فلاناً ، وأخرج عمر فلاناً ) . ( البخاري : 8 / 28 )
فإن قلت : يرى ابن حجر أن اللعن المرفوع هو المقيد بمن ليس له بأهل فقط ، وأن المطلق يجب حمله على المقيد ، قال في فتح الباري : 12 / 72 : ( وقد قيل إن لعن النبي ( ص ) لأهل المعاصي كان تحذيراً لهم عنها قبل وقوعها فإذا فعلوها استغفر لهم ودعا لهم بالتوبة . وأما من أغلظ له ولعنه تأديباً على فعل فعله فقد دخل في عموم شرطه حيث قال سألت ربي أن يجعل لعني له كفارة ورحمة . قلت : وقد تقدم الكلام عليه فيما مضى وبينت هناك أنه مقيد بما إذا صدر في حق من ليس له بأهل ، كما قيد له بذلك في صحيح مسلم ) . انتهى كلام ابن حجر .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 237 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وجوابه : أن لسان روايات رفع اللعن متعدد ، والمقيد فيها نادر ، وفيها منصوص العموم يأبى التقييد كالحديث الذي فهم منه أبو الطفيل رفع لعن جميع الملعونين : ( فقلت يا أبا الطفيل أخبرني عن النفر الذين لعنهم رسول الله ( ص ) قال قال : اللهم إنما أنا بشر فأيما عبد من المؤمنين دعوت عليه بدعوة فاجعلها له زكاة ) . فقد فهم أبو الطفيل رفع اللعن عن الجميع ، ولو كان هناك قيد لبينه وقال مثلاً : من لم يكن منهم أهلاً للعن فقد رفع النبي صلى الله عليه وآله عنه اللعن . . الخ .
على أنك عرفت أن النبي صلى الله عليه وآله لا يلعن من عنده ، وأن اللعن غير قابل للرفع .
* *
الأسئلة
1 - هل تصححون أحاديث رفع اللعن عمن لعنهم النبي صلى الله عليه وآله مع أنها تتهم النبي صلى الله عليه وآله بأن غضبه يخرجه عن الحق ويوقعه في معصية كبيرة تنافي العصمة والعدالة وهي سب المؤمنين وشتمهم وضربهم بغير حق ؟ !
2 - وفي المقابل هل تقبلون الأحاديث المتقدمة في تسديد عمر وأن الحق في قلبه وعلى لسانه ، وتفضله على النبي صلى الله عليه وآله وتقول إن غضب عمر لا يخرجه عن الحق ، بل غضبه عز وحكم !
3 - هل تصححون الحديث الذي صححه البيهقي وفيه أن جبرئيل عليه السلام قطع صلاة النبي صلى الله عليه وآله ووبخه لأنه لعن مشركي قريش ، وأنزل عليه سورتي الحفد والخلع ؟ !
4 - هل تقبلون أن يكون الملعون أكثر نصيباً من الخير من غير الملعون ؟ فقد قالت عائشة كما في صحيح مسلم : 8 ، 24 : ( دخل على رسول الله رجلان فكلماه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 238 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بشئ لا أدري ما هو ، فأغضباه فلعنهما وسبهما ، فلما خرجا قلت يا رسول الله من أصاب من الخير شيئاً ، فما أصابه هذان ! قال : وما ذاك ؟ ! قالت قلت : لعنتهما وسببتهما ! قال : أوما علمت ما شارطت عليه ربي ، قلت : اللهم إنما أنا بشر فأي المسلمين لعنته أو سببته فاجعله له زكاة وأجراً ) ! ! وفي مسند ابن راهويه : 3 / 819 : ( قلت يا رسول الله من أصاب منك خيراً ما أصاب منك هذان ) ؟ !
5 - ما هي الصيغة الفقهية لهذا الشرط الغريب المذكور في أحاديث رفع اللعن ؟ فهل هو دعاء مستجاب ؟ أم تنصل مسبق من المعصية ، كاف لإسقاط عقوبتها ؟
أم شرط حقيقي يقبله الله تعالى فيجعل السيئة حسنة والشتم والجلد رحمة ؟ !
وهل هو مختص بالنبي ؟ أم يصح لأي شخص أن يشرط على ربه ، ثم يطلق لسانه في أعراض المسلمين ويده في أبشارهم ، فيحولها الله رحمة وبركة عليهم ؟ !
6 - هل تقبلون قول البيهقي إن الله تعالى أحل لنبيه خاصة صلى الله عليه وآله سب المسلمين وإيذائهم وضربهم ؟ !
7 - لماذا تخالفون القرآن وتنسبون الغضب والهوى إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ، وقد قال تعالى : وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى . إِنْ هُوَ إلا وَحْيٌ يُوحَى . والذي عَصَمَ الله منطقه عن الهوى فقد عصمَ فعله عن الهوى ؟ !
8 - لماذا تركتم الأحاديث الصحيحة التي تنص على النبي صلى الله عليه وآله معصوم لا يقول إلا الحق في الرضا والغضب ، كالذي رواه الحاكم : 1 / 104 : ( عن عبد الله بن عمرو قال : قالت لي قريش تكتب عن رسول الله ( ص ) وإنما هو بشر يغضب كما يغضب البشر ، فأتيت رسول الله فقلت يا رسول الله إن قريشاً تقول تكتب عن رسول الله وإنما هو بشر يغضب كما يغضب البشر ؟ ! قال فأومى لي شفتيه فقال :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 239 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والذي نفسي بيده ما يخرج مما بينهما إلا حق فأكتب ) . وقد صححه الحاكم وأتى له بشواهد ونظائر . . فما رأيكم ؟ !
9 - هل لاحظتم أن مقولة : ( إنما هو بشر يغضب كما يغضب البشر ) هي مقولة قريش أرادت بها أن لا تُكتب سنة النبي صلى الله عليه وآله ، ثم أرادت بها أن تُبطل لعنة النبي صلى الله عليه وآله لملعونيها ! !
10 - هذه قائمة أولية بالملعونين على لسان النبي صلى الله عليه وآله :
القرشيون البضعة عشر ليلة الهجرة .
* أبو جهل .
* أبو لهب .
* أمية بن خلف .
* الأسود بن المطلب وابنه هبار .
* أبو العاص وابنه الحكم وابنه مروان .
* العاص وابنه عمرو .
* المغيرة بن شعبة .
* عقبة بن أبي معيط .
* الوليد بن عقبة .
* سهيل بن عمرو .
* صفوان بن أمية .
* المغيرة بن أبي وقاص .
* سراقة بن مالك .
* عتبة بن أبي وقاص .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 240 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
* خالد بن الوليد وأبوه .
* أبو القين الأسلمي .
* النضر بن الحارث .
* الحارث بن هشام بن المغيرة .
* عتبة بن أبي لهب .
* ابن قميئة .
* ابن خطل .
* ابن النعيمان .
* ماعز بن مالك .
* مسطح بن أثاثة .
* المغيرة بن أبي العاص .
* أربد بن قيس .
* عامر بن الطفيل .
* قريش ، وعشائر رعل ، وذكوان ، وعصية ، ولحيان .
* أبو سفيان وابناه يزيد ومعاوية .
* بنو أمية الشجرة الملعونة في القرآن .
* أم حكمة .
* سفيان بن خالد بن نبيح .
* عبد الله بن سعد بن أبي سرح .
* الغادرون بأصحابه من عكل وعرينة وقيس وغيرها .
* قتلى بدر من المشركين .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 241 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
* الأحزاب .
* السبعة عشر أصحاب مؤامرة العقبة لقتل النبي صلى الله عليه وآله .
* المتخلفين عن القتال والفارين من الزحف .
* المتخلفين عن جيش أسامة .
* بعض النساء !
* من أفشى سر النبي صلى الله عليه وآله .
* الذين يؤذون النبي صلى الله عليه وآله في حياته وبعد وفاته .
* عبد الله ابن أبي سلول .
* ذو الثدية .
* أبو رافع اليهودي .
* كعب بن الأشرف .
* امرأة من يهود .
* من آذى علياً عليه السلام أو غصب حقه .
* من أغضب فاطمة عليهما السلام أو آذاها .
* قتلة الحسين عليه السلام .
* من ظلم أهل البيت عليهم السلام أو آذاهم ، أو تخلف عن نصرتهم .
* المنافقين .
* الحاكم الجائر .
* من ظلم أهل المدينة أو أخافهم .
* من أحدث حدثاً أو آوى محدثاً .
* الراشي والمرتشي .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 242 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
* شارب الخمر .
* السارق .
* آكل الربا .
* المخنثون والمترجلات .
* من سب والديه . . . الخ .
فمن هم الذين رفع عنهم اللعن من هؤلاء برأيكم ؟ !
11 - إذا كان رسول الله صلى الله عليه وآله ندم ورفع لعنته عمن لعنهم وجعلها عليهم رحمة وبركة ، فلماذا عيرت عائشة مروان بن الحكم وقالت فيه : ولكن رسول الله ( ص ) لعن أبا مروان ومروان في صلبه ، قالت : فمروان فضض من لعنة الله ) . ( الحاكم : 4 / 481 وصححه على شرط الشيخين ! ) . ولماذا لم يجبها مروان بأن اللعنة امتياز له وبركة !
12 - قال أبو داود في سننه : 2 / 404 : ( عن عمرو بن أبي قرة قال : كان حذيفة بالمدائن فكان يذكر أشياء قالها رسول الله ( ص ) لأناس من أصحابه في الغضب ، فينطلق ناس ممن سمع ذلك من حذيفة فيأتون سلمان فيذكرون له قول حذيفة ، فيقول سلمان : حذيفة أعلم بما يقول ، فيرجعون إلى حذيفة فيقولون له : قد ذكرنا قولك لسلمان فما صدقك ولا كذبك .
فأتى حذيفة سلمان وهو في مَبْقَلة فقال : يا سلمان ما يمنعك أن تصدقني بما سمعت من رسول الله ( ص ) ؟ !
فقال سلمان : إن رسول الله ( ص ) كان يغضب فيقول في الغضب لناس من أصحابه ، ويرضي فيقول في الرضا لناس من أصحابه ! أما تنتهي حتى تورث رجالاً حبَّ رجال ورجالاً بغضَ رجال ، وحتى توقع اختلافاً وفرقة ؟ ولقد علمت أن رسول الله ( ص ) خطب فقال : أيما رجل من أمتي سببته سبَّةً أو لعنته لعنةً في
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 243 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
غضبي فإنما أنا من ولد آدم أغضب كما يغضبون ، وإنما بعثني رحمة للعالمين فاجعلها عليهم صلاة يوم القيامة . والله لتنتهين أو لأكتبن إلى عمر ) . انتهى . ؟ !
فما رأيكم في كشف هذه الرواية عن السبب السياسي الذي دفعهم لوضع أحاديث رفع اللعن ، وإن تحفظنا على قبول ما نسبته إلى سلمان رضي الله عنه .
13 - ما هي أجوبتكم على إشكالاتنا الأربعة ، على رفع اللعن ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 244 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة 146 : زعموا أن النبي صلى الله عليه وآله كان يعمل بالظن وينطق عن الهوى ، وبعكس عمر

أما عمر فيعمل بعلم ويصيب ، ولا ينطق عن الهوى !
عقيدتنا في النبي صلى الله عليه وآله أنه معصومٌ مسددٌ في قوله وفعله ، لا ينطق عن الهوى ولا يفعل عن الهوى . وأن عصمته كاملة شاملة لحياته ، قبل البعثة وبعدها ، في تبليغ الرسالة وغيره ، في الأمور العامة والشخصية .
بينما يرى أتباع قريش أن النبي صلى الله عليه وآله يصيب ويخطئ ! إذ لا تفسير لما زعموه من موافقات عمر إلا أن عمر كان يجتهد فيصيب ، والنبي صلى الله عليه وآله كان يجتهد فيخطئ ، فينزل الوحي مؤيداً لاجتهاد عمر ، مخطئاً للنبي صلى الله عليه وآله !
قال الإمام الصادق عليه السلام لأبي حنيفة كما في الإحتجاج : 2 / 117 : ( تزعم أنك تفتي بكتاب الله ولست ممن ورثه . وتزعم أنك صاحب قياس ، وأول من قاس إبليس لعنه الله ، ولم يُبْنَ دين الإسلام على القياس . وتزعم أنك صاحب رأي ، وكان الرأي من رسول الله صلى الله عليه وآله صواباً ، ومن دونه خطأ ، لأن الله تعالى قال له : لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ . . . ولم يقل ذلك لغيره . . . ) .
وفي الناصريات للشريف المرتضى ص 46 : ( هذه المسألة إنما تتفرع على غير أصولنا ، لأن من أصولنا أن الإمام معصوم ، وأنه لا يحكم بالاجتهاد الذي يجوز أن يقع الخلاف فيه ، بل بالنص والعلم ) .
وفي عدة الأصول للطوسي : 3 / 116 : ( فصل في أن النبي صلى الله عليه وآله هل كان مجتهداً في شئ من الأحكام ، وهل كان يسوغ ذلك له عقلاً أم لا ؟ وأن من غاب عن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 245 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الرسول في حال حياته هل كان يسوغ له الإجتهاد أو لا ؟ وكيف حال من بحضرته في جواز ذلك ؟
إعلم أن هذه المسألة تسقط على أصولنا ، لأنا قد بينا أن القياس والاجتهاد لا يجوز استعمالها في الشرع ، وإذا ثبت ذلك فلا يجوز للنبي صلى الله عليه وآله ذلك ، ولا لأحد من رعيته حاضراً ، كان أو غايباً ، لا حال حياته ولا بعد وفاته ، استعمال ذلك على حال . وأما على مذهب المخالفين لنا في ذلك ، فقد اختلفوا فذهب أبو علي وأبو هاشم إلى أنه لم يتعبد بذلك في الشرعيات ، ولا وقع منه الإجتهاد فيها ، وأوجبا كونه متعبداً بالاجتهاد في الحروب .
وحكي عن أبي يوسف القول بأن النبي صلى الله عليه وآله قد اجتهد في الأحكام .
وذكر الشافعي في كتاب الرسالة ما يدل على أنه يجوز أن يكون في أحكامه ما قاله من جهة الإجتهاد ) .
وفي الصحيح من السيرة : 1 / 219 : ( لقد أظهرت الروايات التي زعموها تاريخاً لرسول الله صلى الله عليه وآله أن النبي يجتهد ويخطئ في اجتهاده ، ويجتهد عمر فيصيب ، فتنزل الآيات لتصوِّب رأي عمر وتخطِّئ النبي صلى الله عليه وآله ، كما زعموه في وقعة بدر الكبرى في قضية فداء الأسرى ، وآية الحجاب وغيرها .
ولأجل ذلك تجدهم يقرون بأن النبي صلى الله عليه وآله يخطئ في اجتهاده ولكن لا يقرر على الخطأ ، ولكن قولهم إنه لا يقرر على خطئه لا يتلاءم مع ما يروونه عنه صلى الله عليه وآله من أخطاء في اجتهاده ، مع عدم صدور رادع عنه ، كما هو الحال في قصة تأبير النخل حيث لم يرد ما يرفع خطأه ووقع الناس نتيجة لذلك في الخسارة والفشل ) .
وعقيدتنا أنه صلى الله عليه وآله إذا أراد أن يعلم شيئاً علمه
في الكافي : 1 / 256 : عن الإمام الباقر عليه السلام قال : ( فقال له حمران : أرأيت قوله جل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 246 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ذكره : عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أحداً ؟ فقال أبو جعفر عليه السلام : إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ ، وكان والله محمدٌ صلى الله عليه وآله ممن ارتضاه . وأما قوله : عالم الغيب ، فإن الله عز وجل عالم بما غاب عن خلقه فيما يقدر من شئ ويقضيه في علمه قبل أن يخلقه وقبل أن يفضيه إلى الملائكة ، فذلك يا حمران علمٌ موقوف عنده ، إليه فيه المشيئة فيقضيه إذا أراد ، ويبدو له فيه فلا يمضيه . فأما العلم الذي يقدِّره الله عز وجل فيقضيه ويمضيه ، فهو العلم الذي انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ، ثم إلينا ) .
وفي الكافي : 1 / 258 : عن الإمام الصادق عليه السلام قال : إذا أراد الإمام أن يعلم شيئاً أعلمه الله ذلك ) . ( ورواه في بصائر الدرجات ص 335 )
وفي الكافي : 1 / 257 : ( عن سدير قال : كنت أنا وأبو بصير ويحيى البزاز وداود بن كثير ، في مجلس أبي عبد الله عليه السلام ، إذ خرج إلينا وهو مغضب ، فلما أخذ مجلسه قال : يا عجباً لأقوام يزعمون أنا نعلم الغيب ، ما يعلم الغيب إلا الله عز وجل ، لقد هممت بضرب جاريتي فلانة فهربت مني ، فما علمت في أي بيوت الدار هي !
قال سدير : فلما أن قام من مجلسه وصار في منزله ، دخلت أنا وأبو بصير ومُيَسَّر وقلنا له : جعلنا فداك سمعناك وأنت تقول كذا وكذا في أمر جاريتك ، ونحن نعلم أنك تعلم علماً كثيراً ، ولا ننسبك إلى علم الغيب .
قال فقال : يا سدير : ألم تقرأ القرآن ؟ قلت : بلى ، قال : فهل وجدت فيما قرأت من كتاب الله عز وجل : قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ . قال قلت : جعلت فداك قد قرأته ، قال : فهل عرفت الرجل ؟ وهل علمت ما كان عنده من علم الكتاب ؟ قال : قلت : أخبرني به ؟
قال : قدر قطرة من الماء في البحر الأخضر ، فما يكون ذلك من علم الكتاب ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 247 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال : قلت جعلت : فداك ما أقل هذا !
فقال : يا سدير : ما أكثر هذا ، أن ينسبه الله عز وجل إلى العلم الذي أخبرك به يا سدير ، فهل وجدت فيما قرأت من كتاب الله عز وجل أيضاً : قُلْ كَفَى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ؟ قال قلت : قد قرأته جعلت فداك قال : أفمن عنده علم الكتاب كله أفهم ، أم من عنده علم الكتاب بعضه ؟
قلت : لا ، بل من عنده علم الكتاب كله . قال : فأومأ بيده إلى صدره وقال : علم الكتاب والله كله عندنا ، علم الكتاب والله كله عندنا ) .
وروى الجميع عن علم الخضر عليه السلام وفراسة المؤمن
والنبي صلى الله عليه وآله أفضل منهما !
في علل الشرائع : 1 / 59 : عن الإمام الصادق عليه السلام في تفسير قوله تعالى : فَوَجَدَا عَبْداً مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا علماً ، قال : قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً ؟ قال له الخضر : إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صبراً ، لأني وكلت بعلم لا تطيقه ووكلت أنت بعلم لا أطيقه . قال موسى له : بل أستطيع معك صبراً ، فقال له الخضر : إن القياس لا مجال له في علم الله وأمره . وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خبراً ؟ قال موسى سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ صابراً وَلا أَعْصِي لَكَ أمراً ، فلما استثنى المشية قبِلَه ، قَالَ فإن اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَئٍْ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً ، فقال موسى : لك ذلك عليَّ ، فانطلقا . . . ) .
وفي منية المريد الشهيد الثاني ص 238 : ( علم الباطن أقوى مرتبة من علم الظاهر وأحوج إلى قوة الجنان وعزيمة الصبر ، فمن ثَمَّ كان موسى عليه السلام محيطاً بعلم الظاهر على حسب استعداده وحاملاً له بقوة ، وخوفه الخضر عليه السلام مع ذلك من عجزه من الصبر على تحمل العلم الباطني ، وحذره من قلة الصبر ، وأراد عليه السلام
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 248 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بهذه المبالغة في نفيه أنه مما يشق تحمله عليك ويعسر تجشمه ، على جهة التأكيد في أمثال هذه الخطابيات ، لا أنه غير مقدور البتة ، وإلا لما قال له موسى عليه السلام بعد ذلك : سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ صابراً ) .
وفي تفسير الميزان : 13 / 342 : ( وأما قوله : وعلمناه من لدنا علماً ، فهو أيضاً كالرحمة التي من عنده علم لا صنع فيه للأسباب العادية كالحس والفكر حتى تحصل من طريق الإكتساب ، والدليل على ذلك قوله : مِنْ لَدُنَّا ، فهو علم وَهْبي غير اكتسابي يختص به أولياءه . وآخر الآيات يدل على أنه كان علماً بتأويل الحوادث ) .
وفي تفسير الميزان : 1 / 38 : ( قال إنك لن تستطيع معي صبراً . يا موسى إني على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه أنت ، وأنت على علم علمك الله لا أعلمه . قال : ستجدني إن شاء الله صابراً ولا أعصي لك أمراً . فانطلقا . . . قال النبي ( ص ) : يرحم الله موسى لوددنا لو صبر حتى يقصَّ علينا من أمرهما ) .
وفي فيض القدير : 2 / 11 : ( آتيناه من لدنا علماً ، مع أن كل علم من لدنه ، لكن بعضها بواسطة تعليم الخلق ، فلا يسمى ذلك علماً لَدُنِياً ، بل العلم اللدني الذي ينفتح في سر العالم من غير سبب مألوف من خارج ) .
وفي فيض القدير : 4 / 510 : ( وقال الإمام مالك : علم الباطن لا يعرفه إلا من عرف علم الظاهر ، فمتى عَلِمَ الظاهر وعمل به فتح الله عليه علم الباطن ، ولا يكون ذلك إلا مع فتح قلبه وتنويره . وقال عليه السلام : ليس العلم بكثرة الرواية ، إنما العلم نور يقذفه الله في القلب ، يشير إلى علم الباطن ) .
وفي فيض القدير : 1 / 186 : ( قوله : فإنه ينظر بنور الله عز وجل ، أي يبصر بعين قلبه المشرق بنور الله تعالى ، وباستنارة القلب تصح الفراسة ، لأنه يصير بمنزلة المرآة التي تظهر فيها المعلومات كما هي ، والنظر بمنزلة النقش فيها .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 249 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال بعضهم : من غضَّ بصره عن المحارم ، وكفَّ نفسه عن الشهوات ، وعَمَرَ باطنه بالمراقبة ، وتعود أكل الحلال ، لم تخطئ فراسته .
قال ابن عطاء الله : واطلاع بعض الأولياء على بعض الغيوب جائز وواقع ، لشهادته له بأنه إنما ينظر بنور الله لا بوجود نفسه . انتهى . . . وقد قال علي كرم الله وجهه لأهل الكوفة : سينزل بكم أهل بيت رسول الله ( ص ) فيستغيثون بكم فلا يغاثوا ، فكان منهم في شأن الحسين . . . ) .
وفي تفسير القرطبي : 11 / 16 : ( وعلمناه من لدنا علماً ، أي علم الغيب .
ابن عطية : كان علم الخضر علم معرفة بواطن قد أوحيت إليه ، لا تعطي ظواهر الأحكام أفعاله بحسبها ، وكان علم موسى علم الأحكام والفتيا بظاهر أقوال الناس وأفعالهم ) .
وقال الزركشي في البرهان : 4 / 290 : ( وعلمناه من لدنا علماً ، أي من العلم الخاص بنا وهو علم الغيب ) .
وفي فتح القدير الشوكاني : 3 / 299 : ( وهو ما علمه الله سبحانه من علم الغيب الذي استأثر به , وفي قوله من لدنا تفخيم ) .
وفي بصائر الدرجات ص 375 : ( عن أبي جعفر عليه السلام قال رسول الله صلى الله عليه وآله : اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله ) . انتهى .
وقال عنه في مجمع الزوائد : 10 / 268 : ( رواه الطبراني وإسناده حسن ) .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 250 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ومع ذلك زعموا أن النبي صلى الله عليه وآله كان يعمل بظنونه ويخطئ !
قال الجصاص في أحكام القرآن : 2 / 349 : ( قوله تعالى : إنا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ . . الآية . فيه إخبار أنه أنزل الكتاب ليحكم بين الناس بما عرفه الله من الأحكام والتعبد . . . ربما احتج به من يقول إن النبي ( ص ) لم يكن يقول شيئاً من طريق الإجتهاد ، وأن أقواله وأفعاله كلها كانت تصدر عن النصوص وأنه كقوله تعالى : وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحيٌ يوحى . وليس في الآيتين دليل على أن النبي لم يكن يقول شيئاً من طريق الإجتهاد ، وذلك لأنا نقول ما صدر عن اجتهاد فهو مما أراه الله وعرفه إياه ومما أوحى به إليه أن يفعله فليس في الآية دلالة على نفي الإجتهاد عن النبي ( ص ) في الأحكام ) . انتهى .
أقول : إذا أردت أن تفهم كلام الجصاص وغيره في الموضوع ، فعليك أن تضع بدل كلمة الإجتهاد : الظن والقياس . فمقصوده من قوله : ( لأنا نقول ما صدر عن اجتهاد فهو مما أراه الله وعرفه إياه ) ، أن الله تعالى يُرِي نبيه الحكم علماً أحياناً ويأمره بالعمل به ، فيعمل بعلم ولا يخطئ ، ويريه الحكم ظناً أحياناً أخرى ويأمره بالعمل به ، فيعمل بالظن ويخطئ ! !
فأي إراءة هذه ؟ ! وهل يبقى قيمة لقوله تعالى : لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ . .
وهل تبقى ميزة للرسول صلى الله عليه وآله عن غيره من أهل العلم والإصابة أحياناً ، وأهل الظن والخطأ أخرى ؟ !
وبعد أن خرَّب الجصاص آية : لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ ، عمد إلى آية ( وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ، إِنْ هُوَ إلا وَحْيٌ يُوحَى ) فحاول تخريبها بجرأة فاضحة ! !
قال في الفصول : 3 / 243 : ( فأما قوله تعالى : وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ، إِنْ هُوَ إلا وَحْيٌ يُوحَى ، فإن فيه جوابين : أحدهما ، أنه أراد القرآن نفسه ، لأنه قال تعالى : والنجم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 251 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إذا هوى ، قيل في التفسير : معناه القرآن إذا تزل .
والوجه الثاني ، أن الإجتهاد لما كان مصدره عن الوحي لأن الله قد أمر به ، فدل على أنه جاز أن يقال : إن ما أداه إليه اجتهاد فهو عن وحي ، لأنه قد أوحى إليه باستعمال الإجتهاد ) . انتهى .
ومعنى كلامه أن الذي لا ينطق عن الهوى هو القرآن ، وليس الرسول صلى الله عليه وآله !
وإن أبيتَ إلا أن يكون الرسول صلى الله عليه وآله ويكون نطقه وحياً يوحى ، فإن ظنونه الخاطئة واجتهاداته وحيٌ ، لأن الله أوحى اليه أن إعمل بظنونك ! !
فهذا هو المعنى الوحيد لقوله : ( إن ما أداه إليه اجتهاد فهو عن وحي لأنه قد أوحى إليه باستعمال الإجتهاد ) ! فالمهم عنده أن يثبت أن النبي صلى الله عليه وآله يعمل بالظن ويقع في الخطأ ، ليبرر عمل خلفاء قريش بظنونهم ! ! ولا حول ولا قوة إلا بالله !
وفي شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 14 / 194 : ( أو بوجه آخر ، وهو أن نجيز للنبي ( ص ) الإجتهاد في الأحكام الشرعية ، كما يذهب إليه كثير من شيوخنا ، وهو مذهب القاضي أبي يوسف ، صاحب أبي حنيفة ) . انتهى .
وهو يدل على أن كثيراً من شيوخ المعتزلة وافقوا عامة شيوخ الأشاعرة ، في أن النبي صلى الله عليه وآله كان يضع أحكام الشريعة ويبلغها للمسلمين باجتهاده ، أي بظنونه بغير علم جاءه من الله تعالى ، أو بظن جاءه من الله تعالى !
أما إمام الأشاعرة الفخر الرازي فقد اتبع شيوخه وقال إن النبي صلى الله عليه وآله كان يعمل باجتهاده وظنه في تشريع الأحكام ويبلغها للمسلمين ! وحاول أن يخفف من وقع ذلك على فطرة المسلم وصفاء عقله ، وعقيدته بنبيه صلى الله عليه وآله !
قال في المحصول : 6 / 7 ، في أدلة القائلين بأن النبي صلى الله عليه وآله كان يعمل القياس الظني : ( أما المثبتون فقد احتجوا بأمور :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 252 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أحدها ، عموم قوله تعالى : فاعتبروا يا أولي الأبصار ، وكان عليه الصلاة والسلام أعلى الناس بصيرة ، وأكثرهم إطلاعاً على شرائط القياس وما يجب ويجوز فيها ، وذلك إن لم يرجح دخوله في هذا الأمر على دخول غيره ، فلا أقل من المساواة فيكون مندرجاً تحت الآية ، فكان مأموراً بالقياس فكان فاعلاً له ، وإلا قدح في عصمته ) ! انتهى .
وهذا قمة ما وصل اليه علماء السلطة في تبرير ظنون خلفائهم وتلبيسها ثوباً شرعياً ، أن يجعلوا عمل النبي صلى الله عليه وآله بظنونه فريضة عليه ، ( وإلا قدح في عصمته ) ! !
ثم حاول الرازي أن يرقع ذلك بأن أصول الأحكام نزلت على النبي صلى الله عليه وآله بعلم ، لكن تفاصيلها وضعها بالظن ! قال في المحصول : 6 / 9 : ( قلت : الجواب عن الأول أن ذلك غير ممكن ، لأن العمل بالاجتهاد مشروط بالنص على أحكام الأصول ، وإذا كان كذلك تعذر العمل في كل الشرع بالاجتهاد ) . انتهى .
فقد تفضل الرازي بالقول إن أصول أحكام الشريعة وكلياتها نزلت من الله تعالى ، فبنى عليها النبي صلى الله عليه وآله بظنونه وبلغها للمسلمين على أنها شريعة الله تعالى ! !
ولنا أن نسأله : هل تعرف تلك الأصول ، وكم تبلغ من مجموع الشريعة ؟ !
ثم قلد الرازي إمامه الجصاص وحاول تخريب آية : وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى . . . فرد من استدل بها على عدم النبي صلى الله عليه وآله بظنونه ! قال في محصوله : 6 / 12 : ( والجواب عن الأول : أن الله تعالى متى قال له : مهما ظننت كذا فاعلم أن حكمي كذا ، فها هنا العمل بالظن عملٌ بالوحي لا بالهوى ) . انتهى .
فالمطلوب عند هؤلاء تبرير عمل زعماء قريش بظنونهم ، بالغاً ما بلغ ذلك من اتهام النبي صلى الله عليه وآله والشريعة ، وحتى الوحي والموحي سبحانه وتعالى ! !
قال النووي في شرح مسلم : 11 / 55 : ( قوله : قلت يا رسول الله كيف أقضي في مالي ؟ فلم يرد عليَّ شيئاً حتى نزلت آية الميراث : قل الله يفتيكم في الكلالة . . .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 253 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد يستدل بهذا الحديث من لا يجوِّز الإجتهاد في الأحكام للنبي صلى الله عليه وآله ، والجمهور على جوازه ، وقد سبق بيانه مرات ، ويتأولون هذا الحديث وشبهه على أنه لم يظهر له بالاجتهاد شئ ، فلهذا لم يردَّ عليه شيئاً رجاء أن ينزل الوحي ) !
وقال ابن حجر في فتح الباري : 13 / 247 : ( ونقل ابن التين عن الداودي ما حاصله : أن الذي احتج به البخاري لما ادعاه من النفي حجة في الإثبات ، لأن المراد بقوله بما أراك الله ليس محصوراً في المنصوص ، بل فيه إذن في القول بالرأي . ثم ذكر قصة الذي قال إن امرأتي ولدت غلاماً أسود ، قال : هل لك من إبل ، إلى أن قال : فلعله نزعه عرق ، وقال لما رأى شبهه بزمعة : احتجبي منه يا سودة . ثم ذكر آثاراً تدل على الإذن في القياس ، وتعقبها ابن التين بأن البخاري لم يرد النفي المطلق ، وإنما أراد أنه ( ص ) ترك الكلام في أشياء ، وأجاب بالرأي في أشياء ، وقد بوَّب لكل ذلك بما ورد فيه . وأشار إلى قوله بعد بابين ، باب من شبَّه أصلاًً معلوماً بأصل مبين ، وذكر فيه حديث : لعله نزعه عرق ، وحديث : فدين الله أحق أن يقضي ، وبهذا يندفع ما فهمه المهلب والداودي . . .
وقد ذكر الشافعي المسألة في الأم وذكر أن حجة من قال أنه لم يسن شيئاً إلا بأمر هو على وجهين : أما بوحي يتلى على الناس ، وأما برسالة عن الله أن افعل كذا . قال الله تعالى : وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة . . الآية ، فالكتاب ما يتلى والحكمة السنة ، وهو ما جاء به عن الله بغير تلاوة . . .
ثم ذكر الشافعي أن من وجوه الوحي ما يراه في المنام ، وما يلقيه روح القدس في روعه ، ثم قال : ولا تعدوا السنن كلها واحداً من هذه المعاني التي وصفت .
واحتج من ذهب إلى أنه كان يجتهد بقول الله تعالى : فاعتبروا يا أولي الأبصار ، والأنبياء أفضل أولي الأبصار ، ولما ثبت من أجر المجتهد ومضاعفته والأنبياء أحق بما فيه جزيل الثواب .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 254 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم ذكر ابن بطال أمثلة مما عمل فيه ( ص ) بالرأي من أمر الحرب ، وتنفيذ الجيوش ، وإعطاء المؤلفة ، وأخذ الفداء من أسارى بدر . واستدل بقوله تعالى : وشاورهم في الأمر ، وقال : ولا تكون المشورة إلا فيما لا نص فيه .
واحتج الداودي بقول عمر : إن الرأي كان من رسول الله . . . واحتج بن عبد البر لعدم القول بالرأي بما أخرجه من طريق بن شهاب : إن عمر خطب فقال : يا أيها الناس إن الرأي إنما كان من رسول الله ( ص ) مصيبا لأن الله عز وجل يريه ، وإنما هو منا الظن والتكلف . وبهذا يمكن التمسك به لمن يقول كان يجتهد لكن لا يقع فيما يجتهد فيه خطأ أصلاًً ، وهذا في حقه صلى الله عليه وسلم . . . ) .
وقال الشافعي في كتاب الأم : 4 / 149 : ( من قتل قتيلاً فله سلبه . وذهب بعض أصحابنا إلى أن هذا من الإمام على وجه الإجتهاد ، وهذا من النبي ( ص ) عندنا حكم ، وقد أعطى النبي السلب للقاتل في غير موضع ) . انتهى .
وقال الشيرازي في اللمع في أصول الفقه ص 367 : ( وقد كان يجوز لرسول الله ( ص ) أن يحكم في الحوادث بالاجتهاد . . . ومن أصحابنا من قال ما كان يجوز عليه الخطأ ، وهذا خطأ ، لقوله تعالى : عفا الله عنك لم أذنت لهم ، فدل على أنه أخطأ ولأن من جاز عليه السهو والنسيان جاز عليه الخطأ كغيره ) .
وقال الآمدي في الإحكام : 4 / 216 : ( أما الكتاب فقوله تعالى : عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين ، وذلك يدل على خطئه في إذنه لهم . وقوله تعالى في المفاداة في يوم بدر : ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض . . إلى قوله تعالى : لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ، حتى قال النبي عليه السلام : لو نزل من السماء عذاب لما نجا منه إلا عمر ، لأنه كان قد أشار بقتلهم ونهى عن المفاداة ، وذلك دليل على خطئه في المفاداة ! وقوله تعالى : إنما أنا بشر مثلكم ، أثبت المماثلة بينه وبين غيره ، وقد جاز الخطأ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 255 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
على غيره ، فكان جائزاً عليه ، لأن ما جاز على أحد المثلين يكون جائزاً على الآخر . وأما السنة ، فما روي عن النبي عليه السلام ، أنه قال : إنما أحكم بالظاهر ، وإنكم لتختصمون إليَّ ولعل أحدكم ألحنُ بحجته من بعض ، فمن قضيتُ له بشئ من مال أخيه فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار . وذلك يدل على أنه قد يقضي بما لا يكون حقاً في نفس الأمر . وأيضاً ما روي عنه ، عليه السلام ، أنه قال : إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني . وأيضاً ما اشتهر عنه عليه السلام ، من نسيانه في الصلاة وتحلله عن ركعتين في الرباعية ، في قصة ذي اليدين ، وقول ذي اليدين : أقصَّرْتَ الصلاة أم سهوتَ ؟ فقال النبي عليه السلام : أحقٌّ ما يقول ذو اليدين ؟ فقالوا : نعم ) .
وفي أصول السرخسي : 2 / 90 : ( وأصح الأقاويل عندنا أنه عليه السلام فيما كان يبتلى به من الحوادث التي ليس فيها وحي منزل ، كان ينتظر الوحي إلى أن تمضي مدة الانتظار ، ثم كان يعمل بالرأي والاجتهاد ويبين الحكم به ، فإذا أقر عليه كان ذلك حجة قاطعة للحكم ) . انتهى .
ثم ذكر السرخسي أخطاء النبي صلى الله عليه وآله المزعومة في أسارى بدر ، ومشورته أصحابه يوم الخندق ، ونهيه عن تلقيح النخل حتى خرج شيصاً . . . وقال : ( فتبين أن الرأي منه كالرأي من غيره في احتمال الغلط ) . وذكر نحوه في : 16 / 69 ، ونحوه الشوكاني في نيل الأوطار : 1 / 128 ، وابن حجر في الفتح : 3 / 313 ، و : 9 / 381 ، و : 13 / 248 ، وغيرها ! !
أقول :
إن المتأمل في آراء أئمة مذاهب الخلافة ، يدرك كم هي المأساة في التنقيص من شخصية رسول الله صلى الله عليه وآله ومن قدر الإسلام الذي أنزله الله تعالى ! كل ذلك من أجل تبرير عمل أشخاص وصلوا إلى السلطة بالقوة ، ولم يكن عندهم علم ، فعملوا بظنونهم وفرضوها على المسلمين ، ووظفوا علماء يبررون لهم ظنونهم ، باتهام النبي صلى الله عليه وآله بأنه كان مثلهم يعمل بظنونه فيخطئ ويصيب ! !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 256 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأسئلة
1 - لماذا لا تقولون بالعصمة الشاملة للنبي صلى الله عليه وآله والله تعالى يقول : ( وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ، إِنْ هُوَ إلا وَحْيٌ يُوحَى ) ، فإن تسديد الله لمنطق نبيه صلى الله عليه وآله فلا ينطق عن الهوى ، يستلزم تسديد فعله فلا يفعل عن الهوى ؟ !
2 - كيف تفسرون قوله تعالى : ( عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أحداً . إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فإنه يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا . لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا ) . ( سورة الجنّ : 26 - 28 )
فهل كان نبينا صلى الله عليه وآله من هؤلاء الرسل ؟ وما دام سَلَكَ من بين يديه ومن خلفه رصداً يسددون منطقه وعمله فكيف تقبلون ما نسبه اليه البخاري وعائشة وغيرهما ؟ !
3 - لماذا تخالفون البخاري في قوله في صحيحه : 8 / 148 : ( باب ما كان النبي ( ص ) يسأل مما لم ينزل عليه الوحي فيقول لا أدري ، أو لم يجب حتى ينزل عليه الوحي ، ولم يقل برأي ولا قياس ، لقوله تعالى : بما أراك الله ) .
ولماذا ناقض هو نفسه بالطامات التي نسبها إلى النبي صلى الله عليه وآله ؟ !
4 - لماذا تخالفون قول عمر : ( إن الرأي إنما كان من رسول الله ( ص ) مصيباً ، لأن الله كان يريه ، وإنما هو منا الظن والتكلف ) . ( سنن أبي داود : 2 / 161 )
ولماذا ناقض هو نفسه فاعترض على رسول الله صلى الله عليه وآله ونسب اليه الخطأ في أسرى بدر وغيرها ، وادعى أنه هو أصاب وأن الوحي نزل بموافقته !
وإذا كان تسديد الله لنبيه صلى الله عليه وآله في القضاء بين الناس فقط ، فقد قضى النبي صلى الله عليه وآله بينهم بالتسوية في العطاء ، فلماذا خالفه عمر وميَّز بينهم في العطاء ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 257 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
5 - كيف تجمعون بين قوله تعالى : ( إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ . . ) وبين رواية البخاري : 8 / 62 : ( عن أم سلمة عن النبي ( ص ) قال : إنما أنا بشر وإنكم تختصمون ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض وأقضي له على نحو ما أسمع . فمن قضيت له من حق أخيه شيئاً فلا يأخذ فإنما أقطع له قطعة من النار ) . ؟ !
6 - المعروف أن الإجتهاد هو بذل الجهد لمعرفة الشئ ، وأن نتيجته ظنية ، فقولكم إن النبي صلى الله عليه وآله كان يجتهد يعني أنه كان يعمل بظنه !
فهل توافقون على تحريف الجصاص لمعنى اجتهاد النبي صلى الله عليه وآله بقوله : ( وليس في الآيتين ( يقصد بما أراك الله . . وما ينطق عن الهوى ) دليلٌ على أن النبي ( ص ) لم يكن يقول شيئاً من طريق الإجتهاد ، وذلك لأنا نقول : ما صدر عن اجتهاد فهو مما أراه الله وعرفه إياه ) ؟ !
وهل توافقون على ما نسبت رواياتكم إلى النبي صلى الله عليه وآله : ( فإني إنما ظننت ظناً فلا تؤاخذوني بالظن ) ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 258 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة 147 : زعموا أن النبي صلى الله عليه بأنه ساذج ، لم يسمع بتلقيح النخل فنهاهم عنه وخرَّب الموسم !

رغم الآيات الصريحة ، والأحاديث الصحيحة ، ورغم تصريح عمر نفسه بأن رأي النبي صلى الله عليه وآله إلهامٌ من الله تعالى ، فقد تبنوا مقولة أن النبي صلى الله عليه وآله مجرد مجتهد ، في القضاء وغيره ! وأنه ما لم ينصَّ على أن هذا الحكم من عند الله تعالى ، فهو اجتهاد منه وظن ، جائز أن يكون صلى الله عليه وآله فيه مخطئاً ، وغيره مصيباً !
والسبب في ذلك هو الرغبة القرشية القوية في الحد من مكانة النبي صلى الله عليه وآله ، وهيمنة سنته وسيرته على المجتمع ، وسحب الحجة التي يحتج بها المعترضون على الخليفة والناقدون لسياسته !
فكان لابد عند منظِّري الخلافة القرشية من توجيه ضربة لعصمة عمل النبي صلى الله عليه وآله ومنطقه ، ونشر مقولة إنه بشر وإنه كثيراً ما كان يخطئ !
ففي صحيح مسلم : 7 / 95 : ( عن موسى بن طلحة عن أبيه قال : مررت مع رسول الله ( ص ) بقوم على رؤس النخل ، فقال : ما يصنع هؤلاء ؟ فقالوا يلقحونه يجعلون الذكر في الأنثى فيتلقح ، فقال رسول الله ( ص ) : ما أظن يغني ذلك شيئاً . قال : فأخبروا بذلك فتركوه ، فأخبر رسول الله ( ص ) بذلك فقال : إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه ، فإني إنما ظننت ظناً ، فلا تؤاخذوني بالظن ، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئاً فخذوا به ، فإني لن أكذب على الله عز وجل ) .
وفي سنن ابن ماجة : 2 / 825 : ( موسى بن طلحة بن عبيد الله يحدث عن أبيه ، قال : مررت مع رسول الله ( ص ) في نخل ، فرأى قوماً يلقحون النخل . فقال : ما يصنع
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 259 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
هؤلاء ؟ قالوا : يأخذون من الذكر فيجعلونه في الأنثى قال : ما أظن ذلك يغني شيئاً فبلغهم فتركوه ، فنزلوا عنها . فبلغ النبي ( ص ) فقال : إنما هو الظن ، إن كان يغني شيئاً فاصنعوه ، فإنما أنا بشر مثلكم ، وإن الظن يخطئ ويصيب ، ولكن ما قلت لكم قال الله ، فلن أكذب على الله .
وعن عائشة ، أن النبي ( ص ) سمع أصواتاً فقال : ما هذا الصوت ؟ قالوا : النخل يؤبرونها . فقال : لو لم يفعلوا لصَلُح ، فلم يؤبروا عامئذ فصار شيصاً ! !
فذكروا للنبي ( ص ) فقال : إن كان شيئاً من أمر دنياكم فشأنكم به ، وإن كان من أمور دينكم ، فإليَّ ) .
قال النووي في المجموع : 11 / 353 : ( أبصر النبي ( ص ) الناس يلقحون النخل فقال : ما للناس ؟ قالوا : يلقحون ، فقال : لا لقاح ! أو لا أرى اللقاح يغني شيئاً ، قال : فتركوا اللقاح ، فخرج تمر الناس شيصاً ، فقال النبي ( ص ) : ما شأنه ؟ قالوا : كنت نهيت عن اللقاح ! ! فقال : ما أنا بزارع ولا صاحب نخل ، لقحوا ! ! أورد أبو بكر محمد بن موسى الحازمي هذا الحديث في كتابه الناسخ والمنسوخ ، لتضمنه النهي عن اللقاح ثم الإذن فيه ! ونقل عن بعضهم أن قوله : لا لقاح ، صيغة تدل على النهي ، وأن للشارع أن يتحكم في أفعال العباد كيف أراد ! ولهذا قالوا للنبي ( ص ) : كنتَ نهيتَ عن اللقاح ، ولم ينكر عليهم !
ومال الحازمي إلى أن ذلك ليس بحكم شرعي ، ولقوله في رواية أخرى : إنما ظننت ظناً فلا تؤاخذوني بالظن ، ولكن إذا حدثتكم عن الله تعالى شيئاً فخذوا به ، فإنني لن أكذب على الله . ثم قال الحازمي : وعلى الجملة الحديث يحتمل كلا المذهبين ، ولذلك أبقينا يعني في الناسخ والمنسوخ ) . !
وقال النووي في شرح مسلم : 15 / 116 : ( وجوب امتثال ما قاله شرعاً دون ما
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 260 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ذكره ( ص ) من معايش الدنيا على سبيل الرأي ، فيه حديث إبار النخل وأنه ( ص ) قال : ( ما أظن يغني ذلك شيئاً فخرج شيصاً فقال : إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه فإني إنما ظننت ظناً فلا تؤاخذوني بالظن ، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئاً فخذوا به . وفي رواية : إذا أمرتكم بشئ من دينكم فخذوا به ، وإذا أمرتكم بشئ من رأي فإنما أنا بشر . وفي رواية : أنتم أعلم بأمر دنياكم .
قال العلماء : قوله ( ص ) : من رأيي ، أي في أمر الدنيا ومعايشها ، لا على التشريع . فأما ما قاله باجتهاده ( ص ) ورآه شرعاً يجب العمل به ، وليس إبار النخل من هذا النوع ، بل من النوع المذكور قبله .
مع أن لفظة الرأي إنما أتى بها عكرمة على المعنى ، لقوله في آخر الحديث قال عكرمة : أو نحو هذا ، فلم يخبر بلفظ النبي ( ص ) محققاً .
قال العلماء : ولم يكن هذا القول خبراً ، وإنما كان ظناً كما بينه في هذه الروايات قالوا : ورأيه ( ص ) في أمور المعايش وظنه كغيره ، فلا يمتنع وقوع مثل هذا ، ولا نقص في ذلك ، وسببه تعلق همهم بالآخرة ومعارفها . والله أعلم .
قوله يلقحونه ، بمعنى يؤبِّرون في الرواية الأخرى ، ومعناه إدخال شئ طلع الذكر في طلع الأنثى فتعلق باذن الله . . .
قوله : فخرج شيصاً ، هو بكسر الشين المعجمة وإسكان الياء المثناة تحت وبصاد مهملة ، وهو البسر الردئ الذي إذا يبس صار حشفاً ، وقيل : أردأ البسر ، وقيل : تمر ردئ ، وهو متقارب ) . انتهى .
أقول : يظهر أن ما ذكره النووي من ( وجوب امتثال ما قاله شرعاً دون ما ذكره ( ص ) من معايش الدنيا على سبيل الرأي ) هو عنوان باب في صحيح مسلم ، وهو جرأة عجيبة على الطعن في النبي صلى الله عليه وآله بأنه ساذج ، ولواذٌ في مخالفة أوامره !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 261 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
واعجب ما شئت من تبرير النووي لسذاجة النبي صلى الله عليه وآله وعدم ثقافته في أمور الدنيا ، بقوله : ( وسببه تعلق همهم بالآخرة ومعارفها ) ! ! فكأن اهتمامه صلى الله عليه وآله بالآخرة يمنعه من فهم أمور الدنيا ، ويجعله جاهلاً بليداً لا يعرف أن النخل يحتاج إلى تلقيح ! ثم يجعله فضولياً ، يتدخل فيما لا يعرفه !
ثم أعجب من قوله : ( قال العلماء . . قال العلماء ) دون أن يذكر من هم هؤلاء ( العلماء ) الذين قالوا ما دام النبي صلى الله عليه وآله يقول بظنونه فلا تجب علينا طاعته حتى نعلم علم اليقين أنها عن الله تعالى !
أما المناوي فزعم أن كل نبي ساذج في أمور الدنيا !
قال في فيض القدير : 3 / 66 : ( قال بعضهم : فبيَّن بهذا أن الأنبياء عليهم السلام وإن كانوا أحذق الناس في أمر الوحي والدعاء إلى الله تعالى ، فهم أسرج الناس قلوباً من جهة أحوال الدنيا ، فجميع ما يشرعونه إنما يكون بالوحي وليس للأفكار عليهم سلطان ) . انتهى .
وليت المناوي ومن يصدقه من أتباع الخلافة القرشية ، يشرحون لنا معادلتهم في حذاقة الأنبياء عليهم السلام وذكائهم في أمور الآخرة ، وسراجتهم وبلاهتهم في أمور الدنيا ! وليتهم يصارحون المسلمين بأن نبيكم صلى الله عليه وآله ما دام بلغ القمة في الحذاقة في أمر الوحي والدعاء إلى الله تعالى ، فلا بد أن يبلغ الدرك الأسفل في الجهل بأمور الدنيا ، كجهله بحاجة النخل إلى تلقيح ، والزرع إلى حراثة !
وتفضل الشعراوي على نبينا صلى الله عليه وآله بأن ثقافته تحسنت عندما كبر !
قال في العهود المحمدية ص 114 : ( فإذا عزمت ، على أمر ، يعني على فعل ما أشاروا عليك به . فتوكل على الله ، لا على مشورتهم . على أنه لا يقدح في كماله
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 262 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
( ص ) عدم التفاته إلى أمور الدنيا ، كما قال في مسألة تأبير النخل :
أنتم أعلم بأمور دنياكم . يعني التي لا وحي عندي من الله فيها ، فافهم . قال بعض العارفين : ولم يمت ( ص ) حتى صار أعلم الناس بأمور الدنيا ) .
ولم يبين الشعراوي كيف أكمل النبي صلى الله عليه وآله تعلم أمور الدنيا قبل أن يموت ؟ وعندَ من دَرَسَ ، وفي أي سنٍّ أكمل تعليمه ما دام كان ساذجاً وهو ابن ثلاث وخمسين سنة ، لا يعرف حاجة النخل إلى تلقيح رغم هجرته وعيشه في المدينة ، ورغم بعثته رسولاً ومعلماً للعالمين ؟
ولو سلمنا معهم أنه صلى الله عليه وآله كان ساذجاً جاهلاً بأمور أولية في حياة الإنسان العادي فهلاَّ علَّمه ربه أن يستر على جهله ولا يفضح نفسه بالتدخل فيما يجهله ! وهلاَّ منعه من الإضرار بالناس وتخريب موسمهم ؟ !
وافتروا على النبي صلى الله عليه وآله أنه استقبح التأبير لأنه عملية جنسية !
نعم بلغ بهم الأمر هذا الحد ! فهذا السرخسي يقول في مبسوطه : 23 / 109 :
( ثم ما يذكر من التلقيح في النخل أنواع معلومة عند أرباب النخيل ، منها ما يشترى فيدق ويذرُّ على مواضع معلومة من النخيل ، ومنها ما يوجد من فحولة النخل ، مما يشبه الذكر من بني آدم ثم يشق النخلة التي تحمل ، فيغرز ذلك فيها على صورة الوطأ بين الذكور والإناث . ولمَّا رأى رسول الله ( ص ) هذا النوع من أهل المدينة فاستقبحه ونهاهم عن ذلك ، فأحشفت النخل في تلك السنة ! فقال : عهدي بثمار نخيلكم على غير هذه الصفة ! قالوا : نعم وإنما كانت تجيد الثمار بالتلقيح ، فانتهينا إذ منعتنا فأحشفت ! فقال عليه الصلاة والسلام : إذا أتيتكم بشئ من أمر دينكم فاعملوا به ، وإذا أتيتكم بشئ من أمور دنياكم فأنتم أبصر بدنياكم ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 263 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال السرخسي في كتاب أصوله : 2 / 92 : ( ولما قدم المدينة استقبح ما كانوا يصنعونه من تلقيح النخيل فنهاهم عن ذلك فأحشفت وقال : عهدي بثماركم بخلاف هذا ؟ فقالوا : نهيتنا عن التلقيح ، وإنما كانت جودة الثمر من ذلك ! قال : أنتم أعلم بأمر دنياكم وأنا أعلم بأمر دينكم . فتبين أن الرأي منه كالرأي من غيره في احتمال الغلط ) ! ! انتهى .
* *
أقول : ما هو جواب السرخسي الفقيه الأصولي ومن يقلده ، إذا سألهم أحد : كيف تقبلون هذا الحديث المخالف للقرآن والعقل ؟ فهل من الخُلق العظيم ما فعله النبي صلى الله عليه وآله بموسم نخل المدينة ؟ ! وهل تعرفون أن التمر عصب اقتصاد المدينة يومذاك كموسم القطن في ساحل مصر وموسم الحنطة في سَرَخْس ؟ فهل يعقل أن يكون أهل المدينة ساذجين ، فيقبلوا بعدم تلقيح نخلهم وخسارة موسمهم ؟ !
وهل يعقل أن تكون هذه الحادثة حصلت في المدينة وخرَّبت موسمها ، ولم ينتشر خبرها ، ولم يسمِّ الناس عامها ( عام الشيص ) أو ( عام اجتهاد النبي ) ! ولم يرفعها اليهود والمشركون علماً للتشنيع على النبي صلى الله عليه وآله والإسلام ، ولم تصل الينا إلا برواية تيميين هما موسى بن طلحة وعائشة ؟ ! !
وأخيراً ، زعمتم أن النبي صلى الله عليه وآله يخطئ ويعصي ربه ، لكن الله تعالى لا يقره على الخطأ ، فأين تنبيه الله نبيه على هذا الخطأ ، ونهيه له عن الإضرار بالمؤمنين ؟ !
وزعمَ رواة قريش أن النبي صلى الله عليه وآله لم يفهم آيات زوجية النبات !
قال الله تعالى : ( وَآيَةٌ لَهُمُ الأرض الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأكُلُونَ وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ . لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أيديهم أَفَلا يَشْكُرُونَ . سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأرض وَمِنْ أنفسهم وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ ) . ( سورة يس : 33 - 36 )
ج
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 264 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال تعالى : ( وَالأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ . وَمِنْ كُلِّ شَئٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) . ( الذاريات : 48 - 49 )
وقال تعالى : ( وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأرض وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ . ( الرعد : 3 )
هذه الآيات من ثلاث سور ، وقد نزلت سورتا ياسين والذاريات في مكة ، ونزلت سورة الرعد في المدينة ، وقد بينها الله لنبيه صلى الله عليه وآله وفهمها وقرأها على الناس ، وهي صريحة في شمول نظام الزوجية لكل ما تنبت الأرض ؟
فهل نسيها النبي صلى الله عليه وآله عندما كان ذاهباً مع طلحة ورأى العمال يلقحون النخل ، فدهش لفعلهم ، واستقبح عمليتهم ونهاهم عنها ؟ ! !
اللهم غفرانك ، فقد كذبت قريش على نبيك صلى الله عليه وآله في حياته حتى قام خطيباً محذراً ، وتفاقم كذبها عليه بعد وفاته !
في الكافي : 1 / 62 : عن سليم بن قيس الهلالي : ( قلت لأمير المؤمنين عليه السلام : إني سمعت من سلمان والمقداد وأبى ذر شيئاً من تفسير القرآن وأحاديث عن نبي الله صلى الله عليه وآله غير ما في أيدي الناس ، ثم سمعت منك تصديق ما سمعت منهم ، ورأيت في أيدي الناس أشياء كثيرة من تفسير القرآن ومن الأحاديث عن نبي الله صلى الله عليه وآله أنتم تخالفونهم فيها ، وتزعمون أن ذلك كله باطل ، أفترى الناس يكذبون على رسول الله صلى الله عليه وآله متعمدين ، ويفسرون القرآن بآرائهم ؟ !
قال : فأقبل عليَّ فقال : قد سألت فافهم الجواب : إن في أيدي الناس حقاً وباطلاً وصدقاً وكذباً ، وناسخاً ومنسوخاً ، وعاماً وخاصاً ، ومحكماً ومتشابهاً ، وحفظاً ووهماً ، وقد كُذِبَ على رسول الله صلى الله عليه وآله على عهده حتى قام خطيباً فقال : أيها الناس قد كثرت عليَّ الكذابة ، فمن كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار ، ثم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 265 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كذب عليه من بعده . وإنما أتاكم الحديث من أربعة ليس لهم خامس :
رجل منافق يظهر الإيمان ، متصنع بالإسلام لا يتأثم ولا يتحرج أن يكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله متعمداً ، فلو علم الناس أنه منافقٌ كذاب ، لم يقبلوا منه ولم يصدقوه ، ولكنهم قالوا هذا قد صحب رسول الله صلى الله عليه وآله ورآه وسمع منه ، وأخذوا عنه ، وهم لا يعرفون حاله ، وقد أخبره الله عن المنافقين بما أخبره ووصفهم بما وصفهم ، فقال عز وجل : وإذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ، ثم بقوا بعده فتقربوا إلى أئمة الضلالة والدعاة إلى النار ، بالزور والكذب والبهتان فولوهم الأعمال ، وحملوهم على رقاب الناس ، وأكلوا بهم الدنيا ، وإنما الناس مع الملوك والدنيا إلا من عصم الله ، فهذا أحد الأربعة . . . الخ . ) .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 266 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأسئلة
1 - هل تقبلون حديث التأبير مع أن النبي صلى الله عليه وآله كان أذكى الناس ، وكان رسولاً ومعلماً للعالمين ، فكيف لم يكن يعرف أن النخل يحتاج إلى تلقيح ؟ !
2 - لنفرض أن النبي صلى الله عليه وآله كان لا يعرف حاجة النخل إلى تلقيح وحاشاه ، فهل تقبلون أنه نهاهم عن التلقيح ، بسبب استقباحه ذلك الفعل ؟ !
3 - لنفرض أن النبي صلى الله عليه وآله كان جاهلاً بأمر النخل ، وأنه اشتبه وأمرهم بترك التلقيح ، فلماذا أقره الله على فعله ولم ينزل الوحي بتصحيح فعله وتنبيهه ؟
4 - لنفرض أن النبي صلى الله عليه وآله كان جاهلاً بأمر النخل ، وأنه اشتبه وأمرهم بترك التلقيح ، وأن الله تعالى تركه الأمر حتى خرج الموسم شيصاً ! فأين كان عمر وموافقاته ، وما له لم يبادر ويصحح عمل النبي صلى الله عليه وآله كما هي عادته ؟ ! بل أين بقية الصحابة وعقلاء المدينة لم ينبسوا ببنت شفة ، ولم يرووا لنا هذه الحادثة ؟ !
5 - ما هو الفرق بين القول الذي نسبتموه إلى النبي صلى الله عليه وآله : ( فأنتم أبصر بدنياكم . . إذا أمرتكم بشئ من رأي فإنما أنا بشر . وفي رواية أنتم أعلم بأمر دنياكم ) . وبين القول بفصل الدين عن السياسة ؟ أو مقولة المسيحيين : ( دع ما لله لله وما لقيصر لقيصر ) ؟ وهل تلتزمون بأن كل أمور الدنيا لا تشملها الأحكام الشرعية ؟ !
6 - ما دامت أوامر النبي صلى الله عليه وآله على قسمين : قسم من أمور الدين وهو من الله تعالى فتجب إطاعته ، وقسم من أمور الدنيا وهو ظنون النبي صلى الله عليه وآله ، ولا تجب إطاعته . فهل تقولون إنا عندما نشك في أمر أو نهي نبوي لم يرد نص يعين أنه من أي القسمين ، فالأصل أن يكون من ظنون النبي صلى الله عليه وآله فلا تجب إطاعته ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 267 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة 148 : زعموا أن النبي صلى الله عليه وآله أمر بقطع كروم الطائف ونخيل خيبر . . فوبخه عمر !

في السير الكبير : 1 / 55 : ( ثم انتهى رسول الله عليه السلام إلى الطائف ، فأمر بكرومهم أن تقطع . وفي ذلك قصة قد ذكرت في المغازي أنهم عجبوا من ذلك وقالوا : النخلة لا تثمر إلا بعد عشر سنين ، وكيف العيش بعد قطعها ؟ ثم أظهر بعضهم الجلادة فنادوا من فوق الحصن : لنا في الماء والتراب والشمس خلف مما تقطعون . فقال بعضهم : هذا إن لو تمكنت من الخروج من جُحْرك .
وأمر رسول الله عليه السلام بقطع نخيل خيبر حتى مرَّ عمر بالذين يقطعون ، فهمَّ أن يمنعهم ، فقالوا : أمر به رسول الله ! فأتاه عمر فقال : أنت أمرت بقطع النخيل ؟ !
قال : نعم . قال أليس وعدك الله خيبر ؟ قال : بلى . فقال عمر : إذاً تقطع نخيلك ونخيل أصحابك ؟ ! ! فأمر منادياً ينادي فيهم بالنهي عن قطع النخيل .
قال الراوي : فأخبرني رجال رأوا السيوف في نخيل النطاة ، وقيل لهم : هذا مما قطع رسول الله ! والنطاة اسم حصن من حصون خيبر . وقد كانت لهم ستة حصون : الشق ، والنطاة ، والقموص ، والكتيبة ، والسلالم ، والوطيحة ) .
وفي دلائل النبوة للبيهقي : 5 / 157 : ( وزاد عروة في روايته قال : وأمر رسول الله المسلمين حين حاصروا ثقيفاً أن يقطع كل رجل من المسلمين خمس نخلات أو حبلات من كرومهم . . فأتاه عمر بن الخطاب فقال : يا رسول الله إنها عفاء لم تؤكل ثمارها ! فأمرهم أن يقطعوا ما أكلت ثماره الأول فالأول ) ! !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 268 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ورووا أن أبا بكر كان أعقل وأرحم من النبي صلى الله عليه وآله !
ففي سنن البيهقي : 9 / 90 : لما بعث أبو بكر يزيد بن أبي سفيان إلى الشام على ربع من الأرباع ، خرج أبو بكر معه يوصيه . . . فقال . . .
ولا تقتلوا كبيراً هرماً ، ولا امرأةً ، ولا وليداً ، ولا تخربوا عمراناً ، ولا تقطعوا شجرةً إلا لنفعٍ ، ولا تعقرن بهيمةً إلا لنفعٍ ، ولا تحرقن نخلاً ، ولا تغرقنه ، ولا تغدر ، ولا تمثِّل ، ولا تجبن ، ولا تغلل ) .
* *
الأسئلة
1 - هل تقبل عقولكم أن النبي صلى الله عليه وآله وهو أعقل الخلق وأرحمهم ، يأمر بقطع النخيل والكروم في خيبر والطائف ؟ !
2 - لنفرض أن النبي صلى الله عليه وآله ساذج كما صوره عمر ، وأنه أمر بقطع نخيل خيبر ، ألم يتعلم من توجيه عمر في خيبر ، فعاود ذلك بعد سنتين في الطائف ؟ !
3 - ألا يكفيكم لتكذيب هذه الأسطورة قول أحد رواتها : ( فأخبرني رجال رأوا السيوف في نخيل النطاة ، وقيل لهم : هذا مما قطع رسول الله ! ) فهل سمعتم في تاريخ العرب أو الشعوب الأخرى أن أحداً كان يقطع شجر النخيل بالسيوف ؟ ! !
4 - ألا تظنون أن وصية أبي بكر لجند فتح الشام ، هي لرسول الله صلى الله عليه وآله وقد سلبوها منه ، ووضعوها على لسان غيره ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 269 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة 149 : زعموا أن النبي صلى الله عليه وآله أمر المسلمين بذبح جمال جيش تبوك . . فوبخه عمر !

قال البخاري في صحيحه : 3 / 109 و : 4 / 13 : ( قال خَفَّتْ أزواد القوم وأملقوا ، فأتوا النبي ( ص ) في نحر إبلهم ، فأذن لهم ! فلقيهم عمر فأخبروه ، فقال : ما بقاؤكم بعد إبلكم ؟ ! فدخل على النبي ( ص ) فقال يا رسول الله ما بقاؤهم بعد إبلهم ؟ ! فقال رسول الله ( ص ) : ناد في الناس يأتون بفضل أزوادهم ، فبسط لذلك نطعٌ وجعلوه على النطع ، فقام رسول الله ( ص ) فدعا وبارك عليه ، ثم دعاهم بأوعيتهم فاحتثى الناس حتى فرغوا ) .
وقال مسلم : 1 / 42 : ( لما كان غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة ، قالوا : يا رسول الله لو أذنت لنا فنحرنا نواضحنا فأكلنا وادَّهنا ، فقال رسول الله ( ص ) : افعلوا .
قال فجاء عمر فقال يا رسول الله إن فعلت قلَّ الظهر ، ولكن أدعهم بفضل أزوادهم ثم ادع الله لهم عليها بالبركة ، لعل الله أن يجعل البركة في ذلك ؟
فقال رسول الله ( ص ) : نعم .
قال فدعا بنطع فبسطه ثم دعا بفضل أزوادهم قال فجعل الرجل يجئ بكف ذُرَة ، قال ويجئ الآخر بكف تمر ، قال ويجيء الآخر بكسرة ، حتى اجتمع على النطع من ذلك شيءٌ يسير ، قال فدعا رسول الله ( ص ) عليه بالبركة ثم قال : خذوا في أوعيتكم ، قال : فأخذوا في أوعيتهم حتى ما تركوا في العسكر وعاء إلا ملأوه . . . ) . انتهى .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 270 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأسئلة
1 - هل يقبل عقلكم أن جيش المسلمين في تبوك وهم على بعد نحو ألف كيلو متر من المدينة ، يطلبون من النبي صلى الله عليه وآله أن يأذن لهم في ذبح جمالهم ليأكلوها ويبقوا بدون وسائط نقل ، وأن النبي صلى الله عليه وآله أذن لهم بذلك ؟ !
2 - تعارضت روايات هذه الموافقة لعمر ، فبعضها قال إنه هو صاحب اقتراح أن يدعو النبي صلى الله عليه وآله بالبركة على أزوادهم ، وبعضها قال إنه النبي صلى الله عليه وآله ؟
فإذا صاحب الاقتراح كان هو النبي صلى الله عليه وآله كما نص البخاري ، فقد انتفت الحاجة إلى ذبح الجمال ، فما قولكم ؟ !
أم تقولون إن عمر نبه النبي صلى الله عليه وآله إلى ذلك كما في مسلم ، فأطاعه وأمر به كما في البخاري ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 271 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة 150 : ورووا أن النبي صلى الله عليه وآله تأخر عن صلاة العشاء فصاح به عمر !

المسألة : 150
ورووا أن النبي صلى الله عليه وآله تأخر عن صلاة العشاء فصاح به عمر !
قال البخاري : 1 / 142 : ( عن عروة أن عائشة قالت : أَعْتَمَ رسول الله ( ص ) بالعشاء حتى ناداه عمر : الصلاة نام النساء والصبيان ، فخرج ! ) .
وفي مسلم : 2 / 115 : ( قال ابن شهاب وذكر لي أن رسول الله ( ص ) قال : وما كان لكم أن تنزروا رسول الله ( ص ) على الصلاة ، وذاك حين صاح عمر بن الخطاب ) ! !
* *
الأسئلة
1 - هل كان النبي صلى الله عليه وآله متكاسلاً عن صلاة العشاء أو ناسياً فذكَّره عمر ؟ !
2 - قال الله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ .
وجاء في حديث مسلم أن النبي صلى الله عليه وآله قال : ( وما كان لكم أن تَنْزُروا رسول الله ( ص ) على الصلاة ، وذاك حين صاح عمر بن الخطاب ) !
فهل حبط عمل عمر وذهبت حسناته بصياحه على النبي صلى الله عليه وآله أم تستثنونه من حكم الأدب مع النبي صلى الله عليه وآله ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 272 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة 151 : زعموا أن النبي صلى الله عليه وآله نام عن الصلاة حتى طلعت الشمس فأيقظه عمر !

قال البخاري في صحيحه : 1 / 88 و : 2 / 168 : ( عن عمران قال : كنا في سفر مع النبي ( ص ) وإنا أسْرَيْنا حتى إذا كنا في آخر الليل وقعنا وقعة ولا وقعة أحلى عند المسافر منها ، فما أيقظنا إلا حَرُّ الشمس ، وكان أول من استيقظ فلان ثم فلان ثم فلان ، يسميهم أبو رجاء ، فنسي عوف ، ثم عمر بن الخطاب الرابع ، وكان النبي ( ص ) إذا نام لم يوقظ حتى يكون هو يستيقظ ، لأنا لا ندري ما يحدث له في نومه . فلما استيقظ عمر ورأى ما أصاب الناس وكان رجلاً جليداً ، فكبر ورفع صوته بالتكبير ، فما زال يكبر ويرفع صوته بالتكبير حتى استيقظ بصوته النبي ( ص ) ، فلما استيقظ شكوا إليه الذي أصابهم ، قال : لا ضير أو لا يضير ، ارتحلوا ، فارتحل فسار غير بعيد ، ثم نزل فدعا بالوضوء فتوضأ ، ونودي بالصلاة فصلى بالناس ) .
ورواه مسلم : 2 / 140 ، وفيه : ( فجعل يكبر ويرفع صوته حتى استيقظ رسول الله ( ص ) فلما رفع رأسه ورأى الشمس قد بزغت قال : ارتحلوا ، فسار بنا حتى إذا ابيضت الشمس نزل فصلى بنا الغداة ) !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 273 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأسئلة
1 - ما الذي يريدون إثباته بهذا الحديث ، فضيلة لعمر أو منقصة للنبي صلى الله عليه وآله ؟
2 - ورد عندنا أن الله تعالى أنام نبيه عن صلاة الصبح فصلاها قضاء ، حتى لا يقال من ضيعها هلك ، لكن هل تتعقلون أن ذلك كان في غزوة خيبر أو الحديبية أو مؤتة أو تبوك ، وأن النبي صلى الله عليه وآله وكل جيش المسلمين ناموا عن صلاة الصبح حتى تؤذيهم الشمس بحرها ، ولم يستيقظ أحد منهم عند الفجر ، ولا قبل طلوع الشمس ؟ !
3 - هل تستطيعون أن تسموا الغزوة التي وقعت فيها هذه الحادثة ؟ هل هي خيبر أو الحديبية أو مؤتة ؟ والأشخاص الذين كانوا فيها واستيقظوا قبل عمر فكان رابعهم ؟ ! فقد عجز علماؤكم عن معرفة ذلك ، كما عجزوا عن معرفة القوم الذين قال عنهم عمر إنهم كتبوا كتاباً فيه سنة نبيهم فتركوا كتاب ربهم !
ولماذا لم يسمِّ الراوي أولئك القوم ، ولا سمى تلك الغزوة ! ألا يوجب ذلك الشك في صحة الحديث ؟ !
لاحظوا تخبط ابن حجر وغيره وكيف غرقوا في الاحتمالات في تعيين الغزوة التي وقعت فيها الحادثة ، والأشخاص الذين كانوا فيها ، ولم يصلوا إلى غير الشك والاحتمال !
قال في فتح الباري : 1 / 379 : ( اختُلف في تعيين هذا السفر ، ففي مسلم من حديث أبي هريرة أنه وقع عند رجوعهم من خيبر قريب من هذه القصة . وفي أبي داود من حديث ابن مسعود أقبل النبي ( ص ) من الحديبية ليلاً فنزل فقال من يكلؤنا فقال بلال أنا . . الحديث . وفي الموطأ ، عن زيد بن أسلم مرسلاً : عرَّس رسول
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 274 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الله ( ص ) ليلة بطريق مكة ووكَّلَ بلالاً . وفي مصنف عبد الرزاق عن عطاء بن يسار مرسلاً أن ذلك كان بطريق تبوك ، وللبيهقي في الدلائل نحوه من حديث عقبة بن عامر . وروى مسلم من حديث أبي قتادة مطولاً ، والبخاري مختصراً في الصلاة قصة نومهم عن صلاة الصبح أيضاً في السفر لكن لم يعينه ، ووقع في رواية لأبي داود أن ذلك كان في غزوة جيش الأمراء ، وتعقبه ابن عبد البر بأن غزوة جيش الأمراء هي غزوة مؤتة ولم يشهدها النبي ( ص ) وهو كما قال . لكن يحتمل أن يكون المراد بغزوة جيش الأمراء غزوة أخرى غير غزوة مؤتة .
وقد اختلف العلماء هل كان ذلك مرة أو أكثر ، أعني نومهم عن صلاة الصبح فجزم الأصيلي بأن القصة واحدة ، وتعقبه القاضي عياض بأن قصة أبي قتادة مغايرة لقصة عمران بن حصين وهو كما قال ، فإن قصة أبي قتادة فيها أن أبا بكر وعمر لم يكونا مع النبي ( ص ) لما نام ، وقصة عمران فيها أنهما كانا معه كما سنبينه ! وأيضاً فقصة عمر أن فيها أن أول من استيقظ أبو بكر ، ولم يستيقظ النبي ( ص ) حتى أيقظه عمر بالتكبير ، وقصة أبي قتادة فيها إن أول من استيقظ النبي ( ص ) وفي القصتين غير ذلك من وجوه المغايرات ! !
ومع ذلك فالجمع بينهما ممكن ! لا سيما ما وقع عند مسلم وغيره أن عبد الله بن رباح راوي الحديث عن أبي قتادة ، ذكر أن عمران بن حصين سمعه وهو يحدث بالحديث بطوله فقال له : أنظر كيف تحدث ، فإني كنت شاهداً القصة ! قال : فما أنكر عليه من الحديث شيئاً ، فهذا يدل على اتحادها . لكن لمدعي التعدد أن يقول : يحتمل أن يكون عمران حضر القصتين فحدث بإحداهما وصدق عبد الله بن رباح لما حدث عن أبي قتادة بالأخرى . والله أعلم ) . انتهى .
فما رأيكم في هذه الدوامة التضارب والتعارض والتناقض ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 275 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فإن غزوات النبي صلى الله عليه وآله كانت بحضور العشرات والمئات والألوف من أصحابه ، وأخبارها مدونة ، وحدث من هذا النوع لابد أن ينقله الكثيرون منهم ! !
4 - من الذي استيقظ أولاً ، هل هو النبي صلى الله عليه وآله أو عمر أو أبو بكر ؟ !
فقد رأيتم قول ابن حجر : ( وأيضاً فقصة عمر أن فيها أن أول من استيقظ أبو بكر ، ولم يستيقظ النبي ( ص ) حتى أيقظه عمر بالتكبير ، وقصة أبي قتادة فيها إن أول من استيقظ النبي ( ص ) وفي القصتين غير ذلك من وجوه المغايرات ) ! انتهى .
أليس هذا التهافت من علامات الوضع أو التحريف ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 276 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة 152 : زعموا أن عمر انشغل فصلى آخر الوقت وأن النبي صلى الله عليه وآله انشغل ففاتته الصلاة

خلاصة غزوة الأحزاب ، أن قريشاً استطاعت أن توثِّق علاقاتها وتحالفاتها ضد الإسلام ، وتجمع قوة كبيرة من قبائل العرب واليهود ، غزت بها المدينة وحاصرتها للقضاء على الإسلام ونبيه نهائياً !
وكان النبي صلى الله عليه وآله أخذ استعداده بحفر خندق حول المدينة من جهة جبل أحد ، وهي الجهة التي يمكن أن يدخل منها الجيش المهاجم إلى المدينة .
ودام حصار المشركين للمسلمين نحو أسبوعين وفي رواية شهراً ، حتى هزمهم الله تعالى ، وكفى المؤمنين القتال بثلاثة أمور : جنود الغيب ، والريح ، ومبارزة فارس المسلمين علي عليه السلام لفارس المشركين عمرو بن ود عندما عبر الخندق ، فانتصر عليه وقتله مع فارسين عبرا الخندق معه ، فسبَّبَ ذلك انهيار معنويات المشركين ، فانسحبوا خائبين .
وقد وصف الله معركة الأحزاب أو الخندق بآيات في سورة الأحزاب ، منها قوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا .
إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأبصار وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا . هُنَالِكَ ابْتُلِي الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شديداً . وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُورًا . . . إلى أن قال :
قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لأخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلا قليلاً . أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فإذا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 277 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مِنَ الْمَوْتِ فإذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللهُ أعمالهم وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا .
يَحْسَبُونَ الأحزاب لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الأحزاب يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلا قليلاً .
لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُواْ اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كثيراً . وَلَمَّا رَءَا الْمُؤْمِنُونَ الأحزاب قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا .
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً . لِيَجْزِىَ اللهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا .
وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خيراً وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللهُ قَوِيًّا عَزِيزًا . وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا . وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرًا ) .
وفي الدر المنثور : 5 / 192 : ( أخرج ابن أبي حاتم ، وابن مردويه ، وابن عساكر عن ابن مسعود أنه كان يقرأ هذا الحرف : وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ بعلي بن أبي طالب ) . انتهى . يقصد أن ابن مسعود كان يقرأ الآية مع تفسيرها ، وأن هذا معناها عندما نزلت . ورواه في ميزان الإعتدال : 2 / 380 . وروى في إكمال الكمال : 7 ، 67 : أن ابن عباس أيضاً ( كان يقرأ : وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ ، بعلي ) . انتهى .
وفي الصحيح من السيرة : 9 / 15 : ( انتدب فوارس من المشركين فأتوا مكاناً ضيقاً من الخندق ، وأكرهوا خيلهم على عبوره ، فعبره عكرمة بن أبي جهل ، وعمرو ابن عبد ود ، وضرار بن الخطاب الفهري ، وهبيرة بن أبي وهب ، وحسل بن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 278 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عمرو بن عبد ود ، ونوفل بن عبد الله المخزومي ، فخرج أمير المؤمنين عليه السلام في نفر من المسلمين ، حتى أخذوا عليهم الثغرة التي اقتحموها .
وطلب عمرو بن عبد ود البراز فلم يبرز إليه أحد من المسلمين ، وخافوا منه خوفاً شديداً ، لما يعرفون من شجاعته وفروسيته ، وكان يعدُّ بألف فارس . وطلب عليٌّ عليه السلام من النبي صلى الله عليه وآله أن يأذن له بمبارزته فلم يأذن له ، فكرر عمرو النداء وأنشد الشعر ، وعيَّر المسلمين المحجمين عنه ، فطلب علي الإذن مرة أخرى فلم يأذن له الرسول صلى الله عليه وآله . فلما كان في المرة الثالثة ، ولم يبادر إلى ذلك سوى علي عليه السلام أذن له النبي صلى الله عليه وآله وعممه ودعا له ، وقال : برز الإيمان كله إلى الشرك كله ، فبارزه علي عليه السلام فقتله ، وقتل ولده حَسْلاً ، ونوفل بن عبد الله ، وفرَّ الباقون ! فقال صلى الله عليه وآله : ضربة علي يوم الخندق تعدل ( أو أفضل من ) عبادة الثقلين إلى يوم القيامة ) . انتهى .
وقال في : 9 / 358 : ( راجع النصوص التي تشير إلى ذلك في : كنز العمال : 12 / 219 وتاريخ بغداد : 13 / 19 ومقتل الحسين للخوارزمي ص 45 ومستدرك الحاكم : 3 / 32 وتلخيصه للذهبي بهامشه ، والمناقب للخوارزمي ص 58 ومناقب آل أبي طالب : 3 / 138 ، وشرح المواقف : 8 / 371 ، وفرائد السمطين : 1 / 256 / وشواهد التنزيل : 2 / 14 ط سنة 1411 ه‍ . ، و الغدير عن بعض من تقدم ، وعن هداية المرتاب ص 148 والتفسير الكبير للرازي : 32 / 31 ، وفضائل الخمسة من الصحاح الستة : 2 / 323 ، وحبيب السير : 1 / 362 ، وينابيع المودة ص 94 و 95 و 96 ، وسعد السعود ص 139 ، والطرائف ص 60 وكنز الفوائد للكراجكي ص 137 والسيرة الحلبية : 2 / 319 و 320 ، وشرح المقاصد للتفتازاني : 5 / 298 ، وفردوس الأخبار : 3 / 455 ونفحات اللاهوت ص 91 ، ومجمع البيان : 8 / 343 ، والبحار : 41 / 91 و 96 و : 20 / 205 ، وإحقاق الحق ( الملحقات ) : 8 و : 6 ص 5 و : 16 / 403 . . . الخ . ) .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 279 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
هذا هو جو معركة الخندق ، وهو ينفعنا في نقد ما رواه البخاري وغيره ، فقد زعموا أن عمر انشغل في يوم الخندق حتى كادت تفوته صلاة العصر ، لكنه صلاها والحمد لله ، ولو في آخر الوقت .
أما النبي صلى الله عليه وآله فقد انشغل عنها حتى فاتته وغابت الشمس !
بل رووا أن النبي صلى الله عليه وآله فاتته أربع صلوات ، بينما عمر لم تفته ولا صلاة !
رواياتهم في أن النبي صلى الله عليه وآله فاتته صلاة واحدة
قال البخاري في : 1 / 147 : ( إن عمر بن الخطاب جاء يوم الخندق بعد ما غربت الشمس فجعل يسب كفار قريش ، قال : يا رسول الله ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب قال النبي ( ص ) : والله ما صليتها ! فقمنا إلى بطحان فتوضأ للصلاة وتوضأنا لها فصلى العصر بعد ما غربت الشمس ثم صلى بعدها المغرب ) .
( ونحوه : 1 / 157 ، وص 227 و : 5 / 48 ) . كما روى البخاري أن الذي شتم الكفار ودعا عليهم هو النبي صلى الله عليه وآله ! قال في : 3 / 233 : ( لما كان يوم الأحزاب قال رسول الله ( ص ) ملأ الله بيوتهم وقبورهم ناراً ، شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس ) ! ( ومثله : 5 / 48 و : 7 / 165 ) . وروى مسلم : 2 / 111 و 112 : ( قال رسول الله ( ص ) يوم الأحزاب : شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى آبت الشمس ، ملأ الله قبورهم ناراً . أو بيوتهم ، أو بطونهم . شك شعبة في البيوت والبطون ) . انتهى .
فترك النبي صلى الله عليه وآله لصلاته مؤكد عندهم ، لكن الراوي بسبب احتياطه شك في دعاء النبي صلى الله عليه وآله أن يملأ الله قبورهم ناراً ، هل أضاف اليه بيوتهم وبطونهم ؟ !
قال مسلم : ( شك شعبة في البيوت والبطون ) . كما روى مسلم أن النبي صلى الله عليه وآله أقسم لعمر أنه لم يصلِّ العصر : ( فقال رسول الله ( ص ) : وأنا والله ما صليتها ) ! وفسره النووي في شرح مسلم : 5 / 131 ، بأنه احترام من النبي صلى الله عليه وآله لعمر وتطييبٌ لخاطره
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 280 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بأن لا يحزن لأن النبي صلى الله عليه وآله أسوأ حالاً منه ! قال : ( وإنما حلف النبي ( ص ) تطييباً لقلب عمر ، فإنه شق عليه تأخير العصر إلى قريب من المغرب ) . انتهى .
وفي رواية : أن النبي ( ص ) صلى المغرب فلما فرغ قال : هل علم أحد منكم أني صليت العصر ؟ قالوا : لا يا رسول الله ما صليتها ! فأمر المؤذن فأقام فصلى العصر ثم أعاد المغرب ) . انتهى . ( الزيلعي في نصب الراية : 1 / 330 ) .
رواياتهم في أن النبي صلى الله عليه وآله فاتته أربع صلوات
قال ابن حجر في فتح الباري : 2 / 56 : ( قوله : فصلى العصر : وقع في الموطأ من طريق أخرى أن الذي فاتهم الظهر والعصر ، وفي حديث أبي سعيد الذي أشرنا إليه : الظهر والعصر والمغرب وأنهم صلوا بعد هويٍّ من الليل ، وفي حديث ابن مسعود عند الترمذي والنسائي أن المشركين شغلوا رسول الله ( ص ) عن أربع
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 281 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
صلوات يوم الخندق ، حتى ذهب من الليل ما شاء الله ) . انتهى .
وفي سنن الترمذي : 1 / 115 : ( قال عبد الله بن مسعود : إن المشركين شغلوا رسول الله ( ص ) عن أربع صلوات يوم الخندق ، حتى ذهب من الليل ما شاء الله ، فأمر بلالاً فأذن ، ثم أقام فصلى الظهر ، ثم أقام فصلى العصر ، ثم أقام فصلى المغرب ، ثم أقام فصلى العشاء ) . انتهى . ( راجع أيضاً : مسند أحمد : 1 / 375 ، والنسائي : 1 / 506 ، و : 2 / 17 ، وسنن البيهقي : 1 / 403 و : 3 / 251 ، وابن أبي شيبة : 1 / 519 ، و : 8 / 428 ، و 502 ، وأبي يعلى : 9 / 238 )
وفي مجموع النووي : 3 / 68 : ( والمستحب أن يقضيها على الترتيب لأن النبي ( ص ) فاتته أربع صلوات يوم الخندق ، فقضاها على الترتيب ) ! !
وفي تلخيص الحبير : 3 / 525 : ( حديث أنه ( ص ) فاتته أربع صلوات يوم الخندق فقضاهن على الترتيب تقدم في الأذان ، وللترمذي والنسائي من طريق أبي عبيدة ابن عبد الله بن مسعود عن أبيه ، أن المشركين شغلوا رسول الله ( ص ) عن أربع صلوات يوم الخندق ، حتى ذهب من الليل ما شاء الله )
وفي مبسوط السرخسي : 1 / 136 : ( وشغل رسول الله ( ص ) عن أربع صلوات يوم الخندق فقضاهن بعد هوي من الليل ) . ( راجع أيضاً : بدائع الصنائع : 1 / 132 ، ومغني ابن قدامه : 1 / 428 ، ونيل الأوطار : 1 / 397 ) .
* *
نقد رواياتهم في أن النبي صلى الله عليه وآله ترك صلاته
في جو معركة الخندق الذي وصفناه ، قالوا إن النبي صلى الله عليه وآله فاتته الصلاة ، أما عمر فصلاها في آخر الوقت ! فهل يعقل ذلك ؟ !
حاول ابن حجر أن يثبت صحة ذلك ! فقال في فتح الباري : 2 / 56 : ( فإن قيل : الظاهر أن عمر كان مع النبي ( ص ) فكيف اختص بأن أدرك صلاة العصر قبل غروب الشمس بخلاف بقية الصحابة والنبي ( ص ) معهم ؟ فالجواب : أنه يحتمل أن يكون الشغل وقع بالمشركين إلى قرب غروب الشمس ، وكان عمر حينئذ متوضئاً فبادر فأوقع الصلاة ، ثم جاء إلى النبي ( ص ) فأعلمه بذلك ، في الحال التي كان النبي ( ص ) فيها قد شرع يتهيأ للأداء ، ولهذا قام عند الأخبار هو وأصحابه إلى الوضوء ) . انتهى .
أقول : ترك ابن حجر المعقول ولم يتتبع المنقول ! وهذه عادته عندما يصل إلى فضائل عمر ! فهل من المعقول أن يتعمد النبي صلى الله عليه وآله ترك صلاة أو أربع صلوات ، بسبب أنه في مدينة محاصرة من عدوه ؟ وهل من المعقول أن ينسى النبي صلى الله عليه وآله والمسلمون صلاتهم أو صلواتهم ، ولا يذكرها إلا عمر في آخر وقتها !
وأعجب من ذلك أن ابن حجر بحث في أن ترك النبي صلى الله عليه وآله لصلاته هل كان عن نسيان أو عمد ! واحتاط ولم يقل عن نسيان ، بل مال إلى أنه تركها عن عمد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 282 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وعصيان ! ! قال : ( وقد اختلف في سبب تأخير النبي ( ص ) الصلاة ذلك اليوم ، فقيل كان ذلك نسياناً ، واستُبْعد أن يقع ذلك من الجميع ) ! ! ( فتح الباري : 2 / 56 )
وهل نقل أحد أن المعركة كانت حامية أياماً عديدة ، كما تصوروا أو صوروا وأن ترك النبي صلى الله عليه وآله لأربع صلوات حدث في أكثر من يوم ؟ !
ألم يرووا أن وقعة الخندق لم يكن فيها معركة شاغلة إلا مبارزة علي عليه السلام لابن عبد ودّ ومجموعة الفرسان الذين عبروا الخندق فقط ! وأنها كانت حصاراً دام أسبوعين أو شهراً ، لم يكن فيه ما يشغل عن الصلاة ؟ !
وبذلك فلا معنى لما قاله السيوطي في شرح النسائي : 2 / 18 : ( قال ابن سيد الناس : اختلف الروايات في الصلاة المنسية يوم الخندق ، ففي حديث جابر أنها العصر ، وفي حديث ابن مسعود أنها أربع . قال القاضي أبو بكر بن العربي : والصحيح إن شاء الله تعالى أن الصلاة التي شغل عنها واحدة هي العصر . ومنهم من جمع بين الأحاديث في ذلك بأن الخندق كانت وقعته أياماً ، فكان ذلك كله في أوقات مختلفة في تلك الأيام ) . ( وفتح الباري : 2 / 57 ) .
وهل صحيح أن عمر كان مع النبي صلى الله عليه وآله مع أنهم رووا ووثقوا روايتهم أنه كان مختبئاً في بستان في المدينة ، بعيداً عن المعركة ! قال في مجمع الزوائد : 6 / 136 :
( وعن عائشة قالت : خرجت يوم الخندق أقفو آثار الناس ، فسمعت وئيد الأرض من ورائي ، يعني حس الأرض . قالت : فإذا أنا بسعد بن معاذ ومعه ابن أخيه الحرث بن أوس يحمل مجنة . قالت : فجلس إلى الأرض ، فمرَّ سعدٌ وعليه درعٌ من حديد قد خرجت منها أطرافه ، فأنا أتخوَّف على أطراف سعد . قالت : وكان سعد من أعظم الناس وأطولهم ، قالت : فمر وهو يرتجز ويقول :
لبِّثْ قليلاً يدركِ الهيجَا حَمَلْ ما أحسنَ الموتُ إذا حانَ الأجَلْ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 283 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قالت : فاقتحمت ! حديقة فإذا فيها نفر من المسلمين ! وإذا فيهم عمر بن الخطاب ، وفيهم رجل عليه تَسْبِغَةٌ له يعني المغفر ، فقال عمر : ما جاء بك لعمري إنك لجريئة ، وما يؤمنك أن لا يكون تجوُّز ! ( أي قد نهرب ولا تستطيعين الهروب ) ! ! قالت : فما زال يلومني حتى تمنيت أن الأرض انشقت لي ساعتئذ فدخلت فيها ! قالت : فرفع الرجل التسبغة عن وجهه فإذا طلحة بن عبيد الله ، فقال : ويحك يا عمر إنك قد أكثرتَ منذ اليوم ، وأين التجوز والفرار إلا إلى الله تعالى ؟ !
قالت ويرمي سعداً رجلٌ من المشركين من قريش يقال له ابن العرقة بسهم له فقال له خذها وأنا ابن العرقة ، فأصاب أكحله فقطعه ، فدعا الله سعد فقال : اللهم لا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة فيخرجوا من صياصيهم . . . الخ . ) .
وقد وثقه الهيثمي فقال : ( قلت : في الصحيح بعضه رواه أحمد . وفيه محمد بن عمرو بن علقمة ، وهو حسن الحديث ، وبقية رجاله ثقات ) . انتهى .
ومن الثابت تاريخياً أن مركز قيادة النبي صلى الله عليه وآله يوم الخندق كان في مكان مسجد الفتح الفعلي ، وهو على رأس جبل صغير مقابل الخندق وأحُد ، على بعد نحو خمسة كيلو مترات عن المدينة ، وكان المسلمون على جانبيه وخلفه . وبما أن جبل الفتح وحوله منطقة صخرية جرداء ، فلا بد أن يكون البستان الذي ذكرته عائشة في جهة المدينة ، بعيداً عن المعركة !
وقد كانت مهمة المسلمين في معركة الخندق حراسة المدينة من جهة الخندق بالدرجة الأولى ، ومن الجهات الأخرى الوعرة بطبيعتها ، ولم يذكر التاريخ أي محاولة من المشركين للدخول إلى المدينة ، فلم يكن للمسلمين ولا للنبي صلى الله عليه وآله معركة شاغلة تستغرق وقتهم وحواسهم وتنسيهم ذكر ربهم ، بل لا بد أن المسلمين كانوا أذكر لربهم من الأوقات الأخرى !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 284 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وعليه ، يحتمل أن يكون أصل القصة أن عمر انشغل عن صلاته يومئذ ، فعيَّروه بها ، فبرَّروا عمله باتهام النبي صلى الله عليه وآله والمسلمين بتركهم الصلاة ! !
ولهذا نظير في شخصية عمر عندما أخطأ في التيمم فتمرغ بكله في التراب ، فحكى ذلك عمَّار للنبي صلى الله عليه وآله فضحك من فعله وقال له كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض ثم تمسح بهما وجهك وكفيك !
فسبب ذلك ردة فعل من عمر وصارت عنده عقدة من التيمم ، فأنكره من أصله ! وكان كل عمره إذا لم يجد ماء ترك الصلاة كلياً ولم يتيمم !
والأسوأ من ذلك أنه كان في خلافته يفتي المسلمين إذا لم يجدوا ماء أن يتركوا الصلاة نهائياً ! وهذا ثابت عنه !
ففي سنن النسائي : 1 / 168 : ( عن عبد الرحمن بن أبزى قال : كنا عند عمر فأتاه رجل فقال : يا أمير المؤمنين ربما نمكث الشهر والشهرين ولا نجد الماء ؟ فقال : عمر أما أنا فإذا لم أجد الماء لم أكن لأصلي حتى أجد الماء ! فقال عمار بن ياسر : أتذكر يا أمير المؤمنين حيث كنت بمكان كذا وكذا ونحن نرعى الإبل ، فَتَعْلَم أنا أجنبنا ، قال : نعم ، قال : أما أنا فتمرغت في التراب ، فأتينا النبي ( ص ) فضحك فقال : إن كان الصعيد لكافيك ، وضرب بكفيه إلى الأرض ، ثم نفخ فيهما ، ثم مسح وجهه ، وبعض ذراعيه ؟ ! فقال : إتق الله يا عمار ! ! فقال : يا أمير المؤمنين إن شئت لم أذكره ) ! !
وروى البخاري مناقشة أبي موسى الأشعري لعبد الله بن عمر في سياسة أبيه مع جنود الفتح وأمرهم بأن يتركوا الصلاة إن لم يجدوا ماء ! !
قال البخاري في : 1 / 90 : ( فقال له أبو موسى : لو أن رجلاً أجنب فلم يجد الماء شهراً ، أما كان يتيمم ويصلي ؟ فكيف تصنعون بهذه الآية في سورة المائدة : فَلَمْ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 285 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً ؟ فقال عبد الله : لو رخص لهم في هذا لأوشكوا إذا بَرَدَ عليهم الماء أن يتيمموا الصعيد ! قلت : وإنما كرهتم هذا لذا ؟ ! قال : نعم . فقال أبو موسى : ألم تسمع قول عمار لعمر : بعثني رسول الله ( ص ) في حاجة فأجنبت فلم أجد الماء فتمرَّغت في الصعيد كما تَمَرَّغُ الدابة ، فذكرت ذلك للنبي ( ص ) فقال : إنما كان يكفيك أن تصنع هكذا ، فضرب بكفه ضربة على الأرض ثم نفضها ، ثم مسح بها ظهر كفه بشماله أو ظهر شماله بكفه ، ثم مسح بها وجهه ؟ فقال عبد الله : ألم ترَ عمر لم يقنع بقول عمار ؟ ! وزاد يعلى عن الأعمش عن شقيق قال : كنت مع عبد الله وأبي موسى فقال أبو موسى : ألم تسمع قول عمار لعمر : إن رسول الله بعثني أنا وأنت فأجنبتَ فتمعكتُ ( تَ ) بالصعيد ، فأتينا رسول الله فأخبرناه . . . ) . انتهى .
ونلاحظ أن البخاري وغيره جعلوا المتمرغ كالدابة عماراً وليس عمر , لكن قول عمر في البخاري ومسلم : 1 / 192 ، ( إتق الله يا عمار ! فقال : يا أمير المؤمنين إن شئت لم أذكره ) يدل على أن المتمرغ عمر فلو كان عماراً لضحك وما غضب وقال له : إتق الله يا عمار ، ولما كان ما يستوجب قول عمار : ( إن شئتَ لم أذكره ) !
وقد صرح عبد الرزاق أن المتمرغ عمر ، قال في المصنف : 1 / 240 قال : ( بعث النبي ( ص ) عمر بن الخطاب ورجلاً من الأنصار يحرسان المسلمين ، فأجنبا حين أصابهما برْد السحر ، فتمرغ عمر بالتراب ، وتيمم الأنصاري صعيداً طيباً فتمسح به ، ثم صليا ، فقال النبي ( ص ) : أصاب الأنصاري ) . انتهى .
فهذه الرواية تنص على أن المتمرغ كان عمر ، وقد جعلت رفيق عمر أنصارياً وليس عمار بن ياسر ، لغرض عند الراوي !
فما دامت حساسية عمر من خطئه تجعله يعطل آية من القرآن ويترك صلاته
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 286 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ويأمر المسلمين بتركها ! !
فلماذا لا يحتمل في حقه أن يكون ترك صلاته يوم الخندق ، خاصة وأنه حسب شهادة عائشة كان خائفاً يحسب للهزيمة والفرار من المدينة !
آراء علماء الشيعة
قال السيد ابن طاووس في الطرائف ص 368 : ( ولهم في أداء الصلاة وأنها لا تسقط مع بقاء التكليف بها ، تفصيلاتٌ طويلةٌ ، حتى أن فيهم من يقول إنها تصلى عند اضطراب السيوف وذهاب الأرواح بالتسبيح فقط ، فكيف استجازوا مع ذلك أن يصدقوا عن نبيهم ويشهدوا عليه أنه ترك الصلاة بالكلية حتى خرج وقتها مع أن عمر ما تركها ) !
وقال الفقيه البحراني في الحدائق الناضرة : 7 / 373 : ( أقول : ما استدل به شيخنا الشهيد + هنا من الرواية عن النبي صلى الله عليه وآله وأنه شُغل عن أربع صلوات يوم الخندق إنما هي من طرق المخالفين وليس في أخبارنا لها أثر ، ولا توافق أصولنا ، فإن ظاهر الأصحاب الاتفاق على عدم جواز ذلك عليه صلى الله عليه وآله ، لعصمته المانعة عن جواز ذلك عليه ) .
وقال المرتضى في الصحيح من السيرة : 11 / 65 : ( ومن الغريب والعجيب ، وما عشت أراك الدهر عجباً ، قول العسقلاني هنا : ( أما من احتج لمن أخر بأن الصلاة حينئذ كانت تؤخر كما في الخندق ، وكان ذلك قبل صلاة الخوف ، فليس بواضح ، لاحتمال أن يكون التأخير في الخندق كان عن نسيان ، وذلك بيِّنٌ في قوله ( ص ) لعمر ، لما قال له : ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس أن تغرب ، فقال : والله ما صليتها ، لأنه لو كان ذاكراً لها لبادر إليها كما صنع عمر ) . .
وهكذا ، فإن نتيجة كلام العسقلاني هي أن عمر كان أذكر للصلاة من رسول
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 287 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الله صلى الله عليه وآله وأكثر اهتماماً بشأنها ! ولم ينسها عمر ( رغم انشغاله الشديد بأمر الحرب في الخندق ، حتى لقد حقق أعظم الانتصارات فيها ، وقتل أعظم فرسانها ، وهزم الأحزاب وفرق جمعهم ، بسبب ضربته الكبرى ، التي تعدل عبادة الثقلين ! أو انشغاله بالهزيمة والاختباء في الحديقة ، هو وطلحة وآخرون ، حتى فضحت أمرهم عائشة ! أما النبي صلى الله عليه وآله الذي لم يقم بأي شئ من ذلك ، فقد نسي صلاته ، وذلك يعني كما يريد هؤلاء أن يقولوا ، أن الصلاة كانت لا تمثل لدى هذا النبي شيئاً ذا أهمية ، رغم كونه نبي هذه الأمة ، وهو الأسوة والقدوة صلى الله عليه وآله !
نعم ، هذا ما يوحي به كلام العسقلاني الذي لم يعجبه نسبة تأخير الصلاة عمداً لبعض الصحابة ) ! ! انتهى .
* *
الأسئلة
1 - هل تقبلون أن النبي صلى الله عليه وآله انشغل عن الصلاة حتى فاتته صلاة واحدة ، أو أربع صلوات ، في أيام معركة الخندق ؟ بينما عمر لم تَفُتْهُ أيُّ صلاة !
2 - هل ترك النبي صلى الله عليه وآله صلاته برأيكم نسياناً ، أم عالماً عامداً عاصياً لربه ؟ !
3 - هل ترك أبو بكر الصلاة أيام معركة الخندق ، أم كان مع عمر فصلاها ؟ !
4 - هل تعتبرون خروج عائشة يوم الخندق معصية ، لنهي عمر إياها ، ولأن الحاكم : 4 / 50 ، روى أن النبي صلى الله عليه وآله جعل نساءه في حصن فارع ، وهو في جهة العوالي المخالفة لجهة الخندق وأحُد ؟ !
5 - هذه الآية نزلت في الخائفين يوم الخندق : ( إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 288 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأبصار وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا ) . ( الأحزاب : 10 ) فهل تنطبق على عمر ومن كانوا في البستان ؟ !
6 - ما رأيكم في قول النبي صلى الله عليه وآله يوم الخندق : برز الإيمان كله إلى الشرك كله ، وقوله صلى الله عليه وآله : ضربة علي يوم الخندق تعدل عمل الثقلين . وما رواه الحاكم : 3 / 32 ، عن بهز بن حكيم ، عن أبيه ، عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله : لمبارزة علي بن أبي طالب لعمرو بن عبد وُدّ يوم الخندق أفضل من أعمال أمتي إلى يوم القيامة ) . ؟
7 - ما رأيكم في رواية محمد بن سليمان الكوفي في مناقب أمير المؤمنين عليهم السلام : 1 / 222 : ( عن ربيعة السعدي قال : أتيت حذيفة بن اليمان فقلت : يا أبا عبد الله إنا نتحدث في عليٍّ وفي مناقبه ، فيقول لنا أهل البصرة : إنكم لتفرطون في علي وفي مناقبه ، فهل تحدثني في علي بحديث ؟
فقال حذيفة : يا ربيعة إنك لتسألني عن رجل والذي نفسي بيده لو وضع عمل جميع أصحاب محمد صلى الله عليه وآله في كفة الميزان من يوم بعث الله محمداً إلى يوم الناس هذا ، ووضع عمل علي يوماً واحداً في الكفة الأخرى ، لرجح عمله على جميع أعمالهم ! فقال ربيعة : هذا الذي لا يُقام له ولا يُقعد !
فقال حذيفة : وكيف لا يحتمل هذا يا ملكعان ! أين كان أبو بكر وعمر وحذيفة ثكلتك أمك ، وجميعُ أصحاب محمد ، يوم عمرو بن عبد ود ينادي للمبارزة فأحجم الناس كلهم ما خلا علياً ، فقتله الله على يديه ؟ ! والذي نفسي بيده لعمله ذلك اليوم أعظم عند الله من جميع أعمال أمة محمد إلى يوم القيامة ) . ؟
8 - ما رأيكم في قراءة ابن مسعود وابن عباس : وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ ، بعلي ؟ !
9 - ما رأيكم في قول جابر بن عبد الله : ما شبَّهتُ قتل علي عمرواً إلا بقوله تعالى : ( فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ ) ؟ ( مناقب آل أبي طالب : 2 / 326 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 289 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
10 - ما هو السبب في تعطيل عمر لآية التيمم وإبطاله كل أحكامه في الشريعة الإسلامية ، وأمره بترك الصلاة لمن لم يجد ماء ! وما حكم شخص يعطل آية من كتاب الله تعالى ، ويأمر الناس بتعطيلها ؟ !
11 - هل تعملون بآية التيمم إن لم تجدوا ماء ، أم تعملون بدين عمر فتتركون الصلاة كلياً ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 290 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة 153 : منهجهم في تعظيم عمر وتكبير شخصيته

زعموا أ39ن النبي صلى الله عليه وآله أخطأ مع عمر ، فنزلت آية تؤنب النبي صلى الله عليه وآله !
قال عمر بن شبَّه في تاريخ المدينة : 3 / 864 : ( موافقته في الاستئذان : قال ابن عباس : وجَّه رسول الله ( ص ) غلاماً من الأنصار يقال له مدلج بن عمرو ، إلى عمر بن الخطاب وقت الظهيرة ليدعوه ، فدخل فرأى عمر بحالةٍ ، فكره عمر رؤيته ذلك فأنزل الله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الآيات وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) . ( سورة النور : 58 ) .
وفي أسباب النزول للواحدي ص 222 : ( وجه رسول الله ( ص ) غلاماً من الأنصار يقال له مدلج بن عمرو إلى عمر بن الخطاب وقت الظهيرة ليدعوه ، فدخل فرأى عمر بحالة كره رؤيته لذلك ، فقال : يا رسول الله وددت لو أن الله تعالى أمرنا ونهانا في حال الاستئذان ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ) .
وفي تفسير القرطبي : 12 / 304 : ( فوجده نائماً قد أغلق عليه الباب ، فدق عليه الغلام الباب فناداه ودخل ، فاستيقظ عمر وجلس فانكشف منه شئ ، فقال عمر : وددت أن الله نهى أبناءنا ونساءنا وخدمنا عن الدخول علينا في هذه الساعات إلا بإذن ، ثم انطلق إلى رسول الله ( ص ) فوجد هذه الآية قد أنزلت ، فخر ساجداً شكراً لله . وهي مكية ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 291 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي الإصابة : 6 / 50 : ( فانطلق الغلام فوجده نائماً على ظهره قد أغلق الباب ، فدفع الغلام الباب على عمر فسلم فلم يستيقظ ، فرجع الغلام ، فلما عرف عمر بذلك ، وأن الغلام قد رأى منه أي رآه عرياناً ، قال : وددت والله أن الله نهى أبناءنا وخدمنا أن يدخلوا علينا في هذه الساعة إلا بإذن ، فانطلق إلى النبي ( ص ) فوجده قد نزلت عليه هذه الآية : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ . . الآية ، فذكر بقية الحديث ، وفيه أن النبي ( ص ) قال للغلام : أنت ممن يلج الجنة ) .
وفي زاد المسير لابن الجوزي : 5 / 373 : ( فدخل فرأى عمر على حالة كره عمر رؤيته عليها فقال : يا رسول الله وددت لو أن الله أمرنا ونهانا في حال الاستئذان ، فنزلت هذه الآية ) . انتهى .
ومعنى كلامهم أن النبي صلى الله عليه وآله اشتبه بإرسال رسول إلى عمر وقت الظهيرة ليدعوه إلى المجئ اليه ، فكره عمر ذلك لأنه كان نائماً وهو عريان ، أو في حالة غير ملائمة فأنزل الله تعالى آية الاستئذان التي تقرر أن وقت الظهيرة عورة ، يجب أن يستأذن فيه الأطفال والخدم ، فمن طريق أولى أن لا يطلب النبي صلى الله عليه وآله حضور عمر في هذا الوقت ! وأن الآية من الآيات العديدة التي أنزلها الله تعالى موافقةً لرغبة عمر ، بل لكراهيته العمل الذي قام به النبي صلى الله عليه وآله ! !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 292 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأسئلة
1 - هل تعتقدون أن النبي صلى الله عليه وآله أخطأ في إرسال شخص لإحضار عمر ؟ !
2 - ألا تلاحظون أن أمثال هذا الحديث تركز على محورية عمر ومقامه العظيم عند الله تعالى ، وتتضمن التعريض في أخلاقية النبي صلى الله عليه وآله ؟ !
3 - قالت بعض الروايات إن آية الاستئذان نزلت بعد أن تمنى عمر ذلك على النبي صلى الله عليه وآله ، وقال بعضها إنه تمناها عندما كان عرياناً في بيته ، ولما ذهب إلى النبي صلى الله عليه وآله وجدها قد نزلت . فأيهما الصحيح ؟ !
4 - قال القرطبي إن الآية مكية ، فهل كان مدلج بن عمرو وهو غلام أنصاري في مكة حتى يبعثه النبي صلى الله عليه وآله إلى عمر ؟ !
بل متى أسلم عمر ، وقد روى ابن كثير عن ابن إسحاق أن عمر كان حتى الهجرة الثانية إلى الحبشة يعذب المسلمين !
قال في سيرته : 2 / 32 : ( قال ابن إسحق : وكان إسلام عمر بعد خروج من خرج من أصحاب رسول الله ( ص ) إلى الحبشة . . . عن أمه أم عبد الله بنت أبي حثمة قالت : والله أنا لنترحَّل إلى أرض الحبشة ، وقد ذهب عامر في بعض حاجتنا ، إذ أقبل عمر فوقف وهو على شركه ، فقالت : وكنا نلقى منه أذىً لنا وشدةً علينا ، قالت فقال : إنه لَلانطلاق يا أم عبد الله ! قلت : نعم والله لنخرجن في أرض من أرض الله إذ آذيتمونا وقهرتمونا ، حتى يجعل الله لنا مخرجاً . قالت فقال : صحبكم الله ! ورأيت له رقة لم أكن أراها ، ثم انصرف وقد أحزنه فيما أرى خروجنا . قالت : فجاء عامر بحاجتنا تلك ، فقلت له : يا أبا عبد الله لو رأيت عمر
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 293 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
آنفاً ورقته وحزنه علينا ! قال : أطمعتِ في إسلامه ؟ قالت قلت : نعم . قال : لا يسلم الذي رأيت حتى يسلم حمار الخطاب ! قالت : يأساً منه ، لما كان يرى من غلظته وقسوته على الإسلام . قلت : هذا يرد قول من زعم أنه كان تمام الأربعين من المسلمين . فإن المهاجرين إلى الحبشة كانوا فوق الثمانين ) . انتهى . ؟ ! ( وهو في سيرة ابن هشام : 1 / 229 ) .
5 - ما معنى قول ابن حجر في الإصابة : ( وأن الغلام قد رأى منه أي رآه عرياناً . . . فانطلق إلى النبي ( ص ) فوجده قد نزلت عليه هذه الآية : يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم . . الآية ، فذكر بقية الحديث ، وفيه أن النبي ( ص ) قال للغلام : أنت ممن يلج الجنة ) . انتهى .
فإن كان العمل الذي استحق به الغلام الجنة ، أنه رأى عمر عرياناً ! لزم أن تقولوا إن بني إسرائيل الذين رأوا موسى عليه السلام وهو يركض عارياً وراء الحجر الذي سرق ثيابه ، كلهم من أهل الجنة ، وأن تفتوا باستحباب تعري الأنبياء عليهم السلام وكبار صحابتهم أمام الناس ، لكي يدخلوا الجنة بمشاهدتهم ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 294 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة 154 : اتهموا النبي صلى الله عليه وآله بأنه كان يذبح للأصنام ، وأن ابن عم عمر أتقى منه !

وزعم أن ابن عم عمر كان أتقى من النبي صلى الله عليه وآله !
بَلْدَح ، وادٍ قرب مكة ، عند التنعيم وفخ ( معجم ما ستعجم : 1 / 273 ) . وقد عسكرَ فيه المشركون في أيام صلح الحديبية ، وفيه ماء كثير وأصنام ( طبقات ابن سعد : 2 / 95 ومناقب آل أبي طالب : 1 / 91 ) .
قالت روايات قريش إن النبي صلى الله عليه وآله قصد بلدح مع خادمه زيد بن حارثة وذبحوا شاة قرباناً لصنم هناك ، فورد عليهم زيد بن عمرو بن نفيل ، وهو ابن عم عمر بن الخطاب ، فدعوه ليأكل فقال إني لا آكل ما ذبحتم للأصنام ! وقد جعلوا من زيد هذا شخصية مهمة قبل الإسلام ! وزعموا أنه كان أتقى من النبي صلى الله عليه وآله !
فلننظر كيف روى البخاري هذه القصة المفتراة :
قال في صحيحه : 4 / 232 : ( عن عبد الله بن عمر أن النبي ( ص ) لقي زيد بن عمرو بن نفيل بأسفل بلدح ، قبل أن ينزل على النبي الوحي ، فقدمت إلى النبي سفرة فأبى أن يأكل منها ، ثم قال زيد إني لست آكل مما تذبحون على أنصابكم ، ولا آكل إلا ما ذكر اسم الله عليه . وإن زيد بن عمرو كان يعيب على قريش ذبائحهم ويقول : الشاة خلقها الله وأنزل لها من السماء الماء ، وأنبت لها من الأرض ، ثم تذبحونها على غير اسم الله ؟ ! إنكاراً لذلك وإعظاماً له ) ! ! انتهى .
ثم رواها البخاري برواية أكثر صراحة ، قال في : 6 / 225 : ( فقدم إليه رسول الله ( ص ) سفرة فيها لحم فأبى أن يأكل منها ، ثم قال : إني لا آكل مما تذبحون على أنصابكم ، ولا آكل إلا مما ذكر اسم الله عليه ) ! !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 295 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد حاول شراح البخاري كالقاضي عياض ، وابن بطال ، وابن منير ، وغيرهم أن يفسروا الرواية بأن السفرة قدمتها قريش إلى النبي صلى الله عليه وآله فرفض أن يأكل منها ، ثم قدمها إلى زيد فرفض كذلك . . وكذبوا في ذلك وتمحلوا وأطالوا كعادتهم ! مع أن الرواية لم تذكر وجود أحد في القصة غير النبي صلى الله عليه وآله وزيد !
قال ابن حجر في فتح الباري : 7 / 108 : ( وقال ابن بطال : كانت السفرة لقريش قدموها للنبي ( ص ) فأبى أن يأكل منها ، فقدمها النبي ( ص ) لزيد بن عمرو فأبى أن يأكل منها ، وقال مخاطباً لقريش الذين قدموها أولا : إنا لا نأكل ما ذبح على أنصابكم . انتهى . وما قاله محتمل لكن لا أدري من أين له الجزم بذلك ! فإني لم أقف عليه في رواية أحد ! وقد تبعه بن المنير في ذلك ، وفيه ما فيه ) !
ومال ابن حجر إلى أن السفرة كانت للنبي صلى الله عليه وآله وأن الذي ذبح القربان للصنم هو خادمه زيد بن حارثة ! وهذا هو المفهوم من قول البخاري : ( فقدم إليه رسول الله ( ص ) سفرة فيها لحم فأبى أن يأكل منها ، ثم قال : إني لا آكل مما تذبحون على أنصابكم ، ولا آكل إلا مما ذكر اسم الله عليه ) ! !
لكن ابن حجر حاول أن يبرر ذلك ، بأنه لم يكن بأمر النبي صلى الله عليه وآله ! !
ومن عادة رواتهم وعلمائهم في التبرير أن يغمضوا عيونهم عن الروايات التي تنقض ما يريدون ، حتى لو كانت صحيحة ، وكانت أضعاف ما يتشبثون به !
وإلا فلماذا لم يذكروا هنا ما رواه أحمد في مسنده ، وفي فضائل الصحابة ، والنسائي في سننه ، والبيهقي في سننه ، وابن حبان في صحيحه ، والطبراني في معجمه الكبير ، وابن عساكر في تاريخه ، وابن سعد في طبقاته ، والمزي في تهذيبه ، والتيمي الأصفهاني في دلائله ، وغيرهم . . ؟ !
ورواياتها تنص على أن النبي صلى الله عليه وآله وزيداً قصدا بلدح وذبحا قرباناً لصنم هناك ، ثم لقيا زيد بن نفيل ، وأن النبي صلى الله عليه وآله قدم له السفرة . . . إلى آخر القصة !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 296 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فكيف يتمسكون بما أغفل ذبح الشاة للصنم ، ويغمضون أعينهم عما فسر إجمال روايات البخاري ومسلم ، مع أنه يجب حمل المجمل على المفسر ؟ !
بل روى أحمد وغيره هذه الفضيلة لزيد ! وذكر أن النبي صلى الله عليه وآله وزيداً قصدا الصنم ليذبحا عنده ، فذبحا الشاة وشوياها ، وحملاها عائدين إلى مكة ، فلقيهما زيد بن نفيل . . . الخ .
قال أحمد في فضائل الصحابة ص 25 : ( عن زيد بن حارثة قال خرج رسول الله ( ص ) وهو مردفي إلى نصب من الأنصاب فذبحنا له شاة ثم صنعناها له حتى إذا نضجت جعلناها في سفرتنا ثم أقبل رسول الله ( ص ) يسير وهو مردفي في يوم حار من أيام مكة ، حتى إذا كنا بأعلى الوادي لقيه زيد بن عمرو بن نفيل . . . الخ . ) .
بل وصفت بعض رواياتها كيف صنعوا الشاة بعد ذبحها للصنم ، وأنهم شووها في ( الإرة ) حتى نضجت ، وفسر اللغويون وأصحاب غريب الحديث ( الإرة ) بكسر الهمزة وفتح الراء ، بأنها التنور وشبهه ، واستشهد بعضهم بالحديث !
قال الطبراني في معجمه الكبير : 5 / 86 : ( خرج رسول الله ( ص ) وهو مردفي إلى نصب من الأنصاب فذبحنا له شاة ، ثم صنعناها في الإرة ، فلما نضجت استخرجناها في سفرتنا ، ثم ركب رسول الله ( ص ) ناقته وهو مردفي . . . الخ . ) !
وفيه نص على أن النبي صلى الله عليه وآله هو الذي قصد الصنم ليذبح له ، وأنه أمر زيداً بعد ذبح الشاة بشويها في تنور وجعلها في سفرة ، وعاد بها إلى مكة مشوية تحمل بركة الصنم ، فقد كان سفره إذن خاصاً لأجل تقديم قربان للصنم !
فهل يمكنهم التغطية على هذه الفرية ؟ !
وهل ينفع البخاري بتره للحديث وأخذ منه الجزء الذي يدل على فضيلة لزيد بن نفيل ابن عم الخليفة عمر ، حيث خاطب زيد النبي صلى الله عليه وآله بقوله : ( إني لا آكل مما تذبحون على أنصابكم ) ! على حد تعبير بخاري !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 297 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وهذه هل الرواية الكاملة صحيحة عندهم لهذه الفرية المزعومة ، وأظن أن أصلها عن سعيد بن زيد بن نفيل ، فلا يستبعد عليه أن يضع في مدح أبيه ، بعد أن شهد عليه أمير المؤمنين عليه السلام بأنه وضع حديث العشرة المبشرة في عهد عثمان :
قال الهيثمي في مجمع الزوائد : 9 / 417 : ( وعن زيد بن حارثة قال : خرجت مع رسول الله ( ص ) يوماً حاراً من أيام مكة وهو مرد في إلى نصب من الأنصاب وقد ذبحنا له شاة فأنضجناها ، قال فلقيه زيد بن عمرو بن نفيل فحيا كل واحد منهما صاحبه بتحية الجاهلية فقال النبي ( ص ) : يا زيد مالي أرى قومك قد شنفوا لك ؟ قال والله يا محمد ذلك لغير نائله لي منهم ، ولكني خرجت أبتغي هذا الدين ، حتى أقدم على أحبار فدك وجدتهم يعبدون الله ويشركون به . قال : قلت ما هذا الدين الذي أبتغي . فخرجت حتى أقدم على أحبار الشام فوجدتهم يعبدون الله ويشركون به ! قلت : ما هذا الدين الذي أبتغي . فقال شيخ منهم : إنك لتسأل عن دين ما نعلم أحداً يعبد الله به إلا شيخ بالحيرة . قال : فخرجت حتى أقدم عليه فلما رآني قال : ممن أنت ؟ قلت : من أهل بيت الله ، من أهل الشوك والقرظ ، فقال : إن الدين الذي تطلب قد ظهر ببلادك ، قد بعث نبي ، قد ظهر نجمه وجميع من رأيتهم في ضلال ، فلم أحس بشئ بعد يا محمد .
قال : وقرب إليه السفرة فقال : ما هذا يا محمد ؟ فقال : شاة ذبحناها لنصب من الأنصاب ! فقال : ما كنت لآكل مما لم يذكر اسم الله عليه !
قال زيد بن حارثة : فأتى النبي ( ص ) البيت فطاف به وأنا معه ، وبين الصفا والمروة صنمان من نحاس أحدهما يقال له يساف والآخر يقال له نائلة ، وكان المشركون إذا طافوا تمسحوا بهما فقال النبي ( ص ) : لا تمسحهما فإنهما رجس ! فقلت في نفسي لأمسنهما حتى أنظر ما يقول النبي ( ص ) ! فقال النبي ( ص ) لزيد :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 298 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إنه يبعث أمة وحده . رواه أبو يعلى والبزار والطبراني إلا أنه قال فيه فأخبرته بالذي خرجت له فقال : كل من رأيت في ضلال وإنك لتسأل عن دين الله وملائكته وقد خرج في أرضك نبي أو هو خارج ، فارجع فصدقه وآمن به . وقال أيضاً : فقال زيد : إني لا آكل شيئاً ذبح لغير الله . ورجال أبي يعلى والبزار وأحد أسانيد الطبراني رجال الصحيح غير محمد بن عمرو بن علقمة وهو حسن الحديث ) . انتهى . ( راجع فضائل الصحابة ص 25 ، ومسند أحمد : 2 / 68 و 89 ، و 127 ، وسنن البيهقي : 9 / 250 ، و الآحاد والمثاني للضحاك : 1 / 199 ، وسنن النسائي : 5 / 54 وصحيح ابن حبان : 12 / 47 ، والمعجم الكبير للطبراني : 5 / 86 ، ودلائل النبوة لإسماعيل الأصبهاني ص 79 ، والطبقات الكبرى : 3 / 380 ، وتاريخ دمشق : 19 / 345 ، و 508 ، وتهذيب الكمال : 1 / 39 ) .
وزعموا أن التقي زيد بن نفيل وعظ النبي صلى الله عليه وآله !
مفهوم رواياتهم أن النبي صلى الله عليه وآله وإن أكل الشاة في ذلك اليوم ولم يرمها ! لكنه اتعظ للمستقبل من التقي زيد بن عمرو بن نفيل ، فلم يأكل بعد ذلك مما ذبح للأصنام ! ففي المعجم الكبير للطبراني : 1 / 152 : ( فما رؤي النبي ( ص ) يأكل مما ذبح على النصب من يومه ذلك حتى بعث . قال : وجاء سعيد بن زيد إلى النبي ( ص ) فقال يا رسول الله إن زيداً كان كما رأيت أو كما بلغك فاستغفر له ، قال : نعم أستغفر له فإنه يبعث يوم القيامة أمة وحده ) . ونحوه : فتح الباري : 7 / 109 ، والزوائد : 9 / 417
قال السيد ابن طاووس في الطرائف ص 369 : ( ومن ذلك ما رواه الحميدي في الجمع بين الصحيحين أيضاً ، في الحديث الرابع عشر من إفراد البخاري من مسند عبد الله بن عمر أنه كان يحدث عن رسول الله ( ص ) أنه لقي زيد بن عمر بن نفيل بأسفل بلدح وذاك قبل أن ينزل الوحي على رسول الله ( ص ) فقدم إليه رسول الله سفرة فيها لحم فأبى أن يأكل منها ، ثم قال : إني لا آكل مما تذبحون
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 299 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
على أنصابكم ولا آكل مما لم يذكر اسم الله عليه !
( قال عبد المحمود ) : أنظروا رحمكم الله إلى هذه الرواية التي شهدوا بصحتها وأن نبيهم ممن يذبح على الأنصاب ويأكل منه ! وقد ذكروا في كتبهم أن الله كان يتولى تربيته وتأديبه وجبرئيل يلازم تهذيبه ، وأنه ما كانت له متابعة للجاهلية ، ولا رضي شيئاً من أمورهم ! فكيف كذَّبوا أنفسهم في ذلك كله ، وفي مدح الله تعالى له ومدحهم له لأول أمره وآخره وظاهره وباطنه ، ثم مع هذا يشهدون عليه أن زيد بن عمر بن نفيل كان أعرف بالله منه وأتم حفظاً لجانب الله ؟ ! فكيف أقتدي أنا وغيري من العقلاء بقوم يروون مثل هذا ويصححونه ؟ ! ولقد سألت علماء أهل العترة من شيعتهم فرأيتهم ينكرون تصديق ذلك غاية الإنكار ) .
* *
الأسئلة
1 - هل تقبلون الروايات القرشية في أن النبي صلى الله عليه وآله كان يعبد الأصنام ويذبح لها ويأكل مما ذبح على النصب ؟
2 - هل تقبلون الروايات القرشية في زيد بن نفيل وورقة بن نوفل ؟ وإذا صح ذلك وكانا في الجاهلية أفضل من النبي صلى الله عليه وآله فلماذا بعث الله محمداً دونهما ؟ !
3 - ألا تلاحظون روايات مدح زيد بن نفيل وورقة بن نوفل وتعظيمهما ، وفي مقابلها روايات ذم والدي النبي صلى الله عليه وآله ، وعمه أبي طالب ، وجده عبد المطلب وأنهم كانوا كفاراً ، وأنهم في قعر جهنم ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 300 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة 155 : زعموا أن عمر أمر النبي صلى الله عليه وآله أن يحجب نساءه ، فلم يطعه فنزل الوحي !

يتعجب الإنسان من طريقتهم في مدح عمر ، فكأنهم لا يستطيعون أن يمدحوه إلا بالطعن بالنبي صلى الله عليه وآله ! وكأن المطلوب تفضيله على رسول الله صلى الله عليه وآله !
ومن ذلك ما زعموه في سبب نزول آية الحجاب ، من أن عمر كان يقول للنبي صلى الله عليه وآله : أحجب نساءك ، فلم يكن رسول الله يفعل ! فنزل الوحي موافقاً لرأي عمر ، وأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله أن يحجب نساءه ! ( البخاري : 1 / 46 )
إن كثرة رواياتهم في ذلك تجعل القارئ يَتخَيَّل أن نساء النبي صلى الله عليه وآله كنَّ غير محجبات ، وأن النبي صلى الله عليه وآله قصَّرَ أو تسامح في حجابهن ! مع أن الواقع أنهن كنَّ محجبات كغيرهن ، وكانت سورة النور قد نزلت وفيها آيات عديدة حول الحجاب وآداب الأسرة والاختلاط . أما آية الحجاب في سورة الأحزاب فزادت في حجابهن بأن فرضت عليهنَّ أن لا يكلمن الرجال الأجانب إلا من وراء ستر . ، وهذه آيات الحجاب في سورة النور :
( قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ . وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الأرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِين
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 301 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جميعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ . ( سورة النور : 30 - 31 )
وقال تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَئْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَوةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَوةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الآيات وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ .
وإذا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَئْذِنُوا كَمَا اسْتَئْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ .
وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) . ( سورة النور : 58 - 60 )
* *
وهذه آيات تشديد الحجاب على نساء النبي صلى الله عليه وآله في سورة الأحزاب :
( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً . وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فإن اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا . يَا نِسَاءَ النبي مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا . وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ للهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالحاً نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا .
يَا نِسَاءَ النبي لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قولاً مَعْرُوفًا . وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأولى وَأَقِمْنَ الصَّلَوةَ وَآتِينَ الزَّكَوةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إنما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرُكُمْ تَطْهِيراً . وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللهَ كَانَ لطيفاً خَبِيرًا ) . ( سورة الأحزاب : 28 - 34 )
وقال تعالى : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ أنا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ الْلاتِي أتيت أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 302 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
اللاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا للنبي إِنْ أراد النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا .
تُرْجِى مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُئْوِى إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَلِيمًا .
لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَئٍْ رَقِيبًا .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النبي إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فإذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتأنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِى النبي فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وإذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللهِ عظيماً .
إِنْ تُبْدُوا شيئاً أَوْ تُخْفُوهُ فإن اللهَ كَانَ بِكُلِّ شَئٍْ عَلِيمًا .
لا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلا أَبْنَائِهِنَّ وَلا إِخْوَانِهِنَّ وَلا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلا نِسَائِهِنَّ وَلامَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللهَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَئٍْ شَهِيدًا .
إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النبي يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا .
إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا .
وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا .
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا .
لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلا قليلاً . مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً . سُنَّةَ اللهِ فِي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 303 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً ) . ( سورة الأحزاب : 50 - 62 )
وسياق الآيات واضح في أن الله تعالى أراد من نساء نبيه صلى الله عليه وآله أن يتحلَّيْنَ بمتانة الشخصية ورصانة الكلام : فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ ، وأن لا يكثرن الرواح والمجئ ، ولا يتصدَّيْنَ للأمور السياسية : وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ، وأن يكنَّ في مستوى مسؤولية كونهن زوجات النبي صلى الله عليه وآله ، وفي مستوى مقام أمهات المؤمنين الذي أعطاه الله لهن ، وإلا . . فليتنحَّيْنَ من حياة رسول الله صلى الله عليه وآله !
وواضح أيضاً أن الظروف التي كانت تحيط بالنبي صلى الله عليه وآله كانت مؤذية له في نبوته ، وشخصه ، وأهل بيته ، ونسائه .
آية الحجاب
مقصودهم بآية الحجاب قوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النبي إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فإذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النبي فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللهُ لا يَسْتَحْيي مِنَ الْحَقِّ وإذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللهِ عظيماً ) .
وهي آية واحدة فيها ثلاثة أحكام : أدب الدخول إلى بيت النبي صلى الله عليه وآله . وحرمة تكليم نسائه إلا من وراء حجابٍ وسترٍ ، وقد سميت بآية الحجاب لذلك . وحرمة الزواج بهنَّ بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله ، لأنهن أمهات المؤمنين .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 304 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
سبب نزول آية الحجاب
من الأكاذيب التي تكثر في أسباب النزول أنهم رووا لنزول آية الحجاب أسباباً عديدة متناقضة ، كل واحد منها سبباً مباشراً نزلت الآية على أثره ! وأكثر ما قبلوه منها قول عمر إنه أمر النبي صلى الله عليه وآله أن يحجب نساءه فلم يفعل ، فنزلت الآية !
وعند التأمل فيها تجد منها سببين معقولين ينبغي قبولهما ورد ما سواهما ، لأن الآية نصَّت على أحدهما وأشارت إلى الآخر :
فقد نصت الآية على أن رجلين أثقلا على النبي صلى الله عليه وآله وجلسا بعد وليمته ، وأطالا الجلوس : ( وَلا مُسْتأنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النبي فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللهُ لا يَسْتَحْيى مِنَ الْحَقِّ ) . وهو ينطبق على ما رواه أنس من نزولها على أثر وليمة النبي صلى الله عليه وآله بعد زواجه من زينب بنت جحش .
كما أشارت الآية إلى أن بعضهم كان يؤذي النبي صلى الله عليه وآله في أمر نسائه : ( وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا ) ، وهذا ينطبق على ما رووه من سوء أدب طلحة مع النبي صلى الله عليه وآله في أمر عائشة ، بحجة أنها ابنة عمه ، لأنها من عشيرته بني تَيْم ، فنزلت الآية على أثره !
روايات السبب الأول : تأخر الثقلاء في بيت النبي صلى الله عليه وآله
روى البخاري : 6 / 24 ، عن أنس قال : ( أنا أعلم الناس بهذه الآية آية الحجاب . لما أهديت زينب بنت جحش إلى رسول الله ( ص ) وكانت معه في البيت ، صنع طعاماً ودعا القوم فقعدوا يتحدثون ، فجعل النبي ( ص ) يخرج ثم يرجع وهم قعود يتحدثون ، فأنزل الله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ . . . إلى قوله : مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ، فضُرب الحجاب وقام القوم ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 305 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي البخاري : 6 / 26 ، عن أنس قال : ( أَوْلَمَ رسول الله ( ص ) حين بنى بزينب ابنة جحش ، فأشبع الناس خبزاً ولحماً ، ثم خرج إلى حجر أمهات المؤمنين كما كان يصنع صبيحة بنائه فيسلم عليهن ويدعو لهن ويسلمن عليه ويدعون له ، فلما رجع إلى بيته رأى رجلين جرى بهما الحديث ، فلما رآهما رجع عن بيته ، فلما رأى الرجلان نبي الله ( ص ) رجع عن بيته وثبا مسرعين ، فما أدري أنا أخبرته بخروجهما أم أُخبر ، فرجع حتى دخل البيت ، وأرخى الستر بيني وبينه ، وأنزلت آية الحجاب ) . انتهى .
ورواه البخاري بروايات أيضاً تحت عنوان : ( باب قوله : لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ . وَلَكِنْ إذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فإذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وإذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيماً ) . ( الأحزاب : 53 ) ثم رواه في مواضع أخرى مثل : 6 / 142 ، وقال أيضاً في : 8 / 176 : ( سمعت أنس بن مالك يقول : نزلت آية الحجاب في زينب بنت جحش ، وأطعم عليها يومئذ خبزاً ولحماً ، وكانت تفخر على نساء النبي وكانت تقول : إن الله أنكحني في السماء ) . انتهى . ( ورواه أيضاً في الأدب المفرد ص 225 ) .
وفي مسلم : 4 / 151 : ( قال فدخلوا حتى امتلأت الصفة والحجرة فقال رسول الله ( ص ) : ليتحلق عشرة عشرة وليأكل كل إنسان مما يليه ، قال : فأكلوا حتى شبعوا ، قال فخرجت طائفة ودخلت طائفة حتى أكلوا كلهم ، فقال لي يا أنس إرفع ، قال : فرفعت فما أدري حين وُضعتْ كان أكثر أم حين رُفعت ! قال : وجلس طوائف منهم يتحدثون في بيت رسول الله ( ص ) ورسول الله جالس وزوجته مولية
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 306 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وجهها إلى الحائط ، فثقلوا على رسول الله . . . ودخل وأنا جالس في الحجرة ، فلم يلبث إلا يسيراً حتى خرج عليَّ وأنزلت هذه الآية ) .
فهذا السبب المروي بأسانيد صحيحة لا بد من قبوله ، لأن الآية تنص عليه .
روايات السبب الثاني : إيذاؤهم للنبي صلى الله عليه وآله
رواه السيوطي في الدر المنثور : 5 / 214 : ( وأخرج ابن سعد ، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم في قوله : وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ . . قال : نزلت في طلحة بن عبيد الله ، لأنه قال : إذا توفي رسول الله ( ص ) تزوجْتُ عائشة ! !
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن السدِّي قال : بلغنا أن طلحة بن عبيد الله قال : أيحجبنا محمد عن بنات عمنا ويتزوج نساءنا من بعدنا ! لئن حدث به حدث لنتزوجن نساءه من بعده ! فنزلت هذه الآية !
وأخرج ابن جرير ، عن ابن عباس أن رجلاً أتى بعض أزواج النبي ( ص ) فكلمها وهو ابن عمها ، فقال النبي ( ص ) : لا تقومَنَّ هذا المقام بعد يومك هذا ! فقال : يا رسول الله إنها ابنة عمي ، والله ما قلت لها منكراً ولا قالت لي ! قال النبي : قد عرفت ذلك ، إنه ليس أحد أغْيَرُ من الله ، وإنه ليس أحد أغيرُ مني ! فمضى ثم قال : يمنعني من كلام ابنة عمي ! لأتزوجنها من بعده ! فأنزل الله هذه الآية ) ! !
ورواه البيهقي في سننه : 7 / 69 : ( عن ابن عباس قال : قال رجل من أصحاب النبي ( ص ) : لو قد مات رسول الله ( ص ) لتزوجت عائشة أو أم سلمة ، فأنزل الله عز وجل : وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيماً ) .
وقال الطبري في تفسيره : 22 / 50 : ( ذكر أن ذلك نزل في رجل كان يدخل قبل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 307 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الحجاب ، قال : لئن مات محمد لأتزوجن امرأة من نسائه سماها ، فأنزل الله تبارك وتعالى في ذلك : وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً . ذكر من قال ذلك . . . وروى الطبري فيه عن ابن زيد قال : ( ربما بلغ النبي ( ص ) أن الرجل يقول : لو أن النبي ( ص ) توفي تزوجت فلانة من بعده ، قال : فكان ذلك يؤذي النبي ( ص ) فنزل القرآن : وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ . . الآية ) . انتهى .
وفي أسباب النزول للواحدي ص 243 : ( قال رجل من سادة قريش : لو توفي رسول الله ( ص ) لتزوجت عائشة ، فأنزل الله تعالى ما أنزل ) .
وفي معاني القرآن للنحاس : 5 / 373 : ( قال قتادة : قال رجل من أصحاب رسول الله ( ص ) : إن مات رسول الله زوجت فلانة ، قال معمر : قال هذا طلحة لعائشة ) .
أما من طرقنا ، ففي تفسير التبيان : 8 / 358 : ( وقال السدي : لما نزل الحجاب قال رجل من بني تيم أنحجب من بنات عمنا ؟ ! إن مات عَرَّسْنا بهنَّ ، فنزل قوله : وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيماً ) .
وفي تفسير نور الثقلين : 4 / 298 : ( كان سبب نزولها أنه لما أنزل الله : النَّبِيُّ أولى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أنفسهم وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ، وحرَّم الله نساء النبي صلى الله عليه وآله على المسلمين ، غضب طلحة فقال : يحرِّم محمدٌ علينا نساءه ويتزوج هو نساءنا !
لئن أمات الله محمداً لنركضن بين خلاخيل نسائه كما ركض بين خلاخيل نساءنا ! ! فأنزل الله عز وجل : وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيما ) . انتهى .
ولا يتسع المجال لأن نستقصي روايات الفريقين المستفيضة في الموضوع ، وطرقها عديدة ، وبعض أسانيدها صحيحة ، وكلها تؤيد ما أشارت اليه الآية ، وما دل عليه السياق من إيذاء بعض مرضى القلوب للنبي صلى الله عليه وآله في زوجاته !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 308 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
روايات الأسباب الأخرى المزعومة
يدعي عمر أنه هو السبب في نزول آية الحجاب ، وأنه قال للنبي صلى الله عليه وآله أحجب نساءك ، فإنه يدخل عليك البر والفاجر ، ويراهنَّ الرجال ويكلمونهن ، فلم يسمع النبي كلامي ! لكن الله سمع كلامي ووافقني وأنزل آية الحجاب ! !
قال البخاري : 5 / 149 و : 6 / 24 : ( قال قال عمر : وافقت الله في ثلاث ، أو وافقني ربي في ثلاث : قلت يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى ؟ وقلت يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر ، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب ، فأنزل الله آية الحجاب ) . وفي : 1 / 105 : ( فإنه يكلمهن البر والفاجر ) .
وروى البخاري أن عائشة صدَّقت عمر ، قال في : 1 / 46 : ( باب خروج النساء إلى البراز . . . عن عائشة : إن أزواج النبي ( ص ) كن يخرجن بالليل إذا تبرزن إلى المناصع وهو صعيد أفْيَح ، فكان عمر يقول للنبي : أحجب نساءك ، فلم يكن رسول الله يفعل ! فخرجت سودة بنت زمعة زوج النبي ليلة من الليالي عشاء وكانت امرأة طويلة فناداها عمر : ألا قد عرفناك يا سودة ! حرصاً على أن ينزل الحجاب ، فأنزل الله الحجاب ) ! !
ورواه البخاري في : 7 / 128 ، وفيه : ( قالت : فأنزل الله عز وجل آية الحجاب ) .
وروى البخاري أن عائشة سحبت تصديقها لعمر !
قالت في مرة أخرى إن مشاهدة عمر لسودة كانت بعد نزول آية الحجاب ، وإن الوحي نزل يومها لم يطع عمر ! قال البخاري : 6 / 26 : ( خرجَتْ سوْدة بعد ما ضرب الحجاب لحاجتها ، وكانت امرأة جسيمة لا تخفى على من يعرفها ، فرآها عمر بن الخطاب فقال : يا سودة أما والله ما تخفيْن علينا ، فانظري كيف تخرجين !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 309 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قالت فانكفأتْ راجعةً ورسول الله في بيتي وإنه ليتعشى وفي يده عِرْقٌ ، فدخلتْ فقالت : يا رسول الله إني خرجتُ لبعض حاجتي فقال لي عمر كذا وكذا ، قالت : فأوحى الله إليه ، ثم رفع عنه وإن العرق في يده ما وضعه ، فقال : إنه قد أذن لكنَّ أن تخرجن لحاجتكن ) . انتهى .
فهذه الرواية الصحيحة عندهم أيضاً صريحة في أن قصة مشاهدة عمر لسورة كانت بعد فرض الحجاب ونزول آيته ، وأن الذي نزل فيها ليس آية الحجاب بل ترخيص نساء النبي صلى الله عليه وآله بالخروج من بيت النبي صلى الله عليه وآله لحاجتهن .
ثم سحبت عائشة تصديقها لعمر ولنفسها !
قالت كما في الأدب المفرد للبخاري ص 225 : ( كنت آكل مع النبي ( ص ) حَيْساً فمرَّ عمر فدعاه فأكل ، فأصابت يده إصبعي فقال حِسْ ، لو أُطاع فيكن ما رأتكن عين ، فنزل الحجاب ) . انتهى .
وقد وثقه في مجمع الزوائد : 7 / 93 فقال : ( رواه الطبراني في الأوسط ، ورجاله رجال الصحيح ، غير موسى بن أبي كثير ، وهو ثقة ) . انتهى .
وقال عنه في الدر المنثور : 5 / 213 : ( وأخرج النسائي ، وابن أبي حاتم ، والطبراني وابن مردويه ، بسند صحيح عن عائشة قالت : كنت أكل مع النبي ( ص ) طعاماً في قعب فمر عمر فدعاه فأكل فأصابت إصبعه إصبعي فقال عمر : أوه ، لو أطاع فيكن ما رأتكن عين ! فنزلت آية الحجاب ) ! انتهى .
وهذه الرواية الصحيحة عندهم تجعل غِيرةَ عمر وتقواه ، سبب نزول آية الحجاب ، وأنه كان يتأسف لأن النبي صلى الله عليه وآله لا يطيعه ! فيقول : ( لو أطاع فيكن ) ! ولا تذكر أن النبي صلى الله عليه وآله كرهَ أن تمسَّ يد زوجته يد رجل أجنبي !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 310 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
النبي صلى الله عليه وآله أكثر غيرةً من عائشة وعمر !
فقد قال مجاهد إن النبي صلى الله عليه وآله كره ما حدث وكانت كراهته سبب نزول الآية !
قال في فتح الباري : 1 / 219 : ( وروى بن جرير في تفسيره من طريق مجاهد قال : بينما النبي ( ص ) يأكل ومعه بعض أصحابه وعائشة تأكل معهم إذ أصابت يد رجل منهم يدها ، فكره النبي ( ص ) ذلك فنزلت آية الحجاب ) . انتهى .
فهذه الرواية تشهد للنبي صلى الله عليه وآله بالغيرة والحمد لله ، وتجعل سبب نزول آية الحجاب كراهية النبي صلى الله عليه وآله لما حدث ، ولا تجعل سبب نزولها كراهية عمر لعدم إطاعة النبي صلى الله عليه وآله له في أمر أزواجه !
عبد الله بن عمر يردُّ قول أبيه لإثبات منقبة لأبيه !
ومن تناقضهم في الموضوع ما رواه أحمد : 1 / 456 ، عن عبد الله بن عمر قال : ( فَضُلَ الناسَ عمرُ بن الخطاب بأربع : بذكر الأسرى يوم بدر أمر بقتلهم فأنزل الله عز وجل : لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ، وبذكره الحجاب ، أمر نساء النبي ( ص ) أن يحتجبن فقالت له زينب : وإنك علينا يا ابن الخطاب والوحي ينزل في بيوتنا ؟ ! فأنزل الله عز وجل : وإذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ! وبدعوة النبي ( ص ) له اللهم أيد الإسلام بعمر ، وبرأيه في أبي بكر ، كان أول الناس تابعه ) ! انتهى .
فقد جعل ابن عمر نزول آية الحجاب بسبب كلام عمر ، لكن ليس على أثر تعرضه لسودة ، ولا على أثر أنَّ يده مسَّت يد عائشة ، بل على أثر مجادلته مع زينب بعد زواج النبي صلى الله عليه وآله بها !
فأين صارت مقولة عمر . . وهذه عائشة ترده ، وهذا مجاهد يردهما ؟ ! وهذا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 311 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أنس يشهد أن نزول الآية لا علاقة له بغيرة عمر ، ولا بمس يد أجنبي ليد عائشة ؟ !
وهذا ابن عمر يقول إن نزول الآية تأخر عن زواج النبي صلى الله عليه وآله بزينب !
هل يمكن أن تكون أسباب نزول الآية متعددة ؟
نعم ، يمكن بأن تكون حصلت قبل نزولها بمدة قصيرة أو طويلة ، فتنزل الآية على أثرها جميعاً . كما يمكن أن تنزل السورة أو الآية مرات متعددة لأسباب متعددة ، كما ثبت في سورة الكوثر ، وفي آية : ولسوف يعطيك ربك فترضى ، وآية : سأل سائل بعذاب واقع ، وآية المودة في القربى ، وغيرها .
كما يمكن أن تكون الآية الواحدة فقرتين أو أكثر ، ويكون لكل فقرة منها سبب نزول مستقل ، كما ثبت في آية التطهير : إنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرُكُمْ تَطْهِيراً ، فهي موجودة في القرآن ضمن آيات نساء النبي صلى الله عليه وآله كجزء آية ، لكن نصَّت الروايات الصحيحة عند الطرفين على أنها نزلت مستقلة في بيت أم سلمة ، وأن النبي صلى الله عليه وآله حدَّدَ أهل بيته بعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام ، وأدار عليهم الكساء وقال : هؤلاء أهل بيتي ، وأخرج منهم أم سلمة رضي الله عنها . فالدليل الخارجي دلَّ على أن هذا الفقرة الموجودة ضمن آية في نساء النبي صلى الله عليه وآله قد نزلت مستقلة بسببٍ مستقل .
ويؤيد ذلك الدليل الداخلي من الآية وهو استقلال معناها عما قبلها وبعدها بحيث لو حذفنا آية التطهير ووصلنا ما قبلها بما بعدها لما تأثر المعنى ولكان آية واحدة هكذا : وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأولى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ . . . وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللهَ كَانَ لطيفاً خَبِيرًا .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 312 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وكذلك القول في آية الحجاب ، فقد دلَّ الدليل من داخلها وخارجها على أن حكم الحجاب نزل بسبب الثقلاء الذين تأخروا في وليمة النبي صلى الله عليه وآله ، وأن حكم تحريم نسائه صلى الله عليه وآله نزل بسبب سوء أدب طلحة ، كما رأيت .
أما الأمور الأخرى التي ادعى عمر وعائشة وغيرهما أن حكم الحجاب نزل على أثر كل واحد منها ، فلا يمكن قبولها ، بل لابد من ردها ، لأنها أمورٌ متباينة لا يمكن الجمع بينها والقول بأن الآية نزلت على أثرها جميعاً .
وهذا لا ينافي احتمال أن تكون حوادث صحيحة في نفسها ، حدثت في أوقات متفاوتة وتراكمت ، فنزلت الآية جواباً عليها ، ولكنها لا تكون سبباً للنزول بالمعنى الذي قالوه ، ولا إثباتاً لما أرادوه !
تمحل ابن حجر من أجل تصحيح كلام عمر !
كثيراً ما يرتكب علماؤهم التكلف والتمحل من أجل تصحيح كلام عمر ! فقد حاول ابن حجر أن يحلَّ المشكلة بتصحيح كل الروايات ، ويجعل كل منها سبباً لنزول الآية ! مع أنها متضادة في الزمان ، والمكان ، والحدث ! ! قال في فتح الباري : 1 / 218 : ( قوله : أحجب نساءك ، أي إمنعهن من الخروج من بيوتهن . بدليل أن عمر بعد نزول آية الحجاب قال لسودة ما قال ، كما سيأتي قريباً .
ويحتمل أن يكون أراد أولاً الأمر بستر وجوههن ، فلما وقع الأمر بوفق ما أراد أحب أيضاً أن يحجب أشخاصهن مبالغة في التستر ، فلم يُجَبْ لأجل الضرورة . وهذا أظهر الاحتمالين ! وقد كان عمر يعدُّ نزول آية الحجاب من موافقاته ، كما سيأتي في تفسير سورة الأحزاب ) . انتهى .
ومعنى كلامه أن عمر كان يعدُّ الآية من موافقاته ، فلا بد من تصحيح كلامه ب‍ ( يحتمل ويحتمل ) حتى لو كان الاحتمال ركيكاً وغير معقول ! !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 313 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم قال ابن حجر : ( وسيأتي في تفسير الأحزاب أن سبب نزولها قصة زينب بنت جحش لمَّا أولم عليها وتأخر النفر الثلاثة في البيت ، واستحيا النبي ( ص ) أن يأمرهم بالخروج ، فنزلت آية الحجاب .
وسيأتي أيضاً حديث عمر : قلت يا رسول الله إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر فلو أمرتهن أن يحتجبن ، فنزلت آية الحجاب . . .
وروى ابن جرير في تفسيره من طريق مجاهد قال بينما النبي ( ص ) يأكل ومعه بعض أصحابه وعائشة تأكل معهم إذ أصابت يد رجل منهم يدها ، فكره النبي ( ص ) ذلك ، فنزلت آية الحجاب .
وطريق الجمع بينهما أن أسباب نزول الحجاب تعددت ، وكانت قصة زينب آخرها للنص على قصتها في الآية . والمراد بآية الحجاب في بعضها قوله تعالى : يدنين عليهن من جلابيبهن ) . انتهى .
ثم قال في فتح الباري : 8 / 408 : ( والحاصل : أن عمر وقع في قلبه نفرة من اطلاع الأجانب على الحريم النبوي ، حتى صرح بقوله له : أحجب نساءك وأكد ذلك ، إلى أن نزلت آية الحجاب . ثم قصد بعد ذلك أن لا يبدين أشخاصهن أصلاًً ولو كنَّ مستترات ! فبالغ في ذلك فمُنع منه ، وأذن لهن في الخروج لحاجتهن ، دفعاً للمشقة ورفعاً للحرج . . . وقد وقع في رواية مجاهد عن عائشة لنزول آية الحجاب سبب آخر أخرجه النسائي بلفظ : كنت أكل مع النبي ( ص ) حَيْساً في قَعْب ، فمرَّ عمر فدعاه فأكل فأصاب إصبعه إصبعي فقال : حس أو أوه ، لو أطاع فيكن ما رأتكن عين ، فنزل الحجاب .
ويمكن الجمع بأن ذلك وقع قبل قصة زينب ، فلقربه منها أطلقت نزول الحجاب بهذا السبب ، ولا مانع من تعدد الأسباب .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 314 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد أخرج ابن مردويه من حديث ابن عباس قال : دخل رجل على النبي ( ص ) فأطال الجلوس فخرج النبي ( ص ) ثلاث مرات ليخرج فلم يفعل فدخل عمر فرأى الكراهية في وجهه فقال للرجل لعلك آذيت النبي ( ص ) فقال النبي لقد قمت ثلاثاً لكي يتبعني فلم يفعل ، فقال له عمر : يا رسول الله لو اتخذت حجاباً ، فإن نساءك لسن كسائر النساء ، وذلك أطهر لقلوبهن ، فنزلت آية الحجاب ) !
ثم قال ابن حجر في : 11 / 20 : ( قوله : كان عمر بن الخطاب يقول لرسول الله : أحجب نساءك ، تقدم شرحه مستوفى في كتاب الطهارة وقوله في آخره : قد عرفناك يا سودة ، حرصاً على أن ينزل الحجاب فأنزل الله عز وجل الحجاب ) . انتهى .
فقد قبل ابن حجر أن مشاهدة عمر لسودة كان بعد نزول آية الحجاب ، لكن مع ذلك قال إن الآية كانت نزلت موافقةً لعمر ! لأن عمر أراد أولاً أن يستر أزواج النبي صلى الله عليه وآله وكأنهن كنَّ غير متسترات ! ( ثم قصد بعد ذلك أن لا يبدين أشخاصهن أصلاًً ولو كنَّ مستترات ! ) وأن تنزل آية ثانية بتحريم خروجهن من المنزل كلياً مبالغة في التستر ، فلم يوافقه الله تعالى !
فتكون أسباب نزول الآية عند ابن حجر :
أن النبي صلى الله عليه وآله كره ملامسة يد أجنبي ليد زوجته ، فنزلت على أثره الآية .
وأن ثقيلين أطالا الجلوس في بيته بعد الوليمة ، فنزلت على أثره الآية .
وأن عمر قال للنبي صلى الله عليه وآله أحجب نساءك فلم يفعل ، فنزلت على أثره الآية ! !
وأن عمر رأى سودة فتعرض لها وأخشن معها الكلام ( حرصاً على أن ينزل الحجاب ، فنزلت على أثره الآية ! الخ . . .
فهل يقبل العقل أن آية واحدة نزلت على أثر هذه الأسباب مباشرة ، وهي أمور متباينة في الوقت والفعل ؟ ! وهل الحشو والتناقض إلا مثل هذا الكلام ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 315 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أما محاولته أن يجعل آية الحجاب متعددة ، بقوله : ( والمراد بآية الحجاب في بعضها قوله تعالى : يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ، فهي محاولة هروب فاشلة من تناقض روايتهم في سبب نزولها ، من أجل إثبات أنها نزلت موافقةً لعمر ! فآية الحجاب هي التي فيها : وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ . فهي المسماة عندهم آية الحجاب ، وكل الذين رووا سبب نزولها وأنه عمر أو غيره ، قصدوا هذه الآية ولم يذكروا آية غيرها !
لكن ابن حجر أراد أن يجعل آية الجلابيب آية الحجاب ، وهي لا تختص بنساء النبي صلى الله عليه وآله ففيها : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ! لكن التخليط جائز عندهم ، ما دام الغرض إثبات منقبة لعمر !
* *
ثم تعالَ وانظر إلى فقه الحديث عند ابن بطال الذي ارتضى كلامه ابن حجر ، فهو نموذج لإصرارهم على إثبات منقبة لعمر ، حتى لو استوجبت طعناً بعصمة النبي صلى الله عليه وآله وعدالته وغيرته !
قال ابن حجر في الفتح : 1 / 219 : ( قال ابن بطال : فقه هذا الحديث . . . وفيه : مراجعة الأدنى للأعلى فيما يتبين له أنه الصواب ، وحيث لا يقصد التعنت . ( يقصد مراجعة عمر للنبي صلى الله عليه وآله والمراجعة تشمل مناقشته والرد عليه صلى الله عليه وآله ) !
وفيه : منقبة لعمر ! ( أي أن الله وافقه على رأيه ، وخطَّأ نبيه صلى الله عليه وآله ) !
وفيه : جواز كلام الرجال مع النساء في الطرق الضرورية ، وجواز الإغلاظ في القول لمن يقصد الخير ! ( يقصد كلام عمر وإغلاظه مع النبي صلى الله عليه وآله وسودة ) !
وفيه : جواز وعظ الرجل أمَّه في الدين ، لأن سودة من أمهات المؤمنين !
( يقصد أن لعمر الحق في أن ينصحها ويعظها ، لكنهم حرَّموا نصيحة عائشة في حرب الجمل ) !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 316 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم قال ابن بطال : وفيه أن النبي ( ص ) كان ينتظر الوحي في الأمور الشرعية لأنه لم يأمرهن بالحجاب مع وضوح الحاجة إليه ، حتى نزلت الآية . وكذا في إذنه لهن بالخروج ) ! ! انتهى كلام ابن حجر وابن بطال . .
ولك أن تلاحظ قوله : ( كان ينتظر الوحي في الأمور الشرعية ) الذي يعني أن النبي صلى الله عليه وآله كان في غير الأحكام يقول باجتهاده وظنونه ، ولا ينتظر الوحي ، ولذا كان الله تعالى يخطِّؤه ويصوِّب رأي عمر !
على أن قولهم إنه صلى الله عليه وآله كان ينتظر الوحي في الأحكام مجاملة ، فقد قالوا إنه صلى الله عليه وآله كان يجتهد ويخطئ حتى في الأحكام ، وحتى في تبليغ رسالة ربه ! !
والنتيجة : أنه يجب عليك أن تقبل أن آية الحجاب نزلت بناء على طلب عمر ، وأن عجلة عمر وغلظته وتدخله فيما لا يعنيه ، وعدم انتظاره لأمر النبي صلى الله عليه وآله وما يوحيه ربه اليه . . كلها فضائل ، بل مناقب عظيمة تفوق انتظار النبي صلى الله عليه وآله للوحي ! بدليل أن الله تعالى وافق رأي عمر !
* *
وينبغي أن نلفت هنا إلى بعض ألاعيب ابن حجر في جعله حديث : أحجب نساءك ، وحديث عمر مع سودة بصيغة المتباينة ، حديثاً واحداً ! ثم جعل حديث أنس عن زواج النبي صلى الله عليه وآله بزينب متصلاً به فقال :
( ويجمع بينه وبين حديث أنس في نزول الحجاب بسبب قصة زينب أن عمر حرص على ذلك حتى قال لسودة ما قال . . ! فاتفقت القصة للذين قعدوا في البيت في زواج زينب فنزلت الآية ! فكان كل من الأمرين سبباً لنزولها . . . وقد سبق إلى الجمع بذلك القرطبي فقال : يحمل على أن عمر تكرر منه هذا القول قبل الحجاب وبعده ، ويحتمل أن بعض الرواة ضم قصة إلى أخرى ، قال : والأول
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 317 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أولى ، فإن عمر قامت عنده أنفةٌ من أن يَطَّلع أحد على حرم النبي ( ص ) فسأله أن يحجبهن ، فلما نزل الحجاب كان قصده أن لا يخرجن أصلاًً ، فكان في ذلك مشقة ، فأذن لهن أن يخرجن لحاجتهن التي لا بد منها ) ! انتهى .
وهذا مثلٌ لتخرص شخص مغرم بعمر لا يرى النبي صلى الله عليه وآله إلا بعده ، فتراه يفرض احتمالاًت لا دليل عليها بل الدليل على ضدها ، ويبني عليه منقبة لمن شغف به !
من هم الثقلاء الذين تأخروا بعد انصراف الناس من وليمة النبي صلى الله عليه وآله ؟
ورد في رواياتهم ذكر ثلاثة رجال ثقلاء لم يسمهم الرواة ، وقد عودونا أنهم عندما لا يُسَمُّون مذموماً ، فهو من شخصيات قريش ! ! ولم نجد من صرح باسم هذين الرجلين الثقيلين المؤذيين ، ولا باسم ثالثهم الذي خرج قبلهما فكان أقلَّ منهما أذى وسوء أدب ! قال في فتح الباري : 8 / 406 : ( فلما رأى ذلك قام فلما قام قام من قام وقعد ثلاثة نفر . . في رواية عبد العزيز : وبقي ثلاثة رهط وفي رواية حميد : فلما رجع إلى بيته رأى رجلين ، ووافقه بيان بن عمرو عن أنس عند الترمذي ، وأصله عند المصنف أيضاً ، ويجمع بين الروايتين بأنهم أول ما قام وخرج من البيت كانوا ثلاثة ، وفي آخر ما رجع توجه واحد منهم في أثناء ذلك فصاروا اثنين . وهذا أولى من جزم ابن التين بأن إحدى الروايتين وَهْمٌ . وجوز الكرماني أن يكون التحديث وقع من اثنين منهم فقط والثالث كان ساكتاً . فمن ذكر الثلاثة لحظ الأشخاص ومن ذكر الاثنين لحظ سبب العقود . ولم أقف على تسمية أحد منهم ) ! !
وقال الطبري في تفسيره : 22 / 45 : ( واختلف أهل العلم في السبب الذي نزلت هذه الآية فيه ، فقال بعضهم : نزلت بسبب قوم طعموا عند رسول الله ( ص ) في وليمة زينب بنت جحش ، ثم جلسوا يتحدثون . . . وقال : فيجئ القوم يأكلون
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 318 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ويخرجون ، ثم يجئ القوم يأكلون ويخرجون ، فقلت : يا نبي الله قد دعوت حتى ما أجد أحداً أدعوه ، قال : إرفعوا طعامكم ، وإن زينب لجالسة في ناحية البيت ، وكانت قد أعطيت جمالاً ، وبقي ثلاثة نفر يتحدثون في البيت . . . ) .
وقال في ص 46 : ( وأنا معه فلما انتهينا إلى الباب إذا رجلان قد جرى بهما الحديث في ناحية البيت ، فلما أبصرهما ولى راجعاً ، فلما رأيا النبي ( ص ) ولى عن بيته ، ولياً مسرعين . . . فأصابوا من الطعام حتى خرجوا ، وبقي منهم رهط عند رسول الله ( ص ) فأطالوا المكث . . . ) .
وقال في ص 47 : ( فرأى رجلين جالسين فانصرف راجعاً ، فأنزل الله : يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي . . . وقال : كان هذا في بيت أم سلمة ، قال أكلوا ، ثم أطالوا الحديث ، فجعل النبي ( ص ) يدخل ويخرج ويستحي منهم ) . انتهى .
وقال ابن سعد في الطبقات : 8 / 106 : ( فدعا الناس للطعام بعد ارتفاع النهار فجلس رسول الله وجلس معه رجال بعدما قام القوم ، ثم خرج رسول الله يمشي ومشيت معه حتى بلغ حجرة عائشة ، ثم ظن أنهم قد خرجوا ، فرجع ورجعت معه فإذا هم جلوس مكانهم ، فرجع ورجعت معه الثانية ) .
وفي البخاري : 6 / 25 : ( فدعوت حتى ما أجد أحداً أدعوه فقلت : يا نبي الله ما أجد أحداً أدعوه . قال : إرفعوا طعامكم ، وبقي ثلاثة رهط يتحدثون في البيت . . . فطعموا ثم جلسوا يتحدثون وإذا هو كأنه يتهيأ للقيام فلم يقوموا ، فلما رأى ذلك قام ، فلما قام قام من قام ، وقعد ثلاثة نفر . . . ) .
وفي البخاري : 6 / 26 : ( رأى رجلين جرى بهما الحديث ، فلما رآهما رجع عن بيته ، فلما رأى الرجلان نبي الله ( ص ) رجع عن بيته وثبا مسرعين ، فما أدري أنا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 319 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أخبرته بخروجهما أم أُخبر ، فرجع حتى دخل البيت وأرخى الستر بيني وبينه ، وأنزلت آية الحجاب ) . انتهى .
وفي البخاري : 6 / 141 : ( قال حتى تصدعوا كلهم عنها ( أي شبعوا وتركوا السفرة ) فخرج منهم من خرج ، وبقي نفر يتحدثون ، قال : وجعلت أغتمُّ . . . ) .
وفي مسلم : 4 / 149 : ( أطعمهم خبزاً ولحماً حتى تركوه ) !
وفي سنن الترمذي : 5 / 37 : ( وجلس طوائف منهم يتحدثون في بيت رسول الله ، ورسول الله جالس وزوجته مولية وجهها إلى الحائط ، فثقلوا على رسول الله . . . )
وفي معجم الطبراني الكبير : 24 / 48 : ( فجعل رسول الله ( ص ) يخرج والقوم مكانهم ويرجع والقوم قعود ، فأنزل الله : يا أيها الذين آمنوا . . . ) ( راجع أيضاً : مسند ابن راهويه : 4 / 45 ، والطبراني الكبير : 24 / 49 ، ومسند أحمد : 3 / 196 و 246 ، وصحيح مسلم : 4 / 147 و 149 و 151 والترمذي : 5 / 37 ) .
* *
قال القرطبي في تفسيره : 14 / 224 : ( قال ابن أبي عائشة في كتاب الثعلبي : حسبك من الثقلاء أن الشرع لم يحتملهم ) . انتهى .
لكن حسبك من هؤلاء الثقلاء أنهم محترمون جداً فقد أجمع رواة السلطة أن يستروا عليهم ! وزاد بعضهم في الستر عليهم فلم يذكر رجلين أو ثلاثة ، بل عبر عنهم بالرهط والقوم ! ! وعذرهم الشراح بأن تأخرهم كان لعدم التفاتهم ، وكأنهم كانوا مستغرقين في ذكر الله تعالى والصلاة على نبيه صلى الله عليه وآله ، أو مشغولين في التفكير في مصالح الإسلام والمسلمين !
قال في فتح الباري : 8 / 407 : ( فتهيأ للقيام ليفطنوا لمراده فيقوموا بقيامه ، فلما ألهاهم الحديث عن ذلك قام وخرج ، فخرجوا بخروجه إلا الثلاثة الذين لم يفطنوا لذلك لشدة شغل بالهم بما كانوا فيه من الحديث ، وفي غضون ذلك كان
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 320 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
النبي ( ص ) يريد أن يقوموا من غير مواجهتهم بالأمر بالخروج لشدة حيائه فيطيل الغيبة عنهم بالتشاغل بالسلام على نسائه ، وهم في شغل بالهم ! وكأن أحدهم في أثناء ذلك أفاق من غفلته فخرج ، وبقي الاثنان ! فلما طال ذلك ووصل النبي إلى منزله فرأهما فرجع فرأياه لما رجع فحينئذ فطنا فخرجا ، فدخل النبي وأنزلت الآية ، فأرخى الستر بينه وبين أنس خادمه أيضاً ، ولم يكن له عهد بذلك .
تنبيه : ظاهر الرواية الثانية أن الآية نزلت قبل قيام القوم ، والأولى وغيرها أنها نزلت بعده ، فيجمع بأن المراد أنها نزلت حال قيامهم ، أي أنزلها الله وقد قاموا ! ووقع في رواية الجعد : فرجع فدخل البيت وأرخى الستر ، وإني لفي الحجرة وهو يقول : يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي . . . إلى قوله : من الحق . . ) . انتهى . ( ونحوه في تحفة الأحوذي : 9 / 58 )
وأنت تلاحظ أن ابن حجر وافق روايات أنس في سبب نزول الآية ، فكيف قبل أن سبب نزولها قول عمر ، وهو يختلف عنه في السبب والمكان والزمان ؟ !
لم يكتفوا بموافقة الله تعالى لعمر في المعنى فقالوا حتى في اللفظ ! !
جعلوا مقام عمر في الدين أنه يعظ النبي صلى الله عليه وآله وأزواجه ويغلظ عليهم ! وأعطوه الحق في ذلك لأن الله تعالى كان يوافقه وينزل وحيه مفصلاً على طلبه ! وزادوا على ذلك بأن عمر كان يتكلم بألفاظ يتمنى نزولها في القرآن فيجعلها الله قرآناً !
وقد رأيت قول عمر في آية الحجاب فإنه ( أطهر لقلوبهن ) فأنزل الله كلامه قرآناً بلفظ عمر فقال : ( ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ) !
وقال عمر بن شبَّة في تاريخ المدينة : 3 / 865 : ( موافقات أخرى : عن عروة بن رويم قال : لما أنزل الله على رسوله : ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ ، وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ ، بكى عمر فقال : يا نبي الله ، آمنا برسول الله ( ص ) وصدقناه ومن ينجو منا قليل ؟ فأنزل الله
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 321 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عز وجل : ثلة من الأولين وثلة من الآخرين ( كذا ) ! فدعا رسول الله ( ص ) عمر فقال : قد أنزل الله عز وجل فيما قلت ، فقال عمر : رضينا عن ربنا وتصديق نبينا .
عن أنس قال قال عمر : وافقت ربي في أربع ، نزلت هذه الآية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ . . الآيات ، فقلت أنا : فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ، فنزلت : فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ) .
وفي الدر المنثور : 5 / 6 : ( وأخرج ابن أبي شيبة ، وعبد بن حميد ، وابن المنذر عن صالح أبي الخليل قال : نزلت هذه الآية على النبي ( ص ) : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ . . إلى قوله : ثم أنشأناه خلقاً آخر ، قال عمر : فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ فقال ( ص ) : والذي نفسي بيده إنها ختمت بالذي تكلمت يا عمر ) ! !
وفي سنن ابن ماجة : 1 / 322 : ( قال عمر : قلت : يا رسول الله ؟ لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى ؟ فنزلت : وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً ) .
* *
الأسئلة
1 - مَنْ وافق مَنْ ؟ عمرُ وافق الله ، أم اللهُ وافق عمر ، أم تلاقيا في النقطة الوسط ؟ ففي بعض الروايات : وافقني ربي ، وفي بعضها : وافقت ربي ، وفي بعضها ترديد من الراوي ، وفي بعضها ترديد من عمر ! ففي فتح الباري : 9 / 232 : ( قال : وافقتُ الله في ثلاث . . وكذا في كتاب السنة لابن أبي عاصم ص 572 .
وفي البخاري : 5 / 149 ، ترديد من عمر : ( قال عمر : وافقت ربي عز وجل في ثلاث ، أو وافقني ربي في ثلاث ) وكذا في مسند أحمد : 1 / 24 .
وفي مسند أحمد : 1 / 36 موافقة متكافئة : ( وافقت ربي في ثلاث ووافقني ربي . . ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 322 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي تاريخ دمشق : 44 / 113 ، ترديد من الراوي : ( قال عمر بن الخطاب وافقني ربي ، أو قال وافقت ربي ثلاثاً ) . . . إلى آخر الأسطوانة .
نقد حديث عائشة عن المناصع
2 - قال البخاري : 1 / 46 : ( باب خروج النساء إلى البراز . . . عن عائشة : إن أزواج النبي ( ص ) كنَّ يخرجن بالليل إذا تبرزن إلى المناصع وهو صعيد أفيَح ، فكان عمر يقول للنبي : أحجب نساءك ، فلم يكن رسول الله يفعل ! فخرجت سودة بنت زمعة زوج النبي ليلة من الليالي عشاء وكانت امرأة طويلة فناداها عمر : ألا قد عرفناك يا سودة ! حرصاً على أن ينزل الحجاب ، فأنزل الله الحجاب ) ! ! انتهى .
وأول إشكال على هذا الكلام أنا لا نقبل قول عائشة إن نساء النبي صلى الله عليه وآله كنَّ يخرجن لقضاء حاجاتهن إلى الفلاة ! فقد ثبت عندنا وعندهم أن النبي صلى الله عليه وآله اتخذ الكنيف في بيته ، ولم يكن يخرج لحاجته إلى الفلاة ، فكيف يكون الرجل يستعمل الكنيف ، ونساؤه يخرجن إلى الفلاة ؟ !
وقد علَّم النبي صلى الله عليه وآله المسلمين اتخاذ الخلاء وعلمهم آدابه ، حتى كان اليهود والمشركون يتفكهون بذلك ، ففي مجمع الزوائد : 1 / 205 : ( قال قال رجل من المشركين لعبد الله : إني لأحسب صاحبكم قد علمكم كل شئ حتى علمكم كيف تأتون الخلاء ! قال : إن كنت مستهزئاً فقد علَّمنا أن لا نستقبل القبلة بفروجنا وأحسبه قال ولا نستنجي بأيماننا ) . انتهى . وفي رواية : ( قال رجل من أهل الكتاب ) .
وفي مسند أحمد : 2 / 250 : ( قال رسول الله ( ص ) : إنما أنا لكم مثل الوالد أعلمكم ، فإذا أتى أحدكم الخلاء فلا تستقبلوها ولا تستدبروها ولا يتنجى بيمينه ) . انتهى .
وكان المسلمون يتخذون الخلاء حتى في السفر ، فيحفرون حفرة وينصبون عليها ستراً من جوانبها ، فتكون بيت خلاء .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 323 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال ابن ماجة : 1 / 120 : ( عن سالم ، عن أبيه ، أن النبي ( ص ) نهى أن يصلى على قارعة الطريق ، أو يُضرب الخلاء عليها ، أو يبال فيها ) .
وفي دعائم الإسلام : 1 / 104 : ( ورووا ( يقصد أهل البيت عليهم السلام ) أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان إذا دخل الخلاء تقنَّع وغطى رأسه ولم يره أحد ، وأنه كان إذا أراد قضاء حاجة في السفر أبعد ما شاء ، واستتر ) .
وفي مستدرك الوسائل : 1 / 248 ، عن الجعفريات : ( عن جعفر بن محمد ، عن أبيه عن آبائه عن علي عليهم السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان إذا أراد أن يتنخع وبين يديه الناس غطى رأسه ، ثم دفنه ، وإذا أراد ان يبزق فعل مثل ذلك ، وكان إذا أراد الكنيف غطى رأسه ) .
وفي مناقب آل أبي طالب : 1 / 108 ، عن عائشة : ( قلت يا رسول الله إنك تدخل الخلاء فإذا خرجت دخلت على أثرك فما أرى شيئاً إلا إني أجد رائحة المسك ! فقال : أنا معشر الأنبياء تنبت أجسادنا على أرواح الجنة ، فما يخرج منها شئ إلا ابتلعته الأرض . وتبعه رجل فعلم صلى الله عليه وآله مراده فقال : أنا معاشر الأنبياء لا يكون منا ما يكون من البشر ) .
وقد روى الجميع أن النبي صلى الله عليه وآله علَّمَ المسلمين آداب الدخول إلى بيت الخلاء والخروج منه . ففي البخاري : 1 / 45 : ( كان النبي ( ص ) إذا دخل الخلاء قال : اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث . . . وعن ابن عباس أن النبي دخل الخلاء فوضعتُ له وضوء ( أي ماء ) قال : من وضع هذا ؟ فأُخبر ، فقال : اللهم فقهه في الدين ) .
وفي مسلم : 1 / 195 : ( كان ( ص ) إذا دخل الكنيف قال : اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث )
وفي سنن البيهقي : 1 / 93 : ( عن ابن عمر : دخلت بيت حفصة فحانت مني التفاتة فرأيت كنيف رسول الله ( ص ) مستقبل القبلة ) . انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 324 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أقول : قد وَهِمَ ابن عمر في ذلك ، وقد زعم في رواية أنه كان على السطح فرأى النبي صلى الله عليه وآله جالساً على حاجته مستقبل القبلة ! وكلها مكذوبات لتبرير فعل الخلفاء ، ولا يتسع المجال لتفصيل ذلك ، وغرضنا إثبات أن أخلاق النبي صلى الله عليه وآله وتعاليم الإسلام تأبى أن لا يكون في بيته بيت خلاء ، من أول هجرته إلى المدينة ، وأنَّ من كانت هذه أخلاقه لا يمكن أن يقبل أن تخرج نساؤه إلى الفلاة لقضاء حاجتهن ، فلا بد من رد روايتهم بأنه لم يتخذ لهن خلاء إلى السنة الرابعة أو الخامسة للهجرة ، وأنهنَّ كنَّ لا يخرجن إلا من الليل إلى الليل كما زعمت عائشة ! قالت : ( فخرجت مع أم مسطح قبل المناصع وكان متبرزنا ، وكنا لا نخرج إلا ليلاً إلى ليل وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريباً من بيوتنا ، قالت وأمرنا أمر العرب الأول في البرية قبل الغائط ) . ( صحيح البخاري : 5 / 57 ) .
تقصد عائشة أن عادتهم كانت التبرز في البرية كعرب البادية ، قبل أن يتخذوا بيت الخلاء ( الغائط ) . ولابد أنها تتحدث عن حي بني تيم ، لا بني هاشم .
وقد رووا أن خروج سودة إلى المناصع كان بعد نزول آية الحجاب ( فتح الباري : 1 / 218 ) ، وأنه بعد فرض الحجاب عليهن كنَّ يخرجن إلى المناصع ، وأراد عمر منعهن ! ومعناه أن النبي صلى الله عليه وآله لم يتخذ بيت خلاء إلى السنة الرابعة أو الخامسة ! !
وحيث لا يمكن قبول هذا الكلام ، فلعل عائشة وسودة كانتا تخرجان على خلاف عادة البيت النبوي !
فهل تطعنون في أخلاق نبيكم صلى الله عليه وآله وتقبلون رواية عائشة ؟ !
3 - هل ترون أن تدخلات عمر في شأن نساء النبي صلى الله عليه وآله أمر يتفق مع الأخلاق والآداب الواجبة مع النبي صلى الله عليه وآله وحرمه ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 325 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وما رأيكم في قول أم سلمة رضي الله عنها لعمر : ( عجباً لك يا ابن الخطاب دخلت في كل شئ ، حتى تبتغي أن تدخل بين رسول الله ( ص ) وأزواجه ؟ ! ! ( قال عمر ) فأخذتني والله أخذاً كسرتني عن بعض ما كنت أجد ) . ( البخاري : 6 / 69 )
وقول زينب زوجة النبي صلى الله عليه وآله له : ( يا عمر أما كان في رسول الله ( ص ) ما يعظ نساءه حتى تعظنا أنت ؟ ! ) ( صحيح مسلم : 7 / 115 ) . وما رأيكم في صياح عمر بسودة : قد عرفناك ! وهي زوجة النبي صلى الله عليه وآله وكانت مستطرقة مستورة ؟ !
4 - قالت عائشة المتعصبة لعمر : ( فخرجت سودة بنت زمعة زوج النبي ليلة من الليالي عشاء ، وكانت امرأة طويلة فناداها عمر : ألا قد عرفناك يا سودة ! حرصاً على أن ينزل الحجاب ، فأنزل الله الحجاب ) . انتهى .
فما الذي أدرى عمر بآية الحجاب حتى يستنزلها بتدخله في أمر امرأة تسير في دربها ؟ ! وهل كان يعلم أن الله تعالى سينزل آية الحجاب ، وأنه كان ينتظر سبباً لها ، فأراد عمر بفضوله أن يوفر السبب لله تعالى ؟ !
والسؤال الآخر : أن هذا يناقض ما رجحه ابن حجر من أن عمر رأى سودة بعد نزول آية الحجاب ! وأنه أراد منع خروجهن كلياً فلم يوافقه ربه !
فكيف تقول عائشة إن آية الحجاب نزلت على أثر صياح عمر على سودة ، مع أن الآية بقولهم كانت نزلت ! ؟
5 - هل رويتم أن أحداً غير عمر تكلم بكلام فأنزله الله بألفاظه قرآناً ، وهل تعتبرون ذلك مما فضل الله به عمر على النبي صلى الله عليه وآله ؟ !
6 - ما قولكم في تصرف طلحة وسوء أدبه مع النبي صلى الله عليه وآله ؟ وهل رويتم أن عائشة كرهت فعله ونهته ؟ !
7 - ما دام نساء النبي صلى الله عليه وآله كنَّ محجبات كغيرهن ، وما دام الحجاب الذي فرضه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 326 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الله عليهن هو حرمة الكلام معهن إلا من وراء حجاب ، وحرمة التزوج بهن بعد النبي صلى الله عليه وآله ، فأي الأمور المروية أقرب لأن تكون سبب نزول آية الحجاب :
- فعل طلحة وسوء أدبه مع النبي صلى الله عليه وآله ؟
- أم فعل الثقلاء وقعودهم في بيت النبي صلى الله عليه وآله ؟
- أم ادعاء عائشة أن يدها مست يد رجل أجنبي ؟
- أم ادعاء عمر أنه قال للنبي صلى الله عليه وآله أحجب نساءك فلم يفعل ، فوافقه ربه ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 327 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة 156 : اعتراض عمر على النبي صلى الله عليه وآله لماذا أعطى قوماً من غنائم حنين !

روى أحمد : 1 / 20 و 35 : ( عن عمر قال : قسَّم رسول الله قسمة فقلت : يا رسول الله لَغَيْرُ هؤلاء أحقُّ منهم ! فقال النبي : إنهم خيروني بين أن يسألوني بالفحش ، أو يبخلوني ، فلست بباخل ) . انتهى . ( ومسلم : 3 / 103 ، والبخاري : 4 / 60 )
وروى البخاري : 4 / 60 : ( لما كان يوم حنين آثر النبي ( ص ) أناساً في القسمة فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل ، وأعطى عُيينة مثل ذلك ، وأعطى أناساً من أشراف العرب ، فآثرهم يومئذ في القسمة ، قال رجل : والله إن هذه القسمة ما عُدل فيها ، وما أريد بها وجه الله ! فقلت والله لأخبرن النبي ( ص ) فأتيته فأخبرته فقال : فمن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله ) ؟ !
وفي البخاري : 3 / 209 : عن جبير بن مطعم ( أنه بينما هو يسير مع رسول الله ( ص ) ومعه الناس مَقْفَلَهُ من حنين ، فعلقه الناس يسألونه ، حتى اضطروه إلى سَمُرَة فخُطف رداءه ! فوقف النبي ( ص ) فقال : أعطوني ردائي ، لو كان لي عدد هذه العضاه نعماً لقسمته بينكم ، ثم لا تجدوني بخيلاً ولا كذوباً ولا جباناً ) ! !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 328 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأسئلة
1 - ما رأيكم في اعتراض عمر على قسمة النبي صلى الله عليه وآله ؟ وهل يقصده النبي صلى الله عليه وآله بقوله : ( إنهم خيروني بين أن يسألوني بالفحش أو يبخلوني فلست بباخل ) .
2 - ما الفرق بين قول ( رجل ) : والله إن هذه القسمة ما عُدل فيها ، وما أريد بها وجه الله ، وبين قول عمر : لَغير هؤلاء أحقُّ منهم ؟ ! وهل كان ذلك الرجل عمر ؟ !
3 - ما قولكم في أمر عمر بقتل رجل نهى النبي صلى الله عليه وآله عن قتله ؟ ففي النص والاجتهاد للسيد شرف الدين ص 323 :
( المورد 49 - أسرى حنين : لما نصر الله عبده ورسوله صلى الله عليه وآله على هوازن يوم حنين ، وفتح الله له يومئذ فتحه المبين نادى مناديه : أن لا يقتل أسير من القوم ، فمرَّ عمر بن الخطاب برجل من الأسرى يعرف بابن الأكوع وهو مغلول ، وكانت هذيل بعثته يوم الفتح إلى مكة عيناً لها على رسول الله يتجسس أخباره وأخبار أصحابه ، فيخبرها بما يكون منهم قولاً وفعلاً ، فلما رآه عمر قال - كما نص عليه شيخنا المفيد في غزوة حنين من إرشاده - : هذا عدو الله كان عيناً علينا ، ها هو أسير فاقتلوه ، فضرب بعض الأنصار عنقه ، فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله لامهم على قتله ، وقال : ألم آمركم أن لا تقتلوا أسيراً ؟ ! . اه‍ ) .
وقتلوا بعده من أسرى حنين - كما في إرشاد شيخنا المفيد أيضاً - جميل بن معمر بن زهير ( قال ) : فبعث رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الأنصار وهو مغضبٌ يقول لهم : ما حملكم على قتله ، وقد جاءكم رسولي أن لا تقتلوا أسيراً ؟ فاعتذروا بأنا إنما قتلناه بقول عمر ، فأعرض رسول الله صلى الله عليه وآله حتى كلمه عمير بن وهب في الصفح عن ذلك ) . انتهى . ( ورواه في المستجاد من الإرشاد ص 87 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 329 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة 157 : اعتراض عمر على نبينا صلى الله عليه وآله لصلاته على جنازة منافق !

عقد البخاري في صحيحه عدة أبواب ، روى فيها روايات كثيرة لإثبات فضيلة اعتراض عمر على النبي صلى الله عليه وآله بسبب صلاته على عبد الله بن أبي بن سلول ، وزعم نزول الوحي موافقاً لعمر ، مخطئاً للنبي صلى الله عليه وآله ! !
وقد ذكر البخاري ، وعمر ، وابنه ، والفخر الرازي ، تصرف عمر الخشن وغير المعقول مع النبي صلى الله عليه وآله حيث تصدى له ، ووثب اليه ، ووقف أمامه ، وجذبه من ثوبه ! ليمنعه من الصلاة على الجنازة ، وقال له : أليس نهاك الله عن هذا ؟ !
وأكثر عليه الكلام ! فغضب النبي صلى الله عليه وآله وقال : أخِّر عني يا عمر ! لكنهم قالوا إن النبي صلى الله عليه وآله لم يغضب من عمر أبداً ، بل ارتاح منه وتبسم له !
قال البخاري : 2 / 76 : ( باب الكفن في القميص . . . عن ابن عمر أن عبد الله بن أبي لما توفي جاء ابنه إلى النبي ( ص ) فقال يا رسول الله أعطني قميصك أكفنه فيه ، وصلِّ عليه واستغفر له ، فأعطاه النبي ( ص ) قميصه فقال : آذنِّي أصلي عليه فآذنه ، فلما أراد أن يصلي عليه جذبه عمر فقال : أليس الله نهاك أن تصلي على المنافقين ! فقال أنا بين خيرتين ، قال الله تعالى : اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ . ( التوبة : 80 ) فصلى عليه ، فنزلت : وَلا تُصَلِّ عَلَى أحد مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً . ( التوبة : 84 )
وقال في : 2 / 100 : باب ما يكره من الصلاة على المنافقين والاستغفار للمشركين . . . عن عمر بن الخطاب أنه قال : لما مات عبد الله بن أبي ابن سلول دُعِيَ له رسول الله ( ص ) ليصلي عليه ، فلما قام رسول الله ( ص ) وثبت إليه فقلت يا رسول الله
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 330 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أتصلي على ابن أبيّ وقد قال يوم كذا وكذا ، كذا وكذا ، أعدِّد عليه قوله ، فتبسم رسول الله ( ص ) وقال : أخِّر عني يا عمر ، فلما أكثرت عليه قال : إني خُيِّرتُ فاخترتُ ، لو أعلم أني إن زدت على السبعين فغفر له لزدت عليها !
قال : فصلى عليه رسول الله ( ص ) ثم انصرف فلم يمكث إلا يسيراً حتى نزلت الآيتان من براءة : وَلا تُصَلِّ عَلَى أحد مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً . . إلى : وهم فاسقون . قال فعجبت بعد من جرأتي على رسول الله ( ص ) يومئذ والله ورسوله أعلم ) .
وقال البخاري : 5 / 206 : باب قوله : اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ . . . عن ابن عمر قال : لما توفي عبد الله بن أبي جاء ابنه عبد الله إلى رسول الله ( ص ) فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه فأعطاه ، ثم سأله أن يصلي عليه فقام رسول الله ( ص ) ليصلي فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله ( ص ) فقال يا رسول الله تصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه ! فقال رسول الله ( ص ) : إنما خيرني الله فقال : اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً . . وسأزيده على السبعين . قال إنه منافق ! قال فصلى عليه رسول الله ( ص ) فأنزل الله تعالى : وَلا تُصَلِّ عَلَى أحد مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِه ِ ) !
ثم كرر البخاري ما رواه في : 2 / 100 . ثم عقد باباً بعنوان : باب قوله : وَلا تُصَلِّ عَلَى أحد مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ . وروى فيه عن ابن عمر نحو ما تقدم ، وفيه : ( ثم قام يصلي عليه فأخذ عمر بن الخطاب بثوبه فقال : تصلي عليه وهو منافق ، وقد نهاك الله أن تستغفر لهم ؟ ! قال : إنما خيرني الله أو أخبرني الله فقال : استغفر لهم . . . وصلينا معه ، ثم أنزل الله عليه : وَلا تُصَلِّ عَلَى أحد مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ ) .
وقال البخاري : 7 / 36 : باب لبس القميص . . . حدثنا عبد الله بن محمد أخبرنا ابن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 331 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عيينة عن عمر وسمع جابر بن عبد الله قال : أتى النبي ( ص ) عبد الله بن أبي بعدما أدخل قبره ، فأمر به فأخرج ووضع على ركبتيه ، ونفث عليه من ريقه ، وألبسه قميصه . والله أعلم !
. . . عن عبد الله بن عمر قال : لما توفي عبد الله بن أبي جاء ابنه إلى رسول الله ( ص ) فقال : يا رسول الله أعطني قميصك أكفنه فيه وصل عليه واستغفر له ؟ فأعطاه قميصه وقال له : إذا فرغت منه فآذنا ، فلما فرغ آذنه به ، فجاء ليصلي عليه فجذبه عمر فقال : أليس قد نهاك الله أن تصلي على المنافقين ! فقال اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ، فنزلت : وَلا تُصَلِّ عَلَى أحد مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ ، فترك الصلاة عليهم ) . انتهى .
* *
وفي الموضوع عدة مسائل بحثها المفسرون ، أهمها :
1 - تبريرهم تصرف عمر مع النبي صلى الله عليه وآله .
2 - هل صحيح أن النبي صلى الله عليه وآله فهم من قوله تعالى : اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ . . . أنه ليس نهياً عن الصلاة عليهم ؟ !
3 - حقيقة القصة وعدم صحة قول عمر إن آية : وَلا تُصَلِّ عَلَى أحد مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً ، نزلت بعد وفاة ابن سلول ، بل نزلت السورة قبل وفاته !
* *
أما عن تصرف عمر ، فلم أجد أحداً من المفسرين أو شراح البخاري ومسلم خجل عن عمر أو لامَهُ على تصرفه ! بل وقفوا جميعاً إلى جانبه في مقابل رسول الله صلى الله عليه وآله ! ليثبتوا أنه كان مصيباً ، وأن رسول الله صلى الله عليه وآله كان مخطئاً ! !
قال في فتح الباري : 8 / 252 : ( فكأن عمر قد فهم من الآية المذكورة ما هو الأكثر
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 332 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأغلب من لسان العرب ، من أن ( أو ) ليست للتخيير بل للتسوية في عدم الوصف المذكور ، أي أن الاستغفار لهم وعدم الاستغفار سواء ، وهو كقوله تعالى : سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ ، لكن الثانية أصرح ، ولهذا ورد أنها نزلت بعد هذه القصة كما سأذكره .
وفهم عمر أيضاً من قوله : سبعين مرة ، أنها للمبالغة وأن العدد المعين لا مفهوم له ، بل المراد نفي المغفرة لهم ولو كثر الاستغفار ، فيحصل من ذلك النهي عن الاستغفار ، فأطلقه .
وفهم أيضاً أن المقصود الأعظم من الصلاة على الميت طلب المغفرة للميت والشفاعة له ، فلذلك استلزم عنده النهي عن الاستغفار ترك الصلاة ، لذلك جاء عنه في هذه الرواية إطلاق النهي عن الصلاة .
ولهذه الأمور استنكر إرادة الصلاة على عبد الله بن أبيّ .
هذا تقريرُ ما صدر عن عمر ، مع ما عرف من شدة صلابته في الدين وكثرة بغضه للكفار والمنافقين ، وهو القائل في حق حاطب بن أبي بلتعة مع ما كان له من الفضل كشهوده بدراً وغير ذلك ، لكونه كاتب قريشاً قبل الفتح : دعني يا رسول الله أضرب عنقه فقد نافق ، فلذلك أقدم على كلامه للنبي ( ص ) بما قال ولم يلتفت إلى احتمال إجراء الكلام على ظاهره ، لما غلب عليه من الصلابة المذكورة . قال ابن المنير : وإنما قال ذلك عمر حرصاً على النبي ( ص ) ومشورة إلزاماً . وله عوائد بذلك ! ولا يبعد أن يكون النبي ( ص ) كان أذن له في مثل ذلك ، فلا يستلزم ما وقع من عمر أنه اجتهد مع وجود النص ، كما تمسك به قوم في جواز ذلك . وإنما أشار بالذي ظهر له فقط ، ولهذا احتمل منه النبي ( ص ) أخذه بثوبه ومخاطبته له في مثل ذلك المقام حتى التفت إليه متبسماً ، كما في حديث ابن عباس ) . انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 333 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم زاد ابن حجر على هذا التوجيه ( العلمي ) لرأي عمر أن النبي صلى الله عليه وآله اعتذر إلى عمر بأنه يفهم النهي من الآية كما فهمه عمر ، بل فهم منها التخيير ! فنزل النهي الصريح موافقاً لقول عمر فاقتنع النبي صلى الله عليه وآله !
وينبغي أن يضيف ابن حجر بأن النبي صلى الله عليه وآله لا بد أن يكون اعتذر ثانية من عمر وشكره كثيراً لتسديده إياه ! !
قال في فتح الباري : 8 / 254 : ( قوله فتبسم رسول الله ( ص ) وقال أخِّر عني ، أي كلامك ( ! ) . واستشكل الداودي تبسمه ( ص ) في تلك الحالة مع ما ثبت أن ضحكه ( ص ) كان تبسماً ، ولم يكن عند شهود الجنائز يستعمل ذلك .
وجوابه : أنه عبَّر عن طلاقة وجهه بذلك تأنيساً لعمر وتطييباً لقلبه ، كالمعتذر عن ترك قبول كلامه ومشورته ) ! انتهى .
وقد ارتضى ابن حجر قول الداودي بأن الضحك مكروه عند الجنازة لكن النبي صلى الله عليه وآله ارتكب هذا المكروه ، فضحك لعمر وتبسم له تطييباً لقلبه ( كالمعتذر عن ترك قبول كلامه ومشورته ) !
أما سوء أدب عمر فلا شئ فيه ، فكأن النبي صلى الله عليه وآله كان يستحقه ! بل هو فضيلة ومنقبة لعمر ، بدليل رضا النبي صلى الله عليه وآله وأنسه وسروره به ! !
أما الفخر الرازي فقد فاق ابن حجر فقال تفسيره : 16 / 151 : ( فلما مات جاء ابنه يعرِّفه فقال عليه الصلاة والسلام لابنه : صل عليه وادفنه ، فقال : إن لم تصل عليه يا رسول الله لم يصل عليه مسلم ، فقام عليه الصلاة والسلام ليصلي عليه فقام عمر فحال بين رسول الله وبين القبلة لئلا يصلي عليه فنزلت هذه الآية ، وأخذ جبريل بثوبه وقال : وَلا تُصَلِّ عَلَى أحد مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً !
واعلم أن هذا يدل على منقبة عظيمة من مناقب عمر رضي الله عنه ، وذلك لأن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 334 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الوحي نزل على وفق قوله في آيات كثيرة ، منها آية أخذ الفداء عن أسارى بدر وقد سبق شرحه . وثانيها : آية تحريم الخمر . وثالثها : آية تحويل القبلة . ورابعها : آية أمر النسوان بالحجاب . وخامسها : هذه الآية . فصار نزول الوحي على مطابقة قول عمر منصباً عالياً ودرجة رفيعة له في الدين . فلهذا قال عليه الصلاة والسلام في حقه : لو لم أبعث لبعثت يا عمر نبياً ) ! ! انتهى .
عدد مناقب عمر في كلامهم
أولاً ، أن عمر كان مع ظهور النص ، بينما كان النبي صلى الله عليه وآله مع خلاف ظهوره ، فنزل الوحي مؤيداً لرأي عمر ، وهي منقبة عظيمة تجعله في صف النبي صلى الله عليه وآله !
ثانياً ، أن عمر أصلب في الدين وجهاد المنافقين من النبي صلى الله عليه وآله !
ثالثاً ، أن معنى قول النبي صلى الله عليه وآله لعمر لما وقف أمامه وأخذ بثوبه : ( أخر عني يا عمر ) : أخر عني كلامك الآن من فضلك ! !
رابعاً ، أن تصرفات عمر مع النبي صلى الله عليه وآله مغفورة لصلابته في الحق ، بل لا يبعد أن يكون النبي صلى الله عليه وآله أذن لعمر بالخشونة وإساءة الأدب معه ، كما ادعى ابن المنير وارتضاه ابن حجر ! لكي يسدده إذا أخطأ ! !
خامساً ، أن المتعصبين لعمر ليسوا مستعدين لأن يفحصوا مصداقية قوله وصحة زعمه أن آية النهي عن الصلاة على المنافقين نزلت في جنازة ابن سلول ، كما قال الرازي ، أو بعدها كما قال عمر ، أو قبلها كما نص على ذلك الفخر الرازي !
* *
لكن يبقى عليهم أن يجيبوا على إشكالين أساسيين ، ينقضان دفاعهم وسعيهم لإثبات هذه المنقبة !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 335 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أولهما : إذا كان الأمر كما تقولون ، فلماذا خطَّأ عمر نفسه وقال : ( لقد أصبت في الإسلام هفوة ما أصبت مثلها قط ، أراد رسول الله أن يصلي على عبد الله بن أبي فأخذت بثوبه فقلت : والله ما أمرك الله بهذا ، لقد قال الله : اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ، فقال رسول الله : قد خيرني ربي فقال : اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ . . . ) . ( الدر المنثور : 3 / 264 ، وقال أخرجه ابن أبي حاتم عن الشعبي . وكنز العمال : 2 / 419 ) ؟ !
وثانيهما : هل يقبلون أن النبي صلى الله عليه وآله بلغ به الجهل أنه فهم التخيير من قوله تعالى : اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ . . ؟ !
إن هذا هو المفتاح لمعرفة واقع القصة التي ادعاها عمر فصدَّقه محبوه !
استنكار علماء سنيون كبار ما نسبه عمر إلى النبي صلى الله عليه وآله !
هل يجوز قبول شهادة عمر بأن النبي صلى الله عليه وآله قد فهم من قوله تعالى : اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ . . . التخيير ولم يفهم منها النهي عن الصلاة عليهم ، مع وضوح أنها نهيٌ ، ومعناها أنك مهما استغفرت لهم فلن ينفع ذلك ، فلا تتعب نفسك ؟ !
لقد وقع علماء السنة في محنة بين أن ينسبوا السذاجة إلى النبي صلى الله عليه وآله ، أو يكذبوا البخاري وعمر ! وقد اختار عدد من كبارهم تكذيب رواية البخاري ، ولم يتعدوها إلى تكذيب عمر ! قال في فتح الباري : 8 / 255 : ( واستشكل فهم التخيير من الآية حتى أقدم جماعة من الأكابر على الطعن في صحة هذا الحديث ، مع كثرة طرقه واتفاق الشيخين وسائر الذين خرَّجوا الصحيح على تصحيحه ! وذلك ينادي على منكري صحته بعدم معرفة الحديث وقلة الاطلاع على طرقه !
قال ابن المنير : مفهوم الآية زلت فيه الأقدام حتى أنكر القاضي أبو بكر صحة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 336 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الحديث وقال : لا يجوز أن يقبل هذا ، ولا يصح أن الرسول قاله . انتهى .
ولفظ القاضي أبي بكر الباقلاني في التقريب : هذا الحديث من أخبار الآحاد التي لا يعلم ثبوتها ! وقال إمام الحرمين في مختصره : هذا الحديث غير مخرَّج في الصحيح . وقال في البرهان : لا يصححه أهل الحديث .
وقال الغزالي في المستصفى : الأظهر أن هذا الخبر غير صحيح .
وقال الداودي الشارح : هذا الحديث غير محفوظ !
والسبب في إنكارهم صحته ما تقرر عندهم مما قدمناه ، وهو الذي فهمه عمر من حمل ( أو ) على التسوية لما يقتضيه سياق القصة ، وحمل السبعين على المبالغة . قال ابن المنير : ليس عند أهل البيان تردد أن التخصيص بالعدد في هذا السياق غير مراد . انتهى .
وأيضاً ، فشرط القول بمفهوم الصفة وكذا العدد عندهم ، مماثلة المنطوق للمسكوت وعدم فائدة أخرى ، وهنا للمبالغة فائدة واضحة ، فأشكل قوله ( ص ) سأزيده على السبعين ، مع أن حكم ما زاد عليها حكمها ) . انتهى .
أقول : خلاصة رأي هؤلاء المنكرين لصحة حديث عمر ، المدافعين عن النبي صلى الله عليه وآله :
أنه يجب رد الأحاديث التي تقول إن النبي صلى الله عليه وآله صلى على جنازة رأس المنافقين ابن سلول والحكم بأنها موضوعة أو مردودة ، لأنها تخالف القرآن وتنسب إلى النبي صلى الله عليه وآله فهماً للآيات لا يمكن أن يصدر منه !
فهم يوافقوننا إنكار هذه المنقبة المزعومة لعمر ، من أجل تنزيه النبي صلى الله عليه وآله ؟ !
أما ابن حزم ، فقد حكم بأن النبي صلى الله عليه وآله صلى على جنازة ابن سلول وأصاب ، وخرج عن خطهم وحكم بأن عمر قد أخطأ ! قال في الإحكام : 3 / 274 : ( فإن قال
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 337 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قائل : فما كان مراد الله بالتخيير . . . أتقولون إنه أراد تعالى ما قال عمر بن الخطاب من أن لا يصلي عليهم ولا يستغفر لهم ، ثم نزلت الآية الأخرى مبينة ؟
فالجواب : أننا وبالله تعالى التوفيق لا نقول ذلك ، ولا يسوغ لمسلم أن يقوله ، ولا نقول إن عمر ، ولا أحداً من ولد آدم فهم عن الله تعالى شيئاً لم يفهمه عنه نبي الله ( ص ) ، وهذا القول عندنا كفرٌ مجرد !
وبرهان ذلك : أن الله تعالى لو لم يرض صلاة النبي على عبد الله بن أبي لما أقره عليها ولأنزل الوحي عليه لمنعه ، كما نهاه بعد صلاته عليه أن يصلي على غيره منهم ، فصح أن قول عمر كان اجتهاداً منه أراد به الخير فأخطأ فيه وأصاب رسول الله ( ص ) ، وأُجِر عمر في ذلك أجراً واحداً ) . انتهى . ( راجع : بدائع الصنائع : 3 / 77 , والبحر الرائق : 1 / 267 ، والمغني : 2 / 420 ) .
وقد زعم ابن حزم في المحلى : 11 / 210 ، أن سبب صلاة النبي صلى الله عليه وآله على ابن سلول انه لم يكن يعلم بشركه ، وإن علم بنفاقه ! قال : ( فلو كان ابن أبي وغيره من المذكورين ممن تبين للنبي عليه السلام أنهم كفار بلا شك ، لما استغفر لهم النبي ولا صلى عليهم ، ولا يحل لمسلم أن يظن بالنبي ( ص ) أنه خالف ربه في ذلك ، فصح يقيناً أنه عليه السلام لم يعلم قط أن عبد الله بن أبي والمذكورين كفار في الباطن ) . انتهى .
ولم يحكم ابن حزم بكفر عمر لادعائه أنه فهم من قوله تعالى : اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ . . . ما لم يفهمه النبي صلى الله عليه وآله ؟ ! لكن قال : ( ولا نقول إن عمر ولا أحداً من ولد آدم فهم عن الله تعالى شيئاً لم يفهمه عنه نبي الله ، وهذا القول عندنا كفرٌ مجرد ! ) ؟ ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 338 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
حقيقة القصة وبيان تصرف عمر فيها !
إن منشأ اشتباه عمر والذين ردوا حديثه في البخاري ، أنهم تصوروا أن قبول النبي صلى الله عليه وآله حضور جنازة ابن سلول وصلاته عليها ، يعني الاستغفار له ، مع أن لا ملازمة بينهما ، فقد صلى على جنازته ولم يستغفر له !
وقد روت ذلك مصادرنا ، وقد أفتى فقهاؤنا بأن الصلاة المنهي عنها على المنافقين في مثل قوله تعالى : وَلا تُصَلِّ عَلَى أحد مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً ، هي الصلاة بالمعنى اللغوي أي الدعاء لهم والاستغفار ، أما الصلاة عليهم بدون استغفار فليس منهياً عنها ، ولذا كان صلى الله عليه وآله يصلي على جنائزهم ، ويكتفي بأربع تكبيرات ولا يدعو لهم . ففي المقنعة ص 230 : ( روي عن الصادقين عليهم السلام أنهم قالوا : كان رسول الله صلى الله عليه وآله يصلي على المؤمنين ويكبر خمساً ، ويصلي على أهل النفاق سوى من ورد النهي عن الصلاة عليهم فيكبر أربعاً ، فرقاً بينهم وبين أهل الإيمان ، وكانت الصحابة إذا رأته قد صلى على ميت فكبر أربعاً ، قطعوا عليه بالنفاق ) .
وفي الكافي : 3 / 181 ، عن الإمام الصادق عليه السلام : ( كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا صلى على ميت كبَّر وتشهد ، ثم كبر ، ثم صلى على الأنبياء ودعا ، ثم كبر ودعا للمؤمنين ، ثم كبر الرابعة ودعا للميت ، ثم كبر وانصرف . فلما نهاه الله عز وجل عن الصلاة على المنافقين كبر وتشهد ، ثم كبر وصلى على النبيين صلى الله عليهم ، ثم كبر ودعا للمؤمنين ، ثم كبر الرابعة وانصرف ولم يدع للميت ) .
وفي الإستبصار : 1 / 476 : ( عن محمد بن يزيد ، عن أبي بصير قال : كنت عند أبي عبد الله عليه السلام جالساً فدخل رجل فسأله عن التكبير على الجنائز فقال : خمس تكبيرات ، ثم دخل آخر فسأله عن الصلاة على الجنائز ؟ فقال : له أربع صلوات ، فقال الأول : جعلت فداك سألتك فقلت خمساً ، وسألك هذا فقلت أربعاً ، فقال :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 339 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إنك سألتني عن التكبير وسألني هذا عن الصلاة ، ثم قال : إنها خمس تكبيرات بينهن أربع صلوات ، ثم بسط كفه فقال : إنهن خمس تكبيرات بينهن أربع صلوات ) . انتهى .
وفي تفسير العياشي : 2 / 102 ، عن الإمام الباقر عليه السلام ، قال : ( توفي رجل من المنافقين فأرسل رسول الله صلى الله عليه وآله إلى ابنه : إذا أردتم أن تخرجوا فأعلموني ، فلما حضر أمره أرسلوا إلى النبي عليه وآله السلام فأقبل نحوهم حتى أخذ بيد ابنه في الجنازة فمضى ، قال : فتصدى له عمر ثم قال : يا رسول الله أما نهاك ربك عن هذا أن تصلي على أحد منهم مات أبداً أو تقوم على قبره ، فلم يجبه النبي صلى الله عليه وآله .
قال : فلما كان قبل أن ينتهوا به إلى القبر قال عمر أيضاً لرسول الله صلى الله عليه وآله : أما نهاك الله عن أن تصلي على أحد منهم مات أبداً أو تقوم على قبره ذلك بأنهم كفروا بالله وبرسوله وماتوا وهم كافرون ؟ ! فقال النبي صلى الله عليه وآله لعمر عند ذلك : ما رأيتنا صلينا له على جنازة ، ولا قمنا له على قبر !
ثم قال : إن ابنه رجل من المؤمنين ، وكان يحق علينا أداء حقه ، وقال له عمر : أعوذ بالله من سخط الله وسخطك يا رسول الله ) . انتهى .
ومن الملاحظ أن الإمام الباقر عليه السلام عبَّر عن الأدعية التي بين التكبيرات بالصلوات ، ليبيِّن أن التحريم في الصلاة على المنافق يخص الدعاء له ، الذي يقع بعد التكبيرة الرابعة ، وليشير أن الصلاة على الميت صلاة لغةً لا اصطلاحاً .
وفي كشف اللثام للفاضل الهندي : 2 / 309 : قال تعالى : وَلا تُصَلِّ عَلَى أحد مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً ، وفيه أن الظاهر النهي عن الدعاء لهم ، لما في الأخبار من أنه صلى الله عليه وآله كان يكبر على المنافق أربعاً ) .
وفي مستند الشيعة للنراقي : 6 / 269 : ( بل تتعين إرادة ذلك بملاحظة خبر محمد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 340 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بن مهاجر . . . ) . وهو الخبر المتقدم من الكافي : 1 / 181 . راجع أيضاً : الحدائق الناضرة : 10 / 417 ، وجواهر الكلام : 17 / 359 ومصباح الفقيه : 2 ق 2 / 502 )
وعلى هذا تكون صلاة النبي صلى الله عليه وآله على ابن سلول طبيعية وتكون بأربع تكبيرات بدون دعاء له ، ويكون الخلل في فهم عمر وليس في فهم النبي صلى الله عليه وآله أو عمله ! وقد صرَّحَت بذلك صحيحة الحلبي عن الإمام الصادق عليه السلام . ففي الكافي : 3 / 188 : ( علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن حماد بن عثمان ، عن الحلبي ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : لما مات عبد الله بن أبي بن سلول حضر النبي صلى الله عليه وآله جنازته فقال عمر لرسول الله صلى الله عليه وآله : يا رسول الله ألم ينهك الله أن تقوم على قبره ؟ فسكت ، فقال : يا رسول الله ألم ينهك الله أن تقوم على قبره ؟ فقال له : ويلك وما يدريك ما قلت ! إني قلت : اللهم احْشُ جوفه ناراً ، واملأ قبره ناراً ، وأَصْلِهِ ناراً ! قال أبو عبد الله عليه السلام : فأبدى من رسول الله ما كان يكره ) . انتهى .
ومعناه أن النبي صلى الله عليه وآله كان يستعمل التقية مع أتباع ابن سلول ليجذبهم إلى الإسلام ، ولكن فضول عمر أجبره على إظهار أنه دعا عليه ولم يدع له !
وفي مجمع البيان : 5 / 100 : ( ولا تقم على قبره ، أي لا تقف على قبره للدعاء ، فإنه صلى الله عليه وآله كان إذا صلى على ميت يقف على قبره ساعة ويدعو له ) . انتهى .
فالصحيح : أن النبي صلى الله عليه وآله صلى على جنازة ابن سلول كما رواه الفريقان ، وأن عمر اعترض عليه أيضاً لصحة روايته عند الفريقين ، لكن سببه أن عمر لم يفرق بين المعنى اللغوي الشرعي للصلاة على الميت والمعنى العرفي .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 341 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كذبهم في وقت نزول آية : استغفر لهم أولاً تستغفر لهم
ادعى عمر أن آية : وَلا تُصَلِّ عَلَى أحد مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً ، نزلت بعد اعتراضه على النبي صلى الله عليه وآله لصلاته على ابن سلول ، مع أنها كانت نازلة في سورة التوبة مع آية : اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ . . . في غزوة تبوك في السنة الثامنة ، أي قبل موت ابن سلول بنحو سنة ! فقول عمر إنها نزلت بعد اعتراضه على النبي صلى الله عليه وآله غير صحيح !
والطريف أن البخاري نفسه كذَّبه فنصَّ على أن سورة براءة نزلت كاملة قطعة واحدة ! قال في : 5 / 115 : ( عن البراء قال : آخر سورة نزلت كاملة براءة ) . انتهى .
وفي الدر المنثور : 2 / 251 : ( وأخرج ابن أبي شيبة ، والبخاري ، ومسلم ، والترمذي ، والنسائي ، وابن الضريس ، وابن جرير ، وابن المنذر ، والبيهقي في الدلائل ، عن البراء قال : آخر سورة نزلت كاملة براءة ) . انتهى . فما عدا مما بدا حتى صارت الآية 84 منها نشازاً مفصولة عن سياقها ؟ ! ( راجع أيضاً : البخاري : 5 / 185 وأحمد : 4 / 298 ، وتفسير الطبري : 6 / 56 ، وأحكام القرآن : 3 / 112 ، والبرهان : 1 / 209 )
قد تقول : ما المانع أن تكون الآية التي ادعى عمر نزولها موافقةً له ، قد نزلت منفصلة عن بقية سورة التوبة ، بعد موت ابن سلول ، ثم ألحقت بها ؟ !
والجواب : أن أدنى تأمل في سياق الآية ، يدلك على عدم صحة ادعاء نزولها منفصلة ، فسياق الآية التي قبلها ينص على أن النبي صلى الله عليه وآله كان في سفر ، وهو سفر تبوك الذي نزلت فيه السورة ! قال تعالى : ( فَإِنْ رَجَعَكَ اللهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَئْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أول مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ . وَلا تُصَلِّ عَلَى أحد مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ ) . فكيف يكون النبي صلى الله عليه وآله في المدينة ويقول له الله تعالى : فإن رَجَعَكَ اللهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ ؟ ! !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 342 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وهذه هي الآيات مع سياقها لمزيد اطمئنانك بما قلناه ، قال الله تعالى :
( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ . يَحْلِفُونَ بِاللهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إلا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فإن يَتُوبُوا يَكُ خيراً لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الأرض مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ . وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ . فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ . فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ . ألم يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللهَ عَلامُ الْغُيُوبِ . الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إلا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ . اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ .
فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أشد حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ . فَلْيَضْحَكُوا قليلاً وَلْيَبْكُوا كثيراً جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ . فإن رَجَعَكَ اللهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَئْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أول مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ . وَلا تُصَلِّ عَلَى أحد مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ .
وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إنما يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أنفسهم وَهُمْ كَافِرُونَ . وإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتئْذَنَكَ أُوْلُواْ الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ . رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 343 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ . أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ .
وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللهَ وَرَسُولَهُ سَيُصيِبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ . لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ . وَلا عَلَى الَّذِينَ إذا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أجد مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ . إنما السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتأذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ . يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ . سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ إذا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ . يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فإن تَرْضَوْا عَنْهُمْ فإن اللهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ) . ( التوبة : 73 - 96 )
والنتيجة
أن موافقة الوحي المزعومة لعمر في هذه الرواية مكذوبة من راويها . وأن اعتراضات عمر بدأت قبل الصلاة على جنازته عندما أعطاهم النبي صلى الله عليه وآله قميصه ليكفنوه به ، ثم واصل عمر اعتراضه بإصرار رغم بيان النبي صلى الله عليه وآله وتوضيحه له ! !
وأن النبي صلى الله عليه وآله لم يخطئ لا في فهم حكم الله تعالى ، ولا في تطبيقه على حدوده ، ولم يحتج إلى عمر ولا غيره ، ولا إلى نزول آية لم تكن نازلة ، ولا إلى جر عمر بثوبه صلى الله عليه وآله أو زعمهم أن جبرئيل ساعد عمر وجر بثوبه صلى الله عليه وآله ! !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 344 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مناقشة رأي صاحب تفسير الميزان
تابع صاحب الميزان رحمه الله النافين من علماء السنة لصلاة النبي صلى الله عليه وآله على جنازة ابن سلول ، وردَّ الروايات الواردة في مصادر الطرفين بحجة أنها مخالفة للقرآن !
قال في الميزان : 9 / 366 : ( أقول : وقد ورد استغفار النبي ( ص ) لعبد الله بن أبي وصلاته عليه في بعض المراسيل من روايات الشيعة أيضاً ، أوردها العياشي والقمي في تفسيريهما ، وقد تقدم خبر القمي . وهذه الروايات على ما فيها من بعض التناقض والتدافع واشتمالها على التعارض فيما بينها ، تدفعها الآيات الكريمة دفعاً بيناً لا مرية فيه :
أما أولاً ، فلظهور قوله تعالى : اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ، ظهوراً بيناً في أن المراد بالآية بيان لغوية الاستغفار للمنافقين دون التخيير ، وأن العدد جئ به لمبالغة الكثرة لا لخصوصية في السبعين بحيث ترجى المغفرة مع الزائد على السبعين . والنبي صلى الله عليه وآله أجلُّ من أن يجهل هذه الدلالة فيحمل الآية على التخيير ، ثم يقول سأزيده على سبعين ، ثم يذكِّره غيره بمعنى الآية فيصرُّ على جهله ، حتى ينهاه الله عن الصلاة وغيرها بآية أخرى ينزلها عليه .
على أن جميع هذه الآيات المتعرضة للاستغفار للمنافقين والصلاة عليهم كقوله : اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ ، وقوله : سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أم لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ ، وقوله : وَلا تُصَلِّ عَلَى أحد مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً ، تعلل النهي واللغوية بكفرهم وفسقهم ، حتى قوله تعالى في النهي عن الاستغفار للمشركين : مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أصحاب الْجَحِيمِ . آية : 113 ، ينهى عن الاستغفار معللاً ذلك بالكفر وخلود النار وكيف يتصور مع
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 345 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ذلك جواز الاستغفار لهم والصلاة عليهم ؟ !
وثانياً ، إن سياق الآيات التي منها قوله : وَلا تُصَلِّ عَلَى أحد مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً . . الآية ، صريح في أن هذه الآية إنما نزلت والنبي ( ص ) في سفره إلى تبوك ولما يرجع إلى المدينة ، وذاك في سنة ثمان ، وقد وقع موت عبد الله بن أبي بالمدينة سنة تسع من الهجرة ! كل ذلك مسلَّمٌ من طريق النقل ، فما معنى قوله في هذه الروايات إن النبي ( ص ) صلى على عبد الله وقام على قبره ، ثم أنزل الله عليه : وَلا تُصَلِّ عَلَى أحد مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً . . الآية ؟ !
وأعجب منه ما وقع في بعض الروايات السابقة أن عمر قال للنبي ( ص ) : أتصلي عليه وقد نهاك عن الصلاة للمنافقين ؟ فقال : إن ربى خيرني . . ثم أنزل الله : وَلا تُصَلِّ عَلَى أحد مِنْهُمْ . . الآية .
وأعجب منه ما في الرواية الأخيرة من نزول قوله : سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أم لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ . . الآية ، والآية من سورة المنافقون وقد نزلت بعد غزاة بني المصطلق ، وكانت في سنة خمس ، وعبد الله بن أبي حي عندئذ ، وقد حكى في السورة قوله : لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ .
وقد اشتمل بعض هذه الروايات وتعلق به بعض من انتصر لها ، على أن النبي صلى الله عليه وآله إنما استغفر وصلى على عبد الله ليستميل قلوب رجال منافقين من الخزرج إلى الإسلام . وكيف يستقيم ذلك وكيف يصح أن يخالف النبي صلى الله عليه وآله النص الصريح من الآيات استمالةً لقلوب المنافقين ومداهنةً معهم ، وقد هدده الله على ذلك بأبلغ التهديد في مثل قوله : إذا لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ . . الآية ؟ ! فالوجه أن هذه الروايات موضوعة ، يجب طرحها بمخالفة الكتاب ) . انتهى .
أقول : من الواضح أن صاحب الميزان رحمه الله لم يستوف التأمل في أحاديث
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 346 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
المسألة في مصادر التفسير فضلاً عن الفقه ، فقد ورد في صلاة النبي صلى الله عليه وآله على المنافقين وابن سلول روايات عديدة ، منها الصحيح بدرجة عليا كما تقدم !
وقوله رحمه الله : ( ورد استغفار النبي ( ص ) لعبد الله بن أبي وصلاته عليه في بعض المراسيل من روايات الشيعة أيضاً ) غير دقيق ، لأن الرواية المرسلة التي أوردها من تفسير القمي رحمه الله ذكرت صلاته صلى الله عليه وآله على جنازته وأنه استغفر له ، ثم نَفَتْ أن يكون دعا له أو استغفر له ! وهذا نصها ، الذي أورده في الميزان : 9 / 355 ، قال : ( وفي تفسير القمي في قوله تعالى : استغفر لهم أو لا تستغفر لهم . . الآية ، أنها نزلت لما رجع رسول الله صلى الله عليه وآله المدينة ومرض عبد الله بن أبي وكان ابنه عبد الله بن عبد الله مؤمناً فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وأبوه يجود بنفسه فقال : يا رسول الله بأبي أنت وأمي إنك إن لم تأت أبي كان ذلك عاراً علينا ، فدخل إليه رسول الله صلى الله عليه وآله والمنافقون عنده ، فقال ابنه عبد الله بن عبد الله : استغفر له فاستغفر له ، قال عمر : ألم ينهك الله يا رسول الله أن تصلي على أحد أو تستغفر له ؟ فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وآله ، فأعاد عليه ! فقال له : ويلك إني قد خيِّرت فاخترت ، إن الله يقول : استغفر لهم أو لا تستغفر لهم ، إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم .
فلما مات عبد الله جاء ابنه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال : بأبي أنت وأمي يا رسول الله إن رأيت أن تحضر جنازته ، فحضر رسول الله صلى الله عليه وآله فقام على قبره ، فقال له عمر : يا رسول الله ألم ينهك الله أن تصلي على أحد منهم مات أبداً وأن تقيم على قبره ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : ويلك ! وهل تدري ما قلت ؟ إنما قلت : اللهم احشُ قبره ناراً وجوفه ناراً وأصْلِهِ النار ! فبدا من رسول الله صلى الله عليه وآله ما لم يكن يحب ) . انتهى .
ويرد على كلامه رحمه الله :
أولاً ، أن روايات الباب عندنا متعددة وفيها الصحيح الذي أفتى الفقهاء اعتماداً
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 347 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عليه بجواز الصلاة على جنازة المنافق بدون دعاء له ولا استغفار .
والمرسلة التي ذكرها هي الوحيدة التي ذكرت استغفار النبي صلى الله عليه وآله لابن سلول ! فكان ينبغي أن يقول رحمه الله : اتفقت روايات الشيعة وفتاوي فقهائهم على أن النبي صلى الله عليه وآله صلى على جنازة ابن سلول ، وأنه لم يستغفر له ، ما عدا مرسلة لا تنهض بالمعارضة في تفسير القمي ورد فيها أن النبي صلى الله عليه وآله فهم من الآية التخيير .
ثانياً ، من الواضح أن هذه المرسلة بمجموعها تتفق مع الأحاديث الصحيحة وفتاوى الفقهاء بجواز الصلاة على جنازة المنافق بدون دعاء واستغفار ، فختامها صريح في أنه صلى الله عليه وآله لم يستغفر له ولم يدع ، بل دعا عليه ! فيحتمل فيها اشتباه الراوي أو الناسخ في قوله إن ابنه قال للنبي صلى الله عليه وآله : ( استغفر له ، فاستغفرَ له ) ، لأن الاستغفار الوارد في أولها لا يمكن أن يكون هو المنفي صريحاً في آخرها .
ثالثاً ، أما الإشكال على ما ورد فيها من قول النبي صلى الله عليه وآله لعمر : ( ويلك إني قد خيِّرت فاخترت ، إن الله يقول : استغفر لهم أو لا تستغفر لهم . . . ) وأنه كيف يصح القول إن النبي صلى الله عليه وآله فهم التخيير من ذلك ؟ !
فجوابه : أن النهي عن الصلاة على جنائز المنافقين في قوله تعالى : وَلا تُصَلِّ عَلَى أحد مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ ، نزل قبل موت ابن سلول كما تقدم ! فصلاة النبي صلى الله عليه وآله على جنازته تدل على أنه غير مشمول للنهي ، لعصمة النبي صلى الله عليه وآله ، فلا بد أن يكون النهي خاصاً بأناس أو أنواع من المنافقين ولا يشمل ابن سلول ، أو يكون فيه استثناءً وابن سلول مستثنى ، بدليل صلاة النبي صلى الله عليه وآله على جنازته .
وقد تقدم عن أهل البيت عليهم السلام أن النهي عن الصلاة على المنافقين خاص وليس عاماً ، قال الصدوق رحمه الله في المقنعة : ( روي عن الصادقين عليهم السلام أنهم قالوا : كان رسول الله صلى الله عليه وآله يصلي على المؤمنين ويكبِّر خمساً ، ويصلي على أهل النفاق سوى
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 348 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
من ورد النهي عن الصلاة عليهم ، فيكبر أربعاً ) . انتهى .
كما أن النهي عن الاستغفار للمنافقين نزل قبل وفاة ابن سلول أيضاً ، فقد يكون أيضاً خاصاً بأناس أو بأنواع ليس ابن سلول منهم .
فتخييره صلى الله عليه وآله بين الصلاة وعدمها ، وبين الاستغفار وعدمه ، إن صحت روايته ، لا يكون بسبب فهمه صلى الله عليه وآله للآية كما زعم عمر ، بل من طريق الوحي مقيداً لإطلاقها .
من أين صارت صلاة الميت عندهم أربع تكبيرات ؟ !
عرفت أن مذهب أهل البيت عليهم السلام أن النبي صلى الله عليه وآله كان يصلي على المؤمنين بخمس تكبيرات ، يتشهد بعد الأولى ، ويصلي على الأنبياء عليهم السلام بعد الثانية ، ويدعو للمؤمنين بعد الثالثة ، ويدعو للميت بعد الرابعة ، ثم يختم بالخامسة . أما على المنافقين فكان يصلي بأربع تكبيرات ، بدون أن يدعو لهم .
ومع أن الصحابة صلوا مع رسول الله صلى الله عليه وآله على مئات الجنائز ، إلا أنهم اشتبه عليهم الأمر واختلفوا في عدد التكبيرات ، فأمرهم عمر بالأربع فاتبعوه .
قال المحقق البحراني في الحدائق الناضرة : 10 / 417 : ( ولعل الشبهة الموجبة لتركهم التكبير الخامس ما ورد في بعض الأخبار عنه صلى الله عليه وآله أنه كان يكبر أربعاً على بعض الأموات ، ولم يتفقهوا إلى أن ذلك إنما هو فيما إذا كان الميت منافقاً كما صرحت به أخبار أهل البيت عليهم السلام من أنه صلى الله عليه وآله كان يصلي على بعض خمس تكبيرات ، وعلى أناس أربعاً ، وأنه إذا كبر أربع تكبيرات اتُّهم بالنفاق .
وربما أكد ذلك عندهم إصرار الشيعة على الخمس ، حيث أنهم يتعمدون مخالفتهم ، وإن اعترفوا بأن السنة النبوية فيما عليه الشيعة ! بل قد صرح بهذا الوجه بعض شراح صحيح مسلم ، على ما نقله بعض أصحابنا رضوان الله عليهم ، حيث قال نقلاً عنه : إنما ترك القول بالتكبيرات الخمس في صلاة الجنازة ، لأنه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 349 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
صار علماً للتشيع ! وقال عبد الله المالكي المغربي في كتابه المسمى بفوائد مسلم كما نقله بعض أصحابنا أيضاً : إن زيداً كبر خمساً على جنازة ، قال وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يكبرها ، وهذا المذهب الآن متروك لأنه صار علماً على القول بالرفض .
وقد أوردنا في كتابنا سلاسل الحديد في تقييد ابن أبي الحديد جملة من مخالفاتهم التي من هذا القبيل !
وقال رحمه الله : ( روى الصدوق في كتاب العلل بسنده عن أبي بصير قال : ( قلت لأبي عبد الله عليه السلام : لأي علة نكبر على الميت خمس تكبيرات ويكبر مخالفونا أربع تكبيرات ؟ قال عليه السلام : لأن الدعائم التي بني عليها الإسلام خمس : الصلاة ، والزكاة ، والصوم ، والحج ، والولاية لنا أهل البيت . فجعل الله للميت من كل دعامة تكبيرة ، وإنكم أقررتم بالخَمس كلها وأقر مخالفوكم بأربع وأنكروا واحدة ، فمن ذلك يكبرون على موتاهم أربع تكبيرات ، وتكبرون خمساً ) . انتهى . ( راجع أيضاً جواهر الكلام : 12 / 31 ) .
وقال البيهقي في سننه : 4 / 37 : ( عن أبي وائل قال : كانوا يكبرون على عهد رسول الله ( ص ) سبعاً وخمساً وستاً ، أو قال أربعاً ، فجمع عمر بن خطاب أصحاب رسول الله ، فأخبر كل رجل بما رأى ، فجمعهم عمر على أربع تكبيرات ) .
وقال ابن قدامة في المغني : 2 / 393 : ( وروي أن عمر جمع الناس فاستشارهم ، فقال بعضهم : كبر النبي سبعاً ، وقال بعضهم خمساً ، وقال بعضهم أربعاً ، فجمع عمر الناس على أربع تكبيرات ) . انتهى .
وقد روت مصادرهم الأربع تكبيرات والخمس ، كما في مسند أحمد : 3 / 337 ، و 349 ، و : 4 / 372 ، والبخاري : 2 / 91 ، ومسلم : 3 / 54 ، و 56 ، وابن ماجة : 1 / 482 ، وأبي داود : 2 / 79 ، والترمذي : 2 / 244 ، وعقد البيهقي في سننه : 4 / 36 باباً بعنوان : ( باب من روى أنه كبر على جنازة خمساً ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 350 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد أكثروا من رواية أن النبي صلى الله عليه وآله كبر على النجاشي أربعاً ، لكن روى الطبراني : 17 / 20 ، أنه صلى الله عليه وآله كبر عليه خمساً ، فضعَّفوا حديثه ! وأعرضوا كلياً عن أحاديث أهل البيت عليهم السلام وإجماعهم !
لكن ابن حزم أفتى في المحلى : 5 / 124 ، بأن أصل التكبير على الجنازة خمس ، وأفتى بصحة الأربع ، وأورد أحاديث عديدة في أن النبي صلى الله عليه وآله كان يكبر خمساً . وسَخِرَ من ادعائهم الإجماع على الأربع ، التي أمر بها عمر وجمع عليها الناس !
* *
الأسئلة
1 - ماذا يريد البخاري من تكثير الروايات وتكرارها في اعتراض عمر على النبي صلى الله عليه وآله ؟ !
2 - لو كنت أنت حاضراً ورأيت أن عمر وثب ووقف في وجه النبي صلى الله عليه وآله وجرَّ ثوبه ، وتكلم معه بأسلوبه الفظ ، ماذا سيكون موقفك ؟ !
3 - نص علماء اللغة وأصول الفقه على أن عدد السبعين في مثل قوله تعالى : اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ . . . لا مفهوم له وأن المعنى مهما استغفرت لهم فلن يغفر الله لهم . فهل توافقون على صحة قول عمر إن النبي صلى الله عليه وآله فهم التخيير خطأً من هذه الآية ؟ !
4 - ما هو موقفكم من كبار أئمتكم كالباقلاني ، والجويني ، والغزالي ، والداودي وعياض ، وأمثالهم ، الذين ردوا هذا الحديث رغم تصحيح الشيخين له ، ونزَّهوا النبي صلى الله عليه وآله عما نسبه اليه عمر ، أي كذبوا البخاري ومسلماً أو عمر ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 351 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
5 - هل توافقون القرطبي على أن النبي صلى الله عليه وآله أخطأ في فهم التخيير ، بينما ألهم الله عمر نهيه عن الصلاة على المنافقين قبل نزول آية النهي ؟ !
قال في تفسيره : 8 / 218 : ( إن قال قائل : فكيف قال عمر : أتصلي عليه وقد نهاك الله أن تصلي عليه ، ولم يكن تقدم نهى عن الصلاة عليهم .
قيل له : يحتمل أن يكون ذلك وقع له في خاطره ، ويكون من قبيل الإلهام والتحدث الذي شهد له به النبي ( ص ) ، وقد كان القرآن ينزل على مراده ، كما قال : وافقت ربي في ثلاث . وجاء : في أربع ، وقد تقدم في البقرة ، فيكون هذا من ذلك . ويحتمل أن يكون فهم ذلك من قوله تعالى : استغفر لهم أو لا تستغفر لهم ، الآية . لا أنه كان تقدم نهي على ما دل عليه حديث البخاري ومسلم ) ؟ ! !
6 - قال الرازي في تفسيره : 16 / 151 : ( عن ابن عباس أنه لما اشتكى عبد الله بن أبي ابن سلول عاده رسول الله ( ص ) فطلب منه أن يصلي عليه إذا مات ويقوم على قبره ، ثم إنه أرسل إلى الرسول عليه الصلاة والسلام يطلب منه قميصه ليكفن فيه فأرسل إليه القميص الفوقاني ، فرده وطلب الذي يلي جلده ليكفن فيه ، فقال عمر : لمَ تُعطي قميصك الرجسَ النجس ؟ ! فقال عليه الصلاة والسلام : إن قميصي لا يغني عنه من الله شيئاً ، فلعل الله أن يدخل به ألفاً في الإسلام ، وكان المنافقون لا يفارقون عبد الله ، فلما رأوه يطلب هذا القميص ويرجو أن ينفعه ، أسلم منهم يومئذ ألف . فلما مات جاء ابنه يعرفه فقال عليه الصلاة والسلام لابنه : صل عليه وادفنه ، فقال : إن لم تصل عليه يا رسول الله لم يصل عليه مسلم ، فقام عليه الصلاة والسلام ليصلي عليه ، فقام عمر فحال بين رسول الله وبين القبلة لئلا يصلي عليه ، فنزلت هذه الآية ، وأخذ جبريل بثوبه وقال : ولا تصلِّ على أحد منهم مات أبداً ) ! انتهى
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 352 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فهل ترون أن من مناقب عمر سوء أدبه مع النبي صلى الله عليه وآله وعدم اقتناعه بكلامه ؟ !
وهل تقبلون حديث أن جبرئيل ساعد عمر ومنع النبي صلى الله عليه وآله من الصلاة على ابن سلول ، مع أنه صح عندكم أن عمر قال إن النبي صلى الله عليه وآله صلى عليه وصلى هو معه ؟ !
وهل توثقون يزيد الرقاشي واضع هذا الحديث لمصلحة عمر ، مع أنه ضعيف متروك عند علمائكم ؟ ! ( راجع : من له رواية في كتب الستة للذهبي : 2 / 380 ، وإرواء الغليل للألباني : 2 / 59 ، والكامل لابن عدي : 7 / 258 ، وتلخيص الحبير لابن حجر : 1 / 366 والمجموع للنووي : 18 / 68 ، والمحلى لابن حزم : 2 / 13 ) .
7 - ثم قال الرازي : ( فإن قيل : كيف يجوز أن يقال إن الرسول رغب في أن يصلي عليه بعد أن علم كونه كافراً وقد مات على كفره ، وأن صلاة الرسول عليه تجري مجرى الإجلال والتعظيم له ، وأيضاً إذا صلى عليه فقد دعا له ، وذلك محظور ، لأنه تعالى أعلمه أنه لا يغفر للكفار البتة ، وأيضاً دفع القميص إليه يوجب إعزازه ؟ !
والجواب : لعل السبب فيه أنه لما طلب من الرسول أن يرسل إليه قميصه الذي مس جلده ليدفن فيه ، غلب على ظن الرسول عليه الصلاة والسلام أنه انتقل إلى الإيمان ، لأن ذلك الوقت وقت يتوب فيه الفاجر ويؤمن فيه الكافر ، فلما رأى منه إظهار الإسلام وشاهد منه هذه الأمارة التي دلت على دخوله في الإسلام ، غلب على ظنه أنه صار مسلماً ، فبنى على هذا الظن ورغب في أن يصلي عليه ، فلما نزل جبريل وأخبره بأنه مات على كفره ونفاقه ، امتنع من الصلاة عليه ) ! انتهى .
فهل تقبلون ذلك وتنسبون عمر إلى النباهة والفطنة ، وتنسبون النبي صلى الله عليه وآله إلى السذاجة ، وأنه تخيل أن ابن سلول قد أسلم فأراد ان يعمل بتخيله وظنه ؟ !
8 - ثم قال الرازي في آخر كلامه : ( وأما دفع القميص إليه فذكروا فيه وجوهاً :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 353 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأول : أن العباس عم رسول الله ( ص ) لما أخذ أسيراً ببدر ، لم يجدوا له قميصاً ، وكان رجلاً طويلاً ، فكساه عبد الله قميصه . الثاني : أن المشركين قالوا له يوم الحديبية ، أنا لا ننقاد لمحمد ، ولكنا ننقاد لك ، فقال لا ، إن لي في رسول الله أسوة حسنة ، فشكر رسول الله له ذلك . والثالث : أن الله تعالى أمره أن لا يرد سائلاً ) . انتهى . فما رأيكم ؟ !
9 - هل يمكن أن تفسروا لنا قول الرازي : ( فصار نزول الوحي على مطابقة قول عمر منصباً عالياً ودرجة رفيعة له في الدين . فلهذا قال عليه الصلاة والسلام في حقه : لو لم أبعث لبعثت يا عمر نبياً ) . انتهى .
فهل تسمون عمر حسب هذا المنصب : نبي الظل ، أو نبياً مع وقف التنفيذ ، أو نبياً مرشحاً يوافقه الوحي ويخالف النبي الفعلي صلى الله عليه وآله ؟ !
10 - ما رأيكم في قول ابن المنير إنه لا يبعد أن النبي صلى الله عليه وآله أجاز لعمر أن يسئ الأدب معه ويغلظ عليه ، لكي يسدده عندما يخطئ ؟ !
11 - إذا وقف شخص أمامك وأمسك بثوبك وأراد أن يمنعك من الصلاة على جنازة ، فقلت له : أخر عني ، فهل معنى كلامك : أخر عني كلامك أو شخصك ؟ !
12 - ألا ترون في قول عمر عن فعله مع النبي صلى الله عليه وآله في هذا الحادثة : ( لقد أصبت في الإسلام هفوة ما أصبت مثلها قط ) ! ( الدر المنثور : 3 / 264 ) أنه أحس بخطئه في اعتراضه على النبي صلى الله عليه وآله عندما أعطى القميص ، ثم في إصراره رغم توضيح النبي صلى الله عليه وآله ، ثم في قوله وفعله الشاذ ، وأن توبيخ النبي صلى الله عليه وآله له وصل إلى العظم ؟ !
13 - ما رأيكم في فقه المسألة في مذهب أهل البيت عليهم السلام ؟
14 - ما رأيكم في صيغة القصة كما رواها أهل البيت عليهم السلام ؟ والتي يؤيدها ما
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 354 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
رواه عمر بن شبة في تاريخ المدينة : 1 / 370 ، قال : ( حدثنا وهب بن جرير ، قال حدثنا أبي ، قال سمعت الحسن يقول : سأل عبد الله بن أبي النبي ( ص ) قميصه أن يكفن فيه إياه فأعطاه إياه . فقال عمر : يا رسول الله أتعطي هذا المنافق قميصك يكفن فيه ؟ فقال : ويحك يا بن الخطاب وما علي أن أتألف بني النجار بقميصي ) ؟ !
15 - ما رأيكم في سياق السورة الموحد ، وفي رواية البخاري أنها نزلت دفعة واحدة ، وتكذيبه لنفسه ولعمر ؟ !
16 - رويتم أن عمر تدخل في أمر عبادي وفرض على المسلمين أن يكبروا أربعاً على الجنازة . فهل يجوز له ذلك ، أم تردون روايته كما فعل ابن حزم ؟ ! قال في المحلى : 5 / 124 : ( ويكبر الإمام والمأمومون بتكبير الإمام على الجنازة خمس تكبيرات لا أكثر ، فإن كبروا أربعاً فحسن . . . عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال : ( كان زيد بن أرقم يكبر على جنائزنا أربعاً وإنه كبر على جنازة خمساً ، فسألته فقال : كان رسول الله ( ص ) يكبرها . . . واحتج من منع أكثر من أربع بخبر رويناه من طريق وكيع عن سفيان الثوري عن عامر ابن شقيق عن أبي وائل قال : جمع عمر بن الخطاب الناس فاستشارهم في التكبير على الجنازة ، فقالوا : كبر النبي سبعاً وخمساً وأربعاً ، فجمعهم عمر على أربع تكبيرات كأطول الصلاة . . . قالوا : فهذا إجماع ، فلا يجوز خلافه !
قال أبو محمد : وهذا في غاية الفساد ، أول ذلك أن الخبر لا يصح لأنه عن عامر ابن شقيق ، وهو ضعيف ، وأما عمر بن شقيق فلا يدرى في العالم من هو ! ومعاذ الله أن يستشير عمر في إحداث فريضة بخلاف ما فعل فيها رسول الله ( ص ) ، أو للمنع من بعض ما فعله عليه السلام ومات وهو مباح فيحرم بعده ! لا يظن هذا بعمر إلا جاهل بمحل عمر من الدين والاسلام ، طاعن على السلف رضي الله عنهم ) ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 355 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة 158 : قصة أسرى بدر التي زعم عمر أنه أصاب فيها ، وأن النبي صلى الله عليه وآله أخطأ !

معركة بدر أول معركة فاصلة بين الإسلام والشرك ، وكان عدد جيش المسلمين فيها ثلاث مئة ونيفاً ، وكانت تجهيزاتهم بسيطة ، وجيش المشركين نحو ألف بأحسن تجهيز ، ومع ذلك انتصر المسلمون عليهم ، فقتلوا سبعين من فرسانهم ، وأسروا سبعين من شخصياتهم ، ثم أطلقوهم مقابل فدية مالية .
وقد خلَّد الله تعالى هذه المعركة في القرآن ، ووبَّخ جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله كانوا معارضين لخوضها خوفاً من قريش ، وكانوا يريدون الاكتفاء بغنيمة القافلة وأسر مرافقيها ، مع أن الله تعالى وعدهم النصر !
قال الله تعالى : كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُون . يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ . وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ . لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ . إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ . وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إلا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إلا مِنْ عِندِ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ . إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ . إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرَّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأعناق وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ . ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ اللهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِقِ اللهَ وَرَسُولَهُ فإن اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ . ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّار .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 356 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ . وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلا مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِير . فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاء حَسَناً إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ . ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ . إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءكُمُ الْفَتْحُ وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ وَلَن تُغْنِيَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شيئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللهَ مَعَ الْمُؤْمِنِين . يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ . ( سورة الأنفال : 5 - 20 )
فالآيات صريحة في أن عمل النبي صلى الله عليه وآله كان بتوجيه الله تعالى ووحيه ، ولم يَدَّعِ أحد
يومها أنه صلى الله عليه وآله أخطأ في الحرب ، أو في أخذ أسرى ، أو في إطلاقهم مقابل فدية مالية !
لكن عمر ادعى في خلافته أنه كان نهى النبي صلى الله عليه وآله عن أخذ الأسرى القرشيين ونهاه عن أخذ الفدية منهم ، فلم يطعه النبي صلى الله عليه وآله ، فعاقبه الله في معركة أحد ، فانهزم جيش النبي صلى الله عليه وآله وقتل منهم سبعون وأصيب النبي صلى الله عليه وآله ، فنزلت آيات توبخ النبي صلى الله عليه وآله والمسلمين على ذنبهم في بدر ، وتؤيد رأي عمر ! !
نقد الروايات العمرية
قال في مجمع الزوائد : 6 / 115 : ( وعن عمر بن الخطاب قال : فلما كان عام أحد من العام المقبل عوقبوا بما صنعوا يوم بدر من أخذهم الفداء فقتل منهم سبعون ، وفر أصحاب رسول الله عن النبي ( ص ) فكسرت رباعيته ، وهشمت البيضة على رأسه ، وسال الدم على وجهه ، وأنزل الله عز وجل : أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ إني هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير ، بأخذكم الفداء ! رواه الطبراني في آخر حديث عمر الذي في الصحيح في مسنده الكبير ) . انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 357 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وهذا الحديث الصحيح عنده باطل لأمور :
أولاً : لأن التوبيخ في الآية ليس للنبي صلى الله عليه وآله بل للذين أرادوا غنيمة القافلة وأسر مرافقيها وخافوا من القتال ، ومنهم أبو بكر وعمر !
ففي صحيح مسلم : 5 / 170 : ( عن أنس أن رسول الله ( ص ) شاور حين بلغه إقبال أبي سفيان ، قال فتكلم أبو بكر فأعرض عنه ، ثم تكلم عمر فأعرض عنه ، فقام سعد بن عبادة فقال : إيانا تريد يا رسول الله ، والذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نخيضها البحر لاخضناها ، ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد لفعلنا ) . ( ورواه أحمد : 3 / 219 و 320 و 357 والشوكاني في نيل الأوطار : 8 / 45 ) .
فقولهم إن النبي صلى الله عليه وآله أعرض عنهما ، وحذفهم لكلامهما ، يدل على أنهما خافا وخوَّفا النبي صلى الله عليه وآله من حرب قريش ! ويتأكد ذلك بقرينة أنهم رووا سرور النبي صلى الله عليه وآله وإشراق وجهه بموقف المقداد بعد موقف أبي بكر وعمر !
ففي البخاري : 5 / 4 أن المقداد قال : ( لا نقول كما قال قوم موسى : إذهب أنت وربك فقاتلا ، ولكنا نقاتل عن يمينك وعن شمالك وبين يديك وخلفك . فرأيت النبي ( ص ) أشرق وجهه وسره ذلك ) . وفي الطبراني الكبير : 10 / 213 : ( فرأيت وجه رسول الله ( ص ) انبسطت أساريره ) . انتهى .
ولم يكتفوا بحذف كلام أبي بكر وعمر ، حتى كذبوا لهما وقالوا إنهما قالا فأحسنا ! قال ابن حجر في فتح الباري : 7 / 223 : ( لما وصل النبي ( ص ) الصفراء وبلغه أن قريشاً قصدت بدراً ، وأن أبا سفيان نجا بمن معه ، فاستشار الناس فقام أبو بكر فقال فأحسن ، ثم قام عمر كذلك ، ثم المقداد . . . ) ! ( ونحوه في النهاية : 3 / 320 ، وأسد الغابة : 4 / 59 و 409 ) .
على أن بعض الروايات صرحت بشئ من كلامهما ! ففي الدر المنثور : 3 / 165 : ( فقال عمر بن الخطاب : يا رسول الله إنها قريش وعزها ، والله ما ذلت منذ عزت
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 358 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولا آمنت منذ كفرت ، والله لتقاتلنك فتأهب لذلك أهبته ، واعدد له عدته ) ! ( ورواه في عيون الأثر : 1 / 327 ، والنهاية : 3 / 321 ) .
وفي الصحيح من السيرة : 5 / 21 : ( فقام أبو بكر ، فقال : يا رسول الله ، إنها قريش وخيلاؤها ، ما آمنت منذ كفرت ، وما ذلت منذ عزَّت ، ولم تَخرج على هيئة الحرب . فقال له رسول الله ( ص ) : أجلس ، فجلس ، فقال ( ص ) : أشيروا عليَّ ، فقام عمر ، فقال مثل مقالة أبي بكر . فأمره النبي ( ص ) بالجلوس فجلس ) .
( عن مغازي الواقدي : 1 / 48 ، والسيرة الحلبية : 2 / 150 ، والدر المنثور : 3 / 166 ودلائل النبوة للبيهقي ، والبحار : 19 / 247 ، وتفسير القمي : 1 / 258 ) .
وثانياً : إن الدليل الذي استدلوا به وجعلوه فضيلة عمر ، وضمنوه الطعن على النبي صلى الله عليه وآله متهافتٌ ، ففي الدر المنثور : 3 / 163 : ( أخرج ابن جرير ، وابن أبي حاتم وأبن مردويه ، والبيهقي في الدلائل عن أبي أيوب الأنصاري قال : قال لنا رسول الله ( ص ) ونحن بالمدينة وبلغه أن عير أبي سفيان قد أقبلت ، فقال : ما ترون فيها لعل الله يغنمناها ويسلمنا ، فخرجنا فلما سرنا يوماً أو يومين ، أمرنا رسول الله ( ص ) أن نتعادَّ ففعلنا فإذا نحن ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً ، فأخبرنا النبي ( ص ) بعدتنا فسرَّ بذلك وحمد الله ، وقال : عدة أصحاب طالوت . فقال : ما ترون في القوم فإنهم قد أخبروا بمخرجكم ؟ فقلنا يا رسول الله لا والله مالنا طاقة بقتال القوم ، إنما خرجنا للعير . . . إلى أن قال : فقتلنا وأسرنا ، فقال عمر : يا رسول الله ما أرى أن تكون لك أسرى فإنما نحن داعون مؤلفون ، فقلنا معشر الأنصار إنما يحمل عمر على ما قال حسدٌ لنا ، فنام رسول الله ( ص ) ثم استيقظ ثم قال : ادعوا لي عمر فدعي له فقال له : إن الله قد أنزل عليَّ : ما كان لنبي أن تكون له أسرى . . الآية ) . انتهى .
( وهو في الطبراني الكبير : 4 / 174 ، وحسَّنه في مجمع الزوائد : 6 / 73 ) .
فهذا الحديث الحسن يدل أولاً ، على أن عمر وأبا بكر كانا من الذين قالوا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 359 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لا طاقة لنا بقتال قريش ، كالذين قالوا : لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده .
وثالثاً : إن قول عمر ( ما أرى أن تكون لك أسرى فإنما نحن داعون مؤلفون ) ! يدل على أن عمر كان معارضاً لأصل أخذ الأسرى لأنهم من قريش ، تعصباً أن يأسرهم الأنصار ! فهذا معنى قولهم : فقلنا معشر الأنصار إنما يحمل عمر على ما قال حسدٌ لنا !
ورابعاً : تقول الرواية إن عمر اعترض في بدر بعد المعركة ، فنزلت الآية مؤيدة لرأيه ، ونهت النبي صلى الله عليه وآله عن أخذ الأسرى ، لأن معركة بدر لم تكن إثخاناً كافياً يحلل أخذ الأسرى ! فدعا النبي صلى الله عليه وآله عمر فقرأها له وأقر بأن رأيه كان خطأ ورأي عمر صواباً ، ومع ذلك خالف النبي صلى الله عليه وآله الآية وعصى أمر ربه ، وأخذ أسرى من قريش وساقهم إلى المدينة ! ثم عصى ربه فيهم ثانيةً فأخذ منهم الفداء !
* *
وفي مسند أحمد : 1 / 30 : ( فلما كان يومئذ والتقوا فهزم الله عز وجل المشركين فقتل منهم سبعون رجلاً وأسر منهم سبعون رجلاً ، فاستشار رسول الله ( ص ) أبا بكر وعلياً وعمر فقال أبو بكر : يا نبي الله هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان ، فإني أرى أن تأخذ منهم الفدية فيكون ما أخذنا منهم قوة على الكفار ، وعسى الله أن يهديهم فيكونون لنا عضداً . فقال رسول الله ( ص ) ما ترى يا ابن الخطاب ؟ قال قلت : والله ما أرى ما رأي أبو بكر ، ولكني أرى أن تمكنني من فلان - قريب لعمر - فأضرب عنقه ، وتمكن علياً من عقيل فيضرب عنقه ، وتمكن حمزة من فلان أخيه فيضرب عنقه ، حتى يعلم الله أنه ليست في قلوبنا هوادة للمشركين ، هؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم .
فهويَ رسول الله ( ص ) ما قال أبو بكر ولم يهوَ ما قلت ، فأخذ منهم الفداء فلما
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 360 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أن كان من الغد قال عمر : غدوت إلى النبي ( ص ) فإذا هو قاعد وأبو بكر رضي الله عنه وإذا هما يبكيان ! فقلت يا رسول الله أخبرني ماذا يبكيك أنت وصاحبك ، فإن وجدت بكاء بكيت ، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما !
قال فقال النبي ( ص ) : الذي عرض عليَّ أصحابك من الفداء ! لقد عرض عليَّ عذابكم أدنى من هذه الشجرة لشجرة قريبة ، وأنزل الله عز وجل ( ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض ، إلى قوله : لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ ) من الفداء ، ثم أحل لهم الغنائم ، فلما كان يوم أحد من العام المقبل عوقبوا بما صنعوا يوم بدر من أخذهم الفداء فقتل منهم سبعون وفرَّ أصحاب النبي ( ص ) عن النبي ( ص ) وكسرت رباعيته ، وهشمت البيضة على رأسه ، وسال الدم على وجهه ، وأنزل الله تعالى : أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا ، الآية . . بأخذكم الفداء ) ! ! ( ورواه مسلم : 3 / 158 و 170 ومجمع الزوائد : 6 / 113 و 115 و 118 ورواه أحمد : 1 / 32 ونحوه في سنن أبي داود : 1 / 608 ) .
ويَرِدُ على هذه الرواية إشكالات عديدة :
منها ، أنها طبَّقت قوله تعالى : لمسكم فيما أخذتم ، على أخذ النبي صلى الله عليه وآله والمسلمين أسرى بدر أو فداءهم ! وهذا غلط ، لأن لو حرف امتناع لامتناع فقوله تعالى : لولا كتاب من الله ، معناه أن الأخذ لم يتحقق ، وأنه أخذ تقديري ، فلا بد أن يكون أخذهم لمرافقي القافلة ، الذي أرادوه ونجاهم الله تعالى منه برحمته وكتابه الذي سبق .
ومنها ، أن عمر ادعى أن رأيه كان قتل الأسرى وأن الوحي وافقه ! لكن النبي صلى الله عليه وآله عصى ربه ولم يقتلهم ، وساقهم إلى المدينة ثم أخذ منهم الفداء ! وهذا مناقض للرواية الحسنة المتقدمة في أن عمر عارض أصل أخذ الأسرى !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 361 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ومنها ، أن عمر اتهم النبي صلى الله عليه وآله بأنه أخذ الأسرى باجتهاد منه بدون أمر ربه ، أو طمعاً بفدائهم المالي ، ثم نهاه ربه ، فعصى أمر ربه وأصرَّ على رأيه !
وهذا تحريفٌ للآية ، لأن التوبيخ فيها ليس للنبي صلى الله عليه وآله بل للذين خافوا من مواجهة قريش وأرادوا غنيمة القافلة ، وهم أبو بكر وعمر ومن وافقهم ! فهم الذين أرادوا عرض الحياة الدنيا ، وأخذ القافلة وأسْر مرافقيها ، ولو فعلوا ذلك لمسهم فيما أخذوا عذاب عظيم !
أما النبي صلى الله عليه وآله فقد أخذ أسرى بعد الإثخان في الأرض ، وأي إثخان أبلغ من سفره مسافة مئة وخمسين كيلو متراً إلى بدر ، وإمعانه في قتل المشركين ؟ !
وهذا المعنى واضح من آيات بدر : كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ . يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ . وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ . إلى قوله : مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أسرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأرض تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيم . لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيم ) .
ومنها ، أن الرواية تقول إن النبي صلى الله عليه وآله أخذ من الأسرى الفداء في الغد ، فنزلت عليه الآية توبخه وتنذره بالعذاب ، فقعد هو وأبو بكر يبكيان على ذنبهما ! ومع ذلك عاد النبي صلى الله عليه وآله بالأسرى إلى المدينة ، وأخذ منهم الفداء بعد مدة ! !
فمن يصدق أن النبي صلى الله عليه وآله نزل عليه التوبيخ ، وبكى على ذنبه ، ثم أصر عليه ؟ !
أكذوبة : لو نزل العذاب ما نجا منه إلا ابن الخطاب !
يتضح لكل ذي عينين أن كل غرضهم من روايات قصة أسارى بدر أن يمدحوا عمر بن الخطاب ، ولو بتخطئة النبي صلى الله عليه وآله !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 362 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد وضعوا لذلك حديثاً مكذوباً على رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : ( لو نزل العذاب لما نجا منه إلا ابن الخطاب ) . ومع أن نُقَّادهم حكموا بوضعه ، إلا أن علماءهم يستشهدون به ويصححونه عملياً ، لافرق بين كبيرهم وصغيرهم !
كما حكموا بوضع حديث : ( أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ) ، ومع ذلك يستشهدون ، ويبنون عليه مذهبهم في الفقه والأصول والتفسير ! ولا يتسع المجال لإثبات ذلك من مصادرهم في العقائد وأصول الفقه والفقه والتفسير !
قال السيوطي في الدر المنثور : 3 / 202 : ( وأخرج ابن المنذر ، وأبو الشيخ ، وابن مردويه ، من طريق نافع ، عن ابن عمر قال . . . فأخذ رسول الله ( ص ) بقول أبي بكر ففاداهم رسول الله فأنزل الله : لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ، فقال رسول الله : إن كاد ليمسنا في خلاف ابن الخطاب عذاب عظيم ، ولو نزل العذاب ما أفلت إلا عمر ) .
وقال السرخسي في المبسوط : 10 / 139 : ( وقال ( ص ) لو نزل العذاب ما نجى منه إلا عمر ، فإنه كان أشار بقتلهم ، واستقصى في ذلك ) ! ! أي أصرَّ وألحَّ .
وقال الغزالي في المستصفى ص 170 : ( وقال ( ص ) في قصة أسارى بدر حيث نزلت الآية على وفق رأي عمر : لو نزل بلاء من السماء ما نجا منه إلا عمر ) .
وقال الكاشاني في بدائع الصنائع : 7 / 119 : ( وأشار سيدنا عمر إلى القتل فقال رسول الله : لو جاءت من السماء نار ما نجى إلا عمر ! أشار عليه الصلاة والسلام إلى أن الصواب كان هو القتل ) .
وفي زاد المسير لابن الجوزي : 3 / 258 : ( وروي عن ابن عمر قال : لما أشار عمر بقتلهم وفاداهم رسول الله ( ص ) أنزل الله تعالى : ما كان لنبي . . إلى قوله : حلالاً طيباً . فلقي النبي ( ص ) عمر فقال : كاد يصيبنا في خلافك بلاء ) . انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 363 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال الجصاص في أحكام القرآن : 3 / 94 : بعد ذكر حديث عمر المزعوم في بكاء النبي صلى الله عليه وآله وأبي بكر : ( وذكر في حديث عبد الله بن مسعود وابن عباس الآخر أن الوعيد إنما كان في عرضهم الفداء على رسول الله ( ص ) وإشارتهم عليه به ، والأول أولى بمعنى الآية ، لقوله تعالى : لمَسَّكم فيما أخذتم ، ولم يقل فيما عرضتم وأشرتم ، ومع ذلك فإنه يستحيل أن يكون الوعيد في قولٍ قاله رسول الله ( ص ) لأنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ، ومن الناس من يجيز ذلك على النبي ( ص ) من طريق اجتهاد الرأي ! ويجوز أيضاً أن يكون النبي ( ص ) أباح لهم أخذ الفداء ، وكان ذلك معصية صغيرة ! فعاتبه الله والمسلمين عليها ) .
وقد حاول القرطبي أن يبعد التوبيخ عن النبي صلى الله عليه وآله فجعله على الذين أشاروا عليه ثم على الذين باشروا الحرب ، ثم جعله على النبي صلى الله عليه وآله واعتذر عنه بأنه انشغل عن الإثخان بالحرب ، وعن قتل الأسرى !
قال في تفسيره : 8 / 45 : ( والمعنى : ما كان ينبغي لكم أن تفعلوا هذا الفعل الذي أوجب أن يكون للنبي ( ص ) أسرى قبل الإثخان ، ولهم هذا الأخبار بقوله : تريدون عرض الدنيا . والنبي ( ص ) لم يأمر باستبقاء الرجال وقت الحرب ، ولا أراد قط عرض الدنيا ، وإنما فعله جمهور مباشري الحرب ، فالتوبيخ والعتاب إنما كان متوجهاً بسبب من أشار على النبي بأخذ الفدية .
هذا قول أكثر المفسرين ، وهو الذي لا يصح غيره . وجاء ذكر النبي ( ص ) في الآية حين لم يَنْهَ عنه حين رآه من العريش ، وأذْكَرَهُ سعدُ بن معاذ وعمرُ بن الخطاب وعبدُ الله بن رواحة ، ولكنه عليه السلام شغله بَغْتُ الأمر ونزول النصر ، فترك النهي عن الاستبقاء ، ولذلك بكى هو وأبو بكر حين نزلت الآيات ) ! ! انتهى .
فانظر إلى هذا التناقض الواضح والتخبط الفاضح ، الذي وقع فيه مفسروهم !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 364 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فما دام قتْل الأسرى واجباً كما قال عمر ، وما دام الذي عصى واستبقاهم غير النبي صلى الله عليه وآله ، والنبي معذور لأنه انشغل عن إصدار الأمر بقتلهم ، فما باله استبقاهم بعد نزول آية التوبيخ ، وبعد إقراره لعمر بخطئه ؟ !
ثم ما باله بعد أن قعد يبكي هو وأبو بكر خوفاً من نزول العذاب ، عصى ربه مرة أخرى وساق الأسرى معه مقيَّدين ، ووكل غلامه شقران بسوقهم ؟ !
إنك تشعر أن تبرئة النبي صلى الله عليه وآله لا يهمهم ، فالمهم عندهم إثبات فضيلة لعمر ! لذلك يحكمون بخطأ النبي صلى الله عليه وآله وارتكابه المعصية في أسر الأسرى القرشيين المحترمين وفدائهم ، وترى التقي فيهم يحاول تبرئته صلى الله عليه وآله بما يخطر بباله ولو بالتخبط ، لكنهم مجمعون على تأكيد إصابة عمر وخطأ النبي صلى الله عليه وآله ! لاحظ حديثهم المزعوم : ( فقال رسول الله ( ص ) : ( إن كاد ليصيبنا في خلاف ابن الخطاب عذاب ، ولو نزل عذاب ما أفلت إلا عمر ) ! ! فالمطلوب تفضيل عمر على النبي صلى الله عليه وآله ، ولو بالطعن في النبي صلى الله عليه وآله ! !
وقد استنكر أهل البيت عليهم السلام هذا الطعن وردُّوه ، وحتى المأمون العباسي في مناظرته لعلمائهم : ( قال آخر : قد قال النبي ( ص ) : لو نزل العذاب ما نجى إلا عمر بن الخطاب . قال المأمون : هذا خلاف الكتاب أيضاً ، لأن الله تعالى يقول لنبيه : وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ، فجعلتم عمر مثل الرسول .
قال آخر : فقد شهد النبي ( ص ) لعمر بالجنة في عشرة من الصحابة .
فقال المأمون : لو كان هذا كما زعمتم لكان عمر لا يقول لحذيفة : نشدتك بالله أمن المنافقين أنا ؟ فإن كان قد قال له النبي أنت من أهل الجنة ولم يصدقه حتى زكاه حذيفة ، فصدَّق حذيفة ولم يصدِّق النبي ( ص ) ، فهذا على غير الإسلام ، وإن كان قد صدق النبي ( ص ) فَلِمَ سأل حذيفة ؟ ! ) ! ( عيون أخبار الرضا : 1 / 203 )
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 365 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولم أرَ من علمائهم من وافقنا في تنزيه النبي صلى الله عليه وآله عن ذلك إلا الفخر الرازي ، قال في المحصول : 6 / 15 : ( مسألة : إذا جوزنا له ( ص ) الإجتهاد فالحق عندنا أنه لا يجوز أن يخطئ ، وقال قوم : يجوز بشرط أن لا يُقَرَّ عليه .
لنا : أنا مأمورون باتباعه في الحكم لقوله تعالى : فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ ، فلو جاز عليه الخطأ لكنا مأمورين بالخطأ ، وذلك ينافي كونه خطأ .
واحتج المخالف بقوله تعالى : عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ ، فهذا يدل على أنه أخطأ فيما أذن لهم ، وقال تعالى : في أسارى بدر : لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ، فقال عليه الصلاة والسلام : لو نزل عذاب من الله لما نجا إلا ابن الخطاب ، وهذا يدل على أنه أخطأ في أخذ الفداء ، ولأنه تعالى قال : قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ، فلما جاز الخطأ على من غيره جاز أيضاً عليه ، ولأن النبي ( ص ) قال : إنكم تختصمون لديَّ ولعل بعضكم ألحن بحجته من غيره ، فمن قضيت له بشئ من حق أخيه فلا يأخذنه ، إنما أقطع له قطعة من النار ، فلو لم يجز أن يقضي لأحد إلا بحقه لم يقل هذا . ولأنه يجوز أن يغلط في أفعاله فيجوز أن يغلط في أقواله كغيره من المجتهدين !
والجواب : عن هذه الوجوه مذكور في الكتاب الذي صنفناه في عصمة الأنبياء عليه السلام ، فلا فائدة في الإعادة ) . انتهى .
ولنعم ما قال أبو الفتح الكراجكي في التعجب من أغلاط العامة ص 61 : ( ومن عجيب كذبهم ومفرط غلوهم دعواهم أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال : لو نزل العذاب ما نجى إلا عمر بن الخطاب ! وهذا تصريح بالكفر والردة والخروج عن الملة ، لأنهم أوجبوا أنه لولا عمر بن الخطاب لهلك جميع الناس ، وفيهم رسول الله صلى الله عليه وآله
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 366 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الذي قال الله تعالى فيه : وما كان ليعذبهم وأنت فيهم ! وفيهم أهل بيته المكرمون الذين شهد بطهارتهم التنزيل في قول الله تعالى : إنما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرُكُمْ تَطْهِيراً ! . وهل يخفى هذا الافتعال إلا على العُمْيِ والجهال ) ؟ ! ( راجع أيضاً الصحيح من السيرة : 5 / 110 ، والنص والاجتهاد ص 319 ففيهما تفصيلات مفيدة ) .
* *
الأسئلة
1 - هل يمكنكم أن تتخلصوا مما زرَّقه المفسرون في أذهانكم ، وتفسروا آيات معركة بدر بدون أن تطعنوا في عصمة نبيكم صلى الله عليه وآله وتتهموه بمعصية ربه ؟ !
2 - ما معنى قوله تعالى : يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ ، وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ . . . تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ . لَوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيم . فما هو الحق الذي تبين لهم ، ومن هم البدريون المجادلون لنبيهم صلى الله عليه وآله بعد ما تبين لهم الحق ، ومن هم الذين كانوا يريدون أخذ القافلة وأسر مرافقيها وعرض الدنيا بدون إثخان في الأرض ؟ !
3 - لماذا حذف الرواة جواب أبي بكر وعمر عندما شاورهما النبي صلى الله عليه وآله في مواجهة قريش ؟ وهل كان رأيهما ذات الشوكة ، أو غير ذات الشوكة ؟ !
4 - هل تقبلون قول عمر إن النبي صلى الله عليه وآله وأبا بكر قعدا يبكيان على ذنبهما وخافا نزول العذاب ؟ وماذا كان ذنبهما بالضبط ؟ !
5 - كيف تفسرون قول عمر : ( يا رسول الله ما أرى أن تكون لك أسرى ، فإنما نحن داعون مؤلفون ) ؟ ! وما معنى داعون مؤلفون ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 367 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
6 - قال عمر : ( فلما كان عام أحد من العام المقبل عوقبوا بما صنعوا يوم بدر من أخذهم الفداء ! فقتل منهم سبعون ، وفر أصحاب رسول الله عن النبي ( ص ) فكسرت رباعيته ، وهشمت البيضة على رأسه ، وسال الدم على وجهه ) . انتهى .
فهل تقبلون هذا الكلام الصريح في أن العقوبة نزلت على النبي صلى الله عليه وآله بسبب ذنبه ومعصيته لربه ولعمر ؟ ! وهل تلاحظون أنه يتكلم كأنه غريب عن أحد ؟ !
7 - كيف تقبلون نسبة المعصية والخطأ إلى النبي صلى الله عليه وآله ، والله تعالى يقول : وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ، إِنْ هُوَ إلا وَحْيٌ يُوحَى . . . وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا . . . فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ . . . يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ . فهل أمرنا الله بطاعته صلى الله عليه وآله وهو يعصي ويخطئ ؟ !
8 - هل تقبلون الحديث المزعوم : ( لو نزل العذاب ما نجا منه إلا ابن الخطاب ) وهل كان العذاب يشمل النبي وآله صلى الله عليه وآله ؟ !
9 - قال عمر إن العذاب نزل في أحد على النبي صلى الله عليه وآله والمسلمين ، فهل نجا هو من العذاب ، وقد وصف نفسه يومذاك كما في الدر المنثور : 2 / 88 : ( أخرج ابن جرير عن كليب قال : خطب عمر يوم الجمعة فقرأ آل عمران ، وكان يعجبه إذا خطب أن يقرأها ، فلما انتهى إلى قوله : إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان ، قال : لما كان يوم أحد هزمناهم ففررت حتى صعدت الجبل ، فلقد رأيتني أنزو كأنني أروى ، والناس يقولون قتل محمد ) ! انتهى .
فما هي الأروى التي كان عمر في فراره من القتال ينزو مثلها ؟ فهل نجا من العذاب ، أم شمله قوله تعالى : وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلا مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 368 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
10 - قال ابن هشام : وكان ضرار بن الخطاب لَحِقَ عمر بن الخطاب يوم أحد فجعل يضربه بعرض الرمح ويقول أنْجُ يا ابن الخطاب . لا أقتلك ! !
فكان عمر يعرفها له بعد الإسلام رضي الله عنهما ؟ ! !
فكيف تفسرون ذلك ، وضرار بن الخطاب من فرسان قريش وشعرائها ، وقد كان يهجو النبي صلى الله عليه وآله ، وكان مقرباً من أبي سفيان ؟ !
11 - قال ابن أبي الحديد في شرح النهج : 14 / 176 : ( وأما الحديث الذي فيه ( لو نزل عذاب لما نجا منه إلا عمر ) ، فالواقدي وغيره من المحدثين اتفقوا على أن سعد بن معاذ كان يقول مثل ما قاله عمر ، بل هو المبتدئ بذلك الرأي ، ورسول الله ( ص ) بعدُ في العريش ، والمشركون لم ينفضَّ جمعهم كلَّ ذلك الانفضاض ، فكيف خُصَّ عمر بالنجاة وحده دون سعد ) ؟ ! . انتهى .
فلماذا خصصتم عمر بالنجاة من العذاب دون سعد ؟ وهل تقبلون ما رواه ابن زيد قال : فقال رسول الله ( ص ) : لو نزل عذاب من السماء ما نجا منكم غير عمر وسعد بن معاذ ) . ( مجمع البيان : 4 / 495 )
12 - قال الله تعالى : وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وأنت فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ . فهل نُسخت هذه الآية أم نزلت ( وعمر فيكم ) فحرفها المسلمون ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 369 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة 159 : انقلاب الأمة على النبي صلى الله عليه وآله في حياته بقيادة عمر !

اعترفت مصادر أتباع الخلافة القرشية بحادثة الانقلاب على النبي صلى الله عليه وآله الذي قاده عمر بتأييد طلقاء قريش ، عندما وقف في وجهه مرض وفاته ، ومنعه أن يكتب لأمته عهداً يؤمِّنها من الضلال ، ويجعلها سيدة العالم إلى يوم القيامة !
وما أن أعلن عمر رفضه لذلك العرض النبوي الفريد ، صاح القرشيون الطلقاء ( القول ما قاله عمر ) ! وكانوا أكبر مجموعة منظمة ، بلغ عددهم في المدينة ألوفاً ، لأن الذين أرسلهم النبي صلى الله عليه وآله منهم في جيش أسامة بلغوا سبع مئة !
قال في فتح الباري : 8 / 116 : ( وعند الواقدي أيضا أن عدة ذلك الجيش كانت ثلاثة آلاف ، فيهم سبعمائة من قريش ) . انتهى .
من نصوص الانقلاب العمر ي من أصح مصادرهم
قال البخاري : 1 / 36 : ( عن ابن عباس قال : لما اشتد بالنبي ( ص ) وجعه قال : إئتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده . قال عمر : إن النبي ( ص ) غلبه الوجع وعندنا كتاب الله حسبنا ! فاختلفوا وكثر اللغط ! قال ( ص ) : قوموا عني ، ولا ينبغي عندي التنازع . فخرج ابن عباس يقول : إن الرزيئة كل الرزيئة ، ما حال بين رسول الله ( ص ) وبين كتابه ) ! !
وقال البخاري : 5 / 137 : ( لما حضر رسول الله ( ص ) وفي البيت رجال فقال النبي ( ص ) : هلموا أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده . فقال بعضهم : إن رسول الله ( ص ) قد غلبه الوجع وعندكم القرآن ، حسبنا كتاب الله ! فاختلف أهل البيت واختصموا ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 370 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فمنهم من يقول : قربوا يكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده . ومنهم من يقول غير ذلك ! فلما أكثروا اللغو والاختلاف قال رسول الله : قوموا ) .
وقال البخاري : 7 / 9 : ( باب قول المريض قوموا عني . . . عن ابن عباس قال : لما حُضِرَ رسول الله ( ص ) وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب . . . ورواه البخاري أيضاً : 8 / 160 . . .
وفي مسلم : 5 / 75 : ( عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس أنه قال : يوم الخميس وما يوم الخميس ! ثم جعل تسيل دموعه حتى رأيت على خديه كأنها نظام اللؤلؤ ! قال قال رسول الله ( ص ) : إئتوني بالكتف والدواة ( أو اللوح والدواة ) أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً ، فقالوا : إن رسول الله ( ص ) يهجر ) ! !
عن ابن عباس قال : لما حضر رسول الله ( ص ) وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب فقال النبي ( ص ) : هلم أكتب لكم كتاباً لا تضلون بعده ! فقال عمر : إن رسول الله ( ص ) قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن ، حسبنا كتاب الله . . . الخ ) .
وفي مسند أحمد : 3 / 346 : ( عن جابر أن النبي ( ص ) دعا عند موته بصحيفة ليكتب فيها كتاباً لا يضلون بعده ، قال فخالف عليها عمر بن الخطاب حتى رفضها ) ! ( ورواه أحمد : 1 / 324 و 336 و 324 )
وفي مجمع الزوائد : 9 / 33 : وعن عمر بن الخطاب قال : لما مرض النبي ( ص ) قال : ادعوا لي بصحيفة ودواة أكتب كتاباً لا تضلون بعدي أبداً ! فكرهنا ذلك أشد الكراهة ! ! ثم قال : ادعوا لي بصحيفة أكتب لكم كتاباً لا تضلون بعده أبداً ! فقال النسوة من وراء الستر : ألا تسمعون ما يقول رسول الله ( ص ) ؟ ! فقلت : إنكن صواحبات يوسف إذا مرض رسول الله ( ص ) عصرتنَّ أعينكن ، وإذا صح ركبتنَّ رقبته . فقال رسول الله : دعوهنَّ فإنهنَّ خيرٌ منكم ) ! !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 371 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أجواء الانقلاب والمواجهة مع النبي صلى الله عليه وآله يوم الخميس !
ننقل أجواء المواجهة القرشية مع النبي صلى الله عليه وآله من كتاب عدالة الصحابة للمحامي الأردني أحمد حسين يعقوب ، قال في ص 182 ، تحت عنوان : المواجهة الصاخبة :
( النبي على فراش الموت ، وجبريل الأمين لا ينقطع عن زيارته ، وأكثر ما كان يأتيه جبريل في مرضه .
النبي على علم بمستقبل هذه الأمة ، وقد أدى دوره كاملاً وبلغ رسالات ربه ، وبين لهم كل شئ على الإطلاق ، وهو على علم تام بما يجري حوله ومدركٌ أنه السكون الذي يسبق الانفجار فينسف الشرعية السياسية والمرجعية ! وبنسف الشرعية السياسية والمرجعية يتجرد الإسلام من سلاحه الجبار ، ويتعطل المولِّد الأساسي للدعوة والدولة .
ولكن مثل النبي لا ينحني أمام العاصفة ، ولا يقعده شئ عن متابعة إحساسه العميق بالرأفة والرحمة لهذه الأمة .
وبالرغم من كمال الدين وتمام النعمة الإلهية ، والبيان الإلهي الشامل لكل شئ تحتاجه الأمة ، بما فيه كيف يتبول وكيف يتغوط أفرادها ، إلا أنه أراد أن يلخص الموقف لأمته حتى تهتدي وحتى لا تضل ، وحتى تخرج بسلام من المفاجآت التي تتربص بها وتنتظر موت النبي لتفتح أشداقها ، فتعكر صفو الإسلام وتعيق حركته وتغير مساره !
النبي على فراش المرض ، وبيته المبارك يغص بأكابر الصحابة ، وقد أصر النبي على تلخيص الموقف والتذكير بالخط المستقبلي لمسيرة الإسلام ، فقال النبي :
قربوا أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً .
ما هو الخطأ بهذا العرض النبوي ؟
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 372 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
من يرفض التأمين ضد الضلالة ؟
ولماذا ؟ ولمصلحة من ؟
ثم ، إن من حق أي مسلم أن يوصي ، ومن حق أي مسلم أن يقول ما يشاء قبل موته ، والذين يسمعون قوله أحرارٌ فيما بعد بإعمال هذا القول أو إبطاله !
هذا إذا افترضنا أن محمداً مجرد مسلم عادي ، وليس نبياً وقائداً للأمة .
فتصدى الفاروق عمر بن الخطاب ووجه كلامه للحضور وقال : إن النبي قد غلب عليه الوجع ، وعندكم القرآن ، حسبنا كتاب الله !
فاختلف أهل البيت فاختصموا ، منهم من يقول قربوا يكتب لكم رسول الله كتاباً لا تضلوا بعده أبداً ، ومنهم من يقول : القول ما قاله عمر !
فلما أكثروا اللغو والاختلاف عند النبي قال لهم رسول الله : قوموا عني ( 1 ) .
وفي رواية ثانية أن الرسول عندما قال : إئتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً ، تنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع ، فقالوا هجر رسول الله ! قال النبي : دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه ! ! ( 2 ) .
وفي رواية ثالثة ، قال النبي : إئتوني بالكتف والدواة أو اللوح والدواة أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً ، فقالوا : إن رسول الله يهجر ( 3 ) .
وفي رواية رابعة للبخاري : إن النبي قال : إئتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده . قال عمر بن الخطاب : إن النبي غلبة الوجع ، وعندنا كتاب الله حسبنا فاختلفوا وأكثروا اللغط ! قال النبي : قوموا عني ولا ينبغي عندي التنازع . ( 4 )
رواية بلفظ خامس للبخاري : قال النبي : إئتوني أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً ، فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع ، فقالوا : ما شأنه أهجر ؟ استفهموه . فذهبوا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 373 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يرددون عليه ، فقال : دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه ( 5 ) .
رواية بلفظ سادس للبخاري : قال النبي : إئتوني بكتف أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده أبداً ، فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع فقالوا : ما له أهجر ، استفهموه ، فقال النبي : ذروني فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه . ( 6 ) .
رواية بلفظ سابع للبخاري : قال النبي : هلم أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده . قال عمر : إن النبي غلبه الوجع وعندكم القرآن فحسبنا كتاب الله ! واختلف أهل البيت واختصموا فمنهم من يقول : قربوا يكتب لكم رسول الله كتاباً لن تضلوا بعده ، ومنهم من يقول ما قال عمر ، فلما أكثروا اللغط والاختلاف عند النبي قال : قوموا عني . ( 7 )
وفي رواية أن عمر بن الخطاب قال : إن النبي يهجر . . . ( 8 ) وقد اعترف الفاروق أنه صدَّ النبي عن كتابة الكتاب حتى لا يجعل الأمر لعلي ! ( 9 ) .
تحليل المواجهة :
أطراف المواجهة : الطرف الأول ، هو محمد رسول الله وخاتم النبيين وإمام الدولة الإسلامية ( رئيسها ) .
الطرف الثاني ، هو عمر بن الخطاب أحد كبار الصحابة ، ووزير من أبرز وزراء دولة النبي ، والخليفة الثاني من خلفاء النبي فيما بعد .
مكان المواجهة : بيت النبي .
شهود المواجهة : كبار الصحابة رضوان الله عليهم .
النتائج الأولية للمواجهة :
1 - الانقسام . إن الحاضرين قد انقسموا إلى قسمين : القسم الأول : يؤيد الفاروق
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 374 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فيما ذهب إليه من الحيلولة بين الرسول وبين كتابة ما يريد . وحجة هذا الفريق أن الفاروق من كبار الصحابة ، وأحد وزراء النبي ، ومشفق على الإسلام ، وأن النبي مريض ، وبالتالي فلا داعي لإزعاجه بكتابة هذا الكتاب . ثم إن القرآن وحده يكفي ، فهو التأمين ضد الضلالة ، ولا داعي لأي كتاب آخر يكتبه النبي .
القسم الثاني : يرفض المواجهة أصلاًً بين التابع والمتبوع وبين نبي ومصدق به ، وبين رسول يتلقى تعليماته من الله ، وبين مجتهد يعمل بما يوحيه له اجتهاده ، وبين رئيس دولة ونبي بنفس الوقت ، وبين واحد من وزرائه .
ويرى هذا القسم أن تتاح الفرصة للنبي ليقول ما يريد ، ولكتابة ما يريد لأنه نبي وما زال نبياً حتى يتوفاه الله ، ولأنه رئيس الدولة وما زال رئيساً للدولة حتى يتوفاه الله ، ويحل رئيس آخر محله .
ثم على الأقل ، لأنه مسلم يتمتع بالحرية كما يتمتع بها غيره ، ومن حقه أن يقول ما يشاء ، وأن يكتب ما يشاء .
ثم إن الأحداث والمواجهة تجري في بيته ، فهو صاحب البيت ، ومن حق أي إنسان أن يقول ما يشاء في بيته .
2 - بروز قوة هائلة جديدة : برز الفاروق كقوة جديدة هائلة استطاعت أن تحول بين النبي وبين كتابة ما يريد ، واستطاعت أن تستقطب لرأيها عدداً كبيراً من المؤيدين بمواجهة مع النبي نفسه وبحضور النبي نفسه ! ) انتهى .
هوامش : ( 1 ) صحيح بخاري - كتاب المرضى باب قول المريض : قوموا عني : 7 / 9 وراجع صحيح مسلم في آخر كتاب الوصية : 5 / 75 وصحيح مسلم بشرح النووي : 11 / 95 ومسند الإمام أحمد : 4 م 356 ح 2992 وشرح النهج لابن أبي الحديد : 6 / 51 . ( 2 ) راجع صحيح بخاري : 4 / 31 وصحيح مسلم : 3 / 16 ومسند الإمام أحمد : 1 / 222 وج 3 م 286 . ( 3 ) راجع صحيح مسلم : 2 / 16 و : 11 / 94 - 95 ، ومسند الإمام أحمد : 1 / 355 وتاريخ الطبري : 2 / 193 . ( 4 ) راجع صحيح بخاري : 1 / 37 . ( 5 ) راجع صحيح بخاري / 5 / 137 وتاريخ الطبري : 3 / 192 .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 375 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
( 6 ) صحيح بخاري : 2 / 132 و : 4 / 65 - 66 . ( 7 ) صحيح بخاري : 8 / 161 . ( 8 ) راجع تذكرة الخواص لسبط الجوزي الحنفي ص 62 وسر العالمين وكشف ما في الدارين ، لأبي حامد الغزالي ص 21 . ( 9 ) راجع شرح نهج البلاغة لعلامة المعتزلة ابن أبي الحديد : 3 / 114 و : 12 / 79 سطر 3 بتحقيق محمد أبو الفضل و : 3 / 803 دار مكتبة الحياة و : 3 / 167 دار الفكر ) . انتهى كلام صاحب كتاب ( عدالة الصحابة ) !
مواجهة يوم الخميس خطة قرشية مدروسة !
أخبر الله رسوله صلى الله عليه وآله أن أمته سوف تختلف بعده وتضل ، كما فعلت الأمم السابقة ، فأخبرهم النبي صلى الله عليه وآله بذلك ، وحذرهم مراراً أن يرتدوا بعده كفاراً يضرب بعضهم رقاب بعض على شهوة الحكم والخلافة !
وحجَّ بهم حجة الوداع وودعهم وخطب فيهم صلى الله عليه وآله خمس خطب ، بيَّن لهم فيها كل ما ينبغي بيانه ، وأكد في جميعها على فريضة اتباع عترته من بعده ، وإلا فهو الضلال والانهيار ! وبشَّرهم في خطبه بالأئمة الاثني عشر عليهم السلام من بعده !
وفي خطبته السادسة في غدير خم ، أخذ بيد علي عليه السلام وأصعده معه المنبر ، وأعلنه لهم ولياً من بعده ، وأمرهم أن يهنئوه ويبايعوه ففعلوا ، وكان عمر من المهنئين ! فقد روى الخطيب البغدادي ، والحافظ الحسكاني ، وابن عساكر ، وابن كثير ، والخوارزمي ، وابن المغازلي بأسانيد صحيحة عن أبي هريرة قال : من صام يوم ثماني عشر من ذي الحجة كتب له صيام ستين شهراً ، وهو يوم غدير خم لما أخذ النبي ( ص ) بيد علي بن أبي طالب فقال : ألست ولي المؤمنين ؟ قالوا : بلى يا رسول الله . قال : من كنت مولاه فعلي مولاه ، فقال عمر بن الخطاب : بخ بخ لك يا ابن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كل مسلم ) . ( آيات الغدير ص 250 )
وفي مرض وفاته صلى الله عليه وآله أمره ربه أن يدعو أصحابه وأهل الحل والعقد في أمته ويُتِمَّ الحجة عليهم ، فأحضرهم وعرض عليهم أعظم عرض قدمه نبي لأمته !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 376 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عرض عليهم أن يضمن لهم ثباتهم على الهدى إلى يوم القيامة ، وأن يكونوا سادة العالم إلى يوم القيامة ! بشرط أن يقبلوا حكم الله ورسوله ، ويلتزموا بتنفيذ كتاب يكتبه لهم ويسمي فيه الأئمة الذين ارتضاهم الله لأمته من بعده !
فتصدى عمر بالنيابة عن قريش وأعلن رفضهم لعرض نبيهم ! فأطاعوه وصاحوا في وجه نبيهم : القول ما قاله عمر ، أي لا نريد أن تكتب لنا كتاباً ، ولا نريد أمانك من الضلال ، فقد غلب عليك الوجع ، فلا اعبار بكلامك وكتابتك !
ومعنى ذلك أنهم اختاروا الضلال عن عمد وإصرار ! وواجهوا نبيهم صلى الله عليه وآله ! وصادروا منه قيادة الأمة في حياته وأعطوها إلى عمر زعيم قريش الجديد ! واضطروا النبي صلى الله عليه وآله إلى السكوت ، لأنهم خيروه بين السكوت وبين إعلان الردة وأنَّ محمداً أخذ يهجر ، وأراد فرض عشيرته بني هاشم على قريش والعرب ! وأن غرضه تأسيس ملك دنيوي لهم كملك كسرى وقيصر ، فاليوم ابن عمه علي ابن الثلاث وثلاثين سنة ، ثم من بعده أولاد ابنته فاطمة الذين هم الآن دون العاشرة ، فإن دخلت الخلافة فيهم فلن تخرج منهم ، ولن يصل إلى قبائل قريش شئ ! وهذا ظلم لقبائل قريش ما بعده ظلم ! !
لقد قررت قريش ممثلة بمن بقي من زعمائها المنهزمين في فتح مكة ، وبحضورها المكثف في المدينة بعد فتح مكة ، أن تقدم عمر الجرئ لمصارحة النبي صلى الله عليه وآله ومواجهته بأن بني هاشم تكفيهم النبوة ، أما الخلافة فيجب أن تكون لبقية قبائل قريش ، ويكون بنو هاشم فيها كغيرهم ، لا أكثر ! وصدق الله الخبير العليم بأن الأمة سوف تختار الضلال وترفض حكم الله ورسوله في خلافة نبيها !
وتصدت قريش لقيادة الأمة بقانون الغلبة ، وفتحت صراعاً دموياً على السلطة ، لم تعرف أمةٌ بعد نبيها أسوأَ منه ، ولا خلافة لنبي أكثر منه سفكاً للدماء ! حتى
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 377 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وصلت الخلافة إلى غلمان بني أمية وبني العباس ، ثم إلى الشراكسة والعثمانيين ، إلى أن انهارت الخلافة والأمة بيد الغربيين ودفنت في استانبول بلا مراسم ! !
كانت المدة بين يوم الغدير يوم الخميس 18 ذي الحجة في السنة العاشرة للهجرة ، وبين يوم الخميس يوم الرزية 24 صفر من نفس السنة ، ستاً وستين يوماً فقط ! نشط فيها القرشيون ضد خلافة بني هاشم ، ووقعت فيها أحداث وأمور ، ونزلت آيات ، وصدرت من النبي صلى الله عليه وآله خطب وأحاديث ! !
وكان آخر عمل قام به النبي صلى الله عليه وآله أن جهَّز جيش أسامة إلى مؤتة ، وأمر زعماء قريش ، مع نحو تسع مئة قرشي من الطلقاء أن يكونوا فيه ، ليخلو الجو منهم في المدينة فيرتب صلى الله عليه وآله خلافة علي عليه السلام قبل وفاته !
واليك واحدة من الوقائع في تلك الفترة ينقلها الإمام السني أبو عبيد الهروي ، وبعض التفاسير ، تقول : لما بلَّغ رسول صلى الله عليه وآله بغدير خمٍّ ما بلَّغ ، وشاع ذلك في البلاد ، أتى جابر بن النضر بن الحارث بن كلدة العبدري ( من بني عبد الدار وزارة دفاع قريش ) فقال : يا محمد ! أمرتنا عن الله بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، وبالصلاة ، والصوم ، والحج ، والزكاة ، فقبلنا منك ، ثم لم ترض بذلك حتى رفعت بضِبْع ابن عمك ففضلته علينا وقلت : من كنت مولاه فعلي مولاه ! فهذا شئٌ منك أم من الله ؟ ! فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : والذي لا إله إلا هو إن هذا من الله .
فولى جابر يريد راحلته وهو يقول : اللهم إن كان ما يقول محمد حقاً فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ! فما وصل إليها حتى رماه الله بحجر ، فسقط على هامته وخرج من دبره وقتله ، وأنزل الله تعالى : سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ . . الآية ) . انتهى .
ومع أن سورة المعارج مكية ، لكن نزول جبرئيل بها مجدداً ، يعني أن ما حدث
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 378 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
هو من العذاب الموعود ! وقد نصَّ المفسرون على تكرر نزول آيات عند وقوع تأويلها مثل : ( إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ) وغيرها .
نتائج المواجهة على كل صعيد !
نجح عمر بمساندة قريش القوية أن يحقق أهدافاً ضخمة ، ليس فقط على صعيد القرار القرشي بعزل بني هاشم ومبايعة قرشي من القبائل المنافسة بالخلافة ، بل حقق على صعيد الإسلام والقرآن هدفين طالما طمحت اليهما قريش الطلقاء :
الأول : أن يكون القرآن هو المصدر الرسمي للإسلام فقط ، أما السنة فهي مصدر انتقائي ، يختار منه عمر وزعماء قريش ما يناسب ، ويتركون ما لا يناسب بل يمنعون أصل صدوره من النبي صلى الله عليه وآله !
ثانياً : أن عمر الزعيم المختار من قبائل قريش هو المفسر الرسمي للقرآن ، وله الحق أن يمنع النبي صلى الله عليه وآله من كتابة وصيته التي ستُلزم المسلمين بإمام ومفسر رسمي للقرآن من بني هاشم !
وقد اضطر عمر لتحقيق هذين الهدفين أن يستعمل الغلظة والشدة في تلك اللحظات الحاسمة من حياة النبي صلى الله عليه وآله ، ويجرح شعور النبي صلى الله عليه وآله في بيته وهو يودع أمته ، ويجابهه بقرار أكثرية الصحابة ويقول له : أيها الرسول لا حاجة بنا إلى وصيتك ولا إلى إمام من عشيرتك ، فالقرآن كاف شاف ، ولا نحتاج أن تنصب له مفسراً أيضاً ، لأن تفسيره من حقنا نحن ! لقد قبلنا نبوتك والقرآن الذي أنزله الله عليك ، ولكن قريشاً تشاورت فيما بينها ونظرت في مستقبلها ، فرأت أنه ليس من العدل أن يستأثر بنو هاشم بالنبوة والخلافة ، فلا يبقى لقبائل قريش شئ ! فاختارت قريش لنفسها ووفقت وأصابت ( العبارة الأخيرة صرح بها عمر في الطبري : 3 / 289 ) ! !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 379 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وبما أن الوصية التي تريد أن تكتبها تتنافى مع هذا القرار ، فقد قلتُ للحاضرين بلسان كل قريش : لا تقربوا له دواة ولا قرطاساً ! فخيرٌ لك أن تصرف النظر عن كتابة الوصية ، وإلا فإني سأشهد الحاضرين عليك بأنك تهجر ، وأن كلامك لم يعد وحياً ! !
أما بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله فلم يعد عمر مضطراً لأن يجرح شعور النبي صلى الله عليه وآله ، بل يمكنه أن يعمل لأهدافه بأسلوبه الخاص الذي يسميه معاريض الكلام فيقول عنه : ( لا يسرني أن لي بما أعلم من معاريض القول مثل أهلي ومالي ) ( سنن البيهقي : 10 / 199 ) وبهذه المعاريض عمل لضبط القرآن والسنة ضمن مصلحة قريش ! واتخذ خمس قرارات تتعلق بالسنة ، هي :
1 - مَنْع رواية سنة النبي صلى الله عليه وآله منعاً باتاً تحت طائلة العقوبة ، وقد عاقب عدداً من الصحابة لمجرد روايتهم الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله بالضرب والسجن ، وبقي بعضهم في سجنه أو الإقامة الجبرية ، حتى مات عمر !
2 - مَنْع تدوين سنة النبي صلى الله عليه وآله منعاً باتاً ، وهو قرار اتخذه عمر مع زعماء قريش من زمن النبي صلى الله عليه وآله ، عندما رأوا بعض الغرباء وبعض شباب قريش يكتبون كل ما يقوله النبي صلى الله عليه وآله مع أنه بشر ، يغضب فيقول غير الحق !
وفي خلافة أبي بكر طلب أبو بكر من الناس ما كتبوه من السنة ، وأحرقه !
وفي خلافته جمع عمر ما كتبوه من السنة وأحرقه ، وأصدر مرسوماً خلافياً بعث به إلى الأمصار بإحراق كل مكتوب من السنة أو إتلافه !
3 - أنكروا كتاب ( الجامعة ) الذي قال علي عليه السلام إنه بإملاء النبي صلى الله عليه وآله وفيه كل ما يحتاج إليه الناس ، ولم يستفيدوا منه ، وقالوا عن النبي صلى الله عليه وآله لم يخص علياً ولا أحداً من أهل بيته بشئ من العلم ، ولم يترك علماً غير القرآن .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 380 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
4 - انتقى عمر مجموعة روايات لسيرة النبي وسنته صلى الله عليه وآله وعمل على تعليمها للأمة على أنها السنة والسيرة الصحيحة ، دون ما خالفها !
5 - رفع شعار ( سنة النبي ) التي رفضها بالأمس ، فشعار ( حسبنا كتاب الله ) صار ( حسبنا كتاب الله وسنة نبيه ) أي كتاب الله كما يفهمه عمر ، وسنة رسوله التي يرويها عمر ، أو يمضيها !
أما قراراته بشأن القرآن فهي كثيرة ، تعرضنا لها في كتاب تدوين القرآن .
ما عدا مما بدا . . ؟ !
رفض عمر أن يكتب الرسول صلى الله عليه وآله كتاباً يضمن تأمين أمته وقال : حسبنا كتاب الله ! ! أما عند وفاة أبي بكر فأخذ بيده عصا جريد يسكِّت بها الناس ، ويقول : إسمعوا وأطيعوا ، يريد أن يكتب لكم كتاباً ! !
قال الطبري في تاريخه : 2 / 618 : ( عن إسماعيل ، عن قيس قال : رأيت عمر بن الخطاب وهو يجلس والناس معه ، وبيده جريدة وهو يقول : أيها الناس إسمعوا وأطيعوا قول خليفة رسول الله ( ص ) ، إنه يقول إني لم آلكم نصحاً ! قال : ومعه مولى لأبي بكر يقال له شديد ، معه الصحيفة التي فيها استخلاف عمر ! !
قال أبو جعفر : وقال الواقدي : حدثني إبراهيم بن أبي النضر ، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث قال : دعا أبو بكر عثمان خالياً ، فقال له : اكتب : بسم الله الرحمن الرحيم . هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة إلى المسلمين ، أما بعد ، قال ثم أغمي عليه . فذهب عنه فكتب عثمان : أما بعد فإني قد استخلفت عليكم عمر بن الخطاب ولم آلكم خيراً منه !
ثم أفاق أبو بكر فقال إقرأ عليَّ ، فقرأ عليه فكبَّر أبو بكر وقال : أراك خفت أن يختلف الناس أن افتلتت نفسي في غشيتي ؟ ! قال : نعم . قال : جزاك الله خيراً عن الإسلام وأهله . وأقرها أبو بكر من هذا الموضع ) . انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 381 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأسئلة
أسئلة حول ما طلبه النبي صلى الله عليه وآله من المسلمين ؟
1 - كان بإمكان النبي صلى الله عليه وآله أن يكتب كتابه وعهده لأمته ، ويأمر بلالاً مثلاً أن يدعوهم إلى المسجد ويقرأه عليهم ، فطالما كتب وأمر بدون أن يشاور أحداً ؟ !
2 - بماذا تجيبون لو سألكم شخص غير مسلم فقال : إن حديث الدواة والقرطاس ثابتٌ عندكم ، فهو في ست مواضع من البخاري وحده !
فلماذا غضب نبيكم وطرد الصحابة القرشيين ، ولم يكتب وصيته وعهده لمن يسمع ويطيع من الأجيال ؟
أما نحن فنجيب بأنهم عرفوا أن النبي صلى الله عليه وآله يريد أن يكتب عهده للأمة بإمامة علي عليه السلام والحسن والحسين وتسعة من ذرية الحسين عليهم السلام ، وحيث لم يقبلوا به ، فإن إصرار النبي صلى الله عليه وآله على كتابته سيدفعهم إلى الردة عن الإسلام ! ولا تكون نتيجة كتابة العهد إلا أن يقسم أمته في حياته إلى قسمين وأمتين ! ويجعل العترة مع قلة قليلة في مواجهة الأكثرية المخالفة لهم ، وهذا يهدد أصل بقاء الإسلام ! ! لذلك اختار بأمر ربه عز وجل عدم الكتابة ، وسجل احتجاجه عليهم بطردهم ! وتركهم ليحصدوا نتائج ما اختاروه ! !
3 - قال المازري : ( إن قيل : كيف جاز للصحابة الاختلاف في هذا الكتاب مع قوله ( ص ) : آتوني أكتب ، وكيف عصوه في أمره ؟ !
فالجواب : أنه لا خلاف أن الأوامر تقارنها قرائن تنقلها من الندب إلى الوجوب عند من قال : أصلها للندب , ومن الوجوب إلى الندب عند من قال : أصلها
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 382 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
للوجوب , وتنقل قريش أيضاً صيغة إفعل إلى الإباحة ، وإلى التخيير ! ! وإلى غير ذلك من ضروب المعاني , فلعله ظهر منه ( ص ) من القرائن ما دل على أنه لم يوجب عليهم بل جعله إلى اختيارهم , فاختلف اختيارهم بحسب اجتهادهم , وهو دليل على رجوعهم إلى الإجتهاد في الشرعيات , فأدى عمر اجتهاده إلى الامتناع من هذا , ولعله اعتقد أن ذلك صدر منه ( ص ) من غير قصد جازم , وهو المراد بقولهم : هجر وبقول عمر : غلب عليه الوجع ) ! ! ( شرح مسلم للنووي : 11 / 92 ) ؟ !
فهل تقولون إن الأوامر القرآنية والنبوية لا يجب تنفيذها ، أو تقولون إن ظهوره في الوجوب يسقط بمجرد احتمال وجود قرينة تدل على التخيير والاستحباب ؟ ! وكيف يكون المسلمون مخيرين في أمر يتعلق بمصير كل أجيال الأمة وضلالهم أو عصمتهم من الضلال إلى يوم القيامة ؟ !
4 - ماذا تجيبون لو سألكم شخص فقال : إن الأحاديث بل الآيات تدل على أن النبي صلى الله عليه وآله كان يعلم أن الأمة لاتقبل إمامة عليٍّ والعترة عليهم السلام ، فلماذا عرض عليهم أمراً يكرهونه بشدة كما قال عمر ، ويردونه بقوة كما فعل !
أما نحن فنجيب بأن واجب النبي صلى الله عليه وآله البلاغ وإقامة الحجة ، وقد تحقق ذلك وتأكد قوله تعالى : لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ . ( الأنفال : 42 )
5 - لاشك أن مطلب النبي صلى الله عليه وآله منهم كان أن يتعهدوا ويلتزموا بتنفيذ الكتاب الذي سيكتبه ، وليس مجرد رضاهم بأن يكتب لهم عهده من بعده ، وإلا لما خاضوا معه هذه المعركة التي انتهت بغضبه عليهم وطردهم من بيته !
وسؤالنا : ما حكم من قال له النبي صلى الله عليه وآله سآمرك بأمر فالتزم أمامي بتنفيذه ، فرفض وأغضب النبي صلى الله عليه وآله وآذاه ومنعه من إصدار أمره حتى طرده النبي صلى الله عليه وآله ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 383 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أسئلة حول الكتاب الذي أراد النبي صلى الله عليه وآله أن يكتبه
6 - قال بعضهم : إن الكتاب الذي أراد أن يكتبه النبي صلى الله عليه وآله والذي يؤمِّن أمته من الضلال والضعف إلى يوم القيامة ، هو الوصية لأبي بكر بالخلافة ! واستند إلى حديث عائشة وزعمها أن النبي صلى الله عليه وآله أراد أن يكتب عهده بالخلافة إلى أبيها وأخيها ، ولكنه ترك ذلك لأن الأمة ستختار أبا بكر ! فقد روى البخاري : 7 / 8 ، عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وآله قال لها : ( لقد هممت أو أردت أن أرسل إلى أبي بكر وابنه وأعهد ، أن يقول القائلون أو يتمنى المتمنون . ثم قلت يأبى الله ويدفع المؤمنون أو يدفع الله ويأبى المؤمنون ) . ( ورواه في : 8 / 126 ) .
وقال مسلم : 7 / 110 ، عن عائشة قالت : ( قال لي رسول الله ( ص ) في مرضه ادعى لي أبا بكر أباك وأخاك حتى أكتب كتاباً فإني أخاف أن يتمنى متمن ، ويقول قائل أنا أولى ، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر ) . انتهى .
وقال ابن حجر في فتح الباري : 1 / 186 : ( واختلف في المراد بالكتاب ، فقيل : كان أراد أن يكتب كتاباً ينص فيه على الأحكام ليرتفع الاختلاف . وقيل : بل أراد أن ينص على أسامي الخلفاء بعده ، حتى لا يقع بينهم الاختلاف ، قاله سفيان بن عيينة ، ويؤيده أنه ( ص ) قال في أوائل مرضه وهو عند عائشة أدعي لي أباك وأخاك حتى أكتب كتاباً ، فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل ، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر . أخرجه مسلم ، وللمصنف معناه . ومع ذلك فلم يكتب ) .
وقال في فتح الباري : 13 / 177 : ( قوله : فأعهد ، أي أعين القائم بالأمر بعدي ، هذا هو الذي فهمه البخاري فترجم به ، وإن كان العهد أعم من ذلك ، لكن وقع في رواية عروة عن عائشة بلفظ : أُدعي لي أباك وأخاك حتى أكتب كتاباً . . . وفي رواية للبزار : معاذ الله أن تختلف الناس على أبي بكر . فهذا يرشد إلى أن المراد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 384 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الخلافة . وأفرط المهلب فقال : فيه دليل قاطع في خلافة أبي بكر ! والعجب أنه قرر بعد ذلك انه ثبت أن النبي ( ص ) لم يستخلف ) ! انتهى .
فهل يصح هذا الكلام في عهدٍ أراد النبي صلى الله عليه وآله أن يكتبه فغضب منه عمر وكل الحزب القرشي ومنهم أبو بكر ، ومنعوا النبي صلى الله عليه وآله من كتابته ؟ !
وهل تصدقون أحاديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وآله أراد أن يكتب الخلافة لأبيها وأخيها ، لتكون من بعده في عشيرة بني تيم ؟ !
وهل تقولون إن ابن أبي بكر أحق من عمر بالخلافة ، وإن عمر قد غصب منه الخلافة ، لأنها كانت بنص النبي صلى الله عليه وآله لأبي بكر وابنه ؟ !
وإذا صح أن المؤمنين يأبوْنَ إلا أبا بكر ، فهل أن الصحابة الذين عارضوه وأدانوه واحتجوا عليه ، كانوا غير مؤمنين ؟ ! وهم أكثر من سبعين صحابياً ، وكلهم عندكم مؤمنون عدول ، بأيهم اقتديتم اهتديتم ؟ !
وأخيراً ، يبقى السؤال الأهم من الجميع : أنه لو كانت خلافة أبي بكر هي التي أراد النبي صلى الله عليه وآله أن يعصم بها الأمة من الضلال والضعف إلى يوم القيامة ، فقد حصلت خلافته ، فلماذا لم تُعصم الأمة من الضلال ، وسرعان ما اختلفت ، وكفَّر بعضها بعضاً ، وسفك بعضها دماء بعضها ، حتى ضعفت وانهارت ؟
فكيف يحصل سبب التأمين والعصمة من الضلال ، ولا يحصل المسبب ؟ !
7 - سمع المسلمون من النبي صلى الله عليه وآله مراراً ، خاصة في حجة الوداع تعبير : ( لن تضلوا بعدي أبداً ) في وصاياه صلى الله عليه وآله بالقرآن والعترة عليهم السلام ، فقد تواتر عنه صلى الله عليه وآله قوله : إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً . ورأوه في غدير خم أصعد علياً عليه السلام معه على المنبر ، ورفع بيده
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 385 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأمرهم بولايته وطاعته فقال صلى الله عليه وآله : ( من كنت مولاه فعلي مولاه ) . فلا بد أن عمر وحزبه فهموا مقصود النبي صلى الله عليه وآله يوم الخميس بقوله : إئتوني بقرطاس أكتب أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً . . وعرفوا أنه سيعهد بالخلافة كتبياً لعلي والعترة عليهم السلام ، فلم يجدوا وسيلة إلا التشكيك بسلامة عقله وحجية قوله صلى الله عليه وآله ، فقالوا إنه يهجر عندكم القرآن حسبنا كتاب الله ! !
فهل عندكم تفسير لردهم العنيف المؤذي إلى أقصى حدود العنف والإيذاء لرسول الله صلى الله عليه وآله ، سوى أن كتابة العهد كانت ستحبط خطتهم لأخذ الخلافة ؟ !
8 - قال بعضهم إن الذي أراد أن يوصي به النبي صلى الله عليه وآله كان أمراً عادياً ، وأن النبي صلى الله عليه وآله أراد أن يذكرهم به فقط ! فما هو هذا الأمر العادي الذي يضمن عصمة الأمة من الضلال ، ويضمن سيادتها على العالم إلى يوم القيامة ؟ !
ولماذا عدّ ابن عباس عدم كتابة العهد رزيةً على الإسلام والمسلمين ، وكان يبكي لها بكاء الثكلى ، حتى خضب دمعه الحصى ! ( فتح الباري : 8 / 100 )
أسئلة في تحليل ما فعله عمر والموقف الشرعي منه
9 - هل تعتبرون حديث رزية يوم الخميس من موافقات الله المزعومة لعمر وتخطئته لرسوله صلى الله عليه وآله ! وهل نزل جبرئيل على النبي صلى الله عليه وآله يوم الرزية ، وقال له أخطأت يا محمد لأنك أردت أن تؤمِّن أمتك من الضلال فتكتب لها عهداً ، والحق مع عمر ، فدعها تضلّ ؟ !
10 - قال بعضهم إن اعتراض عمر على العرض النبوي بقوله ( أهَجَر ) ، إنما هو استفهام محض ، وأن عمر شك شكاً بريئاً في أن النبي صلى الله عليه وآله يهجر ، وحاشاه ، ولم يجزم بذلك ، والشك جائز على عمر فإنه لا معصوم إلا النبي صلى الله عليه وآله !
فهل يصح هذا الشك ممن يؤمن بنبوة النبي صلى الله عليه وآله ويعيش معه صلى الله عليه وآله ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 386 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم ، لو كان شك عمر بريئاً لتراجع عندما عرف أن النبي صلى الله عليه وآله خاطبهم بشكل طبيعي وأنه بخير ! بينما أصرَّ عمر على موقفه وزجر زوجة النبي صلى الله عليه وآله التي قالت قربوا له قرطاساً ، وأفحش لها القول ! فأجابه النبي صلى الله عليه وآله : بل هنَّ خير منكم ؟ ! !
11 - قال عمر كما تقدم في مجمع الزوائد : 9 / 33 : ( لما مرض النبي ( ص ) قال : ادعوا لي بصحيفة ودواة أكتب كتاباً لا تضلون بعدي أبداً ! فكرهنا ذلك أشد الكراهة ! ! ثم قال : ادعوا لي بصحيفة أكتب لكم كتاباً لا تضلون بعده أبداً ! فقال النسوة من وراء الستر : ألا تسمعون ما يقول رسول الله ( ص ) ؟ ! فقلت : إنكن صواحبات يوسف إذا مرض رسول الله ( ص ) عصرتنَّ أعينكن ، وإذا صح ركبتنَّ رقبته . فقال رسول الله : دعوهنَّ فإنهنَّ خيرٌ منكم ) ! ! انتهى . فهل تصدقون عمر وتحكمون بأن نساء النبي صلى الله عليه وآله خير منه ومن وافقه ، أم تفضلونهم عليهنَّ ؟ !
12 - لو أن نبي الله موسى عليه السلام قال لليهود ( إيتوني بدواة وقرطاس أكتب لكم كتاباً لا تضلون بعدي أبداً ، ولا تغلبكم أمة من الأمم أبداً ، بل تحكمون العالم إلى يوم القيامة ) فقال له أحدهم : كلا لا نريد كتابك ( حسبنا التوراة ) ! ! ورفضوا أن يكتب لهم نبيهم عهده وعهد ربه ! ! فماذا تحكمون عليهم ؟ !
13 - ما معنى الشعار الذي رفعه عمر في وجه النبي : صلى الله عليه وآله ( حسبنا كتاب الله ) ! ! ألم يكن يعرف أن الرد على النبي صلى الله عليه وآله لا يجوز ، وأن أمر النبي صلى الله عليه وآله بالقبول بالكتاب واجبُ الإطاعة كالقرآن . ألا يعني ذلك :
أن عمر رفض السنة ، كما فعل معمر القذافي فزعم أن القرآن وحده يكفي ولا حاجة إلى السنة ؟
وأنه صادر حق النبي صلى الله عليه وآله في رسم مستقبل أمته بعد وفاته كما أمره ربه ؟
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 387 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وصادر حقه صلى الله عليه وآله كمسلم في أن يوصي بما يريد ؟
وصادر حقه صلى الله عليه وآله كصاحب بيت على فراش مرضه ، أن يتصرف كما يريد ؟
وصادر حقه صلى الله عليه وآله في تفسير القرآن ، وبيان من هم أولوا الأمر ؟
وأنه نصب نفسه مقابل الله تعالى ولياً على الأمة ونبيها صلى الله عليه وآله وقرآنها ؟
بل نصب نفسه ولياً على الله تعالى ! وجعل الخلافة لقبائل قريش في مقابل النبوة لبني هاشم ، وهو يعلم أن النبي صلى الله عليه وآله لا يتكلم من عنده : وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إلا وَحْيٌ يُوحَى ؟ ! ويعلم معنى قوله تعالى : أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ) . ( الزخرف : 32 )
14 - لو أن رئيس عشيرة مشهود له بالحكمة وبُعد النظر ، أحضرَ وجهاء عشيرته وهو في مرض وفاته ، وهو بكامل عقله وحواسه ، وقال لهم : أنا خائفٌ على مستقبلكم ، وعندي وصيةٌ إذا قبلتموها فإنها تؤمِّن مستقبلكم المالي إلى يوم القيامة ! ! فآتوني بقلم وقرطاس حتى أكتبها لكم .
ففاجأهم أحد الزعماء قائلاً : لا نريد وصيتك ، نحن نشتغل ونحصل على المال ! وصاح أكثر الحاضرين : نعم قوله صحيح ، وانقسموا إلى فريقين ، فريق يؤيد شيخهم وفريق ضده ، واختلفوا وعلا صراخهم ، فطردهم شيخهم ، وتوفي وفي قلبه حسرة أنهم لم يقبلوا منه أن يكتب لهم وصيته !
ثم اجتمع الناس حول الزعيم الذي منع شيخهم من الوصية ونصبوه رئيساً لهم ، فكسب مالاً لعشيرته مدة ، ثم ما لبثت أن افتقرت وصارت أفقر العشائر ! !
فما هو حكم الذي منع شيخهم من كتابة وصيته ؟ وعلى من تقع مسؤولية فقر العشيرة وتسلط العشائر عليها ؟ !
15 - لو سألنا عاقلاً : ما هو موقفك من شخص يمنع أباك من كتابة وصيته ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 388 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فغضب أبوك ومات وفي قلبه حسرة ، وفي قلبكم حسرة أنه لم يكتبها ؟ !
16 - هل أن عمر وحزبه الحزب القرشي اجتهدوا برأيكم فأصابوا ، بينما أخطأ النبي صلى الله عليه وآله ؟ ! أم اجتهدوا فأخطأوا ، أم عصوا وضلوا ، أم ردوا على النبي صلى الله عليه وآله فكفروا ؟ وأين قاعدتكم في حرمة الاستدراك على النبي صلى الله عليه وآله ؟ !
وإن قلتم إنهم اجتهدوا فأخطأوا ، فأعطونا مثالاً واحداً ردَّ فيه الصحابة على النبي صلى الله عليه وآله وعصوه ، فحكم عليهم بأنهم أخطأوا ولهم أجر واحد ! !
17 - لو كنتَ حاضراً في ذلك المجلس ، فماذا يكون موقفك ؟ وما حكمك على الذين عصوا أمر النبي صلى الله عليه وآله ؟ ولو كنت في حزب قريش الذين طردهم النبي صلى الله عليه وآله فهل كنت تنسحب منه وتتوب إلى الله ، وتجثو على قدمي النبي صلى الله عليه وآله وتطلب رضاه وتجدد إسلامك ؟ ! ولماذا لم يفعل عمر ذلك ؟ !
18 - من هم الذين أيدوا عمر في مواجهته للنبي صلى الله عليه وآله وصاحوا : ( القول ما قاله عمر ) ، ولغطوا وشوشوا ، وغلبوا المخالفين لهم لأنهم بكثرتهم وحزبيتهم ؟ !
نحن نقول إنهم الحزب القرشي ! وهم الطلقاء الذين أسلموا بالأمس تحت السيف ، وهم نفسهم أئمة الكفر وجنود الشرك الذين قاتلوا النبي صلى الله عليه وآله إلى الأمس القريب ! وبعد فتح مكة وهزيمتهم خططوا للسكن في المدينة ، والتفُّوا حول عمر وأبي بكر ، وعملوا معهما لمنع وصول الخلافة إلى العترة الطاهرة ! وقد كان عددهم نحو ألف مقاتل ، وعدد نفوسهم في المدينة نحو ستة آلاف نسمة ، بعد أن كان القرشيون المهاجرون غير بني هاشم لا يبلغون خمسين نسمة !
فقد ذكر ابن حجر أن عدد الذين أرسلهم النبي صلى الله عليه وآله منهم مع أسامة ليبعدهم عن المدينة سبع مئة مقاتل ! قال في فتح الباري : 8 / 115 : ( وذكره ابن إسحاق في
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 389 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
السيرة المشهورة ولفظه بدأ برسول الله ( ص ) وجعه يوم الأربعاء فأصبح يوم الخميس فعقد لأسامة فقال : أغز في سبيل الله ، وسر إلى موضع مقتل أبيك ، فقد وليتك هذا الجيش ، فذكر القصة وفيها : لم يبق أحد من المهاجرين الأولين إلا انتدب في تلك الغزوة منهم أبو بكر وعمر . . . وعند الواقدي أيضاً أن عدة ذلك الجيش كانت ثلاثة آلاف ، فيهم سبعمائة من قريش ) . انتهى .
فإذا كان المأمورون بالذهاب في جيش أسامة سبع مئة قرشي ، فكم عدد غير المشاركين ، وكم عدد نفوسهم في المدينة ؟ !
كما ينبغي الإشارة إلى أن يوم الخميس الذي عقد فيه النبي صلى الله عليه وآله لواء الجيش لأسامة وأمره بالتحرك هو الخميس الذي قبل خميس الرزية ، فقد تخلفوا وسوَّفوا ولم يطيعوا أمره صلى الله عليه وآله ، وكان يحثهم على الحركة حتى لعن من تخلف عن جيش أسامة ! ففي هذا الجو دعاهم ليكتب لهم عهده ، فواجهوه بالانقلاب !
أسئلة في تحمل عمر كل نتائج فعله
19 - رفض عمر القبول بمسار الأمة الذي رسمه لها الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله مع أن النبي صلى الله عليه وآله أخبرهم أنه يضمن لهم الهداية والعزة إلى يوم القيامة !
ونفَّذ عمر المسار الذي أراده ، بمساعدة الصحابة الطلقاء وهم الأكثرية ، ولم ينفع معهم إصرار النبي صلى الله عليه وآله والأقلية المؤمنة فغضب النبي صلى الله عليه وآله وطردهم ! !
ألا يتحمل عمر وحزبه بذلك كامل المسؤولية عن كل خلافات الأمة وضلالها وسفك دمائها وخساراتها ، ثم عن ضعفها وانهيارها ، حتى يظهر المهدي الموعود عليه السلام ويصحح مسيرتها كما أرادها الله ورسوله صلى الله عليه وآله ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 390 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أسئلة حول تبريرهم فعل عمر
20 - ما رأيكم في قول النووي في شرح مسلم : 11 / 87 ، قال : ( باب ترك الوصية لمن ليس له شئ يوصى فيه . . . : وأما كلام عمر فقد اتفق العلماء المتكلمون في شرح الحديث على أنه من دلائل فقه عمر وفضائله ودقيق نظره ! لأنه خشي أن يكتب ( ص ) أموراً ربما عجزوا عنها واستحقوا العقوبة عليها ، لأنها منصوصة لا مجال للاجتهاد فيها ، فقال عمر : حسبنا كتاب الله ، لقوله تعالى : ما فرطنا في الكتاب من شئ ، وقوله : اليوم أكملت لكم دينكم ، فعلم أن الله تعالى أكمل دينه فأمن الضلال على الأمة ، وأراد الترفيه على رسول الله ( ص ) فكان عمر أفقه من ابن عباس وموافقيه ) . انتهى !
هل توافقون على أن النبي صلى الله عليه وآله لم يكن عنده شئ يوصي به أمته ؟ وأن عمر أصاب وأخطأ النبي صلى الله عليه وآله وابن عباس وكل المخالفين لعمر ؟ لأن ادعاء النبي صلى الله عليه وآله أنه يريد تأمين أمته من الضلال لغوٌ وعبث ، وأن الأمة مؤمَّنَةٌ من الضلال بنص القرآن ، ولكن النبي صلى الله عليه وآله لم يفهم ذلك من آياته ، وفهمه عمر ؟ !
وهل تقولون إن عمر أفقه من النبي صلى الله عليه وآله وأرحم منه بالأمة ، لأنه خلَّصها من أمور صعبة قد يأمر بها النبي صلى الله عليه وآله في عهده ، فتعجز عنها فتستحق العقوبة ؟ !
وهل تقولون بأن الله تعالى يظلم الناس ويعاقبهم على ما يعجزون عنه ؟ !
21 - قال ابن حجر في مقدمة فتح الباري ص 195 : ( قوله أهَجَرَ بهمزة الاستفهام ، والاسم الهجر ، وهو الهذيان ، ويطلق على كثرة الكلام الذي لا معنى له ) . انتهى . وذكر ذلك علماء التفسير واللغة ، كما في فتح القدير : 3 / 490 ، والصحاح : 2 / 851 ، ولسان العرب : 5 / 253 ، وغيرها . فهل تقولون إن عمر قال إن النبي صلى الله عليه وآله قد هجر ، وإن طلبه أن يكتب لأمته عهداً هو هذيان ؟ ! أم تقولون إن عمر شك في أن النبي صلى الله عليه وآله يهجر
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 391 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ويهذي ؟ ! وهل تعرفون مسلماً غير عمر شك في النبي صلى الله عليه وآله انه يهذي في مرض وفاته ؟
وهل في طلب النبي صلى الله عليه وآله أن يكتب لأمته عهداً يؤمِّنها من الضلال إلى يوم القيامة ويجعلها سيدة العالم ، ما يوجب الشك في أنه يهذي ولا يعقل ؟ !
22 - هل توافقون على التناقض الذي وقع فيه الخطابي فيما نقله عنه النووي في شرح مسلم : 11 / 91 ، حيث قال : ( ولا يجوز أن يحمل قول عمر على أنه توهم الغلط على رسول الله ( ص ) أو ظن به غير ذلك مما لا يليق به بحال , لكنه لما رأى ما غلب على رسول الله ( ص ) من الوجع , وقرب الوفاة ، مع ما اعتراه من الكرب خاف أن يكون ذلك القول مما يقوله المريض مما لا عزيمة له فيه , فتجد المنافقون بذلك سبيلاً إلى الكلام في الدين . . . قال : وأكثر العلماء على أنه يجوز عليه الخطأ فيما لم ينزل عليه , وقد أجمعوا كلهم على أنه لا يُقَرُّ عليه . قال : ومعلوم أنه ( ص ) وإن كان الله تعالى قد رفع درجته فوق الخلق كلهم ، فلم ينزهه عن سمات الحدث والعوارض البشرية , وقد سهى في الصلاة , فلا ينكر أن يظن به حدوث بعض هذه الأمور في مرضه , فيتوقف في مثل هذا الحال حتى تتبين حقيقته , فلهذه المعاني وشبهها راجعه عمر ) . انتهى .
فقد نفى الخطابي الهذيان عن النبي صلى الله عليه وآله ثم قال : ( فلا ينكر أن يظن به حدوث بعض هذه الأمور في مرضه ) ! فهل لقول الخطابي هذا معنى غير الهذيان ؟ !
23 - هل توافقون على ما زعمه القاضي عياض بالعكس ، من أن عمر كان رأيه أن يكتب النبي صلى الله عليه وآله عهده للأمة وكان مصراً على ذلك ! وأن قوله ( أَهَجَرَ ) معناه ماذا لا تقدمون للنبي صلى الله عليه وآله قرطاساً ليكتب عهده مع أنه قال حقاً ولم يهجر !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 392 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فقد نقل عنه ابن حجر في الفتح : 8 / 101 ، والنووي في شرح مسلم : 11 / 92 ، أنه قال : ( وقوله : أهجرَ رسول الله ، هكذا هو في صحيح مسلم وغيره ( أهجر ) على الاستفهام وهو أصح من رواية هجر ويهجر ، لأن هذا كله لا يصح منه ( ص ) لأن معنى هجر : هذى ! وإنما جاء هذا من قائله استفهاماً للإنكار على من قال لا تكتبوا ! أي لا تتركوا أمر رسول الله ( ص ) وتجعلوه كأمر من هجر في كلامه ، لأنه ( ص ) لا يهجر . . . ووقوع ذلك من النبي ( ص ) مستحيل لأنه معصوم في صحته ومرضه لقوله تعالى : وما ينطق عن الهوى ، ولقوله ( ص ) : إني لا أقول في الغضب والرضا إلا حقاً . . . فكأنه قال كيف تتوقف ؟ ! أتظن أنه كغيره يقول الهذيان في مرضه ؟ ! امتثل أمره وأحضر له ما طلب فإنه لا يقول إلا الحق ) . انتهى .
وقال عياض : هذا أحسن الأجوبة ) ! ! انتهى .
فإذا كان رأي عمر ومعه الحزب القرشي كتابة الكتاب كما زعم عياض ، فلماذا لم يكتبه النبي صلى الله عليه وآله ، وهل أن أهل البيت عليهم السلام ومن وافقهم هم الذين منعوا كتابته ؟ ! ولماذا تنازعوا ولغطوا وعلا صياحهم حتى طردهم النبي صلى الله عليه وآله ؟ !
24 - هل توافقون على قول البيهقي : ( فرأى عمر الصواب تركهم على هذه الجملة لما فيه من فضيلة العلماء بالاجتهاد , مع التخفيف عن النبي ( ص ) , وفي تركه ( ص ) الإنكار على عمر دليل على استصوابه ) . ( شرح مسلم للنووي : 11 / 90 ) فهل اجتهاد عمر في ترك الأمة تضل أصحُّ من ( اجتهاد ) النبي صلى الله عليه وآله في تأمينها من الضلال ؟ ! وهل ترون إنكاراً على عمر وحزبه أبلغ من طرد النبي إياهم من بيته ؟ !
25 - اعتذرتم لعمر بأنه اجتهد في مقابل نبيه صلى الله عليه وآله ، وأن المسلم التابع له حق الإجتهاد ، ومواجهة نبيه بالرفض ، وتأليب الناس عليه ، حتى لا يكتب لأمته عهده ويضمن هداها وعدم ضلالها ! ! لكن أليس من التناقض المضحك في مذهبكم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 393 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أنكم فتحتم باب الإجتهاد لعمر في مقابل النبي صلى الله عليه وآله ، وأقفلتم على المسلمين باب الإجتهاد في مقابل عمر ، ولم تعذروهم على رأيهم فيه ؟ !
26 - ألا تعجبون من أنفسكم لدفاعكم عن عمر وحزبه ، ونسيانكم آيات الله تعالى في وجوب إطاعة النبي صلى الله عليه وآله والتأدب معه ؟ ! فأين أنتم من قوله تعالى : وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ، إِنْ هُوَ إلا وَحْيٌ يُوحَى . ؟ وقوله تعالى : مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى . وقوله تعالى : وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ . . . ( النساء : 64 ) وقوله تعالى : وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا . . . ( الحشر : 7 ) وقوله تعالى محذراً الذين لا يحترمون الرسول صلى الله عليه وآله ويتحايلون على أمره : لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أمره أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ . ( النور : 63 ) وقوله تعالى محذراً إياهم من إبطال كل أعمالهم بمعصيتهم للرسول صلى الله عليه وآله :
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ . ( محمد : 33 )
وقوله تعالى محذراً إياهم من الضلال إن عصوه : قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فإن تَوَلَّوْا فإنما عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ . ( النور : 54 )
وقوله تعالى محذراً إياهم من العقوبة إن عصوه : وَأَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فإن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا إنما عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ . ( المائدة : 92 )
وقوله تعالى واصفاً عاقبة من عصى الرسول صلى الله عليه وآله وكتم ما أنزل الله : يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأرض وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثاً . ( النساء : 42 )
وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً . يَا وَيْلَتَى لَيْتَنيِ لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلاً . لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً . وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِى اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا . وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا . ( الفرقان : 27 - 31 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 394 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقوله تعالى عن المنافقين الذين لا يقبلون حكم الرسول صلى الله عليه وآله ، ويخالفونه ويشاقُّونه : وإذا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أنزل اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً . ( النساء : 61 ) وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً . ( النساء : 115 )
وأخيراً ، هل نسي عمر أنه بالأمس تصايح مع أبي بكر في حضرة النبي صلى الله عليه وآله فنزلت سورة الحجرات ، ومنها قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ . ( سورة الحجرات : 2 )
ألم ترووا أنتم أن سبب نزولها اختلافه مع أبي بكر على اقتراح تعيين زعيم قبيلة لبني تميم ، مع أن الأمر لرسول الله صلى الله عليه وآله لا لعمر ولا لأبي بكر ! قال البخاري : 6 / 46 : ( عن ابن أبي مليكة قال : كاد الخيِّران أن يهلكا أبا بكر وعمر ، رفعا أصواتهما عند النبي ( ص ) حين قدم عليه ركب بني تميم فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس أخي بني مجاشع ، وأشار الآخر برجل آخر ، قال نافع لا أحفظ اسمه ، فقال أبو بكر لعمر : ما أردت إلا خلافي ! قال : ما أردت خلافك فارتفعت أصواتهما في ذلك ، فأنزل الله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ . . الآية . قال ابن الزبير : فما كان عمر يُسمع رسول الله ( ص ) بعد هذه الآية حتى يستفهمه ) . انتهى .
ومعنى كلامه أن عمر اتعظ بتوبيخ الله له ولأبي بكر في سورة الحجرات ، فكان يخفض صوته عند النبي صلى الله عليه وآله فلا يسمع النبي صلى الله عليه وآله كلامه حتى يستفهمه منه فيعيده عليه ! ويقول البخاري : 8 / 145 : ( فكان عمر بعد . . . ذا حدث النبي ( ص ) بحديث حدثه كأخي السرار لم يسمعه حتى يستفهمه ) انتهى .
فأين هذا الأدب الذي تزعمونه لعمر ، وأين خفض صوته وكلامه بالهمس
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 395 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأخي السرار مع الرسول صلى الله عليه وآله ؟ ! هل في قوله لسيد المرسلين صلى الله عليه وآله لا نريد أن تكتب لنا عهدك ، ولا نريد سنتك ولا تأمينك من الضلال ! يكفينا كتاب الله ، ولا نريد أن تنصب مفسراً له فنحن نفسره ! وإن أصريت على طلبك نقول إنه يهجر ، ويريد تأسيس ملك لبني هاشم كملك كسرى وقيصر ؟ ! ! حسبنا الله ونعم الوكيل !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 396 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة 160 : قول عمر عندهم سنةٌ مطاعة ، يردون به سنة النبي صلى الله عليه وآله ! !

تقدم في المسألة ( 125 ) أن السنة عندهم كانت بمعنى سنة أبي بكر وعمر قبل سنة النبي صلى الله عليه وآله ! وأن طالب العلم المتقي الذي كان يتوجس من ذلك خوفاً من الله تعالى ، يحرمونه من وظائف الدولة ! قال صالح بن كيسان كما في طبقات ابن سعد : 2 / 388 : ( وأخبرت عن عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر أخبرني صالح بن كيسان قال : اجتمعت أنا والزهري ونحن نطلب العلم فقلنا نكتب السنن ، قال وكتبنا ما جاء عن النبي ( ص ) قال : ثم قال : نكتب ما جاء عن الصحابة فإنه سنة ! قال قلت إنه ليس بسنة فلا نكتبه ، قال فكتب ولم أكتب فأنجح وضيعت . . . ) ! !
فقد تَحَسُّر ابن كيسان لأن زميله الزهري قد ( أنجَحَ ) بكتابة سنة الخلفاء ، وفاز برضا الدولة وألوف الوليد بن عبد الملك بن مروان ثمناً لدفاتره ! أما هو فلم ( يُنجح ) لأنه اقتصر على سنة النبي صلى الله عليه وآله !
وكانت سنة عمر تسمى : ( السنَّة الماضية ) أي المطبقة عملياً ، بينما سنة النبي صلى الله عليه وآله ليست هي الماضية ، فقد يطبقها الولاة وقد يتركونها !
أطاعوا عمر وخالفوا النبي صلى الله عليه وآله
حتى صاح ابن عباس وابن عمر : طفح الكيل !
قال ابن حزم في الإحكام : 4 / 581 : ( أو ليس ابن عباس يقول : أما تخافون أن يخسف الله بكم الأرض ! أقول لكم قال رسول الله ( ص ) وتقولون : قال أبو بكر وعمر ! ! وكان إسحاق بن راهويه يقول فيما روى عنه محمد بن نصر المروزي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 397 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
في الإمام أنه سمعه يقول : من صح عنده حديث عن النبي ( ص ) ثم خالفه - يعني باعتقاده - فهو كافر ) . انتهى . ( ونحوه أيضاً في : 5 / 650 )
وفي النصائح الكافية لمن يتولى معاوية ص 213 : ( وقال بعض العلماء : لو اجتمع مجتهدوا الأرض كلهم على قول وكان قول النبي يقتضي خلافه ، فالحق قول النبي عليه السلام ، وإجماع المجتهدين في مقابله كضرطة بعير في فلاة .
وقال السيد الآلوسي في جلاء العينين نقلاً عن ابن تيمية قال : قد كان بعض الناس يناظر ابن عباس في المتعة فقال له : قال أبو بكر قال عمر ، فقال ابن عباس : يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء ! أقول قال رسول الله ( ص ) وتقولون قال أبو بكر ، قال عمر ) ! ! انتهى . ( راجع مجموع فتاوى ابن تيمية 20 / 215 )
وفي الترمذي : 2 / 159 ، عن سالم بن عبد الله : ( أنه سمع رجلاً من أهل الشام وهو يسأل عبد الله بن عمر عن التمتع بالعمرة إلى الحج ، فقال عبد الله بن عمر : هي حلال ، فقال الشامي : إن أباك قد نهى عنها ! فقال عبد الله بن عمر : أرأيت إن كان أبي نهى عنها وصنعها رسول الله ( ص ) : أمرُ أبي يُتَّبَع أم أمرُ رسول الله ( ص ) ؟ ! فقال الرجل : بل أمر رسول الله ( ص ) . فقال : لقد صنعها رسول الله . هذا حديث حسن صحيح ) . انتهى .
ورواه أبو يعلى في مسنده : 9 / 341 ، وفيه : ( ما ترى في التمتع بالعمرة إلى الحج ؟ فقال عبد الله : حسن جميل لمن صنع ذلك . فقال له الرجل : فإن أباك قد كان ينهى عنها ! فغضب عبد الله ثم قال : ويلك أرأيت أن كان أبي نهى عنها ، وكان رسول الله ( ص ) عمل بها ، بأمر رسول الله ( ص ) تأخذ أم بأمر أبي ؟ ! قال : لا بل بأمر رسول الله . قال : فإن رسول الله قد فعل ذلك ، فقم لشأنك ) ! ورواه ابن سلمة في شرح معاني الآثار : 2 / 142 . وحاول النووي في المجموع : 7 / 155 ، أن يضعفه ، لكن الألباني صححه في
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 398 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
صحيح سنن الترمذي : 1 / 247 برقم 658 , وعاد وضعف مثله في ضعيف سنن الترمذي ص 96 ! !