إلى طالب العلم

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 1 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إلى طالب العلم
بقلم :
علي الكَوْراني العاملي
الطبعة الأولى - 1431 - 2010
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 2 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 3 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، وأفضل الصلاة وأتم السلام
على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين .
وبعد ، فقد طلب مني بعض الأعزاء أن أنشر مشاهداتي ومذكراتي ، لأني عاصرت عهوداً فيها منعطفات تاريخية مهمة ، وعملت مع مرجعيات تختلف ظروفها وأساليب عملها ، وعاصرت تأسيس أكبر حركة إسلامية شيعية « الدعوة الإسلامية » وعملت في صفوفها ثم في قيادتها سنين طويلة ، ثم تطورت قناعتي ورجعت إلى أسلوب العمل الإصلاحي التقليدي .
وكنت أعتذر عن الكتابة بأن بعض الناس لا يتحملون أن تقدم قراءتك ، ولا شهادتك ، فإن لم توافقهم فأنت خصمٌ لهم ، فالسكوت أحرى بالعاقل !
ثم قرأت بعض ما كُتب عن أحداث عايشتها ، فقلت في نفسي : إذا كان الحدث الذي شاهدناه يكتب بهذا النحو : منزوعاً من جَوِّه ، موضوعاً في محيط آخر ، مخلوطة أحداثه وأشخاصه وتواريخه ، مع تعتيم وتضخيم ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 4 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فكيف نثق بروايات تاريخنا الإسلامي ، الذي اهتم حكامه الظلمة بمفرداته الصغيرة ، وحاسبوا عليها الراوي والمؤرخ ؟ !
لذلك كتبت أشياء وأوصيت بنشرها بعد وفاتي ، فبعض المكتوبات تنفع بعد وفاة صاحبها أكثر منها في حياته !
وفي هذه المدة أقنعني بعض الأعزاء أن أستخير الله تعالى على كتابة تجربتي إلى طالب العلم ليستفيد منها خبرةً وعبرةً ، خاصة وأن حوزة النجف الأشرف تجدد بناء نفسها ، وتجمع أفلاذ أكباد الشيعة لترويهم بينابيعها العذبة ، وما أقرب أن ينطلقوا من مدارسها رسل هداية في العالم .
فأطعت الاستخارة وكتبت هذه المذكرات ، وحرصت قدر المستطاع أن لا تمس أحداً بسوء ، واقتصرت على ما ينفع الطالب في بنائه الفكري والروحي ، لعلي أوفر عليه عناءً طويلاً عشناه ، ولم نخرج من ثقله إلا بشق الأنفس ، أو أفتح له باباً لم ينفتح علينا إلا بجهد جهيد ، ودهر مديد .
وأعتذر من أعزائي الطلبة إذا غلب الجانب الذاتي في هذا الكتاب ، فإنما هو حديث عن النفس ، ليستفيد منه الغير ، أعاننا الله على أنفسنا ، ورزقنا خيرها ، وأعاذنا من شرها .
كما أعتذر من الذين ذكرتهم لماماً ولم أستوف الحديث عنهم ، أمثال مراجعنا الراحلين السيد محسن الحكيم ، والسيد عبد الهادي الشيرازي ، والسيد أبي القاسم الخوئي ، والسيد محمود الشاهرودي ، والسيد مهدي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 5 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الشيرازي ، والسيد حسين الحمامي ، والسيد محمد باقر الصدر ، رضوان الله عليهم ، ممن عاصرتهم أو درست عندهم ، لأن الحديث عن كل واحد من هؤلاء الكبار ، يحتاج إلى كتاب خاص ، أو فصول .
كذلك أعتذر للشخصيات التي عاصرتها ولم أذكرها أو لم أستوف الحديث عنها ، من السادة المحترمين آل الحكيم ، وفي طليعتهم أستاذنا المرجع السيد محمد سعيد الحكيم ، ووالده الموقر السيد محمد علي الحكيم ، والسادة المحترمين آل الصدر ، وآل بحر العلوم ، وآل الجواهري ، وآل ياسين .
وقد يرى القارئ أني أسندت العديد من الأعمال والأدوار إلى السيد مهدي الحكيم ، وأبي عصام الحاج عبد الصاحب دْخَيِّل رحمهما الله تعالى .
لكن ما أصنع إذا كان هذا الواقع ، ولا أستحل أن أنتقص من دور شخص في الأحداث ، أو أعطي دوره لآخرين .
كتبه : علي الكَوْراني العاملي - قم المشرفة - غرة ربيع المولد 1431
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 6 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 7 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الأول : النجف في جبل عامل

1 - اختار لي والدي ( رحمه الله ) أن أكون طالب علم

اتخذ والدي ( رحمه الله ) قراره لي بأن أكون طالب علم ، بحكم تأثره بآية الله السيد عبد الحسين شرف الدين ( رحمه الله ) ، فقد كان يحبه ويعتقد به ، وكان السيد عالماً في قريتنا ياطر بضع سنين ، قبل ولادتي وقبل أن يسكن في صور .
كان للمرحوم الوالد علاقة بعلماء المنطقة كالشيخ يوسف الفقيه ( رحمه الله ) ، من قرية حاريص القريبة ، ولنا معهم رحم لأن جدة الشيخ يوسف من آل كَوْراني ، وكان الوالد يحتفي به إذا جاء إلى قريتنا ، ويزوره في حاريص وبيروت ، حيث كان رئيس محكمة التمييز الجعفرية .
وتواصلت العلاقة بعده بأولاده الشيخ علي الفقيه ( رحمه الله ) ، وكان عالم حاريص ، والشيخ محمد تقي الفقيه ( رحمه الله ) ، وكان في النجف الأشرف من التلاميذ البارزين للمرجع السيد الحكيم ( رحمه الله ) .
كما كان للوالد ( رحمه الله ) علاقة بالشيخ حسن شمس الدين ( رحمه الله ) عالم قرية حناويه القريبة من صور ، والشيخ عبد الله السبيتي ( رحمه الله ) صهر السيد شرف الدين ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 8 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وبالشيخ موسى السبيتي ( رحمه الله ) ، وكان قاضياً شرعياً في بيروت ، وكلاهما من قرية كَفْرَا المجاورة لقريتنا .
ومع علاقة الوالد ( رحمه الله ) بمشايخ عديدين ، كان يفضل السيد شرف الدين ( رحمه الله ) ، وإذا دخل فصل الصيف يذهب هو وعدد من وجهاء القرية لدعوة السيد للإصطياف في قريتنا ، ويهيؤون له المكان ويخدمونه ، فكان السيد يقضي فصل الصيف في ياطر ، إلى أواخر عمره الشريف ( رحمه الله ) .
في صيف سنة 1956 ، أخبرني الوالد بصيغة الاستشارة بأنه اختار لي أن أكون طالب علم ، وأنه يريد أن يسأل السيد ( رحمه الله ) عن رأيه في ذلك ؟ فأجبته بموافقتي ورغبتي ، لأني أحب الدين وأحب الوالد والسيد ( رحمه الله ) .
وعرفت الأسرة والأقارب بقرار الوالد ( رحمه الله ) ، فقبل بعضهم ، وسكت آخرون احتراماً له ( رحمه الله ) ، لكن امرأة من أقاربنا قالت لي : سمعت يا علي أن والدك يريد أن يعلمك شيخاً ، لا تقبل فإن الناس يقولون إنه يريد أن يعلمه شحاذاً ! أنت ناجح وتفهم ، وقد درست صفين في سنة ، نحن نريدك أن تكون أستاذ جامعة !
ولم أجبها بشئ ، لكن هزتني كلمة ( شحاذ ) ! وأخذت أتساءل هل أن عالم الدين يعيش فقيراً ؟ وحكيت لوالدي كلامها فقال : هؤلاء يا بني لا يعرفون . الشيخ عالم دين وليس شحاذاً ، ولكي تكون مطمئناً سأكتب لك نصف ملكيتي حتى لا يقول أحد مثل هذا الكلام !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 9 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم خفض صوته ( رحمه الله ) وقال بلهجة المؤمن الجازم : لقد رأيت في المنام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وأعطاني غذاء وقال أطعمه لولدك علي ! فاطمأنيت ثقةً بصدق كلامه ( رحمه الله ) ، وليس اعتماداً على ما كتبه لي من أراضٍ ذات قيمة .
ذهب بي إلى السيد ( رحمه الله ) وقال له : ما رأيكم في أن أجعل علياً وأشار إليَّ ، طالب علم ؟ فقال السيد : نعم ، علي يناسب لذلك ( بيطلع منو ) ، لكن أين تجد له مدرساً فهو صغير على النجف ! ولم يكن يومها في لبنان حوزة . قال الوالد ( رحمه الله ) : أسعى في أن يدرسه أحد المشايخ بتوصيتكم .
قال السيد ( رحمه الله ) : لا بأس ، إذهب إلى الشيخ الفلاني ، وقل له : أريد أن أدرِّس ولدي طالب علم ، فإن وافق فأسْكنه في قريتهم .
وفي اليوم التالي أخذني الوالد إلى بيت شيخ في قريتهم القريبة من صور وعرض عليه الموضوع ، فطلب مهلة ليجيبنا . وبعد أيام أخبرني الوالد أن ابن الشيخ اعتذر له بأن سن الشيخ وظروفه لا تسمح له بالتدريس المنتظم .
فأخبر الوالد السيد ( رحمه الله ) ، فوجهه إلى شيخ آخر ، وذهبنا إلى قريته ، فقالوا ذهب إلى الكرم ، فوجدناه ( رحمه الله ) جالساً تحت زيتونة ، فسلمنا عليه وأخبره الوالد ، فكلمني وأعجبه أني نجحت في شهادة ( السِّرْتفيكا ) الرسمية ، وكانت في وقتها رتبة ، مع أنها شهادة بإكمال الصف الخامس ابتدائي .
امتحنني الشيخ بالإملاء ، ثم بالإنشاء ، وأعطاني درجة نجاح ، وقال للوالد : يا أبا داود ، ابنك يفهم ويصلح أن يكون طالب علم ، لكني لا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 10 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أستطيع الالتزام بتدريسه ، لأني أتنقل إلى بيروت وأماكن أخرى .
كان الصيف يومها في أواخره وكان السيد ( رحمه الله ) نزل إلى صور ، فأخذني الوالد معه إليه وأخبره بجواب الشيخ ، فتأثر السيد لعدم قبول المشايخ أن يدرسوني ، وسأل والدي ماذا ستفعل ؟ فأجابه الوالد مازحاً : يا سيدنا أفكر إذا لم يدرسوه لي ، أن آخذه وأذهب إلى النجف وأشتكي عليهم للمرجع !
فكر السيد ( رحمه الله ) قليلاً وكتب رسالة قصيرة إلى أستاذنا آية الله الشيخ إبراهيم سليمان ( رحمه الله ) في قرية البَيّاض ، وقال لوالدي : إذهب إليه وأبلغه سلامي وأعطه الرسالة . وكان في المجلس الشيخ إسماعيل البغدادي ( رحمه الله ) وكان صديقاً للوالد ، فذهب معنا إلى البياض ، ودخلنا بيت الشيخ عصراً فسلمه الرسالة وتكلم معه ، فقال أريد أن أستخير الله تعالى ، فتفضلوا غداً صباحاً ليكون فطوركم معنا ، وأخبركم بنتيجة الاستخارة .
وفي الصباح وجدنا الشيخ ( رحمه الله ) ينتظرنا على سفرة الفطور ، فسلمنا وجلسنا فقال للوالد : إن الاستخارة جيدة ، لكن عندي شرط : أن تهئ له رفيقاً ليكون له مباحثاً ومذاكراً ، فهل تستطيع ؟
أجابه الوالد : يا مولانا إبدأ بتدريسه ، وأعدك بأن أبحث له عن زميل حتى أجده إن شاء الله . فقبل الشيخ وشكره الوالد ، واستأذنه ليرتب لي مسكناً ولوازم ، وسأله عن الكتب التي يشتريها لي ، فكتبها له : شرح قطر الندى لابن هشام ، وألفية ابن مالك شرح ابن الناظم ، وقال : إشترٍ أيضاً شرح ابن عقيل ، والدر الثمين للسيد محسن الأمين .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 11 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
رتب الوالد ( رحمه الله ) مكان سكني في البياض ، فقد كان له فيها صديق هو محمد الشيخ محمود سليمان ( رحمه الله ) ، فاختار لنا بيت الحاج حسين يوسف ليكون سكني عندهم ، لأن داره واسعة وفيها غرفة إضافية ، يمكن أن يعطونا إياها بأجرة أو مجاناً ، وذهبنا إليه فقبل ( رحمه الله ) ورأينا الغرفة .
وذهبنا في ذلك اليوم إلى صور وأخبرْنا السيد ( رحمه الله ) بموافقة الشيخ إبراهيم فسُرَّ بذلك ، وذهبنا إلى السوق فاشترى الوالد لي ملابس وبعض الأواني والأثاث ، ولم نجد الكتب ، فذهبنا إلى بيروت واشتريناها .
عدنا إلى قرية البياض ورتبنا أسبابنا ، وذهبنا إلى الشيخ فأريناه الكتب فأقرها ، وقال لي : غداً نبدأ من هنا وأشار إلى أول قطر الندى ( الكلمة قول مفرد ) ومن هنا ، وأشار إلى أول كتاب الدر الثمين ، باب التقليد : يجب على مكلف أن يكون في عباداته ومعاملاته مقلداً أو مجتهداً أو محتاطاً . والدر الثمين رسالة فقهية للسيد الأمين ( رحمه الله ) بتعليقات السيد الحكيم ( رحمه الله ) .
ودعني الوالد وأوصى بي أصحاب البيت ، وأوصاني ببعض الوصايا ، وعاد إلى قريتنا ، التي تبعد عنا بضعة عشر كيلو متراً .
ومما أوصاني به ( رحمه الله ) أن أحترم أستاذي وأتأدب معه ، وأجلس بين يديه على ركبتي ، حتى إذا تعبت جلست متربعاً . وقال لي : أخدم الشيخ ولا تنتظر أن يأمرك أو يطلب منك ، فليس له أولاد فكن بمثابة ابنه .
وأوصاني أن أدبر أموري بنفسي ولا ألقي بكلي على أحد ، وأن آخذ ما
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 12 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أحتاج إليه من دكان صديقه محمد الشيخ محمود ، وهو يحاسبه كل شهر .
استقرَّيْتُ في جوي الجديد ، وكان عمري يومها نحو ثلاث عشرة سنة ، ولم يخطر ببالي شئ اسمه وحشة أو خوف من الغربة والوحدة ، والحمد لله ! وكان والدي على ثقة من عقلي وأني أتصرف كالكبار ، وكان أستاذي وآخرون يقولون عني ذلك .
تجولت ذلك اليوم في قرية البياض الصغيرة ، فهي نحو خمسين بيتاً كلهم من آل سليمان ، وهي غرب قرية قانا وتبعد عنها أربعة كيلومترات ، وقربها قرية دير عامص شرقاً ، وتبعد عنها نحو 2 كم .
قال السيد الأمين في أعيان الشيعة : 5 / 105 : « وآل سليمان بيت علم وصلاح في جبل عامل من زمن بعيد إلى اليوم ، وأحفادهم اليوم يسكنون قرية البيَّاض في ساحل صور ، وكانوا قبل ذلك في مزرعة مشرف ، وعندهم مكتبة يتوارثونها عن أجدادهم تحتوي على مجموعة نفيسة من المخطوطات وبعض المطبوعات النادرة ، وقد ذهبت إلى القرية المذكورة وبقيت فيها عندهم أياماً ، وطالعت محتويات تلك المكتبة ونقلت منها في هذا الكتاب . وجدهم الذي ينسبون إليه هو الشيخ سليمان بن محمد بن أحمد بن سليمان العاملي المزرعي ، الذي وجدنا بخطه مقتل أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) فرغ منه 25 صفر سنة 1033 ، وعليه خاتمه بتاريخ 1028 . ويحتمل أن تكون نسبتهم إلى الشيخ سليمان بن محمد العاملي الجبعي ، تلميذ الشهيد الثاني الذي كان
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 13 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
حياً سنة 951 ، وأن يكون الشيخ سليمان المزرعي من أحفاده ، بل يحتمل أن يكونا شخصاً واحداً ، وأن يكون أصله من جبع ثم انتقل إلى المزرعة » .
وقد أعجبني أن البياض تقع على ربوة حولها كروم التين والعنب ، فقررت أن أستكشف برِّيتها من جهاتها ، لأني أحب صيد العصافير وقتل الحيات ، وكنت أمضيت أكثر الصيف في أودية ياطر في هذه الهواية .
عدت إلى غرفتي ظهراً ، وكنت أفكر بجدية ومهابة بيوم غد وبداية دراستي ، وأفكر في اسم كتاب قطر الندى وبلِّ الصدى لابن هشام الأنصاري ، وكتاب الدر الثمين في أهم ما يجب معرفته على المسلمين ، للسيد محسن الأمين . وتصفحت الكتابين وقرأت المقدمة وأول الدرس الأول ففهمت منهما شيئاً ، وكنت أتشوق إلى شرح أستاذي وتفسيره .
حضرت في الموعد وأخذت الدرس الأول في النحو ، وفي الفقه ، وارتحت لأني فهمت الدرس ، وزال تخوفي من صعوبته .
وعلمني الأستاذ أن أكتب درس النحو بعبارتي ، حسب شرحه وليس نقلاً من الكتاب ، وأمرني أن آتي بالدفتر له في الغد ، ليراه قبل الدرس الثاني . وأمرني أن أعيد قراءة درس الفقه مرات حتى أفهمه وأحفظ مطلبه وليس ألفاظه ، لأن فهم المطلب هو المهم ، وليس حفظ الألفاظ .
ذهبت إلى غرفتي فكتبت درس النحو ، وقرأت درس الفقه مرة ، ورأيت الوقت مبكراً ، فخرجت ومعي كتاب القطر لأقرأ في البرية من جهة قانا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 14 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وكان بعض الناس يعملون في كرومهم يجمعون التين في آخر موسمه ، فاخترت مكاناً لأجلس فيه كل يوم ، فأكتب درسي وأحفظ .
انتظمت دراستي لشهور حتى استطاع الوالد ( رحمه الله ) أن يقنع أحد الآباء في القرية بأن يرسل ابنه ليدرس معي ، وهو الشيخ نجيب سويدان ( رحمه الله ) .
وكنت في أواخر كتاب القطر عندما التحق بي ، فأمرني أستاذي أن أشرح له كل يوم درساً مما فاته ، ففعلت .
كان برنامجنا : درسين قبل الظهر ، ثم نكتب درس النحو ، ثم نتباحث في الدروس الماضية ، فيكون أحدنا يوماً أستاذاً يشرح ، ويُشكل عليه الآخر .
كانت عوامل تثبيت الدرس في ذهننا أربعة :
1 - تدريس الأستاذ . 2 - ثم كتابة الدرس . 3 - ثم التباحث فيه .
3 - ثم أسئلة العلماء وأساتذة العربية ، الذين يزورون أستاذنا ، أو نلتقي بهم ، فيسألوننا عن إعراب جملة أو بيت شعر . وكان هذا العامل الأخير يوازي الجميع ، لأنه يفتح للطالب فهم أنواع التراكيب العربية ، في ترتيب مفرداتها ، وحركات إعرابها ، وعود ضمائرها .
أما مباحثات الفقه وأسئلته ، فتقوي حفظ الطالب للأحكام والتعابير الفقهية ، وتعلمه منطق الفقه الإسلامي ، وتدربه على سليقته القانونية ، وما يكون منه معقولاً ، أو نادراً ، أو شاذاً .
أما اليوم فنرى بعض المدارس تقتصر على إعطاء الأستاذ الدرس ، ولا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 15 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
تلزم الطالب بكتابته ، ولا بالمباحثة مع زملائه فيه ، ولا توجد في محيط الطلبة مجالس أسئلة ومذاكرة ، والتي هي دواوين العلم ومرابع تنميته ! والأسوأ من ذلك أن بعض المدارس تقوم بتدريس تلخيص كتب المنهج الدراسي ، وغالباً ما يكون تلخيصاً سيئاً يعتمد على فهم الملخص .
وهذا معناه أن ذهن الطالب لا يعيش مع المعلومة إلا لماماً ، بينما يعيش معها في النظام الطبيعي أربعة أضعاف الزمن وأكثر . وهذا سبب انخفاض المستوى العلمي في بعض المدارس !

2 - نية الوالدين لطالب العلم

قد يكون طلب الإنسان للعلم بتوجيه والده أو أسرته ، فيقتنع وينوي ما نووه له ، كما حدث لي . أذكر أني بعد أن أكملت مرحلة من دراستي في جبل عامل أرسلني الوالد ( رحمه الله ) إلى النجف مع أقاربنا من آل الفقيه ، وعندما ودعني في بيروت خاطبني وأثر الدموع في عينيه : إذهب يا بني وهبتك لله ، إذا وصلت إلى النجف فأمسك بضريح أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وقل له : يا أمير المؤمنين ، إن والدي وهبني لكم ، فاقبلني ، واجعلني بحماك .
لذلك كنت في السيارة بين الشام وبغداد ، أفكر في معنى أني موهوب لأهل البيت ( عليهم السلام ) . ولما وصلت إلى النجف نفذت ما قاله لي الوالد ( رحمه الله ) .
وقد سمعت من أحد المراجع أن طلب العلم توفيق غير عادي ، يحتاج إلى نية عميقة من أحد والدي طالب العلم ، أو من أحد أجداده .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 16 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وهذا لا يلغي تأثير نوايانا ، لكنه يفتح باب تأثيرها في أولادنا ، وتأثير نوايا آبائنا فينا ، وأنا نعيش في خيرهم ، وبركة نياتهم فينا ولنا .

3 - كيف يفحص الطالب نيته ؟

عندما يقرر الإنسان أن يكون طالب علم ، فهو أدرى بدوافعه لاتخاذ هذا القرار وسلوك هذا الطريق ، وهل أن نيته لله تعالى والنجاة في الآخرة ، أم لبلوغ هدف في الدنيا ، أو أنها خليطٌ من الدوافع الدنيوية والأخروية .
فينبغي له أن يصحح نيته من أول الطريق ، ثم يراجع دوافعه باستمرار لأن دوافع العمل تتغير ، فيصحح ما يطرأ عليها من خلل ، ليبقى طلبه للعلم خالصاً لوجه الله تعالى ، في أول الطريق ، وكل مراحله .
ويمكن له أن يفحص نيته بأن يفرض أن طلبه للعلم مثلاً سيوصله إلى مقام علمي ، وهدف دنيوي كالمكانة الاجتماعية والمعيشة المادية الحسنة ، لكن ليس له ثواب في الآخرة ! فهل سيواصله أم يتركه ؟
فإن رأى نفسه أنه ليس حاضراً للقيام بعمل ، وبذل جهد لا نفع فيه لآخرته ، فهذا علامة أنه يقصد بعمله الآخرة .
وقد تناول الشهيد الثاني ( رحمه الله ) هذه المسألة من زاوية موقف الأستاذ من طالب العلم الذي لم تصح نيته ، هل يدرسه أم لا ؟
قال ( رحمه الله ) في كتابه الفريد في بابه منية المريد / 183 : « الخامس : أن لا يمتنع من تعليم أحد لكونه غير صحيح النية ، فربما عسر على كثير من المبتدئين
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 17 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بالاشتغال تصحيح النية ، لضعف نفوسهم وانحطاطها عن إدراك السعادة الآجلة ، وقلة أنسهم بموجبات تصحيحها ، فالإمتناع من تعليمهم يؤدي إلى تفويت كثير من العلم ، مع أنه يرجى ببركة العلم تصحيحها إذا أنس بالعلم . وقد قال بعضهم : طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله . معناه كانت عاقبته أن صار لله . . . لكن يجب على المعلم إذا شعر من المتعلم فساد النية أن يستدرجه بالموعظة الحسنة ، وينبهه على خطر العلم الذي لا يراد به الله ، ويتلو عليه من الأخبار الواردة في ذلك حالاً فحالاً ، حتى يقوده إلى القصد الصحيح ، فإن لم ينجع ذلك ويئس منه ، قيل يتركه حينئذ ويمنعه من التعلم ، فإن العلم لا يزيده إلا شراً ! وإلى ذلك أشار علي ( عليه السلام ) بقوله : لا تعلقوا الجواهر في أعناق الخنازير ! وعن الصادق ( عليه السلام ) قال : قام عيسى بن مريم ( عليه السلام ) خطيباً في بني إسرائيل فقال : يا بني إسرائيل ، لا تحدثوا الجهال بالحكمة فتظلموها ، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم . ولقد أحسن القائل :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] ومن منحَ الجُهَّال علماً أضاعهُ * ومن منعَ المستوجبين فقد ظلمْ
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] وفصَّل آخرون فقالوا : إن كان فساد نيته من جهة الكبر والمراء ونحوهما فالأمر كذلك ، وإن كان من جهة حب الرئاسة الدنيوية فينبغي مع اليأس من إصلاحه أن لا يمنعه ، لعدم ثوران المفسدة وتعديها ، ولأنه لا يكاد يخلص من هذه الرذيلة أحد في البداية ، فإذا وصل إلى أصل العلم عرف أن العلم إنما يطلبه للسعادة الأبدية بالذات ، والرئاسة لازمة له ، قَصَد أم لم يقصد » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 18 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

4 - علم الأنبياء والأوصياء ( عليهم السلام ) الخاص

عقد الكليني ( رحمه الله ) في الكافي ( 1 / 41 ) باباً بعنوان : ( باب بذل العلم ) روى فيها روايات وفيها صحيح السند ، وأورد الشهيد الثاني ( رحمه الله ) في منية المريد / 184 ، ما يشعر بوجوب بذل العالم لطالبه ، قال : « السادس : بذل العلم عند وجود المستحق وعدم البخل به ، فإن الله سبحانه أخذ على العلماء من العهود والمواثيق ما أخذه على الأنبياء ( عليهم السلام ) لَيُبَيِّنُنَّهُ للناس ولا يكتمونه . وعن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : قرأت في كتاب علي ( عليه السلام ) : إن الله لم يأخذ على الجهال عهداً بطلب العلم ، حتى أخذ على العلماء عهداً ببذل العلم للجهال ، لأن العلم كان قبل الجهل . وعن أبي عبد الله ( عليه السلام ) في هذه الآية : وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً ، قال : ليكن الناس عندك في العلم سواء . وعن جابر الجعفي عن أبي جعفر ( عليه السلام ) : زكاة العلم أن تعلمه عباد الله » .
والمعنى الأولي لذلك أن تدريس العلم وتعليمه واجب على العلماء والطلبة ، وسيرة سلفنا الصالح في حوزاتنا العلمية أن لا يأخذ الأستاذ أجرة ، وقد بحث فقهاؤنا أخذ الأجرة على الواجبات والمستحبات .
لكنا غرضنا هنا أن نبحث كلام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) الذي نص فيه على أنه لا يكاد يجد طالب العلم الذي يستحق أن يبذله له !
قال ( عليه السلام ) : « يا كميل العلم دينٌ يدان به ، به يكسب الإنسان الطاعة في حياته وجميل الأحدوثة بعد وفاته . والعلم حاكمٌ والمال محكومٌ عليه .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 19 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يا كميل هلك خزان الأموال وهم أحياء ، والعلماء باقون ما بقي الدهر . أعيانهم مفقودة وأمثالهم في القلوب موجودة . ها ، إن هاهنا لعلماً جماً ، وأشار إلى صدره ، لو أصبت له حملة ! بلى أصبت لقناً غير مأمون عليه ، مستعملاً آلة الدين للدنيا ، ومستظهراً بنعم الله على عباده ، وبحججه على أوليائه . أو منقاداً لحمَلة الحق ، لا بصيرة له في أحنائه ، ينقدح الشك في قلبه لأول عارض من شبهة . ألا لا ذا ، ولا ذاك !
أو منهوماً باللذة ، سلس القياد للشهوة ، أو مغرماً بالجمع والإدخار ، ليسا من رعاة الدين في شئ ، أقرب شئ شبهاً بهما الأنعام السائمة ! كذلك يموت العلم بموت حامليه !
اللهم بلى ، لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة ، إما ظاهراً مشهوراً أو خائفاً مغموراً ، لئلا تبطل حجج الله وبيناته . وكم ذا ، وأين أولئك ؟ أولئك والله الأقلُّون عدداً والأعظمون قدراً ، يحفظ الله بهم حججه وبيناته حتى يودعوها نظراءهم ، ويزرعوها في قلوب أشباههم . هجم بهم العلم على حقيقة البصيرة ، وباشروا روح اليقين ، واستلانوا ما استوعره المترفون ، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون ، وصحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالمحل الأعلى . أولئك خلفاء الله في أرضه ، والدعاة إلى دينه . آه آه شوقاً إلى رؤيتهم ! انصرف يا كميل إذا شئت » . ( نهج البلاغة : 4 / 36 ) .
فالإمام ( عليه السلام ) يتكلم عن علم خاص لم يجد له أهلاً ، وإلا فقد بذل هو العلم أكثر من غيره ، فهو يقول للمسلمين إن عدم بذله هذا العلم الخاص ليس
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 20 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بخلاً عليهم بل لأنه لا يجوز بذله إلا لأهله ، وهم الأئمة من بعده ( عليهم السلام ) ، وبعض الخاصة مثل ميثم التمار ، وحبيب وكميل ، كلٌّ بما يستطيع أن يتحمل ، ولو بذله لعامة الناس لأساؤوا استعماله ، فهو من باب قوله تعالى : وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ .

5 - فوائد مجالس الأستاذ وأحاديثه وكلماته

كنا نقضي وقتاً كثيراً مع أستاذنا آية الله الشيخ إبراهيم سليمان ( رحمه الله ) ، فقد كان يحبنا ، وكان بيته مفتوحاً للزائرين ، وقد استفدت كثيراً ، من أحاديثه وتعامله مع الناس ، ومن مجالس العلماء في بيته . فكانت السنتان وكسراً التي أمضيتها عنده ، مرحلة تأسيسية في البناء الفكري والروحي ، وكانت دراستي متواصلة ، فلم نعطل إلا أيام الجمعة ويوم عاشوراء ، وأوقاتاً قصيرة أذهب فيها إلى قريتنا ، كما كان أستاذنا ( رحمه الله ) قليل السفر .
وقد درست في هذه المدة : شرح قطر الندى ، وألفية ابن مالك بشرح ابنه ، وقسماً من مغني اللبيب لابن هشام ، وحاشية ملا عبد الله اليزدي في المنطق ، وهي تعليقة على كتاب تهذيب المنطق للتفتازاني ، وقسماً من شرح الشمسية في المنطق لقطب الدين الرازي ، وهو من تلاميذ العلامة الحلي ( رحمه الله ) .
والمختصر في المعاني والبيان ، وقسماً من المطول للتفتازاني ، والدر الثمين للسيد الأمين ، وقسماً من شرائع الإسلام للمحقق الحلي ، وقسماً من اللمعة الدمشقية وشرحها للشهيدين .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 21 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والأهم من إتقان هذه المواد ، الفوائد الكثيرة من الأستاذ ( رحمه الله ) في العقائد والفقه والتاريخ والسيرة والأدب ، والتعرف منه على العلماء الذين درس عندهم وزاملهم وعاصرهم ، وكثير من قصصهم التربوية للطالب .
فعندما كان يوجهنا إلى الاهتمام بالمباحثة ، كان ينقل قصص المباحثة ، وينتقد الطالب الذي يكابر ويجادل ولا يعترف بخطئه عندما يتبين له وجه الحق ، ويمدح الشيخ يوسف الفقيه ( رحمه الله ) ويقول : ما رأيت مثله ! فقد كان في عمر والدنا ، لكن عندما نناقشه في مسألة ويتبين له خطؤه ، يتغير فجأة من مدافع متشدد إلى شاكر مؤيد فيقول : أحسنت أحسنت ، انتبهت إلى وجه الحق في المسألة ، جزاك الله خيراً .
وكان أستاذنا ( رحمه الله ) يهتم بالقصص المؤثرة المفسرة للآيات والأحاديث الشريفة . وقد حفظت منه الكثير ، جزاه الله خيراً ، وقدس نفسه الزكية .
* *

6 - أكملت قطر الندى فأخذني الوالد إلى السيد ( رحمه الله )

جاء الوالد ( رحمه الله ) إلى البياض ليزور أستاذي الشيخ ( رحمه الله ) ويتفقدني ، فأخبرته أني أكملت القطر وبدأت بدراسة الألفية ، ففرح بذلك وأخذني معه إلى صور لزيارة السيد شرف الدين ( رحمه الله ) وكأنه كان أخبره أني في أواخر القطر .
فلما دخلت وسلمت أجابني السيد ( رحمه الله ) باستبشار : وعليكم السلام ، أهلاً وسهلاً ، أعرب : أهلاً وسهلاً . فقبلت يده وجلست وأجبته : مفعولين
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 22 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لفعلين محذوفين وتقديرهما : قدمت أهلاً ومشيت سهلاً . فقال : أحسنت ، أحسنت ، الديك الفصيح من البيضة يصيح . أعربها ، أعربها !
فقلت له : الديك مبتدأ ، فقال : أين خبره ؟ قلت : جملة يصيح .
فاستبشر وقال : أحسنت بأبي أنت وأمي ، الآن أسألك شعراً :
يوجد سيد جليل القدر ، يقول عن ثأر جده الحسين ( عليه السلام ) :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] ما لي أسالمُ قوماً عندهم تِرتي * لا سالمتني يدُ الأيام إن سلموا
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] فأخذت أعربه فكنت أصيب وأخطئ ، فإن أصبت شجعني وفدَّاني ، وإن أخطأت صحح لي كأني لم أخطئ !
ثم قال لي : إذهب إلى الداخل وقل للحاجَّة تعطيك سبحة وتربة للوالد ، وسبحة وتربة لك ، فذهبت ووجدت امرأة كبيرة السن ، فأعطتني ما أمر به السيد ( رحمه الله ) ، وأعطاني هو كتاب : إلى المجمع العلمي العربي بدمشق ، وهو ردٌّ على رئيس المجمع محمد كرد علي ، ينقض فيه تجنياته على الشيعة .
وقد فكرت كيف أمرني السيد ( رحمه الله ) أن أذهب إلى داخل بيته ، وأنا مميز وعمري أكثر من ثلاث عشرة سنة ؟ وقدرتُ فيما بعد أنه ( رحمه الله ) لا يرى التمييز وحده موجباً لحرمة النظر ، فإن لم يكن المميز من أهل النظر بريبة فلا يحرم .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 23 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

7 - العلاقة بين طلبة الحوزة وطلبة الكليات الأدبية

يشعر طلاب الفروع الأدبية في الجامعات بنوع من الزمالة مع طلبة الحوزة ، لأنهم مثلهم يدرسون قواعد اللغة وأدبياتها .
وهم يحترموننا لأنا نتعمق في اللغة أكثر منهم ، وندرس في النحو الألفية والمغني ، أهم مرجعين في النحو . ونتعمق في الدراسة أكثر من طلبة الجامعات ، ونتباحث في المسائل النحوية في مجالسنا أكثر منهم .
وكان بعض الناس يعرفون هذه الزمالة بيننا ، ويحبون أن يروا المناقشات أو المباراة بين طلبة الحوزة وأساتذة اللغة العربية في المدارس .
كنت يوماً في صور أنتظر السيارة إلى قانا ، وكان وقت انتهاء الدوام ظهراً وخروج الأساتذة من الثانويات ، فتقدم إليَّ أحدهم وكان يعرف أني طالب علم ، فقال : أيها الشيخ الصغير كيف تعرب :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] ذراني والفلاةَ بلا دليلٍ * ووجهيَ والهجير بلا لثامِ
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] فأجبته ، وسألني آخر فأجبته ، فاجتمع عدة منهم يسألوني ويعجبون من معرفتي بالنحو على صغر سني ! وكان قربنا بائع فلافل ضخم الجثة يلقب ( شحِتُّو ) فقال : ليس هذا من الإنصاف ، تسألون أنتم الشيخ الصغير ، يجب أن يسألكم هو ! قال أحدهم فليسأل ، فسألتهم عن إعراب قوله :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] صالحاً صالحاً وإن جا بجرم * سالكٌ سالكاً سبيل الرشاد
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 24 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فلم يعرفوه ، لأن نطق التنوين والنون واحد ، وحقه أن يكتب : صالحن . سال كن . ومعناه صالحْ صالحاً ، ويا سالمْ كن سالكاً .
ففرح بائع الفلافل ورفعني بيديه قائلاً : ديكي الشيخ الصغير ، هيا إسألوه وليسألكم ، والجائزة عليَّ ! فكأن المسألة عند صاحبنا مباراة ديكة !
واستكملنا الأسئلة وودعني الأساتذة باحترام ، وأراد صاحبنا الطيب بائع الفلافل أن يعطيني جائزة ، فلافل ، فشكرته وانصرفت .
وكنت كلما ذهبت إلى صور ورآني ، يترك عمله في دكانه ويأتيني مرحِّباً ، ويطلب مني أن أقف عنده حتى يأتي أساتذة اللغة العربية ، فلا أقبل ، فيلتفت يميناً وشمالاً ، لعله يرى أحداً منهم فيدعوه إلى مباراتي !

8 - استكشفت أودية البياض وربواتها

كنت وزميلي الشيخ نجيب ( رحمه الله ) مختلفين في السليقة ، فأنا أحب الحركة في برِّية البياض للصيد أو التنزه والإستطلاع ، وهو لا يحبها .
وكان يخاف من الحيات والكلاب والظُّلْمة ، وكنت لا أخاف منها ، بل أطارد الحية حتى لو كانت كبيرة حتى أقتلها أو تهرب .
أما الكلب فقد سمعت يوماً أنه يطارد الإنسان الذي يهرب منه ، ويخاف من الإنسان الذي يهاجمه ، فيهرب منه ، فقلت لأجرب أن أهاجمه ، فجربت
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 25 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فهرب مني ، فصرت أهاجمه وأمسك بذيله وأدور به بسرعة عدة دورات ، ثم أتركه دفعة واحدة ، فيهرب خائفاً وهو يعوي !
كان زميلي يطمئن إذا خرج معي إلى البرية ، حتى لو رأينا حية أو هاجمنا كلب ! لكنه لا يحب الخروج إلا إذا كنا مجموعة وذهبنا لنجلس في مكان قريب ومعنا سماور الشاي . وبما أنه لم يكن لي رفيق في القرية غيره ، فصرت أذهب إلى البرية وحدي !
كنت في الصيف والربيع أذهب بعد إكمال دروسي ، ومعي بندقية لصيد العصافير ، فاستكشفت أراضي البياض من جهاتها الأربع ، وحفظت أكثر أوديتها من جهة قانا ، فقد كانت عامرة بالكُرُوم ( البساتين ) والعصافير .
وكان استكشاف أودية البياض سهلاً عليَّ ، لأني تعودت على جبال ياطر وأوديتها وهي أضعافها في العمق والوعورة ، وأشجار الغابات .
فقريتنا تعتبر من الجبل وترتفع عن سطح البحر نحو 800 متراً ، بينما تعتبر البياض من الساحل ، ولا ترتفع عن سطح البحر نصف ذلك .
كما تتميز قريتنا بأن مساحة بريتها والأودية التابعة لها أكثر من غيرها من قرى جبل عامل ، فهي تمتد جنوباً إلى حدود فلسطين ، ومن الجنوب الغربي إلى ساحل صور . وأوديتها عميقة ، وأقربها إلى القرية وادي الدُّب ، ثم وادي النِّطَارة ، وأطولها وادي العيون الغنية بالمياه ، وتستمر حتى تصل إلى ساحل البحر بين الناقورة وصور . وأكثر أوديتها خضراء .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 26 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أما البياض ففيها وادٍ واحد عميق من جهتها الجنوبية الشرقية ، هو وادي عاشور ، وبقية أوديتها عادية ، وجبالها أقرب إلى الربوات .
وفي الربيع اكتشفت مكاناً صالحاً للسكن قرب قرية البياض ، كَرْماً في زاويته من جهة الطريق غرفة ، تُخيِّم على سطحها شجرة لَوْزٍ وارفة .
حاولت أن أقنع زميلي بالسكن هناك ، وقلت له : نسكن في الشتاء في الغرفة ، ونصنع في الصيف خيمة على سطحها . فقال إني أخاف في الليل ، فقلت له نَمْ أنت في الغرفة وأنا على سطحها ، وطمأنته بأن عندي كلب حراسة ، هو كلب ماشية محمد الشيخ محمود ، فلم يقبل .
وقصة هذا الكلب أنه كان أبيض ضخماً مميزاً ، فكنت أطعمه باستمرار ، وربما أخذت له بعض زوائد اللحم من القصاب الوحيد في القرية ، وهو صاحب دكان البلدة ، وصاحب قطيع الماعز ، ومالك الكلب .
كان محمد محمود ( رحمه الله ) شخصية مميزة في هدوئه وأخلاقه ومحبته ، وكان أهل القرية يتحدثون عن قصص قوته البدنية ، وكان يعرف أن كلبه اتخذني صديقاً ، ويتعجب من سرعة مجيئه إليَّ إذا سمع صوتي ، ولو من بعيد !
قررت أن أسكن وحدي ، واستجزت أصحاب الكَرْم فأجازوا ، وكان أهل القرية يحبونني ويثقون بي ، فنقلت أسبابي ، وعلَّمت الكلب أن ينام عند الغرفة ، فكان إذا رجع مع القطيع عند الغروب يأتي لأعشيه وينام ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 27 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فإذا سمعتُ أجراس فحول القطيع بعد شروق الشمس ، قدمتُ إليه الطعام ، وأشرت إليه بأن يذهب إلى قطيعه ، فيذهب ويعود مساء !
كان أستاذنا ( رحمه الله ) يعرف مجريات حياتنا ، ولا يعترض على سكني في طرف البلدة ، ولا على ذهابي إلى البرية أياماً في الأسبوع ، بل يبدي إعجابه وثقته بي ، ويمدح شجاعتي ، ويشجع زميلي أن يكون مثلي ، وكان مطمئناً إلى أني أعطي الأولوية لدروسي ، ولا أغيب عندما يجب الحضور في بيته .

9 - التطبيق الطفولي للفقه الذي نتعلمه

تعلمت أحكام الوضوء ، وكنت ألاحظ الخلل في وضوء البعض فأتعجب لكن لا أجرؤ على تنبيهه إلى ذلك ، لأني سمعت من أستاذي قصة الحسن والحسين ‘ كيف علما شخصاً الوضوء بأن طلبا منه أن يكون حكماً بينهما أيهما وضوؤه أصح ؟ فلما توضئا أمامه انتبه إلى قصدهما وقال : جعلت فداكما وضوؤكما صحيح ووضوئي فيه خلل ، وقد أردتما أن تنبهاني فشكراً .
لكن غلبني الفضول يوم رجعت من البرية ومررت على مقبرة القرية ، فوجدت شيخاً في نحو السبعين يجلس على باب خيمة منصوبة على قبر ، وكان ابنه داخل الخيمة يقرأ القرآن . كانا من قرية عيثيث مستأجرَيْن لقراءة القرآن على روح الميت ثلاثة أيام متواصلة ، فهما يتناوبان القراءة ليلاً ونهاراً ، يستريح أحدهما ويقرأ الآخر ، فجلست إلى الشيخ وكان يأنس بي ويقول لي : سمِّعْنِي ماذا تعلمت من الشيخ ، فرأيت أن شواربه طويلة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 28 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كلحيته ، فقلت له : سمعت من الشيخ أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) قال : حُفُّوا الشوارب واعفوا اللحى ، وأراك أطلت شواربك !
قال : نعم الحق معك يا علي . فقلت له : إذا أردت قصرتهما لك ، فعندي مقص صغير . قال : نعم ، قصرهما بارك الله فيك .
فأخذت المقص وقصصت شواربه حتى جعلتها جماء ، فرآه أحدهم بعد ذلك وقد تغير منظره ، فسأله : لماذا فعلت بنفسك هكذا ؟ فقال : هذا الشيخ الصغير علي ، قرأ علَّي الحديث وقص شواربي !
وأخبر الشخص أستاذنا ، ولما دخلت عليه قال : تعال يا شيخ علي خبرنا كيف قصصت شوارب الشيخ فلان ! فحكيت له ، فضحك وأعجبه فعلي !

10 - دجاجة الشريفة خالة أهل البياض

كانت هذه السيدة جارتنا ، وهي في الثمانينات من عمرها ، قصيرة القامة عابدة ، وكانت مَحْرَماً على أكثر أهل القرية ، لأنهم كانوا عقدوا زواجها وهي طفلة على جدهم الأكبر ، فهم ينادونها خالتي الشريفة !
وكانت محتاطة في طهارة مأكلها ومشربها ، فهي تحضِّر طعامها بيدها ، وإذا أصر عليها أحدٌ بضيافة أو هدية تأكل من طعامهم ، ثم تطهر فمها .
كان عندها دجاجات تُهدي من بيضها ، وتخصني بسهمٍ حتى بعد أن سكنت بعيداً عنها ، وفي صباح أحد أيام الشتاء كنت آتياً من سكني خارج
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 29 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
القرية إلى بيت أستاذي ، فوجدت الشريفة في الطريق مشدوهةً ، ولما رأتني صاحت : يا شيخ علي أنظر ! أخذها أخذها ، ها ، ذاك هو ، نزل من هنا ! ونظرت فرأيت الثعلب يحمل دجاجة ويركض منحدراً باتجاه مرج الصفراء آخر وادي عاشور ، فركضت خلفه وضربت عليه أحجاراً فسبقني وغاب بين الصخور ، فصحت بكلب حراستي مراراً وإذا به جاء فأشرت له باتجاه الثعلب وركضت فركض معي ، وكأنه شم رائحته أو رآه فسبقني وتوغل بين الصخور الكبيرة ، وبعد دقائق عاد وفي فمه الدجاجة مجروحة في جناحيها فأخذتها منه ، وصعدت بها إلى الشريفة ، ففرحت !
قال لي أحدهم لقد رأيت الكلب في الجهة الثانية من وادي عاشور ، منقضاً من ذلك الجبل كالسهم ، فتعجبت حتى عرفت أنك ناديته فجاءك !

11 - دير عامص والحاج سعيد الآغا

كنت معنياً بمعرفة الناس والقرى ، وقد استفدت كثيراً من فترة العصر في بيت أستاذنا ( رحمه الله ) ، وكان يجلس ويعمل في تأليف ، ويستقبل زائريه الذين يأتون من القرية وخارجها للأنس وشرب الشاي ، أو لمعرفة مسألة شرعية أو لطلب المساعدة في حل مشكلة .
كما كنت أذهب مع أستاذي إلى بعض هذه القرى ، في مناسباتهم . وأقرب القرى إلى البياض دير عامص وتكاد تتصل بها ، وأصلها عاموس ، وهو من أنبياء التوراة وفيها سفر عاموس .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 30 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كما أن عاموص قرية قرب بيت لحم ( معجم البلدان : 4 / 72 ) . وأسماء قرى جبل عامل من أصل سرياني ، أو عبراني ، أو عربي ، أو روماني . والبياض والبياضة اسم عربي للأرض التي يغلب عليها البياض .
كان كثيرون من أهل دير عامص يزورون الشيخ ( رحمه الله ) ويرونني عنده ، أدرس أو أقدم لهم الشاي ، أو أستمع إلى أحاديثهم . وبذلك تعرفت على عدد منهم . ومنهم المرحوم السيد حسين بزون ، وهو من وجهاء قريته ، وأصل هذه العائلة من العراق ، وهم سادة معروفون .
ومنهم الحاج أحمد البنا ، وهو معمار : كان يذهب في شبابه إلى فلسطين ويعمل في البناء هناك ، وله قصة سمعتها من أستاذي ، ثم سألته عنها .
ومنهم أولاد الحاج خليل دبوق ، وهم أخوال زميلي الشيخ نجيب ( رحمه الله ) .
وكنت أذهب إلى دير عامص ، إما وحدي أتصيد في جوارها حتى أصل إلى كتف وادي عاشور العميقة الوعرة ، وأحياناً أذهب مع أستاذنا في مناسبة دينية ، أو مع زميلي الشيخ نجيب إلى بيت خاله .
ومن طرائف أهل هذه القرية أن أحدهم قال لأستاذنا : يا مولانا ماذا أعمل ! أنا دائماً أغضب وأسبُّ زوجتي ، وهذا حرام لكني لم أستطع تركه ! فقال له الشيخ ( رحمه الله ) : أنا أعلمك طريقة : إذا غضبت فاصرخ عليها على عادتك ، لكن بدل أن تقول ( الله يلعن أباك ) قل ( اللهم يرحم أباك ) ! وقل لها ما تريد واصرخ عليها كما تشاء ، لكن غَيِّر اللعنة إلى رحمة ، وما شابه !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 31 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وبعد مدة عاد الرجل وسلم على الشيخ وهو يبتسم ، وقال : الله يرحم والديك يا شيخنا ، ضَبَطَتْ المسألة ، أي نجحت . وذكر أن زوجته أخذت تضحك من صراخه بالترحم والدعاء لها ولأبيها وأمها !
ومن طرائفهم المرحوم الحاج سعيد الآغا ، وكان مشهوراً في المنطقة بأنه يمسك الضبع ويركبه ، وبأنه يستطيع أن ينام وهو يمشي !
وذات يوم أخذني أستاذي معه ليزور الحاج سعيد الآغا ، وقد عضه الضبع في رجله ، فوجدناه في فراشه وكان ضخم البدن أجش الصوت ، يحق للضبع أن يخاف منه ! فحدثنا كيف أمسك الضبع وكيف عضه ، قال :
أصطاد الضبع بأن أختبئ في الغابة وأبكي كالطفل فيأتي الضبع ، وأكون حضَّرت له فخاً بحبل ، وبيدي عصا غليظة ، والمهم أن أمسك بأذنيه حتى أسيطر عليه بسهولة ، ثم أربط فمه بالحبل ، وآتي به إلى القرية ، وقد أركب عليه فيكاد يحملني إن كان كبيراً ، أو أمشي وأنا راكب عليه إن كان صغيراً ! وأبقيه عندي حتى آخذه إلى سوق يوم السبت في جُوَيَّا فأبيعه !
وهذا الضبع جئت به وربطته هنا في محوطة الماشية ، وفي اليوم الثاني جاؤوا يصيحون بأن الضبع أفلت من رباطه ، فصعدت إلى حائط الصِّيرة ( المحوطة ) وأنزلت السُّلَّم من داخلها وأخذت بيدي عصا معول ، وما أن نزلت إلى أسفل السلم حتى هاجمني الملعون ، فضربته بالعصا على رأسه فأمسكها بأسنانه وتلها من يدي حتى كسرها ، وعضني في أصابع رجلي ، فناولوني عصا ثانية فضربته وسيطرت عليه ، وربطته ربطاً محكماً !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 32 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
سأله الشيخ : كيف صار جرحك الآن ، وماذا عملت له ؟ فأخرج قدمه الضخمة فإذا فيها آثار عضة الضبع في أصول أصابعها ، قال : أنا داويتها ولا أحتاج إلى طبيب ، قلت لهم أعطوني زيت زيتون مغلياً ، فصببته على عضة الضبع وربطت قدمي ، تألمت في وقتها كثيراً ، ثم أخذت أتحسن !
وذات يوم زرت بيت الحاج سعيد ( رحمه الله ) ، وكان ابنه أبو عباس يحب الأدب ويقرأ لي ما أعجبه من الشعر ، وكانت والدته حسنة الأخلاق تحتفي بي إذا زرتهم ، وتطلب أن أبقى إلى وقت الغداء أو العشاء ، فلا أقبل .
سألت الحاج سعيد : سمعت من الشيخ يا حاج أنك تمشي وأنت نائم ؟ فقال : نعم ، أنام حتى لو كنت ماشياً في وادي عاشور ! وهي واد عميقة وطريقها صعب ! فسألته : وإذا وصلت إلى مفرق ، فهل تعرف الطريق وأنت نائم ؟ قال : إذا وصلت إلى مفرق أستيقظ ، فأحدد مسيري ثم أنام !
وبعد سنوات حاولت أن أقلده وأنا أسير في طريق كربلاء ، فلم أنجح !
كنا نمشي من النجف إلى زيارة الحسين ( عليه السلام ) بجانب الشارع فحكيت قصة الحاج سعيد الآغا لزميليَّ السيد علاء الدين الحكيم والسيد مرتضى الحكيم رحمهما الله ، وقلت لهما أنا أنام في أي وقت ، وأريد أن أجرب اليوم النوم ماشياً ، فراقباني حتى لا أميل إلى الشارع ، فتدهسني سيارة !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 33 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وآخر ما أذكره قبل أن أنام أن رجلاي كانتا تتحركان هبوطاً وصعوداً ! ونمت حتى أيقظني زميلاي وقالا : أيقظناك لأنا خفنا أن تميل إلى الشارع ، فقد خَفَّت سرعتك ولم تمش في خط مستقيم ، بل كنت تميل يميناً أو شمالاً !
ومن طرائف أهل دير عامص : أن رجلاً منهم زار الشيخ ( رحمه الله ) وكان أخبرنا عنه أنه يأكل الربا ، وكنت سمعت من الشيخ أنك لو أخذت تراباً من تحت قدمي آكل الربا ووضعته على بيت النمل يهرب النمل ! وكان في حديقة الشيخ الصغيرة بيت نمل عجزنا عن معالجته بالأدوية وبالنفط ، فقررت أن آخذ له تراباً من تحت قدم ذلك الرجل ! فوضعت له كرسياً على التراب وحفظت مكان قدميه ، ولما ذهب أخذت من موضعهما تراباً ، فسألني الشيخ : ما ذا تريد به ؟ قلت له : أريد أن أضعه على بيت النمل ، فتبسم ، ووضعته عليه ! وفي اليوم التالي لم نجد أثراً للنمل ! فقد غادر ، وكأنه اشمأز من رائحة آكل الربا !

12 - دير انطار والحاج عبد الله حجيج

ومن طرائف قرية دير أنطار ، أن الحاج محمود حجيج ( رحمه الله ) كان عنده كتاب فيه طريقة حساب العمر ، وكان يخبر الشخص متى يموت ويصدق قوله ! وقد حدثنا أستاذنا ( رحمه الله ) أن الحاج خليل دبوق جد زميلي الشيخ نجيب في دير عامص ، كان صديق الحاج محمود المذكور ، وذات يوم ركب الحاج محمود فرسه صباحاً وكان في قريته دير انطار ، فسألته زوجته إلى أين ؟
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 34 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فقال : إلى تشييع الحاج خليل دبوق في دير عامص ، فسألوه هل مات ؟ قال : اليوم يموت ! وكان الوقت صباحاً والمسافة بين قريته ودير عامص ساعات وكان الحاج خليل في ذلك الصباح صاحياً سالماً ، فصلى الظهر وسجد ، فتوفي وهو ساجد ( رحمه الله ) ! ووصل الحاج محمود بعيد وفاته فشارك في تشييعه !
وكان أستاذنا يعتقد بصحة حساباته ، وقد توفي ( رحمه الله ) وورَّث كتابه إلى ولده الحاج عبد الله ! وقد كتب أستاذنا في كتاب ترجمة حياته / 78 ، عن الحاج عبد الله ، قال : « وقد ورث هذا العلم عن والده كما روى لي بنفسه . وقد أخبر عن وفاة كثيرين وعن آجالهم ، وصدقت نبوءته » .
ثم ذكر أستاذنا عدداً من نبوءاته التي صدقت ، وقال : « وفي إحدى الزيارات طلبت إليه أن يخبرني عن عمري ، فإن كان أجلي قريباً فلا تخبرني وإن كان بعيداً فأعلمني به ، فنظر إليَّ نظرة فاحصة ثم سألني عن برجي ، ثم سألني عن اسم الوالدة ، وبعد إجراء حساباته قال : عمرك مثل عمري طويل ، لكن أمامك قطوعاً إذا بلغ عمرك سبعة وخمسين عاماً ، فإن سلمت منه تعش هذا العمر » ! ( حياة الشيخ إبراهيم سليمان بقلمه / 78 ، دار الأضواء 1427 ) .
وسمعت من أستاذي ( رحمه الله ) قصة مشابهة عن شيخ من قرية عيثيث ، نسيت اسمه ، قال إنه كان مدعواً لعقد قران في قرية وادي جيلو ، وكان من عادتهم أن يصلوا الظهر ثم يذهبوا إلى بيت والد العريس ، فيتغدوا ثم يجروا مراسم العقد ، ويزفوا العروسين .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 35 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فكان ذلك الشيخ يتغدى ، فعطس أحدهم عطسة من نوع ما ، فوجل الشيخ ، وقال لمرافقه : إنْهِ طعامك وقم بنا نذهب ، هذا العرس يتحول إلى عزاء ، ونهض ! فتعجب الناس وحاولوا إبقاءه فقال لهم : ليعقد العقد غيري لا بد أن أذهب ! وركب حماره وذهب ، فما لبث العريس أن مات بالسكتة بعد نحو ساعة ، فجعلوا عرسه مأتمه !

13 - مزرعة مشرف والشيخ حسين سليمان

تعرفت على قرية مزرعة مشرف ، التي تقع مقابل البياض ، ويفصل بينهما وادي عاشور ، وهي واد عميقة حادة ، لا يمكن النزول إليها مباشرة من جهة البياض ، ولا الصعود منها مباشرة إلى مزرعة مشرف ، بل لا بد من الدوران من جهة مرج الصفراء ، الذي يقال إنه باسم الصفراء زوجة موسى ( عليه السلام ) ، وإن الحرب بينها وبين وصيه يوشع بن نون ( عليه السلام ) كانت فيه ، وقد وردت الرواية في حربهما ، لكن لا دليل على أنها في مرج الصفراء هذا .
قال في أعيان الشيعة : 10 / 125 ، عن مزرعة مشرف : « الشيخ مشرف الوائلي العاملي من آل علي الصغير ، توفي في صيدا سنة 1112 في صفر ، واليه تنسب مزرعة مشرف التي فوق وادي عاشور بساحل صور ، وداره فيها باقية للآن ، وبنى فيها مسجداً كبيرا إلى جهة الغرب هو الآن خراب . حدثني بعض آل سليمان وهم بيت علم قديم ، أن أحد أجداده من العلماء الصلحاء كان في المزرعة أيام الشيخ مشرف ، فلما بنى المسجد المذكور لم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 36 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يصلِّ فيه ذلك العالم لأن بانيه ظالم ! وبنى مسجداً بيده يساعده بعض فقراء القرية ، وهو المسجد المشرف على وادي عاشور ويرى من الوادي » .
أقول : تعرَّض جد آل سليمان ( رحمه الله ) إلى مضايقات الزعيم مشرف ، فهاجر مغاضباً إلى البياض ، وأسس هذه القرية .
ومن طرائف مزرعة مشرف ما سمعته من أستاذي ، أن وجيهها والد الحاج عقيل وزني ، أرسل إلى الشيخ حسين سليمان ( رحمه الله ) وهو عم أستاذنا ، يطلب منه الحضور لأنه مريض مرض الموت ويريد أن يوصي ، فزاره الشيخ حسين ( رحمه الله ) فقال له : أدع الله لي أن يمد في عمري حتى يرجع ابني من أمريكا وأراه قبل موتي . وكان الشيخ يصلي في الليل ، فرأى المريض سقف بيته انفتح وفيه شخص واقف يسأل آخر فوقه : هل أنزل ؟ قال له : لا ، إن الشيخ حسين لا يقبل ، وقد جاء الأمر بتمديد عمره خمس سنوات !
فكبَّر المريض وأخبرهم بما رأى ، وشفي ، وعاش خمس سنوات بالضبط وجاء ولده بما جمعه من ثروة ، وقرت به عينه !

14 - قانا الجليل المجاورة للبياض

وتعرفت على قرية قانا ، ويبدو أنها قانا الجليل المذكورة في الإنجيل ، قال في قاموس الكتاب المقدس / 709 : « قانا الجليل : وقانا اسم عبري معناه مكان القصب ، وهي مدينة شهيرة صنع المسيح أعجوبته الأولى فيها وهي تحويل الماء إلى خمر ( يو 2 : 1 ) وبعد ذلك صنع عجيبة ثانية فيها وهي شفاء ابن خادم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 37 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الملك ( يو 4 : 46 ) وكانت وطن نثنائيل ( يو 21 : 2 ) وكل ما نعرفه من الإنجيل عن موقعها هو أنها في الجليل بمكان عال بالنسبة إلى كفر ناحوم ، إذ يقول يوحنا في إنجيله ( يو 2 : 12 ) وبعد هذا انحدر إلى كفر ناحوم وخادم الملك الآتي من كفر ناحوم إلى قانا حيث كان يسوع طلب منه أن ينزل ليشفي ابنه ( يو 4 : 46 و 47 ) ويرجح أنها خربة قانا شمالي الناصرة بثمانية أميال . وهناك عيون ماء ومستنقعات وكثيرة القصب . يوسيبيوس وجيروم يؤيدان هذا الرأي بقولهما إن قانا الجليل تقع بالقرب من صيداء . ويقول بعضهم إنها كفركنا ، التي تقع شمال شرقي الناصرة بأربعة أميال » .
وفي قاموس الكتاب المقدس / 710 : « قانة : اسم عبري معناه موضع القصب وهو اسم مدينة في أشير ( يش 19 : 28 ) غير قانا الجليل المار ذكرها ، والمرجح أنها هي القرية الكبيرة المسماة اليوم باسم قانا الواقعة على بعد نحو 6 أميال إلى الجنوب الشرقي من صور » . ونلاحظ أن هذا المرجع الكنسي يجعل قانا التي زارها المسيح ( عليه السلام ) قرب الناصرة ، لكن الشهرة والعمل في لبنان على أنها التي قرب صور . ونحن نقبل الشهرة لكن لا نقبل رواية أن المسيح ( عليه السلام ) ساعد الناس على شرب لخمر وحوَّل الماء إلى خمر ، لأن الخمر محرم في دينه وفي كافة الأديان ، وقد نصت على ذلك التوراة والإنجيل .
وفي قانا سوق الأحد ، يقصدونها من القرى للتسوق . وفي بنت جبيل سوق الخميس . وفي النبطية سوق الاثنين . وفي جُوَيَّا سوق السبت . وهكذا قسموا الأسواق في جبل عامل على قرى الجبل والساحل .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 38 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وكنت أذهب إلى قانا في طريقي إلى قريتنا ياطر ، وتعتبر مع البياض ساحلاً وقريتنا جبلاً ، وكنت أذهب إلى قانا أحياناً مع أستاذنا لزيارة صديقه الوجيه الحاج حسن فتوني . وآل فتوني أصلهم من النبطية ، ومنهم الشريف أبو الحسن الفتوني ( رحمه الله ) جد صاحب الجواهر ( رحمه الله ) لأمه ، فآل الفتوني أخوال آل الجواهري ، وله كتاب ضياء العالمين في العقائد ، يجري إعداده للطباعة .
وفي قانا آل الصائغ ، وجهاء وعلماء ، وقد عرفت منهم الشيخ بدر الدين الصائغ ، وقد توفي السنة الماضية ( رحمه الله ) وجاوز المئة سنة ، ولعله آخر تلامذة الميرزا النائيني ( رحمه الله ) . وعرفت ابنه الشيخ جعفر الصائغ ( رحمه الله ) ، وكانت له فراسات عجيبة يخبر فيها عن أحداث فتقع كما أخبر ! وله ابن فلكي معروف هو المهندس محمد علي الصائغ ، نابغ في الفلك والحساب .
وفي قانا حي مسيحي فيه كنيسة ، تقع على قرن البلد من جهة البياض ويتعايش أهلها مع الشيعة في المنطقة ، وتربطهم بهم علاقات حسنة .
ولا يتسع المجال لذكر بقية القرى في محيط البياض . وهي أبعد عنها نسبياً .

15 - تعرفت على شخصيات عديدة في البياض

أول من تعرفنا عليه من العلماء الشيخ سليمان سليمان ( رحمه الله ) ، وهو ابن عم أستاذنا ، وكان هادئاً خلوقاً ، يحبني أنا وزميلي الشيخ نجيب ( رحمه الله ) ، وقد يسألنا في مسألة نحوية أو فقهية ، ويدعونا أحياناً إلى منزله . وقد تزوج زميلي الشيخ نجيب من كريمته .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 39 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كما تعرفت على المرحوم الأستاذ كامل سليمان ( رحمه الله ) أخ أستاذنا ، وهو شاعر وصاحب كتاب يوم الخلاص ، وكان مدير ثانوية في صور ، لطيف المعشر ذكي ، وكان ينشدنا قصائد طريفة . سألني ذات يوم : هل تستطيع أن تذهب ماشياً إلى قانا ( 4 كم ) ولا تضع قدميك إلا على حجر ؟ قلت : لا . قال : أنا فعلتها ولم تمس قدماي التراب ، بل كنت أقفز من حجر إلى حجر !
وتعرفت أكثر على أقاربنا مشايخ حاريص ، وكبيرهم الشيخ علي الفقيه وكان وجيهاً معروفاً في جبل عامل ( رحمه الله ) ، يقصده الناس للحاجات وحل المشكلات ، وكان اجتماعياً من الدرجة الأولى ، مرتب الشكل والحديث .
وكان يرسل أبناءه كلهم إلى حوزة النجف ويقول : من أراد منهم أن يبقى ويكون عالماً فبها ونعمت ، وإلا يتعلم ما يحفظ به دينه .
وبقي في النجف ثلاثة من أولاده وصاروا علماء وهم الشيخ يوسف والشيخ عبد الرحمن ، وأكبرهم أستاذنا الشيخ مفيد حفظه الله ، وقد أسس حوزة علمية في حاريص ، وسيأتي ذكره في الحديث عن النجف .
ومنهم الشيخ عبد الإله الفقيه ( رحمه الله ) ، وهو زميلي في مرحلة في النجف ، أما كبير آل الفقيه في النجف ، فهو آية الله الشيخ محمد تقي الفقيه ( رحمه الله ) .
كما تعرفت على علماء وشخصيات ، في ذهابي مع أستاذنا ( رحمه الله ) إلى عدد من قرى المنطقة قانا ، وحناويه ، وعيثيث ، وجويا ، ومزرعة مشرف ، ودير انطار ، ودير عامص ، وحاريص ، وتبنين ، وصديقين ، وزبقين .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 40 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

16 - قصة الشيخ رضا فرحات مع الشيخ البهائي

وممن تعرفت عليه من العلماء الشيخ رضا فرحات ( رحمه الله ) ، وهو من قرية عرب صاليم ، وهو مؤسس مسجد برج حمود في بيروت ، وهي محلة مختلطة من الشيعة والأرمن والمسيحيين .
ونقل عنه أستاذنا أنه أيام كان في النجف وجد عملاً كتبه الشيخ البهائي لمن أراد أن يراه بعد موته ويسأله سؤالاً واحداً ! فعمل الشيخ رضا العمل فصام الأيام المحددة ، والتزم بالسور والأوراد الخاصة ، وكان في آخرها أن يذهب إلى وادي السلام ويجلس وحده إلى الزوال ، فيمر عليه الشيخ البهائي ( رحمه الله ) فيسأله سؤالاً واحداً ، فيجيبه عليه وهو ماشٍ !
وعرف الطلبة عمل الشيخ رضا ، ومزح معه بعضهم بأنه سيذهب في اليوم المحدد ليرى الشيخ البهائي ، فغضب وحرَّج عليهم أن يخربوا عمله .
وفي اليوم المحدد ذهب الشيخ رضا إلى مقبرة وادي السلام وجلس فيها حتى الظهر ، فرأى الشيخ محمد جواد مغنية ( رحمه الله ) يمرُّ أمامه هناك فقال له : لقد حرمت عليكم أن يأتي منكم أحد ويخرب عملي ، فلم يجبه ومرَّ ذاهباً . وعاد الشيخ رضا غاضباً ، ورأى الشيخ محمد جواد مغنية ( رحمه الله ) فوبخه لماذا جئت وخربت عملي ؟ ! فحلف له أني لم تطأ قدمي وادي السلام اليوم !
قال أستاذنا الشيخ ( رحمه الله ) : كان الذي مرَّ أمامه الشيخ البهائي ( رحمه الله ) وهو يشبه الشيخ محمد جواد مغنية ، وتخيل الشيخ رضا أنه هو ولم يسأله مع الأسف .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 41 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ونقل أستاذنا عدداً من قصص الشيخ البهائي ( رحمه الله ) ، منها أنه زار قرية رأس العين وهي قرب صور معروفة بنبعها الكبير ، فشكى له أهلها نقيق الضفادع وأنه يزعجهم ليلاً ، فأخذ ورقة وكتب عليها شيئاً ، وقال : إرموها في النبع ، فرموها ، فسكتت الضفادع إلى يومنا هذا !

17 - كتاب الأوزان والمقادير لأستاذنا ( رحمه الله )

كنت أرى أستاذنا يعمل في تأليف كتاب وأمامه ميزان صغير كموازين الصاغة ، يزنُ فيه حبات حنطة أو حبات شعير بقطع معدنية صغيرة ، فسألته فقال : أعمل في الموازين الشرعية ، وأحولها إلى الأوزان السائدة . وقد أكمل كتابه : الأوزان والمقادير الشرعية وطبعه بعد سفرنا إلى النجف . كذلك كان يعمل في كتابه : رواة الشيعة وجمهرة الأسانيد ، وبلغ 27 مجلداً .
وقد أورد ( رحمه الله ) في كتاب : حياته بقلمه / 68 ، دار الأضواء 1427 ، عدداً من مؤلفاته ، وعامتها مخطوط ، أذكر منها ما أقدر أنه مميز ، ينبغي طباعته :
1 - أعيان آل سليمان . 2 - بلدان جبل عامل . 3 - علماء جبل عامل 10 مجلدات . 4 - أمراء جبل عامل . 5 - وقائع جبل عامل . 6 - غرر الأدعية 11 مجلداً .

18 - موقف أستاذنا مع القسيس إبراهيم

التبشير المسيحي مفتوح في لبنان ، وكذا التبشير الإسلامي ، لكنهم يعملون ولا نعمل ، ويذهب مبشروهم إلى القرى ويستعملون أسلوب
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 42 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأخلاق والبشاشة ، وقد يتأثر بهم شخص هنا ، وشخص هناك .
وكان يأتي إلى البياض قسيس اسمه إبراهيم ، فيتحدث مع من يراه في الطريق أو البيت الذي يدعونه إليه ، ويوزع الإنجيل وبعض الكراريس .
فشكى أهل القرية للشيخ بأن هذا القسيس قد يؤثر على بعض الأولاد ، فقال لهم إذا جاء إلى البلد فادعوه إلى بيتنا لأتحدث معه .
وجاؤوا به يوم الأحد ، فرحب به أستاذنا ، وقدم له الشاي ، وقال له : بلغني أنك تدعونا إلى عبادة يسوع عيسى المسيح ( عليه السلام ) ؟ قال : نعم ، إن يسوع جاء بالخلاص لجميع البشر .
قال له : لا بأس ، هل تعرف نسب يسوع الذي تدعونا إلى عبادته ، فهو ابن مريم ( عليها السلام ) ، ثم ابن مَن ؟ قال : إن نسب يسوع موجود في الإنجيل .
قال : نعم رأيته ، فأخرج لنا إنجيل متي واقرأ لنا نسب المسيح ( عليه السلام ) . فأخرجه وقرأ ، فقال له أستاذنا : إحسب عدد آباء مريم ( عليها السلام ) ، فعدهم ، وقال ثمانية وعشرون . وهم في الواقع ست وعشرون .
قال له : لا بأس ، أخرج إنجيل لوقا واقرأ نسبه ، فأخرج إنجيل لوقا وقرأه فقال أستاذنا : عُدَّ أجداده كم ترى عددهم ؟ فعدهم وقال : واحد وأربعون . فقال له : أيها القسيس ، إنك تدعونا إلى عبادة شخص لا تعرف نسبه ! فأرجو أن تبحث وتحقق نسب ربكم أولاً ، ثم تأتي إلى البياض وتدعونا إلى عبادته ! فخجل القسيس ، وذهب ولم يعد إلى القرية !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 43 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال الشيخ البلاغي ( رحمه الله ) في كتابه : الهدى إلى دين المصطفى : 1 / 173 ، و 246 : « إن الأناجيل التي يدعون تواتر سندها إلى رسل موحى إليهم ، قد اختلفت اختلافاً كثيراً يوضح أنها ليست من عند الله ، ويكفي ذلك اختلافها الفاحش في نسب المسيح ( عليه السلام ) » .
وقال المرحوم سعيد أيوب في ابتلاءات الأمم / 117 : « ولقد تضارب إنجيل متي مع إنجيل لوقا في نسب المسيح إلى داوود ، فبينما يذكر متي أن من داوود إلى المسيح 26 جيلاً ، يذكر لوقا إنه 41 جيلاً ! وبينما يذكر متي أن يوسف النجار ابن يعقوب يذكر لوقا إنه ابن هالي ! وبينما يذكر متي أن المسيح من ولد سليمان بن داوود ، يذكر لوقا إنه من ولد ناثان بن داوود ! وبينما يذكر متي أن شلتائيل ابن يكنيا ، يذكر لوقا إنه ابن نيري ! وبينما يذكر متي أن ابن زور بابل يدعى أبيهود ، يذكر لوقا إنه يدعى ريسا » !

19 - من آراء أستاذنا السياسية

كان أستاذنا ( رحمه الله ) يسمع الأخبار ، لكنه يخفض صوت الراديو حتى تنتهي الموسيقى قبل النشرة . وكان كعامة الناس يهتم بأخبار العدوان الغربي على قناة السويس ، ويفرح بانتصار الجيش المصري عليهم ، لكنه كان لا يحب جمال عبد الناصر ، لأن سياسته في البلاد العربية لا تخدم الشيعة بل تضرهم . ففي العراق والأردن واليمن يتبنى عبد الناصر الثورة على الملكية وهم على أي حال من بني هاشم ، وفي لبنان يتبنى زعماء السنة ويهمل زعماء الشيعة .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 44 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كانت العروبة تعني لأستاذنا حكم الخط السني المعادي للشيعة ، والميزان عنده مصلحة الشيعة ، كما يفهمها ويقدرها ( رحمه الله ) .
وفي السياسة اللبنانية كان ينتقد زعماء الشيعة لأنهم لا يخدمون طائفتهم ، ويضرب مثلاً لذلك تبليط طريق البياض ، ويقول : كلما راجعنا أحمد بك الأسعد يقول : مشايخ البياض علمائهم بيضاء وقلوبهم بيضاء ، ويعدنا ولا يفي ! وقد غير ولاءه التقليدي لبيت الأسعد إلى بيت الخليل ، لعلهم يخدمون ! لكن بيت الخليل لم ينجحوا في الانتخابات ، لأنهم محسوبون على رئيس الجمهورية كميل شمعون ، وهو متطرف ضد سياسة عبد الناصر ، بينما وقف أحمد الأسعد مع المعارضة ، وما سمي بالثورة على شمعون !
هكذا كان الجو السياسي في لبنان صراعاً بين خط عبد الناصر ومعه جمهور السنة ، وقسم من جمهور الشيعة ، وبين الخط الآخر ، ومعه جمهور المسيحيين وبعض المسلمين .
وكان أكثر العلماء نفوذاً آية الله السيد شرف الدين ( رحمه الله ) ، فله احترام في أوساط الشيعة ، لكن غاية ما يمكنه فعله أن يخاطب الدولة أو الزعماء مطالباً ببعض الخدمات ، فلا يستجاب له ، أو يستجاب له جزئياً وشكلياً !
وأما زعماء الشيعة السياسيون ، فلم يكونوا أصحاب قدرة على الفعل المستقل ، بل يعيشون على الهامش في ظل النفوذ السني أو المسيحي .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 45 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولذا كان تأثير الشيعة في الحياة السياسية في لبنان شكلياً ، وكانت مناطقهم تغرق في الفقر والحاجة والبطالة ، وانعدام الخدمات !
وقد سبب هذا الواقع الصعب ، زيادة في هجرة الشيعة إلى المهاجر المختلفة طلباً لعيش أفضل ، كما سبب نمو الأحزاب اليسارية ، بشعاراتها التي تنتقد الواقع العربي وتعد الناس بمستقبل أفضل ، ولم يستطع العلماء والمتدينون من منعها حتى في بيوتهم !
فقد رأيت أن المدرسة الجعفرية في صور التي بناها السيد شرف الدين ( رحمه الله ) بتبرعات مغتربي الشيعة ، وبجهود مديدة ، حوَّلها أساتذتها إلى مركز لحزب البعث ، وكان هتاف طلابها :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] جينا يا مصر جيناكِ * جينا نتناضل وياكِ
نحن الصوت اللي لبَّاكِ * البعث العربي الإشتراكي
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] وكان أستاذنا ( رحمه الله ) يراهم مغرورين تابعين لميشيل عفلق النصراني الغربي .
كنت أعتقد بأكثر أفكاره أستاذنا ( رحمه الله ) ، وأطمح إلى عمل أساسي أنجح من وسائلنا القروية ، لنشر التوعية في الناس ، وتحقيق النهضة في المجتمع .
لم أكن مقتنعاً بمشروع عبد الناصر ، لأني أراه شعارات أكثر منه عملاً ، ثم هو مشروع سني لا ينصف الشيعة ، وإن كان القوميون يتقربون إلى الشيعة بأن عبد الناصر منفتح على الشيعة وزوجته شيعية من أصل إيراني . ولا مقتنعاً بوضع الشيعة في لبنان ، لأني أراهم مضطهدين غير منصفين ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 46 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وزعامتهم السياسية على هامش الزعامة السنية والمسيحية ، وأكثر علمائهم على هامش زعامتهم ، وكنت أتعجب من الأفق القروي لأكثرهم !
كانت سنوات الخمسينات والستينات في العالم العربي عهد زعامة جمال عبد الناصر ، وقد بلغت أوجها عندما أعلن تأميم قناة السويس ، وأنهى العقود المصرية مع الفرنسيين والإنكليز في استثمارها ، فوقع العدوان الثلاثي البريطاني الفرنسي الإسرائيلي على قناة السويس لاحتلالها ، فقاومهم عبد الناصر عسكرياً وشعبياً ، وانتصر عليهم .
وقد استمرت الموجة الناصرية حتى انهزم عبد الناصر أمام إسرائيل في حرب حزيران 1967 ، فقويت الأحزاب اليسارية المناهضة له .

20 - مضار تعدد اهتمامات طالب العلم ومنافعها

لو سألني أحدٌ يومها عن برنامجي لقلت له : إني أعطي لدروسي الوقت الكافي للدرس والمباحثة والمطالعة والحفظ ، وأحفظ أكثر ألفية ابن مالك ، ويشهدون لي في اللغة والنحو مع صغر سني ، وقد نظمت الشعر ولم أبلغ الخامسة عشرة . أما اهتمامي بالخروج إلى البرية ، أو بزيارة بعض القرى مع أستاذي أو وحدي ، فلم يؤثر على دروسي بل قد يكون نفعني فيها .
لكني بعد أن كبرت سألت نفسي عن فائدة تلك الاهتمامات المتعددة التي كنت أصرف فيها من وقتي وذهني ؟ ثم عن تأثيرها على تقدمي العلمي ؟
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 47 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أرى اليوم ضرورة توجيه الطالب من صغره ، وأنه ينبغي له ولأستاذه أن يفهم اهتماماته الطبيعية المفيدة فيشجعه عليها ، كما ينبغي أن يزرع في ذهنه اهتمامات أخرى ، ويفتح له أبوابها .
لست نادماً على تلك الاهتمامات في ذلك السن ، لكن أتمنى لو اتجهت من يومها إلى المطالعة في السيرة والتفسير . . وحفظ القرآن ونهج البلاغة . . .
وكم أشعر لأستاذي ( رحمه الله ) بالفضل والجميل ، لأنه لم يمنعني من اهتماماتي الطبيعية ، بل كان يبدي إعجابه ويشجعني مع زميلي على التحرك واللعب ! أذكر أنه أمرني ذات يوم أن أشتري كرة فاشتريتها ، فقال تعالوا أنت والشيخ نجيب والأولاد والعبوا هنا ، وكان يجلس على البيدر ، فلعبنا أمامه مع بعض الصبيان ، وكان فرحاً بذلك ! قال ( رحمه الله ) : في هذا السن يجب أن تلعبوا ، ومن لم يلعب في صغره يخشى أن يلعب في كبره !
كان يقدر صغر سننا يومها ، ويحرص على أن نتلقى الدروس براحة ورغبة ، وأحمد الله تعالى أني قضيت عنده سنتين وكسراً ، واستفدت منه ما يدرسه غيري في خمس سنوات ، فجزاه الله عني خير الجزاء .

21 - الأجواء الأدبية في البياض وياطر

إلى سنوات خلت ، كان تأثير العلماء في ثقافة الناس في جبل عامل أكثر من تأثير كل المدارس ، ووسائل الإعلام !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 48 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فقد كان الناس يستفيدون من مجالس العلماء العامة والخاصة ، ومن مجالس التعزية التي يعقدونها في أسابيع موتاهم ، وفي المناسبات الدينية .
وكان عدد من أهل القرية ينجذبون إلى المطالعة ، فيشترون الكتب التاريخية والأدبية ، ويقرؤونها ويتداولون أحاديثها ، ونبغ بعضهم فصار خطيباً أو أديباً ، ومنهم من يشارك في الخطابة أو بقصائده في المناسبات .
من باب المثال كنت تجد الناس حتى العوام في قريتنا ياطر ، يتذوقون الأدب والشعر ، وكان فيهم ثلاثة شعراء عصاميون ، هم الأستاذ توفيق كوراني ، والأستاذ عبد الله قعيق ، والحاج شبلي الذيب .
والأولان لهما قصائد جيدة ومشاركات في المناسبات . وكان الحاج شبلي أمياً لا يقرأ ولا يكتب ، لكنه لغوي ينقد المفردات والعبارة العربية ، وشاعر ينظم القصائد الحسنة !
وقد استفدت من الذوق الأدبي لأستاذنا ( رحمه الله ) وكان شاعراً ، ومن أخيه الأستاذ كامل سليمان ( رحمه الله ) ، فتعلمت وزن الشعر وبعض نقده ، ونظمت وأنا في الرابعة عشرة أبياتاً وقصائد ، منها في تهنئة أستاذنا بزواجه ، فقد طلبت زوجته الطلاق لأنهما لم يرزقا أولاداً ، فطلقها وتزوج ، فرزقه الله ابنتين . وقد فقدت القصيدة لكن أستاذنا ( رحمه الله ) نشر منها أبياتاً ، هي :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] أعلنت في يوم الزفاف سروري * وازداد أنسي واستبان حبوري
لما تبوأ بيتكم علوية * من بيت قدس رائع مشهور
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 49 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] إن شئت يوماً مدحها قل إنها * بنت الرسول الطاهر المنصور
طوبى لمولى قد سما متعالياً * جمُّ المفاخر ؟ ؟ سابق التعبير
سمحُ الخلائق قد حوى بخصاله * من كل وصفٍ فائحٍ بعبير
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] ( كتاب حياة الشيخ إبراهيم سليمان / 28 ، دار الأضواء 1427 ) .
ونظمت الشعر بعد ذلك ، وشاركت بقصائد في بعض الاحتفالات في النجف والبصرة ، لكني لم أواصل اهتمامي بالشعر فبقي شعري في الدرجة الخامسة مثلاً . واهتممت بكتابة النثر الأدبي ، وكتبت مقطوعة بعنوان : سبحة كربلاء ، وبعض مقطوعات في كتاب : ملائكة الغيب قادمون .
كان الاهتمام الأدبي سائداً في جبل عامل وقريتنا ياطر ، ومن أمثلته أن الحاج توفيق كَوْراني دعانا يوماً إلى بيته لشرب الشاي ، ولما جلسنا أنا وزميلي الشيخ نجيب ، والشيخ عبد الإله الفقيه ، قال توفيق : نحن ننتظر سماحة الشيخ يقصد الشيخ علي الفقيه ، فقد وعدنا أن يشرفنا . فقلت له : ونحن ننتظر ماذا ؟ قال : تنتظرون الشاي ، فذهب ثم عاد وهو يقول :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] أسفي ويأس الخير من أحبابي * لم يذكروني في هوى وتصاب
لم يطرقوا بيتي لقاء مودة * إلا لكرع الشاي من أكواب
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] فأجبته :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] لم نطرق البيت الكريم لجرعة * من شايكم تشفي غليل الصابي
لكنما الشاي المحلى خلقكم * ليتمم الأفراح للأحباب
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 50 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ومن شعر الحاج توفيق :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] أبكأس شاي خلت أنك حاتم * والشاي قيمة كأسه فلسان
وتظن أني أكتفي في واحد * وأنا الذي لا يكتفي بثمان
أنسيت يا عبد الرحيم موائدي * وقعودك الماحي دجاج خواني
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] ومن شعر عبد الله أسد الله قعيق :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] بكى قلمي فطارحه قصيدي * دموع الحزن في ذكرى الفقيد
بني وطني أفيقوا من سباتٍ * حذارِ من دموع المستفيد
يقاتل بعضنا بعضاً على مَ * وإسرائيل من خلف الحدود
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] ومن شعري :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] ما أراني إلا قريبَ الرحيلِ * شيِّعوني لحفرتي بالعويلِ
أنا يا ربِّ مُذعنٌ بالخطايا * ومقرُّ إقرارَ عبدٍ ذليلِ
غير أني مؤمِّلٌ منكَ عفواً * فَتَلَطَّفْ برحمتي وقَبولي
إنَّ لي إليكَ حَبلَ وِدَادٍ * برسول الهدى وآل الرسولِ
كنتُ فيهمْ مُتَيَّماً مستهاماً * لم أُطعْ فيهِمُ كلامَ العذولِ
صَفْوُ حُبِي لهمْ وصَفْوُ دموعي * ونشيدي في بكرتي وأصيلي
أيها السادةُ الكرامُ وحاشا * أن تروْني أُقادُ قَوْدَ الذليل
أنا لمْ أنْسَ حبَّكمْ في حياتي * هل جزاءُ الجميلِ غيرُ الجميل
كنتُ خِلاً لحِبِّكم ، وعذاباً * مستطيراً على العَدُوِّ الجهول
كم سهامٍ لناصبي خبيث * راشَها نحوكم بقلب غَلول
فتلقيت نَصْلَها بأكُفِّي * ورميتُ النصولَ فوقَ النصول
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 51 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] ونجومٍ قطفتها من علاكم * أين منها الشموس ذات الأفول
زيَّنَتْ مَحْفَلي وأغْلَتْ كتابي * وأضاءتْ عقولَ أهلِ العقولِ
رَدَّدَتْهَا المخدَّراتُ نشيداً * عبقرياً في مدح آل الرسول
وتلاها الداعونَ في روضة النور * ففاحَتْ أشْذَاؤُها في الحقول
إنما الكونُ بلقعٌ أنعشتهُ * منكمُ نفحةُ العطاء الجزيل
أنا يا سادتي ربيب حُجُورٍ * زاكياتٍ بحبكم ، وأصول
مُعْرقٌ في ولائكم من جذوري * في رُبى عاملٍ بأرضِ الجليلِ
فخرُنا أننا مَوالي عليٍّ * اسمه عندنا شفاءُ العليل
أرضعتنيه حُرَّةٌ معْ حليبي * فجرى في دمي وحَلَّ غليلي .
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] والاهتمام الأدبي لازمٌ لطالب العلم ، لكن بهدف أن يتكوَّن له ذوق أدبي وقدرة على النقد فقط ، ثم لا ينبغي له أن يصرف وقته في الشعر والأدب ، لأن اهتمامه بطلب علوم الحوزة من فقه وأصول وغيره ، أهم وأنفع .
وقد أعطانا الشيخ الأنصاري ( رحمه الله ) درساً عملياً عندما : « عرض عليه السيد محمد بن علي بن السيد أبو الحسن العاملي النجفي كتابه : يتيمة الدهر ، وهو على طراز يتيمة الدهر للثعالبي ، وبظنه أن الشيخ سيجيزه عليه ويحبوه ، فكتب عليه هذا البيت ، ولم يسمع منه مدة عمره غيره !
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] فيا مُضَيعَ عُمْرٍ في كتابته * فلا أضيع عمري في قراءته » .
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] ( ماضي النجف وحاضرها : 2 / 47 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 52 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وما يبدو لك من قسوة في كلام الشيخ الأنصاري ( رحمه الله ) ، يزول إذا عرفت أن مخاطبه طلبة العلوم الدينية الذين يفترض فيهم أن يتخصصوا في علوم الدين ، فإن اتجه أحدهم إلى الأدب والشعر أدمن عليه ، وألهاه عن تخصصه وواجبه الأصلي ! ونلاحظ أن بعضهم انصرف عن الحوزة إلى الأدب فبقي عادياً كل عمره يراوح مكانه ، فلا هو تفقه ، ولا هو نبغ في الشعر !
أما الطالب الذي عنده نبوغٌ شعري ، كالجواهري ( رحمه الله ) الذي كان طالب حوزة ، وظهر نبوغه الشعري ، فينبغي له أن يوجه اهتمامه لخدمة دينه بهذه الموهبة التي أنعم الله بها عليه ، لأنها لا تقل عن موهبة الفقاهة .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 53 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الثاني : إلى الحوزة العلمية في النجف الأشرف

1 - وهبَّ علينا نسيم النجف

عشت في النجف منذ بدأتُ بطلب العلم ، فهي الهدف والأمنية ، لأن فيها الحرم المقدس لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وفيها العلم ، والعلماء ، والمرجعية .
وعشتها من أستاذي ، فقد كان حديثه دائماً عن علمائها وطلابها ، من أساتذته وزملائه ، وعن أجوائها ، وأحيائها ، ومجتمعها ، وطرائفها !
فالنجف تطبع طالب العلم بطابعها ، وتصوغه بصياغتها ، فتصبح شخصيته نجفية ، تعيش انتماءها إلى النجف قبل أي مكان ، ويبقى يحنُّ إليها ، مهما بعدت به الدار ، وطال الزمان .
كان أستاذي ( رحمه الله ) مطبوعاً بطابع النجف ، يحدثنا عن أساتذته خاصة السيد حسين الحمامي ، والميرزا النائيني ، والسيد محسن الحكيم ، وعن زملائه الشيخ محمد تقي الفقيه ، وأخيه الشيخ علي ، والشيخ رضا فرحات . . . الخ .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 54 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وعن ذكرياته عن شخصيات علمائية مميزة كالشيخ محمد حسين كاشف الغطاء ، والسيد محسن الأمين ، وغيرهما . فكان معجباً بالمواقف الشجاعة للشيخ كاشف الغطاء ( رحمه الله ) ، وبجدية السيد الأمين ( رحمه الله ) في البحث والتأليف ، قال : كنا مجموعة من الطلبة قصدنا بيته ذات ليلة من ليالي الصيف وطرقنا الباب ، فأطل ( رحمه الله ) من شرفة السطح وردَّ سلامنا وقال : ماذا تأمرون ؟ قلنا : جئنا نسهر عندكم ، ونشرب الشاي . فاعتذر بأنه مشغول في التأليف وقال : سأدلي لكم بالزنبيل من أحسن أنواع الشاي والسكر ، فاذهبوا إلى بيت أحدكم ، واشربوا الشاي !
وكم كانت فرحتي كبيرة عندما جاء والدي ( رحمه الله ) وقال لي : إن أولاد الشيخ علي الفقيه جاؤوا من النجف لقضاء الصيف ، فتعال معي لنزورهم ونرتب أمر إرسالك معهم إلى النجف الأشرف !
وأخذ لي الوالد ( رحمه الله ) إجازة من أستاذي ، وذهبنا إلى حاريص فرحب بنا الشيخ علي الفقيه ( رحمه الله ) ، وتعرفت على ابنه الشيخ عبد الإله ، وكان أمضى مدة في النجف ودراسته في مستوى دراستي ، وكنت أدرس الشرائع والمعالم ، ودعوت هذا الطالب النجفي العزيز إلى قريتنا .
ثم أخذني الوالد إلى بيروت لنحصل على جواز سفر ، وتأشيرة العراق .
وعدت إلى البياض لأودع أستاذي وزميلي ، وأشخاصاً وأشياء وبقاعاً عزيزة عليّ ، لكن فرحتي بالسفر إلى النجف لا تفوقها فرحة .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 55 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي ذلك الصيف واصلت دراستي حتى يحين موعد سفري إلى النجف ، وذهبت قبل الموعد بأسبوعين ، لأودع أهلي وأقاربي في قريتنا ياطر .
أما زميلي الشيخ نجيب ( رحمه الله ) فتأخر سفره إلى النجف نحو سنة ، لظروفه .

2 - من برج أبي حيدر . . إلى النجف

ودعتُ قريتنا ولم أودع جبالها وأوديتها ، فقد كان الوقت ضيقاً ، وأمرني الوالد ( رحمه الله ) أن أدور على أقاربنا فأودعهم ، وكنت أذهب إلى بيروت لمتابعة صدور الجواز من الأمن العام ، وتأشيرة السفارة العراقية .
ولم أودع السيد شرف الدين قدس الله نفسه الزكية ، فقد توفي في تلك السنة ، وكانت أول سنة يمرُّ صيفها على قريتنا بدونه !
كنا نصلي في المسجد الجديد الذي بناه وسط القرية ، والجميع يتذكرونه ويقولون : المقدس السيد عبد الحسين ، ويقرؤون له الفاتحة .
أكملت وداع الأقارب في القرية ، وإخوتي وأخواتي ، وكانت الوالدة رحمها الله تبكي وتدعو ، ثم ودعتها وهي تشمني وتبكي ، وتقول : كفَّلتك لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) ! لكن جدتي لوالدي كانت من نوع آخر ، كان عمرها أكثر من مئة وعشر سنوات ، وهي في صحة جيدة وحالة ذهنية يقظة ! فقالت وهي تودعني : هنيئاً لك يا علي ، سلم لي على أمير المؤمنين والأئمة ، وزرهم عني .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 56 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وكنا تواعدنا مع أقاربنا آل الفقيه في بيت جدهم الشيخ يوسف ( رحمه الله ) ، في برج أبي حيدر ببيروت ، وكان رئيس محكمة التمييز الشرعية .
وجدنا الشيخ علي الفقيه ( رحمه الله ) جاء مع أولاده من الجنوب ليودعهم ، فجلسنا قليلاً ونهضنا ، فقبلت يد الشيخ الفقيه ويد الوالد ( رحمه الله ) مودعاً ، ووضعنا أسبابنا في السيارة التي ستوصلنا إلى الشام وركبنا ، فرأيت الوالد رغم متانته ووقاره ، وقف على شباك السيارة ينظر إليَّ بعطف ومحبة ، ثم مشى قليلاً وأدار وجهه لحظات ، ثم عاد وأثر دمعتين في عينيه ، فانحنى على شباك السيارة ، وقال : إذهب يا بني وهبتك لله ! إذا وصلت إلى النجف فأمسك بضريح أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وقل له : يا أمير المؤمنين ، إن والدي وهبني لكم ، فاقبلني واجعلني في حماك !
هزني مشهده وكلامه وبكيت ، وتحركت السيارة ورنين صوته الهادئ الواثق ( رحمه الله ) يتردد في أعماقي : إذهب يا بني ، وهبتك لله . . .
كنت أعيش في طريقي إلى الشام مزيجاً من الفرحة والرهبة ، وفي زيارة السيدة زينب ( عليها السلام ) ، ثم في سيارة ( نيرن ) الأجنبية الضخمة ، التي تنقل المسافرين بين دمشق وبغداد .
عَبرنا دمشق عصراً إلى أبي الشامات ثم دخلنا في الصحراء نحو العراق . وقد أنست عندما نام رفيقي الشيخ عبد الإله وتركني في عالمي وتفكيري ، فأنا بحاجة إلى الوحدة ، لأهضم ما تراكم عليَّ من أحداث !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 57 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كنت أنظر من نافذة السيارة إلى الصحراء فأرى نفسي أقطع الطريق وما زال يرنُّ في أعماقي صوت المرحوم والدي ( رحمه الله ) : إذهب يا بني فقد وهبتك لله . . . وأتساءل : هل يهب الأب ابنه ؟ وأقول : تصح الهبة ، لأن الولد وما يملك لأبيه ، ولأنها هبة متفق عليها بين الأب والابن !
وأعود أفكر : ما معنى أني موهوب لله ؟ وأفهمها بأن أدرس جيداً ، وأخدم ديني مخلصاً ، فأقوم بتعليم الناس الإسلام ، ومذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) .
لم يقطع تفكيري إلا تعزية الزوار الهنود ! كانوا مجموعة في المقاعد الأمامية ذاهبين إلى زيارة الأئمة ( عليهم السلام ) في العراق ، وأخذ أحدهم يقرأ لهم بالهندية بصوت هادئ ، حتى لا يعترض الركاب ، ثم قرأ شعراً حزيناً فردوه معه ، وهم يلطمون على صدورهم لطماً خفيفاً .
لم أفهم كلامهم ، لكن أثر فيَّ هذا الحنان الهندي الرقيق الذائب ، المنساب في كلماتهم ، ونبراتهم ، ووجيب قلوبهم ، ودموع عيونهم !
جميلٌ أن ترى المشاعر العالمية تشاركك النبض بمودة أهل البيت ( عليهم السلام ) ، فكيف يعيش هؤلاء التشيع وولاية أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في بلادهم وبيوتهم ؟ !
وقفت السيارة في الليل للاستراحة في آخر صحراء الأردن والعراق ، وكانت المنطقة مظلمة ، فيها مقهى ومطعم ليس فيهما من ذلك إلا الاسم ، والاسم عليهما كثير ، لأنك تحتاج إلى جهاد نفسك حتى تنظر إلى الظروف والكؤوس والشاي والطعام !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 58 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وكنا نسمع من قريب أصوات قيثارة ، كأن أهلها في عرس ، فنظرنا فإذا هم بدوٌ يَسْمَرُون ! جلسوا حلقة ذات اليمين وذات الشمال ، كأنهم أكثروا من الطعام فاتكؤوا ، وأباريق القهوة في وسطهم ، وأحدهم يصدح بقيثارته بلحن الرقص والدبكة ، بينما كانوا بحاجة إلى لحن ينامون عليه !
قدرت أنهم رعاة في تلك المناطق ، أو هَجَّانة ، موظفون كحرس حدود ، ولم أرَ فيهم من صفات عرب البادية الذين قرأنا عنهم إلا أنهم من نسلهم !
مهما يكن ، فليس قَصْدُنا هذا المقهى ولا أولاء البدو ، وإنما النجف . وفي صبيحة اليوم التالي وصلنا إلى بغداد ، وأخذنا سيارة إلى النجف .

3 - في المدرسة العاملية في النجف

حطَّ رحالنا في النجف الأشرف ، وأنزلني أقرباؤنا في المدرسة العاملية ، ثم ذهبنا إلى زيارة كبير العامليين آية الله الشيخ محمد تقي الفقيه ، فرحب بي وسألني عن أستاذي الشيخ إبراهيم ، وعن دراستي ، وأبدى إعجابه .
وأمرهم أن يعطوني غرفة في المدرسة ، وأن يعمموني ، وكنت ألبس عقالاً ، وأمرهم أن لا أخرج وحدي ، وأن يكون الشيخ مفيد مسؤولاً عن أموري ، وقال لي : بإمكانك أن تحضر عندي درس المعالم واللمعة .
ودعانا الشيخ مفيد لطعام العشاء ، وكان كبير العامليين بعد عمه الشيخ محمد تقي . وفي اليوم التالي ذهبت معه إلى زيارة أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 59 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والشيعي مهيأ بطبعه لزيارة إمامه علي ( عليه السلام ) ، والحديث الحار معه ، لأنه صلوات الله عليه ، هو انتماؤه ومذهبه ، ونبضه وأنشودته .
كانت الهيبة والإجلال مسيطريْن عليَّ في أول زيارة ، وأنا أقرأ مع الشيخ مفيد الاستئذان عند الباب الأول ، والزيارة ودعاءها في مواجهة الضريح المقدس ، ثم أشار لي أن أمسك بالضريح ، فأمسكت وسلمت على إمامي صلوات الله عليه مجدداً ، وقلت له ما أمرني الوالد ( رحمه الله ) أن أقوله ، وبكيت . وأشار الشيخ مفيد أن نصلي ركعتي الزيارة ، فصلينا ودعونا ، ثم نهضنا .
وبعد الزيارة ، رجعنا من السوق الكبير الذي جئنا منه ، فاشترينا الوسائل اللازمة للغرفة ، وذهبنا ورتبناها ، فأكملت بذلك إعداد سكني ، لأبدأ في اليوم التالي أول أيام دراستي في حوزة النجف .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 60 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

4 - الشيخ مفيد الفقيه أستاذي ولم أدرس عنده !

للأستاذ في الحوزة العلمية مقام وحقوق على تلاميذه ، ويطلق الأستاذ على من درستَ عنده ولو دروساً قليلة ، لذلك يختار التلميذ أستاذه بعناية من مستوى علمي وروحي جيد ، ومستوى اجتماعي يتناسب معه ، حتى لا يقال بعد ذلك : فلان أستاذ فلان ! ويوصي الآباء أبناءهم أن لا يدرسوا عند أي شخص ، حتى لا يُعيرهم أحدٌ لا سمح الله بأنه أستاذهم .
ومن أخلاقية الأستاذ أن لا يَمُنَّ على تلاميذه ، ولا يتبجح أمام الناس بأني أستاذ فلان وفلان ، أو إن فلاناً درس عندي ! وقد يخالف ذلك بعضهم فيتبجح ، أو يحاول كسب الشهرة ، لأن تلميذه عالم مشهور !
ومن أخلاقية التلميذ أن يقدر أستاذه ويحفظ له حقه وجميله ! وقد يخالف ذلك بعضهم ، فيُخفي أنه درس عند فلان ، لأنه عند نفسه كبير وأستاذه عادي ، فاعترافه بالتلمُّذ عليه ينقص من مقامه ، أو يرفع مقام أستاذه !
وهذا خطأ وسوء توفيق ، وسببه قلة الشجاعة ، أو النقص في تدين الشخص ، وغلبة الحسابات الدنيوية عليه .
وهناك حالات أستذة في الحوزة ، في غير الدروس العلمية ، قد يكون الأستاذ فيها أكثر تأثيراً في حياة الطالب من أستاذه في مادة علمية .
من ذلك أستاذ الأخلاق ، الذي يثق الطالب بدينه وتقواه ومستواه ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 61 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فيتعلم منه الأخلاق والروحانيات .
ومن ذلك الأستاذ في حل مشكلات ، فيراجعه الطالب في مشكلاته وأموره الشخصية والاجتماعية ، ثقة منه بعقله ورأيه ، ويعمل بتوجيهه .
ومن ذلك الأستاذ الموجه العام ، ومن هذا النوع كان لي الشيخ مفيد الفقيه حفظه الله ، فأنا أعبر عنه بأستاذي اعترافاً برعايته وخدماته وفضله عليَّ ، رغم أني لم أدرس عنده ، وافترقت عنه في خطي العملي والسياسي .
فهو الذي دلني على السيد الصدر ( رحمه الله ) وحزب الدعوة ، لكنه انسحب من الأيام الأولى دفعة واحدة ، وترك حتى بحث السيد الصدر ( رحمه الله ) ، وقد كان مع بضعة طلاب أول من حضره !
وسألته عن السبب فلم يخبرني إلا بعد سنين ، قال إن السيد الصدر يتبنى بعض نظريات الميرزا النائيني ( رحمه الله ) وينسبها إلى نفسه ، ولم يقنعني ذلك واعتبرت أن السبب الحقيقي تخوفه من التهمة التي شاعت في الحوزة بأن السيد الصدر حزبي !
وبقيت أنا على علاقتي بالسيد الصدر ( رحمه الله ) وعلى علاقتي بالشيخ مفيد ، الذي تولى توجيهي من يوم دخولي إلى النجف ، وأخجلني بنبله وخدماته ، فأنا مدين له بالفضل كأستاذي الشيخ إبراهيم سليمان ، وما زلت أدعو الله تعالى أن يجزيهما عني خير الجزاء .
ومن صفات الشيخ مفيد حفظه الله ، أنه قوي الإيمان ، هادئ ، صبور ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 62 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قليل الكلام ، كثير الفوائد في تعليقاته وتوجيهاته .
وهو من ناحية علمية في درجة عالية ، ولعل عنده شهادات اجتهاد ، لا يظهرها ، وقد أسس حوزة علمية في بلده حاريص ، وهو مجاز ومعتمد من مراجع النجف القدماء والمعاصرين ، رضوان الله على الماضين منهم ، وحفظ الله المعاصرين .

5 - وفائي لأستاذي الشيخ إبراهيم سليمان

أضفت هذا العنوان لأن بعض الأعزاء أشار عليَّ أن أذكر وفائي لأستاذي ، قال : إن هذا ليس تبجحاً ، بل ليتعلم منه الطالب كيف يفي لأستاذه إذا اختلف معه في السليقة ، أو في الخط السياسي .
يمتاز أستاذنا ( رحمه الله ) بصفات كثيرة رائعة في الإيمان والعلم والتقوى ، وله صفات تخص شخصيته كأي إنسان . وكان ( رحمه الله ) يحبني كثيراً وقد يفتخر بي ، وأقدر أنه بقي يحبني إلى آخر حياته ، لأني كنت أتحمل غضبه وكلامه عليَّ ، وكانت فيه حِدَّة يتحدث هو عنها ، وكل من يعرفه .
كان موقفه من الإمام الخميني ( رحمه الله ) شديداً ! لأنه يفسر الحديث الشريف عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) : « كل راية ترفع قبل قيام القائم فصاحبها طاغوت يعبد من دون الله عز وجل » . ( الكافي : 8 / 295 ) .
بأنه عام يشمل كل من أراد الحكم وإقامة دولة ، وكان يواجه من يؤيد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 63 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الإمام الخميني بإشكالاته حتى لو كان ضيفه !
فكان عليَّ كلما أردت زيارته أن أهيئ نفسي لهجوم من أستاذي المحبوب ، وكنت أسكت مؤدباً بين يديه حتى يكمل هجومه ، فيأمر لي بضيافة ، وأفتح مسألة علمية ، فربما تكلم فيها ، أو بقي غاضباً حتى أودعه !
ودخلت يوماً إلى حسينية قرية دير انطار في مناسبة أسبوع ، وكان ( رحمه الله ) موجوداً فقصدته وسلمت عليه ، وكنت مدعواً لإلقاء كلمة ، فتطرقت إلى وضع الجنوب واعتداءات إسرائيل المتكررة عليه ، وتقصير الدولة في الدفاع عنه ، ثم ذكرت الإمام الخميني ( رحمه الله ) ووصفته بالقائد الشجاع ، وكان يومها في باريس . فوقف أستاذي ( رحمه الله ) في القاعة وقال بصوت مرتفع : الخميني طاغوت ، ونحن رئيسنا الياس سركيس ، وليس الخميني !
فقلت له : يا مولانا ، أنا دعوت سركيس ليقودنا ويدافع عن الجنوب ! فأجابني بحدة ، فصاح ضده بعض الحضور واتجه بعضهم نحوه ، فخشيت أن يهينه أحد بكلام ، فقلت لهم على المكبرة : رجاء أيها المؤمنون ، إحترموا مولانا الشيخ ، فالمسألة بين أستاذ وتلميذه ، ومهما قال أستاذي فأنا أقبله وها أنا أختم كلامي وأترك المنبر لأجلس بخدمته ! ونزلت عن المنبر وجلست إلى جنبه مهدئاً ، حتى قام ليذهب فودعته .
وكان بدأ تغيره عليَّ ( رحمه الله ) من الكويت ، فقد انتدبه المرجع السيد الحكيم ( رحمه الله ) قاضياً شرعياً في الكويت سنة 379 - 1960 م . فسكن هناك نحو عشر سنين . كما انتدبني السيد الحكيم ( رحمه الله ) وكيلاً عاماً له في الكويت سنة 1387 - 1967 م .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 64 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وبادرت منذ وصولي إلى زيارة أستاذنا ، وكان يزورني ويحضر المناسبات في مسجدنا . وكنت دقيقاً في احترامه طوال المدة التي كنت وإياه في الكويت وهي نحو أربع سنين ، فكنت أزوره ، وكنت مشغولاً بأعمال ، وكان لا يميل إلى النشاط العام فكان يقول لي : أترك هذا المشروع ، وهذا العمل وذاك ، أنا أريدك أن تكون بقربي وأجعلك أحد الأمناء على مكتبتي . وكنت أجيبه : إنا بخدمتك ، لكن عليَّ مسؤولية اجتماعية بصفتي وكيل المرجع ، ولا يمكنني تركها .
ووقعت المصيبة عندما جاءني شخص في قضية راجعه فيها فحكم لخصمه عليه ، فقلت له : إن فتوى السيد الحكيم لمصلحتك ، وذهبت معه إلى أستاذنا وبينت له الأمر ، فغضب عليَّ وقال : أنا أعرف منك بفتاوى السيد محسن الحكيم ، أنا درست عنده قبل أن تدرس أنت عندي ! فقلت له : ما رأيكم أن نكتب له استفتاء ؟ فاستشاط غضباً ، وقال : إذا أجاب السيد الحكيم بما قلتَ ، فسأنزع عمامتي !
وكتبت استفتاء وأخذه صاحب القضية السيد محمود عاشور ، وجاء بفتوى السيد الحكيم ( رحمه الله ) فكانت كما قلت ، فقلت له خذ الجواب إلى الشيخ بكل لطف ، فأخبرني أنه كرر قراءته وتعجب ، ثم زرته ( رحمه الله ) ولم نذكر الموضوع أبداً ، ولكنه ( رحمه الله ) حكم في المحكمة حسب جواب الاستفتاء .
كان يبلغني عنه ( رحمه الله ) كلامٌ عليَّ ، فأقول للناقل : أرجو أن لا تنقل لي ما يبعدني عنه ، لأني أحبه وأريد أن أبقى محباً له ، وكنت أفسر غيبته لي بأنه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 65 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يستحل ذلك شرعاً ولا أتهمه بارتكاب حرام ، لكنه في اعتقادي قَطَّاع ، أي سريع القطع ، والقطع حجة على صاحبه ، لا يؤاخذ إذا عمل بموجبه ، إلا إذا قصر في مقدمات قطعه ، وهذا أمر بينه وبين ربه عز وجل .
قلت له يوماً : هل بلغكم عني حرف واحد ؟ قال : لا ، قلت : أما أنا فبلغني الكثير ، وكلما بلغني أسامحكم ، فأنت أستاذي وصاحب فضل عليَّ لا أنساه ما حييت . فسكت ( رحمه الله ) ، ثم قال : الله يرحم والديك .

6 - انتظمت في الدراسة وصرت مدرساً

اشتهر بين الطلاب أني متقن للنحو والمعاني والمنطق واللمعة الدمشقية ، فطلب مني بعضهم أن أدرسه قطر الندى ، وبعضهم درساً في الألفية .
فأشار عليَّ أستاذي الشيخ مفيد أن أقبل ، فبدأت بالتدريس ، واتسع الدرسان ، ثم أضيف إليهما درسان في المنطق ومختصر المعاني ، فصارت أربع تدريسات ، ودرسان ومباحثتان في اللمعة والمعالم .
ونقلت تدريساتي إلى مسجد الهندي ، لأن طلابي كانوا من اللبنانيين والعراقيين والبلاد العربية الأخرى .
وأعود فأنبه إلى أن العوامل التي تجعل الطالب يهضم المادة وتترسخ في ذهنه ، هي : شرح الأستاذ للدرس ، وكتابته ، والمباحثة فيه ، وتدريسه ومجالس المباحثة والأسئلة ، ويمكن أن نضيف إليها الامتحان بشروطه .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 66 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

7 - زرتُ أكثر علماء النجف ورأيتهم عن قرب

انتظمت حياتي في النجف : دروسٌ وتدريس من طلوع الشمس إلى قرب الظهر ، وكنت قبيل المغرب أذهب إلى صلاة الجماعة في الصحن العلوي ، بإمامة المرجع السيد الحكيم ( رحمه الله ) ، وألتقي بعدد من الطلبة ، أو أزور أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، ثم صرت أذهب بعد الصلاة إلى بحث السيد الخوئي ( رحمه الله ) ، ولعلي كنت أصغر طالب سناً حضر بحثه الخارج .
زرت عدداً من العلماء في النجف ، فتعرفت على المرجع السيد عبد الهادي الشيرازي ( رحمه الله ) ، والمرجع السيد محمود الشاهرودي ( رحمه الله ) ، والمرجع السيد الخوئي ( رحمه الله ) ، ثم حضرت بحثه ، وعلى الشيخ مرتضى آل ياسين ، والشيخ عبد الكريم الزنجاني ، والسيد إسماعيل الصدر ، وأخيه أستاذنا السيد محمد باقر الصدر ( رحمه الله ) وأول ما زرته في بيته مع الشيخ مفيد الفقيه ، وتكررت زيارتنا له ، وعندما أكملنا دراسة الكفاية أنا والشيخ سامي الفقيه ، والشيخ عبد الإله الفقيه ، طلب منه الشيخ مفيد أن يجد لنا أستاذاً في المكاسب ، فكلف السيد عز الدين بحر العلوم بتدريسنا فقبل ودرَّسنا .
وكنت كبقية الطلبة العامليين نذهب إلى بيت المرجع السيد الحكيم ( رحمه الله ) ، فنزوره ، أو نلتقي في مكتبه بالعلماء الزائرين له أو المراجعين لمكتبه .
وفي بيت السيد الحكيم ( رحمه الله ) تعرفت على العديد من الطلبة والمدرِّسين وكبار العلماء ، وزادت علاقتي بآل الحكيم ، حيث درَّست اثنين من أبناء
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 67 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
السيد ( رحمه الله ) ، ودَرَسْتُ شيئاً من الكفاية الجزء الثاني عند ابنه الشهيد السيد محمد باقر ( رحمه الله ) ، ودرستُ رسائل الشيخ الأنصاري ( رحمه الله ) عند المرجع السيد محمد سعيد الحكيم ، وهو حفيد السيد المرجع ( رحمه الله ) ، ولكنه أكبر سناً من عدد من أخواله أولاد السيد .
وفي السنة الثانية من دخولي النجف توفي آية الله السيد حسين الحمامي ( رحمه الله ) وقد زرته أول ما جئت إلى النجف ، وأبلغته سلام أستاذي وطلبت منه الدعاء ، وكان تشييعه مهيباً شاركت فيه مع أستاذي الشيخ مفيد الفقيه ، من مدخل النجف إلى الصحن الشريف . ورأينا في التشييع أستاذنا السيد محمد باقر الصدر ( رحمه الله ) ، وكان وحده فانضممنا إليه .
وحدثني يومها الشيخ مفيد أن السيد محمد باقر بدأ قبل أيام بحث الخارج ، أي الدروس العالية في الحوزة ، وأنه يحضر عنده مع بضعة نفر منهم السيد محمد باقر الحكيم ابن المرجع ، والشيخ عبد العالي مظفر ، والسيد ذي شان جوادي من الهند ، وربما السيد عبد الغني الأردبيلي من إيران . كان ذلك سنة 1379 - 1959 م . ولعله العالم الوحيد الذي بدأ بحثه الخارج قبل أن يتزوج ، ثم تزوج من قريبته شقيقة السيد موسى الصدر .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 68 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

8 - آية الله الشيخ حسين الحلي

كنا نحضر درس المكاسب عند أستاذنا السيد عز الدين بحر العلوم ( رحمه الله ) ، مع زميلي الشيخ عبد الإله والشيخ سامي ، ونعتبر أنفسنا من أهل الفهم والذكاء ، ونتعجب من أستاذنا لماذا يطيل في شرحه ويكرر ، حتى كان درسنا ساعة وربعاً ، وهو يحتاج برأينا إلى ربع ساعة !
قال الشيخ عبد الإله : إنه يتصور أنا لا نفهم ، فأثبتوا له أنكم تفهمون ! وقررنا أن نشكل عليه ليعرف أنا نفهم ! وفي اليوم التالي ما أن بدأ في شرحه حتى أمطرناه بالإشكالات ، وما كان ينتهي من جواب أحدنا حتى يشكل عليه الآخر !
وكانت النتيجة أن نظرة الأستاذ إلينا تحسنت ، لكنا ارتكبنا ذنباً أخلاقياً ، فلم تكن إشكالاتنا لحاجة علمية قربة إلى الله ، وإنما لإثبات ذاتنا !
وكان أستاذنا يحضر بحث الخارج عند الشيخ حسين الحلي ( رحمه الله ) ، وكنا نسمع بالشيخ الحلي ومقامه العلمي وزهده وورعه ، وأن المرجع السيد الحكيم ( رحمه الله ) يُرجع إليه في الإحتياطات ، ومعناه أنه يشهد بأنه الأعلم بعده ويرشحه للمرجعية ، لكن الشيخ الحلي ( رحمه الله ) كان لا يقبل أن يقلده أحد .
فقررنا أن نحضر درس الشيخ الحلي لنتفرج عليه ونرى منطقه ، وذهبنا قبل الوقت إلى مكان الدرس ، وكان غرفة في صحن الحرم دفن فيها المرجع الراحل الميرزا النائيني ( رحمه الله ) عرفت باسم : مقبرة الميرزا ، فجلسنا في طرف
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 69 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
القاعة حتى لا يكون المكان لبعض تلاميذه ، وجاء أستاذنا بحر العلوم ( رحمه الله ) فنظر إلينا وسلم ولم يقل شيئاً ، وأخذ التلاميذ بالحضور ونحن نتفرس في وجوههم لنعرف نوعية تلاميذ الشيخ الحلي ( رحمه الله ) وكان بضعة عشر .
وجاء شيخ بعين واحدة ، يلبس ثياباً عادية جداً ، وعمامة غير منظمة ، فقلنا لبعضنا : هذا المعيدي أيضاً ، يحضر بحث الشيخ الحلي ؟ !
وعندما دخل تفاجأنا بأن التلاميذ وقفوا احتراماً له وأخذ صدر المجلس فإذا هو الشيخ الحلي ( رحمه الله ) ! وشرع بالبحث ، فسمعنا بعضه ، وخرجنا !
وزرناه مرة أخرى بعد درسه وسألناه أسئلة فقهية .

9 - فوائد مجالس التعزية ليلة الخميس

يلتقي الطلبة في الدروس ، وفي المباحثات ، وفي المدرسة التي هي مسكن الطلبة العزاب ، وفي الصحن بعد الصلاة .
ومن أكثر اللقاءات فوائد مجالس التعزية ، وأكثرها في ليلة الخميس ، لأن ليلة الجمعة يكثر فيها ذهاب الطلبة إلى زيارة أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، أو كربلاء . ويمتد مجلس التعزية في الحوزة نحو ثلاث ساعات ، وتكون قراءة المجلس نصف ساعة ، وباقي الوقت لطرح مواضيع ومسائل علمية مختلفة . والمجال مفتوح لمن أراد أن يطرح مسألة ، ثم يدلي الحاضرون بآرائهم ، وقد يحتدم النقاش ، ويحتاج إلى تدخل بعضهم ، أو صاحب المنزل .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 70 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد تكون المسألة المطروحة نحوية ، أو لغوية ، أو أدبية ، أو أصولية ، أو فقهية . فهذه المجالس في الحقيقة دواوين علم ، ومجالس بحث وحوار ، ومعاهد تربية علمية واجتماعية ، وهي تكشف مستوى الطالب ، ومدى هضمه واستيعابه للمسألة التي يطرحها ، أو يشارك في نقاشها .
كما تكشف طريقة تفكير الطالب وأسلوب مناقشته ، ومدى منطقيته وعقله وتدينه ، عندما ينكشف له خطؤه ويظهر له وجه الحق في المسألة .
وتكشف الطالب الشاذ الذي يعتبر البحث العلمي منازلة شخصية ، فلا يقنع بالرأي المخالف ، ويواصل الجدل إلى حد المماحكة والمراء ! فيعرفه الطلبة بذلك ويسجلون عليه في أنفسهم درجة سلبية ، بينما يحترمون الطالب المنصف الذي يصغي ويتفهم ، ويقبل الحق عندما يظهر له .
كما تكشف عن نوعية أخرى من الطلبة والعلماء ، تراهم طول المجلس ساكتين يستمعون ، لكن إذا تكلم أحدهم سكت الجميع وأنصتوا ، لأنهم يعلمون أنه من الوزن الثقيل ، يتكلم بزبدة القول وفصل الخطاب !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 71 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

10 - اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بعين الله !

صحَّ الحديث عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) بأن المؤمن قد يتفرس وينظر بنور الله عز وجل ، فيرى حوادث وأشياء من المستقبل ، ويخبر بها فتكون كما أخبر !
ففي الكافي : 1 / 218 ، عن الإمام الباقر ( عليه السلام ) قال : « قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله عز وجل » .
وفي عيون أخبار الرضا ( عليه السلام ) : 1 / 216 ، عن الحسن بن جهم قال : « حضرت مجلس المأمون يوماً وعنده علي بن موسى الرضا ، وقد اجتمع الفقهاء وأهل الكلام من الفرق المختلفة فسأله بعضهم فقال له : يا ابن رسول الله بأي شئ تصح الإمامة لمدعيها ؟ قال بالنص والدليل . قال له : فدلالة الإمام فيمَ هي ؟ قال : في العلم واستجابة الدعوة . قال : فما وجه إخباركم بما يكون ؟ قال : ذلك بعهد معهود إلينا من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) . قال : فما وجه إخباركم بما في قلوب الناس ؟ قال : أما بلغك قول الرسول ( صلى الله عليه وآله ) : اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله . قال : بلى . قال : ما من مؤمن إلا وله فراسة ينظر بنور الله على قدر إيمانه ومبلغ استبصاره وعلمه ، وقد جمع الله في الأئمة ما فرَّقَهُ في جميع المؤمنين ، قال عز وجل في محكم كتابه : إِن فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ »
وقد رأيت أشخاصاً تفرسوا فصحَّت فراستهم ! منهم بدوي رأيته في النجف وكان حلو الحديث ، يشع منه نور الإيمان ، يبيع الرطب والباذنجان في دكان صغير ، وكنا بعد الدرس نشتري منه ونتحدث معه ، أنا وزميلاي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 72 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الشيخ عبد الإله الفقيه والشيخ سامي الفقيه ، فنظر إلينا يوماً وقال مشيراً إلى عبد الإله : « أنت ما تصير عالَم » ، وينطقونها بفتح اللام ، ثم نظر إلى الشيخ سامي ، وقال : « وأنت ما تصير عالَم » ! ونظر إليَّ وقال : أنت تصير عالماً كبيراً ، ويصلي خلفك ناس كثير . . . !
فتعجبنا ، وجادله الشيخ سامي ، فقال له جازماً : الأمر كما قلت لك .
وفي السنة التالية ذهبنا إلى لبنان ، وقرر الشيخ عبد الإله أن يترك الحوزة ويذهب للعمل مع أخيه في سيراليون . وبعد عودتنا من الصيف كنا ندرس الكفاية عند آية الله الشيخ محمد تقي الفقيه ( رحمه الله ) ، ومررنا على البدوي فنظر إلينا وتبسم وقال : أين صاحبكم ، لقد ذهب وترك الدرس ، أليس كذلك ؟ قلنا : نعم ، قال : نعم كما أخبرتكم . فقال له الشيخ سامي : أما أنا فلا أذهب وسأصير عالماً . قال : ما تصير ! فقال له مازحاً : أنا سأواصل الدراسة وأصير عالماً غصباً عليك !
فقال بهدوء وثقة : أنت ما تصير عالماً ، بل تذهب إلى مكان بعيد ، وتفتح محل ساعات ، ثم تصير معلماً . . الخ . !
وأكملنا مع الشيخ سامي الكفاية ، وفي السنة التالية ذهب إلى لبنان فتزوج وعاد بأهله ، وكان البدوي إذا رآه قال : ها ، ما زلت هنا في النجف ؟ !
ثم ذهب الشيخ سامي إلى لبنان فحصلت له أمور ، قرر بسببها ترك النجف ، وذهب إلى ليبيريا بأفريقيا ، ففتح محل ساعات !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 73 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأخذت أبحث عن صاحبنا فلم أجده في دكانه عند خان المخضر ، أي مركز بيع الخضار ، حتى رأيته يوماً قرب بيتنا فسلمت عليه فقال لي : أين صاحبك الذي كان يجادلني ، لقد ذهب وترك الدرس ، أليس كذلك ؟
قلت له : نعم ، ودعوته إلى منزلنا ، ولما جلس قال : أعرف أنك تريد أن تسألني من أين تعرف ما أخبرتنا به ؟ أنا ليس عندي كتاب ولا حساب لكني أهدس ، وينطقونها بالهاء ، في قلبي بهذا الشئ ، فيكون كما أتصوره .
قلت له : حدثني عن أمور حدست بها . قال : كنت يوماً في هذا الدكان الذي رأيتني فيه ، فهدست في قلبي أن بيتنا يحترق ، فأقفلت دكاني وذهبت إلى العباسيات ، فوجدت بيتنا في أول ما شبَّت النار فيه ، فأطفأته .
فحسبتُ المدة التي يحتاجها حتى يصل من النجف إلى الكوفة ثم إلى بيته ، فكانت ثلاث ساعات بالأقل ، وقد وصل أول ما اشتعلت النار في بيته !

11 - موجة الشيوعيين قلصت الاستفادة من شط الفرات

يَمُرَّ الفرات بالكوفة دون النجف ، لأن أرض النجف مرتفعة ، وتبعد عن الكوفة نحو عشرة كلم ، وتسمى ظهر الكوفة ، ونجفة الكوفة .
ويذهب طلبة الحوزة إلى الكوفة لزيارة مسجدها ومسجد السهلة القريب منها ، وزيارة قبري مسلم بن عقيل وهاني بن عروة ، رضي الله عنهما .
كما يذهبون يومي الخميس والجمعة لقضاء عطلتهم في شاطئ الفرات ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 74 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
تحت أشجار النخيل والطرفاء ، فبعضهم يطالع ، وبعضهم يسبح ، وبعضهم يتحدث أو يتباحث ، وبعضهم يأخذ عائلته وأطفاله معه .
وكنا الطلبة اللبنانيين ، نذهب في مجموعات يوم الجمعة ، وقد نذهب ليلة الجمعة ، فنبيت في مسجد الكوفة ، ونذهب صباحاً إلى الفرات .
وفي الفرات تعلمت السباحة ، أو أكملت ما تعلمته منها في شاطئ بيروت فقد كنت فيها سنتين ، أسكن في بيت أخي في محلة تلة الخياط ، وأدرس في محلة المصيطبة ، وأذهب معهم أحياناً إلى البحر في منطقة أربعاء أيوب ( عليه السلام ) .
وسَبَحْتُ في الفرات مرات ، وعبرته سباحةً مرة في الصيف ومرة في الشتاء ، لكني لم أكن أهوى السباحة ، فقد صار الوقت عندي أغلى ، وكنت كثيراً ما اقتصر التعطيل بيوم الجمعة ، وأعمل كل يوم الخميس .
كما تلاشت عندي هواية استطلاع البراري ، بسبب الوضع الأمني ، فقد بدأت الموجة الشيوعية بعد دخولي النجف بقليل ، وكان الطلبة يتعرضون لمضايقات من الشيوعيين ، وكانوا يتهموننا بأنا طبقة تخدم البرجوازية ! فلم نكن نتحرك إلا قليلاً ، وفي مجموعات .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 75 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الثالث : المنهج الدراسي في الحوزة

1 - ثبات المنهج الدراسي في حوزاتنا

نلاحظ أن مناهج حوزاتنا العلمية ثابتة في مضمونها ، وإن تغيرت بعض كتبها ، فقد بدأتُ قبل أكثر من نصف قرن بدراسة مادتين لا أكثر : النحو والفقه ، لأن الأساس في منهج الحوزات دراسة اللغة العربية ، والشريعة . ودرست النحو بكتبه الثلاثة : قطر الندى ، وألفية ابن مالك ، ومغني اللبيب ، وهي ثلاث مراحل في النحو المبسط ، والتفصيلي ، والمعمق .
ودرست بعدها المنطق الصوري الأرسطي ، وهو تقويةٌ لذهن الطالب في الدقة والتعقل والاستدلال ، يحتاجه في دراسته خاصة في الفقه وأصوله .
والى جانب المنطق ، درسنا علم المعاني والبيان والبديع ، وهو علمٌ يقوي ذهن الطالب في فهم الفصاحة والبلاغة والتراكيب العربية ، ويحتاج إليه الطالب في فهم نصوص القرآن والسنة ، والمتون العربية عموماً .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 76 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أما في الفقه فنبدأ بدراسة ( الرسالة العملية ) وهي فتاوى لأحد المراجع ، في أبواب الفقه المختلفة ، مجردة عن الإستدلال . ليعرف الطالب ما يحتاج إليه من أحكام الشريعة ، ويتعرف عموماً على أحكام العبادات والمعاملات .
ثم ندرس كتاب شرح اللمعة الدمشقية ، وهو فقه شبه استدلالي ، يتعرف منه الطالب على شئ من مستندات فتاوى الفقهاء في أبواب الفقه المختلفة .
ثم ندرس مستوى ثالثاً من الفقه فيه استدلال معمق ، وأشهر كتبه : المكاسب المحرمة للشيخ الأنصاري ( رحمه الله ) .
ثم ندرس المرحلة العليا من الفقه : بحث الخارج ، أي خارج الكتب ، حيث يلقي المجتهد المسألة ويعرض الآراء فيها ، ويناقشها ويصل إلى نتيجة ، فيتعلم الطالب كيفية الإجتهاد واستنباط الحكم الشرعي .
أما أصول الفقه فهو أهم علم في تقوية ذهن الطالب وتكوين شخصيته العلمية ، ويعلمه كيف يستدل ويستنبط الأحكام الفقهية ، لأنه بقسميه الأصول اللفظية والعملية ، بحوثٌ تخصصية معمقة في قوانين دلالة الألفاظ والعبارة العربية ، منطوقاً ومفهوماً ، ثم في موقف الفقيه في حالة عدم وجود النص ، أو تعارض النصوص . . الخ .
وندرس أصول الفقه في حوزاتنا بثلاثة مستويات أيضاً :
الأول : باستدلال مختصر ، ويمثله كتاب أصول الفقه للشيخ المظفر ( رحمه الله ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 77 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والثاني : أكثر تفصيلاً وعمقاً ، ويمثله كتاب فرائد الأصول أو الرسائل ، للشيخ الأنصاري ، وكتاب كفاية الأصول للآخوند الخراساني .
والمستوى الثالث : بحث الخارج أي خارج الكتاب ، حيث يلقي المجتهد المسألة الأصولية ويستعرض الآراء فيها ويناقشها ، فيتعلم الطالب كيفية الاستنباط والاجتهاد ، سواء في علم أصول الفقه ، أو علم الفقه نفسه .
إن كل ما تراه من عمق ونبوغ في علماء الشيعة ، يرجع إلى دراستهم علم أصول الفقه ، فالذهن الذي يستطيع أن يشق طريقه في مسائله وتفريعاته الصعبة ، يستطيع أن يمشي في غيره بسهولة !
وينبغي الإشارة إلى أن علم أصول الفقه يعاني ضموراً شديداً عند بقية المذاهب ، بسبب ضعف عملية الإجتهاد عندهم ، والبحوث المتعلقة بها .
أما المذهب الوهابي فلا يعرف مشايخه علم أصول الفقه أبداً ، ولا يحسون بالحاجة إليه ، لأن فتاواهم لا تقوم على تأصيل وقواعد ! بل على الإنتقاء الكيفي من تفسيرهم الشخصي لآيات القرآن والحديث ، وكلمات الفقهاء !
وبسبب واقعية هذا المنهج في حوزاتنا ، لم يتغير إلا بأن يحل كتاب مكان كتاب . وهذه خلاصة منهج وضعه أحد مراجع النجف الكبار الشيخ البشير ، دام ظله :
« المستوى الأول : الأجرومية . تبصرة المتعلمين . عقائد الإمامية .
الثاني : قطر الندى أو هداية النحو . شرائع الإسلام ج 1 . كتاب في الصرف . ميزان المنطق .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 78 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الثالث : شرح الألفية لابن الناظم . أو الكفاية لابن الحاجب . حاشية ملا عبد الله . شرح الشمسية . شرائع الإسلام ج 2 . مطالعة منطق المظفر - القسم الثالث .
الرابع : مختصر المعاني . شرح الباب الحادي عشر . شرائع الإسلام ج 3 و 4
الخامس : معالم الدين ويعقبه أصول المظفر أو ما يعادله مثل القوانين مطول . شرح التجريد . سلم العلوم .
السادس : شرح اللمعة الدمشقية . كفاية الأصول ج 1 . رسائل الشيخ الأنصاري منظومة في المعقول . الكفاية ج 2 . مكاسب الشيخ الأنصاري .
مرحلة البحث الخارج : يحق للطالب بعد الفراغ من الكفاية ج 2 حضور بحث الخارج في الأصول ، وبعد الفراغ من المكاسب بحث الخارج في الفقه .
ولا ينتقل الطالب إلى المرحلة التالية إلا بعد الفراغ من السابقة » . انتهى .
إن السبب في ثبات المنهج الدراسي في الحوزة قروناً طويلة ، أن هدفه الإجتهاد في الكتاب والسنة ، والعلوم التي يتوقف عليها التفقه والاجتهاد محددة ، وفي أولها علوم اللغة العربية ، وعلم أصول الفقه ، وعلم التفسير ، والحديث . . الخ . وهي علوم قطعت مراحل نموها وتطورها إلى حد كبير ، حتى اكتمل نضجها أو كاد ، فلا بد للطالب من أن يستوعبها ويتعمق فيها بدراسة كتبها المعتمدة في الحوزة ، ومطالعة مصادرها الأخرى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 79 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

2 - الدراسة الحلقية وحرية الطالب والأستاذ

من ميزات المنهج الدراسي في حوزاتنا : الدراسة الحلقية ، ويرجع تاريخها إلى تحلُّق المسلمين حول النبي ( صلى الله عليه وآله ) ثم حول الأئمة ( عليهم السلام ) والرواة .
وسرعان ما تحول المسلمون إلى طلبة علم ومعلمين ، وتحولت مساجدهم إلى حلقات للدراسة .
بل إن الدراسة الحلقية هي الدراسة الطبيعية عند كل الأمم ، على يد الأنبياء والأوصياء ( عليهم السلام ) والعلماء ، والفلاسفة ، والأطباء ، وعلماء الطبيعة . فقد كانت الدراسات في العالم كله بالنظام الحلقي ، حيث يتحلق التلاميذ حول أستاذهم . وقد كتب ذلك الباحثون عن أنظمة التعليم عند الأمم والحضارات القديمة ، المصرية ، والإغريقية ، والهندية ، والفارسية ، فقد كان الأستاذ هو المحور ، وحلقة درسه هي المدرسة ، وإجازته هي الشهادة . ( راجع قصة الحضارة ، تأليف ول ديورانت : 2 / 171 و 329 ، و 460 ، و : 3 / 3 ، و 214 ، و : 5 / 363 ) .
وتتشكل حلقة الدرس في حوزاتنا ، عندما يطلب بعض الطلاب من أستاذ درساً ، ويعينون مكاناً ، مسجداً أو مدرسة أو غيرهما .
ويُعْلَنُ عادة في الحوزة في أول السنة الدراسية ، عن حلقات الدروس وأوقاتها ، فيختار الطالب الأستاذ الذي يريده ، ويحضر في حلقة درسه .
فالطالب يختار المادة والأستاذ ، والأستاذ يختار الطالب فيحضر بإجازته ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 80 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أو يعتذر منه فيمنعه من الحضور . بينما لا يتيسر ذلك في الجامعات المعاصرة .
وينبغي التحذير من اتجاه جديد في حوزاتنا ، يتخيل أصحابه أنهم يخدمون الحوزة ويطورونها إلى الأحسن ، بأن يجعلوها شبيهة بكليات الجامعات العصرية ! فتراهم يمتحنون الطلبة للقبول ، ثم يعينون لهم المواد والمدرسين ، وساعات الدوام ، والإمتحانات .
ويجعلون دراسة الطالب للمرحلة الأولى أربع سنوات مثلاً ، ويقسمون موادها على وحدات دراسية ، كالجامعة العصرية الغربية .
يتصورون أنهم بهذا يخدمون الحوزة وطالب العلم ، ولكنهم يصادرون حرية الطالب والأستاذ ، ويساوون بين الطالب الذكي والغبي ، والمُجِدّ والكسول ، ويحولون الإنتاج الطبيعي في التعليم إلى إنتاج صناعي !
فالوضع الصحيح للحوزة أن يجتاز الطالب امتحان القبول ، ثم يعطى الحرية ليختار الأستاذ والمادة ، ولا يلزم إلا بما يشجعه على استيعاب الدرس كالمباحثة ، وكتابة بعض الدروس ، والتدريس ، ومجالس المذاكرة ، وامتحان آخر السنة ، الذي يشمل المواد التي قد يختارها الطالب .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 81 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

3 - نظام المباحثة بين الطلبة

من مزايا الدراسة في حوزاتنا : المباحثة . فالطالب لا يكتفي بسماع الدرس من الأستاذ ، بل يتباحث فيه مع زملائه . وقد يكون البحث بين اثنين أو أكثر ، فيتولى الشرح كل يوم أحدهم ويستمع له الآخرون ويشكلون عليه .
ومن فوائدها : أنها تركز المادة في ذهن الطالب ، خاصة إذا كان البحث قريباً من زمان أخذ الدرس . وأنها تدرب الطالب على التدريس ، فكل طالب يكون معيداً . ومن فوائدها ، أنها تنمي قدرة الطالب على الدفاع عن معلوماته ، في مجالس المذاكرة ، وفي كتاباته ، وفي عمله التبليغي .

4 - كتابة الطالب لدروسه

يُلزم بعض الأساتذة تلاميذهم بكتابة الدرس ، ويرى كتابته قبل الدرس الثاني ، كما كان يفعل أستاذنا ( رحمه الله ) ، ويصححها ، أو يذكر ملاحظاته عليها .
والدروس التي تُكتب هي التي يحتاج الطالب إلى جهد لتركيزها في ذهنه ، فيكتب ما فهمه من الدرس بتعبيره هو ، بدون التقيد بعبارة الكتاب .
ويطلب عادة كتابة درس النحو ، والمنطق ، والأصول ، والفقه الإستدلالي دون الفقه المجرد .
ولكتابة الدرس فوائد كثيرة ، منها ترسيخه في الذهن ، لأن الطالب يحتاج
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 82 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عادة إلى قراءة الدرس بدقة ليكتب ما فهمه منه ، ويحرص على كتابته بعد درس الأستاذ بفاصلة قصيره ، ليتذكر شرحه ، ويكتب ما فهمه منه .
ومن فوائد كتابة الدرس ، تمرين الطالب على كتابة الموضوعات ، فهو يتعلم ما ينفعه في كتابة المقالة ، وقد يتعلم ما ينفعه في التأليف .

5 - لماذا لا تأخذ الجامعات العصرية بنظام الإجازات ؟

من ميزات منهج حوزاتنا : نظام الإجازات في شهاداتها ، وهو أصح من نظام الشهادات المتبع في الجامعات العاصرة .
أعتقد أنا لو أرَيْنَا الجامعات الغربية محاسن نظامنا الحوزوي ، لأعجبوا به ، وطبقوه على عدد من جامعاتهم .
وقد قرأت أن بعض الجامعات الأمريكية بدأت بتطبيق نظام الإجازات ، فالأستاذ يقبل في الهندسة مثلاً ثلاثين طالباً ، ويعمل معهم نظرياً وعملياً ، كمجموعة في حوزة هندسية ، ثم يجيز من ينجح منهم .
إن الجامعات العالمية المعاصرة تشكو من انخفاض المستوى العلمي في كل فروعها ، سواء فروع العلوم الإنسانية ، أو العلوم الطبيعية .
وتحاول بعض الجامعات معالجة هذه المشكلة بتكوين مجموعات علمية ، كل مجموعة منها بإشراف أستاذ متضلع ، أو تؤسس مراكز علمية تخصصية بإدارة أستاذ معروف مشهود له .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 83 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وهذا يعني أنهم توصلوا عملياً إلى ما يشبه نظام الإجازة في حوزاتنا !
إن أهم هدف للمؤسسة العلمية : تربية الكادر العلمي أو الكفاءة العلمية فإذا وُجِدَتْ في علم من العلوم ، فقد وجدت الحوزة العلمية في ذلك العلم فهي حجر الأساس لأي نهوض علمي ، في الحوزات أو الجامعات .
وقد كانت الأمة الإسلامية تعرف قيمة هؤلاء العلماء الأكفاء ، فكان العالم في الفقه أو الحديث أو الطب هو الحوزة أينما حل وارتحل ، يقصده الطلاب ، ويمدهم الحاكم والممولون ويدرسون عنده ويتخرجون على يده .
ولا شك أن نظام الدراسة الطبيعي في الحوزة ، أكثر قدرةً على تربية الكادر العلمي من نظام الدراسة في الجامعات الغربية .
ويكفي أن نعرف أن طالب الحوزة يفكر في المادة العلمية أربع مرات أكثر من طالب الجامعة ! فهو يسمعه من الأستاذ ، ثم يكتبه ، ثم يتباحث فيه مع زملائه ، ثم يُدَرِّسُه ، وربما يذاكره في المجالس ، فيكون مرة خامسة .
والقضية الأساس في العلم والتجزئة والتحليل إنما هي : المدة التي يحتضن فيها ذهنك المسألة ويعيشها ، ثم كيف يتناولها ويتعامل معها .

6 - أيهما أفضل كثرة المواد أم قلتها ؟

يعترض بعضهم على المنهج الدراسي في الحوزة بقلة مواده ، فبعد استكمال أدبيات اللغة العربية ، والمنطق ، يكاد ينحصر المنهج في الفقه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 84 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والأصول ، فترى البحوث العالية ( بحوث الخارج ) تتركز على الفقه وأصوله ، وقد توجد بحوث في التفسير والحديث والعقائد . . لكنها قليلة .
يقول المعترضون : أين علوم القرآن وقراءاته وتفسيره ، وعلوم الحديث ، من الدراية ، ورجال الحديث ، والنقد والتجريح ؟
أين علوم العقيدة ، أصولها وفروعها ، والبحوث المقارنة بين الإسلام وغيره ، وتعليم الطالب رد الشبهات التي تثار على الإسلام وعقائده ؟
أين علم السيرة ، وعلوم تاريخ الإسلام ، وعلوم الأدب والشعر ؟ وأين اللغات التي يحتاجها العالم للتبليغ ، أو للرجوع إلى المصادر المكتوبة فيها ؟
وأين تعليم الطالب أوضاع عصرنا من فكر وسياسة . . وأين . . وأين ؟ !
ويخضع بعض واضعي المناهج لهذه التساؤلات ، فيقولون : نعم إن هذه العلوم لازمة لطالب العلم ، فيدخلون في برنامجهم أقصى ما يستطيعون من موادها ، ثم يرون أنها صارت أكثر من الوقت ، فيقللون من حصصها !
ثم يرون أن الوقت لا يكفي للكتب الوافية فيها ، فيختارون كتباً خفيفة أو يتركون الأمر لاختيار الأستاذ حسب فهمه وسليقته ، أو يكلفون أستاذاً ليضع في المادة كراساً ينتخبه ويسمونها خلاصات أو لباباً وما هي بلباب !
ثم يفتخر واضعوا هذا النوع من البرامج بأنهم يُدَرِّسون طلابهم عشرة علوم ، لكن الواقع أن يُشممونهم رائحة هذه العلوم ، كمن يَشُمُّ رائحة شواء من بعيد ! وكثيراً ما يكون شواؤهم محروقاً !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 85 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم يزيدون على الطالب ساعات الحضور لإكمال المواد ، فيغصُّ فيها الطالب . وقد عبَّر أحد الطلبة عن هذا المنهج بأن الإدارة تعاملهم كأنهم بطٌّ مصري ! قال : رأيت بعض النساء في مصر تحشو الحبوب في فم البطة بالقوة لكي تسمن ، وهؤلاء يحشون المواد في رؤوسنا بالقوة لنصير علماء !
وقال طالب آخر : ملؤوا البرنامج بالمواد ، وهيؤوا من كل مادة قطعة ، وألزمونا بست ساعات من الدوام ، وقد يضيفون ساعتين بعد الظهر ، وجعلوا الامتحان تلو الامتحان ، فلا وقت لنا للمطالعة ، ولا للمباحثة ! فكيف نستوعب المواد ونحن نركض ركضاً ، وأعصابنا متوترة ؟ !
قد تقول : على هذا يبقى السؤال : كيف نلبي حاجة الطالب من هذه المواد ؟
والجواب : أنه لا حلَّ إلا بأن نُقَوِّي قدرة الطالب الذهنية والفكرية والعقلية ليتمكن هو من تحصيل ما يحتاج إليه من هذه العلوم ، ولن نجد ما يقوي قدراته مثل علم الفقه ، وأصول الفقه ، بعد أن يُتقن اللغة العربية .
فأيُّ طالب يستوعب بحوث علم أصول الفقه ، ويستطيع أن يشرحها ويدافع عن نظرياتها ، يستطيع بجهده الشخصي أن يكون عالماً ، في أي فرع من العلوم المذكورة .
إن تركيز منهج الحوزة على علم أصول الفقه ، يعني حرص علمائنا على أن يبذل الطالب جهداً ليملك مفتاحاً إلى العلوم المذكورة وغيرها . وهذا أصح من محاولة حشوها في رأسه ، أو تشميمه رائحتها !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 86 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد تقول : فمتى وكيف يحصل الطالب على ما يحتاج إليه من هذه العلوم ؟ والجواب : أنها علوم تخصصية أو شبه تخصصية ، بعضها يحصل عليه الطالب بعد تضلعه في علم الأصول ، بجهده الشخصي بدون أستاذ . وبعضها يحتاج إلى أستاذ ، والعديد منها لها أساتذة في الحوزة ، وهم من قديم يُخَرِّجُون طلبتهم فيها ، بأساليبهم المتعددة .
والنتيجة : أن تقليل المواد لطالب العلم حاجةٌ منطقية ، ليستوعبها ويعايشها ويتعمق فيها ، وأن التركيز على أدبيات اللغة العربية والمنطق والفقه وأصوله صحيحٌ أيضاً ، ليملك الطالب القدرة على التخصصات اللازمة .
لقد نسي محبوا البرامج المحشودة ، أن النمو العلمي لا يتحقق بكبس المواد في الذهن ، وأن القليل القارّ خير من الكثير الفار ، وأن مهمتهم ليست أن يخرِّجوا طلاباً ملمين بعدة علوم ، شكلاً بدون مضمون ، بل تخريج متخصصين في علم يعطيهم القدرة على التخصص في علوم أخرى !
ورحم الله الشيخ البهائي القائل : غلبتُ كل ذي فنون ، وغلبني كل ذي فن !

7 - محاولات تحديث المتون الدراسية

في الحوزة متون مقررة للتدريس ، في النحو ، والمنطق ، والحديث ، والفقه والأصول ، يتعصب لها بعض الأساتذة والطلبة لإعجابهم بها وألفتهم لها ، وينتقدها البعض ، ويطالبون باستبدالها بكتب أكثر عصرية .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 87 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولا يمانع المراجع والعلماء في تبني متون درسية جديدة ، إذا كانت أفضل من الكتب الفعلية ، ولكن إشكالهم على الكتب المقترحة بأنها لا تتوفر فيها الشروط ، فالمتن الدرسي له مواصفات في عبارته ومطلبه ، فيجب أن يكون مطلبه علمياً قوياً ، وعبارته فصيحة بليغة لا خلل فيها ، ولا تطويل .
وقد ألف بعضهم كتباً لهذا الغرض ، ومن أولهم الشيخ محمد رضا المظفر ( رحمه الله ) فقد ألف كتاب المنطق ، وأصول الفقه .
وألف السيد الصدر ( رحمه الله ) كتاب دروس في علم أصول الفقه ، جعله بثلاث حلقات ، لثلاثة مستويات .
وارتضى بعضهم كتاب النحو الواضح للشيخ علي الجارم ، وهو أزهري كان كبير المفتشين في وزارة المعارف المصرية ، توفي سنة 1949 م . وشاركه في التأليف مصطفى أمين وهو كاتب وصحفي مصري ، توفي سنة 1997 م .
وقد تبنت بعض مدارس الحوزة تدريس هذه الكتب ، بدل الكتب التقليدية ، ونجح بعضها ، وبعضها لم ينجح .
والحاصل : أنه ما زالت كتب المقدمات في اللغة هي السائدة من زمن طويل ، كالأجرومية للصنهاجي المشهور بابن آجروم ، وشرح قطر الندى ومغني اللبيب ، وكلاهما لابن هشام الأنصاري ، وألفية ابن مالك .
وفي المعاني والبيان : مختصر المعاني للتفتازاني . وقد تُدرس قبله أو بدله بعض الكتب الجديدة ، وأكثرها تأليف علماء مصريين .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 88 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي المنطق : يدرس كثيرون كتاب المنطق للمظفر ، ويدرسون معه أو بدله حاشية ملا عبد الله اليزدي على تهذيب المنطق لسعد الدين التفتازاني ( ت 792 ) . وشرح الرسالة الشمسية : لقطب الدين الرازي ( ت : 766 ه - ) .
وفي الفقه ما زالت الكتب السائدة في المنهج بدون منافس : كتاب شرح اللمعة الدمشقية للشهيدين ، وكتاب شرائع الإسلام للمحقق الحلي ، وكتاب المكاسب للشيخ الأنصاري ( رحمه الله ) .
أما في أصول الفقه ، فما زال كتاب الكفاية للمحقق الخراساني ، وكتاب فرائد الأصول المعروف باسم الرسائل للشيخ الأنصاري ، هما السائدان ويدرس بعضهم كتاب السيد الصدر ( رحمه الله ) ، المعروف بالحلقات .
والنتيجة : أن الكتاب الدراسي في الحوزة يخضع إلى حد كبير لقانون الانتخاب الطبيعي ، ويجب أن يبقى خاضعاً لهذا القانون ، وأن يترك اختيار الكتاب إلى الطالب والأستاذ ، ولا يفرض عليهما كما تفعل بعض المدارس .
فالكتب المقررة في منهج الحوزة ليست قرآناً منزلاً ، لكن لا يجوز الاستعجال في استبدالها ، فإن العاقل لا يترك كتاباً أثبت جدارته وربى أجيالاً من العلماء ، إلى كتاب بديل لم يثبت نجاحه !
إن تحديث مناهج الحوزة واستبدال الكتب المقررة ، مبدأٌ مُهِمٌّ يتناسب مع طبيعة مذهبنا في فتح باب الإجتهاد وعدم جواز إغلاقه .
لكن لا بد أن يوضع لبابه المفتوح شروط ، كما أن للاجتهاد شروطاً .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 89 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ومنها أن يثبت الكتاب نجاحه عملياً بدرجة أفضل من الكتاب المستبدل . فيجرب تدريسه على عدد محدود من الطلبة ، ويطلب من الأستاذ والتلاميذ تسجيل نقاط قوته وضعفه . لتدرس من قبل العلماء . . الخ .
كما يجب أن نعرف قيمة المتون المميزة ، التي ربَّت أجيالاً من الطلبة والعلماء ، ككتب ابن هشام الأنصاري في العربية ، وكتاب شرائع الإسلام وشرح اللمعة في الفقه ، وكفاية الأصول والرسائل والمكاسب . . .
وأختم بما سمعته من الشيخ المنتظري من أن بعض العلماء طلبوا من المرجع الكبير السيد البروجردي ( رحمه الله ) أن يؤلف كتاباً في الفقه بدل الشرائع ، ليكون عليه مدار البحث في الحوزات ، فسكت ولم يجب ، ثم أعادوا عليه في مجلس آخر ، فقال للمتكلم : ماذا تقول ؟ ! أنتم لا تعرفون قيمة كتاب الشرائع ! أنا لا أستطيع أن أكتب سطراً بمستوى كتاب الشرائع !
وصدق المثل القائل : لا يعرف الفضل إلا ذووه !

8 - لماذا عارض أكثر العلماء تأسيس كلية الفقه ؟

تُعرف المعاهد والمدارس والحواضر العلمية الدينية عند الشيعة باسم : الحوزات العلمية ، بمعنى المجموعة العلمية ، لأنها من حاز حَيْزاً وحوزة ، وفي الحديث النبوي : حَوْزة الإسلام ، أي بيضته وأصله . وتأتي الحوزة بمعنى الناحية والدائرة والذمة والذمار . ( لسان العرب : 5 / 342 ، و الصحاح : 3 / 876 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 90 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وتمتاز الحوزات العلمية الشيعية عن مثيلاتها من المؤسسات الدينية الإسلامية ، وعن الجامعات العصرية ، بأمور :
الأول : استقلالها السياسي والمالي . لأن ماليتها من الأخماس والزكوات والتبرعات ، التي يدفعها جمهور الشيعة في العالم إلى مرجع التقليد ، الذي يعتقدون أنه الأفقه من بين العلماء المعاصرين .
وقد حاولت الدول قديماً وحديثاً تغيير عقيدة الشيعة ، وتحويل استلام الحقوق الشرعية إلى وزارات أو هيئات ، فلم تنجح ، لأن الحكم الشرعي أن يعطي المكلف الحقوق التي في ذمته إلى مرجع تقليده الذي يثق به .
الأمر الثاني من ميزات حوزاتنا : منهجها الدراسي كما تقدم ، وهو يحفظ إلى حد كبير حرية اختيار الأستاذ والتلاميذ ، بعكس الجامعات العصرية .
وقد تمسك المراجع بهذا المنهج ، لأنه أكثر واقعية ، ولأنه الطريقة الحلقية الأصيلة ، المتصلة بحلقات دروس النبي ( صلى الله عليه وآله ) والأئمة الطاهرين ( عليهم السلام ) وتلاميذهم ، والسلف الصالح من علمائنا .
الثالث : تتميز الحوزة بنظام الإجازات الإسلامي ، وهو أفضل من نظام الشهادات في الجامعات العصرية ، لأنه يقوم على معايشة علمية أكثر للأستاذ مع تلاميذه ، ومعايشة الطلاب للمواد بنظام المباحثة وغيره .
ويشمل نظام الإجازة العلمية من كبار العلماء أنواع الإجازات ، كإجازة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 91 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الإجتهاد ، وإجازة الرواية ، والإجازة الوظيفية ، كإجازة القضاء ، وإجازة الوكالة عن المرجع ، وإجازة التبليغ ، وإمامة الجماعة والجمعة . . إلخ .
وقد طرح بعضهم مشاريع لتحديث الحوزة وتطويرها ، في المنهج الدراسي والإدارة ، وواجهها المراجع وكبار العلماء بالتحفظ أو الرفض ، ومن ذلك مشروع كلية الفقه ، الذي تبناه بعض العلماء المحترمين ، وعملوا له حتى تم تأسيس كلية الفقه في النجف ، وافتتحت سنة 1959 ميلادية .
وكان من المبررات التي طرحها أصحاب مشاريع التحديث : أن الحوزة العلمية يجب أن تساير العصر وتلبي حاجاته ، وتدرس علوماً أخرى كعلم النفس والاجتماع والتاريخ والسياسة ، مع الفقه والأصول .
وكان المرجع السيد الحكيم ( رحمه الله ) وغيره من المراجع لا يحبذون ذلك خوفاً من تحويل الحوزة إلى كليات ! وكان معهم الطلبة التقليديون ، بل كنا ننظر إلى من يناصر مشروع كلية الفقه بأنه متأثر بالأفكار العصرية ، ولذلك رفضنا التسجيل فيها ، بل نهينا الكثيرين عن ذلك .
وسبب معارضة هؤلاء المراجع لتحويل الحوزة إلى جامعات وكليات :
أولاً : خوفهم من مصادرة الدولة للحوزة وتحويلها إلى جامعة عادية تابعة للدولة ، كما حدث لحوزة الأزهر في مصر ، والزيتونة في تونس ، والقرويين ، التي صارت كليات ، باسم أصول الدين ، والشريعة . . إلخ .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 92 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثانياً : خوفهم من استبدال التعمق العلمي الحوزوي ، بسطحية المعاهد والكليات المنتشرة في العالم الإسلامي .
ثالثاً : خوفهم من تسييس الحوزة ، وسيطرة الدولة عليها ، أي دولة ، حتى لو كانت دولة شيعية .
رابعاً : يعتبر الفقهاء أن أصل مهمة الحوزات ضمان وجود مبلِّغين للدين من خطباء وعلماء . ووجود مجتهدين على مستويات عالية ، يكون منهم مرجع التقليد الذي يقتنع بأعلميته عموم الشيعة .
بينما تطرح هذه المشاريع إضافة علوم أخرى للحوزة ، والتقليل من التركيز على الفقه وأصوله ، الأمر الذي يشعرون معه أنه انحراف بالحوزة عن هدفها ، وصرف الطلبة عن التعمق الضروري في الفقه وأصوله .
خامساً : لأنهم يرون أن مواد المناهج المقترحة ضعيفة ، لا تصل إلى مستوى المواد المقررة في الحوزة ، سواء في أدبيات اللغة والمنطق والبلاغة ، والفقه وأصوله . وأن من شأنها أن تربي طلاباً سطحيين ، ليس لهم أهلية الإجتهاد ولا الكفاءات العلمية الأخرى .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 93 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الرابع : نقاط حول المؤسسة الدينية الشيعية

1 - لمحة عن المؤسسة الدينية الشيعية

يتكون الجهاز الديني الشيعي ، أو ما يعبر عنه بالمؤسسة الدينية الشيعية ، من المرجعية العليا للشيعة في العالم ، وكبار علماء الحوزة ، وألوف طلبتها ، وعلماء المناطق والبلاد التي يسكنها الشيعة ، والحوزات العلمية التابعة لهم . ويبلغ عدد هذا الجهاز في العالم نحو مئة ألف ( رجل دين ) .
وإذا قايسناه بالأجهزة الدينية الأخرى لأتباع المذاهب السنية ، وجهاز الدين اليهودي ، وأجهزة المذاهب المسيحية ، لوجدناه يمتاز عن غيره بثلاث ميزات : استقلاله السياسي ، والمالي ، واستمرار وجوده عبر العصور إلى اليوم . فهو الجهاز الديني الوحيد الذي حافظ على حياته وفاعليته من عهد الأئمة الأطهار ( عليهم السلام ) إلى عصرنا الحاضر ، واستعصى على الإبادة والخضوع ، وقاوم أحداث الدهور ، وصروف الزمان !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 94 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فجهاز الحاخامات مثلاً خضع في تاريخه وحاضره للحكام ، ولزعماء بني إسرائيل ، حتى فقد الكثير من مصداقيته ، حتى عند اليهود أنفسهم .
وأضعف منه الجهاز الكنسي الذي تحمل أوزار الحكم البابوي في القرون الوسطى ، فثار عليه جمهوره ، وسجنوه في قفص الفاتيكان والكنيسة .
أما الأجهزة الدينية للمذاهب السنية ، من أزهر مصر ، وجامع الزيتونة ، وجامعة القرويين ، ومشيخات الصوفية في العالم الاسلامي ، ومشيخة الاسلام في استانبول ، فلم تصمد أمام الغزو الغربي ، وفقدت نفوذها وصارت مؤسسات بيد الحكومات ، وصار علماؤها موظفين !
بينما قاوم الجهاز الديني الشيعي فحافظ على استقلاله ، حتى في مقابل الحاكم الشيعي ! لذلك يفتخر الإنسان الشيعي بأن مرجعيته وجهازه الديني هو الاستثناء الوحيد بين الأجهزة الدينية ، الذي حفظ استقلاله عبر العصور ، وواصل فاعليته لخير طائفته وعامة المسلمين ، معتمداً على صمود مراجعه وعلمائه ، وتمويل متديني الشيعة وأخيارهم .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 95 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

2 - أنواع طلبة الحوزة واتجاهاتهم

يبلغ عدد طلبة الحوزة في النجف وقُم ألوفاً كثيرة ، ويتزايد عددهم أو يقلُّ حسب ظروف المجتمع والحوزة . وتوجد حوزات صغيرة ومتوسطة في أكثر البلاد التي فيها شيعة .
ويعيش الطلبة العزاب في مدارس داخلية ، والمتأهلون في بيوت في أحياء المدينة ، وتوجد مجمعات سكنية خاصة للطلبة ، تستوعب جزءاً منهم .
ومن طلبة الحوزة من يعمل في التبليغ في المدن والأرياف ، فيذهب في عطلة الخميس والجمعة ، ويَدرس في بقية الأيام .
أما في العطل والمناسبات الدينية ، فينتشر أكثرهم للتبليغ في البلاد ، خاصة في شهر رمضان ومحرم ، فيعملون في تدريس الأحكام ، وإمامة الصلاة ، وقراءة مجالس عزاء الإمام الحسين ( عليه السلام ) وبقية الفعاليات الدينية .
وطلبة الحوزة مجتمع واسع ، تتنوع بلدانهم وأعراقهم وشخصياتهم ، وتتفاوت مستوياتهم ، الفكرية والثقافية والروحية . فلا يصح النظر إليهم وكأنهم نوع واحد ، وكأنهم إخوة لأب وأم !
نعم ، إن الحوزة تصوغ شخصية الطالب وتطبعها بطابعها الفكري والروحي ، لكن تبقى صفاته الذاتية وإرادته في أن ينطبع بفكر الحوزة وروحيتها كثيراً أو قليلاً . بل قابليته لذلك .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 96 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إن وحدة الزي والمركز العلمي والمذهب ، قاسمٌ مشتركٌ بين طلبة الحوزة وعلمائها ، لكنها وحدة تتسع للتنوع بينهم ، إلى حد التضاد أحياناً .
وفيما يلي تقسيمٌ عامٌّ لطلبة حوزة النجف عندما كنت فيها :
1 - الطلبة التقليديون ، الذين يغلب عليهم الاهتمام بالدراسة أكثر من غيرها ، وينتقدون مشاريع العصرنة السياسية أو الثقافية ، ويتَّبعون المراجع والعلماء ، ويعتبرون أنفسهم الامتداد الصحيح لمذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ولرواته وعلمائه وجمهوره . وكنت أنا وأمثالي نُصَنَّفُ من هؤلاء .
2 - المعجبون بعصرنا ثقافياً ، وهم مغرمون بالأدب والشعر ، والكتب الحديثة والمجلات والجرائد . منفتحون على الغرب ، وينتقدون التخلف في بلادنا ، ويدعون لأن تتحول الحوزة إلى جامعة كالجامعات العصرية .
3 - المعجبون بعصرنا سياسياً ، مضافاً إلى إعجابهم الثقافي ، وهم يؤيدون تيارات سياسية ، أو زعماء سياسيين ، وبعضهم يرتبط بهم ! فقد كان في الحوزة طلبة قوميون يؤيدون جمال عبد الناصر ، وكانوا كثرة نسبياً ، ومنهم من يرتبط بجهات سياسية ناصرية .
كما كان فيها أفراد يميلون إلى الشيوعيين ، ويهاجمون المرجعية بحجة سوء نفقاتها ، وكانوا ينشرون الشائعات الكاذبة والخيالية عن إنفاقات المرجعية !
وكان في الحوزة أفراد قليلون يؤيدون البعثيين ، وبعضهم ذهب لاستقبال ميشيل عفلق في مطار بغداد !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 97 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
4 - الطلبة المهتمون بالسياسة الحوزوية ، فهم يهتمون بأخبار المراجع وكبار العلماء ، وزوار الحوزة من شخصيات سياسية وعلمية ، ومواقف الحوزة من الحكومة والعكس ، ويهتمون بأوضاع الطلبة وأخبارهم . وهؤلاء مستويات ، وفيهم شخصيات من أبناء الأسر العلمية وكبار العلماء ، وأفضلهم الذين يعتزون بالحوزة والمرجعية ، ويعيشون العصبة النجفية باعتبارها مركز الحوزة العلمية ، وبلد أمير المؤمنين ( عليه السلام ) .
5 - أهل العبادة والعرفان والتصوف ، وهم طلبة يعيشون قبل همِّ الدرس والتدريس ، همَّ معرفة الله تعالى وجهاد النفس وتربيتها ، ويمضون أكثر وقتهم في العبادة في حرم أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أو الكوفة وكربلاء .
وهم أنواع واتجاهات ، فمنهم ملتزمون بشيخ يسمونه أستاذ أخلاق ، أو أستاذ سلوك ، وبعضهم يغالي في أستاذه وينقل له معجزات . وبعضهم لا يتقيد بشيخ ، بل يهتم بتطبيق مفاهيمه عن المعرفة والعبادة ، والدعوة إليها ونشرها بين الطلبة .
وبعضهم يتخذ هذا الاتجاه حزباً له يتعصب له ، وينتقد غيره . وبعضهم يتخذه كطريق لتهذيب نفسه ، ولا يرتكب توبيخ الآخرين .
وهم منقسمون بين منهجين مختلفين إلى حد التضاد ، أو التناقض : فبعضهم يميل إلى قمع النفس لأنها العدو الأول ، ويدعو إلى تربيتها بجهادها والحذر منها ، ومنعها من المحرمات والشهوات المحللة ، إلا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 98 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قليلاً . وهذا النوع عادة من النوع الجاد المتشدد .
وبعضهم يميل إلى تكميل النفس بمدح طاقاتها العظيمة ، التي أودعها الله تعالى فيها ، فيدعو إلى تنميتها وترقيتها حتى تبلغ مستوىً عالياً من العبودية والقرب من الله تعالى ، بل تصل إلى الفناء فيه عز وجل ! وأصحاب هذا الاتجاه من المعجبين بالفلسفة اليونانية والصوفية الفارسية .
وفي كلا الإتجاهين إيجابيات وسلبيات ، وينبغي التنبيه على سلبية العنف والقسوة في الاتجاه الأول ، وإغراء الطالب بالذاتية في الاتجاه الثاني وتضليله بأنه يسير في مراحل التكامل حتى يصل إلى مقام الفناء في الله تعالى ، ويبلغ بهم الغلو أنهم يصادرون بعض صفات الأنبياء والأوصياء صلوات الله عليهم ، ويخلعونها على شخص لم ينتصر على نفسه في أداء الواجبات وترك المحرمات والشبهات ، وترك الدنيا الحرام ومغرياتها !
6 - الهامشيون ، وهم طلبة علم بالاسم لكنهم عاديون جداً . مُتهمون بطلب العلم وهم منه براء براءة الذئب من دم يوسف ( عليه السلام ) , فترى أحدهم لا يُتعب نفسه في درس ولا بحث ولا بفتح كتاب ومطالعته ! ليس في العير من العلم ولا النفير ، لكنهم حاضر دائماً ، في أول عير الحوزة وآخر نفيرها !
وينبغي الإلفات إلى أن هذه الأقسام التي ذكرناها ، لا تستوعب كل أنواع الطلبة في الحوزة . كما لا يتسع المجال لوصفهم وعرض أفكارهم .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 99 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

3 - الخريطة الشيعية لبناء رجل الدين

من الكتب الفريدة في توجيه الطالب والأستاذ ، التي تستحق التعميم على جامعات العالم وتدريسها ، كتاب : منية المريد في أدب المفيد والمستفيد ، الذي ألفه الشيخ زين الدين الجبعي ، المعروف بالشهيد الثاني ( رحمه الله ) ، ويقع الكتاب في نحو 300 صفحة ، ويعتبر هو البرنامج ، وخطة العمل ، والخريطة الشرعية ، لبناء شخصية الطالب ، والأستاذ ، والمباحث ، والمناظر ، والمؤلف ، لتحقيق النموذج الكامل لهذه الشخصيات .
وقد بحث المؤلف ( رحمه الله ) الموضوعات التي يحتاج إليها هؤلاء ، في أكثر من 200 عنواناً ، على ضوء آيات القرآن ، وأحاديث النبي وأهل بيته ( صلى الله عليه وآله ) . ونورد فيما يلي خلاصةً لفهرس موضوعاته :
مقدمة في فضل العلم من الكتاب والسنة والأثر ودليل العقل
في آداب المعلم والمتعلم :
إخلاص النية لله تعالى في طلب العلم وبذله .
في الغرور في طلب العلم والمغترين من أهل العلم .
حسن الخلق والتواضع ، وتمام الرفق وبذل الوسع .
عفة النفس ، والانقباض عن الملوك وأهل الدنيا .
الإجتهاد في الاشتغال ، قراءةً ومطالعةً وغيرهما .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 100 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عدم المراء والسؤال تعنتاً وتعجيزاً .
عدم الاستنكاف من التعلم ممن هو دونه .
الانقياد للحق بالرجوع عند الهفوة .
عدم حضور مجلس الدرس إلا متطهراً من الحدث والخبث .
آداب يختص بها المعلم :
عدم الانتصاب للتدريس حتى تكمل أهليته .
عدم الامتناع من تعليم أحد لكونه غير صحيح النية .
بذل العلم عند وجود المستحق ، وعدم البخل به .
آداب المعلم مع طلبته :
ترغيبهم في العلم ، وتذكيرهم بفضائله ، وفضائل العلماء .
حبه لهم ما يحب لنفسه ، وكراهته لهم ما يكره لنفسه .
استعلام أسماء طلبته ، وأنسابهم وكناهم .
تحريضهم على الاشتغال ، ومطالبتهم بإعادة محفوظاتهم .
طرح مستفاد المسائل الدقيقة لهم ، واختبار أفهامهم .
آداب المعلم في درسه :
عدم الخروج إلى الدرس إلا كامل الأهبة .
الجلوس بسكينة ووقار ، وتواضع وخشوع وإطراق .
تفهيم الدرس بأيسر الطرق ، وأعذب ما يمكنه من الألفاظ .
عدم تطويل مجلسه تطويلاً مملاً ، وتقصيره تقصيراً مخلاً .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 101 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأن يزجر من تعدى في بحثه ، أو ظهر منه ترك إنصاف .
الإرفاق بهم في خطابهم ، وسماع سؤالهم .
نصب نقيب فَطِنِ كَيِّسٍ لهم .
الآداب المختصة بالمتعلم :
تحسين نيته ، وتطهير قلبه من الأدناس .
اغتنام التحصيل في الفراغ وحالة الشباب .
ترك التزويج حتى قضاء وطره من العلم .
علو الهمة وعدم الرضا باليسير ، وترك التسويف .
آدابه مع شيخه وقدوته ، وما يجب عليه من تعظيم حرمته .
حق العالم على المتعلم :
الآداب المستفادة للمتعلم مع معلمه ، من سؤال موسى ( عليه السلام ) .
نظر الشيخ بعين الاحترام ، وضرب الصفح عن عيوبه .
الصبر على جفوة تصدر من شيخه ، وتأويل أفعاله .
الدخول على الشيخ كامل الهيأة فارغ القلب .
عدم السؤال عن شئ في غير موضعه .
آدابه في درسه وقراءته :
الابتداء أولاً بحفظ كتاب الله ، حفظاً متقناً .
الاقتصار من المطالعة على ما يحتمله فهمه .
المذاكرة بالمحفوظات ، وإدامة الفكر فيها .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 102 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
تقسيم أوقات ليله ونهاره على ما يحصله .
الإنتقال إلى المبسوطات ، إذا بحث المختصرات .
التأدب مع رفقته ، وحاضري المجلس .
في آداب الفتوى والمفتي والمستفتي :
أهمية الإفتاء ، وما ورد فيه والتخدير منه .
الإفتاء وتحصيل مرتبته ، وأنهما فرضا كفاية .
عدم الإفتاء في حال تَغَيُّرِ خلقه ، وحصول المانع من التأمل .
لزوم إعلامه المستفتي برجوعه إذا تغير اجتهاده .
لزوم تبيين الجواب بياناً يزيل الإشكال .
عدم إطلاق الجواب إذا كان في المسألة تفصيل .
كتابة الجواب بخط واضح وسط ، والتوسط في سطوره .
إعادة النظر في الجواب ، وتأمله بعد كتابته .
ذكر حجة مختصرة في الفتوى .
أحكام المستفتي وآدابه وصفته :
الرجوع إلى الأعلم الأتقى ، إن اختلفوا في الفتوى .
عدم جواز تقليد الميت ، مع وجود الحي عند أصحابنا .
تقليد من شاء من المفتين ، لو تعددوا وتساووا .
التأدب مع المفتي وتبجيله .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 103 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
في المناظرة وشروطها وآدابها وآفاتها :
عدم الاشتغال بالمناظرة وهناك ما هو أهم من المناظرة .
كون المناظر مجتهداً ، يفتي برأيه لا بمذهب أحد .
لزوم كون المناظر في طلب الحق كمنشد ضالة .
آفات المناظرة وما يتولد منها من مهلكات الأخلاق :
الاستكبار عن الحق وكراهته . الرئاء وملاحظة الخلق . الغضب . الحقد . الحسد . الهجر والقطيعة . الكلام فيه بما لا يحل من كذب وغيبة وغيرهما . . .
في آداب الكتابة والكتب التي هي آلة العلم
أهمية الكتابة ، وشرفها .
وجوب إخلاص النية على الكاتب في كتابته .
عدم الاهتمام بالمبالغة في حسن الخط ، والاهتمام بصحته .
اجتناب قرمطة الحروف ، والإتيان بها مشتبهة بغيرها .
كتابة التراجم والأبواب والفصول بالحمرة ونحو ذلك .
خاتمة في مطالب مهمة :
أقسام العلوم الشرعية الأصلية . . .
لزوم مراعاة مرتبة كل علم من العلوم .
الغرض الذاتي موافقة مراد الله تعالى .
كون هذه العلوم بمنزلة الآلة للعمل .
تتمة الكتاب ، في نصائح مهمة لطلاب العلوم .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 104 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

4 - نموذج لطالب غبي

كان صاحبنا جاداً وقوراً خجولاً ، لا يضحك إلا تبسماً وهو يضع يده على فمه ، ولا يجلس معنا في باحة المدرسة ، ويقضي وقته في غرفته بالصلاة وقراءة الأدعية والقرآن .
كان ينتقدنا إذا رفعنا صوتنا بالضحك ، أو أطلنا في السهر فيقول : كيف تريدون الاستيقاظ لصلاة الصبح ، وأنتم تسهرون كثيراً ؟
وكان يدرس وكأنه لا يدرس ، فلا يتحدث بشئ من دروسه ، ولا يباحث أحداً ، وإذا طُرحت مسألة علمية بقي على الشاطئ ولم يمد يده إلى بحرها ولا نهرها . بينما يتكلم بحماس في أمور أخلاقية جزئية ، فيتشدد مثلاً في النهي عن القهقهة ويوبخ صاحبها ، وكأنه ارتكب كبيرة من الكبائر !
ومع سطحيته وشدته ، كان يعجبني في سمته وهديه فقلت في نفسي : أطلب منه مباحثةً لعلي أفيده علمياً ، وأستفيد من سمته وأخلاقه . وطلبت منه بحثاً في مغني اللبيب فقبل مرحِّباً ، وفي الوقت المحدد طلبت منه أن يبدأ فقرأ : « الألف المفردة : تأتي على وجهين : أحدهما أن تكون حرفاً ينادى به القريب كقوله : أفاطم مهلاً بعض هذا التدلل . ونقل ابن الخباز عن شيخه أنه للمتوسط ، وأن الذي للقريب : يا . وهذا خرق لإجماعهم . والثاني : أن تكون للاستفهام وحقيقته طلب الفهم نحو : أزيد قائم ، وقد أجيز الوجهان في قراءة الحرميين : أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ . . الخ » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 105 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وشرح صاحبنا المطلب فخلط بين أدوات نداء القريب والبعيد والمتوسط وفسر طلب الفهم في الاستفهام ، بطلب التعمق لمعرفة الحقيقة !
لكن المصيبة عندما وصل إلى قول ابن هشام : « فصل : قد تخرج الهمزة عن الاستفهام الحقيقي فترد لثمانية معان : أحدها : التسوية . . والثاني : الإنكار الإبطالي . . والثالث : الإنكار التوبيخي . . والرابع : التقرير . . والخامس : التهكم . . والسادس : الأمر . . والسابع : التعجب . . والثامن : الإستبطاء . . الخ .
فخاضها معركة دموية مع هذه المعاني ، يخبطها ويخلطها ، ويشتبك مع أحدها ويقعان أرضاً ! وأخذت أصحح له بلطف ، فكان يقبل الشئ ثم يتبنى نقيضه ! فقبول الفكرة عنده له معنى يختلف عن معناه عند الناس !
وبعد أيام تيقنت أن مشكلته في بنيته الفكرية التحتية ، فالبديهي عنده غير بديهي ، والكسبي قد يكون بديهياً ، والمتناقض غير متناقض !
والأمر المعضل فيه : أنه اتخذ قراراً حاسماً حازماً جازماً ، باتاً قاطعاً قطعياً ، وكأنه حلف يميناً مغلظةً : أن لا يغير طريقة تفكيره ! فودعته على خير .
وأكمل صاحبنا دراسته في الحوزة ، ودرس نصيبه من الفقه والأصول ، وبحث الخارج ، وتخرج عالماً ! وصار عالم بلدة ، فكان يؤم الناس في مسجد ، ويدرسهم الأحكام الشرعية ، ويلقي عليهم مواعظه !
ورأيته بعد مدة ، فسألته عن عمله فكان راضياً ، وسألت بعض المصلين في مسجده فشكَوْا من تشدده الذي عرفناه في المدرسة .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 106 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إنه من النوع الذي يدرس في الحوزة ويعود منها حافياً من العلم ، كما دخلها ! والسبب أن شخصيته تكتمل في وقت مبكر من عمره ، حيث يمتلئ إناؤه بأول أشياء تصادفه وتعجبه فتكون قالباً لشخصيته ، ويثبت على ذلك القالب إلى يوم يبعثون ! فلو صار إمام مسجد بدون سفر إلى الحوزة لما اختلف عليه الحال ، ولا على المصلين المستمعين إلى مواعظه !
وصاحبنا من خيرة هذا النوع الذي يجمع بين قلة الفهم ومظهر التقوى ، لأنه ليس عدوانياً ، بل هو مشغول بنفسه وبمن يستجيب له ويقبل أن يصبه في قالبه . ومن نعم الله عليه أنه يخاف من المجتمع المتدين والعلماء ، فيحرص أن لا يغضبهم ، وبذلك يكفي الله الدين شر جهله وحمقه !
ويوجد من نوعه أحمق لا يخاف من المجتمع والعلماء ، ويملك ذرابة لسان ، ويجيد تسفيط الكلام ، فيضر الدين وأهله أي إضرار !
قال لي المرجع السيد الحكيم ( رحمه الله ) ذات مرة : يا فلان إختر لي وكلاء ممن تعرفهم ، فقد طلبوا منا وكلاء للمحافظات بمناسبة شهر رمضان ، إنهم يأتون إلى النجف فيرون الصحن مملوءاً بالمعممين ، فيتصورون أن عندنا معملاً ينتج العلماء كمعمل الصحون والكؤوس ، ولا يدرون أن أكثر هؤلاء إذا أرسلناهم يضرون ولا ينفعون !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 107 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

5 - من صفات الطالب الذكي الجاد

في معرفة الله تعالى :
طالب العلم إنسان آمن بالله عز وجل بفطرته ومحيطه ، وعرف عنه بعض المعلومات ، ويرى أن وجوده في الحوزة العلمية هو الفرصة لأن يعرف ربه بعمق ، بالدراسة والمطالعة والتعلم ممن يعرفه عز وجل .
والأهم عنده : كيف كان النبي ( صلى الله عليه وآله ) وأهل بيته ( عليهم السلام ) يعرفون ربهم عز وجل ويعبدونه ؟ ماذا قالوا عنه ، وكيف علمونا معرفته وعبادته ؟
فالقضية المركزية عند الطالب : أن يعرف ربه معرفة عقلية نظيفة ، خالية من الهرطقة والشطح والخيالية . من أي كتاب أو درس أو تأمل ، لكن الحكَم فيها دائماً نمط معرفة النبي والأئمة ( عليهم السلام ) ، لا سواهم .
وأن يعرفه معرفة شعورية صحيحة : فيراه حاضراً فاعلاً في كل الوجود ، بخططه وألطافه ، حتى في القضايا العلمية والاجتماعية والسياسية .
وأن يعيش معه غالباً ، فلا ينساه إذا فرح أو حزن ، أو استغرق في جد أو لهو ! فالله معه دائماً وهو معه غالباً ، إن نسيه عاد إليه ، وإن عصاه تاب إليه .
فالأصل في الإنسان الضعف والقوة استثناء ، والمؤمن كالغصن ينحني فينهض ، والمنافق كالخشبة تنحني فتنكسر !
والمؤمن إنسان واقعي ، لا يغتر بنفسه ، ولا يقنط من رحمة ربه ، بل يخافه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 108 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ويرجو رجمته ، ويضرع إليه طوال طريقه .
ولا ينسى الطالب أن عليه أن يكون صادقاً في انتسابه إلى ربه عز وجل ، فقد اختار أن يكون عالماً بدينه ، يُوجه الناس إليه ، والى نبيه وأهل بيته الطاهرين ( عليهم السلام ) . وهي دعوى عظيمة تحتاج إلى صدق وجدية .
في معرفة النبي ( صلى الله عليه وآله ) :
وطالب العلم آمن بالنبي ( صلى الله عليه وآله ) وأهل بيته ( عليهم السلام ) ، فهو يريد أن يتعرف عليهم ، ويوثِّق معهم علاقته .
يريد أن يقرأ أي شئ عن نبيه ( صلى الله عليه وآله ) ، ويسمع عنه ، من هو ، وكيف عاش ، وكيف عرف ربه ، وكيف أوحيَ إليه ، وكيف بلَّغ ما أوحيَ إليه من ربه ، وأنشأ هذه الأمة ، وأطلق هذا المد التوحيدي الحضاري في العالم ؟
لقد كتبوا عنه ( صلى الله عليه وآله ) كثيراً ، ورووا عنه أكثر ، لكن طالب الحوزة الجاد يريد أن يرسم لنبيه ( صلى الله عليه وآله ) في عقله ووجدانه ، تصوراً صحيحاً ، بعيداً عن كذب مصادر الحكومات ، وعن خيالات العوام السذج ، وشطحات مدعي التصوف والعرفان . فعليه أن يقرأ ويفكر ، ثم يقرأ ويفكر ، ثم يطرح المسائل مع من يثق بعلمهم ، وفي مجالس المذاكرة .
في معرفة عترة النبي ( صلى الله عليه وآله ) :
وكذلك معرفة المعصومين من العترة الطاهرة ( عليهم السلام ) ، وهم علي وفاطمة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 109 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والحسن والحسين والأئمة التسعة من ذرية الحسين ( عليهم السلام ) ، فهؤلاء هم العترة الذين حددهم النبي ( صلى الله عليه وآله ) بالكساء والأسماء ، وأخبر الأمة أن الله تعالى فرض ولايتهم وطاعتهم ، وأوصى بهم إلى حنب القرآن .
وطالب العلم معنيٌّ بأن يرسم عن كل واحد منهم في عقله ومشاعره صورة صحيحة . وكل واحد منهم ( عليهم السلام ) أفق رباني ، وعالم واسع ، وطالب العلم يعيش معهم في دروسه ، وفي ذكرياتهم طول السنة ويزورهم .
لكن عليه أن يقرأ عنهم أحسن ما كُتب ، ويفكر فيهم ، ويذاكر في سيرتهم ومقاماتهم ، حتى يبني عقيدته فيهم .
في طلب العلم :
ومن همِّ طالب العلم أن يدرس الكتب المقررة في منهج الحوزة ويتقنها ، ويكتب دروسه ويباحث دروسه ويذاكرها . ويُدَرِّس إذا طلب منه أحدٌ ذلك . لكن المنهج المقرر لا يستوعب كل وقته ، لأنه يحتاج نحو أربع ساعات أو ست ، ويبقى له وقت فائض ليصرفه في بقية أهدافه . لذا ينبغي له أن يبرمج وقته ليومه وأسبوعه ، وللعطل الأسبوعية ، وعطل المناسبات الدينية ، وعطلة السنة .
سأل أحدهم طالباً : كم ساعة تشتغل في اليوم ، وحَسَبَ معه فوجد أنه يعمل ساعات قليلة ، فقال له : إن أقل موظف أو مهني أو عامل بناء ، يعمل أكثر منك ، فكيف لا تخجل لقلة عملك ، وأنت تنسب نفسك
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 110 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
للإمام المهدي ( عليه السلام ) وتدعي أنك موظف عنده ؟ !
إن أساس برمجة الوقت وسرها ووقودها ، أن تكون في قلب الطالب شعلة الإيمان المتوهج وحب المعرفة المتوقد ، فهذا يجعله يستثمر كل وقته في العمل ، وينسى أكثر مشاغله ومشاكله التي تعوق طلبه للعلم .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 111 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

6 - ملاحظات مفيدة لطالب العلم

1 - قرأت لباحث غربي أن الذهن الغربي ليس أقوى من الذهن الشرقي ، لكن مدة تركيز ذهن الغربي على النقطة المطلوب فهمها أطول بست مرات من الشرقي ، فهو يركز 12 ثانية ، بينما يركز الشرقي ثانيتين فقط !
لذلك كان من الضروري أن يسأل طالب العلم نفسه : كم ثانية أركز على المسألة العلمية ؟ ويصحح تعامله مع المعلومة .
ثم يسأل نفسه : هل أن طلب العلم أكبر همي أم لا ؟ فإن كان اهتمامه بغير طلب العلم أكثر ، فلا بد أن يصحح النية والعمل .
ثم يسأل نفسه : كم ساعة أعطي من يومي لطلب العلم ؟ فلا يرضى بأقل من نصف ساعات نهاره .
ولا بد أن يكون عنده تصور ولو تقريبي للسنوات التي سيعطيها من عمره متفرغاً لطلب العلم ، ونية بأن يطلبه كما قيل : من المهد إلى اللحد .
2 - من المشكلات التي تعترض طالب العلم فتبقيه قليل البضاعة من العلم إلى آخر عمره : أنه يشعر بأهمية العمل الاجتماعي في هداية الناس ، والتبليغ والخطابة ، ويرى أن القليل من العلم الذي عنده يكفيه لهذه المهمة فيقرر أن يقنع به ، ويصرف وقته في المجتمع .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 112 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد اتسعت هذه الظاهرة في بعض البلدان ، وسببت انخفاض المستوى العلمي ، حتى قلَّ أصحاب التخصص والمستويات العالية .
إن مقولة : ما عندي من العلم يكفيني للتبليغ والعمل الاجتماعي ، قد تصح بالنسبة إلى محدود القابلية الذي امتلأ إناؤه ، أو الذي لا تسمح له ظروفه بالتفرغ لطلب العلم . لكن صاحب القابلية العالية الذي يمكنه التفرغ والتخصص والوصول إلى مستويات عالية ، عليه أن يأخذ إجازة من العمل الاجتماعي ، كالموظف الذي يأخذ إجازة دراسية ، والجندي الذي يأخذ إجازة لدورة ليكون ضابطاً أو قائداً .
وينبغي للطالب أن يأخذ رأي من يثق به ، ليحدد من أي نوع هو ، وأن لا تكون عقبة المعيشة عائقاً أمام قراره ، لأن طالب العلم يسعى رزقه إليه .
3 - إذا وجب على الطالب أو جاز له التفرغ لطلب العلم ، فعليه أن يرضى في معيشته بما تيسر له ، وأن يكون على يقين بأن الله تعالى قد تكفَّل برزقه .
قال الشهيد الثاني ( رحمه الله ) في منية المريد / 227 : « ويرضى بما تيسر من القوت وإن كان يسيراً ، وبما يستر مثله من اللباس وإن كان خلقاً ، فبالصبر على ضيق العيش تنال سعة العلم ويجمع شمل القلب عن مفترقات الآمال ، ليتفجر عنه ينابيع الحكمة والكمال » .
وقال ( رحمه الله ) في / 160 : « ورد في الحديث عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) : إن الله تعالى قد تكفل لطالب العلم برزقه ، خاصة عما ضمنه لغيره . بمعنى أن غيره يحتاج إلى
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 113 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
السعي على الرزق حتى يحصل عليه غالباً ، وطالب العلم لا يكلفه بذلك الطلب وكفاه مؤونة الرزق إن أحسن النية وأخلص العزيمة . وعندي في ذلك من الوقائع والدقائق ما لو جمعته بلغ ما يعلمه الله من حسن صنع الله تعالى بي وجميل معونته ، منذ اشتغلت بالعلم ، وهو مبادئ عشر الثلاثين وتسع مائة إلى يومي هذا ، وهو منتصف شهر رمضان سنة ثلاث وخمسين وتسع مائة . وبالجملة فليس الخبر كالعيان » !
وقال ( رحمه الله ) في / 103 : « وقوله ( صلى الله عليه وآله ) : من غدا في طلب العلم أظلت عليه الملائكة وبورك له في معيشته ولم ينقص من رزقه » .
4 - ينبغي للطالب أن يعترف باستعداده العلمي الطبيعي ، فقد قسم الله القابليات بين الناس ، وكل إنسان مُيَسَّرٌ لما خلق له . فبعض الطلبة كأنه مخلوق ليكون متخصصاً في القرآن ، أو الحديث ، أو التاريخ . أو ليكون كاتباً ، أو خطيباً ، أو إدارياً ، أو سياسياً ، أو فقيهاً .
وقد رأيت طفلاً دقيقاً في كلماته وتصرفاته ، يميل إلى التجزئة والتعمق ، فكأنه مخلوق ليكون فقيهاً ، فقلت لأهله : إبعثوه إلى الحوزة ! وكم رأيت شيخاً يتكلم في الفقه فيمِلُّ من التفريع فيُعمم ، ويَسْأمُ من التعمق فيُسطِّح .
والإنسان على نفسه بصيرة ، لكنه يخطئ ويغالي بسبب حسن ظنه بنفسه ، فيحتاج إلى أن يشهد به غيره ، لئلا يضيع جهده وعمره .
5 - إحذر أن تكون حشوياً ، والحشوي مَن يحشو ذهنه بأفكار بدون دليل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 114 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أو يقبل أفكاراً متناقضة فيما بينها ، فيأخذ كل ما يسمعه أو يقرؤه بحجة أنها معلومات دينية ، فهو كالذي يأكل ما تصل إليه يده ، فيحشو به بطنه !
فعليك أن تدقق فيما تأكل لتعرف ماذا تحوي بطنك ، وتدقق فيما تغذي به عقلك ، فلا تقبل معلومة إلا بدليلها وشروطها ، فإن لم تستكمل الشرط فضعها في بقعة الإمكان . وهي بقعة واسعة لكنها احتمالات وليست علماً .
6 - عود نفسك التعمق ، ولا ترض بالنظرة السطحية ، فمن الكلمات الحكيمة : العلم بحر ، الغرق فيه في الشاطئ والنجاة فيه في اللجة . وكان أستاذنا السيد الصدر ( رحمه الله ) يقول لنا : مَرِّرْ المطلب على ذهنك عشر مرات ، فقد يأتيك ولو في المرة العاشرة إشكال عليه ، أو التفات إلى شئ ، وهذا هو العلم والتعمق .
7 - كنت محباً لدراسة الفلسفة ، ودرست شرح التجريد وقسماً من شرح منظومة السبزواري عند المرحوم السيد محمد جمال الهاشمي ( رحمه الله ) ، وأعجبت بكتاب أستاذنا السيد محمد باقر الصدر ( رحمه الله ) ( فلسفتنا ) واستوعبته ودرسته مرات ، لكني كنت أعاني من سؤال كبير : حتى لو قلنا بعدم التعارض بين الفلسفة والدين ، فأيهما أحرى باتخاذه منبعاً للمعرفة والتفكير : الوحي ، أم نتاج تفكير رجال يونانيين ، كأرسطو وأفلاطون ؟
ومهما يكن ، فإني أنصح الطالب أن لا يدرس الفلسفة إلا بعد أن يتعمق في العقيدة والفكر الإسلامي ، ويكون بمستوى بحث الخارج على الأقل .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 115 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقلت يوماً لأستاذنا السيد الصدر ( رحمه الله ) : اشتغلتَ بالفلسفة كثيراً وألفتَ كتاب فلسفتنا ، وكتاب الأسس المنطقية للإستقراء ، فماذا استفدت منها ؟
فأجاب : الإنسان عندما يعشق الفلسفة ويبدأ بدراستها ، يتصور أنها ستحل كل مشكلاته الفكرية ، ثم يتقدم فيها فيرى أنها لا تحل شيئاً منها !
قلت له : وأحاديث أهل البيت ( عليهم السلام ) هل تحل المشكلات الفكرية للطالب ؟ فتأمل وقال : نعم تحلها ، وهي التي تحلها .
8 - إن قناعة المتكلم والخطيب والواعظ والكاتب وروحيته ، هي التي تؤثر في الناس أكثر من فكره ومعلوماته التي يقدمها لهم ؟ ! لأن كلماته تحمل أجزاءً من روحه ، والمخاطَب يُحس بها ويراها ، ويرى نوع إيمانه بما يقوله ، فيؤثر ذلك فيه أكثر من المعادلات العقلية التي يتضمنها كلامه .
وهذا يعني أن يقينك بأصول الدين وفروعه ، وقناعتك بمعلوماتك التي تقدمها للناس ، هي الأساس في تأثيرك فيهم .
فإن كنت صاحب بصيرة ويقين فسيؤثر كلامك ، لكن اليقين ليس سلعة تشترى أو ثوباً يُلبس لِبساً ، بل غرسةٌ يغرسها الله تعالى في عقول عباده وقلوبهم ، فيرعاها بعضهم وينميها ، ويهملها آخرون فتذبل أو تيبس !
9 - من تعابير النجفيين : فلانٌ معمم أفندي ، وفلانٌ أفندي معمم ! والأفندي كلمة تركية تشابه كلمة خواجة في مصر وبلاد الشام ، ومعناها الشخص العصري على الطريقة الغربية . والمعنى أن بعض الطلبة المعممين
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 116 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ليس فيهم من أصالة عالم الدين إلا الزي ، فهم في أفكارهم وسلوكهم عصريون متغربون . وبعض الأفندية رغم أن زيهم عصري ، فهم أصيلون في فكرهم وسلوكهم كعلماء الدين الأصيلين .
ومن أمثلة الحوزة في النجف : فلان الطالب كتفسير جوهري طنطاوي فيه كل شئ إلا التفسير ؟ ومعناه أن ذلك الطالب فيه كل شئ إلا علوم الدين وتبليغها ! والشيخ طنطاوي بن جوهري ، أزهري ومدرس ، توفي 1358 - 1940 ( الأعلام : 3 / 230 ) وتفسيره كبير يقع في 26 مجلداً ، حشد فيه كل ما أعجب به من علوم الغرب ، وقال إن هدفه تفهيم المسلمين العلوم الكونية وحثهم على الإقبال عليها ، لذلك كثرت استطراداته وخروجه عن مواضيع الآيات ! واستخدم فيه الرسوم والجداول وصور النباتات والحيوانات والمناظر الطبيعية ! http : / / www . almultaka . net / ShowMaqal . php ? cat =
10 - أطفئ التلفزيون وطالع . وأطفئ الإنترنت وطالع . وإن كان لا بد من التلفاز لتسمع الأخبار وبعض البرامج ، فاجعل وقتاً محدداً . وإن كان لا بد من الإنترنت لك كباحث ، فاجعل له ساعات محددة .
وبعض الناس يقرأ بجهاز الحاسب أو النت ، والمهم أن يكون قارئاً جاداً ، لأن المطالعة لطالب العلم في غير مواد دروسه ، ليست عملاً كمالياً بل ضرورة ، لأن بناء شخصيته كعالم ومثقف يتوقف عليها .
وأول ما يجب عليه أن يستعين بالله تعالى ويغالب ظروفه ويغلبها ويفرِّغ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 117 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقتاً كافياً للمطالعة ، فيحذف من أعماله ما لا يجب عليه شرعاً ، ويدبر بديلاً عن انشغاله شخصياً في بعض ما يجب عليه عرفاً ، وسيجد البدائل ويوفقه الله : وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيء عَلِيمٌ .
وطالب العلم يعرف ماذا يطالع ، فمطالعاته قرآنية وحديثية وتاريخية وعقائدية ، قديمة وحديثة ، وثقافة عامة ، حول الإنسان والمجتمعات ، وما يحتاجه من العلوم الطبيعية .
وينبغي له أولاً أن يبني عقائده وفكره وروحه بكتب علمائنا النابغين أمثال الكليني والصدوق والمفيد والمرتضى والطوسي ، قدس الله أنفسهم الزكية ، فيقرأ كل ما كتبوه إن استطاع ، ليحاكم ما يقرأ بهذه الأصول .
ويتصور بعض الطلبة أن مطالعته تحتاج إلى ترتيب وتعيين ما يطالعه أولاً وثانياً ، ونقول له لا تخف إقرأ ما شئت أولاً أو ثانياً ، فإن الذهن ينظم معلوماتك ويرتب مطالعاتك في خزائنه ورفوفه ، فاشكر الله تعالى .
11 - سمعت يوماً نقاشاً حاداً بين طالبين أحدهما أكبر سناً ، فقال له كبير السن : إنك تجادل بالباطل شخصاً طالع من الكتب بقدر وزنك عشر مرات على الأقل ! فأعجبني تعبيره وأنا أثق بصدقه ، ودفعني ذلك إلى المزيد من المطالعة . فكنت إلى جانب دراستي وتدريسي ، أقرأ كل يوم نحو ثلاث ساعات ، وأذكر أني قرأت وأنا أدرس الكفاية المجلد الثاني ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد كله في شهر وكسر .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 118 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم قرأت أكثر التفاسير الروائية ، وبعض التفاسير الجديدة ، وقرأت أكثر كتب الصدوق والمفيد ، وقرأت كثيراً من الكتب الإسلامية الجديدة .
وقرأت أنا وغيري في حكم عبد الكريم قاسم كل كتب الإخوان المسلمين حيث امتلأت بها مكتبات النجف ، وكانت رخيصة الثمن !
واتخذت دفتراً للمطالعة أكتب فيه أسئلة حول بعض ما أقرأ ، لأسأل عنها بعض الأساتذة . وأكتب فيه بعض الأمور المفيدة الملفتة ، لئلا أنساها .
ومن الكلمات المعروفة : أن مصر تكتب ن وبيروت تطبع وبغداد تقرأ ، ولعل الشعب العراقي أكثر الشعوب العربية قراءة ، وقد سمعت من بعض الناشرين أن السودان هو الأول في قراءة القصص .
لكن البعثيين تعمدوا أن يفصلوا الإنسان العراقي عن مصادر دينه وثقافته ، وجعلوا الكتاب الإسلامي جريمة كالسلاح ، فلا بد من تعويض خسارة ثلاثين سنة من التجهيل ، وأن ينشر طلبة العلم والمبلغون العراقيون عادة القراءة ويشجعوها ، ليس في الحوزة فقط ، بل في عامة الناس .
12 - يشجع الأستاذ تلاميذه عادة أن يشكلوا عليه ، وبعض الأساتذة يتقبل الإشكال عليه في الدرس وفي المسائل العلمية ، ويشجع من يُشكل .
لكن الامتحان عندما يُشكل عليه الطالب في أمر خارج الدرس ، على خطه الفكري ، أو السياسي ، أو شئ من سلوكه ، فالقليل يتقبل ذلك ، وبعضهم يعتبره تطاولاً من التلميذ ، أو عدواناً !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 119 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

7 - العلاقة الجدلية بين التدين والفهم

كلما تأملت في أمر التدين وحالة الناس فيه ، وجدت أن المعادلة التالية صحيحة مئةً بالمئة ، وهي : أن التدين هو الفهم ، وعدم التدين عدم الفهم ، ونقص التدين نقص الفهم !
وقد ناقشني بعض الأفاضل في عمومها ، وجاء بأمثلة لمن يفهم وهو غير متدين ، فأثبتتُ له أنه إنما أتيَ من عدم فهمه أو من نقص فهمه !
ذلك أن وراء فعل الإنسان لشئ أو تركه له ، معادلةً فكرية ، تُريه أن من مصلحته أن يفعل أو يترك . وحتى الأفعال الغريزية يجب تفسيرها بالفهم ، فما دام فيها إرادة فهي تستند إلى معادلة كلية اتخذ قرارها صاحبها وترك لغريزته أن تعمل بها .
وعليه فإن عملك لتقويم سلوك إنسان ، يتلخص بأن تغير المعادلة التي عمل بها ، وتقنعه بمعادلة صحيحة نظرياً وعملياً !
وهناك معادلات لأفعالنا في كل عملٍ ، ومنها ما يشمل كل أعمالنا كالمعادلة التي تُدخل في حسابنا الحياة الآخرة والثواب والعقاب ، فهي تقوم على فهم الإنسان للأفق الأوسع لمصلحته ، بينما المعادلة التي تحذف ذلك من حسابه تقوم على حصر وجوده في دنياه ، وهذا نقص في فهمه !
وكذلك المعادلة التي تقول : إن تدبير ربي لي خيرٌ من تدبيري لنفسي ، وإن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 120 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الحكم الشرعي تدبير رباني ، فهي حقيقة تحتاج إلى فهم نافذ .
ويقابلها أن أرجح ، نظرياً أو عملياً ، تدبيري لنفسي على تدبير ربي !
وقد عبر عن ذلك النبي ( صلى الله عليه وآله ) في قوله لعلي ( عليه السلام ) : « يا علي إنك باق بعدي ومبتلى بأمتي ومخاصم بين يدي الله ، فأعدد للخصومة جواباً ، فقلت : بأبي وأمي أنت بين لي ما هذه الفتنة التي أبتلى بها وعلى ما أجاهد بعدك ؟ فقال لي : إنك ستقاتل بعدي الناكثة والقاسطة والمارقة ، وحلاهم وسماهم رجلاً رجلاً ، وتجاهد من أمتي كل من خالف القرآن وسنتي من يعمل في الدين بالرأي ، ولا رأي في الدين ، إنما هو أمرُ الرب ونهيه ! فقلت : يا رسول الله فأرشدني إلى الفلح عند الخصومة يوم القيامة ، فقال : نعم . إذا كان ذلك كذلك فاقتصر على الهدى ، إذا قومك عطفوا الهدى على الهوى ، وعطفوا القرآن على الرأي ، فتأولوه برأيهم بتتبع الحجج من القرآن لمشتهيات الأشياء الطارية عند الطمأنينة إلى الدنيا ، فاعطف أنت الرأي على القرآن . وإذا قومك حرفوا الكلمَ عن مواضعه عند الأهوال الساهية ، والأمراء الطامحة ، والقادة الناكثة ، والفرقة القاسطة ، والأخرى المارقة ، أهل الإفك المردي والهوى المطغي ، والشبهة الخالفة ، فلا تنكلن عن فضل العاقبة ، فإن العاقبة للمتقين » . ( الإحتجاج : 1 / 289 ، والدر المنثور : 6 / 407 ، ومجمع الزائد : 1 / 180 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 121 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الفهم في عمقه هو العقل
الفهم في عمقه هو العقل ، فإذا غلبه هوى الحمق والجهل ، فهو ليس فهماً ولا عقلاً وإن كان شبيهاً به . ولذا أجاب الإمام الصادق ( عليه السلام ) من سأله : « ما العقل ؟ قال : ما عُبد به الرحمن واكتسب به الجنان . قال قلت : فالذي كان في معاوية ؟ فقال : تلك النكراء ! تلك الشيطنة وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل » . ( الكافي : 1 / 11 ) .
ويكفي لإثبات عدم فهم معاوية أنه اشتغل كل عمره ، وبذل جهوده في الليل والنهار ، وتحمل أنواع المتاعب ، وخاض مخاطر الحروب ، فأسس دولة بل أمبراطورية كبيرة ، كانت أعز شئ عليه لأنه دفع ثمنها غالياً جداً .
لكنه سلمها عن سبق قصد وإصرار ، لولده يزيد وهو يعلم ويشهد أنه سوف يبددها ويدمرها ، فقد كان يردد ، وأحياناً يصيح :
« لولا هوايَ في يزيد لأبصرت رشدي » !
( تاريخ دمشق : 59 / 61 ، و 214 ، وسير أعلام الذهبي : 3 / 155 ، وتاريخ الطبري : 4 / 241 ) .
« قال ابن حجر الهيثمي : فيه غاية التسجيل على نفسه بأن مزيد محبته ليزيد أعمت عليه طريق الهدى ! وأوقعت الناس بعده مع ذلك الفاسق المارق في الردى » ! ( النصائح الكافية لمن يتولى معاوية للحافظ محمد بن عقيل / 61 ) .
وقد طال مرض معاوية فكان باستطاعته أن يرتب وصيته ، ويتجنب
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 122 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الخطر على دولته بعد وفاته .
فقد أصابت الَّلقوة ، وهي اعوجاج الفم ، حتى صار فمه تحت أذنه ! وأصابته بردية شديدة ! وخرجت في ظهره قرحة عميقة !
وأصابته هَلْوَسَة ، فكان يرى علياً ( عليه السلام ) وحجر بن عدي وعمرو بن الحمق ومن قتلهم ، كأنهم أرواح تطارده !
قال ابن الأعثم : 4 / 344 : « وجعل معاوية يبكي لما قد نزل به وكان في مرضه يرى أشياء لا تسره ! حتى كأنه ليهذي هذيان المدنف وهو يقول : إسقوني إسقوني ، فكان يشرب الماء الكثير فلا يروى ! وكان ربما غُشيَ عليه اليوم واليومين ، فإذا أفاق من غشوته ينادي بأعلى صوته : ما لي ومالك يا حجر بن عدي ! مالي ومالك يا عمرو بن الحمق ! مالي ومالك يا ابن أبي طالب » ! ( راجع عجائب حالته في : جواهر التاريخ : 2 / 85 ، والطبري : 4 / 245 ) .
ولكنه مع كل ذلك أصرَّ على تسليم دولته إلى شاب أهوج مدمن خمر ، وهو يعرف أنه ربما دمرها وأنهى آل أبي سفيان إلى غير رجعة !
فلو كان يفهم ، لما وضع كل جهوده على كف عفريت !
ولو كان يفهم لما اشترى سنين من نعيم السلطة ، بالخلود في العذاب !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 123 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الخامس : الموجة الشيوعية التي عاصرناها

1 - ثورة عبد الكريم قاسم والموجة الشيوعية

أحدث جمال عبد الناصر موجةً في كل البلاد العربية ، شعارها التحرر من الاستعمار ومواجهة إسرائيل . ووقفت بعض الأنظمة العربية ضده ، وأولها النظام الملكي السعودي ، ثم النظام الملكي في العراق ، وفي الأردن .
وعندما وقع العدوان الثلاثي الفرنسي الإنكليزي الإسرائيلي ، على قناة السويس ، خرجت المظاهرات المؤيدة لعبد الناصر في البلاد العربية . « فقد شهد العراق مظاهرات صاخبة ودامية كان أعنفها وأكثرها تأثيراً مظاهرة النجف الأشرف ، التي قمعتها السلطة بوحشية رهيبة ، وتلاها إعلان الأحكام العرفية في البلاد . . . ورغم ذلك استمرت التظاهرات في النجف وأبرزها تلك التي خرجت يوم 23 - 11 - 1956 وشارك فيها علماء الدين ، وأسفرت عن مجزرة دموية ارتكبتها السلطة » .
http : / / www . metransparent . com / spip . php ? page = imprimer article
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 124 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فاستنكر المرجع السيد الحكيم سياسة السلطة ، وطالب بإخراج المعتقلين .
واستطاع عبد الناصر أن يحقق الوحدة بين مصر وسوريا ، فأعلن التوقيع على ميثاق بينه وبين الرئيس السوري شكري القوتلي ، وبموجبه وُلدت « الجمهورية العربية المتحدة » في 22 / 2 / 1958 ، واستمرت نحو أربع سنوات حتى انتهت بانقلاب عسكري في دمشق يوم 28 / 8 / 1961 ، وعادت سوريا إلى اسمها « الجمهورية العربية السورية » وبقيت مصر على اسم « الجمهورية العربية المتحدة » حتى سميت عام 1971 : جمهورية مصر العربية .
وفي هذه الموجة العروبية التي وصلت إلى حدود العراق ، قام عبد الكريم قاسم في 14 تموز سنة 1958 بانقلاب على النظام الملكي ، فقتل العائلة المالكة وأعلن النظام الجمهوري ، ورفع شعارات يحبها الناس كالديمقراطية والعدالة والتنمية والعروبة ، وأعلن دستوراً موقتاً للعراق ، ومجلس سيادة جعله أعلى هيئة دستورية ، وأعطى رئاسته لنجيب الربيعي ، لكن بدون صلاحيات ، ووعد الناس بانتخاب رئيس جمهورية في ستة أشهر .
وشكل حكومة أخذ هو رئاستها وأخذ وزارة الدفاع ، ومنصب القائد العام للقوات المسلحة ، وجعل عبد السلام عارف نائبه ووزير الداخلية .
وفسر السياسيون هذا الانقلاب بأنه عمل إنكليزي لامتصاص النقمة على النظام الملكي ، وبأنه عمل لمنع وصول الوحدة إلى العراق .
وتفسير الأحداث بأن وراءها الإنكليز ، له حجته في العراق ، فقد عانوا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 125 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
من الإنكليز منذ أن احتلوا العراق في مطلع القرن ، ورأوا منهم ألواناً من الدهاء والخداع ، حتى صار من الأمثلة عندهم : إذا اختلفت سمكتان في شط الفرات ، فهو من تحريك الإنكليز !
وقد جزم السيد مهدي الحكيم ( رحمه الله ) في مذكراته بأن خلفية عبد الكريم قاسم إنكليزية ، لكني لا أستبعد الأصابع الأمريكية ، لأن مجلة واشنطن بوست نشرت على غلافها صورة عبد الكريم بعد الانقلاب ، وكتبت : ثائر ولكن صديق . ويصعب تفسير صداقته لهم بأنها بسبب ارتباطه بالإنكليز !
ومهما كانت المؤثرات الأجنبية على عبد الكريم ، فلا يصح أن نتجاهل قوة شخصيته وأفكاره الوطنية ، ولذلك تجاوبت الحوزة مع شعاراته الوطنية فأرسل له المرجع السيد محسن الحكيم ( رحمه الله ) رسالة تأييد ، وكان ذلك منسجماً مع دور المرجعية الإصلاحي ، وعدم سعيها للوصول إلى الحكم .
وكان القوميون والبعثيون يعادون عبد الكريم لأنه ضد عبد الناصر ، لكن أكثرية الشعب العراقي كانوا يحبونه ويشعرون أنه منهم ، إلى أن سلط الشيوعيين على الناس ، وأصدر قانون الأحوال الشخصية ، وحل مجلس السيادة ، وفشل في الإصلاح الزراعي ، فتراجعت شعبيته ، واصطدم بفئات واسعة من الشعب .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 126 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وكان الحزب الشيوعي في العراق أقوى الأحزاب الشيوعية في البلاد العربية ، تنظيراً وتنظيماً وحجماً ، ويليه الحزب الشيوعي السوداني ، ويوازيهما حزب توده الإيراني ، أي حزب جمهور الشعب .
ويرى بعض المحللين أن الإنكليز دفعوا عبد الكريم لتبني الحزب الشيوعي العراقي وإطلاق يده ، ليكشفوا الشيوعيين ، ويضربوهم .
لكن الحقيقة أن عبد الكريم كان يرى أن عبد الناصر يعمل لإسقاط نظامه وأن الشيوعيين قوة تحمي حكمه من القوميين والبعثيين والمتدينين ، وهذا هو السبب الأساس لتسليمه المقاومة الشعبية لهم ، وإطلاقه أيديهم .
وقد استغل الشيوعيون الفرصة وكأن العراق صار ماركسياً لينينياً ، فأنشأوا المنظمات الشعبية ، وأشهرها منظمة أنصار السلام ، وسيطروا على أكثر الإتحادات والنقابات ، كاتحاد الجمعيات الفلاحية ، واتحاد الطلبة . . الخ .
وأمسكت هذه المنظمات بالعراق ، وحكمت مدنه وقراه ، وكان أسوأها ميليشيا المقاومة الشعبية ، التي انتشر مسلحوها في نقاط تفتيش وحكموا البلاد ، فكانوا يعتقلون ويُرعبون ، وقد يقتلون ولا رقيب ولا حسيب !
وما زال الناس إلى اليوم يذكرون أفاعيلهم ، خاصة في الموصل بعد ثورة الشواف الناصرية الفاشلة ، في آذار 1959 م ، وما ارتكبوه من قتل وسحل ، وتعليق للقتلى على أعمدة الكهرباء !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 127 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

2 - الحوزة العلمية تواجه التحدي !

أطلق الشيوعيون في وسائل إعلامهم شعار : الدين أفيون الشعوب ! وهو مقولة كارل ماركس عن المسيحية ، فكان تحدياً للإسلام وعلماء الدين ومؤسساته ، بل قنبلة تدعو إلى الإلحاد ، ورفض الدين من أساسه !
وبلغ بهم الأمر أنهم صوروا كل متدين على أنه مجرم ، لأنه يعيق تقدم المجتمع ! أما طلبة العلم أمثالنا فهم بزعمهم من بقايا البرجوازية والإقطاع الرأسمالي ، ومن بقايا الدين الذي يخدر الشعب ويمنعه من التقدم والثورة على الإقطاع ! وانتقدوا حتى وجود المساجد والمشاهد المشرفة ، خاصة مناراتها وأبوابها المذهبة ، فكتبوا على جدار صحن مشهد أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : من أين لك هذا ؟ !
وبلغ من جرأتهم أن صاحب دكان مجاور لمنزل السيد محسن الحكيم ( رحمه الله ) وهو المرجع العام للشيعة في العالم ، كان إذا خرج السيد رفع صوت المذياع في دكانه بأناشيد الشيوعيين ، فإذا وصل السيد رفع صوته : عفلقي عفلقي ! أي : بعثي من جماعة ميشيل عفلق ، وكان ذلك اتهامهم الجاهز لمن لا يحب عبد الكريم ! وكان من شعاراتهم : وِلْما يصفك عفلقي ، والحبال موجودة ! أي : من لم يصفق للزعيم فهو بعثي ، والحبال حاضرة لسحله في الشوارع !
ولك أن تقدر تأثير ذلك على شعب العراق المسلم ، بشيعته وسنته !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 128 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كنا نحن طلبة الحوزة لا نخرج من مدارسنا وبيوتنا إلا جماعة ، ونخاف في الليل أن تدخل علينا المقاومة الشعبية فتقتلنا أو تقتادنا ! وقد وصف الدكتور محمد حسين الصغير جانباً من الوضع في تلك الفترة ، فقال :
« بعد الرابع عشر من تموز 1958 اشتدت الأزمات السياسية في العراق وانقسم الشعب العراقي إلى اتجاهات متعددة في الإنتماء الفكري والعقائدي ، وتصاعد المد الأحمر بشكل ينذر بالخطر ، واستقال الوزراء الستة من حكومة الزعيم عبد الكريم قاسم ، وترك الأستاذ الشيخ محمد مهدي كبه منصبه عضواً في مجلس السيادة وهو أعلى سلطة في البلاد ، إذ لم تقبل استقالته ، فهو ( عبد الكريم ) والفريق نجيب الربيعي وخالد النقشبندي الذين يقبلون استقالة الآخرين ضمن الدستور المؤقت .
وكانت النجف الأشرف مركز الثقل الديني والوطني في العراق ، وكان الضغط عليها سياسياً وحزبياً ضغطاً مضاعفاً ، وقد أتيحت لها قيادة فذة حكيمة متمثلة بسماحة الإمام السيد محسن الحكيم ( رحمه الله ) ( توفي 1970 م ) فأدار الشؤون بروية وصلابة وثبات ، وسيطر مع انفلات الأمر ، وأمسك بزمام المبادرة مع شدة الصدام ، وقوة التحرك المضاد ، ووقف إلى جنبه المراجع العظام الشيخ عبد الكريم الجزائري ، والسيد عبد الهادي الشيرازي ، والسيد محمود الشاهرودي ، وسيدنا الأستاذ الإمام الخوئي رضوان الله عليهم أجمعين . ونهضت جماعة العلماء بقيادة آية الله الشيخ مرتضى آل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 129 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ياسين بواجبهم الشرعي بما أصدروه من بيانات تحث على التمسك بشريعة سيد المرسلين ( صلى الله عليه وآله ) ، فأنصت لها العراق من أقصاه إلى أدناه .
ومرت الظروف الصعبة شديدة ، يصاحبها العنف الثوري حيناً ، والإستهتار الهمجي بالقيم حيناً آخر ، والاحتجاج الكلامي بعض الأحايين . وكانت الصحف العراقية تمثل هذه المفارقات كافة ، حتى إذا أُلقحت شرارة الموصل بقيادة العقيد عبد الوهاب الشواف في آذار 1959 اختلفت الحال ، وصُب البلاء صباً على الفصائل الدينية والوطنية والقومية في البلاد ، وأفرغت الساحة للحزب الشيوعي العراقي يصول فيها ويجول وسفكت الدماء في الموصل وكركوك والبصرة والمسيب والنجف الأشرف وكربلاء ، وعدة قصبات أخرى .
وانتهت شرارة الموصل بقتل الشواف والحكم بإعدام ألمع الضباط العراقيين ، كالزعيم ناظم الطبقچلي والعقيد رفعت الحاج سري ورفاقهما .
وكانت الوفود تترى على الإمام السيد محسن الحكيم للتوسط بإنقاذهما من تنفيذ حكم الإعدام ، وكان غاضباً على الزعيم عبد الكريم قاسم بسبب صدور قانون الأحوال الشخصية المخالف لنص كتاب الله : يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنْثَيَيْنِ ، فجعلها في قانون الإرث والقضاء : للذكر مثل حظ الأنثى . فأرسل كتاباً لرئيس مجلس السيادة الفريق نجيب الربيعي يحثه بنصح رئيس الوزراء على حد تعبير الإمام الحكيم ، بعدم تنفيذ أحكام
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 130 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الإعدام بحق هؤلاء الضباط من ذوي السمعة الوطنية ، لأن الإعدام يدع الديار بلاقع ، فلم ينتصح عبد الكريم قاسم مع وعده الربيعي بالاستجابة لأمر الإمام الحكيم ! ونفذ حكم الإعدام في أم الطبول في : 20 / 9 / 1959 . . .
والطبقچلي وسري لهما شعبية ومحبة لدى العراقيين ، وقد أوصى بأن يصلّي عليه الإمام الحكيم والإمام الجزائري ، فإن لم يتمكنا فليقرءا عند قبره الفاتحة . وهنا أطبق الوجوم على النجف الأشرف وتملكه الذهول المطلق ، والدماء غضبى في العروق تكاد أن تنفجر .
ويُتوفى فيما يشبه الفجأة الإمام السيد حسين الحمامي 1959 ، بقمة الأحداث ، ويقام له تأبين عظيم برعاية السيد محسن الحكيم وحضوره ، فيلقي كاتب هذه السطور قصيدته ويعرض للمأساة والمقاومة الشعبية في الموصل وغيرها ، منها قوله :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] والموصلُ الحدباء أسْدِل فوقها * ستراً فصمتي من مقالي أشعرُ
ماذا يحدِّث شاعرٌ عن فتنة * بالفوضوية سيلها يتحدر
وبأرض كركوك ضحايا أمة * قد لفّهم أجلٌ رموه مقدر
وإذا بأنصار السلام عصابة * للأجنبي يقودها ويسير
وإذا السلام على الشعوب لما ارتأى * همم الحروب قذائف تتفجر
وإذا الجموع مسخرون لطغمةٍ * شرقية الأهداف لا تستبصر . . .
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] ويقيم النجف الأشرف أضخم احتفال في ميلاد الإمام علي ( عليه السلام ) في مسجد الهندي من قبل الشباب النجفي ، وهو أول مهرجان جماهيري في
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 131 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
1959 ، ويحضره الآلاف ، وكان عريف الاحتفال الشيخ الدكتور أحمد الوائلي ، وقدم كاتب هذه السطور بعبارات أنيقة ، فألقيت قصيدتي وكانت عنيفة منها :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] وإن حزباً دخيلاً في مبادئه * لينين فيه أقر الذل والهونا
يكاد يعرب عن فحوى مؤسسه * للزيف زيفاً وبالتلوين تلوينا
الفوضويون داء لا دواء له * عيا فياليت شعري من يداوينا
القتل والسحل والتخريب ديدنهم * والنهب والسلب ألفوه موازينا
ضج العراق بأهليه بما ارتكبوا * وجرعوا الشعب زقوماً وغسلينا
تهرأ الحكم وانهارت قواعده * وسوف تحميه في الجلَّى مواضينا
وسوف ينجاب ليل ساد أربده * وسوف يشرق فجر في مغانينا
لا بد نقضي عليهم فانتظر فرجاً * أو يرسفون بأغلال مساجينا
لو كنت من مازن لم تستبح إبلي * بنو للقيطة من أتباع لينينا
لكن قومي وإن كانوا ذوي عدد * لا يدرؤن شيوعياً وصهيونا
وهكذا كل ما في الدين قد لصقوا * زوراً وإفكاً لكي يرضوا ستالينا
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] وهجم الشيوعيون على المسجد الهندي وقُطع الحفل وتفرق الناس ، وحامى أغلبهم عن الشاعر ووقفوا سداً بشرياً دونه ، حتى إذا انقضت الغوغاء اصطحبه ثلاثة من الرجال الأشاوس كان من بينهم مسلح واحد وهم السيد جواد شبر ، والشيخ هادي لايذ ، والشيخ عبد الوهاب محيي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 132 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الدين ، واتجهوا نحو الحرم محاطين بجملة من النجفيين المدافعين ، فدخل الشاعر والسيد الخطيب جواد شبر معه إلى الروضة الحيدرية ، ووقف الآخران بالباب ، وهيأت للشاعر سيارة نقلته إلى المبيت في غير داره ، وبات في منطقة الحنانة عند المغفور له الحاج عبد الحسين القاموسي ، حيث غادر صباحاً مبكراً إلى بغداد » .
http : / / www . almawsem . net / private / NAJAF / TURIHI / sageer . htm ) )
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 133 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

3 - تشكيل جماعة علماء النجف

كانت موجة الشيوعية أكبر تحدٍّ واجهته الحوزة العلمية في تاريخها الحديث فهو أكبر حتى من تحدي الغزو الوهابي في سنة 1216 هجرية ، حيث أغاروا على النجف مرتين بعد احتلالهم كربلاء وتخريبها !
وهو أكبر من الغزو الإنكليزي بعده بقرن ! لأن الموجة الشيوعية كانت غزواً من الخارج والداخل معاً ، عسكرياً وفكرياً معاً ، ولا يوازي خطرها إلا خطة البعثيين لإبادة الحوزة والشيعة !
كان الطلبة يحثُّون العلماء والمرجع على المواجهة ، وكان المتدينون يأتون من المحافظات يُعلنون استعدادهم للمواجهة والتضحية ، ويستغيثون من سطوة الشيوعيين في مناطقهم ! فقامت الحوزة بتشكيل « جماعة علماء النجف » لتكون جبهة المواجهة ، وتتخذ المواقف ، وتصدر البيانات والتوجيهات للناس . وكان تشكيلها بعد تشاور بين المرجع السيد الحكيم ، والمرجع السيد عبد الهادي الشيرازي ، والمرجع السيد الشاهرودي ، والمرجع السيد أبي القاسم الخوئي ، فاتفقوا على أن يترأسها الشيخ مرتضى آل ياسين ، رضوان الله عليهم .
وسمعت من السيد الصدر ( رحمه الله ) أنهم طلبوا من السيد الحكيم ( رحمه الله ) أن يكون هو رئيس جماعة علماء النجف ، فقال : لا ، اختاروا أنتم أحدكم ، وأكون أنا خارج التشكيلة ، فإذا وقع عليكم ظلم أستطيع أن أدافع عنكم .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 134 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وبدأت جماعة العلماء بإصدار منشوراتها ، توجه الناس وتنتقد الشيوعيين وتمدح الزعيم الأوحد ، وأذيع بيانهم الأول من الإذاعة الرسمية ، ووزعه الشباب المتحمس في المحافظات ، وقرأه الخطباء على المنابر !
وفارت زنابير الشيوعية على جماعة العلماء والمرجعية والحوزة عموماً ، بالإعلام والصراخ والشتائم ، وملاحقة من يوزعون المنشورات ، فتصدى لهم المتدينون ، وصمدوا في مواجهتهم ، حتى انكسرت هيبة الشيوعيين !
وفرح القوميون والبعثيون بأن المرجعية نزلت إلى الميدان ، وعملوا على تأجيج الصراع بينها وبين النظام لأن هدفهم إسقاطه ، لكن منشورات جماعة العلماء كانت تمدح الزعيم الأوحد ، لتميز أتباعها عن غيرهم .
وقام السيد الحكيم ( رحمه الله ) والمراجع بإصدار فتاوى تأييد لمنشورات جماعة علماء النجف ، وهذا نص فتوى السيد الحكيم :
« بسم الله الرحمن الرحيم . إن جميع ما أصدره فريق من أعلام أهل العلم باسم جماعة العلماء في النجف الأشرف ، وما سيصدرونه من النشرات وغيرها ، مما يتضمن الدعوة إلى دين الإسلام ، لهو من أهم الوظائف الشرعية التي يجب القيام بها في سبيل إعلاء كلمة الدين ، وترويج مبادئه الشريفة وتعاليمه المقدسة ، فعلى عامة المسلمين العمل على مؤازرتهم والوقوف إلى صفهم ، ومشاركتهم في تحمل هذه الدعوة الدينية المباركة » .
محسن الطباطبائي الحكيم - 27 ج 2 - 1378 .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 135 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم أصدر السيد الخوئي ، والسيد الشاهرودي ، والميرزا مهدي الشيرازي ، والشيخ عبد الكريم الجزائري ، فتاوى مشابهة :
« إن النشرات الدينية التي تولى إصدارها ( جماعة العلماء ) والتي أقبل عليها المسلمون في كلِّ مكان ، وعرفوها أنها دعوة إسلاميّة خالصة لوجه الله تعالى ، لهي
بلا ريب تستمدّ دعوتها من القرآن ، وتأخذ أهدافها من تعاليم الدين ، فعلى أبناء المسلمين أن يسترشدوا بها أبداً و يتدبروا حقائقها ، و يعملوا بما جاء فيها من نواميس إسلامية تُسعد حياة المسلمين ، وعليهم أن يدفعوا عنها كل غائلة ، و يجتهدوا في نصرتها : « إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْ كُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ » . وأسأل الله تعالى أن يوفق الجميع لذلك ، ليعيشوا في ظل عدالة الإسلام ونواميسه الخالدة ، وهو سبحانه ولي التوفيق » .
في 6 شهر رجب المرجّب 1378 أبو القاسم الموسوي الخوئي .
« إن جماعة العلماء في النجف الأشرف أدام الله تأييدهم من أعلام أهل العلم ، المعروفين بدينهم وصلاحهم وإخلاصهم ، وإن جميع ما صدر عنهم وما سيصدر من الدعوة إلى الدين والإسلام ، ليس إلا القيام بوظيفتهم الدينية التي هي من أهم وظائف رجال الدين ، المكلّفين من الله تعالى بإرشاد الأمة وتوجيهها إلى منهاجها القويم . فالمرجوُّ من المسلمين أن يقفوا إلى جنبهم مؤيدين ومؤازرين ومعاضدين . والله تعالى الموفق » .
كربلا 6 رجب 1378 مهدي الحسيني الشيرازي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 136 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
« إن ما أصدره جماعة العلماء في النجف الأشرف ، وهم من علماء الدين العاملين وما سيصدرونه من نشر أحكام الإسلام والدعوة للدين هو من صميم الواجب الشرعي . فعلى كافّة إخواننا المسلمين تأييدهم ومؤازرتهم مؤازرةً للإسلام وصالح الأمّة ، والله ولي التوفيق » .
7 رجب 1378 هجرية - عبد الكريم الجزائري .

4 - منشورات جماعة العلماء مادة تاريخية

صدر عن جماعة علماء النجف سبعة مناشير ، وهي مصدر تاريخي من الدرجة الأولى لتلك المرحلة ، تكشف ما طرحه الشيوعيون من أفكار وتشير إلى ما اقترفوه ، وتوجه الناس إلى مواجهتم والتمسك بدينهم ، وتمدح الحاكم وتطمئنه بأن المرجعية والحوزة لا يريدون الثورة عليه ، بل يرضون به حاكماً وزعيماً ، لكن يريدون الانتصاف من الشيوعيين الرُّعَنَاء ، الذين وقفوا ضد الدين ، وعاثوا في البلد فساداً .
وهي بذلك مادة لدراسة اتجاهين سيبرزان في مستقبل الحوزة والعراق ، وهما الاتجاه الإصلاحي ، الذي لا يعمل للوصول إلى السلطة ، بل يقدم مطالبه الإصلاحية للحاكم أياً كان ، ويطمئنه بأنه لا يعمل لإسقاطه .
والإتجاه الإنقلابي الذي يعمل لإسقاط الحكم ، وإقامة الحكم الإسلامي .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 137 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

5 - المنشور الأول لجماعة علماء النجف الأشرف

« بسم الله الرحمن الرحيم
أيتها الجماهير المسلمة ! أيتها الجماهير الكادحة ! أيها الشعب العراقي المجاهد :
الآن ولأول مرة منذ مئات السنين ، تشرق في بلدنا الحبيب أضواء الحرية والاستقلال بفضل الثورة التحريرية الكبرى ، والمعركة الفاصلة التي وقف فيها الزعيم الأوحد والبطل المنقذ ، سيادة الزعيم الركن عبد الكريم قاسم حفظه الله رائداً للإسلام والمسلمين .
والآن ولأول مرة أيضاً منذ قرون ، يشهد العراق زعامة حاكمة منبثقة من صميم الشعب ، تسهر على مصالحه ، وعلى تحقيق آماله وأحلامه ، وتتجاوب مع عواطفه ورغباته ، وتستمد منه قوتها الجبارة ، وسياستها الرشيدة .
فيا أيتها الجماهير المؤمنة بربها ، المخلصة لدينها ، الواثقة بزعيمها ، إلى رفع راية الإسلام بقيادة الزعيم الأوحد ، والالتفاف حوله تحت هذه الراية المقدسة ، راية السماء التي رفعها أجدادكم في ظل قيادة مخلصة ، فقفزوا قفزتهم التاريخية الجبارة وإذا بأمة متهالكة فقيرة كان يسودها الاستعمار والجهل ، تَضْحَى بعد أن عاشت ربع قرن في ظلال الراية المقدسة ، أرقى أمم الأرض وأعظمها حضارة وسياسة وكرامة ، تحمل بيدها مشعل النور والهداية للعالم كله ، وترسم لجميع الشعوب طريق الخلاص من الظلم والاستعباد .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 138 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
هيا إلى راية السلام ، راية الكرامة الإنسانية والعزة ، راية الحرية والسعادة ، راية الإنعتاق والتحرير من القوى الطاغية ، فإن الإسلام اليوم هو الإسلام الذي ساد بالأمس في طاقته الجبارة ، في مبادئه الرشيدة ، في أهدافه الضخمة ، في غايته الخيرة . وهاهو حاضر يلبي كل راغب في المساواة والعدالة الاجتماعية ، وكل محارب للظلم والطبقية والإستغلال الفظيع ، وكل طالب للسيادة والعزة والكرامة ، وكل من يؤمن بنفسه وبلاده وأمته .
إن الإسلام هو المحرر الأكبر للإنسانية ، من شتى ألوان الظلم والطغيان . . ومن نظام الطبقية الفاجر . . ومن الأثرة البغيضة . . ومن سيادة الهياكل الاجتماعية التي تخلقها الأنانية في مجتمعها . وثورتنا المباركة هي الثورة الكبرى لشعب العراق المسلم ، فمن الطبيعي أن ترفع راية الإسلام باعتباره الطاقة السماوية التي في إمكانها أن تُموِّن ثورات التحرير بكل ما تصبو إليه من عدالة وسلام ومساواة ، وتحقيق أهدافها النضالية العالية .
أيها المسلمون : إن الإسلام ثروة فلا تخسروها ، إنه دين الإنسانية الخالد الذي صاحبناه وعشنا معه قروناً ، وقروناً فلم نجد الكرامة المتعالية ، والسيادة الصحيحة إلا في ظله ، ولم نذق ألوان الشقاء الاجتماعي والسياسي والاقتصادي ، إلا لأننا لم ننصفه من أنفسنا ، ولم نشيد عليه أسس حياتنا . والزعامات الرأسمالية أعرف ما تكون بما في الإسلام من قوة كامنة في النفوس ، ونظام يقضي على جبروتها ، ولذا فهي لا تحارب شيئاً كما تحارب الإسلام ، ولا تخشى شيئاً كما تخشى سيادة الإسلام ، نصير الضعفاء ومحرر الشعوب ، ولهذا حاربته بكل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 139 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وسائلها ، وحاولت أن تقصيه عن جميع المجالات ليتسع لها المجال للإستغلال بحقوق الضعفاء ، وخدرت عواطف المسلمين تجاه دينهم وإسلامهم ، وحاولت أن تجعل من الإسلام في نظر المسلمين علاقة اسمية بين المسلم وربه ، وتنزع عنه الألوان الزاهية التي تخيفها كل الخوف ، وتهددها في مصالحها وأغراضها .
أما الآن ، وقد تحرر البلد من نير الاستعمار ، والنفوذ السياسي للمعسكر الإنتهازي ، ووجدت السفينة ربانها الأفضل في شخص الزعيم المحبوب ، فلا بد أن يبرز الإسلام من جديد إلى المجتمع ، لينشر مفاهيمه التي شوهها المستعمرون ، ويشع بأضوائه التي حجبها المستغلون ، ويحمل بيده مصباح الهداية والسعادة ، ويمد الثورة المباركة بقبس من روحه الإصلاحية الرائعة ، ويثبت لهذه الأمة التي رأت النور من جديد ، أن تجد في تراثها الخالد ، وفي جوانبها الحية وفي صميم كيانها ، ديناً يطهر النفس الإنسانية من نزعاتها الشريرة ، ويطهر المجتمع الإنساني من مظالمه ، ويخلصه من آلامه ، ويعلن مبدأ الأخوة العامة بين جميع المسلمين ، ويحارب الفقر والترف ، ويضمن لرفقائه النصر والعزة ، ويعدهم بسعادة الدنيا وسعادة الآخرة . هذا هو الطريق فسيروا على اسم الله ، والى الملتقى القريب » .
جماعة العلماء في النجف الأشرف - 23 جمادى الأولى 1378 ه
( منشورات جماعة العلماء في النجف الأشرف 1 - 5 ص 23 ، مطبعة النعمان - النجف )
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 140 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال الشهيد السيد مهدي الحكيم ( رحمه الله ) في مذكراته / 21 : « وكتب السيد الشهيد الصدر رضي الله عنه المنشور الأول للجماعة . وكان اسم عبد الكريم قاسم يتكرر في المنشور مرتين أو ثلاثاً ، وكان اسمه يقرن مع نصير الإسلام ، لأن الشيوعيين سموه نصير السلام لكي يوحوا بأنه شيوعي ، وكنا نحن نحاول كسبه إلى جهة الإسلام من خلال تسميته بنصير الإسلام ، أو للتغطية على عملنا ، لأنه كان شخصية محبوبة جماهيرياً في ذلك الوقت ، ووعينا كان بهذا المقدار . . . ، إن المنشور الأول للجماعة غير موجود الآن لكونه ألغي ، وهو في الواقع لا يعبر عن فكر حقيقي ، وليس فيه اتجاه معين ، لأنا لم نكن نملك رصيداً من الممارسات من هذا النوع .
إضافة إلى ذلك من المفروض وجود اسم عبد الكريم قاسم ، لأنه في حالة عدم ذكر اسمه في المنشور ، فإنه سيواجه الرفض جماهيرياً ، ومن ثَمَّ لا تتهيأ الفرصة لإذاعته عبر وسائل الإعلام ، بالرغم من أن نشر هذا البيان من الإذاعة ، كان شيئاً مهماً جداً في ذلك الوقت » .
أقول : أراد ( رحمه الله ) الاعتذار عن تضمن المنشور مديحاً لعبد الكريم قاسم ، وردّ ما أشاعه البعثيون من أنه دعوة لعبد الكريم ، ليعلن نفسه خليفة !
وقد ذكرنا أن المنشورات السبعة تبقى مصدراً تاريخياً مهماً لتلك الفترة .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 141 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

6 - المنشور الثاني - رسالة توضيحية موالية للزعيم

« بسم الله الرحمن الرحيم . الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، وعلى آله الطاهرين ، وصحبه الراشدين .
وبعد ، فلا يخفى على إخواننا المؤمنين بالله أن الدعوة الإلهية العليا التي أفصح عنها القرآن الحكيم بقوله عز من قائل : وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَر ، والتي أكدها وأيدها زعيم البلاد الموهوب سيادة الزعيم الركن عبد الكريم قاسم حين وفد عليه رجال الدين ، فأهاب بهم إلى النهوض بواجب التوجيه والإرشاد الذي هو من صميم وظيفتهم بصفتهم سدنة لهذه الشريعة الغراء ، وهي العامل الوحيد الذي حفَّز جماعة العلماء في النجف الأشرف إلى إصدار نشراتهم التوجيهية ، الداعية إلى التمسك بمبدأ الإسلام ، ونبذ ما عداه من المبادئ المرتجلة . وليس من شك في أن الدعوة الدينية الخالصة ، كالدعوة التي قام بها العلماء في النجف الأشرف ، لا تحتمل الإصطباغ بلون غير لونها الديني ، المنزه عن جميع الألوان ، فمن الخطأ والخطأ الفاحش أن توصم هذه الدعوة بما لا يتفق وخطتها الواضحة الصريحة البعيدة عن جميع الميول والاتجاهات إذ كان التهجم عليها أمراً مقصوداً على أي حال ، فإن ذلك سوف لا يقف عقبة في طريق الداعين إلى الله ولا يحد من نشاطهم في سبيل إعلاء كلمة الله . وحسب الدعوة أن تكون مصونة بعناية الله أولاً وبرعاية زعيم البلاد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 142 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثانياً . وإن جماعة العلماء تقدم مراسيم شكرها وتقديرها إلى سيادة الزعيم الكريم على هديته الغالية ، المتمثلة بصورة شخصه الموقر ، والمزينة بكلمة الإهداء المحررة بخط يده ، تبتهل إلى المولى جل شأنه مخلصة في أن يديمه لهذه الأمة ذخراً وفخراً وملاذاً ومعاذاً ، وأن يعيد الإسلام على عهده ما خسره العهد الغابر من مجده ، إنه على كل شيء قدير » .
مرتضى آل ياسين عن جماعة العلماء - 10 رجب سنة 1378 ه
( منشورات جماعة العلماء في النجف الأشرف - 1 - 5 ص : 2 و 57 ، ط : 1378 ) .
وقلم هذا المنشور يشبه قلم المنشور الأول ، ويدل على أنهم أرسلوا وفداً إلى عبد الكريم يعرضون عليه تشكيل الجماعة ومنشورها الأول ، ويظهر أنه رحب بهم وأهدى لهم صورته موقعة بعبارته الآتية :
« لقد استطاع رجال الدين الصالحون أن يجلبوا المشركين إلى حظيرة المؤمنين بتوجيههم الصحيح ، فأرجو منكم أيها الإخوان بصفتكم رجالاً مخلصين ، أن تجمعوا كلمة الشعب دوماً ، وأن ترفعوا من ثقافته الدينية بالتوجيه والإرشاد » .
عبد الكريم قاسم رئيس الوزراء وقائد القوات المسلحة .
ولم أجد تاريخ هذه الكلمة ، وقد أخذتها من موقع الشهيد الصدر ( رحمه الله ) :
25 ( رحمه الله ) :
picid = 1 http : / / www . mbsadr . com / arabic / pages / filelib . php ? nid =
كما تدل الرسالة على أن القوميين ومعهم البعثيون اتهموا جماعة العلماء بأنهم إخوان مسلمون ، لأنهم فهموا من خطابهم أن فيه تمجيداً للخلافة ، ودعوةً لعبد الكريم أن يعيد مجدها في بغداد ، ويكون خليفة المسلمين !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 143 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد ساعد على ذلك أن عبد الناصر كان يخوض معركته مع الإخوان المسلمين في مصر ، وأن عبد الكريم قاسم رفع الرقابة على كتبهم ، من أجل تضعيف التيار الناصري ، فدخلت إلى العراق بكميات كبيرة ، وصار مستوردها في بغداد قاسم الرجب صاحب مكتبة المثنى ، ثرياً كبيراً بسببها . وكنت ترى مكتبات النجف مليئة بكتب الإخوان من كل نوع ، والحوزة قَرَّاءة ، والشعب العراقي كله قَرَّاء ، فاتخذها القوميون ذريعة للتهمة .
كما اتهموا جماعة العلماء بأنهم شيوعيون ، لأن خطابهم تضمَّن نقداً للرأسمالية والاستعمار الغربي ، ومديحاً للزعيم ، اشتهر به الشيوعيون .
لكن فتوى السيد الحكيم ( رحمه الله ) ضد الشيوعية ردت تهمة القوميين والبعثيين بأن جماعة العلماء شيوعيون ، وبقيت تهمة أنهم إخوان مسلمون !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 144 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

7 - فتوى المرجعية : الشيوعية كفر وإلحاد

بعد تشكيل جماعة العلماء بنحو سنة ، ونجاح منشوراتها في تحريك المتدينين وفئات الناس ضد الشيوعيين ، رأت المرجعية أن الوقت حان لإصدار فتوى ، فأصدر السيد الحكيم ( رحمه الله ) فتواه الشهيرة بتحريم الانتساب إلى الحزب الشيوعي ، جواباً على سؤال أحدهم ، ونصها :
« بسم الله الرحمن الرحيم . لا يجوز الإنتماء للحزب الشيوعي ، فإن ذلك كفر وإلحاد ، أو ترويج للكفر والإلحاد . أعاذكم الله وجميع المسلمين من ذلك ، وزادكم إيماناً وتسليماً . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته » .
محسن الطباطبائي الحكيم - 17 شعبان 1379 .
كان ذلك بتاريخ : 15 / 2 / 1959 م ، وأذكر أنه كان يوماً فاصلاً بين مرحلة الصمت ، ومرحلة التصدي والمواجهة ! فقد ذهبنا مجموعة لبنانيين إلى بيت السيد المرجع ( رحمه الله ) ، وكان الجو في الصحن الشريف وفي سوق العمارة مختلفاً فقد لاحظنا فيه حضور عدد من المتدينين واستبشارهم ، ورأينا بخط كبير على الجدار قرب بيت السيد : الشيوعية كفر وإلحاد أو ترويج للكفر والإلحاد !
أما البيت فكان خلية نحل ، مملوءاً بالمناصرين الذين يراقبون رد فعل الشيوعيين ، والذين جاؤوا ليأخذوا الفتوى ليوزعوها في المحافظات !
وأذكر أنا رأينا في بيت السيد اثنين من رؤساء الشباب النجفي من أهل النجدة والبأس ، هما الحاج عباس سدر والحاج هادي كرماشة ، وعندما
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 145 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أردنا الخروج من بيت السيد ( رحمه الله ) قال لنا الحاج عباس : تعالوا نذهب معاً إلى المدرسة اللبنانية مشياً ، لنرى من يتعرض لنا من هؤلاء الكلاب !
وذهبنا بضعة طلبة ومعنا الحاج عباس ( رحمه الله ) وكان مسلحاً ، ومررنا في شارع ( الفيترجية ) مُصَلِّحِي السيارات ، وكنا لا نمر فيه خوفاً من إهانتهم !
ونشرت بعض الصحف في بغداد الفتوى ، فكان لها تأثير غير عادي أنساً واستبشاراً في نفوس المتدينين وحتى القوميين والبعثيين ، وصدمة وخوفاً في نفوس الشيوعيين ، ومقاومتهم الشعبية والمنظمات النصيرة لهم !
وبدأت على أثر الفتوى حركة شعبية تعلن تأييدها للمرجعية ، وكانت البصرة أول المبادرين ، ففيها علماء شجعان مثل السيد مير محمد القزويني والسيد علي عبد الحكيم ، فعقدوا اجتماعات وألقوا الخطب ، وتحركوا إلى النجف بوفود جماهيرية مؤيدة .
ولعل أول وفد جاء مؤيداً للسيد الحكيم ( رحمه الله ) ، كان من مدينة غماس القريبة من النجف ، فقد كانوا عدة ( لوريات ) أي سيارات خشبية كبيرة ، كانت رائجة يومها ، إلى جانب السيارات الصغيرة التي تسمى ( الحوض ) .
وقد رأيتهم عند سوق العمارة يسألون عن بيت السيد محسن الحكيم ( رحمه الله ) ، فمشيت معهم حتى دخلوا على السيد ( رحمه الله ) وزاروه ، وهتفوا تأييداً له .
ولما كثرت الوفود رأى مشاوروا السيد ( رحمه الله ) أنه لا بد من انتقاله إلى الكوفة لأن بيته في النجف صغير ويقع في زقاق ضيقة ، وبيته في الكوفة في شارع
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 146 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عام فانتقل السيد إلى الكوفة ، وتدفقت الوفود الشعبية من أنحاء العراق على مدى شهر تقريباً ، ناقمة على الشيوعية مؤيدة للمرجعية ، وكان السيد ( رحمه الله ) يظهر للوفد مشيراً إليهم بالسلام ، ويدعو لهم ، وكانوا يلقون الكلمات والقصائد ، ويطلقون هوسات التأييد .

8 - من منشورات جماعة العلماء إلى مجلة الأضواء

تعتبر مجلة الأضواء خطوة تصعيدية في عمل الحوزة لمواجهة المد الشيوعي وأفكاره المعادية للإسلام . فقد رأت الجهة التي اقترحت تشكيل جماعة العلماء ونجحت ، وابتكرت إصدار المنشورات باسمها وتوزيعها في المحافظات ، وتدريسها ، ونجحت . . رأتْ أن المنشور لا يكفي لإيصال الفكر الإسلامي إلى الناس ، فلا بد من مجلة ولو شهرية . وأخذوا موافقة المرجعية على ذلك ، لكن السيد الحكيم والسيد عبد الهادي الشيرازي اشترطا أن تقرأ موادها لجنة معتمدة منهما ، وعينا الشيخ خضر الدجيلي والشيخ حسين الهمداني لذلك . ( راجع مقدمة مباحث الأصول : 1 / 67 ، للسيد كاظم الحائري ) .
وتطوع الشيخ كاظم الحلفي وقدم طلب إجازة إصدار مجلة دينية ، وتوسطت له المرجعية ، ومع ذلك طالت مراجعته شهوراً !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 147 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كنت في الكاظمية في صيف سنة 1960 ، أستقبل أستاذنا الشيخ إبراهيم سليمان وكان في طريقه إلى الكويت كقاضي منتدب من المرجع ، فوجدت الشيخ كاظم الحلفي ( رحمه الله ) في فندق الرضا ( عليه السلام ) ، وأخبرني أنه مضى عليه مدة وهو يراجع في وزارة الدفاع ، لأخذ إجازة بإصدار مجلة الأضواء الشهرية .
وجاءت الإجازة العتيدة من بغداد بعد طول انتظار ، ففرح الطلبة المتحمسون وموَّل السيد الحكيم ( رحمه الله ) المجلة ، فاستأجروا لها مكاناً في شارع الطوسي ، وبعد مدة وجدوا أحسن منه قرب الصحن من جهة الباب القبلي ، واشتغلنا نحن الطلبة وأساتيذنا في كتابة المقالات وأخذها إلى مطبعة النعمان ، وتصحيحها ، ثم في رزم النسخ ، وإعطائها إلى الشباب المتحمسين ، ليوزعوها في محافظاتهم .
صدر العدد الأول في : 15 / 12 / 1379 - 9 / 6 / 1960 ، أي بعد أكثر من سنة ونصف من تشكيل جماعة العلماء ، ومعناه أن الجماعة لم تصدر في تلك المدة إلا بضعة مناشير ! وستعرف أن سبب ذلك معارضة أكثر العلماء لأصل المنشورات أو لأسلوبها ، وأنهم لنفس السبب عارضوا مجلة الأضواء ، وخاصة افتتاحيتها التي كان يكتبها السيد الصدر ( رحمه الله ) بعنوان : رسالتنا ، بحجة أنها خطاب سياسي حزبي ، حتى أجبروه على ترك الكتابة والمجلة ، كما سيأتي من كلامه ( رحمه الله ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 148 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

9 - تأثير الأضواء وتخوف البعثيين والقوميين منها

كان لصدور الأضواء تأثير واسع في بغداد ومحافظات العراق ، ولم يكن ينظر إليها على أنها مجلة ، بل على أنها مرحلة من حملة المرجعية على الشيوعية واستمرارٌ لمنشورات جماعة العلماء ، فلغتها نفس اللغة ، وعليها عبارة : ( نشرة إسلامية عامة ، تشرف عليها اللجنة التوجيهية لجماعة العلماء )
فهي مجلة رسمية للجنة التوجيهية لجماعة علماء النجف ، المؤيدة رسمياً من المرجعية . وهذا أمرٌ أعطى الأضواء ثقلاً علمياً ودينياً عند الناس ، وثقلاً سياسياً في نظر الدولة والقوميين والبعثيين !
ولذلك كانوا يسمون الناشطين المتدينين في المحافظات بجماعة الأضواء أو جماعة الحكيم ، وأشاعوا أنهم حزب يعمل لقلب النظام والوصول إلى الحكم ، واشتكوا عليهم عند المرجع وكبار العلماء بأنهم حزب سري ، لتخويفهم منهم ، واشتكوا عليهم عند السلطة لتأليبها عليهم !
وينبغي الإلفات إلى أن القوميين كانوا يرفعون شعار العروبة وتأييد جمال عبد الناصر ، ويتلقون دعماً مالياً وسياسياً من مصر لأنهم يمثلون التيار العروبي الناصري في العراق ، وكان البعثيون على هامشهم ، لكن المصريين أعجبتهم شراسة البعثيين وجرأتهم عندما عرضوا عليهم قتل عبد الكريم قاسم ، فوافقوا !
وقد اعترف علي صالح السعدي في مذكراته وهو أمين سر حزب البعث يومها ، بأنهم تلقوا مبلغاً من السفارة المصرية في بغداد ، لقتل عبد الكريم قاسم .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 149 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي يوم : 7 / 10 / 1959 ، نفذت مجموعة بعثية محاولة اغتياله في شارع الرشيد وأصيب عبد الكريم في كتفه وصدره وقتل سائقه وأحد المهاجمين :
http : / / www . iraqoftomorrow . org / civil studies

10 - عمل جماعة العلماء ولجنة الأضواء ضد الأضواء !

قال بعض القريبين من السيد الصدر : كان في النجف شخصيات من الحوزة وغيرها ، محسوبة على القوميين والبعثيين ، عملوا ضد الأضواء والسيد الصدر ، ولم يكونوا شيوعيين ، بل قوميين مع عبد الناصر .
وقد نشطوا ضد منشورات جماعة علماء النجف ، ثم ضد الأضواء ، بحجة أنه يكتبها هو والسيد مهدي الحكيم ، وعندهما حزب سري ، وأنهما يقومان بالاتصال بالضباط للقيام بانقلاب والوصول إلى الحكم .
وقد أثر هؤلاء على اللجنة الثلاثية التي كانت تراقب منشورات جماعة العلماء والأضواء ، فأوقفت المنشورات فلم تتجاوز سبعة ، مع أن الأحداث كانت تستوجب إصدار منشور كل أسبوعين على الأقل .
ثم أثروا على اللجنة فاعترضت على مواد الأضواء ، خاصة افتتاحيتها التي كان يكتبها السيد الصدر ( رحمه الله ) وأجبروه على الانسحاب من الأضواء .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 150 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم أثروا على المرجع السيد الحكيم ( رحمه الله ) عندما اشتكوا على أولاده والسيد الصدر بأنهم أسسوا حزب الدعوة ، فغضب السيد وأمر ولديه أن ينسحبا ويقطعا صلتهما بالسيد الصدر ، فخرجا من التنظيم وكذا السيد الصدر .
لكن لا يمكن قبول أن اللجنة المسؤولة عن الأضواء والمعينة من جماعة العلماء كانت ساذجة بحيث يؤثر عليها قوميون وبعثيون ، ظاهرون أو مستترون ، فتتخذ لذلك موقفاً ضد منشورات جماعة العلماء ، ثم ضد مقالات الأضواء ، وضد أشخاص محترمين كالسيد الصدر وأبناء المرجع !
فاللجنة الثلاثية هي : الشيخ مرتضى آل ياسين وهو خال السيد الصدر ، والشيخ خضر الدجيلي ، وهو ممثل السيد الحكيم ، والشيخ حسين همداني ، وهو ممثل السيد عبد الهادي الشيرازي . وهم من كبار العلماء الأبرار ، فلا بد أن نُرجع تحفظاتهم إلى سب آخر هو لغة المنشورات والمقالات ، كما قال السيد الصدر ( رحمه الله ) في رسائله التي بعث بها إلى السيد محمد باقر الحكيم ( رحمه الله ) ، ونشر فقرات منها ، قال ( رحمه الله ) : « بعد مضي أقل من عام تمكَّنت جماعة العلماء من بناء قاعدة إسلامية شابة ، ولذا قررت هذه الجماعة إصدار نشرة الأضواء الإسلامية كأداة للتعبير عن وجودها من ناحية ، ولمواصلة السير في الطريق الذي رسمته من ناحية ثانية . وقد بعثت مجلَّة الأضواء من خلال خطها الفكري والسياسي ومن خلال ما رسمته من معالم الطريق الإسلامي وخطوطه العريضة ، وبالأخص الخطوط التي كانت ترسم ضمن موضوع ( رسالتنا ) الذي كان يكتبه السيد الشهيد الصدر باسم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 151 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
جماعة العلماء وبإذنها طبعاً ، بعث الروح الإسلامية في قطَّاعات واسعة من الجماهير . وسافرت إلى لبنان في سنة 1380 ه ، حيث كانت طموحاتنا أن ننقل أفكارنا إلى ذلك البلد ، وودعت السيد الأستاذ الشهيد حيث كان في الكاظمية حينذاك بعد أن عشت معه أياماً ، وكنت أراسله باستمرار في رسائل طويلة ، وكان يجيبني بأخرى يتحدث فيها عن عواطفه الفياضة ، وهمومه الإسلامية . هذه الرسائل التي أرى فيها أنها أعز ما أحتفظ به من ذكريات تلك الأيام . وفي هذه الرسائل بدأ السيد الأستاذ الشهيد يحدثني عن هجمة قاسية شرسة قام بها حزب البعث ، تسترت ببعض أهل العلم من أعضاء جماعة العلماء وغيرهم الذين انكشف لهم حقيقة هذا الحزب ، كما تكشفت لنا حقيقته ، نتيجة الوعي الإسلامي الذي بعثه السيد الشهيد فينا . فلقد كانت الواجهة في هذه الهجمة بعض من ينتسب إلى أهل العلم ، ولكن كانت يد حزب البعث وراءها ، حيث يطرح السيد الأستاذ في بعض رسائله بأن المحامي حسين الصافي الذي كان معمماً من قبل ، ومن عائلة علمية ، وله صلات شخصية وطيدة ببعض أهل العلم ، ومسؤول حزب البعث العربي في النجف الأشرف ، كان وراء هذه الحملة وتحدث إلى بعض الأشخاص لإثارتهم .
فقد كتب لي السيد الشهيد في صفر من سنة 1380 ه‍ يقول : « لقد كان بعدك أنباء وهنبثة ، وكلام وضجيج ، وحملات متعددة جندت كلها ضد صاحبك وبغية تحطيمه . . . ابتدأت تلك الحملات في أوساط الجماعة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 152 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
التوجيهية المشرفة على الأضواء ! أو بالأحرى لدى بعضهم ومن يدور في فلكهم ، فأخذوا يتكلمون وينتقدون ، ثم تضاعفت الحملة ، وإذا بجماعة تنبري من أمثال حسين الصافي ، ولا أدري ما إذا كانت هناك علاقة سببية وارتباط بين الحملتين أو لا ؟ ! تنبري هذه الجماعة ، فتذكر عني وعن جماعة ممن تعرفهم شيئاً كثيراً من التهم من الأمور العجيبة » !
ومن الملاحظ أنه استعمل البعثيون في هذه الحملة أسلوبين رئيسيين : الأول : أسلوب الاتهام بأن هذه المجلة لا تعبر عن رأي جماعة العلماء ، وإنما هي تعبر عن رأي تنظيم سياسي ديني سري يستغل اسم جماعة العلماء . وقد كان الاتهام بالتنظيم السياسي في تلك الفترة الزمنية يعتبر تهمة شنيعة ، بسبب التخلَّف السياسي الديني في أوساط المتدينين وبالأخص أهل العلم منهم . الثاني : موضوع ( رسالتنا ) الذي يكتب باسم جماعة العلماء ، وكان يكتبه السيد الشهيد الصدر ، دون أن يعرضه على أحد منهم ، فقد كتب السيد الشهيد نفس الفترة يقول : « كما أن هناك زحمة من الإشكالات والاعتراضات لدى جملة من الناس أو الآخوندية في النجف على النشرة وخاصة ( رسالتنا ) باعتبار أنها كيف تنسب إلى جماعة العلماء مع أنها لم توضع من قبلهم ولم يطلعوا عليها سلفاً ، وإن في ذلك هدراً لكرامة العلماء !
هذا في الوقت الذي يقول الأخ . . . إن الكلمة في بغداد متفقة على أن رسالتنا كتابة تجديد وابتكار ، تختص بمستواها الخاص عن بقية الأضواء » .
وقد كتب ( الشهيد الصدر ) في 6 / ربيع الأول / 1380 : « لا أستطيع أن أذكر
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 153 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
تفصيلات الأسماء في مسألة جماعة العلماء وحملتها على الأضواء . . . ولكن أكتفي بالقول بأن بعض الجماعة كان نشيطاً في زيارة أعضاء جماعة العلماء لإثارتهم على الأضواء وعلى ( رسالتنا ) حتى لقد قيل إن الشيخ الهمداني الطيب القول ، قد شوهت فكرته عن الموضوع . . . وهذا الذي حصل بالنسبة للشيخ الهمداني حصل بالنسبة إلى جملة من الطلبة ، مع الاختلاف في بعض الجهات . . .
وقد كتب أيضاً : « فإنني أجيبك على سؤالك فيما يخص موقف الخال ، فإن الشيخ الخال كان في الكاظمية بعيداً عن الأحداث نسبياً ولم يطَّلع إلَّا على سطحها الظاهري ، وهو ماض في تأييده للأضواء ومساندته لها ، وقد طلبت أن يكتب إلى بعض جماعة العلماء لتطييب خاطرهم وجلب رضاهم عن الأضواء . . . فكتب إلى . . . وأخبره بأن الأضواء لم تكن تصدر إلَّا بعد مراقبته وإشرافه ، وأنها تناط الآن . . . كما أخبره بأن كاتب ( رسالتنا ) سوف ينقطع عن الكتابة » .
وأيضاً كتب السيد الشهيد : « فقد حدثني شخص في الكاظمية أنه اجتمع به في النجف الأشرف ، فأخذ يذكر عني له سنخ التهم كالها حسين الصافي من دون مناسبة مبررة . وعلى كل حال عسى أن يكون له وجه صحة في عمله إن شاء الله » ! وقد كانت لهذه الإثارة دور كبير في تحريك جماعة العلماء بالخصوص ضد السيد الشهيد والمجلَّة ، بخلاف الأسلوب الأول ، فإن دوره الأساسي كان في أوساط المتشدّدين من أهل العلم البعيدين عن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 154 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
التيار الإسلامي وهمومه ومشاكل الأمة وانحرافاتها الفكرية والسياسية ، ولذا كان تأثيره على جماعة العلماء محدوداً . . . وقد أحسن السيد الأستاذ الشهيد الصدر في معالجة الموقف بهدوء ، حيث تمكَّن أن يثبت حينذاك أنه لا ينتمي إلى تنظيم سياسي معين ، كما أنه منحت اللجنة التوجيهية لجماعة العلماء الإشراف الفعلي على المجلة وعلى موضوع ( رسالتنا ) وتمسك بالصبر والسكوت ، فقد كتب يقول : « وأما واقع الأضواء هنا فهو واقع المجلة المجاهدة في سبيل الله ، وقد هدأت والحمد لله حملة جماعة العلماء عليها ، بعد أن تم إشعارهم بأنهم المشرفون عليها . غير أن حملة هائلة على ما أسمع يشنها جملة من الطلبة ومن يسمى بأهل العلم أو يحسب عليهم ، وهي حملة مخيفة وقد أدت على ما قيل إلى تشويه سمعة الأضواء في نظر بعض أكابر الحوزة ، حتى كان جملة ممن يسميهم المجتمع الآخوندي مقدسين أو وجهاء لا يتورعون عن إلصاق التهم بالأضواء وكل من يكتب فيها .
ومن الجدير بالذكر أنه كان الإخوان في اللجنة التوجيهية يتسامحون في تقديم ما يكتبونه إلى الجماعة للإشراف المباشر عليه ، خوفاً من ملاحظات تبديها الجماعة تمس الصيغ الجديدة التي كانوا يقدمونها للأفكار الإسلامية التي كانت تمد التيار الإسلامي الواعي بالوقود والعطاء .
ولكن التجربة التي مارسوها بعد الضجّة دلَّت على أن جماعة العلماء كانت على درجة من الوعي تجعلها لا تعارض مثل هذه الأفكار بل تمنحها
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 155 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
التأييد والقبول ، لأنه يشهد رضوان الله عليه بعد ذلك في تاريخ 18 ربيع الأول يقول : « وأسرة الأضواء التي لا غبار عليها وجه من الوجوه مورد للاطمئنان الكامل ، وهم يعرضون مقالاتهم على الثلاثة [ لجنة المراقبة ] ولم يصادفوا لحد الآن مشكلة مبدئية في هذا المقام ، والحمد للَّه ربّ العالمين » .
« حدسي أن الأضواء سوف تستمر إن شاء اللَّه تعالى ، لأنها تتمتع الآن برصيد قوي من الداخل والخارج ، فمن الخارج بلغت عدد الإشتراكات . . ومن الداخل تتمتع برضا جماعة العلماء » .
وهكذا تمكَّن السيد الشهيد رضوان الله عليه بحكمته وصموده وصبره ، أن يواصل طريقه مع إخوانه وتلامذته في الجهاد ، وأن يقفوا جميعاً في وجه هذه الهجمة الشرسة التي استغلَّت أخس المشاعر في الإنسان ، واستعملت أخبث الأساليب . وتمكن بسبب ذلك الخط الإسلامي الأصيل أن يستمر في تفاعله مع الأمة والتأثير فيها » . ( مقدمة مباحث الأصول : 1 / 67 ، للسيد كاظم الحائري ) .
وينبغي أن نسجل هنا ملاحظات :
1 - أن الذين وصفهم السيد الصدر ( رحمه الله ) بأنهم قادوا الحملة ضده ، هم من جماعة العلماء ، ومن اللجنة التوجيهية التي عينوها لتشرف على الأضواء قال ( رحمه الله ) : « هجمة قاسية شرسة قام بها حزب البعث ، تسترت ببعض أهل العلم من أعضاء جماعة العلماء وغيرهم » . وقال : « ابتدأت تلك الحملات في أوساط الجماعة التوجيهية المشرفة على الأضواء ! أو بالأحرى لدى بعضهم ومن يدور في فلكهم » !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 156 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأعضاء جماعة العلماء هم ثقل حوزة النجف بعلمائها ومرجعيتها ، وقد عدُّوا منهم : الشيخ محمد جواد آل راضي ، والشيخ محمد طاهر آل الشيخ راضي ، والشيخ حسن الجواهري ، والشيخ محمد حسن الجواهري ، والشيخ محمد رضا المظفر ، والشيخ خضر الدجيلي ، والشيخ حسين الهمداني ، والسيد محمد تقي بحر العلوم ، والسيد علي الخلخالي ، والسيد مرتضى الخلخالي ، السيد موسى بحر العلوم ، والشيخ مرتضى آل ياسين ، والسيد إسماعيل الصدر ، والسيد محمد باقر الشخص ، والسيد موسى بحر العلوم ، الشيخ محمد تقي الإيرواني . . وآخرين .
والمقصود باللجنة التوجيهية لجماعة العلماء : بضعة نفر من شباب العلماء على حد تعبير السيد محمد باقر الحكيم ، منهم الشيخ كاظم الحلفي صاحب الامتياز ، والشيخ عبد الهادي الفضلي ، والسيد عدنان البكاء ، وآخرون ، كانوا موكلين من جماعة العلماء بتحرير المجلة والإستكتاب لها ، لكنهم لا يملكون القرار ، لأن جماعة العلماء عينت لهم ثلاثة علماء ( الدجيلي والهمداني وآل ياسين ) وجعلت لهم حق قبول المواد أو ردها .
2 - المقصود بالثلاثة كما تقدم الشيخ الدجيلي ممثل المرجع الحكيم ، والشيخ حسين الهمداني ممثل المرجع السيد عبد الهادي الشيرازي ، والشيخ مرتضى آل ياسين رئيس جماعة العلماء . والثلاثة من العلماء الكبار رضوان الله عليهم .
ومعنى كلام السيد الصدر ( رحمه الله ) : « حتى لقد قيل إن الشيخ الهمداني الطيب القول ، قد شوهت فكرته عن الموضوع . . . وهذا الذي حصل بالنسبة للشيخ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 157 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الهمداني حصل بالنسبة إلى جملة من الطلبة » معناه أن العاملين ضده أثروا على الشيخ الهمداني فصار رأيه سلبياً في الأضواء ومقالاتها ، ومثله جملة من الطلبة . وتقديري أن موقف الهمداني وموقف الشيخ الدجيلي رحمهما الله ، وغيرهما من جماعة العلماء ، لا يرجع إلى تأثير الآخرين عليهم ، بل إلى قناعتهم بالأسلوب التقليدي في التبليغ ، وبالعمل الإصلاحي في السياسة وإشكالهم على الطرح الإنقلابي للإسلام ، والعمل لإقامة حكم إسلامي .
فهذا هو موقف المرجع السيد الحكيم ، والمرجع السيد عبد الهادي الشيرازي ، وقد كان ممثله الشيخ حسين الهمداني يسكن قرب المدرسة اللبنانية ، فكنت أزوره مع بعض الطلبة فيسألنا عن دروسنا ، ويحدثنا بما ينفعنا ، وكان ينصحنا بسلوك الخط الذي سار عليه السلف الصالح من العلماء والمراجع وأصحاب الأئمة ( عليهم السلام ) ويحذرنا من الإنجرار إلى السياسة !
أما حسين الصافي ، الذي ذكره أستاذنا ( رحمه الله ) بأنه كان يحرك عليه ويفتري ، فيختلف منطلقه عمن ذكرهم السيد الصدر أنهم قادوا الحملة عليه من جماعة العلماء ومن اللجنة التوجيهية ، فحسين الصافي بعثي عريق ، كان يعمل بدهاء ضد جماعة العلماء والأضواء والسيد الصدر ( رحمه الله ) ، وهو الذي دخل على المرجع السيد الحكيم ( رحمه الله ) وبقي واقفاً ولم يجلس وسأله قائلاً : سيدنا ، هل تعمل أنت في السياسة ؟ قال : لا . قال : هل تقبل أن يعمل أحد باسمك في السياسة ؟ قال : لا . قال : إذن ليكن معلوماً لديك بأن ابنك السيد مهدي والسيد محمد باقر الصدر أسسا حزباً للوصول إلى الحكم ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 158 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وهما يعملان باسمك ! فدهش السيد ( رحمه الله ) من كلامه وقال له : أجلس ، قال : لا ، شكراً ، فقد أردت فقط أن يكون عندك علم ! فتأذى السيد المرجع كثيراً ، ودخل إلى بيته ذلك اليوم ولم يستقبل أحداً ، وأرسل في إحضار السيد مهدي والسيد باقر رحمهم الله ، ونهاهم .
وقد روى القصة الحاج محمد حسين أديب بشكل آخر لم يصح عندي ، قال : « جاء حسين الصافي ، وهو رجل بعثي لئيم جاء إلى المرحوم آية اللَّه الحكيم وقال : إن السيد الصدر وآخرين ممن ذكر أسماءهم ، قد أسسوا حزباً باسم حزب الدعوة الإسلامية ، وبهذا سيهدمون الحوزة العلمية ! وبدأ يهدد ويتكلَّم ضد من أسماهم مؤسسين للحزب ، فنهره آية الله العظمى السيد الحكيم وقال له : أفأنت أحرص على مصالح الحوزة العلمية من السيد الصدر ؟ ثم أخرجه من بيته بذل وهوان ، ثم أرسل رضوان اللَّه عليه أحد أولاده إلى السيد الصدر . . » ( مباحث الأصول للسيد كاظم الحائري : 1 / 88 ) .
وبعد انقلاب القوميين والبعثيين على عبد الكريم ، صار حسين الصافي محافظ الديوانية ، ثم صار وزيراً للعدل سنة 1971 ، وتوفي 1987 .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 159 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
11 - الشيخ مرتضى آل ياسين : الأضواء جابت بنية !
انسحب أستاذنا الصدر ( رحمه الله ) من الكتابة في الأضواء ، واعتكف مدة في الكاظمية بسبب هجوم جماعة العلماء الذي ذكره ( رحمه الله ) ضده وضد الأضواء ، وبقيت الأضواء مستمرة ومؤثرة في الناس لكنها فقدت بريقها ، لأن الحملة على السيد الصدر ( رحمه الله ) جعلتها محل خلاف بعد أن كانت محل إجماع !
وبقيت بعد ذلك لسنة وأكثر يكتب على غلافها : تشرف عليها اللجنة التوجيهية لجماعة علماء النجف ، حتى أزيل عنها ، وكتب بدله : مجلة دينية تشرف عليها لجنة توجيهية من الهيئة العلمية في النجف . ثم أزيل وكتب عليها : مجلة دينية تشرف عليها لجنة توجيهية من العلماء !
وسبب ذلك أن جماعة العلماء شكوا من أنها تنسب إليهم بدون حق ! وقد أثَّروا حتى على الشيخ مرتضى آل ياسين ( رحمه الله ) فكان ينتقد نشر موضوعاتها بدون معرفتهم !
فقد أخبرني الشيخ الحلفي أنه زاره وقدم إليه الأضواء فقال له : سمعت أن الأضواء « جابت بنية » ! ويقصد ببنت الأضواء مجلة صغيرة وزعوها ملحقاً ، اسمها « الفتاة المسلمة » .
وكان الشيخ الحلفي يشكو من تأخيرهم المقالات ، وكثرة إشكالاتهم !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 160 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وهكذا تضاءل تأثير الأضواء على الناس ، لأن المتدينين التقليديين لم يعودوا حريصين عليها ، والمتدينين الشباب الذين كنا نسميهم « الواعين » كانوا يرونها نافعة ، لكن الذي يسد حاجتهم هو النشرة التنظيمية .
وكانت الأضواء عملياً هي الشيخ الحلفي ( رحمه الله ) فهو صاحب الامتياز ، وهو المتفرغ ، والمسؤول عن تدبير ماليتها من السيد الحكيم ( رحمه الله ) والخيرين .
وكان أصعب عمله تهيئة المقالات ، فكُتَّاب الموضوعات التي يريدها قلة فكان يستكتب حتى الناشئين أمثالي ، وكان عمري يومها ثمان عشرة سنة .
وقد كتبت في السنة الثالثة موضوعاً بعنوان : وداعة الحياة في نظر المؤمن ، ثم موضوعاً في العدد التاسع بعنوان : أخي المثقف علينا أن نفهم الإسلام . وقد هنأني يومها الشيخ محمد مهدي شمس الدين ( رحمه الله ) على هذا القلم الجيد لكني قرأت الموضوعين بعد ذلك فرأيتهما عاديين ، تغلب فيهما العاطفة على العلمية ، ولا يتناسبان بحال مع مجلة تحمل اسم حوزة النجف !
ثم كتبت في السنة الرابعة افتتاحية الأضواء « كلمتنا » لعددين بعنوان : الصلة بين النبوة والإمامة ، وكان أسلوبي شديداَ في نقد منكري الإمامة ، فعاتبني أستاذنا الصدر ( رحمه الله ) بعد صدور العدد ، حيث لم يكن يرى المقالات أحد سوى الشيخ كاظم الحلفي ( رحمه الله ) !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 161 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل السادس : ثلاثة عهود قبل الاستبداد البعثي

1 - لماذا سلط عبد الكريم الشيوعيين على الناس ؟

كان الجو الحاكم في البلاد العربية موجة التأييد لعبد الناصر وشعاراته القومية المعادية للغرب ، وانقسمت الدول العربية إلى تحررية بزعامة عبد الناصر ، ورجعية موالية للغرب بزعامة آل سعود وملوك العراق والأردن .
وفي هذا الجو لا بد أن تكون الثورة على النظام الملكي العراقي معاديةً للغرب ومنفتحةً على الشرق الشيوعي ، وهذا هو منطق عبد الكريم ورفاقه الضباط الأحرار ، فهم لا يريدون الخضوع لعبد الناصر ، ولا يريدون عداءه .
لكن عبد الناصر وأنصاره كانوا يصرون على إخضاع العراق لهم وإعلان الوحدة الفورية مع الجمهورية العربية المتحدة ، التي وصلت إلى حدوده !
أمام هذا الوضع رأى عبد الكريم أن يستعين بالشيوعيين ، فهم يستطيعون بشعاراتهم وتنظيمهم ونشاطهم ، أن يساندوه ويقفوا في وجه القوميين والبعثيين عملاء عبد الناصر ، ومعهم المتدينون السنة ، وبعض الشيعة !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 162 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لذلك أطلق عبد الكريم يد الشيوعيين ، لكنهم كانوا مجانين ! فقد اشتروا عداء عبد الناصر ، حتى كتبوا على جدار سفارته في بغداد : شيلوا سفارتكم ما نريد وحدتكم . قواويد ! وعلق أحد الطلبة المحبين لعبد الناصر يومها ، فقال : إن الكلمة الأخيرة توقيع الذي كتب الشعار !
ثم استَعْدَوْا المسلمين سنة وشيعة بشعاراتهم ضد الدين ، كشعار : الدين أفيون الشعوب ، مع أن الدين محرر الشعوب ، وشعار : بس هالشهر ، ماكو مهر والقاضي نذبه بالنهر !
أي هذا آخر شهر نعطي فيه مهوراً وسنلغي عقود الزواج ! وهو إباحية لا يقبلها مجتمع في العالم فكيف بمجتمع العراق العربي المسلم ! ولعل هذا الشعار كان مكذوباً عليهم ، لكنه يدل على اندفاعتهم وإفراطهم !
لكن لا بد أن ننصف الشيوعيين ونقول إنهم لم يكونوا ملحدين ، وربما كان في قياداتهم بضعة أشخاص يتبنون الشيوعية العلمية والديالكتيك ، الذي يعني الإلحاد ، أما كوادرهم وجمهورهم ، فلم يكونوا ملحدين !
ففي سنة 1962 ، قلت للسيد مرتضى الحكيم ( رحمه الله ) : هل نستطيع أن نعرف ماذا يُدَرِّس الشيوعيون في حلقاتهم ؟ قال : عندي صديق أخبرني أن جواد علي بك ، وكان مسؤولاً شيوعياً في النجف يعقد جلسات في بيته ، وسأكلفه أن يعرف لنا ماذا يدرسهم ؟
وبعد أيام قال لي : كلفته فراقبهم فقال : جاء جواد وبيده كتاب رأس المال
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 163 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لماركس ، وجلس حوله أربعة هم أعضاء الحلقة ، فابتدأ كلامه فقال : قال الرفيق لينين ، الله يرحمه ويرحم شيعة أمير المؤمنين !
فضحكنا لهذه المفارقة ! ورأينا مثلها في مواكب عاشوراء ، فقد كانوا يشاركون في المواكب ، ويمجدون ثورة الإمام الحسين ( عليه السلام ) ، لأنها برأيهم ثورة الطبقة الكادحة ضد البرجوازية الأموية !
لذلك لا يمكن القول بأن الموجة الشيوعية التي طغت يومها في العراق ، كانت تتبنى الإلحاد ، وتريد تعميمه على العراق ، وإن كان غوغاؤها رفعوا عدداً من شعارات الإلحاد ، وظهر منهم كثير من الجنون الهستيري !
وخير وصف لهم أنهم انفلتوا من سجن النظام الملكي ، ورأوا أناساً يركضون ويهتفون ، فركضوا معهم وهتفوا ، حتى اصطدموا بالجدار !

2 - غلو الشيوعيين في الزعيم الأوحد !

كان عبد الكريم قاسم بالنسبة إلى الشيوعيين فرصة العمر التي لا تتكرر ، لذلك غالوا فيه وسموه الزعيم الأوحد ، وأطلقوا في تمجيده شعارات مفرطة ، وهتفوا بموت من يعاديه ، بل بموت من لا يواليه !
وربما كانوا يحاولون بذلك تغطية خسارتهم الشعبية ! لكن غلوهم بالزعيم كان عاملاً في كره فئات من الناس له ! وقد وصف الشواف في بيانه الأول مغالاتهم فيه بقوله : « وتعيث بالبلاد مقابل ذلك فئة ضالة باغية
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 164 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لا دين لها ولا ضمير ، تخلق لها صنماً به لوثة في عقله وتعبده ، ولا تخشى الله وتنادي به رباً للعالمين ، وتُسخر موارد الدولة لتخلق منه زعيماً أوحداً ، ومنقذاً أعظم » .
لكن الواقع أن فئات من الشعب كانت تحب عبد الكريم حباً حقيقياً ، حتى بعد أن قتله البعثيون عملاء عبد الناصر ، فقد كانت هذه الفئة الواسعة معجبة بحسه الشعبي ، وتشعر أنه منها ويمثل ضميرها !
وكان عبد الكريم يحب الجمهور ويتقرب إليه بكلامه وسلوكه ، كان يُخرج علبة التبغ ويلف سيجارة كعامة الناس ، ليشعرهم أنه منهم ومثلهم .
وكان يَخرج من وزارة الدفاع في أوقات يأمن فيها ، ويقوم بجولات بين الناس ليراهم ويروه . وقد حدثني سكرتيره جاسم العزاوي وكان من الخالص ، أن عبد الكريم أيقظه يوماً قبل الفجر وقال له : جاسم قم شغِّل السيارة ، وركب معه وأمره أن يذهب من الجسر المعلق ، ثم إلى الكرادة ، ثم إلى قناة الجيش ، ومرَّ على مخبز الصَّمُّون ( الخبز الفرنجي ) في قصته المشهورة .
قال العزاوي : ورأى عند قناة الجيش مجموعة نساء جئن من الريف باكراً ليبعن القيمر والرُّوب ( القشطة واللبن ) فأمرني بالوقوف ، ونزل وسلم عليهن ( السلام عليكن خالاتي ) وعرَّفهن بنفسه ، ففرحن به وهلهلن ، فتحدث معهن ، ثم ركب وقال لي : أرأيت أن الشعب يحبني ، وأنا أحبهم !
وسألته عن الإصلاح الزراعي وكان وزيره ، فقال : هو الإفساد الزراعي !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 165 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأخذ يتكلم عن التعديات على أملاك الناس وسوء الإدارة والتوزيع !

3 - تأثير الموجة الشيوعية على السنة في العراق

تضرر متدينوا السنة وعلماؤهم من الموجة الشيوعية ، وكان ثقلهم في الموصل بزعامة الإخوان المسلمين ، وفي الأعظمية ببغداد بزعامة المفتي ورجال الدين ، لكن مقاومتهم كانت خفيفة ، جاءت على هامش مقاومة المرجعية وعلماء الشيعة وجمهورها المتحمس ، فكنا نرى في النجف وفود مشايخ من الأعظمية وغيرها ، يزورون المرجعية مؤيدين متضامنين ، كما زاروا المرجع السيد الحكيم ( رحمه الله ) في سفرته إلى بغداد وسامراء .
أما المراقب العام للإخوان المسلمين وهو الشيخ محمد محمود الصواف فلم يتحمل مضايقة الشيوعيين في الموصل وذهب بها عريضة ، فهرب في أول موجتهم سنة 1959 إلى السعودية ، واستقر هناك إلى آخر عمره !
فخلفه عبد الكريم زيدان ورفع مذكرة إلى عبد الكريم قاسم تدين الأوضاع في العراق ، وتحمله مسؤولية ما يجري : « فأمرت السلطات بإلقاء القبض على عبد الجليل إبراهيم ، ووليد عبد الكريم الأعظمي ، وعلى تسعة أعضاء بارزين في حزبهم ، وأغلق مقر الحزب في بغداد يوم 21 تشرين الثاني 1960 ، وفي 16 آذار 1961 ، أصدر الحاكم العسكري أحمد صالح العبدي بياناً حل فيه الحزب . وبعد حله انقسمت جماعة الإخوان إلى
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 166 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قسمين : الأول ، أراد مواصلة العمل بصورة سرية ، وآخر دعا إلى الانصراف إلى التربية والتوقف عن ممارسة أي نشاط حتى إشعار آخر ، ومع ذلك فقد واصل الحزب إصدار بيانات تحت تسميات مختلفة مثل : الرابطة الإسلامية ، والجبهة الإسلامية » http : / / www . madarik . org / mag 7 / 9 . htm
ثم جاء عبد السلام فكان العهد الذهبي للإخوان ، وأجاز حزبهم .
أما السياسيون السنة ، فكانوا مؤيدين لعبد الناصر ، وقد نشطوا بإدارة مصر وتحالفوا مع البعثيين ، لإسقاط نظام عبد الكريم ، حتى أسقطوه .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 167 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

4 - أول ثورة ناصرية على عبد الكريم قاسم

كان عبد الناصر مستعجلاً لضم العراق إلى دولته « الجمهورية العربية المتحدة » فدفع عبد السلام لذلك ففشل ، ثم دفع عبد الوهاب الشواف وكان قائد الفرقة الخامسة من الجيش في الموصل ، ومعه ناظم الطبقجلي قائد الفرقة الثانية ، وبعث لهم أسلحة عن طريق سوريا ، فقاموا بانقلابهم في الموصل ونجحوا أول الأمر ، وأذاع الشواف البيان الأول ، وجاء فيه :
« أيها المواطنون : عندما أعلن جيشكم الباسل ثورته الجبارة في صبيحة 14 تموز الخالد ، عندها حطم الاستعمار وعملائه وقضى على النظام الملكي ، وأقام بمؤازرتكم وتأييدكم النظام الجمهوري الخالد ، عندما فعل جيشكم ذلك كله ، لم يدر بخلده ولا بخلدكم أن يحل طاغية مجنون محل طاغية مستبد ، وتزول طبقة استغلالية بشعة ، ليحل محلها فئة غوغائية تعيث بالبلاد والنظام والقانون فساداً ، ويُستبدل مسؤولون وطنيون بآخرين يعتنقون مذهباً سياسياً لا يمت لهذه البلاد العربية الإسلامية العراقية بمصلحة . . وتعيث بالبلاد مقابل ذلك فئة ضالة باغية لا دين لها ولا ضمير ، تخلق لها صنماً به لوثة في عقله وتعبده ولا تخشى الله وتنادي به رباً للعالمين ، وتُسخر موارد الدولة لتخلق منه زعيماً أوحداً ، ومنقذاً أعظم .
هذا الزعيم ، الذي خان ثورة 14 تموز وعاث بمبادئها وأهدافها ، ونكث بالعهد ، وغدر بإخوانه الضباط الأحرار ونكل بهم ، وأبعد أعضاء مجلس
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 168 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الثورة الأشاوس ليحل محلهم زمرة انتهازية رعناء . . . واستهتر بدستور جمهوريتنا المؤقت ، وسلب مجلس السيادة المؤقت كل مسؤولياته الدستورية واحتكرها لنفسه . . . ، وأعلنها حرباً شعواء على الأمة العربية ، لدرجة أن صار الهتاف بسقوط القومية العربية شعاراً له ولزمرته الباغية الفاجرة . . . ،
لهذه الأسباب كلها ، أيها المواطنون الأباة في شتى أنحاء جمهوريتنا الخالدة عزمنا باسم العلي القدير ، بعد اتفاقنا مع أخينا الزعيم الركن ناظم الطبقجلي قائد الفرقة الثانية ، ومع كافة الضباط الأحرار في جيشكم الباسل . . . على تحرير وطننا الحبيب من الاستعباد والاستبداد ، وتخليصه من الفوضى . . . ،
أيها المواطنون : إننا ، إلى أن يستجيب عبد الكريم قاسم فينصاع للحق ، ويتنحى عن الحكم فوراً ، والى أن يمارس مجلس السيادة سلطاته ، ليؤلف وزارة بالتعاون مع مجلس قيادة الثورة ، قد أخذنا على عاتقنا بعد الإتكال على الله ، مسؤولية إدارة البلاد . . » .
العقيد الركن عبد الوهاب الشواف قائد الثورة 8 آذار 1959 .
لكن عبد الكريم تمكن من السيطرة على فرق الجيش ، وإفشال انقلاب الشواف ، مستعيناً بالضباط الشيوعيين ، وتنظيماتهم الشعبية .
لكن مصر لم تيأس ، فواصلت عملها حتى أسقطته وجاءت بعبد السلام .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 169 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

5 - عداوة عبد السلام عارف للشيعة !

عبد السلام عارف ضابطٌ من منطقة حديثة على الحدود السورية ، كان قومياً ناصرياً متحمساً ، يدعو إلى الوحدة الفورية مع مصر ، وقد اشترك في انقلاب عبد الكريم قاسم ، وكان نائبه ووزير الداخلية .
وقد ترأس عبد السلام الوفد الذي زار عبد الناصر ، ليبشروه بانتصار الثورة الموالية له ، ويطلبوا منه الدعم السياسي والعسكري ، فاحتفى بهم ، وأرسل إلى العراق شحنة أسلحة من سوريا التي كانت في دولة الوحدة ، وجلس مع عبد السلام عارف في غرفة وحدهما .
وعندما رجع عبد السلام من زيارته ظهر خلافه مع عبد الكريم ، فعزله عبد الكريم من مناصبه ، وعينه سفيراً في ألمانيا ، لكن عبد السلام رفض الذهاب وشهر مسدسه ليغتال عبد الكريم ، فأمسكوا يده ، فادعى أنه أراد أن ينتحر ! ثم قبل الذهاب سفيراً إلى ألمانيا .
ثم رجع من ألمانيا بدون إذن عبد الكريم فحبسه ، فغضب له عبد الناصر ، وشن الإعلام المصري حملات على عبد الكريم ، وكان عبد الناصر يسمي عبد الكريم : قاسم العراق ، بينما لم يتكلم عبد الكريم عليه بحرف !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 170 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

6 - هدية عبد السلام الأموية إلى عبد الناصر !

كان نوري السعيد رئيس وزراء النظام الملكي في العراق ، عدواً لدوداً لعبد الناصر ، فكان عبد الناصر يتهمه بالعمالة للغرب . وعندما وقع الانقلاب هرب نوري السعيد فحاصروه ، فقتل نفسه بمسدسه ! وطلب عبد السلام أن يقطعوا إصبعه ويأتوه بها ، فأخذها معه هدية إلى جمال عبد الناصر ، فاقشعر عبد الناصر من هذه القسوة ، وأمر بدفن الإصبع !
« جاء وفد عراقي ليبشر عبد الناصر بانتصار الثورة والقضاء على حلف بغداد ، وحمل برهانه في علبة ، وطلب من عبد الناصر أن يفتحها ، وإذ بلفافة قطن دامية تحمل إصبعاً بشرياً مقطوعاً ! فامتعض عبد الناصر من هذا العنف غير المبرر ، إنها هدية عبد السلام عارف لجمال عبد الناصر !
وتكدر حاله في هذا اللقاء الدموي ، فأمر عبد الناصر بدفن إصبع نوري السعيد بكل احترام ، في المقبرة الرفاعية أمام قلعة محمد علي » !
http : / / newsweek . alwatasn . com . kw / Default . aspx ? MgdDid = 140 pagdald & 423142
وهذا يكشف عن روح السادية الأموية عند عبد السلام عارف ، شبيهاً بالذين قطعوا إصبع الإمام الحسين ( عليه السلام ) ليأخذوا خاتمه ! وقد كتم بعضهم اسم عبد السلام فقال : « قدمت هدية إلى عبد الناصر وكانت عبارة عن لفة صغيرة ، تحوي في داخلها إصبع نوري السعيد ، وأمر عبد الناصر بدفنها بسرعة » .
http : / / www . abdullakhalaf . com / view . asp ? ID = 140
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 171 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

7 - حكم المخابرات المصرية للعراق

في تلك الأيام نشطت المخابرات المصرية في العراق ، وكان لها التأثير الأول قبل المخابرات الإنكليزية والأمريكية !
وقد استمر نفوذها القوي في العراق حتى في عهد عبد الرحمن عارف !
قال السيد مهدي الحكيم ( رحمه الله ) في مذكراته / 76 ، ناقلاً حديثه مع عبد الرحمن :
« قلت : إن عبد الناصر اجتمع مع أنديرا غاندي ، وأعلن أن الاجتماع سري ، فأصدر رئيس الوزراء هنا بياناً قال فيه بأننا نؤيد كل ما جرى في المحادثات بين الرئيس والرئيسة ! ولما كان الاجتماع سرياً فبأي صفة وأنت رئيس وزراء دولة أخرى ، تؤيد كل ما جرى في الاجتماع الذي كان سرياً ؟ هذا الأمر ليس له معنى إلا أن تعتبر نفسك تابعاً كأي موظف لرئيسه » !
وقد فرضت المخابرات المصرية على القوميين أن يتحالفوا مع البعثيين وجعلت التحالف برئاسة عبد السلام ، وقامت بانقلاب على عبد الكريم قاسم ، ونجحت في إسقاطه .
وبعد بضعة شهور غدر عبد السلام بشركائه البعثيين وأقصاهم ، كما غدر به شريكه عبد الكريم قاسم من قبل ، وأقصاه .
ثم تفرغ عبد السلام لاضطهاد الشيعة وإبعادهم عن المناصب الهامة ، مع أنهم أكثرية البلد ، فوقفت المرجعية ضده ، لمنعه من ذلك .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 172 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ومن حماقة عبد السلام أنه لم يكتف بعدائه للشيعة ، حتى فتح جبهة الحرب على عبد الناصر ، عندما رفض اتخاذ خطوات في الوحدة ، بحجة أنها تحتاج إلى دراسات عميقة ومفصلة ، فغضب عليه عبد الناصر !
وزاد من غضبه أن عبد السلام انتقد حكم عبد الناصر على سيد قطب بالإعدام سنة 1964 ، وطالبه بإطلاقه ، وأرسل إليه وفداً وزارياً برئاسة شيت خطاب ليتابع ذلك ، فاضطر عبد الناصر لإطلاق سيد قطب ، لكنه بعد أن أطاح بعبد السلام ، اعتقله وأعدمه !
ففي 13 نيسان من سنة 1966 ، كان عبد السلام في طائرة مروحية بين البصرة والعمارة ، فسقطت به وقتل ، وقال بيان حكومة إنها سقطت بسبب عاصفة رملية ، وقال بعضهم كانت السماء صافية ، ولم تكن أي عاصفة ، وكانت الطائرة روسية ، والمتهم عندهم المخابرات المصرية .
وما أن قتل عبد السلام حتى وصل إلى العراق المشير عبد الحكيم عامر ، مبعوثاً من عبد الناصر ليرتب وضع العراق ، فقام بجمع مجلس الوزراء ومجلس الدفاع الأعلى لانتخاب رئيس ، وكان الأمر يدور بين العقيلي الشيعي رئيس الفرقة الأولى في الجيش ، وبين عبد الرحمن البزاز رجل بريطانيا ، وبين عبد الرحمن عارف الضعيف المقبول من مصر . فرتبوا الأمر لعبد الرحمن وأعلنوه رئيساً للجمهورية بعد أخيه .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 173 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وكان عبد الرحمن ضعيفاً مسالماً ، حاول إصلاح العلاقة مع الشيعة ، فاستوزر منهم وليَّن خطابه معهم ، واتفق مع المصريين على البدء بخطوات عملية لتحقيق الوحدة ، لكن البعثيين عاجلوه ، وجاؤوا كما صرح أمين سر حزبهم علي صالح السعدي بقطار أنكلو - أمريكي ، وأسقطوا نظامه في 17 تموز 1968 ، بواسطة عبد الرزاق النايف مدير الإستخبارات العسكرية ، وعبد الرحمن الداوود آمر قوات الحرس الجمهوري ، وسعدون غيدان آمر كتيبة الدبابات في الحرس الجمهوري !
وبعد ثلاثة عشر يوماً انقلب البعثيون على النايف ، ونفوه إلى لندن ثم اغتالوه ، بعد أن صرح أن الأمريكان فرضوا عليه التعاون مع البعثيين !
وكان الدكتور ناصر الحاني الذي عينوه وزيراً للخارجية ، عرَّاب الانقلاب بين النايف والداوود والبعثيين والولايات المتحدة .
وفي رئاسة أحمد حسن البكر ، برز من البعثيين صدام ، متميزاً بجرأته على القتل ، فقام بتصفية رفاقه وتنحية البكر ، وأخضع الحزب والجيش لحكمه وحكم العراق لأكثر من ثلاثين سنة ، حتى أسقطته أمريكا سنة 2003 م .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 174 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

8 - عاشور هالعام اثنين !

كان عبد السلام متعصباً ضد الشيعة ، ومحبوباً عند متديني السنة ، فقد قرب مشايخهم وشخصيات الإخوان المسلمين ، وأجاز تأسيس الحزب الإسلامي ، كما قرب إليه شريحة من الشيعة ورفعهم علماً في مقابل مرجعية السيد الحكيم ( رحمه الله ) والحوزة وجماهير الشيعة ، وكان بعضهم مغشوشاً بشعارات عبد السلام القومية والإسلامية ، وبعضهم مهزوماً مذهبياً .
وقد أعلنت الحكومة الحداد العام على عبد السلام ، وكان موته قريب عاشوراء ( 23 / 12 / 1385 ) ، فكانت مخابرات السلطة تطلب من الخطباء أن يذكروه في مجالسهم . وكنت في الخالص ، فتفاجأنا بالرادود ينشد :
عاشور هالعام اثنين . أول مصيبه الحسين . وثاني مصيبه مصيبة الطيارة !
فنعى عبد السلام ووضعه مع الإمام الحسين ( عليه السلام ) !
ولم أستطع الاعتراض عليه وهو على المنبر ، لكن لما نزل قلت له يا فلان : لو تقاسم الحسين ويزيد الناس يوم القيامة فعبد السلام حصة من ؟
قال : حصة يزيد ! فقلت له : فاعرف نفسك ماذا فعلت !
وأصيب ببحة في صوته ، ثم مرض ، فقالوا هذه حَوْبة الحسين ( عليه السلام ) !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 175 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل السابع : موجتنا ضد الشيوعية خدمت عبد الناصر

1 - كوَّنت المرجعية موجةً شعبية ضد الشيوعيين

طغى الشيوعيون وتعدوا على الدين والمجتمع ، وجندوا معهم شريحة غوغائية استعملت العنف مع الناس ، وعاثت فساداً ! فقاومتها المرجعية وكوَّنت موجة شعبية ضدهم ، وأجبرت عبد الكريم على أن يحد انفلاتهم .
وبهذا سجل الشيعة انتصاراً على مستوى العراق ، بدأ بفتوى المرجعية ضد الشيوعية في : 17 / شعبان 1379 - 15 / 2 / 1959 ، وبلغ أوجه بوفود ملايينهم من مختلف المحافظات ، وهتافها بتأييد المرجعية وإدانة الشيوعية ثم بأنشطتهم لإنهاء سيطرة الشيوعيين على الشارع ، وإثبات وجودهم .
لكنهم لم يستثمروا هذا النصر مع أنهم أكثرية البلد ، فلا هم تفاهموا مع عبد الكريم ، ولا فرضوا عليه مطاليبهم ، ولا أسقطوه ، ولا شاركوا الذين عملوا لإسقاطه !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 176 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فكان عملهم تهيئة الجو للناصريين ليتحالفوا مع البعثيين ويسقطوا عبد الكريم ! فقتلوه بدون محاكمة في : 9 / 2 / 1963 ، وجاؤوا بعبد السلام ، دون أن يكون للشيعة نصيب يذكر ، لأن الانقلاب كان بتخطيط مصري غربي ، بقيادة ضباط قوميين وبعثيين ، ليس فيهم شيعة ما يذكر !

2 - مطاليب الشيعة من عبد السلام عارف

تعاملت مرجعية الشيعة مع نظام عبد الكريم وعبد السلام ، كما كانت تتعامل مع النظام الملكي ، بأن تقدم للنظام مطالب إصلاحية ، فإن استجاب لها شكرته ، وإن لم يستجب احتجت وقاطعت المسؤولين ولم تقبل زيارتهم . أو كتبت رسالة مفتوحة ، أو ذهب المرجع في زيارة إلى بغداد لتتحرك جماهير الشيعة لزيارته ، فيكون ذلك عرضاً لقوة المرجعية والشيعة أمام الحكومة . واستعملت المرجعية هذا الأسلوب مع عبد السلام فقدمت له مطاليب في أول مجيئه إلى الحكم سنة 1963 ، لكنه لم يستجب لها وأمعن في سياسته الطائفية ، فقام السيد الحكيم ( رحمه الله ) بزيارة إلى بغداد وسامراء بتاريخ 29 / ج 1 / 1383 - 17 / 10 / 1963 . ( أساطين المرجعية العليا للدكتور الصغير / 145 ) .
وكانت زيارة تاريخية عرض الشيعة بوفودهم قوتهم أمام الحكومة . لكن لم يترتب عليها تجاوب مهم من السلطة ! ثم أكدت المرجعية مطاليبها ، فقدمت جماعة العلماء في بغداد والكاظمية مطالب في 18 رمضان 1383 - 2 / 2 / 1964 ، إلى عبد السلام جاء فيها :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 177 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
« حضرة المشير الركن عبد السلام محمد عارف رئيس الجمهورية المحترم . . ثم جاء يوم الرابع عشر من تموز ، وظنت الأمة فيه تحقيقاً لآمالها العذاب على أولئك الذين طغوا في البلاد ، فأكثروا فيها الفساد ، فصب عليهم ربهم سوط عذاب ، إن ربك لبالمرصاد .
ولكن سرعان ما بدت الحقيقة مريرة مؤلمة كالحة ، يوم استبد بالحكم طاغية تلاعب بشريعة الله سبحانه ، وأجهز على آخر ما تبقى للإسلام من أحكام في حياة المسلمين ، بتشريع قانون للأحوال الشخصية ، الذي يخالف القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة ، وفسح المجال لشذاذ الأرض وزمر الضلال ، فمزقت كلمة الأمة وشتت جمعها وبعثرت طاقاتها ، ومرت الأيام عصيبة مروعة ، تحمل في طياتها المجازر الوحشية القاسية ، والإرهاب المدمر الدامي . . . ، والآن وبعد اليوم الثامن من تشرين ، وقد شرعت الحكومة في وضع دستور للبلاد ، فإن الأمة جاءت تطالبكم أن تحققوا آمالها التي بذلت في سبيلها الكثير من جهودها وجهادها . . . ، وذلك بتحقيق المطالب التالية :
1 - إلغاء قانون الأحوال الشخصية ، وإعادة المحاكم الشرعية ، ليتاح للمسلمين مزاولة أحكامهم الشرعية وفق مذاهبهم . .
2 - مراعاة شعور الأمة في وضع الدستور والعمل على إخراجه بصورة لا يتنافى مع أحكام القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة ، التي لا يدين المسلمون بغيرها ولا يرتضون بها بديلا ، وتشريع مادة في الدستور تنص على عدم جواز
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 178 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وضع أي قانون يخالف الأحكام الإسلامية . .
3 - إشاعة العدل والمساواة بين أبناء الأمة ، وعدم التمييز بينهم في مختلف المجالات لتمحوا آثار الكافر الغازي ولتضمنوا بذلك وحدة الكلمة وإشاعة الأمن والاستقرار في بلادنا الحبيبة .
4 - مكافحة التفسخ الخلقي الذي عمل المستعمر الكافر على إيجاده وتوسيعه في مناهج الإذاعة والتلفزيون والخمور وأشباهها لتقضوا بذلك على وسائل هدم كيان الأمة الاجتماعي .
5 - تعديل مناهج التعليم ووسائل التربية والتوجيه بشتى أنواعها ، ومختلف مجالاتها وتوجيهها توجيهاً سليماً لتكون أدوات فعالة لنشر المعارف الحقة في المجتمع ، والحث على التحلي بالخلق الإسلامي الكريم والعمل لإنشاء جيل مسلم صالح في البلاد .
الموقعون : السيد أحمد الموسوي الهندي ، السيد إسماعيل الصدر ، الشيخ جعفر الساعدي ، السيد جعفر شبر ، السيد حسن الحيدري ، السيد حسين العلاق ، السيد صادق السيد جواد الموسوي ، السيد صادق الموسوي الهندي ، السيد عباس الحيدري الشيخ عبد الحسين الخالصي ، السيد عبد المطلب الحيدري ، السيد علي الحيدري ، الشيخ علي الصغير ، السيد محسن الموسوي ، السيد محمد الحيدري ، الشيخ محمد حسن آل ياسين ، الشيخ محمد حيدر ، الشيخ محمد الشيخ صادق الخالصي ، السيد محمد طاهر الموسوي ، السيد محمد علي الأعرجي ، السيد محمد مهدي الحكيم ، السيد مرتضى العسكري ، الشيخ موسى السوداني ، السيد مهدي الصدر ، الشيخ مهدي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 179 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
النمدي الكاظمي ، الشيخ نجم الدين العسكري ، السيد هاشم الحيدري ، السيد هادي الحكيم » .
وبعد أن شكل عبد السلام وزارة جديدة ، حاول رئيس وزرائه طاهر يحيى أن يجلب رضا السيد الحكيم ( رحمه الله ) فزاره في 5 / 11 / 1383 - 19 / 3 / 1964 ، وبصحبته عدد من الوزراء هم السيد حسن الدجيلي وزير المواصلات ، والدكتور شامل السامرائي وزير الصحة ، والدكتور عبد الصاحب علوان وزير الإصلاح الزراعي ، والدكتور عبد الكريم هاني وزير العمل والشؤون الاجتماعية ، والسيد عبد الكريم كمونة وزير الصناعة ، والسيد عبد الفتاح الآلوسي وزير الأشغال والإسكان ، وعدد من المدراء العامين ، والسيد كاظم الرواف متصرف لواء كربلا ، والسيد صلاح الدين النقيب قائمقام قضاء النجف ، وسمعوا إلى حديث السيد الحكيم ( رحمه الله ) ومطالبه في :
1 - إلغاء قانون الأحوال الشخصية .
2 - ونقده للسياسة الطائفية وآثارها السيئة ، وخطرها على العراق .
3 - وطلبه مكافحة التفسخ الخلقي ، ومنع الخمور والقمار .
4 - وطلبه معاملة الناس بالعدل والإحسان على إختلاف مذاهبهم وعقائدهم وتحقيق مطاليبهم المشروعة ، والتثبت والتروي في إصدار الأحكام .
5 - تعديل مناهج التعليم ووسائل التربية والتوجيه .
فأبدى الوزراء تجاوبهم مع مطالبه ، ووعدوا بتنفيذها ، لكن عبد السلام رفض
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 180 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الاستجابة لها فتوترت علاقته مع المرجعية ، ورفض السيد الحكيم استقباله عند زيارته النجف في عام 1966 ، قبيل سقوط طائرته وموته .

3 - تظاهرة الشيعة في تجديد ضريح أبي الفضل العباس

في سنة 1385 ه‍ 1965 م ، اكتملت صناعة ضريح أبي الفضل العباس بن علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) الذي أمر به السيد الحكيم ( رحمه الله ) ، وهو مشبك مصنوع من الفضة والذهب ، مطعم بالميناء والأحجار الكريمة . وقد أرادت المرجعية أن يستقبل الضريح بتظاهرة جماهيرية ، احتراماً لأبي الفضل العباس ( عليه السلام ) وإثباتاً لسعة الجماهير الشيعية لعلها تجبر الدولة على إنصافهم !
واستقبلت الضريح في بغداد والمدن العراقية جماهير حاشدة ، وألقيت الخطب والقصائد وأطلقت الهتافات ، لكن الحكومة لم تستجب لمطاليبها !
http : / / www . holykarbala . net / karbalacity / abbas / shrine - his / index . html

4 - السيد المرجع يأمر ابنه بالسكنى في بغداد

أذكر أنه في أوائل الستينات كان يوجد شعور عام في الحوزة وأوساط المرجعية ، بضرورة أن يكون لها وجود فاعل في بغداد . كانوا يرون أن الحوزة قادت العراق في مقاومة الشيوعية ، فيجب أن تكون على مقربة من الأحداث ، خاصة بعد تشكيل جماعة العلماء وإصدار الأضواء ، فقد توجهت الأنظار إلى المرجعية ، وصار لازماً أن تواصل حضورها في
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 181 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
العاصمة على مقربة من صناعة القرار . وكذلك كان شعور الشخصيات الشيعية البغدادية القريبة من مراكز الحكم .
وكان السيد مهدي الحكيم ( رحمه الله ) كبير أبناء المرجع المتصدين للعمل الاجتماعي والسياسي ، يمثل والده المرجع في مفاوضاته مع المسؤولين ، فاقترحوا مجيئه ليكون عالم بغداد وممثل المرجعية فيها .
لذلك أمره والده في سنة 1964 بالسكن في بغداد ، وسرعان ما صار نجماً فيها ، وصار بيته في الكرادة مقصداً للشخصيات الدينية والسياسية ، ومركزاً للمداولة في الأمور . ونشط في فعاليات متعددة دينية واجتماعية ، وأقام علاقات واسعة مع طبقة السياسيين في بغداد . فكان عبد السلام عارف وبقية المسؤولين يحترمونه ويهابونه ، ويحسبون له ألف حساب !
أذكر أني كنت وكيل السيد الحكيم ( رحمه الله ) في الخالص في ديالى ، فكنت أذهب في شهر رمضان ومحرم وبعض المناسبات ، وفي أواخر شهر رمضان أعلنا أنا سنقيم احتفالاً واسعاً بمناسبة شهادة الإمام الصادق ( عليه السلام ) في 25 شوال الآتي وكان ذلك سنة 1965 ميلادية .
وحضرتُ من النجف قبل يوم من المناسبة ، فوجدت استعدادات واسعة من المتدينين في المدينة ، حيث وشَّحوا الشوارع بالسواد ، وأعلنوا تعطيل السوق يوم الوفاة ، وبادرت بعض المدارس من نفسها فعطلت الدراسة ، وبعض الدوائر ، وكان حفلاً مهيباً ، أثار حفيظة الأمن ومحافظ ديالى ، لكنهم لم يستطيعوا عمل شئ بسبب الجو العام المؤيد لي .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 182 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لكن في اليوم الثاني لعودتي إلى النجف اعتقلوني وأنا ذاهبٌ للدرس ، فاستاء السيد المرجع ( رحمه الله ) وأمر ولده السيد مهدي أن يحتج عليهم ، وكان رئيس الوزراء عبد الرحمن البزاز ، وفي اليوم الثالث أطلقوا سراحي وكانوا نقلوني إلى كربلاء ، وقال البزاز للسيد مهدي إن التقرير من ديالى يقول إن هذا الشيخ اللبناني دعا الناس إلى مظاهرة ضد النظام !
وقد كذبوا علينا لأن الاحتفال كان دينياً صرفاً ولا ذكر فيه للسياسة ، وقد أخبرني السيد علاء ( رحمه الله ) أن البزاز زار السيد بعد ذلك فقال له : حسب أمركم أطلقنا سراح وكيلكم في ديالى ، فقال له السيد : شكراً لكم ، لكن هل حاسبتم الذين كتبوا ضده وكذبوا عليه ؟ !
وبعد مدة اتصل بي السيد مهدي الحكيم ( رحمه الله ) يقول : إن رجب عبد المجيد وزير الداخلية يريد أن يراك ، وسأذهب إليه في الوقت الفلاني فنذهب معاً .
واستقبلنا وزير الداخلية باحترام كبير ، فترك كرسيه وجلس أسفل منا ، وكنت اتفقت مع السيد مهدي ( رحمه الله ) أن أتكلم براحتي ، لأني لست ابن السيد المرجع لأداريه ، وكان الوزير مؤدباً حتى وصل إلى قضيتي فقال : ما حدث في الخالص مخالف للقانون ، وأنت تعرف القوانين الخاصة بالأجانب ، فكان عليك أن تراعيها ! فأجبته : أنت تعرف ارتباط هذا الشعب بأهل بيت نبيه ( صلى الله عليه وآله ) ، وهذه المناسبة تخص إمام مذهبهم جعفر الصادق ( عليه السلام ) ، فكان اللازم على المحافظ أن يراعي حرمة صاحب الذكرى ومشاعر الناس .
وأما قولك إني أجنبي وعليَّ مراعاة القوانين ، فأنا أراعي القوانين ، لكني
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 183 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لا أستطيع أن أشعر أني أجنبي عن تربة امتزجت بدماء أئمتي الطاهرين !
وتراجع الوزير وليَّنَ لهجته فقال : كلنا محبون لأهل البيت ، وأهلاً وسهلاً بك في بلدك ، في النجف وفي ديالى ، وفي أي مكان أردت أن تذهب إليه .
شعرت أن مكانة السيد مهدي ( رحمه الله ) كبيرة في بغداد ، فقد احترمني الوزير ، وتراجع رغم تشدده من أجله .
ثم رأيت مشهداً في بغداد والكوت أو واسط ، يكشف عن هيبة السلطة وخوفها من الشيعة وممثلهم السيد مهدي ابن المرجع ( رحمه الله ) ، فقد أقام أهل مدينة الكوت أو واسط ، احتفالاً دينياً ودعوا إليه السيد مهدي ( رحمه الله ) ، فخافت الحكومة ونشرت قوات الجيش ابتداءً من بيته في الكرادة ببغداد إلى الكوت ! وهي مسافة أكثر من مئة كيلو متر ، وقد لاحظت تواجها على طول الطريق إلى قرب مكان الاحتفال في مدينة الكوت !
إن هذا المشهد يعني أن السلطة تعرف أن الشيعة يمثلون أكثرية الجمهور العراقي ، وأنهم يطيعون الإشارة من المرجع ، وأنها تتخوف أن يتحول أي احتفال جماهيري حاشد برعاية المرجعية ، يحضر فيه ابن المرجع ، بإشارة منه إلى موجة شعبية غاضبة تهدد نظام الحكم !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 184 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

5 - المرجعية والشيعة في عهد عبد الرحمن عارف

كان عبد الرحمن عارف بسبب ضعفه ، ليِّناً هادئاً ، وقد حكم سنتين وكسراً من 13 نيسان 1966 - 17 تموز 1968 ، وكان يتودد إلى الشيعة والى فئات الشعب المختلفة ، ويعدهم بالإنصاف والعدل والإحسان ، ولكنه لم ينفذ من ذلك إلا قليلاً ، وكأنه التزم بأن يواصل سياسة أخيه عبد السلام !
وقد واصلت المرجعية تقديم مطاليبها له ، وأذكر أنه استجاب لأن يكون للحوزة العلمية برنامج إذاعي وتلفزيوني ، فأمر السيد الحكيم ولده السيد محمد باقر بأن يرتب معهم ذلك . فتداول السيد محمد باقر في الموضوع مع السيد الصدر ، ومع أبي عصام الحاج صاحب دخيل رحمهم الله ، فقرروا أن يجعلوني مسؤول هذه البرامج ، وجاءني أبو عصام وأخبرني بذلك وبالموعد مع وزير الإرشاد الدكتور مالك دوهان الحسن ، واتصل السيد مهدي بالدكتور مالك وأخبره باسمي ، فطلب أن تكون الجلسة في بيته في بغداد وليس في الوزارة .
فذهبت إلى بيته فرحب وأبدى سروره ، وتحدثنا واتفقنا على الخطوط العامة للبرنامج ، وكان الوضع السياسي مشحوناً ، فقد شكى من الطائفيين في مؤسسات الدولة ، وقال : صدق آباؤنا ، فهؤلاء لا ينفع معهم إلا القوة ، بالأمس عطلت جريدة ( الشعب أو المنار ) لأنها ضربت على الوتر الطائفي !
http : / / www . shenaar . net / index . php ? option = com content & view = article & id =
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 185 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولم يكتب لترتيبنا معه أن يأخذ طريقه إلى التنفيذ ، فقد أحبطه الطائفيون حسب تعبير الدكتور الحسن ، مع أنه كان وزير الإرشاد !
ثم وافق وزير الإرشاد على بث احتفال المولد النبوي بثاً مباشراً ، وهو مهرجان جماهيري أقامته جماعة العلماء في بغداد ، برعاية المرجع السيد الحكيم ( رحمه الله ) في جامع براثا ، في أعقاب هزيمة حزيران بتاريخ 27 - 6 - 1967 ، وكان حفلاً مهيباً ، فيه تحدٍّ واضح للسلطة ، وقد ألقيتُ فيه كلمة الحوزة العلمية في النجف الأشرف ، وقد كتبها السيد الصدر ، وكانت بالأساس باسم المرجع السيد الحكيم ( رحمه الله ) لكنه غير رأيه ، فقرروا أن ألقيها كما هي باسم الحوزة . وكان فيها نقدٌ للدول العربية وللحكومة العراقية لأن سياساتهم كانت السبب في هزيمة العرب والمسلمين أمام إسرائيل !

6 - واصل عبد الرحمن سياسة أخيه عبد السلام

رغم أن عبد الرحمن كان يريد إرضاء الشيعة والمرجع السيد الحكيم ( رحمه الله ) ، فقد جعل في وزارة طاهر يحيى سبعة وزراء شيعة ، هم : اللواء الركن ناجي طالب وزير خارجية ، واللواء محسن حسين الحبيب وزير دفاع ، والدكتور عبد الحسن زلزلة وزير تخطيط ، والدكتور عبد العزيز الحافظ وزير اقتصاد وفؤاد الركابي وزير البلديات ، والدكتور عبد الرزاق محيي الدين وزير وحدة وعبد الصاحب علوان ، وزير الإصلاح الزراعي .
http : / / www . darbabl . net / news - articles / news - articles
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 186 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لكن عهده لم يختلف عن عهد عبد السلام كثيراً ، فكان الشيعة يُحرمون من الوظائف والخدمات ، ويخص بها السنة ، مع أنهم أقلية !
وواصلت المرجعية الإحتجاج والمطالبة ، برسائلها وبتجمعات جماهيرها في مناسبات ، وقد اهتمت في زمان عبد السلام وعبد الرحمن أن تقيم احتفالاتها الجماهيرية في بغداد ، ومنها الاحتفال الجماهيري في المبعث النبوي الذي ألقى فيه الدكتور الصغير قصيدته المشهورة التي مطلعها :
سيَّرْتُ كوكبةً من الآلاء وسكبتُ فجر البعث والإسراء
ومنها :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] يا شعب هاكَ من الرجال نماذجاً * يتلونون تلونَ الحرباء
حتى إذا الأقدار مُثِّل دورُها * وأديفَ صبح حقيقة بمساء
وتبدلت بعض الوجوه كما انزوت * جرباءُ تُخلف بعدُ في جرباء
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] فأمر عبد الرحمن عارف باعتقاله ومحاكمته في محكمة أمن الدولة ، فتحرك الناس غاضبين مطالبين به ، وطالبت به المرجعية ، فأطلق سراحه .
قال الدكتور الصغير في كتابه : أساطين المرجعية العليا / 156 : « ومهما يكن من أمر فإن أيام الفريق عبد الرحمن عارف ، والفريق طاهر يحيى ، واللواء الركن ناجي طالب ، والعميد الركن عبد الغني الراوي ، ومعهم الدكتور عبد الرحمن البزاز ، تعتبر من أفضل أيام الحكم في العراق ، إلا أن الكادر الذي رباه عبد السلام عارف وغذاه بالطائفية ، هو الذي أفسد الحكم على حياته السياسية دون ريب » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 187 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وكتب السيد هاني فحص في جريدة السفير : 10 / 4 / 2003 ، ما خلاصته :
« على مر الفترة من تأسيس الدولة العراقية الحديثة بإدارة إنكليزية أوائل العشرينيات من القرن الماضي ، إلى اليوم ، مروراً بكل العهود العراقية الإنقلابية . . . ذات اللافتة الوطنية القومية التقدمية ، من دون إمكان وجود أدلة شافية على وطنيتها أو قوميتها أو تقدميتها ! لأنها لم تختلف في أسلوب إدارتها للشأن الاجتماعي والحكومي عن أي عهد سابق ، حتى العهد العثماني ! على مرِّ هذه الفترة بكل تعقيداتها ، كانت هناك مشكلة هي النجف التي اتكأت على دورها المميز في ثورة العشرين ، وإن كانت قد عوقبت عليه من قبل الإنكليز ومن خلفهم من الحكام العرب أو الوطنيين من خلال تهميش عمقها الشعبي الشيعي ، وتكبيله بكم هائل من القيود التي تمنع مشاركته في القرار ، أو في نظام المصالح الوطنية .
وباتكائها على هذا التراث ، تحولت النجف إلى رقيب فعلي على أداء السلطة ، فتصدرت أو احتكرت التصدي للانحراف الذي نتج عن استئثار الشيوعيين بالعراق ، من دون عناية أو احترام لمكوناته وأنظمة قيمه ، مرة بالتفاهم مع عبد الكريم قاسم ، ومرة بالخلاف معه ومحاولة الإستقواء عليه وإضعافه ، ووقفت النجف بقوة ، وبقيادة مرجعها السيد محسن الحكيم ، في وجه قانون هجين للأحوال الشخصية مس بالكثير من المسلمات الشرعية ، ثم أعلنت موقفها أو فتواها التي أصدرها السيد الحكيم بموافقة بقية المراجع بتحريم الشيوعية ، ما كان مقدمة للإنقلاب البعثي العارفي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 188 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
المشترك على الحكم القاسمي .
وتصدت النجف لاقترافات العهد العارفي ، خاصة في ما يعود إلى الحرب ضد الأكراد ، والفساد المالي والإداري وبطء حركة الإنماء وتعثرها ، وعدم عنايتها بالتوازن بين المناطق والمحافظات .
وبعد وفاة عبد السلام في حادث الطائرة المعروف في منطقة البصرة ، هدأت النجف مع عبد الرحمن عارف ، ولكنها لم تكفَّ عن نقدها الشديد لرئيس وزرائه المتسلط طاهر يحيى التكريتي ، إلى أن حدث الانقلاب البعثي الذي تعاملت معه بريبة شديدة » .

7 - فجيعة النجف بهزيمة الأمة على يد إسرائيل

كانت نكسة حزيران سنة 1967 ، أو حرب الأيام الستة ، من أشد الهزائم وقعاً في نفوس الأمة الإسلامية ، من أقصاها إلى أقصاها .
وقد حاولت المرجعية أن تقوم بدور في استنهاض الحكومات والشعوب الإسلامية للرد على النكسة ، فأرسل السيد الحكيم ( رحمه الله ) وفوداً من علماء الشيعة والسنة وشخصياتهم إلى عدد من الأقطار العربية والإسلامية لاستنهاضهم ، وأصدر فتوى في تأييد المقاومة الفلسطينية وحث المسلمين على التبرع لدعمها .
ودعت النجف قيادة المقاومة الفلسطينية وكانت حركة فتح ، واحتفت
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 189 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بها في 1 / 1 / 1968 ، احتفاءً لم يسبق له مثيل ، وكتبت على مدخل النجف : مدينة فاتح خيبر تحيي أبطال فتح !
فأثار ذلك حنق السلطة وأمعنت في تهجير العلماء والمجتهدين والطلاب من النجف لمجرد أنهم إيرانيون ، طمعاً بإفراغ الحوزة من طلبتها ، ووجهت عملاءها إلى الحوزة ، كطلبة يعتمرون العمة غطاءً لأدوارهم الأمنية ! كل ذلك حتى لا تستعيد النجف دورها الطليعي الطبيعي في قضايا الأمة ! ( راجع : ما كتبه السيد هاني فحص في جريدة السفير : 10 / 4 / 2003 ) .

8 - تسابقت ثلاث دول لاستضافة السيد المرجع !

قرر المرجع السيد الحكيم ( رحمه الله ) السفر إلى حج بيت الله الحرام في سنة 1968 ، فوجهت له المملكة السعودية الدعوة ليكون في ضيافتها ، وخصصت له طائرة ، ودعاه شاه إيران وخصص له طائرة ، وكذلك فعل طاهر يحيى رئيس وزراء عبد الرحمن عارف .
وكان رأي بعض المشاورين أن يقبل السيد دعوة شاه إيران ، وبعضهم أن يقبل دعوة طاهر يحيى .
وكان رأي بعضهم ومنهم السيد الصدر ( رحمه الله ) أن يقبل دعوة السعودية ، وقال : هذه أول مرة ينفتح فيها الوهابية على مرجعية الشيعة . وكان رأيهم أن ينزل في رجوعه في بغداد ، وتتوافد إليه الوفود ويرسل مذكرة مطالب
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 190 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إلى عبد الرحمن عارف .
وأخيراً حج السيد المرجع ( رحمه الله ) بطائرة الحكومة العراقية ، وكان في الحج بضيافة مطوف إيراني « شربت أوغلي » .
ولما عاد كان رئيس الوزراء طاهر يحيى في استقباله ، ورجَّح السيد أن يذهب مباشرة إلى النجف ، ولا ينزل في بغداد ويقدم مطالب لحكومتها ، فتنفست الحكومة الصعداء ، ولكن البعثيين كانوا يعدون عدتهم للإطاحة بعبد الرحمن عارف بيد أقرب الناس إليه ، وقاموا بانقلابهم في 17 تموز 1968 ، بواسطة عبد الرزاق النايف مدير الإستخبارات العسكرية ، وعبد الرحمن الداوود آمر قوات الحرس الجمهوري ، وسعدون غيدان آمر كتيبة الدبابات في الحرس الجمهوري ، وبتخطيط ودعم من الولايات المتحدة وبريطانيا كما اعترف عبد الرزاق النايف ، بعد أن أطاح به البعثيون في 30 تموز 1968 ، ونفوه إلى لندن ، ثم لم يسكت ، فاغتالوه !
فقد صرح بأن الأمريكان فرضوا عليه التعاون مع البعثيين ، وأن الدكتور ناصر الحاني الذي عينوه وزيراً للخارجية ، كان عرَّاب الانقلاب بين النايف والداوود والبعثيين ، والولايات المتحدة .
ولم يدم حكم النايف سوى 13 يوماً حتى غدر به شركاؤه البعثيون !
http : / / telskuf . com / articles . asp ? article - id = 5512
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 191 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

9 - وحدة البعثيين المَلْيُوصَة !

من الأمثلة الشعبية في النجف : مَلْيُوصَة يا حسين الصافي !
ويضرب مثلاً للشئ الذي يراد تلئيمه وهو خراب لا يلتئم ! وقصته أن الناس كانوا يتابعون أخبار مباحثات البعث السوري والعراقي مع عبد الناصر في القاهرة ، ويتنبؤون بأن البعثيين غير صادقين في وحدتهم معه !
وعندما وقعوا على ميثاق الوحدة يوم ( 13 / 4 / 1963 ) ، أقام البعثيون احتفالاً في ميدان النجف ( 17 / 4 / 1963 ) بمناسبة إعلان الوحدة ، وملؤوا الميدان بالكراسي وجمعوا من استطاعوا من الناس .
وجاء حسين الصافي بجمهور من الديوانية ، وحضره طاهر يحيى ، وحردان التكريتي ، والوزير حميد خلخال عضو القيادة القطرية ، وحسن العامري رئيس المنظمة الوطنية للعمل الشعبي ، وآخرون .
وبدأ الاحتفال ، فوقعت بعض الكراسي وكانت من حديد فأحدثت صوتاً فخاف القريبون منها فقاموا ، واضطرب المجلس فزادت قعقعات الكراسي ، وفرَّ الناس والمسؤولون !
فسأل حسين الصافي مدهوشاً : ماذا حدث ؟ !
فقال له أحدهم : ما أدري ، لكن مليوصة يا حسين الصافي ! فذهبت مثلاً .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 192 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وكنتُ يومها في الصحن الشريف فرأيت الناس يأتون مذعورين ، ورأيت بعد قليل عمالاً جاؤوا بأحمال من أحذية الناس الفارين ، ووضعوها عند باب الصحن ليأخذها أصحابها ، فضحكنا من شجاعة البعثيين وجمهورهم ! 3025 http : / / www . theiraqweekly . com / inp / view . asp ? ID =
وهكذا كان موقف البعثيين الحقيقي من الوحدة العربية : رفع شعارها والمتاجرة فيها ، والعمل بأسلوب شيطاني لتخريبها !
جاء في دراسة بعنوان : « حزب البعث ، نشأته وتطوره » للدكتور أحمد الموصلي : http : / / www . moqatel . com / openshare / Behoth / Siasia
أن عبد الناصر اشترط فيما اشترط للوحدة مع سوريا ، أن يتوقف النشاط الحزبي ويوقف حزب البعث عمله : « ووصل الخلاف ذروته عام 1959 ، عندما كان عبد الناصر في زيارة لدمشق ، وقد أُعد له مهرجان خطابي كبير رسمي وشعبي في سينما الزهراء ، حضره كبار رجال الدولة ، وجمهور كبير من المواطنين ، وألقى عبد الناصر خطاباً مهماً تهجَّم فيه على موقف حزب البعث ، وعلى تآمر قيادته على الوحدة .
وقد نال هذا الهجوم استحسان جميع الحضور ، وقوطع خطاب عبد الناصر بعاصفة من التصفيق الحاد ، أكثر من مرة !
وكان ثاني هجوم يشنه عبد الناصر على البعثيين يوم 23 ديسمبر 1959 في بور سعيد ، أثناء إلقاء خطابه بمناسبة عيد النصر ، حيث ندد فيه بالحزبية
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 193 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والنشاط الحزبي ، وقال : أي شخص يعمل في الحزبية خارج الاتحاد القومي ، إنما يعمل من أجل دولة أجنبية ، أو يكون عميلاً لدولة أجنبية .
وفي اليوم التالي قدم الوزراء البعثيون استقالاتهم من الحكومة ، وأعلن صلاح البيطار التصريح التالي : إن التعاون مع جمال عبد الناصر قد أصبح في حكم الخيانة ، بعد أن ثبتت خيانته لمبادئ الوحدة العربية .
وبعد انفصال 28 سبتمبر 1961 ، أصدر ميشيل عفلق بياناً من بيروت ، يوم 4 أكتوبر يؤيد فيه الانفصال ، وأطلق حزب البعث على واقعة الانفصال اسم الإنتفاضة . وأقيم مؤتمر سياسي كبير في دمشق شاركت فيه كل الأحزاب السياسية ومن بينها حزب البعث ، لتأييد الانتفاضة السورية . ومثَّل الحزب في هذا المؤتمر صلاح البيطار » !
وجاء في الدراسة : « وعُقدت في القاهرة ، خلال شهر مارس 1963 ، عدة اجتماعات تمهيدية لإعلان الوحدة الثلاثية بين مصر وسورية والعراق . وكان الوفد العراقي برئاسة علي صالح السعدي ، ويشغل منصب نائب رئيس الوزراء ، وأحد قيادات البعث العراقي . وكان الوفد السوري برئاسة ميشيل عفلق . وكان الهدف الرئيسي من تلك الاجتماعات هو رغبة البعث العراقي والسوري في إحراج عبد الناصر عن طريق إصرارهما على التمسك بالوحدة الكونفدرالية ، وبالقيادة الجماعية للجمهورية العربية المتحدة ، باعتبار أنه سوف يرفض هذا الطلب ، وأنه لن يتخلى عن موقع القيادة الذي ينفرد به !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 194 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولكن عبد الناصر فاجأهم بقبول مبدأ القيادة الجماعية ، وألا تكون الوحدة اندماجية ! وتم توقيع اتفاق الوحدة الثلاثية في 17 أبريل عام 1963 بالقاهرة .
وفي اليوم التالي لإعلان الوحدة وقعت اضطرابات دموية شرسة في دمشق بين الناصريين من جانب ، والبعثيين من جانب آخر ، ذهب ضحيتها 170 قتيلاً ، وتمكن الضباط البعثيون بقيادة اللواء أمين الحافظ ، من السيطرة على الموقف والقضاء على الفئات الناصرية ومحاكمتهم عسكرياً وإعدامهم ! وهكذا فشلت تلك الوحدة فور إعلانها !
وخلال تلك الفترة تحول مشروع الوحدة الثلاثية إلى حرب إعلامية بين الدول الثلاث ، بين مصر وسورية ، وبين سورية والعراق بقيادة عبد السلام عارف . وتراشق الجانبان الاتهامات والإنتقادات اللاذعة !
ففي إحدى خطب عبد الناصر خلال شهر أبريل عام 1963 قال عن البعث : « إن الديمقراطية التي يتحدث عنها حزب البعث هي طبعاً ديمقراطية البعث في أن يقتل الناس ويضعهم في السجون ، وفي أن يتآمر الحزب ! لأن البعثيين أناس متآمرون وحكمهم مبنى على الإرهاب والدماء والقتل ! الواحد يستغرب لما يشوف البلد كلها ضدهم ، طبعا همّ جماعة كذابين ، ما هي الأهداف اللي قاعدين من أجلها ، بيقولوا وحدة واشتراكية وحرية ، وهم غدروا بالوحدة ، وغدروا بالحرية ! الحرية بقيت سجون ومعتقلات ، والإشتراكية اللي بيتكلموا عليها اشتراكية مزيفة ، إحنا دفعنا لحزب البعث أموال ، أموال كثيرة ، سبعين ألف جنيه وأربعين
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 195 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ألف جنيه في فترات متقاربة ، والمبلغ استلمه ميشيل عفلق ، واليوم يتحالف حزب البعث مع الاستعمار ومع أعوان الاستعمار !
إسمعوا جميع محطات الاستعمار ، واقرؤوا جميع صحف الاستعمار ، والصحف العميلة وشوفوا بتقول إيه على حزب البعث ، بيصفقوا لحزب البعث ، وسعداء جداً بحزب البعث ، دي الريحة اللي إحنا شفناها النهارده واللي تدعو إلى الشبهة ! راديو لندن يدافع عن حزب البعث ، الجرايد الناطقة باسم الاستعمار ، باللغة العربية وباللغات الأجنبية ، بتدافع عن حزب البعث . إذن هل يستطيع البعث أن يسأل نفسه بعد هذا هل هو ماشى في الطريق الصحيح ؟ لقد أصبح حزب البعث يعتمد على العناصر التي تعاونت مع الاستعمار ليضع البلاد داخل مناطق النفوذ الإستعمارية .
حينما يكون حزب البعث خارج الحكم فهي الحرية البرلمانية ، أما إذا كان في الحكم ، فإن الحرية هي حرية الحزب الواحد ، وهو حزب البعث » !
وأضاف عبد الناصر في مناسبة أخرى : « شعار الحرية لحزب البعث أن تكون المغانم للبعثيين ، وتكون الفرص للبعثيين ، وتكون المساواة للبعثيين أما باقي الشعب فيحرم من المساواة ، ويحرم من حقه في الحياة ، ويحرم من حقه في العيش ، ويحرم من حقه في العمل .
هذا هو شعار الحرية بالنسبة لهؤلاء الساسة ، الذين احترفوا سرقة الشعارات ، واحترفوا سرقة المبادئ ، والذين آمنوا أن سبيلهم إلى تحقيق
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 196 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أهدافهم وتسلطهم ، هو السبيل اللا أخلاقي ، الذين يسيرون في طريق الاستعمار ، ليحققوا أهداف الاستعمار !
إذن حزب البعث اللي طول عمره كذاب ، لما يطلع بيان من القيادة القومية بيكون هذا البيان كذاب . حزب البعثيين يتبع سياسة انتهازية ، ويحاول يلعب بقضايا المصير ولكن الشعب العربي كشفهم ، والشعب العربي عارف أساليبهم ، وعارف أساليب الغدر والطعن في الظهر ، وعارف حقدهم » !
وفي المقابل وجه ميشيل عفلق اتهامات لعبد الناصر ، منها :
« إن السياسة التي اتبعتها البيروقراطية الإقليمية العقائدية التي تحكم القاهرة ، كانت مع الأسف الشديد نسخة من السياسة التي كانت في القاهرة قبل عام 1952 ، أي سياسة إقليمية توسعية قصيرة النظر ، تعمل لإضعاف الأقطار العربية لتبقى هي المتفوقة والمسيطرة ، فلا تقوم ثورة إلا إذا عملت لهذه الأجهزة ! كما رددت إذاعة وصحف دمشق اتهامات حزب البعث لعبد الناصر ، التي تصفه بالديكتاتور العربي ، وبأنه يحاول إقامة إمبراطورية عربية ناصرية تحقيقاً لمجده الشخصي ، وأنه يريد وحدة عربية تحت زعامته وسيطرته » !
وهكذا شهد أطراف الوحدة بقول النجفيين : مَلْيُوصَهْ يا حْسِين الصافي !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 197 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الثامن : قصة إبعاد الشيعة عن الحكم في العراق !

1 - مشكلة الشيعة أنهم أهل قِيَم ووفاء !

كان الشيعة في العراق تحت الحكم العثماني ، وعند الغزو الإنكليزي في مطلع القرن أفتى مراجعهم بالجهاد ومساندة جيش الخلافة العثمانية ، رغم ظلمها التاريخي لهم ، فسجلوا بذلك أروع وأنبل موقف لشعوب المنطقة !
فالمسلمون السنة في الحجاز مثلاً ، كانوا ينعمون بتمييز الدولة العثمانية لهم على الشيعة ، ومع ذلك خانوا دولة الخلافة وقاتلوها مع الإنكليز الغزاة ، وأمدهم الإنكليز بالمال والسلاح ، وعرفوا باسم الحركة الوهابية .
وقد كافأهم الإنكليز بعد انتصارهم على الخلافة العثمانية ، وأعطوهم حكم بلاد نجد والحرمين ، وسموها المملكة السعودية .
والسنة العرب في العراق كانوا أقلية حاكمة في دولة الخلافة العثمانية ، لكنهم داهنوا الإنكليز وتعاونوا معهم وخانوا دولة الخلافة ، فسلطهم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 198 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الإنكليز على العراق ، وشكلوا منهم الحكومات ، واختاروا منهم كبار الموظفين ، واعتبروهم حلفاءهم !
وما زال الإنكليز يعتبرونهم حلفاءهم إلى يومنا هذا ، فبعد سقوط صدام واحتلال الأمريكان والإنكليز للعراق ، كان السفير البريطاني في بغداد يطالب بامتيازات للسنة على حساب غيرهم فقال له أحد الشيعة : هل أنت تفاوض عن السنة العرب ؟ قال : نعم ، إنهم حلفاؤنا !
إن التاريخ القريب والحاضر يشهد بأن الشيعة جاهدوا وقدموا الشهداء ، فاستبعدوا ، وأن السنة داهنوا وتعاونوا ، فسلطهم الإنكليز على العراق !

2 - ثورة العشرين : سبعٌ عجاف على الشيعة سمانٌ على السنة !

في أواخر سنة 1914 م . 1332 ه‍ ، غزا الإنكليز العراق واحتلوا الفاو ، واستمر غزوهم ومعاركهم مع الشيعة ، ومكائدهم السياسية ، إلى أواسط سنة 1921 ، حيث نصبوا فيصل بن الشريف حسين ملكاً على العراق .
وفي هذه السنوات السبع كانت النجف وكربلاء خلية نحل ، تتواصل فيها المداولات بين المرجع الميرزا محمد تقي الشيرازي ( رحمه الله ) والشخصيات ، خاصة رؤساء العشائر ، الممتدة من الفاو إلى النجف وبغداد وديالى .
فلما وصل خبر احتلال الفاو ، شكل المرجع مجلساً استشارياً من علماء كربلاء ، ووجه الدعوة إلى علماء النجف ورؤساء العشائر الشيعية ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 199 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
واتخذوا قرار الجهاد والوقوف إلى جانب جيش الخلافة العثمانية ، وتحركت أول مجموعة مجاهدين بقيادة السيد محمد سعيد الحبوبي ( رحمه الله ) نحو الجنوب ، وكان المجاهدون من العشائر يلتحقون بهم في الطريق ، فبلغوا ألوفاً .
واستعدت الخلافة العثمانية لمقاومة الإنكليز ، وكان مجموع جنودها بضعة عشر ألفاً بقيادة الجنرال نور الدين زنكي ، وكان يحضر بعض اجتماعات العلماء في كربلاء والنجف والكاظمية ، فيحثونه على الجهاد والدفاع عن بلاد المسلمين ، وأهدى إليه السيد إسماعيل الصدر جد أستاذنا السيد محمد باقر الصدر سيفاً من الحضرة الحسينية مرصعاً بالذهب :
http : / / www . burathanews . com / news - article - html 76743
http : / / www . holykarbala . net / books / tarikh / turath - karbala /
وبدأت معارك ثورة العشرين مع الإنكليز ، وكان فيها بطولات وتضحيات غير عادية من الشيعة ، لكنها كانت غير متكافئة ! فقد كان الجيش الإنكليزي بضعة عشر ألفاً ، مجهزاً بأسلحة حديثة لا يملكها المقاومون ولا الجيش العثماني ، واستعمل الإنكليز الطيران لضرب معسكرات الأتراك وتجمعات المقاومين ، والسفن الصغيرة في النهرين .
ورغم أن جيش الخلافة قاتل في بعض المعارك كحصار الكوت ، لكنه بشكل عام كان سريع الانهيار حتى أن بعض جنرالاته انتحر ، وساعد على هزيمته أن شخصيات السنة وعلماءهم كانوا متعاونين مع الإنكليز !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 200 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ومع أن الإنكليز تكبدوا خسائر كبيرة ، وأخذ المجاهدون منهم أسرى ، لكنهم انتصروا بوضوح على الجيش التركي واعتقلوا جنرالاته ، وانتصروا على كتائب المجاهدين الشيعة ، واعتقلوا قادتهم من علماء وشيوخ عشائر . وطوقت قوات الإنكليز مدن الشيعة خاصة الحلة والنجف وكربلاء . وأرسل الميجر بولي قائد الفرقة الإنكليزية التي طوقت الحلة وكربلاء ، رسالة إلى المرجع الميرزا الشيرازي جاء فيها :
« حضرة العلامة المجتهد الأكبر آية الله الميرزا محمد تقي الدين الشيرازي دام علاه . بعد تقديم مراسيم التحية والسلام .
نعرض لحضرتكم أن قسماً من قواتنا قد وردت إلى هذه الأنحاء لأجل حفظ الأمن وإلقاء القبض على عدد من الأشرار الذين يقصدون الإفساد ونهب الأموال وإلقاء الرعب في قلوب الأهلين ! وإن قواتنا هذه لم تتعرض للصلحاء الأبرار ، فنرجو أن تطلعوا على هذه المسألة لكي يرتفع الرعب والاضطراب عنكم . وفي الختام نقدم لحضرتكم فائق الاحترام » .
حاكم الحلة - الميجر بولي - 22 حزيران 1920
فأرسل المرجع إلى الميجر يطلب حضوره ، فأبى الميجر ، فأرسل إليه :
« إلى الحاكم السياسي للحلة الميجر بولي هداه الله .
قرأنا كتابكم وتعجبنا غاية العجب من مضمونه ، حيث أن جلب العساكر لمقابلة الأشخاص المطالبين بحقوقهم المشروعة الضرورية لحياتهم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 201 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
من الأمور غير المعقولة ، ولا تطابق أصول العدل والمنطق بوجه من الوجوه . . وإذا امتنعتم عن المجئ في هذه المرة أيضاً فستصبح وصيتي للأمة بخصوص مراعاة السلم ملغاة في ذاتها ، وأترك الأمة وشأنها ! وبهذه الصورة تقع مسؤولية نتائج السوء عليك وعلى أصحابك .
وفي الختام لي الأمل أن تؤثر فيك هذه النصيحة ، كي لا يقع ما يفسد النظام والأمن ولكي لا تكونوا سبباً لإراقة دماء الأبرياء .
محمد تقي الشيرازي - كربلاء 5 شوال 1338
فقدم الميجر بولي قائمة أسماء إلى الإمام الشيرازي لتسليمهم إليه مقابل رفع الحصار عن كربلاء ، وتضمنت أسماء كل من الشيخ محمد رضا نجل زعيم الثورة الإمام الشيرازي ، والشيخ عبد الكريم العواد ، ومحمد شاه الملقب بالهندي ، وأحمد القنبر ، والشيخ هادي كمونة ، والشيخ كاظم أبوذان ، والسيد محمد علي الطباطبائي ، والشيخ عمر ، والحاج علوان وإبراهيم أبي والده ، وعبد المهدي القنبر ، والسيد أحمد البير ، وعثمان العلوان ، والسيد محمد علي هبة الدين الشهرستاني ، وأبو المحاسن .
ولما رأى المرجع ضعف المقاومة وعدم جدواها ، اضطر أن يأمر المطلوبين بتسليم أنفسهم ، فاعتقلوهم ونقلوهم إلى البصرة ، ونفوهم إلى جزيرة هنجام بالهند . http : / / www . annabaa . org / nba 51 / eshreen . htm
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 202 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أما النجف فكان الأمر فيها أصعب ، حيث اشتد صراعهم مع الإنكليز بقتلهم الحاكم الإنكليزي ، الكابتن مارشال في 19 / 3 / 1918 .
فحاصر الإنكليز المدينة وقصفوها بالمدفعية وطالبوا بتسليم القاتلين ، ودفع مبلغ باهظ ! 83662 http : / / www . burathanews . com / news - article
وفي 7 ذي القعدة سنة 1338 - 23 / 7 / 1920 ، كانت معركة الرارنجية جنوب الحلة بين المجاهدين وفرقة من الجيش البريطاني تبلغ 1500 جندياً ، فحقق المجاهدون نصراً مبيناً ، وقتلوا أكثر من ألف جندي ، وغنموا اثنين وسبعين رشاشاً من نوعي ( فيكرس ولويس ) ومدفع عيار 17 بوند ، وأرزاقاً ، وأسروا 160 أسيراً منهم 79 بريطانياً ، والباقون من الجنود الهنود . وكانت خسائر المجاهدين 158 جريحاً ، و 84 شهيداً .
ثم أخذوا ذلك المدفع إلى الكوفة وضربوا به باخرة فايرفلاي ، التي كانت تحاصر الكوفة وأصابوها وأغرقوها . وجاؤوا بالأسرى إلى النجف فكتب المرجع شيخ الشريعة ( رحمه الله ) إلى مسؤولهم :
« بسم الله الرحمن الرحيم . سلام عليك وثناء على إخلاصك وبعد ، فغير خفي على نباهتك أن للأسرى في الشريعة الإسلامية مكانة عالية ، فالعناية بهم فرض ، والتوجه إلى إكرامهم حتم ، وإني أوصيك أطال الله حياتك بتعهدهم ، وتفقد أحوال صحتهم ما داموا وديعة مقدسة وأمانة محترمة . . وإني قوي الأمل بأنك تنشط إلى هذا التكليف لأنه شرعي مدني إنساني ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 203 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فواظب على الإنفاق عليهم حتى يتعين لنفقاتهم مورد خاص ، فقد اعتمدت وأوكلت ذلك إلى عهدتك وألزمتك به ولا عذر لك ودم مؤيداً » .
شيخ الشريعة الأصبهاني
وينبغي الإشارة هنا إلى أن شيعة العراق ، كما ضربوا مثلاً في تجاوز المذهبية ، فوقفوا إلى جانب جيش الخلافة العثمانية ضد الإنكليز . كذلك ضربوا مثلاً في تجاوز القومية ، فاتبعوا مرجعاً من أصل إيراني هو الشيخ الميرزا محمد تقي الشيرازي ( رحمه الله ) .
وبعد وفاته اتبعوا مرجعاً آخر من أصل إيراني أيضاً ، هو الشيخ فتح الله شيخ الشريعة الأصفهاني ( رحمه الله ) .
وفي ذلك دلالة على إخلاص رؤساء العشائر والزعماء والعلماء الشيعة ، لأن التقليد في مذهبنا يجب أن يكون للأفقه الأخبر بالشريعة ، ولا يشترط أن يكون عربياً .
وقد تكررت هذه الحالة في عصرنا ، فأطاع شيعة العراق المرجع السيد علي الحسيني السيستاني ، وهو من أصل إيراني ، وإن كان يختلف عن الميرزا الشيرازي وشيخ الشريعة ، بأنه هاشمي النسب ، عربي الأصل .
كما ينبغي ملاحظة أن وفاة الميرزا الشيرازي ( رحمه الله ) كانت بدس السم له من قبل الإنكليز ! وقد نص على ذلك الذين عاصروه ، وأن المرجع الذي جاء
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 204 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بعده لم يعش إلا شهوراً أيضاً ! فقد « توفي الميرزا الشيرازي ( رحمه الله ) ، مسموماً في 3 ذي الحجة 1338 - 17 / 8 / 1920 ودفن بالصحن الحسيني في كربلاء المقدسة » .
http : / / www . al - shia . org / html / ara / others / ? mod = monasebat & ID = 319
وتوفي شيخ الشريعة الأصفهاني ( رحمه الله ) في 8 ربيع الثاني 1339 - 18 / 12 / 1920 .
80 http : / / al - shia . org / html / ara / others / ? mod = monasebaT & id
وكان سبب عمل الإنكليز الحثيث على سم المرجعين في فترة قصيرة ، موقفهما الرافض لنصب ملك على العراق قبل انسحاب الإنكليز ، وتحقيق الاستقلال وانتخاب مجلس يقرر مستقبل البلد .
http : / / burathanews . org / news - article - 22956
وقد ظهر شيخ الشريعة الأصفهاني إلى جانب الميرزا الشيرازي في أحداث ثورة العشرين ، وعيَّنا معاً أعضاء للمفاوضة مع الإنكليز ، ووقعا مع رؤساء العشائر على وثيقة تضمنت أسماء المندوبين ، بتاريخ : 18 رمضان 1338 - 6 حزيران 1920 ، جاء فيها : « وقد خولناهم أن يدافعوا عن حقوق الأمة ويجمعوا في طلب الاستقلال للبلاد العراقية بحدودها الطبيعية العاري من كل تدخل أجنبي ، في ظل دولة عربية وطنية يرأسها ملك عربي مسلم مقيد بمجلس تشريعي وطني » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 205 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كما أرسلا معاً رسالة مشتركة إلى الرئيس الأمريكي ولسن ، يطلبان مساندته لتحقيق رغبة العراقيين جميعاً بإقامة دولة عربية مستقلة إسلامية ، لها ملك مسلم ، يقيد بمجلس وطني .
وبعد موت الميرزا الشيرازي وشيخ الشريعة رحمهما الله ، تابع المرجعان بعدهما الشيخ محمد حسين النائيني ، والسيد أبو الحسن الأصفهاني رحمهما الله ، نفس الخط ، فلم يوافقا على ترشيح فيصل أو غيره ، ما لم يُضمن استقلال العراق ، وينهى الإنتداب البريطاني له .
بينما وافق الشيخ مهدي الخالصي ( رحمه الله ) على ترشيحه إذا قبل أن يكون مستقلاً عن الأجنبي ، مقيداً بدستور ومجلس نيابي . فوافق فيصل على هذا الشرط وأقسم عليه ، فبايعه الخالصي . ثم سحب بيعته عندما تبين له عدم التزام فيصل بالشرط .
http : / / burathanews . org / news - article - 2295 . html
19116 http : / / www . odabasham . net / show . php ? sid =
« وحدث الانقسام بين قادة الثورة ، وكان شيخ الشريعة زعيماً للخط الذي رفض الفكرة وأصدر بيانه الشهير : لا مفاوضة قبل الجلاء ! وأنه سيستخدم المگوار ( عصا عشائرية خاصة ) إذا أعوزهم السلاح !
قال الزركلي في الأعلام : « برز اسمه في ثورة العراق أيام الاحتلال البريطاني سنة 1920 ، وتناقل الناس ما أصدره من الفتاوى فيها ، وكان في
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 206 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بدئها عوناً لآية الله محمد تقي الشيرازي ، وسنة 1338 ، انتقلت إليه الزعامة وانتقل مركز القيادة من كربلاء إلى النجف » .
وقد استمر الجهاد حتى دخل الجيش البريطاني النجف وسيطر عليها ، فتفرق الناس ، ولبث الشيخ في بيته ، ونصبوا عليه العيون والمراصد على الداخل والخارج من بيته ، حتى خادمه وبعض حفدته ! فأصيب الشيخ بمرض عضال في صدره ، فكان طريح الفراش ، واشتدت عليه الآلام إلى أن اختار الله تعالى له الدار الآخرة ، فتوفي في النجف الأشرف ليلة الأحد الثامن من شهر ربيع الثاني سنة 1339 » .
. 2 http : / / www . shiaweb . org / books / al - bukhari / pa . html
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 207 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

3 - كيف سَلَّمَ الإنكليز حكم العراق للأقلية السنية !

كانت النتيجة أن الإنكليز عاقبوا الشيعة على مقاومتهم لهم ، وسلموا حكم العراق إلى السنة ، لتعاونهم معهم ! ففي 25 / 10 / 1920 ، وجه المندوب السامي في العراق كوكس ، رسالة إلى عبد الرحمن النقيب ، بتعيينه رئيساً للحكومة ، جاء فيه :
« يا صاحب السمو : عملاً برغبة حكومة صاحب الجلالة في إقامة حكومة وطنية في العراق ، ولضمان مشاركة أهل البلاد في هذه الآونة في تسيير الإدارة . وبمقتضى صلاحياتي مندوب سام ، وجدت من الضروري والمناسب إقامة مجلس لتدوير شؤون الإدارة تحت إشرافي وذلك إلى أن يتم جمع مجلس تأسيسي يقرر الشكل النهائي للحكومة في المستقبل . . . وقد تسلمت بارتياح عظيم إشعاركم بقبول المنصب نفسه ، فأتشرف بإحاطتكم علماً أن قائمة بأسماء المقترحين لإشغال مقاعد مجلس الدولة ، وأن نهج الأعمال التي ستخصص إليهم قد نالا موافقتي التامة . وعليه أرجو سموكم أن تتخذوا الخطوات اللازمة لتنفيذ مقترحاتكم بأسرع ما يمكن » .
المندوب السامي بي . ز . كوكس .
« أما أعضاء الحكومة التي انتخبها النقيب ، فقد خلت من أي وزير شيعي ، وكان هذا الأمر منسجماً مع التوجه البريطاني ! فقد كانت المناطق الشيعية والزعماء الدينيين وشيوخ العشائر يخوضون المعارك الضارية ضد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 208 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الاحتلال البريطاني إضافة إلى أنهم يطالبون بالاستقلال التام عن بريطانيا ! وكان الوزراء كالتالي : عبد الرحمن الكيلاني النقيب : رئيساً لمجلس الوزراء سني . طالب النقيب : وزير الداخلية ، سني . حسن الباجه جي : وزير العدل ، سني . جعفر العسكري : وزير الدفاع الوطني ، سني . عزت باشا الكركوكي : وزير الصحة والمعارف ، سني . ساسون حسقيل : وزير المالية ، يهودي . مصطفى الآلوسي : وزير الأوقاف ، سني . عبد اللطيف المنديل : وزير التجارة ، سني . محمد علي فاضل : وزير النافعة ، سني .
وفي 22 شياط 1921 ، ومن أجل التستر على الفضيحة ، أوعز كوكس إلى النقيب بإضافة وزير شيعي إلى الوزارة كما يقول الحسني في تاريخ الوزارات العراقية ، وكان الوزير المرشح هو السيد محمد مهدي !
وتجب الإشارة لاستكمال صورة السياق التاريخي للحدث ، أن تشكيل الوزارة النقيبية الأولى ، تم في وقت كانت فيه أحداث الثورة مستمرة ضد الاحتلال البريطاني ! ففي 27 تشرين الثاني ، أي بعد شهر من تشكيل حكومة النقيب دخل اللواء 55 البريطاني إلى النجف قبل الظهر ، وأقفل أبوابها وحاصر أهلها ، ودام الحصار 24 يوماً ، وتسبب الحصار في انتشار المجاعة وتفشي الأمراض ، وقامت السلطة بهدم دور الثوار السيد نور الياسري ، وعبد الواحد الحاج سكر ، وعبادي الحسين ، ومرزوق العواد .
وكان الثوار في السماوة يخوضون المعارك الضارية ضد قوات الاحتلال البريطاني ، وهي المعارك المعروفة بمعركة السُّوَيْر الأولى ومعركة السوير
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 209 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الثانية ، التي تكبدت فيهما القوات البريطانية الخسائر الفادحة ، ولم يتم توقيع الهدنة بين الطرفين إلا في 27 / 10 / 1920 ، بعد شهر تقريباً من تشكيل حكومة النقيب !
أما المنتفك فلم تهدأ الثورة فيه إلا في 24 تشرين الثاني 1920 .
وأما جبهة أبو صخير ، فقد استمرت بالثورة بقيادة الزعيم الكبير الحاج عبد الواحد الحاج سكر ، حتى يوم 6 تشرين الثاني 1920 ، أي بعد عشرة أيام من تشكيل حكومة النقيب .
وفي عهد هذه الوزارة تم تأسيس جيش الليفي البريطاني في العراق ، وفي عهدها أيضاً تم نفي المشاركين في ثورة العشرين إلى الهند وغيرها ، وفي عهدها تم أول إغلاق لجريدة الاستقلال البغدادية ، التي صدرت في 28 أيلول 1920 ، بسبب انتقادها للحكومة .
واستمرت هذه الوزارة بالحكم حتى 23 آب 1921 ، حيث تُوِّج في ذلك اليوم فيصل الأول ملكاً على العراق ، وفي نفس اليوم قدم عبد الرحمن النقيب استقالته ، فكلفه فيصل الأول بتشكيل الحكومة ، فألف وزارته الثانية » .
http : / / jawadnaser . jeeran . com / dw / GAYLANY . htm
وهكذا قرر الإنكليز نصب فيصل بن الشريف حسين ملكاً على العراق ، ولم يسمعوا لمعارضة مرجعية الشيعة ، وأرسلوه بالباخرة من القاهرة إلى بغداد عن طريق البصرة ، وأرسل فيصل برقية إلى النقيب هذا نصها :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 210 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
« فخامة رئيس الوزراء حضرة النقيب . بمزيد من السرور أخبر فخامتكم بأني واصل إلى البصرة صباح الجمعة القادمة شاكراً للمولى عز وجل الذي أسعدني بقرب لقائكم ومشاهدة البلاد التي هي محط مفاخر الأجداد واثقاً بازدياد عواطفكم الودية ، أنتم وزملاؤكم وكافة الشعب العراقي الكريم » .
22 حزيران 1921 - فيصل
فأجابه عبد الرحمن النقيب :
« الباخرة الحربية البريطانية نورث بروك . ضياءُ مصباح بيت النبوة ، والكوكب الدري في السماء ، شرف سمو الأمير فيصل المعظم حفظه الله تعالى . لقد أخذت بيد الاحترام برقية سموكم الدالة وعواطفكم الهاشمية نحو هذا الداعي ، والمبشرة بقدوم سموكم إلى البصرة يوم الجمعة ، بامتلاء القلب سروراً ، فنشكركم شكراً وفيراً ، داعين لسموكم بسرعة الوصول بالسلامة ، مرحبين بقدومكم الميمون ، نحن والوزراء والشعب » .
رئيس الوزراء : عبد الرحمن النقيب
« وفي يوم 18 ذي الحجة سنة 1339 و 23 آب سنة 1921 للميلاد ، وفي الساعة السادسة صباحاً أقيمت حفلة التتويج في ساحة برج الساعة بالقشلة ، وحضرها عدد كبير من الأعيان والوجوه والسراة ، بينهم بعض ممثلي المناطق التي اشتركت في التصويت ، ثم أقبل الأمير الهاشمي يحيط به المندوب السامي السير برسي كوكس ، وقائد القوات البريطانية الجنرال
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 211 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
هالدين ، والمستشار الخاص الكولونيل كورنواليس ، ففتش حرس الشرف المعد لتحية سموه ، واقتعد المحل الخاص فوق منصة مرتفعة جاعلاً المندوب السامي عن يمينه ، وقائد القوات عن شماله وجلس في الصف كل من السادة رستم حيدر وأمين الكسباني ( من السوريين ) وحسين أفنان سكرتير مجلس الوزراء ، وبعد لحظات ناول المندوب السامي سكرتير مجلس الوزراء بلاغاً تلاه على الجموع المحتشدة ، وفيه نص القرار الذي اتخذه مجلس الوزراء في 11 تموز 1921 بمبايعة الأمير فيصل بملوكية العراق ، والأمر الذي أصدره المندوب لإجراء التصويت العام الذي أسفر عن أكثرية ممثلة في 97 % من مجموع المنتخبين ، واعتراف بريطانية العظمى بالأمير فيصل ملكاً على العراق . ثم قام السيد محمود النقيب أكبر أنجال السيد عبد الرحمن النقيب فتلى دعاءاً موجزاً لمناسبة هذا الحدث العظيم ، ثم أطلقت المدافع 21 إطلاقة تيمناً بهذا الحدث ، بعدها نهض الملك فيصل فألقى خطاباً مدوناً ، استهله بشكر العراقيين على مبايعتهم إياه مبايعة حرة ، وحيا أبناء النهضة العربية الذين استبسلوا مع أبطال الحلفاء وذهبوا ضحية أوطانهم ، وشكر الإنكليز على جميل معروفهم ! وحث الناس على الاتحاد والتآلف . بعدها عزفت فرقة الموسيقى العسكرية النشيد الملكي ( ليحم الله الملك ) حيث لم يكن هناك نشيد وطني عربي آنذاك » .
http : / / www . iraqlights . net / vb / showthread . php ? s =
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 212 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ومن الطريف أن الإنكليز قبلوا باقتراح بعض بسطاء الشيعة ، فجعلوا يوم نصب فيصل ملكاً يوم عيد الغدير ، تيمناً بيوم نصب النبي ( صلى الله عليه وآله ) علياً ( عليه السلام ) إماماً وخليفة ! مع أن الناصب هم الإنكليز وليس النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، والمنصوب شاب مطيع لهم ليس فيه من علي ( عليه السلام ) إلا الانتساب !
وهكذا تأسس نظام الحكم في العراق : يوم الغدير ، بحكومة سنية ، وجيش سني ، وبقرار إنكليزي بإبعاد الشيعة ، وجاؤوا بنفس الموظفين العثمانيين السنة ، الذين سارعوا فنقلوا بندقيتهم وولاءهم من الوالي التركي والخلافة العثمانية ، إلى الوالي كوكس ، والخلافة الإنكليزية !
أما علماء الشيعة ومراجعهم وقادة عشائرهم العربية ، فقُتل منهم من قُتل وانزوى الباقون في النجف مجبرين على السكوت ، أو كانوا في سجون الإنكليز ، أو تشردوا محتمين بمن يعرفونهم في سوريا ومصر والحجاز ! وقد توسط الملك حسين ملك الحجاز لعدد منهم ، فعادوا بالباخرة مع فيصل أو بعده ، وقبلوا بالأمر الواقع ، وبايعوا فيصلاً !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 213 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

4 - الهزة الشيوعية أحيت طموح الشيعة السياسي !

بعد أربعين سنة من الإبعاد والانزواء ، جاءت الهزة الشيوعية بتحديها وعنفها ، فنهضت المرجعية وكونت موجة شعبية غلبت الشيوعيين ، وعادت إلى الساحة السياسية ، وعاد معها علماء الشيعة وزعماءهم ، فماذا قرروا للمستقبل ؟
هنا ينبغي أن تعرف أنك في منعطف تاريخي ، حدد نوع تحرك الشيعة فيما بعد ! فقد كانت الموجة الشيوعية تحدياً للحوزة استنفر كل كرياتها البيض . ولما انتصرت انبعثت فيها روح الشعور بالقوة ، وروح الطموح والغرور !
لقد كانت تلك الفترة مرحلة تأسيس الاتجاهات الفكرية والسياسية الموجودة في حوزاتنا وعالمنا الشيعي ، إلى اليوم .
إن أصول أكثر الاتجاهات والأفكار ، والكتب والمقالات ، التي تراها اليوم في بيروت ، أو القطيف ، أو طهران ، أو كراتشي ، ترجع إلى تلك الفترة ، التي عجَّت بالأفكار والتنظير والطروحات ، سواء لتطوير الحوزة أو للعمل الإسلامي التوعوي ، والعمل المنظم لإقامة دولة إسلامية .
كانت الأفكار تتلاقح داخل الحوزة في النجف ، وبينها وبين حوزة كربلاء وبعض المنظرين للعمل الإسلامي ودولته العالمية في بغداد ، ويصل التلاقح إلى حوزة قم لكن بعد فترة من الزمن .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 214 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد نضجت الأفكار سنة 1380 ه‍ 1961 م . ورسى الأمر على اتجاهين : الاتجاه الإصلاحي الذي هو خط المرجعية والحوزة تاريخياً .
والإتجاه الذي سماه أصحابه « الإنقلابي والتغييري » وتأسس بموجبه تنظيم الدعوة السري . والذين يجعلون تأسيس الدعوة قبل هذا التاريخ ، لا بد أن يقصدوا البذور والأفكار ، لأن ولادة أي تنظيم إنما تكون بعد اتفاق أصحابه ، وبدئهم بدعوة الناس إليه ، وولادة خلاياه الأولى .
وقد كان ذلك في التاريخ المذكور ، وليس قبله .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 215 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل التاسع : الاتجاهات الثلاثة بعد الهزة الشيوعية

1 - اتجاه المرجعية الإصلاحي التقليدي

عمل السيد الحكيم ( رحمه الله ) لمنع اندفاع المرجعية والحوزة إلى محاولة انقلاب على عبد الكريم ، ومنع من إنشاء تنظيم حزبي ، لتبقي المرجعية والحوزة في خطها التقليدي الذي هو الإصلاح المطلبي ، لا أكثر .
فقد كان السيد الحكيم ( رحمه الله ) كغيره من المراجع ، يعتقد أن هذا هو الخط الأصيل والصحيح لمرجعية الشيعة ، ولهذا تعايشت عبر التاريخ مع الحكومات المختلفة ، وغاية ما كانت تقوم به حركة مطالبة بالإصلاح .
اتجاهان داخل خط المرجعية الإصلاحي :
ومع اتفاق المراجع على مشروعية التعايش مع أنظمة الحكم المختلفة ، يوجد فيهم اتجاهان : اتجاه يتخوف من دخول المرجع في الأمور السياسية كلياً ، سواء بالثورة على السلطة ، أو بالحركة المطلبية ، ويرى أن واجبه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 216 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ينحصر في تبليغ الدين وحفظ معالمه ، وأن هذا هو الطريق الوحيد لحفظ التشيع ، ومواجهة الانحرافات الداخلية ، والغزو الثقافي الغربي .
وتصح تسميته باتجاه الإنكماش الحضاري للوقاية من الغزو الخارجي ، ولعل السيد كاظم اليزدي ( رحمه الله ) صاحب كتاب العروة الوثقى المشهور ، يمثل هذا الخط ، فقد أفتى أول الغزو الإنكليزي بوجوب الجهاد واستشهد ابنه في معركة الشعيبة ، ثم سحب نفسه كلياً ورفض أن يتدخل في أي من القضايا السياسية سلباً أو أيجاباً ، حتى في نصب الملك فيصل ملكاً على العراق وكان يقول : أنا أعرف في الفقه والدين ، ولا معرفة لي في السياسة ، فلا أعطي رأياً . ويشبهه السيد حسن الصدر ( رحمه الله ) في الكاظمية .
وكان بعض أصحاب هذا الاتجاه يقولون إنه لا فائدة من مقاومة الإنكليز مع تفوقهم ، إلا المزيد من الضرر على الشيعة والعراق .
كما أن حجتهم في العمل الإسلامي الطويل الأمد ، أنه لا يمكن إقامة حكم إسلامي عادل فلا يجب علينا ذلك ، بل يجب أن نحافظ على ثقافتنا وهويتنا ونتعايش مع الأنظمة ، إلى أن يشاء الله تعالى ويُظهر حجته ( عليه السلام ) .
ويقابل هذا الاتجاه : اتجاه إصلاحي ، يرى أنه يجب على المرجع مطالبة السلطة بحقوق الشيعة في الحرية المذهبية ، والشؤون المعيشية ، وأن ذلك لا يتنافى مع التعايش معها . وكان السيد الحكيم ( رحمه الله ) يؤمن بهذا النوع من المرجعية الإصلاحية ، فقد اغتنم فرصة زيارة الملك فيصل إلى النجف ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 217 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فاستقبله في حرم أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وقدم له مطالب في الحرية المذهبية وإنصاف المناطق المحرومة .
وعندما نجحت ثورة عبد الكريم قاسم أرسل إليه السيد ( رحمه الله ) رسالة تهنئة تضمنت عدداً من المطالب المشابهة . كما كان يرسل مطالبه إلى عبد السلام عارف ، وأخيه عبد الرحمن ، ثم إلى البعثيين .
أما اصطدامه في آخر حياته ( رحمه الله ) مع البعثيين ، فكان مضطراً إليه اضطراراً لأنهم أصحاب طبيعة دموية ، وقد فشلت محاولة إقناعهم بالتعامل المدني مع المعارضة ، كما رفضوا تحويل الحكم العسكري إلى حكم مدني .
وعندما فشلت محاولة الانقلاب التي قام بها المرحوم العميد محمد رشيد الجنابي ( رحمه الله ) وشارك فيها السيد مهدي ، أعلن البعثيون الحرب على المرجعية فرأى المرجع ( رحمه الله ) نفسه مضطراً لتجاوز الخط الإصلاحي المطلبي ، وتحرك من النجف إلى بغداد للضغط على الحكومة ، فوقعت المحنة المعروفة .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 218 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

2 - الاتجاه الثاني : مشروع الحركة الإسلامية العالمية

إذا أردنا الحديث عن تلك الفترة التي تأسست فيها حركة إسلامية عالمية باسم : « الدعوة الإسلامية » وعُرِفَتْ بعد عقدين باسم : « حزب الدعوة الإسلامية » فلا بد أن نذكر الذين عملوا من أجل تأسيسها ، رحمهم الله . ونلفت هنا إلى كثرة الظنون والرجم بالغيب ممن كتبوا في الموضوع ، لأنهم لم يكونوا في مجرى الحدث ، وبعضهم ناشئ اعتمد فيما كتبه على من لم يكن حاضراً ، ولا تثبَّت من سماعه .
وبعضهم تعمد التأريخ للموضوع بغير الواقع ، ظناً منه أنه يستطيع فرض تصوره على التاريخ ، لأنه لا يوجد من يعرف الواقع ويكشفه !
لكن من واكب الحدث مثلي ، يتعجب مما كتبوه عن تأسيس الدعوة ، ويقول : إذا كان الحدث الذي عاصرناه يكتب بهذا النحو : مسلوخاً عن جوه ، مفترضاً له جوٌّ آخر ، فيه خلطٌ ، وتعتيمٌ ، وتضخيمٌ ، وتصغير وتكبير ، في الأحداث والأشخاص والتواريخ ! فكيف نثق بروايات تاريخنا الإسلامي ، الذي اهتم الحكام بمفرداته الصغيرة وحاسبوا عليها الراوي !
لقد شارك في مداولات تأسيس تنظيم الدعوة بضعة عشرة نفراً ، وكانت جلساتهم متباعدة ، وبدأت سنة ( 1960 م - 1379 ه - ) واستمرت نحو سنة حتى تم اتفاق من بقي منهم في الجلسات ، فبدأ أبو عصام ( رحمه الله ) بتشكيل الحلقات ، وطلب من السيد الصدر ( رحمه الله ) أن يكتب الأسس .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 219 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وكانت الجلسات عديدة ومتباعدة أو متقاربة ، وبعضهم حضر جلسة واحدة ، أو جزءاً من جلسة . ولم يكن اهتمامهم بالأمر بدرجة واحدة ، ولا تفريغهم لوقتهم واحداً . وكان بعضهم في بغداد وبعضهم في النجف . وبعضهم له حضوره الفاعل وبعضهم مستمع ، وآخر يثق بشخص ويرى أن حضوره يكفي عنه . . الخ .
لكن المرحوم أبا عصام عبد الصاحب دْخَيِّل ، كان محوراً ثابتاً في الجلسات من أولها إلى آخرها ، وكان هو الذي يطرح الفكرة ويدير النقاش ، ويدعو الأشخاص إلى الحضور ، ويتابعهم عندما يتأخرون .
ولا ننس أنهم كانوا يتخوفون من البعثيين والقوميين الذين يعملون لانقلاب على عبد الكريم ، وبعضهم من أقاربهم وأصدقائهم ، وكان أولئك يراقبون السيد مهدي الحكيم ( رحمه الله ) أن ينافسهم على محاولة انقلاب !
كما كان أعضاء الجلسة يتخوفون من حواشي المرجعية أن يشتكوا عليهم للسيد الحكيم أو السيد عبد الهادي الشيرازي ، أو لكبار الحوزة ، بأن هؤلاء يريدون تأسيس حزب سياسي !
ونقتصر على ذكر الأكثر تأثيراً منهم ، ونذكر أعمارهم ، لتعرف خطأ ما نسب إلى بعضهم ، مما لا يتناسب مع عمره !
كنت يومها طالباً في نحو السابعة عشرة من عمري ، لكني كنت أدرس الكفاية ، وأدَرِّسُ النحو والمنطق والبيان . وكنت أحضر في مجلة الأضواء
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 220 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأساعد في تصحيح ملازمها ، وأسمع بفكرة تأسيس تنظيم ، وأنها محل تداول بين عدد من الأساتذة والعلماء . وعندما تم الاتفاق أخبر السيد الصدر ( عليهم السلام ) الشيخ مفيد الفقيه ، فأخبرني وانتظمت معهم .
وما أكتبه هنا سمعته من أستاذنا السيد الصدر ، أو من أبي عصام ، أو السبيتي ، أو السيد مهدي الحكيم ، وغيرهم رحمهم الله ، ممن حضروا تلك الجلسات ، وعايشوا الحدث .
كان أشد المهتمين بتأسيس حركة إسلامية عالمية الشهيد عبد الصاحب دْخَيِّل أبو عصام ( رحمه الله ) ، وكان عمره ثلاثون سنة ( متولد 1930 م - 1348 ه - ) . وكان أبو حسن محمد هادي السبيتي صديقه وفي سنِّه ، وكان في بغداد ، وكان رأيهما متقارباً فكان يكتفي بحضور أبي عصام وقلما يحضر الجلسات .
وكان عُمْر السيد محمد باقر الصدر ( رحمه الله ) 25 سنة ، وكان السيد مهدي الحكيم في سِنِّه ، فهما أصغر من أبي عصام وأبي حسن بخمس سنين .
وكان احترام السيد الصدر لأبي عصام كبيراً واضحاً ، وقد رأيته يتعارف معه في الدخول والخروج فيقدمه ، وربما تقدم عليه أبو عصام ، وكان يدعوه : أبا عصام ! وأبو عصام يدعوه : يا سيد محمد باقر ، وسمعته بعد مدة يدعوه : يا أبا مرام . وشبيهاً به كان احترام السيد مهدي لأبي عصام .
ولم يكن في تلك المجموعة أكبر سناً من أبي عصام إلا الشاعر محمد صادق القاموسي ، كان أكبر منه بنحو ثمان سنوات ( متولد 1922 - 1341 ) ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 221 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لكنه لم يكن متصدياً للأمر بدرجة أبي عصام ، ثم إنه انسحب من الجلسات عندما رفضوا مقترحه الذي هو مشروع نظام داخلي لحركة الدعوة ، ولم يشارك في بقية جلساتهم ، ولا في عمل الدعوة .
وربما كان السيد طالب الرفاعي أكبر سناً من أبي عصام ، لكن لا يقاس حضور أبي عصام بحضوره ، وكذا الحاج صالح الأديب ، مضافاً إلى أنه كان في كربلاء ، ولم يحضر إلا جلسة أو اثنتين وكان موافقاً لرأي أبي عصام .
فالحضور القوي في تلك الجلسات كان لأبي عصام أولاً ، وللسيد مهدي الحكيم ثانياً ، وللسيد الصدر ثالثاً ، رحمهم الله .
أما السيد مرتضى العسكري ( رحمه الله ) فكان أكبر سناً منهم ، لكن أبا عصام كان معنياً أكثر منه بالحركة وفكرها والتنظير لها .
وكان السيد العسكري كان في بغداد والجلسات في النجف ، وقلما حضرها ، ولم تعقد جلسة حول الموضوع في غير النجف .
وقد حضرت بعد تأسيس الدعوة وانتظامنا فيها ، مجالس تطرح فيها أمور فكرية حركية ، فرأيت أبا عصام هو المتحدث الذي يطرح الفكرة والرأي ، ورأيت السيد العسكري والسيد الصدر يؤيدانه ، أو يناقشانه باحترام كبير .
لذلك يجب أن نشهد بأن الشخصية الأولى في تأسيس الدعوة هو أبو عصام ( رحمه الله ) ! فهو الذي بدأ طرح الفكرة على أبي حسن السبيتي ، والسيد مهدي الحكيم ، والسيد محمد باقر الصدر ، وغيرهم ، حتى لو كانت قبل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 222 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ذلك في أذهانهم ، وهو الذي كان يتابع الأمر ويجمع الشخصيات ، وينسق الوقت والمكان ، ويدير الحديث ويبتكر الحلول لتقريب وجهات النظر .
ثم كان هو الذي يتابع تنفيذ المقررات ، فبعد أن أنهوا مداولاتهم واتفقوا على بدء العمل ، بدأ أبو عصام بالعمل ، فكلف السيد الصدر بكتابة الأسس ، وبدأ بمفاتحة الأشخاص وتشكيل اللجان ، فأعطى مجموعة للشيخ عبد الهادي الفضلي ، ومجموعة للسيد محمد باقر الحكيم ، ومجموعة للسيد عدنان البكاء ، ومجموعة للسيد طالب الرفاعي ، ومجموعة للحاج محمد صالح الأديب في كربلاء ، ومجموعة للشيخ عارف في البصرة .
وهو الذي هيأ ( رونيو ) وهو شبيه بجهاز التصوير ، وكان اقتناؤه يومها جريمة ! ثم اشترى أبو عصام ( رحمه الله ) طابعة ، وجعلها في بيت السيد عدنان البكاء ، ثم طلب السيد عدنان إعفاءه ، فتبرعت أنا ونقلناها إلى بيتنا ، وكان يطبع عليها الأخ عبود مزهر . وكانت الطابعة ، وكل جهاز نسخ وتكثير ، مواد جرمية كالسلاح وأشد !
ويكفي أن تعرف أنك لكي ترسل رسالة بالبريد ، فعليك أن تعرضها على الرقيب العسكري مفتوحة فيقرؤها ويلصقها ويختمها ، ثم تلصق عليها طابعاً ، وتضعها في صندوق البريد !
وكان أبو عصام ( رحمه الله ) يكلف السيد الصدر ( رحمه الله ) بمفاتحة بعض الأشخاص الذين يرى فيهم القابلية ، فيقوم بذلك ( رحمه الله ) ويحولهم عليه أو على الشخص الذي عينه له .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 223 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وبهذه الطريقة كلم السيد الصدر أستاذنا الشيخ مفيد الفقيه ، فكلمني بالموضوع وكلم أخاه الشيخ عبد الإله وابن عمه الشيخ سامي ، فقبلنا الأمر ، ورتب لنا أبو عصام مسؤولاً هو السيد محمد باقر الحكيم ( رحمه الله ) ، فكنا عنده حلقة ، رابعنا السيد عبد الكريم القزويني .
ثم درسنا في الحلقة : الأسس التي كتبها السيد الصدر ، حتى حرَّم المرجع السيد الحكيم التنظيم على أولاده ، فاعتذر مشرفنا السيد محمد باقر الحكيم وفاجأنا بأن التنظيم انتهى ! فتعجبنا واتصلنا بالسيد الصدر ، فأخبر أبا عصام ( رحمه الله ) فعين لنا مشرفاً آخر ، هو الشيخ عبد الهادي الفضلي .
* *
كان أبو عصام شخصية عجيبة ، فمع أنه لا يملك إلا شهادة ثانوية ، لكنه كان واسع الثقافة كثير المطالعة ، وكل ثقافته بجهده الشخصي !
والأهم من ثقافته قوة شخصيته وفكره ، وقوة حضوره في أي مجلس أو عمل يقوم به ، وقدرته على الحوار ، والإقناع ، وطول نفسه على التجزئة والتحليل ، فكان الجميع يحسبون حساباً لآرائه وإشكالاته المنطقية .
وقد أخبرني أبو حسن السبيتي ( رحمه الله ) أنه كان يتردد عليه في بغداد ، أيام كان أبو حسن في حزب التحرير ، وأن أبا عصام التقى بالشيخ تقي النبهاني مؤسس حزب التحرير ، وجرى بينهما نقاش مقتضب ، فقد اعتقل النبهاني
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 224 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
في العراق في زمن عبد الكريم ولم يعرفوه ، وغادر إلى لبنان وبقي فيها متخفياً ، حتى توفي سنة 1977 ، ودفن في بيروت باسم آخر .
ثم التقى أبو عصام ( رحمه الله ) مطولاً بخليفة النبهاني الشيخ عبد القديم زلوم .
ويظهر أن أبا عصام أثَّر على أبي حسن السبيتي ، فترك حزب التحرير واتجها إلى تأسيس تنظيم الدعوة ، وكان أبو حسن يثق بفكره ورأيه إلى حد كبير ، ويسميه صاحب النجف ! فكان أبو عصام زميله ، وبمنزلة أستاذه .
وعندما كتب الشيخ تقي النبهاني كتابه « الخلافة » الذي سموه فيما بعد « نظام الحكم في الإسلام » أرسله إلى النجف ، فرآه السيد الصدر وأبدى عليه ملاحظات شفهية ، ورأيته كتيباً في نحو مئة صفحة بالقطع العادي ، وتعجبت من أنه لا يتضمن آلية لنصب خليفة في عصرنا ، وأنه ليس فيه رأس سطر ولا نقطة ولا فاصلة ! فقلت : هذا كتابٌ كله سطر واحد ! فأعجبت كلمتي السيد الصدر ( رحمه الله ) ، وكان يعيدها ويتبسم !
وأراد زلُّوم وبعض جماعته أن يأتوا إلى النجف ليبحثوا إشكالات علمائها على الكتاب ، فقرر أبو حسن والسيد الصدر أن يجلس معهم أبو عصام ، ورأيته قبل الجلسة وقد دون ملاحظاته على عدد من صفحات الكتاب .
وجلس معهم تلك الليلة وناقشهم حتى تعبوا ، وكان أبو حسن يقول : ناقشهم أبو عصام حتى أعجزهم ، وتعب بعضهم وغلب عليه النوم !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 225 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كان السيد الصدر يحترم أبا عصام كثيراً ويعامله كأخ أكبر ، وإذا دخل عليه فرَّغ له وقته وسمعه ، فكان يعرف أن وقته ملئ وأنه جاء لعمل مهم ، ولم أرَ السيد الصدر اعترض عليه يوماً ، بل كان يُرجع إليه في المسائل الحركية . وقد كنت أراجع السيد الصدر ( رحمه الله ) في بعض القضايا ، وأعتبر أن رأيه كافٍ لأنه في القيادة ، لكنه كثيراً ما كان يقول لي : أنظر ماذا يقول أبو عصام ، فأنت تعرف أنا لا نؤمن بالقيادة الفردية بل بالقيادة الجماعية ، وأننا إذا قال أبو عصام نقبل قوله !
لكن السيد الصدر ( رحمه الله ) تغير رأيه في القيادة الفردية والجماعية بعد ذلك . وكان ( رحمه الله ) حيوي الذهن لماحاً ، متطور الفكر ، وليس كالذين يجمدون على رأي ، والكلام عن فكره والتطورات التي مر بها يحتاج إلى حديث مستقل ، لكن حديثنا هنا عن مؤسس الدعوة أبي عصام ( رحمه الله ) .
* *
كان أبو عصام ( رحمه الله ) معجباً بالإخوان المسلمين وفكرهم أكثر من حزب التحرير ، وكان يميل أكثر إلى منهج حزب التحرير في التحليل السياسي . أما في الفكر التنظيمي فكان يرى أن الشيوعيين متقدمون فيه أكثر من غيرهم ، وكان ينتقد الوضع التنظيمي للإخوان في عهد الصواف ، ثم في عهد الدكتور عبد الكريم زيدان ، وينتقد الوضع التنظيمي لحزب التحرير عند الشيخ تقي النبهاني ، ثم عند الشيخ عبد القديم زلوم .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 226 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولذلك حرص ( رحمه الله ) على أن تكون في ثقافة الدعوة وتنظيماتها حسنات هؤلاء جميعاً ، وأن تتجنب نقاط ضعفهم ، فأشبهت ثقافتها ثقافة الإخوان بل تبنت عدداً من كتب الإخوان للتدريس في حلقاتها ، مثل شبهات حول الإسلام لمحمد قطب ، ومعالم في الطريق لسيد قطب .
وقد كتبت يومها إشكالات على كتاب معالم في الطريق خاصة على عنوان « الانحراف » وناقشت بعضهم فيه . . فلم يرض بذلك أبو عصام وأبو حسن السبيتي وقال : نحن بحاجة إلى نقد الفكر الجامد لا نقد الفكر الحركي . . ولا مجال هنا للإفاضة في هذا الحديث . .
ولإعجاب أبي عصام ( رحمه الله ) بالمستوى التنظيمي للحزب الشيوعي ، أخذ أحسن ما يراه منه للدعوة ، فكان شكل تنظيمها يشبه تنظيم الحزب الشيوعي ، فالحلقة تتكون من خمسة أعضاء يرأسها مشرف ، واللجان المحلية وبقية اللجان الهرمية ، تشبه التنظيم في الحزب الشيوعي .
أما التحليل السياسي ، فكان أبا عصام ( رحمه الله ) ينتقد تحليل الشيوعين المملوء بتعبيرات الإقطاع والطبقية والبرجوازية والرأسمالية والبروليتاريا . . إلى آخر منظومتهم ، ولا يعجبه تحليل الإخوان الذي يصفه بأنه يغلب عليه السطحية والعاطفية ، ويعجبه تحليل حزب التحرير الذي يتناول القضايا من زاوية الصراع بين المسلمين والمستعمرين خاصة الإنكليز الذين حكموا المنطقة وما زالوا يحركونها ، وهم يورثون نفوذهم طواعية ، أو يضطرون
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 227 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
للتخلي عنه للاستعمار الأمريكي الجديد . وقد صار ذلك الطابع للتحليل السياسي في حزب الدعوة .
وكان أبو عصام ( رحمه الله ) معجباً بسيد قطب ، لكنه معجب أكثر بشخصية حسن البنا ، فكان يقول : سيد قطب لا يصل إلى مستواه أبداً !
وكان يوماً يتحدث عن حسن البنا ، ويتعجب من أنه ركب الطائرة ست ساعات وبقي مستيقظاً يفكر ، ولم ينم ! فقلت له : مالك معجب به إلى هذا الحد ؟ ! أنت أقوى منه شخصية وأعصاباً !
وهذه عقيدتي في شخصية أبي عصام ( رحمه الله ) ، وأشهد أنه أقوى شخصية من الشيخ حسن البنا وسيد قطب والشيخ تقي النبهاني وغيرهم ، بل هو من الشخصيات التاريخية النادرة ، في قوة فكرها وطموحها .
ومع مقاومتي للتعب والنوم ، فقد كان أبو عصام أقوى مقاومة مني ، وقد تواعدنا يوماً في منزلنا بعد الظهر لنرتب مواضيع ، فجاءني أبو عصام ( رحمه الله ) بعد الظهر في صيف النجف ، ففتحت الباب ورأى أني كنت نائماً فقال مستنكراً : أنا تصورت أنك لا تنام بعد الظهر ، أنت قلت : أنا موجود بعد الظهر في أي ساعة ، فتفضل ! فقلت له : نعم قلت إني موجود فتفضل ، ولم أقل إني مستيقظ حتى تأتي !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 228 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد ظهرت كفاءة أبي عصام القيادية والإدارية بدرجة عالية ، فكان يدير كل تنظيم الدعوة ويوجهه ، من أكبر شخص إلى أصغرهم ، في النجف ، وبغداد ، وبقية مناطق العراق ، وخارج العراق ، وكان يأتينا إلى الكويت .
كان وحده يمسك كل خطوط التنظيم ويتابع أموره الداخلية والخارجية ، ومع ذلك يعمل في التجارة ، فيشتري ويبيع داخل العراق وقد يستورد . وكان يهتم بأمر المناطق والوكلاء ، وهو الذي كان رتب أمر الشيخ عارف البصري ( رحمه الله ) ، فجاء به من البصرة إلى النجف ، وبعد إكماله كلية الفقه ، أخذ له وكالة من السيد الحكيم ( رحمه الله ) عالماً في منطقة الزوية بالكرادة .
وكتب السيد مهدي الحكيم ( رحمه الله ) في مذكراته / 36 ، أنه كان في الخمسينات قبل ثورة تموز يفكر في إنشاء تنظيم ، وأنه تحدث في ذلك مع أبي عصام ( رحمه الله ) والسيد طالب الرفاعي فوجدهما يؤمنان بهذه الفكرة ، فاتصلوا بالسيد الصدر ( رحمه الله ) لهذا الغرض ، فتجاوب معهم .
وذكر أن السيد طالب الرفاعي كان على علاقة بالشيخ عارف البصري والسبيتي وهما في حزب التحرير ، وأن الشيخ عارف جاء إلى النجف ليفتح فرعاً لحزب التحرير ، فناقشه السيد مهدي ليثنيه عن ذلك .
وذكر السيد مهدي ( رحمه الله ) أنه التقى في الكاظمية بفلان ويقصد أبا حسن السبيتي ، وكان متخرجاً يومها من الجامعة ( هندسة كهرباء ) وناقش معه إنشاء تنظيم بدل عمله مع حزب التحرير ، فوجد منه تجاوباً .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 229 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وكل ذلك صحيح ، لكن ينبغي التنبيه إلى أن هذه المفردات كانت بعد ثورة 14 تموز وبدء موجة الشيوعيين ، وأن المحرك الأساسي لهؤلاء كان أبو عصام ( رحمه الله ) ! ويكفي أن نعرف أن كبيرهم السبيتي كان يعامل أبا عصام كأنه أخوه الأكبر وأستاذه ، مع أنهما في سن واحدة .
أما الشيخ عارف فكان أصغر منهما سناً ، وكان السبيتي في حزب التحرير مسؤوله أو بمثابة مسؤوله .
وأقدر أن أبا عصام هو الذي أقنع الشيخ عارف أن يستفتي السيد الحكيم في بقائه في حزب التحرير ، فقد سمعت الشيخ عارف ( رحمه الله ) يقول : أنا خرجت من حزب التحرير بفتوى السيد الحكيم ( رحمه الله ) . ولعل تفكيره بفتح فرع لحزب التحرير كان في سفرة سابقة إلى النجف .
فقد كان الشيخ عارف يومها في البصرة ، ثم جاء إلى النجف ، وانتسب إلى كلية الفقه ولبس العمامة ، ولما أكملها ذهب إلى بغداد عالماً في منطقة الزوية وكان أبو عصام مهتماً بأموره .
ومن صفات أبي عصام ( رحمه الله ) أنه لا يتبجح بأعماله ، بل يحرص على سترها لكي تسير الأمور بشكل جيد . وكم من ابتكار واقتراح له على السيد الصدر ، والسيد مهدي الحكيم ، أخذ طريقه إلى العمل ، ولم يقل إنه منه .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 230 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وكان أبو عصام قوي الفراسة نافذ النظرة في تقييم الأشخاص ، وقد لمست ذلك عدة مرات ، وثبت لي أنه صَرَّاف شخصيات ( رحمه الله ) .
فقد كنتُ أعطيت مسؤولية إلى شخص مثقف ذكي ، عملي ، من عائلة معروفة ، فقال لي أبو عصام : هذا لا ينفع ، إنه لِعْبِي ! فلم أقبل منه وقلت في نفسي : لعل انطباعه عنه خاطئ لأنه يناقشه كثيراً .
لكني بعد مدة اكتشفت صدق تقييمه ، وأن ذلك الشخص أهل لعب وليس أهل عمل ، فهو يهتم بالإشكال على الآخرين وعلى عملهم ، وينقدهم شخصياً لا ليصحح عملهم ، ويُقَيِّمُ الشخص والأمر بنقطة ضعف فيه ويترك مجموع جوانب قوته ! وكأن هدفه من عمله أن يثبت للآخرين أنه مصيب وغيره مخطئ ! وهذا هو اللعب والغرق في الذات !
* *
وقد ظهرت قدرة أبي عصام ( رحمه الله ) على الكتابة ، فكتب موضوعات عديدة للنشرة الداخلية « صوت الدعوة » أولها عن المرحلية وأهمية المرحلة التغييرية ، وهي نظريته . وكان يراجع ما يكتبه أبو حسن السبيتي ، والشيخ عارف ، وكاتب هذه السطور ، وكذا ما يكتبه السيد الصدر ( رحمه الله ) .
وينبغي أن نسجل هنا أن المجلدات الثلاثة التي هي ثقافة الدعوة ، كتب قليلاً منها السيد الصدر ( رحمه الله ) ، وأكثر منه أبو عصام ، وأكثر منه الشيخ عارف ، وأكثر منه كاتب هذه السطور ، وأكثر من الجميع أبو حسن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 231 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
السبيتي ، وأن بقية القياديين من أصدقاء القيادة ، أو من الصفوف الأخرى لم يكتبوا سطراً واحداً من ثقافة الدعوة .
* *
كان أبو عصام ( رحمه الله ) يقوم بأعمال كبيرة بعلاقته بالسيد مهدي الحكيم ( رحمه الله ) ، وكانت علاقتهما مميزة ، فهم جيران في النجف ، وعائلة دْخَيِّل لها علاقات مع العلماء والمراجع ، وهي من عوائل الوجاهة المحترمة في النجف .
وكان السيد مهدي ( رحمه الله ) حيوياً نشيطاً ، مبرزاً في أبناء السيد الحكيم ( رحمه الله ) شجاعاً ناشطاً في مواجهة الموجة الشيوعية .
وعندما أرسل البعثيون حسين الصافي إلى المرجع السيد الحكيم ( رحمه الله ) بأسلوب تهديدي خبيث ، وحرَّم على أولاده دخول الأحزاب ، لتبقى المرجعية ومن يتعلق بها في موقع الاستقلال والأبوة لكل الناس ، وترك السيد مهدي والسيد باقر الدعوة . . يومها بقي أبو عصام على علاقته الحميمة معهما ، وقدر ظرفهما ، وكأنه لم يتغير شئ !
وعندما انتقل السيد مهدي ( رحمه الله ) إلى بغداد كان أبو عصام ( رحمه الله ) يزوره باستمرار ، ويتداول معه في الأمور ، وقد يكلفه بأمر فلا يرد له طلباً ، ولو طلب منه مالاً لأعطاه ، فقد كان السيد مهدي ( رحمه الله ) سخياً ، أميراً من أمراء بني هاشم ، لكن أبا عصام كان وقوراً عالي النفس ( رحمه الله ) كزعماء بني شيبان .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 232 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد يكون طلب منه مساعدة لبعض الأعمال ، مثل مواكب طلبة الجامعات إلى كربلاء ، الذي نظمه أبو عصام ( رحمه الله ) من مختلف المحافظات .
* *
وكان أبو عصام ( رحمه الله ) في معتقله وشهادته ، نموذجاً لصمود المؤمنين ، ثابت الجنان قوي الأعصاب ، عالي النفس ، وكان خبيراً بأمر أعدائه ، يستصغرهم ويحتقرهم !
ومن الثابت عنه ( رحمه الله ) أنه كان في السجن يتحدى مدير الأمن المجرم ناظم كزار ، وأنه أمر بتعذيبه تعذيباً وحشياً في حضوره ، وهو يقول له : اعترف ! فقال له أبو عصام : شوف يا ناظم كزار : كل أسرار الدعوة بصدري ، وشْما تسوِّي ما راح تعرف منها ولا حرف ! وعندما عجز ناظم كزار عن إجباره على الاعتراف بحرف ، اغتاظ من صموده وشموخه ، وأمر به فألقي في حوض ( أسيد التيزاب ) ! وهذا الفصل من حياته ( رحمه الله ) يستحق أن يكتب بالتفصيل ، ويصنع بفيلم .
كما ينبغي للباحث عن مقالع الشخصيات النادرة المؤثرة في تاريخ العراق والشيعة ، أن يتعرف على عائلة أبي عصام ( رحمه الله ) آل دْخَيِّل ، وهم كما ذكروا من بني سلامة ، من بني شيبان من بكر بن وائل . وقد اشتهر منهم الصحابي القائد المثنى بن حارثة الشيباني في معركة ذي قار مع كسرى ، ثم كان قائد فتح العراق . وقد كتبنا عنهم في ( سلسلة القبائل العربية في العراق ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 233 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

3 - أبو عصام هو الدعوة تأسيساً وقيادة

نسب بعضهم تأسيس الدعوة وقيادتها إلى غير أبي عصام ( رحمه الله ) ، وهذا من سيئات التنظيم السري الذي يسهل فيه الادعاء والتسلق ، خاصة إذا استشهد عدد من قادته . ومما يكشف حقيقة الأمر : الكتابة للتنظيم ، وإدارة حلقاته ، وكسب الدعاة . فهذه الثلاثة مقياس لأولئك الذين ادعوا أو ادُّعِيَ لهم أنهم كانوا في قيادة الدعوة .
فإذا قيل فلان كان قيادياً ، فاسأل عن كتابته في النشرة الداخلية صوت الدعوة ، التي كانت تُدَرَّس في الحلقات ، واسأل عن الحلقات التي كانت بيده ، واسأل عن الذين كسبهم ونظمهم في الدعوة !
فإن لم يكتب سطراً ، ولم يُدر حلقة ، ولم يكسب شخصاً ، فلا يكون قيادياً نعم قد يكون صديقاً لقيادي ، أويكون القيادي منفتحاً عليه ، أو يكون في جو تأسيس الدعوة ، أو في حلقاتها الأولى ، ثم لم يواصل العمل ، بسبب الخوف أو غيره . . الخ .
وينبغي أن نحسن الظن فنقول إن الأمر اختلط على بعض من كتب في الموضوع ، فجعلوا من القيادة أشخاصاً من الصف الثاني والثالث والخامس ! أو حسبوا أصدقاء أبي عصام أو السبيتي من القيادة ، كالشاعر القاموسي ، والسيد العسكري ، والسيد مهدي ، والسيد طالب ، والسيد عدنان ، مع أنهم لم يكونوا في التنظيم ، ولم يكتبوا للدعوة سطراً ، ولا كان
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 234 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بيدهم داعية واحد ، وكان القيادي إذا جلس مع أحدهم لا يناقش أوضاع التنظيم الداخلية ، لأنه أمر لا يخصهم ولا يعرفون عنه ، بل يناقش بعض الأمور والأعمال الأخرى التي ترتبط بالدعوة .
أما السيد الصدر ( رحمه الله ) فكان أبو عصام أو غيره يلتقون به بصفته صديقاً ، ولم يكن في تنظيم الدعوة ، ولم أكن أعرف ذلك ، فقد كنت أجلس معه وأراجعه على أنه في قيادتها فلا يقول لا ، حتى عرفت أنه ليس معهم ، فتفاجأت واستنكرت ، وأشكلت على أبي عصام وناقشته طويلاً !
وكان يطمئنني بقوله إنا لا نترك السيد الصدر ولا يتركنا ، فنحن معه وهو معنا ! واستقصيت منه سبب خروجه . وليس هذا محل الكلام فيه .
وينبغي التنبيه إلى أن جميع خطوط الدعوة كانت بيد أبي عصام ( رحمه الله ) منذ تأسيسها إلى شهادته ، فكان هو الذي يعطي المسؤوليات ويشكل اللجان ، وينصب المسؤولين ، وكان يتشاور مع السبيتي والشيخ عارف ، بصفتهما عضوي قيادة ولم يكن معه أحد غيرهما .
ثم أبلغوني بأنهم قرروا ضمي إليهم ، فكنت أجلس معهم جلسات متباعدة ، أو ثنائية مع أحدهم ، ويبلغني رأي الآخرين .
وبعد شهادة أبي عصام ( رحمه الله ) صارت القيادة ثلاثة ، وانتقلت خطوط الدعوة التي كانت بيد أبي عصام إلى الشيخ عارف ( رحمه الله ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 235 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أما السبيتي ( رحمه الله ) فلم يكن من مزاجه إدارة حلقات ، وكان يتابع أوضاع الدعوة ويكتب لها ، فكانت خطوط التنظيم بيد اثنين الشيخ عارف وأنا ، حتى استشهد الشيخ عارف فتقاسمتُ خطوط التنظيم مع أبي حسن السبيتي ( رحمه الله ) .
وكتب الشيخ عارف ( رحمه الله ) من سجنه رسالة إلى الدعاة ، يؤكد فيها عليَّ ، فوصلت الرسالة إلى يد شخص لا أحب تسميته ليوصلها اليَّ ، فأخبرني بمضمونها وزعم أنها ضاعت بين أوراقه !
وأما اللجنة التي شكلناها مع الشيخ عارف ( رحمه الله ) والسبيتي ( رحمه الله ) ، وكان فيها السيد العسكري ، والشيخ شمس الدين ، والسيد فضل الله ، والسيد الحائري ، وغيرهم ، فكانت هيئة تجتمع سنوياً ، ولم يكن بيد أحد منها شئ من التنظيم ، ولها حديث آخر .
وينبغي أن أذكر هنا الأخ الدكتور جابر العطا حفظه الله ، فقد كان من قيادات الصف الأول من أوائل تأسيس الدعوة ، ويعتبر من قيادتها ، وكان يحضر أحياناً جلسات القيادة مع أبي عصام والسبيتي والشيخ عارف ، لكنه كان شديد التحفظ ، فابتعد عملياً عن القيادة والتنظيم ، فلم يستلم حلقة ولا كتب موضوعاً للنشرة ، وبقي على هذا الوضع إلى اليوم .
وقد اتصل بي بعد سقوط صدام وقال : يا أبا ياسر ، أرى أن الدعاة اختلفوا إلى فئات ، ولم يبق من القيادة إلا أنا وأنت ، فأرى أن تأتي إلى
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 236 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
العراق ونجمع الشمل ، فإنهم مهما كان اختلافهم يحترموننا ، ويسمعون منا .
فقلت له : شكراً أبا محمد ، لكن قناعتي تغيرت منذ مدة طويلة ، فأنا لا أرى أن ذمة المسلم تبرأ شرعاً ، إلا بالعمل مع المرجعية .
قال : هكذا خويا ؟ قلت : هكذا خويا . وودعته !
ويظهر أن سنه ووضعه الصحي شافاه الله ، لم يسمحا له بأن يقوم بدور فعال ، لكني أعتبره شاهداً على ما يعرفه ، مما كتبته عن الموضوع .

4 - المرحلية خيالٌ آمنا به ثم تركناه !

معنى المرحلية في العمل الحركي : تقدير مراحل عمل الحركة حتى تصل إلى الحكم ، ومعناه أن للحركة هدفاً أعلى هو الوصول إلى الحكم ، فهي تُقدر مراحل عملها تبعاً لفكرها وهدفها ومجتمعها ، حتى تحقق هدفها .
فلو كانت الحركة محاولة انقلاب عسكري ، لكانت مراحل عملها الاتصال بالضباط ، وبالدول الكبرى لتطمينها أو لأخذ مساعدتها ، والاتصال بالأشخاص الذين هم مفاتيح احتلال قصر الحاكم ومحطات الإعلام مثلاً . ثم تأتي مرحلة وضع الخطة وساعة الصفر للإنقلاب .
ولو كانت الحركة تريد الوصول إلى الحكم عن طريق الانتخابات ، لكانت مراحل عملها إقامة التحالفات اللازمة ، وتشكيل قائمة بزعامة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 237 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
شخصية كفوءة محبوبة من الناس ، أو زعامة الحركة ، وإعلان برنامج عمل ثم النشاط لتعريف الناس بالمجموعة وبرنامجها ، ثم خوض الانتخابات ومحاولة ربح أكثرية من النواب لتشكيل الحكومة ، والوصول إلى السلطة .
لكن أبا عصام مؤسس الدعوة ( رحمه الله ) ابتكر طريقة جديدة للوصول إلى الحكم ، ليست انقلاباً عسكرياً ، ولا خوض انتخابات ، وسماها المرحلة التغييرية والمرحلة الإنقلابية ، وأقنعنا بها جميعاً ! ومفادها : أنا يجب أن نربي جيلاً من المؤمنين بالإسلام ودعوته ، تربية جيدة ، بشكل سري ، فيكونون تنظيماً حديدياً تحت الأرض ، ونهتمُّ بنوعيتهم أولاً ثم بكميتهم ، حتى يكونوا أمة مصغرة من الأمة الإسلامية الكبيرة ، ويكونوا هم القادة .
حتى إذا جاء الوقت أعلنت الحركة نهاية المرحلة التغييرية ، وبداية المرحلة السياسية ، وخرجت أمة الدعاة من تحت الأرض إلى العلن ، وتسلمت السلطة بأسهل طريق ، بانقلاب عسكري ، أو بانتخابات ، أو بأي طريقة تراها قيادة الحركة آنذاك !
والأمر العجيب أنا في تنظيم الدعوة قبلنا هذه المرحلية ، حتى أنك تجد في ثقافة الدعوة تبريرها والتنظير لها بما لا مزيد عليه !
وقد كنت أسال السيد الصدر ( رحمه الله ) وأبا عصام ( رحمه الله ) عن المدة التي يقدرانها لازمة لهذه المرحلة ، فيجيبان بعشرات السنين ، ومئاتها !
وأول من اكتشف خيالية هذا التصور هو السيد مهدي الحكيم ( رحمه الله ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 238 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم أقنع به السيد الصدر ( رحمه الله ) ، وقد أعلن السيد الصدر ( رحمه الله ) ذلك ، لكن بصيغة تفسير للمرحلة التغييرية .
قال السيد الحائري في مباحث الأصول : 1 / 90 ، ناقلاً عن السيد الصدر ( رحمه الله ) :
« وخلاصة ما قاله بهذا الصدد هي : إننا حينما نعيش بلداً ديمقراطياً يؤمن باحترام الشعب وآرائه ، ولا تجابههم السلطة بالتقتيل والتشريد بلا أي حساب وكتاب ، يكون بالإمكان افتراض حزب ما يبدأ عمله بتكوين بنية ذاتية بشكل سري ، ثم يبدأ في مرحلة سياسية علنية ، ومحاولة كسب الأمة إلى جانبها ، وجرها إلى تبني تلك المواقف السياسية . ولكن الواقع في مثل العراق ليس هكذا ! ففي أي لحظة تحس السلطة الظالمة بوجود حزب إسلامي منظَّم يعمل وفق هذه المراحل لتحكيم الإسلام ، تقتل وتشرد وتسجن وتعذب العاملين ، وتخنق العمل في تلك البلاد قبل تمامية تعاطف الأمة معه وتحركها إلى جانبه ، فما لم يصادف هناك تحول آخر دولي في العالم يقلب الحسابات ، ليس بإمكان الحزب أن ينتقل من مرحلته الأولى إلى المرحلة الثانية . قال ( رحمه الله ) هذا الكلام بحدود سنة 1392 ، الهجرية » . انتهى .
أقول :
1 - معنى كلامه ( رحمه الله ) أن تصورنا للمرحلية قد يصح في البلاد الغربية التي فيها ديمقراطية ، أما في العالم الثالث ، فإن طبيعة السلطة ستكشف التنظيم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 239 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
في أوائل مرحلته التغييرية وتخنقه ، فلا يعيش حتى يصل إلى المرحلة الثانية ! وإذا بطل تصورنا للمرحلة التغييرية بطلت بقية المراحل لأنها مبنية عليها .
2 - وقد صدق كلامه ( رحمه الله ) ، فإن القوميين والبعثيين اتهموا جماعة العلماء من أول تأسيسها ، بأنها تعمل للوصول إلى السلطة بانقلاب ، وأن وراءها تنظيماً يقوده السيد مهدي الحكيم والسيد محمد باقر الصدر ، وأشاعوا ذلك ، وذهبوا إلى السيد الحكيم ( رحمه الله ) وحذروه ، وحرضوه ضدهما .
3 - ما ذكره السيد الصدر ( رحمه الله ) واحد من مجموعة إشكالات على تصورنا للعمل الحركي ومراحله ، ومن أولها مشروعية أصل الحركة وقيادتها .
وقد أعطيت هذا الكتاب إلى أحد الفضلاء من تلاميذ السيد ( رحمه الله ) ، فكتب لي بعد قراءة هذه الفقرة : « قد يكون سيدنا الأستاذ الشهيد ( رحمه الله ) قد حل إشكال المشروعية بإشرافه هو شخصياً على العمل ومواكبته له » .
4 - ومنها : أن بناء أمة تحت الأرض خيالٌ أيضاً ، لأن حقيقة الإنسان وصفات شخصيته ، ومستوى إيمانه وسلوكه ، لا تعرف إلا فوق الأرض . فتخيُّلنا أن التنظيم السري يصلح محضناً لبناء الشخصيات ، كمن يتخيل أن بإمكانه تخريج سبَّاحين في حوض افتراضي لا ماء فيه ! أو تخريج مصلِّحي سيارات بخرائط قطع سيارة ، دون أن يمسوا بأيديهم سيارة !
ولذلك نرى التفاوت الكبير في شخصيات الناس وأحجامهم ، ومنهم الدعاة ، وهم تحت الأرض ، أو فوقها . وهم في الظلام ، أو تحت الشمس .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 240 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
5 - ومنها : أن سرية القيادة تخالف ما أجمع عليه فقهاء الإسلام ! وقد أفتوا بأنه لا يجوز الإنتماء إلى تنظيم قيادته سرية ، ويبدو أنه محل إجماع ، إذ كيف يجوز للمسلم أن يُسَلِّم رقبته وجهده إلى مجهول لا يعرفه ؟ !
6 - ومنها : أن سرية التنظيم والقيادة كما تشكل حالة حماية من السلطة ، ومن المجتمع الذي لا يتقبلها ، فهي تشكل جواً ظلامياً يفتح الباب أمام أفراد التنظيم وغيرهم لأنواع الادعاء والتبجح في أدوار الأشخاص ، والتسلق وادعاء المسؤوليات الكاذبة ، فيدعي أشخاص لا تقوى لهم ما شاؤوا ، لأن الذين يعرفون الواقع قلة يستطيع الكذابون ردهم !
ويكون مثل المدعين كالذي جاء إلى المفسر الأموي مقاتل فقال له : « إن إنساناً يسألني عن لون كلب أصحاب الكهف ؟ فلم أجد ما أقول له ! فقال له مقاتل : ألا قلت هو أبقع ! فلو قلت ذلك لم تجد أحداً يرد عليك قولك » !
( تاريخ بغداد : 13 / 167 ، وتهذيب التهذيب : 10 / 251 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 241 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
النتيجة العملية للمرحلية الخيالية
كل ما تقدم من نقد نظرية المرحلية كان نظرياً ، وأما عملياً فإن نظرية المرحلية انهارت في التطبيق من أول سنة ، ثم انهارت على يد السيد مهدي الحكيم ( رحمه الله ) ، ثم انهارت على يد السيد الصدر ، فقد دخل ( رحمه الله ) في المرحلة السياسية بعد انتصار الثورة الإيرانية ، وكان يقول : « أريد أن أجبر السلطة على قتلي ، عسى أن يحرك ذلك الجماهير للإطاحة بالنظام ، وإقامة حكم القرآن » . وتمكنت من ذهنه ( رحمه الله ) فكرة أنه إن سقط قتيلاً في الصحن العلوي في النجف فستتحرك الجماهير بقيادة « القيادة النائبة » التي عينها ، وأن إيران ستساعدها معنوياً ومادياً وتسقط الطاغية ، وتقيم حكم القرآن !
وقد كتب لي أحد الفضلاء من تلاميذ السيد ( رحمه الله ) ، بعد قراءة هذه الفقرة : « الظاهر أن القضية لم تكن هكذا ، بل كان من ضمن مشروع القيادة النائبة أن يطلب سيدنا الأستاذ الشهيد ( رحمه الله ) شخصياً من الإمام الخميني ( رحمه الله ) دعم القيادة النائبة بعد أن يوصي بهم ، وذلك حرصاً منه على اكتساب المشروع الشرعية الكاملة في ذهن الأمة » .
ومهما يكن ، فلم يكتب الله تعالى شيئاً مما أردناه جميعاً ، وانهارت المرحلية وكل مشروع الحركة الإسلامية العالمية ، باحتلال أمريكا للعراق ، وبلغ الأمر بنا أن بعض المتصدين لقيادة حركة الدعوة الإسلامية العالمية ، ذهب
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 242 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إلى أمريكا ، وظل يحاول مدة في مكاتب خارجيتها ، لكي يعطى دوراً ما في الإدارة الأمريكية للعراق !
رحمك الله يا أبا عصام بعنفوانك اللافح من بادية النجف ، المحلق عن الضيم كعقاب زاغ من طلقة نار ، وبطموحك الحنبلي القوي لتغيير العالم ، وإقامة دولة الإسلام العالمية ، بدءاً من العراق وحتى آخر بلد مسلم . .
ماذا ستقول لو رأيت أن دعوتك الإسلامية صارت : الدعوة العلمانية ؟
وأن من سلم من سيف صدام من الأمة التي ربيتها تحت الأرض ، لم يوصلها إلى الشراكة في الحكم إلا فتوى من مرجعية تقليدية ، بأنه يجوز لها المشاركة في حكم علماني تحت نفوذ أمريكي ، فدخلت من بابها ، وجَمَّدَت كل مشروعها وكل مراحلها وجميع تنظيراتها ، إلى يوم يبعثون !
إن في هذه الأحداث لعبرةً للذين يريدون العمل لإقامة حكم الإسلام ، بأن عليهم أن يؤمِّنوا أولاً شرعية العمل والقيادة ، وأن تكون قيادتهم ظاهرة معروفة للناس ، وأن يكون تنظيمهم فوق الأرض ، وأن تكون مراحل عملهم واقعية مفصلة لمجتمعهم ، لا خيالية لمجتمع في السماء !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 243 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

5 - الاتجاه الثالث : العمل لتسلم السلطة بانقلاب عسكري

ينبغي الإلفات هنا إلى أن السيد مهدي الحكيم ( رحمه الله ) تطورت قناعاته السياسية بعد انتقاله إلى بغداد ، فقد كان يشبه السيد الصدر ( رحمه الله ) في سرعة ذهنه ، وحيويته الفكرية ، وقابليته للتطور والتكيف ، وتقبله للفكرة الجديدة التي تنكشف له ، حتى لو كان يعتقد بخلافها .
وقد اطلع ( رحمه الله ) على المجتمع البغدادي بأطيافه ، وأقام علاقات مع شخصياته المختلفة العلمائية والثقافية والاقتصادية والسياسية ، الشيعية منها والسنية . وتوصل إلى نتيجة أنه يجب الاستفادة من الطاقات المخلصة وهي كثيرة وموجودة في مختلف قطاعات المجتمع والبلاد ، بدل مقولة الدعوة التي هي مقولة أبي عصام : يجب أن نبني أمة داخل الأمة مهما طال الزمن ، حتى إذا اكتمل بناؤنا تحت الأرض ، خرجنا إلى الساحة السياسية .
كان السيد مهدي ( رحمه الله ) يختلف مع أبي عصام ( رحمه الله ) في هذا الموضوع ، وينتقد عدم اهتمام الدعوة بهذه الطاقات ويقول : أنتم لا تعرفون كم عندنا من الكنوز والشخصيات الوطنية المخلصة ! إنهم أخيار أبرار مخلصون ، فلماذا لا تستفيدون منهم في إقامة الحكم الإسلامي الذي تريدونه ، أو الحكم المدني المتكافئ الذي يحقق العدالة أولاً ، ثم تتبعه خطوات ، وصولاً إلى الحكم الذي تريدونه ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 244 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كان رأيه ( رحمه الله ) أنا يجب أن نضغط على السلطة بكل الوسائل حتى تُعلن الحكم المدني وتطبقه ، وتُؤَمِّن حرية التعبير والإنتخابات ، وتضمن تداول السلطة بشكل سلمي . فإن أبت السلطة ذلك ، فلا بد من انقلاب يزيحها لأنها تكون عقبة أمام مصلحة البلد بكل فئاته .
ولم يستطع السيد مهدي أن يقنع أبا عصام بفكرته ، فقد كان كالحنابلة متمسكاً بنظريته في المرحلة التغييرية ، وأنها بناء أمة مصغرة كاملة داخل الأمة ، وأنه لا يجوز الإنتقال إلى المرحلة السياسية ، إلا بعد استكمال مقومات هذه المرحلة ، ولو طال الزمان عشرات السنين ، ومئاتها !
أذكر أني سألت أستاذنا السيد الصدر ( رحمه الله ) في الكوفة سنة 1967 - 1387 عن هذه المرحلة التغييرية الطويلة التي تتبناها الدعوة وتؤكد عليها ، كم يقدر أنها تطول : فقال أقدر أنها تحتاج إلى مئة سنة ، وقال مرة : ثلاث مئة سنة !
وهذا يكشف عن تفكيره بل تفكير أبي عصام بأن هذه المرحلة هي الأساس في العمل التغييري ، وأنها بناء أمة متكاملة من الدعاة تحت الأرض ، فإذا تم ذلك خرجوا إلى السطح دفعة واحدة ، وأعلنوا عن وجودهم ، وتسلموا السلطة بكل يسر وسهولة !
ثم سمعت من السيد مهدي ( رحمه الله ) أن السيد الصدر ( رحمه الله ) اقتنع بفكرته عن الحكم المدني ، والإنقلاب إذا لزم الأمر ، وأنه حاول أن يقنع أبا عصام ( رحمه الله ) ويساعد السيد مهدي عليه لإقناعه ، فلم يقتنع !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 245 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وذات يوم سألني السيد مهدي ( رحمه الله ) : ما رأيك إذا قمنا بانقلاب ، وجئنا إلى السلطة فهل تؤيدنا ؟
فأجبته بين المزح والجد : إذا استلمتم السلطة ، طلبت منكم أن تعطوني مالية لحوزة علمية أربي فيها ألفي طالب علم ، كل منهم نابغة !
قال : وماذا تصنع بهم ؟ قلت : أعمل بهم ضدكم لأسقط نظامكم !
لقد كنت يومها حنبلياً كأبي عصام ( رحمه الله ) ، أي متعصباً لما أعتقد به !
وقد اختلف السيد الصدر ( رحمه الله ) مع أبي عصام ( رحمه الله ) في أمور أخرى ، وقد تمسك بها أبو عصام شبيهاً بتعصب الحنابلة ! ولكن ذلك لم يقلل من احترام السيد الصدر له . وكان موقفي من بعضها إلى جانب السيد الصدر ( رحمه الله ) .
وما كتبه السيد الحائري عن السيد الصدر ( رحمه الله ) يؤكد تغير رأيه في المرحلية أو المرحلة الفكرية والتغييرية والإنقلابية ، التي تقول ببناء أمة تحت الأرض ! وبرر ذلك بأن طبيعة نظام الحكم في العالم الثالث سيكشف هذا التنظيم ، ولا يسمح ببناء أمة تحت الأرض كما نتخيل !
ونقل عن السيد الصدر ( رحمه الله ) أنه كان يلطف رأيه ويجعله كتفسير للمرحلة التغييرية . ويظهر أن ذلك كان بعد استشهاد أبي عصام ( رحمه الله ) .
قال السيد الحائري في مباحث الأصول : 1 / 90 : « العمل المرحلي لحزب الدعوة الإسلامية الذي تبناه هو رضوان الله عليه لدى تأسيسه للحزب ، فالمعروف اليوم عن حزب الدعوة هو الإيمان بمراحل أربع للعمل :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 246 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
1 - مرحلة تكوين الحزب وبنائه ، والتغيير الفكري للأمّة . 2 - مرحلة العمل السياسي التي يتم بضمنها جلب نظر الأمة إلى الأطروحة الإسلامية للحزب ومواقفه السياسية ، وتبنيها لتلك المواقف ، ودفاعها عنها .
3 - مرحلة استلام الحكم . 4 - مرحلة رعاية مصالح الإسلام والأمّة الإسلامية بعد استلام الحكم . ولكن الذي نقله الأستاذ في تلك المجالس الأسبوعية لطلَّابه هي المراحل الثلاث الأولى كما هو مثبت في النشرات الأولية للحزب ، ولم يتعرض للمرحلة الرابعة . . . وخلاصة ما قاله بهذا الصدد هي : إننا حينما نعيش بلداً ديمقراطياً يؤمن باحترام الشعب وآرائه ولا تجابههم السلطة بالتقتيل والتشريد بلا أي حساب وكتاب ، يكون بالإمكان افتراض حزب ما يبدأ عمله بتكوين بنية ذاتية بشكل سري ، ثم يبدأ في مرحلة سياسية علنية ، ومحاولة كسب الأمة إلى جانبها ، وجرها إلى تبني تلك المواقف السياسية . ولكن الواقع في مثل العراق ليس هكذا ! ففي أي لحظة تحس السلطة الظالمة بوجود حزب إسلامي منظَّم يعمل وفق هذه المراحل لتحكيم الإسلام ، تقتل وتشرد وتسجن وتعذب العاملين ، وتخنق العمل في تلك البلاد قبل تمامية تعاطف الأمة معه وتحركها إلى جانبه فما لم يصادف هناك تحول آخر دولي في العالم يقلب الحسابات ، ليس بإمكان الحزب أن ينتقل من مرحلته الأولى إلى المرحلة الثانية . قال ( رحمه الله ) هذا الكلام بحدود سنة 1392 ، الهجرية » . انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 247 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مهما يكن ، فقد أخذ السيد مهدي ( رحمه الله ) يعمل في بغداد بقناعته ، واستطاع أن يقنع السيد الصدر ( رحمه الله ) وطلب منه أن يتضامن معه فقبل .
لكنهما عجزا عن إقناع الشهيد أبي عصام ولو بمجرد التضامن معه فلم يقبل أبو عصام ( رحمه الله ) أن يدخل معه في أي عمل سياسي ، لأنه برأيه ينافي المرحلية ، والتي هي بناء القواعد تحت الأرض ، حسب تصورنا المثالي !
ويدل ما كتب السيد مهدي ( رحمه الله ) في مذكراته على أنه أقنع والده السيد المرجع ( قدس سره ) بهذا الاتجاه ولذلك تحمل ما ترتب عليه ولم يندم إلى آخر حياته .
كان السيد مهدي ( رحمه الله ) يأمل في عهد عبد الرحمن عارف ، أن تنجح خطته وخطة أصدقائه من الشخصيات العراقية الشيعية والسنية ، بنقل العراق من الحكم العسكري إلى الحكم المدني .
وقد تجاوب عبد الرحمن عارف مع هذا المطلب الشعبي وعين رئيس وزراء مدني ، هو عبد الرحمن البزاز ، فكان أول رئيس وزراء مدني في العراق الجمهوري العسكري .
لذا كثر الحديث في تلك الفترة عن الحكم المدني ، مقابل الحكم العسكري الذي تواصل بثقله على العراق من ثورة عبد الكريم قاسم .
لكن البعثيين سرعان ما جاؤوا بقطار أنكلو - أمريكي كما اعترف علي صالح السعدي ، وقاموا بانقلاب على عبد الرحمن عارف !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 248 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أصيب السيد مهدي ومجموعته بالإحباط ، وهم شخصيات سياسية وضباط مخلصون من الشيعة والسنة ، لأنهم يعرفون أن البعثيين دمويون ، ولا يمكن أن يسيروا بالبلد خطوة واحدة نحو الحكم المدني !
لذلك قرروا أنه يجب القيام بانقلاب قبل أن يُنشب البعثيون مخالبهم في الشعب العراقي ، وكان عملهم بقيادة اللواء الركن محمد رشيد الجنابي ( رحمه الله ) وهو شخصية مستقيمة مميزة ، يحظى بالقبول والمحبة عند كل من عرفه من الشيعة والسنة وغيرهم . وقد شارك في المحاولة ضباط من السنة ، وشارك فيه الزعيم الكردي إدريس البرزاني ، حيث اتفقوا معه على كل خطوطه .
وأحست مخابرات البعثيين بتحرك العميد الركن رشيد الجنابي ( رحمه الله ) فسجنوه ، وبقي في السجن ستة أشهر ، لكنهم لم يستطيعوا إثبات شئ عليه فأطلقوه . وبعد إطلاق سراحه واصل ( رحمه الله ) عمله حتى أكمل استعداده ، وعين ساعة الصفر . لكن وقع بعض السياسيين في الخطأ القاتل !
وكان هذا الخطأ أنهم قدروا أن إيران تمر في أزمة مع حكومة العراق ، بعد أن أعلنت من طرف واحد إلغاءها لإتفاقية شط العرب بين البلدين :
http : / / www . aljazeera . net / Portal / Templates / Postings
فقدروا أنهم إذا أخبروا الشاه بأنهم يعملون لانقلاب ، فسوف يفرح ويرحب ويساعدهم ! وبالفعل أخبروه بعملهم ، فرحب بذلك ووعدهم بالتأييد ، وغشهم وكذب عليهم حتى أخذ منهم ساعة الصفر ، وكان
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 249 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يفصلهم عنها سبع عشرة ساعة ، ولم يكن السفير الإيراني يومها في بغداد ، فأمرت الخارجية الإيرانية السكرتير الأول في السفارة تنفيذاً لأمر الشاه ، بأن يتصل بالقصر الجمهوري ، ويطلب موعداً عاجلاً من أحمد حسن البكر لأمر مهم جداً ، فأعطوه موعداً وذهب وأخبرهم بما سموه « مؤامرة » واعتقلوا الضباط وأعدموهم ، رحمهم الله !
http : / / www . alsabaah . com / paper . php ? source = akbar & mlf = interpage & sid = 38537
وفي يوم 20 / 1 / 1970 ، أعلن البعثيون اكتشاف ما أسموه مؤامرة لإسقاط النظام في العراق ! وفي اليوم الثاني تم تنفيذ أحكام الإعدام رمياً بالرصاص في ثمانية عشر ضابطاً ، مع مصادرة أموالهم المنقولة وغير المنقولة ، وهم :
1 - العميد الركن محمد رشيد محسن الجنابي .
2 - العقيد الركن المتقاعد صالح مهدي السامرائي .
3 - الملازم الأول رافع درج الربيعي .
4 - الملازم الثاني نشأت محمود عسكر .
5 - نائب الضابط الحربي صفوك ريكان .
6 - العقيد الركن فاضل مصطفى احمد .
7 - العقيد المتقاعد جابر حسن حداد .
8 - العقيد الركن المتقاعد سلمان داود عبد السلام الدركزلي .
9 - مقدم الشرطة المتقاعد عباس جواد السلامي .
10 - رأس عرفاء سرية علي صالح خضر شرشاح .
11 - الملازم الثاني عدنان حسين .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 250 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
12 - الدكتور نظام الدين عارف .
وفي اليوم التالي تم تنفيذ حكم الإعدام بالتالية أسماؤهم :
13 - العقيد علاء الدين أمين الحشمة .
14 - الرائد الركن المتقاعد ستار عبد الجبار العبودي .
15 - النقيب ماجد طركي .
16 - الملازم الأول أنور محمد حسين .
17 - العريف طاهر حسن حسين .
18 - حسن حسين الخفاف .
كما أعدموا آخرين معهم أو بعدهم أيضاً .
12 http : / / www . alhakim . co . uk / alkizwini / / sahibInAlseyassah . htm
38537 http : / / www . alsabaah . com / paper . php ? source = akbar mlf = interpage & sid =
* *
كانت هذه آخر محاولة جادة لإنقاذ العراق من السقوط في أتون البعثيين ، لكنها لم توفق ، وانفتحت على العراق جهنم صدام لأكثر من ثلاثين سنة !
وقد عرفتُ بالقضية بعد وقوعها ، وعملت لإنقاذ مجموعة من جماعة المرحوم حربي آل مزعل شيخ بني ركاب ، كانوا في إيران ليأخذوا دورة عسكرية قصيرة يحتاج إليها الانقلاب ، وخشي أن يسلمهم الشاه هدية إلى أحمد حسن البكر ! فساعدت على استخراجهم سالمين من إيران ! وكان الشيخ حربي ( رحمه الله ) أحد أركان هذه المحاولة ، ومعه ابناه إسماعيل وطالب .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 251 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وسألت السيد مهدي ( رحمه الله ) متعجباً : لماذا أخبرتم شاه إيران بالأمر ، ثم لماذا خانكم وأخبر عدوه أحمد حسن البكر ؟
قال : كانت خَطْأةً من فلان ، الذي تصور أن ذلك ضمانٌ للنجاح ، لعن الله الشاه ومن يثق به بعد اليوم ! لقد ثبت لي أن إيران لا تريد أن يقوم حكم شيعي في العراق ، ولا حكم يكون فيه سهم مهم للشيعة ، بل تريدنا أن « نأكل شماغات » باستمرار ، ثم يتحدث الشاه عن ظلامتنا بصفته حامي الشيعة في العالم ، والناطق بإسمهم ، والمدافع عنهم !
وعندما اضطر السيد مهدي ( رحمه الله ) إلى الخروج من العراق ، تحبب إليه شاه إيران ودعاه إلى طهران فذهب ، لكنه عاد بعد مدة قصيرة ، فسألته : لماذا لم تبق في إيران ؟
قال : ماذا أصنع في إيران ، إلا أن أكون ديكوراً عند الشاه ، كلما جاءت مناسبة يجب أن أحضر عنده ، وإذا حاضت زوجته يجب أن أحضر عنده !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 252 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

6 - سفر المرجع إلى بغداد وعنف السلطة معه !

كان واضحاً بعد إعدام العميد الجنابي ( رحمه الله ) أن البعثيين سيقومون بتوجيه ضربتهم إلى المرجعية والشيعة ، فقد جاءتهم الفرصة التي كانوا يعدون لها من زمن ، لذلك اقترح السيد مهدي ، والسيد الصدر ، والسيد مرتضى العسكري ، وعدد من العلماء ، على المرجع السيد الحكيم ( رحمه الله ) أن يقوم بزيارة إلى بغداد لتأتيه الوفود من داخلها ومن المحافظات ، ويمنع السلطة من الإقدام على ضربتها ، ويقدم إليها مطاليبه .
وقد عارض سفر السيد ، التقليديون من علماء النجف ، وعدد من مستشاري السيد ( رحمه الله ) ، وحذروا من وحشية البعثيين وبطشهم ، وأنهم قد ينتهكون حرمة المرجعية ، وفي ذلك ضرر كبير يصعب جبره !
فرد عليهم السيد الصدر ( رحمه الله ) بأن عدم سفر المرجع أشد خطورة مما يحذرون ، لأنه يعني وقوع الكارثة على المرجعية والشيعة !
وقرر المرجع ( رحمه الله ) السفر إلى بغداد ، وسافر بدون مراسم كسفراته الماضية !
قال السيد مهدي الحكيم ( رحمه الله ) في مذكراته / 85 :
« مجئ السيد إلى بغداد : كان من أجل كسر طوق الخوف ، ولذلك فقد كان مجيئه من أجل القيام بتحرك حقيقي ، وقبل مجيئه ذهبنا إليه فقال لي : إجمع علماء بغداد وليكن اجتماعهم علناً ، والغرض من ذلك هو لكي يعرف الناس ، وبالفعل حصل الاجتماع وحضره نحو السبعين معمم ، وقد تم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 253 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
انتخاب عشرة من هؤلاء ليكونوا ممثلين لعلماء بغداد ، وكان منهم أنا ، والشيخ علي الصغير ، والسيد مرتضى العسكري ، والسيد محمد الخلاني ، والسيد هادي الحكيم ، والباقون نسيت أسماؤهم ، وذهبنا إلى الكوفة فزرنا السيد وفُتح الحديث وتحدث الموفدون وكنت أنا ساكتاً ، فسألني السيد : لماذا أنت ساكت ؟ قلت : أنا أرى من الصعوبة بمكان أن أبدي رأياً يتعلق بك ، لأنك لا تمثل نفسك وإنما تمثل أمة ، وخطؤك ليس خطأ فرد ، وإن الله قد عودك على الجميل ، وأنت ولله الحمد تملك القدرة على التفكير بشكل جيد ، لذلك أرى أن تخلو بنفسك وتفكر والله سبحانه يلهمك الصواب ، وانظر ما هي المصلحة . عند ذلك قال إنه وافق على الذهاب إلى بغداد .
وقد تحدث معي السيد هادي حول ترتيب الموضوع ، وأتذكر أننا لم نخبر أحداً بذلك ، حيث قلت للسيد هادي : أخشى أن السيد يستثني ولا يأتي فلننظر ونرى ، وبعد يوم اتصل بي أخي السيد كاظم ( رحمه الله ) وقال لي : إن السيد استثنى ، فقلنا : الحمد لله أننا لم نخبر الناس .
ولكن بعد يوم أو يومين ، اتصل السيد كاظم وقال : نحن وصلنا بغداد ! وكان وصول السيد إلى بغداد مفاجئاً بالنسبة لي ! وحين سألت السيد كاظم حول الموضوع قال : استيقظ السيد صباحاً وقال لي : قل لسيد عباس السائق الخاص ، يملأ السيارة بنزين . ولما أراد الخروج قال : قل لعمك السيد سعيد يأتي على أثرنا أنا ذاهب ، ولم ينتظر .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 254 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ويضيف السيد كاظم : لا أدري لم هذا الاستعجال عند السيد ، وهذه الحالة ليست من عادات السيد ، حتى أنه كان يلح على السيد عباس ويقول له : سر بسرعة !
أحد السادة العلماء لما سمع أن السيد يريد القدوم إلى بغداد ، قال له : سيدنا أنا لا أرجح لأن هؤلاء أطفال ! فأجابه السيد : هم لا يسكتون عني وعليه فأنا أفجر الموقف ، أفضل من أن أنتظرهم يفجرونه !
طلفاح يزور السيد : من جملة الأمور التي حدثت آنذاك هي زيارة خير الله طلفاح ، وكان وقتها متصرفاً للواء بغداد ، وجاء معه حامد العاني ، الذي كان وكيلاً لوزارة الداخلية ، جاءوا لزيارة السيد فتحدث معهم السيد ( رحمه الله ) حول جماعة من المعتقلين ، ومن جملتهم السيد كاظم شبر ، وقال لهم : على أي أساس تتهمون الناس بكل سهولة بالجاسوسية و . . الخ .
ثم إن هذا العمل غير جيد وهو تلويث لسمعتنا نحن العراقيين ، لأن العالم يرى أن شخصياتنا ومثقفينا وأساتذتنا وأطباءنا جواسيس ، إذاً فكيف هو حال الإنسان العادي !
فلو قلتم إن هؤلاء لهم آراء مخالفة لنا ولسياستنا ، ولهم اتجاه خاص ، فهذا شئ معقول ، أما أن تقولوا إن هؤلاء جواسيس ، فهذا غير ممكن .
وكذلك تطرق السيد لموضوع السيد حسن الشيرازي وبشكل مسهب ، وذكر لهم بأنه من الفضلاء والعلماء . وعند ذلك علق خير الله طلفاح على
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 255 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
موضوع السيد حسن قائلاً : إن المتهم ليس فقط سيد حسن ، والواقع أن هناك شخصين متهمين ! أحدهما اعتقل والآخر ترك لاعتبارات !
فلما خرجا ، قلت للسيد : إن الآخر الذي ترك لاعتبارات هو أنا !
هناك شئ يتعلق بسفر السيد : فقد زاره حمادي شهاب بمناسبة مولد النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، حيث عطلت كل مظاهر الاحتفال بهذه المناسبة في الإذاعة والتلفزيون وفي كل مكان ، باستثناء مقال واحد كتب في الصحيفة ، بقلم ميشيل عفلق عن : ميلاد النبي العربي !
وقد تكلم السيد مع حمادي شهاب عن هذا الموضوع قائلاً : إن هذا غير ممكن ولا يطاق مثل هذا الوضع ! ففي بلد إسلامي ، وفي مولد الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ، تمر هذه المناسبة وليس هناك أي مظهر من مظاهر الاحتفال إلا ميشيل عفلق المسيحي ، يقيِّم رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ويتكلم عنه !
فبدأ حمادي شهاب حينئذ يتحدث عن البعثيين ، ومما قاله لسماحته : إن هؤلاء مجرمون وكفرة ملحدون ، لا يؤمنون بالله ولا برسوله ، وهم مجموعة أطفال ، ونحن الآن نعمل على إفساح المجال لهم ، لكي يجتمعوا ونتعرف عليهم ثم نجهز عليهم مرة واحدة ، ونقضي عليهم جميعاً .
الاتهام بعد سفر السيد الحكيم إلى بغداد وتطوير المواجهة : جاءني خبر من أحد أصدقائي في الكاظمية ، كان عنده صديق يعمل في الأمن العام ، فقال له : اليوم ، وكان الثلاثاء ، الجماعة استطاعوا أن يأخذوا اعتراف من
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 256 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مدحت الحاج سري ، فإذا كان السيد مهدي يستطيع أن يُغَيِّب وجهه فليفعل ذلك ! كما أنني بلغني أن مدحت حاول الانتحار مرتين بقطع وريده ، وأن هذا الاعتراف أخذ منه بعد أن هدد بالاعتداء على عرضه ، إذ جاؤوا بزوجته أمامه وهددوه ، فقال لهم : نعم اعترف بما تريدون !
وهذا الكلام مثبت في كتابة كتبها بخط يده على نسخة من القرآن ، أرسلها إلى أهله ، وفيه بأن كل الذي قلته سواء فيما يتعلق بشخصي أو بالآخرين ، لا واقع له وإنما قلته نتيجة للتهديد بعرضي !
وعلى كل حال كنت قد حصلت على إجازة للسفر يوم 2 حزيران ، وحادث الاتهام كان يوم 7 حزيران ، فالفاصلة 5 أيام ، ولذلك أشيع بين الناس بأن الحكومة هي التي سهلت عملية السفرة ، في حين أن الواقع ليس كذلك فسفري كان منفصلاً عن هذه القضية ، ولعلهم كانوا يتوقعون أنني سوف أسافر باعتبار وجود إجازة السفر ، وبعدها يعملون هذا العمل .
موفد البكر يزور السيد الحكيم : قبل حادث الاتهام بليلة جاء عبد الحسين ودَّاي إلى السيد ، وكنت أنا جالساً وكذلك العقيد سلمان وهو من جماعتنا ، قال له : سيدنا أحمد حسن يسلم عليك ويقول أنت عمي ، وأنا أتشرف بالتراب الذي يدوسه فلماذا يؤذينا ، ونحن نعطيه كل ما يريد !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 257 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم قال : إن هناك تحقيقاً وهو سليم ، وإن الجماعة مصرون أن ينتهي مهما تكن الظروف ، بحيث قالوا لأحمد حسن : إذا جاء اسمك في التحقيق فسوف نستجوبك كذلك . وهذا معناه : إحذر !
عند ذلك أهانه السيد ( رحمه الله ) وقال له : الآن بلغ كره الناس لكم إلى حد لو أنهم تمكنوا منكم لما قتلوكم بالرصاص ، لأنه يأسفون على خسارة الخمسين فلساً عن الطلقة الواحدة ، بل سيقطعونكم بأسنانهم !
وفي اليوم التالي للإتهام ، وللتاريخ أقول : أرسل أحد الأشخاص لا أذكر اسمه لأنه الآن في العراق ، خبراً للسيد بواسطة السيد مرتضى العسكري ، أنه يوجد عندي جماعة يتراوح عددهم بين 15 - 20 ، شخصاً بكامل أسلحتنا ورشاشاتنا ، ونحن مستعدون لأن نأتي ونحارب معك إلى الموت ، ولكن السيد قال : ما الفائدة من خمسة عشر أو عشرين شخصاً ؟ !
السيد الحكيم في لندن : عندما جاء السيد ( رحمه الله ) إلى لندن كنت أنا في الباكستان فجئت إلى لندن ، وفي إحدى الليالي أرقتُ فجئت إلى السيد في منتصف الليل وكان مستيقظاً ولم يكن عنده أحد فقلت له : أنت الآن رأيت ما جرى يعني نتائج تحركاتك ، فهل تشعر أنك أخطأت في تحركك هذا أم لا ؟
فقال : أنا لا زلت أعتقد أن عملي صحيح . قلت : لماذا ؟ قال : صحيح أنني لم أنتصر عليهم سياسياً ، بمعنى أنه لم أتسلم الحكم ، ولكني أعلم أن الشعب العراقي يحبني ، وهذه مظلومية شعر بها الشعب العراقي ، وسوف
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 258 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يبقى على الأقل لمدة عشر سنوات ، دون أن ينسى موقف البعثيين مني ! وعشر سنوات من الشعور بالمظلومية ، سوف يخلق حاجزاً بين الشعب وبين القبول بحزب البعث كفكرة . وقال : أنا لا أستطيع أن أعمر عشر سنوات ، فلا أقل أستطيع الوقوف عشر سنوات كحاجز ! ثم ضرب مثلاً بالإمام الحسين ( عليه السلام ) » . انتهى ما كتبه السيد مهدي ( رحمه الله ) .
أقول : الأحداث في هذه الموضوعات عديدة ، وفيها نقاط عديدة تحتاج إلى بسط وتحليل ، لكن خلاصتها أن مرجعية السيد الحكيم ( رحمه الله ) تضامنت مع محاولة انقلاب لتغيير الحكم من عسكري إلى مدني ، وتحملت نتائج فشل المحاولة بسبب خيانة شاه إيران ، وقد كانت النتائج عليها قاسية ، فقد أقدمت السلطة على اتهام ابن المرجع بأنه جاسوس ، وهاجمت مقر المرجع في بغداد وارتكبت إهانة تاريخية للمرجعية ، واضطر المرجع لأن يعود إلى النجف ، ويعتكف بقية حياته احتجاجاً على هذا الظلم ، إلى أن توفي سنة 1970 ( رحمه الله ) ، فخلا الجو للسلطة لتنفيذ خطتها في اضطهاد الشيعة حتى الإبادة !
فيجب أن نقف عند تلك المرحلة ونعتبرها نهاية تاريخية لنظرة الحكومة إلى الحوزة والمرجعية بأنها إصلاحية ، وبداية تعاملها معها بحقد جديد ، حيث صارت تعتقد بأن المرجعية تنافسها وتعمل للوصول إلى الحكم ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 259 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأنها أسست حزباً سرياً لهذا الغرض ، وقامت بالفعل بمحاولة للوصول إلى الحكم .
وقد كان آخر حديث للسيد الحكيم ( رحمه الله ) مع موفد البكر أشد تهديد من مرجع لحاكم في العراق على الإطلاق ، فزاد من حقده عليه !

7 - السيد الصدر ( رحمه الله ) يسافر إلى لبنان

وقعت الكارثة على المرجعية ، عندما اتهم البعثيون ابن السيد المرجع ( رحمه الله ) زوراً وبهتاناً ومن معه في حركة الانقلاب بأنه جواسيس ، وهاجموا مقر المرجع ( رحمه الله ) بإهانة واضطروه للعودة إلى النجف !
يومها قرر السيد المرجع ( رحمه الله ) أن يعلن اعتزاله محتجاً ، ولا يُعرِّض الناس لخطر الصدام مع السلطة .
وأنجى الله ولده السيد مهدي ( رحمه الله ) من قبضة البعثيين ، فعبر براً إلى السعودية ، ثم إلى الأردن حيث كان خاله سفير لبنان في عمان ، ثم إلى الكويت ، ثم إلى باكستان ، حتى استقر في دبي .
وكنتُ الوكيل العام للمرجع ( رحمه الله ) في الكويت ، فطلب مني بيت السيد أن أعمل إعلامياً لبيان مظلومية المرجعية والسيد مهدي ، فتشاورت مع السيد الصدر ( رحمه الله ) فشجعني على ذلك ، وسألته عن الخطر عليه هو فقال إنه سيتغيَّب إلى لبنان .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 260 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وتشاورت مع أبي عصام ( رحمه الله ) فقال : إن موقف الدعوة السكوت التام تجاه الموضوع ، فناقشته في ذلك فقال : ذلك إليك ، أنت لك صفة معنا في قيادة الدعوة ، ولك صفة وكيل للسيد الحكيم ، ولا مانع عندنا أن تعمل بهذه الصفة في نصرة المرجعية والسيد مهدي !
قمت ببعض الأعمال الإعلامية في الكويت ، فشكى السفير العراقي إلى حكومتها ، فجاءني تحذير من أحد المناصب العليا من العمل ضد الدولة العراقية ، فذهبت إلى لبنان ، وجلسنا مع السيد الصدر ( رحمه الله ) وابن عمه السيد موسى الصدر ، وكان مشغولاً بتأسيس المجلس الشيعي وافتتاحه ، ووعد بالتضامن معنا في النشاط الإعلامي .
كتبت مع الشيخ محمد مهدي شمس الدين ( رحمه الله ) كتاب : محنة العراق اليوم ، وأعددنا بيانات وملصقات ، ونشرناها في ليلة واحدة في بيروت والجبل والجنوب ، فكانت حدثاً ألفتت الناس ، وكتبت عنه صحف اليوم التالي ، ونشرت مقالات عن ظلامة المرجعية الشيعية ، والتهمة الباطلة من الحكومة العراقية لابن المرجع وشخصيات شيعية بأنهم جواسيس !
استغرق هذا العمل شهراً كنت فيه في بيروت ، إلا أياماً للإصطياف مع أستاذنا السيد الصدر ( رحمه الله ) ، وكان يسكن في جباع ، فأخذناه إلى قريتنا ياطر ، وإلى كيفون ، حيث كان يصطاف السيد موسى الصدر .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 261 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي تلك الأيام عرف بعض شباب الشيعة المتحمسين أن ابن أحمد حسن البكر يصطاف في لبنان ، فتصرفوا ولم يخبروني ، وضربوه في كازينو احتجاجاً على اعتداء أبيه على المرجع ( رحمه الله ) ، فخلصه الناس من أيديهم !
وعلى أثر هذه الحادثة أمرت الحكومة العراقية جميع العراقيين بمغادرة لبنان ، فاقترحت على السيد الصدر أن يبقى في لبنان ، ونؤسس له حوزة علمية أينما أراد ، في الجنوب أو بعلبك أو بيروت ، لكنه تشاور مع السيد موسى الصدر وعمل برأيه ، فقرر الرجوع إلى النجف ( رحمه الله ) .

8 - وجه الشبه بين البعثيين والشيوعيين !

من عاصر حكم البعثيين وشراستهم ودمويتهم ، يترحم على الشيوعيين وغوغاءهم وتصرفاتهم ! لأن الشيوعيين كانوا جمهوراً واسعاً فيه المثقف والعادي وفيه الغوغاء الدموية المنفلتة ، لكن البعثيين كلهم غوغاء دموية منظمة ، يعملون بتخطيط وخباثة !
وقد كشفهم جمال عبد الناصر لأنه جربهم ، وكشف كذبهم وتحايلهم في قضية الوحدة ، ووصفهم بأوصاف رأينا انطباقها عليهم بالكامل .
وهو الذي جاء بهم إلى الحكم فجعلهم شركاء في الانقلاب على عبد الكريم قاسم . وكان السبب الوحيد لقبوله لهم أنه قتلة وأشرس من جماعته القوميين الخوافين !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 262 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فجاؤوا مع عبد السلام فكشفهم وطردهم ، ثم انقلبوا على أخيه عبد الرحمن . وجعلوا شعارهم ودثارهم قتل من خالفهم أو من سكت ولم يرض بحكمهم .
وخططوا لإبادة الشيعة الذين هم أكثرية الشعب العراقي . وكان صدام أكثرهم دموية وسفكاً للدماء ، فكان يقول : يكفيني أن يبقى في العراق ثلاثة ملايين !

9 محاربة الحكومات الظالمة للشعائر الحسينية !

من نعم الله تعالى على أهل العراق ولاؤهم لأهل البيت الطاهرين ( عليهم السلام ) واحتفاؤهم بمراقدهم المباركة وزيارتها ، خاصة في المناسبات الدينية ، حيث يقصدون كربلاء بمئات الألوف لزيارة الإمام الحسين ( عليه السلام ) .
وتخاف الحكومات من هذا التجمع أن يتحول إلى مظاهرة تطلق الهتافات ضدها ، لذلك دأبت على محاربة هذه المراسم ، والتضييق على الخطباء والشعراء والرواديد ، وكان الناس رغم ذلك يصرون على الذهاب إلى الزيارة ، ويقيمون المواكب والمراسم ويشتبكون مع الشرطة ، فتلقي القبض على العديد منهم ، وتحكم عليهم بعقوبات مختلفة !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 263 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد ورثت الحكومات المعاصرة هذه السياسة من الحكومات الظالمة من زمن العباسيين ، فقد عملوا على منع زيارة الحسين ( عليه السلام ) وقاومهم الناس ، وقدموا في سبيل ذلك أنفسهم ، حتى ثبتوا هذه الزيارة الجماهيرية .
وقد زاد البعثيون على غيرهم فأفرطوا في استعمال العنف مع الناس لمنع المراسم الحسينية ، فكانوا ينشرون قواتهم في الطرقات نحو كربلاء لمطاردة الذين يأتون مشياً لزيارة الحسين ( عليه السلام ) والقبض عليهم ، أو إطلاق النار عليهم وقتلهم ، وتتبعوا خطباء المنبر الحسيني والشعراء والرواديد ، في أنحاء العراق وقتلوا منهم المئات ، مضافاً إلى من قتلوهم من علماء الدين !

10 - وفاة السيد الحكيم ( رحمه الله ) ومباحثات الدعوة والسيد الصدر ( رحمه الله )

كان لوفاة المرجع السيد الحكيم ( رحمه الله ) تأثير حزين عميق في أنفس الشيعة ، فقد توفيَ في عزلته واحتجاجه على ظلم البعثيين ، فخرج الناس بمئات الآلاف ، باكين عليه هاتفين له ولابنه السيد مهدي .
وأقمنا له مجالس الفاتحة في الكويت ، وحضرها ولده السيد مهدي ( رحمه الله ) .
وجاء الخبر أن تشييع جنازة السيد الحكيم ( رحمه الله ) كان حاشداً في بغداد ، قدروه بنصف مليون ، وأن أحمد حسن البكر شارك فيه ، فهتفت الجماهير في وجهه : السيد مهدي مو جاسوس ، إسمع يالرئيس !
ورأى جماهير الناس يتجهون إليه ووصلوا إلى حراسته ، فانسحب .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 264 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وجاء الخبر أن وفود الناس جاءت إلى النجف وكانوا يهتفون : أيدنا سيد يوسف ، قلدنا سيد يوسف ! فكلمني بعض الناس أن نعلن تقليد السيد يوسف ( رحمه الله ) ، فأجبتهم إن التقليد في مذهبنا يجب أن يكون للأفقه الأعلم ، ومن المعروف المشهور أن السيد الخوئي بعد السيد الحكيم هو الأفقه ، فسكت السيد مهدي ( رحمه الله ) ولم يعترض .
وفي اليوم الثالث أعلنتُ بحضوره أن الموازين الشرعية توجب تقليد الأعلم ، وأنه السيد الخوئي ( رحمه الله ) ، فقلد من يثق بكلامي السيد الخوئي ( رحمه الله ) .
أما السيد الصدر ( رحمه الله ) فكنت تكلمت معه حول التقليد بعد السيد الحكيم ، فقال : ليس من المصلحة طرح مرجعيتي مع وجود أستاذي السيد الخوئي .
لكن بعض من حوله كان رأيهم أنه إذا تبنت الدعوة مرجعية السيد الصدر فيجب إعلانها . وطرحوا ذلك في أوساط الدعوة ، حتى وصل الخبر إلى أبي عصام ( رحمه الله ) فأبدى تحفظه .
ثم عقدت أربع جلسات بين السيد الصدر ( رحمه الله ) وأبي عصام ( رحمه الله ) لمناقشة الموضوع ، وكان أبو عصام هو كل الدعوة ، فكل خطوطها وأمورها بيده .
وعُقدت الجلسات في بيت السيد إسماعيل الصدر ( رحمه الله ) المجاور لمسجد الهاشمي في الكاظمية ، وحضر بعضها أبو حسن السبيتي ، وكان محورها موقف الدعوة من المرجعية ككل ، وموقفها من مرجعية السيد الصدر ، وهل يصح أن تتبناها الدعوة ، أم لا ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 265 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وانتهت الجلسات بعدم التوافق ، وكتب أبو عصام البيان التاريخي في موقف الدعوة من المرجعية ، وأعطاه إلى معاونه فعممه على مسؤولي خطوط التنظيم ، ليدرِّسوه للدعاة كنشرة داخلية .
وجاء أبو عصام ( رحمه الله ) إلى الكويت وأخبرني بخلاصة الجلسات ، وأعطاني البيان فقرأته وكان وقعه عليَّ ثقيلاً فناقشته بشدة ، ثم ناقشته في اليوم التالي !
كان مضمون البيان أن المرجعية فيها جانبان : جانب المفتي ، وهذا أمر متروك للداعية أن يختار المفتي الذي يرجع إليه ، حسب موازينه .
وجانب قيادي ، والقيادة للدعوة لأنها المتصدية لها ، وهي تريد أن يتصدى الفقيه لقيادة الأمة ، وتدعو الفقهاء إلى ذلك ، وموقفها من الفقيه والمرجع بقدر ما يتصدى لقيادة الأمة .
ومعنى ذلك إعلان الثنائية بين الدعوة والسيد الصدر ( رحمه الله ) ، وأنها لا تتبنى مرجعيته إلا بقدر ما تعتبر أنه تصدى لقيادة الأمة ، ويكون ذلك حسب فهمها للتصدي وتقييمها له .
ومعناه أن شرعية القيادة في الأمة إنما هي للتصدي وليست للفقاهة ، وأن هذا التصدي مفتوح لكل أحد من المسلمين ، فهو إجازة شرعية من الله تعالى بقيادة الأمة لكل فرد منها ! والآن هو أبو عصام ، وغداً أي شخص !
ناقشت أبا عصام ( رحمه الله ) في هذه الأمور وغيرها ، فقال في ختام نقاشنا : يعني أنك تُشكل علينا لماذا نترك السيد الصدر ، فاطمئن بأنا لا نتركه ولا يتركنا !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 266 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قلت له : أُشكل عليكم وعليه ، فالتنظيم ضرورة ، ووجود المجتهد المرجع فيه ضرورة ، ولا يصلح أحدهما بدون الآخر !
قال : نحن وإياه في نفس الخط ، وفتح يديه مشيراً إلى الأمام والطريق . . ونحن لا نتركه ، لقد تركنا وما تركناه ، يشير إلى انسحابه قديماً من الدعوة ! ولا يمكننا الآن أن نتبنى مرجعيته ، فدعنا نرى كيف سيكون معنا !
قلت له : لم يترككم السيد الصدر ، فهذا أنا من أقرب الناس إليه ، بقيت سنين أعامله على أنه في قيادة الدعوة ، ولم يقل : لا !
وهذا السيد كاظم الشيرازي من أقرب طلبته إليه ، وقد أخبرني السيد الصدر أنه تعب معه سنوات حتى أقنعه قبل سنتين بلزوم التنظيم ، وسلمه لكم ، فصار مسؤوله الشيخ عارف ، وها هو يسمع كلام الشيخ عارف ويعتبره تكليفه الشرعي ، أكثر من كلام أستاذه السيد الصدر !
ولم يقنعني أبو عصام ( رحمه الله ) ولم أقنعه ، وعندما جاءني مودعاً سألني عن موقفي فقلت له : في سفرتك هذه جعلتني أعيش بقلب مشطور ، شطر مع المرجعية وشطر مع التنظيم ، فإن استطعت أن أجمع بينهما فهو المطلوب وإلا رجحت المرجعية وودعتكم ! وإذا أردتم أن أحضر معكم في القيادة بصفة صديق فعلت ، وابعثوا أحداً يستلم خطوط الدعاة الذين بيدي !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 267 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال : يعني هذا موقفك النهائي ؟ قلت : نعم ، وأخبروني باسم من تختارونه ليستلم مني خطوط العمل ؟ فأخَّر أبو عصام ( رحمه الله ) سفره ليتصل ويتشاور وعاد إليَّ ليخبرني بأنهم اختاروا السيد عبد الأمير علي خان ، فوافقت عليه .
وعاد أبو عصام إلى العراق وأخذ يرتب سفر الشخص المتفق عليه ، فتأخر ذلك حتى سجن ( رحمه الله ) ، وتولى عمله الشيخ عارف ، والسبيتي . . الخ .

11 - الموازنة في العلاقة بين الدعوة والسيد الصدر ( رحمه الله )

كنت أقدر أن القضية في النتيجة بين أبي عصام ( رحمه الله ) والسيد الصدر ( رحمه الله ) ، وأن أبا عصام يعتبر نفسه مؤسساً للدعوة ، وهو ثابت على أفكاره ، قوي الثقة بصحتها وهو أكبر سناً من السيد الصدر ، ويرى أنه أصح فكراً منه ، فلا أمل في أن يتنازل له إذا اختلفا في الرأي . وهو مصرٌّ على مقولاته التي أقنع بها الجميع ، كمفهوم المرحلة التغييرية ، وبناء الأمة داخل الأمة ، ومفهوم أن القيادة في الأمة حق للمتصدي ، لأنها فعل قيادة ، وليست منصب قيادة للفقيه ولا للمرجع !
وكنت أقرب إلى قناعات السيد الصدر ( رحمه الله ) وميوله ، خاصة في قيادة المرجعية ، وكان عليَّ أن أعمل للتوفيق بين هذين القطبين .
وعندما سجن أبو عصام ، كان رأي الشيخ عارف والسبيتي ، بأن الأمر سهل ، لأن هجمة البعثيين ستفرض علينا أن نكون وحدة لا تنفصم !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 268 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وسرعان ما جرت الأمور بمقادير الله تعالى ، بغير ما كنا نقدر أو نتصور فقتل أبو عصام ( رحمه الله ) ، ثم اعتقل الشيخ عارف وقتل ( رحمه الله ) ، ثم سلَّمَ الملك حسين أبا حسن إلى صدام ، فقتله .
وانتصرت الثورة في إيران ، فاندفع السيد الصدر ( رحمه الله ) في تأييدها ، فقتل .
ولم نكن نعلم أن كل مرحليتنا وتنظيراتنا كان بعضها خيالياً طوبائياً ، وبعضها واقعياً ، لكن الأحداث درفتها جميعاً .
لم نكن نعلم أنا على عتبة حرب يشنها البعثيون على إيران دامت ثمان سنوات ، واخترعوا منها المبرر تلو المبرر ، لإبادة الدعوة ، والحوزة والمرجعية ، والشيعة في العراق ، حتى قال صهر صدام وهو يضرب بمدفعية دباته الحرم الحسيني في كربلاء : لا شيعة بعد اليوم !
لقد قرع بقوله أسماعنا التي أصيبت بالصمم ، وقال لنا إن الواقع طائفي وليس إسلامياً ، وإن السياسة الفاعلة سياسة الإبادة الأموية ، لا خيالاتكم بإقامة دولة الخلافة ، وأمنياتكم بالوحدة مع جلادين طائفيين !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 269 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل العاشر : حجج أصحاب الاتجاهات الثلاثة

لمحة عن أدلة الاتجاهات الثلاثة المتقدمة
لكل واحد من هذه الاتجاهات الثلاثة ، أدلته وحججه : الإصلاحي التقليدي . والثوري الحزبي ، أو بتسمية أبي عصام : الإنقلابي التغييري . واتجاه الانقلاب العسكري . وفي كلٍّ من هذه الحجج والنقود مسائل وبحوث ، فقهية ، وتاريخية وسياسية كثيرة ، ونكتفي هنا بذكر لمحة عنها .

1 - حجة أصحاب الاتجاه الإصلاحي التقليدي

يحتج أصحاب الاتجاه الإصلاحي التقليدي في الحوزة بأمور :
1 - أحاديث الأئمة ( عليهم السلام ) المتواترة في تحريم الخروج على الحكام ، والسعي إلى الحكم ، قبل ظهور الإمام المهدي ( عجل الله تعالى فرجه الشريف ) . وقد عقد لها الحر العاملي ( رحمه الله ) في وسائل الشيعة ( 11 / 35 ) أبواباً ، منها : باب حكم الخروج بالسيف قبل قيام القائم ( عليه السلام ) روى فيه سبعة عشر حديثاً ، وفيها المتفق على صحته . منها قول الإمام الصادق ( عليه السلام ) : « ما خرج ولا يخرج منا أهل البيت إلى قيام قائمنا أحد ليدفع ظلماً أو ينعش حقاً ، إلا اصطلمته البلية ، وكان قيامه زيادة في
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 270 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مكروهنا وشيعتنا » . وباب : « من يجوز له جمع العساكر والخروج بها إلى الجهاد » . وباب : « اشتراط وجوب الجهاد بأمر الإمام ( عليه السلام ) وإذنه ، وتحريم الجهاد مع غير الإمام العادل » . وروى فيها عدداً من الأحاديث .
2 - إن خط الحوزة الذي سار عليه مراجع الطائفة وفقهاؤها ورواتها ، من عصر الأئمة ( عليهم السلام ) إلى عصرنا هذا ، أنهم كانوا يتعايشون مع حكام عصورهم مهما كانوا ، وكانوا يقيمون مع الحاكم ووزرائه وموظفيه علاقات حسنة ، متجنبين معاونتهم على الظلم ، ناصحين لهم عندما يأملون نفع النصح ويأمنون ضرره ، تطبيقاً لقوله تعالى : إِنْ أُرِيدُ إِلا الإصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ .
وهذه السيرة دليل على أنه لا يجب على المرجعية أن تعمل لتسلم الحكم ولا لإقامته . فلو كان واجباً لما تركه أولئك الأتقياء الأبرار عبر التاريخ !
3 - المتفق عليه بين فقهاء المذهب أن منصب المرجع منصب خبير في الشريعة ، له حق الإفتاء والقضاء والأمور الحسبية . وقد حاول بعض الفقهاء أن يثبتوا أن المرجعية ليست منصباً خبروياً فقط ، بل منصب قيادي سياسي ، لكن الأدلة التي ذكروها لا تكفي لإثبات ذلك .
وقد بحث فقهاؤنا مسائل ولاية الفقيه في باب الإجتهاد والتقليد ، وفي أماكن أخرى من كتب الفقه الإستدلالي .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 271 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال المرجع الميرزا النائيني ( رحمه الله ) : « لا إشكال في ثبوت منصب القضاء والإفتاء للفقيه في عصر الغيبة ، وهكذا ما يكون من توابع القضاء كأخذ المدعى به من المحكوم عليه ، وحبس الغريم المماطل ، والتصرف في بعض الأمور الحسبية ، كحفظ مال الغائب والصغير ونحو ذلك . وإنما الإشكال في ثبوت الولاية » . ( تقريرات أبحاثه - شرح المكاسب للخوانساري : 2 / 232 ) .
وقال المرجع السيد الخوئي ( رحمه الله ) : « وقد ذكرنا في الكلام على ولاية الفقيه من كتاب المكاسب أن الأخبار المستدل بها على الولاية المطلقة قاصرة السند أو الدلالة وتفصيل ذلك موكول إلى محله . نعم يستفاد من الأخبار المعتبرة أن للفقيه ولاية في موردين وهما الفتوى والقضاء . وأما ولايته في سائر الموارد فلم يدلنا عليها رواية تامة الدلالة والسند » . ( الاجتهاد والتقليد للسيد الخوئي / 419 )
وفي صراط النجاة من فتاوى المرجعين السيد الخوئي والميرزا التبريزي : 1 / 10 : « سؤال 1 : هل هناك إجماع من علمائنا المراجع المتقدمين والمتأخرين على ولاية الفقيه ؟ وضحوا لنا ليتبين لنا من سماحتكم حقيقة المسألة عند علمائنا الأعلام الذين أفتوا بولاية الفقيه في عصر غيبة قائم آل محمد ( عجل الله تعالى فرجه الشريف ) .
الخوئي : أما الولاية على الأمور الحسبية كحفظ أموال الغائب واليتيم ، إذا لم يكن من يتصدى لحفظها كالولي أو نحوه ، فهي ثابتة للفقيه الجامع للشرائط ، وكذا الموقوفات التي ليس لها متولٍّ من قبل الواقف ، والمرافعات فإن فصل الخصومة فيها بيد الفقيه ، وأمثال ذلك ، وأما الزائد على ذلك فالمشهور بين الفقهاء عدم الثبوت » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 272 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
4 - أن الله تعالى يستحيل أن يعطي الحكم على عباده لإنسان غير معصوم لأن منصب الحاكم يضغط على أعصاب الإنسان مهما كان فيفقده العدالة ، وقد قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : « السكر أربع سكرات : سكر الشراب ، وسكر المال ، وسكر النوم ، وسكر الملك » ! ( معاني الأخبار / 365 ، والخصال / 636 ) . فالدولة التي يرأسها غير المعصوم ( عليه السلام ) لا تحقق هدف العدالة التي يريدها الله تعالى ، وبالتالي ستكون كغيرها من الدول الزمنية .
5 - أن الأئمة ( عليهم السلام ) لم يعملوا لتسلم السلطة ، ولا أجازوا لأحد أن يعمل بإسمهم . وقد صرحوا ( عليهم السلام ) بأن منهجهم عدم العمل لتسلم السلطة ، مع أنه كان ميسوراً لهم ، بل قدمت إليهم الخلافة على طبق من ذهب فرفضوه ! وتواترت أحاديثهم في أن دولتهم ستكون على يد المهدي الموعود ( عليه السلام ) فقط .
أما أمير المؤمنين ( عليه السلام ) فهو استثناء لأنه حكم بأمر النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، والإمام الحسن ( عليه السلام ) كان حكمه لستة أشهر ، وهو امتدادٌ لحكم أبيه ‘ .
وقد صح أن الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) لم يُجز ثورة التوابين ولا المختار ، ولا قبل قيادة الدولة بعد انتصار المختار ، وكانت تشمل العراق وأكثر إيران ، وإن شكر المختار وكل من طلب بثأر أبيه ‘ ، ودعا لهم .
كما رفض الإمام الصادق ( عليه السلام ) أن يتسلم الخلافة بعد انتصار ثورة أبي مسلم الخراساني وأبي سلمة الخلال ، وقد حبسوا العباسيين مدة في الكوفة ولم يبايعوهم ، وراسلوا الإمام الصادق ( عليه السلام ) وحاولوا إقناعه بالقبول ، فلم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 273 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يقبل ! وعلل رفضه بأن قادة الثورة ليسوا متدينين ولا مطيعين له ، ولأنه لا يوجد ( كوادر ) مؤمنة كفوءة تطيعه وتدير الحكم معه ، ثم تديره من بعده !
قال الشهرستاني في الملل والنحل : 1 / 154 : « وكان أبو مسلم صاحب الدولة على مذهب الكيسانية في الأول ، واقتبس من دعاتهم العلوم التي اختصوا بها ، وأحس منهم أن هذه العلوم مستودعة فيهم ، فكان يطلب المستقر فيه ، فبعث إلى الصادق جعفر بن محمد رضي الله عنهما إني قد أظهرت الكلمة ودعوت الناس عن موالاة بني أمية إلى موالاة أهل البيت ، فإن رغبت فيها فلا مزيد عليك ، فكتب إليه الصادق رضي الله عنه : ما أنت من رجالي ولا الزمان زماني ! فحاد أبو مسلم إلى أبي العباس عبد الله بن محمد السفاح وقلده أمر الخلافة » .
وفي الكافي : 8 / 274 : « عن الفضل بن سليمان الكاتب ، قال : كنت عند أبي عبد الله ( عليه السلام ) فأتاه كتاب أبي مسلم فقال : ليس لكتابك جواب ، أخرج عنا ! فجعلنا يُسَارُّ بعضنا بعضاً ، فقال : أي شئ تسارُّون ؟ يا فضل إن الله عز ذكره لا يعجل لعجلة العباد ولإزالة جبل عن موضعه أيسر من زوال ملك لم ينقض أجله . ثم قال : إن فلان بن فلان ، حتى بلغ السابع من ولد فلان . قلت فما العلامة فيما بيننا وبينك جعلت فداك ؟ قال : لا تبرح الأرض يا فضل حتى يخرج السفياني ، فإذا خرج السفياني فأجيبوا إلينا يقولها ثلاثاً ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 274 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وهو من المحتوم » .
وقال المسعودي في مروج الذهب / 890 : « وأخفى أبو سَلَمة أمر أبي العباس ومن معه ، ووكل بهم وكيلاً ، وكان قدوم أبي العباس الكوفة في صفر من سنة اثنتين وثلاثين ومائة ، وفيها جرىَ البريد بالكتب لولد العباس ، وقد كان أبو سَلَمة لما قُتل إبراهيم الإمام خاف انتقاض الأمر وفساده عليه ، فبعث بمحمد بن عبد الرحمن بن أسلم وكان أسلم مولىً لرسول اللهّ ( صلى الله عليه وآله ) وكتب معه كتابين على نسخة واحدة إلى أبي عبد الله جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، وإلى أبي محمد عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ، يدعو كلَّ واحد منهما إلى الشخوص إليه ليصرف الدعوة إليه ، ويجتهد في بيعة أهل خراسان له ، وقال للرسول : العَجَلَ العَجَلَ فلا تكونَنَّ كوافد عاد ( بعثوه فاختار لهم سحابة سوداء ، فكانت عليهم لا لهم ) فقدم محمد بن عبد الرحمن المدينة على أبي عبد الله جعفر بن محمد فلقيه ليلاً ، فلما وصل إليه أعلمه أنه رسول أبي سَلَمة ودفع إليه كتابه فقال له أبو عبد الله : وما أنا وأبو سَلَمة وأبو سَلَمة شيعة لغيري ! قال : إني رسول فتقرأ كتابه وتجيبه بما رأيت . فدعا أبو عبد الله بسراج ثم أخذ كتاب أبي سلمة فوضعه على السراج حتى احترق ، وقال للرسول : عرِّف صاحبك بما رأيت ! ثم أنشأ يقول متمثلاً بقول الكميت بن زيد ( رحمه الله ) :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 275 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] أيا مُوقِداً ناراً لغيرك ضوؤها * ويا حاطباً في غير حبلك تحطب
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] فخرج الرسول من عنده ، وأتى عبد الله بن الحسن فدفع إليه الكتاب فقبله وقرأَه وابتهج به ، فلما كان من غد ذلك اليوم الذي وصل إليه فيه الكتاب ، ركب عبد الله حماراً حتى أتى منزل أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق ، فلما رآه أبو عبد الله أكبر مجيئه ، وكان عبد الله أسَنِّ من أبي - عبد الله فقال له : يا أبا محمد أمْرٌ ما أتى بك ! قال : نعم وهو أجَلُّ من أن يوصف ، فقال : وما هو يا أبا محمد . قال : هذا كتاب أبي سلمة يدعوني إلى ما أقبله وقد قدمت عليه شيعتنا من أهل خراسان ! فقال له أبو عبد الله : يا أبا محمد ومتى كان أهل خراسان شيعة لك ؟ ! أأنت بعثت أبا مسلم إلى خراسان وأنت أمرته بلبس السواد ؟ وهؤلاء الذين قدموا العراق أنت كنت سبب قدومهم أو وَجَّهت فيهم وهل تعرف منهم أحداً ؟ !
فنازعه عبد الله بن الحسن الكلام إلى أن قال : إنما يريد القوم ابني محمداً لأنه مهديُّ هذه الأُمة ، فقال أبو عبد الله جعفر : والله ما هو مهدي هذه الأُمة ولئن شهر سيفه ليقتلن ، فنازعه عبد اللهّ القول حتى قال له : والله ما يمنعك من ذلك إلا الحسد ! فقال أبو عبد الله ( عليه السلام ) : والله هذا نصح مني لك ، ولقد كتب إليَّ أبو سلمة بمثل ما كتب به إليك ، فلم يجد رسوله عندي ما وجد عندك ، ولقد أحرقْتُ كتابه من قبل أن أقرأه ، فانصرف
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 276 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عبد الله من عند جعفر مغضباً » . وينابيع المودة : 3 / 161 ، والمناقب : 3 / 356 ، وذكر فيه مجئ أبي مسلم الخراساني إلى الإمام الصادق ( عليه السلام ) في المدينة .
وفي الكافي : 2 / 242 : « باب في قلة عدد المؤمنين . . عن سدير الصيرفي قال : دخلت على أبي عبد الله ( عليه السلام ) فقلت له : والله ما يسعك القعود ! فقال : ولمَ يا سدير ؟ قلت : لكثرة مواليك وشيعتك وأنصارك ، والله لو كان لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) ما لك من الشيعة والأنصار والموالي ، ما طمع فيه تيمٌ ولا عديٌّ !
فقال : يا سدير وكم عسى أن يكونوا ؟ قلت : مائة ألف ، قال : مائة ألف ؟ ! قلت : نعم ، ومائتي ألف ! قال : مائتي ألف ! قلت : نعم ونصف الدنيا !
قال فسكت عني ثم قال : يخف عليك أن تبلغ معنا إلى ينبع ؟ قلت : نعم ، فأمر بحمار وبغل أن يُسْرجا فبادرت فركبت الحمار فقال : يا سدير أترى أن تؤثرني بالحمار ؟ قلت : البغل أزين وأنبل ! قال : الحمار أرفق بي ، فنزلت فركب الحمار وركبت البغل ، فمضينا فحانت الصلاة ، فقال : يا سدير إنزل بنا نصلي ، ثم قال : هذه أرض سبخة لا تجوز الصلاة فيها ، فسرنا حتى صرنا إلى أرض حمراء ونظر إلى غلام يرعى جداء فقال : والله يا سدير لو كان لي شيعة بعدد هذه الجداء ما وسعني القعود ! ونزلنا وصلينا فلما فرغنا من الصلاة ، عطفت على الجداء فعددتها فإذا هي سبعة عشر ) ! انتهى .
ومعنى ذلك أن إقامة دولة العدل وتطبيق أحكام الإسلام ، تحتاج على الأقل إلى بضعة عشر شخصية ، يكون الواحد منهم بكفاءة قادة ثورة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 277 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
العباسيين مثل بكير بن ماهان وأبي سلمة الخلال وأبي مسلم الخراساني ، وبفقه زرارة وأبي بصير ومحمد بن مسلم وتقواهم ، وبشجاعة قحطبة بن شبيب وزملائه ! وحيث لا يوجد هؤلاء ، فستكون القيادة في واد ووزراؤها وعمالها في واد آخر ! وإذا أراد القائد إصلاحهم قاوموه ، وإذا سَلِمَ من مؤامراتهم تصارعوا على النفوذ في حياته ، وظهر ذلك عند وفاته ، وعاد الظلم والجور كما كان وأشد !
ولهذا ادَّخر الله تعالى للإمام المهدي ( عليه السلام ) أصحاباً خاصين ، يجمعهم له في ليلة واحدة ، من أقاصي الأرض وأدانيها ، فيقيم بهم دولة العدل الإلهي !

2 - حجة أصحاب الاتجاه الثوري الإنقلابي

1 - ويجيب أصحاب الاتجاه الثوري الإنقلابي : بأن الشيعة كانوا أقلية مستضعفة في الأرض ، يخافون أن يتخطفهم الناس من حولهم ، فلم يكن عندهم خيار إلا التعايش مع الحكام ، ولم يكن لهم قدرة على الخروج وإقامة حكم إسلامي . فسيرة الفقهاء والمراجع على عدم الخروج والثورة سببها عدم القدرة ، وليس عدم جواز أو عدم وجوب إقامة الدولة .
قال السيد الخميني ( رحمه الله ) : « المستفاد من المقبولة كما ذكرناه ، هو أن الحكومة مطلقاً للفقيه ، وقد جعلهم الإمام ( عليه السلام ) حكاماً على الناس .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 278 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولا يخفى أن جعل القاضي من شؤون الحاكم والسلطان في الإسلام ، فجعل الحكومة للفقهاء مستلزم لجواز نصب القضاة ، فالحكام على الناس شأنهم نصب الأمراء والقضاة وغيرهما مما تحتاج إليه الأمة . . فالقول بأن الأخبار في مقام بيان وظيفتهم من حيث الأحكام الشرعية والقضاء بين الناس ساقط . . وتخصيصها بالقضاء لا وجه له ، بعد عموم اللفظ ومطابقة الاعتبار ، والانصراف لو كان فهو بَدْوي ، ينشأ من توهم كون مورد المقبولة هو القضاء » . ( كتاب الإجتهاد والتقليد / 53 ) .
وقال السيد الخامنئي في أجوبة الاستفتاءات : 1 / 23 : « س 64 : ما هو تكليفنا تجاه الأشخاص الذين لا يرون ولاية الفقيه العادل إلا في الأمور الحسبية فقط ؟ علماً بأن بعض ممثليهم يشيعون ذلك أيضاً ؟
ج : ولاية الفقيه في قيادة المجتمع وإدارة المسائل الاجتماعية في كل عصر وزمان ، من أركان المذهب الحق الاثني عشري ، ولها جذور في أصل الإمامة . ومن أوصله الإستدلال إلى عدم القول بها فهو معذور ، ولكن لا يجوز له بث التفرقة والخلاف » . انتهى .
وينبغي التنبيه على أن الفقهاء القائلين بولاية الفقيه والنافين لها ، متفقون على أن من مهام المرجعية وواجباتها : التوعية الدينية ، وتبليغ الأحكام ، ونُصح الحاكم ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والجهاد الدفاعي إذا تعرض بلد مسلم لخطر خارجي وأمكن مقاومة المحتل .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 279 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فالخلاف بين الإتجاهين : في العمل السياسي والثورة لإقامة حكم إسلامي ، وفي تسلم المرجع للسلطة مباشرة ، أو بقائه موجهاً ناصحاً فقط .
ويتصور البعض أن هذين الإتجاهين الفقهيين يوجبان الصراع بين الشيعة لأن من يقول بولاية الفقيه يرى أن الفقيه المتصدي له ولاية على المسلمين ، ويجب على المراجع ومقلديهم طاعته ، ويجب دفع الخمس إليه دون غيره .
بل يضيفون إن ولايته متفرعة عن ولاية النبي ( صلى الله عليه وآله ) والأئمة ( عليهم السلام ) ، فهي مسألة عقائدية ، وليست فقهية محضة ، كما يرى أصحاب الاتجاه الثاني .
لكن الواقع هو التعايش الطبيعي بين أصحاب الإتجاهين ، فكل منهما يعذر الآخر في اجتهاده ، والولي الفقيه يطاع في البلد الذي يحكم فيه .
كما أن الفقيه ولي الأمر ، يتعامل مع المقلدين لغيره بسعة صدر ، فهم يرجعون إلى مراجعهم في فتاواهم ، ويدفعون إليهم الحقوق الشرعية .
ونموذج ذلك العلاقة الطيبة بين المرجعين السيد السيستاني والسيد القائد الخامنئي التي انعكست بين مقلديهما ، مع أن السيد الخامنئي يقول بولاية الفقيه المطلقة ، والسيد السيستاني لا يقول بذلك ، وقد أفتى بأن يحكم الشعب العراقي نفسه عن طريق الانتخابات ، وأعطى الشرعية لمن ينتخبه الناس ، ونصح طلبة العلم أن لا يدخلوا في مؤسسات الحكم إلا للضرورة .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 280 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
2 - وأجاب أصحاب الاتجاه الثوري على الأحاديث التي تنهى عن الخروج قبل الظهور ، وتصف صاحب رايته بأنه طاغوت ، بأنها تقصد الرايات المعادية لأهل البيت ( عليهم السلام ) ، ولا تقصد الذين هم في خطهم ( عليهم السلام ) .
« فمراده بالراية هنا الراية الداعية إلى النفس في قبال الحق ، وبعبارة أخرى : الراية الواقعة في قبال القائم لا في طريقه ومسيره وعلى منهجه . ولذا عبر عنها بالطاغوت وعقبها بكونها معبودة من دون الله . ويؤيد ذلك قول أبي جعفر ( عليه السلام ) في حديث على ما في الروضة : وإنه ليس من أحد يدعو إلى أن يخرج الدجال إلا سيجد من يبايعه ، ومن رفع راية ضلالة فصاحبها طاغوت . فقيد الراية بالضلالة .
ولو قيل بأن الظاهر من الحديث تشخيص القيام الباطل بحسب الزمان لا بحسب الهدف ، وأن الملاك في بطلان القيام كونه بحسب الزمان قبل قيام القائم ، والعموم استغراقي ، فلا يجوز القيام مطلقاً بأي هدف وقع .
قلنا : أولاً : إنه من المحتمل أن تكون القضية خارجية ، ويكون المراد رفع رايات خاصة بصفات خاصة كانت مورداً للبحث ، إذ يبعد جداً صدور هذا الكلام عن الإمام ( عليه السلام ) ارتجالاً .
وثانياً : إن الصحيحة على هذا معارضة بصحيحة عيص وغيرها ، مما دل على تقديس قيام زيد وأمثاله مما كان للدعوة إلى الحق ، ومنها قيام الحسين بن علي شهيد فخ ، وقد قام في خلافة موسى الهادي ، ولم يعرف من أئمتنا ( عليهم السلام ) رواية تدل على قدحه » . ( دراسات في ولاية الفقيه : 1 / 237 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 281 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
3 - وأجابوا على دعوى أن الأئمة ( عليهم السلام ) لم يعملوا لتسلم الحكم ، بأنهم ( عليهم السلام ) عملوا لذلك ، ولكنهم لم يقبلوا أن يكون حكمهم شكلياً لا يطبق أحكام الإسلام وعدالته ، وأن سبب عدم تسلمهم للحكم عدم وجود الوزراء الأكفاء ، فقد قال سدير الصيرفي للإمام الصادق ( عليه السلام ) : « والله ما يسعك القعود ! فقال : ولم يا سدير ؟ قلت : لكثرة مواليك وشيعتك وأنصارك . والله لو كان لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) مالك من الشيعة والأنصار والموالي ما طمع فيه تيم ولا عدي ! فقال : يا سدير وكم عسى أن تكونوا ؟ قلت : مئة ألف ، قال : مئة ألف . . فسرنا حتى صرنا إلى أرض حمراء ونظر إلى غلام يرعى جداء فقال : والله يا سدير لو كان لي شيعة بعدد هذه الجداء ما وسعني القعود ! ونزلنا وصلينا فلما فرغنا من الصلاة عطفت على الجداء فعددتها فإذا هي سبعة عشر . . وليس مراد الإمام مطلق من يسمى بالشيعة بل مراده الشيعة بمعناها الواقعي . . وهم قليلون جداً » ( دراسات في ولاية الفقيه : 1 / 230 ) .
4 - وأجابوا على استحالة أن يسلم الله عباده بيد إنسان غير معصوم ، بأنا لا نسلم ذلك ، ولا نسلم بأن منصب الحكم يضغط على أعصاب كل الناس فيخرجهم عن العدالة ، فلذلك استثناءات كثيرة .
وأجابوا عن عدم إمكان تحقيق العدالة الكاملة من الدولة التي يقيمها الفقهاء ، بأن ذلك لا يسقط عنهم إقامة الدولة لتحقيق العدالة النسبية .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 282 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأجابوا عن عدم عمل الأئمة ( عليه السلام ) للوصول إلى الحكم ، وعدم قبولهم تسلمه عندما قدم إليهم ، بأن شروطه لم تكن متوفرة يومها .
وأوسع ما كتب تنظيراً لولاية الفقيه وإقامة الدولة بقيادته ، بحوث الشيخ المنتظري ( رحمه الله ) ، وقد ناقش روايات النهي عن القيام قبل ظهور الإمام ( عجل الله تعالى فرجه الشريف ) ، وذكر عشرة أدلة على وجوب إقامة الدولة الإسلامية بقيادة الفقيه ، وفيها بحث ومناقشات ، لا يتسع لها المجال .

3 - حجة الحركيين على قيادة غير الفقيه

يقول أصحاب الاتجاه الحركي : إن العمل للإسلام لا يحتاج إلى دليل ، لأنه عمل لإعادة الأمة إلى الحياة الإسلامية ، والدولة الإسلامية ، وهو واجب جميع المسلمين . ألم يقل الله تعالى : أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ ، كما قال : وَأَقِيمُوا الصَّلَوةَ ؟ ! والخطاب لكل المسلمين والفريضة عليهم جميعاً ، فأي مسلم تقدم وتصدى لفريضة إقامة الدين ، كان له حق قيادة الأمة .
ويجيبهم الآخرون : هذا الكلام من قلة الفقه ، فإقامة الدين واجب على الجميع ، ولكن ليس واجباً مهملاً بدون آلية ! بل من المحال أن ينزل الله تعالى ديناً ثم يقول لأتباعه : كل من تصدى منكم فهو قائد شرعي ، وهو يمثلني ! لأنه سيتصدى كثيرون ويتنافسون ، ويتقاتلون على السلطة !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 283 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فلا يقبل العقل أن ينزل الله ديناً من دستور وقوانين ، ثم يجعل تفسيره وتطبيقه مشاعاً لكل من تصدى لقيادة الناس به ؟ ! ولا يأذن لكل إنسان أن يدعو إلى الإسلام ويقيم دولته بإمرته ! لأنه ستتعدد الحركات الإسلامية في العالم وفي البلد الواحد والحي الواحد ؟ ! فلا يعقل أن يأذن الله تعالى لهم كلهم ويعطيهم الشرعية ويدعوهم إلى الصراع على الحكم ؟ !
وقد رويتم أن هذا الحق محصور في أعلم الأمة وأفقهها ، وأن النبي ( صلى الله عليه وآله ) سمى الدعاة الجهلة ضالين متكلفين ، فقال : « من ضرب الناس بسيفه ودعاهم إلى نفسه ، وفي المسلمين من هو أعلم منه ، فهو ضال متكلف » !
وفي الإحتجاج : 2 / 118 : « عن عبد الكريم بن عتبة الهاشمي قال : كنت عند أبي عبد الله بمكة إذ دخل عليه أناس من المعتزلة ، فيهم عمرو بن عبيد ، وواصل بن عطا ، وحفص بن سالم ، وأناس من رؤسائهم وذلك أنه حين قتل الوليد ، واختلف أهل الشام بينهم فتكلموا فأكثروا وخطبوا فأطالوا . فقال لهم أبو عبد الله جعفر بن محمد ( عليه السلام ) : إنكم قد أكثرتم علي فأطلتم ، فأسندوا أمركم إلى رجل منكم ، فليتكلم بحجتكم وليوجز .
فأسندوا أمرهم إلى عمرو بن عبيد ، فأبلغ وأطال فكان فيما قال : قتل أهل الشام خليفتهم ، وضرب الله بعضهم ببعض ، وتشتت أمرهم ، فنظرنا فوجدنا رجلاً له دين وعقل ومروة ومعدن للخلافة وهو محمد بن عبد الله بن الحسن فأردنا أن نجتمع معه فنبايعه ، ثم نظهر أمرنا معه ، وندعو
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 284 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الناس إليه ، فمن بايعه كنا معه وكان منا ، ومن اعتزلنا كففنا عنه ، ومن نصب لنا جاهدناه ونصبنا له على بغيه ونرده إلى الحق وأهله .
وقد أحببنا أن نعرض ذلك عليك ، فإنه لا غنى بنا عن مثلك ، لفضلك ولكثرة شيعتك . فلما فرغ ، قال أبو عبد الله ( عليه السلام ) : أكلكم على مثل ما قال عمرو ؟ قالوا : نعم . فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي ( صلى الله عليه وآله ) ثم قال : إنما نسخط إذا عصي الله ، فإذا أطيع الله رضينا ، أخبرني يا عمرو لو أن الأمة قلدتك أمرها فملكته بغير قتال ولا مؤنة ، فقيل لك : ولِّها من شئت ، من كنت تولي ؟ قال : كنت أجعلها شورى بين المسلمين . قال : بين كلهم ؟ قال : نعم . فقال : بين فقهائهم وخيارهم ؟ قال : نعم . قال : قريش وغيرهم ؟ قال : العرب والعجم . قال : فأخبرني يا عمرو أتتولى أبا بكر وعمر أو تتبرأ منهما ؟ قال : أتولاهما . قال : يا عمرو إن كنت رجلاً تتبرأ منهما ، فإنه يجوز لك الخلاف عليهما ، وإن كنت تتولاهما فقد خالفتهما ، قد عهد عمر إلى أبي بكر فبايعه ولم يشاور أحداً ، ثم ردها أبو بكر عليه ولم يشاور أحداً ، ثم جعلها عمر شورى بين ستة ، فأخرج منها الأنصار غير أولئك الستة من قريش ، ثم أوصى الناس فيهم بشئ ما أراك ترضى أنت ولا أصحابك . قال : وما صنع ؟ قال : أمر صهيباً أن يصلي بالناس ثلاثة أيام ، وأن يتشاور أولئك الستة ليس فيهم أحد سواهم إلا ابن عمر ويشاورونه ، وليس له من الأمر شئ ، وأوصى من كان بحضرته من المهاجرين والأنصار إن مضت ثلاثة أيام ولم يفرغوا ويبايعوه أن يضرب أعناق الستة جميعاً ، وإن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 285 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
اجتمع أربعة قبل أن يمضي ثلاثة أيام وخالف اثنان أن يضرب أعناق الاثنين ! أفترضون بذا فيما تجعلون من الشورى في المسلمين ؟ قالوا : لا . قال : يا عمرو دع ذا ، أرأيت لو بايعت صاحبك هذا الذي تدعو إليه ، ثم اجتمعت لكم الأمة ولم يختلف عليكم منها رجلان ، فأفضيتم إلى المشركين الذين لم يسلموا ولم يؤدوا الجزية كان عندكم وعند صاحبكم من العلم ما تسيرون فيهم بسيرة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في المشركين في الجزية ؟ قالوا : نعم . قال : فتصنعون ماذا ؟ قالوا : ندعوهم إلى الإسلام فإن أبوا دعوناهم إلى الجزية . قال : فإن كانوا مجوساً ، وأهل كتاب ، وعبدة النيران والبهائم وليسوا بأهل كتاب ؟ قالوا : سواء ؟ قال : فأخبرني عن القرآن أتقرأونه ؟ قال : نعم . قال : إقرأ : قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ . ( التوبة : 29 ) . قال : فاستثنى الله عز وجل واشترط من الذين أوتوا الكتاب فهم والذين لم يؤتوا الكتاب سواء . قال : نعم . قال ( عليه السلام ) : عمن أخذت هذا ؟ قال : سمعت الناس يقولونه . قال : فدع ذا ، فإنهم إن أبوا الجزية فقاتلتهم فظهرت عليهم كيف تصنع بالغنيمة ؟ قال : أخرج الخمس وأقسم أربعة أخماس بين من قاتل عليها . قال : تقسمه بين جميع من قاتل عليها ؟ قال : نعم . قال : فقد خالفت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في فعله وفي سيرته ، وبيني وبينك فقهاء أهل المدينة ومشيختهم ، فسلهم فإنهم لا يختلفون ولا يتنازعون في أن رسول الله إنما صالح الأعراب على أن يدعهم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 286 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
في ديارهم ، وأن لا يهاجروا ، على أنه إن دهمه من عدوه دهم فيستفزهم فيقاتل بهم ، وليس لهم من الغنيمة نصيب ، وأنت تقول بين جميعهم ، فقد خالفت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في سيرته في المشركين .
دع ذا ، ما تقول في الصدقة ؟ قال : فقرأ عليه هذه الآية : إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ . ( التوبة : 60 ) . قال : نعم فكيف تقسم بينهم ؟ قال : أقسمها على ثمانية أجزاء فأعطي كل جزء من الثمانية جزء . فقال ( عليه السلام ) : إن كان صنف منهم عشرة آلاف ، وصنف رجلاً واحداً أو رجلين أو ثلاثة ، جعلت لهذا الواحد مثل ما جعلت للعشرة آلاف . قال : نعم . قال : وما تصنع بين صدقات أهل الحضر وأهل البوادي ، فتجعلهم فيها سواء ؟ قال : نعم . قال : فخالفت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في كل ما أتى به ، كان رسول الله يقسم صدقة البوادي في أهل البوادي ، وصدقة الحضر في أهل الحضر ، ولا يقسم بينهم بالسوية ، إنما يقسمه قدر ما يحضره منهم ، وعلى قدر ما يحضره ، فإن كان في نفسك شئ مما قلت لك فإن فقهاء أهل المدينة ، ومشيختهم كلهم لا يختلفون في أن رسول الله كذا كان يصنع !
ثم أقبل على عمرو وقال : إتق الله يا عمرو وأنتم أيها الرهط فاتقوا الله ، فإن أبي حدثني وكان خير أهل الأرض ، وأعلمهم بكتاب الله وسنة رسوله ( صلى الله عليه وآله ) أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قال : من ضرب الناس بسيفه ودعاهم إلى نفسه وفي المسلمين من هو أعلم منه ، فهو ضال متكلف » !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 287 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أقول : أراد الإمام ( عليه السلام ) أن يوصل هؤلاء الثوريين إلى شرط العلم في القيادة وأنهم فاقدون لهذا الشرط ، لأن علمهم ظنون واحتمالات ورجمٌ بالغيب ! فلا يوجد هذا الشرط إلا في أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) .
ولكنهم لم يكونوا جادين في طلبهم للعلم ، ولو وصلوا إلى هذه النقطة ، لأقروا بأنهم حملة ظنون وأن العلم القطعي عند أهل البيت ( عليهم السلام ) ، ولعرفوا أنهم جاؤوا إلى منبع العلم القطعي يطلبون منه أن يبايع أصحاب الظنون !

4 - مقولة : لا تقليد في العقائد

من المقولات التي يرددها الذين يريدون للمسلم أن لا يتقيد برأي مراجع الدين ، أنهم يقولون له : لا يجوز التقليد في أصول الدين . وهي مقولة صحيحة في أصول العقائد وكلياتها التي يتوصل إليها العقل البشري بفطرته وبدهياته ، كالاعتقاد بأصل وجود الله تعالى ، والحياة الآخرة ، ونبوة نبينا ( صلى الله عليه وآله ) ، فعلى كل إنسان أن يصل إليها بنفسه ، وبعملياته العقلية .
أما تفاصيل هذه العقائد وحدودها وأحكامها ، كصفات الله تعالى وما يجوز عليه عز وجل وما لا يجوز ، وحدود عصمة النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وحدود وجوب إطاعته ، وتفاصيل الموت والبرزخ ، والبعث والحساب ، والجنة والنار ، والعديد من أصول الإمامة وتفاصيلها ، والكثير الكثير من الإجابات على تساؤلات الإنسان في الشريعة والعقيدة . . فهذه لا تعرف إلا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 288 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بالتقليد والرجوع إلى أهل الإختصاص ، وهم مراجع التقليد ، والعلماء المتخصصون الذين يرتضي المرجع أفكارهم .
والدليل على ذلك أن عموم أدلة وجوب الرجوع إلى المرجع الخبير ، وقد نصَّ بعضها على العقائد ، وبعضها فيه عموم لها ، كإرجاع الأئمة الناس إلى علماء ليأخذوا منهم ( معالم دينهم ) ومعالم الدين تشمل العقائد والأحكام .
ففي وسائل الشيعة : ( 27 / 146 ) بسند صحيح : « عن علي بن المسيب الهمداني قال : قلت للرضا ( عليه السلام ) : شقتي بعيدة ولست أصل إليك في كل وقت ، فممن آخذ معالم ديني ؟ قال : من زكريا ابن آدم القمي المأمون على الدين والدنيا . قال علي بن المسيب : فلما انصرفت قدمنا على زكريا بن آدم ، فسألته عما احتجت إليه » .
وقد عقد في الوسائل : 27 / 136 ، باباً بعنوان : وجوب الرجوع في القضاء والفتوى إلى رواة الحديث من الشيعة ، روى فيه 48 حديثاً .
ومعنى التقليد فيها ، مساعدة العقل على الوصول إلى أصول العقائد ، والتقليد في تفاصيلها ، وأحكامها .
وينبغي الإلفات إلى أن الذين ينفون التقليد في العقائد ، يدعون إلى تعويم الإجتهاد في عقائد الإسلام ، وفتحه للعوام غير المتخصصين ! بل يدعون المسلمين إلى تقليدهم هم بدل الفقهاء والمتخصصين !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 289 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الحادي عشر : من هم أوعى : الحركيون منا أم التقليديون ؟

1 - أين كنا وأين صرنا ؟

كان مشروع الشهيد أبي عصام ( رحمه الله ) إقامة الدولة الإسلامية العالمية بدءً بالعراق . وعمدة المشروع المرحلة الفكرية التغييرية الإنقلابية ، بتعابيره ، التي يتوقف عليها كل المشروع ، لأنها بناء أمة واعية من الأمة ، تحت الأرض ، ثم مفاجأة السلطة والمستعمر بظهورها إلى العلن وأخذها الحكم ! فلا يجوز الخروج من المرحلة الفكرية إلا بعد استكمال مقوماتها .
أما لو بُعث أبو عصام ( رحمه الله ) اليوم ، وبعد أكثر من نصف قرن ، ونظر إلى وضع مشروعه ، لأخذه العجب ، وتساءل غاضباً ماذا جرى ؟ !
يقول له الدعاة : جرت بعدك أحداث يا أبا عصام ، فقد استشهد صاحبك الشيخ عارف ورفقاؤه رحمهم الله ، ثم انتصرت ثورة الإمام الخميني ( رحمه الله ) في إيران وأيدناها ، فضاعفت السلطة من اضطهادنا وسجننا وتقتيلنا .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 290 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم قام الطاغية صدام بقتل فقيهنا الشهيد الصدر ( رحمه الله ) ، وأشعل نار الحرب على إيران لمجرد أنها ثورة إسلامية ، فوقفنا إلى جانب إيران ، واضطررنا أن نعلن انتهاء المرحلة الفكرية ، وندخل في المرحلة السياسية .
فيقول أبو عصام : وكيف جعلتم مناصرة إيران على صدام ، مبرراً للخروج من المرحلة الفكرية قبل استكمال مقوماتها ؟ !
ثم يُخبرونه : لقد أوقف الطاغية الحرب لكن بعد أن دمَّر العراق وإيران !
ثم شن حرباً على الكويت واحتلها ، فاستنفرت أمريكا والدول الغربية وحاربوه وأرغموه على الخروج من الكويت والخضوع لشروطهم !
وقد حاول الشعب العراقي استغلال فرصة هزيمة صدام ، فكانت انتفاضة شعبية عارمة واسعة ، لكن أمريكا ودول الجوار خافوا من مجئ حكم شيعيٍّ موالٍ لإيران ، فساعدوا صداماً على شعبه ، فقمع انتفاضتنا بوحشية ، وزرع العراق بالمقابر الجماعية من خيرة أبناء شعبه !
ثم اعتقدت أمريكا أنه لا يمكن التعايش مع صدام ، ويجب إسقاط نظامه بالقوة ، فأعلنت الحرب عليه وأسقطته ، واحتلت العراق من أقصاه إلى أقصاه ، فكانت فرصة أخرى لنا .
وقد عملنا لاستثمار هذه الفرصة كغيرنا من القوى السياسية ، فالتقينا مع الأمريكان قبيل احتلالهم للعراق وبعده ، وسافر بعض قادتنا إلى أمريكا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 291 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يحاول أن يكون لنا دور في حكم العراق ، فكانت النتيجة أن الأمريكان أشركونا في مجلس الحكم ، ثم اشتركنا في البرلمان ، وفي الدولة .
وهكذا دخلنا في لعبة الديمقراطية بجواز أمريكي ، واعتمدنا في شرعية عملنا على فتوى المرجعية التقليدية ، فقد أفتت بشرعية الحكم المنتخب من الناس وجواز المشاركة فيه ، حتى لو كان في ظل احتلال أجنبي .
يقول أبو عصام : ماذا تقولون أيها الدعاة ، كأني أسمع مناماً أو خيالات !
فيجيبونه : سَمِّهَا ما شئت أيها القائد المؤسس ، فهذا ما حدث بعدك !
يقول أبو عصام : لم أعد أفهم كلامكم ! فقد كان مشروعنا الدعوة إلى دولة إسلامية عالمية ، تحكم بالإسلام على نمط الخلافة الإسلامية ، وتقاوم الاستعمار الغربي والحكومات التابعة لها في بلاد المسلمين .
وكنا نَسْخَرُ من الوصول إلى الحكم بانقلاب عسكري ، بقطار أنكلو - أمريكي ، كما اعترف أمين سر حزب البعث على صالح السعدي .
ولم نقبل المشاركة في انقلاب تسكت عنه الدول الغربية لأنه يطمئنها ، كما كانت محاولة المرحوم محمد رشيد الجنابي ، والسيد مهدي الحكيم ، ومسعود البرزاني . وقد حاول يومها السيد محمد باقر الصدر أن يقنعني بالمشاركة فيه ، فلم أقبل بوجه من الوجوه !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 292 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
واليوم تقولون إنكم تشاركون باسم الدعوة في نظام حكم غير إسلامي وبجواز أمريكي ، وبفتوى المرجعية ، ونحن نعتبر أن مشاركة الإسلاميين في أنظمة الحكم القائمة حتى في برلمانتها ، انحرافاً خطيراً !
إن عملكم هذا طيَّ للمراحل لكن إلى الوراء ، ونحن لم نقبل بطيها إلى الأمام ! يبدو لي أنكم مخطئون في العمق ، وأن المرجعية المحترمة مخطئة ؟ !
دعوني ، دعوني ، حتى أعيد النظر في مشروعنا ، بل في أسسه قبل تفاصيله ، فكلامكم يدل على أن في مشروعنا خللاً ، وكأن وعينا كان لا وعياً ؟ !

2 - الصادق مع ربه لا مشكلة عنده

إذا اعتقدتَ أن هذا الطريق يؤدي إلى رضا الله تعالى فسلكته سنين طويلة ثم اكتشفت خطأك . فهل تعترف بذلك وتصحح مسارك ، أم تصرُّ وتعاند لأنك ألِفْتَ الطريق وأهله ، وسرت فيه ودعوت إليه ؟ !
أما المخلص فيقول : ولماذا أكابر ؟ فأنا لا أريد الطريق لذاته ، بل لأنه طريق لعبادة ربي وكسب رضاه ، فإذا اكتشفت خطئي ، أو وجدت طريقاً أفضل منه ، عبدت الله عز وجل بسلوكه .
هذا نظرياً ، لكن الأمر صعبٌ عملياً ، فالذي تعوَّد على طريق أو نمط حياة ، أو اتِّباع مذهب يكره تغييره . والأمر في موضوعنا أصعب ، لأن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 293 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الذي يسلك الطريق الحركي يكون صاغ كل فهمه للإسلام وفعالياته له ، على أساس تصوره الحركي للإسلام وليس التقليدي !
كنا نُقَسِّمُ الطلبة في الحوزة إلى قسمين : واعين ، وغير واعين . ونقصد بالواعي من يؤمن بأن الإسلام دينٌ ودولة ، ويعمل لإقامة دولته .
ونقسمهم إلى : عامل وجامد ، ونقصد بالجامد الذي لا يعمل لتوعية الناس على الإسلام الحركي ، ولو كان يعمل لتوعيتهم على عقائد الإسلام وفقهه ، وثقافته ، وسلوكه .
وكنا نقول للطالب والشاب الذي ندعوه : ألا ترى فساد الواقع في هذا البلد وفي كل بلاد المسلمين ؟ فيقول : بلى . فنقول له : ألا ترى ضروة العمل لتغيير هذا الواقع ؟ فيقول : بلى . فنقول : إذن إعمل معنا في تنظيمنا وحركتنا لندعو المسلمين إلى الإسلام ، ونقيم دولته التي تنقذهم وتغير واقعهم .
كنا نتصور أن ذلك طريق رضا الله تعالى ومحراب عبادته ، فوهب المخلصون منا أنفسهم لهذا الطريق ، وعبدوا الله تعالى بأنواع الأنشطة التي يحتاج إليها عمل الدعوة . بل كان بعضهم يعتقد أن عمل الدعوة وما يتصل به ، أفضل عند الله من عامة المستحبات ، وأحياناً من بعض الواجبات .
وبعد سنين طويلة وجدنا أن أهدافنا وتصوراتنا بعيدة عن الواقع ، بل مفصومة عنه ، لأنها مفرطة في الأمل ، محلقة في عالم التمنيات والخيال . فكان أول ما يجب علينا أن نفحص فكرنا : هل كان وعياً أم خيالاً ؟
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 294 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فبعد سنين طويلة ، عرفنا أن ما نقوله للطالب والشاب لكي نكسبه إلى صفوفنا ، قولٌ خاطئ وخطير ، لأنه طيٌّ لمراحل فكرية وفقهية ، نظرية وعملية ، ولَفٌّ لأفكار عديدة بلفافة جميلة ، وهي غير مترتبة ولا جميلة !
فهذا القول أعلاه يعني أنك :
1 . افترضتَ أن التدين بالإسلام ، يتوقف على العمل السياسي للوصول إلى الحكم ، لتغيير أوضاع الأمة السيئة .
2 . وافترضتَ ، أنه يجب على هذا الشخص أن يعمل لهذا الهدف ، حتى يكون متديناً ، أو كامل التدين .
3 . وافترضتَ ، أن العمل الموصل لهذا الهدف ، يجب أن يكون بالانتماء إلى تنظيم ، حركة أو حزب .
4 . وافترضتَ ، أن لك ولجماعتك في التنظيم حق القيادة والحكم ، وعليكم كسب الأنصار وبناء أمة واعية متغيرة من الأمة الأم ، ولكم حق الأمر والنهي داخل التنظيم ، ثم لكم حق الحكم والأمر والنهي في الأمة .
5 . وافترضتَ ، أن هذا الحق حصري لك ولحزبك ، من دون المليار ونصف مسلم ، بمن فيهم من المراجع ، وألوف الساسة والقادة والنابغين ، لأن القيادة برأيك كما كان يقول الشهيد أبو عصام ( رحمه الله ) حقٌّ لمن يتقدم لها من الأمة ، ونحن تقدمنا ، والقيادة فعل قيادة ، وليست منصب قيادة .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 295 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
6 . وافترضتَ ، أنه لو وجدت حركات إسلامية مشابهة لحركتك ، فأنت صاحب الحق الإلهي بقيادة الأمة دونها ، لأن حركتك هي الحركة الأفضل .
7 . وعندما غيَّبت القيادة ولم تُعَرِّفْهَا لمن تدعوه إلى حركتك ، فقد فرضت نفسك قائداً لهذا الشاب أو الطالب المسكين ، وجعلته يسلم لك دينه ورقبته ، لأنك همزة الوصل بينه وبين القيادة . . المجهولة .
8 . وعندما لم تتبنَّ حركتك نظام حكم محدد الهيكلية والآلية ، لا في تعيين المرجع إذا كنت ترى ولاية الفقيه ، ولا باعتماد انتخاب المسلمين ، ولا باعتماد الشورى في الأمة ، ولا في الحركة . تكون طلبت من هذا الشاب ، أن يتبنى نظام الحكم الفردي المتمثل بقيادة الحركة ! فقائد الحركة أو مجلس قيادتها في الحقيقة هو : الأمير ، والحاكم ، والخليفة ، ورئيس الجمهورية ، فهو الحاكم الفرد الذي تعمل له الحركة . . إلى آخر النقاط والمسائل التي طويتها ضمن خطابك لطالب العلم ، أو للشاب المتحمس لدينه !
فمهلاً أيها المؤمن مهلاً ، فأولى لك أولى ، أن تفك اللفافة وتحلها حلاً ، وتبحث مسائلها مسألة مسألة ، لا مخلوطة ولا مغلوطة .
ألا تعرف أن في كل واحدة من هذه المسائل بحثاً أو بحوثاً ، بعضها عقدي وبعضها فقهي ، وبعضها سياسي ، وبعضها اجتماعي ، وبعضها ميسور لمن يملك قدراً من المعرفة ، وبعضها تخصصي ، لا يتيسر إلا لمجتهد في بابه .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 296 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فكيف تريد من طالب علمٍ أو شابٍّ متدين ، أن يقلدك في جميع هذه المسائل ، ولا تفردها لها واحدة واحدة ، وترشده إلى أن يقرأ فيها ويفكر ، أو يرجع فيها إلى مرجعه ، أو إلى أهل المعرفة والاختصاص الذين يثق بهم !
ولنأخذ المسألة الأولى منها مثلاً ، وهي علاقة التدين بالعمل السياسي للإسلام ، ونفتح فيها أبواب البحث فقط :

3 - هل العمل السياسي من شروط التدين

التدين : هو الالتزام بأحكام الدين عقيدة وعملاً . ومفردات الالتزام وطريقته يعينها الدين نفسه وليس المسلم ، لأن التدين اتباعُ أحكام الله تعالى ، ولا مكان فيه لفذلكتنا وآرائنا . قال النبي ( صلى الله عليه وآله ) لعلي ( عليه السلام ) : « وتجاهد من أمتي كل من خالف القرآن وسنتي ، ممن يعمل في الدين بالرأي ، ولا رأي في الدين ، إنما هو أمرُ الرب ونهيه » . ( الإحتجاج : 1 / 289 ، والوسائل : 18 / 40 ) .
فهل يريد الله تعالى مني لأكون متديناً أن أعمل لإقامة دولة الإسلام ؟
لقد أجمع فقهاء الشيعة والسنة على أن العمل لإقامة الدولة الإسلامية ليس شرطاً في التدين ، وإن جاز أو وجب عند بعض الفقهاء ، أحياناً .
لهذا يجب على من يدعو آخر للإنتماء إلى تنظيمه الإسلامي ، أن يقول له : نحن نعتقد بوجوب العمل لإقامة الدولة الإسلامية وندعوك للعمل معنا .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 297 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد يجيبه المدعو : لكني لا أعتقد بوجوب ذلك في عنقي ، حسب فتوى مرجع تقليدي ، فشكراً لكم .
وقد يسأل من دعاه : على ماذا اعتمدت أنت في اعتقادك بوجوب هذا العمل ، وهل أنت مجتهد أم مقلد ، أم اعتمدت على مسؤولك وقيادة تنظيمك ، وهل هو مجتهد أم مقلد ؟
وقد يجيبه الداعية بأن تنظيمنا يتبنى رأي فقيه يوجب ذلك . لكن ذلك حجة عليه وحده ، هذا إذا كان تقليده جامعاً للشروط .
وقد يجيبه بأني لا علم لي بذلك وسوف أسأل وآتيك بالجواب !
وقد يحاول إجابته بالخطابيات الفارغة عن المحتوى فيقول له : وهل تشك في وجوب العمل للإسلام وإقامة دولته ، إن ذلك من البديهيات في الدين !
أو يحاول أن يجتهد ويستنبط له وحوب العمل السياسي لإقامة دولة من آيات يحفظها ، كقوله تعالى : شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ . .
وقوله تعالى : إنْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ .
وقوله تعالى : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ . . .
وقوله تعالى : وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 298 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وكلها آيات أعم من المطلوب ، والاستدلال بالأعم لا يصح ، ولذلك لم يستدل بها أحد من فقهاء الشيعة ولا السنة أبداً .
ثم ، إن تقليد الداعية أو اجتهاده لا يحل مشكلة المدعو ، لأن المدعو يريد حكماً شرعياً بأن الله تعالى اشترط عليه لصحة تدينه أن يعمل لإقامة دولة إسلامية . وذلك لا يكون إلا من تقليده لمرجعه ، أو من اجتهاده .
ثم ، على أي دليل من الكتاب والسنة اعتمد فقيه الحركة في أن العمل لإقامة دولة من شروط التدين ؟ فهل من آية واضحة أو حديث صحيح ؟
وقد يسأله المدعو : وعلى فرض وجود دليل فمن هو المخاطب بإقامة الدولة ، هل هم كل المسلمين أو فئة خاصة منهم ، طبقتموها عليكم ؟ !
ثم يسأله : إن تنظيمك يقول إن له الحق الشرعي في أن يدعو الأمة لإقامة دولة بقيادته ، ومعناه أنه يزعم أن الله تعالى أنزل ديناً وعوَّمَ أمر القيادة فيه تعويماً كاملاً ، فقال : كل من يعمل لإقامة دولة فعمله مشروع ، ولقائده حق شرعي أن يأمر وينهى من ينتظم معه . ثم إذا غلب واستلم الحكم فهو حاكم شرعي ، وله الحق أن يأمر وينهى المسلمين حسب رأيه ، وتجب طاعته . فإن غلبه غيره وأقام دولة إسلامية ، فهو حاكم شرعي ، له حق الأمر والنهي ، ويجب على المسلمين طاعته !
وعليه ، يجب أن تضيف إلى قاعدة التعويم قانون الغلبة . وشرعية الغلبة تعني شرعية المسابقة والصراع على الحكم حتى بالقتال وسفك الدماء !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 299 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فهل نتعقل أن يكون الله عز وجل أعطى الشرعية للصراع على السلطة وقال : يا عبادي المؤمنين ، تصارعوا وتقاتلوا فيما بينكم ، فمن غلب فهو الحاكم الشرعي !
وهل هذا إلا منطق الجبابرة الماضين منهم والحاضرين ، المتكالبين على السلطة ، ولو بسفك الدماء واستباحة الأموال !

4 - هل نسقط وجوب إقامة الدولة ؟

يسأل بعضهم : وهل معنى ذلك أننا نسقط عن المسلمين وجوب إقامة الدولة وتطبيق الشريعة ، ونقول للغربيين والحكام الذين على منهجهم : أحكمونا بقوانينكم ، بدل شريعة الله تعالى !
والجواب : أن الله تعالى إنما بعث رسوله ( صلى الله عليه وآله ) ليطاع : وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ ، وإنما أنزل دينه ليقام : أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ . .
والمشكلة ليست في أصل وجوب إقامة الدين ، بل في من يحق له ويستطيع أن يقيم دولة الإسلام ، ويأمر وينهى بإسمه ؟
فلو كان الأمر مفتوحاً ، وقيادة الأمة نهباً مشاعاً ، كما تتصور التنظيمات الإسلامية ، وأن الله تعالى أعطى الشرعية لقانون الصراع على الحكم والغلبة ، لكانت النتيجة حكماً جبرياً باسم الدين ، كما كان في الماضي !
لذلك كان مذهبنا أن الحكم حق للمعصوم ( عليه السلام ) فقط ولمن نصبه في
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 300 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
حضوره أو غيبته .
ونحن الآن في عصر الغيبة ، وقد أرجعنا الإمام ( عليه السلام ) إلى الفقهاء ، فلبُّ القضية ما يفتي به الفقهاء ، وقليل منهم قال إن الإمام ( عليه السلام ) أرجعكم إلينا لنقيم دولة إسلامية ، ويحكمها الفقيه الجامع للشروط ، فساعدونا .
وأكثرهم قال إنه أرجعكم إلينا في القضاء والإفتاء والأمور الحسبية ، وأمرنا أن نتعايش مع الحكام ، ونعمل للإصلاح ما استطعنا ، حتى يظهر الإمام ( عليه السلام ) .
فالواجب على المسلم أن يبحث عن الفقيه الأعلم ، أي الأخبر بالإستنباط الفقهي ، ويقلده ، أي يعمل بفتواه في وجوب العمل السياسي لإقامة الدولة ، وبفتواه في كيفية أداء هذا الواجب . ولا فرق في وجوب الاستناد إلى فتوى مرجع في ذلك ، بين الفرد والجماعة ، والتنظيم وغيره .

5 - الذاتية والموضوعية في التدين

تلاحظ أن تدين المتدينين بالإسلام من الشعوب المختلفة ، والفئات المختلفة ، ينطبع بطابع شخصية صاحبه .
فتدين الهندي له طابعه ، وتدين الأفريقي له طابعه ، وكذا العربي والفارسي . . فتدينهم له مشتركاته ، ومميزاته .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 301 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
على أن الفرق الأعمق تأثيراً في التدين هو فرق الشخصيات في صفاتها الذاتية والكسبية ، من المدنية والبداوة ، والشجاعة والجبن ، والرقة والقسوة ، والتهذيب والوقاحة ، فهي صفات تطبع تدين صاحبها بطابعها !
وكل هذه الفروق بين الشخصيات المتدينة ، إنما هي في تطبيق الإسلام ، والأهم منها جميعاً تأثير الصفات الشخصية على فهم الشخص للإسلام !
ألا ترى أن أصحاب الطموح والشجاعة هم أقرب الناس إلى العمل الإسلامي السياسي لإقامة دولة ، وهم طليعة هذه الحركات ومنظروها ؟
ويأتي هنا السؤال : هل تضر الذاتية في تدين الإنسان ؟
بمعنى أنه إذا كان في الإنسان صفة ما ، كالشجاعة والكرم ، وأثرت على فهمه للإسلام أو تطبيقه له ، فهل يؤاخذ يوم القيامة على خطئه ؟
مثلاً ، شخص طموح ، عرض عليه العمل للإسلام في تنظيم فقبل وانتظم ، وتعلم فهم الإسلام الحركي ، وعاش به واستشهد من أجله .
وشخص متحفظ يخاف ، عرض عليه العمل للإسلام في تنظيم ، فخاف من المجتمع والسلطة ، فلم يقبل . هل يكونان معذورين بسبب صفاتهما ؟
أو شخص رأى غريقاً فلم ينقذه لأنه يخاف ، مع أنه يعرف السباحة . بينما نزل شخص شجاع لينقذه فغرق لأنه لا يعرف السباحة . فكيف يحاسبان ؟
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 302 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والجواب : أن الحساب يوم القيامة أدق وأعمق وأعدل مما نتصور ، ومن المؤكد أن كثيراً من الذاتية في تطبيق الإسلام وفهمه ، لا يؤاخذ صاحبه عليه ، لأنه نتيجة طبيعية لصفاته التي لم يصنعها بيده . والله الحكيم العادل الذي أنزل الإسلام ، يعلم أن عباده أصحاب أفهام متعددة ، وأن صفاتهم الذاتية ستؤثر في التطبيق وفي فهم الدين .
وهذا البحث يتصل ببحث القطع في أصول الفقه ، ومدى حجيته على صاحبه . و ببحث القصور والتقصير في الفقه ، في المقدمات والنتائج .

6 - من هم الأوعى : الحركيون أم التقليديون ؟

يهتم ( الواعون ) من طلبة الحوزة بالثقافة العامة ، فيقرؤون الكتب الفكرية العربية والمترجمة ، والمجلات الفكرية . ويهتمون بالسياسة بشكل عام ، فيستمعون الأخبار من وسائل الإعلام ، أو يقرؤون الجرائد .
بينما لا يهتم عامة التقليديين بالثقافة العامة والسياسة إلا قليلاً ، ويركزون جهدهم على كتب الدراسة ، وعلى المصادر الإسلامية التقليدية .
لهذا كان الحركيون أكثر اطلاعاً في الثقافة العامة والسياسة ، والتقليديون أكثر اطلاعاً على علوم الحوزة ، وسيرة النبي ( صلى الله عليه وآله ) والأئمة ( عليهم السلام ) .
لكن المقايسة الأهم إنما هي في وعي الإسلام وأسلوب العمل له ، فهل الذي يسلك طريق العمل السياسي للإسلام هو الأكثر وعياً ، أم الذي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 303 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يهتم بدراسته وبتعليم المسلمين أمور دينهم ، ولا يشارك في عمل سياسي إلا في حدود مطالبات المرجعية من السلطة بمطالب أو إصلاحات .
كنا ننتقد التقليديين من الطلبة وحتى المراجع ، فكان بعضنا يقول : إن السيد الخوئي ( قدس سره ) إذا جلس على المنبر في بحث علمي فهو أرسطو طاليس ، لكنه إذا نزل وجلس في المسجد ، وجرى معه حديث في أمر اجتماعي ، فهو لا يختلف عن حاج علي ومشتي قلي في السوق الكبير !
وكان بعضنا يصرح بأن الطلبة والمراجع ليس عندهم وعيٌ للإسلام والعصر ، ويقصد به أنهم لا يعرفون الإسلام ديناً ودولة ، ولا يعملون لإقامة الدولة الإسلامية في بلدهم والعالم ، ويستدل على ذلك بنقص ثقافتهم العامة ، ونقص معرفتهم السياسية ببلدهم والعالم .
وكان بعضنا يفرط في ذم التقليديين فيصفهم بالجامدين ، والمتحجرين ، والمتخلفين الذين يعيشون في القرون الوسطى . . الخ .
كما كان بعضهم يفرط في ذم الحركيين ، فيصفهم بأنهم سياسيون في ثياب إسلاميين ، وأفندية في ثياب طلبة ، وسنة في زي شيعة ، لأنهم يدعون إلى إعادة الخلافة السنية ، ولا ينبضون بنبض الشيعي الموالي . . الخ .
وكانت تجري مناقشات بين الواعين والتقليديين ، وتنتهي غالباً بتمسك كل طرف بأفكاره ، وكان ذلك يعني انقسام الحوزة بعمق إلى هذين القسمين ، رغم أنهم أبناء جامعة واحدة ، ويعيشون في محيط واحد .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 304 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وعمدة اتهام الواعين للتقليديين أنهم متخلفون لا يعيشون عصرهم ، وأن ذلك يؤثر على فهمهم للإسلام ووجوب العمل لإقامة الدولة الإسلامية ، وأنهم لو كان عندهم ثقافة عصرية لاختلف فهمهم للإسلام وعملهم له .
وعمدة اتهام التقليديين للواعين أنهم لم يستوعبوا عقائد الإسلام وفقهه ، وسيرة النبي ( صلى الله عليه وآله ) والأئمة ( عليهم السلام ) ، وغلب عليهم الحماس والعاطفة لإقامة الدولة الإسلامية ، التي يتصورون أنها ممكنة التحقيق ، وأنها حلالة المشاكل ، وأنها جنة الله على الأرض !
وزاد بعض التقليديين اتهام الحركيين بأنهم لا يملكون وعياً سياسياً ، بل لا يخلون من غباء اجتماعي وسياسي ، يمنعهم من تقدير العواقب !
قال لي أحد مشاوري السيد الخوئي ( رحمه الله ) : لم يكن من سياسة مرجعية الشيعة مواجهة السلطة لتحل محلها وتتسلم السلطة بدلها ، وغاية ما كان عندها أن تقدم مطالب إصلاحية إلى الحاكم . لكن أنظر إلى هؤلاء الفتية الناشئين كيف أثاروا السلطة ففتحت نارها عليهم ، وعلى الشيعة .
وأخذ ينتقد محاولة الانقلاب التي شارك فيها السيد مهدي الحكيم ( رحمه الله ) مع أنه يراها محاولة مخلصة لكنها برأيه السبب في فتح نار السلطة على المرجعية والشيعة . ويرى أن السيد محمد باقر الصدر ( رحمه الله ) ، أكمل بحزب الدعوة إعطاء المبرر للسلطة ، فشنت حملتها على كل ما هو شيعي في العراق .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 305 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وكان يصفهما بالسذاجة وعدم تقدير العواقب ، ويتعجب من تصور السيد الصدر ( رحمه الله ) أنه إذا استشهد فسوف تتحرك الجماهير في العراق ، وسوف يتدخل السيد الخميني ( رحمه الله ) بجنوده لنصرتهم . ويتعجب من أن السيد الصدر عندما سجنوه عيَّن قيادة للعراق بعده سماها ( القيادة النائبة ) !
وداعبني ( رحمه الله ) بقوله : أما السيد مهدي فأخواله عوامل ، وأما السيد محمد باقر فهو كاظمي ! مشيراً وصف النجفيين للعامليين والكواظمة بالسذاجة .
وإذا أردنا أن نصدر حكماً عادلاً بين الطرفين ، أيهما أكثر وعياً ، فلا بد أن نتجنب التعميم في الحكم ، ونجزِّئ انتقادات كل طرف وتهمه إلى مفردات محددة ونفحص كل واحدة منها . والنتيجة صحة عدد منها هنا وعدد هنا .
لكن ذلك لا يكفي للحكم بأن الأوعى مطلقاً أحد الطرفين ، ففي كلٍّ منهما أصحاب أذهان متخلفة وأصحاب أذهان راقية ، وفي كل منهما أذكياء نوابغ وأغبياء جهلة .
وفي كليهما أشخاص بمستوى التفكير في قضايا المجتمع والدولة والعالم ، وآخرون أبناء قرية لا يستطيع أحدهم أن يخرج عن نطاقها إلى فكر المدينة ، فضلاً عن أن يرتقي إلى أفق الفكر العالمي .
لكن يمكن القول إن الحركيين بشكل عام يتميزون بثقافتهم العامة ، ومعرفتهم بعصرهم وأساليب مخاطبته . ويتميز التقليديون بشكل عام بالدقة وعمق الوعي الفقهي ، والنظرة البعيدة في العواقب .