الإنتصار - ج 7

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 1 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الانتصار
مناظرات الشيعة في شبكات الانترنت
بقلم : العاملي
المجلد السابع
دفاعاً عن الصديقة الشهيدة فاطمة الزهراء عليها السلام
دار السيرة
بيروت - لبنان
ص . ب : 49 / 25 الغبيري
الطبعة الأولى - ذو الحجة الحرام 1422
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 2 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 3 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة وأتم السلام على سيدنا
ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين
جرت في شبكات الانترنت نقاشاتٌ عديدة حول مقام الصديقة الشهيدة فاطمة الزهراء سلام الله عليها ، وموقفها من خلافة أبي بكر . . ولم يستوعب النقاش جوانب شخصيتها وظلامتها ، حيث دار أكثره حول منعها إرثها من أبيها ، ومصادرة فدك التي أعطاها إياها صلى الله عليه وآله !
ونظراً إلى مقام الصديقة الزهراء المجمع على سموه عند جميع المسلمين ، وأن موقفها من خلافة أبي بكر وعمر يعتبر ركناً في مذهب التشيع لأهل البيت النبوي عليهم السلام . . رأينا ضرورة إضافة فصول مختصرة ، عن خلافة النبي صلى الله عليه وآله ، وما قام به في حجة الوداع وبعدها لتثبيت خلافة عترته الطاهرة ، ثم أحداث وفاته صلى الله عليه وآله ، وما تبعها من مهاجمتهم بيت علي وفاطمة عليهما السلام لإجبارهم على البيعة . .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 4 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أرجو أن تكون هذه الفصول مع المناقشات ، بحوثاً نافعة للمسلمين وتصوراً متكاملاً لمسائل حياة الصديقة الزهراء ومواقفها عليها السلام .
وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب .
كتبه : العاملي
في العشرين من شهر رجب الأصب 1422
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 5 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الأول : خلافة النبي صلى الله عليه وآله كانت مطروحة في حياته . .

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 6 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 7 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
خلافة النبي صلى الله عليه وآله كانت مطروحة في حياته . .
من أكاذيب التاريخ الكبيرة قولهم : إن خلافة النبي صلى الله عليه وآله لم تطرح في حياة النبي أبداً ! ولا أوصى إلى أحد أبداً ! ولا سأله أحد حتى مجرد سؤال عن الخلافة من بعده لمن هي ! ولا ائتمر زعماء قريش بينهم ولا اتفقوا أن يحرموا منها عترة النبي . . ولا تشاوروا مع اليهود أبداً ! !
وقد أخذت هذه اللاءات طريقها من أصحاب السقيفة ، ثم من بلاط الخليفة وحمله الأتباع والرواة . . وكتبته الصحاح ! ! فأبو بكر وابنته عائشة ، وعمر وابنته حفصة . . قالوا إنه لم يجر مع النبي أي حديث حول الموضوع ، وإنهم تأسفوا كثيراً لماذا لم يسألوه عن الخلافة من بعده لمن تكون !
وعندما تقول هاتان العائلتان . . يقول الرواة ، ويقول التاريخ ، وتقول الصحاح . . ! ! ويصير كل من خالف قولهم مخالفاً للاسلام ! أما من كذبهم فهو عدو للاسلام ! فهذه اللاءات . . كانت ضرورية لمشروع قريش في ترتيب الخلافة بين قبائلها وعزل بني هاشم سياسياً !
وإذا قال لهم أحد إن هذه اللاءات هذه تصطدم بمنطق الأمور ، وبقضايا كثيرة ونصوص كثيرة ، رويتموها أنتم وتجعل الرسول ساذجاً مقصراً . .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 8 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يتعمد ترك فراغ هائل بعده ، وهو يعرف أن صراعاً بين أصحابه سينفجر بمجرد أن يغمض عينيه ! وتجعل الرسول يناقض نفسه حيث يأمر كل مسلم بالوصية قبل موته . . بينما يتعمد هو أن لا يوصي !
بل تتناقض مع حكمة الله تعالى وعدله ، لأنها تعني أنه سبحانه ختم النبوة في الأرض . . وترك أمة نبيه تقتتل على خلافته . . ثم لم يصنع لها شيئاً ! !
إذا قلت ذلك . . فجوابهم إنها لاءات ضرورية . . ولتصطدم بما تصطدم ! !

شهود بالجملة على كذب لاءات قريش !

من الأدلة القطعية التي تشهد على كذب لاءات بطون قبائل قريش . .
1 - حديث بني عامر بن صعصعة
ورد في سيرة النبي صلى الله عليه وآله من أنه كان يعرض نفسه على القبائل في أول بعثته ، ويطلب منها أن تحميه لكي يبلغ رسالة ربه . . وأن بعض القبائل قبلت عرضه بشرط أن يكون لها الأمر من بعده ، فأجابها النبي صلى الله عليه وآله بأنه مجرد رسول والأمر ليس له ، بل هو لله تعالى يجعله لمن يريد ! وأبرز ما وجدناه من ذلك : حديث بني عامر بن صعصعة ، وحديث كندة ، وكلاهما في أول البعثة ، وحديث عامر بن الطفيل وهو في أواخر حياة النبي صلى الله عليه وآله !
ففي سيرة ابن هشام : 2 / 289 : ( أتى بني عامر بن صعصعة فدعاهم إلى الله عز وجل ، وعرض عليهم نفسه ، فقال له رجل منهم يقال له بحيرة بن فراس : والله لو أني أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب ، ثم قال
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 9 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
له : أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك ، ثم أظهرك الله على من خالفك ، أيكون لنا الأمر من بعدك ؟ قال : الأمر إلى الله ، يضعه حيث يشاء .
قال فقال له : أفنهدف نحورنا للعرب دونك ، فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا ! لا حاجة لنا بأمرك ! فأبوا عليه .
فلما صدر الناس ، رجعت بنو عامر إلى شيخ لهم ، قد كانت أدركته السن حتى لا يقدر أن يوافي معهم المواسم ، فكانوا إذا رجعوا إليه حدثوه بما يكون في ذلك الموسم ، فلما قدموا عليه ذلك العام سألهم عما كان في موسمهم ، فقالوا : جاءنا فتى من قريش ثم أحد بني عبد المطلب ، يزعم أنه نبي يدعونا إلى أن نمنعه ونقوم معه ونخرج به إلى بلادنا .
قال : فوضع الشيخ يديه على رأسه ، ثم قال : يا بني عامر هل لها من تلاف ؟ ! هل لذناباها من مُطَّلب ؟ ! والذي نفس فلانٍ بيده ما تقوَّلها إسماعيليٌّ قط ، وإنها لحق ، فأين رأيكم كان عنكم ! ) . انتهى .
ورواه الطبري في تاريخه : 2 / 84 . وابن كثير في سيرته : 2 / 158 ، وحكاه في الغدير : 7 / 134 عن سيرة ابن هشام 2 / 32 ، والروض الأنف : 1 / 264 ، وبهجة المحافل للعامري : 1 / 128 ، والسيرة الحلبية : 2 / 3 ، وسيرة زيني دحلان : 1 / 302 ، بهامش الحلبية ، وحياة محمد لهيكل / 152
2 - حديث قبيلة كندة
رواه ابن كثير في سيرته : 2 / 159 ، قال : ( قال عبد الله بن الأجلح : وحدثني أبي عن أشياخ قومه أن كندة قالت له : إن ظفرت تجعل لنا الملك من بعدك ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الملك لله يجعله حيث يشاء ، فقالوا لا حاجة لنا فيما جئتنا به ) ! . انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 10 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
3 - حديث عامر بن الطفيل
هو شيخ مشايخ قبائل غطفان ، روى قصته ابن كثير أيضاً في سيرته : 4 / 114 قال : ( عن ابن عباس أن أربد بن قيس بن جزء بن خالد بن جعفر بن كلاب ، وعامر بن الطفيل بن مالك ، قدما المدينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فانتهيا إليه وهو جالس ، فجلسا بين يديه . فقال عامر بن الطفيل : يا محمد ، ما تجعل لي إن أسلمت ؟ !
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لك ما للمسلمين وعليك ما عليهم . قال عامر : أتجعل لي الأمر إن أسلمت ، من بعدك ؟ !
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ليس ذلك لك ، ولا لقومك ، ولكن لك أعنة الخيل .
قال : أنا الآن في أعنة خيل نجد ! اجعل لي الوَبَر ، ولك المَدَر .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا .
فلما قفل من عنده قال عامر : أما والله لأملأنها عليك خيلاً ورجالاً !
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يمنعك الله .
وفي ص 112 ، قال : ( وكان عامر بن الطفيل قد أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال : أخيرك بين ثلاث خصال : يكون لك أهل السهل ويكون لي أهل الوبر ، وأكون خليفتك من بعدك ، أو أغزوك بغطفان بألف أشقر وألف شقراء !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 11 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال فطعن ( أصيب بالطاعون ) في بيت امرأة ، فقال : أغدةٌ كغدة البعير ، وموتٌ في بيت امرأة من بني فلان ! - وفي رواية في بيت سلولية - ائتوني بفرسي ، فركب ، فمات على ظهر فرسه ! ) . انتهى .
4 - شرط النبي على الأنصار حماية أهل بيته وذريته
من آيات النبوة أن بيعة النبي صلى الله عليه وآله للأنصار من أول يوم في مكة تضمنت ثلاثة شروط :
الأول : أن يحموا النبي صلى الله عليه وآله مما يحمون منه أنفسهم .
والثاني : أن يحموا أهل بيته وذريته مما يحمون منه أولادهم وذراريهم .
والثالث : أن لا ينازعوا الأمر أهله ! !
وهذا الشرط الأخير دليلٌ واضحٌ على أن مبدأ الاختيار الإلهي للأئمة بعد النبي صلى الله عليه وآله كان مفروغاً عنه من أول الرسالة ، وأن لهذا الأمر أهلاً بعد النبي ، على الأمة أن تطيعهم ! وليس لها أن تختار هي ، ولا أن تنازع أهل الأمر ، أو أولي الأمر ، الذين يختارهم الله تعالى لقيادتها بعد نبيه ! وقد وفَى الأنصار بالشرط الأول خير وفاء ، ولكن أكثرهم حنث بالشرطين الأخيرين حنثاً سيئاً ، مع الأسف !
وقد روت الصحاح هذه الشروط النبوية الثلاثة . .
ففي صحيح البخاري : 8 / 122 : ( عن عبادة بن الصامت قال : بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في المنشط والمكره وأن لا ننازع الأمر أهله ، وأن نقوم أو نقول بالحق حيثما كنا ، لا نخاف في الله لومة لائم ) . ورواه مسلم : 6 / 16 ، والنسائي : 7 / 137 ، بعدة روايات ، وعقد باباً بعنوان
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 12 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
( باب البيعة على أن لا ننازع الأمر أهله ) . ورواه ابن ماجة : 2 / 957 . وأحمد 5 / 316 ، وفي ص 415 وقال : ( قال سفيان : زاد بعض الناس : ما لم تروا كفرا بواحاً ) . ورواه البيهقي في سننه 8 / 145 .
وفي مجمع الزوائد : 6 / 49 : ( عن عبادة بن الصامت أن أسعد بن زرارة قال : يا أيها الناس ، هل تدرون على ما تبايعون محمداً ؟ إنكم تبايعونه أن تحاربوا العرب والعجم ، والجن والأنس ! فقالوا : نحن حرب لمن حارب ، وسلم لمن سالم . قالوا : يا رسول الله اشترط . قال : تبايعوني على أن : تشهدوا أن لا إله إلا الله ، وأني رسول الله ، وتقيموا الصلاة وتؤتوا الزكاة ، والسمع والطاعة ، وأن لا تنازعوا الأمر أهله ، وأن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأهليكم .
وعن حسين بن علي قال : جاءت الأنصار تبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم على العقبة فقال يا علي قم فبايعهم ، فقال على ما أبايعهم يا رسول الله ؟ قال : على أن يطاع الله ولا يعصى ، وعلى أن تمنعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته وذريته ، مما تمنعون منه أنفسكم وذراريكم . انتهى .
ومن الملفت أن مصادرهم روت أن النبي صلى الله عليه وآله ضمَّنَ شروط بيعة الشجرة التاريخية في صلح الحديبية مع المهاجرين والأنصار ، نفس هذا الشرط الذي اشترطه على الأنصار قبل الهجرة ! أن يحموه وأهل بيته وذريته مما يحمون منه أنفسهم ، وأن لا ينازعوا الأمر أهله ) !
قال النووي في شرح مسلم : 13 / 2 : ( قوله : في رواية جابر ورواية معقل بن يسار ( بايعناه يوم الحديبية على أن لا نفر ولم نبايعه على الموت ) وفي رواية سلمة أنهم بايعوه يومئذ على الموت ، وهو معنى رواية عبد الله بن زيد بن عاصم . وفى رواية مجاشع بن مسعود البيعة على الهجرة والبيعة على
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 13 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الاسلام والجهاد . وفي حديث ابن عمر وعبادة : بايعنا على السمع والطاعة وأن لا ننازع الأمر أهله . . وفى رواية عن ابن عمر في غير صحيح مسلم البيعة على الصبر . قال العلماء : هذه الرواية تجمع المعاني كلها ، وتبين مقصود كل الروايات ) . انتهى .
ومن الواضح لمن له أدنى خبرة أن الزيادة التي قال عنها أحمد بن حنبل
( قال سفيان : زاد بعض الناس : ما لم تروا كفراً بواحاً ) . . من إضافات أتباع السلطة على الحديث بعد معارضة بني هاشم والأنصار لخلافة أبي بكر وعمر !
وكذلك كل ما في معناها ، كالذي رواه البخاري : 8 / 88 ( إلا أن تروا كفراً بواحاً ، عندكم من الله فيه برهان ) والبيهقي في سننه : 8 / 145 ، لأن بيعة الأنصار كانت قبل الهجرة ، ولم يكن فيها استثناء من الطاعة ، ولم تكن مسألة إثرة القرشيين على الأنصار مطروحة أبداً إلا بعد بيعة أبي بكر ورفض رئيس الأنصار صاحب السقيفة سعد بن عبادة لها بشدة !
ويلاحظ أن الصحاح القرشية أكثرت من رواية شرط النبي صلى الله عليه وآله على الأنصار أن لا ينازعوا الأمر أهله ، لأجل أن تحتج عليهم بأنهم لا سهم لهم في الخلافة القرشية . . ولكنها لم تروِ شرط النبي صلى الله عليه وآله على الأنصار أن يمنعوا أهل بيته وذريته مما يمنعون منه أهليهم ، لأن ذلك في غير مصلحة الخلافة القرشية ، التي هاجمت بيت فاطمة وعلي عليهما السلام وأشعلت فيه النار لتحرقه بمن فيه ، إن لم يخرجوا ويبايعوا !
ولا روت شرط النبي عليهم أن لا ينازعوا الأمر أهله ، إلا ما فلت من سذاجة راويه أو كان من صدقه كما رأيت في حديث عبد الله بن عمر !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 14 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لأن رواية هذا الشرط في غير مصلحة الذين اغتنموا انشغال بني هاشم بجنازة النبي وسرقوا الأمر من أهله !
وبهذا تعرف الهدف من الروايات المدبجة التي حرفت الحديث من كونه شرطاً نبوياً على المسلمين وحولته إلى أمر نبوي للمسلمين بطاعة كل حاكم ! كالتي رواها أحمد في مسنده : 5 / 321 : ( عن عبادة بن الصامت قال قال رسول الله : عليك السمع والطاعة في عسرك ويسرك ومنشطك ومكرهك ، وأثرة عليك ، ولا تنازع الأمر أهله وإن رأيت أنه لك ) . انتهى .
ولا يتسع المجال لتحليل هذا الشرط النبوي البليغ ، الذي بدأ به النبي مبكراً فاشترطه بأمر ربه على الأنصار ، ثم اشترطه على المهاجرين . . وعمق دلالاته على الخطة الإلهية لمستقبل الاسلام ، وترتيب الإمامة بعد النبوة .
5 - حديث الدار . . . وأندر عشيرتك الأقربين
حديث الدار معروف ، فهو مرتبط في مصادر التفسير والسيرة بتفسير قوله تعالى : ( وأنذر عشيرتك الأقربين ) ، حيث دل نص الآية على أن الله تعالى أمر رسوله في المرحلة الأولى أن يدعو بني هاشم فقط !
فماذا فعل النبي صلى الله عليه وآله في هذه المرحلة ؟ وهل استمرت مدتها شهوراً ، أو سنين ، حتى نزل الأمر بتوسيع نطاق الدعوة لعموم الناس ؟
وما معنى الأمر الإلهي : أن تكون نبوة الرسول صلى الله عليه وآله أولاً لبني هاشم خاصة ، وبعدها لقريش والعرب والناس عامة ؟
وما معنى أن قريشاً اتخذت قراراً بمحاصرة بني هاشم ، فالتفوا جميعاً حول النبي صلى الله عليه وآله ، مؤمنهم وكافرهم ، وتحملوا الحصار الشامل الذي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 15 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
استمر من السنة السادسة أو السابعة ، إلى السنة الحادية عشرة للبعثة . . ولم يقل أحد منهم آخ ! وما معنى أنه عندما كانت الشدائد تقع على المسلمين ، لم ينهض بحملها إلا بنو هاشم ؟
فقد انهزم المسلمون جميعاً في أحد ، ولم يثبت غير بني هاشم !
ثم تحداهم جميعاً فارس الأحزاب يوم الخندق ، فلم يجرؤ أحد على مبارزته غير بني هاشم !
ثم انهزموا في حنين وهم عشرة آلاف . . فلم يثبت غير بني هاشم ! !
إنها حقائق وظواهر تفسر الحديث الذي روته مصادرنا قال فيه النبي صلى الله عليه وآله : ( بعثت إلى أهل بيتي خاصة ، وإلى الناس عامة ) .
كما تدل آية ( وأنذر عشيرتك الأقربين ) وما ورد في تفسيرها ، على أن إنذار بني هاشم كان مبرمجاً من الله تعالى . . وأن تعيين وصي النبي صلى الله عليه وآله وخليفته من بينهم ، كان ضمن ذلك البرنامج . .
فقد قال السيوطي في الدر المنثور : 5 / 97 : ( وأخرج ابن إسحق ، وابن جرير ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه ، وأبو نعيم ، والبيهقي في الدلائل ، من طرقٍ ، عن علي رضي الله عنه قال : لما نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وآله : وأنذر عشيرتك الأقربين ، دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا علي إن الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين فضقت بذلك ذرعاً ، وعرفت أني مهما أبادؤهم بهذا الأمر أرى منهم ما أكره ، فصمتُّ عليها حتى جاء جبريل فقال : يا محمد إنك إن لم تفعل ما تؤمر به يعذبك ربك ، فاصنع لي صاعاً من طعام ، واجعل عليه رجل شاة ، واجعل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 16 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لنا عساً من لبن ، ثم اجمع لي بني عبد المطلب ، حتى أكلمهم وأبلغ ما أمرت به . ففعلت ما أمرني به ثم دعوتهم له ، وهم يومئذ أربعون رجلاً يزيدون رجلاً أو ينقصونه ، فيهم أعمامه أبو طالب وحمزة والعباس وأبو لهب ، فلما اجتمعوا إليه دعاني بالطعام الذي صنعت لهم فجئت به ، فلما وضعته تناول النبي صلى الله عليه وسلم بضعة من اللحم فشقها بأسنانه ، ثم ألقاها في نواحي الصحفة ، ثم قال : كلوا بسم الله ، فأكل القوم حتى نهلوا عنه ، ما ترى إلا آثار أصابعهم !
والله إن كان الرجل الواحد ليأكل ما قدمت لجميعهم !
ثم قال : إسق القوم يا علي ، فجئتهم بذلك العس فشربوا منه حتى رووا جميعاً ! وأيم الله إن كان الرجل منهم ليشرب مثله !
فلما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يكلمهم بدره أبو لهب إلى الكلام فقال : لقد سحركم صاحبكم ! فتفرق القوم ولم يكلمهم النبي صلى الله عليه وسلم . فلما كان الغد قال : يا علي إن هذا الرجل قد سبقني إلى ما سمعت من القول ، فتفرق القوم قبل أن أكلمهم ، فعد لنا بمثل الذي صنعت بالأمس من الطعام والشراب ، ثم اجمعهم لي ، ففعلت ثم جمعتهم ، ثم دعاني بالطعام فقربته ، ففعل كما فعل بالأمس ، فأكلوا وشربوا حتى نهلوا ، ثم تكلم النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا بني عبد المطلب إني والله ما أعلم أحداً في العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به ، إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة ، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه ، فأيكم يوازرني على أمري هذا ؟
فقلت وأنا أحدثهم سناًّ : إنه أنا ، فقام القوم يضحكون ) . انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 17 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم رواها السيوطي بسند آخر عن ابن مردويه عن البراء بن عازب ، قال : ( لما نزلت هذه الآية : وأنذر عشيرتك الأقربين ، جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بني عبد المطلب ، وهم يومئذ أربعون رجلاً . . . ) إلخ . .
ولكن السيوطي بتر الحديث هنا ، ولم يذكر بقية كلام النبي صلى الله عليه وآله . . وهو أسلوب دأب رواة خلافة قريش على ارتكابه في حديث الدار ، لأن بقية الحديث تقول إن الله أمر رسوله من ذلك اليوم أن يختار وزيره وخليفته من عشيرته الأقربين !
قال الأميني في الغدير : 1 / 207 : ( وها نحن نذكر لفظ الطبري بنصه حتى يتبين الرشد من الغي . قال في تاريخه : 2 / 217 من الطبعة الأولى : ( إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة ، وقد أمرني الله تعالى أن أدعوكم إليه ، فأيكم يوازرني على هذا الأمر ، على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم ؟
قال : فأحجم القوم عنها جميعاً ، وقلت وإني لأحدثهم سناً وأرمصهم عيناً وأعظمهم بطناً وأحمشهم ساقاً : أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه .
فأخذ برقبتي ثم قال : إن هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم ، فاسمعوا له وأطيعوا . قال : فقام القوم يضحكون ، ويقولون لأبي طالب : قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع ) .
وقال الأميني : 2 / 279 : ( وبهذا اللفظ أخرجه أبو جعفر الإسكافي المتكلم المعتزلي البغدادي ، المتوفى 240 ، في كتابه نقض العثمانية ، وقال : إنه روي في الخبر الصحيح . ورواه الفقيه برهان الدين في أنباء نجباء الأبناء 46 - 48 . وابن الأثير في الكامل : 2 / 24 . وأبو الفداء عماد الدين الدمشقي في تاريخه : 1 / 116 . وشهاب الدين الخفاجي في شرح الشفا للقاضي عياض : 3 / 37 ( وبتر آخره ) وقال : ذكر في دلايل البيهقي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 18 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وغيره بسند صحيح . والخازن علاء الدين البغدادي في تفسيره - 390 . والحافظ السيوطي في جمع الجوامع ، كما في ترتيبه : 6 / 392 . وفي / 397 ، عن الحفاظ الستة : ابن إسحاق ، وابن جرير ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه ، وأبي نعيم ، والبيهقي . وابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : 3 / 254 ) . انتهى كلام صاحب الغدير .
ثم شكا رحمه الله من الذين حرفوا الحديث لإرضاء قريش ، ومنهم الطبري الذي رواه في تفسيره بنفس سنده المتقدم في تاريخه ، ولكنه أبهم كلام النبي صلى الله عليه وآله في حق علي عليه السلام فقال : ثم قال : إن هذا أخي ، وكذا وكذا ! ! وتبعه على ذلك ابن كثير في البداية والنهاية 3 / 40 وفي تفسيره 3 / 351 !
وقال في هامش بحار الأنوار : 32 / 272 : ( وناهيك من ذلك مؤاخاته مع رسول الله صلى الله عليه وآله بأمر من الله عز وجل في بدء الإسلام حين نزل قوله تعالى : وأنذر عشيرتك الأقربين . راجع : تاريخ الطبري : 2 / 321 ، كامل ابن الأثير : 2 / 24 ، تاريخ أبي الفداء : 1 / 116 ، والنهج الحديدي : 3 / 254 ، ومسند الإمام ابن حنبل : 1 / 159 ، وجمع الجوامع ترتيبه : 6 / 408 ، وكنز العمال : 6 / 401 . وهذه المؤاخاة مع أنها كانت بأمر الله عز وجل ، إنما تحققت بصورة البيعة والمعاهدة ( الحلف ) ولم يكن للنبي صلى الله عليه وآله أن يأخذ أخاً ووزيراً وصاحباً وخليفة غيره ، ولا لعلي أن يقصر في مؤازرته ونصرته والنصح له ولدينه ، كمؤازرة هارون لموسى على ما حكاه الله عز وجل في القرآن الكريم ولذلك ترى رسول الله صلى الله عليه وآله حين يؤاخي بعد ذلك المجلس بين المهاجرين بمكة ، فيؤاخي بين كل رجل وشقيقه وشكله : يؤاخي بين عمر وأبي بكر ، وبين عثمان وعبد الرحمن بن عوف ، وبين الزبير وعبد الله بن مسعود ، وبين عبيدة بن الحارث وبلال ، وبين مصعب بن عمير وسعد بن أبي وقاص ، وبين أبي عبيدة بن الجراح وسالم مولى أبي حذيفة ، وبين حمزة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 19 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بن عبد المطلب وزيد بن حارثة الكلبي . ( راجع سيرة ابن هشام : 1 / 504 . المحبر : 71 / 70 . البلاذري : 1 / 270 ) ، يقول لعلي عليه السلام : والذي بعثني بالحق نبياً ما أخرتك إلا لنفسي ، فأنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ، وأنت أخي ووارثي ، وأنت معي في قصري في الجنة .
ثم قال له : وإذا ذاكرك أحد فقل : أنا عبد الله وأخو رسوله ولا يدعيها بعدي إلا كاذب مفتر . ( الرياض النضرة : 2 / 168 . منتخب كنز العمال : 5 / 45 و 46 ) .
ولذلك نفسه تراه صلى الله عليه وآله حينما عرض نفسه على القبائل فلم يرفعوا إليه رؤوسهم ، ثم عرض نفسه على بني عامر بن صعصعة قال رجل منهم يقال له بحيرة بن فراس بن عبد الله بن سلمة الخير بن قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة : والله لو أني أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب ، ثم قال لرسول الله : أرأيت إن بايعناك على أمرك ثم أظهرك الله على من خالفك ، أيكون لنا الأمر من بعدك ؟
قال : الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء . قال : فقال له : أفنهدف نحورنا للعرب دونك ، فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا ، لا حاجة لنا بأمرك ، فأبوا عليه . ( راجع : سيرة ابن هشام : 1 / 424 ، الروض الأنف : 1 / 264 ، بهجة المحافل : 1 / 128 ، سيرة زيني دحلان : 1 / 302 ، السيرة الحلبية : 2 / 3 ) .
فلولا أنه صلى الله عليه وآله كان تعاهد مع علي عليه السلام بالخلافة والوصاية بأمر من الله عز وجل قبل ذلك ، لما ردهم بهذا الكلام المؤيس ، وهو بحاجة ماسة إلى نصرة أمثالهم ) . انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 20 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي دعائم الإسلام للقاضي النعمان المغربي : 1 / 15 : ( وروينا أيضاً عن علي بن أبي طالب صلى الله عليه أنه قال : لما أنزل الله عز وجل : وأنذر عشيرتك الأقربين ، جمع رسول الله صلى الله عليه وآله بني عبد المطلب على فخذ شاة وقدح من لبن ، وإن فيهم يومئذ عشرة ليس منهم رجل إلا أن يأكل الجذعة ويشرب الفرق ، وهم بضع وأربعون رجلاً ، فأكلوا حتى صدروا وشربوا حتى ارتووا ، وفيهم يومئذ أبو لهب ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله : يا بني عبد المطلب أطيعوني تكونوا ملوك الأرض وحكامها ، إن الله لم يبعث نبياً إلا جعل له وصياً ووزيراً ووارثاً وأخاً وولياً ، فأيكم يكون وصيي ووارثي ووليي وأخي ووزيري ؟ فسكتوا ، فجعل يعرض ذلك عليهم رجلاً رجلاً ، ليس منهم أحد يقبله ، حتى لم يبق منهم أحد غيري ، وأنا يومئذ من أحدثهم سناً ، فعرض علي فقلت : أنا يا رسول الله . فقال : نعم ، أنت يا علي . فلما انصرفوا قال لهم أبو لهب : لو لم تستدلوا على سحر صاحبكم إلا بما رأيتم ، أتاكم بفخذ شاة وقدح من لبن فشبعتم ورويتم ! وجعلوا يهزؤون ويقولون لأبي طالب : قد قدم ابنك اليوم عليك ) . انتهى .
ولا بد أن تكون حادثة دعوة النبي صلى الله عليه وآله لبني هاشم قد شاعت في قريش ثم في العرب ، فقالوا إن النبي الجديد جمع عشيرته بأمر ربه كما يزعم ، ودعاهم إلى دينه ، وطلب منهم شخصاً يكون وزيره وخليفته من بعده ، فأجابه ابن عمه الشاب الغلام علي . . فاتخذه وزيراً وخليفة !
ومنها نفهم تفسير ولاية علي بأنها النبأ العظيم كما في الكافي : 1 / 418 : ( عن عبد الله بن كثير قال سألت الامام الصادق عليه السلام في قوله تعالى ( عم يتساءلون . عن النبأ العظيم ) ؟ قال : النبأ العظيم : الولاية ) . انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 21 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وينبغي هنا أن ننبه هنا على أمرٍ مهم . . هو أن مدوني السيرة النبوية الشريفة طمسوا مرحلة دعوة بني هاشم وحذفوها من السيرة ، وكأنه لا يوجد في القرآن آية : ( وأنذر عشيرتك الأقربين ) !
واخترعوا بدلها مرحلة بيت الأرقم ، وما قبل بيت الأرقم . . وما بعد بيت الأرقم . . ! وأكثروا فيه من الروايات غير المعقولة !
* *
فهذه الأدلة المتعددة الثابتة حتى في مصادر السنيين بأسانيد صحيحة ، لا تدع مجالاً للشك في أن ولاية الأمر بعد النبي صلى الله عليه وآله كانت مطروحةً يتكلم فيها النبي والناس ، من أول بعثته إلى آخر حياته صلى الله عليه وآله . . وأن الناس كانوا يعرفون أن مشروع النبوة ودعوة الناس إليها ، هو أيضاً مشروع تكوين دولة يرأسها النبي صلى الله عليه وآله ، وتحتاج إلى خليفة له بعده . . ولذلك كانت القبائل ترى في نبوته بحسابها المادي ، مشروعاً مغرياً ، وتحاول أن تأخذ منه وعداً بأن يكون لها الأمر من بعده ، ومنها قبائل يمانية وعدنانية ، وزعيم قبائل نجد المتنقلة .
بل يمكننا بملاحظة هذا الواقع أن نفترض أن يكون في المسلمين الأوائل منافقين جذبتهم هذه الحركة النبوية باعتبارها مشروعاً مغرياً يؤمل له النجاح ، فكان الواحد منهم يطمع أن يجدله موقعاً في دولة هذا المتنبئ من بني هاشم ، ينقله من ذل التهميش القبلي الذي هو فيه ، إلى مركز قيادي !
وبهذا فقط نستطيع أن نفسر ذكر المنافقين والذين في قلوبهم مرض ، في الآية 31 من سورة المدثر ، التي نزلت مبكراً في مكة ! !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 22 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أمام هذه الحقائق الصارخة . . كيف يصدق عاقل دعوى حكومات زعماء قريش ، بأن أحداً لم يطرح مسألة الخلافة مع النبي صلى الله عليه وآله أبداً أبداً ! حتى بصيغة سؤال عن الحكم الشرعي وواجب المسلمين من بعده ! ! فهل يقبل عاقل أن المسلمين سألوا النبي صلى الله عليه وآله عن مستقبل الأمة ورووا عنه الأحاديث في كل ما يكون بعده إلى يوم القيامة ، إلا في أمر الخلافة ، وإلا في تعيين الإمام الشرعي من بعده ؟ ! !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 23 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الثاني : المؤامرات القرشية اليهودية على النبي صلى الله عليه وآله

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 24 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 25 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

أكثر من عشرين محاولة لاغتيال النبي . . وأضعافها مؤامرات !

يلاحظ المتأمل في سيرة النبي صلى الله عليه وآله أنه في الثلاث وعشرين سنة من بعثته إلى وفاته ، تعرض لأكثر من عشرين محاولة اغتيال ! وأن أصحاب هذه المحاولات هم فئتان لا أكثر : قريش . . واليهود ! ! وهذا يدلنا على أهل القوة الحقيقية في الجزيرة المتضررين من الاسلام ، والمنتفعين حسب خيالهم من قتل نبيه الهاشمي !
لكن نلاحظ أن هدف اليهود من قتل محمد ثابت لم يتغير . . بينما هدف قريش من قتله تطور فقد كان هدفهم في مكة إطفاء دعوته ، ثم صار بعد هجرته إلى المدينة ونشوب الحروب معه ، الانتقام والغلبة على محمد عدو قريش واليهود . . لكن بعد فتح مكة وإجبار قريش على الخضوع وخلع السلاح . . لم يعد محمد في نظر زعماء قريش شاباً من بني هاشم هدد نفوذهم على قبائلهم وعلى العرب . . بل صار رئيس دولة مترامية ، خضعت لها الجزيرة واليمن والبحرين ، ووصل نفوذها إلى مشارف الشام وفلسطين ومصر . . فالهدف الصحيح من قتله هو ( وراثة سلطانه ) وتسلم قيادة هذه الدولة الكبيرة ، المتحفزة لفتح بلاد كسرى وقيصر ، ذلك الهدف المغري
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 26 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الذي طالما أكد عليه النبي في دعوته لقريش في أيامها الأولى ، وجعله من وعود نبوته القطعية ! !
ولا يتسع المجال لاستعراض جميع محاولاتهم لاغتياله ومؤامراتهم عليه . . فهي متنوعة ومكثفة خاصة في آخر سنة من حياته الشريفة صلى الله عليه وآله . . ونكتفي من مؤامراتهم ومحاولاتهم اغتيال النبي ، بما يلي :

المحاولة الأولى : محاولة قريش اغتيال النبي صلى الله عليه وآله في طريق عودته من تبوك

وقد كانت محاولة متقنة نفذتها مجموعة منافقة بلغت نحو عشرين شخصاً فقد عرفوا أن النبي صلى الله عليه وآله سيمر ليلاً من طريق جبلي بينما يمر الجيش من طريق حول الجبل ، وكانت خطتهم أن يكمنوا في أعلى الجبل فوق الطريق الذي سيمر فيه الرسول ، حتى إذا وصل إلى المضيق ألقوا عليه ما استطاعوا من صخور ضخمة تنحدر بقوة وتقتله ، ثم يفرون ويضيعون أنفسهم في جيش المسلمين ، ويبكون على النبي مع الباكين ، ويعلنون بيعة أحدهم لخلافته !
وقد تركهم الله تعالى ينفذون خطتهم ، حتى إذا بدؤوا بإلقاء الصخور ، جاء جبرئيل وأضاء الجبل عليهم فرآهم الرسول صلى الله عليه وآله وناداهم بأسمائهم ، وأراهم لمرافقيه المؤمنين : حذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر ، وأشهدهما عليهم ! فسارعوا بالفرار ونزلوا من الجهة الثانية من الجبل ، وضيعوا أنفسهم في المسلمين ! !
أما لماذا لم يعلن الرسول أسماءهم ؟ ! فلأنهم من قريش ومن المعروفين فيها . . ولو أعلن أسماءهم وقام بمعاقبتهم أو طردهم ، لواجه خطر إعلان قريش الردة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 27 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عن الإسلام ، بحجة أن محمداً أسس ملكاً وأعطى كل شئ من بعده لبني هاشم ، ولم يعط لقريش والعرب شيئاً ! وهذا يعني السمعة السيئة للإسلام ، وأن نبيه صلى الله عليه وآله بعد أن آمن به أصحابه ، اختلف معهم على خلافته ، وقاتلهم وقاتلوه !
ويعني الحاجة من جديد إلى بدر ، وأحد ، والخندق ، وفتح مكة ! ولن تكون نتائج هذه الدورة للإسلام أفضل من الدورة الأولى !
لذلك كان الحل الإلهي : السكوت عنهم ما داموا يعلنون قبول الإسلام ، ونبوة الرسول صلى الله عليه وآله ، وينكرون فعلتهم الخيانية .
ومن الملاحظ أن روايات مؤامرة العقبة ذكرت أسماء قرشية معروفة ، وطبيعي أن يضعِّف علماء الخلافة الرواة الذين رووها ، لكن أكثر أهل الجرح والتعديل وثقوا الوليد ابن جميع وغيره من الرواة ، الذين صرحوا بأسماء المشاركين فيها ، وأنهم الزعماء القرشيون المعروفون !
كما أنهم رووا عن حذيفة وعمار روايات فاضحة لبعض الصحابة الذي كان يسألهما عن نفسه : هل أنا من المنافقين ؟ هل رأياه في الجبل ليلة العقبة ؟ ويحاول أن يأخذ منهما براءة من النفاق والمشاركة في المؤامرة !
كما رووا أنهم كانوا يعرفون أن الشخص من المنافقين عندما يموت ولا يصلي على جنازته حذيفة ! وقد شهدت رواياتهم أن حذيفة لم يصل على جنازة أي زعيم قرشي مات في حياته أبداً ! !
ومن نماذج أحاديث مؤامرة العقبة ، ما رواه مسلم في صحيحه : 8 / 123 : عن أبي الطفيل قال : ( كان بين رجل ( ؟ ) من أهل العقبة وبين حذيفة بعض
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 28 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ما يكون بين الناس ، فقال : أنشدك بالله كم كان أصحاب العقبة ؟ قال فقال له القوم : أخبره إذ سألك ! قال : كنا نخبر أنهم أربعة عشر ، فإن كنت منهم ، فقد كان القوم خمسة عشر ! وأشهد بالله أن اثني عشر منهم حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ) . انتهى .
ويتضح من هذه الرواية أن التغطية على أصحاب مؤامرة العقبة كانت ضرورية حتى بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله . . ولا يوجد سبب لذلك إلا أنهم من زعماء قريش ! !

الثانية : محاولات قريش اغتيال النبي صلى الله عليه وآله في معركة حنين

بعد فتح مكة ، وبعد أن اضطر فراعنة قريش وأتباعهم إلى الدخول في الإسلام تحت السيف ، لكن بقيت مشاعر الغيظ والكبرياء القرشي محتدمة في قلوبهم ، لكنها كامنة . .
وفي نفس الوقت ظهر فيهم منطق يقول : إن دولة محمد دولتنا ! فمحمد أخ كريم ، وابن أخ كريم ، ودولته دولة قريش ، وعزه عز قريش وفخرها ، فمحمد هو ابن قريش ، ودولته أوسع من نفوذ قريش وأقوى ، ومهما كان الماضي فقد عفا محمد عن قريش وعفت عنه وغفرت له ذنبه ، وهاهو يفتح المجال أمام زعمائها في دولته ، فلماذا نحاربها ؟ ! بل لماذا نتركها بأيدي الغرباء من الأوس والخزرج اليمانيين !
أما مسألة بني هاشم ووراثة دولة محمد بعده ، فهي مسألة قرشية داخلية قابلة للعلاج ! لذلك ترجح عند قريش أن توجه جهودها لمرحلة ما بعد محمد صلى الله عليه وآله ، وأن تمنع محمداً أن يرتب الأمر من بعده لبني
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 29 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
هاشم ، ويجمع لهم النبوة والخلافة على حد تعبير قريش ! فالنبوة لبني هاشم كأمر واقع ، ولكن خلافة محمد يجب أن تكون لقريش من غير بني هاشم !
وعلى الرغم من وجود هذا المنطق ، فإن نصوص السيرة الموثقة ، واعترافات بعض زعمائهم ، تدل على أنهم كانوا يعملون على جبهة المؤامرة أيضاً ! وأن أكثريتهم كانوا يائسين من أن يشركهم محمد في حكم دولته ، لأنه يعمل بجدية تامة لتركيز حكم عترته من بعده . . فالأفضل عند زعمائهم أن يتم اغتياله في مكة ، وترتيب الأمر بعده ! وسرعان ما حاولوا تنفيذ ذلك في غزوة حنين التي دعاهم النبي إلى مشاركته فيها !
يا للعجب . . لقد أعلنوا إسلامهم ، وأجابوا النبي صلى الله عليه وآله ليساعدوه في حربه ضد قبيلتي هوازن وغطفان ، اللتين عسكرتا في حنين قريباً نسبياً من مكة ، كان عدد جيش النبي صلى الله عليه وآله الذي فتح به مكة عشرة آلاف وعدد جيش القرشيين الذين شاركوا معهم في حرب هوازن ألفين . . وبمجرد أن واجههم كمين من هوازن في حنين ، وكان القرشيون في المقدمة انهزموا مذعورين من أول رشقة سهام ! فسببوا الهزيمة في صفوف المسلمين فانهزموا الجميع ، كما حدث في أحد !
وثبت النبي صلى الله عليه وآله ومعه بنو هاشم فقط فقط كالعادة ! وقاتلوا بشدة حتى رجع إليهم مئة من الفارين فردوا كمين هوازن وحملتها ، ثم رجع آخرون من المسلمين الفارين . . وكتب الله لهم النصر .
وفي أثناء هزيمة المسلمين ، قامت قريش بعدة محاولات لقتل النبي صلى الله عليه وآله ! وهو أمر يوجب الشك بأن الهزيمة كانت مدبرة مع قبيلة هوازن !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 30 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ونكتفي هنا بذكر ما نقله قائد قوات قريش النضير بن الحارث زعيم بني عبد الدار ، وقد نقل ذلك عنه ابن كثير المتعصب لقريش ولبني أمية ، فقال في سيرته : 3 / 691 : ( كان النضير بن الحارث بن كلدة من أجمل الناس ، فكان يقول : الحمد لله الذي من علينا بالإسلام ، ومن علينا بمحمد صلى الله عليه وسلم ، ولم نمت على ما مات عليه الآباء ، وقتل عليه الأخوة وبنو العم . ثم ذكر عداوته للنبي صلى الله عليه وسلم وأنه خرج مع قومه من قريش إلى حنين ، وهم على دينهم بعد ، قال : ونحن نريد إن كانت دائرة على محمد أن نغير عليه ، فلم يمكنا ذلك . فلما صار بالجعرانة فوالله إني لعلى ما أنا عليه ، إن شعرت إلا برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أنضير ؟ قلت : لبيك . قال : هل لك إلى خير مما أردت يوم حنين مما حال الله بينك وبينه ؟ قال : فأقبلت إليه سريعاً . فقال : قد آن لك أن تبصر ما كنت فيه توضع ! قلت : قد أدري أن لو كان مع الله غيره لقد أغنى شيئاً ، وإني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اللهم زده ثباتاً . قال النضير : فوالذي بعثه بالحق لكأن قلبي حجر ثباتاً في الدين ، وتبصرة بالحق . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الحمد لله الذي هداه ) . انتهى .
وأنت تلاحظ أن هذا الكلام يتضمن إقراراً من هذا الزعيم القرشي على نفسه ، وإقرار الإنسان على نفسه حجة . . كما يتضمن ادعاءه أنه آمن بالله تعالى ، وهو ادعاء للنفس بدون شهادة الغير !
ومما يلاحظ عليه أنه ذكر في إقراره ومدحه لنفسه أنه تشهد الشهادة الأولى فقط ، ولم يذكر الثانية !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 31 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وغرضنا هنا أن نسلط الضوء على اعترافه وهو زعيم بني عبد الدار صاحب راية قريش وقائد قواتها في معركة حنين المؤلفة من 2000 مقاتل ، بأن إعلان زعماء قريش إسلامهم في مكة كان كاذباً ، وأنهم اتفقوا بعده على قتل النبي صلى الله عليه وآله ، وحاولوا مرات في حنين فلم يستطيعوا لأن الله تعالى أحبط خططهم ، وكشف لنبيه صلى الله عليه وآله نواياهم !
بل تدل أحاديث السيرة ، على أن زعماء قريش لم يملكوا أنفسهم عندما انهزم المسلمون في حنين أول الأمر ، فأظهروا كفرهم وفضحوا أنفسهم ! ففي سيرة ابن هشام : 4 / 46 ، قال ابن إسحاق : ( فلما انهزم الناس ، ورأى من كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من جفاة أهل مكة الهزيمة ، تكلم رجال منهم بما في أنفسهم من الضغن ، فقال أبو سفيان بن حرب : لا تنتهي هزيمتهم دون البحر ، وإن الأزلام لمعه في كنانته ) ! ( أي كان يحمل صنمه مع سهامه ) وصرخ جبلة بن الحنبل قال ابن هشام كلدة بن الحنبل وهو مع أخيه صفوان بن أمية مشرك في المدة التي جعل له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا بطل السحر اليوم !
قال ابن إسحاق : ( وقال شيبة بن عثمان بن أبي طلحة أخو بني عبد الدار : قلت اليوم أدرك ثأري من محمد ، وكان أبوه قتل يوم أحد ، اليوم أقتل محمداً ، قال : فأدرت برسول الله لأقتله ، فأقبل شئ حتى تغشى فؤادي فلم أطلق ذاك ، وعلمت أنه ممنوع مني ) . انتهى .
وشيبة هذا قائد آخر من قادة جيش قريش ( المسلمة المؤمنة المجاهدة ) يعترف بأنه في حنين عند الهزيمة أو بعدها ( دار ) مرة أو مرات حول النبي صلى الله عليه وآله ليقتله !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 32 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إن الناظر في مقومات شخصيات زعماء قريش وتفكيرهم واهتماماتهم . . يصل إلى قناعة بأنهم فراعنة كما وصفهم الله تعالى ، وأنهم يهود هذه الأمة ، لا يعرفون شيئاً اسمه الوفاء أو الخجل ، بل يصابون بالصداع إن لم يغدروا بمن عفا عنهم وأحسن إليهم ! لقد مردوا على النفاق ، واتخذوا قراراً بأن يكذبوا بكل الآيات والمعجزات التي يأتيهم بها محمد صلى الله عليه وآله ويكفروا بكل القيم والأعراف الإنسانية التي يدعوهم إليها ويعاملهم بها . . وقرروا أن لا يدخلوا في دينه إلا في حالتين لا ثالثة لهما : إذا كان السيف فوق رؤوسهم ! أو صارت دولة محمد وسلطانه بأيديهم ! فقد حاربوا هذا الدين ونبيه صلى الله عليه وآله بكل الوسائل حتى عجزوا وانهزموا . .
ثم واصلوا تآمرهم على النبي ومحاولاتهم اغتياله صلى الله عليه وآله . . حتى عجزوا . .
ثم جاؤوا يشترطون الشروط عليه وهم منهزمون طلقاء أي عبيد له أطلقهم ولم يعتقهم ، ليأخذوا شطراً من دولته فعجزوا . .
ثم جاؤوا يدعون أنهم أصحاب الحق في دولة نبيهم صلى الله عليه وآله لأنه من قبائل قريش ! !
فتأمل في طبيعة هذه الطينة التي استولت على مقدرات الدولة الإسلامية ، وأبعدت عن الحكم أهل بيت نبيها ، وحرمت الأمة من الذين اختارهم الله لقيادتها ، وأورثهم الكتاب والحكمة !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 33 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الثالثة : مؤامرة سورة التحريم

فقد نصت السورة على أن النبي صلى الله عليه وآله أسرَّ بحديث خطير إلى بعض أزواجه ، وأكد عليها أن لا تقوله إلى أحد ، ولا بد أن الله تعالى أمره بذلك لحكم ومصالح يعلمها سبحانه .
فما كان من ( أم المؤمنين ) إلا أن خالفت حكم الله تعالى وأفشت سر زوجها الرسول صلى الله عليه وآله ، وعملت مع صاحبتها لمصلحة ( قريش ) ضد مصلحة زوجها النبي ! فأطلع الله تعالى نبيه على مؤامرتهما ، فأخبرهما بما فعلتا ، فكشف القرآن سرهما وسر من ورائهما وهددهما ، وضرب لهما مثلاً بامرأتي نوح ولوط ، اللتين خانتا زوجيهما النبيين فدخلتا النار ! !
أما رواة الخلافة القرشية فيقولون إن المسألة كانت عائلية صرفة ، تتعلق بغيرة نساء النبي من بعضهن ، وبعض الأخطاء الفنية الخفيفة لهن مع النبي صلى الله عليه وآله ! إنهم يريدونك أن تغمض عينيك عن آيات الله تعالى في سورة التحريم ، التي تتحدث عن خطر عظيم على الرسول صلى الله عليه وآله والرسالة ، وتحشد أعظم جيش جرار لمواجهة الموقف فتقول ( إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما ، وإن تظاهرا عليه ، فإن الله هو مولاه ، وجبريل ، وصالح المؤمنين ، والملائكة بعد ذلك ظهير ) .
فلمن صغت قلوبهما ، ولمصلحة من تعاونتا على الرسول صلى الله عليه وآله ؟ ! وما هي القضية الشخصية التي تحتاج معالجتها إلى هذا الجيش الإلهي الجرار ، الذي لا يستنفره الله تعالى إلا في حالات الطوارئ القصوى ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 34 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أما ابن عباس الذي يصفونه بحبر الأمة ، فكان يقرأ الآية ( زاغت قلوبكما ) وبذلك تكون اثنتان من أمهات المؤمنين خرجتا من الاسلام ، وإحتاجتا إلى تجديد إسلامهما . . فهل فعلتا ؟ !

الرابعة : حادثة هجر النبي صلى الله عليه وآله نسائه شهراً

وقد شاع خبر طلاقه لهن ! حتى أنه اعتزل منزله الذي يعشن فيه ، وذهب بعيداً عنهن وعن المسجد إلى بيت مارية القبطية الذي كان في ضاحية المدينة على بعد كيلومترات عن منزله ومسجده ، وبقي هناك شهراً ! !
وقد صورت الروايات القرشية هذه الحادثة كعادتها على أنها حادثة شخصية . . وزعموا أن سببها كثرة طلبات نساء النبي المعيشية منه صلى الله عليه وآله ، وأكدوا أنه لا ربط للحادثة بقضايا الإسلام المالئة للساحة السياسية آنذاك ، والشاغلة لزعماء قريش خاصة . . ومنها خلافة النبي ! ! وكيف تكون حادثة شخصية بزعمهم وقد شغلت النبي صلى الله عليه وآله والوحي والمسلمين شهراً كاملاً ! !

الخامسة : تصعيد عمل قريش ضد علي بن أبي طالب عليه السلام

وذلك بهدف إسقاط شخصيته ، والانتقام منه لقتله زعماء قريش وأبطالها ، وتهيئة الجو لعزله بعد النبي صلى الله عليه وآله ! وقد غضب النبي من ذلك ، وشدد عليهم في دفاعه عن علي ، وأكد مكانته الشرعية . . ولهذا الموضوع مفردات عديدة في حروب النبي وسلمه ، وسفره وحضره صلى الله عليه وآله ، ونلاحظ أنها كثرت في السنة الأخيرة من حياته ، وغضب بسببها
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 35 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مراراً ، وخطب أكثر من مرة ، مبيناً فضل علي عليه السلام ، ونفاق من يؤذيه ويبغضه ، أو كفره !
ولو لم يكن من ذلك إلا قصة بريدة الأسلمي الكاسحة ، التي روتها مصادر السنيين بطرق عديدة ، وأسانيد صحيحة عالية ، وكشفت عن وجود شبكة عمل منظم ترسل الرسائل من اليمن إلى المدينة ، وتضع الخطط ضد علي عليه السلام . . وسجلت إدانة النبي صلى الله عليه وآله الغاضبة لهم وتصريحه بأن علياً ( وليكم من بعدي ) كما رواه أحمد في مسنده ، وأن كل من ينتقد علياً وكل من لا يحب علياً ، ولا يطيعه . . فهو منافق خارج عن الاسلام ! وهي حادثة تكفي دليلاً على عمق حسد زعماء قريش لعلي عليه السلام ، وعدم سماعهم لأوامر النبي تجاهه ، وأقواله في حقه .

السادسة : منع تدوين سنة النبي صلى الله عليه وآله في حياته

أما القرآن فالصحيح عندنا أن عامة الناس كانوا يكتبونه حين نزوله ، وكان النبي صلى الله عليه وآله يأمر بوضع ما ينزل منه جديداً في مكان بين المنبر والحائط ، فيه ورق ودواة ، لمن يريد أن يكتبه .
وكان علي عليه السلام يكتب القرآن ، وحديث النبي صلى الله عليه وآله وكان آخرون يكتبون حديث النبي أيضاً ، ومنهم شبان قرشيون يعرفون الكتابة مثل عبد الله بن عمرو بن العاص . . وقد أحست قريش بأن ذلك يعني تدوين مقولات النبي صلى الله عليه وآله العظيمة في حق عترته وبني هاشم ، ومقولاته في ذم عدد كبير من فراعنة قريش وشخصياتها . . فعملت على منع كتابة سنة النبي صلى الله عليه وآله في حياته ، في حين أن بعض
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 36 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
زعمائها كان يكتب أحاديث اليهود ، ويحضر درسهم في كل سبت ! ! وقد وثقنا ذلك في محله . وقد روت مصادر السنيين أن عبد الله بن عمرو بن العاص شكى إلى النبي صلى الله عليه وآله أن ( قريشاً ) نهته عن كتابة حديثه لأن أحاديثه التي فيها غضب عليها ليست حجة شرعاً !
قال أبو داود في سننه : 2 / 176 : ( عن عبد الله بن عمرو قال : كنت أكتب كل شئ أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أريد حفظه ، فنهتني قريش ( ؟ ) وقالوا : أتكتب كل شئ تسمعه ؟ ! ورسول الله صلى الله عليه وسلم بشر يتكلم في الغضب والرضا ؟ ! فأمسكت عن الكتاب ، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأومأ بإصبعه إلى فيه فقال : أكتب ، فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق ! ) . انتهى . ورواه أحمد في مسنده : 2 / 192 ، و 215 ، والحاكم : 1 / 105 و : 3 / 528 ، وصححه .

السابعة : محاولة اغتيال النبي صلى الله عليه وآله في طريق عودته من حجة الوداع

عند عقبة هرشي ، بعد انصرافه من غدير خم ، على أثر إعلانه إمامة علي عليه السلام وخلافته له ! وقد كشف الوحي المؤامرة ، وكانت شبيهة بمؤامرة اغتياله صلى الله عليه وآله في العقبة في طريق رجوعه من مؤتة ! ويظهر أن خبر هذه المحاولة بقي محدوداً ، حيث لم تروه إلا مصادر أهل البيت عليهم السلام .

الثامنة : تصعيد قريش انتقادها لأعمال النبي صلى الله عليه وآله

لتركيز مكانة عترته صلى الله عليه وآله وأسرته بني هاشم في الأمة ! فقد اعترض عدد منهم على النبي صلى الله عليه وآله بوقاحة ، وطالبوا أن يجعل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 37 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الخلافة لقريش تدور في قبائلها ، أو يشرك مع علي غيره من قبائل قريش ! وقد رفض النبي صلى الله عليه وآله كل مطالبهم ، لأنه لا يملك شيئاً مع الله تعالى ، ولم يعط لعلي وبني هاشم شيئاً من عنده حتى يمنعه من عنده ، وإنما هو عبد مبلغ ، صلى الله عليه وآله !
ففي تنزيه الأنبياء للشريف المرتضى ص 167 : ( جاءه قوم من قريش فقالوا له : يا رسول الله صلى الله عليه وآله إن الناس قريبو عهد بالإسلام ، لا يرضون أن تكون النبوة فيك والإمامة في ابن عمك علي بن أبي طالب . فلو عدلت به إلى غيره لكان أولى . فقال لهم النبي صلى الله عليه وآله : ما فعلت ذلك برأيي فأتخير فيه ، لكن الله تعالى أمرني به وفرضه علي . فقالوا له : فإذا لم تفعل ذلك مخافة الخلاف على ربك ، فأشرك معه في الخلافة رجلا من قريش تركن الناس إليه ، ليتم لك أمرك ، ولا يخالف الناس عليك ) . . . الخ .

التاسعة : إصرار قريش على مخالفة النبي ومنع مسير جيش أسامة

فعندما كان النبي صلى الله عليه وآله مريضاً شكل جيشاً بقيادة أسامة بن زيد ، وجعل تحت إمرته كل زعماء الأنصار ، وزعماء قريش وأتباعهم غير بني هاشم ، وكان عدد القرشيين في جيش أسامة سبع مئة ، وعقد اللواء لأسامة ، وأمره أن يسير إلى مؤتة في الأردن لمحاربة الروم . . أراد بذلك أن يرسخ قدرة الدولة الإسلامية ويأخذ بثأر شهداء مؤتة ، كما أراد أن يفرغ المدينة من المعارضين لعلي عليه السلام قبيل وفاته صلى الله عليه وآله . فخرج أسامة بمن معه وعسكر خارج المدينة ، وحثه النبي على الحركة ، ولكن زعماء قريش تثاقلوا عن الالتحاق بمعسكر أسامة ، وثبطوا معهم من استطاعوا ، ثم طعنوا في تأمير النبي صلى الله عليه وآله لأسامة الشاب الأسود
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 38 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بحجة صغر سنه ( 18 سنة ) فصعد النبي المنبر رغم مرضه ورد اعتراضهم ، وأمر بتعجيل سفر جيش أسامة ! ! لكنهم واصلوا تسويف الوقت ، والذهاب إلى المعسكر ، ثم الرجوع إلى المدينة ! حتى صعد النبي صلى الله عليه وآله المنبر وشدد على إنفاذ جيش أسامة ولعن من تخلف عنه ، وبذلك صدرت اللعنة من الله عز وجل على كل من عصى النبي ولم يلتحق بمعسكره ! !
ومع كل ذلك ظلوا يسوفون ويتعللون عن الالتحاق والحركة بحجة أن النبي مريض . . حتى توفي صلى الله عليه وآله فنفذوا خطتهم ضد عترته .

العاشرة : قرار قريش المواجهة المباشرة مع النبي صلى الله عليه وآله

وقد قام بمهمة المواجهة زعيم قريش الجديد عمر بن الخطاب ! الذي ارتضاه اليهود وسهيل بن عمرو وبقية زعماء قريش ، زعيماً عاماً لقريش بصفته صحابياً جريئاً ، ليقود الانقلاب ويبعد بني هاشم عن خلافة النبي ! وبالفعل قاد عمر أعنف مواجهة في تاريخ النبوات ، وذلك عندما جمع النبي صلى الله عليه وآله زعماء قريش والأنصار في مرض وفاته ، وأخبرهم أنه قرر أن يكتب لأمته كتاباً إن هم نفذوه لا يضلوا بعده أبداً ! ! ! فعرفوا أنه يريد أن يدون ولاية علي وأهل بيته على الأمة بشكل مكتوب ، فواجهه عمر بصراحة : لا نريد كتابك وأمانك من الضلال ولا سنتك ولا عترتك ، وحسبنا كتاب الله ! وحتى تفسير القرآن هو من حقنا نحن لا من حقك ولا حق عترتك ! !
وأيده القرشيون الحاضرون ومن أثروا عليهم من الأنصار ، وصاحوا في وجه نبيهم صلى الله عليه وآله : القول ما قاله عمر ! القول ما قاله عمر !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 39 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وانقسم الحاضرون في بيت نبيهم ، وتشادوا بالكلام فوق رأسه صلى الله
عليه وآله . . وكثر صياحهم ولغطهم ! منهم من يقول قربوا له دواةً
وقرطاساً يكتب لكم أماناً من الضلال . وأكثرهم يصيح : القول ما قاله
عمر ، لا تقربوا له شيئاً ، ولا تدعوه يكتب ! !
ولا بد أن جبرئيل حينذاك كان عند النبي صلى الله عليه وآله ، فقد كثر نزوله عليه في الأيام الأخيرة ، فأخبره أن الحجة قد تمت عليم ، وأن الإصرار على الكتاب يعني دفع قريش نحو إعلان ردتها وقولها إن محمداً يريد تأسيس ملك كملك كسرى وقيصر لأهل بيته وعشيرته بني هاشم ويفرض هم على قريش والعرب ! والحل هو الاعراض عنهم ، وإتمام الحجة عليهم بطردهم ! فطردهم النبي صلى الله عليه وآله وقال لهم : قوموا عني فما ينبغي عند نبي نزاع ! قوموا عني ، فما أنا فيه خير مما تدعوني إليه ! !
وهذا الحديث الذي سماه ابن عباس رزية يوم الخميس ، حديث معروف روته صحاحهم ، ورواه البخاري في ست مواضع من صحيحه ! !

الحادية عشرة : توفي النبي صلى الله عليه وآله . . مسموماً ؟

في الأيام الأخيرة من مرضه . . أصيب النبي صلى الله عليه وآله بحمى شديدة ، فكان يغشى عليه لدقائق من شدة الحمى ثم يفيق . . واطلع على أن عائشة وحفصة تريدان أن تسقياه دواء عندما يغمى عليه ، فأفاق ونهاهم ، وشدد عليهم النهي بأن لا يسقوه أي دواء إذا أغمي عليه مرة أخرى . . ولكنهما اغتنمنا فرصة إغمائه وخالفنا نهيه المشدد ، وصبنا في فمه دواء فرفضه لكنهما سقتاه إياه بالقوة ! فأفاق النبي صلى الله عليه وآله ووبخهما
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 40 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
على عملهما ! وأمرهما وكل من كان حاضراً أن يشربوا من ذلك الدواء ، ما عدا بني هاشم لأنه لم يكن منهم أحد ! ورووا أن الجميع غير بني هاشم شربوا من ( ذلك ) الدواء ! والله العالم .
هذه الحادثة المعروفة في السيرة بحادثة ( لَدّ النبي ) صلى الله عليه وآله ، لم تعط حقها من البحث والتحقيق ، فربما كانت محاولةً لقتل النبي صلى الله عليه وآله بالسم . . أما أصحاب خطة السم فهم اليهود أو قريش ، ولا مصدر ثالثاً . . وقد كانت امرأة يهودية تسكن بيت عائشة باسم خادمة ! ! قال البخاري : 7 / 17 : ( عن ابن عباس قالت عائشة : لرددناه في مرضه فجعل يشير الينا أن لا تلدوني ، فقلنا كراهية المريض للدواء . فلما أفاق قال : ألم أنهكم أن تلدوني ؟ ! قلنا : كراهية المريض للدواء . فقال : لا يبقى في البيت أحد إلا لدّ ، وأنا أنظر إلا العباس ، فإنه لم يشهدكم ! ! ) ورواه في : 8 / 40 و 42 ، وفيه أنه أحس باللدّ فنهاهم ولكنهم لم يمتنعوا فعاقبهم ! ! ( قالت عائشة : لددنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه وجعل يشير الينا لا تلدوني ، قال : فقلنا : كراهية المريض للدواء ، فلما أفاق قال : ألم أنهكم أن تلدوني ؟ ! ) . ورواه الحاكم في المستدرك : 4 / 202 ، وفيه : والذي نفسي بيده لا يبقى في البيت أحد إلا لد ، إلا عمي . قال فرأيتهم يلدونهم رجلاً رجلاً . قالت عائشة رضى الله عنها : ومن في البيت يومئذ فيذكر فضلهم ، فلدّ الرجال أجمعون ، وبلغ اللدود أزواج النبي فلددن امرأة امرأة ! ! . . . وقال الحاكم : هذا حديث صحيح الاسناد ، ولم يخرجاه ! ! قال النووي في شرح مسلم : 14 / 198 : قولها : ( لددنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه فأشار أن لا تلدوني . . . ) قال أهل اللغة : اللدود : بفتح اللام هو الدواء
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 41 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الذي يصب في أحد جانبي فم المريض ويسقى أو يدخل هناك بأصبع وغيرها ويحنك به . ويقال منه : لددته ألده . وحكى الجوهري : أيضاً ألددته رباعياً والتددت أنا . قال الجوهري : ويقال للدود لديد أيضاً ، وإنما أمر صلى الله عليه وسلم بلدهم عقوبة لهم حين خالفوه في إشارته إليهم لا تلدوني . ففيه أن الإشارة المفهمة تصريح العبارة في نحو هذه المسألة ، وفيه تعزيز المتعدى بنحو من فعله الذي تعدى به ) . انتهى ! ! !
ومهما حاولوا التخفيف من هذه القضية . . فهي إعلانٌ من النبي صلى الله عليه وآله عن شكه فيمن سقتاه دواء حين أغمي عليه رغم نهيه ! واتهامٌ لهما بأنهما يمكن أن تكونوا قصدتا سمه ، أو سقتاه سماً أعطاه لهما اليهود باسم دواء ! فأمره جبرئيل أن يسجل هذا الإعلان بهذه الصورة ، ليفهم الأجيال أن الجميع متهمون باغتياله ، ما عدا بني هاشم ! !
وفي مجمع الزوائد : 8 / 34 : ( عن عبد الله يعني ابن مسعود قال : لأن أحلف تسعاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل قتلاً ، أحب إلي من أن أحلف واحدةً أنه لم يقتل ، وذلك بأن الله عز وجل جعله نبياً واتخذه شهيداً ! قال الأعمش : فذكرت ذلك لإبراهيم فقال : كانوا يرون أن اليهود سموه . رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح ) . انتهى .
وقد ذكر المحدثون أن حادثة اللد هذه كانت يوم الأحد ، بعد تأكيد النبي صلى الله عليه وآله على إنفاذ جيش أسامة ، وبعد لعنه من تخلف عن الحركة معه ! وكان في جيشه كل زعماء تحالف قريش ، فتخلفوا رغم تأكيد النبي ولعنه ، لأنه لو مات النبي في غيابهم فسيتم الأمر لعلي بلا منازع !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 42 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إن كل واحدة من هذه الحوادث موضوعٌ لدراسة مفصلة ، وهي وإن كانت مؤامرات متنوعة في أساليبها وأوقاتها . . لكن أبطالها الحقيقيين والأدمغة المخططة لها دائماً هي قريش واليهود . . فقط لا غير ، لاغير ! !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 43 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الثالث : النبي ( ص ) يعلن قرب موته . . ويدعو الناس إلى حجة الوداع

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 44 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 45 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

1 - الإعداد والاستعداد من النبي . . ومن قريش

من معجزات نبينا صلى الله عليه وآله ، أنه أخبر الناس بقرب وفاته ، مع أنه كان في أوائل الستين من عمره ، سالماً ، نشيطاً ، قويَّ البدن ! ! فقد نزل عليه الأمين جبرئيل وأخبره بذلك ، وأمره أن يحج بالمسلمين حجة الوداع ، ويبين لهم ما بقي من معالم دينهم ، فأرسل النبي مبعوثه إلى أرياف المدينة والقبائل يدعوهم إلى موافاته في الحج . .
إنها معجزة ربانية واضحة ، وهي سنة الله سبحانه في أنبيائه أنه إذا قرب رحيل الواحد منهم يهئ أمته لفراقه ، ويوصيهم بوصاياه ، ويعين لهم الوصي من بعده . .
وقد أعد النبي لحجة الوداع واستعد . . وأعد المسلمون واستعدوا ، ليودعوا نبيهم ويحفظوا كلماته وحركاته وسكناته ، ويسجلونها في قلوبهم وقرطاس هم ، قبل أن يفقدوا النبي من بينهم ، ويرحل إلى ربه !
وفي المقابل استعدت قريش وأعدت . . ! فالنبي أعلن قرب وفاته . . وهو يمهد لحكم عترته من بعده ، وقد أعلن إمامة أولهم علي ، الذي يبلغ من
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 46 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
العمر ثلاثين سنة . . وأعلن بعده إمامة سبطيه الحسن والحسين ، وعمرهما أقل من عشر سنوات . . ومن بعدهما تكون الإمامة في أولاد الحسين . .
لهذا قال زعماء قريش لبعضهم إذا دخلت الخلافة في بني هاشم فلن تخرج منهم أبداً ، ولن يصل منها إلى قبائل قريش شئ !
ولم يحتج زعماء قريش إلى جهد ليعرفوا أن الغرض الأول للنبي من اجتماع حجة الوداع الذي وسع الدعوة اليه . . أن يركز حكم أهل بيته من بعده كركن من أركان الاسلام ، ويعلن ذلك رسمياً ، ويأخذ من المسلمين البيعة عليه ! بعد أن قطع شوطاً كبيراً في هذا الأمر . . فقد قرنهم به في الصلاة وجعل الصلاة عليهم جزء من صلاة المسلمين ، وأمر المسلمين أن يصلوا في صلاتهم على محمد وآل محمد . .
كما حرم عليهم الصرف من الزكوات ، وجعل لهم بدل ذلك بنداً خاصاً في ميزانية الدولة الاسلامية هي الخمس . . وعين مسؤولاً خاصاً عن أخماس بني هاشم من يوم بدر ، هو محمية بن جزء اليماني .
وأعلن أن حب ابن عمه وصهره علي وبغضه ، ميزانٌ للايمان والنفاق . .
وأعلن ابنته فاطمة سيدة نساء العالمين . .
وأعلن سبطيه الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة . .
وجعل أجرة تبليغه لرسالة ربه . . مودة قرباه واتباعهم . .
وبذلك اقترب من الصيغة الختامية التي تنتظم هذه الإعلانات وتكرس ها . . وإذا تم له ذلك في عترته . . فقد فاتت القافلة قريشاً ! وكتب عليها أن تكون
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 47 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
تابعة مطيعة لبني هاشم إلى آخر الدهر . . كما اضطرت أن تكون تابعة مطيعة لنبيهم محمد ما دام حياً . . !
من هنا . . كان واضحاً عند زعماء قريش أنه لا بد لهم أن يعملوا كل ما استطاعوا ليمنعوا إعلان النبي صلى الله عليه وآله إمامة عترته !
ولابد أنهم تشاوروا فيما بينهم . . سواءٌ من وجد منهم في المدينة ، وقد كثروا بعد ( هجرة ) العديد من الطلقاء حتى بلغوا ألفين ، وتشاوروا مع رئيس قريش الجديد في مكة سهيل بن عمرو ، ومن بقي معه من زعمائهم ولم ( يهاجر ) إلى المدينة عاصمة دولة محمد ! !
إن الباحث في خطب حجة الوداع النبوية الست في حجة الوداع يقرأ فيها جميعاً همَّ النبي صلى الله عليه وآله لقضية إمامة عترته . . وكيف أقام الحجة لربه فيها ، وكيف كان مثقلاً بحساسية قريش وحسدها لبني هاشم !
وفيما يلي لقطات من هذه الخطب الشريفة :

2 - تخليد النبي لمحب الخيف مكان مؤتمر قريش ضد بني هاشم !

في خطبة النبي الأولى في مكة قبيل مراسم الحج ، خطب المسلمين وأمرهم أنه ينزلوا في محصب منى من جهة مسجد الخيف . . فكان ذلك رسالة قوية إلى زعماء قريش الذين عقدوا مؤتمرهم بالأمس القريب في ذلك المكان وتعاهدوا على حصار بني هاشم ، وحاصروهم سنوات طويلة ! !
روى البخاري في صحيحه : 5 / 92 : ( عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : منزلنا إن شاء الله إذا فتح الله ، الخيف حيث تقاسموا على الكفر ) . انتهى . ورواه في : 4 / 246 و : 8 / 194 وفي : 2 /
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 48 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
158 ، بنص أوضح ، قال : ( عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : ( قال النبي صلى الله عليه وسلم من الغد يوم النحر وهو بمنى : نحن نازلون غداً بخيف بني كنانة ، حيث تقاسموا على الكفر . يعني بذلك المحصب ، وذلك أن قريشاً وكنانة تحالفت على بني هاشم وبني عبد المطلب أو بني المطلب ، أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم حتى يسلموا إليهم النبي صلى الله عليه وسلم ! ) . انتهى . ورواه مسلم : 4 / 86 ، وأحمد : 2 / 322 و 237 و 263 و 353 و 540 . وفي رواية البيهقي عن الأوزاعي زيادة : ( أن لا يناكحوهم ، ولا يكون بينهم شئ ، حتى يسلموا إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ) . وفي مجمع الزوائد : 3 / 250 : ( عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل يوم التروية بيوم : منزلنا غداً إن شاء الله بالخيف الأيمن ، حيث استقسم المشركون . رواه الطبراني في الكبير والأوسط ورجاله ثقات ) . انتهى .
لقد أراد صلى الله عليه وآله أن يخلد ذلك المكان في ذاكرة المسلمين والتاريخ ، لأن حادثةً عظيمةً وقعت فيه قبل نحو أربع عشرة سنة من حجة الوداع ، وهي حادثةٌ تريد قريش أن تدفنها لينساها الناس . . وكلها عارٌ على قريش ، وفخرٌ للنبي صلى الله عليه وآله وبني هاشم . . وصورةٌ عن جهود فراعنة قريش حيث استطاعوا أن يحققوا إجماع قبائلهم ، ويقنعوا قبائل كنانة القريبة من الحرم بالتحالف معهم وتنفيذ المقاطعة التامة لبني هاشم ! ! وقد تضامن بنو هاشم مع النبي صلى الله عليه وآله ، وقبلوا أن يحاصروا في شعب أبي طالب ، مسلمهم وكافرهم ما عدا أبي لهب ، وتحملوا المقاطعة والفقر والأذى والإهانة في سنوات الحصار الخمس أو السبع ، ولم يشاركهم في ذلك أحد من المسلمين ! حتى فرج الله عنهم بمعجزة !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 49 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أراد النبي صلى الله عليه وآله أن يوعي المسلمين عبر الأجيال على تاريخ الإسلام ، وتكاليف الوحي ، ليعرفوا قيمته . . وأن يعرفهم أين يقع معدن الإسلام . . وأين يقع معدن الكفر !
كما أراد أن يبعث بذلك رسالة إلى من بقي فراعنة قريش ، من أعضاء مؤتمر المقاطعة الذين ما زالوا أحياء ، بأنهم قد تحملوا وزر هذا الكفر والعار ، ثم ارتكبوا بعده ما هو أعظم منه فخاضوا حروباً ضد النبي والاسلام ، ولم يتراجعوا إلا عندما جمعهم النبي في فتح مكة في المسجد الحرام ، تحت سيوف بني هاشم والأنصار ، فأعلنوا إسلامهم خوفاً من القتل ! ! وهاهم اليوم يخططون لوراثة دولة الإسلام التي بناها الله تعالى ورسوله ، وهم كارهون ! !
لقد أهلك الله تعالى عدداً قليلاً من أبطال ذلك الحلف الشيطاني ، من سادة مؤتمر المحصب . . بالموت ، وبسيف علي بن أبي طالب ، ولكن العديد مثل سهيل بن عمرو ، وأبي سفيان ، وعكرمة بن أبي جهل ، وصفوان بن أمية بن خلف ، وحكيم بن حزام ، وصهيب بن سنان ، وأبا الأعور السلمي ، وغيرهم من زعماء قريش وكنانة . . ما زالوا أحياءً ينظرون ، وكانوا حاضرين مع النبي صلى الله عليه وآله في حجة الوداع يسمعون كلامه ويذكرون ماضيهم بالأمس القريب جيداً ، ويتعجبون من عفوه عنهم واكتفائه بإقامة الحجة الدامغة عليهم ! وكانت تصرفاتهم الظاهرة والخفية ، ومنطق الأمور ، وشهادة أهل البيت ، ومجرى التاريخ . . كلها تدل على فرحهم بأن النبي صلى الله عليه وآله يعلن قرب موته ورحيله عنهم ، وأنهم يعدون العدة لحصار جديد لبني هاشم وهذه المرة باسم الاسلام ! !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 50 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لقد ذكَّرهم النبي صلى الله عليه وآله بخطتهم في حصارهم القديم كيف أحبطها الله تعالى ! وأنه سيحبط حصارهم الجديد أيضاً ولو بعد حين ! !

3 - تحذير النبي لقبائل قريش من الطغيان بعده !

في مجمع الزوائد : 3 / 272 : ( عن فهد بن البحيري بن شعيب بن عمرو بن الأزرق ، قال : خرجت إلى مكة فلما صرت بالصحرية ، قال لي بعض إخواني : هل لك في رجل له صحبة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قلت : نعم ، قال صاحب القبة المضروبة في موضع كذا وكذا ، فقلت لأصحابي : قوموا بنا إليه ، فقمنا فانتهينا إلى صاحب القبة ، فسلمنا فرد السلام . فقال : مَنِ القوم ؟ قلنا : قوم من أهل البصرة بلغنا أن لك صحبة من رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : نعم ، صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقعدت تحت منبره يوم حجة الوداع ، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال : إن الله يقول : يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ، فليس لعربي على عجمي فضل ، ولا لعجمي على عربي فضل ، ولا لأسود على أحمر فضل ، ولا لأحمر على أسود فضل ، إلا بالتقوى . يا معشر قريش لا تجيئوا بالدنيا تحملونها على رقابكم وتجئ الناس بالآخرة ، فإني لا أغني عنكم من الله شيئاً . قلنا : ما اسمك ؟ قال : أنا العداء بن خالد بن عمرو بن عامر ، فارس الضحياء في الجاهلية . رواه الطبراني في الكبير بأسانيد . هذا ضعيف ، وتقدم له إسناد صحيح في الخطبة يوم عرفة ) . انتهى .
ونشكر الله تعالى أن الحديث صحيح عندهم ، وأن فهداً البحيري هذا كان بدوياً ، ولم يكن قرشياً ولا كنانياً ، وإلا لحول هذه الرواية إلى تحذير لبني
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 51 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
هاشم وبني عبد المطلب وذم كنائي لهم ، وأبعدها عن قريش ، كما فعل الرواة القرشيون ! فرووا عشرات الأحاديث في مدح قريش ووجوب أن تكون القيادة فيهم ! ولا تكاد تجد فيها حديثاً في ذم قريش إلا حرفوه إلى ذم بني هاشم ! أو أحبطوا معناه بحديث آخر ! أو جعلوه مدحاً لقريش ! ! وحديث ابن البحيري هذا في حجة الوداع تحذيرٌ نبويٌّ صريح لقريش ، وهو في محله ووقته تماماً ، لأن قريشاً ذات موقع مميز في العرب . . وهي المتصدية لقيادة عرب الجزيرة في حياة النبي صلى الله عليه وآله وبعده . . فالخطر على أهل بيته وعلى مستقبل الاسلام والمسلمين ، إنما هو من قريش وحدها . . وبقية القبائل تبع لها !
والنبي صلى الله عليه وآله إنما هو مبلغٌ عن ربه ، ومتممٌ لحجة ربه . . وعليه أن يحذر وينذر . . ليحيى من حيَّ عن بينة ، ويهلك من هلك عن بينة .

4 - إعلان النبي أن صحابته سيقتلون على السلطة بعده !

وقد روت أخبار هذا التحذير النبوي مصادر الجميع في حجة الوداع ففي صحيح البخاري : 1 / 38 : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له في حجة الوداع استنصت الناس فقال : لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ! وفي : 2 / 191 : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس يوم النحر فقال : يا أيها الناس أي يوم هذا قالوا يوم حرام قال فأي بلد هذا قالوا بلد حرام قال فأي شهر هذا قالوا شهر حرام قال فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا فأعادها مرارا ثم رفع رأسه فقال اللهم هل بلغت اللهم هل بلغت قال ابن عباس رضي الله عنهما فوالذي نفسي بيده إنها لوصيته إلى أمته فليبلغ الشاهد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 52 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الغائب : لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ! ) وقد خففها البخاري في : 5 / 126 : فاستبدل لفظ ( كفاراً ) بلفظ ( ضلالاً ) ! ! وقد عقد ابن ماجة في سننه : 2 / 1300 : باباً بعنوان : باب لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض . . ! !
والذي يتأمل في التحذيرات النبوية يعرف أن معنى هذا التحذير أن الاقتتال بين أصحابه سوف يقع ، بل أخبرهم بصراحةً أنهم سيفعلون ، ولكنه صلى الله عليه وآله يستعمل بلاغته وعاطفته في التخويف والتحذير ، ليقيم الحجة عليهم لربه عز وجل من ناحية ، ويترك لهم الحرية من ناحية ، حتى إذا وافوه يوم القيامة لا يقولوا : لماذا لم تحذرنا ؟ !
والذين يحذرهم من الاقتتال ليسوا إلا الصحابة لا غير . . لا اليهود ولا القبائل العربية ، ولا حتى زعماء قريش بدون شركائهم من الصحابة . . فالدولة الإسلامية كانت قائمة ، وقد حققت مركزيتها على كل الجزيرة ، والخوف من الاقتتال بعد النبي صلى الله عليه وآله ليس من القبائل التي خضعت للإسلام طوعاً أو كرهاً ، مهما كانت كبيرة وموحدة مثل هوازن وغطفان . . فهي لا تستطيع أن تطمح إلى قيادة هذه الدولة ، وإن طمحت فلا حظَّ لها في النجاح ، إلا بواسطة الصحابة . .
واليهود لا يمكنهم أن يقودوا العرب فضلاً عن دولة الاسلام ، كما أنهم لا يشكلون خطراً عسكرياً بعد أن حطم النبي صلى الله عليه وآله قوتهم العسكرية ، وأجلى قسماً منهم من الجزيرة . . فمكائدهم وخططهم مهما كانت قوية ، لا حظَّ لها في النجاح إلا . . بواسطة الصحابة وقريش . .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 53 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وزعماء قريش ، مع أنهم يملكون جمهور قبائل قريش ، ومعهم ألفا مقاتل ، وربما أكثر ، فهم لا يستطيعون أن يدعوا حقاً في قيادة الدولة بعد النبي صلى الله عليه وآله لأنهم أعداؤه وطلقاؤه ، ومعنى ذلك أنه كان للنبي صلى الله عليه وآله الحق في أن يقتلهم ، أو يتخذهم عبيداً ، فاتخذهم عبيداً وأطلقهم . . فلا طريق لهم للقيادة إلا بواسطة العدد الضئيل من الصحابة ، من القرشيين المهاجرين . .
وبذلك يتضح أن تحذيره صلى الله عليه وآله من الصراع بعده على السلطة ينحصر بالصحابة المهاجرين ، ثم بالأنصار فقط . . وفقط ! !

5 - إعلان النبي أن صحابته في النار إلا مثل همل النعم !

وهو تحذير مباشر لأكثرية الصحابة ومن يتبعهم من الأمة . . لا ينقصه إلا الأسماء الصريحة . . وقد جاء هذا الإعلان النبوي على شكل لوحة من الغيب ، عن المصير الذي يمشي إليها هؤلاء الصحابة المنحرفون المحرفون ! ! لوحةٌ أخبره بها جبرئيل عليه السلام عن الله تعالى ، يوم يجعل الله محمداً صلى الله عليه وآله رئيس المحشر ، ويعطيه جبرئيل لواء الحمد ، فيدفعه النبي إلى علي بن أبي طالب فهو حامل لوائه في الدنيا والآخرة ، ويكون جميع أهل المحشر تحت قيادة محمد صلى الله عليه وآله ، ويفتخر به آدم عليه السلام فيدعى أبا محمد صلى الله عليه وآله . . ويعطي الله تعالى رسوله الشفاعة وحوض الكوثر ، فيفد عليه الوافدون من الأمم فيشفع لهم ويعطيهم بطاقة للشرب من حوض الكوثر ، ليتغير بتلك الشربة تركيبهم الفيزيائي ، وتصلح أجسادهم لدخول الجنة والخلود في نعيمها .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 54 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وعندما يفد عليه أصحابه تحدث المفاجأة : يأتي النداء الإلهي بمنع النبي صلى الله عليه وآله من الشفاعة لهم ، ومنعهم من ورود الحوض ، ويؤمر ملائكة العذاب بأخذهم إلى جهنم ! !
هذا هو مستقبل هؤلاء الصحابة على لسان أصدق الخلق ! ! إنها صورة رهيبة جاء بها جبرئيل الأمين ، لكي يبلغها النبي صلى الله عليه وآله إلى الأمة في حجة الوداع ! !
وهي أعظم كارثة على صحابة أعظم رسول ! ! وسببها أنهم سوف يعزلون القيادة التي اختارها الله من عترته صلى الله عليه وآله ، ويجرون أمته من بعده إلى أعظم كارثة ! ! ولا ينجو من هؤلاء الصحابة إلا مثل ( همل النعم ) كما في روايات محبي الصحابة الصحيحة كالبخاري !
وهو تعبير نبوي عجيب ، لأن همل النعم هي الغنم أو الإبل الفالتة من القطيع ، الخارجة على راعيه ! وهو يدل على أن قطيع الصحابة في النار ، وهملهم الذي يفلت منهم ، يفلت من النار إلى الجنة ! بل ذكر النبي صلى الله عليه وآله أن الصحابة الجهنميين زمرتان أي أنهم خطان من صحابته لاحظ واحد ، وقد تقدم قول الحاكم عن حديثه : صحيح على شرط الشيخين ، وفيه ( ثم أقبلت زمرة أخرى ، ففعل بهم كذلك ، فلم يفلت إلا كمثل النعم ! ! ) .
إنها مسألةٌ مذهلةٌ . . صعبة التصور والتصديق ، خاصةً على المسلم الذي تربي على حب كل الصحابة ، وخير القرون ، والجيل الفريد ، وحديث أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم . . وفتح عينيه على الصور واللوحات الرائعة للصحابة ، التي كبر هذا المسكين معها وكبرت معه . . فإذا به يفاجأ بهذه الصورة الجهنمية المخيفة عن الصحابة ! !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 55 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لو كان المتكلم عن الصحابة غير الرسول صلى الله عليه وآله لقالوا عنه إنه عدو للإسلام ولرسوله يريد أن يكيد للإسلام عن طريق الطعن في صحابة الرسول ! ولكن المتكلم هو . . الرسول صلى الله عليه وآله بعينه . . بنفسه . . وكلامه ليس اجتهاداً منه ولا رأياً رآه ، حتى تقول قريش إنه يتكلم في الرضا والغضب ، وتزعم أن كلامه في الغضب ليس حجة . . بل هو وحي نزل عليه من رب العالمين ! !
إنها حقيقةٌ مرةٌ . . ولكن هل يجب أن تكون الحقيقة دائماً حلوة كما نشتهي . . وأن يكون الحق دائماً مفصلاً على مزاجنا ، مطابقاً لموروثاتنا ؟ ! وماذا نصنع إذا كانت أحاديث الصحابة المطرودين ، المرفوضين ، الممنوعين من ورود الحوض مستفيضة في الصحاح ، وهي في غير الصحاح أكثر . . وكلها تصرح بأنه لا ينجو منهم إلا القليل أو مثل همل النعم ! !
قال الجوهري في الصحاح : 5 / 1854 : ( والهمل بالتحريك : الإبل التي ترعى بلا راع ، مثل النفش ، إلا أن النفش لا يكون إلا ليلاً ، والهمل يكون ليلاً ونهاراً . يقال : إبلٌ هملٌ وهاملة وهمال وهوامل . وتركتها هملاً : أي سدى ، إذا أرسلتها ترعى ليلاً ونهاراً بلا راع . وفي المثل : اختلط المرعى بالهمل . والمرعى الذي له راع ) .
لكن السؤال هو : لماذا طرح الرسول صلى الله عليه وآله موضوعهم في حجة الوداع ؟ !
وجوابه : أن الله تعالى أمره بذلك فهو لا ينطق عن الهوى ، ولا يعلم من نفسه ما سيفعله أصحابه من بعده ، ولا بحالهم يوم القيامة ! !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 56 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وسؤال آخر : وماذا فعل الصحابة بعد الرسول ؟ هل كفروا وارتدوا كما يقول الحديث ؟ هل حرفوا الدين ؟ هل اقتتلوا على السلطة والحكم ؟ !
والجواب : إقبل ما يقوله لك نبيك صلى الله عليه وآله ، واسكت ، وإلا صرت رافضياً !
وسؤال آخر : لماذا اختار الله تعالى هذا الأسلوب في التحذير ، ولم يهلك هؤلاء الصحابة ، الذين سينحرفون ، أو يأمر رسوله بقتلهم ، أو كشفهم للمسلمين ليحذروهم !
والجواب : هذه سياسته سبحانه وتعالى في إقامة الحجة كاملة على العباد ، وترك الحرية لهم . . ليحيى من حيَّ عن بينة ، ويهلك من هلك عن بينة . . ولا يسأل عما يفعل ، وهم يسألون . . فهو سبحانه مالكهم له حق سؤالهم ، وهو لا يفعل الخطأ حتى يحاسب عليه . وهو الأعلم والأحكم ، وغير الأعلم لا يمكنه أن يحاسب الأعلم ويسأله !
وسؤال أخير : ماذا كان وقع ذلك على الصحابة والمسلمين ؟ ! ألم يهرعوا إلى الرسول صلى الله عليه وآله ليحدد لهم الطريق أكثر ، ويعين لهم من يتبعونه بعده ، حتى لا يضلهم هؤلاء الصحابة الخطرون ؟ !
والجواب : لقد عين لهم الثقلين من بعده : كتاب الله وعترته ، وبشرهم باثني عشر إماماً ربانياً يكونون منهم بعده . . وطالما حدد النبي صلى الله عليه وآله لهم عترته وأهل بيته بأسمائهم : علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام ، وتسعة من ذرية الحسين آخرهم المهدي ، وذلك قبل حجة الوداع وفيها وبعدها ، حتى أن أحاديث الصحاح تقول إنه حددهم حسياً فأدار كساء
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 57 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يمانياً على علي وفاطمة والحسنين ، وقال للمسلمين : هؤلاء عترتي أهل بيتي ! ! ثم لم يكتف بذلك ، حتى أوقف المسلمين في رمضاء الجحفة بغدير خم وأخذ بيد علي عليه السلام وبلغ الأمة إمامته من بعده ، ونصب له خيمة ، وأمر المسلمين أن يسلموا عليه بإمرة المؤمنين ، ويباركوا له ولايته عليهم التي أمر بها الله تعالى . فهنؤوه جميعاً وباركوا له ، وأمر النبي صلى الله عليه وآله نساءه وكنَّ معه في حجة الوداع ، أن يهنئن علياً فجئن إلى باب خيمته وهنأنه وباركن له . . معلناتٍ رضاهن بولايته على الأمة .
ثم أراد صلى الله عليه وآله في مرض وفاته أن يؤكد الحجة على الأمة بوثيقة مكتوبة ، فطلب منهم أن يأتوه بدواة وقرطاس ليكتب لهم كتاباً لن يضلوا بعده أبداً . . ولكنهم رفضوا ذلك بشدة ! وقالوا له : شكراً أيها الرسول لقد قررنا أن نضل ، عن علم وعمد واختيار وإصرار ! ولا نريد أن تكتب لنا أطيعوا بعدي عترتي علياً ، ثم حسناً ، ثم حسيناً ، ثم تسعة من ذرية الحسين ! وقالوا بكل وقاحة : إن نبيكم ليهجر ، لا تقربوا له دواة ولا قرطاساً ! !
فهل تريد من نبيك صلى الله عليه وآله أن يقيم الحجة أكثر من هذا ؟ !

6 - تحذير النبي أمته من بدايات الانحراف الصغيرة

ورد في نصوص خطب حجة الوداع أن النبي حذر أمته من محقرات الأعمال التي توجب الانحراف ، وأن الشيطان قد رضي منهم بها !
ففي سنن ابن ماجة : 2 / 1015 : ( عن سليمان بن عمرو بن الأحوص ، عن أبيه ، قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : في حجة الوداع : يا أيها الناس ألا أي يوم أحرم ؟ ثلاث مرات . قالوا : يوم الحج الأكبر . قال :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 58 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فإن دماءكم أموالكم وأعراضكم بينكم حرام ، كحرمة يومكم هذا ، في شهركم هذا . في بلدكم هذا . ألا لا يجنى جان إلا على نفسه . ولا يجنى والد على ولده ، ولا مولود على والده . ألا إن الشيطان قد أيس أن يعبد في بلدكم هذا أبدا . ولكن سيكون له طاعة في بعض ما تحتقرون من أعمالكم ، فيرضى بها . . . ألا يا أمتاه هل بلغت ؟ ثلاث مرات . قالوا : نعم . قال : اللهم اشهد . ثلاث مرات ) . ونحوه في سنن الترمذي : 3 / 313 ، وقال : هذا حديث حسن صحيح ورواه أيضاً في السنن الكبرى : 2 / 445 .
وقال في تحفة الأحوذي : 6 / 315 : ( قال الطيبي رحمه الله قوله فيما تحتقرون ، أي مما يتهجس في خواطركم وتتفوهون عن هناتكم وصغائر ذنوبكم ، فيؤدي ذلك إلى هيج الفتن والحروب ، كقوله صلى الله عليه وسلم إن الشيطان قد يئس من أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم ) . انتهى .
وفي ذلك إلفات نبوي إلى قاعدة مهمة في السلوك الفردي والاجتماعي ، وهي أن الانحراف يبدأ بأمر صغير ، أو أمور تبدو بسيطة يحتقرها الإنسان ولا يراها مهمة في ميزان التقوى . . وإذا بها تستتبع أموراً أخرى ، وتجره إلى هاوية الهلاك الأخروي أو الدنيوي !
وهو أمر مشاهد في حالات الهلاك الفردي والاجتماعي . . فقد يتسامح المسلم في النظر إلى امرأة أجنبية تعجبه ، ثم يتسامح في الحديث معها ، ثم في التصرف . . حتى ينجر أمره إلى الفاحشة ! وقد يتسامح في اتخاذ صديق سوء ، ولا ينصت إلى صوت ضميره الديني ، ولا نصح ناصحيه . . حتى يغرق معه في بحر ظلمه للناس ، أو بحر رذيلته !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 59 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد تتسامح الأمة في اعتداء الأجانب عليها ، أو نفوذهم السياسي أو الاقتصادي أو الثقافي في بلادها . . فينجر الأمر إلى تسلطهم على مقدراتها . .
أو يتسامح المجتمع في مظهر من مظاهر الفساد والمنكر أول ما يحدث في محلة أو منطقة منه ، أو في فئة من فئاته ، أو شخص . .
أو يتسامح المجتمع في شروط حاكمه ، ووزرائه وقضاته ، أو في ظلمهم وسوء سيرتهم . . فينجر ذلك إلى شمول الفساد في المجتمع ، وتسارع هلاكه !
فالمحقرات من الذنوب هي المواقف أو التصرفات الصغيرة ، التي تكون في منطق الأحداث والتاريخ بذوراً لشجرة شر كبيرة ، على المستوى الفردي أو الاجتماعي ! !
وبهذا ورد تفسيرها عن النبي صلى الله عليه وآله ، في مصادر الطرفين . . ففي الكافي : 2 / 288 : ( عن الإمام الصادق عليه السلام قال : إن رسول الله صلى الله عليه وآله نزل بأرض قرعاء ، فقال لأصحابه : إئتوا بحطبٍ ، فقالوا : يا رسول الله نحن بأرض قرعاء ما بها من حطب ! قال : فليأت كل إنسان بما قدر عليه ، فجاؤوا به حتى رموا بين يديه ، بعضه على بعض ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : هكذا تجتمع الذنوب ، ثم قال : إياكم والمحقرات من الذنوب ، فإن لكل شئ طالباً ، ألا وإن طالبها يكتب ما قدموا وآثارهم ، وكل شئ أحصيناه في إمام مبين ) . انتهى .
وفي سنن البيهقي : 10 / 188 : ( عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إياكم ومحقرات الأعمال ، إنهن ليجمعن على الرجل حتى يهلكنه ، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب لهن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 60 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مثلاً ، كمثل قوم نزلوا بأرض فلاة فحضر صنيع القوم ، فجعل الرجل يجئ بالعويد ، والرجل يجئ بالعويد ، حتى جمعوا من ذلك سواداً ، ثم أججوا ناراً فأنضجت ما قذف فيها ) . انتهى .
وهذان الحديثان الشريفان ناظران إلى التراكم الكمي للذنوب والأخطاء المحقرة ، وأن كمها يتحول إلى خطر نوعي في حياة الفرد والمجتمع .
وقد يكون الحديثان التاليان ناظرين إلى التراكم الكيفي في نفس الإنسان والمجتمع ، وشخصيتهما . . ففي الكافي : 2 / 287 : ( عن الإمام الصادق عليه السلام قال : اتقوا المحقرات من الذنوب ، فإنها لا تغفر ! قلت : وما المحقرات ؟ قال : الرجل يذنب الذنب ، فيقول طوبى لي لو لم يكن لي غير ذلك ! ) .
وفي سنن ابن ماجة : 2 / 1417 : ( عن عائشة قالت : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا عائشة إياك ومحقرات الأعمال ، فإن لها من الله طالباً ) . في الزوائد : إسناده صحيح ، رجاله ثقات . انتهى . ورواه الدارمي : 2 / 303 ، وأحمد : 6 / 70 و 151 .
وفي صحيح البخاري : 7 / 187 : ( باب ما يتقى من محقرات الذنوب . . عن أنس رضي الله عنه قال إنكم لتعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر ، إن كنا نعد ( ها ) على عهد النبي ( من ) الموبقات ) . انتهى .
ومن القواعد الهامة التي نفهمها من هذا التوجيه النبوي : أن الشيطان عندما ييأس من السيطرة على أمة في قضاياها الكبيرة ، يتجه إلى التخريب والإضلال عن طريق المحقرات ! فالإسلام الذي أنزله الله تعالى ، وبناه رسوله صلى الله عليه وآله صرح كبير وقلعة محكمة ، يئس الشيطان من قدرته على
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 61 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
هدمها ، فعمد إلى إقناع شخص من أهله بسحب حجر واحدٍ صغير من ركن الجدار ، ثم حجر آخر . . وآخر . . حتى يفرغ تحت الأساس فينهار الصرح على من فيه ! شبيهاً بالجرذ الذي سحب الحجر الأول من جدار سد مأرب !
ومن الأمور الملفتة في رواية علي بن إبراهيم أن إطاعة الشيطان في محقرات الذنوب عبادة له ، فالذين يبدؤون بالانحراف في مجتمع ، إنما يعبدون الشيطان ويدعون الأمة العابدة لله تعالى إلى عبادة الشيطان . . ( ولكنه راض بما تحتقرون من أعمالكم ، ألا وإنه إذا أطيع فقد عبد ! ) ، تفسير علي بن إبراهيم : 1 / 171 .
كما أن شهادة النبي صلى الله عليه وآله بأن الشيطان راض بتلك المحقرات شهادةٌ خطيرة بنجاح الشيطان في مشروعه في إضلال الأمة وهدم صرحها عن طريق المحقرات . . وهو ينفع في تفسير قوله تعالى : ( ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقاً من المؤمنين ) سبأ - 20 .

7 - إعلان النبي تمييز بني هاشم بمالية خاصة !

من الأمور الملفتة في الاسلام أن الله تعالى ميز رسوله صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام ، وأسرتهم بني هاشم ، فحرم عليهم الصدقات والزكوات ، وجعل لهم مالية خاصة في ميزانية الدولة الاسلامية هي الخمس !
ففي مسند أحمد : 4 / 186 : ( خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على ناقته فقال : ألا إن الصدقة لا تحل لي ولا لأهل بيتي ، وأخذ وبرة من كاهل ناقته ، فقال : ولا ما يساوي هذه ، أو ما يزن هذه . لعن الله من ادعى إلى غير أبيه ، أو تولى غير مواليه ) . انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 62 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي صحيح البخاري : 2 / 135 : ( عن أبي هريرة قال : أخذ الحسن بن علي رضي الله عنهما تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم كخ كخ ليطرحها ، ثم قال أما شعرت أنا لا نأكل الصدقة ) .
وفي صحيح البخاري : 4 / 36 : ( فقال له النبي صلى الله عليه وسلم بالفارسية كخ كخ . أما تعرف أنا لا نأكل الصدقة ) . ورواه مسلم : 3 / 117 ، وروى عن شعبة أن النبي قال : ( إنا لا تحل لنا الصدقة ) .
وفي سنن أبي داود : 1 / 373 : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث رجلاً على الصدقة من بنى مخزوم ، فقال لأبي رافع : اصحبني فإنك تصيب منها ، قال : حتى آتى النبي صلى الله عليه وسلم فأسأله ، فأتاه فسأله فقال : مولى القوم من أنفسهم ، وإنا لا تحل لنا الصدقة ! ) .
وفي سنن الترمذي : 2 / 416 : أن ( علي بن أبي طالب أصاب ديناراً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرفه فلم يجد من يعرفه ، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بأكله ، وكان علي لا تحل له الصدقة ) . انتهى .
وفي شرح مسلم للنووي : 7 / 175 : ( قال القاضي يقال : كخ كخ ، بفتح الكاف وكسرها وتسكين الخاء ويجوز كسرها مع التنوين . وهي كلمة يزجر بها الصبيان عن المستقذرات فيقال له كخ أي اتركه وارم به . قال الداودي هي عجمية معربة بمعنى بئس ، وقد أشار إلى هذا البخاري بقوله في ترجمة باب من تكلم بالفارسية والرطانة ) .
وقال ابن حجر في فتح الباري : 3 / 282 : ( وفي رواية حماد بن سلمة عن محمد بن زياد عند أحمد فنظر إليه فإذا هو يلوك تمرة فحرك خده وقال ألقها
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 63 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يا بني ألقها يا بني ويجمع بين هذا وبين قوله كخ كخ بأنه كلمه أولا بهذا فلما
تمادى قال له كخ كخ إشارة إلى استقذار ذلك له ) . انتهى .
وقول البخاري إن كلمة كخ فارسية بعيد ، بل الظاهر أنها من أسماء الأصوات المشتركة في اللغات .
أما الذي هو أشد من تحريم الصدقات على قريش فهو : أن النبي صلى الله عليه وآله نص في تعليل هذا التشريع الرباني أن الصدقات ( الضرائب ) هي تطهير لأموال الناس ، فهي غسالة أموالهم وأوساخها ، ولا تناسب الأسرة التي اختارها الله تعالى واجتباها !
ففي صحيح مسلم : 3 / 118 : ( اجتمع ربيعة بن الحارث والعباس بن عبد المطلب فقالا والله لو بعثنا هذين الغلامين ( قالا لي وللفضل بن عباس ) إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلماه فأمرهما على هذه الصدقات فأديا ما يؤدي الناس وأصابا مما يصيب الناس ؟ قال فبينما هما في ذلك جاء علي بن أبي طالب فوقف عليهما فذكرا له ذلك ، فقال علي بن أبي طالب : لا تفعلا فو الله ما هو بفاعل . فانتحاه ربيعة بن الحارث فقال : والله ما تصنع هذا إلا نفاسة منك علينا ، فوالله لقد نلت صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فما نفسناه عليك ! قال علي : أرسلوهما فانطلقا واضطجع علي ، قال فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر سبقناه إلى الحجرة فقمنا عندها حتى جاء ، فأخذ بآذاننا ثم قال أخرجا ما تصرران ؟ ثم دخل ودخلنا عليه ، وهو يومئذ عند زينب بنت جحش ، قال فتواكلنا الكلام ثم تكلم أحدنا ، فقال يا رسول الله أنت أبرُّ الناس وأوصل الناس ، وقد بلغنا النكاح فجئنا لتؤمرنا على بعض هذه الصدقات فنؤدي إليك كما يؤدي الناس ونصيب كما يصيبون .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 64 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال فسكت طويلاً حتى أردنا أن نكلمه ، قال وجعلت زينب تلمع علينا من وراء الحجاب أن لا تكلماه ، قال ثم قال : إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد إنما هي أوساخ الناس ! ادعوا لي محمية ( وكان على الخمس ) ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب ، قال فجا آه فقال لمحمية : أنكح هذا الغلام ابنتك ( للفضل بن عباس ) فأنكحه ، وقال لنوفل بن الحارث أنكح هذا الغلام ابنتك فأنكحني ، وقال لمحمية : أصدق عنهما من الخمس كذا وكذا . قال الزهري ولم يسمه لي ) . انتهى .
وأورد القصة أيضاً برواية ثانية وفيها : ( ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ادعوا إلى محمية بن جزء ، وهو رجل من بني أسد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمله على الأخماس ) . انتهى . ورواه أحمد في مسنده : 4 / 166 ، وأبو داود : 2 / 28
وقال النووي في شرح مسلم : 7 / 179 : ( قوله صلى الله عليه وسلم : إنما هي أوساخ الناس ، تنبيه على العلة في تحريمها على بني هاشم وبني المطلب وأنها لكرامتهم وتنزيههم عن الأوساخ . ومعنى أوساخ الناس أنها تطهير لأموالهم ونفوسهم ، كما قال تعالى : خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها . . فهي كغسالة الأوساخ ) !
وقال ابن حجر في فتح الباري : 3 / 280 : ( قال بن قدامة لا نعلم خلافاً في أن بني هاشم لا تحل لهم الصدقة المفروضة كذا قال . . . وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم : الصدقة أوساخ الناس ، كما رواه مسلم ) .
وقال في فتح الباري : 5 / 150 : ( قال ابن بطال : إنما كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يأكل الصدقة لأنها أوساخ الناس ، ولأن أخذ الصدقة منزلة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 65 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ضعة والأنبياء منزهون عن ذلك ، لأنه صلى الله عليه وسلم كان كما وصفه الله تعالى : ووجدك عائلاً فأغنى ، والصدقة لا تحل للأغنياء . وهذا بخلاف الهدية ، فإن العادة جارية بالإثابة عليها ، وكذلك كان شأنه ) . ونحوه في شرح السيوطي لمسلم : 3 / 173 .
وفي عون المعبود : 5 / 47 : ( وقال النووي : تحريم الزكاة على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى آله وهم بنو هاشم وبنو المطلب . هذا مذهب الشافعي وموافقيه أن آله صلى الله عليه وسلم هم بنو هاشم وبنو المطلب ، وبه قال بعض المالكية . وقال أبو حنيفة ومالك هم بنو هاشم خاصة . وقال بعض العلماء : هم قريش كلها ! وقال أصبغ المالكي : هم بنو قصي . دليل الشافعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن بني هاشم وبني المطلب شئ واحد ، وقسم بينهم سهم ذوي القربى . انتهى .
قال المنذري : وأخرجه الترمذي والنسائي ، وقال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح . هذا آخر كلامه ) . انتهى .
وفي عون المعبود : 8 / 146 : ( ادعوا إلى محمية بن جزء ) قال النووي : حمية وبميم مفتوحة ثم حاء مهملة ساكنة ثم ميم أخرى مكسورة ثم ياء مخففة وجزء بجيم مفتوحة ثم رأي ساكنة ثم همزة . هذا هو الأصح ) . انتهى .
ولك أن تتصور تأثير هذا الإعلان والتأكيد النبوي في جموع الحجيج بتمييز أهل بيته وكل عشيرته بني هاشم عن بقية المسلمين حتى في ما ليتهم ! ولا بد أن حساد بني هاشم من المنافقين ومرضى القلوب قالوا إن محمداً يؤسس ملكاً لبني هاشم كملك كسرى وقيصر !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 66 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

8 - إعلان النبي اللعنة الإلهية على من تولى غير أهل البيت !

توجد في خطب النبي في حجة الوداع ، فقرةٌ ملفتةٌ وردت بعد تحريم الصدقات على آل النبي في أحاديث حجة الوداع عند السنة والشيعة ، وهي فقرة اللعن لمن ادعى لغير أبيه أو تولى غير مواليه ! فقد تقدم في حديث أحمد قول النبي صلى الله عليه وآله ( لعن الله من ادعى إلى غير أبيه ، أو تولى غير مواليه ) . وقد روت هذا الحديث أهم الصحاح ، لكن بعضها نص على أنه في حجة الوداع ، وبعضها لم ينص ، ففي صحيح البخاري : 4 / 67 : ( فمن أحدث فيها حدثاً أو آوى فيها محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، لا يقبل منه صرف ولا عدل . ومن تولى غير مواليه فعليه مثل ذلك ) . ونحوه في مسلم : 4 / 115 ، وابن ماجة : 2 / 870 وص 905 ، والترمذي : 3 / 297 ، والبيهقي في سننه : 8 / 26 . وفي مصنف ابن أبي شيبة : 6 / 186 : ( عن عمرو بن خارجة أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم وهو على راحلته وإن راحلته لتقصع بجرانها ، وإن لعابها يسيل بين كتفي ، فقال : من ادعى إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه فعليه لعنة الله ، لا يقبل منه صرف ولا عدل ، أو قال عدل ولا صرف ) .
وقال ابن قدامة في المغني : 5 / 327 : ( وقد لعن النبي صلى الله عليه وسلم من انتسب إلى غير أبيه ، أو تولى غير مواليه ) .
وقال في : 7 / 238 : ( وقال النبي صلى الله عليه وسلم : لعن الله من تولى غير مواليه . قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح ) . انتهى .
وقد تصور رواتهم وفقهاؤهم أن اللعن هنا للولد الذي يدعي غير أبيه النسبي ، والغلام الذي يترك مالكه الحقيقي ويدعي أنه غلامٌ لشخص آخر . . لكنهم غفلوا عن شدة الحكم ، وعن بلاغة النبي صلى الله عليه وآله ، وأن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 67 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مقصوده هنا لا يمكن أن يكون الأبوة النسبية وولاء الرق المعروفين ، بل مقصوده أبوته المعنوية للأمة وولاؤه وولاء أهل بيته الطاهرين !
والدليل البسيط على ذلك : أن جميع الفقهاء يفتون بقبول توبة الولد إذا هرب من أبيه وادعى لنفسه والداً آخر ، ثم تاب من فعلته . . كما يفتون بقبول توبة العبد المملوك إذا هرب من سيده ولجأ إلى شخص وادعى أنه سيده ، ثم تاب ورجع إلى سيده . . بينما الشخص الملعون في كلام النبي صلى الله عليه وآله محكوم بكفره مصبوب عليه الغضب الإلهي إلى الأبد ! ( فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً ) ، والصرف هو التوبة ، والعدل الفدية ، وقد فسرتهما الأحاديث الشريفة بذلك .
بل صرحت بعض الأحاديث بكفر من يفعل ذلك وخروجه من الإسلام ! كما في مجمع الزوائد : 4 / 232 : ( عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من تولى غير مواليه فقد خلع ربقة الايمان من عنقه . رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح خلا خالد بن أبي حيان وهو ثقة ) . ونحوه في سنن البيهقي : 8 / 26 ، وكنز العمال : 5 / 872 . وفي كنز العمال : 10 / 324 : ( من تولى غير مواليه فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه . أحمد عن جابر ) . وفي / 326 : ( من تولى غير مواليه فليتبوأ بيتاً في النار . ابن جرير عن عائشة ) . وفي / 327 : ( من تولى غير مواليه فقد كفر . ابن جرير عن أنس ) . وفي 16 / 255 : ( ومن تولى غير مواليه فهو كافر بما أنزل الله على رسوله . ش ) . انتهى .
كما ورد في مصادر الفريقين أن هذا الحديث كان مكتوباً في صحيفة صغيرة معلقة في ذؤابة سيف النبي صلى الله عليه وآله ، الذي ورثه لعلي عليه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 68 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
السلام . . فقد رواه البخاري في صحيحه : 4 / 67 ، ومسلم : 4 / 115 ، و 216 ، بعدة روايات ، والترمذي : 3 / 297 . وغيرهم . . . وقد أكثروا من روايته لأن الراوي زعم فيه على لسان علي عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وآله لم يورث أهل بيته شيئاً من العلم ، إلا القرآن ، وتلك الصحيفة المعلقة في ذؤابة سيف النبي ! وأن فيها لعن الله من تولى غير مواليه ! !
أما في مصادرنا فالحديث ثابتٌ عنه صلى الله عليه وآله في خطب حجة الوداع ، وهو أيضاً جزء من حديث الغدير . . ففي بحار الأنوار : 37 / 123 : عن أمالي المفيد . . . عن زيد بن أرقم قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله بغدير خم يقول : إن الصدقة لا تحل لي ولا لأهل بيتي ، لعن الله من ادعى إلى غير أبيه ، لعن من تولى إلى غير مواليه ، الولد لصاحب الفراش وللعاهر الحجر ، وليس لوارث وصية ) . انتهى . ورواه الصدوق في عيون أخبار الرضا : 2 / 63 ، وروى نحوه في / 186 ، عن بشارة الإسلام .
فنحن في هذا النص النبوي أمام عقوبة إلهية مشددة ، لا تصلح إلا لحالات الخيانة العظمى كالارتداد ، ولا يعقل أن يكون الاسلام شرعها لولد جاهل دعا نفسه لغير أبيه ، أو لعبد مملوك أو مظلوم ، دعا نفسه لغير سيده !
فالأبوة هنا أعظم من الأبوة النسبية ، وهي أبوة النبي وآله لهذه الأمة . . والولاء هنا ولاء النبي وآله الطاهرين ، وهو أعظم من ولاء العبد لسيده . . فالذي يناسبه الحكم المشدد هو من خرج على هذه الأبوة والولاية . . لا تلك !
والسؤال هنا : إذا لم يفهم أتباع قريش هذا الاعلان النبوي في حجة الوداع فهل فهمته قريش . . وهل تفاجأت به ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 69 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والجواب : أنه لم يكن إعلان النبي في حجة الوداع هو المرة الأولى التي أفهمهم هذه الحقيقة الاسلامية المرة عليهم ! فقد روت مصادرنا أنه أفهمها لزعماء قريش مرات قبل حجة الوداع ، وبلغهم هذه اللعنة . . ! !
منها : عندما كثر طلقاء قريش في المدينة ، وصارت أجواؤهم ضد بني هاشم كتلك التي كانت في مكة ، وزاد تناغمهم مع المنافقين وعملهم ضد أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله ، حتى أنهم كانوا في مجلس في السكة فمر بهم أحد بني هاشم فتحدثوا في أمرهم ، وبلغت الجرأة بزعيمهم أن يقول : ( إنما مثل محمد في بني هاشم كمثل نخلة نبتت في كبا : أي مزبلة ) فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وآله فغضب ، وأمر علياً أن يصعد المنبر ويجيبهم ! !
فقد روى في بحار الأنوار : 38 / 204 : عن أمالي المفيد ، عن محمد بن عمر الجعابي ، عن ابن عقدة ، عن موسى بن يوسف القطان ، عن محمد بن سليمان المقري ، عن عبد الصمد بن علي النوفلي ، عن أبي إسحاق السبيعي ، عن الأصبغ بن نباتة قال : لما ضرب ابن ملجم لعنه الله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ، غدونا نفر من أصحابنا أنا والحارث وسويد بن غفلة وجماعة معنا ، فقعدنا على الباب ، فسمعنا البكاء فبكينا ، فخرج إلينا الحسن بن علي فقال : يقول لكم أمير المؤمنين : انصرفوا إلى منازلكم ، فانصرف القوم غيري فاشتد البكاء من منزله فبكيت ، وخرج الحسن وقال : ألم أقل لكم : انصرفوا ؟ فقلت : لا والله يا ابن رسول الله لا تتابعني نفسي ولا تحملني رجلي أنصرف حتى أرى أمير المؤمنين عليه السلام . قال : فبكيت ، ودخل فلم يلبث أن خرج ، فقال لي : أدخل ، فدخلت على أمير المؤمنين عليه السلام فإذا هو مستند معصوب الرأس بعمامة صفراء ، قد نزف واصفر وجهه ما
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 70 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أدري وجهه أصفر أو العمامة ؟ فأكببت عليه فقبلته وبكيت . فقال لي : لا تبك يا أصبغ ، فإنها والله الجنة . فقلت له : جعلت فداك إني أعلم والله أنك تصير إلى الجنة ، وإنما أبكي لفقداني إياك يا أمير المؤمنين . جعلت فداك حدثني بحديث سمعته من رسول الله ، فإني أراك لا أسمع منك حديثاً بعد يومي هذا أبداً . قال : نعم يا أصبغ : دعاني رسول الله صلى الله عليه وآله يوماً ، فقال لي : يا علي انطلق حتى تأتي مسجدي ، ثم تصعد منبري ، ثم تدعو الناس إليك ، فتحمد الله تعالى وتثني عليه وتصلي علي صلاة كثيرة ، ثم تقول : أيها الناس إني رسول رسول الله إليكم ، وهو يقول لكم : إن لعنة الله ولعنة ملائكته المقربين وأنبيائه المرسلين ولعنتي على من انتمى إلى غير أبيه أو ادعى إلى غير مواليه ، أو ظلم أجيراً أجره .
فأتيت مسجده وصعدت منبره ، فلما رأتني قريش ومن كان في المسجد أقبلوا نحوي فحمدت الله وأثنيت عليه ، وصليت على رسول الله صلى الله عليه وآله صلاة كثيرة ثم قلت : أيها الناس إني رسول رسول الله إليكم ، وهو يقول لكم : ألا إن لعنة الله ولعنة ملائكته المقربين وأنبيائه المرسلين ولعنتي على من انتمى إلى غير أبيه ، أو ادعى إلى غير مواليه ، أو ظلم أجيراً أجره . قال : فلم يتكلم أحد من القوم إلا عمر بن الخطاب ، فإنه قال : قد أبلغت يا أبا الحسن ولكنك جئت بكلام غير مفسر ، فقلت : أُبْلِغُ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله . فرجعت إلى النبي صلى الله عليه وآله فأخبرته الخبر ، فقال : إرجع إلى مسجدي حتى تصعد منبري ، فأحمد الله واثن عليه وصل عليَّ ، ثم قل : أيها الناس ، ما كنا لنجيئكم بشئ إلا وعندنا تأويله وتفسيره ألا وإني أنا أبوكم ألا وإني أنا مولاكم ، ألا وإني أنا أجيركم ! ! ) . انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 71 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ومنها : ما روته مصادرنا في مناسبة أخرى ، كما في تفسير فرات بن إبراهيم الكوفي في تفسيره / 392 : قال : حدثنا عبد السلام بن مالك قال : حدثنا محمد بن موسى بن أحمد قال : حدثنا محمد بن الحارث الهاشمي قال : حدثنا الحكم بن سنان الباهلي ، عن ابن جريج ، عن عطاء بن أبي رباح قال : قلت لفاطمة بنت الحسين : أخبريني جعلت فداك بحديث أحدث ، واحتج به على الناس . قالت : نعم : أخبرني أبي أن النبي صلى الله عليه وآله كان نازلاً بالمدينة ، وأن من أتاه من المهاجرين عرضوا أن يفرضوا لرسول الله صلى الله عليه وآله فريضة يستعين بها على من أتاه ، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وآله وقالوا : قد رأينا ما ينوبك من النوائب ، وإنا أتيناك لتفرض فريضة تستعين بها على من أتاك . قال : فأطرق النبي صلى الله عليه وآله طويلاً ثم رفع رأسه فقال : إني لم أؤمر أن آخذ منكم على ما جئتم به شيئاً ، إنطلقوا فإني لم أؤمر بشئ ، وإن أمرت به أعلمتكم . قال : فنزل جبرئيل عليه السلام فقال : يا محمد إن ربك قد سمع مقالة قومك وما عرضوا عليك ، وقد أنزل الله عليهم فريضة : قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى . قال فخرجوا وهم يقولون : ما أراد رسول الله إلا أن تذل الأشياء ، وتخضع الرقاب ما دامت السماوات والأرض لبني عبد المطلب ! قال : فبعث رسول الله صلى الله عليه وآله إلى علي بن أبي طالب أن اصعد المنبر وادع الناس إليك ثم قل : أيها الناس من انتقص أجيراً أجره فليتبوأ مقعده من النار ، ومن ادعى إلى غير مواليه فليتبوأ مقعده من النار ، ومن انتفى من والديه فليتبوأ مقعده من النار ! قال : فقام رجل وقال : يا أبا الحسن ما لهن من تأويل ؟ فقال : الله ورسوله أعلم . فأتى رسول الله صلى الله عليه وآله فأخبره فقال رسول الله : ويل لقريش من
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 72 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
تأويلهن ، ثلاث مرات ! ثم قال : يا علي انطلق فأخبرهم أني أنا الأجير الذي أثبت الله مودته من السماء ، ثم أنا وأنت مولى المؤمنين ، وأنا وأنت أبوا المؤمنين ) . انتهى .
وقال ابن البطريق في كتابه العمدة / 344 : ( وأما الأخبار التي تكررت من الصحاح من قول النبي صلى الله عليه وآله : لعن الله من انتمى إلى غير أبيه ، أو توالى غير مواليه ، فهي أدل على الحث على اتباع أمير المؤمنين عليه السلام بعده بدليل ما تقدم من الصحاح من غير طريق ، في فصل مفرد مستوفى ، وهو قول النبي صلى الله عليه وآله : من كنت مولاه فعلي مولاه ، ثم قال مؤكداًً لذلك : اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله . فمن كان النبي صلى الله عليه وآله مولاه فعلي مولاه ، ومن كان مؤمناً فعلي مولاه أيضاً ، بدليل ما تقدم من قول عمر بن الخطاب لعلي لما قال له النبي صلى الله عليه وآله : من كنت مولاه فعلي مولاه ، فقال له عمر : بخ بخ لك يا علي أصبحت مولى كل مؤمن ومؤمنة ، وفي رواية : مولاي ومولى كل مؤمنة ومؤمن . وهذه منزلة لم تكن إلا لله سبحانه وتعالى ، ثم جعلها الله لرسوله صلى الله عليه وآله ولعلي عليه السلام بدليل قوله تعالى : إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون . . .
وقوله صلى الله عليه وآله : من انتمى إلى غير أبيه ، فالمراد به : من انتمى إلى غير أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في الولاء ، مأخوذ من قول النبي صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام : أنا وأنت أبوا هذه الأمة ، فعلى عاق والديه لعنة الله ) . انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 73 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي الكافي : 7 / 274 : ( ثم قال لي : أتدري ما يعني من تولى غير مواليه ؟ قلت ما يعني به ؟ قال : يعني أهل الدين ( وفي نسخة أهل البيت ) : والصّرف التوبة ) .

9 - تأكيد النبي على أداء الفرائض وإطاعة ولاة الأمر من عترته

روى الطبراني في المعجم الكبير : 8 / 136 : ( عن أبي أمامة الباهلي قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته عام حجة الوداع :
أيها الناس ، إنه لا نبي بعدي ولا أمة بعدكم ، اعبدوا ربكم ، وصلوا خمسكم ، وصوموا شهركم ، وأطيعوا ولاة أمركم ، تدخلوا جنة ربكم ) . ورواه أيضاً في : 8 / 115 ، ورواه في : 22 / 316 عن أبي قتيلة ، ورواه أيضاً في مسند الشاميين : 1 / 310 ، و : 2 / 16 ، و 193 ، وابن الأثير في أسد الغابة : 5 / 275 ، والهيثمي في مجمع الزوائد : 3 / 273 ، والضحاك في الآحاد والمثاني : 5 / 252 ، والهندي في كنز العمال : 5 / 294 ، عن عدة مصادر . . ورواه من علمائنا الصدوق في الخصال ص 322 ، والحر العاملي في وسائل الشيعة : 1 / 23 .
وعندما يقول النبي صلى الله عليه وآله للمسلمين وهو يودعهم ( أطيعوا ولاة أمركم ) فهو لا يقصد ولاة أمورهم بعده أياً كانوا ، وأن ولاية الأمر بعده متروكة لكل من هب ودب ، على قاعدة الصراع والغلبة ! بل يقصد ولاة الأمر الذين بينهم لهم عندما نزل قوله تعالى : ( يا أيها الدين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) ، والذين قال لهم عنهم مراراً خاصة في حجة الوداع : إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض . . وقال عن أولهم : هذا وليكم من بعدي . . صلوات الله عليهم .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 74 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

10 - تحذير النبي من الكذابين عليه في حياته وبعد وفاته !

روت مصادر الجميع تحذيرات النبي صلى الله عليه وآله في مناسبات متعددة من الكذب عليه ، وخاصة قوله ( من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار ) ، وروى ذلك بعضهم في نصوص خطب حجة الوداع .
ففي بحار الأنوار : 37 / 123 : ( عن أمالي المفيد من خطبة النبي صلى الله عليه وآله في حجة الوداع : ( ألا وقد سمعتم مني ورأيتموني . . ألا من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار ) . انتهى .
وهذا التنبيه النبوي يدل على أن مشكلة الكذب والافتراء على النبي في حياته ، ستبقى بعد وفاته بل سوف تتفاقم ! لذا كان من اللازم أن يحذر جموع المسلمين في حجة الوداع ، ويؤكد لهم أنه يوجد في أصحابه كذابون يكذبون عليه . . وأن عليهم التأكد والتثبت مما ينسبونه اليه ، والمرجع في ذلك هم عترته الذين جعلهم الله عدل القرآن ، فهم يفسرون كتاب الله للأمة ، وهم يميزون الصحيح من سنة النبي من المكذوب عليه .
في الكافي : 1 / 62 : ( عن سليم بن قيس الهلالي ، قال : قلت . لأمير المؤمنين عليه السلام : إني سمعت من سلمان والمقداد وأبي ذر شيئاً من تفسير القرآن وأحاديث عن نبي الله صلى الله عليه وآله غير ما في أيدي الناس ، ثم سمعت منك تصديق ما سمعت منهم ورأيت في أيدي الناس أشياء كثيرة من تفسير القرآن ومن الأحاديث عن نبي الله صلى الله عليه وآله أنتم تخالفونهم فيها ، وتزعمون أن ذلك كله باطل ، أفترى الناس يكذبون على رسول الله صلى الله عليه وآله متعمدين ، ويفسرون القرآن بآرائهم ؟ قال : فأقبل علي فقال : قد سألت فافهم الجواب :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 75 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إن في أيدي الناس حقاً وباطلاً ، وصدقاً وكذباً ، وناسخاً ومنسوخاً ، وعاماً وخاصاً ، ومحكماً ومتشابهاً ، وحفظاً ووهماً ، وقد كذب على رسول الله صلى الله عليه وآله على عهده حتى قام خطيبا فقال : أيها الناس قد كثرت علي الكذابة ، فمن كذب علي متعمداً فليتبوء مقعده من النار ، ثم كذب عليه من بعده . . . ) . انتهى .
ومن الطبيعي للنبي الحكيم عندما يرى أنه يوجد في أصحابه من يكذب عليه ، ويخبر أمته أن هذه المشكلة ستستمر بعد وفاته . . أن يعين الجهة التي يرجع إليها لتكون ميزاناً يعرف بها الصحيح الصادر عنه من المكذوب عليه . . وليست تلك الجهة إلا العترة والقرآن ، اللذان أوصى بهما النبي دون غيرهما .

11 - إعلان النبي مبادئ احترام الإنسان المسلم وحرياته الشخصية

أكثر ما رواه الرواة من أحاديث حجة الوداع ، فقراتٌ تتعلق بمبادئ إسلامية عامة ، مثل إلغاء آثار الجاهلية ومآثرها وتشريعاتها المخالفة للإسلام . ومبدأ الأخوة والتكافؤ بين المسلمين . ومبدأ احترام حياة المسلم ، وتحريم دماء المسلمين على بعضهم . واحترام الملكية الشخصية وتحريم أموال المسلمين على بعضهم . واحترام عرض المسلم وكرامته وتحريم أعراضهم على بعضهم . وهذه نماذج منها من مصادر الطرفين :
في تحف العقول لابن شعبة ص 30 : ( أما بعد : أيها الناس ، إسمعوا مني ما أبين لكم ، فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا ، في موقفي هذا .
أيها الناس : إن دماءكم وأعراضكم عليكم حرام ، إلى أن تلقوا ربكم ، كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا . ألا هل بلغت ؟ اللهم اشهد . . .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 76 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وإن ربا الجاهلية موضوع ، وإن أول ربا أبدأ به ربا العباس بن عبد المطلب .
وإن دماء الجاهلية موضوعة ، وإن أول دم أبدأ به دم عامر بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب .
وإن مآثر الجاهلية موضوعة ، غير السدانة والسقاية . والعمد قَوَدٌ ، وشبه العمد ما قتل بالعصا والحجر ، وفيه مائة بعير فمن ازداد فهو من الجاهلية ) .
وفي صحيح البخاري : 1 / 24 : ( فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا . ليبلغ الشاهد الغائب ، فإن الشاهد عسى أن يبلغ من هو أوعى له منه ) .
وفي صحيح مسلم : 4 / 41 : ( فأجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة ، فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس ، أمر بالقصواء فرحلت له ، فأتى بطن الوادي فخطب الناس ، وقال : إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا . ألا كل شئ من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع ، ودماء الجاهلية موضوعة وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث ، كان مسترضعاً في بني سعد فقتلته هذيل . وربا الجاهلية موضوع ، وأول ربا أضع ربانا ربا عباس بن عبد المطلب ، فإنه موضوع كله ) . انتهى .
وسبب اهتمام الرواة بهذه الفقرات هو إعجاب المسلمين المؤمنين بها ، وكونها تمثل حلاً لمشكلة الغزو والقتل التي كانوا يعانون منها . . فقد كان المجتمع العالمي في عصره صلى الله عليه وآله مجتمع تمييزٍ حادٍ على أساس قومي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 77 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقبلي وطبقي . . وكان يحكمه ( قانون الغلبة والقوة ) فالغالب على حق دائماً سواء كان حاكماً ، أو قبيلة ، أو فارساً ، أو صعلوكاً ! ! فما دام استطاع أن يقهر الآخرين ، أو يغزوهم ويقتلهم ويسرق أموالهم ، أو يغصبها منهم عنوة ، أو يحتال عليهم بحيلة . . فهو على حق !
فجاءت تشريعات الإسلام لتلغي ذلك كله ، وتعلن تساوي الناس أمام الشرع والقانون ، وتحرم كل أنواع الاعتداء على الحقوق الشخصية ، وتؤسس احترام الإنسان وكرامته وملكيته . وقد كان لهذه التشريعات والتوجيهات النبوية ، تأثير كبير على مجرى احترام الإنسان وماله وعرضه ورأيه في حياة النبي صلى الله عليه وآله .
أما بعد وفاته فنلاحظ هبوط هذه القيم والقوانين هبوطاً حاداً بعد النبي صلى الله عليه وآله . . وأن أكثر الناس احتراماً للإنسان وحرياته المشروعة ، هم عترة النبي وأهل بيته الطاهرون ، ثم الأقرب منهم فالأقرب !
فعلي عليه السلام هو الحاكم الوحيد بعد النبي صلى الله عليه وآله الذي لم يجبر أحداً على بيعته ، ولم يستعمل قانون الطوارئ أو الأحكام العرفية ، ولا أي قانون استثنائي حتى مع خصومه والممتنعين عن بيعته ، بل حتى في حروبه ! مع أنه ابتلي بثلاثة حروب استوعبت مدة خلافته كلها !
بينما استعمل أبو بكر وعمر قانون الجاهلية في القهر والغلبة في السقيفة ضد الأنصار ، وهموا بقتل سعد بن عبادة ! ثم هاجموا الممتنعين عن بيعتهم وهم مجتمعون في بيت علي وفاطمة عليهما السلام ، مع أنهم في عزاء بوفاة النبي صلى الله عليه وآله ! وهددوهم بإحراق البيت عليهم إن لم يخرجوا ويبايعوا ! ولما تأخروا عن الخروج أشعلوا النار في الحطب ، وأحرقوا الباب ! !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 78 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

12 - إعلان النبي فريضة التمسك بالثقلين القرآن والعترة

روت مصادرنا تأكيد النبي صلى الله عليه وآله في خطب حجة الوداع على الثقلين القرآن والعترة ، في خطبة الغدير ، وخطبة مسجد الخيف أيضاً ، وربما في غيرها من خطب حجة الوداع . .
أما مصادر السنيين فقد روت بشكل واسع تأكيده على الثقلين القرآن والعترة في خطبة غدير خم فقط ، وصححوا روايتها ، وألف محدثوهم فيها كتباً مستقلة ، منها كتاب الولاية للطبري المعروف ، الذي جمع طرق أحاديث الغدير وأسانيدها في مجلدين !
أما في غير خطبة الغدير من خطب الوداع : فقد روى الوصية بالكتاب والعترة الترمذي : 5 / 328 ، قال : ( عن جابر بن عبد الله قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجته يوم عرفة وهو على ناقته القصواء يخطب فسمعته يقول : يا أيها الناس ، إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا : كتاب الله وعترتي أهل بيتي . وفي الباب عن أبي ذر ، وأبي سعيد ، وزيد بن أرقم ، وحذيفة بن أسيد . هذا حديث غريب حسن ، من هذا الوجه . وزيد بن الحسن قد روى عنه سعيد بن سليمان ، وغير واحد من أهل العلم ) .
أما غير الترمذي من صحاحهم المعروفة فروت وصية النبي صلى الله عليه وآله في حجة الوداع بالكتاب وحده ، بدون العترة ! ففي صحيح مسلم : 4 / 41 : ( وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به : كتاب الله ) . ومثله في أبي داود : 1 / 427 ، وسنن البيهقي : 5 / 8 ، ونحوه في ابن ماجة : 2 / 1025 ، وفي مجمع الزوائد : 3 / 265 : بصيغة ( أيها الناس إني تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا : كتاب الله فاعملوا به ) . انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 79 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لكن المتتبع لأحاديث الباب يطمئن بأنهم أسقطوا لفظ العترة من روايتهم ، بسبب رقابة قريش على أحاديث نبيها صلى الله عليه وآله ! والدليل على ذلك أن نفس المصادر التي روت هذا الحديث ناقصاً في حجة الوداع ، روته تاماً في غيرها ، فيحمل الناقص على التام ! فقد روى مسلم والبيهقي وابن ماجة والهيثمي وصية النبي صلى الله عليه وآله بالقرآن والعترة معاً ، وتأكيداته المتكررة على ذلك . . بروايات متعددة ! ففي صحيح مسلم : 7 / 122 : ( عن زيد بن أرقم : قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً فينا خطيباً بماء يدعى خماً ، بين مكة والمدينة ، فحمد الله وأثنى عليه ، ووعظ وذكر ، ثم قال : أما بعد ، ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب ، وأنا تارك فيكم ثقلين : أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور ، فخذوا بكتاب الله ، واستمسكوا به فحث على كتاب الله ورغب فيه ، ثم قال : وأهل بيتي ، أذكركم الله في أهل بيتي ، أذكركم الله في أهل بيتي ، أذكركم الله في أهل بيتي . فقال له حصين : ومن أهل بيته يا زيد ، أليس نساؤه من أهل بيته ؟ قال : نساؤه من أهل بيته ، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده . قال : ومن هم ؟ قال : هم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس . قال : كل هؤلاء حرم الصدقة ؟ قال نعم ) . انتهى . ورواه البيهقي في سننه 7 / 30 و 10 / 114 .
وفي مجمع الزوائد : 1 / 170 : ( عن زيد بن ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إني تركت فيكم خليفتين : كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنهما لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض . رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات ) . ورواه بنحوه : 9 / 162 وقال : رواه أحمد وإسناده جيد . وأما أبو داود فهو وإن لم يرو حديثاً صريحاً في الثقلين ، لكنه عقد في سننه : 2 / 309 كتاباً باسم ( كتاب
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 80 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
المهدي ) ، روى فيه حديث الأئمة الاثني عشر وبشارة النبي صلى الله عليه وآله بالإمام المهدي وأنه من ذرية علي وفاطمة عليهما السلام ، وروى عن النبي صلى الله عليه وآله قوله : ( لو لم يبق من الدهر إلا يوم لبعث الله رجلاً من أهل بيتي يملأها عدلاً كما ملئت جوراً ) . انتهى .
ومما يدل على أن الوصية بالعترة حذفت من خطب حجة الوداع : أن الكلام النبوي الذي هو جوامع الكلم ، له خصائص يتفرد بها . . منها أنه يستعمل تراكيب معينة لمعان معينة لا يستعملها لغيرها ، فهو بذلك يشبه القرآن . وتركيب ( إني تارك فيكم . . ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي ) خاص لوصيته للأمة بالقرآن والعترة ، ولم يستعمله صلى الله عليه وآله في غيرهما أبداً . . ولذلك عندما قال لهم في مرض وفاته : إيتوني بدواة وقرطاس أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً . . فهمت قريش أنه يريد أن يلزم المسلمين بإطاعة الأئمة من عترته بشكل مكتوب ، فرفضت ذلك بصراحة ووقاحة ! وقد روى البخاري هذه الحادثة في ستة أماكن من صحيحه ! !
كما روت مصادرهم أن عمر افتخر في خلافته ، بأنه بمساعدة قريش حال دون كتابة ذلك الكتاب ! !
وعليه ، فإن ورود هذا التركيب في بعض نصوص خطب حجة الوداع للقرآن وحده بدون ذكر العترة ، يخالف الأسلوب النبوي في تعبيره المبتكر للوصية بهما معاً . . خاصة وأن الترمذي وغيره رووهما معاً !
وستعرف ما يؤكد ذلك من أحاديث بشارة النبي لأمته في خطبة عرفات باثني عشر إماماً بعده ، ومن تأكيده على الكتاب والعترة في خطبة الغدير .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 81 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

13 - بشارة النبي أمته بالأئمة الاثني عشر من بعده

من الحقائق الاسلامية الكبيرة التي عتمت عليها مصادر أتباع الخلافة القرشية . . أن النبي صلى الله عليه وآله بشر الأمة في أهم خطبة له في حجة الوداع في عرفات ، بالأئمة الاثني عشر من عترته عليهم السلام ! فقد اتفق الجميع على صحة الحديث بذلك ، لكن زعمت مصادر السنيين أن المسلمين لغطوا وضجوا عندما وصل النبي إلى تعيين هوية هؤلاء الأئمة ، فلم يسمعوا جيداً ، فقال لهم بعضهم إنهم من قريش لا من بني هاشم فقط ! !
روى البخاري في صحيحه : 8 / 127 : عن ( جابر بن سمرة قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : يكون اثنا عشر أميراً ، فقال كلمة لم أسمعها فقال أبي : إنه قال : كلهم من قريش ) !
وفي صحيح مسلم : 6 / 3 : ( جابر بن سمرة يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لا يزال الإسلام عزيزاً إلى اثني عشر خليفة ، ثم قال كلمة لم أفهمها ، فقلت لأبي : ما قال ؟ فقال : كلهم من قريش ) !
ثم روى مسلم رواية ثانية نحوها ، قال فيها ( ثم تكلم بشئ لم أفهمه ) .
ثم روى ثالثة جاء فيها : ( لا يزال هذا الدين عزيزاً منيعاً إلى اثني عشر خليفة ، فقال كلمة صَمَّنِيَها الناس ! فقلت لأبي : ما قال ؟ قال : كلهم من قريش ) . انتهى .
ولم يصرح البخاري ولم يشر إلى أن هذا الحديث جزء من خطبة حجة الوداع في عرفات ! وقلدته أكثر المصادر في ذلك ! لكن عدداً منها ( نسي ) ونص عليه ، ففي مسند أحمد : 5 / 93 و 96 و 99 : ( عن جابر بن سمرة قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفات ، فقال . . . ) وفي ص 87 :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 82 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
( يقول في حجة الوداع . . . ) . وفي ص 99 منه : ( وقال المقدمي في حديثه : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يخطب بمنى ) . انتهى .
وستعرف أنه صلى الله عليه وآله كرر هذا الموضوع المهم في عرفات ، وفي منى عند الجمرة يوم العيد ، وفي اليوم الثاني . . ثم في اليوم الثالث في مسجد الخيف . ثم أعلنه صريحاً قاطعاً إلزامياً . . في غدير خم !
فما هي قصة الأئمة الاثني عشر ؟ ولماذا طرحها النبي صلى الله عليه وآله على أكبر تجمع للمسلمين ، وهو يودع أمته ؟ !
يجيبك البخاري : إن الأئمة بعد النبي هم أبو بكر وعمر ، وهؤلاء الإثنا عشر ليسوا أئمة تجب طاعتهم دون سواهم ، بل هم أمراء صالحون سوف يكونون في أمته في زمن ما ، وقد أخبر صلى الله عليه وآله أمته بما أخبره الله تعالى من أمرهم ، وأنهم جميعاً من قريش ، لا من بني هاشم وحدهم ، بل من البضع وعشرين قبيلة التي تتكون منها قريش ، وليس فيهم أحد من الأنصار ، ولا من قبائل العرب الأخرى ، ولا من غير العرب . . وهذا كل ما في الأمر .
وتسأل البخاري : لماذا أخبر النبي صلى الله عليه وآله أمته في حجة الوداع في عرفات بهؤلاء الاثني عشر ؟ وما هو الأمر العملي الذي يترتب على ذلك ؟ !
يجيبك : بأن الموضوع مجرد خبر فقط ، فقد أحب النبي صلى الله عليه وآله أن يخبر أمته بذلك ، لكي تأنس به ! فكأن الموضوع عند البخاري مجرد خبر صحفي ليس فيه أي عنصر عملي ! !
والنتيجة : أن البخاري لم يروِ في صحيحه في الأئمة الاثني عشر إلا هذه الرواية اليتيمة المجملة المبهمة ، التي لا يمكنك أن تفهمها أنت ولا قومك !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 83 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بينما روى عن حيض أم المؤمنين عائشة في حجة الوداع روايات عديدة ، واضحة مفهومة ، تبين كيف احترمها النبي صلى الله عليه وآله وأرسل معها من يساعدها على إحرامها وعمرتها . . إلخ .
أما مسلم فكان أكرم من البخاري قليلاً ، لأنه اختار رواية يفهم منها أن هؤلاء الاثني عشر هم خلفاء ، يحكمون بعد النبي صلى الله عليه وآله !
ويفرح المسلم بحديث مسلم هذا ، لأنه يعني أن الله تعالى قد حل مشكلة الحكم في الأمة بعد نبيه صلى الله عليه وآله ، فهؤلاء أئمة معينون من الله تعالى على لسان نبيه ، ويستمدون شرعيتهم من هذا التعيين ، ولا يحتاج الأمر إلى سقيفة واختلافات ثم إلى صراع دموي على الحكم من صدر الإسلام إلى يومنا هذا . . وملايين ملايين الضحايا على مذبح الخلافة . . وانقساماتٍ في الأمة أدت إلى تراكم ضعفها . . حتى انهارت خلافتها وكيانها على يد العثمانيين !
ولكن رواية مسلم تقول : كلا لم تحل المشكلة ، لأن النبي أخبر عنهم إخباراً مجملاً ! ولم يخبر المسلمين عن هويتهم وأسمائهم ؟ ولم يسأله أحد من عشرات الألوف الذين أخبرهم بهذا الموضوع الخطير : من هم يا رسول الله ؟ ! ولو أن أحداً سأله عنهم فسماهم أو سمى الأول منهم ، لرضيت بذلك كل قبائل قريش وسلمت إليهم الأمر ولم تنازعهم ، لأنها قبائل مؤمنة مخلصة ، مترفعة عن حطام الدنيا ، مطيعة لله تعالى ولرسوله ! !
وكأن مسلماً يقول : مع أن روايتي فيها إضافة على ما رواه البخاري فأنا لا أزيد على ما قال : كلا ، كلا . . إن هؤلاء الأئمة هم أناس ربانيون فقط ، يعز الله بهم الإسلام ، وهم من قريش . . من قريش . . هذا كل ما في الأمر ! !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 84 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وهكذا لا يمكنك أن تصل من البخاري ومسلم إلى نتيجة مقنعة في أمر هؤلاء الأئمة الاثني عشر . . فقد أقفل الشيخان عليك الأبواب ، وقالا لك مقولة قريش : إن نبيك تحدث في حجة الوداع عن رائحة الأئمة الاثني عشر فقط . . فَشُمَّهَا واسكت !
ولكنك لا تعدم الكشف عن عناصر مفيدة من مصادر قرشية أخرى ، أقل مراعاة من البخاري ومسلم للسياسة وأهلها ، أو أن ظروف أصحابها أحسن من ظروفهما ! فقد رووا كلمة ( بعدي ) بصيغ أكثر دلالة على أنهم يكونون مباشرة بعد النبي صلى الله عليه وآله . روى أحمد في مسنده : 5 / 92 : عن نفس الراوي جابر السوائي قال : إنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : يكون ( بعدي ) . . وروى في نفس الصفحة عن نفس الراوي جابر بن سمرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يكون بعدي اثنا عشر خليفة كلهم من قريش . قال ثم رجع إلى منزله فأتته قريش فقالوا : ثم يكون ماذا ؟ قال ثم يكون الهرج . انتهى .
ففي الروايتين كلمة ( بعدي ) التي يفهم منها أنهم يكونون بعده مباشرة .
والرواية الثانية تكشف عن اهتمام قريش بالموضوع ، وسؤالهم عن هؤلاء الأئمة الربانيين ، وأن القصة في المدينة ، لا في حجة الوداع !
وقد تكررت كلمة بعدي ، ومن بعدي ، في عدد من روايات الحديث .
منها ما رواه أحمد أيضاً في : 5 / 94 : عن نفس الرواي ( يكون بعدي اثنا عشر أميراًَ ، ثم لا أدري ما قال بعد ذلك ، فسألت القوم . . ) .
وفي : 5 / 99 و 108 : عن السوائي أيضاً ( يكون من بعدي اثنا عشر أميراً فتكلم فخفي عليَّ فسألت الذي يليني أو إلى جنبي ، فقال كلهم من قريش ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 85 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي سنن الترمذي : 3 / 340 : ( يكون من بعدي اثنا عشر أميراً ، قال : ثم تكلم بشئ لم أفهمه ، فسألت الذي يليني فقال قال : كلهم من قريش ) .
وفي تاريخ البخاري : 1 / 446 رقم 1426 : ( عن جابر بن سمرة أيضاً أنه سمع النبي قال : يكون بعدي اثنا عشر خليفة ) .
وفي الصواعق المحرقة لابن حجر / 20 : ( قال : خرج أبو القاسم البغوي بسند حسن ، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : يكون خلفي اثنا عشر خليفة ) . انتهى .
إذن ، فقد طرح النبي صلى الله عليه وآله في حجة الوداع أمر الحكم من بعده ، وأخبر عن ربه عز وجل بأن حكم الأمة الشرعي يكون لاثني عشر ! ولكن ذلك لا يحل مشكلة الباحث بل يفتح باب الأسئلة على قريش ورواتها : السؤال الأول : لماذا نرى أن روايات هذه القضية الضخمة تكاد تكون محصورة عندهم براوٍ واحد ، هو جابر السوائي ، الذي كان صغيراً في حجة الوداع صبياً ابن عشر سنوات ! ألم يسمعها غيره ؟ ألم يروها غيره من كل الصحابة الذين كانوا حاضرين ؟ !
أم رواها غيره . . ولكن رواية جابر فازت بالجائزة ، لأنها أحسن رواية ملائمة للخلافة القرشية ، فاعتمدتها وسمحت بتدوينها !
السؤال الثاني : كان المسلمون يسألون النبي صلى الله عليه وآله عن صغير الأمور وكبيرها ، حتى في أثناء خطبه ، وهذه الروايات تقول إنه أخبرهم بأمر كبير خطير ، عقائدي ، عملي ، مصيري ، مستقبلي . . وتدعي أنه أجمله إجمالاً ، وأبهمه إبهاماً . . ثم لا تذكر أن أحداً من المسلمين سأله عن هؤلاء الأئمة الربانيين ، وما هو واجب الأمة تجاههم ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 86 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وإذا كانت ( قريش ) قد ذهبت إلى النبي صلى الله عليه وآله في بيته في المدينة ، كما يقول نفس الراوي في حديث آخر ، وطرقت عليه بابه لتسأله عما يكون بعد مضي هؤلاء الاثني عشر وانتهاء عهودهم . . فهل يعقل أنها لم تسأله عنهم ، وعما يكون في زمانهم ؟ !
وعندما يقول رواة حديث في المدينة ( قريش ) فهي تعني عمر وأبا بكر فقط . . وما دامت قريش هذه سألته عنهم فأين جوابه صلى الله عليه وآله ؟ !
نكتفي بما تقدم ، ونحيل في هذا الموضوع على كتاب الغدير للعلامة الأميني رحمه الله ، وآيات الغدير - مركز المصطفى للدراسات الاسلامية .

14 - إعلان النبي علياً ولياً للأمة بعده والإمام الأول من الاثني عشر

من الحقائق المتفق عليها من أعمال النبي صلى الله عليه وآله في حجة الوداع . . أنه أوقف الحجيج الذين كانوا معه في طريق العودة ، في الصحراء في لهب الظهيرة ، في مكان يسمى غدير خم ، قرب رابغ . . لأن الله تعالى أمره بأمر ، وأمره أن يوقفهم ويبلغهم إياه هناك ! !
وخطب فيهم خطبة وداع ، وأصعد معه علياً على المنبر ، وأوصى مؤكداً بكتاب الله وعترته أهل بيته ، ثم أمسك بيد علي ورفعها معرفاً له ، وقال فيما قال : ( ألا من كنت مولاه فعلي مولاه ) !
وبعد الخطبة أمرهم أن ينصبوا لعلي خيمة ويهنئوه بولايته عليهم التي نزلت من عند الله ، فهنؤوه ، وهنأه عمر قائلاً : ( بخ بخ لك يا بن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كل مسلم ) . تاريخ بغداد : 8 / 290 ، وشواهد التنزيل للحاكم الحسكاني : 1 / 158 ، والغزالي في سر العالمين ص 21 .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 87 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وهكذا جاء إعلان النبي صلى الله عليه وآله علياً عليه السلام ولياً وخليفة وإماماً للأمة من بعده ، فصيحاً صريحاً في خطبة خاصة ، وفي مكان لا ينسى ، حيث أوقف النبي الحجيج في حر الظهيرة في غير منزل ، ورفع بيد علي . . الخ .
كان هذا العمل النبوي تتويجاً لما بلَّغه عن ربه عز وجل في أهل بيته . . وقد تحملته قريش على مضض كبير ، وما كان لها أن تتحمله لولا أن الله تعالى عصم نبيه من ردة فعلها ، وقال له : ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ، والله يعصمك من الناس ، إن الله لا يهدي القوم الظالمين ) . ولا يتسع المجال لبحث نص الخطبة النبوية وأسانيدها ودلالتها . . وقد تكفلت بذلك مصادر الحديث والكلام ، ومن أقدمها كتاب ( الولاية ) للطبري السني ، ومن أواخرها كتاب ( الغدير ) للعلامة الأميني رحمه الله .
* *
يوم الغدير . . فرحت فاطمة الزهراء واطمأنت ، فقد أكمل الله دينه وأتم نعمته ، عليها وعلى الأمة بولاية بعلها علي والأئمة المعصومين من أولادها وأقام النبي الحجة على الأمة فأبلغها ذلك ، وأعلن علياً ولياً من بعده . .
لكن فاطمة أوفر عقلاً وأبعد نظراً ، من أن تؤخذ بسكوت قريش ، أو ببيعتها لعلي وتهنئة ها له ، أو ببخبخة زعيمها الجديد عمر بن الحطاب ، الذي اتفقت عليه بطون قريش ليقوم بنزع الخلافة من بني هاشم ويعطيها لهم !
لقد كانت فرحة فاطمة بمنطقها ومنطق أبيها ، الذي هو أعلى من منطق اللعب السياسية القرشية . . كان فكر النبي صلى الله عليه وآله ربانياً بمستوى أعلى من البيعة . . بمستوى الأمر الإلهي والاختيار الإلهي ، الذي لا خيرة فيه لأحد ، ولا محل فيه للبيعة ، إلا إذا طلبها من الناس النبي أو الوصي فتجب .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 88 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فهذا هو منطق التبليغ ، وحسب ! ولذلك لم يشاورهم النبي صلى الله عليه وآله في بيعة علي ، لأن اختيار الله تعالى لا يحتاج إلى مشورتهم ولا بيعتهم ولا رضاهم . . لقد أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وآله أن يشاورهم ليتألفهم ، ويسيّرهم معه في الطريق الصحيح . . وفي نفس الوقت أمره : إذا عزمت فتوكل ، ولا تسمع لكلام مخلوق ، لأنك تسير بهدى الخالق !
أما إذا عزم الله تعالى واختار ولياً بعد نبيه صلى الله عليه وآله ، وقال لنبيه بلغ ولا تخف ، ولست مسؤولاً عن إطاعة من أطاع ومعصية من عصى . . فليس للمشاورة ولا للبيعة محل من الإعراب !
لقد طلب منهم الرسول صلى الله عليه وآله تهنئة علي عليه السلام إقراراً بالاختيار الإلهي ، وهي تهنئةٌ أقوى من البيعة وألزم منها للأعناق . .
ثم ليفعلوا بعدها ما يحلو لهم . . فإنما على النبي صلى الله عليه وآله أن يبلغهم ، وحسابهم على من يملك كل الأوراق ، ويملك الدنيا والآخرة ، ويفعل ما يريد . . سبحانه وتعالى !
ومضافاً إلى التهنئة ، طلب منهم النبي البيعة لعلي ، ومعناه أنه طلب منهم أيضاً إعلان التزامهم بإطاعة علي عليه السلام . . فأعلنوا !
لكن الأمر لا يختلف من ناحية شرعية وحقوقية ، فسواء أمرهم ببيعة علي أم بتهنئته فقط . . فإن تبليغ الولاية أقوى من التهنئة ، والتهنئة أقوى من البيعة ، فالتبليغ اصطفاء . . والتهنئة اعترافٌ وتبريك . . والبيعة تعهدٌ بالالتزام .
لقد سكتت قريش آنياً بسبب أنها لم تكن حاضرةً كلها في الجحفة . . وبسبب عنصر المفاجأة ، وظرف المكان والزمان ! ولعلها كانت تقنع نفسها
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 89 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بأن المنطق النبوي يبقي لها مساحة للعمل . . فالباب مفتوح أمامها للتصرف ! ! أما في المنطق النبوي فقد حسم الأمر . . ومن شاء فليكفر ، ولْيهلكْ من هلك عن بينة ، وليحي من حيَّ عن بينة .
وهذا نفسه منطق فاطمة عليها السلام . . فعندما أدانت هي وعلي بيعة السقيفة ، وقررا أن يستنهضا الأنصار ويطالباهم بالوفاء ببيعة العقبة ، التي شرط عليهم النبي صلى الله عليه وآله فيها أن يحموه وأهل بيته وذريته ، مما يحمون منه أنفسهم وذراريهم ، فبايعوه على ذلك ! كان قول أكثرهم : يا بنت رسول الله ، لو سمعنا هذا الكلام منك قبل بيعتنا لأبي بكر ، ما عدلنا بعلي أحداً ! فقالت الزهراء عليها السلام :
وهل ترك أبي يوم غدير خمٍّ لأحد عذراً . . ! ! ( الخصال 1 / 173 )
إن منطق الاسلام والتسليم والرضا بالله تعالى وما أنزله على رسوله صلى الله عليه وآله . . منطقٌ مطهرٌ من تثاقل المتثاقلين إلى الأرض وتفكيرهم . ذلك أن الزهراء كأبيها ذات شخصية واحدة . . وعالم واحد موحَّد موحِّد . . منسجمٌ دائماً . وليس لها كغيرها شخصيتان : واحدةٌ رسالية والأخرى شخصية ، تغلب هذه مرة وهذه مرة ! ! وهي لذلك ترى أن أباها قد أقام الحجة لربه كاملةً غير منقوصة ، في كل قضايا الاسلام ، ومن أعظمها حق زوجها علي ، وولديها الحسن والحسين عليهم السلام والأئمة من ذرية الحسين ، الذين أعطاهم الله حق الولاية على الأمة بعد نبيها !
وبهذا المنطق قالت الزهراء عليها السلام للأنصار : إن جوابكم لي جواب سياسي . . ومنطق الحجة الإلهية أعلى من منطق اللعب السياسية ، ومهيمنٌ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 90 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عليه ، ومتقدم عليه رتبةً ، وفاضحٌ له ! فقد بلَّغ أبي صلى الله عليه وآله عن ربه ، وأخبركم أن المالك العظيم سبحانه قد قضى الأمر ، وجعل لأمة رسوله أولياء بعد نبيه . . وما ذنبنا أن كان الأولياء منا ، ومتى كان لكم الخيرة من أمركم حتى تختاروا زيداً أو عمرواً ، بعد أن قضى الله ورسوله أمراً ! !
فالحجة عليكم تامةٌ من أبي ، والآن مني ، ونعم الموعدُ القيامة ، والزعيم محمد صلى الله عليه وآله . . وعند الساعة يخسر المبطلون !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 91 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الرابع : فاطمة وعلي عليهما السلام في حجة الوداع

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 92 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 93 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

1 - العظماء الخمسة

كان المسلمون في المدينة إذا ذكروا اسم النبي صلى الله عليه وآله ، تبادر إلى ذهنهم معه اسم علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام . . فهؤلاء هم أسرة النبي اللصيقون به ، الذائبون فيه ، الذين يتعلق بهم النبي تعلقاً خاصاً لا يشبهه تعلقه بأحد من الناس أبداً . .
فعلي . . هو التلميذ والعضد والمعتمد ، والوزير وابن العم والصهر ، والمعبر عن النبي الناطق باسمه ، ورجل المهام الكبرى ، وحامل لوائه دائماً ، الذي فلَّ جيوش المشركين ، وجندل أبطال العرب وقريش ، وأقام النائحات عليهم . . وهو الذي لم يفر عن رسول الله في معركة أبداً ، كما فعل غيره .
وفاطمة . . سيدة نساء العالمين ، ذات المكانة المميزة عند النبي ، والشخصية الأكثر تمييزاً . . يعاملها النبي كأنها ابنته الوحيدة ، وكأن بناته غيرها ربائبه . . وآخر ما يقوم به النبي قبل سفره من المدينة أن يودع فاطمة ، وأول ما يقوم به بعد أن يرجع ، أن يزور فاطمة . . وإذا دخلت عليه وقف لها احتراماً ، وقبل يدها وأجلسها في مجلسه .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 94 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والحسن والحسين . . سيدا شباب أهل الجنة ، السبطان اللذان بشره بهما جبرئيل واختار الله اسميهما ، وسماهما النبي ابنيه وسبطيه . . أخوان كالتوأم ، عليهما ملامح جدهما النبي وأنواره ، يعيشان مع النبي ويدرجان حوله فيقبلهما ويضمهما ، ويبلغ الأمة مقامهما عند الله . . ويمرضان ، فيزور هما النبي ويزور هما زعماء العرب ! فقد ذكر ذلك المفسرون السنة والشيعة في تفسير سورة ( هل أتى ) كما في طرائف السيد ابن طاووس ص 107 ، عن تفسير الثعلبي من عدة طرق ، منها عن ابن عباس قال : ( مرض الحسن والحسين فعادهما جدهما رسول الله ومعه أبو بكر وعمر وعادهما عامه العرب فقالوا : يا أبا الحسن لو نذرت على ولديك نذراً . . . فقال : أصوم ثلاثة أيام شكراً لله ، وكذلك قالت فاطمة ، وقال الصبيان نحن أيضاً نصوم ثلاثة أيام وقالت جاريتهم فضة . فألبسهما الله عافيته ، فأصبحوا صياماً وليس عندهم طعام . . . الخ . ) .

2 - علي فاتح اليمن

في حجة الوداع كما في فتح مكة . . كانت الزهراء والحسنان عليهم السلام في رفقة النبي صلى الله عليه وآله ، يحجون معه حجة الوداع . .
أما علي فكان في مهمة استكمال فتح اليمن ، التي استعصت ستة أشهر على جيش بعثه النبي بقيادة خالد بن الوليد ! فبعث علياً المذخور للمهمات . . قال الطبري في تاريخه : 2 / 389 : ( عن البراء بن عازب قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الاسلام ، فكنت فيمن سار معه فأقام عليه ستة أشهر لا يجيبونه إلى شئ ، فبعث النبي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 95 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وأمره أن يقفل خالد ومن معه ، فإن أراد أحد ممن كان مع خالد بن الوليد أن يعقب معه ، تركه .
قال البراء : فكنت فيمن عقب معه فلما انتهينا إلى أوائل اليمن بلغ القوم الخبر فجمعوا له ، فصلى بنا علي الفجر فلما فرغ صفنا صفاً واحداً ، ثم تقدم بين أيدينا فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قرأ عليهم كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلمت همدان كلها في يوم واحد !
وكتب بذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قرأ كتابه خر ساجداً ، ثم جلس فقال : السلام على همدان ، السلام على همدان . ثم تتابع أهل اليمن على الاسلام ) . انتهى .
وهذه الرواية عن مناطق همدان وهي ثقل مهم في اليمن ، لكن بقية مناطقها احتاجت إلى حروب خاضها علي عليه السلام . . واستعمل في بعضها المعجزة التي خصه بها النبي صلى الله عليه وآله ، لأن الله أراد لليمن أن تدخل في الاسلام !
ففي الثاقب في المناقب لابن حمزة ص 68 : ( عن حنش بن المعتمر ، عن علي عليه السلام أنه قال : دعاني رسول الله صلى الله عليه وآله ، فوجهني إلى اليمن لأصلح بينهم ، فقلت : يا رسول الله إنهم قوم كثير لهم سن وأنا شاب حدث ، قال يا علي إذا صرت بأعلى عقبة أفيق فناد بأعلى صوتك : يا شجر ، يا مدر ، يا ثرى ، محمد رسول الله يقرؤكم السلام !
قال : فذهبت فلما صرت بأعلى عقبة أفيق أشرفت على أهل اليمن ، فإذا هم بأسرهم مقبلون نحوي مشرعون رماحهم ، مشرعون أسنتهم ، متنكبون
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 96 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قسيهم ، شاهرون سلاحهم ، فناديت بأعلى صوتي : يا شجر ، يا مدر ، يا ثرى ، محمد رسول الله يقرؤكم السلام ! فلم يبق شجرٌ ولا مدرٌ ولا ثرى إلا ارتج بصوت واحد : وعلى محمد رسول الله السلام ، وعليك السلام ! فاضطربت قوائم القوم وارتعدت ركبهم ، فوقع السلاح من أيديهم وأقبلوا إلَّي مسرعين ، فأصلحت بينهم ، وانصرفت عنهم ) . انتهى .
ويظهر أن هذه المعجزة كانت في مهمة سابقة لعلي في اليمن . . أما هذه فكانت آخر مهماته لتكميل فتح المناطق النائية منها . . وسرعان ما وصلت رسائله بالنصر المتتابع إلى النبي صلى الله عليه وآله ، ففرح بذلك النبي وفرحت فاطمة . . وأرسل إلى علي أن يوافيه إلى مكة لحجة الوداع .
كانت الزهراء عليها السلام تعيش مع ربها العظيم وهي قاصدة حج بيته الحرام وتنعم مع أولادها في ظل أبيها سيد الأنبياء وسيد الآباء ، وتنتظر أن توافي بعلها الفريد علياً عندما تصل إلى مكة ، حيث سيعود منتصراً من مهمته الرسولية في اليمن . .
لكنها ما زالت تفكر في مؤامرات قريش على علي ، وحسدها لأهل بيت النبي ، وغيظ ها كيف أعطى الله آل محمد . . ولم يعطهاً ؟ !
وما زالت فاطمة تذكر أن قريشاً واليهود أفرطوا في حسدهم لمحمد وآل محمد وبني هاشم ، حتى أنزل فيها قوله : ( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ، ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا ! أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا . أم لهم نصيب من الملك ، فإذا لا يؤتون الناس نقيرا . أم يحسدون الناس على
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 97 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ما آتاهم الله من فضله ن فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكاً عظيما ) . سورة النساء 51 - 54
لقد شهدت فاطمة قبل أيام واحدة من معارك الحسد القرشي التي استهدفوا فيها شخصية علي ! فقد جاء من اليمن وفد مبعوث برسالة من خالد بن الوليد ، يحملها بريدة الأسلمي ، ويشكون فيها إلى النبي صلى الله عليه وآله من علي عليه السلام ، ويتهمونه أنه خان بيت المال !
وقبل أن تصل الرسالة إلى النبي تلقفها حساد قريش المرجفون ، وأشاعوا في المدينة بأن علياً خان أمانة المسلمين ، وأخذ من الفئ جارية وتزوجها !
قال أحمد بن حنبل في مسنده : 5 / 356 : ( عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال : بعث رسول الله ( ص ) بعثين على أحدهما علي بن أبي طالب وعلى الآخر خالد بن الوليد ، فقال : إذا التقيتم فعلي على الناس ، وإذا افترقتما فكل واحد منكما على جنده . فلقينا بني زيد من اليمن فاقتتلنا فظفر المسلمون على المشركين ، فقتلنا المقاتلة وسبينا الذرية ، فاصطفى علي عليه السلام من السبي امرأة لنفسه .
قال بريدة : وكتب معي خالد بن الوليد إلى رسول الله ( ص ) يخبره بذلك ، فلما أتيت النبي دفعت الكتاب إليه فقرئ عليه ، فرأيت الغضب في وجه رسول الله ، فقلت : يا رسول الله هذا مكان العائذ بك ، بعثتني مع رجل وأمرتني أن أطيعه ففعلت ما أرسلت به . فقال رسول الله : يا بريدة لا تقع في علي ، فإنه مني وأنا منه ، وهو وليكم بعدي ! ! ) . انتهى .
وقصة بريدة حجة بالغة ، فقد وصل الغضب النبوي فيها أقصاه ، حتى أنه قال لبريدة : أنافَقْتَ بعدي يا بريدة ؟ ! ! وقد روى ذلك ابن عساكر في تاريخ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 98 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مدينة دمشق : 42 / 191 قريباً مما في مصادرنا ، قال : ( عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال بعث رسول الله علي بن أبي طالب وخالد بن الوليد كل واحد منهما وحده وجمعهما فقال إذا اجتمعتما فعليكم علي ، قال فأخذنا يميناً أو يساراً ، قال فأخذ علي فأبعد ( أي راوح خالد بجيشه مكانه ، بينما توغل علي عليه السلام بجيشه في فتح اليمن ) فأصاب سبياً فأخذ جارية من الخمس ، قال بريدة : وكنت من أشد الناس بغضاً لعلي ، وقد علم ذلك خالد بن الوليد ، فأتى رجل خالداً فأخبره أنه أخذ جارية من الخمس فقال ما هذا ، ثم جاء آخر ثم أتى آخر ، ثم تتابعت الأخبار على ذلك ، فدعاني خالد فقال : يا بريدة قد عرفت الذي صنع ، فانطلق بكتابي هذا إلى رسول الله فأخبره ، وكتب إليه فانطلقت بكتابه حتى دخلت على رسول الله ، فأخذ الكتاب فأمسكه بشماله ، وكان كما قال الله عز وجل لا يكتب ولا يقرأ ، وكنت رجلاً إذا تكلمت طأطأت رأسي حتى أفرغ من حاجتي ، فطأطأت رأسي أو تكلمت فوقعت في علي حتى فرغت ، ثم رفعت رأسي فرأيت رسول الله قد غضب لم أره غضب مثله قط إلا يوم قريظة والنضير ! ! فنظر إلي فقال : يا بريدة إن علياً وليكم بعدي ، فأحب علياً فإنه يفعل ما يؤمر ! قال فقمت وما أحد من الناس أحب إلي منه .
وقال عبد الله بن عطاء : حدثت بذلك أبا حرب بن سويد بن غفلة فقال كتمك عبد الله بن بريدة بعض الحديث ، أن رسول الله قال له أنافقتَ بعدي يا بريدة ؟ ! ) . وقال لبريدة كما في المسترشد للطبري الشيعي ص 620 وغيره : ( يا بريدة ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ قلت بلى ، قال : من كنت مولاه فعلي مولاه ، هو وليكم من بعدي يا بريدة ) وقال له : إن نصيب علي من الخمس أكثر من جارية ! وقال له : لا تقع في علي فإنه مني وأنا منه . . الخ .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 99 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولم يكتف النبي صلى الله عليه وآله بما قاله لبريدة ، لأن الخطر أكبر من بغض بريدة وخالد لعلي . . إنه خطر الحسد القرشي لما آتاه الله لآل محمد من وراثة الكتاب الإلهي والحكمة والملك العظيم ! فصعد النبي المنبر وبلغ المسلمين فضل علي وحقه على الأمة ، وفضح حاسديه !
كانت فاطمة مطمئنة إلى حماية أبيها لبعلها في حياته ، لأنه ثقته وعضده ، ووصيه بأمر ربه ، وكانت تأمل أن يضع النبي الأمور في نصابها في حجة الوداع . . لكنها كانت قلقة من مكر قريش وخططها !

3 - من تحريكات الحزب القرشي ضد علي عليه السلام

اقترب جيش علي من مكة من ناحية اليمن . . وعرف علي أن موكب النبي صلى الله عليه وآله اقترب منها من جهة المدينة . . فاستخلف قائداً على جيشه ، وبادر مسرعاً إلى حبيبه النبي لكي يتزود منه بعد فراق شهرين ، ويقدم له تقريراً عن نعم الله تعالى بفتح اليمن ، وترتيب إدارتها !
كانت غياب علي عن جيشه قصيراً ليوم أو يومين . . ولكنها كانت فرصة كافية لأتباع الحزب القرشي في جيشه ، ليس للشكوى عليه إلى النبي هذه المرة ، فقد بلغهم الرد النبوي الغاضب على شكوى خالد ! بل ليوقعوا بين علي وقادة جيشه ! فأقنعوا خليفته أن يعطي إلى وجهاء الجيش حلل الجزية النجرانية . . فأعطاهم إياها ولبسوها !
قال المفيد الارشاد : 1 / 172 : ( وخرج أمير المؤمنين عليه السلام بمن معه من العسكر الذي كان صحبه إلى اليمن ، ومعه الحلل التي أخذها من أهل نجران . فلما قارب رسول الله صلى الله عليه وآله مكة من طريق المدينة ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 100 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قاربها أمير المؤمنين عليه السلام من طريق اليمن ، وتقدم الجيشَ للقاء النبي صلى الله عليه وآله وخلَّف عليهم رجلاً منهم ، فأدرك النبي عليه وآله السلام وقد أشرف على مكة ، فسلم وخبَّره بما صنع وبقبض ما قبض ، وأنه سارع للقائه أمام الجيش ، فسُرَّ رسول الله صلى الله عليه وآله بذلك وابتهج بلقائه وقال له : بما أهللت يا علي ؟ فقال له : يا رسول الله ، إنك لم تكتب إلي بإهلالك ولا عرفتنيه فعقدت نيتي بنيتك وقلت : اللهم إهلالاً كإهلال نبيك وسقتُ معي من البدن أربعاً وثلاثين بدنة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : الله أكبر ، فقد سقتُ أنا ستاً وستين ، وأنت شريكي في حجي ومناسكي وهديي ، فأقم عل إحرامك وعد إلى جيشك فعجل بهم إلي ، حتى نجتمع بمكة إن شاء الله ، فودعه أمير المؤمنين عليه السلام وعاد إلى جيشه ، فلقيهم عن قرب فوجدهم قد لبسوا الحلل التي كانت معهم ، فأنكر ذلك عليهم ، وقال للذي كان استخلفه فيهم : ويلك ما دعاك إلى أن تعطيهم الحلل من قبل أن ندفعها إلى النبي ، ولم أكن أذنت لك في ذلك ؟ ! فقال : سألوني أن يتجملوا بها ويحرموا فيها ثم يردونها عليَّ . فانتزعها أمير المؤمنين عليه السلام من القوم وشدها في الأعدال فاضطغنوا لذلك عليه ! فلما دخلوا مكة كثرت شكايتهم من أمير المؤمنين عليه السلام فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله مناديه فنادى في الناس : ( إرفعوا ألسنتكم عن علي بن أبي طالب فإنه خشن في ذات الله عز وجل ، غير مداهن في دينه ) ، فكف الناس عن ذكره ، وعلموا مكانه من النبي صلى الله عليه وآله ، وسخطه على من رام الغميزة فيه ! ) . انتهى .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 101 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لكن هل يسكت الذين أكل الحسد قلوبهم ؟ ! لقد أشاعوا عن علي أنه تفاجأ عندما دخل بيته فوجد فاطمة قد أحلت من إحرامها ، فأخبرته أن النبي أمر بفصل العمرة عن الحج ، إلا من ساق معه الهدي ، فلم يثق بها وذهب محرشاً عليها أباها ! ! ففي سنن أبي داود : 5 / 144 عن لسان علي ! ( فانطلقت محرشاً أستفتي رسول الله ، فقلت يا رسول الله إن فاطمة لبست ثياباً صبيغاً واكتحلت ، وقالت أمرني به أبي ! قال صدقت صدقت صدقت أنا أمرتها ) . لكن النسائي رواه في : 1 / 428 ، عن جابر بن عبد الله . . وقال : ( لم يذكر جابر فذهبت محرشاً ، وذكر قصة فاطمة رضي الله عنها ) . انتهى .
غير أن ابن كثير على عادته في التحامل على علي ، روى أن علياً ذهب للتحريش ، وحذف الاستفتاء ! قال في النهاية : 5 / 185 : ( فذهب محرشاً عليها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخبره أنها حلت ولبست ثياباً صبيغاً واكتحلت ، وزعمت أنك أمرتها بذلك يا رسول الله ؟ ! فقال : صدقت ، صدقت ، صدقت ! ! ) . انتهى .
ومعنى التحريش الشكاية للتحريك ، وقد استعمل في قصة بريدة ، وأن خالداً أرسله إلى النبي محرشاً على علي . . وقد يقال إن التحريش يستعمل بمعنى أخف لأنه ورد في رواياتنا ، لكن ذلك بعيد ، والأقرب أن بعض رواتنا متأثر بنص رواياتهم ، فروى عنه الباقون .
وينبغي الالتفات هنا إلى أن الحزب القرشي المخالف لعلي كان مولعاً بالتحريش ، والاهتمام بأن يظهر علياً صهراً غير مناسب للنبي ، وأن علاقته مع فاطمة الزهراء لم تكن كما ينبغي ، وأنه لم يكن يصدق كلامها كما في قصة الإحرام ! وأنه خطب عليها ابنة أبي لهب أو ابنة أبي جهل ، فغضب
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 102 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عليه النبي وقال لا والله لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله عندك أبداً ! ! وقد تبنت الخلافة القرشية هذه المكذوبات ودونتها في صحاحها ! ورتب عليها فقهاؤهم أحكاماً بتحريم الزواج على بنت النبي ، استثناءً لها من نساء الأمة ، لأن ذلك يؤذي النبي صلى الله عليه وآله !
هذا مع أنهم رووا قصة بريدة ، وفيها أن علياً تسرى جاريةً من اليمن فشكاه خالد إلى النبي فقال : إن حق علي من الخمس أكثر من جارية ! ولم ينتقد النبي صلى الله عليه وآله عمل علي ، ولا الزهراء عليها السلام !

4 - أضحية النبي مئة من الإبل . . وعلي شريكه فيها ؟

ينبغي التعرض هنا إلى أضحية النبي صلى الله عليه وآله بمئة ناقة ، مع أن الواجب واحدة ، وأشرك فيها علياً عليه السلام مع أن يجب أن تكون الأضحية معينة ، ولا يصح الاشتراك المشاع فيها !
قد يقال إن النبي جعلها مئة ناقة بسبب كثرة الناس وحاجتهم إلى اللحم ، لكن ذلك بعيد ، فإن أضاحي منى كانت تكفيهم قبل الاسلام ، ويعملون ما بقي منها قديداً مجففاً ، والأضاحي في الاسلام أكثر منها في الجاهلية ، فلا بد أن يكون السبب تكريم الحج والكعبة الشريفة على سنة إبراهيم عليه السلام ، وسنة عبد المطلب رضي الله عنه ، كما سيأتي .
مهما يكن ، فماذا يعني إشراكه علياً في أضحيته ؟ ولماذا علياً دون غيره من الصحابة وبعضهم عنده أضحية واحدة ، وبعضهم ليس عنده أضحية ؟ ! ولماذا علياً دون فاطمة سلام الله عليهما ؟ ! فالروايات تشير إلى أن أضحيتها كانت واحدة كما سيأتي .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 103 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أما الحسن والحسين صلى الله عليه وآله ، فقد يكون النبي ضحى عنهما في حجة الوداع بكبشين أقرنين ، لأنه كان يضحي عنهما كل عام في المدينة يوم الأضحى بكبشين أقرنين منذ نزل قوله تعالى : ( إنا أعطيناك الكوثر ، فصل لربك وانحر ، إن شانئك هو الأبتر ) ، فقد رد الله قول الذين قالوا إن محمداً أبتر لا ذرية له . . وأعطاه خير الذرية من ابنته فاطمة ، فقد روى البيهقي في سننه : 5 / 238 ( عن أنس بن مالك أن النبي كان يضحي يوم النحر بكبشين أملحين أقرنين ) ورواه البخاري ومسلم ، ولكن رواة الخلافة قالوا إنه كان ينوي كبشاً عن آل محمد ، وآخر عن أمته .
أما نساء النبي فقد ضحى النبي عنهن جميعاً ببقرة واحدة ! قال في فتح الباري : 3 / 440 : ( عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحر عن أزواجه بقرة واحدة ) وقال الشوكاني في نيل الأوطار : 5 / 191 : ( عن عائشة رضي الله عنها قالت خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لخمس بقين من ذي القعدة ولا نرى إلا الحج . . . قالت : فدخل علينا يوم النحر بلحم بقر فقلت ما هذا ؟ فقيل : نحر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أزواجه . متفق عليه ) . ونحوه في سير أعلام النبلاء للذهبي : 9 / 219 .
وقد تحير الفقهاء والباحثون في معنى إشراك النبي علياً في أضحيته ؟ ! فقال النووي في شرح مسلم : 8 / 192 : ( وأما قوله وأشركه في هديه ، فظاهره أنه شاركه في نفس الهدي ، قال القاضي عياض : وعندي أنه لم يكن تشريكاً حقيقة ، بل أعطاه قدراً يذبحه ، والظاهر أن النبي ( ص ) نحر البدن التي جاءت معه من المدينة وكانت ثلاثاً وستين ، كما جاء في رواية الترمذي وأعطى علياً البدن التي جاءت معه من اليمن ، وهي تمام المائة والله أعلم ) . ونحوه في شرح السيوطي على مسلم : 3 / 324 .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 104 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال الشوكاني في نيل الأوطار : 5 / 192 : ( قوله : وأشركه . ظاهره أنه أشركه في نفس الهدي . . ) . انتهى .
وكلام النووي والشوكاني قويٌّ ، لأن الظاهر من الإشراك الحقيقي لا الشكلي ، وهو المفهوم من رواية جابر المطولة التي روتها مصادر السنة في وصف حج النبي صلى الله عليه وآله ، ونقل الزيلعي في نصب الراية : 3 / 131 منها فقرات واضحات ، قال : ( أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها سبع حصيات ، يكبر مع كل حصاة منها مثل حصى الخذف ، رمى من بطن الوادي ، ثم انصرف إلى المنحر فنحر ثلاثاً وستين بدنة بيده ، ثم أعطى علياً فنحر ما غبر وأشركه في هديه ، ثم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر فطبخت ، فأكلا من لحمها ، وشربا من مرقها ، ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر ، فأتى بني عبد المطلب يسقون على زمزم فقال : انزعوا بني عبد المطلب ، فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم ، فناولوه دلواً فشرب منها . ورواه بن حبان في صحيحه ) . انتهى .
بل روت مصادرهم أن نحر الأضحيات كان مشتركاً أيضاً ، فقد روى البيهقي في سننه : 5 / 238 : عن ( غرفة بن الحارث الكندي قال شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وأتي بالبدن فقال : ادعوا لي أبا حسن ، فدعي له علي فقال له : خذ بأسفل الحربة ، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بأعلاها ، ثم طعنا بها البدن ، فلما فرغ ركب بغلته وأردف علياً ) . انتهى . ورواه الطبراني في الأوسط : 3 / 173 ، والكبير : 18 / 262
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 105 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد يفهم من بعض روايات مصادرنا ما يؤيد رأي عياض في أنه اشتراك علي ليس في المئة ناقة كالذي رواه الصدوق في علل الشرائع : 2 / 413 ، قال : ( وأشركه في هديه وجعل له من الهدي سبعاً وثلاثين ، ونحر رسول الله صلى الله عليه وآله ثلاثاً وستين نحرها بيده ، ثم أخذ من كل بدنة بضعة فجعلها في قدر واحد ، ثم أمر به فطبخ فأكلا منها وحسوا من المرق فقال : قد أكلنا الآن منها جميعاً ) . انتهى .
لكن ما تقدم من اشتراكهما في النحر ، والأكل من المرق وقوله صلى الله عليه وآله ( قد أكلنا الآن منها جميعاً ) يؤيد اشتراكهما الحقيقي في تمام المئة !
وحيث ثبت أنه اشتراك حقيقي فالمشكلة تزداد ! إذ كيف يصح أن يشترك اثنان في عدد من الأضحيات على نحو المشاع ، وذلك يوجب الجهالة في عين الأضحية ، التي يجب أن تكون معينة مشخصة وصاحبها معيناً ؟ ! ولهذا أجاب بعض فقهائنا بأن هذا الحكم خاص بالنبي صلى الله عليه وآله لأنه لا يتفق مع القاعدة . .
لكن يبقى السؤال : هل خرق النبي القاعدة الفقهية . . أم أن أذهاننا لم تصل إلى محتواها . . ؟ وأن الإثنينية بين النبي وعلي هنا ملغاة ، فهما من نور واحد ، وعلي نفسه بقوله تعالى ( وأنفسنا وأنفسكم ) ! !
مهما يكن . . فإن هذا العمل من النبي صلى الله عليه وآله كان في نظر قريش . . إمعاناً منه في ترتيب الأمر بعده لعلي وذرية النبي من فاطمة صلوات الله عليه وعليهم ! فأصحاب الأذهان المادية المسطحة يفهمون تصرفات النبي على أنها عمل شخصي ، ولا يريدون أن يفهموا أنه لا ينطق عن الهوى ، ولا يفعل عن الهوى . . صلوات الله عليه وآله .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 106 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولا بد أن هذا التمييز النبوي لعلي ، كغيره من تمييزاته له ، كان مؤججاً لحسد قريش لعلي . . ولكن ماذا يصنع النبي لقريش ، فإنما عليه أن يبلغ ، وليس مسؤولاً عن غضب من يغضب ، ولا حسد من يحسد !
قال القاضي النعماني المغربي في شرح الأخبار : 1 / 253 : ( وكان علي عليه السلام أول من آمن بالله عز وجل وتولى رسوله صلى الله عليه وآله ، وأول من صلى معه وتزكى وصام ، وأول من جاهد في سبيل الله ، وبذل مهجته دون رسول الله صلى الله عليه وآله ، ولما حج رسول الله أشركه في هديه ، فكان بذلك أفضل من حج معه . . فجمع الله عز وجل له السبق إلى كل فضيلة ، إبانةً له بالفضل عمن سواه ، وأنه أقرب الخلق بعد رسول الله صلى الله عليه وآله بقوله تبارك اسمه في كتابه ( والسابقون السابقون أولئك المقربون ) فكان علي عليه السلام أسبق الخلق إلى كل فضيلة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله ، لما يؤثر من سبقه إلى الجهاد وعنائه فيه ، وإنه أوفر الأمة حظاً منه ، بما أبان الله عز وجل به فضله على سائر الأمة لقوله عز وجل : ( لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ، فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلاً وعد الله الحسنى ، وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيما ) . انتهى .

5 - عدد المئة من الإبل . . أيضاً يغيض قريشاً !

تضمن هدف النبي في أضحياته غيضاً أكبر لقريش ، فقد أراد أن تبلغ أضحيته مع أضحية علي مئة ناقة ، بقدر أضحية جدهما عبد المطلب رضوان
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 107 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الله عليه ، الذي كان نذر أن يذبح ولده عبد الله قرباناً لله تعالى ، وتكريماً لبيته ، فأمره الله تعالى أن يفديه بمئة ناقة !
فإن قريشاً بعد اضطرارها للدخول في الاسلام ، كانت تعمل على اعتبار عبد المطلب وكل آباء النبي مشركين !
ثم أضاف الأمويون بعد ذلك اليه عم النبي أبا طالب ، فقالوا إنه مات مشركاً وإنه نصر النبي حمية لابن أخيه ولم يسلم ! وغرضهم من ذلك أن ينفوا وراثة عبد المطلب لدين جده إسماعيل وإبراهيم ، وينفوا وراثة أبي طالب والنبي لعبد المطلب ، وينفوا وراثة بني هاشم للنبي وعبد المطلب ! وبذلك تتخلص قبائل قريش من أي وراثة لبني هاشم للنبي صلى الله عليه وآله !
فأراد النبي بذلك أن تكون أضحية ابنيْ عبد المطلب أي هو وعلي ، مئة من الإبل ، بقدر أضحية جدهم عبد المطلب رضوان الله عليه !
وقد رأيت في أحاديث أضحية النبي في مصادر الطرفين أنه صلى الله عليه وآله عندما وافاه علي عليه السلام قادماً من اليمن سأله كم ساق معه من الهدي ، فأجابه أربعاً وثلاثين ناقة ، وكان النبي ساق معه ستاً وستين . . فكبَّرَ النبي لذلك ، وليس معنى تكبيره إلا أنه اعتقد أن ذلك إرادة إلهية لأن تكون أضحيتهما معاً مئة كاملة ، مشتركة بينهما !
ويؤيد ذلك ما صح عندنا عن الأئمة عليهم السلام في مدح عبد المطلب ففي الكافي : 1 / 446 : في صحيح زرارة عن الصادق عليه السلام قال : ( يحشر عبد المطلب يوم القيامة أمة وحده ، عليه سيماء الأنبياء ، وهيبة الملوك ! ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 108 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي من لا يحضره الفقيه : 3 / 89 : عن الباقر عليه السلام قال : ( أول من سوهم عليه مريم بنت عمران وهو قول الله عز وجل : وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم ، والسهام ستة .
ثم استهموا في يونس لمار كب مع القوم فوقعت السفينة في اللجة فاستهموا فوقع السهم على يونس ثلاث مرات ، قال : فمضى يونس إلى صدر السفينة فإذا الحوت فاتح فاه فرمى نفسه .
ثم كان عند عبد المطلب تسعة بنين فنذر في العاشر إن رزقه الله غلاماً أن يذبحه ، فلما ولد عبد الله لم يكن يقدر أن يذبحه ورسول الله صلى الله عليه وآله في صلبه ، فجاء بعشر من الإبل فساهم عليها وعلى عبد الله فخرجت السهام على عبد الله ، فزاد عشراً فلم تزل السهام تخرج على عبد الله ، ويزيد عشراً ، فلما أن خرجت مائة خرجت السهام على الإبل ، فقال عبد المطلب : ما أنصفت ربي ، فأعاد السهام ثلاثاً فخرجت على الإبل ، فقال : الآن علمت أن ربي قد رضي فنحرها ! ) . انتهى .
فهاتان الروايتان تدلان على أن نذر عبد المطلب صحيح ، وإسهامه وفداؤه بالإبل صحيح . . وأنه كان ملهماً من الله تعالى يعلم بأن ولده عبد الله سيلد رسول الله صلى الله عليه وآله !
ويؤيد ذلك ما ثبت له من كرامات ، في إرشاد الله إياه في المنام إلى حفر زمزم ، وإخباره بحفظ البيت من غزو أبرهة ، وأنه كان يعلن دائماً أنه على ملة أبيه إبراهيم صلى الله عليه وآله - كما كان أبو طالب يعلن دائماً أنه على ملة عبد المطلب - وأنه أحيا عدداً من سنن شريعة إبراهيم ، وشرع تشريعات لقريش والعرب . . أمضاها الاسلام كلها !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 109 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولابد من الالتفات إلى أن عبد المطلب رضي الله عنه كان يعيش في مجتمع وثني يتقرب إلى الأصنام بالقرابين ، وقد يذبح أحدهم ولده قرباناً لصنمه ! ! فمن المعقول أنه قابل ذلك بنذر أحد أولاده قرباناً لله تعالى وتعظيماً لبيته الحرام ، كما نذر إبراهيم ذبح ولده إسماعيل ، ليكون ذلك دعوةً عملية لعبدة الأصنام أن يعبدوا رب هذا البيت رب إبراهيم وإسماعيل ، ويقدموا لله قرابينهم عنده ، لا لأصنامهم .
أما الاشكالات التي نراها في عمله ، فهي واردة على شريعتنا لا على شريعة إبراهيم ، ثم هي واردة عندنا لعدم معرفتنا بتفاصيل الحادث والمستند الشرعي الذي استند عليه عبد المطلب في نذره وطريقة وفائه به . غير أن ما ثبت لنا عن شخصية عبد المطلب وإيمانه العميق ، يكفي للقول بأنه لم يكن يقدم على نذره ثم على التحلل منه بالقرعة ، إلا بحجة بينة من ربه تعالى .
وقد روى الدكتور شوقي ضيف في تاريخ الأدب العربي ص 41 ، طبعة دار المعارف المصرية ، أن المنذر بن ماء السماء ملك المناذرة المعاصر لعبد المطلب والذي كان أعظم ملك وثني في العرب ، قد أسر ابن الحارث بن شمر ملك الغساسنة النصراني في حربه معه ، فذبحه قرباناً للعزى ! ! فلا يبعد أن يكون نذر عبد المطلب أن يذبح واحداً من أولاده لرب البيت سبحانه ، تعزيزاً لدين إبراهيم ورداً على عمل المنذر في عبادة صنم العزى !
وعلى هذا يكون غيض قريش أكثر من تأكيد النبي صلى الله عليه وآله لعمل جده عبد المطلب ، خاصةً وأن فيه إثباتاً لشراكة علي معه في وراثة عبد المطلب ، صلوات الله على رسوله وآله ، وعلى جده عبد المطلب .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 110 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

6 - يا فاطمة . . قومي إلى أضحيتك فاشهديها

قال الحاكم في المستدرك : 4 / 222 : ( عن عمران بن حصين رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال : يا فاطمة قومي إلى أضحيتك فاشهديها ، فإنه يغفر لك عند أول قطرة تقطر من دمها كل ذنب عملتيه ، وقولي : إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين ، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين .
قال عمران : قلت يا رسول الله هذا لك ولأهل بيتك خاصة ، فأهل ذاك أنتم ( وفي رواية البيهقي وابن حميد والشعراني وغيرهم : وهم أهل لما خصوا به ) أم للمسلمين عامة ؟ قال : لابل للمسلمين عامة . هذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه . وشاهده حديث عطية عن أبي سعيد . . . وفيه : ( قالت يا رسول الله هذا لنا أهل البيت خاصة ، أو لنا وللمسلمين عامة ؟ قال : بل لنا وللمسلمين عامة ) . انتهى .
وهنا عدة أسئلة : لماذا قال لفاطمة خاصة ، ولم يقل لغيرها من النساء ؟ وهل يستحب للمرأة أن تشهد أضحيتها في منى ؟
وما معنى أن مصادرنا الأساسية لم ترو هذه الرواية ، وروت بدلها أن لصاحب الأضحية بكل قطرة من دمها حسنة ؟
لكن الذي يدخل في غرضنا هو خصوصية فاطمة سلام الله عليها واهتمام النبي صلى الله عليه وآله الخاص بتوجيهها ، لكي تتقن نسكها وعبادتها .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 111 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

7 - خواطر الصديقة الطاهرة بعد حجة الوداع . .

( 1 )
بعد العودة من حجة الوداع . . كانت أكبر مسألة تشغل ذهن الصديقة الطاهرة سلام الله عليها ، شعورها أن الأيام تقترب من فقدها لأبيها . .
هذا الأب الذي يعني لها كل شئ بعد الله تعالى . . الأب الذي يهبط عليه جبرئيل بين يوم ويوم ، وربما مرات في اليوم ، يبلغه عن الله العظيم ، ويخبره بأخبار أوليائه ، وخطط أعدائه ، ويوجهه بما يجب فعله . . وفاطمة تنعم بكل نعم الله التي تتنزل على أبيها .
وجود النبي يعني لها . . الأب العطوف عطفاً غامراً ، تمتزج فيه الأبوة الحانية بالنبوة الهادية ، والقدوة العليا بالأخوة والألفة . .
ويعني لها . . العماد الذي تقوم به حياتها وحياة زوجها وأولادها ، خاصة بعد فقدها لأمها وأخوالها ، ورجال بني هاشم أهل العاطفة والمعرفة والشهامة كعمها أبي طالب وحمزة وجعفر . . في مجتمع لا تقوم فيه الحياة إلا بعشيرة .
ويعني لها قبل ذلك وبعده . . علاقة جزء الجوهر بكله وحنينه اليه . . ففاطمة منذ الأزل جزءٌ لا يتجزأ من النور المحمدي ، خلقهم الله قبل هذا العالم ، أجساماً نورانية خاصة ، فعبدوه عند عرشه ، وأحبوا بعضهم بحبه . . ولذا لا ترى لها في هذه النشأة مناغماً في فكرها ومشاعرها وعالمها مع ربها ، مثل أبيها وبعلها وبنيها ، صلوات الله عليهم .
كان من الصعب على فاطمة أن تتصور ، حتى مجرد تصور ، أنها ستفقد أباها عن قريب ، وتعيش بعده بدونه ! لذا كان الشئ الوحيد الذي يسليها
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 112 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عن فراقه ، ويخرجها من بكائها وحزنها العميق . . أن النبي قال لها لا تخافي يا فاطمة ، إن مدة بقائك بعدي قليلة ( أنت أول أهل بيتي لحوقاً بي ) ! فتنفست فاطمة الصعداء ، وتوقفت دموعها الغزار وتبسمت تبسم الرضا . . قالت عائشة : ( فأقبلت فاطمة تمشي ما تخطئ مشيتها من مشية رسول الله شيئاً ، فلما رآها رحب بها فقال مرحباً بابنتي ، ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله ، ثم سارَّها فبكت بكاء شديداً ، فلما رأى جزعها سارَّها الثانية ، فضحكت ! قالت عائشة : ما رأيت كاليوم فرحاً أقرب من حزن ! وسألتها عما قال لها النبي فقالت إنه بشرها بأنها ستلحق به عما قريب !
( 2 )
والأمر الآخر الذي كان يشغل ذهن الصديقة الزهراء عليها السلام . . هو فتنة الأمة الحتمية بعد أبيها ، والعاصفة التي يعد لها زعماء قريش ليل نهار ، ليحرفوا سفينة الاسلام عن مجراها الرباني الهادي . . إلى مجرى قبلي خشن ! لقد أخبرها النبي صلى الله عليه وآله بأن ذلك قضاء الله تعالى على هذه الأمة كما كان قضاؤه على الأمم السابقة بعد أنبيائها . . أن يعطيها الحرية والقدرة على اختيار الضلال ، ما دامت لم ترتفع إلى مستوى عقلاني تفهم فيه الفرق بين القيادة المعينة من الله تعالى ، والمعينة من القبيلة الغالبة . . ! كلا بل إن زعماءها فهموا ذلك ووعوه ، لكن حليت الدنيا في أعينهم ، وراقهم زبرجها ، فاختاروا منطق القبائل والأطماع ، على منطق النص النبوي !
لقد أعد النبي فاطمة وعلياً والحسنين لمرحلة ما بعده . . فلا تنقصهم المعلومات ، ولا التوجيهات ، ولا اليقين بما سيكون . . فقد حكاه الله لنبيه فحكاه لهم ، فآمنوا به على مستوى الحس لا الحدس . . وأخذ عليهم النبي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 113 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
العهد والميثاق أن يصبروا ويعملوا لإنقاذ ما يمكن . . وأعطوه العهد على ذلك عن إيمان ورضا ، ووطنوا أنفسهم على العطاء لله من كرامتهم حتى يرضى !
لكن هذا اليقين لا يمنع فاطمة أن تستشرف صور الفتنة وعواصفها المنزجرة كلما اقتربت أيام وصولها . . فقد دخلت على أبيها في مرضه وقد ( جرت دموعها على خديها ، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله : ما يبكيك يا فاطمة ؟ قالت : يا رسول الله أخشى على نفسي وولدي الضيعة بعدك ، فاغرورقت عينا رسول الله بالبكاء ، ثم قال : يا فاطمة أما علمت أنا أهل بيت اختار الله عز وجل لنا الآخرة على الدنيا ، وأنه حتم الفناء على جميع خلقه . . . ) ! !
فاغرورقت عينا رسول الله بالبكاء . . فهو على يقين مثلها أن عاصفة بطون قريش بالباب ، تنتظر أن يغمض عينيه لتعصف بالاسلام وبالترتيبات الربانية النبوية له ! ويعرف أنها أول هدف للعاصفة بيت علي وفاطمة والحسن والحسين ، وأنها ستهدد هم بإحراق البيت بمن فيه ، أو يعترفوا بشرعية إمام القبائل القرشية ! !
يعرف مثلها أن عاصفة أبي بكر وعمر ستفتح باب العواصف على آل محمد حتى يضج منها التاريخ . . فيعيشون وشيعتهم مظلومين مضطهدين مقهورين ، ما بين مسموم ومقتول ومسجون ومشرد . . حتى يظهر مهديهم الموعود من رب العالمين .
يبكي النبي لبكاء فاطمة . . ويقول بذلك لها . . نعم سيكون ما تخشين يا فاطمة ، لكن علينا أن ندفع ضريبة العبودية الكاملة لربنا . . فقد آمنا بها
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 114 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
واخترنا ها ورضينا ها . . وهي ضريبة أيام قليلة ، تعقبها راحة طويلة . . فعمر الدنيا القصير يسهل الأمر يا بنية !
( 3 )
بعد حجة الوداع ، لم يكن أحدٌ يعاني كما عانت فاطمة وعلي والحسنان . كان وداع النبي بالنسبة إليهم وداعاً لعالم أعلى فيه كل شئ . . واستعداداً للدخول في عالم الأحزان والآلام ، ومقارعة العواصف والأفاعي ! !
كانوا يدركون أن كل تأكيدات النبي واحتياطاته سوف لا تؤثر في قريش التي ركبت رأسها وأصرت على مؤامرتها ، وهيأت الأجواء في قبائلها وقبائل العرب وحتى في أوساط من الأنصار ، بأن بني هاشم تكفيهم النبوة ، وليس من العدل أن يجمعوا بين النبوة والخلافة ، ويحرموا قبائل قريش ! !
لقد شاهدت فاطمة في حجة الوداع أنواعاً من الصراع بين الهدى النبوي والضلال القرشي . . ورأت أن النبي خطب خمس خطب ، وأوضح للأمة مراراً موقع عترته وأهل بيته من بعده ، بأساليبه المبتكرة ، وبلاغته النبوية . . وأنه كلما وصل إلى تعيين الولاة بعده وأن الله غرسهم في هذا البيت من بني هاشم . . لغطت قريش وشوش أتباعها المبثوثون في مجلسه ، وصاحوا وقاموا وقعدوا وكبروا . . ثم قالوا : قال النبي : قريش ، قريش . . والأئمة من قريش من كل قريش . . ولم يحصرهم في بني هاشم ! !
لقد أقام النبي الحجة لربه بينةً صريحةً . . ويوم الغدير لم يبق لأحد عذراً . . لكن الحجة لله ولرسوله كأنها لا تعني قريشاً بشئ . . فهذا سهيل بن عمر يمسك بزعامتها في مكة ويقول نحن ومحمد ! ويرسل جابر بن النضر العبدري
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 115 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ليعترض على النبي ، لأنه بزعمه لم يكتف بما فرضه على الناس من صلاة وصوم وزكاة وحج . . حتى أخذ بضبع ابن عمه قائلاً : من كنت مولاه فعلي مولاه !
وهؤلاء الطلقاء من قريش صاروا ألوفاً في المدينة ، وهم ملتفون حول أبي بكر وعمر ، وعائشة وحفصة تواصلان تظاهرهما على رسول الله وتفشيان سره لهم ! وكلما علَّمَ جبرئيل النبي خطةً لترتيب الوضع لوصيه وعترته من بعده . . عملوا في إبطالها وتخريببها ! !
حتى أن النبي عرض عليهم ما لم يعرضه نبي على أمته قط ! وطلب منهم أن يقبلوا بكتاب يكتبه لأمته يؤمنها من الضلال إلى يوم القيامة ، ويجعلها سيدة العالم إلى يوم القيامة ! فبادروا إلى رفضه ، ودفعوا عمر لمواجهة النبي بكل صلافة : لا حاجة لنا بكتابك ، ومنعوه من كتابه ! !
ثم أراد النبي أن تفرغ المدينة من دعاة الفتنة وأرسلهم في جيش أسامة . . وفيهم سبع مئة رجل من قريش . . فاصطنعوا المشاكل والأعذار لتسويف الوقت وإفشال غزوة أسامة ! !
كانت فاطمة ترى كل المقادير تسير إلى وقوع الكارثة على الاسلام وعترة نبيه ، بمجرد أن يغمض النبي عينيه ويلاقي ربه ! !
صدق الله ورسوله . . سمعاً وطاعة يا أبتاه . . تدمع العين ويحزن القلب ، ولا نقول إلا ما يرضي الرب ، فرضا الله رضانا أهل البيت . .
في أمالي الشيخ الطوسي ص 188 : ( عن عبد الله بن العباس ، قال : لما حضرت رسول الله الوفاة بكى حتى بلت دموعه لحيته ، فقيل له : يا رسول الله ما
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 116 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يبكيك ؟ فقال : أبكي لذريتي ، وما تصنع بهم شرار أمتي من بعدي ، كأني بفاطمة ابنتي وقد ظلمت بعدي وهي تنادي يا أبتاه يا أبتاه ، فلا يعينها أحد من أمتي . فسمعت ذلك فاطمة فبكت ، فقال لها رسول الله لم تبكين يا بنية ؟ فقالت : لست أبكي لما يصنع بي من بعدك ، ولكن أبكي لفراقك يا رسول الله . فقال لها : أبشري يا بنت محمد بسرعة اللحاق بي ، فإنك أول من يلحق بي من أهل بيتي ) .
وبعين الله ما سألقاه بعدك يا أبتي . . يغصب حق زوجي ، ويهجمون علينا ويضرمون النار في دارنا ، ويهتكون حرمتنا ، وأهان أنا وأضرب ويسقط جنيني ، ويقاد زوجي بحمائل سيفه . . رضاً برضا الله يا أبت . . ورضاك .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 117 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الخامس : النبي يحاول إبعاد عاصفة الحزب القرشي عن الاسلام

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 118 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 119 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

1 - سعي النبي قبل وفاته لترتيب الحكم بعده

رجع النبي صلى الله عليه وآله من حجة الوداع إلى المدينة بعد العشرين من ذي الحجة . . وعاش فيها نحو ثمانين يوماً ، هي بقية ذي الحجة وشهر محرم وصفر إلى الثامن والعشرين منه ، حيث توفي صلوات الله عليه . .
وفي هذه المدة نزلت بقية آيات القرآن ، وجرت أحداث أكثرها يتعلق بخلافته صلى الله عليه وآله ، فقد كان الجو الحاكم جو الترقب لوفاته ، فهو الصادق الأمين ، وقد أخبر عن قرب رحيله إلى ربه . . وقد اتضح للجميع أن النبي قد استكمل في حجة الوداع وفي غدير خم ترتيب الأمر لعترته أهل بيته وكثر حديثه في التأكيد على متاب الله وعترته ، والتبشير بالأئمة الاثني عشر منهم كعدد نقباء بني إسرائيل . . وقد رأوه عين علياً عليه السلام أول إمام من العترة ، وأعلن أن سبطيه الحسن والحسين إمامان بعد أبيهما . .
ومعنى ذلك في ذهنية بطون قريش القبلية المادية ، أن النبي أسس لبني هاشم ملكاً يمتد مع الدهر ، وحرم قبائل قريش والعرب من خلافته ، وفرض عليهم طاعة الأئمة من بني هاشم !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 120 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كانت قريش متحيرة مع النبي صلى الله عليه وآله ، حيث لم ينفع معه نقاش ولا اعتراض ، فهو يقول إنه لم يفعل شيئاً لعترته من عند نفسه ، بل كان كل ما فعله بأمر ربه ! لكنها مسألة لا يمكن لقريش أن تؤمن بها ولا أن تسكت عنها . . فما العمل ؟ !
لقد قرر زعماء قريش أن ينشطوا ويعملوا المستحيل . . حتى لا يجمع بنو هاشم بين النبوة والخلافة ! ويحرموا قبائل قريش بزعمهم ! !
لقد تجسد في قريش حسد أبناء يعقوب . . واتضحت فيهم الانتقائية في الايمان بنبوة محمد بن عبد المطلب بن هاشم ! فقد غلبها محمد وأعلنت دخولها في الاسلام ، وقررت أن ترضى به نبياً ، لكن بدون عترته !
أما في عمل النبي مع الحزب القرشي . . فقد تجلى القانون الإلهي في التبليغ وإقامة الحجة ، وترك الحرية للناس . . أن يهتدوا . . أو يضلوا ! !

2 - حساسية قريش من البشارة النبوية بالأئمة الاثني عشر !

روى أحمد في مسنده : 5 / 92 : ( عن جابر بن سمرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يكون بعدي اثنا عشر خليفة كلهم من قريش . قال ثم رجع إلى منزله فأتته قريش فقالوا : ثم يكون ماذا ؟ قال : ثم يكون الهرج ) ! ومن المرجح أن يكون هذا الحديث في مسجده في المدينة ، في الشهرين الباقيين من عمره الشريف ، لأنه ثبت في صحاحهم أن النبي تحدث عن الأئمة الاثني عشر في حجة الوداع في خطبة عرفات ، وربما في غيرها .
وقد نص الطبراني في المعجم الكبير : 2 / 256 ح 2073 ، على أن هذا الحديث كان في المدينة ، فقال : ( عن جابر بن سمرة : قال سمعت رسول الله صلى الله
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 121 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عليه وآله وهو يخطب على المنبر ويقول : اثنا عشر قيماًَ من قريش ، لا يضرهم عداوة من عاداهم ! ! قال فالتفت خلفي ، فإذا أنا بعمر بن الخطاب رضي الله عنه وأبي في ناس ، فأثبتوا لي الحديث كما سمعت ) . انتهى . وقال عنه في مجمع الزوائد : 5 / 191 : ( رواه البزار عن جابر بن سمرة وحده وزاد فيه : ثم رجع ، يعني النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيته فأتيته فقلت ثم يكون ماذا ؟ قال ثم يكون الهرج . ورجاله ثقات ) . انتهى .
ويلاحظ أنه يوجد في الروايتين كلمة ( بعدي ) مما يدل على أن النبي أخبر أن هؤلاء الأئمة الاثني عشر يكونون بعده مباشرة . . وأن الذي ( صحح ) الحديث للغلام سمرة هو عمر فقال له نعم إن النبي قال إن هؤلاء القيمين الربانيين على الأمة من كل بطون قريش ، وليسوا من بني هاشم فقط !
كما يلاحظ حساسية قريش وشدة اهتمامهم بالموضوع ، وسؤالهم عن هؤلاء الأئمة الربانيين وما يكون بعدهم ! وقريش في المدينة تعني أول ما تعني أبا بكر وعمر ، والطلقاء الذين كثروا في المدينة بعد الفتح .
كما يلاحظ أن النبي أخبر عن عداوة أمته أو بعضها لهؤلاء الأئمة القيمين بأمر ربهم على الأمة ( لا يضرهم عداوة من عاداهم ) ! !
ومن عجائب قريش ورواتها أن جابر بن سمرة روى أحاديث الأئمة الاثني عشر في حجة الوداع ، وعندما وصل إلى هويتهم ضاع عليه كلام النبي فلم يسمعه ، بسبب لغط الناس في عرفات !
ثم رواه عن النبي في المدينة ، وزعم أن النبي قال إنهم من قريش ، أي من قبائلها الثلاث والعشرين ! وإن عمر وغيره أثبتوا له الحديث كما نقله !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 122 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أما ابن أبي جحيفة . . فعندما وصل إلى هويتهم ضاع عليه كلام النبي أيضاً فلم يسمعه ، لكن بسبب انخفاض صوت النبي صلى الله عليه وآله ! قال الحاكم في المستدرك : 3 / 618 : ( عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه قال : كنت مع عمي عند النبي صلى الله عليه وآله فقال : لا يزال أمر أمتي صالحاً حتى يمضي اثنا عشر خليفة ، ثم قال كلمة وخفض بها صوته ، فقلت لعمي وكان أمامي : ما قال يا عم ؟ قال : قال يا بني : كلهم من قريش ) . انتهى . وقال عنه في مجمع الزوائد : 5 / 190 : ( رواه الطبراني في الأوسط والكبير ، والبزار ، ورجال الطبراني رجال الصحيح ) . انتهى .
وهذا أمر لا مثيل له في كل أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله ! وهو يدل على أن هوية هؤلاء الأئمة الاثني عشر مهمة عند الحزب القرشي جداً ، وأنهم لا يرتاحون حتى يقولوا : كلهم من قريش وليسوا فقط من بني هاشم ! !

3 - مبعوث قريش الوقح من بني عبد الدار . . !

بنو عبد الدار وقد يقال لهم العبدريون ، من أشجع قبائل قريش ، وهم أصحاب لوائها ، أي لهم وزارة دفاعها ! وقد قادوا كل معاركها ضد النبي صلى الله عليه وآله . . وقتل علي عليه السلام يوم أحد فقط تسعةً من أبطالهم تناوبوا على حمل اللواء ! وبضعةً آخرين في معارك الاسلام الأخرى ، ومنهم أخ جابر هذا الذي روى أبو عبيد الهروي في كتابه : غريب القرآن ، أنه قصد النبي إلى المدينة محتجاً على استخلافه ابن عمه علي في غدير خم ! !
قال في مناقب آل أبي طالب 2 / 240 : ( أبو عبيد ، والثعلبي ، والنقاش ، وسفيان بن عينيه ، والرازي ، والقزويني ، والنيسابوري ، والطبرسي ، والطوسي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 123 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
في تفاسيرهم ، أنه لما بَلَّغَ رسول صلى الله عليه وآله بغدير خم ما بَلَّغ ، وشاع ذلك في البلاد ، أتى الحارث بن النعمان الفهري ، وفي رواية أبي عبيد : جابر بن النضر بن الحارث بن كلدة العبدري فقال : يا محمد ! أمرتنا عن الله بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، وبالصلاة ، والصوم ، والحج ، والزكاة ، فقبلنا منك . ثم لم ترض بذلك حتى رفعت بضبع ابن عمك ففضلته علينا وقلت : من كنت مولاه فعلي مولاه ! فهذا شئ منك أم من الله ؟ ! فقال رسول الله : والذي لا إله إلا هو إن هذا من الله .
فولى جابر يريد راحلته وهو يقول : اللهم إن كان ما يقول محمد حقاً فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ! ! فما وصل إليها حتى رماه الله بحجر ، فسقط على هامته وخرج من دبره وقتله ، وأنزل الله تعالى : سأل سائل بعذاب واقع . . الآية ) . انتهى .
والحديث بموازين الجرح والتعديل السنية صحيح ، ولابد أن يكون معنى قول الراوي ( وأنزل الله تعالى : سأل سائل بعذاب واقع . . الآية ) أنه نزل يومئذ تأويلها ، وفي بعض رواياتها أن جبرئيل قال للنبي : يا محمد إقرأ سأل سائل . . أي هذا تأويل قوله تعالى الذي نزل عليك في مكة .
وقد أحصى علماؤنا ، كصاحب العبقات ، وصاحب الغدير ، وصاحب إحقاق الحق ، وصاحب نفحات الأزهار ، وغيرهم . . عدداً من أئمة السنيين وعلمائهم الذين أوردوا هذا الحديث في مصنفاتهم فزادت على الثلاثين ، بعدة طرق وأسانيد .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 124 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

4 - زعماء الأنصار يعرضون خدماتهم على النبي . .

يظهر من الأحاديث الواردة في تفسير قوله تعالى ( قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى ) ، أن لهذه الآية أكثر من قصة مع النبي والمسلمين . . وأن أصل نزولها عندما عرض عليه الأنصار خدماتهم في أوائل قدومه إلى المدينة . . قال الواحدي في أسباب النزول ص 251 : ( قوله تعالى : قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى ، قال ابن عباس : لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، كانت تنوبه نوائب وحقوق وليس في يده لذلك سعة ، فقال الأنصار : إن هذا الرجل قد هداكم الله تعالى به ، وهو ابن أختكم وتنوبه نوائب وحقوق وليس في يده لذلك سعة ، فاجمعوا له من أموالكم مال ا يضركم فأتوه به ليعينه على ما ينوبه ، ففعلوا ثم أتوا به فقالوا يا رسول الله إنك ابن أختنا وقد هدانا الله تعالى على يديك ، وتنوبك نوائب وحقوق ، وليست لك عندنا سعة ، فرأينا أن نجمع لك من أموالنا فنأتيك به فتستعين على ما ينوبك وهو هذا ، فنزلت هذه الآية ) . انتهى .
فقوله ( لما قدم رسول الله المدينة ) يدل على أن هذه الحركة كانت مبادرة طيبة من الأنصار في أول هجرة النبي صلى الله عليه وآله . . فنزلت الآية ترفض عرضهم وتفرض عليهم بدله حفظ النبي في أهل بيته صلى الله عليه وعليهم ! ولا يخفى ما في ذلك من إعجاز إلهي وتكريم للنبي ، وإخبارٍ بالظلم الذي سيلاقيه أهل بيت النبي من بعده ، ومعالجةٍ لمشكلة سوف تحدث في الأمة ! !
أما الرواية التالية فهي تتحدث عن مرحلة تالية بعد ولادة الحسن والحسين صلى الله عليه وآله ، قال في مجمع الزوائد ج 7 ص 103 : ( وعن بن عباس قال لما
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 125 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
نزلت : ( قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى ) ، قالوا يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم ؟ قال : علي وفاطمة وابناهما . رواه الطبراني من رواية حرب بن الحسن الطحان ، عن حسين الأشقر ، عن قيس بن الربيع وقد وثقوا كلهم وضعفهم جماعة ، وبقية رجاله ثقات .
وفي مجمع الزوائد : 9 / 168 : ( وعن ابن عباس قال لما نزلت ( قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى ) قالوا : يا رسول الله ومن قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم ؟ قال : علي وفاطمة وابناهما ) . انتهى . وهذا الحديث في الطبراني الكبير : 3 / 47 ، وفي إرشاد الساري : 7 / 330 ، ونقله الرازي في تفسيره : 14 جزء 27 / 166 ، عن الكشاف للزمخشري . وذكره في هامش الترغيب للمنذري : 3 / 366 ، وقال : قال البيضاوي : اللهم إني أحب الحسن والحسين ، فأقبل حبي لهما ، وشرحي لحديث جدهما صلى الله عليه وسلم ) . انتهى .
وأما الروايات الثالثة ، فهي تتحدث عن مرحلة لاحقة قد تكون قريبة من حجة الوداع أو بعدها . . قال في مجمع الزوائد : 7 / 103 : ( وعن ابن عباس قال قالت الأنصار فيما بينهم : لو جمعنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم مالاً فبسط يده لا يحول بينه وبينه أحد فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول الله إنا أردنا أن نجمع من أموالنا فأنزل الله جل ذكره : ( قل لا أسألكم عليه أجراً الا المودة في القربى ) فخرجوا مختلفين فقال بعضهم : إنما قال هذا لنقاتل عن أهل بيته وننصرهم ، فأنزل الله جل ذكره : ( أم يقولون افترى على الله كذباً . . إلى قوله : وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ) فعرض لهم التوبة إلى قوله : ( ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله ) . رواه الطبراني في الكبير والأوسط ، وزاد بعد من فضله : هم الذين قالوا هذا . إن تتوبوا إلى الله وتستغفروه . والباقي بنحوه ، وفيه عثمان بن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 126 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عمير أبو اليقظان ، وهو ضعيف ) . انتهى . وتضعيف الهيثمي لا يضره لأن سببه تشيعه وقد قال عنه يحيى بن معين كما في تاريخه للدارمي ص 158 : ( وسألته عن عثمان أبي اليقظان فقال : ليس به بأس ) . والحديث في الطبراني الكبير : 3 / 39 و ج 11 / 444 و ج 12 / 26 ، ورواه أحمد في فضائل الصحابة : 2 / 669 . وحتى لو كان عثمان بن عمير عندهم ضعيفاً فله متابعات متعددة يصير بسببها على مقاييسهم من الصحيح لغيره .
أما الاشكال عليه بأن هذه الآية أو غيرها نزلت قبل ذلك ، فهو من عدم الالتفات إلى أن الآية قد تنزل مراراً ، ويكون نزولها التالي تأويلاً وتطبيقاً لها . . وقد ثبت عند المفسرين أن سورة الكوثر ، وقوله تعالى ( ولسوف يعطيك ربك فترضى ) نزلتا أكثر من مرة ، في مناسبات مختلفة كان جبريل يقرؤها أو يأمر النبي بقراءتها ، تسلية من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله .
وروى فرات بن إبراهيم الكوفي في تفسيره / 392 : قال : ( حدثنا عبد السلام بن مالك قال : حدثنا محمد بن موسى بن أحمد قال : حدثنا محمد بن الحارث الهاشمي قال : حدثنا الحكم بن سنان الباهلي ، عن ابن جريج ، عن عطاء بن أبي رباح قال : قلت لفاطمة بنت الحسين : أخبريني جعلت فداك بحديث أحدث ، واحتج به على الناس .
قالت : نعم ، أخبرني أبي أن النبي صلى الله عليه وآله كان نازلاً بالمدينة ، وأن من أتاه من المهاجرين عرضوا أن يفرضوا لرسول الله صلى الله عليه وآله فريضة يستعين بها على من أتاه ، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وآله وقالوا : قد رأينا ما ينوبك من النوائب ، وإنا أتيناك لتفرض فريضة تستعين بها على من أتاك . قال : فأطرق النبي صلى الله عليه وآله طويلاً ثم رفع رأسه فقال : إني لم أؤمر أن آخذ منكم على ما جئتم به شيئاً ، إنطلقوا فإني لم أؤمر بشئ ، وإن أمرت به أعلمتكم . قال : فنزل جبرئيل عليه السلام فقال : يا محمد إن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 127 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ربك قد سمع مقالة قومك وما عرضوا عليك ، وقد أنزل الله عليهم فريضة : قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى . قال فخرجوا وهم يقولون : ما أراد رسول الله إلا أن تذل الأشياء ، وتخضع الرقاب ما دامت السماوات والأرض لبني عبد المطلب ! قال : فبعث رسول الله صلى الله عليه وآله إلى علي بن أبي طالب أن اصعد المنبر وادع الناس إليك ثم قل : أيها الناس من انتقص أجيراً أجره فليتبوأ مقعده من النار ، ومن ادعى إلى غير مواليه فليتبوأ مقعده من النار ، ومن انتفى من والديه فليتبوأ مقعده من النار ! قال : فقام رجل وقال : يا أبا الحسن ما لهن من تأويل ؟ فقال : الله ورسوله أعلم . فأتى رسول الله صلى الله عليه وآله فأخبره ، فقال رسول الله : ويل لقريش من تأويلهن ، ثلاث مرات ! ثم قال : يا علي انطلق فأخبرهم أني أنا الأجير الذي أثبت الله مودته من السماء ، ثم أنا وأنت مولى المؤمنين ، وأنا وأنت أبوا المؤمنين ) . انتهى .
وفي الصراط المستقيم : 2 / 93 : ( وأسند نحو ذلك محمد بن جرير الطبري برجاله في كتاب المناقب وفيه : أخرج فناد : ألا من ظلم أجيراً أجرته فعليه لعنة الله ، ألا من تولى غير مواليه فعليه لعنة الله ، ألا من سب أبويه فعليه لعنة الله ، فنادى بذلك . فدخل عمر وجماعة إلى النبي وقالوا : هل من تفسير لما نادى به ؟ قال : نعم ، إن الله يقول : قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى ، فمن ظلمنا فعليه لعنة الله ، ويقول النبي : ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ من كنت مولاه فعلي مولاه ، فمن توالى غيره وغير ذريته فعليه لعنة الله وأشهدكم أني أنا وعلي أبوا المؤمنين ، فمن سب أحدنا فعليه لعنة الله . فلما خرجوا قال عمر : يا أصحاب محمد ما أكد النبي عليكم الولاية لعلي بغدير خم ولا غيره بأشد من تأكيده في يومنا هذا . قال خباب بن الأرت : كان ذلك قبل وفاة النبي صلى الله عليه وآله بسبعة عشر يوماً ) . انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 128 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

5 - أعظم عرض في تاريخ الأنبياء . . وأسوأ رد من صحابته !

المشكلة الكبرى المستعصية والمتكررة في تاريخ الأنبياء ، هي أن أممهم تختلف بعدهم وتنحرف ، فتجري عليها السنة الإلهية في الصراع الداخلي والضعف والتفكك ، حتى تتغلب عليها الأمم الأخرى فتنهار ! ويبدو أنها مشكلة لا حل لها ، وأنه لا بد أن تجري سنة الله وقوانينه في الأمم . . !
غير أن نبينا صلى الله عليه وآله قال لأمته إن الله تعالى أوحى اليه علاجاً لهذا المرض الخبيث في تاريخ الأمم ومستقبلها ، وأنه علاجٌ مضمون يضمن لأمته أن تكون إلى يوم القيامة سيدة العالم ورائدة الأمم ، وهادية البشرية إلى خير دنياها وآخرتها ! ! وأن شرطه الوحيد أن يدونه النبي في كتاب ، ويعلن صحابته قبولهم له والتزامهم بتنفيذه !
إنه أغرب عرض من نبي على أمته . . وهو ميزةٌ عجيبة ، وخصوصية فريدة لنبينا صلى الله عليه وآله ، فلا نعلم نبياً أنزل عليه هذا العرض وقدمه لأمته ، ولعل السبب أن محمداً خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله ، وأن أمته خاتمة الأمم الحاملة لرسالة ربها ! !
لقد جمعهم النبي في بيته في مرض وفاته ، وبلَّغهم ما نزل به جبرئيل من عند ربه ، وبشرهم بهذا الإكسير الذي يضمن لهم خلود العزة إلى يوم القيامة ، ويضمن لهم الثبات على خط الهدى الإلهي والتنعم ببركاته إلى يوم القيامة . . وقال لهم : إيتوني بدواة وقرطاس أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعدي أبداً ! !
فهل ترى - بالله عليك - أروع وأعظم من هذا العرض النبوي ؟
وهل ترى في كلام هذا النبي الصادق الأمين ذرة خطأ ، أو مساساً بأحد ؟
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 129 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وهل تجاوز النبي حقه بصفته نبياً يبلغ رسالة ربه ؟
أو حقه بصفته مؤسس أمة يريد حفظ مستقبلها ؟
أو حقه بصفته رئيس دولة يريد ضمان استقرارها ونموها ؟
أو حقه بصفته مريضاً يريد أن يوصي أمته وذويه ؟
أو حقه بصفته صاحب بيت يريد أن يكتب شيئاً ويشهد عليه الحاضرين ؟ !
كلا والله . . إذن ما قولك بصحابي لم يقبل كلام النبي وواجهه برفض طلبه ، مدعياً عدم الحاجة إلى كتابة كتاب يضمن عدم ضلال الأمة ! وبطَّن كلامه باتهام النبي بالهذيان ، وطلب أن يستفهموه ليثبت لهم أنه يهذو ! !
وما قولك بأكثرية الصحابة الذين صاحوا : القول ما قاله عمر ! حسبنا كتاب الله ! ! ثم لغطوا وتصايحوا مع من خالفهم من الصحابة ! حتى طردهم النبي وقال لهم : قوموا عني فلا ينبغي عند نبي نزاع ؟ ! !
إنها قضية كبيرة خطيرة . . غنية بالعناصر العقيدية ، والشرعية ، والحقوقية ، والسياسية ، والانسانية . . فالذي حدث فيها أنه ظهرت إلى العلن قيادة عمر بن الخطاب في مقابل قيادة النبي ! ووقع فيها انقسام الأمة إلى جبهتين جبهة مع عمر ، هي الأكثرية الغالبة ، وجبهة مع النبي هي الأقلية المغلوبة ! !
وبحساب سياسي . . فقد انتهى أمر الاسلام وأمته وتولى قيادتهما عمر ، وقامت أكثرية الصحابة بعزل النبي ، لكنها أعطته فرصة وهو على فراش المرض لكي يموت باحترام ، بدون أن تعلن عليه الردة رسمياً ! ! !
وهكذا استطاع الحزب القرشي أن يعزل النبي نفسه عن القيادة ! ! !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 130 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولِمَ لا يفعل . . فبعد فتح مكة أي قبل سنتين من هذه الجلسة الصاخبة ، عمل سهيل بن عمر زعيم القرشيين الجديد بدهاء ، ونجح في أن يحكم قبضته على مكة حتى جعل حاكمها من قبل النبي أسيد بن عتاب وجوداً شكلياً لا أكثر ، مع أنه مكي أموي ، حتى أن أسيداً توارى خوفاً من القتل عندما توفي النبي ! فأرسل اليه سهيل أن اخرج من مخبئك ، ولا نقتلك !
كما خطط أئمة الحزب القرشي لتكثير الطلقاء في المدينة فبلغ عددهم ألوفاً ! وزعَّموا عليهم عمر بن الخطاب ليجعل خلافة محمد لكل بطون قريش تتداولها فيما بينها ، ويقوم بعزل آل محمد بعد وفاته ، ويخلص قريشاً من الأئمة الربانيين من بني هاشم إلى الأبد !
وكان من جرأة عمر وحسن أدائه لدوره القيادي أنه عبأ القرشيين في المدينة وبعض الأنصار ، وهيأ الأجواء لعزل آل محمد تحت شعار : إن قريشاً لا ترضى أن يجمع بنو هاشم بين النبوة والخلافة ! بل زادت جرأته وثقته بتأييد كل قريش له ، فجعلته يواجه نبيه في حياته ، فأخر حركة جيش أسامة ! وواجه النبي نفسه برفض عرضه بأن يكتب لأمته كتاباً يضمن عدم ضلالهم إلى يوم القيامة وتكلم بكلام جارح للنبي ! فأيدت قريش عمر ، وصاحت في وجه النبي : القول ما قاله عمر . . القول ما قاله عمر ! !
هذه الحقائق التي ظهرت يوم الخميس ، كان معناها الوحيد عند أهل البيت عليهم السلام ، أن يستعدوا لما أخبرهم به النبي من الاضطهاد ، عندما نظر إليهم ودموعه تترقرق في عينيه وقال : أنتم المستضعفون بعدي ! !
ففي مجمع الزوائد : 8 / 34 : ( عن أم الفضل بنت الحارث وهى أم ولد العباس أخت ميمونة قالت أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه فجعلت
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 131 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أبكى فرفع رأسه فقال ما يبكيك ؟ قالت : خفنا عليك ولا ندري ما نلقى من الناس بعدك يا رسول الله ! قال : أنتم المستضعفون بعدي ) .

6 - جيش أسامة . . قرار نبوي بإبعاد المخالفين لعلي من المدينة !

مؤتة . . مدخل القدس ، على مرمى حجر منها ، و كيلو مترات قليلة . . !
وهي على بعد نحو 2000 كيلومتر من المدينة . . وفي السنة الثامنة للهجرة ، وصل إليها جيش النبي صلى الله عليه وآله . . يعني قبل فتحه لمكة ، وخلعه سلاح قريش وتحويله بالقوة باتجاه فتوحات الاسلام !
كانت معركة مؤتة أول معارك النبي مع الروم واليهود الذين هم تحت سيطرتهم ! وكان أمير الجيش فيها جعفر بن أبي طالب ابن عم النبي ، الذي قال فيه النبي عندما رأى شجاعة ابنته أم هاني ( لله در أبي طالب لو ولد الناس كلهم لكانوا شجعاناً ! ! ) . كشف الغمة : 2 / 235
أراد النبي صلى الله عليه وآله بإرسال جيش إلى مؤتة أن يرسم توجه المسلمين نحو القدس ونحو الروم . . فأرسلهم ثلاثة آلاف بقيادة جعفر وقال : فإن قتل جعفر فأميركم زيد بن حارثة ، فإن قتل زيد فأميركم عبد الله بن رواحة ! وهكذا كان . . فقد لقيهم الروم بأضعاف هم والتحموا معهم في معركة غير متكافئة ، صبر فيها المسلمون واستبسل أميرهم جعفر فعرقب فرسه علامة عدم فراره ، وقاتل راجلاً ، حاملاً راية النبي في يد ، والسيف الهاشمي في يد وقتل منهم كثيراً ، حتى تكاثروا عليه وقطعوا يده فقاتلهم بالأخرى حتى قطعوها ، فسقط شهيداً ، وعد بعضهم في بدنه خمسين طعنة رمح وضربة سيف . . رضوان الله عليه . . وأخذ الراية زيد بن حارثة الذي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 132 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
رباه النبي ، فقاتل بشجاعة حتى استشهد ، ثم أخذها عبد الله بن رواحة فقاتل بشجاعة حتى استشهد . . وظهر الضعف على المسلمين فانحاز بهم خالد بن الوليد ، وانسحبوا من المعركة عائدين .
وكظم النبي هزيمة جيشه وشهادة صحابته الأبرار بانتظار أن يؤمر بالكرة .
وبعد حجة الوداع . . وقد كان النبي يعيش هموم ترتيب خلافته لعترته الذين اختارهم الله وطهرهم ، ويعالج أدواء حسد قريش ومؤامراتها عليهم . . جاءه جبرئيل وأمره أن يخلي المدينة من زعماء قريش ومعهم زعماء الأنصار ويرسلهم كلهم تحت إمرة أسامة بن زيد إلى مؤتة ، ويستبقي علياً وأهل بيته عنده . . حتى إذا جاءته الوفاة ، انتظم الأمر لعلي قبل أن يعودوا فلا يكون لعلي معارض !
أمر النبي بإحضار أسامة بن زيد ، ابن الثمانية عشر عاماً ، وهو شاب أسود ، فأمه أم أيمن حبشية وهي أمة للنبي صلى الله عليه وآله زوجها لزيد الذي رباه . . لكنه شاب شجاع ، استفاد من تربية النبي له ومن تأميره في السنة الماضية على جيش صغير سماه البخاري ( باب بعث أسامة بن زيد إلى الحرقات - سبل الهدى والرشاد : 6 / 193 ) . .
أحضر النبي أسامة وقال له ، كما في عيون الأثر : 2 / 352 : ( سر إلى موضع مقتل أبيك فأوطئهم الخيل ، فقد وليتك هذا الجيش ، فأغر صباحاً على أهل أبنى وحرق عليهم ، وأسرع السير تسبق الأخبار ، فإن ظفرك الله فأقلل اللبث فيهم ، وخذ معك الأدلاء وقدم العيون والطلائع معك .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 133 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فلما كان يوم الأربعاء بدأ برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه ، فحم وصدع ، فلما أصبح يوم الخميس عقد لأسامة لواء بيده ، ثم قال : أغزُ بسم الله وفي سبيل الله ، فقاتل من كفر بالله . فخرج بلوائه معقوداً فدفعه إلى بريدة بن الحصيب الأسلمي ، وعسكر بالجُرف ، فلم يبق أحد من وجوه المهاجرين الأولين والأنصار إلا انتدب في تلك الغزوة منهم أبو بكر ، وعمر بن الخطاب ، وأبو عبيدة بن الجراح ، وسعد بن أبي وقاص ، وسعيد بن زيد وقتادة بن النعمان ، وسلمة بن أسلم بن حريص . . فتكلم قوم وقالوا يستعمل هذا الغلام على المهاجرين الأولين ، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم غضباً شديداً فخرج وقد عصب على رأسه عصابة وعليه قطيفة فصعد المنبر وحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أما بعد أيها الناس ، فما قالةٌ بلغتني عن بعضكم في تأميري أسامة ؟ ! ولئن طعنتم في إمارتي أسامة لقد طعنتم في إمارتي أباه من قبله ! وأيم الله إن كان لخليقاً للامارة وإن ابنه من بعده لخليق للامارة ، وإن كان لمن أحب الناس إلي ، وإنهما لمخيلان لكل خير - أي لمظنة لكل خير - فاستوصوا به خيراً فإنه من خياركم .
ثم نزل فدخل بيته ، وذلك في يوم السبت لعشر خلون من شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة ، وجاء المسلمون الذين يخرجون مع أسامة يودعون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويخرجون إلى المعسكر بالجُرف ، وثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يقول : أنفذوا بعث أسامة ) .
وفي عيون الأثر : 2 / 352 : ( فلما كان يوم الأحد اشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه ، فدخل أسامة من معسكره والنبي صلى الله عليه وسلم مغمور وهو اليوم الذي لدوه فيه ! فطأطأ أسامة فقبله والنبي صلى الله عليه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 134 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وسلم لا يتكلم فجعل يرفع يديه إلى السماء ثم يضعهما على أسامة ، قال أسامة : فعرفت أنه يدعو لي ، ورجع أسامة إلى معسكره .
ثم دخل يوم الاثنين وأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم مفيقاً فقال له : أغد على بركة الله ، فودعه أسامة وخرج إلى معسكره ، فأمر الناس بالرحيل ، فبينا هو يريد الركوب إذا رسول أمه أم أيمن قد جاءه يقول إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يموت ، فأقبل وأقبل معه عمر وأبو عبيدة فانتهوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يموت ، فتوفي حين زاغت الشمس يوم الاثنين . . . ) . انتهى .
هذه هي الرواية القرشية لجيش أسامة ، أو بعث أسامة . . ولا تحتاج معها إلى جهد كبير لتعرف أن جيش أسامة كان خطة ربانية أحبطتها قريش وحققت هدفها في الخلافة . . لكن الله تعالى أتم فيها حجته وحجة نبيه صلى الله عليه وآله . . ونكتفي لذلك بتسجيل الملاحظات التالية :

جيش أسامة أمر رباني نزل فيه الوحي !

أنهم كانوا يعرفون أن أمر النبي بإرسالهم في جيش أسامة ، والتشديد على سرعة حركته وحرمة تأخره ، إنما هو أمر رباني نزل به الوحي . .
ففي تاريخ ابن عساكر : 2 / 56 ، أنهم قالوا لأبي بكر : فلو استأنيت بغزو الروم حتى يضرب الاسلام بجرانه ويعود أهل الردة إلى ما خرجوا منه أو يفنيهم السيف ، ثم تبعث أسامة حينئذ . . . فقال : والذي نفسي بيده لو ظننت أن السباع تأكلني بالمدينة لأنفذت هذا البعث ولا بدأت بأول منه كيف ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينزل عليه الوحي من السماء يقول : أنفذوا جيش أسامة ؟ ! ! ! ) . انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 135 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

أول ما برز المنشقون على النبي في كتابة الكتاب وجيش أسامة !

من الواضح أن أصل اختلاف المسلمين هو ظهور المنشقين على النبي صلى الله عليه وآله في حياته ، العاصين له في كتابة الكتاب ، وفي جيش أسامة !
ففي شرح المواقف للجرجاني : 8 / 376 : ( قال الآمدي : كان المسلمون عند وفاة النبي عليه السلام على قيدة واحدة طريقة واحدة ، إلا من كان يبطن النفاق ويظهر الوفاق ، ثم نشأ الخلف فيما بينهم أولاً في أمور اجتهادية لا توجب إيماناً ولا كفراً ، وكان غرضهم منها إقامة مراسم الدين ، وإدامة مناهج الشرع القويم ! ! وذلك كاختلافهم عند قول النبي في مرض موته : ائتوني بقرطاس أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعدي ! حتى قال عمر : إن النبي قد غيبه الوجع حسبنا كتاب الله ! وكثر اللغط في ذلك حتى قال النبي : قوموا عني لا ينبغي عندي التنازع ! ! !
وكاختلافهم بعد ذلك في التخلف عن جيش أسامة فقال قوم بوجوب الاتباع لقوله عليه السلام : جهزوا جيش أسامة لعن الله من تخلف عنه . وقال قوم : التخلف انتظاراً لما يكون من رسول الله في مرضه ! ! ) . انتهى .

أمر النبي المنشقين بالسفر في جيش أسامة . . عندما رفضوا كتابة الكتاب . .

يوجد ارتباط بين كتابة كتاب التأمين من الضلالة الذي أمر به النبي فعصوه ، وبين أمره لهم بالمسير إلى مؤتة تحت إمرة أسامة . . لأن النبي صلى الله عليه وآله توفي يوم الاثنين ، وقد أمرهم بكتابة الكتاب يوم الخميس ، وعقد اللواء لأسامة وأمره بالحركة يوم الخميس . . وإن كنا يحتمل أن يكون عقد لواء أسامة في الخميس الماضي ، أي قبل وفاته باثني عشر يوماً .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 136 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فمن الثابت في مصادر الجميع أن قضية الكتاب الذي رفضه عمر وقريش ، كان في يوم الخميس ، حتى سماها ابن عباس ( رزية الخميس ) . . أما جيش أسامة فقال ابن حجر في فتح الباري : 8 / 115 : ( بدأ برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه يوم الأربعاء فأصبح يوم الخميس فعقد لأسامة فقال : أغز في سبيل الله وسر إلى موضع مقتل أبيك فقد وليتك هذا الجيش ) . انتهى .

خطة التثاقل والتخلف القرشية عن جيش أسامة !

لم تكن حركة جيش كبعث أسامة في ذلك الوقت تحتاج إلى أكثر من يوم أو يومين . . فبمجرد أن يصدر الأمر النبوي ويعقد النبي الراية ، يستلمها القائد ويعلن مكان الاجتماع ويذهب اليه ، ويلتحق به المنسبون اليه ، فيتحرك .
وقد تحرك أسامة يوم الخميس بمجرد أن عقد له النبي اللواء إلى محلة
( الجُرف ) على فرسخين خارج المدينة ، وعسكر فيها ، والتحق به في يومه واليوم الثاني أكثر جيشه . . لكن بدأت الإشاعات والتعللات وأولها أنه يوجد معترضون على تأمير أسامة الشاب الأسود الصغير السن على زعماء المهاجرين والأنصار . . ! وسرعان ما حسم النبي ذلك بغضب نبوي وتوبيخ للمنافقين الذين اعترضوا . . لكن جيش زيد لم يتحرك . . فما أن تنتهي قصة وإشاعة لتأجيل حركته . . حتى تجئ قصة وتعلل آخر ! !
وهذا يدل على أنه كان يوجد متخلفون عن جيش أسامة عن عمد وإصرار ، بل كانت توجد خطة تثاقل لتأخيره ، وأن تخلفهم لم يكن قلقاً على حياة النبي صلى الله عليه وآله ، بل كان معصية كبيرة لله ورسوله بلغت حد الارتداد واستحقاق صدور اللعنة عليهم من الله ورسوله ! ! فقد روى عدد من المصادر
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 137 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أن التشديد النبوي على إنفاذ جيش أسامة رافقه لعن هؤلاء المتخلفين ! وقد لاحظت ما تقدم في شرح المواقف ، وفي الملل والنحل للشهرستاني ص 29 ، وفي طبعة أخرى : 1 / 14 : ( الخلاف الثاني في مرضه أنه قال : جهّزوا جيش أسامة لعن الله من تخلّف عنه . الخ . . . ) .
وقال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : 6 / 52 : ( في حديث أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال : أنفذوا جيش أسامة ، لعن الله من تخلف عنه ، وكرّر ذلك ) . انتهى .
وعليه ، فلا يمكن الوثوق بالروايات القرشية التي تصور تأخر جيش أسامة بأنه حادث عادي ! وكيف يكون عادياً مع إصرار النبي المتتابع ، ومع تأخر الجيش عن الحركة أياماً ، أو اثني عشر يوماً ، كما نرجح ؟ !
قال الطبري الشيعي في المسترشد ص 112 : ( وجعل أبا بكر وعمر ، وأبا عبيدة ابن الجراح ، وسعد بن أبي وقاص ، وأبا الأعور السلمي ، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ، في رجال من المهاجرين والأنصار عدة ، منهم قتادة بن النعمان ، وسلمة بن أسلم بن حريش ، تحت لوائه ، وكان أشدهم إنكاراً لولايته عياش بن أبي ربيعة حتى قال : أيستعمل هذا الغلام على المهاجرين والأولين ؟ ! فكثرت القالة فسمع عمر بن الخطاب هذا القول فرده على من تكلم به ! ! وجاء إلى النبي صلى الله عليه وآله فأخبره بقول من قال ، فغضب رسول الله صلى الله عليه وآله من ( بعض ) ذلك القول غضباً شديداً ، فخرج في علته وقد عصب رأسه بعصابة وعليه قطيفة وصعد المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أيها الناس ما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري أسامة ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 138 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لقد طعنتم في إمارتي أباه من قبل ، وأيم الله إنه للامارة لخليق ، وابنه بعده للامارة خليق ، وهو من أحب الناس إلي ، وإنهما أهل لكل خير فاستوصوا به خيراً فإنه من خياركم .
ثم نزل رسول الله صلى الله عليه وآله فدخل بيته وذلك ليوم السبت ، لعشر خلون من شهر ربيع الأول ، وجاء المسلمون الذين يخرجون مع أسامة يودعون رسول الله صلى الله عليه وآله ، وفيهم أبو بكر وعمر ، ورسول الله يقول : أنفذوا جيش أسامة ، ودخلت أم أيمن وهي أم أسامة ، فقالت : يا رسول الله لو تركت أسامة يقيم في معسكره حتى تتماثل ، فإن أسامة إن خرج على حالته هذه لم ينتفع بنفسه فقال رسول الله صلى الله عليه وآله أنفذوا بعث أسامة . فمضى الناس إلى المعسكر فباتوا ليلة الأحد ورسول الله ثقيل مغمى عليه ، فدخل أسامة على رسول الله وعيناه تهملان وعنده العباس عمه رحمه الله ، والنساء حوله فتطأطأ إليه أسامة فقبله رسول الله صلى الله عليه وآله ورفع يديه إلى السماء ثم نصبهما إلى أسامة . قال أسامة : فعرفت أنه يدعو لي فرجعت إلى معسكري .
فلما كان يوم الاثنين جاء أسامة فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله : أغد على بركة الله ، فودعه أسامة ، ورسول الله مفيق ، فصاح أسامة بأصحابه وأمرهم باللحوق بالمعسكر ، وبالرحيل . فلما متع النهار فبينا أسامة يريد أن يركب من الجرف أتاه رسول أم أيمن يخبره أن رسول الله صلى الله عليه وآله يموت ، فامتنع عليه القوم ! فتوفي رسول الله في ذلك اليوم حين زاغت الشمس ، وهو يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول ، ودخل الناس من الجرف إلى المدينة ، ولم ينفذوا لأمر رسول الله ، ثم اضطربوا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 139 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وبايعوا لأبي بكر قبل دفن رسول الله صلى الله عليه وآله ، ثم ادعى القوم أن أبا بكر لم يكن في جيش أسامة ! ) . انتهى .
لاحظ عبارة ( فامتنع عليه القوم ! ) أي لم يطيعوا أمر أسامة بالحركة . . وقد كان الوقت صبح الاثنين والنبي مفيق وحالته حسنة ، فقد توفي عصر يوم الاثنين !
ومن حق الباحث هنا أن يشك في أن أم أيمن قد أرسلت إلى ولدها أسامة أكثر من مرة ، أن يخالف أمر النبي المشدد ويتأخر ! كما تزعم مصادرهم . .
فقد كانت أم أيمن امرأة بسيطة مؤمنة طيبة ، وكانت أمة لآمنة أم النبي ، ثم أمة النبي المطيعة المعتقدة بنبوته وصدقه ، ولم يعهد أنها كانت تتدخل في أوامر النبي صلى الله عليه وآله حتى لو كانت تتعلق بزوجها زيد أو بولدها أسامة . . فمن المرجح أن القرشيين كانوا على الخط ، وأن العاملات لهم أرسلن أحداً باسم أم أيمن ، أو أثرن عليها حتى أرسلت إلى أسامة بدون إذن من النبي !

أبو بكر وعمر والمتسللون لواذاً من معسكر أسامة !

خرج أسامة يوم الخميس بلوائه إلى مؤتة وعسكر في الجرف خارج المدينة ، ليلتحق به الذين أمرهم النبي بأن يكونوا معه . . ولم يكن الأمر يحتاج إلا يوماً أو يومين لكي يتحرك بالجيش ، أي بقية يوم الخميس ويوم الجمعة ! فالمفروض في أبي بكر وعمر وبقية السبع مئة قرشي من المهاجرين والطلقاء ، أن يكونوا في الجرف مع أسامة . . لكن الذي حدث شئ آخر ! !
فقد كانت الموازنة عند هؤلاء بين السفر إلى مؤتة لقتال الروم ، وبين مواصلة خطتهم لابعاد بني هاشم عن خلافة النبي وتعويضها في قبائل قريش ! ! وأنى لمن طمع في خلافة نبيه أن يترك الفرصة ، ويذهب لقتال الروم ؟ ! !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 140 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يضاف إلى ذلك أن المنظرين للخلافة القرشية واجهوا إشكالاً بأنه كيف يكون أبو بكر خليفة شرعياً للنبي صلى الله عليه وآله ، وقد توفي النبي وأبو بكر جندي تحت إمرة أسامة بن زيد ؟ !
وللتخلص من ذلك ادعى بعض متعصبيهم كابن تيمية ، أن أبا بكر لم يكن أصلاً في جيش أسامة . . وقد رد عليهم بعض علمائهم مثل ابن حجر ، فقال في فتح الباري : 8 / 115 : ( وقد أنكر بن تيمية في كتاب الرد على ابن المطهر أن يكون أبو بكر وعمر كانا في بعث أسامة . ومستند ما ذكره ( يقصد ابن المطهر الذي هو العلامة الحلي ) ما أخرجه الواقدي بأسانيده في المغازي ، وذكره بن سعد أواخر الترجمة النبوية بغير إسناد ، وذكره بن إسحاق في السيرة المشهورة ، ولفظه : بدأ برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه يوم الأربعاء فأصبح يوم الخميس فعقد لأسامة ، فقال : أغز في سبيل الله ، وسر إلى موضع مقتل أبيك ، فقد وليتك هذا الجيش ، فذكر القصة وفيها لم يبق أحد من المهاجرين الأولين إلا انتدب في تلك الغزوة ، منهم أبو بكر وعمر . ولما جهزه أبو بكر بعد أن استخلف سأله أبو بكر أن يأذن لعمر بالإقامة فأذن .
ذكر ذلك كله بن الجوزي في المنتظم جازماً به ، وذكره الواقدي ، وأخرجه بن عساكر من طريقه مع أبي بكر وعمر أبا عبيدة وسعداً وسعيداً وسلمة بن أسلم وقتادة بن النعمان ، والذي باشر القول ممن نسب إليهم الطعن في إمارته عياش بن أبي ربيعة . وعند الواقدي أيضاً أن عدة ذلك الجيش كانت ثلاثة آلاف ، فيهم سبعمائة من قريش ) . انتهى . وهي واحدة من الصفعات العلمية التي وجهها ابن حجر لابن تيمية !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 141 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال البلاذري في أنساب الأشراف : 2 / 115 : ( حدثني عباس بن هشام عن أبيه عن جده عن أبي صالح عن ابن عباس قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عاصباً رأسه حتى جلس على المنبر ، وكان الناس قد تكلموا في أمره حين أراد توجيههم إلى مؤتة ، فكان أشدّهم قولاً في ذلك عياش بن أبي ربيعة .
فقال : أيها الناس ، أنفذوا بعث أسامة ، فلعمري لئن قلتم في أمرته لقد قلتم في إمرة أبيه من قبله ، ولقد كان أبوه للإمارة خليقاً وإنه لخليق بها . وكان في جيش أسامة أبو بكر وعمر ووجوه من المهاجرين والأنصار ) . انتهى .
وقد أورد السيد شرف الدين في المراجعات والشيخ الأميني في الغدير ، عدداً كبيراً من المصادر التي نصت على أن أبا بكر كان في جيش أسامة . . مثل ابن سعد في الطبقات ، وابن الجوزي في المنتظم ، والجوهري في السقيفة وابن الأثير في تاريخه ، وابن سيد الناس في سيرته . . وغيرهم وغيرهم . .

العلاقة بين لدِّهم للنبي . . وبين عملهم لإفشال جيش أسامة !

تقدم قول ابن سيد الناس في عيون الأثر : 2 / 352 : ( فلما كان يوم الأحد اشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه ، فدخل أسامة من معسكره والنبي صلى الله عليه وسلم مغمور وهو اليوم الذي لدُّوه فيه ! فطأطأ أسامة فقبله والنبي صلى الله عليه وسلم لا يتكلم ، فجعل يرفع يديه إلى السماء ثم يضعهما على أسامة ، قال أسامة : فعرفت أنه يدعو لي ، ورجع أسامة إلى معسكره .
ثم دخل يوم الاثنين وأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم مفيقاً فقال له أغد على بركة الله ، فودعه أسامة وخرج إلى معسكره ، فأمر الناس بالرحيل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 142 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فبينا هو يريد الركوب إذا رسول أمه أم أيمن قد جاءه يقول إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يموت ، فأقبل وأقبل معه عمر وأبو عبيدة ، فانتهوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يموت ، فتوفي حين زاغت الشمس يوم الاثنين . . . ) . انتهى .
كما تقدم الكلام في لدهم للنبي صلى الله عليه وآله في مرضه أي إعطائهم له دواء بالاجبار عندما أغمي عليه ، وأنه غضب لذلك وأمر بعقوبتهم ليسجل بذلك احتمال أنهم سقوه سماً في الدواء ! ! قال البخاري ج 7 ص 17 ( عن ابن عباس قالت عائشة : لرددناه في مرضه فجعل يشير الينا أن لا تلدوني فقلنا كراهية المريض للدواء . فلما أفاق قال : ألم أنهكم أن تلدوني ؟ ! قلنا : كراهية المريض للدواء . فقال : لا يبقى في البيت أحد إلا لدّ ، وأنا أنظر إلا العباس ، فإنه لم يشهدكم ! ! ) ورواه في : 8 / 40 و 42 ، وفيه أنه أحس باللدّ فنهاهم ، ولكنهم لم يمتنعوا فعاقبهم ! ) انتهى .
وواضح أن عملية اللد وقعت في وقت لم يكن عند النبي أحد من بني هاشم أبداً ! ولا بد أنها كانت فترة قصيرة أو لحظات ، لأن علياً والزهراء والحسنين عليهم السلام ، والعباس وأولاده رضي الله عنهم كانوا ملازمين للنبي صلى الله عليه وآله ، إلا إذا بعث أحداً منهم في مهمة ، أو صادف خلو الغرفة منهم لفترة وجيزة ! وفي هذه الفرصة الوجيزة قامت عائشة وحفصة بلد النبي صلى الله عليه وآله عندما أغمي عليه ، رغم نهيه لهن وتشديده في النهي ! !
وقد غضب النبي من عملهم ، ومع أنه يعرف أن الذي يقدم على سم أحد ، لا يشرب هو من نفس الدواء المسموم الذي سقاه إياه ! لكنه صلى الله
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 143 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عليه وآله أراد أن يسجل اتهامهم لهم بأنهم سموه ! ! فأمرهم أن يشربوا من نفس الدواء الذي سقوه له !
والذي يتأمل يجد العلاقة واضحة بين الذين اعترضوا على كتابة كتاب تأمين الأمة من الضلال ، واعترضوا على تأمير أسامة ، والذين تثاقلوا وخططوا لتأخير حركة الجيش ، والذين لدوا النبي رغم نهيه ، والذين عندهم حساسية مفرطة من أهل بيت النبي وبني هاشم ، والذين سارعوا إلى السقيفة وصفقوا على يد أبي بكر وأعلنوا بيعته . .
إنهم رموز الحزب القرشي . . لاغير ! !

إفشال قريش جيش أسامة . . مقدمات العاصفة على آل الرسول !

ظهرت مقدمات عاصفة الحزب القرشي على العترة النبوية قبل حجة الوداع ، ثم تتابعت وبرزت في حجة الوداع ، ثم تفاقمت واشتدت بعد عودة النبي صلى الله عليه وآله إلى المدينة . . حتى ظهرت فاغرة أفواهها بالسم أمام النبي صلى الله عليه وآله ! عند ما ردوا أمره وقالوا له بوقاحة : لا نريد أن تكتب لنا كتاباً يؤمننا من الضلال ! ! فقد استطاعت قريش أن تزعم عليها أجرأ أصحاب النبي وأخشنهم ، وأوكلت اليه مواجهة النبي بنفسه ، فأعلن أمام النبي أنه يرفض أن يكتب النبي لهم كتاباً يتضمن الخطة الربانية للحكم بعده . . واتهم النبي بأنه يهجر وقال حسبنا كتاب الله . . فصاح أفراد الحزب القرشي : القول ما قاله عمر . . القول ما قاله عمر ! !
ولابد أن هؤلاء الصارخين في وجه نبيهم ، وأكثرهم من الطلقاء ! كانوا في جيش أسامة يلتفون حول عمر ويقولون . . القول ما قاله عمر ! !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 144 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال ابن حجر في فتح الباري : 8 / 115 : ( وعند الواقدي أيضاً أن عدة ذلك الجيش كانت ثلاثة آلاف ، فيهم سبعمائة من قريش ) . انتهى .
وقد استطاع هؤلاء أن يفشلوا الخطة الربانية لإرسال جيش أسامة ، ويعصوا أوامر النبي وتأكيداته المتتابعة عليهم بالاسراع في الحركة ، حتى مضت الأيام وتوفي النبي صلى الله عليه وآله . . ورتبوا في يوم وفاته بيعة السقيفة !

طرق المدينة هذه الليلة شر عظيم ! !

في ليلة الاثنين ، كانت حالة النبي صلى الله عليه وآله تشتد وتخف ، يغمى عليه من الحمى ثم يفيق . . فأفاق بعض الإفاقة فقال : لقد طرق ليلتنا هذه المدينة شر عظيم ، فقيل له : وما هو يا رسول الله ؟ ! فقال : إن الذين كانوا في جيش أسامة قد رجع منهم نفر يخالفون عن أمري ، ألا إني إلى الله منهم برئ . ويْحَكم نفذوا جيش أسامة ، قالها مرات كثيرة ! !
ففي بحار الأنوار : 28 / 108 عن كتاب سليم بن قيس رضي الله عنه : ( قال : فخلا أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بأسامة وجماعة من أصحابه فقالوا إلى أين ننطلق ونخلي المدينة ونحن أحوج ما كنا إليها وإلى المقام بها ؟ فقال لهم : وما ذلك ؟ قالوا إن رسول الله قد نزل به الموت ، ووالله لئن خلينا المدينة لتحدثن بها أمور لا يمكن إصلاحها ، ننظر ما يكون من أمر رسول الله ، ثم المسير بين أيدينا . قال : فرجع القوم إلى المعسكر الأول وأقاموا به وبعثوا رسولاً يتعرف لهم أمر رسول الله ، فأتى الرسول إلى عائشة فسألها عن ذلك سراً ، فقالت إمض إلى أبي وعمر ومن معهما وقل لهما : إن رسول الله قد ثقل ، فلا يبرحن أحد منكم ، وأنا أعلمكم بالخبر وقتاً بعد وقت .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 145 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
واشتدت علة رسول الله فدعت عائشة صهيباً فقالت : إمض إلى أبي بكر وأعلمه أن محمداً في حال لا يرجى ، فهلم إلينا أنت وعمر وأبو عبيدة ومن رأيتم أن يدخل معكم ، وليكن دخولكم في الليل سراً ، قال : فأتاهم الخبر فأخذوا بيد صهيب فأدخلوه إلى أسامة فأخبروه الخبر ، وقالوا له كيف ينبغي لنا أن نتخلف عن مشاهدة رسول الله ؟ ! واستأذنوه في الدخول فأذن لهم وأمرهم أن لا يعلم بدخولهم أحد ، وإن عوفي رسول الله رجعتم إلى عسكركم وإن حدث حادث الموت عرفونا ذلك لنكون في جماعة الناس . فدخل أبو بكر وعمر وأبو عبيدة ليلاً المدينة ، ورسول الله قد ثقل فأفاق بعض الإفاقة فقال : لقد طرق ليلتنا هذه المدينة شر عظيم ! ! فقيل له : وما هو يا رسول الله ؟ فقال : إن الذين كانوا في جيش أسامة قد رجع منهم نفر يخالفون عن أمري ، ألا إني إلى الله منهم برئ ، ويحكم نفذوا جيش أسامة ، فلم يزل يقول ذلك حتى قالها مرات كثيرة .
قال : وكان بلال مؤذن رسول الله يؤذن بالصلاة في كل وقت ، فإن قدر على الخروج تحامل وخرج وصلى بالناس ، وإن هو لم يقدر على الخروج أمر علي بن أبي طالب فصلى بالناس ، وكان علي بن أبي طالب والفضل بن العباس لا يزايلانه في مرضه ذلك ، فلما أصبح رسول الله من ليلته تلك التي قدم فيها القوم الذين كانوا تحت يدي أسامة ، أذن بلال ثم أتاه يخبره كعادته ، فوجده قد ثقل فمنع من الدخول إليه ، فأمرت عائشة صهيباً أن يمضي إلى أبيها فيعلمه أن رسول الله قد ثقل في مرضه وليس يطيق النهوض إلى المسجد وعلي بن أبي طالب قد شغل به وبمشاهدته عن الصلاة بالناس ، فأخرج أنت إلى المسجد فصل بالناس ، فإنها حالة تهنؤك ، وحجة لك بعد اليوم !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 146 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال : فلم يشعر الناس وهم في المسجد ينتظرون رسول الله أو علياً يصلي بهم كعادته التي عرفوها في مرضه ، إذ دخل أبو بكر المسجد وقال : إن رسول الله قد ثقل وقد أمرني أن أصلي بالناس ، فقال له رجل من أصحاب رسول الله : وأنى لك ذلك وأنت في جيش أسامة ؟ ! ولا والله لا أعلم أحداً بعث إليك ولا أمرك بالصلاة ! ثم نادى الناس بلال فقال : على رسلكم رحمكم الله لأستأذن رسول الله في ذلك ، ثم أسرع حتى أتى الباب فدقه دقاً شديداً فسمعه رسول الله فقال : ما هذا الدق العنيف فانظروا ما هو ؟ قال : فخرج الفضل بن العباس ففتح الباب فإذا بلال ، فقال : ما وراءك يا بلال ؟ فقال : إن أبا بكر قد دخل المسجد وقد تقدم حتى وقف في مقام رسول الله ، وزعم أن رسول الله أمره بذلك ! فقال أو ليس أبو بكر مع جيش أسامة ، هذا هو والله الشر العظيم الذي طرق البارحة المدينة ، لقد أخبرنا رسول الله بذلك ! ودخل الفضل وأدخل بلالاً معه فقال : ما وراءك يا بلال ؟ فأخبر رسول الله الخبر ، فقال : أقيموني أقيموني ، أخرجوا بي إلى المسجد ، والذي نفسي بيده قد نزلت بالاسلام نازلة وفتنة عظيمة من الفتن ! ! ثم خرج معصوب الرأس يتهادى بين علي والفضل بن العباس ، ورجلاه تجران في الأرض ، حتى دخل المسجد وأبو بكر قائم في مقام رسول الله ، وقد أطاف به عمر وأبو عبيدة وسالم وصهيب والنفر الذين دخلوا ، وأكثر الناس قد وقفوا عن الصلاة ينتظرون ما يأتي بلال ، فلما رأى الناس رسول الله قد دخل المسجد وهو بتلك الحالة العظيمة من المرض ، أعظموا ذلك .
وتقدم رسول الله فجذب أبا بكر من ورائه فنحاه عن المحراب ، وأقبل أبو بكر والنفر الذين كانوا معه فتواروا خلف رسول الله ، وأقبل الناس فصلوا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 147 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
خلف رسول الله وهو جالس ، وبلال يسمع الناس التكبير حتى قضى صلاته ، ثم التفت فلم ير أبا بكر فقال : أيها الناس ألا تعجبون من ابن أبي قحافة وأصحابه الذين أنفذتهم وجعلتهم تحت يدي أسامة ، وأمرتهم بالمسير إلى الوجه الذي وجهوا إليه فخالفوا ذلك ورجعوا إلى المدينة ابتغاء الفتنة ، ألا وإن الله قد أركسهم فيها ! أعرجوا بي إلى المنبر ، فقام وهو مربوط حتى قعد على أدنى مرقاة فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال :
أيها الناس : إني قد جاءني من أمر ربي ما الناس إليه صائرون ، وإني قد تركتكم على الحجة الواضحة ليلها كنهارها ، فلا تختلفوا من بعدي كما اختلف من كان قبلكم من بني إسرائيل .
أيها الناس : إنه لا أحل لكم إلا ما أحله القرآن ، ولا أحرم عليكم إلا ما حرمه القرآن ، وإني مخلف فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا ولن تزلوا : كتاب الله وعترتي أهل بيتي هما الخليفتان فيكم ، وإنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض ، فأسائلكم بماذا خلفتموني فيهما ؟ وليذادنَّ يومئذ رجالٌ عن حوضي كما تذاد الغريبة من الإبل ، فتقول رجال أنا فلان وأنا فلان ، فأقول أما الأسماء فقد عرفت ، ولكنكم ارتددتم من بعدي ، فسحقاً لكم سحقاً ! ! ثم نزل عن المنبر وعاد إلى حجرته ، ولم يظهر أبو بكر ولا أصحابه حتى قبض رسول الله وكان من الأنصار وسعد من السقيفة ما كان ) . انتهى . وبعد أقل من أربع وعشرين ساعة من هذه الحادثة ، ظهر أبو بكر وأصحابه يدعون الناس إلى بيعته تحت التهديد بالقتل والحرق ، وأعطوه لقب خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله ، وادعوا أن النبي أمره بإمامة الصلاة مكانه ! !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 148 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كل هذا وجنازة النبي صلى الله عليه وآله ما زالت مسجاة ، لم تدفن بعد ! !
هذه هي قصتهم عن صلاة أبي بكر بالناس بأمر النبي صلى الله عليه وآله . . وقد كشف زيفها أهل البيت عليهم السلام وعلماء مذهبهم ، ولعل أفضل من فضحها الباحث القدير السيد الميلاني في بحثه ( رسالة في صلاة أبي بكر ) !

سعد بن عبادة وعدو الحزب القرشي كان أيضاً في جيش أسامة !

كان سعد بن عبادة زعيم الأنصار في جيش أسامة ، وقد عسكر معهم في الجرف خارج المدينة بانتظار أمر الحركة من أسامة . . وكان على معرفة بمشروع القرشيين في صرف خلافة النبي عن أهل بيت النبي من بني هاشم ، وتعويم ها بين قبائل قريش ، فسرى اليه التفكير القبلي والطمع في الخلافة مع إيمانه بنص النبي على استخلاف علي والعترة الطاهرة ! لكن سعداً أقسم أنه لم يطلب خلافة النبي لنفسه حتى رآهم اتفقوا على صرفها عن علي ! !
قال الطبري الشيعي في المسترشد ص 412 : ( ثم إن سعد بن عبادة ، لما رأى الناس يبايعون أبا بكر ، نادى : والله ما أردتها حتى صرفت عن علي ، ولا أبايعكم أبداً حتى يبايعكم علي ولعلي لا أفعل وإن بايع ! ! ) . انتهى .
وهنا تبرز الحكمة النبوية في جعله تحت قيادة أسامة أيضاً !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 149 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل السادس : فاطمة في مرض النبي صلى الله عليه وآله

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 150 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 151 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

1 - فاطمة الطفلة الصديقة . . المجاهدة ! !

كانت فاطمة عليها السلام دائماً إلى جنب أبيها صلى الله عليه وآله . . وكانت من صغرها تفكر تفكير الكبار ، وتتحمل مسؤولية الكبار !
فقد رووا عنها العجائب والكرامات . . منها أنها كانت معه وهو يصلي في مكة ، فوجه القرشيون سفهاءهم وألقوا عليه كرش ناقة وهو ساجد . . فألقته عنه فاطمة وبكت ودعت عليهم . . وكأن دعاءها كان مؤشراً ربانياً ينتظره النبي ليدعو عليهم ، ولعلها أول مرة بدأ الدعاء عليهم ! ! قال البخاري : 4 / 71 : ( بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ساجد وحوله ناس من قريش المشركين ، إذ جاءه عقبة بن أبى معيط بسلمى جزور فقذفه على ظهر النبي صلى الله عليه وسلم ، فلم يرفع رأسه حتى جاءت فاطمة عليها السلام فأخذت من ظهره ، ودعت على من صنع ذلك ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : اللهم عليك الملأ من قريش ، اللهم عليك أبا جهل بن هشام ، وعتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، وعقبة بن أبى معيط ، وأمية بن خلف أو أبي بن خلف ، فلقد رأيتهم قتلوا يوم بدر فألقوا في بئر ، غير أمية أو أبي فإنه كان رجلاً ضخماً فلما جروه تقطعت أوصاله قبل أن يلقى في البئر ) . انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 152 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وينبغي أن نسجل هنا أن كلمة ( ودعت على من صنع ذلك ) صارت في روايات القرشيين ( وسبت هم ) ! !
ومن عجيب ما ذكروه في سيرة النبي صلى الله عليه وآله أن فاطمة هي التي أخبرته بتأمر زعماء قريش عليه ليقتلوه ! ففي مجمع الزوائد : 8 / 228 : ( عن ابن عباس قال إن الملأ من قريش اجتمعوا في الحجر فتعاقدوا باللات والعزى ومنات الثالثة الأخرى وأساف ونائلة ، لو قد رأينا محمداً لقد قمنا إليه قيام رجل واحد فلم نفارقه حتى نقتله ، فأقبلت ابنته فاطمة رضي الله عنها تبكي حتى دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت هذا الملأ من قريش قد تعاقدوا عليك لو قد رأوك لقد قاموا إليك فيقتلوك ، فما منهم رجل إلا وقد عرف نصيبه من دمك ! !
قال يا بنية أدلي وضوءً ، فتوضأ ثم دخل عليهم المسجد ، فلما رأوه قالوا هذا هو ، وخفضوا أبصارهم وسقطت أذقانهم في صدورهم ، وعقروا في مجالسهم فلم يرفعوا إليه بصراً ، ولم يقم إليه رجل منهم ، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قام على رؤسهم فأخذ قبضة من التراب فقال : شاهت الوجوه ، ثم حصبهم بها فما أصاب رجلاً من ذلك الحصى حصاة إلا قتل يوم بدر كافراً . رواه أحمد بإسنادين ورجال أحدهما رجال الصحيح ) . انتهى . فمن أين جاءتها هذه المعلومة السرية الخطيرة . . لابد أنها كانت ملهمة ؟ !
ولعل هدف الرواة من هذه الرواية أن يقولوا إن مؤامرة قريش انتهت بهذه المعجزة ، ولم تكن بحاجة إلى مبيت علي في فراش النبي ، ولكنهم تركوا فضيلة لعلي فرووا كرامة ومعجزة عجيبة لفاطمة الزهراء عليها السلام !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 153 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وعندما هرب المسلمون من المعركة وتركوا نبيهم صلى الله عليه وآله لسيوف قريش وهجماتهم المستميتة لقتله ، ولم يبق معه إلا علي . . انقضًت فاطمة الزهراء كالصقر المجروح إلى ساحة المعركة في أحد لتكون إلى جنبه ! ففي سنن البيهقي : 2 / 402 : عن سهل بن سعد قال : هشمت البيضة على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكسرت رباعيته ، وجرح وجهه ! قال أبو حازم : وكانت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم تغسل عنه الدم ، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه يأتيها بالماء في مجنة ، فلما أصاب الجرح الماء كثر دمه فلم يرقأ الدم حتى أخذت قطعة حصير وأحرقته حتى صار رماداً ، ثم جعلته على الجرح فرقا الدم ) . انتهى .
وفي البخاري : 3 / 229 : ( عن سهل رضي الله عنه أنه سئل عن جرح النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد ؟ فقال : جرح وجه النبي صلى الله عليه وسلم وكسرت رباعيته وهشمت البيضة على رأسه فكانت فاطمة عليها السلام تغسل الدم وعلي رضي الله عنه يمسك ، فلما رأت أن الدم لا يزيد إلا كثرة أخذت حصيراً فأحرقته حتى صار رماداً ، ثم ألزقته فاستمسك الدم ) . انتهى . وينبغي أن نسجل هنا أنهم حذفوا من رواياتهم أن النبي قاتل في أحد قتال الأبطال ، وأن علياً بقي يرد حملات المشركين التي استهدفت قتل النبي إلى ما بعد الظهر حتى نزل جبرئيل وقال ( لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي ) !
حذفوا ذلك ليكتبوا بدله إن النبي لم يقاتل ، بل أعطى سيفه لأبي دجانة فقاتل عنه ! مع أن أبا دجانة وسهل بن حنيف قد ثبتا مع النبي لكن سرعان ما جرحا وخرجا من المعركة . . ولم يبق معه إلا علي من الضحى إلى العصر ! ومع أن علياً عليه السلام كان يقول ( كنا إذا اشتد البأس لذنا برسول الله
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 154 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
صلى الله عليه وآله - الرسالة السعدية للعلامة الحلي ص 79 ) وفي مسند أحمد : 1 / 86 : ( عن علي رضي الله عنه قال : لقد رأيتنا يوم بدر ونحن نلوذ برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أقر بنا إلى العدو وكان من أشد الناس يومئذ بأساً ) . وفاطمة عليها السلام بضعة من النبي صلى الله عليه وآله ، وشجاعتها من شجاعته . . فبينما كان الصحابة ممعنين في هروبهم من المعركة كما قال الله تعالى ( إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم ! ) وإذا بفاطمة تنقض كالصقر لتكون هي وعلي فقط إلى جنب النبي صلى الله عليه وآله . .
ومن مكذوباتهم في هذا الموضوع أنهم رووا ما يفهم منه أن فاطمة لم تذهب إلى أحد ، وأن علياً عندما رجع إلى المدينة افتخر لفاطمة بشجاعته وثباته فوبخه النبي ! ! قال ابن هشام في سيرته : 3 / 614 : ( قال ابن إسحاق : فلما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله ناول سيفه ابنته فاطمة فقال اغسلي عن هذا دمه يا بنية ، فو الله لقد صدقني اليوم ، وناولها على بن أبي طالب سيفه فقال : وهذا أيضاً فاغسلي عنه دمه فو الله لقد صدقني اليوم فقال رسول الله صلى الله عليه سلم : لئن كنت صدقت القتال ، لقد صدق سهل بن حنيف وأبو دجانة ) . انتهى .
* *
وفي بقية معارك النبي التي سمح لها فيها بالحضور ، أو ألهمها الله الحضور فيها كانت فاطمة إلى جنب أبيها . . وفي فتح مكة . . وفي حجة الوداع .
أما في مرضه فقد لازمته فاطمة كزوجها علي . . إلا لضرورة ، أو عندما يبعثهما النبي بمهة فيغيبان ليعودا . . وشبيهٌ بهما العباس وولده الفضل ، ومن بقي من بني هاشم ، ولم يكن بقي من رجالهم إلا قليل !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 155 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وعند ما خلا بيت النبي من بني هاشم قامت نساؤه اللائي تظاهرن عليه بنص القرآن ، بلدِّه وسقيه ( دواء ) في يوم الأحد ، قبل وفاته بيوم واحد !

2 - فاطمة وعلي والحسنان . . مخصوصون بأسرار النبوة ! !

في صحيح مسلم : 7 / 142 : ( عن عائشة قالت : كن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عنده لم يغادر منهن واحدة ، فأقبلت فاطمة تمشي ما تخطئ مشيتها من مشية رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً ، فلما رآها رحب بها فقال مرحباً بابنتي ، ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله ، ثم سارَّها فبكت بكاء شديداً ، فلما رأى جزعها سارَّها الثانية ، فضحكت ! فقلت لها خصك رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين نسائه بالسرار ، ثم أنت تبكين ؟ ! فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم سألتها ما قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالت : ما كنت لأفشي على رسول الله صلى الله عليه وسلم سره ! قالت : فلما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت : عزمت عليك بما لي عليك من الحق ، لما حدثتني ما قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقالت : أما الآن فنعم ، أما حين سارني في المرة الأولى فأخبرني أن جبريل كان يعارضه القرآن في كل سنة مرة أو مرتين ، وأنه عارضه الآن مرتين ، وإني لا أرى الأجل إلا قد اقترب فاتقي الله واصبري ، فإنه نعم السلف أنا لك . . قالت فبكيت بكائي الذي رأيت . فلما رأى جزعي سارني الثانية فقال : يا فاطمة أما ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين أو سيدة نساء هذه الأمة ؟ قالت فضحكت ضحكي الذي رأيت ) . انتهى . ونحوه في البخاري : 3 / 101
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 156 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي سنن النسائي : 5 / 95 : ( عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا فاطمة ابنته في وجعه الذي توفي فيه فسارها بشئ ، فبكت . ثم دعاها فسارها فضحكت ! قالت فسألتها عن ذلك فقالت : أخبرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يقبض في وجعه هذا فبكيت ، ثم أخبرني أني أول أهله لحاقاً به فضحكت ) . انتهى .
أما تعبير النسائي في كتابه خصائص علي ص 117 ، فهو أدق ، قال : ( دعا فاطمة رضي الله عنها فناجاها فبكت ، ثم حدثها فضحكت . . الخ ) . انتهى . ومثله في الطبراني الكبير : 22 / 422 .

ما كنت لأفشي على رسول الله سره !

قالت هذه الكلمة فاطمة لعائشة . . وكأنها بذلك قرأت لها الآيات التي خلد الله فيها خيانة عائشة لسر النبي ، فقال عنها وعن حفصة : ( وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرف بعضه وأعرض عن بعض فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير . إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما ! وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير ) سورة التحريم 3 - 4 ، تقول لها بذلك نحن نعرف أنكما ما زلتما تفشيان سره وتتظاهران عليه ! !
أما لماذا دعا النبي فاطمة فناجاها ، وأسر إليها أنه يموت في مرضه هذا ؟ ! وأبقى ذلك سراً عن غيرها ، مع أن الله أمره أن يعلن للمسلمين قرب أجله ، وأن يحج بهم حجة الوداع ، ويؤدي لهم كل ما يجب قوله وفعله ؟ !
السبب . . أنه صلى الله عليه وآله عبدٌ مأمور ، وقد أمره الله أن يعلن دون توقيت . . أما التوقيت فهو من أسرار الله تعالى ، وله أهله ، وأهله فاطمة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 157 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وعلي فقط ! أما الباقون فإن السر ينفذ منهم إلى المتربصين من اليهود وقريش الذين يحسبون لموته بالدقائق ، لكي يغنوا أغنيتهم . . وينفذوا خطتهم ! !
* *
أسرَّ إلى ابنته فاطمة ، الصديقة ، الطاهرة ، فخر نساء العالم وسيدة هم . . لكي تتأهب هي وعلي والحسنان . . للمهمة التي أعدهم لها وأخذ عليهم ميثاقه للوفاء بها ، في ذلك المجلس العظيم العظيم الذي لا تنساه ! !
ففي الكافي : 1 / 281 : ( عن الامام الصادق عليه السلام قال : حين نزل برسول الله صلى الله عليه وآله الأمر ، نزلت الوصية من عند الله كتاباً مسجلاً ، نزل به جبرئيل مع أمناء الله تبارك وتعالى من الملائكة ، فقال جبرئيل : يا محمد ، مرْ بإخراج من عندك إلا وصيك ، ليقبضها منا وتشهدنا بدفعك إياها إليه ضامناً لها ، يعني علياً ، فأمر النبي بإخراج من كان في البيت ما خلا علياً ، وفاطمة فيما بين الستر والباب ، فقال جبرئيل : يا محمد ربك يقرؤك السلام ويقول : هذا كتاب ما كنت عهدت إليك ، وشرطت عليك وشهدت به عليك ، وأشهدت به عليك ملائكتي وكفى بي يا محمد شهيداً ، قال : فارتعدت مفاصل النبي صلى الله عليه وآله فقال : يا جبرئيل ربي هو السلام ومنه السلام وإليه يعود السلام ، صدق عز وجل وبرَّ ، هات الكتاب فدفعه إليه وأمره بدفعه إلى أمير المؤمنين فقال له : إقرأه ، فقرأه حرفاً حرفاً ، فقال : يا علي هذا عهد ربي تبارك وتعالى إليَّ ، شرطه عليَّ وأمانته ، وقد بلغت ونصحت وأديت ، فقال علي : وأنا أشهد لك بأبي وأمي أنت بالبلاغ والنصيحة والتصديق على ما قلت ، ويشهد لك به سمعي وبصري ولحمي ودمي . فقال جبرئيل : وأنا لكما على ذلك من الشاهدين ، فقال رسول الله : يا علي أخذت وصيتي وعرفتها وضمنت لله ولي الوفاء بما فيها ؟ فقال علي :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 158 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
نعم بأبي أنت وأمي عليَّ ضمانها ، وعلى الله عوني وتوفيقي على أدائها . فقال رسول الله : يا علي إني أريد أن أشهدَ عليك بموافاتي بها يوم القيامة . فقال علي : نعم أشْهِدْ .
فقال النبي : إن جبرئيل وميكائيل فيما بيني وبينك الآن وهما حاضران معهما الملائكة المقربون لأشهدهم عليك . فقال : نعم ليشهدوا وأنا بأبي أنت وأمي أشهدهم ، فأشهدهم رسول الله ! وكان فيما اشترط عليه النبي بأمر جبرئيل فيما أمر الله عز وجل أن قال له :
يا علي تفي بما فيها من موالاة من والى الله ورسوله ، والبراءة والعداوة لمن عادى الله ورسوله ، والبراءة منهم . على الصبر منك ، وعلى كظم الغيظ ، وعلى ذهاب حقك ، وغصب خمسك ، وانتهاك حرمتك ؟
فقال : نعم يا رسول الله .
فقال أمير المؤمنين : والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ، لقد سمعت جبرئيل عليه السلام يقول للنبي : يا محمد عرفه أنه تنتهك الحرمة ، وهي حرمة الله وحرمة رسول الله ، وعلى أن تخضب لحيته من رأسه بدم عبيط .
قال أمير المؤمنين : فصعقت حين فهمت الكلمة من الأمين جبرئيل حتى سقطت على وجهي ، وقلت : نعم قبلت ورضيت ، وإن انتهكت الحرمة وعطلت السنن ، ومزق الكتاب ، وهدمت الكعبة ، وخضبت لحيتي من رأسي بدم عبيط ، صابراً محتسباً أبداً ، حتى أقدم عليك !
ثم دعا رسول الله فاطمة والحسن والحسين ، وأعلمهم مثل ما أعلم أمير المؤمنين ، فقالوا مثل قوله ، فختمت الوصية بخواتيم من ذهب ، لم تمسه النار ودفعت إلى أمير المؤمنين .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 159 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال الراوي عن الامام الكاظم : فقلت لأبي الحسن : بأبي أنت وأمي ألا تذكر ما كان في الوصية ؟ فقال : سنن الله ، وسنن رسوله . فقلت : أكان في الوصية توثبهم وخلافهم على أمير المؤمنين ؟ فقال : نعم والله شيئاً شيئاً وحرفاً حرفاً ، أما سمعت قول الله عز وجل : ( إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شئ أحصيناه في إمام مبين ) . والله لقد قال رسول الله لأمير المؤمنين وفاطمة : أليس قد فهمتما ما تقدمت به إليكما وقبلتماه ؟ فقالا : بلى وصبرنا على ما ساءنا وغاظنا ) . انتهى .
إنها مهمة هداية البشرية إلى آخر هذا العالم بعد ختم النبوة . . مهمة الإمامة وعهدها ميثاقها ، ومسؤوليتها الثقيلة ، وعلومها وأسرارها الربانية . .
ولكن زعماء قريش لا يريدون أن يفهموا إمامة الأمة بعد النبي ، إلا أنها رئاسة دولة محمد والتمتع بسلطان محمد ، وليس من العدل أن يجمع بنو هاشم بين النبوة والخلافة ! ! فالنبوة كانت سهم بني هاشم ، وإمامة أمة الاسلام يجب أن تكون سهم بقية بطون قريش !
إنهم أنفسهم الذين قال الله عنهم : ( وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم . أهم يقسمون رحمة ربك ؟ ! نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات . . ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً ! ورحمة ربك خير مما يجمعون ) سورة الزخرف - 31 - 32

3 - فاطمة لأبيها : أخشى على نفسي وولدي الضيعة من بعدك !

في هذه الأجواء كانت تعيش فاطمة وعلي وأهل البيت عليهم السلام . .
فقريش ضارية في عملها ضد عترة النبي وبني هاشم ، لكي تنفذ صحيفة المقاطعة الجديدة ضدهم ، كتلك التي نفذتها قبل ست عشرة سنة !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 160 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لقد تحملت فاطمة في رها سنوات طويلة جور صحيفة المقاطعة القرشية في شعب أبي طالب . . لكنها كانت في كنف أبيها خير البشر ، وأمها الصديقة خديجة الكبرى ، وكنف عشيرتها الأبطال بني هاشم . .
أما اليوم فهي تواجه صحيفة قرشية أشد وأعتى . . ولا من والد يرد عنها ، ولم يبق من رجال بني هاشم إلا علي والعباس وعقيل !
قالت قريش ليس من العدل أن يجمع محمد لبني هاشم بين النبوة والخلافة ، وائتمرت لمنعهم من الخلافة وتحالفت !
فكأن محمداً أعطى بني هاشم ومنع قريشاً من عند نفسه ! وكأن القرشيين لم يعرفوا إلى الآن أن محمداً هو الذي كانوا يسمونه قبل بعثته ( الصادق الأمين ) صلى الله عليه وآله . . وكأنهم لم يسمعوا قول الله تعالى : ( وما ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحيٌ يوحى ) وقوله تعالى : ( تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً ، والعاقبة للمتقين ) ! !
بلى والله لقد سمعوه ووعوه ، لكن حليت الدنيا في أعينهم وراقهم زبرجها ! سبحانك اللهم . . أعطيت عترة نبيك وحرمت قريشاً . . فجعلتهم لهم فتنة ، وجعلت قريشاً لهم بلاء . . ! لا اعتراض على أمرك ، ولا شك في حكمتك !
* *
كانت فاطمة تعد نفسها للمصائب التي ستنزل ها قريش بالبيت النبوي . . ولكنها أرادت أن تبث شجونها وتسكب عبرتها أمام أبيها الحنون . . فدخلت عليه وهي تتأجج حزناً وألماً . . وشكت اليه أنها ترى الأفق ملبداً بالغيوم الداكنة ، وترى الأفاعي فاغرة تنتظر أن يغمض الرسول عينيه ، حتى تهاجم ها مع زوجها وولديها ! ! فقد روت المصادر السنية والشيعية أجزاء من هذه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 161 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الملحمة المؤثرة ، بين النبي وفاطمة . . ففي كمال الدين ص 262 : ( عن سليم بن قيس الهلالي قال : سمعت سلمان الفارسي رضي الله عنه يقول : كنت جالساً بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله في مرضته التي قبض فيها فدخلت فاطمة عليها السلام ، فلما رأت ما بأبيها من الضعف بكت حتى جرت دموعها على خديها ، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله : ما يبكيك يا فاطمة ؟ قالت : يا رسول الله أخشى على نفسي وولدي الضيعة بعدك ، فاغرورقت عينا رسول الله بالبكاء ، ثم قال : يا فاطمة أما علمت أنا أهل بيت اختار الله عز وجل لنا الآخرة على الدنيا ، وأنه حتم الفناء على جميع خلقه ، وأن الله تبارك وتعالى اطَّلع إلى الأرض اطِّلاعةً فاختارني من خلقه فجعلني نبياً ، ثم اطَّلع إلى الأرض اطِّلاعة ثانية فاختار منها زوجك وأوحى إلي أن أزوجك إياه وأتخذه ولياً ووزيراً وأن أجعله خليفتي في أمتي ، فأبوك خير أنبياء الله ورسله ، وبعلك خير الأوصياء ، وأنت أول من يلحق بي من أهلي .
ثم اطَّلع إلى الأرض اطلاعة ثالثةً فاختارك وولديك ، فأنت سيدة نساء أهل الجنة ، وابناك حسن وحسين سيدا شباب أهل الجنة ، وأبناء بعلك أوصيائي إلى يوم القيامة ، كلهم هادون مهديون ، وأول الأوصياء بعدي أخي علي ، ثم حسن ، ثم حسين ، ثم تسعة من ولد الحسين في درجتي ، وليس في الجنة درجة أقرب إلى الله من درجتي ودرجة أبي إبراهيم .
أما تعلمين يا بنية أن من كرامة الله إياك أن زوجك خير أمتي ، وخير أهل بيتي أقدمهم سلماً ، وأعظمهم حلماً ، وأكثرهم علماً .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 162 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فاستبشرت فاطمة عليها السلام وفرحت بما قال لها رسول الله صلى الله عليه وآله ، ثم قال : يا بنية إن لبعلك مناقب : إيمانه بالله ورسوله قبل كل أحد ، فلم يسبقه إلى ذلك أحد من أمتي ، وعلمه بكتاب الله عز وجل وسنتي ، وليس أحد من أمتي يعلم جميع علمي غير علي ، وإن الله عز وجل علمني علماً لا يعلمه غيري وعلم ملائكته ورسله علماً ، فكلما علمه ملائكته ورسله فأنا أعلمه ، وأمرني الله أن أعلمه إياه ففعلت ، فليس أحد من أمتي يعلم جميع علمي وفهمي وحكمتي غيره .
وإنك بابنيه زوجته ، وابناه سبطاي حسن وحسين وهما سبطا أمتي ، وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر ، فإن الله جل وعز آتاه الحكمة وفصل الخطاب . وبابه إنا أهل بيت أعطانا الله عز وجل ست خصال لم يعطها أحداً من الأولين كان قبلكم ، ولم يعطها أحداً من الآخرين غيرنا ، نبينا سيد الأنبياء والمرسلين ، وهو أبوك ، ووصينا سيد الأوصياء وهو بعلك ، وشهيدنا سيد الشهداء وهو حمزة بن عبد المطلب عم أبيك . . . وجعفر بن أبي طالب ذو الجناحين الطيار في الجنة مع الملائكة ، وابناك حسن وحسين سبطا أمتي وسيدا شباب أهل الجنة ، ومنا والذي نفسي بيده مهدي هذه الأمة الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً . قالت وأي هؤلاء الذين سميتم أفضل ؟
قال : علي بعدي أفضل أمتي ، وحمزة وجعفر أفضل أهل بيتي بعد علي ، وبعدك وبعد ابنيَّ وسبطي حسن وحسين ، وبعد الأوصياء من ولد ابني هذا وأشار إلى الحسين ، منهم المهدي .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 163 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إنا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا ، ثم نظر رسول الله صلى الله عليه وآله إليها وإلى بعلها وإلى ابنيها فقال : يا سلمان أشهد الله أني سلم لمن سالمهم ، وحرب لمن حاربهم ، أما إنهم معي في الجنة .
ثم أقبل على علي عليه السلام فقال : يا أخي أنت ستبقى بعدي وستلقى من قريش شدة من تظاهرهم عليك وظلمهم لك ، فإن وجدت عليهم أعواناً فجاهدهم وقاتل من خالفك بمن وافقك ، وإن لم تجد أعواناً فاصبر وكفَّ يدك ولا تلق بها إلى التهلكة ، فإنك مني بمنزلة هارون من موسى ، ولك بهارون أسوة حسنة إذ استضعفه قومه وكادوا يقتلونه ، فاصبر لظلم قريش إياك وتظاهرهم عليك ، فإنك بمنزلة هارون ومن تبعه ، وهم بمنزلة العجل ومن تبعه . يا علي إن الله تبارك وتعالى قد قضى الفرقة والاختلاف على هذه الأمة ، ولو شاء الله لجمعهم على الهدى حتى لا يختلف اثنان من هذه الأمة ولا ينازع في شئ من أمره ، ولا يجحد المفضول لذي الفضل فضله . ولو شاء لعجل النقمة وكان منه التغيير حتى يكذب الظالم ويعلم الحق أين مصيره . ولكنه جعل الدنيا دار الأعمال ، وجعل الآخرة دار القرار ، ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا ، ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى .
فقال علي : الحمد لله شكراً على نعمائه ، وصبراً على بلائه ) . انتهى .
* *
وهكذا علم النبي عزيزته الزهراء ووصيه علياً الرضا والتسليم . .
وهكذا كانت عبودية الانسان الكامل وإطاعته للخالق العظيم الحكيم ، مطلقةً من الشروط ، بريئةً من الذات ، خالصةً نقيةً من رواسب الطين . . فكان التكريم الرباني بمستوى تسليمهم المطلق لإرادته . . صلوات الله عليهم .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 164 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لقد فهمت فاطمة وعلي والحسنان . . أنهم أمام قدر الله وإرادته في الامتحان ، وأن عليهم أن يدفعوا ضريبة العبودية . . فدفعوها بسخاء ، ورضوا بقدر الله تعالى ، وعيونهم تفيض بالدمع ، وقلوبهم تنبض بالخشوع والشكر ! !
وهنيئاً لمن فهم بعض ما فهموا ، واستوعب بعض ما استوعبوا .

4 - الله . . يا يوم الاثنين

لم ينم أحد في بيت النبي ليلة الاثنين إلا لماماً . . !
فالنبي من يوم الأحد ، منذ أن لدَّته عائشة وحفصة ، يغمى عليه ويفيق . . ورغم حالته هذه ، فقد اضطر للخروج إلى المسجد عند المغرب متوكئاً على علي والعباس ، ليتدارك فتنة عائشة حيث أرسلت إلى أبيها عن لسان النبي أن يصلي إماماً بالناس ، فذهب النبي وأزاحه وصلى بهم ، وخطب آخر خطبة له مؤكداً على التمسك بعترته ، وغشي عليه في المسجد حتى صاح الناس وبكوا . . ثم أفاق وأمرهم بإرجاعه إلى البيت ، وبقي يغمى عليه ويفيق إلى وقت وفاته بعد ظهر الاثنين . . صلوات الله عليه وآله !
قال في البحار : 22 / 486 : ( وقال : ادعوا لي العباس ، فدعي فحمله هو وعلي ، فأخرجاه حتى صلى بالناس وإنه لقاعد ، ثم حمل فوضع على منبره ، فلم يجلس بعد ذلك على المنبر ، واجتمع له جميع أهل المدينة من المهاجرين والأنصار حتى برزت العواتق من خدورهن ، فبين باك وصائح وصارخ ومسترجع ، والنبي يخطب ساعة ويسكت ساعة ، وكان مما ذكر في خطبته أن قال : أيها الناس : لا تأتوني غداً بالدنيا تزفونها زفاً ، ويأتي أهل بيتي شعثاً
غبراً مقهورين مظلومين ، تسيل دماؤهم أمامكم . . .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 165 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أيها الناس : ومن كانت له قبلي تبعة فها أنا ، ومن كانت له عدة ، فليأت فيها علي بن أبي طالب ، فإنه ضامن لذلك كله ، حتى لا يبقى لأحد علي تباعة ) . انتهى .
وفي الارشاد للمفيد : 1 / 183 : ( فلما كان من الغد ( يوم الاثنين ) حجب الناس عنه وثقل مرضه ، وكان أمير المؤمنين لا يفارقه إلا لضرورة ، فقام في بعض شؤونه ، فأفاق عليه السلام إفاقة فافتقد علياً عليه السلام فقال وأزواجه حوله : ادعوا لي أخي وصاحبي ، وعاوده الضعف فأصمت ، فقالت عائشة ادعوا له أبا بكر ، فدعي فدخل عليه فقعد عند رأسه ، فلما فتح عينه نظر إليه أعرض عنه بوجهه ، فقام أبو بكر . فقال : ادعوا لي أخي وصاحبي ، فقالت حفصة : ادعوا له عمر فدعي ، فلما حضر رآه النبي عليه السلام فأعرض عنه بوجهه ، فانصرف . ثم قال ادعوا لي أخي وصاحبي ! فقالت أم سلمة : ادعوا له علياً فإنه لا يريد غيره ، فدعي أمير المؤمنين عليه السلام ، فلما دنا منه أومأ إليه فأكب عليه ، فناجاه رسول الله صلى الله عليه وآله طويلاً ، ثم قام فجلس ناحية حتى أغفى رسول الله صلى الله عليه وآله ، فلما أغفى خرج فقال له الناس : يا أبا الحسن ما الذي أوعز إليك ؟ فقال : علمني رسول الله ألف باب من العلم فتح لي كل باب ألف باب ، ووصاني بما أنا قائم به إن شاء الله .
ثم ثقل رسول الله صلى الله عليه وآله وحضره الموت ، فلما قرب خروج نفسه قال له : ضع رأسي يا علي في حجرك ، فقد جاء أمر الله عز وجل ، فإذا فاضت نفسي فتناولها بيدك وامسح بها وجهك ، ثم وجهني إلى
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 166 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
القبلة ، وتول أمري ، وصل علي أول الناس ، ولا تفارقني حتى تواريني في رمسي ، واستعن بالله عز وجل .
وأخذ عليٌّ رأسه فوضعه في حجره فأغمي عليه ، وأكبت فاطمة عليها السلام تنظر في وجهه وتندبه وتبكي وتقول : وأبيض يستسقى الغمام بوجهه . . ثمالُ اليتامى عصمةٌ للأرامل ، ففتح رسول الله صلى الله عليه وآله عينيه وقال بصوت ضئيل : يا بنية هذا قول عمك أبي طالب لا تقوليه ، ولكن قولي : وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ، أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ! فبكت طويلاً فأومأ إليها بالدنو منه ، فدنت إليه ، فأسر إليها شيئاً هلل له وجهها .
ثم قضى صلى الله عليه وآله ، ويد أمير المؤمنين اليمنى تحت حنكه ، ففاضت نفسه عليه السلام فيها ، فرفعها إلى وجهه فمسحه بها ، ثم وجهه وغمضه ومد عليه إزاره ، واشتغل بالنظر في أمره ) . انتهى .
وقد روت شبيهاً بذلك مصادرهم . . لكن على طريقتها في الحذف والتحريف ! ففي مسند أحمد : 1 / 356 : ( عن ابن عباس قال لما مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم مرضه الذي مات فيه كان في بيت عائشة فقال : ادعوا لي علياً قالت عائشة : ندعو لك أبا بكر ؟ قال أدعوه ، قالت حفصة يا : رسول الله ندعو لك عمر ؟ قال أدعوه ، قالت أم الفضل : يا رسول الله ندعو لك العباس ؟ قال أدعوه فلما اجتمعوا رفع رأسه فلم ير علياً فسكت ، فقال عمر : قوموا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . . . ) . انتهى . ومثله ابن ماجة : 1 / 391
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 167 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والقارئ يفهم الكثير الكثير من قول النبي صلى الله عليه وآله : أدع لي علياً فتجيبه عائشة : ندعو لك أبا بكر ! وتجيبه حفصة : ندعو لك عمر ! !
ولا يحتاج إلى شرح لذلك بعد أن شرحه الله تعالى بقوله : ( إن تتوبا لي الله فقد صغت قلوبكما ، وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه ، وجبريل وصالح المؤمنين ، والملائكة بعد ذلك ظهير ) وفي قراءة ابن عباس ( زاغت قلوبكما ) والمعنيان صحيحان ، لأن قلبيهما زاغا عن الايمان إلى النفاق ، بسبب أنهما صغتا إلى شياطين قريش واليهود ، وعملنا لمصلحتهم ضد العترة النبوية !

5 - الساعات الأخيرة من عمر خير البشر . .

في بحار الأنوار : 22 / 531 : ( عن الامام الصادق عليه السلام قال : ( لما حُضِرَ النبي جعل يغمى عليه ، فقالت فاطمة : وا كرباه لكربك يا أبتاه ، ففتح عينه وقال : لا كرب على أبيك بعد اليوم ) .
وفي بحار الأنوار : 22 / 532 : ( عن علي عليه السلام قال : كان جبرئيل ينزل على النبي في مرضه الذي قبض فيه في كل يوم وفي كل ليلة فيقول : السلام عليك ، إن ربك يقرئك السلام ، فيقول : كيف تجدك ؟ وهو أعلم بك ، ولكنه أراد أن يزيدك كرامة وشرفاً إلى ما أعطاك على الخلق ، وأراد أن يكون عيادة المريض سنة في أمتك ، فيقول له النبي إن كان وجعاً : يا جبرئيل أجدني وجعاً ، فقال له جبرئيل اعلم يا محمد إن الله لم يشدد عليك ، وما من أحد من خلقه أكرم منك ، ولكنه أحب أن يسمع صوتك ودعاءك حتى تلقاه مستوجباً للدرجة والثواب الذي أعد لك والكرامة الفضيلة على الخلق . وإن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 168 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال له النبي : أجدني مريحاً في عافية ، قال له : فاحمد الله على ذلك ، فإنه يحب أن تحمده وتشكره ليزيدك إلى ما أعطاك خيراً ، فإنه يحب أن يحمد ويزيد من شكر .
قال : وإنه نزل عليه في الوقت الذي كان ينزل فيه فعرفنا حسه ، فقال علي : فيخرج من كان في البيت غيري ، فقال له جبرئيل : يا محمد إن ربك يقرئك السلام ويسألك وهو أعلم بك كيف تجدك ؟ فقال له النبي : أجدني ميتاً ، قال له جبرئيل : يا محمد أبشر ، فإن الله إنما أراد أن يبلغك بما تجد ما أعد لك من الكرامة . قال له النبي : إن ملك الموت استأذن علي فأذنت له ، فدخل واستنظرته مجيئك ؟ فقال له : يا محمد إن ربك إليك مشتاق ، فما استأذن ملك الموت على أحد قبلك ، ولا يستأذن على أحد بعدك ، فقال النبي : لا تبرح يا جبرئيل حتى يعود ، ثم أذن للنساء فدخلن عليه ، فقال لابنته : أدني مني يا فاطمة ، فأكبت عليه فناجاها فرفعت رأسها وعيناها تهملان دموعاً فقال لها : أدني مني ، فدنت منه فأكبت عليه فناجاها فرفعت رأسها وهي تضحك ، فتعجبنا لما رأينا ، فسألناها فأخبرتنا أنه نعى إليها نفسه فبكت ، فقال : يا بنية لا تجزعي ، فإني سألت ربي أن يجعلك أول أهل بيتي لحاقاً بي ، فأخبرني أنه قد استجاب لي ، فضحكت .
قال : ثم دعا النبي الحسن والحسين فقبلهما وشمهما وجعل يترشف هما وعيناه تهملان ) . انتهى .
وفي مناقب آل أبي طالب : 1 / 203 : ( دعت أم سلمة علياً فناجاه طويلاً ، ثم أغمي عليه ، فجاء الحسن والحسين يصيحان ويبكيان حتى وقعا على رسول الله ، وأراد علي أن ينحيهما عنه فأفاق رسول الله ثم قال : يا علي دعهما
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 169 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أشمهما ويشماني وأتزود منهما ويتزودان مني ، ثم جذب علياً تحت ثوبه ووضع فاه على فيه وجعل يناجيه .
فلما حضره الموت قال له : ضع رأسي يا علي في حجرك فقد جاء أمر الله فإذا فاضت نفسي فتناولها بيدك وامسح بها وجهك ، ثم وجهني إلى القبلة وتول أمري وصل عليَّ أول الناس ، ولا تفارقني حتى تواريني في رمسي واستعن بالله عز وجل .
وأخذ علي برأسه فوضعه في حجره وأغمي عليه ، فبكت فاطمة فأومى إليها بالدنو منه ، فأسر إليها شيئا تهلل وجهها ، القصة . . .
ثم قضى ، ومد أمير المؤمنين يده اليمنى تحت حنكه ففاضت نفسه فيها فرفعها إلى وجهه فمسحه بها ، ثم وجهه ومد عليه أزاره واستقبل بالنظر في أمره ) .
وفي بحار الأنوار : 22 / 529 : ( قال : وصاحت فاطمة عليها السلام ، وصاح المسلمون ووضعوا التراب على رؤوسهم ) .

6 - غابت عائشة وحفصة وأبو بكر وعمر . . عن جنازة النبي !

ما إن صعدت صيحة أهل بيت النبي ، والمسلمين الموجودين قرب بيته وفي مسجده الملاصق للبيت . . حتى ظهر عمر في المسجد لابساً لباس الحرب شاهراً سيفه وهو يصيح ( إن النبي لم يمت والله لا أسمع أحداً يقول مات رسول الله إلا ضربته بالسيف ! ) مجمع الزوائد : 5 / 182 ، ثم خرج إلى السكك يتابع صياحه وتهديده ( حتى أزبد شدقاه ) ! سبل الهدى للصالحي : 12 / 298 ، وصححه كانت حركة غريبة من عمر على المسلمين ، لكنها جنون سياسي محسوب
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 170 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
سلفاًً من قائد الحزب القرشي . . فقد خافوا أن يبادر العباس عم النبي أو أحد من بنس هاشم إلى دعوة المسلمين لتجديد البيعة لعلي ! فكان من الضروري أن يكسبوا الوقت لساعات قليلة حتى يرتبوا إعلان بيعة أبي بكر قبل أي حركة من بني هاشم ! فمن الضروري لهم التشكيك في وفاة النبي ، ليؤخروا مراسم دفنه وأي تفكير بتجديد البيعة لعلي !
روى الطبري في تاريخه : 2 / 442 ، أن عمر كان يقول : ( إن رجالاً من المنافقين يزعمون أن رسول الله توفي ، وإن رسول الله والله ما مات ، ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران ، فغاب عن قومه أربعين ليلة ثم رجع بعد أن قيل قد مات . والله ليرجعن رسول الله فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم يزعمون أن رسول الله مات ! ! ) .
وأضاف النسائي والهيثمي : ( لا أسمع أحداً يقول مات رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ضربته بالسيف ! ) مجمع الزوائد : 5 / 182 و النسائي : 4 / 263 .
وقال الصالحي الشامي في سبل الهدى والرشاد : 12 / 298 : ( روى البزار والبلاذري وبقي بن مخلد ، عن أبي هريرة وابن عباس ، وأبو يعلى وأحمد برجال ثقات ، والطيالسي والترمذي في الشمائل بإسناد حسن ، عن عائشة ، والطبراني برجال ثقات ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، وإسحاق بن راهويه عن عكرمة ، وعبد بن حميد بسند صحيح ، عن سالم بن عبيد الصحابي . . في حديث طويل جاء فيه أن عمر كان يقول . . . وليقطعن أيدي رجال وأرجلهم وألسنتهم ، وتكلم حتى أزبد شدقاه . . . وابن أم مكتوم في مؤخرة المسجد يقرأ : وما محمد إلا رسولٌ قد خلت من قبله الرسل . . . والناس يموجون ويبكون ولا يسمعون ، فخرج عباس بن عبد المطلب على الناس فقال : يا أيها الناس
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 171 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
هل عند أحد منكم من عهد رسول الله فليحدثنا ؟ ! قالوا : لا . قال : هل عندك يا عمر من علم ؟ ! قال : لا . فقال العباس : أشهد أيها الناس أن أحداً لا يشهد على رسول الله بعهد عهده إلي في وفاته ، والله الذي لا إله إلا هو فقد ذاق رسول الله الموت ، فادفنوا صاحبكم . . ) . انتهى .
فقد كان العباس يتصور أن كل شئ بيدهم وأنهم يجب أن يدفنوا النبي أولاً ثم يجددوا البيعة لعلي ! ولا بد أن عمر ارتاح إلى أن برنامجهم دفن النبي أولاً ، لكنه احتاط ولم يقتنع بكلام العباس ، كما ( لم يقتنع ) من قبل بنص القرآن بذلك الذي كان يتلوه ابن أم مكتوم في المسجد بشكل مستمر ! ! وإنما اقتنع عندما جاء أبو بكر وقرأ له آية إنك ميت وإنهم ميتون . . فتغيرت حالته لأنه اطمأن إلى نجاح خطتهم ، وقد قال هو عن نفسه ، كما في البخاري : 5 / 20 : ( لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم قلت لأبي بكر انطلق بنا إلى إخواننا من الأنصار . . وقال كما في البخاري : 8 / 27 : ( وكنت زورت مقالة أعجبتني أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر ، وكنت أداري منه بعض الحدة ، فلما أردت أن أتكلم قال أبو بكر : على رسلك ، فكرهت أن أغضبه ، فتكلم أبو بكر فكان هو أحلم مني وأوقر ، والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري ، إلا قال في بديهته مثلها أو أفضل ، حتى سكت . فقال : ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل ، ولم يعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش ، هم أوسط العرب نسباً وداراً ، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم ، فأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح وهو جالس بيننا ، فلم أكره مما قال غيرها كان والله أن أقدم فتضرب عنقي لا يقربني ذلك من إثم أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر ، اللهم الا ان تسول إلي نفسي عند الموت
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 172 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
شيئاً ، لا أجده الآن ! فقال قائل الأنصار أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب ، منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش . . فكثر اللغط وارتفعت الأصوات حتى فرقت من الاختلاف فقلت أبسط يدك يا أبا بكر فبسط يده فبايعته وبايعه المهاجرون ، ثم بايعته الأنصار ، ونزونا على سعد بن عبادة ، فقال قائل منهم قتلتم سعد بن عبادة فقلت قتل الله سعد بن عبادة !
قال عمر : وأنا والله ما وجدنا فيما حضرنا من أمر أقوى من مبايعة أبي بكر ! خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يبايعوا رجلاً منهم بعدنا ، فإما بايعناهم على ما لا نرضى ، وإما نخالفهم فيكون فساد . فمن بايع رجلاً على غير مشورة من المسلمين ، فلا يتابع هو ولا الذي بايعه ، تغرة أن يقتلا ! ) . انتهى . وكلامه الأخير فتوى بوجوب قتل أصحاب بيعة الفلتة ، كبيعة هم ! !
( انطلق بنا إلى الأنصار . . فانطلقا يتعاديان . . . ) ! !
وكان هذا آخر عهد أبي بكر وعمر بجنازة النبي ! ومعهما عائشة وحفصة ! ! أما لماذا ذهبا إلى سقيفة بني ساعدة ، فلأن سعد بن عبادة زعيم الأنصار مريض ، وهو نائم في تلك السقيفة التي هي محل استقبال سعد لأنها قرب بيته وحوله على العادة بعض الأنصار ، فهو أفضل مكان لبيعة أبي بكر وإعلانها ! ! قال ابن كثير في السيرة : 4 / 491 : ( قال الامام أحمد . . . توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه في صائفة من المدينة قال فجاء فكشف عن وجهه فقبله وقال : فداك أبي وأمي ما أطيبك حياً وميتاً ، مات محمد ورب الكعبة . فذكر الحديث قال : فانطلق أبو بكر وعمر يتعاديان حتى أتوهم ، فتكلم أبو بكر فلم يترك شيئا أنزل في الأنصار ولا ذكره رسول الله من شأنهم إلا ذكره . . الخ . ) . انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 173 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولم يقل أحمد في روايته هذه أن أبا بكر غطى وجه النبي وقال لأهل بيته استلموا صاحبكم أنا مشغول ! لكن النسائي قاله في كتاب الوفاة ص 75 : ( ثم قال أبو بكر عندكم صاحبكم ، وخرج ) !
وقال البيهقي في سننه : 8 / 145 دونكم صاحبكم ، لبني عم رسول الله يعني في غسله وما يكون من أمره ثم خرج ) ! ! .
وقال ابن أبي شيبة في المصنف : 8 / 572 ، قال : ( حدثنا ابن نمير ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، أن أبا بكر وعمر لم يشهدا دفن النبي ( ص ) وكانا في الأنصار ، فدفن رسول الله ( ص ) قبل أن يرجعا ) . انتهى .
وإن كان عجيباً أن ينشغل أبو بكر وعمر عن جنازة الرسول أياماً ! فالأعجب منه أن زوجته عائشة وحفصة ، ما أن أغمض عينيه حتى خرجتا من بيته وكانتا تتجولان وتعملان مع أبويهما في إقناع الأنصار ، ولم تجلسا في بيتهما للبكاء على زوجهما ، ولا أدَّتا واجب الحداد عليه ! !
ثم نرى عائشة بعد ذلك تعتب على علي وبني هاشم لتقصيرهم في حقها وحق حفصة حيث لم يفتشوا عنهما في مناطق المدينة ويدعوهما لحضور مراسم دفن النبي صلى الله عليه وآله ! ! قال ابن عبد البر في الاستيعاب : 1 / 47 : ( عن عمرة عن عائشة قالت ما علمنا بدفن رسول الله ( ص ) حتى سمعنا صوت المساحي من جوف الليل وصلى عليه علي والعباس وبنو هاشم ثم دخل المهاجرون ، ثم الأنصار ، ثم النساء والغلمان ) . انتهى . ورواه ابن هشام في سيرته : 4 / 321 ، والطبري في تاريخه : 3 / 213 ، والبيهقي في دلائل النبوة : 7 / 256 ، والشوكاني في نيل الأوطار : 2 جزء 4 / 88 ، وابن شيبة في المصنف : 3 / 227 . . وغيرهم .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 174 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

7 - بات آل محمد بأطول ليلة . . !

في بحار الأنوار : 22 / 537 : ( عن الامام الباقر عليه السلام قال : لما قبض رسول الله بات آل محمد بأطول ليلة حتى ظنوا أن لا سماء تظلهم ، ولا أرض تقلهم ! لأن رسول الله وَتَرَ الأقربين والأبعدين في الله ، فبينما هم كذلك إذ أتاهم آتٍ لا يرونه ، ويسمعون كلامه ، فقال : السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته ، إن في الله عزاء من كل مصيبة ، ونجاة من كل هلكة ، ودركاً لما فات ، كل نفس ذائقة الموت ، وإنما توفون أجوركم يوم القيامة ، فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور .
إن الله اختاركم وفضلكم وطهركم ، وجعلكم أهل بيت نبيه ، واستودعكم علمه ، وأورثكم كتابه ، وجعلكم تابوت علمه ، وعصا عزه ، وضرب لكم مثلاً من نوره ، وعصمكم من الزلل ، وآمنكم من الفتن ، فتعزوا بعزاء الله ، فإن الله لم ينزع منكم رحمته ، ولن يزيل عنكم نعمته ، فأنتم أهل الله عز وجل الذين ، بهم تمت النعمة ، واجتمعت الفرقة ، وائتلفت الكلمة ، وأنتم أولياؤه ، فمن تولاكم فاز ، ومن ظلم حقكم زهق ، مودتكم من الله واجبة في كتابه على عباده المؤمنين ، ثم الله على نصركم إذ يشاء قدير ، فاصبروا لعواقب الأمور ، فإنها إلى الله تصير ، قد قبلكم الله من نبيه وديعة ، واستودعكم أولياءه المؤمنين في الأرض ، فمن أدى أمانته أتاه الله صدقه ، فأنتم الأمانة المستودعة ، ولكم المودة الواجبة ، والطاعة المفروضة ، وقد قبض رسول الله وقد أكمل لكم الدين ، وبين لكم سبيل المخرج ، فلم يترك لجاهل حجة ، فمن جهل أو تجاهل أو أنكر أو نسي أو تناسى ، فعلى الله حسابه ، والله من وراء حوائجكم ، وأستودعكم الله ، والسلام عليكم ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 175 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فسألت أبا جعفر ممن أتاهم التعزية ؟ فقال من ( قبل ) الله تبارك وتعالى ) .
وفي الأنوار البهية : ص 42 : ( وعن الثعلبي : إنه قبض حين زاغت الشمس ، فلما قبض رسول الله ، جاء الخضر فوقف على باب البيت ، وفيه علي وفاطمة والحسن والحسين ، ورسول الله قد سجي بثوب ، فقال : السلام عليكم يا أهل البيت : كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة إن في الله خلفاً من كل هالك ، وعزاءً من كل مصيبة ، ودركاً من كل ما فات ، فتوكلوا عليه ، وثقوا به ، وأستغفر الله لي ولكم .
وأهل البيت يسمعون كلامه ولا يرونه ، فقال أمير المؤمنين : هذا أخي الخضر جاء يعزيكم بنبيكم ) . انتهى .

8 - علي وفاطمة ينفذان وصية النبي . .

لم يكن بقي من رجال بني هاشم الكبار بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله إلا العباس وابنه الفضل وعلي ، فكانوا هم المعنيين بجنازة النبي . . أما عقيل بن أبي طالب فكان في مكة . . وكان الباقون شباناً وغلماناً ، وهم كثرة . .
وقد حدد النبي ( آله وأهل بيته ) مراراً بعلي وفاطمة والحسنين عليهم السلام . . أما بقية بني هاشم فهم أرحامه وعشيرته ، لكنهم ليسوا آله ولا أهل بيته ، بالمصطلح الاسلامي الذي وضعه النبي صلى الله عليه وآله .
ومع أن العباس عم النبي ، والعم عند العرب صنو الأب ، لكنه كان يعرف لعلي عليه السلام مقامه من النبي ، خاصة أن علياً قبل وصية النبي بأن يقضي عنه ديونه وعداته ، بينما لم يقبلها العباس خوفاً من ثقلها عليه !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 176 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كان العباس يفكر أن الأمور بيدهم ، فقد أمر النبي المسلمين وبايعوا علياً في حياته ، وأنهم سيفون ببيعتهم ويجددون ها بعد وفاته ، لكن لا يصح أن يتكلم أحد عن خلافة النبي إلا بعد مراسم دفنه . . وقد رأى العباس حركة عمر للتشكيك في وفاة النبي صلى الله عليه وآله فردها ، وتصور أن عمر قد سكت وذهب وانتهى الأمر ! لكنه عندما عرف فيما بعد أنهم تركوا جنازة النبي بأيديهم وذهبوا ليعلنوا بيعتهم لأبي بكر بدون مشورة ، صاح منفعلاً : فعلوها والله ! ! فعلوها ! !
أما علي وفاطمة والحسنان . . فكانوا يعلمون أن قريشاً ماضية في خطتها الجهنمية في الانقلاب على نبيها بعده ، على سنة اليهود حذو القذة بالقذة . . وكانوا ينتظرون أن تأتيهم موجة الفتنة القرشية اليهودية بين حين وآخر !
لكنهم لم يكونوا حاضرين لأن يقوموا بأي عمل ، أو ينشغلوا بأي شغل سوى تنفيذ وصية النبي صلى الله عليه وآله حرفياً . . فقد أوصاهم النبي بما يجب عليهم بوضوح ، وأوصى علياً بكل ما يعمله في مراسم احتضاره وتغسيله والصلاة عليه ودفنه . . ثم أوصاه أن يعتكف في بيته حتى يجمع القرآن كما وجهه ويعرضه عليهم ، فإن لم يقبلوه ، احتفظ به عن الناس وورثه للحسن ثم للحسين ثم للأئمة من ذريته .
كانت وصايا النبي بتجهيزه والصلاة عليه ودفنه ، تحتاج إلى بقية يوم الاثنين الذي توفي فيه ويوم الثلاثاء كاملاً إلى أواخر الليل ، حيث قام علي بدفن النبي صلى الله عليه وآله ليلاً . ولم يكن يستشير أحداً في شئ من أمر النبي لا في تجهيزه والصلاة عليه ولا في مكان دفنه أو وقته ، كما تزعم بعض الروايات . . لأن النبي كان حدد لعلي كل ذلك بدقة !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 177 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
في بحار الأنوار : 22 / 492 : عن الامام الصادق عليه السلام قال : ( قال علي ابن أبي طالب : كان في الوصية أن يدفع إلي الحنوط ، فدعاني رسول الله صلى الله عليه وآله قبل وفاته بقليل فقال : يا علي ويا فاطمة هذا حنوطي من الجنة دفعه إلي جبرئيل ، وهو يقرئكما السلام ويقول لكما : إقسماه واعزلا منه لي ولكما قال : لك ثلثه ، وليكن الناظر في الباقي علي بن أبي طالب ، فبكى رسول الله وضمها إليه . وقال : موفقة رشيدة مهدية ملهمة . يا علي قل في الباقي ، قال : نصف ما بقي لها ، ونصف لمن ترى يا رسول الله ، قال : هو لك فاقبضه . . .
وبالاسناد المتقدم عنه عن أبيه قال : قال رسول الله : يا علي أضمنت ديني تقضيه عني ؟ قال : نعم ، قال : اللهم فاشهد ، ثم قال : يا علي تغسلني ولا يغسلني غيرك فيعمى بصره ، قال علي : ولم يا رسول الله ؟ قال : كذلك قال جبرئيل عن ربي ، إنه لا يرى عورتي غيرك إلا عمي بصره قال علي : فكيف أقوى عليك وحدي ؟ قال : يعينك جبرئيل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت وإسماعيل صاحب السماء الدنيا ، قلت : فمن يناولني الماء ؟ قال : الفضل بن العباس من غير أن ينظر إلى شئ مني ، فإنه لا يحل له ولا لغيره من الرجال والنساء النظر إلى عورتي ، وهي حرام عليهم ، فإذا فرغت من غسلي فضعني على لوح ، وافرغ علي من بئري بئر غرس أربعين دلوا مفتحة الأفواه . قال عيسى : أو قال : أربعين قربة شككت أنا في ذلك ، قال : ثم ضع يدك يا علي على صدري ، وأحضر معك فاطمة والحسن والحسين من غير أن ينظروا إلى شئ من عورتي ، ثم تفهم عند ذلك ما كان وما هو كائن إن شاء الله تعالى . أقبلت يا علي ؟ قال : نعم . قال : اللهم فاشهد .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 178 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال : يا علي ما أنت صانع لو قد تأمر القوم عليك بعدي ، وتقدموا عليك ، وبعث إليك طاغيتهم يدعوك إلى البيعة ثم لببت بثوبك ، تقاد كما يقاد الشارد من الإبل مذموماً مخذولاً محزوناً مهموماً وبعد ذلك ينزل بهذه الذل ؟
قال : فلما سمعت فاطمة ما قال رسول الله صرخت وبكت ، فبكى رسول الله لبكائها ، وقال : يا بنية لا تبكين ولا تؤذين جلساءك من الملائكة ، هذا جبرئيل بكى لبكائك ، وميكائيل وصاحب سر الله إسرافيل ، يا بنية لا تبكين فقد بكت السماوات والأرض لبكائك .
فقال علي : يا رسول الله أنقاد للقوم ، وأصبر على ما أصابني من غير بيعة لهم ما لم أصب أعواناً لأنا جز القوم ، فقال رسول الله : اللهم اشهد .
فقال : يا علي ما أنت صانع بالقرآن والعزائم والفرائض ؟
فقال : يا رسول الله أجمعه ثم آتيهم به ، فإن قبلوه وإلا أشهدت الله عز وجل وأشهدتك عليه . قال : أشهد .
قال : وكان فيما أوصى به رسول الله أن يدفن في بيته الذي قبض فيه ، ويكفن بثلاثة أثواب أحدها يمان ، ولا يدخل قبره غير علي .
ثم قال : يا علي كن أنت وابنتي فاطمة والحسن والحسين ، وكبروا خمساً وسبعين تكبيرة ، وكبر خمساً وانصرف ، وذلك بعد أن يؤذن لك في الصلاة .
قال علي : بأبي أنت وأمي من يؤذنني ؟ قال : جبرئيل يؤذنك .
قال : ثم من جاء من أهل بيتي يصلون علي فوجاً فوجاً ، ثم نساؤهم ، ثم الناس بعد ذلك ) . انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 179 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

9 - منع أبي بكر وعمر فاطمة الزهراء من إقامة مجالس البكاء على أبيها !

قال البخاري : 5 / 144 : ( عن أنس رضى الله عنه قال لما ثقل النبي صلى الله عليه وسلم جعل يتغشاه فقالت فاطمة عليها السلام : واكرب أباه ! فقال لها : ليس على أبيك كربٌ بعد اليوم ! فلما مات قالت :
يا أبتاه . . أجاب رباً دعاه
يا أبتاه . . من جنة الفردوس مأواه
يا أبتاه . . إلى جبريل ننعاه
فلما دفن قالت فاطمة عليها السلام : يا أنس ، أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم التراب ؟ ! ) . انتهى .
روت مصادر الحديث والسيرة السنية هذا الحديث ، وأحاديث أخرى تهز قلب كل مسلم ، عن بكاء الصديقة الزهراء ، ونعيها البليغ الحنون لأبيها صلى الله عليه وآله . . لكنها لم ترو شيئاً عن مهاجمة السلطة القرشية لدار فاطمة ، وجمعهم الحطب وإضرامهم النار في بابها . . ولا عن الأحكام العرفية التي أعلنتها حكومة بطون قريش ومنعت بموجبها فاطمة أن تقيم مجلس البكاء عند قبر أبيها صلى الله عليه وآله ، بل منعت أي تجمع عند القبر والاقتراب منه ، بحجة تحريم البكاء على الميت ، وزعم عمر أن النبي قال إن الله يعذب الميت إذا بكى أهله عليه ! وأن النبي نهى أن يتخذ قبره عيداً ، أي مجتمعاً للزائرين !
والسبب في هذه الاجراءات المشددة المسندة بأحاديث موضوعة ، أنهم خافوا من تأثير مجالس الزهراء عند قبر أبيها على الرأي العام ، وخافوا أن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 180 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يعلن أحد من بني هاشم استجارته بالقبر ويقيم عنده حتى يلبي طلبه ، كما هي عادة العرب في الاستجارة بقبور عظمائهم والإقامة عندها حتى يلبى طلبهم ، ومن العار على ذوي القبر أن يستجير أحد بقير عظيم لهم ، ولا يلبوا طلبه ما أمكن ! !
* *
أما في مصادرنا . . فترى الصورة منطقية لا تناقض فيها ولا امتهان للعقل . . فالبكاء على الميت والحزن عليه عاطفة إنسانية ممدوحة ، وله أحكام شرعية ، تبين ما يستحب منه ، وما يكره ، وما يحرم . .
والبكاء على مصاب الأمة بنبيها وأهل بيته الطاهرين ، وعلى مصائبهم وأحزانهم ، من أرقى أنواع بكاء المؤمنين وعبادتهم لربهم ، والملائكة تسجل تلك العواطف والدموع في الحسنات . . ومن الظلم والمحال أن يعذب الله ميتاً لأن أحداً يبكي عليه كما زعم عمر ! !
وحرمة النبي وآله صلى الله عليهم أمواتاً كحرمتهم أحياء ، فهم أحياء عند ربهم يرزقون ، يسمعون كلامنا ، ويردون سلامنا ، وتعرض عليهم أعمالنا . . وزيارة قبورهم المباركة ومشاهدهم المشرفة من أفضل القربات إلى الله تعالى لأنها أمكنة مباركة مقدسة لها أحكام المساجد ، وهي أفضل من بعض المساجد ، فالصلاة لله في جوارهم من أفضل الأعمال . ودعاء الله عندها من أرجى الأدعية استجابةً ، لأن مشاهدهم مظان إجابة الله تعالى لأدعية عباده وتضرعاتهم اليه .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 181 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أما الأحاديث التي زعموا فيها أن النبي نهى عن الصلاة عند قبره ، أو نهى أن يكون القبر في المسجد ، أو نهى أن يتوسل بالنبي وآله ، أو نهى أن يشد الرحال إلى زيارتهم ، أو لعن من فعل ذلك . . فهي أحاديث موضوعة ، أو محرفة عن أصولها ، لأغراض سياسية قرشية ! وقد كذبها أهل بيت النبي من أول يوم بقولهم وعملهم !

فاطمة . . وبيت الأحزان

إن موقف سلطة أبي بكر وعمر من مجالس البكاء التي كانت تقيمها الصديقة الزهراء سلام الله عليها على أبيها رسول الله صلى الله عليه وآله ، دليلٌ واضح على أن مسألة البكاء على النبي صلى الله عليه وآله ، وزيارة قبره والتجمع عنده ، والتوسل والاستشفاع به إلى الله تعالى . . كانت تخيف السلطة أشد الخوف لذا اعتبروها من الأمور التي تمس بالأمن القومي ، على حد تعبير الحكومات المعاصرة المشابهة !
فلابد للباحث المنصف أن يشك في كل الأحاديث التي رووها مما يخالف سلوك فاطمة الزهراء وأهل البيت وأقوالهم عليهم السلام !
في الخصال للصدوق ص 272 ، عن الامام الصادق عليه السلام قال :
( البكاؤون خمسة : آدم ، ويعقوب ، ويوسف ، وفاطمة بنت محمد ، وعلي بن الحسين عليهم السلام . فأما آدم فبكى على الجنة حتى صار في خديه أمثال الأودية ، وأما يعقوب فبكى على يوسف حتى ذهب بصره ، وحتى قيل له : تاالله تفتؤ تذكر يوسف حتى تكون حرضاً أو تكون من الهالكين . وأما يوسف فبكى على يعقوب حتى تأذى به أهل السجن فقالوا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 182 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
له : إما أن تبكي الليل وتسكت بالنهار ، وإما أن تبكي النهار وتسكت بالليل ، فصالحهم على واحد منهما .
وأما فاطمة فبكت على رسول الله صلى الله عليه وآله حتى تأذى بها أهل المدينة فقالوا لها قد آذيتنا بكثرة بكائك ! فكانت تخرج إلى المقابر فتبكي حتى تقضي حاجتها ثم تنصرف .
وأما علي بن الحسين فبكى على الحسين عليه السلام عشرين سنة أو أربعين سنة ، ما وضع بين يديه طعام إلا بكى حتى قال له مولى له : جعلت فداك يا ابن رسول الله إني أخاف عليك أن تكون من الهالكين ، قال : إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون ، إني ما أذكر مصرع بني فاطمة إلا خنقتني لذلك عبرة ) . انتهى . ورواه الصدوق أيضاً في الأمالي ص 204 ، والنيسابوري في روضة الواعظين ص 451 ، وابن شهرآشوب في المناقب : 3 / 104
وقال المجلسي في بحار الأنوار : 43 / 177 : ( واجتمع شيوخ أهل المدينة وأقبلوا إلى أمير المؤمنين علي فقالوا له : يا أبا الحسن إن فاطمة تبكي الليل والنهار فلا أحد منا يتهنأ بالنوم في الليل على فرشنا ، ولا بالنهار لنا قرار على أشغالنا وطلب معايشنا ، وإنا نخبرك أن تسألها إما أن تبكي ليلاً أو نهاراً ، فقال : حباً وكرامة ، فأقبل أمير المؤمنين حتى دخل على فاطمة وهي لا تفيق من البكاء ، ولا ينفع فيها العزاء ، فلما رأته سكنت هنيئة له ، فقال لها : يا بنت رسول الله إن شيوخ المدينة يسألوني أن أسألك إما أن تبكين أباك ليلاً وإما نهاراً . فقالت : يا أبا الحسن ما أقل مكثي بينهم وما أقرب مغيبي من بين أظهرهم فوالله لا أسكت ليلاً ولا نهاراً ، أو ألحق بأبي رسول الله . فقال لها علي : إفعلي يا بنت رسول الله ما بدا لك . ثم إنه بنى لها بيتاً في البقيع نازحاً
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 183 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عن المدينة يسمى بيت الأحزان ، وكانت إذا أصبحت قدمت الحسن والحسين أمامها ، وخرجت إلى البقيع باكية فلا تزال بين القبور باكية ، فإذا جاء الليل أقبل أمير المؤمنين إليها وساقها بين يديه إلى منزلها ) . انتهى .
وقال السيد شرف الدين في النص والاجتهاد ص 301 : ( وهنا نلفت أولي الألباب إلى البحث عن السبب في تنحي الزهراء عن البلد في نياحتها على أبيها صلى الله عليه وآله وخروجها بولديها في لمة من نسائها إلى البقيع يندبن رسول الله صلى الله عليه وآله ، في ظل أراكة كانت هناك ، فلما قطعت بنى لها علي بيتاً في البقيع كانت تأوى إليه للنياحة يدعى بيت الأحزان ، وكان هذا البيت يزار في كل خلف من هذه الأمة ، كما تزار المشاهد المقدسة ، حتى هدم في هذه الأيام بأمر الملك عبد العزيز بن سعود النجدي ، لما استولى على الحجاز وهدم المقدسات في البقيع عملاً بما يقتضيه مذهبه الوهابي ، وذلك سنة 1344 للهجرة . وكنا سنة 1339 تشرفنا بزيارة هذا البيت بيت الأحزان ، إذ منَّ الله علينا في تلك السنة بحج بيته وزيارة نبيه ، ومشاهد أهل بيته الطيبين الطاهرين في البقيع عليهم السلام ) .
وقال صاحب الذريعة : 7 / 52 : ( أقول : إن دار تميم الداري معروفة بالمدينة ، وهو مشهد يزار حتى اليوم ، وكذا دار أبي بكر وعثمان ، ولكن انهدم بيت الأحزان في بقيع الغرقد لمجاورته مراقد أئمة الشيعة عليهم السلام وذلك لأجل أنه : قد يؤخذ الجار بجرم الجار ) !
وفي بيت الأحزان للقمي ص 128 : للشيخ صالح الحلي رحمه الله :
الواثبين لظلم آل ومحمد * ومحمد ملقىً بلا تكفينِ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 184 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والقائلين لفاطم آذيتنا * في طول نوح دائمٍ وحنينِ
والقاطعين أراكةً كيما تقيلَ * بظل أوراقٍ لها وغصون
ومجمعي حطبٍ على البيت الذي * لم يجتمع لولاه شمل الدين
والهاجمين على البتولة ببيتها * والمسقطين لها أعز جنين
والقائدين أمامهم بنجاته * والطهر تدعو خلفه برنين
خلوا ابن عمي أو لأكشف في الدعا * رأسي وأشكو للإله شجوني
ما كان ناقة صالح وفصيلها * بالفضل عند الله إلا دوني
ورنَت إلى القبر الشريف بمقلة * عبرى وقلبٍ مُكمَد محزون
قالت وأظفار المصاب بقلبها * غوثاه قلَّ على العداة معيني
أبتاه هذا السامري وعجله * تُبعا ومال الناس عن هارون
أي الرزايا أتقي بتجلدي * هو في النوائب مذحييت قريني
فقدي أبي أم غصب بعلي حقه * أم كسر ضلعي أم سقوط جنيني
أم أخذهم إرثي وفاضل نحلتي * أم جهلهم حقي وقد عرفوني
قهروا يتيميك الحسين وصنوه * وسألتهم حقي وقد نهروني

لماذا تنتحبين يا زهراء . . ؟ !

* كتب السبيل الأعظم في شبكة هجر الثقافية بتاريخ 11 - 6 - 2001 ، الواحدة صباحاً ، موضوعاً بعنوان ( تنتحبين يا زهراء ؟ ) ، قال فيه :
الزهراء ( ع ) تبكي ! بل الزهراء تنحب بنشيج !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 185 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بل الزهراء تُؤذي أهل المدينة ببكائها ! جلست عند الشجرة فقطعوها !
فبنى لها أمير المؤمنين ( ع ) بيتاً بعيداً عن المدينة !
عجيبٌ أمركِ يا فاطمة ! أما لكِ شغلٌ غير البكاء والنحيب وأذية الناس ! !
كفِّي عن البكاء !
كلُّ ذلك من أجل رحيل أبيكِ من هذا الوجود الدنيوي ! ما عند أحد أبٌ إلا أنتِ ؟ ! أو ما ضربوك إلا أنت ، حتى أسقطوك ؟ !
أنتِ امرأة مؤمنة بالله سبحانه ومسلمة لقضاء الله وقدره ومؤمنة بأن الموت حق ، فلماذا تبكين ؟ !
أنتِ معصومة لا تخالفين الله سبحانه ، ولا تفعلين فعلا إلا وفيه رضا لله سبحانه فإذاً لماذا هذا البكاء ؟ ؟
أجيبوني يا موالين ، فلقد حيرتني الزهراء في أمرها . . لماذا كانت تبكي ؟ !
من هم أهل المدينة الذين تجرأوا وقالوا للزهراء عليها السلام لقد آذيتنا ؟ !
هل كان بكاؤها عاطفياً محضاً ، أم كان واجباً لهدف من الأهداف ؟ !
يا شفيعة المذنبين يا سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين يا فاطمة الزهراء .
* وكتب الحقاني في 11 - 6 - 2001 ، الخامسة إلا ربعاً صباحاً :
سلام الله عليك يا زهراء . . .
أخي الفاضل هذا السؤال من الأفضل أن نوجهه إلى أهل السنة والجماعة ليبحثوا عن السبب ، وأما نحن الشيعة فنعرف لماذا حدث ، ولكن أرجو من المنصفين الإجابة .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 186 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
* وكتب الكاشف في 11 - 6 - 2001 م ، الثامنة صباحاً :
الأخ السبيل الأعظم :
هل تعلم أن الرسول محمد صلى الله عليه وآله بكى على الموتى ؟
1 - فقد روى البخاري في صحيحه : أنّ النبي نعى زيداً وجعفراً وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم وقال : أخذ الراية زيد ، فأُصيب . ثم أخذها جعفر فأصيب ، ثمّ أخذها ابن رواحة فأصيب ، وعيناه تذرفان ( صحيح البخاري ، كتاب فضائل أصحاب النبي ، باب مناقب خالد بن الوليد 2 / 204 ، ط . الحلبي بمصر . )
2 - وفي ترجمة جعفر من الاستيعاب وأُسد الغابة والإصابة وخبر غزوة مؤتة من تأريخ الطبري وغيره ما ملخّصه : لما أُصيب جعفر وأصحابه دخل رسول اللّه ( ص ) بيته وطلب بني جعفر ، فشمهم ودمعت عيناه ، فقالت زوجته أسماء بأبي واُمّي ما يبكيك ؟ أبَلغك عن جعفر وأصحابه شئ ؟ قال : نعم ، أُصيبوا هذا اليوم . فقالت أسماء : فقمت أصيح وأجمع النساء ، ودخلت فاطمة وهي تبكي وتقول وا عماه . فقال رسول الله ( ص ) : على مثل جعفر فلتبكِ البواكي !
3 - ولقد بكى الرسول صلى الله عليه وآله على ابنه إبراهيم : كما في صحيح البخاري : قال أنس : دخلنا مع رسول الله ( ص ) . . . وإبراهيم يجود بنفسه . فجعلت عينا رسول الله تذرفان ، فقال له عبد الرحمن بن عوف ( رض ) : وأنت يا رسول الله ! ؟ فقال : يا ابن عوف إنها رحمة . ثم أتبعها بأخرى فقال : إن العين تدمع والقلب يحزن ، ولا نقول إلاّ ما يرضي ربّنا ، وإنّا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون . وفي سنن ابن ماجة : فانكبّ عليه وبكى ( صحيح البخاري ، كتاب الجنائز ، باب قول النبي ( ص ) : إنّا بك لمحزونون 1 / 158 ، واللفظ له . وصحيح مسلم ، كتاب
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 187 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الفضائل ، باب رحمته بالصبيان والعيال ، ح 62 . وسنن ابن ماجة ، كتاب الجنائز ، باب ما جاء في النظر إلى
الميّت ، ح 1475 ، 1 / 473 . وطبقات ابن سعد ، ط . أوروبا 1 / ق 1 / 88 . ومسند أحمد 3 / 194 . )
4 - بكاءه على حفيده : ففي صحيح البخاري : أنّ ابنة النبي ( ص ) أرسلت إليه : أنّ ابنا لي قبض فأتنا . فقام ومعه سعد ابن عبادة ورجال من أصحابه فرُفع إلى رسول اللّه ( ص ) ونفسه تتقعقع ففاضت عيناه ، فقال سعد : يا رسول الله ما هذا ؟ فقال : هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده ، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء . صحيح البخاري ، كتاب الجنائز ، باب قول النبي ( ص ) : ( يعذّب الميّت ببعض بكاء أهله عليه ) واللفظ له . وكتاب المرضى ، باب عيادة الصبيان 4 / 3 . وصحيح مسلم ، كتاب الجنائز ، باب البكاء على الميّت ، ح 11 ، ص 636 . وسنن أبي داود ، كتاب الجنائز ، باب البكاء على الميّت ، ح 3125 ، 3 / 193 . وسنن النسائي ، كتاب الجنائز ، باب الامر بالاحتساب والصبر 1 / 264 . ومسند أحمد 2 / 306 ، و 3 / 83 ، 88 و 89 . )
5 - ندب الرسول ( ص ) إلى البكاء على عمّه حمزة : في مغازي الواقدي وطبقات ابن سعد ما موجزه : لما سمع رسول اللّه ( ص ) بعد غزوة أحد البكاء من دور الأنصار على قتلاهم ذرفت عينا رسول الله ( ص ) وبكى وقال : لكن حمزة لا بواكي له ! فسمع ذلك سعد بن معاذ ، فرجع إلى نساء بني عبد الأشهل فساقهنّ إلى باب رسول الله ( ص ) فبكين على حمزة . فسمع ذلك رسول الله ( ص ) فدعا لهنّ وردّهن . فلم تبكِ امرأة من الأنصار بعد ذلك إلى اليوم على ميّت إلاّ بدأت بالبكاء على حمزة ثمّ بكت على ميّتها . ( من ترجمة حمزة في طبقات ابن سعد ، ط . دار صادر بيروت 1377 ه‍ ، 3 / 11 . وأكثر تفصيلا منه في مغازي الواقدي 1 / 315 - 317 . وبعده إمتاع الاسماع 1 / 163 . ومسند أحمد 2 / 40 ، وتأريخ الطبري . وأورده ابن عبد البرّ بإيجاز بترجمة حمزة من الاستيعاب ، وباختصار أيضا ، ابن الأثير بترجمته من أُسد الغابة . )
6 - بكى الرسول ( ص ) على قبر أمّه وأبكى من حوله : زار رسول الله ( ص ) قبر أمّه فبكى وأبكى مَن حوله . ( سنن النسائي ، كتاب الجنائز ، باب زيارة قبر المشرك
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 188 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
1 / 267 . وسنن أبي داود ، كتاب الجنائز ، باب زيارة القبور ، ح 3234 ، 3 / 218 . وسنن ابن ماجة ، كتاب الجنائز ، باب ما جاء في زيارة قبور المشركين ، ح 1572 ، 1 / 501 ) .
يظهر لنا من الأحاديث أن الرسول صلى الله عليه وآله بكى ولم ينهه . . أما مبدأ نهى البكاء فعائشة اصطدمت بالخليفة عمر حول هذه النقطة :
1 - في صحيح البخاري ومسلم عن ابن عباس : لما أن أصيب عمر دخل صهيب يبكي ويقول وا أخاه وا صاحباه ! فقال عمر : يا صهيب أتبكي عليّ وقد قال رسول الله : ( إنّ الميّت ليعذّب ببكاء أهله عليه ) ؟ فقال ابن عباس : فلمّا مات عمر ذكرت ذلك لعائشة فقالت : رحم الله عمر ، والله ما حدّث رسول الله ( ص ) : إنّ الله ليعذّب المؤمن ببكاء أهله عليه ، ولكنّ رسول الله ( ص ) قال : ( إنّ الله ليزيد الكافر عذاباً ببكاء أهله عليه ) ، وقالت : حسبكم القرآن : ( وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أخْرى ) . قال ابن عباس ( رض ) عند ذلك : والله هو أضحك وأبكى . ( صحيح البخاري ، كتاب الجنائز ، باب قول النبي ( ص ) : يعذّب الميّت ببكاء أهله عليه 1 / 155 و 156 . ومسلم ، كتاب الجنائز ، باب الميت يعذّب ببكاء أهله ح 22 ، ص 641 . )
2 - وفي صحيح مسلم : ذكر عند عائشة أنّ ابن عمر يرفع إلى النبي ( ص ) : ( إنّ الميّت يعذّب في قبره ببكاء أهله عليه ) فقالت : وَهِلَ ( وَهَِل بفتح الواو وفتح الهاء وكسرها أي غلط ونسي ) ، إنما قال رسول الله ( ص ) : ( إنّه ليعذّب بخطيئته أو بذنبه وإنّ أهله ليبكون عليه ) . وفي رواية قبله : ذكر عند عائشة قول ابن عمر : الميّت يعذّب ببكاء أهله عليه ، فقالت رحم الله أبا عبد الرحمن سمع شيئا فلم يحفظه ، إنما مرّت جنازة ليهوديّ على رسول الله وهم يبكون عليه ، فقال : ( أنتم تبكون وإنّه ليعذّب ) ( صحيح مسلم ، كتاب الجنائز ، باب الميّت يعذّب ببكاء أهله عليه ، ح 25 و 2 ، ص 642 و 643 ، و ح 27 ، ص 643 . وقريب منه لفظ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 189 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الترمذي في كتاب الجنائز ، الرخصة في البكاء على الميّت 4 / 225 . وسنن أبي داود ، كتاب الجنائز ، ح 3129 ، 3 / 19 . )
3 - قال الامام النووي ( ت : 676 ه‍ ) في شرح صحيح مسلم عن روايات النهي عن البكاء المروية عن رسول الله ( ص ) : وهذه الروايات من رواية عمر بن الخطاب وابنه عبد الله رضي الله عنهما وأنكرت عائشة ونسبتها إلى النسيان والاشتباه عليهما ، وأنكرت أن يكون النبيّ ( ص ) قال ذلك . ( شرح النووي بهامش صحيح مسلم ، المطبعة المصرية 1349 ه‍ ، 6 / 228 ، كتاب الجنائز ، باب الميّت يعذّب ببكاء أهله عليه . )
4 - ويظهر من الحديث الآتي أنّ منشأ الخلاف كان في اجتهاد الخليفة عمر فبالنهي عن البكاء في مقابل سنة الرسول ( ص ) بالبكاء ، فقد ورد في الحديث أنّه : مات ميّت من آل الرسول ( ص ) فاجتمع النساء يبكين عليه ، فقام عمر ينهاهنّ ويطردهنّ فقال رسول الله ( ص ) : دعهنّ يا عمر ، فإنّ العين دامعة والقلب مصاب والعهد قريب . ( سنن النسائي ، كتاب الجنائز ، باب الرخصة في البكاء على الميّت . وسنن ابن ماجة ، كتاب الجنائز ، باب ما جاء في البكاء على الميّت ، ح 1587 ، ص 505 . ومسند أحمد 2 / 110 ، 273 ، 333 ، 408 و 444 . )
فلماذا تتعجب من بكاء الزهراء عليها السلام ؟ ! !
* وكتب الموسوي في 11 - 06 - 2001 م ، التاسعة صباحاً :
تعجب الأخ العزيز السبيل الأعظم في محله . والسؤال غير موجه للسنة فقط بل لبعض الشيعة أيضاً ! والعجب كل العجب حينما ينكرون شدة حزن الزهراء وبكائها ، ويعتبرونه منافياً للصبر وللرضا بقضاء الله وقدره ؟ ! !
* وكتب أبو سمية في 11 - 06 - 2001 م ، التاسعة والربع صباحاً :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 190 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ستغدر بك الأمة . . . والغدر بأمير المؤمنين غدر بالدين . . فليست هذه المصيبة فقط ، بل ستلي ها مصائب . .
المسألة مسألة حق ضاع . . وقبله أتعاب وأعباء ! !
اللهم العن أول ظالم ظلم حق محمد وآل محمد ، وكل تابع له على ذلك .
* وكتب العاملي في 11 - 06 - 2001 م ، العاشرة والنصف صباحاً :
الأخ السبيل الأعظم ، الاخوة الأعزاء . .
شكراً لكم على تعطير الجو بذكر الصديقة الزهراء . . ومن حق إعجازها في الايمان والقول والعمل . . أن يكون محيراً . . والى الآن . . لم يتم تحليل موقفها من الحكومة التي بادرت قريش إلى تشكيلها والنبي مسجى بين أهله ! !
تعالوا . . لنعدد مفردات هذا الموقف . . وكل مفردة منه موقف كامل . .
1 - إدانتها لتركهم جنازة النبي صلى الله عليه وآله مسجاة بين يدي أهل بيته .
2 - إدانتها تدبيرهم بيعة أبي بكر في غياب أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله .
3 - إعلان شكايتها إلى الله ما لقيته من ابن الخطاب وابن أبي قحافة ، عند هجومهم الأول على بيتها . .
4 - تهديدها أن تكشف رأسها إلى ربها بالدعاء ، أي تدعو بالاسم الأعظم ، إن أرادوا قتل علي عليه السلام . .
5 - إعلانها مقاطعة هما كل حياتها . . ودعاؤها عليهما بعد كل صلاة .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 191 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
6 - بكاؤها ونوح ها على النبي صلى الله عليه وآله . . بمفردها . . وفي مجالس النوح والبكاء . . وعدم استطاعة عمر أن يمنعها . . مع أنه منع عائشة وضرب أخواتها ، وكاد يضربها .
7 - عقدها لمجلس بكاء يومي تحت شجرة في البقيع ، ليكون البكاء والنوح على النبي سنة في المسلمين . .
8 - انتقالها بعد قطع الشجرة إلى بيت الأحزان الذي بناه لها علي في البقيع .
9 - زيارتها لقبر أبيها وصلاتها عنده ، وتبرك ها بتربته . . مع أنهم أعلنوا حالة الطوارئ عند القبر . . ووضعوا الحديث الذي يلعن من صلى عنده ! !
10 - زيارتها كل يوم اثنين وخميس لقبر حمزة سيد الشهداء وشهداء أحد ، وصلاتها عند قبورهم .
11 - إقامتها الحجة على الأنصار وذهابها مع مرضها إلى بيوت زعمائهم . . ومطالبتهم بأن يفوا بيعتهم للنبي في العقبة بحماية أهل بيته وذريته من بعده . . كما يحمون أهل بيتهم وذريتهم .
12 - مطالبتها بإعادة منحة النبي وميراثه التي صادروها من يدها . .
13 - خطبتها في المسجد النبوي التي كان لها وقع الصاعقة على المهاجرين والأنصار . .
14 - رفضها قبول زيارة الشيخين في مرضها . . وبعد أن أذن لهما علي عليه السلام . . لم تجب سلامهما وأقامت عليهما الحجة ، وأعلنت أنها ستواصل دعاءها عليهما بعد كل صلاة حتى تلقى أباها وتشكوه ما اليه . .
15 - وصيتها أن لا يحضرا جنازتها ، وأن يخفى قبرها . .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 192 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
* وكتب الآراكي في 11 - 6 - 2001 م ، الثانية عشرة والنصف ظهراً :
السلام عليكم . . . سبب نحيب الزهراء تشرحه هي عليها السلام في أبياتها :
قد كان بعدك أنباء وهنبثة * لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب
إنا فقدناك فقد الأرض وابلها * واختل قومك فاشهدهم ولا تغب
وكل أهل له قربى ومنزلة * عند الإله على الأدنين مقترب
أبدت رجال لنا نجوى صدورهم * لما مضيت وحالت دونك الترب
تهجمتنا ، ا رجال واستخف بنا * ما فقدت وكل الأرض مغتصب
وكنت بدرا ونورا يستضاء به * عليك ينزل من ذي العزة الكتب
قد كان جبريل بالآيات يؤنسنا * فقد فقدت وكل الخير محتجب
فليت قبلك كان الموت صادفنا * لما مضيت وحالت دونك الكثب
إنا رزينا بما لم يرض ذو شجن * من البرية لا عجم ولا عرب
( بحار الأنوار 8 / 109 ) . . . فسلام الله عليك يا مولاتي يا فاطمة . . .
* وكتب التمار في 11 - 06 - 2001 م ، الواحدة ظهراً :
أنا لا أتصور أن الزهراء عليها السلام وهي لا شغل لها إلا البكاء ، وهي التي يقول عنها أئمة أهل البيت عليهم السلام نحن حجج الله على الخلق وفاطمة حجة الله علينا ، فأنا لا أتصورها وهي حجة الله البالغة وهي لا شغل لها إلا البكاء حتى تأذى أهل مدينة الرسول الأعظم إلى درجة أنها لا تهدأ من البكاء لا ليلاً ولا ونهاراً . . أيكون هكذا حال الزهراء عليها السلام بعد أبيها ؟ فالرسول صلى الله عليه وآله الذي هو رحمة للعالمين ، والذي لم يتأذ منه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 193 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مخلوق قط ، وهو أبوها بأبي هي وأمي كيف تؤذي المسلمين ، كيف تؤذي من نصروا الاسلام ؟ أيعقل أن تؤذي أحداً وهي النسمة الطاهرة ، إلا أن يكون هناك سر لا نعلمه ؟
* وكتب أبو سمية في 11 - 06 - 2001 م ، السابعة والنصف مساءً :
روايات تحدثت عن : 1 . مهاجمة الدار وإختباء فاطمة صلوات الله تعالى عليها خلفه ، وما تبعه من كسر الضلع وقضية المسمار والإسقاط . .
2 . حق ضاع . . ( حق ) وليس المقصود به ( حقها فقط ) . .
3 . مصيبة فقد الوالد . . هذه كلها الأم . . وقبل ذلك نرى أن الجماعة قد عرفوا بتزوير الحقائق وأمثلة ذلك كثيرة . . إليكم الخلافة . . فدك . . . حروب الردة . . تغيير الأحداث من معدوم إلى موجود ومن موجود إلى معدوم . . .
أفضل طريقة يقولون أنها كانت تبكي على فقدان أبيها . . . لأن البكاء أمر مفروغ منه لم يمكنهم إغفاله . . بقي السبب . . فإذا ثبت الأول . . . أو الثاني . . . أو الثالث . . أو ما تقدم مجتمعاً . . . فهي الطامة الكبرى على المخالف . . . على الأقل نستدل على جواز البكاء على الميت بهذه الصورة .
وأما رد ما جاء في كتب التاريخ بحجة عدم المعقولية فغير معقول . . لأننا إما أن ننسف جميع كتب التاريخ ، أو يكون الانتقاء وفق أسس معينة مدروسة . .
قد يقال : لا يعقل أن يكون عمر قاصداً قتلها . . نقول نعم وهو الذي عرف بواد البنات . . أما كان عليه أن يرعى حرمة الدار ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 194 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
اللهم العن أول ظالم ظلم حق محمد وآل محمد ، وكل تابع له على ذلك .
* وكتب السبيل الأعظم في 13 - 6 - 2001 م ، الواحدة إلا ثلث ظهراً :
أشكر الأخوة الأفاضل لولائهم وحبهم لسيدة هم الزهراء عليها السلام ، وتفانيهم في إظهار مظلوميتها سلام الله عليها .
الأخ الفاضل الحقاني . . أشكرك على مداخلتك ونصيحتك . ولكن أقول : ليس كلنا نحن الشيعة نعرف الحقايق . فكثير منّا ، وأقطع بذلك ، لا يعرف الحقايق إلا قشوراً أو يعرف لكنه يتجاهل .
الأخ الفاضل الكاشف . . أشكرك على ردك في جواز البكاء على الميت واستفدت فائدة في ردك وهي أن الحث على البكاء ليس من جهة اعتباطية ، وإنما لغرض في نفس رسول الله صلى الله عليه وآله . وإلا الرسول يأمر أو يحث على البكاء لغرض عاطفي فقط ! غير معقول في نظري القاصر . . وإنما هناك أغراض ، فيا حبذا لو بينت لنا هذا الأمر ، أو غيرك من لأخوة الكرام .
الأخ العزيز الأستاذ الموسوي . . أنت الذي لا تحاول اللف والدوران وتريد أن تبين الحقايق بصورتها لواقعية .
نعم ، تعجبك هو محل سؤالي . . لماذا يُنكر شدة حزن الزهراء عليها السلام ؟ لماذا يُعتبر حزنها وبكاؤها منافياً للصبر ومنافياً لرضا بقضاء الله وقدره . . ؟ فأطلب منكم الإجابة .
الأخ الفاضل السيد أبو سمية . . نعم أخي العزيز ، أستفيد من كلامك في المداخلة الأولى ( التي هي جزء جواب عن أساس الموضوع ) أن البكاء والحزن إنما هو صرخة في وجوه الأعداء لما فعلوا ببعلها من غصب الخلافة . لكن أما
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 195 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
تظن أن هناك طرقاً أخرى لإبداء هذه المظلومية ؟ سؤال قد يُثار في الساحة ، فما الجواب ؟ ؟
الأخ الأستاذ الشيخ العاملي . . أشكرك على هذه المداخلة ولا زلت مؤيداً وناصراً للمذهب بإظهارك مظلومية الزهراء عليها السلام بجزئياتها . . إجابتك في صميم الموضوع . . . يا حبذا شيخنا العزيز لو وضح تم مواقف الزهراء عليها السلام من الحكومة بشئ من الروايات ( إذا ما عليكم زحمة ) لأكون من الشاكرين لك . . .
* وكتب الكاظميني في 15 - 6 - 2001 ، الواحدة صباحاً :
الحقيقة أني عاجز عن كتابة أي موضوع بعد الردود التي قرأتها من أساتذتي وإخواني ، ولكن أحب أن أطرح وجهة نظري القاصرة التي هي قابلة للرد والقبول : مما يؤخذ على البعض أن فهمهم للأمور التاريخية للمعصوم تكون في حلقة فكرهم وعقلهم الخاص ، بعيداً عن قبول فعل المعصوم ومحاولة فهمه لا محاولة نفيه لأن العقول لا تقبله ! فإن مسائل كثيرة ثبتت عن طريق البرهان والدليل والنقل التاريخي تثبت أفعالاً للمعصوم ربما لا يقبلها عقل شخص فيقال عنها ( لا يقبلها عاقل ) ( ولا أتصور ) ( وليس من الممكن ) . فنحن يا إخوان ليس لنا اقتضاء حتى نفهم المعصوم كما تشتهي أنفسنا ، وبعبارة أوضح لا يصح أن نحاول رسم المعصوم صورة كما نريد ونشتهي . وأما بكاء الزهراء عليها السلام على النبي صلى الله عليه وآله ، فهو أمر طبيعي مضافاً إلى أنه يؤدي رسالة إلى المسلمين . . مضافاً إلى أن إعلانه وعقد المجالس له نوع من الثورة والإدانة لتلك الحكومة الغاصبة . . وقطعاً هناك ثمرات أجل وأعظم من التي طرحناها .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 196 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إن فعل المعصوم خاضع للحكمة وليس مجرداً عنها ، ولذا ننبه على أن من يحاول أن يصور الزهراء بالانسانية الغير الباكية ، لأنه هو يريد أن يفهم شخصية الزهراء كما يشتهي وليس كما يريد الله .
وأتعجب من الذي يقول هذه المقولة ومن ثمة يقول إنه لا خصوصية في شخصية الزهراء ، ويدعي أن أي امرأة عادية لو كانت في محل الزهراء لكانت زهراء ثانية ! !
اللهم صل على فاطمة وأبيها ، وبعلها وبنيها ، والسر المستودع فيها ، عدد ما أحاط به علمك .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 197 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل السابع : عاصفة السقيفة القرشية على آل الرسول

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 198 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 199 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

1 - فهرس بالأحداث أيام مرض النبي ( ص ) ووفاته !

* قال العاملي : حاولت أن أضع تقويماً أو جدولاً زمنياً دقيقاً لمراسم تغسيل النبي وتكفينه والصلاة عليه ودفنه صلى الله عليه وآله ، والأحداث الخطيرة التي وقعت أثناء ذلك وبعده إلى أسبوعين من وفاته . . فوجدت أن ذلك من المهمات الصعبة ، بسبب أن نصوص هذه الفترة كثيرة متعارضة متضاربة ، ينفي بعضها الآخر ، ويخرب بعضها الآخر ! وهذا بنفسه دليل على تدخل السياسة في رواياتها ، وعملها على إخفاء أمور كانت موجودة ، واختراع عناصر لم تكن موجودة !
وتذكرت حادثة الشيخ متولي الشعراوي عندما قال في محاضرة له في التلفزيون المصري إن كلام علي في وداع فاطمة يدل على وجود أحداث كبيرة خطيرة بعد وفاة النبي ينبغي أن نكشف ها . . وهو يقصد قول علي عند دفن سيدة النساء فاطمة عليها السلام كما في نهج البلاغة : 2 / 182 ، وقدري في غيره مسندا ً : ( السلام عليك يا رسول الله ، عني وعن ابنتك النازلة في جوارك ، والسريعة اللحاق بك . قلَّ يا رسول الله عن صفيتك صبري ، ورق عنها تجلدي . إلا أن لي في التأسي بعظيم فرقتك ، وفادح مصيبتك موضع تعز . فلقد وسدتك في ملحودة قبرك ، وفاضت بين نحري وصدري نفسك .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 200 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إنا لله وإنا إليه راجعون . فلقد استرجعت الوديعة ، وأخذت الرهينة . أما حزني فسرمد ، وأما ليلي فمسهد ، إلى أن يختار الله لي دارك التي أنت بها مقيم ، وستنبئك ابنتك بتضافر أمتك على هضمها ، فأحفها السؤال واستخبرها الحال . هذا ولم يطل العهد ، ولم يخل منك الذكر . والسلام عليكما سلام مودع لا قال ولا سئم . فإن أنصرف فلا عن ملالة ، وإن أقم فلا عن سوء ظن بما وعد الله الصابرين ) . انتهى . وفي اليوم الثاني من كلام الشعراوي خرجت صحيفة مصرية تتساءل هل تشيع الشعراوي ؟ ! وبذلك أسكتوه عن بحث تلك الأحداث ، أو الحديث عنها !
فإذا كانت هذه حال عالم سني معروف كالشعراوي ، وفي مصر بلد الذي فيه قدر من الحرية وشعبه محب لأهل البيت وفاطمة الزهراء خاصة . . فما بال من يحاول كشف تلك الأحداث في عصور حكم الخلافة القرشية ؟ ! !

فهرس بأهم الأحداث لأيام وفاة النبي صلى الله عليه وآله

1 - تدهورت حالة النبي بعد أن لدته عائشة وحفصة يوم الأحد ، أي سقتاه ( دواء ) في حال إغمائه رغم نهيه المشدد عن ذلك ، وتوفي في اليوم الثاني !
2 - باشر علي عليه السلام بمراسم تجهيز النبي صلى الله عليه وآله من ساعة وفاته ، بعد ظهر يوم الاثنين إلى صباح الثلاثاء ، وأذن للمسلمين أن يصلوا على جنازته ضحى ذلك اليوم إلى العصر ، ثم انشغل علي بضغوط أبي بكر وعمر ومجئ رسولهما ثم مجيئ هما إلى بيته يطالبونه ومن معه بالبيعة لهم ، ويهدونه بالهجوم على بيته إن لم يبايع ! !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 201 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
3 - دبَّر الحزب القرشي بيعة أبي بكر في السقيفة بعد وفاة النبي بساعتين ! وساعدهم رؤساء الأوس حسداً لسعد بن عبادة رئيس الخزرج . ولم يثبت أن سعد بن عبادة أو أحداً من الأنصار دعا إلى اجتماع في السقيفة لبحث خلافة النبي . . بل كانت السقيفة محل استقباله وضيافته ، وهي مكان من الشارع مسقوف ومنسوب إلى جيرانها بني ساعدة الخزرجيين . . وكان مريضاً نائماً فيها يزوره الناس هناك ، فاختارها الحزب القرشي لوجود سعد وعدد من رجال الأنصار حوله ، وفتحوا الموضوع وناقشوا سعداً ومن حضر عنده ، فبادر أبو بكر إلى القول إني رضيت لكم أحد الرجلين عمر أو أبا عبيدة فبايعوا أحدهما ! فقال عمر لا نتقدم عليك وأخذ يده وصفق عليها هو وأبو عبيدة ، ثم بايعه ثلاثة نفر من الأوس المضادين لسعد ! ! وهكذا أعلنوا بيعة أبي بكر بالحيلة من غير مشورة ، وساند هم كل القرشيين الطلقاء ، وكانوا ألوفاً في المدينة .
4 - تغلب الحزب القرشي على سعد بن عبادة المريض رغم موقفه الشديد ضدهم وهجموا عليه وداسوا بطنه ، فحمله أولاده إلى بيته ، وعندما انسحب سعد صارت السقيفة بيد القرشيين ، واتخذوها مقراً لبيعة أبي بكر ومركزاً لجلوسهم وعمليات هم ! وقال سعد فيما بعد إنه طرح نفسه للخلافة بسبب أن قريشاً قررت أن تخالف وصية النبي صلى الله عليه وآله وتمنع منها عترته حتى لا يجمع بنو هاشم بين النبوة والخلافة !
5 - ترك القرشيون جنازة النبي صلى الله عليه وآله لعترته وعشيرته بني هاشم وكذلك الأنصار ! حتى أن مسجد النبي ومحيطه كان في الأيام الثلاثة بعد وفاته خالياً من الناس تقريباً ! ! وانشغل الجميع إلا المنقطعون إلى أهل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 202 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
البيت بتأييد بيعة أبي بكر أو معارضتها ، وكانت فعاليات الحزب القرشي أبو بكر وعمر وعائشة وحفصة وأبو عبيدة وسالم مولى حذيفة ومن معهم من الأوس ، مشغولين بمعالجة موقف الأنصار ، يجولون في أحيائهم ويزورون زعماءهم في بيوتهم لإقناعهم ببيعة أبي بكر ، ومنع تأثير سعد وعلي عليهم !
6 - جاء أبو بكر وعمر وأنصارهما في اليوم الثاني إلى مسجد النبي ، يزفون أبا بكر زفةً مسلحة ويهددون من لم يبايع بالقتل ! وأصعد عمر أبا بكر بالقوة على منبر النبي وبايعه بعض الناس ، وصلى بهم المغرب ثم عاد إلى السقيفة .
7 - في مساء الثلاثاء ليلة الأربعاء بعد منتصف الليل ، قام علي بدفن جنازة النبي صلى الله عليه وآله ، وحضر مراسم الدفن بنو هاشم وبعض الأنصار ، وقليل جداً من القرشيين ، ولم يحضرها أحد من قادة الحزب القرشي !
8 - في ليلة الخميس قام أمير المؤمنين ومعه فاطمة والحسنان عليهم السلام بجولة على بيوت الأنصار ، وطالبوهم بالوفاء ببيعتهم في العقبة للنبي صلى الله عليه وآله ، التي شرط فيها عليهم أن يدافعوا عن أهل بيته وذريته كما يدافعون عن بيوتهم وذراريهم . . فاستجاب له منهم أربع وأربعون رجلاً ، فواعدهم أن يأتوه غداً محلقين رؤوسهم مستعدين للموت ، فلم يأته إلا أربعة !
ثم أعاد أمير المؤمنين جولته على الأنصار وبعض المهاجرين ، ليلة الجمعة ثم ليلة السبت . . فلم يأته غير أولئك الأربعة : المقداد وعمار وأبو ذر وسلمان !
9 - في هذه المدة أرسل الحزب القرشي إلى أسامة وهو في معسكره بالجرف خارج المدينة ، أن يترك معسكره وأن يأتي ومن بقي معه إلى المدينة ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 203 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأن يبايعوا أبا بكر لأن المسلمين بايعوه . . فاحتج عليهم أسامة بأن النبي توفي وهو أمير على أبي بكر ، فأبو بكر ما زال جندياً تحت إمرته ! قال الطبرسي في إعلام الورى : 1 / 269 : ( فما كان بين خروج اسامة ورجوعه إلى المدينة الا نحو من أربعين يوما ، فلما قدم المدينة قام على باب المسجد ثم صاح : يا معشر المسلمين ، عجباً لرجل استعملني عليه رسول الله صلى الله عليه وآله فتأمَّر عليَّ وعزلني ! ) .
10 - تخوف الحزب القرشي من علي أن يجد أنصاراً ويقف ضدهم ، ولذا تتابعت رسل أبي بكر له بالحضور إلى السقيفة ليبايعه ، فكان يتعلل لهم بأنه مشغول بمراسم دفن النبي ، أو مشغول بجمع القرآن . . لكنهم صعدوا تهديدهم له وجاؤوا مسلحين إلى باب داره ، فتلاسن معهم بعض أنصاره ، لكنهم تغلبوا عليهم واقتحموا البيت بالقوة ، وأخذوا علياً إلى السقيفة فحاججهم بقوة منطق . . وسكتوا عنه ذلك اليوم .
وهذه الحادثة هي الهجوم الأول على بيت علي وفاطمة عليهما السلام ، وقد يكون وقتها يوم الأربعاء أو الخميس !
11 - في يوم الجمعة التي تلت وفاة النبي صلى الله عليه وآله . . اتفق اثنا عشر من المهاجرين والأنصار على أن يتكلموا في المسجد ويقيموا الحجة على أبي بكر وعمر ، وتكلموا جميعاً وبينوا وصية النبي لعلي وبيعة المسلمين له يوم الغدير ، وأدانوا مؤامرة السقيفة !
12 - كان تأثير احتجاج الصحابة الاثني عشر يوم الجمعة قوياً ، وأحدث موجة مضادة لمؤامرة السقيفة ، ضعف أمامها أبو بكر حتى أنه وآخرين من
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 204 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الحزب القرشي فكروا أن يعيدوا الخلافة شورى بين المسلمين ، لكن عمر استطاع إحداث موجة مضادة لمصلحة الحزب القرشي .
13 - من المرجح أن الهجوم الثاني وقع بعد يوم الجمعة المذكور واحتجاج وجهاء الصحابة على أبي بكر وعمر ، وهو الهجوم الذي حدث فيه ضرب الزهراء عليها السلام وإسقاط جنينها ، وأخذوا علياً أيضاً إلى السقيفة وهددوه بالقتل إن لم يبايع أبا بكر !
14 - في يوم الجمعة الثانية لوفاة النبي صلى الله عليه وآله خطب علي عليه السلام في مسجد النبي خطبته البليغة القوية المعروفة ب‍ ( خطبة الوسيلة ) ! وكانت إتماماً لإقامة الحجة على المسلمين ، من أهل السقيفة والأنصار ، وقد بين فيها مقام النبي وأهل بيته عند الله ، ويوم القيامة ، وواجب الأمة تجاههم .
15 - خطبة الزهراء عليها السلام في المسجد ، ووقتها بعد أحداث السقيفة وهجومهم على بيتها وضربها وإسقاط جنينها . . فقد شنوا حرباً اقتصادية على أهل البيت عليهم السلام وقرروا إفقارهم ، فحرموهم الخمس الذي له ، ومنعوا فاطمة إرثها من النبي ، وصادروا منها مزرعة فدك التي كان أعطاها إياها النبي امتثالاً لقوله تعالى ( وآت ذا القربى حقه . . ) فرأت الصديقة الزهراء عليها السلام في ذلك مناسبةً لأن تخطب في المسجد وتؤكد عليهم الحجة ، وتفضح مؤامرتهم على الاسلام .
16 - حادثة ضرب عمر للصديقة الزهراء عليها السلام في الطريق ، وأخذه منها بالقوة الكتاب الذي كتبه لها أبو بكر باسترجاع فدك ! ويبدو أنها كانت بعد خطبتها في المسجد النبوي ، وإلا لذكرت ذلك في خطبتها .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 205 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

2 - هجومان على بيت فاطمة وعلي !

الهجوم الأول
تدل النصوص على أن الحزب القرشي أعلن بيعة أبي بكر بعد ساعة أو ساعتين من وفاة النبي صلى الله عليه وآله ، واتخذ من السقيفة مركزاً لعملياته ، وانشغل في معالجة موقف الأنصار . . لكن ذلك لم يمنعه من إرسال جماعة لعلي عليه السلام يطلبون منه الحضور إلى السقيفة لبيعة أبي بكر ، خاصةً أن جماعة من الأنصار كانوا يهتفون باسمه ويقولون لا نبايع إلا علياً .
ومع أن علياً أعلن بشدة إدانته لمؤامرة هم وسقيفة هم ، لكنهم اطمأنوا إلى أنه ليس عنده أنصار ليواجههم بالسلاح . . وأنه مشغول بتنفيذ وصية النبي صلى الله عليه وآله ومراسم جنازته ! ففي كتاب سليم بن قيس : ص 148 : فأرسل إليه أبو بكر : أجب خليفة رسول الله ، فأتاه الرسول فقال له ذلك فقال له علي : سبحان الله ما أسرع ما كذبتم على رسول الله ! إنه ليعلم ويعلم الذين حوله أن الله ورسوله لم يستخلفا غيري . وذهب الرسول فأخبره بما قال له . قال إذهب فقل له : أجب أمير المؤمنين أبا بكر ، فأتاه فأخبره بما قال ، فقال له علي : سبحان الله ما والله طال العهد فينسى . فوالله إنه ليعلم أن هذا الاسم لا يصلح إلا لي ، ولقد أمره رسول الله وهو سابع سبعة فسلموا علي بإمرة المؤمنين . فاستفهم هو وصاحبه عمر من بين السبعة فقالا : أحقٌّ من الله ورسوله ؟ فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وآله : نعم ، حقاً حقاً من الله ورسوله إنه أمير المؤمنين وسيد المسلمين
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 206 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وصاحب لواء الغر المحجلين ، يقعده الله عز وجل يوم القيامة على الصراط ، فيدخل أوليائه الجنة وأعداءه النار . فانطلق الرسول فأخبره بما قال . قال : فسكتوا عنه يومهم ذلك ) .
وفي تفسير العياشي : 2 / 66 ، والاختصاص للمفيد ص 185 : ( عن عمرو بن أبي المقدام ، عن أبيه ، عن جده قال : ما أتى على علي عليه السلام يوم قط أعظم من يومين أتياه ، فأما أول يوم فاليوم الذي قبض فيه رسول الله صلى الله عليه وآله ، وأما اليوم الثاني فوالله إني لجالس في سقيفة بني ساعدة عن يمين أبي بكر والناس يبايعونه إذ قال له عمر : يا هذا ليس في يديك شئ مهما لم يبايعك علي ! فابعث إليه حتى يأتيك يبايعك ، فإنما هؤلاء رعاع ، فبعث إليه قنفذ فقال له : إذهب فقل لعلي : أجب خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله ، فذهب قنفذ فما لبث أن رجع فقال لأبي بكر : قال لك ما خلف رسول الله أحداً غيري ! قال : ارجع إليه فقل : أجب ، فإن الناس قد أجمعوا على بيعتهم إياه ، وهؤلاء المهاجرون والأنصار يبايعونه وقريش ، وإنما أنت رجل من المسلمين لك ما لهم وعليك ما عليهم ، فذهب إليه قنفذ ، فما لبث أن رجع فقال قال لك : إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لي وأوصاني أن إذا واريته في حفرته لا أخرج من بيتي حتى أؤلف كتاب الله ، فإنه في جرايد النخل وفي أكتاف الإبل . قال عمر : قوموا بنا إليه ، فقام أبو بكر ، وعمر ، وعثمان وخالد بن الوليد ، والمغيرة بن شعبة ، وأبو عبيدة بن الجراح ، وسالم مولى أبى حذيفة ، وقنفذ ، وقمت معهم ، فلما انتهينا إلى الباب فرأتهم فاطمة صلوات الله عليها أغلقت الباب في وجوههم ، وهي لا تشك أن لا يدخل عليها إلا بإذنها ، فضرب عمر الباب برجله فكسره وكان من سعف ، ثم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 207 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
دخلوا فأخرجوا علياً ملبباً فخرجت فاطمة فقالت : يا أبا بكر أتريد أن ترملني من زوجي ، والله لئن لم تكف عنه لأنشرن شعري ولأشقن جيبي ولآتين قبر أبى ولأصيحن إلى ربى ، فأخذت بيد الحسن والحسين وخرجت تريد قبر النبي فقال علي لسلمان : أدرك ابنة محمد فإني أرى جنبتي المدينة تكفيان ، والله إن نشرت شعرها وشقت جيبها وأتت قبر أبيها وصاحت إلى ربها لا يناظر بالمدينة أن يخسف بها وبمن فيها ، فأدركها سلمان رضي الله عنه . فقال : يا بنت محمد إن الله إنما بعث أباك رحمة فارجعي ، فقالت : يا سلمان يريدون قتل علي ! ما على علي صبر ، فدعني حتى آتى قبر أبى فأنشر شعري وأشق جيبي وأصيح إلى ربى ، فقال سلمان : إني أخاف أن يخسف بالمدينة ، وعلى بعثني إليك ويأمرك أن ترجعي إلى بيتك وتنصرفي ، فقالت : إذاً أرجع وأصبر وأسمع له وأطيع .
قال : فأخرجوه من منزله ملبباً ومروا به على قبر النبي عليه وآله السلام قال : فسمعته يقول : يا بن أم إن القوم استضعفوني . . إلى آخر الآية . وجلس أبو بكر في سقيفة بني ساعدة وقدم علي فقال له عمر : بايع ! فقال له علي : فإن أنا لم أفعل فمَهْ ؟ فقال له عمر : إذا أضرب والله عنقك ! فقال له علي : إذاً والله أكون عبد الله المقتول وأخا رسول الله . فقال عمر : أما عبد الله المقتول فنعم ، وأما أخو رسول الله فلا ، حتى قالها ثلاثاً ، فبلغ ذلك العباس بن عبد المطلب فأقبل مسرعاً يهرول فسمعته يقول : إرفقوا بابن أخي ولكم علي أن يبايعكم ، فأقبل العباس وأخذ بيد على فمسحها على يد أبي بكر ، ثم خلوه مغضباً فسمعته يقول : ورفع رأسه إلى السماء : اللهم إنك تعلم أن النبي صلى الله عليه وآله قد قال لي إن تموا عشرين فجاهدهم ، وهو قولك في
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 208 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كتابك : إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين . قال : وسمعته يقول : اللهم وإنهم لم يتموا عشرين ، حتى قالها ثلاثاً ، ثم انصرف ) . انتهى .
الهجوم الثاني
* كتب مالك الأشتر في شبكة أنا العربي بتاريخ 5 - 8 - 1999 ، التاسعة صباحاً ، موضوعاً بعنوان ( الهجوم على بيت البتول بعد الرسول صلى الله عليه وآله ) ، قال فيه :
قال أبو بكر الخليفة الأول وهو على فراش الموت : ليتني لم أفتش بيت فاطمة بنت رسول الله وأدخله الرجال ، ولو كان أُغلق على حرب ! !
1 - تاريخ الاسلام للذهبي ج 1 ص 117 ، 2 - العقد الفريد ج 4 ص 298 ، 3 - الإمامة والسياسة ج 1 ص 18 ، 4 - سير الخلفاء الراشدين ص 17 ، 5 - منتخب كنز العمال ( بهامش مسند أحمد ) ج 2 ص 171 تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 137 ، 7 - ميزان الاعتدال ج 3 ص 109 ، 8 - المعجم الكبير للطبراني ج 1 ص 62 ، 9 - حياة الصحابة ج 2 ص 24 ، 10 - تاريخ ابن عساكر : ( ترجمة حياة أبي بكر )
* وكتب رنا نضال بتاريخ 5 - 8 - 1999 ، التاسعة مساءً :
( ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلاً . يا ويلتي ليتني لم أتخذ فلاناً خليلاً . لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للانسان خذولاً ) . صدق الله العظيم .
* وكتب الإماراتي راشد بتاريخ 6 - 8 - 1999 ، الرابعة صباحاً :
الرد على الأشتر . . ولماذا تتعب نفسك وأنت تعلم أننا لا نأخذ من كتب الحديث إلا الصحيح . فكيف بكتب التاريخ ؟ ! هل عندك سند هناك في كتب التاريخ ؟ ! إن قلت لي نعم فقل لي من من العلماء المعتبرين صححوا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 209 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
هذا السند والحديث ؟ ! إن لم تفعل فلن تعدو قدر الكذابين الذين لا نستطيع أن نحصي هم من كثرتهم .
* وكتب مالك الأشتر بتاريخ 6 - 10 - 1999 السادسة مساء :
إلى الإماراتي :
هل من الممكن أن تعطيني أسماء علمائك الذين تقبل بقولهم ؟
* وكتب العاملي :
الأخ الأشتر . . إسمح لي أن أجيبك ، فعلماؤه الذين يقبل قولهم هم ابن تيمية ، ثم ابن تيمية ، ثم المقلدون لابن تيمية ! ولمعلوماتك فإن ابن تيمية توفي في أواسط القرن الثامن . . يعني لو أن الله تعالى خلقهم في القرون الثمانية قبل ابن تيمية لما قلدوا أحداً وانتظروه حتى يأتي ! لأن العلماء قبله صفر ! ! !
* قال العاملي : وغاب المدعو راشد الإماراتي ، ولم يجب .
* *
* كتب ( حر ) في شبكة الموسوعة الشيعية ، بتاريخ 7 - 1 - 2000 ، الواحدة والنصف صباحاً ، موضوعاً بعنوان ( فقتلوا الأمّ ضرباً . . يا فاطمة . . يا ريحانة الرسول . . . ) ، قال فيه :
هل يمكن أن يحدث كل هذا لبنت النبي الرؤوف الرحيم صلى الله عليه وآله ؟ ! في حين أنه لم يمض على رحيله إلاّ أيام قليلة ؟ ! ! أم تناسوا كلّ خير عميم أسداه ، وكلّ كلام رحيم أبقاه ، وكلّ خلق عظيم أبداه ؟ !
ولتأكيد الأمر ، وزيادته وضوحاً نورد إليك هذا القبس فنقول : ( روى سليم بن قيس ، عن عبد الله بن العباس ، أنه حدثه أن النبي صلى الله عليه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 210 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وآله قال لعلي : ( إن قريشاً ستظاهر عليكم ، وتجتمع كلمتهم على ظلمك وقهرك ، فإن وجدت أعواناً فجاهدهم ، وإن لم تجد أعواناً فكف يدك واحقن دمك ، أما إنّ الشهادة من ورائك ، لعن الله قاتلك . ثم أقبل على ابنته فقال : إنك أول من يلحقني من أهل بيتي ، وأنت سيدة نساء أهل الجنة وسترين بعدي ظلماً وغيظاً حتى تضربي ، ويكسر ضلع من أضلاعك ، لعن الله قاتلك . ) .
وروى سليم بن قيس عن ابن عباس أيضاً قال : ( دخلت على علي عليه السلام بذي قار فأخرج لي صحيفة ، وقال لي : يا ابن عباس هذه صحيفة أملاها عليَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وخطي بيدي . فقلت : يا أمير المؤمنين إقرأها عليَّ . . . إلى أن قال : فكان مما قرأه عليَّ : كيف يصنع به ، وكيف تستشهد فاطمة ، وكيف يستشهد الحسن . . . إلخ ) .
وفي كنز الفوائد : عن أبي الحسن بن شاذان ، عن أبيه ، عن محمد بن الحسن بن الوليد ، عن محمد بن الحسين بن الصفار ، عن محمد بن زياد ، عن مفضل بن عمر ، عن يونس بن يعقوب ، عن الصادق عليه السلام ، أنه قال في حديث طويل : ( يا يونس ، قال جدي رسول الله : ملعون من يظلم بعدي فاطمة ابنتي ويغصبها حقها ويقتلها ) .
وفي كتاب الإختصاص : روى الشيخ المفيد عن أحمد بن محمد بن عيسى عن أبيه ، والعباس بن معروف ، عن عبد الله بن المغيرة ، قال : حدثني عبد الله بن عبد الرحمن الأصم ، عن عبد الله بن بكر الأرجاني قال : صحبت أبا عبد الله ( عليه السلام ) في طريق مكة من المدينة . . . ثم ذكر حديثاً طويلاً
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 211 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عن الإمام ( عليه السلام ) جاء فيه : ( قاتل أمير المؤمنين ، وقاتل فاطمة ، وقاتل المحسن ، وقاتل الحسن والحسين . . . إلخ ) .
وفي دلائل الإمامة : عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال في حديث : ( وحملت بالحسن ، فلما رزقته حملت بعد أربعين يوماً بالحسين ثم رزقت زينب ، وأم كلثوم ، وحملت بمحسن ، فلما قبض رسول الله وجرى ما جرى في يوم دخول القوم عليها دارها ، وإخراج ابن عمها أمير المؤمنين ، وما لحقها من الرجل ، أسقطت به ولداً تماماً . وكان ذلك أصل مرضها ووفاتها صلوات الله عليها ) .
قال الفاضل الخواجوئي المازندراني : ( ورد في طريقنا أنها عليها السلام كانت معصومة صديقة شهيدة رضية . . . ) .
وذكر الشيخ المفيد في كتاب المزار زيارة لفاطمة تقول : ( السلام عليك يا رسول الله ، السلام على ابنتك الصديقة الطاهرة ، السلام عليك يا فاطمة بنت رسول الله ، يا سيدة نساء العالمين ، أيتها البتول الشهيدة الطاهرة . . ) .
وقال الشيخ الطوسي قدس سره بعد نقله الزيارة المروية : يا ممتحنة امتحنك الله . . . : ( هذه الرواية وجدتها مروية لفاطمة عليها السلام ، وأما ما وجدت أصحابنا يذكرونه من القول عند زيارتها فهو أن تقف على أحد الموضعين اللذين ذكرناهما ، وتقول : السلام عليك يا بنت رسول الله . . . السلام عليك أيتها الصديقة الشهيدة . . . ) . وفي البحار نص آخر وهو : ( اللهم صلّ على السيدة المفقودة ، والكريمة المحمودة ، والشهيدة العالية ) . وذكر الكفعمي في مصباحه : ( إن سبب وفاتها عليها السلام هو أنها ضربت وأسقطت ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 212 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال المجلسي الثاني : ( وفي رواية أخرى : ضربها عمر بالسوط ، فماتت حين ماتت وإن في عضدها مثل الدملج من ضربته . . . إلى أن قال : لم تدعهم يذهبوا بعلي حتى عصروها وراء الباب ، فألقت ما في بطنها مَنْ سمَّاه رسول الله ( محسناً ) حتى ماتت مما أصابها ) .
وقال أيضاً في تعليقه على الخبر الصحيح المروي عن أبي الحسن عليه السلام : إن فاطمة صديقة شهيدة ، ما لفظه : ( ثم إن هذا الخبر يدل على أن فاطمة صلوات الله عليها كانت شهيدة ، وهو من المتواترات . وكان سبب ذلك : أنهم لما غصبوا الخلافة ، وبايعهم أكثر الناس بعثوا إلى أمير المؤمنين ليحضر للبيعة ، فأبى . فبعث عمر بنار ليحرق على أهل البيت بيتهم ، وأرادوا الدخول عليه قهراً ، فمنعتهم فاطمة عند الباب ، فضرب قنفذ غلام عمر الباب على بطن فاطمة ، فكسر جنبها ، وأسقط لذلك جنيناُ كان سماه رسول الله محسناً . فمرضت لذلك ، وتوفيت صلوات الله عليها في ذلك المرض . . . إلخ ) . وذكر صاحب كتاب ألقاب الرسول وعترته : ( أن من ألقاب فاطمة الشهيدة ) .
وقال الحسيني في كتاب التتمة في تواريخ الأئمة : ( فجمع عمر بن الخطاب جماعة وأتى بهم إلى منزل علي ، فوجدوا الباب مغلقاً ، فلم يجبهم أحد ، فاستدعى عمر بحطب وقال : والله لئن لم تفتحوا لنحرقنّه بالنار . فلما سمعت فاطمة ذلك خرجت وفتحت الباب ، فدفعه عمر فاختفت هي من وراء الباب ، فعصرها بالباب فكان ذلك سبب إسقاطها ، ونقل أنه سبب موتها ) . وقال أيضاً : ( سبب وفاتها هي من الضرب الذي أصابها ، وأسقطت بعده الجنين ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 213 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال الكفعمي : ( إن سبب موتها عليها السلام أنها ضربت وأسقطت . . فألقوا في عنقه حبلاً ، وحالت بينهم وبينه فاطمة عند باب البيت ، فضربها قنفذ الملعون بالسوط ، فماتت حين ماتت وإن في عضدها كمثل الدملج من ضربته لعنه الله . . .
وأيضاً قال سليم بن قيس في كتابه : ( وقد كان قنفذ لعنه الله ضرب فاطمة عليها السلام بالسوط ، حين حالت بينه وبين زوجها ، وأرسل إليه عمر : إن حالت بينك وبينه فاطمة فاضربها فألجأها قنفذ إلى عضادة بيتها ودفعها ، فكسر ضلعها من جنبها ، فألقت جنيناً من بطنها ، فلم تزل صاحبة فراش حتى ماتت صلى الله عليها من ذلك شهيدة ) .
وكذلك قال سليم بن قيس : ( فقال العباس لعلي : ما ترى عمر منعه من أن يغرم قنفذاً كما أغرم جميع عماله ؟ فنظر عليّ ، إلى من حوله ، ثم اغرورقت عيناه ، ثم قال : شكر له ضربة ضربها فاطمة بالسوط . فماتت وفي عضدها أثر كأنه الدملج ) .
وعن أمالي الصدوق ، عن ابن عباس في خبر طويل عن النبي صلى الله عليه وآله قال فيه : كأني بها وقد دخل الذل بيتها ، وانتهكت حرمتها ، وغصبت حقها ، ومنعت إرثها ، وكسر جنبها ، وأسقطت جنينها ، وهي تنادي يا محمداه فلا تجاب ، وتستغيث فلا تغاث . . . إلى أن يقول : فيلحقها الله بي ، فتكون أوَّل من يلحقني من أهل بيتي ، فتقدم عليَّ محزونة ، مكروبة ، مغمومة ، مغصوبة ، مقتولة ، فأقول عند ذلك : اللهمَّ العن من ظلمها ، وعاقب من غصبها ، وذلّل من أذلّها ، وخلّد في نارك من ضرب جنبها حتى ألقت ولدها ، فتقول الملائكة عند ذلك : آمين ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 214 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وذكر ابن طاووس في كتابه الإقبال : ( في زيارة الصدّيقة الزهراء عليها السلام المرويّة عن أهل بيت العصمة : اللهمّ صلّ على محمّد وأهل بيته ، وصلّ على البتول الطاهرة ، الصدّيقة المعصومة ، التقيّة النقيّة ، الرّضيّة المرضيّة الزكيّة الرشيدة ، المظلومة المقهورة ، المغصوبة حقّها ، الممنوعة إرثها ، المكسورة ضلعها ، المظلوم بعلها ، المقتول ولدها ، فاطمة بنت رسولك ، وبضعة لحمه ، وصميم قلبه ، وفلذة كبده . . . ) .
وروى ابن قولويه في كامل الزيارات : بإسناده إلى حماد بن عثمان ، عن أبي عبد الله ، قال : ( لما أسري بالنبي . . . إلى أن قال : وأما ابنتك فتظلم وتحرم ، ويؤخذ حقها غصباً الذي تجعله لها ، وتضرب وهي حامل ، ويدخل على حريمها ومنزلها بغير إذن ، ثم يمسّها هوان وذل ثم لا تجد مانعاً ، وتطرح ما في بطنها من الضرب ، وتموت من ذلك الضرب .
وروى ابن قولويه أيضاً في كامل الزيارات ، في حديث عن الإمام الصادق ، قال : ( وقاتل أمير المؤمنين ، وقاتل فاطمة ومحسن ، وقاتل الحسن ، والحسين عليهم السلام ) .
وروى الشيخ المفيد في الإختصاص : ( أبو محمد ، عن عبد الله بن سنان ، عن أبي عبد الله ( ع ) قال : لمّا قبض رسول الله . . . في حديث طويل . . . إلى أن يقول : فرفسها برجله وكانت حاملة بابن اسمه المحسن ، فأسقطت المحسن من بطنها ، ثمَّ لطمها ، فكأنّي أنظر إلى قرط في أذنها حين نقفت . ثمَّ أخذ الكتاب فخرقه ، فمضت ومكثت خمسة وسبعين يوماً مريضة ممّا ضربها عمر ثمَّ قبضت . . . إلى آخر الخبر .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 215 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وذكر العلامة الشيخ محمد تقي المجلسي رحمه الله ، وهو والد الشيخ محمد باقر صاحب البحار ، قال في شرحه لكتاب من لا يحضره الفقيه : ( وشهادتها كانت من ضربة عمر الباب على بطنها ، عندما أرادوا أمير المؤمنين لبيعة أبي بكر . . . وضرب قنفذ غلام عمر السوط عليها بإذنه . والحكاية مشهورة عند العامة والخاصة ، وسقط بالضرب غلام كان اسمه محسن ) .
وقال العلامة الشيخ محمد باقر المجلسي رحمه الله : في كتاب مرآة العقول ، الذي شرح فيه أخبار أصول الكافي والروضة ، قال عند رواية أنها عليها السلام صدّيقة شهيدة : ( إنه من المتواترات ، وكان سبب ذلك أنهم لمّا غصبوا الخلافة ، وبايعهم أكثر الناس ، بعثوا إلى أمير المؤمنين عليه السلام ليحضر البيعة ، فأبى . فبعث عمر بنارٍ ليحرق على أهل البيت بيتهم ، وأرادوا الدخول عليه قهراً ، فمنعتهم فاطمة عند الباب ، فضرب قنفذ غلام عمر الباب على بطن فاطمة فكسر جنبها ، وأسقطت لذلك جنيناً كان سمّاه رسول الله صلى الله عليه وآله محسناً ، فمرضت لذلك ، وتوفيت صلوات الله عليها من ذلك المرض ) .
وروى الطبري في دلائل الإمامة : عن أبي عبد الله ( ع ) قال : قبضت فاطمة في جمادى الآخرة يوم الثّلاثاء لثلاث خلون منه ، سنة إحدى عشر من الهجرة . وكان سبب وفاتها أنَّ قنفذاً مولى عمر لكزها بنعل السيف بأمره ، فأسقطت محسنّاً ، ومرضت من ذلك مرضاً شديداً ، ولم تدع أحداً ممّن آذاها يدخل عليها . وكان الرَّجلان من أصحاب النبي سألا أمير المؤمنين صلوات الله عليه أن يشفع لهما إليها ، فسألها أمير المؤمنين ( ع ) فلمّا دخلا عليها قالا لها : كيف أنت يا بنت رسول الله ؟ قالت : بخير بحمد الله ، ثمَّ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 216 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قالت لهما : ما سمعتما النبي يقول : فاطمة بضعة منّي ، فمن آذاها فقد آذاني ، ومن آذاني فقد آذى الله ؟ قالا : بلى . قالت : فوالله لقد آذيتماني . قال : فخرجا من عندها وهي ساخطة عليهما .
قال محمد بن همام : وروي أنها قبضت لعشر بقين من جمادى الآخرة ، وقد كمل عمرها يوم قبضت ثمانية عشر سنة وخمساً وثمانين يوماً بعد وفاة أبيها ، فغسّلها أمير المؤمنين ولم يحضرها غيره والحسن والحسين وزينب وأم كلثوم وفضّة جاريتها وأسماء بنت عميس . وأخرجها إلى البقيع في اللّيل ، ومعه الحسن والحسين وصلّى عليها ، ولم يعلم بها ، ولا حضر وفاتها ، ولا صلّى عليها أحد من سائر النّاس غيرهم ، ودفنها بالرَّوضة ، وعمي موضع قبرها . وأصبح البقيع ليلة دفنت ، وفيه أربعون قبراً جدداً ، وإنَّ المسلمين لمّا علموا وفاتها جاؤوا إلى البقيع ، فوجدوا فيه أربعين قبراً ، فأشكل عليهم قبرها من سائر القبور ، فضجَّ الناس . ولام بعضهم بعضاً وقالوا : لم يخلف نبيّكم فيكم إلاّ بنتاً واحدة ، تموت وتدفن ولم تحضروا وفاتها والصّلاة عليها ، ولا تعرفوا قبرها . ثمَّ قال ولاة الأمر منهم : هاتم من نساء المسلمين من ينبش هذه القبور ، حتى نجدها فنصلي عليها ، ونزور قبرها . فبلغ ذلك أمير المؤمنين صلوات الله عليه ، فخرج مغضباً قد احمرَّت عيناه ، ودرَّت أوداجه ، وعليه قباه الأصفر الّذي كان يلبسه في كلِّ كريهة ، وهو متوكئ على سيفه ذي الفقار ، حتى ورد البقيع ، فسار إلى النّاس النذير ، وقالوا : هذا عليُّ بن أبي طالب قد أقبل كما ترونه ، يقسم بالله لئن حوِّل من هذه القبور حجر ليضعنَّ السّيف على غابر الآخر . فتلقّاه عمر ومن معه من أصحابه وقال له : مالك يا أبا الحسن ، والله لننبشنَّ قبرها ولنصلّينَّ عليها . فضرب عليٌّ بيده إلى
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 217 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
جوامع ثوبه فهزَّه ، ثمَّ ضرب به الأرض ، وقال له : يا ابن السّوداء ، أمّا حقّي فقد تركته مخافة أن يرتدّ الناس عن دينهم ، وأمّا قبر فاطمة فوالّذي نفس عليّ بيده ، لئن رمت وأصحابك شيئاً من ذلك لأسقينَّ الأرض من دمائكم ، فإن شئت فأعرض يا عمر ! فتلقّاه أبو بكر فقال : يا أبا الحسن بحقِّ رسول الله ، وبحقِّ من فوق العرش إلاّ خلّيت عنه ، فإنّا غير فاعلين شيئاً تكرهه . قال : فخلّى عنه وتفرَّق النّاس ، ولم يعودوا إلى ذلك ) .
* وكتب ذو الفقار بتاريخ 7 - 1 - 2000 ، الثالثة صباحاً :
نعم أحسنت أخي العزيز ( حر ) جعلك الله حراً في الدنيا والآخرة ، أتحفنا بمثل هذه المواضيع الطيبة . لعنة الله على ظالميها . لا نامت أعين الجبناء .
* وكتب الفاروق بتاريخ 7 - 1 - 2000 ، الرابعة صباحاً :
أستغفر الله وأتوب اليه أنه هو التواب الرحيم .
أيها الزملاء الشيعة : والله ما يجوز القول بهذا أبداً ولا يصح ، حرام عليكم خافوا الله في أنفسكم وفيما تقولون . إن كلاماً كهذا يضع أمير المؤمنين عليه السلام علي بن أبي طالب في مصاف الضعاف والجبناء ، ويجعله سلام الله عليه من الذين لا يغارون على حرمات الله ورسوله صلى الله عليه وسلم . وهو البطل المغوار وأسد الصحراء وسيد من سادات العرب ، وإمام المسلمين وإمامكم إن كنتم فعلاً توالونه ؟ ! هداكم الله وهدانا إلى ما يحب ويرضى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 218 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
* وكتب محمد إبراهيم بتاريخ 24 - 1 - 2000 ، الواحدة ظهراً :
على خلفية الأحاديث التي جاء بها الزميل ( حر ) أود أن أسأله بعض الأسئلة التي تبين أجوبتها أن ما جاء به من أخبار إنما هي أخبار متهافتة كالعادة . ولا أظن أنه ستكون لديه الشجاعة ليجيب على هذه الأسئلة :
1 ) أليس سيدنا علي هو الذي حمل باب خيبر الذي عجز عن حمله عشرات الرجال ( حسب الروايات الشيعية طبعاً ) ؟ كيف يعجز من هو به القوة الخارقة من أن يذود عن امرأته عندما يأتي بعض الجبناء ، ويعتدون عليها بالضرب ويُجهضون جنينها وهو منزوٍ في ركن البيت يبكي ويقول دعيهم ، لا بل ويمسكونه هو أيضا ويشبعونه ضرباً ( حسب الروايات الشيعية ) ؟ كيف تستقيم هذه الأمور مع بعضها البعض ؟
2 ) سيدنا علي من أكرم وأشجع وأنبل العرب كما هو معروف لدى جميع المسلمين ، كيف يرضى هذا السيد الشجاع النبيل أن يدخل قوم على زوجته ويضربونها ويجهضون جنينها ، من غير أن يقاتلهم حتى الموت ؟ ! أين ذهبت نخوة سيدنا علي وشجاعته في هذه الروايات الخيالية ؟
3 ) إذا فعل أحد هكذا مع زوجتك فهل ستسكت عنه ؟ كيف إذاً سكت عنهم سيدنا علي ؟ ! لا وبل بايعهم وعاش تحت حكمهم وساعدهم في شؤون الحكم ؟ أين نخوة سيدنا علي وحبه لزوجته وجنينه الذي أجهضوه ؟ لا تقل لي تقية ومصالح المسلمين فهذا الكلام مأخوذ خيرة ، لأن هذه الأعذار تجعل سيدنا علي يخسر أكثر مما لو لم يعمل بالتقية ومصالح المسلمين ضاعت أكثر بعد أن سكت سيدنا علي عنها ، بل وكان من آثار
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 219 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
سكوته قتل ابنه الحسين وحصول الفتن بين المسلمين ( حسب أقوال الشيعة طبعاً ) فكيف يرضى المعصوم بهذه الأمور ولا يدافع عن الحق خوفاً وجبناً كما تدعي الشيعة ؟ ! كيف تستقيم هذه الأمور مع التساؤلات الثلاثة التي سألتك إياها . . . ؟ !
* وكتب الفاروق بتاريخ 24 - 1 - 2000 ، الرابعة عصراً :
أشكر الأخ الكريم محمد إبراهيم على ما يبذله من جهد للدفاع عن الخليفة الرابع ، وعن تعظيم فضله ومكانته بين المسلمين .
إلى صاحب الموضوع : أنا لا أشك يوماً بأنك ممن يحبون الامام علي كرم الله وجهه ، ولكن يجب أن تختار ما هو لائق بمكانته وعلو شأنه بين المسلمين هذه الروايات ما هي الا دليل على ضعف الامام وجبنه ، وحاشا لله أن يكون هكذا سيدنا الامام علي عليه السلام .
أدعو الأفاضل الشيعة أن يتمعنوا بهذه الروايات التي لا تنال إلا من أمير المؤمنين . نصرة أمير المؤمنين تكون بإيضاح فضائله ومكارم أخلاقه وشجاعته . فمن هذه الروايات المكذوبة عليه وعلى آله ما هي إلا مدخل لكل ضال مضل لكي ينال من آل الرسول عليه السلام جميعاً . انتهى .
* قال العاملي : لم أجد بقية الموضوع . . ولا يغرنك الغيرة التي أظهرها المدعو فاروق ومحمد إبراهيم على أمير المؤمنين عليه السلام ! فطالما دافعا عن أعدائه وقاتليه ، وحاولا أن يثبتا أن غيره أعلم منه وأشجع . . ولكنهما رأيا هنا أن أفضل طريقة في الدفاع عن أبي بكر وعمر ونفي هجومهما على بيت فاطمة أن يقولا إن ذلك محال مع وجود أمير المؤمنين عليه السلام !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 220 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وجوابهما : أنه ثبت عندنا أن النبي صلى الله عليه وآله أخبر علياً وفاطمة والحسنين بما يجري عليهم بعده ، وأن الأمة ستغدر بهم ، وأوصاهم بوصاياه وأخذ منهم عهد الله تعالى وميثاقه على تنفيذ ما أمرهم به لإبقاء الاسلام . . وقد نفذوا ذلك حرفياً وتحملوا أنواع التعديات والبغي والإهانة احتساباً وطاعةً لله ورسوله .
وقد كان من الأسهل على علي عليه السلام أن يجرد ذا الفقار ويسقي الأرض من دمائهم ، ويوصل صراخهم وفلولهم إلى آخر المدينة . . ولكن نتيجة ذلك أن ترتد العرب عن الاسلام ويقولوا إن دعوة هذا النبي كانت للدنيا ، والدليل عليه أن أصحابه اختلفوا على سلطانه ! !
فشجاعة علي عليه السلام في صبره وتحمله الهجوم على بيته وما ارتكبوه بحق الصديقة الزهراء وحقه . . أعظم من شجاعته في مقابلتهم بالسيف ، بل أعظم من شجاعته في معارك الاسلام مثل بدر وأحد والخندق وخيبر ! !
* *
* وكتبت المدعوة فريدة في شبكة الموسوعة الشيعية ، بتاريخ 19 - 2 - 2000 ، الواحدة صباحاً ، موضوعاً بعنوان ( هل للسيدة الزهراء ولد اسمه محسن ) ، قالت فيه :
إخواني الشيعة : حدثتني إحدى الأخوات الشيعيات أيام دراستنا في الجامعة أن فاطمة الزهراء لها ثلاثة أولاد ، الثالث يسمى المحسن . في حين أن المعروف أن لها الحسن والحسين فقط ، ولم أجد كتاباً فيه ذلك . . أرجو تبيين حقيقة ذلك . ولكم الشكر الخالص .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 221 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
* فكتب الموسوي بتاريخ 19 - 2 - 2000 ، الخامسة مساءً :
الأخت الفاضلة فريدة . . رغم بعض المشاغل التي تحول دون التفرغ للإجابة على سؤالك هذا ، ولكن لأهمية الموضوع فإنني سأورد لك بعضاً مما جاء في كتاب حوار مع فضل الله حول الزهراء عليها السلام حول مسألة الجنين محسن عليه السلام ، وسأنقله بتصرف واختصار من ذلك الكتاب ( ص 313 . . : ( جاء ذكر السقط الشهيد محسن عليه السلام في كثير من كتب الحديث والتاريخ ، بشكل يجعل المرء يقطع بوجوده بل والسبب في إسقاطه . أما ما جاء في مصادرنا الشيعية ، فمن الأحاديث المسندة التي وردت في هذا المجال ما يلي :
1 - ما ذكره علي بن إبراهيم القمي المتوفى بحدود سنة 307 ه‍ عن أبيه ، عن سليمان الديلمي ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : إذا كان يوم القيامة يدعى محمد ( ص ) فيكسى حلة وردية ثم يقام على يمين العرش . . . ثم ينادي مناد من بطنان العرش من قبل رب العزة والأفق الأعلى : نعم الأب أبوك يا محمد وهو إبراهيم ، ونعم الأخ أخوك وهو علي بن أبي طالب ، ونعم السبطان سبطاك وهما الحسن والحسين ، ونعم الجنين جنينك وهو محسن . . . الخ . ( تفسير القمي ج 1 ص 128 ) .
2 - ما ذكره محمد بن يعقوب بن إسحاق الكليني المتوفى سنة 329 ه‍
في كتاب العقيقة من الكافي - باب الأسماء والكنى ، الحديث الثاني : عن
عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد ، عن القاسم بن يحيى ، عن جده
الحسن بن راشد ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : حدثني أبي ،
عن جدي ، قال : قال أمير المؤمنين عليه السلام : سموا أولادكم قبل أن يولدوا ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 222 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فإن لم تدروا أذكر أم أنثى ، فسموهم بالأسماء التي تكون للذكر والأنثى ، فإن أسقاطكم إذا لقوكم يوم القيامة ولم تسمّوهم ، يقول السقط لأبيه ألا سمّيتني ، وقد سمّى رسول الله صلى الله عليه وآله محسناً قبل أن يولد ) . الكافي ج 6 ص 18 وسند الرواية صحيح .
3 - ما رواه الشيخ الصدوق أبو جعفر محمد بن علي بن بابويه المتوفى سنة 381 ه‍ في كتابيه الأمالي والخصال ، فقد روى في الأمالي عن علي بن أحمد بن موسى الدقاق ، قال : حدثنا محمد بن أبي عبد الله الكوفي ، قال : حدثنا موسى بن عمران النخعي ، عن عمه الحسين بن يزيد النوفلي ، عن الحسن بن علي بن أبي حمزة ، عن أبيه ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : إن رسول الله ( ص ) . . ، والخبر طويل يتحدث فيه الرسول عما يجري على أهل بيته من الظلم ، وجاء في الخبر : ( كأني بها وقد دخل الذل بيتها وانتهكت حرمتها وغصبت حقها ومنعت إرثها وكسر جنبها وأسقطت جنينها وهي تنادي يا محمداه فلا تجاب وتستغيث فلا تغاث . . . فأقول عند ذلك : اللهم العن من ظلمها وعاقب من غصبها وأذلّ من أذلّها ، وخلّد في نارك من ضرب جنينها حتى ألقت ولدها فتقول الملائكة عند ذلك آمين ) . الأمالي ص 100 ، وكذلك روى الصدوق في كتابه الخصال بسند صحيح عن أبيه ، قال : حدثنا سعد بن عبد الله ، قال : حدثني محمد بن عيسى بن عبيد اليقطيني ، عن القاسم بن يحيى ، عن جده الحسن بن راشد ، عن أبي بصير ومحمد بن مسلم عن أبي عبد الله ( ع ) قال : حدثني أبي ، عن جدي ، عن آبائه ( ع ) : " إن أمير المؤمنين ( ع ) علّم أصحابه في مجلس واحد أربع مائة باب مما يصلح في دينه ودنياه ، وجاء في الحديث ضمن النصائح :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 223 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
( سمّوا أولادكم ، فإن لم تدروا أذكر هم أم أنثى فسمّوهم بالأسماء التي تكون للذكر والأنثى ، فإن أسقاطكم إذا لقوكم في القيامة ولم تسمّوهم يقول السقط لأبيه : ألا سمّيتني ، وقد سمّى رسول الله ( ص ) محسناً قبل أن يولد ) . الخصال ص 634
4 - ما ذكره جعفر بن محمد بن قولويه المتوفى سنة 367 ه‍ في روايتين من باب نوادر الزيارات من كتابه كامل الزيارات ، فقد روى الرواية الأولى عن محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري ، عن أبيه ، عن علي بن محمد بن سليمان ، عن محمد بن خالد ، عن عبد الله بن حماد البصري ، عن عبد الله الأصم ، عن عبد الله بن بكر الأرجاني قال : صحبت أبا عبد الله عليه السلام في طريق مكة . . . ، وجاء في الرواية عن الإمام الصادق ( ع ) عبارة : ( وقاتل أمير المؤمنين وقاتل فاطمة ومحسن وقاتل الحسن والحسين عليهم السلام ) ( كامل الزيارات باب 108 ح 2 ص 326 ط المرتضوية ص 541 ط . مؤسسة نشر الثقافة ) أما الرواية الثانية فيرويها بنفس الإسناد إلى عبد الله الأصم الذي يسندها إلى حماد بن عثمان عن أبي عبد الله ( ع ) ، والرواية تحكي بعض ما أوحي إلى النبي ( ص ) لما أسري به إلى السماء مما سيجري عليه وعلى أهل بيته ، وجاء في هذه الرواية : ( وأما ابنتك فتظلم وتحرم ويؤخذ حقها غصبا الذي تجعله لها وتضرب وهي حامل ويدخل عليها وعلى حريمها ومنزلها بغير إذن ثم يمسها هوان وذل ثم لا تجد مانعا وتطرح ما في بطنها من الضرب وتموت من ذلك الضرب ) . وجاء في مقطع آخر من الرواية : ( وأول من يحكم فيهم محسن بن علي ( ع ) في قاتله ثم في قنفذ فيؤتيان هو وصاحبه فيضربان بسياط من نار ) كامل الزيارات الباب 108 ح 11 ص 332 ط . المرتضوية ، ص 548 ط . مؤسسة نشر الثقافة ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 224 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
5 - ما رواه محمد بن جرير بن رستم الطبري الذي عاش في القرن الرابع في كتابه دلائل الإمامة عن إبراهيم بن أحمد الطبري قال : أخبرنا القاضي أبو الحسين علي بن عمر بن الحسن بن علي بن مالك السياري قال : أخبرنا محمد بن زكريا الغلابي ، قال : حدثني جعفر بن محمد بن عمارة الكندي ، قال : حدثني أبي ، عن جابر الجعفي ، عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين عليهم السلام ، عن أبيه ، عن جده ، عن محمد بن عمار بن ياسر قال : سمعت أبي يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول لعلي يوم زوج فاطمة : ( يا علي . . . قال ( أي عمار بن ياسر ) : وحملت بالحسن فلما رزقته حملت بعد أربعين يوماً بالحسين ، ثم رزقت زينب وأم كلثوم ، وحملت بمحسن فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وجرى ما جرى في يوم دخول القوم عليها دارها وإخراج ابن عمها أمير المؤمنين وما لحقها من الرجل أسقطت به ولداً تماماً وكان ذلك أصل مرضها ووفاتها صلوات الله عليها ) . ( دلائل الإمامة ص 104 ح 35 ) .
وروى الطبري في كتابه عن محمد بن هارون بن موسى التلعكبري ، عن أبيه ، عن محمد بن همام بن سهيل ، عن أحمد بن محمد بن البرقي ، عن أحمد بن محمد الأشعري القمي ، عن عبد الرحمن بن أبي نجران ، عن عبد الله بن سنان ، عن ابن مسكان ، عن أبي بصير عن أبي عبد الله جعفر بن محمد عليه السلام قال : " . . . وكان سبب وفاتها أن قنفذا مولى الرجل لكزها بنعل السيف بأمره وأسقطت محسناً ومرضت من ذلك مرضا شديدا . ( دلائل الإمامة ص 134 ح 43 ، عنه بحار الأنوار ج 43 ص 170 ح 11 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 225 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أما ما جاء في كتبنا سواء في رواياتنا المرسلة أو عبائر علمائنا ومؤرخينا عن السقط محسن فكثيرة ، منها :
1 - تاريخ أحمد بن إسحاق اليعقوبي المتوفى بعد سنة 292 ه‍ ، فقد جاء فيه : ( وكان له من الولد الذكور أربعة عشر ذكراً : الحسن والحسين ، ومحسن مات صغيراً ، أمهم فاطمة بنت رسول الله ) . ( تاريخ اليعقوبي : 2 / 213 ) .
2 - تاريخ الأئمة لمحمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن إسماعيل المعروف بابن أبي الثلج المتوفى سنة 325 ه‍ . وقد جاء فيه : " ولد لأمير المؤمنين عليه السلام من فاطمة عليها السلام : الحسن والحسين ومحسن سقط " . ( مجموعة نفيسة ص 16 ) .
3 - إثبات الوصية لعلي بن الحسن المسعودي المتوفى سنة 346 ه‍ ، فقد جاء فيه : ( فأقام أمير المؤمنين عليه السلام ومن معه من شيعته في منزله بما عهد إليه رسول الله ( ص ) فوجهوا إلى منزله فهجموا عليه وأحرقوا بابه ، واستخرجوه منه كرهاً وضغطوا سيدة النساء بالباب حتى أسقطت محسناً ) ( إثبات الوصية ص 124 ) .
4 - تلخيص الشافي للشيخ أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي المتوفى سنة 460 ه‍ . فقد قال : ( ومما أنكر عليه ضربهم لفاطمة عليها السلام ، وقد روي أنهم ضربوها بالسياط ، والمشهور الذي لا خلاف فيه بين الشيعة إن عمر ضرب على بطنها حتى أسقطت فسمي السقط محسناً ، والرواية بذلك مشهورة عندهم ، وما أرادوا من إحراق البيت عليها حين التجأ إليها قوم وامتنعوا من بيعته ، وليس لأحد أن ينكر الرواية بذلك لأنا قد بينا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 226 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الرواية الواردة من جهة العامة من طريق البلاذري وغيره . ورواية الشيعة
مستفيضة به لا يختلفون في ذلك ) . ( تلخيص الشافي ج 3 ص 156 ) .
5 - تاج المواليد للحسن بن علي الطبرسي المتوفى سنة 548 ه‍ فقد ذكر في الفصل الخامس من الباب الثاني ما يلي : " وكان لأمير المؤمنين عليه السلام ثمانية وعشرون ولداً ويقال ثلاث وثلاثون ولداً ذكراً وأنثى : الحسن والحسين صلى الله عليه وآله والمحسن الذي أسقط " . ( مجموعة نفيسة ص 94 ) .
6 - المناقب لمحمد بن علي بن شهرآشوب المازندراني المتوفى سنة 588 ه‍ ، فقد كتب في مقدمة كتابه في معرض حديثه عن الجماعات الضالة والمنحرفة ما يلي : ( وجماعة من السفساف حملهم العناد على أن قالوا : كان أبو بكر أشجع من علي ، وإن مرحباً قتله محمد بن مسلمة ، وأن ذا الثدية قتل بمصر ، وإن في أداء سورة براءة كان أبو بكر أميراً على علي ، وربما قالوا : قرأها انس بن مالك ، وإن محسناً ولدته فاطمة في زمن النبي ( ص ) سقطا ) . ( المناقب ج 1 ص 14 ) . وذكر أيضاً في كتابه عن كنى فاطمة الزهراء عليها السلام ما يلي : ( وكناها أم الحسن وأم الحسين وأم المحسن وأم الأئمة وأم أبيها ) . ( المناقب ج 3 ص 357 ) .
أما عن أولادها فقال : " وأولادها الحسن والحسين والمحسن سقط ، وفي معارف القتيبي أن محسناً فسد من زخم قنفذ العدوي " . ( المناقب ج 3 ص 358 ، ولكن الموجود في الطبعة المتداولة لكتاب المعارف لابن قتيبة ص 210 - 211 ما يلي : ( فولد علي الحسن والحسين ومحسناً وأم كلثوم الكبرى وزينب الكبرى ، أمهم فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه ( وآله ) وسلم . . . وأما محسن بن علي فهلك وهو صغير ) . انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 227 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ومثل هذا التحريف ليس بعزيز فقد مر سابقاً محاولة أبي عبيد القاسم بن سلام إخفاء أمر هجوم أبي بكر على بيت فاطمة ، وللمزيد يمكن مراجعة بداية كتاب التاريخ والإسلام للسيد جعفر مرتضى العاملي حيث ذكر أسماء الكتب التي وقع فيها التحريف ومواقعه ) . انتهى موضع الشاهد من الكتاب المذكور . وأفضل من استقصى موارد ذكر السقط محسن ( ع ) هو العلامة السيد جعفر مرتضى العاملي في كتابه مأساة الزهراء : 2 / 337 - 349 .
* *
* وكتب ( فرات ) في شبكة الموسوعة الشيعية ، في 22 - 1 - 2000 ، الخامسة مساءً ، موضوعاً بعنوان ( لماذا عاملوا الزهراء هكذا ؟ ؟ ! ) ، قال فيه :
فاطمة عليها السلام بنت رسول الله صلى الله عليه وآله ، من الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً ، مودتها فرض على كل مسلم ( قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى ) الشورى - 23 . يغضب الله ورسوله لغضبها قال رسول الله صلى الله عليه وآله ( إن الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك ) ، أخرجه الحاكم في مستدركه وصححه ، والذهبي في ميزان الاعتدال ح 2 / 72 معترفاً بصحته وغيرهم . وقوله صلى الله عليه وآله ( فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني ) . أخرجه البخاري - باب مناقب فاطمة . وهي سيدة نساء هذه الأمة بل نساء العالمين قال لها صلى الله عليه وآله ( يا فاطمة أما ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين أو سيدة نساء هذه الأمة ) هذه قطرة من بحر فضائلها سلام الله عليها ، ولكن ما هو موقف الصحابة معها بعد وفاة أبيها صلى الله عليه وآله ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 228 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
نجد مواقف عديدة منها : بعد وفاة الرسول تفقد أبو بكر قوماً تخلفوا عن بيعته عند علي كرم الله وجهه فبعث إليهم عمر . فجاء وناداهم وهم في دار علي ، فأبوا أن يخرجوا فدعا بالحطب وقال : والذي نفس عمر بيده ، لتخرجن أو لأحرقها على من فيها ! فقيل له : يا أبا حفص إن فيها فاطمة ! ! فقال : وإن . . ! ! ثم قام عمر فمشى معه جماعة حتى أتوا باب فاطمة فدقوا الباب فلما سمعت أصواتهم ، نادت بأعلى صوتها ( يا أبت يا رسول الله ، ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب وابن أبي قحافة ؟ ! ! ) الإمامة والسياسة 1 / 12 ويمكنك أن تراجع حديث احراق دار الزهراء سلام الله عليها في المصادر : تاريخ الطبري 3 / 198 ، تاريخ أبي الفداء 2 / 64 ، العقد الفريد 5 / 12 . أعلام النساء 4 / 114 تاريخ اليعقوبي 2 / 126 ، الفتوح لابن أعثم 1 / 13 . شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد 2 / 65 ) . حتى قال حافظ إبراهيم :
وقولةٌ لعلي قالها عمر * أكرم بسامعها أعظم بملقيها
حرَّقت دارك لا أبقي عليك بها * إن لم تبايع وبنت المصطفى فيها
ما كان غير أبي حفص بقائلها * أمام فارس عدنان وحاميها
إن المرء ليقف مذهولاً من موقف الصحابة هذا ، أيصل الأمر إلى أن يقسم صاحبهم على إحراق بيت الزهراء وهم مقرون بأنه البيت الذي كان رسول الله صلى الله عليه وآله نفسه لا يدخل إلا بعد استئذان ؟ ! من حق كل مسلم حر أن يسأل نفسه : لماذا وصل الأمر بهم إلى هذا الحد ؟ ! !
* وكتب حسيني بتاريخ 22 - 1 - 2000 ، التاسعة مساءً :
إنه حب المنصب والظهور يا أخي العزيز ، هذه الغريزة التي أودعها الله بنا لاختبارنا وتمحيصنا ! ويا لها من غريزة إذا لم يتحكم بها الانسان ويسيطر
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 229 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عليها من خلال عقله . فإنها سوف تجره إلى مهالك الضالين . . . وهل تعلم يا أخي لماذا هذه المحاولات البغيضة لإخفاء الحقائق الجلية ؟ ! السبب هو حب المنصب والظهور والابتعاد عن الورع والتقوى . فسلام الله عليك يا أماه يا فاطمة الزهراء ، ولعن الله أعدائك وظالميك من الأولين والآخرين .
* وكتب العاملي في 22 - 1 - 2000 ، العاشرة والنصف مساءً :
أحسنتما أيها الأخوين . . ستبقى الزهراء عليها السلام قمةً سامقةً في طليعة العترة الطاهرة ، لا يمكن لأحد أن ينال من صدقها لله ، وتجردها عن الهوى ، وشموخها عن حطام الدنيا . . فهي بنص من لا ينطق عن الهوى : سيدة نساء أهل الجنة ، وسيدة نساء العالمين . . وقد بقي موقفها في إدانة تحالف قبائل قريش المتآمرة في حياة النبي وبعده ، صخرةً صلبةً ، صلدةً ، عصيةً على دهاة السياسة اليهودية القرشية ، أن ينالوا منه أو يطوعوه ! ! إن مواقف الزهراء عليها السلام أكبر سندٍ حيً بعد النبي صلى الله عليه وآله على انحراف الأمة ، وكشف خطة قريش في فرض حصارها الجديد على بني هاشم ، ولمدة أطول من سنوات الحصار الخمس في شعب أبي طالب ، وهذه المرة باسم الاسلام ومصلحة الاسلام ، وأن قبائل قريش لا ترضى أن يجمع بنو هاشم بين النبوة والخلافة ! !
إن السر في حساسية أتباع الخلافة القرشية من قضية الزهراء عليها السلام
ومسائل ظلامتها . . أنهم يسهل عليهم أن يولوا أعناق نصوص الآيات
والأحاديث ، وربما المواقف . . ولكنهم لا يستطيعون أن يزوروا
مواقف الزهراء العظيمة ، والمبتكرة ! !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 230 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ومن أبسط أمثلتها ، أنهم يقولون بشرعية خلافة أبي بكر وعمر ، ووجوب بيعتهما على الأمة ، وأن من لم يبايعهما فهو عاص خائن ، في النار . . لكن عندما يصلون إلى إدانة الزهراء لمؤامرة هما ورفضها بيعتهما ، ورفضها الكلام معهما ، ودعائها عليهما بعد كل صلاة ! وقسمها أن تشكوهما إلى رسول الله صلى الله عليه وآله . . تقف سفينتهم . . وتغرق حججهم ! !
* وكتب الفاطمي في 23 - 1 - 2000 ، الثانية عشرة والنصف صباحاً :
فلماذا إذ جهزت للقاء الله * عند الممات لم يحضراها
شيّعت نعشها ملائكة الرحمن * رفقا بها وما شيعاها
كان زهداً في أجرها أم عناداً * لأبيها النبي لم يتبعاها
أم لأن البتول أوصت بأن لا * يشهدا دفنها فما شهداها
أم أبوها أسر ذاك إليها * فأطاعت بنت النبي أباها
كيف ما شئت قل كفاك فهذي * فرية قد بلغت أقصى مداها
أغضباها وأغضبا عند ذاك * الله رب السماء إذ أغضباها
وكذا أخبر النبي بأن الله * يرضى سبحانه لرضاها
* وكتب فرات بتاريخ 23 - 1 - 2000 ، الرابعة عصراً :
شعت فلا الشمس تحكيها ولا القمرُ . . . زهراءُ من نورها الأكوان تزدهر
أشكر الأخوة والأساتذة الفضلاء على تعقيبهم على الموضوع . .
وهنالك نكته أخرى يمكن اكتشافها للتدليل على عظم مظلوميتها عليها
السلام ، وهي تأكيد النبي صلى الله عليه وآله في أكثر من حديث
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 231 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي مختلف الأزمنة والأمكنة بقوله : يؤذيني ما يؤذيها يؤلمني ما يؤلمها يغضبني ما يغضبها ! حيث نكتشف أن النبي صلى الله عليه وآله أراد أن يؤكد حدوث ظلم فادح على بضعة الزهراء عليها السلام بعد وفاته .
* وكتب حسيني بتاريخ 24 - 1 - 2000 ، الثانية صباحاً :
ولكن الظلم الأشد والأمّر والذي يقطع القلب هو الظلم العملي ، والذي بدأت بعض الجماعات سامحها الله بممارسته بحق فاطمة الزهراء سلام الله عليها ، وهو أنهم بعدما كانوا يقيمون الاحتفالات بولادة الزهراء أو فرحة الزهراء ، ويقيمون العزاء لوفاة الصديقة الطاهرة ، بدأوا يتهربون ويتحاشون من إقامة مثل هذه المراسيم والشعائر ، وكأنما أصبح الدين فقط شعارات وأقوالاً ! فإذا لم نقم مثل هذه الاحتفالات والشعائر والتي تذكر الناس بالتاريخ وما حصل لأهل البيت عليهم السلام ، كيف ستتعرف الأجيال على تاريخ المعصومين وما حل بهم ؟ ! الكثير نراهم يسطرون الكلام المنمق ويذكرون الشعارات والكلمات الرنانة في حق فاطمة الزهراء ، ولكن عندما ترى أفعالهم وأعمالهم ترى أنها تكون بعيدة كل البعد عن ما يقولون ، فيدعون الناس إلى عدم ذكر ظلامات الزهراء علناً ! ! بل يدعونهم إلى عدم تكرار هذه الحادثة التي مضت عليها مئات السنوات حسب قولهم بين فترة وأخرى ! ! أليس هذا الظلم أشد وقعاً على القلب أيها الأخوة الأعزاء ؟ !
السلام عليك أيتها الصديقة الطاهرة المعصومة .
ولعن الله من غصب حقك وظلمك إلى قيام يوم الدين .
* وكتب الفاطمي بتاريخ 25 - 1 - 2000 ، الثالثة صباحاً :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 232 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أخي العزيز الفرات . . السلام عليكم . . بعد 1400 سنة وما زالوا يحاربون الزهراء عليها السلام وهي في مثواها المجهول ! وما زالوا يمنعوننا من قراءة الكتب التي تتحدث عنها سلام الله عليها وعن مظلوميتها مثل كتاب ( فاطمة تعني فاطمة ) للدكتور شريعت . وكتاب فدك للسيد محمد حسن القزويني . والذي بعد جهود جبارة حصلت على صور لصفحات الكتاب بعد أن منع عندنا في الكويت . وعسى الله أن يوفقني في نشر هذا الكتاب الثمين في إحدى مواقع الإنترنت حتى يستطيع جميع الأخوة أن يطلعوا عليه . ولا أدري ما هو سبب إصرار البعض على ظلمها وحتى هي في مثواها ؟ ! !
السلام عليك يا بضعة المصطفى . . يا فاطمة الزهراء .
* وكتب حسيني بتاريخ 25 - 1 - 2000 ، الخامسة صباحاً :
ربما كل هذا الظلم وإخفاء الحقائق من أجل المشروع المسمى بالتقارب بين المذاهب . وفي الحقيقة لا أعلم مدى مصداقية هذا المشروع ، لأن المشكلة أن الخلاف عميق ، فإما أن نتنازل عن مبادئنا من أجل تحقيق هذا المشروع أو أن نتغافل عن ذكر النقاط السوداء على كثرتها بيننا وبين الأطراف الأخرى من أجل هذا المشروع ، حيث بدأ البعض يستغلون هذا الشعار من أجل إقناع الناس أن الحادثة المتعلقة بظلم الزهراء عليها السلام ما هي إلا حادثة ملفقة وغير صحيحة ! مستغلين بذلك الضعف الايماني لكثير من الناس ، وهذا ناتج من قلة الوعي لما حدث ، وقلة المعرفة بالتاريخ .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 233 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
* كتب السبيل الأعظم في شبكة هجر الثقافية ، بتاريخ 24 - 5 - 2001 ، الثامنة صباحاً ، موضوعاً بعنوان ( لماذا هذا الكلام على ظلامة الزهراء عليها السلام ؟ ! ) قال فيه :
هذه الأيام أيام المآسي والحزن لما جرى على مولاتنا فاطمة الزهراء عليها السلام ونريد أن نلقي الضوء على ما جرى عليها من الظلامات ، وأحب من الأخوة المشاركة . وطرحي لهذا البحث حيث أجد بعضاً من المؤمنين في بلادنا الحبيبة القطيف من ينكر تلك الظلامات ، ويدافع عن أعداء الزهراء ! في هذه الأيام تحدث خطيب على المنبر يذكر ظلامة الزهراء وما حصل لها من ضرب وعصر ووكز بالسيف وإسقاط للجنين . . وبعد البحث تحدث رجل وهو في سن الأربعين أو يزيد شيئاً مع صاحبه يقول : هذه خرافة ! إلى متى نتحدث عن المكذوبات ؟ متى نطهر المنبر من هذه السوالف ؟ ! وهلم جراً ، وحط من مكانة الشيخ الخطيب ! !
نكتفي برواية في كتاب سليم بن قيس الهلالي برواية أبان بن أبي عياش عنه ، عن سلمان وعبد الله بن العباس قالا : توفي رسول الله صلى الله عليه وآله يوم توفي فلم يوضع في حفرته ، حتى نكث الناس وارتدوا وأجمعوا على الخلاف ، واشتغل علي عليه السلام برسول الله صلى الله عليه وآله حتى فرغ من غسله وتكفينه وتحنيطه ووضعه في حفرته . ثم أقبل على تأليف القرآن وشغل عنهم بوصية رسول الله صلى الله عليه وآله ، فقال عمر لأبي بكر : يا هذا إن الناس أجمعين قد بايعوك ما خلا هذا الرجل وأهل بيته فابعث إليه ، فبعث إليه ابن عم له يقال له قنفذ فقال له يا قنفذ انطلق إلى علي فقل له أجب خليفة رسول الله ، فبعثا مراراً وأبى علي عليه السلام أن يأتيهم ، فوثب عمر
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 234 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
غضبان ونادى خالد بن الوليد وقنفذاً فأمرهما أن يحملا حطباً وناراً ، ثم أقبل حتى انتهى إلى باب علي وفاطمة صلوات الله وسلامه عليهما ، وفاطمة قاعدة خلف الباب قد عصبت رأسها ونحل جسمها في وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله ، فأقبل عمر حتى ضرب الباب ثم نادى : يا ابن أبي طالب إفتح الباب ، فقالت فاطمة : يا عمر ما لنا ولك ، لا تدعنا وما نحن فيه ؟ ! قال افتحي الباب وإلا أحرقنا عليكم ! فقالت : يا عمر أما تتقي الله عز وجل تدخل علي بيتي وتهجم على داري ؟ ! فأبى أن ينصرف ، ثم دعا عمر بالنار فأضرمها في الباب فأحرق الباب ، ثم دفعه عمر فاستقبلته فاطمة عليها السلام وصاحت : يا أبتاه يا رسول الله ، فرفع السيف وهو في غمده فوجأ به جنبها فصرخت ، فرفع السوط فضرب به ذراعها فصاحت : يا أبتاه ! فوثب علي بن أبي طالب عليه السلام ، فأخذ بتلابيب عمر ، ثم هزه فصرعه ووجأ أنفه ورقبته ، وهم بقتله فذكر قول رسول الله صلى الله عليه وآله وما أوصاه به من الصبر والطاعة فقال : والذي أكرم محمد بالنبوة يا بن صهاك ، لولا كتابٌ من الله سبق لعلمت أنك لا تدخل بيتي ! ! فأرسل عمر يستغيث فأقبل الناس حتى دخلوا الدار فكاثروه وألقوا في عنق علي حبلاً فحالت بينهم وبينه فاطمة عند باب البيت ، فضربها قنفذ الملعون بالسوط ! ! فماتت حين ماتت وإن عضدها كمثل الدملج من ضربته لعنه الله ! فألجأها إلى عضادة بيتها ودفعها فكسر ضلعاً من جنبها ، فألقت جنيناً من بطنها . . . الخ ) . انتهى .
وهناك روايات كثيرة في هذا المعنى . لكن عجبي من قومي فإنهم ينكرونها وأنها لم تضرب ولم تسقط ولم . . . ولم . . . فما يقول أهل الغيرة على المذهب ؟ !
يا شفيعة المذنبين ، يا سيدة نساء العالمين ، يا فاطمة الزهراء .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 235 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
* فكتب العاملي بتاريخ 24 - 5 - 2001 ، الثامنة والنصف صباحاًَ :
أحسنت أيها الأخ الموالي ، فإن مقام الصديقة الزهراء في الاسلام ، وظلامتها وموقفها الصارم من خلافة أبي بكر وعمر . . له موقعه المركزي في مذهبنا في التشيع للعترة النبوية الطاهرة . . وإن كل محاولة لتجاوز ذلك ، أو تمييعه ، أو تخفيف لونه الصارخ . . إنما تنتج عن عدم الاطلاع على تاريخ الاسلام ، أو من الضعف والانهزام أمام إعلام الحكومات المخالفة ، أو من فهم خاطئ للوحدة السياسية الاسلامية المطلوبة ، وتصور أنها يجب أن تتم بتنازل نا عن عقائدنا ، ومسامحة الظالمين بظلامة العترة الطاهرة ، مع أنها ظلامة لا يملكها من يسامح بها أو يتسامح فيها . . وهو لا يفعل أكثر من أن يضم نفسه إلى الظالمين . . ولو لم يقصد ذلك ! !
اللهم العن أول ظالم ظلم آل محمد . . وآخر تابع له على ذلك .
* وكتب علي الشيخ بتاريخ 24 - 5 - 2001 ، العاشرة والنصف صباحاًَ :
استجابتاً لندائك أقول . . . إن هناك أناساً لا يعرفون الحقيقة . . جهال . . وهناك أناس لا أقول جهال ولكن اطلاعهم على السيرة والتاريخ ضعيف جداً . وهناك فئة أيضاً وهم الأكثرية يقولون كيف تضرب الزهراء عليها السلام ومعها الامام علي وهو يراها ويرى ما يفعل بها عليها السلام وهي بنت من ؟ بنت حبيب الله ورسوله ! ومن هو علي هذا ؟ إنه قتال العرب كسار الأصنام ، الشجاع والأبي الشهم . . أين غيرته ؟ !
وهم جهلاء يطرحون هذه الأسئلة ولا يعلمون بأن أمير المؤمنين مقيد
بوصية رسول الله صلى الله عليه وآله وأنه وكما قال الامام الحسين عليه السلام عن النساء
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 236 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والأطفال لماذا يأخذهم معه فأجاب : شاء الله أن يراهم سبايا . . وهكذا حال
الزهراء والامام علي عليهم السلام . . شاء الله أن يقبض أرواحهم مظلومين ،
عليهم صلوات لله . .
ثانياً ، بهذه الفاجعة يعرف ويميز المؤمن من الكاذب المنافق ، فهي امتحان لهؤلاء الذين يدعون أنهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله .
* وكتب ناظم بتاريخ 24 - 5 - 2001 ، الثانية عشرة ظهراً :
لماذا الإنكار ؟ ! مظلمة السيدة الزهراء ( ع ) مظلمة سجلها التاريخ . . حتى وإن حاول البعض أن يظللها بالغمام ، ليحجبها من أجل سواد عين فلان أو إرضاء لخاطر فلان . . .
الواثبين لظلم آل محمد * ومحمد ملقى بلا تكفينِ
والقائلين لفاطمٍ آذيتنا * في طول نوح دائم وحنينِ
ومجمّعي حطب على البيت الذي * لم يجتمع لولاه شمل الدينِ
والداخلين على البتولة بيتها * والمسقطين لها أعزّ جنينِ
والقائدين إمامهم بنجاته * والطهر تدعو خلفهم برنينِ
خلّوا ابن عمي أو لأكشف بالدعا * رأسي وأشكو للإله شجوني
ما كان ناقة صالح وفصيلها * بالفضل عند الله إلا دوني . . .
عظم الله أجورنا وأجوركم .
* وكتب الكاظميني بتاريخ 24 - 5 - 2001 ، الثانية عشرة ودقيقة ظهراًَ :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 237 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
نتيجة الجهل معروفة ومعلومة ، ولا أظن القائل بهذه المقولة يتعدى الحكم عليه بكونه جاهلاً ، إلا أن هناك من يدعي العلم في المقام وله أتباع ! وإني لا ألوم عالمهم القائل بهذه المقولة ، لكن كلي أسف على من يتبعه ويدافع عنه بكل صلافة ، وهم بهذا يدافعون عن من ينال من سيدتي ومولاتي الزهراء عليها السلام ! فهو نفسه الذي يقول لا خصوصية للزهراء في شخصيتها فإنه بإمكان كل امرأة تكون بمكان الزهراء أن تكون زهراء ثانية ، فالأجواء المحيطة التي أحاطت بالزهراء هي التي صنعت الزهراء ، وإلا لا خصوصية للزهراء ! ! وقد غفل عن رواية الرضا عليه السلام حيث يقول : نحن حجج الله عليكم وأمنا فاطمة حجة الله علينا !
لكن ماذا عسانا أن نقول ونحن نعلم أن أهل البيت عليهم السلام قد ظُلموا وهم أحياء ، وإنهم اليوم يُظلمون وهم عند ربهم بيد أناس جهال يعانون من الجهل وآخرون يعانون من حب الرئاسة والزعامة السريعة ، المبنية على أسس مريضة خارجة عن صلب عقائدنا ، فلا أعلم لماذا هذه العداوة مع الزهراء عليها السلام . . لماذا ؟ !
وهل هذه هي الوحدة المطلوبة المزعومة بين الشيعة والسنة ؟ فلا خير في وحدة نضع فيها تاريخنا ومظلومية أهل البيت عليهم السلام وراء ظهورنا ، فبؤساً لهذه الوحدة التي تزيد في ظلم أهل البيت !
وأنا أدعو نفسي وجميع الشيعة أن يرتبطوا بالحوزة العلمية التي هي المدار في جميع النوائب والفتن ، والسؤال عن كل صغيرة وكبيرة ، وأن لا يخدعهم الاعلام المزيف الذي يطبل لكل من لديه اعوجاج في الفكر .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 238 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وليعلم الكل أن الإعلام قد روّج للساقطات والعاهرات ، وليس هو المدار في تقييم الأشخاص ، وإنما هي الحوزة العلمية التي ما زالت تذب عن حياض المذهب ، متحملةً كل أعباء الحروب الخارجية والداخلية . . وواجب الشيعة الرجوع والالتفاف حول علمائها ، كي تبقى قلعة قوية قلعة شامخة في وجوه أعداء المذهب . والله من وراء القصد .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 239 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الثامن : غضب فاطمة على السلطة . . وأن غضبها غضب الله تعالى

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 240 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 241 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

زعمهم أن علياً أغضب فاطمة عليها السلام ، وأراد أن يتزوج عليها !

* كتب الشيباني في شبكة هجر الثقافية ، بتاريخ 9 - 9 - 1999 ، الثانية عشرة وخمس دقائق صباحاً ، موضوعاً بعنوان ( للمنصفين فقط ! ! فاطمة تغضب على عليّ رضي الله عنهما . . . فماذا تقولون ؟ ! ) ، قال فيه :
( روى ابن بابويه القمي الملقب بالصدوق في كتابه عن أبي عبد الله ( جعفر
الصادق ) أنه سئل : هل تشيع الجنازة بنار ويمشي معها بمجمرة أو قنديل أو
غير ذلك مما يضاء به ؟ قال : فتغير لون أبي عبد الله عليه السلام من ذلك واستوى جالساً . ثم قال : إنه جاء شقي من الأشقياء إلى فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لها : أما علمت علياً قد خطب بنت أبي جهل فقالت :
حقاً ما تقول ؟ فقال : حقاً ما أقول ثلاث مرات . فدخلها من الغيرة ما لا تملك نفسها وذلك أن الله تبارك تعالى كتب على النساء غيرة وكتب على الرجال جهاداً ، وجعل للمحتسبة الصابرة منهن من الأجر ما جعل للمرابط المهاجر في سبيل الله . قال : فاشتد غم فاطمة من ذلك وبقيت متفكرة حتى أمست وجاء الليل حملت الحسن على عاتقها الأيمن والحسين على عاتقها
الأيسر وأخذت بيد أم كلثوم اليسرى بيدها اليمنى ، ثم تحولت إلى حجرة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 242 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أبيها ، فجاء عليّ فدخل حجرته فلم يرَ فاطمة فاشتد لذلك غمه وعظم عليه ولم يعلم القصة ما هي ، فاستحيا أن يدعوها من منزل أبيها فخرج إلى المسجد يصلي فيه ما شاء الله ، ثم جمع شيئاً من كثيب المسجد واتكأ عليه ، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ما بفاطمة من الحزن ، أفاض عليها الماء ثم لبس ثوبه ودخل المسجد فلم يزل يصلي بين راكع وساجد ، وكلما صلّى ركعتين دعا الله أن يذهب ما بفاطمة من الحزن والغم ، وذلك أنه خرج من عندها وهي تتقلب وتتنفس الصعداء ، فلما رآها النبي صلى الله عليه وسلم أنها لا يهنيها النوم وليس لها قرار قال لها : قومي يا بُنية فقامت ، فحمل النبي صلى الله عليه وسلم الحسن وحملت فاطمة الحسين وأخذت بيد أم كلثوم فانتهى إلى علي ( ع ) وهو نائم فوضع النبي صلى الله عليه وسلم رجله على عليّ فغمزه وقال : قم أبا تراب ! فكم ساكن أزعجته ! أدع لي أبا بكر من داره وعمر من مجلسه وطلحة ، فخرج عليّ فاستخرجهما من منازلهما واجتمعوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله عليه وسلم : يا عليّ ! أما علمت أن فاطمة بضعة مني ، فمن آذاها فقد آذاني ، ومن آذاني فقد آذى الله ، ومن آذاها بعد موتي كان كمن آذاها في حياتي ، ومن آذاها في حياتي كان كمن آذاها بعد موتي ) . انظر علل الشرائع لابن بابويه القمي ص 185 ، 186 مطبعة النجف . أيضاً أورد الرواية المجلسي في كتابه ( جلاء العيون ) .
وغضبت عليه ( مرة أخرى ) حينما رأت رأسه في حجر جارية أُهديت
له من قبل أخيه ! وها هو النص : يروي القمي والمجلسي عن أبي ذر أنه قال :
كنت أنا وجعفر بن أبي طالب مهاجرين إلى بلاد الحبشة ، فأُهديت لجعفر
جارية قيمتها أربعة آلاف درهم ، فلما قدمنا المدينة أهداها لعلي عليه السلام تخدمه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 243 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فجعلها عليّ في منزل فاطمة ، فدخلت فاطمة عليها السلام يوماً فنظرت إلى رأس عليّ عليه السلام في حجر الجارية ، فقالت : يا أبا الحسن فعلتها ؟ ! فقال : والله يا بنت محمد ما فعلت شيئاً ، فما الذي تريدين ؟ قالت : تأذن لي في المسير إلى منزل أبي رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال لها : قد أذنت لك ، فتجلببت بجلبابها ، وأرادت النبي صلى الله عليه وسلم ) . انظر علل الشرائع للقمي ص 163 وأيضاً بحار الأنوار ص 43 ، 44 باب ( كيفية معاشرتها مع عليّ ) .
وغضبت عليه ( مرة ثالثة ) كما يرويه القوم : ( إن فاطمة رضي الله عنها لما طالبت فدك من أبي بكر امتنع أبو بكر أن يعطيها إيّاها فرجعت فاطمة عليها السلام وقد جرعها من الغيظ ما لم يوصف ومرضت ، وغضبت على عليّ لامتناعه عن مناصرته ومساعدته إيّاها وقالت : يا ابن أبي طالب ! اشتملت مشيمة الجنين وقعدت حجرة الظنين بعد ما أهلكت شجعان الدهر وقاتلتهم ، والآن غلبت من هؤلاء المخنثين ، فهذا هو ابن أبي قحافة يأخذ مني فدك التي وهبها لي أبي جبراً وظلماً ويخاصمني ويحاججني ، ولا ينصرني أحد ، فليس لي ناصر ولا معين ، وليس لي شافع ولا وكيل ، فذهبت غاضبة ورجعت حزينة ، أذللت نفسي ، تأتي الذئاب وتذهب ولا تتحرك ، يا ليتني متّ قبل هذا وكنت نسياً منسياً ، إنما أشكو إلى أبي واختصم إلى ربي ) . أنظر كتاب حق اليقين للمجلسي بحث فدك ص 203 ، 204 . ومثله في كتاب الأمالي للطوسي ص 295 .
ولنا مع هذه الروايات بعض الوقفات :
( 1 ) أنكم تلاحظون أن قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( فاطمة بضعة
مني وأنا منها فمن آذاها فقد آذاني . . ) حسب الرواية موجهة لعليٍّ رضي الله
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 244 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عنه ، لكنكم تحولونه إلى الصديق رضي الله عنه . فنقول : إن كان هذا وعيداً لاحقاً بفاعله لزم أن يلحق هذا الوعيد علي بن أبي طالب وإن لم يكن وعيداً لاحقاً بفاعله كان أبو بكر أبعد عن الوعيد من عليّ رضي الله عنهما .
( 2 ) هناك وقائع أخرى ذكرها كل من المجلسي والطوسي والأربلي وغيرهم وقعت بين علي وفاطمة رضي الله عنهما التي سببت إيذاءها ثم غضبها على عليّ رضي الله عنه . فماذا سيُجيب القوم عن هذه الوقائع المُتظافرة ، وبماذا سيحكم المنصفون منهم ؟ ! فنحن نريد كل منصف متعقل من الشيعة ونرضاه حكماً ، فما هو جوابهم عن عليّ رضي الله عنه فهو جوابنا عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما . فإن قالوا إنها رضيت عن عليّ بعد ما غضبت عليه فنقول : إنها رضيت أيضاً عن الشيخين بعدما غضبت .
( فمشى إليها أبو بكر بعد ذلك وشفع لعمر وطلب إليها فرضيت عنه ) . انظر شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج 1 ص 57 ط بيروت ، وشرح نهج البلاغة لابن ميثم ج 5 ص 507 ط بيروت ، وحق اليقين ص 180 ط طهران .
* فكتب العاملي بتاريخ 9 - 9 - 1999 ، الواحدة إلا ربعاً صباحاً :
أولاً : إن غضب فاطمة عليها السلام على أبي بكر وعمر دراية ، لأنه متواتر والجميع رووه وشهدوا به . وغضبها على علي عليه السلام رواية . وليست الدراية كالرواية .
وثانياً : أنت قد تغضب من والدتك أو ولدك ، وقد تغضب من شخص هو برأيك غاصب لحقك وحق ولدك . . فهل الغضبان من نوع واحد ؟ ! وهل تجعل ( غضب ) الزهراء من علي - إن صح - من نوع غضبها على من شهدت لله أمام المسلمين بأنه خالف الله ورسوله وغصب الخلافة ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 245 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وهدد أسرتها بإحراقهم إن لم يبايعوا ، وأشعل الحطب في باب دارها . . إلى آخر ما جرى ، مما لا مثيل له مع أسرة نبي من الأنبياء في التاريخ ؟ ! !
وثالثاً : ثبت في البخاري : أنها غضبت عليهما وغاضبة هما وبقيت غضبى حتى توفيت ! ! فهل رأيت شيئاً من هذا في غضبها المزعوم على علي ؟ !
ورابعاً : للزهراء شهادات عظيمة بحق علي عليهما السلام ، في حياتها إلى عند وفاتها . . فهلاّ جمعت بينها وبين الروايات التي ذكرتها ؟ وهلاّ وجدت لها حرفاً واحداً تشهد فيه بخير ، لمن غضبت عليهما ؟ ! !
* وكتب محمد نور الله في 9 - 9 - 1999 ، الواحدة صباحاً :
من أساليب النقاش أن تأتي بما نعتقد بصحته ، لاما لا نعتقد به مما هو منتشر في الأخبار الضعيفة ، وإلا لو كان هذا أسلوباً علمياً معتمداً لانقلب السحر عليكم أيضا ! هل تريد أن أستخرج لك جميع الروايات غير المقبولة عندكم ؟ ! ماذا سترد علي حينها ؟ ! فيا عزيزي إعلم أن المسألة ليست بهذه السهولة التي تتصورها . ولك وافر تحياتي .
* وكتب الموحد في 9 - 9 - 1999 ، الثانية صباحاً :
أيها الأخوة ، لقد أخبرتكم من قبل ، وها أنا أعيد . . الشيباني مدلس
فافهموا يرحمكم الله . هذه رواية أخرى من علل الشرائع تعارض ما جلبه
الشيباني ليحتج به ، وكلما أشعل ناراً أطفأها الله . علل الشرائع ص 156 :
يقول الشيخ الصدوق في خبر تسمية الرسول أمير المؤمنين بأبي تراب : ( ليس
الخبر عندي بمعتمد ولا هو لي بمعتقد في هذه العلة لأن علياً وفاطمة الزهراء
ما كان ليقع بينهما كلام يحتاج رسول الله إلى الإصلاح بينهما ، لأنه سيد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 246 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الوصيين وهي سيدة نساء العالمين مقتديان برسول الله في حسن الخلق . لكني اعتمد في ذلك على ما حدثني به أحمد بن الحسن القطان قال : حدثنا أبو العباس أحمد بن يحيى بن زكريا قال : حدثنا بكر بن عبد الله بن حبيب قال : حدثنا تميم عن بهلول عن أبيه قال : حدثنا أبو الحسن العبدي عن سليمان بن مهران ، عن عباية ابن ربعي قال : قلت لعبد الله بن عباس : لم كنّى رسول الله علياً أبا تراب ؟ قال : لأنه صاحب الأرض وحجة الله على أهلها بعده وبه بقاؤها وإليه سكونها . ولقد سمعت رسول يقول : أنه إذا كان يوم القيامة ورأى الكافر ما أعد الله تبارك وتعالى لشيعة علي من الثواب والزلفى والكرامة ، قال يا ليتني كنت تراباً : يعني من شيعة علي ، وذلك قول الله عز وجل " ويقول الكافر يا ليتني كنت تراباً ) .
ها أنتم تقرؤون إقرار الصدوق أن الرواية التي ذكرها الشيباني ليست
معتمدة ثم تحتجون بها . . ! وإذا لم تستحِ فافعل ما شئت ! .
* *
* وكتب ( محب أهل البيت ) في شبكة أنا العربي ، بتاريخ 16 - 6 - 1999 الواحدة ظهراً ، موضوعاً بعنوان ( أطروحة الشيعة لإغضاب سيدتنا فاطمة والرد عليها ) ، قال فيه :
كثيراً ما تثيرون مسألة إغضاب سيدتنا فاطمة رضوان الله عليها وهذا حق لا نجادل فيه ، لكن قصة إحراق البيت وإسقاط الجنين مكذوبة ، بل فيها إهانة للإمام علي نفسه لأنه رجل شهم ، فكيف ينظر إلى امرأته يحدث لها هذا ولا يتحرك ؟ ! !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 247 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أما قصة فدك فقد طرحتها من قبل وبينت أن أبا بكر استشهد بحديث صحيح عند السنة والشيعة ( صححه المجلسي في مرآة العقول وصححه الخميني واستشهد به على ولاية الفقيه ) . وبقي أن أقول إن كتب الشيعة تبين أن الإمام علي نفسه أغضب فاطمة . فهل ترضون أن تطبقوا المبدأ على الإمام علي ، أم أن المسألة عندكم مزاجية ؟ ! !
دخل الحسن بن علي على جدّه رسول الله . . . إلى آخر ما نقله الشيباني . . ثم نقل رواية علل الشرائع التي نقلها الشيباني أيضاً . . وقال :
والغريب هنا أنّ هذه المقولة قيلت بناء على إغضاب علي لفاطمة وهو تحذير نبوي لعلي زوج فاطمة ولباقي الصحابة من إغضاب فاطمة ، إلا أنّ الشيعة لا يستدلون بهذا الحديث إلا على أبي بكر ! ولو كان إغضاب فاطمة رضوان الله عليها أو رضاها سبباً في إيمان أو كفر للحق الوعيد علي بن أبي طالب قبل أبي بكر وقبل أي رجل أو امرأة اختلفت مع فاطمة .
نحن نقول بأنه لا علي بن أبي طالب ولا أبو بكر كفرا أو فسقا بسبب إغضابهما فاطمة ، والنبي عليه الصلاة والسلام إنما قال تلك الكلمات في حق من يغضب فاطمة تعظيماً لأمرها وهي بلا شك أهل لذلك ، وتحذيراً من إغضاب ابنته التي لها من المكانة عنده ما لها ، رضوان الله عليها .
وغضب فاطمة لا بد أن يُقاس من خلال القرآن والسنة فإن كان غضبها لأجلهما كان إغضابها إغضاباً لله والرسول ، أما إذا كان غضبها لخلاف شخصي أو لوجهة نظر لها كالذي يحصل للناس عادة ، فهذا ما لا يقتضي إدانة أحد لأنّ الله عز وجل ودين الإسلام لا يتماشى مع آراء البشر ولو كانوا من صلحاءهم ومصلحيهم .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 248 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
* وكتب عبد الله الشيعي في 16 - 6 - 1999 ، الحادية عشرة ليلاً :
قال حافظ إبراهيم في ديوانه في الصفحة 82 : ( عمر وعلي )
وقولة لعلي قالها عمرٌ * أكرم بسامعها أعظم بملقيها !
حرقت دارك لا أبقي عليك بها * إن لم تبايع وبنت المصطفى فيها !
ما كان غير ( أبي حفص ) يفوه بها * أمام فارس ( عدنان ) وحاميها !
كلاهما في سبيل الحق عزمته * لا تنثني أو يكون الحق ثانيها !
فاذكر هما وترحَّم كلما ذكروا * أعاظماً أُلّهوا في الكون تأليها !
فماذا أنتم قائلون في محاولة الحرق ؟ ! وحديث الرسول الأعظم محمد عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام حيث يقول : ( فاطمة بضعة مني من آذاها فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله . . . ) أم هو عندكم حديث موضوع ؟ !
* وكتب مدافع عن الحقيقة في 16 - 6 - 1999 ، الحادية عشرة والنصف ليلاً :
قال محب أهل البيت : ( دخل الحسن بن علي على جده رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يتعثر بذيله فأسرّ إلى النبي عليه الصلاة والسلام سراً فرأيته وقد تغير لونه ثم قام النبي عليه الصلاة والسلام حتى أتى منزل فاطمة . . . ثم جاء علي فأخذ النبي صلى الله عليه وآله بيده ثم هزها إليه هزاً خفيفاً ثم قال : يا أبا الحسن إياك وغضب فاطمة فإنّ الملائكة تغضب لغضبها وترضى لرضاها ) . بحار الأنوار 43 / 42 .
أقول : أنقل لكم نص ما أورده العلامة المجلسي عليه الرحمة في بحار الأنوار في 43 / 42 ، وذلك كي تقارنوا بين ما نقله من سمّى نفسه محب أهل البيت وبين أصل النص الوارد في البحار ! فالنص كالتالي : ( ابن عبد ربّه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 249 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأندلسي في العقد : عن عبد الله بن الزبير في خبر عن معاوية بن أبي سفيان قال : دخل الحسن بن علي على جدّه صلى الله عليه وآله وهو يتعثر بذيله فأسرّ إلى النبي صلى الله عليه وآله سرّاً فرأيته وقد تغيّر لونه ، ثم قام النبي صلى الله عليه وآله حتى أتى منزل فاطمة فأخذ بيدها فهزّها إليه هزّاً قوياً ثم قال : يا فاطمة إياك وغضب علي فإن الله يغضب لغضبه ويرضى لرضاه ، ثم جاء علي فأخذ النبي صلى الله عليه وآله بيده ثم هزها إليه هزّاً خفيفاً ثم قال : يا أبا الحسن إياك وغضب فاطمة فإن الملائكة تغضب لغضبها وترضى لرضاها . فقلت : يا رسول الله مضيت مذعوراً وقد رجعت مسروراً . فقال : يا معاوية كيف لا أسر وقد أصلحت بين اثنين هما أكرم الخلق على الله . . . ) . انتهى .
أولاً : إن مصدر هذا الكلام هو كتاب العقد الفريد لابن عبد ربّه الأندلسي ، فالرواية واردة من طرق السنة لا من طرق الشيعة .
ثانياً : أن راويها معاوية بن أبي سفيان ، والرجل قاتلَ علياً وسبّه ، فغير بعيد أن يلفق هذه الحكاية كي يسئ إلى أمير المؤمنين والسيدة الزهراء ( ع ) .
ثالثاً : نقل الشيخ المجلسي عليه الرحمة عن ابن بابويه قوله : ( هذا غير معتمد لأنهما منزّهان أن يحتاجا أن يصلح بينهما رسول الله صلى الله عليه وآله ) بحار الأنوار 43 / 42 .
قال محب أهل البيت : ( وعن أبي عبد الله ( جعفر ) . . . فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : يا علي أما علمت أنّ فاطمة بضعة مني وأنا منها ، فمن آذاها فقد آذاني ، ومن آذاني فقد آذى الله ومن آذاها بعد موتي كان
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 250 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كمن آذاها في حياتي ، ومن آذاها في حياتي كان كمن آذاها بعد موتي . علل الشرائع للقمي ص 185 - 186 . انتهى .
أقول : إن هذا الرجل لم يذكر من الرواية ما يدل على أن علياً عليه السلام لم يحصل أصلاً منه ما يغضب السيدة الزهراء عليها السلام . فقد ورد في الرواية بعد قوله صلى الله عليه وآله : ومن آذاها في حياتي كان كمن آذاها بعد موتي . قال فقال علي : بلى يا رسول الله ، قال فما دعاك إلى ما صنعت ؟ فقال علي : والّذي بعثك بالحق نبياً ما كان مني مما بلغها شئ ولا حدثت بها نفسي . فقال النبي : صدقت وصدقت ففرحت فاطمة عليها السلام بذلك . . . الخ . والرواية طويلة . . فلا يوجد في الرواية حسب ظاهرها ما يدل على أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب قد أغضب الزهراء عليها السلام ، حتى تكون هذه الرواية مستنداً لمحب أهل البيت يستدل بها على ما ذهب إليه ! ولا يوجد في التاريخ دليل واحد صحيح يدل على أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب قد أغضب الزهراء عليها السلام .
وقال السيد الشريف المرتضى علم الهدى في كتابه تنزيه الأنبياء ( ص 167 ) عن خبر خطبة علي بنت أبي جهل بن هشام : ( قلنا هذا خبر باطل موضوع ) .
* وكتب الكويتي في 17 - 6 - 1999 ، الثانية عشرة والنصف صباحاً :
إلى محب أهل البيت أقول وباختصار : حاشا مولانا الامام علي عليه
السلام أن يغضب الزهراء سلام الله عليها مع علمه بغصب الله ، ولا توجد
لدى الشيعة رواية صحيحة السند بذلك ، فاحفظ نفسك واستر عليها ، ولا
تحاول النيل من محمد وآل محمد صلى الله عليه وآله ، وإليك أوجه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 251 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أسئلتي : ماذا تعني أن المجلسي صحح الحديث ؟ ما هو دليلك أنه صححه ؟ لماذا لم تذكر سند الحديث ؟ ! بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ، ولكم الويل مما تصفون . كل الشكر والتقدير لمدافع عن الحقيقة .
* وكتب محب أهل البيت بتاريخ 17 - 6 - 1999 ، الثانية صباحاً :
إلى الكويتي . . الحديث الذي عنيته هو ( الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً ولكن ورثوا العلم ) رواه الكليني في الكافي ( الأصول ) وصححه المجلسي في مرآة العقول . وكذا الخميني في الحكومة الاسلامية . راجعه لو سمحت .
* وكتب محب أهل البيت في 17 - 6 - 1999 ، الثالثة إلا ربعاً صباحاً : عبد الله الشيعي . . أظن حافظ إبراهيم ليس عالماً بل شاعراً ، لا يفهم من الدين إلا كيف يصلي ويصوم و و . . وليس له دراية بالعلم الشرعي . أنصحك بالاستدلال أيضا بكلام فريد شوقي وليلى علوي ، إذا كانت المسألة محاكمة أهل السنة بكل من هب ودب ! !
مدافع عن الحقيقة : الرواية التي في علل الشرائع واضحة في بيان الإغضاب ، ثم كيف تنفي الرواية لمجرد أنها تخالف عقيدتكم وتقبلون الرواية التي تتحدث عن أبي بكر ؟ هل المسألة مزاج أم ماذا ؟ ! ! إذا كان أبو بكر قد استشهد بحديث صحيح عند الفريقين ( السنة والشيعة ) كما أشرت آنفاً للزميل الكويتي ، فلماذا يوضع أبو بكر في قفص الاتهام ، هل تريدونه أن يخالف قول الرسول ؟ ! !
السيدة فاطمة لم تقبل الحديث لترجح ظنها أنه ليس بصحيح ، ونحن
كأهل سنة نلتمس العذر للسيدة فاطمة في ذلك . أما أبو بكر فلم يخطئ لأنه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 252 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
طبق الحديث بحذافيره ، نرجو أن تفكرون بمنهج علمي لا بعاطفة ، فالسيدة فاطمة سيدتنا وحبيبتنا لكن المنصف يحكم بعد دراسة القضية لا بعواطفه . فإن قلت أن السيدة فاطمة معصومة . قلت لك لا أسلّم بهذا . وحديث الكساء قد بينت من قبل أنه لا يعني العصمة لشواهد كثيرة لا مجال لذكرها هنا .
* فكتب مدافع عن الحقيقة في 17 - 6 - 1999 ، الثامنة صباحاً :
إلى محب أهل البيت : أولاً : قلت : ( مدافع عن الحقيقة : الرواية التي في علل الشرائع واضحة في بيان الإغضاب . . . )
أقول : أين النص الذّي في رواية علل الشرائع الدال على إغضاب الإمام أمير المؤمنين للسيدة الطاهرة الزهراء عليها السلام ؟ بالله عليك دلّنا عليه ؟ فهل تريد أن تنتصر لباطلك وما تهذي به بتفسير نص الرواية حسب مزاجك وعلى خلاف ما يدل عليه ؟ أليس في هذه العبارة الواردة ضمن هذه الرواية ( والّذي بعثك بالحق نبيّاً ما كان مني مما بلغها شئ ولا حدّثت بها نفسي . فقال النبي : صدقت وصدقت ) دليلٌ على أنه لم يصدر من مولى المتقين عليه السلام ما يغضب السيدة الزهراء عليها السلام .
ثانياً : قلت : ( ثم كيف تنفي الرواية لمجرد أنها تخالف عقيدتكم وتقبلون الرواية التي تتحدث عن أبو بكر ، هل المسألة مزاج أم ماذا ؟ ! ! )
أقول : أين يكمن نفيي للرواية في قولي أعلاه ؟ فأنا فقط بيّنت تدليسك على القارئ الكريم الذي أردت إيهامه بأن الرواية واردة من طريق الشيعة حيث ذكرت أنت أن مصدرها بحار الأنوار دون الإشارة منك إلى أن صاحب البحار قد نقلها عن مصدر آخر وهو كتاب العقد الفريد للأندلسي !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 253 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأما تعليقي على الرواية فهو ليس نفي لأصل وجود الرواية هذه في مصدرها ، فهي موجودة ، ولكني ناقشت صحة هذه الرواية من حيث سندها ومضمونها . فمعاوية هو الراوي وهو مجروح عندنا ، ومضمونها يتنافى مع عقيدتنا في السيدة الزهراء والإمام أمير المؤمنين لأنهما معصومان ، ولأنهما كانا يعيشان الانسجام في الحياة الزوجية بما لكلمة الانسجام من معنى ، فلم يصدر يوماً من الزهراء ما يغضب الإمام عليه السلام ولم يصدر من الإمام ما يغضبها ! يروي الحافظ موفق بن أحمد الحنفي الخوارزمي في كتابه المناقب ص 243 ، رواية طويلة خاصة بخبر زواج السيدة الزهراء من أمير المؤمنين عليه السلام ودخول الرسول صلى الله عليه وآله عليهما صباح عرسهما وفيها : ( وقال : كيف أنت يا فاطمة وكيف رأيت زوجك ؟ قالت : يا أبه خير زوج ، إلاّ أنه دخل عليّ نساء من قريش وقلن لي : زوّجك رسول الله من رجل فقير لا مال له ، فقال لها رسول الله : ما أبوك بفقير ولا بعلك بفقير ، ولقد عرضت عليّ خزائن الأرض من الذهب والفضة فاخترت ما عند ربي عزّ وجل . يا بنيه لو تعلمين ما يعلم أبوك لسمحت الدنيا في عينيك . والله يا بنيه ما ألوتك نصحاً أن زوجتك أقدمهم سلماً وأكثرهم علماً وأعظمهم حلماً .
يا بنيه إن الله عزّ وجل اطلع إلى الأرض اطلاعه فاختار من أهلها رجلين فجعل أحدهما أباك والآخر بعلك .
يا بنيه نعم الزوج زوجك لا تعصي له أمراً . ثم صاح بي رسول الله فقلت : لبيك يا رسول الله ، قال : أدخل بيتك وألطف بزوجك وأرفق بها ، فإن فاطمة بضعة مني يؤلمني ما يؤلمها ويسرني ما يسرها ، أستودعكما الله
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 254 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأستخلفه عليكما . قال علي عليه السلام : فوالله ما أغضبتها ولا أكرهتها من بعد ذلك على أمر حتى قبضها الله عزّ وجل إليه ، ولا أغضبتني ولا عصت لي أمراً . ولقد كنت أنظر إليها فتنجلي عني الهموم والأحزان بنظري إليها ) .
فرواية معاوية ليست مقبولة عندنا بحال من الأحوال ، ولنا أن لا نقبل بهذه الرواية وأمثالها مما فيه الإساءة إلى هاتين الشخصيتين العظيمتين .
وأما قولك عن قبولنا للرواية التي تتحدث عن أبي بكر . فلا أدري ما هذه الرواية التي تعنيها ؟ نعم نحن نحتج بالروايات الواردة من طرقكم عليكم ، وذلك من باب : من فمك أدينك . وهذا الأمر مما هو معروف في مجال الجدال والمناظرة ، فليس المسألة مسألة مزاج كما تزعم ولا شئ من ذلك . وكلامك هذا إن دلّ على شئ فإنما يدل على أنه أسقط ما في يدك ، حيث أردت أن تثبت بما أوردته أن السيدة عليها السلام أنها كما غضبت على أبي بكر فقد غضبت - وحاشاها ثم حاشاها - على أمير المؤمنين عليه السلام ! ! ولكن بالرد عليك بان وظهر عدم صحة وبطلان ما أردت إثباته ، فأخذت تتهمنا بالمزاجية . هذا ما يخص ادعائك أن علياً عليه السلام أغضب الزهراء .
وأما مسألة إرث الزهراء فهو موضوع آخر . ولكن لعلمك أن السيدة الزهراء لم تنحصر مطالبتها لأبي بكر بالإرث فقط ، بل بنحلتها أيضاً من رسول الله صلى الله عليه وآله التي أنحلها الرسول لها وهي ( فدك ) . وإن كنت تستطيع خوض غمار هذا المجال والنقاش فيه ، فأنا على استعداد أن أدخل في النقاش معك فيه ، فأنتظر منك إشارة فقط .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 255 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثالثاً : بالنسبة للحديث الذي تطبل وتزمر عليه والذي تقول بأن أبي بكر استشهد به في منعه للزهراء إرثها من أبيها ، والذّي تدّعي أنه صحيح من طرق الفريقين . فأقول : إن الحديث الوارد في المصادر الشيعيّة لا دلالة فيه على شئ مما تذهبون إليه . ففي الكافي : 1 / 103 ، روى الشيخ الكليني عليه الرحمة بسنده عن أبي عبد الله قال : ( إن العلماء ورثة الأنبياء وذاك أن الأنبياء لم يوّرثوا درهماً ولا ديناراً ، وإنما أورثوا أحاديث من أحاديثهم ، فمن أخذ بشئ منها فقد أخذ حظاً وافراً فانظروا علمكم هذا عمّن تأخذونه ؟ فإن فينا أهل البيت في كل خلف عدولاً ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين ) . وفي الكافي : 1 / 111 ، روى الشيخ الكليني عليه الرحمة بسنده عن أبي عبد الله عليه السلام قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله : من سلك طريقاً يطلب فيه علماً سلك الله به طريقاً إلى الجنة وأن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاًبه وأنّه يستغفر لطالب العلم من في السماء ومن في الأرض حتى الحوت في البحر وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر النجوم ليلة البدر ، وأن العلماء ورثة الأنبياء إن الأنبياء لم يورّثوا ديناراً ولا درهماً ولكن ورّثوا العلم فمن أخذ منه أخذ بحظ وافر ) . انتهى .
وقد شرح العلامة المجلسي عليه الرحمة الحديث الأول فقال في كتابه مرآة العقول : 1 / 103 : ( قوله عليه السلام : العلماء ورثة الأنبياء ، أي يرثون منهم العلوم والمعارف والحكم إذْ هذه عمدة ما يتمتعون به في دنياهم . ولذا علّله بقوله : أن الأنبياء لم يورّثوا درهماً ولا ديناراً ، أي لم يكن عمدة ما يحصلون عليه في دنياهم وينتفع الناس به منهم في حياتهم وبعد وفاتهم الدينار والدرهم ، ولا ينافي أن يرث وارثهم الجسماني منهم ما يبقى بعدهم من الأموال الدّنيوية . أو يقال وارثهم من حيث النبوّة المختصّة بهم العلماء فلا ينافي ذلك كون وارثهم من جهة الأنساب الجسمانية يرث أموالهم الظاهرة ، فأهل البيت عليهم السلام ورثوا النبي صلى الله عليه وآله من الجهتين معاً . على أنه يحتمل أن يكون الأنبياء عليهم السلام لم يبق منهم خصوص الدينار
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 256 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والدّرهم بعد وفاتهم . لكن الظاهر أنه ليس المراد حقيقة هذا الكلام بل المراد ما أومأنا إليه من أن عمدة أموالهم وما كانوا يعتنون به ويورّثونه هو العلم دون المال ، وذكر الدينار والدرهم على المثال ) .
ثم يقول : ( ويخطر بالبال وجه آخر وهو أن يكون المراد بقوله عليه السلام : أن الأنبياء لم يورّثوا بيان الموروث فيه ، لأنه عليه السلام لما قال : أن العلماء ورثة الأنبياء . فكأن سائلاً يسئل : أي شئ أورثوا لهم ؟ فأجاب بأنه لم يورّثوا لهم الدرهم والدينار ولكن أورثوهم الأحاديث . ولذا قال : أحاديث من أحاديثهم لأن جميع علومهم لم يصل إلى جميع العلماء بل كل عالم أخذ منها بحسب قابليته واستعداده . ففي الكلام تقدير : أي لم يورّثوا لهم ، فيشعر بأن لهم ورثة يرثون أموالهم ولكن العلماء من حيث العلم لا يرثون إلاّ أحاديثهم وهذا وجه وجيه وإن كان قريباً مما مر ) . انتهى .
فهذا تفسير هذه الرواية عند هذا العالم من علماء الشيعة الإمامية ليس فيها يا من سميت نفسك أنك محب لأهل البيت ، ليس فيه ما تريد إثباته . ولا بد من توجيه هذه الرواية بهذا المنحى والتفسير أو ما يشابهه - أي بما لا ينفي توريث الأنبياء لأبنائهم - وإلاّ فإنها تخالف صريح القرآن الكريم الذي يثبت التوارث بين الآباء والأبناء ولم يستثن الأنبياء . والذي يثبت في آياته ما
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 257 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يدل على الأنبياء قد ورّثوا أبناءهم ، وعليه فإنها تكون مخالفة للقرآن وفي
هذه الحالة أي في حالة عدم إمكانية التوجيه لها ، يضرب بها عرض الجدار .
رابعاً : قلت : ( فإن قلت إن السيدة فاطمة معصومة قلت لك لا أسلم لك بهذا . وحديث الكساء قد بينت من قبل أنه لا يعني العصمة لشواهد كثيرة لا مجال لذكرها هنا ) .
أقول : أنت لا تسلّم لي هذا فهذا شأنك فهي معصومة . والأدلة على ذلك كثيرة جداً ، وبالنسبة لحديث الكساء فنعم قد زعمت أنه لا يدل على العصمة زعماً خالياً من الدليل والبرهان . وقد رددت عليك في الساحة الإسلامية بفارس نت ، وأثبت لك أن آية التطهير تدل على عصمة أصحاب الكساء بمن فيهم السيدة الزهراء عليها السلام . وإذا كانت عندك شواهد كثيرة خاصة بحديث الكساء كما تزعم تدل على عدم عصمة أصحاب الكساء بما فيهم السيدة الزهراء عليها السلام ، فهيّا اذكرها لنا فأنا بودّي أن أكمل الحديث معك حول إشكالاتك على آية التطهير .
* وكتب عبد الله الشيعي بتاريخ 17 - 6 - 1999 ، الواحدة ظهراً :
يا محب آل البيت ولكن العكس صحيح . . . ومن أين استاق حافظ إبراهيم هذه الحادثة ورتبها في أبياته الواضحة ، من كتب تاريخ أبيه ، أم من كتب الواقع الاسلامي المرير . . . والسلام من الله خير تحية .
* وكتب فادي بتاريخ 17 - 6 - 1999 ، الواحدة والنصف ظهراً :
ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 258 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أنقل لأخينا الكريم قول الرسول ( ص ) نفسه بأن من أغضب فاطمة فقد أغضب الرسول ، فيقول إذا لم يكن الغضب لأمر شخصي ! فهل الرسول ( ص ) قال هذا الكلام مجرد مجاملة لابنته سلام الله عليها ؟ ! أليس رسولاً لا ينطق عن الهوى ؟ ! ! هل تريد أن تقول لنا أن هذه الرواية مجرد مجاملة وليس لها أي معنى ومغزى ، وأن غضب فاطمة كغضب باقي الناس ؟ !
بمقتضى هذه الرواية نفهم أن فاطمة سلام الله عليها لا يمكن أن تغضب لشخصها أبداً ولا تغضب إلا لله تعالى ، ولذلك كان غضبها غضب الرسول نفسه وأذيتها أذية الرسول ( ص ) نفسه ، ومن أغضبها أو آذاها استحق النار بمقتضى الآيات الكريمة . أرجو أن لا تكون كلمات ابن تيمية عندك أدق وأهم وأعمق من كلمات الرسول ( ص ) ! ! !
* وكتب محب أهل البيت بتاريخ 17 - 6 - 1999 ، الرابعة عصراً :
عموماً أنا لا أستطيع أن أجيب على خمسة مناقشين في وقت واحد ، لست سوبرمان كما يسمونه ، لكن سأذكر التالي :
1 - تفسير المجلسي للحديث بناء على رأيه الشخصي ، لكن المهم أن الحديث صحيح ، أبو بكر لم يختلق الحديث كما تزعمون ، بل جاء بحديث صحيح ، استدلاله به سواء كان صحيحاً أم خطأ لا يهمني ، بل يهمني إثبات الحديث ، وأنه لم يكن اختلاقاً كما تزعمون .
2 - إقرأ الرواية مرة أخرى يا مدافع عن الحقيقة ( التلميذ ) قبل مناقشتي ومن المدلس أنا أم أنت ؟ ! وعن أبي عبد الله ( جعفر ) عليه السلام أنه سُئل ( هل تشيع الجنازة بنار ويُمشى معها بمجمرة أو قنديل أو غير ذلك مما يُضاد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 259 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
به ؟ قال : فتغير لون أبي عبد الله من ذلك واستوى جالساً ثم قال : إنه جاء شقي من الأشقياء إلى فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال لها : أما علمت أنّ علياً قد خطب بنت أبي جهل فقالت : حقاً ما تقول ؟ ! . . كيف تزعم أنه ليس فيها ما يذكر اغضاب علي لفاطمة ؟ !
قولك ( الحديث الذي تطبل وتزمر عليه ) عيب وليس فيه احترام لحديث رسول الله ، استغفر الله من هذا البهتان ! ! أهكذا احترامك لقول رسولك حتى تجلب هذه المسميات السخيفة ( تطبيل وتزمير ) وتسقطها على الحديث إن كنت أطبل أو أزمر فلا يمكن أن أسمح لنفسي أن أستخدم مجرد استخدام لهذه الألفاظ مع حديث رسول الله الذي أراك بقولك هذا لا تعرف قيمته .
* وكتب حسين الشطري بتاريخ 17 - 6 - 1999 ، الخامسة عصراً :
أنقل بأمانة إذا كنت أميناً . الحمد لله الذي جعلك تعترف بأصل قضية إغضاب فاطمة عليها السلام ، وأنه إغضاب لله ولرسوله ، وإذا كان هذا محل اتفاق بيننا فأقول :
1 - قصة إحراق البيت وإسقاط الجنين مما استفاضت به روايات السنة وتواترت فيه روايات الشيعة ، وإن أحببت أعطيناك من المصادر التي تعجبك ما تشاء ، وقصة فدك معروفة ولا مجال لنكرانها إلا لمن عاند الحق صريحاً .
2 - إغضاب أبي بكر وعمر لفاطمة عليها السلام مما صرحت به هي وماتت وهي غاضبة عليهما ، ولم تصرح بغضبها على علي بل على العكس من ذلك ، وإن كذبت ذلك فقد كذبت صحيح البخاري ومسلم وغيرهما ، ولا أظنك تجرؤ على ذلك حتى وإن تجرأت على الإمام علي عليه السلام .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 260 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
3 - بالنسبة لإغضاب علي لها فهذا مما لم يسبقك اليه سابق ، واعلم أنك أول من افترى به على الإمام علي ، ولكن الحمد لله الذي يكشفك على حقيقتك ، لكي لا تقول نحن لا نتجاسر على الصحابة ! ولو أسميت نفسك عدو أهل البيت لكان أصدق ! فإن الذي أغضب فاطمة عليها السلام هو الشقي الذي أخبرها كذباً بأن علي خطب . . . وعلي لم يصدر منه هذا الفعل ، وليتك أكملت الحديث ولم تقطعه لكي يتضح للجميع بطلان ما نسبته للإمام عليه السلام وما تدعيه ، ولكنك قطعته بغية تشويه المعنى وتمرير الأباطيل على من ليس له اطلاع ، فعجباً عجباً ! هل يجوز هذا في الإسلام ، وهل هذا رعاية للأمانة العلمية ، أم تقنع نفسك بذلك ! فما هكذا تورد يا سعد الإبل ، وأنا أكمل لك الحديث الذي غضضت بصرك وبصيرتك عنه . . . قال رسول الله صلى الله عليه وآله : يا علي أما علمت أن فاطمة بضعة مني ، وأنا منها فمن آذاها فقد آذاني ، ومن آذاني فقد آذى الله ، ومن آذاها بعد موتي كان كمن آذاني في حياتي ، ومن آذاها في حياتي كمن آذاها بعد موتي ، قال : فقال علي : بلى يا رسول الله . قال : فما دعاك إلى ما صنعت ؟ فقال علي : والذي بعثك بالحق نبياً ما كان مني مما بلغها شئ ولا حدثت بها نفسي . فقال النبي : صدقت وصُدقت . ففرحت فاطمة بذلك وتبسمت حتى رؤي ثغرها ، فقال أحدهما لصاحبه أنه لعجب ما دعاه إلى ما دعانا هذه الساعة .
قال : ثم أخذ النبي بيد علي فشبك أصابعه بأصابعه فحمل النبي بيده الحسن وحمل الحسين عليّ وحملت فاطمة أم كلثوم وأدخلهم النبي بيتهم ، ووضع عليهم قطيفة وأستودعهم الله ثم خرج وصلى بقية الليل ، ثم ذكر
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 261 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الحديث كيف أن فاطمة أشهدتهما على ذلك ، فقالا : نعم . ثم قالت : اللهم أني أشُهدك فأشهدوا يامن حضرني أنهما قد آذياني في حياتي وعند موتي والله لا أكلمكما من رأسي كلمة حتى ألقى ربي فأشكوكما بما صنعتما بي ، وارتكبتما مني ! فدعا أبو بكر بالويل والثبور وقال يا ليت أمي لم تلدني ! فقال عمر : عجباً للناس كيف ولوك أمورهم وأنت شيخ خرفت ، تجزع لغضب امرأة وتفرح برضاها وما لمن أغضب امرأة ، وقاما وخرجا ) . انتهى .
فانظر أيها المسلم بإنصاف هل في هذه الرواية دلالة على أن علياً أغضب فاطمة ؟ ! ثم تساءل لماذا دعا الرسول هؤلاء النفر ، وهل كان لهم يد وراء أخبار ذلك الشقي الذي أخبر فاطمة كذباً ، فكانوا وراء أذيتها ؟ القرينة تؤيد ذلك . أو كان النبي أراد أن يُسمع الأشخاص الذين يعلم أنهم سيغضبونها بعد موته ، وهذا هو المتيقن .
4 - الحديث الأول الذي ذكرته ، لو غضضنا الطرف عن سنده لما كان فيه دلالة على ما تقول ، وإن كنت عربياً حقاً راجع كلماته وألفاظه . فليس فيه دلالة لا من قريب ولا من بعيد على أن علياً أغضب فاطمة سلام الله عليهما ، وهذا تحميل منك وتأويل ليس له أي شاهد ، فإن النبي صلى الله عليه وآله أخبر علي عن فاطمة سلام الله عليها بأن الملائكة تغضب لغضبها وترضى لرضاها ، وليس فيه دلالة أكثر من هذا .
5 - بالنسبة لقولك إن غضبها لا بد أن يقاس على الكتاب والسنة ، فنحن نقول لو لم يقسه رسول الله على الكتاب والسنة لما قال ذلك ، لأنه ( لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى . علمه شديد القوى ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 262 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولكن لا تثريب عليك فقد سبقك إلى ذلك من قال للنبي ( إن الرجل ليهجر ) وقصدك من كلامك التقليل من شأن فاطمة عليها السلام ، وإن وضعت بعض الكلمات التي لا تؤمن بها . ولكن يلقمك حجراً قوله سبحانه وتعالى ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) فالتي أذهب الله عنها الرجس ليست كما تقول ، تغضب كما تغضب النساء عادة ! وأخيراً أرجو منك أن تراجع عقائدك وأقوالك بعد مطابقتها مع القرآن والكتب التي تعتقدون بأنها صحيحة ، ولا تنس قوله سبحانه وتعالى ( قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى ) . والحمد لله رب العالمين .
* وكتب مدافع عن الحقيقة بتاريخ 17 - 6 - 1999 ، العاشرة ليلاً :
إلى محب أهل البيت : أولاً : قلت : ( 1 - تفسير المجلسي للحديث بناء على رأيه الشخصي ، لكن المهم أن الحديث صحيح ، أبو بكر لم يختلق الحديث كما تزعمون بل جاء بحديث صحيح ، استدلاله به سواء كان صحيحاً أم خطأ لا يهمني ، بل يهمني إثبات الحديث وأنه لم يكن اختلاقاً كما تزعمون ) .
أقول : 1 - إن الشيخ المجلسي عليه الرحمة عندما فسّر الرواية الواردة من
طرق الشيعة بما فسرّها به ، إنما هو لأن أخذ الرواية حسب التفسير الذي
تريدونه أنتم يجعل الرواية تخالف صريح القرآن الكريم ، فالقرآن الكريم كما
أشرتُ سابقاً يثبت توريث الآباء لأبنائهم ، ولم يستثنِ الأنبياء من هذا
القانون العام يقول تعالى ( يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ
الأنثيين ) سورة النساء - 11 فهذه الآية وغيرها من آيات الإرث والسهام مطلقة
تشمل الناس جميعاً بما فيهم الأنبياء عليهم السلام بنا فيهم النبي صلى الله عليه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 263 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وآله مشمولون بهذا الإطلاق يرثون ويورّثون وتنتقل أموالهم لورثتهم . ويقول تعالى : ( ذكر رحمت ربّك عبده زكريا إذ نادى ربّه نداءاً خفياً ، قال ربي إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيباً ولم أكن بدعائك رب شقياً وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقراً فهب لي من لدنك وليّاً يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله ربّي رضياً ) . سورة مريم - 4 ، ويقول تعالى : ( ولقد أتينا داود وسليمان علماً ، وقالا الحمد لله الّذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين وورث سليمان داود وقال يا أيها الناس علّمنا منطق الطير وأوتينا من كل شئ إن هذا لهو الفضل المبين ) . سورة النمل - 16
فالميراث هنا ميراث المال لظهور اللفظ في ذلك ، ولا يجوز العدول عنه إلاّ بقرينة قطعية ، فأين القرينة ؟ والسيدة الزهراء سلام الله عليها عندما ذكر لها أبو بكر الحديث المذكور أثبتت له وهن استدلاله بالحديث المذكور وذلك من خلال سردها لآيات من القرآن الكريم تدل على صحة توارث أبناء الأنبياء من آبائهم الأنبياء ، فمن أراد نص قولها في الرد عليه فهو مذكور في خطبتها سلام الله عليها .
2 - لو صح حديث أبي بكر فإنه يشمل كل أموال النبي صلى الله عليه وآله جميعاً ، وعليه فإنه يجب حرمان الورثة منها سواء كانت ثيابه أو سلاحه وحيواناته وأثاث بيته وغيرها ، فتصادر إلى بيت المال وتدخل في الأموال العامة ، والتاريخ يشهد أن الرسول صلى الله عليه وآله توفي وله أموال خاصة به لم يمنع أبو بكر منها الورثة وبقيت نساؤه في بيوتهن ، ولم يرو التاريخ لنا أن أبا بكر صادر سلاح النبي صلى الله عليه وآله وثيابه ودوابه وأثاث بيت زوجاته ، وهذا بنفسه دليل على ضعف الحديث الذي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 264 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
رواه أبو بكر - ويبدو أنّه هو نفسه لم يقتنع به - وإلاّ فما معنى التفكيك بين أمواله صلى الله عليه وآله وهو يدّعي أنه سمع الرسول يقول : إنّا معاشر الأنبياء لا نورّث ، أموالنا صدقة ، ولكنه لم يأخذ بيوت النبي من أزواجه ، وخدش قلب فاطمة - ريحانة النبي وعزيزته وحبيبته - فكدّر عواطفها بحرمانه لها من حقها .
3 - إن أبا بكر حينما حضرته الوفاة أوصى أن يدفن في حجرة رسول الله صلى الله عليه وآله واستأذن لذلك من عائشة ، ولو كان يعتقد حقاً أن النبي لا يورث وأمواله صدقة ، فحجرته من أموال عامة المسلمين وينبغي أن يستأذنهم جميعاً ويكسب رضاهم !
4 - هل يعقل القول بأن علي بن أبي طالب عليه السلام خزانة علم النبوّة وفاطمة بنت محمد ربيبة بيت النبوة والولاية ، لم يعرفا هذا الحكم المهم من أحكام الإسلام ، وهو محل ابتلاءهم ، ولكن أبا بكر يعرف ذلك ؟ !
وهل يمكن أن يقال : أن فاطمة عليها السلام المعصومة الطاهرة الصديقة تعرف الحكم في المسألة ولكنّها خالفت أمر أبيها ؟ ! !
وهل يمكن أن يقال أن علياً عليه السلام يعرف الحكم ولكنّه أجاز لزوجته أن تخالف أمر الرسول صلى الله عليه وآله وتطالب بإرثها ؟ !
وهل أن النبي صلى الله عليه وآله لا يعلم أن ورثته سيسمون تركته من بعده وفقاً لأحكام الشريعة ؟ أو أنه يعلم ذلك ولكنه والعياذ بالله قصّر في تبليغ الأحكام فلم يخبر ورثته أن أمواله من بعده ليست لهم فيها نصيب وأنها صدقة عامة ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 265 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وعليه فالذي يهمّنا هو عدم صحة الاستدلال بالرواية المذكورة على عدم التوارث بين الأنبياء وأبنائهم ، ولا يهمنا صحة الرواية أو عدم صحتها مع العلم أن نص رواية : ( إنا معاشر الأنبياء لا نورّث ما تركناه صدقة ) فهذا النص مما تفرد أبو بكر بروايته عن النبي صلى الله عليه وآله .
ثانياً : قلت : ( 2 - اقرأ الرواية مرة أخرى يا مدافع عن الحقيقة قبل مناقشتي ، ومن المدلس أنا أم أنت ! ! وعن أبي عبد الله ( جعفر ) عليه السلام أنه سُئل . . . الخ ) .
أقول : أما حول سؤالك فمن هو المدلس أنا أم أنت ؟ فأقول إنه أنت لا أنا ، والّذي يراجع أصل موضوعك وردي عليه يظهر له من منا المدلّس .
أما الرواية فقد قرأتها مرات ومرات فليس فيها ما يدل على أن فعلاً فعله علي عليه السلام أو صدر منه هو شخصيّاً أدّى إلى إغضاب السيدة الزهراء . أقصى ما تدل عليه الرواية بغض النظر عن سندها أن هناك من الأشقياء من كذب على فاطمة بأن علياً خطب بنت أبي جهل فأدّى ذلك إلى تأثرها وتألمها فقط . . . فعلي لم يصدر منه فعل يغضب الزهراء عليها السلام ، ومسألة خطبة علي لأبنت أبي جهل مكذوبة ، ولذلك عندما سأله النبي صلى الله عليه وآله بقوله : ( فما دعاك إلى ما صنعت ؟ قال علي : والّذي بعثك بالحق نبياً ما كان مني مما بلغها شئ ولا حدّثت بها نفسي ) فهذا أمير المؤمنين عليه السلام ينفي صدور شئ منه فيما يتعلق بخطبة بنت أبي جهل . ولذلك قال له النبي صلى الله عليه وآله ( صدقت وصدقت ) ففرحت فاطمة عليها السلام .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 266 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والظاهر أن العزة بالإثم أخذتك حيث انتقصت من أمير المؤمنين ومن السيدة الزهراء ، فأخذت تصر على قولك بأن ما في الرواية يدل على أن علياً أغضب الزهراء عليها السلام ، مع عدم دلالة شي مما ورد في الرواية على ذلك . على أن في النفس شئ من هذه الرواية أصلاً . فالسيدة الزهراء أجل من أن تنفعل لمسألة كهذه وتغضب وتترك بيت زوجها , إضافة إلى كل ذلك فالرواية في سندها مجهول الحال ، وهو أبو العباس أحمد بن محمد بن يحيى .
ثالثاً : قلت : ( قولك " الحديث الذي تطبل وتزمر عليه " عيب وليس فيه احترام لحديث رسول الله ، استغفر الله من هذا البهتان ! ! أهكذا احترامك لقول رسولك حتى تجلب هذه المسميات السخيفة ( تطبيل وتزمير ) وتسقطها على الحديث ، إن كنت أطبل أو أزمر فلا يمكن أن اسمح لنفسي أن أستخدم مجرد استخدام لهذه الألفاظ مع حديث رسول الله الذي أراك بقولك هذا لا تعرف قيمته ) .
أقول : ماذا نفعل مع أصحاب العقول السقيمة الجامدة المتحجرة التي لا تفهم دلالات الكلام البين الظاهر ، أنا لم أصف حديث النبي صلى الله عليه وآله بشئ ، فالوصف الذي قلته أعني قولي ( الحديث الذّي تطبل وتزمر عليه ) ، إنما هو انتقاد لك أنت لا للحديث النبوي . فوصف التطبيل والتزمير واقع عليك أنت لا على الحديث ، وذلك باستغلالك لهذا الحديث واتخاذه وسيلة لتحقيق ما تريده . فلماذا تصادر عليّ حديثي وقولي وتوجهه خلاف ما أنا قصدته ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 267 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
* وكتب جميل 50 بتاريخ 18 - 6 - 1999 ، الثانية صباحاً :
شكر الله جهودكم أيها المحبون لأهل البيت ، غير المجازفين ببضاعة الولاء وهو وصية نبيكم وأمانة ربكم ، وأخص بالشكر الأخ العزيز التلميذ
( الأستاذ ) ولكن . . ماذا . . . أين أنت يا محب ؟ ! ! !
* وكتب محب أهل البيت بتاريخ 18 - 6 - 1999 ، الثالثة صباحاً :
حسين الشطري بالإضافة إلى مدافع عن الحقيقة : لم أستطع قراءة ردكم بتمعن وكل واحد ما شاء الله كاتب لي مقالة كاملة ويحتاج رد مفصل ، وهذا يأخذ وقت ، سأرى متى تتسنى لي فرصة لقراءة ردكم مرة ثانية والرد عليه .
جميل 50 . . ما أدري ماذا أتصرف مع أمثالك ممن يقفون موقف جماهير المصارعة الحرة وغيرها ويصفقون ويطبلون وكأني منسحب ، مع أني لم أقرأ الرد إلا الآن ، بل كتبت ردي العصر وفتحت الكمبيوتر ليلاً لأجد رد الشطري ومدافع ، فهل هذا الوقت يكفي لإصدار حكم علي ؟ ! !
* فكتب جميل 50 بتاريخ 18 - 6 - 1999 ، الثالثة صباحاً :
عفواً من الأخ ( محب . . . ) ليس من ديدني الوقوف موقف الجماهير يا أخي ، وإنما أحببت أن أمسح العرق عن جبين هذين اللذين إن كتبا كان الدليل حليف هما ، وإن نطقا كان البيان أساسهما . ووالله إني من أصحاب الأشغال والارتباطات ، ولا أقوى على المراجعة . . . حتى أنني قرأت موضوعك هذا ، وأحببت أن أراجع الرواية ، ولم أستطع حتى دخل عليك التلميذ . . وعندما أجد مثل هذين أحبهما محبتي للصدق والحقيقة ، وليس بضائر أكتب حسب المنهج العلمي وسوف أشجعك . . .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 268 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لطفية خفية : يعد الشيخ علي الفارقي ، من أعلام بغداد ومدرساً في مدرستها الغربية . وهو من شيوخ ابن أبي الحديد المعتزلي ، إذ سأله فقال : أكانت فاطمة صادقة في دعواها النحلة ؟ قال : نعم . فقال ابن أبي الحديد : فلم لم يدفع لها أبو بكر فدكاً وهي عنده صادقة ؟ فتبسم ثم قال كلاماً لطيفاً مستحسناً مع ناموسه وحرمته وقلة دعابته ، قال : لو أعطاها اليوم فدكاً بمجرد دعواها ، لجاءت اليه غداً وادعت لزوجها الخلافة وزحزحته عن مقامه ولم يكن يمكنه الاعتذار بشئ ، لأنه يكون قد سجل على نفسه بأنها صادقة من غير حاجة إلى بينة ولا شهود ! ! انتهى .
ومما يعلمنا أن هذا الأمر دُبّر بليل ؟ ! أنه طالبها بالبينة مع أن البينة كانت لازمة عليه لا عليها . لأنه ادعى حديثاً يجهله علي وهو أعلمهم ، ويجهله العباس على قربه وفضله ، ولم يسمع بذلك الحديث . ويعزب عن علم بني هاشم كافة حتى فوجئوا به بعد النبي صلى الله عليه وآله . بل يجهله أمهات المؤمنين اللائي ورثنه ! وهذه عائشة يدفن أبوها في بيت رسول الله صلى الله عليه وآله بمكان إرثها ؟ ! وقد أرسلن أمهات المؤمنين عثمان يسأل لهن ميراثهن من رسول الله ؟ !
كل هذا ولم يحتج إلى بينة ! واحتاجت فاطمة إلى بينة وهي المشمولة لآية التطهير باتفاق المسلمين ، والتي هي أفضل نساء العالمين الأولين والآخرين ، والتي هي ممن تعبَّد الله الخلق بالصلاة عليهم في كل فريضة ، كما تعبدهم بالشهادتين ! فجاء الأمر ( اللهم صل على محمد وآل محمد ) وهي من الآل ، قولاً مرضياً لدى الجميع .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 269 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وعلى الأخ . . . آل البيت ، أن يتأمل البحث الذي استطرده معه الأخ التلميذ ( الأستاذ ) بكل إنصاف وروية .
* *
* وكتب المدعو الفاروق في شبكة الموسوعة الشيعية ، بتاريخ 6 - 1 - 2000 ، الرابعة صباحاً ، موضوعاً بعنوان ( فاطمة الزهراء سلام الله عليها وعلى أبيها أفضل الصلوات والسلام ) ، قال فيه :
الزملاء الشيعة ، بعد الاحترام : هذه سطور قليله ولكن فائدتها كثير ومنها على سبيل المثال لا الحصر غضب السيدة فاطمة رضي الله عنها وأرضاها ، كيف هو مشهور عند الشيعة ليس فقط عند السنة ، بل الشيعة بروؤا أبا بكر وعمر من غضب فاطمة عليها السلام .
غضب فاطمة عليها السلام على علي بن أبي طالب رضي الله عنه ليس في كتب السنة وحدهم . . بل موجود كذلك في كتب الشيعة أيضاً . . . وتنص على أن سبب قول النبي صلى الله عليه وسلم : فاطمة بضعة مني وأنا منها فمن آذاها فقد آذاني . . هو خطبة علي رضي الله عنه بنت أبي جهل . . فقد ذكر ذلك الصدوق في كتابه علل الشرائع ص 185 . . وجاءت رواية أخرى تدل على غضب فاطمة رضي الله عنها على علي رضي الله عنه عندما رأته واضعاً رأسه في حجر جارية أهديت له . ذكرها القمي في علل الشرائع : 163 والمجلسي في باب كيفية معاشرتها مع علي .
وغضبت على علي رضي الله عنه مرة ثالثة كما يذكر الرافضة . . عندما لم يناصرها في طلبها فدك من أبي بكر الصديق رضي الله عنه . وقد ذكر ذلك المجلسي في حق اليقين بحث فدك : 203 . وغير ذلك من الحوادث التي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 270 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
تدل على غضب فاطمة رضي الله عنها على زوجها . . . فهذه رواياتكم من كتبكم وليست من صحيح البخاري . . . أما غضبها على الصديق رضي الله عنه . . فكتبنا غير صحيحة عندكم . . لكن . . كتبكم هي الصحيحة ! ! ! فما تقولون عن هذه المسألة ؟
ذكر المجلسي في حق اليقين : أنها قبل موتها رضيت عن الشيخين وذلك بعدما مشيا إليها وزاراها عند موتها . ص : 180 . وكذلك ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة . . هل كتبكم تكذب أيضاً . . . والسلام على أهله .
* فكتب عبد الحسين البصري بتاريخ 6 - 1 - 2000 ، الخامسة صباحاً :
الزميل الفاروق . ليس للعلامة المجلسي كتاب باسم حق اليقين ! أرجو التأكد من المصدر الذي نقلت منه مع ذكر السند . ولكم الشكر .
* وكتب محمد إبراهيم بتاريخ 6 - 1 - 2000 ، الواحدة ظهراً :
أشكر الأخ الفاروق أعزه الله على هذا البحث المهم جداً . في خضم هذا البحث هناك سؤال مهم جداً : إذا كان أبو بكر قد اغتصب فدك من فاطمة عليها السلام ( حسب أقوال الشيعة ) فلماذا لم يردّ علي فدكاً إلى ولد فاطمة عليها السلام في فترة خلافته ؟ ؟
* وكتب الفاروق بتاريخ 7 - 1 - 2000 ، الرابعة إلا ربعاً صباحاً :
السيد مشرف الحوار العام ، تحية طيبه وبعد :
لن أخفي عليك سراً إذا قلت لك أنك لست الوحيد الذي قال بأن حق اليقين ليس للمجلسي ، يا البصري حق اليقين للمجلسي ، ولك أن تشتريه من مكتبة الألفين في الكويت .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 271 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
* وكتب عبد الحسين البصري بتاريخ 7 - 1 - 2000 ، الرابعة صباحاً :
الزميل الفاروق . . عذراً أنا لست من الكويت ، وعندما أذكر لك هذا فقد اعتمدت على كتب التراجم والتصانيف . أرجو منك ذكر الطبعة والدار الناشرة إن كان حقاً ما تقول . ويا حبذا تنشر لنا الصفحة الأولى منه لكي نتأكد من النسبة . ولا تنس ذكر السند . ولك جزيل الشكر .
* وكتب الفاروق بتاريخ 7 - 1 - 2000 ، الثالثة والنصف صباحاً :
الأخ محمد إبراهيم سلمه الله . السلام عليكم . . والله يا أخ محمد سؤالك هذا مهم جداً ، بارك الله فيك .
أنا أدعو الزملاء الأماميين أن يجيبوا عليه بلا لف أو دوران .
* وكتب جابر الأنصاري بتاريخ 7 - 1 - 2000 الرابعة والربع صباحاً :
أخي الفاروق ، إن قولك بأن الشيعة يعتقدون بصحة الروايات في كتبهم فهذا افتراء وكذب ، فالشيعة يعتقدون بأن كتبهم تحتوي على الروايات القوية والروايات الضعيفة ، والرواية التي ذكرتها لنا من علل الشرائع سندها ضعيف حيث أن معاوية من بين الناقلين للخبر .
* وكتب فاتح بتاريخ 7 - 1 - 2000 ، الرابعة والنصف صباحاً :
عجباً لهذه الأمة كيف طغت وتجاوزت في طغيانها فقد حاربت رسول الله
في أحب الناس إليه فاطمة وسلبوها إرثها ، حتى قال القائل منهم : ليت أبا
بكر لم يصنع ما صنع ! وأخذوا علياً مقيداً كما فعل اليهود بهارون ، فصدق
فيهم قول رسول الله صلى الله عليه وآله لو دخلوا جحر ضب دخلتموه . وقدموا من
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 272 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أخره الله ورسوله ومنعه من تبليغ سورة براءة ثم منع عمر أيضاً من تبليغها ثم أمر علياً عليه السلام لأنه لا يبلغها إلا هو أو رجل كنفسه بقول الله تعالى : وأنفسنا وأنفسكم . فلم يباهل إلا بعلي وفاطمة والحسنين . وقال : علي مع الحق والحق مع علي . وقد اتهموه أنه آذى الزهراء . فهل كان رسول الله مخطئاً في قوله وهو يقول : علي مع القرآن والقرآن مع علي ، والقرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه . وقد لعنه معاوية بن أبي سفيان على منبر رسول الله وقتلوا شيعته وحاربوا أهل بيته وقتلوا ابنه في كربلاء وأدخلوا بناته مجالس الشام مما لا يرضى به المسلم لنفسه وترضونه لرسول الله وبناته .
ودخل عمر على فاطمة وأسقط جنينها وضربها في سكك المدينة ، وأنتم تترضون عليه وتسخطون الرسول بترضيكم . والبخاري يروي أن الزهراء ماتت وهي واجدة عليهما . وكيف تقولون أنها ليست غاضبة ، ألم تمنعهما من الصلاة عليها . فهذه المدينة تكذب كم في افترائكم . فأين قبر فاطمة ؟ لماذا لم يصل عليها الشيخان ؟ !
ما عساكم تقولون لرسول الله حين تردون القيامة وقد اتبعتم قاتل ابنته وتركتم وصيه ، وأخذتم دينكم ممن خرجت على إمام زمانها ، وخالفت صريح القرآن ، فلم تقر في بيتها وتبرجت تبرج الجاهلية الأولى . وأخذتم دينكم من أبي هريرة الذي جلده عمر لسرقته بيت مال البحرين . . .
ومحمد إبراهيم أخذته العزة بالإثم مع ما أورده الأخوة من حجة عليه ! !
* وكتب الفاطمي بتاريخ 10 - 1 - 2000 ، السادسة مساءً :
المكرم : الفاروق حياك الله . .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 273 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قلت : لن أخفي عليك سراً إذا قلت لك أنك لست الوحيد الذي قال بأن حق اليقين ليس للمجلسي ، يا البصري حق اليقين للمجلسي ، ولك أن تشتريه من مكتبة الألفين في الكويت .
أقول : لا أدري من الذي أخبرك بأن حق اليقين للمجلسي موجود في مكتبة الألفين يا لفاروق ! فلو رجعت من مكتبة الألفين ، وطلبت منه هذا الكتاب فقال صاحب المكتبة : لا يوجد لدي كتاب للمجلسي باسم حق اليقين ولم أسمع به ، ولكن يوجد للسيد عبد الله الشبر كتاب بهذا الاسم وهو ممنوع في الكويت ، وموجود في القطيف . وعندما سألته وهل يوجد كتاب يشابه هذا الاسم ، قال : نعم يوجد كتاب باسم : علم اليقين للفيض الكاشاني ، وهو أيضاً ممنوع عندنا ( بالكويت ) .
ويا زميلي الفاروق : الرجاء التأكد من معلوماتك ، ولكي تتأكد مما قلت أنا تستطيع الاتصال بصاحب المكتبة ورقم التلفون هو : 2522797 ، ومن يريد الاتصال من الخارج فيجب إضافة 965 .
السلام عليك يا بضعة المصطفى يا فاطمة الزهراء .
* وكتب ذو الشهادتين بتاريخ 11 - 1 - 2000 ، الواحدة صباحاً :
سيدي العزيز الفاطمي : لم تستنكر على الفاروق كذبه ؟ ! الكذب هو جزء مهم من ردود النواصب الموضوعية كما يزعمون ! !
إلى محمد إبراهيم : بالله عليك هل يحق لي أن أشهر بجميع إخواننا السنة بسبب كذبة الفاروق هذه ؟ هل يجوز لي اتهام جميع إخواننا السنة بالكذب بسبب كذبة الفاروق ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 274 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
السيد الفاطمي : لا تضيع وقتك مع الفاروق وأمثاله . حشرك الله يا الفاطمي مع جدتك الزهراء المظلومة :
نقضوا عهد أحمد في أخيه * وأذاقوا البتولة ما أشجاها
يوم جاءت إلى عدي وتيم * ومن الوجد ما أطال بكاها
تعظ القوم في أتم خطاب * حكت المصطفى به وحكاها
جرعاها من بعد والدها الغيظ * مرارا فبئس ما جرعاها
ولأي الأمور تدفن سراً * بضعة المصطفى ويعفى ثراها
بنت من أم من حليلة من * ويل لمن سن ظلمها وأذاها
* قال العاملي : وغاب عمر الفاروق ، ولم يجب عن كذبته ! ! !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 275 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل التاسع : سياسة الخلافة القرشية في عزل أهل البيت وإفقارهم !

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 276 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 277 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
* قال العاملي : قامت خطة الحزب القرشي في الانقلاب على النبي صلى الله عليه وآله يوم وفاته . . على الختل ، والإرهاب ! فقد اغتنموا فرصة انشغال بني هاشم بجنازة النبي ، وداسوا مبدأ الشورى الذي رفعوا قميصه فيما بعد ، وسارعوا إلى سقيفة بني ساعدة حيث ينام سعد بن عبادة مريضاً . . وتمكنوا من شق صف الأنصار فاتفقوا مع بعض زعماء الأوس المنافسين لسعد الذي هو رئيس الخزرج ، وأخذوهما معهم إلى السقيفة . . وهناك اكتفوا بحضور بضعة عشر نفراً من مجموع المسلمين ، ويعد مناقشة أولية لموضوع الخليفة ، سارع أبو بكر إلى ترشيح عمر أو أبي عبيدة ، فرداها عليه وصفقا على يده ، ثم صفق على يده بعدهما الأوسيان ! ! فأعلنوا بذلك أن البيعة تمت لأبي بكر ، وهجموا على سعد وهو مريض وداسوا بطنه وكادوا يقتلونه ، لولا أن دفعهم عنه أولاده ، وحملوه إلى بيته ! !
وهكذا اتخذ الحزب القرشي سقيفة بني ساعدة مقراً له ، وتركوا جنازة النبي ، واشتغلوا ثلاثة أيام في إقناع الأنصار ببيعة أبي بكر ، فكانوا يزورونهم في أحيائهم ويعقدون معهم الجلسات ، ويحذرونهم من غزو قريش للمدينة إذا هم أصروا على المطالبة ببيعة علي بن أبي طالب أو سعد بن عبادة !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 278 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد نصت مصادرهم على غياب أبي بكر وعمر عن جنازة النبي صلى الله عليه وآله ، وعلى أن حفصة وعائشة تمردتا على عدة الحداد الشرعية ، وتركتا جنازة النبي بيد أهل بيته ، وانشغلتا بالعمل لخلافة أبويهما !
وقد سجل أحد الرواة تعجبه عندما دخل المدينة في يوم وفاة
النبي صلى الله عليه وآله ، فوجد المسجد خالياً وباب بيت النبي مغلقاً ، وداخله أهل بيته مشغولون بمراسم جنازته مع قليل قليل من المسلمين . . أما الباقون فكانوا مشغولين في السقيفة في أحياء الأنصار ! !
وعندما تم للحزب القرشي بيعة أكثرية الأنصار ، وجه عملياته ضد علي بن أبي طالب وفاطمة الزهراء عليها السلام ، فهاجم بيتهما مراراً ، وفي آخرها جمع أكوام الحطب على باب دارهما وأشعل فيها النار ، وصاح فيهم عمر مهدداً بإحراق البيت على من فيه من أهل بيت النبي ومن اعتصم معهم إن لم يبايعوا أبا بكر ! ثم أحضروا علياً بالقوة إلى السقيفة وهددوه بالقتل إن لم يبايع ! ولما تم لهم ما أرادوا وأجبروا علياً على السكوت وإن لم يبايع . . بدؤوا بإصدار قرارات عزل بني هاشم اجتماعياً ، وحرمانهم ، وإذلالهم ! !
قال المحامي أحمد حسين يعقوب في كتابه مساحة للحوار ص 143 :
( وبعد موت الرسول ، رتبت البطون أمرها وألغت مرجعية ربها وتجاهلت وجودها تماماً ، كما تجاهلت وجود النبي ! ولم تكتف بذلك إنما حاصرت أهل بيت النبوة وجردتهم من ممتلكاتهم ، ومن كافة حقوقهم المدنية والسياسية ، وحاصرتهم اقتصادياً " وعزلتهم اجتماعياً " ) .
وقال في كتابه خلاصة المواجهة مع النبي وآله ص 125 : ( 3 - لم يكن أهل
البيت آنئذ في حالة يشكلون معها خطراً على دولة الانقلابيين ، ولكن عمر
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 279 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كان مصمماً على تحطيم آل محمد من جميع الوجوه لكي لا يطمع طامع منهم بالسلطة فيأخذ الخلافة ويجمع الهاشميون النبوة والخلافة معا ، فيحدث الاجحاف بحق البطون .
ومن جهة أخرى فإن عمر كان يريد أن يزين ملك التحالف ببيعة آل محمد ، ولأجل ذلك قرر أن يستصدر من الخليفة سلسلة من القرارات الاقتصادية يضطهد بها آل محمد ويضطرهم إلى الركوع ، بعد أن عجز حصار المشركين في مكة عن تركيع البيت الهاشمي بسبب ضعف تخطيط المشركين آنذاك وسوء تدبيرهم . ويمكن تلخيص هذه القرارات في ما يلي :
أولاً : حرمان أهل بيت النبوة من إرث النبي صلى الله عليه وآله ، واحتجوا لذلك بأن الرسول قال لأبي بكر ، نحن الأنبياء لا نورث ( 58 ) ، وقد احتج الإمام علي على أبي بكر بقول الله تعالى : وورث سليمان داود ، ( 59 ) ، وقوله تعالى : يرثني ويرث من آل يعقوب ، ( 60 ) فكيف يتم التوفيق بين دعوى أبي بكر أن الأنبياء لا يورثون ، وبين هاتين الآيتين ؟ وقال علي : هذا كتاب الله ينطق ، فسكت أبو بكر وانصرف مصراً على ادعائه . وأما فاطمة فلم تكتف بذلك ، وإنما بسطت الخصومة بينها وبين أبي بكر علنا أمام المهاجرين والأنصار ، وأقامت الحجة على أبي بكر بخطبة رائعة جاء فيها : وزعمتم أن لا حق ولا إرث لي من أبي ، ولا رحم بيننا ، أفخصكم الله بآية أخرج منها بنيه ؟ أم تقولون : أهل ملتين لا يتوارثون ! أولست أنا وأبي من أهل ملة واحدة ؟ لعلكم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من النبي ،
أفحكم الجاهلية تبغون ! ( 61 ) . فأصر أبو بكر على رأيه ، وادعى أن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 280 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وراث محمد هو الذي يقوم مقامه ( 62 ) ، وبما أن أبا بكر قد أصبح خليفة النبي ، فيكون هو الوارث الوحيد لرسول الله .
ثانياً : قرار حرمان أهل بيت النبوة من المنح التي أعطاهم الرسول إياها ، ومصادرة تلك المنح ، وكانت فاطمة بنت رسول الله أول من طالها هذا القرار فصودرت منحتها ، وقد قالت لأبي بكر : أعطني فدك ، فقد جعلها رسول الله لي ، فسألها البينة فشهدت لها أم أيمن زوج الرسول ، ورباح مولى الرسول ، فقال أبو بكر : لا يجوز إلا شهادة رجل وامرأتين ! ( 63 ) ، وعلى الرغم من أن علياً شهد لها أيضاً ، إلا أن الخليفة قرر ولا راد لقراره ! والعجيب أن أبا بكر ترك كافة المنح التي أعطاها رسول الله لكثير من الناس واستولى فقط على المنح التي أعطاها النبي لأهل البيت ، وأنه لم يسأل الناس بينة ، ولكنه سأل فاطمة عن البينة !
ثالثاً : قرار حرمان أهل بيت النبوة من حقهم في الخمس الوارد في القرآن الكريم ، وقد طالبت فاطمة بهذا الحق وقالت لأبي بكر : لقد حرمتنا أهل البيت ، فأعطنا سهم ذوي القربى ، وقرأت الآية : واعلموا أن ما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى . . . ( 64 ) ، فقال لها أبو بكر : سمعت رسول الله يقول ، سهم ذوي القربى للقربى حال حياتي ، وليس لهم بعد موتي ! ( 65 ) .
تركت هذه القرارات أثرها المؤلم على آل محمد ، وتذكرت القلة المخلصة
من المهاجرين حصار بطون قريش ومقاطعتهم لبني هاشم في شعاب أبي
طالب ، وأن بطون قريش قصرت الحصار يومها على البيع والشراء والنكاح !
وتمنت القلة المخلصة لو طبق هذا الحصار ثانية على أهل البيت ، إذن لكان
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 281 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أخف وطأةً وأسهل تحملاً من هذه القرارات الاقتصادية الجائرة . لقد حرم آل النبي من الإرث ، ومما منحهم رسول الله ومن حصتهم في الخمس ، فإذا علمنا أن أموال الصدقة محرمة عليهم ، ( 66 ) فمن أين يأكل أهل البيت ، وكيف يعيشون ؟ !
قال أبو بكر لفاطمة مجيباً عن هذا السؤال : إني أعول من كان رسول الله يعول ، وأنفق على من كان رسول الله ينفق عليه . ( 67 ) . فالحاكم يقدم لآل بيت محمد المأكل ولا يزيدون عليه ، ويجب على آل البيت طوال التاريخ أن يمدوا أيديهم للحاكم من أجل الطعام ! ومن حسن الخلف أن يطيع الإنسان من يطعمه ! تلك هي سنة أبي بكر وعمر ! وهذا هو عدلهم ومودتهم للقربى ، وهذا هو برهم ووفاؤهم لمحمد بن عبد الله !
ويبدو أن أبا بكر قد تنبه في لحظة من لحظات استيقاظ الضمير إلى شناعة ما ارتكبه بحق آل محمد ، فاعتراه الندم ولكن بعد فوات الأوان . لقد تذكر فاطمة تنادي بأعلى صوتها : يا أبت يا رسول الله ، ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب وابن أبي قحافة ! ( 68 ) ، واستعاد ما قالته فاطمة شخصيا له ولعمر بن الخطاب وجها لوجه : أرأيتكما إن حدثتكما حديثاً عن رسول الله تعرفانه وتفعلان به ؟ قالا : نعم . فقالت : نشدتكما الله ، ألم تسمعا رسول الله يقول : رضى فاطمة من رضاي ، وسخط فاطمة من سخطي ، فمن أحب فاطمة ابنتي فقد أحبني : ومن أرضى فاطمة فقد أرضاني ، ومن أسخط فاطمة فقد أسخطني ؟ قالا : نعم ، سمعناه من رسول الله ، فقالت الزهراء : فإني أشهد الله أنكما أسخطتماني وما أرضيتماني ، ولئن لقيت النبي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 282 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لأشكونكما إليه . . . أنتحب أبو بكر حتى كادت نفسه أن تزهق ، وهي
تقول : والله لأدعون عليك في كل صلاة أصليها ! ! ( 69 ) .
واستحضر تهديد عمر بن الخطاب لعلي بالقتل ، وكيف التحق علي بقبر النبي يبكي ويصيح : يا ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني ! ( 70 ) تذكر أبو بكر كل ذلك وندم ، وأدرك أنه أول ضحايا هذا النظام الجديد الذي أقامه عمر ، وخرج إلى الناس قائلاً : يبيت كل واحد منكم معانقاً حليلته ، مسروراً في أهله ، وتركتموني وما أنا فيه ، أقيلوني بيعتي ! ( 71 ) ربما كان الرجل صادقاً بالفعل ، ولكنه كان قد قطع على نفسه خط الرجعة ، ولم يسمح له قادة الانقلاب وبالذات عمر بالإفلات ، كان لا بد له من البقاء ومواصلة الشوط ، فهذه مرحلة انتقالية يجب أن يحمل وزرها وهو مشرف على الموت ، وبموته يرثون دولة مستقرة ! ! ) . انتهى .
* *

حديث استثناء الأنبياء من قانون التوريث . . لم يروه إلا أبو بكر ! !

* كتب الحجازي في شبكة هجر الاسلامية ، بتاريخ 10 - 9 - 1999 ، الخامسة مساءً ، موضوعاً بعنوان ( حديث : الأنبياء لا تورث ، سمعه ورواه أبو بكر وعمر فقط ، حتى أن أهل البيت أنكروه ! ! ) ، قال فيه :
هل يصح أن لا يخبر رسول الله أهل بيته أنه لا يورث وبالأخص فاطمة ؟ ! وهل تعرفون للحديث راوياً غير الشيخين ؟ ! !
وهذه مصادر الحديث من الصحاح وغضب فاطمة عليهم :
البخاري / 2862 - لا نورث ما تركنا صدقة فغضبت فاطمة . . .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 283 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
البخاري / 3913 - لا نورث ما تركنا صدقة إنما يأكل آل محمد . .
مسلم / 3304 - لا نورث ما تركنا صدقة إنما يأكل آل محمد . .
الترمذي / 1533 - لا نورث ولكني أعول من كان رسول الله يعوله . .
الترمذي / 1534 - إني لا أورث قالت والله لا أكلمكما أبداً . .
أبو داود / 2578 - لا نورث ما تركنا صدقة إنما يأكل آل محمد . .
أحمد / 25 - لا نورث ما تركنا صدقة فغضبت فاطمة فهجرت . .
أحمد / 52 - لا نورث ما تركنا صدقة إنما يأكل آل محمد . .
أحمد / 57 - إن النبي لا يورث ولكني أعول من كان رسول . .
أحمد / 75 - إني لا أورث . .
* وكتب شعاع بتاريخ 11 - 9 - 1999 ، الثانية عشرة ظهراً :
الرافضة يحبون أن يوجدوا أي عداوة بين أهل البيت وبين أصحاب رسول الله كعادتهم . . . ومع أن علي قد أقر بذلك ولم يورث فدك لأبنائه لعلمه بالحديث ، إلا أن الرافضة ( أبناء المجوسية ) يظنون أن الاسلام لا زال تحت ملك كسرى فيورث الملك كما يدعون في الولاية . إن الاسلام جاء ليخرج الناس من الظلمات إلى النور .
هذا الحديث موجود بلفظ آخر في الكافي : ( روى الكليني في الكافي عن أبي عبد الله عليه السلام قوله : قال رسول الله صلى الله عليه وآله . . . وإنّ العلماء ورثة الأنبياء ، إنّ الأنبياء لم يورّثوا ديناراً ولا درهماً ولكن ورّثوا العلم فمن أخذ منه أخذ بحظ وافر ) . واستشهد به الخميني في كتابه الحكومات الاسلامية على ولاية الفقيه ، أم أنها حلال للخميني محرمة على غيره . أما عند المسلمين فقد صح عن أبي هريرة وعن عائشة في البخاري
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 284 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ومسلم ولا أعلم ما في غيرهما . أيضاً أقر بالحديث كل من الزبير وطلحة وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف ، بالإضافة إلى علي والعباس . . . فراجع الأحاديث التي ذكرت أرقامها أنت وسوف تجد ذلك .
الحجازي : نصيحة لوجه الله دائماً استفساراتك على هذه الهيئة كما فعلت في سحاب وتظن أنك ستنتصر ولكن في النهاية تكون . . . فأرى أن تغير من أسلوبك اللطيف الذي يدل على برائتك ونيتك الحسنة وبحثك عن الحق
* فكتب الحجازي بتاريخ 12 - 9 - 1999 ، التاسعة مساءً :
شعاع : 1 - إذا كان علي عليه السلام يعلم ، لماذا لم يقل لفاطمة عليها السلام ويجعلها ترضى عن الشيخين وفي هذه الأحاديث ، ماتت وهي غاضبة عليهما ، وغضبها كما معلوم هو غضب الرسول صلى الله عليه وآله وغضب الرسول هو غضب الله جل جلاله .
2 - حديثك يتكلم عما ورث العلماء من الأنبياء وهو العلم لا غيره ، فلا تخلط . . ثم لماذا لم تعط مصدره كاملاً حتى نراجعه .
3 - قال الرضا عليه السلام ما معناه : ( عندما سئل لماذا لم يسترد علي عليه السلام فدك عندما ولي الأمر قال : إنا أهل بيت الله يسترجع لنا ما غصبناه ولسنا نحن ، بل إننا أولياء المؤمنين نحكم بينهم ) عيون أخبار الرضا . نقلت الحديث بالمعنى لأن النص لا يحضرني .
4 - ماذا تسمي غضب الزهراء هنا إذا لم يكن رد فعل على عداء وغصب الشيخين لفدك . فماذا تسميه ، وضِّح رجاءً .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 285 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
5 - في سحاب أنتم دائماً منتصرون ، لأن مراقب الساحة يمسح الأجوبة المعارضة ، ويترك أجوبتكم بدون ردود ، ثم يقوم بإلغاء الاشتراك تماماً إذا أحس أن الكاتب مخالف ، كما فعل معي هناك .
6 - ألم تسمع في حياتك أن عمر بن عبد العزيز أرجع فدكاً لأهل البيت عليهم السلام . فما معنى فعله هذا ؟ أجب بوضوح .
7 - نصحتني أن أغير أسلوبي ولم تنصحني إلى أي نوع من التغيير ، ونصيحتك كانت لوجه الله ، وأنا أعلم أن وجه الله عندكم هو جزء من الأجزاء الأخرى ، وأنا أنصحك لوجه الله على معتقدنا ، أن تصححه على معتقدكم فتقول مثلاً : نصيحة لله عز وجل حتى لا تخالف عقيدتك .
8 - إن الأحاديث التي ذكرتها لم يذكر فيها أحد غير الزهراء ومطالبتها وغضبها على أبو بكر أو على الشيخين معاً ، إلى أن توفيت سلام الله عليها .
* وكتب الصارم المسلول بتاريخ 12 - 9 - 1999 ، التاسعة مساءً :
أيها الحجازي إليك سند الحديث الذي نقله الأخ شعاع : ( روى الكليني عن حماد بن عيسى عن القداح عن أبي عبد الله ( ع ) : من سلك طريقاً يطلب فيه علماً سلك الله به طريقاً إلى الجنة . . وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر النجوم ليلة البدر ، وإنّ العلماء ورثة الأنبياء ، لم يورّثوا ديناراً ولا درهماً ولكن ورّثوا العلم فمن أخذ منه أخذ بحظ وافر ) ( الأصول من الكافي كتاب فضل العلم باب ثواب العالم والمتعلم ج 1 ص 32 ) ورواية عن الصادق : أن العلماء ورثة الأنبياء ، وذاك أن الأنبياء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً وإنما أورثوا أحاديث من أحاديثهم . ( نفس المصدر السابق ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 286 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
* وكتب الصارم المسلول في 12 - 9 - 1999 ، العاشرة إلا ربعاً ليلاً :
الحجازي . . أنت شخص كريم ومثال يحتذى في الأدب . ولكن ما هو قولك على الآتي : ( أ ) روى المجلسي في ( حق اليقين ) ص 201 و 202 ترجمه من الفارسية : أن أبا بكر لما رأى غضب فاطمة قال لها : أنا لا أنكر فضلك وقرابتك من رسول الله عليه السلام ، ولم أمنعك من فدك إلا امتثالاً بأمر رسول الله وأشهد الله على أني سمعت رسول الله يقول : نحن معاشر الأنبياء لا نورث وما تركناه إلا الكتاب والحكمة والعلم . وقد فعلت هذا باتفاق المسلمين ولست بمتفرد في هذا . وأما المال فخذي من مالي ما شئت لأنك سيدة أبيك وشجرة طيبة لأبنائك ولا يستطيع أحد أن ينكر فضلك ) .
( ب ) ذكر المرتضى في الشافي ص 231 ، وشرح نهج البلاغة لابن أبي حديد ج 4 : أن الأمر لما وصل إلى علي بن أبي طالب كلم في رد فدك فقال إني لأستحي من الله أن أرد شيئاً منع منه أبو بكر وأمضاه عمر ) .
( ج ) لما سئل محمد الباقر عن ذلك وقد سأله كثير النوال : " جعلني الله فداك ، أرأيت أبا بكر وعمر هل ظلماكم من حقكم شيئاً أو قال ذهبا من حقكم شيئاً ؟ فقال : لا والله الذي أنزل القران على عبده ليكون للعالمين نذيراً ما ظلمانا من حقنا مثقال حبة من خردل . قلت : جعلت فداك . أفأتولاهما ؟ قال : نعم ويحك تولهما في الدنيا والآخرة وما أصابك ففي عنقي ) . ( شرح نهج البلاغة لابن أبي حديد ج 4 ص 82 )
بالله قلي ، هل أنت متبع الحق ؟ والحمد لله رب العالمين .
* وكتب شعاع بتاريخ 13 - 9 - 1999 ، السادسة صباحاً :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 287 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أولاً : لماذا لم يُعد علي الأرض إلى أبناء فاطمة ، وهذا إن كان حقاً فليس فيه مجاملة . . .
النقطة الأخرى : الذي أعرف أن في دينكم المرأة لا ترث من العقار . بوّب الكليني باباً مستقلاً في الكافي بعنوان ( إنّ النساء لا يرثن من العقار شيئاً ) روى فيه عن أبي جعفر قوله ( النساء لا يرثن من الأرض ولا من العقار شيئاً ) وروى الطوسي في التهذيب والمجلسي في بحار الأنوار ، عن ميسر قوله :
( سألت أبا عبد الله عليه السلام عن النساء ما لهن من الميراث فقال : لهن قيمة الطوب والبناء والخشب والقصب ، فأما الأرض والعقار فلا ميراث لهن فيهما ) وعن محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال : ( النساء لا يرثن من الأرض ولا من العقار شيئاً ) . وعن عبد الملك بن أعين عن أحدهما عليهما السلام قال : ( ليس للنساء من الدور والعقار شيئاً ) .
فلا أدري لماذا كل هذا الجدل ؟ ؟ وكما قلت سابقاً إن أعداء الاسلام لم يجدوا إلا الوقيعة بين أهل البيت وبين الصحابة رضوان الله عليهم .
* وكتب جميل 50 في 13 - 9 - 1999 ، السادسة والنصف صباحاً :
العجب كل العجب حينما تترائى بعض العقول ذات عوار في التفكير ، لا تبصر إلا بجانب واحد بين عدة جوانب ، ولا ترى إلا جهة فاردة من عدة جهات ، وهنا المشكلة إذ لم يقل أحد أن الجاهل لا يستطيع أن يتحدث . . . ولكنه بعد الحديث . . صانعاً من غير الدليل دليلاً ، ومن غير الحجة حجةً ، ما دام يروم التمسك بالطحالب ، ويتشبث بالمفردات الشاردة ، والموارد النادرة ليضرب بها الكم الهائل والكيف غير الزائل ، من مجموع الموارد التأريخية والشواهد الروائية الأخرى . كلنا يعرف أن الفقيه لا يشهد له بأخذ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 288 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
رواية ولو صحيحة قبل أن يوافق بينها وبين ما يعارضها إن أمكنت الموافقة ، وإلا فللتعارض أحكام مذكورة ودساتير مأثورة وغير مأثورة . .
وهنا إرث فاطمة الذي شهد به القرآن الكريم : يوصيكم الله في أولادكم . والقرآن لم ينزل ليعمل به الناس دون النبي صلى الله عليه وآله إلا بمخصص وكلامنا فيه الآن . . وأول نقض على المخصص المدعى أنه معارض للقرآن إذا أن الدعوة جاءت لتشمل جميع الأنبياء ، وها قد قال عن زكريا : وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقراً فهب لي من لدنك ولياً يرثني ويرث من آل يعقوب .
بينما ، والكلام للمتدبرين فحسب ، لاوجه لذكر الموالي والخوف منهم . . ثم تعقيبه بصفة زوجته ( وامرأتي عاقراً ) التي لا ربط لها ولا سببية منعقدة بينها وبين توريث العلم هذا بالضرورة . كما أن التأريخ يذكر أنه ناقض نفسه سواء حينما حكم لعلي عليه السلام بسيف رسول الله صلى الله عليه وآله وعمامته كميراث فلم يجعلها صدقة ؟ ! ! أو كما جاء في المسند من أنه قال : شئ تركه رسول الله فلم يحركه فلا أحركه . فإنه إذا كان صدقة . فلماذا لا يحركه على ذلك الوجه . وكيف كان فهذه قضية بحالها ولها مجالها من الحديث . . وكذا في الاستشهاد بكلام الباقر عليه السلام الذي تراهم استخرجوا رواياته في الإشادة بالخلفاء وعدم التعريض بهم في أمر الإرث . فنعم سؤال الأخ : لماذا أرجعه أحد الخلفاء ؟ وهنا أقول : إن كان واضحاً لماذا بقي الجدل فيه إلى أن حان حين المأمون من الخلفاء العباسيين ، ولماذا ينشد به بعض الشعراء في ذلك العصر ممن والى فاطمة وبعلها وبنيها . . . هذا فقط لأدل على أن الأمر لم يكن واضحاً .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 289 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وعموماً مثل الامام الباقر وغيره من أئمة آل البيت عليهم السلام فكلامهم ليس يأخذ على ظاهره لما عانوه من الظلم والاضطهاد . وخير رادع لمن أراد أن يستشهد بهم هنا هو : كيف تعتبرون أولئك من السائرين على خطى الشيخين والخلفاء رغم ما هو موجود في التأريخ من أنهم عاشوا الحصار والمضايقة من حكومات كانت لا تحيد برأيها عن سياسة الشيخين ؟ ! أم كيف تصدقون أنهم ميالون إلى عقيدتكم وقد جعلتهم كتبكم الروائية أقل الرواة ، بل في بعضها وأصحها لا توجد لهم رواية أصلاً ، مع أنهم أهل بيت زقوا العلم زقاً . . أبعد هذا نستقبل كلامهم على قلته كما ظاهره ؟ ! ! وأما الرواية في كتبنا فبعد الغض عن سندها نقول ليست فيها دلالة أيضاً ، لأن الخطاب ليس لعياله بالمعنى الأخص ، وإنما لعياله بالمعنى الأعم ، أي الأمة من حوله وهذا فارق مهم ، ومثبته أنه في الغزوات ومستوى الدخل العام لبيت المال ربما تشفق الأمة على المال وتتصور أن النبي يضمن لها سعادتها من هذه الناحية لأنه الكاسب بمشيئة الله وما سخروه له من همتهم ودمائهم و . . . وفارق آخر أن الأحاديث هذه لم تذكر الجزء الكلامي المدعى : ما تركناه صدقة . فتأمل يرحمك الله .
والحقيقة أن هذا الحديث لم يسمعه غيره ، والمسألة واضحة فليست برياضية تحتاج إلى عناء المعادلات والمدقات الحسابية ، بل كل الصيد في جوف الفرا . . . أي إذا أجبنا على هذا السؤال انتهى كل شئ : لماذا لم يخبر النبي صلى الله عليه وآله ابنته ونسائه بذلك مع أنهم هم المعنيون لا أبو بكر ؟ ! ولماذا لم يمنع علي فاطمة من المطالبة وهو الوافر في العلم ، وأكثر الصحابة سماعاً على يد الرسول صلى الله عليه وآله ؟ ! !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 290 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وليكن نظرك للمجموع ، فلا تنفي واحدة بما تثبت به أخرى ؟ !
* *

محاولتهم تصوير قضية فدك بأنها خلاف فقهي محض !

* كتب المدعو محب أهل البيت في شبكة الساحة الإسلامية ، بتاريخ
4 - 5 - 1999 ، الثامنة مساءً ، موضوعاً بعنوان ( فدك بين أبو بكر الصديق والسيدة فاطمة - مناقشة علمية ) ، ونشره في شبكات عديدة مثل شبكة الجارح وسحاب ، وقد أجاب عليه الشيعة لكن أكثر إجاباتهم حذفت !
قال : أرض فدك ، قرية في الحجاز كان يسكنها طائفة من اليهود ، ولما فرغ الرسول عليه الصلاة والسلام من خيبر ، قذف الله عز وجل في قلوبهم الرعب ، فصالحوا رسول الله صلى الله عليه وآله على فدك ، فكانت ملكاً لرسول الله صلى الله عليه وآله ، لأنها مما لم يُوجف عليها بخيل ولا ركاب . ورغم أن خلاف الخليفة أبو بكر مع السيدة فاطمة رضوان الله عليهما كان خلافاً سائغاً بين طرفين يملك كل منهما أدلة على رأيه ، إلا أنّ حساسية البعض من شخصية أبي بكر تجعله ينظر إلى الأمور بغير منظارها فتنقلب الحبة إلى قبة . ولو أننا استبدلنا شخصيات القصة ( أبا بكر وفاطمة ) بفقيهين من الشيعة مثلاً أو مرجعين من مراجعهم لكان لكل طرف منهما مكانته وقدره دون التشنيع عليه واتهام نيته ، ولكانت النظرة إلى رأي الطرفين نظرة احترام وتقدير على اعتبار وجود نصوص وأدلة يستند إليها الطرفين في دعواهما وإن كان الأرجح قول أحدهما . لكن أمام أبي بكر
وفاطمة الأمر يختلف ، فأبو بكر عدو للشيعة وما دام عدواً فكل الشر فيه
وكل الخطأ في رأيه ، هكذا توزن الأمور ! توزن بميزان العاطفة التي لا تصلح
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 291 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
للقضاء بين متنازعين فكيف بدراسة أحداث تاريخية ودراسة تأصيلها
الشرعي ! لكن المنصف الذي لا ينقاد إلى عاطفته بل إلى الحق حيث كان ،
يقف وقفة تأمل لذاك الخلاف ليضع النقاط على الحروف .
فأرض فدك هذه لا تخلو من أمرين : إما أنها إرث من النبي صلى الله عليه وآله لفاطمة رضوان الله عليها ، أو هي هبة وهبها رسول الله لها يوم خيبر . فأما كونها إرثاً فبيان ذلك ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما من أنه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله جاءت فاطمة رضوان الله عليها لأبي بكر الصدّيق تطلب منه إرثها من النبي عليه الصلاة والسلام في فدك وسهم النبي صلى الله عليه وآله من خيبر وغيرهما . فقال أبو بكر الصدّيق : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : ( إنّا لا نورّث ، ما تركناه صدقة ) وفي رواية عند أحمد ( إنا معاشر الأنبياء لا نورّث ) ( 39 ) ، فوجَدَت ( 32 ) فاطمة على أبي بكر . بينما استدلت رضوان الله عليها بعموم قوله تعالى : يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين ( 39 ) . ولنكن حياديين هاهنا ولننس أنّ المطالب بالإرث امرأة نحبها ونجلها لأنها بنت نبينا وأنّ لها من المكانة في نفوسنا وعند الله عز وجل ما لها ، لنقول : كلام محمد عليه الصلاة والسلام فوق كلام كل أحد ، فإذ صح حديث كهذا عن رسول الله فلا بد أن نقبله ونرفض ما سواه ، فإذا كان الأمر كذلك فلماذا نلوم أبو بكر على التزامه بحديث رسول الله وتطبيقه إياه بحذافيره ؟ ! لقد صح حديث ( إنّا معاشر الأنبياء لا نورّث ) عند الفريقين السنة والشيعة ، فلماذا يُستنكر على أبي بكر استشهاده بحديث صحيح ويُتهم بالمقابل باختلاقه الحديث لكي يغصب فاطمة حقها في فدك ؟ ! !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 292 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أما صحته عند أهل السنة فهو أظهر من أن تحتاج إلى بيان ، وأما صحته عند الشيعة فإليك بيانه : روى الكليني في الكافي عن أبي عبد الله عليه السلام قوله : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : ( . . . وإنّ العلماء ورثة الأنبياء ، إنّ الأنبياء لم يورّثوا ديناراً ولا درهماً ولكن ورّثوا العلم فمن أخذ منه أخذ بحظ وافر ) ( 39 ) . قال عنه المجلسي في مرآة العقول 1 / 111 : الحديث الأول ( أي الذي بين يدينا ) له سندان الأول مجهول ، والثاني حسن أو موثق لا يقصر عن الصحيح ، فالحديث إذاً موثق في أحد أسانيده ويُحتج به ، فلماذا يتغاضى عنه علماء الشيعة رغم شهرته عندهم ؟ ! والعجيب أن يبلغ الحديث مقدار الصحة عند الشيعة حتى يستشهد به الخميني في كتابه الحكومة الإسلامية على جواز ولاية الفقيه فيقول تحت عنوان صحيحة القداح : ( روى علي بن إبراهيم عن أبيه عن حماد بن عيسى عن القداح ( عبد الله بن ميمون ) ( 89 ) عن أبي عبد الله عليه السلام قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله : ( من سلك طريقاً يطلب فيه علماً ، سلك الله به طريقاً إلى الجنة . . . وإنّ العلماء ورثة الأنبياء ، إنّ الأنبياء لم يورّثوا ديناراً ولا درهماً ، ولكن ورّثوا العلم ، فمن أخذ منه أخذ بحظ وافر ) . ويعلق على الحديث بقوله ( رجال الحديث كلهم ثقات ، حتى أنّ والد علي بن إبراهيم ( إبراهيم بن هاشم ) من كبار الثقات ( المعتمدين في نقل الحديث ) فضلاً عن كونه ثقة ) ( 67 ) . ثم يشير الخميني بعد هذا إلى حديث آخر بنفس المعنى ورد في الكافي بسند ضعيف فيقول : ( وهذه
الرواية قد نقلت باختلاف يسير في المضمون بسند آخر ضعيف ، أي أنّ
السند إلى أبي البختري صحيح لكن نفس أبي البختري ضعيف والرواية
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 293 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
هي : عن محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن محمد بن خالد عن أبي البختري عن أبي عبد الله عليه السلام قال : ( إنّ العلماء ورثة الأنبياء وذاك أنّ الأنبياء لم يورّثوا درهماً ولا ديناراً ، وإنما ورّثوا أحاديث من أحاديثهم . . . ) ( 39 ) . إذاً حديث ( إنّ الأنبياء لم يورّثوا ديناراً ولا درهماً ولكن ورّثوا العلم ) صحيح . كما بيّن ذلك الخميني والمجلسي من قبله ، فلماذا لا يؤخذ بحديث صحيح النسبة إلى رسول الله مع أننا مجمعين على أنه لا اجتهاد مع نص ؟ ! ولماذا يُستخدم الحديث في ولاية الفقيه ويُهمل في قضية فدك ؟ ! فهل المسألة يحكمها المزاج ؟ !
إنّ الاستدلال بقول الله تبارك وتعالى عن زكريا عليه السلام : فهب لي من لدنك ولياً يرثني ويرث من آل يعقوب ، على جواز توريث الأنبياء لأبنائهم استدلال غريب يفتقد إلى المنطق في جميع حيثياته ، وذلك لعدة أمور : أولاً : لا يليق برجل صالح أن يسأل الله تبارك وتعالى ولداً لكي يرث ماله فكيف نرضى أن ننسب ذلك لنبي كريم كزكريا عليه السلام في أن يسأل الله ولداً لكي يرث ماله ، إنما أراد زكريا عليه السلام من الله عز وجل أن يهب له ولداً يحمل راية النبوة من بعده ، ويرث مجد آل يعقوب العريق في النبوة .
ثانياً : المشهور أنّ زكريا عليه السلام كان فقيراً يعمل نجاراً ، فأي مال كان عنده حتى يطلب من الله تبارك وتعالى أن يرزقه وارثاً ، بل الأصل في أنبياء الله تبارك وتعالى أنهم لا يدخرون من المال فوق حاجتهم بل يتصدقون به في وجوه الخير .
ثالثاً : إنّ لفظ ( الإرث ) ليس محصور الاستخدام في المال فحسب بل
يستخدم في العلم والنبوة والملك وغير ذلك كما يقول الله تعالى ( ثم أورثنا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 294 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ) ( 39 ) وقوله تعالى ( أولئك هم الوارثون
الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون ) ( 39 ) فلا دلالة في الآية السابقة على وراثة المال .
رابعاً : حديث ( إنّ الأنبياء لم يورّثوا ديناراً ولا درهماً ولكن ورّثوا العلم ) الذي ذكرناه آنفاً يتضمن نفي صريح لجواز وراثة أموال الأنبياء ، وهذا كاف بحد ذاته . وكذلك الحال في قوله تعالى : وورث سليمان داود ، ( 39 ) فإنّ سليمان عليه السلام لم يرث من داود عليه السلام المال ، وإنما ورث النبوة والحكمة والعلم لأمرين اثنين : الأول : أنّ داود عليه السلام قد اشتُهر أنّ له مائة زوجة وله ثلاثمائة سريّة أي أمة ، وله كثير من الأولاد فكيف لا يرثه إلا سليمان عليه السلام ؟ ! فتخصيص سليمان عليه السلام حينئذ بالذكر وحده ليس بسديد .
الثاني : لو كان الأمر إرثاً مالياً لما كان لذكره فائدة في كتاب الله تبارك وتعالى ، إذ أنّه من الطبيعي أنّ يرث الولد والده ( والوراثة المالية ليست صفة مدح أصلاً لا لداود ولا لسليمان صلى الله عليه وآله فإنّ اليهودي أو النصراني يرث ابنه ماله فأي اختصاص لسليمان عليه السلام في وراثة مال أبيه ! ! والآية سيقت في بيان المدح لسليمان عليه السلام وما خصه الله به من الفضل وإرث المال هو من الأمور العادية المشتركة بين الناس كالأكل والشرب ودفن الميت ، ومثل هذا لا يُقص عن الأنبياء ، إذ لا فائدة فيه ، وإنما يُقص ما فيه عبرة وفائدة تُستفاد وإلا فقول القائل ( مات فلان وورث فلان ابنه ماله ) مثل قوله عن الميت ( ودفنوه ) ومثل قوله ( أكلوا وشربوا وناموا ) ونحو ذلك مما لا يحسن أن يُجعل من قصص القرآن ) ( 93 )
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 295 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأعجب من هذا كله حقيقة تخفى على الكثيرين ، وهي أنّ المرأة لا ترث في مذهب الشيعة الإمامية من العقار والأرض شيئاً ، فكيف يستجيز الشيعة الإمامية وراثة السيدة فاطمة رضوان الله عليها لفدك ، وهم لا يُورّثون المرأة العقار ولا الأرض في مذهبهم ؟ ! ! فقد بوّب الكليني باباً مستقلاً في الكافي بعنوان ( إنّ النساء لا يرثن من العقار شيئاً ) روى فيه عن أبي جعفر قوله : ( النساء لا يرثن من الأرض ولا من العقار شيئاً ) ( 34 ) . وروى الطوسي في التهذيب والمجلسي في بحار الأنوار عن ميسر قوله ( سألت أبا عبد الله عليه السلام عن النساء ما لهن من الميراث ، فقال : لهن قيمة الطوب والبناء والخشب والقصب فأما الأرض والعقار فلا ميراث لهن فيهما ) ( 39 ) وعن محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال : ( النساء لا يرثن من الأرض ولا من العقار شيئاً ) ( 39 ) وعن عبد الملك بن أعين عن أحدهما عليهما السلام ( 39 ) قال : ( ليس للنساء من الدور والعقار شيئاً ) .
كما أنّ فدك لو كانت إرثاً من النبي صلى الله عليه وآله لكان لنساء النبي ومنهن عائشة بنت أبي بكر وزينب وأم كلثوم بنات النبي حصة منها ، لكن أبا بكر لم يعطِ ابنته عائشة ولا أحد من نساء النبي ولا بناته شيئاً استناداً للحديث ، فلماذا لا يُذكر هؤلاء كطرف في قضية فدك بينما يتم التركيز على السيدة فاطمة وحدها ؟ ! ! هذا على فرض أنّ فدك كانت إرثاً من رسول الله صلى الله عليه وآله أما إذا كانت فدك هبة وهدية من رسول الله صلى الله عليه وآله لفاطمة رضوان الله عليها كما يروي
ذلك الكاشاني في تفسيره الصافي 3 / 186 ، فالأمر يحتاج إلى وقفة أخرى
أيضاً فعلى فرض صحة الرواية والتي تناقضها مع روايات السنة والشيعة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 296 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
حول مطالبة السيدة فاطمة رضوان الله عليها لفدك كإرث لا كهبة من أبيها ، فإننا لا يمكن أن نقبلها لاعتبار آخر ، وهو نظرية العدل بين الأبناء التي نص عليها الإسلام . إنّ بشير بن سعد لمّا جاء رسول الله صلى الله عليه وآله فقال : يا رسول الله إني قد وهبت ابني حديقة وأريد أن أُشهدك ، فقال النبي صلى الله عليه وآله : أكُلّ أولادك أعطيت ؟ قال لا ، فقال النبي صلوات الله وسلامه عليه ( إذهب فإني لا أشهد على جور ) ( 39 ) فسمّى النبي صلى الله عليه وآله تفضيل الرجل بعض أولاده على بعض بشئ من العطاء جوراً ، فكيف يُظن برسول الله صلى الله عليه وآله كنبي معصوم لا يشهد على جور أن يفعل الجور ( عياذاً بالله ) ؟ ! هل يُظن به وهو أمين من في السماء أو يجور في أمانة أرضية دنيوية بأن يهب السيدة فاطمة فدك دون غيرها من بناته ؟ ! فكلنا يعرف أنّ خيبر كانت في السنة السابعة من الهجرة بينما توفيت زينب بنت رسول الله في الثامنة من الهجرة ، وتوفيت أم كلثوم في التاسعة من الهجرة ، فكيف يُتصور أن يُعطي رسول الله فاطمة رضوان الله عليها ويدع أم كلثوم وزينباً ؟ ! !
والثابت من الروايات أنّ فاطمة رضوان الله عليها لمّا طالبت أبو بكر بفدك كان طلبها ذاك على اعتبار وراثتها لفدك لا على أنها هبة من رسول الله صلى الله عليه وآله . ولذا فإنّ فدك لم تكن لا إرثاً ولا هبة ، وهذا ما كان يراه الإمام علي نفسه إذ أنه لمّا استُخلف على المسلمين لم يعط فدك لأولاده بعد وفاة أمهم فاطمة بحيث يكون له الربع لوجود الفرع الوارث ،
وللحسن والحسين وزينب وأم كلثوم الباقي ( للذكر مثل حظ الأنثيين )
وهذا معلوم في التاريخ ، فلماذا يُشنع على أبي بكر في شئ فعله علي بن أبي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 297 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
طالب نفسه ؟ ! بل يروي السيد مرتضى ( الملقب بعلم الهدى ) في كتابه الشافي في الإمامة عن الإمام علي ما نصه
( إنّ الأمر لمّا وصل إلى علي بن أبي طالب عليه السلام كُلّم في رد فدك ، فقال : إني لأستحيي من الله أن أرد شيئاً منع منه أبو بكر وأمضاه عمر ) ( 2 ) .
وما كدت أشرف على إغلاق ملف قضية فدك ومناقشة أدلتها حتى وقعت على رواية طريفة تُعبر بالفعل عن المأساة الحقيقة التي يعيشها من يريدون القدح بأبي بكر بأي طريقة كانت ( شرعية وغير شرعية ) ! !
روى الكليني في الكافي عن أبي الحسن قوله ( ورد على المهدي ورآه يردّ المظالم . فقال : يا أمير المؤمنين ! ما بال مظلمتنا لا تُرد ؟ فقال له : وما ذاك يا أبا الحسن ؟ قال : إنّ الله تبارك وتعالى لمّا فتح على نبيه صلى الله عليه وآله فدك . . . فقال له المهدي : يا أبا الحسن حدّها لي . فقال : حد منها جبل أحد ، وحد منها عريش مصر ، وحد منها سيف البحر ، وحد منها دومة الجندل ) . ( 29 ) فأين أرض في خيبر من مساحة كهذه ؟ ! !
ألهذا الحد يُستخف بعقول الناس ؟ ! !
* وكتب أويس بتاريخ 4 - 5 - 1999 ، العاشرة ليلاً :
أسأل الله أن ينفعنا بهذا ويهدي بهذا البيان طالبي الحق من الشيعة . . آمين .
* وكتب شامس 22 أيضاً في 12 - 5 - 1999 ، السادسة صباحاً :
جزاك الله خير على هذا الكلام الطيب .
* وكتب محب أهل البيت بتاريخ 12 - 5 - 1999 ، السابعة صباحاً :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 298 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأخ شامس . جزاك الله خير .
هذه المقالة تعتمد على حديث في الكافي صححه المجلسي في مرآة العقول والخميني في الحكومة الاسلامية . والمطلوب من الشيعة الرد ، خصوصاً وإني لم أجلب حديث مكذوباً أو ضعيفاً عندهم . فلماذا تتهمون أبا بكر رضوان الله عليه بغصبه فدك ، مع أن دليله مجمع على صحته بين السنة والشيعة ! !
ثم سؤالي هو : هل يرى الشيعة أن إغضاب السيدة فاطمة لا يجوز ، وإغضاب رسول الله جائز ؟ ! ! إن الاستدلال بحديث ( يغصبني ما يغضبها ) في واقعة فدك غير ملائم . لأن اغضاب فاطمة رضوان الله عليها مشروط بعدم إغضاب الله ورسوله أولاً ، والسيدة فاطمة لم يصلها الحديث وظنت أنه غير صحيح في بادئ الأمر .
* وكتب شامس 22 بتاريخ 12 - 5 - 1999 ، الخامسة مساءً :
أين الرد يا شيعة يا سادة يا محترمين ؟
* وكتب سماحة بتاريخ 22 - 5 - 1999 ، الثامنة مساءً :
الشيعة يردّون ، ولكن تحذف ردودهم بسرعة ! ! !
* وكتب العاملي بتاريخ 5 - 5 - 1999 ، العاشرة صباحاً :
فدك ليست هي القضية . . بل رمز لقضية الخلافة :
إن موقف الزهراء عليها السلام من خلافة أبي بكر وعمر يتضمن عدة
قضايا ، لابد أن نوضح حدود كل واحدة منها أولاً ، تحديداً شرعياً وقانونياً
ثم نبحثها . ولا يصح أن نصادر المسألة ، ونصورها على أنها مسألة مطالبة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 299 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
من الزهراء عليها السلام بمزرعة فدك ، وأن أبا بكر أجابها بأن الأنبياء
مستثنون من قانون الإرث الشرعي ، وانتهى الأمر ! !
وأهم القضايا التي تضمنها موقف الزهراء هي :
القضية الأولى : أن الزهراء أدانت بيعة السقيفة ، واتهمتهم بأنهم خالفوا الرسول صلى الله عليه وآله ونكثوا بيعة علي في يوم الغدير ، وانقلبوا على أعقابهم ! وكان موقفها نفس موقف علي والعباس وعدد كبير من المهاجرين والأنصار الذين امتنعوا عن البيعة وأدانوا السقيفة ، وكانوا مجتمعين في بيت علي وفاطمة ، في مراسم تعزية أهل البيت بالنبي ( ص ) ، فهاجمهم عمر وجماعته بأمر أبي بكر لا لكي يعزو هم ، بل ليهدوهم إما أن يبايعوا وإما أن يحرقوا عليهم
الدار ! ! وبالفعل أحرقوا باب الدار الخارجي وضربوا فاطمة الزهراء ، التي خرجت في محاولة لمنع الاصطدام بينهم وبين المعتصمين داخل الدار ، وهي تأمل أن يوقفوا الهجوم ويحترموا بنت نبيهم ، وهي في اليوم الثاني من مصيبتها بفقد أبيها ( ص ) ! !
ثم قامت الزهراء بعدة أعمال لنصرة الامام الشرعي علي ( ع ) وإفشال المؤامرة . . ومن ذلك أنها ذهبت مع علي وأولادهما إلى بيوت زعماء الأنصار تذكرهم ببيعتهم لعلي يوم الغدير ، وبأنهم بايعوا النبي ( ص ) بيعة العقبة على أن يحموه وأهل بيته مما يحمون منه أنفسهم وأهليهم ! ! ثم قامت بإعلان تحريم بيعة أبي بكر ، والدعاء عليه وعلى عمر . . ثم خطبت خطبتها التاريخية في مسجد النبي ( ص ) بحضور جمع كبير من المسلمين ، وأدانت خلافة أبي بكر وعمر ثم لما صادروا منها مزرعة فدك ، أدانت عملهم وطالبت بها وبما صادروه من إرثها من النبي ( ص ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 300 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم قاطعت أبا بكر وعمر ولم تكلمهما إلى آخر حياتها ، وأدارت وجهها عنهما ولم تكلمهما بحرف عندما جاءا إلى زيارتها واعتذرا عن مهاجمة بيتها ! فهذه القضية فيها عدة مسائل عقيدية وفقهية . . .
منها : هل أن فاطمة الزهراء سيدة نساء أهل الجنة ، ولا يمكنكم أن تقولوا إنها أخطأت لأنها لم تبايع أبا بكر ، وماتت ميتة جاهلية ، لأن من مات وليس في عنقه بيعة مات موتة جاهلية ؟ !
ومنها : هل تكون بيعة أبي بكر وعمر بيعة شرعية ، بعد أن شهدت سيدة نساء أهل الجنة بأنها خيانة ؟ !
ومنها : لماذا أوصت فاطمة وأصرت على أن تدفن خفية ، ولا يشارك في جنازتها أبو بكر ولا عمر وأنصارهما ؟ ! ! ومنها . . ومنها . . . الخ .
القضية الثانية : موقف السلطة من المنح التي كان أعطاها الرسول للمسلمين في حياته صلى الله عليه وآله ، وهي إقطاعات كثيرة وردت تسميتها في مصادر السيرة والفقه ، وقد تركتها السلطة بأيدي أصحابها ولم تصادر منها شيئاً . . بينما صادرت كل ما كان أعطاه لأهل بيته خاصة ، وعمدة ذلك مزرعة فدك من يد فاطمة وعلي ! !
القضية الثالثة : موقف السلطة من التشريع الاسلامي المجمع عليه ، الذي يحرم الصدقات والزكوات على أهل بيت الرسول ( ص ) ، ويشرع لهم بدلها الخمس . . فلماذا حرمت السلطة أهل بيت النبي ( ص ) من حقهم الشرعي في ميزانية الدولة ، وجعلتهم بلا مورد من الخمس والزكاة ؟ ! !
فمسألة فدك أيها الأخ ، إنما هي مفردة واحدة من سياسة الدولة الاقتصادية
في اضطهاد أهل بيت نبيهم بمجرد رحيله إلى ربه ! ! ثم مفردة من سياستهم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 301 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الكلية ، التي بدأت بترك جنازة النبي بين أيدي أهل بيته ، وتشكيل اجتماع السقيفة بدون مشورتهم ، ولا دعوتهم اليه ، ولا إخبارهم به ! ! ثم بإجبارهم على الاختيار بين بيعة أبي بكر أو إحراق بيتهم عليهم أو قتلهم ! ! بالله عليك لو أن بلداً في عصرنا أجرى انتخابات وأجبر الناخبين على انتخاب مرشحه الوحيد ، تحت طائلة الاعدام لكل من يمتنع ، هل يكون ذلك عملاً شرعياً ، وهل تكون رئاسته شرعية ؟ ! إن الاستثناء الوحيد من الخلفاء الذي أعطى للمسلمين حريتهم في بيعته وعدمها ، هو علي بن أبي طالب ، وكل من عداه ترافقت بيعته بالاجبار ومصادرة حريات المسلمين ! أما مسألة فدك فهي تشمل مسائل عديدة أيضاً :
المسألة الأولى : هل أن مزرعة فدك إرث أم أنها كانت منحة أعطاها النبي ( ص ) في حياته لفاطمة وإستلمتها وجعلت عليها وكيلاً واستغلتها سنة أو سنتين في حياة النبي ؟ ! ! نحن نثبت أنها كانت بيدها ، واليد على الشئ علامة الملكية في الشريعة الاسلامية ، وفي كل قوانين الدنيا ، وأن أبا بكر صادرها ، وعليه هو أن يأتي ببينة على جواز مصادرة ملكية شرعية صحيحة تحت يد مالكها ، حتى لو كان هذا شخصاً عادياً وليس بنت أعظم رسول ( ص ) التي نزل الوحي عليه بأنها سيدة نساء العالمين ؟ !
ومن العجيب أن سياسة أبي بكر كانت بمكيالين ، فلم يصادر شيئاً من المنح وإقطاعات الأراضي التي كان منحها الرسول ( ص ) لكثيرين في المدينة وخارجها ، بل أبقاها في أيديهم ، ولم يطالبهم بدليل إثبات عليها كما طالب فاطمة ؟ ! ! !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 302 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الثانية : أن القرآن ينص على قانون الإرث ، وتشريعات الاسلام عامة شاملة للرسول وغيره ، إلا ما خرج منها بدليل ، مثل حق الرسول في الزواج بأكثر من أربع زوجات . . فأين الدليل هنا على استثناء الرسول ( ص ) من قانون الإرث ؟ ! إنه لا يوجد دليل إلا ما رواه أبو بكر وأجاب به فاطمة الزهراء ! ولم يروه أحد غيره من المسلمين أبداً ! ! حتى أن الهيثمي اعترف في مجمع الزوائد مجلد 9 ص 40 ، بأن روايتهم الأخرى للحديث عن غير أبي بكر وهي في الطبراني الأوسط في طريقها ( الفيض بن وثيق ) وهو كذاب ! ولهذا السبب تجد بحثاً في علم الأصول اسمه : ( هل يجوز نسخ القرآن أو تخصيصه بخبر الواحد ؟ ) لأن راوي النسخ أو التخصيص لتشريع الإرث هو أبو بكر وحده ! ! وهنا يحق للمسلم أن يسأل : هل يعقل أن النبي ( ص ) لم يخبر أهل بيته ولا أحداً من المسلمين بأن الأنبياء مستثنون من قانون الإرث وخص بذلك أبا بكر وحده فقط وفقط ؟ !
أم هل يعقل أن فاطمة عليها السلام تعرف ذلك وتطالب بما ليس لها بحق وتريد أن تطعم أولادها المال الحرام وفي طليعتهم سيدا شباب أهل الجنة ؟ ! ! أو تريد أن تسرق لهم من أموال المسلمين ؟ ! !
إن كل واحد من هذه المسائل والقضايا فيها بحوث . . فأرجو أن تقرأ أكثر ، ولا تستعجل بالأحكام . . ولا تخلط بين إرث الزوجة من الأرض وإرث البنت ! ! ولابين عدم اهتمام الأنبياء بالتوريث المادي الوارد في رواياتنا وبين تحريم توريثهم ما تركوه لورثتهم ، ومصادرة ما كانوا وهبوه لهم ! ! وأضيف لك : إن من الأدلة الواضحة على أن مطالبة الزهراء عليها السلام بفدك كانت رمزاً للخلافة :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 303 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أولاً : أنها وجميع المسلمين يعرفون أنها أول أهل بيت النبي لحوقاً به ، وذلك بإخبار النبي إياها ، ومن كانت بهذا المقام والحالة ، ماذا تصنع بفدك وغير فدك .
ثانياً : أن سبب تشدد أبي بكر وعمر في ردها وتكذيبها ورد شهودها ، أنهما خافا إن أعطياها اليوم فدكاً وقبلا أنها صادقة لا تكذب ، كما شهدت عائشة ، فقد تطالب هما غداً بالخلافة وتشهد أن علياً وصي النبي الشرعي الرسمي من يوم الغدير ، وأنهما خانا الله ورسوله ! !
ثالثاً : عندما سأل هارون الرشيد الامام الكاظم عليه السلام عن حدود فدك ليرجعها لهم ، أجابه بأن حدودها حدود الدولة الاسلامية كلها ! وليتك فهمت قصد الإمام الكاظم عليه السلام بدل أن تهزئه وتسخر منه ! بل ليت هارون الرشيد سلَّم الخلافة المغصوبة إلى أهل البيت النبوي المطهرين ، إذن لتغير مسار التاريخ ، ولما ضيعها أولاد هارون حتى وصلت إلى السلاجقة والمماليك ، ثم إلى العثمانيين وانتهت بذلة على أيديهم في استانبول ، وصارت بلاد المسلمين بأيدي الغربيين والشرقيين ! !
* قال العاملي : قامت شبكتهم بحذف هذا الرد وغيره وأبقت الموضوع !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 304 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

محاولاتهم تبرير ظلم أبي بكر بتضييع فدك بين النحلة والإرث !

* كتب المدعو جاكون في شبكة الموسوعة الشيعية ، بتاريخ 2 - 4 - 2000 ، الثانية عشرة صباحاً ، موضوعاً بعنوان ( سؤال إلى الاخوة الشيعة بشأن وضع فدك ) ، قال فيه :
هل فدك نحلة نحلها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ابنته فاطمة الزهراء ؟ أم كانت إرثاً ؟
* فكتب العاملي في 2 - 4 - 2000 ، الثانية عشرة والنصف ظهراً :
كلاهما . . فأنت قد تهب لولدك في حياتك وتقول له : يا بني سوف ينازعونك فاستلم من الآن لتكون صاحب يد ، وإن رفض القاضي تصديقك فخاصمه بالشهود ، فإن رفض الشهود ، فخاصمه بالإرث .
* وكتب أبو الصراحة في 2 - 4 - 2000 ، الثانية عشرة والنصف صباحاً :
أحسنت يا العاملي . أغلقت جميع الأبواب عليه . إلعب غيرها يا جاكون .
* وكتب الفاطمي بتاريخ 2 - 4 - 2000 ، الواحدة صباحاً :
وما زلت كما عهدتك يا جاكون ناصبي . . والظاهر أنك تموت على نصبك للزهراء عليها السلام ! وما زلت متمسكاً بافتراءاتك على سيدة نساء العالمين سلام الله عليها .
يا ويلك يا لناصبي من غضب الله ورسوله صلى الله عليه وآله ! !
* وكتب جاكون بتاريخ 3 - 4 - 2000 ، الواحدة والنصف صباحاً :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 305 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أنت قلت إنها هبة إلى فاطمة أصلاً ، ثم قال الرسول كذا لكي يكون كذا أين الدليل ؟ أم أنه مجرد احتمال . . ثم قلت إنها تنازلت عن الهبة إلى تقاسم الهبة مع الورثة الآخرين . إن القول بالإرث والقول بالهبة لا يجتمعان بمنطق العقلاء . كما أنه لا يستوي احتراز الرسول صلى الله عليه وسلم في ذلك مع علمه بالغيب ، وعلمه بهضم حقها مستقبلاً عندكم ، فإن كانت فدك حلالاً صرفاً لها لا يشاركها فيه أحد . . فلم كان رجوعها إلى شخص لا تعترف بسلطته عليها أصلاً ، ولكي يفعل ماذا ؟ ! هل تمكن بنو هاشم وباقي سكان المدينة من رضا الخليفة الجديد عليهم لتثبيت أملاكهم وعقارهم ؟ وهل أرسل هذا الخليفة زبانيته إلى خيبر ، أم اعترض طريق غلتها إليها في أول يوم من خلافته لكي تذهب إليه .
والآن . . عود لذي بدء . . . هل كانت هبة أم إرثا ؟
* وكتب عمر بتاريخ 3 - 4 - 2000 ، الثانية صباحاً :
( ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب ) . سورة الحشر - آية 7 . . السؤال : هل يجوز للرسول ( ص ) أن يهب مال الله وذي القربى وابن السبيل واليتامى لشخص واحد ؟ أعتقد بأن من يدعي بأنه وهبها فإنه ينتقص من الرسول ( ص ) ! هذا ما أعتقده أنا بعد الرجوع للآية . الرجاء التوضيح لمن له رأي آخر ، مع الاعتذار للمداخلة .
* وكتب سجاد بتاريخ 5 - 4 - 2000 ، الثالثة والثلث صباحاً :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 306 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أخي العزيز الفاطمي حفظك الله . هذه بعض الأدلة من كتبهم على إعطاء النبي ( ص ) السيدة فاطمة الزهراء ( ع ) فدكاً :
السيوطي في الدر المنثور في ذيل تفسير قوله تعالى : وآت ذا القربى حقه ، قال : ( وأخرج البزار وأبو يعلى وابن أبي الحاتم وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال : لما نزلت هذه الآية : وآت ذا القربى حقه ، دعا رسول الله فاطمة فأعطاها فدكاً .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : لما نزلت : وآت ذا القربى حقه ، أقطع رسول الله ( ص ) فاطمة فدكاً ) .
الهيثمي في مجمعه : 7 / 49 قال : عن أبي سعيد قال لما نزلت : وآت ذا القربى حقه ، دعا رسول الله فاطمة وأعطاها فدكاً ) . رواه الطبراني وذكره الذهبي أيضاً في ميزان الاعتدال : 2 / 228 ، وصححه المتقي في كنز العمال : 2 / 158 : عن أبي سعيد قال : لما نزلت : وآت ذا القربى حقه ، قال النبي : يا فاطمة لك فدك ) أخرجه الحاكم في تاريخه وابن النجار .
أحببت التنويه إلى هذه المصادر . وعفواً للمداخلة .
* فكتب الفاطمي بتاريخ 5 - 4 - 2000 ، الثالثة والنصف صباحاً :
أخي العزيز سجاد سلمك الله تعالى . . وهل يعترفون ؟ ! نورد لهم من البخاري وغيره ولا يصدقون ، وأعتقد لو أن خير خلق الله صلى الله عليه وآله يخبرهم يوم القيامة إن فدكاً للزهراء سلام الله عليها ، فسوف يشككون به وبقوله وهل تعرف لماذا ؟ ! ويوم يعض الظالم على يديه . . .
السلام عليك يا بضعة المصطفى يا فاطمة الزهراء .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 307 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
* وكتب جاكون بتاريخ 5 - 4 - 2000 ، العاشرة ليلاً :
الصحيح عند أهل السنة : هو أنها جاءت تطلب إرثاً ، وغير ذلك ضعيف عقلاً ونقلاً ، لكن يبدو أنكم تقولون بالأعطية ، ولكي نقطع الشك باليقين هذا سؤال بسيط لكي نحدد موقف مذهبكم في القضية وإجابته كلمة واحدة لا تتعداها : هل كانت فدك هبة أم إرثاً ؟ ولكم الشكر مقدماً .
* وكتب أبو سمية بتاريخ 7 - 4 - 2000 ، الثانية عشرة ظهراً :
الصحيح عندكم وعندنا وكما أورده الأخوة المؤمنون أعلاه أنها عطية . ولكن الاستيلاء عليها بعد الاستيلاء على الخلافة ، لكي لا تكون مصدر تموين لثورة متوقعة ، جعلها تذهب إلى أبي بكر لتستردها وفعلاً استردتها منه ، ولكنها في طريق العودة لقيت عمر في الطريق فأخذ الكتاب منها وبصق فيه ثم مزقه ! ثم حصلت رواية تلك الرواية فهل نسيها أبو بكر قبلاً أم ماذا ؟ ! ( راجع نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج 16 ص 388 طبعة الأعلمي ) . .
والمعلوم أن أحكام أبي بكر كانت تخضع للضغوط . أليس هو القائل ( إن لي شيطاناً يعتريني . . ) الصواعق المحرقة : ص 7 . الإمامة والسياسة : ج 1 ص 6 نور الأبصار ص 53 . ولا ندري من شياطين الجن كان أم الانس !
نعم فاتني أن أذكر أنها لما استنفذت السبل في الحصول عليها ، طالبت بها كإرث فتذكر أبو بكر الحديث ! ثم حصل ما حصل . . وهذا ما أورده أخونا العاملي سدد الله تعالى خطاه من البداية . . راجع . . والسلام .
* وكتب الفاطمي بتاريخ 7 - 4 - 2000 ، الثانية عشرة والثلث ظهراً :
وهل كانت الزهراء عليها السلام صادقة في دعواها ، أم لا ؟ وما
هو موقف مذهبكم من دعواها ومطالبتها عليها السلام بفدك ؟ نريد جواباً ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 308 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
واترك عنك أسطوانتكم المشروحة ، ولا تطعنوا بها وبأبيها صلوات الله
وسلامه عليهما ، نريد جواباً . . . وهل تريد النقاش ؟ وهل تثبت ولا تهرب
كما فعلتها من قبل ؟
والرجاء أن تكفوا عن طعنكم في الزهراء عليها السلام ، لأن الله يغضب لأبيها ولها صلوات الله وسلامه عليهما ، ولن تفلحوا بعدها أبداً . والنصيحة اليوم ببلاش . . ويوم يعض الظالم على يديه . . .
السلام عليك يا بضعة المصطفى يا فاطمة الزهراء
* وكتب خالد 78 بتاريخ 7 - 4 - 2000 ، الثانية ظهراً :
لطالما تساءلت حين أقرأ القصص عن فدك وغيرها التي تمس أحد أطهر الخلق سيدة نساء العالمين في أغلب الروايات ، كيف حصلت سيدة نساء العالمين على هذا اللقب . . هل هو بنوتها للرسول الأعظم . . زواجها من رافع لواء الحمد . . أم صلاة وتقوى وحب لله وغيرها من صفات الأخيار . . لكننا لو قرأنا أغلب القصص التي تحكى عما حدث من خرافات . . فإنه لشئ يخجل منه أضعف الضعفاء ولا يرضى به العامة من المسلمين لأهلهم . ولو قرأنا أعدل وأخف الروايات فإن الإنسان يتساءل : لما كل هذا . . لما كل هذا الفرقة بين المسلمين والشتم والسباب ، من أجل أرض من أجل مال من أجل عرض دنيا . . هل هذه هي أخلاق الأنبياء وآل الأنبياء ؟
أطهر الخلق هل هذا ما تعلمته من مدرسة النبوة . . وعندما طلبت خادماً علمها أباها التسبيح وقسم العمل بينها بين زوجها وغيرها من التضحيات التي كان الرسول قدوتهم ، وكانوا هم قدوة الناس كيف هذه القدوة التي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 309 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أرض تسبب كل هذا . . هل هذا هو الإرث الذي يطالبون به ويفاخرون به الناس . . حاشاهم هم أطهر من ذلك وأنبل . . إن ما حصل لو حصل هو سوء تفاهم أو لنقل اختلاف في وجهات النظر وانتهى . لكن أبى المغرضون إلا أن يشقوا وحدة الأمة بمثل هذه وتلك الشبهات ، وهي فتن من عند الله حمانا الله منها أجمعين . أين هذا من مريم بنت عمران حين سألها زكريا . . . فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتاً حسناً وكفلها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاً قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب - آل عمران 37 . . مريم تربت بين يهود وانظر ماذا قالت .
الزهراء أحرى من أن تتوكل على الله ، فقد تربت في خير كنف هل كانت تريد ملكاً وسلطاناً وجاهاً ومالاً . هل كانت تخاف الفقر ، أو أرادت أن تضمن مستقبل أولادها مستحيل . . . حاشا لله من هذا الافتراء .
* فكتب الفاطمي بتاريخ 7 - 4 - 2000 ، الثانية والثلث ظهراً :
نريد منك موقفاً واضحاً يا خالد ، وبدون لف ودوران . . نريد الإجابة على هذا السؤال : هل كانت الزهراء عليها السلام صادقة في دعواها أم لا ؟ ؟ ؟ وما هو موقف مذهبكم من دعواها ومطالبتها عليها السلام بفدك ؟ والرجاء أن تكفوا عن طعنكم في الزهراء عليها السلام ، لأن الله يغضب لأبيها ولها صلوات الله وسلامه عليهما ولن تفلحوا بعدها أبداً .
والظاهر يا خالد لم تلتفت إلى السطرين الأخيرين . . فتنبه ودير بالك ! !
السلام عليك يا بضعة المصطفى يا فاطمة الزهراء .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 310 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
* وكتب خالد 78 بتاريخ 7 - 4 - 2000 ، الخامسة مساءً :
ما هذا ؟ إرهاب فكري ؟ !
يا أخي هذا المنتدى لطرح الأفكار و لتبادل الآراء . إنها وجهات نظر ، إن أعجبك أو لم يعجبك لا ترد ، لا أحد يستطيع أن يجبر أحداً على شئ . اعتبر أن هناك من يبحث عن أين الحقيقة وأين الواقع . اعتبرني جديد على هذه المواضيع فقرأ ما قرأ ثم استنتج ما استنتج من خلال مشاهدتي لمجريات الأمور ، فإن الرسول وصحابته خصوصاً أهل بيته هم قدوة ومحاسبون على كل عمل أمام الناس ، لأنهم يقتدون بهم ، فكنت دائماً أفكر ما الحكمة من تصرف الزهراء ، وما هو الدرس الذي نتعلمه ، وما هي القدوة هذا ما قصدته أعلاه . رأي أهل السنة الذي أنا من مقتنعيه أن السيدة الزهراء طيب الله ذكراها وعلى أبيها وعليها أفضل الصلوات والسلام ، ذهبت لتطالب بما رأت أنه حقها . الخليفة الأول مع حبه لبنت حبيبه رسول الله أكثر من نفسه إلا أنه رأى أن هذا ليس لها ، ولن ولن يحابي في دين الله أحداً .
إنه امتحان وفتنة ، فنجحت هي ونجح هو في الامتحان ، وسقط المغرضون في الفتنة . وانتهى الموضوع على هذا . وكل ما زيد على ذلك هو من خيالات المغرضين . . كلام عندي أقوله لوجه الله ، ولا أريد أن أدخل في تبادل صفحات من أحاديث من عندك لا أومن بها ، ولا أحاديث عندي أنت غير مؤمن بها والسلام .
* وكتب الفاطمي بتاريخ 7 - 4 - 2000 ، الثامنة مساءً :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 311 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أخينا خالد : السلام عليكم . . رد بسيط وموجز : قلتَ : لا أريد أن أدخل في تبادل صفحات من أحاديث من عندك لا أومن بها ، ولا أحاديث عندي أنت غير مؤمن بها .
أقول : ألا تؤمن بأحاديث الصحيحين ، والأحاديث الصحيحة من الكتب الأخرى إذا أوردناها لك ؟ وهل تقبل بالنقاش حول ما قلته أنت في ردك الأخير في صفحة مستقلة ؟ جواب فقط .
السلام عليك يا بضعة المصطفى يا فاطمة الزهراء .
* وكتب خالد 78 بتاريخ 7 - 4 - 2000 ، التاسعة مساءً :
أعتذر . لن أبدأ شيئاً أراه كل يوم بدون نهاية . تفسيرات بأسلوب وتأويلات عجيبة . قال التاريخ ما عنده ونحن جميعاً شهود ، كل على ما يرى وكل حسب تفكير عقله الذي وهبه إياه الله . وأنا أحترم وجهة نظرك وإيمانك القوي ودفاعك عن وجهة نظرك ، لكن لن أدخل في جدل عقيم . لقد أوفى العلماء هذه المواضيع حقها من النقاش .
أنا قلت فقط وجهة نظر باختصار وبساطة بعدما قرأت وشاهدت وسمعت مئات النقاشات ، وشكراً على لطفك . والسلام .
* وكتب جاكون بتاريخ 7 - 4 - 2000 ، الحادية عشرة ليلاً :
الحق أن الشيعة يثيرون قضية فدك من أجل الإثارة فقط ، فهم طوال التاريخ يريدون أن يثبتوا رأيهم بأكثر كمّ من الأدلة وإن كانت متعارضة وغير منطقية . ولقد ذكر الحلي في منهاج الكرامة أدلة الهبة والإرث معاً فقد ذكر ( ومنع أبو بكر فاطمة إرثها ، فقالت : يا ابن أبي قحافة أترث أباك ولا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 312 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أرث أبي . . ( منهاج السنة 2 / 223 ) ثم ذكر ( أن أباها رسول الله وهبها فدك ! ! ) فرد ابن تيمية ( إن ما ذكر من ادعاء فاطمة فدك فإن هذا يناقض كونه ميراثاً لها ، فإن كان طلبها بطريق الإرث امتنع أن يكون بطريق الهبة ، وإن كان بطريق الهبة امتنع أن يكون بطريق الإرث . ( منهاج السنة 2 / 236 ) . ومثل هذا الكلام يعيده الشيعة إلى عصرنا هذا ، وفي هذا المنتدى مما يحير العقول فعلاً ؟ ؟ فأين الرابط بين الاثنين ؟ فأدلة الإرث النقلية والعقلية لم تذكر ولم تنقل شيئاً عن الهبة . وأدلة الهبة العقلية والنقلية إن صحت لم تذكر الإرث ! وأنا أعيد السؤال ذاته . . هل فدك إرث أم هبة ؟ هل من مجيب ؟
* وكتب أبو سمية بتاريخ 8 - 4 - 2000 ، الواحدة ظهراً :
السلام عليكم . . يا أخ خالد ( قل من حرم زينة الله . . . ) هذا فيما يخص قولك بأن هذا من عرض الدنيا . فهل سكوتها عن حقها يجعلها عابدة و . . . وإذا طالبت به يكون عرض الحياة الدنياً . .
ثم قولك : أنها رأت حقها فذلك يكون تكذيباً لحديث الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله حول رضاه من رضاها وبالتالي من رضا الله تعالى . راجع ذلك في مصادركم . . فتكون القضية تابعة إلى الهوى العياذ بالله .
أما القول بأنها مجرد إثارة . . فهذا غير صحيح لأننا بصدد بحث صلاحية أناس لتولي أمر المسلمين أم لا . . ثم الارهاب الذي عومل به الآل عليهم صلوات الله تعالى . . على كل حال الدليل على أنها هبة . .
الآيات التي أوردت أعلاه ( وآت ذا القربى . . ) ولو لم تصادر لم تأت لتطالب بها فهذا لا يعقل . . ولو كانت المسألة مسألة أموال فهي فداك وفدى أبي بكر وغيره ! ولكن المسألة مسألة حق صغيراً أو كبيراً . . فاطمة سلام الله
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 313 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
تعالى عليها أم غيرها . ولو كان ذلك لعائشة ، أي حقها لدافع نا عنه . . والله
تعالى من وراء القصد .
* *
* وكتب المدعو جاكون في الموسوعة الشيعية ، بتاريخ 7 - 2 - 2000 ، الخامسة والنصف صباحاً ، موضوعاً بعنوان ( فدك بين رأيين ) ، قال فيه :
اختلف الشيعة في طلب فاطمة ميراثها من النبي ( ص ) إلى أبي بكر .
الرأي الأول : فدك هي إرث من النبي لفاطمة ، وهنا فالخبر متواتر عن الرسول وواضح في عدم توريث الأنبياء . 1 - أنا لا نورث ما تركنا صدقه 2 - ما تركنا صدقة . 3 - ما تركنا فهو صدقة . 4 - إنا معاشر الأنبياء لا نورث . فوجَدَت فاطمة عليها السلام لأنها استدلت بالعموم في قوله تعالى ( يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين ) وغير ذلك ، إلا أن الصديق رضي الله عنه استدل بخصوص حالتها رضي الله عنها وأرضاها .
وأهل السنة في هذه المسألة لا يبحثون عن عذر لأبي بكر ، وإنما يبحثون عن عذر لفاطمة ، لأن الحديث صحيح متواتر رواه كل من : 1 - أبو بكر . 2 - عمر . 3 - عثمان . 4 - علي . 5 - العباس . 6 - عبد الرحمن بن عوف . 7 - سعد بن أبي وقاص . 8 - الزبير بن العوام . ( البخاري - كتاب الخمس - باب فرض الخمس وأيضاً مسلم - كتاب الجهاد والسير ) .
وقالوا غضبت على أبي بكر . . قلنا ما يضر أبا بكر إن غضبت عليه فاطمة إن كان الله رضي عنه ، فقد قال الله تعالى ( لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة ) فمن رضي الله عنه ورضي عنه الرسول لا يضره غضب من غضب !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 314 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الرأي الثاني : هبة من الرسول صلى الله عليه وسلم لفاطمة . وهو القول أنها هبه وهديه من النبي وهبها وأهداها لفاطمة يوم خيبر . فهذا غير صحيح بل الصحيح أن فاطمة طلبت فدك من باب الإرث لا من باب الهبة . إن بشير بن سعد لما جاء إلى النبي ( ص ) فقال : يا رسول الله إني قد وهبت ابني حديقة وأريد أن أشهدك . فقال النبي : أكل أبنائك أعطيت ؟ قال : لا . فقال : اذهب فإني لا أشهد على جور . ( رواه مسلم - كتاب الهبات رقم 14 ) . فسماه جوراً ذلك أن يفضل بعض الأولاد على بعض . فهذا النبي الكريم الذي لا يشهد على جور هل يفعل الجور أبداً ، صلوات الله وسلامه عليه بل نحن ننزه الرسول صلى الله عليه وسلم وفاطمة كما يدعون وهبها فدك في أول السنة السابعة وزينب بنت الرسول ( ص ) توفيت في السنة الثامنة وأم كلثوم بنت النبي ( ص ) في التاسعة ( سير أعلام النبلاء ) وعلى الأمرين فالقول ساقط . . لا إرث ولا هبة . فلو فرضنا أن فدك لفاطمة على أي من القولين فإلى من تذهب فدك بعد موتها ؟ ! فعلى مذهب الشيعة لا ترث ، فلو كانت فدك إرثاً فما كان لفاطمة منها شئ لأنها عقار ( فروع الكافي 7 / 129 ) .
أما عندنا . . فتذهب إلى الورثة لعلي الربع وللحسن والحسين وزينب وأم كلثوم الباقي ( للذكر مثل حظ الأنثيين ) ولما استخلف علي ( ره ) لم يعط فدك لأولاده . فهل كان الخلفاء الأربعة ظالمين ؟ لا . . فنحن ننزههم جميعاً .
ويروون أنها لما منعت فدك ذهبت إلى قبر أبيها تشتكيه ، وهذا غير صحيح ولا يليق بها . . . ونحن نجل فاطمة ونقول أنها لا تشكو بثها وحزنها إلا إلى الله ، كما قال النبي يعقوب عليه الصلاة والسلام ( إنما أشكو بثي وحزني إلى الله ) . والسلام عليكم ورحمة الله . اللهم صل على محمد وآل محمد .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 315 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
* فكتب الفاطمي بتاريخ 9 - 2 - 2000 ، الخامسة صباحاً :
الناصبي جاكون : قلت : ففاطمة عليها السلام لما قبلت منه هذا العذر حاول أهل السنة أن يبحثوا عذراً لفاطمة .
أقول : من أين أتيت بقولك هذا ( لما قبلت منه هذا العذر ) ؟ ! هل لديك مصدر صحيح ولو من كتبكم ؟ وهل استمرت الكذب على سيدة نساء أهل الجنة يا ناصبي ؟ ! وهل قبولها عذره بغضبها عليه ومهاجرتها له حتى وفاتها ؟ ! وهل من مصاديق قبولها عذره أن تطلب سلام الله عليها أن تدفن ليلاً وأن لا يصلي عليها ؟ ! وهل تحاولون أن تجدوا العذر لسيدة نساء أهل الجنة سلام الله عليها ؟ !
باب 61 : قال رسول الله ( ص ) ( فاطمة سيدة نساء أهل الجنة ) رواه البخاري الجزء الخامس ص 96 كتاب فضائل أصحاب النبي طبعة دار القلم .
قلت : وقالوا غضبت على أبي بكر قلنا ما يضر أبا بكر إن غضبت عليه فاطمة إن كان الله رضي عنه .
أقول : وهل يضره إذا غضب عليه رسول الله صلى الله عليه وآله ، أم لا ؟ ممكن جواب ؟ !
قلت : وهو القول أنها هبة وهدية من النبي صلى الله عليه وسلم وهبها وأهداها لفاطمة يوم خيبر . فهذا غير صحيح . بل الصحيح أن فاطمة طلبت فدك من باب الإرث لا من باب الهبة .
أقول : وروى البخاري عن أم المؤمنين عائشة أنها قالت : أن فاطمة
والعباس عليهما السلام أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما من رسول الله صلى الله
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 316 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عليه ( وآله ) وسلم . ( وهما يطلبان أرضهما من فدك وسهمهما من خيبر ) كتاب الفرائض ، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم لا نورث ما تركناه صدقة ، ج 8 ، ص 551 . فهل تستطيع أن تقرأ ( وهما يطلبان أرضهما من فدك وسهمهما من خيبر ) . فكيف يطلبان ما ليس لهما ؟ فمصداقاً لهذه الرواية من البخاري ، ومن قول أم المؤمنين عائشة إن الرسول صلى الله عليه وآله أعطاها فدك أي ملَّكها فدك . فهل تريد يا جاكون أن تكذب هذه الرواية ؟
قلت يا جاكون : فعلى مذهب الشيعة لا ترث ، فلو كانت فدك إرثاً فما كان لفاطمة منها شئ لأنها عقار ( فروع الكافي 7 / 129 ) .
أقول : يا لفاروق وبعدين تزعل إذا قلنا جاكون الكذاب ، ومن قال من الشيعة إن فاطمة الزهراء سلام الله عليها لا ترث ؟ ! وهل تقصد روايات الكليني عن المرأة ؟ إذن إقرأ ما معنى المرأة بالميراث ، وهل تعني ( المرأة ) غير الزوجة ؟
قال المجلسي في مرآة العقول ( شرح الكافي ) ، باب أن النساء لا يرثن من العقار شيئاً . كتاب المواريث ج 23 ، ص 187 . وقال في المسالك : اتفق علماؤنا إلا ابن جنيد على حرمان ( الزوجة ) في الجملة من أعيان التركة . وقال المجلسي في ص 188 : وأما من يحرم من ( الزوجات ) فاختلف فيه أيضاً ) . فهل عرفت معنى والمقصد من كلمة المرأة في المواريث ؟ ! ففاطمة الزهراء عليها السلام بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وليست امرأته ، فلا ينطبق عليها هذا الحكم لأنه مخصص للمرأة ، والتي هي الزوجة يا ناصبي . ولكي تفهم المقصود من كلمة ( المرأة ) في المواريث راجع
صحيح البخاري ، كتاب الفرائض ، فقد أفرد البخاري باب أسماه ( ميراث
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 317 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
المرأة والزوج مع الولد وغيره ) ج 8 ، ص 556 ، ط / دار القلم . وأفرد باباً آخر أسماه ( ميراث البنات ) ج 8 ، ص 554 ، ط / دار القلم . وإذا كان المقصود من كلمة المرأة هو البنت . . . فلماذا أفرد البخاري باب أسماه ميراث البنات ؟ !
وراجع فتح الباري . كتاب الفرائض / باب 11 ح 6740 ص 30 ج 12 طبع دار السلام ، الرياض ولنا عودة يا جاكون . . .
وإلى الفقيه : الرد جاهز وتنقصني إحدى المصادر ، وإن شاء الله سوف ترى الرد الليلة بحول منه . السلام عليك يا بضعة المصطفى يا فاطمة الزهراء .
* وكتب الفاطمي بتاريخ 10 - 2 - 2000 ، التاسعة مساءً :
أين أنت يا ناصبي ؟ ؟ ولماذا تنشر افتراءاتك بخصوص الزهراء سلام الله عليها ثم تتهرب من النقاش ؟ لولا أنك تريد فقط الطعن بها سلام الله عليها ! ولنرى يوم الحشر عندما ينادي المنادي ( يا أهل المحشر غضوا أبصاركم ) وتكون الزهراء وأبوها صلوات الله وسلامه عليهما خصيمك . وعندها سوف تعرف هل نفعتك افتراءاتك على الزهراء سلام الله عليها !
ويوم يعض الظالم على يديه .
السلام عليك يا بضعة المصطفى يا فاطمة الزهراء .
* *
* وكتب فرات شبكة الموسوعة الشيعية في 5 - 2 - 2000 ، السادسة مساءً ، موضوعاً بعنوان ( فدك هل هي ميراث أم نحلة ؟ ) ، قال فيه :
عندما نقرأ التأريخ نجد أن الخليفة الأول منع فاطمة من فدك وضمها إلى
أموال المسلمين وادعى أن رسول الله قال : نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 318 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
تركناه صدقة . ولكن الذي نسوه أن فدك لم تكن حقاً للزهراء عليها السلام بعد وفاة أبيها حتى يقال ذلك ، بل أعطاها إياها في حياته كما هو معلوم عند الشيعة ، وكما أخرجه : السيوطي في الدر المنثور في تفسير قوله تعالى ( وآت ذا القربى حقه ) في سورة الإسراء . قال : وأخرج البزار وأبو يعلى وأبن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال : لما نزلت هذه الآية دعا رسول الله فاطمة فأعطاها فدكاً . وقال : أخرج أبن مردويه عن ابن عباس قال : لما نزلت : وآت ذا القربى ، أقطع رسول فاطمة سلام الله عليها فدكاً . كما أخرجه الهيثمي في مجمعه ( ج 7 ص 49 ) قال عن أبي سعيد : قال : لما نزلت ( وآت ذي القربى حقه ) دعا رسول الله فاطمة عليها السلام فأعطاها فدكاً . والذهبي في ميزان الاعتدال ج 2 ص 228 وصححه . وكذلك أخرجه المتقي الهندي في كنز العمال ج 2 ص 158 عن أبي سعيد . والطبري في تاريخه ، والحاكم في تاريخه وابن النجار . فالصحيح هذا بعد أن بينّا أنه أصبح حقاً لها أثناء حياته صلى الله عليه وآله .
* وكتب المعتز بالله بتاريخ 6 - 2 - 2000 ، الخامسة مساءً :
الأخ الفاضل فرات ، السلام عليكم . .
عجباً لكم أيها الشيعة . فقط سمعنا الكثير من كتابكم يؤكدون على أنها ميراث ويستدلون لذلك بروايات شيعية من عندكم تؤكد أن الزهراء ادعت ميراثها من رسول الله صلى الله عليه وآله واستشهدت بقوله تعالى : ( وورث سليمان داود ) وهذا هو الذي حدا بالصديق أن يقول لها : نحن معاشر الأنبياء لا نورث . ثم تأتي وتقول أنها نحلة . فما الذي عدا مما بدا ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 319 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
* فكتب عمار بتاريخ 6 - 2 - 2000 ، الثامنة مساءً :
بل عجباً منك تطعن بالقرآن وبالصديقة الطاهرة سيدة نساء العالمين وعلي سلام الله عليه والعباس ، وتتمسك بمقولة أبي بكر الذي قال إن له شيطاناً يعتريه ! أم تنكر أنهم طلبوا حقهم ومنعوا منه ؟ !
* وكتب الموسوي بتاريخ 6 - 2 - 2000 ، الحادية عشرة ليلاً :
الزميل المعتز بالله . . هذا مقطع من ردي على الزميلين محمد إبراهيم وعبد الله الحوت فيه إجابة على كلامكم :
إن مطالبة الزهراء ( ع ) لحقها في فدك كانت على ثلاثة مراحل ، وعندما كان الخليفة أبو بكر يرفض دعواها في المرحلة الأولى فإنها كانت تنتقل إلى المرحلة التي بعدها ، وهذا أسلوب شائع في المطالبة بالحق .
يقول ابن أبي الحديد المعتزلي في شرحه لنهج البلاغة ج 16 ص 230 : ( واعلم أن الناس يظنون أن نزاع فاطمة أبا بكر كان في أمرين : الميراث والنحلة ، وقد وجدت في الحديث أنها نازعت في أمر ثالث ، ومنعها أبو بكر إياه ، وهو سهم ذوي القربى ) . انتهى .
وتقريباً للفكرة ، لو أن الأب خص أحد ابنيه بأحد أملاكه قبل الوفاة ، ثم بعد وفاته استولى أخوه على هذا الملك وتصرف فيه تصرف الملاك ، فإن الابن الموهوب إليه سيسعى إلى إثبات أحقيته في الملك ، وإذا رفض القاضي دعواه فإنه سينتقل إلى المطالبة بحقه كشريك في الإرث ، ومطالبته بالإرث لا تعني منه إقراراً بأن الملك ليس له ، ولكنه محاولة لاستنقاذ أي حق له في هذا المال . والغرض من إثارة هذه النقطة هو دفع توهم قد يعلق ببعض الأذهان
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 320 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
من أن الزهراء ( ع ) إذا كانت تعتقد أن فدك قد نحلها النبي ( ص ) في حياته
فلم طالبت به من باب الإرث بعد وفاته . وللمزيد يمكنك الرجوع إلى الوصلة التالية :
http : / / shialink . org / muntada / Forum 2 / HTML / 001532 . html
* وكتب فرات بتاريخ 7 - 2 - 2000 ، الرابعة عصراً :
الأخ الفاضل المعتز بالله . . السلام عليكم . .
إن قراءة النصوص قراءة مبتورة توجب الوقوع في كثير من الأرائك . فلو كنت قد تتبعت لوجدت إن الزهراء عليها السلام كانت تقول : ( وزعمتم أن لا حظوة لي ولا إرث من أبي ولا رحم بيننا ) . وهذه العبارة تدل على أن من غصب فدكاً أدعى أنها ميراث وأخرجها من يد الوارث بدعوى أن الأنبياء لا يورثون وما تركوه صدقة . . فالزهراء عليها السلام إذ تحتج بآيات الميراث ، إنما ترد إدعاءاتهم بنفي التوارث بينها وبين أبيها صلى الله عليه وآله الرد إذن على ادعائهم لا استشهاداً لما تدعيه صلوات الله عليها .
ثم إن قولها عليها السلام : ( زعمتم أن لا حظوة لي ) هو الذي تريد أن تستدل به على مدعاها صلوات الله عليها من النحلة . ومن ثم باستدلالها على ثبوت الميراث بينها وبين الرسول تكون قد أسقطت حجة أبي بكر وأثبتت استحقاقها فدكاً ، سواء كانت نحلة أو ميراثا ً . وقد اضطر أبو بكر مع حجة الزهراء إلى التلميح بالقوة إذ قال : ( هؤلاء المسلمون بيني وبينك ، قلدوني ما تقلدت وباتفاق منهم أخذت ما أخذت ) . الاحتجاج : 1 / 278 .
وشكراً للأخ الموسوي على تعليقه ، وسوف أبعث لك أخي الكريم رسالة جوابية إنشاء الله . وشكري إلى الأخ عمار .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 321 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
* وكتب علي القاضي بتاريخ 9 - 2 - 2000 ، الخامسة مساءً :
الأخ المعتز بالله السلام عليكم . . إن فدكاً كانت نحلة وهكذا طالبت بها فاطمة عليها السلام ولم يصدقها أبو بكر في ذلك ، كما يذكر الفخر الرازي في تفسيره . فلما مات رسول الله صلى الله عليه وآله ادعت فاطمة أنه كان ينحلها فدكاً ، فقال لها أبو بكر : أنت أعز الناس علي فقراً وأحبهم إلي غنى لكني لا أعرف صحة قولك فلا يجوز أن أحكم لك ) ج 8 / 125 مفاتيح الغيب . لا يصدق الزهراء سلام الله عليها ؟ ! عجباً لذلك ! ! وقد قال رسول الله لعلي ( وأوتيت زوجة صديقة مثل ابنتي ) الرياض النظرة : 2 / 202 . وأن عائشة كلما ذكرتها فاطمة قالت : ( ما رأيت أحداً كان أصدق لهجة منها ، إلا أن يكون الذي والدها ) المستدرك : 3 / 16 والاستيعاب : 2 / 751 وحلية الأولياء : 2 / 41 هل أن سيدة نساء العالمين وأفضلهن بنص النبي كما يذكر البخاري . . تكذب في أمور دنيوية لا قيمة لها ؟ ! !
* *
* وكتب عنتر في شبكة منتدى الإصلاح بتاريخ 6 - 5 - 2001 ، الثالثة صباحاً ، موضوعاً بعنوان ( لماذا ورثت الحميراء ، ولم ترث سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء ( ع ) ؟ ! ! سؤال غير محرج ! ! ) ، قال فيه :
هذه الفقرة من أحد المواضيع في شبكة هجر للأخ المحمدي : ( يروى أنه بينما كان أبو حنيفة بين جمع غفير يملي عليهم من فقهه وحديثه إذ مر عليه ( فضال بن الحسن الكوفي ) مع صاحب له فقال فضال لصاحبه : والله لا أبرح هذا المكان حتى أُخجل أبا حنيفة . فقال له صاحبه : إن أبا حنيفة ممن قد علت حاله وظهرت حجته ، فقال له فضال : هل رأيت حجة علت على
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 322 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
حجة مؤمن ؟ ؟ ثم دنا من أبي حنيفة فسلم عليه فرد عليه السلام ورد القوم ، فقال : يا أبا حنيفة إن أخاً لي يقول إن خير الناس بعد رسول الله ( ص ) علي بن أبي طالب ، وأنا أقول أبو بكر خير الناس وبعده عمر ، فما تقول أنت ؟ فأطرق ملياً ثم رفع رأسه فقال : كفى بمكانهما من رسول الله ( ص ) كرماً وفخراً ، أما علمت أنهما ضجيعاه في قبره فأي حجة تريد أن أوضح من هذا ؟ فقال له : إني قد قلت ذلك لأخي فقال : والله لئن كان المكان لرسول الله ( ص ) فقد ظلما بدفنهما في موضع ليس لهما بحق ، وإن كان الموضع لهما فوهباه لرسول الله ( ص ) فقد أساءا وما أحسنا إذ رجعا في هبتهما ونسيا عهدهما .
فأطرق أبو حنيفة ساعة ثم قال له : لم يكن له ولا لهما خاصة ، ولكنهما نظرا في حق عائشة وحفصة فاستحقا الدفن في ذلك الموضع بحقوق ابنتيهما .
فقال فضال : قد قلت له ذلك فقال : أنت تعلم أن النبي ( ص ) مات عن تسع نساء ونظرنا فكان لكل واحدة منهن تسع الثمن ، ثم نظرنا في تسع الثمن فإذا هو شبر في شبر ، فكيف يستحق الرجلان أكثر من ذلك ؟ . . . فما بال عائشة وحفصة ترثان رسول الله ( ص ) وفاطمة ابنته تمنع الميراث ؟ !
فقال أبو حنيفة : يا قوم نحوه عني فإنه رافضي خبيث !
* وكتب عدو المشركين بتاريخ 6 - 5 - 2001 ، الرابعة صباحاً :
ذهبنا إلى موقع هجر فوجدنا هذا السؤال ( هل بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وآله هي بيوت الرسول نفسه من ممتلكاته بعد وفاته ؟
* فكتب عنتر بتاريخ 6 - 5 - 2001 ، الرابعة والربع صباحاً :
ماذا تعتقد أنت ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 323 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
* وكتب عدو المشركين بتاريخ 6 - 5 - 2001 ، السابعة صباحاً :
اعتقد أن " عبلة " لن تقبل بجبان لا يعرف الجواب مثلك .
* فكتب عنتر بتاريخ 7 - 5 - 2001 ، الثالثة والنصف صباحاً :
أن عبلة ليس لها دخل هنا ، بل هي الحميراء هي لب الموضوع ! ! وأتمنى يا محب الحسين عليه السلام أن تواصل الموضوع هنا مع الأخ سيد علي و حالم وغيرهم هنا : http : / / forum . hajr . org / showthread . php 3 ? threadid = 19015
* وكتب عدو المشركين بتاريخ 7 - 5 - 2001 ، الرابعة والنصف صباحاً :
تقول الحميراء ولا تقول أم المؤمنين أتدري لماذا ؟ ! لأنك لست مؤمناً !
سماها الله وسمى أزواج رسول الله بأمهات المؤمنين ، وأنت تقول حميراء يعني حميراء ، ولا تستحق أن تكون أم المؤمنين حتى لو سماها الله بذلك !
* وكتب عنتر بتاريخ 8 - 5 - 2001 ، الثالثة والنصف صباحاًَ :
يا عدو الله وعدو المؤمنين ، إن لقب الحميراء ليس أنا أو أنت الذي لقبها بذلك ، فالله عز وجل هو أيضاً لقبها بذلك ، لأن الرسول صلى الله عليه وآله لا ينطق عن الهوى ، فإن ذلك من عند الله ! !
أفهمت يا أنت ، فنحن الذين يلتزمون بالكتاب الحكيم والسنة النبوية المطهرة التي لا يشوبها أفكار الأحبار مثل كعب الأحبار وغيرهم ، وأما أنتم فدعكم في جهلكم وتغاضي كم عن الحقيقة المرة التي لا تستطيعون أن تنقضوها .
* قال العاملي : هذا نموذج من تربهم من الأجوبة في هذا الموضوع !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 324 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

العالم الوهابي جاكون يحاول التزوير !

* كتب المدعو جاكون في شبكة الموسوعة الشيعية ، بتاريخ 29 - 1 - 2000 ، السادسة مساءً ، موضوعاً بعنوان ( أكذوبة الخلاف بين السيدة فاطمة والخليفة الأول أبي بكر ) ، قال فيه :
وقع في كتب الصحيحين والسنن ، ما روي عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري : أن فاطمة عليها السلام وجدت على أبي بكر رضي الله عنه ، لما أبى أن يقسم ما تركه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مستدلاً عليها بقوله صلوات الله وسلامه عليه : " نحن معشر الأنبياء لا نورث ، ما تركناه صدقة " . وذكرت بعض الروايات أن فاطمة غضبت ولم تزل مهاجرته ، حتى توفيت بعد ستة أشهر . ولقد تعرضت ألفاظ هذه الرواية التي انفرد بروايتها محمد بن مسلم ، وهو ثقة من صغار التابعين إلى تفسيرات وتأويلات ينزه عنها الرعيل الأول من هذه الأمة ، وزاد الأمر سوء أن الرواية وردت بالمعنى : وهنا قد يقصر التعبير بالمعنى عن المراد حقيقة . وما أكثر الأمثلة على لذلك حتى في كلام البلغاء من الرجال ! !
وفي هذه المقالة محاولة نقد وتفنيد لذلك الخبر ، لعل من خلالها أن تتضح الرؤية ويزول اشكال طالما أفاد من وجوده أعداء الاسلام لبسوا لبوسه حيناً ، وأسفروا عن ضغائن نفوسهم أحياناً ؟ ؟
أولاً : اختلاف الروايات : ورد هذا الخبر في كل من البخاري في كتاب الخمس والمغازي وفضائل الصحابة والاعتصام والفرائض . وفي مسلم في كتاب الخراج . والترمذي والنسائي في قسم الفئ . وأحمد في الجزء الأول
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 325 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والثاني في مسنده . وابن سعد في الجزء الثاني من طبقاته . والمروزي في مسند أبي بكر . واستقصى الامام ابن كثير في البداية والنهاية في الجزء الخامس منه ص 285 و 291 طرق هذا الخبر وألفاظه ، وأجاب بما يزيل اللبس ويقضي على الاشكال .
والملاحظ أن مدار الاسناد في هذا الخبر هو محمد بن مسلم . وهو من هو ثقة وفقيه ، غير أنه من صغار التابعين وقوله في الخبر " فغضبت فاطمة أو وجدت فاطمة على أبي بكر " . إنما هو مجرد ظن منه حيث استنبط من عدم تكلمها أنها غضبت أو وجدت على الصديق . والاختلاف في الألفاظ لعله من تلاميذ الزهري الذي روى كل منهم ما سمعه من شيخه بمعناه ، فوقع الاختلاف فيه ما يشبه الاضطراب . أما رواية أبي الطفيل في مسند أحمد وسنن أبي داوود فليس في طرقها ابن شهاب .
ثانياً : مسأله الغضب والوجد : قبل كل شئ : إن وقوع الغضب والهجران ليس منقصة ما دام لم يتعدّ حدوده وزمنه وأسبابه . فهذه أخلاق في طبيعة الانسان ، لا يمكن أن ينعزل عنها أحد بأي حال حتى الرسل عليهم الصلاة والسلام . فقد غضب الرسول ( ص ) على أسامة حِبّه ، حينما تشفع في حد من حدود الله . كذلك هجر إحدى أمهات المؤمنين شهوراً حينما عيرت أخرى باليهودية . وقد قال لعلي وقد تغير لونه مرة : يا أبا الحسن إياك وغضب فاطمة . فإنّ الملائكة تغضب لغضبها وترضى لرضاها . بل إن من شمائل المصطفى ( ص ) : أن يغضب لله تعالى ويرضى لرضاه . والنبي ذو العزم موسى عليه السلام ، قال الله حكاية عنه ( فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفاً ) وغضبه كذلك على الرجل الصالح واضح في سورة الكهف .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 326 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وصحابة رسول الله ( ص ) ليسوا معصومين من هذه الخلال الانسانية ، وهم مدرسه للانسانية بكل كمالاتها وظروفها .
ثالثاً : على من غضبت فاطمة : على أن فاطمة عليها السلام غضبت وهذا كما ذكر ليس منقصة بحقها ولا بحق من غضبت عليه . فلا يحق أن نسأل على من غضبت فاطمة ؟ : الحق أن الروايات كلها لم تذكر أنها غضبت عليه ، أي أبي بكر . ولم تحدد على من كان الغضب غير أبي بكر ولكن جاء في بعض الروايات لفظ " وجدت على أبي بكر " فالغضب على أغلب الظن ليس هو الوجد بعينه ، فلقد ذكر صاحب تاج العروس للوجد معاني خمس : العلم ، الإصابة ، الغضب ، الايسار وهو الاستغناء ، والاهتمام وهو الحزن . إذن هل غضبت على نفسها ؟ الأرجح أن يكون الأمر كذلك . ويؤكد هذا الرأي المحدث الكنكوهي في تعليقه على الجامع الصحيح : 2 / 500 : يقول : قوله : " فغضبت فاطمة . . وهذا ظن من الراوي " . حيث استنبط من عدم تكليمها إياه أنها غضبت عليه مع أنها كانت نادمة فيما بدرت إليه . وكان عدم التكلم لأجل الندامة ، أو المعنى : التكلم في هذا الباب . أو المعنى : أنها غضبت على نفسها . حيث ذهبت إلى الخليفة تطلب شيئاً من الدنيا مع أنه رضي الله عنه ، كان باراً راشداً غير مظلوم .
رابعاً : الهجران : أول ما ينبغي أن يقرر هنا : أن الهجر من فاطمة عليها السلام لشخص الصديق رضي الله عنه لم يقع أصلاً . ولكن الذي حدث ، أن ورود لفظ الهجر في قول الزهري ألبس الأمر ما لبس ، فظن الظانون أن الهجران إنما كان لشخص الصديق . فذهبوا يبررون ويتأولون . ورغم ما علموا أنه لم تنقل رواية تفيد أنهما تلاقيا فأعرض أحدهما عن الآخر ، فقد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 327 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فسروا لفظ الهجران بالانقباض ، وهو ما لا يليق بسيده نساء العالمين . وابنه سيد الأولين والآخرين . ويبقى السؤال : لأي شئ إذن كان الهجر ؟ ويأتي الجواب من نفس تلك الروايات التي رددت لفظ الهجر ، وأنه انما كان لطلب الميراث ، وليس لشخص أبي بكر رضي الله عنه . أي أنها هجرت الكلام من مسأله الميراث . حتى لحقت أبيها ( ص ) . قال الحافظ ابن حجر ( قوله : فلم تزل مهاجرته ) . وفي رواية معمر : " فهجرته فاطمة فلم تكلمه حتى ماتت " . ووقع عند عمر بن شبه من وجه آخر عن معمر " فلم تكلمه في ذلك المال " وكذا نقل الترمذي عن بعض مشايخه : أن معنى قول فاطمة لأبي بكر وعمر " لا أكلمكما " . أي في هذا الميراث . ثم كم بقيت الزهراء على قيد الحياة بعد وفاة رسول الله ( ص ) ، لم تكلم خلاله الصديق حتى يسمى ذلك هجرًا ؟ ذكرت الروايات : أن الزهراء ، توفيت في الثالث من رمضان . أي أنها لم تعش ستة أشهر بعد أبيها . . وهذه الفترة لا يمكن تسميه عدم التلاقي فيها بين شخصين هجراناً وبخاصة بحق من كان في مثل وضع الزهراء فهي :
أولاً : ملتزم بشرع الاسلام الذي جاء به أبوها . وفيه أمرهن - أهل البيت - بالقرار في بيوتهن .
ثانياً : أن أبا بكر رضي الله عنه ليس محرماً لها ، حتى يجتمع بها وتجتمع به في كل حال . .
ثالثاً : شغلت عن كل شئ بحزنها لفقدها أكرم الخلق ، وهي مصيبة تزري بكل المصائب .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 328 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
رابعاً : شغلت بمرضها الذي ألزمها الفراش عن أي مشاركة في أي شأن من الشؤون ، فضلاً عن لقاء خليفة المسلمين ، المشغول لكل لحظه من لحظاته بشؤون الأمة وحروب الردة وغيرها .
خامساً : لقد كانت تعلم بقرب لحوقها بأبيها ، ومن كان في مثل علمها ، لا يخطر بباله أمور الدنيا . وقد قال قوم إنما كان هجرها انقباضاً عن لقائه ، وليس من الهجران المحرم ، وإنما المحرم من ذلك أن يلتقيا فلا يسلم أحدهما على صاحبه . لكن هذا لا يستساغ منها وهي من هي في حرصها على تعاليم الاسلام وسنة أبيها ووصيته ورضاه . ثم هل يتصور من فاطمة عليها السلام أن تهجر حتى ذلك الهجر المباح في تقديرهم أحب خلق الله إلى رسول الله وأقربهم إليه ، وهي تعلم يقيناً أن من وصاياه أن يحسن المرء إلى صحابة أبيه ؟ وحمل ما ورد في الحديث من لفظ الهجر بالانقباض إنما هو مجرد تكلف لا مبرر له . وأما ما أورده صاحب العمدة نقلاً عن كتاب الخمس لأبي حفص بن شاهين عن الشعبي : أن أبا بكر قال لفاطمة : " يا بنت رسول الله ( ص ) ما خير عيش حياة أعيشها وأنت علي ساخطة ؟ فإن كان عندك من رسول الله في ذلك عهد فأنت الصادقة المصدقة المأمونة على ما قلت . قال : فما قام أبو بكر إلا رضيت ورضي " . فهذا الخبر على فرض صحته وهو ليس كذلك فيمكن حمله على أن الصديق بسبب مزيد حرصه على رضا فاطمة ومودتها وملاحظته حزنها ، أراد أن يزيل من نفسها ما علق بها حول تركه رسول الله ( ص ) فيكون قوله : أنت علي ساخطة من باب المعاتبة والوداد لا من باب تقرير الواقع . ويؤيد هذا التوجيه ما جاء في آخر الخبر المذكور من قوله : " فرضيت ورضي " . والمعلوم أن أبا بكر لم يغضب عليها ولم يقل ذلك
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 329 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أحد الرواة . ثبت كذلك أن أبا بكر زارها في بيتها فأذنت له ، وتكلمت معه حتى رضيت ، ولم يقل أحد أن هذا الرضى أعقب عدم رضا منها نحو الصديق . . . إلى آخر ما سيأتي في ردود السيد الفاطمي .
* فكتب الأشتر بتاريخ 29 - 1 - 2000 ، السابعة صباحاً :
ولأي الأمور تدفن ليلاً . . . بضعة المصطفى ويعفى ثراها ؟ !
والسلام على من اتبع الهدى .
* وكتب أبو حسين بتاريخ 29 - 1 - 2000 ، التاسعة صباحاً :
يقول المثل : حدَّث العاقل بما لا يُعقَل ، فإن صدَّق فلا عقل له . ويقول أمير المؤمنين علي عليه السلام : حاججني العالم فغلبته ، وحاججني الجاهل فغلبني . فماذا عساني أن أقول لك وأنت ببحثك الواهي هذا أخجلت الجهل والسذاجة . لماذا لم يؤول تأويلاتك هذه البخاري نفسه ، أم تراك أنت أحرص على الدين منه ، وقد دان بدينه ثلاثة أرباع هذه الأمة ! على كل حال لا أريد أن أطبل الكلام معك فقد عرَّفتني وزنك وأنت أجبت عن نفسك من حيث لا تدري عندما قلت العبارة التالية : ( لقد كانت تعلم بقرب لحوقها بأبيها . . ومن كان في مثل علمها . . لا يخطر بباله أمور الدنيا ) وأنا أقول لك نعم ، لقد كان غضبها لأمور الدين . انتهى كلامي معك فهذا كافٍ عليك جواباً لما أوردت .
والآن أريد أن أطرح سؤالاً عليك وعلى أهل ملَّتك :
1 - لقد ذكرت بأن الزهراء كانت تعلم بقرب لحوقها بأبيها . وهذا ما تشنعون به علينا من قولنا بأن أهل البيت يعلمون بوقت لحوقهم بربهم .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 330 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
2 - لقد ذكرت بأن النبي صلى الله عليه وآله قد قال لعلي وقد تغير لونه مرة : يا أبا الحسن إياك وغضب فاطمة فإنّ الملائكة تغضب لغضبها وترضى لرضاها . وهذا ما تشنعون به علينا من قولنا بأن آل محمد لهم من الشأن ما لا يعلم به إلا الله سبحانه وتعالى ، فهل قرأت قوله تعالى ( وذا النون إذ ذهب مغاضباً ) فهل غضبت الملائكة لغضب نبي الله يونس على نبينا وآله وعليه السلام . وهل تغضب الملائكة لغضب شخص خطَّاء ، وهذه إحدى أدلتنا على العصمة التي تشنعون بها علينا .
3 - ماذا أبقيتم لآل محمد ؟ حتى عندما يغضبون لما لاقوا من أسلافكم لا تقبلون ، وتولون لأعداء الله سوء أفعالهم ، بالله عليك لماذا يبايع علي عليه السلام أبا بكر مرتين ؟ وهل حدث هذا لأحد غيره وقد تخلف عن البيعة جمعٌ من الصحابة الأبرار رضوان الله تعالى عليهم ؟ ! ألا تستحون من قولكم هذا . ولكن مع من أتكلم . . . صمٌ بكمٌ عميٌ فهم لا يعقلون . والأعجب من هذا كله قولك هذه العبارة : ( فلا يحق أن نسأل على من غضبت فاطمه ؟ ) . مسكينٌ أنت يا . . .
* وكتب فرزدق بتاريخ 29 - 1 - 2000 ، الثانية ظهراً :
وهل سألت نفسك يوماً يا جاكون :
- لماذا توفيت الزهراء عن ستة أشهر من رحيل أبيها وهي بعمر الورود ؟
- ولماذا لم يحضر القوم تشييعها وجنازة ها ودفنها ؟ !
- ولماذا لم يُصَلِّ عليها الخليفة . . وهي فاطمة الزهراء ؟ !
- ولماذا دفنت ليلاً ، وكل ذلك كان بطلب منها ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 331 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بل ألم تسأل عقلك يوماً . . لماذا لم يصدّقها أبو بكر بما قالت في نحلة فدك ويرضيها ليرضي أباها وبعلها وآل البيت من وراء ذلك ؟ !
- وهل الحديث المكذوب على رسول الله أولى بالاتباع ، أم تصديق بضعة المصطفى ؟ !
- وعلى فرض صحة الحديث جدلاً فهو في حالة الإرث ، وليس فيما إذا كان الشئ ملكاً للزهراء في حياة الرسول ، لأن فدكاً كانت نحلة لها ! .
- وهل عمل أبو بكر وتالياه بهذا الحديث مع نساء النبي ( ص ) . . أم أن تطبيقه كان من قبيل ( الأحكام العرفية ! ! ! ) .
- وهل وهل وهل وهل وهل . . . وجزى الله الأخ أبو حسين فلقد أحسن وأجاد . . وخير الكلام ما قل ودلّ . .
* وكتب الفاطمي بتاريخ 29 - 1 - 2000 ، الثانية والربع ظهراً :
إلى الزميل : جاكون . . . السلام عليكم .
قلت : والملاحظ أن مدار الاسناد في هذا الخبر هو محمد بن مسلم . وهو من هو ثقة وفقهاً غير أنه من صغار التابعين وقوله في الخبر : " فغضبت فاطمة أو وجدت فاطمة على أبي بكر " . إنما هو مجرد ظن منه حيث استنبط من عدم تكلمها أنها غضبت أو وجدت على الصديق .
أقول : أما قولك من صغار التابعين فلا يضره ، فقد قال ابن حجر العسقلاني فيه : أحد الأئمة الأعلام وعالم الحجاز والشام . وقال ابن حجر : كان ابن شهاب يقول : ما استودعت قلبي شيئاً قط فنسيته ( تهذيب التهذيب ، ترجمة محمد بن مسلم الزهري ) . وقال ابن عيينة عن عمرو بن دينار : ما رأيت
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 332 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
( أنص للحديث ) من الزهري . وهذا القول من معاصره وأيضاً ثقة ( نفس المصدر ) فكيف تقول " إنما هو مجرد ظن منه حيث استنبط من عدم تكلمها أنها غضبت أو وجدت على الصديق . وهل يوافق ما قلته عن الزهري ما قاله ابن حجر ؟ ؟ وهل قولك لتصغير الزهري هو لتضعيف الحديث ؟ ؟ !
وأيضاً : 2862 حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الله حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ صَالِحٍ عَنِ ( ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي ) عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِي اللهم عَنْهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّ فَاطِمَةَ عليها السلام ابْنَةَ رَسُولِ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى آخر الحديث سَأَلَتْ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقْسِمَ لَهَا مِيرَاثَهَا مِمَّا تَرَكَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا أَفَاءَ الله عَلَيْهِ فَقَالَ لَهَا أَبُو بَكْرٍ إِنَّ رَسُولَ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ فَغَضِبَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهَجَرَتْ أَبَا بَكْرٍ فَلَمْ تَزَلْ مُهَاجِرَتَهُ حَتَّى تُوُفِّيَتْ وَعَاشَتْ بَعْدَ رَسُولِ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ .
أقول : لاحظ السند يا جاكون . فإن ابن شهاب يقول : أخبرني . وانظر الأقوال في مدح ابن شهاب وإنه أنص للحديث . فلماذا قلت : إنما هو ( مجرد ظن منه حيث استنبط من عدم تكلمها أنها غضبت أو وجدت على الصديق ) . أو لم يقل ابن شهاب أخبرني عروة فهل هو كاذب ؟ ؟
وأما الاختلاف في الألفاظ فلو كان يضر بالحديث لكانت روايات أم
المؤمنين عن عقدها باطلة للاختلاف الشاسع فيها وفي كيفية ضياع العقد .
لكان أهل الحديث طعنوا في تلك الروايات وما فعلوه . فهل طعنك هذا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 333 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
تصغيرا لشأن الزهراء سلام الله عليها ؟ ! وهل هو للدفاع عن أبي بكر ؟ ؟ !
ولنا عودة وللحديث بقية فترقب . . .
نعود لتكملة الرد على ما قلته يا جاكون . .
قلت : ثانياً : مسأله الغضب والوجد . . وقلت : وقد قال لعلي وقد تغير لونه مرة : يا أبا الحسن إياك وغضب فاطمة ، فإنّ الملائكة تغضب لغضبها وترضى لرضاها .
أقول : أحسنت على هذا القول ! فهل غضبت الملائكة لغضب فاطمة عليها السلام على أبي بكر أم لا ؟ ؟ ولا أدري لماذا أوردت هذا القول مع علمك بأنه ضد أبا بكر ؟ وهل لأنك تريد أن تثبت غضب الزهراء على علي سلام الله عليهما ؟ وأين الدليل ؟ ؟ !
قلت : بل إن من شمائل المصطفى : أن يغضب لله تعالى ويرضى لرضاه .
أقول : فلماذا تتقولون على خير خلق الله صلى الله عليه وآله بقولكم إنه كان يسب ويلعن ويجلد من ليس بأهل لذلك ؟ ؟ يا أخي حيرتونا بتناقضاتكم ولا ندري نأخذ بأقوال مَن مِن علمائكم ؟ !
قلت : ثالثاً : على من غضبت فاطمة ؟ . . . الحق أن الروايات كلها لم تذكر أنها غضبت عليه أي أبي بكر ولم تحدد على من كان الغضب غير أبي بكر .
أقول : هل تريد أن تلعب علينا ، وهل تريد أن تستخف بعقول القراء ، يا جاكون ؟ وهل قرأت البخاري قبل أن تكتب ردك البارد هنا ؟ ففي البخاري : ح 1574 - كتاب الفرائض ، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم لا نورث ما تركناه
صدقة ، ج 8 ، ص 551 ، ط / دار القلم . ( فهجرته فاطمة فلم تكلمه حتى ماتت ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 334 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأيضاً في البخاري : ح 1265 - كتاب الخمس ، باب فرض الخمس ، ج 4 ، ص 504 : ( فغضبت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فهجرت أبا بكر فلم تزل مهاجرته حتى توفيت ) .
وأيضاً في البخاري : ح 704 ، كتاب المغازي ، باب غزوة خيبر ، ج 5 ص 252 ، ( فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة شيئاً فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك فلم تكلمه حتى توفيت وعاشت بعد النبي صلى الله عليه وسلم ستة أشهر فلما توفيت دفنها زوجها علي ليلاً ولم يؤذن بها أبو بكر وصلى عليها ) . أنظر يا جاكون إلى ( فوجدت فاطمة على أبي بكر فلم تكلمه ) . وانظر إلى " فغضبت فاطمة " : فغضبت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فهجرت أبا بكر فلم تزل مهاجرته حتى توفيت .
وانظر لعلك تقتنع ولا أظن ( فهجرته فاطمة فلم تكلمه حتى ماتت ) ! وهل غضبت إلا على من منعها أرضها وسهمها من خيبر ؟ ! هل غضبت على نفسها ؟ الأرجح أن يكون الأمر كذلك ! !
ويؤكد هذا الرأي المحدث الكنكوهي في تعليقه على الجامع الصحيح : 2 / 500 : قال : ( قوله " فغضبت فاطمة . . وهذا ظن من الراوي " حيث استنبط من عدم تكليمها إياه أنها غضبت عليه ، مع أنها كانت نادمة فيما بدرت إليه وكان عدم التكلم لأجل الندامة ، أو المعنى : التكلم في هذا الباب أو المعنى : أنها غضبت على نفسها حيث ذهبت إلى الخليفة تطلب شيئاً من الدنيا مع أنه رضي الله عنه ، كان باراً راشداً غير ظلوم ) . انتهى .
لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم . ما كنت أظن أن حب أبو بكر
هكذا يصم ويعمي ! ما كنت أظن أن هناك من يطعن في سيدة نساء أهل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 335 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الجنة . قال رسول الله ( ص ) : فاطمة سيدة نساء أهل الجنة . رواه البخاري الجزء
الخامس ص 96 - كتاب فضائل أصحاب النبي _ طبعة دار القلم ) .
معذرة مولاتي ، وحتى وفي مثواك يطعنون بك ! حتى وبعد 1400 سنة يطل علينا من يصر أن يطعن بك يا بضعة المصطفى يا فاطمة الزهراء ! !
هل تدري ما تقول يا جاكون ؟ ! وهل أنك جاد أو تستهزئ بقولك
( إنها غضبت على نفسها ) ؟ هل أمرها سلام الله عليها بأن تدفن ليلاً كان من غضبها على نفسها ؟ ! وهل إصرارها سلام الله عليها على مهاجرتها لأبي بكر حتى توفيت ، كان لغضبها على نفسها ؟ ! فلماذا لم تأذن لأبي بكر بالصلاة عليها إذا كانت راضية عنه ، كما تدعون كذباً وزوراً ؟ !
قلت : مع أنها كانت نادمة فيما بدرت إليه وكان عدم التكلم لأجل الندامة .
أقول : وهل ندمت سلام الله عليها لطلبها أرضها الذي وهبها أبوها صلى الله عليه وآله إياها وسهمها من خيبر ؟ ما لكم كيف تحكمون ؟ ! ساء ما تحكمون !
قلت : حيث ذهبت إلى الخليفة تطلب شيئاً من الدنيا ، مع أنه رضي الله عنه كان باراً راشداً غير مظلوم .
أقول : كيف كان باراً راشداً وقد منعها فدك مع أن الرسول صلى الله عليه وآله أعطاها إياه في حياته ؟ ! روى البخاري عن أم المؤمنين عائشة أنها قالت : أن فاطمة والعباس عليهما السلام أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما من رسول الله صلى الله عليه ( وآله ) وسلم ( وهما يطلبان أرضهما من فدك
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 336 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وسهمهما من خيبر ) كتاب الفرائض ، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم لا نورث ما تركناه صدقة . ج 8 ، ص 551 . فهل تقرأ يا جاكون : ( وهما يطلبان أرضهما من فدك وسهمهما من خيبر ) . وهل تعرف معنى ما بين القوسين ؟ وهل حرمانها من أرضها يعتبر من البر ؟ ! وهل طلبها أرضها والذي أعطاها أبوها صلى الله عليه وآله يعتبر منقصة لها ، لكي تقول إنها غضبت على نفسها لطلبها شيئاً من الدنيا ؟ ؟
قلت : رابعاً الهجران : أول ما ينبغي أن يقرر هنا : أن الهجر من فاطمة عليها السلام لشخص الصديق رضي الله عنه لم يقع أصلاً .
أقول : إقرأ البخاري جيداً . وراجع الروايات التي أوردنا ها أعلاه في هذا الرد ونذكرها باختصار : في البخاري ح 1574 - كتاب الفرائض : ( فهجرته فاطمة فلم تكلمه حتى ماتت ) وأيضا في البخاري : ح 1265 - كتاب الخمس :
( فغضبت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فهجرت أبا بكر فلم تزل مهاجرته حتى توفيت ) ! !
فكيف تقول : إن الهجر من فاطمة عليها السلام لشخص الصديق رضي الله عنه لم يقع أصلاً . وعلى ماذا بنيت قولك هذا ، وما هو المصدر ، ومن أي كتاب ؟ ! أم إنك تتقول على الزهراء سلام الله عليها ؟ ! ولنا عودة يا جاكون بعد حوالي ساعة . السلام عليك يا بضعة المصطفى يا فاطمة الزهراء .
* وكتب فاتح في 30 - 1 - 2000 ، الثانية عشرة وخمس دقائق صباحاً :
الواضح الذي لا يمكن الفرار منه هو موقف الزهراء الشهيدة .
هل قتلت أم لا ؟ ومن الذي قتلها ؟ أليس عمر ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 337 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ومن أحرق بيتها ؟ أليس عمر وأبو بكر ؟ !
من غصب الخلافة والإرث ؟ ؟
وتبقى الزهراء هي الزهراء الكاشفة عن الحقيقة .
نعم لأي الأمور تدفن ليلاً . أليس لعدم رضاها بهما ؟ !
* وكتب الفاطمي في 30 - 1 - 2000 ، الواحدة والنصف صباحاً :
تكملة الرد :
قلت : ويبقى السؤال : لأي شئ إذن كان الهجر ؟ ويأتي الجواب من نفس تلك الروايات التي رددت لفظ الهجر ، وأنه إنما كان لطلب الميراث ، وليس لشخص أبي بكر رضي الله عنه .
أقول : ومن الذي منعها سلام الله عليها من الميراث ؟ ومن الذي منعها سهمها وأرضها في فدك ؟ ! أليس هو أبو بكر والذي هجرته الزهراء سلام الله عليها لإحساسها بالظلم والحيف ؟ ؟ !
قلت : قال الحافظ ابن حجر ( قوله : فلم تزل مهاجرته ) وفي رواية معمر : " فهجرته فاطمة فلم تكلمه حتى ماتت " . ووقع عند عمر بن شبه من وجه آخر عن معمر : " فلم تكلمه في ذلك المال " . وكذا نقل الترمذي عن بعض مشايخه : أن معنى قول فاطمة لأبي بكر وعمر : " لا أكلمكما " . أي في هذا الميراث .
أقول : لماذا لم تكمل ما قاله ابن حجر العسقلاني ! وهل رأيت ما لا تحب ؟ وهل في بتر الأقوال تريدون الدفاع عن أبي بكر ؟ وعموماً قال ابن حجر بعد أن قال : أي في الميراث ، وتعقبه الشاشي بأن قرينة قوله ( غضبت )
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 338 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
تدل على أنها امتنعت من الكلام جملة وهذا صريح الهجر ، لاحظ عبارة ( صريح الهجر ) فهل اقتنعت الآن ، لا أعتقد !
قلت : فهي أولاً : ملتزمة بشرع الاسلام الذي جاء به أبوها . وفيه أمرهن أهل البيت بالقرار في بيوتهن .
أقول : لا يمنع الشرع مطالبة المرأة بحقها وإرثها ، وانظر خروج عائشة أم المؤمنين من بيتها إلى البصرة ! ! !
قلت : ثانياً : إن أبا بكر رضي الله عنه ليس محرماً لها حتى يجتمع بها وتجتمع به في كل حال .
أقول : وهل كانت سلام الله عليها تجتمع في خلوة والعياذ بالله أم بالمسجد ؟ ! وهل كانت أم المؤمنين عائشة محرم على جيشها ؟ !
قلت : ثالثاً : شغلت عن كل شئ بحزنها لفقدها أكرم الخلق ، وهي مصيبة تزري بكل المصائب .
أقول : صح لسانك . ولكن هل رفقوا بها سلام الله عليها .
أيها القوم راقبوا الله فينا * نحن من روضة الجليل جناها
أيها الناس أي بنت نبي * عن مواريثها أبوها رواها
قلت : رابعاً : شغلت بمرضها الذي ألزمها الفراش عن أي مشاركة في أي شأن من الشؤون فضلاً عن لقاء خليفة المسلمين ، المشغول لكل لحظه من لحظاته بشؤون الأمة وحروب الردة وغيرها .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 339 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أقول : وما كان مرضها سلام الله عليها ؟ وهل كانت مريضة طول فترة بقائها بعد أبيها صلى الله عليه وآله ؟ ! وهل كانت تلاقي أبا بكر إلا في المسجد ؟ ! فهل كانت مشاغله تمنعه من الصلاة في المسجد ؟ !
قلت : خامساً : لقد كانت تعلم بقرب لحوقها بأبيها . . ومن كان في مثل علمها . . لا يخطر بباله أمور الدنيا . وقد قال قوم إنما كان هجرها انقباضاً عن لقائه ، وليس من الهجران المحرم وإنما المحرم من ذلك أن يلتقيا فلا يسلم أحدهما على صاحبه .
أقول : لم نسلكم لحاجة واضطرار * بل ندل الورى على تقواها
كم لنا فيكمُ رشحةُ جود * يعجز السبعة البحار غناها
وهل تعد من الهجران المحرم وصيتها عليها السلام بدفنها ليلاً ، أم لألأ ؟ ! وهل تعد عدم صلاة أبي بكر عليها من الهجران المحرم ، أم لا ؟
ولأي الأمور تدفن ليلاً * بضعة المصطفى ويعفى ثراها ؟
قلت : لكن هذا لا يستساغ منها وهي من هي في حرصها على تعاليم الاسلام وسنة أبيها ووصيته ورضاه .
أقول : وهل يستساغ من أبي بكر إغضابها ومنعها حقها ؟ ! وماذا تريد من الزهراء أن تفعل وقد غصب أبو بكر حقها ؟ هل تريد منها أن ترضى عنهم وتتقبل إغصابها حقها وهي بضعة المصطفى ويغضبه ما يغضبها ولم يراعوا لهما أي حرمة . وما هذه العقلية يا جاكون ؟ !
قلت : ثم هل يتصور من فاطمة عليها السلام أن تهجر حتى ذلك الهجر المباح في تقديرهم أحب خلق الله إلى رسول الله وأقربهم إليه ، وهي تعلم يقيناً أن من وصاياه أن يحسن المرء إلى صحابة أبيه ؟
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 340 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أقول : ولم لألأ ؟ وقد غصبوا حقها ( أرضها في فدك وسهمها من خيبر ) ومن قال لك بأن أبا بكر أحب الخلق إلى أبيها صلى الله عليه وآله ؟ وهل أحب الخلق إلى أبيها يغتصب حقها ويمنعها من أرضها وسهمها ؟
وهل أحب الخلق كما تزعمون لم تؤذنه بالصلاة عليها وبعد مماتها ؟ ؟
وهل أحب الخلق كما تزعمون قد هجرته الزهراء سلام الله عليها وهي التي يغضب لها أبوها صلى الله عليه وآله والملائكة كما قلت أنت ؟ ؟
قلت : وحمل ما ورد في الحديث من لفظ الهجر بالانقباض إنما هو مجرد تكلف لا مبرر له .
أقول : أين الدليل ؟ أم أن حبك لأبي بكر وبغضك للزهراء سلام الله عليها ، يدفعان كم إلى القول بذلك ؟ ؟
قلت : فهذا الخبر على فرض صحته وهو ليس كذلك .
أقول : فلماذا أوردته وأنت تعلم عدم صحته ؟ أم أن الغريق يتشبث بكل طحلب .
قلت : روى البيهقي عن طريق الشعبي أن أبا بكر عاد فاطمة فقال لها علي هذا أبو بكر يستأذن عليك فقالت : أتحب أن آذن له ؟ قال نعم . فأذنت له فدخل عليها فترضاها حتى رضيت . وهذا الحديث وإن كان مرسلاً فإسناده إلى الشعبي صحيح . وفيه أيضاً قول أبي بكر رضي الله عنه : والله ما تركت الدار والمال والأهل والعشيرة إلا ابتغاء مرضاة الله ومرضاة رسوله ومرضاتكم أهل البيت . قال ابن كثير : هذا إسناد جيد قوي . ( ج 5 ص 289 )
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 341 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أقول : يا سبحان الله كيف يكون إسناداً قوياً وأنت تقول إنه مرسل ؟ ! أم أن الإسناد يكون قوياً على المشتهى والهوى ؟ وإذا كان الحديث صحيحاً فلماذا قال ابن حجر : فإن ثبت حديث الشعبي أزال الإشكال ! فتح الباري ، كتاب فرض الخمس ، / باب 1 / ح 3091 - 3094 ، ص 243 ، طبع دار السلام ، الرياض . وإذا كان هذا الحديث صحيحاً فلماذا لم يروه أصحاب الصحاح الستة مع شديد الاحتياج إليه لأن هذا الحديث وكما قال ابن حجر : فإن ثبت حديث الشعبي أزال الإشكال . وإذا كان هذا الحديث صحيحاً . فلماذا قالت أم المؤمنين عائشة في البخاري : ح 704 ، كتاب المغازي ، باب غزوة خيبر ، ج 5 ، ص 252 : ( فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة شيئاً فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك فلم تكلمه حتى توفيت وعاشت بعد النبي صلى الله عليه وسلم ستة أشهر ، فلما توفيت دفنها زوجها علي ليلاً ولم يؤذن بها أبا بكر ، وصلى عليها علي ) ؟ ! !
وراجع بقية الأحاديث التي أوردتها في الرد الثاني لتعلم ضعف هذا الحديث يا جاكون ! وأما قول ابن كثير في إسناد الحديث فهو قول يضاد الأحاديث الصحيحة في البخاري ( أصح كتاب عندكم ) ودافعه لهذا القول حبه لأبي بكر . . ولا أحب أن أزيد على هذا ؟ !
وأما قولك يا جاكون : فهذا من كمال خلقها وسمو أدبها والتزامها آداب الشرع الحنيف .
فأقول : ليست الزهراء سلام الله عليها بحاجة لهذا الاستدلال الخاطئ من حديث مرسل ، لكي تثبت كمال خلقها وسمو آدابها فيكفيها سلام الله عليها قول أبيها صلى الله عليه وآله فيها : فاطمة سيدة نساء أهل الجنة .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 342 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
السلام عليك يا بضعة المصطفى يا فاطمة الزهراء .
* وكتب الأشتر بتاريخ 30 - 1 - 2000 ، السادسة صباحاً :
اللهم صل على محمد وآل محمد . . وعجل فرجهم الشريف .
* وكتب الفاطمي بتاريخ 31 - 1 - 2000 ، الحادية عشرة ليلاً :
السلام عليك يا بضعة المصطفى يا فاطمة الزهراء .
( ثم كتب الفاطمي بتاريخ 17 - 2 - 2000 ، الرابعة عصراً :
لماذا لا ترد يا لناصبي . . ؟ ! صم بكم عمي في ظلمات !
يا لناصبي ألا تستحي ؟ ألا تخجل من افتراءاتك على سيدة نساء العالمين وعلى أبيها ؟ ! قليل من الحياء إن لم تخف من أبيها صلى الله عليه وآله ، الذي يغضب له رب العالمين يوم القيامة .
السلام عليك يا بضعة المصطفى يا فاطمة الزهراء .
قال العاملي : وهرب جاكون ولم يجب ! ! وصلوات الله على الزهراء التي أقامت الحجة بقولها وفعلها ، ولم تبق للجوج منفذاً ! !
* *

محاولتهم الاحتجاج على الشيعة بأن المرأة لا ترث من العقار !

* قال العاملي : جرت في هذا الموضوع مناقشات مهمة بين المدعو عبد الله الحوت ومحمد إبراهيم من جهة ، وبين الأشتر والسيد الموسوي والسيد الفاطمي من جهة ، قد تزيد على مئة صفحة ، لذا اكتفينا بنبذة منها :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 343 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
* كتب عبد الله الحوت في الموسوعة الشيعية في 8 - 1 - 2000 العاشرة صباحاً ، موضوعاً بعنوان ( أيها الشيعة : هذه حقيقة مظلومية فدك ) ، قال فيه :
كثر الحديث والقيل والقال حول ما يسميه البعض بمظلومية فدك ، حيث أخذ كل متعصب في التشكيك بصحابة رسول الله ، فراحوا يتناولون صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالطعن والتجريح ، ويصورونهم أنهم ما هم سوى عصابة تتكالب على حطام الدنيا ، فطاشت السهام والأقلام كل حسب ميله وهواه ، لدرجة أن يقول بعض المترددين على هذا المنتدى : من يستطيع أن يأتيني بدليل على فضل الصحابة . . سبحانك هذا بهتان عظيم وكبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً . .
ومن تلك الإشاعات والتقاويل ما يسمى ب‍ ( مظلومية فدك ) . . لذلك فإني أضع هذه الحادثة في موضعها الصحيح ومن مصادر الشيعة ، والمسألة لم تكن ذات أهمية كبيرة ، ولكن أصحاب المطامع السيئة والنوايا الخبيثة يحاولون اجترار القضية بين الفينة والأخرى والنفخ فيها ، وهي لا تستحق كل هذا التهويل ، ولكن دعنا بداية نوجزها بشكل صحيح وهي . . . الخ .
هنا نقل الحوت ما كتبه إحسان ظهير ومحب أهل البيت ، ونسبه إلى نفسه . . ومما نقله قوله : والأمر الأهم : ألا يعتقد الشيعة أن مذهبهم لا يورث المرأة من العقار والأرض شيئاً ؟ ولذلك فإن الكليني محدث الشيعة الذي يقول عنه الشيعة ( أنه كاف للشيعة ) قد عقد باباً مستقلاً في كتابه أسماه : باب أن النساء لا يرثن من العقار شيئاً . . .
* فكتب مالك الأشتر بتاريخ 8 - 1 - 2000 ، الحادية عشرة صباحا :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 344 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إلى الحوت . . . إن صحيحك البخاري يقول إن فاطمة عليها السلام ماتت وهي واجدة ( غاضبة ) على أبي بكر ، وكذلك أوصت أن لا يصلي عليها وماتت وهي غير مبايعة له ، بل إن علياً عليه السلام لم يبايع أبا بكر ما زالت فاطمة عليها السلام في الحياة ، يعني بقي لمدة ستة أشهر لم يبايع .
إن فاطمة عليها السلام كانت البنت الوحيدة الباقية لرسول الله صلى الله عليه وآله ، فهل من المعقول أن النبي خبر الناس بأنه لا يورث وترك فاطمة لم يخبرها ؟ فإذا كان لم يخبرها فقد قصر في حق ابنته ، وحاشاه من ذلك ، لأنها ستطالب بإرثها وهي لا تعلم بأنها لا ترث ! ! . . .
بقي احتمالان : أن تكون فاطمة علمت بأنها لا ترث من أبيها وذهبت تطالب بشئ هو ليس لها ، وبذلك تكون كاذبة في دعواها وسارقة من مال المسلمين ، حاشاها ذلك ! أو يكون أبو بكر قد افترى على رسول الله صلى الله عليه وآله بهذا الحديث ، وبهذا يكون قد سرق أموال فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وآله ، ورماها بعدم الفهم وعدم المعرفة بشريعة أبيها .
هذه للعجالة ، وسنوافيك بالباقي إن شاء الله .
* وكتب محمد إبراهيم بتاريخ 8 - 1 - 2000 ، الثانية عشرة ظهراً :
الأخ الكريم عبد الله الحوت . . . لله درك ، فقد كفيت ووفيت .
ورسالتك هذه سوف تكون أحد المراجع التي أحتفظ بها في تبيان الحق . فإلى الأمام والمزيد من هذه الرسائل التي تضع الحق في نصابه . . .
الزميل مالك الأشتر : ما رأيك ، هل يمكن أن ترث المرأة الأرض والعقار حسب عقيدة الشيعة ؟
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 345 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
* فكتب الأشتر بتاريخ 8 - 1 - 2000 ، الثالثة إلا الثلث ظهراً :
كالعادة لم أجد جواباً لسؤالي الذي طرحته وهو : إذا كان الرسول لا يورث حسب زعم أهل السنة ، فكيف ترث عائشة أم المؤمنين بيت النبي ، لابل وتأذن لأبي بكر وعمر أن يدفنا فيه ؟ ! ! وهل هناك تشريع في الاسلام يمنع البنت من إرثها ، بينما ترث الزوجة ؟ !
وإليكم هذه الرواية من صحيح البخاري يستأذن فيها عبد الله بن عمر عائشة لكي يدفن عمر في بيت النبي ( ص ) : من وصية عمر بن الخطاب إلى ابنه عبد الله : انطلق إلى عائشة أم المؤمنين . فقل : يقرأ عليك عمر السلام ، ولا تقل أمير المؤمنين فإني لست اليوم أمير المؤمنين ، وقل يستأذن عمر بن الخطاب أن يدفع مع صاحبيه ، فإن أذنت لي فأدخلوني وأن ردتني ردوني إلى مقابر المسلمين . فسلم واستأذن ثم دخل عليها فوجدها قاعدة تبكي فقال : يقرأ عليك عمر بن الخطاب السلام ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه . فقالت : كنت أريده لنفسي ولأوثرنه به اليوم على نفسي . فلما أقبل قيل هذا عبد الله بن عمر قد جاء . قال : إرفعوني فأسنده رجل إليه فقال : ما لديك ؟ قال : الذي تحب يا أمير المؤمنين ، أذنَت . قال : الحمد لله ما كان من شئ أهم إلي من ذلك فإذا أنا قضيت فاحملوني . رواه البخاري ص 78 و 79 الجزء 5 باب 38 حديث 219 طبعة دار القلم . فهل من مجيب من أهل السنة ؟ ؟ !
* وكتب عبد الله الحوت في 8 - 1 - 2000 ، الثالثة إلا ربعاً ظهراً :
الأخ العزيز محمد إبراهيم . . أشكرك على هذا الاطراء وأقول لك : ولا
يهمك وربك لأنخلن كتبهم نخلاً ، وأرد على كل تهمة من كتبهم . فلدي الكثير
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 346 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الذي لم أقله . . ولكن أنتظر قادم الأيام لأنها ستكون حاسمة فأنا
شعاري من فمهم دينهم مهما حاولوا تزوير الوقائع وتكذيب الحقائق .
( فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض )
وأنا حتى الآن لم أذكر إلا اليسير .
* وكتب مالك الأشتر في 8 - 1 - 2000 ، الثالثة والنصف ظهراً :
يا محمد إبراهيم . . . إن صاحبك دلس الكلام في المرأة فالموضوع الزوجة وليس البنت . أما البنت فإنها ترث وهي الحاجب عن كل قريب غير الزوجة التي ترث الثمن ، فلا تفرح . . وسيأتيك تفصيل وتفصيل ، ستندم به على مدحك لصاحبك !
* وكتب محمد إبراهيم بتاريخ 8 - 1 - 2000 ، السابعة مساءً :
قول أن المرأة لا ترث العقار والأرض ليس من عندنا ، بل هناك العديد من الروايات في كتب الشيعة في هذا الشأن نورد هنا القليل منها ويمكن لمن أراد البحث أن رجع لكتب الشيعة ويتحقق من ذلك . جاء في الكافي ج 7 ص 127 باب أن النساء لا يرثن شيئاً من العقار : علي بن إبراهيم عن محمد بن عيسى عن يونس عن محمد بن حمران عن زرارة عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر ( ع ) قال : النساء لا يرثن من الأرض والعقار شيئاً . . الخ .
هل من مجيب من الشيعة الكرام على هذا السؤال المهم جداً .
( مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً ، وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون ) العنكبوت 41 .
* وكتب الموسوي بتاريخ 8 - 1 - 2000 ، الحادية عشرة ليلاً :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 347 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عندي رد سيأتي على النقاط التي طرحها الزملاء عبد الله الحوت ومحمد إبراهيم . ولكن أقول : أين أمانتكم ؟ هل تتبعون خطى إحسان إلهي ظهير في التقطيع والتحريف ؟ ! أبشروا فهناك موضوع سأطرحه بعد عودتي من السفر حول تحريف إحسان إلهي ظهير ؟ والسؤال هو : إذا كنتم قد رأيتم روايات عدم إرث النساء للعقار فلم اخترتم تلك الأحاديث فقط ؟ إنكم تريدون الايهام بأن النساء أي الإناث لا يرثن العقار ، وفي هذا يقول الحوت ( والأمر الأهم ألا يعتقد الشيعة أن مذهبهم لا يورث المرأة من العقار والأرض شيئاً ؟ ) ثم يقف محمد إبراهيم في نفس الخانة من التحريف . . هل يكون من يعمد إلى هذه الأساليب الرخيصة موضوعياً ؟ !
لقد بينتما يا محمد إبراهيم والحوت عن حقيقة أمركما ، و تبعتما الكاذب ابن تيمية والمحرف إحسان إلهي ظهير في أساليبهما ؟ فهل تستحقان بعد هذا النظر في كلامكما ؟ وحتى لا تظنا أننا عاجزون عن الجواب سأقوم بإعداد رد آخر على باقي كلامكما .
* وكتب محمد إبراهيم بتاريخ 9 - 1 - 2000 ، الواحدة صباحاً :
الزميل الموسوي . . . يؤسفني أن تلقي أنت التهم جزافاً هكذا ، لقد وضحت الأحاديث والمصدر وانتقيت الأحاديث القصيرة لاختصار الوقت في الكتابة ولأنها شاملة ، والأحاديث التي أنت تقول أنني لم أنقلها فإنني نقلت مضمونها من الحديث الذي ذكرته من كتاب الاستبصار للطوسي . . . فهات أنت والزميل مالك الأشتر ما عندكما وعندما نتأكد مما نقلت ماه يكون هناك رأي آخر . . .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 348 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
* فكتب الفاطمي بتاريخ 10 - 1 - 2000 ، الواحدة ظهراً :
إلى أخي محمد إبراهيم ، السلام عليكم . . لو سمحت وتكرمت ممكن ترد على هذا السؤال قبل أن أنشر الرد بخصوص هذا الموضوع : ما حكم من يذكر الروايات ويبترها ويأخذ منها ما يلائمه ويوافق هواه ، ويحذف بقية الرواية التي تناقض هواه ومراده ؟ هل تعتبره مدلساً أم كذاباً ؟ وهل تقر بهذا البتر والتلاعب بالروايات ؟ !
السلام عليك يا بضعة المصطفى يا فاطمة الزهراء .
* وكتب محمد إبراهيم بتاريخ 10 - 1 - 2000 ، السابعة مساءً :
الزميل الفاطمي : لقد وضحت أن ما يدعيه الزميل الموسوي من عدم أمانة النقل هو من استنتاجه ، وأتحدى من يدعي ذلك عليّ أن يثبت أنني بترت أو حورت أو تلاعبت بالروايات .
أما قولك عن أن من يأخذ من الروايات ما يوافق هواه فهذا كلام ممطوط يمكن أن تتهم أي أحد به ، بمعنى أنه كل من لا يأتي بجميع الروايات فإنه يُمكن اتهامه بأنه يأخذ من الروايات حسب هواه . المهم الروايات التي أتيت بها فيها بيت القصيد حسب جهدي في البحث وحسب ما سمح به الوقت لي فإن كان هناك غيرها في صلب الموضوع وترون أنه جدير بالنقل فهاتوه واستدلوا به . هذه مسؤوليتكم أنتم . فلماذا تضيعون الرسائل في بحث ما أتيت به أنا من كتبكم بالرغم من أنها حسب رأيي قد وفت بما أردت أن أبينه ، فإذا ترون أنها ليست كذلك فهاتوا ما عندكم . . .
* وكتب الموسوي بتاريخ 4 - 2 - 2000 ، الخامسة إلا ربعاً مساءً :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 349 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الزملاء الكرام : عبد الله الحوت ومحمد إبراهيم . . . سأبدأ ردي بمقدمة ، ثم سأقسم ردي إلى ثلاثة أقسام ، فقسم منه يعم أسئلتكما والنقاط المشتركة بين كلامكما ، والقسمان الآخران سيكون خاصاً بما أثاره كل واحد منكما على انفراد ، مع اعتذاري مسبقاً عن التأخر في الرد الذي أضحى من سماتي السلبية ! وحسب عادتي في تقسيم الردود الطويلة فإنني سأنزله من خلال عدة ردود ، فأقول وبالله التوفيق :
أما المقدمة التوطئة فهي عبارة عن نقطتين : الأولى : إن مطالبة الزهراء ( ع ) لحقها في فدك كانت على ثلاثة مراحل ، وعندما كان الخليفة أبو بكر يرفض دعواها في المرحلة الأولى فإنها كانت تنتقل إلى المرحلة التي بعدها ، وهذا أسلوب شائع في المطالبة بالحق . يقول ابن أبي الحديد المعتزلي في شرحه لنهج البلاغة : 16 / 230 : " واعلم أن الناس يظنون أن نزاع فاطمة أبا بكر كان في أمرين : الميراث والنحلة ، وقد وجدت في الحديث أنها نازعت في أمر ثالث ومنعها أبو بكر إياه ، وهو سهم ذوي القربى " .
وتقريباً للفكرة ، لو أن الأب خص أحد ابنيه بأحد أملاكه قبل الوفاة ، ثم بعد وفاته استولى أخوه على هذا الملك وتصرف فيه تصرف الملاك ، فإن الابن الموهوب إليه سيسعى إلى إثبات أحقيته في الملك ، وإذا رفض القاضي دعواه فإنه سينتقل إلى المطالبة بحقه كشريك في الإرث ، ومطالبته بالإرث لا تعني منه إقراراً بأن الملك ليس له ، ولكنه محاولة لاستنقاذ أي حق له في هذا المال . والغرض من إثارة هذه النقطة هو دفع توهم قد يعلق ببعض الأذهان من أن الزهراء ( ع ) إذا كانت تعتقد أن فدك قد نحلها النبي ( ص ) في حياته ، فلم طالبت به من باب الإرث بعد وفاته .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 350 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الثانية : إن فدكاً لم تكن فيئاً للمسلمين عامة ، بل كانت خاصة لرسول الله يفعل بها ما يشاء . ففي سيرة ابن هشام : 3 / 801 : " وحاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أهل خيبر في حصنيهم الوطيح والسلالم ، حتى إذا أيقنوا بالهلكة ، سألوه أن يسيرهم وأن يحقن لهم دماءهم ، ففعل . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حاز الأموال كلها : الشق ونطاة والكتيبة وجميع حصونهم ، إلا ما كان من ذينك الحصنين . فلما سمع بهم أهل فدك قد صنعوا ما صنعوا ، بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه أن يسيرهم ، وأن يحقن دماءهم ، ويخلوا له الأموال ، ففعل . وكان فيمن مشى بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبينهم في ذلك محيصة بن مسعود ، أخو بنى حارثة . فما نزل أهل خيبر على ذلك ، سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعاملهم في الأموال على النصف ، وقالوا : نحن أعلم بها منكم ، وأعمر لها ، فصالحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على النصف ، على أنا إذا شئنا أن نخرجكم أخرجناكم ، فصالحه أهل فدك على مثل ذلك ، فكانت خيبر فيئاً بين المسلمين ، وكانت فدك خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، لأنهم لم يجلبوا عليها بخيل ولا ركاب " .
وفي نفس المصدر ص 814 : قال ابن إسحاق : " فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر ، قذف الله الرعب في قلوب أهل فدك حين بلغهم ما أوقع الله بأهل خيبر ، فبعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يصالحونه على النصف من فدك ، فقدمت عليه رسلهم بخيبر أو بالطائف ، أو بعد ما قدم المدينة ، فقبل ذلك منهم ، فكانت فدك لرسول الله صلى الله عليه وسلم خالصة ، لأنه لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب " . انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 351 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إذن فدك كانت شيئاً خاصاً لرسول الله يتصرف فيها ما يشاء . وبما أنها كانت خالصة لرسول الله فقد أنحلها رسول الله ( ص ) ووهبها لفاطمة ( ع ) . فقد روى السيوطي في الدر المنثور : 4 / 178 : " وأخرج البزار وأبو يعلى وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري رضى الله عنه ، قال : " لما نزلت هذه الآية : ( وآت ذا القربى حقه ) دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة فأعطاها فدكاً " . انتهى .
وليس في سند الحديث من يتكلم فيه سوى عطية العوفي ، ويكفي بالنسبة لنا ( تأييداً لرأينا في أن رسول الله ( ص ) أنحلها ابنته ، أن يحيى بن معين قال عنه : صالح . فهذه الرواية تؤكد أن هناك أمراً إلهياً في حياة النبي ( ص ) بأن توهب الزهراء ( ع ) فدكاً ، أو على أقل تقدير هو مورد تطبيق ذلك الأمر .
والكل يعلم أن الهبة من أسباب الملك ، فهي إذن ملك لفاطمة ( ع ) ، ولهذا جاء في رواياتنا أن أبا بكر أخرج وكيل فاطمة ( ع ) عن فدك ، وهذا يعني أن فاطمة الزهراء ( ع ) بصفتها صاحبة الملك كان لها وكيل في فدك يقوم بأمورها ، وأخذ الأموال من أهلها .
القسم الأول ( المشترك بين الزميلين محمد إبراهيم وعبد الله الحوت ) . . . الخ .
( وتابع الموسوي بتاريخ 6 - 2 - 2000 ، الخامسة مساءً فقال :
القسم الثاني ( المخصص للزميل عبد الله الحوت ) . . .
وقد ابتدأ به الزميل الحوت بما نقله عن ابن ميثم البحراني في شرحه لنهج البلاغة . ولقد كفاني الأخ العزيز السيد الفاطمي المؤونة في الإجابة عنها بأدلة واضحة ، ولكنني سأضيف إلى ما قاله لإكمال الجواب ، وأحمد الله
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 352 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
على صفة التناصر فيما بين كتاب المنتدى لنصرة حق أهل بيت النبي ( ص ) . نحن نعلم أن ابن ميثم من علماء الشيعة في القرن السابع الهجري وقد توفي سنة 679 هجرية ، وهو لم يورد الحديث بإسناده ، بل إنه لم يتعرض لسند ( فلا يمكن الاحتجاج بها ) ولكنه نقل نفس ما ذكره ابن أبي الحديد في شرحه لنهج البلاغة ، فراجع شرحه على نهج البلاغة : 16 / 216 .
وابن أبي الحديد المتوفى سنة 656 هجرية ، صرح بأنه ينقل روايات فدك عن كتاب السقيفة لأحمد بن عبد العزيز الجوهري ، فراجع شرح نهج البلاغة : 16 / 210 . وقد قام الدكتور محمد هادي الأميني بجمع ما نقله ابن أبي الحديد عن كتاب السقيفة وفدك للجوهري في كتاب سماه بنفس اسمه الأصلي ، والكتاب من إصدارات مكتبة نينوى الحديثة في طهران ، أما أصل الكتاب فلا يزال مفقوداً . والجوهري يعد من أعلام القرن الثالث والرابع الهجريين ، وقد توفي سنة 323 ه‍ كما نقله الأميني عن الكاتب المعروف الشطرنجي الطولي المتوفى سنة 335 ه‍ . وهذا يعني أن ابن ميثم إما نقل ما جاء في شرحه من كتاب السقيفة للجوهري مباشرة ، أو نقله ولعله الأرجح من شرح ابن أبي الحديد . والنقل عما ينقله الغير لا يعني تبنياً له ، بل لو أن الشخص روى بنفسه حديثاً فلا يعني هذا الالتزام بمضمونه من دون النظر في سنده ومتنه ، وابن ميثم لو افترضنا أنه لم يصرح برفض مضمون بعض ما رواه فإنه لم يلتزم بصحة كل ما نقله لكي يصح الاحتجاج به علينا .
ثم إن هناك فرقاً بين ما نقله ابن ميثم البحراني ورواية ابن أبي الحديد المعتزلي ، فابن أبي الحديد نقل نص الرواية في شرحه بالشكل التالي : قال أبو بكر ( الجوهري ) : حدثني محمد بن زكريا ، قال : حدثني ابن عائشة قال :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 353 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
حدثني أبي ، عن عمه ، قال : " لما كلمت فاطمة أبا بكر بكى ، ثم قال : يا ابنة رسول الله ، والله ما ورث أبوك ديناراً ولا درهماً ، وإنه قال : إن الأنبياء لا يورثون . فقالت : إن فدك وهبها لي رسول الله صلى الله عليه وآله . قال : فمن يشهد بذلك ؟ فجاء علي بن أبي طالب عليه السلام فشهد ، وجاءت أم أيمن فشهدت أيضاً ، فجاء عمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف فشهدا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقسمها . قال أبو بكر : صدقت يا ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وصدق علي وصدقت أم أيمن ، وصدق عمر وصدق عبد الرحمن بن عوف ، وذلك أن مالك لأبيك ، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذ من فدك قوتكم ويقسم الباقي ، ويحمل منه في سبيل الله ، فما تصنعين بها ؟ قالت : أصنع بها كما يصنع بها أبي . قال : فلك علي لله أن أصنع فيها كما يصنع فيها أبوك . قالت : الله لتفعلن ! قال : الله لأفعلن . قالت : اللهم اشهد . وكان أبو بكر يأخذ غلتها فيدفع إليهم منها ما يكفيهم ، ويقسم الباقي ، وكان عمر كذلك ، ثم كان عثمان كذلك ، ثم كان علي كذلك ، فلما ولي الأمر معاوية بن أبي سفيان أقطع مروان بن الحكم ثلثها ، وأقطع عمرو بن عثمان بن عفان ثلثها ، وأقطع يزيد بن معاوية ثلثها ، وذلك بعد موت الحسن عليه السلام . . . الخ . ( شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج 16 ص 216 ) . . . الخ .
أما قول الزميل عبد الله الحوت : ( فتراجعت فاطمة رضي الله عنها ولم تتكلم في هذا الأمر حتى ماتت " .
فالتعليق : في هذا الكلام إشعار بأن سكوت الزهراء ( ع ) كان قبولاً ورضاً بما قاله أبو بكر ، ولكن الحوت تجاوز الاشعار إلى التصريح حيث قال :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 354 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
( حتى أن بعض المصادر الشيعية تذكر أن فاطمة رضيت بذلك ) . وقال : ( لذلك رجعت عن عن القول بوراثة فدك ، ولم تتكلم في فدك حتى آخر حياتها رضاً وتسليماً ) .
ولكن أهم المصادر الصحيحة عند أهل السنة تؤكد على أن الصديقة الطاهرة عليها السلام لم تكن راضية بهذا ، ولهذا هجرت أبا بكر حتى وفاتها وأوصت أمير المؤمنين أن يدفنها ليلاً كي لا يصلي عليها الشيخان ومن ظلمها وتسجل أكبر مظاهر الاحتجاج عليهما ! !
روى البخاري في صحيحه كتاب الفرائض : ( 6230 حدثنا عبد الله بن محمد ، حدثنا هشام ، أخبرنا معمر ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة : أن فاطمة والعباس عليهما السلام أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهما حينئذ يطلبان أرضيهما من فدك وسهمهما من خيبر ، فقال لهما أبو بكر : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لا نورث ما تركنا صدقة ، إنما يأكل آل محمد من هذا المال . قال أبو بكر : والله لا أدع أمرا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنعه فيه إلا صنعته قال : فهجرته فاطمة فلم تكلمه حتى ماتت ) ! ! انتهى .
فالويل ثم الويل لمن أغضبها وآذاها . اللهم العن ظالمي فاطمة الزهراء ( ع ) ومؤذيها وأنزل بهم أشد العذاب .
وبالإضافة إلى ما ذكره أخونا الفاطمي العزيز من تصريح ابن ميثم برأيه ، فإن لدي كلاماً على فرض عدم تصريح ابن ميثم أيضاً ، وهو أن رواية ابن ميثم التي نقلها عن ابن أبي الحديد عن الجوهري هي من باب الاستشهاد لأخذ بعض مضمونها لا الالتزام بكل ما جاء فيها ، والرواية على فرض قصد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 355 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الإلزام ضعيفة السند ، فلا يصح إلزام الشيعة بها ، كما أنه لم يظهر من قول ابن ميثم أنه قبل بكل مضمونها حتى يقال أن بعض المصادر الشيعية ذكرت أن فاطمة رضيت بذلك ! ! ألا ترى أننا نستشهد من البخاري بحديث طويل للاحتجاج بمقطع صغير فيه ، مع أننا لا نقبل باقي مضمونه غير المقبول !
كما أنه لا يصح قياس رواية ابن ميثم الضعيفة بما كان صحيحاً عندكم ودل على أن الزهراء ( ع ) كانت غاضبة على أبي بكر حتى وفاتها . . . الخ .
* وكتب الموسوي بتاريخ 6 - 2 - 2000 ، الخامسة وتسع دقائق مساءً :
أما قول الزميل الحوت : ( ها هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكما تذكره كتبكم أيضاً يوم تولى الخلافة كما ذكره السيد المرتضى الملقب بعلم الهدى إمام الشيعة : إن الأمر لما وصل إلى علي بن أبي طالب كُلَّم في رد فدك ، فقال : إني لأستحي من الله أن أرد شيئاً منعه أبو بكر وأمضاه عمر ) . . الشافي للمرتضى ص 231 .
فأقول : كتاب الشافي مطبوع في أربعة أجزاء ولم أجد المقطع الذي تشير إليه من خلال رقم الصفحة 231 ، في أي واحدة من الأجزاء الأربعة فالرجاء أن تتأكد من مصدرك أكثر ! وسأطلب منك في المرة القادمة أن ترشدنا إلى المصدر بشكل صحيح حتى لا تضيع وقتنا في البحث عن عبارة ضمن أربعة أجزاء . فقد وجدت المقطع المذكور في الجزء الرابع ص 76 ، ولكن سند الرواية ينتهي إلى عائشة كما أورده الشريف المرتضى فراجع ج 4 ص 69 ، 70 ، 73 - 74 . وقد صرح المرتضى أنه يورد الرواية من باب الاحتجاج ، فقد قال احتجاجاً على كلام القاضي عبد الجبار المعتزلي : فأما قوله أي القاضي عبد الجبار : ( إن فاطمة عليها السلام لما سمعت ذلك ( أي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 356 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
حديث نحن معاشر الأنبياء لا نورث ) كفت عن الطلب فأصابت أولاً وأصابت آخراً ) فلعمري أنها كفت عن الطلب الذي هو المنازعة والمشاحة لكنها انصرفت مغضبة متظلمة متألمة ، والأمر في غضبها وسخطها أظهر من أن يخفى على منصف ، فقد روى أكثر الرواة الذين لا يتهمون بتشيع ولا عصبية فيه من كلامها عليها السلام في تلك الحال ، وبعد انصرافها عن مقام المنازعة والمطالبة ما يدل على ما ذكرناه من سخطها وغضبها ، ونحن نذكر ذلك ما يستدل به على صحة قولنا .
ثم أورد الشريف المرتضى بإسناده عن المرزباني عن عائشة قصة الحوار الدائر بين فاطمة الزهراء ( ع ) وأبي بكر . . ألا يعد بتر هذا المقطع من الرواية من مجمل كلام ورواية الشريف المرتضى ، لتجعله اعترافاً من أهل البيت ( ع ) برضاهم عن فعل أبي بكر . . نوعاً من التدليس والتحريف ؟ ! !
ولكن هذا التعجب من الزميل الحوت بعد أن قام الأخ العزيز العلوي بفضح طريقة اقتطاع العبارات من موقع " اسلام ويب " الناصبية ثم إنزالها هنا ، وأنها من بحث وتحقيق كاتبها ! وذلك الموقع دأبه الكذب والتدليس والتحريف ، ومن الطبيعي أن يتصف موضوع الزميل الحوت بنفس السمة لأن الوباء قد أعداه ، وأمراض ذلك الموقع سارية ومعدية ! . . .
* *
* وكتب الموسوي بتاريخ 6 - 2 - 2000 ، الخامسة وعشر دقائق مساءً : القسم الثالث : وهو المخصص لكلام الزميل الفاضل محمد إبراهيم . . .
أما قول الزميل محمد إبراهيم : والسؤال الكبير الذي يتبادر إلى الذهن ويجب على كل من يدّعي مظلومية فدك أن يجيب عليه بالأدلة والمسانيد ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 357 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
هو السؤال التالي : إذا كان سيدنا أبو بكر قد اغتصب فدك كما تدعي الشيعة وكذلك سيدنا عمر وسيدنا عثمان ، فهل أعاد سيدنا علي حينما وُلي الخلافة فدك إلى ولد فاطمة عليها السلام ؟ " .
التعليق : أورد الشيخ الصدوق في كتابه علل الشرائع ص 154 باب 124 ( العلة التي من أجلها ترك أمير المؤمنين فدك لما ولي الناس ) . . الأحاديث التالية . . . حدثنا أحمد بن علي بن إبراهيم بن هاشم رحمه الله ، قال : حدثنا أبي ، عن أبيه إبراهيم بن هاشم ، عن محمد بن أبي عمير ، عن إبراهيم الكرخي قال : سألت أبا عبد الله ( ع ) فقلت له : لأي علة ترك علي بن أبي طالب ( ع ) فدك لما ولي الناس ؟ فقال ( ع ) : للاقتداء برسول الله ( ص ) لما فتح مكة ، وقد باع عقيل بن أبي طالب داره ، فقيل له : يا رسول الله ( ص ) ألا ترجع إلى دارك ؟ فقال ( ص ) : وهل ترك عقيل لنا داراً ! ! إنا أهل بيت لا نسترجع شيئاً يؤخذ منا ظلماً ، فلذلك لم يسترجع فدك لما ولي .
والآن ينتقل دورنا لتوجيه الأسئلة ونحن في انتظار من يجيب عنها :
- كيف ورثت عائشة بيت النبي ( ص ) ومنعت الإمام الحسن ( ع ) من الدفن بجوار جده ؟
- لماذا لم يطبق أبو بكر الحديث الذي ادعى سماعه بشخصه عن النبي ( ص ) : نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة ، على عائشة وبقية زوجات النبي ( ص ) ، وطبقه على الزهراء ( ع ) فقط ؟ ! !
- كيف طالب أبو بكر الزهراء عليها السلام البينة على النحلة ، ولم يطالب أحداً من الصحابة البينة على الدين أو العدة ؟ ! !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 358 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أورد البخاري في صحيحه ما يلي : ( 2132 - حدثنا علي بن عبد الله ، حدثنا سفيان ، حدثنا عمرو ، سمع محمد بن علي ، عن جابر ابن عبد الله رضي الله عنهم ، قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : لو قد جاء مال البحرين قد أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا ، فلم يجئ مال البحرين حتى قبض النبي صلى الله عليه وسلم , فلما جاء مال البحرين أمر أبو بكر فنادى : من كان له عند النبي صلى الله عليه وسلم عدة أو دين فليأتنا ، فأتيته فقلت : إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لي كذا وكذا ، فحثى لي حثية فعددتها فإذا هي خمس مائة وقال خذ مثليها ) . انتهى . فلماذا لم يطالبه البينة على هذه العدة ؟ ! والأسئلة في هذا المجال كثيرة . . وهناك المزيد وأنا في انتظار المجيب ! !
* وكتب ذو الشهادتين في 9 - 2 - 2000 ، الثانية عشرة صباحاً :
أحسنت أخي العزيز الموسوي على هذا الجهد الطيب . جعله الله لك في ميزان أعمالك إن شاء الله . . .
لي مداخلة بسيطة بشأن عدم إرجاع الإمام علي ( ع ) فدكاً عندما تولى الخلافة : يقول أمير المؤمنين في رسالته التي كتبها إلى عثمان بن حنيف ( عامله على البصرة ) : ( بلى ! كانت في أيدينا فدك من كل ما أظلته السماء ، فشحًت عليها نفوس قوم ، وسخت عنها نفوس قوم آخرين ، ونعم الحكم الله . . . ) .
سؤال بسيط : ألم يرجع الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز فدكاً إلى أحفاد الزهراء ؟ ؟ أليس في إرجاعه فدكاً دلالة على اغتصابها من أصحابها الشرعيين ( أهل بيت النبي ) من قبل أبي بكر وأعوانه ؟ ؟ ! انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 359 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
* قال العاملي : وغاب الحوت في بحره ، وأخذ معه محمد إبراهيم !
* *
* وكتب الفاطمي في الموسوعة الشيعية ، بتاريخ 14 - 1 - 1999 ، الواحدة صباحاً ، موضوعاً بعنوان ( إلى عبد الله الحوت ، رداً على موضوعه : هذه حقيقة مظلومية فدك ) ، قال فيه :
الزميل عبد الله الحوت حياك الله . . . قلت : ولكن دعنا بداية نوجزها بشكل صحيح وهي : أنه لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وبويع الخليفة الراشد الصديق بالخلافة جاءته فاطمة رضي الله عنها تسأل ميراثها من رسول الله صلى الله عليه وسلم مما أفاء الله عليه من فدك ( هي قرية بخيبر وقيل بناحية الحجاز فيها عين ونخل وهي مما أفاء الله على نبيه صلى الله عليه وسلم . . لسان العرب : 10 / 473 ) فأجابها أبو بكر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( لا نورث ، ما تركنا فهو صدقة إنما يأكل آل محمد من هذا المال يعني مال الله وإني والله لا أغير شيئاً من صدقات النبي صلى الله عليه وسلم . . التي كانت عليها في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولأعملن فيها بما عمل فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال : والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلي من أصل قرابتي . فتراجعت فاطمة رضي الله عنها ولم تتكلم في هذا الأمر حتى ماتت ) .
أقول : أولاً : قال البخاري : مناقب فاطمة عليها السلام . لاحظ جيداً
يا لزميل قال البخاري بينما تقول أنت : فاطمة رضي الله
عنها . فلماذا لا تقول : فاطمة عليها السلام ؟ ولماذا تصر على تصغير شأنها
عليها السلام ؟ ! صحيح البخاري ، ج 5 ، كتاب فضائل أصحاب النبي ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 360 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
باب 61 مناقب فاطمة عليها السلام : وقال النبي صلى الله عليه ( وآله ) وسلم فاطمة سيدة نساء أهل الجنة ، ص 96 .
ثانياً : لِم لم تذكر من الراوي لهذه الرواية ، وفي أي صحيح ، أو أي كتاب ؟ ! ومن أين أتيت بقولك : ( فتراجعت فاطمة رضي الله عنها ولم تتكلم في هذا الأمر حتى ماتت ) . ففي البخاري : ح 1574 - كتاب الفرائض - باب : قول النبي صلى الله عليه ( وآله ) وسلم : لا نورث ما تركناه صدقة ، ج 8 ، ص 551 ، ط / دار القلم : ( فهجرته فاطمة فلم تكلمه حتى ماتت ) . وأيضاً في البخاري : ح 1265 - كتاب الخمس ، باب فرض الخمس : 4 / 504 : ( فغضبت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه ( وآله ) وسلم فهجرت أبا بكر فلم تزل مهاجرته حتى توفيت ) . وأيضاً في البخاري : ح 704 ، كتاب المغازي ، باب غزوة خيبر ، ج 5 ، ص 252 : ( فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة شيئاً فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك فلم تكلمه حتى توفيت وعاشت بعد النبي صلى الله عليه وسلم ستة أشهر فلما توفيت دفنها زوجها علي ليلاً ولم يؤذن بها أبو بكر وصلى عليها ) . فمن أين أيها الزميل أتيت بقولك : ( فتراجعت فاطمة رضي الله عنها ولم تتكلم في هذا الأمر حتى ماتت ) ؟ وهل هذا إيجازك بالشكل الصحيح ؟ ؟ وهل ترى التدليس والكذب هو الصحيح ؟ ؟
قلت أيها الزميل : حتى أن بعض المصادر الشيعية تذكر أن فاطمة رضيت بذلك كما يذكر ابن الميثم الشيعي في شرح نهج البلاغة ( أن أبا بكر قال لها إن لك ما لأبيك ، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذ من فدك قوتكم ويقسم الباقي ويحمل منه جزء في سبيل الله . ولك على الله أن أصنع
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 361 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كما كان يصنع ، فرضيت بذلك ، أخذت العهد عليه به . . . شرح نهج البلاغة لابن الميثم البحراني ج 5 ص 107 ط . طهران . انتهى .
أقول : كان عليك أن تذكر ما قال البحراني قبل قوله الذي أوردته ، ولا تذكر الذي يوافق هواك وتترك الباقي ، عموماً سوف أورده لك . . قال البحراني : واعلم أن فدك كانت خاصة لرسول الله ( ص ) وذلك لأنه لما فرغ من أمر خيبر قذف الله في قلوب أهل فدك الرعب فبعثوا إليه ( ص ) يصالحونه على النصف فقبل ذلك منهم فكانت له خاصة إذ لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب ( ثم المشهور بين الشيعة والمتفق عليه عندهم ) أن رسول الله ( ص ) أعطاها فاطمة ( ع ) ، ورووا ذلك من طرق مختلفة : منها عن أبي سعيد الخدري قال : لما نزلت : ( وآت ذي القربى حقه ) أعطى رسول الله ( ص ) فاطمة ( ع ) فدكاً . فلما تولى أبو بكر الخلافة عزم على أخذها منها ، فأرسلت إليه تطلبه بميراثها من رسول الله ( ص ) وتقول : إنه أعطاني فدك في حياته واستشهدت على ذلك علياً ( ع ) ، واستشهدت في ذلك علياً وأم أيمن فشهدا لها بها ، فأجابها عن الميراث بخبر رواه هو : نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه من صدقة . ( شرح نهج البلاغة لابن ميثم البحراني ج 5 ، ص 104 و 105 ) . ثم ذكر ابن ميثم البحراني خطبة الزهراء سلام الله عليها وفي ختام الخطبة قال : ( ثم رجعت إلى بيتها وأقسمت أن لا تكلم أبا بكر و لتدعون الله عليه ، ولم تزل كذلك حتى حضرتها الوفاة فأوصت أن لا يصلي عليها فصلى عليها عباس ودفنت ليلاً ) . وبعدها قال ابن ميثم البحراني مباشرة : ( وروي ) . ثم ذكر ما قلته أيها الزميل بعد عدة أسطر ! ! فأقول أيها الزميل : بالبداية ذكر البحراني أن المشهور بين الشيعة والمتفق عليه بينهم أن رسول الله أعطاها
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 362 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
( فدك ) . ثم ذكر البحراني في ختام الخطبة أن فاطمة عليها السلام أقسمت أن لا تكلم أبا بكر و لتدعون الله عليه وأوصت أن لا يصلي عليه أبا بكر ودفنت ليلاً ! ! فلماذا لم تذكر أيها الزميل أقوال البحراني مما يلغي ما ترنو إليه وتضاد رأيك ؟ وهل تريد أن توهم القراء بأن ما ذكرته هو الحق ؟ وإن الشيعة كذابين ؟ وأما بالنسبة لإيراد البحراني ما ذكرته أنت فهو لإثبات أمانة نقل الأقوال وليس إلا ، ولبيان إن هذا القول مما لا تعتقد به الشيعة ولذلك قال : ( وروى ) .
قلت يا لحوت : ولكن أصحاب الأهواء لم يرضوا بذلك فراح و يؤلفون الروايات التي تظهر أن أبا بكر قد ظلم فاطمة ، ومنهم المجلسي الذي كان لا يذكر أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وأعقبه بلعن أو فسق . ( حق اليقين للمجلسي ص 193 ) .
أقول : لقد أثبتنا ومن صحيح البخاري أن فاطمة الزهراء سلام الله عليها هجرت أبا بكر ولم تكلمه حتى توفيت ، وأمرت أن تدفن ليلاً وأن لا يصلي عليها أبو بكر ، وكل هذا لأنها كانت تشعر بالظلم الواقع من قبل أبي بكر ! فلماذا يا لحوت تكذب على المجلسي وعلماء الشيعة بقولك : فراحوا يؤلفون الروايات التي تظهر أن أبا بكر قد ظلم فاطمة ؟ !
وإذا كان ما تقول حقاً فإن علماء السنة كذابون أيضاً ومنهم البخاري ل
أنهم أثبتوا ظلم أبي بكر لفاطمة الزهراء سلام الله عليها .
قلت : لذلك يذكرون أن أبا بكر استولى على فدك ليفقر فاطمة ولا يبقى
لهم شئ ، ولا يطمع فيهم الناس وتبطل خلافتهم ، ووضعوا من أجل ذلك
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 363 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الروايات . أنظر : الأصول من الكافي : باب فضل العلم وفضل العلماء ج 1 ص 32 ، الأصول
من الكافي : باب ثواب العالم والمتعلم ج 1 ص 34 .
أقول : أيها الحوت من أين أخذت قولك هذا ؟ ومن الذي أخبرك بأنه في باب صفة العلم وفضله وفضل العلماء ( ج 1 / 32 ) وفي باب ( ثواب العالم والمتعلم ) توجد روايات أن أبا بكر استولى على فدك ليفقر فاطمة عليها السلام ؟ ! ففي ( باب صفة العلم وفضله وفضل العلماء ) : توجد 9 روايات ليس فيها ما قلت . وكلها عن العلم وفضله . وفي باب ( ثواب العالم والمتعلم ) توجد 6 روايات وكلها عن ثواب العالم الذي يعلم الناس ويفقههم ! ! وهل نعتبر ما قلته تدليساً أو كذباً منك أيها الزميل ؟ ؟ وهل تريد إقناع القراء بقولك وآرائك عن طريق الكذب أو التدليس ؟ ؟
قلت يا لحوت : ثم أمر آخر يذكره الذين كتبوا حول هذه القضية وتناولوها بالدراسة والتمحيص وهي : أن كانت فدك ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم تكن فاطمة هي الوريثة الوحيدة بل كانت نساء الرسول ( عائشة وحفصة مثلاً ) أيضاً لهن حق الوراثة ، ولم يورث الصديق ولا الفاروق ابنتيهما . كذلك العباس عم النبي الله صلى الله عليه وسلم كان حياً وهو من ورثته بلا شك . ومع ذلك لم يرث .
أقول : نسيت أو تناسيت أو أنك لا تدري بأن فاطمة الزهراء عليها السلام كانت تطلب هي والعباس أرضيهما وسهميهما من خيبر ؟ ! روى البخاري عن أم المؤمنين عائشة أنها قالت : أن فاطمة والعباس عليهما السلام أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما من رسول الله صلى الله عليه ( وآله ) وسلم . ( وهما يطلبان أرضهما من فدك وسهمهما من خيبر ) . كتاب الفرائض - باب قول النبي صلى
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 364 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الله عليه وسلم لا نورث ما تركناه صدقة ، ج 8 ، ص 551 . فهل تقرأ يا لحوت ( وهما
يطلبان أرضهما من فدك وسهمهما من خيبر ) وهل تعرف معنى ما بين القوسين ؟ ؟ !
قلت يا لحوت : والأمر الأهم : ألا يعتقد الشيعة أن مذهبهم لا يورث المرأة من العقار والأرض شيئاً ؟ ولذلك فإن الكليني أي محدث الشيعة الذي يقول عنه الشيعة ( أنه كاف للشيعة ) قد عقد باباً مستقلاً في كتابه أسماه باب أن النساء لا يرثن من العقار شيئاً ) . ثم ذكر الروايات عن المؤيدة في ذلك . . الفروع من الكافي كتاب المواريث : 7 / 137 . انتهى .
أقول : أيها الحوت وما زلت تريد أن تلبس على القراء وتدلس في أقوالك ولكن خاب ظنك يا لحوت ، ولن أتكلم بما قاله المجلسي عن بعض الروايات التي تقصدها بأنها مجهولة ، ولكن أقول : ما معنى المرأة بالميراث ؟ وهل تعني ( المرأة ) غير الزوجة ؟ قال المجلسي في مرآة العقول شرح الكافي - باب أن النساء لا يرثن من العقار شيئاً - كتاب المواريث ج 23 ، ص 187 . وقال في المسالك : اتفق علماؤنا إلا ابن جنيد على حرمان ( الزوجة ) في الجملة من أعيان التركة . وقال المجلسي في ص 188 : وأما من يحرم من ( الزوجات ) فاختلف فيه أيضاً .
فهل عرفت يا لحوت معنى والمقصد من كلمة المرأة في المواريث ؟ ! ففاطمة الزهراء عليها السلام بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وليست امرأته . فلا ينطبق عليها هذا الحكم لأنه مخصص للمرأة والتي هي الزوجة يا لحوت . . .
قلت يا لحوت : ثم ها هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكما تذكره
كتبكم أيضاً يوم تولى الخلافة كما ذكره السيد المرتضى الملقب بعلم الهدى
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 365 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إمام الشيعة : أن الأمر لما وصل إلى علي بن أبي طالب كُلَّم في رد فدك فقال : إني لأستحي من الله أن أرد شيئاً منعه أبو بكر وأمضاه عمر . الشافي للمرتضى ص 231 . أيضاً : شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج 4 .
أقول : حدد رقم الصفحة لنرد عليك ، ونرجو أن لا تكون قد بترت الرواية ، وأن تكون معتمدة من قبل علمائنا ومتفقين عليها ! ! هذا ما قاله ابن أبي الحديد عن جميع الروايات التي أوردها في هذا الفصل ، وهي من روايات أهل الحديث ( السنة ) وبالذات أبي بكر الجوهري ، ومن جملتها الروايتان التي أوردتهما أنت لتستدل وتدلس وتلبس على القراء ، فهل هذه أمانتك في النقل يا لحوت ؟ فكيف تحتج بكتبكم علينا ؟ ولماذا لم تذكر عن الروايتين بأنهما من كتاب السقيفة لأبي بكر الجوهري ؟ ! وهل ابن أبي الحديد شيعي وعلى مذهب أهل البيت لكي تحجنا بقوله ؟ ! . . . إذا أردت أن تكتب وتناقش فيجب أن تكون أميناً في نقلك للأقوال والروايات . . .
السلام عليك يا بنت رسول الله السلام عليك يا بنت نبي الله .
السلام عليك يا بنت حبيب الله السلام عليك يا بنت خليل الله .
السلام عليك يا سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين .
السلام عليك يا أم الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة .
* فكتب الأشتر بتاريخ 14 - 1 - 2000 ، الثامنة صباحاً :
أحسنت سيدنا الفاطمي ( متخصص في قضايا الدفاع عن الزهراء ) . . .
* وكتب مالك الأشتر بتاريخ 14 - 1 - 2000 ، السادسة مساءً :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 366 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
حياك الله وبياك ، وحيا هذا القلم العلوي الشريف . وفقك الله وحشرك مع أجدادك الطاهرين . أما بخصوص الحوت فإنك لم تجب على ما أثبته لك الشريف الفاطمي من الكذب والتدليس لا بعذر ولا بغير عذر .
( ثم كتب الفاطمي بتاريخ 14 - 2 - 2000 ، السادسة مساءً :
اللهم صل على محمد وآل محمد .
وما زلنا لم نر الرد ، فهل سنراه ؟ !
السلام عليك يا بضعة المصطفى يا فاطمة الزهراء . انتهى .
* قال العاملي : وغاب الحوت في ظلمات البحر ، ولم يظهر ! !
* *

الخطبة النارية للصديقة الزهراء في المسجد النبوي . .

* كتب السيد محمد العلي بتاريخ 28 - 8 - 1999 ، موضوعاً بعنوان
( خطبتان لسيدة نساء العالمين ) :
خطبتان للسيّدة فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وآله
تحقيق الدكتور الفاضل محمود محمد الطناحي ، ضمن كتاب منال الطالب في شرح طوال الغرائب ، لابن الأثير مجد الدين المبارك بن محمد - 544 - 606 ه‍ ( طبع في الصفحات ) 501 - 534 ، وهو الكتاب الثامن من سلسلة ( من التراث الإسلامي ) منشورات مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي ، بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية ، بجامعة أمّ القرى بمكّة المكرّمة ، بالمملكة العربية السعودية .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 367 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال ابن الأثير بعد إيراده الخطبة : هذا الحديث أكثر ما يروى عن طريق أهل البيت , وإن كان قد روي عن طرق أخرى أطول من هذا وأكثر . والمحقق الفاضل عزاه إلى غريب الحديث لابن قتيبة : 1 / 590 ، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 16 / 211 و 249 و : 6 / 43 وقال : أنظر الفائق للزمخشري : 4 / 116 ، وبلاغات النساء لابن أبي طيفور ص 16 ، ولهذه الخطبة الغرّاء مصادر وفيرة , إليك منها : كتاب فقيه من لا يحضره الفقيه للمحدث الشيخ محمد بن علي المعروف بالصدوق - ت 381 ه‍ ، وانظر شرحه المسمى روضة المتقين للمجلسي الأول - ت 1070 ه‍ ، وعلل الشرائع للصدوق أيضاً . والشافي في الإمامة للسيد الشريف المرتضى علي بن الحسين - ت 436 ه‍ ، ودلائل الإمامة للطبري محمد بن جرير بن رستم - ت 310 ه‍ ، وكشف الغمة للأربلي - القرن السادس ، والطرائف من مذاهب الطوائف لابن طاوس الحلي علي بن موسى بن جعفر - ت 664 ه‍ ، والاحتجاج على أهل اللجاج للطبرسي - القرن الثامن . ونثر الدر للآبي . وتنتهي أسانيد الرواية إلى عدد من الرواة , منهم زينب الكبرى بنت علي وفاطمة ، والحسين الشهيد ، والباقر عليهم السلام ، وابن عباس ، وعبد الله بن الحسن المثنى ، وعائشة بنت أبي بكر . وقد انتخبنا النص من طبعة الدكتور الطحان في أصل ما نقدمه هنا , إلا أنا أكملناه بما يلزم من المصادر الأخرى , واضعين المضافات بين الأقواس تمييزاً لها , ونسأل الله أن يتقبل من الجميع ما يقدمه إلى الحق والعلم من خدمات إنه قريب مجيب .
الخطبة الأولى : في مسجد الرسول صلى الله عليه وآله
قالت زينب بنت علي بن أبي طالب : لَمّا بلغ فاطمة إجْماَع أَبي بَكْرٍ عَلى مَنْعها حقَّها من فَدَكٍ , لاثَتْ خِمارَها وَاشْتَمَلَتْ بِجِلْبابِها ، وَأَقْبَلَتْ في لُمَّةٍ مِنْ حَفَدَتِها وَنِساءِ قَوْمِها تجُرُّ أدْراعَها ، وتَطَأُ ذُيُولَها ، لا تَخْرِمُ مِشْيَتُها مِشْيَةَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله , حَتَّى دَخَلَتْ عَلى أبِي بَكْرٍ ، وَهُوَ فِي حَشَدٍ مِنَ المُهاجِرِينَ وَالأَنْصارِ وَغَيْرِهِمْ . فَنِيطَتْ دُونَها مُلاءَةٌ ، فَجَلَستْ ثُمّ أنَّتْ أنَّةً أجْهَشَ لَها القَوْمُ بِالْبُكاءِ والنحيب ، فَارْتَجَّ الَمجْلِسُ ، ثُمَّ أمْهَلَتْ هُنَيَّةً حَتّى إِذا سَكَنَ نَشِيجُ القَوْمِ وهَدَأتْ فَوْرَتُهُمْ وسكنت روعتهم ، افْتَتَحَتِ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 368 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الكَلامَ بالِحَمْدِ للهِ وَالثَّناءِ عَلَيْهِ ، وَالصَلاةِ عَلى رَسُولِهِ في كلام طويل من الثناء والتحميد ، فَعادَ الَقْومُ فِي بُكائِهِمْ ، فَلمَّا أمْسَكُوا عَادَتْ فِي كَلامِها فَقَالَتْ عليها السلام :
أبْتدئُ بحمدِ مَنْ هو أوْلى بالحمدِ والطولِ والمجدِ . الحَمْدُ للهِ عَلى ما أنْعَمَ ، وَلَهُ الشُكْرُ عَلى ما ألْهَمَ ، والثَناءُ بِما قَدَّمَ ، مِنْ عُمُومِ نِعَمٍ ابْتَدَأها ، وَسُبُوغُ آلاءٍ أسْداها ، وَتَمامٍ مِنَنٍ والاها ، جَمَّ عَنِ الإِحْصاءِ عَدَدُها ، وَنَأى عَنِ الجَزاءِ أمَدُها ، وَتَفاوَتَ عَنِ الإِدْراكِ أبَدُها ، وَنَدَبَهُمْ لاِسْتِزادَتِها بِالشكْرِ لاتّصالِها ، وَاسْتَحْمَدَ إلى الخَلائِقِ بِإِجْزالِها ، وَثنّى بِالنَّدْبِ إلى أمْثالِها .
وَأشْهَدُ أنْ لا إلهَ إلاّ اللهُ ، وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ ، كَلِمَةٌ جَعَلَ الإخْلاصَ تَأويلَها ، وَضَمّنَ القُلُوبَ مَوْصُولَها ، أنارَ فِي الَفِكَرِ مَعْقُولَها . المُمْتَنِعُ مِنَ الأَبْصارِ رُؤْيَتُهُ ، وَمِنَ الأَلْسُنِ صِفَتُهُ ، وَمِنْ الأَوْهامِ صِفَتُهُ . ابْتَدَعَ الأَشْياءَ لا مِنْ شَئ كانَ قَبْلَها ، وَأنْشَأها بِلا احْتِذاءِ أمْثِلَةٍ امْتَثَلَها , كَوَّنَها بِقُدْرَتِهِ ، وذَرَأها بِمَشِيَّتِهِ مِنْ غَيْرِ حاجَةٍ مِنْهُ إِلى تَكْوِينِها ، وَلا فَائِدَةٍ لَهُ فِي تَصْوِيرِها إلاّ تَبْيِيناً لِحِكْمَتِهِ ، وَتَنْبِيهَاً عَلى طَاعَتِهِ ، وَإظْهارَاً لِقُدْرَتِهِ ، وَتَعَبُّدَاً لِبَرِيَّتِهِ ، وَإعْزازَاً لِدَعْوَتِهِ . ثُمَّ جَعَلَ الثَّوابَ عَلى طَاعَتِهِ ، وَوَضَعَ العِقابَ عَلى مَعْصِيَتِهِ ذِيادَةً لِعِبادِهِ عَنْ نِقْمَتِهِ ، وحِياشَةً لَهُمْ إلى جَنَّتِهِ .
وَأشْهَدُ أنَّ أَبي مُحَمّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، اخْتَارَهُ وَانْتَجَبَهُ قَبْلَ أنْ أرْسَلَهُ ، وَسَمَّاهُ قَبْلَ أنْ إجْتَبَلَهُ ، وَاصْطَفَاهُ قَبْلَ أنْ ابْتَعَثَهُ إِذِ الخَلائِقُ بِالْغَيْبِ مَكْنُونَةٌ ، وَبِسَتْرِ الأهاوِيلِ مَصُونَةٌ ، وَبِنهايَةِ الْعَدَمِ مَقْرُونَةٌ ، عِلْماً مِنَ اللهِ تَعالَى بِمآئِلِ الأُمُورِ ، وَإِحاطَةً بِحَوادِثِ الدهُورِ ، وَمَعْرِفَةً بِمَواقِعِ المقدُورِ .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 369 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ابْتَعَثَهُ اللهُ إتْماماً لأَمْرِهِ ، وَعَزِيمَةً عَلى إِمْضاءِ حُكْمِهِ ، وَإنفاذَاً لِمَقَادِيرِ حَتْمِهِ ، فَرَأى الأُمَمَ فِرَقاً فِي أدْيانِها ، عُكَّفاً عَلى نِيرانِها ، عَابِدَةً لأِوْثانِها ، مُنْكِرَةً للهِ مَعَ عِرْفانِها ، فَأنارَ اللهُ بِأَبي مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله ظُلَمَها ، وَكَشَفَ عَنِ القُلُوبِ بُهَمَها ، وَجَلا عَنِ الأَبْصارِ عَمَهَا ، وعن الأنْفُس غُمَمَها ، وَقامَ فِي النَاسِ بِالهِدايَةِ ، فَأنْقَذَهُمْ مِنَ الغَوايَةِ ، وَبَصَّرَهُمْ مِنَ العَمايَةِ ، وَهَداهُمْ إلى الدينِ القَويِمِ ، وَدَعَاهُمْ إِلى الصراطِ المُسْتَقِيمِ .
ثُمَّ قَبَضَهُ اللهُ إلَيْهِ قَبْضَ رَأفَةٍ وَاخْتِيارٍ ، وَرَغْبَةٍ وَإيثارٍ ، فَمُحَمَّدٌ صلى الله عليه وآله فِي راحَةٍ مِنْ تَعَبِ هذِهِ الدّارِ ، مَوضُوعَاً عَنْهُ أعْباءُ الأَوْزارِ ، وَمَحْفُوفَاً بِالْملاَئِكَةِ الأَبْرارِ ، وَرِضْوانِ الربِّ الغَفَّارِ ، وَمُجاوَرَةِ المَلِكِ الجَبَّارِ ، صَلَّى الله على أبي نَبِيِّهِ وَأمِينِهِ عَلى الَوحْي وَصَفِيهِ ، وَخِيَرَتِهِ مِنَ الخَلْقِ وَرَضِيّهِ ، وَالسَّلامُ عَلَيْهِ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ .
ثمّ التفتت عليها السلام إلى أهل المجلس وقالت : وأنْتُم عِبادَ اللهِ نَصْبُ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ ، وَحَمَلَةُ دِينِهِ وَوَحْيِهِ ، وَأُمَناءُ اللهِ عَلى أنْفُسِكُمْ ، وَبُلَغاؤُهُ إلى الأُمَمِ حولكم ، زَعِيمُ حَقّ لهُ فيكُمْ ، وَعَهْدٌ قَدَّمَهُ إلَيْكُمْ . . وَنحن بَقِيَّةٌ اسْتَخْلَفَها عَلَيْكُمْ ، ومعنا كِتابُ اللهِ النَّاطِقُ ، وَالقُرآنُ الصَّادِقُ ، وَالضياءُ اللاَّمِعُ ، بَيّنَةٌ بَصائِرُهُ ، مُنْكَشِفَةٌ سَرائِرُهُ ، مَتَجَليَّةٌ ظَواهِرُهُ ، مُغْتَبِطَةٌ بِهِ أشْياعُهُ ، قَائِدٌ إلى الرضْوانِ أتْباعُهُ ، مُؤَدٍّ إلى النَجاةِ اسْتِماعُهُ , بِهِ تُنالُ حُجَجُ اللهِ المُنَوَّرَةُ ، وعَزَائِمُهُ المُفَسَّرَةُ ، وَمَحارِمُهُ الُمحَذَّرَةُ ، وَبَيناتُهُ الجَالِيَةُ ، وَبَراهِينُهُ الكَافِيَةُ ، وَفَضَائِلُهُ المَنْدُوبَةُ ، وَرُخَصُهُ المَوْهُوبَةُ ، وَشَرائِعُهُ المَكْتُوبَةُ . فَجَعَلَ اللهُ الإيمانَ تَطْهِيراً لَكُمْ مِنَ الشركِ ، وَالصَلاةَ تَنْزِيَهاً لَكُمْ عَنِ الكِبْرِ ، وَالزَّكاةَ تَزْكِيَةً لِلنَّفْسِ وَنَماءً فِي الرزْقِ ، وَالصيامَ تَثْبِيتا لِلإِخْلاصِ ، وَالحَجَّ تَشْيِيداً
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 370 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لِلدينِ ، وَالعَدْلَ تَنْسِيقاً لِلْقُلُوبِ ، وَطَاعَتَنا نِظامَاً لِلْمِلَّةِ ، وَإمامَتَنا أمانَاً مِنَ الفُرْقَةِ ، وَالجِهادَ عِزَّاً لِلإِسْلامِ ، وَالصَّبْرَ مَعُونَةً عَلى اسْتِيجابِ الأَجْر , وَالأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ مَصْلَحَةً لِلْعامَّةِ ، وَبِرَّ الوَالِدَيْنِ وِقايَةً مِنَ السَّخَطِ ، وَصِلَةَ الأَرْحامِ منْسأةً في العمر ومَنْماةً لِلْعَدَدِ ، وَالقِصاصَ حَقْنَاً لِلدماءِ ، وَالوَفَاءَ بِالنَّذْرِ تَعْريضَاً لِلْمَغْفِرَةِ ، وَتَوْفِيَةَ المَكائِيلِ وَالمَوَازِينِ تَغْييراً لِلْبَخْسِ ، وَالنَّهْيَ عَنْ شُرْبِ الخَمْرِ تَنْزِيهَاً عَنِ الرجْسِ ، وَاجْتِنابَ القَذْفِ حِجابَاً عَنِ اللَّعْنَةِ ، وَتَرْكَ السرْقَةِ إيجابَاً لِلْعِفَّةِ ، وَحَرَّمَ الشرْكَ إخْلاصَاً له بِالربُوبِيَّةِ . . فَاتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إلاّ وَأنْتُمْ مُسْلِمُونَ . وَأطِيعُوا اللهَ فِي ما أمَرَكُمْ بِهِ وَنَهاكُمْ عَنْهُ ، فَإنَّهُ قال إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ العُلَماءُ . فاحْمَدُوا اللهَ الذي بِعَظمَتِهِ ونُوْرِهِ ابْتَغَى مَنْ في السَمَواتِ والأرْضِ إليه الوسيلةَ , فنَحْنُ وَسيلَتُهُ في خَلْقِهِ ونَحْنُ آلُ رسُولِهِ ، ونَحْنُ خاصَّتُهُ ، ومَحَلُّ قُدْسِهِ ، ونَحْنُ حُجَّةُ غَيْبِهِ ، ووَرَثَةُ أنْبِيائِهِ .
أيها النّاسُ : أنَا فَاطِمَةُ وَأبِي مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وآله ، أقُولُها حَقَّاً عَوْدَاً وَبَدْءاً ، ما أقُولُ إذ أقُولُ غَلَطَاً ، وَلاَ أفْعَلُ مَا أفْعَلُ سرفاً ولا شَطَطَاً . لَقَدْ جَاءَ كُمْ رَسُولٌ مِنَ أنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتمْ حَريصٌ عَلَيْكُمْ بِالمُؤْمِنينَ رَؤُوفٌ رَحيمٌ . فَإِنْ تَعْزُوهُ تَجِدُوهُ أبِي دُونَ نِسائِكُمْ ، وَأخا ابْنِ عَمي دُونَ رِجالِكُمْ ، وَلَنِعْمَ المَعْزِي إلَيْهِ صلّى الله عليه ، فَبَلَّغَ النذارَةَ صَادِعَاً بِالرسَالَةِ ، ناكباً عَنْ سنن المُشْرِكِينَ ، ضَارِباً لأثْباَجِهِمْ ، آخِذَاً بِأكْظامِهِمْ ، دَاعِيَاً إلى سَبِيلِ رَبّهِ بِالْحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ ، يَفُضُّ الهام ويجُذُّ الأَصْنامَ ، حَتّى انْهَزَمَ الجَمْعُ وَوَلَّوُا الدبُرَ ، وحَتَّى تَفَرَّى اللَّيْلَ عَنْ صُبْحِهِ ، وَأسْفَرَ الحَقُّ عَنْ مَحْضِهِ ،
وَنَطَقَ زَعِيمُ الدينِ ، وهدأتْ فَوْرةُ الكفْر ، وَخَرسَتْ شَقَاشِقُ الشَّياطِينِ ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 371 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وَطَاحَ وَشِيظُ النفاقِ ، وَانْحَلَّتْ عُقَدُ الكُفْرِ وَالشقَاقِ ، وَفُهْتُمْ بِكلِمَةِ الإِخْلاصِ ، فِي نَفَرٍ مِنَ البِيضِ الخِماصِ ، وَكُنْتُمْ عَلى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فأنْقَذَكُم منها بنبيّهِ , تعْبُدُونَ الأصْنامَ وتَسْتَقْسِمُونَ بالأزْلام مَذْقَةَ الشَّارِبِ ، وَنُهْزَةَ الطَّامِعِ ، وَقُبْسَةَ العَجْلانِ ، وَمَوْطِئَ الأَقْدامِ ، تَشْرَبُونَ الطَّرْقَ ، وَتَقْتَاتُونَ القدَّ والوَرَقَ ، أذِلَّةً خَاسِئِيَن ، تَخَافُونَ أنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِكُمْ ، فَأنْقَذَكُمُ اللهُ بِنبيّه صلى الله عليه وآله بَعْدَ اللَّتِيَّا وَالَّتيِ ، وَبَعْدَ ما مُنِيَ بِبُهَمِ الرجالِ ، وَذُؤْبانِ الَعَربِ ، وَمَرَدَةِ أهَلِ الكِتَابِ ، كُلَّما أوْقَدُوا نَاراً لِلْحَربِ أطْفَأها اللهُ ، أوْ نَجَمَ قَرْنٌ للضلالة ، أوَ فَغَرَتْ فَاغِرَةٌ المُشْرِكِينَ ، قَذََ أخَاهُ عليّاً فِي لَهَواتِها , فَلا يَنْكَفِئُ حَتّى يَطَأ ضِماخَها بِأخْمَصِهِ ، وَيُخْمِدَ لَهَبَها بِحدِّهِ , مَكْدُودَاً فِي طاعة اللهِ ورسوله ، مُجْتَهِدَاً فِي أمْرِ اللهِ ، قَرِيبَاً مِنْ رَسُولِ الله ، سَيّدَاً فِي أوْلِياءِ اللهِ ، مُشَمرَاً نَاصِحَاً مُجِدَّاً كَادِحَاً . . وَأنْتُمْ فِي بُلَهْنِيَةٍ وَادِعُونَ آمِنُونَ فرِحون ، وفي رَفَاهِيَة مِنَ العَيْشِ فَكِهُونَ , تأْكُلُون العَفْوَ وتشربُوْنَ الصَفْوَ ، تَتَوَكَّفُونَ الأخْبارَ ، وَتَنْكُصُونَ عِنْدَ النزالِ وَتَفِرونَ مِنَ القِتَالِ ! !
فَلَمّا اخْتارَ اللهُ لِنَبِيهِ دَارَ أنْبِيائِهِ ، وَمحلَّ أصْفِيائِهِ ، ظَهَرَتْ فِيكُمْ حَسِيْكَةُ النقاقِ ، وَإنْسَمَلَ جِلْبابُ الدينِ ، وأخْلقَ عهده ، وانتقضَ عقده , وَنَطَقَ كَاظِمُ ، وَنَبَغَ خَامِلُ , وَهَدَرَ فَنِيقُ الباطِلِ يخَطُرُ فِي عَرَصَاتِكُمْ ، وَأطْلَعَ الشّيطانُ رَأسَهُ مِنْ مَغْرِزِهِ ضارخاً بِكُمْ ، فَألْفاكُمْ لِدَعْوَتِهِ مُصيخينَ ، وَلِلْغِرَّةِ مُلاحِظِينَ ، واسْتَنْهَضَكُمْ فَوَجَدَكُمْ خِفافَاً ، وَأحْمَشَكُمْ فَألْفاكُمْ غِضابَاً ، فَوَسَمْتُمْ غَيْرَ إِبِلِكُمْ ، وأَورَدْتُموها غَيْرَ شِرْبِكُمْ .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 372 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
هَذا وَالعَهْدُ قَرِيبٌ ، وَالكَلْمُ رَحِيبٌ ، وَالجُرْحُ لَمّا يَنْدَمِلْ ، وَالرَّسُولُ لَمّا يُقْبَر ، بِدارَاً زَعَمْتُمْ خَوْفَ الفِتْنَةِ ! ألا فِي الفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِين .
هَيْهَاتَ مِنْكُمْ ؟ وَأينَ بِكُمْ ؟ وَأنَّى تُؤْفَكُونَ ؟ ! وَكِتَابُ اللهِ بَيْنَ أظْهُرِكُمْ ، أُمُورُهُ ظَاهِرَةٌ ، وَأحْكامُهُ زَاهِرَةٌ ، وزَوَاجِرُهُ قاهرة ، وَأوَامِرُهُ لاَئِحَةٌ ، وأدلته وَاضِحَةٌ ، وَأعْلامُهُ بَيّنةٌ ، قَدْ خَلَّفْتُمُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ ! ! أرَغْبَةً ويْحَكُمْ عَنْهُ تُدْبِرُونَ ؟ أمْ بِغَيْرِهِ تَحْكُمُونَ ؟ ! بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلاً . . وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينَاً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآَخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ .
ثُمَّ لَمْ تَلْبَثُوا بعد اجتهاد إِلاّ رَيْثَما سكنتَ نِفْرَتُها ، وَأسْلَسَ قِيادُها ، ثُمَّ أخَذْتُمْ تُورُونَ وَقْدَتَها ، وَتُهَيّجُونَ جَمْرَتَها ، وَتَسْتَجِيبُونَ لِهِتافِ الشَّيْطَانِ الغَوِيّ ، وَإطْفاءِ أنْوارِ الدّينِ الجَلِي ، وَإهْمادِ سُنَنِ النَبيّ الصَفِيّ ، تُسرِّونَ حَسْوَاً فِي ارْتِغَاءٍ ، وَتَمْشُونَ لأَهْلِهِ وَوُلْدِهِ فِي الخَمَر وَالضَّرآءِ ، وَنحن نَصْبِرُ مِنْكُمْ عَلى مِثْلِ حزّ المُدَى ، وَوَخْزِ السنانِ فِي الحَشَا ! وَأنْتُمْ الآنَ تَزْعَمُونَ أنْ لا إِرْثَ لَنَا ولاحظّ ! أفَحُكْمَ الجَاهِلِيَّةِ تَبْغُونَ وَمَنْ أحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمَاً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ! ! بَلى قَدْ تَجَلَّى لَكُمْ كَالشَّمْسِ الضَّاحِيَةِ أَني ابْنَتُهُ !
إيْهاً معاشر المُسْلِمينَ , أأبْتزُّ إِرْثِيَهْ ؟ يَا ابْنَ أبِي قُحافَةَ أفِي كِتابِ اللهِ أنْ تَرِثَ أباكَ وَلاَ أرِثُ أبِيَهْ ؟ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئَا فَرِيَّاً ! جرْأةً منكم على قطيعة الرحِم ونكْث العهْد , أفَعَلى عَمْدٍ تَرَكْتُمْ كِتابَ اللهِ وَنَبَذْتُمُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ إِذْ يَقُولُ : وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُد . وَقَالَ فِي ما اقْتَصَّ مِنْ خَبَرِ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيّا عليهما السّلام إِذْ قَالَ : فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ .
وَقَالَ : وأُولُوا الأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ . وَقَالَ : يُوصِيكُمُ اللهُ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 373 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فِي أوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظ الأُنْثَيَيْنِ . وَقَال : إِنْ تَرَكَ خَيْراً الوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقَّاً عَلى المُتَّقِينَ .
وَزَعَمْتُمْ أنْ لا حظْوَةَ لِي وَلا إِرْثَ مِنْ أبي ، وَلاَ رَحِمَ بَيْنَنَا ! أفَخَصَّكُمُ اللهُ بِآيَةٍ أخْرَجَ أبِي صلى الله عليه وآله مِنْها ؟ أمْ هَلْ تَقُولُونَ : إِنَّا أهْلُ مِلَّتَيْنِ لا يَتَوارَثانِ ؟ أوَلَسْتُ أنَا وَأبِي مِنْ أهْلِ مِلَّةٍ واحِدَةٍ ؟ ! أمْ أنْتُمْ أعْلَمُ بِخُصُوصِ القُرآنِ وَعُمُومِهِ مِنْ أبِي وَابْنِ عَمي ؟ !
فَدُونَكَهَا مَخْطُوْمَةً مَرْحُولَةً مزْمومةً , تكون معك في قبرك ، وتَلْقاكَ يَوْمَ حَشْرِكَ ، فَنِعْمَ الحَكَمُ اللهُ ، وَنعم الزَّعِيمُ مُحَمَّدٌ , وَالمَوْعِدُ القِيامَةُ ، وَعِنْدَ السَّاعَةِ يَخْسَرُ المُبْطِلُونَ . وَلِكُل نَبَأٍ مُسْتَقَر ، وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيِه وَيَحِل عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ !
ثُمَّ رَنَتْ عليها السلام بِطَرْفِها نَحْوَ الأَنْصارِ وَقَالَتْ :
يَا مَعْشَرَ النَّقِيبَة ِ ، وَأعْضادَ المِلَّةِ ، وَحَضَنَةَ الإسْلاَمِ : مَا هَذِهِ الغَمِيزَةُ فِي حَقّي ، وَالسِنَةُ عَنْ ظُلاَمَتِي ؟ ! أمَا قال رَسُولُ اللهِ أبِي : الْمَرْءُ يُحْفَظُ فِي وُلْدِهِ ؟ لَسَرْعانَ مَا أحْدَثْتُمْ ، وَعَجْلاَنَ ذَا إِهالَة ، وَلَكُمْ طَاقَةٌ بِما أُحاوِلُ ، وَقُوَّةٌ عَلَى مَا أطْلُبُ وَاُزاوِلُ ؟ ! أتَقُولُونَ مَاتَ مُحَمَّدٌ ؟ لعمري خَطْبٌ جَلِيلٌ اسْتَوْسَعَ وَهْيُهُ ، وَاسْتَنْهَرَ فَتْقُهُ ، وَفُقِد رَاتِقُهُ ، وَأظْلَمَتِ الأرْضُ لِغَيْبَتِهِ واكتأبت خِيَرةُ الله لِمُصِيبَتِهِ , وَخَشَعَتِ الجِبالُ ، وَأكْدَتِ الآَمالُ ، وَأُضِيعَ الحَرِيمُ ، وَاُزِيلَتِ الحُرْمَةُ ، فَتِلْكَ وَاللهِ النَّازِلَةُ الكُبْرى ، وَالمُصِيبَةُ العُظْمى ، لا مِثْلُها نَازِلَةٌ ، وَلا بائِقَةٌ عاجِلَةٌ ، أعْلَنَ بِها كِتابُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ في مَمْساكُمْ
وَمُصْبَحِكُمْ ، يَهْتِفُ بِهِ فِي أفْنِيَتِكُمْ هِتَافاً وَصُراخَا ، وَتِلاوَةً ، وَإلحاناً ، وَلَقَبْلَهُ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 374 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ما حَلَّ بِأنْبِياءِ اللهِ وَرُسُلِهِ ، حُكْمٌ فَصْلٌ وَقَضَاءٌ حَتْمٌ : وَما مُحَمَّدٌ إلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرسُلْ أفَإِنْ مَاتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرّ اللهَ شَيْئَاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرينَ .
إيْهاً بَنِي قَيْلَةَ ! أأُهْضَمُ تُراثَ أبِيَهْ ، وَأنْتُمْ بِمَرْأىً مِنّي وَمَسْمَعٍ وَمُنْتَدى وَمَجْمَعَ ؟ تَشْمَلُكُمُ الدَّعْوَةُ ، و تَلْبَسُكُمُ الحَيْرَةُ ، وفيكم العَدَدِ وَالعُدَّةِ وَلكم الدارُ وعندكم الجُنَنُ والأَداةُ وَالقُوَّةُ ، وَعِنْدَكُمُ السلاحُ , تُوافِيكُمُ الدَّعْوَةُ فَلا تُجِيبُونَ ، وَتَأتِيكُمُ الصَّرْخَةُ فَلا تُغِيثُونَ وَأنْتُمْ مَوْصُوفُونَ بِالْكِفاح ِ ، مَعْرُوفُونَ بِالْخَيْرِ وَالصَّلاحِ ، والنخْبَةُ الَّتي انتُخِبَتْ لنا أهل البيت ، وَالخِيَرَةُ الَّتي اخْتِيرَتْ فنابذتُمُ فينا صميم العَرَبَ ، وَتَحَمَّلْتُمُ الكَدَّ وَالتَّعَبَ ، وَنَاهضْتُمُ الأمَمَ ، وَكَافَحْتُمُ البُهَمَ ، لاَ نَبْرَحُ ولا تَبْرَحُونَ نَأمُرُكُمْ فَتْأتَمِرُونَ , حَتَّى إِذا دارَتْ بِنا رَحى الإسْلامِ ، وَدَّرَ حَلَبُ الأَيَّامِ ، وَخَضَعَتْ نخوة الشركِ ، وَسَكَنَتْ فَوْرَةُ الإِفْكِ ، وَهَمَدَتْ نِيرانُ الكُفْر وَهَدَأتْ روْعةُ الهَرْجِ ، وَاسْتَوْسَقَ نِظامُ الدينِ . فَأنّى حِرتُمْ بَعْدَ البَيَانِ ، وَأسْرَرْتُمْ بَعْدَ الإِعْلان ، وَنَكَصْتُمْ بَعْدَ الإقْدامِ وجَبُنْتُمْ بعدَ الشَجاعَةِ ، عن قوْمٍ نَكَثُوا أيْمانَهُمْ ، من بعد عَهْدِهِمْ وطَعَنُوا في دينكم . فقاتلُوا أئمّةَ الكُفْرِ إنّهُمْ لا أيْمانَ لَهُمْ لَعَلّهُمْ يَنْتَهُوْنَ . ألا تُقاتِلُونَ قَوْمَا نَكَثُوا أيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإخْراجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَؤُوكُمْ أوَّلَ مَرَّةٍ أتَخْشَوْنَهُمْ فَاللهُ أحَق أنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ .
ألا , قَدْ أرى والله أنْ قَدْ أخْلَدْتُمْ إلى الخَفْضِ ، وَأبْعَدْتُمْ مَنْ هُوَ أحَق بِالْبَسْطِ وَالقَبْضِ ، وَخُلِبتُمْ بِالدَّعَة ، نجَوْتُمْ مِنَ الضيقِ بِالسعَةِ ، فَمَجَجْتُمْ الذي عرفتُمْ ، وَدَسَعْتُمُ الَّذِي تَسَوَّغْتُمْ ، فَإِنْ تَكْفُرُوا أنْتُمْ وَمَنْ فِي الأرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللهَ لَغَنِي حَمِيدٌ .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 375 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ألا وَقَدْ قُلْتُ الذي قُلْتُ عَلى مَعْرِفَةٍ مِنّي بِالخِذْلَةِ الَّتِي خامَرَتْكُمْ ، وَالغَدْرَةِ الَّتِي اسْتَشْعَرَتْها قُلُوبُكُمْ ، وَلَكِنَّها فَيْضَةُ النَّفْسِ ، ومنية الغَيْظِ ، ونفْثَّةُ الصدْرِ ، ومعذرَةُ الحُجَّة ! ! فَدُونَكُمُوها فَاحْتَقِبُوها دَبْرَةَ الظَّهْرِ ، مَهِيْضَةَ العَظْمِ خَوْراءَ القناةِ , نَاقِبَةَ الخُفّ ، باقِيَةَ العارِ ، مَوْسُومَةً بِغَضَبِ اللهِ موصولةً بشَنارِ الأَبَدِ ، متصُلَةً بِنارِ اللهِ المُوقَدَةِ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأَفْئِدَةِ .
فَبِعَيْنِ اللهِ ما تَفْعَلُونَ ، واعملوا إنّا عاملون ، وَانْتَظِرُوا إنّا مُنْتَظِرُونَ ، وَأنا ابْنَةُ نَذِيرٍ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ . فكِيْدُوني جَمِيْعاً ثُمّ لا تُنْظِرُون . وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ .
فَأجابَها أبو بكر ( عَبْدُ الله بن عثمان ) وَقَال :
يا بِنْتَ رَسُولِ اللهِ لَقْدَ كَانَ أبُوكِ بِالمْؤُمِنيِنَ عَطُوفاً كَرِيمَاً رَؤُوفَاً رَحِيمَاً ، وَعَلى الكافِرِينَ عَذابَاً ألِيمَاً وَعِقابَاً عَظِيمَاً ، إِنْ عَزَوْناهُ وَجَدْناهُ أباكِ دُونَ النساءِ ، وَأخا إِلْفِكِ دُونَ الأَخِلاَّءِ ، آثَرَهُ عَلى كُل حَمِيمٍ ، وَسَاعَدَهُ عَلى كُل أمْرٍ جَسِيمٍ ، لا يُحِبكُم إلاّ كُل سَعِيدٍ ، وَلا يُبْغِضُكُمْ إلاّ كُل شَقي ، فَأنْتُمْ عِتْرَةُ رَسُولِ اللهِ الطَّيِبونَ ، وَالخِيَرَةُ المُنْتَجِبُونَ ، عَلى الخَيْرِ أدِلَّتُنا ، وَإلى الجَنَّةِ مَسالِكُنا ، وَأنْتِ يا خَيْرَةَ النساءِ ، وَابْنَةَ خَيْرِ الأَنْبِياءِ ، صادِقَةٌ فِي قَوْلِكِ ، سابِقَةٌ فِي وُفُورِ عَقْلِكِ ، غَيْرُ مَرْدُودَةٍ عَنْ حَقكِ ، وَلا مَصْدُودَةٍ عَنْ صِدْقِكِ . وَاللهِ ما عَدَوْتُ رَأيَ رَسُولِ اللهِ ، وَلا عَمِلْتُ إلاّ بِإِذْنِهِ ، وَإنَّ الرَّائِدَ لا يَكْذِبُ أهْلَهُ ، وَإني اُشْهِدُ اللهَ وَكَفى بِهِ شَهِيدَاً أنّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ : نَحْنُ مَعاشِرُ الأَنْبِياءِ لا نُوَرثُ ذَهَباً وَلا فِضَّةً وَلا داراً وَلا عِقاراً ، وَإنَّما نُوَرثُ
الكِتابَ وَالحِكْمَةَ وَالعِلْمَ وَالنبُوَّةَ ، وَما كانَ لَنا مِنْ طُعْمَةٍ فَلِوالي الأَمْرِ بَعْدَنا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 376 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أنْ يَحْكُمَ فِيهِ بِحُكْمِهِ ، وَقَدْ جَعَلْنا ما حَاوَلْتِه فِي الكُراعِ وَالسلاحِ يُقاتِلُ بِها المُسْلِمُونَ ، وَيُجاهِدُونَ الكُفَّارَ ، وَيُجادِلُونَ المَرَدَةَ الفُجَّارَ ، وَذَلِكَ بإِجْماعٍ مِنَ المُسْلِمِينَ لَمْ أنْفَرِدْ بِهِ وَحْدِي ، وَلَمْ اَسْتَبِدَّ بِما كانَ الرَّأيُ فِيهِ عِنْدِي ، وَهذِهِ حالِي وَمالِي هِيَ لَكِ وَبَيْنَ يَدَيْكِ ، وَلا تُزْوى عَنْكِ ، وَلا تُدَّخَرُ دُونَكِ ، وَأنْتِ سَيدَةُ أُمَّةِ أبِيكِ ، وَالشَّجَرَةُ الطَّيِبَّةُ لِبَنِيكِ ، لا يُدْفَعُ مالَكِ مِنْ فَضْلِكِ ، وَلا يُوضَعُ مِنْ فَرْعِكِ وَأصْلِكِ ، حُكْمُكِ نافِذٌ فِيما مَلَكَتْ يَدايَ ، فَهَلْ تَرَيْنَ أنْ أُخالِفَ فِي ذَلِكَ أباكِ .
قالت عليها السلام : سُبْحانَ اللهِ ما كانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله عَنْ كِتابِ اللهِ صادِفَاً ، وَلا لأحْكامِهِ مُخالِفا ، بَلْ كانَ يَتْبَعُ أَثَرَهُ ، وَيَقْتَفِي سُوَرَهُ ، أفَتَجْمَعُونَ إلى الغَدْرِ اعْتِلالاً عَلَيْهِ بِالزورِ ، وَهَذا بَعْدَ وَفاتِهِ شَبِيهٌ بِما بُغِيَ لَهُ مِنَ الغَوائِلِ فِي حَياتِه ِ ، هَذا كِتابُ اللهِ حَكَمَاً عَدْلاً وَناطِقَا فَصْلاً يَقُولُ : يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبِ . وَيَقُولُ : وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُد ، فبيّنَ عَزَّ وَجَلَّ فِي ما وَزَّعَ مِنَ الأَقْساطِ ، وَشَرَعَ مِنَ الفَرائِضِ وَالمِيراثِ ، وَأباحَ مِنْ حَظ الذكْرانِ وَالإناثِ ما أزاحَ عِلَّةَ المُبْطِلِينَ ، وَأزالَ التَظَني وَالشبُهاتِ فِي الغابِرينَ . كَلاَّ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أنْفُسُكُمْ أمْراً ، فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ .
فَقالَ أبو بكر : صَدَقَ اللهُ وَصَدَقَ رَسُولُهُ وَصَدَقَتْ ابْنَتَهُ ، أنْتُمْ مَعْدِنُ الحِكْمَةِ ، وَمَوْطِنُ الهُدى وَالرَّحْمَةِ ، وَرُكْنُ الدينِ ، وَعَيْنُ الحُجَّةِ ، لا أُبْعِدُ صَوابَكِ ، وَلا أُنْكِرُ خِطَابَكِ ، هؤلاءِ المُسْلِمُونَ بَيْنِي وَبَيْنَكِ قَلَّدُونِي مَا تَقَلَّدْتُ ، وَباتفاقٍ مِنْهُمْ أخَذْتُ ما أخَذْتُ ، غَيْرَ مُكابِرٍ وَلا مُسْتَبِدّ وَلا مُسْتَأثِرٍ وَهُمْ بِذلِكَ شُهُودٌ .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 377 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فَالْتَفَتَتْ فاطِمَةُ عليها السلام إلى النَّاسِ وَقَالَتْ : مَعاشِرَ النَّاسِ المُسْرِعَةَ إلى قِيلِ الباطِلِ ، المُغْضِيَةَ إلى الفِعْلِ الخاسِرِ ، أفَلا تَتَدَبَّرُونَ القُرآنَ أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها . كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلى قُلُوبِكُمْ ما أسَأتُمْ مِنْ أعْمالِكُمْ ، فَأخَذَ بِسَمْعِكُمْ وَأبْصارِكُمْ ، وَلَبِئْسَ ما تَأوّلْتُمْ ، وَسَاءَ ما بِهِ أشَرْتُمْ ، وَشَرٌَ ما مِنْهُ اغْتَصَبْتُمْ ، لَتَجِدُنَّ وَاللهِ مَحْمِلَهُ ثَقِيلاً ، وَغِبَّهُ وَبِيلاً ، إِذا كُشِفَ لَكُمُ الغِطاءُ ، وَبانَ ما وَرَاءَه الضَّراءِ ، وَبَدا لَكُمْ مِنَ رَبكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَحْتَسِبُونَ . وَخَسِرَ هُنالِكَ المُبْطِلُونَ . ثُمَّ انكفأت إلي قبر أبيها صلى الله عليه وآله متمثّلة بقول صفيّة بنت عبد المطلب وقيل أمامة :
قَدْ كانَ بَعْدَكَ أنْباءٌ وَهَنْبَثَةٌ * لَوْ كُنْتَ شاهِدَها لَمْ تَكْثُرِ الخُطَبُ
إِنّا فَقَدْناكَ فَقْدَ الأَرْضِ وَاِبلَها * وغاب مذْ غِبْتَ عنّا الوحيُ والكُتُبُ
تَهَضَّمَتْنا رِجالٌ وَاسْتُخِفَّ بِنا * إذْ بِنْتَ عنّا فنحن اليوم نُغْتَصَبُ
أبْدَتْ رِجالٌ لَنا نَجوْى صُدُورِهِمُ * لَمَّا فُقِدْتَ وَحالَتْ دُونَكَ الكُثُبُ
قال : فما رأينا يوماً أكثر باكياً وباكيةً من ذلك اليوم . ثُمَّ انكَفَأتْ وَأمِيرُ المُؤمِنِينَ ( عليهما السّلام ) يَتَوَقَّعُ رُجُوعَها إلَيهِ وَيَتَطَلَّعُ طُلُوعَها عَلَيْهِ ، فَلمَّا اسْتَقَرَّتْ بِها الدَّارُ قَالَتْ لأَمِيرِ المُؤمِنينَ عليه السلام :
يا ابْنَ أبِي طالِبٍ اشْتَمَلْتَ شِمْلَةَ الجَنِينِ ، وَقَعَدْتَ حُجْرَةَ الظَنِينِ ، نَقَضْتَ قادِمَةَ الأَجْدَلِ ، فَخانَكَ رِيشُ الأَعْزَلِ ، هَذا ابْنُ أبِي قُحافَةَ يَبْتَزنِي نِحْلَةَ أبِي وَبُلْغَةَ ابْنَيَّ ، لَقَدْ أجْهَدَ فِي خِصامِي ، وَألْفَيْتُهُ ألَدَّ فِي كَلاَمِي ، حَتَّى حَبَسَتْنِي قَيْلَةُ نَصْرَها ، وَالمُهاجِرَةُ وَصْلَهَا ، وَغَضَّتِ الجَماعَةُ دُونِي طَرْفَها ، فَلا دافِعَ وَلا مانِعَ ! خَرَجْتُ كاظِمَةً ، وَعُدْتُ راغِمَةً . . أضْرَعْتَ خَدَّكَ يَوْمَ أضَعْتَ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 378 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
حَدَّكَ ، افْتَرَسْتَ الذئابَ وَافْتَرَشْتَ الترابَ ، مَا كَفَفْتَ قائِلاً ، وَلا أغْنَيْتَ طائِلاً . وَلا خِيارَ لِي ، لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هُنيَّتي وَدُونَ ذِلَّتِي !
عَذِيريَ اللهُ مِنْهُ عادِياً ، وَمِنْكَ حامِياً ، وَيْلايَ فِي كُلّ شارِقٍ وَغارِبٍ ، ماتَ العَمَدُ ، وَوَهَتِ العَضُدُ ، شَكْوايَ إلى أبِي ، وَعَدْوايَ إلى رَبي ، اللهمَ إنَّكَ أشَد قُوَّةً وَحَوْلاً ، وأحَد بَأسَاً وَتَنكِيلاً .
فَقَالَ لَهَا أمِيرُ المُؤمِنِينَ عليه السلام : لا وَيْلَ لَكِ بَلِ الوَيْلُ لِشانِئِكِ ، ثُمَّ نَهْنِهِي عَنْ وَجْدِكِ يابْنَةَ الصَّفْوَةِ ، وَبَقِيَّةَ النبُوَّةِ ، فَما وَنَيْتُ عَنْ دِيِني ، وَلا أخْطَأتُ مَقْدُورِي ، فَاِنْ كُنْتِ تُريِدِينَ البُلْغَةَ فَرِزْقُكِ مَضْمُونٌ ، وَكَفِيلُكِ مَأمُونٌ ، وَما أُعِدَّ لَكِ أفْضَلُ مِمّا قُطِعَ عَنْكِ ، فَاحْتَسِبِي اللهَ .
فَقَالَتْ : حَسْبِيَ اللهُ ، وَأمْسَكَتْ .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 379 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

كلامها عليها السلام في توبيخ الصحابة . .

وقال ابن الأثير حديث آخر لفاطمة رضي الله عنها : روي أنّها مرِضتْ قبل وفاتها فدخلَ إليها نساءُ المهاجرين والأنصار يعُدْنَها فقلن لها : كيف أصبحتِ من علتك يا ابنة رسول الله ؟ فقالت :
أصبحتُ والله عائفةً لدنياكنّ ، قاليةً لرجالكنّ , لفظتهم بعد أنْ عجمتهم , وشنئتهم بعد أنْ سبرتهم , فقبحاً لفلول الحدّ ، وخطل الرأي ، وخور القناة ! لبئس ما قدّمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم ! لقد قلّدهم ربقتها , وشنّت عليهم غارتها , فجدعاً وعقراً وبعداً للقوم الظالمين .
ويحهم أنَّى زحزحوها عن رواسي الرسالة ، وقواعد النبوة ، ومهبط الروح الأمين ؟ ! ما الذي نقموا من أبي الحسن ؟ ! نقموا والله شدّة وطأته , ونكال وقعته ، ونكير سيفه ، وتنمّره في ذات الله . وأيم الله لو تكافؤوا على زمام نبذه إليه رسول الله ، لسار بهم سيراً سُجُحاً ن لا يكلم خشاشه ، ولا يتعتع راكبه , ولأوردهم منهلاً نميراً فضفاضاً تطفح ضفّتاه ، ولأصدرهم بطاناً قد يحير بهم الريُّ ، غير متحل منه بطائل ، ولفتحت عليهم بركات من السماء والأرض .
ألا هلمّ فاعجب , وما عشت أراك الدهر عجباً ! فرغماً لمعاطس قومٍ يحسبون أنهم يحسنون صنعاً ؟ ! ولعمر الله لقد لقحت فنظرة ريثما تنتج ! ثم احتلبوا طلاع القعب دماً عبيطاً ، وذعاقاً ممقراً ! فهنالك يخسر المبطلون ، ويعرف التالون غبَّ ما أسّس الأولون ! ! فطيبوا عن أنفسكم نفساً ، وطامنوا للفتنة جأشاً ، وأبشروا بسيفٍ صارم ، وهرج شامل ، يدع فيئكم زهيداً ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 380 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وجمعكم حصيداً . فيا حسرة عليكم وأنى بكم وقد عميت عليكم ؟ ! أنلزمكموها وأنتم لها كارهون .
قال ابن الأثير : هذا طرف من حديث أطول منه يروى من طريق أهل البيت . انتهى . ( أنظره في شرح نهج البلاغة : 16 / 233 وبلاغات النساء ص 23 ) .
* قال العاملي : توجد هنا مداخلات مقتضبة لا يتسع لها المجال ، من : علي القاضي ، والسردال ، وأبي زهراء ، والدكتور جايكل ، وعربي ، والإماراتي ، ورنا ، ونيدهال ، وذي الفقار .
كما لا يتسع المجال لشرح هذه الخطبة الفاطمية والنفحة الننبوية . . التي تصرح بعقيدة الصديقة الزهراء عليها السلام في أن الأمة انحرفت عن خط نبيها ، وتآمرت على علي والعترة الطاهرة في بيعة السقيفة ! !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 381 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل العاشر : مقام الصديقة الزهراء ( ع ) عند الله تعالى وعند رسوله ( ص )

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 382 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 383 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

عائشة تشهد بأن فاطمة أصدق الناس لهجة بعد النبي ( ص )

* كتب علي القاضي في الموسوعة الشيعية ، بتاريخ 6 - 2 - 2000 ، الرابعة عصراً ، موضوعاً بعنوان ( الزهراء . . أصدق الناس لهجة ) ، قال فيه :
لقد منّ الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وآله بفاطمة عليها السلام ، التي تكونت نطفتها وانعقدت من غذاء النبي من ثمر الجنة كما أخرجه كل من السيوطي في ذيل تفسير قوله تعالى : سبحان الذي أسرى بعبده . . والتي كان صلى الله عليه وآله يشمها كلما اشتاق إلى ريح الجنة . ( الحاكم في مستدركه : 3 / 156 . والمحب الطبري في ذخائر العقبى ص 36 و 44 . والخطيب البغدادي في تأريخه : 5 / 87 و 12 / 331 ) . وأنها عليها السلام صدّيقة . كما أخرجه المحب الطبري في الرياض النضرة : 2 / 202 . وأنها خيرة الله . الخطيب البغدادي في تاريخه ج 1 ص 259
فقد كانت سلام الله عليها بالإضافة إلى ذلك كله أصدق الناس لهجة ، فقد روي عن عائشة أنها كانت إذا ذكرت فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وآله قالت : ما رأيت أحداً كان أصدق لهجة منها ، إلا أن يكون الذي ولدها . ( الحاكم : 3 / 160 ) وقال : هذا حديث صحيح على شرط مسلم . وابن عبد البر في استيعابه : 2 / 751 . والحافظ الأصبهاني في حلية الأولياء : 2 / 41 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 384 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولكن رغم ذلك كله فلم يقبل الخليفة الأول قولها بملكية فدك ، وأنها حقها ! فهل يشك في مثل فاطمة ولا يقبل قولها ؟ ! !
* وكتب ذو الفقار بتاريخ 6 - 2 - 2000 ، السادسة مساءً :
أحسنت ورحم الله والديك يا أبا حسن .
* قال العاملي : يناسب هنا أن نورد كلمات للمرجع الديني الوحيد الخراساني مد ظله ، في مقام الصديقة الزهراء سلام الله عليها :
( 1 )
قال عليه السلام : فمن عرفها ، يعني حق المعرفة ، فقد أدرك ليلة القدر . . فليلة القدر التي لا ينالها أحد . . موجودةٌ هنا . .
بعد هذه الفقرة . . قال عليه السلام : ( إنما سميت فاطمة ، لأن الخلق فطموا عن معرفتها ) فأي شخصية هذه التي عز مقامها عن أن ينال الخلق معرفتها ؟ ! لا بد لنا أن نتأمل في هذا الأمر . . بل هو مطلب ينبغي أن يتأمل فيه كبار مفكري الانسانية ، من أصحاب الأفكار الراقية ، التي بلغت مستوى عالياً من النضج والرشد . . ويتساءلوا عن حقيقة هذه المسألة ؟ !
ليلة القدر . . ليلة تنزل القرآن . . التي يقول الله تعالى عنها أيضاً ( إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين ) . . وها نحن نسمع في تفسير هذه الليلة المباركة التي يفرق فيها كل أمر حكيم . . أنها فاطمة ! وتلاحظون أن تعليل هذا المطلب جاء بتعليل تسميتها ( إنما سميت فاطمة لأن الخلق فطموا عن معرفتها ) ! وكلمة الخلق أوسع نطاقاً من كلمة الناس ، فهي تشمل الإنس والجن . . إلى أن تصل إلى الملائكة ( الذين أسكنتهم سماواتك ورفعتهم عن أرضك ) . . فحتى هؤلاء فطموا عن معرفتها ! !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 385 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إذن ما الخبر ؟ ! ومن هي هذه الامرأة . . وما ذا فيها من حقيقة غيب هي
أرفع من أن ينال معرفتها أصحاب العقول الراقية . . ؟ ! !
من أجل فهم هذه المسألة لابد من عقل قوي تربى بالقرآن ، واستدلال معتمد على أكثر الأدلة قطعية يعني القرآن . . بمساعدة السنة القطعية . . فلعله يستطيع أن يفتح نافذة صغيرة على هذا المطلب العظيم .
لأن الخلق فطموا عن معرفتها . .
لماذا ؟ وأي سر في شخصية فاطمة . . فطم الخلق عن معرفته . . ؟ ! !
( 2 )
خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وقد أخذ بيد فاطمة . . .
وردت هذه الرواية بمضامين مختلفة . . في مصادر الخاصة والعامة . . وهذا نص كلامه صلى الله عليه وآله : ( من عرف هذه فقد عرفها ، ومن لم يعرفها فهي فاطمة بنت محمد ، وهي بضعة مني ، وهي قلبي الذي بين جنبي ، فمن آذاها فقد آذاني ، ومن آذاني فقد آذى الله ) !
أنظروا إلى التعبير . . فمجلس نا والحمد لله يكفيه إلفات النظر فقط . . ما معنى أن يخرج النبي آخذاً بيد فاطمة . . ؟
إن عمل النبي هذا في حق فاطمة كعمله في حق علي يوم الغدير . . صلوات الله عليهم . في يوم الغدير أصعد النبي علياً معه على المنبر ، وأخذ بيد ذلك الرجل الفريد في العالم ورفعها . .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 386 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي هذا اليوم عندما خرج آخذاً بيد فاطمة الامرأة الفريدة في العالم . . قال : من عرفها فقد عرفها . . . ومن لم يعرفها فليعرفها . . لاحظوا كيف قدمها النبي صلى الله عليه وآله للأمة . . وعرفهم مقامها درجةً درجة . .
إن لكلام النبي صلى الله عليه وآله في أنفس مستمعيه وقارئه جاذبيات خاصة متنوعة . . في المرتبة الأولى قال : بضعةٌ مني . . لاحظوا كلمة بضعة . . ثم انتقل من التنزل إلى الترفع إلى المرتبة الثانية فقال ( وهي قلبي الذي بين جنبي ) . .
وعندما يقول النبي ( أنا ) فالأنا هنا غير كلمة بدني . . البدن مضاف وضمير المتكلم مضاف اليه . . فهنا تعابير خاصة . . بضعةٌ مني . . وهي أبلغ من بضعة من بدني . . وقلبي الذي بين جنبي غير قلبي . . إنها قلب بين جنبي الشخص الذي ( إنيته ) مبدأ ومنشأ كل الفضائل البشرية . . ( كنت نبياً وآدم بين الماء والطين ) . . قلب إنسان بهذه الصفة . . معناه أنه لو أخذت مني فاطمة . . فسأبقى بدنا بلا روح !
هذه الامرأة . . إلى أين وصلت حتى بلغت مقاماً كهذا . . صارت قلباً بين جنبي علم وعمل . . فجنب النبي الأيمن علم . . وجنبه الأيسر عمل . . علمٌ . . عنده تتلاشى كل علوم الأنبياء ! وعملٌ . . عنده تتلاشى كل أعمال الأولياء . . والقلب الذي بين هذين الجنبين . . هي الصديقة الكبرى فاطمة الزهراء عليها السلام ! ! هنا يتضح سر النص الحديث القدسي في النبي والعترة : ( هم فاطمة وأبوها . . وبعلها وبنوها ) !
سيدتي ما ذا فعلت حتى صرت المحور والقطب ؟ !
سيدتي ما ذا فعلت حتى صرت قلب عالم الوجود ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 387 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
سيدتي ماذا فعلت حتى صرت في مقام قال عنك خاتم النبيين صلوات الله عليه : ( من صلى على فاطمة فهو معي أينما كنت في الجنة ) !
إن العمل الذي عملته . . لا يعرف كنهه وقيمته إلا الله تعالى . . وإلا الذين هم خزائن أسرار الله تعالى . . أنت تلك العظيمة التي يقول فيك الامام الصادق عليه السلام . . لو أن الناس حاولوا جادين أن يعرفوا كنه فاطمة لما عرفوها . . ( لأن الناس فطموا عن معرفتها ) !
إن ما ذكرناه هو ألف باء المطلب . . ونصل من كلام الامام الصادق عليه السلام إلى مرحلة ( اللهم إني أسألك بفاطمة وأبيها وبعلها وبنيها ) !
تأملوا . . فكروا . . وتفهموا سر هذه الكلمات : ( اللهم إني أسألك بفاطمة وأبيها وبعلها وبنيها ) . . فالسؤال بفاطمة . . وأب فاطمة . . وبعل فاطمة . . وأبناء فاطمة . . ونختم هذا الدعاء بكلمة . . هي ختم الكلام . .
في معراج النبي صلى الله عليه وآله . . أخذوه إلى شجرة طوبى . . وقطفوا له من ثمرها . . وأطعموه منها . . ومن هذا الثمر انعقدت نطفة فاطمة . . وفي هذه النطفة وضعوا جوهر روح . . اختارها الله تعالى أشرف ما في خزائنه من جواهر ! ! المسألة هنا . . ( والسر المستودع فيها ) . . فأي سر هذا السر . . الذي كان لابد له من مقدمات . . معراج النبي . . وأن يتناول من شجرة طوبى وثمار الجنة . . ليتكون البدن الذي يكون محلاً لهذا السر ! ! !
هذا السر . . يحتاج إلى فرصة أخرى لبيانه .
( 3 )
يا بنت رسول الله . . أيتها الصديقة الطاهرة . .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 388 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
من أنت . . والى أي مقام وصلت . . بحيث أن الذي يموت على ولايتك . . يصير قبره مزاراً لملائكة الرحمة ؟ ! فكيف يكون قبرك أنت . . ؟ ! !
الذي يتشرف بموالاتك . . بعد أن يموت ويدفن وينام في قبره . . يطوف حوله ملائكة الرحمة كما تطوف الفراشات حول السراج . . !
ترى . . من الذين يطوفون حول قبرك أنت . . حيث حل جثمانك الطاهر . . .
أيها الفخر الرازي . . أيها الزمخشري . . هل فهمتما ماذا قلتما عندما قلتما وكتبتما عن فاطمة . . هل فهمتما أن رحمة الله التي وسعت كل شئ . . لا تشمل من آذى فاطمة ؟ وأن الذي يغضب فاطمة ولا يرتبط بولايتها بخيط ولاء ، يخرج عن مفهوم الشيئية . . ويستحق أن يكتب على جبينه : منقطع عن الله ، آيس من رحمة الله . .
أيها الفخر الرازي . . هل فهمت ما كتبت . . ؟ كتبت أن الايمان وجوداً وعدماً . . هذه واحدة . . وقلت . . الايمان كمالاً ونقصاً . . يرتبط بمحبة فاطمة الزهراء . . هل فهمت لوازم ما قلت وكتبت . . ؟
أنت قلت . . وصححت . . وأمضيت . . أن النبي صلى الله عليه وآله قال : ( من آذى فاطمة فقد آذاني . . غضب فاطمة عضبي . . . ) .
هنا . . أمام هذه الكلمات . . أتكلم دقائق فقط في بعض أبعاد هذا الحديث الشريف الذي أورده الفخر الرازي في تفسيره ، ونسبه إلى النبي على نحو القطع بدون ترديد فقال ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله . . . ) . .
قصة هذا الحديث أنه ورد أو صدر بعدة صيغ . . فبعض صيغه بلفظ
( رضا فاطمة رضاي . . وغضب فاطمة غضبي ) وفي صيغة أخرى ( إن الرب يغضب
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 389 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لغضب فاطمة ويرضى لرضاها ) وفي صيغة أخرى ( إن الله يغضب لغضب فاطمة ويرضى لرضاها ) . والحديث من ناحية السند مفروغ عنه . . فلا يوجد أحد من أهل الجرح والتعديل تردد في تصحيحه . . حتى رأس النقاد السنيين وإمام المدققين عندهم شمس الدين الذهبي ، صححه بلفظ ( إن الرب يغضب لغضب فاطمة ويرضى لرضاها ) ! !
ترى هل فهموا ماذا رووا وما كتبوا . . . وأن معنى هذا الحديث أن فاطمة لها مقام العصمة . . نعم مقام العصمة . . لكنها ليست كعصمة يعقوب وعصمة ويوسف ، ولا كعصمة موسى وعيسى . . بل ولا كعصمة إبراهيم . . عليهم السلام . . عصمة . . وصلت إليها فاطمة وحدها ، هي العصمة التي هي من شأن النبي الخاتم صلى الله عليه وآله . . !
إن الرب ليغضب لغضب فاطمة ويرى لرضاها . . وسؤالنا للفخر الرازي هو : إذا لم تكن فاطمة معصومة من الخطأ ، ومعصومة من الهوى . . فإن أقل انحراف في رضاها وغضبها عن نقطة الحق المستقيمة . . يوجب قهراً أن يتعلق رضا الله تعالى وغضبه بالباطل . . ! ! وعليه . . فإنه بحكم البرهان تكون الصديقة فاطمة وصلت إلى ذلك الأفق المبين ، واتخذت منزلاً في ذلك المقام المكين . . هناك حيث كل العقول تتعطل عن العمل . .
ليس الوقت الآن وقت بيان ما هي العصمة . . المسألة هنا فوق العصمة .
أرجو أن تنتبهوا . . ما هي العصمة ؟ العصمة أن يصل الانسان إلى مستوى يرتفع غضبه ورضاه عن حد الحيوانية ويصل إلى حد العقلانية . . ثم لابد أن يعبر عن حد العقلانية إلى حد الربانية . . فيكون رضاه رضا الله وغضبه غضب
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 390 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الله . . هناك يصل الانسان إلى مستوى أنه يغضب حيث يغضب الله تعالى ، وحيث يرضى الله تعالى يرضى هو ! !
لكن المسألة هنا فوق هذا . . فتارة نقول إن فاطمة وصلت إلى مستوى صارت بحيث تغضب حيث يغضب الله تعالى وترضى حيث يرضى الله تعالى . .
لكن الذي قاله النبي صلى الله عليه وآله موضوع آخر . . قال إن الله يغضب عندما تغضب فاطمة ، ويرضى عندما ترضى فاطمة ! !
هنا يقف جواد العقل البشري . . ولو كان جواده كميتاً . .
( 4 )
اتفقت كلمة أئمة التفسير والحديث على ما أقوله اليوم ، وخلاصته : عندما خرج النبي صلى الله عليه وآله للمباهلة مع نصارى نجران . . خرج وعليه مرط أسود . . في ذلك اليوم الموعود . . وبعد أن أقام عليهم الحجة بالبرهان العلمي القاطع بالوحي وقوله تعالى ( إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ) بعد هذه البرهان وصل الأمر إلى المحاجة والمباهلة !
المطلب عندكم واضح ، لكن المهم هو أن نعرف رواية السنيين للحديث ، وما نذكره هو من أتقن الروايات التفسيرية والحديثية ، ولا يختص باعتقادنا نحن الشيعة ومصادرنا . .
وما ينبغي توضيحه من الموضوع هو : لقد وصلت القضية إلى المباهلة . . فما هي حقيقة المباهلة ؟ حقيقتها تتضح من قول رأس النصارى الذي سيأتي . . خرج رسول الله وعليه مرط أسود . . وقد حمل الحسين عليه السلام على صدره واحتضنه !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 391 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الامام الحسين في ذلك الوقت كان في سن يستطيع أن يمشي . . لكن لأمر ما خرج النبي صلى الله عليه وآله بهذه الصفة . . محتضناً الحسين . . آخذاً بيد الحسن يجره إلى جانبه . . لاحظوا تعبير النص بدقة . .
النبي في الأمام محتضناً الحسين ، آخذاً بيد الحسن . . وخلفه فاطمة الزهراء . .
وخلفها علي بن أبي طالب . .
إنه نفس النبي الذي قال فيه الله تعالى ( وما ينطق عن الهوى ) . . وهي آية ليست عادية . . فالذي لا ينطق عن الهوى . . لا يفعل عن الهوى . . إنه نفس النبي الذي يقول فيه الله تعالى ( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) . . إنه نفسه الذي سنته ليست فقط قوله . . بل سنته فعله . . سنته تقريره . . وكل حركاته وسكناته سنة . . كل أطواره وأحواله سنة . . وكل ما يرتبط بمقام ( فدنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى ) ! ! إنه خلاصة العالم . . وإنه النبي الخاتم . . وجوهر الوجود ، والشخص الأول في عالم الكون . .
إن شخصاً من هذا النوع . . النظرة الواحدة منه عالم من الحكمة . . وكل عمل منه ربيع ملئ بالمعرفة . . وعندما يكون هو في المقدمة وفاطمة خلفه وعلي خلفهما . . فهذا عمل له معنى . . ومعناه : أن فاطمة هي البرزخ بين النبوة الكبرى والولاية العظمى . . معناه أن فاطمة فيها جنبة القطب والمحور . .
ولها موقع المركزية بين مقام الوحي الأعظم وتبليغ الوحي . . وبين مقام تفسير الوحي . . فأمام فاطمة النبي وتبليغ الوحي . . ووراءها تفسير الوحي . .
هذه فاطمة الزهراء . . هذه مجهولة القدر عند جميع العوالم . . هكذا خرج رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المباهلة . . فماذا كان التأثير ، وماذا حدث ؟
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 392 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عندما جاء رئيس أساقفة نجران في وفد علماء النصارى وشخصياتهم ، ورأى هذا المنظر ، لم يملك نفسه أن قال : والله إني لأرى وجوهاً لو أقسمت على الله أن يزيل الجبال لأزالها من مواضعها . .
وجوهٌ إذا حركت شفاهها بالدعاء . . أو مدت أيديها إلى السماء . . لامتلأ الوادي على وفد النصارى ناراً . . ولما بقي نصراني على وجه الأرض ! !
يا ليت أن فهم هذا الأسقف النصراني كان توأماً مع نقل الفخر الرازي !
لكن مع الأسف فإنا نرى نقل الحديث من الفخر الرازي . . بينما درايته من الأسقف النصراني . . ! ! وهذا بذاته مصيبة كبرى !
قال الأسقف النصراني لقومه يجب أن نعمل بكل وسيلة لكي لا يرفع هؤلاء أيديهم بالدعاء ! !
وكان النبي صلى الله عليه وآله قال لفاطمة وعلي والحسن والحسين : ( إذا دعوت فأمنوا ) ! ! التفتوا إلى هذه الكلمة . . ما معنى هذه الجملة أيها الفخر الرازي ؟ أيها الزمخشري ؟ أيها البيضاوي . . ؟
معناها أنه : أن النبي يقول عملي تطبيق لأمر الوحي بقوله تعالى ( فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين ) فأوجب أن يجتمع هؤلاء . . ولذا قال لهم النبي : إذا دعوت فأمنوا . . ومعنى هذا أن دعائي بصفتي خاتم النبيين مقتض . . لكن شرط فعلية اقتضاء المقتضي أنفاس فاطمة الزهراء . . فلا بد أن ينضم آمين ها إلى دعائي .
هكذا قرر الوحي . . وهكذا قررت السنة . . أن دعاء الزهراء شرط لدعاء النبي صلى الله عليه وآله . . والمقتضي محال أن يؤثر بدون شرطه . . ففي هذا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 393 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
المقام مقام مباهلة النبي صلى الله عليه وآله مع النصارى . . لا بد مع رفع النبي يديه نحو السماء أن ترتفع معه أيدي أربعة آخرين . . حتى يستجاب الدعاء ويتحقق المطلوب . . ! ! وما دام الأمر هكذا . . فيا ترى ما هو علي ؟ وما هي فاطمة ؟ وما هو الحسن بن علي ؟ وما هو الحسين بن علي ؟ ! !
( 5 )
من ابن قتيبة . . إلى محمد فريد وجدي . . كتبوا . .
كتب وجدي في دائرة معارفه أن عمر جاء إلى باب بيت علي فقال : يا علي أخرج فبايع وإلا أحرقت عليكم هذا البيت بمن فيه !
من الذين كانوا في ذلك البيت ؟ ! أيها الفخر الرازي . . أيها القاضي البيضاوي . . أيها الزمخشري . . يا جلال الدين السيوطي . . أنتم رجال فهم . . فلماذا هنا لم تفهموا . . هذا الشخص الذي جاء إلى هذا البيت . . وقال يا علي أخرج ، وإلا حرقت عليكم الدار بأهلها . . ؟ !
فلله الحجة البالغة . . قيل لعمر : إن في البيت فاطمة ! ففي ذلك معنى كبير . . يعني داخل هذا البيت تلك التي قال فيها النبي صلى الله عليه وآله ( من آذاها فقد آذاني . . ومن آذاني فقد آذى الله ) !
كتب ابن قتيبة . . وكتبوا كلهم أن عمر قال : وإن . . وإن ! !
وإذا كان الأمر كذلك فعندي سؤال : انتبهوا فوالله مهما بكى البشر لهذه المصيبة فهو قليل . . سؤالي : أي بيعة هذه التي هاجم البيت من أجلها وقال لعلي أخرج وبايع . . ؟ ! إنها تلك البيعة التي قال عنها نفس هذا الذي أراد إحراق البيت من أجلها . . قال عنها ( بيعة أبي بكر فلتة وقى الله المسلمين شرها ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 394 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لقد تمت الحجة على كل العالم . . فنفس ذلك الشخص الذي جاء ليحرق بيتا فيه فاطمة وعلي والحسن والحسين . . نفسه قال كما في البخاري . . إن بيعة أبي بكر كانت فلتةً وغلطاً وخطيئةً وقى الله الأمة شرها ! !
أيها الرجل . . إذا كانت البيعة هذه البيعة . . باعترافك أنت . . ! ! فلماذا ؟ ! !
أيها العلماء السنيون . . هذا الرجل الذي قال تلك الكلمة هل هو عاقل أم مجنون . . ؟ إن كان مجنوناًً فهو بحث . . وإن كان عاقلاً . . فإن إقرار العلاء على أنفسهم جائز ! !
الله أكبر . . تلك البيعة التي اعترف ذلك الشخص بأنها كانت غلطاً . . جاء ليحرق فاطمة الزهراء من أجل حفظها ! ترى . . هل يوجد مظلوم في العالم أكثر من هذه الحرة . . ؟ والله كلما فكرنا لا نرى أعظم من هذه المصيبة ! !
( 6 )
سر . . هي سر . . سر الله الأعظم . .
كان قلبها سراً . . وما في ذلك القلب كان سراً . .
ألمها كان سراً . . لونها كان سراً . .
ما تحملته كان سراً . .
قدرها كان سراً . . مقامها سراً . .
سرٌّ في سر . . وحتى القبر الذي حوى جثمانها كان سراً . .
ماذا فعلت يا بنت رسول الله حتى صرت سر الله . . والى أي مقام وصلت ؟ !
الذي أستطيع أن أقوله إن العمل الذي قامت به فاطمة أحيت به من آدم إلى النبي الخاتم . . العمل الذي عملته . . به أحيت اسم الله تعالى . .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 395 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عملت عملاً . . به أحيت كل حرمات الله تعالى . .
عندما يموت المؤمن . . أول تحفة يقدمونها له في الجنة أنهم يقولون له : كل من شارك في تشييع جنازتك مغفور له . .
فاطمة تعرف ذلك . . لكنها قالت : يا علي لا تعلم بموتي أحداً منهم !
هذا العمل وما أحدثه . . جدير بأن نفكر فيه كثيراً . . لنعرف ماذا حدث . . ؟
عندما غادر النبي الدنيا صلى الله عليه وآله . . كانت فاطمة في كامل النشاط وغاية السلامة . . وبعد مضي خمس وسبعين يوماً لحقت به الصديقة فاطمة الزهراء عليها السلام . . وفي الليلة التي غسلوا جثمانها قالوا إنها كانت من ضعفها كالخيال ! يعني أن جسدها الذي وضعوه على المغتسل كان كالشبح ! ! لم يبق إلا نفَسٌ خافتُ . . . أو مقلةٌ إنسانها باهتُ ! !
( 7 )
هذه فاطمة الزهرا . . هذه الإنسية الحوراء . . هذه الصديقة الكبرى . .
هذه الانسانية التي هي قطب دائرة النبوة العظمى والولاية الكبرى . .
والله إن قدر فاطمة الزهراء مجهول في كل العالم . .
أن يكون قدرها مجهولاً في مراكز السنيين وبلادهم . . ليس فيه حسرة . . لكن في دولة فاطمة . . هنا دولة الزهراء . . هنا بلد فاطمة . .
في دولة فاطمة الزهراء . . من أجل ذكرى جم . . من أجل نوروز العجم . . عطلةٌ رسمية طويلة . . لكن من أجل يوم شهادة فاطمة الزهراء لا يوجد تعطيل رسمي ليوم واحد ! المجهولة قدراً . . المجهولة قدراً . .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 396 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أما متى يعلم مقام فاطمة ويعرف قدرها . . ؟ يعرف قدرها في ذلك اليوم الذي تبعث من تربتها . . يقول حجة الله . . فيبعث الله تعالى لاستقبالها سبعين ألف ملك بلواء التكبير ، وسبعين ألف ملك بلواء التسبيح يرافقون ها حتى تستقر في مقرها . . هذا النوع من التكريم والتقدير الإلهي لم يصدر أمر الله بمثله لإبراهيم أب الأنبياء . . ولا لموسى بن عمران . . ولا لعيسى بن مريم . . مع أن خزائن الله لا تتناهى . .
إنه يفتح لفاطمة اعتبارا غير محدود . . يأتيها جبرئيل فيقول لها : سلي حاجتك تعطين . . . ولا حد لهذه الحاجة . . مهما شئت فاطلبي . . فماذا تطلب فاطمة من الله تعالى ؟
أرجو الدقة في هذا الموضوع أيها العلماء . . أنتم أهل دقة ففكروا . . وانظروا إلى رقي هذه المسألة . . ؟ الطلب من الله تعالى في ذلك اليوم هو الجزاء . . والجزاء غير العمل . . ولكن فاطمة . . عندما يقال لها أطلبي حاجتك من الله تعالى . . تقول : اللهم أرني الحسن والحسين ! إنها تريد أن ترى العمل قبل الجزاء . . يعني إلهي أرني الذي عملته كما هو ، ليكون الجزاء متناسباً معه . . فيأتونها بالحسن والحسين وأوداج الحسين تشخب دماً ! ! !
( 8 )
دخل النبي صلى الله عليه وآله إلى بيت فاطمة . . فرآها وعليها كساء من وبر الإبل ! ! نظر إليها فرأى حالتها . . رأى ابنته التي أمضت ليلها في محراب عبادتها ولم تكد تنم . . وفي الصباح بدأت بعملها . . وهذا لباسها ، فانكسر قلبه لها ودمعت عيناه . .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 397 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
انكسار قلب النبي صلى الله عليه وآله ليس أمراً عاديا ساذجاً . . وعندما يجري دمع النبي . . فإن دمع باطن الوجود يجري . . فبكى رسول الله وقال لها : إصبري على مرارة الدنيا . .
ما نقله السيوطي وابن الدلال وابن النجار والبقية . . لانفهم منه ماذا كانت القضية وماذا جرى . . القدر الذي نفهمه أن النبي صلى الله عليه وآله خرج من عندها فنزل عليه جبرئيل بقوله تعالى ( ولسوف يعطيك ربك فترضى ) ! !
( 9 )
الرجل الفريد في العالم . . الذي لم تستطع خيبر أن تخضعه . . ولا استطاع الخندق أن يحني ظهره . . الذي أمضى ليلة المبيت على فراش النبي على هولها ، فلم يخف . . نراه في ليلة موت فاطمة . . منكسرا لا حيلة له ! !
قلَّ يا رسول الله عن صفيتك صبري . . إنها شكوى لم يشكها إلى أحد . . فلم يكن عنده من يبث اليه ما لاقاه . . إلا الذي خاطبه بهذه الآهات . . قل يا رسول الله عن صفيتك صبري . .
ماذا جرى حتى دفنت فاطمة الزهراء ليلاً ؟
ماذا حدث . . حتى صار الأمر هكذا . . ؟ ! إنها حادثة من نوع لا يستطيع الانسان أن يكون مسلماً ويغمض عينه عنها ، إلا أن يكون في إسلامه خلل !
وهل يمكن لإنسان أن يؤمن بنبوة النبي صلى الله عليه وآله . . ثم يتساهل في مظلومية فاطمة الزهراء والصديقة الكبرى ، محور آل العبا ، وحرمة الرسول والله في أرضه . . ويغمض عينيه عن قصة دفنها ليلاً ، وعن الجناية التي ارتكبوها في حقها . . ؟ ! إنها هذه الجناية يجب أن تكون محور البحث بين جميع
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 398 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عوامنا وجميع خواصنا . . ترى ماذا كان . . وماذا جرى ، حتى وصل الأمر إلى شهادتها . . ؟ !
اللهم اغفر لنا . . ولا تجعلنا شركاء في ظلم فاطمة الزهراء . . اللهم اغفر لنا حتى لا نكون مسؤولين في مقابل ذلك الأنين ، وتلك الدموع ، وتلك الآهات التي عاشت بها فاطمة .
* *
* كتب المفيد في شبكة هجر ، بتاريخ 13 - 7 - 2001 ، موضوعاً بعنوان ( الشيخ العاملي . . ومن يحب أن يشارك . . في رحاب المصاب ) ، قال فيه :
السلام على الجميع ورحمة الله وبركاته . . أشعر بأن الشبكات قد فقدت رونقها العلمي السابق ، فلم نعد ندخل ونستفيد كما كنا في السابق وقد اشتعلت الشبكات بالمهاترات والكلام فيما لا ينفع والغيرة على الشخصيات من دون التفكير في الطائفة ، وشخصية الحوارات ، على قولة العاملي . .
المهم . . آثرت أن نستفيد من الأخوة في هذا الموضوع . . قولهم صلوات الله عليهم : نحن حجج الله عليكم وفاطمة حجة علينا . .
ماذا تفهمون من هذا الكلام يا مولانا ؟ نرجو الإفادة . .
* وكتب محمد المفيد في 14 - 07 - 2001 م ، الحادية عشرة ليلاً :
في انتظار الجواب .
* وكتب العاملي في 15 - 07 - 2001 م ، الثامنة والنصف صباحاً :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 399 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
جزاك الله خيراً أيها الأخ المفيد ، فقد عشت ببركة سؤالك . . بعض الوقت مع أحاديث نور النبي وأهل بيته الأطهار صلوات الله عليهم . . وتأملت في عدد منها . .
( في خلق العالم من هذا النور . . وهي حقيقة تنص عليها الأحاديث النبوية الشريفة ، وأعتقد شخصيا بها ، وهي قضية يصعب استيعابها على الانسان العادي .
( وفي مسيرة هذا النور في عوالم الوجود . . حتى افترق في أبناء عبد المطلب . . فكان في عبد الله وأبي طالب . . رضوان الله عليهم ، ثم اجتمع في فاطمة وعلي عليهما السلام ، ثم اتسق في منظومة الإمامة التي قدرها الله تعالى منذ الأزل بعد آخر نبوة . . و شاءها شعلة وهاجة إلى يوم الدين . .
( أعتقد أننا لم نكتشف إلا القليل من عظمة هذه المنظومة الربانية ، وأن الله تعالى جعل ثقل حقيقتها من غيبه المنكنون . . وجعل أكثر ما يسمح بمعرفته للناس ، مؤجلاً إلى ظهور ختام المنظومة المحمدية . . الذي يملأ العالم بنور الاسلام . . ويملأ الله العالم بنوره مشكاته الرباني .
( أيها الأخ المؤمن ، إن موقع الصديقة الزهراء سلام الله عليها من هذه المنظومة . . أنها حلقة الوصل لعودة وحدة النور في مساره وخطط الله فيه . . وهي بهذا المعنى حجة ربانية تكوينية على الأئمة المعصومين من ذريتها . . الذين تختلف الحجج عليهم عن الحجج علينا .
( هذا معنى من معاني أنها حجة الله على المعصومين . . ومعنى آخر . .
يعتقد به الوحيد الخراساني مد ظله الشريف . . أن الأئمة عليهم السلام . .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 400 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قلوبهم متعلقة عملياً بالصديقة الزهراء عليها السلام . . وهو معنى من عالم الحياة الروحية ، والفيض الرباني على عباده المعصومين . .
( ختاماً . . أرانا بحاجة إلى عدم الاسترسال . . فالتقية مستحبة أيضا أمام بعض الشيعة . . والله يرعاك .
صلوات الله عليك أيتها الحوراء الانسية . . والصديقة المرضية . . والشهيدة المضطهدة .
* وكتب الموسوي في 15 - 7 - 2001 م ، التاسعة إلا ثلث صباحاً :
الأستاذ العاملي حفظه الله . . جزاكم الله ألف خير . . وبحق إجابات كم رغم اختصارها فإنها تفتح آفاقا واسعة للتفكير لاستكشاف نقطة صغيرة في العالم الكبير لأسرار آل محمد صلوات الله عليهم .
والتقية أمام الشيعة وردت أكثر ما وردت في أحاديث الفضائل ، حيث كان الأئمة عليهم السلام يخصون بعض أصحابهم بأسرارهم ، كسلمان الفارسي ، وجابر الجعفي ، ويونس بن عبد الرحمن ، رضوان الله تعالى عليهم .
* وكتب محمد المفيد في 15 - 7 - 2001 م ، التاسعة صباحاً :
شكراً جزيلاً شيخي ومولاي على هذه السطور الذهبية ، التي تشع بنور الولاية العظمى . . نعم هذا الشيخ العاملي الذي عرفته منذ القدم . . أتذكر هذا الأسلوب تماماً وأنا إلى جانبكم في أول مرة تقع عيني على الكعبة المشرفة بمعيتكم ، ولا تزال كلمات كم يرن صداها في مسمعي ، وأنت متوجه بعينيك إلى الكعبة المشرفة وقد توقفت قليلاً عند بداية الصحن المكي الشريف . . بهذا الأسلوب الذي لا يزال يفتح لنا الآفاق الروحية والعلمية ، جئت اليوم تدلق
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 401 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
علينا من معينك الصافي ، تعرب عن بعض ما من الله عليك من معرفتها بالإشارة الخفية والجلية . . فشكراً جزيلاً لك . .
وفعلاً سأستفيد وأبني على ما تفضلت به في ليالي الفاطمية القادمة . . فأنت هبة الأئمة في عالم الإنترنت ، في عهد ضاعت فيه صرخات الصديقة الطاهرة ، وغاب من يشدو بحقيقتها ، بل ظهر وغلب صوت شانئها . . روحي فداها ولا زلنا نطمع منكم المزيد ، ومن باقي الأخوة ، فهو حق أمَنا علينا ، في أيام مصابها .
* وكتب العاملي في 15 - 7 - 2001 ، الحادية عشرة وعشرة دقائق صباحاً :
أشكر كما أيها الفاضلان العزيزان . . المفيد والموسوي ، وقد استخرت الله على أن أبث كما شكوى من عالمي الداخلي . .
( أفكر أحياناً ، فأقول في نفسي : لا وفق الله الذين أجبرونا على أن نشغل في الدفاع عن إثبات أصل مقام أهل البيت عليهم السلام . . وشغلونا عن العيش في أبعاد مقامهم . . وعوالم عظمتهم . . إن مثلنا كمثل الذي يدافع عن الجواهر الغالية . . فينشغل بذلك عن معايشتها والاستضاءة بنورها ، والالتذاذ برؤيتها . .
ترى . . هل سأفرغ مدة قبل موتي . . لألقي أحجاري . . وأشتغل بدل الدفاع عنهم . . بنظم قصائدي فيهم . . ؟ ! وهل يمكن لي أن أجمع بين الدفاع عن أحب الخلق إلي . . وبين نظم المواويل فيهم . . أرجو دعاءكم .
( زرت الشيخ إسماعيل نمازي . . وهو صادق موثق من مرجع . . وحدثني عن ملاقاته لسيدي ومولاي صاحب الزمان روحي فداه . . فانشغل ذهني وما زال في أن أفهم وأستوعب . . مجرد فهم . . كيف يصل الانسان الكامل من
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 402 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
هؤلاء العظماء صلوات الله عليهم . . إلى أن يكون موضعاً لأسر أر الله تعالى ومظهراً لإرادته . . ينوي الشئ فيكون . . وينتقل في أرض الله ببدنه . . كما ينتقل أحدنا بذهنه ! !
( كم هو الفرق بين متخصص في النبات . . ينظر إلى نبتة أو شجرة . . وبين أبله يقف إلى جانبه وينظر معه إليها . . ؟ إنه نموذج مصغر للفرق بين من فهم شيئاً من مقام النبي والأئمة عليهم السلام . . وبين مستحي الأذهان . . من السنة . . بل من الشيعة .
( إن مثلنا عندما نبحث عن مقام الصديقة الزهراء سلام الله عليها والأئمة المعصومين عليهم السلام في دنيانا فقط . . كمثل الذي يبحث عن تأثير أشعة الشمس في غرفته فقط . . وكأن غرفته كل العالم . . وكل الكون الذي تشرق عليه الشمس . . الكون أوسع من هذا يا صاحبي . . والدنيا . . أصغر من مقام محمد وآل محمد . . صلوات الله عليهم .
( تعود الناس في كل الشعوب أن ينظروا إلى المرأة أنها أنثى . . فهذه حضارة الغرب . . لا يمكنها أن تنظر إليها كإنسانة ! فهي عندهم إما أنثى . . أو قراضة خارجة عن الاستعمال .
كما تعودوا أن ينظروا إلى المرأة أنها شر . . وهذه أمامك ثقافة اليهود وثقافة توراتهم الوثنية . . وقد عمت العالم المسيحي وغيره . . وهي تتحدث عن خطيئة حواء والحية وشر المرأة الذاتي ! !
أما الصديقة الزهراء . . الانسانية الكاملة . .
والصديقة الزهراء . . الطاهرة المطهرة . .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 403 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والصديقة الزهراء . . أم الأئمة الأطهار . .
فهي مشروع الجواب الرباني . . الذي وأدوا إشراقه بدخان نيرانهم وطغيانهم ! !
* وكتب صوت الحكمة في 15 - 7 - 2001 الحادية عشرة والثلث صباحاًَ :
شكراً يا شيخنا الجليل . . شكراً على هذه الكلمات النورانية في مولاتنا الزهراء عليها السلام .
شيخنا الجليل : هناك سؤال عن حديث للامام على عليه السلام عن النورانية لا أحفظ الحديث بالضبط ، ولكن مضمونها عن معرفة الامام على عليه السلام بالنورانية هل المقصود بها نور الله تعالى أو أهل البيت عليهم السلام . مع التفصيل إن أمكن .
* وكتب أبو مهدي في 15 - 7 - 2001 ، الثانية عشرة ودقائق ظهراً :
آه ما أبعد الطريق إلى قدسها . . . !
أيها الشيخ الفاضل أيها الأب الحاني . . لم نكأت الجرح ! ولماذا هذا الغور في المعرفة ؟ وكيف استطعت الدخول من بوابة النور إلى النور ؟ وأنت تعيش بين ظهرانينا . . إنه والله العجب ! إنتظر قليلا يا مولانا لعل البعض يرى من كوّة الباب ما يدله علي الحلقة ! إنتظر قليلا فلعل وعسى ، أقول لعل وعسى نصيب خيطاً من الضوء ينير لنا حالك الطريق . . أو نستزيد فنتوضأ وضوء أهل الجنة !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 404 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
رويدك يا أبتاه لا تزج بنا في هذا العالم البرزخي فليس معنا إلا بطاقات . . صفراء . . باهتة . . يابسة . . تكاد أن تقع من فرط الجفاف . . فانتظر حتى حلول الربيع ! من ينتظر معي . . فإني من المنتظرين . . ؟
والصلاة والسلام عليك يا مولاتي يا سيدة نساء العالمين .
* وكتب هادم اللذات في 17 - 07 - 2001 م ، الحادية عشرة صباحاً :
الشيخ الفاضل العاملي حفظه الله ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
أولاً : أشكرك على هذه الكلمات الولائية الرائعة .
ثانياً : عندي استفسار حول ما ذكرتم ، أتمنى لو أحصل على إجابة له فإن لم يكن في المنتدى فعن طريق البريد .
شيخنا الفاضل قلتم : " إن موقع الصديقة الزهراء سلام الله عليها من هذه المنظومة . . أنها حلقة الوصل لعودة وحدة النور في مساره وخطط الله فيه . .
وهي بهذا المعنى حجة ربانية تكوينية على الأئمة المعصومين من ذريتها . . الذين تختلف الحجج عليهم عن الحجج علينا . "
أقول : أرغب أن تتفضلوا علي بتوضيح ما يلي : ما المقصود بحجة ربانية تكوينية على الأئمة عليهم السلام ؟ صحيح أن الزهراء عليها السلام ، كانت حلقة الوصل لعودة وحدة النور ، ولكن كيف يجعلها ذلك حجة على الأئمة عليهم السلام ؟ ؟
- ما هو وجه الاختلاف بين الحجج على الخلق والحجج على الأئمة ؟ ! ولماذا لم يكن عبد الله وأبو طالب عليهما السلام ، حجة على الأئمة ، لحملهما لذلك النور ؟
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 405 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
* وكتب العاملي في 20 - 7 - 2001 م ، التاسعة إلا ثلث صباحاً :
الأخ العزيز هاذم اللذات . . بالنسبة إلى قولك : ما هو وجه الاختلاف بين الحجج على الخلق ، والحجج على الأئمة عليهم السلام ؟ فإن حجة الله تعالى التي يحتج بها على عباده . . منها عام لكل الخلق ، ومنها خاص على كل عبد أو مجموعة بما يخصهم . ففي الكافي : 8 / 84 : عن الامام الصادق عليه السلام : إن الرجل منكم ليكون في المحلة فيحتج الله عز وجل يوم القيامة على جيرانه به فيقال لهم : ألم يكن فلاناً بينكم ، ألم تسمعوا كلامه ، ألم تسمعوا بكاءه في الليل ، فيكون حجة الله عليهم ) . انتهى .
مثلاً . . من حجج الله تعالى على رسوله محمد صلى الله عليه وآله أنه جعله خاتم الرسل وفضله على النبيين عليهم السلام ، وعرج به إلى سماواته فأراه عالم ملكوته . . وأنزل عليه خاتم كتبه . . وأنعم عليه بذرية طيبة مباركة جعلهم من صديقة حوراء إنسية وجعلهم أئمة للأمة من بعده عليهم السلام . . وضمن له أن لا يفترقا حتى يردا عليه الحوض . . الخ .
وحجته على الصديقة الزهراء عليها السلام الخصائص الفريدة التي وهبها والمقام العظيم الذي أعطاها إياه . .
وحجته على الأئمة عليهم السلام أنه جعلهم أئمة وحججاً له على خلقه وخصهم بما خصهم به . . ومن حججه عليهم أنه جعلهم من ذرية الصديقة المباركة فاطمة ، وأورثهم من نورها وخصائصها . . وجعل سيرتها قدوة لهم في التحمل والزهد والعبادة . . الخ .
أما معنى أنها حجة ربانية تكوينية على الأئمة عليهم السلام ؟ فلأن تكوينهم بخصائصهم العالية مديونٌ لها . . ولو أنهم كانوا أولاداً لعلي عليه السلام من
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 406 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
غيرها لما كانت النعمة عليهم تامة كما هي . . بالرغم من أن لعلي عليه السلام خصائصه التي لا تقل عنها .
على أن في العالم التكويني للمعصومين عليهم السلام ما يتسع لارتباط نورهم بنورها ، وتوجه قلوبهم تكوينياً إلى مراكز النور الإلهي . . وللزهراء مركزية خاصة فيه . ولعل المرجع الوحيد الخراساني يقصد هذا المعنى بقوله إن قلوب الأئمة عليهم السلام تتجه إلى قلب الصديقة الزهراء عليهم السلام .
والبحث عن عالم النور الإلهي ، الذي فتحت بابه سورة النور ، وموقع الصديقة الزهراء منه . . بحث طويل . أما لماذا لم يكن عبد الله وأبو طالب عليهما السلام حجة على الأئمة لحملهما لذلك النور ؟ فإن فرق الصديقة الزهراء عليها السلام عن عبد الله وأبي طالب رضوان الله عليهما . . أنها ليست مجرد حامل لذلك النور ، بل هي مركز لتطويره وتموينه بخصوصياتها الربانية ، وحورائيتها الانسية . وما اتصل لها من أبيها ، صلوات الله عليها وعلى أبيها ، وبعلها وبنيها . . سيما خاتمهم الموعود رحمة للعالمين .
* وكتب ناصر العترة في 20 - 7 - 2001 ، الحادية عشرة والثلث صباحاً :
اللهم صل على محمد وآل محمد .
بارك الله فيكم مولاي وسيدي وشيخي الغالي العاملي ، أدام الله ظلكم العالي وأمد في عمركم الكريم ، وأبعد عنكم كل شر ومكروه ، على هذه الكلمات المباركة الطيبة . أسال الله ان يحشركم وإيانا مع الصديقة الطاهرة المظلومة الشهيدة ، في يوم القيامة ، اللهم آمين ، ورحم الله الشاعر والخطيب الوائلي حينما قال فيها سلام الله عليها :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 407 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كيف يدنو إلى حشاي الداء وبقلبي الصديقة الزهراء
من أبوها وبعلها وبنوها صفوة ما لمثلهم قرناء
لعن الله الظالمين لك يا سيدتي ومولاتي وأمي ، من الأولين والآخرين إلى قيام يوم الدين . . .
* وكتب هادم اللذات في 20 - 07 - 2001 م ، التاسعة مساءً :
شكراً جزيلاً لكم مولانا العزيز على هذا الجواب وعلى هذه الكلمات الولائية الجميلة والرائعة جداً . وأسأل الله أن يرزقكم وإيانا شفاعة السيدة الصديقة الشهيدة الزهراء سلام الله عليها وعلى أبيها وبعلها وبنيها ، وأن يطيل في عمركم الشريف ويحفظكم من كل سوء وينفع بكم المؤمنين .
* وكتب 9 بدر في 20 - 07 - 2001 ، التاسعة والنصف مساءً :
السلام عليكم يا شيعة ( أم أبيها ) ورحمة الله وبركاته .
مع العاملي 100 % ولست مع المفيد فاقبلوني معكما أو معكم . . . ولإزالة استغراب مولاي المفيد أقول إني لست معه في قوله ( بل ظهر وغلب صوت شانئها ) موافق على أنه ( ظهَرَ ) أما ( غلبَ ) فلا ولا ولا ولا . . .
مع العاملي المدافع عن أهل البيت عليهم السلام وهو يخرج مكنون صدره الملئ حباً لهم صلوات الله وسلامه عليهم ( أفكر أحياناً قائلاً في نفسي : لا وفق الله الذين أجبرونا على أن نشغل في الدفاع عن إثبات أصل مقام أهل البيت عليهم السلام . . عن العيش في أبعاد مقامهم . . وعوالم عظمتهم . . إن مثلنا كمثل الذي يدافع عن الجواهر الغالية فينشغل بذلك عن معايشتها
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 408 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والاستضاءة بنورها ، والالتذاذ برؤيتها . . ترى . . هل سأفرغ مدة قبل موتي لألقي أحجاري . . وأشتغل بدل الدفاع عنهم . . بنظم قصائدي فيهم . . ؟ ! وهل يمكن لي أن أجمع بين الدفاع عن أحب الخلق إليَّ . . وبين نظم المواويل فيهم . . أرجو دعاءكم ) .
مولاي العاملي . . ليس لنا إلا أن ندعو لكم بحق فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها وبالسر المستودع فيها أن يوفقكم لما تأملون ، فلا تطل التفكير وتوكل على الله . . تفقَّدْ واحات الأدب لعلها تترصع " بالأحجار الكريمة " التي تلقيها دفاعاً عن التي " بدت فأبدت عاليات الأحرف " صلوات الله وسلامه عليها .
وهل سمعت أن الحجة الأصفهاني تخلى عن جواهره أعني ( أحجاره ) الكريمة ؟
أعذروا تطفلي ، ففي صدري شقشقة لو هدرت لأقرت بأني مع العاملي ومع المفيد 100 % ، ومع كل محبي فاطمة ، ونسألكم الدعاء .
* وكتب العاملي في 20 - 7 - 2001 ، الحادية عشرة والربع مساءً :
الصديقة الزكية . . الحوراء الإنسية
الأخ صوت الحكمة . . سؤالك عن معرفة الامام على عليه السلام بالنورانية : كان أصل المادة عند فلاسفة اليونان والفيزيائيين القدماء . . من ذرات صلبة . . وجزء لا يتجزأ . . ثم وصل العلم إلى الجدلية بين المادة والطاقة . . والى الكتلة السديمية الكهر مغناطيسية ، التي تصوروا أن تفصيل الكون . . بدأ منها . . ثم وصلوا في عصرنا إلى الغاز السائل . . قبل السديم والدخان الكهر مغناطيسي . . ووصل أينشتاين إلى بعض قوانين النور . . وفتح باب العلم المادي بالجدلية بين
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 409 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
النور والمادة . . إنها خطوات ابتدائية في الطريق . . ليكتشفوا عالم الأنوار التي تدخل في بناء الكون وحياته وفعالياته . .
أما نحن المؤمنون بأن محمداً صلى الله عليه وآله . . مفتوح له الباب إلى خالق الكون . . وأنه سبحانه حدثه عن قصة الكون . . وعن مستقبله . . فلا نحتاج إلى انتظار أن يصلوا إلى عالم النورانية . . نحن نعتقد أن موقع محمد وآله . . علي وفاطمة والحسن والحسين وتسعة من ذرية الحسين ، صلوات الله عليهم . . في قصة خلق الكون . . عريقة وحيوية . . فأول ما خلق الله من نوره نورهم . . ثم بدأ تفصيل الكون منه . . فكان للكون مساره . . ولنور هم مساره في نسيج الكون . . وفي خلق آدم ومسيرة الانسان . . ولنقف فعلاً هنا .
الأخ أبا مهدي . . عن النور . . الجفاف . . البرزخ . .
نحن بشر . . فينا نوازع تشدنا إلى الملأ الأعلى . . وفينا ثقل الطين . .
كذلك هو الانسان . . هبَّةٌ ملائكية أو أرقى منها . . وهباتُ توحّل في الطين . .
وإن أردنا أن نعيش متوازنين . . فلا بد لنا من العيش مع القدوات المتوازنين صلوات الله عليهم . . يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين .
فادع لي . . وأدعو لك .
الأخ ناصر العترة . . هنيئاً لك ولاؤك . . فالقلب الذي يضم حب محمد وآل محمد . . ينطوي على أعظم جوهرة في الكون . . فمن أغنى منك . . وأسعد . .
ثبتك الله وإيانا . . لنحافظ على جوهرتنا . . ونحملها معنا في سفرنا .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 410 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأخ هاذم اللذات . . وبالأحرى . . ذاكر هاذم اللذات . . وقد فضلت لك الهاذم على الهادم . . لأنه وصف أمير البلغاء والفصحاء عليه السلام , لمجئ وقت سفرنا . . الذي يقطع لذات دنيانا التي نراها مهمة . . وينقلنا إلى عالم أرقى . . حيث الخلود . .
بارك الله لك لنا . . وعوضنا عن لذات الدنيا الفانية ، بلذات الجنة الباقية .
الأخ 9 بدر . . يظهر أنك معي في التفاؤل . . وأنه أحب إليك من الشكوى . .
ومن حق محب النبي وآله الأطهار . . أن يتفاءل . .
ومن حقه عندما يرى المستمعين عنهم أن يشكو ، كما شكى الأخ المفيد .
الحوراء الإنسية . .
هل سمعت عن الملونين المتولدين من عروق متباعدة ؟ هل رأيت شخصاً منهم . . أبوه أفريقي وأمه ألمانية ، مثلاً . . ؟ وهل توجد للملونين فروق وميزات عن المتولدين من عرق واحد أو عروق متقاربة ؟
الجواب : نعم توجد ، فالجينات المورثة في ولادتنا الأولى ترجع إلى الأبوين وبيئتهما وغذائهما ، وعوامل الوراثة الضاربة فيهما إلى أبوينا آدم وحواء .
أما في ولادتنا الثانية من أجسادنا فإن جينات أرواحنا تخضع لعامل واحد ومورث واحد فقط هو : سلوكنا وعملنا !
فهو المصنع الوحيد المؤهل لأن يرسل بجيناته المورثة إلى تلك الذرة المستديرة في أبداننا التي لا تفنى على حد تعبير الامام الصادق عليه السلام !
ففي الكافي : 3 / 251 : ( عن عمار بن موسى ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : سئل عن الميت يبلى جسده ؟ قال : نعم حتى لا يبقى له لحم ولا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 411 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عظم إلا طينته التي خلق منها ، فإنها لا تبلى ، تبقي في القبر مستديرة حتى يخلق منها كما خلق أول مرة ) . فتلك الطينة أو الذرة ، هي الصندوق الأسود الذي يختزن مواصفات ولادة روحنا من جسدنا ، ثم ولادة جسدنا الجديد الذي يتولد منها عندما تزرع في تربة مناسبة للبعث ، ثم نخرج روحاً وجسداً للمحشر .
الملونون . . بشكل عام ، أغنى من غيرهم بالمورثات في كثرتها وحيويتها . . والمتولدون من عرق واحد . . مورثاتهم أقل وأضعف . . وهي إحدى الحكم من استحباب الاتجاه في الزواج إلى غير الأقارب .
غذاء الوالدين . .
قد تكون رأيت أبوين لادين لهما ولا يقين . . يعيشان على المال السحت أو المغصوب . . ويأكلان النجس والمحرم . . ولا يعرفان طاهراً ولا نجساً . . ولا صلاة . . ولا شيئاً اسمه القيم ! ثم تأملت تأثير غذائهما وسلوكهما في أطفال هما !
ولعلك رأيت أبوين طاهرين . . يعيشان بالأدب والتقوى . . ويفيضان بالخير لكل الناس . . ولا يأكلان إلا حلالاً طاهراً . . وتأملت تأثير غذائهما وسلوكهما في أطفال هما ! ! إنها قوانين الله تعالى في معادن الناس وما يورثونه إلى أولادهم من جينات تنسجها نطفهم ! !
ترى كيف سيكون الطفل لو تغذى والداه على ثمار الجنة ، فتكونت منها نطفته ؟ يجيبك الفكر البشري : أنه لم يكتشف إلى الآن من قوانين الوراثة في الأرض إلا القليل القليل . . ناهيك عن فيزياء الجنة وغذائها . . وعن هذا الذي تسأل عنه المركب من فيزياء الأرض والجنة !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 412 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الفكر البشري لا يعرف شيئاً عن ذلك ليقوله . . !
لكن خالق فيزياء الأرض والجنة أخبرنا على لسان الصادق الأمين أن هذا هو الذي حدث . . وأن النبي وخديجة نالا شرف هذا الغذاء السماوي . . وكان المتولد منه . . فاطمة الزهراء عليها السلام ! ففي عيون أخبار الرضا : 2 / 107 : ( قال النبي صلى الله عليه وآله : لما عرج بي إلى السماء أخذ بيدي جبرائيل فأدخلني الجنة فناولني من رطبها فأكلته ، فتحول ذلك نطفة في صلبي ، فلما هبطت الأرض واقعت خديجة فحملت بفاطمة ، ففاطمة حوراء إنسية ، فكلما اشتقت إلى رائحة الجنة شممت رائحة ابنتي فاطمة ) ! انتهى .
ذلك الرطب . . من ثمار شجرة طوبى ، فهي شجرة تثمر بأكثر من نوع من الثمر ؟ أمَّا في الدنيا فيمكن أن تثمر بالتطعيم بعشرين نوعاً ! لكن لابد أن تكون من فصيلة واحدة أو متقاربة . . وأما في الجنة فيوجد أشجار تثمر بأنواع الثمر ، بدون حاجة إلى تطعيم . . وأهمها وأعظمها شجرة طوبى . . وما أدراك ما طوبى ! ! في تفسير نور الثقلين : 2 / 502 : ( عن النبي صلى الله عليه وآله حديث طويل وفيه يقول : دخلت الجنة وإذا شجرة لو أرسل طائر في أصلها ما دارها سبعمأة عام ، وليس في الجنة منزل إلا وفيها شجر منها ، فقلت : ما هذه يا جبرئيل ؟ فقال هذه شجرة طوبى ، قال الله تعالى : طوبى لهم وحسن مآب ) . وفي تفسير نور الثقلين : 2 / 502 : ( عن أبي عبيدة ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : طوبى شجرة في الجنة في دار أمير المؤمنين عليه السلام وليس أحد من شيعته إلا وفي داره غصن من أغصانها ، وورقة من أوراقها تستظل تحتها أمة من الأمم ) . وفي مناقب آل أبي طالب : 3 / 32 : ( وعن ابن عباس . وفي دار كل مؤمن منها غصن ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 413 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي مستدرك سفينة البحار : 6 / 611 : ( ليس من مؤمن إلا وفي داره غصن منها لا تخطر على قلبه شهوة شئ إلا أتاه به ذلك الغصن . . الخ . ) .
وفي فتح الباري : 11 / 366 : ( وأخرج أحمد وصححه بن حبان من حديث أبي سعيد رفعه : شجرة طوبى مائة سنة ) .
وفي صحيح ابن حبان : 61 / 429 : ( عن عتبة بن عبد السلمي يقول : قال أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما فاكهة الجنة ؟ قال : فيها شجرة تدعى طوبى . فقال : أي شجرنا تشبه ؟ قال : ليس تشبه شجراً من شجر أرضك ، ولكن أتيت الشام ؟ قال : لا يا رسول الله . قال : وإنها شجرة بالشام تدعى الجميزة تشتد على ساق ثم ينشر أعلاها . قال : ما عظم أصلها ؟ قال لو ارتحلت جذعة من إبل أهلك ما أحطت بأصلها حتى تنكسر ترقوتاها هرماً ! ! ) .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 414 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

من أحاديث مقام الصديقة الزهراء ( ع ) في مصادر السنيين

* كتب العاملي في شبكة هجر الإسلامية ، بتاريخ 20 - 8 - 1999 ، السابعة مساءً ، موضوعاً بعنوان ( مقام الصديقة الزهراء عليها السلام عند الله تعالى وعند رسوله صلى الله عليه وآله ) ، قال فيه :
بمناسبة أيام وفاة الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء عليها السلام ، أقدم باقة من الأحاديث العطرة التي تكشف عن مقامها العظيم عند الله تعالى وعند رسوله صلى الله عليه وآله :
ملاكٌ خاصٌ يبشر النبي صلى الله عليه وآله بمقام فاطمة والحسنين عليهم السلام
في مسند أحمد : 5 / 391 : عن زر بن حبيش ، عن حذيفة قال : سألتني أمي : منذ متى عهدك بالنبي صلى الله عليه وسلم ؟ قال فقلت لها : منذ كذا وكذا . قال فنالت مني وسبتني ! قال فقلت لها : دعيني فإني آتي النبي صلى الله عليه وسلم فأصلي معه المغرب ثم لا أدعه حتى يستغفر لي ولك . قال فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم ، فصليت معه المغرب ، فصلى النبي صلى الله عليه وسلم العشاء ، ثم انفتل فتبعته ، فعرض له عارض فناجاه ، ثم ذهب فاتبعته فسمع صوتي ، فقال من هذا ؟ فقلت حذيفة . قال مالك ؟ فحدثته بالأمر . فقال غفر الله لك ولأمك . ثم قال : أما رأيت العارض الذي عرض لي قبيل ؟ قال قلت : بلى . قال : فهو ملك من الملائكة لم يهبط الأرض قبل هذه الليلة ، فاستأذن ربه أن يسلم عليّ ويبشرني أن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة ، وأن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 415 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

عائشة تتحدث عن الزهراء بإجلال وإكبار

في مسند أحمد : 6 / 282 : عن عائشة قالت : أقبلت فاطمة تمشي كأن مشيتها مشية رسول الله صلى الله عليه وسلم ! فقال مرحباً بابنتي ، ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله ، ثم إنه أسرّ إليها حديثاً فبكت !
فقلت لها : استخصك رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثه ، ثم تبكين ؟ ثم إنه أسرّ إليها حديثا فضحكت ! فقلت : ما رأيت كاليوم فرحاً أقرب من حزن ، فسألتها عما قال ؟ فقالت : ما كنت لأفشي سرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ! حتى إذا قبض النبي صلى الله عليه وسلم سألتها فقالت : إنه أسرّ إليّ فقال : إن جبريل عليه السلام كان يعارضني بالقرآن في كل عام مرة ، وإنه عارضني به العام مرتين ، ولا أراه الا قد حضر أجلي ، وإنك أول أهل بيتي لحوقاً بي ، ونعم السلف أنا لك ، فبكيت لذلك ! ثم قال : ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء هذه الأمة ، أو نساء المؤمنين ؟ قالت : فضحكت لذلك ) .

آخر من يودعه النبي فاطمة ، وأول من يزوره بعد عودته . . فاطمة

في مسند أحمد : 5 / 275 : عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سافر آخر عهده بإنسان من أهله فاطمة ! وأول من يدخل عليه إذا قدم فاطمة ! فقدم من غزاة له فأتاها فإذا هو بمسح على بابها ورأى على الحسن والحسين قلبين من فضة ، فرجع ولم يدخل عليها ! فلما رأت ذلك فاطمة ظنت أنه لم يدخل عليها من أجل ما رأى ، فهتكت الستر ونزعت القلبين من الصبيين فقطعتهما فبكى الصبيان
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 416 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فقسمته بينهما . فانطلقا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهما يبكيان ، فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم منهما . فقال : يا ثوبان ، إذهب بهذا إلى بني فلان أهل بيت بالمدينة ، واشترِ لفاطمة قلادة من عصب وسوارين من عاج ، فإن هؤلاء أهل بيتي ، ولا أحب أن يأكلوا طيباتهم في حياتهم الدنيا ! ) .

قصة تسبيح الزهراء الذي التزم به الشيعة ونسيه غيرهم

في مسند أحمد : 1 / 106 : عن علي رضى الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما زوجّه فاطمة بعث معه بخميلة ، ووسادة من أدم حشوها ليف ، ورحيين وسقاء وجرتين ، فقال علي لفاطمة رضي الله عنهما ذات يوم : والله لقد سنوت حتى لقد اشتكيت صدري ، قال : وقد جاء الله أباك بسبي ، فاذهبي فاستخدميه . فقالت : وأنا والله قد طحنت حتى مجلت يداي ، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم . فقال : ما جاء بك أي بنية ؟ قالت : جئت لأسلم عليك ، استحيت أن تسأله ورجعت . فقال : ما فعلت ؟ قالت : استحييت أن أسأله ، فأتيناه جميعاً . فقال على رضي الله عنه : يا رسول الله والله لقد سنوت حتى اشتكيت صدري . وقالت فاطمة رضي الله عنها : قد طحنت قد طحنت حتى مجلت يداي وقد جاءك الله بسبي وسعة ، فأخدمنا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا أعطيكما وأدع أهل الصفة تطوى بطونهم ، لا أجد ما أنفق عليهم ! ولكني أبيعهم وأنفق عليهم أثمانهم ، فرجعا . فأتاهما النبي صلى الله عليه وسلم وقد دخلا في قطيفتهما إذا غطت رؤسهما تكشفت أقدامهما وإذا غطيا أقدامهما تكشفت رؤسهما
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 417 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فثارا ، فقال : مكانكما . ( يظهر أن الوقت كان شتاء ) ثم قال : ألا أخبركما بخير مما سألتماني ؟ . قالا : بلى . فقال : كلمات علمنيهن جبريل عليه السلام ، فقال : تسبحان في دبر كل صلاة عشراً وتحمدان عشراً وتكبران عشراً ، وإذا أويتما إلى فراشكما فسبحا ثلاثاً وثلاثين ، واحمدا ثلاثاً وثلاثين ، وكبرا أربعاً وثلاثين . قال : فوالله ما تركتهن منذ علمنيهن رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال فقال له ابن الكواء : ولا ليلة صفين ؟ ! فقال : قاتلكم الله يا أهل العراق ، نعم ولا ليلة صفين ! ) .

الرسول يباهل النصارى بأمر ربه . . بأفضل أهل الأرض

في مسند أحمد : 1 / 185 : عن عامر بن سعد عن أبيه قال . . . ولما نزلت هذه الآية : ندعُ أبناءنا وأبناءكم . دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً رضوان الله عليهم أجمعين . فقال : اللهم هؤلاء أهلي ) .

تحديد النبي ( ص ) لأهل بيته تحديداً حسياً !

في مسند أحمد : 6 / 323 : عن أم سلمة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة : ائتيني بزوجك وابنيك . فجاءت بهم فألقى عليهم كساء فدكياً ، قال ثم وضع يده عليهم ثم قال : اللهم إن هؤلاء آل محمد ، فاجعل صلواتك وبركاتك على محمد وعلى آل محمد ، إنك حميد مجيد . قالت أم سلمة : فرفعت الكساء لأدخل معهم ، فجذبه من يدي وقال : إنك على خير . انتهى . وفي ذلك بلاغ لمن كان له قلب ! فقد نصت الصحاح على أن هذه الآية نزلت مستقلة ، ولا ربط لها بآيات زوجات النبي ! !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 418 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

وعلم النبي أنه يوجد من يظلم أهل بيته ويحاربهم . . فأعلن موقفه معهم

في مسند أحمد : 2 / 442 : عن أبي هريرة قال نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى على والحسن والحسين وفاطمة فقال : أنا حرب لمن حاربكم وسلم لمن سالمكم ! ) .
* فكتب طالب العلم بتاريخ 20 - 8 - 1999 ، السابعة والثلث مساءً :
السلام عليك يا بنت رسول الله ، السلام عليك أيتها الشهيدة الصابرة . .
قُلْ لِلْمُغَيَّبِ تَحْتَ أَطْباقِ الثَرى * إِنْ كُنْت َ تَسْمَعُ صَرْخَتي وَنِدائِيا
صُبَّتْ عَلَيَّ مَصائِبٌ لَوْ أَنَّها * صُبَّتْ عَلى الأَيَّامِ صِرْنَ لَيالِيا
قَدْ كُنْتُ ذاتَ حِمىً بِظِلِّ مُحَمَّدٍ * لا أَخْشَ مِنْ ضَيْمٍ وَكانَ حِماً لِيا
فَاليَوْمَ أَخْضَعُ لِلْذَلِيلِ وأتقي * ضَيْميِ وأَدْفَعُ ظَالِمي بِرِدائِيا
فَإِذا بَكَتْ قُمْرِيَّةٌ في لِيْلِها * شَجَناً على غُصْنٍ بَكِيتُ صَباحِيا
فَلأَجْعَلَنَّ الحُزْنَ بَعْدَكَ مُونِسي * وَلأَجْعَلَنَّ الدَّمْعَ فيكَ وِشاحِيا
عظم الله أجورنا وأجوركم بمصاب الزهراء سلام الله عليها وصلواته .
* وكتب مالك الأشتر بتاريخ 22 - 8 - 1999 ، الثامنة صباحاً :
اللهم صلِّ على فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها ، بعدد ما أحصاه كتابك وأحاط به علمك . لقضاء الحوائج يقرأ 135 مرة .
* وكتب عبر البحار بتاريخ 23 - 8 - 1999 ، الرابعة صباحاً :
السلام على فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها ، والسر المستودع فيها . اللهم العن أول ظالم ظلم محمد وآل محمد وآخر ظالم ظلم محمد وآل محمد .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 419 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
اللهم العن الجبت والطاغوت . اللهم أحينا وأمتنا على ولايتهم بحق محمد وآل محمد .
* فكتب العاملي بتاريخ 24 - 8 - 1999 ، التاسعة مساءً :
من عيون الشعر العربي في ظلامة الصديقة الزهراء عليها السلام ،
للسيد الحميري رحمه الله ، من شعراء صدر الاسلام :
فمضى واتبعتْهُ ولها * بعد غيض جرعته ووجعْ
ضربت واهتضمت من حقها * وأذيقت بعده طعم السلع
قطع الله يدي ضاربها * ويد الراضي بذاك المتبع
لا عفى الله له ولا * كفَّ عنه هول يوم المطَّلع
وللشاعر الأزري البغدادي رحمه الله :
تركوا عَهد أحمد في أخيه * وأذاقوا البتول ما أشجاها
وهي العروة الّتي ليس ينجو * غير مستعصم بحبل ولاها
لم ير الله للرسالة أجراً * غير حفظ الزهراء في قرباها
يوم جاءت يا للمصاب إليهم * ومن الوجد ما أطال بكاها
فدعت واشتكت إلى الله شكوى * والرواسي تهتزُّ من شكواها
فاطمأنّت لها القلوب وكادت * أن تزول الأحقاد ممّن حواها
تعظ القوم في أتمّ خطاب * حكت المصطفى به وحكاها
أيُّها القوم راقبوا الله فينا * نحن من روضة الجليل جناها
نحن من بارئ السماوات سرٌّ * لو كرهنا وجودها ما براها
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 420 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

فاطمة أفضل نساء العالمين . . وبعدها أمها خديجة ومريم بنت عمران

قال العاملي : في شرح أصول الكافي للمازندراني : 7 : 221 : ( عن الامام الصادق عليه السلام قال : لولا أن الله تبارك وتعالى خلق أمير المؤمنين لفاطمة ، ما كان لها كفؤ على ظهر الأرض من آدم ومن دونه ) .
وقال المباركفوري في تحفة الأحوذي : 10 / 265 : ( قال الحافظ في الفتح قال السبكي الكبير الذي ندين الله به أن فاطمة أفضل ثم خديجة ثم عائشة والخلاف شهير ولكن الحق أحق أن يتبع به . وقال ابن تيمية جهات الفضل بين خديجة وعائشة متقاربة ، وكأنه رأى التوقف ، وقال ابن القيم أن أريد بالتفضيل كثرة الثواب عند الله ، فذاك أمر لا يطلع عليه ، فإن عمل القلوب أفضل من عمل الجوارح ، وإن أريد كثرة العلم فعائشة لا محالة ، وإن أريد شرف الأصل ففاطمة لا محالة ، وهي فضيلة لا يشاركها فيها غير أخواتها ، وإن أريد شرع السيادة فقد ثبت النص لفاطمة وحدها !
قال الحافظ : امتازت فاطمة عن أخواتها بأنهن متن في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ، وأما ما امتازت به عائشة من فضل العلم فإن لخديجة ما يقابله وهي أنها أول من أجاب إلى الإسلام ودعا إليه وأعان على ثبوته بالنفس والمال والتوجه التام ، فلها مثل أجر من جاء بعدها ولا يقدر قدر ذلك إلا الله ، وقيل انعقد الإجماع على أفضلية فاطمة وبقي الخلاف بين عائشة وخديجة ) . انتهى .
وفي فيض القدير للمناوي : 3 / 574 : ( خديجة بنت خويلد القرشية الأزدية ذات الشرف الظاهر والحسب الفاخر أفضل أمهات المؤمنين قال الحافظ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 421 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
العراقي : على الصحيح المختار وذكر نحوه ابن العماد وسبقهما السبكي كيف وهي ( سابقة نساء العالمين إلى الإيمان بالله وبمحمد ) أي وبما جاء به محمد عن الله سبحانه فهي أول من آمن به من النساء مطلقا وأرسل الله إليها السلام مع جبريل . قال ابن القيم : وهذه خصوصية لا تعرف لامرأة غيرها . وقد استدل بهذا الحديث على أن خديجة أفضل من عائشة ) .
وفي جواهر المطالب لابن الدمشقي ج 1 ص 153 : ( روى أحمد والحاكم والطبراني عن أبي سعيد الخدري بإسناد صحيح مرفوعاً : فاطمة سيدة نساء أهل الجنة إلا مريم . وفي رواية صحيحة : إلا ما كان من مريم بنت عمران . فعلم أنها أفضل من أمها خديجة ، وما وقع في الأخبار مما يوهم أفضليتها ، فإنما هو من حيث الأمومة فقط .
وأيضاً هي أفضل عن عائشة على الصحيح بل الصواب ، قال السبكي : الذي نختاره وندين الله به : أن فاطمة أفضل نساء هذه الأمة ثم خديجة ثم عائشة . قال : ولم يخف عنا الخلاف في ذلك ، ولك إذا جاء نهر الله بطل نهر العقل ! قال الشيخ شهاب الدين ابن حجر الهيتمي : ولوضوح ما قاله السبكي تبعه عليه المحققون . . . وممن تبعه عليه : الحافظ أبو الفضل بن حجر ، فقال في موضع : هي مقدمة على غيرها من نساء عصرها ، ومن بعدهن مطلقاً ) .
وقال البهوتي في كشاف القناع : 5 / 31 : ( وأفضلهن خديجة وعائشة ، وما ثبت أنه ( ص ) قال لعائشة حين قالت له : قد رزقك الله خيراً منها : لا والله ما رزقني الله خيراً منها ، آمنت بي حين كذبني الناس ، وأعطتني مالها حين حرمني الناس . . . وخبر : فاطمة بضعة مني ، وقوله لها : أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة إلا مريم ، يدل على أن فاطمة أفضل ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 422 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي فتح الباري لابن حجر ج 7 ص 84 : ( قال السبكي الكبير الذي أدين الله به أن فاطمة أفضل ثم خديجة ثم عائشة والخلاف شهير ، ولكن الحق أحق ان يتبع . وقال بن تيمية جهات الفضل بين خديجة وعائشة متقاربة وكأنه رأى التوقف ! ) .
وفي فتح الباري : 7 / 101 : ( وجاء ما يفسر المراد صريحاً فروى البزار والطبراني من حديث عمار بن ياسر رفعه لقد فضلت خديجة على نساء أمتي كما فضلت مريم على نساء العالمين ، وهو من حديث حسن الاسناد . واستدل بهذا الحديث على ان خديجة أفضل من عائشة ، قال بن التين ويحتمل أن لا تكون عائشة دخلت في ذلك لأنها كان لها عند موت خديجة ثلاث سنين ، فلعل المراد النساء البوالغ ! ! كذا قال وهو ضعيف ! فإن المراد بلفظ النساء أعم من البوالغ ومن لم تبلغ أعم ممن كانت موجودة وممن ستوجد ، وقد أخرج النسائي بإسناد صحيح وأخرجه الحاكم من حديث بن عباس مرفوعاً : أفضل نساء أهل الجنة خديجة وفاطمة ومريم وآسية . وهذا نص صريح لا يحتمل التأويل . . . ) .
وفي فيض القدير للمناوي ج 2 ص 68 : ( تنبيه : سئل السبكي هل قال أحد إن أحداً من نساء النبي صلى الله عليه وسلم غير خديجة وعائشة أفضل من فاطمة ؟ فقال : قال به من لا يعتد بقوله وهو ابن حزم فضل نساءه على جميع الصحابة لأنهن في درجته في الجنة ، قال وهو قول ساقط مردود . قال : ونساؤه بعد خديجة وعائشة متساويات في الفضل . . وفي مسند أحمد والطبراني عن ابن عباس قال : خط رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأرض أربع خطوط فقال أتدرون ما هذا ؟ قالوا الله ورسوله أعلم ، فقال
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 423 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أفضل نساء أهل الجنة خديجة وفاطمة ومريم وآسية . قال الهيثمي : رجالهما رجال الصحيح ( ك ) في أخبار الأنبياء ( عن ابن عباس ) قال الحاكم صحيح وأقره الذهبي . . . قال ابن حجر في الفتح بإسناد صحيح ) .
وفي فيض القدير : 4 / 556 : ( وفي الفتاوى الظهيرية للحنفية أن فاطمة لم تحض قط ولما ولدت طهرت من نفاسها بعد ساعة لئلا تفوتها صلاة قال : ولذلك سميت بالزهراء ، وقد ذكره من صحبنا المحب الطبري في ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى وأورد فيه حديثين أنها حوراء آدمية طاهرة مطهرة لا تحيض ولا يرى لها دم في طمث ولا ولادة . وفي الدلائل للبيهقي أن المصطفى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وضع يده على صدرها ورفع عنها الجوع فما جاعت بعد . وفي مسند أحمد وغيره أنها لما احتضرت غسلت نفسها وأوصت أن لا يكشفها أحد فدفنها علي بغسلها ذلك ، وذكر العلم العراقي أن فاطمة وأخاها إبراهيم أفضل من الخلفاء الأربعة بالاتفاق . . . ( تتمة ) قال ابن حجر في الفتح : أقوى ما استدل به على تقديم فاطمة على غيرها من نساء عصرها ومن بعدهن ، خبر أن فاطمة سيدة نساء العالمين إلا مريم ، وأنها رزئت بالنبي صلى الله عليه وسلم دون غيرها من بناته فإنهن متن في حياته فكن في صحيفته ومات في حياتها ، فكان في صحيفتها قال : وكنت أقول ذلك استنباطاً إلى أن وجدته منصوصاً في تفسيره الطبري عن فاطمة أنه ناجاها فبكت ثم ناجاها فضحكت ، فذكر الحديث في معارضة جبريل له القرآن مرتين وأنه قال : أحسب أني ميت في عامي هذا وأنه لم ترزأ امرأة من نساء العالمين مثل ما رزئت ، فلا تكوني دون امرأة منهن صبراً ، فبكت فقال : أنت سيدة نساء أهل الجنة إلا مريم فضحكت ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 424 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي سبل الهدى والرشاد للصالحي : 10 / 326 : ( قال البلقيني في ( فتاويه ) : الذي نختاره أن فاطمة أفضل ثم خديجة ثم عائشة ، للحديث الصحيح ، وأنه قال لفاطمة : أما ترضين أن تكوني سيدة نساء هذه الأمة وسيدة نساء المؤمنين ، وفي النسائي مرفوعاً : أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد ، وفاطمة بنت محمد . سنده صحيح ، فالحديث صريح في أنها وأمها أفضل نساء أهل الجنة ، والحديث الأول يقتضي فضل فاطمة على أمها ، وفي حديث آخر : فاطمة بضعة مني ، وهو يقتضي تفضيل فاطمة على جميع نساء العالم ومنهن خديجة وعائشة رضي الله عنهما وبقية بنات النبي صلى الله عليه وسلم . . ) .
وفي سبل الهدى والرشاد : 11 / 161 : ( قال شيخنا : الصواب القطع بتفضيل فاطمة وصححه السبكي ، قال في الحلبيات : قال بعض من يعتد به بأن عائشة أفضل من فاطمة ، وهذا قول من يرى أن أفضل الصحابة زوجاته لأنهن معه في درجته في الجنة التي هي أعلى الدرجات ، وهو قول ساقط مردود وضعيف لا سند له من نظر ولا نقل ، والذي نختاره وندين الله تعالى به أن فاطمة أفضل ، ثم خديجة ، ثم عائشة ، وبه جزم ابن المغربي في روضته . ثم قال السبكي : والحجة في ذلك ما ثبت في الصحيح أن النبي قال لفاطمة : أما ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين أو سيدة نساء هذه الأمة ، وما رواه النسائي بسند صحيح من أن رسول الله قال : أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد ، واستدل شيخنا في شرحه بما ثبت أنه قال لعائشة حين قالت له : قد رزقك الله خيراً منها ، قال : لا والله ما رزقني الله خيراً منها . . الحديث ) .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 425 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الحادي عشر : لماذا قبر فاطمة الزهراء . . مجهول ؟ !

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 426 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 427 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

وصية فاطمة عليها السلام أن تدفن ليلاً ولا يحضروا جنازتها

* كتب المدعو عمر الفاروق في شبكة الموسوعة الشيعية ، بتاريخ 18 - 2 - 2000 ، الواحدة والنصف صباحاً ، موضوعاً بعنوان ( إخوتي الأعزاء أهل السنة : أين دفنت فاطمة الزهراء رضي الله عنها ) ، قال فيه :
بعض الأخوة الشيعة لهم دعوى تدور حول دفن سيدتنا فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد بحثت فلم أجد نصوصاً تدل على مكان دفنها . أرجو إرشادي ممن رأى مصدراً سواء كان من الأخوة أهل السنة أم إخواننا الشيعة مع ذكر المصدر . والله يوفقكم جميعاً .
* فكتب الفاطمي بتاريخ 18 - 2 - 2000 ، الثانية إلا ربعاً صباحاً :
وثوت لا يرى لها الناس مثوىً أي قدس يضمه مثواها
السلام عليك يا بضعة المصطفى يا فاطمة الزهراء .
* وكتب الفتى الإمامي بتاريخ 19 - 2 - 2000 ، العاشرة صباحاً :
لقد أخفي قبر فاطمة الزهراء عليها السلام عن الأنظار . . . ليبقى علامة استفهام على مر العصور عن سبب اختفاء قبرها ، وليتفكر المنصفون عن السبب ويفهموا ما عانته الأمة بعد انحرافها عن أمير المؤمنين .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 428 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
* وكتب المدعو صبي الشيعة في الموسوعة الشيعية ، بتاريخ 16 - 2 - 2000 ، الثانية ظهراً ، موضوعاً بعنوان ( إلى م . إبراهيم . . . أين قبر الزهراء عليها السلام ؟ ) ، قال فيه :
إلى الزميل الغالي : م . إبراهيم . لا أدري ما الذي أشعل هذا السؤال في ذهني ، وحاولت أن أحصل على الإجابة من الشباب السنة الذين حولي . . ولكني أرى أنك الأجدر به سؤال بسيط . . . ما السبب في رأيك ( رأي مذهبك ) الذي أدى إلى عدم إخبار الزهراء عليها السلام بمكان قبرها . . لماذا طلبت من بعلها أن يوارى جسدها الشريف في الظلام ! !
* وكتب محمد إبراهيم بتاريخ 16 - 2 - 2000 ، الخامسة مساءً :
عزيزي : ص . الشيعة : أشكرك على حسن الظن . أرجو أن تزودني بروايات هذا الخبر ، حتى يمكنني أن أبحث فيها ، مع جزيل الشكر .
* وكتب فرزدق بتاريخ 18 - 2 - 2000 ، الخامسة مساءً :
صحيح البخاري كتاب بدء الخلق باب غزوة خيبر ، روى بسنده عن عروة عن عائشة ، أن فاطمة عليها السلام بنت النبي ( ص ) ، أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله ( ص ) مما أفاء الله عليه بالمدينة وفدَك وما بقي من خمس خيبر . فقال أبو بكر : إن رسول الله ( ص ) قال : لا نورّث ما تركناه صدقة . . إلى أن قال : فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئاً . . فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك فهجرته فلم تكلّمه حتى توفيت ! ! وعاشت بعد النبي ستة أشهر ، فلما توفيت دفنها زوجها عليٌ ليلاً ! ! ولم يؤذن بها أبا بكر ! ! وصلى عليها عليٌ . . . ! ! الحديث . .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 429 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وتجد ذلك أيضاً في : صحيح مسلم كتاب الجهاد والسير ، ج 2 ص 72 ، سنن البيهقي ج 4 ص 29 و ج 6 ص 300 طبع حيدر آباد ، مشكل الآثار للطحاوي ج 1 ص 47 ، مرآة الجنان لليافعي ص 91 ، المستدرك للحاكم النيسابوري ج 3 ص 162 وفيه ( ولم يشعر بها أبو بكر ! ! ) . . وغير ذلك من المصادر . . بل إن في بعضها تصريحاً بأن ذلك أي الدفن ليلاً ومنع الشيخين من حضور جنازتها ، كان بوصيةٍ من الزهراء ( ع ) . .
فسلام الله عليك أيتها البضعة الطاهرة ، الشهيدة المظلومة المقهورة .
* وكتب محمد إبراهيم بتاريخ 18 - 2 - 2000 ، الثامنة مساءً :
لماذا لم يؤذن سيدنا علي بأن يصلي أبو بكر على الزهراء عليها السلام ؟
الإجابة هي : سؤال آخر : لماذا يصلى عليها أبو بكر أصلاً ؟ إذا كانت مثلاً رغبة سيدنا علي بأن يصلى هو بنفسه على سيدة نساء العالمين ، هو زوجها وأحق بهذا من غيره ، فلماذا نعتبر هذا مأخذاً على سيدنا أبي بكر رضي الله عنه ؟
لماذا دفنت الزهراء ليلاً ؟ الإجابة هي ولماذا لا تدفن ليلاً ؟ هل الدفن ليلاً مثلاً مكروه ؟ من المعلوم أن إكرام الميت هو تعجيل دفنه : أليس كذلك ؟
لماذا هجرته السيدة فاطمة الزهراء عليه السلام ولم تكلمه ؟
كيف هجرته ؟ هل لم تزره مثلاً وهي كانت معتادة زيارته ؟ أم هجرته بمعنى أنه تركته ولم تعد إليه في موضوع الميراث ، ولم تكلمه بعد أن سمعت منه ما لم تكن تعلمه من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم ؟
لماذا وجدت عليه فاطمة عليها السلام ؟ لا أدري حقيقة . وخصوصاً بأن الزهراء هي أعظم شأناً من أن تتكالب وتأسى على حطام الدنيا ، وخصوصاً أنها تعرف بدنوّ أجلها من أبيها عليه الصلاة والسلام ، وهي أيضاً بنت خير
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 430 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
البشر الذي كان معروفاً بزهده في الدنيا و بتربيته ابنته الطاهرة على الزهد في الدنيا . إجابتي هذه هي عن الحديث الأول الذي أوردته ، ولا أريد أن أبحث في الأحاديث الأخرى ، لأن هذا ليس في موضوع ا