الإمام الكاظم(ع) سيد بغداد

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 1 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الإمام الكاظم ( عليه السلام )
سيد بغداد ، وحاميها ، وشفيعها
قال الإمام الرضا ( عليه السلام ) : « فإن أهل بيتك يدفع عنهم بك ، كما يدفع عن أهل بغداد بأبي الحسن الكاظم ( عليه السلام ) » ( رجال الطوسي : 2 / 858 ، ومعجم رجال الحديث للسيد الخوئي : 8 / 283 )
بقلم
علي الكوراني العاملي
الطبعة الأولى 1431 - 2010
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 2 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 3 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، وأفضل الصلاة وأتم السلام
على سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين .
وبعد ، فقد اشتهرت بغداد بأنها عاصمة دولة الخلافة الإسلامية في أزهى عصورها ، يوم كانت أقوى وأرقى دول العالم .
كما اشتهرت بمدنيتها وثقافتها ، ومدراسها الفكرية والمذهبية ، وكثرة من نبغ فيها وحل فيها ، من العلماء والأدباء .
واشتهرت بمبانيها ومؤسساتها ، من دور وقصور ، ومكتبات ومستشفيات ، وجامعات ومدارس ، ومساجد وتكايا .
واشتهرت بغداد بمباهج الحياة فيها ، التي جعلتها مطمح الراغبين في حياة الرفاه والترف ، واللهو والمجون .
كما اشتهرت بشخصياتها التي برزت فيها فطبعتها ببصماتها ، أو طبعتها بغداد بطابعها . ولم تقتصر الشهرة على شخصيات الخلفاء والوزراء والسياسيين ، فهؤلاء استولى سلطانهم على الأبدان والأبشار ، ويقابلهم شخصيات الأولياء الذين استولى سلطانهم على الأرواح والقلوب ، وكان في طليعتهم الإمام موسى
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 4 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بن جعفر الكاظم ( عليه السلام ) ، الذي قضى في بغداد بضع سنوات ، بين الإقامة الجبرية في أحد أحيائها ، والسجن الخاص في سجونها .
ولهذا السبب كان البغدادي يدين بالولاء الظاهر للسلطة ، لكن ولاءه الواقعي للأولياء ، وفي طليعتهم أهل البيت ( عليهم السلام ) .
وقد اعترف هارون الرشيد بهذه الحقيقة فقال لابنه المأمون :
« أنا إمام الجماعة في الظاهر والغلبة والقهر ، وموسى بن جعفر إمام حق ، والله يا بني إنه لأحق بمقام رسول الله مني ومن الخلق جميعاً ! ووالله لو نازعتني هذا الأمر لأخذت الذي فيه عيناك ، فإن الملك عقيم » ! ( الإحتجاج : 2 / 165 ) .
وقد اعترف بهذه الحقيقة أبو نواس الذي هو رمز حياة اللهو والمجون ، فقال
في أهل البيت ( عليهم السلام ) كما في الطبري : 7 / 109 :
« مطهرون نقياتٌ ثيابهم * تجري الصلاةُ أينما ذكروا
من لم يكن علوياً حين تنسبه * فما له في قديم الدهر مفتخرُ
فالله لما برى خلقا فأتقنه * صفَّاكم واصطفاكم أيها البشرُ
فأنتم الملأ الأعلى وعندكم * علم الكتاب وما جاءت به السُّوَرُ
بل جمع أبو نواس بين لهو بغداد وولاء الأولياء في قوله ، كما في المناقب : 2 / 306 :
« ومدامةٍ من خمر حانةِ قَرْقَفٍ * صفراء ذات تلهُّب وتشعشعِ
رقَّت كدين الناصبي ، وقد صفت * كصفا الوليِّ الخاشعِ المتشيعِ
باكرتها وجعلت أنشق ريحها * وأمصُّ دَرتها كدَرة مرضعِ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 5 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
في فتية رفضوا العتيق ونعثلاً * وعنوا بأروعَ في العلوم مُشَفَّعِ
وتيقنوا أن ليس ينفع في غدٍ * غيرُ البطين الهاشمي الأنزعِ » .

فالبغدادي الماجن كالمؤمن ، يخضع للسلطة الظاهرية ، لكنه لا يعطي السلطان على قلبه إلا لأولياء الله تعالى ، ومن هنا كان لمشهد الإمام الكاظم ( عليه السلام ) قداسةٌ أجمع عليها البغداديون على اختلاف مذاهبهم ، بل على اختلاف أديانهم !
وبذلك كان اسم سيد بغداد إسماً طبيعياً للإمام الكاظم ( عليه السلام ) تؤيده الحقائق الكبيرة والنصوص الكثيرة ، التي تجدها في هذا البحث موثقة من أصح المصادر .
أما وصفه بأنه حامي بغداد وشفيعها ، فقد أخذناه من حديث لولده الإمام الرضا ( عليه السلام ) يقول فيه إن الله تعالى يدفع البلاء عن أهل بغداد ببركة قبر أبيه الإمام موسى الكاظم ( عليه السلام ) .
وقد بَيَّنَّا في فصول الكتاب أن ولاء البغداديين لأهل البيت ( عليهم السلام ) لم يبدأ بالإمام الكاظم ( عليه السلام ) لكنه تَتَوَّجَ به ، وأثبتنا عراقة وجود الشيعة في الكرخ وضواحي بغداد ، قبل تأسيسها كمدينة وعاصمة ، بأكثر من قرن .
ثم بحثنا في الفصل الثاني الروايات الواردة في مصادر الطرفين عن مستقبل بغداد ، التي تزعم أن جيش السفياني السوري يدمرها ، وبينا أنها موضوعة !
ثم سلطنا الضوء على تأسيس بغداد في القرن الثاني ، وشخصية مؤسسها المنصور العباسي ، ثم على شخصيات أولاده الخلفاء الذين عاصروا الإمام الكاظم ( عليه السلام ) ، وكل خلفاء بني العباس من أولاد المنصور .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 6 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وطبيعي أن لا يكون بحثنا لهؤلاء الخلفاء من زاوية إنجازاتهم وإيجابياتهم ، بل من الوجه الآخر وهو زاوية صراع الملوك التاريخي مع الأئمة الربانيين ، لأنهم يرون فيهم خطراً على ملكهم ، ويحسدونهم لمودة الناس لهم وعقيدتهم فيهم .
لذلك عقدنا بضعة عشر فصلاً ، تناولنا فيها شخصية المنصور العباسي ، ثم ابنه المهدي ، ثم ابنه موسى الهادي ، من زاوية خلافهم مع أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) .
وقد استوجب الموضوع أن نفصل البحث في شخصية هارون الرشيد وأهم وزرائه ، وأسباب عدائه للإمام الكاظم ( عليه السلام ) ، إلى أن أقدم على قتله .
وفي المقابل كشفنا معالم شخصية الإمام الكاظم ( عليه السلام ) الذي أُعجب به أعداؤه قبل أحبائه ، وتعلقت به قلوبهم ، لأنه من منظومة الإمامة الربانية ، الذين استجاب الله فيهم دعوة أبيهم إبراهيم ( عليه السلام ) : فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ .
رزقنا الله وجميع المسلمين شفاعة جدهم ( صلى الله عليه وآله ) وشفاعتهم ( عليهم السلام ) ، ووفقنا لزيارتهم .
كتبه : علي الكَوْرَاني العاملي
في الثاني عشر من محرم الحرام 1431
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 7 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الأول : عراقة الشيعة في بغداد

1 - مسجد براثا قبل بغداد بأكثر من قرن !

قال الحموي في معجم البلدان : 1 / 362 : « براثا : بالثاء المثلثة والقصر : محلة كانت في طرف بغداد في قبلة الكرخ وجنوبي باب محول ، وكان لها جامع مفرد تصلي فيه الشيعة » .
وفي أمالي الطوسي / 199 ، عن الإمام الباقر ( عليه السلام ) قال : « إن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) لما رجع من وقعة الخوارج اجتاز بالزوراء فقال للناس : إنها الزوراء فسيروا وجَنِّبوا عنها ، فإن الخسف أسرع إليها من الوتد في النخالة ، فلما أتى موضعاً من أرضها قال : ما هذه الأرض ؟ قيل أرض بحرا ، فقال : أرض سباخ ، جنبوا ويَمِّنوا . فلما أتى يمنة السواد فإذا هو براهب في صومعة له فقال له : يا راهب ، أنزلُ هاهنا ؟ فقال له الراهب : لا تنزل هذه الأرض بجيشك . قال : ولمَ ؟ قال : لأنه لا ينزلها إلا نبي أو وصي نبي بجيشه يقاتل في سبيل الله ، هكذا نجد في كتبنا . فقال له أمير المؤمنين : فأنا وصي سيد الأنبياء ( صلى الله عليه وآله ) وسيد الأوصياء . فقال له الراهب : فأنت إذن أصلع قريش ووصي محمد ؟ قال له أمير المؤمنين : أنا ذلك .
فنزل الراهب إليه فقال : خذ عليَّ شرائع الإسلام ، إني وجدت في الإنجيل نعتك ، وأنك تنزل أرض براثا بيت مريم وأرض عيسى ( عليه السلام ) !
فقال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : قف ولا تخبرنا بشئ ، ثم أتى موضعاً فقال : إلكزوا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 8 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
هذه ، فلكزه برجله ( عليه السلام ) فانبجست عين خرارة ، فقال : هذه عين مريم التي انبعثت لها ! ثم قال : اكشفوا هاهنا على سبعة عشر ذراعاً ، فكشف فإذا بصخرة بيضاء فقال علي ( عليه السلام ) : على هذه وضعت مريم عيسى من عاتقها وصلت هاهنا ؟
فنصب أمير المؤمنين ( عليه السلام ) الصخرة وصلى إليها ، وأقام هناك أربعة أيام يتم الصلاة ، وجعل الحرم في خيمة من الموضع على دعوة ( مسافة قريبة ) ثم قال : أرض براثا ، هذا بيت مريم ( عليها السلام ) هذا الموضع المقدس صلى فيه الأنبياء ( عليهم السلام ) » !
وفي من لا يحضره الفقيه : 1 / 232 : « وأما مسجد براثا ببغداد ، فصلى فيه أمير المؤمنين ( عليه السلام ) لما رجع من قتال أهل النهروان » .
وفي تهذيب الأحكام : 3 / 264 ، أن الراهب قال : « إنما بنيت هذه الصومعة من أجل هذا الموضع وهو براثا ، وقرأت في الكتب المنزلة أنه لا يصلي في هذا الموضع بذا الجمع إلا نبي أو وصي نبي ، وقد جئت أن أسلم ، فأسلم فخرج معنا إلى الكوفة فقال له علي ( عليه السلام ) : فمن صلى هاهنا ؟ قال : صلى عيسى بن مريم وأمه . فقال له علي ( عليه السلام ) : أفأفيدك من صلى هاهنا ؟ قال : نعم قال : الخليل ( عليه السلام ) » .
وفي مناقب آل أبي طالب : 2 / 100 : « قال أمير المؤمنين : فاجلس يا حباب ، قال : وهذه دلالة أخرى ، ثم قال : فانزل يا حباب من هذه الصومعة وابن هذا الدير مسجداً ، فبنى حباب الدير مسجداً ، ولحق أمير المؤمنين ( عليه السلام ) إلى الكوفة ، فلم يزل بها مقيماً حتى قتل أمير المؤمنين ( عليه السلام ) فعاد حباب إلى مسجده ببراثا .
وفي رواية أن الراهب قال : قرأت أنه يصلي في هذا الموضع إيليا ، وصي البارقليطا محمد نبي الأميين ، الخاتم لمن سبقه من أنبياء الله ورسله ( عليهم السلام ) ، في كلام
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 9 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كثير ، فمن أدركه فليتبع النور الذي جاء به » .
وفي عيون المعجزات / 2 : « لما رجع أمير المؤمنين ( عليه السلام ) من قتال أهل النهروان أخذ على النهروانات وأعمال العراق ، ولم يكن يومئذ بنيت بغداد . . الخ . » .
وفي اليقين لابن طاووس / 421 : « فقال له أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : وأين تأوي ؟ فقال : أكون في قلاية ( صومعة ) لي هاهنا . فقال له أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : بعد يومك هذا لا تسكن فيها ، ولكن ابن هاهنا مسجداً وسمه باسم بانيه فبناه رجل اسمه براثا ، فسمي المسجد ببراثا باسم الباني له . ثم قال : ومن أين تشرب يا حباب ؟ فقال : يا أمير المؤمنين ، من دجلة هاهنا . قال : فلم لا تحفر هاهنا عيناً أو بئراً ؟ فقال له : يا أمير المؤمنين ، كلما حفرنا بئراً وجدناها مالحة غير عذبة ! فقال له أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : إحفر هاهنا بئراً فحفر فخرجت عليهم صخرة لم يستطيعوا قلعها . فقلعها أمير المؤمنين فانقلعت عن عين أحلى من الشهد وألذ من الزبد ، فقال له : يا حباب ، يكون شربك من هذه العين . أما إنه يا حباب ستبني إلى جنب مسجدك هذا مدينة وتكثر الجبابرة فيها ويعظم البلاء » .
أقول : دل هذا الحديث وغيره على أن إبراهيم ( عليه السلام ) صلى في موضع براثا ، واشترى أرض كربلاء وسماها كربلاء . وعلى أن مريم ( عليها السلام ) عاشت سنوات من تشريدها مع ابنها عيسى ( عليه السلام ) في العراق ، ويفهم من روايات سيرتها ( عليها السلام ) أن اليهود والرومان ضايقوها فاضطرت إلى الهجرة وبقيت مع ابنها في الشام ومصر والعراق نحو ثلاثين سنة ، ثم أمر الله عيسى ( عليه السلام ) فرجع إلى القدس ودعا الناس حتى حاولوا قتله فرفعه الله تعالى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 10 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

2 - مقبرة براثا

في كامل الزيارات / 546 ، بسنده عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) قال : « إن إلى جانبكم مقبرة يقال لها : براثا ، يحشر منها عشرون ومائة ألف شهيد كشهداء بدر » .
وفي تاريخ بغداد : 1 / 134 : « وبنواحي الكرخ مقابر عدة ، منها مقبرة باب الكناس مما يلي براثا ، دفن فيها جماعة من كبراء أصحاب الحديث » .

3 - كان سكان الكرخ شيعة قبل تأسيس بغداد

كانت الكرخ قرية عامرة قبل تأسيس بغداد وكان فيها شيعة ، ففي بصائر الدرجات / 355 ، أن الإمام الصادق ( عليه السلام ) سأل إبراهيم الكرخي : « يا إبراهيم أين تنزل من الكرخ ؟ قلت : في موضع يقال له شادروان ، قال فقال لي : تعرف قَطَفْتَا ؟ قال : إن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) حين أتى أهل النهروان نزل قطفتا ، فاجتمع إليه أهل بادرويا ، فشكوا إليه ثقل خراجهم وكلموه بالنبطية ، وأن لهم جيراناً أوسع أرضاً وأقل خراجاً ، فأجابهم بالنبطية : ( وغرزطا من عود يا ) قال فمعناه : رب رجز صغير خير من رجز كبير » . ومعنى الرجز هنا السهم من الأرض .
وتدل النصوص على أن قطفتا وبادرويا وشادروان والكرخ ، كانت قرى كبيرة عامرة ، وعبر عن بعضها بمدينة . وترجمت المصادر الرجالية لعدد من الكرخيين في أصحاب الإمام الصادق ( عليه السلام ) غير إبراهيم المذكور ، وفيهم علماء مؤلفون .
وفي الكافي : 5 / 141 ، و 268 ، عن إبراهيم الكرخي قال : سألت أبا عبد الله ( عليه السلام ) عن الرجل تكون له الضيعة الكبيرة فإذا كان يوم المهرجان أو النيروز أهدوا إليه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 11 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الشئ ليس هو عليهم يتقربون بذلك إليه . . . قلت لأبي عبد الله ( عليه السلام ) : أشارك العلج فيكون من عندي الأرض والبذر والبقر ويكون على العلج القيام والسقي والعمل في الزرع حتى يصير حنطة وشعيراً وتكون القسمة ، فيأخذ السلطان حقه ويبقى ما بقي على أن للعلج منه الثلث ولي الباقي ، قال : لا بأس بذلك » .
وذكر في الكافي : 3 / 529 ، خالد بن الحجاج الكرخي ، روى عن الصادق ( عليه السلام ) .
وقال الحموي في معجم البلدان : 4 / 448 : « والأشعار في الكرخ كثيرة جداً ، وكانت الكرخ أولاً في وسط بغداد والمحال حولها ، فأما الآن فهي محلة وحدها مفردة في وسط الخراب وحولها محال . . وأهل الكرخ كلهم شيعة إمامية ، لا يوجد فيهم سني البتة » .

4 - معروف الكرخي ليس من كرخ بغداد

قال الحموي في معجم البلدان : 4 / 449 : « كرخ جُدَّان : بضم الجيم ، وسمعت بعضهم يفتحها والضم أشهر والدال مشددة وآخره نون . زعم بعض أهل الحديث أن كرخ باجدا وكرخ جدان واحد ، وليس بصحيح ، فأما باجدا فهو كرخ سامرا ، وأما كرخ جدان فإنه بليدة في آخر ولاية العراق يُنَاوح خانقين عن بعد ، وهو الحد بين ولاية شهرزور والعراق ، وإلى هذا الكرخ ينسب الشيخ معروف الكرخي بن الفيرزان أبو محفوظ ، وأخوه عيسى بن الفيرزان » .
وفي الأنساب للسمعاني : 5 / 50 : « هذه النسبة إلى عدة مواضع اسمها الكرخ . . . ومنها إلى كرخ باجدا ، قرية بنواحي العراق منها معروف بن الفيرزان الكرخي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 12 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أبو محفوظ ، المشتهر . وأخوه عيسى بن الفيرزان الكرخي ، حكى عن أخيه معروف . . . حدثني عنه أبو العلاء الحافظ بأصبهان قال : سمعت خلفاً الكرخي المجهز يقول : نحن من كرخ باجدا ، منها معروف الكرخي ، وبيته معروف يزار إلى اليوم . . . وكان أحد المجتهدين المشهورين بالزهد والعزوف عن الدنيا ، يغشاه الصالحون ويتبرك بلقائه العارفون . وكان يوصف بأنه مجاب الدعوة ، ويحكى عنه كرامات . . ومات في سنة مائتين » .

5 - من تاريخ مظالم الشيعة في بغداد

تكاثر الشيعة في بغداد ولم تمنعهم عداوة المنصور العباسي من ذلك ، وعمرت بغداد بسرعة وسكنها علماء وشخصيات ، وكان ثقل الشيعة في الكرخ التي اتسعت وصارت محلة كبيرة من بغداد حتى اتصلت ببراثا ، وصار مسجد براثا مركزاً علمياً وعبادياً واجتماعياً للشيعة ، ومَعْلَماً من معالم بغداد .
ولم تسلم براثا من حملات المتعصبين فكان فيها وفي الكرخ أحداث ، رواها المؤرخون .
قال السيد محمد الكثيري في كتابه : السلفية بين أهل السنة والإمامية / 619 ، ما خلاصته : « يقول ابن كثير في حوادث سنة 354 : ثم تسلطت أهل السنة ( الحنابلة ) على الروافض فكبسوا مسجدهم براثا الذي هو عش الروافض ، وقتلوا بعض من كان فيه من القومة ! وفيها أحرق الكرخ ببغداد فألقي في دورهم النار فاحترقت طائفة كثيرة من الدور والأموال ، من ذلك ثلاث مائة دكان وثلاثة وثلاثون مسجداً ، وسبعة عشر ألف إنسان ! وعند ابن خلدون عشرون ألف إنسان !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 13 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أنظر لهذه الهمجية اللا إنسانية واللا دينية !
مثال آخر لإهدار الدم الشيعي المسلم : فقد ذكر ابن الأثير في حوادث سنة 363 : ثارت العامة من أهل السنة ينصرون سبكتكين لأنه كان يتسنن ، فخلع عليهم وجعل لهم العرفاء والقواد ، فثاروا بالشيعة ، وحاربوهم وسفكت بينهم الدماء وأحرقت الكرخ حريقاً ثانياً ، وظهرت السنة عليهم .
ويقول ابن كثير في حوادث سنة 375 : فيها في عاشوراء عملت البدعة الشنعاء على عادة الروافض ، ووقعت فتنة عظيمة ببغداد بين أهل السنة ( الحنابلة ) والرافضة ، وكلا الفريقين قليل عقل أو عديمه بعيد عن السداد . وذلك أن جماعة من أهل السنة أركبوا امرأة وسموها عائشة ، وتسمى بعضهم بطلحة وبعضهم بالزبير وقالوا : نقاتل أصحاب علي ! فقتل من الفريقين خلق كثير !
وفي سنة 389 : أرادت الشيعة أن يصنعوا ما كانوا يصنعونه من الزينة يوم غدير خم ، وهو اليوم الثامن عشر من ذي الحجة ، فقاتلهم جهلة آخرون من المنتسبين إلى السنة فادعوا أنه في مثل هذا اليوم حصر النبي ( ص ) وأبو بكر في الغار .
وفي هذا السياق نفسه يقول ابن كثير في حوادث سنة 389 : ولما كانت الشيعة يصنعون في يوم عاشوراء مأتماً يظهرون فيه الحزن على الحسين بن علي ، قابلتهم طائفة أخرى من جهلة السنة فادعوا إن في اليوم الثاني عشر من المحرم قتل مصعب بن الزبير ، فعملوا له مأتماً كما تعمل الشيعة للحسين !
إن النصوص التاريخية التي وصفت الفتن لا تترك مجالاً لأي قارئ أو باحث ، أن يشك في أن الحنابلة كانوا هم السابقين دائماً لإثارة الفتن والتهجم على الشيعة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 14 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يراقبونهم ويتتبعون جميع تصرفاتهم وعبادتهم ! فأي فعل أو قول يخالف المذهب الحشوي يعني الابتداع والكفر ، ومن ثَم الهجوم فالقتل » ! انتهى .
ومما يؤيد كلام الكثيري أن فتنة الحنابلة المجسمة كانت مع غير الشيعة أيضاً كالطبري الفقيه المؤرخ ، فقد هاجموا داره ورجموه ، ولما مات منعوا دفنه في مقابر المسلمين ، ( معجم الأدباء : 9 / 57 ) . كما أخرجوا ابن حبان من سجستان لأنه أنكر أن يكون الله تعالى محدوداً ! قال السبكي : من أحق بالإخراج : مَن يجعل ربه محدوداً أو من ينزهه عن الجسمية ؟ ! » ( المجروحين لابن حبان ، والعقائد الإسلامية : 2 / 265 ) .
وهاجموا أئمة المذاهب في المدرسة النظامية ، قال ابن كثير في النهاية ( 12 / 143 ) : « ثم دخلت سنة سبعين وأربع مائة . . . وفي شوال منها وقعت فتنة بين الحنابلة وبين فقهاء النظامية ، وحمي لكل من الفريقين طائفة من العوام ، وقتل بينهم نحو من عشرين قتيلاً ، وجرح آخرون » !
وفي النجوم الزاهرة : 5 / 59 : « سنة ثمان وأربعين وأربع مائة . أقيم الأذان في مشهد موسى بن جعفر ومساجد الكرخ ، بالصلاة خير من النوم ، على رغم أنف الشيعة ! وأزيل ما كانوا يقولونه في الأذان من حي على خير العمل » .
وفي تاريخ الذهبي : 30 / 9 : « سنة ثلاث وأربعين وأربع مائة ، فلما كان في ربيع الآخر خطب ( وزير الخليفة ) بجامع براثا مأوى الشيعة ، وأسقط من الأذان حي على خير العمل ، ودق الخطيب المنبر بالسيف ، وذكر في خطبته العباس » .
هذا ، وقد وصف ابن كثير سيطرة السلاجقة على بغداد ، وفرضهم مذهبهم ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 15 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ومصادرتهم الحرية المذهبية التي كانت زمن الدولة البويهية الشيعية ! فقال في النهاية : 12 / 86 : « وفيها أُلْزِمَ الروافض بترك الأذان بحي على خير العمل ، وأمروا أن ينادي مؤذنهم في أذان الصبح بعد حي على الفلاح : الصلاة خير من النوم مرتين ، وأزيل ما كان على أبواب مساجدهم من كتابة : محمد وعلي خير البشر ، ودخل المنشدون من باب البصرة إلى باب الكرخ ينشدون بالقصائد التي فيها مدح الصحابة ! وذلك أن نَوْءَ الرافضة اضمحل لأن بني بُويَهْ كانوا حكاماً وكانوا يقوونهم وينصرونهم ، فزالوا وبادوا وذهبت دولتهم وجاء بعدهم قوم آخرون من الأتراك السلجوقية الذين يحبون أهل السنة ويوالونهم ويرفعون قدرهم ، والله المحمود أبداً على طول المدى . وأمر رئيس الرؤساء الوالي بقتل أبي عبد الله بن الجلاب شيخ الروافض ، لما كان يتظاهر به من الرفض والغلو فيه ، فقتل على باب دكانه ، وهرب أبو جعفر الطوسي ونهبت داره » ! انتهى .
وهكذا يحمدون الله على توفيقهم لظلم الناس ، وإكراههم على الأذان والعبادة على مذهبهم ، ويفتخرون بقتل أحد علماء الشيعة وصلبه على باب دكانه ، واضطرار مرجع الشيعة إلى الهرب من بغداد إلى النجف ! وقد تأسفوا لأنهم لم يستطيعوا قتله ، لكنهم نهبوا داره ومكتبته !
وفي مقابل هذا القمع الحنبلي لم يسجِّل الرواة أن الشيعة أجبروا أحداً على صلاتهم ومذهبهم ، أو قتلوا علماء السنة عندما كانت لهم كلمة ، كما في دولة البويهيين ، ودولة الخليفة الناصر العباسي الشيعي ، ودولة السلاطين المغول الشيعة ، بل احترموا علماء المذاهب وعامتهم ! وبهذا صح قول ابن الصيفي :
فحسبكمُ هذا التفاوتُ بيننا وكل إناءٍ بالذي فيه يَنْضَحُ .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 16 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

6 - من العوائل الشيعية في بغداد

آل يقطين : في رجال النجاشي / 273 : « علي بن يقطين بن موسى البغدادي ، سكنها وهو كوفي الأصل ، مولى بني أسد ، أبو الحسن ، و كان أبوه يقطين بن موسى داعية ( للعباسيين ) طلبه مروان ( الحمار ) فهرب . وولد علي بالكوفة سنة أربع وعشرين ومائة ، وكانت أمه هربت به وبأخيه عبيد إلى المدينة حتى ظهرت الدولة رجعت . مات سنة اثنتين وثمانين ومائة في أيام موسى بن جعفر ( عليه السلام ) » .
وفي فهرست ابن النديم / 279 : « وهربت أم علي به وبأخيه عبيد بن يقطين إلى المدينة فلما ظهرت الدولة الهاشمية ظهر يقطين وعادت أم على بعلي وعبيد . فلم يزل يقطين في خدمة أبي العباس وأبي جعفر ( المنصور ) ومع ذلك يرى رأى آل أبي طالب ويقول بإمامتهم ، وكذلك ولده . وكان يحمل الأموال إلى جعفر بن محمد بن علي والألطاف ، ونمَّ خبره إلى المنصور والمهدي فصرف الله عنهم كيدهما . وتوفي علي بن يقطين بمدينة السلام سنة اثنتين وثمانين ومائة ، وسِنُّهُ سبع وخمسون سنة ، وصلى عليه ولي العهد محمد بن الرشيد . وتوفي أبوه بعده في سنة خمس وثمانين ومائة . ولعلي بن يقطين ، كتاب ما سئل عنه الصادق من أمور الملاحم . كتاب مناظرته للشاك بحضرة جعفر » .
وفي ذيل تاريخ بغداد : 4 / 202 : « وكانت له وصلة بعيال جعفر بن محمد الصادق ، فأتت منزله بابنيها ، فاستدنى جعفر علياً وأقعده على حجره ومسح على رأسه . فلما ظهر بنو العباس ظهر يقطين وعادت أم علي بعلي وعبيد . . . ولما نقل المهدي إلى الرصافة صُيِّرَ في حجر يقطين ، فنشأ المهدي وعلي بن يقطين كأنهما أخوان ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 17 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فلما أفضت الخلافة إلى المهدي استوزر علي بن يقطين وقدمه ، وجعله على ديوان الزمام وديوان البسر والخاتم ، فلم يزل في يده حتى توفى المهدي وأفضى الأمر إلى الهادي ، فأقره على وزارته ولم يشرك معه أحداً من أمره ، إلى أن توفي الهادي وصار الأمر إلى الرشيد فأقره شهراً ، ثم صرفه بيحيى بن خالد البرمكي » .
وقال العلامة في الخلاصة / 174 : « علي بن يقطين بن موسى البغدادي ، سكن بغداد وهو كوفي الأصل ، روى عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) حديثاً واحداً ، وروى عن أبي الحسن موسى ( عليه السلام ) فأكثر ، وكان ثقة جليل القدر ، له منزلة عظيمة عند أبي الحسن ( عليه السلام ) ، عظيم المكان في هذه الطائفة . قال أبو عمرو الكشي : علي بن يقطين مولى بني أسد وكان يبيع الأبزار وهي التوابل ، ومات في زمن أبي الحسن موسى وأبو الحسن ( عليه السلام ) محبوس سنة ثمانين ومائة . . . عن داود الرقي قال : دخلت على أبي الحسن ( عليه السلام ) يوم النحر فقال مبتدئاً : ما عرض في قلبي أحد وأنا في الموقف إلا علي بن يقطين ، فإنه ما زال معي وما فارقني حتى أفضت » !
وقال السيد الخوئي في المعجم : 13 / 242 ، ملخصاً : « علي بن يقطين ( رحمه الله ) ثقة جليل القدر ، له منزلة عظيمة عند أبي الحسن موسى ( عليه السلام ) عظيم المكانة في الطائفة . . .
ولعلي بن يقطين رضي الله عنه كتب منها : كتاب ما سأل عنه الصادق ( عليه السلام ) من الملاحم ، وكتاب مناظرة الشاك بحضرته ( عليه السلام ) ، وله مسائل عن أبي الحسن موسى بن جعفر ( عليه السلام ) أخبرنا بكتبه ومسائله ، الشيخ المفيد ( رحمه الله ) والحسين بن عبيد الله . . .
وعده ابن شهرآشوب من خواص أصحاب الكاظم ( عليه السلام ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 18 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
سمعت مشايخ أهل بيتي يحكون أن علياً وعبيداً ابني يقطين ، أدخلا على أبي عبد الله ( عليه السلام ) فقال : قربوا مني صاحب الذؤابتين وكان علياً ، فقرب إليه فضمه إليه ودعا له بالخير .
لما قدم أبو إبراهيم موسى بن جعفر ( عليه السلام ) العراق ، قال له علي بن يقطين : أما ترى حالي وما أنا فيه ؟ فقال : يا علي إن لله تعالى أولياء مع أولياء الظلمة ليدفع بهم عن أوليائه وأنت منهم يا علي !
قال أبو الحسن ( عليه السلام ) لعلي بن يقطين : إضمن لي خصلة أضمن لك ثلاثاً ، فقال علي : جعلت فداك ، وما الخصلة التي أضمنها لك وما الثلاث اللواتي تضمنهن لي ؟ قال : فقال أبو الحسن ( عليه السلام ) : الثلاث اللواتي أضمنهن لك أن لا يصيبك حر الحديد أبداً بقتل ، ولا فاقة ، ولا سقف سجن ، قال : فقال علي : وما الخصلة التي أضمنها لك ؟ قال : فقال : يا علي ، وأما الخصلة التي تضمن لي أن لا يأتيك ولي أبداً إلا أكرمته ، قال : فضمن له علي الخصلة وضمن له أبو الحسن الثلاث .
وقال أبو الحسن ( عليه السلام ) : إن لله مع كل طاغية وزيراً من أوليائه يدفع به عنهم » .
آل نوبخت : كان المنصور عاملاً لابن المهلب على خراج بليدة في الأهواز كما ذكر الذهبي ، فكسر الخراج أي سرقه ، فحبسه ابن المهلب ! وتعرَّف في السجن على نوبخت المنجم جد آل نوبخت البغداديين . ( تاريخ بغداد : 10 / 53 ) .
وفي تاريخ بغداد : 10 / 56 ، وتاريخ دمشق : 32 / 53 ، وسير الذهبي : 7 / 88 ، أن نوبخت أخبر المنصور بأنه سيحكم بلاد المسلمين ، فاستبشر المنصور بذلك وكتب له : « بسم الله الرحمن الرحيم ، يا نوبخت إذا فتح الله على المسلمين وكفاهم مؤونة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 19 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الظالمين ورد الحق إلى أهله ، لم نغفل ما يجب من حق خدمتك إيانا . وكتب أبو جعفر . قال نوبخت : فلما ولي الخلافة صرت إليه فأخرجت الكتاب ، فقال : أنا له ذاكر ولك متوقع ، فالحمد لله الذي صدق وعده وحقق الظن .
وجعله المنصور منجمه الخاص بمرتبة وزرائه ، وأقطعه محلة النوبختية ببغداد ، وهي منطقة سوق الشورجة . وكان منهم وزراء وعلماء وأطباء ومنجمون ومترجمون إلى العربية : « وفي القرنين الثالث والرابع كان لكثير من النوبختية الشيعة نفوذ كبير في الدولة العباسية ، منهم : الحسين بن علي بن العباس ، الذي كان يتولى الكتابة للأمير أبي بكر محمد بن رائق ، وكان في مرتبة الوزراء ببغداد ، مدبر الأمور حاكماً على الدولة . وقال الذهبي في علي بن عباس النوبختي : رئيس ولي وكالة المقتدر توفي 324 . ( مجلة تراثنا : 55 / 211 ) .
وفي هامش الذريعة : 1 / 69 : « آل نوبخت بيت جليل من متكلمي الإمامية ، جدهم نوبخت كان من الفرس ومن أفاضل المنجمين صاحب المنصور الدوانيقي ، وقام مقامه ولده الذي غير المنصور اسمه وسماه بأبي سهل ، وكان الفضل بن أبي سهل هذا صاحب التصانيف وخازن كتب دار الحكمة للرشيد ، وقام مقامه ولده إسحاق بن الفضل ، وله ولدان إبراهيم بن إسحاق صاحب الياقوت وعلي بن إسحاق الذي ذكر في رجال الشيخ أنه من أصحاب الرضا والجواد وبقي إلى عصر الهادي ( عليهم السلام ) .
وأما إسماعيل بن علي صاحب إبطال القياس ، فقد صنف في فنون العلوم أكثر من ثلثين كتاباً ذكرها ابن النديم . وقال النجاشي إنه شيخ المتكلمين من
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 20 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أصحابنا لقي العسكري ( عليه السلام ) وروى عنه وحضر وفاته سنة 260 ، وهو خال الحسن بن موسى النوبختي صاحب الفرق والمطبوع غير مرة ، وتخرج عليه جماعات كأبي الجيش المظفر بن محمد البلخي وأبي الحسن الناشي والحمدوني والسوسنجردي وغيرهم . وهو الذي أظهر كذب الحسين بن منصور الحلاج ومحمد بن علي الشلمغاني » .
وقد نبغ من آل نوبخت علماء كبار وأولياء ، وكان منهم ولي الله أبو القاسم الحسين بن روح بن أبي بحر النوبختي ( قدس سره ) السفير الثالث للإمام المهدي صلوات الله عليه ، وستأتي ترجمته . ( راجع في بني نوبخت : فهرست ابن النديم / 225 و 333 ، والشيعة وفنون الإسلام / 68 ، وتهذيب المقال : 2 / 195 ، وأعيان الشيعة : 2 / 93 ) .
آل فرات ، وهم من العوائل المعروفة البارزة في بغداد وكان منهم رئيس وزراء وكذا الباقطانيون ، وكذا آل بسطام الجعفيين ويقال لهم بنو سبرة ، وكذا آل حمدان التغلبيين أمراء الموصل وحلب ، وكان بعضهم في بغداد ، ثم آل مقلة ، ومنهم الخطاط المشهور علي بن مقلة ، الذي طور الخط العربي .
وفي نشوار المحاضرة / 1066 ، دافع الوزير ابن الفرات عن إعطائه مناصب كبيرة للشيعة بأنهم أكفأ من غيرهم ، قال : « يتمعضني الناس بتعطيلي مشايخ الكتاب وتفريقي الأعمال على آل بسطام وآل نوبخت ، والله لولا أنه لا يحسن تعطيل نفر من العمال وقد قلدتهم ، لما استعملت في الدنيا إلا آل نوبخت دون غيرهم . قال أبو الحسين : وإنما كان يتعصب لآل بسطام لرياسة أبي العباس عليه وللمذهب ، ويتعصب لآل نوبخت للمذهب » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 21 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

7 - المراسم الدينية عند الشيعة في بغداد

تكاثر الوجود الشيعي في بغداد مع سرعة عمرانها ، فسكن فيها كثير من شيعة الكوفة والمدينة وبلاد الشام وإيران ، ولم يمض قرن من الزمان حتى صاروا مع الشيعة السابقين جمهوراً واسعاً ، وبرزت منهم شخصيات علمية وسياسية .
وكانت أهم مواسمهم الدينية زيارة الإمام موسى الكاظم والجواد ( عليهما السلام ) في بغداد وزيارة الإمام الحسين ( عليه السلام ) في كربلاء . وكانوا يقيمون مراسم عاشوراء في محلاتهم فيعطلون أسواقهم ويرفعون أعلام السواد ، ويعقدون مجالس التعزية ، ينشدون فيها الشعر ويقرؤون فيها سيرة الحسين ( عليه السلام ) ومقتله .
وكان ذلك يثير المتعصبين فيعملون لمنع إقامة المآتم والزيارة ، ويحركون الحكومة ضدهم لتمنعهم ، فكانت تمنع إقامة مراسم عاشوراء في بعض السنوات فتحدث مصادمات بين الشرطة والشيعة . وكانت أحياناً لا تستجيب للحنابلة فيتصدون هم لمنعها بالقوة ، فتحدث مصادمات بينهم وبين الشيعة !
وكان مجسمة الحنابلة يكايدون الشيعة ، فيعلنون الفرح في محلاتهم ببغداد يوم عاشوراء ! تقليداً لبني أمية الذين جعلوه عيداً واحتفلوا فيه ، وأفتوا باستحباب توزيع الحلوى والتوسعة على العيال ، وأفتوا بصيامه شكراً لله على انتصار يزيد على الحسين ( عليه السلام ) ووضعوا أحاديث باستحباب الفرح يوم عاشوراء !
قال العجلوني في كشف الخفاء : 2 / 234 : « من اكتحل بالإثمد يوم عاشوراء لم ترمد عيناه ، رواه الحاكم والبيهقي في شعبه والديلمي عن ابن عباس ، رفعه . وقال الحاكم : منكر ، وقال في المقاصد : بل موضوع . وقال في اللآلئ بعد أن رواه عن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 22 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ابن عباس من طريق الحاكم : حديث منكر ! والإكتحال لا يصح فيه أثر فهو بدعة ، وأورده ابن الجوزي في الموضوعات ، وقال الحاكم أيضاً : الاكتحال يوم عاشوراء لم يرو عن النبي ( ص ) فيه أثر ، وهو بدعة ابتدعها قتلة الحسين رضي الله عنه وقبحهم . نعم رواه في الجامع الصغير بلفظ : من اكتحل بالإثمد يوم عاشوراء لم يرمد أبداً . . وقال ابن رجب في لطائف المعارف : كل ما روى في فضل الاكتحال والإختضاب والاغتسال فيه موضوع لم يصح » .
ونص أحد فقهاء السنة على أن الفرح بعاشوراء بدعةٌ من يزيد وابن زياد !
قال البكري الدمياطي في إعانة الطالبين : 2 / 301 : « قال العلامة الأجهوري : أما حديث الكحل فقال الحاكم إنه منكر ، وقال ابن حجر إنه موضوع ، بل قال بعض الحنفية إن الاكتحال يوم عاشوراء لما صار علامةً لبغض آل البيت وجب تركه . قال : وقال العلامة صاحب جمع التعاليق : يكره الكحل يوم عاشوراء ، لأن يزيداً وابن زياد اكتحلا بدم الحسين هذا اليوم ، وقيل بالإثمد ، لتقر عينهما بفعله » !
فكان حنابلة بغداد المتعصبون ومعهم بعض المسؤولين العباسيين يقلدون بني أمية في الفرح يوم عاشوراء !
ثم رأى أتباع بني أمية أن عملهم شماتة مفضوحة بآل النبي ( صلى الله عليه وآله ) فاخترعوا صوم يوم عاشوراء شكراً لله على نجاة بني إسرائيل ليغطوا به على عيد يزيد ! ودونوه في صحيح بخاري ومسلم : « كان أهل خيبر يصومون يوم عاشوراء يتخذونه عيداً ويلبسون نساءهم فيه حليهم وشارتهم ! فقال رسول الله ( ص ) : فصوموه أنتم » ( مسلم : 3 / 150 ، ونحوه بخاري : 2 / 251 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 23 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والى الآن ما زلنا نرى في السعودية صوم الشكر ومظاهر الفرح بإقامة الأعراس في يوم عاشوراء ! وكل ذلك إرثٌ من بني أمية ومجسمة حنابلة بغداد !
وقد سجل المؤرخون حدوث اضطرابات سنوية في بغداد بسبب اعتداء الحنابلة أو السلطة على الشيعة لمنعهم من إقامة مراسم عاشوراء ، أو منعهم من زيارة الإمامين الكاظم والجواد ( عليهما السلام ) في بغداد ، والحسين ( عليه السلام ) في كربلاء .
قال الذهبي في تاريخه : 26 / 17 : « أحداث سنة أربع وخمسين وثلاث مائة : فيها عمل يوم عاشوراء ببغداد مأتم الحسين كالعام الماضي » .
وقال في حوادث سنة 355 : « أقيم المأتم يوم عاشوراء ببغداد على العادة » .
وقال في حوادث 382 : « فمنع أهل الكرخ وباب الطاق من النوح يوم عاشوراء ومن تعليق المسوح ( شعارات السواد ) ، كان كذلك يعمل من نحو ثلاثين سنة » .
« في عاشوراء أغلق أهل الكرخ أسواقهم ، وعلقوا عليها المسوح وناحوا ، وذلك لأن السلطان انحدر عنهم فوقع القتال بينهم وبين السنة ثم أنزل المسوح وقتل جماعة » . ( تاريخ الذهبي : 29 / 5 ) .
« تقدم إلى أهل الكرخ أن لا يعملوا مأتماً يوم عاشوراء فأخلفوا ، وجرى بين أهل السنة والشيعة ما زاد على الحد من القتل والجراحات » . ( تاريخ الذهبي : 30 / 5 ) .
« وفي يوم عاشوراء أغلق أهل الكرخ الدكاكين وعلقوا المسوح ، وأقاموا المأتم على الحسين ، وجددوا ما بطل من مدة . فقامت عليهم السنة ، وخرج مرسوم الخليفة بإبطال ذلك ، وحبس جماعة مدة أيام » . ( تاريخ الذهبي : 30 / 291 ) .
وقال في الكامل في حوادث سنة 358 : « وفيها عمل أهل باب البصرة يوم السادس
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 24 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والعشرين من ذي الحجة زينة عظيمة وفرحاً كثيراً ، وكذلك عملوا ثامن عشر المحرم مثل ما يعمل الشيعة في عاشوراء ، وسبب ذلك أن الشيعة بالكرخ كانوا ينصبون القباب وتعلق الثياب للزينة اليوم الثامن عشر من ذي الحجة ، وهو يوم الغدير ، وكانوا يعملون يوم عاشوراء من المأتم والنوح وإظهار الحزن ما هو مشهور ، فعمل أهل باب البصرة في مقابل ذلك بعد يوم الغدير بثمانية أيام مثلهم ، وقالوا هو يوم دخل النبي ( ص ) وأبو بكر الغار ، وعملوا بعدة عاشورا بثمانية أيام مثل ما يعملون يوم عاشوراء ، وقالوا هو يوم قتل مصعب بن الزبير » .
وفي تاريخ الذهبي : 39 / 5 : « ظهر في أيام عاشوراء من الرفض ببغداد أمر عظيم حتى سبوا الصحابة ، وكانوا في الكرخ إذا رأوا مكحلاً ضربوه » .
ولم يذكر الذهبي أن المكحلين والمخضبين كانوا من مجسمة الحنابلة يأتون إلى أحياء الشيعة للتحدي ، فقد روى الصفدي في الوافي ( 11 / 300 ) قول أبي الحسين الجزار :

« ويعود عاشوراء يذكرني * رزء الحسين فليت لم يعدِ
فليتَ عيناً فيه قد كُحلتْ * بمسَرَّةٍ لم تَخْلُ من رمدِ
ويداً به لشماتةٍ خُضِبَتْ * مقطوعةً من زندها بيدي »

ثم أخذت السلطة تستدعي علماء سنيين معتدلين للخطابة في بغداد ، ليجمعوا الشيعة والسنة على حب أهل البيت ( عليهم السلام ) والترضي على أبي بكر وعمر ، وقد سجل المؤرخون خبر مجالس ابن الجوزي الكبيرة ، الذي كان يروي فيها مناقب أهل البيت ( عليهم السلام ) ويترضى عن الشيخين وعن الإمام الحسين ( عليه السلام ) ويلعن يزيد ومن شاركه في قتل الحسين ( عليه السلام ) ، وقد ألف كتاباً في جواز لعن يزيد .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 25 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال ابن الجوزي عن سنة 568 : « جلست يوم عاشوراء بجامع المنصور ، فحضر من الجمع ما حزر بمائة ألف » ( تاريخ الذهبي : 39 / 43 ) . وقال : « تقدم إليَّ بالجلوس تحت المنظرة ، فتكلمت في ثالث المحرم والخليفة حاضر ، وكان يوماً مشهوداً . ثم تقدم إليَّ بالجلوس يوم عاشوراء فكان الزحام شديداً زائداً على الحد ، وحضر أمير المؤمنين » . ( تاريخ الذهبي : 40 / 5 ) .
ولم تعجب هذه المجالس الذهبي فقال في تاريخه ( 41 / 368 ) عن أحمد بن إسماعيل بن يوسف القزويني ، إمام الشافعية : « قال ابن النجار : كان رئيس أصحاب الشافعي وكان إماماً في المذهب والخلاف والأصول والتفسير والوعظ . . . وكان يجلس بالنظامية وبجامع القصر ويحضر مجلسه أمم . . ولما ظهر التشيع في زمان ابن الصاحب التمس العامة منه يوم عاشوراء على المنبر أن يلعن يزيد فامتنع ، ووثبوا عليه بالقتل مرات فلم يُرَعْ ولا زلَّ له لسان ولا قدم وخلص سليماً . وفي أيام مجد الدين بن الصاحب صارت بغداد كالكرخ وجماعة من الحنابلة تشيعوا ، حتى أن ابن الجوزي صار يسجع ويلغز إلا رضي الدين القزويني فإنه تصلب في دينه وتشدد »
يقصد الذهبي أن ابن الجوزي مال إلى الشيعة ، ولا يصح قوله ، بل كان ابن الجوزي يعتقد بجواز لعن يزيد ، وألف كتاباً في ذلك .
وفي النهاية لابن كثير : 12 / 33 : « وفيها ( سنة 420 ) ورد كتاب من محمود بن سبكتكين أنه أحلَّ بطائفة من أهل الري من الباطنية والروافض قتلاً ذريعاً وصلباً شنيعاً ، وأنه انتهب أموال رئيسهم رستم بن علي الديلمي ، فحصل منها ما يقارب ألف ألف دينار . . وفي هذا اليوم جمع القضاة والعلماء في دار الخلافة ، وقرئ عليهم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 26 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كتاب جمعه القادر بالله ، فيه مواعظ وتفاصيل مذاهب أهل البصرة ، وفيه الرد على أهل البدع ، وتفسيق من قال بخلق القرآن . . .
وفي يوم الاثنين غرة ذي القعدة جمعوا أيضاً كلهم ، وقرئ عليهم كتاب آخر طويل يتضمن بيان السنة والرد على أهل البدع . . . وذكر فضائل أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب ، ولم يفرغوا منه إلا بعد العتمة ، وأخذت خطوطهم بموافقة ما سمعوه . وعزل خطباء الشيعة وولى خطباء السنة ، ولله الحمد والمنة على ذلك وغيره . وجرت فتنة بمسجد براثا وضربوا الخطيب السني بالآجر ، حتى كسروا أنفه وخلعوا كتفه ، فانتصر لهم الخليفة وأهان الشيعة وأذلهم » !
وقال ابن خلدون ( 4 / 477 ) : « كانت مدينة بغداد قد احتفلت في كثرة العمران بما لم تنته إليه مدينة في العالم منذ مبدأ الخليقة فيما علمناه . . . وربما حدثت الفتن من أهل المذاهب ومن أهل السنة والشيعة ، من الخلاف في الإمامة ومذاهبها ، وبين الحنابلة والشافعية وغيرهم ، من تصريح الحنابلة بالتشبيه في الذات والصفات ونسبتهم ذلك إلى الإمام أحمد وحاشاه منه ، فيقع الجدال والنكير ، ثم يفضي إلى الفتنة بين العوام ، وتكرر ذلك منذ حُجِر الخلفاء .
ولم يقدر بنو بُويَهْ ولا السلجوقية على حسم ذلك منها ، لسكنى أولئك ( البويهيين ) بفارس وهؤلاء ( السلاجقة ) بأصبهان ، وبعدهم عن بغداد ، وإنما تكون ببغداد شحنة ( حامية عسكرية ) تحسم ما خف من العلل ، ما لم ينته إلى عموم الفتنة » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 27 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

8 - منعت السلطة زيارة مشهد الكاظمين والحسين ( عليهم السلام )

شملت تعديات السلطة ومجسمة الحنابلة زوار الإمامين الكاظمين والإمام الحسين ( عليهما السلام ) ، ففي الكافي ( 1 / 525 ) : « خرج نهي عن زيارة مقابر قريش والحاير ، فلما كان بعد أشهر دعا الوزير الباقطائي فقال له : إلق بني الفرات والبرسيين وقل لهم : لا يزوروا مقابر قريش فقد أمر الخليفة أن يتفقد كل من زار فيقبض عليه » .
ولم يكتف الخليفة بمنع الشيعة من زيارة قبر الحسين ( عليه السلام ) بل أراد هدمه !
ففي أمالي الشيخ الطوسي / 328 : « بلغ المتوكل جعفر بن المعتصم ( المتوكل ) أن أهل السواد يجتمعون بأرض نينوى لزيارة قبر الحسين ( عليه السلام ) فيصير إلى قبره منهم خلق كثير ، فأنفذ قائداً من قواده وضم إليه كتفاً من الجند كثيراً ليشعب قبر الحسين ويمنع الناس من زيارته والاجتماع إلى قبره ( عليه السلام ) . فخرج القائد إلى الطف وعمل بما أمر ، وذلك في سنة سبع وثلاثين ومائتين ، فثار أهل السواد به واجتمعوا عليه وقالوا : لو قتلنا عن آخرنا لما أمسك من بقي منا عن زيارته ، ورأوا من الدلائل ما حملهم على ما صنعوا ، فكتب بالأمر إلى الحضرة فورد كتاب المتوكل إلى القائد بالكف عنهم والمسير إلى الكوفة مظهراً أن مسيره إليها في مصالح أهلها والإنكفاء إلى المصر ! فمضى الأمر على ذلك حتى كانت سنة سبع وأربعين ، فبلغ المتوكل أيضاً مصير الناس من أهل السواد والكوفة إلى كربلاء لزيارة قبر الحسين وأنه قد كثر جمعهم كذلك وصار لهم سوق كبير ، فأنفذ قائداً في جمع كثير من الجند ، وأمر منادياً ينادي ببراءة الذمة ممن زار قبر الحسين ، ونبش القبر وحرث أرضه وانقطع الناس عن الزيارة ، وعمل على تتبع آل أبي طالب والشيعة رضي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 28 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الله عنهم ، فقتل ولم يتم له ما قَدَّر » .
وفي أمالي الطوسي / 327 : « قال : حدثني أبو برزة الفضل بن محمد بن عبد الحميد قال : دخلت على إبراهيم الديزج وكنت جاره ، أعوده في مرضه الذي مات فيه فوجدته بحال سوء ، وإذا هو كالمدهوش وعنده الطبيب ، فسألته عن حاله وكانت بيني وبينه خلطة وأنس يوجب الثقة بي والانبساط إليَّ ، فكاتمني حاله وأشار لي إلى الطبيب ، فشعر الطبيب بإشارته ولم يعرف من حاله ما يصف له من الدواء ما يستعمله ، فقام فخرج وخلا الموضع ، فسألته عن حاله فقال : أخبرك والله وأستغفر الله : إن المتوكل أمرني بالخروج إلى نينوى إلى قبر الحسين ، فأمرنا أن نكربه ونطمس أثر القبر ، فوافيت الناحية مساء معنا الفعلة والروزكاريون ، ( العمال الميامون ) معهم المساحي والمرور ، فتقدمت إلى غلماني وأصحابي أن يأخذوا الفعلة بخراب القبر وحرث أرضه ، فطرحت نفسي لما نالني من تعب السفر ونمت ، فذهب بي النوم فإذا ضوضاء شديدة وأصوات عالية وجعل الغلمان ينبهونني ، فقمت وأنا ذعر فقلت للغلمان : ما شأنكم ؟ قالوا : أعجب شأن . قلت : وما ذاك ؟ قالوا : إن بموضع القبر قوماً قد حالوا بيننا وبين القبر ، وهم يرموننا مع ذلك بالنشاب ، فقمت معهم لأتبين الأمر فوجدته كما وصفوا !
وكان ذلك في أول الليل من ليالي البيض فقلت : إرموهم ، فرموا فعادت سهامنا إلينا فما سقط سهمٌ منها إلا في صاحبه الذي رمى به فقتله ! فاستوحشت لذلك وجزعت وأخذتني الحمى والقشعريرة ورحلت عن القبر لوقتي ! ووطنت نفسي على أن يقتلني المتوكل لما لم أبلغ في القبر جميع ما تقدم إلي به !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 29 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال أبو برزة : فقلت له : قد كفيت ما تحذر من المتوكل ، قد قتل بارحة الأولى وأعان عليه في قتله المنتصر ، فقال لي : قد سمعت بذلك وقد نالني في جسمي ما لا أرجو معه البقاء ! قال أبو برزة : كان هذا في أول النهار فما أمسى الديزج حتى مات .
قال ابن خشيش : قال أبو الفضل : إن المنتصر سمع أباه يشتم فاطمة ( عليها السلام ) فسأل رجلاً من الناس عن ذلك فقال له : قد وجب عليه القتل إلا أنه من قتل أباه لم يطل له عمر . قال : ما أبالي إذا أطعت الله بقتله أن لا يطول لي عمر ، فقتله وعاش بعده سبعة أشهر » !

9 - أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) في بغداد

تشرفت بغداد بثلاثة من أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) هم : الإمام الصادق والكاظم والجواد ، فقد أحضر المنصور الإمام الصادق ( عليه السلام ) إلى بغداد أكثر من مرة ، وأراد أن يقتله ، مع أنه يعرف حق المعرفة أنه إمام رباني ، ويشهد بذلك !
قال العلامة الحلي ( قدس سره ) في منهاج الكرامة / 56 : « وكان عبد الله بن الحسن جمع أكابر العلويين للبيعة لولده ، فقال له الصادق ( عليه السلام ) : إن هذا الأمر لا يتم ! فاغتاظ من ذلك فقال ( عليه السلام ) : إنه لصاحب القباء الأصفر ، وأشار بذلك إلى المنصور ! فلما سمع المنصور بذلك فرح لعلمه بوقوع ما يُخبر به ، وعلم أن الأمر يصل إليه . ولما هرب المنصور ( من جيش إبراهيم بن عبد الله بن الحسن ) كان يقول : أين قول صادقهم » !
وقد أحضر المنصور الإمام الصادق ( عليه السلام ) في حج سنة 142 إلى مقره في الربذة ، وسنة 147 عندما زار المدينة ، وقبلها وبعدها إلى الأنبار والحيرة وبغداد .
وفي مهج الدعوات / 198 : « دعاء مولانا الصادق ( عليه السلام ) . . . لما استدعاه المنصور مرة سادسة ، وهي ثاني مرة إلى بغداد » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 30 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وكان في كل مرة ينوي قتله فيحدث له مانع بمعجزة وكرامة للإمام ( عليه السلام ) ، حتى تمكن من دس السم له بعد اثنتي عشرة سنة من حكمه !
وفي هذه السنوات الإثنتي عشرة مع الأربع سنوات في عهد السفاح استطاع الإمام ( عليه السلام ) أن يبث العلوم ويُخرٍّج العلماء ، ويعمق الإيمان في الخاصة والعامة .
وقد وصف الإمام الصادق ( عليه السلام ) قرار المنصور بإبادة العلويين بعد انتصاره على الحسنيين ! فقال كما في مقاتل الطالبيين / 233 : « لما قُتل إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بباخمرى ، حُسٍرْنا عن المدينة ولم يُترك فيها منا محتلم ، حتى قدمنا الكوفة ، فمكثنا فيها شهراً نتوقع فيها القتل ! ثم خرج إلينا الربيع الحاجب فقال : أين هؤلاء العلوية ؟ أدخلوا على أمير المؤمنين رجلين منكم من ذوي الحجى . قال : فدخلنا إليه أنا والحسن بن زيد ، فلما صرت بين يديه قال لي : أنت الذي تعلم الغيب ؟ قلت : لا يعلم الغيب إلا الله . قال : أنت الذي يجبى إليك هذا الخراج ؟ قلت : إليك يجبى يا أمير المؤمنين الخراج . قال : أتدرون لم دعوتكم ؟ قلت : لا . قال : أردت أن أهدم رباعكم وأروع قلوبكم وأعقر نخلكم ، وأترككم بالسراة لا يقربكم أحد من أهل الحجاز وأهل العراق فإنهم لكم مفسدة » !
وتراجع المنصور يومها عن قتله ، وقال أحد أصحابه : « فدخلت يوماً على أبي جعفر الدوانيقي وإذا هو يفرك يديه ويتنفس تنفساً بارداً ، فقلت : يا أمير المؤمنين ما هذه الفكرة ؟ فقال : يا محمد إني قتلت من ذرية فاطمة بنت رسول الله ألفاً أو يزيدون ، وقد تركت سيدهم ! فقلت له : ومَن ذلك يا أمير المؤمنين ؟ فقال : ذلك جعفر بن محمد » ! ( دلائل الإمامة / 298 ، ومهج الدعوات / 18 ، وعيون المعجزات / 80 )
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 31 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي إحدى المرات أحضر المنصور الإمام ( عليه السلام ) إلى بغداد في جو إيجابي عندما كان يرتب الخلافة لابنه المهدي ! قال محمد بن إبراهيم الإمام العباسي : « أرسل المنصور بُكراً واستعجلني الرسول وظننت أن ذلك لأمر حادث ، فركبت إذ سمعت وقع الحافر فقلت للغلام : أنظر من هذا فقال : هذا أخوك عبد الوهاب فرفقت في السير فلحقني فسلمت عليه وسلم علي فقال : أتاك رسول هذا ؟ قلت : نعم ، فهل أتاك ؟ قال : نعم ، قلت : فيمَ ذاك ترى ؟ قال : تجده اشتهى خلاً وزيتاً يريد الغداء ، فأحب أن نأكل معه ! قلت : ما أرى ذلك وما أظن هذا إلا لأمر ! قال : فانتهينا إليه فدخلنا فإذا الربيع واقف عند الستر وإذا المهدي ولي العهد في الدهليز جالس وإذا عبد الصمد بن علي ، وداود بن علي ، وإسماعيل بن علي ، وسليمان بن علي وجعفر بن محمد بن علي بن حسين ، وعبد الله بن حسن بن حسن ، والعباس بن محمد . قال الربيع : إجلسوا مع بني عمكم ، قال فجلسنا فدخل الربيع وخرج فقال للمهدي : أدخل أصلحك الله ، ثم دخل فقال : أدخلوا جميعاً فدخلنا وسلمنا وأخذنا مجالسنا ، فقال للربيع : هات دوياً وما يكتبون فيه ، فوضع بين يدي كل واحد منا دواة وورقاً ، ثم التفت إلى عبد الصمد بن علي فقال : يا عم حدث ولدك وإخوتك وبني أخيك حديث البر والصلة ، فقال عبد الصمد : حدثني أبي عن جدي عبد الله بن العباس عن النبي ( ص ) أنه قال : إن البر والصلة ليطيلان الأعمار ويعمران الديار ويكثران الأموال ولو كان القوم فجاراً . . . . ثم التفت المنصور إلى جعفر بن محمد فقال : يا أبا عبد الله حدث إخوتك وبني عمك بحديث أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) . قال : قال النبي ( صلى الله عليه وآله ) : ما من ملك يصل رحمه وذوي قرابته ويعدل على رعيته ، إلا شد الله
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 32 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
له ملكه وأجزل له ثوابه وأكرم ما به وخفف حسابه » ( تاريخ دمشق : 36 / 242 ، والمنتظم : 9 / 106 ) . فكان إحضار المنصور لشخصيات بني العباس وبني علي ( عليه السلام ) ليروي لهم أحاديث صلة الرحم ويجمعهم حول ولي عهده الذي سماه بالمهدي !

10 - الإمام الجواد في بغداد ( عليه السلام )

في مناقب آل أبي طالب : 3 / 490 : « لما بويع المعتصم ( ابن هارون ) جعل يتفقد أحواله فكتب إلى عبد الملك الزيات أن ينفذ إليه التقي ( عليه السلام ) وأم الفضل ، فأنفذ ابن الزيات علي بن يقطين إليه ، فتجهز وخرج إلى بغداد فأكرمه وعظمه ، وأنفذ أشناس بالتحف إليه والى أم الفضل ، ثم أنفذ إليه شراب حماض الأترج تحت ختمه على يدي أشناس وقال : إن أمير المؤمنين ذاقه قبل أحمد بن أبي دؤاد وسعد بن الخصيب ، وجماعة من المعروفين ، ويأمرك أن تشرب منها بماء الثلج . . . » .
وفي الإرشاد : 2 / 298 : « لما أخرج أبو جعفر ( عليه السلام ) من المدينة إلى بغداد في الدفعة الأولة من خرجتيه ، قلت له عند خروجه : جعلت فداك ، إني أخاف عليك من هذا الوجه ، فإلى من الأمر بعدك ؟ قال : فكرَّ بوجهه إلي ضاحكاً وقال : ليس حيث ظننت في هذه السنة . فلما استدعي به إلى المعتصم صرت إليه فقلت له : جعلت فداك أنت خارج ، فإلى من هذا الأمر من بعدك ؟ فبكى حتى اخضلت لحيته ثم التفت إلي فقال : عند هذه يخاف عليَّ ، الأمر من بعدي إلى ابني علي » .
وفي الإرشاد : 2 / 289 : « أشخصه المعتصم في أول سنة عشرين ومائتين إلى بغداد ، فأقام بها حتى توفي في آخر ذي القعدة من هذه السنة ، فدفن في ظهر قبر جده أبي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 33 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الحسن موسى ( عليه السلام ) » .
وفي المناقب : 3 / 487 : « قال ابن بابويه : سَمَّ المعتصم محمد بن علي . وأولاده : علي الإمام ، وموسى وحكيمة وخديجة وأم كلثوم . . وقد كان زوجه المأمون ابنته ولم يكن له منها ولد . وسبب وروده بغداد إشخاص المعتصم له من المدينة ، فورد بغداد لليلتين من المحرم سنة عشرين ومائتين وأقام بها حتى توفي في هذه السنة » .

11 - رسالة الإمام الهادي ( عليه السلام ) إلى شيعته في بغداد

في رجال الطوسي : 2 / 800 ، عن أحمد بن محمد بن عيسى قال : « نسختُ الكتاب مع ابن راشد إلى جماعة الموالي الذين هم ببغداد المقيمين بها ، والمدائن ، والسواد ، وما يليها : أحمد الله إليكم على ما أنا عليه من عافيته وحسن عادته ، وأصلي على نبيه وآله أفضل صلواته ، وأكمل رحمته ورأفته ، وإني أقمت أبا علي بن راشد مقام علي بن الحسين بن عبد ربه ومن كان قبله من وكلائي ، وصار في منزلته عندي ، ووليته ما كان يتولاه غيره من وكلائي قبلكم ليقبض حقي ، وارتضيته لكم وقدمته على غيره في ذلك ، وهو أهله وموضعه ، فصيروا رحمكم الله إلى الدفع إليه ذلك والي ، وأن لا تجعلوا له على أنفسكم علة ، فعليكم بالخروج عن ذلك والتسرع إلى طاعة الله وتحليل أموالكم ، والحقن لدمائكم ، وتعاونوا على البر والتقوى واتقوا الله لعلكم ترحمون . . نحن وأنتم في وديعة الله وحفظه . وكتبته بخطي والحمد لله كثيراً .
وفي كتاب آخر : وأنا آمرك يا أيوب بن نوح أن تقطع الإكثار بينك وبين أبي علي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 34 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأن يلزم كل واحد منكما ما وُكل به وأمر بالقيام فيه بأمر ناحيته ، فإنكم إذا انتهيتم إلى كل ما أمرتم به استغنيتم بذلك عن معاودتي . وآمرك يا أبا علي بمثل ما أمرتك يا أيوب ، أن لا تقبل من أحد من أهل بغداد والمدائن شيئاً يحملونه ، ولا تلي لهم استيذاناً عليَّ ، ومُرْ من أتاك بشئ من غير أهل ناحيتك أن يُصَيِّره إلى الموكل بناحيته . وآمرك يا أبا علي في ذلك بمثل ما أمرت به أيوب ، وليقبل كل واحد منكما قبل ما أمرته به » .
ورواه في غيبة الطوسي / 351 ، وفيه : « وروى محمد بن يعقوب رفعه إلى محمد بن فرج قال : كتبت إليه أسأله عن أبي علي بن راشد ، وعن عيسى بن جعفر بن عاصم ، وعن ابن بند ، وكتب إلي : ذكرت ابن راشد ( رحمه الله ) فإنه عاش سعيداً ومات شهيداً ، ودعا لابن بند والعاصمي ، وابن بند ضرب بعمود وقتل ، وابن عاصم ضرب بالسياط على الجسر ثلاث مائة سوط ورميَ به في الدجلة ! فهؤلاء جماعة المحمودين ، وتركنا ذكر استقصائهم لأنهم معروفون مذكورون في الكتب » .
أقول : تدل هذه الرسالة على وجود الشيعة من يومها وانتشارهم في بغداد وضواحيها وعلى أن نظام الوكلاء الذي اعتمده الأئمة ( عليهم السلام ) كان دقيقاً وفعالاً وحديثاً . وتشير إلى ظروف المراقبة للإمام ( عليه السلام ) ووكلائه ، وبطش السلطة بخواص الشيعة والناشطين منهم .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 35 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

12 - السفراء الأربعة البغداديون

عاش السفراء الأربعة رضوان الله عليهم في بغداد ودفنوا فيها ، فقد انتقل عثمان بن سعيد العمري بعد وفاة الإمام العسكري ( عليه السلام ) إليها ، وفي تلك الفترة ضعف مركز سامراء وانتقل منها الخلفاء إلى بغداد ! ولم يبق منها إلا مشهد الإمام الهادي والعسكري ( عليهما السلام ) . ( معجم البلدان : 3 / 176 ) .
ويدل حديث أحمد بن الدينوري ( دلائل الإمامة / 304 ) على أن محمد بن عثمان العمري ( رحمه الله ) كان في بغداد بعد وفاة الإمام العسكري ( عليه السلام ) سنة 260 هجرية .
بل نصَّ حديث وفد قم الذين وصلوا إلى سامراء أيام وفاة الإمام العسكري ( عليه السلام ) ( كمال الدين / 478 ) : « وأمرنا القائم ( عليه السلام ) أن لا نحمل إلى سر من رأى بعدها شيئاً من المال ، فإنه ينصب لنا ببغداد رجلاً يحمل إليه الأموال ، وتخرج من عنده التوقيعات . . وكنا بعد ذلك نحمل الأموال إلى بغداد إلى النواب المنصوبين بها ويخرج من عندهم التوقيعات » .
وقال الصدوق في كمال الدين / 442 : « ورآه من الوكلاء ببغداد : العمري ، وابنه ، وحاجز ، والبلالي ، والعطار ، ومن الكوفة : العاصمي . ومن الأهواز : محمد بن إبراهيم بن مهزيار . ومن أهل قم : أحمد بن إسحاق . ومن أهل همدان : محمد بن صالح . ومن أهل الري : السامي ، والأسدي يعني نفسه . ومن آذربيجان : القاسم بن العلا . ومن نيسابور : محمد بن شاذان النعيمي . ومن غير الوكلاء من أهل بغداد : أبو القاسم بن أبي حابس ، وذكر جماعة كثيرين » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 36 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

السفير الأول : عثمان بن سعيد العَمْري ( قدس سره )

السفير الأول : عثمان بن سعيد العَمْري ( قدس سره )
عثمان بن سعيد العمري السمَّان الأسدي . كان من شبابه ( رحمه الله ) بواب الإمام الهادي ( عليه السلام ) ووكيله ، ثم كان وكيل الإمام الحسن العسكري ( عليه السلام ) .
وقد وثقه كلاهما صلوات الله عليهما ، ففي غيبة الطوسي / 215 ، عن محمد بن إسماعيل وعلي بن عبد الله ، الحسنيين قالا : « دخلنا على أبي محمد الحسن ( عليه السلام ) بسر من رأى وبين يديه جماعة من أوليائه وشيعته حتى دخل عليه بدر خادمه فقال : يا مولاي بالباب قوم شعث غبر ، فقال لهم : هؤلاء نفر من شيعتنا باليمن . . في حديث طويل يسوقانه ، إلى أن قال الحسن ( عليه السلام ) لبدر : فامض فائتنا بعثمان بن سعيد العمري ، فما لبثنا إلا يسيراً حتى دخل عثمان فقال له سيدنا أبو محمد ( عليه السلام ) : إمض يا عثمان ، فإنك الوكيل والثقة المأمون على مال الله ، واقبض من هؤلاء النفر اليمنيين ما حملوه من المال . ثم ساق الحديث إلى أن قالا : ثم قلنا بأجمعنا : يا سيدنا والله إن عثمان لمن خيار شيعتك ، ولقد زدتنا علماً بموضعه من خدمتك ، وأنه وكيلك وثقتك على مال الله تعالى . قال : نعم ، واشهدوا عليَّ أن عثمان بن سعيد العمري وكيلي ، وأن ابنه محمداً وكيل ابني مهديكم » . وإثبات الهداة : 3 / 511 .
وفي الطرائف / 183 : « وكان له ( عليه السلام ) وكلاء ظاهرون في غيبته ، معروفون بأسمائهم وأنسابهم وأوطانهم ، يخبرون عنه بالمعجزات والكرامات ، وجواب أمور المشكلات ، بكثير مما ينقله عن آبائه عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) عن الله تعالى من الغائبات منهم عثمان بن سعيد العمري المدفون بقطقطان من الجانب الغربي ببغداد » .
وتوفي عثمان بن سعيد ( قدس سره ) في بغداد ، وقبره فيها قرب الميدان ، وهو مزار
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 37 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
للشيعة ، ولذلك قام الوهابيون بالاعتداء عليه ، وفجروا قربه عبوات في هذه الأيام ، أواخر شهر رمضان سنة 1430 :
10392 http : / / www . alcauther . com / html / modules . php ? name = News & file = article & sid =
« نفذ التكفيريون وأعوانهم البعثيون تفجيرين بعبوتين ناسفتين ، استهدفتا المرقد الشريف لعثمان بن سعيد العمري سفير الإمام الحجة ( عجل الله تعالى فرجه الشريف ) ، وأكد مصدر أمني مطلع لشبكة نهرين نت أن الإرهابيين زرعوا عبوتين ناسفتين ، واحدة في المرقد الشريف والأخرى في مرآب قريب من المكان . وأضاف المصدر بأن حصيلة هذين التفجيرين كان استشهاد 3 مواطنين وجرح ثمانية آخرين . والجدير بالذكر أن المرقد الشريف للسفير عثمان بن سعيد العمري يقع بالقرب من ساحة الميدان في العاصمة بغداد ، وأن هذا التفجير يأتي ضمن سلسلة تفجيرات تستهدف المراقد المقدسة من جديد » .

السفير الثاني : محمد بن عثمان بن سعيد العَمْري ( قدس سره )

روى الطوسي في الغيبة / 368 : « سمعت جعفر بن أحمد بن متيل القمي يقول : كان محمد بن عثمان أبو جعفر العمري رضي الله عنه ، له من يتصرف له ببغداد نحو من عشرة أنفس ، وأبو القاسم بن روح رضي الله عنه فيهم ، وكلهم كانوا أخص به من أبي القاسم بن روح ، حتى أنه كان إذا احتاج إلى حاجة أو إلى سبب ينجزه على يد غيره لمَّا لم يكن له تلك الخصوصية . فلما كان وقت مضيِّ أبي جعفر رضي الله عنه وقع الاختيار عليه ، وكانت الوصية إليه » .
وقال العلامة في خلاصة الأقوال / 250 و 432 : « محمد بن عثمان بن سعيد العمري ، بفتح العين ، الأسدي ، يكنى أبا جعفر ، وأبوه يكنى أبا عمرو ، جميعاً وكيلان في
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 38 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
خدمة صاحب الزمان ( عليه السلام ) ، ولهما منزلة جليلة عند هذه الطائفة ، وكان محمد قد حفر لنفسه قبراً وسواه بالساج ، فسئل عن ذلك فقال : للناس أسباب . ثم سئل بعد ذلك فقال : قد أمرت أن أجمع أمري ، فمات بعد شهرين من ذلك ، في جمادي الأولى سنة خمس وثلاث مائة ، وقيل سنة أربع وثلاث مائة ، وكان يتولى هذا الأمر نحواً من خمسين سنة . فلما حضرت أبا جعفر محمد بن عثمان الوفاة واشتدت حاله ، حضر عنده جماعة من وجوه الشيعة ، منهم أبو علي بن همام ، وأبو عبد الله محمد الكاتب ، وأبو عبد الله الباقطاني ، وأبو سهل إسماعيل بن علي النوبختي ، وأبو عبد الله بن الوجناء ، وغيرهم من الوجوه الأكابر ، فقالوا له : إن حدث أمر فمن يكون مكانك ؟ فقال لهم : هذا أبو القاسم الحسين بن روح بن أبي بحر النوبختي القائم مقامي ، والسفير بينكم وبين صاحب الأمر ، والوكيل والثقة الأمين ، فارجعوا في أموركم إليه ، وعولوا في مهماتكم عليه ، فبذلك أمرت وقد بلَّغت . ثم أوصى أبو القاسم بن روح إلى أبي الحسن علي بن محمد السمري ، فلما حضرته الوفاة سئل أن يوصي فقال : لله أمر هو بالغه . ومات ( رحمه الله ) سنة تسع وعشرين وثلاث مائة » .
وكانت وفاة محمد بن عثمان ( قدس سره ) أواخر جمادى الأولى سنة 305 ، وقبره ببغداد في محلتهم المعروفة باسم الخلاني ، وهو مشهد كبير من معالم بغداد ، يقصده الناس للزيارة والصلاة في مسجده . ( تهذيب المقال : 2 / 401 ، ومقدمة علل الشرائع ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 39 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

السفير الثالث : أبو القاسم الحسين بن روح النوبختي ( قدس سره )

في غيبة الطوسي / 226 ، عن « محمد بن همام : إن أبا جعفر محمد بن عثمان العمري قدس الله روحه ، جمعنا قبل موته وكنا وجوه الشيعة وشيوخها ، فقال لنا : إن حدث عليَّ حدث الموت فالأمر إلى أبي القاسم الحسين بن روح النوبختي ، فقد أمرتُ أن أجعله في موضعي بعدي ، فارجعوا إليه وعَوِّلوا في أموركم عليه » .
وقال الشيخ الطوسي في الغيبة / 391 : « قال ابن نوح : وسمعت جماعة من أصحابنا بمصر يذكرون أن أبا سهل النوبختي سئل فقيل له : كيف صار هذا الأمر إلى الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح دونك ؟ فقال : هم أعلم وما اختاروه ، ولكن أنا رجل ألقى الخصوم وأناظرهم ، ولو علمت بمكانه كما علم أبو القاسم وضغطتني الحجة لعلي كنت أدل على مكانه ، وأبو القاسم فلو كانت الحجة تحت ذيله وقرض بالمقاريض ما كشف الذيل عنه ! أو كما قال » .
وقال جعفر بن متيل ( رحمه الله ) كما في كمال الدين / 503 : « لما حضرت أبا جعفر محمد بن عثمان العمري السمان رضي الله عنه الوفاة ، كنت جالساً عند رأسه أسائله وأحدثه وأبو القاسم الحسين بن روح عند رجليه ، فالتفت إليَّ ثم قال لي : قد أمرت أن أوصى إلى أبي القاسم الحسين بن روح ، قال : فقمت من عند رأسه وأخذت بيد أبي القاسم وأجلسته في مكاني ، وتحولت عند رجليه » .
وفي كمال الدين / 519 : « قال الحسين بن علي بن محمد المعروف بأبي علي البغدادي : ورأيت تلك السنة بمدينة السلام امرأة فسألتني عن وكيل مولانا من هو ؟ فأخبرها بعض القميين أنه أبو القاسم الحسين بن روح وأشار إليها ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 40 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فدخلت عليه وأنا عنده فقالت له : أيها الشيخ أي شئ معي ؟ فقال ما معك فألقيه في الدجلة ، ثم ائتني حتى أخبرك ! قال فذهبت المرأة وحملت ما كان معها فألقته في الدجلة ، ثم رجعت ودخلت إلى أبي القاسم الروحي قدس الله روحه فقال أبو القاسم لمملوكة له : أخرجي إليَّ الحُق ، فأخرجت إليه حُقَّةً فقال للمرأة : هذه الحُقة التي كانت معك ورميت بها في الدجلة ، أخبرك بما فيها أو تخبريني ؟ فقالت له : بل أخبرني أنت ! فقال : في هذه الحقة زوج سوار ذهب ، وحلقة كبيرة فيها جوهرة ، وحلقتان صغيرتان فيهما جوهر ، وخاتمان أحدهما فيروزج والآخر عقيق ! فكان الأمر كما ذكر لم يغادر منه شيئاً ! ثم فتح الحقة فعرض عليَّ ما فيها فنظرت المرأة إليه ، فقالت : هذا الذي حملته بعينه ورميت به في الدجلة ، فغُشِيَ عليَّ وعلى المرأة ، فرحاً بما شاهدناه من صدق الدلالة » !
وروى الطوسي في الغيبة / 394 ، عن الصفواني قال : « أوصى الشيخ أبو القاسم رضي الله عنه إلى أبي الحسن علي بن محمد السمري رضي الله عنه ، فقام بما كان إلى أبي القاسم ، فلما حضرته الوفاة حضرت الشيعة عنده وسألته عن الموكل بعده ، ولمن يقوم مقامه فلم يُظهر شيئاً من ذلك ، وذكر أنه لم يؤمر بأن يوصي إلى أحد بعده في هذا الشأن » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 41 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

السفير الرابع : أبو الحسن علي بن محمد السمري ( قدس سره )

قال العلامة الحلي في خلاصة الأقوال / 250 ، و 432 : « وأوصى أبو القاسم ابن روح إلى أبي الحسن علي بن محمد السمري ، فلما حضرت السمري الوفاة سئل أن يوصي فقال : لله أمر هو بالغه . والغيبة الثانية هي التي وقعت بعد مضي السمري . . ومات ( رحمه الله ) سنة تسع وعشرين وثلاث مائة » .
وفي كمال الدين : 2 / 516 ، عن الحسن بن أحمد المكتب قال : « كنت بمدينة السلام في السنة التي توفي فيها الشيخ علي بن محمد السمري قدس الله روحه ، فحضرته قبل وفاته بأيام ، فأخرج إلى الناس توقيعاً نسخته : بسم الله الرحمن الرحيم . يا علي بن محمد السمري ، أعظم الله أجر إخوانك فيك فإنك ميت ما بينك وبين ستة أيام ، فاجمع أمرك ولا توص إلى أحد يقوم مقامك بعد وفاتك ، فقد وقعت الغيبة التامة فلا ظهور إلا بعد إذن الله عز وجل وذلك بعد طول الأمد وقسوة القلوب وامتلاء الأرض جوراً . وسيأتي شيعتي من يدعي المشاهدة ، ألا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كذاب مفتر ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم . قال : فنسخنا هذا التوقيع وخرجنا من عنده ، فلما كان اليوم السادس عدنا إليه وهو يجود بنفسه فقيل له : من وصيك من بعدك ؟ فقال : لله أمر هو بالغه ! ومضى رضي الله عنه ، فهذا آخر كلام سمع منه » وغيبة الطوسي / 242 ، وإعلام الورى / 417 ، والاحتجاج : 2 / 478 ، والخرائج : 3 / 1128 ، وغيرها .
أقول : المنفي هو المشاهدة مع ادعاء السفارة ، بقرينة قوله ( عليه السلام ) : « وسيأتي شيعتي من يدعي المشاهدة » أما المشاهدة بدون ادعاء سِمَة فهي ممكنة وقد وقعت كثيراً .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 42 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

13 - قبور السفراء الأربعة والمؤلفات فيهم

دوَّن علماؤنا سيرة السفراء الأربعة وأحاديثهم رضوان الله عليهم ، وألفوا فيهم الكتب الخاصة ، فقد ذكر في الذريعة إلى تصانيف الشيعة ( 1 / 353 ) كتابين قديمين للسيرافي والجوهري ، قال : « أخبار الوكلاء الأربعة : وهم عثمان بن سعيد ، ومحمد بن عثمان ، والحسين بن روح ، وعلي بن محمد السمري ، النواب المخصصون في الغيبة الصغرى والسفراء والأبواب فيها الحجة المهدي ( عليه السلام ) ، لأبي العباس أحمد بن علي بن العباس بن نوح السيرافي ، نزيل البصرة ، من مشايخ النجاشي ، توفي حدود النيف والعشرة بعد الأربع ماية كما يظهر من فهرس الشيخ ، حيث إنه قال فيه إنه مات عن قرب وكان شروع الشيخ في الفهرس بأمر الشيخ المفيد ، لكنه فرغ منه بعد وفاته ، حيث ذكر فيه حكاية يوم وفاة المفيد في سنة 413 ، فيكون وفاة السيرافي أيضاً في هذه الحدود .
أخبار الوكلاء الأربعة المذكورين ، لأبي عبد الله الجوهري ، أحمد بن محمد بن عياش ، صاحب مقتضب الأثر المتوفى سنة 401 ، ذكره النجاشي » .
وقبور السفراء الأربعة كلهم في بغداد رضوان الله عليهم ، فقد انتقل إليها السفير الأول عثمان بن سعيد بعد سنة أو سنتين من وفاة الإمام العسكري ( عليه السلام ) كما دلت رواية أحمد بن محمد الدينوري . وقد وصف الشيخ الطوسي ( رحمه الله ) قبره وزيارته له فقال في الغيبة / 358 : « قال أبو نصر هبة الله بن محمد : وقبر عثمان بن سعيد بالجانب الغربي من مدينة السلام في شارع الميدان في أول الموضع المعروف
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 43 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
في الدرب ، المعروف بدرب جبلة في مسجد الدرب يمنة الداخل إليه ، والقبر في نفس قبلة المسجد . قال محمد بن الحسن مصنف هذا الكتاب : رأيت قبره في الموضع الذي ذكره ، وكان بني في وجهه حائط وبه محراب المسجد ، وإلى جنبه باب يدخل إلى موضع القبر في بيت ضيق مظلم ، فكنا ندخل إليه ونزوره مشاهرةً ، وكذلك من وقت دخولي إلى بغداد وهي سنة ثمان وأربعمائة إلى سنة نيف وثلاثين وأربعمائة . ثم نقض ذلك الحائط الرئيس أبو منصور محمد بن الفرج وأبرز القبر إلى برَّا وعمل عليه صندوقاً ، وهو تحت سقف يدخل إليه من أراده ويزوره ، ويتبرك جيران المحلة بزيارته ويقولون هو رجل صالح ، وربما قالوا هو ابن داية الحسين ( عليه السلام ) ! ولا يعرفون حقيقة الحال فيه ، وهو إلى يومنا هذا وذلك سنة سبع وأربعين وأربعمائة ، على ما هو عليه » .
أما السفير الثاني محمد بن عثمان ( رحمه الله ) فتوفي سنة 305 ، وأن الإمام ( عليه السلام ) أخبره عن وفاته قبل شهرين ، فاستعد وحفر قبراً وكان يقرأ فيه القرآن ، وكتب على لوحة آيات القرآن ، وأسماء الأئمة ( عليهم السلام ) ليدفنها معه .
وأما الحسين بن روح ( رحمه الله ) فتوفي سنة 326 ففي غيبة الطوسي / 386 : « عن بنت أبي جعفر العمري أن قبر أبي القاسم الحسين بن روح في النوبختية في الدرب الذي كانت فيه دار علي بن أحمد النوبختي النافذ إلى التل وإلى الدرب الآخر وإلى قنطرة الشوك قال : وقال لي أبو نصر : مات أبو القاسم الحسين بن روح رضي الله عنه في شعبان سنة ست وعشرين وثلاث مائة ، وقد رويت عنه أخباراً كثيرة » .
وأما وفاة علي بن محمد السمري فكانت سنة 329 ، في النصف من شعبان ، وقد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 44 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وصف الطوسي ( رحمه الله ) قبره فقال في الغيبة / 396 : « عن أبي نصر هبة الله بن محمد الكاتب أن قبر أبي الحسن السمري رضي الله عنه في الشارع المعروف بشارع الخلنجي ، من ربع باب المحول ، قريب من شاطئ نهر أبي عتاب . وذكر أنه مات في سنة تسع وعشرين وثلاثمائة » . راجع : أعيان الشيعة : 6 / 21 ، وتهذيب المقال : 2 / 400 .
وقال السيد محمد صادق بحر العلوم في مقدمة علل الشرائع / 5 ، ملخصاً :
« أ - أبو عمرو عثمان بن سعيد العمري ( رحمه الله ) . . . قبره بالجانب الغربي من بغداد مما يلي سوق الميدان ، معروف يزار ويتبرك به الشيعة .
ب - أبو جعفر محمد بن عثمان بن سعيد العمري ( رحمه الله ) ، وهو المعروف بالخلاني توفي سنة 305 ، آخر جمادى الأولى ، وقبره في الجانب الشرقي من بغداد عند والدته في شارع باب الكوفة في الموضع الذي كانت دوره ومنازله .
ج - أبو القاسم الحسين بن روح بن أبي بحر النوبختي ( رحمه الله ) توفي سنة 326 ، وقبره ببغداد في الجانب الشرقي في سوق العطارين يزار ويتبرك به وهو معروف باسم قبر الحسين بن روح .
د - أبو الحسين علي بن محمد السمري ( رحمه الله ) ، توفي سنة 329 ، وقبره في الجانب الغربي مما يلي سوق الهرج والسراجين ، وهو معروف يزار ويتبرك به » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 45 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

14 - مذاهب الغلو التي كانت في بغداد

وأشهرها مذهب الحلاج ، والشلمغاني ، ومذهب بشار الشعيري الذي عرف أتباعه بالكرخية المخمسة . وقد ترجم علماؤنا لعدد من المغالين وحذروا منهم .
ومذهب المخمسة مأخوذ من مذهب الحلول المجوسي ، قالوا : « إن سلمان الفارسي والمقداد وعماراً وأبا ذر وعمر بن أمية الضمري ، هم الموكلون بمصالح العالم ، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً » . ( خلاصة الأقوال للعلامة / 364 ) .
ولعل أول من أشاع ذلك في بغداد أحمد بن هلال الكرخي ، الملعون على لسان الإمام المهدي ( عليه السلام ) ، فسُمِّيَ أتباعه الكرخية والكرخيين .
قال الطوسي في الغيبة / 414 : « وكان الكرخيون مخمسة ، لا يشك في ذلك أحدٌ من الشيعة ، وقد كان أبو دلف يقول ذلك ويعترف به . . وجنون أبي دلف وحكايات فساد مذهبه أكثر من أن تحصى ، فلا نطول بذكرها الكتاب ها هنا » .
وقال العلامة الحلي ( قدس سره ) في خلاصة الأقوال / 364 ، عن علي بن أحمد الكوفي : « كان إمامياً مستقيم الطريقة وصنف كتباً كثيرة سديدة ، ثم خلط وأظهر مذهب المخمسة وصنف كتاباً في الغلو والتخليط . وقال ابن الغضائري : كذاب غال صاحب بدعة ومقالة » .
وترجم في معجم البلدان : 4 / 447 ، لكرخيٍّ آخر على نفس المذهب ، لكنه من كرخة الأهواز ، لا كرخة بغداد ، قال : « أبو جعفر الكرخي المعروف بالجرو ، وهذا الرجل مشهور بالجلالة فيهم قديماً وكان مقيماً بالبصرة ، قال : وشاهدته أنا وهو
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 46 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
شيخ كبير وقد اختلت حاله ، فصار يلي الأعمال الصغار من قبل عمال البصرة . . . استفاض عنهم أنهم كانوا مخمسة يعتقدون أن علياً وفاطمة والحسن والحسين ومحمداً ( صلى الله عليه وآله ) خمسة أشباح أنوار قديمة ، لم تزل ولا تزال ، إلى غير ذلك من أقوال هذه النحلة ، وهي مقالة مشهورة » .
وأصل مذهب المُخَمِّسة من بشار الشعيري ، ومذهبه تطوير لمذهب ( العلياوية ) الذي ظهر في زمن الإمام الصادق ( عليه السلام ) !
فقد روى الطوسي ( رحمه الله ) في رجاله : 2 / 701 : « عن مرازم قال : قال لي أبو عبد الله ( عليه السلام ) : تعرف مبشر ، بشر بتوهم الاسم قال : الشعيري ، فقلت : بشار ؟ قال بشار ! قلت : نعم جار لي ! فقال ( عليه السلام ) : إن اليهود قالوا ووحدوا الله ، وإن النصارى قالوا ووحدوا الله ، وإن بشاراً قال قولاً عظيماً ! إذا قدمت الكوفة فأته وقل له : يقول لك جعفر : يا كافر يا فاسق يا مشرك أنا برئ منك ! قال مرازم : فلما قدمت الكوفة فوضعت متاعي وجئت إليه فدعوت الجارية ، فقلت قولي لأبي إسماعيل هذا مرازم ، فخرج إليَّ فقلت له : يقول لك جعفر بن محمد : يا كافر يا فاسق يا مشرك أنا برئ منك ! فقال لي : وقد ذكرني سيدي ! قال قلت : نعم ذكرك بهذا الذي قلت لك ! فقال : جزاك الله خيراً وفعل بك ، وأقبل يدعو لي !
ومقالة بشار هي مقالة العلياوية يقولون إن علياً ( عليه السلام ) هرب وظهر بالعلوية الهاشمية ، وأظهر أنه عبده ورسوله بالمحمدية ، فوافق أصحاب أبي الخطاب في أربعة أشخاص علي وفاطمة والحسن والحسين ( عليهم السلام ) وأن معنى الأشخاص الثلاثة فاطمة والحسن والحسين تلبيس ، والحقيقة شخص علي لأنه أول هذه الأشخاص
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 47 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
في الأمة ، وأنكروا شخص محمد ( صلى الله عليه وآله ) وزعموا أن محمداً عبد علي !
وأقاموا محمداً ( صلى الله عليه وآله ) مقام ما أقامت المخمسة سلمان ! وجعلوه رسولاً لمحمد ( صلى الله عليه وآله ) فوافقوهم في الإباحات والتعطيل والتناسخ » !
وفي رجال الطوسي : 2 / 775 : « لما مات أوصى إلى ابنه سميع بن محمد فهو الإمام ! ومن أوصى إليه سميع فهو إمام مفترض الطاعة على الأمة ، إلى وقت خروج موسى بن جعفر ( عليه السلام ) ! وزعموا أن الفرض عليهم من الله تعالى إقامة الصلوات الخمس وصوم شهر رمضان ، وأنكروا الزكاة والحج وسائر الفرائض ، وقالوا بإباحة المحارم والفروج والغلمان ، واعتلوا في ذلك بقول الله تعالى : أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ! وقالوا بالتناسخ . . . .
وزعمت هذه الفرقة والمخمسة والعلياوية وأصحاب أبي الخطاب أن كل من انتسب إلى أنه من آل محمد فهو مبطل في نسبه مفتر على الله كاذب ، وأنهم الذي قال الله تعالى فيهم إنهم يهود ونصارى في قوله : وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ . . . إذ كان محمد عندهم وعلي هو رب لا يلد ولا يولد ولا يستولد ! تعالى الله عما يقولون علوا كبيراً .
وكان سبب قتل محمد بن بشير لعنه الله ، لأنه كان معه شعبذة ومخاريق . . . وكان عنده صورة قد عملها وأقامها شخصاً كأنه صورة أبي الحسن ( الإمام الكاظم ( عليه السلام ) ) في ثياب حرير ، وقد طلاها بالأدوية وعالجها بحيل عملها فيها ، حتى صارت شبيهاً بصورة إنسان وكان يطويها فإذا أراد الشعبذة نفخ فيها فأقامها ! وكان يقول لأصحابه ان أبا الحسن ( عليه السلام ) عندي فإن أحببتم أن تروه وتعلموا أني نبي فهلموا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 48 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أعرضه عليكم ، فكان يدخلهم البيت والصورة مطوية معه فيقول لهم : هل ترون في البيت مقيماً أو ترون فيه غيري وغيركم ؟ فيقولون : لا ، ليس في البيت أحد ، فيقول : أخرجوا فيخرجون من البيت فيصير هو وراء الستر ويسبل الستر بينه وبينهم ثم يقدم تلك الصورة ، ثم يرفع الستر بينه وبينهم ، فينظرون إلى صورة قائمة وشخص كأنه شخص أبي الحسن لا ينكرون منه شيئاً ويقف هو منه بالقرب فيريهم من طريق الشعبذة أنه يكلمه ويناجيه ويدنو منه كأنه يسارُّه ، ثم يغمزهم أن يتنحوا فيتنحون ، ويسبل الستر بينه وبينهم فلا يرون شيئاً !
وكانت معه أشياء عجيبة من صنوف الشعبذة ما لم يروا مثلها ، فهلكوا بها فكانت هذه حاله مدة ، حتى رفع خبره إلى بعض الخلفاء أحسبه هارون أو غيره ممن كان بعده من الخلفاء وأنه زنديق ، فأخذه وأراد ضرب عنقه فقال : يا أمير المؤمنين استبقني فإني أتخذ لك أشياء يرغب الملوك فيها فأطلقه ! فكان أول ما اتخذ له الدوالي ، فإنه عمد إلى الدوالي فسواها وعلقها وجعل الزيبق بين تلك الألواح ، فكانت الدوالي تمتلئ من الماء وتميل الألواح وينقلب الزيبق من تلك الألواح فيتبع الدوالي لهذا ، فكانت تعمل من غير مستعمل لها وتصب الماء في البستان فأعجبه ذلك ، مع أشياء عملها يضاهي الله بها في خلقه الجنة . فقوده ( جعله قائداً ) وجعل له مرتبة .
ثم إنه يوماً من الأيام انكسر بعض تلك الألواح فخرج منها الزيبق ، فتعطلت فاستراب أمره وظهر عليه التعطيل والإباحات ! وقد كان أبو عبد الله وأبو الحسن ( عليهما السلام ) يدعوان الله عليه ويسألانه أن يذيقه حر الحديد فأذاقه الله حر الحديد » .
وقد انخدع بهذه المذاهب والبدع بعض العوام . لكنها انتهت والحمد لله .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 49 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الثاني : بحث الروايات التي وردت عن بغداد

1 - تسمية بغداد بالزوراء

قال البكري في معجمه ( 2 / 705 ) : « الزوراء بفتح أوله ، ممدود . وهو اسم يقع على عدة مواضع ، فمنها الزوراء بالمدينة ، التي زاد عليها عثمان النداء الثالث يوم الجمعة لما كثر الناس . . والزوراء : موضع آخر في ديار بني أسد . . والزوراء أيضاً رصافة هشام بالشام وكانت للنعمان بن جبلة . . والزوراء : دار بالحيرة . . هدمها أبو جعفر المنصور . . وروى أبو عمر الزاهد عن العطافي عن رجاله قال : تذاكروا عند الصادق الزوراء ، فقالوا : الزوراء : بغداد . فقال الصادق : ليس الزوراء بغداد ، ولكن الزوراء الري » . والري الآن حي من طهران .
أقول : الزوراء التي بالمدينة بيت لعثمان عند السوق منحرف البناء أمرهم أن يصعدوا على سطحه ويؤذنوا قبل الأذان ليتهيأ الناس . ( صحيح بخاري : 1 / 219 ، ومسلم : 7 / 59 ، وابن ماجة : 1 / 359 ، وعمدة القاري : 6 / 161 ، وابن أبي شيبة : 6 / 54 ) .
وفي معجم البلدان : 3 / 155 : « زوراء : تأنيث الأزور وهو المائل . . ومنه سميت القوس الزوراء لميلها ، وبه سميت دجلة بغداد الزوراء . . قال الأزهري : سميت الزوراء لازورار في قبلتها . . وقال غيره : الزوراء مدينة أبي جعفر المنصور وهي في
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 50 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الجانب الغربي ، وهو أصح مما ذهب إليه الأزهري بإجماع أهل السير ، قالوا : إنما سميت الزوراء لأنه لما عمرها جعل الأبواب الداخلة مزورة عن الأبواب الخارجة ، أي ليست على سمتها » .
وفي مجموع النووي : 1 / 122 : « وفي بغداد أربع لغات : إحداها بدالين مهملتين . والثانية بإهمال الأولى وإعجام الثانية . والثالثة بغدان بالنون . والرابعة مغدان . ومعناها بالعربية عطية الصنم وقيل بستان الضم . وسماها أبو جعفر المنصور مدينة السلام لأن دجلة كان يقال لها وادي السلام : ويقال لها الزوراء أيضاً » .
وقال المجلسي في بحار الأنوار : 5 / 279 : « والزوراء : بغداد » .
وتقدم في رواية أمالي الطوسي / 199 ، عن الإمام الباقر ( عليه السلام ) : « إن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) لما رجع من وقعة الخوارج اجتاز بالزوراء فقال للناس : إنها الزوراء فسيروا وجنبوا عنها فإن الخسف أسرع إليها من الوتد في النخالة ، فلما أتى موضعاً من أرضها قال : ما هذه الأرض ؟ قيل أرض بحرا . فقال : أرض سباخ جنبوا » .
وهذا يدل على أن الزوراء اسم لمحلة قرب بغداد وبراثا ، وأن أرض بحرا قسم من أرض الزوراء ، وأن براثا تقع إلى يمينها ، للآتي من النهروان .
وما ذكره البكري عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) رواه في الكافي ( 8 / 177 ) : « عن معاوية بن وهب قال تمثل أبو عبد الله ( عليه السلام ) ببيت شعر لابن أبي عقب :

وينحر في الزوراء منهم لدى الضحى * ثمانون ألفاً مثلما تنحر البدن

ثم قال لي : تعرف الزوراء ؟ قال قلت : جعلت فداك يقولون إنها بغداد قال : لا ، ثم قال ( عليه السلام ) : دخلت الري ؟ قلت نعم ، قال : أتيت سوق الدواب ؟ قلت نعم ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 51 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال : رأيت الجبل الأسود عن يمين الطريق ؟ تلك الزوراء يقتل فيها ثمانون ألفاً منهم ثمانون رجلاً من ولد فلان كلهم يصلح للخلافة ! قلت : ومن يقتلهم جعلت فداك ؟ قال : يقتلهم أولاد العجم » .
فهذا الحديث عن زوراء أخرى قرب الري ، تقع فيها معركة يقتل فيها ثمانون ألفاً ، منهم ثمانون شخصاً من ولد العباس ، أو ولد أبي سفيان أو غيرهما . وقد وقعت معارك عديدة في الري وقتل فيها ألوف في ثورة أبي مسلم الخراساني ، ثم في معارك المأمون والأمين ، ثم في الأحداث الكثيرة بعدها .
فهو إخبار عن حدث يقع بعد عصر الإمام الصادق ( عليه السلام ) وليس فيه أي إشارة إلى اتصاله بعصر ظهور المهدي ( عجل الله تعالى فرجه الشريف ) أو كونه علامة له .
وفي غيبة النعماني / 148 ، بسنده عن عبد الله بن ضمرة ، عن كعب الأحبار أنه قال : « ومن نسل علي القائم المهدي الذي يبدل الأرض غير الأرض ، وبه يحتج عيسى بن مريم ( عليه السلام ) على نصارى الروم والصين . إن القائم المهدي من نسل علي ، أشبه الناس بعيسى بن مريم خلقاً وخلقاً وسمتاً وهيبة ، يعطيه الله عز وجل ما أعطى الأنبياء ( عليهم السلام ) ويزيده ويفضله . إن القائم من ولد علي له غيبة كغيبة يوسف ورجعة كرجعة عيسى بن مريم ، ثم يظهر بعد غيبته مع طلوع النجم الأحمر ، وخراب الزوراء وهي الري ، وخسف المزورة وهي بغداد ، وخروج السفياني ، وحرب ولد العباس مع فتيان أرمينية وأذربيجان ، تلك حرب يقتل فيها ألوف وألوف كل يقبض على سيف محلى تخفق عليه رايات سود . تلك حرب يشوبها الموت الأحمر والطاعون الأغبر . . .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 52 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم ذكر حديثاً عن علي ( عليه السلام ) جاء فيه : « إن لبني العباس يوماً كيوم الطموح ، ولهم فيه صرخة كصرخة الحبلى ، الويل لشيعة ولد العباس من الحرب التي سنح بين نهاوند والدينور ، تلك حرب صعاليك شيعة علي ، يقدمهم رجل من همدان اسمه على اسم النبي ، منعوت موصوف باعتدال الخلق وحسن الخلق ونضارة اللون ، له في صوته ضجاج ، وفي أشفاره وطف ، وفي عنقه سطع ، أفرق الشعر ، مفلج الثنايا ، على فرسه كبدر تمام إذا تجلى عنه الظلام ، يسير بعصابة خير عصابة آوت وتقربت ودانت لله بدين . تلك الأبطال من العرب الذين يلقحون حرب الكريهة ، والدبرة يومئذ على الأعداء . إن للعدو يومذاك الصيلم والإستئصال » .
أقول : يبدو أن النعماني ( رحمه الله ) قبل حديث عبد الله بن ضمرة عن كعب ، وحديث عمرو بن سعد عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ولكنهما لا يصحان . فمضافاً إلى الإشكالات على متنه ، فإن راويه عبد الله بن ضمرة السلولي لم يوثق عندنا ، وحديثه مقطوع ، وكعب الأحبار لم يدرك النبي ( صلى الله عليه وآله ) ولم يسند حديثه إليه . كما أن كعباً ليس ثقة عندنا ، وقد كان مع معاوية ضد علي ( عليه السلام ) فلا ينسجم الحديث مع مذهبه !
نعم يحتمل أن يكون الحديث عن أبي بن كعب ( رحمه الله ) ونسب إلى كعب لأن عبد الله بن ضمرة يروي عنهما ، لكن الاحتمال لا يكفي ( راجع : معجم السيد الخوئي : 11 / 240 ، وعلل الدارقطني : 11 / 44 وثقات العجلي : 1 / 129 ، وتاريخ بخاري : 5 / 122 ) .
وأما حديث عمرو بن سعد فلم يوثقه أحد ، وفي بقية رجاله وفي متنه إشكال ، ثم هو يتحدث عن خراب بغداد في أحداث ستقع « سنة إظهار غيبة المتغيب من ولدي » ولا بد أن يكون المقصود به معركة الإمام المهدي ( عليه السلام ) مع الظالمين .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 53 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

2 - رد روايات خسف بغداد وخرابها

شاع بين الناس إلى عصرنا أن بغداد سوف يخسف بها وتُزول ، حتى يمرَّ المارُّ فيقول هنا كانت بغداد ! وبعد تتبعي لروايات خراب بغداد اطمأنيت بأنها من وضع رواة بني أمية ، لأن العباسيين أنهوا الأمويين وحلت بغداد محل الشام ، فزعم أتباع الأمويين أن السفياني سينتقم لبني أمية ويدمر بغداد .
فقد رووا عن جرير بن عبد الله البجلي قال : « قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : تبنى مدينة بين دجلة ودجيل والصراة وقطربل ، تجبى إليها كنوز الأرض يخسف بها ، فلهي أسرع ذهاباً في الأرض من الحديدة المحماة في الأرض الخوارة » ( ملاحم ابن المنادي / 43 ، وتذكرة القرطبي : 2 / 681 و 697 ، وجامع السيوطي : 4 / 772 ، وموضوعات ابن الجوزي : 2 / 61 ) .
ورووا عن أبي الأسود الدؤلي عن علي ( عليه السلام ) أنه قال : « سمعت حبيبي محمداً ( صلى الله عليه وآله ) يقول : سيكون لبني عمي مدينة من قبل المشرق بين دجلة ودجيل وقطربل والصراة ، يشيد فيها بالخشب والآجر والجص والذهب ، يسكنها شرار خلق الله وجبابرة أمتي ، أما إن هلاكها على يد السفياني ، كأني بها والله قد صارت خاوية على عروشها » ( تاريخ بغداد : 1 / 38 ) .
و « قُطْرَبَّل . . كلمة أعجمية اسم قرية بين بغداد وعكبرا ، ينسب إليها الخمر ، وما زالت متنزهاً للبطالين وحانة للخمارين » . ( معجم البلدان : 4 / 371 ) .
وقد عقد الخطيب البغدادي في تاريخه ( 1 / 54 ) « باب ذكر أحاديث رويت في الثلب لبغداد والطعن على أهليها ، وبيان فسادها وعللها وشرح أحوال رواتها وناقليها » .
وضعَّفَ هذه الأحاديث لوجود مجاهيل ووضاعين في أسانيدها . وكذلك فعل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 54 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ابن الجوزي في كتابه : الموضوعات ( 2 / 60 ) بتفصيل ، وأورد ستة عشر طريقاً لحديث جرير بن عبد الله البجلي ، وضعفها .
ونلاحظ أن في روايات خسف بغداد رواة يهوداً التقوا مع حلفائهم الأمويين في التبشير بزوال بغداد ، فقد روى الخطيب ( 1 / 67 ) « عن أبي يعقوب الإسرائيلي وكان قد قرأ الكتب أنه قيل له : ما بال بغداد لا تكاد تُرى فيها إلا مستعجلاً ؟ فقال : لأنها قطعة من بابل فهي تبلبل بأهلها . . . قال أبو الحسين بن المنادي : فنظرنا ما في كلام هذا الإسرائيلي فإذا هو كلام لا يصح في المعتبر » .
ومثل هذا الحديث يضع يدنا على العقدة اليهودية من بابل ، التي ما زالت تعيش في نفوسهم من يوم غزاهم نبوخذ نصر البابلي ، فهم يحلمون بتدمير بابل وبغداد !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 55 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

3 - أحاديث جيش السفياني في بغداد

أصل دخول جيش السفياني إلى العراق قطعي ، فهو من علامات ظهور الإمام المهدي ( عجل الله تعالى فرجه الشريف ) ، وقد رواه السنة والشيعة ، كالبخاري : 2 / 159 ، وفي : 3 / 19 ، وقد جزأ حديثه وعنونه بعناوين بعيدة ! وفضح عمله الحاكم ( 4 / 520 ) ومسلم ( 8 / 166 ) .
راجع : الجمع بين الصحيحين : 4 / 238 و / 245 ، وابن شيبة : 15 / 43 وأحمد : 6 / 316 ، وأبا داود : 4 / 107 ، وتهذيب ابن عساكر : 3 / 450 ، وجامع الأصول : 10 / 179 ، وجمع الفوائد : 1 / 55 ، والمسند الجامع : 20 / 795 ، وابن ماجة : 2 / 1350 ، والنسائي : 5 / 207 ، والطبراني الكبير : 23 / 202 ، و : 24 / 75 ، والحاكم : 4 / 429 ، وصححه على شرط الشيخين ، وعبد الرزاق : 11 / 371 .
وقال السيوطي في الدر المنثور : 5 / 240 : « وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس في قوله : وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ قال : هو جيش السفياني ، قال : من أين أخذ ؟ قال : من تحت أرجلهم » .
وفي تفسير الطبري : 22 / 72 ، عن حذيفة برواية طويلة جاء فيها : « قال رسول الله وذكر فتنة بين أهل المشرق والمغرب : فبينما هم كذلك إذ خرج عليهم السفياني من الوادي اليابس في فوره ذلك حتى ينزل دمشق ، فيبعث جيشين جيشاً إلى المشرق وجيشاً إلى المدينة حتى ينزلوا بأرض بابل في المدينة الملعونة والبقعة الخبيثة ، فيقتلون أكثر من ثلاثة آلاف ويبقرون بها أكثر من مائة امرأة ، ويقتلون بها ثلاث مائة كبش من بني العباس ، ثم ينحدرون إلى الكوفة فيخربون ما حولها ثم يخرجون متوجهين إلى الشام . . الخ . » . والكشاف : 3 / 467 ، وتذكرة القرطبي : 2 / 693 ، وتفسيره : 14 / 314 ، والبحر المحيط : 7 / 293 ، ونوادر الأخبار / 257 ، والاستيعاب : 3 / 928 .
وفي الفتن لابن حماد : 1 / 329 ، « عن علي رضي الله عنه قال : إذا نزل جيش في طلب
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 56 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الذين خرجوا إلى مكة ، فنزلوا البيداء خسف بهم ويباد بهم ، وهو قوله عز وجل : وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ . من تحت أقدامهم » .
والذي أعتقده أن حديث دخول جيش السفياني إلى الحجاز والعراق صحيح في أصله بل متواتر بالمعنى ، لكن الرواة الأمويين زادوا عليه سيطرة السفياني على العراق وتدميره بغداد ! لكن لا تجد ذلك في روايات أهل البيت ( عليهم السلام ) .
بل تجد فيها أن جيش السفياني يكون منتدباً لمهمة حفظ الأمن في المدينة وفي العراق وتكون مدته قصيرة لأنه قبل ظهور الإمام المهدي ( عجل الله تعالى فرجه الشريف ) ببضعة شهور .
وذكرت أحاديث أهل البيت ( عليهم السلام ) أن جيشه في العراق يصيب أناساً من شيعة آل محمد ( صلى الله عليه وآله ) ، كما ذكرت سيطرته على المدينة المنورة وقتله أفراداً وحبسه بني هاشم ، ثم يتجه إلى مكة فيخسف به . ولم تذكر أنه يدمر بغداد ولا يحتل العراق !
ففي تفسير العياشي : 1 / 65 ، عن الإمام الباقر ( عليه السلام ) قال : « ويظهر السفياني ومن معه حتى لا يكون له همة إلا آل محمد ( عليهما السلام ) وشيعتهم فيبعث بعثاً إلى الكوفة فيصيب أناساً من شيعة آل محمد ( عليهما السلام ) قتلاً وصلباً ، ويبعث بعثاً إلى المدينة فيقتل بها رجلاً ويهرب المهدي والمنصور منها ، ويؤخذ آل محمد صغيرهم وكبيرهم ، لا يترك منهم أحد إلا أخذ وحبس ، ويخرج الجيش في طلب الرجلين ، ويخرج المهدي منها على سنة موسى خائفاً يترقب ، حتى يقدم مكة » .
وفي الإختصاص / 255 ، عن الإمام الباقر ( عليه السلام ) أيضاً : « ثم لا يكون همه إلا الإقبال نحو العراق ويمر جيشه بقرقيسا فيقتلون بها مائة ألف رجل من الجبارين . ويبعث السفياني جيشاً إلى الكوفة وعدتهم سبعون ألف رجل ، فيصيبون من أهل الكوفة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 57 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قتلاً وصلباً وسبياً ، فبيناهم كذلك إذ أقبلت رايات من ناحية خراسان تطوى المنازل طياً حثيثاً ومعهم نفر من أصحاب القائم ، وخرج رجل من موالي أهل الكوفة ، فيقتله أمير جيش السفياني بين الحيرة والكوفة » .
وبهذا يتضح أن ما ورد في تدمير بغداد وزوالها على يد السفياني ، وأفاعيله الواسعة في العراق ، من إضافات الرواة الأمويين .
ومما يؤيد ذلك أن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أخبر بأن المهدي ( عليه السلام ) سيدمر الشام في معركته مع السفياني واليهود ، ففي معاني الأخبار / 406 ، عن عباية الأسدي ، قال : « سمعت أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وهو مسجى وأنا قائم عليه يقول : لأبنينَّ بمصر منبراً ، ولأنقضن دمشق حجراً حجراً ، ولأخرجن اليهود والنصارى من كور العرب ، ولأسوقن العرب بعصاي هذه ! قال قلت له : يا أمير المؤمنين كأنك تخبرنا أنك تحيا بعد ما تموت ؟ ! فقال : هيهات يا عباية ، ذهبت في غير مذهب . يفعله رجل مني » .
فيبدو أن هذا الحديث أثار الأمويين ، فأضافوا إلى حديث السفياني الصحيح ، أنه سيدمر بغداد ويقتل أهل العراق !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 58 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

4 - صحة الأحاديث التي تذم الجبابرة في بغداد

قال العلامة الحلي في كشف اليقين / 80 ، في فصل إخبار أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بالمغيبات : « ومن ذلك إخباره بعمارة بغداد ، وملك بني العباس ، وذكر أحوالهم ، وأخذ المغول الملك منهم . رواه والدي ( رحمه الله ) وكان ذلك سبب سلامة أهل الحلة والكوفة والمشهدين الشريفين من القتل ، لأنه لما وصل السلطان هولاكو إلى بغداد ، وقبل أن يفتحها هرب أكثر أهل الحلة إلى البطائح إلا القليل ، فكان من جملة القليل والدي ( رحمه الله ) ، والسيد مجد الدين بن طاووس والفقيه ابن أبي العز ، فأجمع رأيهم على مكاتبة السلطان بأنهم مطيعون داخلون تحت الإيلية ، وأنفذوا به شخصاً أعجمياً فأنفذ السلطان إليهم فرماناً مع شخصين : أحدهما يقال له فلكة والآخر يقال له علاء الدين ، وقال لهما إن كانت قلوبهم كما وردت به كتبهم فيحضرون إلينا ، فجاء الأميران فخافوا لعدم معرفتهم بما ينتهي الحال إليه ، فقال والدي ( رحمه الله ) : إن جئت وحدي كفى ؟ فقالا : نعم ، فأصعد معهما ، فلما حضر بين يديه ، وكان ذلك قبل فتح بغداد وقبل قتل الخليفة ، قال له : كيف أقدمتم على مكاتبتي والحضور عندي قبل أن تعلموا ما ينتهي إليه أمري وأمر صاحبكم ! وكيف تأمنون إن صالحني ورحلت عنه ؟ ! فقال له والدي : إنما أقدمنا على ذلك لأنا روينا عن إمامنا علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) أنه قال في بعض خطبه : الزوراء وما أدراك ما الزوراء أرض ذات أثل ، يشتد فيها البنيان ويكثر فيها السكان ، ويكون فيها قهارم وخزان ، يتخذها ولد العباس موطناً ، ولزخرفهم مسكناً ، تكون لهم دار لهو ولعب ، ويكون بها الجور الجائر والخوف المخيف ، والأئمة الفجرة والقراء
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 59 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الفسقة والوزراء الخونة ، يخدمهم أبناء فارس والروم ، لا يأتمرون بمعروف إذا عرفوه ، ولا يتناهون عن منكر إذا أنكروه ، يكتفي الرجال منهم بالرجال والنساء بالنساء ! فعند ذلك الغم الغميم والبكاء الطويل ، والويل والعويل لأهل الزوراء ، من سطوات الترك وما هم الترك ، قوم صغار الحدق ، وجوههم كالمجان المطرقة ، لباسهم الحديد ، جرد مرد ، يقدمهم ملك يأتي من حيث بدا ملكهم ، جهوري الصوت قوي الصولة عالي الهمة ، لا يمر بمدينة إلا فتحها ولا ترفع له راية إلا نكسها ، الويل الويل لمن ناوأه ، فلا يزال كذلك حتى يظفر .
فلما وصف لنا ذلك ووجدنا الصفات فيكم ، رجوناك فقصدناك ! فطيب قلوبهم وكتب لهم فرماناً باسم والدي ( رحمه الله ) يطيب فيه قلوب أهل الحلة وأعمالها »
ولم أجد مصدر هذا الحديث وسنده ، ووجدت قريباً منه في كفاية الأثر / 213 ، عن علقمة بن قيس قال : خطبنا أمير المؤمنين ( عليه السلام ) على منبر الكوفة خطبة اللؤلؤة فقال فيما قال في آخرها : « ألا وإني ظاعن عن قريب ومنطلق إلى المغيب ، فارتقبوا الفتنة الأموية والمملكة الكسروية وإماتة ما أحياه الله وإحياء ما أماته الله ، واتخذوا صوامعكم بيوتكم ، وعضوا على مثل جمر الغضا ، فاذكروا الله ذكراً كثيراً ، فذكره أكبر لو كنتم تعلمون . ثم قال : وتبنى مدينة يقال لها الزوراء بين دجلة ودجيلة والفرات ، فلو رأيتموها مشيدة بالجص والآجر ، مزخرفة بالذهب والفضة واللازورد المستسقى ، والمرمر والرخام وأبواب العاج والأبنوس ، والخيم والقباب والشارات ، وقد عُليت بالساج والعرعر والصنوبر والخشب ، وشيدت بالقصور ، وتوالت عليها ملوك بني الشيصبان أربعة وعشرون ملكاً
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 60 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
على عدد سني الملك الكديد ، فيهم السفاح والمقلاص والجموع والخدوع والمظفر والمؤنث والنظار والكبش والمهتور والعشار والمصطلم والمستصعب والعلام والرهباني والخليع والسيار والمسرف والكديد والأكتب والمترف والأكلب والوشيم والظلام والعيوق .
وتعمل القبة الغبراء ذات القلادة الحمراء ! في عقبها قائم الحق يسفر عن وجهه بين الأقاليم كالقمر المضئ بين الكواكب الدرية . ألا وإن لخروجه علامات عشراً : أولها طلوع الكوكب ذي الذنب ويقارب من الحاوي ، ويقع فيه هرج ومرج وشغب ، وتلك علامات الخصب ، ومن العلامة إلى العلامة عجب ، فإذا انقضت العلامات العشر ، إذ ذاك يظهر القمر الأزهر ، وتمت كلمة الإخلاص لله على التوحيد » . وملاحم ابن طاووس / 136 ، ومناقب ابن شهرآشوب : 2 / 273 ، ومشارق البرسي / 164 ، قال : ومن ذلك ما ورد عنه في خطبة الافتخار ، وعنه إثبات الهداة : 1 / 598 و : 2 / 442 ، والبحار : 36 / 354 ، و : 41 / 318 و 329 ، و : 52 / 267 .
لكن اعتماد علماء الحلة على الحديث المتقدم يدل على أنه ثبت عندهم بسند صحيح ، وإن لم يصلنا مصدره ، في كثير من مصادرنا التي فقدناها .
ويظهر أن الأمويين رووا أجزاء من أحاديث أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وحذفوا منها ذم بني العباس وذكر المغول ، وأضافوا لها أن بغداد يخسف بها ، أو أنها تُدَمَّر على يد السفياني !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 61 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الثالث : المنصور العباسي مؤسس بغداد

1 - شخصية المنصور وأسرته

أبو جعفر المنصور العباسي ، أو المنصور الدوانيقي ، هو ثاني الخلفاء العباسيين وهو مؤسس الدولة العباسية ، ومؤسس المذاهب الأربعة ، ومؤسس بغداد .
اسمه عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب . وكان جده عبد الله بن عباس من أصحاب أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وكان معه في حروبه مع عائشة وطلحة والزبير ومعاوية والخوارج ، ثم كان ضد يزيد بن معاوية ، وضد ابن الزبير ، وقد نفاه الأخير من مكة ، فسكن الطائف وتوفي فيها .
وكان ابنه الصغير علي بن عبد الله أحب أبنائه إليه ، فأوصاه أن يذهب بعد وفاته إلى الشام ، لأن بني أمية خير له من آل الزبير ، فهم وبنو هاشم أولاد عبد مناف .
وسكن ابنه علي في الشام وأكرمه الأمويون ، وبعده ابنه محمد ، حتى غضب عليه الخليفة الأموي فأبعده إلى الأردن ، وكان يعطيه نفقته .
وبرز ابنه إبراهيم بن محمد الذي تبناه قائد الثورة الخراسانية أبو سلمة الخلال ، فسجنه الخليفة الأموي مروان بن محمد المعروف بمروان الحمار ، ومات في السجن . وهرب إخوته السفاح والمنصور وغيرهم من بني العباس ، وكانوا يتابعون أخبار ثورة الخراسانيين على الأمويين ، لأنها كانت تحت شعار إعادة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 62 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الحق إلى الرضا من آل محمد ( صلى الله عليه وآله ) .
ولما انتصرت الثورة ووصلت قوات أبي مسلم الخراساني إلى الكوفة ، جاء العباسيون إليها ، لكن قائد الثورة أبا سلمة الخلال حبسهم في بيت ، وأرسل مبعوثاً إلى الإمام جعفر الصادق ( عليه السلام ) يعرض عليه البيعة بالخلافة ، فلم يقبل ، فعرضها على عبد الله بن الحسن فلم يقبلها له وأرادها لابنه محمد ، فقام أبو سلمة ببيعة السفاح واسمه أيضاً عبد الله .
كان السفاح أصغر من المنصور بعشر سنين ، فقد ولد المنصور سنة 95 هجرية وولد السفاح سنة 104 ، وزعموا أن أباهما أوصى للسفاح بعد إبراهيم ، لأنه أصغر إخوته ، وأمه حارثية من آل عبد المدان ، وأم المنصور أمَةٌ فارسية .
وحكم السفاح أربع سنوات وكانت عاصمته الأنبار ، وتوفي سنة 136 فجأة وهو شاب وعمره 35 سنة ، وقالوا إنه أوصى للمنصور الذي كان عمره يومها 41 سنة ، فحكم نحو 23 ، وجعل الخلافة في أولاده ، ولم تخرج منهم .
« وكان ( المنصور ) أسمر طويلاً ، نحيف الجسم ، خفيف العارضين ، يخضب بالسواد » . ( تاريخ دمشق : 32 / 346 ) . وأمه سلامة ، وهي أمة ( التنبيه للمسعودي / 295 ) من بلدة إيذة الفارسية في الأهواز ، وقد ولدت بالبصرة ، وأخذت ابنها المنصور إلى بلدها إيذة ، فقد عمل فيها جابياً ، وتزوج وولد ابنه المهدي فيها !
ولم تكن سلامة محترمة ، فقد وصفها عبد الله عم المنصور بالزانية قال : « أفَعَلَها ابن سلامة الفاعلة ، لا يكني » ! ( أنساب الأشراف / 1007 ) .
وقد كتبنا في جواهر التاريخ ترجمة وافية للمنصور ، وأبرز صفاته ، وخططه لإبادة أبناء علي وفاطمة ( عليهما السلام ) ، وقتله الإمام الصادق ( عليه السلام ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 63 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

2 - َنقَّلَ المنصور العاصمة حتى استقر في بغداد

نقل المنصور عاصمته من الأنبار إلى الحيرة ، ثم إلى الهاشميات قرب الكوفة ، ثم بنى بغداد وسكن فيها . قال في معجم البلدان : 1 / 459 : « فأنفق المنصور على عمارة بغداد ثمانية عشر ألف ألف دينار . . وذاك أن الأستاذ من الصناع كان يعمل في كل يوم بقيراط إلى خمس حبات ، والروزجاري ( العامل ) بحبتين إلى ثلاث حبات ، وكان الكبش بدرهم ، والحمل بأربعة دوانيق ، والتمر ستون رطلاً بدرهم . . . وكان بين كل باب من أبواب المدينة والباب الآخر ميل ، وفي كل ساف من أسواف البناء مائة ألف لبنة واثنان وستون ألف لبنة من اللبن الجعفري . . .
وكان المنصور كما ذكرنا بنى مدينته مدورة وجعل داره وجامعها في وسطها ، وبنى القبة الخضراء فوق إيوان ، وكان علوها ثمانين ذراعاً ، وعلى رأس القبة صنم على صورة فارس في يده رمح . . . وسقط رأس هذه القبة سنة 329 ، وكان يوم مطر عظيم ورعد هائل ، وكانت هذه القبة تاج البلد وعلم بغداد ، ومأثرة من مآثر بني العباس ، وكان بين بنائها وسقوطها مائة ونيف وثمانون سنة . . . وكان لا يدخل أحد من عمومة المنصور ولا غيرهم من شئ من الأبواب إلا راجلاً . . فقال له عمه عبد الصمد : يا أمير المؤمنين أنا شيخ كبير ، فلو أذنت لي أن أنزل داخل الأبواب فلم يأذن له . . ثم أقطع المنصور أصحابه القطائع فعمروها » .
وفي الطبري : 6 / 237 ، و 297 : « وبعث إلى راهب في الصومعة فقال : هل عندك علم أن يبنى هاهنا مدينة ؟ فقال له : بلغني أن رجلاً يقال له مقلاص يبنيها ! قال أنا والله مقلاص » ! « فرآه راهب كان هناك وهو يقدِّر بناءها فقال : لا تتم ! فبلغه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 64 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فأتاه فقال : نعم ، نجد في كتبنا أن الذي يبنيها ملك يقال له مقلاص ! قال أبو جعفر : كانت والله أمي تلقبني في صغري مقلاصاً » ! ( تاريخ بغداد : 1 / 87 ) .
وأصل المقلاص : الناقة السمينة ( الصحاح : 3 / 1053 ) وسمي به سارق مشهور كان يسرق النوق السِّمان ! ففي هامش النهاية لابن كثير : 10 / 108 : « مقلاص : اسم لص كانت تضرب به الأمثال ، وكان أبو جعفر المنصور صبياً سرق غزلاً لعجوز كانت تخدمه وباعه لينفق على أتراب له ، فلما علمت بفعلته سمته مقلاصاً ، وغلب عليه هذا اللقب » . وتاريخ الذهبي : 9 / 33 ، والنهاية : 10 / 108 .
وسماه أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بذلك في خطبته عن بني عباس ! قال ( عليه السلام ) : « وتبنى مدينة يقال لها الزوراء بين دجلة ودجيل والفرات ، فلو رأيتموها مشيدة بالجص والآجر مزخرفة بالذهب والفضة واللازورد المستسقى والمرموم والرخام وأبواب العاج والأبنوس . . وتوالت ملوك بني الشيبصان ( أي الشيطان ) أربعة وعشرون ملكاً على عدد سني الملك ، فيهم السفاح والمقلاص والجموح والخدوع والمظفر والمؤنث والنطار والكبش والكيسر والمهتور والعيار الخ . » . ( كفاية الأثر / 213 ، والمناقب : 2 / 108 ) .

3 - ظلم بني العباس أشهر من كفر إبليس !

كان السفاح أول خلفاء بني العباس ليناً أكثر من بقيتهم ! وكان شيعياً كبقية إخوته ، فقد خطب عمه داود بن علي في مراسم بيعته فقال : « أيها الناس ! الآن تقشعت حنادس الفتنة . . وأخذ القوس باريها ، ورجع الحق إلى نصابه في أهل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 65 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بيت نبيكم ، أهل الرأفة بكم والرحمة لكم والتعطف عليكم . . وإنه والله أيها الناس ما وقف هذا الموقف بعد رسول الله أحد أولى به من علي بن أبي طالب ، وهذا القائم خلفي ، فاقبلوا عباد الله ما آتاكم بشكر » . ( اليعقوبي : 2 / 350 ) .
وحكم السفاح أربع سنوات ومات دفعة ، وتولى بعده أخوه المنصور وكان أكبر منه بعشر سنوات ، ولا يبعد أنه سمه !
وحكم المنصور نحو 23 سنة ، وأباد أعمامه وإخوته أو أخضعهم ، وحصر الخلافة في أولاده ، فلم يحكم بعده أحدٌ إلا من أولاده !
وظلم بني العباس أشهر من كفر إبليس ! فقد شكى أحد من ظلمهم فحكم عليه المنصور أن يدفن حياً ! قال سديف الشاعر :

« إنا لنأمل أن ترتد ألفتنا * بعد التباعد والشحناء والإحن *
وتنقضي دولة أحكام قادتها * فينا كأحكام قوم عابدي وثن
فطالما قد بروا في الجور أعظمنا * بري الصناع قداح النبع بالسفن

فكتب المنصور إلى ( عمه حاكم المدينة ) عبد الصمد بن علي بأن يدفنه حياً ، ففعل » !
وقال أبو عطاء : يا ليت جور بني مروان دام لنا وليت عدل بني العباس في النار !
( حياة الإمام الرضا ( عليه السلام ) للسيد جعفر مرتضى / 107 ، وشرح إحقاق الحق : 3 / 421 ، عن العمدة لابن رشيق : 1 / 58 ، طبع مصر ) .
وقال المنصور لأعرابي في الشام : « أحمد الله يا أعرابي الذي رفع عنكم الطاعون بولايتنا أهل البيت ! قال : إن الله تعالى لا يجمع علينا ولايتكم والطاعون ! فسكت ولم يزل يطلب له العلل حتى قتله ! ( تاريخ دمشق : 32 / 319 ، والنهاية : 10 / 131 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 66 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي الإمامة والسياسة لابن قتيبة : 2 / 144 ، أن المنصور سأل ابن أبي ذؤيب ، ومالك بن أنس ، وابن سمعان ، وهم أئمة عند السنة : « أي الرجال أنا عندكم ، أمن أئمة العدل ، أم من أئمة الجور ؟ فقال مالك : فقلت يا أمير المؤمنين ، أنا متوسل إليك بالله تعالى وأتشفع إليك بمحمد وبقرابتك منه ، إلا ما أعفيتني من الكلام في هذا ! قال : قد أعفاك أمير المؤمنين ، ثم التفت إلى ابن سمعان فقال له : أيها القاضي ناشدتك الله تعالى أي الرجال أنا عندك ؟ فقال ابن سمعان : أنت والله خير الرجال يا أمير المؤمنين ، تحج بيت الله الحرام ، وتجاهد العدو ، وتؤمن السبل ويأمن الضعيف بك أن يأكله القوي ، وبك قوام الدين ، فأنت خير الرجال وأعدل الأئمة !
ثم التفت إلى ابن أبي ذؤيب فقال له : ناشدتك الله أي الرجال أنا عندك ؟ قال : أنت والله عندي شر الرجال ، استأثرت بمال الله ورسوله ، وسهم ذوي القربى واليتامى والمساكين ، وأهلكت الضعيف وأتعبت القوي وأمسكت أموالهم ، فما حجتك غداً بين يدي الله ؟
فقال له أبو جعفر : ويحك : ما تقول ، أتعقل ؟ أنظر ما أمامك ! قال : نعم ، قد رأيت أسيافاً ، وإنما هو الموت ولا بد منه ، عاجله خير من آجله !
ثم خرجا وجلست ، قال : إني لأجد رائحة الحنوط عليك ! قلت : أجل : لما نمى إليك عني ما نمى وجاءني رسولك في الليل ظننته القتل ، فاغتسلت وتطيبت ولبست ثياب كفنيّ ! فقال أبو جعفر : سبحان الله ما كنت لأثلم الإسلام وأسعى في نقضه ، أوَما تراني أسعى في أود الإسلام وإعزاز الدين عائذاً بالله مما قلت يا أبا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 67 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عبد الله ، انصرف إلى مصرك راشداً مهدياً ، وإن أحببت ما عندنا فنحن ممن لا يؤثر عليك أحداً ، ولا يعدل بك مخلوقاً !
فقلت : إن يجبرني أمير المؤمنين على ذلك فسمعاً وطاعة ، وإن يخيرني أمير المؤمنين اخترت العافية . فقال : ما كنت لأجبرك ولا أكرهك ، انقلب معافى مكلوءً . قال : فبت ليلتي ، فلما أصبحنا أمر أبو جعفر بصرر دنانير ، في كل صرة خمسة آلاف دينار ، ثم دعا برجل من شرطته فقال له : تقبض هذا المال وتدفع لكل رجل منهم صرة ، أما مالك بن أنس إن أخذها فبسبيله وإن ردها لا جناح عليه فيما فعل ، وإن أخذها ابن أبي ذؤيب فأتني برأسه ! وإن ردها عليك فبسبيله لا جناح عليه . وإن يكن ابن سمعان ردها فأتني برأسه وإن أخذها فهي عافيته ! فنهض بها إلى القوم ، فأما ابن سمعان فأخذها فسلم ، وأما ابن أبي ذؤيب فردها فسلم ، وأما أنا فكنت والله محتاجاً إليها فأخذتها » !
أقول : وهذا من دهاء المنصور ، ولا بد أنه قتله سراً بالسم ونحوه !

4 - الثروة التي ورَّثها المنصور لابنه

قال الربيع الحاجب : « مات المنصور وفي بيت المال شئ لم يجمعه خليفة قط قبله مائة ألف ألف درهم وستون ألف ألف درهم ، فلما صارت الخلافة إلى المهدي قسم ذلك وأنفقه . وقال الربيع : نظرنا في نفقة المنصور فإذا هو ينفق في كل سنة ألفي درهم ، مما يجئ من مال الشراة » . ( تاريخ بغداد : 3 / 11 ) .
وقال الذهبي في تاريخ الإسلام : 10 / 438 : « جمع من الأموال ما لا يعبر عنه ، وكان
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 68 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مسيكاً ( بخيلاً ) ، فذكر عن الربيع الحاجب أنه قال : مات المنصور وفي بيت المال مائة ألف ألف درهم وستون ألف ألف درهم . . وَزن ذلك المال بالقنطار الدمشقي ألف قنطار وست مائة قنطار وسبعون ، وإذا صرف بها ذهب مصري جاء أزيد من مائة قنطار وسبعين قنطاراً » .
« فتح المنصور يوماً خزانة مما قبض من خزائن مروان بن محمد فأحصى فيها اثني عشر ألف عدل خز ، فأخرج منها ثوباً وقال : يا ربيع اقطع من هذا الثوب جبتين لي واحدة ولمحمد واحدة ، فقلت : لا يجئ منه هذا . قال : فاقطع لي منه جبة وقلنسوة ، وبخل بثوب آخر يخرجه للمهدي ! فلما أفضت الخلافة إلى المهدي أمر بتلك الخزانة بعينها ففرقت على الموالي والغلمان » . ( تاريخ بغداد : 3 / 11 ) .
« قال لي المهدي : يا ربيع قم بنا حتى ندور في خزائن أمير المؤمنين ، قال فدرنا فوقفنا على بيت فيه أربع مائة حِبّ مطينة الرؤوس ، قال فقلنا : ما هذه ؟ قيل : هذه فيها أكباد مُملحة ، أعدها المنصور للحصار » . ( تاريخ دمشق : 32 / 332 ) .

5 - كان المنصور شيعياً قبل ثورة الحسنيين !

كان المنصور شيعياً وبايع مهدي الحسنيين الذين ثاروا على الأمويين لإعادة الخلافة لآل النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وكان شعارهم البراءة من بني تيم وعدي ، وبني أمية !
وكان المنصور يخدم محمداً « قال عمير بن الفضل الخثعمي : رأيت أبا جعفر المنصور يوماً وقد خرج محمد بن عبد الله بن الحسن من دار ابنه ، وله فرس واقف على الباب مع عبد له أسود ، وأبو جعفر ينتظره ، فلما خرج وثب أبو
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 69 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
جعفر فأخذ بردائه حتى ركب ، ثم سوى ثيابه على السرج ومضى محمد ! فقلت وكنت حينئذ أعرفه ولا أعرف محمداُ : من هذا الذي أعظمته هذا الإعظام حتى أخذت بركابه ، وسويت عليه ثيابه ؟ قال : أوَما تعرفه ؟ قلت : لا . قال : هذا محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن ، مهدينا أهل البيت » . ( مقاتل الطالبيين / 161 ) .
كما خطب عمه داود بن علي في مراسم بيعة السفاح ، فقال : « وإنه والله أيها الناس ما وقف هذا الموقف بعد رسول الله أحد أولى به من علي بن أبي طالب ، وهذا القائم خلفي ، فاقبلوا عباد الله ما آتاكم بشكر » . ( تاريخ ( اليعقوبي : 2 / 350 ) .
كما كان العديد من وزراء المنصور وأنصاره شيعة ، وقد أقطعهم إقطاعات في بغداد ، كآل يقطين وآل نوبخت .

6 - المنصور مهندس الخلافة ومهندس المذاهب !

بعد عشر سنوات من خلافته ، كان المنصور مشغولاً ببناء بغداد ، فواجه ثورة الحسنيين الخطيرة ، فانشغل بها عن كل شئ ، حيث أيد الحسنيين كبار فقهاء الحجاز والعراق مثل مالك بن أنس وأبي حنيفة وسفيان الثوري ، وأفتوا بوجوب الثورة معهم على المنصور ! وسماه أبو حنيفة : « لص الخلافة » !
وسيطر الحسنيون على الحجاز والبصرة والأهواز وواسط ، وهزم جيشهم الكثيف جيش المنصور ووصل إلى مشارف الكوفة ، وتهيأ المنصور للهرب لولا أن قائد الحسنيين إبراهيم بن عبد الله بن الحسن المثنى ، أصابه سهم طائش فقتله ، فاستعاد المنصور النصر عليهم !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 70 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وبعد انتصاره رابط في الكوفة ، واشتغل بترتيب أوضاع الحجاز والعراق ، بل بترتيب مستقبل الدولة العباسية ، واتخذ في ذلك قرارات تاريخية هامة ، سياسية وعقائدية وفقهية ، كانت وما زالت هي الحاكمة على حياة المسلمين وثقافتهم !
وبذلك صار المنصور عمر بن الخطاب الثاني ، لأن الأول كان مهندس الخلافة الإسلامية وخطوط ثقافتهم العامة ، وكان المنصور المهندس الثاني للخلافة ومذاهبها الفقهية وعقائدها وتفاصيل ثقافتها !
وأبرز مراسيمه وقراراته ستة :

الأول : تأسيس مذاهب مقابل مرجعية الإمام الصادق ( عليه السلام )

يعترف أئمة المذاهب بأن الإمام جعفر الصادق ( عليه السلام ) أبُ المذاهب الفقهية ، وأستاذ أئمتها ، ويروون تعظيمهم له ( عليه السلام ) علمياً وفقهياً وتقوى !
لذلك قرر المنصور أن يؤسس مذاهب فقهية بإمامة تلاميذ الإمام الصادق ( عليه السلام ) ليصرف مرجعية المسلمين منه إليهم !
قال الذهبي في سيره ( 8 / 111 ) وابن خلدون في مقدمته / 18 ، إن المنصور أحضر مالك بن أنس وقال له بدهائه : « لم يبق على وجه الأرض أعلم مني ومنك ! وإني قد شغلتني الخلافة ، فضع أنت للناس كتاباً ينتفعون به ، تجنب فيه رخص ابن عباس وشدائد ابن عمر ووطئه للناس توطئة . قال مالك : فوالله لقد علمني التصنيف يومئذ » !
وقال القاضي عياض في ترتيب المدارك / 124 : « قال مالك : فقلت له : إن أهل العراق لا يرضون علمنا ( لأنهم شيعة أو متأثرون بهم ) !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 71 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال : يُضربُ عليه عامَّتُهم بالسيف وتقطع عليه ظهورهم بالسياط » !
وشرط عليه المنصور أن لا يروي عن علي ( عليه السلام ) ! ولذلك لا تجد في الموطأ أي رواية عن علي ( عليه السلام ) ! ( مستدرك الوسائل : 1 / 20 ) .
وقد أسس مالك المذهب المالكي ، مع أنه يقول : « ما رأت عيني أفضل من جعفر بن محمد ، فضلاً وعلماً وورعاً ، وكان لا يخلو من إحدى ثلاث خصال : إما صائماً وإما قائماً وإما ذاكراً . وكان من عظماء البلاد ، وأكابر الزهاد الذين يخشون ربهم ، وكان كثير الحديث طيب المجالسة كثير الفوائد ، فإذا قال : قال رسول الله اخْضَرَّ مرةً واصْفَرَّ أخرى حتى لينكره من لا يعرفه » . ( مناقب آل أبي طالب : 3 / 396 ) .
وقال مالك أيضاً : « اختلفتُ إلى جعفر بن محمد زماناً ، وما كنت أراه إلا على ثلاث خصال : إما مصل ، وإما صائم ، وإما يقرأ القرآن ، وما رأيته يحدِّث عن رسول الله ( ص ) إلا على طهارة . وكان لا يتكلم فيما لا يعنيه ، وكان من العلماء العباد الزهاد الذين يخشون الله .
ولقد حججت معه سنة ، فلما أتى الشجرة أحرم ، فكلما أراد أن يُهِلَّ كاد يغشى عليه فقلت له : لا بد لك من ذلك ، وكان يكرمني وينبسط إلي ، فقال : يا أبن أبي عامر إني أخشى أن أقول لبيك اللهم لبيك ، فيقول : لا لبيك ولا سعديك !
ولقد أحرم جده علي بن حسين ، فلما أراد أن يقول اللهم لبيك أو قالها ، غُشِيَ عليه وسقط عن ناقته » ( التمهيد لابن عبد البر : 2 / 67 ، وبعضه تهذيب التهذيب : 2 / 88 ) .
ولو سألت مالكاً : ما دامت هذه عقيدتك في أستاذك ، فلماذا أسست مذهباً ضده ولماذا لم ترو عنه في كتابك الموطأ إلا خمسة أحاديث ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 72 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فجوابه : إن المنصور العباسي أمره بذلك ، والمأمور معذور !
وكذلك حال أبي حنيفة ، فقد سئل : « من أفقه من رأيت ؟ قال : جعفر بن محمد ، لمَّا أقْدَمَهُ المنصور بعث إليَّ فقال : يا أبا حنيفة إن الناس قد فُتنوا بجعفر بن محمد ، فهئِّ له مسائلك الشداد ، فهيأت له أربعين مسألة ، ثم بعث إليَّ أبو جعفر وهو بالحيرة فأتيته فدخلت عليه وجعفر جالس عن يمينه ، فلما بصرت به دخلني من الهيبة لجعفر ما لم يدخلني لأبي جعفر ، فسلمت عليه فأومأ إليَّ فجلست ، ثم التفت إليه فقال : يا أبا عبد الله هذا أبو حنيفة . فقال : نعم أعرفه . ثم التفت إليَّ فقال : ألق على أبي عبد الله من مسائلك ، فجعلت ألقي عليه ويجيبني ، فيقول : أنتم تقولون وكذا ، وأهل المدينة يقولون كذا ، ونحن نقول كذا ، فربما تابعنا ، وربما تابعهم ، وربما خالفنا جميعاً ، حتى أتيت على الأربعين مسألة فما أخل منها بشئ ! ثم قال أبو حنيفة : أليس قد روينا : أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس » ! ( المناقب : 3 / 378 ، وتهذيب الكمال : 5 / 79 ، وسير الذهبي : 6 / 258 . . وغيره ) .
ولو سألت أبا حنيفة : ما دامت هذه عقيدتك في أستاذك ، فلماذا أسست مذهباً ضده ، وخالفت فقهه ؟ فجوابه : هكذا أمرني أبو جعفر المنصور ، والمأمور معذور !
وقال الذهبي في سيره : 6 / 257 : « عن عمرو بن أبي المقدام قال : كنت إذا نظرت إلى جعفر بن محمد علمت أنه من سلالة النبيين ! قد رأيته واقفاً عند الجمرة يقول : سلوني ، سلوني ! وعن صالح بن أبي الأسود : سمعت جعفر بن محمد يقول سلوني قبل أن تفقدوني ، فإنه لا يحدثكم أحد بعدي بمثل حديثي » !
وقال ابن حجر في الصواعق / 201 : « ونقل الناس عنه من العلوم ما سارت به
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 73 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الركبان وانتشر صيته في جميع البلدان . روى عنه الأئمة الأكابر كيحيى بن سعيد وابن جريح ، ومالك ، والسفيانين ، وأبي حنيفة ، وشعبة ، وأيوب السجستاني » .
وقال الشيخ محمد أبو زهرة : « لا نستطيع في هذه العجالة أن نخوض في فقه الإمام جعفر ، فإنّ أُستاذ مالك وأبي حنيفة وسفيان بن عيينة ، لا يمكن أن يدرس فقهه في مثل هذه الإلمامة » .
وقال ابن أبي الحديد : « أما أصحاب أبي حنيفة فأخذوا عن أبي حنيفة ، وأما الشافعي فهو تلميذ تلميذ أبي حنيفة ، وأما ابن حنبل فهو تلميذ الشافعي . وأبو حنيفة قرأ على جعفر الصادق ، وعلمه ينتهي إلى علم جده علي ( عليه السلام ) » .
وقال الإيجي في المواقف : 3 / 638 : « كان أبو يزيد ( البسطامي ) مع علو طبقته سَقَّاءً في دار جعفر الصادق رضي الله عنه ، وكان معروف الكرخي بواب دار علي بن موسى الرضا ، هذا مما لا شبهة في صحته ، فإن معروفاً كان صبياً نصرانياً فأسلم على يد علي بن موسى وكان يخدمه . وأما أبو يزيد فلم يدرك جعفراً بل هو متأخر عن معروف ، ولكنه كان يستفيض من روحانية جعفر » . والطرائف / 520 .
وترجم الحافظ أبو نعيم في حلية الأولياء : 3 / 192 ، للإمام الصادق ( عليه السلام ) بتفصيل ، ومما قاله : « الإمام الناطق ذو الزمام السابق ، أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق ، أقبل على العبادة والخضوع ، وآثر العزلة والخشوع ، ونهى عن الرئاسة والجموع . .
أحمد بن عمرو بن المقدام الرازي قال : وقع الذباب على المنصور فذبه عنه ، فعاد فذبه حتى أضجره ، فدخل جعفر بن محمد عليه فقال له المنصور : يا أبا عبد الله لم خلق الله الذباب ؟ قال : ليُذَلَّ به الجبابرة !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 74 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأقبل على أبي حنيفة فقال : يا نعمان حدثني أبي عن جدي أن رسول الله ( ص ) قال : أول من قاس أمر الدين برأيه إبليس قال الله تعالى له : أسجد لآدم ، فقال : أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ . فمن قاس الدين برأيه قرنه الله تعالى يوم القيامة بإبليس ، لأنه اتبعه بالقياس !
ثم قال جعفر : أيهما أعظم قتل النفس أو الزنا ؟ قال قتل النفس . قال : فإن الله عز وجل قبل في قتل النفس شاهدين ولم يقبل في الزنا إلا أربعة ! ثم قال : أيهما أعظم الصلاة أم الصوم ؟ قال : الصلاة ، قال : فما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة فكيف ويحك يقوم لك قياسك ! إتق الله ولا تقس الدين برأيك » .

الثاني : إبادة العلويين حتى أطفالهم !

اتخذ المنصور قراراً بإبادة العلويين جميعاً حتى لو لم يقوموا بعمل ضد حكمه !
قال المفيد ( رحمه الله ) في الإرشاد : 1 / 311 : « ومن آيات الله تعالى فيه ( أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ) أنه لم يُمْنَ أحد في ولده وذريته بما مني ( عليه السلام ) في ذريته ، وذلك أنه لم يعرف خوف شمل جماعة من ولد نبي ولا إمام ولا ملك زمان ولا بر ولا فاجر ، كالخوف الذي شمل ذرية أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، ولا لحق أحداً من القتل والطرد عن الديار والأوطان والإخافة والإرهاب ما لحق ذرية أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وولده !
ولم يجر على طائفة من الناس من ضروب النكال ما جرى عليهم من ذلك ، فقتلوا بالفتك والغيلة والاحتيال ، وبني على كثير منهم وهم أحياء البنيان ، وعذبوا بالجوع والعطش حتى ذهبت أنفسهم على الهلاك ، وأحوجهم ذلك إلى
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 75 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
التمزق في البلاد ومفارقة الديار والأهل والأوطان ، وكتمان نسبهم عن أكثر الناس ! وبلغ بهم الخوف إلى الإستخفاء من أحبائهم فضلاً عن الأعداء ، وبلغ هربهم من أوطانهم إلى أقصى الشرق والغرب والمواضع النائية في العمران ، وزهد في معرفتهم أكثر الناس ، ورغبوا عن تقريبهم والاختلاط بهم ، مخافة على أنفسهم وذراريهم من جبابرة الزمان » ! !
وقال الحاكم الأنماطي النيسابوري كما في عيون أخبار الرضا ( عليه السلام ) : 2 / 102 : « لما بني المنصور الأبنية ببغداد ، جعل يطلب العلوية طلباً شديداً ، ويجعل من ظفر منهم في الأسطوانات المجوفة المبنية من الجص والآجر ! فظفر ذات يوم بغلام منهم حسن الوجه ، عليه شعر أسود من ولد الحسن بن علي بن أبي طالب ( عليهم السلام ) ، فسلمه إلى البناء الذي كان يبني له وأمره أن يجعله في جوف أسطوانة ويبني عليه ووكل عليه من ثقاته من يراعي ذلك حتى يجعله في جوف أسطوانة بمشهده ! فجعله البناء في جوف أسطوانة فدخلته رقه عليه ورحمه له ، فترك الأسطوانة فرجه يدخل منها الروْح ، فقال للغلام : لا باس عليك فاصبر فإني سأخرجك من جوف هذه الأسطوانة إذا جن الليل ، فلما جن الليل جاء البناء في ظلمه فأخرج ذلك العلوي من جوف تلك الأسطوانة وقال له : إتق الله في دمى ودم الفعلة الذين معي وغيب شخصك فإني إنما أخرجتك ظلمة هذه الليلة من جوف هذه الأسطوانة لأني خفت إن تركتك في جوفها أن يكون جدك رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يوم القيامة خصمي بين يدي الله عز وجل ، ثم أخذ شعره بآلات الجصاصين كما أمكن وقال : غيب شخصك وانج بنفسك ، ولا ترجع إلى أمك . فقال الغلام :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 76 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فإن كان هذا هكذا فعرِّف أمي أني قد نجوت وهربت ، لتطيب نفسها ويقل جزعها وبكاؤها وإن لم يكن لعودي إليها وجه ! فهرب الغلام ولا يدرى أين قصد من وجه أرض الله تعالى ولا إلى أي بلد وقع ؟ ! قال ذلك البنَّاء : وقد كان الغلام عرفني مكان أمه وأعطاني العلامة ، فأنهيت إليها في الموضع الذي دلني عليه فسمعت دوياً كدوي النحل من البكاء ، فعلمت أنها أمه فدنوت منها وعرفتها خبر ابنها وأعطيتها شعره وانصرفت » .
وقد تقدم قول الإمام الصادق ( عليه السلام ) كما في مقاتل الطالبيين / 233 : « لما قتل إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بباخمرى ، حُسرنا عن المدينة ولم يُترك فيها منا محتلم ، حتى قدمنا الكوفة ، فمكثنا فيها شهراً ، نتوقع فيها القتل . . الخ . » !
وقال الصدوق ( رحمه الله ) في عيون أخبار الرضا ( عليه السلام ) : 1 / 100 : « باب ذكر من قتله الرشيد من أولاد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بعد قتله لموسى بن جعفر ( عليهما السلام ) بالسم في ليله واحدة ، سوى قتل منهم في سائر الأيام والليالي !
حدثنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن الحسن البزاز . . . حدثني عبيد الله البزاز النيسابوري وكان مسناً قال : كان بيني وبين حميد بن قحطبة الطائي الطوسي معاملة فرحلت إليه في بعض الأيام فبلغه خبر قدومي فاستحضرني للوقت وعليَّ ثياب السفر لم أغيرها ، وذلك في شهر رمضان وقت صلاة الظهر ، فلما دخلت عليه رأيته في بيت يجري فيه الماء فسلمت عليه وجلست ، فأتيَ بطشت وإبريق فغسل يديه ، ثم أمرني فغسلت يدي وأحضرت المائدة ، وذهب عني أني صائم وأني في شهر رمضان ، ثم ذكرت فأمسكت يدي ، فقال لي حميد : ما لك لا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 77 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
تأكل ؟ فقلت : أيها الأمير هذا شهر رمضان ولست بمريض ولا بي علةٌ توجب الإفطار ، ولعل الأمير له عذر في ذلك أو علة توجب الإفطار ! فقال : ما بي علةٌ توجب الإفطار وإني لصحيح البدن ، ثم دمعت عيناه وبكى ! فقلت له بعد ما فرغ من طعامه : ما يبكيك أيها الأمير ؟ فقال : أنفذ هارون الرشيد وقت كونه بطوس في بعض الليل أن أجب ، فلما دخلت عليه رأيته بين يديه شمعة تتقد وسيفاً أخضر مسلولاً ، وبين يديه خادم واقف . فلما قمت يديه رفع رأسه إليَّ فقال : كيف طاعتك لأمير المؤمنين ؟ فقلت : بالنفس والمال ! فأطرق ثم أذن لي في الانصراف ، فلم ألبث في منزلي حتى عاد الرسول إليَّ وقال : أجب أمير المؤمنين ، فقلت في نفسي : إنا لله ، أخاف يكون قد عزم على قتلي وإنه لما رآني استحيا مني ! وقعدت إلى بين يديه فرفع رأسه إليَّ فقال : كيف طاعتك لأمير المؤمنين ؟ فقلت : بالنفس والمال والأهل والولد ! فتبسم ضاحكاً ، ثم أذن لي في الانصراف ، فلما دخلت منزلي لم ألبث أن عاد إليَّ الرسول فقال : أجب أمير المؤمنين ، فحضرت بين يديه وهو على حاله ، فرفع رأسه إليَّ وقال لي : كيف طاعتك لأمير المؤمنين ؟ فقلت : بالنفس والمال والأهل والولد والدين ! فضحك ثم قال لي : خذ هذا السيف وامتثل ما يأمرك به الخادم !
قال : فتناول الخادم السيف وناولنيه وجاء بي إلى بيت بابه مغلق ففتحه ، فإذا فيه بئر في وسطه وثلاثة بيوت أبوابها مغلقة ، ففتح باب بيت منها فإذا فيه عشرون نفساً عليهم الشعور والذوائب ، شيوخ وكهول وشبان ، مقيدون .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 78 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فقال لي : إن أمير المؤمنين يأمرك بقتل هؤلاء وكانوا كلهم علوية من ولد علي وفاطمة ، فجعل يُخرج إليَّ واحداً بعد واحد فأضرب عنقه ، حتى أتيت على آخرهم ! ثم رمى بأجسادهم ورؤوسهم في تلك البئر .
ثم فتح باب بيت آخر فإذا فيه أيضاً عشرون نفساً من العلوية من ولد علي وفاطمة ، مقيدون فقال لي : إن أمير المؤمنين يأمرك بقتل هؤلاء ، فجعل يُخرج إليَّ واحداً بعد واحد فأضرب عنقه ويرمى به في تلك البئر ، حتى أتيت على آخرهم !
ثم فتح باب البيت الثالث فإذا فيه مثلهم عشرون نفساً من ولد علي وفاطمة مقيدون عليهم الشعور والذوائب ، فقال لي : إن أمير المؤمنين يأمرك بقتل هؤلاء أيضاً ، فجعل يُخرج إليَّ واحداً بعد واحد فأضرب عنقه ويرمى به في تلك البئر حتى أتيت على تسعه عشر نفساً منهم ، وبقى شيخٌ منهم عليه شعر فقال لي : تباً لك يا ميشوم ! أي عذر لك يوم القيامة إذا قدمت عليه جدنا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وقد قتلت من أولاده ستين نفساً قد ولدهم عليٌّ وفاطمة ؟ ! فارتعشت يدي وارتعدت فرايصي فنظر إليَّ الخادم مغضباً وزبرني ! فأتيت على ذلك الشيخ أيضاً فقتلته ورمى به في تلك البئر !
فإذا كان فعلي هذا وقد قتلت ستين نفساً من ولد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فما ينفعني صومي وصلاتي ! وأنا لا أشك أني مخلد في النار !
قال مصنف هذا الكتاب : للمنصور مثل هذه الفعلة في ذريه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) » !
أقول : ولم يكتف المنصور بذلك حتى أوصى ابنه بمواصلة سياسته في إبادة أبناء علي وفاطمة ( عليهما السلام ) ، وابتكر لوصيته أسلوباً خاصاً لتكون مؤثرة في ابنه !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 79 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال الطبري في تاريخه : 6 / 343 : « لما عزم المنصور على الحج دعا ريطة بنت أبي العباس امرأة المهدي ، وكان المهدي بالري قبل شخوص أبي جعفر ، فأوصاها بما أراد وعهد إليها ودفع إليها مفاتيح الخزائن ، وتقدم إليها وأحلفها ووكد الأَيمان أن لا تفتح بعض تلك الخزائن ، ولا تطلع عليها أحداً إلا المهدي ولا هي إلا أن يصح عندها موته فإذا صح ذلك اجتمعت هي والمهدى وليس معهما ثالث حتى يفتحا الخزانة ! فلما قدم المهدي من الري إلى مدينة السلام دفعت إليه المفاتيح وأخبرته عن المنصور أنه تقدم إليها فيه ألا يفتحه ولا يطلع عليه أحداً حتى يصح عندها موته ، فلما انتهى إلى المهدى موت المنصور وولي الخلافة ، فتح الباب ومعه ريطة فإذا أزج كبير فيه جماعة من قتلاء الطالبيين وفي آذانهم رقاع فيها أنسابهم ! وإذا فيهم أطفال ورجال شباب ومشايخ ، عدة كثيرة ! فلما رأى ذلك ارتاع لما رأى ، وأمر فحفرت لهم حفيرة فدفنوا فيها ، وعمل عليهم دكاناً » . أي بنى عليهم بناء ، والأزج غرفة مخروطية داخل تلك الغرفة فيها جماجم القتلى العلويين رحمهم الله . ( لسان العرب : 2 / 208 ، والصحاح : 1 / 298 ) .
ويقصد المنصور من كتابة نسب كل واحد منهم في رقعة أن يقول لابنه لا تخف من النسب وكونهم أبناء النبي ( صلى الله عليه وآله ) وذريته من فاطمة وعلي ( عليهما السلام ) !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 80 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الثالث : أحيا المنصور حملة الأمويين ضد علي ( عليه السلام ) !

فقد شدد في النهي عن رواية فضائل علي ( عليه السلام ) وعاقب من يرويها ، كما أصدر مرسوماً أمر فيه بتعظيم أبي بكر وعمر على المنابر ، لأنهم خصوم علي ( عليه السلام ) .
روى الحافظ ابن المغازلي في فضائل علي ( عليه السلام ) / 226 ، والحافظ ابن حسنويه الحنفي ، بسنده عن سلمان بن الأعمش عن أبيه قال : « وجّه إليَّ المنصورُ فقلت للرسول : لما يريدني أمير المؤمنين ؟ قال : لا أعلم ، فقلت : أبلغه أني آتيه ، ثمّ تفكرتُ في نفسي فقلت : ما دعاني في هذا الوقت لخير ، ولكن عسى أن يسألني عن فضائل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب فإن أخبرته قتلني !
قال : فتطهرتُ ولَبستُ أكفاني وتحنَّطتُ ثم كتبت وصيتي ، ثمّ صرت إليه فوجدت عنده عمرو بن عُبيد ، فحمدت الله تعالى على ذلك وقلت : وجدت عنده عون صدق من أهل النصرة . فقال لي : أدن يا سليمان فدنوت ، فلمّا قرُبتُ منه أقبلتُ على عمرو بن عُبيد أُسائله وفاح مِنّي ريح الحُنوط . فقال : يا سليمان ما هذه الرائحة ؟ والله لتصْدُقني وإلاّ قتلتُك . فقلت : يا أمير المؤمنين أتاني رسولك في جَوف الليل فقلت في نفسي : ما بعث إليّ أمير المؤمنين في هذه السّاعة إلاّ ليسألني عن فضائل عليّ فان أخبرته قتلني ، فكتبتُ وصيّتي ولبستُ كفَني وتحنَّطَتُ . فاستوى جالساً وهو يقول : لا حول ولا قوة إلا بالله العليِّ العظيم . ثم قال : أتدري يا سلمان ما اسمي ؟ فقلت : يا أمير المؤمنين دعنا الساعة من هذا . فقال : ما اسمي ؟ فقلت : عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب . قال : صدقت فأخبرني بالله وقرابتي من رسول الله كم رويت من
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 81 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
حديث علي بن أبي طالب وكم من فضيلة من جميع الفقهاء ؟ قلت : شئ يسير يا أمير المؤمنين . قال : كم ؟ قلت : مقدار عشرة آلاف حديث وما يزداد . قال : يا سلمان ألا أحدثك بحديث في فضائل علي يأكل كل حديث رويته عن جميع الفقهاء ، فإن حلفت لا ترويها لأحد من الشيعة حدثتك بها ! قال : لا أحلف ولا أحدث بها . قال : إسمع . كنت هارباً من بني مروان وكنت أدور البلدان أتقرب إلى الناس بحب علي وفضائله . . الخ . » .
ولم يقتل المنصور الأعمش يومها ، لكن من الطبيعي أن يكون قتله بعدها بالسم !

الرابع : أمر بتعظيم أبي بكر وعمر لأنهما خصوم علي ( عليه السلام )

قال البياضي في الصراط المستقيم : 3 / 204 : « لمَّا وقع بينه وبين العلوية خلاف قال : والله لأرغمن أنفي وأنوفهم ، ولأرفعن عليهم بني تيم وعدي ، وذكر الصحابة في
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 82 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
خطبته ، واستمرت البدعة إلى الآن » !
وقال العلامة الحلي ( رحمه الله ) في منهاج الكرامة / 69 : « ابتدعوا أشياء اعترفوا بأنها بدعة ، وأن النبي ( صلى الله عليه وآله ) قال : كل بدعة ضلالة وكل ضلالة فإن مصيرها إلى النار . وقال : من أدخل في ديننا ما ليس منه فهو ردٌّ عليه ! ولو رُدُّوا عنها كرهته نفوسهم ونفرت قلوبهم ، كذكر الخلفاء في خطبتهم ، مع أنه بالإجماع لم يكن في زمن النبي ( صلى الله عليه وآله ) ولا في زمن أحد من الصحابة والتابعين ، ولا في زمن بني أمية ولا في صدر ولاية العباسيين ، بل هو شئ أحدثه المنصور لما وقع بينه وبين العلوية فقال : والله لأرغمن أنفي وأنوفهم ، وأرفعن عليهم بني تيم وعدي ، وذكر الصحابة في خطبته ، واستمرت هذه البدعة إلى هذا الزمان » ! انتهى .
فالهدف الأهم عنده أن يواجه ثورات العلويين ، لذلك رأى أن يعيد الاعتبار لأبي بكر وعمر ، حتى لو ناقض بذلك نفسه ونقض مذهب بني العباس ! فقوله : لأرغمن أنفي وأنوف بني علي ، معناه : عليَّ وعلى أعدائي يا رب ! فأصدر أمرهً إلى خطباء الجمعة في أنحاء الدولة بأن يترضوا على أبي بكر وعمر ، وأمر الفقهاء أن يفتوا به : « قال مالك : قال لي المنصور : من أفضل الناس بعد رسول الله ؟ فقلت : أبو بكر وعمر . فقال : أصبت ! وذلك رأي أمير المؤمنين » . ( النهاية لابن كثير : 10 / 130 ) .
وقد بحثنا مرسومه في الترضي عن الشيخين في كتاب : كيف رد الشيعة غزو المغول .

الخامس : تعظيم جده العباس وحصر الخلافة بأولاده

فقد وضع المنصور وأولاده أحاديث في مناقب العباس وأنه الوارث الوحيد للنبي ( صلى الله عليه وآله ) لأنه عمه ، وأنه أولى به من ابن عمه علي ( عليه السلام ) وولديه الحسن والحسين ( عليهما السلام ) ، وبعد العباس يأتي مقام أبي بكر وعمر ، رغم أنهم أخذا الخلافة وهي حقٌّ للعباس وأولاده ! لكن رضي الله عنهما ، فهما خير من علي وأبناء علي !
ثم زعم المنصور أنه رأى النبي ( صلى الله عليه وآله ) في منامه فعقد له لواءً وأوصاه بأمته « وعممه بعمامة من 23 دوراً ، وقال له : خذها إليك أبا الخلفاء إلى يوم القيامة » !
قال « ينبغي لكم أن تثبتوها في ألواح الذهب وتعلقوها في أعناق الصبيان » ! ( تاريخ بغداد : 1 / 85 ، وتاريخ دمشق : 32 / 301 ، وابن كثير : 10 / 129 ، وحكم بصحة المنام ) !
وكان المنصور وأولاده لا يقبلون أن يقال إن جدهم العباس قال لعلي عند وفاة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 83 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
النبي ( صلى الله عليه وآله ) : « أبسط يدك أبايعك فيقال : عم رسول الله بايع ابن عم رسول الله ، فلا يختلف عليك اثنان . فقال له علي : ومن يطلب هذا الأمر غيرنا » ! ( الإمامة والسياسة : 1 / 12 ، والاقتصاد / 214 ، والنزاع والتخاصم / 78 ) .
أو يقال إن الحسنين أبناء النبي ( صلى الله عليه وآله ) لقوله تعالى : فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ . .
ولا أن يذكر مذهب جدهم عبد الله بن عباس وأحاديثه ، لأنه كان تلميذاً مطيعاً لعلي ( عليه السلام ) ناطقاً بفضائله ووصية النبي ( صلى الله عليه وآله ) له بالخلافة !
وكلها تنقض ما يريده المنصور من تمجيد جده العباس وحصر الخلافة به هو !
قال أحمد بن حنبل في العلل : 2 / 312 : « قدم بن جريج على أبي جعفر ( المنصور ) فقال له : إني قد جمعت حديث جدك عبد الله بن عباس ، وما جمعه أحد جمعي أو نحو ذا ، قال : فلم يعطه شيئاً ! فضمه إلى سليمان بن مجالد . . . فأحسن إلى ابن جريج يعني أعطاه وأكرمه ، فقال له بن جريج : ما أدري ما أجزيك به ، ولكن خذ كتبي هذه فانسخوها ، فبعضها سماع وبعضها عرض » .
واسمع ما يقوله ابن جريح وهو ربيعة الرأي وأستاذ مالك بن أنس !
« أتينا مالك بن أنس فجعل يحدثنا عن ربيعة الرأي بن أبي عبد الرحمن ، فكنا نستزيده حديث ربيعة ، فقال لنا ذات يوم : ما تصنعون بربيعة هو نائم في ذاك الطاق ! فأتينا ربيعة فأنبهناه ، فقلنا له : أنت ربيعة بن أبي عبد الرحمن ؟ قال : بلى ، قلنا : ربيعة بن فروخ ؟ قال بلى ، قلنا ربيعة الرأي ؟ قال بلى . قلنا هذا الذي يحدث عنك مالك بن أنس ؟ قال بلى ، قلنا له : كيف حظي بك مالك ولم تحظ أنت بنفسك ؟ قال : أما علمتم أن مثقالاً من دولة خير من حِمْل علم » ! ( تاريخ بغداد : 8 / 423 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 84 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

7 - المنصور يحاول قتل الإمام الكاظم ( عليه السلام )

عندما ارتكب المنصور قتل الإمام الصادق ( عليه السلام ) بالسم في سنة 148 ، كان عمر الإمام الكاظم ( عليه السلام ) نحو عشرين سنة ، وعاش المنصور بعدها عشر سنوات ، وقد ذكرت نصوص سياسة المنصور مع الإمام الكاظم ( عليه السلام ) ومحاولته قتله !
أولها : في إحدى المرات التي أمر بقتل الإمام الصادق ( عليه السلام ) ولم يوفق !
فقد روى في الدر النظيم / 622 ، لابن حاتم العاملي عن : « قيس بن الربيع قال : حدثنا أبي الربيع قال : دعاني المنصور يوماً وقال : أما ترى ما هو ذا يبلغني عن هذا الحبشي ؟ قلت : ومن هو يا سيدي ؟ قال : جعفر بن محمد ، والله لأستأصلن شأفته . ثم دعا بقائد من قواده فقال له : انطلق إلى المدينة في ألف رجل فاهجم على جعفر بن محمد وخذ رأسه ورأس ابنه موسى بن جعفر ! فخرج القائد من ساعته حتى قدم المدينة وأخبر جعفر بن محمد ، فأمر فأتيَ بناقتين فأوثقهما على باب البيت ، ودعا بأولاده موسى وإسماعيل ومحمد وعبيد الله ، فجمعهم وقعد في المحراب وجعل يهمهم . قال أبو نصر : فحدثني سيدي موسى بن جعفر أن القائد هجم عليه فرأيت أبي وقد همهم بالدعاء ، فأقبل القائد وكل من كان معه وقال : خذوا رأس هذين القائمين ، ففعلوا وانطلقوا إلى المنصور ، فلما دخلوا عليه أطلع المنصور في المخلاة التي كان فيها الرأسان ، فإذا هما رأسا ناقتين !
فقال المنصور : وأي شئ هذا ؟ ! قال : يا سيدي ما كان أسرع من أن دخلت البيت الذي فيه جعفر بن محمد فدار رأسي ولم أنظر ما بين يديَّ فرأيت شخصين قائمين خُيِّل إليَّ أنهما جعفر بن محمد وموسى ابنه ، فأخذت رأسيهما !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 85 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فقال المنصور : أكتم عليَّ ! فقال : ما حدثت به أحداً حتى مات !
قال الربيع : فسألت موسى بن جعفر ( عليه السلام ) عن الدعاء فقال : سألت أبي عن الدعاء فقال : هو دعاء الحجاب وهو : بسم الله الرحمن الرحيم : وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا . وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا . اللهم إني أسألك بالاسم الذي به تحيي وتميت وترزق وتعطي وتمنع ، يا ذا الجلال والإكرام ، اللهم من أرادنا بسوء من جميع خلقك فأعم عنا عينه ، واصمم عنا سمعه واشغل عنا قلبه ، واغلل عنا يده ، واصرف عنا كيده . وخذه من بين يديه وعن يمينه وعن شماله ومن تحته ومن فوقه ، يا ذا الجلال والإكرام » .
وثانيها : عندما قتل الإمام الصادق ( عليه السلام ) بالسم أرسل إلى واليه على المدينة : أنظر إن كان أوصى إلى شخص فاقتله وابعث إليَّ برأسه ! وهذا ينسجم مع قرار المنصور بإبادة ذرية علي وفاطمة ( عليهما السلام ) !
قال كاتبه أبو أيوب الخوزي كما في الكافي : 1 / 311 ، وغيبة الطوسي / 198 ، واللفظ له : « بعث إلي أبو جعفر المنصور في جوف الليل فدخلت عليه وهو جالس على كرسي ، وبين يديه شمعة وفي يده كتاب ، فلما سلمت عليه رمى الكتاب إلي وهو يبكي وقال : هذا كتاب محمد بن سليمان يخبرنا أن جعفر بن محمد قد مات ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ( ثلاثاً ) وأين مثل جعفر ؟ ! ثم قال لي : أكتب فكتبت صدر الكتاب ، ثم قال : أكتب إن كان أوصى إلى رجل بعينه فقدمه واضرب عنقه ! قال : فرجع الجواب إليه : إنه قد أوصى إلى خمسة : أحدهم أبو جعفر المنصور ، ومحمد بن سليمان ( واليه على المدينة ) وعبد الله وموسى ابني جعفر ، وحميدة ! فقال
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 86 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
المنصور ليس إلى قتل هؤلاء سبيل » .
وهذا يدل على أن المنصور كان يريد مبرراً لقتل الإمام موسى الكاظم ( عليه السلام ) ، لأن أباه كان ينص عليه من صغره بأنه الإمام بعده ، وقد امتحنه أبو حنيفة وهو صبي وأجابه وأفحمه ، وظهرت منه معجزات . لذا وسع الإمام الصادق ( عليه السلام ) وصيته وجعل أوصياءه خمسة أولهم المنصور نفسه ، ثم واليه على المدينة ، ليحفظ حياة الإمام الكاظم ( عليه السلام ) ويحبط تعطش المنصور لدماء أبناء علي ( عليه السلام ) !
وفي مناقب آل أبي طالب : 3 / 434 ، أن أبا حمزة الثمالي ( رحمه الله ) لما بلغته وصية الإمام الصادق ( عليه السلام ) قال : « الحمد لله الذي هدانا إلى المهدي . بين لنا عن الكبير ، ودلنا على الصغير ، وأخفى عن أمر عظيم . فسئل عن قوله فقال : بين عيوب الكبير ودل على الصغير لإضافته إياه ، وكتم الوصية للمنصور ، لأنه لو سأل المنصور عن الوصي لقيل أنت » .
وثالثها : ورد أن الإمام الكاظم ( عليه السلام ) غادر المدينة ، وتخفَّى عن السلطة في قرى الشام ، لفترة لم يحددها الراوي . ففي مناقب آل أبي طالب : 3 / 427 : « دخل موسى بن جعفر ( عليه السلام ) بعض قرى الشام متنكراً هارباً ، فوقع في غار وفيه راهب يعظ في كل سنة يوماً ، فلما رآه الراهب دخله منه هيبة فقال : يا هذا أنت غريب ؟ قال ( عليه السلام ) : نعم . قال : منا أو علينا ؟ قال ( عليه السلام ) : لست منكم . قال : أنت من الأمة المرحومة ؟ قال ( عليه السلام ) : نعم . قال : أفمن علمائهم أنت أم من جهالهم ؟ قال ( عليه السلام ) : لست من جهالهم . فقال : كيف طوبى أصلها في دار عيسى ، وعندكم في دار محمد وأغصانها في كل دار ؟ فقال ( عليه السلام ) : الشمس قد وصل ضوؤها إلى كل مكان وكل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 87 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
موضع وهي في السماء . قال : وفي الجنة لا ينفد طعامها وإن أكلوا منه ولا ينقص منه شئ ؟ قال ( عليه السلام ) : السراج في الدنيا يقتبس منه ولا ينقص منه شئ .
قال : وفي الجنة ظل ممدود ؟ فقال ( عليه السلام ) : الوقت الذي قبل طلوع الشمس كلها ظل ممدود ، قاله تعالى : أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا .
قال : ما يؤكل ويشرب في الجنة ، لا يكون بولاً ولا غائطاً ؟
قال ( عليه السلام ) : الجنين في بطن أمه !
قال : أهل الجنة لهم خدم يأتونهم بما أرادوا بلا أمر ؟ فقال ( عليه السلام ) إذا احتاج الإنسان إلى شئ عرفت أعضاؤه ذلك ، ويفعلون بمراده من غير أمر .
قال : مفاتيح الجنة من ذهب أو فضة ؟ قال ( عليه السلام ) : مفتاح الجنة لسان العبد لا إله إلا الله . قال : صدقت ، وأسلم والجماعة معه » .
ورابعها : يدل على أن المنصور استعمل الليونة والاحترام مع الإمام الكاظم ( عليه السلام ) وأراد أن يظهر للفرس أن علاقته به جيدة ، أو يعرف تعاطف الفرس معه ( عليه السلام ) !
ففي مناقب آل أبي طالب : 3 / 433 : « وحكي أن المنصور تقدم إلى موسى بن جعفر بالجلوس للتهنئة في يوم النيروز وقبض ما يحمل إليه فقال ( عليه السلام ) : إني قد فتشت الأخبار عن جدي رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فلم أجد لهذا العيد خبراً ، وإنه سنة للفرس ومحاها الإسلام ، ومعاذ الله أن نحيي ما محاه الإسلام !
فقال المنصور : إنما نفعل هذا سياسة للجند ، فسألتك بالله العظيم إلا جلست ، فجلس ودخلت عليه الملوك والأمراء والأجناد يهنونه ويحملون إليه الهدايا والتحف ، وعلى رأسه خادم المنصور يحصي ما يحمل ، فدخل في آخر الناس
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 88 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
رجل شيخ كبير السن فقال له : يا ابن بنت رسول الله إنني رجل صعلوك لا مال لي ، أتحفك بثلاث أبيات قالها جدي في جدك الحسين بن علي :

عجبت لمصقول علاك فرنده * يوم الهياج وقد علاك غبار
ولا سهم نفذتك دون حرائر * يدعون جدك والدموع غزار
ألا تقضقضت السهام وعاقها * عن جسمك الإجلال والإكبار

قال : قبلت هديتك ، أجلس بارك الله فيك ، ورفع رأسه إلى الخادم وقال : إمض إلى أمير المؤمنين وعرفه بهذا المال وما يصنع به ؟ فمضى الخادم وعاد وهو يقول : كلها هبة مني له يفعل به ما أراد ، فقال موسى ( عليه السلام ) للشيخ : إقبض جميع هذا المال فهو هبة مني لك » !
أقول : قام الفرس بالثورة على بني أمية وسلموا قيادتها إلى بني العباس ، وكانت سلامة أم المنصور فارسية من بلدة إيذه أو إيذج قرب الأهواز ، فكان المنصور يتكلم الفارسية ويألفها ، وسكن في إيذة وتزوج وولد فيها ابنه محمد الذي سماه المهدي . وكان يحتفل مع الفرس بعيد النوروز ، ويستقبل قادة الدولة ويقدمون له الهدايا الثمينة على رسومهم ، ولا بد أنه خطط لجلوس الإمام ( عليه السلام ) مكانه وتحجج بالمرض ، ليقول للناس إن موسى بن جعفر ( عليه السلام ) مؤيد له يُقر بشرعيته ، وأن المنصور يحترمه ويستنيبه في بعض المراسم التشريفية ، ويظهر أن ذلك كان بعد ليونة الإمام ( عليه السلام ) معه وتطمينه بأنه ليس في صدد الثورة عليه .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 89 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الرابع : الإمام الكاظم ( عليه السلام ) قديس بغداد

1 - شريط سيرة الإمام الكاظم ( عليه السلام )

1 . أبوه الإمام جعفر الصادق ( عليه السلام ) سادس أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) ، وأستاذ أئمة المذاهب الإسلامية . وأمه حميدة المُصَفَّاة البربرية ، ويبدو أنها كانت سمراء فانتقلت منها السمرة إلى الإمام ( عليه السلام ) .
2 . في الخامسة من عمره الشريف أجلسه والده الإمام الصادق ( عليه السلام ) ، فتحدث لأحبار اليهود عن معجزات النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وسيأتي ذلك في أواخر الكتاب .
3 . كان صبياً فسأله أبو حنيفة عن الجبر والاختيار ، فأجابه جواباً علمياً مقنعاً .
4 . عرَّفه الإمام الصادق ( عليه السلام ) إلى أصحابه في حياته ، وأنه الإمام بعده .
5 . في العشرين من عمره استشهد أبوه الإمام الصادق ( عليه السلام ) واستقل بالإمامة وعاش بعد أبيه خمساً وثلاثين سنة ، إلى أن استشهد سنة 183 في سجن هارون .
6 . في الحادية وعشرين من عمره كان في العراق وجاء إلى الحج ، فرآه شقيق البلخي سنة 149 ، وربما كان المنصور أحضره إلى العراق ، أو كان في زيارة إلى المؤمنين بالكوفة ، أو في زيارة قبر جده أمير المؤمنين وجده الحسين ( عليهم السلام ) .
7 . عاصر المنصور العباسي وجلس مكانه مرة لاستقبال المهنئين بعيد النوروز .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 90 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
8 . عاصر حكم المهدي بن المنصور عشر سنوات ، وأحضره مرة إلى بغداد ليسأله عن قوم ثمود ومدائن صالح ، ثم حبسه ، فرأى مناماً مرعباً فأطلقه .
9 . عاصر موسى الهادي ، وفي عهده كانت ثورة صاحب فخ واتهم الخليفة الإمام ( عليه السلام ) بأنه هو الآمر بالثورة ، وقرر قتله ، لكنه أمه الخيزران قتلته قبل ذلك .
10 . عاصر هارون المسمى بالرشيد ثلاث عشرة سنة ، وكتب إلى الخيزران يعزيها بموت ولدها المهدي ، ويهنيها بحكم ولدها هارون !
11 . أحضره هارون إلى بغداد في سنة توليه الخلافة ، وقد يكون فرض عليه الإقامة الجبرية فيها ، ثم حبسه فرأى آياته وأطلقه وأعطاه ثلاثين ألف درهم .
12 . حبسه هارون في سنة 179 في سجن البصرة لمدة سنة ، ثم نقله إلى بغداد وأبقاه أربع سنوات في الإقامة الجبرية والسجون ، إلى أن قتله بالسم سنة 183 .
13 . وردت الرواية بأنه كان في الشام فترة ، والتقى ببعض علماء النصارى ، ولعله كان غيَّب نفسه في زمن المنصور أو المهدي العباسي قبل أن يحبسه .
14 . عاش في بغداد فترات في وضع الإقامة الجبرية ، وكان له مجالس مع هارون ووزرائه وغيرهم ، وفي هذه المدة رأى بشراً الحافي ، وقد وصفت الرواية بيته المتواضع الذي كان يعيش فيه في بغداد ، وهو يختلف عن بيته في المدينة .
15 . روت المصادر له ( عليه السلام ) عدة أحاديث ومناظرات مع هارون الرشيد ، كانت في فترات إحضاره وحبسه وإقامته الجبرية .
16 . قيل إنه ( عليه السلام ) حبس في واسط سنة ، ولم نجد ذلك في المصادر التي بأيدينا .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 91 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
17 . أبرز برنامج في حياة الإمام ( عليه السلام ) العبادة وسجوداته الطويلة ، وكان يشكر ربه في السجن على أنه فرغه لعبادته .
18 . روي عنه الكثير من العلم ، من ذلك مسائل علي بن جعفر ، وكتاب الحلال والحرام ، ورسالة في العقل لهشام بن الحكم . ومئات الروايات في مسائل من عقائد الإسلام وأحكامه . وكل أحاديث متميزة كأحاديث آبائه الأئمة ( عليهم السلام ) .
19 . كان يدير شيعته في العالم ، وفيهم شخصيات كبيرة كعلي بن يقطين وزير المهدي وهارون ، والحسن بن راشد ، وجعفر بن محمد بن الأشعث من وزراء هارون أيضاً ، وهشام بن الحكم ، ومحمد بن أبي عمير ، من كبار الشخصيات .
وكان يحترمه كبار علماء عصره من السنة ويرجعون إليه أحياناً . وكان الطالبيون يحترمونه ويقدسونه ، حتى أن الخليفة المهدي كان يعتقد أنه كان وراء ثورة فخ .
20 . تميزت حياته بكثرة المعجزات من صغره ( عليه السلام ) ، وأكثرها إخبار بمغيبات عن أشخاص وأحداث ، فكانت تقع كما أخبر ( عليه السلام ) ، وكان يجاهر بذلك ويخبر هارون ووزيره يحيى بن خالد وغيرهم ، وفي آخر سجن له زاره يحيى البرمكي فقال له : « أبلغه عني يقول لك موسى بن جعفر : رسولي يأتيك يوم الجمعة فيخبرك بما ترى ، وستعلم غداً إذا جاثيتك بين يدي الله من الظالم والمعتدي على صاحبه والسلام ! فخرج يحيى من عنده واحمرت عيناه من البكاء حتى دخل على هارون فأخبره بقصته ومارد عليه ، فقال هارون : إن لم يدع النبوة بعد أيام فما أحسن حالنا ! فلما كان يوم الجمعة توفي ( عليه السلام ) » . ( الغيبة للطوسي / 24 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 92 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
21 . ما أن دفن الإمام ( عليه السلام ) حتى صار قبره الشريف مزاراً ومشهداً ، وتوافد أولياؤه من الشيعة وكذلك كبار علماء السنة وأئمة المذاهب ، لزيارته والصلاة عنده والتوسل به إلى الله تعالى ، وعرف ( عليه السلام ) بعد وفاته باسم : باب الحوائج .

2 - اعتقاد أئمة المذاهب بالإمام الكاظم ( عليه السلام )

أجمع كبار أئمة السنة وعلمائهم على تعظيم الإمام الكاظم ( عليه السلام ) وتقديسه ، وترجموا له في كتبهم ، وزاروا قبره للتبرك والتوسل به إلى الله تعالى .
وقد اشتهر عن الإمام الشافعي أنه كان يزور قبر الإمام الكاظم ( عليه السلام ) ويقول : « قبر موسى الكاظم ترياقٌ مجرب لإجابة الدعاء » ( كرامات الأولياء للسجاعي / 6 ، والرسالة القشيرية لابن هوازن / 10 ، والفجر الصادق للزهاوي / 89 ، وسيوف الله للقادري الحبيبي / 83 ، والبصائر / 42 لحمد الله الداجوي الحنفي ) .
وروى الخطيب البغدادي في تاريخه : 1 / 133 ، عن إمام الحنابلة في عصره الحسن بن إبراهيم أبا علي الخلال يقول : « ما همني أمر فقصدت قبر موسى بن جعفر فتوسلت به ، إلا سهل الله تعالى لي ما أحب » !
وقال ابن الصباغ المالكي في الفصول المهمة : 2 / 932 : « وهو المعروف عند أهل العراق بباب الحوائج إلى الله ، وذلك لنجح قضاء حوائج المسلمين ، ونيل مطالبهم وبلوغ مآربهم وحصول مقاصدهم » .
وقال السيد الميلاني في شرح منهاج الكرامة : 1 / 170 : « وقال القرماني : هو الإمام الكبير الأوحد الحجة ، الساهر ليله قائماً القاطع نهاره صائماً ، المسمى لفرط حلمه وتجاوزه عن المعتدين كاظماً ، وهو المعروف بباب الحوائج ، لأنه ما خاب المتوسل به في قضاء حاجته قط .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 93 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال ابن حجر المكي : هو وارث أبيه علماً ومعرفةً وكمالاً وفضلاً ، سمي الكاظم لكثرة تجاوزه وحلمه ، وكان معروفاً عند أهل العراق بباب قضاء الحوائج عند الله ، وكان أعبد أهل زمانه ، وأعلمهم وأسخاهم .
وقال ابن الجوزي : موسى بن جعفر ، كان يدعى العبد الصالح ، وكان حليماً كريماً ، إذا بلغه عن رجل ما يؤذيه بعث إليه بمال » .
وفي مناقب آل أبي طالب : 3 / 422 : « وحكي أنه مُغص بعض الخلفاء فعجز بختيشوع النصراني عن دوائه ، وأخذ جليداً فأذابه بدواء ، ثم أخذ ماء وعقده بدواء ، وقال : هذا الطب ، إلا أن يكون مستجاب دعاء ذا منزلة عند الله يدعو لك !
فقال الخليفة : عليَّ بموسى بن جعفر ، فأتيَ به فسمع في الطريق أنينه فدعا الله سبحانه وزال مغص الخليفة ، فقال له : بحق جدك المصطفى أن تقول بمَ دعوت لي ؟ فقال ( عليه السلام ) : قلتُ : اللهم كما أريته ذل معصيته ، فأره عز طاعتي » !

3 - مقتطف من تراجم أئمة علماء السنة للإمام الكاظم ( عليه السلام )

1 - قال الذهبي في سير أعلام النبلاء : 6 / 268 : « موسى الكاظم ، الإمام ، القدوة ، السيد أبو الحسن العلوي ، والد الإمام علي بن موسى الرضى مدني نزل بغداد .
ذكره أبو حاتم فقال : ثقة صدوق ، إمام من أئمة المسلمين . قلت له عند الترمذي وابن ماجة حديثان . قيل : إنه ولد سنة ثمان وعشرين ومئة بالمدينة . قال الخطيب : أقدمه المهدي بغداد ورده ، ثم قدمها وأقام ببغداد في أيام الرشيد ، قدم في صحبة الرشيد سنة تسع وسبعين ومئة ، وحبسه بها إلى أن توفي في محبسه .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 94 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم قال الخطيب : كان موسى بن جعفر يدعى العبد الصالح من عبادته واجتهاده . روى أصحابنا أنه دخل مسجد رسول الله ( ص ) فسجد سجدة في أول الليل ، فسمع وهو يقول في سجوده : عظم الذنب عندي فليحسن العفو من عندك ، يا أهل التقوى ، ويا أهل المغفرة . فجعل يرددها حتى أصبح .
وكان سخياً كريماً ، يبلغه عن الرجل أنه يؤذيه فيبعث إليه بصرة فيها ألف دينار . وكان يصر الصرر بثلاث مئة دينار وأربع مئة ومئتين ثم يقسمها بالمدينة ، فمن جاءته صرة استغنى .
ثم قال يحيى : وذكر لي غير واحد أن رجلاً من آل عمر كان بالمدينة يؤذيه ويشتم علياً ، وكان قد قال له بعض حاشيته : دعنا نقتله فنهاهم وزجرهم .
وذكر له أن العمري يزدرع بأرض ، فركب إليه في مزرعته فوجده ، فدخل بحماره فصاح العمري لا توطئ زرعنا ، فوطئ بالحمار حتى وصل إليه فنزل عنده وضاحكه . وقال : كم غرمت في زرعك هذا ؟ قال : مئة دينار ، قال : فكم ترجو ؟ قال : لا أعلم الغيب وأرجو أن يجبيئني مئتا دينار ، فأعطاه ثلاث مئة دينار وقال : هذا زرعك على حاله . فقام العمري فقبل رأسه وقال : الله أعلم حيث يجعل رسالته ! وجعل يدعو له كل وقت .
فقال أبو الحسن لخاصته الذين أرادوا قتل العمري : أيما هو خير ما أردتم أو ما أردت أن أصلح أمره بهذا المقدار ؟ قلت : إن صحت فهذا غاية الحلم والسماحة !
قال أبو عبد الله المحاملي . . . عيسى بن محمد بن مغيث القرشي ، وبلغ تسعين سنة ، قال : زرعت بطيخاً وقثاء وقرعا بالجوانية ، فلما قرب الخير ، بيتني الجراد ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 95 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فأتى على الزرع كله . وكنت غرمت عليه وفي ثمن جملين مئة وعشرين ديناراً . فبينما أنا جالس طلع موسى بن جعفر فسلم ثم قال : أيش حالك ؟ فقلت : أصبحت كالصريم . قال : وكم غرمت فيه ؟ قلت : مئة وعشرين ديناراً مع ثمن الجملين . وقلت : يا مبارك ، ادخل وادع لي فيها ، فدخل ودعا ، وحدثني عن النبي ( ص ) أنه قال : تمسكوا ببقايا المصائب ، ثم علقت عليه الجملين وسقيته فجعل الله فيها البركة وزكت فبعت منها بعشرة آلاف !
الصولي : حدثنا عون بن محمد ، سمعت إسحاق الموصلي غير مرة يقول : حدثني الفضل بن الربيع ، عن أبيه قال : لما حبس المهدي موسى بن جعفر رأى في النوم علياً يقول : يا محمد : فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ؟ قال الربيع : فأرسل إلى ليلاً فراعني ، فجئته فإذا هو يقرأ هذه الآية وكان أحسن الناس صوتاً ، وقال : عليَّ بموسى بن جعفر فجئته به فعانقه وأجلسه إلى جنبه وقال : يا أبا الحسن : إني رأيت أمير المؤمنين يقرأ علي كذا ، فتؤمني أن تخرج علي أو على أحد من ولدي ؟ فقال : لا والله لا فعلت ذلك ، ولا هو من شأني . قال : صدقت . يا ربيع أعطه ثلاثة آلاف دينار ، ورده إلى أهله إلى المدينة . فأحكمت أمره ليلاً ، فما أصبح إلا وهو في الطريق خوف العوائق !
وقال الخطيب : حج الرشيد فأتى قبر النبي ( ص ) ومعه موسى بن جعفر فقال : السلام عليك يا رسول الله يا ابن عم ، افتخاراً على من حوله فدنا موسى وقال : السلام عليك يا أبهْ ، فتغير وجه هارون ، وقال : هذا الفخر يا أبا الحسن حقاً ! قال يحيى بن الحسن العلوي حدثني عمار بن أبان قال : حبس موسى بن جعفر
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 96 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عند السندي بن شاهك فسألته أخته أن تولى حبسه وكانت تَدَيَّن ، ففعل ، فكانت على خدمته ، فحكي لنا أنها قالت : كان إذا صلى العتمة حمد الله ومجده ودعاه ، فلم يزل كذلك حتى يزول الليل ، فإذا زال الليل قام يصلي حتى يصلي الصبح ، ثم يذكر حتى تطلع الشمس ، ثم يقعد إلى ارتفاع الضحى ، ثم يتهيأ ويستاك ويأكل ، ثم يرقد إلى قبل الزوال ، ثم يتوضأ ويصلي العصر ، ثم يذكر في القبلة حتى يصلي المغرب ، ثم يصلي ما بين المغرب إلى العتمة ! فكانت تقول : خاب قوم تعرضوا لهذا الرجل ! وكان عبداً صالحاً .
وقيل : بعث موسى الكاظم إلى الرشيد برسالة من الحبس يقول : إنه لن ينقضي عني يوم من البلاء إلا انقضى عنك معه يوم من الرخاء ، حتى نفضي جميعاً إلى يوم ليس له انقضاء يخسر فيه المبطلون ! وعن عبد السلام بن السندي قال : كان موسى عندنا محبوساً ، فلما مات بعثنا إلى جماعة من العدول من الكرخ فأدخلنا هم عليه فأشهدنا هم على موته ، ودفن في مقابر الشونيزية .
قلت : له مشهد عظيم مشهور ببغداد ، دفن معه فيه حفيده الجواد . ولولده علي بن موسى مشهد عظيم بطوس . وكانت وفاة موسى الكاظم في رجب سنة ثلاث وثمانين ومئة . عاش خمساً وخمسين سنة وخلف عدة أولاد ، الجميع من إماء : علي والعباس ، وإسماعيل ، وجعفر ، وهارون ، وحسن ، وأحمد ، ومحمد ، وعبيد الله وحمزة ، وزيد ، وإسحاق ، وعبد الله ، والحسين ، وفضل ، وسليمان . سوى البنات ، سمى الجميع الزبير في ( كتاب ) : النسب » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 97 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال الذهبي في تاريخ الإسلام : 12 / 417 : « موسى الكاظم : هو الإمام أبو الحسن موسى بن جعفر بن محمد بن علي . . قال أبو حاتم : ثقة إمام . وكان صالحاً عالماً عابداً متألهاً . . ولعل الرشيد ما حبسه إلا لقولته تلك : السلام عليك يا أبه ! فإن الخلفاء لا يحتملون مثل هذا » !
2 - وقال ابن حجر في تهذيب التهذيب : 10 / 302 : « قال يحيى بن الحسن بن جعفر النسابة : كان موسى بن جعفر يدعى العبد الصالح من عبادته واجتهاده .
وقال الخطيب . . وأقدمه المهدي إلى بغداد ثم رده إلى المدينة ، وأقام بها إلى أيام الرشيد ، فقدم هارون منصرفاً من عمرة رمضان سنة تسع وسبعين ، فحمله معه إلى بغداد وحبسه بها إلى أن توفي في محبسه . . ومناقبه كثيرة » .
وقال في تقريب التهذيب ( 2 / 221 ) : « الهاشمي المعروف بالكاظم ، صدوق عابد ، من السابعة ، مات سنة ثلاث وثمانين » .
3 - وقال الخطيب في تاريخ بغداد : 13 / 29 : « كان موسى بن جعفر يدعي العبد الصالح من عبادته واجتهاده .
روى أصحابنا أنه دخل مسجد رسول الله ( ص ) فسجد سجدة في أول الليل ، وسُمع وهو يقول في سجوده : عظيم الذنب عندي فليحسن العفو عندك . يا أهل التقوى ويا أهل المغفرة ! فجعل يرددها حتى أصبح .
وروى له ( عليه السلام ) عدة قصص في كرمه وعبادته وتقدم بعضها ، ثم ذكر كرامته في المنام الذي رآه الخليفة المهدي عندما حبسه .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 98 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
4 - وقال محمد بن طلحة الشافعي في مطالب السؤول في فضل آل الرسول ( صلى الله عليه وآله ) / 446 :
« هو الإمام الكبير القدر ، العظيم الشأن ، الكبير المجتهد ، الجاد في الإجتهاد ، المشهور بالعبادة ، المواظب على الطاعات ، المشهود له بالكرامات ، يبيت الليل ساجداً وقائماً ، ويقطع النهار متصدقاً وصائماً ، ولفرط حلمه وتجاوزه عن المعتدين عليه دعى كاظماً ، كان يجازى المسئ بإحسانه إليه ، ويقابل الجاني بعفوه عنه ، ولكثرة عبادته كان يسمى بالعبد الصالح ، ويعرف بالعراق باب الحوائج إلى الله لنجح مطالب المتوسلين إلى الله تعالى به ، كرامته تحار منها العقول ، وتقضي بأن له عند الله تعالى قدم صدق لا تزل ولا تزول .
وأما ولادته فبالأبواء سنة ثمان وعشرين ومائة للهجرة ، وقيل تسع وعشرين ومائة وأما نسبه أباً وأماً : فأبوه جعفر الصادق بن محمد الباقر ، وقد تقدم القول فيه . وأما أمه فأم ولد تسمى حميدة البربرية ، وقيل غير ذلك .
وأما اسمه فموسى وكنيته أبو الحسن ، وقيل أبو إسماعيل ، وكان له ألقاب كثيرة : الكاظم وهو أشهرها ، والصابر ، والصالح ، والأمين .
وأما مناقبه فكثيرة ، ولو لم يكن منها إلا العناية الربانية لكفاه ذلك منقبة . وقد نقل عن الفضل بن الربيع أنه أخبر عن أبيه أن المهدي لما حبس موسى بن جعفر ، ففي بعض الليالي رأى المهدي في منامه علي بن أبي طالب وهو يقول له : يا محمد :
فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ؟ قال الربيع : فأرسل إلي ليلاً فراعني . . إلى آخر ما تقدم .
وقال هشام بن حاتم الأصم ، قال لي أبو حاتم ، قال لي شقيق البلخي : خرجت حاجاً في سنة تسع وأربعين ومائة ، فنزلت القادسية ، فبينا أنا أنظر إلى الناس في
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 99 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
زينتهم وكثرتهم ، فنظرت إلى فتى حسن الوجه شديد السمرة ضعيف ، فوق ثيابه ثوب من صوف ، مشتمل بشملة ، في رجليه نعلان ، وقد جلس منفرداً فقلت في نفسي : هذا الفتى من الصوفية يريد أن يكون كلاً على الناس في طريقهم ، والله لأمضين إليه ولأوبخنه ! فدنوت منه فلما رآني مقبلاً قال : إِجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ ، إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ، ثم تركني ومضى ! فقلت في نفسي : إن هذا لأمرٌ عظيم قد تكلم بما في نفسي ونطق باسمي ، وما هذا إلا عبدٌ صالح لألحقنه ولأسألنه أن يحالَّني ، فأسرعت في أثره فلم ألحقه وغاب عن عيني !
فلما نزلنا واقصة إذْ به يصلي وأعضاؤه تضطرب ودموعه تجري فقلت : هذا صاحبي أمضي إليه واستحله ، فصبرت حتى جلس وأقبلت نحوه ، فلما رآني مقبلاً قال لي : يا شقيق أتل : وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى . ثم تركني ومضى ! فقلت : إن هذا الفتى لمن الأبدال ! لقد تكلم على سري مرتين . فلما نزلنا زُبَالة إذا بالفتى قائمٌ على البئر وبيده رَكْوَةٌ يريد أن يستقي ماء ، فسقطت الركوة من يده في البئر ، وأنا أنظر إليه فرأيته قد رمق السماء وسمعته يقول :
أنت ربي إذا ظمئتُ إلى الماء وقُوتي إذا أردتُ الطعاما
اللهم سيدي مالي سواها فلا تحرمنيها ، قال شقيق : فوالله لقد رأيت البئر وقد ارتفع ماؤها ، فمد يده فأخذ الركوة وملأها ماء ، فتوضأ وصلى أربع ركعات ، ثم مال إلى كثيب رمل فجعل يقبض بيده ويطرحه في الركوة ويحركه ويشرب . فأقبلت إليه وسلمت عليه فرد عليَّ السلام فقلت : أطعمني من فضل ما أنعم الله به عليك . فقال : يا شقيق لم تزل نعمه علينا ظاهرة وباطنة فأحسن ظنك بربك . ثم ناولني الركوة فشربت منها فإذا هو سويق وسكر ! فوالله ما شربت قط ألذَّ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 100 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
منه ولا أطيب ريحاً ، فشبعت ورويت وأقمت أياماً لا أشتهي طعاماً ولا شراباً !
ثم لم أره حتى دخلنا مكة فرأيته ليلة إلى جنب قُبَّة الشراب في نصف الليل قائماً يصلي بخضوع وأنين وبكاء ، فلم يزل كذلك حتى ذهب الليل ، فلما رأى الفجر جلس في مصلاه يسبح ، ثم قام فصلى الغداة ، وطاف بالبيت أسبوعاً وخرج ، فتبعته وإذا له غاشية وموالٍ ، وهو على خلاف ما رأيته في الطريق ، ودارٌ به الناس من حوله يسلمون عليه ! فقلت لبعض من يقرب منه : من هذا الفتى ؟ فقال : هذا موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب . فقلت : قد عجبت أن تكون هذه العجائب إلا لمثل هذا السيد ! ولقد نظم بعض المتقدمين واقعة شقيق معه في أبيات طويلة ، اقتصرت على ذكر بعضها ، فقال :

سلْ شقيقَ البلخيّ عنه وما شا * هد منه وما الذي كان أبصرْ
قال لما حججت عاينتُ شخصاً * شاحب اللون ناحلَ الجسم أسمرْ
سائراً وحده وليس له زادٌ * فما زلت دائماً أتفكر
وتوهمتُ أنه يسأل الناس * ولم أدر أنه الحجُّ الأكبر
ثم عاينتهُ ونحنُ نزولٌ * دون فيدٍ على الكثيب الأحمر
يضع الرمل في الإناء ويشربْهُ * فناديته وعقلي محير
إسقني شربةً فناولني منه * فعاينته سَويقاً وسُكر
فسألت الحجيج من يكُ هذا * قيلَ هذا الإمام موسى بن جعفر

فهذه الكرامات العالية الأقدار الخارقة العوائد هي على التحقق جلية المناقب وزينة المزايا وغرر الصفات ، ولا يؤتاها إلا من فاضت عليه العناية الربانية أنوار التأييد ، ومرت له أخلاف التوفيق ، وأزلفته من مقام التقديس والتطهير وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 101 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

4 - الإمام الكاظم ( عليه السلام ) حامي بغداد

فقد قال زكريا بن آدم بن عبد الله بن سعد الأشعري للإمام الرضا ( عليه السلام ) : « إني أريد الخروج عن أهل بيتي ( يقصد أهل قم ) فقد كثر السفهاء فيهم ! فقال له الإمام الرضا ( عليه السلام ) : لا تفعل فإن الله يدفع البلاء بك عن أهل قم ، كما يدفع البلاء عن أهل بغداد بقبر موسى بن جعفر ( عليه السلام ) » ( رواه المفيد ( رحمه الله ) في الإختصاص / 87 ، بسند موثق ، واختيار معرفة الرجال : 2 / 857 ، ورجال الكشي / 496 ، وتاريخ الكوفة / 228 ، ومعجم رجال الحديث للسيد الخوئي : 8 / 283 ، ورجال الطوسي : 2 / 858 ) .
وفي كامل الزيارات / 500 : « عن علي بن الحكم ، عن رحيم قال قلت للرضا ( عليه السلام ) : إن زيارة قبر أبي الحسن ( عليه السلام ) ببغداد علينا فيها مشقة ، فما لمن زاره ؟ فقال له : مثل ما لمن أتى قبر الحسين ( عليه السلام ) من الثواب . قال : دخل رجل فسلم عليه وجلس وذكر بغداد ورداءة أهلها ، وما يتوقع أن ينزل بهم من الخسف والصيحة والصواعق ، وعدَّد من ذلك أشياء قال : فقمت لأخرج فسمعت أبا الحسن ( عليه السلام ) وهو يقول : أما أبو الحسن فلا » .
أقول : الظاهر سقوط الواو من الرواية ، وأن الأصل : أما وأبو الحسن ، فلا . أي أما وقبر أبي الحسن ( عليه السلام ) موجود ، فلا يصيب بغداد خسف أو صواعق !
وقد أخذ بعضهم ذلك ووضعه للمحاملي : « قال محمد بن الإسكاف : رأيت في النوم كأن قائلاً يقول : إن الله ليدفع عن أهل بغداد البلاء بالمحاملي » ! ( سير الذهبي : 15 / 260 ) وسبب قولنا إنهم أخذوه ونسبوه إلى المحاملي لأنه توفي سنة 330 ( سير الذهبي : 15 / 284 ) ، أي بعد قرن ونصف من وفاة الإمام الكاظم ( عليه السلام ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 102 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

5 - زيارة قبر الإمام الكاظم ( عليه السلام ) دواء مجرب

قال الإمام الشافعي كلمته المشهورة في زيارة قبر الإمام الكاظم ( عليه السلام ) : إنه الترياق المجرب ( كرامات الأولياء للسجاعي / 6 ) لكن بعضهم أخذ ذلك ووصف به قبر معروف الكرخي ! قال الخطيب في تاريخ بغداد : 1 / 134 : « سمعت أبا علي الصفار يقول : سمعت إبراهيم الحربي يقول : قبر معروف الترياق المجرب » .
والحربي هذا كابلي نسب إلى محلة الحربية ببغداد ( تاريخ بغداد : 6 / 28 ) ، وقد توفي سنة 285 ، أي بعد أكثر من قرن من وفاة الإمام الكاظم ( عليه السلام ) ( تاريخ بغداد : 6 / 38 ) .
كما روى في تاريخ بغداد : 1 / 134 ، عن : « عبيد الله بن عبد الرحمن بن محمد الزهري قال سمعت أبي يقول : قبر معروف الكرخي مجرب لقضاء الحوائج »
والزهري هذا محمد بن غلام الزهري المتوفى سنة 380 ، أي بعد قرنين من شهادة الإمام الكاظم ( عليه السلام ) ! ( سير الذهبي : 16 / 437 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 103 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الخامس : الإمام الكاظم ( عليه السلام ) والمهدي العباسي

1 - أخبر الإمام ( عليه السلام ) عن قرب موت المنصور

كان موكب الخليفة المنصور في طريقه إلى الحج سنة 158 ، فأخبر الإمام الكاظم ( عليه السلام ) بأنه سيموت قبل أن يصل إلى مكة ، وقال : لا والله لا يرى بيت الله أبداً !
قال أبو حمزة الثمالي : « فلما نزل بئر ميمون أتيت أبا الحسن ( عليه السلام ) فوجدته في المحراب ، قد سجد فأطال السجود ثم رفع رأسه إليَّ فقال : أخرج فانظر ما يقول الناس ! فخرجت فسمعت الواعية على أبي جعفر ، فرجعت فأخبرته فقال : الله أكبر ما كان ليرى بيت الله أبداً » ! ( قرب الإسناد / 337 ) .
وبايعوا ابنه المهدي بعده : « والمهدي إذ ذاك ببغداد ، فأقام بعد قدوم منارة ( غلامه ) يومين لم يظهر الخبر ، ثم خطب الناس يوم الخميس ونعى لهم المنصور وبويع بيعة العامة ، وذلك في سنة ثمان وخمسين ومائة » . ( تاريخ بغداد : 3 / 9 ) .

2 - فروقات شخصية المهدي عن أبيه المنصور

( 1 )
كان المنصور مخضرماً بين الفقر والغنى ، فقد عاش في بادية الأردن حيث يسكن أبوه مبعداً عن دمشق من الخليفة الأموي ، وكان يأتي إلى المدينة فيخدم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 104 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الحسنيين ، ويأخذ بركاب محمد بن عبد الله بن الحسن الذي ادعوا له المهدية !
وتوسط الحسنيون له عند عامل الأهواز فوظفه عاملاً على خراج قرية أمه ( إيذه ) ، فسكن المنصور فيها ، ثم كسر الخراج كما تقدم فسجنوه ، وهرب من السجن ، واشتغل فترة في طلب العلم والفقه . . الخ .
أما ابنه المهدي فكان مترفاً ، فقد ولد في إيذه أو إيذج ، ونشأ عند أخواله في جو فارسي ، وكان يتجاهر بشرب الخمر ومجالس الغناء بعكس أبيه !
وقد اعترف الذهبي وهو المتعصب لبني أمية والعباس بأن المهدي العباسي كغيره من خلفائهم منهمكٌ في شهواته !
قال في تاريخه ( 10 / 444 ) : « والمهدي كغيره من عموم الخلائف والملوك ، له ما لهم وعليه ما عليهم ، كان منهمكاً في اللذات واللهو والعبيد » .
وتدل وفاته على ترفه ، فقد ذهب للصيد إلى منطقة ماسبذان الجبلية في إيران ، ومعه موكبه من الصيادين والندماء والمغنين والجواري ، فطارد غزالاً فدخل في خربة والكلاب وراءه ، ودخل فرسه وراء الغزال فضرب رأسه بعتبة باب الخربة فمات على الفور ! ( تاريخ اليعقوبي : 2 / 400 ، والطبري : 6 / 392 ) .
وتقع ماسبذان وقرية الرذ قرب إيلام بين بغداد وهمدان : « ومات المهدي بالرذ من ماسبذان لثمان بقين من المحرم سنة تسع وستين ومائة . . . وكان عمره ثلاثاً وأربعين سنة ، وخلافته عشر سنين وشهر وخمسة أيام » . ( تاريخ بغداد : 3 / 18 ) .
( 2 )
لم يكن المهدي مقتنعاً بسياسة أبيه المنصور في تعظيم أبي بكر وعمر والترضي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 105 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عنهما في صلاة الجمعة ، ففي أخبار السيد الحميري / 176 ، والأغاني : 7 / 263 ، ( وطبعة : 2 / 290 ) : « جلس المهدي يوماً يعطي قريشاً صلاتٍ لهم وهو ولي عهد ، فبدأ ببني هاشم ثم بسائر قريش ، فجاء السيد ( الحميري ) فرفع إلى الربيع رقعة مختومة ، وقال إن فيها نصيحة للأمير فأوصلها إليه ، فأوصلها فإذا فيها :

قُل لابن عَبّاسٍ سَمِيِّ محمدٍ * لا تُعْطِينّ بني عَدِيّ درهَما
إِحْرِمْ بني تَيْم بن مُرّةَ إنهم * شرُّ البريّة آخراً ومُقَدَّما
إن تُعْطِهمْ لا يشكروا لك نعمةً * ويكافئوك بأن تُذَمّ وتُشْتما
وإنِ ائتمنتهمُ أو استعملتَهم * خانوك واتّخذوا خَراجك مَغْنما
ولئن منعتَهمُ لقد بدأوكمُ * بالمَنْع إذ ملكوا وكانوا أظلما
منعوا تُراثَ محمدٍ أعمامَه * وابنَيْهِ وابنتَه عَدِيلةَ مَرْيما
وتأمّروا من غير أن يُسْتَخْلَفوا * وكفى بما فعلوا هنالك مَأْثَما
لم يشكروا لمحمد إنعامَه * أفيشكرون لغيره إن أنْعما
واللهُ منّ عليهمُ بمحمد * وهداهمُ وَكَسا الجُنوبَ وأطْعما
ثم انبَروْا لوصيِّه ووليّه * بالمُنْكَرات فجرَّعوه العَلْقَما

وهي قصيدة طويلة ، حذف باقيها لقبح ما فيه . قال : فرمى بها إلى أبي عبيد الله ثم قال اقطع العطاء فقطعه ! وانصرف الناس ودخل السيد إليه فلما رآه ضحك وقال : قد قبلنا نصيحتك يا إسماعيل ! ولم يعطهم شيئاً » !
وكان يخالف أتباع أبي بكر وعمر ويوافق أهل البت ( عليهم السلام ) فيجهر بالبسملة !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 106 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
« صلى بنا المهدي صلاة المغرب فجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ، قال فقلت : يا أمير المؤمنين ما هذا ؟ فقال : حدثني أبي عن أبيه عن جده عن عبد الله بن عباس أن رسول الله ( ص ) جهر ببسم الله الرحمن الرحيم » ! ( تاريخ دمشق : 53 / 412 ) .
( 3 )
كان لعلي بن يقطين ( رحمه الله ) تأثير كبير على المهدي العباسي ، فقد وضعه المنصور في حجر يقطين : « فنشأ المهدي وعلي بن يقطين كأنهما أخوان ، فلما أفضت الخلافة إلى المهدي استوزر علي بن يقطين وقدمه وجعله على ديوان الزمام وديوان البسر والخاتم ، فلم يزل في يده حتى توفى المهدي وأفضى الأمر إلى الهادي فأقره على وزارته ولم يشرك معه أحداً من أمره ، إلى أن توفي الهادي » ( ذيل تاريخ بغداد : 4 / 202 ) .
« وكان علي بن يقطين والحسن بن راشد يغلبان على أموره » ( تاريخ اليعقوبي : 2 / 400 ) .
وكان علي بن يقطين شخصية كفوءة ، وشيعياً جلداً ، أما الحسن بن راشد فيظهر أنه معاونه ، وأنه أكبر منه سناً لأنه يروي عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) كثيراً ، ويروي عنه حفيده يحيى بن القاسم . ويأتي ذكره في ترتيب الخيزران خدماً لقبر الحسين ( عليه السلام ) . راجع : فهرست الشيخ الطوسي / 106 ، ورجال ابن الغضائري / 49 ، ومعجم السيد الخوئي : 5 / 312 ، وأعيان الشيعة : 5 / 71 .
( 4 )
خالف المهدي أباه في سياسته المالية ، فقد كان المنصور بخيلاً طماعاً جمَّاعاً للمال حتى سموه أبا الدوانق ! فلما تولى المهدي أخرج خزائن أبيه وقناطير ذهبه وأنفقها ! « لما حصلت في يد المهدي الخزائن والأموال وذخائر المنصور ، أخذ في
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 107 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
رد المظالم ، وأخرج ما في الخزائن ففرقه حتى أكثر من ذلك ، وبر أهله وأقرباءه ومواليه وذوي الحرمة به ، وأخرج لأهل بيته أرزاقاً لكل واحد منهم في كل شهر خمس مائة درهم ، لكل رجل ستة آلاف درهم في السنة ، وأخرج لهم في الأقسام لكل رجل عشرة ألف درهم ، وزاد بعضهم » .
« جمع من الأموال ما لا يعبر عنه ، وكان مسيكاً ( بخيلاً ) » ( الذهبي في تاريخه : 10 / 438 )
( 5 )
خفض المهدي قليلاً قرار أبيه بإبادة العلويين ، وتقدم أنه تقزز من وصية أبيه له بالغرفة المخروطية التي جمع فيها رؤوس العلويين ، وأمر بدفنها . ولكنه ظل يبغضهم ويعتبرهم أخطر أعداء العباسيين !
ويدل على ذلك تعامله مع الإمام الكاظم ( عليه السلام ) ، كما سترى .
ويدل عليه موقفه من وصية القاسم بن مجاشع التميمي وكان من نقباء بني العباس وكبار ولاتهم ( الطبري : 6 / 35 ) فلما توفي : « أوصى إلى المهدي فكتب : شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائماً بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم ، إن الدين عند الله الإسلام إلى آخر الآية . . ثم كتب : والقاسم بن مجاشع يشهد بذلك ويشهد أن محمداً عبده ورسوله ، وأن علي بن أبي طالب وصي رسول الله ووارث الإمامة بعده . قال : فعرضت الوصية على المهدي فلما بلغ هذا الموضع رمى بها ولم ينظر فيها » ! ( تاريخ الطبري : 6 / 397 ) .
ويدل عليه : تعامله مع شريك النخعي ، وكان من كبار الفقهاء ، فقد دعاه المهدي ليكون قاضي قضاة الخلافة فقال : « لا أصلُحُ لذلك . قال : ولَم ذلك ؟
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 108 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال : لأني نسَّاءٌ . قال : عليك بمضغِ اللُّبان . قال : إني حَدِيدٌ ( عصبي ) قال : قد فرض لك أمير المؤمنين فالُوذَجةَ توقرك ( تهدئ أعصابك ) . قال : إني امرُؤ أقضي على الوارد والصادرِ ( بدون تمييز ) ! قال : إقضِ عليَّ وعلى والدي ! قال : فاكفِني حاشِيتَك . قال : قد فعلتُ .
فكانت أول رُقْعة وردت عليه من خالصة جاريةُ المهدي ، فجاءت لتتقدَّم الخصْم فقال : وراءَك مع خصْمِك ، مِراراً فأبَتْ . فقال : وراءكِ يالخَنْاءُ !
قالت : يا شيخُ أنت أحمقُ ! قال : قد أخْبرتُ مولاك فأبى عَلي ! فجاءت إلى المهدي تشكو إليه ، فقال لها : إلْزميِ بيتَكِ ولا تعْرضي له » !
وفي العقد الفريد : 1 / 147 : « كان بين شريك القاضي والربيع حاجب المهدي معارضة ، فكان الربيع يحمل عليه المهدي ( يحركه عليه ) فلا يلتفت إليه ، حتى رأى المهدي في منامه شريكاً القاضي مصروفاً وجهه عنه ، فلما استيقظ من نومه دعا الربيع وقص عليه رؤياه ، فقال : يا أمير المؤمنين إن شريكاً مخالف لك وإنه فاطمي محض ! قال المهدي : عليَّ به فلما دخل عليه قال له : يا شريك بلغني أنك فاطمي ! قال له شريك : أعيذك بالله يا أمير المؤمنين أن تكون غير فاطمي إلا أن تعني فاطمة بنت كسرى !
قال : ولكني أعني فاطمة بنت محمد ( ص ) . قال : أفتلعنها يا أمير المؤمنين ؟ قال : معاذ الله . قال : فماذا تقول فيما يلعنها ؟ قال : عليه لعنة الله ، قال : فالعن هذا يعني الربيع ، فإنه يلعنها فعليه لعنة الله ! قال الربيع : لا والله يا أمير المؤمنين ما ألعنها ! قال له شريك : يا ماجن فما ذكرك لسيدة نساء العالمين وابنة سيد المرسلين ، في
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 109 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مجالس الرجال ؟ ! قال المهدي : دعني من هذا ، فإني رأيتك في منامي كأن وجهك مصروف عني وقفاك إليَّ ، وما ذلك إلا بخلافك علي ! ورأيت في منامي كأني أقتل زنديقاً ! قال شريك : إن رؤياك يا أمير المؤمنين ليست برؤيا يوسف الصديق صلوات الله على محمد وعليه ، وإن الدماء لا تستحل بالأحلام ، وإن علامة الزندقة بينة ! قال : وما هي قال : شرب الخمر والرشا في الحكم ومهر البغي . قال : صدقت والله أبا عبد الله . أنت والله خير من الذي حملني عليك » !
« ودخل على المهدي فقال له : يا شريكُ بلغني أنَّك فاطميُّ ! فقال : أتحبُّ فاطمةَ ، أعثرَ الله من لا يحبُّ فاطمةَ ! فقال المهدي : آمين . فلما خرج شريكٌ قال المهديُّ لمن عنده : لَعنهُ الله ما أظنُّهُ إلا عَنَاني !
وقال له يوماً : أيُّنا أشرفُ ، نحن أم ولدُ عليَّ ؟ فقال شريك : أمك مثلُ فاطمة حتى تُساويُهم في الشَّرف ؟ ! » . ( نثر الدر للآبي : 2 / 386 ) .
« ذُكر معاوية بن أبي سفيان عنده ووُصف بالحلم فقال شريك : ليس بحليم من سفه الحق ، وقاتل علي بن أبي طالب رضي الله عنه » . ( وفيات الأعيان : 2 / 465 ) .
وفي تاريخ دمشق : 53 / 422 : « قال أبو يوسف القاضي للمهدي : يا أمير المؤمنين إن شريكاً لا يرى الصلاة خلفك ! فأرسل إليه المهدي فأحضره ، قال فقال له : ما تقول في أبي يوسف ؟ قال : من أبو يوسف يا أمير المؤمنين ؟ قال : يعقوب . قال : ومن يعقوب يا أمير المؤمنين ؟ قال : هذا . قال : تسأل عنه فإن كان عدلاً جازت شهادته . قال فقال له المهدي : ما تقول أنت فيه ؟ قال : أعرفه وأعرف أباه ، وكان أبوه غلاماً عندنا بالكوفة ينتمي إلى العرب ، وليس من العرب !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 110 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال فغضب المهدي قال فقال : يا بن الفاعلة بالزنا ! قال فقال له شريك : مه مه فما علمتها إلا صوامة قوامة ! قال فقال له المهدي : يا زنديق والله لأقتلنك !
قال فجعل شريك يضحك ويقول ها ها ! قال : وكان شريك جهوري الصوت وقال : يا أمير المؤمنين إن للزنادقة علامات : شربهم النبيذ ، واتخاذهم القينات ووقوفهم عن الجماعات . قال : فأطرق المهدي وقام شريك فانصرف » . وفي تاريخ بغداد : 9 / 294 : « إن للزنادقة علامات ، تركهم الجماعات ، وشربهم القهوات وتخلفهم عن الجماعات ! فقال المهدي يا أبا عبد الله لم نعنك بهذا » !
« قال : ما تقول في علي بن أبي طالب ؟ قال : ما قال فيه جدك العباس وعبد الله . قال : وما قالا فيه ؟ قال : أما العباس فمات وعلي عنده أفضل الصحابة وقد كان يرى كبراء المهاجرين يسألونه عما ينزل من النوازل ، وما احتاج إلى أحد حتى لحق بالله . وأما عبد الله فإنه كان يضرب بين يديه بسيفين ، وكان في حروبه رأساً متبعاً وقائداً مطاعاً ، فلو كانت إمامة علي جوراً لكان أول من يقعد عنها أبوك لعلمه بدين الله ، وفقهه في أحكام الله ! فسكت المهدي وأطرق ، ولم يمض بعد هذا المجلس إلا قليل حتى عزل شريكاً » ! ( وفيات الأعيان : 2 / 462 ) .
( 6 )
لم يهتم المهدي العباسي بمشروع أبيه فيه وزعمه أنه المهدي الموعود على لسان النبي ( صلى الله عليه وآله ) ! وقد ألقى المنصور بثقله لإنجاح هذا المشروع فبنى له قصر الرصافة وأقام فيه احتفالاً تاريخياً ومجلساً شرعياً ، وأحضر الفقهاء والقضاة فبايعوه بولاية العهد ، وشهدوا بأنه هو المهدي المنتظر !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 111 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ففي الأغاني : 13 / 313 : « عن الفضل بن إياس الهذلي الكوفي أن المنصور كان يريد البيعة للمهدي ، وكان ابنه جعفر يعترض عليه في ذلك ، فأمر بإحضار الناس فحضروا ، وقامت الخطباء فتكلموا ، وقالت الشعراء فأكثروا في وصف المهدي وفضائله وفيهم مطيع بن إياس ، فلما فرغ من كلامه الخطباء وإنشاده في الشعراء قال للمنصور : يا أمير المؤمنين حدثنا فلان عن فلان أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) قال : المهدي منا محمد بن عبد الله وأمه من غيرنا ، يملؤها عدلاً كما ملئت جوراً ، وهذا العباس بن محمد أخوك يشهد على ذلك !
ثم أقبل على العباس فقال له : أنشدك الله هل سمعت هذا ؟ فقال : نعم ، مخافةً من المنصور ! فأمر المنصور الناس بالبيعة للمهدي !
قال : ولما انقضى المجلس وكان العباس بن محمد لم يأنس به ، قال : أرأيتم هذا الزنديق إذ كذب على الله عز وجل ورسوله حتى استشهدني على كذبه ، فشهدت له خوفاً ، وشهد كل من حضر عليَّ بأني كاذب !
وبلغ الخبر جعفر بن أبي جعفر ، وكان مطيع منقطعاً إليه يخدمه فخافه وطرده عن خدمته ! قال وكان جعفر ماجناً فلما بلغه قول مطيع هذا غاظه وشقت عليه البيعة لمحمد فأخرج ( . . . آلته ) ثم قال : إن كان أخي محمد هو المهدي ، فهذا القائم من آل محمد » ! راجع : الطبري : 6 / 269 ، واليعقوبي : 2 / 395 ، والمعارف / 379 ، والنهاية : 10 / 111 ، وشذرات الذهب : 1 / 219 ، وعبر الذهبي : 1 / 207 ، وتاريخ دمشق : 48 / 9 .
وقد اعترف هارون بكذبة جده المنصور ! قال سليمان بن إسحاق العباسي : « كنت يوماً عند الرشيد فذُكر المهدي وما ذكر من عدله فأطنب في ذلك ، فقال الرشيد :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 112 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أحسبكم تحسبون أبي المهدي ! حدثني عن أبيه عن جده عن ابن عباس عن أبيه العباس بن عبد المطلب أن النبي ( ص ) قال له : يا عم ، يملك من ولدي إثنا عشر خليفة ، ثم تكون أمور كريهة شديدة عظيمة ، ثم يخرج المهدي من ولدي يصلح الله أمره في ليلة فيملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً ويمكث في الأرض ما شاء الله ، ثم يخرج الدجال » . ( إعلام الورى / 365 وطبعة : 2 / 165 ، وقصص الأنبياء / 369 ، ومناقب ابن شهرآشوب : 1 / 292 ، والعدد القوية / 89 ، وفرائد السمطين : 2 / 329 ) .
ومن العجيب في الموضوع موقف المهدي العباسي نفسه ، حيث لم يكترث بادعاء أبيه له ! ولم نجد عنه كلمة يزعم فيها أنه المهدي أو يؤيد ادعاء أبيه !

3 - رووا هم أن المهدي العباسي ليس بمهدي !

روى الطبراني بسند موثق ( المعجم الأوسط : 6 / 297 ) أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) أخبر عمه العباس بملك أولاده ، وقال له : « يا عباس إنه لا يكون نبوة إلا كانت بعدها خلافة . وسيلي من ولدك في آخر الزمان سبع عشرة ، منهم السفاح ، ومنهم المنصور ، ومنهم المهدي وليس بمهدي ، ومنهم الجموح ، ومنهم العاقب ، ومنهم الواهن ، وويل لأمتي منه كيف يعقرها ويهلكها . . . » ومجمع الزوائد : 5 / 187 .
وكان المنصور يعلم أنه كاذب في ادعائه أن ابنه المهدي ! لأنه كان يروي أن المهدي من ولد أبي طالب ! قال سيف بن عميرة ( الكافي : 8 / 209 ) : « كنت عند أبي الدوانيق فسمعته يقول ابتداءً من نفسه : يا سيف بن عميرة : لا بد من مناد ينادي باسم رجل من ولد أبي طالب ! قلت : يرويه أحد من الناس ؟ قال : والذي نفسي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 113 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بيده لسمعتْ أذني منه يقول : لا بد من مناد ينادي باسم رجل قلت : يا أمير المؤمنين ، إن هذا الحديث ما سمعت بمثله قط ! فقال لي : يا سيف إذا كان ذلك فنحن أول من يجيبه ، أما إنه أحد بني عمنا ! قلت : أي بني عمكم ؟ قال : رجل من ولد فاطمة ( عليها السلام ) . ثم قال : يا سيف لولا أني سمعت أبا جعفر محمد بن علي يقوله ، ثم حدثني به أهل الأرض ما قبلته منهم ، ولكنه محمد بن علي » ! ومثله الإرشاد / 358 ، وغيبة الطوسي / 265 ، والخرائج : 3 / 1157 ، وإثبات الهداة : 3 / 725 .
وسبب يقين المنصور بكلام الإمام الباقر ( عليه السلام ) ، أنه رأى صدق ما أخبره به عن المستقبل ، وأنه سوف يحكم !
ومهما يكن ، فإن الواقع كذب أن ابن المنصور هو المهدي ، فلم يملأ الأرض قسطاً وعدلاً ، ولا بيته ! بل زاد الأرض ظلماً وجوراً ! ولم يعط المال للناس حثياً بدون عد ، بل صادر أموالهم وزادهم فقراً !
ثم كان خماراً مغرماً بمجالس الرقص والغناء ، فأنجب للمسلمين بنتاً مغنية ضرابة عود هي عُلَيِّة العباسية ، وأنجب أخاها المغني إبراهيم بن المهدي « قال ابن الفضل بن الربيع : ما اجتمع أخ وأخت أحسن غناء من إبراهيم بن المهدي وأخته علية » . ( سير الذهبي : 10 / 561 ) .
« وكانت علية بنت المهدي تهوى غلاماً خادماً اسمه طل ، فحلف الرشيد أن لا تكلمه ولا تذكره في شعرها ، فاطلع الرشيد يوماً عليها وهي تقرأ في آخر سورة البقرة : فإن لم يصبها وابل فالذي نهى عنه أمير المؤمنين » ! ( المستطرف : 1 / 100 ) .
لكن الذهبي قال فيها : « رخيمة الصوت ذات عفة وتقوى ومناقب » ! ( سيره : 10 / 187 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 114 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كما أنجب المهدي عباسة عشيقة جعفر البرمكي ، وكان أخوها هارون : « لا يصبر عن جعفر وأخته عباسة وكان يحضرهما مجلس الشراب فيقوم هو فقال : أزوجكها على أن لا تمسها ! قال : فكانا يثملان ويذهب الرشيد ويثب جعفر عليها فولدت منه غلاماً » ! ( الطبري : 4 / 660 ، وسير الذهبي : 9 / 66 ) .
وقال أعرابي للمهدي : « إني هجين ! قال : ليس يضرك ذاك ، فإخوة أمير المؤمنين وولده أكثرهم هجن » ! و ( تاريخ الذهبي : 10 / 442 ) .
« وكان المهدي يحب الحمام ويشتهيها ، فأدخل عليه غياث بن إبراهيم فقيل له حدث أمير المؤمنين ، فحدثه بحديث أبي هريرة : لا سبق إلا في حافر أو نصل وزاد فيه : ( أو جناح ) فأمر له المهدي بعشرة آلاف !
قال : فلما قام قال : أشهد أن قفاك قفا كذاب على رسول الله ( ص ) ، وإنما استجلبت ذاك أنا » . ( تاريخ بغداد : 12 / 320 وميزان الإعتدال : 3 / 337 ، ولسان الميزان : 4 / 422 ) .

4 - كان المهدي يخاف من زوجته الخيزران !

تتوقف معرفة شخصية المهدي وولديه موسى الهادي وهارون الرشيد ، على معرفة شخصية زوجته الخيزران ! وهي امرأة يمانية من مدينة جرش في اليمن قرب نجران ، من قبيلة حِمْيَر ، وليست من جرش في الأردن قرب عمان ( معجم البلدان : 2 / 126 ) واسمها أروى بنت منصور . ( الطبري : 6 / 341 )
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 115 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال في المنتظم : 8 / 346 : « لما عرضت الخيزران على المهدي قال لها : والله يا جارية إنك لعلى غاية التمني ، ولكنك حمشة الساقين ! فقالت : يا مولانا أحوج ما تكون إليهما لا تراهما ! فقال : إشتروها ، فحظيت عنده فأولدها موسى وهارون » !
وقال الجاحظ في المحاسن والأضداد / 70 : « كانت الخيزران لرجل من ثقيف ، فقالت لمولاها الثقفي : إني رأيت رؤيا . قال : وما هي ؟ قالت : رأيت كأن القمر خرج من قُبلي وكأن الشمس خرجت من دبري ! قال لها : لست من جواري مثلي أنت تلدين خليفتين ! فقدم بها مكة فباعها في الرقيق فاشتريت ، وعرضت على المنصور فقال : من أين أنت ؟ قالت : المولد مكة والمنشأ بجرش . قال : فلك أحد ؟ قالت : ما لي أحد إلا الله ، وما ولدت أمي غيري ! قال : يا غلام إذهب بها إلى المهدي وقل له : تصلح للولد ، فأتى بها المهدي فوقعت منه كل موقع ، فلما ولدت موسى وهارون قالت : إن لي أهل بيت بجرش ، قال : ومن لك ؟ قالت : لي أختان اسمهما أسماء وسلسل ولي أم وأخوان . فكتب فأتى بهم ، فتزوج جعفر بن المنصور سلسل فولدت منه زبيدة واسمها سكينة تزوجها الرشيد . وبقيت أسماء بكراً فقال المهدي للخيزوان : قد ولدت رجلين وقد بايعت لهما ، وما أحب أن تبقيْ أمة ، وأحب أن أعتقك وتخرجين إلى مكة ، وتقدمين فأتزوجك .
قالت : الصواب رأيت ، فأعتقها وخرجت إلى مكة ، فتزوج المهدي أختها أسماء ومهرها ألف ألف درهم ! فلما أحس بقدوم الخيزران استقبلها ، فقالت : ما خبر أسماء وكم وهبت لها ؟ قال : من أسماء ؟ قالت : امرأتك . قال : أما إذا علمت فقد مهرتها ألف ألف درهم ، ووهبت لها ألف ألف درهم ، ثم تزوج الخيزران » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 116 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وذكر اليعقوبي ( 2 / 399 ) أن المنصور ولى يزيد بن منصور خال المهدي على اليمن ، وأن المهدي ولاه مع ابنه الهادي على بغداد سنة مئة ستين ( ابن خلدون : 3 / 209 )
وذكر الطبري ( 6 / 379 ) أن يزيداً هذا توفي فولى ابنه منصوراً مكانه .
وكانت الخيزران قوية على زوجها المهدي ، ففي تاريخ بغداد : 14 / 431 : « عن الواقدي قال : دخلت يوماً إلى المهدي فدعا بمحبرته ودفتره ، وكتب عني أشياء حدثته بها ثم نهض وقال : كن مكانك حتى أعود إليك ودخل إلى دار الحرم ، ثم خرج متنكراً ممتلئاً غيظاً ! فلما جلس قلت : يا أمير المؤمنين خرجت على خلاف الحال التي دخلت عليها ؟ فقال : نعم ! دخلت على الخيزران فوثبت عليَّ ومدت يدها إليَّ وخرقت ثوبي ، وقالت : يا قشاش وأي خير رأيت منك ؟ وإنما اشتريتها من نخاس ، ورأت مني ما رأت وعقدت لابنيها ولاية العهد ! ويحك فأنا قشاش ؟ قال فقلت : يا أمير المؤمنين قال رسول الله ( ص ) إنهن يغلبن الكرام ويغلبهن اللئام ! وقال : خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي . وقال : خلقت المرأة من ضلع أعوج إن قومته كسرته . وحدثته في هذا الباب بكل ما حضرني ، فسكن غضبه وأسفر وجهه ، وأمر لي بألفي دينار ، وقال : أصلح بهذه من حالك وانصرفت . فلما وصلت إلى منزلي وافاني رسول الخيزران فقال : تقرأ عليك ستي السلام وتقول لك : يا عمي قد سمعت جميع ما كلمت به أمير المؤمنين فأحسن الله جزاءك ، وهذه ألفا دينار إلا عشرة دنانير ، بعثت بها إليك لأني لا أحب أن أساوي صلة أمير المؤمنين ، ووجهت إليَّ بأثواب » ! وتاريخ دمشق : 53 / 425 .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 117 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال الذهبي في تاريخه : 10 / 40 : « هلك الخليفة موسى الهادي من قرحة أصابته في جوفه ، وقيل سمته أمه الخيزران لما أجمع على قتل أخيه الرشيد . وكانت أيضاً حاكمة مستبدة بالأمور الكبار فمنعها ، وقد كانت المواكب تغدو إلى بابها ، فردهم عن ذلك وكلمها بكلام فج ، وقال : إن وقف بدارك أمير لأضر بن عنقه ، أما لك مغزل يشغلك ، أو مصحف يذكرك ، أو سبحة ؟ !
فقامت ما تعقل من الغضب ، فقيل إنه بعث إليها بطعام مسموم ! فأطعمت منه كلباً فانتثر ! فعملت على قتله لما وُعك بأن غموا وجهه ببساط جلسوا على جوانبه ، وكان يريد إهلاك الرشيد ليولي العهد ولده وهو صغير له عشر سنين . . وكانت خلافته سنة وربع ، وعاش ستاً وعشرين سنة » .
وروى الطبري في تاريخه : 6 / 421 ، تفاصيل كثيرة في الصراع على السلطة بين موسى الهادي وأخيه الرشيد وأمهما خيزران ، وفيها أن موسى اتهم الخيزران بعبد الله بن مالك وأراد قتلها ، وعندما قتلته قالت ليحيى ين خالد : « إن الرجل قد توفي ، فاجدد في أمرك ولا تقصر » أي رتب الأمر للرشيد ، فرتبه وكان هو رئيس وزرائه ! وكان ذلك في سنة 170 ، وعاشت خيزران إلى سنة 173 . ( تاريخ الذهبي : 11 / 109 ) .

5 - لم تكن الخيزران ناصبية كزوجها وولديها !

يدل على ذلك أنها وظفت مسؤولاً يخدم قبر الإمام الحسين ( عليه السلام ) وزواره ! وأن الإمام الكاظم ( عليه السلام ) أرسل لها رسالة يعزيها بموت موسى ويهنيها بتولي هارون !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 118 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فقد منع المنصور بعد ثورة الحسنيين زيارة قبر الحسين ( عليه السلام ) في كربلاء ، وأمر والي الكوفة عيسى بن موسى أن يخرب القبر : « كربه وكرب جميع أرض الحائر وحرثها وزرع الزرع فيها » ! لكن الشيعة واصلوا زيارته . ( أمالي الطوسي / 321 ) .
وتجاوبت معهم الخيزران فرتبت بدون علم زوجها قيِّماً وخدماً لقبر الحسين ( عليه السلام ) ، وأمرت الوزير الشيعي الحسن بن راشد أن يجري عليهم راتباً شهرياً !
فقد روى الطبري في تاريخه : 6 / 536 ، وفي طبعة : 5 / 21 ، عن : « القاسم بن يحيى قال : بعث الرشيد إلى ابن أبي داود والذين يخدمون قبر الحسين بن علي في الحير ( أي كربلاء ) قال فأتيَ بهم ، فنظر إليه الحسن بن راشد وقال : ما لك ؟ قال بعث إليَّ هذا الرجل يعني الرشيد فأحضرني ، ولست آمنه على نفسي ! قال له : فإذا دخلت عليه فسألك فقل له : الحسن بن راشد وضعني في ذلك الموضع ! فلما دخل عليه قال هذا القول ، قال : ما أخلق أن يكون هذا من تخليط الحسن ، أحضروه ! قال فلما حضر قال : ما حملك على أن صيرت هذا الرجل في الحير ؟ قال : رحم الله من صيره في الحير ، أمرتني أم موسى ( الخيزران ) أن أصيره فيه وأن أجري عليه في كل شهر ثلاثين درهماً ! فقال : ردوه إلى الحير وأجروا عليه ما أجرته أم موسى » !
والحسن بن راشد معاون علي بن يقطين . ( تاريخ اليعقوبي : 2 / 401 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 119 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

6 - كتب الإمام الكاظم ( عليه السلام ) رسالة إلى الخيزان

في قرب الإسناد للحميري القمي / 306 : « محمد بن عيسى ، عن بعض من ذكره ، أنه كتب أبو الحسن موسى ( عليه السلام ) إلى الخيزران يعزيها بموسى ابنها ويهنؤها بهارون ابنها : بسم الله الرحمن الرحيم . للخيزران أم أمير المؤمنين من موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين ، أما بعد : أصلحك الله وأمتع بك ، وأكرمك وحفظك ، وأتم النعمة والعافية في الدنيا والآخرة لك برحمته . ثم إن الأمور أطال الله بقاءك كلها بيد الله عز وجل يمضيها ويقدرها بقدرته فيها والسلطان عليها ، توكل بحفظ ماضيها وتمام باقيها ، فلا مقدم لما أخر منها ولا مؤخر لما قدم ، استأثر بالبقاء وخلق خلقه للفناء ، وأسكنهم دنيا سريع زوالها قليل بقاؤها ، وجعل لهم مرجعاً إلى دار لا زوال لها ولا فناء ، وكتب الموت على جميع خلقه ، وجعلهم أسوة فيه ، عدلاً منه عليهم عزيزاً ، وقدرة منه عليهم ، لا مدفع لأحد منه ولا محيص له عنه ، حتى يجمع الله تبارك وتعالى بذلك إلى دار البقاء خلقه ، ويرث به أرضه ومن عليها ، وإليه يرجعون .
بلغنا أطال الله بقاءك ما كان من قضاء الله الغالب ، في وفاة أمير المؤمنين موسى وإنا لله وإنا إليه راجعون ، إعظاماً لمصيبته وإجلالاً لرزئه وفقده ، ثم إنا لله وإنا إليه راجعون ، صبراً لأمر الله عز وجل وتسليماً لقضائه . . . ونسأل الله أن يعظم أجرك أمتع الله بك ، وأن يحسن عقباك ، وأن يعوضك من المصيبة أفضل ما وعد الصابرين . . . وأسأل الله أن يهنيك خلافة أمير المؤمنين أمتع الله به . . . وأن يمتعك وإيانا خاصة والمسلمين عامة بأمير المؤمنين ، حتى نبلغ به أفضل الأمل فيه . . .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 120 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إن رأيت أطال الله بقاءك أن تكتبي إلي بخبرك في خاصة نفسك ، وحال جزيل هذه المصيبة وسلوتك عنها ، فعلت ، فإني بذلك مهتمٌّ إلى ما جاءني من خبرك وحالك فيه متطلع ، أتم الله لك أفضل ما عودك من نعمه ، واصطنع عندك من كرامته ، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته . وكتب يوم الخميس لسبع ليال خلون من شهر ربيع الآخر سنة سبعين ومائة » .
أقول : مات موسى الهادي في نصف ربيع الأول ( الطبري : 6 / 428 ) فتكون رسالة الإمام ( عليه السلام ) لخيزران بعد موته بثلاثة أسابيع . ومع أن الحميري ( رحمه الله ) تفرد بالرسالة وروايته مرسلة ، إلا أنها ممكنة الصحة ، فقد كانت الخيزران مركز القوة في الخلافة العباسية ، فخاطبها الإمام ( عليه السلام ) بليونة كما يخاطب الأنبياء والأوصياء ( عليهم السلام ) جبابرة عصورهم !
ويبدو أن إنفاقها على قيِّم وخدام قبر الإمام الحسين ( عليه السلام ) كان واحداً من سياستها الإيجابية مع الإمام ( عليه السلام ) وشيعته ، وقد تكون لها إيجابيات أخرى ، وتكون أرسلت إليه مبعوثين ورسائل .
وقد علق المجلسي ( رحمه الله ) في البحار ( 48 / 135 ) على هذه الرسالة بقوله : « أ نظر إلى شدة التقية في زمانه ( عليه السلام ) حتى أحوجته إلى أن يكتب مثل هذا الكتاب لموت كافر لا يؤمن بيوم الحساب ، فهذا يفتح لك من التقية كل باب » !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 121 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

7 - كانت علاقة الإمام الكاظم ( عليه السلام ) حسنة مع المهدي

روى في الكافي ( 1 / 358 ) قصة موسى بن عبد الله بن الحسن المعروف بموسى الجون ، وأن الإمام الصادق ( عليه السلام ) نصحه أن لا يخرج مع أخيه محمد الذي ادعى المهدية ، وأخبرهم بأنه سيهزم معهم ويتشرد ، ونصحه بأن يطلب الأمان من العباسيين . وكيف طلب الأمان من المهدي العباسي فعفا عنه وأعطاه جائزة ، وأعطى للإمام الكاظم لأنه كأبيه الصادق ( عليهما السلام ) لا يريان الثورة على العباسيين !
فقد حكى موسى الجون مجيئه مع أبيه عبد الله بن الحسن إلى الإمام الصادق ( عليه السلام ) ومحاولته أن يأخذ منه البيعة لولده محمد على أنه هو المهدي الموعود ! فقال له الإمام ( عليه السلام ) : « فوالله إني لأراه أشأم سلحة أخرجتها أصلاب الرجال إلى أرحام النساء ، والله إنه المقتول بسدة أشجع بين دورها ، والله لكأني به صريعاً مسلوباً بزته بين رجليه لبنة ! ولا ينفع هذا الغلام ما يسمع ! قال موسى بن عبد الله : يعنيني ، وليخرجن معه فيهزم ويقتل صاحبه ، ثم يمضي فيخرج معه راية أخرى ، فيقتل كبشها ويتفرق جيشها ، فإن أطاعني فليطلب الأمان عند ذلك من بني العباس ، حتى يأتيه إليه بالفرج » .
قال موسى : « فلما ضاقت علي الأرض واشتد بي الخوف ، ذكرت ما قال أبو عبد الله ( عليه السلام ) فجئت إلى المهدي وقد حج وهو يخطب الناس في ظل الكعبة ، فما شعر إلا وأني قد قمت من تحت المنبر فقلت : لي الأمان يا أمير المؤمنين وأدلك على نصيحة لك عندي . فقال : نعم ، ما هي ؟ قلت : أدلك على موسى بن عبد الله بن حسن ! فقال لي : نعم لك الأمان ، فقلت له : أعطني ما أثق به ، فأخذت منه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 122 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عهوداً ومواثيق ووثقت لنفسي ، ثم قلت : أنا موسى بن عبد الله ، فقال لي : إذاً تُكرم وتحبى ! فقلت له : أقطعني إلى بعض أهل بيتك يقوم بأمري عندك ، فقال لي : أنظر إلى من أردت ، فقلت : عمك العباس بن محمد ، فقال العباس : لا حاجة لي فيك ، فقلت : ولكن لي فيك الحاجة ، أسألك بحق أمير المؤمنين إلا قبلتني فقبلني شاء أو أبى ، وقال لي المهدي : من يعرفك ، وحوله أصحابنا أو أكثرهم ؟ فقلت : هذا الحسن بن زيد يعرفني ، وهذا موسى بن جعفر يعرفني ، وهذا الحسن بن عبد الله بن العباس يعرفني ! فقالوا : نعم يا أمير المؤمنين كأنه لم يغب عنا ! ثم قلت للمهدي : يا أمير المؤمنين لقد أخبرني بهذا المقام أبو هذا الرجل وأشرت إلى موسى بن جعفر ! قال موسى بن عبد الله : وكذبت على جعفر كذبة فقلت له : وأمرني أن أقرئك السلام وقال إنه إمام عدل وسخاء !
قال : فأمر لموسى بن جعفر بخمسة آلاف دينار ، فأمر لي منها موسى بألفي دينار ، ووصل عامة أصحابه ووصلني فأحسن صلتي .
فحيث ما ذكر ولد محمد بن علي بن الحسين فقولوا صلى الله عليه وملائكته وحملة عرشه والكرام الكاتبون ، وخصوا أبا عبد الله بأطيب ذلك ، وجزى موسى بن جعفر عني خيراً ، فأنا والله مولاهم بعد الله » !
كما أن علاقة الإمام الكاظم ( عليه السلام ) كانت حسنة مع والي المدينة ، فقد روى الزيات في طب الأئمة / 92 ، أن والي المدينة شكى إلى الإمام الكاظم ( عليه السلام ) : « تواتر الوجع على ابنه ، قال : تكتب له هذه العوذة في رق ، وتصيرها في قصبة فضة وتعلق على الصبي ، يدفع الله عنه بها بكل علة » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 123 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

8 - وكان المهدي يحترم مقام الإمام الكاظم ( عليه السلام )

1 - في السنة الثانية لتوليه الخلافة وهي سنة ستين ومائة حج المهدي : « وأمر بتوسعة المسجد الحرام ، وكشط كسوة الكعبة ، وكساها » . ( المحبر / 36 ) .
« لما بنى المهدي المسجد الحرام بقيت دار في تربيع المسجد ، فطلبها من أربابها فامتنعوا ، فسأل عن ذلك الفقهاء فكل قال له إنه لا ينبغي أن يدخل شيئاً في المسجد الحرام غصباً ، فقال له علي بن يقطين : يا أمير المؤمنين لو كتبت إلى موسى بن جعفر لأخبرك بوجه الأمر في ذلك . فكتب إلى والي المدينة أن يسأل موسى بن جعفر عن دار أردنا أن ندخلها في المسجد الحرام فامتنع علينا صاحبها فكيف المخرج من ذلك ؟ فقال أبو الحسن : ولا بد من الجواب في هذا ؟ فقال له : الأمر لا بد منه ، فقال له : أكتب : بسم الله الرحمن الرحيم إن كانت الكعبة هي النازلة بالناس فالناس أولى بفنائها ، وإن كان الناس هم النازلون بفناء الكعبة فالكعبة أولى بفنائها . فلما أتى الكتاب إلى المهدي أخذ الكتاب فقبله ، ثم أمر بهدم الدار ! فأتى أهل الدار أبا الحسن فسألوه أن يكتب لهم إلى المهدي كتاباً في ثمن دارهم ، فكتب إليه أن ارضخ لهم شيئاً فأرضاهم » . ( تفسير العياشي : 1 / 185 ) .
2 - « عن علي بن يقطين أنه قال : أمر أبو جعفر الدوانيقي يقطين أن يحفر له بئراً بقصر العبادي ، فلم يزل يقطين في حفرها حتى مات أبو جعفر ولم يستنبط منها الماء ، وأخبر المهدي بذلك فقال له : إحفر أبداً حتى يستنبط الماء ، ولو أنفقت عليها جميع ما في بيت المال ! قال : فوجه يقطين أخاه أبا موسى في حفرها ، فلم يزل يحفر حتى ثقبوا ثقباً في أسفل الأرض ، فخرجت منه الريح قال فهالهم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 124 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ذلك ! فأخبروا به أبا موسى فقال : أنزلوني ! قال : فأنزل وكان رأس البئر أربعين ذراعاً في أربعين ذراع ، فأجلس في شق محمل ودلي في البئر ، فلما صار في قعرها نظر إلى هول ، وسمع دوي الريح في أسفل ذلك ، فأمرهم أن يوسعوا الخرق فجعلوه شبه الباب العظيم ، ثم دلى فيه رجلاً في شق محمل فقال : إيتوني بخبر هذا ما هو ؟ قال : فنزلا في شق محمل فمكثا ملياً ، ثم حركا الحبل فأصعدا فقال لهما : ما رأيتما ؟ قالا : أمراً عظيماً ! رجالا ! ونساءً وبيوتاً وآنيةً ومتاعاً ، كله ممسوخ من حجارة ! فأما الرجال والنساء فعليهم ثيابهم ، فمن بين قاعد ومضطجع ومتكئ ، فلما مسسناهم إذا ثيابهم تتفشا شبه الهباء ومنازل قائمة !
قال : فكتب بذلك أبو موسى إلى المهدي ، فكتب المهدي إلى المدينة إلى موسى بن جعفر ( عليه السلام ) يسأله أن يقدم عليه فقدم عليه ، فأخبره فبكى بكاءً شديداً وقال : يا أمير المؤمنين هؤلاء بقية قوم عاد ، غضب الله عليهم فساخت بهم منازلهم ، هؤلاء أصحاب الأحقاف ! قال : فقال له المهدي : يا أبا الحسن وما الأحقاف ؟ قال : الرمل » . ( الإحتجاج : 2 / 159 ، وبعضه اليعقوبي : 2 / 402 ، وتاريخ الطبري : 6 / 378 ) .
وفي معجم البلدان : 4 / 304 : « قبر العبادي : منزل في طريق مكة من القادسية إلى العذيب ، ثم المغيثة ، ثم القرعاء ، ثم واقصة ، ثم العقبة ، ثم القاع ، ثم زبالة ، ثم شقوق ، ثم قبر العبادي ، ثم الثعلبية ، وهي ثلث الطريق » .
وفي الخرائج : 2 / 655 : « ومنها : أن المهدي أمر بحفر بئر بقرب قبر العبادي لعطش الحاج هناك ، فحفرت أكثر من مائة قامة ، فبينا هم كذلك يحفرون إذ خرقوا خرقاً فإذا تحته هواء لا يدرى ما قعره ، فإذا هو مظلم وللريح فيه دوي ! فأدلوا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 125 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
رجلين إلى مستقره فلما خرجا تغيرت ألوانهما وقالا : رأينا دوي هواء واسعاً ورأينا بيوتاً قائمة ورجالاً ونساء ، وإبلاً وبقراً وغنماً كلما مسسنا شيئاً منها رأيناه هباءً . فسئل الفقهاء عن ذلك ، فلم يدر أحد ما هو . فقدم أبو الحسن موسى ( عليه السلام ) على المهدي فسأله عنه فقال : أولئك أصحاب الأحقاف ، هم بقية من عاد ساخت بهم منازلهم . وذكر على مثل ما قال الرجلان » .
وفي تفسير القمي : 2 / 298 : « فلما وليَ المتوكل أمر أن يحفر ذلك البئر أبداً حتى يبلغ الماء ! فحفروا حتى وضعوا في كل مائة قامة بكرة حتى انتهوا إلى صخرة فضربوها بالمعول فانكسرت فخرج منها ريح باردة فمات من كان بقربها . فأخبروا المتوكل بذلك فلم يعلم بذلك ما ذاك ! فقالوا : سل ابن الرضا عن ذلك وهو أبو الحسن علي بن محمد ( عليهما السلام ) فكتب إليه يسأل عن ذلك ، فقال أبو الحسن : تلك بلاد الأحقاف ، وهم قوم عاد الذين أهلكهم الله بالريح الصرصر » .
ويبدو أن المقصود ثمود بقايا قوم عاد ، لأن مساكن عاد الأولى في حضرموت والربع الخالي ، ففي كنز الفوائد / 179 ، أن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) سأل رجلاً من حضرموت : « أعالمٌ أنت بحضرموت ؟ فقال الرجل : إن جهلتها لم أعلم شيئاَ ! قال : أفتعرف موضع الأحقاف . . . الخ . » .

9 - ومع ذلك أراد المهدي العباسي قتل الإمام ( عليه السلام ) !

قال في تاريخ بغداد : 13 / 29 : « أقدمه المهدي بغداد ، ثم رده إلى المدينة وأقام بها إلى أيام الرشيد » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 126 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي الكافي : 1 / 477 ، وقرب الإسناد / 330 : « عن أبي خالد الزبالي قال : قدم أبو الحسن موسى ( عليه السلام ) زبالة ، ومعه جماعة من أصحاب المهدي بعثهم المهدي في إشخاصه إليه ، أمرني بشراء حوائج له ونظر إلي وأنا مغموم فقال : يا با خالد مالي أراك مغموماً ؟ قلت : جعلت فداك هو ذا تصير إلى هذا الطاغية ولا آمنه عليك ! فقال : يا با خالد ليس علي منه بأس ، إذا كانت سنة كذا وكذا وشهر كذا وكذا فانتظرني في أول الميل ، فإني أوافيك إن شاء الله . قال : فما كانت لي همة إلا إحصاء الشهور والأيام ، فغدوت إلى أول الميل في اليوم الذي وعدني ، فلم أزل انتظره إلى أن كادت الشمس أن تغيب فلم أر أحداً فشككت فوقع في قلبي أمر عظيم ، فنظرت قرب الميل فإذا سواد قد رفع ، قال : فانتظرته فوافاني أبو الحسن ( عليه السلام ) أمام القطار على بغلة له فقال : إيهٍ يا با خالد ! قلت : لبيك جعلت فداك قال : لا تشكن ، ود والله الشيطان أنك شككت ! قلت : قد كان والله ذلك جعلت فداك ! قال : فسررت بتخليصه وقلت : الحمد الله الذي خلصك من الطاغية . فقال : يا با خالد إن إن لي إليهم عودة لا أتخلص منهم » ! والخرائج : 1 / 315 والمناقب : 3 / 413 .
ورواه في دلائل الإمامة / 335 ، وفيه : « فنزل في هاتين القبتين في يوم شديد البرد في سنة مجدبة ، لا يقدر على عود يستوقد به تلك السنة ، وأنا يومئذ أرى رأي الزيدية أدين الله بذلك فقال لي : يا أبا خالد إئتنا بحطب نستوقد . قلت : والله ما أعرف في المنزل عوداً واحداً ، فقال : كلا ، خذ في هذا الفج فإنك تلقى أعرابياً معه حملين فاشترهما منه ولا تماكسه ، فركبت حماري وانطلقت نحو الفج الذي وصف لي ، فإذا أعرابي معه حملين حطب فاشتريتهما منه وأتيته فاستوقدوا منه يومهم . وأتيته
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 127 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بظرف مما عندنا يطعم منه ، ثم قال : يا أبا خالد أنظر خفاف الغلمان ونعالهم فأصلحها حتى نقدم عليك يوم كذا وكذا من شهر كذا وكذا .
قال أبو خالد : وكتبت تاريخ اليوم وليس همي غير هذه الأيام ، فلما كان يوم الميعاد ركبت حماري وسرت أميالاً ونزلت فقعدت عند الجبل أفكر في نفسي ، وأقول : والله إن وافاني هذا اليوم الذي قال لي ، فإنه الإمام الذي فرض الله طاعته على خلقه لا يسع الناس جهله ! فقعدت حتى أمسيت ، وأردت الانصراف فإذا أنا براكب مقبل فأشرت إليه فأقبل إلي فسلم فرددت ( عليه السلام ) فقلت : وراءك أحد ؟ قال : نعم ، قطار فيه نحو من عشرين يشبهون أهل المدينة .
قال : فما لبثت أن ارتفع القطار فركبت حماري وتوجهت نحو القطار فإذا هو يهتف بي : يا أبا خالد هل وفينا لك بما وعدناك ؟ قلت : قد والله كنت أيست من قدومك حتى أخبرني راكب ، فحمدت الله على ذلك وعلمت أنك هو .
قال : ما فعلت القبتان اللتان كنا نزلنا فيهما ؟ قلت : جعلت فداك تذهب إليهما ؟ وانطلقت معه حتى نزل القبتين فأتيناه بغذاء فتغذى وقال : ما حال خفاف الغلمان ونعالهم ؟ قلت : أصلحتها فأتيته بها فسر بذلك ، فقال : يا أبا خالد ، زودنا من هذه الفسقارات التي بالمدينة ، فإنا لا نقدر فيها على هذه الأشياء التي تجدونها عندكم . قال : فلم يبق شئ إلا زودته منه ، ففرح وقال : سلني حاجتك ، وكان معه محمد أخوه . قلت : جعلت فداك أخبرك بما كنت فيه وأدين الله به ، إلى أن وقعت عليك وقدمت علي فسألتني الحطب ، فأخبرتك بما أخبرتك ، فأخبرتني بالأعرابي ، ثم قلت لي إني موافيك يوم كذا وكذا من شهر كذا وكذا ، فكان كما
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 128 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قلت ، لم ينقص ولم يزد يوماً واحداً ، فعلمت أنك الإمام الذي فرض الله طاعته لا يسع الناس جهلك ، فحمدت الله لذلك . فقال : يا أبا خالد من مات لا يعرف إمامه مات ميتة جاهلية ، وحوسب بما عمل في الإسلام » .
ولم أجد كلمة ( الفسقارات ) ولا بد أنها سلعة تتوفر في محطة زبالة ، دون المدينة .
ويظهر أن المهدي بعث جماعة أو سرية ، ليُحضروا الإمام الكاظم ( عليه السلام ) ، ليقتله ، وقد ناظره أولاً ، ثم حبسه وعزم على قتله ، فرأى ذلك المنام المرعب فأطلقه ، وعاد الإمام ( عليه السلام ) إلى المدينة في الوقت الذي حدده لأبي خالد الزبالي ( رحمه الله ) !
ويبدو أن الإمام ( عليه السلام ) أخذ عائلته معه في تلك السفرة ، ففي الكافي : 3 / 202 : « لما رجع أبو الحسن موسى ( عليه السلام ) من بغداد ومضى إلى المدينة ، ماتت له ابنة بفيد ، فدفنها وأمر بعض مواليه أن يجصص قبرها ، ويكتب على لوح اسمها ويجعله في القبر » . وتقع فيد ، بين الحجاز والعراق ، جنوب حائل . ( معجم البلدان : 4 / 282 ) .
وسيأتي أن المهدي حبس الإمام ( عليه السلام ) فرأى مناماً مرعباً فأطلقه .

10 - وأخبر ( عليه السلام ) بأن المهدي لا يقتله ولا الذي بعده !

« عن ابن سنان قال : دخلت على أبي الحسن موسى ( عليه السلام ) من قبل أن يقدم العراق بسنة ، وعليٌّ ابنه جالس بين يديه ، فنظر إليَّ فقال : يا محمد أما إنه سيكون في هذه السنة حركة فلا تجزع لذلك ! قال قلت : وما يكون جعلت فداك ؟ فقد أقلقني ما ذكرت ! فقال : أصير إلى الطاغية ، أما إنه لا يبدأني منه سوء ، ومن الذي يكون بعده . قال قلت : وما يكون جعلت فداك ؟ قال : يضل الله الظالمين ويفعل الله ما
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 129 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يشاء ! قال قلت : وما ذاك جعلت فداك ؟ قال : من ظلم ابني هذا حقه وجحد إمامته من بعدي ، كان كمن ظلم علي بن أبي طالب حقه وجحده إمامته بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ! قال قلت : والله لئن مد الله لي في العمر لأسلمن له حقه ولأقرن له بإمامته . قال : صدقت يا محمد يمد الله في عمرك وتسلم له حقه وتقر له بإمامته وإمامة من يكون من بعده . قال قلت : ومن ذاك ؟ قال محمد ابنه ! قال قلت : له الرضا والتسليم » . ( الكافي : 1 / 319 ) .

11 - قال الإمام ( عليه السلام ) للخليفة : ما بال مظلمتنا لا ترد ؟ !

في الكافي : 1 / 543 : « عن علي بن أسباط قال : لما ورد أبو الحسن موسى ( عليه السلام ) على المهدي رآه يرد المظالم فقال : يا أمير المؤمنين ما بال مظلمتنا لا ترد ؟ فقال له : وما ذاك يا أبا الحسن ؟ قال : إن الله تبارك وتعالى لما فتح على نبيه ( صلى الله عليه وآله ) فدك وما والاها لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب ، فأنزل الله على نبيه ( صلى الله عليه وآله ) : وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ ، فلم يدر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) من هم ، فراجع في ذلك جبرئيل ، وراجع جبرئيل ربه فأوحى الله إليه : أن ادفع فدك إلى فاطمة ( عليها السلام ) ، فدعاها رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فقال لها : يا فاطمة إن الله أمرني أن أدفع إليك فدكاً ، فقالت : قد قبلت يا رسول الله من الله ومنك ! فلم يزل وكلاؤها فيها حياة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فلما ولي أبو بكر أخرج عنها وكلاء ها ، فأتته فسألته أن يردها عليها فقال لها : إئتيني بأسود أو أحمر يشهد لك بذلك ، فجاءت بأمير المؤمنين ( عليه السلام ) وأم أيمن ، فشهدا لها فكتب لها بترك التعرض ، فخرجت والكتاب معها فلقيها عمر فقال : ما هذا معك يا بنت محمد ؟
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 130 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قالت كتاب كتبه لي ابن أبي قحافة ، قال أرينيه فأبت ، فانتزعه من يدها ونظر فيه ثم تفل فيه ومحاه وخرقه ، فقال لها : هذا لم يوجف عليه أبوك بخيل ولا ركاب ، فضعي الحبال في رقابنا !
فقال له المهدي : يا أبا الحسن حُدَّهَا لي ، فقال : حد منها جبل أحد ، وحد منها عريش مصر ، وحد منها سيف البحر ، وحد منها دومة الجندل !
فقال له : كل هذا ؟ قال : نعم يا أمير المؤمنين هذا كله ، إن هذا كله مما لم يوجف على أهله رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بخيل ولا ركاب ! فقال : كثيرٌ ، وأنظر فيه » !
أقول : يشمل هذا التحديد قسماً من الجزيرة وبلاد الشام إلى العريش ، وهو أول حدود مصر ( معجم البلدان : 3 / 312 ) وقسمٌ من هذه البلاد فتح عنوة ، فلا بد أن يكون استحقاق النبي ( صلى الله عليه وآله ) لأرضها بسبب أنها لم تفتح بإذن الإمام بعده ( عليه السلام ) ، ولا ينافي ذلك أن الإمام شارك في فتحها ، وخطط لمعاركها عسكرياً .
وقد روي أن الإمام الكاظم ( عليه السلام ) حدد فدكاً للرشيد بتحديد آخر ، يشمل كل الدولة الإسلامية ، ليقول له بذلك إن فدكاً رمز لظلامتنا في الخلافة !
ففي مناقب آل أبي طالب : 3 / 435 : « في كتاب أخبار الخلفاء : أن هارون الرشيد كان يقول لموسى بن جعفر : خذ فدكاً حتى أردها إليك فيأبى حتى ألح عليه فقال ( عليه السلام ) لا آخذها إلا بحدودها ! قال : وما حدودها ؟ قال : إن حددتها لم تردها ؟ قال : بحق جدك إلا فعلت ، قال أما الحد الأول فعدن ، فتغير وجه الرشيد وقال : إيهاً ، قال : والحد الثاني سمرقند . فاربد وجهه ! والحد الثالث : إفريقية ، فاسود وجهه وقال : هيه ! قال : والرابع سيف البحر مما يلي الجزر وأرمينية ! قال الرشيد : فلم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 131 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يبق لنا شئ ، فتحول إلى مجلسي ! قال موسى : قد أعلمتك أنني إن حددتها لم تردها ! فعند ذلك عزم على قتله !
وفي رواية ابن أسباط أنه قال : أما الحد الأول فعريش مصر ، والثاني دومة الجندل ، والثالث أحد ، والرابع سيف البحر . فقال : هذا كله هذه الدنيا ! فقال : هذا كان في أيدي اليهود بعد موت أبي هالة فأفاءه الله على رسوله بلا خيل ولا ركاب ، فأمره الله أن يدفعه إلى فاطمة ( عليها السلام ) » .
ويظهر أن المهدي العباسي أرجع فدكاً للإمام ( عليه السلام ) ، لكن بالحدود التي رآها !
ففي الطرائف / 252 : « ذكر أبو هلال العسكري في كتاب أخبار الأوائل أن أول من رد فدكاً على ورثة فاطمة ( عليها السلام ) عمر بن عبد العزيز ، وكان معاوية أقطعها لمروان بن الحكم وعمرو بن عثمان ويزيد بن معاوية ، وجعلها بينهم أثلاثاً ، ثم قبضت من ورثة فاطمة ( عليها السلام ) فردها عليهم السفاح ، ثم قبضت فردها عليهم المهدي ، ثم قبضت فردها عليهم المأمون كما تقدم شرحه .
ومن غير كتاب أبي هلال العسكري بل في تواريخ متفرقة أنها قبضت منهم بعد المأمون فردها عليهم الواثق ، ثم قبضت فردها عليهم المستعين ، ثم قبضت فردها عليهم المعتمد ، ثم قبضت فردها المعتضد ، ثم قبضت فردها عليهم الراضي » !
وفي تاريخ الذهبي : 9 / 31 : « وحدث أيوب بن عمر قال : لقي جعفر بن محمد أبا جعفر المنصور فقال : يا أمير المؤمنين رد علي قطيعتي عين أبي زياد آكل منها ، قال : إياي تكلم هذا الكلام ، والله لأزهقن نفسك ! قال : فلا تعجل عليَّ فقد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 132 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بلغت ثلاثاً وستين سنة وفيها مات أبي وجدي وعلي بن أبي طالب ، فرق له ، فلما مات المنصور رد المهدي على أولاد أبي جعفر عين أبي زياد » .

12 - المهدي العباسي يختبر علم الإمام الكاظم ( عليه السلام )

في الكافي : 6 / 406 : « عن علي بن يقطين قال : سأل المهدي أبا الحسن ( عليه السلام ) عن الخمر هل هي محرمة في كتاب الله عز وجل ، فإن الناس إنما يعرفون النهي عنها ولا يعرفون التحريم لها ؟ فقال له أبو الحسن ( عليه السلام ) : بل هي محرمة في كتاب الله عز وجل يا أمير المؤمنين ، فقال له : في أي موضع هي محرمة في كتاب الله جل اسمه يا أبا الحسن ؟ فقال : قول الله عز وجل : قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّىَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالآثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ . فأما قوله : ما ظهر منها ، يعني الزنا المعلن ونصب الرايات التي كانت ترفعها الفواجر للفواحش في الجاهلية . وأما قوله عز وجل : وما بطن ، يعني ما نكح من الآباء لأن الناس كانوا قبل أن يبعث النبي ( صلى الله عليه وآله ) إذا كان للرجل زوجة ومات عنها ، تزوجها ابنه من بعده إذا لم تكن أمه . فحرم الله عز وجل ذلك . وأما الإثم فإنها الخمرة بعينها ، وقد قال الله عز وجل في موضع آخر : يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ . فأما الإثم في كتاب الله فهي الخمرة والميسر ، وإثمهما أكبر كما قال الله تعالى .
قال فقال المهدي : يا علي بن يقطين هذه والله فتوى هاشمية . قال قلت له : صدقت والله يا أمير المؤمنين ، الحمد لله الذي لم يخرج هذا العلم منكم أهل البيت قال : فوالله ما صبر المهدي أن قال لي : صدقت يا رافضي » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 133 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي الإحتجاج : 2 / 346 : « فقال لأبي الحسن موسى ( عليه السلام ) : إني أريد أن أسألك عن شئ ، قال : هات . فقال : ما تقول في التظليل للمحرم ؟ قال : لا يصلح ، قال : فيضرب الخباء في الأرض فيدخل فيه ؟ قال : نعم . قال : فما فرق بين هذا وذلك ؟ قال أبو الحسن موسى ( عليه السلام ) : ما تقول في الطامث تقضي الصلاة ؟ قال : لا ، قال : تقضي الصوم ؟ قال : نعم ، قال : ولم ؟ قال : إن هذا كذا جاء . قال أبو الحسن ( عليه السلام ) : وكذلك هذا ! قال المهدي لأبي يوسف : ما أراك صنعت شيئاً ! قال : يا أمير المؤمنين رماني بحجة » . ومناقب آل أبي طالب : 3 / 429 .

13 - الإمام ( عليه السلام ) يأمر تلاميذه بإيقاف المناظرة في زمن المهدي

في رجال الطوسي : 2 / 542 : « عن يونس قال : قلت لهشام إنهم يزعمون أن أبا الحسن ( عليه السلام ) بعث إليك عبد الرحمن بن الحجاج يأمرك أن تسكت ولا تتكلم ، فأبيت أن تقبل رسالته ! فأخبرني كيف كان سبب هذا ، وهل أرسل إليك ينهاك عن الكلام أولا ، وهل تكلمت بعد نهيه إياك ؟
فقال هشام : إنه لما كان أيام المهدي شدد على أصحاب الأهواء ، وكتب له ابن المفضل صنوف الفرق صنفاً صنفاً ، ثم قرأ الكتاب على الناس فقال يونس : قد سمعت هذا الكتاب يقرأ على الناس على باب الذهب بالمدينة ، ومرة أخرى بمدينة الوضاح ، فقال إن ابن المقعد صنف لهم صنوف الفرق فرقة فرقة ، حتى قال في كتابه : وفرقة منهم يقال لهم الزرارية ، وفرقة منهم يقال لهم العَمَّارية أصحاب عمار الساباطي ، وفرقة يقال لها اليعفورية ، ومنهم فرقة أصحاب
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 134 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
سليمان الأقطع ، وفرقة يقال لها الجواليقية . قال يونس : ولم يذكر يومئذ هشام بن الحكم ولا أصحابه ، فزعم هشام ليونس أن أبا الحسن ( عليه السلام ) بعث إليه فقال له : كفَّ هذه الأيام عن الكلام فإن الأمر شديد قال هشام : فكففت عن الكلام حتى مات المهدي وسكن الأمر ، فهذا الذي كان من أمره ، وانتهائي إلى قوله » .
وفي / 547 ، عن هشام : « أتاني عبد الرحمن بن الحجاج ، وقال لي يقول لك أبو الحسن : أمسك عن الكلام هذه الأيام ، وكان المهدي قد صنف له مقالات الناس وفيه مقالة الجواليقية هشام بن سالم ، وقرأ ذلك الكتاب في الشرقية ، ولم يذكر كلام هشام ، وزعم يونس أن هشام بن الحكم قال له : فأمسكت عن الكلام أصلاً حتى مات المهدي ، وإنما قال لي هذه الأيام » .

14 - قرر المهدي أن يقتل الإمام ( عليه السلام ) فرأى مناماً مرعباً !

في مناقب آل أبي طالب : 3 / 418 : « لما بويع محمد المهدي دعا حميد بن قحطبة نصف الليل وقال : إن إخلاص أبيك وأخيك فينا أظهر من الشمس ، وحالك عندي موقوف ، فقال : أفديك بالمال والنفس ، فقال : هذا لسائر الناس ، قال : أفديك بالروح والمال والأهل والولد ، فلم يجبه المهدي فقال : أفديك بالمال والنفس والأهل والولد والدين ! فقال : لله درك ، فعاهده على ذلك ، وأمره بقتل الكاظم ( عليه السلام ) في السحر بغتة ، فنام فرأى في منامه علياً ( عليه السلام ) يشير إليه ويقرأ : فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ؟ فانتبه مذعوراً ، ونهى حميداً عما أمره ، وأكرم الكاظم ( عليه السلام ) ووصله » .
وقد روت عامة مصادر السنة عزم المهدي على قتل الإمام ( عليه السلام ) ومنام المهدي العباسي المتقدم ، كتاريخ بغداد : 13 / 32 ، وتهذيب الكمال : 29 / 49 ، وسير الذهبي : 6 / 272 ، وتاريخه : 12 / 418 ، وصفة الصفوة : 2 / 184 ، والمستطرف : 2 / 157 ، والفصول المهمة : 2 / 937 .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 135 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل السادس : الإمام الكاظم ( عليه السلام ) وموسى الهادي العباسي

1 - الخليفة موسى الهادي قصير العمر كثير الشر

أوصى المهدي بالخلافة إلى ابنيه من زوجته المفضلة خيزران ، فجعل ولي عهده موسى الهادي ، وبعده أخاه هارون الرشيد .
وحكم المهدي عشر سنوات ، وكان في الصيد يطارد مع كلابه غزالاً ، فاقتحم به فرسه خربة فاصطدم رأسه بعتبة بابها فمات على الفور سنة 169 ، فحكم بعده ابنه موسى الهادي سنة وربعاً ، ومات وعمره 26 سنة .
كان موسى الهادي : « طويلاً جسيماً جميلاً ، أبيض مشرباً حمرة ، وكان بشفته العليا تقلص » . « وكان يشرب المسكر ، وفيه ظلم وشهامة ولعب ، وربما ركب حماراً فارهاً » . ( سير الذهبي : 7 / 441 ) . « كان يثب على الدابة وعليه درعان ، وكان المهدى يسميه ريحانتي » . ( الطبري : 6 / 428 ، 433 ) .
« قال ابن دأب : فدخلت عليه وهو منبطح على فراشه ، وإن عينيه لحمراوان من السهر وشرب الليل ، فقال لي : حدثني بحديث في الشراب ! فقلت : نعم يا أمير المؤمنين خرجت رجُلة من كنانة ينتجعون الخمر من الشام ، فمات أخ لأحدهم فجلسوا عند قبره يشربون . . الخ . » . ( الطبري : 6 / 436 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 136 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال الطبري : 6 / 421 : « كانت الخيزران في أول خلافة موسى تفتات عليه في أموره ، وتسلك به مسلك أبيه من قبله ، في الاستبداد بالأمر والنهي . . . فكان يجيبها إلى كل ما تسأله حتى مضى لذلك أربعة أشهر من خلافته ، وانثال الناس عليها وطمعوا فيها ، فكانت المواكب تغدو إلى بابها . قال فكلمته يوماً في أمر لم يجد إلى إجابتها إليه سبيلاً ، فاعتل بعلة فقالت : لا بد من إجابتي . قال : لا أفعل ! قالت : فإني قد تضمنت هذه الحاجة لعبد الله بن مالك ، قال فغضب موسى وقال : ويلي على ابن الفاعلة قد علمت أنه صاحبها ، والله لا قضيتها لك !
قالت : إذاً والله لا أسألك حاجة أبداً » !
أقول : عبد الله بن مالك ، الذي اتهم به موسى الهادي أمه الخيزران ، كان رئيس شرطة أبيه المهدي . ثم رئيس شرطته . ( الطبري : 6 / 443 ) .

2 - كان موسى الهادي مشهوراً بالفسق !

في معاهد التنصيص / 198 ، والوافي : 10 / 86 : « وكان السبب في قتل المهدي بشاراً أنه كان نهاه عن التشبيب فمدحه بقصيدة ، فلم يحظ منه بشئ ، فهجاه فقال :

خَليفةٌ يَزْني بعمّاتِهِ * يَلْعَبُ بالدّبُّوقِ والصَّولجَانْ
أَبدَلنَا الله بهِ غيرَهُ * ودسَّ موسى في حِرِ الخيزُرَانْ

وأنشدها في حلقة يونس النحوي ، فسعى به إلى يعقوب بن داود الوزير ، وكان بشار قد هجاه بقوله من البسيط :

بنِي أميةَ هُبّوا طَالَ نوْمُكْمُ * إنّ الخليفةَ يعقوبُ بنُ داود
ضاعتْ خلافَتُكُمْ يا قومُ فالْتَمِسُوا * خَليفةَ الله بين الزّقّ والعُودِ

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 137 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فدخل يعقوب على المهدي فقال : يا أمير المؤمنين ، إن هذا الأعمى الملحد الزنديق قد هجاك ! قال : بأي شئ ؟ قال : بما لا ينطق به لساني ولا يتوهمه فكري ! فقال : بحياتي أنشدني إياه ، فقال : والله لو خبرتني بين إنشادي إياه وضرب عنقي لاخترت ضرب عنقي ! فحلف عليه المهدي بالأيمان التي لا فسحة له فيها ، فقال : أما لفظاً فلا ، ولكنني أكتب ذلك فكتبه ودفعه ! فكاد ينشق غيظاً ! وعمل على الإنحدار إلى البصرة لينظر في أمرها وما في فكره غير بشار ، فانحدر فلما بلغ إلى البطيحة . . فإذا بشار . . . فأمر بضربه بالسوط فضربه بين يديه على صدر الحراقة سبعين سوطاً أتلفه فيها . . . فألقي في سفينة حتى مات ، ثم رمى به في البطيحة فجاء بعض أهله فحملوه إلى البصرة » . و الطبري : 6 / 401 ، وطبعة : 4 / 485 ، و 590 ، والكامل : 6 / 86 ، والأغاني : 3 / 241 ، وفيات الأعيان : 1 / 273 ، وبدائع البداية / 15 .

3 - ثورة الحسين بن علي صاحب فخ على موسى الهادي

كان عهد المهدي العباسي على سوئه ، فسحةً للإمام الكاظم ( عليه السلام ) وشيعته ، أما عهد ابنه موسى الهادي فكان على قصره ، شراً على الأمة وخاصة أهل البيت ( عليهم السلام ) وشيعتهم لأنه نفذ سياسة جده المنصور في إبادة أبناء علي وفاطمة ( عليهم السلام ) !
وقد قرر العلويون مواجهة هذه السياسة ، فكانت ثورة الحسين بن علي في منطقة فخ ، وهو مكان في مكة يعرف بوادي الزاهرية . ( معجم البلدان : 4 / 237 ) .
وفي مقاتل الطالبيين / 294 : « كان سبب خروج الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ، أن موسى الهادي ولَّى المدينة إسحاق بن عيسى بن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 138 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
علي ، فاستخلف عليها رجلاً من ولد عمر بن الخطاب يعرف بعبد العزيز بن عبد الله ، فحمل على الطالبيين وأساء إليهم ، وأفرط في التحامل عليهم ، وطالبهم بالعرض كل يوم وكانوا يعرضون في المقصورة ، وأخذ كل واحد منهم بكفالة قرينه ونسيبه ، فضمن الحسين بن علي ويحيى بن عبد الله بن الحسن ، الحسن بن محمد بن عبد الله بن الحسن .
ووفى أوائل الحاج وقدم من الشيعة نحو من سبعين رجلاً ، فنزلوا دار ابن أفلح بالبقيع وأقاموا بها ، ولقوا حسيناً وغيره ، فبلغ ذلك العمري فأنكره . . فأشاع أنه وجدهم على شراب . . أغلظ العمري أمر العرض وولى على الطالبيين رجلاً يعرف بأبي بكر بن عيسى الحائك مولى الأنصار ، فعرضهم يوم جمعة ، فلم يأذن لهم بالانصراف حتى بدأ أوائل الناس يجيئون إلى المسجد ، ثم أذن لهم فكان قصارى أحدهم أن يغدو ويتوضأ للصلاة ويروح إلى المسجد ، فلما صلوا حبسهم في المقصورة إلى العصر ، ثم عرضهم فدعا باسم الحسن بن محمد فلم يحضر ، فقال ليحيى والحسين بن علي : ليأتياني به أو لأحبسنكما فإن له ثلاثة أيام لم يحضر العرض ولقد خرج أو تغيب . . فغضب يحيى بن عبد الله فقال له : فما تريد منا ؟ فقال : أريد أن تأتياني بالحسن بن محمد ! فقال : لا نقدر عليه ، هو في بعض ما يكون فيه الناس ، فابعث إلى آل عمر بن الخطاب فاجمعهم كما جمعتنا ثم أعرضهم رجلاً رجلاً فإن لم تجد فيهم من قد غاب أكثر من غيبة الحسن عنك فقد أنصفتنا ، فحلف على الحسين بطلاق امرأته وحرية مماليكه أنه لا يخلي عنه أو يجيئه به في باقي يومه وليلته ، وأنه إن لم يجئ به ليركبن إلى سويقة فيخربها ويحرقها ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 139 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وليضربن الحسين ألف سوط ، وحلف بهذه اليمين إن وقعت عينه على الحسن بن محمد ليقتلنه من ساعته !
فوثب يحيى مغضباً فقال له : أنا أعطي الله عهداً ، وكل مملوك لي حر إن ذقت الليلة نوماً حتى آتيك . . . فاجتمعوا ستة وعشرين رجلاً من ولد علي ، وعشرة من الحاج ، ونفر من الموالي ، فلما أذن المؤذن للصبح دخلوا المسجد ثم نادوا : أحدٌ أحد ، وصعد عبد الله بن الحسن الأفطس المنارة التي عند رأس النبي ( صلى الله عليه وآله ) عند موضع الجنائز فقال للمؤذن : أذن بحي على خير العمل ، فلما نظر إلى السيف في يده أذن بها وسمعه العمري فأحس بالشر ودهش وصاح : إغلقوا البغلة وأطعموني حبتي ماء !
قال علي بن إبراهيم في حديثه : فولده إلى الآن بالمدينة يعرفون ببني حبتي ماء » !
قال اليعقوبي في تاريخه : 2 / 404 : « وبويع لموسى الهادي بن محمد المهدي . . . وكانت هادئة والأمور ساكنة ، والملوك في الطاعة ، فظهر منه أمور قبيحة ، وضعف شديد ، فاضطربت البلاد . . . وتحرك جماعة من الطالبيين وصاروا إلى ملوك النواحي ، فقبلوهم ووعدوهم بالنصر والمعونة ، وذلك أن موسى ألحَّ في طلب الطالبيين ، وأخافهم خوفاً شديداً ، وقطع ما كان المهدي يجريه لهم من الأرزاق والأعطية ، وكتب إلى الآفاق في طلبهم وحملهم !
فلما اشتد خوفهم وكثر من يطلبهم ويحث عليهم ، عزم الشيعة وغيرهم إلى الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن علي ، وكان له مذهب جميل وكمال ومجد وقالوا له : أنت رجل أهل بيتك ، وقد ترى ما أنت وأهلك وشيعتك فيه من
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 140 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الخوف والمكروه ، فقال : وإني وأهل بيتي لا نجد ناصرين فننتصر ، فبايعه خلق كثير ممن حضر الموسم ، فقال لهم : إن الشعار بيننا أن ينادي رجل : من رأى الجمل الأحمر ، فما وافاه إلا أقل من خمس مائة ، وكان ذلك في سنة 169 بعد انقضاء الموسم . فلقيه سليمان بن أبي جعفر ، والعباس بن محمد بن علي ، وموسى بن عيسى ( قادة عسكريون ) بفخ فانهزم ومن كان معه وافترقوا ، وقتل الحسين بن علي وجماعة من أهله ، وهرب خاله إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي ، فصار إلى المغرب ، فغلب على ناحية تتاخم الأندلس يقال لها فاس ، فاجتمعت عليه كلمة أهلها ، فذكر أهل المغرب أن موسى وجه إليه من اغتاله بسم في مسواك فمات ، وصار إدريس بن إدريس مكانه ، وولده بها إلى هذه الغاية يتوارثون تلك المملكة . . . فلم تزل البلاد مضطربة أيام موسى ( الهادي ) كلها » .
وفي مقاتل الطالبيين / 302 : « لما قتل أصحاب فخ ، جلس موسى بن عيسى ( العباسي ) بالمدينة ، وأمر الناس بالوقيعة ( السب ) على آل أبي طالب ، فجعل الناس يوقعون عليهم حتى لم يبق أحد ، فقال بقي أحد قيل له : موسى بن عبد الله ( الحسني ) وأقبل موسى بن عبد الله على أثر ذلك وعليه مدرعة وإزار غليظ وفي رجليه نعلان من جلود الإبل ، وهو أشعث أغبر حتى قعد مع الناس ولم يسلم عليه ، وإلى جنبه السري بن عبد الله من ولد الحرث بن العباس بن عبد المطلب ، فقالوا لموسى بن عيسى : دعني أكسف عليه باله وأعرفه نفسه ! قال أخافه عليك ! قال : دعني فأذن له فقال له : يا موسى ! قال : أسمعت فقل ! قال : كيف رأيت مصارع البغي الذي لا تدعونه لبني عمكم المنعمين عليكم . فقال موسى : أقول في ذلك :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 141 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

بني عمنا ردوا فضول دمائنا * ينمْ ليلكم أولا يَلُمْنا اللوائمُ
فإنا وإياكم وما كان بيننا * كذي الديْن يقضي دينه وهو راغم

فقال السري : والله ما يزيدكم البغي إلا ذلة ، ولو كنتم مثل بني عمكم ( الحسينيين ) سلمتم ! يعني موسى بن جعفر وكنتم مثله ، فقد عرف حق بني عمه وفضلهم عليه ، فهو لا يطلب ما ليس له ! فقال له موسى بن عبد الله :

فإن الأولى تثني عليهم تعيبني * أولاك بنو عمي وعمهم أبي
فإنك إن تمدحهم بمديحة * تُصدق ، وإن تمدح أباك تكذب

قالوا : ولما بلغ العمري ( الوالي ) وهو بالمدينة قتل الحسين بن علي صاحب فخ ، عمد إلى داره ودور أهله فحرقها ، وقبض أموالهم ونخلهم ، فجعلها في الصوافي المقبوضة » . أي في أموال الدولة .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 142 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

4 - موسى الهادي يقرر قتل الإمام الكاظم ( عليه السلام )

في مناقب آل أبي طالب : 3 / 423 ، عن علي بن يقطين ، وعبد الله بن أحمد الوضاح قال : « لما حمل رأس صاحب فخ إلى موسى بن المهدي ، أنشأ يقول :

بني عمنا لا تنطقوا الشعر بعدما * دفنتم بصحراء الغميم القوافيا
فلسنا كمن كنتم تصيبون سلمه * فيقبل قيلاً أو يحكم قاضيا
ولكن حد السيف فيكم مسلط * فنرضى إذا ما أصبح السيف راضيا
فإن قلتم إنا ظلمنا فلم نكن * ظلمنا ولكنا أسأنا التقاضيا
فقد ساءني ما جرت الحرب بيننا * بني عمنا لو كان امراً مدانيا

ثم أخذ في ذكر الطالبيين وجعل ينال منهم ، إلى أن ذكر موسى بن جعفر وحلف بالله ليقتله ، فتكلم فيه القاضي أبو يوسف حتى سكن غضبه .
وأنهي الخبر إلى الإمام ( عليه السلام ) وعنده جماعة من أهل بيته فقال لهم : ما تشيرون ؟ قالوا : نشير عليك بالابتعاد عن هذا الرجل وأن تغيب شخصك عنه ، فإنه لا يؤمن شره ، فتبسم أبو الحسن وتمثل :

زعمت سخينةُ أن ستقتل ربها * وليغلبنَّ مُغلبُ الغُلاب

ثم أنشد : زعم الفرزدق أن سيقتل مربعاً أبشر بطول سلامة يا مربعُ !
ثم رفع رأسه إلى السماء وقال : إلهي كم من عدو شحذ لي ظبة مديته ، وأرهف لي شبا حده ، ودفع لي قواتل سمومه ، ولم تنم عني عين حراسته ، فلما رأيت ضعفي عن احتمال الفوادح ، وعجزي عن ملمات الجوائح ، صرفت ذلك بحولك وقوتك . إلخ . . .
ورواه في مهج الدعوات / 217 ، بتفصيل ، قال : « فمن ذلك الدعاء المعروف بدعاء الجوشن المروي عنه ( عليه السلام ) رويناه بعدة طرق . . . . حدثنا أبو الوضاح محمد بن عبد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 143 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الله بن زيد النهشلي قال : لما قتل الحسين بن علي صاحب فخ ، وهو الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن ، وتفرق الناس عنه ، حمل رأسه والأسرى من أصحابه إلى موسى بن المهدي ، فلما بصر بهم أنشأ يقول متمثلاً :

بني عمنا لا تنطقوا الشعر بعد ما * دفنتم بصحراء الغميم القوافيا
فلسنا كمن كنتم تصيبون نيله * فنقبل ضيما أو نحكم قاضيا
ولكن حكم السيف فينا مسلط * فنرضى إذا ما أصبح السيف راضيا
وقد ساءني ما جرت الحرب بيننا * بني عمنا لو كان أمرا مدانيا
فإن قلتم إنا ظلمنا فلم نكن ظلمنا * ولكن قد أسأنا التقاضيا

ثم أمر برجل من الأسرى فوبخه ثم قتله ، ثم صنع مثل ذلك بجماعة من ولد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه ، وأخذ من الطالبين ، وجعل ينال منهم إلى أن ذكر موسى بن جعفر صلوات الله عليه فنال منه ، ثم قال : والله ما خرج حسين إلا عن أمره ، ولا اتبع إلا محبته ، لأنه صاحب الوصية في أهل هذا البيت ، قتلني الله إن أبقيت عليه ! فقال له أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم القاضي وكان جريئاً عليه : يا أمير المؤمنين أقول أم أسكت ؟ فقال : قتلني الله إن عفوت عن موسى بن جعفر ، ولولا ما سمعت من المهدي فيما أخبر به المنصور ما كان به جعفر من الفضل المبرز عن أهله في دينه وعمله وفضله ، وما بلغني من السفاح فيه من تعريضه وتفضيله ، لنبشت قبره وأحرقته بالنار إحراقاً !
فقال أبو يوسف : نساؤه طوالق ، وعتق جميع ما يملك من الرقيق ، وتصدق بجميع ما يملك من المال وحبس دوابه ، وعليه المشي إلى بيت الله الحرام ، إن كان مذهب موسى بن جعفر الخروج ، ولا يذهب إليه ، ولا مذهب أحد من ولده ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 144 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولا ينبغي أن يكون هذا منهم ! ثم ذكر الزيدية وما ينتحلون فقال : وما كان بقي من الزيدية إلا هذه العصابة ، الذين كانوا قد خرجوا مع حسين ، وقد ظفر أمير المؤمنين بهم ! ولم يزل يرفق به حتى سكن غضبه .
وقال : وكتب علي بن يقطين إلى أبي الحسن موسى بن جعفر ( عليه السلام ) بصورة الأمر فورد الكتاب ، فلما أصبح أحضر أهل بيته وشيعته فأطلعهم أبو الحسن ( عليه السلام ) على ما ورد من الخبر ، وقال لهم : ما تشيرون في هذا ؟ فقالوا : نشير عليك أصلحك الله وعلينا معك أن تباعد شخصك عن هذا الجبار ، وتغيب شخصك دونه ، فإنه لا يؤمن شره وعاديته وغشمه ، سيما وقد توعدك وإيانا معك !
فتبسم موسى ( عليه السلام ) ثم تمثل ببيت كعب بن مالك أخي بني سلمة وهو :

زعمت سخينة أن ستغلب ربها * فليغلبن مغالب الغلاب

ثم أقبل على من حضره من مواليه وأهل بيته فقال : ليفرج روعكم ، إنه لا يرد أول كتاب من العراق إلا بموت موسى بن مهدي وهلاكه !
فقالوا وما ذاك أصلحك الله ؟ فقال : قد وحرمة هذا القبر مات في يومه هذا ! والله إنه لحق مثلما أنكم تنطقون ! سأخبركم بذلك : بينما أنا جالس في مصلاي بعد فراغي من وردي ، وقد تنومت عيناي ، إذ سنح لي جدي رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في منامي فشكوت إليه موسى بن المهدي ، وذكرت ما جرى منه في أهل بيته ، وأنا مشفق من غوائله ، فقال لي : لتطب نفسك يا موسى فما جعل الله لموسى عليك سبيلاً ! فبينما هو يحدثني إذ أخذ بيدي وقال لي : قد أهلك الله آنفاً عدوك ، فلتحسن لله شكرك ! قال ثم استقبل أبو الحسن القبلة ورفع يديه إلى السماء يدعو !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 145 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فقال أبو الوضاح : فحدثني أبي قال كان جماعة من خاصة أبي الحسن ( عليه السلام ) من أهل بيته وشيعته يحضرون مجلسه ومعهم في أكمامهم ألواح آبنوس لطاف وأميال ، فإذا نطق أبو الحسن ( عليه السلام ) بكلمة أو أفتى في نازلة ، أثبت القوم ما سمعوا منه في ذلك ، قال فسمعناه وهو يقول في دعائه : شكراً لله جلت عظمته . ثم أورد دعاء الجوشن الذي كان الإمام ( عليه السلام ) دعا به ، وهو طويل » .
أقول : كانت قريش تعاب بأكل السخينة في أيام فقرها ، وهي طعام من الدقيق والسمن .
وقد روي عن الأئمة ( عليهم السلام ) مدح صاحب فخ والثائرين معه ، وذهب أكثر علمائنا إلى شرعية ثورته التي كان هدفها إيقاف خطة إبادة العلويين !
ففي مقاتل الطالبيين / 304 : أن صاحب فخ ( رحمه الله ) قال : « ما خرجنا حتى شاورنا أهل بيتنا ، وشاورنا موسى بن جعفر ، فأمرنا بالخروج »
وفي الكافي : 1 / 366 : « لما خرج الحسين بن علي المقتول بفخ ، واحتوى على المدينة ، دعا موسى بن جعفر إلى البيعة فأتاه فقال له : يا ابن عم لا تكلفني ما كلف ابن عمك عمك أبا عبد الله ، فيخرج مني ما لا أريد كما خرج من أبي عبد الله ما لم يكن يريد ! فقال له الحسين : إنما عرضت عليك أمراً فإن أردته دخلت فيه ، وإن كرهته لم أحملك عليه ، والله المستعان . ثم ودعه فقال له أبو الحسن موسى بن جعفر حين ودعه : يا ابن عم إنك مقتول فأجد الضراب ، فإن القوم فساق يظهرون إيماناً ويسترون شركاً ، وإنا لله وإنا إليه راجعون ، أحتسبكم عند الله من عصبة ، ثم خرج الحسين وكان من أمره ما كان قتلوا كلهم كما قال ( عليه السلام ) » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 146 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي مقاتل الطالبين / 302 : « جاء الجند بالرؤس إلى موسى والعباس ، وعندهم جماعة من ولد الحسن والحسين ، فلم يتكلم أحد منهم بشئ إلا موسى بن جعفر فقال له : هذا رأس الحسين ! قال : نعم ، إنا لله وإنا إليه راجعون ، مضى والله مسلماً ، صالحاً ، صواماً ، قواماً ، آمراً بالمعروف ، ناهياً عن المنكر ، ما كان في أهل بيته مثله ! فلم يجيبوه بشئ » .
وفي عمدة الطالب : 183 ، والسلسلة العلوية لأبي نصر البخاري ، عن الإمام الجواد ( عليه السلام ) قال : « لم يكن لنا بعد الطف مصرع أعظم من فخ » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 147 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل السابع : خلافة هارون قاتل الإمام الكاظم ( عليه السلام )

1 - عزله أخوه فقتلته أمه ونصبت هاروناً خليفة

قال اليعقوبي في تاريخه : 2 / 405 : « وشجرت بين موسى وبين أخيه الوحشة ، فعزم على خلعه وتصيير ابنه جعفر ولي العهد ، ودعا القواد إلى ذلك فتوقف عامتهم وأشاروا عليه أن لا يفعل ، وسارع بعضهم وقووا عزيمته في ذلك ، وأعلموه أن الملك لا يصلح إن صار إلى هارون . وقد كان موسى وجه به ( محمد بن فروخ الأزدي ) في جيش كثير يستنفر من بالجزيرة والشام ومصر والمغرب ، يدعو الناس إلى خلع هارون ، فمن أبى جرد فيهم السيف . . .
وأخذ موسى يحيى بن برمك فحبسه وأشرف عليه بالقتل عدة مرار ، فحدثني بعض المشايخ عن يحيى بن خالد قال : حبسني موسى بسبب الرشيد وتربيتي إياه ومكاني معه ، وكان الرشيد دُفع إلينا مولوداً في الخرق فغذته ثديّ نسائنا ورُبي في حجورنا ، فقال : بلغني أنك تروض هارون للخلافة ، ونفسك للوزارة ، والله لآتين على نفسه ونفسك قبل ذلك ! وحبسني في بيت ضيق لا أقدر أن أمد رجلي فيه ، فأقمت أياماً ، فأنا ليلة في حبسي على تلك الحال إذ بالأبواب تفتح فقلت : تذكرني فأراد قتلي ! وسمعت كلام الخدم فارتعت لذلك ، ففُتح علي الباب وأنا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 148 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أتشهد فقيل لي : هذه السيدة يعنون الخيزران ، فخرجت فإذا بها واقفة على الباب ، فقالت : إن هذا الرجل قد خَفَتَ منذ الليلة وأحسبه قد قضى ، فتعال انظره ! فازداد جزعي وطامتي . وقالت : كما أقول ! فجئت فوجدته محول الوجه إلى الحائط ، وقد قضى ! فمضيت إلى هارون حتى أخرجته من الموضع الذي كان فيه محبوساً ، فأصبح القواد فبايعوا ، وأصبحت أدبِّر الملك » !
« وأمر الهادي ألا يُسَارَ قُدام الرشيد بحربة ، فاجتنبه الناس وتركوه ، فلم يكن أحد يجترئ أن يسلم عليه ولا يقربه . . . واشتد غضبه منه وضيق عليه . قال يحيى لهارون : استأذنه في الخروج إلى الصيد فإذا خرجت فاستبعد ودافع الأيام فرفع هارون رقعة يستأذن فأذن له فمضى إلى قصر مقاتل فأقام به أربعين يوماً حتى أنكر الهادي أمره وغمه احتباسه ، وجعل يكتب إليه ويصرفه فتعلل عليه حتى تفاقم الأمر وأظهر شتمه وبسط مواليه وقواده ألسنتهم » . ( الطبري : 6 / 423 ، و 425 ) .
« سمعت خالصة تقول للعباس بن الفضل بن الربيع : بعث موسى إلى أمه الخيزران بأرزَّة وقال : استبطتها فأكلت منها ، فكلي منها ! قالت خالصة فقلت لها : أمسكي حتى تنظري ، فإني أخاف أن يكون فيها شئ تكرهينه ، فجاؤوا بكلب فأكل منها فتساقط لحمه ! فأرسل إليها بعد ذلك : كيف رأيت الأرزَّة ؟ فقالت : وجدتها طيبة ! فقال : لم تأكلي ، ولو أكلت لكنت قد استرحت منك » !
« قال وحدثني بعض الهاشميين : أن سبب موت الهادي أنه لما جد في خلع هارون والبيعة لابنه جعفر ، وخافت الخيزران على هارون منه ، دسَّت إليه من جواريها لما مرض من قتله بالغم والجلوس على وجهه ، ووجهت إلى يحيى بن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 149 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
خالد : إن الرجل قد توفي ، فاجدد في أمرك ولا تقصر » ! ( الطبري : 6 / 422 ) . « وقد كان الهادي عزم تلك الليلة على قتله وقتل هارون الرشيد » . ( النهاية : 10 / 171 ) .
« جاء يحيى بن خالد إلى الرشيد وهو نائم في لحاف بلا إزار ، لما توفي موسى ، فقال : قم يا أمير المؤمنين ! فقال له الرشيد : كم تروعني إعجاباً منك بخلافتي ، وأنت تعلم حالي عند هذا الرجل ، فإن بلغه هذا فما تكون حالي ؟ ! فقال له هذا الحراني وزير موسى وهذا خاتمه ! قال : فقعد في فراشه فقال أشر عليَّ !
قلد الرشيد يحيى بن خالد الوزارة وقال له : قد قلدتك أمر الرعية وأخرجته من عنقي إليك ، فاحكم في ذلك بما ترى من الصواب واستعمل من رأيت واعزل من رأيت ، وأمض الأمور على ما ترى ودفع إليه خاتمه » . ( الطبري : 6 / 443 ) .
وأول ما قام به هارون أنه أجبر ابن أخيه جعفر على بيعته ، وهو الذي كان أبوه أخذ له البيعة بولاية عهده ! « فلما توفى الهادي هجم خزيمة بن خازم في تلك الليلة فأخذ جعفراً من فراشه ، وكان خزيمة في خمسة آلاف من مواليه معهم السلاح ، فقال : والله لأضربن عنقك أو تخلعها ! فلما كان من الغد ركب الناس إلى باب جعفر ، فأتى به خزيمة فأقامه على باب الدار في العلو ، والأبواب مغلقة فأقبل جعفر ينادي : يا معشر المسلمين من كانت لي في عنقه بيعة فقد أحللته منها ، والخلافة لعمي هارون ، ولا حقَّ لي فيها » ! ( تاريخ الطبري : 6 / 443 ) .
ثم قتل هارون القائد الذي كان يمشي مع ابن أخيه ولي العهد : « وقدَّم أبا عصمة فضرب عنقه وشدَّ جمته في رأس قناة ودخل بها بغداد ، وذلك أنه كان مضى هو وجعفر بن موسى الهادي راكبين فبلغا إلى قنطرة من قناطر عيساباذ ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 150 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فالتفت أبو عصمة إلى هارون فقال له : مكانك حتى يجوز ولي العهد ! فقال هارون : السمع والطاعة للأمير ! فوقف حتى جاز جعفر ، فكان هذا سبب قتل أبي عصمة » ( الطبري : 6 / 443 ) .
وكانت هذه الأحداث في أوائل سنة 170 هجرية ، وعمر الرشيد 22 سنة . ( الطبري : 6 / 441 ) وَحَكَمَ نحو 23 سنة ، ومات سنة 193 . ( الطبري : 6 / 528 ) .

2 - الفردية المُفْرِطة عند هارون !

1 - يعتبر عهد هارون قمة الصعود والازدهار المادي للدولة الإسلامية حيث كانت أقوى دولة في عصرها ، في قوتها العسكرية والاقتصادية ، وفي مدنيتها ونهضة العمران والعلوم فيها . لكن ما أن أغمض الرشيد عينيه حتى بدأ عصر الضعف بالحرب بين ولديه ، ومع أن المأمون سيطر وقتل أخاه ، لكن الدولة أخذت بالإنقسام والضعف .
2 - والسبب في هذا المسار النزولي أن تلك الدولة كانت تحمل بذور ضعفها في طبيعة نظامها ، وفي نمط الإدارة الذي يعمل به الخليفة وجهازه !
فقد قام نظام الخلافة على الفردية العنيفة ، واستغلال العامل الديني في اضطهاد المسلم وسلبه حقوقه ، بعيداً عن التقنين ، وعن قيم الإسلام واحترام الإنسان !
وهكذا كان مجتمع العالم كله يومذاك ، الروم والفرس والصين والهند وبقية الشعوب ، كانت أمور مجتمعاتهم ودُوَلهم تقوم على قاعدة العصبة القبلية وقانون الغلبة ، ويخضعون لنظام حكم الفرد الغالب ، والأسرة الغالبة .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 151 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد حكم هارون كغيره من أسلافه بفردية مفرطة متقلبة !
فبدأ عهده برد جميل أمه ويحيى عليه ، فكان ينفذ رغباتها في إدارة الدولة ، وجعل البرمكي رئيس وزرائه وقال له : « قلدتك أمر الرعية وأخرجته من عنقي إليك فاحكم في ذلك بما ترى من الصواب ، واستعمل من رأيت واعزل من رأيت ، وأمض الأمور على ما ترى . ودفع إليه خاتمه » . ( الطبري : 6 / 443 ) .
لكن فردية هارون كانت متغيرة ، والعناصر الثابتة في تفكيره وقراراته قليلة ، والعناصر الدخيلة في إقناعه كثيرة !
3 - قال خليفة بن خياط في تاريخه / 382 : « مات موسى وعلى شرطه عبد الله بن مالك فأقره هارون ، ثم عزله . وولى عبد الله بن خازم بن خزيمة ، ثم عزله . وولى إبراهيم بن عثمان بن نهيك ثم قتله وولى ابنه وهب بن إبراهيم وسماه وهب بن عثمان وطرح اسم إبراهيم ، فمات هارون وهو على شرطه .
كاتب الرسائل : إسماعيل بن صبيح من أهل حران ، وكتب له يحيى بن سليم .
الديوان والخراج والجند : أبو صالح ، فضم ذلك إلى إسماعيل بن صبيح .
الخاتم : جعفر بن محمد بن الأشعث ، ثم ولاه خراسان ، ودفع الخاتم إلى حمزة بن مالك ، ثم دفعه إلى أبي العباس الطوسي ، فمات أبو العباس فصار الخاتم إلى يحيى بن خالد بن برمك ، ثم صار إلى جعفر بن يحيى ، ثم رده إلى يحيى بن خالد ، ثم صار في يد أمير المؤمنين هارون .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 152 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الحرس : جعفر بن محمد بن الأشعث ، ثم عبد الله بن مالك ، ثم علي بن عيسى بن ماهان ، ثم صير الحرس إلى جعفر بن يحيى بن خالد فولى جعفر صالح بن شيخ بن عمير ، ثم ولى جعفر هرثمة بن أعين فأقره هارون .
حاجبه : بشر بن ميمون مولاه ثم محمد بن خالد بن برمك ثم الفضل بن الربيع .
وكان وزيره وصاحب أمره كله : يحيى بن خالد بن برمك . ثم ابنه جعفر بن يحيى ، ثم قتله فصار الفضل بن الربيع » .
وهناك شخصيات عديدة لها تأثير على هارون ، ابتداء من أخواته وأبنائه وبناته وجواريه ، إلى وزراء وثق بهم مثل : يعقوب بن داود ، وعلي بن يقطين ، وجعفر بن محمد بن الأشعث ، وأبي يوسف القاضي ، وغيرهم .
4 - يتوقف فهم تاريخنا الإسلامي على فهم الفردية المفرطة للخلفاء ! فلكي نفهم مثلاً سجن الإمام الكاظم ( عليه السلام ) وقتله ، يجب أن تعرف تصور هارون للأمر ، ثم هل أثَّر عليه أحدٌ من وزرائه ومشاوريه وأقنعه بذلك !
ولتقريب الموضوع : فقد ثار العلويون على موسى الهادي في مكة ، فقمع ثورتهم وقتل قائدهم وحبس بعضهم ، وكان مسؤول حبسهم في عهد هارون رئيس وزرائه جعفر بن يحيى البرمكي ، فكتب أحد المسجونين رسالة شديدة للرشيد ، وهو عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن علي بن الحسين بن علي ( عليهما السلام ) ، فغضب عليه الوزير وقتله : « قدمه جعفر بن يحيى فضرب عنقه وغسل رأسه وجعله في منديل ، وأهداه إلى الرشيد مع هدايا فقبلها وقدمت إليه ، فلما نظر إلى الرأس أفظعه فقال له : ويحك لم فعلت هذا ؟ قال : لإقدامه على ما كتب به إلى أمير
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 153 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
المؤمنين وبسط يده ولسانه بما بسطهما ! قال : ويحك فقتلك إياه بغير أمري أعظم من فعله ! ثم أمر بغسله ودفنه . فلما كان من أمره ما كان في أمر جعفر ( أمر بقتله ) قال لمسرور : إذا أردت قتله فقل له : هذا بعبد الله بن الحسن بن عمي ، الذي قتلته بغير أمري ! فقالها مسرور عند قتله إياه » ! ( مقاتل الطالبيين / 328 ، و 365 ) .
فهارون يرى أنه صاحب الحق المطلق في الحكم لأنه ابن عم النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، والعلويون أبناء عمه ، فلا يحق لأي مسؤول في الدولة حتى رئيس وزرائه أن يتصرف معهم إلا بأمره ! وإن خالف فمن حق الخليفة أن يقتص منه !

3 - خليفة يتفنن في تقصيب المسلمين حتى آخر ساعة !

1 - كان هارون عدوانياً دموياً ، وكان يقتل أحياناً بيده ! « العباس بن الأرقط كان مقداماً لَسِناً ، مات في حبس هارون ، يكنى أبا الفضل ، قالوا : إن الرشيد قتله بيده » ( المجدي في الأنساب / 144 ) . وقيل بني عليه جدار وهو حي ! ( اللباب / 414 ) .
2 - روى ابن كثير في النهاية ( 10 / 207 ) أنه كانت لجعفر البرمكي جارية مغنية اسمها دنانير ، فطلبها منه هارون فلم يعطها ، فلما قتله أخذها وأحضرها في مجلس شرابه وطلب منها أن تغني فرفضت : « فوثب إليها الرشيد وأخذ العود من يدها وأقبل يضرب به وجهها ورأسها حتى تكسر وأقبلت الدماء ، وتطايرت الجواري من حولها ، وحملت من بين يديه فماتت بعد ثلاث » !
3 - جئ بكاتب البرمكي : « فأخرج الرشيد سيفاً من تحت فراشه وأمر أن تضرب عنقه فضرب عنقه فسبق السيف الدم ، وأمر بصلب جثته ! ( الطبري : 6 / 492 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 154 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
4 - قبض على يحيى بن عبد الله المحض بن الحسن المثنى بن الحسن السبط ، فأمر أن يلقى في بركة فيها سباع قد جُوِّعت ، فأمسكت عن أكله ! « فبني عليه ركن بالجص والحجر وهو حي » . ( شرح إحقاق الحق : 19 / 613 ، وينابيع المودة : 3 / 231 ) .
5 - وكان خليفة المسلمين في الساعات الأخيرة من عمره مشغولاً بمرضه ، وبمكائد أولاده من حوله ، لكنه لم ينس أن يتفنن في تقتيل من خالفه من المسلمين وأن يحضر القصاب ليقصبهم أمامه ! فقد كان رافع بن الليث بن نصر بن سيار ، حاكماً على سمرقند وبخارى فخلع طاعة هارون ، فوجه إليه جيشاً . ( الطبري : 6 / 553 ، واليعقوبي : 2 / 425 ) وقبض على أخيه وأقاربه ، وكان أخوه عابداً منصرفاً عن الدنيا ، فقتلهم الرشيد أسوأ قتلة . ومات الرشيد فتصالح أخوه رافع مع المأمون وأبقاه على ولايته ! ( تاريخ خليفة / 382 ) .
قال ابن جامع كما في الطبري ( 6 / 525 ) : « كنت فيمن جاء إلى الرشيد بأخ رافع قال فدخل عليه وهو على سرير مرتفع عن الأرض بقدر عظم الذراع ، وعليه فرش بقدر ذلك أو قال أكثر ، وفي يده مرآة ينظر إلى وجهه ، قال : فسمعته يقول إنا لله وإنا إليه راجعون ، ونظر إلى أخ رافع فقال : أما والله يا ابن اللخناء إني لأرجو أن لا يفوتني خامل ، يريد رافعاً ، كما لم تفتني !
فقال له : يا أمير المؤمنين قد كنت لك حرباً وقد أظفرك الله بي ، فافعل ما يحب الله أكن لك سلماً ، ولعل الله أن يليِّن لك قلب رافع إذا علم أنك قد مننت عليَّ ، فغضب وقال : والله لو لم يبق من أجلي إلا أن أحرك شفتي بكلمة لقلت : أقتلوه !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 155 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم دعا بقصاب فقال : لا تشحذ مُداك أتركها على حالها ( لا تَسِنّ سكاكينك ) ، وفصل هذا الفاسق وعجل لا يحضرن أجلي وعضوان من أعضائه في جسمه !
ففصله حتى جعله أشلاء ، فقال : عُدَّ أعضاءه ! فعددت له أعضاءه فإذا هي أربعة عشر عضواً . . . ثم أغمي عليه وتفرق من حضره » !
وقال الذهبي في تاريخه : 13 / 14 : « وقدم بأخ رافع على الرشيد فسبه ، ودعا بقصاب وقال : فصِّلْ أعضاءه ففصله » !
وروى القاضي التنوخي في الفرج بعد الشدة ( 2 / 257 ) : « أحضر هارون أخ رافع وقرابته الذين كانوا معه وقال : أيَتَوَهَّمُ رافع أنه يغلبني ! والله لو كان معه عدد نجوم السماء لألتقطهم واحداً بعد واحداً حتى أقتلهم عن آخرهم ! فقال الرجل : الله الله يا أمير المؤمنين فإن الله تعالى يعلم وأهل خراسان أني برئ من أخي منذ عشرين سنة ، ملازم مسجدي ، فاتق الله تعالى فيَّ وفى هذا الرجل !
فقال له قطع الله لسانك ، فسكت ! فقال أخوه الثالث : أنت والله منذ كذا وكذا تدعو الله تعالى بالشهادة ، فرزقتها على يدي أشر خلقه !
وأخذت في الاعتذار فاغتاظ الرشيد وقال : عليَّ بجزارين ، فقال له قرابتي : يا هارون إفعل ما شئت فإنا نرجو أن نكون نحن وأنت بين يدي الله تعالى في أقرب مدة ، فتعلم كيف يكون حالك ! فصاح وأمر الجزارين بهما فقطعا عضواً عضواً ! فوالله ما فرغ منهما حتى توفيَ الرشيد » !
6 - « وذكر بعضهم أن جبريل بن بختيشوع كان غلط على الرشيد في علته في علاج عالجه به كان سبب منيته ، فكان الرشيد همَّ ليلة مات بقتله وأن يفصِّله كما
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 156 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فصَّل أخا رافع ! ودعا بجبريل بن بختيشوع ليفعل ذلك به فقال له : أنظرني إلى غد يا أمير المؤمنين فإنك ستصبح في عافية فمات في ذلك اليوم » ! ( الطبري : 6 / 527 ) .

4 - أولاده يتجسسون عليه ويستعجلون موته !

قال الناصبي المحب للأمويين والعباسيين ابن كثير في النهاية : 10 / 224 : « شكا الرشيد في أثناء الطريق إلى بعض أمرائه جفاء بنيه الثلاثة الذين جعلهم ولاة العهد من بعده ، وأراه داءً في جسده وقال : إن لكل واحد من الأمين والمأمون والقاسم عندي عيناً عليَّ ، وهم يعدُّون أنفاسي ، ويتمنون انقضاء أيامي » !
وقال ابن الأثير في الكامل : 6 / 222 : « فلما قدم بكر بن المعتمر طوس بلغ هارون قدومه فدعا به وسأله عن سبب قدومه فقال : بعثني الأمين لآتيه بخبرك ! قال : فهل معك كتاب ؟ قال : لا . فأمر بما معه ففتش فلم يصيبوا شيئاً ، فأمر به فضرب فلم يقر بشئ ، فحبسه وقيده ، ثم أمر الفضل بن الربيع بتقريره ، فإن أقر وإلا ضرب عنقه ! فقرره فلم يقر بشئ ، ثم غشي على الرشيد فصاح النساء ، فأمسك الفضل عن قتله » !
وكان ابن المعتمر يحمل أوامر ورسائل من الأمين لاستلام الخزائن التي حملها معه هارون في سفره ، وقال عنها الطبري ( 6 / 525 ) : « وافى هارون جرجان في صفر فوافاه بالخزائن علي بن عيسى على ألف بعير وخمس مائة بعير ، ثم رحل من جرجان فيما ذكر في صفر وهو عليل إلى طوس ، فلم يزل بها إلى أن توفي » !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 157 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي الفرج بعد الشدة ( 2 / 257 ) : « جلس الرشيد مجلساً عاماً في مضرب خز أسود استدارته أربع مائة ذراع ، وقبابه مغشاة بخز أسود ، وهو جالس في فازة خز أسود في وسط المضرب ، والعمد كلها سود وقد جعل مكان الحديد فضة ، والأوتاد والحبال كلها سود ، وعليه جبة خز سوداء وعليه فنك ( نوع من الفرو ) قد استشعره ( لبسه ) لما هو فيه من شدة البرد والعلة ، وفوقها دراعة خز أسود مبطنة بفنك ، وقلنسوة طويلة ، وعمامة خز سوداء ، وهو عليل لما به ، وخلف الرشيد خادم يمسكه لئلا يميل ببدنه ، والفضل بن الربيع جالس بين يديه . . فقال الرشيد بصوت : قَنِّبُوه ( إربطوه بحبال القنب ، وهو بكر بن المعتمر رسول الأمين ) فنُحِّيَ بكر وجئ بالقنب وقُنب من قرنه إلى قدمه ! قال بكر : فأيقنت بالقتل ويئست من نفسي وعملت على الإقرار » ! ولكن مات هارون وصرخت النساء !

5 - خليفة المسلمين يغني ويرقص ويشرب ويسكر !

1 - قال ابن كثير وهو المتعصب للأمويين والعباسيين ، في النهاية : 10 / 238 : « كان في دار الرشيد من الجواري والحظايا وخدمهن ، وخدم زوجته وأخواته ، أربعة آلاف جارية ، وإنهن حضرن يوماً بين يديه ، فغنته المطربات منهن فطرب جداً ، وأمر بمال فنثر عليهن . وكان مبلغ ما حصل لكل واحدة منهن ثلاثة آلاف درهم في ذلك اليوم ، رواه ابن عساكر أيضاً . . الخ . » !
2 - كان هارون مدمناً على الخمر والغناء مع وزيره جعفر وأخته عباسة ، فقد روى الطبري : 6 / 489 ، والذهبي في سيره : 9 / 66 ، أنه « كان لا يصبر عن جعفر وعن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 158 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أخته عباسة بنت المهدي وكان يُحضرهما إذا جلس للشرب ، وذلك بعد أن أعلم جعفراً قلة صبره عنه وعنها ، وقال لجعفر أزوجكها ليحل لك النظر إليها إذا أحضرتها مجلسي ، وتقدم إليه ألا يمسها ولا يكون منه شئ مما يكون للرجل إلى زوجته ! فزوجها منه على ذلك فكان يحضرهما مجلسه إذا جلس للشرب ثم يقوم عن مجلسه ويخليهما ، فيثملان من الشراب وهما شابان فيقوم إليها جعفر فيجامعها ، فحملت منه وولدت غلاماً ، فخافت على نفسها من الرشيد إن علم بذلك ، فوجهت بالمولود مع حواضن له من مماليكها إلى مكة » !
3 - روى الذهبي في سيره : 10 / 187 ، وتاريخه : 12 / 102 ، أنه أخذ وزيره جعفر البرمكي إلى إحدى حجر قصره ، وكان فيها عُلية المغنية أخت الرشيد ، فغنتهما فطربا ورقصا معاً ، قال : « فطربت والله ثم غنت فرقصنا معاً » . والأغاني : 3 / 131 ، ونهاية الأرب : 2 / 980 ، وتذكرة ابن حمدون : 3 / 83 .
4 - وفي الأغاني : 10 / 190 : « زار الرشيد عُلية فقال لها : بالله يا أختي غنيني ، فأطرب الرشيد وشرب عليه بقية يومه » . « قال مسرور الخادم : خرج الجلساء والمغنون من عند الرشيد فقال لي : قد تشوقت أختي عُلية فامض فجئني بها ، وقل لها بحياتي عليك إلا طيبت عيشي بحضورك ! فجاءت فأومأ إليها أن تجلس على السرير معه » . ( أشعار أولاد الخلفاء وأخبارهم للصولي / 32 ) .
5 - وفي العقد الفريد : 6 / 45 : « فطرب الرشيد طرباً شديداً وقال لجلسائه : هل منكم أحد يجيز هذه الأبيات بمثلهن » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 159 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
6 - وفي الوافي : 18 / 102 : « غنى دحمان الأشقر الرشيد صوتاً فأطربه واستعاده مراراً ثم قال له احتكم ، فقال : غالب والريان ! وهما ضيعتان بالمدينة غلتهما أربعون ألف دينار ، فأمر له بهما » !
7 - وفي الأغاني : 10 / 180 : « كنت يوماً بين يدي الرشيد وعنده أخوه منصور وهما يشربان ، فدخلت إليه خلوب جارية لعُلية ومعها كأسان فغنتهما قائمة فشربا . . خرجت عُلية وأم جعفر معها زهاء ألفي جارية ، وكلهن في لحن واحد هزج صنعتة علية ، فطرب الرشيد وقام على رجليه وقال : يا مسرور لا تبقين في بيت المال درهماً إلا نثرته » !
8 - وفي الأغاني : 6 / 199 : « كان أول صوت غناه إبراهيم هذا الصوت . . فأصاب وأحسن كل الإحسان ، وشرب عليه الرشيد واستعاده حتى سكر ، وأمر لإبراهيم بعشرة آلاف درهم ، وعشرة خواتيم ، وعشر خلع » !
9 - وكان إسماعيل المغني الأموي حلف أن لا يغني لأحد : « فقال له الرشيد كأني قد نشطت برؤيتك لشرب قدح ، فشرب وسقاه ، ثم أمر فأخرج جوار يغنين وضربت ستارة ، وأمر بسقيه فلما شرب أخذ الرشيد العود من يد جارية ووضعه في حجر إسماعيل ، وجعل في عنق العود سبحة فيها عشر درات اشتراها بثلاثين ألف دينار ! وقال غنِّ يا إسماعيل وكفِّر عن يمينك بثمن هذه السبحة ، فاندفع يغني بشعر الوليد بن يزيد في عالية أخت عمر بن عبد العزيز » ! ( تاريخ دمشق : 8 / 411 ) .
10 - وفي الأغاني : 18 / 350 ، أن مخارق غناه فطرب وشرب رطلاً ، ثم استعاده فطرب وشرب رطلاً ، ثم استعاده فطرب وشرب رطلاً وأعطاه ضيعة !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 160 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
11 - وروى الطبري ( 6 / 525 ) عن طبيب هارون قال : « كنت أول من يدخل عليه في كل غداة فأتعرف حاله في ليلته ، فإن كان أنكر شيئاً وصفه ، ثم ينبسط فيحدثني بحديث جواريه ، وما عمل في مجلسه ومقدار شربه ، وساعات جلوسه ، ثم يسألني عن أخبار العامة وأحوالها » ! ( الطبري : 6 / 525 ) .
12 - وكان يحدث الناس بتفاهاته مع جواريه ! قال ابن عبد ربه في العقد الفريد : 3 / 43 : « أخبرنا أبو الطيب الكاتب أن أمير المؤمنين هارون الرشيد كان ليلة بين جاريتين مدنية وكوفية ، فجعلت الكوفية تغمز يديه والمدنية تغمز رجليه فجعلت المدنية ترتفع إلى فخذيه ، حتى ضربت بيدها إلى متاعه وحركته حتى أنعظ ، فقالت لها الكوفية : ويحك نحن شركاؤك في البضاعة ، وأراك قد انفردت دوننا برأس المال وجدك فأديليني منه ! قال فقالت المدنية : حدثنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه ، أنه قال : من أحيا مواتاً فهو له ولعقبه ! قال : فاستغلتها الكوفية ودفعتها ثم أخذته بيديها جميعاً وقالت : حدثنا الأعمش عن خيثمة عن عبد الله بن مسعود أنه قال : الصيد لمن صاده لا لمن أثاره » !
وجعلوه في الفقه حديثاً مسنداً واستدلوا به ! ( نصب الراية للزيلعي : 6 / 265 ) . ونسبه بعضهم إلى الفضل بن الربيع وأنه حدث به الرشيد ! ( لسان الميزان : 2 / 253 ، وثمرات الأوراق / 7 ، واللطف واللطائف / 27 ، والأغاني : 16 / 373 ، والمرقصات للأندلسي / 46 ) .
13 - وتحدث هارون عن قصصه مع جواريه : « هجر جارية له ثم لقيها في بعض الليالي في القصر سكرى تدور في جوانب القصر ، وعليها مطرف خز ، وهي تسحب أذيالها من التيه والعجب ، وسقط رداؤها عن منكبيها والريح أبان
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 161 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
نهديها كأنهما رمانتان ، ولها ردفان ثقيلان ، فراودها عن نفسها فقالت : يا أمير المؤمنين ! هجرتني هذه المدة وليس لي علم بملاقاتك ، فأنظرني إلى غد حتى أتهيأ وآتيك » . ( إعلام الناس للإتليدي / 102 ) .
ولم تكن بنات هارون وأخواته أفضل من تلك الجارية !
ففي الإمامة والسياسة لابن قتيبة : 2 / 172 : « استأذنته أخته فاختة بنت المهدي وشقيقته في إتحاف جعفر ومهاداته فأذن لها ، وكانت قد استعدت له بالجواري الرائعات والقينات الفاتنات ، فتهدي له كل جمعة بكراً يفتضها ! إلى ما تصنع له من ألوان الطعام والشراب والفاكهة ، وأنواع الكسوة والطيب ، كل ذلك بمعرفة أمير المؤمنين ورأيه !
فاستمرت بذلك زماناً ومضت به أعواماً ، فلما كانت جمعة من الجمع دخل جعفر القصر الذي استعدت به ، ولم يُرع جعفر إلا بفاختة ابنة المهدي في القصر كأنها جارية من الجواري اللاتي كن يهدين له ، فأصاب منها لذته وقضى منها حاجته ولا علم له بذلك ! فلما كان المساء وهمَّ بالانصراف ، أعلمته بنفسها وعرفته بأمرها ، وأطلعته على شديد هواها وإفراط محبتها له » !
14 - وكان يشرك قاضي قضاته في هزله ولهوه ! ففي اللطائف للثعالبي / 22 ، أن هارون وزبيدة تحاكما إلى أبي يوسف القاضي : « في الفالوذج واللوزينج ، أيهما أطيب ! فقال أبو يوسف : أنا لا أحكم على غائب ! فأمر باتخاذهما وتقديمهما إليه فجعل يأكل من هذا مرة ومن ذلك أخرى حتى نظف الجانبين ! ثم قال : يا أمير المؤمنين ما رأيت أجدل منهما إن أردت أن أسجل لأحدهما ، أدلى الآخر بحجة » !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 162 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
15 - واعترف ابن كثير ( النهاية : 10 / 204 ) بأن هارون كان يشرب الخمر لكن زعم أن ذلك في أواخر خلافته ، قال : « كان جعفر يدخل على الرشيد بغير إذن حتى كان يدخل عليه وهو في الفراش مع حظاياه ، وهذه وجاهة ومنزلة عالية ! وكان عنده من أحظى العشراء على الشراب المسكر ، فإن الرشيد كان يستعمل في أواخر أيام خلافته المسكر ، وكان أحب أهله إليه أخته العباسة بنت المهدي وكان يحضرها معه ، وجعفر البرمكي حاضر أيضاً معه . . . الخ . » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 163 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الثامن : وزراء هارون فيهم أبرار !

1 - البرامكة زنادقة ونواصب !

البرمك : لقب السادن الأكبر لمعبد نوبهار ، وهو معبد للفرس يجمع بين الوثنية والمجوسية ، ويقع في بلخ من أفغانستان . قال الحموي في معجم البلدان : 5 / 307 : « نُوْبَهَار : بالضم ثم السكون ، وكانت الفرس تعظمه وتحج إليه ، وكانوا يسمون السادن الأكبر برمك . . وكانت سُنَّتُهم إذا هم وافوه أن يسجدوا للصنم الأكبر ، ويقبلوا يد برمك . . كان برمك يُعمر النوبهار ويقوم به ، وهو اسم لبيت النار الذي كان ببلخ يعظم قدره بذلك ، فصار ابنه خالد بن برمك بعده » .
وروى الطبري ( 5 / 215 ) أن قتيبة بن مسلم فتح بلخ وسبى امرأة مرجعهم برمك بن جاماس بن يشتاسف ، وأعطاها لأخيه المجذوم عبد الله فحملت منه ، ثم اتفق مع أهل بلخ على رد الأسرى : « فقالت امرأة برمك لعبد الله بن مسلم يا نازي إني قد علقت منك . وحضرت عبد الله بن مسلم الوفاة ، فأوصى أن يلحق به ما في بطنها وردت إلى برمك ، فذكر أن ولد عبد الله بن مسلم جاؤوا أيام المهدي حين قدم الري إلى خالد فادعوه ، فقال لهم مسلم بن قتيبة : إنه لا بد لكم إن استلحقتموه أن تزوجوه ، فتركوه وأعرضوا عن دعواهم » !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 164 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وهكذا بقي خالد بن برمك ، ولو قبلوا أن يزوجوه لتم نسبه إليهم ، وصار خالد بن عبد الله بن مسلم الباهلي !
وعندما كبر خالد التحق بثورة أبي مسلم الخراساني ، وصار مع القائد قحطبة . حتى اختاره السفاح وزيراً بعد أبي سلمة الخلال ، وجعله قاضي الدولة العباسية ( البدء والتاريخ / 479 ، والآداب السلطانية / 107 ) .
وكان يُتهم بدين المجوس ، ومات سنة 165 وعمره 75 سنة . ( تاريخ دمشق : 16 / 7 - 8 ) .
وبرز بعده ابنه يحيى بن خالد ، وكان مقرباً من المنصور فوضع ابنه الرشيد في حجره ، فكان الرشيد يدعوه أبي ويدعو يحيى أخي ، ويحب جعفر أكثر !
وعندما استخلف استوزر يحيى بدل علي بن يقطين ، الذي كان وزير أبيه المهدي وأخيه موسى الهادي ، طيلة خلافتهما . ( ذيل تاريخ بغداد : 4 / 202 ) .

2 - عداوة البرامكة للإمام الكاظم ( عليه السلام )

كان علي بن يقطين يكتم تشيعه ، وكان البرامكة يحسدونه ، ويتجسسون عليه ليثبتوا للمهدي والهادي علاقته بالإمام الكاظم ( عليه السلام ) .
وكذلك كانوا يحسدون جعفر بن محمد بن الأشعث ، ويعملون لإقناع هارون بأنه شيعي ، وعندما وضع هارون ابنه الأمين في حجره زاد حسدهم له .
وهم الذين أقنعوا هارون بقتل الإمام الكاظم ( عليه السلام ) ( الإرشاد : 2 / 237 ) فكان الرضا ( عليه السلام ) يدعو عليهم لأنهم قتلوا أباه ( عليه السلام ) : « كان أبو الحسن ( عليه السلام ) واقفاً بعرفة يدعو ثم طأطأ رأسه ، فسئل عن ذلك فقال : إني كنت أدعو الله تعالى على
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 165 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
البرامكة بما فعلوا بأبي ، فاستجاب الله لي اليوم فيهم ! فلما انصرف لم يلبث إلا يسيراً حتى بُطش بجعفر ويحيى وتغيرت أحوالهم » ( عيون أخبار الرضا ( عليه السلام ) : 1 / 245 ) .
وروى الصدوق ( رحمه الله ) خطة يحيى بن خالد البرمكي لقتل الإمام الكاظم ( عليه السلام ) ، عن علي بن محمد بن سليمان النوفلي ، عن صالح بن علي بن عطيه قال :
« كان السبب في وقوع موسى بن جعفر ( عليه السلام ) إلى بغداد ، أن هارون أراد أن يعقد الأمر لابنه محمد بن زبيدة ، وكان له من البنين له أربعة عشر ابناً ، فاختار منهم ثلاثة محمد بن زبيدة وجعله ولي عهده ، وعبد الله المأمون وجعل الأمر له بعد ابن زبيدة ، والقاسم المؤتمن وجعل له الأمر من بعد المأمون .
فأراد أن يحُكم ذلك الأمر ويشهره شهرةً يقف عليها الخاص والعام ، فحج في سنه تسع وسبعين ومئة ، وكتب إلى جميع الآفاق يأمر الفقهاء والعلماء والقراء والأمراء أن يحضروا مكة أيام الموسم ، فأخذ هو طريق المدينة .
قال علي بن محمد النوفلي : فحدثني أبي أنه كان سبب سعاية يحيى بن خالد بموسى بن جعفر ( عليه السلام ) أن وضع الرشيد ابنه محمد بن زبيدة في حجر جعفر بن محمد بن الأشعث ، فساء ذلك يحيى وقال : إذا مات الرشيد وأفضى الأمر إلى محمد انقضت دولتي ودوله وُلْدي ، وتحول الأمر إلى جعفر بن محمد بن الأشعث وولده ، وكان قد عرف مذهب جعفر في التشيع ، فأظهر له أنه على مذهبه فَسُرَّ جعفر وأفضى إليه بجميع أموره ، وذكر له ما عليه في موسى بن جعفر ( عليه السلام ) .
فلما وقف على مذهبه سعى به إلى الرشيد وكان الرشيد يرعى له موضعه من نصرة الخلافة ، فكان يقدم في أمره ويؤخر ، ويحيى لا يألو أن يخطب عليه ( يتكلم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 166 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
معه ليقنعه ) إلى أن دخل يوماً إلى الرشيد فأظهر له إكراماً وجرى بينهما كلام في مزية جعفر لحرمته وحرمه أبيه ، فأمر له الرشيد في ذلك اليوم بعشرين ألف دينار فأمسك يحيى عن أن يقول فيه شيئاً حتى أمسى ، ثم قال للرشيد : يا أمير المؤمنين قد كنت أخبرتك عن جعفر ومذهبه فتكذب عنه ، وهاهنا أمر فيه الفيصل ، قال : وما هو ؟ قال : إنه لا يصل إليه مال من جهة الجهات ، إلا أخرج خمسه فوجه به إلى موسى بن جعفر ، ولست أشك أنه قد فعل ذلك في العشرين الألف دينار التي أمرت بها له ، فقال هارون : إن في هذا لفيصلاً ، فأرسل إلى جعفر ليلاً وقد كان عرف سعاية يحيى به فتباينا وأظهر كل واحد منهما لصاحبه العداوة ، فلما طرق جعفر رسول الرشيد بالليل خشي أن يكون قد سمع فيه قول يحيى وأنه إنما دعاه ليقتله ! فأفاض عليه ماء ودعا بمسك وكافور فتحنط بهما ، ولبس برده فوق ثيابه وأقبل إلى الرشيد ، فلما وقعت عليه عينه وشم رائحة الكافور ورأى البردة عليه قال : يا جعفر ما هذا ؟ فقال : يا أمير المؤمنين قد علمت أنه سعى بي عندك فلما جاءني رسولك في هذه الساعة ، لم آمن أن يكون قد قرح في قلبك ما يقول على فأرسلت إلى لتقتلني ! قال : كلا ولكن قد خُبرت أنك تبعث إلى موسى بن جعفر من كل ما يصير إليك بخمسه ، وأنك فعلت بذلك في العشرين الألف دينار ، فأحببت أن أعلم ذلك ! فقال جعفر : الله أكبر يا أمير المؤمنين تأمر بعض خدمك يذهب فيأتيك بها بخواتيمها ! فقال الرشيد لخادم له : خذ خاتم جعفر وانطلق به تأتيني بهذا المال ، وسمى له جعفر جاريته التي عندها المال ، فدفعت إليه البدر بخواتيمها فأتى بها الرشيد ، فقال له جعفر : هذا أول ما تعرف به كذب من سعى
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 167 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بي إليك ! قال صدقت يا جعفر ، انصرف آمناً ، فإني لا أقبل فيك قول أحد ! قال وجعل يحيى يحتال في إسقاط جعفر !
قال النوفلي : فحدثني علي بن الحسن بن علي بن عمر بن علي عن بعض مشايخه وذلك في حجة الرشيد قبل هذه الحجة قال : لقيني علي بن إسماعيل بن جعفر بن محمد فقال لي : ما لك قد أخملت نفسك ، ما لك لا تدبر أمور الوزير ! فقد أرسل إليَّ فعادلته وطلبت الحوائج إليه ، وكان سبب ذلك أن يحيى خالد قال ليحيى بن أبي مريم : ألا تدلني على رجل من آل أبي طالب له رغبه في الدنيا فأوسع له منها ! قال : بلى أدلك على رجل بهذه الصفة ، وهو علي بن إسماعيل بن جعفر ، فأرسل إليه يحيى فقال : أخبرني عن عمك وعن شيعته والمال الذي يحمل إليه ؟ فقال له : عندي الخبر وسعى بعمه ! فكان من سعايته أن قال : من كثرة المال عنده أنه اشترى ضيعه تسمى اليسيرة بثلاثين ألف دينار ، فلما أحضر المال قال البايع : لا أريد هذا النقد ، أريد نقد كذا وكذا ، فأمر بها فصبت في بيت ماله ، وأخرج منه ثلاثين ألف دينار من ذلك النقد ووزنه ، في ثمن الضيعة !
قال النوفلي قال أبي : وكان موسى بن جعفر ( عليهما السلام ) يأمر لعلي بن إسماعيل ويثق به ، حتى ربما خرج الكتاب منه بعض شيعته بخط علي بن إسماعيل ، ثم استوحش منه ، فلما أراد الرشيد الرحلة إلى العراق بلغ موسى بن جعفر أن علياً بن أخيه يريد الخروج مع السلطان إلى العراق فأرسل إليه مالك والخروج مع السلطان ؟ ! قال : لأن عليَّ ديناً ، فقال : دينك عليَّ . قال : فتدبير عيالي ؟ ! قال : أنا أكفيهم ، فأبى إلا الخروج ، فأرسل إليه مع أخيه محمد بن إسماعيل بن جعفر بثلاث مأة دينار
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 168 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأربعة آلاف درهم ، فقال له : اجعل هذا في جهازك ولا تؤتم ولدي ! » . ( عيون أخبار الرضا ( عليه السلام ) : 1 / 70 ، والمناقب : 3 / 423 ) .
وفي غيبة الطوسي / 23 ، أن يحيى بن خالد أحضر علي بن إسماعيل : « فأحس موسى ( عليه السلام ) بذلك فدعاه فقال : إلى أين يا بن أخي ؟ قال إلى بغداد ، قال : ما تصنع ؟ قال : عليَّ دينٌ وأنا ممُلق . قال : فأنا أقضي دينك وأفعل بك وأصنع ، فلم يلتفت إلى ذلك ! فقال له : أنظر يا ابن أخي لا تؤتم أولادي ! وأمر له بثلاث مائة دينار وأربعة آلاف درهم ، فلما قام من بين يديه قال أبو الحسن موسى ( عليه السلام ) لمن حضره : والله ليسعين في دمي ويؤتمن أولادي !
فقالوا له : جعلنا الله فداك ، فأنت تعلم هذا من حاله وتعطيه وتصله ! فقال لهم : نعم ، حدثني أبي عن آبائه عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أن الرحم إذا قطعت فوصلت قطعها الله ! فخرج علي بن إسماعيل حتى أتى إلى يحيى بن خالد فتعرف منه خبر موسى بن جعفر ورفعه إلى الرشيد ، وزاد عليه . . .
وحج الرشيد في تلك السنة فبدأ بقبر النبي ( صلى الله عليه وآله ) فقال : يا رسول الله إني أعتذر إليك من شئ أريد أن أفعله ، أريد أن أحبس موسى بن جعفر ، فإنه يريد التشتيت بأمتك وسفك دمائها . ثم أمر به فأخذ من المسجد فأدخل إليه فقيده ، وأخرج من داره بغلان عليهما قبتان مغطاتان ، هو في إحداهما ، ووجه مع كل واحدة منهما خيلاً فأخذ بواحدة على طريق البصرة ، والأخرى على طريق الكوفة ليعمي على الناس أمره ، وكان في التي مضت إلى البصرة ، وأمر الرسول أن يسلمه إلى عيسى بن أبي جعفر المنصور وكان على البصرة حينئذ ، فمضى به
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 169 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فحبسه عنده سنة ، ثم كتب إلى الرشيد أن خذه مني وسلمه إلى من شئت وإلا خليت سبيله ، فقد اجتهدت بأن أجد عليه حجة فما أقدر على ذلك ! حتى أني لأتسمع عليه إذا دعا لعله يدعو علي أو عليك ، فما أسمعه يدعو إلا لنفسه يسأل الرحمة والمغفرة . فوجه من تسلمه منه . . إلى آخر الحديث » .
وفي غيبة الطوسي / 23 : « فخرج علي بن إسماعيل حتى أتى إلى يحيى بن خالد فتعرف منه خبر موسى بن جعفر ( عليه السلام ) ورفعه إلى الرشيد وزاد عليه وقال له : إن الأموال تحمل إليه من المشرق والمغرب وإن له بيوت أموال . . الخ . » !
وفي رجال الطوسي / 540 ، أنه ودع الإمام الكاظم ( عليه السلام ) فقال له : « يا عم أحب أن توصيني فقال : أوصيك أن تتقي الله في دمي ! فقال : لعن الله من يسعى في دمك ! ثم قال : يا عم أوصني ، فقال : أوصيك أن تتقي الله في دمي . . . !
قال : فخرج إلى العراق فلما ورد حضرة هارون أتى باب هارون بثياب طريقه قبل أن ينزل ، واستأذن على هارون وقال للحاجب ، قل لأمير المؤمنين إن محمد بن إسماعيل بن جعفر بن محمد بالباب ، فقال الحاجب : إنزل أولاً وغيِّر ثياب طريقك وعُد لأدخلك إليه بغير إذن ، فقد نام أمير المؤمنين في هذا الوقت ، فقال : أعلم أمير المؤمنين أني حضرت ولم تأذن لي ! فدخل الحاجب وأعلم هارون قول محمد بن إسماعيل ، فأمر بدخوله فدخل وقال : يا أمير المؤمنين خليفتان في الأرض موسى بن جعفر بالمدينة يجبى له الخراج ، وأنت بالعراق يجبى لك الخراج ! فقال : والله ، فقال : والله ، قال : فأمر له بمائة ألف درهم ، فلما قبضها وحمل إلى منزلة ، أخذته الذبحة في جوف ليلته فمات ، وحول من الغد المال الذي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 170 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
حمل إليه ! وروى موسى بن القاسم البجلي : عن علي بن جعفر قال : سمعت أخي موسى ( عليه السلام ) قال : قال أبي لعبد الله أخي : إليك ابني أخيك فقد ملآني بالسفه ، فإنهما شرك شيطان يعني : محمد بن إسماعيل بن جعفر وعلي بن إسماعيل ، وكان عبد الله أخاه لأبيه وأمه » !
أقول : ورد أن الذي سعى بالإمام الكاظم ( عليه السلام ) علي بن إسماعيل ، وفي بعضها أخوه محمد بن جعفر ( عيون أخبار الرضا ( عليه السلام ) : 1 / 72 ، والمناقب : 3 / 439 ) والظاهر أنهم ثلاثتهم شركاء في ذلك ، بتحريك يحيى البرمكي !

3 - نكبة البرامكة في أوج مجدهم !

حكم يحيى البرمكي وأولاده سبع عشرة سنة ، من أول عهد هارون سنة 170 ، إلى نكبتهم في أول سنة 187 ، حيث انقلب عليهم هارون فجأة ، فقتل جعفر بن يحيى : « ونصب رأسه على الجسر الأوسط ، وقطَّع جثته ، وصلب كل قطعة منها على الجسر الأعلى والجسر الأسفل » ( الطبري : 6 / 491 ) .
وحبس أباه يحيى وأخاه الفضل وماتا في حبسه : « وكان يحيى بن خالد محبوساً بالكوفة ، ولم يزل بها كذلك إلى أن مات سنة تسعين ومائة ، ومات بعده ابنه الفضل سنة ثلاث وتسعين » ( ابن خلدون : 3 / 224 ) .
وقال بعضهم إن سبب نكبتهم أن جعفر البرمكي زنا بالعباسة أخت هارون رغم نهيه إياه ( سير الذهبي : 9 / 66 ، والطبري : 6 / 489 ) ولا يصح ذلك ، لأن هارون نفسه كان يشرب معهما ، وكان لا يصبر على منادمتهما !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 171 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال بعضهم إن البرامكة تآمروا مع عبد الملك بن صالح العباسي لينصبوه خليفة بدل هارون ، وهو أحد أعمام هارون ، وكان شخصية متميزة على كل بني العباس في كفاءته وبلاغته ، وكان هارون يهابه ، وقد بعثه لحرب الروم مرات فلم يُقتل ، ثم ولاه الموصل ودمشق ومصر ، وعزله . ثم اتهمه بالتآمر عليه وحبسه وبقي في حبسه حتى أطلقه الأمين ( تاريخ : 37 / 21 ) .
وتدل سياسة هارون وكلماته فيهم على أنه اعتقد أن البرامكة ارتكبوا جريمة خيانة الخليفة ولذلك بادر بتصفيتهم ! وتعمد أن يكتم السبب فقال : « لو علمت يميني بالسبب الذي له فعلت هذا لقطعتها » ! ( تاريخ اليعقوبي : 2 / 421 ) .
والمرجح عندي أن الفضل بن يحيى لما سجن عنده الإمام الكاظم ( عليه السلام ) رأى من كراماته وآياته فمال إليه أو تشيع ، وأخذ يفكر جدياً في انقلاب على العباسيين لمصلحة بعض العباسيين أو العلويين ، وبحث ذلك مع أبيه وأخيه في سرية تامة عن هارون !
وقد حكت الروايات ( الطبري : 6 / 491 ) بطش هارون بالبرامكة بعد أربع سنوات من شهادة الإمام الكاظم ( عليه السلام ) ، برواية مسرور خادم هارون ، قال :
« أرسلني الرشيد لآتيه بجعفر بن يحيى لما أراد قتله ، فأتيته وعنده أبو زكار الأعمى المغني وهو يغنيه . . قال فقلت له : أجب أمير المؤمنين قال فرفع يديه ووقع على رجليَّ يقبلهما وقال : حتى أدخل فأوصي ! قلت : أما الدخول فلا سبيل إليه ولكن أوص بما شئت ، فتقدم في وصيته بما أراد وأعتق مماليكه ، ثم أتتني رسل أمير المؤمنين تستحثني به ، قال : فمضيت به إليه فأعلمته فقال لي وهو في فراشه : إئتني برأسه فأتيت جعفراً فأخبرته فقال : يا أبا هاشم الله الله ، والله ما أمرك
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 172 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بما أمرك به إلا وهو سكران ، فدافعْ بأمري حتى أصبح وآمره فيَّ ثانية ، فعدت لأؤامره فلما سمع حسي قال : يا ماص بظر أمه إئتني برأس جعفر ! فعدت إلى جعفر فأخبرته فقال : عاوده فيَّ ثالثةً فأتيته فحذفني بعمود ثم قال : نفيت من المهدي إن أنت جئتني ولم تأتني برأسه لأرسلن إليك من يأتيني برأسك أولاً ثم برأسه آخراً ! قال فخرجت فأتيته برأسه ! قال وأمر الرشيد في تلك الليلة بتوجيه من أحاط بيحيى بن خالد وجميع ولده ومواليه ومن كان منهم بسبيل ، فلم يفلت منهم أحد كان حاضراً ، وحول الفضل بن يحيى ليلاً فحبس في ناحية من منازل الرشيد ، وحبس يحيى بن خالد في منزله ، وأخذ ما وجد لهم من مال وضياع ومتاع وغير ذلك ، ومنع أهل العسكر من أن يخرج منهم خارج إلى مدينة السلام أو إلى غيرها ، ووجه من ليلته رجاء الخادم إلى الرقة في قبض أموالهم وما كان لهم وأخذ كل ما كان من رقيقهم ومواليهم وحشمهم ، وولاه أمورهم ، وفرق الكتب من ليلته إلى جميع العمال في نواحي البلدان والأعمال بقبض أموالهم وأخذ وكلائهم ! فلما أصبح بعث بجثة جعفر بن يحيى مع شعبة الخفتاني وهرثمة بن أعين وإبراهيم بن حميد المروروذي ، وأتبعهم عدة من خدمه وثقاته منهم مسرور الخادم ، إلى منزل جعفر بن يحيى وإبراهيم بن حميد . وحسين الخادم إلى منزل الفضل بن يحيى ويحيى بن عبد الرحمن . ورشيد الخادم إلى منزل يحيى ومحمد بن يحيى . وجعل معه هرثمة بن أعين ، وأمر بقبض جميع مالهم !
وكتب إلى السندي الحرشي بتوجيه جيفة جعفر إلى مدينة السلام ، ونصب رأسه على الجسر الأوسط ، وقطع جثته وصلب كل قطعة منها على الجسر الأعلى
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 173 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والجسر الأسفل ففعل السندي ذلك ، وأمضى الخدم ما كانوا وجهوا فيه ، وحمل عدة من أولاد الفضل وجعفر ومحمد الأصاغر إلى الرشيد فأمر بإطلاقهم .
وأمر بالنداء في جميع البرامكة : ألا أمان لمن آواهم ، إلا محمد بن خالد وولده وأهله وحشمه ، فإنه استثناهم لما ظهر من نصيحة محمد له ، وعرف براءته مما دخل فيه غيره » .
وفي الأخبار الطوال / 391 ، أن هارون أمر « عند ممره ببغداد بخشبة جعفر بن يحيى أن تحرق » ! وبذلك أنهى صلب جثة جعفر البرمكي بعد سنة من صلبها !
ووصف في تاريخ بغداد : 7 / 168 ، الحالة التي وصلت إليها والدة جعفر البرمكي ، التي أفلتت من سجن هارون بعد موته ، قال : « عن محمد بن عبد الرحمن الهاشمي صاحب صلاة الكوفة قال : دخلت على أمي في يوم عيد أضحى وعندها امرأة برزة في أثواب دنسة رثة فقالت لي : أتعرف هذه ؟ قلت لا ، قالت : هذه عبادة أم جعفر بن يحيى بن خالد ، فسلمت عليها ورحبت بها وقلت لها : يا فلانة حدثيني ببعض أمركم . قالت أذكر لك جملة كافية فيها اعتبار لمن اعتبر وموعظة لمن فكر : لقد هجم عليَّ مثل هذا العيد وعلى رأسي أربع مائة وصيفة ، وأنا أزعم أن جعفراً ابني عاقٌّ بي ، وقد أتيتكم في هذا اليوم والذي يقنعني جلدا شاتين أجعل أحدهما شعاراً والآخر دثاراً » !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 174 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

4 - علي بن يقطين ( رحمه الله ) رئيس وزراء هارون

كان أبوه يقطين « يبيع الأبزار وهي التوابل » ( رجال الطوسي : 2 / 729 ) . وكان من دعاة العباسيين فطلبه الخليفة الأموي مروان ( الحمار ) فهرب مع عائلته إلى المدينة المنورة ، وكانت له صلة بالإمام الصادق ( عليه السلام ) .
كان من ثقات المنصور فوضع ولده المهدي في حجره : « فنشأ المهدي وعلي بن يقطين كأنهما أخوان ، فلما أفضت الخلافة إلى المهدي استوزر علي بن يقطين وقدمه وجعله على ديوان الزمام وديوان البسر والخاتم ، فلم يزل في يده حتى توفى المهدي وأفضى الأمر إلى الهادي فأقره على وزارته ولم يشرك معه أحداً في أمره ، إلى أن توفي الهادي وصار الأمر إلى الرشيد ، فأقره شهراً ، ثم صرفه بيحيى بن خالد البرمكي » . ( ذيل تاريخ بغداد : 4 / 202 ) .
ومع أن هارون عزله من الوزارة ، لكن بقيت له مكانة محترمة عنده ، فعندما غضب على البرامكة ونكبهم ، أعاده إلى الوزارة !
قال المسعودي في التنبيه والإشراف / 299 : « ودفع خاتم الخلافة بعد إيقاعه بهم إلى علي بن يقطين ، وغلب عليه الفضل بن الربيع وإسماعيل بن صبيح إلى أن مات » .
ومعنى هذا أن هارون بكل دهائه ورقابته ، لم يجد أي مستمسك على علي بن يقطين ، فبقي على ثقته به إلى أن توفي ( رحمه الله ) قبل شهادة الإمام الكاظم ( عليه السلام ) .
وفي معجم السيد الخوئي ( قدس سره ) : 13 / 242 : « علي بن يقطين بن موسى البغدادي كوفي الأصل ، مولى بني أسد . . . قال الشيخ الطوسي : علي بن يقطين ثقة جليل القدر ، له منزلة عظيمة عند أبي الحسن موسى ( عليه السلام ) ، عظيم المكان في الطائفة .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 175 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كان يحمل الأموال إلى جعفر الصادق ( عليه السلام ) ، ونمَّ خبره إلى المنصور والمهدي فصرف الله عنه كيدهما ، وتوفي ببغداد سنة اثنتين وثمانين ومائة ، وسنُّهُ يومئذ سبع وخمسون سنة ، وصلى عليه ولي العهد محمد بن الرشيد ، وتوفي أبوه بعده سنة خمس وثمانين ومائة . ولعلي بن يقطين رضي الله عنه كتب ، منها : كتاب ما سئل عنه الصادق ( عليه السلام ) من الملاحم ، وكتاب مناظرة الشاك بحضرته ( عليه السلام ) » .
أقول : روى علي بن يقطين عن الإمام الكاظم ( عليه السلام ) كثيراً ، وذكروا أنه روى عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) رواية واحدة ، ولا يصح ذلك كما بينه السيد الخوئي ( رحمه الله ) . بل روى عنه عدة روايات ، وله كتاب أحاديثه ( عليه السلام ) في الملاحم وكتاب مناظرته لملحد بحضوره ( عليه السلام ) ، فقد كان عمره نحو 25 سنة عندما توفي الإمام الصادق ( عليه السلام ) ، وكان يراه في موسم الحج ، وفي استدعاء المنصور له إلى الكوفة والحيرة وبغداد .
هذا ، وقد ذكر ابن النديم في الفهرست / 279 ، والنجار في ذيل تاريخ بغداد : 4 / 202 ، أن يقطيناً كان شيعياً وأنه كان يحمل المال إلى الإمام الصادق ( عليه السلام ) ، وهو بعيد ، والمؤكد أن ابنه علياً كان شيعياً ، وكان أبوه يعرف ذلك ، ويستر عليه .

5 - من أخبار علي بن يقطين مع الإمام الكاظم ( عليه السلام )

1 - غيَّر عثمان بن عفان وضوء النبي ( صلى الله عليه وآله ) وأدخل فيه غسل القدمين ، وتطويق الأذنين ، كما يفعل اليهود والصابئة . وفرض هذا الوضوء على المسلمين ، وعممته الدولة الأموية ، ثم تبناه العباسيون . وقد استوفى دراسته العالم الباحث السيد علي الشهرستاني في كتابه : وضوء النبي ( صلى الله عليه وآله ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 176 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد بقي أهل البيت ( عليهم السلام ) وشيعتهم على وضوء النبي ( صلى الله عليه وآله ) فصاروا يعرفون به !
وكان علي بن يقطين ( رحمه الله ) في بلاط هارون محاطاً بحساده البرامكة وبعض أقاربه فكتب إلى الإمام الكاظم ( عليه السلام ) يسأله كيف يتوضأ : « فكتب إليه : فهمت ما ذكرت من الاختلاف في الوضوء ، والذي آمرك به في ذلك أن تتمضمض ثلاثاً وتستنشق ثلاثاً ، وتخلل لحيتك ، وتمسح رأسك كله ، وبه تمسح ظاهر أذنيك وباطنهما ، وتغسل رجليك إلى الكعبين ثلاثاً ، ولا تخالف ذلك إلى غيره .
فلما وصل الكتاب إلى علي تعجب مما رسم له فيه ، ثم قال : مولاي أعلم بما قال وأنا ممتثل أمره ، فكان يعمل في وضوئه على هذه ، وسُعِيَ بعلي إلى الرشيد بالرفض فقال : قد كثر القول عندي في رفضه ، فامتحنه من حيث لا يعلم بالوقوف على وضوئه ، فلما دخل وقت الصلاة وقف الرشيد وراء حائط الحجرة بحيث يرى علي بن يقطين ولا يراه هو ، فدعا بالماء وتوضأ على ما أمره الإمام فلم يملك الرشيد نفسه حتى أشرف عليه بحيث يراه ، ثم ناداه : كذاب يا علي من زعم أنك من الرافضة ! وصلحت حاله عنده ، وورد كتاب أبي الحسن ( عليه السلام ) ابتداء : من الآن يا علي بن يقطين توضأ كما أمرك الله ، وذكر وصفه ، فقد زال ما يخاف عليك . . إغسل وجهك مرة فريضة والأخرى إسباغاً ، واغسل يديك من المرفقين كذلك ، وامسح مقدم رأسك وظاهر قدميك من فضل نداوة وضوئك » ( مناقب آل أبي طالب : 3 / 407 ، وإعلام الورى : 2 / 22 ) .
2 - قال علي بن يقطين : « كنت عند هارون الرشيد يوماً إذ جاءت هدايا ملك الروم ، وكانت فيها درَّاعة ( جبة ) ديباج سوداء لم أر أحسن منها ، فرآني أنظر إليها
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 177 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فوهبها لي ، وبعثتها إلى أبي إبراهيم ( عليه السلام ) ، ومضت عليها تسعة أشهر ، فانصرفت يوماً من عند هارون بعد أن تغديت بين يديه ، فلما دخلت داري قام إليَّ خادمي الذي يأخذ ثيابي بمنديل على يده وكتاب لطيف خاتمه رطب ، فقال : أتاني رجل بهذا الساعة فقال : أوصله إلى مولاك ساعة يدخل ! ففضضت الكتاب فإذا فيه : يا علي هذا وقت حاجتك إلى الدراعة ! فكشفت طرف المنديل عنها ورأيتها وعرفتها ، ودخل عليَّ خادم لهارون بغير إذن فقال : أجب أمير المؤمنين ! قلت : أي شئ حدث ؟ قال : لا أدري ، فركبت ودخلت عليه وعنده عمر بن بزيع واقفاً بين يديه ، فقال : ما فعلت بالدراعة التي وهبتها لك ؟ قلت : خِلَعُ أمير المؤمنين عليَّ كثيرة ، من دراريع وغيرها ، فعن أيها تسألني ؟ قال : دراعة الديباج السوداء الرومية المذهبة ؟ قلت : ما عسى أن أصنع بها ، ألبسها في أوقات وأصلي فيها ركعات وقد كنت دعوت بها عند منصرفي من دار أمير المؤمنين الساعة لألبسها ! فنظر إلى عمر بن بزيغ فقال : قل له ليرسل حتى يحضرنيها . قال : فأرسلت خادمي حتى جاء بها ، فلما رآها قال : يا عمر ما ينبغي أن نقبل على عليٍّ بعدها شيئاً ! قال : فأمر لي بخمسين ألف درهم ، حملت مع الدراعة إلى داري ! قال علي بن يقطين : وكان الساعي بي ابن عم لي فسوَّد الله وجهه وكذَّبه والحمد لله » « الخرائج : 2 / 656 ، والمناقب : 3 / 408 ، ودلائل الإمامة / 322 ، والإرشاد : 2 / 225 ، والخرائج : 1 / 334 ، وإعلام الورى : 2 / 19 ، والثاقب في المناقب / 449 ) . وفي روايتهم : « فسكن الرشيد من غضبه وقال : انصرف راشداً فلن أصدق بعدها ساعياً ، وأمر أن يتبع بجائزة سنية وتقدم بضرب الساعي ألف سوط ، فضرب نحو خمس مائة سوط ، فمات » .
3 - « استأذن إبراهيم الجمال رضي الله عنه على أبي الحسن علي بن يقطين الوزير
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 178 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فحجبه ، فحج علي بن يقطين في تلك السنة فاستأذن بالمدينة على مولانا موسى بن جعفر ( عليه السلام ) فحجبه ، فرآه ثاني يومه فقال علي بن يقطين : يا سيدي ما ذنبي ؟ فقال : حجبتك لأنك حجبت أخاك إبراهيم الجمال ، وقد أبى الله أن يشكر سعيك أو يغفر لك إبراهيم الجمال ! فقلت : سيدي ومولاي من لي بإبراهيم الجمال في هذا الوقت ، وأنا بالمدينة وهو بالكوفة ؟ فقال : إذا كان الليل فامض إلى البقيع وحدك من غير أن يعلم بك أحد من أصحابك وغلمانك واركب نجيباً هناك مسرجاً !
قال : فوافي البقيع وركب النجيب ولم يلبث أن أناخه على باب إبراهيم الجمال بالكوفة ، فقرع الباب وقال : أنا علي بن يقطين ، فقال إبراهيم الجمال من داخل الدار : وما يعمل علي بن يقطين الوزير ببابي ! فقال علي بن يقطين : يا هذا إن أمري عظيم ! وآلى عليه أن يأذن له ، فلما دخل قال : يا إبراهيم إن المولى ( عليه السلام ) أبى أن يقبلني أو تغفر لي ! فقال : يغفر الله لك ، فآلى علي بن يقطين على إبراهيم الجمال أن يطأ خده فامتنع إبراهيم من ذلك ، فآلى عليه ثانياً ففعل ، فلم يزل إبراهيم يطأ خده وعلي بن يقطين يقول : اللهم اشهد ! ثم انصرف وركب النجيب وأناخه من ليلته بباب المولى موسى بن جعفر ( عليه السلام ) بالمدينة ، فأذن له ودخل عليه فقبله » ! ( عيون المعجزات / 90 ، والثاقب في المناقب / 458 ، والبحار : 48 / 85 ) .
أقول : أراد الإمام ( عليه السلام ) بذلك تربية علي بن يقطين على أن لا يرد مؤمناً جاءه في حاجة ، أما إرساله إلى الكوفة بالمعجزة ، فقد رأى علي بن يقطين شبيهه مراراً !
4 - قال الإمام الكاظم ( عليه السلام ) لعلي بن يقطين : « إضمن لي خصلة ، أضمن لك ثلاثاً ! فقال علي : جعلت فداك ، وما الخصلة التي أضمنها لك وما الثلاث
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 179 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
اللواتي تضمنهن لي ؟ قال فقال أبو الحسن ( عليه السلام ) : الثلاث اللواتي أضمنهن لك : أن لا يصيبك حر الحديد أبداً بقتل ، ولا فاقة ، ولا سجن . قال فقال علي : وما الخصلة التي أضمنها لك ؟ قال فقال : تضمن أن لا يأتيك ولي أبداً إلا أكرمته ! قال فضمن عليٌّ الخصلة وضمن له أبو الحسن الثلاث » . ( رجال الطوسي : 2 / 731 ) .
5 - « روى بكر بن محمد الأشعري أن أبا الحسن الأول ( عليه السلام ) قال : إني استوهبت علي بن يقطين من ربي عز وجل البارحة فوهبه لي ، إن علي بن يقطين بذل ماله ومودته فكان لذلك منا مستوجباً .
ويقال إن علي بن يقطين ربما حمل مائة ألف إلى ثلاث مائة ألف درهم ، وإن أبا الحسن ( عليه السلام ) زوج ثلاثة بنين أو أربعة ، منهم أبو الحسن الثاني ، فكتب إلى علي بن يقطين : إني قد صيرت مهورهن إليك » . ( رجال الطوسي : 2 / 732 ) .
وقال سليمان بن الحسين كاتب علي بن يقطين : « أحصيت لعلي بن يقطين من وافى عنه في عام واحد مائة وخمسين رجلاً ، أقل من أعطاه منهم سبع مائة درهم ، وأكثر من أعطاه عشرة آلاف درهم » . ( رجال الطوسي : 2 / 737 ) .
6 - في معجم السيد الخوئي : 13 / 247 : « عن إسماعيل بن سلام ، وإسماعيل بن جميل ، قالا : بعث إلينا علي بن يقطين فقال : اشتريا راحلتين وتجنبا الطريق ، ودفع إلينا أموالاً وكتباً ، حتى توصلا ما معكما من المال والكتب إلى أبي الحسن موسى ( عليه السلام ) ولا يعلم بكما أحد . قالا : فأتينا الكوفة فاشترينا راحلتين وتزودنا زادا وخرجنا نتجنب الطريق ، حتى إذا صرنا ببطن الرمة شددنا راحلتنا ووضعنا لها العلف وقعدنا نأكل ، فبينا نحن كذلك إذ راكب قد أقبل ومعه شاكري ، فلما
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 180 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قرب منا فإذا هو أبو الحسن ( عليه السلام ) فقمنا إليه وسلمنا عليه ، ودفعنا إليه الكتب وما كان معنا ، فأخرج من كمه كتباً فناولنا إياها فقال : هذه جوابات كتبكم ، فقلنا : إن زادنا قد فنيَ فلو أذنت لنا فدخلنا المدينة فزرنا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وتزودنا بزاد ، فقال : هاتا ما معكما من الزاد ، فأخرجنا الزاد فقلبه بيده ، فقال : هذا يبلغكما إلى الكوفة ، وأما رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فقد رأيتماه ، وإني صليت معهم الفجر ، وإني أريد أن أصلي معهم الظهر ، انصرفا في حفظ الله » !
7 - « لما قدم أبو إبراهيم موسى بن جعفر ( عليه السلام ) العراق ، قال له علي بن يقطين : أما ترى حالي وما أنا فيه ( من صعوبة العمل لكثرة المكائد في بلاط هارون ) ؟ ! فقال : يا علي إن لله تعالى أولياء مع الظلمة ليدفع بهم عن أوليائه ، وأنت منهم يا علي » . ( رجال الطوسي : 2 / 731 ) . وفي رواية : « إن لله مع كل طاغية وزيرا من أوليائه يدفع به عنهم » . ( معجم السيد الخوئي : 13 / 247 )
وفي قرب الإسناد / 306 : « كتب إلى أبي الحسن موسى ( عليه السلام ) : إن قلبي يضيق مما أنا عليه من عمل السلطان ، وكان وزيراً لهارون ، فإن أذنت لي جعلني الله فداك هربت منه ! فرجع الجواب : لا آذن لك بالخروج من عملهم واتق الله » !
8 - « عن عبد الله بن يحيى الكاهلي قال : كنت عند أبي إبراهيم ( عليه السلام ) إذ أقبل علي بن يقطين فالتفت إلى أصحابه فقال : من سره أن يرى رجلاً من أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فلينظر إلى هذا المقبل ! فقال له رجل من القوم : هو إذن من أهل الجنة ؟ فقال أبو الحسن ( عليه السلام ) : أما أنا فأشهد أنه من أهل الجنة » . ( رجال الطوسي : 2 / 730 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 181 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

6 - جعفر بن محمد بن الأشعث رئيس وزراء هارون

1 - محمد بن الأشعث الخزاعي غير محمد بن الأشعث بن قيس الكندي ، وقد خلط البعض بينهما ، وجعفر هنا هو الخزاعي وليس الكندي . وأبوه من قادة الثورة العباسية ، ففي تاريخ اليعقوبي : 2 / 386 : « فولى أبو جعفر محمد بن الأشعث الخزاعي ، فقدم طرابلس » .
وفي فتوح البلاذري : 1 / 275 : « ثم دخل محمد بن الأشعث الخزاعي إفريقية والياً عليها في آخر خلافة أبى العباس ، في سبعين ألفاً ويقال في أربعين ألفاً ، فوليها أربع سنين ، فرمَّ مدينة القيروان » . أي رممها وبنى فيها .
وفي أنساب السمعاني : 4 / 573 : « وقيل : بنى القيروان محمد بن الأشعث الخزاعي ، وتحت لوائه عشرون ومائة قائد » .
وفي تاريخ الذهبي : 9 / 262 : « محمد بن الأشعث بن يحيى الخزاعي الخراساني ، الأمير ، أحد قواد بني عباس . ولي دمشق للمنصور بعد صالح بن علي العباسي ثم ولاه إمرة الديار المصرية ، ودخل القيروان لحرب الإباضية ، وكان شجاعاً حازماً مهيباً ، هزم أبا الخطاب عبد الأعلى رأس الخوارج ، ثم ظفر به وقتله ، ومات ابن الأشعث هذا سنة تسع وأربعين ومائة » .
وكان جعفر بن محمد بن الأشعث قائداً كأبيه ، وذكره الطبري وذكر ابنه العباس فقال : ( 6 / 529 ، و 447 ) : « سنة 187 وفيها أقدم الرشيد جعفر بن محمد بن الأشعث من خراسان ، وولاها ابنه العباس بن جعفر بن محمد بن الأشعث » .
وكان هارون يستقدمه ليعطيه مسؤولية كبيرة كخاتم الخلافة أو الحرس
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 182 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الشخصي له . ( تاريخ خليفة / 382 ) . وقد بلغت ثقة هارون بجعفر بن محمد بن الأشعث أنه جعل ابنه المأمون في حجره ليربيه ، فحسده البرامكة كما تقدم !
وورد ذكر ابنه العباس في غزو الروم أيضاً ، قال الطبري ( 6 / 500 ) : « دخل القاسم بن هارون أرض الروم في شعبان فأناخ على قرة وحاصرها ، ووجه العباس بن جعفر بن محمد بن الأشعث فأناخ على حصن سنان حتى جهدوا ، فبعثت إليه الروم تبذل له ثلاث مائة وعشرين رجلاً من أسارى المسلمين على أن يرحل عنهم ، فأجابهم إلى ذلك » .
« فوجه ابنه المأمون قبل وفاته بثلاث وعشرين ليلة إلى مرو ، ومعه عبد الله بن مالك ، ويحيى بن معاذ ، وأسد بن يزيد بن مزيد ، والعباس بن جعفر بن محمد بن الأشعث . . ثم اشتد بهارون الوجع حتى ضعف عن السير » . ( الطبري : 6 / 525 ) .
2 - روى محمد بن الأشعث قصة تشيعهم ، فقال لمحمد بن أبي عمير : « أتدري ما كان سبب دخولنا في هذا الأمر ومعرفتنا به ، وما كان عندنا فيه ذكر ولا معرفة شئ مما عند الناس ؟ قال قلت : ما ذاك ؟ قال : إن أبا جعفر يعني أبا الدوانيق قال لأبي محمد الأشعث : يا محمد إبغ لي رجلاً له عقل يؤدي عني . فقال له : إني قد أصبته لك ، هذا فلان بن مهاجر خالي . قال : فأتني به . قال : فأتيته بخالي فقال له أبو جعفر : يا ابن مهاجر خذ هذا المال ، فأعطاه ألوف دنانير أو ما شاء الله من ذلك ، وائت المدينة والق عبد الله بن الحسن وعدة من أهل بيته فيهم جعفر بن محمد ، فقل لهم : إني رجل غريب من أهل خراسان ، وبها شيعة من شيعتكم وجهوا إليكم بهذا المال ، فادفع إلى كل واحد منهم على هذا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 183 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الشرط كذا وكذا ، فإذا قبضوا المال فقل إني رسول ، وأحب أن يكون معي خطوطكم بقبضكم ما قبضتم مني !
قال فأخذ المال وأتى المدينة ثم رجع إلى أبي جعفر ، وكان محمد بن الأشعث عنده فقال أبو جعفر : ما وراءك ؟ قال : أتيت القوم وفعلت ما أمرتني به ، وهذه خطوطهم بقبضهم ، خلا جعفر بن محمد فإني أتيته وهو يصلي في مسجد الرسول ( ص ) فجلست خلفه وقلت ينصرف فأذكر له ما ذكرت لأصحابه ، فعجل وانصرف ثم التفت إليَّ فقال : يا هذا إتق الله ولا تَغُرَّنَّ أهل بيت محمد ( صلى الله عليه وآله ) وقل لصاحبك إتق الله ولا تغرن أهل بيت محمد ( صلى الله عليه وآله ) ، فإنهم قريبوا العهد بدولة بني مروان وكلهم محتاج !
قال فقلت : وماذا أصلحك الله ؟ ! فقال : أدن مني ، فأخبرني بجميع ما جرى بيني وبينك حتى كأنه كان ثالثنا !
قال فقال أبو جعفر : يا ابن مهاجر ، إعلم إنه ليس من أهل بيت نبوة إلا وفيهم محدث ، وإن جعفر بن محمد محدثنا اليوم ! فكان هذه دلالة أنا قلنا بهذا المقالة » ( بصائر الدرجات / 265 ، والكافي : 1 / 475 ) .
أقول : أراد المنصور أن يُزّوِّر ممسكاً على العلويين بأنهم يجمعون المال والأنصار للثورة عليه ، فيحبسهم لذلك أو يقتلهم ! وانطلت الحيلة على الحسنيين ، بينما كشفها الله تعالى للإمام الصادق ( عليه السلام ) فأخبر رسول المنصور ، فاندهش !
وتتعجب من قدرة المنصور على التزوير ، وأنه لم ينبهت عندما أخبره رسوله بما رأى بل غيَّر الموضوع وجعله فخراً له بالإمام الصادق ( عليه السلام ) لأنه من بني هاشم !
وتتعجب أكثر من أن المنصور مع شهادته بأن الإمام الصادق ( عليه السلام ) إمام تحدثه الملائكة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 184 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فهو لا يهتم بمقامه ولا بعلمه ، ولا بالملائكة ولا بالرسل ولا بربهم عز وجل ! بل يريد مستمسكاً على الإمام ( عليه السلام ) ليقتله ويبعد ضرره عن ملكه ! تماماً كما قال الله تعالى عنهم : وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ، فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ !
وكانت هذه الحادثة سبب تشيع رسول المنصور ومحمد بن الأشعث ، ولا بد أنهم رأوا غيرها من الآيات فاعتقدوا بأن الإمام الصادق ( عليه السلام ) حجة الله تعالى على خلقه ، والإمام المفترض الطاعة ! لكنهم حافظوا على ثقة المنصور بهم واحتفظوا بمناصبهم ! ولا بد أن الإمام ( عليه السلام ) علمهم وعلم ابن يقطين كيف يتصرفون !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 185 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل التاسع : هارون يعرف أن الكاظم ( عليه السلام ) إمام من الله تعالى

1 - يعرف أنه إمام رباني ويعاديه !

1 . نقل المأمون اعتراف أبيه بأن الإمام الكاظم ( عليه السلام ) إمام من الله تعالى ، وأنه أحق من هارون ومن غيره بمقام رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، ولكن الملك عقيم !
فقد قال سفيان بن نزار « كنت يوماً على رأس المأمون فقال : أتدرون من علمني التشيع ؟ فقال القوم جميعاً : لا والله ما نعلم ! قال : علمنيه الرشيد ! قيل له وكيف ذلك والرشيد كان يقتل أهل هذا البيت ؟ قال : كان يقتلهم على الملك لأن الملك عقيم ، ولقد حججت معه سنةً فلما صار إلى المدينة تقدم إلى حجابه وقال : لا يدخلن عليَّ من أهل المدينة ومكة من أهل المهاجرين والأنصار وبني هاشم وساير بطون قريش إلا نسب نفسه ! وكان الرجل إذا دخل عليه قال : أنا فلان بن فلان ، ينتهى إلى جده من هاشمي أو قرشي أو مهاجري أو أنصاري ، فيصله من المال بخمسه آلاف دينار وما دونها ، إلى مأتي دينار على قدر شرفه وهجرة آبائه ، فأنا ذات يوم واقف إذ دخل الفضل بن الربيع ، فقال : يا أمير المؤمنين على الباب رجل يزعم أنه موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب . فأقبل علينا ونحن قيام على رأسه والأمين والمؤتمن وساير القواد فقال :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 186 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إحفظوا على أنفسكم ، ثم قال لآذنه : إئذن له ولا ينزل إلا على بساطي ! فإنا كذلك إذ دخل شيخ مسخد ( مصفر الوجه ) قد أنهكته العبادة ، كأنه شن بال ، قد كُلَمَ من السجود وجهه وأنفه ، فلما رأى الرشيد رمى بنفسه عن حمار كان راكبه فصاح الرشيد : لا والله إلا على بساطي ! فمنعه الحجاب من الترجل ، ونظرنا إليه بأجمعنا بالإجلال والإعظام ، فما زال يسير على حماره حتى صار إلى البساط والحجاب والقواد محدقون به ، فنزل فقام إليه الرشيد واستقبله إلى آخر البساط وقبل وجهه وعينيه وأخذ بيده حتى صيره في صدر المجلس وأجلسه معه ، وجعل يحدثه ويقبل بوجهه عليه ويسأله عن أحواله ثم قال له : يا أبا الحسن ما عليك من العيال ؟ فقال : يزيدون على الخمس مأة . قال : أولاد كلهم ؟ قال : لا أكثرهم موالي وحشم . أما الولد فلي نيف وثلاثون والذكران منهم كذا والنسوان منهم كذا . قال : فلم لا تزوج النسوان من بني عمومتهن وأكفائهن ؟ قال : اليد تقصر عن ذلك . قال : فما حال الضيعة ؟ قال : تعطى في وقت وتمنع في آخر . قال : فهل عليك دين ؟ قال : نعم قال : كم ؟ قال : نحو عشره آلاف دينار .
فقال الرشيد : يا ابن عم أنا أعطيك من المال ما تزوج الذكران والنسوان وتقضي الدين وتعمر الضياع .
فقال له : وصلتك رحم يا ابن عم وشكر الله لك هذه النية الجميلة والرحم ماسة والقرابة واشجة والنسب واحد ، والعباس عم النبي ( صلى الله عليه وآله ) وصنو أبيه ، وعم علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) وصنو أبيه ، وما أبعدك الله من أن تفعل ، وقد بسط يدك وأكرم عنصرك وأعلى محتدك !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 187 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فقال : أفعل ذلك يا أبا الحسن وكرامة . فقال : يا أمير المؤمنين إن الله عز وجل قد فرض على ولاة عهده أن ينعشوا فقراء الأمة ، ويقضوا عن الغارمين ، ويؤدوا عن المثقل ، ويكسوا العاري ، ويحسنوا إلى العاني ، فأنت أولى من يفعل ذلك فقال : أفعل يا أبا الحسن . ثم قام فقام الرشيد لقيامه وقبل عينيه ووجهه ، ثم أقبل عليَّ وعلى الأمين والمؤتمن فقال : يا عبد الله ويا محمد ويا إبراهيم إمشوا بين يدي عمكم وسيدكم ، خذوا بركابه وسووا عليه ثيابه وشيعوه إلى منزله ، فأقبل عليَّ أبو الحسن موسى بن جعفر سراً بيني وبينه ، فبشرني بالخلافة فقال لي : إذا ملكت هذا الأمر فأحسن إلى وُلدي ، ثم انصرفنا .
وكنت أجرأ ولد أبي عليه ، فلما خلا المجلس قلت : يا أمير المؤمنين من هذا الرجل الذي قد أعظمته وأجللته ، وقمت من مجلسك إليه فاستقبلته ، وأقعدته في صدر المجلس وجلست دونه ، ثم أمرتنا بأخذ الركاب له ؟ !
قال : هذا إمام الناس وحجة الله على خلقه وخليفته على عباده !
فقلت : يا أمير المؤمنين أوليست هذه الصفات كلها لك وفيك ؟
فقال : أنا إمام الجماعة في الظاهر والغلبة والقهر ، وموسى بن جعفر إمام حق ! والله يا بني إنه لأحق بمقام رسول الله ( ص ) مني ومن الخلق جميعاً . ووالله لو نازعتني هذا الأمر لأخذت الذي فيه عيناك ، فإن الملك عقيم !
فلما أراد الرحيل من المدينة إلى مكة ، أمر بصرة سوداء فيها مائتا دينار ، ثم أقبل على الفضل بن الربيع فقال له : إذهب بهذه إلى موسى بن جعفر وقل له : يقول لك أمير المؤمنين : نحن في ضيقه وسيأتيك برنا بعد الوقت .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 188 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فقمت في صدره فقلت : يا أمير المؤمنين تعطي أبناء المهاجرين والأنصار وساير قريش وبني هاشم ومن لا تعرف حسبه ونسبه خمسه آلاف دينار إلى ما دونها ، وتعطى موسى بن جعفر وقد أعظمته وأجللته مأتي دينار ، أخس عطيةٍ أعطيتها أحداً من الناس ! فقال : أسكت لا أم لك فإني لو أعطيت هذا ما ضمنته له ما كنت أمنته أن يضرب وجهي غداً بمائة ألف سيف من شيعته ومواليه . وفقر هذا وأهل بيته أسلم لي ولكم من بسط أيديهم وأعينهم !
وفي رواية أن هارون قال : يا بني هذا وارث علم النبيين ، هذا موسى بن جعفر بن محمد ! إن أردت العلم الصحيح فعند هذا . قال المأمون : فحينئذ انغرس في قلبي محبتهم » . ( عيون أخبار الرضا ( عليه السلام ) : 1 / 84 ، والاحتجاج : 2 / 165 ) .
وفي رواية الطبري : 4 / 650 ، أن الرشيد أعطى في تلك السفرة أهل مكة والمدينة ثلاثة أعطية : « فبلغ ذلك ألف ألف دينار وخمسين ألف دينار » !
أقول : العجب من هارون يشهد على نفسه بأنه ظالم غاصب لمقام رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وأعجب منه كلام المأمون الذي يزعم أن الاعتراف والتشيع النظري للنبي وعترته المعصومين ( صلى الله عليه وآله ) يكفي للنجاة من النار ، وإن خالف ذلك في قوله وفعله ، وغصب منصب الإمامة وقتل الإمام الرباني !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 189 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

2 - حبس هارون للإمام الكاظم ( عليه السلام ) - المرة الأولى

كان هارون يعرف أن الإمام الكاظم ( عليه السلام ) إمام من الله تعالى ، بل كان كل ملوك بني أمية والعباس يعرفون جيداً أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) الذين عاصروهم . فهم حقاً كما قال الله تعالى : وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا !
ومع علم هارون بمقام الإمام ( عليه السلام ) أحضره إلى بغداد واحترمه في الظاهر ، وجلس معه عدة مجالس ، وحاول قتله مراراً فلم يتيسر له ذلك ، فأطلقه !
كان ذلك في أول خلافة هارون سنة 170 ، ففي تلك السنة ولد الأمين فوضعه في حجر جعفر بن الأشعث الشيعي ( الطبري : 6 / 444 ) ، وحسده يحيى بن خالد البرمكي ، وأخذ يعمل ضد ابن الأشعث وضد الإمام الكاظم ( عليه السلام )
قال المسعودي في إثبات الوصية / 193 : « بويع لهارون الرشيد في شهر ربيع الأول في تلك السنة سنة سبعين ومائة في اثنتين وعشرين سنة من إمامة أبي الحسن ، فوجه في حمل أبي الحسن ( عليه السلام ) ، فلما وافاه الرسل دعا أبا الحسن الرضا ( عليه السلام ) وهو أكبر ولده فأوصى إليه بحضرة جماعة من خواصه ، وأمره بما احتاج إليه ، ونحله كنيته وتكنى بأبي إبراهيم ، ودفع إلى أم أحمد مالاً وكتباً وقال لها سراً : من أتاك فطلب منك ما دفعته إليك وأعطاك صفته فادفعيه إليه ، ودفع إليها رقعة مختومة وأمرها بأن تسلمها معها قبلها إلى أبي الحسن الرضا ( عليه السلام ) إذا طلبها ، وأمر أبا الحسن أن يبيت في كل ليلة في دهليز داره أو على بابه أبداً ما دام حياً يعني نفسه » .
وفي مروج الذهب : 2 / 2 ، وط . مصر : 2 / 356 : « ذكر عبد الله بن مالك الخزاعي وكان على دار الرشيد وشرطته ، قال : أتاني رسول الرشيد في وقت ما جاءني فيه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 190 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قط فانتزعني من موضعي ومنعني من تغيير ثيابي ، فراعني ذلك منه ! فلما صرت إلى الدار سبقني الخادم فعرَّفَ الرشيد خبري فأذن لي في الدخول عليه ، فدخلت فوجدته قاعداً على فراشه فسلمت ، فسكت ساعة فطار عقلي وتضاعَفَ الجزع عليَّ ، ثم قال لي : يا عبد الله أتدري لم طلبتك في هذا الوقت ؟
قلت : لا والله يا أمير المؤمنين ! قال : إني رأيت الساعة في منامي كأن حَبَشِيّاً قد أتاني ومعه حربة فقال لي : إن تُخَلِّ عن موسى بن جعفر الساعة ، وإلا نحرتك بهذه الحربة ! فاذهبْ فخلّ عنه !
فقلت : يا أمير المؤمنين أطلقُ موسى بن جعفر ؟ ! ثلاثاً ، قال : نعم ، إمض الساعة حتى تطلق موسى بن جعفر ، وأعطه ثلاثين ألف درهم ، وقل له : إن أحببت المقام قِبَلَنَا فلك عندي ما تحب ، وإن أحببت المضيَّ إلى المدينة ، فالإذن في ذلك إليك ! قال : فمضيت إلى الحبس لأخرجه ، فلما رآني موسى وثب إلي قائماً وظن إني قد أمرت فيه بمكروه ! فقلت : لا تخف ، وقد أمرني أمير المؤمنين بإطلاقك ، وأن أدفع إليك ثلاثين ألف درهم وهو يقول لك : إن أحببت المقام قبلنا فلك ما تحب ، وإن أحببت الانصراف إلى المدينة فالأمر في ذلك مُطْلَقٌ إليك وأعطيته الثلاثين ألف درهم وخليت سبيله وقلت له : لقد رأيت من أمرك عجباً ! قال : فإني أخبرك : بينما أنا نائم إذ أتاني النبي ( صلى الله عليه وآله ) فقال : يا موسى حُبست مظلوماً فقل هذه الكلمات ، فإنك لا تبيت هذه الليلة في الحبس ! فقلت : بأبي وأمي ما أقول ؟ فقال : قل يا سامع كل صوت ، ويا سابق الفوْت ، ويا كاسي العظام لحماً ومنشرها بعد الموت أسألك بأسمائك الحسنى ، وبإسمك الأعظم الأكبر المخزون
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 191 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
المكنون ، الذي لم يطلع عليه أحد من المخلوقين ، يا حليماً ذا أناة لا يُقْوي على أناته يا ذا المعروف الذي لا ينقطع أبداً ، ولا يُحْصَى عمداً ، فرِّجْ عني . فكان ما ترى » !
أقول : وروى نحوه في وفيات الأعيان : 5 / 308 ، وتأتي روايته من مصادرنا ، وهو يدل على أمور عديدة :
منها : عنف هارون وقسوته حتى أن كبار وزرائه وموظفيه يتوقع أحدهم أن يُحضره نصف الليل ويقتله ، دون أن يعرف السبب !
ومنها ، يدل تعجب رئيس الشرطة وسؤاله لهارون ثلاثاً عن أمره بإطلاق الإمام ( عليه السلام ) ، على أن هارون كان أحضره ليقتله !
ومنها ، أن ذلك كان في حياة والدته خيزران لأنها ماتت سنة 173 ، وأنها لم تتدخل لإطلاق الإمام ( عليه السلام ) ، وقد تكون وافقت على رأي يحيى البرمكي بضرورة قتل الإمام موسى بن جعفر ( عليه السلام ) .
كما تدل على أن الأمر بإطلاقه ( عليه السلام ) كان في الليالي الأولى لسجنه ( عليه السلام ) في تلك المرة وربما في الليلة الأولى ، ففي مناقب آل أبي طالب : 3 / 422 : « لما حبس هارون الكاظم ( عليه السلام ) جَنَّ عليه الليل فجدد موسى طهوره ، فاستقبل بوجهه القبلة وصلى أربع ركعات ثم دعا فقال : يا سيدي نجني من حبس هارون وخلصني من يده ، يا مخلص الشجر من بين رمل وطين ، ويا مخلص النار من بين الحديد والحجر ، ويا مخلص اللبن من بين فرث ودم ، ويا مخلص الولد من بين مشيمة ورحم ، ويا مخلص الروح من بيت الأحشاء والأمعاء ، خلصني من يد هارون الرشيد ! قال : فرأى هارون رجلاً أسود بيده سيف قد سله . . . الخ . »
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 192 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي عيون أخبار الرضا ( عليه السلام ) : 2 / 87 : « لما حبس الرشيد موسى بن جعفر ( عليه السلام ) جَنَّ عليه الليل ، فخاف ناحية هارون أن يقتله ، فجدد موسى بن جعفر طهوره فاستقبل بوجهه القبلة وصلى لله عز وجل أربع ركعات ، ثم دعا بهذه الدعوات فقال : يا سيدي نجني من حبس هارون وخلصني من يده . يا مخلص الشجر من بين رمل وطين ، ويا مخلص اللبن من بين فرث ودم ، ويا مخلص الولد من بين مشيمة ورحم ، ويا مخلص النار من الحديد والحجر ، ويا مخلص الروح من بين الأحشاء والأمعاء ، خلصني من يد هارون . قال : فلما دعا موسى ( عليه السلام ) بهذه الدعوات أتى هارون رجل أسود في منامه ، وبيده سيف قد سله فوقف على رأس هارون وهو يقول : يا هارون أطلق موسى بن جعفر وإلا ضربت علاوتك بسيفي هذا ! فخاف هارون من هيبته ، ثم دعا الحاجب فجاء الحاجب فقال له : إذهب إلى السجن فأطلق عن موسى بن جعفر ! قال : فخرج الحاجب فقرع باب السجن فأجابه صاحب السجن فقال : من ذا ؟ قال : إن الخليفة يدعو موسى بن جعفر فأخرجه من سجنك وأطلق عنه ، فصاح السجان : يا موسى إن الخليفة يدعوك فقام موسى ( عليه السلام ) مذعوراً فزعاً وهو يقول : لا يدعوني في جوف هذا الليل إلا لشر يريده بي ، فقام باكياً حزيناً مغموماً آيسا من حياته ، فجاء هارون وهو ترتعد فرائصه ، فقال : سلام على هارون فرد عليه السلام ، ثم قال له هارون : ناشدتك بالله هل دعوت في جوف هذا الليل بدعوات ؟ فقال : نعم . قال : وما هن ؟ قال : جددت طهوراً وصليت لله عز وجل أربع ركعات ورفعت طرفي إلى السماء وقلت : يا سيدي خلصني من يد هارون وشره ، وذكر له ما كان من دعائه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 193 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فقال هارون : قد استجاب الله دعوتك ! يا حاجب أطلق عن هذا ، ثم دعا بخلع عليه ثلاثاً وحمله على فرسه وأكرمه وصيره نديماً لنفسه ، ثم قال : هات الكلمات فعلمه قال : فأطلق عنه وسلمه إلى الحاجب ليسلمه الدار ويكون معه فصار موسى بن جعفر ( عليه السلام ) كريماً شريفاً عند هارون ، وكان يدخل عليه في كل خميس ، إلى أن حبسه الثانية فلم يطلق عنه حتى سلمه إلى السندي شاهك وقتله بالسم » .
وروى الصدوق في عيون أخبار الرضا ( عليه السلام ) : 2 / 73 ، والمفيد في الإختصاص / 59 رواية مشابهة عن وزير الرشيد الفضل بن الربيع ، وأنه طلب من الإمام ( عليه السلام ) أن يعلمه الصلاة والدعاء اللذين علمه إياهما النبي ( صلى الله عليه وآله ) في منامه .

3 - خلط الرواة بين أخبار حبسه ( عليه السلام ) في المرة الأولى والثانية

ينبغي التنبيه على أن بعض الرواة خلطوا بين أحاديث سجن الإمام ( عليه السلام ) في المرتين ، وقد تخللهما فرض الإقامة الجبرية عليه في بغداد .
وعلامة المرة الأولى : أنها كانت في أول خلافة هارون كما نص المسعودي ، ولم يكن الفضل بن الربيع يومها وزيراً ، بل في المرة الأخيرة .
وعلامتها : أن هاروناً ناظر الإمام ( عليه السلام ) فيها في وصف أبناء علي وفاطمة ( عليهما السلام ) بأنهم أبناء النبي ( صلى الله عليه وآله ) وذريته ، فاستدل الإمام ( عليه السلام ) بآيات القرآن واقتنع هارون .
وبعد تسع سنين جاء هارون فسلم على النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، ثم سلم عليه الإمام ( عليه السلام ) وقال : السلام عليك يا أبت ، فقال هارون : أشهد أنه أبوه حقاً ، وهو يدل على أن مناظرة الإمام ( عليه السلام ) معه في الموضوع كانت قبل ذلك .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 194 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وعلامتها : أن الإمام الكاظم ( عليه السلام ) دعا لما جن عليه الليل بالخلاص من سجن هارون ، فرأى هارون مناماً مرعباً وأطلقه ، ولم يرد ذلك في حبسه في المرة الثانية .
وعلامتها : أنها لم يرد فيها اسم الفضل بن الربيع ، وأمر هارون للإمام بثلاثين ألف درهم ، ووافق على طلبه أن يرجع إلى المدينة ولم يرد ذلك في المرة الثانية .
وعلامتها : أن مدة فرض الإقامة الجبرية عليه ومدة سجنه كانت أقل من الثانية ، فقد قال هارون في آخر مناقشته للإمام ( عليه السلام ) كما سيأتي : « أحسنت يا موسى إرفع إلينا حوائجك ! فقلت له : إن أول حاجة لي أن تأذن لابن عمك أن يرجع إلى حرم جده وإلى عياله ! فقال : ننظر إن شاء الله » .
ومعنى « ننظر » أنه لم يأذن له وفرض عليه الإقامة الجبرية في بغداد ، وفرض عليه وأن يحضر مجلسه كل خميس ، فمكث ( عليه السلام ) مدة على ذلك ، ثم سجنه بقصد قتله ، فدعا الله تعالى فرأى هارون المنام المرعب وأطلقه .
وعلامة الثانية : أنه مدتها كانت نحو أربع سنوات ، منها نحو سنة في البصرة وثلاث سنوات في بغداد ، وكان الإمام ( عليه السلام ) في أكثرها في الإقامة الجبرية ، وكان ملزماً بالحضور في مجلس هارون كل يوم خميس أيضاً !
قال في الإرشاد : 2 / 240 ، يصف هذه المرة : « فوجه الرشيد من تسلمه من عيسى بن جعفر ، وصير به إلى بغداد ، فسلم إلى الفضل بن الربيع ، فبقي عنده مدة طويلة فأراده الرشيد على شئ من أمره فأبى ، فكتب إليه بتسليمه إلى الفضل بن يحيى فتسلمه منه . . . فوسع عليه الفضل بن يحيى وأكرمه ، فاتصل ذلك بالرشيد وهو بالرقة ، فكتب إليه ينكر عليه توسعته على موسى ويأمره بقتله ، فتوقف عن ذلك
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 195 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولم يقدم عليه ، فاغتاظ الرشيد لذلك ودعا مسروراً الخادم فقال له : أخرج على البريد في هذا الوقت إلى بغداد . الخ . » .
فقد كان في المرتين إقامة جبرية وسجن ، وكانت الثانية أطول ، وفي المرة الأولى أطلق سراحه ( عليه السلام ) وسمح له بالعودة إلى المدينة ، وفي الثانية سجنه في آخرها وقتله وكان الفاصل بين المرتين تسع سنوات ، ومدة الثانية أربع سنوات .
وقد روي عن الإمام ( عليه السلام ) مجموعة أحاديث ومناظرات مع هارون ، والقاضي أبي يوسف ، والبرمكيين ، وأحاديث مع هشام بن الحكم ، وغيرهم ، وكانت في الفترتين اللتين أجبر فيهما الإمام ( عليه السلام ) على الإقامة في بغداد ، لكن يصعب التمييز بين ما كان منها في المرة الأولى والثانية ، خاصة وأن الرواة خلطوا بين أخبارهما .
وقد تعنت ابن تيمية فأنكر أن يكون الإمام ( عليه السلام ) مرَّ من أمام بيت بشر الحافي وتاب على يده ، بحجة أنه ( عليه السلام ) كان في بغداد محبوساً ! وهذا دأب ابن تيمية في مسارعته لإنكار أي فضيلة لأهل البيت ( عليهم السلام ) . ( راجع : شرح منهاج الكرامة : 1 / 176 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 196 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

4 - الإمام الكاظم ( عليه السلام ) يصارح هارون !

نقلت الرواية التالية ( عيون أخبار الرضا ( عليه السلام ) : 2 / 79 ، والاحتجاج : 2 / 161 ) مناظرة هارون للإمام الكاظم ( عليه السلام ) عندما أحضره إلى بغداد قبل أن يسجنه ، وقد تضمنت مصارحة الإمام ( عليه السلام ) له وقرعه إياه بأقوى الحجج !
قال ( عليه السلام ) : « لما أدخلتُ على هارون سلمت عليه فرد عليَّ السلام ثم قال : يا موسى بن جعفر خليفتان يجئ إليهما الخراج ؟ !
فقلت : يا أمير المؤمنين أعيذك بالله أن تبوء بإثمي وإثمك ، فتقبل الباطل من أعدائنا علينا ، فقد علمت بأنه قد كذب علينا منذ قبض رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وعلم ذلك عندك ! فإن رأيت بقرابتك من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أن تأذن لي أحدثك بحديث أخبرني به أبي عن آبائه عن جدي رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ؟ فقال : قد أذنت لك ، فقلت : أخبرني أي عن آبائه عن جدي رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أنه قال : إن الرحم إذا مست تحركت واضطربت ، فناولني يدك جعلني الله فداك !
قال : أدن مني ، فدنوت منه فأخذ بيدي ثم جذبني إلى نفسه وعانقني طويلاً ، ثم تركني ، وقال : أجلس يا موسى ! فليس عليك بأس ، فنظرت إليه فإذا به قد دمعت عيناه فرجعت إلى نفسي ، فقال : صدقت وصدق جدك ( صلى الله عليه وآله ) ، لقد تحرك دمي واضطربت عروقي حتى غلبت عليَّ الرقة وفاضت عيناي ، وأنا أريد أن أسألك عن أشياء تتلجلج في صدري منذ حين ، لم أسأل عنها أحداً ، فإن أنت أجبتني عنها خليت عنك ولم أقبل قول أحد فيك ، وقد بلغني أنك لم تكذب قط ، فأصدقني فيما أسألك ما في قلبي !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 197 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فقلت : ما كان علمه عندي فإني مخبرك به إن أنت أمنتني ! قال : لك الأمان إن صدقتني وتركت التقية التي تعرفون بها معاشر بني فاطمة !
قلت ليسأل أمير المؤمنين عما يشاء . قال : أخبرني لم فضلتم علينا ونحن وأنتم من شجرة واحدة ، وبنو عبد المطلب ونحن وأنتم واحد ، إنا بنو عباس وأنتم ولد أبي طالب ، وهما عما رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وقرابتهما منه سواء ؟
فقلت : نحن أقرب . قال : وكيف ذاك ؟ قلت : لأن عبد الله وأبا طالب لأب وأم وأبوكم العباس ليس هو من أم عبد الله ، ولا من أم أبي طالب .
قال : فلم ادعيتم أنكم ورثتم النبي ( صلى الله عليه وآله ) والعم يحجب ابن العم وقبض رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وقد توفي أبو طالب قبله ، والعباس عمه حي ؟ !
فقلت له : إن رأى أمير المؤمنين أن يعفيني عن هذه المسألة ، ويسألني عن كل باب سواه يريده ! فقال : لا ، أو تجيب ! فقلت : فآمني . قال : آمنتك قبل الكلام . فقلت : إن في قول علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) : أنه ليس مع ولد الصلب ذكراً كان أو أنثى لأحد سهم إلا الأبوين والزوج والزوجة ، ولم يثبت للعم مع ولد الصلب ميراث ، ولم ينطق به الكتاب العزيز والسنة ، إلا أن تيماً وعدياً وبني أمية قالوا : العم والد ، رأياً منهم بلا حقيقة ، ولا أثر عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) !
ومن قال بقول علي ( عليه السلام ) من العلماء قضاياهم خلاف قضايا هؤلاء ، هذا نوح بن دراج يقول في هذه المسألة بقول علي ( عليه السلام ) وقد حكم به ، وقد ولاه أمير المؤمنين المصرين الكوفة والبصرة وقضى به ! فأْمُرْ بإحضاره وإحضار من يقول بخلاف قوله منهم : سفيان الثوري ، وإبراهيم المازني ، والفضيل بن عياض !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 198 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فأحضرهم فشهدوا أنه قول علي ( عليه السلام ) في هذه المسألة ، فقال لهم فيما بلغني بعض العلماء من أهل الحجاز : لم لا تفتون وقد قضى نوح بن دراج ؟ فقالوا : جَسُرَ وجَبُنَّا !
وقد أمضى أمير المؤمنين قضيته بقول قدماء العامة عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) أنه قال : أقضاكم علي . وكذلك عمر بن الخطاب قال : علي أقضانا ، وهو اسم جامع لأن جميع ما مدح به النبي ( صلى الله عليه وآله ) أصحابه من القرابة والفرائض والعلم داخل في القضاء ! قال : زدني يا موسى ! قلت : المجالس بالأمانات وخاصة مجلسك ؟
فقال : لا بأس به . فقلت : إن النبي لم يورث من لم يهاجر ولا أثبت له ولاية حتى يهاجر ! فقال : ما حجتك فيه ؟ قلت : قول الله تبارك وتعالى : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيء حَتَّى يُهَاجِرُوا ، وإن عمي العباس لم يهاجر !
فقال لي : إني أسألك يا موسى هل أفتيت بذلك أحداً من أعدائنا ، أو أخبرت أحداً من الفقهاء في هذه المسألة بشئ ؟ فقلت : اللهم لا ، وما سألني عنها إلا أمير المؤمنين !
ثم قال لي : جوَّزتم للعامة والخاصة أن ينسبوكم إلى رسول الله ويقولوا لكم : يا بني رسول الله ، وأنتم بنو علي ، وإنما ينسب المرء إلى أبيه وفاطمة إنما هي وعاء والنبي جدكم من قبل أمكم ؟ !
فقلت : يا أمير المؤمنين لو أن النبي نشر فخطب إليك كريمتك هل كنت تجيبه ؟ قال : سبحان الله ولم لا أجبه بل أفتخر على العرب والعجم وقريش بذلك ؟ فقلت له : لكنه لا يخطب إلي ولا أزوجه ! فقال : ولم ؟ فقلت : لأنه ولدني ولم يلدك !
فقال : أحسنت يا موسى ! ثم قال : كيف قلتم إنا ذرية النبي والنبي لم يعقب ، وإنما العقب الذكر لا الأنثى ، وأنتم ولد الابنة ولا يكون ولدها عقباً له !
فقلت : أسألك بحق القرابة والقبر ومن فيه ، إلا أعفيتني عن هذه المسألة !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 199 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فقال : لا أو تخبرني بحجتكم فيه يا ولد علي ! وأنت يا موسى يعسوبهم وإمام زمانهم ، كذا أنهي إلي ، ولست أعفيك في كل ما أسألك عنه ، حتى تأتيني فيه بحجة من كتاب الله ، وأنتم تدعون معشر ولد علي أنه لا يسقط عنكم منه شئ ألف ولا واو إلا تأويله عندكم ، واحتججتم بقوله عز وجل : مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيء ، واستغنيتم عن رأي العلماء وقياسهم !
فقلت : تأذن لي في الجواب ؟ قال : هات ، فقلت : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم : وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ . وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ .
مَن أبو عيسى يا أمير المؤمنين ؟ فقال : ليس لعيسى أب . فقلت : إنما ألحقناه بذراري الأنبياء ( عليهم السلام ) من طريق مريم ( عليها السلام ) ، وكذلك ألحقنا بذراري النبي ( صلى الله عليه وآله ) من قبل أمنا فاطمة ( عليها السلام ) !
أزيدك يا أمير المؤمنين ؟ قال : هات . قلت : قول الله عز وجل : فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ . ولم يدَّع أحد أنه أدخله النبي ( صلى الله عليه وآله ) تحت الكساء عند مباهلة النصارى إلا علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) وفاطمة والحسن والحسين . أبناؤنا الحسن والحسين ، ونسائنا فاطمة ، وأنفسنا علي بن أبي طالب . على أن العلماء قد أجمعوا على أن جبرئيل قال يوم أحد : يا محمد إن هذه لهي المواساة من علي قال : لأنه مني وأنا منه ، فقال جبرئيل : وأنا منكما يا رسول الله ، ثم قال : لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي ، فكان كما مدح الله عز وجل به
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 200 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
خليله ( عليه السلام ) إذ يقول : قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ . إنا نفتخر بقول جبرئيل إنه منا .
فقال : أحسنت يا موسى إرفع إلينا حوائجك ! فقلت له : إن أول حاجة لي أن تأذن لابن عمك أن يرجع إلى حرم جده وإلى عياله ! فقال : ننظر إن شاء الله » .
فهذه المناقشة كانت في حبس الإمام أول مرة أوائل خلافة هارون ، لأن هارون حج بعد تسع سنوات ، وقال كما تقدم : أشهد أنه أبوه حقاً !
وفي تفسير العياشي : 2 / 29 ، أن هارون سأله : « حين أدخل عليه ما هذه الدار ؟ قال : هذه دار الفاسقين ! قال وقرأ : سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ! فقال له هارون : فدار من هي ؟ قال : هي لشيعتنا قرة ولغيرهم فتنة ! قال : فما بال صاحب الدار لا يأخذها ؟ قال : أخذت منه عامرة ، ولا يأخذها إلا معمورة . فقال : أين شيعتك ؟ فقرأ أبو الحسن : لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ . قال له : فنحن كفار ؟ قال : لا ولكن كما قال الله : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ ! فغضب عند ذلك وغلظ عليه » ! والاختصاص / 262 .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 201 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

5 - الإمام الكاظم ( عليه السلام ) ينسف أساس نظام العباسيين !

روى الخطيب في تاريخ بغداد : 13 / 32 : « حج هارون هارون ، فأتى قبر النبي ( ص ) زائراً له ، وحوله قريش وأفياء القبائل ، ومعه موسى بن جعفر ، فلما انتهى إلى القبر قال : السلام عليك يا رسول الله ، يا ابن عمي ، افتخاراً على من حوله ! فدنا موسى بن جعفر فقال : السلام عليك يا أبت ! فتغير وجه هارون وقال : هذا الفخر يا أبا الحسن حقاً » وتهذيب الكمال : 29 / 49 ، وابن خلكان في وفيات الأعيان : 5 / 308 ، وابن الأثير في الكامل : 6 / 163 ، والذهبي في سير أعلام النبلاء : 6 / 273 .
وعلق عليه الذهبي في تاريخه : 12 / 417 : « ولعل هارون ما حبسه إلا لقولته تلك : السلام عليك يا أبَهْ ! فإن الخلفاء لا يحتملون مثل هذا » !
وقال ابن كثير في النهاية : 10 / 197 : « فقال هارون : هذا هو الفخر يا أبا الحسن ! ثم لم يزل ذلك في نفسه حتى استدعاه في سنة تسع وسبعين وسجنه فأطال سجنه ، فكتب إليه موسى رسالة يقول فيها : أما بعد يا أمير المؤمنين إنه لم ينقض عني يوم من البلاء إلا انقضى عنك يوم من الرخاء ، حتى يفضي بنا ذلك إلى يوم يخسر فيه المبطلون » .
ورواه من مصادرنا الكافي : 4 / 553 : « عن علي بن حسان ، عن بعض أصحابنا قال : حضرت أبا الحسن الأول ( عليه السلام ) وهارون الخليفة وعيسى بن جعفر وجعفر بن يحيى بالمدينة ، قد جاؤوا إلى قبر النبي ( صلى الله عليه وآله ) فقال : هارون لأبي الحسن ( عليه السلام ) : تقدم فأبي فتقدم هارون فسلم وقام ناحية ، وقال عيسى بن جعفر لأبي الحسن : تقدم فأبى ، فتقدم عيسى فسلم ووقف مع هارون ، فقال : جعفر لأبي الحسن : تقدم فأبى ، فتقدم جعفر فسلم ووقف مع هارون . وتقدم أبو الحسن ( عليه السلام ) فقال : السلام عليك يا أبه ، أسأل الله الذي اصطفاك واجتباك وهداك وهدى بك ، أن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 202 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يصلي عليك . فقال هارون لعيسى : سمعت ما قال ؟ قال : نعم ، فقال هارون : أشهد أنه أبوه حقاً » . وكامل الزيارات / 55 ، وتهذيب الأحكام : 6 / 6 .
أقول : نلاحظ أن الإمام الكاظم ( عليه السلام ) احترم عيسى بن جعفر وكان والي البصرة كما احترم جعفر بن يحيى البرمكي رئيس وزراء هارون ، وقدمهما على نفسه ليسلما على النبي ( صلى الله عليه وآله ) قبله . ثم تقدم وقال : السلام عليك يا أبهْ ، يقول بذلك للعباسيين أنتم تدعون الحق بالخلافة لأنكم أبناء عم النبي ( صلى الله عليه وآله ) بينما نحن أبناؤه !
أما قول هارون : « أشهد أنه أبوه حقاً » ! فلأنه كان ناقش الإمام ( عليه السلام ) عندما حبسه في أول خلافته وأثبت له أن أبناء فاطمة ( عليها السلام ) أبناء النبي ( صلى الله عليه وآله ) بنص القرآن !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 203 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

6 - حبس هارون للإمام الكاظم ( عليه السلام ) - المرة الثانية

اتفقت المصادر على أن هارون حج في سنة 179 ، واعتقل الإمام الكاظم ( عليه السلام ) ، وتقدم قول الذهبي وابن كثير أن سبب ذلك قول الإمام ( عليه السلام ) أمام هارون : السلام عليك يا رسول الله ، السلام عليك يا أبت !
ولكن السبب الحقيقي برأيي هو تأثير الإمام ( عليه السلام ) العميق والواسع على جمهور المسلمين وشخصيات الدولة ، ومنهم وزراء هارون وخاصته ، فكان هارون يرى فيه خطراً كبيراً من جهة ، وكان يعرف أنه ليس من مذهبه ولا مذهب أبيه الصادق ( عليهما السلام ) الخروج عليه والعمل لتسلم الخلافة ، لكنه يحتمل أن يغير رأيه !
وقد حرص الإمام ( عليه السلام ) في حبسه الأول ولقاءاته في بغداد على طمأنة هارون وبلاطه بأنه لا يعمل للثورة وإسقاط النظام العباسي !
بل كان ذلك معروفاً عن الإمام الكاظم وأبيه الصادق ( عليهما السلام ) من زمن المنصور ، ففي مهج الدعوات / 217 : « لما قتل الحسين بن علي صاحب فخ ، وهو الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن وتفرق الناس عنه ، حمل رأسه والأسرى من أصحابه إلى موسى بن المهدي . . . ثم أمر برجل من الأسرى فوبخه ثم قتله . . . وجعل ينال منهم إلى أن ذكر موسى بن جعفر ( عليه السلام ) فنال منه ثم قال : والله ما خرج حسين إلا عن أمره ولا اتبع إلا محبته ، لأنه صاحب الوصية في أهل هذا البيت ، قتلني الله إن أبقيت عليه ! فقال له أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم القاضي وكان جريئاً عليه : يا أمير المؤمنين أقول أم أسكت ؟ فقال : قتلني الله إن عفوت عن موسى بن جعفر ، ولولا ما سمعت من المهدي فيما أخبر به المنصور ما كان به جعفر من
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 204 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الفضل المبرز عن أهله في دينه وعمله وفضله ، وما بلغني من السفاح فيه من تعريضه وتفضيله ، لنبشت قبره وأحرقته بالنار إحراقاً !
فقال أبو يوسف : نساؤه طوالق ، وعتق جميع ما يملك من الرقيق ، وتصدق بجميع ما يملك من المال وحبس دوابه ، وعليه المشي إلى بيت الله الحرام ، إن كان مذهب موسى بن جعفر الخروج ، ولا يذهب إليه ولا مذهب أحد من ولده ولا ينبغي أن يكون هذا منهم » !
لكن مع ذلك ، قرر هارون حبس الإمام الكاظم ( عليه السلام ) وحاول قتله ، لأنه كان يعيش عقدة من تأثيره العجيب على شخصيات المجتمع ، وخاصة كبار وزرائه !
قال الكليني ( قدس سره ) في الكافي : 1 / 476 : « وكان هارون حمله من المدينة لعشر ليال بقين من شوال سنة تسع وسبعين ومائة ، وقد قدم هارون المدينة منصرفه من عمرة شهر رمضان ، ثم شخص هارون إلى الحج وحمله معه ، ثم انصرف على طريق البصرة فحبسه عند عيسى بن جعفر ثم أشخصه إلى بغداد ، فحبسه عند السندي بن شاهك فتوفي ( عليه السلام ) في حبسه ودفن ببغداد في مقبرة قريش » . والاحتجاج : 2 / 165 .
وفي غيبة الطوسي / 23 : « وحج الرشيد في تلك السنة فبدأ بقبر النبي ( صلى الله عليه وآله ) فقال : يا رسول الله إني أعتذر إليك من شئ أريد أن أفعله ، أريد أن أحبس موسى بن جعفر ، فإنه يريد التشتيت بأمتك وسفك دمائها ، ثم أمر به فأخذ من المسجد فأدخل إليه فقيده » !
وفي عيون أخبار الرضا ( عليه السلام ) : 2 / 82 : « عن علي بن محمد بن سليمان النوفلي قال : سمعت أبي يقول : لما قبض الرشيد على موسى جعفر ( عليه السلام ) قبض عليه وهو عند
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 205 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
رأس النبي ( صلى الله عليه وآله ) قائماً يصلي فقطع عليه صلاته ، وحُمل وهو يبكي ويقول : أشكو إليك يا رسول الله ما ألقى ! وأقبل الناس من كل جانب يبكون ويصيحون ، فلما حمل إلى يدي الرشيد شتمه وجفاه ، فلما جن عليه الليل أمر ببيتين فهُيِّأ له ، فحُمل موسى بن جعفر ( عليه السلام ) إلى أحدهما في خفاء ودفعه إلى حسان السروي ، وأمره بأن يصير به في قبة إلى البصرة فيسلم إلى عيسى بن جعفر بن أبي جعفر وهو أميرها ، ووجه قبة أخرى علانيةً نهاراً إلى الكوفة معها جماعة ليُعَمِّي على الناس أمر موسى بن جعفر ( عليه السلام ) . فقدم حسان البصرة قبل التروية بيوم فدفعه إلى عيسى بن جعفر بن أبي جعفر نهاراً علانية حتى عرف ذلك وشاع خبره ، فحبسه عيسى بيت من بيوت المجلس الذي كان يجلس فيه وأقفل عليه ، وشغله العيد عنه فكان لا يفتح عنه الباب إلا حالتين حالة يخرج فيها إلى الطهور وحالة يدخل فيها الطعام . قال أبي : فقال لي الفيض بن أبي صالح وكان نصرانياً ثم أظهر الإسلام وكان زنديقاً ، وكان يكتب لعيسى بن جعفر وكان بي خاصاً ، فقال : يا أبا عبد الله لقد سمع هذا الرجل الصالح في أيامه هذه في هذه الدار التي هو فيها ، من ضروب الفواحش والمناكير ما أعلم ولا أشك أنه لم يخطر بباله !
قال أبي : وسعى بي في تلك الأيام إلى عيسى بن جعفر بن أبي جعفر علي بن يعقوب بن عون بن العباس بن ربيعة ، في رقعه دفعها إليه أحمد بن أسيد حاجب عيسى قال : وكان علي بن يعقوب من مشايخ بني هاشم وكان أكبرهم سناً ، وكان مع كبر سنه يشرب الشراب ويدعو أحمد بن أسيد إلى منزله ، فيحتفل له ويأتيه بالمغنين والمغنيات ، يطمع في أن يذكره لعيسى ، فكان في رقعته التي رفعها
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 206 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إليه : إنك تقدم علينا محمد بن سليمان في إذنك وإكرامك وتخصه بالمسك وفينا من هو أسن منه ، وهو يدين بطاعة موسى بن جعفر المحبوس عندك !
قال أبي : فإني لقائل يوم قايظ إذ حُركت حلقه الباب عليَّ فقلت : ما هذا ؟ قال لي الغلام : قعنب بن يحيى على الباب يقول : لا بد من لقائك الساعة ! فقلت : ما جاء إلا لأمر إئذنوا له فدخل فخبرني عن الفيض بن أبي صالح بهذه القصة والرقعة ، قال : وقد كان قال لي الفيض بعد ما أخبرني : لا تخبر أبا عبد الله فتحزنه ، فإن الرافع عند الأمير لم يجد فيه مساغاً وقد قلت للأمير : أفي نفسك من هذا شئ حتى أخبر أبا عبد الله فيأتيك ويحلف على كذبه ؟ فقال : لا تخبره فتغمه فإن ابن عمه إنما حمله على هذا الحسد له ! فقلت له : يا أيها الأمير أنت تعلم أنك تخلو بأحد خلواتك به فهل حملك على أحد قط ؟ قال : معاذ الله ! قلت : فلو كان له مذهب يخالف فيه الناس لأحب أن يحملك عليه . قال : أجل ومعرفتي به أكثر .
قال أبي : فدعوت بدابتي وركبت إلى الفيض ساعتي فصرت إليه ومعي قعنب في الظهيرة ، فاستأذنت فأرسل إليَّ وقال : جعلت فداك قد جلست مجلساً أرفع قدرك عنه ، وإذا هو جالس على شرابه فأرسلت إليه : والله لا بد من لقائك فخرج إليَّ في قميص رقيق وإزار مورَّد فأخبرته بما بلغني ، فقال لقعنب : لا جزيت خيراً ألم أتقدم إليك لا تخبر أبا عبد الله فتغمه ؟ ثم قال لي : لا بأس فليس في قلب الأمير من ذلك شئ . قال : فما مضت ذلك إلا أيام يسيره حتى حمل موسى بن جعفر سراً إلى بغداد وحبس ثم أطلق ، ثم حبس ثم سلم إلى السندي بن شاهك فحبسه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 207 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وضيق عليه ، ثم بعث الرشيد بسم في رطب وأمره أن يقدمه إليه ، ويحتم عليه في تناوله منه ، ففعل فمات صلوات الله عليه » !
أقول : تدل هذه الرواية على خوف هارون من ردة فعل الشيعة ، واحتمال أن يحاولوا تخليص الإمام ( عليه السلام ) من يده ، ولذلك موَّه مكانه وأخفى مقصد إرساله .
كما تدل الرواية على فساد الجهاز الإداري العباسي ، ومنه بلاط حاكم البصرة ، وهو حفيد المنصور الدوانيقي .
كما تدل على أن بقاء الإمام ( عليه السلام ) في سجن البصرة كان أياماً ، لكن ورد أنه بقي فيها سنة ، ففي غيبة الطوسي / 23 : « فحبسه عنده سنة ، ثم كتب إلى الرشيد أن خذه مني وسلمه إلى من شئت وإلا خليت سبيله ، فقد اجتهدت بأن أجد عليه حجة فلم أقدر على ذلك حتى أني لأتسمع عليه إذا دعا لعله يدعو علي أو عليك فما أسمعه يدعو إلا لنفسه يسأل الرحمة والمغفرة . فوجه من تسلمه منه » !
ويحتمل أن يكون هارون قد حبسه في البصرة أكثر من مرة ، فقد كان مرتبكاً في أمر الإمام ( عليه السلام ) لما رأى من آياته ! فقد حبسه مرات وأطلقه وأبقاه في بغداد ، ثم قتله بالسم ! وهذا يشبه ارتباك جده المنصور عندما كان يستدعي الإمام الصادق ( عليه السلام ) ويحاول قتله !

7 - فرض عليه هارون الإقامة الجبرية في بغداد

استمر سجن الإمام والإقامة الجبرية في هذه المرة أربع سنوات ، ففي الكافي : 1 / 381 : « عن مسافر قال : أمر أبو إبراهيم ( عليه السلام ) حين أخرج به ، أبا الحسن ( عليه السلام ) أن ينام على بابه في كل ليلة أبداً ما كان حياً إلى أن يأتيه خبره !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 208 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال : فكنا في كل ليلة نفرش لأبي الحسن في الدهليز ، ثم يأتي بعد العشاء فينام ، فإذا أصبح انصرف إلى منزله ! قال : فمكث على هذه الحال أربع سنين ، فلما كان ليلة من الليالي أبطأ عنا وفرش له فلم يأت كما كان يأتي ، فاستوحش العيال وذعروا ، ودخلنا أمر عظيم من إبطائه ، فلما كان من الغد أتى الدار ودخل إلى العيال ، وقصد إلى أم أحمد فقال لها : هات التي أودعك أبي ، فصرخت ولطمت وجهها وشقت جيبها ، وقالت : مات والله سيدي ، فكفها وقال لها لا تكلمي بشئ ولا تظهريه حتى يجيئ الخبر إلى الوالي ، فأخرجت إليه سفطاً وألفي دينار أو أربعة آلاف دينار ، فدفعت ذلك أجمع إليه دون غيره ، وقالت : إنه قال لي فيما بيني وبينه وكانت أثيرة عنده : إحتفظي بهذه الوديعة عندك ، لا تطلعي عليها أحداً حتى أموت ، فإذا مضيت فمن أتاك من ولدي فطلبها منك ، فادفعيها إليه واعلمي أني قد متُّ . وقد جاء ني والله علامة سيدي . فقبض ذلك منها وأمرهم بالإمساك جميعاً إلى أن ورد الخبر ، وانصرف فلم يعد لشئ من المبيت كما كان يفعل ، فما لبثنا إلا أياماً يسيرة حتى جاءت الخريطة بنعيه ، فعددنا الأيام وتفقدنا الوقت فإذا هو قد مات في الوقت الذي فعل أبو الحسن ( عليه السلام ) ما فعل ، من تخلفه عن المبيت وقبضه لما قبض ! » .
وروى الطبري في دلائل الإمامة / 372 : « فمكث على هذه الحال نحو أربع سنين ، وأبو إبراهيم ( عليه السلام ) مقيم في يد السلطان ذاهباً جائياً في حال رفاهة وإكرام ، وكان الرشيد يرجع إليه في المسائل فيجيبه عنها ! ثم كان من البرامكة ما كان في السعي على دمه والإغراء به ، حتى حبسه في يد السندي بن شاهك ، وأمره الرشيد بقتله
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 209 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
في السم . فلما كان في ليلة من الليالي وقد فرشنا لأبي الحسن الرضا على عادته ، أبطأ عنا فلم يأت كما كان يأتي ، فاستوحش العيال وذعروا وداخلنا من إبطائه أمر عظيم ، فلما أصبحنا أتى الدار ، ودخل قاصداً إليها من غير إذن ، ثم أتى أم حميد فقال لها : هات الذي أودعك أبي وسماه لها فصرخت ولطمت وشقت ثيابها وقالت : مات والله سيدي ! فكفها وقال لها : لا تكلمي بهذا ولا تظهريه حتى يجئ الخبر إلى والي المدينة . . . » .
أقول : لاحظ قوله : « وأبو إبراهيم ( عليه السلام ) مقيم في يد السلطان ذاهباً جائياً في حال رفاهة وإكرام ، وكان الرشيد يرجع إليه في المسائل فيجيبه عنها . . الخ . » !
وقد فرض عليه أن يحضر مجلسه كل يوم خميس : « قال : فأطلق عنه وسلمه إلى الحاجب ليسلمه الدار ويكون معه ، فصار موسى بن جعفر ( عليه السلام ) كريماً شريفاً عند هارون ، وكان يدخل عليه في كل خميس ، إلى أن حبسه الثانية ، فلم يطلق عنه حتى سلمه إلى السندي شاهك ، وقتله بالسم » ( أمالي الصدوق / 461 ، والعيون : 2 / 88 ) .
وكان الإمام الكاظم ( عليه السلام ) يقضي وقته في بغداد في عبادة ربه عز وجل ، ويلتقي بهارون ووزرائه وغيرهم ، ويلتقي ببعض خاصته علناً أو سراً .
ففي رجال الطوسي : 2 / 790 : « عن محمد بن سالم قال : لما حُمل سيدي موسى بن جعفر ( عليه السلام ) إلى هارون ، جاء إليه هشام بن إبراهيم العباسي فقال له : يا سيدي قد كتبت لي صك إلى الفضل بن يونس فسله أن يروج أمري . قال فركب إليه أبو الحسن ( عليه السلام ) فدخل إليه حاجبه فقال : يا سيدي أبو الحسن موسى بالباب ، فقال : إن كنت صادقاً فأنت حرٌّ ولك كذا وكذا ! فخرج الفضل بن يونس حافياً يعدو
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 210 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
حتى خرج إليه فوقع على قدميه يقبلهما ، ثم سأله أن يدخل ، فدخل فقال له : إقض حاجة هشام فقضاها ، ثم قال : يا سيدي قد حضر الغذاء فتكرمني أن تتغدى عندي ، فقال هات فجاء بالمائدة وعليها البوارد ، فأجال أبو الحسن ( عليه السلام ) يده في البارد وقال : البارد تجال اليد فيه ، فلما رفعوا البارد وجاءوا بالحار ، فقال أبو الحسن ( عليه السلام ) : الحار حمى » .
وفي المحاسن : 2 / 451 : « عن الفضل بن يونس الكاتب قال : أتاني أبو الحسن موسى بن جعفر ( عليه السلام ) في حاجة للحسين بن يزيد ، فقلت : إن طعامنا قد حضر ، فأحب أن تتغدى عندي ، قال : نحن نأكل طعام الفجاء ، ثم نزل فجئته بغداء ووضعت منديلاً على فخذيه فأخذه فنحاه ناحية ، ثم أكل » .
فهذه الروايات تدل على أنه ( عليه السلام ) كان طليقاً نسبياً في بغداد ، في المرتين .

8 - سكن الإمام ( عليه السلام ) في بغداد في بيت متواضع

اختار الإمام ( عليه السلام ) أن يسكن في بيت متواضع ، ففي عيون أخبار الرضا ( عليه السلام ) : 2 / 75 ، عن الفضل بن الربيع قال : « كنت أحجب الرشيد فأقبل عليَّ يوماً غضباناً وبيده سيف يقلبه فقال لي : يا فضل بقرابتي من رسول الله لئن لم تأتني بابن عمى الآن لآخذن الذي فيه عيناك ! فقلت : بمن أجيؤك ؟ فقال : بهذا الحجازي . فقلت : وأي الحجازي ؟ قال : موسى جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب . قال الفضل : فخفت من الله عز وجل أن أجئ به إليه ثم فكرت في النقمة فقلت له : أفعل . فقال : آتيني بسوطين وهسارين وجلادين !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 211 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال : فأتيته بذلك ومضيت إلى منزل أبي إبراهيم موسى بن جعفر فأتيت إلى خربة فيها كوخ من جرايد النخل ، فإذا أنا بغلام أسود فقلت له : استأذن لي على مولاك يرحمك الله ، فقال لي : لُجْ فليس له حاجب ولا بواب ، فولجت إليه فإذا أنا بغلام أسود بيده مقص يأخذ اللحم من جبينه وعرنين أنفه من كثرة سجوده ! فقلت : له السلام عليك يا بن رسول الله ، أجب الرشيد !
فقال : ما للرشيد وما لي ، أما تشغله نعمته عني ؟ ثم وثب مسرعاً وهو يقول : لولا أني سمعت في خبر عن جدي رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أن طاعة السلطان للتقية واجبة إذاً ما جئت ! فقلت له : إستعد للعقوبة يا أبا إبراهيم رحمك الله ! فقال ( عليه السلام ) : أليس معي من يملك الدنيا والآخرة ؟ ! ولن يقدر اليوم على سوء بي إن شاء الله تعالى ! قال فضل بن الربيع : فرأيته وقد أدار يده ( عليه السلام ) يلوح بها على رأسه ثلاث مرات ، فدخلت على الرشيد فإذا هو كأنه امرأة ثكلى قائم حيران ! فلما رآني قال لي : يا فضل ، فقلت : لبيك . فقال جئتني بابن عمي ؟ قلت : نعم . قال : لا تكون أزعجته . فقلت : لا ، قال : لا تكون أعلمته أني عليه غضبان فإني قد هيجت على نفسي ما لم أرده ! إئذن له بالدخول فأذنت له فلما رآه وثب إليه قائماً وعانقه وقال له : مرحباً بابن عمي وأخي ووارث نعمتي ، ثم أجلسه على فخذيه فقال له : ما الذي قطعك عن زيارتنا ؟ فقال سعة مملكتك وحبك للدنيا فقال : إيتوني بحُقَّة الغالية ، فأتيَ بها ، فغلفه بيده ثم أمر أن يحمل بين يديه خلع وبدرتان دنانير ، فقال موسى بن جعفر : والله لولا أني أرى من أزوجه بها من عزاب بني أبي طالب لئلا ينقطع نسله أبداً ما قبلتها . ثم تولى عليه وهو يقول : الحمد لله رب العالمين . فقال
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 212 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الفضل : يا أمير المؤمنين أردت أن تعاقبه فخلعت عليه وأكرمته ! فقال لي : يا فضل إنك لما مضيت لتجيئني رأيت أقواماً قد أحدقوا بداري بأيديهم حراب قد غرسوها في أصل الدار يقولون : إن آذى ابن رسول الله خسفنا به ! وإن أحسن إليه انصرفنا عنه وتركناه ! فتبعته ( عليه السلام ) فقلت له : ما الذي قلت حتى كفيت أمر الرشيد ؟ فقال دعاء جدي علي بن أبي طالب ، كان إذا دعا به ما برز إلى عسكر إلا هزمه ولا إلى فارس إلا قهره ، وهو دعاء كفاية البلاء . قلت : وما هو ؟ قال قلت : بك أساور وبك أحاول وبك أجاور ، وبك أصول وبك أنتصر وبك أموت وبك أحيا ، أسلمت نفسي إليك وفوضت أمري إليك ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم . اللهم إنك خلقتني ورزقتني وسترتني عن العباد بلطف ما خولتني وأغنيتني ، وإذا هويت رددتني ، وإذا عثرت قومتني وإذا مرضت شفيتني ، وإذا دعوت أجبتني . يا سيدي إرض عني فقد أرضيتني » .

9 - محاولات هارون الاستخفاف بالإمام ( عليه السلام ) وإهانته

« قال علي بن يقطين قال : استدعى الرشيد رجلاً يبطل به أمر أبي الحسن ( عليه السلام ) ويخجله في المجلس ، فانتدب له رجل مُعَزِّم ، فلما أحضرت المائدة عمل ناموساً ( سحراً ) على الخبز ، فكان كلما رام خادم أبي الحسن تناول رغيف من الخبز طار من بين يديه ! واستفز هارون الفرح والضحك لذلك ، فلم يلبث أبو الحسن أن رفع رأسه إلى أسد مصور على بعض الستور فقال له : يا أسد الله خذ عدو الله ! قال فوثبت تلك الصورة كأعظم ما يكون من السباع فافترس ذلك المعزم ! فخرَّ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 213 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
هارون وندماؤه على وجوههم مغشياً عليهم ، وطارت عقولهم خوفاً من هول ما رأوه ! فلما أفاقوا من ذلك بعد حين ، قال هارون لأبي الحسن : أسألك بحقي عليك لما سألت الصورة أن ترد الرجل . فقال : إن كانت عصا موسى ردت ما ابتلعته من حبال القوم وعصيهم فإن هذه الصورة تردُّ ما ابتلعته من هذا الرجل . فكان ذلك أعمل الأشياء في إفاقة نفسه » ! ( مناقب آل أبي طالب : 3 / 417 ) .
أقول : في العبارة الأخيرة خلل ، وروتها بعض المصادر بلفظ : أعمل الأشياء في إماتة نفسه ( الحدائق : 18 / 180 ) ، أي أن هذه المعجزة كانت السبب في قرار هارون بقتل الإمام ( عليه السلام ) . وكلا المعنيين غير مقنع !
قال المحقق البحراني ( رحمه الله ) في الحدائق الناضرة : 18 / 180 : « ونحو ذلك روى في كتاب الخرائج والجرايح عن الإمام الهادي ( عليه السلام ) مع المتوكل . وفي كتاب الثاقب في المناقب عن الصادق ( عليه السلام ) مع المنصور .
ثم قال ( رحمه الله ) في هامشه : وملخص الأول : أنه وقع رجل مشعبذ من ناحية الهند إلى المتوكل فأمره أن يخجل الإمام الهادي ( عليه السلام ) وأحضر على المائدة خبزاً رقاقاً فكان كلما مد الإمام يده إلى قرص من ذلك الخبز طيرها ذلك المشعبذ ، فتضاحك الناس ، وكان على مستورة صورة أسد ، فضرب الإمام ( عليه السلام ) يده على تلك الصورة وقال : خذه . فوثبت تلك الصورة من المستورة فابتلعت الرجل ، وعادت في المستورة كما كانت ، فتحير الجميع ونهض الإمام ! فقال المتوكل : سألتك بالله إلا جلست ورددته فقال : والله لا يرى بعدها ، أتسلط أعداء الله على أولياء الله ، وخرج من عندهم فلم ير الرجل بعدها .
( مدينة المعاجز / 548 حديث 52 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 214 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وملخص الخبر الثاني : أن المنصور وجه إلى سبعين رجلاً من أهل بابل ، فدعاهم وقال : إنكم ورثتم السحر من آبائكم من أيام موسى بن عمران ، وإنكم لتفرقون بين المرء وزوجه ، وأن أبا عبد الله جعفر بن محمد كاهن ساحر مثلكم ، فاعملوا شيئاً من السحر فإنكم إن أبهتموه أعطيتكم الجائزة العظيمة ! فقاموا إلى المجلس الذي فيه المنصور فصوروا سبعين صورة من السباع ، وجلس كل واحد منهم جنب صاحبه ، وجلس المنصور على سرير ملكه ووضع التاج على رأسه وقال لحاجبه ابعث إلى أبي عبد الله وأحضره الساعة ، قال : فلما أحضره دخل عليه ، فلما نظر إلى ما قد استعد له غضب ( عليه السلام ) فقال : يا ويلكم أتعرفوني ، أنا حجة الله الذي أبطل سحر آبائكم في أيام موسى بن عمران ، ثم نادى برفيع صوته : أيتها الصور الممثلة ، ليأخذ كل واحد منكم صاحبه بإذن الله تعالى ، فوثب كل سبع إلى صاحبه وافترسه وابتلعه في مكانه ، ووقع المنصور مغشياً عليه من سريره ! فلما أفاق قال : الله الله يا أبا عبد الله ، أقلني ، فإني تبت توبة لا أعود إلى مثلها أبداً ! فقال ( عليه السلام ) : قد عفوتك . ثم قال : يا سيدي قل السباع أن تردهم إلى ما كانوا ، فقال : هيهات هيهات ، إن أعادت عصى موسى سحرة فرعون فستعيد هذه السباع هذه السحرة . ( مدينة المعاجز / 362 حديث : 23 ) . انتهى .
« وفي رواية أن الرشيد أمر حميد بن مهران الحاجب بالإستخفاف به ( عليه السلام ) فقال له إن القوم قد افتتنوا بك بلا حجة ، فأريد أن يأكلني هذان الأسدان المصوران على هذا المسند ! فأشار ( عليه السلام ) إليهما وقال : خذا عدو الله ، فأخذاه وأكلاه ! ثم قالا : وما الأمر ، أنأخذ الرشيد ؟ قال : لا ، عودا إلى مكانكما » ! ( مناقب آل أبي طالب : 3 / 417 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 215 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل العاشر : تصورات هارون لخطر الإمام الكاظم ( عليه السلام )

1 - الخطر الأكبر برأي هارون على ملكه !

كان هارون يحكم أكبر دولة وأقوى دولة في عصره ، فقد شملت الدولة الإسلامية يومها بلاد المشرق ، من حدود الصين وروسيا إلى العراق والجزيرة واليمن وإفريقيا ، والى سوريا وفلسطين ومصر وبلاد المغرب .
ولم تخرج عنها إلا تركيا التي كانت دولة روما الشرقية ، وعاصمتها القسطنطينية التي سميت بعد ذلك إستانبول .
وكانت الدول المعاصرة لها : مملكة الروم الشرقية ، وممالك الروم الغربية ، ومملكة الهند ، والصين ، وروسيا ، وممالك متفرقة في مناطق من العالم ، ولكن أياً منها لم تكن بقوة الدولة الإسلامية ، ولا بتنوعها وسعتها .
ولم يزر هارون عواصم مناطق مملكته ، بل اقتصر على بغداد والبصرة في العراق والرقة في سوريا ، ومكة والمدينة في الحجاز ، والري وطوس في إيران .
وكان يقول كما روى عنه عمر بن عباد المهلبي : « الدنيا أربعة منازل ، قد نزلت ثلاثة منها : أحدها الرقة والآخر دمشق والآخر الري في وسطه نهر وعن جنبتيه أشجار ملتفة متصلة وفيما بينها سوق . قال : والمنزل الرابع سمرقند ، وهو الذي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 216 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بقي عليَّ لم أنزله ، وأرجو أن لا يحول الحول في هذا الوقت حتى أحلَّ به . فما كان بين هذا وبين أن توفي إلا أربعة أشهر فقط . ( تاريخ دمشق : 2 / 391 ) .
ومع أن أدوات الدنيا وزخارفها كانت بيد هارون ، لكن مشكلاته كانت كثيرة فكان كما قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : « صاحب السلطان كراكب الأسد ، يُغبط بموقعه ، وهو أعلم بموضعه » . ( نهج البلاغة : 4 / 63 ) !
وتبدأ مشكلات هارون من قصره وزوجاته وأولاده ، إلى وزرائه ، إلى عماله ولاة البلاد ، إلى الثائرين عليه في عدة مناطق ، وكان بعضهم أخطر عليه من الروم الذين ضعفت دولتهم وانحصرت رقعتها في قسم من تركيا ، وكانوا يحتاجون في بقائهم إلى مساعدة روم أوروبا .
لكن أكبر خطر برأي هارون عليه ، هو أبناء علي ( عليه السلام ) الذين يعترف لخاصته بأن منهم الأئمة الربانيين ، الذين هم أحق من بني العباس بمنصب الخلافة !
قال ابنه المأمون ، يصف رأي أبيه في الإمام الكاظم ( عليه السلام ) : « وكنت أجرأ ولد أبي عليه فلما خلا المجلس قلت : يا أمير المؤمنين من هذا الرجل الذي قد أعظمته وأجللته وقمت من مجلسك إليه فاستقبلته ، وأقعدته في صدر المجلس وجلست دونه ، ثم أمرتنا بأخذ الركاب له ؟ ! قال : هذا إمام الناس وحجة الله على خلقه وخليفته على عباده ! فقلت : يا أمير المؤمنين أوليست هذه الصفات كلها لك وفيك ؟ فقال : أنا إمام الجماعة في الظاهر والغلبة والقهر ، وموسى بن جعفر إمام حق ! والله يا بني إنه لأحق بمقام رسول الله ( ص ) مني ومن الخلق جميعاً ! ووالله لو نازعتني هذا الأمر لأخذت الذي فيه عيناك ، فإن الملك عقيم » ! ( عيون أخبار الرضا ( عليه السلام ) : 1 / 84 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 217 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

2 - هارون يعتقد أن التعايش مع الإمام ( عليه السلام ) غير ممكن !

يتساءل الإنسان : ما دام الإمام الكاظم ( عليه السلام ) يزور هارون ويحترمه ويخاطبه بأمير المؤمنين ، ولا يريد الخروج عليه ، فماذا يريد هارون منه ، ولماذا لا يتعايش معه ، ولماذا يعمل على قتله ؟ !
وهذا سؤالٌ لكل الخلفاء العباسيين والأمويين الذين يعتقدون بالأئمة ( عليهم السلام ) ، كما يعتقد هارون بالإمام الكاظم ( عليه السلام ) ؟ !
وكان جوابهم أنه يستحيل التعايش مع الإمام المعصوم ( عليهم السلام ) لسببين : قوة تأثيره على المسلمين ، والخوف من أن يتغير رأيه بعدم الثورة عليهم في المستقبل !
فقد قال هارون لابنه المأمون : « أسكت لا أم لك ! فإني لو أعطيت هذا ما ضمنته له ما كنت أمنته أن يضرب وجهي غداً بمائه ألف سيف من شيعته ومواليه ! فقرُ هذا وأهل بيته أسلم لي ولكم من بسط أيديهم وأعينهم » . ( الإحتجاج : 2 / 165 ) .
ولما رأى معجزات الإمام ( عليه السلام ) قال لوزيره البرمكي : « أما ترى ما نحن فيه من هذه العجائب ! ألا تدبر في أمر هذا الرجل تدبيراً يريحنا من غمه » ! ( الغيبة للطوسي / 24 ) .
ولما سمع قوة حجة هشام بن الحكم ، تلميذ الإمام الكاظم ( عليه السلام ) ، قال : « مثل هذا حيٌّ ويبقى لي ملكي ساعة واحدة ؟ ! فوالله للسان هذا أبلغ في قلوب الناس من مائة ألف سيف » ! ( كمال الدين / 362 ) .
هكذا كان يفكر هارون وقبله خلفاء بني العباس وأمية ، ولا يجب أن يكون تفكيرهم صحيحاً ، لكنه هو الذي حكم مجرى التاريخ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 218 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

3 - هارون يحضر مناظرات تلميذ الإمام الكاظم ( عليه السلام ) !

كان هشام بن الحكم ( رحمه الله ) من تلاميذ الإمام الصادق ثم الإمام الكاظم ( عليهما السلام ) ، ونبغ في المناظرة واشتهر في بغداد ، وكان علماء الأديان والمذاهب يحترمونه ويهابونه .
وقد حرص يحيى البرمكي رئيس وزراء هارون ، على عقد مجالس مناظرة في قصر الخلافة وأظهر أنه يتبنى هشام بن الحكم ، وكان يدعو علماء اليهود والنصارى والمجوس والدهريين الملحدين وأئمة المذاهب لمناظرته ، وطلب منه هارون أن يكون خلف الستار فيسمع مناظرتهم ! وكان هدفه أن يسمع من هشام عقيدته بإمامة الكاظم ( عليه السلام ) !
روى الطوسي في رجاله : 2 / 530 : « عن يونس بن عبد الرحمن قال : كان يحيى بن خالد البرمكي قد وجد على هشام بن الحكم شيئاً من طعنه على الفلاسفة ، وأحب أن يغري به هارون ويُضريه على القتل ! قال : وكان هارون لما بلغه عن هشام مال إليه وذلك أن هشاماً تكلم يوماً بكلام عند يحيى بن خالد في إرث النبي ( صلى الله عليه وآله ) فنقل إلى هارون فأعجبه ، وقد كان قبل ذلك يحيى يشرف أمره عند هارون ويرده عن أشياء كان يعزم عليها من أذاه ، فكان ميل هارون إلى هشام أحد ما غير قلب يحيى على هشام فشيعه عنده ، وقال له : يا أمير المؤمنين إني قد استبطنت أمر هشام فإذا هو يزعم أن لله في أرضه إماماً غيرك مفروض الطاعة ، قال : سبحان الله ! قال : نعم ، ويزعم أنه لو أمره بالخروج لخرج ، وإنما كنا نرى أنه ممن يرى الإلباد بالأرض ! فقال هارون ليحيى : فاجمع عندك المتكلمين وأكون
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 219 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أنا من وراء الستر بيني وبينهم لا يفطنون بي ، ولا يمتنع كل واحد منهم أن يأتي بأصله لهيبتي .
قال : فوجه يحيى فشحن المجلس من المتكلمين ، وكان فيهم ضرار بن عمرو ، وسليمان بن جرير ، وعبد الله بن يزيد الأباضي ، وموبذان موبذ ، ورأس الجالوت ، قال فتساءلوا وتكافوا وتناظروا ، وتناهوا إلى شاذ من مشاذ الكلام كل يقول لصاحبه لم تجب ويقول قد أجبت ، وكان ذلك من يحيى حيلة على هشام إذ لم يعلم بذلك المجلس ، واغتنم ذلك لعلة كان أصابها هشام بن الحكم ، فلما أن تناهوا إلى هذا الموضع قال لهم يحيى بن خالد : ترضون فيما بينكم هشاماً حكماً ؟ قالوا : قد رضينا أيها الوزير فأنى لنا به وهو عليل ؟ قال يحيى : فأنا أوجه إليه فأسأله أن يتجشم المجئ ، فوجه إليه فأخبره بحضورهم وأنه إنما منعه أن يحضره أول المجلس اتقاء عليه من العلة ، فإن القوم قد اختلفوا في المسائل والأجوبة ، وتراضوا بك حكماً بينهم ، فإن رأيت أن تتفضل وتحمل على نفسك فافعل ! فلما صار الرسول إلى هشام قال لي : يا يونس قلبي ينكر هذا القول ، ولست آمن أن يكون هاهنا أمر لا أقف عليه ، لأن هذا الملعون يحيى بن خالد قد تغير عليَّ لأمور شتى ، وقد كنت عزمت إن من الله عليَّ بالخروج من هذه العلة ، أن أشخص إلى الكوفة وأحرِّم الكلام بتةً وألزم المسجد ، ليقطع عني مشاهدة هذا الملعون ، يعني يحيى بن خالد ! قال فقلت : جعلت فداك لا يكون إلا خيراً ، فتحرز ما أمكنك ، فقال لي : يا يونس أترى أتحرز من أمر يريد الله إظهاره على لساني أن يكون ذلك ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 220 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولكن قم بنا على حول الله وقوته ، فركب هشام بغلاً كان مع رسوله ، وركبت أنا حماراً كان لهشام ، قال : فدخلنا المجلس فإذا هو مشحون بالمتكلمين .
قال : فمضى هشام نحو يحيى فسلم عليه وسلم على القوم وجلس قريباً منه ، وجلست أنا حيث انتهى بي المجلس ، قال : فأقبل يحيى على هشام بعد ساعة فقال : إن القوم حضروا وكنا مع حضورهم نحب أن تحضر ، لا لأن تناظر بل لأن نأنس بحضورك إذ كانت العلة تقطعك عن المناظرة ، وأنت بحمد الله صالح ليست علتك بقاطعة عن المناظرة ، وهؤلاء القوم قد تراضوا بك حكماً بينهم . قال : فقال هشام للقوم : ما الموضع الذي تناهيتم به في المناظرة ؟ فأخبره كل فريق منهم بموضع مقطعه ، فكان من ذلك أن حكم لبعض على بعض ، فكان من المحكومين عليه سليمان بن جرير فحقدها على هشام ! قال : ثم إن يحيى بن خالد قال لهشام : إنا قد غرضنا من المناظرة والمجادلة منذ اليوم ، ولكن إن رأيت أن تبين عن فساد اختيار الناس لإمام ، وأن الإمامة في آل الرسول دون غيرهم ؟
قال هشام : أيها الوزير العلة تقطعني عن ذلك ، ولعل معترضاً يعترض فيكتسب المناظر الخصومة ! فقال : إن اعترض معترض قبل أن تبلغ مرادك وغرضك فليس ذلك له ، بل عليه أن يتحفظ المواضع التي له فيها مطعن فيقفها إلى فراغك ، ولا يقطع عليك كلامك .
فبدأ هشام وساق الذكر لذلك وأطال واختصرنا منه موضع الحاجة ، فلما فرغ مما قد ابتدأ فيه من الكلام في فساد اختيار الناس للإمام ، قال يحيى لسليمان بن جرير : سل أبا محمد عن شئ من هذا الباب ، فقال سليمان لهشام : أخبرني عن علي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 221 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بن أبي طالب مفروض الطاعة ؟ فقال هشام : نعم ، قال : فإن أمرك الذي بعده بالخروج بالسيف معه تفعل وتطيعه ؟ فقال هشام : لا يأمرني . قال : ولم إذا كانت طاعته مفروضه عليك وعليك أن تطيعه ؟ قال هشام : عد عن هذا فقد تبين فيه الجواب . قال سليمان : فلم يأمرك في حال تطيعه وفي حال لا تطيعه ؟
فقال هشام : ويحك لم أقل لك أني لا أطيعه فتقول إن طاعته مفروضة ، إنما قلت لك لا يأمرني ! قال سليمان : ليس أسألك إلا على سبيل سلطان الجدل ، ليس على الواجب أنه لا يأمرك . فقال هشام : كم تحول حول الحمى ، هل هو إلا أن أقول لك إن أمرني فعلت فتنقطع أقبح الانقطاع ، ولا يكون عندك زيادة ، وأنا أعلم بما تحت قولي وما إليه يؤول جوابي ! قال : فتمعر هارون ، وقال : قد أفصح !
وقام الناس ، واغتنمها هشام فخرج على وجهه إلى المدائن ! قال : فبلغنا أن هارون قال ليحيى : شُدَّ يدك بهذا وأصحابه !
وبعث إلى أبي الحسن موسى ( عليه السلام ) فحبسه ، فكان هذا سبب حبسه مع غيره من الأسباب ، وإنما أراد يحيى أن يهرب هشام فيموت مختفياً ما دام لهارون سلطان !
قال : ثم صار هشام إلى الكوفة وهو بعقب علته ومات في دار ابن شرف بالكوفة ( رحمه الله ) ! قال : فبلغ هذا المجلس محمد بن سليمان النوفلي وابن ميثم ، وهما في حبس هارون ، فقال النوفلي : ترى هشاماً ما استطاع أن يعتل . . . الخ . » .
ورواه الصدوق ( رحمه الله ) في كمال الدين / 362 ، بتفصيل ، وذكر فيه لزوم اختيار الإمام من النبي بأمر الله تعالى ، وذكر صفات الإمام ، وجاء فيه : « فعند ذلك قال ضرار : فمن هذا بهذه الصفة في هذا الوقت ؟ فقال : صاحب القصر أمير المؤمنين ! وكان
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 222 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
هارون الرشيد قد سمع الكلام كله فقال عند ذلك : أعطانا والله من جراب النورة ! ( أي اتَّقَانَا وتكلم بدون مستند ) ويحك يا جعفر ، وكان جعفر بن يحيى جالساً معه في الستر : من يعني بهذا ؟ فقال : يا أمير المؤمنين يعني به موسى بن جعفر ! قال : ما عنى بها غير أهلها ! ثم عض على شفتيه وقال : مثل هذا حيٌّ ويبقى لي ملكي ساعة واحدة ؟ ! فوالله للسان هذا أبلغ في قلوب الناس من مائة ألف سيف !
وعلم يحيى أن هشاماً قد أُتيَ ( أي قرر هارون قتله ) فدخل الستر فقال : يا عباسي ويحك من هذا الرجل ؟ فقال : يا أمير المؤمنين حسبك ، تكفى تكفى ! ( أي أنا أقتله ) .
ثم خرج إلى هشام فغمزه ، فعلم هشام أنه قد أتيَ ، فقام يريهم أنه يبول أو يقضي حاجة ، فلبس نعليه وانسل ، ومرَّ ببيته وأمرهم بالتواري ، وهرب ومرَّ من فوره نحو الكوفة ، فوافى الكوفة ونزل على بشير النبال ، وكان من حملة الحديث من أصحاب أبي عبد الله ( عليه السلام ) فأخبره الخبر ، ثم اعتل علة شديدة فقال له بشير : آتيك بطبيب ؟ قال : لا أنا ميت فلما حضره الموت قال لبشير : إذا فرغت من جهازي فاحملني في جوف الليل وضعني بالكناسة واكتب رقعة وقل : هذا هشام بن الحكم الذي يطلبه أمير المؤمنين ، مات حتف أنفه ! وكان هارون قد بعث إلى إخوانه وأصحابه فأخذ الخلق به ، فلما أصبح أهل الكوفة رأوه ، وحضر القاضي وصاحب المعونة والعامل والمعدلون بالكوفة ، وكتب إلى الرشيد بذلك فقال : الحمد لله الذي كفانا أمره فخلى عمن كان أُخذ به » !
ملاحظات :
1 - بلغ من اهتمام هارون بعقيدة الإمامة ، أنه أمر وزيره بعقد مجالس مناظرة في قصره ، وغرضه أن يسمع كلمة يستحل بها دم هشام ودم الإمام الكاظم ( عليه السلام ) !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 223 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
2 - يرى هارون أن مجرد اعتقاد أحد بوجود إمام غيره فرض الله طاعته ، يحلل له دم القائل به ، حتى لو يقم بأي عمل ضده !
لذا حركه وزيره البرمكي ضد هشام بقوله : « يا أمير المؤمنين إني قد استبطنت أمر هشام فإذا هو يزعم أن لله في أرضه إماماً غيرك مفروض الطاعة ، قال : سبحان الله ! قال : نعم ، ويزعم أنه لو أمره بالخروج لخرج » !
ولو كان هارون عقلانياً لقال لوزيره : فليزعم هشام أن موسى بن جعفر إمام من الله ، فلا شغل لنا به ما دام لم يخرج علينا !
3 - حاول بعض الرواة أن يبرئ يحيى البرمكي من التحريض على هشام ( رحمه الله ) أو على الإمام الكاظم ( عليه السلام ) ، لكن الصحيح أنه قام بذلك للإيقاع بالإمام وشيعته ، خاصة بوزيره جعفر بن الأشعث ، الذي جعل هارون ولده وولي عهده الأمين في حجره ، وقد نصت على ذلك مصادرنا .
4 - مما يدل على التأثير القوي لمناظرات هشام ، وحساسية الخلافة منها ، أن الإمام الكاظم ( عليه السلام ) أمر هشام بن الحكم في زمن المهدي والد هارون ، بأن يمتنع عن المناظرة لخطورة الظرف ! « عن يونس قال : قلت لهشام : إنهم يزعمون أن أبا الحسن ( عليه السلام ) بعث إليك عبد الرحمن بن الحجاج يأمرك أن تسكت ولا تتكلم ، فأبيت أن تقبل رسالته فأخبرني كيف كان سبب هذا ، وهل أرسل إليك ينهاك عن الكلام أو لا ، وهل تكلمت بعد نهيه إياك ؟ فقال هشام : إنه لما كان أيام المهدي شدد علي أصحاب الأهواء ، وكتب له ابن المفضل صنوف الفرق صنفاً صنفاً ، ثم قرأ الكتاب على الناس فقال يونس : قد سمعت الكتاب يقرأ على
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 224 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الناس على باب الذهب بالمدينة ، ومرة أخرى بمدينة الوضاح فقال : إن ابن المفضل صنف لهم صنوف الفرق فرقة فرقة حتى قال في كتابه : وفرقة يقال لهم الزرارية ، وفرقة يقال لهم العمارية أصحاب عمار الساباطي ، وفرقة يقال لهم اليعفورية ، ومنهم فرقة أصحاب سليمان الأقطع ، وفرقة يقال له الجواليقية .
قال يونس : ولم يذكر يومئذ هشام بن الحكم ولا أصحابه ، فزعم هشام ليونس أن أبا الحسن ( عليه السلام ) بعث إليه فقال له : كفَّ هذه الأيام عن الكلام ، فإن الأمر شديد ! قال هشام : فكففت عن الكلام حتى مات المهدي وسكن الأمر ، فهذا الأمر الذي كان من أمره وانتهائي إلى قوله » . ( معجم السيد الخوئي : 20 / 305 ) .
5 - اشتهر حديث الإمام الكاظم ( عليه السلام ) مع هشام حول مكانة العقل وقيمة الشخصية العقلانية . كما رويت لهشام مناظرات كثيرة مهمة ، ومن نماذجها :
« دخل ضرار بن عمرو الضبي على يحيى بن خالد البرمكي فقال له : يا أبا عمرو هل لك في مناظرة رجل هو ركن الشيعة ؟ فقال ضرار : هلم من شئت ، فبعث إلى هشام بن الحكم فأحضره فقال له : يا أبا محمد هذا ضرار وهو من قد علمت في الكلام والخلاف لك ، فكلمه في الإمامة ، فقال له : نعم ، ثم أقبل على ضرار ، فقال : يا أبا عمرو خبرني على ما تجب الولاية والبراءة أعلى الظاهر أم على الباطن ؟ فقال ضرار : بل على الظاهر فإن الباطن لا يدرك إلا بالوحي .
قال هشام : صدقت ، فأخبرني الآن أي الرجلين كان أذب عن وجه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بالسيف وأقتل لأعداء الله بين يديه ، وأكثر آثاراً في الجهاد ، أعلي بن أبي طالب أو أبو بكر ؟ فقال : بل علي بن أبي طالب ، ولكن أبا بكر كان أشد يقيناً !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 225 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فقال هشام : هذا هو الباطن الذي قد تركنا الكلام فيه ، وقد اعترفت لعلي ( عليه السلام ) بظاهر عمله من الولاية وأنه يستحق بها من الولاية ما لم يجب لأبي بكر !
فقال ضرار : هذا هو الظاهر نعم . ثم قال له هشام : أفليس إذا كان الباطن مع الظاهر فهو الفضل الذي لا يدفع ؟ فقال له ضرار : بلى ، فقال له هشام : ألست تعلم أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قال لعلي : أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ؟ قال ضرار : نعم . قال هشام : أفيجوز أن يقول له هذا القول إلا وهو عنده في الباطن مؤمن ؟ قال : لا . قال هشام : فقد صح لعلي ( عليه السلام ) ظاهره وباطنه ولم يصح لصاحبك لا ظاهر ولا باطن ، والحمد لله » . ( الفصول المختارة / 28 ) .
6 - يقصد بكلام هشام في العباس الذي أعجب هارون ، ما رواه الشريف المرتضى في الفصول المختارة / 49 ، قال : « أخبرني الشيخ أدام الله عزه قال : سأل يحيى بن خالد البرمكي بحضرة هارون هشام بن الحكم ( رحمه الله ) فقال له : أخبرني يا هشام عن الحق هل يكون في جهتين مختلفتين ؟ قال هشام : لا ، قال فخبرني عن نفسين اختصما في حكم في الدين وتنازعا واختلفا ، هل يخلوان من أن يكونا محقين أو مبطلين ، أو يكون أحدهما مبطلاً والآخر محقاً ؟ فقال له هشام : لا يخلوان من ذلك وليس يجوز أن يكونا محقين على ما قدمت من الجواب . قال له يحيى بن خالد : فخبرني عن علي والعباس لما اختصما إلى أبي بكر في الميراث أيهما كان المحق من المبطل ، إذ كنت لا تقول إنهما كانا محقين ولا مبطلين ؟
قال هشام : فنظرت فإذا إنني إن قلت بأن علياً ( عليه السلام ) كان مبطلاً كفرت وخرجت عن مذهبي ، وإن قلت إن العباس كان مبطلاً ضرب الرشيد عنقي ! ووردت
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 226 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
علي مسألة لم أكن سئلت عنها قبل ذلك الوقت ، ولا أعددت لها جواباً ، فذكرت قول أبي عبد الله ( عليه السلام ) وهو يقول لي : يا هشام لا تزال مؤيداً بروح القدس ما نصرتنا بلسانك ، فعلمت أني لا أخذل وعنَّ لي الجواب في الحال ، فقلت له : لم يكن من أحدهما خطأ وكانا جميعاً محقين ، ولهذا نظير قد نطق به القرآن في قصة داود ( عليه السلام ) حيث يقول الله جل اسمه : وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَرُوا الْمِحْرَابَ إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ . . فأي الملكين كان مخطئاً وأيهما كان مصيباً ، أم تقول إنهما كانا مخطئين ، فجوابك في ذلك جوابي بعينه ! فقال يحيى : لست أقول إن الملكين أخطأ بل أقول إنهما أصابا وذلك أنهما لم يختصما في الحقيقة ولا اختلفا في الحكم ، وإنما أظهرا ذلك لينبها داود ( عليه السلام ) على الخطيئة ويعرفاه الحكم ويوقفاه عليه ! قال فقلت له : كذلك علي والعباس لم يختلفا في الحكم ولا اختصما في الحقيقة ، وإنما أظهرا الاختلاف والخصومة لينبها أبا بكر على غلطه ويوقفاه على خطئه ويدلاه على ظلمه لهما في الميراث ، ولم يكونا في ريب من أمرهما وإنما كان ذلك منهما على حد ما كان من الملكين ! فلم يحر جواباً ، واستحسن ذلك الرشيد » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 227 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

4 - محاولات هارون قتل الإمام الكاظم ( عليه السلام )

تصل محاولات هارون لقتل الإمام الكاظم ( عليه السلام ) إلى عشر مرات ، وفي كل مرة كانت تظهر له كرامات الإمام ( عليه السلام ) وآياته فيتراجع ، لكنه كان يعود ويكرر محاولته !
وقد مرَّ بعضها في الموضوعات المتقدمة ، وهذا عدد آخر :
1 - قال الفضل بن الربيع : « كنت أحجب الرشيد فأقبل عليَّ يوماً غضباناً وبيده سيف يقلبه فقال لي : يا فضل بقرابتي من رسول الله لئن لم تأتني بابن عمي الآن لآخذن الذي فيه عيناك ! فقلت : بمن أجيؤك ؟ فقال : بهذا الحجازي ! فقلت : وأي حجازي ؟ قال : موسى جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب . . إلى أن قال : فقلت له : استعد للعقوبة يا أبا إبراهيم فقال ( عليه السلام ) : أليس معي من يملك الدنيا والآخرة ! لن يقدر اليوم على سوء بي إن شاء الله تعالى ! قال فضل بن الربيع فرأيته وقد أدار يده ( عليه السلام ) يلوح بها على رأسه ثلاث مرات ، فدخلت على الرشيد فإذا هو كأنه امرأة ثكلى . . . فلما رآه وثب إليه قائماً وعانقه وقال له : مرحباً بابن عمي وأخي . . . ثم أكرمه ، وذكر الدعاء الذي دعا به ( عليه السلام ) » .
2 - « ومن ذلك الدعاء الذي علمه النبي ( صلى الله عليه وآله ) لموسى بن جعفر ( عليه السلام ) في السجن بإسناد صحيح عن عبد الله بن مالك الخزاعي قال : دعاني هارون الرشيد فقال : يا أبا عبد الله كيف أنت وموضع السر منك ؟ فقلت : يا أمير المؤمنين ما أنا إلا عبد من عبيدك ، فقال : إمض إلى تلك الحجرة وخذ من فيها واحتفظ به إلى أن أسئلك عنه ، قال : فدخلت فوجدت موسى بن جعفر فلما رآني سلمت عليه وحملته على دابتي إلى منزلي ، فأدخلته داري وجعلته على حرمي ، وقفلت عليه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 228 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والمفتاح معي وكنت أتولى خدمته . ومضت الأيام ، فلم أشعر إلا برسول الرشيد يقول : أجب أمير المؤمنين فنهضت ودخلت عليه ، وهو جالس وعن يمينه فراش وعن يساره فراش فسلمت عليه فلم يرد غير أنه قال : ما فعلت بالوديعة ؟ فكأني لم أفهم ما قال فقال : ما فعل صاحبك ؟ فقلت : صالح ، فقال : إمض إليه وادفع إليه ثلاثة آلاف درهم واصرفه إلى منزله وأهله ، فقمت وهممت بالانصراف فقال : أتدري ما السبب في ذلك وما هو ؟ قلت : لا يا أمير المؤمنين قال : نمت على الفراش الذي عن يميني ، فرأيت في منامي قائلاً يقول لي : يا هارون أطلق موسى بن جعفر ، فانتبهت فقلت لعلها لما في نفسي منه ، فقمت إلى هذا الفراش الآخر فرأيت ذلك الشخص بعينه وهو يقول : يا هارون أمرتك أن تطلق موسى بن جعفر فلم تفعل ؟ فانتبهت وتعوذت من الشيطان ثم قمت إلى هذا الفراش الذي أنا عليه وإذا بذلك الشخص بعينه ، وبيده حربة كأن أولها بالمشرق وآخرها بالمغرب ، وقد أومأ إلي وهو يقول : والله يا هارون لئن لم تطلق موسى بن جعفر لأضعن هذه الحربة في صدرك وأطلعها من ظهرك ، فأرسلت إليك فامض فيما أمرتك به ولا تظهره إلى أحد فأقتلك فانظر لنفسك ! قال : فرجعت إلى منزلي وفتحت الحجرة ودخلت على موسى بن جعفر فوجدته قد نام في سجوده فجلست حتى استيقظ ورفع رأسه ، وقال : يا أبا عبد الله إفعل ما أمرت به ، فقلت له : يا مولاي سألتك بالله وبحق جدك رسول الله هل دعوت الله عز وجل في يومك هذا بالفرج ؟ فقال : أجل إني صليت المفروضة وسجدت وغفوت في سجودي فرأيت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فقال : يا موسى أتحب أن تطلق ؟ فقلت : نعم يا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 229 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
رسول الله صلى الله عليك ، فقال : ادع بهذا الدعاء : يا سابغ النعم ، يا دافع النقم يا بارئ النسم ، يا مجلي الهمم ، يا مغشي الظلم ، يا كاشف الضر والألم ، يا ذا الجود والكرم ، ويا سامع كل صوت ، وما مدرك كل فوت ، ويا محيي العظام وهي رميم ، ومنشئها بعد الموت ، صل على محمد وآل محمد واجعل لي من أمري فرجاً ومخرجاً يا ذا الجلال والإكرام . فلقد دعوت به ورسول الله يلقننيه حتى سمعتك . فقلت : قد استجاب الله فيك ، ثم قلت له ما أمرني به الرشيد وأعطيته ذلك » . ( بحار الأنوار : 91 / 331 ، عن مهج الدعوات ) .
3 - قال علي بن يقطين : « كنت واقفاً على رأس هارون الرشيد إذ دعا موسى بن جعفر ( عليه السلام ) وهو يتلظى عليه ! فلما دخل حرك شفتيه بشئ فأقبل هارون عليه ولاطفه وبره وأذن له في الرجوع ! فقلت له : يا ابن رسول الله جعلني الله فداك ، إنك دخلت على هارون وهو يتلظى عليك فلم أشك إلا أنه يأمر بقتلك فسلمك الله منه ! فما الذي كنت تحرك به شفتيك ؟ فقال ( عليه السلام ) : إني دعوت بدعائين أحدهما خاص والآخر عام فصرف الله شره عني ، فقلت : ماهما يا ابن رسول الله ؟ فقال : أما الخاص : اللهم إنك حفظت الغلامين لصلاح أبويهما فاحفظني لصلاح آبائي ، وأما العام : اللهم إنك تكفي من كل أحد ولا يكفي منك أحد ، فاكفنيه بما شئت وكيف شئت أنى شئت ، فكفاني الله شره » . ( البحار : 91 / 339 ، ومهج الدعوات / 36 ) .
4 - « لما همَّ هارون الرشيد بقتل موسى بن جعفر ( عليه السلام ) دعا الفضل بن الربيع وقال له : قد وقعت لي إليك حاجة أسألك أن تقضيها ولك مائة ألف درهم قال : فخرَّ الفضل عند ذلك ساجداً وقال : أمر أم مسألة ؟ قال : بل مسألة ، ثم قال :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 230 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أمرت بأن تحمل إلى دارك في هذه الساعة مائة ألف درهم ، وأسألك أن تصير إلى دار موسى بن جعفر وتأتيني برأسه ! قال الفضل : فذهبت إلى ذلك البيت فرأيت فيه موسى بن جعفر وهو قائم يصلي فجلست حتى قضى صلاته ، وأقبل إلي وتبسم وقال : عرفت لماذا حضرت أمهلني حتى أصلي ركعتين . قال : فأمهلته فقام وتوضأ فأسبغ الوضوء وصلى ركعتين وأتم الصلاة بحسن ركوعها وسجودها ، وقرأ خلف صلاته بهذا الحرز فاندرس وساخ في مكانه ! فلا أدري أأرض ابتلعته أم السماء اختطفته ! فذهبت إلى هارون وقصصت عليه القصة قال فبكى هارون ثم قال : قد أجاره الله مني » ( البحار : 91 / 332 ، عن مهج الدعوات ) .
5 - « لما أمر هارون موسى بن جعفر ( عليه السلام ) أن يحمل إليه أدخل عليه وعلي بن يقطين على رأسه متوكئ على سيفه ، فجعل يلاحظ موسى ( عليه السلام ) ليأمره فيضرب به هارون ففطن له هارون فقال : قد رأيت ذلك ! فقال : يا أمير المؤمنين سللت من سيفي شبراً رجاء أن تأمرني فيه بأمرك ! فنجا منه بهذه المقالة » . ( مناقب آل أبي طالب : 3 / 423 ) .
6 - « وروي أن الرشيد فكر في قتل موسى ( عليه السلام ) فدعا برطب فأكل منه ، ثم أخذ صينية فوضع فيها عشرين رطبة وأخذ سلكاً فتركه في السم ، وأدخله في الخياط وأخذ رطبة من ذلك الرطب وأقبل يردد السلك المسموم بذلك الخيط من رأس الرطبة إلى آخرها ، حتى علم أن السم قد تمكن فيها . واستكثر منه ثم ردها في الرطب وقال لخادم له : إحمل هذه الصينية إلى موسى وقل له : إن أمير المؤمنين أكل من هذا الرطب وتنغص لك ( اختار ) وهو يقسم عليك بحقه إلا ما أكلته عن آخره فإني اخترتها لك بيدي ، ولا تتركه حتى لا يبقي منه شيئاً ، ولا يطعم منه أحداً ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 231 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فأتاه بها الخادم وأبلغه الرسالة فقال له : إئتني بخلالة فناوله خلالة ، وقام بإزائه وهو يأكل الرطب ، وكان للرشيد كلبة أعز عليه من كل ما كان في مملكته ، فجرت نفسها وخرجت بسلاسل ذهب وفضة كانت في عنقها حتى حاذت موسى بن جعفر ( عليه السلام ) ، فبادر بالخلالة إلى الرطبة المسمومة فغرزها ورمى بها إلى الكلبة فأكلتها ، فلم تلبث الكلبة أن ضربت بنفسها الأرض وعوت حتى تقطعت قطعاً قطعاً ، واستوفى ( عليه السلام ) باقي الرطب !
وحمل الغلام الصينية إلى الرشيد فقال له : أكل الرطب عن آخره ؟ قال : نعم يا أمير المؤمنين . قال : فكيف رأيته ؟ قال : ما أنكرت منه شيئاً يا أمير المؤمنين !
قال : ثم ورد خبر الكلبة وأنها قد تهرأت وماتت ، فقلق الرشيد لذلك قلقاً شديداً واستعظمه ، ومر على الكلبة فوجدها متهرئة بالسم ، فدعا الخادم ودعا بالسيف والنطع ، قال لتصدقني عن خبر الرطب وإلا قتلتك ! فقال : يا أمير المؤمنين إني حملت الرطب إليه وأبلغته رسالتك وقمت بإزائه فطلب خلالة فدفعت إليه خلالة ، فأقبل يغرز الرطبة بعد الرطبة يأكلها ، حتى مرت به الكلبة فغرز رطبة من ذلك الرطب ورمى بها إلى الكلبة فأكلتها وأكل باقي الرطب فكان ما ترى ! فقال الرشيد : ما ربحنا من موسى إلا أنا أطعمناه جيد الرطب وضيعنا سُمَّنا وقتلنا كلبتنا » ! ( دلائل الإمامة للطبري / 316 ، والهداية الكبرى / 264 ) .
7 - « قال إبراهيم بن سعد : أدخل إلى موسى بن جعفر ( عليه السلام ) سباع لتأكله فجعلت تلوذ به وتبصبص له وتدعو له بالإمامة ، وتعوذ به من شر الرشيد ، فلما بلغ ذلك الرشيد أطلق عنه وقال : أخاف أن يفتنني ويفتن الناس ومن معي » !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 232 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
8 - « عن الأعمش قال : رأيت الكاظم ( عليه السلام ) عند الرشيد وقد خضع له فقال له عيسى بن أبان : يا أمير المؤمنين لم تخضع له ؟ قال : رأيت من ورائه أفعى تضرب بنابها وتقول : أجبه بالطاعة وإلا بلعتك ففزعت منها » . ( نوادر المعجزات / 163 ) .
9 - « كان يتقدم الرشيد إلى خدمه إذا خرج موسى بن جعفر من عنده أن يقتلوه فكانوا يهمون به فيتداخلهم من الهيبة والزمع ! فلما طال ذلك أمر بتمثال من خشب وجعل له وجهاً مثل موسى بن جعفر وكانوا إذا سكروا أمرهم أن يذبحوه بالسكاكين ، فكانوا يفعلون ذلك أبداً ، فلما كان في بعض الأيام جمعهم في الموضع وهم سكارى ، وأخرج سيدي إليهم فلما بصروا به هموا به على رسم الصورة ، فلما علم منهم ما يريدون كلمهم بالخزرية والتركية ، فرموا من أيديهم السكاكين ووثبوا إلى قدميه فقبلوها . . » ( مناقب آل أبي طالب : 3 / 418 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 233 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الحادي عشر : إصرار هارون على قتل الإمام الكاظم ( عليه السلام )

1 - حبسه في البصرة سنة ثم نقله إلى بغداد

حبسه في البصرة عند واليها عيسى بن أبي جعفر بن المنصور سنة « ثم كتب إلى الرشيد أن خذه مني وسلمه إلى من شئت وإلا خَلَّيْتُ سبيله ، فقد اجتهدت بأن أجد عليه حجة ، فما أقدر على ذلك حتى أني لأتسَمَّعُ عليه إذا دعا لعله يدعو عليَّ أو عليك ، فما أسمعه يدعو إلا لنفسه يسأل الرحمة والمغفرة . فوجه من تسلمه منه » . ( غيبة الطوسي / 23 ) .
وفي روضة الواعظين / 219 : « وكتب الرشيد في دمه ، فاستدعى عيسى بن جعفر المنصور بعض خاصته وثقاته ، فاستشارهم فيما كتب به الرشيد ، فأشاروا عليه بالتوقف عن ذلك والإستعفاء منه . وكتب عيسى بن جعفر إلى الرشيد يقول له : قد طال أمر موسى بن جعفر ومقامه في حبسي ، وقد اختبرت حاله ووضعت من يسمع منه ما يقول في دعائه ، فما دعا عليك ولا عليَّ وما ذكرنا بسوء ، وما يدعو لنفسه إلا بالمغفرة والرحمة ، وإن أنفذت إلى من يتسلمه مني وإلا خليت سبيله فإنني متحرجٌ من حبسه » !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 234 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
« فحبسه عنده سنة ثم كتب إليه الرشيد في دمه فاستعفى عيسى منه ، فوجه الرشيد من تسلمه منه ، وصيره إلى بغداد وسُلِّمَ إلى الفضل بن الربيع ، وبقي عنده مدة طويلة ، ثم أراده الرشيد على شئ من أمره فأبى ! فأمر بتسليمه إلى الفضل بن يحيى فجعله في بعض دوره ووضع عليه الرصد ، فكان ( عليه السلام ) مشغولاً بالعبادة يُحيي الليل كله صلاة وقراءةً للقرآن ، ويصوم النهار في أكثر الأيام ولا يصرف وجهه عن المحراب ، فوسع عليه الفضل بن يحيى وأكرمه ، فبلغ ذلك الرشيد وهو بالرقة فكتب إليه يأمره بقتله فتوقف عن ذلك ! فاغتاظ الرشيد لذلك وتغير عليه » . ( إعلام الورى : 2 / 33 ، ومقاتل الطالبيين / 334 ) .
« وكان تولى حبسه عيسى بن جعفر ، ثم الفضل بن الربيع ، ثم الفضل بن يحيى البرمكي ، ثم السندي بن شاهك ، وسقاه سماً في رطب أو طعام آخر ، ولبث ثلاثاً بعده موعوكاً ، ثم مات في اليوم الثالث ، وكانت وفاته في مسجد هارون الرشيد وهو المعروف بمسجد المسيب ، وهو في الجانب الغربي من باب الكوفة ، لأنه نقل إليه من دار تعرف بدار عمرويه » . ( مناقب آل أبي طالب : 3 / 438 ) .

2 - لماذا لم يعاقب هارون عيسى بن جعفر والفضل بن الربيع ؟

فقد رفض عيسى والي البصرة قتل الإمام الكاظم ( عليه السلام ) لأنه « تحرج من حبسه » ! وطلب من هارون نقله من عنده وإلا أطلقه ! فقبل هارون ولم يغضب عليه !
وكذلك فعل حاجبه الفضل بن الربيع ، فنقله هارون من عنده ولم يغضب عليه !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 235 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بينما غضب على رئيس وزرائه يحيى بن خالد ، لأنه وسع على الإمام ( عليه السلام ) في حبسه ، ثم رفض أن يقتله !
والسبب أن والي البصرة عيسى بن جعفر بن المنصور ، أخ زبيدة زوجة هارون ( النهاية : 10 / 228 ) وخال ولده الأمين ووالد زوجته العباسة ( الوافي : 16 / 383 ) .
وكان من كبار شخصيات العباسيين ، وكان لفترة والي مكة وأمير الحج ( تاريخ بغداد : 11 / 158 ) . وكان عزيزاً عند هارون حتى أنه لما سمن وكثر لحمه ، أرسل له هارون طبيبه وعالجه حتى نقص وزنه ! ( طبقات الأطباء / 217 ) .
ومن تناقض عيسى بن جعفر ، أنه كان يتأثم من قتل الإمام الكاظم ( عليه السلام ) ، لكنه كان يحث هارون على قتل ابنه الإمام الرضا ( عليه السلام ) لأنه ادعى الإمامة بعده !
فقد روى الصدوق في عيون أخبار الرضا ( عليه السلام ) : 1 / 246 ، أن عيسى بن جعفر قال لهارون : « حيث توجه من الرقة إلى مكة : أذكر يمينك التي حلفت بها في آل أبي طالب ، فإنك حلفت إن ادعى أحد بعد موسى الإمامة ضربت عنقه صبراً وهذا علي ابنه يدعي هذا الأمر ، ويقال فيه ما يقال في أبيه ! فنظر إليه مغضباً فقال : وما ترى ، تريد أن أقتلهم كلهم ! قال موسى بن مهران : فلما سمعت ذلك صرت إليه ( الإمام الرضا ( عليه السلام ) ) فأخبرته فقال : ما لي ولهم لا يقدرون إلي على شئ » !
أما وزيره الآخر الفضل بن الربيع ، فأبوه الربيع بن يونس غلامٌ اشتراه جده المنصور ، بإشارة عيسى بن أبان ، لما شكى له المنصور ضعف حجابه فقال له : « إستخدم قوماً وقاحاً ! قال : ومن هم ؟ قال : إشتر قوماً من اليمامة فإنهم يربون
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 236 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الملاقيط ( اللقطاء الذين لا آباء لهم ) ! فاشتراهم وجعل حجابه إليهم ، منهم الربيع الحاجب » . ( فهرست ابن النديم / 285 ) .
وفي تاريخ بغداد : 8 / 412 ، و 413 : « هو الربيع بن يونس بن محمد بن أبي فروة ، قال واسم أبي فروة كيسان . . ذكروا أنه لم يُرَ في الحجابة أعرق من ربيع وولده ، وكان ربيع حاجب أبي جعفر ومولاه ، ثم صار وزيره ، ثم حجب المهدي ، وهو الذي بايع المهدي وخلع عيسى بن موسى . ومن ولده الفضل ، حجب هارون ومحمداً المخلوع . . ابن عياش كان يطعن في نسب الربيع طعناً قبيحاً ، ويقول للربيع : فيك شبه من المسيح » ! يقصد بلا أب ، فاستلقى المنصور من الضحك !
« كان الغالب على الرشيد يحيى بن خالد بن برمك وجعفر والفضل ابناه ، صدراً من خلافته حتى ما كان له معهم أمر ولا نهي ! فأقاموا على تلك الحال وأمور المملكة إليهم سبع عشرة سنة ! ثم كان الفضل يغلب عليه » ( اليعقوبي : 2 / 429 ) .
فهذا هو الربيع وابنه الفضل ، اللذان حكما الدولة الإسلامية مع الخليفة !
لذا كان هارون يعتبر الفضل ابنه ولا يخاف من تعاطفه مع الإمام الكاظم ( عليه السلام ) ، بل يفهم تخوفه من مباشرة قتله على أنه خوف من أن يلحقه ضرر بقتل ولي كتحرج ابن عمه عيسى ، لذا قبل منه ونقل الإمام ( عليه السلام ) من عهدته إلى عهدة وزيره الفضل بن يحيى ، وأمره أن يضيق عليه فلم يفعل ، ثم أمره أن يقتله فامتنع ، فغضب عليه ولعنه ، ثم توسط له أبوه يحيى وضمن لهارون أن ينفذ أمره بقتل الإمام ( عليه السلام ) ، فرفع عنه اللعن ورضي عنه !
وجاء أبوه يحيى من الرقة إلى بغداد على البريد أي الخيل السريعة ، ونفذ أمر
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 237 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
هارون ، ودبر قتل الإمام ( عليه السلام ) بالسم !
وفي الغيبة للطوسي / 29 ، ومقاتل الطلبيين / 336 : « فكتب بتسليمه إلى الفضل بن يحيى فتسلمه منه ، وأراد ذلك منه ( أن يقتله ) فلم يفعل ، وبلغه أنه عنده في رفاهية وسعة ، وهو حينئذ بالرقة ، فأنفذ مسروراً الخادم إلى بغداد على البريد ، وأمره أن يدخل من فوره إلى موسى بن جعفر ( عليه السلام ) فيعرف خبره ، فإن كان الأمر على ما بلغه ، أوصل كتاباً منه إلى العباس بن محمد وأمره بامتثاله ، وأوصل كتاباً منه آخر إلى السندي بن شاهك يأمره بطاعة العباس ، فقدم مسرور فنزل دار الفضل بن يحيى لا يدري أحد ما يريد ، ثم دخل على موسى بن جعفر ( عليه السلام ) فوجده على ما بلغ الرشيد ، فمضى من فوره إلى العباس بن محمد والسندي فأوصل الكتابين إليهما ، فلم يلبث الناس أن خرج الرسول يركض إلى الفضل بن يحيى فركب معه وخرج مشدوهاً دهشاً حتى دخل العباس فدعا بسياط وعقابين ( خشبة يربط بها لجلده ) فوجه ذلك إلى السندي وأمر بالفضل فجرد ثم ضربه مائة سوط ، وخرج متغير اللون خلاف ما دخل ، فأذهبت نخوته فجعل يسلم على الناس يميناً وشمالاً !
وكتب مسرور بالخبر إلى الرشيد فأمر بتسليم موسى ( عليه السلام ) إلى السندي بن شاهك وجلس مجلساً حافلاً ، وقال : أيها الناس إن الفضل بن يحيى قد عصاني وخالف طاعتي ورأيت أن ألعنه فالعنوه ! فلعنه الناس من كل ناحية حتى ارتج البيت والدار بلعنه ! وبلغ يحيى بن خالد فركب إلى الرشيد ودخل من غير الباب الذي يدخل الناس منه حتى جاءه من خلفه وهو لا يشعر ، ثم قال له : التفت إلي يا أمير المؤمنين ! فأصغى إليه فزعاً ، فقال له : إن الفضل حدث وأنا أكفيك ما تريد !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 238 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فانطلق وجهه وسُرَّ . فقال له يحيى : يا أمير المؤمنين قد غضضت من الفضل بلعنك إياه فشرفه بإزالة ذلك ، فأقبل على الناس فقال : إن الفضل قد عصاني في شئ فلعنته وقد تاب وأناب إلى طاعتي فتولوه . فقالوا نحن أولياء من واليت وأعداء من عاديت وقد توليناه ! ثم خرج يحيى بن خالد بنفسه على البريد حتى أتى بغداد ، فماج الناس وأرجفوا بكل شئ فأظهر أنه ورد لتعديل السواد والنظر في أمر العمال ، وتشاغل ببعض ذلك ، ودعا السندي فأمره فيه بأمره ، فامتثله » !

3 - لماذا غضب هارون على وزيره الفضل بن يحيى ؟

كان هارون يرى أن تعاطف وزيره الفضل بن يحيى مع الإمام الكاظم ( عليه السلام ) وامتناعه عن تنفيذ أمره في التضييق عليه ثم بقتله ، أمر خطير ، بل خيانة عظمى للنظام العباسي وشخص الخليفة ! وذلك بعكس مخالفة ابن عمه والي البصرة وبعكس مخالفة غلامه الفضل بن الربيع !
والسبب أن البرامكة بنفوذهم في الدولة ، بإمكانهم أن يقوموا بانقلاب ويقتلوا هاروناً ، ويبايعوا لموسى بن جعفر ( عليه السلام ) ، أو لأي عباسي ، أو علوي !
ومما زاد غضب هارون على الفضل ، أن أباه وأخاه جعفر كانا عدوين لدودين للإمام موسى بن جعفر ( عليه السلام ) ، وما زالا يحركان هارون ضده ويعملان لقتله !
ولم يشفع للفضل أنه أخ هارون بالرضاعة ، فقد نشأ في بيت يحيى البرمكي ، وكان هارون يخاطب يحيى بن خالد : يا أبت ، ويخاطب ولده الفضل : يا أخي » . ( وفيات الأعيان : 4 / 27 ، وتاريخ بغداد : 12 / 332 ، والطبري : 6 / 441 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 239 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولم تشفع له مكانته السياسية وتاريخه الذي قال عنه في تاريخ بغداد : 12 / 332 : « الفضل بن يحيى بن خالد البرمكي ، أخو جعفر وكان رضيع هارون الرشيد ، وولاه الرشيد أعمالاً جليلة بخراسان وغيرها ، وكان أندى كفاً من أخيه جعفر ، إلا أنه كان فيه كبر شديد ، وكان جعفر أطلق وجهاً وأظهر بشراً » .
وفي تاريخ بغداد : 12 / 332 : « عن العتابي قال : كنا بباب الفضل بن يحيى البرمكي أربعة آلاف ، ما بين شاعر وزائر » . ( تاريخ بغداد : 12 / 334 ) .
« ولما غضب هارون على البرامكة وقتل جعفراً ، وخلَّدَ الفضل في الحبس مع أبيه يحيى فلم يزالا محبوسين حتى ماتا في حبسهما » . تاريخ بغداد : 12 / 332 ، والطبري : 6 / 441 .
ومات يحيى وعمره 45 سنة ، قبل هارون بخمسة أشهر . ( الطبري : 6 / 524 ) .
والسؤال هنا : لماذا رفض الفضل بن يحيى البرمكي أمر هارون له بالتضييق على الإمام الكاظم ( عليه السلام ) ثم بقتله ؟ وهل كان غضب هارون عليه بسبب ذلك ؟
والجواب : أنه لا تفسير لمخالفة الفضل لهارون ، إلا أنه رأى كرامات الإمام ( عليه السلام ) فتشيع أو لم يتشيع لكنه تحرَّج من تنفيذ أمر هارون ، وتحمل أن يُعَرِّض نفسه لغضبه !
ويوجد مؤشر على أن الفضل كان ترك شرب الخمر مع هارون ، توبةً أو أنفةً لأنه ينقص من مروءته ! ففي تاريخ الطبري : 6 / 489 : « كان الرشيد قد عتب على الفضل بن يحيى وثقل مكانه عليه لتركه الشرب معه ، فكان الفضل يقول : لو علمت أن الماء ينقص من مروتي ما شربته » !
والسؤال الثاني : هل يمكن القول إن سبب نقمة هارون على البرامكة ، أنهم فكروا بانقلاب على العباسيين لمصلحة العلويين ، أو أنهم تعاطفوا مع الإمام الكاظم ( عليه السلام ) في
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 240 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أواخر أيام سجنه ، وهل يؤيد ذلك أن هارون تعمد إبقاء سبب نقمته عليهم سراً ، و ما رواه الطوسي في الغيبة / 25 : « وكان يحيى يتولاه ، وهارون لا يعلم ذلك » ؟
والجواب : أن هذا الاحتمال لا ينهض مقابل ما يعارضه ، فقد روت مصادرنا عمل يحيى بن خالد البرمكي لقتل الإمام الكاظم ( عليه السلام ) وسعيه به إلى هارون ، وتوظيفه بعض أقارب الإمام ( عليه السلام ) واستقدامهم ليشهدوا عليه عند هارون !
ولا ينهض مقابل أن الإمام الرضا ( عليه السلام ) كان يدعو عليهم في عرفات لأنهم سعوا في قتل أبيه ، قال ( عليه السلام ) : « إني كنت أدعو الله تعالى على البرامكة بما فعلوا بأبي ، فاستجاب الله لي اليوم فيهم ! فلما انصرف لم يلبث إلا يسيراً حتى بُطش بجعفر ويحيى ، وتغيرت أحوالهم » ( عيون أخبار الرضا ( عليه السلام ) : 1 / 245 ) .
فاليقين في أمرهم : إن الذي سعى بقتل الإمام الكاظم ( عليه السلام ) هو يحيى كما نصت أحاديثنا ، ويشير الحديث إلى أن ابنه جعفر معه ، لكن ابنه الفضل رفض إطاعة أوامر هارون ، ومعناه أنه كان يميل إلى الإمام ويعتقد بأنه ولي ، أو إمام !
كما يظهر أن جعفر البرمكي كان أحب إلى هارون من أخيه الفضل ، لأنه أخذ الوزارة والخاتم من الفضل وأعطاه لجعفر ، وذكر في شرح النهج ( 18 / 105 ) أن هاروناً كان « يحلف بالله أن جعفراً أفصح من قس بن ساعدة ، وأشجع من عامر بن الطفيل ، وأكتب من عبد الحميد بن يحيى ، وأسوس من عمر بن الخطاب ، وأحسن من مصعب بن الزبير ، وأنصح له من الحجاج لعبد الملك ، وأسمح من عبد الله بن جعفر ، وأعف من يوسف بن يعقوب . . . ولم يكن أحد يجسر أن يرد على جعفر قولا ولا رأياً »
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 241 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم ذكر أن الفضل رد يوماً على جعفر فاستنكر عليه عم هارون سليمان بن المنصور : « فغضب الرشيد لإنكار سليمان وقال : ما دخولك بين أخي ومولاي ؟ كالراضي بما كان من الفضل » !
أما لماذا قتله وصلبه واكتفى بسجن الفضل فلعله بسبب أن الفضل كان أخاه من الرضاعة دون جعفر ، أو لم يبلغ ذنبه برأيه الجريمة التي ارتكبها أخوه جعفر !

4 - العباس بن محمد الذي وكله هارون بجلد وزيره الفضل

قال ابن الجوزي في كتابه المدهش / 67 : « ومن العجائب أنه سلم على الرشيد بالخلافة عمه سليمان بن المنصور ، وعم أبيه المهدي وهو العباس بن محمد ، وعم جده المنصور وهو عبد الصمد بن علي ! وقال له عبد الصمد يوماً : يا أمير المؤمنين هذا مجلس فيه أمير المؤمنين وعم أمير المؤمنين وعم عم أمير المؤمنين وعم عم عمه ، وذلك أن سليمان بن أبي جعفر عم الرشيد ، والعباس عم سليمان وعبد الصمد عم العباس » !
وقال ابن الجوزي في المنتظم : 9 / 124 : « ولي العباس بن محمد الذي إليه العباسية الجزيرة وصار إلى الرقة وأمر الرشيد ففرش له في قصر الإمارة له فيه الآلات وشحن بالرقيق وحمل إليه خمسة آلاف ألف درهم ! وفي سنة ست ومائة توفي العباس ببغداد » وتاريخ بغداد : 12 / 124 ، ومآثر الإنافة : 3 / 357 ، وشذرات الذهب : 1 / 274 .
وفي شرح نهج البلاغة : 19 / 351 : « قيل لخديجة بنت الرشيد : رسل العباس بن محمد على الباب ، معهم زنبيل يحمله رجلان ! فقالت : تراه بعث إلى باقلاء ! فكشف
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 242 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الزنبيل عن جرة مملوءة غالية فيها مسحاة من ذهب ، وإذا برقعة : هذه جرة أصيبت هي وأختها في خزائن بني أمية ! فأما أختها فغلب عليها الخلفاء وأما هذه فلم أر أحداً أحق بها منك » !
وفي نهاية ابن كثير : 10 / 232 : « وكان ابن أبي مريم هو الذي يضحكه ، وكان عنده فضيلة بأخبار الحجاز وغيرها ، وكان الرشيد قد أنزله في قصره وخلطه بأهله . . . ودخل يوماً العباس بن محمد على الرشيد ومعه برنية من فضة فيها غالية من أحسن الطيب فجعل يمدحها ويزيد في شكرها ، وسأل من الرشيد أن يقبلها منه فقبلها فاستوهبها منه ابن أبي مريم فوهبها له ، فقال له العباس : ويحك ! جئت بشئ منعته نفسي وأهلي وآثرت به أمير المؤمنين سيدي فأخذته ! فحلف ابن أبي مريم ليطيبن به استه ! ثم أخذ منها شيئاً فطلى به استه ودهن جوارحه كلها منها ، والرشيد لا يتمالك نفسه من الضحك ! ثم قال لخادم قائم عندهم يقال له خاقان : أطلب لي غلامي ، فقال الرشيد : ادع له غلامه ، فقال له : خذ هذه الغالية واذهب بها إلى ستك فمرها فلتطيب منها استها حتى أرجع إليها ف . . . ! فذهب الضحك بالرشيد كل مذهب ، ثم أقبل ابن أبي مريم على العباس بن محمد فقال له : جئت بهذه الغالية تمدحها عند أمير المؤمنين ، الذي ما تمطر السماء شيئاً ولا تنبت الأرض شيئاً إلا وهو تحت تصرفه وفي يده ! وأعجب من هذا أن قيل لملك الموت : ما أمرك به هذا فأنفذه ! وأنت تمدح هذه الغالية عنده كأنه بقال أو خباز أو طباخ أو تمار ! فكاد الرشيد يهلك من شدة الضحك ! ثم أمر لابن أبي مريم بمائة ألف درهم » !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 243 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

5 - السندي بن شاهك رئيس شرطة هارون

شكى المنصور لأحدهم ضعف حُجَّابه ، فقال له : « إستخدم قوماً وِقَاحاً ! قال : ومن هم ؟ قال : إشتر قوماً من اليمامة فإنهم يربون الملاقيط ( اللقطاء الذين لا آباء لهم ) !
فاشترى المنصور حاجبه الربيع ! والسندي بن شاهك من هذا النوع ، مع فرق بينهما أن الربيع شرطي سياسي يحتاج إلى فهم اجتماعي ولباقة ولياقة ، بينما السندي شرطي عسكري يحتاج إلى شدة في تنفيذ أوامر الخليفة بقسوة بدون رحمة حتى لو كانت على أقارب الخليفة وأولاده ووزرائه !
وهو لقيط عرف باسم أمه السندية شاهك : « وسبى ذراريهم ( السند ) فكان من ذلك السبي مهرويه وخَلَد ، وقرابتهما شاهك وكانت على مائدة شهريار ، وهي أم السندي بن شاهك ، وكان منهم الحرث بن بسخنز ، وجميع هؤلاء الموالي الرازيين » . ( طبقات الأطباء / 221 ، ونهاية الأرب / 623 ) .
وقد عرف بنسبته إلى أمه وليس إلى أب ! ورباه المنصور تربية عباسية غليظة فكان السندي يتعجب من تفضيل المأمون علياً ( عليه السلام ) على العباس ، فقال للفضل بن الربيع : « ما ظننت أني أعيش حتى أسمع عباسياً يقول هذا ! فقال الفضل له : تعجب من هذا ، هذا والله كان قول أبيه قبله » ! ( كتاب بغداد لطيفور / 17 ) .
وفي تذكرة ابن حمدون : 2 / 364 : أن السندي « أحضر رجلاً ادعيَ عليه الرفض فقال له : ما تقول في أبي بكر ؟ فأثنى عليه ، قال : فعمر ؟ قال : لا أحبه ، فاخترط السندي سيفه وقال : لمَ ويلك ؟ قال : لأنه جعل الشورى في ستة من المهاجرين وأخرج العباس منهم ، فشامَ سيفه ورضي عنه » !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 244 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وكان السند بن شاهك يكلف بالمهمات التي تحتاج إلى قمع وتجسس !
قال في وفيات الأعيان : 1 / 338 : « ثم دعا ( هارون الرشيد ) السندي بن شاهك فأمره بالمضي إلى بغداد والتوكل بالبرامكة وكتَّابهم وقراباتهم ، وأن يكون ذلك سراً ففعل السندي ذلك » .
لهذا السبب أمر هارون بنقل سجن الإمام الكاظم ( عليه السلام ) من عند الفضل بن يحيى إلى السندي بن شاهك ، لأنه أشد وأقسى ، وخالف بذلك العرف السياسي بأن تسجن الشخصيات القرشية والهاشمية عند وزراء الخليفة وشخصيات دولته ، فقد حبس الإمام الكاظم ( عليه السلام ) أولاً عند عمه عيسى بن جعفر والي البصرة ، ثم عند وزيره الفضل بن الربيع ، ثم عند وزيره الفضل بن يحيى ، فتأثموا أن يقتلوه فأمر بحبسه عند السندي بن شاهك الشرطي القاسي ، وأمره أن يقتله !
وبعد قتل الإمام ( عليه السلام ) أعطى هارون للسندي جائزة فجعله والي دمشق !
قال عنه الذهبي في تاريخه : 14 / 185 : « السندي بن شاهك . الأمير أبو نصر ، مولى أبي جعفر المنصور ، ولي إمرة دمشق للرشيد ، ثم وليها بعد المائتين ، وكان ذميم الخلق ، سندياً يجعل القول قول المدعي » ! أي يحكم له تصديقاً لقوله بدون بينة !
وقال المؤرخ البغدادي ابن الطقطقي في الفخري / 137 : « فحبسه عند السندي بن شاهك ، وكان الرشيد بالرقة فأمر بقتله ، فقتل قتلاً خفياً ، ثم أدخلوا عليه جماعة من العدول بالكرخ ليشاهدوه ، إظهاراً أنه مات حتف أنفه » .
ونلاحظ أن الإمام الكاظم ( عليه السلام ) عبر عن السندي بالرجس ، وأوصى أن لا يتولى غسله وتكفينه ! « دعا بالمسيب وذلك قبل وفاته بثلاثة أيام وكان موكلاً به ، فقال
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 245 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
له : يا مسيب إن هذا الرجس السندي شاهك سيزعم أنه يتولى غسلي ودفني ، هيهات هيهات أن يكون ذلك أبداً » ! ( عيون أخبار الرضا ( عليه السلام ) : 2 / 95 ) .

6 - السندية بنت شاهك خير من أخيها !

روى في تاريخ بغداد : 13 / 32 ، عن عمار بن أبان قال : « حبس أبو الحسن موسى بن جعفر عند السندي بن شاهك ، فسألته أخته أن تتولى حبسه ، وكانت تتدين ، ففعل ، فكانت تلي خدمته ، فحكيَ لنا أنها قالت : كان إذا صلى العتمة حمد الله ومجده ودعاه ، فلم يزل كذلك حتى يزول الليل ، فإذا زال الليل قام يصلي حتى يصلي الصبح ، ثم يذكر قليلاً حتى تطلع الشمس ، ثم يقعد إلى ارتفاع الضحى ، ثم يتهيأ ويستاك ويأكل ، ثم يرقد إلى قبل الزوال ، ثم يتوضأ ويصلي حتى يصلي العصر ، ثم يذكر في القبلة حتى يصلي المغرب ، ثم يصلي ما بين المغرب والعتمة . فكان هذا دأبه !
فكانت أخت السندي إذا نظرت إليه قالت : خاب قوم تعرضوا لهذا الرجل ! وكان عبداً صالحاً » وسير الذهبي : 6 / 273 ، وتاريخ أبي الفداء / 293 ، ومصادر كثيرة .

7 - سجن السندي أشد سجون الإمام الكاظم ( عليه السلام )

استمر سجن الإمام ( عليه السلام ) في المرة الثانية نحو أربع سنوات ، وتنقل في أربعة سجون ، أولها سجن البصرة وكان في بيت الوالي عيسى بن جعفر بن المنصور والثاني في بغداد عند وزير الرشيد الفضل بن الربيع ، والثالث عند الوزير الفضل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 246 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بن يحيى البرمكي ، والرابع عند رئيس شرطة الرشيد السندي بن شاهك ، وكان أصعب السجون عليه ، فقد زادوا عليه القيود وشددوا عليه .
ففي عيون أخبار الرضا ( عليه السلام ) : 2 / 82 : « فحبسه عيسى بيت من بيوت المجلس الذي كان يجلس فيه وأقفل عليه ، وشغله العيد عنه فكان لا يفتح عنه الباب إلا حالتين حالة يخرج فيها إلى الطهور وحالة يدخل فيها الطعام » .
« وصيره إلى بغداد وسُلِّمَ إلى الفضل بن الربيع ، وبقي عنده مدة طويلة ، ثم أراده الرشيد على شئ من أمره فأبى ! فأمر بتسليمه إلى الفضل بن يحيى فجعله في بعض دوره ووضع عليه الرصد ، فكان ( عليه السلام ) مشغولاً بالعبادة يُحيي الليل كله صلاة وقراءةً للقرآن ، ويصوم النهار في أكثر الأيام ، ولا يصرف وجهه عن المحراب ، فوسع عليه الفضل بن يحيى وأكرمه ، فبلغ ذلك الرشيد وهو بالرقة فكتب إليه يأمره بقتله فتوقف عن ذلك ! فاغتاظ الرشيد لذلك وتغير عليه » . ( إعلام الورى : 2 / 33 ، ومقاتل الطالبيين / 334 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 247 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الثاني عشر : شهادة الإمام الكاظم ( عليه السلام ) ومراسم تشييعه

1 - أخبر الإمام ( عليه السلام ) بشهادته وأوصى بتجهيزه

1 - في عيون أخبار الرضا ( عليه السلام ) : 2 / 95 : « دعا بالمسيب ، وذلك قبل وفاته بثلاثة أيام وكان موكلاً به ، فقال له : يا مسيب ، قال : لبيك يا مولاي . قال : إني ظاعنٌ هذه الليلة إلى المدينة مدينة جدي رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لأعهد إلى عليٍّ ابني ما عهده إليَّ أبي ، وأجعله وصيي وخليفتي ، وآمره أمري !
فقال لي : إرفع رأسك يا مسيب ، واعلم أني راحل إلى الله عز وجل في ثالث هذا اليوم ! قال : فبكيت ، فقال لي : لا تبك يا مسيب ، فإن علياً ابني هو إمامك ومولاك بعدي فاستمسك بولايته ، فإنك لن تضل ما لزمته . فقلت : الحمد لله .
قال : ثم إن سيدي دعاني في ليلة اليوم الثالث فقال لي : إني على ما عرفتك من الرحيل إلى الله عز وجل ، فإذا دعوت بشربة من ماء فشربتها ورأيتني قد انتفخت وارتفع بطني واصْفَرَّ لوني واحْمَرَّ واخْضَرَّ وتلون ألواناً ، فخبر الطاغية بوفاتي ، فإذا رأيت بي هذا الحدث فإياك أن تظهر عليه أحداً ولا من عندي إلا بعد وفاتي !
قال المسيب بن زهير : فلم أزل أرقب وعده ، حتى دعا بالشربة فشربها ، ثم دعاني فقال لي : يا مسيب إن هذا الرجس السندي شاهك سيزعم أنه يتولى غسلي ودفني ، هيهات هيهات أن يكون ذلك أبداً ! فإذا حملت إلى المقبرة المعروفة بمقابر
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 248 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قريش فألحدوني بها ، ولا ترفعوا قبري فوق أربع أصابع مفرجات ، ولا تأخذوا من تربتي شيئاً لتتبركوا به ، فإن كل تربة لنا محرمة إلا تربة جدي الحسين بن علي ، فإن الله تعالى جعلها شفاءً لشيعتنا وأوليائنا .
قال : ثم رأيت شخصاً أشبه الأشخاص به جالساً إلى جانبه ، وكان عهدي بسيدي الرضا ( عليه السلام ) وهو غلام ، فأردت سؤاله فصاح بي سيدي موسى ( عليه السلام ) فقال : أليس قد نهيتك يا مسيب ؟ ! فلم أزل صابراً حتى مضى وغاب الشخص !
ثم أنهيت الخبر إلى الرشيد ، فوافى السندي بن شاهك ، فوالله لقد رأيتهم بعيني وهم يظنون أنهم يغسلونه فلا تصل أيديهم إليه ، ويظنون أنهم يحنطونه ويكفنونه وأراهم لا يصنعون به شيئاً ! ورأيت ذلك الشخص يتولى غسله وتحنيطه وتكفينه وهو يظهر المعاونة لهم وهم لا يعرفونه !
فلما فرغ من أمره قال لي ذلك الشخص : يا مسيب مهما شككت فيه فلا تشكن فيَّ فإني أمامك ومولاك وحجة الله عليك بعد أبي ، يا مسيب مثلي مثل يوسف الصديق ، ومثلهم مثل إخوته حين دخلوا فعرفهم وهم له منكرون !
ثم حمُل ( عليه السلام ) حتى دفن في مقابر قريش ، ولم يرفع قبره أكثر مما أمر به ، ثم رفعوا قبره بعد ذلك ، وبنوا عليه » .
ملاحظات :
أ . قال في تاريخ بغداد عن المسيب بن زهير ( 13 / 138 ) : « كان من رجالات الدولة العباسية ، وولي شرطة بغداد في أيام المنصور والمهدي والرشيد ، وقد كان ولي خراسان أيام المهدي » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 249 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي معارف ابن قتيبة / 413 : « هو من ولد ضرار بن عمرو الضبي ، وبنو ضرار من سادة ضبة ، وكان على شُرَط أبي جعفر وولاه المهدي خراسان ، وولي شرطة موسى . وابنه عبد الله بن المسيب ولي مصر وفارس والجزيرة ، ومحمد بن المسيب ولي شرطة محمد الأمين ، والعباس بن المسيب ولي شرطة المأمون ، وزهير بن المسيب ولي كرمان لهارون ، وكان للمسيب بن زهير أخ يقال له عمرو بن زهير ولي لأبي جعفر الكوفة » . وتاريخ خليفة / 380 ، وابن خلدون : 3 / 212 .
وقال الطبري ( 6 / 302 ) إنه كان صديقاً ليحيى بن خالد البرمكي ، لكن المسيب كان يميل إلى العلويين ويتصف بالجرأة ! ففي مروج الذهب ( 1 / 480 ) : « ذكر أن المنصور قال يوماً لجلسائه بعد قتل محمد وإبراهيم ( الحسنيين ) : تاللّه ما رأيتُ رجلاً أنصح من الحجاج لبني مروان ! فقام المسيب بن زهير الضبي فقال : يا أمير المؤمنين ما سبقَنَا الحجاج بأمر تخلَّفْنَا عنه ، والله ما خلق الله على جديد الأرض خلقاً أعز علينا من نبينا ، وقد أمرتَنَا بقتل أولاده فأطعناك وفعلنا ذلك فهل نصحناك أم لا ؟ فقال له المنصور : أجلس لا جلست » !
نلاحظ أن كلمة المسيب لو قالها غيره لكان جزاؤه القتل ، لكن المنصور اكتفى بالغضب والدعاء عليه بسبب دوره التاريخي وولائه للعباسيين ! ورووا عنه من موضوعات العباسيين أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) أوصى بالخلافة لعمه العباس لكن روى عنه الحاكم ( 3 / 142 ) والخوارزمي ( المناقب / 361 ) أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) قال : « النظر إلى وجه علي عبادة » ، وهو يؤكد ميله إلى العلويين .
وكان المسيب مسؤولاً عن سجن الإمام الكاظم ( عليه السلام ) ويظهر أن ذلك في حبسه الأول سنة سبعين ومائة ، فهداه الله على يده . وكان مسؤولاً في المرة الأخيرة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 250 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بنحو ما مع مسؤولية السندي المباشرة . وكان عند شهادة الإمام ( عليه السلام ) كبير السن ، فأحضره لإيمانه ومكانته في الدولة ليخبر هارون وحاشيته بما قاله له ( عليه السلام ) .
وذكر في تاريخ بغداد ( 13 / 139 ) أنه توفي سنة ست وسبعين ومائة ، وهو ابن ست وسبعين سنة ، وبما أن شهادة الإمام الكاظم ( عليه السلام ) كانت سنة ثلاث وثمانين ومائة ، فالظاهر أن وفاة المسيب في ست وتسعين ، ووقع تصحيف بين السبع والتسع وهو كثير ، أو يكون الذي دعاه الإمام ( عليه السلام ) وأوصاه ابنه محمد بن المسيب ، ففي تاريخ بغداد : 4 / 65 ، أنه : « ولي الشرطة للرشيد والأمين ، ومات ببغداد » .
ب - نلفت إلى شهادة المسيب بأن الذي غسل الإمام ( عليه السلام ) وكفنه وصلى عليه ابنه الإمام الرضا ( عليه السلام ) على قاعدة أن المعصوم لا يغسله إلا معصوم ، وهو يدل على قدم المسيب الراسخ في التشيع .
وروى في الكافي : 1 / 384 « عن أحمد بن عمر الحلال عن الرضا ( عليه السلام ) : قلت له : إنهم يحاجونا يقولون إن الإمام لا يغسله إلا الإمام ! قال فقال ( عليه السلام ) : ما يدريهم من غسله ، فما قلت لهم ؟ قال : فقلت : جعلت فداك قلت لهم : إن قال مولاي إنه غسله تحت عرش ربي فقد صدق ، وإن قال غسله في تخوم الأرض فقد صدق ، قال : لا هكذا ، فقلت : فما أقول لهم ؟ قال : قل لهم إني غسلته ، فقلت : أقول لهم إنك غسلته ؟ فقال : نعم . . . عن طلحة قال قلت للرضا ( عليه السلام ) : إن الإمام لا يغسله إلا الإمام ؟ فقال : أما تدرون من حضر لغسله ؟ قد حضره خير ممن غاب عنه : الذين حضروا يوسف في الجب حين غاب عنه أبواه وأهل بيته » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 251 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي الخرائج : 1 / 264 ، عن الإمام الباقر ( عليه السلام ) قال : « كان فيما أوصى به إلي أبي علي بن الحسين أن قال : يا بني إذا أنا مت فلا يلي غسلي غيرك ، فإن الإمام لا يغسله إلا إمام مثله » وبمعناه الكافي : 1 / 459 ، و : 3 / 159 ، ومناقب آل أبي طالب : 3 / 351 و 480 .
ج - قوله ( عليه السلام ) : « ولا تأخذوا من تربتي شيئاً لتتبركوا به ، فإن كل تربة لنا محرمة إلا تربة جدي الحسين بن علي ( عليه السلام ) ، فإن الله تعالى جعلها شفاءً لشيعتنا وأوليائنا » .
يدل على أنه يعرف إيمان شيعته به ، وأنهم سيزورون قبره ، وربما أخذوا من ترابه للتبرك ، فأراد أن يحافظ على الخصوصية الشرعية لتربة جده الحسين ( عليه السلام ) .
وقد بحث الفقهاء هذه المسألة ، وأفتوا بحرمة أكل التراب باستثناء شئ يسير من تربة الإمام الحسين ( عليه السلام ) . قال الشيخ الطوسي في النهاية / 590 : « ولا يجوز أكل شئ من الطين على اختلاف أجناسه ، إلا طين قبر الحسين بن علي ( عليهما السلام ) ، فإنه يجوز أن يؤكل منه اليسير للاستشفاء به ، ولا يجوز الإكثار منه على حال » .
وقال صاحب الجواهر ( 36 / 368 ) : « وعلى كل حال فظاهر الفتاوى الاقتصار على استثناء قبر الحسين من بين قبورهم ( عليهم السلام ) حتى النبي ( صلى الله عليه وآله ) . بل المعروف كون ذلك من خواصه ( عليه السلام ) كما ورد به بعض النصوص »
وفي صحيح إسحاق بن عمار ( رحمه الله ) عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) قال : « إن لموضع قبر الحسين بن علي حرمة معلومة من عرفها واستجار بها أجير . قلت : فصف لي موضعها جعلت فداك . قال : إمسح من موضع قبره اليوم فامسح خمسة وعشرين ذراعاً من ناحية رجليه وخمسة وعشرين ذراعاً من خلفه ، وخمسة وعشرين ذراعاً مما يلي وجهه ، وخمسة وعشرين ذراعاً من ناحية رأسه ، وموضع قبره منذ يوم دفن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 252 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
روضة من رياض الجنة ، ومنه معراج يعرج فيه بأعمال زواره إلى السماء ، فليس ملك ولا نبي في السماوات إلا وهم يسألون الله أن يأذن لهم في زيارة قبر الحسين ، ففوج ينزل وفوج يعرج » . ( الكافي : 4 / 588 ) .
د - تقدم أن يحيى بن خالد الأب الرضاعي لهارون ، كان معه في الرقة وشاهد غضب هارون على ابنه الفضل بن يحيى حتى أمر الناس بلعنه لأنه عصاه ولم يقتل الإمام الكاظم ( عليه السلام ) ، فهدأه يحيى وتكفل له بأنه يعالج أمر ابنه وينفذ أمره ، فجاء إلى بغداد على البريد بسرعة ورتب أمر سُمِّ الإمام الكاظم ( عليه السلام ) !
وقال المفيد في الإرشاد : 2 / 243 : « ثم خرج يحيى بن خالد على البريد حتى وافى بغداد ، فماج الناس وأرجفوا بكل شئ ، وأظهر أنه ورد لتعديل السواد والنظر في أمر العمال ، وتشاغل ببعض ذلك أياماً ، ثم دعا السندي فأمره فيه بأمره فامتثله ، وكان الذي تولى به السندي قتله ( عليه السلام ) سُمّاً جعله في طعام قدمه إليه ، ويقال إنه جعله في رطب أكل منه فأحس بالسم ، ولبث ثلاثاً بعده موعوكاً منه ، ثم مات في اليوم الثالث » . « وكانت وفاته ( عليه السلام ) في مسجد هارون الرشيد وهو المعروف بمسجد المسيب ، وهو في الجانب الغربي من باب الكوفة ، لأنه نقل إليه من دار تعرف بدار عمرويه » . ومناقب آل أبي طالب : 3 / 438 .
« وروي : أنه ( عليه السلام ) لما حضرته الوفاة ، سأل السندي بن شاهك أن يحضره مولى له مدنياً ينزل عند دار العباس بن محمد في مشرعة القصب ليتولى غسله وتكفينه ، ففعل ذلك . قال السندي بن شاهك : وكنت أسأله في الإذن لي في أن أكفنه فأبى وقال : إنا أهل بيت مهور نسائنا وحج صرورتنا وأكفان موتانا من طاهر أموالنا ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 253 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وعندي كفن وأريد أن يتولى غسلي وجهازي مولاي فلان ، فتولى ذلك منه » . ( الإرشاد : 2 / 243 ، والفقيه : 1 / 189 ) .

2 - المكان الذي استشهد فيه الإمام ( عليه السلام )

عرف السجن الذي كان فيه الإمام ( عليه السلام ) باسم حبس المسيب ، لأن المسيب بن زهير كان رئيس الشرطة قبل السندي ، قال في دلائل الإمامة / 305 : « وكانت وفاته ( عليه السلام ) في حبس المسيب ، وهو المسجد الذي بباب الكوفة الذي فيه السدرة » .
وفي عيون أخبار الرضا ( عليه السلام ) : 2 / 92 : « عن جماعه من مشايخ أهل المدينة قالوا لما مضى خمسة عشر سنة من ملك الرشيد استشهد ولي الله موسى بن جعفر ( عليهما السلام ) مسموماً ، سمه السندي بن شاهك بأمر الرشيد في الحبس المعروف بدار المسيب بباب الكوفة وفيه السدرة . ومضى إلى رضوان الله تعالى وكرامته يوم الجمعة لخمس خلون من رجب سنه ثلاث وثمانين ومائه من الهجرة ، وقد تم عمره أربعاً وخمسين سنه ، وتربته بمدينة السلام في الجانب الغربي بباب التبن في المقبرة المعروفة بمقابر قريش » .
وفي عيون المعجزات / 91 : « عن أحمد بن محمد بن السمط قال : سمعت من أصحاب الحديث والرواة المذكورين ، أن موسى بن جعفر ( عليه السلام ) كان في حبس هارون الرشيد وهو في المسجد المعروف بمسجد المسيب من جانب الغربي بباب الكوفة ، لأنه قد نقل الموضع إليه من دار السندي بن شاهك ، وهي الدار المعروفة بدار أبي عمرويه » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 254 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي المستجاد من الإرشاد / 213 ، والثاقب في المناقب / 512 : « وقد روى أكثر الناس أنه لما توجه أبو جعفر ( عليه السلام ) من بغداد منصرفاً من عند المأمون ، ومعه أم الفضل ابنة المأمون قاصداً بها المدينة ، صار إلى شارع باب الكوفة ومعه الناس يشيعونه فانتهى إلى دار المسيب عند مغيب الشمس فنزل ودخل المسجد وكان في صحنه نبقة لم تحمل بعد ، فدعا بكوز فيه ماء فتوضأ في أصل النبقة ، وقام وصلى بالناس صلاة المغرب فقرأ في الأولى منها الحمد وإذا جاء نصر الله ، وقرأ في الثانية الحمد وقل هو الله ، وقنت قبل ركوعه فيها وصل الثالثة وتشهد وسلم ، ثم جلس هنيهة يذكر الله جل اسمه ، وقام من غير أن يعقب فصلى النوافل أربع ركعات وعقب تعقيبها ، وسجد سجدتي الشكر ثم خرج ، فلما انتهى إلى النبقة رآها الناس وقد حملت حملاً حسناً ! فتعجبوا من ذلك وأكلوا منها فوجدوها نبقاً حلواً لا عجم له ! وودعوه ومضى من وقته إلى المدينة » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 255 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

3 - إهانة هارون لجنازة الإمام ( عليه السلام ) وتكريم عمه لها

قال الطبرسي في إعلام الورى : 2 / 34 : « ولما استشهد صلوات الله عليه أدخل السندي عليه الفقهاء ووجوه الناس من أهل بغداد وفيهم الهيثم بن عدي ، فنظروا إليه لا أثر به من جراح ولا خنق ، ثم وضعه على الجسر ببغداد ، وأمر يحيى بن خالد فنودي : هذا موسى بن جعفر الذي تزعم الرافضة أنه لا يموت ، قد مات فانظروا إليه ، فجعل الناس يتفرسون في وجهه وهو ميت ، ثم حمل فدفن في مقابر قريش ، وكانت هذه المقبرة لبني هاشم والأشراف من الناس قديماً » .
وروى الصدوق ( رحمه الله ) في كمال الدين / 38 : « عن الحسن بن عبد الله الصيرفي عن أبيه قال : توفي موسى بن جعفر ( عليهما السلام ) في يد السندي بن شاهك فحمل على نعش ونودي عليه : هذا إمام الرافضة فاعرفوه ! فلما أتيَ به مجلس الشرطة ، أقام أربعة نفر فنادوا : ألا من أراد أن ينظر إلى الخبيث بن الخبيث موسى بن جعفر فليخرج ! فخرج سليمان بن أبي جعفر من قصره إلى الشط فسمع الصياح والضوضاء فقال لولده وغلمانه : ما هذا ؟ قالوا : السندي بن شاهك ينادي على موسى بن جعفر على نعش ، فقال لولده وغلمانه : يوشك أن يفعل به هذا في الجانب الغربي ، فإذا عبر به فأنزلوا مع غلمانكم فخذوه من أيديهم فإن مانعوكم فاضربوهم وخرقوا ما عليهم من السواد ! قال : فلما عبروا به نزلوا إليهم فأخذوه من أيديهم وضربوهم وخرقوا عليهم سوادهم ووضعوه في مفرق أربع طرق ، وأقام المنادين ينادون : ألا مَن أراد أن ينظر إلى الطيب بن الطيب موسى بن جعفر فليخرج ! وحضر الخلق وغسله وحنطه بحنوط وكفنه بكفن فيه حبرة استعملت
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 256 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
له بألفي وخمس مائة دينار مكتوباً عليها القرآن كله ! واحتفى ( خلع نعليه ) ومشى في جنازته متسلباً مشقوق الجيب ، إلى مقابر قريش فدفنه هناك . وكتب بخبره إلى الرشيد فكتب إلى سليمان بن أبي جعفر : وصلت رحمك يا عم ، وأحسن الله جزاك والله ما فعل السندي بن شاهك لعنه الله ما فعله عن أمرنا » ! والعيون : 2 / 93 .
وفي الغيبة للطوسي / 23 : « فروى يونس بن عبد الرحمن قال : حضر الحسين بن علي الرواسي جنازة أبي إبراهيم ( عليه السلام ) فما وضع على شفير القبر إذا رسول من سندي بن شاهك قد أتى أبا المضا خليفته وكان مع الجنازة ، أن أكشف وجهه للناس قبل أن تدفنه حتى يروه صحيحاً ، لم يحدث به حدث قال : وكشف عن وجه مولاي حتى رأيته وعرفته ثم غطي وجهه وأدخل قبره صلى الله عليه » .
وفي عيون أخبار الرضا ( عليه السلام ) : 2 / 96 : « عن سليمان بن حفص المروزي قال : إن هارون الرشيد قبض على موسى بن جعفر ( عليه السلام ) سنه تسع وسبعين ومائة وتوفي في حبسه ببغداد لخمس ليال بقين من رجب سنه ثلاث وثمانين ومائة وهو ابن سبع وأربعين سنة ، ودفن في مقابر قريش ، وكانت إمامته خمساً وثلاثين سنة وأشهراً وأمه أم ولد ، يقال لها : حميدة وهي أم أخويه إسحاق ومحمد ابني جعفر بن محمد ( عليهما السلام ) ونص على ابنه علي بن موسى الرضا ( عليه السلام ) بالإمامة بعده » .
وفي مناقب آل أبي طالب : 3 / 441 : « قال القاضي :

وهارونكم أردى بغير جريرة * نجوم تُقَىً مثل النجوم الكواكب
ومأمونكم سم الرضا بعد بيعة * فآدت له شم الجبال الرواسب . .

وقال الناشي :

ببغداد وإن ملئت قصورا * قبور أغشت الآفاق نورا

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 257 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

ضريح السابع المعصوم موسى * إمام يحتوي مجداً وخيرا
بأكناف المقابر من قريش * له جدث غدا بهجاً نضيرا
وقبر محمد في ظهر موسى * يغشى نور بهجته الحضورا
هما بحران من علم وحلم * تجاوز في نفاستها البحورا
إذا غارت جواهر كل بحر * فجوهرها ينزه أن يغورا
يلوح على السواحل من بغاه * تحصل كفه الدر الخطيرا » .

4 - سليمان بن أبي جعفر عم هارون

قال عنه في تاريخ بغداد : 9 / 25 : « سليمان بن أبي جعفر المنصور ، وهو عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب ، يكنى أبا أيوب ، حدث عن أبيه روت عنه ابنته زينب وإليه ينسب درب سليمان ببغداد . » . ثم ذكر أنه مات سنة تسع وتسعين وعمره خمسون سنة ، فعمره قريب من عمر هارون .
وتزوج هارون العباسة بنت سليمان سنة 187 ، وتزوج عزيزة مطلقة سليمان وهي بنت خال هارون . ( الطبري : 6 / 540 ) .
وكان سليمان وبنته زينب يرويان أن جدهم ابن عباس قال لابنه : « يا بني إذا أفضى هذا الأمر إلى ولدك فسكنوا السواد ولبسوا السواد ، وكان شيعتهم أهل خراسان لم يخرج هذا الأمر منهم إلا إلى عيسى بن مريم » ! ( تاريخ بغداد : 14 / 435 ، وتاريخ دمشق : 22 / 336 ) .
وكان سليمان أحد القادة الثلاثة الذين أرسلهم موسى الهادي لقمع ثورة العلويين في مكة بقيادة الحسين بن علي صاحب فخ ( رحمه الله ) ، والآخران : العباس بن محمد بن علي ، وموسى بن عيسى ( تاريخ اليعقوبي : 2 / 404 ، والوافي : 12 / 282 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 258 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وهجا أبو سماعة سليمان فأمر هارون بحلق رأسه ولحيته ! ( تاريخ دمشق : 16 / 8 ) . وكان سليمان والياً على الكوفة عندما خرج محمد بن إبراهيم بن طباطبا وأبو السرايا فهزموا جيش الدولة وملكوا الكوفة ، ثم عاود العباسيون حملتهم لما مات ابن طباطبا ، واسترجعوا الكوفة سنة 199 . ( الطبري : 7 / 117 ) .
كما كان سليمان : « أمير دمشق ، وليها للرشيد ثم للأمين مرتين ، وولي إمرة البصرة مرتين أيضاً » . ( الأعلام : 3 / 128 ) . وفي عهد ولايته للشام خرج شخص من ذرية يزيد وادَّعى أنه السفياني : « وكان بنو أمية يروون فيه الروايات ويذكرون أن فيه علامات السفياني . . وطرد عنها سليمان بن أبي جعفر بعد حصره إياه بدمشق فلم يفلت منهم إلا بعد اليأس ولحقه الغوغاء والرعاع ونهبوا أواخر عسكره » ( تاريخ دمشق : 43 / 29 ) .
وقال في الأعلام : 4 / 303 ، عن هذا السفياني : « كان من أهل العلم والرواية يقول حين يفاخر : أنا ابن شيخيْ صفين ! لأن أمه حفيدة علي بن أبي طالب ، وأباه حفيد معاوية ، ويلقبه خصومه بأبي العميطر وهو الحرذون . . . فدعا إلى نفسه وطرد عامل الأمين على دمشق الأمير سليمان بن أبي جعفر المنصور ، وامتلكها سنة 195 وبويع بالخلافة وهو ابن تسعين سنة ، وكان أصحابه يجولون في أسواق دمشق ويقولون للناس : قوموا بايعوا مهدي الله » !
و « كان الركيبي يأخذ البيعة لأبي العميطر على الناس في الأسواق ، وكان يدور على منازل أهل دمشق فمن خرج إليه أخذ عليه البيعة ، ومن لم يخرج يقول : يا غلام سَمِّر بابه وأشمت به جاره » ! ( تاريخ دمشق : 21 / 97 )
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 259 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وذكر في الأعلام أنه خرج بعده مسلمة المرواني وزعم أنه السفياني وقبض على السفياني العميطر وحبسه ! ثم هاجم القيسية مسلمة فهرب في ثياب النساء ، وبايع أهل الشام للمأمون .
وكان سليمان المذكور مع الأمين في حربه مع أخيه المأمون ، ولما ضعف أمره راسل سليمان المأمون ! « وكان محمد قد حبس سليمان بن أبي جعفر وإبراهيم بن المهدي لأمر بلغه ، فلما صار هرثمة على باب بغداد أخرجهما من الحبس ، ووجه بهما مع جماعة » ( اليعقوبي : 2 / 441 ) . راجع في حياته : اليعقوبي : 2 / 409 1 ، وتاريخ خليفة / 366 ، وتاريخ بغداد : 1 / 105 ، و 107 ، والوافي : 16 / 383 وتاريخ دمشق : 22 / 337 ، و : 38 / 117 ، و : 43 / 27 ، و : 48 / 236 ، و : 60 / 352 ، والطبري : 6 / 485 ، و : 7 / 25 ، و 50 ، و : 7 / 77 ) .
أقول : يدل تاريخ سليمان بن أبي جعفر المنصور ، على أنه قام بتكريم جنازة الإمام الكاظم ( عليه السلام ) لمصلحة العباسيين ، حتى لا تتفاقم عليهم نقمة الناس ، خاصة وأن العلويين كانوا ثائرين في عدة مناطق .

5 - صار قبر الإمام ( عليه السلام ) مزاراً ومشهداً من أول يوم

قال الذهبي في سير أعلام النبلاء : 6 / 273 : « قلت : له مشهد عظيم مشهور ببغداد ، دفن معه فيه حفيده الجواد . ولولده علي بن موسى مشهد عظيم بطوس . وكانت وفاة موسى الكاظم في رجب سنة ثلاث وثمانين ومئة . عاش خمساً وخمسين سنة »
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 260 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال أبو الفداء / 283 : « وتوفي في هذه السنة أعني سنة ثلاث وثمانين ومائة ، لخمس بقين من رجب ببغداد ، وقبره مشهور هناك ، وعليه مشهد عظيم في الجانب الغربي من بغداد » .
وقال السمعاني في الأنساب : 5 / 405 : « الموسوي : بضم الميم والسين المهملة المفتوحة بين الواوين ، هذه النسبة لجماعة من السادة العلوية ينتسبون إلى موسى الكاظم ، وهو موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وفيهم كثرة . . ومشهده ببغداد مشهور يزار ، يقال له مشهد باب التبن ويقال له مقابر قريش أيضاً ، زرته غير مرة ، مع ابن ابنه محمد بن الرضا » .
وقال في وفيات الأعيان : 5 / 310 : « قال الخطيب : توفي في الحبس ودفن في مقابر الشونيزيين خارج القبة ، وقبره هناك مشهور يزار وعليه مشهد عظيم فيه قناديل الذهب والفضة وأنواع الآلات والفرش ما لا يحد ، وهو في الجانب الغربي » .
« قال الرضا ( عليه السلام ) : من زار قبر أبي ببغداد كمن زار قبر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وقبر أمير المؤمنين ( عليه السلام ) إلا أن لرسول الله ولأمير المؤمنين صلوات الله عليهما فضلهما » ( الكافي : 4 / 583 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 261 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الثالث عشر : هارون يقتل الإمام ( عليه السلام ) وينكر قتله !

1 - لما رأى هارون معجزات الإمام ( عليه السلام ) قرر قتله !

في غيبة الطوسي / 24 : « عن محمد بن عباد المهلبي قال : لما حبس هارون الرشيد أبا إبراهيم موسى ( عليه السلام ) وأظهر الدلائل والمعجزات وهو في الحبس ، تحير الرشيد فدعا يحيى بن خالد البرمكي فقال له : يا أبا علي أما ترى ما نحن فيه من هذه العجائب ، ألا تدبر في أمر هذا الرجل تدبيراً يريحنا من غمه ؟ !
فقال له يحيى بن خالد البرمكي : الذي أراه لك يا أمير المؤمنين أن تمنن عليه وتصل رحمه ، فقد والله أفسد علينا قلوب شيعتنا ، وكان يحيى يتولاه وهارون لا يعلم ذلك . فقال هارون : انطلق إليه وأطلق عنه الحديد ، وأبلغه عني السلام وقل له : يقول لك ابن عمك : إنه قد سبق مني فيك يمين أني لا أخليك حتى تقر لي بالإساءة ، وتسألني العفو عما سلف منك ، وليس عليك في إقرارك عار ، ولا في مسألتك إياي منقصة ، وهذا يحيى بن خالد ثقتي ووزيري وصاحب أمري فسله بقدر ما أخرج من يميني ، وانصرف راشداً !
قال محمد بن عباد : فأخبرني موسى بن يحيى بن خالد : أن أبا إبراهيم ( عليه السلام ) قال ليحيى : يا أبا علي أنا ميت ، وإنما بقي من أجلي أسبوع ، أكتم موتي وائتني يوم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 262 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الجمعة عند الزوال وصل علي أنت وأوليائي فرادى ، وانظر إذا سار هذا الطاغية إلى الرقة وعاد إلى العراق ، لا يراك ولا تراه لنفسك ، فإني رأيت في نجمك ونجم ولدك ونجمه ، أنه يأتي عليكم فاحذروه ! ثم قال : يا أبا علي أبلغه عني : يقول لك موسى بن جعفر : رسولي يأتيك يوم الجمعة فيخبرك بما ترى وستعلم غداً إذا جاثيتك بين يدي الله من الظالم والمعتدي على صاحبه ، والسلام !
فخرج يحيى من عنده ، واحمرت عيناه من البكاء حتى دخل على هارون فأخبره بقصته وما رد عليه ، فقال هارون : إن لم يدع النبوة بعد أيام فما أحسن حالنا !
فلما كان يوم الجمعة توفي أبو إبراهيم ( عليه السلام ) وقد خرج هارون إلى الرقة قبل ذلك فأُخرج إلى الناس حتى نظروا إليه ثم دفن ( عليه السلام ) ، ورجع الناس فافترقوا فرقتين : فرقة تقول : مات ، وفرقة تقول لم يمت » !
ملاحظات :
1 - تدل الرواية على أن هارون كان متخوفاً من معجزات الإمام ( عليه السلام ) التي رآها منه في سجنه الأول والثاني ، فطلب من مستشاره يحيى البرمكي أن يقترح عليه عملاً يواجه به معجزات الإمام ( عليه السلام ) حتى لا يعتقد الناس بإمامته !
وقد كانت هذه المشكلة مطروحة بين هارون ويحيى من أول خلافته ، فقد استقدم الإمام ( عليه السلام ) وناظره وحبسه ثم أطلقه ، ثم اشتدت عندما حبسه بعد تسع سنوات . وقد يكون طرَح الموضوع مع يحيى قبل سفره إلى الرقة ، وأصدر أمره إلى رئيس وزرائه الفضل بن يحيى بأن يقتل الإمام ( عليه السلام ) !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 263 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
2 - نصت الروايات على أن هارون كان عند شهادة الإمام الكاظم ( عليه السلام ) في الرقة وأن وزيره الفضل عصى أمره بقتل الإمام ( عليه السلام ) ووسع عليه في سجنه ، فغضب عليه هارون ولعنه ، ثم أرسل أباه يحيى مسرعاً على البريد ليعالج معصية ابنه ويرتب قتل الإمام ( عليه السلام ) ! وقد وقع لفظ المدائن بدل الرقة خطأ في بعض الروايات . كما أن من البعيد أن يكون الرشيد عاد في أيام قتله للإمام ( عليه السلام ) إلى بغداد « والطريق من بغداد إلى الرقة خمس عشرة مرحلة وطريق آخر من بغداد إلى الرقة ويؤخذ في عشر مراحل أو نحوها » ( نزهة المشتاق : 2 / 657 ) .
كما أن الرواية تزعم أن يحيى بن خالد كان شيعياً يتولى الإمام الكاظم ( عليه السلام ) ويخفي ذلك عن هارون ، مع أنه هو الذي سعى بالإمام وحرض هارون عليه ! فلا بد من القول إن راويها محمد بن عباد المهلبي تخيل أن يحيى كان شيعياً . والمرجح أن موسى بن يحيى البرمكي هو الذي زعم ذلك لأبيه ، بعد أن انتقم الله منه وإخوته ! فقد كان موسى والياً على الشام وعزله هارون في غضبه على البرامكة ( تاريخ دمشق : 61 / 232 ، والطبري : 6 / 457 . وفي الأعلام ( 7 / 331 ) أن المأمون ولاه السند ، وبقي أولاده فيها ، ومعجم البلدان : 1 / 510 ، واليعقوبي : 2 / 479 ) .
وقال في عيون أخبار الرضا ( عليه السلام ) : 2 / 82 : « ثم سلم إلى السندي بن شاهك فحبسه وضيق عليه ثم بعث الرشيد بسم في رطب ، وأمره أن يقدمه إليه ويحتم عليه في تناوله منه ، ففعل فمات صلوات الله عليه » !
وقال المفيد في الإرشاد : 2 / 242 : « ثم خرج يحيى بن خالد بنفسه على البريد حتى وافى بغداد فماج الناس وأرجفوا بكل شئ وأظهر أنه ورد لتعديل السواد والنظر
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 264 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
في أمر العمال ، وتشاغل ببعض ذلك أياماً ، ثم دعا السندي فأمره فيه بأمره فامتثله ! وكان الذي تولى به السندي قتله سُمَّاً جعله في طعام قدمه إليه ، ويقال إنه جعله في رطب أكل منه فأحس بالسم ، ولبث ثلاثاً بعده موعوكاً منه ، ثم مات في اليوم الثالث » .
وفي إعلام الورى : 2 / 61 : « فوسع عليه الفضل بن يحيى وأكرمه ، فبلغ ذلك الرشيد وهو بالرقة فكتب إليه يأمره بقتله فتوقف عن ذلك ، فاغتاظ الرشيد لذلك وتغير عليه وأمر به فأدخل على العباس بن محمد وجرد وضرب مائة سوط ! وأمر بتسليم موسى بن جعفر ( عليهما السلام ) إلى السندي بن شاهك . وبلغ يحيى بن خالد الخبر ففزع إلى الرشيد وقال له : أنا أكفل بما تريد ، ثم خرج إلى بغداد ودعا بالسندي وأمره فيه بأمره ، فامتثله وسمه في طعام قدمه إليه ويقال إنه جعله في رطب أكل منه فأحس بالسم ولبث بعده موعوكاً ثلاثة أيام ومات ( عليه السلام ) » .
وفي تاريخ ابن خلدون : 4 / 29 : « وحبسه عند ابن شاهك ، ويقال إن يحيى بن خالد سمه في رطب فقتله وتوفي سنة ثلاث وثمانين ومائة . وزعم شيعتهم أن الإمام بعده ابنه على الرضا وكان عظيماً في بني هاشم » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 265 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

2 - هارون يحاول إثبات براءته من دم الإمام ( عليه السلام )

روى في الكافي : 1 / 258 : « عن الحسن بن محمد بن بشار قال : حدثني شيخ من أهل قطيعة الربيع من العامة ببغداد ، ممن كان ينقل عنه ، قال قال لي : قد رأيت بعض من يقولون بفضله من أهل هذا البيت ، فما رأيت مثله قط في فضله ونسكه ! فقلت له : من وكيف رأيته ؟ قال : جمعنا أيام السندي بن شاهك ثمانين رجلاً من الوجوه المنسوبين إلى الخير ، فأدخلنا على موسى بن جعفر فقال لنا السندي : يا هؤلاء أنظروا إلى هذا الرجل هل حدث به حدث ؟ فإن الناس يزعمون أنه قد فعل به ويكثرون في ذلك ، وهذا منزله وفراشه موسع عليه غير مضيق ، ولم يرد به أمير المؤمنين سوءً ، وإنما ينتظر به أن يقدم فيناظر أمير المؤمنين ! وهذا هو صحيح موسع عليه في جميع أموره فسلوه . قال : ونحن ليس لنا هم إلا النظر إلى الرجل والى فضله وسمته ، فقال موسى بن جعفر : أما ما ذكر من التوسعة وما أشبهها فهو على ما ذكر ، غير أني أخبركم أيها النفر أني قد سقيت السم في سبع تمرات وأنا غداً أخْضَرُّ ، وبعد غد أموت قال : فنظرت إلى السندي بن شاهك يضطرب ويرتعد مثل السعفة » ! ورواه أمالي الصدوق / 213 ، وغيبة الطوسي / 32 ، وقرب الإسناد / 333 ، والعيون : 2 / 91 ، وفيه : « قال الحسن : وكان هذا الشيخ من خيار العامة ، شيخ صدوق مقبول القول ، ثقة جداً عند الناس » .
وفي عيون أخبار الرضا ( عليه السلام ) : 2 / 91 : « حدثني عمر بن واقد قال : أرسل السندي بن شاهك في بعض الليل وأنا ببغداد يستحضرني ، فخشيت أن يكون ذلك لسوء يريده بي . قال فأوصيت عيالي بما احتجت إليه وقلت : إنا لله وإنا إليه راجعون ، ثم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 266 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ركبت إليه فلما رآني مقبلاً قال : يا أبا حفص لعلنا أرعبناك وأفزعناك ؟ قلت : نعم قال : فليس هناك إلا خير . قلت : فرسول تبعثه إلى منزلي يخبرهم بخبري . قال : نعم ثم قال : يا أبا حفص أتدري لم أرسلت إليك ؟ فقلت : لا ، قال : أتعرف موسى بن جعفر ؟ قلت : إي والله إني لأعرفه وبيني وبينه صداقه منذ دهر ، فقال : مَن هاهنا ببغداد يعرفه ممن يقبل قوله ؟ فسميت له أقواماً ، ووقع في نفسي أنه قد مات ! قال : فبعث فجاء بهم كما جاء بي فقال : هل تعرفون قوماً يعرفون موسى بن جعفر ؟ فسموا له قوماً فجاء بهم ، فأصبحنا ونحن في الدار نيف وخمسون رجلاً ممن يعرف موسى بن جعفر وقد صحبه ، قال ثم قام ودخل ، وصلينا ، فخرج كاتبه ومعه طومار وكتب أسماءنا ومنازلنا وأعمالنا وحلانا ، ثم دخل إلى السندي قال : فخرج السندي فضرب يده فقال لي : قم يا أبا حفص فنهضت ونهض أصحابنا ودخلنا ، فقال لي : يا أبا حفص إكشف الثوب عن وجه موسى بن جعفر فكشفته فرأيته ميتاً ، فبكيت واسترجعت ، ثم قال للقوم : أنظروا إليه فدنا واحد واحد فنظروا إليه ، ثم قال : تشهدون كلكم أن هذا موسى بن جعفر بن محمد ؟ قال قلنا : نعم نشهد أنه موسى بن جعفر بن محمد . ثم قال : يا غلام إطرح على عورته منديلاً واكشفه ، قال ففعل قال : أترون أثراً تنكرونه ؟ فقلنا : لا ما نرى به شيئاً ولا نراه إلا ميتاً . قال : فلا تبرحوا حتى تغسلوه وتكفنوه قال : فلم نبرح حتى غسل وكفن وحمل إلى المصلى ، فصلى عليه السندي بن شاهك ، ودفناه ورجعنا » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 267 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي الإرشاد : 2 / 243 : « ولما مات موسى ( عليه السلام ) أدخل السندي بن شاهك عليه الفقهاء ووجوه أهل بغداد ، وفيهم الهيثم بن عدي وغيره ، فنظروا إليه لا أثر به من جراح ولا خنق ، وأشهدهم على أنه مات حتف أنفه فشهدوا على ذلك . وأخرج ووضع على الجسر ببغداد ، ونودي : هذا موسى بن جعفر قد مات فانظروا إليه ، فجعل الناس يتفرسون في وجهه وهو ميت » وإعلام الورى : 2 / 34 .
قال الطوسي في الغيبة / 23 : « فروى يونس بن عبد الرحمن قال : حضر الحسين بن علي الرواسي جنازة أبي إبراهيم ( عليه السلام ) فما وضع على شفير القبر ، إذا رسول من سندي بن شاهك قد أتى أبا المضا خليفته وكان مع الجنازة أن اكشف وجهه للناس قبل أن تدفنه حتى يروه صحيحاً لم يحدث به حدث ! قال : وكشف عن وجه مولاي حتى رأيته وعرفته ، ثم غطي وجهه وأدخل قبره صلى الله عليه » .
وفي عيون أخبار الرضا ( عليه السلام ) : 1 / 96 : « عن محمد بن صدقه العنبري قال : لما توفي أبو إبراهيم موسى بن جعفر ( عليه السلام ) جمع هارون الرشيد شيوخ الطالبية وبني العباس وساير أهل المملكة والحكام ، وأحضر أبا إبراهيم موسى بن جعفر فقال : هذا موسى بن جعفر قد مات حتف أنفه ، وما كان بيني وبينه ما أستغفر الله منه في أمره يعني في قتله ، فانظروا إليه فدخلوا عليه سبعون رجلاً من شيعته فنظروا إلى موسى بن جعفر ( عليه السلام ) وليس به أثر جراحه ولا خنق وكان في رجله أثر الحناء فأخذه سليمان بن أبي جعفر فتولى غسله وتكفينه ، وتحفى وتحسر في جنازته » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 268 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أقول : كان هارون عند شهادة الإمام ( عليه السلام ) في الرقة ، ومن البعيد أنه جاء إلى بغداد فيكون السندي بن شاهك هو الذي جمعهم وأبلغهم كلام هارون هذا .
ومن الملاحظ أن هارون حاول بواسطة السندي أن يبعد التهمة عن نفسه ، بأساليب متعددة ، لكن كيف يمكنه ذلك والإمام ( عليه السلام ) في سجنه ، وقد غضب على وزيره لأنه لم يمتثل أمره فيه ! ولعنه وهو في الرقة ، وبعث من يهينه ويضربه وبعث أباه لينفذ ما لم ينفذه الابن !
إن هذه النصوص كافية لإدانة هارون ، فكيف إذا ضممنا إليها غيرها وهو كثير !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 269 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الرابع عشر : بعض أخبار الإمام الكاظم ( عليه السلام ) في السجن

1 - كان ( عليه السلام ) يشكر الله لأنه فرغه لعبادته !

في عيون أخبار الرضا ( عليه السلام ) : 1 / 88 : « « حدثنا الثوباني قال : كانت لأبي الحسن موسى بن جعفر بضع عشره سنة كل يوم سجدة انقضاضَ الشمس إلى وقت الزوال ، فكان هارون ربما صعد سطحاً يشرف منه على الحبس الذي حبس أبو الحسن ، فكان يرى أبا الحسن ساجداً فقال للربيع : يا ربيع ما ذاك الثوب الذي أراه كل يوم في ذلك الموضع ؟ ! فقال : يا أمير المؤمنين ما ذاك بثوب ، وإنما هو موسى بن جعفر ، له كل يوم سجدة بعد طلوع الشمس إلى وقت الزوال !
قال الربيع : فقال لي هارون : أما إن هذا من رهبان بني هاشم ! قلت : فمالك قد ضيقت عليه الحبس ؟ قال : هيهات لا بد من ذلك » !
أقول : يظهر أن ذلك كان في حبسه ( عليه السلام ) أول خلافة الرشيد ، حيث كان حاجبه الربيع مسؤولاً عن حبس الإمام ( عليه السلام ) . أما الخبر التالي فهو عن حبسه آخر مرة ، لأنه كان عند الفضل بن الربيع ثم عند الفضل بن يحيى ، ثم عند السندي .
في عيون أخبار الرضا ( عليه السلام ) : 2 / 98 ، عن عبد الله الفروي قال : « دخلت على الفضل بن الربيع وهو جالس على سطح فقال لي : أدن فدنوت حتى حاذيته ثم قال لي :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 270 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أشرف إلى بيت الدار فأشرفت فقال : ما ترى في البيت ؟ فقلت : ثوباً مطروحاً ! فقال : أنظر حسناً ، فتأملت ونظرت فتيقنت فقلت : رجل ساجد ! فقال لي : تعرفه ؟ قلت : لا قال : مولاك ! قلت : ومن مولاي ؟ فقال : تتجاهل عليَّ ! فقلت : ما أتجاهل ولكني لا أعرف لي مولى ، فقال : هذا أبو الحسن موسى بن جعفر ! إني أتفقده الليل والنهار فلا أجده في وقت من الأوقات إلا على الحال التي أخبرك بها ، إنه يصلي الفجر فيعقب ساعة دبر الصلاة إلى أن تطلع الشمس ، ثم يسجد سجدةَ فلا يزال ساجداً حتى تزول الشمس ، وقد وكل من يترصد له الزوال ، فلست أدري متى يقول الغلام : قد زالت الشمس ، إذ يثب فيبتدئ الصلاة من غير أن يُحدث ، فأعلم أنه لم ينم في سجوده ولا أغفى ، ولا يزال إلى أن يفرغ من صلاة العصر ، فإذا صلى سجد سجدةً فلا يزال ساجداً إلى أن تغيب الشمس ، فإذا غابت الشمس وثب من سجدته فصلى المغرب من غير أن يحدث حدثاً ! ولا يزال صلاته وتعقيبه إلى أن يصلى العتمة ، فإذا صلى العتمة أفطر على شِوىً يؤتى به ، ثم يجدد الوضوء ، ثم يسجد ثم يرفع رأسه فينام نومته خفيفه ثم يقوم فيجدد الوضوء ، ثم يقوم فلا يزال يصلي في جوف الليل حتى يطلع الفجر . فلست أدري متى يقول الغلام إن الفجر قد طلع ؟ ! إذ قد وثب هو لصلاة الفجر ! فهذا دأبه منذ حول إلى الآن ! فقلت : إتق الله ولا تحدثن في أمره حدثاً يكون فيه زوال النعمة ، فقد تعلم أنه لم يفعل أحد بأحد منهم سوءً إلا كانت نعمته زائلة ! فقال : قد أرسلوا إليَّ غير مرة يأمروني بقتله فلم أجبهم إلى ذلك ، وأعلمتهم أني لا أفعل ذلك ، ولو قتلوني ما أجبتهم إلى ما سألوني !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 271 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فلما كان بعد ذلك ، حُوِّلَ إلى الفضل بن يحيى البرمكي فحبس عنده أياماً ، فكان الفضل بن الربيع يبعث إليه في كل يوم مائدة ، حتى مضى ثلاثة أيام ولياليها ، فلما كانت الليلة الرابعة قدمت مائدة للفضل بن يحيى فرفع ( عليه السلام ) يده إلى السماء فقال : يا رب إنك تعلم أني لو أكلت قبل اليوم كنت قد أعنت على نفسي ! فأكل فمرض فلما كان الغد جاءه الطبيب فعرض عليه خضرة في بطن راحته ، وكان السم الذي سُمَّ به قد اجتمع في ذلك الموضع ، فانصرف الطبيب إليهم فقال : والله لهو أعلم بما فعلتم به منكم ، ثم توفي ( عليه السلام ) » ! ونحوه أمالي الصدوق / 210
وفي مناقب آل أبي طالب : 3 / 440 : « وقال أحمد بن عبد الله : لما نقل الكاظم ( عليه السلام ) من دار الفضل بن الربيع إلى الفضل بن يحيى البرمكي كان ابن الربيع يبعث إليه في كل ليلة مائدة ومنع أن يدخل من عند غيره حتى مضى ثلاثة أيام ، فلما كانت الليلة الرابعة قدمت إليه مائدة البرمكي قال : فرفع رأسه إلى السماء فقال : يا رب أنك تعلم أني لو أكلت قبل اليوم كنت أعنت على نفسي ! قال فأكل فمرض ، فلما كان من الغد بعث إليه بالطبيب فقال ( عليه السلام ) : هذه علتي ، وكانت خضرة في وسط راحته تدل على أنه سم ، فانصرف إليهم وقال : والله لهو أعلم بما فعلتم به منكم » !
وفي تاريخ أبي الفداء / 293 : « ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين ومائة ، فيها توفي موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، ببغداد في حبس الرشيد وحبسه عند السندي بن شاهك . . . وكان يلقب الكاظم : لأنه كان يحسن إِلى من يسيء إِليه . . . وتوفي في
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 272 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
هذه السنة أعني سنة ثلاث وثمانين ومائة ، لخمس بقين من رجب ببغداد وقبره مشهور هناك ، وعليه مشهد عظيم في الجانب الغربي من بغداد » .
أقول : يفهم من قوله ( عليه السلام ) : « يا رب إنك تعلم أني لو أكلت قبل اليوم كنت قد أعنت على نفسي » ! أن السم قدم له مرات قبل ذلك وعرفه الله إياه فتجنبه ، وكان تناوله عليه حراماً ، أما في هذه المرة فكان مأموراً بتناوله !
كما لا يتنافى مع ما رواه في رجال الطوسي ( 2 / 863 ) : « عن عبد الله بن طاووس ، قال : سألت أبا الحسن الرضا ( عليه السلام ) . . . إن يحيى بن خالد سم أباك موسى بن جعفر صلوات الله عليه ؟ قال : نعم سمه في ثلاثين رطبة ، قلت له : فما كان يعلم أنها مسمومة ؟ قال : غاب عنه المحدث . قلت : ومن المحدث ؟ قال : ملك أعظم من جبريل وميكائيل كان مع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وهو مع الأئمة صلوات الله عليهم وليس كل ما طلب وجد » ! فإنها تدل على غياب روح القدس عند تناوله الطعام ، فكأنه ( عليه السلام ) أمره إن غاب عنه ، أن يأكل ما يقدمونه له !
ولا يرد الإشكال : كيف يأذن أو يأمر الله تعالى عبده بأن يتناول السم ؟ لأن تكليف المعصوم ( عليه السلام ) غير تكليفنا ، ولأن الله تعالى : لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 273 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

2 - رسالة الإمام ( عليه السلام ) إلى هارون الرشيد

روت عامة المصادر أن الإمام الكاظم ( عليه السلام ) أرسل من سجنه إلى هارون الرشيد رسالة مختصرة ، لا بد أنها هزت الرشيد ونغصت عليه عيشه ، وهذا نصها :
« إنه لن ينقضي عني يوم من البلاء إلا انقضى عنك معه يوم من الرخاء ، حتى نقضي جميعاً إلى يوم ليس له انقضاء ، يخسر فيه المبطلون » ! ( تاريخ بغداد : 13 / 32 ، وتهذيب الكمال : 29 / 50 ، وسير الذهبي : 6 / 273 ، وكامل ابن الأثير : 6 / 164 ، وتاريخ الذهبي : 12 / 417 ، والفصول المهمة : 2 / 958 ، وصفة الصفوة : 2 / 187 ، والمنتظم : 9 / 88 ) .

3 - رسالة الإمام ( عليه السلام ) إلى يحيى بن خالد البرمكي

روى الطوسي في الغيبة / 51 ، عن « داود بن زربي قال : بعث إلي العبد الصالح ( عليه السلام ) وهو في الحبس فقال : إئت هذا الرجل ، يعني يحيى بن خالد فقل له : يقول لك أبو فلان : ما حملك على ما صنعت ؟ أخرجتني من بلادي ، وفرقت بيني وبين عيالي ! فأتيته وأخبرته فقال : زبيدة طالق وعليه أغلظ الأيمان ، لوددت أنه غرم الساعة ألفي ألف وأنت خرجت ، فرجعت إليه فأبلغته فقال : إرجع إليه فقل له : يقول لك : والله لتخرجني أو لأخرجن » !
أقول : يبدو أن هذه الرسالة في الحبس الأول للإمام ( عليه السلام ) ففيها دعا بالدعاء الذي تقدم : « فقال : يا سيدي نجني من حبس هارون ، وخلصني من يده . يا مخلص الشجر من بين رمل وطين ، ويا مخلص اللبن من بين فرث ودم ، ويا مخلص الولد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 274 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
من بين مشيمة ورحم ، ويا مخلص النار من الحديد والحجر ، ويا مخلص الروح من بين الأحشاء والأمعاء ، خلصني من يد هارون »
ويظهر أن يحيى البرمكي هو الذي كان سعى به وأمر الرشيد بإحضاره وحبسه وذلك في أول خلافة هارون ، وقد كانت كل أمور هارون بيد يحيى !

4 - عاهرة الرشيد صارت عابدة !

قال في مناقب آل أبي طالب : 3 / 415 : « في كتاب الأنوار ، قال العامري : إن هارون الرشيد أنفذ إلى موسى بن جعفر جارية حصيفة لها جمال ووضاءة ، لتخدمه في السجن ، فقال ( عليه السلام ) : قل له : بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ ، لا حاجة لي في هذه ولا في أمثالها ! قال : فاستطار هارون غضباً وقال : إرجع إليه وقل له : ليس برضاك حبسناك ، ولا برضاك أخدمناك ، واترك الجارية عنده وانصرف !
قال فمضى ورجع ، ثم قام هارون عن مجلسه . وأنفذ الخادم إليه ليتفحص عن حالها فرآها ساجدة لربها لا ترفع رأسها تقول : قدوس سبحانك سبحانك ، فقال هارون : سحرها والله موسى بن جعفر بسحره ، عليَّ بها ! فأتيَ بها وهي ترتعد شاخصة نحو السماء بصرها ، فقال : ما شأنك ؟ قالت : شأني الشأن البديع إني كنت عنده واقفة وهو قائم يصلي ليله ونهاره ، فلما انصرف من صلاته بوجهه وهو يسبح الله ويقدسه قلت : يا سيدي هل لك حاجة أعطيكها ؟ قال : وما حاجتي إليك ! قلت : إني أدخلت عليك لحوائجك ، قال : فما بال هؤلاء قالت : فالتفتُّ فإذا روضةٌ مزهرة لا أبلغ آخرها من أولها بنظري ، ولا أولها من آخرها ، فيها مجالس مفروشة بالوشي والديباج ، وعليها وصفاء ووصايف ، لم أر مثل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 275 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وجوههم حسناً ، ولا مثل لباسهم لباساً ، عليهم الحرير الأخضر والأكاليل والدر والياقوت ، وفي أيديهم الأباريق والمناديل ، ومن كل الطعام ، فخررت ساجدة حتى أقامني هذا الخادم ، فرأيت نفسي حيث كنت !
قال فقال هارون : يا خبيثة لعلك سجدت فنمت ، فرأيت هذا في منامك !
قالت : لا والله يا سيدي إلا قبل سجودي رأيت ، فسجدت من أجل ذلك !
فقال الرشيد : إقبض هذه الخبيثة إليك ، فلا يسمع هذا منها أحد !
فأقبلت في الصلاة ، فإذا قيل لها في ذلك قالت : هكذا رأيت العبد الصالح ، فسئلت عن قولها ؟ قالت : إني لما عاينت من الأمر نادتني الجواري يا فلانة إبعدي عن العبد الصالح حتى ندخل عليه ، فنحن له دونك !
فما زالت كذلك حتى ماتت ! وذلك قبل موت موسى ( عليه السلام ) بأيام يسيرة » !

5 - فقهاء السلطة يزورون الإمام ( عليه السلام ) في السجن

التقى الإمام ( عليه السلام ) في سجنه وسفره بكثيرين ، وهدى الله بعضهم على يده ، كالمسيب بن زهير ، وغلام السندي بن شاهك ، والجارية التي بعثها الرشيد !
في الخرائج : 1 / 322 : « عن إسحاق بن عمار قال : لما حبس هارون أبا الحسن موسى دخل عليه أبو يوسف ومحمد بن الحسن صاحبا أبي حنيفة ، فقال أحدهما للآخر : نحن على أحد أمرين إما أن نساويه ، وإما أن نشاكله ، فجلسا بين يديه ، فجاء رجل كان موكلاً به من قبل السندي بن شاهك فقال : إن نوبتي قد انقضت وأنا على الانصراف ، فإن كانت لك حاجة أمرتني حتى آتيك بها في الوقت الذي تلحقني النوبة ؟ فقال له : ما لي حاجة . فلما أن خرج قال لأبي يوسف ومحمد بن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 276 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الحسن : ما أعجب هذا يسألني أن أكلفه حاجة من حوائجي ليرجع ، وهو ميت في هذه الليلة ! قال فغمز أبو يوسف محمد بن الحسن للقيام فقاما ، فقال أحدهما للآخر : إنا جئنا لنسأله عن الفرض والسنة وهو الآن جاء بشئ آخر كأنه من علم الغيب ! ثم بعثا برجل مع الرجل فقالا : إذهب حتى تلزمه وتنتظر ما يكون من أمره في هذه الليلة وتأتينا بخبره من الغد ! فمضى الرجل فنام في مسجد عند باب داره فلما أصبح سمع الواعية ورأى الناس يدخلون داره ، فقال : ما هذا ؟ قالوا : قد مات فلان في هذه الليلة فجأة من غير علة ! فانصرف الرجل إلى أبي يوسف ومحمد وأخبرهما الخبر ، فأتيا أبا الحسن ( عليه السلام ) فقالا : قد علمنا أنك قد أدركت العلم في الحلال والحرام ، فمن أين أدركت أمر هذا الرجل الموكل بك أنه يموت في هذه الليلة ؟ قال : من الباب الذي أخبر بعلمه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ! فلما أورد عليهما هذا بقيا لا يحيران جواباً » !
أقول : يقصد الإمام ( عليه السلام ) ما أخرجه الطبراني في الأوسط ( 2 / 213 ) عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قال في مرضه : ادعوا لي أخي فدعوا له أبا بكر فأعرض عنه ، ثم قال : ادعوا لي أخي ، فدعوا له عمر فأعرض عنه ، ثم قال : ادعوا لي أخي ، فدعوا له عثمان فأعرض عنه ، ثم قال : ادعوا لي أخي ، فدعي له علي بن أبي طالب فستره بثوب وأكب عليه ، فلما خرج من عنده قيل له : ما قال ؟ قال : علمني ألف باب يفتح كل باب إلى ألف باب » ! وتاريخ دمشق : 42 / 385 .
وفي بصائر الدرجات / 326 : « عن الأصبغ بن نباته قال أمرنا أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بالمسير إلى المداين من الكوفة ، فسرنا يوم الأحد وتخلف عمرو بن حريث في
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 277 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
سبعة نفر فخرجوا إلى مكان بالحيرة تسمى الخورنق قالوا نتنزه فإذا كان يوم الأربعاء لحقنا علياً قبل أن يُجَمِّع . فبينا هم يتغذون إذ خرج عليهم ضب فصادوه فأخذه عمرو بن حريث فبسط كفاً فقال : بايعوه هذا أمير المؤمنين ! فبايعه السبعة وعمرو ثامنهم ! وارتحلوا ليلة الأربعاء فقدموا المداين يوم الجمعة وأمير المؤمنين على المنبر يخطب ، ولم يفارق بعضهم بعضاً وكانوا جميعاً حتى نزلوا باب المسجد ، فلما دخلوا نظر إليهم أمير المؤمنين فقال : يا أيها الناس إن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أسرَّ إليَّ الف حديث ، في كل حديث ألف باب ، لكل باب مفتاح ، وإني سمعت الله يقول : يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ، وإني أقسم لكم بالله ليبعثن ثمانية نفر إمامهم الضب ، ولو شئت أن أسميهم فعلت ! قال : فلو رأيت عمرو بن حريث ينتفض كما تنتفض السعفة » !

6 - كان ( عليه السلام ) يجيب من السجن على بعض الرسائل

فقد رويت إجاباته ( عليه السلام ) لمحمد بن أبي عمير وعلي بن سويد السائي ، نسبة إلى الساية قرية قرب المدينة ( النجاسي / 276 ) وهما من كبار شخصيات شيعته .
ففي الكافي : 8 / 124 : « عن علي بن سويد قال : كتبت إلى أبي الحسن موسى ( عليه السلام ) وهو في الحبس كتاباً أسأله عن حاله وعن مسائل كثيرة ، فاحتبس الجواب علي أشهر ، ثم أجابني بجواب هذه نسخته : بسم الله الرحمن الرحيم . الحمد لله العلي العظيم الذي بعظمته ونوره أبصر قلوب المؤمنين ، وبعظمته ونوره عاداه الجاهلون ، وبعظمته ونوره ابتغى من في السماوات ومن في الأرض إليه الوسيلة بالأعمال المختلفة ، والأديان المتضادة ، فمصيب ومخطئ ، وضال ومهتدي ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 278 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وسميع ، وأصم وبصير ، وأعمى حيران . فالحمد لله الذي عرف ووصف دينه محمد ( صلى الله عليه وآله ) . أما بعد فإنك أمرؤ أنزلك الله من آل محمد بمنزلة خاصة وحفظ مودة ما استرعاك من دينه ، وما ألهمك من رشدك وبصرك من أمر دينك ، بتفضيلك إياهم وبردك الأمور إليهم .
كتبت تسألني عن أمور كنت منها في تقية ، ومن كتمانها في سعة ، فلما انقضى سلطان الجبابرة ، وجاء سلطان ذي السلطان العظيم بفراق الدنيا المذمومة إلى أهلها ، العتاة على خالقهم ، رأيت أن أفسر لك ما سألتني عنه ، مخافة أن تدخل الحيرة على ضعفاء شيعتنا من قبل جهالتهم ، فاتق الله عز ذكره وخص بذلك الأمر أهله ، واحذر أن تكون سبب بلية على الأوصياء أو حارشاً عليهم بإفشاء ما استودعتك ، وإظهار ما استكتمتك ، ولن تفعل إن شاء الله .
إن أول ما أنهي إليك أني أنعي إليك نفسي في ليالَّي هذه ، غير جازع ولا نادم ولا شاك فيما هو كائن ، مما قد قضى الله عز وجل وحتم ، فاستمسك بعروة الدين ، آل محمد والعروة الوثقى الوصي بعد الوصي ، والمسالمة لهم والرضا بما قالوا ، ولا تلتمس دين من ليس من شيعتك ، ولا تحبن دينهم فإنهم الخائنون الذين خانوا الله ورسوله وخانوا أماناتهم ! وتدري ما خانوا أماناتهم ؟ ائتمنوا على كتاب الله فحرفوه وبدلوه ، ودلوا على ولاة الأمر منهم فانصرفوا عنهم ، فأذاقهم الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون !
وسألت عن رجلين اغتصبا رجلاً مالاً كان ينفقه على الفقراء والمساكين وأبناء السبيل وفي سبيل الله ، فلما اغتصباه ذلك لم يرضيا حيث غصباه حتى حملاه إياه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 279 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كرهاً فوق رقبته إلى منازلهما ، فلما أحرزاه توليا إنفاقه ، أيبلغان بذلك كفراً ؟ فلعمري لقد نافقا قبل ذلك وردا على الله عز وجل كلامه ، وهزئا برسوله ( صلى الله عليه وآله ) وهما الكافران عليهما لعنة الله والملائكة والناس أجمعين .
والله ما دخل قلب أحد منهما شئ من الإيمان منذ خروجهما من حالتيها ، وما ازدادا إلا شكاً ! كانا خداعين مرتابين منافقين حتى توفتهما ملائكة العذاب إلى محل الخزي في دار المقام ! وسألت عمن حضر ذلك الرجل وهو يغصب ماله ويوضع على رقبته ؟ منهم عارف ومنكر ، فأولئك أهل الردة الأولى من هذه الأمة فعليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين .
وسألت عن مبلغ علمنا وهو على ثلاثة وجوه : ماض وغابر وحادث ، فأما الماضي فمفسر ، وأما الغابر فمزبور ، وأما الحادث فقذف في القلوب ونقر في الأسماع وهو أفضل علمنا ، ولا نبي بعد نبينا محمد ( صلى الله عليه وآله ) .
وسألت عن أمهات أولادهم وعن نكاحهم وعن طلاقهم ، فأما أمهات أولادهم فهن عواهر إلى يوم القيامة ، نكاح بغير ولي وطلاق في غير عدة .
وأما من دخل في دعوتنا فقد هدم إيمانه ضلاله ويقينه شكه .
وسألت عن الزكاة فيهم ، فما كان من الزكاة فأنتم أحق به ، لأنا قد أحللنا ذلك لكم ، من كان منكم وأين كان .
وسألت عن الضعفاء فالضعيف من لم ترفع إليه حجة ولم يعرف الاختلاف ، فإذا عرف الاختلاف فليس بضعيف .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 280 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وسألت عن الشهادات لهم فأقم الشهادة لله عز وجل ولو على نفسك والوالدين والأقربين ، فيما بينك وبينهم فإن خفت على أخيك ضيماً فلا .
وادع إلى شرائط الله عز ذكره بمعرفتنا من رجوت إجابته ، ولا تحصن بحصن رياء . ووال آل محمد ولا تقل لما بلغك عنا ونسب إلينا هذا باطل وإن كنت تعرف منا خلافه ، فإنك لا تدري لمَ قلناه وعلى أي وجه وصفناه !
آمن بما أخبرك ولا تفش ما استكتمناك من خبرك ، إن واجب حق أخيك أن لا تكتمه شيئاً تنفعه به لأمر دنياه وآخرته ، ولا تحقد عليه وإن أساء ، وأجب دعوته إذا دعاك ، ولا تخل بينه وبين عدوه من الناس وإن كان أقرب إليه منك . وعده في مرضه ، ليس من أخلاق المؤمنين الغش ولا الأذى ولا الخيانة ولا الكبر ولا الخنا ولا الفحش ولا الأمر به . فإذا رأيت المشوه الاعرابي في جحفل جرار فانتظر فرجك ولشيعتك المؤمنين ، وإذا انكسفت الشمس فارفع بصرك إلى السماء وانظر ما فعل الله عز وجل بالمجرمين . فقد فسرت لك جملا مجملا وصلى الله على محمد وآله الأخيار » . ورجال الطوسي : 2 / 754

7 - غلام السندي بن شاهك يتشيع !

في رجال الطوسي : 2 / 737 : « عن بشار مولي السندي بن شاهك قال : كنت من أشد الناس بغضاً لآل أبي طالب ، فدعاني السندي بن شاهك يوماً فقال لي : يا بشار إني أريد أن أئتمنك على ما ائتمنني عليه هارون ، قلت : إذن لا أبقي فيه غاية فقال : هذا موسى بن جعفر قد دفعه إلي وقد وكلتك بحفظه ، فجعله في دار دون
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 281 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
حرمه ووكلني عليه ، فكنت أقفل عليه عدة أقفال ، فإذا مضيت في حاجة وكلت امرأتي بالباب فلا تفارقه حتى أرجع !
قال بشار : فحول الله ما كان في قلبي من البغض حباً ! قال : فدعاني ( عليه السلام ) يوماً فقال : يا بشار إمض إلى سجن القنطرة فادع لي هند بن الحجاج وقل له : أبو الحسن يأمرك بالمصير إليه ، فإنه سينهرك ويصيح عليك ، فإذا فعل ذلك فقل له : أنا قد قلت لك وأبلغت رسالته ، فإن شئت فافعل ما أمرني وإن شئت فلا تفعل ، واتركه وانصرف ! قال : ففعلت ما أمرني وأقفلت الأبواب كما كنت أقفل وأقعدت امرأتي على الباب وقلت لها : لا تبرحي حتى آتيك ! وقصدت إلى سجن القنطرة فدخلت إلى هند بن الحجاج فقلت : أبو الحسن يأمرك بالمصير إليه قال : فصاح علي وانتهرني فقلت له : أنا قد أبلغتك وقلت لك فإن شئت فافعل وإن شئت فلا تفعل ، وانصرفت وتركته وجئت إلى أبي الحسن ( عليه السلام ) فوجدت امرأتي قاعدة على الباب والأبواب مغلقة ، فلم أزل أفتح واحداً واحداً منها حتى انتهيت إليه فوجدته وأعلمته الخبر ، فقال : نعم قد جاءني وانصرف ، فخرجت إلى امرأتي فقلت لها : جاء أحد بعدي فدخل هذا الباب ؟ فقالت : لا والله ما فارقت الباب ولا فتحت الأقفال حتى جئت .
قال : ورواني علي بن محمد بن الحسن الأنباري أخو صندل قال : بلغني من جهة أخرى أنه لما صار إليه هند بن الحجاج قال له العبد الصالح عند انصرافه : إن شئت رجعت إلى موضعك ولك الجنة ، وإن شئت انصرفت إلى منزلك ! فقال : أرجع إلى موضعي إلى السجن » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 282 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

8 - كان الإمام ( عليه السلام ) يخرج من السجن بنحو الإعجاز

ذكرت الروايات أن الإمام موسى بن جعفر ( عليه السلام ) كان يخرج من سجنه أو من إقامته الجبرية بنحو الإعجاز ، ويرجع إلى بغداد ، أو إلى سجنه وقيوده !
1 - ففي مناقب آل أبي طالب : 3 / 420 ، أنه ( عليه السلام ) : « دعا بالمسيب وذلك قبل وفاته بثلاثة أيام وكان موكلاً به فقال له : يا مسيب إني ظاعن في هذه الليلة إلى المدينة مدينة جدي رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لأعهد إلى علي ابني ما عهده إليَّ أبي وأجعله وصيي وخليفتي وآمره بأمري ! فقال المسيب : كيف تأمرني أن أفتح لك الأبواب وعليها أقفالها والحرس معي على الأبواب ؟ !
فقال : يا مسيب ضعف يقينك في الله عز وجل وفينا ؟ قلت : لا يا سيدي ، قال : فسمعته يدعو ثم فقدته عن مصلاه فلم أزل قائماً على قدمي حتى رأيته قد عاد إلى مكانه ، وأعاد الحديد إلى رجليه ، فخررت لله ساجداً شاكراً على ما أنعم عليِّ به من معرفته ، فقال لي : إرفع رأسك يا مسيب واعلم أني راحل إلى الله عز وجل في ثالث هذا اليوم ! لا تبك يا مسيب فإن علياً ابني هو إمامك ومولاك بعدي فأته فتمسك بولايته فإنك لن تضل ما لزمته » !
2 - روى في مناقب آل أبي طالب : 3 / 414 ، عن البرجمي : « جمعني مسجد بإزاء دار السندي بن شاهك وابن السكيت ، فتفاوضنا في العربية ومعنا رجل لا نعرفه ، فقال : يا هؤلاء أنتم إلى إقامة دينكم أحوج منكم إلى إقامة ألسنتكم وساق الكلام إلى إمام الوقت ، وقال : ليس بينكم وبينه غير هذا الجدار !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 283 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قلنا : تعنى هذا المحبوس موسى ؟ قال : نعم ، قلنا : سترنا عليك فقم من عندنا خيفة أن يراك أحد جليسنا فنؤخذ بك ! قال : والله لا يفعلون ذلك أبداً والله ما قلت لكم إلا بأمره وإنه ليرانا ويسمع كلامنا ، ولو شاء أن يكون معنا لكان ! قلنا : فقد شئنا فادعه إلينا ! فإذا قد أقبل رجل من باب المسجد داخلاً كادت لرؤيته العقول أن تذهل ، فعلمنا أنه موسى بن جعفر ( عليه السلام ) ، ثم قال : أنا هذا الرجل ، وتركنا وخرجنا من المسجد مبادراً فسمعنا وجيباً شديداً ، وإذا السندي بن شاهك يعدو داخلاً إلى المسجد معه جماعة فقلنا : كان معنا رجل فدعانا إلى كذا وكذا دخل هذا الرجل المصلي وخرج ذاك الرجل ولم نره ، فأمر بنا فأمسكنا ، ثم تقدم إلى موسى وهو قائم في المحراب فأتاه من قبل وجهه ونحن نسمع فقال : يا ويحك كم تخرج بسحرك هذا وحيلتك من وراء الأبواب والأغلاق والأقفال وأردك ، فلو كنت هربت كان أحب إليَّ من وقوفك هاهنا ، أتريد يا موسى ان يقتلني الخليفة ؟ ! قال فقال موسى ونحن نسمع كلامه : كيف أهرب ولله في أيديكم موقت لي يسوق إليها أقداره وكرامتي على أيديكم . . في كلام له !
قال : فأخذ السندي بيده ومشى ثم قال للقوم : دعوا هذين وأخرجوا إلى الطريق فامنعوا أحداً يمر من الناس حتى أتم أنا وهذا إلى الدار » !
أقول : هذا يعني أن ابن السكيت ( رحمه الله ) كان شاباً ، لأنه قتل شهيداً على تشيعه بيد المتوكل بعد نحو خمسين سنة .
كما تدل الرواية على أن الإمام ( عليه السلام ) كان يخرج من سجنه كثيراً ، وكان السندي يعلم بذلك ، ويضطرب خوفاً من أن يتهمه هارون بأنه أطلقه !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 284 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
3 - في تاريخ اليعقوبي : 2 / 414 : « قيل لموسى بن جعفر وهو في الحبس : لو كتبت إلى فلان يكلم فيك الرشيد ؟ فقال : حدثني أبي عن آبائه أن الله عز وجل أوحى إلى داود : يا داود ، إنه ما اعتصم عبد من عبادي بأحد من خلقي دوني ، عرفت ذلك منه ، إلا وقطعت عنه أسباب السماء وأسخت الأرض من تحته » !
أقول : نلاحظ أن الإمام ( عليه السلام ) كان في الحبس الأول يدعو بالخلاص من السجن ، بينما لم يؤثر عنه ذلك في الحبس الثاني ، فكأن ذلك يحتاج إلى إذن من ربه عز وجل !
وكذا أن يطلب من هارون أن يطلق سراحه ، أو يوسط أحداً عنده .
4 - تقدم من الكافي : 1 / 381 : « عن مسافر قال : أمر أبو إبراهيم ( عليه السلام ) حين أخرج به ، أبا الحسن ( عليه السلام ) أن ينام على بابه في كل ليلة أبداً ما كان حياً إلى أن يأتيه خبره ! قال : فكنا في كل ليلة نفرش لأبي الحسن في الدهليز ، ثم يأتي بعد العشاء فينام ، فإذا أصبح انصرف إلى منزله ! قال : فمكث على هذه الحال أربع سنين ، فلما كان ليلة من الليالي أبطأ عنا وفرش له فلم يأت كما كان يأتي ، فاستوحش العيال وذعروا ، ودخلنا أمر عظيم من إبطائه ، فلما كان من الغد أتى الدار ودخل إلى العيال . . . » .
وذكرت الرواية أن الإمام الرضا أخبرهم بشهادة أبيه ( عليهما السلام ) وبعد أيام جاء بريد إلى الوالي بالخبر كما أخبر ( عليه السلام ) . وقد ذهب الإمام الرضا ( عليه السلام ) في تلك الليلة بنحو الإعجاز لمراسم تغسيل أبيه والصلاة عليه ، كما نصت عليه رواية المسيب . وهذا أمر بسيط بالنسبة للأئمة ( عليهم السلام ) ، وقد ادعى الآخرون كرامة طي الأرض وأنواعاً من الكرامات لكثير من أئمتهم ورجالهم العاديين .
ويظهر أن غرض الكاظم ( عليه السلام ) من أمره إياه أن ينام في ممر داره ، أنه كان يأتي إليه ويلتقي به ، أو أن الرضا ( عليه السلام ) كان يذهب إليه .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 285 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الخامس عشر : الإمام الكاظم ( عليه السلام ) وعلماء النصارى

1 - إسلام الراهب بُرَيْهَة على يده ( عليه السلام )

روى في الكافي : 1 / 227 ، وبصائر الدرجات / 156 والصدوق في كتابه التوحيد / 270 ، بسنده : « عن هشام بن الحكم ، عن جاثليق من جثالقة النصارى يقال له بريهة ، قد مكث جاثليق النصرانية سبعين سنة وكان يطلب الإسلام ، و يطلب من يحتج عليه ممن يقرأ كتبه ويعرف المسيح بصفاته ودلائله وآياته ، قال : وعرف بذلك حتى اشتهر في النصارى والمسلمين واليهود والمجوس ، حتى افتخرت به النصارى وقالت : لو لم يكن في دين النصرانية إلا بريهة لأجزأنا ، وكان طالباً للحق والإسلام مع ذلك وكانت معه امرأة تخدمه طال مكثها معه ، وكان يسر إليها ضعف النصرانية وضعف حجتها قال : فعرفت ذلك منه فضرب بريهة الأمر ظهراً لبطن وأقبل يسأل فرق المسلمين والمختلفين في الإسلام من أعلمكم ؟
وأقبل يسأل عن أئمة المسلمين وعن صلحائهم وعلمائهم ، وأهل الحجى منهم وكان يستقرئ فرقة فرقة لا يجد عند القوم شيئاً ، وقال : لو كانت أئمتكم أئمة على الحق لكان عندكم بعض الحق ، فوصفت له الشيعة ووصف له هشام بن الحكم ، فقال يونس بن عبد الرحمن : فقال لي هشام : بينما أنا على دكاني على باب الكرخ جالس ، وعندي قوم يقرؤون عليَّ القرآن ، فإذا أنا بفوج النصارى معه ما
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 286 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بين القسيسين إلى غيرهم نحو من مائة رجل عليهم السواد والبرانس ، والجاثليق الأكبر فيهم بريهة ، حتى نزلوا حول دكاني ، وجعل لبريهة كرسي يجلس عليه فقامت الأساقفة والرهابنة على عصيهم وعلى رؤوسهم برانسهم ، فقال بريهة : ما بقي من المسلمين أحد ممن يذكر بالعلم بالكلام إلا وقد ناظرته في النصرانية ، فما عندهم شئ ، وقد جئت أناظرك في الإسلام ، قال : فضحك هشام فقال : يا بريهة إن كنت تريد مني آيات كآيات المسيح فليس أنا بالمسيح ولا مثله ولا أدانيه ، ذاك روح طيبة خميصة مرتفعة ، آياته ظاهرة ، وعلاماته قائمة .
قال بريهة : فأعجبني الكلام والوصف . قال هشام : إن أردت الحجاج فهاهنا ، قال بريهة : نعم فإني أسألك ما نسبة نبيكم هذا من المسيح نسبة الأبدان ؟
قال هشام : ابن عم جده لأمه ، لأنه من ولد إسحاق ومحمد من ولد إسماعيل ، قال بريهة ، وكيف تنسبه إلى أبيه ؟ قال هشام : إن أردت نسبه عندكم أخبرتك ، وإن أردت نسبه عندنا أخبرتك . قال بريهة : أريد نسبه عندنا وظننت أنه إذا نسبه نسبتنا أغلبه ، قلت : فانسبه بالنسبة التي ننسبه بها .
قال هشام : نعم ، تقولون : إنه قديم من قديم ، فأيهما الأب وأيهما الابن ؟
قال بريهة : الذي نزل إلى الأرض الابن ! قال هشام : الذي نزل إلى الأرض الأب ! قال بريهة : الابن رسول الأب . قال هشام : إن الأب أحكم من الابن لأن الخلق خلق الأب . قال بريهة : إن الخلق خلق الأب وخلق الابن . قال هشام : ما منعهما أن ينزلا جميعاً كما خلقا إذا اشتركا ؟ !
قال بريهة : كيف يشتركان وهما شئ واحد إنما يفترقان بالاسم !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 287 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال هشام : إنما يجتمعان بالاسم ! قال بريهة : جهل هذا الكلام ! قال هشام : عرف هذا الكلام ! قال بريهة : إن الابن متصل بالأب ! قال هشام : إن الابن منفصل من الأب ! قال بريهة : هذا خلاف ما يعقله الناس ! قال هشام : إن كان ما يعقله الناس شاهداً لنا وعلينا ، فقد غلبتك لأن الأب كان ولم يكن الابن فتقول : هكذا يا بريهة ؟ قال : ما أقول هكذا ! قال : فلم استشهدت قوما لا تقبل شهادتهم لنفسك ! قال بريهة : إن الأب اسم والابن اسم يقدر به القديم .
قال هشام : الإسمان قديمان كقدم الأب والابن ؟ قال بريهة : لا ولكن الأسماء محدثة . قال : فقد جعلت الأب ابناً والابن أباً ، إن كان الابن أحدث هذه الأسماء دون الأب فهو الأب ، وإن كان الأب أحدث هذه الأسماء دون الابن فهو الأب والابن أب وليس هاهنا ابن !
قال بريهة : إن الابن اسم للروح حين نزلت إلى الأرض ، قال هشام : فحين لم تنزل إلى الأرض فإسمها ما هو ؟ قال بريهة : فاسمها ابن نزلت أو لم تنزل . قال هشام : فقبل النزول هذه الروح كلها واحدة واسمها اثنان ؟
قال بريهة : هي كلها واحدة روح واحدة . قال : قد رضيت أن تجعل بعضها ابناً وبعضها أباً . قال بريهة : لا لأن اسم الأب واسم الابن واحد .
قال هشام : فالإبن أبو الأب والأب أبو الابن ، والابن واحد ؟
قالت الأساقفة بلسانها لبريهة : ما مر بك مثل ذا قط تقوم ؟
فتحير بريهة وذهب ليقوم فتعلق به هشام ، قال : ما يمنعك من الإسلام ؟ أفي قلبك حزازة ؟ فقلها وإلا سألتك عن النصرانية مسألة واحدة تبيت عليها ليلك
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 288 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
هذا فتصبح وليس لك همة غيري ، قالت الأساقفة : لا ترد هذه المسألة لعلها تشككك ، قال بريهة : قلها يا أبا الحكم . قال هشام : أفرأيتك الابن يعلم ما عند الأب ؟ قال : نعم . قال : أفرأيتك الأب يعلم كل ما عند الابن ؟ قال : نعم . قال : أفرأيتك تخبر عن الابن أيقدر على حمل كل ما يقدر عليه الأب ؟ قال : نعم . قال : أفرأيتك تخبر عن الأب أيقدر على كل ما يقدر عليه الابن ؟ قال : نعم . قال هشام : فكيف يكون واحد منهما ابن صاحبه وهما متساويان ، وكيف يظلم كل واحد منهما صاحبه ؟ ! قال بريهة : ليس منهما ظلم ! قال هشام : من الحق بينهما أن يكون الابن أب الأب والأب ابن الابن ! بِتْ عليها يا بريهة !
وافترق النصارى وهم يتمنون أن لا يكونوا رأوا هشاماً ولا أصحابه !
قال : فرجع بريهة مغتما مهتما حتى صار إلى منزله فقالت امرأته التي تخدمه : ما لي أراك مهتماً مغتماً ، فحكى لها الكلام الذي كان بينه وبين هشام ، فقالت لبريهة : ويحك أتريد أن تكون على حق أو على باطل ؟ ! فقال بريهة : بل على الحق ، فقالت له : أينما وجدت الحق فمل إليه ، وإياك واللجاجة ، فإن اللجاجة شك والشك شؤم وأهله في النار ، قال : فصوب قولها وعزم على الغدو على هشام !
قال : فغدا عليه وليس معه أحد من أصحابه ، فقال : يا هشام ألك من تصدر عن رأيه وترجع إلى قوله وتدين بطاعته ؟ قال هشام : نعم يا بريهة ، قال : وما صفته ؟ قال هشام : في نسبه أو في دينه ؟ قال : فيهما جميعاً صفة نسبه وصفة دينه ، قال هشام : أما النسب خير الأنساب : رأس العرب وصفوة قريش وفاضل بني هاشم ، كل من نازعه في نسبه وجده أفضل منه ، لأن قريشاً أفضل العرب وبني
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 289 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
هاشم أفضل قريش ، وأفضل بني هاشم خاصهم ودينهم وسيدهم ، وكذلك ولد السيد أفضل من ولد غيره ، وهذا من ولد السيد .
قال : فصف دينه ، قال هشام : شرائعه أو صفة بدنه وطهارته ؟
قال : صفة بدنه وطهارته . قال هشام : معصوم فلا يعصي ، و سخي فلا يبخل ، شجاع فلا يجبن ، وما استودع من العلم فلا يجهل ، حافظ للدين قائم بما فرض عليه ، من عترة الأنبياء ، وجامع علم الأنبياء ، يحلم عند الغضب ، وينصف عند الظلم ، ويعين عند الرضا ، وينصف من الولي والعدو ، ولا يسأل شططاً في عدوه ، ولا يمنع إفادة وليه ، يعمل بالكتاب ويحدث بالأعجوبات ، من أهل الطهارات ، يحكي قول الأئمة الأصفياء ، لم تنقض له حجة ، ولم يجهل مسألة ، يفتي في كل سنَّة ، ويجلو كل مدلهمة .
قال بريهة : وصفت المسيح في صفاته وأثبته بحججه وآياته ، إلا أن الشخص بائن عن شخصه والوصف قائم بوصفه ، فإن يصدق الوصف نؤمن بالشخص ، قال هشام : إن تؤمن ترشد وإن تتبع الحق لا تؤنب .
ثم قال هشام : يا بريهة ما من حجة أقامها الله على أول خلقه إلا أقامها على وسط خلقه وآخر خلقه فلا تبطل الحجج ، ولا تذهب الملل ، ولا تذهب السنن !
قال بريهة : ما أشبه هذا بالحق وأقربه من الصدق ، وهذه صفة الحكماء يقيمون من الحجة ما ينفون به الشبهة .
قال هشام : نعم ، فارتحلا حتى أتيا المدينة والمرأة معهما وهما يريدان أبا عبد الله ( عليه السلام ) فلقيا موسى بن جعفر ( عليه السلام ) فحكى له هشام الحكاية ، فلما فرغ قال موسى بن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 290 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
جعفر ( عليه السلام ) : يا بريهة كيف علمك بكتابك ؟ قال : أنا به عالم ، قال : كيف ثقتك بتأويله ؟ قال : ما أوثقني بعلمي فيه . قال : فابتدأ موسى بن جعفر ( عليه السلام ) بقراءة الإنجيل ، قال بريهة : والمسيح لقد كان يقرأ هكذا وما قرأ هذه القراءة إلا المسيح ! ثم قال بريهة : إياك كنت أطلب منذ خمسين سنة أو مثلك ! قال : فآمن وحسن إيمانه وآمنت المرأة وحسن إيمانها . قال : فدخل هشام وبريهة والمرأة على أبي عبد الله ( عليه السلام ) ، وحكى هشام الحكاية والكلام الذي جرى بين موسى ( عليه السلام ) وبريهة ، فقال أبو عبد الله ( عليه السلام ) : ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ .
فقال بريهة : جعلت فداك أنى لكم التوراة والإنجيل وكتب الأنبياء ؟ قال : هي عندنا وراثة من عندهم نقرؤها كما قرؤوها ونقولها كما قالوها ، إن الله لا يجعل حجة في أرضه يسأل عن شئ فيقول : لا أدري . فلزم بريهة أبا عبد الله ( عليه السلام ) حتى مات أبو عبد الله ( عليه السلام ) ، ثم لزم موسى بن جعفر ( عليه السلام ) حتى مات في زمانه فغسله بيده وكفنه بيده ولحده بيده ، وقال : هذا حواري من حواريي المسيح يعرف حق الله عليه ، قال : فتمنى أكثر أصحابه أن يكونوا مثله »

2 - إسلام راهب آخر قصد الإمام ( عليه السلام ) من الشام

وروى في الكافي : 1 / 478 ، إسلام راهب آخر : « عن يعقوب بن جعفر بن إبراهيم قال : كنت عند أبي الحسن موسى ( عليه السلام ) إذ أتاه رجل نصراني ونحن معه بالعريض ، فقال له النصراني : أتيتك من بلد بعيد وسفر شاق ، وسألت ربي منذ ثلاثين سنة أن يرشدني إلى خير الأديان وإلى خير العباد وأعلمهم ، وأتاني آت في النوم فوصف لي رجلاً بعَلْيَا دمشق فانطلقت حتى أتيته فكلمته ، فقال : أنا أعلم أهل ديني وغيري أعلم مني فقلت : أرشدني إلى من هو أعلم منك فإني لا أستعظم السفر ولا تبعد علي الشقة ، ولقد قرأت الإنجيل كلها ومزامير داود ، وقرأت
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 291 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أربعة أسفار من التوراة ، وقرأت ظاهر القرآن حتى استوعبته كله ، فقال لي العالم : إن كنت تريد علم النصرانية فأنا اعلم العرب والعجم بها وإن كنت تريد علم اليهود فباطي بن شرحبيل السامري أعلم الناس بها اليوم ، وإن كنت تريد علم الإسلام وعلم التوراة وعلم الإنجيل وعلم الزبور وكتاب هود وكلما أنزل على نبي من الأنبياء في دهرك ودهر غيرك ، وما أنزل من السماء من خبر فعلمه أحد أو لم يعلم به أحد فيه تبيان كل شئ وشفاء للعالمين ، وروح لمن استروح إليه ، وبصيرة لمن أراد الله به خيراً ، وأنس إلى الحق ، فأرشدك إليه ، فأته ولو مشياً على رجليك ، فإن لم تقدر فحبواً على ركبتيك ، فإن لم تقدر فزحفاً على استك ، فإن لم تقدر فعلى وجهك . فقلت : لا بل أنا أقدر على المسير في البدن والمال ، قال : فانطلق من فورك حتى تأتي يثرب ، فقلت : لا أعرف يثرب ، قال : فانطلق حتى تأتي مدينة النبي ( صلى الله عليه وآله ) الذي بعث في العرب ، وهو النبي العربي الهاشمي ، فإذا دخلتها فسل عن بني غنم بن مالك بن النجار ، وهو عند باب مسجدها ، وأظهر بزة النصرانية وحليتها ، فإن واليها يتشدد عليهم والخليفة أشد ، ثم تسأل عن بني عمرو بن مبذول وهو ببقيع الزبير ، ثم تسأل عن موسى بن جعفر وأين منزله وأين هو ، مسافر أم حاضر ؟ فإن كان مسافراً فالحقه فإن سفره أقرب مما ضربت إليه ، ثم أعلمه أن مطران عليا الغوطة غوطة دمشق هو الذي أرشدني إليك ، وهو يقرؤك السلام كثيراً ويقول لك : إني لأكثر مناجاة ربي أن يجعل إسلامي على يديك ، فقص هذه القصة وهو قائم معتمد على عصاه ، ثم قال : إن أذنت لي يا سيدي كفَّرت لك وجلست !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 292 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فقال ( عليه السلام ) : آذن لك أن تجلس ولا آذن لك أن تكفر ، فجلس ثم ألقى عنه برنسه ثم قال : جعلت فداك تأذن لي في الكلام ؟ قال : نعم ما جئت إلا له ، فقال له النصراني : أردد على صاحبي السلام أو ما ترد السلام ، فقال أبو الحسن ( عليه السلام ) : على صاحبك إن هداه الله ، فأما التسليم فذاك إذا صار في ديننا .
فقال النصراني : إني أسألك أصلحك الله ، قال : سل ، قال : أخبرني عن كتاب الله تعالى الذي أنزل على محمد ونطق به ، ثم وصفه بما وصفه به فقال : حَم . وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ . إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ما تفسيرها في الباطن ؟ فقال : أما حم فهو محمد ( صلى الله عليه وآله ) ، وهو في كتاب هود الذي أنزل عليه ، وهو منقوص الحروف . وأما الكتاب المبين فهو أمير المؤمنين علي وأما الليلة ففاطمة وأما قوله : فيها يفرق كل أمر حكيم ، يقول : يخرج منها خير كثير ، فرجل حكيم ورجل حكيم ، فقال الرجل : صف لي الأول والآخر من هؤلاء الرجال ، فقال : إن الصفات تشتبه ولكن الثالث من القوم أصف لك ما يخرج من نسله ، وإنه عندكم لفي الكتب التي نزلت عليكم ، إن لم تغيروا وتحرفوا وتكفروا وقديماً ما فعلتم !
قال له النصراني : إني لا أستر عنك ما علمت ولا أكذبك ، وأنت تعلم ما أقول في صدق ما أقول وكذبه ، والله لقد أعطاك الله من فضله ، وقسم عليك من نعمه ما لا يخطره الخاطرون ولا يستره الساترون ، ولا يكذب فيه من كذب ، فقولي لك في ذلك الحق كما ذكرت فهو كما ذكرت .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 293 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فقال له أبو إبراهيم ( عليه السلام ) : أعجلك أيضاً خبراً لا يعرفه إلا قليل ممن قرأ الكتب ، أخبرني ما اسم أم مريم وأي يوم نفخت فيه مريم وكم من ساعة من النهار ؟
وأي يوم وضعت مريم فيه عيسى ( عليه السلام ) ولكم من ساعة من النهار ؟
فقال النصراني : لا أدري . فقال أبو إبراهيم ( عليه السلام ) : أما أم مريم فاسمها مرثا وهي وهيبة بالعربية ، وأما اليوم الذي حملت فيه مريم فهو يوم الجمعة للزوال ، وهو اليوم الذي هبط فيه الروح الأمين ، وليس للمسلمين عيد كان أولى منه ، عظمه الله تبارك وتعالى وعظمه محمد ( صلى الله عليه وآله ) ، فأمر أن يجعله عيدا فهو يوم الجمعة وأما اليوم الذي ولدت فيه مريم فهو يوم الثلاثاء ، لأربع ساعات ونصف من النهار . والنهر الذي ولدت عليه مريم عيسى ( عليه السلام ) هل تعرفه ؟ قال : لا ، قال : هو الفرات ، وعليه شجر النخل والكرم ، وليس يساوي بالفرات شئ للكروم والنخيل ، فأما اليوم الذي حجبت فيه لسانها ونادى قيدوس ولده وأشياعه فأعانوه و أخرجوا آل عمران لينظروا إلى مريم ، فقالوا لها ما قص الله عليك في كتابه وعلينا في كتابه ، فهل فهمته ؟
قال : نعم وقرأته اليوم الأحدث ، قال : إذن لا تقوم من مجلسك حتى يهديك الله قال النصراني : ما كان اسم أمي بالسريانية وبالعربية ؟
فقال : كان اسم أمك بالسريانية عنقالية ، وعنقورة كان اسم جدتك لأبيك ، وأما اسم أمك بالعربية فهو مية ، وأما اسم أبيك فعبد المسيح وهو عبد الله بالعربية وليس للمسيح عبد . قال : صدقت وبررت ، فما كان اسم جدي ؟
قال : كان اسم جدك جبرئيل وهو عبد الرحمن سميته في مجلسي هذا . قال : أما إنه كان مسلماً ؟ قال أبو إبراهيم ( عليه السلام ) : نعم وقتل شهيداً ، دخلت عليه أجناد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 294 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فقتلوه في منزله غيلة والأجناد من أهل الشام قال : فما كان اسمي قبل كنيتي ؟ قال : كان اسمك عبد الصليب ، قال : فما تسميني ؟ قال أسميك عبد الله ، قال : فإني آمنت بالله العظيم وشهدت أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له فرداً صمداً ، ليس كما تصفه النصارى ، وليس كما تصفه اليهود ولا جنس من أجناس الشرك ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، أرسله بالحق فأبان به لأهله وعمي المبطلون وأنه كان رسول الله إلى الناس كافة ، إلى الأحمر والأسود كل فيه مشترك ، فأبصر من أبصر واهتدى من اهتدى وعمي المبطلون ، وضل عنهم ما كانوا يدعون ، وأشهد أن وليه نطق بحكمته ، وأن من كان قبله من الأنبياء نطقوا بالحكمة البالغة وتوازوا على الطاعة لله وفارقوا الباطل وأهله والرجس وأهله ، وهجروا سبيل الضلالة ونصرهم الله بالطاعة له ، وعصمهم من المعصية ، فهم لله أولياء وللدين أنصار ، يحثون على الخير ويأمرون به ، آمنت بالصغير منهم والكبير ، ومن ذكرت منهم ومن لم أذكر ، وآمنت بالله تبارك وتعالى رب العالمين .
ثم قطع زناره وقطع صليباً كان في عنقه من ذهب ، ثم قال : مرني حتى أضع صدقتي حيث تأمرني . فقال : هاهنا أخ لك كان على مثل دينك ، وهو رجل من قومك من قيس بن ثعلبة ، وهو في نعمة كنعمتك فتواسيا وتجاورا ، ولست أدع أن أورد عليكما حقكما في الإسلام .
فقال : والله أصلحك الله إني لغني ، ولقد تركت ثلاث مائة طروق بين فرس وفرسة ، وتركت ألف بعير ، فحقك فيها أوفر من حقي ، فقال له : أنت مولى الله ورسوله ( صلى الله عليه وآله ) وأنت في حد نسبك على حالك .
فحسن إسلامه وتزوج امرأة من بني فهر وأصدقها أبو إبراهيم ( عليه السلام ) خمسين ديناراً من صدقة علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) وأخدمه وبوأه ، وأقام حتى أخرج أبو إبراهيم ( عليه السلام ) فمات بعد مخرجه بثمان وعشرين ليلة » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 295 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل السادس عشر : آيات الإمام الكاظم ( عليه السلام ) من طفولته

1 - كان أبوه الإمام الصادق ( عليه السلام ) يحدثه وهو في المهد !

« دخلت على أبي عبد الله ( عليه السلام ) وهو واقف على رأس أبي الحسن موسى وهو في المهد ، فجعل يساره طويلاً ! فجلست حتى فرغ ، فقمت إليه فقال لي : أدن من مولاك فسلم ، فدنوت فسلمت عليه ، فرد علي السلام بلسان فصيح » ! ( الكافي : 1 / 310 ، ودلائل الإمامة / 326 ) .

2 - كان ( عليه السلام ) صبياً وأفحم أبا حنيفة !

« قال أبو حنيفة : حججت في أيام أبي عبد الله الصادق ، فلما أتيت المدينة دخلت داره فجلست في الدهليز أنتظر إذنه ، إذ خرج صبي يدرج ، فقلت : يا غلام أين يضع الغريب الغائط من بلدكم ؟ قال : على رسلك ، ثم قال : توق شطوط الأنهار ومساقط الثمار ، وأفنية المساجد ، وقارعة الطريق ، وتوار خلف جدار ، وشل ثوبك ، ولا تستقبل القبلة ولا تستدبرها ، وضع حيث شئت !
فأعجبني ما سمعت من الصبي فقلت له : ما اسمك ؟ فقال : أنا موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب . فقلت له : يا غلام ممن المعصية ؟ فقال : إن السيئات لا تخلو من إحدى ثلاث : إما أن تكون من الله وليست منه ، فلا ينبغي للرب أن يعذب العبد على ما لا يرتكب . وإما أن تكون
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 296 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
منه ومن العبد وليست كذلك ، فلا ينبغي للشريك القوي أن يظلم الشريك الضعيف . وإما أن تكون من العبد وهي منه ، فإن عفا فبكرمه وجوده ، وإن عاقب فبذنب العبد وجريرته ! قال أبو حنيفة : فانصرفت ولم ألق أبا عبد الله واستغنيت بما سمعت » ! تحف العقول لا بن شعبة الحراني / 411 ، والتوحيد للصدوق / 96 .

3 - حديث الإمام الكاظم ( عليه السلام ) في معجزات النبي ( صلى الله عليه وآله )

قال الإمام الكاظم ( عليه السلام ) : « كنت عند أبي عبد الله ( عليه السلام ) ذات يوم وأنا طفل خماسي ، إذ دخل عليه نفر من اليهود فقالوا : أنت ابن محمد نبي هذه الأمة والحجة على أهل الأرض ؟ قال لهم : نعم . قالوا : إنا نجد في التوراة أن الله تبارك وتعالى آتى إبراهيم ( عليه السلام ) وولده الكتاب والحكم والنبوة ، وجعل لهم الملك والإمامة ، وهكذا وجدنا ذرية الأنبياء لا تتعداهم النبوة والخلافة والوصية ، فما بالكم قد تعداكم ذلك ، وثبت في غيركم ، ونلقاكم مستضعفين مقهورين ، لا تُرقب فيكم ذمة نبيكم ؟ ! فدمعت عينا أبي عبد الله ( عليه السلام ) ثم قال : نعم لم تزل أمناء الله مضطهدة مقهورة مقتولة بغير حق ، والظلمة غالبة ، وقليل من عباد الله الشكور .
قالوا : فإن الأنبياء وأولادهم عُلِّموا من غير تعليم ، وأوتوا العلم تلقيناً ، وكذلك ينبغي لأئمتهم وخلفائهم وأوصيائهم ، فهل أوتيتم ذلك ؟
فقال أبو عبد الله ( عليه السلام ) : أدن يا موسى فدنوت ، فمسح يده على صدري ثم قال : اللهم أيده بنصرك بحق محمد وآله ، ثم قال : سلوه عما بدا لكم .
قالوا : وكيف نسأل طفلاً لا يفقه ؟ قلت : سلوني تفقهاً ، ودعوا العنت !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 297 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قالوا : أخبرنا عن الآيات التسع التي أوتيها موسى بن عمران .
قلت : العصا ، وإخراجه يده من جيبه بيضاء ، والجراد ، والقمَّل ، والضفادع ، والدم ، ورفع الطور ، والمن والسلوى آية واحدة ، وفلق البحر .
قالوا : صدقت ، فما أعطي نبيكم من الآيات اللاتي نفت الشك عن قلوب من أرسل إليه ؟ قلت : آيات كثيرة ، أعدها إن شاء الله ، فاسمعوا وعوا وافقهوا :
1 . أما أول ذلك : أنتم تقرون أن الجن كانوا يسترقون السمع قبل مبعثه ، فمنعت في أوان رسالته بالرجوم وانقضاض النجوم ، وبطلان الكهنة والسحرة .
2 . ومن ذلك : كلام الذئب يخبر بنبوته ، واجتماع العدو والولي على صدق لهجته وصدق أمانته ، وعدم جهله أيام طفولته وحين أيفع وفتى وكهلاً . لا يعرف له شكل ولا يوازيه مثل .
3 . ومن ذلك : أن سيف بن ذي يزن حين ظفر بالحبشة ، وفد عليه وفد قريش فيهم عبد المطلب ، فسألهم عنه ووصف لهم صفته ، فأقروا جميعاً بأن هذا الصفة في محمد ( صلى الله عليه وآله ) ، فقال : هذا أوان مبعثه ، ومستقره أرض يثرب وموته بها .
4 . ومن ذلك : أن أبرهة بن يكسوم قاد الفيلة إلى بيت الله الحرام ليهدمه قبل مبعثه فقال عبد المطلب : إن لهذا البيت رباً يمنعه ، ثم جمع أهل مكة فدعا ، وهذا بعدما أخبره سيف بن ذي يزن ، فأرسل الله تبارك وتعالى عليهم طيراً أبابيل ودفعهم عن مكة وأهلها .
5 . ومن ذلك : أن أبا جهل عمرو بن هشام المخزومي ، أتاه وهو نائم خلف جدار ، ومعه حجر يريد أن يرميه به ، فالتصق بكفه .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 298 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
6 . ومن ذلك : ان أعرابياً باع ذوداً له من أبي جهل فمطله بحقه ، فأتى قريشاً وقال : أعدوني على أبي الحكم فقد لوى حقي ، فأشاروا إلى محمد ( صلى الله عليه وآله ) وهو يصلي في الكعبة فقالوا : إئت هذا الرجل فاستعده عليه ، وهم يهزؤون بالأعرابي ! فأتاه فقال له : يا عبد الله أعدني على عمرو بن هشام فقد منعني حقي . قال : نعم ، فانطلق معه فدق على أبي جهل بابه ، فخرج إليه متغيراً . فقال له : ما حاجتك ؟ قال : أعط الأعرابي حقه . قال : نعم . وجاء الأعرابي إلى قريش فقال : جزاكم الله خيراً ، انطلق معي الرجل الذي دللتموني عليه ، فأخذ حقي !
فجاء أبو جهل فقالوا : أعطيت الأعرابي حقه ؟ قال : نعم . قالوا : إنما أردنا أن نغريك بمحمد ونهزأ بالأعرابي ! قال : يا هؤلاء دق بابي فخرجت إليه فقال : أعط الأعرابي حقه ، وفوقه مثل الفحل فاتحاً فاه كأنه يريدني فقال : أعطه حقه ، فلو قلت : لا ، لا بتلع رأسي ، فأعطيته !
7 . ومن ذلك : أن قريشاً أرسلت النضر بن الحارث وعلقمة بن أبي معيط بيثرب إلى اليهود وقالوا لهما : إذا قدمتما عليهم فسائلوهم عنه ، وهما قد سألوهم عنه فقالوا : صفوا لنا صفته فوصفوه ، وقالوا : من تبعه منكم ؟ قالوا : سفلتنا ، فصاح حبر منهم فقال : هذا النبي الذي نجد نعته في التوراة ، ونجد قومه أشد الناس عداوة له .
8 . ومن ذلك : أن قريشاً أرسلت سراقة بن جعشم حتى خرج إلى المدينة في طلبه فلحق به فقال صاحبه : هذا سراقة يا نبي الله ، فقال : اللهم اكفنيه ، فساخت قوائم ظهره ! فناداه : يا محمد خل عني بموثق أعطيكه أن لا أناصح غيرك ، وكل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 299 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
من عاداك لا أصالح . فقال النبي ( عليه السلام ) : اللهم إن كان صادق المقال فأطلق فرسه ، فانطلق فوفى ، وما انثنى بعد ذلك .
9 . ومن ذلك : أن عامر بن الطفيل وأربد بن قيس أتيا النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، فقال عامر لأربد : إذا أتيناه فأنا أشاغله عنك فاعله بالسيف ، فلما دخلا عليه قال عامر : يا محمد خالَّني ( أي أخلني بك - الطبري : 2 / 389 ) قال : لا ، حتى تقول أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله . وهو ينظر إلى أربد وأربد لا يحير شيئاً . فلما طال ذلك نهض وخرج وقال لأربد : ما كان أحد على وجه الأرض أخوف على نفسي فتكاً منك ، ولعمري لا أخافك بعد اليوم ، فقال له أربد : لا تعجل فإني ما هممت بما أمرتني به إلا ودخلت الرجال بيني وبينك ، حتى ما أبصر » !
10 . ومن ذلك : أن أربد بن قيس والنضر بن الحارث اجتمعا على أن يسألاه عن الغيوب فدخلا عليه ، فأقبل النبي ( صلى الله عليه وآله ) على أربد فقال : يا أربد ، أتذكر ما جئت له يوم كذا ومعك عامر بن الطفيل ؟ فأخبره بما كان فيهما فقال أربد : والله ما حضرني وعامراً أحد ، وما أخبرك بهذا إلا ملك من السماء ، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنك رسول الله . ( وأربد هذا أخ لبيد الشاعر ) .
11 . ومن ذلك : أن نفراً من اليهود أتوه فقالوا لأبي الحسن جدي : استأذن لنا على ابن عمك نسأله ، فدخل علي ( عليه السلام ) فأعلمه ، فقال النبي ( صلى الله عليه وآله ) : وما يريدون مني ؟ فإني عبد من عبيد الله ، لا أعلم إلا ما علمني ربي ، ثم قال : إئذن لهم ، فدخلوا عليه فقال : أتسألوني عما جئتم له أم أنبئكم ؟ قالوا : نبئنا ، قال : جئتم تسألوني عن ذي القرنين ، قالوا : نعم ، قال : كان غلاماً من أهل الروم ثم ملك ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 300 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأتى مطلع الشمس ومغربها ، ثم بني السد فيها . قالوا : نشهد أن هذا كذا .
12 . ومن ذلك : أن وابصة بن معبد الأسدي أتاه فقال : لا أدعُ من البر والإثم شيئاً إلا سألته عنه ، فلما أتاه قال له بعض أصحابه : إليك يا وابصة عن رسول الله فقال النبي ( صلى الله عليه وآله ) : أدنهْ يا وابصة ، فدنوت . فقال : أتسأل عما جئت له أو أخبرك ؟ قال : أخبرني . قال : جئت تسأل عن البر والإثم . قال : نعم . فضرب بيده على صدره ثم قال : يا وابصة ، البر ما أطمأن به الصدر ، والإثم ما تردد في الصدر وجال في القلب ، وإن أفتاك الناس وأفتوك .
13 . ومن ذلك : أنه أتاه وفد عبد القيس فدخلوا عليه ، فلما أدركوا حاجتهم عنده قال : إئتوني بتمر أهلكم مما معكم ، فأتاه كل رجل منهم بنوع منه ، فقال النبي ( صلى الله عليه وآله ) : هذا يسمى كذا ، وهذا يسمى كذا ، فقالوا : أنت أعلم بتمر أرضنا ، فوصف لهم أرضهم فقالوا : أدخلتها ؟ قال : لا ، ولكن فسح لي فنظرت إليها ! فقام رجل منهم فقال : يا رسول الله ، هذا خالي وبه خبل ، فأخذ بردائه ثم قال : أخرج عدو الله ثلاثاً ثم أرسله فبرأ . وأتوه بشاة هرمة ، فأخذ أحد أذنيها بين أصابعه فصار ميسماً ، ثم قال : خذوها فإن هذا السمة في آذان ما تلد إلى يوم القيامة ! فهي تتوالد وتلك في آذانها معروفة غير مجهولة .
14 . ومن ذلك : أنه كان في سفر ، فمر على بعير قد أعيا ، وقام منزلاً على أصحابه فدعا بماء فتمضمض منه في إناء وتوضأ وقال : إفتح فاه فصب في فيه فمر ذلك الماء على رأسه وحاركه ، ثم قال : اللهم أحمل خلاداً وعامراً ورفيقيهما وهما صاحبا الجمل ، فركبوه وإنه ليهتز بهم أمام الخيل .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 301 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
15 . ومن ذلك : أن ناقة لبعض أصحابه ضلت في سفر كانت فيه ، فقال صاحبها : لو كان نبياً لعلم أمر الناقة ، فبلغ ذلك النبي ( عليه السلام ) فقال : الغيب لا يعلمه إلا الله ، انطلق يا فلان فإن ناقتك بموضع كذا وكذا ، قد تعلق زمامها بشجرة ، فوجدها كما قال .
16 . ومن ذلك : أنه مر على بعير ساقط فتبصبص له ، فقال : إنه ليشكو شر ولاية أهله له ، يسأله أن يخرج عنهم ، فسأل عن صاحبه فأتاه فقال : بعه وأخرجه عنك فأناخ البعير يرغو ، ثم نهض وتبع النبي ( صلى الله عليه وآله ) فقال : يسألني أن أتولى أمره ! فباعه من علي ( عليه السلام ) ، فلم يزل عنده إلى أيام صفين .
17 . ومن ذلك : أنه كان في مسجده ، إذ أقبل جمل نادٌّ ، حتى وضع رأسه في حجره ثم خرخر ، فقال النبي ( صلى الله عليه وآله ) : يزعم هذا أن صاحبه يريد أن ينحره في وليمة على ابنه فجاء يستغيث ! فقال رجل : يا رسول الله ، هذا لفلان وقد أراد به ذلك . فأرسل إليه وسأله أن لا ينحره ، ففعل .
18 . ومن ذلك : أنه دعا على مضر فقال : اللهم أشدد وطأتك على مضر ، واجعلها عليهم كسنين يوسف ، فأصابهم سنون فأتاه رجل فقال : فوالله ما أتيتك حتى لا يخطر لنا فحل ولا يتردد منا رائح . فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : اللهم دعوتك فأجبتني وسألتك فأعطيتني ، اللهم فاسقنا غيثاً مغيثاً مريئاً سريعاً طبقاً سجالاً ، عاجلاً غير ذائب نافعاً غير ضار . فما قام متى ملأ كل شئ ودام عليهم جمعة ، فأتوه فقالوا : يا رسول الله انقطعت سبلنا وأسواقنا ، فقال النبي ( عليه السلام ) : اللهم حوالينا ولا علينا ، فانجابت السحابة عن المدينة وصار فيما حولها وأمطروا شهراً .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 302 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
19 . ومن ذلك : أنه توجه إلى الشام قبل مبعثه مع نفر من قريش ، فلما كان بحيال بحيراء الراهب نزلوا بفناء ديره ، وكان عالماً بالكتب ، وقد كان قرأ في التوراة مرور النبي ( صلى الله عليه وآله ) به وعرف أوان ذلك ، فأمر فدعي إلى طعامه ، فأقبل يطلب الصفة في القوم فلم يجدها فقال : هل بقي في رحالكم أحد ؟ فقالوا : غلام يتيم . فقام بحيراء الراهب فاطلع فإذا هو برسول الله ( صلى الله عليه وآله ) نائم وقد أظلته سحابة فقال للقوم : ادعوا هذا اليتيم ففعلوا وبحيراء مشرف عليه وهو يسير ، والسحابة قد أظلته ، فأخبر القوم بشأنه وأنه سيبعث فيهم رسولاً ، ويكون من حاله وأمره ، فكان القوم بعد ذلك يهابونه ويجلونه ، فلما قدموا أخبروا قريشاً بذلك ، وكان عند خديجة بنت خويلد فرغبت في تزويجه وهي سيدة نساء قريش وقد خطبها كل صنديد ورئيس قد أبتهم فزوجته نفسها للذي بلغها من خبر بحيراء .
20 . ومن ذلك : أنه كان بمكة أيام ألَّبَ عليه قومه وعشائره ، فأمر علياً ( عليه السلام ) أن يأمر خديجة أن تتخذ له طعاماً ففعلت ، ثم أمره أن يدعو له أقرباءه من بني عبد المطلب ، فدعا أربعين رجلاً ، فقال : هات لهم طعاماً يا علي ، فأتاه بثريدة وطعام يأكله الثلاثة والأربعة فقدمه إليهم ، وقال : كلوا وسموا ، فسمى ولم يسم القوم فأكلوا وصدروا شبعى . فقال أبو لهب : جاد ما سحركم محمد ، يطعم من طعام ثلاث رجال أربعين رجلاً ، هذا والله هو السحر الذي لا بعده ! فقال علي ( عليه السلام ) : ثم أمرني بعد أيام فاتخذت له مثله ودعوتهم بأعيانهم ، فطعموا وصدروا .
21 . ومن ذلك : أن علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) قال : دخلت السوق فابتعت لحماً بدرهم وذرة بدرهم ، فأتيت به فاطمة ( عليها السلام ) حتى إذا فرغت من الخبز والطبخ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 303 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قالت : لو دعوت أبي فأتيته وهو مضطجع وهو يقول : أعوذ بالله من الجوع ضجيعاً . فقلت له : يا رسول الله إن عندنا طعاماً ، فقام واتكأ علي ومضينا نحو فاطمة ( عليها السلام ) ، فلما دخلنا قال : هلم طعامك يا فاطمة فقدمت إليه البرمة والقرص ، فغطى القرص وقال : اللهم بارك لنا في طعامنا . ثم قال : أغرفي لعائشة فغرفت ، ثم قال : أغرفي لأم سلمة فغرفت ، فما زالت تغرف حتى وجهت إلى نسائه التسع قرصة قرصة ومرقاً . ثم قال : أغرفي لأبيك وبعلك ، ثم قال : أغرفي وكلي واهدي لجاراتك ، ففعلت ، وبقي عندهم أياماً يأكلون .
22 . ومن ذلك : أن امرأة عبد الله بن مسلَّم أتته بشاة مسمومة ، ومع النبي ( صلى الله عليه وآله ) بشر بن البراء بن عازب ، فتناول النبي ( صلى الله عليه وآله ) الذراع وتناول بشر الكراع ، فأما النبي فلاكها ولفظها وقال : إنها لتخبرني أنها مسمومة . وأما بشر فلاك المضغة وابتلعها فمات ، فأرسل إليها فأقرت ، وقال : ما حملك على ما فعلت ؟ قالت : قتلت زوجي وأشراف قومي ، فقلت : إن كان ملكاً قتلته وإن كان نبياً فسيطلعه الله تبارك وتعالى على ذلك .
23 . ومن ذلك : أن جابر بن عبد الله الأنصاري قال : رأيت الناس يوم الخندق يحفرون وهم خماص ، ورأيت النبي ( عليه السلام ) يحفر وبطنه خميص ، فأتيت أهلي فأخبرتها فقالت : ما عندنا إلا هذه الشاة ومحرز من ذرة . قال : فاخبزي ، وذبح الشاة وطبخوا شقها وشووا الباقي ، حتى إذا أدرك أتى النبي ( صلى الله عليه وآله ) فقال : يا رسول الله اتخذت طعاماً فائتني أنت ومن أحببت ، فشبك أصابعه في يده ثم نادى : ألا إن جابراً يدعوكم إلى طعامه . فأتى أهله مذعوراً خجلاً ، فقال لها : هي الفضيحة قد حفل بهم أجمعين . فقالت : أنت دعوتهم أم هو ؟ قال : هو . قالت : فهو أعلم بهم . فلما رآنا أمر بالأنطاع فبُسطت على الشوارع ، وأمره أن يجمع التواري يعني قصاعاً كانت من خشب والجفان ، ثم قال : ما عندكم من الطعام ؟ فأعلمته فقال : غطوا السدانة والبرمة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 304 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والتنور واغرفوا ، وأخرجوا الخبز واللحم وغطوا ! فما زالوا يغرفون وينقلون ولا يرونه ينقص شيئاً حتى شبع القوم وهم ثلاثة آلاف ! ثم أكل جابر وأهله وأهدوا وبقي عندهم أياماً .
24 . ومن ذلك : أن سعد بن عبادة الأنصاري أتاه عشية وهو صائم ، فدعاه إلى طعامه ودعا معه علي بن أبي طالب ، فلما أكلوا قال النبي ( صلى الله عليه وآله ) : نبي ووصي ، يا سعد أكل طعامك الأبرار وأفطر عندك الصائمون وصلت عليكم الملائكة فحمله سعد على حمار قطوف وألقى عليه قطيفة ، فرجع الحمار وإنه لهملاج ما يساير .
25 . ومن ذلك : أنه أقبل من الحديبية وفي الطريق ماء يخرج من وشل ، بقدر ما يروي الراكب والراكبين ، فقال : من سبقنا إلى الماء فلا يستقين منه . فلما انتهى إليه دعا بقدح فتمضمض فيه ثم صبه في الماء ففاض الماء ، فشربوا وملؤوا أدواتهم ومياضيهم وتوضؤوا . فقال النبي ( صلى الله عليه وآله ) : لئن بقيتم ، أو بقي منكم ، ليتسعن بهذا الوادي بسقي ما بين يديه من كثرة مائه ، فوجدوا ذلك كما قال ( صلى الله عليه وآله ) .
26 . ومن ذلك : إخباره عن الغيوب وما كان وما يكون ، فوجد ذلك موافقاً لما يقول . ومن ذلك أنه أخبر صبيحة الليلة التي أسري به بما رأى في سفره ، فأنكر ذلك بعض وصدقه بعض ، فأخبرهم بما رأى من المارة والممتارة ، وهيآتهم ومنازلهم وما معهم من الأمتعة ، وأنه رأى عيراً أمامها بعير أوْرَق ، وأنه يطلع يوم كذا من العقبة مع طلوع الشمس ! فغدوا يطلبون تكذيبه للوقت الذي وقته لهم ، فلما كانوا هناك طلعت الشمس فقال بعضهم : كذب الساحر ، وأبصر آخرون بالعير قد أقبلت يقدمها الأورق ، فقالوا : صدق ، هذه نِعَمٌ قد أقبلت !
27 . ومن ذلك : أنه أقبل من تبوك فجهدوا عطشاً ، وبادر الناس إليه يقولون :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 305 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الماء الماء ، يا رسول الله . فقال لأبي هريرة : هل معك من الماء شئ ؟ قال : كقدر قدح في ميضاتي ، قال : هلم ميضاتك فصب ما فيه في قدح ودعا وأوعاه ، وقال : ناد : من أراد الماء ! فأقبلوا يقولون : الماء يا رسول الله . فما زال يسكب وأبو هريرة يسقي حتى روي القوم أجمعون ، وملؤوا ما معهم ، ثم قال لأبي هريرة : إشرب ، فقال : بل آخركم شرباً ، فشرب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) .
28 . ومن ذلك : أن أخت عبد الله بن رواحة الأنصاري مرَّت به أيام حفرهم الخندق فقال لها : إلى أين تريدين ؟ قالت : إلى عبد الله بهذه التمرات ، فقال : هاتيهن ، فنثرت في كفه ، ثم دعا بالأنطاع وفرقها عليها وغطاها بالأزر ، وقام وصلى ، ففاض التمر على الأنطاع ثم نادى : هلموا وكلوا . فأكلوا وشبعوا ، وحملوا معهم ، ودفع ما بقي إليها !
29 . ومن ذلك : أنه كان في سفر فأجهدوا جوعاً فقال : من كان معه زاد فليأتنا به . فأتاه نفر منهم بمقدار صاع ، فدعا بالأزر والأنطاع ، ثم صفف التمر عليها ، ودعا ربه فأكثر الله ذلك التمر ، حتى كان أزوادهم إلى المدينة !
30 . ومن ذلك : أنه أقبل من بعض أسفاره فأتاه قوم فقالوا : يا رسول الله ، إن لنا بئراً إذا كان القيظ اجتمعنا عليها ، وإذا كان الشتاء تفرقنا على مياه حولنا ، وقد صار من حولنا عدواً لنا فادع الله في بئرنا ، فتفل ( صلى الله عليه وآله ) في بئرهم ففاضت المياه المغيبة ، فكانوا لا يقدرون أن ينظروا إلى قعرها بعدُ من كثرة مائها ! فبلغ ذلك مسيلمة الكذاب فحاول ذلك في قليب قليل ماؤه ، فتفل الأنكد في القليب ، فغار ماؤه وصار كالجبوب !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 306 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
31 . ومن ذلك : أن سراقة بن جعشم حين وجهه قريش في طلبه ، ناوله نبلاً من كنانته وقال له : ستمر برعاتي فإذا وصلت إليهم فهذا علامتي ، أطعم عندهم واشرب ، فلما انتهى إليهم أتوه بعنز حائل ، فمسح ( صلى الله عليه وآله ) ضرعها فصارت حاملاً ودرت حتى ملؤوا الإناء وارتووا ارتواءً !
32 . ومن ذلك : أنه نزل بأم شريك فأتته بعكة فيها سمن يسير ، فأكل هو وأصحابه ثم دعا لها بالبركة ، فلم تزل العكة تصب سمناً أيام حياتها !
33 . ومن ذلك : أن أم جميل امرأة أبي لهب أتته حين نزلت سورة : تبَّت ، ومع النبي أبو بكر بن أبي قحافة فقال : يا رسول الله ، هذه أم جميل مُحْفَظَة أي مُغضبة تريدك ، ومعها حجر تريد أن ترميك به . فقال : إنها لا تراني . فقالت لأبي بكر : أين صاحبك ؟ قال : حيث شاء الله . قالت : لقد جئته ولو أراه لرميته فإنه هجاني ، واللات والعزى إني لشاعرة ! فقال أبو بكر : يا رسول الله لم تَرَك ؟ قال : لا ، ضرب الله بيني وبينها حجاباً .
34 . ومن ذلك : كتابه المهيمن الباهر لعقول الناظرين ، مع ما أعطي من الخلال التي إن ذكرناها لطالت . فقالت اليهود : وكيف لنا أن نعلم أن هذا كما وصفت ؟ فقال لهم موسى ( عليه السلام ) : وكيف لنا أن نعلم أن ما تذكرون من آيات موسى على ما تصفون ؟ قالوا : علمنا ذلك بنقل البررة الصادقين . قال لهم : فاعلموا صدق ما أنبأتكم به ، بخبر طفل لقنه الله من غير تلقين ، ولا معرفة عن الناقلين . قالوا : نشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله ، وأنكم الأئمة القادة والحجج من عند الله على خلقه . فوثب أبو عبد الله ( عليه السلام ) فقبل بين عينيَّ ، ثم قال : أنت القائم من بعدي ، فلهذا قالت الواقفة ، إنه حي وإنه القائم . ثم كساهم أبو عبد الله ( عليه السلام ) ووهب لهم وانصرفوا مسلمين » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 307 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل السابع عشر : أشعة من أحاديث الإمام الكاظم ( عليه السلام )

1 - حديث الإمام ( عليه السلام ) في مكانة العقل وأهمية التعقل

روى في الكافي : 1 / 13 ، حديث الإمام الكاظم ( عليه السلام ) لهشام بن الحكم ، وهو رسالة في أهمية العقل ودوره في حياة الإنسان وتكامله ، قال هشام ( رحمه الله ) : « قال لي أبو الحسن موسى بن جعفر ( عليه السلام ) : يا هشام إن الله تبارك وتعالى بشر أهل العقل والفهم في كتابه فقال : فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ .
يا هشام ، إن الله تبارك وتعالى أكمل للناس الحجج بالعقول ، ونصر النبيين بالبيان ، ودلهم على ربوبيته بالأدلة فقال : وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ . إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ . يا هشام ، قد جعل الله ذلك دليلاً على معرفته بأن لهم مدبراً فقال : وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ . وقال : هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 308 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ .
وقال : وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ . وقال : يُحْيِى الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ .
وقال : وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ .
وقال : وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ . .
وقال : قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ . .
وقال : هَلْ لَكُمْ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِيمَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
يا هشام ، ثم وعظ أهل العقل ورغبهم في الآخرة فقال : وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 309 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يا هشام ، ثم خوف الذين لا يعقلون عقابه فقال تعالى : ثُمَّ دَمَّرْنَا الآخَرِينَ . وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ . وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ وقال : إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ . وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ .
يا هشام ، ثم بيَّن إن العقل مع العلم فقال : وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ .
يا هشام ثم ذم الذين لا يعقلون فقال : وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ .
وقال : وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ .
وقال : وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لا يَعْقِلُونَ . وقال : أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً .
وقال : لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ .
وقال : أَتَامُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ .
يا هشام ثم ذم الله الكثرة فقال : وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ . وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلِ الْحَمْدُ للهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ . وقال : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلِ الْحَمْدُ للهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ .
يا هشام ، ثم مدح القلة فقال : وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ . وقال : وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وقال : وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ وقال : وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلا قَلِيلٌ . وقال : وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ . وقال : أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ . وقال : أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 310 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يا هشام ، ثم ذكر أولي الألباب بأحسن الذكر وحلاهم بأحسن الحلية ، فقال : يُؤْتِى الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُوْلُواْ الأَلْبَابِ . وقال : وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُوْلُواْ الأَلْبَابِ . وقال : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوِاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ .
وقال : أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ . وقال : أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ .
وقال : كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ .
وقال : وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ هُدًى وَذِكْرَى لأُولِي الأَلْبَابِ وقال : وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ .
يا هشام ، إن الله تعالى يقول في كتابه : إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ ، يعني : عقل . وقال : وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ ، قال : الفهم والعقل .
يا هشام إن لقمان قال لابنه : تواضع للحق تكن أعقل الناس ، فإن الكيِّس لدى الحق أسير ، يا بني إن الدنيا بحر عميق ، قد غرق فيها عالم كثير ، فلتكن سفينتك فيها تقوى الله ، وحشوها الإيمان وشراعها التوكل ، وقيمها العقل ودليلها العلم ، وسكانها الصبر .
يا هشام ، إن لكل شئ دليلاً ودليل العقل التفكر ، ودليل التفكر الصمت ، ولكل شئ مطية ومطية العقل التواضع ، وكفى بك جهلاً أن تركب ما نهيت عنه .
يا هشام ، ما بعث الله أنبياءه ورسله ( عليهم السلام ) إلى عباده إلا ليعقلوا عن الله ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 311 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فأحسنهم استجابة أحسنهم معرفة ، وأعلمهم بأمر الله أحسنهم عقلاً ، وأكملهم عقلاً أرفعهم درجة في الدنيا والآخرة .
يا هشام ، إن لله على الناس حجتين : حجة ظاهرة وحجة باطنة ، فأما الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة ( عليهم السلام ) ، وأما الباطنة فالعقول !
يا هشام ، إن العاقل الذي لا يشغل الحلال شكره ، ولا يغلب الحرام صبره .
يا هشام من سلط ثلاثاً على ثلاث فكأنما أعان على هدم عقله : من أظلم نور تفكره بطول أمله ، ومحى طرائف حكمته بفضول كلامه ، وأطفأ نور عبرته بشهوات نفسه ، فكأنما أعان هواه على هدم عقله ! ومن هدم عقله أفسد عليه دينه ودنياه .
يا هشام ، كيف يزكو عند الله عملك ، وأنت قد شغلت قلبك عن أمر ربك وأطعت هواك على غلبة عقلك !
يا هشام ، الصبر على الوحدة علامة قوة العقل ، فمن عقل عن الله اعتزل أهل الدنيا والراغبين فيها ، ورغب فيما عند الله ، وكان الله أنسه في الوحشة ، وصاحبه في الوحدة ، وغناه في العيلة ، ومعزةً من غير عشيرة .
يا هشام ، نصب الحق لطاعة الله ، ولا نجاة إلا بالطاعة ، والطاعة بالعلم والعلم بالتعلم ، والتعلم بالعقل يعتقد ، ولا علم إلا من عالم رباني ، ومعرفة العلم بالعقل .
يا هشام ، قليل العمل من العالم مقبول مضاعف ، وكثير العمل من أهل الهوى والجهل مردود .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 312 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يا هشام ، إن العاقل رضي بالدون من الدنيا مع الحكمة ، ولم يرض بالدون من الحكمة مع الدنيا ، فلذلك ربحت تجارتهم .
يا هشام ، إن العقلاء تركوا فضول الدنيا فكيف الذنوب ، وترك الدنيا من الفضل ، وترك الذنوب من الفرض .
يا هشام ، إن العاقل نظر إلى الدنيا وإلى أهلها ، فعلم أنها لا تنال إلا بالمشقة ونظر إلى الآخرة فعلم أنها لا تنال إلا بالمشقة ، فطلب بالمشقة أبقاهما .
يا هشام ، إن العقلاء زهدوا في الدنيا ورغبوا في الآخرة ، لأنهم علموا أن الدنيا طالبة مطلوبة ، والآخرة طالبة ومطلوبة ، فمن طلب الآخرة طلبته الدنيا حتى يستوفي منها رزقه ، ومن طلب الدنيا طلبته الآخرة ، فيأتيه الموت فيفسد عليه دنياه وآخرته .
يا هشام ، من أراد الغنى بلا مال ، وراحة القلب من الحسد ، والسلامة في الدين فليتضرع إلى الله عز وجل في مسألته بأن يكمل عقله ، فمن عقل قنع بما يكفيه ، ومن قنع بما يكفيه استغنى ، ومن لم يقنع بما يكفيه لم يدرك الغني أبداً .
يا هشام ، إن الله حكى عن قوم صالحين أنهم قالوا : رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ، حين علموا أن القلوب تزيغ وتعود إلى عماها ورداها !
إنه لم يخف الله من لم يعقل عن الله ، ومن لم يعقل عن الله لم يعقد قلبه على معرفة ثابتة يبصرها ويجد حقيقتها في قلبه ، ولا يكون أحد كذلك إلا من كان قوله لفعله مصدقاً ، وسره لعلانيته موافقاً ، لأن الله تبارك اسمه لم يدل على الباطن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 313 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الخفي من العقل ، إلا بظاهر منه وناطق عنه
يا هشام ، كان أمير المؤمنين ( عليه السلام ) يقول : ما عبد الله بشئ أفضل من العقل ، وما تم عقل امرئ حتى يكون فيه خصال شتى :
الكفر والشر منه مأمونان والرشد والخير منه مأمولان ، وفضل ماله مبذول وفضل قوله مكفوف ، ونصيبه من الدنيا القوت ، لا يشبع من العلم دهره ، الذل أحب إليه مع الله من العز مع غيره ، والتواضع أحب إليه من الشرف ، يستكثر قليل المعروف من غيره ، ويستقل كثير المعروف من نفسه ، ويرى الناس كلهم خيراً منه ، وأنه شرهم في نفسه ، وهو تمام الأمر !
يا هشام ، إن العاقل لا يكذب ، وإن كان فيه هواه .
يا هشام ، لا دين لمن لا مروءة له ، ولا مروءة لمن لا عقل له ، وإن أعظم الناس قدراً الذي لا يرى الدنيا لنفسه خطراً ، أما إن أبدانكم ليس لها ثمنٌ إلا الجنة ، فلا تبيعوها بغيرها .
يا هشام ، إن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) كان يقول : إن من علامة العاقل أن يكون فيه ثلاث خصال : يجيب إذا سئل ، وينطق إذا عجز القوم عن الكلام ، ويشير بالرأي الذي يكون فيه صلاح أهله ، فمن لم يكن فيه من هذه الخصال الثلاث شئ فهو أحمق . إن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) قال : لا يجلس في صدر المجلس إلا رجل فيه هذه الخصال الثلاث أو واحدة منهن ، فمن لم يكن فيه شئ منهن فجلس فهو أحمق .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 314 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال الحسن بن علي ( عليهما السلام ) : إذا طلبتم الحوائج فاطلبوها من أهلها . قيل يا ابن رسول الله ومن أهلها ؟ قال : الذين قص الله في كتابه وذكرهم فقال : إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ ، قال : هم أولو العقول .
وقال علي بن الحسين ( عليهما السلام ) : مجالسة الصالحين داعية إلى الصلاح ، وآداب العلماء زيادة في العقل ، وطاعة ولاة العدل تمام العز ، واستثمار المال تمام المروة ، وإرشاد المستشير قضاء لحق النعمة ، وكف الأذى من كمال العقل ، وفيه راحة البدن عاجلاً وآجلاً .
يا هشام ، إن العاقل لا يحدِّث من يخاف تكذيبه ، ولا يسأل من يخاف منعه ، ولا يَعِدُ ما لا يقدر عليه ، ولا يرجو ما يُعَنَّف برجائه ، ولا يقدم على ما يخاف فوته بالعجز عنه » . انتهى .

2 - من أحاديثه ( عليه السلام ) في توحيد الله تعالى ومعرفته

في التوحيد للصدوق ( قدس سره ) / 69 ، عن الإمام الكاظم عن آبائه ، عن الحسين بن علي ( عليهم السلام ) قال : « خطب أمير المؤمنين ( عليه السلام ) الناس في مسجد الكوفة ، فقال :
الحمد لله الذي لا من شئ كان ، ولا من شئ كَوَّنَ ما قد كان ، مُسْتَشْهَدٌ بحدوث الأشياء على أزليته ، وبما وسمها به من العجز على قدرته ، وبما اضطرها إليه من الفناء على دوامه . لم يخل منه مكان فيدرك بأينية ، ولا له شبه مثال فيوصف بكيفية ، ولم يغب عن علمه شئ فيعلم بحيثية ، مبائن لجميع ما أحدث في الصفات ، وممتنع عن الإدراك بما ابتدع من تصريف الذوات ، وخارج بالكبرياء والعظمة من جميع تصرف الحالات ، محرم على بوارع ثاقبات الفطن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 315 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
تحديده ، وعلى عوامق ناقبات الفكر تكييفه ، وعلى غوائص سابحات الفطر تصويره ، لا تحويه الأماكن لعظمته ، ولا تذرعه المقادير لجلاله ، ولا تقطعه المقائيس لكبريائه ، ممتنع عن الأوهام أن تكتنهه ، وعن الأفهام أن تستغرقه ، وعن الأذهان أن تمثله ، قد يئست من استنباط الإحاطة به طوامح العقول ، ونضبت عن الإشارة إليه بالإكتناه بحار العلوم ، ورجعت بالصغر عن السمو إلى وصف قدرته لطائف الخصوم .
واحدٌ لا من عدد ، ودائمٌ لا بأمد ، وقائمٌ لا بعمد ، ليس بجنسٍ فتعادله الأجناس ، ولا بشبحٍ فتضارعه الأشباح ، ولا كالأشياء فتقع عليه الصفات !
قد ضلت العقول في أمواج تيار إدراكه ، وتحيرت الأوهام عن إحاطة ذكر أزليته ، وحصرت الأفهام عن استشعار وصف قدرته . . إلى أن قال ( عليه السلام ) :
وأشهد أن لا إله إلا الله إيماناً بربوبيته ، وخلافاً على من أنكره ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، المقَر في خير مستقر ، المتناسخ من أكارم الأصلاب ومطهرات الأرحام ، المخرج من أكرم المعادن محتداً ، وأفضل المنابت منبتاً ، من أمنع ذروةً ، وأعز أرومةً ، من الشجرة التي صاغ الله منها أنبياءه وانتجب منها أمناءه ( عليهم السلام ) ، الطيبة العود ، المعتدلة العمود ، الباسقة الفروع ، الناضرة الغصون ، اليانعة الثمار ، الكريمة الحشا . في كرم غرست ، وفي حرم أنبتت ، وفيه تشعبت وأثمرت ، وعزت وامتنعت ، فسمت به وشمخت ، حتى أكرمه الله عز وجل بالروح الأمين ، والنور المبين . والكتاب المستبين ، وسخر له البراق وصافحته الملائكة ، وأرعب به الأباليس ، وهدم به الأصنام ، والآلهة المعبودة دونه . . » . الخ .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 316 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
« عن يعقوب بن جعفر قال : سمعت أبا إبراهيم موسى بن جعفر ( عليه السلام ) وهو يكلم راهباً من النصارى ، فقال له في بعض ما ناظره : إن الله تبارك وتعالى أجل وأعظم من أن يحد بيد أو رجل ، أو حركة أو سكون ، أو يوصف بطول أو قصر أو تبلغه الأوهام ، أو تحيط به صفة العقول ، أنزل مواعظه ووعده ووعيده ، أمرٌ بلا شفة ولا لسان ، ولكن كما شاء أن يقول له كن فكان ، خبراً كما أراد في اللوح » . ( التوحيد / 75 ) .
« عن محمد بن أبي عمير قال : دخلت على سيدي موسى بن جعفر ( عليه السلام ) فقلت له : يا ابن رسول الله علمني التوحيد فقال : يا أبا أحمد لا تتجاوز في التوحيد ما ذكره الله تعالى ذكره في كتابه فتهلك ، واعلم أن الله تعالى واحد ، أحد ، صمد ، لم يلد فيورث ، ولم يولد فيشارك ، ولم يتخذ صاحبة ولا ولداً ولا شريكاً ، وأنه الحي الذي لا يموت ، والقادر الذي لا يعجز ، والقاهر الذي لا يغلب ، والحليم الذي لا يعجل ، والدائم الذي لا يبيد ، والباقي الذي لا يفنى ، والثابت الذي لا يزول ، والغني الذي لا يفتقر ، والعزيز الذي لا يذل ، والعالم الذي لا يجهل ، والعدل الذي لا يجور ، والجواد الذي لا يبخل ، و إنه لا تقدره العقول ، ولا تقع عليه الأوهام ، ولا تحيط به الأقطار ، ولا يحويه مكان ، ولا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير ، وليس كمثله شئ وهو السميع البصير مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا . وهو الأول الذي لا شئ قبله ، والآخر الذي لا شئ بعده ، وهو القديم وما سواه مخلوق محدث ، تعالى عن صفات المخلوقين علوا كبيراً » . ( التوحيد / 76 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 317 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
« كتبت إلى أبي الحسن ( عليه السلام ) أسأله عن الجسم و الصورة ، فكتب : سبحان من ليس كمثله شئ ولا جسم ولا صورة » . ( التوحيد / 102 ) .
« كتبت إلى أبي الحسن ( عليه السلام ) في دعاء : الحمد لله منتهى علمه ، فكتب إلي : لا تقولن منتهى علمه ولكن قل منتهى رضاه » . ( التوحيد / 134 ) .
« عن عبد الأعلى ، عن العبد الصالح موسى بن جعفر ( عليه السلام ) قال : إن الله لا إله إلا هو كان حياً بلا كيف ولا أين ، ولا كان في شئ ، ولا كان على شئ ، ولا ابتدع لمكانه مكاناً ، ولا قوي بعد ما كوَّن الأشياء ، ولا يشبهه شئ يكون ، ولا كان خلواً من القدرة على الملك قبل إنشائه ، ولا يكون خلواً من القدرة بعد ذهابه ، كان عز وجل إلهاً حياً بلا حياة حادثة ، ملكاً قبل أن ينشئ شيئاً ومالكاً بعد إنشائه ، وليس لله حد ، ولا يعرف بشئ يشبهه ، ولا يهرم للبقاء ، ولا يصعق لدعوة شئ ، ولخوفه تصعق الأشياء كلها ، وكان الله حياً بلا حياة حادثة ، ولا كون موصوف ، ولا كيف محدود ، ولا أين موقوف ، ولا مكان ساكن ، بل حي لنفسه ، ومالك لم يزل له القدرة ، أنشأ ما شاء حين شاء بمشيته و قدرته ، كان أولاً بلا كيف ، ويكون آخراً بلا أين وكل شئ هالك إلا وجهه ، له الخلق والأمر تبارك رب العالمين » . ( التوحيد / 141 ) .
« عن يونس بن عبد الرحمن ، قال : قلت لأبي الحسن موسى بن جعفر ( عليه السلام ) : لأي علة عرج الله بنبيه ( صلى الله عليه وآله ) وسلم إلى السماء ، ومنها إلى سدرة المنتهى ، ومنها إلى حجب النور ، وخاطبه و ناجاه هناك والله لا يوصف بمكان ؟ فقال ( عليه السلام ) : إن الله تبارك وتعالى لا يوصف بمكان ، ولا يجري عليه زمان ، ولكنه عز وجل أراد أن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 318 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يشرف به ملائكته وسكان سماواته ، ويكرمهم بمشاهدته ، ويريه من عجائب عظمته ، ما يخبر به بعد هبوطه ، وليس ذلك على ما يقول المشبهون ، سبحان الله وتعالى عما يشركون » . ( التوحيد / 175 ) .
« عن محمد بن أبي عمير قال : رأى سفيان الثوري أبا الحسن موسى بن جعفر ( عليه السلام ) وهو غلامٌ يصلي والناس يمرون بين يديه ، فقال له : إن الناس يمرون بك وهم في الطواف ، فقال ( عليه السلام ) : الذي أصلي له أقرب إلي من هؤلاء » ( التوحيد / 179 )
« ذكر عنده قوم يزعمون أن الله تبارك و تعالى ينزل إلى السماء الدنيا فقال : إن الله تبارك وتعالى لا ينزل ، ولا يحتاج إلى أن ينزل ، إنما منظره في القرب والبعد سواء ، لم يبعد منه قريب ، ولم يقرب منه بعيد ، ولم يحتج بل يحتاج إليه ، وهو ذو الطول لا إله إلا هو العزيز الحكيم . أما قول الواصفين إنه تبارك وتعالى ينزل فإنما يقول ذلك من ينسبه إلى نقص أو زيادة ، وكل متحرك محتاج إلى من يحركه أو يتحرك به ، فظن بالله الظنون فهلك ، فاحذروا في صفاته من أن تقفوا له على حد تحدوه بنقص أو زيادة أو تحرك أو زوال أو نهوض أو قعود ، فإن الله جل عن صفة الواصفين ونعت الناعتين و توهم المتوهمين » . ( التوحيد / 183 ) .
« لا يكون شئ في السماوات ولا في الأرض إلا بسبع : بقضاء ، وقدر ، وإرادة ومشيئة ، وكتاب ، وأجل وإذن ، فمن زعم غير هذا فقد كذب على الله عز وجل . .
لا يكون شئ إلا ما شاء الله وأراد وقدر وقضى ، قلت : ما معنى شاء ؟ قال : ابتداء الفعل ، قلت : ما معنى قدر ؟ قال : تقدير الشئ من طوله وعرضه ، قلت : ما معنى قضى ؟ قال : إذا قضى أمضاه فذلك الذي لا مرد له . . إن لله إرادتين ومشيئتين :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 319 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إرادة حتم وإرادة عزم ، ينهى وهو يشاء ويأمر وهو لا يشاء ، أوَمَا رأيت أنه نهى آدم وزوجته أن يأكلا من الشجرة وشاء ذلك ، ولو لم يشأ أن يأكلا لما غلبت مشيئتهما مشيئة الله تعالى ، وأمر إبراهيم أن يذبح إسحاق ولم يشأ أن يذبحه ، ولو شاء لما غلبت مشيئة إبراهيم مشيئة الله تعالى » . ( الكافي : 1 / 150 ) .

3 - من أحاديثه ( عليه السلام ) في النبوة

« عن أبي الحسن الأول ( عليه السلام ) قال : قلت له : جعلت فداك أخبرني عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) ورث النبيين كلهم ؟ قال : نعم ، قلت : من لدن آدم حتى انتهى إلى نفسه ؟ قال : ما بعث الله نبياً إلا ومحمد ( صلى الله عليه وآله ) أعلم منه ، قال قلت : إن عيسى بن مريم كان يحيي الموتى بإذن الله ، قال : صدقت وسليمان بن داود كان يفهم منطق الطير وكان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقدر على هذه المنازل . قال فقال : إن سليمان بن داود قال للهدهد حين فقده وشك في أمره فقال مالي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين ، حين فقده فغضب عليه فقال : لأعذبنه عذاباً شديداً أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين . وإنما غضب لأنه كان يدله على الماء ، فهذا وهو طائر قد أعطي ما لم يعط سليمان وقد كانت الريح والنمل والإنس والجن والشياطين والمردة له طائعين ، ولم يكن يعرف الماء تحت الهواء ، وكان الطير يعرفه وإن الله يقول في كتابه : وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى : وقد ورثنا نحن هذا القرآن الذي فيه ما تسير به الجبال وتقطع به البلدان ، وتحيى به الموتى ، ونحن نعرف الماء تحت الهواء ، وإن في كتاب الله لآيات ما يراد بها أمر إلا أن يأذن الله به ، مع ما قد يأذن الله مما كتبه الماضون ، جعله الله لنا في أم الكتاب إن الله
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 320 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يقول : وما من غائبة في السماء والأرض إلا في كتاب مبين ، ثم قال : ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ، فنحن الذين اصطفانا الله عز وجل وأورثنا هذا الذي فيه تبيان كل شئ » . ( الكافي : 1 / 226 ) .
« سألت أبا الحسن ( عليه السلام ) : أيما أفضل المقام بمكة أو بالمدينة ؟ فقال : أي شئ تقول أنت ؟ قال فقلت : وما قولي مع قولك ؟ قال : إن قولك يردك إلى قولي ، قال : فقلت له : أما أنا فأزعم أن المقام بالمدينة أفضل من المقام بمكة ، قال فقال : أما لئن قلت ذلك لقد قال أبو عبد الله ( عليه السلام ) ذاك يوم فطر وجاء إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فسلم عليه في المسجد ثم قال : قد فضلنا الناس اليوم بسلامنا على رسول الله » ( الكافي : 4 / 557 ) .
« لما قبض إبراهيم بن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) جرت فيه ثلاث سنن : أما واحدة فإنه لما مات انكسفت الشمس فقال الناس انكسفت الشمس لفقد ابن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فصعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : يا أيها الناس إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله تجريان بأمره مطيعان له لا تنكسفان لموت أحد ولا لحياته ، فإذا انكسفتا أو واحدة منهما فصلوا ، ثم نزل فصلى بالناس صلاة الكسوف ، فلما سلم قال : يا علي قم فجهز ابني ، قال : فقام علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) فغسل إبراهيم وكفنه وحنطه ومضى ، فمضى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) حتى انتهى به إلى قبره فقال الناس : إن رسول الله نسي أن يصلى على ابنه لما دخله من الجزع عليه ، فانتصب قائماً ثم قال : إن جبرئيل ( عليه السلام ) أتاني فأخبرني بما قلتم ، زعمتم أني نسيت أن أصلي على ابني لما دخلني من الجزع ، ألا وإنه ليس كما
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 321 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ظننتم ، ولكن اللطيف الخبير فرض عليكم خمس صلوات ، وجعل لموتاكم من كل صلاة تكبيرة ، وأمرني أن لا أصلى إلا على من صلى .
ثم قال : يا علي إنزل والحد ابني ، فنزل علي فألحد إبراهيم في لحده فقال الناس إنه لا ينبغي لأحد أن ينزل في قبر ولده إذ لم يفعل رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بابنه ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : يا أيها الناس إنه ليس عليكم بحرام أن تنزلوا في قبور أولادكم ، ولكن لست آمن إذا حل أحدكم الكفن عن ولده أن يلعب به الشيطان فيدخله عن ذلك من الجزع ما يحبط أجره ثم انصرف ( صلى الله عليه وآله ) » . ( الكافي : 3 / 463 ، والمحاسن : 2 / 313 ) .

4 - من أحاديثه ( عليه السلام ) في الإمامة

« قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : خلقت أنا وعلى من نور واحد » . ( الخصال / 31 ) .
قال أبو بصير : « دخلت عليه فقلت له : جعلت فداك بمَ يعرف الإمام ؟ فقال : بخصال ، أما أولاهن فشئ تقدم من أبيه فيه وعرفه الناس ونصبه لهم علماً حتى يكون حجة عليهم ، لأن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) نصب علياً علماً وعرفه الناس وكذلك الأئمة يعرفونهم الناس وينصبونهم لهم حتى يعرفوه . ويسأل فيجيب ويسكت عنه فيبتدئ ، ويخبر الناس بما في غد ، ويكلم الناس بكل لسان » . ( قرب الإسناد / 339 ) .
« قال ( عليه السلام ) : مبلغ علمنا على ثلاثة وجوه : ماض وغابر وحادث ، فأما الماضي فمفسر ، وأما الغابر فمزبور ، وأما الحادث فقذفٌ في القلوب ونقرٌ في الأسماع وهو أفضل علمنا ، ولا نبي بعد نبينا » . ( الكافي : 1 / 264 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 322 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي الكافي : 1 / 281 : « حدثني موسى بن جعفر ( عليه السلام ) قال : قلت لأبي عبد الله ( عليه السلام ) : أليس كان أمير المؤمنين ( عليه السلام ) كاتب الوصية ورسول الله ( صلى الله عليه وآله ) المملي عليه وجبرئيل والملائكة المقربون ( عليهم السلام ) شهود ؟ قال : فأطرق طويلاً ، ثم قال : يا أبا الحسن قد كان ما قلت ، ولكن حين نزل برسول الله ( صلى الله عليه وآله ) الأمر ، نزلت الوصية من عند الله كتاباً مسجلاً ، نزل به جبرئيل مع أمناء الله تبارك وتعالى من الملائكة فقال جبرئيل : يا محمد مُرْ بإخراج من عندك إلا وصيك ليقبضها منا وتشهدنا بدفعك إياها إليه ضامناً لها ، يعني علياً فأمر النبي ( صلى الله عليه وآله ) بإخراج من كان في البيت ما خلا علياً ( عليه السلام ) وفاطمة ( عليها السلام ) فيما بين الستر والباب ، فقال جبرئيل : يا محمد ربك يقرؤك السلام ويقول : هذا كتاب ما كنت عهدت إليك وشرطت عليك وشهدت به عليك ، وأشهدت به عليك ملائكتي ، وكفى بي يا محمد شهيداً . قال : فارتعدت مفاصل النبي ( صلى الله عليه وآله ) فقال : يا جبرئيل ربي هو السلام ومنه السلام وإليه يعود السلام ، صدق عز وجل وبرَّ ، هات الكتاب ، فدفعه إليه وأمره بدفعه إلى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) فقال له : إقرأه فقرأه حرفاً حرفاً ، فقال ( صلى الله عليه وآله ) : يا علي ، هذا عهد ربي تبارك وتعالى إلي شرطه علي وأمانته وقد بلغت ونصحت وأديت ! فقال علي ( عليه السلام ) وأنا أشهد لك بأبي وأمي أنت ، بالبلاغ والنصيحة والتصديق على ما قلت ، ويشهد لك به سمعي وبصري ولحمي ودمي !
فقال جبرئيل ( عليه السلام ) : وأنا لكما على ذلك من الشاهدين ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : يا علي أخذت وصيتي وعرفتها وضمنت لله ولي الوفاء بما فيها ، فقال علي ( عليه السلام ) : نعم بأبي أنت وأمي عليَّ ضمانها وعلى الله عوني وتوفيقي على أدائها !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 323 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : يا علي إني أريد أن أشهد عليك بموافاتي بها يوم القيامة فقال علي : نعم أشهد ، فقال النبي ( صلى الله عليه وآله ) : إن جبرئيل وميكائيل فيما بيني وبينك الآن وهما حاضران معهما الملائكة المقربون لأشهدهم عليك !
فقال : نعم ليشهدوا وأنا بأبي أنت وأمي أشهدهم ، فأشهدهم رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) !
وكان فيما اشترط عليه النبي بأمر جبرئيل ( عليه السلام ) فيما أمر الله عز وجل أن قال له : يا علي تفي بما فيها من موالاة من والى الله ورسوله والبراءة والعداوة لمن عادى الله ورسوله ( صلى الله عليه وآله ) ، والبراءة منهم على الصبر منك وعلى كظم الغيظ وعلى ذهاب حقك وغصب خمسك وانتهاك حرمتك ؟
فقال : نعم يا رسول الله فقال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لقد سمعت جبرئيل ( عليه السلام ) يقول للنبي : يا محمد عرفه أنه تنتهك الحرمة وهي حرمة الله وحرمة رسول الله ، وعلى أن تخضب لحيته من رأسه بدم عبيط !
قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : فصعقت حين فهمت الكلمة من الأمين جبرئيل حتى سقطت على وجهي وقلت : نعم قبلت ورضيت وإن انتهكت الحرمة ، وعطلت السنن ، ومزق الكتاب ، وهدمت الكعبة ، وخضبت لحيتي من رأسي بدم عبيط ، صابراً محتسباً أبداً حتى أقدم عليك ! ثم دعا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فاطمة والحسن والحسين وأعلمهم مثل ما أعلم أمير المؤمنين ، فقالوا مثل قوله ! فختمت الوصية بخواتيم من ذهب لم تمسه النار ودفعت إلى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) .
فقلت لأبي الحسن ( عليه السلام ) : بأبي أنت وأمي ألا تذكر ما كان في الوصية ؟ فقال : سنن الله وسنن رسوله ( صلى الله عليه وآله ) . فقلت : أكان في الوصية توثبهم وخلافهم على أمير
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 324 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
المؤمنين ( عليه السلام ) ؟ فقال : نعم والله شيئاً شيئاً ، وحرفاً حرفاً ، أما سمعت قول الله عز وجل : إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شئ أحصيناه في إمام مبين ؟ والله لقد قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لأمير المؤمنين وفاطمة ( عليهما السلام ) : أليس قد فهمتما ما تقدمت به إليكما وقبلتماه ؟ فقالا : بلى وصبرنا على ما ساءنا وغاظنا » .
« عن الجعفري قال سمعت أبا الحسن الرضا ( عليه السلام ) يقول : الأئمة خلفاء الله عز وجل في أرضه » , ( الكافي : 1 / 193 ) .
« علي بن جعفر قال سمعت أبا الحسن ( عليه السلام ) يقول : لما رأى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) تيماً وعدياً وبني أمية يركبون منبره أفظعه ! فأنزل الله تبارك وتعالى قرآناً يتأسى به : وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى ثم أوحى إليه يا محمد إني أمرت فلم اطع فلا تجزع أنت إذا أمرت فلم تطع في وصيك » . ( الكافي : 1 / 426 ) .
« إن فاطمة ( عليها السلام ) صديقة شهيدة وإن بنات الأنبياء لا يطمثن » . ( الكافي : 1 / 458 ) .
« ما من ملك يهبطه الله في أمر ما يهبطه إلا بدأ بالإمام ، فعرض ذلك عليه ، وإن مختلف الملائكة من عند الله تبارك وتعالى إلى صاحب هذا الأمر » . ( الكافي : 1 / 394 ) .
« أدنى ما يثاب به زائر أبي عبد الله ( عليه السلام ) بشط الفرات إذا عرف حقه وحرمته وولايته ، أن يغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر » . ( الكافي : 4 / 582 ) .
« قال أبو الحسن ( عليه السلام ) : أتدري لم سميت الطائف ؟ قلت : لا ، قال : إن إبراهيم ( عليه السلام ) لما دعا ربه أن يرزق أهله من الثمرات قطع لهم قطعة من الأردن ، فأقبلت حتى طافت بالبيت سبعاً ، ثم أقرها الله في موضعها ، وإنما سميت الطائف للطواف بالبيت » . ( الكافي : 4 / 428 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 325 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
« عن محمد بن أبي عمير قال : سمعت موسى بن جعفر ( عليه السلام ) يقول : لا يخلد الله في النار إلا أهل الكفر والجحود وأهل الضلال والشرك ، ومن اجتنب الكبائر من المؤمنين لم يسأل عن الصغائر ، قال الله تبارك و تعالى : إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً .
قال فقلت له : يا ابن رسول الله فالشفاعة لمن تجب من المذنبين ؟ قال : حدثني أبي عن آبائه عن علي ( عليهم السلام ) قال : سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول : إنما شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي فأما المحسنون منهم فما عليهم من سبيل . قال ابن أبي عمير فقلت له : يا ابن رسول الله فكيف تكون الشفاعة لأهل الكبائر والله تعالى ذكره يقول : وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ، ومن يرتكب الكبائر لا يكون مرتضى ! فقال ( عليه السلام ) : يا أبا أحمد ما من مؤمن يرتك ذنباً إلا ساءه ذلك وندم عليه ، وقد قال النبي ( صلى الله عليه وآله ) : كفى بالندم توبة ، وقال ( صلى الله عليه وآله ) : من سرته حسنته وساءته سيئة فهو مؤمن ، فمن لم يندم على ذنب يرتكبه فليس بمؤمن ولم تجب له الشفاعة ، وكان ظالماً والله تعالى ذكره يقول : مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ .
فقلت له : يا ابن رسول الله وكيف لا يكون مؤمناً من لم يندم على ذنب يرتكبه ؟ فقال : يا أبا أحمد ما من أحد يرتكب كبيرة من المعاصي و هو يعلم أنه سيعاقب عليها إلا ندم على ما ارتكب ومتى ندم كان تائباً مستحقاً للشفاعة ، ومتى لم يندم عليها كان مصراً ، والمصر لا يغفر له لأنه غير مؤمن بعقوبة ما ارتكب ، ولو كان مؤمناً بالعقوبة لندم ، وقد قال النبي ( صلى الله عليه وآله ) : لا كبيرة مع الاستغفار ، ولا صغيرة مع الإصرار » . ( التوحيد / 407 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 326 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
« يا سماعة إلينا إياب هذا الخلق وعلينا حسابهم ، فما كان لهم من ذنب بينهم وبين الله عز وجل حتمنا على الله في تركه لنا فأجابنا إلى ذلك ، وما كان بينه وبين الناس استوهبناه منهم وأجابوا إلى ذلك وعوضهم الله عز وجل » . ( الكافي : 8 / 162 ) .

5 - من أحاديثه ( عليه السلام ) الفقهية

« قال أبو الحسن ( عليه السلام ) : من أفتى الناس بغير علم لعنته ملائكة الأرض وملائكة السماء » . ( المحاسن : 1 / 205 ) .
« عن محمد بن الفضيل قال : قال أبو الحسن موسى ( عليه السلام ) لأبي يوسف القاضي : إن الله تبارك و تعالى أمر في كتابه بالطلاق وأكد فيه بشاهدين ولم يرض بهما إلا عدلين وأمر في كتابه بالتزويج فأهمله بلا شهود فأثبتم شاهدين فيما أهمل وأبطلتم الشاهدين فيما أكد » . ( الكافي : 5 / 387 ) .
« سألت أبا الحسن يعني موسى ( عليه السلام ) عن رجل استودع رجلاً مالاً له قيمة والرجل الذي عليه المال رجل من العرب يقدر على أن لا يعطيه شيئاً ولا يقدر له على شئ ، والرجل الذي استودعه خبيث خارجي فلم أدع شيئاً ؟ فقال لي : قل له رده عليه فإنه ائتمنه عليه بأمانة الله عز وجل » . ( الكافي : 5 / 133 )
« عن أبي الحسن موسى ( عليه السلام ) في رجلين يتسابان قال : البادي منهما أظلم ، ووزره ووزر صاحبه عليه ، ما لم يعتذر إلى المظلوم » . ( الكافي : 2 / 360 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 327 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
« عن أبي الحسن ( عليه السلام ) في رجل دخل على دار آخر للتلصص أو الفجور فقتله صاحب الدار ، أيقتل به أم لا ؟ فقال : إعلم أن من دخل دار غيره فقد أهدر دمه . ولا يجب عليه شئ » . ( الكافي : 7 / 294 ) .
« عن عثمان بن عيسى قال : سألت أبا الحسن موسى ( عليه السلام ) عن القياس فقال : مالكم والقياس إن الله لا يسأل كيف أحل وكيف حرم » . ( الكافي : 1 / 57 ) .
« عن محمد بن الفضيل قال : كنا في دهليز يحيى بن خالد بمكة وكان هناك أبو الحسن موسى ( عليه السلام ) وأبو يوسف ، فقام إليه أبو يوسف وتربع بين يديه فقال : يا أبا الحسن جعلت فداك المحرم يظلل ؟ قال : لا ، قال : فيستظل بالجدار والمحمل ويدخل البيت والخباء ؟ قال : نعم قال : فضحك أبو يوسف شبه المستهزئ فقال له أبو الحسن ( عليه السلام ) : يا أبا يوسف إن الدين ليس بالقياس كقياسك وقياس أصحابك ! إن الله عز وجل أمر في كتابه بالطلاق وأكد فيه بشاهدين ولم يرض بهما إلا عدلين ، وأمر في كتابه بالتزويج وأهمله بلا شهود . فأتيتم بشاهدين فيما أبطل الله وأبطلتم شاهدين فيما أكد الله عز وجل ! وأجزتم طلاق المجنون والسكران ! وحج رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فأحرم ولم يظلل ودخل البيت والخباء واستظل بالمحمل والجدار ، فعلنا كما فعل رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ! فسكت » . ( الكافي : 4 / 352 ) .
« لا يحل أكل الجري ولا السلحفاة ولا السرطان ، قال : وسألته عن اللحم الذي يكون في أصداف البحر والفرات أيؤكل ؟ فقال : ذاك لحم الضفادع لا يحل أكله ( الكافي : 6 / 221 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 328 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
« سألته عن الغراب الأبقع والأسود أيحل أكلهما ؟ فقال : لا يحل أكل شئ من الغربان ، زاغ ولا غيره » ( الكافي : 6 / 245 ) .
« أكل الطين حرام مثل الميتة والدم ولحم الخنزير إلا طين قبر الحسين ( عليه السلام ) فإن فيه شفاء من كل داء وأمناً من كل خوف » . ( الكافي : 6 / 266 )
« سألت أبا الحسن ( عليه السلام ) عن أدنى ما يكون من الحيض فقال : ثلاثة وأكثره عشرة » . ( الكافي : 3 / 75 ) .
« إذا وقع الختان على الختان فقد وجب الغسل البكر وغير البكر » . ( الكافي : 3 / 46 )
« عن الفتح بن يزيد قال : سألت أبا الحسن ( عليه السلام ) عن المتعة فقال : هي حلال مباح مطلق لمن لم يغنه الله بالتزويج فليستعفف بالمتعة ، فإن استغنى عنها بالتزويج فهي مباح له إذا غاب عنها . . . كتب أبو الحسن ( عليه السلام ) إلى بعض مواليه : لا تلحوا على المتعة ، إنما عليكم إقامة السنة ، فلا تشتغلوا بها عن فرشكم وحرائركم فيكفرن ويتبرين ويدعين على الآمر بذلك ويلعنونا » . ( الكافي : 5 / 452 ) .
« عن سماعة قال : سألت أبا الحسن ( عليه السلام ) عن الخمس فقال : في كل ما أفاد الناس من قليل أو كثير » . ( الكافي : 1 / 545 ) .
« المصعوق والغريق ، قال : ينتظر به ثلاثة أيام إلا أن يتغير قبل ذلك . . كنا بمكة سنة من السنين فأصاب الناس تلك السنة صاعقة كبيرة حتى مات من ذلك خلق كثير ، فدخلت على أبي الحسن ( عليه السلام ) فقال مبتدئاً من غير أن أسأله : يا علي ينبغي للغريق والمصعوق أن يتربص به ثلاثاً إلا أن يجئ منه ريح يدل على موته ، قلت له : جعلت فداك كأنك تخبرني أنه دفن ناس كثير أحياء ؟ قال : نعم يا علي قد دفن ناس كثير أحياء ، ما ماتوا إلا في قبورهم » ! ( الكافي : 3 / 209 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 329 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

6 - من أحاديثه ( عليه السلام ) في الأدعية والأذكار

« عليكم بالدعاء فإن الدعاء لله والطلب إلى الله يرد البلاء وقد قُدر وقُضي ولم يبق إلا إمضاؤه ، فإذا دعيَ الله عز وجل وسُئل صُرف البلاء صرفةً » . ( الكافي 23 / 470 ) .
« ما من بلاء ينزل على عبد مؤمن فيلهمه الله عز و جل الدعاء ، إلا كان كشف ذلك البلاء وشيكاً . وما من بلاء ينزل على عبد مؤمن فيمسك عن الدعاء إلا كان ذلك البلاء طويلاً ! فإذا نزل البلاء فعليكم بالدعاء والتضرع إلى الله عز وجل » . ( الكافي : 2 / 471 ) .
عن زياد القندي قال : « كتبت إلى أبي الحسن الأول ( عليه السلام ) : علمني دعاء فإني قد بليت بشئ وكان قد حبس ببغداد حيث اتهم بأموالهم فكتب إليه : إذا صليت فأطل السجود ثم قل : يا أحد من لا أحد له حتى تنقطع النفس ثم قل : يا من لا يزيده كثرة الدعاء إلا جودا وكرماً حتى تنقطع نفسك ، ثم قل : يا رب الأرباب أنت أنت أنت الذي انقطع الرجاء إلا منك ، يا علي يا عظيم . قال زياد : فدعوت به ففرج الله عني وخلي سبيلي » . ( الكافي : 3 / 328 ) .
« كتبت إلى أبي الحسن ( عليه السلام ) : إن رأيت يا سيدي أن تعلمني دعاء أدعو به في دبر صلواتي يجمع الله لي به خير الدنيا والآخرة . فكتب ( عليه السلام ) تقول : أعوذ بوجهك الكريم وعزتك التي لا ترام وقدرتك التي لا يمتنع منها شئ من شر الدنيا والآخرة ومن شر الأوجاع كلها » . ( الكافي : 3 / 346 ) .
« قال لي أبو الحسن ( عليه السلام ) : إذا كان لك يا سماعة إلى الله عز وجل حاجة فقل : اللهم إني أسألك بحق محمد وعلي فإن لهما عندك شأنا من الشأن وقدراً من القدر فبحق ذلك الشأن وبحق ذلك القدر أن تصلي على محمد وآل محمد ، وأن تفعل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 330 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بي كذا وكذا . فإنه إذا كان يوم القيامة لم يبق ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا مؤمن ممتحن ، إلا وهو يحتاج إليهما في ذلك اليوم » . ( الكافي : 2 / 562 ) .
« من قال : بسم الله الرحمن الرحيم ، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، ثلاث مرات حين يصبح وثلاث مرات حين يمسى ، لم يخف شيطاناً ولا سلطاناً ولا جذاماً ولا برصاً . قال أبو الحسن ( عليه السلام ) : وأنا أقولها مائة مرة » . ( المحاسن : 1 / 41 ) .
« إذا مرض أحدكم فليأذن للناس يدخلون عليه فإنه ليس من أحد إلا وله دعوة مستجابة » ( الكافي : 3 / 117 ) .
« ما من مؤمن يؤدى فريضة من فرائض الله إلا كان له عند أداءها دعوة مستجابة » . ( المحاسن : 1 / 50 )

7 - من أحاديثه ( عليه السلام ) في الآداب والتربية

« سأل رجل رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ما حق الوالد على ولده ؟ قال : لا يسميه باسمه ، ولا يمشي بين يديه ، ولا يجلس قبله ولا يستسب له » . ( الكافي : 2 / 159 ) .
« من قصد إليه رجل من إخوانه مستجيراً به في بعض أحواله فلم يجره بعد أن يقدر عليه فقد قطع ولاية الله عز وجل » . ( الكافي : 2 / 366 ) .
« سمعت أبا الحسن ( عليه السلام ) يقول : إذا كان الجور أغلب من الحق ، لم يحلّ لأحد أن يظن بأحد خيراً ، حتى يعرف ذلك منه » . ( الكافي : 5 / 298 ) .
« سمعته يقول : إن الله عز وجل يبغض القيل والقال ، وإضاعة المال ، وكثرة السؤال » . ( الكافي : 5 / 301 ) .
« عن أبي الحسن ( عليه السلام ) قال : التودد إلى الناس نصف العقل » ( الكافي : 2 / 643 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 331 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
« إذا كان ثلاثة في بيت فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما ، فإن ذلك مما يغمه » . ( الكافي : 2 / 880 ) .
« لا تذهب الحشمة بينك وبين أخيك ، أبق منها فإن ذهابها ذهاب الحياء » . ( الكافي : 2 / 672 ) .
« إن الله عز وجل يبغض العبد النوام الفارغ . . إياك والكسل والضجر ، فإنك إن كسلت لم تعمل ، وإن ضجرت لم تعط الحق . . إياك والكسل والضجر ، فإنهما يمنعانك من حظك من الدنيا والآخرة » . ( الكافي : 5 / 84 و 85 ) .
« كان يحيى بن زكريا ( عليهما السلام ) يبكي ولا يضحك ، وكان عيسى بن مريم ( عليهما السلام ) يضحك ويبكي وكان الذي يصنع عيسى أفضل من الذي يصنع يحيى » ( الكافي : 2 / 665 ) .
« عن محمد بن الفضيل ، عن أبي الحسن الأول ( عليه السلام ) قال : قلت له : جعلت فداك الرجل من إخواني يبلغني عنه الشئ الذي أكرهه ، فأساله عن ذلك فينكر ذلك وقد أخبرني عنه قوم ثقات ! فقال لي : يا محمد كذِّب سمعك وبصرك عن أخيك فإن شهد عندك خمسون قسامة ، وقال لك قولاً فصدقة وكذبهم ، لا تذيعن عليه شيئاً تشينه به وتهدم به مروءته ، فتكون من الذين قال الله في كتابه : إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم » . ( الكافي : 8 / 147 ) .
وقال ( عليه السلام ) : « أخذ أبي ( عليه السلام ) بيدي ثم قال : يا بني إن أبي محمد بن علي ( عليه السلام ) أخذ بيدي كما أخذت بيدك قال : إن أبي علي بن الحسين ( عليه السلام ) أخذ بيدي وقال : يا بني إفعل الخير إلى كل من طلبه منك ، فإن كان من أهله فقد أصبت موضعه ، وإن لم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 332 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يكن من أهله كنت أنت من أهله ، وإن شتمك رجل عن يمينك ، ثم تحول إلى يسارك فاعتذر إليك ، فاقبل عذره » . ( الكافي : 8 / 152 ) .
« عن أبي الحسن الأول ( عليه السلام ) قال : ينبغي لمن عقل عن الله أن لا يستبطئه في رزقه ولا يتهمه في قضائه » . ( الكافي : 2 / 61 ) .
« عن علي بن سويد ، عن أبي الحسن الأول ( عليه السلام ) قال : سألته عن قول الله عز وجل : ومن يتوكل على الله فهو حسبه ؟ فقال : التوكل على الله درجات ، منها أن تتوكل على الله في أمورك كلها ، فما فعل بك كنت عنه راضياً ، تعلم أنه لا يألوك خيراً وفضلاً ، وتعلم أن الحكم في ذلك له ، فتوكل على الله بتفويض ذلك إليه وثق به فيها وفي غيرها » . ( الكافي : 2 / 62 ) .
« سألته عن الملكين هل يعلمان بالذنب إذا أراد العبد أن يفعله أو الحسنة ؟ فقال ( عليه السلام ) : ريح الكنيف وريح الطيب سواء ؟ قلت : لا قال : إن العبد إذا هم بالحسنة خرج نفسه طيب الريح فقال : صاحب اليمين لصاحب الشمال : قم فإنه قد هم بالحسنة فإذا فعلها كان لسانه قلمه وريقه مداده فأثبتها له وإذا هم بالسيئة خرج نفسه منتن الريح فيقول صاحب الشمال لصاحب اليمين : قف فإنه قد هم بالسيئة فإذا هو فعلها كان لسانه قلمه وريقه مداده وأثبتها عليه » . ( الكافي : 2 / 429 ) .
« سمعت أبا الحسن موسى بن جعفر ( عليه السلام ) يقول : إذا مات المؤمن بكت عليه الملائكة و بقاع الأرض التي كان يعبد الله عليها ، وأبواب السماء التي كان يصعد فيها بأعماله ، وثلم في الإسلام ثلمة لا يسدها شئ ، لأن المؤمنين الفقهاء حصون الإسلام كحصن سور المدينة لها » ( الكافي : 1 / 38 ، و : 3 / 254 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 333 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
« محادثة العالم على المزابل خير من محادثة الجاهل على الزرابي » . ( الكافي : 1 / 39 ) .
« من نزه نفسه عن الغناء فإن في الجنة شجرة يأمر الله عز وجل الرياح أن تحركها فيسمع لها صوتاً لم يسمع بمثله ، ومن لم يتنزه عنه لم يسمعه » ( الكافي : 6 / 434 )
« قال له : جعلت فداك إني أقعد مع قوم يلعبون بالشطرنج ولست ألعب بها ولكن أنظر فقال : مالك ولمجلس لا ينظر الله إلى أهله » . ( الكافي : 6 / 437 ) .
« سألته عن الميت يزور أهله ؟ قال : نعم فقلت : في كم يزور ؟ قال : في الجمعة وفي الشهر وفي السنة على قدر منزلته . فقلت : في أي صورة يأتيهم ؟ قال : في صورة طائر لطيف يسقط على جدرهم ويشرف عليهم ، فإن رآهم بخير فرح ، وإن رآهم بشر وحاجة حزن واغتم » . ( الكافي : 3 / 230 ) .
وفي الكافي : 3 / 231 : « منهم من يزور كل يوم . . قلت : في أي ساعة ؟ قال عند زوال الشمس ومثل ذلك قال قلت : في أي صورة ؟ قال : في صورة العصفور أو أصغر من ذلك فيبعث الله تعالى معه ملكاً فيريه ما يسره ويستر عنه ما يكره فيرى ما يسره ويرجع إلى قرة عين » .
« إن الله خلق قلوب المؤمنين مطوية مبهمة على الإيمان ، فإذا أراد استنارة ما فيها نضحها بالحكمة وزرعها بالعلم ، وزارعها والقيم عليها رب العالمين » . ( الكافي : 2 / 421 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 334 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

8 - من أحاديث الإمام الكاظم ( عليه السلام ) الطبية

« ليس من دواء إلا وهو يهيج داءا وليس شئ في البدن أنفع من إمساك اليد إلا عما يحتاج إليه » . ( الكافي : 8 / 273 ) . « ليس الحمية أن تدع الشئ أصلاً لا تأكله ، ولكن الحمية أن تأكل من الشئ وتخفف » . ( الكافي : 8 / 291 ) .
« لو أن الناس قصدوا في الطعام لاستقامت أبدانهم » . ( المحاسن : 2 / 439 ) .
« لا يخصب خوان لا ملح عليها وأصح للبدن أن يبدأ به في أول الطعام » . ( الكافي : 6 / 326 ) .
« قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : رحم الله المتخللين . قيل : يا رسول الله وما المتخللون ؟ قال : يتخللون من الطعام ، فإنه إذا بقي في الفم تغير فآذى الملك ريحه » . ( المحاسن : 2 / 559 ) .
« كان فيما أوصى به رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) علياً ( عليه السلام ) أن قال : يا علي ، كُلِ العدس فإنه مباركٌ مقدس ، وهو يُرقق القلب ، ويكثر الدمعة ، وإنه بارك عليه سبعون نبياً » . ( المحاسن : 2 / 504 ) .
« أطعموا المحموم لحم القباج فإنه يقوي الساقين ويطرد الحمى طرداً » . ( الكافي : 6 / 312 ) .
« قال لي أبو الحسن يعني الأول ( عليه السلام ) : مالي أراك مصفراً ؟ فقلت له : وعك أصابني ، فقال لي : كل اللحم فأكلته ، ثم رآني بعد جمعة وأنا على حالي مصفراً فقال لي : ألم آمرك بأكل اللحم ؟ قلت : ما أكلت غيره منذ أمرتني ، فقال : وكيف تأكله ؟ قلت : طبيخاً . فقال : لا ، كله كباباً ، فأكلته ثم أرسل إليَّ فدعاني بعد جمعة وإذا الدم قد عاد في وجهي فقال لي : الآن نعم » . ( الكافي : 6 / 319 ) .
« السمك الطري يذيب الجسد . . . يذيب شحم العين » . ( الكافي : 6 / 323 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 335 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
« قال شكوت إلى أبي الحسن ( عليه السلام ) قلة الولد فقال لي : استغفر الله وكل البيض بالبصل » . ( الكافي : 6 / 324 ) .
« كان فيما أوصى به رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) علياً ( عليه السلام ) أنه قال له : يا علي عليك بالدباء فكله فإنه يزيد في الدماغ والعقل » ( الكافي : 6 / 371 ) . .
« ما من أحد إلا وبه عرق من الجذام فأذيبوه بأكل السلجم » . ( الكافي : 6 / 372 ) .
« كان دواء أمير المؤمنين ( عليه السلام ) السعتر وكان يقول : إنه يصير للمعدة خملاً كخمل القطيفة . . . شكا إليه رطوبة فأمره أن يستف السعتر على الريق » . ( الكافي : 6 / 375 ) .
« تمشطوا بالعاج فإن العاج يذهب بالوباء » . ( الكافي : 6 / 489 ) .
« كنت عند أبي الحسن الأول ( عليه السلام ) فرآني أتأوّه فقال : مالك ؟ قلت : ضرسي ، فقال : لو احتجمت ، فاحتجمت فسكن فأعلمته ، فقال لي : ما تداوي الناس بشئ خير من مصة دم أو مزعة عسل ، قال قلت : جعلت فداك ما المزعة عسل ؟ قال : لعقة عسل » . ( الكافي : 8 / 194 ، و : 6 / 332 )
« شكا رجل إلى أبي الحسن ( عليه السلام ) البهق فأمره أن يطبخ الماش ويتحساه ويجعله في طعامه » . ( الكافي : 6 / 344 ) .
« يرعف رعافاً شديداً فدخلت على أبي الحسن ( عليه السلام ) قال : يا زياد أطعم سيفاً التفاح فأطعمته إياه فبرئ » . ( الكافي : 6 / 356 ) .
« الإجاص الطري يطفي الحرارة ويسكن الصفراء ، وإن اليابس منه يسكن الدم ويسل الداء الدوي » . ( الكافي : 6 / 359 ) .
« رأيت أبا الحسن يقطع الكراث بأصوله فيغسله بالماء ويأكله » . ( الكافي : 6 / 365 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 336 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
« عن أبي الحسن موسى ( عليه السلام ) قال : ثلاثة يتخوف منها الجنون : التغوط بين القبور ، والمشي في خف واحد ، والرجل ينام وحده » . ( الكافي : 6 / 534 )
« عن أبي الحسن موسى ( عليه السلام ) قال : عليكم بالرمان ، فإنه ليس من حبة تقع في المعدة إلا أنارت وأطفأت شيطان الوسوسة » . ( المحاسن : 2 / 545 ) .
« الكاظم ( عليه السلام ) قال : من فرج عن أخيه المسلم كربة ، فرج الله بها عنه كربة يوم القيامة » . ( كتاب المؤمن / 50 ) .

9 - من أحاديثه في البشارة بالإمام المهدي ( عليه السلام )

« قال ( عليه السلام ) : إذا فقد الخامس من ولد السابع ، فالله الله في أديانكم لا يزيلنكم أحد عنها . يا بني إنه لا بد لصاحب هذا الأمر من غيبة حتى يرجع عن هذا الأمر من كان يقول به ، إنما هي محنة من الله عز وجل امتحن بها خلقه ، ولو علم آباؤكم وأجدادكم ديناً أصح من هذا لاتبعوه . فقلت : يا سيدي وما الخامس من ولد السابع ؟ فقال : يا بني عقولكم تضعف عن ذلك ، وأحلامكم تضيق عن حمله ، ولكن إن تعيشوا فسوف تدركونه » . ( الإمامة والتبصرة / 113 ) .
تم الكتاب والحمد لله رب العالمين .