الجديد في الحسين عليه السلام


الجديد في الحسين عليه السلام
بقلم
علي الكوراني العاملي
الطبعة الأولى 1441 هـ 2020 م
------------------------------------------- ص 2 -------------------------------------------
------------------------------------------- ص 3 -------------------------------------------

مقدمة



بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة وأتم السلام
على سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين.
أما بعد ، فمهما كثرت المؤلفات في سيرة الإمام الحسين ونهضته سلام الله عليه، تبقى الحاجة الى الجديد ، لأن موضوعه أغنى من كل ما كتب .
ومهما كثرت البحوث ، تبقى الحاجة الى بحوث معمقة تكشف علو مقامه ، وعمق أحداث سيرته ونهضته ، صلوات الله عليه .
ذلك أن الحسين مشروع رباني منذ خلق الله الخلق ، منسوجة أصوله بتكوين الأرض ، ونبوة جده النبي صلي الله عليه وآله ، وجاريةٌ أنشودته في الأجيال ، حتى يبعث الله ولده المهدي عليه السلام فيأخذ بثاره ، وينهي الظلم من على وجه الأرض ، ويملأها قسطاً وعدلاً .
وقد فضلتُ أن أكتب موضوعات من سيرته ومقاماته عليه السلام ، فيها الجديد المفيد لعامة الناس ، ولخطباء المنبر الحسيني خاصة .
وقد تلاحظ أني أكثرت من الإعتماد على أحاديث كامل الزيارات للفقيه الكبير جعفر بن محمد بن قولويه أستاذ الشيخ المفيد قدس سره، وسببه دقة كتابه كامل الزيارات وإتقانه وغناه ، وأني أرى صحة كل مارواه فيه قدس سره.
أسأل الله أن يشملنا برحمته ، ومن أعظمها شفاعة الحسين ، صلوات الله عليه .
علي الكوراني العاملي
قم المشرفة ، رجب المكرم 1441هـ نيسان 2020 م
------------------------------------------- ص 4 -------------------------------------------
------------------------------------------- ص 5 -------------------------------------------

الموضوع الأول: تربة كربلاء وسبحة كربلاء


رائحة تربة كربلاء


قال لي صديقي ووجهه يتهلل فرحاً: سأهدي لك هدية تحبها ، وأخرج من جيبه سبحة ترابية ، ما أن لحظتها عيناي حتى فاضتا بالدمع ، فتناولتها بكلتا يدي وشممتها ، ومسحت بحباتها عينيَّ وقلت له:
ألف شكر.. إنها حقاً كربلائية ، إنها الرائحة الأصلية لتربة الحسين عليه السلام . أشكرك أنك لم تضع عليها عطراً فيصعب على مثلي تمييزها .
قال: وهل تميز تربة كربلاء بالشم ؟
قلت: نعم إذا كانت جديدة ، ولم تضف إليها رائحة .
قال: هل تستطيع أن تصف لي رائحتها ؟
قلت: فيها نفاذ خاص ، وعطر ليس من نوع عطور الدنيا ، فيها معانٍ غيبية تفهمها بالشم ، يصعب التعبير عنها ؟
قال: إن الشم علمٌ !
قلت: الشم عالمٌ قبل أن يكون علماً..ينفتح عليه الإنسان بالعشق فيعرف روائح معشوقه بقدر درجة إيمانه، ويعرف روائح الأخيار والأشرار .
أما قرأت أن الملائكة يعرفون نية الإنسان الطيبة والخبيثة ، من رائحتها !
يا صديقي.. لو أن أكبر علماء الحس والشم كان مع يعقوب عليه السلام لما وجد ريح يوسف ، إذا لم يكن عنده عشق وإيمان .
------------------------------------------- ص 6 -------------------------------------------
هل سمعت بالرواية التي تقول إن إبراهيم عليه السلام مرَّ على كربلاء فشم تربتها وصلى فيها ، واشترى أرضها من أهلها ، وسماها ( كربلاء ) !
وهل سمعت أن قاموس اللغة الآشورية القديمة الذي وضعه علماء الآثار الغربيون يذكر أن معنى (كربو - لو): الرجل القربان ، ومعنى(كربو - ئيل): قربان الله ، وأن كركميش بنفس المعنى ! فاعجب إذا أردت أن تعجب !
وهل سمعت حديث قبضة التراب التي أتى بها جبرئيل أو ميكائيل عليه السلام من كربلاء إلى النبي صلي الله عليه وآله وأخبره أنها تربة الأرض التي تقتل فيها أمته ولده الحسين عليه السلام ! فأودعها عند أم سلمة في قارورة وقال لها: إذا كان يوم عاشوراء وقتل الحسين عليه السلام ، صار التراب في القارورة دماً عبيطاً، أي صافياً !
وهل سمعت أن علياً عليه السلام مرَّ على كربلاء ، وشم تربتها وأخبر بما يكون فيها !
إن هؤلاء العظماء يفهمون بالشم أموراً وأحداثاً حسب درجتهم .
وهذا علم الشم بعد عالم الشم ، يا صديقي !
قال صديقي: وهل يوجد اليوم من يعرف الطيب والشرير من رائحته ؟
قلت له: أما إذا أردت المعرفة القطعية فهي عند الامام المهدي عليه السلام ، وإن أردت المعرفة التي تخطئ وتصيب فهي عند المؤمن حسب درجة إيمانه وصفاء روحه وإرهافها.. أمَا ترى أنك تشم أحياناً من أشخاص رائحة روحهم الخبيثة ونواياهم الشريرة فلا تطيق الكلام معهم، ولا الجلوس!
وتشم من شخص رائحة نواياه العطرة فكأنما هب عليك نسيم من الجنة!
قال صديقي: فماذا عن تحول التراب عند أم سلمة إلى دم عند قتل الحسين؟
------------------------------------------- ص 7 -------------------------------------------
قلت له: هذا حديث متواتر بالمعنى، وقد كثرت روايته في مصادر السنيين كمسند أحمد ، وسل من شئت عن تفسيره فسينحني ويقول لاأعلم !

حديثٌ مازال يدهشني!


ولكن قبل الكلام فيه أروي لك حديثاً أدهشني وما زال يسكن في عقلي.. يقول: اعتل الحسين فاشتد وجعه ، فاحتملته فاطمة الى النبي صلي الله عليه وآله مستغيثةً مستجيرةً فقالت: يا رسول الله ، أدع الله لابنك أن يشفيه ووضعته بين يديه ، فقام النبي صلي الله عليه وآله حتى جلس عند رأسه ثم قال:يا فاطمةيا بنية، إن الله هو الذي وهبه لك هو قادر على أن يشفيه . فهبط على جبرئيل فقال: يا محمد ، إن الله لم ينزل عليك سورة من القرآن إلا فيها فاء ، ولا تكون الفاء إلا من آفة ما خلا سورة الحمد ، فليس فيها فاء ، فادع بقدح من ماء فاقرأ فيه الحمد أربعين مرة ثم صبه عليه فإن الله يشفيه ، ففعل ذلك ، فكأنما أنشط من عقال !
فاعجب يا صديقي إذا أردت العجب ، وفكر في قدرة معمار القرآن عز وجل وكيف يحسب حساباً للحرف أين يضعه ، وأين لا يضعه !
ثم في دلالات الحروف فوق دلالات الكلمات ، فهذا الحرف يدل على نوع من الأحداث ، وهذا يدل على نوع ، وذاك على نوع آخر !
ثم فكر في تأثير تلاوة سورة الحمد في الماء لأنها بلا فاء ! ثم تأثير الماء في بدن المريض ، وتأثير التكرار سبع مرات أو عشراً أو أربعين !
ثم في طريقة تفكير الزهراء عليها السلام وتصرفها ، لما وجدت أن حالة ابنها خطيرة فحملته الى النبي صلي الله عليه وآله .
------------------------------------------- ص 8 -------------------------------------------
ثم في طريقة تفكيرالنبي صلي الله عليه وآله وتصرفه لما جلس عند رأسه ليدعو له ، فرأى أنه كالمحتضر، ففكر لعل الله تعالى بدا له في وعده بالحسين ، وتوقف عن الدعاء له ، وقال لها: بل أترك أمر الطفل ، ولا أتدخل في مقاديرالله تعالى !
ثم فكر لماذا كان الحسين عليه السلام هبة مبتدأة من الله بدون أن تقترح الزهراء عليها السلام على ربها شيئاً ؟ كما كان تزويجها بعلي عليه السلام أمراً مبتدءاً منه تعالى منذ أن تقبلها من أبيها وأمها ، ولم يكن لهما حق شرعاً في تزويجها !
وإذا انفتح لك هذا الباب..عرفت أن مسألة تربة الحسين عليه السلام أوسع من محيطنا وقوانينه ، فلماذا لا تكون أرض كربلاء من نوع خاص، ولماذا لا يكون لاختلاط دم الحسين عليه السلام بها تأثيرٌ فيزيائيٌّ خاصٌّ !
ولماذا لا نفترض قوانين فيزيائية عليا ، فوق ما نعرفه من قوانينها الدنيا ؟
إن أمر بعض بقاع الأرض كالكعبة ومكة وحرمها ، وبيت المقدس، والطور، وبيت لحم ، ومسجد النبي صلي الله عليه وآله ، وغيرها،لايمكن تفسير أحاديثها وأحداثها إلا بافتراض قوانين مادية من نوع آخر !
لماذا نتحير في أحاديث النور والإشعاع الذي يصدر من البقاع والأشخاص، ولا نفترض أن له قوانين عالية لم يكتشفها العلم إلى اليوم !
سمعت أنهم اكتشفوا أشعة تصدرمن الإنسان بعد وضوئه وفى حال صلاته . كشفوها بواسطة أجهزة ، وهي قابلة للتطوير وكشف الجديد .
وتحدثت الأحاديث عن نور الطائفين حول الكعبة ، وعن فضل السجود على التراب ، وعن النور المنبعث من جبين الساجد على تربة كربلاء ، ولكن الأشعة إلى الآن لم تصورأشعة الكعبة ، ولا أشعة كربلاء وتربتها .
------------------------------------------- ص 9 -------------------------------------------
قد يكتشف العلماء أشياء وأشياء ، لكنها تبقى كشوفاً ناقصة حتى تظهر معجزة نبينا الكبرى صلي الله عليه وآله على يد ولده المهدي الموعود عليه السلام .
وستكون المعجزة يومئذ العلم ، مضافاً الى الكلمة والفكرة !
يومها..سيرى الناس قوانين الفيزياء والعلوم وآياتها، ويرون حقائق القرآن وتأويله ، وتظل أعناقهم لها خاضعين .
لكن يا صديقي لاتنتظركشوف العلم ، فإنما يحتاج الى ذلك من لا إيمان له ، أوضعيف الإيمان.. أما من عنده منبعٌ للإيمان من كتاب الله عز وجل وأحاديث رسوله صلي الله عليه وآله وأهل بيته الطاهرين عليهم السلام ، فلا يحتاج في إيمانه إلى كشوف المكتشفين، ولا نتائج أجهزتهم وأفكارهم .
هذا يا صديقي عن كشوف العلم . أما عن مقام الحسين عليه السلام فلا تستكثر أن يجعل الله آية قتله في كربلاء أن تتحول تربته المودعة في بيت رسول الله صلي الله عليه وآله إلى دم ، وهذا في الحقيقة من آيات رسول الله صلي الله عليه وآله ومعجزاته .
قال صديقي: تقصد أن المعجزة شئ آخر فوق هذه القوانين العالية ؟
قلت: نعم إن المعجزة مقولة أخرى ، وإن تخيل بعض المثقفين أنهما مقولة واحدة، وسأضرب لك مثلاً: إذا استطاع العلم أن يكشف أن الصادق في كلامه ينبعث منه إشعاع من لون معين ، والكاذب ينبعث منه إشعاع من لون آخر.. أو استطاع أن يكشف الرائحة الكريهة عند حدوث النية السيئة ، والرائحة الطيبة عند النية الطيبة.. فهذه قوانين جديدة عبرت عنها بقوانين الفيزياء العليا تقريباً للذهن ، أما التعبيرالأصح فهوأنها إحدى آيات الله تعالى وقوانينه ، التي أقام عليها هذا الكون ، والتي لانعرف منها إلا القليل .
------------------------------------------- ص 10 -------------------------------------------

المعجزة فعل حيٌّ في الطبيعة:


المعجزة لها منطق آخر ومعادلات فوق قوانين الفيزياء العليا والدنيا.. يصف أميرالمؤمنين على عليه السلام معجزة مجئ الشجرة إلى رسول الله صلي الله عليه وآله فيقول:
ولقد كنت معه صلي الله عليه وآله لما أتاه الملأ من قريش فقالوا له: يا محمد إنك قد ادعيت عظيماً لم يدعه آباؤك ولا أحد من بيتك ، ونحن نسألك أمراً إن أجبتنا إليه وأريتناه علمنا أنك نبي ورسول ، وإن لم تفعل علمنا أنك ساحر كذاب . فقال صلي الله عليه وآله : وما تسألون ؟ قالوا: تدعو لنا هذه الشجرة حتى تنقلع بعروقها وتقف بين يديك . فقال صلي الله عليه وآله : إن الله على كل شئ قدير ، فإن فعل الله لكم ذلك أتؤمنون وتشهدون بالحق؟ قالوا نعم .
قال فإني سأريكم ما تطلبون ، وإني لأعلم أنكم لا تفيئون إلى خير ، وأن فيكم من يطرح في القليب ، ومن يحزِّب الأحزاب !
ثم قال صلي الله عليه وآله : يا أيتها الشجرة إن كنت تؤمنين بالله واليوم الآخر وتعلمين أني رسول الله ، فانقلعي بعروقك حتى تقفي بين يديَّ بإذن الله !
فوالذي بعثه بالحق لانقلعت بعروقها وجاءت ولها دويٌّ شديدٌ وقصفٌ كقصف أجنحة الطير، حتى وقفت بين يدي رسول الله صلي الله عليه وآله مرفرفة ، وألقت بغصنها الأعلى على رسول الله صلي الله عليه وآله ، وببعض أغصانها على منكبي ، وكنت عن يمينه صلي الله عليه وآله ! فلما نظرالقوم إلى ذلك قالوا - علواً واستكباراً - : فمرها فليأتك نصفها ويبقى نصفها ! فأمرها بذلك ، فأقبل إليه نصفها كأعجب إقبال وأشده دوياً ، فكادت تلتف برسول الله صلي الله عليه وآله ! فقالوا - كفراً وعتواً - فمر هذا النصف فليرجع إلى نصفه كما كان.. فأمره صلي الله عليه وآله فرجع !
------------------------------------------- ص 11 -------------------------------------------
فقلت أنا: لا إله إلا الله ، فإني أول مؤمن بك يا رسول الله ، وأول من أقر بأن الشجرة فعلت ما فعلت بأمر الله تعالى ، تصديقاً بنبوتك وإجلالاً لكلمتك .
فقال القوم كلهم: بل ساحركذاب عجيب السحر خفيف فيه ، وهل يصدقك في أمرك إلا مثل هذا الغلام ، يعنوني !
أما مثل هذه المعجزة ياصديقي، فهي فعل إلهيٌّ حيٌّ في الطبيعة ، بقدرةٍ أعلى من قوانين الفيزياء وقوانين المادة جمعاء ! ولذلك يخرُّ لها علماء الطبيعة !
قال صديقي: هل نفهم من قوله تعالى: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَئٍ شَهِيدٌ ، أن العلم سيكشف قوانين المادة العليا التي ذكرتها ؟
قلت: هذه الآية وعدٌ قطعيٌ بآيات معجزة سيظهرها الله تعالى، ولكن لم يحدد الزمان ونوع الآيات ، والظاهرأنها آيات أعظم مما ذكرت ، وقد ورد في أحاديث أهل البيت عليهم السلام أنها آيات تظهر في أعداء الحق عند ظهور الإمام المهدي عليه السلام ، وقد نص بعضها على أنها آيات انتقامية من المسخ ، والقذف بالصواعق ، وفقدان سيطرة الحكام الطغاة على آفاق الدنيا !

حتى الجماد له روح ولغة:


قال صديقي: شكراً لك ، لقد سمعت جديداً عن الشم والنور.. لكن ماذا عن تكلم السبحة من تراب كربلاء ، وتسبيحها في يد حاملها ؟
قلت له: إن التسبيح في قوله تعالى: وَإِنْ مِنْ شَئٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ، لايمكن أن يكون مجازياً ، بل هو تسبيح حقيقي بدليل: لاتَفْقَهُونَ
------------------------------------------- ص 12 -------------------------------------------
تَسْبِيحَهُمْ ، وبدليل الأحاديث المفسرة للآية ، فحملُ الكلام على المجاز له حدود ، ومن أفرط فيها فقد تمَحَّل .
نعم ، هو تسبيح حقيقي، وقد نصت الآيات والأحاديث على أن كل ما في الكون كائنات حية حتى الجماد ، ولايوجد كائن ميت بالموت الكامل، لكن درجات الحياة متفاوتة مِنْ أعظم الناس حيوية ويقظة في عقله وروحه صلي الله عليه وآله ، إلى أقلهم حيوية الذي لايكاد يفقه شيئاً ، أويشعر بشيئ !
إن أحدنا يتفاوت في درجة حياته ، من أرقى حالاته وازدهارالعقلي والروحي والبدني ، إلى حالة الخمول والركود والمرض .
وإذا حسبنا الإنسان في أول سُلَّم الأحياء ، فإن أقل إنسان نصيباً من الحياة يقترب من أرقى حيوانٍ صامت.. وأقل حيوانٍ نصيباً منها يقترب من أرقى نباتٍ أو يشتبه به.. وأقل نبات نصيباً منها يشتبه بأرقى جماد..
وكل فرد من سلسلات هذه الكائنات له روحٌ بحسبه ، وعقلٌ بحسبه ، وتكليفٌ بحسبه ، ولغةٌ وتسبيحٌ ، ولكنا لا نفقه تسبيحهم !
أما رأيتَ لكل نوع من النبات والأشجار شخصيةً وأخلاقاً غير النوع الآخر.. وما يدريك أن تكون الصخور والجبال كذلك؟
أما التراب يا صديقي فله قصةٌ أخرى ، لأنه نحنُ! فأحدنا ما هو إلا نصف متر مكعب من التراب مخلوط بنفخة إلهية.. بلى ، نفخة الروح هي الأساس وأصل السر ، والإنسان إنسان بروحه قبل بدنه.. ولكن السرأيضاً في قبضة التراب التي تقبل حلول النفخة فيها ، وتتآخى معها ، وتكون مقرها .
------------------------------------------- ص 13 -------------------------------------------
السر أيضاً في السبع قبضات التي أخذها جبرئيل عليه السلام من الأرض فصنع الله منها بيتاً للروح ، والسر بعدها في غذاء الأبوين من نتيجة تراب الأرض الذي يصير علقةً تقبل الإنشاء الآخر !
هل سمعت أن كل العناصر الستة عشرالتي يتكون منها التراب..يتكون منها بدن الإنسان بلا زيادة ولا نقصان ! وهل سمعت أن في الأرض تراباً ليس منها، وأنه قد نقل إليها من الجنة لأمرٍ لا أفهمه أنا ولا أنت !
الأشياء يا صديقي أكبر مما نرى وأعمق ، فلا تنظر إليها بسذاجة !
إن مثل المؤمن وغير المؤمن كمثل شخصين يملكان جهازي (راديو) فيفتح أحدهما جهازه ويدير مفتاحه، فلا يسمع صوتاً إلا الخشيش والصفير، فيقول إنه جهاز جيد ، ولكن لا توجد محطات الآن . ويفتح الآخر مذياعه فإذا به ممتلئ بالإذاعات صافية واضحة ، ولا خشيش ولا صفير !
المشكلة يا صديقي ليست في البث والإذاعة ، ولكن في جهاز الإلتقاط !
ومشكلة هؤلاء الجامدين على الماديات ومن تبلد مثلهم من المسلمين.. أنهم عند ما لا يلتقط جهازهم ينفون وجود الإرسال والمرسلات !
إن الموجود أكثر مما يلتقطه جهازك وجهازي ، ومحطات الإرسال موجودة في كل شئ من حولك ! فحواسنا الخمس آيات كبرى من آيات الله تعالى ولكنها (كاميرات ) محدودة تستطيع فقط أن تلتقط أجزاء من المسموع والمنظور والمحسوس والمشموم والمطعوم ، وتبقى الأجزاء الأخرى خارج عملها ! وجهاز عقلنا آيةٌ عظمى ، ولكنه يلتقط جزءً من الحقائق فقط ! وجهاز روحنا
------------------------------------------- ص 14 -------------------------------------------
يصل إلى جزء من العوالم ، والباقي خارج عمله ! فالمسألة يا صديقي أعمق مما نتصور ، فاعجب لمن ينظرون إليها بأذهان مسطحة !
هذه النبتة الصغيرة التي تدوسها الأقدام لها خطةٌ وهدف ، ولها قصةٌ قد توازي قصة أكبر شجرة في غابات الأمازون ! وكل نبتة لها خطةٌ وهدفٌ وقصة.. وكل حيوان ، وكل إنسان ، وكل ذرة من جماد أو تراب..
أليس الجميع آجرّاً في بناء هذه الأرض والحياة ، ومن هندسة ذلك المعمار ، وأي معمار.. سبحانه وتعالى !

الى الذين سجنوا أنفسهم في قوقعة المادة !


آه لو استطعت أن أنادي في هؤلاء الذين لايرون إلا الأشكال والسطوح؟ فأهز بصيحتي عقولهم والوجدان !
يا هؤلاء ، إن البعد المادي أهون أبعاد الموجود ، وأصغرها..
روحي فداء لرسول الله صلي الله عليه وآله حيث أراد أن يهز عقول قريش فصعد على الصفا ذات يوم ونادى: يا صباحاه ، فاجتمعت إليه قريش فقالوا: مالك؟ قال: أرأيتكم إن أخبرتكم أن العدو مصبحكم أو ممسيكم ، أكنتم تصدقونني؟ قالوا: بلى . قال: أيها الناس إن الرائد لا يكذب أهله ، ولو كنت كاذباً لما كذبتكم، والله الذي لا إله إلا هو إني رسول الله إليكم حقاً خاصة ، وإلى الناس عامة . والله لتموتن كما تنامون ، ولتبعثن كما تستيقظون ، ولتجزون بالإحسان إحساناً ، وبالسوء سوء ، وإنها للجنة أبداً أو النار أبداً !
إننا اليوم يا رسول الله بحاجة إلى صيحة(ياصباحاه) في قريش العالم ليعرفوا أن فوق الماديات عوالم أعظم منها ، فيخرجوا مغارة المادة إلى نور التوحيد .
------------------------------------------- ص 15 -------------------------------------------
بحاجة الى صيحة في قريش المسلمين ليتوقفوا عن ظلمهم لأهل بيت نبيهم الطاهرين عليهم السلام ، ويرجعوا إلى إمامتهم وتلقي الإسلام منهم .
ولابد لمقدمات الصيحتين أن تتنامى في العالم وفي الأمة ، حتى يظهرالمهدي الموعود روحي فداه ، فيقوم بها خير قيام .
قال صديقي:لقد استفدت من حديثك وأحببت تربة الحسين عليه السلام أكثر.. وقررت أن أسبِّح بها لابغيرها ما استطعت ، وأسجد لله على ترابها ما استطعت. وسوف أهدي لك منها تربة سجود وسبحة .
قلت له: خير هدية ، أشكرك عليها ، وأرجو أن لا تفارقني سبحة كربلاء في حياتي ، وأن يدفنوها معي في قبري .
لقد أعجبني ذوق سيف الدولة الحمداني رحمة الله عليه حيث كان يجمع غبار ثيابه إذا رجع من جهاد الروم ، حتى صنع منها لبنة ، وأوصى أن يوضع عليها خده في قبره ، وأن يوضع شئ من تربة الحسين عليه السلام على صدره .
رحمة الله ، فقد غزا الروم سبعين غزوة ، وكان سداً أم اجتياحهم بلاد المسلمين. وكلما زاد همُّ الإنسان بأمته ونصرتها وجهاد أعدائها ، زاد حبه لنبيه وعترته صلي الله عليه وآله ، وصار أرهف حساً ، وأكثر فهماً .
* *

------------------------------------------- ص 16 -------------------------------------------

صنـعوها في البحـرين


في أيام حرب صدام مع إيران، كانت الحاجة ملحَّة الى سُبَح كربلاء وتُرَبها.. فتوصل البحرينيون الى جلب التراب من كربلاء ، وصناعة تربٍ وسبح منه .
وقد أهدى لي أحدهم واحدة منها ، فكتبت:
صنعوها في البحرين.. في بيت طاهر ..
شاطؤهم مغسولٌ بأمواج القرون.. وقلوبهم بالدموع على الزهراء عليها السلام .
من أبناء الغواصين الأوائل.. الذين عرفوا اللؤلؤ قبل الناس، وخبروا محاراته الملأى ، واستخرجوا منها لأهل الدنيا أغلى زينة .
من أبناء الأوفياء الذين قال لهم الرسول صلي الله عليه وآله :إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي.. فقالوا سمعنا وأطعنا ، واحتضنوا في محارات قلوبهم لؤلؤتين ، الكتاب والعترة ، فَنَمتَا واتحدتا ، وصارتا لؤلؤتين في واحدة ، كأحسن ما يكون اللؤلؤ ، وأبهاه .
باعوا اللؤلؤ الى العالم بالغالي والرخيص ، أما لؤلؤ محبتهم فباعوا له كل شئ ليَسْلم لهم ! لا أعرف أكثر منهم سخاء من أجله ، حتى بالروح !
يقولون إن لؤلؤ محبة أهل البيت عليهم السلام إن بذلت له روحك ، انتقل من محارة القلب إلى محارة الروح ، ونما فيها نمواً خاصاً ، وصار مشعّاً !

ماء زمزم وتراب كربلاء:


صنعوها بالأنامل.. وبسيط الوسائل. يأخذون قطعه من الطين المقدس باسم الله ، ويحولونها إلى حُبَيْبات ، ثم يُجففونها وينظمون منها مسابيح كربلاء..
------------------------------------------- ص 17 -------------------------------------------
صناعة لا كالصنائع ، وبضاعةٌ لا كالبضائع.. اهتدى اليها والدهم في عهد حصار كربلاء.. يوم قلَّ وصول السبح الحسينية ، وتلهف لها المحبون..
يومها.. قصد كربلاء ، وزار الحسين عليه السلام عن أهل البحرين ، واستأذنه في أن يحمل شيئاً من تراب بقعته المباركة إلى بلده ، ليصنع منه مسابيح لمواليه..
وعاد إلى بيته يحمل لأطفاله هدايا ، لكن فرحة الجميع بصندوق التراب كانت أكبر.. أعدوا مكانه بدقة.. طهَّروا الغرفة وبَخَّروها ، ثم وضعوا الصندوق على منضدة في زاويتها.. يأخذون من ترابه ويصبون عليه ماء زمزم.. ويصنعون منه عجين السبح الحسينية .
ماء زمزم ، وتراب كربلاء ، التقيا في بيت طاهر في البحرين ، فكان لهما حنين وأشواق ، بدموع بحرانية .
قال تراب كربلاء: أنت يا ماء زمزم أسعد حظاً من الفرات ، لقد شرب منك الحسين عليه السلام وأصحابه وارتووا.. لكن منعوهم من ماء الفرات وقتلوهم عطاشى ، فأحسستَ بدمائهم حارَّةً حارة ، تغلي وتضطرم !
قال ماء زمزم: لهفي على دم الحسين وعطش الحسين وأصحاب الحسين . إني أشم منك ريحهم ، فما أطيبه وأشجاه ..
ولما اجتمع في البحرين.. ماء زمزم وتربة الحسين.. تلاقت المعاني الكبار.. من هاجر وإسماعيل ، وفاطمة والحسين.. عليهم السلام .
والمعاني الأكبر، من إبراهيم ومحمد صلى الله عليهما وآلهما..
وكان ينبغي اختبار استعداد إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام للفداء.. فكان مشهد ذبح إسماعيل بوادي منى..
------------------------------------------- ص 18 -------------------------------------------
ولم يكن ينبغي اختبار محمد صلي الله عليه وآله ، بل يكفي إخباره فقط ، فأخبره الله تعالى بفداء كربلاء ، فأخبر ولده الحسين عليه السلام بذلك فقال: رضا الله رضانا أهل البيت ، نصبر علي بلائه ، ويوفينا أجور الصابرين .
وسقى أهل البحرين ماء زمزم لتربة الحسين عليه السلام ، ونظموا منها سُبَحاً في أيدي الذاكرين. كل واحدة منها قصيدة من مئة بيت وبيت..
كل بيت منها مطلع.. وكلا شطريه مصرع..
قصيدة دونها المعلقات..يفهمها المؤمنون والملائكة ، ويستعيدون إنشادها..
أما أصحاب الأذهان المسطحة فيقولون: كلام ، ومسبحة من طين !
تفهمها عجائزنا في قراهن.. ويُجِدْنَ أصول إنشادها ، فقد ورثن كلماتها من بنت أفصح ناطق بالضاد ، يوم أهدى إليها الرسول كلماتها: تكبيراً ، وتحميداً، وتسبيحاً ، فكانت لها نشيد الإنشاد..
صنعت الزهراء سُبْحَةً من تربة قبر حمزة ، نظمتها في خيط أزرق.. حتى جاء جبريل إلى أبيها صلي الله عليه وآله بهدية من تربة كربلاء ، فولدت منظومة كربلاء .
كان داود يسبح.. ويَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ.. ولوكان في عصرنا لاستبدل إنشاده بإنشاد نبينا صلي الله عليه وآله وقال: هذا إنشاد تؤوِّب معه ملائكة الملأ الأعلى !
جميلة منظومة أهل البحرين ، لتلحين نشيد الزهراء( عليها السلام )..
وفي الدنيا ألحانٌ.. لو عرفها المغنون لعافوا ألحانهم !
ألحان أهل الدنيا وقصائدها تقول للإنسان: إنما الحياة بدنك والشهوات.. ثم النهاية! تقول له ذلك: آخر مقطوعات الموسيقى الأمريكية، وأحدث صالات الغناء، وأبلغ قصائد الملك الضِّلِّيل امرئ القيس ، والسفيرالضليل نزار
------------------------------------------- ص 19 -------------------------------------------
القباني.. فيرى أن أجمل ما في الدنيا.. لهوها ، وخمرها ، وزناها ، فيتيه في أوديتها.. بينما يواصل الكون نشيده ، عابراً عن هذا الغائب المخمور !
الكونُ يواصل أنشودته من يوم ولادته.. من أول ما بدأ شريط الزمان..
وَإِنْ مِنْ شَئٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لاتَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ، كلٌّ بلغته.. له نشيده وألحانه..أما نشيد الأنبياء عليهم السلام فهو النشيد الأكبر ، ينتظمها جميعاً ويحدو بها !
* *
أنشودة الكون الهادرة ، لايراها مسطح الذهن ، ولا يحس بها مخمور ، بل يسمع عنها الناس.. أما المؤمنون فمفتوحة لهم النوافذ !
في يومٍ أمر الله بلاد الزيتون ، بجبالها وحيوانها وطيورها وأسماكها ، أن تنشد بنشيد داود عليه السلام فكان يقرأ التسبيح بألحانه ، وتؤوِّب معه الجبال والطير ..
حتى إذا جاء محمد صلي الله عليه وآله حباهُ الله بختام أناشيد التسبيح، فأهداه الرسول لابنته الزهراء عليها السلام وسماه باسمها..ويا أجيال المسلمين سبحي بتسبيحها ، حتى يأتي ابنها المهدي عليه السلام ينشده إنشاداً فيؤوِّب معه سكان الأرض والسماء!

إشعاع تربة كربلاء:


في الدنيا أنواع الجواهر.. صنعها الله لعباده في بواطن الأرض ، وقيعان البحار.. زينةً وآية..
فيها الياقوت الأحمر ، الذي يذرف توت الشام دموعه شوقاً اليه..
ودُرُّ النجف النابت في الأرض.. يضاهي البَرَد النازل من السماء..
والألماس الأخَّاذ.. الذي تمكنوا في عصرنا أن يصنعوا له شبيهاً ، بلا روح..
وفيها اللؤلؤ والمرجان.. واللَّعْلُ والزَّبرجد.. واليُسْرُ والزَّهْر.. ومن جميعها تصنع العقود والمسابيح.. لكنها جميعاً لاتساوي حبة من سبحة كربلاء !
وكيف يقاس المادي بالمعنوي.. والمظلم بالمنير.. والصامت بالمتكلم؟
* *
------------------------------------------- ص 20 -------------------------------------------
توصَّل العلم الى أن إشعاع الياقوت ينطلق خيوطاً وحزماً مفردة متفرقة.. تذهب بعيداً بعيداً.. ثم تجتمع في مركز . فكثروها وكثفوها ، وحصروها في نقطة تجمعها كالماء المحبوس ، أو كالخيل المنفلتة من أبواب سباقها لتجتمع في الغاية والهدف ! فكانت أشعة الليزر بنت الياقوت !
لكن ما ندري هل سيجد العلم أشعة تربة كربلاء، التي تنبث منها باستمرار وتنطلق من جبهة الساجد لله عليها ، فتعبر أعماق المجرات حتى تصل الى العرش ، ثم تنعكس نوراً في قلب الساجد !
أما أهل البحرين فقد وجدوا ذلك ، فهم لايحتاجون الى انتظار وسائل العلم..لأن الذي أخبرهم أتاه الوحي، وهو أصدق من وسائل العلم !
وقد توصل العلم الى أن الجماد يختزن الكلام ويعيده.. لكن لم يصل الى أن سبحة كربلاء تسبِّح في يد حاملها نيابةً عنه !
لكن أهل البحرين وجدوا ذلك وآمنوا به ، لأن الصادقين عليهم السلام أخبروهم به.. وقد قال لهم ربهم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ .
* *
------------------------------------------- ص 21 -------------------------------------------

الموضوع الثاني: الملائكة أكثرخلق الله عدداً


صورة عن عالم الملائكة

1. خلقهم الله من الأنوار:


1. خلقهم الله من الأنوار:
قال الله تعالى: فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَئٍ قَدِيرٌ .
وقال رسول الله صلي الله عليه وآله : (خلق الملائكة من نور ، وخلق الجان من مارج من نار ، وخلق آدم مما وصف لكم ). (مصنف عبد الرزاق:11/425).
وقال أميرالمؤمنين عليه السلام (نهج البلاغة:1/19): (ثم فتق ما بين السماوات العلى، فملأهن أطواراً من ملائكته ، منهم سجود لايركعون ، وركوع لاينتصبون ، وصافون لايتزايلون ، ومسبحون لايسأمون . لايغشاهم نوم العيون ، ولا سهو العقول ، ولا فترة الأبدان ، ولا غفلة النسيان .
ومنهم أمناء على وحيه ، وألسنة إلى رسله ، ومختلفون بقضائه وأمره .
ومنهم الحفظة لعباده ، والسدنة لأبواب جنانه .
ومنهم الثابتة في الأرضين السفلى أقدامهم، والمارقة من السماء العليا أعناقهم، والخارجة من الأقطار أركانهم ، والمناسبة لقوائم العرش أكتافهم، ناكسة دونه أبصارهم ، متلفعون تحته بأجنحتهم ، مضروبة بينهم وبين من دونهم حجب العزة وأستار القدرة . لايتوهمون ربهم بالتصوير، ولا يجرون عليه صفات المصنوعين ، ولا يحدونه بالأماكن ، ولا يشيرون إليه بالنظائر ).
------------------------------------------- ص 22 -------------------------------------------
وقال عليه السلام : ( من ملائكة أسكنتهم سمواتك ورفعتهم عن أرضك ، هم أعلم خلقك بك ، وأخوفهم لك ، وأقربهم منك . لم يسكنوا الأصلاب ، ولم يضَّمَنوا الأرحام ، ولم يُخلقوا من ماء مهين ، ولم يشعبهم ريب المنون . وإنهم على مكانهم منك ومنزلتهم عندك ، واستجماع أهوائهم فيك ، وكثرة طاعتهم لك ، وقلة غفلتهم عن أمرك ، لو عاينوا كنه ما خفي عليهم منك لحقروا أعمالهم ، ولزرَوْا على أنفسهم ، ولعرفوا أنهم لم يعبدوك حق عبادتك ولم يطيعوك حق طاعتك.سبحانك خالقاً ومعبوداً ، بحسن بلائك عند خلقك).
وقال عليه السلام (تفسير فرات/185): (وجعل في كل سماء ساكناً من الملائكة خلقهم معصومين من نور ، من بحور عذبة وهو بحر الرحمة ، وجعل طعامهم التسبيح والتهليل والتقديس).
وفي تفسير القمي(2/206): (قال الصادق عليه السلام : خلق الله الملائكة مختلفة ، وقد رأى رسول الله صلي الله عليه وآله جبرئيل وله ست مائة جناح ، على ساقه الدر مثل القطر على البقل ، قد ملأ ما بين السماء والأرض.
وقال أبو جعفر عليه السلام : إن الله خلق إسرافيل وجبرائيل وميكائيل عليهم السلام من تسبيحة واحدة ، وجعل لهم السمع والبصر، وجودة العقل، وسرعة الفهم ).

2. نَفَسُهم من نسيم تحت العرش وغذاؤهم التسبيح:


قال الإمام الصادق عليه السلام (تفسير القمي:2/206): (إن الملائكة لايأكلون ولا يشربون ولا ينكحون ، وإنما يعيشون بنسيم العرش ).
------------------------------------------- ص 23 -------------------------------------------
وقال الصدوق في الإعتقادات/91: ( والملائكة روحانيون معصومون ، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. لا يأكلون ولا يشربون، ولا يألمون، ولا يسقمون ، ولا يشيبون ، ولا يهرمون .
طعامهم وشرابهم التسبيح والتقديس، وعيشهم من نسيم العرش، وتلذذهم بأنواع العلوم . خلقهم الله أنواراً ، وأرواحاً ، كما شاء وأراد ).
أقول: هذا نصٌّ في أن التسبيح والتقديس عبادتهم وطعامهم وشرابهم ، ونسيم العرش هواؤهم ، ومن فروقهم عنا أن هواءنا محصور بالغلاف الجوي ، فلو خرجنا عنه لانقطع نفسنا ومتنا ، أما الملك من ملائكة الله فيجوب الكون كله ، ونسيم العرش موفور له .
ولا بد أن جهاز تغذية الملك ومعدته يختلف عنا ، وتسبيحه وتقديسه يتحول الى طاقة لبدنه ، يتحرك بها في أرجاء الكون ، ويشبع ويرتوي بنوع من التسبيح !
كما أن طبيعتهم وأمنياتهم وشهواتهم تختلف عنا ، فهم يتلذذون بمعرفة العلوم !
وسيأتي في قصة فطرس الكلام في عصمتهم ، وأنها لا تشمل كل أنواعهم .

3.الملائكة أكثر خلق الله عدداً وتنوعاً:


قال الإمام الصادق عليه السلام (كامل الزيارات/224): (ما خلق الله خلقاً أكثر من الملائكة، وإنه ينزل من السماء كل مساء سبعون ألف ملك ، يطوفون بالبيت الحرام ليلتهم ..الحديث ).
وقال أمير المؤمنين عليه السلام (نهج البلاغة:1/31): (وليس في أطباق السماء موضع إهابٍ إلاّ وعليه ملك ساجد ، أو ساعٍ حافد ).
------------------------------------------- ص 24 -------------------------------------------
وفي البصائر /89:(سأل رجل أبا عبد الله عليه السلام فقال: الملائكة أكثر أو بنو آدم؟ فقال: والذي نفسي بيده لملائكة الله في السماوات أكثر من عدد التراب ! وما في السماء موضع قدم إلا وفيه ملك يقدس له ويسبح ! ولا في الأرض شجرة ولامثل غرزة ، إلا وفيها ملك موكل بها ، يأتي كل يوم بعملها والله أعلم بها. وما منهم واحد إلا ويتقرب إلى الله في كل يوم بولايتنا أهل البيت ويستغفر لمحبينا ويلعن أعدائنا ، ويسأل الله أن يرسل عليهم العذاب إرسالاً).

4. الملائكة تلاميذ النبي وآله صلي الله عليه وآله :


تقدم قول أميرالمؤمنين عليه السلام إنهم أعلم خلق الله بالله ، وهي رتبة بعد رتبة النبي وآله صلي الله عليه وآله لأنهم تعلموا منهم تسبيح الله وتحميده وتهليله وتمجيده وتقديسه .
سأل جابر الأنصاري النبي عليه السلام : (ما أول شئ خلقه الله تعالى؟ فقال: نور نبيك يا جابر ، خلقه الله ثم خلق منه كل خير.ابتدعه من نوره ، واشتقه من جلال عظمته ). (البحار:15/24).
وقال العجلوني في كشف الخفاء (1/265): (أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر.. رواه عبد الرزاق بسنده عن جابر بن عبد الله بلفظ: قال قلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي ، أخبرني عن أول شئ خلقه الله قبل الأشياء؟ قال: يا جابر ، إن الله تعالى خلق قبل الأشياء نور نبيك من نوره ، فجعل ذلك النور يدور بالقدرة حيث شاء الله ، ولم يكن في ذلك الوقت لوح ولا قلم ولاجنة ولا نار ولا ملك ولا سماء ولا أرض ولا شمس ولا قمر ، ولا جني ولا إنسي ، فلما أراد الله أن يخلق الخلق قسم ذلك النور أربعة أجزاء ، فخلق من الجزءالأول القلم ، ومن
------------------------------------------- ص 25 -------------------------------------------
الثاني اللوح ، ومن الثالث العرش ، ثم قسم الجزء الرابع أربعة أجزاء ، فخلق من الجزء الأول حملة العرش، ومن الثاني الكرسي ، ومن الثالث باقي الملائكة. ثم قسم الجزء الرابع أربعة أجزاء ، فخلق من الأول السماوات ومن الثاني الأرضين ، ومن الثالث الجنة والنار . ثم قسم الرابع أربعة أجزاء فخلق من الأول نور أبصار المؤمنين ، ومن الثاني نور قلوبهم وهي المعرفة بالله ، ومن الثالث نور أنسهم وهو التوحيد.. الحديث ).
أقول: لم يقبل علماء السلطة هذا الحديث ، لأنه تضمن أن علياً والعترة عليهم السلام جزء من نور النبي صلي الله عليه وآله ، وهذا يبطل خلافة السقيفة ، مع أن أحمد بن حنبل روى نحوه ، وصححه بعضهم كالآلوسي . أما في مصادرنا فهو صحيح متواتر، وهو نص في أن خلق النبي وآله صلي الله عليه وآله قبل خلق الملائكة .
وفي عيون أخبار الرضا عليه السلام (2/237 ): قال رسول الله صلي الله عليه وآله :ما خلق الله خلقاً أفضل مني ولا أكرم عليه مني! قال علي فقلت:يا رسول الله فأنت أفضل أم جبرئيل؟ فقال صلي الله عليه وآله : يا علي إن الله تبارك وتعالى فضل أنبياءه المرسلين على ملائكته المقربين ، وفضلني على جميع النبيين والمرسلين ، والفضل بعدي لك يا علي وللأئمة من بعدك ، وإن الملائكة لخدامنا وخدام محبينا !
يا علي، الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ، ويستغفرون للذين آمنوا بولايتنا . يا علي، لولا نحن ما خلق الله آدم عليه السلام ولا حواء ، ولا الجنة ولا النار ولا السماء ولا الأرض ! فكيف لا نكون أفضل من الملائكة ، وقد سبقناهم إلى معرفة ربنا وتسبيحه وتهليله وتقديسه ، لأن أول ما خلق الله عز وجل أرواحنا فأنطقها بتوحيده وتمجيده ، ثم خلق الملائكة ، فلما شاهدوا
------------------------------------------- ص 26 -------------------------------------------
أرواحنا نوراً واحداً استعظمت أمرنا ، فسبحنا لتعلم الملائكة أنا خلق مخلوقون، وأنه منزه عن صفاتنا ، فسبحت الملائكة بتسبيحنا ، ونزهته عن صفاتنا ! فلما شاهدوا عظم شأننا هللنا لتعلم الملائكة أن لا إله إلا الله ، وأنَّا عبيد ولسنا بآلهه يجب أن نعبد معه أو دونه ! فقالوا: لا إله إلا الله .
فلما شاهدوا كبرمحلنا كبَّرنا لتعلم الملائكة أن الله أكبر من أن ينال عِظَمُ المحل إلا به ! فلما شاهدوا ما جعله الله لنا من العزة والقوة فقلنا: لا حول ولا قوه إلا بالله ، لتعلم الملائكة أنه لاحول لنا ولا قوة إلا بالله .
فلما شاهدوا ما أنعم الله به علينا وأوجبه لنا من فرض الطاعة قلنا: الحمد لله لتعلم الملائكة ما يستحق لله تعالى ذكره علينا من الحمد على نعمه ، فقالت الملائكة: الحمد لله . فبنا اهتدوا إلى معرفة توحيد الله عز وجل ، وتسبيحه ، وتهليله ، وتحميده ، وتمجيده ).

5. الملائكة أعلم الخلق بالله ما عدا النبي وآله صلي الله عليه وآله :


تقدم قول أمير المؤمنين عليه السلام :(هم أعلم خلقك بك ، وأخوفهم لك، وأقربهم منك). وهو معنى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ . فعلمهم يشمل علوم الطبيعة .

6. أمرهم الله بالسجود لآدم عليه السلام لأن في صلبه النبي وآله صلي الله عليه وآله :


في عيون أخبار الرضا عليه السلام (2/239، وكمال الدين/255): (ثم إن الله تبارك وتعالى خلق آدم فأودعنا صلبه ، وأمر الملائكة بالسجود له تعظيماً لنا وإكراماً ، وكان سجودهم لله عز وجل عبودية، ولآدم إكراماً وطاعة لكوننا في صلبه، فكيف لا نكون أفضل من الملائكة ، وقد سجدوا لآدم كلهم أجمعون .
وإنه لما عُرج بي السماء أذَّنَ جبرئيل مثنى مثنى وأقام مثنى مثنى، ثم قال لي: تقدم يا محمد ، فقلت لجبرئيل: أتقدم عليك؟ قال: نعم ،لأن الله تبارك وتعالى فضل
------------------------------------------- ص 27 -------------------------------------------
أنبياءه وملائكته أجمعين وفضلك خاصه . قال: فتقدمت فصليت بهم ولا فخر، فلما انتهيت إلى حجب النور قال لي جبرئيل: تقدم يا محمد وتخلفَ عني فقلت له: يا جبرئيل في مثل هذا الموضع تفارقني! فقال: يا محمد انتهاء حدي الذي وضعني الله عز وجل فيه إلى هذا المكان ، فإن تجاوزته احترقت أجنحتي بتعديَّ حدود ربي جل جلاله !فَزُجَّ بي النور زَجَّة حتى انتهيت إلى ما شاء الله عز وجل من علو مكانه ، فنوديت فقلت: لبيك ربي وسعديك تباركت وتعاليت . فنوديت: يا محمد أنت عبدي وأنا ربك ، فإياي فاعبد وعليَّ فتوكل، فإنك نوري في عبادي ، ورسولي إلى خلقي ، وحجتي على بريتي . لك ولمن تبعك خلقت جنتي، ولمن خالفك خلقت ناري ، ولأوصيائك أوجبت كرامتي، ولشيعتهم أوجبت ثوابي .
فقلت: يا رب ومَن أوصيائي؟ فنوديت: يا محمد أوصياؤك المكتوبون على ساق عرشي، فنظرت وأنا بين يدي ربي جل جلاله إلى ساق العرش فرأيت اثني عشر نوراً ، في كل نور سطر أخضر عليه اسم وصيٍّ من أوصيائي ، أولهم علي بن أبي طالب وآخرهم مهديُّ أمتي ، فقلت: يا رب هؤلاء أوصيائي بعدي؟ فنوديت:يا محمد هؤلاء أوصيائي وأحبائي وأصفيائي وحججي بعدك على بريتي ، وهم أوصياؤك وخلفاؤك وخير خلقي بعدك .
وعزتي وجلالي لأظهرن بهم ديني، ولأعلين بهم كلمتي، ولأطهرن الأرض بآخرهم من أعدائي، ولأملكنه مشارق الأرض ومغاربها ، ولأسخرن له الرياح، ولأذللن له السحاب الصعاب ، ولأرقينه في الأسباب ، ولأنصرنه بجندي ، ولأمدنه بملائكتي حتى يعلن دعوتي ، ويجمع الخلق على توحيدي ، ثم لأديمن ملكه ، ولأداولن الأيام بين أوليائي إلى يوم القيامة » .
------------------------------------------- ص 28 -------------------------------------------

7. وأمرهم أن لا يتقدموا على أبرار بني آدم عليه السلام :


روى الصدوق في الفقيه (1/163): (قال الصادق عليه السلام : لما مات آدم عليه السلام فبلغ إلى الصلاة عليه ، قال هبة الله لجبرئيل عليهما السلام : تقدم يا رسول الله فصل على نبي الله، فقال جبرئيل: إن الله عز وجل أمرنا بالسجود لأبيك فلسنا نتقدم على أبرار ولده وأنت من أبرهم ، فتقدم فكبر عليه خمساً ).
وقال المسعودي في إثبات الوصية/23: (اعتل آدم عليه السلام فدعا هبة الله وقال له: قد اشتهيت من فواكه الجنة . وروي أنه قال له:إمض إلى الجنة فجئني منها بعنب فانطلق هبة الله لطلب ما أمره به ، فاستقبله جبرئيل عليه السلام ومعه الملائكة فقال: أين تذهب؟ فقال: اشتهى آدم فاكهة فأمرني أن أطلبها له. فقال جبرئيل: أعظم الله أجرك فيه ، إن أباك آدم قبضه الله جل وعز إليه، إرجع ، فرجع فوجده قد قبض فغسله والملائكة يعينونه ، وكفنه وكان جبرئيل قد هبط من الجنة بكفنه وحنوطه . فلما وضع للصلاة عليه قال هبة الله: تقدم يا روح الله فصل عليه، قال جبرئيل: بل تقدم أنت فصلِّ عليه فإنك قد قمت مقام من أمر الله له بالسجود ، فلما سمع هبة الله ذلك تقدم فصلى عليه . وأوحى إليه أن كبّر خمساً وسبعين تكبيرة ، بعدد صفوف الملائكة الذين صلوا عليه . ودفن بمكة في جبل أبي قبيس، ثم إن نوحاً عليه السلام حمل بعد الطوفان عظامه في تابوت فدفنه في ظاهر الكوفة . فقبره هناك مع قبر نوح عليهما السلام في الغري).
* *
------------------------------------------- ص 29 -------------------------------------------

الموضوع الثالث: نزل جبرئيل مرَّات بشأن مشروع الحسين عليهما السلام


الحسين عليه السلام مشروع على مستوى العالم


1. نزل جبرئيل يسأل النبي صلي الله عليه وآله بشأن الحسين عليه السلام :


الإمام الحسين والأئمة التسعة من ذريته عليهم السلام ، مشروع رباني ابتدعه الله عز وجل، وأخبر به رسوله صلي الله عليه وآله وأعده ليتقبل المأساة التي تضمنها المشروع .
قال الصادق عليه السلام (كامل الزيارات/123، والكافي:1/464): (إن جبرئيل عليه السلام نزل على محمد صلي الله عليه وآله فقال: يا محمد ، إن الله يقرأ عليك السلام ، ويبشرك بمولود يولد من فاطمة عليها السلام تقتله أمتك من بعدك؟ (أي فما رأيك؟) فقال: يا جبرئيل وعلى ربي السلام ، لاحاجة لي في مولود تقتله أمتي من بعدي .
قال: فعرج جبرئيل عليه السلام إلى السماء ثم هبط فقال له مثل ذلك ، فقال: يا جبرئيل وعلى ربي السلام ، لا حاجة لي في مولود تقتله أمتي من بعدي .
فعرج جبرئيل إلى السماء ثم هبط فقال له: يا محمد ، إن ربك يقرؤك السلام ويبشرك أنه جاعل في ذريته الإمامة والولاية والوصية . فقال: قد رضيت .
ثم أرسل إلى فاطمة عليها السلام إن الله يبشرني بمولود يولد منك تقتله أمتي من بعدي فأرسلت إليه أن لا حاجة لي في مولود يولد مني تقتله أمتك من بعدك ، فأرسل إليها إن الله جاعل في ذريته الإمامة والولاية والوصية ، فأرسلت إليه: أني قد رضيت . ولم يرضع الحسين من فاطمة عليها السلام ولا من أنثى، لكنه كان يؤتى به النبي صلي الله عليه وآله فيضع إبهامه في فيه فيمص منها ما يكفيه اليومين والثلاثة ، فنبت
------------------------------------------- ص 30 -------------------------------------------
لحم الحسين عليه السلام من لحم رسول الله صلي الله عليه وآله ودمه من دمه . ولم يولد مولود لستة أشهر إلا عيسى بن مريم والحسين بن علي عليهما السلام ) .
أقول: قد يقال إن الرواية مقطوعة لأن محمد بن عمرو الزيات رواها في الكافي وكامل الزيارة عن رجل من أصحابنا ، عن الصادق عليه السلام ، لكن الذي أطمئن اليه أنها صحيحة ، فمحمد بن عمرو بن سعيد الزيات ومن يروي عنهم ثقات .
وأول ما نلاحظه الأسلوب الذي استعمله الله تعالى في تهيئة نبيه صلي الله عليه وآله ليتحمل ما قدره وقضاه من شهادة ولده الحسين عليه السلام ، فقد أرسل له جبرئيل عليه السلام يطرح عليه الموضوع ويستشيره هل يريد ، فقال: ما دام لي الخيار فإني لا أريد .
وما قاله جبرئيل عليه السلام سؤال من الله تعالى ولو كان أمراً فمحال أن يرده النبي صلي الله عليه وآله .
وعاد جبرئيل عليه السلام قائلاً: إن هذا العرض من الله تعالى مشروع منظومة أئمة من ذرية الحسين خاتمهم المهدي عليهم السلام . فقال النبي صلي الله عليه وآله : مادام الله راضياً فأنا راض .
ونلاحظ أن النبي صلي الله عليه وآله استعمل نفس الأسلوب مع فاطمة عليها السلام فكان جوابها نفس جوابه صلي الله عليه وآله ، لأنها بضعة منه ، وتفكيرها كتفكيره .
وأما رضاع الحسين عليه السلام من إبهام النبي صلي الله عليه وآله وأن الرضعة كانت تكفيه ليومين وثلاثة، فهو من أسرار النبوة التي نؤمن بها وإن لم نفهمها ، فغاية ما نفهم منها أن ريق الحسين عليه السلام الذي يتكون من مص إبهام النبي صلي الله عليه وآله أو لسانه ، يتحول الى غذاء كافٍ لأيام ، وأن هذا الغذاء أفضل من حليب النساء حتى الزهراء( عليها السلام )!
وما المانع من ذلك ، ولماذا يراه بعضهم غلواً وخرافة ، فإن كان السبب أنه مخالف لقوانين الطبيعة ، فما أكثر ماخالفها ونحن نعتقد به ، وهو يعتقد به !
------------------------------------------- ص 31 -------------------------------------------
وقد حاول بعضهم تفسيره بأن رضاع الحسين عليه السلام من إبهام جده كان لأيام فقط ، أو كان مع رضاعه من أمه فاطمة عليها السلام ، لكن الحديث ظاهر في حصر تغذيته عليه السلام بما يخلقه الله في فمه من مصه لإبهام النبي صلي الله عليه وآله أو لسانه .

2. ونزل جبرئيل ثانية مهنئاً بالحسين عليه السلام :


في رواية أمالي الصدوق/198: (فلما ولد الحسين عليه السلام أوحى الله عز وجل إلى جبرئيل عليه السلام أنه قد ولد لمحمد ابنٌ ، فاهبط إليه وهنئه وقل له: إن علياً منك بمنزلة هارون من موسى، فسمه باسم ابن هارون . قال: فهبط جبرئيل فهنأه من الله تبارك وتعالى ، ثم قال: إن علياً منك بمنزلة هارون من موسى ، فسمه باسم ابن هارون . قال: وما اسمه؟ قال: شبير. قال: لساني عربي . قال: سمه الحسين ، فسماه الحسين ) .
وفي رواية عيون أخبارالرضا عليه السلام (2/39 و29):(قالت أسماء: فأذن في أذنه اليمنى وأقام في اليسرى ، ووضعه في حجره فبكى فقالت أسماء: بأبي أنت وأمي ممَّ بكاؤك؟ قال: على ابني هذا ! قلت: إنه ولد الساعة يا رسول الله . فقال: تقتله الفئة الباغية بعدي ، لا أنالهم الله شفاعتي.
فلما كان يوم سابعه عق عنه النبي صلي الله عليه وآله بكبشين أملحين وأعطى القابلة فخذاً وديناراً ، ثم حلق رأسه وتصدق بوزن الشعر ورقاً ، وطلى رأسه بالخلوق فقال: يا أسماء ، الدم فعل الجاهلية) . وكانوا في الجاهلية يطلون رأس المولود بالدم !
وقال الإمام الصادق عليه السلام (كامل الزيارات/140): (إن الحسين بن علي عليهما السلام لما ولد أمر الله عز وجل جبرئيل عليه السلام أن يهبط في ألف من الملائكة فيهنئ رسول الله من
------------------------------------------- ص 32 -------------------------------------------
الله ومن جبرئيل عليه السلام ، قال: وكان مهبط جبرئيل عليه السلام على جزيرة في البحر فيها ملك يقال له: فُطرس كان من الحملة ..الخ.)

3. ونزل ثالثةً بتسمية الحسين عليه السلام :


قال الإمام زين العابدين عليه السلام (أمالي الطوسي/167):(حدثتني أسماء بنت عميس الخثعمية قالت: قَبِلْتُ (كنت قابلة) جدتك فاطمة بنت رسول الله صلي الله عليه وآله بالحسن والحسين عليهما السلام فلما ولد الحسن جاء النبي صلي الله عليه وآله فقال: يا أسماء هاتي ابني ، قالت: فدفعته إليه في خرقة صفراء ، فرمى بها وقال: ألم أعهد إليكن ألا تلفوا المولود في خرقة صفراء؟ ودعا بخرقة بيضاء فلفه فيها ، ثم أذن في أذنه اليمنى وأقام في أذنه اليسرى ، وقال لعلي عليه السلام : بمَ سميت ابنك هذا ؟ قال: ما كنت لأسبقك باسمه يا رسول الله . قال: وأنا ما كنت لأسبق ربي عز وجل. قال: فهبط جبرئيل فقال: إن الله عز وجل يقرأ عليك السلام ، ويقول لك: يا محمد علي منك بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدك ، فسم ابنك باسم ابن هارون . قال النبي صلي الله عليه وآله يا جبرئيل وما اسم ابن هارون ؟ قال جبرئيل: شبر قال: وما شبر؟ قال: الحسن. قالت أسماء: فسماه الحسن .
قالت أسماء: فلما ولدت فاطمة الحسين نفستها به فجاءني النبي صلي الله عليه وآله فقال: هلمي ابني يا أسماء ؟ فدفعته إليه في خرقة بيضاء ، ففعل به كما فعل بالحسن قالت: وبكى رسول الله صلي الله عليه وآله ثم قال: إنه سيكون لك حديث ، اللهم العن قاتله، لا تعلمي فاطمة بذلك . قالت: فلما كان يوم سابعه جاءني النبي صلي الله عليه وآله : هلمي ابني فأتيته به ، ففعل به كما فعل بالحسن وعقَّ عنه كما عق عن الحسن
------------------------------------------- ص 33 -------------------------------------------
كبشاً أملح ، وأعطى القابلة رجلاً ، وحلق رأسه ، وتصدق بوزن الشعر ورقاً (فضة) وخلَّق رأسه بالخلوق ، وقال: إن الدم من فعل الجاهلية .
قالت: ثم وضعه في حجره ، ثم قال: يا أبا عبد الله ، عزيز عليَّ ، ثم بكى! فقلت: بأبي أنت وأمي فعلت في هذا اليوم وفي اليوم الأول ، فما هو؟ فقال: أبكي على ابني هذا ، تقتله فئة باغية كافرة من بني أمية ، لا أنالهم الله شفاعتي يوم القيامة، يقتله رجل يثلم الدين ويكفر بالله العظيم ، ثم قال: اللهم إني أسألك فيهما ما سألك إبراهيم في ذريته ، اللهم أحبهما وأحب من يحبهما ، والعن من يبغضهما ملء السماء والأرض) .

4. ونزل رابعةً لِيُسَكِّتُ النبي صلي الله عليه وآله وعلياً عليه السلام عن البكاء:


قال الإمام الصادق عليه السلام (كامل الزيارات/121):(لما أن هبط جبرئيل عليه السلام على رسول الله صلي الله عليه وآله بقتل الحسين عليه السلام أخذ بيد علي فخلا به ملياً من النهار ، فغلبتهما العبرة، فلم يتفرقا حتى هبط عليهما جبرئيل عليه السلام فقال لهما: ربكما يقرؤكما السلام ويقول: قد عزمت عليكما لما صبرتما ، قال: فصبرا ).

5. ونزل خامسةً وجاء بقبضة من تربة الحسين عليه السلام :


قال الإمام الصادق عليه السلام (كامل الزيارات/128): (إن جبرئيل أتى رسول الله صلي الله عليه وآله والحسين عليه السلام يلعب بين يديه ، فأخبره أن أمته ستقتله ، قال: فجزع رسول الله صلي الله عليه وآله ، فقال: ألا أريك التربة التي يقتل فيها ، قال: فخسف ما بين مجلس رسول الله صلي الله عليه وآله إلى المكان الذي قتل فيه الحسين عليه السلام حتى التقت القطعتان ، فأخذ منها ، ودحيت في أسرع من طرفة عين ، فخرج وهو يقول: طوبى لك
------------------------------------------- ص 34 -------------------------------------------
من تربة ، وطوبى لمن يقتل حولك . قال: وكذلك صنع صاحب سليمان عليه السلام تكلم باسم الله الأعظم فخسف ما بين سرير سليمان وبين العرش من سهولة الأرض وحزونتها ، حتى التقت القطعتان فاجتر العرش ، قال سليمان: يخيل إليَّ أنه خرج من تحت سريري ، قال: ودحيت في أسرع من طرفة العين ).

6. ونزل سادسةً بشأن الحسين وإبراهيم بن النبي صلي الله عليه وآله :


روى في مناقب آل أبي طالب (3/235) عن تفسير النقاس، عن ابن عباس قال: (كنت عند النبي وعلى فخذه الأيسر ابنه إبراهيم ، وعلى فخذه الأيمن الحسين بن علي ، وهو تارة يقبل هذا وتارة يقبل هذا ، إذ هبط جبرئيل بوحي من رب العالمين ، فلما سرى عنه قال: أتاني جبرئيل من ربي فقال: يا محمد إن ربك يقرأ عليك السلام ويقول: لست أجمعهما فافْدِ أحدهما بصاحبه ، فنظر النبي صلي الله عليه وآله إلى إبراهيم فبكى وقال: إن إبراهيم أمه أمة ، ومتى مات لم يحزن عليه غيري ، وأم الحسين فاطمة وأبوه علي ابن عمي لحمي ودمي، ومتى مات حزنت ابنتي وحزن ابن عمي وحزنت أنا عليه ، وأنا أوثر حزني على حزنهما .
يا جبرئيل ، يُقبض إبراهيم فديته بالحسين . قال: فقبض بعد ثلاث !
فكان النبي إذا رأى الحسين مقبلاً قبله وضمه إلى صدره ورشف ثناياه ، وقال: فديت من فديته بابني إبراهيم).( تاريخ بغداد:2/204 ، وتاريخ دمشق:52 /324، وكشف اليقين/321 ، ونهج الحق/257، والطرائف / 202 ).
أقول: تضمن الحديث تفسيرات من ابن عباس، والصحيح أن النبي صلي الله عليه وآله اختار الحسين على إبراهيم عليهما السلام ، لأنه يعلم خطة الله تعالى في الحسين عليه السلام .
------------------------------------------- ص 35 -------------------------------------------

7. ونزل سابعةً يخبر بشهادة العترة كلهم عليهم السلام :


روى كامل الزيارات/126، عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: (زارنا رسول الله صلي الله عليه وآله ذات يوم فقدمنا إليه طعاماً ، وأهدت إلينا أم أيمن صحفة من تمر ، وقعباً من لبن وزبد فقدمنا إليه فأكل منه، فلما فرغ قمت وسكبت على يدي رسول الله صلي الله عليه وآله ماء ، فلما غسل يديه مسح وجهه ولحيته ببلة يديه ، ثم قام إلى مسجد في جانب البيت وصلى ، وخر ساجداً فبكى وأطال البكاء ، ثم رفع رأسه فما اجترأ منا أهل البيت أحد يسأله عن شئ . فقام الحسين عليه السلام يدرج حتى صعد على فخذي رسول الله صلي الله عليه وآله فأخذ برأسه إلى صدره ووضع ذقنه على رأس رسول الله صلي الله عليه وآله ، ثم قال: يا أبه ما يبكيك؟ فقال له: يا بني إني نظرت إليكم اليوم فسررت بكم سروراً لم أسر بكم مثله قط ، فهبط إليَّ جبرئيل فأخبرني أنكم قتلى وأن مصارعكم شتى، فحمدت الله على ذلك وسألت لكم الخيرة ! فقال له: يا أبه فمن يزور قبورنا ويتعاهدها على تشتتها؟ قال: طوائف من أمتي يريدون بذلك بري وصلتي، أتعاهدهم في الموقف ، وآخذ بأعضادهم فأنجيهم من أهواله وشدائده ).
وقال الصادق عليه السلام (كامل الزيارات/144): (كان الحسين بن علي عليهما السلام ذات يوم في حجر النبي صلي الله عليه وآله يلاعبه ويضاحكه ، فقالت عائشة:يا رسول الله ما أشد إعجابك بهذا الصبي! فقال لها: ويلك وكيف لا أحبه ولا أعجب به ، وهو ثمرة فؤادي وقرة عيني! أما إن أمتي ستقتله ، فمن زاره بعد وفاته كتب الله له حَجَّة من حججي، قالت:يا رسول الله حجة من حججك؟ قال: نعم حجتين من حججي، قالت: يا رسول الله حجتين من حججك؟ قال: نعم وأربعة ،
------------------------------------------- ص 36 -------------------------------------------
قال: فلم تزل تزاده ويزيد ويضعف حتى بلغ تسعين حجة من حجج رسول الله صلي الله عليه وآله بأعمارها) . أي حِجَجاً مع عمراتها .

8. ونزل ثامنةً فصعد النبي صلي الله عليه وآله المنبر ومعه الحسن والحسين عليهما السلام !


في العوالم/117، من حديث علي عليه السلام :(فلما أتت عليه سنتان خرج النبي صلي الله عليه وآله إلى سفر فوقف في بعض الطريق واسترجع ودمعت عيناه ، فسئل عن ذلك ، فقال صلي الله عليه وآله : هذا جبرئيل يخبرني عن أرض بشط الفرات يقال لها كربلا يقتل فيها ولدي الحسين عليه السلام ! وكأني أنظر إليه وإلى مصرعه ومدفنه بها ، وكأني أنظر إلى السبايا على أقتاب المطايا ، وقد أهدي رأس ولدي الحسين إلى يزيد لعنه الله ، فوالله ما ينظر أحد إلى رأس الحسين عليه السلام ويفرح إلا خالف الله بين قلبه ولسانه، وعذبه الله عذاباً أليماً . ثم رجع النبي صلي الله عليه وآله من سفره مغموماً مهموماً كئيباً حزيناً، فصعد المنبر وأصعد معه الحسن والحسين وخطب ووعظ الناس فلما فرغ من خطبته ، وضع يده اليمنى على رأس الحسن واليسرى على رأس الحسين وقال: اللهم إني محمد عبدك ورسولك وهذان أطائب عترتي ، وخيار أرومتي ، وأفضل ذريتي ، ومن أخلفهما في أمتي ، وقد أخبرني جبرئيل عليه السلام أن ولدي هذا مقتول بالسم والآخر شهيد مضرج بالدم ، اللهم فبارك له في قتله واجعله من سادات الشهداء ، واللهم ولا تبارك في قاتله وخاذله وأصله حر نارك ، واحشره في أسفل درك الجحيم .
قال: فضج الناس بالبكاء والعويل ، فقال لهم النبي صلي الله عليه وآله : أيها الناس أتبكونه ولاتنصرونه ! اللهم فكن أنت له ولياً وناصراً !
ثم قال: يا قوم إني مخلف فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي وأرومتي ومزاج مائي ، وثمرة فؤادي ، ومهجتي ، لن يفترقا حتى يردا علي الحوض! ألا وإني
------------------------------------------- ص 37 -------------------------------------------
لا أسألكم في ذلك إلا ما أمرني ربي أن أسألكم عنه ، أسألكم عن المودة في القربى ، واحذروا أن تلقوني غداً على الحوض ، وقد آذيتم عترتي وقتلتم أهل بيتي وظلمتموهم . ألا إنه سيرد علي يوم القيامة ثلاث رايات من هذه الأمة:
الأولى: راية سوداء مظلمة قد فزعت منها الملائكة ، فتقف عليَّ فأقول لهم: من أنتم؟فينسون ذكري ، ويقولون: نحن أهل التوحيد من العرب ، فأقول لهم: أنا أحمد نبي العرب والعجم ، فيقولون: نحن من أمتك ، فأقول: كيف خلفتموني من بعدي في أهل بيتي وعترتي وكتاب ربي؟ فيقولون: أما الكتاب فضيعناه ، أما العترة فحرصنا أن نبيدهم عن جديد الأرض ، فلما أسمعُ ذلك منهم أعرضْ عنهم وجهي ، فيصدرون عطاشى مسودة وجوههم .
ثم ترد علي راية أخرى: أشد سواداً من الأولى فأقول لهم: كيف خلفتموني من بعدي في الثقلين كتاب الله وعترتي؟ فيقولون: أما الأكبر فخالفناه ، وأما الأصغر فمزقناهم كل ممزق ! فأقول: إليكم عني ، فيصدرون عطاشى مسودة وجوههم .
ثم ترد علي راية تلمع وجوههم نوراً ، فأقول لهم: من أنتم؟ فيقولون: نحن أهل كلمة التوحيد والتقوى من أمة محمد المصطفى ونحن بقية أهل الحق ، حملنا كتاب ربنا وحللنا حلاله وحرمنا حرامه ، وأحببنا ذرية نبينا محمد صلي الله عليه وآله ، ونصرناهم من كل ما نصرنا به أنفسنا ، وقاتلنا معهم من ناواهم، فأقول لهم: أبشروا فأنا نبيكم محمد ولقد كنتم في الدنيا كما قلتم، ثم أسقيهم من حوضي فيصدرون مرويين مستبشرين، ثم يدخلون الجنة خالدين فيها أبد الآبدين) .
أقول: هذا يكشف أن الله تعالى أراد من نبيه صلي الله عليه وآله أن يذكِّر أمته بالحسين عليه السلام مراراً ليُتم الحجة عليها ويذكرها بأنها ستنحرف وتقتل ولده الحسين عليه السلام !
------------------------------------------- ص 38 -------------------------------------------
فمرة خرج النبي صلي الله عليه وآله الى المسجد وبيده تربة كربلاء وهو يبكي ويقرأ تعزية الحسين عليه السلام وأخبر أصحابه وحذرهم ، وفيهم من حكم بعده !
ومرة ذهب الى غرفة عائشة وأخبرها محذراً .
ومرة أخبر أهل بيته عليهم السلام ليستعدوا لهذه الأحداث ويرضوا بقضاء الله تعالى .
ومرة صعد المنبر ومعه الحسين عليه السلام وبكى، وأخبر الأمة وحذرها !

9. ونزلت الملائكة على النبي صلي الله عليه وآله لما تمت للحسين عليه السلام سنة:


في العوالم/116: (قال أصحاب الحديث:فلما أتت على الحسين عليه السلام سنة كاملة هبط على النبي صلي الله عليه وآله اثنا عشر ملكاً على صور مختلفة ، أحدهم على صورة بني آدم يعزونه ويقولون: إنه سينزل بولدك الحسين بن فاطمة ما نزل بهابيل من قابيل وسيعطى مثل أجر هابيل، ويحمل على قاتله مثل وزر قابيل ، ولم يبق ملك إلا نزل إلى النبي صلي الله عليه وآله يعزونه ، والنبي صلي الله عليه وآله ، يقول: اللهم اخذل خاذله واقتل قاتله ولا تمتعه بما طلبه ).
* *
------------------------------------------- ص 39 -------------------------------------------

الموضوع الرابع: قصة فُطرس الملَك


الملائكة ليسوا كلهم معصومين


قال الإمام الصادق عليه السلام (كامل الزيارات/140):(إن الحسين بن علي عليهما السلام لما ولد أمر الله عز وجل جبرئيل عليه السلام أن يهبط في ألف من الملائكة فيهنئ رسول الله صلي الله عليه وآله من الله ومن جبرئيل عليه السلام . قال: وكان مهبط جبرئيل على جزيرة في البحر فيها ملك يقال له فُطرس، كان من الحَمَلَة فبُعث في شي فأبطأ فيه ، فكُسر جناحه وألقي في تلك الجزيرة يعبد الله فيها ست مائة عام حتى ولد الحسين عليه السلام ، فقال الملك لجبرئيل عليه السلام : أين تريد . قال: إن الله تعالى أنعم على محمد صلي الله عليه وآله بنعمة فبعثت أهنيه من الله ومني ، فقال: يا جبرئيل إحملني معك لعل محمداً يدعو الله لي . قال: فحمله ، فلما دخل جبرئيل على النبي صلي الله عليه وآله وهنأه من الله وهنأه منه ، أخبره بحال فطرس فقال رسول الله صلي الله عليه وآله : يا جبرئيل أدخله . فلما أدخله أخبر فطرس النبيَّ صلي الله عليه وآله بحاله فدعا له النبي وقال له: تمسح بهذا المولود وعد إلى مكانك! قال فتمسح فطرس بالحسين عليه السلام وارتفع، وقال: يا رسول الله صلي الله عليه وآله أما إن أمتك ستقتله وله عليَّ مكافأة أن لايزوره زائر إلا بلغته عنه ، ولايسلم عليه مسلم إلا بلغتك سلامه ، ولا يصلي عليه مصل إلا بلغتك عليه صلاته ، قال: ثم ارتفع).
هذه الرواية في قصة فطرس صحيحة السند ، ولا يلتفت الى الإشكال بأن ابن القاسم الحضرمي ضعيف ، فيكفي لوثاقته أن يحتج به الكليني وابن قولويه .
وقد رويت في مصادرنا بروايات مستفيضة أو متواترة وفيها الصحيح . وفي لفظها تفاوت ، يقول بعضها: (بعثه الله في أمر من أموره فأبطأ عليه، فكسر جناحه
------------------------------------------- ص 40 -------------------------------------------
وأزاله عن مقامه ، وأهبطه إلى تلك الجزيرة ، فمكث فيها خمسمائة عام وكان صديقاً لجبرئيل.. فمسح جناحه فعاد إلى حالته ، فلما نهض قال له النبي صلي الله عليه وآله : إلزم أرض كربلاء وأخبرني بكل مؤمن رأيته زائراً ). (دلائل الامامة/189)
وفي عيون المعجزات/60، كما في دلائل الإمامة وفيه: إن الله قد شفعني فيك فالزم أرض كربلا ، وأخبرني بكل من يأتي الحسين زائراً إلى يوم القيامة ).
وفي مستطرفات السرائر/580: (فتلكأ في شئ من أمر الله ، فقص جناحه ورمى به على جزيرة.. فقال له رسول الله صلي الله عليه وآله : إمسح جناحك بحسين ) .
وفي رواية الكشي(2/850): (إن الله تعالى غضب على ملك من الملائكة يدعى فطرس ، فدق جناحه ورمي في جزيرة من جزائر البحر، وكان جبريل صديقاً لفطرس فمر به ، فقال له: هل لك أن أحملك على جناح من أجنحتي وأمضي بك إلى محمد صلي الله عليه وآله ليشفع لك ؟
وحدثه بقصة فطرس، فقال لفطرس:إمسح جناحك على مهد الحسين وتمسح به ففعل ذلك فطرس ، فجبر الله جناحه، ورده إلى منزله مع الملائكة).
وفي رواية بشارة المصطفى للطبري/219: (قال: هل لك أن تنطلق بي معك إليه يشفع لي عند ربه ، فإنه سخيٌّ جواد .قال فقام النبي صلي الله عليه وآله فصلى ركعتين ودعا في آخرهن: اللهم اني أسألك بحق كل ذي حق عليك وبحق محمد وأهل بيته أن ترد على فطرس جناحه وتستجيب لنبيك ، وتجعله آية للعالمين ، وأوحى إليه أن يأمرفطرس أن يمرر جناحه على الحسين عليه السلام فقال رسول الله لفطرس: أمرر جناحك الكسير على هذا المولود ففعل فأصبح صحيحاً.
------------------------------------------- ص 41 -------------------------------------------
قال فذلك الملك موكل بقبر الحسين عليه السلام فإذا ترحم عبد على الحسين، أو تولى أباه أو نصره بسيفه ولسانه ، إنطلق ذلك الملك إلى قبر رسول الله صلي الله عليه وآله فيقول: أيها النفس الزكية ، فلان بن فلان ببلاد كذا وكذا، يتولى الحسين ويتولى أباه وينصره بلسانه وقلبه وسيفه. قال:فيجيبه ملك موكل بالصلاة على النبي: أن بلغه عن محمد السلام ، وقل له: إن مِتَّ على هذا فأنت رفيقه في الجنة).
وروى الكشي(2/849 ) أن محمد بن سنان شكى للرضا عليه السلام وجع عينه ، فكتب الى ولده الجواد عليه السلام فدعا له فشفي، قال: فذهب كل وجع في عيني، وأبصرت بصراً لايبصره أحد! قلت له: يا شبيه صاحب فطرس). أي شبيه الحسين عليه السلام .
أقول: في رواية فطرس مبالغات يستبعد أن تكون صادرة من معصوم عليه السلام ، ومن أخفها ما في المناقب (3/229): (إن الله تعالى كان خيَّره من عذابه في الدنيا أو في الآخرة ، فاختار عذاب الدنيا ، وكان معلقاً بأشفار عينيه في جزيرة في البحر لايمر به حيوان ،وتحته دخان منتن غير منقطع). وهذا غير معقول !
وروى الصدوق في كمال الدين/283، روايتين طويلتين عن ابن عباس خلاصتهما: أن إسم فطرس دردائيل ، وكان له ستة عشر ألف جناح ما بين الجناح إلى الجناح هواء ، والهواء كما بين السماء إلى الأرض ، فجعل يوماً يقول في نفسه: أفوقَ ربنا جل جلاله شئ ! فأوحى إليه أنا عظيم فوق كل عظيم ، وليس فوقي شئ ، ولا أوصف بمكان ، فسلبه الله أجنحته ومقامه بين الملائكة .
قال: فبينا جبرئيل عليه السلام يهبط من السماء إلى الأرض إذ مر بدردائيل فقال له: يا جبرئيل ما هذه الليلة في السماء هل قامت القيامة على أهل الدنيا ؟
------------------------------------------- ص 42 -------------------------------------------
قال: لا ولكن ولد لمحمد مولود وقد بعثني الله عزوجل إليه لاهنئه بمولوده فقال الملك: يا جبرئيل بالذي خلقك وخلقني إذا هبطت إلى محمد فأقرئه مني السلام وقل له: بحق هذا المولود عليك إلا ما سألت ربك أن يرضى عني فيرد علي أجنحتي ومقامي من صفوف الملائكة .
ثم ذكر هبوط جبرئيل وتهنئته للنبي صلي الله عليه وآله ، وتهنئة النبي صلي الله عليه وآله لفاطمة عليها السلام وتعزيته لها بالحسين عليهما السلام ! فبكت فاطمة عليها السلام وقالت: ليتني لم ألده ، قاتل الحسين في النار ! فقال النبي صلي الله عليه وآله : وأنا أشهد بذلك يا فاطمة ، ولكنه لايقتل حتى يكون منه إمام يكون منه الأئمة الهادية بعده ، وعَدَّدَ الأئمة عليهم السلام ، فسكتت فاطمة عليها السلام من البكاء .
وأخبر جبرئيل النبي صلي الله عليه وآله بقصة فطرس، فدعا له النبي صلي الله عليه وآله بحق الحسين عليه السلام فاستجاب الله دعاءه ورد عليه أحنجته ، ورده إلى صفوف الملائكة . فالملك لايُعرف في الجنة إلا بأن يقال: هذا مولى الحسين عليه السلام .
أقول: القدر المتيقن المتفق عليه في الروايات أن فطرساً عصى الله تعالى فغضب عليه وعاقبه ، ثم رضي عنه بشفاعة النبي صلي الله عليه وآله وبركة الحسين عليه السلام ، وأعطى للنبي صلي الله عليه وآله الإمرة عليه فكلفه أن يبلغه زيارة من زار الحسين عليه السلام .

دروس من قصة فطرس


في قصته دروس، منها: أنه كان من حملة العرش وهم كثرة ، ومنهم ثمانية يحملون العرش يوم القيامة هم بعضهم: وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ . يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ . وروي أن منهم بشراً .
فالعرش موجود مادي يشبه أن يكون سنترال الكون الذي يدار منه كله أوبعض جوانبه . وكون فطرس أحد حَمَلة العرش منصب كبير، ومعناه أن
------------------------------------------- ص 43 -------------------------------------------
الملائكة الكبار قد يعصون ، وقد رجحنا قول المرتضى والطوسي بأن العصمة الشاملة للملائكة الرسل عليهم السلام وفطرس ليس منهم، وهو غير معصوم .
ويدل كونه صديقاً لجبرئيل عليهما السلام أن بين الملائكة علاقات صداقة وأخوة ، لكن ليس بينهم علاقة عداوة . وقد عاقبه الله على معصيته بكسرجناحه ، وألقاه في جزيرة في الأرض بعيداً عن الملأ الأعلى ، لكنه كان يرى الملأ الأعلى ولما رأى جبرئيل نازلاً طلب أن يحمله معه فحمله الى النبي صلي الله عليه وآله .
ومعناه أن جبرئيل عليه السلام عنده صلاحية أن يكلمه ويخبره بمقام الحسين عليه السلام ، ويحمله معه الى النبي صلي الله عليه وآله ليشفع له، فدعا له وأمره أن يمسح جناحه الكسير بمهد الحسين عليه السلام فرده الله كما كان ، وأعطى أمره للنبي صلي الله عليه وآله أي نقله من حملة العرش الى خدمة النبي صلي الله عليه وآله فأمره أن يكون عند قبر الحسين الى يوم القيامة ويخبره بمن يزوره أو يواليه ، فصار عمله أن يأتي الى قبر الرسول صلي الله عليه وآله ويخبره فيجيبه ملك موكل من النبي صلي الله عليه وآله بأن يبشر الزائر أو الموالي .
وهو دليل على عظمة مقام النبي صلي الله عليه وآله فهو عند ربه وهو في قبره ، فهو لا يجيب فطرساً مباشرة ، وكذلك عظمة مقام الحسين عليه السلام وأن الله وكل من يحصي زواره وشيعته ، ويخبربهم النبي صلي الله عليه وآله فيكتبهم عنده ، ويبشرهم .
ومن الطبيعي لمن غلب عليه الشك والنزعة المادية ، أن يشكك في ذلك ، لكنا نؤمن بالغيب ، ونقبل النص الصحيح ، وكلامنا مع من يؤمن بالغيب .
------------------------------------------- ص 44 -------------------------------------------

الدليل على أن الملائكة قد يعصون


أقوى مايدل على معصيتهم اعتراضهم على استخلاف آدم عليه السلام قال تعالى: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ للَّمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ . وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هاؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ . قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَآ إِلا مَا عَلَّمْتَنَآ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ . قَالَ يادَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّآ أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ .
فقد ردوا على الله تعالى أمره ، وادعوا أنهم أولى بالخلافة في الأرض من آدم عليه السلام !
وهذه معصية يستوجبون بها العقوبة ، ولذا ورد أن الله تعالى أبعدهم وججبهم !
ثم وضع لهم الضراح وجعله كعبتهم ليطوفوا بها ويتوبوا .
روى في علل الشرائع(2/406) عن الإمام زين العابدين عليه السلام ، قال: (وكان لا يحجبهم عن نوره، فحجبهم عن نوره سبعة آلاف عام ، فلاذوا بالعرش سبعة آلاف سنة فرحمهم وتاب عليهم .
وجعل لهم البيت المعمورالذي في السماء الرابعة وجعله مثابة . ووضع البيت الحرام تحت البيت المعمور فجعله مثابة للناس وأمناً ، فصار الطواف سبعة أشواط واجباً على العباد لكل ألف سنة شوطاً واحداً ).
وفي رواية تفسير العياشي(1/30): (ردوا على الله فقالوا..فمنوا على الله بعبادتهم إياه فأعرض عنهم ! ثم علم آدم الأسماء كلها..قَالَ ياآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّآ أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ. ثم قال لهم: اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا ، وقالوا في سجودهم في
------------------------------------------- ص 45 -------------------------------------------
أنفسهم: ما كنا نظن أن يخلق الله خلقا أكرم عليه منا. نحن خزان الله وجيرانه وأقرب الخلق إليه . فلما عرفت الملائكة أنها وقعت في خطيئة لاذوا بالعرش!
وإنها كانت عصابة من الملائكة ، وهم الذين كانوا حول العرش ، لم يكن جميع الملائكة الذين قالوا ماظننا أن يخلق خلقاً أكرم عليه منا. فلاذوا بالعرش فهم يلوذون حول العرش إلى يوم القيمة ، فلما أصاب آدم الخطيئة جعل الله هذا البيت لمن أصاب من ولده خطيئة أتاه فلاذ به كما لاذوا أولئك ).
وفي رواية علل الشرائع(2/405) وعيون أخبار الرضا عليه السلام (2/98): (فعلموا أنهم أذنبوا فندموا فلاذوا بالعرش فاستغفروا ، فأحب الله تعالى أن يتعبد بمثل ذلك العباد ، فوضع في السماء الرابعة بيتاً بحذاء العرش يسمى الضراح ، ثم وضع في السماء الدنيا بيتاً يسمى البيت المعمور بحذاء الضراح ، ثم وضع هذا البيت بحذاء البيت المعمور ، ثم أمر آدم فطاف به فتاب الله عليه وجرى ذلك في ولده إلى يوم القيامة ).
* *

قصة هاروت وماروت


قال الله تعالى: وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) .
------------------------------------------- ص 46 -------------------------------------------
وقد زعمت روايتهم في تفسير هذه الآية ، أن هاروت وماروت أغرتهما امرأة ! فروى أحمد في مسنده (2/134) عن عبد الله بن عمر ، عن النبي صلي الله عليه وآله قال:(قال الله تعالى للملائكة: هلموا ملكين من الملائكة حتى نهبط بهما إلى الأرض فننظر كيف يعملان ، قالوا: ربنا هاروت وماروت ، فأهبطا إلى الأرض ومثلت لهما الزهرة امرأة من أحسن البشر ، فجاءتهما فسألاها نفسها فقالت: لا والله حتى تكلما بهذه الكلمة من الإ شراك! فقالا: والله لا نشرك بالله أبداً، فذهبت عنهما ثم رجعت بصبي تحمله فسألاها نفسها قالت: لاوالله حتى تقتلا هذا الصبي، فقالا: والله لا نقتله أبداً ، فذهبت ثم رجعت بقدح خمر فسألاها نفسها قالت: لاوالله حتى تشربا هذا الخمر ، فشربا فسكرا فوقعا عليها ، وقتلا الصبي! لما أفاقا قالت المرأة: والله ما تركتما شيئاً مما أبيتماه عليَّ إلا قد فعلتما حين سكرتما ! فخيرا بين عذاب الدنيا والآخرة فاختارا عذاب الدنيا).
والعجيب أنهم صححوا ذلك ! ففي مجمع الزوائد(6/314):رجاله رجال الصحيح. ورواه الحاكم (2/265) وصححه على شرط الشيخين: (فقالت لهما المرأة: ألا تخبراني بما تصعدان إلى السماء وما تهبطان إلى الأرض، فقالا: باسم الله الأعظم به نهبط وبه نصعد، فقالت: ما أنا بمؤاتيتكما الذي تريدان حتى تعلمانيه، فقال أحدهما لصاحبه: علمها إياه فقال: كيف لنا بشدة عذاب الله ! قال الآخر: إنا نرجو سعة رحمة الله ، فعلمها إياه ، فتكلمت به فطارت إلى السماء، ومسخها الله فكانت كوكبا ً). أي كوكب الزهرة !
وقد كذَّبَ الإمام الرضا عليه السلام هذه الرواية! قال علي بن الجهم (عيون أخبار الرضا(1/245): (سمعت المأمون يسأل الرضا علي بن موسى عليه السلام عما يرويه الناس من أمر
------------------------------------------- ص 47 -------------------------------------------
الزهرة وأنها كانت امرأة فتن بها هاروت وماروت ، وما يروونه من أمر سهيل أنه كان عشاراً باليمن؟ فقال الرضا عليه السلام : كذبوا في قولهم أنهما كوكبان ، وإنما كانتا دابتين من دواب البحر ، فغلط الناس وظنوا أنهما الكوكبان .
وما كان الله عز وجل ليمسخ أعدائه أنواراً مضيئه ، ثم يبقيها ما بقيت السماوات والأرض! وإن المسوخ لم تبق أكثر من ثلاثة أيام حتى ماتت وما تناسل منها شئ ، وما على وجه الأرض اليوم مسخ . وإن التي وقع عليه إسم المسوخية مثل القرد والخنزير والدب وأشباهها إنما هي مثل ما مسخ الله على صورها قوماً غضب الله عليهم ولعنهم بإنكارهم توحيده وتكذيبهم رسله .
وأما هاروت وماروت فكانا ملكين علما الناس السحر ليحترزوا عن سحر السحرة ويبطلوا به كيدهم . وما علما أحداً من ذلك شيئاً إلا قالا له: إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ، فكفر قوم باستعمالهم لما أمروا بالإحتراز منه ، وجعلوا يفرقون بما تعلموه بين المرء وزوجه . قال الله عز وجل: وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ، يعني بعلمه ).
وقال الصدوق قدس سره (عيون أخبار الرضا:1/242): (كان بعد نوح عليه السلام قد كثر السحرة والمموهون ، فبعث الله عز وجل ملكين إلى نبي ذلك الزمان بذكر ما تسحر به السحرة ، وذكر ما يبطل به سحرهم ويُرد به كيدهم ، فتلقاه النبي عن الملكين، وأداه إلى عباد الله بأمر الله عز وجل ، فأمرهم أن يقفوا به على السحر وأن يبطلوه ونهاهم أن يسحروا به الناس . وهذا كما يدل على السم ما هو ، وعلى ما يدفع به غائلة السم ).
وفي تفسير الإمام العسكري عليه السلام (1/475 ): (قلنا للحسن أبي القائم عليهما السلام : فإن قوماً عندنا يزعمون أن هاروت وماروت ملكان اختارهما الله لما كثر عصيان
------------------------------------------- ص 48 -------------------------------------------
بني آدم ، وأنزلهما الله مع ثالث لهما إلى الدنيا ، وأنهما افتتنا بالزهرة ، وأرادا الزنا بها ، وشربا الخمر وقتلا النفس المحرمة ، وأن الله تعالى يعذبهما ببابل ، وأن السحرة منهما يتعلمون السحر، وأن الله تعالى مسخ تلك المرأة هذا الكوكب الذي هو الزهرة . فقال الإمام عليه السلام : معاذ الله من ذلك إن ملائكة الله تعالى معصومون محفوظون من الكفر والقبائح بألطاف الله تعالى ).
وقد تقدمت الرواية بأن الزهرة وسهيل إسما امرأة ورجل في الأرض وقد مسخا ، فخلط الناس بينهما وبين الكوكبين .
والنتيجة: أن هاروت وماروت كانا يعلمان الناس إبطال السحر ، ويحذرانهم أن يستعملوا السحر دون إبطاله ، فعصى الناس ووقعوا في الفتنة ، فليس في الآيات أن الملكين كفرا أو عصيا. وإن كان قد يصدر من الملائكة معصية كالذين اعترضوا على استخلاف آدم عليه السلام . وكذلك فطرس ، كما نصت روايته .

الرأي المشهور عند علمائنا أن الملائكة معصومون


قال الصدوق في الإعتقادات/90و96: (والملائكة روحانيون ، معصومون ، لا يعصون الله ما أمرهم ، ويفعلون ما يؤمرون . لا يأكلون ، ولا يشربون ، ولا يألمون ، ولا يسقمون ، ولا يشيبون ، ولايهرمون. طعامهم وشرابهم التسبيح والتقديس ، وعيشهم من نسيم العرش ، وتلذذهم بأنواع العلوم . خلقهم الله أنواراً وأرواحاً كما شاء وأراد، وكل صنف منهم يحفظ مما خلق الله تعالى. إعتقادنا في الأنبياء والرسل والأئمة والملائكة صلوات الله عليهم أنهم معصومون مطهرون من كل دنس، وأنهم لايذنبون ذنباً ، لاصغيراً ولا كبيراً ولا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون . ومن نفي عنهم العصمة في شئ من أحوالهم فقد جهلهم . واعتقادنا فيهم أنهم موصوفون بالكمال والتمام
------------------------------------------- ص 49 -------------------------------------------
والعلم، من أوائل أمورهم إلى أواخرها ، لايوصفون في شئ من أحوالهم بنقص ولاعصيان ولا جهل).

والصحيح أن الرسل من الملائكة فقط عصمتهم شاملة


قال السيد المرتضى في الذريعة (2/570): (وأما الملائكة ، فالرسل منهم لايجوز عليهم فعل القبيح ، ولا دليل يدل على أن جميعهم بهذه الصفة ، لأن قوله تعالى: لايَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ، لا دليل يوجب القطع على عمومه في جماعتهم ، أو في جميع أفعالهم ).
وقال السيد المرتضى في تفسيره (3/407): (وأما الملائكة: فالرسل منهم لا يجوز عليهم فعل القبيح ، ولا دليل يدل على أن جميعهم بهذه الصفة ؛ لأن قوله تعالى: لايَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ،لا دليل يوجب القطع على عمومه في جماعتهم ، أو في جميع أفعالهم » .
فقد حصر السيد المرتضى العصمة الكاملة في الملائكة الذين يبعثهم الله رسلاً الى الأنبياء عليهم السلام ، فهؤلاء معصومون عصمة كاملة ، أما غيرهم فعصمتهم أقل ، فهم معصومون عما يوجب دخولهم النار ، وما دون ذلك قد تقع منهم فيه المعصية .
وقد تبنى رأيه الشيخ الطوسي في الرسائل العشر/327 ، فقال: (وليس جميع الملائكة معصومين، بل نقطع على أن الرسل منهم كذلك والباقي يجوز عليهم الخطأ ، وهو مذهب كثير من المفسرين والعلماء ). وقال المفيد في أوائل المقالات/71: (إنهم معصومون مما يوجب لهم العقاب بالنار ).
وبهذا نفسرمعصية فطرس ، واعتراض الملائكة على استخلاف آدم عليهم السلام وتوبتهم .
أما قوله تعالى: عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ . فهو خاص بموظفي جهنم . فلا بد من استثنائهم كالملائكة الرسل .
* *
------------------------------------------- ص 50 -------------------------------------------

الموضوع الخامس: الملائكة وتربة الحسين عليه السلام


ترّبة لا يفهمها عالم فيزياء ولا عالم دين !


ترّبة لا يفهمها عالم فيزياء ولا عالم دين !

1. جاء جبرئيل الى النبي صلي الله عليه وآله بقبضة من تربة كربلاء:


روى ابن قولويه في كامل الزيارات/128، بسند صحيح عن الصادق عليه السلام قال: (إن جبرئيل أتى رسول الله صلي الله عليه وآله ، والحسين عليه السلام يلعب بين يديه ، فأخبره أن أمته ستقتله ، قال: فجزع رسول الله صلي الله عليه وآله ، فقال: ألا أريك التربة التي يقتل فيها ، قال: فخسف ما بين مجلس رسول الله صلي الله عليه وآله إلى المكان الذي قتل فيه الحسين عليه السلام حتى التقت القطعتان فأخذ منها ، ودحيت في أسرع من طرفة عين، فخرج وهو يقول: طوبى لك من تربة وطوبى لمن يقتل حولك .
قال: وكذلك صنع صاحب سليمان ، تكلم باسم الله الأعظم فخسف ما بين سرير سليمان وبين العرش من سهولة الأرض وحزونتها ، حتى التقت القطعتان فاجترَّ العرش ، قال سليمان: يخيل إلي أنه خرج من تحت سريري ، قال: ودُحيت في أسرع من طرفة العين ).
وفي مجمع الزوائد(9/918):(عن أم سلمة قالت: كان الحسن والحسين يلعبان بين يدي رسول الله صلي الله عليه وآله في بيتي فنزل جبريل فقال: يا محمد إن أمتك تقتل ابنك هذا من بعدك، وأومأ بيده إلى الحسين! فبكى رسول الله صلي الله عليه وآله وضمه إلى صدره ثم قال رسول الله صلي الله عليه وآله : يا أم سلمة وديعة عندك هذه التربة ، فشمها رسول الله
------------------------------------------- ص 51 -------------------------------------------
وقال: ريح كرب وبلاء ! يا أم سلمة إذا تحولت هذه التربة دماً فاعلمي أن ابني قد قتل! قال: فجعلتها أم سلمة في قارورة ثم جعلت تنظر إليها كل يوم وتقول: إن يوماً تَحَوَّلينَ دماً ليوم عظيم ) !

2.كلام عجيب وموقف من الأمة أعجب!


قال جبريل للنبي صلي الله عليه وآله بكل وضوح: إن أمتك ستنحرف من بعدك مباشرة ، وتقتل ابنك الحسين عليه السلام ! تقتله في كربلاء فهل تريد أن آتيك بالتربة التي يقتل فيها؟ فمد يده وجاء بها فشمها النبي صلي الله عليه وآله وبكى! فالحسين عليه السلام امتحان للأمة عظيم ولبقعته خصائص فوق القوانين، تخضع لها الأعناق ، وتخشع القلوب !
وأعطى النبي صلي الله عليه وآله التربة لأم سلمة وقال لها: إحفظيها فستبقين بعدي الى مقتل الحسين عليه السلام فإذا رأيت التربة تحولت الى دم قانٍ فاعلمي أنه قتل !
وهكذا، بلغ النبي عليه السلام أصحابه! وأقام عليهم الحجة ، وتركهم يعملون ما يريدون ! لقد كلمهم عن أحداث عظيمة تبهرالعقل ، وتهز الوجدان ، سيفعلونها ووضع إصبعه في عيونهم، وقال لهم: أنتم أخاطب : ستنحرفون بعد أن أغمض عيني وتقتلون الحسين عليه السلام فلم ينبس أحد منهم بكلمة !!
فهل رأيت أمة يقول نبيها: إنكم ستنحرفون بعدي ، انحراف كفر وضلال ، وتقتلون ولدي الحسين عليه السلام هذا ، ثم يسكتون ويمسحون بشواربهم !!

3. هنا يُبهت الكافر ويُفحم المشكك!


نقول للمكذب بنبينا صلي الله عليه وآله : أنظر الى آيات نبوته صلي الله عليه وآله لتعلم أنه صادق ، أنظر الى ما أخبر به على غرابته وتفاصيله ، قد وقع بحرفيته ، ورآه الصحابة !
------------------------------------------- ص 52 -------------------------------------------
وهذا يعني النبوة ، لا يعني الجبر، فحاشا لله العادل بالمطلق أن يجبر أحداً على معصيته ثم يعاقبه ، بل أتم الحجة على صحابة النبي صلي الله عليه وآله وأمته فلم ينفعهم .

4. قرأ النبي صلي الله عليه وآله تعزية الحسين عليه السلام وحذر أصحابه !


روى الطبراني (8/285) عن أبي أمامة ، قال: (فقال جبريل عليه السلام : إن أمتك ستقتل ابنك هذا ! فقال النبي صلي الله عليه وآله :يقتلونه وهم مؤمنون بي؟ قال: نعم يقتلونه! فتناول جبريل تربة فقال بمكان كذا وكذا ! فخرج رسول الله صلي الله عليه وآله قد احتضن حسيناً كاسف البال مهموماً إلى أصحابه وهم جلوس، فقال لهم: إن أمتي يقتلون هذا! وفي القوم أبو بكر وعمر وكانا أجرأ القوم عليه فقالا: يا نبي الله يقتلونه وهم مؤمنون ! قال: نعم ، وهذه تربته ، وأراهم إياها ).
لقد قرأ رسول الله صلي الله عليه وآله تعزية الحسين عليه السلام ومصيبته وبكى في غرفته ونشج نشيجاً ! وخرج الى المسجد وهو باكٍ ، وقال لهم أنتم ستقتلونه ، ولم يزد ! وفي رواية: أن عمر سأله: وهم مؤمنون؟ فقال: يقتلونه ، ولم يشهد بإيمانهم ، وهو الأقرب .
قالت (مجمع الزوائد:9/188): (كان رسول الله جالساً ذات يوم في بيتي قال: لايدخل عليَّ أحد ، فانتظرت فدخل الحسين فسمعت نشيج رسول الله صلي الله عليه وآله يبكى فأطللت ، فإذا حسين في حجره والنبي يمسح جبينه وهو يبكي فقلت: والله ما علمت حين دخل فقال إن جبريل عليه السلام كان معنا في البيت ، قال أفتحبه؟ قلت: أما في الدنيا فنعم ، قال إن أمتك ستقتل هذا بأرض يقال لها كربلاء ! فتناول جبريل من تربتها فأراها النبي صلي الله عليه وآله فلما أحيط بحسين حين قتل قال:ما اسم هذه الأرض؟ قالوا كربلاء . فقال صدق الله ورسوله: أرض كرب وبلاء. رواه الطبراني بأسانيد ، ورجال أحدها ثقات ).
------------------------------------------- ص 53 -------------------------------------------

5. دعوا مقاديرالله تجري !


أخبره جبرئيل عليه السلام ولم يسأله النبي صلي الله عليه وآله : يا جبرئيل ، وهل ستكفر أمتي بعدي فتقتل ابني ، لأنه كان يعلم ، وأخبر به أمته ، لكن السياسة كتمته !
وتقول: لماذا لم يكشف النبي صلي الله عليه وآله أكثر ، لماذا لم يفضح ، لماذا لم يعاقب ؟
الجواب: أنه صلي الله عليه وآله يطيع ربه ويقول: دعوا المقادر تجري، وقد قال له ربه تعالى: فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا. أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ الله مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغًا . أي قل للمنافقين حولك قولاً بليغاً يهزهم ، قله لهم سراً وتحمل منهم ! فلو أعلنت لانتقض أمر الإسلام ، وارتدوا في حياتك !
قال الإمام زين العابدين عليه السلام : والله لو أن النبي تقدم إليهم في قتالنا كما تقدم إليهم في الوصاة بنا ، لما زادوا على ما فعلوه ! فإنا لله وإنا إليه راجعون. (مثير الأحزان/81).
وقد أخبره جبرئيل عليه السلام لماجاء له بالتربة بأن الله سيعاقب الأمة بالصراع الداخلي !
قال له رسول الله صلي الله عليه وآله :(وتفلح أمتي تقتل فرخي! فقال جبرئيل: يضربها الله بالإختلاف فتختلف قلوبهم ) ! (كامل الزيارات/131).
وقد روينا بسند صحيح أن النبي صلي الله عليه وآله أخبرهم بقتل الحسين عليه السلام وبأن الله تعالى اختار من ذريته تسعة أئمة هم تكملة الإثني عشر عليهم السلام .
منها ما رواه في كفاية الأثر/188: (فأخذه النبي فأجلسه على فخذه فقال له جبرئيل: أما إنه سيقتل. فقال رسول الله صلي الله عليه وآله : ومن يقتله؟قال:أمتك تقتله ! قال رسول الله صلي الله عليه وآله : تقتله! قال: نعم وإن شئت أخبرتك بالأرض التي يقتل فيها ، وأشار إلى الطف بالعراق وأخذ منه تربة حمراء فأراه إياها وقال:هذه من
------------------------------------------- ص 54 -------------------------------------------
مصرعه، فبكى رسول الله صلي الله عليه وآله فقال له جبرئيل: يا رسول الله لا تبك فسوف ينتقم الله منهم بقائمكم أهل البيت .
فقال رسول الله صلي الله عليه وآله : حبيبي جبرئيل ومن قائمنا أهل البيت؟ قال: هو التاسع من ولد الحسين ، كذا أخبرني ربي جل جلاله أنه سيخلق من صلب الحسين ولداً وسماه عنده علياً ، خاضعاً لله خاشعاً ، ثم يخرج من صلب علي ابنه وسماه محمداً، قانتاً لله ساجداً ، ثم يخرج من صلبه ابنه وسماه عنده جعفراً ناطقاً عن الله صادقاً في الله ، ويخرج الله من صلبه ابنه وسماه عنده موسى واثقاً بالله محباً في الله ، ويخرج الله من صلبه ابنه وسماه عنده علياً الراضي بالله والداعي إلى الله عز وجل ، ويخرج من صلبه ابنه وسماه عنده محمداً المرغب في الله والذاب عن حرم الله ، ويخرج من صلبه ابنه وسماه عنده علياً المكتفي بالله والولي لله ، ثم يخرج من صلبه ابنه وسماه الحسن مؤمناً بالله مرشداً إلى الله ويخرج من صلبه كلمة الحق ولسان الصدق ، ومظهر الحق حجة الله على بريته له غيبة طويلة يظهر الله تعالى به الإسلام وأهله ، ويخسف به الكفر وأهله) . نعم أخبرهم النبي صلي الله عليه وآله بذلك.. لكن.. على من تقرأ مزاميرك ياداود !

6.تخطيط رباني لشهادة الحسين عليه السلام ومكانها:


جعل الله قتل الحسين عليه السلام في تربة اختارها . وهو تخطيط رباني معناه: أن شهادة الحسين قضيةٌ . ومكانها قضيةٌ . وترابها قضيةٌ !
وقد نفهم قضية الشهادة ومكانها. لكن قضية التربة والبقعة لن نفهمها ، ولايوجد على وجه الأرض من يفهمها غير المعصوم !
------------------------------------------- ص 55 -------------------------------------------
كيف يمكنك أن تفهم أن يقال لك: ستموت على بعد أكثر من ألف كيلو متر. وهذه قبضة من تراب الأرض التي يجري فيها دمك ، فاحتفظ بها ، لأنك عندما تقتل ويلامس دمك الأرض ، سيتحول هذا التراب الى دم !
إنه أشبه بالخيال ! لكنه حقيقة أخبر بها الصادق الأمين صلي الله عليه وآله عن رب العالمين ورواها الثقات من المسلمين ، وصدقها الواقع ، وشاهدها الناس!
فهل عندك عالمٌ في الأرض يفهم علاقة موت الحسين عليه السلام بأسرار تراب بقعته الموجودة على بعد ألف كيلومتر من المدينة !
آمنا بالله . ولانشرط لإيماننا أن نفهم آياته ، ومن أين لنا أن نفهم أسرار النبي وأهل بيته عليهم السلام ! وإنما نحن أطفال نلعب بالحصى في ساحل بحرهم المحيط .

7.وصفَ الجميع حالة أم سلمة يوم عاشوراء:


روى السنة والشيعة أن رسول الله صلي الله عليه وآله شم تربة كربلاء وقال: وَيْحَ كربلاء ثم قال: يا أم سلمة إذا تحولت هذه التربة دماً ، فاعلمي أن ابني قد قتل!
قال أبو وائل: فجعلتها أم سلمة في قارورة ، ثم جعلت تنظر إليها كل يوم وتقول: إن يوماً تحولين دماً ليومٌ عظيم ).(تهذيب التهذيب لابن حجر:2/301 ).
وروى الطوسي في أماليه/115، عن ابن عباس:(بينا أنا راقد في منزلي إذ سمعت صراخاً عظيماً عالياً من بيت أم سلمة زوج النبي صلي الله عليه وآله فخرجت يتوجه بي قائدي إلى منزلها ، وأقبل أهل المدينة إليها الرجال والنساء ، فلما انتهيت إليها قلت: يا أم المؤمنين ما بالك تصرخين وتغوثين ! فلم تجبني، وأقبلت على النسوة الهاشميات وقالت: يا بنات عبد المطلب أسعدنني وابكين معي، فقد والله قتل
------------------------------------------- ص 56 -------------------------------------------
سيدكن وسيد شباب أهل الجنة ، قد والله قتل سبط رسول الله وريحانته الحسين! فقيل يا أم المؤمنين ومن أين علمت ذلك؟ قالت: رأيت رسول الله صلي الله عليه وآله في المنام الساعة شَعِثاً مذعوراً ، فسألته عن شأنه ذلك فقال: قتل ابني الحسين وأهل بيته اليوم فدفنتهم ، والساعة فرغت من دفنهم ! قالت: فقمت حتى دخلت البيت وأنا لا أكاد أن أعقل ، فنظرت فإذا بتربة الحسين التي أتى بها جبرئيل من كربلاء ، فقال: إذا صارت هذه التربة دماً فقد قتل ابنك ، وأعطانيها النبي صلي الله عليه وآله فقال: إجعلني هذه التربة في زجاجة ولتكن عندك ، فإذا صارت دما عبيطاً (صافياً) فقد قتل الحسين ، فرأيت القارورة الآن وقد صارت دما عبيطاً تفور! قال: وأخذت أم سلمة من ذلك الدم فلطخت به وجهها ، وجعلت ذلك اليوم مأتماً ومناحة على الحسين ، فجاءت الركبان بخبره ، وأنه قتل في ذلك اليوم ) !
رأت أم سلمة النبي صلي الله عليه وآله في منامها ، فكان حقيقة ، ومعناه أنه نزل صلي الله عليه وآله من الملأ الأعلى وتولى دفن حبيبه الحسين عليه السلام وأصحابه ولو كانوا في الظاهر غير مدفونين .

8. متى تحول التراب عند أم سلمة الى دم؟


لم تذكر الروايات متى تحول التراب في زجاجة أم سلمة الى دم ، فقد يكون عندما وقع دم الحسين عليه السلام على تراب كربلاء ، دم بدنه ، أو دم وريده .
وقد يكون عندما قبضت روحه ! وتبقى العلاقة الجدلية بين قتله وبين تحول الدم ، سراً لا يفهمه إلا النبي وأهل بيته عليهم السلام !
ثم، هل بقي التراب في زجاجة أم سلمة دماً ، أم رجع تراباً ، ثم أين صار؟!
------------------------------------------- ص 57 -------------------------------------------
وجدت رواية قال فيها الامام الباقر عليه السلام إن التربة التي أودعها النبي صلي الله عليه وآله عند أم سلمة: (فهي عندنا). (أمالي الطوسي/316). وتعبيره عليه السلام يشير الى أن الدم في القارورة بعد أن تحول يوم عاشوراء الى دم ، رجع تربةً !
فاعرف عظمة الحسين عليه السلام وتربته ، وتأمل في أسرار الله تعالى . واعرف جلافة من لا يهزه خبره وظلامته ، ويبرر لظالميه وقاتليه !

9 . ونزل جبرئيل مرة ناشراً أجنحته باكياً صارخاً:


في كامل الزيارات/128، قال ابن عباس:(إن الملك الذي جاء إلى محمد صلي الله عليه وآله يخبره بقتل الحسين كان جبرئيل الروح الأمين، منشور الأجنحة باكياً صارخاً قد حمل من تربة الحسين وهي تفوح كالمسك فقال رسول الله صلي الله عليه وآله : وتفلح أمتي تقتل فرخي! فقال جبرئيل: يضربها الله بالإختلاف فتختلف قلوبهم ) .
أقول: نزول جبرئيل عليه السلام هذا غير نزوله الأول الذي مد يده فأخذ قبضة من تربة كربلاء ، فهنا جاء حاملاً التربة ناشراً جناحه ، وورد أنه إن نزل ناشراً جناحه نزل بالعذاب ، فمعناه أنه نزل باكياً صارخاً لقتله ، غاضباً على قَتَلَة الحسين عليه السلام ، وأخبر النبي صلي الله عليه وآله بأن الله قضى على أمته العذاب لقتلها إياه !
أما كيفية نشر جناحيه وهو عظيم الحجم ، فلا بد أن يكون في الأفق قبل أن يتجسد بصورة دحية الكلبي كما هي عادته.فقد طلب منه النبي صلي الله عليه وآله أن يراه ، فقال أنظر اليَّ عندما أخرج ، فنظر اليه ساداً أفق مكة ببدنه وأجنحته .
------------------------------------------- ص 58 -------------------------------------------

10. توثيق مجيئ جبرئيل بقبضة تراب كربلاء:


حديث إخبار جبرئيل بقتل الحسين عليه السلام ومجيئه الى النبي صلي الله عليه وآله بقبضة من تربته التي يقتل فيها.. متواترٌ في مصادرنا ، ومستفيض في مصادر السنين ، وتقدمت رواية الطبراني وأحمد ، وتوثيق الهيثمي له (مجمع الزوائد:9/188)
وفيها أن النبي صلي الله عليه وآله كان ينشج نشيجاً. وصححوه (مجمع الزوائد:9/185).
وجمع رواياتهم صاحب كتاب: فضائل الخمسة من الصحاح الستة (3/255).
هذا ، وقد بحثنا الإستشفاء بتربة الحسين عليه السلام في موضوع خاص .
* *
------------------------------------------- ص 59 -------------------------------------------

الموضوع السادس: خدمة الملائكة للحسين عليه السلام وزواره


فطرس موكل بإخبار النبي صلي الله عليه وآله بمن زار الحسين عليه السلام


فطرس موكل بإخبار النبي صلي الله عليه وآله بمن زار الحسين عليه السلام
تقدم أن جبرئيل عليه السلام نزل مرات بشأن الحسين عليه السلام ، وأنه جاء بالملك فطرس فتاب الله عليه ببركة الحسين عليه السلام وجعل الله أمره للنبي صلي الله عليه وآله ، فأمره أن يكون عند قبره ويخبره بمن زاره أو تولاه ! (فذلك الملك موكل بقبر الحسين عليه السلام ، فإذا ترحم عبد على الحسين، أو تولى أباه أو نصره بسيفه ولسانه ، إنطلق ذلك الملك إلى قبر رسول الله صلي الله عليه وآله فيقول: أيها النفس الزكية ، فلان بن فلان ببلاد كذا وكذا ، يتولى الحسين ويتولى أباه وينصره بلسانه وقلبه وسيفه . قال: فيجيبه ملك موكل بالصلاة على النبي صلي الله عليه وآله : أن بلغه عن محمد السلام ، وقل له: إن مت على هذا فأنت رفيقه في الجنة ). (بشارة المصطفى للطبري/219).
أقول: هذا يدل على قدرة فطرس أن يحصي من ذكر الحسين وتولاه وأباه علياً عليهم السلام ، وقد يستعين بألوف الملائكة الذين يعملون تحت يده . كما أنه لايصعد الى النبي صلي الله عليه وآله في السماء ، بل يبلغه عند قبره ويخاطبه والنبي صلي الله عليه وآله له وجود عند قبره ، فيجيبه ملك بالنيابة عنه ويبلغه رسالة الى الزائر.

الملائكة يُعزون النبي صلي الله عليه وآله بقتل الحسين عليهم السلام


(عن عبد الرحمان الغنوي، عن سلمان قال: وهل بقي في السماوات ملك لم ينزل إلى رسول الله صلي الله عليه وآله يعزيه بولده الحسين عليه السلام ويخبره بثواب الله إياه ، ويحمل
------------------------------------------- ص 60 -------------------------------------------
إليه تربته مصروعاً عليها ، مذبوحاً مقتولاً ، جريحاً طريحاً مخذولاً ؟! فقال رسول الله صلي الله عليه وآله : اللهم اخذل من خذله ، واقتل من قتله ، واذبح من ذبحه ، ولا تمتعه بما طلب ! قال عبد الرحمن: فوالله لقد عوجل الملعون يزيد ولم يتمتع بعد قتله بما طلب .ولقد أُخذ مغافصة (مفاجأة مواجهة) بات سكراناً وأصبح ميتاً متغيراً كأنه مطلي بقار ، أُخذ على أسف (ممقوتاً) وما بقي أحد ممن تابعه على قتله ، أو كان في محاربته إلا أصابه جنون أو جذام أو برص ، وصار ذلك وراثة في نسلهم ) . (كامل الزيارات/131).
أقول: لم يرفع الغنوي هذا الحديث ولم يبين سليمان أو سلمان الذي روى عنه . والعمدة فيه أنه وثقه جعفر بن قولويه ، مع تشدده في قبول الرواية. ويدل هذا الحديث على أن هلاك يزيد في بيته بحوارين: (بات سكراناً وأصبح ميتاً متغيراً كأنه مطليٌّ بقار) ! وهو أقوى من رواية أن فرسه شرد به ، فتقطعت جثته .

ملك البحار يعزي بقتله


(إن ملكاً من ملائكة الفردوس نزل على البحار فنشرأجنحته عليها ثم صاح صيحة وقال:يا أهل البحار إلبسوا أثواب الحزن فإن فرخ رسول الله مذبوح! ثم حمل من تربته في أجنحته إلى السماوات ، فلم يبق ملك فيها إلا شمها وصار عنده لها أثر، ولعن قتلته وأشياعهم وأتباعهم).(كامل الزيارات/143).
أقول: روى المؤلف هذا الخبر بسنده (حدثني الحسين بن علي الزعفراني بالري، قال:حدثنا محمد بن عمر النصيبي ، عن هشام بن سعد ، قال: أخبرني المشيخة أن ملكاً.. فهو أثر وثق به المؤلف ورواه .
------------------------------------------- ص 61 -------------------------------------------
حديث ابن الأعثم
قال في الفتوح (4/322):(حدثني أبو الحسن أحمد بن الحسين النيسابوري قال: حدثني محمد بن القاسم المديني عن أبي حازم مولى ابن عباس عن ابن عباس قال.. وحدثني علي بن عاصم عن الحصين بن عبد الرحمن عن أبيه عن مجاهد عن ابن عباس ، قال.. وحدثني أبو حاتم سهل بن محمد الصانع قال.. حدثني نعيم بن مزاحم المنقري عن محمد بن عمرو بن واقد الواقدي.. وحدثني معاذ بن محمد بن يعقوب بن عتبة القرشي عن محمد بن الحنفية ..
أبو الوليد بن رزين عن أبي إسحاق الهمداني ، قال.. وحدثني أبو عمر حفص بن محمد عن جعفر بن محمد الصادق عن أبيه عن آبائه قال..
الواقدي أيضاً: وحدثني محمد بن عبيد الله بن عنبسة عن محمد بن عبيد الله عن عمرو عن أبيه ، وعبد الله بن بجيرالسهمي عن سعيد بن قيس الهمذاني ، ومحمد بن خالد الهاشمي عن يعقوب بن سليمان من بني عبد الله الأوسي عن عبد الرحمن بن المنذر من بني عدي بن النجار عن العلاء بن يعقوب العجلاني.. وأبو المنذر هشام بن محمد بن السائب عن أبي مخنف لوط بن يحيى بن سعيد الأزدي عن الحسين بن كثير الأزدي عن أبيه .
وأبو المنذر أيضاً: عن محمد بن عوانة بن الحكم بن الهيثم بن عدي عن عبد الملك بن سليمان عن أيوب بن بشير بن عبد الله المعافري..
والهيثم بن عدي عن غالب بن عثمان الهمداني عن عبد الله بن المعافى المعافري.. وعبد الرحمن بن المنذر الأنصاري وعبد الواحد بن أبي عون وهبيرة ابن مريم وعيسى بن دأب عن رجاله..
------------------------------------------- ص 62 -------------------------------------------
وأبو البختري عن رجاله.. كلهم قد حدث بهذا الحديث وبعضهم أوعى ما له من بعض ، وزيادته ونقصانه على من نقله إلينا وقرأه علينا..
فأول خبر ورد عليَّ من ذلك: حديث يحيى بن عبد الرحمن القرشي عن محمد بن مصعب القرقسائي عن الأوزاعي عن ابن عفان عن أم الفضل بنت الحارث بن حزن امرأة العباس بن عبد المطلب أنها قالت: رأيت في منامي رؤياً هالتني وأفزعتني، فجئت إلى رسول الله صلي الله عليه وآله فقلت:يا رسول الله رأيت كأن قطعة من جسدك قد قطعت فوضعت في حجري!فقال النبي صلي الله عليه وآله : خيراً رأيت يا أم الفضل! إن صدقت رؤياك فإن فاطمة حامل وستلد غلاماً فأدفعه إليك لترضعيه . قالت أم الفضل: فوضعت فاطمة بعد ذلك غلاماً فسمي بالحسين، ودفعه النبي صلي الله عليه وآله إلي فكنت أرضعه ، قالت أم الفضل: فدخل النبي ذات يوم والحسين في حجري فأخذه وجعل يلاعبه وهو مسرور به. قالت أم الفضل: فبال الحسين فقطر من بوله على ثوب النبي صلي الله عليه وآله فقرصته فبكي ، فقال صلي الله عليه وآله : مهلاً يا أم الفضل! فهذا الذي أصاب ثوبي يغسل ، وقد أوجعت ابني! قالت: فتركته في حجره وقمت لآتيه بماء أغسل ثوبه ، فلما جئت نظرت إليه وعيناه تذرفان بالدموع فقلت: فداك أبي وأمي يا رسول الله ! دفعته اليك وأنت به مسرور ثم رجعت إليكم وعيناك تذرفان بالدموع، فلماذا يا رسول الله ؟! فقال: نعم يا أم الفضل، أتاني جبريل فأخبرني أن أمتي تقتل ولدي هذا بشط الفرات ، وقد أتاني بتربة حمراء .
قال ابن عباس: هبط جبريل عليه السلام في قبيل من الملائكة قد نشروا أجنحتهم يبكون حزناً منهم على الحسين ، وجبريل معه قبضة من تربة الحسين تفوح
------------------------------------------- ص 63 -------------------------------------------
مسكاً أذفر ، دفعها إلى فاطمة بنت النبي صلي الله عليه وآله وقال: يا حبيبة الله ، هذه تربة ولدك الحسين وستقتله اللعناء بأرض كرب وبلاء. قالت فقال له النبي صلي الله عليه وآله : حبيبي جبريل ، وهل تفلح أمة تقتل فرخي وفرخ ابنتي ؟! فقال جبريل: لا، بل يضربهم الله بالإختلاف ، فتختلف قلوبهم وألسنتهم آخرالدهر ) .
أقول: الصحيح أن أم الفضل ربما كانت تأخذه من أمه فتخدمه ، أما رضاعه فقد صح عندنا أنه كان يتغذى بمص إبهام النبي صلي الله عليه وآله !
ثم قال ابن الأعثم: قال شرحبيل بن أبي عون: إن الملك الذي جاء إلى النبي صلي الله عليه وآله إنما كان ملك البحار ، وذلك أن ملكاً من ملائكة الفراديس نزل إلى البحر الأعظم ، ثم نشر أجنحته عليها وصاح صيحة وقال: يا أصحاب البحار، إلبسوا ثياب الحزن ، فإن فرخ محمد صلي الله عليه وآله مذبوح مقتول !
ثم جاء إلى النبي صلي الله عليه وآله فقال: يا حبيب الله ! يقتتل على هذه الأرض فرقتان من
أمتك ، إحداهما ظالمة معتدية فاسقة ، يقتلون فرخك الحسين ابن ابنتك بأرض كرب وبلاء ، وهذه تربته يا محمد !
قال: ثم ناوله قبضة من أرض كربلاء وقال: تكون هذه التربة عندك حتى ترى علامة ذلك ، ثم حمل ذلك الملك من تربة الحسين في بعض أجنحته ، فلم يبق ملك في سماء الدنيا إلا شم تلك التربة ، وصار فيها عنده أثر وخبر .
قال: ثم أخذ النبي صلي الله عليه وآله تلك القبضة التي أتاه بها الملك فجعل يشمها وهو يبكي ويقول في بكائه: اللهم لا تبارك في قاتل ولدي وأصله نار جهنم !
------------------------------------------- ص 64 -------------------------------------------
ثم دفع القبضة إلى أم سلمة وأخبرها بقتل الحسين بشاطئ الفرات وقال: يا أم سلمة خذي هذه التربة إليك ، فإنها إذا تغيرت واستحالت دماً عبيطاً ، فقد قتل ولدي الحسين ! قال: ولم يبق في السماوات ملك إلا وقد نزل إلى النبي كلٌّ يعزيه في الحسين ويخبره بثواب مايعطي ويعرض عليه تربته ، والنبي صلي الله عليه وآله يقول: اللهم اخذل من خذله واقتل من قتله ولا تمتعه بما طلبه .
قال المسور بن مخرمة: ولقد أتى النبي صلي الله عليه وآله ملك من ملائكة الصفيح الأعلى لم ينزل إلى الأرض مذ خلقت الدنيا ، وإنما استأذن ذلك الملك ربه ونزل شوقاً منه إلى النبي صلي الله عليه وآله ، فلما نزل إلى الأرض أوحى الله عز وجل إليه: أيها الملك ، أخبر محمداً بأن رجلاً من أمته يقال له يزيد يقتل فرخه الطاهر بن الطاهرة ، نظيرة البتول ابنة عمران . فقال الملك: إلهي وسيدي! لقد نزلت من السماء وأنا مسرور بنزولي إلى نبيك محمد فكيف أخبره بهذا الخبر، ليتني لم أنزل إليه! فنودي الملك من فوق رأسه أن امض لما أمرت . فنزل وقد نشر أجنحته حتى وقف بين يديه فقال: السلام عليك يا حبيب الله ! إني استأذنت ربي في النزول إليك فأذن لي ، فليت ربي دق جناحي ولم آتك بهذا الخبر ، ولكني مأمور!
يا نبي الله ، إعلم أن رجلاً من أمتك يقال له يزيد زاده الله عذاباً يقتل فرخك الطاهر بن الطاهرة ، ولن يمتع بالملك من بعد ولدك ، وسيأخذه الله مغافضة على أسوأ عمله ، فيكون من أصحاب النار .
قال: فلما أتت على الحسين من مولده سنتان كاملتان خرج النبي صلي الله عليه وآله في سفر
له ، فلما كان في بعض الطريق وقف فاسترجع ودمعت عيناه ، فسئل عن ذلك فقال: هذا جبريل يخبرني عن أرض بشاطئ الفرات يقال لها كربلا ، يقتل بها
------------------------------------------- ص 65 -------------------------------------------
ولدي الحسين بن فاطمة ، فقيل: من يقتله يا رسول الله؟ فقال: رجل يقال له يزيد ، لا بارك الله له في نفسه !
وكأني أنظر إلى مصرعه ومدفنه بها ، وقد أهدي برأسه ، والله ما ينظر أحد إلى رأس ولدي الحسين فيفرح إلا خالف الله بين قلبه ولسانه .
قال: ثم رجع النبي صلي الله عليه وآله من سفره ذلك مغموماً، ثم صعد المنبر فخطب ووعظ والحسين بن علي بين يديه مع الحسن، قال: فلما فرغ من خطبته وضع يده اليمنى على رأس الحسن واليسرى على رأس الحسين عليهما السلام ، ثم رفع رأسه إلى السماء فقال: اللهم، إني محمد عبدك ونبيك وهذان أطايب عترتي وخيار ذريتي وأرومتي ومن أخلفهم في أمتي . اللهم ، وقد أخبرني جبريل بأن ولدي هذا مقتول مخذول ! اللهم فبارك له في قتله ، واجعله من سادات الشهداء ، إنك على كل شئ قدير . اللهم ولا تبارك في قاتله وخاذله .
قال:وضجَّ الناس في المسجد بالبكاء فقال النبي صلي الله عليه وآله : أتبكون ولا تنصرونه! اللهم فكن أنت له ولياً وناصراً .
قال ابن عباس: ثم رجع وهو متغير اللون محمر الوجه فخطب خطبة بليغة موجزة ، وعيناه تهملان دموعاً ، ثم قال: أيها الناس: إني قد خلفت فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي وأرومتي ومزاج مائي وثمرتي ، ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض، ألا وإني أسألكم في ذلك إلا ما أمرني ربي أن أسألكم المودة في القربى، فانظروا أن لا تلقوني غداً على الحوض وقد أبغضتم عترتي وظلمتموهم! ألا وإنه سيرد علي في القيامة ثلاث رايات من هذه الأمة ، راية سوداء مظلمة قد فزعت لها الملائكة ، فتقف عليَّ فأقول: من أنتم؟ فينسون
------------------------------------------- ص 66 -------------------------------------------
ذكري ويقولون: نحن أهل التوحيد من العرب ، فأقول: أنا أحمد نبي العرب والعجم ، فيقولون: نحن من أمتك يا أحمد ! فأقول لهم: كيف خلفتموني من بعدي في أهلي وعترتي وكتاب ربي ؟ فيقولون: أما الكتاب فضيعنا ومزقنا ، وأما عترتك فحرصنا على أن نُبيدهم من جديد الأرض! فأُولي عنهم وجهي فيصدرون ظماءً عطاشى مسودةٌ وجوههم .
ثم ترد علي راية أخرى أشد سواداً من الأولى ، فأقول لهم:من أنتم؟ فيقولون كما تقول الأول إنهم من أهل التوحيد نحن من أمتك ، فأقول لهم: كيف خلفتموني في الثقلين الأصغر والأكبر ، في كتاب الله وفي عترتي ؟ فيقولون: أما الأكبر فخالفنا ، وأما الأصغر فخذلنا ومزقناهم كل ممزق ، فأقول: إليكم عني! فيصدرون ظماء عطاشى مسودة وجوههم .
ثم يرد علي راية أخرى تلمع نوراً فأقول لهم: من أنتم ؟فيقولون: نحن كلمة التوحيد ، نحن أمة محمد ونحن بقية أهل الحق الذين حملنا كتاب ربنا ، فأحللنا حلاله وحرمنا حرامه ، وأحببنا ذرية نبينا محمد صلي الله عليه وآله فنصرناهم بما نصرنا به أنفسنا ، وقاتلنا معهم وقتلنا من ناواهم، فأقول لهم: أبشروا فأنا نبيكم محمد ، ولقد كنتم في دار الدنيا كما وصفتم . ثم أسقيهم من حوضي ، فيصدرون مرويين.
ألا وإن جبريل قد أخبرني بأن أمتي تقتل ولدي الحسين بأرض كرب وبلاء . ألا فلعنة الله على قاتله وخاذله آخر الدهر .
قال: ثم نزل على المنبر ، ولم يبق أحد من المهاجرين والأنصار ، إلا واستيقن
------------------------------------------- ص 67 -------------------------------------------
أن الحسين عليه السلام مقتول ، حتى إذا كان في أيام عمر بن الخطاب وأسلم كعب الأحبار وقدم المدينة ، جعل الناس يسألونه عن الملاحم التي تكون في آخر الزمان ، فحدثهم بأنواع الملاحم والفتن ثم قال كعب: نعم وأعظمها ملحمة التي لا تنسى أبداً وهو الفساد الذي ذكره الله تعالى في الكتب ، وقد ذكره في كتابكم ، فقال عز وجل: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى النَّاسِ ، وإنما فُتح بقتل هابيل ، وختم بقتل الحسين بن علي .
ثم قال كعب: أظنكم تهونون قتل الحسين ، أوَ لاتعلمون أنه يفتح كل يوم وليلة أبواب السماء كلها ، ويؤذن للسماء بالبكاء ، فتبكي دماً عبيطاً فإذا رأيتم
الحمرة قد ارتفعت من جنباتها شرقاً وغرباً ، فاعلموا بأنها تبكي حسيناً ، فتظهر هذه الحمرة في السماء . قال فقيل له: يا أبا إسحاق ! فكيف لم تفعل السماء ذلك بالأنبياء وأولاد الأنبياء من قبل وبمن كان خيراً من الحسين ؟ فقال كعب: ويحكم! إن قتل الحسين أمرعظيم لأنه ابن بنت خيرة الأنبياء ، وإنه يقتل علانية ظلماً وعدواناً ، لاتحفظ فيه وصية رسول الله صلي الله عليه وآله وهو مزاج مائة وبضعة من لحمه ، ثم يذبح بعرصة الكرب والبلاء ، والذي نفس كعب بيده ، لتبكينه زمرة من الملائكة في السماوات لايقطعون بكاءهم عليه إلى آخر الدهر ، وأن البقعة التي يدفن فيها خير البقاع بعد ثلاث: مكة ، والمدينة ، وبيت المقدس ، وما من نبي إلا وقد زارها وبكى عندها ، ولها في كل يوم زيارة من الملائكة بالتسليم، فإذا كانت ليلة جمعة أويوم جمعة نزل إليها سبعون ألف ملك يبكونه ويذكرون فضله ومنزلته عندهم ، وإنه يسمى في السماوات: حسيناً المذبوح، وفي الأرض: أبا عبد الله المقتول ، وفي البحار: الفرخ الأزهر المظلوم ، وإنه يوم يقتل تنكسف
------------------------------------------- ص 68 -------------------------------------------
من النهار الشمس ، ومن الليل القمر، وتدوم الظلمة على الناس ثلاثة أيام ، وتمطر السماء كما أخبرتكم دماً ، وتدكدك الجبال ، وتغطمط البحار ، ولولا بقية من ذرية محمد صلي الله عليه وآله ومحبي محمد ، ومحبي أبيه وأمه ، يطلبون دمه ، ويأخذون بثأره ، لصب الله عز وجل عليهم من السماء نيراناً .
ثم قال كعب: لعلكم تعجبون مما حدثتكم به من أمر الحسين بن علي ! إن الله تعالى لم يترك شيئاً كان أن يكون في أول الدهر وآخره إلا وقد فسره لموسى عليه السلام .وما من نسمة خلقت ومضت من ذكر وأنثى إلا وقد رفعت إلى آدم عليه السلام وعرضت عليه ، ولقد عرضت على آدم هذه الأمة ، فنظر إليها وإلى اختلافها وتكالبها على الدنيا فقال: يا رب! ما لهذه الأمة والدنيا وهي خير الأمم وأفضلها؟ فأوحى الله عزو جل إليه: يا آدم ! هذا أمري في خلقي وقضائي في عبادي ، يا آدم ! إنهم اختلفوا فاختلفت قلوبهم ، وسيظهرون في أرضي الفساد كفساد قابيل حين قتل هابيل ، ويقتلون فرخ حبيبي محمد صلي الله عليه وآله
قال: ثم مُثِّل لآدم عليه السلام في الذر مقتل الحسين بن علي ووثوب أمة جده عليه ، فنظر إليهم آدم عليه السلام مسودة وجوههم فقال: يا رب أبسط عليهم الأسقام كما قتلوا فرخ هذا النبي الكريم .
قال هبيرة بن بُريم (الحميري) فحدثني أبي يريم قال: لقيت سلمان الفارسي فحدثته بهذا الحديث ، فقال سلمان: لقد صدقك كعب وأنا أزيدك في ذلك أن كل شئ في الأرض يبكي الحسين إذا قتل حتى النجم ونبات الأرض ، ولا يبقى شئ من الروحانيين إلا ويسجد ذلك اليوم ، ويقولون: إلهنا وسيدنا أنت
------------------------------------------- ص 69 -------------------------------------------
العليم الحكيم ، ثم لا يرفعون رؤوسهم حتى ينادي ملك بين السماء والأرض: أن يا معشر الخليقة إرفعوا رؤوسكم فقد وفيتم لرب العزة .
قال: ثم أقبل سلمان الفارسي على بريم ثم قال: يا بريم ! إنك لو تعلم يومئذ كم من عين تعود سخنة كئيبة حزينة ، قد ذهب نورها وغشي بصرها بكاء على الحسين! ولقد صدق كعب فيما حدثك به ، ووالذي نفس سلمان بيده ! إنني لو أدركت أيامه لضربت بين يديه بالسيف ، أو أقطع بين يديه عضواً عضواً فأسقط بين يديه صريعاً ، فإن القتيل معه يعطى أجر سبعين شهيداً من شهداء بدر وأحد وحنين وخيبر .
ثم قال سلمان:يا بريم ويحك أتدري ما حسين ! حسين سيد شباب أهل الجنة على لسان محمد صلي الله عليه وآله ، وحسين لايهدر دمه حتى يقف بين يدي الله عز وجل، وحسين من تفزع لقتله ملائكة السماوات ! ويحك يا بريم ، أتعلم كم ملك ينزل يوم قتل الحسين وتضمه إلى صدروها ! وتقول الملائكة بأجمعها: إلهنا وسيدنا ، هذا فرخ رسولك محمد وابن ابنته وبضعة من لحمه .
يا بريم ، إن أنت أدركت أيام مقتله واستطعت أن تقتل معه فكن أول قتيل يقتل بين يديه ، فإن كل دم يوم القيامة بعد الأنبياء دم الحسين ، ثم دماء أصحابه الذين قتلوا بين يديه .
وانظر يا بريمه ! إن أنت نجوت فلم تقتل معه فزر قبره ، فإن قبره لا يخلو من الملائكة أبداً ، ومن صلى عند قبره ركعتين حفظه الله من بغضهم وعداوتهم أبداً حتى يموت .قال: فأما سلمان فإنه مات بالمدائن في آخر خلافة عمر بن الخطاب، وأما بريم فإنه لم يلحق ذلك ).
------------------------------------------- ص 70 -------------------------------------------
أقول: يظهر أن ابن الأعثم اطمأن بصحة هذا الخبر الذي جمعه وكثر له الأسانيد. والقرائن المتعددة توجب الإطمئنان بمضمونه .
ولاتعجب من تناقض كعب الأحبار حيث تجد له كلاماً من يهوديته ، وكلاماً يخدم عمر ومعاوية ، وكلاماً يمدح به علياً والعترة عليهم السلام من نوع هذا الكلام !
هذا، وقد جعلنا العنوان ملك البحار لأن الملك الذي نزل من الفردوس نادى في أهل البحار، فهو أعلى رتبة من ملك البحار، وقد ورد عن النبي صلي الله عليه وآله تعبير: ملك الأمطار ، وملك الجبال ، وملك الجبال ، وملك الأمطار ، وملك الأرزاق ، وملائكة الحرب . (المطالب العالية للرازي:7/10 ).
ومعنى قوله عليه السلام : ثم حمل من تربته في أجنحته إلى السماوات ، فلم يبق ملك فيها إلا شمها وصار عنده لها أثر: وفي رواية ابن الأعثم: أثر وخبر . أي عرف الملائكة رائحة تربة الحسين عليه السلام وحفظوها !

ما رقأت دموع الملائكة لنا منذ قتلنا !


(عن مسمع بن عبد الملك كردين البصري قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام : يا مسمع أنت من أهل العراق أما تأتي قبرالحسين عليه السلام ، قلت: لا ، أنا رجل مشهور عند أهل البصرة ، وعندنا من يتبع هوى هذا الخليفة ، وعدونا كثير من أهل القبائل من النصاب وغيرهم، ولست آمنهم أن يرفعوا حالي عند ولد سليمان فيمثلون بي! قال لي: أفما تذكر ما صنع به؟ قلت: نعم ، قال: فتجزع؟ قلت: إي والله وأستعبرلذلك حتى يرى أهلي أثر ذلك عليَّ ، فأمتنع من الطعام حتى يستبين ذلك في وجهي . قال: رحم الله دمعتك ، أما إنك من الذين يُعدون
------------------------------------------- ص 71 -------------------------------------------
من أهل الجزع لنا ، والذين يفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا ، ويخافون لخوفنا ويأمنون إذا أمِنَّا . أما إنك سترى عند موتك حضور آبائي لك ووصيتهم ملك الموت بك ، وما يلقونك به من البشارة أفضل ، وملك الموت أرق عليك وأشد رحمة لك من الأم الشفيقة على ولدها .
قال: ثم استعبر واستعبرت معه ، فقال: الحمد لله الذي فضلنا على خلقه بالرحمة ، وخصنا أهل البيت بالرحمة .
يا مسمع ، إن الأرض والسماء لتبكي منذ قتل أمير المؤمنين عليه السلام رحمة لنا ، وما بكى لنا من الملائكة أكثر ، وما رقأت دموع الملائكة منذ قتلنا ، وما بكى أحد رحمة لنا ولما لقينا ، إلا رحمة الله قبل أن تخرج الدمعة من عينه ، فإذا سالت دموعه على خده فلوأن قطرة من دموعه سقطت في جهنم لأطفأت حرها حتى لايوجد لها حر، وإن الموجع قلبه لنا ليفرح يوم يرانا عند موته، فرحة لا تزال تلك الفرحة في قلبه حتى يرد علينا الحوض ، وإن الكوثر ليفرح بمحبنا إذا ورد عليه، حتى أنه ليذيقه من ضروب الطعام ما لايشتهي أن يصدر عنه.
يا مسمع ، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً ، ولم يستق بعدها أبداً ، وهو في برد الكافور وريح المسك وطعم الزنجبيل ، أحلى من العسل ، وألين من الزبد ، وأصفى من الدمع ، وأذكى من العنبر ، يخرج من تسنيم ويمر بأنهار الجنان ، يجري على رضراض الدر والياقوت ، فيه من القدحان أكثر من عدد نجوم السماء ، يوجد ريحه من مسيرة ألف عام ، قِدحانه من الذهب والفضة وألوان الجوهر ، يفوح في وجه الشارب منه كل فائحة ، حتى يقول الشارب منه: يا ليتني تُركت هاهنا لا أبغي بهذا بدلاً ولا عنه تحويلاً .
------------------------------------------- ص 72 -------------------------------------------
أما إنك يا كردين ممن تُروى منه ، وما من عين بكت لنا إلا نعمت بالنظر إلى الكوثر، وسقت منه من أحبنا ، وإن الشارب منه ليعطي من اللذة والطعم والشهوة له أكثر مما يعطاه من هو دونه في حبنا .
وإن على الكوثر أميرالمؤمنين عليه السلام وفي يده عصا من عوسج يحطم بها أعداءنا فيقول الرحل منهم: إني أشهد الشهادتين ، فيقول: إنطلق إلى إمامك فلان فاسأله أن يشفع لك ، فيقول: يتبرأ مني إمامي الذي تذكره! فيقول: إرجع إلى ورائك فقل للذي كنت تتولاه وتقدمه على الخلق ، فاسأله إذ كان خير الخلق عندك أن يشفع لك ، فإن خير الخلق حقيق أن لايرد إذا شفع !
فيقول: إني أهلك عطشاً ، فيقول له: زادك الله ظمأ ، وزادك الله عطشاً .
قلت: جعلت فداك وكيف يقدر على الدنو من الحوض ولم يقدر عليه غيره ، فقال: ورع عن أشياء قبيحة وكف عن شتمنا أهل البيت إذا ذكرنا ، وترك أشياء اجترى عليها غيره ، وليس ذلك لحبنا ولا لهوى منه لنا ، ولكن ذلك لشدة اجتهاده في عبادته وتدينه ، ولما قد شغل نفسه به عن ذكر الناس ، فأما قلبه فمنافق ، ودينه النصب باتباع أهل النصب وولاية الماضين ، وتقديمه لهما على كل أحد ) . (كامل الزيارات/203) .

الأربعة آلاف ملك المقيمون عند قبره


قال الإمام الصادق عليه السلام :(إن أربعة آلاف ملك هبطوا يريدون القتال مع الحسين عليه السلام لم يؤذن لهم في القتال، فراجعوا في الإستيذان ، فهبطوا وقد قتل الحسين فهم عند قبره شعثٌ غُبْرٌ يبكونه إلى يوم القيامة ، رئيسهم ملك يقال له
------------------------------------------- ص 73 -------------------------------------------
المنصور، فلا يزوره زائر إلااستقبلوه، ولايودعه مودع إلا شيعوه، ولا يمرض مريض إلا عادوه ، ولايموت إلاصلوا علي جنازته، واستغفروا له بعد موته.وكل هؤلاء في الأرض ينتظرون قيام القائم عليه السلام ).(كامل الزيارات/171و354 و232) .
وقال الإمام الصادق عليه السلام : (إن الملائكة سألت الله في نصرته فأذن لهم ، فمكثت تستعد للقتال وتأهبت لذلك حتى قتل، فنزلت الملائكة وقد انقطعت مدته وقتل عليه السلام ، فقالت الملائكة: يا رب أذنت لنا بالإنحدار وأذنت لنا في نصرته فانحدرنا وقد قبضته ، فأوحى الله تبارك وتعالى إليهم: أن الزموا قبته حتى ترونه وقد خرج فانصروه ، وابكوا عليه وعلى ما فاتكم من نصرته ، وإنكم خصصتم بنصرته والبكاء عليه ، فبكت الملائكة حزناً وجزعاً على ما فاتهم من نصرة الحسين عليه السلام ، فإذا خرج يكونون أنصاره) .(كامل الزيارات/178).
وعن أبي الصباح الكناني ، قال: (سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن إلى جانبكم قبراً ما أتاه مكروب إلا نفس الله كربته وقضى حاجته ، وإن عنده أربعة آلاف ملك منذ يوم قبض شعثاً غبراً يبكونه إلى يوم القيامة ، فمن زاره شيعوه ، ومن مرض عادوه ، ومن مات اتبعوا جنازته ). (كامل الزيارات/351).
وقال الإمام الصادق عليه السلام : (إن الملائكة الذين عند قبره ليبكون، فيبكي لبكائهم كل من في الهواء والسماء من الملائكة .
وقال عليه السلام : زوروا الحسين عليه السلام ولو كل سنة ، فإن كل من أتاه عارفاً بحقه غير جاحد لم يكن له عوض غير الجنة، ورزق رزقاً واسعاً وأتاه الله بفرج عاجل. إن الله وكل بقبر الحسين بن علي عليه السلام أربعة آلاف ملك كلهم يبكونه ويشيعون
------------------------------------------- ص 74 -------------------------------------------
من زاره إلى أهله ، فإن مرض عادوه ، وإن مات شهدوا جنازته بالإستغفار له والترحم عليه ). (كامل الزيارات/167) .

وصف الأربعة آلاف مع الإمام المهدي عليه السلام


قال الإمام الصادق عليه السلام :(كأني بالقائم عليه السلام على نجف الكوفة وقد لبس درع رسول الله صلي الله عليه وآله فينتفض بها فتستدير عليه فيُغَشِّيها بحداجة من إستبرق ، ويركب فرساً أدهم بين عينيه شمراخ فينتفض به انتفاضة ، لا يبقى أهل بلد إلا وهم يرون أنه معهم في بلادهم ، فينشر راية رسول الله صلي الله عليه وآله عمودها من عمود العرش وسائرها من نصرالله ، لا يهوي بها إلى شئ أبداً إلا هتكه الله . فإذا هزها لم يبق مؤمن إلا صار قلبه كزبر الحديد ، ويعطي المؤمن قوة أربعين رجلاً ، ولايبقى مؤمن إلا دخلت عليه تلك الفرحة في قبره ، وذلك حين يتزاورون في قبورهم ويتباشرون بقيام القائم ، فينحط عليه عشرة آلاف ملك وثلاث مائة وثلاث عشر ملكاً .
قلت: كل هؤلاء الملائكة ، قال: نعم الذين كانوا مع نوح في السفينة ، والذين كانوا مع إبراهيم حين ألقي في النار، والذين كانوا مع موسى حين فلق البحر لبني إسرائيل ، والذين كانوا مع عيسى حين رفعه الله إليه ، وأربعة آلاف ملك مع النبي صلي الله عليه وآله مسومين ، وألف مردفين وثلاث مائة وثلاثة عشر ملائكة بدريين، وأربعة آلاف ملك هبطوا يريدون القتال مع الحسين عليه السلام فلم يؤذن لهم في القتال فهم عند قبره ..). (كامل الزيارات/232) .
------------------------------------------- ص 75 -------------------------------------------

سبعون ألف ملك غير الأربعة آلاف


قال الإمام الصادق عليه السلام (كامل الزيارات/233):(وكَّل الله بقبرالحسين عليه السلام سبعين ألف ملك شعثاً غبراً يبكونه إلى يوم القيامة يصلون عنده، الصلاة الواحدة من صلاتهم تعدل ألف صلاة من صلاة الآدميين ، يكون ثواب صلاتهم وأجر ذلك لمن زار قبره) .
وروى المؤلف عن أبي ذر رحمة الله عليه لما أخرجه عثمان الى الربذة/154: (فقال له الناس: يا أبا ذر ، أبشر فهذا قليل في الله تعالى ، فقال: ما أيسرهذا ولكن كيف أنتم إذا قتل الحسين بن علي عليهما السلام ذبحاً! والله لايكون في الإسلام بعد قتل الخليفة أعظم قتيلاً منه ، وإن الله سيسل سيفاً على هذه الأمة لايغمده أبداً ، ويبعث قائماً من ذريته فينتقم من الناس ، وإنكم لو تعلمون ما يدخل على أهل البحار وسكان الجبال في الغياض والآكام وأهل السماء من قتله لبكيتم والله حتى تزهق أنفسكم . وما من سماء يمر به روح الحسين عليه السلام إلا فزع له سبعون ألف ملك يقومون قياماً ترعد مفاصلهم إلى يوم القيامة ، وما من سحابة تمر وترعد وتبرق إلا لعنت قاتله ، وما من يوم إلا وتعرض روحه على رسول الله صلي الله عليه وآله فيلتقيان ).
ولا بد أن يكون المقصود بروح الحسين عليه السلام التي تعرض على النبي صلي الله عليه وآله فيلتقيان: روحه في الدنيا ، لأنه بعد شهادته مع جده صلي الله عليه وآله .
أما استقبال سبعين ألف في كل سماء لروحه: فهو عند شهادته وصعود روحه وهم غير السبعين ألفاً الذين أمروا أن يصلوا عند قبره ، ويدعوا لزواره .
------------------------------------------- ص 76 -------------------------------------------
كربلاء معراجٌ الى السماء
قال الله تعالى: وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ . لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ.فالعروج يحتاج الى فتح باب من السماء ، ويشير قوله تعالى: فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ ، الى أن العروج بالجذب من السماء . ويمكن أن يفتح الله تعالى باباً من السماء من أي نقطة من الأرض ، لكن لذلك قوانين. ويفهم من السنة أن مكة معراج ، والمدينة ، وبيت المقدس وجبل رضوى بين مكة والمدينة، ومشاهد الأئمة عليهم السلام .قال الإمام الصادق عليه السلام : (قبر الحسين بن علي عليه السلام عشرون ذراعاً في عشرين ذراعاً مكسراً روضة من رياض الجنة ، وفيه معراج الملائكة إلى السماء ، وليس من ملك مقرب ولانبي مرسل إلا وهو يسأل الله إن يزوره ، ففوج يهبط وفوج يصعد .
وقال عليه السلام لصفوان الجمال لما أتى الحيرة: هل لك في قبر الحسين؟ قلت: وتزوره جعلت فداك؟ قال: وكيف لا أزوره والله يزوره في كل ليلة جمعة ، يهبط مع الملائكة إليه والأنبياء والأوصياء، ومحمد أفضل الأنبياء ونحن أفضل الأوصياء . فقال صفوان: جعلت فداك ، فنزوره في كل جمعة حتى ندرك زيارة الرب (أي مبعوثه الخاص) قال: نعم يا صفوان إلزم ذلك يكتب لك زيارة قبر الحسين عليه السلام وذلك تفضيل ، وذلك تفضيل ). (كامل الزيارات/222).
وقال الإمام الصادق عليه السلام : (إذا أتيت قبر الحسين عليه السلام فأت الفرات واغتسل بحيال قبره ، وتوجه إليه وعليك السكينة والوقار ، حتى تدخل الحائر من جانبه الشرقي ، وقل حين تدخله:
------------------------------------------- ص 77 -------------------------------------------
السلام على ملائكة الله المقربين ، السلام على ملائكة الله المنزلين ، السلام على ملائكة الله المردفين ، السلام على ملائكة الله المسومين ، السلام على ملائكة الله الذين هم في هذا الحاير بإذن الله مقيمون ) . (كامل الزيارات/367).
وقيل للصادق عليه السلام : (ربما أتينا قبرالحسين عليه السلام فيصعب علينا الغسل للزيارة من البرد أو غيره ، فقال عليه السلام :من اغتسل في الفرات وزار الحسين عليه السلام كتب له من الفضل ما لايحصي ، فمتى ما رجع إلى الموضع الذي اغتسل فيه وتوضأ وزار الحسين عليه السلام كتب له ذلك الثواب ) . (كامل الزيارات/349).

منظمة العمرة والزيارة: مئة وأربعون ألف ملك يومياً !


قال الإمام الصادق عليه السلام : ( ما خلق الله خلقاً أكثر من الملائكة ، وإنه ينزل من السماء كل مساء سبعون ألف ملك يطوفون بالبيت الحرام ليلتهم ، حتى إذا طلع الفجر انصرفوا إلى قبر النبي صلي الله عليه وآله فيسلمون عليه، ثم يأتون قبر أمير المؤمنين عليه السلام فيسلمون عليه ، ثم يأتون قبر الحسين عليه السلام فيسلمون عليه ، ثم يعرجون إلى السماء قبل أن تطلع الشمس.ثم تنزل ملائكة النهار سبعون ألف ملك ، فيطوفون بالبيت الحرام نهارهم، حتى إذا غربت الشمس انصرفوا إلى قبر رسول الله صلي الله عليه وآله فيسلمون عليه، ثم يأتون قبرأميرالمؤمنين عليه السلام فيسلمون عليه، ثم يأتون قبر الحسين عليه السلام فيسلمون عليه ، ثم يعرجون إلى السماء قبل أن تغيب الشمس ). (كامل الزيارات/225).
وقال الإمام الرضا عليه السلام : (من زار قبر الحسين عليه السلام فقد حج واعتمر ، قال قلت: يطرح عنه حجة الإسلام ، قال: لا ، هي حجة الضعيف حتى يقوي ويحج إلى
------------------------------------------- ص 78 -------------------------------------------
بيت الله الحرام ، أما علمت أن البيت يطوف به كل يوم سبعون ألف ملك حتى إذا أدركهم الليل صعدوا ونزل غيرهم فطافوا بالبيت حتى الصباح ، وإن الحسين عليه السلام لأكرم علي الله من البيت .
وإنه في وقت كل صلاة لينزل عليه سبعون ألف ملك شعث غبر ، لا تقع عليهم النوبة إلى يوم القيامة ) (كامل الزيارات/298).

زار موسى عليه السلام قبر الحسين عليه السلام في أفواج من الملائكة


(عن الحسين بن بنت أبي حمزة الثمالي قال: خرجت في آخر زمان بني مروان الى زيارة قبرالحسين عليه السلام مستخفياً من أهل الشام حتى انتهيت الى كربلاء ، فاختفيت في ناحية القرية حتى إذا ذهب من الليل نصفه أقبلت نحو القبر، فلما دنوت منه أقبل نحوي رجل فقال لي: إنصرف مأجوراً فإنك لا تصل إليه فرجعت فزعاً حتى إذا كان يطلع الفجر أقبلت نحوه ، حتى إذا دنوت منه خرج اليَّ الرجل. فقال لي: يا هذا إنك لا تصل إليه ! فقلت له: عافاك الله ولم لا أصل إليه ، وقد أقبلت من الكوفة أريد زيارته فلا تحل بيني وبينه ، وأنا أخاف أن أصبح فيقتلوني أهل الشام إن أدركوني هاهنا ! قال فقال لي: إصبر قليلاً فإن موسى بن عمران عليه السلام سأل الله أن يأذن له في زيارة قبر الحسين بن علي عليه السلام فأذن له ، فهبط من السماء في سبعين ألف ملك فهم بحضرته من أول الليل ينتظرون طلوع الفجر ، ثم يعرجون الى السماء .
قال فقلت له: فمن أنت عافاك الله؟ قال: أنا من الملائكة الذين أمروا بحرس قبر الحسين عليه السلام والإستغفار لزواره ، فانصرفت وقد كاد أن يطير عقلي لما
------------------------------------------- ص 79 -------------------------------------------
سمعت منه ! قال: فأقبلت حتى إذا طلع الفجر أقبلت نحوه فلم يحل بيني وبينه أحد ، فدنوت من القبر وسلمت عليه ، ودعوت الله على قتلته ، وصليت الصبح ، وأقبلت مسرعاً مخافة أهل الشام) . (كامل الزيارات/221).

رأى إسحاق بن عمار وفداً من الملائكة في حرم الحسين عليه السلام


قال إسحاق بن عمار: (قلت لأبي عبد الله عليه السلام : جعلت فداك يا ابن رسول الله كنت في الحِير ليلة عرفة ، فرأيت نحواً من ثلاثة آلاف أو أربعة آلاف رجل جميلة وجوههم ، طيبة ريحهم ، شديد بياض ثيابهم ، يصلون الليل أجمع ، فلقد كنت أريد أن آتي قبرالحسين عليه السلام وأقبله وأدعو بدعواتي ، فما كنت أصل إليه من كثرة الخلق ، فلما طلع الفجر سجدت سجدة ، فرفعت رأسي فلم أر منهم أحداً! فقال لي أبو عبد الله عليه السلام : أتدري من هؤلاء ، قلت: لا، جعلت فداك ، فقال: أخبرني أبي ، عن أبيه ، قال: مرَّ بالحسين عليه السلام أربعة آلاف ملك وهو يُقتل فعرجوا إلى السماء ، فأوحي الله إليهم: يا معشر الملائكة مررتم با ابن حبيبي وصفيي محمدوهو يقتل ويضطهد مظلوماً فلم تنصروه ، فانزلوا إلى الأرض إلى قبره فأبكوه شعثاً غبراً إلى يوم القيامة ، فهم عنده إلى أن تقوم الساعة). (كامل الزيارات/225 ونحوه/226).
وفي كامل الزيارات/176:(عن عبد الملك بن مقرن ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا زرتم أبا عبد الله عليه السلام فالزموا الصمت إلا من خير ، وإن ملائكة الليل والنهار من الحفظة تحضرالملائكة الذين بالحائر فتصافحهم ، فلا يجيبونها من
------------------------------------------- ص 80 -------------------------------------------
شدة البكاء فينتظرونهم حتى تزول الشمس وحتى ينور الفجر ، ثم يكلمونهم ويسألونهم عن أشياء من أمر السماء ).

فضل زيارة قبر الحسين عليه السلام وتكريم الله لزواره


(عن عبد الله بن مسكان ، قال: شهدت أبا عبد الله عليه السلام وقد أتاه قوم من أهل خراسان فسألوه عن إتيان قبر الحسين عليه السلام وما فيه من الفضل. قال: حدثني أبي عن جدي أنه كان يقول: من زاره يريد به وجه الله أخرجه الله من ذنوبه كمولود ولدته أمه ، وشيعته الملائكة في مسيره ، فرفرفت على رأسه قد صفوا بأجنحتهم عليه حتى يرجع إلى أهله ، وسألت الملائكة المغفرة له من ربه وغشيته الرحمة من أعنان السماء ، ونادته الملائكة: طبت وطاب من زرت ، وحفظ في أهله ). (كامل الزيارات/289).
وقال الإمام الصادق عليه السلام للحسين بن ثوير: (يا حسين من خرج من منزله يريد زيارة قبر الحسين عليه السلام إن كان ماشياً كتب الله له بكل خطوة حسنة ومحى عنه سيئة ، حتى إذا صار في الحائر كتبه الله من المفلحين المنجحين، حتى إذا قضى مناسكه كتبه الله من الفائزين، حتى إذا أراد الإنصراف أتاه ملك فقال: إن رسول الله صلي الله عليه وآله يقرؤك السلام ويقول لك: إستأنف العمل فقد غفر لك ما مضى). (كامل الزيارات/253).
وقال الإمام الصادق عليه السلام : (إن لله ملائكة موكلين بقبر الحسين عليه السلام فإذا همَّ الرجل بزيارته أعطاهم الله ذنوبه ، فإذا خطى مَحَوْهَا ، ثم إذا خطى ضاعفوا حسناته ، فما تزال حسناته تضاعف حتى توجب له الجنة، ثم
------------------------------------------- ص 81 -------------------------------------------
اكتنفوه وقدسوه وينادون من ملائكة السماء: أن قدسوا زوار حبيب حبيب الله .
فإذا اغتسلوا ناداهم محمد صلي الله عليه وآله : يا وفد الله أبشروا بمرافقتي في الجنة ، ثم ناداهم أمير المؤمنين عليه السلام : أنا ضامن لقضاء حوائجكم ودفع البلاء عنكم في الدنيا والآخرة ، ثم اكتنفوهم عن أيمانهم وعن شمائلهم ، حتى ينصرفوا إلى أهاليهم). (كامل الزيارات/287).
وقال الإمام الصادق عليه السلام : (كأني والله بالملائكة قد ازدحموا مع المؤمنين على قبر الحسين عليه السلام ، قال قلت: فيتراءون؟ قال: هيهات هيهات ، قد لزموا والله المؤمنين حتى أنهم ليمسحون وجوههم بأيديهم . قال: وينزل الله على زوار الحسين عليه السلام غدوة وعشية من طعام الجنة وخدامهم الملائكة ، لايسأل الله عبد حاجة من حوائج الدنيا والآخرة الا أعطاها إياه . قال قلت: هذه والله الكرامة! قال لي: يا مفضل أزيدك ، قلت: نعم سيدي، قال:كأني بسرير من نور قد وضع وقد ضربت عليه قبة من ياقوتة حمراء مكللة بالجواهر، وكأني بالحسين عليه السلام جالس على ذلك السرير وحوله تسعون ألف قبة خضراء، وكأني بالمؤمنين يزورونه ويسلمون عليه ، فيقول الله عز وجل لهم: أوليائي سلوني ، فطالما أوذيتم وذُللتم واضطهدتم ، فهذا يوم لاتسألوني حاجة من حوائج الدنيا والآخرة إلا قضيتها لكم ، فيكون أكلهم وشربهم في الجنة ، فهذه والله الكرامة التي لاانقضاء لها ، ولا يدرك منتهاها). (كامل الزيارات/258).
وقال الإمام الصادق عليه السلام : (يا ابن بكيرإن الله اختار من بقاع الأرض ستة:
------------------------------------------- ص 82 -------------------------------------------
البيت الحرام ، والحرم ، ومقابر الأنبياء ، ومقابر الأوصياء ، ومقاتل الشهداء والمساجد التي يذكر فيها اسم الله .
يا ابن بكير، هل تدري ما لمن زار قبر أبي عبد الله الحسين عليه السلام إذ جهله الجاهل، ما من صباح إلا وعلى قبره هاتف من الملائكة ينادي: يا طالب الخير أقبل إلى خالصة الله ، تَرْحَلُ بالكرامة وتأمنُ الندامة . يسمعه أهل المشرق وأهل المغرب إلا الثقلين، ولا يبقى في الأرض ملك من الحفظة إلا عطف عليه عند رقاد العبد حتى يسبح الله عنده ، ويسأل الله الرضا عنه. ولايبقى ملك في الهوا يسمع الصوت إلا أجاب بالتقديس لله تعالى ، فتشتد أصوات الملائكة فيجيبهم أهل السماء الدنيا ، فتشتد أصوات الملائكة وأهل السماء الدنيا حتى تبلغ أهل السماء السابعة ، فيسمع أصواتهم النبيون فيترحمون ويصلون على الحسين عليه السلام ويدعون لمن زاره ).(كامل الزيارات/241).
عن محمد بن مسلم، عن الباقر عليه السلام قال:(لو يعلم الناس ما في زيارة الحسين من الفضل لماتوا شوقاً ، وتقطعت أنفسهم عليه حسرات! قلت: وما فيه ، قال: من أتاه تشوقاً كتب الله له ألف حجة متقبلة وألف عمرة مبرورة ، وأجر ألف شهيد من شهداء بدر ، وأجر ألف صائم ، وثواب ألف صدقة مقبولة ، وثواب ألف نسمة أريد بها وجه الله ، ولم يزل محفوظاً سنته من كل آفة أهونها الشيطان ، ووكل به ملك كريم يحفظه من بين يديه ومن خلفه ، وعن يمينه وعن شماله ، ومن فوق رأسه ومن تحت قدمه .
------------------------------------------- ص 83 -------------------------------------------
فإن مات سنته حضرته ملائكة الرحمة يحضرون غسله وأكفانه ، والإستغفار له، ويشيعونه إلى قبره بالإستغفار له ، ويفسح له في قبره مد بصره ، ويؤمنه الله من ضغطة القبر ، ومن منكر ونكير أن يروعانه ، ويفتح له باب إلى الجنة ، ويعطى كتابه بيمينه ، ويعطى له يوم القيامة نوراً يضئ لنوره ما بين المشرق والمغرب ، وينادي مناد: هذا من زوار الحسين شوقاً إليه ، فلايبقى أحد يوم القيامة إلا تمنى يومئذ أنه كان من زوار الحسين عليه السلام ). ) (كامل الزيارات/270).
وقال الإمام الباقر عليه السلام : (أربعة آلاف ملك شعث غبر يبكون الحسين عليه السلام إلى يوم القيامة ، فلا يأتيه أحد إلا استقبلوه ، ولا يرجع أحد من عنده إلا شيعوه ولايمرض أحد إلا عادوه، ولايموت أحد إلا شهدوه) (كامل الزيارات/350).
وقال الصادق عليه السلام :(إن الرجل إذا خرج من منزله يريد زيارة الحسين عليه السلام شيعه سبع مائة ملك من فوق رأسه ومن تحته ، وعن يمينه وعن شماله ، ومن بين يديه ومن خلفه ، حتى يبلغونه مأمنه .
فإذا زار الحسين عليه السلام ناداه مناد: قد غفرالله لك فاستأنف العمل . ثم يرجعون معه مشيعين له إلى منزله ، فإذا صاروا إلى منزله قالوا: نستودعك الله، فلا يزالون يزورونه إلى يوم مماته ، ثم يزورون قبر الحسين عليه السلام في كل يوم وثواب ذلك للرجل ).(كامل الزيارات/352).
وفي رواية: (فإن مات في عامه أو في ليلته أو يومه لم يل قبض روحه إلا الله ، وتقبل الملائكة معه ، ويستغفرون له ويصلون عليه حتى يوافي منزله ، وتقول الملائكة: يا رب هذا عبدك وقد وافى قبر ابن نبيك صلي الله عليه وآله وقد وافى منزله فأين
------------------------------------------- ص 84 -------------------------------------------
نذهب ، فيأتيهم النداء من السماء: يا ملائكتي قفوا بباب عبدي ، فسبحوا وقدسوا ، واكتبوا ذلك في حسناته إلى يوم يتوفى. قال: فلا يزالون ببابه إلى يوم يتوفى ، يسبحون الله ويقدسونه ويكتبون ذلك في حسناته ، فإذا توفى شهدوا كفنه وغسله والصلاة عليه ، ويقولون: ربنا وكلتنا بباب عبدك وقد توفي فأين نذهب ، فيناد بهم: يا ملائكتي قفوا بقبر عبدي فسبحوا وقدسوا واكتبوا ذلك في حسناته إلى يوم القيامة). (كامل الزيارات/376).
وقال ذريح المحاربي: (قلت لأبي عبد الله عليه السلام ما ألقى من قومي ومن بنيَّ، إذا أنا أخبرتهم بما في إتيان قبرالحسين عليه السلام من الخير! إنهم يكذبوني ويقولون: إنك تكذب على جعفر بن محمد ! قال: يا ذريح دع الناس يذهبون حيث شاؤوا ، والله إن الله ليباهي بزائر الحسين عليه السلام والوافد يفده الملائكةَ المقربين وحملة عرشه، حتى أنه ليقول لهم: أما ترون زوار قبر الحسين أتوه شوقاً إليه والى فاطمة بنت رسول الله صلي الله عليه وآله ،أما وعزتي وجلالي وعظمتي لأوجبن لهم كرامتي ولأدخلنهم جنتي التي أعددتها لأوليائي ولأنبيائي ورسلي .
يا ملائكتي هؤلاء زوار الحسين حبيب محمد رسولي ومحمد حبيبي، ومن أحبني أحب حبيبي، ومن أحب حبيبي أحب من يحبه ، ومن أبغض حبيبي أبغضني، ومن أبغضني كان حقاً علي أن أعذبه بأشد عذابي ، وأحرقه بحر ناري ، واجعل جهنم مسكنه ومأواه ، وأعذبه عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين). (كامل الزيارات/271).
(قال الحلبي: قلت جعلت فداك ما تقول فيمن ترك زيارته وهو يقدر على ذلك؟ قال الصادق عليه السلام :أقول إنه قد عقَّ رسول الله صلي الله عليه وآله وعقَّنا واستخفَّ بأمر
------------------------------------------- ص 85 -------------------------------------------
هو له ، ومن زاره كان الله له من وراء حوائجه ، وكُفِيَ ما أهمه من أمر دنياه ، وإنه ليجلب الرزق على العبد ويخلف عليه ما أنفق ، ويغفر له ذنوب خمسين سنة ، ويرجع إلى أهله وما عليه وزر ولاخطيئة إلا وقد محيت من صحيفته ، فإن هلك في سفره نزلت الملائكة فغسلته وفتحت له أبواب الجنة ، ويدخل عليه روحها حتى ينشر، وإن سلم فتح له الباب الذي ينزل منه الرزق ، ويجعل له بكل درهم أنفقه عشرة آلاف درهم وذخر ذلك له ، فإذا حشر قيل له: لك بكل درهم عشرة آلاف درهم ، وإن الله نظر لك وذَخِرَهَا لك عنده ).(كامل الزيارات/246).

تكريم من زار الحسين عليه السلام على خوف


(قال زرارة: قلت لأبي جعفر عليه السلام : ما تقول فيمن زار أباك على خوف؟ قال: يؤمنه الله يوم الفزع الأكبر وتلقاه الملائكة بالبشارة ، ويقال له لاتخف ولا تحزن، هذا يومك الذي فيه فوزك ) . (كامل الزيارات/242).
قال محمد بن مسلم الثقفي: (قال لي أبو جعفر محمد بن علي عليهما السلام : هل تأتي قبر الحسين عليه السلام ، قلت: نعم على خوف ووجل ، فقال: ما كان من هذا أشد فالثواب فيه على قدر الخوف ، ومن خاف في إتيانه آمن الله روعته يوم القيامة يوم يقوم الناس لرب العالمين ، وانصرف بالمغفرة ، وسلمت عليه الملائكة ، وزاره النبي صلي الله عليه وآله ودعا له ، وانقلب بنعمة من الله وفضل لم يمسسه سوء ، واتبع رضوان الله ). (كامل الزيارات/244).
------------------------------------------- ص 86 -------------------------------------------
قال ابن بكير: قلت لأبي عبد الله الصادق عليه السلام : (إني أنزل الأرَّجان (قرب شيراز) وقلبي ينازعني إلى قبر أبيك عليه السلام فإذا خرجت فقلبي وجل مشفق حتى أرجع خوفاً من السلطان والسعاة ، وأصحاب المسالح .
فقال الصادق عليه السلام :يا ابن بكير أما تحب أن يراك الله فينا خائفاً ، أما تعلم أنه من خاف لخوفنا أظله الله في ظل عرشه وكان محدثه الحسين تحت العرش، وآمنه الله من أفزاع يوم القيامة ، يفزع الناس ولا يفزع ، فإن فزع وقرته الملائكة وسكنت قلبه بالبشارة ) . (كامل الزيارات/242).

تكريم من مات أو قتل في طريق زيارة الحسين عليه السلام


جاء رجل الى الإمام الصادق عليه السلام فقال له:( يا ابن رسول الله هل يزار والدك ، قال: فقال: نعم ، ويصلى عنده ، ويصلى خلفه ولايتقدم عليه .
قال: فما لمن أتاه ، قال: الجنة إن كان يأتم به ، قال: فما لمن تركه رغبة عنه؟ قال: الحسرة يوم الحسرة ، قال: فما لمن أقام عنده ، قال: كل يوم بألف شهر ، قال: فما للمنفق في خروجه إليه والمنفق عنده ، قال: درهم بألف درهم . قال: فما لمن مات في سفره إليه ، قال: تشيعه الملائكة وتأتيه بالحنوط والكسوة من الجنة وتصلي عليه إذ كفن ، وتكفنه فوق أكفانه وتفرش له الريحان تحته ، وتدفع الأرض حتى تصور من بين يديه مسيرة ثلاثة أميال ، ومن خلفه مثل ذلك ، وعند رأسه مثل ذلك ، وعند رجليه مثل ذلك ، ويفتح له باب من الجنة إلى قبره ، ويدخل عليه روحها وريحانها حتى تقوم الساعة .
------------------------------------------- ص 87 -------------------------------------------
قلت: فما لمن صلى عنده؟ قال: من صلى عنده ركعتين لم يسأل الله تعالى شيئاً إلا أعطاه إياه ، قلت: فما لمن اغتسل من ماء الفرات ثم أتاه ، قال: إذا اغتسل من ماء الفرات وهو يريده تساقطت عنه خطاياه كيوم ولدته أمه ، قال قلت: فما لمن يجهز إليه ولم يخرج لعلة تصيبه؟ قال: يعطيه الله بكل درهم أنفقه مثل أحد من الحسنات ويخلف عليه أضعاف ما أنفقه ، ويصرف عنه من البلاء مما قد نزل ليصيبه ، ويدفع عنه ويحفظ في ماله .
قال قلت: فما لمن قتل عنده جارَ عليه سلطان فقتله ؟ قال: أول قطرة من دمه يغفر له بها كل خطيئة ، وتغسل طينته التي خلق منها الملائكة حتى تخلص كما خَلُصَت الأنبياء المخلصين ، ويذهب عنها ما كان خالطها من أجناس طين أهل الكفر ، ويغسل قلبه ويشرح صدره ويملأ إيماناً ، فيلقى الله وهو مخلص من كل ما تخالطه الأبدان والقلوب ، ويكتب له شفاعة في أهل بيته وألف من إخوانه ، وتولى الصلاة عليه الملائكة مع جبرئيل وملك الموت ، ويؤتى بكفنه وحنوطه من الجنة ، ويوسع قبره عليه ، ويوضع له مصابيح في قبره ، ويفتح له باب من الجنة ، وتأتيه الملائكة بالطُّرف من الجنة ، ويرفع بعد ثمانية عشر يوماً إلى حظيرة القدس ، فلا يزال فيها مع أولياء الله حتى تصيبه النفخة التي لاتبقي شيئاً ، فإذا كانت النفخة الثانية وخرج من قبره كان أول من يصافحه رسول الله صلي الله عليه وآله وأمير المؤمنين والأوصياء عليهم السلام ويبشرونه ويقولون له: إلزمنا ، ويقيمونه على الحوض فيشرب منه ، ويسقي من أحب .
قلت: فما لمن حبس في إتيانه ، قال: له بكل يوم يحبس ويغتم ، فرحةٌ إلى يوم القيامة ، فإن ضرب بعد الحبس في إتيانه كان له بكل ضربة حوراء ، وبكل
------------------------------------------- ص 88 -------------------------------------------
وجع يدخل على بدنه ألف ألف حسنة ، ويمحي بها عنه ألف ألف سيئة ، ويرفع له بها ألف ألف درجة ، ويكون من محدَّثي رسول الله صلي الله عليه وآله حتى يفرغ من الحساب فيصافحه حملة العرش ويقال له: سل ما أحببت .
ويؤتى بضاربه للحساب فلايُسأل عن شئ ولايحتسب بشئ ، ويؤخذ بضبعيه حتى ينتهى به إلى ملك يحبوه بشربة من الحميم وشربة من الغسلين ، ويوضع على مقال في النار ، فيقال له: ذق بما قدمت يداك فيما أتيت إلى هذا الذي ضربته وهو وفد الله ووفد رسوله ، ويأتي بالمضروب إلى باب جهنم ويقال له: أنظر إلى ضاربك والى ما قد لقي فهل شفيت صدرك ، وقد اقتص لك منه فيقول: الحمد لله الذي انتصر لي ، ولولد رسوله منه).(كامل الزيارات/239).

دعاء الإمام الصادق لزوار الحسين عليه السلام


روى في الكافي(4/582 و/228، وروضة المتقين: 5/368)بسند صحيح عن معاوية بن وهب قال: استأذنت على أبي عبد الله عليه السلام فقيل لي: أدخل فدخلت فوجدته في مصلاه في بيته فجلست حتى قضى صلاته فسمعته وهو يناجي ربه ويقول:
يا من خصنا بالكرامة وخصنا بالوصية ووعدنا الشفاعة ، وأعطانا علم ما مضى وما بقي، وجعل أفئدة من الناس تهوي إلينا ، اغفر لي ولإخواني ولزوار قبر أبي الحسين عليه السلام ، الذي أنفقوا أموالهم وأشخصوا أبدانهم ، رغبة في برنا ورجاء لما عندك في صلتنا ، وسروراً أدخلوه على نبيك صلواتك عليه وآله وإجابة منهم لأمرنا، وغيظاً أدخلوه على عدونا ، أرادوا بذلك رضاك ، فكافهم عنا بالرضوان واكلأهم بالليل والنهار، واخلف على أهاليهم وأولادهم الذي خلفوا بأحسن الخلف ، واصحبهم واكفهم شركل جبار عنيد ، وكل ضعيف
------------------------------------------- ص 89 -------------------------------------------
من خلقك أو شديد ، وشرشياطين الإنس والجن وأعطهم أفضل ما أملوا منك في غربتهم عن أوطانهم ، وما آثرونا به على أبنائهم وأهاليهم وقراباتهم .
اللهم إن أعداءنا عابوا عليهم خروجهم ، فلم ينههم ذلك عن الشخوص إلينا، خلافاً منهم على من خالفنا ، فارحم تلك الوجوه التي غيرتها الشمس، وارحم تلك الخدود التي تقلبت على حفرة أبي عبد الله عليه السلام وارحم تلك الأعين التي جرت دموعها رحمة لنا ، وارحم تلك القلوب التي جزعت واحترقت لنا، وارحم الصرخة التي كانت لنا .
اللهم إني أستودعك تلك الأنفس وتلك الأبدان ، حتى توافيهم عليَّ الحوض يوم العطش . فما زال وهو ساجد يدعو بهذا الدعاء .
فلما انصرف قلت: جعلت فداك: لو أن هذا الذي سمعت منك كان لمن لا يعرف الله لظننت أن النار لا تطعم منه شيئاً ، والله لقد تمنيت أني كنت زرته ولم أحج ! فقال لي: ما أقر بك منه؟ فما الذي يمنعك من إتيانه ، ثمَّ قال:
يا معاوية لمَ تدعُ ذلك؟ قلت:جعلت فداك لم أدر أن الأمر يبلغ هذا كله ! قال: يا معاوية من يدعو لزواره في السماء أكثر ممن يدعو لهم في الأرض .
وأضاف الصدوق: لا تدعه خوفاً من أحد ، فمن تركه لخوفٍ رأى من الحسرة ما يتمنى أن قبره كان عنده ، أما تحب أن يرى الله شخصك وسوادك فيمن يدعو له رسول الله ، أما تحب أن تكون غداً ممن يصافحه رسول الله صلي الله عليه وآله ).
أقول: هذا الدعاء غني عقائدياً ، وروحياً ، وسياسياً . وكل واحد من هذه الأبعاد له شرح وتفصيل مستقل . وهي تكشف جوانب من شخصية الإمام الصادق عليه السلام .

------------------------------------------- ص 90 -------------------------------------------

بكاء السماء والأرض على الحسين عليه السلام


قال الإمام الصادق عليه السلام : (إن السماء بكت على الحسين بن علي ويحيى بن زكريا ولم تبك على أحد غيرهما ، قلت: وما بكاؤهما ، قال: مكثوا أربعين يوماً تطلع الشمس بحمرة وتغرب بحمرة ، قلت: فذاك بكاؤهما ، قال: نعم ) .
(عن إبراهيم النخعي قال:خرج أميرالمؤمنين عليه السلام فجلس في المسجد واجتمع أصحابه حوله ، وجاء الحسين عليه السلام حتى قام بين يديه ، فوضع يده على رأسه فقال:يا بُني إن الله عير أقواماً بالقرآن فقال: فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ ، وأيم الله ليقتلُنَّك بعدي ، ثم تبكيك السماء والأرض! أما إن هذا سيقتل وتبكي عليه السماء والأرض )!
(قال الزهري: لما قتل الحسين عليه السلام أمطرت السماء دماً ..لم يبق في بيت المقدس حصاة إلا وجد تحتها دم عبيط) . (كامل الزيارات/180و181و188) .

دلالة تعزية النبي صلي الله عليه وآله ودعائه على قاتل الحسين عليه السلام


تدل تعزية الملائكة للنبي صلي الله عليه وآله على أن الله تعالى أخبرهم بأمرالحسين عليه السلام وخطته فيه وفي ولده عليهم السلام . وأذن لهم بتعزية النبي صلي الله عليه وآله به قبل شهادته .
وتدل على أن ظلامة العترة عليهم السلام وغدرالأمة بهم ووحشيتها معهم ، قضية كبيرة عند الله تعالى ، لكنه سمح بوقوعها بحكم قانون صراع الخير والشر الذي أقام الله عليه الحياة . قال تعالى: وَلَوْ شَاءَ الله مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ .
------------------------------------------- ص 91 -------------------------------------------
والذين من بعد النبي صلي الله عليه وآله صحابته والجيل الأول بعده ، فقد قضى الله عز وجل بأن أي أمة تختلف بعد رسولها يغلب أهل باطلها على أهل حقها !
وظلامة عترة النبي صلي الله عليه وآله أشد فصول النبوة غرابة وإيلاماً ، وقد روى الجميع متواتراً أن النبي صلي الله عليه وآله أخبر أمته بأنهم ستمتحن في أهل بيته من بعده !
ففي مصنف عبد الرزاق عن جرير قال: (قال لي رسول الله صلي الله عليه وآله : إستنصتِ الناس، ثم قال عند ذلك: لأُعَرِّفَنكم بعدي ما أرى ، ترجعون بعدي كفاراً ، يضرب بعضكم رقاب بعض ) !
وقال في فيض القدير(2/701): (إنكم ستبتلون في أهل بيتي من بعدي .
وهذا من معجزاته الخارقة لأنه إخبار عن غيب. وما حل بأهل البيت بعده من البلاء مشهور ، وفي الحقيقة البلاء والشقاء على من فعل بهم ما فعل)!
وجاء في آية أخرى بصيغة الإستفهام والإستنكار، قال تعالى: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِى الله الشَّاكِرِينَ .
ومن انقلابهم تقتيل عترته صلي الله عليه وآله الذين قرنهم بالقرآن ، وأمرهم بطاعتهم .

بكاء فاطمة الزهراء عليها السلام على الحسين عليه السلام


(قال أبو بصير: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام أحدثه ، فدخل عليه ابنه فقال له: مرحباً وضمه وقبله، وقال: حقر الله من حقركم وانتقم ممن وتركم ، وخذل الله من خذلكم ولعن الله من قتلكم، وكان الله لكم ولياً وحافظاً وناصراً ، فقد طال بكاء النساء وبكاء الأنبياء والصديقين والشهداء وملائكة السماء!
------------------------------------------- ص 92 -------------------------------------------
ثم بكى وقال: يا أبا بصير إذا نظرتُ إلى ولد الحسين أتاني ما لا أملكه بما أُتِيَ إلى أبيهم واليهم ! يا أبا بصير إن فاطمة عليها السلام لتبكيه وتشهق فتزفر جهنم زفرة لولا أن الخزنة يسمعون بكاءها ، وقد استعدوا لذلك مخافة أن يخرج منها عنق أو يشرد دخانها فيحرق أهل الأرض، فيكبحونها ما دامت باكية ويزجرونها، ويوثقون من أبوابها مخافة على أهل الأرض ، فلا تسكن حتى يسكن صوت فاطمة( عليها السلام ). وإن البحار تكاد أن تنفتق فيدخل بعضها على بعض ، وما منها قطرة إلا بها ملك موكل ، فإذا سمع الملك صوتها أطفأ نارها بأجنحته ، وحبس بعضها على بعض مخافة على الدنيا وما فيها ومن على الأرض، فلاتزال الملائكة مشفقين يبكونه لبكائها ، ويدعون الله ويتضرعون إليه ، ويتضرع أهل العرش ومن حوله ، وترتفع أصوات من الملائكة بالتقديس لله مخافة على أهل الأرض، ولو أن صوتاً من أصواتهم يصل إلى الأرض لصعق أهل الأرض، وتقطعت الجبال وزلزلت الأرض بأهلها !
قلت: جعلت فداك إن هذا الأمر عظيم ، قال: غيره أعظم منه ، ما لم تسمعه ثم قال لي: يا أبا بصيرأما تحب أن تكون فيمن يسعد فاطمة عليها السلام ؟ فبكيت حين قالها فما قدرت على المنطق ، وما قدرت على كلامي من البكاء !
ثم قام إلى المصلي يدعو ، فخرجت من عنده على تلك الحال ، فما انتفعت بطعام وما جاءني النوم ، وأصبحت صائماً وجلاً حتى أتيته ، فلما رأيته قد سكن سكنت ، وحمدت الله حيث لم تنزل بي عقوبة ). (كامل الزيارات/169) .
لعل المعنى: وحمدت الله أن لم تنزل بي عقوبة لتقصيري في حقهم عليهم السلام .
* *
------------------------------------------- ص 93 -------------------------------------------

الموضوع السابع: تربة الشفاء من قرب قبرالحسين عليه السلام


تربة الحسين عليه السلام والحجرالأسود: خصائص مشتركة:


1. تدل روايات أهل البيت عليهم السلام على أن قبر الحسين عليه السلام والتربة المحيطة به الى كيلومترات ، فيها بركة خاصة لكل من تبرك بها أو استشفى ، وأن الشياطين يحاولون الدخول اليها ليأخذوا بركتها باللمس أو الشم فتمنعهم الملائكة .
فإذا أخذها أحد وخرج بها من الحرم المحدد ، شم رائحتها هؤلاء وقصدوها فإذا وصلوا اليها ولمسوها أو شموها ذهبت بركتها اليهم !
قال محمد بن مسلم الثقفي(كامل الزيارات/462):(خرجت إلى المدينة وأنا وجع فقيل له: محمد بن مسلم وجع، فأرسل إلي أبو جعفر(الباقر) عليه السلام شراباً مع غلام مغطى بمنديل، فناولنيه الغلام وقال لي: إشربه فإنه قد أمرني أن لا أبرح حتى تشربه ، فتناولته فإذا رائحة المسك منه ، وإذا بشراب طيب الطعم بارد ، فلما شربته قال لي الغلام: يقول لك مولاي: إذا شربته فتعال !
ففكرت فيما قال لي وما أقدر على النهوض قبل ذلك على رجلي ، فلما استقر الشراب في جوفي فكأنما نشطت من عقال! فأتيت بابه فاستأذنت عليه فصوَّتَ بي: صحَّ الجسم أدخل، فدخلت عليه وأنا باكٍ فسلمت عليه وقبلت يده ورأسه فقال لي: وما يبكيك يا محمد ! قلت: جعلت فداك أبكي على اغترابي وبعد الشقة ، وقلة القدرة على المقام عندك أنظر إليك .
------------------------------------------- ص 94 -------------------------------------------
فقال لي: أما قلة القدرة فكذلك جعل الله أولياءنا وأهل مودتنا ، وجعل البلاء إليهم سريعاً . وأما ما ذكرت من الغربة فإن المؤمن في هذه الدنيا غريب وفي هذا الخلق المنكوس، حتى يخرج من هذه الدار إلى رحمة الله .
وأما ما ذكرت من بعد الشقة فلك بأبي عبد الله عليه السلام أسوة بأرض نائية عنا بالفرات . وأما ما ذكرت من حبك قربنا والنظر إلينا ، وأنك لا تقدر على ذلك، فالله يعلم ما في قلبك وجزاؤك عليه .
ثم قال لي: هل تأتي قبر الحسين عليه السلام ؟ قلت: نعم على خوف ووجل ، فقال: ما كان في هذا أشد فالثواب فيه على قدر الخوف ، ومن خاف في إتيانه آمَنَ الله روعته يوم يقوم الناس لرب العالمين، وانصرف بالمغفرة وسلمت عليه الملائكة ورآه النبي صلي الله عليه وآله وما صنع ودعا له، وانقلب بنعمة من الله وفضل لم يمسسه سوء ، واتبع رضوان الله .
ثم قال لي:كيف وجدت الشراب؟ فقلت:أشهد أنكم أهل بيت الرحمة وأنك وصي الأوصياء ، ولقد أتاني الغلام بما بعثته وما أقدر على أن أستقل على قدمي، ولقد كنت آيساً من نفسي ، فناولني الشراب فشربته ، فما وجدت مثل ريحه ولا أطيب من ذوقه ولا طعمه ولا أبرد منه ، فلما شربته قال لي الغلام: إنه أمرني أن أقول لك إذا شربته فأقبل إلي ، وقد علمت شدة ما بي فقلت: لأذهبن إليه ولو ذهبت نفسي. فأقبلت إليك فكأني نشطت من عقال فالحمد لله الذي جعلكم رحمة لشيعتكم .
------------------------------------------- ص 95 -------------------------------------------
فقال:يا محمد إن الشراب الذي شربته فيه من طين قبر الحسين عليه السلام وهو أفضل ما استشفى به فلا نعدل به ، فإنا نسقيه صبياننا ونساءنا فنرى فيه كل خير . فقلت له: جعلت فداك إنا لنأخذ منه ونستشفي به .
فقال: يأخذه الرجل فيخرجه من الحائر وقد أظهره ، فلا يمر بأحد من الجن به عاهة ولا دابة ولا شئ به آفة إلا شمه فتذهب بركته فيصير بركته لغيره ، وهذا الذي نتعالج به ليس هكذا ، ولولا ما ذكرت لك ما يمسح به شئ ولا شرب منه شي إلا أفاق من ساعته . وما هو إلا كالحجر الأسود أتاه أصحاب العاهات والكفر والجاهلية ، وكان لا يتمسح به أحد إلا أفاق ، وكان كأبيض ياقوتة ، فاسودَّ حتى صار إلى ما رأيت !
فقلت: جعلت فداك وكيف أصنع به؟ فقال: أنت تصنع به مع إظهارك إياه ما يصنع غيرك ، تستخف به فتطرحه في خرجك وفي أشياء دنسة ، فيذهب ما فيه مما تريده له ! فقلت: صدقت جعلت فداك ! قال: ليس يأخذه أحد إلا وهو جاهل بأخذه ، ولا يكاد يسلم بالناس .
فقلت: جعلت فداك وكيف لي أن آخذه كما تأخذه، فقال لي: أعطيك منه شيئاً، فقلت: نعم ، قال: إذا أخذته فكيف تصنع به؟ فقلت: أذهب به معي ، فقال: في أي شئ تجعله ، فقلت: في ثيابي . قال: فقد رجعت إلى ما كنت تصنع إشرب عندنا منه حاجتك ، ولاتحمله فإنه لايسلم لك ، فسقاني منه مرتين فما أعلم أني وجدت شيئاً مما كنت أجد حتى انصرفت) !
أقول: في نسخة الوسائل: وزاره النبي صلي الله عليه وآله بدل ورآه ، وحذف: وما صنع ، وجعلها بعضهم من زيادة النساخ ، وهو خطأ ، والصحيح ما أثبتناه .
------------------------------------------- ص 96 -------------------------------------------
كان الحجر الأسود جوهرةً بيضاء فاسودَّ من ذنوب الناس:
ورد أن الحجر الأسود ملَك ألقمه الله مواثيق الناس كلهم في عالم الذر ، ثم جعله درة بيضاء في الجنة . ثم جعله يمينه في الأرض ووضعه في ركن الكعبة ليزوره أبناء آدم ويتذكروا ميثاقهم وكان الناس يستشفون بلمسه وتقبيله حتى اسودَّ من ذنوبهم .
ويلفتنا هنا رواية بكير عن الإمام الصادق عليه السلام (الكافي:4/184) قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام :لأي علة وضع الله الحجر في الركن الذي هو فيه ، ولم يوضع في غيره، ولأي علة يُقَبَّل ، ولأي علة أُخرج من الجنة ؟ ولأي علة وضع ميثاق العباد والعهد فيه ولم يوضع في غيره ، وكيف السبب في ذلك؟ تخبرني جعلني الله فداك فإن تفكري فيه لعجب!
قال فقال: سألت وأعضلت في المسألة واستقصيت ، فافهم الجواب وفرغ قلبك وأصغِ سمعك أخبرْك إن شاء الله: إن الله تبارك وتعالى وضع الحجرالأسود وهي جوهرة أخرجت من الجنة إلى آدم عليه السلام فوضعت في ذلك الركن لعلة الميثاق ، وذلك أنه لما أخذ من بني آدم من ظهورهم ذريتهم حين أخذ الله عليهم الميثاق في ذلك المكان ، وفي ذلك المكان تراءى لهم، ومن ذلك المكان يهبط الطيرعلى القائم عليه السلام فأول من يبايعه ذلك الطائر وهو والله جبرئيل عليه السلام . وإلى ذلك المقام يسند القائم ظهره وهو الحجة والدليل على القائم وهو الشاهد لمن وافاه في ذلك المكان، والشاهد على من أدى إليه الميثاق والعهد الذي أخذ الله عز وجل على العباد .
------------------------------------------- ص 97 -------------------------------------------
وأما القبلة والإستلام فلعلة العهد تجديداً لذلك العهد والميثاق ، وتجديداً للبيعة ، ليؤدوا إليه العهد الذي أخذ الله عليهم في الميثاق ، فيأتوه في كل سنة ويؤدوا إليه ذلك العهد والأمانة اللذين أخذا عليهم ، ألا ترى أنك تقول: أمانتي أديتها ، وميثاقي تعاهدته ، لتشهد لي بالموافاة .
ووالله ما يؤدي ذلك أحد غير شيعتنا ، ولا حفظ ذلك العهد والميثاق أحد غير شيعتنا ، وإنهم ليأتوه فيعرفهم ويصدقهم ، ويأتيه غيرهم فينكرهم ويكذبهم ، وذلك أنه لم يحفظ ذلك غيركم ، فلكم والله يشهد وعليهم والله يشهد بالخفر والجحود والكفر،وهو الحجة البالغة من الله عليهم يوم القيامة ، يجيئ وله لسان ناطق وعينان في صورته الأولى يعرفه الخلق ولا ينكره ، يشهد لمن وافاه وجدد العهد والميثاق عنده ، بحفظ العهد والميثاق وأداء الأمانة ، ويشهد على كل من أنكر وجحد ونسي الميثاق بالكفر .
فأما علة ما أخرجه الله من الجنة فهل تدري ما كان الحجر؟ قلت: لا قال كان ملكاً من عظماء الملائكة عند الله ، فلما أخذ الله من الملائكة الميثاق كان أول من آمن به وأقر ذلك الملك ، فاتخذه الله أميناً على جميع خلقه ، فألقمه الميثاق وأودعه عنده ، واستعبد الخلق أن يجددوا عنده في كل سنة الإقرار بالميثاق والعهد الذي أخذ الله عز وجل عليهم ، ثم جعله الله مع آدم في الجنة يذكره الميثاق ، ويجدد عنده الإقرار في كل سنة .. الحديث).
------------------------------------------- ص 98 -------------------------------------------
وفي كمال الدين/298: (فإن اليهود يزعمون أنه الحجرالذي في بيت المقدس وكذبوا إنما هوالحجرالأسود هبط به آدم عليه السلام معه من الجنة فوضعه في الركن والناس يستلمونه ، وكان أشد بياضاً من الثلج فاسودَّ من خطايا بني آدم).
وفي الكافي(4/190): قال الإمام الصادق عليه السلام : (إن الله عز وجل لما أصاب آدم وزوجته الخطيئة أخرجهما من الجنة وأهبطهما إلى الأرض.. وأنزل الله الحجر الأسود وكان أشد بياضاً من اللبن وأضوأ من الشمس ، وإنما اسودَّ لأن المشركين تمسحوا به ، فمن نَجَس المشركين ).
فالحجر الأسود كان جوهرة فيها خصيصة الشفاء مثل تربة الحسين عليه السلام وكان كل من لمسه أو شمه شفي من دائه ، مؤمناً كان أو كافراً ، إنسياً ، أو جنياً.
لكن بركته تنقص بلمس الفجار وأنفاسهم ، وعلامة نقصها أن يتغير لون الحجر فيقلَّ بياضه ، حتى أخذ بالسواد ، ووصل الى ما هو عليه اليوم !
ولم يجعل الله للحجر الأسود حرساً من الملائكة يمنعون الأشرار من لمسه ، فنفدت البركة الخاصة منه ، وبقيت له بركات أخرى .
أما تربة الحسين عليه السلام فحرسها بملائكته من فسقة الجن ، فهم ينتظرون أن يأخذها أحد من محيطها فيمسوها ويأخذوا بركتها ، فيجب حفظها والقراءة عليها .

------------------------------------------- ص 99 -------------------------------------------

نقاط عن قداسة الحجر الأسود


1. الحجر الأسود مقدس في الإسلام:


قال الإمام الباقر عليه السلام كما في(الكافي:4/403):(إذا دخلت المسجد الحرام وحاذيت الحجر الأسود فقل: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله . آمنت بالله وكفرت بالطاغوت وباللات والعزى ، وبعبادة الشيطان وبعبادة كل ند يدعى من دون الله .
ثم ادْنُ من الحجر واستلمه بيمينك ثم تقول: بسم الله والله أكبر ، اللهم أمانتي أديتها ، وميثاقي تعاهدته ، لتشهد عندك لي بالموافاة ).
وفي علل الشرائع(2/424): قال الإمام الصادق عليه السلام : قال رسول الله صلي الله عليه وآله : (طوفوا بالبيت واستلموا الركن ، فإنه يمين الله في أرضه ، يصافح بها خلقه مصافحة العبد أو الدخيل ، ويشهد لمن استلمه بالموافاة ).
وفي رواية (الفقيه:2/531): (ثم استلم الحجر الأسود وقبله في كل شوط ، فإن لم تقدر عليه فافتح به واختم به ، فإن لم تقدر عليه فامسحه بيدك اليمنى وقبلها، فإن لم تقدر عليه عليه فأشر إليه بيدك وقبلها وقل: أمانتي أديتها، وميثاقي تعاهدته لتشهد لي بالموافاة. آمنت بالله وكفرت بالجبت والطاغوت).

2. تحدَّدَ حرم الكعبة والقبلة بشعاع الحجر:


قال في تهذيب الأحكام(2/44): (سأل المفضل أبا عبد الله عليه السلام عن التحريف لأصحابنا ذات اليسار عن القبلة وعن السبب فيه فقال: إن الحجر الأسود لما أنزل به من الجنة ووضع في موضعه جعل أنصاب الحرم من حيث يلحقه
------------------------------------------- ص 100 -------------------------------------------
النور نور الحجر، فهي عن يمين الكعبة أربعة أميال وعن يسارها ثمانية أميال كله اثنا عشر ميلاً ، فإذا انحرف الإنسان ذات اليمين خرج عن حد القبلة لقلة أنصاب الحرم ، وإذا انحرف ذات اليسار لم يكن خارجاً عن حد القبلة ).
ومعناه أن القبلة ليست عين الكعبة الشريفة بل الحرم ، قال تعالى: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ .
فالتياسر في العراق من القبلة الى القبلة ، كما قال المحقق الحلي رحمة الله عليه .

3. رجوع عمر الى قول علي عليه السلام في تقديس الحجر:


قال في شرح نهج البلاغة(12/100):(روى أبو سعيد الخدري قال: حججنا مع عمر أول حجة حجها في خلافته ، فلما دخل المسجد الحرام دنا من الحجر الأسود فقبله واستلمه وقال: إني لأعلم أنك حجر لاتضرولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله قبلك واستلمك ، لما قبلتك ولا استلمتك .
فقال له علي: بلى إنه ليضر وينفع ، ولو علمت تأويل ذلك من كتاب الله لعلمت أن الذي أقول لك كما أقول . قال الله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا ، فلما أشهدهم وأقروا له أنه الرب عز وجل وأنهم العبيد كتب ميثاقهم في رق ثم ألقمه هذا الحجر وإن له لعينين ولساناً وشفتين ، يشهد لمن وافاه بالموافاة ، فهو أمين الله عز وجل في هذا المكان! فقال عمر: لا أبقاني الله بأرض لست بها يا أبا الحسن ).


------------------------------------------- ص 101 -------------------------------------------

4. نصب النبي صلي الله عليه وآله الحجر في مكانه:


واصلت الأجيال تقديسها للحجرالأسود، وكانت قريش في الجاهلية تقدسه أيضاً. قال الإمام الصادق عليه السلام (الكافي:4/217): (إن قريشاً في الجاهلية هدموا البيت فلما أرادوا بناءه حيل بينهم وبينه وألقي في روعهم الرعب! حتى قال قائل منهم: ليأتي كل رجل منكم بأطيب ماله ولا تأتوا بمال اكتسبتموه من قطيعة رحم أو حرام ، ففعلوا فخُلِّيَ بينهم وبين بنائه ، فبنوه حتى انتهوا إلى موضع الحجر الأسود ، فتشاجروا فيه أيهم يضع الحجر الأسود في موضعه حتى كاد أن يكون بينهم شر، فحكَّموا أول من يدخل من باب المسجد فطلع رسول الله فقالوا: هذا الأمين قد جاء ! فحكموه فبسط رداءه ووضع الحجر فيه ثم قال: يأتي من كل رَبْعٍ من قريش رجل ، فكانوا عتبة بن ربيعة بن عبد شمس ، والأسود بن المطلب من بني أسد بن عبد العزى ، وأبو حذيفة بن المغيرة من بني مخزوم ، وقيس بن عدي من بني سهم ، فرفعوه ووضعه النبي صلي الله عليه وآله في موضعه فخصه الله به). وسنن البيهقي: 5/72 ، وفتح الباري: 3 /351 ، ومسند الطيالسي/ 18 ، والأوائل لابن أبي عاصم/44 ، والاستيعاب: 1/35 ، والتنبيه والإشراف للمسعودي/ 197 ، وتاريخ الذهبي: 1 / 66 ، والنهاية: 5 / 171 ، والشفا: 1 / 134 .
وذكر اليعقوبي(2/19) والمحبر/9 ، أن عمره صلي الله عليه وآله كان يومها خمساً وعشرين سنة) .
أقول: هذا تدبير من الله تعالى لأن الحجر لا يستقر في مكانه إلا بيد نبي أو وصي عليهم السلام .

5. الحجر الأسود في مسجد الكوفة:


قال الأصبغ بن نباتة (أمالي الصدوق/298): (بينا نحن ذات يوم حول أمير المؤمنين عليه السلام في مسجد الكوفة ، إذ قال:يا أهل الكوفة ، لقد حباكم الله عز
------------------------------------------- ص 102 -------------------------------------------
وجل بما لم يَحْبُ به أحداً ففضل مصلاكم ، وهو بيت آدم وبيت نوح ، وبيت إدريس، ومصلى إبراهيم الخليل ، ومصلى أخي الخضر عليهم السلام ومصلايَ .
وإن مسجدكم هذا أحد الأربعة مساجد التي اختارها الله عز وجل لأهلها ، وكأني به يوم القيامة في ثوبين أبيضين شبيه بالمحرم ، يشفع لأهله ولمن صلى فيه فلا ترد شفاعته ، ولا تذهب الأيام حتى ينصب الحجر الأسود فيه ! وليأتين عليه زمان يكون مصلى المهدي من ولدي ، ومصلى كل مؤمن ، ولا يبقى على الأرض مؤمن إلا كان به أو حنَّ قلبه إليه ، فلا تهجروه ، وتقربوا إلى الله عز وجل بالصلاة فيه ، فلو يعلم الناس ما فيه من البركة لأتوه من أقطار الأرض، ولو حبواً على الثلج ) !
وقال في شرح النهج(13/14): (ومن عجيب ما وقفت عليه من ذلك قوله عليه السلام في الخطبة التي يذكر فيها الملاحم وهو يشير إلى القرامطة: ينتحلون لنا الحب والهوى ، ويضمرون لنا البغض والقلى ، وآية ذلك قتلهم وراثنا ، وهجرهم أحداثنا. وصح ما أخبر به لأن القرامطة قتلت من آل أبي طالب خلقاً كثيراً..
وفى هذه الخطبة قال وهو يشير إلى السارية التي كان يستند إليها في مسجد الكوفة: كأني بالحجر الأسود منصوباً هاهنا. ويحهم إن فضيلته ليست في نفسه ، بل في موضعه وأسه، يمكث هاهنا برهة ثم هاهنا برهة وأشار إلى البحرين،ثم يعود إلى مأواه وأم مثواه . ووقع الأمر في الحجر الأسود بموجب ما أخبر به عليه السلام ).
أقول: غزا القرامطة مكة وقتلوا الحجاج في المسجد الحرام ، ونهبوا الحجر الأسود ونصبوه في الأحساء ، وبقي عندهم اثنتان وعشرون سنة ، ثم اشترته منهم الخلافة
------------------------------------------- ص 103 -------------------------------------------
وردوه في موكب الى مكة ، فنزلوا بالكوفة ونصبوه ليلتهم على السارية السابعة كما أخبر أمير المؤمنين عليه السلام قبلَ ثلاث مئة سنة !

6. قصيدة الفرزدق عند الحجر الأسود:


قال المفيد في الإختصاص/191:( حدثنا عبيد الله بن محمد بن عائشة قال: حدثني أبي أن هشام بن عبد الملك حج في خلافة عبد الملك والوليد ، فطاف بالبيت وأراد أن يستلم الحجر فلم يقدر عليه من الزحام ، فنصب له منبر فجلس عليه ، وأطاف به أهل الشام فبينا هوكذلك إذ أقبل علي بن الحسين وعليه إزار ورداء من أحسن الناس وجهاً وأطيبهم رائحة ، بين عينيه سجادة كأنها ركبة عنز ، فجعل يطوف بالبيت فإذا بلغ إلى موضع الحجر تنحى الناس حتى يستلمه هيبة له وإجلالاً ! فغاظ هشاماً فقال رجل من أهل الشام لهشام: مَن هذا الذي قد هابه الناس هذه الهيبة ، وأفرجوا له عن الحجر؟
فقال هشام: لا أعرفه ! لئلا يرغب فيه أهل الشام ، فقال الفرزدق وكان حاضراً: لكني أعرفه ، فقال الشامي: من هو يا أبا فراس؟ فقال:
هذا الذي تعرف البطحاء وطأتَه
والبيت يعرفه والحل والحرمُ
هذا ابن خير عباد الله كلهمُ
هذا التقيُّ النقي الطاهر العلم
هذا علٌّي رسول الله والده
أمسى بنور هداه تهتدي الظلم
إذا رأته قريش قال قائلها
إلى مكارم هذا ينتهي الكرم
ينمى إلى ذروة العز التي قصرت
عن نيلها عرب الإسلام والعجم
يكاد يمسكه عرفانُ راحته
ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم
يغضي حياء ويُغضى من مهابته
فما يُكلم إلا حين يبتسم
ينشق نور الدجى عن نور غرته
كالشمس تنجاب عن إشراقها الظلم
------------------------------------------- ص 104 -------------------------------------------
بكفه خيزرانٌ ريحه عبق
من كف أروع في عرنينه شمم
مشتقة من رسول الله نبعته
طابت عناصره والخِيمُ والشيم
حمال أثقال أقوام إذا فدحوا
حُلْوُ الشمائل تحلو عنده نَعم
هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله
بجده أنبياء الله قد ختموا
هذا ابن فاطمةَ الغراء نسبته
في جنة الخلد يجري باسمه القلم
الله فضله قدماً وشرفه
جرى بذاك له في لوحه القلم
مَنْ جَدُّهُ دان فضل الأنبياء له
وفضل أمته دانت لها الأمم
عم البرية بالإحسان فانقشعت
عنها الغيابة والإملاق والظلم
كلتا يديه غياث عم نفعهما
تستوكفان ولا يعروهما عدم
سهل الخليقة لا تُخشى بوادره
يزينه اثنان الخلق والكرم
لا يخلف الوعد ميمون نقيبته
رحب الفناء أريب حين يعترم
من معشر حبهم دين وبغضهمُ
كفر وقربهم منجى ومعتصم
يستدفع السوء والبلوى بحبهمُ
ويستزاد به الإحسان والنعم
مقدم بعد ذكر الله ذكرهمُ
في كل بدء ومختوم به الكلم
إن عُدَّ أهل التقى كانوا أئمتهم
أو قيل من خير أهل الأرض قيل همُ
لا يستطيع جوادٌ بُعد غايتهم
ولا يدانيهمُ قوم وإن كرموا
هم الغيوث إذا ما أزمة أزَمَت
والأسْد أسْد الشرى والنار تحتدم
يأبى لهم أن يحل الذم ساحتهم
خِيمٌ كريم وأيْدٌ بالندى هضم
لا ينقص العسر شيئاً من أكفهمُ
سيان ذلك إن أثْرَوْا وإن عدموا
أي الخلائق ليست في رقابهمُ
لأولية هذا أو له نعم
من يعرف الله يعرف أولية ذا
والدين من بيت هذا ناله الأمم
------------------------------------------- ص 105 -------------------------------------------
قال: فذهب هشام وأمر بحبس الفرزدق ، فحبس بعسفان بين مكة والمدينة ، فبلغ ذلك علي بن الحسين ، فبعث إليه باثنتي عشرة ألف درهم وقال: أعذرنا يا أبا فراس لو كان عندنا أكثر من هذا لوصلناك به ، فردها وقال: يا ابن رسول الله ما قلت إلا غضباً لله ولرسوله صلي الله عليه وآله وما كنت لأرزأ عليه شيئاً ! فردها إليه وقال له: بحقي عليك لما قبلتها فقد أنار الله مكانك وعلم نيتك فقبلها ، فجعل الفرزدق يهجو هشاماً وهو في الحبس فكان مما هجاه به قوله:
أيحبسني بين المدينة والتي
إليها قلوب الناس يهوي مُنيبها
يقلب رأساً لم يكن رأس سيدٍ
وعيناً له حولاء باد عيوبها ).

7. نطق الحجر الأسود بإمامة علي بن الحسين عليه السلام :


قال الإمام الباقر عليه السلام (بصائر الدرجات/225): (لما قتل الحسين عليه السلام أرسل محمد بن الحنفية إلى علي بن الحسين عليه السلام فخلا به ثم قال له: يا ابن أخي قد علمت أن رسول الله صلي الله عليه وآله كان قد جعل الوصية والإمامة من بعده إلى علي بن أبي طالب ثم إلى الحسن ثم إلى الحسين عليهم السلام ، وقد قتل أبوك ولم يوص ، وأنا عمك وصنو أبيك وولادتي من علي، وأنا في سني وقديمي أحق بها منك في حداثتك ، فلا تنازعني الوصية والإمامة ولا تجانبني .
فقال له علي بن الحسين عليه السلام : يا عم إتق الله ولا تدَّعِ ما ليس لك بحق ، إني أعظك أن تكون من الجاهلين . يا عم إن أبي صلوات الله عليه أوصى إليَّ قبل أن يتوجه إلى العراق ، وعهد إليَّ في ذلك قبل أن يستشهد بساعة. وهذا سلاح رسول الله صلي الله عليه وآله عندي ، فلا تتعرض لهذا فإني أخاف عليك نقص العمر وتشتت الحال ! تعال حتى نتحاكم إلى الحجر الأسود ونسأله عن ذلك!
------------------------------------------- ص 106 -------------------------------------------
قال أبو جعفر عليه السلام وكان الكلام بينهما بمكة فانطلقا حتى إذا أتيا الحجر فقال علي عليه السلام لمحمد: إبدأ وابتهل إلى الله وسله أن يَنطق لك . فسأله محمد وابتهل في الدعاء وسأل الله ثم دعا الحجر فلم يجبه .
فقال له علي بن الحسين عليه السلام : أما إنك يا عم لو كنت وصياً وإماماً لأجابك .
فقال له محمد: فادع أنت يا ابن أخي وسله ! فدعا الله علي بن الحسين عليه السلام بما أراد ثم قال: أسألك بالذي جعل فيك ميثاق الأنبياء والأوصياء عليهم السلام وميثاق الناس أجمعين ، لما أخبرتنا من الوصي والإمام بعد الحسين بن علي عليه السلام !
فتحرك الحجر حتى كاد أن يزول عن موضعه ، ثم أنطقه الله بلسان عربي مبين فقال: اللهم إن الوصية والإمامة بعد الحسين بن علي عليه السلام إلى علي بن الحسين بن علي بن فاطمة بنت رسول الله صلوات الله عليهم!
فانصرف محمد بن الحنفية وهو يتولى علي بن الحسين عليه السلام ) .

8. طلب الحجاج من علي بن الحسين عليه السلام أن ينصب الحجر:


هدم الحجاج الكعبة في حربه مع ابن الزبير، ثم شرع في بنائها سنة أربع وسبعين ، ففرق ترابها على الناس(الكافي:4/222): (فلما صاروا إلى بنائها فأرادوا أن يبنوها خرجت عليهم حيَّةٌ فمنعت الناس البناء حتى هربوا ، فأتوا الحجاج فأخبروه فخاف أن يكون قد مُنع بناءها ، فصعد المنبر ثم نشد الناس وقال: أنشد الله عبداً عنده مما ابتلينا به علم لما أخبرنا به ، قال: فقام إليه شيخ فقال: إن يكن عند أحد علم فعند رجل رأيته جاء إلى الكعبة فأخذ مقدارها ثم مضى!
------------------------------------------- ص 107 -------------------------------------------
فقال الحجاج: من هو؟ قال: علي بن الحسين! فقال: معدن ذلك ! فبعث إلى علي بن الحسين عليه السلام فأتاه فأخبره ما كان من منع الله إياه البناء ، فقال له علي بن الحسين: يا حجاج عمدت إلى بناء إبراهيم وإسماعيل فألقيته في الطريق وانتهبته، كأنك ترى أنه تراث لك ! إصعد المنبر وأنشد الناس أن لا يبقى أحد منهم أخذ منه شيئاً إلا رده . قال: ففعل فأنشد الناس أن لايبقى منهم أحد عنده شئ إلا رده ، قال: فردوه . فلما رأى أنه جُمِع التراب ، أتى علي بن الحسين فوضع الأساس وأمرهم أن يحفروا . قال: فتغيبت عنهم الحية وحفروا حتى انتهوا إلى موضع القواعد ، قال لهم علي بن الحسين: تنحوا فتنحوا فدنى منها فغطاها بثوبه ثم بكى ، ثم غطاها بالتراب بيد نفسه ثم دعا الفعلة فقال: ضعوا بناءكم فوضعوا البناء فلما ارتفعت حيطانها أمر بالتراب ، فقلب فألقى في جوفها ، فلذلك صار البيت مرتفعاً يصعد إليه بالدرج ) .
وفي من لايحضره الفقيه(2/247) أن الحجاج لما فرغ من بناء الكعبة سأل علي بن الحسين أن يضع الحجر في موضعه ، فأخذه ووضعه في موضعه ).
وفي الخرائج (1/268): (فلما أعيد البيت وأرادوا أن ينصبوا الحجر الأسود فكلما نصبه عالم من علمائهم أو قاض من قضاتهم أو زاهد من زهادهم يتزلزل ويقع ويضطرب ولايستقر في مكانه . فجاءه علي بن الحسين عليه السلام وأخذه من أيديهم وسمى الله ثم نصبه ، فاستقر في مكانه ، وكبَّر الناس )!
------------------------------------------- ص 108 -------------------------------------------

9. ونصب الإمام المهدي عليه السلام الحجر في مكانه:


فقد اشتهرت قصة صاحب كتاب كامل الزيارات جعفر بن محمد بن قولويه أستاذ الشيخ المفيد قدس سره. قال في مقدمة كتابه: (لما وصلت بغداد في سنة تسع وثلاثين وثلاث مائة للحج ، وهي السنة التي رد القرامطة فيها الحجر إلى مكانه من البيت ، كان أكبر همي الظفر بمن ينصب الحجر ، لأنه يمضي في أثناء الكتب قصة أخذه وأنه ينصبه في مكانه الحجة في الزمان ، كما في زمان الحجاج وضعه زين العابدين عليه السلام في مكانه فاتسق .
فاعتللت علة صعبة خفت منها على نفسي ولم يتهيأ لي ما قصدت له ، فاستنبت المعروف بابن هشام وأعطيته رقعة مختومة ، أسأل فيها عن مدة عمري ، وهل تكون المنية في هذه العلة أم لا ، وقلت: همي إيصال هذه الرقعة إلى واضع الحجر في مكانه وأخذ جوابه ، وأنا أندبك لهذا .
قال فقال المعروف بابن هشام: لما حصلت بمكة وعزموا على إعادة الحجر بذلت لسدنة البيت جملة تمكنت معها من الكون بحيث أرى واضع الحجر في مكانه ، وأقمت معي منهم من يمنع عني ازدحام الناس ، فكلما عمد إنسان لوضعه اضطرب ولم يستقم ، فأقبل غلام أسمر اللون حسن الوجه ، فتناوله ووضعه في مكانه فاستقام كأنه لم يَزُل عنه ، وعلت لذلك الأصوات ، وانصرف خارجاً من الباب ، فنهضت من مكاني أتبعه وأدفع الناس عني يميناً وشمالاً ، حتى ظُن بي الإختلاط في العقل والناس يُفرجون لي ، وعيني لا تفارقه حتى انقطع عن الناس ، فكنت أسرع السير خلفه وهو يمشي على تؤده ولا أدركه ! فلما حصل بحيث لا أحد يراه غيري ، وقف والتفت إلي فقال: هات ما معك،
------------------------------------------- ص 109 -------------------------------------------
فناولته الرقعة ، فقال من غير أن ينظر فيها: قل له: لا خوف عليك في هذه العلة، ويكون ما لا بد منه بعد ثلاثين سنة .
قال: فوقع على الزَّمَع (الذهول) حتى لم أطق حراكاً ، وتركني وانصرف .
قال أبو القاسم: فأعلمني بهذه الجملة ، فلما كان سنة تسع وستين اعتلَّ أبو القاسم فأخذ ينظر في أمره وتحصيل جهازه إلى قبره ، وكتب وصيته واستعمل الجد في ذلك ، فقيل له: ما هذا الخوف ونرجو أن يتفضل الله تعالى بالسلامة فما عليك مخوفة ، فقال: هذه السنة التي خُوِّفت فيها ، فمات من علته) !
* *

10 - بركة الحجرالتكوينية نفدت وتربة الحسين عليه السلام لا تنفد


حرس الله تربة حرم الحسين عليه السلام المحيطة بقبره الشريف بالملائكة ، وحسب فتوى فقهائنا المتأخرين أن حرم القبر الشريف خمس وعشرون ذراعاً من كل جهة أو سبعون ذراعاً ، وفي تربته البركة والشفاء والأمن ، وهوكما قال الإمام الباقر عليه السلام : (ما يمسح به شي ولا شرب منه شي إلا أفاق من ساعته). لكن المشكلة أن الرجل يأخذه: (فيخرجه من الحائر وقد أظهره ، فلايمر بأحد من الجن به عاهة، ولا دابة ولا شئ به آفة إلا شمه ، فتذهب بركته فتصير بركته لغيره ) .
قال له أبو حمزة الثمالي للإمام الصادق عليه السلام :(جعلت فداك إني رأيت أصحابنا يأخذون من طين الحائر يستشفون به هل في ذلك شئ مما يقولون من الشفاء؟ قال: يستشفى بما بينه وبين القبرعلى رأس أربعة أميال، وكذلك قبر جدي رسول الله صلي الله عليه وآله ، وكذلك طين قبر الحسن وعلي ومحمد عليهم السلام ، فخذ منها فإنها
------------------------------------------- ص 110 -------------------------------------------
شفاء من كل سقم وجنة مما تخاف ، ولايَعْدلها شئ من الأشياء التي يستشفى بها إلا الدعاء ، وإنما يفسدها ما يخالطها من أوعيتها، وقلة اليقين لمن يعالج بها فأما من أيقن أنها له شفاء إذا يعالج بها كفته بإذن الله من غيرها مما يعالج به ، ويفسدها الشياطين والجن من أهل الكفر منهم يتمسحون بها، وما تمر بشئ إلا شمها، وأما الشياطين وكفار الجن فإنهم يحسدون بني آدم عليها ، فيتمسحون بها ليذهب عامة طيبها، ولايخرج الطين من الحائر إلا وقد استعد له ما لايحصى منهم ، وإنه لفي يد صاحبها وهم يتمسحون بها. ولا يقدرون مع الملائكة أن يدخلوا الحائر. ولوكان من التربة شئ يسلم ما عولج به أحد إلا برأ من ساعته! فإذا أخذتها فاكتمها وأكثر عليها من ذكر الله تعالى، وقد بلغني أن بعض من يأخذ من التربة شيئاً يستخف به ، حتى أن بعضهم ليطرحها في مخلاة الإبل والبغل والحمار ، وفي وعاء الطعام ، وما يمسح به الأيدي من الطعام ، والخُرج والجوالق ! فكيف يستشفى به من هذا حاله عنده ، ولكن القلب الذي ليس فيه يقين من المستخف بما فيه صلاحه ، يفسد عليه عمله). (كامل الزيارات:470).
أقول: قد يكون الملائكة الذين يحرسون محيط قبر الحسين عليه السلام ويدفعون عنه فسقة الشياطين والجن ، من الأربعة آلاف المقيمين عند قبره ، وقد يكونون من غيرهم. لكنهم لايحرسونها إذا خرج بها الناس من ذلك المحيط ، ولذلك تصل الينا أحياناً سالمةً محفوظة البركة ، أو منزوعة البركة ، أو قليلة البركة .
------------------------------------------- ص 111 -------------------------------------------
كما أن قوله عليه السلام :(يستشفى بما بينه وبين القبرعلى رأس أربعة أميال ، وكذلك قبر جدي رسول الله صلي الله عليه وآله ، وكذلك طين قبر الحسن وعلي ومحمد عليهم السلام ، فخذ منها فإنها شفاء من كل سقم وجنة مما تخاف).
لا بد أن يقصد به التبرك بتراب قبر النبي صلي الله عليه وآله والحسن السبط وزين العابدين والباقر عليهم السلام وليس أكله ، لأن الأئمة نهوا عن الإستشفاء بالأكل بتراب قبر غير الحسين عليه السلام ، فيكون قوله: فخذ منها ، أي خذ من تربة الحسين عليه السلام موضوع حديثه وتناوله ، أما غيره فخذه للتبرك .
* *

مسائل في التربة الشريفة


1. شروط الإستشفاء بالتربة الشريفة:


الأول: أن تكتمها ، أي تلفها وتغلفها جيداً وأنت داخل الحرم المحدد .
الثاني: أن لاتكشفها خارجه إلا وأنت تذكر الله تعالى حتى لاتسرق بركتها .
الثالث: أن يكون عندك يقين بها ، ولا يغلبك الشيطان فتوسوس وتشك.
وروى الكليني في الصحيح ، عن ابن أبي يعفور قال قلت لأبي عبد الله عليه السلام : يأخذ الإنسان من طين قبرالحسين عليه السلام فينتفع به ويأخذ غيره فلا ينتفع به؟ فقال: لا والله الذي لا إله إلا هوما يأخذه أحد وهو يرى أن الله ينفعه به إلا نفعه به).
الرابع: قراءة سورة القدر قبل تناولها ، وقراءة الدعاء الخاص عند تناولها. ويصح أن تقرأ الدعاء بعد تناولها، قال الشيخ الطوسي في مصباح المتهجد/733: (واجرع من الماء جرعة خلفه وقل: اللهم اجعله رزقاً واسعاً ، وعلماً نافعاً ،
------------------------------------------- ص 112 -------------------------------------------
وشفاء من كل داء وسقم . فإن الله تعالى يدفع عنك بها كل ما تجد من السقم والهم والغم ، إن شاء الله تعالى ).
فأحسن طريقة لأخذها: أن تتناول التربة قرب القبر الشريف ، لأنك تطمئن أن بركتها ما زالت فيها ، أما إذا خرجت من نطاق الحرم ، فيخشى أن تسرق بركتها.
قال في مسالك الإفهام (2/196):( وأفضلها ما أخذ بالدعاء المرسوم ، وختمها تحت القبة المقدسة بقراءة سورة القدر ).
وهو يقصد قراءة سورة القدر تحت القبة حين يأخذها ، ولم يقل يتناولها هناك .

2. تحديد حرم القبر الشريف والحائر:


قال في مسالك الإفهام (2/196): (وقد استثنى الأصحاب من ذلك تربة الحسين عليه السلام وهي تراب ما جاور قبره الشريف عرفاً ، أو ما حوله إلى سبعين ذراعاً). فقد جعل مكان أخذها الى سبعين ذراعاً من كل جهة أي نحو35 متراً.
وروى صاحب الجواهر (36/358) عن الإمام الصادق عليه السلام : (أكل الطين حرام على بني آدم مثل الميتة والدم ولحم الخنزير ، إلا طين الحائر ، فإن فيه شفاء من كل داء وأمناً من كل خوف . وفي رواية: من أكله من وجع شفاه الله ).
وقد سمي الحائرلأن المتوكل لمَّا منع الناس عن زيارة قبرالحسين عليه السلام أرسل فرقة بقيادة اليهودي الديزج لهدم القبرالشريف ، فهدموه وأجروْا عليه فرعاً من نهر الفرات ، ولما وصل الماء إلى القبر حارَ حوله وشكَّل دائرة ، فسمي بالحائر الحسيني! ويبلغ قطره نحو ألفي متر .
------------------------------------------- ص 113 -------------------------------------------
قال المفيد في الإرشاد (2/127):(فهؤلاء سبعة عشر نفساً من بني هاشم رضوان الله عليهم أجمعين: إخوة الحسين وبنو أخيه وبنو عميه جعفر وعقيل، وهم كلهم مدفونون مما يلي رجلي الحسين عليه السلام في مشهده حفر لهم حفيرة وألقوا فيها جميعاً ، وسوي عليهم التراب ، إلا العباس بن علي رضوان الله عليه فإنه دفن في موضع مقتله على المسناة بطريق الغاضرية وقبره ظاهر، وليس لقبور إخوته وأهله الذين سقيناهم أثر، وإنما يزورهم الزائر من عند قبرالحسين عليه السلام ويومئ إلى الأرض التي نحو رجليه بالسلام وعلي بن الحسين في جملتهم ويقال إنه أقربهم دفناً إلى الحسين عليه السلام . فأما أصحاب الحسين الذين قتلوا معه فإنهم دفنوا حوله ، ولسنا نحصل لهم أجداثاً على التحقيق والتفصيل ، إلا أنا لا نشك أن الحائر محيط بهم رضي الله عنهم وأرضاهم ، وأسكنهم جنات النعيم ). فاستثنى قبر العباس عليه السلام من الحائر ، لأنه خارجه .
والسؤال: هل يصح أخذ تربة الشفاء من أي مكان داخل الحائر ، أم يجب أن تكون من تراب القبرالشريف نفسه ، أو من قربه ؟
نلاحظ أن فقهاءنا عملوا بالإحتياط فضيقوا الدائرة لأن الأصل حرمة أكل التراب والطين ، إلا اليسير الذي تعلم أنه من طين قبر الحسين عليه السلام ، والقدر المتيقن منه ما كان من القبر أو قريباً منه ، ليصدق عليه عرفاً أنه طين القبر ، أما غيره فيبقى على الحرمة . وقد أفتوا بذلك رغم وجود روايات عبرت بطين الحائر، ورواية جعلته الى فرسخ من كل جهة ، والفرسخ خمسة كيلو متر ونصف تقريباً .
------------------------------------------- ص 114 -------------------------------------------
ووسعته رواية جعلت الدائرة أربعة أميال: ( يستشفى بما بينه وبين القبر على رأس أربعة أميال). (كامل الزيارات/470) .
ووسعته رواية الى عشرة أميال: (التربة من قبر الحسين بن علي عليه السلام عشرة أميال). رواها الصدوق في الفقيه، وقواها المجلسي في روضة المتقين (5/370) والفرسخ ثلاثة أميال فيكون الشعاع من القبر أكثرمن ثمانية عشر كيلو متر اً ، وكله في تربته الشفاء . لكنهم مع ذلك احتاطوا لأن الأصل الحرمة إلا القدر المتيقن .
وقال الشهيد الثاني في شرح اللمعة (7/327): (والمراد بطين القبرالشريف تربة ما جاوره من الأرض عرفاً ).وقد أفتى السيد السيستاني بأنها فرسخ من كل جهة فقال في استفتاءاته/115 في جواب: ما هي التربة المقصودة بتربة الحسين عليه السلام التي بها الشفاء قال: (تربة القبر وحواليه إلى ما يقارب خمسة آلاف وأحد عشر متراً من كل جانب ).
وهي فتوى قوية الحجة ، لصحة الرواية بأنه فرسخ ، وفي بعضها أكثر من فرسخ .
قال الإمام الصادق عليه السلام (كامل الزيارات/472): (حريم قبر الحسين عليه السلام فرسخ في فرسخ في فرسخ في فرسخ ). أي نحو خمسة كيلو متر من كل جانب .

3. التربة الموضوعة على القبركالتربة الأصلية:


قال السيد السيستاني في استفتاءاته/13:(لافرق في التربة الحسينية بين المأخوذة من القبرالشريف أو من الخارج إذا وضعت عليه بقصد التبرك والإستشفاء. وكذا السبحة والتربة المأخوذة بقصد التبرك لأجل الصلاة).
------------------------------------------- ص 115 -------------------------------------------
وقال في رياض المسائل(2/290): (وأما ما جاوز السبعين إلى أربعة فراسخ، أو غيرها مما وردت به الرواية فمشكل، إلا أن يأخذ منه ويوضع على القبر أو الضريح ، فيقوى احتمال جوازه حينئذ ، نظراً إلى أن الإقتصار على المتيقن أو ما قاربه يوجب عدم بقاء شئ من أرض تلك البقعة المباركة ، لكثرة ما يؤخذ منها في جميع الأزمنة، وستؤخذ إن شاء الله تعالى إلى يوم القيامة ، وظواهر النصوص بقاء تربته الشريفة بلا شبهة ، وبما ذكرنا صرح جماعة كالفاضل المقداد في التنقيح وشيخنا في الروضة فقال: المراد بطين القبر الشريف تربة ما جاوره من الأرض عرفاً ، وروي إلى أربعة فراسخ وروي ثمانية ، وكلما قرب منه كان أفضل ، وليس كذلك التربة المحترمة منها فإنها مشروطة بأخذها من الضريح المقدس، أو خارجه كما مر مع وضعها عليه ).
وقال صاحب الرياض في شرح المختصر النافع(3/109):( والمراد بطين القبر الشريف ما أخذ منه أو مما جاوره عرفاً ، ويحتمل إلى سبعين ذراعاً ، وأما ما جاوز السبعين فمشكل ، إلا أن يؤخذ منه ويوضع على القبر الشريف أو الضريح ، فيقوى احتمال جوازه ).
وقال الشيخ الخراساني في مدارك العروة (2/222): (ولا فرق بين المأخوذة من القبر الشريف وغيره إذا وضع على القبر بقصد التبرك والإستشفاء ).
ومعناه أنه إذا وضع التراب داخل شباك الضريح لمدة ولو قليلة صار تربة الشفاء .
------------------------------------------- ص 116 -------------------------------------------

4. كيفية تناول التربة الشريفة:


يصح تناول تربة الشفاء الشريفة بابتلاعها جافة ، وهي بقدرالحمصة ، ويصح تذويبها في الماء ونحوه وشربها .
في مصباح المتهجد/735:(روي أن رجلاً سأل الصادق عليه السلام فقال: إني سمعتك تقول إن تربة الحسين عليه السلام من الأدوية المفردة ، وإنها لا تمر بداء إلا هضمته ، فقال: قد كان ذلك أو قد قلت ذلك فما بالك؟ فقال: إني تناولتها فما انتفعت بها ! قال: أما إن لها دعاء فمن تناولها ولم يدع به واستعملها لم يكد ينتفع بها ، قال فقال له: ما يقول إذا تناولها ؟ قال: تُقَبِّلُهَا قبل كل شئ وتضعها على عينيك، ولا تناول منها أكثر من حمصة ، فإن من تناول منها أكثر فكأنما أكل من لحومنا ودمائنا ! فإذا تناولت فقل: اللهم إني أسألك بحق الملك الذي قبضها ، وبحق الملك الذي خَزَنها ، وأسألك بحق الوصي الذي حلَّ فيها ، أن تصلي على محمد وآل محمد، وأن تجعله شفاء من كل داء ، وأماناً من كل خوف وحفظاً من كل سوء . فإذا قلت ذلك فاستدرها في شئ واقرأ عليها: إنا أنزلناه في ليلة القدر ، فإن الدعاء الذي تقدم لأخذها هوالإستيذان عليها وقراءة إنا أنزلناه في ليلة القدر، خَتْمُها ).
وفي كامل الزيارات/469: (عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا تناول أحدكم من طين قبر الحسين عليه السلام فليقل: اللهم إني أسألك بحق الملك الذي تناوله ، والرسول الذي بَوَّأه ، والوصي الذي ضُمِّنَ فيه ، أن تجعله شفاء من داء كذا وكذا ، وتسمي ذلك الداء ) .
------------------------------------------- ص 117 -------------------------------------------
وروى الكليني(4/589): (وروي إذا أخذته فقل: بسم الله اللهم بحق هذه التربة الطاهرة ، وبحق البقعة الطيبة ، وبحق الوصي الذي تواريه ، وبحق جده وأبيه ، وأمه وأخيه ، والملائكة الذين يحفون به والملائكة العكوف على قبر وليك ينتظرون نصره صلى الله عليهم أجمعين ، إجعل لي فيه شفاء من كل داء ، وأماناً من كل خوف ، وعزاً من كل ذل ، وأوسع به علي في رزقي ، وأصح به جسمي ) .
والنتيجة: ُقَبِّلَ التربة وضعها على عينك وشمها واقرأ الدعاء، ثم حلها بالماء واقرأ سورة القدر، ثم اشربها ، ويصح الدعاء بعد شربها ، وتصح القدر قبل الدعاء .

5. حديث بليغ:


قال محمد بن جعفر المشهدي في كتاب المزار/364: (عن جابر بن يزيد الجعفي قال: دخلت على مولانا أبي جعفر محمد بن علي الباقر عليه السلام فشكوت إليه علتين متضادتين بي ، إذا داويت أحدهما انتقضت الأخرى ، وكان بي وجع الظهر ووجع الجوف ، فقال لي: عليك بتربة الحسين بن علي عليه السلام ، فقلت: كثيراً ما استعملتها ولاتنجح فيَّ . قال جابر: فتبينت في وجه سيدي ومولاي الغضب فقلت: يامولاي أعوذ بالله من سخطك ، وقام فدخل الدار وهو مغضب ، فأتى بوزن حبة في كفه فناولني إياها ، ثم قال لي: إستعمل هذه يا جابر ، فاستعملتها فعوفيت لوقتي! فقلت:يامولاي ما هذه التي استعملتها فعوفيت لوقتي؟ فقال: هذه التي ذكرت أنها لم تنجح فيك شيئاً، فقلت:والله يا مولاي ما كذبت فيها ،ولكن قلت لعل عندك علماً فأتعلمه منك فيكون أحب إلي مما طلعت عليه الشمس ، فقال لي: إذا أردت أن تأخذ من التربة ، فتعمد لها آخر
------------------------------------------- ص 118 -------------------------------------------
الليل، واغتسل لها بماء القراح والبس أطهر أطمارك ، وتطيب بسعد ، وادخل فقف عند الرأس ، فصل أربع ركعات ، تقرأ في الأولى الحمد وإحدى عشرة مرة: قُلْ يَا أيُّهَا الكَافِرُون، وفي الثانية الحمد مرة وإحدى عشرة مرة: إنَّا أَنْزَلْنَاهُ في لَيْلة القَدْر ، وتقنت فتقول في قنوتك:لا إله إلا الله حقاً حقاً، لا إله إلا الله عبودية ورقاً ، لا إله إلا الله وحده وحده ، أنجز وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده ، سبحان الله مالك السماوات، وما فيهن وما بينهن ، سبحان الله ذي العرش العظيم ، والحمد لله رب العالمين .
ثم تركع وتسجد وتصلي ركعتين أخراوين ، تقرأ في الأولى الحمد وإحدى عشر مرة: قُلْ هُوَ اللهُ أحَد . وفي الثانية الحمد وإحدى عشرة مرة: إذَا جَاء نَصْرُ الله والفَتْح، وتقنت كما قَنَتَّ في الأولَيين ، ثم تسجد سجدة الشكر وتقول ألف مرة: شكراً ، ثم تقوم وتتعلق بالتربة وتقول: يا مولاي يا ابن رسول الله إني آخذٌ من تربتك بإذنك ، اللهم فاجعلها شفاء من كل داء ، وعزاً من كل ذل ، وأمناً من كل خوف ، وغنىً من كل فقر، لي ولجميع المؤمنين والمؤمنات. وتأخذ بثلاث أصابع ثلاث مرات ، وتدعها في خرقة نظيفة أو قارورة زجاج وتختمها بخاتم عقيق عليه: ما شاء الله ، لاقوة إلا بالله ، أستغفر الله .
فإذا علم الله منك صدق النية ، لم يصعد معك في الثلاث قبضات إلا سبعة مثاقيل ، وترفعها لكل علة ، فإنها تكون مثل ما رأيت ) .
أقول: جابر الجعفي من كبار أصحاب الإمام الباقر عليه السلام وهو من كبار الفقهاء . ومدار كلام الإمام عليه السلام معه على حالة المستفيد من التربة الشريفة ، وأنه ينبغي أن يكون
------------------------------------------- ص 119 -------------------------------------------
موقناً منقطعاً الى الله تعالى . وقد يكون الإمام عليه السلام رأى منه تهاوناً ، فأراه تأثيرها من يده الشريفة ، ثم شدد عليه في الإستعداد لاستعمالها .
ومعنى تختم القارورة بخاتم عقيق أي تسدها بخاتم مكتوب عليه ذلك ، أو بسدادة فيها الخاتم . ويكفي بدله أن يضعها في خرقة طاهرة نظيفة ويربطها .

6.تشددَ فقهنا في تحريم أكل الطين:


قال الشهيد الثاني في شرح اللمعة (7 /326): (يحرم الطين بجميع أصنافه ، فعن النبي صلي الله عليه وآله : من أكل الطين فمات فقد أعان على نفسه ، وقال الكاظم عليه السلام : أكل الطين حرام مثل الميتة والدم ولحم الخنزير إلا طين قبر الحسين عليه السلام ، فإن فيه شفاء من كل داء ، وأمناً من كل خوف ) .
وعقد في الكافي (6/265) والمحاسن(2/565) باباً لأحاديث تحريم أكل الطين .
وقال في جواهر الكلام (36/357): (قال الصادق عليه السلام في مرسل الواسطي: الطين حرام أكله كلحم الخنزير، ومن أكله ثم مات منه لم أصل عليه! إلا طين القبر فإن فيه شفاء من كل داء ، ومن أكله بشهوة لم يكن فيه شفاء .
وقال سعد بن سعد: سألت أبا الحسن عليه السلام عن الطين فقال: أكل الطين حرام مثل الميتة والدم ولحم الخنزير إلا طين الحائر ، فإن فيه شفاء من كل داء وأمناً من كل خوف . وفي خبر سماعة بن مهران عن أبي عبد الله عليه السلام :أكل الطين حرام على بني آدم ما خلا طين قبر الحسين عليه السلام من أكله من وجع شفاه الله .
وعلى كل حال فلا يحل شئ منه أي الطين عدا الطين من تربة الحسين عليه السلام فإنه يجوز الإستشفاء به بلا خلاف ، بل الإجماع بقسميه عليه ، بل النصوص فيه متواترة ، وفيها المشتمل على القَسم وغيره من المؤكدات .
------------------------------------------- ص 120 -------------------------------------------
نعم لايتجاوز قدر الحمصة بلا خلاف أجده فيه ، بل يمكن تحصيل الإجماع عليه اقتصاراً على المتيقن في مخالفة معلوم الحرمة .
وقول الصادق عليه السلام في حسن سدير: ولا تتناول منها أكثر من حمصة ، فإن تناول منها أكثر من ذلك فكأنما أكل من لحومنا ودمائنا !
وفي الخبر عن أحدهما عليهما السلام :إن الله تعالى خلق آدم من الطين فحرم الطين على ولده ، قال قلت: فما تقول في طين قبرالحسين بن علي عليهما السلام ؟ قال: يحرم على الناس أكل لحومهم ويحل لهم أكل لحومنا؟! ولكن اليسير من مثل الحمصة ).
وقال السيد السيستاني في منهاج الصالحين (3/301 ): (يحرم أكل الطين وهو التراب المختلط بالماء حال بلته ، وكذا المدر وهو الطين اليابس، ويلحق بهما التراب والرمل على الأحوط وجوباً ، نعم لابأس بما تختلط به حبوب الحنطة والشعير ونحوهما من التراب والمدر مثلاً ويستهلك في دقيقهما عند الطحن ، وكذا ما يكون على وجه الفواكه ونحوها من التراب والغبار ، إذا كان قليلاً بحيث لايعد أكلاً للتراب ، وكذا الماء المتوحل أي الممتزج بالطين الباقي على إطلاقه ، نعم لو أحست الذائقة الأجزاء الطينية حين الشرب ، فالأحوط الأولى الإجتناب عن شربه حتى يصفو ) .

7.قال فقهاء السنة لم يرد حديث في تحريم أكل التراب:


قال ابن قدامة في المغني (11/88): (قال أحمد: أكره أكل الطين ولايصح فيه حديث إلا أنه يضر بالبدن ، ويقال إنه ردئ وتركه خير من أكله ، وإنما كرهه
------------------------------------------- ص 121 -------------------------------------------
أحمد لأجل مضرته فإن كان منه ما يتداوى به كالطين الأرمني فلايكره ، وإن كان مما لا مضرة فيه ولا نفع كالشئ اليسير جاز أكله ، لأن الأصل الإباحة).
وقال النووي في المجموع( 11/238 ): (سمعت الشيخ الحافظ البيهقي بنيسابور يقول لم يصح نص عن رسول الله صلي الله عليه وآله في تحريم قليله ، وهذا هو الصحيح).
وقال في الجوهر النقي (10/12): (ثم ذكر البيهقي الحديث من وجه آخر ولفظه: من أكل الطين فكأنما أعان على قتل نفسه . قال البيهقي: هذا لو صح لم يدل على التحريم ، وإنما يدل على كراهية الإكثار منه .
قلت: بل هو دال على التحريم لأن الإعانة على قتل النفس محرمة فكذا هذا ، ولهذا قطع صاحب المهذب وغيره بتحريم أكل التراب ).

8. العلاقة بين تراب كربلاء وأبدان الأئمة عليهم السلام ؟


في مصباح المتهجد/733:(عن الصادق عليه السلام : من أكل من طين قبر الحسين عليه السلام غير مستشف به فكأنما أكل من لحومنا ! فإذا احتاج أحدكم إلى الأكل منه ليستشفي به فليقل: بسم الله وبالله . اللهم ربَّ هذه التربة المباركة الطاهرة وربَّ النور الذي أنزل فيه ، وربَّ الجسد الذي سكن فيه ، وربَّ الملائكة الموكلين به ، إجعله لي شفاء من داء كذا وكذا ، واجرع من الماء جرعة خلفه وقل: اللهم اجعله رزقاً واسعاً وعلماً نافعاً وشفاءً من كل داء وسقم ، فإن الله تعالى يدفع عنك بها كل ما تجد من السقم والهم والغم ، إن شاء الله ).
والسؤال: لماذا من أكل منه فكأنما أكل من لحوم الأئمة عليهم السلام ؟
------------------------------------------- ص 122 -------------------------------------------
والجواب الأول: روى في هداية الأمة (8/79):(قال الصادق عليه السلام :من أكل من طين الكوفة فقد أكل من لحوم الناس لأن الكوفة كانت أجمة ثم كانت مقبرة ما حولها).
ومعناه أن أجيالاً من زمن آدم ونوح وإبراهيم عليهم السلام دفنت فيها ، فصار ترابها مخلوطاً بتراب أجسادهم ، فمن أكله فهو يأكل معه تراب أجساد الناس ، أي لحومهم !
ويصدق عليه قول أبي العلاء المعري:
خفف الوطأ ما أظن أديم الأ
رض إلا من هذه الأجسادِ
لكن جسد الحسين عليه السلام لا يتحلل ، هذا إذا لم يكن رُفع من كربلاء،فلا بد من القول إن وقوع دمه الشريف على تربة كربلاء يجعل ترابها بمثابة بدنه ولحمه !
والجواب الثاني: أن قبضة التراب التي أخذها جبرئيل عليه السلام من الأرض لخلق آدم عليه السلام ، كانت متنوعة من سهل الأرض وحزنها ، من أماكن مختلفة منها ، وفي رواية سبع قبضات وفي رواية عشر . فقد يكون أخذ قبضة من تراب كربلاء وخلق منها طينة خير خلقة محمد وعترته صلي الله عليه وآله ، فيكون تراب كربلاء أصل طينتهم ، والأكل منه بمثابة الأكل من لحومهم ، وقد سمحوا بأكل قدر حبة الحمص المتوسطة ، وجعله الله شفاء لمن تداوى به .
قال أمير المؤمنين عليه السلام (نهج البلاغة:1/20) في صفة خلق آدم عليه السلام : ( ثم جمع سبحانه من حزن الأرض وسهلها ، وعذبها وسبخها ، تربة سنها بالماء حتى خلصت، ولاطها بالبلة حتى لزبت، فجبل منها صورة ذات أحناء ووصول ، وأعضاء وفصول أجمدها حتى استمسكت ، وأصلدها حتى صلصلت ، لوقت معدود وأمد معلوم ، ثم نفخ فيها من روحه فمثلت إنساناً ذا أذهان يجيلها ، وفكر يتصرف بها ، وجوارح يختدمها ، وأدوات يقلبها، ومعرفة يفرق بها بين الحق
------------------------------------------- ص 123 -------------------------------------------
والباطل والأذواق والمشام والألوان والأجناس . معجوناً بطينة الألوان المختلفة ، والأشباه المؤتلفة . والأضداد المتعادية والأخلاط المتباينة ، من الحر والبرد والبلة والجمود ).
والجواب الأصح:أن معلوماتنا عن الروح والجسد وتراب الأرض الذي خلق منه المعصوم، والذي خلقنا منه نحن قليلة وقد ورد أن طينة النبي صلي الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام غير طينة بقية الناس .
وبسبب شحة معلوماتنا فلابد أن نقبل نص المعصوم وإن عجزنا عن تفسيره.

9. السجود على التربة العادية وألواح التربة الحسينية:


روى الشيخ الطوسي في التهذيب (2/311) بسند صحيح عن إسحاق بن الفضل أنه سأل الصادق عليه السلام عن السجود على الحصر والبواري، فقال: ( لا بأس وأن تسجد على الأرض أحب إليَّ ، فإن رسول الله صلي الله عليه وآله كان يحب ذلك أن يمكن جبهته من الأرض ، فأنا أحب لك ما كان رسول الله صلي الله عليه وآله يحبه ).
وقال الشيخ زين الدين في كلمة التقوى(1/448):(أفضل ما يسجد عليه المكلف هو التربة الحسينية، وإن السجود على الأرض أفضل من السجود على النبات ولعل السجود على تراب الأرض أفضل من السجود على الحجر) .
وقال صاحب الجواهر(8/437): (وأفضل الأرض تربة سيد الشهداء عليه السلام قطعاً وسيرة ، ولذا كان الصادق عليه السلام لايسجد إلا عليها تذللاً لله واستكانةً ).
وقال صاحب الحدائق (7/260): (وأفضل أفراد الأرض في السجود التربة الحسينية ، على مشرفها أفضل الصلاة والسلام والتحية ... وروى الطبرسي في
------------------------------------------- ص 124 -------------------------------------------
كتاب الإحتجاج عن محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري ، عن صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه ، أنه كتب إليه يسأله عن السجدة على لوح من طين القبر هل فيه فضل؟ فأجاب عليه السلام : يجوز ذلك ، وفيه الفضل).
أقول: هذا يدل على أن الشيعة اتخذوا ألواح التربة للسجود من القرن الثالث .
وقال الشيخ في مصباح المتهجد/734: (روى معاوية بن عمار قال: كان لأبي عبد الله الصادق عليه السلام خريطة ديباج صفراء ، فيها تربة أبي عبد الله عليه السلام ، فكان إذا حضرته الصلاة صبَّه على سجادته وسجد عليه ، ثم قال عليه السلام : السجود على تربة أبي عبد الله عليه السلام يخرق الحجب السبع ) .
وقال الصدوق في الفقيه(1/268): (قال الصادق عليه السلام : السجود على طين قبر الحسين عليه السلام ينور إلى الأرض السابعة ) .
ومعنى يخرق الحجب السبع: أنه عملٌ يعبر نوره الحجب ويصعد الى الله تعالى ويُقبل . ومعنى الأرض السابعة هنا: السماء السابعة ، فيصل نور سجوده اليها ويُقبل . وقد تكون الأرض السابعة مركز صعود الأعمال كما قال تعالى: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ .
وأختم بقصة حدثت معي في القاهرة سنة 1976ميلادية ، حيث كنت أصلي في مسجد الحسين عليه السلام فاخترت أن أسجد على الرخام بين السجادتين، أما رفيقي فوضع التربة الشريفة وسجد عليها ، فجاءه أشخاص يسألونه عن هذا الحجر الذي يسجد عليه ، هل يعبده ؟! قال لهم: كلا إني أسجد عليه لله تعالى ، لأنه أرض طاهرة ، والسجود عندنا يجب أن يكون على الأرض وما أنبتت إلا
------------------------------------------- ص 125 -------------------------------------------
المأكول والملبوس والمفروش. وانضم اليهم أشخاص وأخذوا يناقشونه لأنهم سمعوا أن الشيعة يعبدون الحسين والتربة ، وكنت أسمع نقاشهم من بعيد ، فجاء شخص محترم كأنه أستاذ جامعي، ووقف عليهم وسألهم: فيم تتناقشون؟ فقالوا له: هذا الحاج الكويتي يسجد على حجر! فقال له: ماهذا الحجر ياحاج؟ قال له: هذا لوح تراب من تربة الحسين عليه السلام أسجد عليه . فقال لهم متعجباً: الله! أنتم تناقشون في هذا.. تعالوا معي ، تعالوا معي ، ومشوا خلفه ومشيت معهم حتى وصل الى باب ضريح رأس الحسين عليه السلام قرب منبر المسجد ، فأشار الى الكتابة فوق الباب وقال: إقرؤوا ، فإذا بالكتابة: قال رسول الله صلي الله عليه وآله : خص ولدي الحسين بثلاث: الأئمة من ذريته ، والشفاء في تربته ، والدعاء مستجاب تحت قبته .
فقال: الله ! أنتم تتناقشون في السجود على تربة الحسين! هذه شفا..أعطني إياها ياحاج ، فأعطاه إياهما ، ونظر المناقشون مبهوتين وفيهم شيخ أزهري فقالوا له: هل عندك منها ياحاج ؟ قال: كلا . فقالوا للذي أخذها: أعطنا منها قطعة ، فقسمها قسمين أو ثلاثة ، وأعطاهم !
وهذا يدل على أن المسلم يدرك بعقيدته بالحسين عليه السلام قدر تربته الشريفة .

10. اتخاذ السبحة من طين قبر الحسين عليه السلام :


روى المحقق الكركي في رسائله(2/99):(عن محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري قال: كتبت إلى الفقيه (الإمام المهدي عليه السلام )أسأله هل يجوز أن يُسبح الرجل بطين القبر، وهل فيه فضل؟ فأجاب وقرأت التوقيع ومنه نسخت:
------------------------------------------- ص 126 -------------------------------------------
فسبح به ، فما من شئ من التسبيح أفضل منه ، ومن فضله أن المسبح ينسى التسبيح ويدير السبحة ، فيكتب له ذلك التسبيح ).
وقال محمد بن جعفر المشهدي في كتاب المزار/367:(عن الصادق جعفر بن محمد عليه السلام قال: إن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليهما كانت سبحتها من خيط صوف مفتل، معقود عليه عدد التكبيرات ، وكانت عليها السلام تديرها بيدها ، تكبر وتسبح ، حتى قتل حمزة بن عبد المطلب عليه السلام فاستعملت تربته وعملت التسابيح فاستعملها الناس ، فلما قتل الحسين صلوات الله عليه وجدد على قاتله العذاب ، عُدل بالأمر إليه ، فاستعملوا تربته لما فيها من الفضل والمزية.
وسئل: هل يجوز أن يدبر السبحة بيده اليسرى أو لايجوز؟ فأجاب عليه السلام : يجوز ذلك والحمد الله )..
وارتضاه فقهاؤنا كصاحب الحدائق الناضرة (8/525) وقال: (وفي كتاب الحسن بن محبوب أن أبا عبد الله عليه السلام سئل عن استعمال التربتين من طين قبر حمزة والحسين عليه السلام والتفاضل بينهما فقال عليه السلام :السبحة من طين قبر الحسين عليه السلام تسبح بيد الرجل من غير أن يسبح ).
وقال الحر في هداية الأمة (3/188): (استحباب اتخاذ سبحة من طين قبر الحسين عليه السلام : كانت فاطمة عليها السلام سبحتها من خيط صوف مفتل...
وقال الصادق عليه السلام : من أدار سبحة من تربة الحسين عليه السلام مرة واحدة بالإستغفار أو غيره ، كتب الله له سبعين مرة ، وأن السجود عليها يخرق الحجب السبع.
------------------------------------------- ص 127 -------------------------------------------
وقال أبو الحسن موسى عليه السلام : لا يخلو المؤمن من خمسة: سواك ، ومشط ، وسجادة ، وسبحة فيها أربع وثلاثون حبة ، وخاتم عقيق .
وسئل صاحب الزمان عليه السلام هل يجوز أن يسبح الرجل بطين القبر وهل فيه فضل؟ فأجاب كما تقدم. وقال عليه السلام : إذا شككت في تسبيح فاطمة عليها السلام فأعده (أي أعد المشكوك). قال الصادق عليه السلام :من سبقت أصابعه لسانه حسب له).
وقال صاحب الجواهر (10/404): ( ولا يترك تسبيح فاطمة عليها السلام خاصة ، وهو أربع وثلاثون تكبيرة ، وثلاث وثلاثون تحميدة ، وثلاث وثلاثون تسبيحة ، يبدأ بالتكبير ثم بالتحميد ثم بالتسبيح . وفي أصحابنا من قدم التسبيح على التحميد ، وكل ذلك جائز.. ثم ذكر السبحة وقال: ومنه يعلم أن التسبيح بطين قبر حمزة ، أو بسبحة من خيط معقود ، أفضل من التسبيح بالأصابع.
وروي أن من أدار تربة الحسين عليه السلام في يده وقال: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر مع كل حبة كتب له ستة آلاف حسنة ، ومحيَ عنه ستة آلاف سيئة ، ورفع له ستة آلاف درجة ، وأثبت له من الشفاعات مثلها . وعن الدروس وروضة الواعظين ورسالة السجود على التربة المشوية للشيخ علي: يستحب حمل سبحة من طينه عليه السلام ثلاث وثلاثين حبة ، فمن قلبها ذاكراً لله فله بكل حبة أربعون حسنة ، وإن قلبها ساهياً فعشرون .
وفي المحكي عن مصباح الشيخ عن الصادق عليه السلام أن من أدار الحجر من تربة الحسين عليه السلام فاستغفر به مرة واحدة كتب له سبعين مرة ، وإن أمسك السبحة بيده ولم يسبح بها ، ففي كل حبة منها سبع مرات . ولعل لفظ الحجر يفهم منه إرادة ما يشمل المشوي من لفظ الطين وغيره كما هو المتعارف الآن بين العوام
------------------------------------------- ص 128 -------------------------------------------
والعلماء ، وربما كان قوله عليه السلام : من طين القبر ظاهراً فبما يشمله مع قطع النظر عن الخبر المزبور ، ضرورة صدقه في المتخذ من الطين وإن خرج عن الإسم ، إذ ليس المدار على بقاء صدق الطينية ونحوها ، مضافاً إلى الإستصحاب ، وعدم كونه استحالة على الأصح .
هذا ، ولو شك في شئ من التسبيح تلافى المشكوك فيه خاصة ، للأصل ، لكن عن الموجز الحاوي الإستيناف من رأس ، ولعله لقول الصادق عليه السلام في المرسل: إذا شككت في تسبيح فاطمة عليها السلام فأعد، ويمكن حمله على إعادة المشكوك ، وإطلاقه باعتبار أحد احتمالي الشك شائع ، بل لعل ذلك هو المتعين بعد ظهور التوقيع في عدم قدح الزيادة ، فعن الإحتجاج أن الحميري كتب إلى صاحب الزمان عليه السلام يسأله عن تسبيح فاطمة عليه السلام ، من سهى فجاز التكبير أكثر من أربع وثلاثين ، هل يرجع إلى أربع وثلاثين أو يستأنف؟ وإذا سبح تمام سبعة وستين هل يرجع إلى ستة وستين أو يستأنف؟ وما الذي يجب في ذلك؟ فأجاب عليه السلام : إذا سهى في التكبيرحتى تجاوز أربعاً وثلاثين عاد إلى ثلاث وثلاثين ويبني عليها، وإذا سهى في التسبيح فتجاوز سبعاً وستين تسبيحة عاد إلى ست وستين وبنى عليها ، فإذا جاوز التحميد مائة فلا شئ عليه . ولعل المراد أنه يرجع ويأتي بواحد مما زاد ، وينتقل إلى التسبيح الآخر بعد أن ينوي في نفسه رفع اليد عما زاده وإلا فلا يتصور الرجوع بعد الوقوع ، وقوله في السؤال: تمام سبعة وستين يمكن إرادة الزيادة عليه ، أو أراد من التسبيح ما يشمله والتحميد .
وعلى كل حال فجواب الإمام عليه السلام خال عن ذلك ، إلا أنه لم أعرف أحداً من الأصحاب ذكر هذا الحكم ، ويحتمل إرادة استئناف ثلاث وثلاثين تكبيرة ،
------------------------------------------- ص 129 -------------------------------------------
من الإعادة إليها ، بمعنى أنه يحرز واحدة مما زاده ويرجع إلى تلافي الباقي الذي فسد بوقوع الزيادة بعده ، وحصل بها الفصل بين التكبير وما بعده ، بخلاف الذكرالأخير فإنه لا تفسده الزيادة لعدم وقوع الفصل، وحينئذ يوافق في الجملة مرسل محمد بن جعفر عن الصادق عليه السلام إنه كان يسبح تسبيح فاطمة عليها السلام فيصله ولا يقطعه ) .
وقال السيد الخوئي في فقهه (15/420): (وكيفيته: الله أكبر، أربع وثلاثون مرة ثم الحمد لله ثلاث وثلاثون مرة ، ثم سبحان الله كذلك ، فمجموعها مائة ، ويجوز تقديم التسبيح على التحميد ، وإن كان الأولى الأول) .

11. السبحة المصنوعة كالسبحة الطبيعية:


قال المحقق الكركي في رسائله(2/96): (الرابع: أن المشوية لو خرجت عن كونها تربة ، لكان الحالف أن لا يمس تربة الحسين عليه السلام بنجاسة لا يحنث لو مس المشوية بها ، وهو باطل قطعاً . ولكان الحالف أن يأكل منها في موضع الجواز لا يبرأ بأكل المشوية ، ولكان المسلم إليه في التربة الحسينية لا يبرأ بتسليم المشوية. وكذا الناذر أن يعطي لغيره تربة الحسين عليه السلام لا يبرأ بإعطاء المشوية ، وبطلانها ظاهر). وقد تقدم استدلال صاحب الجواهر على ذلك .

12. وجوب احترام تربة الحسين عليه السلام وحرمة إهانتها:


وقال السيد اليزدي في العروة الوثقى(1/189): (يجب إزالة النجاسة عن التربة الحسينية ، بل عن تربة الرسول وسائر الأئمة صلوات الله عليهم، المأخوذة من قبورهم ويحرم تنجيسها ، ولا فرق في التربة الحسينية بين المأخوذة من القبر
------------------------------------------- ص 130 -------------------------------------------
الشريف أو من الخارج إذا وضعت عليه بقصد التبرك والإستشفاء ، وكذا السبحة والتربة المأخوذة بقصد التبرك لأجل الصلاة ).
وقال الشيخ زين الدين في كلمة التقوى(1/54):(وبحكم المساجد المشاهد المشرفة فيحرم تنجيس أرضها وبنائها وبلاطها ، ويحرم تنجيس القبور المعظمة وما عليها من صناديق وأضرحة وثياب وما حولها من حرم وأروقة . ويجب تطهيرها من النجاسة على الأحوط، وخصوصاً إذا استلزم بقاؤها المَهَانة وإن لم توجب هتكاً لحرمة المشهد . وكذلك الحكم في المصحف الشريف فيجب تطهير ورقه وخطه إذا عرضت له النجاسة ، بل يجب تطهير جلده وغلافه إذا استلزم بقاء النجاسة مهانةَ المصحف وهي أعم من الهتك كما ذكرنا . وتحرم كتابته بالحبر النجس ، وإذا كتب به و جب محوه ، فإذا لم يمكن محوه وجب تطهير ظاهره . وكذلك التربة الحسينية وتربة الرسول صلي الله عليه وآله وسائر الأئمة عليهم السلام المأخوذة من قبورهم،فيجري فيها حكم المشاهد المتقدم).

13. الإفطار على التمر وتربة الحسين عليه السلام :


قال في جواهر الكلام(11/377): (وقال النوفلي لأبي الحسن عليه السلام : إني أفطرت يوم الفطر على طين وتمر فقال لي: جمعت بركة وسنة).أي تربة الشفاء .

14.شفاءٌ من كل داء وأمنٌ من كل خوف في الحضر والسفر:


في أمالي الطوسي/313:(عن زيد أبي أسامة قال: كنت في جماعة من عصابتنا بحضرة سيدنا الصادق عليه السلام ، فأقبل علينا أبو عبد الله عليه السلام فقال: إن الله تعالى جعل تربة جدي الحسين عليه السلام شفاء من كل داء وأماناً من كل خوف، فإذا
------------------------------------------- ص 131 -------------------------------------------
تناولها أحدكم فليقبلها وليضعها على عينيه ، وليمرها على سائر جسده ، وليقل: اللهم بحق هذه التربة ، وبحق من حل بها وثوى فيها ، وبحق أبيه وأمه وأخيه والأئمة من ولده ، وبحق الملائكة الحافين به، إلا جعلتها شفاء من كل داء ، وبرءً من كل مرض ، ونجاة من كل آفة، وحرزاً مما أخاف وأحذر . ثم يستعملها . قال أبو أسامة: فإني أستعملتها من دهري الأطول ، كما قال ووصف أبو عبد الله ، فما رأيت بحمد الله مكروهاً ).
وفي أمالي الطوسي/317: (عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر وجعفر بن محمد عليهما السلام يقولان: إن الله تعالى عوض الحسين عليه السلام من قتله أن جعل الإمامة في ذريته ، والشفاء في تربته ، وإجابة الدعا عند قبره ، ولا تُعد أيام زائره جائياً وراجعاً من عمره ).
وفي وسائل الشيعة (8/313): (في مصباح الزائر عن الصادق عليه السلام أنه قيل له تربة قبر الحسين عليه السلام شفاء من كل داء فهل هي أمان من كل خوف؟ فقال: نعم إذا أراد أحدكم أن يكون آمناً من كل خوف ، فليأخذ المسبحة من تربته ويدعو بدعاء المبيت على الفراش ثلاث مرات ، ثم يقبلها ويضعها على عينيه ويقول: اللهم إني أسألك بحق هذا التربة وبحق صاحبها وبحق جده وبحق أبيه وبحق أمه وأخيه ، وبحق ولده الطاهرين إجعلها شفاء من كل داء وأماناً من كل خوف ، وحفظاً من كل سوء ، ثم يضعها في جيبه . فإن فعل ذلك في الغداة فلا يزال في أمان الله حتى العشاء ، وإن فعل ذلك في العشاء فلا يزال في أمان الله حتى الغداة) .
------------------------------------------- ص 132 -------------------------------------------

15. وضع التربة الحسينية في البضاعة والمتاع:


روى في الإستبصار (3/279): (عن محمد بن عيسى اليقطيني قال: بعث إلي أبو الحسن عليه السلام رزم ثياب وغلماناً ودنانير وحجة لي وحجة لأخي موسى بن عبيد وحجة ليونس بن عبد الرحمن ، وأمرنا أن نحج عنه . وكانت بيننا مائة دينار أثلاثاً فيما بيننا ، فلما أن أردت أن أعبي الثياب رأيت في أضعاف الثياب طيناً ، فقلت للرسول ما هذا؟ فقال: ليس يوجه بمتاع إلا جعل فيه طيناً من قبر الحسين عليه السلام . ثم قال الرسول: قال أبو الحسن عليه السلام : هو أمان بإذن الله ).

16. تحنيك المولود بتربة الحسين عليه السلام :


في تهذيب الأحكام (7/436) قال الإمام الصادق عليه السلام : (حنكوا أولادكم بماء الفرات وبتربة قبر الحسين عليه السلام فإن لم يكن فبماء السماء) .
وفي الكافي (4/26): (حنكوا أولادكم بماء الفرات وبتربة قبر الحسين عليه السلام ، فإن لم يكن فبماء السماء) . وفي شرح اللمعة (5/442): (المراد بالتحنيك إدخال ذلك إلى حنكه وهو أعلى داخل الفم ).

17. وضع تربة الحسين في حنوطه وكفنه وقبره:


قال العلامة في تذكرة الفقهاء(1/44):(يستحب أن يكتب على الحبرة والقميص واللفافة والجريدتين أنه يشهد الشهادتين ويسمي الأئمة عليهم السلام واحداً بعد واحد، لأن الصادق عليه السلام كتب في حاشية كفن ولده إسماعيل: إسماعيل يشهد أن لا اله الا الله ، ويكون ذلك بتربة الحسين عليه السلام ، فإن تعذر فبالإصبع . ويكره أن يكتب بالسواد . ويستحب أن يكفن في أثواب الإحرام وفي
------------------------------------------- ص 133 -------------------------------------------
القميص الذي يصلي فيه بعد نزع أزرارة . ويستحب أن يوضع في الكفن شئ من تربة الحسين عليه السلام وكتابة الكفن بها ).
وفي مصباح المتهجد/735: (وروى جعفر بن عيسى أنه سمع أبا الحسن عليه السلام يقول: ما على أحدكم إذا دفن الميت ووسده التراب ، أن يضع مقابل وجهه لبنة من الطين ، ولا يضعها تحت رأسه ).
والمراد بالطين التربة الشريفة ، فإنها المراد من إطلاق الطين التربة ، ولذا قال الشيخ الطوسي في فضل التربة الحسينية: (ويجعل في أكفانه شئ من طين القبر وتربة الحسين عليه السلام ، والعطف تفسيري ).
وقال صاحب الجواهر (4/304): (مضافاً إلى الصحيح المروي عن محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري قال: كتبت إلى الفقيه أسأله عن طين القبر يوضع مع الميت في قبره ، هل يجوز ذلك أم لا ؟ فأجاب عليه السلام وقرأت التوقيع ومنه نسخت: يوضع مع الميت في قبره ، ويخلط بحنوطه إن شاء الله).

18. لماذا وصفت تربة الحسين عليه السلام بأنها حمراء ؟


ورد في عامة المصادر الشيعية والسنية وصف التربة التي جاء بها جبرئيل عليه السلام الى النبي صلي الله عليه وآله وأخبره بقتل الحسين عليه السلام فيها ، بأنها تربة حمراء .
مثلاً في كامل الزيارات/128و468: (فتناول جبرئيل عليه السلام قبضة من تلك التربة فإذا هي تربة حمراء). وأمالي الطوسي/314و316، وفتوح ابن الأعثم (4/322) ومسند أحمد(6 /294) والحاكم ( 4/ 398) ومجمع الزوائد( 9 /187) دلائل النبوة للبيهقي ( 6/ 468).
لكن تربة كربلاء بشكل عام لونها أبيض، فكيف جاء جبرئيل بتربة حمراء ؟
------------------------------------------- ص 134 -------------------------------------------
والجواب: أن تراب كربلاء بصورة عامة أبيض، لكن فيها عروق حمراء ، ويظهر أن المكان الذي سقط فيه رأس الحسين عليه السلام كان عرقاً أحمر ، وأن جبرئيل جاء بالقبضة من مسقط رأسه ، ثم جاء بقبضة من مسقط بدنه .
ويدل عليه ما رواه السنة في مصادر ورويناه عنهم ، أن النبي صلي الله عليه وآله حمل التربة البيضاء وأخبرهم بأنهم سينحرفون بعده ويقتلون ولده الحسين عليه السلام وبكى عليه !
قال الهيثمي في مجمع الزوائد (9/188) (وعن عائشة قالت دخل الحسين بن علي رضي الله عنهما على رسول الله صلي الله عليه وآله وهو يوحى إليه فنزا على رسول الله صلي الله عليه وآله وهو منكب وهو على ظهره فقال جبريل لرسول الله صلي الله عليه وآله : أتحبه يا محمد قال يا جبريل ومالي لا أحب ابني. قال: فإن أمتك ستقتله من بعدك !
فمد جبريل يده فأتاه بتربة بيضاء فقال: في هذه الأرض يُقتل ابنك هذا ، واسمها الطف . فلما ذهب جبريل من عند رسول الله صلي الله عليه وآله خرج رسول الله صلي الله عليه وآله والتزمه في يده يبكي فقال: يا عائشة إن جبريل أخبرني أن ابني حسين مقتول في أرض الطف وأن أمتي ستفتن بعدي ! ثم خرج إلى أصحابه فيهم عليٌّ وأبو بكر وعمر وحذيفة وعمار وأبو ذر رضي الله عنهم وهو يبكي ، فقالوا: ما يبكيك يا رسول الله؟ فقال: أخبرني جبريل أن ابني الحسين يقتل بعدي بأرض الطف ، وجاءني بهذه التربة وأخبرني أن فيها مضجعه ).
وقال في مناقب آل أبي طالب(3/213): ( ابن فورك في فصوله ، وأبو يعلى في مسنده، والعامري في إبانته ، من طرق).
ومعناه أن جبرئيل عليه السلام جاءه بقبضتين ، الأولى بتربة حمراء من مكان ذبح الحسين عليه السلام ، وفي المرة الثانية جاءه بتربة بيضاء من بقية مسقط بدنه الشريف .
كما يدل عليه قول الإمام الصادق عليه السلام في رواية صحيحة (الكافي:4/588): (إن عند رأس الحسين عليه السلام لتربةً حمراء فيها شفاء من كل داء إلا السام ، قال: فأتينا القبر بعد
------------------------------------------- ص 135 -------------------------------------------
ما سمعنا هذا الحديث ، فاحتفرنا عند رأس القبر ، فلما حفرنا قدر ذراع ابتدرت علينا من رأس القبر ، مثل السهلة حمراء قدر الدرهم ، فحملناها إلى الكوفة فمزجناه وأقبلنا نعطي الناس يتداوون بها ).
ومعنى السهلة: الأرض الرملية الناعمة ، كالتي يحملها السيل . (العين:4/7).
وابتدرت علينا: أي نزل الرمل من أعلى القبر الى المكان الذي حفرناه ، بثقب قدر الدرهم فجمعناه ، وفي رواية خبأناه وحملناه الى الكوفة . فهي تربة حمراء ضمن تربته البيضاء ، وتقع تحت التراب الأبيض بنحو نصف متر . فيكون جبرئيل عليه السلام جاء أولاً بقبضة من هذا العرق الأحمر من تربة كربلاء .
أما حكم تربة كربلاء فيشمل الحمراء والبيضاء منها، الى سبعين ذراعاً وأكثر.

19. الحور العين يستهدين من تربة الحسين:


في مزار المفيد/151: (وروي أن الحور العين إذا أبصرن واحداً من الأملاك يهبط إلى الأرض لأمر ما ، يستهدين التسبيح والتربة من قبر الحسين عليه السلام ).
فالملأ الأعلى يشمون من تربة الحسين عليه السلام مالا نشم ، ويعرفون عنها ما لا نعرف !
* *
------------------------------------------- ص 136 -------------------------------------------

عبرة من قصص تربة الحسين عليه السلام


قصة موسى بن عيسى الوالي العباسي


قال في بشارة المصطفى للطبري/210، وأمالي الطوسي/320: (حدثني أبي موسى بن عبد العزيز قال لقيني يوحنا ابن سراقيون النصراني المتطبب في شارع أبي أحمد فاستوقفني وقال لي: بحق نبيك ودينك ، من هذا الذي يزور قبره منكم بناحية قصر ابن هبيرة من هو من أصحاب نبيكم؟
قلت: ليس هو من أصحابه هو ابن بنته ، فما دعاك إلى المسألة عنه؟ فقال: له عندي حديث طريف ، قلت: حدثني به فقال وجه إلي سابور الكبيرالخادم الرشيد في الليل فصرت إليه فقال تعال معي، فمضى وأنا معه حتى دخلنا على موسى بن عيسى الهاشمي فوجدناه زايل العقل متكئاً على وسادة ، وإذا بين يديه طشت فيها حشو جوفه ، وكان الرشيد استحضره من الكوفة ، فأقبل سابور على خادم من خاصة موسى فقال له: ويحك ما خبره؟ فقال له: أخبرك أنه كان من ساعة جالساً وحوله ندماؤه وهو من أصح الناس جسماً وأطيبهم نفساً ، إذ جرى ذكر الحسين بن علي قال يوحنا: هذا الذي سألتك عنه! فقال موسى: إن الرافضة لتغلو فيه حتى أنهم فيما عرفت يجعلون تربته دواء يتداوون به . فقال له رجل من بني هاشم كان حاضراً: قد كانت بي علة غليظة فتعالجت لها بكل علاج فما نفعني حتى وصف لي كاتبي أن آخذ من هذه التربة ، فأخذت فنفعني الله بها وزال ما كنت أجده !
قال: فبقي عندك منها شئ؟ قال: نعم فوجه فجاؤه منها بقطعة ، فناولها موسى بن عيسى، فأخذها موسى فاستدخلها دبره استهزاءً بمن يداوي بها واحتقاراً وتصغيراً لهذا الرجل الذي هذه تربته يعني الحسين عليه السلام ! فما هو
------------------------------------------- ص 137 -------------------------------------------
إلاأن استدخلها دبره حتى صاح النار النار الطشت الطشت ، فجئناه بالطشت فأخرج فيها ما ترى فانصرف الندماء، فصار المجلس مأتماً !
فأقبل عليَّ سابور فقال: أنظر هل لك فيه حيلة؟ فدعوت بشمعة فإذا كبده وطحاله ورئتيه وفؤاده خرج منه في الطشت! فنظرت إلى أمر عظيم فقلت: ما لأحد في هذا صنع ، إلا أن يكون لعيسى الذي كان يحيي الموتى!
فقال لي سابور: صدقت ولكن كن هاهنا في الدار إلى أن يتبين ما يكون من أمره، فبت عندهم وهو بتلك الحالة ما رفع رأسه ، فمات في وقت السحر. قال محمد بن موسى: فكان يوحنا يزور قبر الحسين عليه السلام وهو على دينه ، ثم أسلم بعد هذا ، فحسن إسلامه).

ترجمة عيسى بن موسى


هوموسى بن عيسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس . من شخصيات بني العباس وكان أبوه ناصبياً خبيثاً، ضيق على آل علي عليه السلام وصادر أموالهم.فقال الإمام الصادق عليه السلام :(ما يدعو عيسى إلى أن يسبنا ويقطع أرحامنا! فوالله لا يذوق هو ولاولده منها شيئاً أبداً ). (مقاتل الطالبيين / 184)
وكان موسى بن عيسى والي الكوفة وولي عهد المنصور ، فاحتال عليه المنصور بشتى الحيل حتى عزل نفسه وبايعه ، فرآه أحدهم في سكك الكوفة فقال: هذا الذي كان غداً فصار بعد غد ! (أمراء الكوفة/484).
وكان المنصور فاجراً ، فقد منع زيارة قبرالحسين عليه السلام وأمرعيسى بن موسى أن يخرب القبر: « كربه وكرب جميع أرض الحائر وحرثها وزرع الزرع فيها ! لكن الشيعة واصلوا زيارته ). ( أمالي الطوسي/321 ) .
روى في الكافي(8/86): (بينا موسى بن عيسى في داره التي في المسعى إذ رأى الإمام الكاظم عليه السلام مقبلاً من المروة على بغلة فأمر رجلاً أن يتعلق بلجامه
------------------------------------------- ص 138 -------------------------------------------
ويدعي البغلة فتعلق باللجام وادعى البغلة فثنى الإمام عليه السلام رجله فنزل عنها وقال لغلمانه: خذوا سرجها وادفعوها إليه ، فقال: والسرج أيضاً ! فقال أبو الحسن عليه السلام كذبت ، عندنا البينة بأنه سرج محمد بن علي عليه السلام وأما البغلة فإنا اشتريناها منذ قريب ،وأنت أعلم وما قلت ».
روى أبو نعيم الأصفهاني: أن المنصور كتب إلى عيسى بن موسى، وهو على الكوفة ، يأمره بحمل أبي حنيفة إلى بغداد ، فغدوت إليه أريده ، ولقيته راكباً يريد وداع عيسى بن موسى، وقد كان وجهه يسود ، فقدم بغداد فسقى بها شربة فمات ، وهو ابن سبعين ). (مقاتل الطالبين 1/315)
وقال اليعقوبي (2/399): توفي عيسى بن موسى سنة 167، فولى المهدي ابنه موسى بن عيسى الكوفة ، وما كان إلى أبيه من الأعمال .

قصة الذي شكك فعادت اليه علته !


أمالي الطوسي/319: (حدثنا الحسين بن محمد أبو عبد الله الأزدي ، قال: حدثنا أبي ، قال: صليت في جامع المدينة وإلى جانبي رجلان على أحدهما ثياب السفر، فقال أحدهما لصاحبه: يا فلان، أما علمت أن طين قبر الحسين عليه السلام شفاء من كل داء ، وذلك أنه كان بي وجع الجوف فتعالجت بكل دواء فلم أجد فيه عافية، وخفت على نفسي وأيست منها ، وكانت عندنا امرأة من أهل الكوفة عجوز كبيرة ، فدخلت علي وأنا في أشد ما بي من العلة ، فقالت لا: يا سالم ، ما أرى علتك كل يوم إلا زائدة ؟ فقلت لها: نعم . قالت: فهل لك أن أعالجك فتبرأ بإذن الله عز وجل؟فقلت لها:ما أنا إلى شئ أحوج مني إلى هذا؟ فسقتني ماء في قدح ، فسكتت عني العلة ، وبرأت حتى كأن لم تكن بي علة قط ! فلما كان بعد أشهر دخلت عليَّ العجوز فقلت لها: بالله عليك يا سلمة وكان اسمها سلمة ،
------------------------------------------- ص 139 -------------------------------------------
بماذا داويتني؟فقالت: بواحدة مما في هذه السبحة من سبحة كانت في يدها. فقلت: وما هذه السبحة؟فقالت: إنها من طين قبر الحسين عليه السلام .فقلت لها:يا رافضية داويتني بطين قبر الحسين!فخرجت من عندي مغضبة ورجعت والله علتي كأشد ما كانت وأنا أقاسي منها الجهد والبلاء!وقد والله خشيت على نفسي ثم أذن المؤذن فقامايصليان وغابا عني).

قصة التي رفضت الأرض جنازتها !


قال في جواهرالكلام (4/305): (إن امرأة كانت تزني فتضع أولادها فتحرقهم بالنار خوفاً من أهلها ، ولم يعلم بها غير أمها ، فلما ماتت دفنت وانكشف التراب عنها ولم تقبلها الأرض ، فنقلت عن ذلك الموضع إلى غيره فجرى لها ذلك ! فجاء أهلها إلى الصادق عليه السلام وحكوا له القصة ، فقال لأمها فما كانت تضع هذه في حياتها من المعاصي؟ فأخبرته بباطن أمرها فقال الصادق عليه السلام : إن الأرض لا تقبل هذه ، لأنها كانت تعذب خلق الله بعذاب الله ! إجعلوا في قبرها شيئاً من تربة الحسين عليه السلام ، ففعلوا ذلك فسترها الله تعالى ).
* *
------------------------------------------- ص 140 -------------------------------------------

الموضوع الثامن: الربانية والروحانية في شخصية الحسين عليه السلام


علي عليه السلام ربانيُّ هذه الأمة بعد نبيها صلي الله عليه وآله


قال الله تعالى: مَا كَانَ لِبَشَرٍأَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ.
قال الجوهري(1/130): (الرباني: المتأله العارف بالله تعالى . وقال سبحانه: كُونُوا رَبَّانِيِّينَ ، ورببت القوم: سُسْتهم أي كنت فوقهم. قال أبو نصر: وهو من الربوبية. ومنه قول صفوان: لئن يَرُبُّني رجل من قريش أحب إلى من أن يربني رجل من هوازن . وربَّ الضيعة أي أصلحها وأتمها. وربَّ فلان وَلَده يربه رباً ورببه وترببه ، بمعنى أي رباه ).
وقال النبي صلي الله عليه وآله :علي رباني هذه الأمة بعدي ). (المناقب:1/323).
وقال علي عليه السلام :(أنا رباني هذه الأمة بعد نبيها). (مفردات الراغب/184)
وقال عليه السلام :(فاستمعوا من ربانيكم ، وأحضروا قلوبكم ، واستيقظوا إن هتف بكم). (نهج البلاغة:1/208).

العالم الرباني من كان علمه من الرب تعالى


قال الله تعالى: مَاكَانَ لِبَشَرٍأَنْ يُؤْتِيَهُ الله الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَةَ ثُمَّ يَقُولَ للَّنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ الله وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ .
وقال تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا للَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ الله وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ .
------------------------------------------- ص 141 -------------------------------------------
وقال تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ الله .
ذكر اللغويون أن كلمة رباني سريانية ، وقال الثعلبي في تفسيره (3/102): (الربانيون: أرباب العلم، واحدها ربَّان ، وهو الذي يرث العلم ويربب الناس أي يعلمهم ويصلحهم ، والألف والنون للمبالغة ،كما قالوا: ريان وعطشان وشبعان ، ثم ضُم إليه ياء النسبة ).
وقال أمير المؤمنين عليه السلام لكميل بن زياد (نهج البلاغة:4/35): (يا كميل إن هذه القلوب أوعية فخيرها أوعاها، فاحفظ عني ما أقول لك. الناس ثلاثة: فعالمٌ رباني ، ومتعلمٌ على سبيل نجاة ، وهَمَجٌ رُعاع أتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح ، لم يستضيئوا بنور العلم ، ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق ).
وقال الإمام الكاظم عليه السلام في وصيته لهشام (الكافي:1/17):( لا نجاة إلا بالطاعة ، والطاعة بالعلم والعلم بالتعلم ، والتعلم بالعقل يعتقد ، ولا علم إلا من عالم رباني ، ومعرفة العلم بالعقل ).
فالمقصود بالعالم الرباني حسب هذه الأحاديث: النبي أو الوصي الذي علمه من الرب عز وجل ، فهؤلاء هم العلماء الربانيون عليهم السلام .
أما غيرهم من العلماء ، فهم والمؤمنون متعلمون على سبيل نجاة .

وتطلق صفة الرباني على المخلص للرب تعالى


ويدل عليه ما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام في زيارة شهداء كربلاء (الكافي:4/574): (ثم تأتي قبورالشهداء وتسلم عليهم وتقول:السلام عليكم أيها الربانيون ، أنتم لنا فرط ونحن لكم تبع ونحن لكم خلف وأنصار ، أشهد أنكم أنصار الله وسادة الشهداء في الدنيا والآخرة ،فإنكم أنصار الله كما قال الله عز وجل: وَكَأَيِّنْ
------------------------------------------- ص 142 -------------------------------------------
مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ الله،وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ).

شفافية الزجاج ورقة الورود


تقرأ عن شخصية الإمام الحسين عليه السلام فتجد أنك أمام إنسان روحاني شفاف !
تشعر بذلك في منطقه ، وأفعاله ، وتعامله مع ربه ، ومع الناس . بل سَرَتْ رقته ونسيم روحه الى إسمه ، فصار في إسمه لوعه لكل مؤمن ، فلو كررت إسم الحسين مرات على مؤمن لشعر بالرقة في قلبه !
وقد روي أنه لما سأل زكريا عليه السلام ربه أن يعلمه أسماء الخمسة أفضل خلقه ، فعلمه إياها جبرئيل عليه السلام ، فكان إذا ذكر محمداً وعلياً وفاطمة والحسن عليهم السلام سُرِّيَ عنه همه وانجلى كربه ، وإذا ذكر اسم الحسين خنقته العبرة فقال: إلهي ما بالي إذا ذكرت أربعة منهم تسليتُ بأسمائهم من همومي ، وإذا ذكرت الحسين تدمع عيني وتثور زفرتي ؟ فأنبأه الله تبارك وتعالى بقصته ) !
وهذا يدل على علو إيمان زكريا عليه السلام وإرهاف مشاعره ، ولا عجب فهو أبو يحيى.

سبب الروحانية عند الإمام الحسين عليه السلام


1 - أن النبي وعترته صلي الله عليه وآله مخلوقون من نور:
فنحن مخلوقون من تراب ، بينما محمد وآل محمد صلي الله عليه وآله مخلوقون من نور ، ومن طينة خاصة ، رواه السنة والشيعة، واستوفينا أحاديثه في سيرة النبي صلي الله عليه وآله .
والمخلوق من نور في النشأة الأولى ، تنطبع شخصيته بالنور في النشأة الثانية .
روى في الخصال/481:« إن الله تبارك وتعالى خلق نور محمد صلي الله عليه وآله قبل أن خلق السماوات والأرض والعرش والكرسي واللوح والقلم والجنة والنار ، وقبل
------------------------------------------- ص 143 -------------------------------------------
أن خَلَقَ آدم ، ونوحاً ، وإبراهيم ، وإسماعيل ، وإسحاق ، ويعقوب ، وموسى وعيسى عليهم السلام ). وهو صريح في أن الله خلق نبيه صلي الله عليه وآله قبل كل شئ .
وفي المحتضـر /228 ، عن أبي جعفر عليه السلام قال:«إن الله عز وجل خلق أربعة عشر نوراً من نور عظمته ، قبل خلق آدم بأربعة عشر ألف عام ، فهي أرواحنا).
وروته مصادرهم وصححوه ، ففي فضائل الصحابة لابن حنبل:2/262، عن سلمان قال: « سمعت حبيبي رسول الله «ص» يقول: كنت أنا وعلي نوراً بين يدي الله عز وجل قبل أن يخلق آدم بأربعة عشـر ألف عام ، فلما خلق الله آدم قسم ذلك النور جزءين ، فجزء أنا وجزء علي ».
وفي تاريخ دمشق: 42/67: «كنت أنا وعلي نوراً بين يدي الله ، مطيعاً يسبح الله ذلك النور ويقدسه ، قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف عام . فلما خلق الله آدم رَكَزَ ذلك النور في صلبه ، فلم نَزل في شئ واحد حتى افترقنا في صلب عبد المطلب ، فجزءٌ أنا وجزءٌ علي ».
وفي شرح النهج «9/171» عن الفردوس وقال: «رواه أحمد في المسند ، وفي كتاب فضائل علي ، وذكره صاحب كتاب الفردوس ، وزاد فيه: ثم انتقلنا حتى صرنا في عبد المطلب ، فكان لي النبوة ولعلي الوصية ».
وقد حذفوه من مسند أحمد ، وبقي في مناقب الصحابة ، أما في الفردوس فنصه الموجود »3/283« كرواية أحمد ، وكذا في الرياض النضرة للطبري/392 .
فنبينا صلي الله عليه وآله مشروع ربانيٌّ خاص،لايقاس به أحد حتى الأنبياء عليهم السلام ، ومعه عترته علي وفاطمة والحسنان والتسعة من ذرية الحسين عليهم السلام ، الذين خلق نورهم مع نوره أو اشتقه منه ، فهم جزءٌ لا يتجزأ من الحقيقة المحمدية .
------------------------------------------- ص 144 -------------------------------------------
ومعلوماتنا محدودة عن المخلوقات النورانية ، وعن تحولهم في صلب آدم عليهم السلام الى بشر الى أن خلقوا في هذه النشأة ، وعن خصائص نورانيتهم . فمسائل بدء الخلق وتنويعه وتطويره ، من الأسرار التي هي فوق قدرتنا !
وقد ورد أن الله تعالى خلقهم من طينة خاصة ، ولا ندري كيف كان ذلك بعد خلقهم من نور النبي صلي الله عليه وآله .
والمؤكد أن شفافية الإمام الحسين عليه السلام ورقته ، جاءته من نورانيته في نشأته الأولى ، وما أعطاه الله من مورثات وخصائص في نشأته الثانية .
2 - شباهة يحيى بالحسين عليهما السلام في الحيوية والشهادة:
قال الإمام الصادق عليه السلام (كامل الزيارات/184):(فإنه سيد الشهداء وسيد شباب أهل الجنة وشبيه يحيى بن زكريا ، وعليهما بكت السماء والأرض) .
وفي الإرشاد (2/132) عن الإمام زين العابدين عليه السلام قال:(خرجنا مع الحسين فما نزل منزلاً ولا ارتحل منه إلا ذكر يحيى بن زكريا وقتله، وقال يوماً:ومن هوان الدنيا على الله أن رأس يحيى بن زكريا أهدي إلى بغي من بغايا بني إسرائيل).
وشبه الحسين بيحيى عليهما السلام :في شهادته وحيوية شخصيته ، وقد سمى الله يحيى بهذا الإسم ، لأنه كان مملوءً حيوية في عقله ومشاعره ، وكذلك الحسين عليه السلام ، واليه أشار عز وجل بقوله: يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا . ومعنى من قبلُ أن له سمياً يأتي بعده ، وهو الحسين عليه السلام لاغيره .
------------------------------------------- ص 145 -------------------------------------------

الحسين خاشع لربه كخشوع النسر بجناحيه


1.كان إذا توضأ تغير لونه:
(كان الحسين عليه السلام إذا توضأ تغيَّر لونه وارتعدت مفاصله ، فقيل له في ذلك فقال: حَقٌّ لِمَنْ وَقَفَ بين يدَيِ اللهِ الملِكِ الْجبارِ أَن يَصْفَرَّلونه وترْتعد مفاصِله. فقيل له: ما هذا نراه يعتريك عند الوضوء ؟فيقول عليه السلام : ما تَدرُونَ بين يديِْ مَنْ أريد أن أقوم )! (كلمات الحسين عليه السلام /740).
وقد رويت هذه الحالة أو شبهها عن بقية الأئمة عليهم السلام ، عند الوضوء ، وفي أول الصلاة، وعند الإحرام للحج ، وهذا من معرفتهم لله تعالى ، وعمق إحساسهم به .
2.أهل البيت عليهم السلام لا يقترحون على ربهم:
(قال علي بن الحسين عليه السلام :مرضت مرضاً شديداً فقال لي أبي عليه السلام :ما تَشْتَهي؟ فقلت: أشتهي أن أكون ممن لا أقترح على الله ربي ما يدبره لي! فقال:أَحسنت ضاهَيْتَ إِبْراهيمَ الْخليل صلوات اللهِ عليه حيثُ قال له جبرئيل: هل من حاجة؟ فقال:لا أقترح على ربي بل حسبي الله ونعم الوكيل! والمعنى: أني أقبل بتدبير ربي وإدارته لأموري في الصحة والمرض ، وأترك مقاديره تجري ولاأقترح عليه شيئاً ولا أطلب منه أن يشفيني. وهذا قمة التسليم . (كلمات الحسين/784) .
3. أهل البيت عليهم السلام أهل يقين بكلام ربهم:
قال زرارة: (قلت لأبي جعفر عليه السلام : قد أدركت الحسين؟قال: نعم ، أذكر وأنا معه في المسجد الحرام ، وقد دخل فيه السيل والناس يقومون على المقام ، يخرج الخارج يقول: قد ذهب به السيل، ويخرج منه الخارج فيقول هو مكانه . قال فقال: يا فلان ما صنع هؤلاء؟ فقلت: أصلحك الله يخافون أن يكون السيل قد ذهب بالمقام ، فقال: نادِ أن الله تعالى قد جعله علماً ولم يكن ليذهب به ،
------------------------------------------- ص 146 -------------------------------------------
فاستقروا . وكان موضع المقام الذي وضعه إبراهيم عليه السلام عند جدار البيت فلم يزل هناك حتى حوله أهل الجاهلية إلى المكان الذي هو فيه اليوم ، فلما فتح النبي صلي الله عليه وآله مكة رده إلى الموضع الذي وضعه إبراهيم عليه السلام ، فلم يزل هناك إلى أن وليَ عمر بن الخطاب ، فسأل الناس من منكم يعرف المكان الذي كان فيه المقام؟ فقال رجل: أنا قد كنت أخذت مقداره بنسع(حزام) فهو عندي فقال: إئتني به فأتاه به ، فقاسه ثم رده إلى ذلك المكان)! (الكافي:4/223) .
والمعنى: أن الحسين عليه السلام بعث منادياً في الناس أن لا تخافوا فلن يذهب السيل بمقام إبراهيم عليه السلام لأن الله تعالى جعله علماً للناس وأمرهم أن يصلوا عنده فقال: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً للَّنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ، ومعناه أنه سيقيه الى يوم القيامة ، ولا يمكن أن يأذن للسيل بأن يأخذه !
وهذا من يقين الحسين عليه السلام بأمر الله تعالى ، ومعرفته بقوانين أفعاله .
ثم بين الإمام عليه السلام اجتهاد عمر مقابل النبي صلي الله عليه وآله وتغييره موضوع مقام إبراهيم عليه السلام !
* *
------------------------------------------- ص 147 -------------------------------------------

الموضوع التاسع: تصاعدت روحانية الحسين عليه السلام الى شهادته


سطع له نور من قبر جده صلي الله عليه وآله


لما خرج الحسين عليه السلام من عند حاكم المدينة: (أقبل إلى قبر جده فقال: السلام عليك يا رسول الله ، أنا الحسين بن فاطمة ، فرخك وابن فرختك ، وسبطك الذي خلفتني في أمتك ، فاشهد عليهم يا نبي الله أنهم فقد خذلوني وضيعوني ولم يحفظوني ، و هذه شكواي إليك حتى ألقاك !
ثم قام فصف قدميه ، فلم يزل راكعاً وساجداً .
قال: وأرسل الوليد إلى منزل الحسين عليه السلام لينظر أخرج من المدينة أم لا ؟فلم يصبه في منزله فقال: الحمد لله الذي خرج ولم يبتلني بدمه .
قال: ورجع الحسين عليه السلام إلى منزله عند الصبح . فلما كانت الليلة الثانية خرج إلى القبر أيضاً وصلى ركعات ، فلما فرغ من صلاته جعل يقول: اللهم هذا قبر نبيك محمد ، وأنا ابن بنت نبيك ، وقد حضرني من الأمر ما قد علمت ، اللهم إني أحب المعروف ، وأنكر المنكر ، وأنا أسألك يا ذا الجلال والاكرام بحق القبر ومن فيه ، إلا اخترت لي ما هو لك رضى ولرسولك رضى.
قال: ثم جعل يبكي عند القبر حتى إذا كان قريباً من الصبح وضع رأسه على القبر فأغفي ، فإذا هو برسول الله صلي الله عليه وآله قد أقبل في كتيبة من الملائكة عن يمينه وعن شماله وبين يديه ، حتى ضم الحسين عليه السلام إلى صدره وقبل ما بين عينيه ، وقال: حبيبي يا حسين كأني أراك عن قريب مرملاً بدمائك ، مذبوحاً بأرض
------------------------------------------- ص 148 -------------------------------------------
كرب وبلاء ، بين عصابة من أمتي ، وأنت مع ذلك عطشان لا تُسقى ، وظمآن لا تُروى ، وهم مع ذلك يرجون شفاعتي ، لا أنالهم الله شفاعتي يوم القيامة ! حبيبي يا حسين إن أباك وأمك وأخاك قدموا عليَّ ، وهم مشتاقون إليك ، وإن لك في الجنان لدرجات لن تنالها إلا بالشهادة .
[قال: فجعل الحسين عليه السلام في منامه ينظر إلى جده ويقول: يا جداه لاحاجة لي في الرجوع إلى الدنيا فخذني إليك وأدخلني معك في قبرك ، فقال له رسول الله صلي الله عليه وآله : لابد لك من الرجوع إلى الدنيا حتى ترزق الشهادة وما قد كتب الله لك فيها من الثواب العظيم ، فإنك وأباك وأخاك وعمك وعم أبيك تحشرون يوم القيامة في زمرة واحدة حتى تدخلوا الجنة] .
قال: فانتبه الحسين عليه السلام من نومه فزعاً فقص رؤياه على أهل بيته وبني عبد المطلب ، فلم يكن في ذلك اليوم في مشرق ولا مغرب قوم أشد غماً من أهل بيت رسول الله صلي الله عليه وآله ، ولا أكثر باكٍ ولا باكية منهم ). (كلمات الحسين/178).
أقول: تأمل في شكوى الحسين عليه السلام لجده صلي الله عليه وآله من ظلم أمته ، وأنهم خذلوه ، وضيعوه ، ولم يحفظوا فيه نبيهم صلي الله عليه وآله !
وتأمل كيف ناجى ربه في الليلة الثانية ، ثم توسل اليه بنبيه صلي الله عليه وآله أن يختار له ما فيه رضاه ورضا رسوله صلي الله عليه وآله ولم يقل: إختر لي العافية ، ولا طلب شيئاً من أمر الدنيا ، فهو يريد رضا الله عنه ورسوله صلي الله عليه وآله مهما كان وقعه أليماً عليه!
ثم تأمل في صراحة النبي صلي الله عليه وآله حيث أخبره بما يجري عليه ، وهو تأكيد لما كان أخبره به في حياته ، ليكون مستعداً له .
------------------------------------------- ص 149 -------------------------------------------
وأنأ أتوقف في قبول الفقرة التي وضعتها بين معقوفين، وأن الحسين عليه السلام طلب من جده صلي الله عليه وآله أن يأخذه معه ! فكيف يصح ذلك منه عليه السلام وقد أخبره جده صلي الله عليه وآله بأن لك في الجنة درجة لاتنالها إلا بالشهادة !
فالمظنون عندي أن هذه الفقرة أضافها بعض الرواة !
* *
وفي رواية أمالي الصدوق/216: (فلما أقبل الليل راح إلى مسجد النبي صلي الله عليه وآله ليودع القبر ، فلما وصل إلى القبرسطع له نور من القبر فعاد إلى موضعه ! فلما كانت الليلة الثانية راح ليودع القبرفقام يصلي فأطال فنعس وهو ساجد ، فجاءه النبي صلي الله عليه وآله وهو في منامه فأخذ الحسين عليه السلام وضمه إلى صدره وجعل يقبل بين عينيه ويقول: بأبي أنت ، كأني أراك مُرَمَّلاً بدمك بين عصابة من هذه الأمة يرجون شفاعتي، مالهم عند الله من خَلَاق!
يا بني إنك قادم على أبيك وأمك وأخيك وهم مشتاقون إليك ، وإن لك في الجنة درجات لا تنالها إلا بالشهادة .
فانتبه الحسين عليه السلام من نومه باكياً ، فأتى أهل بيته فأخبرهم بالرؤيا وودعهم ، وحمل أخواته على المحامل وابنته وابن أخيه القاسم بن الحسن بن علي، ثم سار في أحد وعشرين رجلاً من أصحابه وأهل بيته منهم أبو بكر بن علي ، ومحمد بن علي ، وعثمان بن علي ، والعباس بن علي ، وعبد الله بن مسلم بن عقيل ، وعلي بن الحسين الأكبر ، وعلي بن الحسين الأصغر .
وسمع عبد الله بن عمر بخروجه ، فقدم راحلته وخرج خلفه مسرعاً فأدركه في بعض المنازل ، فقال: أين تريد يا ابن رسول الله؟ قال: العراق . قال: مهلاً
------------------------------------------- ص 150 -------------------------------------------
إرجع إلى حرم جدك فأبى الحسين عليه السلام عليه ، فلما رأى ابن عمر إباءه قال: يا أبا عبد الله ، إكشف لي عن الموضع الذي كان رسول الله صلي الله عليه وآله يقبله منك، فكشف الحسين عن سرته ، فقبلها ابن عمر ثلاثاً وبكى ، وقال: أستودعك الله يا أبا عبد الله ، فإنك مقتول في وجهك هذا )!
لاحظ قوله: سطع له نور من القبر فعاد إلى موضعه ! فقد فهم الحسين عليه السلام من سطوع النور تأخيرالزيارة الى الليلة التالية .
بل فهم من النور أموراً وأشياء لم يقلها ! ولم يقل الراوي هل سطع النور في مكانه أم شع على الحسين عليه السلام وحده ، وهل استمرطويلاً ؟!
إن هذا النور من قبر النبي صلي الله عليه وآله من نوع كلام الله تعالى مع أوليائه ، وكلامهم مع بعضهم وقد يكون الحسين عليه السلام أجاب عليه . ولم يخبرنا به لأنه شأن يخصهم ولا يخصنا ! فنحن لا نعرف لغة النبي عليه السلام وعترته عليهم السلام وأنوارهم؟ لأنا كأطفال يشرحون لهم نظرية عميقة ، فيفهمون منها أشياء وأطرافاً.

مخط القلادة على جيد الفتاة !


لما عزم عليه السلام على الخروج إلى العراق قام خطيباً فقال: (الحمد لله وما شاء الله ولاحول ولا قوة إلا بالله ، وصلى الله على رسوله وسلم. خُطَّ الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة ، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف ، وخُيَّرَ لي مصرع أنا لاقيه.كأني بأوصالي تقطعها عُسْلان الفلوات بين النواويس وكربلا ، فيملأن مني أكراشاً جُوَفاً ، وأجربة سُغْباً !
------------------------------------------- ص 151 -------------------------------------------
لا محيص عن يوم خط بالقلم. رضا الله رضانا أهل البيت ، نصبر على بلائه ، ويوفينا أجور الصابرين ، لن تشذ عن رسول الله صلي الله عليه وآله لحمته ، وهي مجموعة له في حظيرة القدس ، تقر بهم عينه وينجز لهم وعده .
من كان فينا باذلاً مهجته ، موطناً على لقاء الله نفسه ، فليرحل معنا ، فإني راحل مصبحاً إن شاء الله تعالى) . (العوالم/217).
ملاحظات
1. يتحدث الإمام عليه السلام عن شهادته فيقرأ من مشهد يراه أمامه ، فهو يرى أوصال بدنه الشريف تقطعها عُسلان الفلوات بأسنانها ، أي ذئاب الصحراء الكاسرة الجائعة ! ويصف مكان شهادته بالتحديد: بين النواويس وكربلاء . والنواويس قبور أهل الكتاب وهي قرب قبر الحر بن يزيد الرياحي . وكربلاء بالأصل إسم مكان شرقي مشهده ، يبدأ منه موكب طويريج .
فقد وصفه له جده صلي الله عليه وآله شهادته بشكل دقيق ، وأراه الله مشهده ، فهو يتحدث عنه قبل أن يتحرك باتجاه العراق !
وسيأتي ذكر النواويس، وأن بعض أهل الكتاب أقاموا هناك قروناً ، ينتظرون مجيئ قتيل شاطئ الفرات ! فكان لهم معبد هناك .
2. يتحدث الإمام عليه السلام عن سفره وشهادته وكأنها عرسه الذي ينتظره بفرح ، وأعظم فرحه عنده أن شوقه الذي وصل الى حد الوَلَه فقال عنه: ما أولهني الى أسلافي وَلهَاً أبكاه كما أبكى يعقوب فراق عزيزه يوسف .
وهذا الشوق والوله أمنية ستتحقق ويلتقي بأحبائه: جده رسول الله صلي الله عليه وآله ، وأمه الزهراء ، وأبيه علي ، وأخيه الحسن عليهم السلام .
------------------------------------------- ص 152 -------------------------------------------
3. ثم تحدث الإمام عليه السلام عن جبال المصائب التي هو ذاهب اليها ، لكن يهوِّن أمرها أنها مكتوبة من الأزل ، خطها قلم المشيئة الربانية ، وهو راض بها ، لأنه من أهل بيت رضاهم رضا الله لارغباتهم ، فهم يصبرون على بلاء الله صبراً يعجب منه الملائكة ، فيوفيهم أجورهم بغير حساب .
ثم تكلم عليه السلام عن نفسه ، فقال: أنا من هؤلاء! أنا فلذةٌ من رسول الله صلي الله عليه وآله ! بضعة منه ، من طينته ولحمته ، ومعاذ الله أن أشذ عن جدي وخطه ومساره ، فيا أبت يارسول الله صلى الله عليك ، كن قرير العين وأنت في عليائك ، فلن أشذ عنك ، فسأصبر وأصبر ، حتى يجمعني الله معك ومع أبي وأمي وأخي كما وعدنا ، معك في حظيرة القدس ، في أعلى أعالي الفردوس .
4. ثم دعا المسلمين الى نصرته ويالها دعوة ! قال لهم:هذا طريقي وهذا هدفي . أنا ذاهب الى الشهادة كما أخبرتكم ، ولا أجبر أحداً على الذهاب معي، ولا أتوسل اليه ، فعليه هو أن يتخذ القرار ، فهذا الطريق لايسلكه إلا المختارون من الله ، والقضية أن الله خط علينا الشهادة نصرة لدينه ، وأخبرني جدي بتفاصيلها، وها هو ينتظرني وأمي وأبي وأخي .
فالذاهب معنا يجب أن يكون مؤمناً بهذا الوعد الإلهي، مستعداً لتقبل القضاء الرباني ، سخياً يبذل نفسه ودمه لآل رسول الله صلي الله عليه وآله .
فمن كان فينا باذلاً مهجته ، موطناً على لقاء الله نفسه ، فليرحل معنا .
فهل رأيت أعظم من هذا المشهد ، وأسمى من هذه الدعوة !
------------------------------------------- ص 153 -------------------------------------------

رسالته من الطريق الى أهل الكوفة


لقي الحسين عليه السلام الحر بن يزيد الرياحي في ألف فارس ليمنعوه من دخول الكوفة ، فكلمه الحسين عليه السلام . ثم دعا بدواة وكتب إلى أشراف الكوفة:
بسم الله الرحمن الرحيم . من الحسين بن علي إلى سليمان بن صرد ، والمسيب بن نجبه ، ورفاعة بن شداد ، وعبد الله بن وال ، وجماعة المؤمنين .
أما بعد فقد علمتم أن رسول الله صلي الله عليه وآله قد قال في حياته:من رأى سلطاناً جائراً مستحلاً لحرم الله ، ناكثاً لعهد الله ، مخالفاً لسنة رسول الله ، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان ، ثم لم يغير عليه بقول ولا فعل ، كان حقاً على الله أن يدخله مدخله !وقد علمتم أن هؤلاء القوم قد لزموا طاعة الشيطان وتولوا عن طاعة الرحمن ، وأظهروا الفساد ، وعطلوا الحدود ، واستأثروا بالفئ ، وأحلوا حرام الله ، وحرموا حلاله ، وأنا أحق من غيَّر .
وقد أتتني كتبكم وقدمت علي رسلكم ببيعتكم، أنكم لا تسلموني ولا تخذلوني، فإن وفيتم لي ببيعتكم فقد أصبتم حظكم ورشدكم ، ونفسي مع أنفسكم ، وأهلي وولدي مع أهاليكم وأولادكم ، فلكم بي أسوة .
وإن لم تفعلوا ونقضتم عهودكم وخلعتم بيعتكم، فلعمري ماهي منكم بنكر لقد فعلتموها بأبي وأخي وابن عمي! والمغرور من اغتر بكم ، فحظكم أخطأتم، ونصيبكم ضيعتم ، ومن نكث فإنما ينكث على نفسه ، وسيغني الله عنكم والسلام . ثم طوى الكتاب وختمه ودفعه إلى قيس بن مسهر الصيداوي .
------------------------------------------- ص 154 -------------------------------------------
ملاحظات
1. ذكَّر الحسين عليه السلام رؤساء الكوفة وشخصياتها بوجوب الثورة على الظالم ونهيه عن المنكر. وقال لهم: قد علمتم أن رسول الله صلي الله عليه وآله قال: من رأى منكم سلطاناً جائراً.. يعني أنهم كانوا يعرفون ذلك ، وأن النبي صلي الله عليه وآله حدث أمته عن سلاطين الجور بعده وعن واجب الأمة في مقاومتهم ، لكن سلطة الجَوْر أخفت أحاديث النبي صلي الله عليه وآله عما يكون بعده وعن مقاومة أئمة الجور !
2. كما أخفى المتقاعسون عن مقاومة الجوْر هذه الأحاديث أيضاً لأنها تجعلهم مع سلطان الجور في جهنم: كان حقاً على الله أن يدخله مدخله !
وبهذا تعرف أن ثروة كبيرة من أحاديث النبي صلي الله عليه وآله طمسوها ومنعوا المسلمين من تدوينها ، بل من مجرد التحديث بها .
3. من أسمى أخلاق القائد الثائر أن يقول لأنصاره: أنا واحدٌ منكم ولا أميز نفسي عليكم بشيئ. فإن وفيتم لي ببيعتكم فقد أصبتم حظكم ورشدكم، ونفسي مع أنفسكم ، وأهلي وولدي مع أهاليكم وأولادكم ، فلكم بي أسوة .
4. يزعم البعض أن الحسين عليه السلام غشه أهل الكوفة وخدعوه ، وهذا خطأ أو افتراء ، فلم ينخدع بهم يوماً ، وكان على علم بهم لكنه يتم عليهم الحجة من جهة ، ويواصل مسيرته لتجري مقادير الله فيه ، وينال الشهادة التي وعده بها جده صلي الله عليه وآله ! فقد قال لهم عليه السلام : وإن لم تفعلوا ونقضتم عهودكم وخلعتم بيعتكم، فلعمري ما هي منكم بنكر ، لقد فعلتموها بأبي وأخي وابن عمي!
------------------------------------------- ص 155 -------------------------------------------
5. كل ذم ورد عن الأئمة عليهم السلام في أهل الكوفة أو العراق ، فهو للموجودين منهم في ذلك العصر ، ولا يصح تعميمه للأجيال التي ستأتي ، فأكثر الأجيال التي جاءت بعد ذلك كانت من شيعة أهل البيت المخلصين .

لما جاءه خبر قتل مسلم بن عقيل


جاء الحسين عليه السلام خبر قتل مسلم بن عقيل ، وهانئ بن عروة رضي الله عنهما ، ثم ارتحلوا فأتاه خبرعبد الله بن يقطر،فأخرج إلى الناس كتاباً فقرأه عليهم وقال:
بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد ، فإنه قد أتانا خبر فظيع قتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة ، وعبد الله بن يقطر ، وقد خذلنا شيعتنا ! فمن أحب منكم الإنصراف فلينصرف غير حرج ، ليس عليه مني ذمام .
فتفرق الناس عنه وأخذوا يميناً وشمالاً حتى بقي في أصحابه الذين جاءوا معه من المدينة ، ونفر يسير ممن انضموا إليه ، وإنما فعل ذلك لأنه علم أن الأعراب الذين اتبعوه إنما اتبعوه وهم يظنون أنه يأتي بلداً قد استقامت له طاعة أهلها ، فكره أن يسيروا معه إلا وهم يعلمون على ما يقدمون .
ملاحظات
1. قوله: فأخرج لهم كتاباً ، أي رسالته جاءته من ثقاته وعيونه ، وهذا يعني أن الروايات التي تقول: أخبره رجلان أسديان بقتل مسلم ، أو غيرهما ، أن اعتماده في الأخبار كان على رسائل ثقاته ، أو إلهام ربه عز وجل .
2.الإمام الحسين عليه السلام صادق مع ربه ونفسه ومع الناس، لا يغشهم ولا يقبل أن ينصروه وهم يتصورون أن الناس معه، فينبغي أن يوضح لهم الأمر.
------------------------------------------- ص 156 -------------------------------------------
ومن جهة ثانية فالحسين عليه السلام ذاهب الى كربلاء ليسطر الأمثولة المقدسة التي رسمها له جده صلي الله عليه وآله ، وأبطال هذه الأمثولة ليسوا من سقط المتاع ، بل هم نوع خاص من الناس، اختارهم الله منذ الأزل ، وقدموا أرواحهم عن علم وعمد وبصيرة على طبق الإخلاص الى رسول الله صلي الله عليه وآله في نصرة ذريته .
وقد رأى الحسين عليه السلام أنهم اختلطوا بغيرهم ، ولا بد من تمييزهم !

أرسل برقية الى بني هاشم في المدينة


قال الإمام الباقر عليه السلام : كتب الحسين عليه السلام إلى محمد بن علي من كربلا:
بسم الله الرحمن الرحيم . من الحسين بن علي إلى محمد بن علي ومن قِبَله من بني هاشم . أما بعد: فكأن الدنيا لم تكن، وكأن الآخرة لم تَزَل . من لحق بي استشهد ، ومن لم يلحق بي لم يدرك الفتح . والسلام ).
ملاحظات
يقول لهم الإمام عليه السلام : يا أهلي يا بني هاشم: ها أنا أرى الآخرة أمامي دائمة خالدة ، وأرى الدنيا ورائي ذاهبة زائلة ، فمن أراد منكم أن يذهب معي الى النعيم الخالد ، فلا بد أن يستشهد ليصل . ومن لم يلتحق بي خسر الخلود في النعيم وبقي في الدنيا . فاختاروا لأنفسكم ما تريدون .
فماذا أراد الإمام عليه السلام بهذه الرسالة؟ هل أراد إتمام الحجة ؟ أم أراد أن يسجل عليهم أنهم تخلفوا عن الجهاد واستحقوا العقوبة ؟ كلا، لأنه قال لأكثر من شخص: إبعد عن كربلاء وأبعد ، حتى لا تسمع واعيتنا فتستحق العقاب ، فحصرالعقاب بمن حضر، أو كان قريباً .
------------------------------------------- ص 157 -------------------------------------------
إنه يكتب لمحمد بن الحنفية ، وعبد الله بن جعفر ، وعبد الله بن عباس ، وأمثالهم ، وهم مرضيون عنده عموماً: يا أعزائي ، ها أنا أرى الجنة بنعيمها ، وأرى الدنيا خربة ورائي ، فأدعوكم لأن تكونوا معي ، لكن لذلك ثمناً هو الشهادة ، ويمكن أن لاتلتحقوا بي ، لكنكم لاتبلغون تلك الدرجات العلى .
وقد اعترف ابن عباس ومحمد بن الحنفية بأنهما لم يصلا الى درجة أصحاب الحسين عليه السلام ، قال في مناقب آل أبي طالب(2/211):
(عُنِّفَ ابن عباس على تركه الحسين فقال: إن أصحاب الحسين لم ينقصوا رجلاً ولم يزيدوا رجلاً، نعرفهم بأسمائهم من قبل شهودهم . وقال محمد بن الحنفية: إن أصحابه عندنا لمكتوبون بأسمائهم وأسماء آبائهم )

عموراء محط رحالنا ومسفك دمائنا !


لما وصل الإمام عليه السلام الى الثعلبية اعترضه الحر وضيق عليه واضطره للنزول ، فسأل الحسين عليه السلام عن إسم هذه الأرض ، فقيل له إسمها كربلاء ، فقال: قِفُوا وَلا تَبْرحوا ، هاهنا والله مُناخُ ركابنا ، وهاهنا وَاللهِ مَحَطُّ رحالنا ، وهاهنا وَاللهِ تُسْفَكُ دِماؤُنا ، وَهاهُنا وَاللهِ يُسْتَباحُ حَريمُنا ، وَهاهُنا وَاللهِ مَحَلُّ قُبوُرِنا ، هَاهُنا وَاللهِ مَحْشَرُنا وَمَنْشَرُنا . بهذا حدثني جدي رسول الله صلي الله عليه وآله وبهذا وعدني ولا خُلْف لوعده . قال فنزل القوم وحطوا الأثقال ناحية من الفرات ، وضُربت خيمة الحسين لأهله وبنيه ، وضرب عشيرته خيامهم من حولها .
وكان نزوله عليه السلام في كربلاء يوم الخميس الثاني من المحرم سنة إحدى وستين .
------------------------------------------- ص 158 -------------------------------------------
وأقبل الحرُّ بن يزيد حتى نزل حذاء الحسين صلي الله عليه وآله في ألف فارس ، وكتب إلى عبيدالله بن زياد يخبره ، فأرسل جيشاً بقيادة عمر بن سعد بن أبي وقاص ، ثم أتبعه بجيوش أُخرى ، حتى تكاملت الجيوش ثلاثين ألفاً !
ملاحظة
وصل الإمام عليه السلام الى كربلاء محطة الإنطلاق. فهنا مطار العروج الى جوار الرب العظيم ، وكنف الجد الرحيم ، وحضن الأم الحنون ، ومرافقة الأب الرؤوف، والأخ الحسن الحبيب !
هنا يقدم الحسين عليه السلام لربه عبادةً لم يعبده مثلها ، ويصبر على بلائه صبراً لما يصبره الآخرون . رحم الله الشاعر الجواهري حيث قال:
وجدتُكَ في صُورةٍ لم أُرَعْ
بأعظمَ منها ولا أرْوع
وماذا أأروعُ مِنْ أن يكو
نَ لحمُكَ وَقفاً على المِبضع
وأنْ تُطعم الموتَ خيرَ البنينَ
مِن الأكهلينَ إلى الرُّضع
وخَيرَ بَنِي الأم مِن هاشِمٍ
وخَيرَ بَنِي الأَبِ مِن تُبَّعِ
وخَيرَ الصِّحابِ بِخَيرِ الصُّدو
رِ كَانوا وِقاءَكَ وَالأَذرعِ

كشف الله لأصحابه الغطاء فلم يمسهم ألم الحديد !


تجلى في كربلاء سموُّ أهل بيت الحسين عليه السلام وأصحابه ، وذلك لما جمعهم يوم تاسوعاء عصراً قرب المساء ! قال علي بن الحسين عليه السلام : فدنوت منه لأسمع ما يقول لهم، وأنا إذ ذاك مريض فسمعت أبي يقول لأصحابه: أثني على الله أحسن الثناء ، وأحمده على السراء والضراء ، اللهم إني أحمدك على أن أكرمتنا
------------------------------------------- ص 159 -------------------------------------------
بالنبوة وعلمتنا القرآن وفقهتنا في الدين ، وجعلت لنا أسماعاً وأبصاراً وأفئدة، فاجعلنا من الشاكرين .
أما بعد: فإني لا أعلم أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي ، ولا أهل بيت أبر ولا أوصل من أهل بيتي ، فجزاكم الله عني خيراً.
ألا وإني لأظن أنه آخر يوم لنا من هؤلاء ، ألا وإني قد أذنت لكم فانطلقوا جميعاً ، في حل ليس عليكم مني ذمام ، هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً . فقال له إخوته وأبناؤه وبنو أخيه وابنا عبد الله بن جعفر: لمَ نفعل ذلك ، لنبقى بعدك ؟ لا أرانا الله ذلك أبداً. بدأهم بهذا القول العباس بن علي رضوان الله عليه ، واتبعته الجماعة عليه ، فتكلموا بمثله ونحوه .
قال الحسين عليه السلام : يا بني عقيل ، حسبكم من القتل بمسلم ، فاذهبوا فأنتم فقد أذنت لكم . قالوا: سبحان الله، فما يقول الناس، يقولون إنا تركنا شيخنا وسيدنا وبني عمومتنا خير الأعمام ولم نرم معهم بسهم ، ولم نطعن معهم برمح، ولم نضرب معهم بسيف ، ولا ندري ما صنعوا ، لا والله ما نفعل ذلك ولكن تفديك أنفسنا وأموالنا وأهلونا ، ونقاتل معك حتى نرد موردك ، فقبح الله العيش بعدك .
وكان أول من تكلم من أصحابه مسلم بن عوسجة رحمة الله عليه قال: أنخلي عنك وبمَ نعتذر إلى الله سبحانه في أداء حقك ؟ أما والله لا يكون ذلك حتى أطعن في صدورهم برمحي وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي ، ولو لم يكن معي سلاح أقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة ! والله لا نخليك حتى يعلم الله أن قد حفظنا غيبة رسول الله صلي الله عليه وآله فيك ، والله لو علمت أني أقتل ثم أحيا ثم أحرق ثم أحيا ثم أذرى ،
------------------------------------------- ص 160 -------------------------------------------
يفعل ذلك بي سبعين مرة ، ما فارقتك حتى ألقى حمامي دونك ، فكيف لا أفعل ذلك وإنما هي قتلة واحدة ، ثم هي الكرامة التي لا انقضاء لها أبداً » . ( الإرشاد: 2 / 93 ).
وقام زهير بن القين البجلي فقال: والله لوددت أني قتلت ثم نشرت ثم قتلت حتى أقتل هكذا ألف مرة ، وأن الله تعالى يدفع بذلك القتل عن نفسك ، وعن أنفس هؤلاء الفتيان من أهل بيتك . وتكلم جماعة أصحابه بكلام يشبه بعضه بعضاً في وجه واحد .
فجزَّاهم الحسين عليه السلام خيراً، وقال:إِنْ كنتم كذلك ، فارفعوا رُؤوسَكُمْ وَانظروا إلى منازلكم فِي الجنَّة . فكُشف لهم الغطاء ورأوا منازلهم وحورهم وقصورهم فيها ، والحور العين ينادين: العجل العجل فإنا مشتاقات إليكم! فقاموا بأجمعهم وسلُّوا سيوفهم وقالوا: ياأبا عبد الله ! إئذن لنا أن نغير على القوم ونقاتلهم حتى يفعل الله بنا وبهم ما يشاء.فقال عليه السلام :إجلسوا رحمَكمُ الله وجزاكم الله خيراً . ثم قال: أَلا ومن كان في رَحله امْرأةٌ فلينصرف بِها إِلى بني أَسَد ، فقام علي بن مظاهر وقال: ولماذا يا سيدي! فقال عليه السلام : إِنَّ نِسائي تُسْبى بَعْدَ قتلي وأخافُ على نسائكم من السَّبْيِ . فمضى علي بن مظاهر إلى خيمته ، فقامت زوجته إجلالاً له ، فاستقبلته وتبسمت في وجهه فقال لها: دعيني والتبسم! فقالت: يا ابن مظاهر! إني سمعت غريب فاطمة خطب فيكم وسمعت في آخرها همهمة ودمدمة فما علمت ما يقول؟ قال: يا هذه ! إن الحسين قال لنا: ألا ومن كان في رحله امرأةٌ فليذهب بِها إِلى بَني عَمِّها لأني غَداً أُقتَل وَنِسائي تُسْبى! فقالت: وما أنت صانع؟ قال: قومي حتى ألحقك ببني عمك بني أسد.
------------------------------------------- ص 161 -------------------------------------------
فقامت ونطحت رأسها في عمود الخيمة وقالت:والله ما أنصفتني يا ابن مظاهر! أيسرك أن تسبى بنات رسول الله صلي الله عليه وآله وأنا آمنة من السبي! أيسرك أن تسلب زينب إزارها من رأسها، وأنا أستتر بإزاري! أيسرك أن تذهب من بنات الزهراء أقراطها وأنا أتزين بقرطي! أيسرك أن يَبْيَضَّ وجهك عند رسول الله صلي الله عليه وآله ويَسْوَدَّ وجهي عند فاطمة الزهراء عليها السلام ؟
والله أنتم تواسون الرجال ونحن نواسي النساء . فرجع علي بن مظاهر إلى الحسين عليه السلام وهو يبكي . فقال له الحسين: ما يُبْكيكَ؟ فقال: سيدي أبت الأسدية إلا مواساتكم ! فبكى الحسين عليه السلام وقال: جُزيتم عنا خَيْراً .
وقال الحسين عليه السلام لأصحابه: إن رسول الله صلي الله عليه وآله قال لي: يا بُنَيَّ إنك ستساق إلى العراق ، وهي أرض قد التقى بها النبيون وأوصياء النبيين عليهم السلام ، وهي أرض تدعى عمورا ، وإنك تستشهد بها ويستشهد معك جماعة من أصحابك لايجدون ألم مس الحديد ، وتلا: قُلْنَا يَانَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَمًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ ، تكون الحرب عليك وعليهم برداً وسلاماً . فأبشروا فوالله لئن قتلونا فإنا نَرِدُ على نبينا ، ثم أمكث ما شاء الله فأكون أول من تنشق عنه الأرض ، فأخرج خرجة توافق خرجة أمير المؤمنين وقيام قائمنا عليهما السلام وحياة رسول الله صلي الله عليه وآله .
ملاحظات
1. جمعهم الإمام عليه السلام ليخبرهم بأن المعركة غداً ، ويجعلهم في حل من بيعته ونصرته ، وأنهم أحرار في أن ينسحبوا من المعركة ، وليأخذ كل واحد منهم بيد
------------------------------------------- ص 162 -------------------------------------------
رجل من أهل بيته الراغبين في الإنسحاب ، لأنهم أعرف بالمنطقة منهم ، فأكثرهم من أهل الكوفة ، أو رأوا المنطقة من قبل .
لقد جعلهم في حل بعد أن شكرهم ومدحهم ، ليعرفوا أنه جاد صادق ، وأنه لا يعتب على من تركه ، بل يدعو له بالخير والسلامة !
قال لهم: وإني قد أذنت لكم جميعاً فانطلقوا في حل ليس عليكم مني ذمام هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً، وليأخذ كل رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي، ثم تفرقوا في البلاد في سوادكم ومدائنكم حتى يفرج الله ، فإن القوم يطلبوني ، ولو أصابوني لهَوْا (ذُهلوا ) عن طلب غيري .
قال : أنا المسؤول عن موقفي ، وأنا المطلوب لهؤلاء ، أتحمل وحدي مسؤولية قراري بكل رضا ، ولا أحملكم معي مسؤولية ، فأنتم في حل !
هذا كلام الأولياء الكبار.. الأوصياء عليهم السلام ، كلام الصديقين.. أهل اليقين .
2. كانت أجوبتهم رضوان الله عليهم سريعة جازمة ، بأنا لا نتركك ، بل نموت قبلك.. نفديك بأرواحنا.. نصرتنا لك نصرة لديننا ، ولربنا عز وجل، ونبينا صلي الله عليه وآله . وإن تركناك فبماذا نجيب ربنا ونبينا، وبماذا نجيب الناس الذين سيقولون تركوا سيدهم وحده طعمة لسيوف أعدائهم وهربوا !
3. لقد اكتمل المشهد واتضح موقف الإمام عليهم السلام وموقف الأنصار الأبرار.. فجاء المدد الرباني.قال لهم الحسين عليه السلام : إِنْ كنتم كذلك ، فارفعوا رُؤوسَكُمْ وَانظروا إلى منازلكم فِي الجنَّة . فكشف لهم الغطاء ورأوا منازلهم وحورهم
------------------------------------------- ص 163 -------------------------------------------
وقصورهم فيها ، والحور العين ينادين: العجل العجل فإنا مشتاقات إليكم! فقاموا بأجمعهم وسلُّوا سيوفهم..الخ.. فقال عليه السلام : إجلسوا رحمَكمُ الله ..
معناه أن الإشارة جاءت للحسين عليه السلام فقال له الملك: قل لهم فليرفعوا رؤوسهم ولينظروا . ولا بد أن الإمام عليه السلام رأى المشهد هو فقال: أنظروا . ومعناه أنهم قدموا لله كل ما لديهم، فأتاهم المدد من الله تعالى . وجعله مشاهدة أماكنهم في الجنة، ثم تغييرخصائص أجسامهم فلم يحسوا بألم السيوف والرماح والنبال! فكانت هذه أول هدية ربانية لأنصار الحسين عليه السلام فرفرفت أرواحهم وأرادوا الرواح من ساعتهم ، فهدأهم الحسين عليه السلام .
فكيف نفسر ما حصل ؟
4. يقول النواصب: إنكم مغالون ، تدعون نزول الوحي على الحسين عليه السلام ، لكن ما المانع من نزول وحي الإمامة وليس وحي نبوة ! فقد أوحى الله الى أم موسى ، ثم هو الآن يوحي الى ملايين النحل ويدلها على طريق الرحيق . والإنسان أفضل من النحل ، والحسين عليه السلام سيد الناس .
5. ماذا رأى أصحاب الحسين عليه السلام ؟ هل رأوا فيلماً لأماكنهم في الجنة ، كل واحد منهم ما يخصه ؟ رأى كل منهم قصره الأساسي فيها وزوجته رئيسة الحور العين عنده ! ومعناه أن الله تعالى وسع في رؤيتهم فاستطاعوا أن يروا الآخرة والملأ الأعلى والجنة ، كل منهم مكانه فقط !
وقد ورد رؤية الجنة من الأرض، وفي رواية تفسير القمي أن النبي صلي الله عليه وآله وجبرئيل رأيا إسرافيل عليهما السلام وهو يصعد الى السماء السابعة ، وأنه عبر كل سماء بخطوة ! فمن السهل أن يعطى الإنسان القدرة على رؤية الجنة من الأرض.
------------------------------------------- ص 164 -------------------------------------------
6. عن على بن الحسين عليه السلام : لما اشتد الأمر بالحسين نظر إليه من كان معه ، فإذا هو بخلافهم ، لأنهم كلما اشتد الأمر تغيرت ألوانهم وارتعدت فرائصهم ووجبت قلوبهم ، وكان الحسين عليه السلام وبعض من معه من خاصته تشرق ألوانهم وتهدأ جوارحهم وتسكن نفوسهم. فقال بعضهم لبعض: أنظروا لا يبالي بالموت، فقال لهم الحسين عليه السلام :صبراً يا بنى الكرام ، فما الموت إلا قنطرة تعبر بكم عن البؤس والضراء إلى الجنان الواسعة والنعيم الدائم ، فأيكم يكره أن ينتقل من سجن إلى قصر ، وما هو لأعدائكم إلا كمن ينتقل من قصر إلى سجن وعذاب . إن أبي حدثني عن رسول الله صلي الله عليه وآله أن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، والموت جسر هؤلاء إلى جنانهم ، وجسر هؤلاء إلى جحيمهم ، ما كذبت ولا كذبت .

دعاؤه عندما زحف اليه ثلاثون ألفاً !


لما زحف اليه جيش يزيد، رفع الحسين عليه السلام يديه ودعا: (اللهم أنت ثقتي في كل كرب ورجائي في كل شدة ، وأنت لي في كل أمر نزل بي ثقة وعدة.كم من كرب يضعف عنه الفؤاد ، وتقل فيه الحيلة ، ويخذل فيه الصديق ، ويشمت به العدو، أنزلته بك وشكوته إليك، رغبة مني إليك عمن سواك ، ففرجته وكشفته. فأنت ولي كل نعمة وصاحب كل حسنة ومنتهى كل رغبة .
وسيأتي أنه عليه السلام كان كلما اشتد الأمر أشرق لونه وسكنت نفسه .
* *
------------------------------------------- ص 165 -------------------------------------------

الموضوع العاشر: ذبيح شاطئ الفرات بشرت به التوراة والإنجيل


حديث النبي صلي الله عليه وآله مطابق لنص التوراة والإنجيل


حديث النبي صلي الله عليه وآله مطابق لنص التوراة والإنجيل
قال الحسين عليه السلام لأصحابه: إن جدي رسول الله صلي الله عليه وآله قال لي: يا بُنَيَّ إنك ستساق إلى العراق ، وهي أرض قد التقى بها النبيون وأوصياء النبيين عليهم السلام ، وهي أرض تدعى عمورا، وإنك تستشهد بها ، ويستشهد معك جماعة من أصحابك لايجدون ألم مَسِّ الحديد ، وتلا: قُلْنَا يَانَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَمًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ ، تكون الحرب عليك وعليهم برداً وسلاماً . فأبشروا فوالله لئن قتلونا فإنا نَرِدُ على نبينا صلي الله عليه وآله .
هذا واحد من النصوص التي ربطت شهادة الحسين عليه السلام بالأنبياء السابقين عليه السلام . فقد وصفت التوراة في سفر إرميا ذبيحة لله في كركميش على شاطئ الفرات . وكتبت عالمة اللاهوت إيزابيل بنيامين ماما آشوري ما خلاصته:
عندما بحثت في معجم الكتاب المقدس وجدت أن كركميش تعني كربلاء فمن هذا السيد الذي ذُبح بجانب شط الفرات، ولماذا يصف الكتاب المقدس هذه الواقعة ، وكأن مصير البشرية يتوقف عليها ؟
ضمن دراستي الكهنوتية للكتاب المقدس والتي استمرت سنوات ، وأنا أتفكر في نص غريب موجود في الكتاب المقدس ، لكوني عراقية ونهرالفرات يمر في البلد الذي أسكنه، سألت عن هذا النص الكثير من قساوستنا وعلمائنا وأساتذتنا ، وراجعت التفاسير والمراجع الخاصة بتفسير الكتاب المقدس ،
------------------------------------------- ص 166 -------------------------------------------
ولكن يبدو أن الجميع تواطأ على السكوت، حتى التقيت بقداسة الأنبا المقدس البطريارك الماروني صبيح بولس بيروتي ، وسألته عن النص الذي يذكر بأن هناك ذبيح على شاطئ الفرات ، فمن يكون؟
فنظر إلي ملياً ثم قال: لولا أنك مسيحية وباحثة في علم اللاهوت ، وأن هذا ضمن دراساتك ، ما أجبتك على سؤالك ، ولكني سأجيب . قال:
أولاً: إن شاطئ النبوءة يمتد طولاً على امتداد نهر الفرات من منابعة وحتى مصبه في البصرة ، ولكنني استطعت أن أحصرمنطقة الحدث في صحراء تقع في العراق بالقرب من بابل .
الثاني: بحثت أيضاً عن تفسير هذه النبوءة فوجدت أنه من تاريخ نزول هذه النبوءة وحتى يومنا هذا لم تتحقق هذه النبوءة إلا مرة واحدة . قلت له: وأين المكان ومن هو الذبيح؟ قال: إن النبوءة تتحدث عن شخص مقدس ابن نبي وهو سيد عظيم مقدس اسمه إله سين . ولما سألت قداسة الأب بطرس دنخا كبيرالأساقفة عن معنى كلمة إله سين قال: أن العرب كانوا في جنوب العراق يقلبون الهاء حاءً، فتصبح الحسين . هذا هو المذبوح بشاطئ الفرات وهي نبوءة تتعلق بابن نبي مقدس جداً ، وهو سيكون سيداً في السماء .
جاء في سفر إرمياء الإصحاح 46، النبوءة التالية وهي تحكي عن المستقبل البعيد حيث كان وصف إرمياء النبي صحيحاً مائة بالمائة ، فقد كان الوصف مهيباً رهيباً ، كأنك ترى ذلك المقتول والجيوش التي التفت حوله:
(أسرجوا الخيل ، واصعدوا أيها الفرسان وانتصبوا بالخوذ ، إصقلوا الرماح ، إلبسوا الدروع . لماذا أراهم مرتعبين ومدبرين إلى الوراء ، وقد تحطمت أبطالهم
------------------------------------------- ص 167 -------------------------------------------
وفروا هاربين ، في الشمال بجانب نهر الفرات ، حيث عثروا وسقطوا لأن للسيد رب الجنود ذبيحة عند شط الفرات ) .
(من هذا الصاعد كالنيل كأنهار تتلاطم أمواهها. تصعد مصر كالنيل وكأنهار تتلاطم المياه . فيقول أصعد وأغطي الأرض. أهلك المدينة والساكنين فيها. إصعدي أيتها الخيل وهيجي أيتها المركبات ولتخرج الأبطال .كوش وفوط القابضان . المجن واللوديون القابضون والمادون القوس .
فهذا اليوم للسيد رب الجنود يوم نقمة للإنتقام من مبغضيه فيأكل السيف ويشبع ويرتوي من دمهم .لأن للسيد رب الجنود ذبيحة في أرض الشمال عند نهر الفرات ).
تقول النبوءة عن هذا السيد:ذهب ليرُد سلطته ، إلى كركميش ، ليُحارب عند الفرات في الصحراء العظيمة ، التي يُقال لها رعاوي عند الفرات ).
وكلمة كركميش تعني كربلاء ، وكلمة رعاوي هي الصحراء الواسعة التي تمتد من حدود بابل إلى عرعر والتي يسميها الكتاب المقدس رعاوي ، وهي بالقرب من مدفن مقدس لأهل الكتاب اسمه النواويس .
ولا يُعرف بالضبط السر في وجود دور عبادة لأهل الكتاب في هذا المكان تحيط به المقابر، ولكن الأب أنطوان يوسف فرغاني يقول: بأن أكثر أهل الكتاب دفنوا في هذا المكان ،لأنهم كانوا ينتظرون ذلك السيد المذبوح لينصروه لأنه مقدس جداً ، ولكن قدومه تأخر وماتوا وهم ينتظرونه ، ولذلك لم يُقتل مع هذا المقدس عند نهر الفرات سوى نصارى اثنين يُقال إنهم اعتنقوا دين هذا المقدس .
------------------------------------------- ص 168 -------------------------------------------
قال كعب الأحبار المتضلع بالتوراة ، عندما مر بجانب الفرات في كربلاء: (ما مررت في هذا المكان إلا وتصورت نفسي أنا المذبوح، حتى ذبح الحسين فقلنا هذا هو ، لأننا نروي أن ابن نبي يُذبح في هذا المكان) .انتهى.
أقول: عمورا ، في السريانية والعبرية العمارة أو المدينة فكربلاء كانت معمورة ، كما دلت الآثار والحفريات فيها . والنواويس جمع الناووس ، وهي مقبرة المسيحيين ، وهي قرية قديمة قرب كربلاء كان يسكنها المسيحيون .
وقال السيد سلمان طعمة في كتابه: تراث كربلاء(1/32) ما خلاصته:
كربلاء اسمٌ قديمٌ يرجع إلى عهد البابليين ، وهي مجموعة قرى بابلية قديمة منها نينوى تقع شمال شرقيِّ كربلاء، وهي الآن سلسلة تلولٍ ممتدة من جنوب سدة الهندية حتى مصب العلقميِّ في الأهوار، وتُعرف بتلول نينوى .
ومنها الغاضرية وهي الأراضي المنبسطة التي كانت مزرعةً لبني أسد ، وتقع اليوم في الشمال الشرقي للعلقمي ، وتُعرف بأراضي الحسينية .
ثمّ كربله ، بتفخيم اللام ، وتقع شرقي كربلاء وجنوبها . ثم كربلاء ، أو عَقْر بابل، وكانت به منازل بخت نصر .
أما الأطلال في شمال غربي كربلاء وتُعرف بكربلاء القديمة ، فيستخرج منها أحياناً جرار خزفية كان البابليون يدفنون موتاهم فيها .
ثم الحائر ، وهي الأرض المنخفضة التي تضم موضع قبر الحسين عليه السلام وقد حار الماء حولها على عهد المتوكل العباسي عام 236 هـ .
وسُمّيت كربلاء بالطَفّ لوقوعها على جانب نهر العلقمي ، وفيها عدة عيون ماء جارية ، منها الصيد والقطقطانية والرهيمة وعين الجمل وذواتها ، وهي عيون للموكلين بالمسالح التي كانت وراء الخندق الذي حفره شابور ، كحاجزٍ بينه وبين العرب .
------------------------------------------- ص 169 -------------------------------------------
ومنها شُفَيَّه ، وهي بئرٌ حفرها بنو أسدٍ قرب كربلاء ، وأنشأوا بجانبها قرية .
وكانت تُحيط بكربلاء عند ورود الحسين عليه السلام قرى، منها: عمورا ومارية وصفورا وشفية ، وقد أُطلقت عليها تسمياتٍ أخرى ، منها: مشهد الحسين أو مدينة الحسين ، والبقعة المباركة ، وموضع الإبتلاء ، ومحل الوفاء .
ويحدثنا التاريخ أن كربلاء كانت من أُمّهات مدن بين النهرين الواقعة على ضفاف نهر الفرات القديم ، المعروف بنهر الأكوباس .
وتؤكد مصادر قديمة وجود أنهارٍ كانت تروي المزارع في كربلاء ، كنهر العلقمي ، وقد طُمست بمرور الزمن وترسبات الغرين الذي يحمله الفرات خلال موسم الفيضان من كل عام . ولم يبق منها اليوم إلا نهر الحسينية .
وقيل العلقمي إسم لفرع من نهر الفرات بعد الأنبار. وجاء في تاريخ آل سلجوق لعماد الدين الأصفهاني في القرن الثامن: « إن جدول العلقمي كان يمرُّ بالمشهدين ، أي: كربلاء والنجف » . لكن سطح النجف اليوم أعلى.
ومنها نهر نينوى الذي يتفرع من عمود الفرات شمال سدة الهندية، وتقاطع مجراه باقٍ إلى اليوم ، ويقال إن البابليِّين حفروه مع تشكيل قرية نينوى .
أقول: هذا الترابط بين الحسين والأنبياء عليهم السلام وبشارتهم به شهيداً موعوداًً وصاحب مقام عظيم في السماء ، يدلنا على مكانته التي أخبر عنها جده النبي صلي الله عليه وآله ، وأنه عند أهل السماء أعظم منه ند أهل الأرض .
* *
------------------------------------------- ص 170 -------------------------------------------

الموضوع الحادي عشر: تعلم الحسين عليه السلام التكبير فصار سنة في الصلاة


جاء به النبي صلي الله عليه وآله الى المسجد وعلمه !


جاء به النبي صلي الله عليه وآله الى المسجد وعلمه !
روى الصدوق في الفقيه والعلل/332 ، والطوسي في التهذيب (2/67) بسند صحيح: (عن زرارة ، عن أبي جعفر عليه السلام قال:خرج رسول الله صلي الله عليه وآله إلى الصلاة وقد كان الحسين بن علي عليه السلام أبطأ عن الكلام حتى تخوفوا أن لا يتكلم وأن يكون به خرس ، فخرج به رسول الله صلي الله عليه وآله حامله على عاتقه وصفَّ الناس خلفه، فأقامه رسول الله على يمينه ، فافتتح رسول الله الصلاة فكبر الحسين حتى كبر رسول الله صلي الله عليه وآله سبع تكبيرات وكبر الحسين عليه السلام ، فجرت السنة بذلك. قال زرارة فقلت لأبي جعفر عليه السلام فكيف نصنع؟ قال: تكبر سبعاً وتحمده سبعاً، وتسبح سبعاً ، وتحمد الله وتثنى عليه ، ثم تقرأ ).
معنى ذلك: أن الله تعالى أخَّرَ نطق الحسين عليه السلام ، أكثر من سنة ، فخافوا عليه أن يكون أخرس ، فقال النبي صلي الله عليه وآله ابني ليس بأخرس ، ونزل جبرئيل عليه السلام فقال له خذه معك الى المسجد ، وأوقفه الى جنبك وقل له ليكبر بتكبيرك .
فحمل النبي صلي الله عليه وآله طفله على عاتقه ، وصفَّ الناس للصلاة ووقف أمامهم وأوقفه الى جنبه ، وأمره أن يكبر مثله ، وكبر النبي صلي الله عليه وآله تكبيرة الإحرام فلم يُحِر الحسين التكبير ، أي لم ينطق به فصيحاً . فأمر جبرئيل النبي صلي الله عليه وآله أن يعيد التكبير فأعاده فلم يحسن الحسين التكبير ست مرات ، فكبر النبي صلي الله عليه وآله السابعة فكبر الحسين عليه السلام بشكل صحيح فصيح فاستمر النبي صلي الله عليه وآله في صلاته فهي الصلاة
------------------------------------------- ص 171 -------------------------------------------
الوحيدة التي صلاهاالنبي صلي الله عليه وآله بسبع تكبيرات للإحرام ، أي بزيادة ست تكبيرات ، مع أن زيادة الواحدة تبطل الصلاة !
وقال له جبرئيل: قل لأمتك يفتتحوا الصلاة بست تكبيرات قبل تكبيرة الإحرام ، فيكون تشريع افتتاح الصلاة بست تكبيرات بسبب الحسين عليه السلام !
والسؤال هنا: كان يمكن للنبي صلي الله عليه وآله أن يعلم طفله النطق في البيت ، فلماذا أتى به الى المسجد على مسمع ومرأى من الناس؟
وكان يمكنه أن يعلمه خارج الصلاة ، فلماذا اختار تعليمه داخل الصلاة ؟
ولما لم يستطع الطفل أداء التكبير ، لماذا لم يتركه ويكمل صلاته ، فلماذا أعاد وأعاد حتى أحسن الحسين عليه السلام أداءها ؟
ثم .. لمَ جعلت التكبيرات الستة التي أخطأ فيها الحسين عليه السلام مستحبة في صلاة المسلمين ، ودخلت في الشريعة الى يوم القيامة ؟
فما هذا المقام العظيم للحسين عليه السلام أن يحمله النبي صلي الله عليه وآله وهو في السنة الثانية ، ويوقفه الى جانبه ويعلمه التكبير ، ويكون خطؤه في التكبير سنة نبوية ؟
إنها خطة من الله تعالى ليعرفنا مقام النبي صلي الله عليه وآله وعترته ، ويعرفنا أنهم لا يقاس بهم أحد ، فلا كبارهم كالكبار ، ولا أطفالهم كالأطفال !

الحسين وهاجر عليهما السلام صار عملهما سنة !


روى الكليني في الكافي(4/201) والبرقي في المحاسن(2/337) بسند صحيح عن معاوية بن عمار، قال: سألت الإمام الصادق عليه السلام عن السعي فقال: ( إن إبراهيم لما خلَّف هاجر وإسماعيل عليهم السلام بمكة عطش إسماعيل فبكى، فخرجت هاجر
------------------------------------------- ص 172 -------------------------------------------
حتى علت على الصفا وبالوادي أشجار ، فنادت هل بالوادي من أنيس؟ فلم يجبها أحد ، فانحدرت حتى عَلَت على المروة ، فنادت هل بالوادي من أنيس؟ فلم تزل تفعل ذلك حتى فعلته سبع مرات ، فأجرى الله ذلك سُنَّة ، فلما كانت في السابعة هبط عليها جبرئيل عليه السلام فقال لها: أيتها المرأة من أنت؟ قالت: أنا هاجر أم ولد إبراهيم . قال لها: وإلى من خلفك؟ قالت: أما إذا قلت ذلك لقد قلت له: يا إبراهيم إلى من تخلفني هاهنا ؟ فقال: إلى الله عز وجل أخلفك . فقال لها جبرئيل عليه السلام : نعمَ ما خلفك إليه ، ولقد وكلك إلى كافٍ فارجعي إلى ولدك ، ففحص الصبي برجله فنبعت زمزم ، فرجعت إلى البيت وقد أنبعت زمزم والماء ظاهر يجرى ، فجمعت حوله التراب فحبسته . قال أبو عبد الله عليه السلام :ولو تركته لكان سيحاً .
ثم مرَّ ركب من اليمن ولم يكونوا يدخلون مكة ، فنظروا إلى الطير مقبلة على مكة من كل فج ، فقالوا: ما أقبلت الطير على مكة إلا وقد رأت الماء ، فمالوا إلى مكة حتى أتوا موضع البيت ، فنزلوا واستقوا من الماء وتزودوا منه ما يكفيهم، وخلفوا عندهما من الزاد ما يكفيهما ، فأجرى الله لهم بذلك رزقاً ).
قال البخاري (4/114):(ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليها ونظرت هل ترى أحداً فلم تر أحداً ، ففعلت ذلك سبع مرات قال ابن عباس: قال النبي صلي الله عليه وآله : فذلك سعى الناس بينهما). وقال ابن بطال في شرح البخاري(4/327): (فبين في هذا الحديث أن سبب كونها سبعة أطواف ، وسبب السعي فيها فعل أم إسماعيل ذلك ).
------------------------------------------- ص 173 -------------------------------------------
أقول: فالأحاديث صريحة في أن الله تعالى جعل سعي امرأة بين ربوتين تبحث عن الماء لطفلها ، سُنَّةً وفريضة في مراسم الحج الى يوم القيامة !
وفي الكافي(4/434): (عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال: جعل السعي بين الصفا والمروة مذلة للجبارين ) .
وفي روضة المتقين (4/25): (أما أصل السعي فلما رواه الصدوق في الصحيح والكليني في الحسن كالصحيح ، عن معاوية بن عمار: عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن إبراهيم عليه السلام لما خلف إسماعيل بمكة عطش الصبي..الحديث).
ولا منافاة بين أن يكون تشريع السعي بفعل هاجر، وحكمته أن يُذل به الجبارون .
ملاحظات
1. إن ما يبدو لنا عفوياً ويقال إنه من فعل الطبيعة أو الصدفة ، مقصودٌ لله تعالى قصداً بنفسه وبأسبابه المتسلسلة التي أنتجته ، فلا سذاجة فيه ولا صدفة بل يتم طبق خطة وخريطة شاملة من ألفه الى يائه . وهذا معنى قوله تعالى: وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ .
وقوله تعالى: وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ الله إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ .
وقول الإمام الصادق عليه السلام (الكافي:1/149): (لا يكون شئ في الأرض ولا في السماء ، إلا بهذه الخصال السبع: بمشيئة ، و إرادة ، وقدر ، وقضاء ، وإذن ، وكتاب ، وأجل ، فمن زعم أنه يقدر على نقض واحدة فقد كفر) !
------------------------------------------- ص 174 -------------------------------------------
2. ونحن لا نعرف خطط الله تعالى ولا أسراره ، فعقولنا تقف عندها ، لكنها تقول: إنها فعل الله هو العليم الحكيم ، ونحن في أوج إدراكنا نبقى أطفالاً !
لقد أراد الله تعالى أن يتعبدنا ويمتحننا فجعل فعل امرأة تبحث عن الماء ، سنة من سنن دينه ، وجعل خطأ طفل في التكبير سنة في صلاة عباده !
قال أمير المؤمنين عليه السلام (نهج البلاغة:2/146): (ألا ترون أن الله سبحانه اختبر الأولين من لدن آدم صلوات الله عليه إلى الآخرين من هذا العالم بأحجار ، لا تضر ولاتنفع ، ولاتبصر ولاتسمع ، فجعلها بيته الحرام الذي جعله للناس قياماً. . ولكن الله يختبر عباده بأنواع الشدائد ، ويتعبدهم بأنواع المجاهد ، ويبتليهم بضروب المكاره ، إخراجاً للتكبر من قلوبهم ، وإسكاناً للتذلل في نفوسهم. وليجعل ذلك أبواباً فُتُحاً إلى فضله ، وأسباباً ذُللاً لعفوه ).
3. فالإمتحان أن نتعبد لأن الآمر عليم ، أو نتفلسف ونريد الأمور كما نريد! في قصص الأنبياء/34، بسند صحيح عن الصادق عليه السلام : لما أمر إبليس بالسجود لآدم فقال: يا رب وعزتك إن أعفيتني من السجود لآدم ، لأعبدك عبادة ما عبدك أحد قط مثلها!قال الله جل جلاله: إني أحب أن أطاع من حيث أريد ).
فالتوحيد أن لا تشرك بالله إرادتك ، بل تتعبد بأمره ولو لم تفهمه! فهذا هو التوحيد وغيره شرك خفي ! أنظر الى قوله تعالى: وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ . وقوله: قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ .
وقد أمرنا أن نسعى في الحج كما سعت هذه الولية الطاهرة ، وأحب لنا أن نتوجه في الصلاة بست تكبيرات حاولها الإمام الحسين عليه السلام وهو طفل !
------------------------------------------- ص 175 -------------------------------------------
قال الشهيد في شرح اللمعة(1/629): ( ويستحب التوجه بست تكبيرات في أول الصلاة قبل تكبيرة الإحرام وهو الأفضل ، أو بعدها ).
وقال في جواهر الكلام (10/345): ( وأما المسنون في الصلاة .. التوجه بست تكبيرات مضافة إلى تكبيرة الافتتاح بلا خلاف أجده فيه بل الإجماع بقسميه والنصوص دالة عليه ، والأولى في كيفيته ما رواه الحلبي في الحسن عن الصادق عليه السلام : بأن يكبر ثلاثاً ثم يدعو ، ثم يكبر اثنين ويدعو ، ثم يكبر اثنتين ويتوجه قال: إذا افتتحت الصلاة فارفع يديك ثم ابسطهما بسطاً ثم كبر ثلاث تكبيرات ، ثم قل: اللهم أنت الملك الحق المبين ، لا إله إلا أنت سبحانك إني ظلمت نفسي فاغفر لي ذنبي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ، ثم كبر تكبيرتين ، ثم قل: لبيك وسعديك والخير في يديك والشر ليس إليك ، والمهدي من هديت، لا ملجأ منك إلا إليك ، سبحانك وحنانيك ، تباركت وتعاليت ، سبحانك رب البيت ، ثم كبر تكبيرتين ثم تقول: وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين ، إِنَّ صَلاتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَلُ الْمُسْلِمِينَ..أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ، بسم الله الرحمن الرحيم ، ثم تقرأ الحمد ).
* *
------------------------------------------- ص 176 -------------------------------------------

الموضوع الثاني عشر: سبب أهمية زيارة الإمام الحسين عليه السلام


نظرة في عناوين زيارة الحسين عليه السلام


عقد الشيخ جعفر بن قولويه قدس سره في كتابه القيم:كامل الزيارات ، أبواباً لزيارة الحسين عليه السلام بعد أبواب زيارة النبي صلي الله عليه وآله والزهراء عليها السلام والأئمة عليهم السلام ، خلاصتها:
باب ما نزل به جبرئيل في الحسين عليهما السلام وإراءته التربة التي يقتل عليها.
باب ما نزل من القرآن بقتل الحسين عليه السلام .
باب علم الملائكة والأنبياء بقتل الحسين عليه السلام .
باب لعن الله تبارك وتعالى ولعن الأنبياء قاتل الحسين عليه السلام .
باب قول أمير المؤمنين في قتل الحسين عليهما السلام .
باب ما استدل به على قتل الحسين عليه السلام في البلاد .
باب ما جاء في قاتل الحسين وقاتل يحيى عليهما السلام .
باب بكاء جميع ما خلق الله على الحسين عليه السلام .
باب ثواب من بكى على الحسين عليه السلام .
باب من قال في الحسين عليه السلام شعراً فبكى وأبكى.
باب ثواب من شرب الماء وذكر الحسين عليه السلام ولعن قاتله.
باب بكاء علي بن الحسين على الحسين عليهما السلام .
باب في أن الحسين عليه السلام قتيل العبرة لا يذكره مؤمن إلا بكى.
باب ما روي أن الحسين عليه السلام سيد الشهداء .
باب زيارة الأنبياء والملائكة للحسين عليهم السلام .
------------------------------------------- ص 177 -------------------------------------------
باب دعاء رسول الله صلي الله عليه وآله وعلي وفاطمة والأئمة لزوار الحسين عليهم السلام .
باب دعاء الملائكة وصلاتهم لزوار قبر الحسين عليه السلام .
باب أن زيارة الحسين عليه السلام فرض وعهد لازم له ولجميع الأئمة عليهم السلام .
باب ثواب من زار الحسين عليه السلام بنفسه أو جهز إليه غيره .
باب ثواب من زار الحسين عليه السلام وعليه خوف .
باب ثواب ما للرجل في نفقته لزيارة الحسين عليه السلام .
باب كيف يجب أن يكون زائر الحسين عليه السلام .
باب ثواب من زار الحسين عليه السلام راكباً أو ماشياً .
باب كرامة الله تبارك وتعالى لزوار الحسين عليه السلام .
باب أن أيام زائري الحسين عليه السلام لا تعد من أعمارهم.
باب أن زائري الحسين عليه السلام في جوار رسول الله وعلي وفاطمة عليهم السلام .
باب أن زائري الحسين عليه السلام يدخلون الجنة قبل الناس .
باب ثواب من زار الحسين عليه السلام عارفاً بحقه .
باب من زار الحسين عليه السلام حباً لرسول الله وأميرالمؤمنين وفاطمة عليهم السلام .
باب من زار الحسين عليه السلام تشوقاً إليه .
باب من زار الحسين عليه السلام احتساباً.
باب أن زيارة الحسين عليه السلام أفضل ما يكون من الأعمال.
باب أن من زار الحسين عليه السلام كان كمن زار الله في عرشه عليه السلام .
باب أن زيارة الحسين والأئمة عليه السلام تعدل زيارة رسول الله صلي الله عليه وآله .
باب أن زيارة الحسين عليه السلام تزيد في العمر والرزق وأن تركها تنقصهما.
باب أن زيارة الحسين عليه السلام تحط الذنوب.
------------------------------------------- ص 178 -------------------------------------------
باب أن زيارة الحسين عليه السلام تعدل عمرة .
باب أن زيارة قبر الحسين عليه السلام تعدل حجة .
باب في أن زيارة الحسين عليه السلام تعدل حجة وعمرة .
باب إن زيارة الحسين عليه السلام تعدل حججاً .
باب أن زيارة الحسين عليه السلام تعدل عتق الرقاب .
باب أن زوار الحسين عليه السلام مشفعون .
باب أن زيارة الحسين عليه السلام يُنفس بها الكرب وتُقضى بها الحوائج.
باب ثواب زيارة الحسين عليه السلام يوم عرفة .
باب ثواب من زار الحسين عليه السلام يوم عاشوراء.
باب ثواب زيارة الحسين عليه السلام في النصف من شعبان .
باب ثواب من زار الحسين عليه السلام في رجب .
باب ثواب من زار الحسين عليه السلام في غير يوم عيد ولا عرفة .
باب من اغتسل في الفرات وزار الحسين عليه السلام .
باب الرخصة في ترك الغسل لزيارة الحسين عليه السلام .
باب أن زائري الحسين عليه السلام العارفين بحقه تشيعهم الملائكة .
باب فيمن ترك زيارة الحسين عليه السلام .
باب زيارات الحسين بن علي عليه السلام . روى فيه خمس عشرة زيارة .
باب كيف الصلاة عند قبر الحسين عليه السلام .
باب وداع قبر الحسين عليه السلام .
باب فضل كربلاء وزيارة الحسين عليه السلام .
باب ما يستحب من طين قبرالحسين عليه السلام وأنه شفاء.
------------------------------------------- ص 179 -------------------------------------------
باب من نأت داره وبعدت شقته كيف يزوره عليه السلام .
باب ما يكره من الجفاء لزيارة قبر الحسين عليه السلام .
باب أقل ما يزار فيه الحسين عليه السلام وأكثر ما يجوز تأخير زيارته.

زيارة الحسين عليه السلام عندنا ركن كالصلاة والصيام


تدل هذه عناوين كتاب كامل الزيارة على الإهتمام الكبير للأئمة عليهم السلام بزيارة الحسين عليه السلام . وأن مقامه عليه السلام مقام عظيم ، وولاءه وزيارة قبره من القضايا العملية الأولى في الإسلام .
ويشكل علينا المخالفون: كيف أعطيتم زيارة الحسين عليه السلام وإحياء ذكراه هذه الدرجة العظيمة ، وجعلتموها ركناً من أركان الدين العملية؟
فنقول: هذا مذهبنا حيث قام عليه الدليل ، فالحسين عليه السلام تجلى فيه الإسلام كله وإحياء نهضته إحياء للإسلام. وهذا عندنا مجمع عليه مفروغٌ عنه ومقدس .

زيارة الحسين عليه السلام فريضة واجبة ؟


1. روى فقهاؤنا الأحاديث الصحيحة في الحث على زيارة الحسين عليه السلام وفضلها وثوابها . وأحاديث صحيحة في التحذير من تركها ، وذم تاركها ذماً شديداً ، حتى أن الروايات أخرجته من الشيعة ، وقالت إنه إن دخل الجنة يكون فقيراً كالمستعطي من ضيفان الشيعة .
ورووا أحاديث صحيحة تصف زيارة الحسين عليه السلام بأنها واجبة وفريضة على الرجال والنساء . ومع ذلك لم نرأحداً من الفقهاء أفتى صريحاً بوجوبها حتى في العمر مرة . وهذا يبعث على العجب ! فكيف لا يفتون بالوجوب ؟!
------------------------------------------- ص 180 -------------------------------------------
الجواب عن ذلك: إما بسبب التقية وخوفهم من الخليفة ، لأنه كان حساساً من زيارة الحسين عليه السلام وقد عمل بكل ما استطاع لمنعها ، فنشر جنوده في الطرقات وطاردوا الزوار وقتلوا منهم ، وهدم قبر الحسين عليه السلام مرات !
فلو أفتي فقيه صراحة بوجوبها وأنها فريضة ، فقد جعل نفسه والشيعة في مواجهة مباشرة مع الخليفة .
وإما أن يكون فقهاؤنا رضي الله عنهم فهموا من سيرة الأئمة عليهم السلام والمتشرعة أن يتركوا الأمر للحث والتشجيع، ولايفتوا بوجوبه على كل شيعي مستطيع.
وأياً كان، فيجب على الشيعي أن يحتاط لدينه ويزور الحسين عليه السلام ولو مرة في عمره.
2. تبلغ الروايات التي تحث وتأمر بزيارة قبر الحسين عليه السلام العشرات ، والأهم من عددها ، أسلوبها الجازم الحاسم في التأكيد على زيارته عليه السلام .
وقد روى في كامل الزيارة/355، تحت عنوان: فيمن ترك زيارة الحسين عليه السلام ، سبع روايات كلها صحيحة ، وكلها تؤكد أو توجب زيارة الحسين عليه السلام :
منها: عن الباقر عليه السلام قال: من لم يأت قبر الحسين من شيعتنا حتى يموت ، كان منتقص الإيمان منتقص الدين ، وإن دخل الجنة كان دون المؤمنين في الجنة .
وعن الصادق عليه السلام : من لم يأت قبر الحسين وهو يزعم أنه لنا شيعة حتى يموت فليس هو لنا بشيعة ، وإن كان من أهل الجنة فهو من ضِيفان أهل الجنة .
ومنها: من كان لنا محباً فليرغب في زيارة قبر الحسين عليه السلام ، من كان للحسين زَوَّاراً عرفناه بالحب لنا أهل البيت وكان من أهل الجنة ، ومن لم يكن للحسين زواراً كان ناقص الإيمان .
------------------------------------------- ص 181 -------------------------------------------
ومنها: لو أن أحدكم حج ألف حجة ثم لم يأت قبر الحسين عليه السلام لكان قد ترك حقاً من حقوق الله تعالى ، وقال: حق الحسين عليه السلام مفروض على كل مسلم .
ومنها: قلت: فما لمن تركه رغبة عنه ، قال: الحسرة يوم الحسرة .
وعن هارون بن خارجة: سألته عمن ترك الزيارة زيارة قبر الحسين بن علي عليه السلام من غير علة ، قال: هذا رجل من أهل النار .
ومنها:/246: عن الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قلت: جعلت فداك ما تقول فيمن ترك زيارته وهو يقدر على ذلك؟ قال: أقول إنه قد عق رسول الله صلي الله عليه وآله واستخف بأمر هو له ، ومن زاره كان الله له من وراء حوائجه .
ومنها: عن أم سعيد الأحمسية قال لي: يا أم سعيد تزورين قبرالحسين ، قلت: نعم، فقال لي: زوريه فإن زيارة قبر الحسين واجبة على الرجال والنساء ) .
وفي وسائل الشيعة (14/428): (عن الإمام الصادق عليه السلام : لو أن أحدكم حج دهره ثم لم يزر الحسين بن علي عليه السلام ، لكان تاركاً حقاً من حقوق رسول الله صلي الله عليه وآله ، لأن حق الحسين فريضة من الله تعالى واجبة على كل مسلم ).

وجوب إعمار الكعبة وكذا مشاهد الأئمة عليهم السلام


أفتى عامة فقهائنا بوجوب إعمار الكعبة الشريفة وحرمة تعطيلها حتى سنة واحدة ، وكذا قبر النبي صلي الله عليه وآله لأن ترك زيارته جفاء له . وأفتى بعض فقهائنا بشمول ذلك لزيارة الحسين والأئمة رحمة الله عليه وهو رأي قوي فقهياً .
------------------------------------------- ص 182 -------------------------------------------
ففي الكافي(4/271) قال الإمام الصادق عليه السلام :لايزال الدين قائماً ما قامت الكعبة. لو ترك الناس الحج لما نوظروا العذاب. كان علي صلوات الله عليه يقول لولده: يا بني أنظروا بيت ربكم فلا يخلون منكم فلا تناظروا العذاب).
وقال الشيخ في النهاية/285: وإذا ترك الناس الحج ، وجب على الإمام أن يخبرهم على ذلك . وكذلك إن تركوا زيارة النبي، كان عليه إجبارهم عليها)
وقال في الجواهر(20/51): (إذا ترك الناس زيارة النبي صلي الله عليه وآله أجبروا عليها) لقول الإمام الصادق عليه السلام في صحيح حفص وهشام وحسين الأحمسي وحماد، ومعاوية بن عمار ، وغيرهم: لو أن الناس تركوا الحج لكان على الوالي أن يجبرهم على ذلك وعلى المقام عنده ، ولو تركوا زيارة النبي صلي الله عليه وآله لكان على الوالي أن يجبرهم على ذلك ، وعلى المقام عنده ، فإن لم يكن لهم أموال أنفق عليهم من بيت مال المسلمين ).
وفي تقريرات السيد الكلبايكاني(2/244):(وهذا جار أيضاً بالنسبة إلى زيارة أئمة الهدى عليهم ، فإن أهل النجف الأشرف أو أهل كربلاء مثلاً إذا تركوا زيارة مولانا على أو مولانا الحسين عليهما السلام بالمرة بحيث صار المرقد الشريف خالياً من الزوار ينتزع منه الإستهانة بهما عليهما السلام ويلومهم الناس ، وينسبونهم إلى قلة الدين وعدم الإعتناء بشعائر المسلمين، فيمكن القول بوجوب الزيارة في الجملة رفعاً للإستهانة ، أو حفظاً للشعار الإسلامي، وإن كانت بالنسبة إلى آحاد المسلمين مستحبة . وربما يستدل لوجوب زيارته صلي الله عليه وآله بقول أبي عبد الله عليه السلام في رواية حجر الأسلمي: قال رسول الله صلي الله عليه وآله : من أتى حاجاً ولم يزرني إلى المدينة جفوته
------------------------------------------- ص 183 -------------------------------------------
يوم القيامة ، ومن أتاني زائراً أوجبت له شفاعتي ، ومن أوجبت له شفاعتي وجبت له الجنة) .
بتقريب أن جفاءه صلي الله عليه وآله للذي أتى مكة ولم يزره قد دل على تحقق الجفاء من تارك الزيارة بالنسبة إليه صلي الله عليه وآله ، وإلا فهو لا يجفو من لم يجفه في دار الدنيا .
وقال السيد السيستاني في استفتاءاته/408: في جواب سؤال: أيهما أفضل زيارة الرسول صلي الله عليه وآله أم زيارة سيد الشهداء أبي عبد الله عليه السلام ؟
الجواب: رسول الله صلي الله عليه وآله أفضل الخلق فزيارته أيضاً أفضل الزيارات ، إلا أنه قد يطرأ عنوان خاص على بعض الزيارات يكسبها فضيلة أخرى ، بل ربما تبلغ حد الوجوب الكفائي ، ولعله كان كذلك في العهود السابقة التي منع فيها الناس عن زيارة سيد الشهداء عليه السلام .
فقد استقرب الوجوب الكفائي لزيارة الحسين والأئمة عليهم السلام كزيارة النبي صلي الله عليه وآله ، ويؤيده أن التعبير بالجفاء لتارك زيارة النبي صلي الله عليه وآله والحسين عليه السلام .
فالأقوى وجوب زيارة الحسين عليه السلام بالوجوب الكفائي ، كما أن الأقوى وجوب زيارته عليه السلام على المسلم المستطيع في العمر مرة .

استحباب زيارة الحسين عليه السلام حتى مع خوف القتل


تختلف زيارة الحسين عليه السلام عن الحج بأن خوف الضرر الكبير يُسقط وجوب الحج بينما خوف الضرر لا يسقط استحباب زيارة الحسين عليه السلام !
ففي منية الطالب(3/402):(لو استلزم الحج أو الجهاد ضرراً زائداً على ما يقتضيه نفس وجوبهما ، فلا محذور في القول بارتفاعهما كما لا يخفى ).
------------------------------------------- ص 184 -------------------------------------------
ومن مسائل الحج: إذا كان في الطريق عدو لا يمكن دفعه إلا ببذل مال معتد به، لم يجب بذله ، ويسقط وجوب الحج ).
أما زيارة الحسين عليه السلام فلا تسقط مع الخوف ! ففي الصحيح (كامل الزيارة/117): (عن معاوية بن وهب عن أبي عبد الله عليه السلام قال لي: يا معاوية لا تدع زيارة الحسين لخوف ، فإن من تركه رأى من الحسرة ما يتمنى أن قبره كان عنده !أما تحب أن يرى الله شخصك وسوادك فيمن يدعو له رسول الله صلي الله عليه وآله وعلي وفاطمة والأئمة عليهم السلام . أما تحب أن تكون ممن ينقلب بالمغفرة لما مضى ويغفر لك ذنوب سبعين سنة . أما تحب ان تكون ممن يخرج من الدنيا وليس عليه ذنب تتبع به . أما تحب أن تكون غداً ممن يصافحه رسول الله صلي الله عليه وآله
وفي كامل الزيارات/242: (قال زرارة: قلت لأبي جعفر عليه السلام : ما تقول فيمن زار أباك على خوف ، قال: يؤمنه الله يوم الفزع الأكبر وتلقاه الملائكة بالبشارة ، ويقال له: لا تخف ولا تحزن هذا يومك الذي فيه فوزك .
وقال ابن بكير للإمام الصادق عليه السلام : إني أنزل الأرجان (قرب شيراز) وقلبي ينازعني إلى قبر أبيك ، فإذا خرجت فقلبي وجل مشفق حتى أرجع خوفاً من السلطان والسعاة وأصحاب المسالح . فقال: يا بن بكير أما تحب أن يراك الله فينا خائفاً، أما تعلم أنه من خاف لخوفنا أظله الله في ظل عرشه ، وكان محدثه الحسين عليه السلام تحت العرش ، وآمنه الله من أفزاع يوم القيامة ، يفزع الناس ولا يفزع ، فإن فزع وقرته الملائكة وسكنت قلبه بالبشارة .
وفي هداية الأمة (5/483):(سأل الصادق عليه السلام رجلاً: هل تأتي قبر الحسين؟ قال: نعم على خوف ووجل. فقال: ما كان من هذا أشد،فالثواب فيه على قدر الخوف ).
------------------------------------------- ص 185 -------------------------------------------

دعاء الإمام الصادق عليه السلام لزوار الحسين عليه السلام


روى في الكافي (4/582): (عن معاوية بن وهب قال:استأذنت على أبي عبد الله فقيل لي: أدخل فدخلت فوجدته في مصلاه في بيته ، فجلست حتى قضى صلاته، فسمعته وهو يناجي ربه ويقول: يا من خصنا بالكرامة ، ووعدنا الشفاعة ، وخصنا بالوصية ، وأعطانا علم ما مضى وما بقي ، وجعل أفئدة من الناس تهوي إلينا، إغفر لي ولإخواني ولزوار قبر أبي عبد الله الحسين عليه السلام الذين أنفقوا أموالهم وأشخصوا أبدانهم رغبة في برنا ، ورجاء لما عندك في صلتنا ، وسروراً أدخلوه على نبيك صلواتك عليه وآله ، وإجابة منهم لأمرنا ، وغيظاً أدخلوه على عدونا ، أرادوا بذلك رضاك ، فكافهم عنا بالرضوان ، واكلأهم بالليل والنهار ، واخلف على أهاليهم وأولادهم الذين خلفوا بأحسن الخلف، واصحبهم واكفهم شر كل جبار عنيد ، وكل ضعيف من خلقك أو شديد ، وشر شياطين الإنس والجن . وأعطهم أفضل ما أملوا منك في غربتهم عن أوطانهم، وما آثرونا به على أبنائهم وأهاليهم وقراباتهم.
اللهم إن أعدائنا عابوا عليهم خروجهم ، فلم ينههم ذلك عن الشخوص إلينا، خلافاً منهم على من خالفنا . فارحم تلك الوجوه التي قد غيرتها الشمس ، وارحم تلك الخدود التي تقلبت على حفرة أبي عبد الله عليه السلام ، وارحم تلك الأعين التي جرت دموعها رحمة لنا ، وارحم تلك القلوب التي جزعت واحترقت لنا ، وارحم الصرخة التي كانت لنا ، اللهم إني أستودعك تلك الأنفس وتلك الأبدان ، حتى نوافيهم على الحوض يوم العطش !
------------------------------------------- ص 186 -------------------------------------------
فما زال وهو ساجد يدعو بهذا الدعاء ، فلما انصرف قلت: جعلت فداك لو إن هذا الذي سمعت منك كان لمن لايعرف الله لظننت أن النار لا تطعم منه شيئاً! والله لقد تمنيت أن كنت زرته ولم أحج ، فقال لي: ما أقربك منه فما الذي يمنعك من إتيانه ، ثم قال: يا معاوية لم تَدَعُ ذلك ؟ قلت:جعلت فداك لم أدر أن الأمر يبلغ هذا كله . قال: يا معاوية من يدعو لزواره في السماء أكثر ممن يدعو لهم في الأرض ).

خطة الله تعالى في الحسين عليه السلام


1. نعرف خطة الله تعالى في الحسين عليه السلام من جوابه للملائكة: إني أعلم ما لا تعلمون. قال تعالى: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ للَّمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ . وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هاؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ . قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَآ إِلا مَا عَلَّمْتَنَآ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ . قَالَ ياآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّآ أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ .
والخليفة هنا بالمعنى اللغوي، أي أن آدم وذريته خلفاء لمن كان قبلهم من الجن والملائكة يعرفون طبيعة آدم عليه السلام وذريته، وأنهم سيفسدون في الأرض ويسفكون الدماء.فطلبوا أن يكونوا هم خلفاء بدلهم ،لأنهم لا يفعلون ذلك .
2. أجابهم الله تعالى بقوله: إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ . فلم يردَّ قولهم إن بني آدم سيفسدون ويقتلون ، لكنه قال إن لهذا الأمر تكملة لا تعرفونها. أي سأسمح لهم بقانون صراع الخير والشر أن يعصوا ويفعلوا ما يريدون ، لكن الى حين ،
------------------------------------------- ص 187 -------------------------------------------
وسأرسل المهدي فيأخذ بثأر المظلومين من الأنبياء والأوصياء عليهم السلام ويطهر أرضي من الظلم ، ويقيم دولة العدل الى يوم القيامة .
3. ثم أجابهم تعالى بجواب عملي فعلَّم آدم ما لم تعلمه الملائكة فاستوعبه ، وامتحنهم فلم يعرفوه ، فقال لآدم علمهم فعلمهم ، يقول بذلك لهم: مع كل الضعف في ذرية آدم ، ففيهم عناصرقوة لاتوجد فيكم ، فاقتنعوا وخضوا وقالوا: سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَآ إِلا مَا عَلَّمْتَنَآ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ .
4. وموقع الحسين عليه السلام في هذه الخطة أنه رمز كل الظلامات ، وأن الثأر له ثأرٌ لكل المظلومين ، والمهدي إبنه سيأخذ بثأر المظلومين كلهم .
فالحسين عليه السلام تجسيم مأساة الصالحين من الطواغيت ، والكوميديا الربانية كما يعبرون . والآخذ بثأره ولده المهدي عليه السلام .

قضية الحسين عليه السلام تتعاظم حتى يظهر المهدي عليه السلام


1. قال المفيد في أجوبة المسائل العكبرية/74: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ: وقد قالت الإمامية: إن الله تعالى ينجز الوعد بالنصر للأولياء قبل الآخرة عند قيام القائم ، والكرَّة التي وعد بها المؤمنين).
2.قالت زينب عليها السلام في خطبتها في مجلس يزيد:(فكدْ كيدك واسعَ سعيك وناصب جَهدك! فوالله لا تمحو ذكرنا ولا تميت وحينا ولا تدرك أمدنا. ولا تَرحض عنك عارها ، وهل رأيُك إلا فَنَد وأيامك إلا عَدَد وجمعك إلا بَدَد ، يوم ينادي المنادي ألا لعنة الله على الظالمين ). ( الإحتجاج:2/35 ، واللهوف/215) .
3. روى في الكافي (1/465): عن محمد بن حمران، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام : لما كان من أمر الحسين عليه السلام ما كان ، ضجت الملائكة إلى الله بالبكاء وقالت: يفعل
------------------------------------------- ص 188 -------------------------------------------
هذا بالحسين صفيك وابن نبيك؟ قال: فأقام الله لهم ظل القائم عليه السلام وقال: بهذا أنتقم لهذا ).
وفي الكافي (1/534): (فأوحى الله إليهم يا ملائكتي ويا سماواتي ويا أرضي، أسكنوا. ثم كشف حجاباً من الحجب فإذا خلفه محمد صلي الله عليه وآله واثنا عشر وصياً له، وأخذ بيد فلان القائم من بينهم، فقال: يا ملائكتي ويا سماواتي ويا أرضي بهذا أنتصر لهذا . قالها ثلاث مرات ).
4. وفي كمال الدين(2/653): (قال أبو جعفر عليه السلام : يخرج القائم عليه السلام يوم السبت يوم عاشوراء ، اليوم الذي قتل فيه الحسين عليه السلام ).
وفي الإرشاد/361: قال أبو عبد الله عليه السلام :ينادى باسم القائم عليه السلام في ليلة ثلاث وعشرين ويقوم في يوم عاشوراء، وهو اليوم الذي قتل فيه الحسين عليه السلام ، لكأني به في يوم السبت العاشر من المحرم قائماً بين الركن والمقام جبرئيل عليه السلام عن يمينه ينادي البيعة لله ، فتصير إليه شيعته من أطراف الأرض تطوى لهم طياً حتى يبايعوه ، فيملأ الله به الأرض عدلاً كما ملئت جوراً وظلماً ) .
5. وفي البحار(52/307): (عن أبي جعفر عليه السلام في حديث قال: فيدعو رجلاً من أصحابه فيقول له: إمض إلى أهل مكة فقل: يا أهل مكة أنا رسول فلان إليكم وهو يقول لكم: إنا أهل بيت الرحمة ، ومعدن الرسالة والخلافة ، ونحن ذرية محمد وسلالة النبيين ، وإنا قد ظلمنا واضطهدنا ، وقهرنا وابتز منا حقنا منذ قبض نبينا إلى يومنا هذا فنحن نستنصركم فانصرونا ).
وفي تفسير العياشي (1/64):
(في خطبة الإمام المهدي عليه السلام عند ظهوره: يا أيها الناس إنا نستنصر الله على من ظلمنا وسلب حقنا . من يحاجنا في الله فأنا أولى بالله .
ومن يحاجنا في آدم فأنا أولى الناس بآدم .
------------------------------------------- ص 189 -------------------------------------------
ومن حاجنا في نوح فأنا أولى الناس بنوح .
ومن حاجنا في إبراهيم فأنا أولى الناس بإبراهيم .
ومن حاجنا بمحمد فأنا أولى الناس بمحمد صلي الله عليه وآله .
ومن حاجنا في النبيين فنحن أولى الناس بالنبيين .
ومن حاجنا في كتاب الله فنحن أولى الناس بكتاب الله .
إنا نشهد وكل مسلم اليوم أنا قد ظلمنا وطردنا وبغي علينا وأخرجنا من ديارنا وأموالنا وأهالينا وقهرنا . ألا إنا نستنصر الله اليوم وكل مسلم )..
أقول: سنذكر هذا المضمون أيضاً في الموضوع الخامس عشر .
* *
------------------------------------------- ص 190 -------------------------------------------

الموضوع الثالث عشر: شفاعة الحسين عليه السلام يوم الورود


صورة عامة عن الشفاعة


من آيات القرآن في الشفاعة:


أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ . قُلْ للهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ .
وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ . لايَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ. يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ .
اللهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِىٍّ وَ لا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ . وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِى السَّمَوَاتِ لا تُغْنِى شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى .
وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِى السَّمَوَاتِ وَلا فِى الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ.
وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ .
وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِى نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنصَرُونَ.يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِىَ لَهُ قَوْلا.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَاتِىَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ . مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ .
فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ ، وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ . فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ .
شفاعة نبينا صلي الله عليه وآله : عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا . وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى .

من نصوص اليهود والنصارى في الشفاعة:


------------------------------------------- ص 191 -------------------------------------------
في قاموس الكتاب المقدس/513:(شفاعة: وهي التوسط بين شخص وآخر . وهي دليل محبة الإنسان لأخيه الإنسان ، كما أنها مؤسسة على أن معاملة الله للبشر معاملة ليست فردية فحسب ، بل جماعية أيضاً .
والصلاة الشفاعية قديمة قدم نوح ( تك 8: 20 و 22) وإبراهيم ( تك 17: 18 و 23 - 33 ) وموسى ( خر 15: 25 ).
وحياة المسيح كانت مليئة بالصلوات الشفاعية . بل إن الصلاة الربانية تحمل روح الشفاعة في طلب الملكوت ومغفرة ذنوب الآخرين . والصلاة الشفاعية يرفعها الإنسان لأجل صديق أو لأجل عدو ( مت 5: 44 )
وفي قاموس الكتاب المقدس/795: وصف يسوع بأنه رئيس كهنة المؤمنين العظيم الذي نضح قدس الأقداس السماوي بدمه ، والذي جلس عن يمين الآب هناك حيث هو الآن يشفع فيهم. ( عب4: 14 و 7: 25 و 9: 12 ) الخ .

الشفاعة لا تنافي العدالة الإلهية


بحثنا الشفاعة بتفصيل في المجلد الثالث من كتاب العقائد الإسلامية ، وكتبنا في: ألف سؤال وإشكال(1/133): يمكن توضيح الشفاعة بأنها قاعدة الإستفادة من الدرجات الإضافية، كأن يقال للطالب صاحب المعدل العال: يمكنك أن تستفيد من نمراتك الإضافية فتعطيها إلى أصدقائك ، الأقرب فالأقرب من النجاح . ولنفرض أن الانسان يحتاج للنجاة من النار ودخول الجنة إلى 51 درجة ، بقاعدة: مَنْ رَجُحَتْ حسناتُه على سيئاتِه، فالذي بلغ عمله 400 درجة مثلاً يسمح له أن يوزع 349 درجة على أعزائه ، بأن يكونوا مثلاً من أقربائه
------------------------------------------- ص 192 -------------------------------------------
القريبين ، ويكون عند أحدهم ثلاثين درجة فما فوق ، وذلك لتحقيق أفضل استفادة وأوسعها من الدرجات الإضافية .
فقد نصت أحاديث الأئمة عليهم السلام على أن شفاعة المؤمن تكون على قدر عمله ، ففي مناقب آل أبي طالب (2/15) عن الإمام الباقر عليه السلام في قوله تعالى: وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ، قال: (ذلك النبي صلي الله عليه وآله وعلي عليه السلام يقوم على كُوم قد علا الخلايق فيشفع ، ثم يقول: يا علي إشفع . فيشفع الرجل في القبيلة ، ويشفع الرجل لأهل البيت ، ويشفع الرجل للرجلين على قدر عمله ، فذلك المقام المحمود ) .
وبما أن درجات الناس متفاوتة ، وأعظمهم عملاً وأعلاهم درجةً نبينا صلي الله عليه وآله فهو أعظمهم درجةً وشفاعةً عند الله تعالى .
فالشفاعة مقننة بقوانين عادلة ككل أعمال الله الدقيقة الحكيمة ، وليست من نوع الوساطات الدنيوية كما تصور المستشرق اليهودي جولد تسيهر في كتابه مذاهب التفسير الإسلامي/192، فمدح المعتزلة لقولهم بعدم شمول الشفاعة لمرتكبي الكبائر، قال: لايريدون التسليم بقبول الشفاعة على وجه أساسي حتى لمحمد ، ذلك بأنه يتعارض مع اقتناعهم بالعدل الإلهي المطلق .
وقد تأثر بهم الوهابية فقالوا: إن الشفاعة هي بالشكل فقط، وليست حالة وساطة بالمعنى الذي يفهمه الناس في علاقتهم بالعظماء ،حيث يلجؤون إلى الأشخاص الذين تربطهم بهم علاقة أو مصلحة ، ليكونوا الواسطة في إيصال مطالبهم وقضاء حوائجهم). ( خلفيات مأساة الزهراء:1/221 ) .

الشفاعة للأنبياء والأوصياء عليهم السلام والمؤمنين


------------------------------------------- ص 193 -------------------------------------------
1. قال الصدوق في الإعتقادات/66: (اعتقادنا في الشفاعة أنها لمن ارتضى الله دينه من أهل الكبائر والصغائر ، فأما التائبون من الذنوب فغيرمحتاجين إلى الشفاعة . وقال النبي صلي الله عليه وآله : من لم يؤمن بشفاعتي فلا أناله الله شفاعتي . وقال: لا شفيع أنجح من التوبة . والشفاعة للأنبياء والأوصياء عليهم السلام والمؤمنين والملائكة . وفي المؤمنين من يشفع في مثل ربيعة ومضر . وأقل المؤمنين شفاعة من يشفع لثلاثين إنساناً . والشفاعة لا تكون لأهل الشك والشرك ، ولأهل الكفر والجحود ، بل تكون للمذنبين من أهل التوحيد ).
2. روى في المحاسن(1/184): ( عن أبي حمزة الثمالي قال: قال أبو جعفر عليه السلام : إن لرسول الله صلي الله عليه وآله شفاعة في أمته ، ولنا شفاعة في شيعتنا ، ولشيعتنا شفاعة في أهل بيتهم . وقال الصادق عليه السلام : إن الجار ليشفع لجاره ، والحميم لحميمه ، ولو أن الملائكة المقربين والأنبياء المرسلين شفعوا في ناصب ما شُفعوا .
وقال في قول الله: فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ. وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ . قال: الشافعون: الأئمة ، والصديق من المؤمنين .
عن سماعة قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن المؤمن هل يشفع في أهله؟ قال: نعم، المؤمن يشفع فيشفع . قال: إن المؤمن منكم يوم القيامة ليمر عليه بالرجل وقد أمر به إلى النار فيقول له: يا فلان أغثني فقد كنت أصنع إليك المعروف في الدنيا، فيقول المؤمن للملك: خل سبيله ، فيأمر الله الملك أن أجز قول المؤمن! فيخلى الملك سبيله ).
------------------------------------------- ص 194 -------------------------------------------
3. وروى الصدوق في التوحيد/407: (عن محمد بن أبي عمير ، قال: سمعت موسى بن جعفر عليه السلام يقول: لا يخلد الله في النار إلا أهل الكفر والجحود وأهل الضلال و الشرك . ومن اجتنب الكبائر من المؤمنين لم يسأل عن الصغائر ، قال الله تبارك و تعالى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيمًا . قال فقلت له: يا ابن رسول الله فالشفاعة لمن تجب من المذنبين؟ قال: حدثني أبي عن آبائه عن علي عليهم السلام قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وآله يقول: إنما شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي فأما المحسنون منهم فما عليهم من سبيل. قال ابن أبي عمير:فقلت له يا ابن رسول الله فكيف تكون الشفاعة لأهل الكبائر، والله تعالى ذكره يقول: وَلايَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ. ومن يرتكب الكبائر لا يكون مرتضى!
فقال: يا أبا أحمد ما من مؤمن يرتكب ذنباً إلا ساءه ذلك وندم عليه ، وقد قال النبي صلي الله عليه وآله : كفى بالندم توبة ، وقال: من سرته حسنته وساءته سيئة فهو مؤمن. فمن لم يندم على ذنب يرتكبه فليس بمؤمن ، ولم تجب له الشفاعة وكان ظالماً ، والله تعالى ذكره يقول:مَا للَّظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ .
فقلت له: يا ابن رسول الله وكيف لا يكون مؤمناً من لم يندم على ذنب يرتكبه؟ فقال: يا أبا أحمد ما من أحد يرتكب كبيرة من المعاصي و هو يعلم أنه سيعاقب عليها إلا ندم على ما ارتكب ، ومتى ندم كان تائباً مستحقاً للشفاعة ومتى لم يندم عليها كان مصراً ، والمصر لايغفر له لأنه غير مؤمن بعقوبة ما ارتكب ، ولو كان مؤمناً بالعقوبة لندم وقد قال النبي صلي الله عليه وآله : لا كبيرة مع الإستغفار ولا صغيرة مع الإصرار .
------------------------------------------- ص 195 -------------------------------------------
وأما قول الله عز وجل:وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى، فإنهم لايشفعون إلا لمن ارتضى الله دينه ، والدين الإقرار بالجزاء على الحسنات والسيئات ، فمن ارتضى الله دينه ندم على ما ارتكبه من الذنوب ، لمعرفته بعاقبته في القيامة).

من تشمله الشفاعة ومن لاتشمله


بينت الأحاديث الشريفة من له حق الشفاعة ، ومن تشمله ، ومن لا تشمله .
قال الصادق عليه السلام (الكافي:8/405): (واعلموا أنه ليس يغني عنكم من الله أحد من خلقه شيئاً، لاملك مقرب ولانبي مرسل ، ولا من دون ذلك، فمن سره أن تنفعه شفاعة الشافعين عند الله ، فليطلب إلى الله أن يرضى عنه ، واعلموا أن أحداً من خلق الله لم يصب رضا الله إلا بطاعته وطاعة رسوله ، وطاعة ولاة أمره من آله ، ولم ينكر لهم فضلاً ، عَظُمَ ولا صَغُر ).
وفي الكافي (6/400): (قال رسول الله صلي الله عليه وآله : لاينال شفاعتي من استخف بصلاته ، ولايَرِدُ عليَّ الحوض لا والله.لاينال شفاعتي من شرب المسكر ، ولا يرد علي الحوض لا والله )!

النواصب وقتلة الحسين عليه السلام لا تنالهم الشفاعة


قال الإمام الصادق عليه السلام (المحاسن:1/184): (إن الجار ليشفع لجاره والحميم لحميمه ولو أن الملائكة المقربين والأنبياء المرسلين شفعوا في ناصب ، ما شُفِّعُوا).
وفي كامل الزيارات/144: (عن أبي عبد الله عليه السلام قال:كان الحسين عليه السلام مع أمه تحمله ، فأخذه رسول الله صلي الله عليه وآله فقال: لعن الله قاتليك ولعن الله سالبيك ، وأهلك الله المتوازرين عليك ، وحكم الله بيني وبين من أعان عليك .
------------------------------------------- ص 196 -------------------------------------------
فقالت فاطمة: يا أبه أي شئ تقول ، قال: يا بنتاه ذكرت ما يصيبه بعدي وبعدك من الأذى والظلم والغدر والبغي ، وهو يومئذ في عصبة كأنهم نجوم السماء يتهادون إلى القتل ، وكأني أنظر إلى معسكرهم والى موضع رحالهم وتربتهم! فقالت: يا أبه وأين هذا الموضع الذي تصف ، قال: موضع يقال له كربلاء ، وهي ذات كرب وبلاء علينا وعلى الأمة ، يخرج عليهم شرار أمتي ، ولو أن أحدهم شفع له من في السماوات والأرضين ما شفعوا فيهم وهم المخلدون في النار !
قالت: يا أبه فيقتل ، قال: نعم يا بنتاه ، وما قتل قتلته أحد كان قبله ، وتبكيه السماوات والأرضون والملائكة والوحش والحيتان في البحار والجبال ، لو يؤذن لها ما بقي على الأرض متنفس ، وتأتيه قوم من محبينا ليس في الأرض اعلم بالله ولا أقوم بحقنا منهم ، وليس على ظهر الأرض أحد يلتفت إليه غيرهم ، أولئك مصابيح في ظلمات الجور ، وهم الشفعاء ، وهم واردون حوضي غداً ، أعرفهم إذا وردوا علي بسيماهم ، وأهل كل دين يطلبون أئمتهم وهم يطلبوننا ولايطلبون غيرنا ، وهم قوام الأرض ، بهم ينزل الغيث ).
وفي جواهر الكلام(20/92): (قال رسول الله صلي الله عليه وآله لعلي عليه السلام : والله لتُقتلن بأرض العراق وتُدفن بها ، قلت يا رسول الله: ما لمن زار قبورنا وعمرها وتعاهدها ؟ فقال: يا أبا الحسن إن الله قد جعل قبرك وقبر وُلدك بقاعاً من بقاع الجنة وعرصة من عرصاتها ، وإن الله تعالى جعل قلوب نجباء من خلقه وصفوة من عباده تحن إليكم ، وتتحمل المذلة والأذى فيكم ، فيعمرون قبوركم ويكثرون زيارتها ، تقرباً منهم إلى الله تعالى ومودة منهم لرسوله، أولئك يا علي
------------------------------------------- ص 197 -------------------------------------------
المخصوصون بشفاعتي ، والواردون حوضي وهم زواري غداً في الجنة . يا علي من عمر قبوركم وتعاهدها فكأنما أعان سليمان بن داود عليهما السلام على بناء بيت المقدس ، ومن زار قبوركم عدل ذلك له ثواب سبعين حجة بعد حجة الإسلام، وخرج من ذنوبه حتى يرجع من زيارتكم كيوم ولدته أمه ، فأبشر وبشر أولياءك ومحبيك من النعيم وقرة العين ، بما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر .
ولكن حثالة من الناس يعيرون زوار قبوركم بزيارتكم ، كما تعير الزانية بزناها ، أولئك شرار أمتي لا أنالهم الله شفاعتي ، ولا يَرِدُون حوضي ).
وفي بصائر الدرجات/70: (قال رسول صلي الله عليه وآله :من سره أن يحيا حياتي ويموت ميتتي ، ويدخل جنة ربى التي وعدني جنة عدن منزلي قضيب من قضبانه غرسه ربس تبارك وتعالى بيده فقال له كن فكان ، فليتول علي بن أبي طالب والأوصياء من ذريته . إنهم الأئمة من بعدي هم عترتي من لحمي ودمي ، رزقهم الله فضلي وعلمي ، وويل للمنكرين فضلهم من أمتي، القاطعين صلتي، والله ليقتُلُنَّ ابني الحسين ! لا أنالهم الله شفاعتي).
وفي كامل الزيارات/160: ( عن أبي نصر، عن رجل من أهل بيت المقدس أنه قال: والله لقد عرفنا أهل بيت المقدس ونواحيها عشية قتل الحسين بن علي! قلت: وكيف ذاك ، قال: ما رفعنا حجراً ولا مدراً ولا صخراً إلا ورأينا تحتها دماً عبيطاً يغلي ، واحمرت الحيطان كالعلق ، ومُطرنا ثلاثة أيام دماً عبيطاً ، وسمعنا مناديا ينادي في جوف الليل يقول:
أترجو أمة قتلت حسينا
شفاعة جده يوم الحساب
معاذ الله لا نلتم يقيناً
شفاعة أحمد وأبي تراب
------------------------------------------- ص 198 -------------------------------------------
قتلتم خير من ركب المطايا
وخير الشيب طراً والشباب
وانكسفت الشمس ثلاثة أيام ، ثم تجلت عنها وانشبكت النجوم ، فلما كان من غد أرجفنا بقتله ، فلم يأت علينا كثير شي حتى نُعِيَ إلينا الحسين) .

من شفاعة الحسين عليه السلام لزواره


أوردنا في الموضوع السادس عدة أحاديث تضمنت شفاعة الحسين عليه السلام لزواره .
وجاء في زيارته عليه السلام طلب الشفاعة منه (كامل الزيارات/380): (السلام عليك يا أبا عبد الله ، السلام عليك يا حجة الله في أرضه وشاهده على خلقه ، السلام عليك يا ابن رسول الله...جئتك مقراً بالذنوب ، إشفع لي عند ربك يا ابن رسول الله ). وجاء في ختام زيارة عاشوراء:
( ثم تسجد وتقول: اللّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ حَمْدَ الشّاكِرِينَ لَكَ عَلى مُصابِهِمْ ، الْحَمْدُ للَّهِ عَلى عَظِيمِ رَزِيَّتِي . اللّهُمَّ ارْزُقْنِي شَفاعَةَ الحُسَيْنِ عليه السلام يَوْمَ الوُرُودِ وَثَبِّتْ لِي قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَكَ مَعَ الحُسَيْنِ وَأَصْحابِ الحُسَيْنِ الَّذِينَ بَذَلُوا مُهَجَهُمْ دُونَ الحُسَيْنِ عليه السلام ) (عاشوراء فوق الشبهات(1/51) للمرجع التبريزي قدس سره).

زوار الحسين عليه السلام مشفوع لهم ومُشَفَّعُون


في كامل الزيارات ( 1/165) وفي طبعة/309 وطبعة/289: (الباب الثامن والستون أن زوار الحسين عليه السلام مُشَفَّعُون . وهذه درجة أعلى من شمولهم بالشفاعة . فقد روى سيف التمار ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن زائرالحسين عليه السلام مشفع يوم القيامة لمائة رجل كلهم قد وجبت لهم النار، ممن كان في الدنيا من المسرفين .
عن سليمان بن خالد ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: ويغفر لزائري قبر الحسين عليه السلام خاصة ولأهل بيتهم ولمن يشفع له يوم القيامة كائناً من كان ، قلت: وإن كان رجلاً قد استوجب النار ، قال: وإن كان ما لم يكن ناصبياً .
------------------------------------------- ص 199 -------------------------------------------
عن عبد الله بن شعيب التميمي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ينادي مناد يوم القيامة: أين شيعة آل محمد؟ فيقوم عنق من الناس لايحصيهم إلا الله تعالى ، فيقومون ناحية من الناس، ثم ينادي مناد: أين زوار قبر الحسين؟فيقوم أناس كثير فيقال لهم: خذوا بيد من أحببتم ، إنطلقوا بهم إلى الجنة، فيأخذ الرجل من أحب ، حتى أن الرجل من الناس يقول لرجل: يا فلان أما تعرفني أنا الذي قمت لك يوم كذا وكذا ، فيدخله الجنة لا يدفع ولا يمنع .
عن صفوان الجمال ، عن أبي عبد الله عليه السلام : قلت: فما لمن قتل عنده يعني قبر الحسين عليه السلام جار عليه السلطان فقتله، قال: أول قطرة من دمه يغفر له بها كل خطيئة وتغسل طينته التي خلق منها الملائكة حتى تخلص كما خلصت الأنبياء المخلصين، ويذهب عنها ما كان خالطها من أدناس طين أهل الكفر، ويغسل قلبه ويشرح صدره ويملأ إيماناً ، فيلقي الله وهو مخلص من كل ما تخالطه الأبدان والقلوب، ويكتب له شفاعة في أهل بيته وألف من إخوانه ، وتولي الصلاة عليه الملائكة مع جبرئيل وملك الموت ، ويؤتي بكفنه وحنوطه من الجنة، ويوسع قبره عليه ، ويوضع له مصابيح في قبره ، ويفتح له باب من الجنة).
* *
------------------------------------------- ص 200 -------------------------------------------

الموضوع الرابع عشر: معاوية بن يزيد خرِّيج مدرسة أبي ذر


أوجد أبو ذر تياراً وربى تلاميذ كباراً


أوجد أبو ذر تياراً وربى تلاميذ كباراً
أوجد أبو ذر تياراً قوياً مناهضاً لبني أمية ، موالياً لعلي والعترة عليهم السلام ، وربى مجموعة تلاميذ علماء عملوا معه ، وربوا تلاميذهم على ذلك ، فواصلوا دعوة أبي ذر بالسر والعلن ، وكان تأثيرهم في الشام عميقاً واسعاً .
ويكفي دليلاً تأثيرهم على الأسرة الأموية الحاكمة ، بشخص معاوية بن يزيد الذي جعله أبوه يزيد ولي عهده ، ولما هلك تقبل ابنه البيعة وصعد المنبر وألقى خطبة العرش ، ففجر ثورة في البلاط الأموي!
وكان معه أستاذه عمر بن نعيم العنسي المعروف بالمقصوص، مؤدب أولاد يزيد ، تلميذ أسامة النخعي تلميذ أبي ذر ، وكان معاوية الثاني ينفذ توجيه أستاذه حيث قال له: إعتدل أو اعتزل .

معاوية الثاني فجَّرالنظام الأموي


قال ابن العبري في مختصرتاريخ الدول/111: (لما مات يزيد صار الأمر إلى ولده معاوية وكان قدرياً ، لأن عمرالمقصوص كان علمه ذلك فدانَ به وتحققه، فلما بايعه الناس قال للمقصوص: ما ترى؟ قال: إما أن تعتدل أو تعتزل. فخطب معاوية بن يزيد فقال: إن جدي معاوية نازع الأمر من كان أولى به وأحق ، ثم تقلده أبي ولقد كان غير خليق به. ولا أحب أن ألقى الله عز وجل بتبعاتكم، فشأنكم وأمركم ولَّوه من شئتم ).
وقال اليعقوبي (2/253): ( ثم ملك معاوية بن يزيد بن معاوية ، وأمه أم هاشم بنت أبي هاشم بن عتبة بن ربيعة ، أربعين يوماً وقيل بل أربعة أشهر ، وكان له
------------------------------------------- ص 201 -------------------------------------------
مذهب جميل ، فخطب الناس فقال: أما بعد حمد الله والثناء عليه أيها الناس ، فإنا بلينا بكم وبليتم بنا ، فما نجهل كراهتكم لنا وطعنكم علينا .
ألا وإن جدي معاوية بن أبي سفيان نازع الأمر من كان أولى به منه في القرابة برسول الله صلي الله عليه وآله وأحق في الاسلام ، سابق المسلمين ، وأول المؤمنين ، وابن عم رسول رب العالمين ، وأبا بقية خاتم المرسلين ، فركب منه ما تعلمون ، وركبتم منه ما لا تنكرون ، حتى أتته منيته وصار رهناً بعمله .
ثم قلد أبي وكان غير خليق للخير ، فركب هواه واستحسن خطاه ، وعظم رجاؤه ، فأخلفه الأمل وقصرعنه الأجل ، فقلَّت منعته ، وانقطعت مدته ، وصار في حفرته ، رهناً بذنبه وأسيراً بجرمه .
ثم بكى وقال: إن أعظم الأمور علينا علمنا بسوء مصرعه وقبح منقلبه ، وقد قتل عترة الرسول وأباح الحرمة وحرق الكعبة ، وما أنا المتقلد أموركم ولا المتحمل تبعاتكم فشأنكم أمركم ، فوالله لئن كانت الدنيا مغنماً لقد نلنا منها حظاً ، وإن تكن شراً فحسب آل أبي سفيان ما أصابوا منها !
فقال له مروان بن الحكم: سُنَّها فينا عُمَرية ، قال: ما كنت أتقلدكم حياً وميتاً، ومن لي برجل مثل رجال عمر !
وتوفي وهو ابن ثلاث وعشرين سنة، وصلى عليه خالد بن يزيد بن معاوية ، وقيل بل عثمان بن محمد بن أبي سفيان ، ودفن بدمشق وكان بها ينزل ) .
ملاحظات
( معاوية الثاني شيعي وليس قدرياً كما قالوا ، ولم يقل للأمويين فشأنكم وأمركم ولا اعتزل الحكم ، بل طلب منهم أن يفوضوه ليرجع الحق الى أهله. ولم يقل لهم الى من يريد نقل الخلافة إلا لما دسوا له السم ويئس من الحياة .
------------------------------------------- ص 202 -------------------------------------------
ففي تاريخ حبيب السير(3/131) وقاموس الرجال للتستري (10/144):
( أيها الناس قد نظرت في أموركم وفي أمرى فإذا أنا لا أصلح لكم والخلافة لا تصلح لي ، إذْ كان غيرى أحق بها مني ، وسأخبركم به ، هذا علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب زين العابدين عليهم السلام ، ليس يقدر طاعن أن يطعن فيه ، فإذا أردتموه فأقيموه ، على أني أعلم أنه لا يقبلها ).
ويظهر أنه التقى بالإمام زين العابدين عليه السلام ، لما جاؤوا به أسيراً الى يزيد .
( وأشد ما أغضب بني أمية منه أنه أعلن في خطبة العرش أن الخلافة حق شرعي لعلي والحسن والحسين عليهم السلام وأن جده غاصب بأخذها ، وظالمٌ بعهده ليزيد. وأنه وأباه يلاقيان الآن جزاء عملهما ، وويل لهما إن لم يغفر الله لهما .
وتعبيره ينازع الأمر أهله ، يدل على ثقافته الشيعية ،لأن النبي صلي الله عليه وآله كان من أول بعثته يأخذ البيعة من الأنصار ومن عامة المسلمين في بيعة الشجرة وغيرها ، على أن لا ينازعوا الأمر أهله ، أي لاينازعوا أهل بيته الخلافة .
روى البخاري (8/122): (كيف يبايَع الإمام: عن عبادة بن الصامت قال: بايعنا رسول الله صلي الله عليه وآله على السمع والطاعة في المنشط والمكره ،وأن لا ننازع الأمر أهله، وأن نقوم أو نقول بالحق حيثما كنا ،لا نخاف في الله لومة لائم).
وروته عامة مصادر الحديث والفقه،وقال ابن حجر في فتح الباري(13/6): (قوله: وأن لا ننازع الأمر أهله: أي الملك والإمارة ).
لذلك نؤمن بأن كل من نازع علياً وأهل البيت عليهم السلام الحكم والإمامة والقيادة فقد نقض بيعته للنبي صلي الله عليه وآله بأن لاينازع الأمر أهله.
وكان المسلمون يفهمون هذا من: نازع الأمر أهله، لكنهم كانوا يخافون من زعماء قريش أو يداهنون !
------------------------------------------- ص 203 -------------------------------------------
وقد فهم ذلك وأعلنه معاوية الثاني ، وقال إن جده معاوية نازع الأمر أهله . ولما طلبوا منه إقامة ولي عهد قال:(ومن جعل لي هذا العهد في أعناق الناس! والله لولا خوفي الفتنة لما أقمت عليها طرفة عين). (شرح النهج:15/263) .
ويكفينا هذا مستنداً لعقيدتنا فيمن يزعم أن له على الناس حق الطاعة أو حق البيعة بدون نص من رسول الله صلي الله عليه وآله ، كما زعم القرشيون بعد النبي صلي الله عليه وآله .

صدع معاوية الثاني بفضائل أهل البيت عليهم السلام


فقد اعترف بحق علي والحسن والحسين عليهم السلام ، وروى بعض فضائلهم كما رويناها. قال الباعوني الدمشقي في جواهر المطالب (2/261): (لما استُخلف معاوية بن يزيد صعد المنبر فجلس عليه طويلاً، ثم حمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه ، ثمّ قال: أيّها الناس والله ما أنا بالراغب في التأمير عليكم ، ولا بالآمن لعظيم ما أكرهه منكم ، إنما بلينا بكم وبليتم بنا. ألا إن جدي نازع الأمر من كان أولى به منه، لقرابته برسول الله صلي الله عليه وآله وقديمه وسابقته، أعظم المهاجرين قدراً، وأولهم إيماناً ، ابن عم رسول الله صلي الله عليه وآله وزوج ابنته ، جعله لها بعلاً باختياره له لها، وجعلها له زوجة باختيارها له ، فهما بقية رسول الله صلي الله عليه وآله وسلالة خاتم النبيين. فركب جدي منه ما تعلمون ، وركبتم معه منه ما لا تجهلون ، ثم انتظمت لجدي منيته ، وصار مرتهناً بعمله ، فريداً في قبره .
ثم تقلد أبي أمركم بهوى أبيه الذي كان فيه ، فلقد كان بسوء فعله وإسرافه على نفسه غير خليق بالخلافة على أمة محمد صلي الله عليه وآله ولا جدير بها ، فركب هواه واستحسن خطاه ، وأقدم على ما أقدم عليه جرأةً على الله ، وبغياً على ما استحل حرمته ، فقلَّت مدته وانقطع أثره ، وضاجع عمله ، وحصل على ما قدم ، وأنسانا الحزن عليه الحزن له بما قدمه ، فليت شعري ما قال وما قيل له! وخنقته العبرة وبكى بكاء شديداً وعلا نحيبه! وسبَّح طويلاً ثم قال: وصرت أنا ثالث
------------------------------------------- ص 204 -------------------------------------------
القوم، والساخط فيما أرى أكثر من الراضي ، وما كان الله يراني أحمل إمامتكم وألقاه بتبعاتكم ، فشأنكم بأمركم ، خذوه وولوه من شئتم ممن يقوم بسياستكم فولوه أموركم . فقال له مروان: سُنَّها يا أبا ليلى عمرية؟ قال: أتخدعني يا مروان عن ديني ونفسي! يا مروان إئتني برجال مثل رجال عمر حتى أفعل، فوالله لئن كان هذا الأمر مغنماً لقد أصاب آل أبي سفيان منها حظاً كافياً، ولئن كان شراً فحسبهم ما أصابوه ! ثم نزل عن المنبر فدخل الخضراء فقالت له أمه (هي خالته): ليتك كنت حيضة ! فقال: والله لوددت ذلك ، ولم أعلم أن لله ناراً يعذب بها من عصاه ! إن لم يرحم الله أبي وجدي فويلٌ لهما !
ثم إنه مات بعد أربعين يوماً ، فوثب بنو أمية على مؤدبه المعروف بعمر المقصوص وقالوا له: أنت علمته هذا ! فقال: لا والله وإنه لمطبوع عليه ، والله ما حلف قط إلا بمحمد وآل محمد ، وما رأيته أفرد محمداً منذ عرفته ) !
راجع: اليعقوبي: 2/240، والمسعودي: 3/73. ومختصرالدول/111، وتاريخ دمشق: 13/365. وابن حجر في الصواعق/134. وسيأتي أنهم دفنوه حياً ! رضي الله عنه .

كان معاوية الثاني ذكياً قوياً صاحب بصيرة


( قال ابن كثير في النهاية (8/261):(كان رحمة الله عليه أبيض شديد البياض، كثير الشعر، كبير العينين ، جعد الشعر، أقنى الأنف ، مدور الرأس ، جميل الوجه ، كثير شعر الوجه ، دقيقه ، حسن الجسم ).
وقال ابن عساكر(59/299): (كان أبيض قضيفاً (نحيفاً ) حسن الوجه دقيقه).
وقال في التنبيه والإشراف/265:(كان ربعة من الرجال ، نحيفاً يعتريه صفار).
وقال البلاذري (5/356): (قام الضحاك بأمر الناس بدمشق، ولم يعزل معاوية بن يزيد أحداً من عمال أبيه ، ولاحرك شيئاً ، ولا أمر ولا نهى. وروى عن
------------------------------------------- ص 205 -------------------------------------------
الكلبي قال:مات ابن ثلاث وعشرين، ودفن في مقبرة باب الصغير بدمشق). والمعروف في عصرنا أن قبره في سوق البزورية ، وهو في دكان صغير ، وقد زرته .
وقال ابن خياط في تاريخه/255: ( فأقر عمال أبيه ولم يولِّ أحداً ، ولم يزل مريضاً حتى مات...وصلى عليه الوليد بن عتبة بن أبي سفيان ) .
وقال البلاذري (5/357): (كانت أم معاوية بن يزيد وهي أم هاشم بنت أبي هاشم بن عتبة، امرأة برزة عاقلة ، فدعا يزيد يوماً بمعاوية بن يزيد وأمه حاضرة فأمره بأمر فلما ولى قالت له: لو وليت معاوية عهدك ، فقال: أفعل . وناظر حسان بن بحدل الكلبي في أمره فشجعه على البيعة له ، فأحضر الناس وأعلمهم أنه قد ولَّاه الخلافة بعده ، فبايع له ابن بحدل والناس ، فلما مات يزيد بحوارين بويع لمعاوية بالخلافة وهو كاره ، وكان سبب موت يزيد أنه ركَّض فرساً فسقط عنه وأنه أصابه قطع ، ويقال إن عنقه اندقت) .
أقول: الصحيح عندنا في هلاكه كما في كامل الزيارة أن الله تعالى جعله كالفحمة !
( وقد شوهت السلطة الأموية شخصية معاوية الثاني رحمة الله عليه وصورته ضعيفاً اختار الإنزواء والعبادة ، ورفض أن يوصي إلى أحد ، ومرض ومات !
وفي لسان العرب (11/609): (يقال إن القرشي إذا كان ضعيفاً يقال أبو ليلى ، وإنما ضعف معاوية لأن ولايته كانت ثلاثة أشهر . قال: وأما عثمان بن عفان فيقال له أبو ليلى لأن له ابنة يقال لها ليلى) .
لكن ليس في بنات عثمان ليلى! فاخترعوها ليبعدوا عن عثمان تهمة الضعف !
وقد تواترخبر ضعف عثمان ، حتى أنه أعطى خاتم الخلافة الى مروان !
أما معاوية الثاني فكيف يكون ضعيفاً وهو الذي اتخذ قراراً ضد النظام الأموي من أساسه وفاجأ رجال الحكم، وشخصيات الأمويين وشياطينهم وأتباعهم ، وأغضبهم ، وأصرعلى موقفه ، وتحمل نتائجه مهما كانت!
------------------------------------------- ص 206 -------------------------------------------
وكيف يكون ضعيفاً وهو الذي مجَّد علي بن أبي طالب وأولاده عليهم السلام من منبر الخلافة الأموية ، وأعلن أنهم أصحاب الحق وأنه يريد إرجاع الحق اليهم؟
وكيف يكون ضعيفاً، وقد ضحى بأمبراطوريته وبدمه ! وهو شاب في مقتبل العمر ، تتوق نفسه الى الحياة ، والى نعيم قصور بني أمية . فلم يأبه بكل ذلك ورماه كما يرمي الحذاء !وهذا غايةٌ في الإيمان والتضحية والشجاعة!
وكيف يكون ضعيفاً، وقد طرد من مجلسه كبيرالأمويين وشيطانهم مروان بن الحكم ، وقال له أخرج عني يا ابن الزرقاء، وكان مروان آمراً ناهياً في القصر!
وقد تصدى مروان بن الحكم يومها لمناقشته ، وأراد منه أن يجعل الخلافة شورى أموية ليكون هو البارز فيها ، وقد أكثر الإلحاح عليه !
قال في تاريخ دمشق(59/302): (وجَهِدَ به مروان أن يجعل لهم عهداً فأبى )!
وقال البلاذري (5/356):(حدثني هشام بن عمار عن الوليد بن مسلم قال: دخل مروان بن الحكم على معاوية بن يزيد فقال له: لقد أعطيت من نفسك ما يعطي الذليل المهين ! ثم رفع صوته فقال: من أراد أن ينظر الى حالقة آل حرب بن أمية فلينظر إلى هذا ! فقال له معاوية: يا ابن الزرقاء أخرج عني ، لا قبل الله لك عذراً يوم تلقاه )! وحالقتهم التصرف الذي يفنيهم !
وقد وصفه النبي صلي الله عليه وآله بابن الزرقاء وأبى أن يدعو له. والزرقاء أمه بغية مشهورة .
روى ابن حماد وهو إمام عندهم ، في كتابه الفتن (1/129): ( عن راشد بن سعد أن مروان بن الحكم لما ولد دُفع إلى رسول الله صلي الله عليه وآله ليدعو له فأبى أن يفعل ، ثم قال: ابنُ الزرقاء ! هلاك عامة أمتي على يديه ويدي ذريته ) !
ووصفه بذلك الإمامان الحسنان عليهما السلام ( تاريخ دمشق: 13/292) والإمام زين العابدين عليه السلام ( الكافي: 6/19)والأحنف بن قيس (الطبقات: 7/96 وتاريخ دمشق: 1/360 والطبري: 4/251 ) . ومعناه أن ثقافة معاوية بن يزيد رحمة الله عليه كانت شيعية .
------------------------------------------- ص 207 -------------------------------------------
قال ابن الجوزي في تذكرة الخواص/188:(ذكر هشام بن محمد الكلبي عن محمد بن إسحاق قال: بعث مروان بن الحكم وكان والياً على المدينة رسولاً إلى الحسن عليه السلام فقال له يقول لك مروان: أبوك الذي فرق الجماعة ، وقتل أمير المؤمنين عثمان ، وأباد العلماء والزهاد يعني الخوارج ، وأنت تفخر بغيرك . فإذا قيل لك: من أبوك؟ تقول: خالي الفرس! فجاء الرسول إلى الحسن عليه السلام فقال له: يا أبا محمد إني أتيتك برسالة ممن يخاف سطوته ويحذر سيفه ، فإن كرهت لم أبلغك إياها ووقيتك بنفسي . فقال الحسن عليه السلام :لا بل تؤديها ونستعين عليه بالله فأداها فقال له: تقول لمروان إن كنت صادقاً فالله يجزيك بصدقك ، وإن كنت كاذباً فالله أشد نقمة !
فخرج الرسول من عنده فلقيه الحسين عليه السلام فقال: من أين أقبلت؟ فقال من عند أخيك الحسن فقال: وما كنت تصنع؟ قال أتيت برسالة من عند مروان فقال وما هي؟ فأعادها عليه فقال: قل له يقول لك الحسين: يا ابن الزرقاء الداعية إلى نفسها بسوق ذي المجاز، صاحبة الراية بسوق عكاظ ، ويا ابن طريد رسول الله ولعينه ، إعرف من أنت ومن أمك ومن أبوك !
فجاء الرسول إلى مروان فأعاد عليه ما قالا فقال له: إرجع إلى الحسن وقل له أشهد أنك ابن رسول الله ، وقل للحسين: أشهد أنك ابن علي بن أبي طالب!
قال الأصمعي: أما قول الحسين يا ابن الداعية إلى نفسها فذكر ابن إسحاق أن أم مروان إسمها أمية وكانت من البغايا في الجاهلية ، وكان لها راية مثل راية البيطار تعرف بها ، وكانت تسمى أم حبتل الزرقاء ، وكان مروان لا يعرف له أب ، وإنما نسب إلى الحكَم ، كما نسب عمرو إلى العاص .
وأما قوله: يا ابن طريد رسول الله، يشير إلى الحكم بن أبي العاص بن أمية ابن عبد شمس، أسلم يوم الفتح وسكن المدينة وكان ينقل أخبار رسول الله إلى
------------------------------------------- ص 208 -------------------------------------------
الكفار من الأعراب وغيرهم ويتجسس عليه .قال الشعبي:وما أسلم إلا لهذا ولم يحسن اسلامه ، ورآه رسول الله يوماً وهو يمشي يتخلج في مشيته يحاكي رسول الله صلي الله عليه وآله فقال له:كن كذلك! فما زال يمشي كأنه يقع على وجهه! ونفاه رسول الله إلى الطايف ولعنه ، فلما توفي رسول الله صلي الله عليه وآله كلم عثمان أبا بكر ان يرده لأنه كان عم عثمان فقال أبو بكر هيهات شئ فعله رسول الله والله لا أخالفه أبداً! فلما مات أبو بكر وولي عمر كلمه فيه فقال يا عثمان أما تستحي من رسول الله ومن أبي بكر ترد عدو الله وعدو رسوله إلى المدينة ! والله لا كان هذا أبداً. فلما مات عمر ووليَ عثمان رده في اليوم الذي وليَ فيه وقربه وأدناه ودفع له مالاً عظيماً ورفع منزلته ، فقام المسلمون على عثمان وأنكروا عليه! وهوأول ما أنكروا عليه وقالوا رددت عدو الله ورسوله وخالفت الله ورسوله! فقال: إن رسول الله وعدني برده فامتنع جماعة من الصحابة عن الصلاة خلف عثمان لذلك . ثم توفي الحكم في خلافته فصلى عليه ومشى خلفه ، فشق ذلك على المسلمين وقالوا ما كفاك ما فعلت حتى تصلي على منافق ملعون ، لعنه رسول الله صلي الله عليه وآله ونفاه .
وأعطى ابنه مروان خمس غنائم إفريقية خمس مائة ألف دينار. ولما بلغ عائشة أرسلت إلى عثمان: أما كفاك أنك رددت المنافق حتى تعطيه أموال المسلمين، وتصلي عليه وتشيعه ! قالت: أقتلوا نعثلاً قتله الله ، فقد كفر.
ولما بلغ مروان إنكارها جاء إليها يعاتبها فقالت له:أخرج يا ابن الزرقاء ، إني أشهد على رسول الله أنه لعن أباك وأنت في صلبه ).
( ونحوه مناقب آل أبي طالب: 3/184 ، والمستقصى في أمثال العرب: 1/202) وتاريخ دمشق: 35/36 ، والإشراف لابن أبي الدنيا/219 ، والمنتظم: 5/323 ) . والطبراني الكبير: 22/306 ، ومسند الشاميين: 2/325 ، والآحاد للضحاك (1/394 ، و:
------------------------------------------- ص 209 -------------------------------------------
4/247 ) . تاريخ الطبري: 4/599 ، والنهاية: 6/272 ، والمنتظم: 6/91 ، وابن الأثير: 4/88 ) وقد حرف رواة الأمويين لعْنة النبي صلي الله عليه وآله وجعلوها مدحاً لأمه ! فقال الضحاك في الآحاد والمثاني(1/394): ( وكانت تسمى الزرقاء من حسن عينيها)!

رفض أمبراطورية جده وقدم نفسه للشهادة !


قال ابن قتيبة في الإمامة والسياسة (2/10): (فلبث والياً شهرين وليالي محجوباً لا يُرى ، ثم خرج بعد ذلك فجمع الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس ، إني نظرت بعدكم فيما صار إلي من أمركم وقلدته من ولايتكم ، فوجدت ذلك لايسعني فيما بيني وبين ربي أن أتقدم على قوم فيهم من هو خير مني وأحقهم بذلك، وأقوى على ما قلدته ، فاختاروا مني إحدى خصلتين: إما أن أخرج منها وأستخلف عليكم من أراه لكم رضاً ومقنعاً ، ولكم الله عليَّ ألا آلوكم نصحاً في الدين والدنيا. وإما أن تختاروا لأنفسكم وتخرجوني منها . قال: فأنفَ الناس من قوله وأبوْا ذلك ، وخافت بنو أمية أن تزول الخلافة منهم فقالوا: ننظر في ذلك يا أميرالمؤمنين ونستخير الله فأمهلنا . قال: لكم ذلك وعجِّلوا عليَّ . فلم يلبثوا بعدها إلا أياماً حتى طُعِن (مرض مرض الموت) فدخلوا عليه فقالوا له: إستخلف على الناس من تراه لهم رضاً . فقال لهم: عند الموت تريدون ذلك ، لا والله لا أتزودها ! ما سعدت بحلاوتها فكيف أشقى بمرارتها، ثم هلك رحمة الله عليه ولم يستخلف أحداً ) .
وقال المفيد في الإختصاص/131: (وهلك معاوية بن يزيد وهو ابن إحدى وعشرين سنة ، وولي الأمر أربعين ليلة ).
أقول: دسوا له السُّم ، ثم قالوا له فوضناك فولِّ الخلافة من شئت ! فقال لهم: الآن تفوضوني ، أردت ذلك وأنا سالم لأرتب أمركم ، أما الآن فلا ينفع .
------------------------------------------- ص 210 -------------------------------------------
قال الطبري(4/409): (ثم دخل منزله ولم يخرج إلى الناس، وتغيب حتى مات. فقال بعض الناس: دُس إليه فسقيَ سُماً .وقال بعضهم طُعن). من الطاعون .
وقال المسعودي في مروج الذهب (3/73): (وقد تنوزع في سبب وفاته ، فمنهم من رأى أنه سقي شَربة ، ومنهم من رأى أنه مات حَتْفَ أنفه ، ومنهم من رأى أنه طُعن ، وقبض وهو ابن اثنتين وعشرين سنة ).
وقال ابن الأثير (الكامل:4/131): (وقيل: إنه مات مسموماً ).
وقال ابن كثير في النهاية (8/261): (ويقال إنه سقيَ ، ويقال إنه طعن) .
وأقوال المؤرخين والرواة ، تكشف محاولات السلطة وأتباعها لإنكار سُمه .

ثم سمموا ابن عمه الوليد فمات وهو يصلي عليه !


قتل بنو أمية معاوية الثاني وابن عمه الوليد بن عتبة ، لأنه قال: (إذا مت فليصل علي الوليد بن عتبة) (الطبقات:5/39). فخافوا أن تكون وصية له ، وجعلها الوليد حجة ليبايعوه ، لكن مروان سارع الى قتله !
قال المسعودي (3/73): (وصلى عليه الوليدُ بن عتبة بن أبي سفيان ، وليكون الأمر له من بعده ، فلما كبَّر الثانية طُعن فسقط ميتاً قبل تمام الصلاة ، فقُدم عثمان بن عتبة ابن أبي سفيان ، فقالوا: نبايعك؟ قال: على أن لا أُحارب ولا أُباشر قتالاً، فأبوا ذلك عليه ، فصار إلى مكة ودخل في جملة ابن الزبير. وزال الأمر عن آل حَرْب فلم يكن فيهم من يرومها ، ولا يرتجى أحد منهم لها )!
وقال ابن عساكر(31/3):(فقدم للصلاة عليه الوليد بن عتبة وكان أسن آل أبي سفيان فلما كبرعليه الثالثة خرّ َمطعوناً فلم يرفعوه إلا ميتاً ! فقدموا عليه عثمان بن عنبسة بن أبي سفيان وكان أسن آل أبي سفيان ، فلما صلى عليه أحاطوا به فقالوا: نبايعك بالخلافة؟ فقال لا، بل ألحق بخالي ابن الزبير).
------------------------------------------- ص 211 -------------------------------------------
وقال البلاذري في فتوحه (1/270): ( فلما كبرالثانية طُعن فسقط ميتاً قبل تمام الصلاة ، فقُدم عثمان بن عتبة بن أبي سفيان ) .
وكان الوليد الذي سقط وهو يصلي على معاوية الثاني من أغنياء بني أمية ، فقد اشترى من علي بن الحسين ضيعةً للحسين عليهما السلام بتسع وسبعين ألف دينار ، قضى منها ديناً كان على الحسين عليه السلام . وذكروا أنه كان والياً على المدينة فطمع بضيعة للحسين عليه السلام فهدده الحسين بأن ينادي بحلف الفضول ، فتراجع.
ورووا أن يزيداً أرسل الى الوليد أن يأخذ الحسين عليه السلام بالبيعة فإن امتنع فليقتله فامتنع الحسين عليه السلام فلم يجبره الوليد ، ولم فيه يسمع كلام مروان .
(وكان الوليد رجلاً يحب العافية، فقال للحسين: فانصرف إذن حتى تأتينا مع الناس، فانصرف . فقال مروان للوليد: عصيتني، ووالله لايُمَكِّنَكَ من مثلها أبداً! قال الوليد: ويحك ! أتشيرعلي بقتل الحسين بن فاطمة بنت رسول الله ؟! والله إن الذي يحاسب بدم الحسين يوم القيامة لخفيف الميزان عند الله). (الأخبار الطوال/228).

النجباء من أولاد عتبة بن ربيعة إخوة هند !


( كان عتبة بن ربيعة بن عبد شمس سيد بني أمية بلا منازع ، وكان آل عتبة في حساب القبائل أشرف الفروع الثلاثة المتصدية لزعامة بني أمية: آل أبي أحيحة وهو سعيد بن العاص الذين منهم خالد بن سعيد ، وكانوا أشرف من آل حرب الذين منهم معاوية ، وكان آل حرب أشرف من آل العاص الذين منهم عثمان! وكان عتبة أكبر قادة المشركين في مواجهة النبي صلي الله عليه وآله وقد قتل في بدر ، وترأس بني أمية بعده أبو سفيان زوج هند بنت عتبة .
------------------------------------------- ص 212 -------------------------------------------
( وقد أسلم بعض أولادهم مع النبي صلي الله عليه وآله مثل خالد بن سعيد بن العاص . وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة ، وغضب عليهما أبواهما فهاجرا الى الحبشة ،
وكان لهما دور مع النبي صلي الله عليه وآله وبعده ، خاصة خالد بن سعيد قائد فتح فلسطين وأكثر فتوحات سوريا والأردن ، وقد استشهد في الشام ، بل قتلوه .
كما استشهد أبو حذيفة في حرب اليمامة ، وشهد مع النبي صلي الله عليه وآله بدراً ، وشهد مبارزة عمه شيبة وأبيه عتبة وأخيه الوليد ، فقتلهم علي عليه السلام وحمزة وعبيدة .
( وكان رسول الله صلي الله عليه وآله بعث في بدر الى قريش: يا معشر قريش ما أحد من العرب أبغض إليَّ من أن أبدأ بكم ، خلوني والعرب فإن أكُ صادقاً فأنتم أعلى بي عيناً ، وإن أك كاذباً كفتكم ذؤبان العرب أمري ، فارجعوا .
فقال عتبة: والله ما أفلح قوم قط ردوا هذا ! ثم ركب جملاً له أحمر فنظر إليه رسول الله صلي الله عليه وآله يجول في العسكر وينهى عن القتال ، فقال: إن يكن عند أحد خير فعند صاحب الجمل الأحمر فإن يطيعوه يرجعوا ويرشدوا. فأقبل عتبة يقول: يا معشر قريش اجتمعوا واستمعوا . أطيعوني اليوم واعصوني الدهر ، وارجعوا إلى مكة واشربوا الخمور وعانقوا الحور ، فإن محمداً له إلٌّ وذمة ، وهو ابن عمكم فارجعوا ولا تنبذوا رأيي، وإنما تطالبون محمداً بالعير التي أخذها محمد بنخيلة ، ودم ابن الحضرمي وهو حليفي وعليَّ عقله .
فلما سمع أبو جهل ذلك غاظه وقال: إن عتبة أطول الناس لساناً وأبلغهم في الكلام ، ولئن رجعت قريش بقوله ليكونن سيد قريش آخر الدهر!
ثم قال: يا عتبة نظرت إلى سيوف بني عبد المطلب وجبنت وانتفخ سَحَرُك ، وتأمر الناس بالرجوع وقد رأينا ثارنا بأعيننا !
فنزل عتبة عن جمله وحمل علي أبي جهل وكان على فرس فأخذ بشعره ، فقال الناس يقتله فعرقب فرسه وقال: أمثلي يُجَبَّن! وستعلم قريش اليوم أينا ألأم
------------------------------------------- ص 213 -------------------------------------------
وأجبن وأينا المفسد لقومه ، لايمشي إلا أنا وأنت إلى الموت عياناً ! ثم أخذ بشعره يجره فاجتمع الناس فقالوا: يا أبا الوليد اللهَ اللهَ لا تَفُتَّ في أعضاد الناس، تنهى عن شئ وتكون أوله ! فخلصوا أبا جهل من يده ، فنظر عتبة إلى أخيه شيبة ، ونظر إلى ابنه الوليد فقال: قم يا بنيَّ فقام ، ثم لبس درعه وطلبوا له بيضة تسع رأسه ، فلم يجدوها لعظم هامته ، فاعتم بعمامتين ثم أخذ سيفه وتقدم هو وأخوه وابنه ونادى: يا محمد أخرج إلينا أكفاءنا من قريش ..الخ.)!
قال الطبري (2/156):«لما أمر بهم رسول الله صلي الله عليه وآله أن يلقوا في القليب ، أخذ عتبة بن ربيعة فسحب إلى القليب ، فنظر رسول الله في وجه أبي حذيفة بن عتبة فإذا هو كئيب قد تغير فقال: يا أبا حذيفة لعلك دخلك من شأن أبيك شئ ؟ فقال: لا والله يا نبي الله ، ما شككت في أبي ولا في مصرعه ، ولكني كنت أعرف من أبي رأياً وحلماً وفضلاً ، فكنت أرجو أن يهديه ذلك إلى الإسلام ، فلما رأيت ما أصابه وذكرت ما مات عليه من الكفر بعد الذي كنت أرجو له أحزنني ذلك. قال فدعا رسول الله بخير ، وقال له خيراً » .
( كان محمد بن أبي حذيفة بن عتبة صديقاً حميماً لمحمد بن أبي بكر ، ومحمد بن الحنفية ، وكان أمير المؤمنين عليه السلام يسميهم المحمدين الثلاثة ، ويمدحهم .
وذهب ابن أبي حذيفة الى مصر، وشارك هو ومحمد بن أبي بكر في غزوة ذات الصواري ، ثم قاد الثورة على عثمان ، وعزل والي مصر ابن أبي سرح ، وأخذ لنفسه البيعة من أهلها بالإمرة .
وأرسل منهم سبع مئة رجل شاركوا في حصار عثمان حتى قتل، وواصل حكمه لمصر الى أن بعث علي عليه السلام قيس بن سعد بن عبادة والياً عليها .
وكانت فيها أحداث بيناها في كتاب مصر وأهل البيت عليهم السلام فتمكن معاوية من استدراج ابن خاله ابن أبي حذيفة ، حتى قبض عليه وحبسه ، ثم قتله .
------------------------------------------- ص 214 -------------------------------------------
( أما أبو هاشم والد أم حبيب فقال عنه ابن عبد البر في الإستيعاب(4/1767): (أبو هاشم بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي العبشمي. خال معاوية وأخو أبى حذيفة لأبيه ، وأخو مصعب بن عمير لأمه) .
وهو من مسلمة الفتح ، لكن يبدو أنه حسن إسلامه فقد قال ابن عبد البر: دخل معاوية على خاله أبي هاشم بن عتبة يعوده فبكى فقال له معاوية: ما يبكيك يا خال أوجعٌ تجده ، أم حرص على الدنيا؟ قال:كلا، ولكن النبي صلي الله عليه وآله عهد إليَّ فقال: يا أبا هاشم ، إنها لعلك تدركك أموال يؤتاها أقوام ، فإنما يكفيك من الدنيا خادم ومركب في سبيل الله . وأراني قد جمعت)!
فهو يبكي لأنه خالف وصية النبي صلي الله عليه وآله له ، وجمع من مال الدنيا أكثر من حاجته. وهذا يدل على إيمانه ، فلا عجب أن تكون ابنته هنداً أم معاوية الثاني مؤمنة .

أم معاوية الثاني أم حبيب بنت أبي هاشم بن عتبة


جاءت النجابة الى معاوية الثاني من أمه ، وليست هي أم خالد بن يزيد ، بل أختها أم حبيب بنت أبي هاشم بن عتبة ، تزوجها يزيد ثم توفيت أو طلقها ، فتزوج أختها أم خالد (المحبر لابن حبيب/22، والطبري (4/387) واليعقوبي(2/254) والدار قطني في المؤتلف (2/587) وغيرهم . وروي أن إسمها فاختة ، وحية ، وأم هاشم .
قال ابن عساكر(59/299و33/387): (وَلَدَ أبو هاشم بن عتبة: عبد الله ، وأم حبيب ، وأم خالد ، وكانت أم حبيب عند يزيد بن معاوية ، فولدت له معاوية وعبد الله ، ثم خلف على أختها أم خالد بنت أبي هاشم ، فولدت له خالد بن يزيد بن معاوية ) .
وقال ابن عساكر في (70/209): ( أم حبيب بنت أبي هاشم بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف القرشية العبشمية زوج يزيد بن معاوية ، ولدت له معاوية وعبد الله بن يزيد . كتبت إلى النعمان بن بشير تسأله عن قصة زيد بن
------------------------------------------- ص 215 -------------------------------------------
خارجة الأنصاري الذي تكلم بعد موته فكتب إليها بذلك ، وكانت تكنى أم عبد الله بابنها عبد الله ) .
وقال البلاذري 5/357):(كانت أم معاوية بن يزيد وهي أم هاشم بنت أبي هاشم بن عتبة... قالت له: لو وليت معاوية عهدك فقال: أفعل..).
أقول: فتبين عدم صحة الرواية التي تقول إن أمه أقسمت عليه بحليبها أن يعهد لأخيه خالد . قال في تاريخ دمشق: 59/303: ( وسألته أمه بثدييها أن يستخلف أخاه خالد بن يزيد بن معاوية فأبى وقال: لا أتحملها حياً وميتاً).
فهي أم أخيه خالد بن يزيد ، وهي خالته وليست أمه . ويظهر أن أختها أم حبيب كانت موالية لأهل البيت عليهم السلام تكتم إيمانها.ويوجد موالون لعلي عليه السلام في أقاربها آل عتبة ، فمحمد ابن عمها أبي حذيفة كان يجاهر بالتشيع ويوبخ عثمان ومعاوية، ويحتقرهما ! فهي من آل عتبة الذين هم أشرف من آل حرب وآل العاص، وطبيعي أن لا تحترم أم حبيب معاوية ويزيداً .
ويكفي لإثبات إيمانها وتشيعها أنها جاءت بأحد تلاميذ أبي ذر ليكون مؤدباً لأولادها ، وهو عمر المقصوص، الذي دفنوه حياً ! وقد توفيت في حياة يزيد ولعلهم دسوا لها السم ، وهو أمر عادي في قصر معاوية .
فتكون هي التي ربت ابنها على حب علي عليه السلام وأسست شخصيته ، ثم أكمل مؤدبه عمر بن مسعدة المعروف بالمقصوص بناءه الروحي والعقائدي .
رضي الله عنهم وجزاهم بجهادهم الطغاة من حولهم حتى استشهدوا .

أم حبيب غير هند بنت كريز زوجة يزيد


لم يرد ذكر لأم حبيب أم معاوية الثاني في أحداث موت يزيد ، ولا في تولي ابنها معاوية الثاني الخلافة ، لأنها توفيت قبل ذلك .
------------------------------------------- ص 216 -------------------------------------------
أما هند زوجة يزيد فهي التي خرجت صارخة لما نَصَب يزيد رأس الحسين على باب قصره ! وهي هند بنت عبد الله بن عامر بن كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس . فيكون جدها حبيباً أخ ربيعة والد عتبة .
وكان أبوها والياً لعثمان على البصرة وهو الذي جاء بعائشة وطلحة والزبير الى البصرة، وقُتل في معركة الجمل فكانت بنته هنداً أسيرة يتيمة عند علي عليه السلام في الكوفة ثم عند الحسن عليه السلام ، ثم قيل تزوجها الحسين عليه السلام وطلقها ، ثم أخذها معاوية وزوجها ليزيد .
وقد روت مصادر التاريخ المعتبرة خروجها الى مجلس يزيد صارخة ! وفي بعض الروايات حاسرة ، وصاحت بيزيد فسكتها !
قال الطبري(4/355): (القاسم بن بخيت قال: لما أقبل وفد أهل الكوفة برأس الحسين دخلوا مسجد دمشق فقال لهم مروان بن الحكم:كيف صنعتم؟ قالوا: ورد علينا منهم ثمانية عشر رجلاً فأتينا والله على آخرهم ، وهذه الرؤوس والسبايا فوثب مروان فانصرف! وأتاهم أخوه يحيى بن الحكم فقال: ما صنعتم؟ فأعادوا عليه الكلام فقال: حجبتم عن محمد يوم القيامة ! ودخلوا على يزيد فوضعوا الرأس بين يديه وحدثوه الحديث قال: فَسَمِعَتْ دَوْرَ الحديث هند بنت عبد الله بن عامر بن كريز ، وكانت تحت يزيد بن معاوية فتقنعت بثوبها وخرجت فقالت: يا أمير المؤمنين أرأس الحسين بن فاطمة بنت رسول الله! قال: نعم ، فأعْوِلي عليه وحُدِّي على ابن بنت رسول الله وصريحة قريش ، عجَّلَ عليه ابن زياد فقتله ، قتله الله !
ثم أذن للناس فدخلوا والرأس بين يديه ، ومع يزيد قضيب فهو ينكت به في ثغره ! ثم قال: إن هذا وإيانا كما قال الحصين بن الحمام المري:
يُفَلَّقْنَ هاماً من رجالٍ أحبةٍ
إلينا وهم كانوا أعَقَّ وأظلمَا

------------------------------------------- ص 217 -------------------------------------------
قال فقال رجل من أصحاب رسول الله صلي الله عليه وآله يقال له أبو برزة الأسلمي: أتنكتُ بقضيبك في ثغر الحسين! أما لقد أخذ قضيبك من ثغره مأخذاً ، لربما رأيتُ رسول الله يَرْشفُه! أما إنك يا يزيد تجئ يوم القيامة وابن زياد شفيعك ويجئ هذا يوم القيامة ومحمد شفيعه! ثم قام فولى)! وابن عساكر(62/84) .
لكن الخوارزمي قال (2/81) ونفس المهموم ومعالي السبطين وأسرار الشهادة وغيرها: (وخرجت هند بنت عبد الله بن عامر بن كريز امرأة يزيد ، وكانت قبل ذلك تحت الحسين بن علي عليه السلام فشقت الستر وهي حاسرة ، فوثبت على يزيد وقالت: أرأسُ ابن فاطمة مصلوبٌ على باب داري؟ فغطاها يزيد وقال: نعم! فأعولي عليه يا هند ، وابكي على ابن بنت رسول الله وصريحة قريش، عجل عليه ابن زياد فقتله قتله الله)! قالها الطاغية وهو يضرب شفتي الحسين عليه السلام !
(فقال يحيى بن الحكم أخو مروان بن الحكم ، وكان شاعراً ظريفاً جريئاً:
لهامٌ بجنب الطف أدنى قرابةً
من ابن زياد العبدذي الحسب الوغل
سُمَيَّةُ أمسى نسلها عدد الحصـى
وليس لآل المصطفى اليوم من نسل
فضرب يزيد في صدر يحيى بن الحكم وقال:أسكت)! (الطبري(4/352).
* *

عمر بن نعيم العنسي مؤدب أولاد يزيد


عمر بن نعيم العنسي، الملقب بالمقصوص، مؤدب أولاد يزيد ، من كبارالعلماء الأتقياء ، وثقه ابن حنبل وابن معين وأبو حاتم وأبو زرعة وابن حبان . يروي عن أسامة بن سلمان النخعي عن أبي ذر، فأستاذه أسامة علمه التشيع.
قال ابن حجر في تعجيل المنفعة/304:(عمر بن نعيم العنسي شامي، عن أسامة بن سلمان وعنه مكحول، وثقة بن حبان وقال: عداده في أهل الشام ، وتبع في
------------------------------------------- ص 218 -------------------------------------------
ذلك البخاري كابن أبي حاتم).ونحوه في الإكمال لرجال أحمد/310. قال: وثقه أحمد بن حنبل، وابن معين، وأبو حاتم، وأبو زرعة، وابن حبان ، والبخاري .
وقال في تعجيل المنفعة/27:(أسامة بن سلمان النخعي، شامي روى عن أبي ذر، وابن مسعود ، وعنه عمر بن نعيم العنسي وغيره، ذكره ابن حبان في الثقات. قلت: لم يذكر البخاري ولا ابن أبي حاتم فيه جرحاً ، ولم يذكروا له راوياً غير عمر ، ولكن قال بن عساكر: قيل روى عنه مكحول أيضاً ) .
وفي تاريخ دمشق(45/351):( عمر بن نعيم العنسي ويقال القرشي، معلم بني يزيد بن معاوية من أهل دمشق، روى عن معاوية وأسامة بن سلمان النخعي الدمشقي ، روى عنه مكحول..عن عمر بن نعيم ، عن أسامة بن سلمان ، أن أبا ذر حدثه أن رسول الله صلي الله عليه وآله ..).والبزار: 9/444 ، وأحمد: 5/174 ، والحاكم: 4/257 ، وابن الجعد/489 ، وابن حبان: 2/393 ، والطبراني في مسند الشاميين: 1/124 ، و: 4/368 ، وابن عساكر: 8/89 ، و: 45/351 ، وغيرهم . وترجم له البخاري في الكبير:2/21و 6/202 ، والرازي في الجرح والتعديل: 2/284 ، وابن حبان في الثقات: 7/179، والخطيب في تاريخه: 3/117، وتعجيل المنفعة/27 ، والإكمال/310 ، وغيرهم ) .

قتله الأمويون حقداً بأن دفنوه حياً !


روى الدميري في حياة الحيوان(1/98) وابن الدمشقي في جواهر المطالب: (2/261) أن ابن يزيد تشيع على يد معلمه العنسي، قال: (ذكر غير واحد أن معاوية بن يزيد لما خلع نفسه صعد المنبر فجلس طويلاً ثم حمد الله وأثنى عليه بأبلغ ما يكون من الحمد والثناء ، ثم ذكر النبي صلي الله عليه وآله بأحسن ما يذكر به ، ثم قال: يا أيها الناس، ما أنا بالراغب في الإئتمار عليكم لعظيم ما أكرهه منكم ، وإني لأعلم أنكم تكرهوننا أيضاً لأنا بلينا بكم وبليتم بنا !
------------------------------------------- ص 219 -------------------------------------------
ألا إن جدي معاوية قد نازع في هذا الأمر من كان أولى به منه ومن غيره لقرابته من رسول الله صلي الله عليه وآله وعظم فضله وسابقته ، أعظم المهاجرين قدراً ، وأشجعهم قلباً ، وأكثرهم علماً ، وأولهم إيماناً ، وأشرفهم منزلة ، وأقدمهم صحبة ، ابن عم رسول الله صلي الله عليه وآله وصهره وأخوه ، زوَّجه النبي ابنته فاطمة عليها السلام وجعله لها بعلاً باختياره لها ، وجعلها له زوجة باختيارها له، أبو سبطيه سيدي شباب أهل الجنة ، وأفضل هذه الأمة ، تربية الرسول وابني فاطمة البتول ، من الشجرة الطيبة الطاهرة الزكية .
فركب جدي منه ما تعلمون ، وركبتم معه ما لا تجهلون ، حتى انتظمت لجدي الأمور. فلما جاءه القدر المحتوم واخترمته أيدي المنون ، بقي مرتهناً بعمله فريداً في قبره ، ووجد ما قدمت يداه ورأى ما ارتكبه واعتداه !
ثم انتقلت الخلافة إلى يزيد أبي فتقلد أمركم لهوى كان لأبيه فيه ، ولقد كان أبي يزيد بسوء فعله وإسرافه على نفسه غير خليق بالخلافة على أمة محمد ، فركب هواه واستحسن خطاه ، واقتحم على ما أقدم من جرأته على الله ، وبغيه على من استحل حرمته من أولاد رسول الله صلي الله عليه وآله ، فقلَّت مدته وانقطع أثره ، وضاجع عمله وصار حليف حفرته رهين خطيئته ، وبقيت أوزاره وتبعاته وحصل على ما قدَّم ، وندم حيث لاينفعه الندم ، وشغلنا الحزن له عن الحزن عليه ، فليت شعري ماذا قال وماذا قيل له؟ هل عوقب بإساءته وجوزي بعمله وذلك ظني! ثم خنقته العبرة فبكى طويلاً وعلا نحيبه !
ثم قال: وصرت أنا ثالث القوم والساخط عليَّ أكثر من الراضي ، وما كنت لأتحمل آثامكم ، ولايراني الله جلت قدرته متقلداً أوزاركم ، وألقاه بتبعاتكم فشأنكم أمركم فخذوه ، ومن رضيتم به عليكم فولوه ، فلقد خلعت بيعتي من أعناقكم . والسلام .
------------------------------------------- ص 220 -------------------------------------------
فقال له مروان بن الحكم وكان تحت المنبر: سُنَّها فينا سنةً عمريةً يا أبا ليلى؟ فقال أغدُ عني! أعن ديني تخدعني؟ فوالله ما ذقت حلاوة خلافتكم فأتجرع مرارتها ! إئتني برجال مثل رجال عمر ، على أنه كان حين جعلها شورى وصرفها عمن لايشك في عدالته ظلوماً . والله لئن كانت الخلافة مغنماً لقد نال أبي منها مغرماً ومأثماً ، ولئن كانت سوءً فحسبه منها ما أصابه . ثم نزل فدخل عليه أقاربه وأمه فوجدوه يبكي فقالت له أمه: ليتك كنت حيضة ولم أسمع بخبرك . فقال: وددت والله ذلك ، ثم قال: ويلي إن لم يرحمني ربي !
ثم إن بني أمية قالوا لمؤدبه عمرالمقصوص:أنت علمته هذا ولقنته إياه وصددته عن الخلافة ، وزينت له حب علي وأولاده ، وحملته على ما وسمَنا به من الظلم، وحسَّنت له البدع حتى نطق بما نطق وقال ما قال ! فقال: والله ما فعلته ، ولكنه مجبول ومطبوع على حب علي! فلم يقبلوا منه ذلك وأخذوه ودفنوه حياً حتى مات ) !
وقال القرماني في أخبار الدول/132: (ثم إن بني أمية قالوا لمعلمه عمر القوصي: أنت علمته هذا وصددته عن الخلافة ، وحملته على ما وسمنا به من الظلم ، وحسنت له البدع حتى نطق بما نطق ، وقال ما قال! فقال: والله ما فعلته ، ولكنه مجبول ومطبوع على حب علي بن أبي طالب! فلم يقبلوا منه ذلك ، وأخذوه ودفنوه حياً !).
والقوصي: نسبة الى قوص في أسيوط مصر، وهي هنا تصحيف المقصوص .
وقال الدمشقي في جواهر المطالب(2/262): (فوثب بنو أمية على مؤدبه المعروف بعمر المقصوص وقالوا له: أنت علمته هذا ! فقال: لاوالله وإنه لمطبوع عليه، والله ما حلف قط إلا بمحمد وآل محمد، وما رأيته أفرد آل محمد من دعائه منذ عرفته! فرضي الله عنه ورحمه ، وجزاه أحسن الجزاء .
------------------------------------------- ص 221 -------------------------------------------
وقال البكري في سيرته (2/301): (ثم إن بني أمية قالوا لمعلمه عمرالمقصوص: أنت علمته هذا ولقنته إياه، وصددته عن الخلافة وزينت له حب علىٍّ وأولاده وحملته على ما وسَمنا به من الظلم ، وحسنت له البدع ، حتى نطق بما نطق ، وقال ما قال! فقال: والله ما فعلته ولكنه مجبول ومطبوع على حب علىٍّ !
فلم يقبلوا منه ، وأخذوه ودفنوه حياً حتى مات).واليعقوبي: 2/240، والمسعودي: 3/73. ومختصرالدول/111، وتاريخ دمشق: 13/365. والصواعق/134.
وفي خطط الشام (1/114) فوثب بنو أمية على عمر المقصوص وقالوا: أنت أفسدته وعلمته ، فطمروه ودفنوه حياً )!
أقول: كان عمر المقصوص مؤدباً لأولاد يزيد ، ولا بد أنه كان عالماً مميزاً حتى اختارته أمه لهذ المنصب ، وهنيئاً له حيث ختم الله له بالشهادة .
وقوله: لاوالله وإنه لمطبوع عليه، والله ما حلف قط إلابمحمد وآل محمد ، وما رأيته أفرد آل محمد من دعائه منذ عرفته ! أي ما ترك ذكرهم من دعائه ، لأنه قال من دعائه ولم يقل في دعائه .
وقوله: ولكنه مجبول ومطبوع على حب عليٍّ: أي وجدت ذلك جزء من طبيعته بدون تعليمي . ولا بد أن أمه رحمها الله غرست فيه ذلك وربته عليه .

بقتلهم معاوية الثاني تزلزل النظام الأموي


فقد اختلف أركان النظام وانقسموا واقتتلوا ، وسارع عبد الله بن الزبير إلى اغتنام الفرصة فأعلن نفسه خليفة ، وسيطر على الحجاز واليمن وفلسطين ، بل سقطت عاصمة الأمويين بيده لفترة ، وهرب الأمويون منها إلى تدمر ! وتحرك زعماء القبائل والحكام المحليون في البلاد ، وطردوا الحاكم الأموي ودعوا إلى أنفسهم ، أو انضموا إلى ابن الزبير .
------------------------------------------- ص 222 -------------------------------------------
كما تحرك التوابون في العراق طلباً بثأر الإمام الحسين وعترة النبي عليهم السلام ، بقيادة الصحابي سليمان بن صرد الخزاعي ، وبعد سنة كانت حركة المختار الثقفي وإبراهيم بن مالك الأشتر، ثم تواصل تأثير ثورة كربلاء في ضمير الأمة ، فصارت أنموذجاً للقيم ، وشعلة للتحرك ومناهضة الظلم .
كما تحرك الخوارج في نجد وإيران وغيرهما فأوجدوا اضطرابات ، وشغلوا الحكام والزعماء المحليين .
وقال البلاذري (5/356): (فلما مات يزيد بايع الناس معاوية وأتته بيعة الآفاق إلَّا ما كان من ابن الزبير . فولي ثلاثة أشهر ويقال أربعين يوماً ويقال عشرين يوماً، ولم يزل في أيامه مريضاً، وكان الضحاك بن قيس يصلَّي بالناس ، فلما ثقل قيل له لو عهدت عهداً فقال: والله ما نفعتني حياً أفأتحملها ميتاً ، والله لا يذهب بنو أمية بحلاوتها القليلة وأتحمل مرارتها الطويلة ، وإذا مت فليصل عليَّ الوليد بن عتبة، وليصل بالناس الضحاك بن قيس حتى يختاروا لأنفسهم رجلاً مرضيّاً عندهم ).
وقال ابن عساكر في تاريخ دمشق(24/292): (وبلغ حسان بن مالك بن بحدل ذلك وهو بفلسطين وكان هواه في خالد بن يزيد فأمسك، وكتب إلى الضحاك بن قيس كتاباً يعظم فيه حق بني أمية وبلاءهم عنده ويذم ابن الزبير! وافترق الناس ثلاث فرق: فرقة زبيرية ، وفرقة بحدلية هواهم لبني حرب ، والباقون لايبالون لمن كان الأمر من بني أمية ).
أقول: ثم جرت بينهم معارك طاحنة حتى انتصرالجناح الذي يرأسه مروان بن الحكم فبايعوه . وحكم شهوراً وخنقته أم خالد زوجة يزيد .
------------------------------------------- ص 223 -------------------------------------------
ثم دخلت دمشق والشام في فراغ لمدة حتى بايعوا عبد الملك بن مروان ، وبدأ بالصراع أولاً مع الثائرين بدم الحسين عليه السلام ثم مع ابن الزبير لعدة سنين ، حتى قتله في مكة واستتب له الأمر سنة أربع وسبعين !
* *

أسامة بن سلمان النخعي أستاذ عمرالمقصوص


قال الدمشقي في الإكمال/20: (أسامة بن سلمان النخعي، شامي، روى عن أبي ذر ، وابن مسعود . وعنه: عمر بن نعيم العبسي ، وغيره . ذكره ابن حبان في الثقات). ونحوه في تهذيب الكمال(33/296)، وتاريخ دمشق (8/87) والبخاري في تاريخه الكبير(2/21) وأحمد بن حنبل في مسنده (5/174) وابن حبان في الثقات (4/45).
وفي تاريخ دمشق(8/87): ( أسامة بن سلمان النخعي، ويقال العنسي من أهل دمشق ، روى عن ابن مسعود وأبي ذر. روى عنه عمر بن نعيم عن مكحول عن عمر بن نعيم ، عن أسامة بن سلمان العنسي، حدثنا أبو ذرعن رسول الله أنه قال: إن الله عز وجل ليغفر للعبد ما لم يقع الحجاب . قالوا: يا رسول الله، ما وقوع الحجاب؟ قال: أن تموت يعني النفس وهي مشركة ).
ثم روى السيوطي طرق الحديث وكلمات العلماء فيه . وعمر بن نعيم الذي روى الحديث هو عمر المقصوص الشهيد ، مربي معاوية الثاني الشهيد فرضوان الله على أسامة ، وجزاه الله خيراً على تربيته عمر المقصوص ، عالماً ثابت الإيمان. جهر بالحق وتوفق للشهادة .
* *
------------------------------------------- ص 224 -------------------------------------------

الموضوع الخامس عشر: المهدي عليه السلام هو الطالب بثار الحسين وكل الأنبياء عليهم السلام


المهدي الموعود التاسع من ولد الحسين عليهما السلام


تواترت أحاديثنا بأن النبي صلي الله عليه وآله بشر بالمهدي من ذرية الحسين عليه السلام .
أما مخالفونا فتتعجب من أنهم رووا حديث النبي صلي الله عليه وآله في مرض وفاته مع فاطمة عليها السلام ، رواه الطبراني في معجمه الكبير(3/57 ) والأوسط(6/327) ورواه أبو نعيم وغيره بإسنادهم عن أبي سعيد الخدري وعن جابر الأنصاري قال:
(دخلتُ على رسول الله صلي الله عليه وآله في شكاته التي قبض فيها ، فإذا فاطمة رضي الله عنها عند رأسه ، قال فبكت حتى ارتفع صوتها ، فرفع رسول الله صلي الله عليه وآله طرفه إليها فقال:حبيبتي فاطمة ما الذي يبكيك؟فقالت: أخشى الضيعة من بعدك! فقال: يا حبيبتي أما علمت أن الله عز وجل اطلع إلى الأرض إطلاعة فاختار منها أباك فبعثه برسالته ، ثم اطلع اطلاعة فاختار منها بعلك ، وأوحى إلي أن أنكحك إياه! يا فاطمة: ونحن أهل بيت قد أعطانا الله سبع خصال لم يُعْطَها أحد قبلنا ، ولايُعطى أحد بعدنا: أنا خاتم النبيين وأكرم النبيين على الله وأحب المخلوقين إلى الله عز وجل ، وأنا أبوك .
ووصيي خير الأوصياء وأحبهم إلى الله ، وهو بعلك . وشهيدنا خير الشهداء وأحبهم إلى الله وهو عمك حمزة بن عبد المطلب ، وهو عم أبيك وعم بعلك .
ومنا من له جناحان أخضران يطير في الجنة مع الملائكة حيث يشاء ، وهو ابن عم أبيك وأخو بعلك .
------------------------------------------- ص 225 -------------------------------------------
ومنا سبطا هذه الأمة ، وهما ابناك الحسن والحسين ، وهما سيدا شباب أهل الجنة ، وأبوهما والذي بعثني بالحق خير منهما .
يا فاطمة: والذي بعثني بالحق إن منهما مهدي هذه الأمة ، إذا صارت الدنيا هرَجاً ومرَجاً وتظاهرت الفتن ، وتقطعت السبل، وأغار بعضهم على بعض فلا كبير يرحم صغيراً ، ولا صغير يوقر كبيراً ، فيبعث الله عز وجل عند ذلك منهما من يفتتح حصون الضلالة وقلوباً غلفاً ، يقوم بالدين في آخر الزمان كما قمت به في أول الزمان ، ويملأ الدنيا عدلاً كما ملئت جوراً .
يا فاطمة: لا تحزني ولا تبكي فإن الله عز وجل أرحم بك ، وأرأف عليك مني وذلك لمكانك مني وموضعك من قلبي ، وزوجك الله زوجك وهو أشرف أهل بيتك حسباً وأكرمهم منصباً، وأرحمهم بالرعية ، وأعدلهم بالسوية ، وأبصرهم بالقضية ، وقد سألت ربي عز وجل أن تكوني أول من يلحقني من أهل بيتي! قال علي رضي الله عنه فلما قبض النبي صلي الله عليه وآله لم تبق فاطمة بعده إلا خمسة وسبعين يوماً حتى ألحقها الله به ).
وفي رواية أبي سعيد: ومنا سبطا هذه الأمة وهما ابناك الحسن والحسين، وسوف يخرج الله من صلب الحسين تسعة من الأئمة أمناء معصومون . ومنا مهدي هذه الأمة إذا صارت الدنيا هرجاً ومرجاً ، وتظاهرت الفتن وتقطعت السبل. فيبعث الله عند ذلك مهدينا التاسع من صلب الحسين ، يفتح حصون الضلالة وقلوباً غلفاً .). وعن أبي سعيد الخدري قال: (سمعت رسول الله صلي الله عليه وآله يقول للحسين: أنت الإمام ، ابن الإمام ، أخو الإمام ، تسعة من صلبك أئمة أبرار ، والتاسع قائمهم). (كفاية الأثر:28).
------------------------------------------- ص 226 -------------------------------------------

ومن بشارة أميرالمؤمنين بالمهدي عليهما السلام


قال عليه السلام : ( التاسع من ولدك يا حسين هو القائم بالحق ، المظهر للدين ، والباسط للعدل . قال الحسين فقلت له: يا أمير المؤمنين وإن ذلك لكائن؟ فقال: إي والذي بعث محمداً صلي الله عليه وآله بالنبوة ، واصطفاه على جميع البرية ، ولكن بعد غيبة وحيرة ، فلا يثبت فيها على دينه إلا المخلصون المباشرون لروح اليقين، الذين أخذ الله عز وجل ميثاقهم بولايتنا ، وكتب في قلوبهم الإيمان ، وأيدهم بروح منه ) . (كمال الدين:1/304).

ومن بشارة الإمام الحسن بالمهدي عليهما السلام


لما اعترضوا على صلحه عليه السلام مع معاوية ، قال: (ويحكم ما تدرون ما عملت ، والله الذي عملت خير لشيعتي مما طلعت عليه الشمس أو غربت. ألا تعلمون أني إمامكم مفترض الطاعة عليكم، وأحد سيدي شباب أهل الجنة بنص من رسول الله صلي الله عليه وآله علي؟ قالوا: بلى. قال: أما علمتم أن الخضر عليه السلام لما خرق السفينة وأقام الجدار وقتل الغلام ، كان ذلك سخطاً لموسى بن عمران عليه السلام إذ خفي عليه وجه الحكمة في ذلك ، وكان ذلك عند الله تعالى ذكره حكمة وصواباً ؟ أما علمتم أنه ما منا أحد إلا ويقع في عنقه بيعة لطاغية زمانه،إلا القائم الذي يصلي روح الله عيسى بن مريم خلفه؟فإن الله عز وجل يُخفي ولادته ، ويُغيِّب شخصه لئلا يكون لأحد في عنقه بيعة إذا خرج ، ذلك التاسع من ولد أخي الحسين ، ابن سيدة الإماء ، يطيل الله عمره في غيبته ، ثم يظهره بقدرته في صورة شاب دون أربعين سنة ، ليعلم أن الله على كل شئ قدير).(كمال الدين/316).
------------------------------------------- ص 227 -------------------------------------------

ومن بشارة الإمام الحسين بولده المهدي عليهما السلام


قال عليه السلام : (منا إثنا عشر مهدياً ، أولهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، وآخرهم التاسع من ولدي وهو القائم بالحق ، يحيي الله به الأرض بعد موتها ويظهر به دين الحق على الدين كله ولو كره المشركون . له غيبة يرتد فيها أقوام ويثبت فيها على الدين آخرون . أما إن الصابر في غيبته على الأذى والتكذيب بمنزلة المجاهد بالسيف بين يدي رسول الله صلي الله عليه وآله ). (كمال الدين/317).

لا يزداد أمرالحسين إلا ظهوراً حتى يظهر المهدي عليهما السلام


1. أهم نص في هذا الموضوع قول زينب عليه السلام ليزيد:( فكد كيدك واسع سعيك فوالله لا تمحو ذكرنا )!
جاء ذلك في خطبتها الرائعة في مجلس يزيد (الإحتجاج (2/34 ، واللهوف/214): (فأهوت إلى جيبها فشقته ثم نادت بصوت حزين يقرع القلوب: يا حسيناه ، يا حبيب رسول الله، يا ابن مكة ومنى، يا ابن فاطمة الزهراء سيدة النساء، يا ابن محمد المصطفى.قال: فأبكت والله كل من كان ، ويزيد ساكت ! ثم قالت: أظننت يا يزيد حين أخذت علينا أقطار الأرض وضيَّقت علينا آفاق السماء ، فأصبحنا لك في إسار ، نساق إليك سوقاً في قطار ، وأنت علينا ذو اقتدار، أن بنا من الله هواناً وعليك منه كرامة وامتناناً ، وأن ذلك لعظم خطرك وجلالة قدرك، فشمخت بأنفك ونظرت في عطفك.
أمِنَ العدل يا ابن الطلقاء تخديرك حرائرك وإمائك ، وسوْقك بنات رسول الله سبايا ! ثم تقول غير متأثم ولا مستعظم:
لأهلُّوا واستهلُّوا فرحاً
ثم قالوا يا يزيدُ لا تُشل!
------------------------------------------- ص 228 -------------------------------------------
ولئن جرَّتْ علي الدواهي مخاطبتك، إني لأستصغر قدرك وأستعظم تقريعك وأستكثر توبيخك ، لكن العيون عبرى والصدور حرَّى .
ألا فالعجب كل العجب ، لقتل حزب الله النجباء بحزب الشيطان الطلقاء، فكد كيدك واسع سعيك ، وناصب جهدك ، فوالله لا تمحو ذكرنا ، ولاتميت وحينا ، ولا تدرك أمدنا ، ولاترحض عنك عارها !
وهل رأيك إلا فَنَد ، وأيامك إلا عدد ، وجمعك إلا بَدَد ، يوم ينادي المنادي ألا لعنة الله على الظالمين. فقال يزيد مجيباً:
يا صيحةً تُحمدُ من صوائحِ ما أهون الموت على النوائحِ).
2. في كامل الزيارات/263، وكمال الدين:1/260:( حدثني نوح بن دراج قال حدثني قدامة بن زائدة عن أبيه قال قال علي بن الحسين عليه السلام بلغني يا زائدة أنك تزور قبر أبي عبد الله الحسين عليه السلام أحياناً؟ فقلت: إن ذلك لكما بلغك . فقال لي: فلماذا تفعل ذلك ولك مكان عند سلطانك الذي لا يحتمل أحداً على محبتنا وتفضيلنا وذكر فضائلنا ، والواجب على هذه الأمة من حقنا؟ فقلت: والله ما أريد بذلك إلا الله ورسوله صلي الله عليه وآله ، ولا أحفل بسخط من سخط ولايكبر في صدري مكروه ينالني بسببه . فقال: والله إن ذلك لكذلك؟ فقلت: والله إن ذلك لكذلك يقولها ثلاثاً وأقولها ثلاثاً، فقال: أبشر ، ثم أبشر، ثم أبشر ، فلأخبرنك بخبر كان عندي في النخب المخزون ، فإنه لما أصابنا بالطف ما أصابنا وقتل أبي عليه السلام وقتل من كان معه من ولده وإخوته وسائر أهله ، وحملت حرمه ونساؤه على الأقتاب ، يراد بنا الكوفة ، فجعلت أنظر إليهم صرعى ولم يواروا ، فعظم ذلك في صدري واشتد لما أرى منهم قلقي ، فكادت نفسي تخرج، وتبينت ذلك مني عمتي زينب فقالت ما لي أراك تجود بنفسك يا بقية جدي وأبي وإخوتي؟ فقلت: وكيف لا أجزع وأهلع وقد أرى
------------------------------------------- ص 229 -------------------------------------------
سيدي وإخوتي وعمومتي وولد عمي وأهلي مصرعين بدمائهم مرملين، بالعراء مسلبين ، لايكفنون ولا يوارون ، ولا يعرج عليهم أحد ولا يقربهم بشر، كأنهم أهل بيت من الديلم والخزر !
فقالت: لايجزعنك ما ترى ، فوالله إن ذلك لعهد من رسول الله صلي الله عليه وآله إلى جدك وأبيك وعمك ، ولقد أخذ الله الميثاق أناس من هذه الأمة لا تعرفهم فراعنة هذه الأمة ، وهم معروفون في أهل السماوات ، أنهم يجمعون هذه الأعضاء المتفرقة فيوارونها ، وهذه الجسوم المضرجة ، وينصبون لهذا الطف علماً لقبر أبيك سيد الشهداء ، لا يدرس أثره ، ولا يعفو رسمه ، على كرور الليالي والأيام! وليجتهدن أئمة الكفر وأشياع الضلالة في محوه وتطميسه فلا يزداد أثره إلا ظهوراً ، وأمره إلا علواً ).
أقول: كان الإمام زين العابدين عليه السلام يعرف ما حدثته به عمته زينب عليها السلام لكنه أراد أن ينقله عنها ، إظهاراً لفضلها سلام الله عليهم .
3. قال في الجواهر(4/340): (عن الصادق عن آبائه عليهم السلام عن النبي صلي الله عليه وآله :(يا أبا الحسن إن الله تعالى جعل قبرك وقبور ولدك بقاعاً من بقاع الجنة ، وعرصة من عرصاتها ، وإن الله تعالى جعل قلوب نجباء من خلقه وصفوة من عباده تحن إليكم ، وتتحمل المذلة والأذى فيكم ، ويعمرون قبوركم ويكثرون زيارتها ، تقرباً منهم إلى الله تعالى ومودة منهم لرسوله صلي الله عليه وآله . يا علي أولئك المخصوصون بشفاعتي ، الواردون حوضي ، وهم زواري غداً في الجنة .
يا علي من عمَّر قبوركم وتعاهدها، فكأنما أعان سليمان علي بناء بيت المقدس، ومن زار قبوركم عُدل له ثواب سبعين حجة بعد حجة الاسلام ، وخرج من
------------------------------------------- ص 230 -------------------------------------------
ذنوبه حتى يرجع من زيارتكم كيوم ولدته أمه ، فأبشر وبشرأوليائك ومحبيك منا السلام وقرة العين بما لاعين رأت ولا أذن سمعت ولاخطر على قلب بشر ولكن حثالة من الناس يعيرون زوار قبوركم بزيارتكم كما تعير الزانية بزناها أولئك شرار أمتي ، لاتنالهم شفاعتي ولا يردون حوضي .
وحاصل الكلام أن استحباب ذلك فيها كاستحباب المقام عندها وزيارتها
وتعاهدها ، كاد يكون من ضروريات المذهب ، إن لم يكن الدين).
4. قال أبو جعفر الإسكافي في نقض العثمانية (1/223): (وقد تعلمون أن بعض الملوك ربما أحدثوا قولاً أو ديناً لهوى ، فيحملون الناس على ذلك حتى لا يعرفوا غيره ، كنحو ما أخذ الناس الحجاج بن يوسف بقراءة عثمان وترك قراءة ابن مسعود وأبي بن كعب ، وتوعد على ذلك ..
ولقد كان الحجاج ومن ولاه كعبد الملك والوليد ، ومن كان قبلهما وبعدهما من فراعنة بني أمية ، على إخفاء محاسن علي وفضائله وفضائل ولده وشيعته وإسقاط أقدارهم .. وحملوا الناس على كتمانها وسترها ، وأبى الله أن يزيد أمره وأمر ولده إلا استنارة وإشراقاً، وحبهم إلا شغفاً وشدة ، وذكرهم إلا انتشاراً وكثرة ، وحجتهم إلا وضوحاً وقوة ، وفضلهم إلا ظهوراً ، وشأنهم إلا علواً، وأقدارهم إلا إعظاماً).

المهدي هو الطالب بذحول الأنبياء وأبناء الأنبياء عليهم السلام


ورد في دعاء الندبة المعروف (مزار المشهدي/579): (أين وجه الله الذي إليه تتوجه الأولياء ، أين السبب المتصل بين الأرض والسماء ، أين صاحب يوم الفتح
------------------------------------------- ص 231 -------------------------------------------
وناشر راية الهدى ، أين مؤلف شمل الصلاح والرضا ، أين الطالب بذحول الأنبياء وأبناء الأنبياء ، أين الطالب بدم المقتول بكربلاء ).
أقول: مهمة االمهدي عليه السلام إقامة دولة العدل الإلهي وإنهاء مرحلة: مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء. فهوالمقصود في جوابه تعالى للملائكة:قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ. وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ. قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ .
فأخبرهم الله بأن اعتراضهم كان لجهلهم بخطته في آدم وبنيه ، وجهلهم بطاقة آدم على استيعاب مالم يستوعبوه هم . علل الشرائع(1/105):
قال جل جلاله: يا ملائكتي إني أعلم مالا تعلمون ، إني أريد أن أخلق خلقاً بيدي أجعل ذريته أنبياء مرسلين وعباداً صالحين وأئمة مهتدين ، أجعلهم خلفائي على خلقي في أرضي ينهونهم عن المعاصي وينذرونهم عذابي ، ويهدونهم إلى طاعتي ويسلكون بهم طريق سبيلي ، وأجعلهم حجة لي عذراً أو نذراً ، وأبين النسناس من أرضي فأطهرها منهم ، وأنقل مردة الجن العصاة عن بريتي وخلقي وخيرتي وأسكنهم في الهواء وفي أقطار الأرض لا يجاورون نسل خلقي، وأجعل بين الجن وبين خلقي حجاباً ولا يرى نسل خلقي الجن ولا يؤانسونهم ولا يخالطونهم ولا يجالسونهم ، فمن عصاني من نسل خلقي الذين اصطفيتهم لنفسي أسكنتهم مساكن العصاة وأوردتهم مواردهم ولا أبالي ، فقالت الملائكة: سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَآ إِلا مَا عَلَّمْتَنَآ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ . فقال الله جل جلاله للملائكة: إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ .فَإِذَا سَوَيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِى فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ. وكان ذلك من أمر الله عز وجل تقدم
------------------------------------------- ص 232 -------------------------------------------
إلى الملائكة في آدم عليه السلام من قبل أن يخلقه احتجاجاً منه عليهم . قال: فاغترف تبارك وتعالى غرفة من الماء العذب الفرات فصلصلها فجمدت ثم قال لها: منك أخلق النبيين والمرسلين وعبادي الصالحين والأئمة المهتدين الدعاة إلى الجنة وأتباعهم إلى يوم القيامة ولا أبالي ،ولا أسأل عما أفعل وهم يسألون . يعني بذلك خلقه أنه اغترف غرفة من الماء المالح الأجاج فصلصلها فجمدت، ثم قال لها منك أخلق الجبارين والفراعنة والعتاة وإخوان الشياطين والدعاة إلى النار إلى يوم القيامة وأتباعهم ، ولا أبالي ولا أسأل عما أفعل وهم يسألون ، قال: وشرط في ذلك البداء ولم يشرط في أصحاب اليمين البداء. ثم خلط الماءين فصلصلهما ثم ألقاهما قدام عرشه وهما سلالة من طين ثم أمر الملائكة الأربعة: الشمال ، والدبور ، والصبا ، والجنوب ، أن جولوا على هذه الثلاثة السلالة وابْرُوها وانْسِمُوها ثم جزئوها وفصَّلوها ، وأجروا إليها الطبايع الأربعة: الريح ، والمرة ، والدم ، والبلغم .
قال فجالت الملائكة عليها وهي الشمال والصبا والجنوب والدبور ، فأجروا فيها الطبايع الأربعة . قال والريح في الطبايع الأربعة في البدن من ناحية الشمال. قال والبلغم في الطبايع الأربعة في البدن من ناحية الصبا .
قال: والمرة في الطبايع الأربعة في البدن من ناحية الدبور . قال: والدم في الطبايع الأربعة في البدن من ناحية الجنوب . قال: فاستقلت النسمة وكمل البدن ، قال: فلزمه من ناحية الريح حب الحياة وطول الأمل والحرص ، ولزمه من ناحية البلغم حب الطعام والشراب واللين والرفق ، ولزمه من ناحية المرة الغضب والسفه والشيطنة والتجبر والتمرد والعجلة ، ولزمه من ناحية الدم
------------------------------------------- ص 233 -------------------------------------------
حب النساء واللذات وركوب المحارم والشهوات قال عمرو: أخبرني جابر أن أبا جعفر عليه السلام قال: وجدناه في كتاب من كتب علي عليه السلام ).
ومعنى قوله: وشرط في ذلك البداء ولم يشرط في أصحاب اليمين البداء:أنه تعالى جعل لنفسه في وعيده لأهل الشمال حق التغيير وأن لا يدخلهم النار . لكن وعده لأهل الجنة بالجنة لا تغيير فيه ولا بداء .
* *
------------------------------------------- ص 234 -------------------------------------------

الموضوع السادس عشر: النبطية عاصمة الحسين عليه السلام في لبنان


أطلق النبي صلي الله عليه وآله في أمته قاعدة مهمد جداً !


فقد بلَّغ رسالة ربه وحدد مكان عاصمة الحسين عليه السلام فقال إن عاصمته حيث يكون لقتله حرارةٌ في القلوب! فاللوعة عليه هي ميزان الإيمان !
ففي كتاب محمد بن همام بسند صحيح، قال الصادق عليه السلام : (نظر النبي صلي الله عليه وآله إلى الحسين بن علي عليه السلام وهو مقبل فأجلسه في حجره وقال: إن لقتل الحسين حرارة في قلوب المؤمنين لا تبرد أبداً). (جامع أحاديث الشيعة:12/555)
وفي رواية: لا تطفأ أبداً. وفي رواية: لا تخمد أبداً. وفي رواية: حتى ينتقم الله باستئصال الجور وببسط العدل. (الشعائر للشيخ السند: 3/543)
وهي مقولة كبيرة خطيرة ، أطلقها خاتم الرسل صلي الله عليه وآله شعاراً يهز العقل هزاً ! وقاعدةً أنزلها الله تعالى ، وبَلِّغَها فمٌ لاينطق إلا بوحي، وصاغها بجوامع الكلم، بأسلوبه المبتكر في تبليغ رسالة ربه .
فقال لهم: أيها المسلمون: إحفظوا عني وافهموا ، وليبلغ الشاهد الغائب !
إن أمتي ستنقلب على أعقابها بمجرد أن أغمض عينيَّ وأفارقها !
وستكفر وتقتل طفلي هذا ، نعم هذا سيد شباب أهل الجنة ، فتدخل في التيه !
لكن سيأتي قوم نجباء ، تسكن في قلوبهم حرارة قتله ومأساته ، فيعيشونها لوعةً مشتعلةً ، لا تبرد ولا تخمُدُ ولاتنطفئ ، ولاتخفُّ مع الزمان ، تتلظَّى قلوبهم أبداً للحسين، ودموعهم تفيض لمصابه ! فهؤلاء نخبة أمتي ونجومها.
------------------------------------------- ص 235 -------------------------------------------
فقد قسَّم النبي صلي الله عليه وآله الناس الى قتلة الحسين عليه السلام والراضين بفعلهم ، فأخرجهم من أمته ، ومدح من أدان قتله وتبرأ من قاتليه ، وجعلهم نخبة المؤمنين، الذين تشتعل في قلوبهم لوعة الحسين عليه السلام فلا تبرد ، ويسكن الحسين فكراً حياً في عقولهم ، ومخزون حُبٍّ وحُزن في وجدانهم ، طول أيام حياتهم ، في حلهم وترحالهم ، في صيفهم وشتائهم .
فإذا قلت لأحدهم: حسينٌ حسين ، تغيرت حالته وفاضت دموعه .
وإذا قلت له هناك مجلس تعزية جيد للحسين ، سعى اليه إن استطاع .
وإذا سمع ذكره من منشد أو قرأ عنه في كتاب ، أو وضع رأسه بين يديه وفكَّر بالحسين ، اضطرمت حرارة قتله في قلبه !
* *
لعلك تقول: فهل تنفي الإيمان عن غير هؤلاء الممدوحين ؟
أقول كلا، فالإيمان درجات لا أنفي منه حتى إيمان أصحاب نصف الدرجة وربعها ، لكن الرسول صلي الله عليه وآله قال لنا إن نخبة المؤمنين ، الذين كمل إيمانهم وبلغوا سن الرشد فيه ، هم الحسينيون العاشقون ، الذين يطبع الحسين عليه السلام شخصيتهم. فهؤلاء فخر أمتي وحَمَامُ حرم الحسين عليه السلام ، وديارهم عاصمته .
تقول: إنك بذلك تنفي الولاء للحسين عليه السلام عن عامة المسلمين، مع أنه متحقق فيهم ، وتنفيه عن عامة الشيعة وهو متحقق فيهم ، وتحصره في جماعة صغيرة من الشيعة ، فكيف يصح ذلك ؟
أجيبك: لا أنفي شيئاً عن أحد ، وكلامي في الإثبات لا في النفي ، إنما أتبع نبيي صلي الله عليه وآله وأسوتي ، وأفسركلامه لا أتخطاه ولا أتحايل عليه ، والنبي صلي الله عليه وآله أهمل النفي ولم يتكلم عنه وركز على عاشقي الحسين عليه السلام فجعلهم نخبة أمته ! لقد أخذ بعضدهم وأعلاهم كما أعلى علياً عليه السلام يوم الغدير، وقال إن أمتي ستنقلب
------------------------------------------- ص 236 -------------------------------------------
وتغدر بي وتقتل ابني هذا ، وسيأتي من أمتي مؤمنون أهل اللوعة على الحسين، وأشاد بهم وأخبر أنهم في أعالي الجنة !
فلا تظلم أنت الناس ولاتبخسهم ما أعطاهم الله ورسوله صلي الله عليه وآله ، ولا تخلط الكلام عنهم بغيرهم ، فتقلل من شأنهم ، وتضعف كلام نبيك صلي الله عليه وآله .
ياهذا ، لقد جاءت الملائكة الى النبي صلي الله عليه وآله بالبشرى بهؤلاء الأبرار ، يوم جاءته بخبر قتل أمته لولده الحسين عليه السلام ! فعزى أمته وحذرها ، وبشرها بهؤلاء الأوفياء الذين ستأتي بهم الأيام ، و يرعف بهم الزمان .
* *
وتقول: هؤلاء قلة ، فليكن . وَهل تريد إهمالهم لأنهم قلة ؟!
وتقول إنهم بعض الشيعة ، وليكن ، وهل تريدنا أن ننكر ما خصهم به الله وأن نساويهم ببقية الشيعة ، أو بقية المسلمين !
لقد رأيت واحداً منهم في البحرين ، كان في الستين من عمره ، وملامح النور على وجهه: سألته ماذا تعمل يا حاج ؟ قال: عملي الصرخة ! لقد أخذوا هذه الوظيفة من قول الصادق عليه السلام في وصف زوار الحسين عليه السلام : (اللهم إن أعداءنا عابوا عليهم بخروجهم ، فلم ينههم ذلك عن الشخوص إلينا ، خلافاً منهم على من خالفنا ، فارحم تلك الوجوه التي غيرتها الشمس وارحم تلك الخدود التي تتقلب على حفرة أبي عبد الله الحسين عليه السلام ، وارحم تلك الأعين التي جرت دموعها رحمة لنا ، وارحم تلك القلوب التي جزعت واحترقت لنا ، وارحم تلك الصرخة التي كانت لنا . اللهم إني أستودعك تلك الأبدان وتلك الأنفس، حتى تُرَوَّيهم من الحوض يوم العطش) ! (كامل الزيارة/229).
يقول هذا الحاج فأنا أحضرمجالس التعزية بالحسين عليه السلام فإذا وصل القارئ الى أوج رثائه ونعيه أصرخ: واحسيناه واسيداه ! فهذا عملي حتى ألقى ربي .
------------------------------------------- ص 237 -------------------------------------------
فهل رأيت وظيفة طريفة كوظيفة هذا الحاج البحريني؟ إنه واحد من الذين قال عنهم النبي صلي الله عليه وآله : إن لقتل الحسين حرارة في قلوب المؤمنين لا تبرد أبداً .
* *
وإذا كانت حرارة قتل الحسين عليه السلام في القلوب ميزان الإيمان ، فعاصمة الحسين ها هنا.. في تلك القلوب ، في بيوتهم ، وديارهم ، وبلدهم .
إبحث لي بربك في شيعة لبنان ، شرقهم وغربهم ، مدنهم وقراهم ، جاهلهم وعالمهم ، فهل تجد في قلوبهم حرارة عشق الحسين عليه السلام ومأساته كما تجدها في أهل النبطية ؟ إنهم عاصمته يا أخي فلا تشك .
سكنت مدة في جباع ، وكان جارنا من النبطية ، ولما رآني يوماً أمام الباب ، جاءني بلهفة ليحييني ، وكان في يده كيس فسقط من يده وكانت فيه زجاجة خمر فانكسرت ، فانكسر قلبه خجلاً ، وسلم عليَّ وهو مطأطئ ، وذهب .
ثم جاءني في يوم آخر ليعتذر مما رأيته منه ، فتعذرت عليه الكلمات ، وانحنى برأسه وأشار ، فطمأنته وسكَّنته ، وحدثته ليخرج من خجله .
سألته عن النبطية ومجالس الحسين عليه السلام فيها وعن مراسم عاشوراء ، وحدثته عن ثواب إحياء أمر الحسين عليه السلام فتغيرت حاله وانفتح قلبه وحواسه ، وقال وعيناه تدمعان: روحي فداك أبا عبد الله أنامن صغري أحبه وأهيم فيه ، ووالدتي وإخوتي وأخواتي كلنا مجانين بالحسين عليه السلام ، ونقيم في بيتنا مجلساً سنوياً وننذرالطعام له ، وأمي نخاف عليها ، عندما تقرأ القارئة الحاجة فلانة فنوصيها أن تخفف في النعي لأن أمي ذات يوم أغمي عليها من الحزن وأخذناها الى المستشفى .
فاستقصيته السؤال فأخبرني أنه من أسرة ميسورة ، وأنهم يصرفون على مجالس الحسين الأخرى ، وأن الشيخ محمد تقي صادق قدس سره أجازهم أن يحسبوه
------------------------------------------- ص 238 -------------------------------------------
من الحقوق . قال: ترسلني أمي أو ترسل أختي الى بيت فلان الذين عندهم مجلس، فأدخل عليهم وأقول لهم أمي تسلم عليكم ، وقد أرسلت لكم هدية أبا عبد الله الحسين عليه السلام ، وأناولهم المبلغ في ظرف وأنصرف .
ثم سرَح في عالم الحسين عليه السلام وقال لي: شيخنا: أنت ما تقرأ حسيني؟ قلت له: بلى. فتهيأ وجلسه بأدب ، وقرأت له شيئاً فانفجر بالبكاء ، وأبكاني .
فماذا تقول يا صاحبي في هذا؟ هل ينطبق عليه حديث النبي صلي الله عليه وآله وقاعدته الذهبية: ( إن لقتل الحسين حرارة في قلوب المؤمنين ، لا تبرد أبداً ).
لابد أن تُقر بأنها تشمله ، لكنك تسأل عن خمره ومعصيته ، فأقول لك: لا أدافع عن مرتكب معصية ، لكني لا أطفف الناس حقهم ولا أبخسهم فضلهم ، ولا أخالف النبي صلي الله عليه وآله فأقول: إن حرارة الحسين المضطرمة في قلبه من قلب والدته، والتي لاتبرد طوال السنة ، لا تختم له بالتوبة والإنابة ، ولا تغفر له عند ربه ، وتدخله فيمن أشاد بهم رسول رب العالمين صلي الله عليه وآله .
يقول بعض أهل الغفلة: نعم، إن أهل النبطية يسكرون ويُحيون مراسم الإمام الحسين عليه السلام ويقيمون مجالس التعزية ، وينذرون النذور ، ويوزعون الطعام في ثوابه . لكن لاقيمة لولاء الحسين عليه السلام إذا لم يردع عن المعاصي .
قلت له: إن منشأ هذا الكلام ، الخطأ في التعميم .
خطأ التعميم: لأن قائله كمن دخل مدينة وسأل فيها عن بنات الهوى ، فقيل له: فيها بنات جميلات لكنهن متعصبات ، إحداهن تزني وتصلي الفرائض الخمس ، تقول لزميلتها إذا أردت أن يكون وجهك مشرقاً منيراً فصلِّ! فيضحك ويسخر، ويقول إعجبوا لأهل هذا البلد بناتهم تزني وتصلي !
------------------------------------------- ص 239 -------------------------------------------
وقد غفل عن أن علماء هذا البلد وأبراره ، استطاعوا أن يعمموا الصلاة ويعلموها الناس ويجعلوها ثقافة راسخة ، حتى وصلت الى بنات الهوى .
وخطأ التعميم:لأن المتكلم عمم شريحة صغيرة على كل أهل النبطية ، فلم يرَ الأبرار الأخيار الأتقياء الملتزمين، رجالاً ونساء ، ولامجالسهم في حسينياتهم ومساجدهم وبيوتهم ، ولا نذورهم وعشقهم ودموعهم ، فجعلهم من نوع صاحبنا الذي سقط الكيس من يده فانكسرت زجاجة خمره !
كان الأولى به أن يقول إن ثقافة حب الحسين عليه السلام وإحياء مجالسه في أهل النبطية عام شامل حتى للفساق ، ولو انتبه اليها لتحول ذمه مدحاً !
فتحيةً لأهل عاصمة الحسين عليه السلام ، لعلمائها وقرائها وشعرائها ، الذين عمموا ثقافة حب الحسين عليه السلام وإحياء ذكراه ، حتى شملت أهل المعاصي!
* *
هل فهمت لماذا استحقت النبطية أن تكون عاصمة الحسين عليه السلام ؟
بلى ، وللحسين عليه السلام عواصم صغيرة وكبيرة في بلادنا كلها تقريباً ، لكن حسينية النباطية أول حسينية في لبنان وأكثرها حرارة ، فهي أم الحسينيات ، وأم العواصم في القرى والمدن .
وللحسين عليه السلام في غير لبنان عواصمُ وقلوبٌ ملتاعة بحرارة قتله وظلامته ، تستحق أن نكتب عن الواحدة منها مقالاً مفصلاً .
في البحرين والأحساء والقطيف والمدينة ، والإمارات ومسقط والكويت ، وسوريا وباكستان والهند . وله في العراق وإيران عواصم عامرة زاخرة .
وعاصمته في قريتنا قلب المرحوم الحاج علي عبد الحسين سويدان رحمة الله عليه ، الذي كان دائم الذكر للحسين عليه السلام في رواحه ومجيئه وقيامه وقعوده ، يهينم أبداً بذكره وشعره ، يقرأ تعزيته بصوت حنون لايسمعه إلا من اقترب منه .
------------------------------------------- ص 240 -------------------------------------------
كنت في الإبتدائية وكان له بيدر قرب مدرستنا ، يدرس القمح فيجلس على النورج ويدور به الفدان ، وهو يقرأ ولا يلتفت الى الرائح والجائي .
كنت ألعب في الفرصة مع الأولاد ، فاقتربت منه لأسمع ما يقرأ ، فسألني عن إسمي، ولما عرف إسم والدي وكان يحبه كثيراً قال تعال يا علي، وأركبني معه على النَّوْرج يدور بنا الفدَّان دقائق ، حتى انتهت الفرصة .
أراد تكريمي لأجل أبي فأجلسني معه وواصل عمله في عالم الحسين عليه السلام !
وذات يوم كنت ذاهباً مع والدي الى كرم الخلة لنقطف العنب ، ومررنا على كرم الحاج علي عبد الحسين فرأينا بابه مفتوحاً وسمعنا الحاج يترنم، فدخلنا فرأيناه يعبئ العنب في صناديق ليرسله الى السوق ، ويترنم بذكر الحسين عليه السلام وابتهج بوالدي وضيفنا من أفخر ما في كرمه من العنب .
أما إذا وقف في المسجد ليقرأ التعزية ، فإن وقفته توحي لك بالجلال والحزن. ورثاؤه للحسين عليه السلام يأخذ بمجامع قلبك ، وهو لايرفع صوته بقراءته ، لكن القلوب والآذان تصغى اليه ، ودموع المؤمنين تفيض . ولا يقبل أجرة .
نعم، للشيعة في لبنان مجالس وحسينيات ، وإحياء لعاشوراء الحسين عليه السلام ، لكن لايقاس بالنبطية مكان ، لا في عراقتها في عاشوراء ، ولا في نبض أهل مدينتها وقراها بالحسين عليه السلام ، وحرارة قتله في قلوبهم .
خذ نموذجاً من النبطية وقراها ، رجلاً أو امرأة أو طفلاً ، ومثلهم من بعلبك أو أعالي الجنوب ، أو أداني الساحل ، لترى أن نبض الحسين في النبطية أقوى وأن النبطاني حسيني بتربيته وثقافته ، يعيش حرارة قتل الحسين عليه السلام أكثر من غيره . فكيف لايكون مشمولاً بالقاعدة التي أكدها النبي صلي الله عليه وآله أكثر من مرة .
ومنه تعرف سبب قول بعض خيار الشيعة: سأحضر عاشوراء في النبطية .
------------------------------------------- ص 241 -------------------------------------------

أم نجعل القلوب العامرة بالحسين كالقلوب الخالية


لقتل الحسين عليه السلام حرارة في قلوب المؤمنين ،لاتبرد أبداً . صدق نبينا صلي الله عليه وآله .
فإن لم يكن لقتله في قلب المسلم حرارة ، فلا يدخل في هذه النخبة الممتازة .
وإذا كان له حرارة ما ، ثم تبرد ، فهو دون ذلك .
وإذا كان لا يعرف متى مرت عاشوراء ، فدرجته أسفل !
وإذا كان لايهتم بالحسين عليه السلام وشهادته وعاشورائه ، فهو منكوس الحظ ، سيئ التوفيق ، لايمكن أن يَعُدُّه نبيه صلي الله عليه وآله مؤمناً مقبولاً من أمته .
* *
وحرارة قتل الحسين عليه السلام في قلوب المؤمنين ، تتحول الى ثقافة ، وتترجم بأعمال على مدار السنة ، وتكون فناً ورسوماً ولوحات .
رأيت قافلة زوار لبنانيين في مشهد الإمام الرضا عليه السلام في سوق الثياب والآيات والرايات الحسينية ، يختارون ويشترون ، فقلت لصاحبي لا بد أن يكون هؤلاء من أهل النبطية ، وكذلك كان !
فكما يهتم أحدنا بشراء ثياب وتحف وخواتم لأولاده وأصدقائه ، يهتم النباطي بشراء كَتِيبة جميلة ، أو عَلَم جميل للحسين عليه السلام ، لبيته ومسجد قريته وحسينيتها. أليس هذا مظهراً من مظاهر حرارة قتل الحسين عليه السلام في القلوب ، وتفنناً في اتباع سنة رسول الله صلي الله عليه وآله في قاعدته الذهبية .

أفق هذه القاعدة النبوية ؟


الذي يعرف أفق النبي صلي الله عليه وآله وأسلوب كلامه عن المستقبل ، يسمعه في هذه القاعدة يقول: أمتي سترتد من بعدي ، وستدخل بقتل ولدي الحسين في عصور الفتنة والظلام ، وتتسلط عليها الأمم ! ولا يبقى فيها أمل لبعث جديد إلا تلك القلوب التي تضطرم بحرارة قتل الحسين عليه السلام ، فهذه هي البؤر الحية
------------------------------------------- ص 242 -------------------------------------------
من أمتي، المهيأة للإستجابة لولدي المهدي عليه السلام الذي ينهض بثأره وثأر الأنبياء عليهم السلام ويقيم دولة العدل .
قد تقول: إن ذلك مبالغة وإلغاء للأمة بملايينها وطاقاتها وأبرارها ، وقد قال النبي صلي الله عليه وآله : الخير في أمتي الى يوم القيامة ، فلماذا التفريط بملايين الأمة والإفراط في جعل أهل مجالس الحسين عليه السلام وندبته والبكاء عليه ، ميزان كل خير في الأمة دون غيرهم ؟!
أقول: إن مدح فئة ليس إلغاءً لغيرها ! ثم إنك بلومي تلوم رسول الله صلي الله عليه وآله ! وتخطؤه ، بل تخطئ رب العالمين عز وجل لأنه الذي أمر رسوله صلي الله عليه وآله بتبليغ هذه القاعدة .
إنك تتكلم عن الكمية ، والله ورسوله يتكلمان عن النوعية . أما تراه وعد الأمة بأنه سيبعث: عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ . وهم مجموعة قليلة .
إن مئات الملايين الذين تتعصب لهم وتقول فيهم الخير الى يوم القيامة ، فيهم شئ من الخير ، لكنك ترى أن اليهود هزموهم وأذلوهم ، وجعلوا ملوكهم كالأنعام ، وجماهيرهم كالأحشام ! يمسحون بهم الأرض !
إن الطاقة الفاعلة التي تغيرالتاريخ هم حفنة قليلة في الأمة، أما ملايين الهمل المشاع فتتبِع ولا تؤسس! رحم الله الشاعر أحمد الصافي النجفي القائل:
محمد هل لهذا جئت تسعى
وهل لك ينتمي هملٌ مشاع
أإسلامٌ وتغلبهم يهودٌ
وآسادٌ وتأكلهم ضباع
شرعت لهم طريق المجد لكن
أضاعوا شرعك السامي فضاعوا
ثم اسأل نفسك كم عدد أفراد المقاومة الإسلامية الحسينيين الذين هزموا اليهود ، وكم عدد جيوش الدول العربية التي هزمها اليهود ؟
------------------------------------------- ص 243 -------------------------------------------
وكم عدد جمهور المقاومة الحسينيين وحاضنتهم ، قياساً بحواضن جيوش الدول العربية وحواضنهم الوسيعة ؟!
فانظر الى النوعية ، واعلم أنه يوجد في الجيش عادةً رجالٌ شجعان ، يتقدمون إلى المبارزة ، فهم الخط الأول في الهجوم ، يَثْبُتُون إذا تراجع غيرهم ، فهؤلاء هم القوة الحقيقية للجيش، وقادته الميدانيون ، وصُنَّاع النصر.
ويسميهم التاريخ أهل البلاء وأهل الغَناء في الحرب، أي يُغنون عن غيرهم .
وكان المسلمون يخصونهم باحترام ، وخدمات وعطايا ، عند توزيع الغنائم ، أو بعد رجوع الجيش من الحرب ، أو يخصونهم برواتب كافية .
فالذين في قلوبهم حرارة قتل الحسين عليه السلام تتأجج ولا تبرد ، هم القوة الحقيقية وهم أهل الغَنَاء والبلاء في الحرب .
* *
وتقول: وما علاقة المقاومة بالنبطية وحسينيتها ، ومجالس الحسين عليه السلام ؟
والجواب: أن ثقل المقاومة له في النبطية سببٌ ونسب ، ومدرسة النبطية وثقافتها الحسينية ممتدة جبل عامل ، في المحاضن التي ربت وخرَّجت هؤلاء الأفذاذ الأبطال الذين بدؤوا بتغيير التاريخ ، وحققوا النصر الذي عجزت عن تحقيقه ملايين الأمة ، وملايين جيوشها !
يكفي أنك إذا قلت لهم الحسين جاشت صدورهم والدموع ! وإذا قلت: عاشوراء في لبنان.. يتبادر ذهنك الى النبطية ومجالسها وعاشورائها .

من الذي أسس عاشوراء النبطية ؟


يظهر أن النبطية عمرت بمجالس الحسين عليه السلام من قديم، فهي قاعدة بلاد الشقيف التي نزلت فيها قبيلة عاملة لما جاءت من اليمن . ثم دخلت في الإسلام وتأثرت بأبي ذر وتلاميذه رضي الله عنهم ، ثم هاجر أكثر سكانها الى
------------------------------------------- ص 244 -------------------------------------------
السواحل فعمروا صيدا وصور وبيروت ، ووصل قسم منهم الى بعلبك وطرابلس ، وكان أكثرهم شيعة . ثم جاء الموج الصليبي والسلجوقي فغلب الشيعة ، فعادوا من السواحل الى الداخل الى موطنهم الأول .
وقد بين الإمام الصادق عليه السلام أماكن وجود الشيعة فقال:( بلدة بأعمال الشقيف أرنون ، وبيوت وربوع تعرف بسواحل البحار وأوطئة الجبال ).
فثقل الشيعة في شقيف أرنون وقاعدته النبطية ، ومن الطبيعي أن يكون فيها مراسم عاشوراء من قديم . ثم مرت على جبل عامل عصور اضطهاد فكانوا يعاقبون من يقيم مجلس عزاء الحسين عليه السلام .
لقد اضطر الناس في الحكم العثماني لأن يعقدوا مجالس العزاء سراً، وذكروا في تاريخ النبطية أن جماعة من الفرس كانوا حماة ثغر صيدا ، ثم جاؤوا الى النبطية فكانوا يقيمون مجالس العزاء بحريتهم ، لأنهم ليسوا من رعايا الدولة العثمانية، وكان أهل النبطية يشاركونهم علانية .
* *

مراسم عاشوراء من ثروات الشعوب الحضارية


كتبت في مناظراتنا (2/4/2000): ما الذي يغيظ الوهابية من مراسم عاشوراء؟
لا نجد في مراسم عاشوراء ما يبرر غيظ المغتاظين منها ولا وقوفهم ضدها ، فهي من ثروات الشعوب الإسلامية وشعائرها ومقدساتها ، وقد تبلغ هذه المراسم عشرين نوعاً ، نذكر فيما يلي أهمها:
1 - لبس السواد حزناً .
2 - رفع الأعلام السوداء على الحسينيات وأبواب المساجد والبيوت...
3 - عقد المجالس في المساجد والحسينيات والبيوت، وفي الساحات والشوارع ، حيث يتلو القراء السيرة ، ويختمونها بنعي الحسين عليه السلام بشعر فصيح وعامي مؤثر .
------------------------------------------- ص 245 -------------------------------------------
4 - إطعام الطعام وسقي الماء والمرطبات ، بنية الثواب للإمام الحسين عليه السلام ، في أماكن إقامة المجالس ، أو بإرساله الى البيوت .
5 - النذور لله تعالى وثوابها للإمام الحسين عليه السلام من مجالس تعزية وإطعام ..
6 - البرامج المسموعة والمرئية عن عاشوراء .
7 - التمثيليات الشعبية عن جوانب من واقعة عاشوراء .
8 - تعطيل الأعمال يوم التاسع والعاشر، أو العاشر فقط من شهر محرم .
9 - مسيرات المعزين في الشوارع من نقطة الى نقطة في البلد، في مواكب تنقسم الى مجموعات وتقرأ الشعر الفصيح والشعبي، وتلطم على صدورها. ويرافق الموكب ضرب طبول وسناجق تستعمل في الحزن بالنغم العسكري .
10 - الذهاب مشياً على الأقدام إلى زيارة الإمام الحسين عليه السلام ، وهذه عادة أوسع ما تكون في زيارة الأربعين في العراق ، حيث تتجه ملايين الشيعة وبعض السنة ، من محافظات العراق مشياً على الأقدام الى كربلاء ، وتصل المسافات إلى 700 كيلومتر وأكثر .
11 - لبس الأكفان يوم عاشوراء، وضرب الرؤوس بالسيوف (جرح أعلى الرأس) حزناً على الإمام الحسين عليه السلام ، ورمزاً للاستعداد للتضحية بالدم ونصرة الإسلام والإمام الحسين عليه السلام .
12 - مسيرة المشاعل، رمزاً للذين جاؤوا لنصرة الإمام الحسين عليه السلام وساروا ليلاً ونهاراً ، وهي عادة في النجف وبعض مناطق العراق .
هذا ، وقد ناقش علماء الوهابية والمتأثرون بهم في أكثر هذه المراسم ، وبعضهم حرم البكاء والنياحة واللطم على الحسين عليه السلام وقد أجبناهم ، وسجلنا هذه المناظرات في المجلد التاسع من كتاب الإنتصار .
* *
------------------------------------------- ص 246 -------------------------------------------

عاصمة الحسين عليه السلام في قلب شاب إيراني


يقول هذا الشاب:
رأيت في المنام أني قد متُّ .
كنت متعباً وحزيناً جداً ..
حتى وصلت الى ما بين القبور فانقبض قلبي .
لقد عمَّق الحفار قبري وبنى أحجاره بالطين .
كانت المخدة تحت رأسي من الأحجار .
بقيت وحدي في ظلمة شديدة ومكان ضيق وصمت قاتل.
كل من زارني ألقى كلمة وذهب ، أو قرأ لي الفاتحة وذهب .
كنت مرهقاً ولا من يساعدني .
وعطشاناً أتمنى جرعة ماء .
فجاء ملكان وتقدما نحوي .
فاسودَّت الدنيا في عينيَّ .
قال أحدهما: قل لنا ما هو دينك؟
وصاح بي الثاني: ربك من هو؟
وماذا عملت في عمرك ؟
كانت أسئلتهم بسيطة في ظاهرها .
لكنها كانت ترعبني وتهز كياني !
شعرت أن وجهي من الخجل يَحْمَرُّ ويَزْرَقُّ .
فلم أجب، فصبر عليَّ وصاح بي: إستعرض شريط عمرك .
وابحث عن عمل صالح تقوله !
وكلما نظرت الى أعمالي وفكرت بها .
تلجلج لساني عن النطق وخرسْتُ .
ولم يكن عندي أفضل من السكوت
------------------------------------------- ص 247 -------------------------------------------
* *
وعندما يئسا مني أحسست بشهاب نارعلى رأسي!
قالا: ما فعلت أيها المغرور بعمرك ، أذهبته هباء .
ولم تحفظ دينك ! فأنت تستحق جهنم !
فقدتُ كل أمل وقمت معها ليجراني الى النار .
وإذا بباب انفتح أمامي هو باب الجنة .
ونزل من سمائها رجلٌ وجهه كالقمر !
وجهه شمسٌ مضيئة وعليه هالةٌ من نور .
رأيته شد رأسه بشال أخضر .
لا يصل الورد الجميل الى جماله .
ويوسف الصديق يخجل أمام وجهه.
نظرات عيونه الحنونة شراب طهور .
نظراته وهبت قلبي الطمأنينة ، وسكن حنانه في روحي.
طأطأ الملكان رأسيهما خضوعاً له وفرشا جناحيهما في طريقه.
كانا مدهوشين يرددان بإخفات: جاء الحسين بن فاطمة .
جاء حاكم القيامة ، جاء بحر الشفاعة .
توجه نحوي فذبت خجلاً، ونظر اليَّ بحنان وتبسم.
فضيعت نفسي من نفسي من عطر الحسين .
أنا أين والنظر الى وجه الحسين !
قال لهم.. أطلقوه إنه مولاي .
هذا الذي ترونه.. لما ولد تحنك بتربتي.
بحبي حملته أمه ووضعته .
كانت تبكي عليَّ ثم ترضعه من حليبها .
ولما نشأ ذاب في حبي .
------------------------------------------- ص 248 -------------------------------------------
طبع صورتي على ظهر قلبه .
كم وكم عبَّر عن حبه لي وبكى.
وكم لطم على صدره وجعله وقفاً لعزائي .
كان إسمي أنشودته وترنيمته .
وتربتي خاتم سجوده .
كان يحمل عَلَمي على كتفه .
ويركض حافياً في موكب عزائي .
كان يأخذ قربة العباس في كتفه .
ويسقي الماء لي يوم عاشوراء .
كان يذكر أختي زينباً فيلطم على خده .
كان الى آخر عمره يهتف باسمي.
وكان يأكل من طعامي في عزائي .
كان يجلس في مجالس عزائي بأدب .
بقلب حزين مكسور .
كان إذا سمع ذكراسمي في مجلس ،
تنهمر عيناه بالدموع بلا حساب .
كم مرة أطلق لعن بني أمية وأعلن أنه خادم لرقية .
كم بكى من أجل ابني علي الأكبر .
فأنا آخذه الى أمي الزهراء لتجازيه .
مهما يكن عمله فهو مولاي .
وأنا أخجل أن أتركته تأخذونه الى النار .
كلا فأنا سأرضي عنه من يطالبه بحق .
وأحفظ ماء وجهه وأكرمه .
* *
------------------------------------------- ص 249 -------------------------------------------

عاصمة الحسين بلون آخر في قلب شيعي كويتي


لما تصفحت كتابه: الوصايا العشر .
وهي وصايا لابنه كيف يقيم مجلس تعزية بالحسين عليه السلام ، كتبت ما يلي:
فن توريث الأبناء:
وَرَّثَ معاوية ابنه يزيداً الدولة التي سيطر عليها وقال له: (يا بني إني قد كفيتك الشد والترحال ، ووطَّأت لك الأمور ، وذلَّلت لك الأعداء ، وأخضعت لك رقاب العرب ، وجمعت لك ما لم يجمعه أحد )!
ووَرَّثَ المنصور العباسي ابنه المهدي دولة أكبر منها ، وقال له: (يا بنيَّ إني قد جمعت لك من الأموال ما لم يجمعه خليفة قبلي ، وجمعت لك من الموالي ما لم يجمعه خليفة قبلي ، وبنيت لك مدينة لم يكن في الإسلام مثلها ).
أما المليونير فيتزجيرالد كينيدى فرشح ابنه جون كينيدي لرئاسة أمريكا ، وقال له: لا تحزن يا بنيَّ ، فإذا لم تنجح في الإنتخابات أشتري لك ولاية كاملة وأجعلك حاكماً عليها .
وأما المليونير الخليجي فلان، فوَرَّثَ أولاده أحد عشر مليار دولار فقط !
ألا تَعجب وأنت تقرأ في هذه التوريثات من إفراط الإنسان في حب السلطة والمال وحرصه عليهما ؟
أما تسأل نفسك عن معنى هذا التوريث ، وفائدته للمورِّث ، والوارث ، وأين هما الآن ، وهل انتفعا به ، أم استفاد به المجتمع ؟
ثم ، تعالَ إقرأ معي هذا الخبر عن التوريث:
ورَّثَ عباس بن نخي ابنه عشر وصايا ، علمه فيها كيف يقيم مجالس الحسين عليه السلام على أصولها وألف له فيها كتاباً !
------------------------------------------- ص 250 -------------------------------------------
أما أنا فلما قرأت هذا التوريث هزني ، ودمعت له عيناي !
وأما أنت فقد تَعْجب وتقول: ما هذا التوريث؟! لأنك لاتراه مهماً ، لا الإرث، ولا المورث ، ولا الوارث !
لكن تعال نبحث الموضوع ، لنرى الحق معك أو معي !
قال صاحبي: هذا غلو في الدين. ألا تشعر بأنه يشغل الإنسان عن مسؤولياته في العمل وخدمة الناس؟ أنتم تقولون خير الناس أنفعهم للناس.. فلماذا تشغلون أنفسكم عن نفع الناس؟ ألا يكفي أن تعبد ربك وتصلي له ، وتحضر مجلساً أيام عاشوراء في ذكرى الحسين عليه السلام ؟
أم تريد أن تؤلف كتاباً في أصول الوضوء وكيفية صب الماء ومسح الوجه ، وهندسة الوقوف للصلاة وركوعها وسجودها! ثم تشغل الناس في وصف المسجد والمصلين فيه ، وفضائلهم ومناقبهم وأولادهم وأقاربهم ؟
دعكم من هذا الإفراط والغلو في الدين وفي الشعائر الدينية ، واشغلوا أنفسكم بالإنتاج . أليس الأفضل أن يعمل الإنسان في تنمية ثروته والتوسعة على عياله ومجتمعه ، أليس ذلك أفضل من الإنشغال في تفاصيل الصلاة ، والمراسم الدينية والتفنن فيها ؟
ورآني صاحبي أتبسم فقال: مالك تضحك ، وهل في كلامي ما يضحك ؟!
قلت له: أضحك من هذا الطبيخ الذي قدمته لي !
فقد فرضت مجلس العزاء أمراً بسيطاً ، وفرضت غيره أهم منه ، ثم زعمت أن الإهتمام به يتعارض مع العمل والإنتاج وخدمة الناس !
فغضب صاحبي ورفع صوته ، يعيد أفكاره ويرددها ، فقلت له:
وغضبك هذا عصا بدوية ، تريد أن تسوقني بها ، وتسوق الناس ، لنأكل من طبيخك ! فلماذا لا تسمع مني وجهة نظري التي تخالف رأيك؟
------------------------------------------- ص 251 -------------------------------------------
إن مشكلتكم أنتم أشباه المتدينين أنكم تضعون في رؤوسكم أفكاراً أولية ، تحسبون أنها نهاية الثقافة والمعرفة والعلم والعقل ، وتركبون رؤوسكم وتمشون ولا تلوون على أحد !
ثم إذا خالفكم أحد ترفعون عصاكم علىه ، ولا تسمعون منه !
وعلى ذلك تمضي بكم السنين والأيام فلا ينفع معكم كلام ، حتى تصطدموا بجدار الآخرة ، ويا لهول ذلك الجدار !
هناك يفيق أحدكم فيرى حجم الأمور على حقيقتها: لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ .
من قال لك ياصاحبي إن حجم الأمور كما تخيلتها؟ فبأي ميزان وزنت ، وبأي عين نظرت ؟

محاولة لفهم: ورََّث روكفلر ، وورث والد ابنه مجلس عزاء ؟


ورَّث معاوية ابنه يزيداً أمبراطورية كبيرة ، وكان يزيدٌ شاباً خماراً متهوراً ، فبدد ثروته في ثلاث سنوات ، وجاء باللعنة على نفسه وعلى آل أبي سفيان ، فلم يحكم منهم بعده أحد ! ثم تحمل معها لعنة الدنيا والآخرة !
وورث عباس بن نخي ابنه مجلس عزاء للحسين عليه السلام وعلمه أصول إقامته ، والإخلاص فيه ، وأصول خدمته، وآداب الجلوس وآداب البكاء ، وقال له:
(فإذا رُزِقْتَ الدَّمْـعَـة، وسَالَ من عَينَيك وسَاحَ مَـا بَـلَّـلَ وَجْهَك ، فَـلَا تُكَـفْـكِـف دُمُوعَكَ وتمسَحهَا بمَحَارِم وَرَقـيَّـة، ومَنَادِيل من التي تلقى بعدَ ذلك في القُمامَـة وتُودَع النُّـفَايات ، بَل عَلَيكَ إمْرار يَدِكَ ومَسْحـهَا على وَجْهِك، وتَـلْـطِيخه بِبَــلَلِ الدُّمُوع ، فـيَسري ويَعمُّ محـيَّاك ، ويَصْبغ وَجْهَك لَـيُـزهر بنُور سَيَــتَـلألأ في عَرَصَات القِيَـامة ، ويجـتَـذِبُ مَن يَلتَـقِطـك
------------------------------------------- ص 252 -------------------------------------------
ويُخرِجك من بين الحبِّ الرَّدئ ، فـيُـخلِّصكَ ويُنجِـيـك! فهذا يا بُنيَّ من الوَسْم الذي سَيُميِّـزك ، وسَتُعرَف به هُناك ، في الموْقف وسَاحَة المحْشَر).
نعم هذه قيمة الدمعة لمصاب الحسين عليه السلام ، فكيف بقيمة المجلس؟!
فإن كنت تؤمن بقيمة الدمعة على الحسين عليه السلام ، فأعطني مثلها من ثروات المثرين ، وتوريثات المورثين . وإن كنت لاتؤمن بذلك ، فاعذر الذي يؤمن ، ولا تسفه حلومهم ، ولا تمتهن عقولهم !
إن عبارة وَرَّثَ روكفلر ابنه معناها: وضع على ظهره أحمالاً من المال والعقارات والأشياء ، لا مدى لها ولا أفق !
وورث زيد ابنه البكاء على الحسين عليه السلام ، معناها: أعطاه مفتاحاً ذهبياً لكنز ، لا يَفقد قيمته في السماوات والأرض ، ولاينقص على مدى الزمان والدهور . فاقرأ جيداً ياصاحبي ودعك من تسطيح البداوة .واعرف ماذا تورث ابنك !

قضية الحسين عليه السلام في مفهومنا


إذا قرأ المسيحي من وسط أمريكا عن الحسين عليه السلام ولم يكن معادياً للإسلام لقال: إن الحسين قديس عند طائفة من المسلمين ، يحبونه لأنهم يرون فيه تجسيداً لقيم الدين والإنسانية ، ويقيمون ذكراه السنوية بعواطف حارة .
وإذا قرأ المسلم السني عن الحسين عليه السلام أصيب بالدوار لأنه يرى أن الإسلام أعطى لأهل بيت النبي صلي الله عليه وآله مكانةً عليا ، وأوجب الصلاة عليهم مع النبي حتى في الصلاة ، ويرى أصحاب النبي صلي الله عليه وآله وهم عنده عدول مقدسون ، أخذوا السلطة منهم بعد النبي صلي الله عليه وآله وأبعدوهم واضطهدوهم وقتلوهم !
وأمام هذا التناقض يتحير المسكين مع من يضع قلبه ، وعمن يأخذ دينه ؟ ثم يلجأ الى حلول التوفيق التي ابتكرها أسلافه فيدافع عنهم وهو غير مقتنع!
------------------------------------------- ص 253 -------------------------------------------
أما إذا قرأ الشيعي عن الحسين عليه السلام فيجد أنه ركنٌ في منظومة أئمةٍ خلقهم الله أنواراً قبل خلق الخلق، يُسبحونه حول عرشه ، ويُعلمون ملائكته التهليل والتسبيح والتحميد . ثم جعلهم الله تعالى في صلب آدم عليه السلام .
بل روى ذلك مخالفونا أيضاً ، كأحمد في فضائل الصحابة (2/262) عن سلمان قال: «سمعت حبيبي رسول الله صلي الله عليه وآله يقول: كنت أنا وعلي نوراً بين يدي الله عز وجل قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف عام ، فلما خلق الله آدم قسم ذلك النور جزءين فجزءٌ أنا ، وجزءٌ علي » .
ويجد أن الحسين عليه السلام ثأر الله في الأرض ، فلله ثأر من الطغاة عبر التاريخ ، وقد تتوج وتجسد في ظلامة الحسين عليه السلام ، فهو ثأر الله في الأرض !
ومعنى القاعدة النبوية أن الله تعالى يريد أن تبقى قضية الحسين عليه السلام حيويةً في ضمير الناس، معاشة حياتهم حتى يأتي ولده الموعود فيأخذ بثأره !
فكيف يصح أن نستبعد من قضية الحسين عليه السلام البعد الرباني المستقبلي؟!

قضية الحسين عليه السلام مقدسة بامتياز


تتفاوت درجات القداسة الشرعية..فبيت المسلم له حرمة وقداسة ، والمسجد أشد حرمة منه ، والكعبة مقدسة بامتياز .
وكذا الأمكنة ، والأزمنة ، والأعمال ، والأشخاص.. لكل منها درجة من القداسة عند الله تعالى . وأفضل الناس وأعلاهم حرمة وقداسةً ، رسول الله خير الخلق صلي الله عليه وآله ، ثم أهل بيته المعصومون: علي وفاطمة والحسن والحسين وتسعة من ذرية الحسين عليهم السلام . لكن للحسين عليه السلام امتيازات عن غيره !
1. فمن امتيازاته أنه ثأر الله في أرضه ، فالثأر لدمه مطلب رباني ، يدخل في الخطة الإلهية لمستقبل الأرض وإنسانها ، وإنهاء الظلم منها .
------------------------------------------- ص 254 -------------------------------------------
2.وقبر الحسين عليه السلام مقدس بامتياز.. القبر ، ومحيطه ، وشعاعه في كربلاء .
والكعبة لها امتياز الحج والقبلة . ولكربلاء امتياز من نوع آخر .
3. وزيارة الحسين عليه السلام مقدسة بامتياز ، عن قُرب ، وأنَّى كنت في العالم .
4. وتربة الحسين عليه السلام مقدسة بامتياز ، لها خصائصها التي أودعها فيها الله ، وأحكامها التي لايشاركها فيها غيرها .
5. وإحياء ذكر الحسين عليه السلام مقدس بامتياز ، في عاشوراء شهادته ، وعلى مدار العام . سواء أقمت الذكرى وحدك ، أو مع شخص واحد ، أو جماعة ، حتى تصل الى الألوف والملايين .
6. والحزن على الحسين عليه السلام مقدس بامتياز. حزنك في نفسك ، وحزنك أمام غيرك ، وتذكيرك الآخرين به . ويليه إظهار الحزن ، ويليه التحازن .
7. والبكاء على الحسين عليه السلام عمل مقدس بامتياز ، بينك وبين نفسك ، أو مع آخرين . فالدمعة عليه لا توزن بالذهب ، لأنها عمل كبير يكف عنك غضب الجبار ، ويطفئ عنك لهب النار .
ويليه التباكي على الحسين عليه السلام ، في القيمة والقداسة والثواب .
8. والجزع على الميت له أحكام ، فمنه الحلال والحرام والمكروه.. أما الجزع على الحسين عليه السلام فمفتوح لك ما شئت، بل مستحب ومقدس . ومنه الصياح والصـرخة لمصاب الحسين عليه السلام .
قال الإمام الصادق عليه السلام : (رَحِمْ تلك الأعين التي جَرَت دمُوعُها رحمةً لنا، وَرَحِمَ تلك القلُـوب التي جزِعَت واحترقت لنا، ورحِم الصَّرْخة التي كانت لنا ).
------------------------------------------- ص 255 -------------------------------------------
9. ومواساة النبي صلي الله عليه وآله والزهراء وعلي والأئمة بالحسين عليهم السلام ، عمل مقدس بامتياز ، وهو مفتوح لكل ما يعتبر في عرف الناس مواساة . وعليه استند السيد الخوئي قدس سره في فتواه بجواز التطبير .
10. وكل ما يرتبط بالحسين عليه السلام مقدس بامتياز: نواديه الحسينية ، ولوازم مواكبه ، وكل منذور له ، أو مملوك لجهة تتعلق به .
* *

قضية الحسين عليه السلام من أفقها الكوني ومداها الخالد


هل تعرف يا صاحبي معنى الأفق والمدى ، في قيمة الأشياء ؟
سأضرب لك مثلاً: هذا الحاسب قيمته الآن ألف درهم . لكنه لامدى له ، لأنه سيأتي جهاز آخر بعد سنوات ، أفضل منه وأرخص سعراً .
وهذا الماء البارد للعطشان في صحراء قاحلة قيمته ألف درهم . لكنه لا أفق له، ففي المدينة لا يساوي درهماً .
فأخبرني ياصاحبي: ما هو الأفق والمدى للثروة والسلطان في الدينا ؟ وقايسها بالمدى والأفق في قيمة مجلس العزاء للحسين عليه السلام ؟
هل تعرف رأي نبي الله سليمان عليه السلام صاحب الملك الإستثنائي ، في ذلك ؟
كان يوماً يسير في موكبه على بساط الريح الذي يتسع لأربعة آلاف ، والطيور تظلله من الشمس كل طائر في مكانه على شكل مظلة ، فنظر الى موكبه فلاح يعمل في حقله فقال: لقد أوتي ابن داود ملكاً عظيماً ، فألقت الريح قوله في أذن سليمان عليه السلام فأمر بالوقوف، ونزل ومشى إلى الفلاح وقال له: لقد سمعت قولك:والله لتسبيحة واحدة يقبلها الله تعالى خير مما أوتيَ آل داود لأن ثواب التسبيحة يبقى وملك سليمان يفنى!(البحار:14/81).
------------------------------------------- ص 256 -------------------------------------------
هل توافق يا صاحبي نبيَّ الله سليمان عليه السلام على تقييمه للشئ بمداه ؟
فلماذا لاتزن توريثات معاوية وكنيدي بهذا الميزان ؟
* *
هل قرأت خطبة أمير المؤمنين عليه السلام بعد أيام السقيفة ، المسماة خطبة الوسيلة ؟
فعندما توفي النبي صلي الله عليه وآله وسارع زعماء قريش لأخذ خلافته ، وصفقوا على يد أبي بكر خُفيةً عن علي وبني هاشم وكبار الصحابة ، كان علي عليه السلام مشغولاً بتنفيذ وصية النبي صلي الله عليه وآله في تغسيله وتكفينه ومراسم جنازته .
وجاءه سلمان يخبره بأن الطلقاء صفقوا على يد أبي بكر ، فأخبره علي ببقية عملهم! وجاء العباس مغتاظاً فأجابه بأن الله حسيبهم ، ولم يقم بعمل!
وجاءه أبو سفيان غاضباً قائلاً: إنما ملك قريش لبني عبد مناف كيف تترك أذل قبيلتين في قريش تيماً وعدياً يغصبون ملك بني عبد مناف ، وتقبل أن يملكنا الرذل ابن الرذل أبو بكر ، وعرض عليه أن يملأهما عليهم خيلاً ورجالاً ، فنهره علي عليه السلام ولم يقبل منه .
ولم يشتغل علي عليه السلام بشئ إلا بما أوصاه به النبي صلي الله عليه وآله من تجهيزه ، ثم دار على نقباء بيعة العقبة وكبار البدريين يذكرهم الله ورسوله صلي الله عليه وآله وحقه الشرعي . ثم اعتكف أياماً يجمع القرآن حتى أكمله .
* *
احتج الصحابة من المهاجرين والأنصار على أبي بكر في المسجد ، وجرت أمور، لكن علياً عليه السلام صبر الى اليوم السابع وجاء الى المسجد وخطب خطبة الوسيلة ، رواها الإمام الباقر عليه السلام وتبلغ اثنتي عشرة صفحة ، تعرض فيها لعملهم في أخذ الخلافة باختصار، لكنه أفاض في الأفق والمدى الذي يعيش
------------------------------------------- ص 257 -------------------------------------------
فيه وينظر الى الأمور، والذي يجب أن يعيش فيه المسلمون يقارنه بأفق أهل السقيفة ومن همهم الدنيا ! وقد سميت الوسيلة لأنه قال فيها:
(أيها الناس إن الله تعالى وعد نبيه محمداً صلي الله عليه وآله الوسيلة ووعده الحق ولن يخلف الله وعده ، ألا وإن الوسيلة أعلى درج الجنة وذروة ذوائب الزلفة ، ونهاية غاية الأمنية ، لها ألف مرقاة ، ما بين المرقاة إلى المرقاة حضر الفرس الجواد مائة عام، وما بين مرقاة درة إلى مرقاة جوهرة ، إلى مرقاة زبرجدة ، إلى مرقاة لؤلؤة ، إلى مرقاة ياقوتة، إلى مرقاة زمردة ، إلى مرقاة مرجانة، إلى مرقاة كافور، إلى مرقاة عنبر، إلى مرقاة يلنجوج (نوع من عود البخور) إلى مرقاة ذهب ، إلى مرقاة غمام ، إلى مرقاة هواء ، إلى مرقاة نور ، قد أنافت على كل الجنان ورسول الله صلي الله عليه وآله يومئذ قاعد عليها ، مرتد بريطتين (ثوب جميل لين) ريطة من رحمة الله ، وريطة من نور الله ، عليه تاج النبوة وإكليل الرسالة، قد أشرق بنوره الموقف، وأنا يومئذ على الدرجة الرفيعة وهي دون درجته ، وعليَّ ريطتان ، ريطة من أرجوان النور ، وريطة من كافور .
والرسل والأنبياء قد وقفوا على المراقي، وأعلام الأزمنة وحجج الدهور عليهم السلام عن أيماننا وقد تجللهم حلل النور والكرامة ، لايرانا ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا بهت بأنوارنا ، وعجب من ضيائنا وجلالتنا ، وعن يمين الوسيلة عن يمين الرسول صلي الله عليه وآله غمامة بسطة البصر يأتي منها النداء:
يا أهل الموقف: طوبى لمن أحب الوصي وآمن بالنبي الأمي العربي صلي الله عليه وآله ومن كفر فالنار موعده .
وعن يسار الوسيلة عن يسار الرسول صلي الله عليه وآله ظُلَّةٌ يأتي منها النداء:
يا أهل الموقف طوبى لمن أحب الوصي وآمن بالنبي الأمي، والذي له الملك الأعلى ، لا فاز أحد ولا نال الروح والجنة إلا من لقيَ خالقه بالإخلاص لهما
------------------------------------------- ص 258 -------------------------------------------
والإقتداء بنجومهما ، فأيقنوا يا أهل ولاية الله ببياض وجوهكم ، وشرف مقعدكم ، وكرم مآبكم ، وبفوزكم اليوم على سرر متقابلين .
ويا أهل الإنحراف والصدود عن الله ورسوله وصراطه وأعلام الأزمنة ، أيقنوا بسواد وجوهكم ، وغضب ربكم جزاءً بما كنتم تعملون ) (الكافي:8/18).
فهذا أفق علي والعترة ، فأين هو من أفق التغالب ومسارعة الطلقاء الى بيعة الفلته ، وأخذ السلطة خفية عن بني هاشم والمسلمين !
* *
------------------------------------------- ص 259 -------------------------------------------

الموضوع السابع عشر: أبعاد القاعدة النبوية في الحسين عليه السلام


التعجب والذهول من هذه القاعدة


(إن لقتل الحسين عليه السلام حرارة في قلوب المؤمنين ، لا تبرد أبداً ).
الذي يتأمل في هذه القاعدة يملكه العجب ، بل الذهول ! فما الذي صنعه رسول الله صلي الله عليه وآله ؟ لما أمسك بيد طفله ، وجعله ميزان الإيمان والكفر ، والنجاة والضلال ، الى يوم الدين ؟!
أخذه الى المسجد وقال لأمته: أنتم ستقتلون هذا الطفل بعد موتي مباشرة !
لقد حكم عليهم بالهلاك ، فسكتوا ولم ينبس أحد منهم ببنت شفة ! لكن النبي صلي الله عليه وآله سأل جبرئيل: يقتلونه وهم مؤمنون بي؟ فلم يقل مؤمنون!
ففي مجمع الزوائد (9/189) ووثقه: (فقال جبريل للنبي إن أمتك ستقتل ابنك هذا فقال النبي: يقتلونه وهم مؤمنون بي؟ قال: نعم يقتلونه)!
ولم يقل جبرئيل عليه السلام وهم مؤمنون بك ، لكن يفهم أنهم على نوع من الإيمان ، لايغني عنهم ! فهو لايريد أن يثبت إيمانهم ولا ينفيه .
وفي تاريخ الذهبي(5/103):(إن أمتك ستقتله ، قال: يقتلونه وهم مؤمنون! قال:نعم وأراه تربته). فحذف يقتلونه ! وأخفى امتناعه عن الشهادة بإيمانهم !
والسؤال العريض: ما بالهم خرسوا وهم كبار الصحابة كما نصت الأحاديث! فلم يقل أحد منهم فبماذا توصينا يارسول الله ، وماذا تأمرنا ؟
* *
فماذا تقول في أمة رُزق نبيهم بطفل ، فجاء ه جبرئيل عليه السلام وقال له: إن الله يقرؤك السلام ويقول لك: إن طفلك هذا سيد شباب أهل الجنة ، وستقتله
------------------------------------------- ص 260 -------------------------------------------
أمتك بعدك ! فخرج اليهم وفي يده قبضة من تراب كربلاء ، وطفله معه ، وأخبرهم وهو يبكي ! فصكهم صكاً ، فسكتوا وخرسوا الى يومنا هذا !
وماذا تقول في صحابة عدول جداً جداً ، وقد أخبرهم نبيهم صلي الله عليه وآله أن بني أمية ستقتل ابنه الحسين عليه السلام فمهدوا الأمور لبني أمية لتصل اليهم الخلافة ، لأنهم بزعمهم الوحيدون من قريش الذين يستطيعون الوقوف ضد بني هاشم .
بلى، في رواية أنه خطب وأخبرهم بما سيفعلون بالحسين عليه السلام : (فضج الناس بالبكاء والعويل فقال النبي صلي الله عليه وآله : أيها الناس تبكونه ولا تنصرونه !
اللهم فكن أنت له ولياً وناصراً . ألا إنه سيرد عليَّ يوم القيامة ثلاث رايات من هذه الأمة الأولى راية سوداء مظلمة ..الى أن قال: فأعرض عنهم وجهي فيصدرون عطاشى مسودة وجوههم ). رياض الأبرار(1/175)
* *
تقول: هل يعقل أن النبي صلي الله عليه وآله حكم على أمته بالهلاك والضلال ، ما عدا هذا الطفل وبقية عترته ، وحفنة قليلة ممن تبعهم !
كأنك تقول:أيها الباحثون.. دققوا في الحديث فلعله مكذوبٌ على النبي صلي الله عليه وآله !
والجواب: أن الحديث صحيح عند الجميع ، لكن الكفر فيه دون كفر ، وقد وصفه النبي صلي الله عليه وآله بالفتنة يعمهون فيها !
إنها يا أخي سنة الله في الأمم أن تنقلب على أعقابها بعد رسلها ، هذه هي الحقيقة المرة ! والأمة تفعل هذا وتكون مسلمة.. فالإسلام درجات ودرجات ! قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ..
وقال في هذه السنة الإجتماعية: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ.. وَلَوْ شَاءَ الله مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ الله مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ !
------------------------------------------- ص 261 -------------------------------------------
فالذين انحرفوا وبغوا على إخوانهم واقتتلوا لأخذ السلطة بعد الرسل عليهم السلام ، كان الرسل بينوا لهم وأتموا عليهم الحجة ، وكذلك فعل نبينا صلي الله عليه وآله ، وكان من إتمام حجته على أمته قضية الحسين عليه السلام .

البعد العقائدي في القاعدة النبوية


يدل قول النبي صلي الله عليه وآله :إن الحسين سيد شباب أهل الجنة، على مكانة عظيمة للحسين عليه السلام يجب على المسلمين الإعتقاد بها.
ومعنى أنه سيد شباب أهل الجنة: أنه آمر غير مأمور، فيحرم على أحد أن يتأمر عليه ، بل هو سيد المسلمين أهل الجنة ، أما أهل النار فأسيادهم الفراعنة !
فمن ادعى أن فلاناً هو أمير الحسين عليه السلام فهو عاص مشاق للنبي صلي الله عليه وآله .
وسيد شباب أهل الجنة: لايجوز له أن يبايع أحداً بالطاعة ، بل يجب على الناس أن يطيعوه! فهو الأفضل بنص النبي صلي الله عليه وآله .
ومن طلب البيعة من الحسين عليه السلام فهو عاص مشاقٌّ للنبي صلي الله عليه وآله !
وبهذا تعرف الحكم الشرعي والعقائدي في أمة حاصرت الحسين عليه السلام بثلاثين ألف مقاتل وهو في اثنين وسبعين رجلاً من أهل بيته وأنصاره ، وطلبوا منه أن يبايع يزيد بن معاوية بالخلافة وإمرة المؤمنين ، أو يُقتل ! وهم يعلمون أنه ابن بنت النبي صلي الله عليه وآله وأنه سيد شباب أهل الجنة ، ويعلمون أن يزيداً فاسق فاجر مدمن لشرب الخمر! فطلب منهم الحسين عليه السلام أن يتركوه يذهب حيث شاء ، فقالوا: لا نتركك حتى تبايع يزيداً أو نقتلك !
كان هذا الجيش يصلي خلف إمامه عمر بن سعد بن أبي وقاص ، وكان يقول في صلاته: اللهم صل على محمد وآل محمد ، وإن سألته: من آل محمد الذي تصلون عليهم في صلاتكم؟ لقالوا: هم علي وفاطمة والحسن والحسين !
------------------------------------------- ص 262 -------------------------------------------
فالحسين عليه السلام عندهم سيد شباب أهل الجنة ، وهم يصلون عليه مع نبيهم ، لكن لما امتنع أن يبايع لطاغيتهم ، قتلوه شر قتلة ، وسَبَوْا نساءه الى يزيد !
ثم قالت الخلافة وعلماؤها: إن قتلة الحسين عليه السلام مسلمون مؤمنون بالله ورسوله، اجتهدوا فأخطأوا ! وقالوا: قال النبي صلي الله عليه وآله الحسين سيد شباب أهل الجنة ، لكنا نقول إن يزيداً سيده ، ويحب عليه أن يطيعه .
فهل رأيت مسلمين مؤمنين بنبيهم وسنته ، كهؤلاء المنافقين ؟!
أما البعد العقائدي في قول النبي صلي الله عليه وآله :إن لقتل الحسين حرارة في قلوب المؤمنين لا تبرد أبداً ، فهو أنه يجب على المسلمين جميعاً أن يحزنوا على الحسين عليه السلام ويحيوا الحزن عليه ، فمن لم يفعل فليس من أمة النبي صلي الله عليه وآله المؤمنين !
فالقاعدة: أن المسلمين الذين في قلوبهم حرارة ولوعة لقتله ، هم خير الأمة ، ومن لم يكن كذلك فلا يبلغ كمال الإيمان ، وإن عُدَّ مؤمناً .
فانظر الى ُبعد المسلمين عن أمر نبيهم صلي الله عليه وآله ، وعن سنته التي أمرهم بها ؟!
بل إعجب من سخريتهم واستهزائهم بالشيعة الذين يبكون على الحسين عليه السلام ويحملون في قلوبهم حرارة قتله كما أمرهم نبيهم صلي الله عليه وآله .
لقد صارت السنة بدعة ، والبدعة القرشية سنة !!

ماذا فعل الخلفاء القرشيون بعقائد الإسلام ؟


أليس الحسين عليه السلام من عقائد الإسلام؟ ألم يبلغهم النبي صلي الله عليه وآله مقامه؟
ألم يخبرهم بأنهم سيقتلونه ، وبكى عليه ، وحذرهم! فلماذا غيبه الخلفاء حتى نسيه المسلمون ، فصار الإسلام بعد النبي صلي الله عليه وآله بلا حُسين !وصار أكثر المسلمين لايعرفون عنه إلا أنه ابنُ فاطمة بنت النبي وكفى ، ولا يعرفون أن النبي صلي الله عليه وآله فرض حبه ومودته وطاعته ، والبراءة من قاتليه وظالميه !
------------------------------------------- ص 263 -------------------------------------------
ألم يخبر أمته بأن أعلى درجة إيمان المسلم أن يكون في قلبه حرارة لقتل الحسين ولوعة طوال عمره ، وأن يترجمها بما يناسب فريضة ولاء الحسين عليه السلام .
كل هذا صار غريباً على جمهور المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ، لا يعرفه إلا قلة يسمونهم الشيعة ، ويسميهم الوهابية: عُبَّاد الحسين عليه السلام !
فقبح الله الذين أبعدوا المسلمين على فريضة حب الحسين عليه السلام وأهملوها ، واستهزأوا بها ، وعاشوا ضدها ، وناقضوها ؟!

البعد السياسي في القاعدة النبوية


أخبر النبي صلي الله عليه وآله أمته أنها ستنقسم بعده الى قسمين: من يقتلون الحسين صلي الله عليه وآله ، أو يرضون بقتله ، أو يسكتون عن قتله . ومن يدينون جريمة قتله ويبكون عليه، وسيكون خير الأمة من يحمل في قلبه حرارة قتله ، شعلة حية تتوقد وتتأجج، حتى يظهر ولده المهدي عليه السلام .وطالما تحدث النبي صلي الله عليه وآله عما يجري بعده وحذر أمته بأنهم سيضرب بعضهم بعضاً بالسيف لأخذ سلطانه !
روى الجميع ومنهم البخاري(1/38) أن رسول الله صلي الله عليه وآله في حجة الوداع: (استنصت الناس فقال: لاترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض). وفي رواية: ويحكم لا ترجعوا بعدي كفاراً ، وفي رواية ويلكم . أي تكفرون من بعدي وتتقاتلون على سرقة خلافتي ! إنها رسالة لقريش بأنها ستأخذ سلطانه بالغلبة ، وتعزل عترته وتضطهدهم وتقتلهم !
ومعنى ذلك أن الشرعية بعد النبي صلي الله عليه وآله للحسين والعترة عليهم السلام ، والبغي والعدوان والإدانه لمن يقف ضدهم !
فماذا يقول المسلم الصادق ، في هذه الحقيقة البديهية الواضحة من الإسلام؟!
------------------------------------------- ص 264 -------------------------------------------
يقولون: الحق والشرعية مع من أقصوا علياً والعترة عن الحكم ، والحق والشرعية مع بني أمية وإن أخطأوا في قتل الحسين، والحق والشرعية في العباسيين ، وإن أخطأوا في اضطهاد بني علي وفاطمة وتقتيلهم !
وهكذا لانكاد نجد من أمة النبي صلي الله عليه وآله من أطاعه في الحسين إلا الشيعة !
فهل نحكم بكفر من عصوا نبيهم من المسلمين؟ كلا ، فهو كفرٌ دون كفر ، وعبر عنه النبي صلي الله عليه وآله : إنه سيعمهون في الفتنة حتى يظهر ولدي المهدي !
فقد روى الحاكم وصححه هو والذهبي (3/143): (عن حيان الأسدي سمعت علياً يقول: قال لي رسول الله صلي الله عليه وآله :إن الأمة ستغدر بك بعدي وأنت تعيش على ملتي وتقتل على سنتي ، من أحبك أحبني ومن أبغضك أبغضني ، وإن هذه ستخضب من هذا يعني لحيته من رأسه).
وفي شرح نهج البلاغة (9 / 206): (فقلت: يا رسول الله فبأي المنازل أنزل هؤلاء المفتونين من بعدك ، أبمنزلة فتنة أم بمنزلة ردة ؟ فقال: بمنزلة فتنة يعمهون فيها إلى أن يدركهم العدل . فقلت: يا رسول الله ، أيدركهم العدل منا أم من غيرنا ؟ قال: بل منا ، بنا فتح وبنا يختم وبنا ألف الله بين القلوب بعد الشرك ، وبنا يؤلف بين القلوب بعد الفتنة. فقلت: الحمد لله على ما وهب لنا من فضله).
* *
------------------------------------------- ص 265 -------------------------------------------

تأصيل القاعدة النبوية في الحسين عليه السلام


نورد بعض الأحاديث الصحيحة، التي تؤيد ، وتؤصل ، وتفصل ، هذه القاعدة النبوية الذهبية: إنَّ لِقَتلِ الحُسَينِ حَرارَةً في قُلوبِ المُؤمِنينَ لا تَبرُدُ أبَداً:
الحديث الأول ، ولاحظ أن سلسلة سنده من كبار الثقات وأئمة الرواة:
(حدثني محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري ، عن أبيه ، عن علي بن محمد بن سالم ، عن محمد بن خالد ، عن عبد الله بن حماد البصري ، عن عبد الله بن عبد الرحمان الأصم، عن مسمع بن عبد الملك ، عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال: كان الحسين عليه السلام مع أمه تحمله، فأخذه رسول الله صلي الله عليه وآله فقال: لعن الله قاتليك ، ولعن الله سالبيك ، وأهلكَ الله المتوازرين عليك ، وحكمَ الله بيني وبين من أعان عليك ، فقالت فاطمة: يا أبَهْ أي شئ تقول؟ قال: يا بنتاه ذكرت ما يصيبه بعدي وبعدك من الأذى والظلم والغدر والبغي، وهو يومئذ في عصبة كأنهم نجوم السماء ، يتهادون إلى القتل (أي يمشون الهويدى بثبات) وكأني أنظر إلى معسكرهم والى موضع رحالهم وتربتهم .
فقالت: يا أبه وأين هذا الموضع الذي تصف؟ قال: موضع يقال له كربلاء ، وهي ذات كرب وبلاء علينا وعلى الأمة ، يخرج عليهم شرار أمتي ، ولو أن أحدهم شَفع له من في السماوات والأرضين ما شفعوا فيهم ، وهم المخلدون في النار . قالت: يا أبه ، فيقتل ، قال: نعم يا بنتاه وما قُتل قتلته أحدٌ كان قبله وتبكيه السماوات والأرضون والملائكة والوحش والحيتان في البحار والجبال ولو يؤذن لها ما بقي على الأرض متنفس .
ويأتيه قوم من محبينا ليس في الأرض أعلم بالله ولا أقْوَم بحقنا منهم ، وليس على ظهر الأرض أحد يلتفت إليه غيرهم .
------------------------------------------- ص 266 -------------------------------------------
أولئك مصابيح في ظلمات الجور وهم الشفعاء ، وهم واردون حوضي غداً ، أعرفهم إذا وردوا علي بسيماهم ، وأهل كل دين يطلبون أئمتهم ، وهم يطلبوننا ولا يطلبون غيرنا ، وهم قوام الأرض ، بهم ينزل الغيث !
فقالت فاطمة: يا أبة ، إنا لله ، وبكت . فقال: يا بنتاه ، إن أهل الجنة هم الشهداء في الدنيا، بذلوا أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ، يقاتلون في سبيل اللّه فيقتلون ويقتلون وعداً عليه الحق ، فما عند الله خير من الدنيا وما فيها ، قتلةٌ أهون من ميتة . من كتب عليه القتل خرج إلى مضجعه ، ومن لم يقتل فسوف يموت . يا فاطمة بنت محمد ، أما تحبين أن تأمرين غداً بأمر فتطاعين في هذا الخلق عند الحساب؟ أما ترضين أن يكون ابنك من حملة العرش؟ أما ترضين أن يكون أبوك يسألونه الشفاعة؟ أما ترضين أن يكون بعلك يذود الخلق يوم العطش عن الحوض ، فيسقي منه أوليائه ويذود عنه أعدائه ؟ أما ترضين أن يكون بعلك قسيم الجنة ويأمر النار فتطيعه ، يخرج منها من يشاء ويترك من يشاء؟ أما ترضين أن تنظري إلى الملائكة على أرجاء السماء وينظرون إليك وإلى ما تأمرين به ، وينظرون إلى بعلك قد حضر الخلائق وهو يخاصمهم عند الله ؟ فما ترين الله صانعاً بقاتل ولدك وقاتليك إذا أفلجت حجته على الخلائق وأمرت النار أن تطيعه ؟
أما ترضين أن تكون الملائكة تبكي لابنك ويأسف عليه كل شئ؟ أما ترضين أن يكون من أتاه زائراً في ضمان الله ويكون من أتاه بمنزلة من حج إلى بيت الله الحرام واعتمر ولم يخلُ من الرحمة طرفة عين ، وإذا مات مات شهيداً وإن بقي لم تزل الحفظة تدعوا له ما بقي ، ولم يزل في حفظ الله وأمنه حتى يفارق الدنيا؟ قالت: يا أبة ، سلَّمْتُ ورضيتُ وتوكلتُ على الله .
------------------------------------------- ص 267 -------------------------------------------
فمسح صلي الله عليه وآله على قلبها ومسح على عينها ، فقال: إني وبعلك وأنت وابنيك في مكان تقر عيناك ويفرح قلبك ). (كامل الزيارات/144).
الحديث الثاني: (كامل الزيارات/147): ( حدثني الحسن بن عبد الله بن محمد بن عيسى ، عن أبيه ، عن الحسن بن محبوب ، عن علي بن شجرة ، عن سلام الجعفي ، عن عبد الله بن محمد الصنعاني ، عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: كان رسول الله صلي الله عليه وآله إذا دخل الحسين جذبه إليه ثم يقول لأميرالمؤمنين: أمسكه ، ثم يقع عليه فيقبله ويبكي. فيقول الحسين: يا أبه لم تبكي، فيقول: يا بني أقبل موضع السيوف منك وأبكي. قال:يا أبهْ وأقتل؟ قال: إي والله وأبوك وأخوك وأنت . قال: يا أبه فمصارعنا شتى، قال: نعم يا بني. قال: فمن يزورنا من أمتك؟ قال:لايزورني ويزور أباك وأخاك وأنت إلا الصديقون من أمتي)!
الحديث الثالث:(حدثني أبو الحسين محمد بن عبد الله بن علي الناقد ، قال: حدثني عبد الرحمان الأسلمي ، عن عبد الله بن الحسن ، عن عروة بن الزبير قال: سمعت أبا ذر، وهو يومئذ قد أخرجه عثمان إلى الربذة ، فقال له الناس: يا أبا ذر أبشر فهذا قليل في الله تعالى ، فقال: ما أيسر هذا ، ولكن كيف أنتم إذا قتل الحسين بن علي ذبحاً ! والله لا يكون في الإسلام بعد قتل الخليفة أعظم قتيلاً منه ، وإن الله سيسل سيفه على هذه الأمة لا يغمده أبداً ، ويبعث قائماً من ذريته فينتقم من الناس ، وإنكم لو تعلمون ما يدخل على أهل البحار وسكان الجبال في الغياض والآكام وأهل السماء من قتله ، لبكيتم والله حتى تزهق أنفسكم . وما من سماء يمر به روح الحسين عليه السلام إلا فزع له سبعون ألف ملك ، يقومون قياماً ترعد مفاصلهم إلى يوم القيامة.
------------------------------------------- ص 268 -------------------------------------------
وما من سحابة تمر وترعد وتبرق إلا لعنت قاتله ، وما من يوم إلا وتعرض روحه على رسول الله صلي الله عليه وآله فيلتقيان) . (كامل الزيارات/154).
الحديث الرابع: قال الإمام الرضا عليه السلام لابن شبيب:
(يا ابن شبيب:إن المحرم هو الشهر الذي كان أهل الجاهلية يحرمون فيه الظلم والقتال لحرمته،فما عرفت هذه الأمة حرمة شهرها ولاحرمة نبيها! لقد قتلوا في هذا الشهر ذريته وسبوا نساؤه وانتهبوا ثقله فلاغفر الله لهم ذلك أبداً.
يا ابن شبيب: إن كنت باكياً لشئ فابك للحسين عليه السلام فإنه ذبح كما يذبح الكبش، وقتل معه من أهل بيته ثمانية عشر رجلاً ما لهم في الأرض شبيهون ، ولقد بكت السماوات السبع والأرضون لقتله ، ولقد نزل إلى الأرض من الملائكة أربعة آلاف لنصره فلم يؤذن لهم ، فهم عند قبره شعث غبر إلى أن يقوم القائم عليه السلام ، فيكونون من أنصاره وشعارهم: يا لثارات الحسين .
يا ابن شبيب: لقد حدثني أبي عن أبيه عن جده عليهم السلام أنه لما قتل جدي الحسين صلوات الله عليه أمطرت السماء دماً وتُراباً أحمر .
يا ابن شبيب: إن بكيت على الحسين حتى تصير دموعك على خديك ، غفر الله لك كل ذنب أذنبته ، صغيراً كان أو كبيراً ، قليلاً كان أو كثيراً .
يا ابن شبيب: إن سرك أن تلقى الله عز وجل ولا ذنب عليك ، فزر الحسين .
يا ابن شبيب: إن سرك أن تسكن الغرف المبنية في الجنة مع النبي صلي الله عليه وآله فالعن قتله الحسين .
يا ابن شبيب: إن سرك أن يكون لك من الثواب مثل ما لمن استشهد مع الحسين بن علي عليه السلام ، فقل متى ذكرته: ليتني كنت معهم فأفوز فوزاً عظيماً .
------------------------------------------- ص 269 -------------------------------------------
يا ابن شبيب: إن سرك أن تكون معنا في الدرجات العلى من الجنان ، فاحزن لحزننا وأفرح لفرحنا ، وعليك بولايتنا ، فلو أن رجلاً أحب حجراً لحشره الله عز وجل معه يوم القيامة ).(عيون أخبار الرضا عليه السلام :1/269).
الحديث الخامس:(حدثنا أبو القاسم جعفر بن محمد بن محمد بن قولويه رحمة الله عليه قال حدثني أبي قال حدثني سعد بن عبد الله عن أحمد بن محمد بن عيسى عن الحسن بن محبوب الزراد عن أبي محمد الأنصاري عن معوية بن وهب قال: كنت جالساً عند جعفر بن محمد عليه السلام إذ جاء شيخ قد انحنى من الكبر فقال: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، فقال له أبو عبد الله: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته . يا شيخ أدن مني فدنا منه فقبل يده فبكى ، فقال أبوعبدالله: وما يبكيك يا شيخ؟ قال له: يا ابن رسول الله أنا مقيم على رجاء منكم منذ نحو من مئة سنة ، أقول هذه السنة وهذا الشهر وهذا اليوم ، ولا أراه فيكم ، فتلومني أن أبكي؟ قال: فبكى أبو عبد الله عليه السلام ثم قال: يا شيخ إن أُخرت منيتك كنت معنا، وإن عُجِّلت كنت يوم القيمة مع ثقل رسول الله صلي الله عليه وآله ! فقال: الشيخ: ما أبالي ما فاتني بعد هذا يا ابن رسول الله .
فقال له أبو عبد الله عليه السلام : يا شيخ إن رسول الله صلي الله عليه وآله قال: إني تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا: كتاب الله المنزل وعترتي أهل بيتي . تجيئ وأنت معنا يوم القيمة .
قال: يا شيخ ما أحسبك من أهل الكوفة . قال: لا ، قال فمن أين أنت؟ قال:من سوادها جعلت فداك. قال: أين أنت من قبر جدي المظلوم الحسين؟ قال إني لقريب منه ، قال: كيف إتيانك له ؟ قال إني لآتيه وأكثر .
قال: يا شيخ ذاك دم يطلب الله تعالى به. ما أصيب ولد فاطمة عليها السلام ولا يصابون بمثل الحسين عليه السلام ، ولقد قتل في سبعة عشر من أهل بيته نصحوا لله وصبروا
------------------------------------------- ص 270 -------------------------------------------
في جنب الله فجزاهم أحسن جزاء الصابرين. إنه إذا كان يوم القيامة أقبل رسول الله صلي الله عليه وآله ومعه الحسين ويده على رأسه يقطر دماً فيقول: يا رب ، سل أمتي فيمَ قتلوا ابني؟! وقال عليه السلام :كل الجزع والبكاء مكروه سوى الجزع والبكاء على الحسين عليه السلام ).
الحديث السادس: روى النعماني في الغيبة/144، حديث أمير المؤمنين عليه السلام لحذيفة بن اليمان ، نورد خلاصة منه: (يا حذيفة: لاتحدث الناس بما لايعرفون فيطغوا ويكفروا، إن من العلم صعباً شديداً محمله ، لو حملته الجبال عجزت عن حمله إن علمنا أهل البيت سيُنْكَر ويُبطل وتُقتل رواته ، ويساء إلى من يتلوه ، بغياً وحسداً لما فضل الله به عترة النبي صلي الله عليه وآله .
يا ابن اليمان ، إن قريشاً لا ينشرح صدورها ، ولا ترضى قلوبها ، ولا تجري ألسنتها ببيعة علي وموالاته ، إلا على الكره والعمى والصغار .
يا ابن اليمان ، ستبايع قريش علياً ، ثم تنكث عليه وتحاربه ، وتناضله وترميه بالعظائم ، وبعد علي يلي الحسن وستنكث عليه ، ثم يلي الحسين فتقتله أمة جده! فلُعِنَتْ أمةٌ تقتل ابن بنت نبيها ولا تُعَزُّ من أمة ، ولُعِن القائد لها والمرتب لفاسقها . فوالذي نفس علي بيده لاتزال هذه الأمة بعد قتل الحسين ابني في ضلال وظلمة وعسف وجور واختلاف في الدين ، وتغيير وتبديل لما أنزل الله في كتابه، وإظهار البدع وإبطال السنن، واختلال وقياس مشتبهات وترك محكمات حتى تنسلخ من الإسلام وتدخل في العمى والتلدد والتسكع. ما لكِ يا بني أمية ، لا هديت ، وما لكِ يا بني العباس الأتعاس ، فما في بني أمية إلا ظالم ، ولا في بني العباس إلا معتد متمرد على الله بالمعاصي قتَّال لوُلدي ، هتَّاك لستري وحرمتي ! فلا تزال هذه الأمة جبارين يتكالبون على حرام الدنيا ، منغمسين في بحار الهلكات .
------------------------------------------- ص 271 -------------------------------------------
حتى إذا غاب المتغيب من ولدي عن عيون الناس ، وتدلهت وأكثرت في قولها إن الحجة هالكة ، والإمامة باطلة ، فورب عليٍّ إن حجتها عليها قائمة ماشية في طرقها، داخلة في دورها وقصورها ، جوالة في شرق هذه الأرض وغربها ، تسمع الكلام وتسلم عن الجماعة ، ترى ولا تُرى إلى الوقت والوعد ونداء المنادي من السماء: ألا ذلك يومٌ فيه سرور ولد علي وشيعته).
الحديث السابع: أحاديث الحث على البكاء على الحسين عليه السلام ، وأنه قتيل العبرة ، لايذكره مؤمن إلا فاضت عيناه بالدمع . وقد صحت الأحاديث عن النبي عندالجميع بأنه صلي الله عليه وآله بكى على الحسين عليه السلام في حياته لما أخبره الله تعالى بأن أمته سوف تقتله ! وممن روى في ذلك الحاكم في المستدرك (3/177) وصححه بشرط الشيخين، قالت أم الفضل: (فدخلت يوماً إلى رسول الله فوضعته في حجره ، ثم حانت مني التفاتة ، فإذا عينا رسول الله تهريقان من الدموع فقلت: يا نبي الله بأبي وأمي ما لك؟ قال أتاني جبرئيل فأخبرني أن أمتي ستقتل ابني هذا ! فقلت: هذا ! قال: نعم وأتاني بتربة من تربته ).
روى الطبراني (8/285) عن أبي أمامة: (فخرج رسول الله صلي الله عليه وآله قد احتضن حسيناً كاسف البال مهموماً إلى أصحابه وهم جلوس، فقال لهم: إن أمتي يقتلون هذا! وفي القوم أبو بكر وعمر وكانا أجرأ القوم عليه فقالا: يا نبي الله يقتلونه وهم مؤمنون ! قال: نعم [يقتلونه ] وهذه تربته ، وأراهم إياها ).
* *
------------------------------------------- ص 272 -------------------------------------------

الموضوع الثامن عشر: قول النبي صلي الله عليه وآله : الحسين مصباح الهدى


نص الحديث ومؤيداته


1. روى الصدوق قدس سره في عيون أخبار الرضا عليه السلام (1/52):(حدثنا أبو الحسن علي بن ثابت الدواليبي رضي الله عنه بمدينة السلام سنه اثنتين وخمسين وثلاث مأة قال: حدثنا محمد بن علي بن عبد الصمد الكوفي قال: حدثنا علي بن عاصم عن محمد بن علي بن موسى، عن أبيه علي بن موسى ، عن أبيه موسى بن جعفر ، عن أبيه جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين ، عن أبيه الحسين بن علي أبي طالب عليهم السلام قال: دخلت على رسول الله صلي الله عليه وآله وعنده أبيُّ بن كعب فقال لي رسول الله صلي الله عليه وآله :
مرحباً بك يا أبا عبد الله يا زين السماوات والأرضين . قال له أبيٌّ: وكيف يكون يا رسول الله زين السماوات والأرضين أحدٌ غيرك ؟ قال: يا أبيُّ والذي بعثني بالحق نبياً إن الحسين بن علي في السماء أكبر منه في الأرض، وإنه لمكتوب عن يمين عرش الله عز وجل: مصباح هدى وسفينة نجاة ، وإمام خير ويمن ، وعز وفخر ، وعلم وذخر ، وإن الله عز وجل ركَّب في صلبه نطفة طيبه مباركه زكية. ولقد لقن دعوات ما يدعو بهن مخلوق إلا حشره الله عز وجل معه ، وكان شفيعه في آخرته ، وفرج الله كربه ، وقضى بها دينه ويسر أمره ، وأوضح سبيله، وقواه على عدوه ، ولم يهتك ستره .
فقال له أبي بن كعب: وما هذه الدعوات يا رسول الله ؟ قال: تقول إذا فرغت من صلاتك وأنت قاعد: (اللهم إني أسئلك بكلماتك ومعاقد عرشك ..الى آخر
------------------------------------------- ص 273 -------------------------------------------
الدعاء .. وقال: يا أبي أن تبارك وتعالى ركب على هذه النطفة نطفة زكية مباركه طيبه أنزل عليها الرحمة وسماها عنده موسى.
قال له أبيٌّ: يا رسول الله كأنهم يتواصفون ويتناسلون ويتوارثون ويصف بعضهم بعضاً. قال: وصفهم لي جبرئيل عن رب العالمين جل جلاله ..
وإن الله عز وجل ركب في صلبه نطفة مباركه طيبه زكية رضيه مرضية وسماها محمد بن علي فهو شفيع شيعته ووارث علم جده له علامة بينة وحجة ظاهره... وعدد الأئمة عليهم السلام الى أن وصل الى الإمام الحسن العسكري فقال: وإن الله تبارك وتعالى ركب في صلب الحسن نطفة مباركة زكية طيبة طاهرة مطهرة ، يرضى بها كل مؤمن ممن قد أخذ الله تعالى ميثاقه في الولاية ويكفر بها كل جاحد ، فهو إمام تقي نقي سار مرضي ، هادٍ مهديٍّ ، يحكم بالعدل ويأمر به، يصدق الله تعالى ويصدقه الله تعالى في قوله . يخرج من تهامة حين تظهر الدلائل والعلامات ، وله كنوز لا ذهب ولا فضه إلا خيول مطهمة ورجال مسومة ، يجمع الله تعالى له من أقاصي البلاد على عدة أهل بدر، ثلاث مائة وثلاثة عشر رجلاً..الحديث). يخرج من تهامة: أصحابه يبدؤون بالظهور من اليمن .
2. رووا أنهم لما اختلف الناس في الأفضل بعد النبي صلي الله عليه وآله ، سألوا حذيفة.. ففي تاريخ دمشق (14/171): (أخبرنا أبو الحسن علي بن الحسين الموازيني ، أنا أبو الحسين بن أبي أبي نصر، أنا محمد بن يوسف الرقي .وأخبرنا أبو طالب علي بن عبد الرحمن أن أبو الحسن الخلعي ، أنا عبد الرحمن بن النحاس قالا: أنا أبو سعيد بن الأعرابي أحمد بن محمد بن زياد بمكة ، نا إبراهيم بن سليمان ، نا خلاد بن يحيى عن قيس بن الربيع ، عن أبي حصين ، عن يحيى بن وثاب عن عبد الله بن عمر قال: كان على الحسن والحسين تعويذان فيهما من زغب جناح جبريل عليه السلام .قرأت على أبي محمد عبد الكريم بن حمزة ، عن أبي بكر الخطيب ، أنا
------------------------------------------- ص 274 -------------------------------------------
أبو القاسم الحسين بن أحمد بن عثمان بن شيطا البزاز ، نا أبو الحسن علي بن محمد بن المعلى بن الحسن الشونيزي ، نا محمد بن جرير الطبري الفقيه ، حدثني محمد إسماعيل الضراري ، نا شعيب بن ماهان ، عن عمرو بن جميع العبدي، عن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي ، عن ربيعة السعدي قال: لما اختلف الناس في التفضيل رحلت راحلتي وأخذت زادي وخرجت حتى دخلت المدينة ، فدخلت على حذيفة بن اليمان فقال لي: مَن الرجل؟ قلت: من أهل العراق ، فقال لي: من أي العراق؟ قال قلت: رجل من أهل الكوفة قال مرحباً بكم يا أهل الكوفة. قال قلت: اختلف الناس عندنا في التفضيل فجئت لأسألك عن ذلك . فقال لي: على الخبير سقطت ، أما إني لا أحدثك إلا ما سمعته أذناي ورعاه قلبي وأبصرته عيناي: خرج علينا رسول الله صلي الله عليه وآله كأني أنظر إليه كما أنظر إليك الساعة ، حاملَ الحسين بن علي على عاتقه كأني أنظر إلى كفه الطيبة واضعها على قدمه يلصقها بصدره ، فقال: يا أيها الناس لأعرفن ما اختلفتم فيه يعني في الخيار بعدي. هذا الحسين بن علي خير الناس جداً وجدة ، محمد رسول الله سيد النبيين ، وجدته خديجة بنت خويلد سابقة نساء العالمين إلى الإيمان بالله ورسوله . هذا الحسين بن علي خير الناس أباً وخير الناس أماً ، أبوه علي بن أبي طالب أخو رسول الله صلي الله عليه وآله ووزيره وابن عمه وسابق رجال العالمين إلى الإيمان بالله ورسوله . وأمه فاطمة بنت محمد ، سيدة نساء العالمين.
هذا الحسين بن علي خير الناس عماً وعمة ، عمه جعفر بن أبي طالب المزين بالجناحين يطير بهما في الجنة حيث يشاء ، وعمته أم هانئ بنت أبي طالب .
هذا الحسين بن علي خير الناس خالاً وخالة ، خاله القاسم بن محمد رسول الله وخالته زينب بنت محمد رسول الله .
------------------------------------------- ص 275 -------------------------------------------
ثم وضعه عن عاتقه فدرج بين يديه وحبى . ثم قال: يا أيها الناس هذا الحسين بن علي: جده وجدته في الجنة ، وأبوه وأمه في الجنة ، وعمه وعمته في الجنة ، وخاله وخالته في الجنة ، وهو وأخوه في الجنة . إنه لم يؤت أحد من ذرية النبيين ما أوتي الحسين بن علي ، ما خلا يوسف بن يعقوب).
ورواه الحنفي في نظم الدرر/20:( بسنده إلى ربيعة السعدي قال: أتيت حذيفة فسألته عن أشياء فقال: إسمع مني وعه وأبلغ الناس ، إني رأيت رسول الله كما تراني وسمعته بأذني هاتين... وختم بقوله: يا أيها الناس إن الفضل والشرف والمنزلة والولاية لرسوله وذريته ، فلا تذهبن بكم الأباطيل).
وقال مسعود بن ناصر الحافظ السجستاني:هذا الحديث حسن.(الطرائف/120)
وفي كشف اليقين/306 ، ومنهاج الكرامة/175: (وعن حذيفة بن اليمان قال: رأيت النبي صلي الله عليه وآله آخذاً بيد الحسين بن علي وقال: يا أيها الناس هذا الحسين بن علي، ألا فاعرفوه وفضلوه فوالله لجده أكرم على الله تعالى من جد يوسف بن يعقوب. هذا الحسين بن علي جده في الجنة وجدته في الجنة وأمه في الجنة وأبوه في الجنة وعمه في الجنة وعمته في الجنة وخاله في الجنة وخالته في الجنة وأخوه في الجنة وهو في الجنة ومحبوهم في الجنة ومحبو محبيهم في الجنة ).
أقول: فالحديث بمؤيداته صحيح بميزانهم ، وعندنا صحيح مستفيض.
* *

أئمة العترة النبوية مصابيح الهدى


وصفت الآيات وأحاديث الأئمة عليهم السلام بأنهم مصابيح الهدى، قال تعالى: اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّىٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ.. فِي بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ
------------------------------------------- ص 276 -------------------------------------------
وَالآصَالِ . رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِالله وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَوةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ .
وقال السيوطي في الدر المنثور (5/50): (أخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك وبريدة قال: قرأ رسول الله هذه الآية:فِي بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَنْ تُرْفَعَ، فقام إليه رجل فقال:أي بيوت هذه يا رسول الله؟قال:بيوت الأنبياء.فقام إليه أبو بكرفقال: يا رسول الله هذا البيت منها، لبيت علي وفاطمة؟ قال: نعم من أفاضلها). وهو صريح في أن المصابيح والرجال الممدوحين في بيت النبي صلي الله عليه وآله هم عترته عليهم السلام . قال الإمام الباقر عليه السلام كما في بصائر الدرجات/83: ( نحن جنب الله ، ونحن صفوته، ونحن خيرته ، ونحن مستودع مواريث الأنبياء عليهم السلام ، ونحن أمناء الله ، ونحن حجة الله ، ونحن أركان الإيمان ، ونحن دعائم الإسلام ، ونحن من رحمة الله على خلقه ، ونحن الذين بنا يفتح الله وبنا يختم ، ونحن أئمة الهدى ، ونحن مصابيح الدجى ، ونحن منار الهدى.. )

النور الإلهي واسطة في الفيض


وصف الله تعالى نوره في الأرض بمصباح في مشكاة ، والمشكاة كما ذكر اللغويون الكوة غير النافذة تُعمل داخل البيت وتسمى طاقة وطُويقة ، وتكون عالية نسيباً يوضع فيها السراج . قال الخليل(5/389): (والمشكاة: طُويق صغير في حائط على مقدار كوة ، إلا أنها غير نافذة ).
وهذا السراج في زجاجة كأنها كوكب ، تضيئ بنفسها بدون السراج ، ثم يأتي ضوء السراج فيكون نوراً على نور . فالنور الإلهي في الأرض إمام من بيت النبوة يشع نور هدايته الى قلوب الناس ، وتشع بركته على الأرض . فهو واسطة تفيض الهداية من الله عليه ، ثم تفيض منه على الناس .
------------------------------------------- ص 277 -------------------------------------------
فمعرفة الله تعالى وهدايته عمل رباني مركزي يفيض على مركز نوره الذي هو الإمام ثم يفيض منه ، وهذا معنى قولنا في الزيارة الجامعة: بكم عُرٍفَ الله وبكم عُبِدَ الله . فكل معرفة وهداية في قلب أحد ، إنما هي شعاع من قلب الإمام عليه السلام الذي هو مركز النور والمعرفة .
فيكون معنى قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ . إعرفوا الإمام مركز النور الإلهي ، فهو الذي يوصلكم الى الله تعالى . فالحسين عليه السلام هو النور الإلهي في مشكاة بيت النبوة ، وبدنه الزجاجة وقلبه المصباح والسراج .
وهنا يتنطع الوهابية وأمثالهم ويقولون: ولماذا الوسائط في العطاء الإلهي! فهم يريدون من الله تعالى أن يحذف الواسطة في هدايته ، ويقفل مركز نوره في الأرض ! تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ !

بغض ابن تيمية للحسين عليه السلام


قال ابن تيمية/214، رداً على العلامة لما أورد هذا الحديث: (والجواب: أما الأمور الخارجية عن نفس الإيمان والتقوى فلا يحصل بها فضيلة عند الله تعالى ، وإنما يحصل بها الفضيلة عند الله إذا كانت معينة على ذلك، فإنها من باب الوسائل لا المقاصد ، كالمال والسلطان والقوة والصحة ونحو ذلك ، فإن هذه الأمور لا يفضل بها الرجل عند الله إلا إذا أعانته على طاعة الله بحسب ما يعينه. قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ الله أَتْقَاكُمْ ).
يقصد ابن تيمة: أن قرابة النبي صلي الله عليه وآله من الأمور المادية التكوينية فهي لاتنفع !
فانظروا الى هذا الأحمق كيف رد على رسول الله صلي الله عليه وآله !
لأن النبي صلي الله عليه وآله يقول: إن الحسين خير الناس أقارب ، فكلهم بلغوا بعملهم درجات عالية واستحقوا الجنة ، والحسين بلغها واستحق الجنة !
------------------------------------------- ص 278 -------------------------------------------
ويجيبه ابن تيمية: هذه القرابة لاتنفع ، لأنها أمر تكويني خارجي وليست عملا ً ! فقد بلغ به بغض الحسين عليه السلام أن يحرف كلام النبي صلي الله عليه وآله ويرد عليه !
وبلغ به بغضه للحسين عليه السلام أنه خطَّأه في خروجه مع أنه كان بأمر ربه !
قال (منهاج السنة2/241): (ولم يكن في خروجه مصلحة لا في دينٍ ولا في دنياً ، وكان في خروجه وقتله من الفساد ما لم يكن يحصل لو قعد في بلده ! ) .
أما بغضه لعلي أمير المؤمنين عليه السلام فهو أشد وأخبث !

معنى قول النبي صلي الله عليه وآله :الحسين مصباح هدى:


هذا التعبير يفترض محيطاً مظلماً والحسين عليه السلام فيه مصباح لمن استضاء به . ومعناه أن النور الذي أضاءه رسول الله صلي الله عليه وآله سيضعف في الأمة بسرعة فتصير في ظلمة الإنحراف ، فأرسل الله الحسين عليه السلام مصباحاً لهدايتها إن اتبعته .
والتعبير بمصباح لأن النبي صلي الله عليه وآله وعترته مصابيح المشكاة الربانية، ومعنى قوله تعالى: مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّىٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ. أن النور الإلهي في الأرض في نافذة فيها هذه المصابيح وهي رجال: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَنْ تُرْفَعَ .
فهم عليهم السلام مصدر النور الإلهي للبشر بعد النبي صلي الله عليه وآله ، وكل هداية في قلوب الناس فهي من شعاعهم ، ومن أراد الخروج من الظلمة لا بد أن يهتدي بهم .
فالظلمة عامة في عصرالحسين عليه السلام ولم يهتد منها إلا من كان معه عليه السلام .

وسفينة نجاة:


وهذا التعبير يعني أن المجتمع المسلم صار بعد النبي صلي الله عليه وآله بحراً متلاطماً من الضياع في أفكاره وسلوكه ، ولا نجاة لأهله من الهلاك إلا بسفينة .
وكما كان النبي صلي الله عليه وآله سفينة نجاة في بحر الشرك ، فإن الحسين عليه السلام سفينة نجاة في بحر الفتنة الذي أدخلت في قريش الأمة .
------------------------------------------- ص 279 -------------------------------------------
والركوب في سفينة الحسين عليه السلام يعني الإعتقاد به وطاعته . ويمكن تفسيره بأن المصباح يكون للهداية النظرية ، وسفينة النجاة للهداية العملية.

كل إمام في عصره سفينة نجاة:


وصفت الأحاديث المتواترة الأئمة عليهم السلام بأنهم سفن النجاة لهذه الأمة .
فقد روى الصفار في بصائر الدرجات/317: عن أبي ذر رضي الله عنه قال: (سمعت رسول الله عليه السلام يقول: إنما مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح من ركب فيها نجا، ومن تخلف عنها غرق . إنما مثل أهل بيتي فيكم باب حطة ، من دخله غفر له ومن لم يدخل لم يغفر له ، فإنها ليست من فئة تبلغ مائة إلى يوم القيمة إلا أنا أعرف ناعقها وسايقها ، وعلم ذلك عند أهل بيتي يعلمه كبيرهم وصغيرهم ).
وفي عيون أخبار الرضا عليه السلام (1/262) عن الرضا عليه السلام عن آبائه: ( قال رسول الله: من أحب أن يركب سفينة النجاة ويستمسك بالعروة الوثقى ويعتصم بحبل الله المتين ، فليوال عليا ًبعدي ، وليعاد عدوه ، وليأتم بالأئمة الهداة من ولده فإنهم خلفائي وأوصيائي وحجج الله على الخلق بعدي، وساده أمتي ، وقاده الأتقياء إلى الجنة ، حزبهم حزبي وحزبي حزب الله عز وجل ، وحزب أعدائهم حزب الشيطان ). وروت ذلك بعض المصادر السنية .

من تلبيسات الفخرالرازي


عقدنا في كتاب ألف سؤال وإشكال - ج3 باباً لتلبيسات الفخرالرازي كما سماها هو ، ومن هذه التلبيسات أنه جعل القربى في قوله تعالى: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى، بمعنى المتقربين الى تعالى ! وجعل الحديث النبوي المتفق على صحته وهو: مَثَلُ أهل بيتي فيكم كسفينة نوح ، جعله قولاً لأحد الخطباء
------------------------------------------- ص 280 -------------------------------------------
المذكرين ! وجعل حديث: أصحابي كالنجوم المتفق عندهم على أنه موضوع مكذوب ، جعله قولاً نبوياً ثابتاً !!
قال في تفسيره (27/167):(قوله: إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى، فيه منصب عظيم للصحابة لأنه تعالى قال: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ . أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ . فكل من أطاع الله كان مقرباً عند الله تعالى فدخل تحت قوله: إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى!
والحاصل: أن هذه الآية تدل على وجوب حب آل رسول الله وحب أصحابه، وهذا المنصب لايسلم إلا على قول أصحابنا أهل السنة والجماعة الذين جمعوا بين حب العترة والصحابة . وسمعت بعض المذكرين قال إنه صلي الله عليه وآله قال: مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح من ركب فيها نجا. وقال صلي الله عليه وآله : أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم .ونحن الآن في بحر التكليف وتضربنا أمواج الشبهات والشهوات وراكب البحر يحتاج إلى أمرين أحدهما: السفينة الخالية عن العيوب والثقوب ، والثاني: الكواكب الظاهرة الطالعة النيرة ، فإذا ركب تلك السفينة ووقع نظره على تلك الكواكب الظاهرة ، كان رجاء السلامة غالباً ، فكذلك ركب أصحابنا أهل السنة سفينة حب آل محمد ووضعوا أبصارهم على نجوم الصحابة ، فرجوا من الله تعالى أن يفوزوا بالسلامة والسعادة في الدنيا والآخرة) !!
أقول: إذا رجعت الى حديث مَثَل أهل بيتي كسفينة نوح ، تجد أن كبار علماء الجرح والتعديل صححوه وشهدوا بطرقه العديدة . وتجدهم ردوا حديث أصحابي كالنجوم ، وسبب ردهم أنه يلزم منه أن يحكموا بالهداية لمن اقتدى بمن خالف الشيخين كسعد بن عبادة وعلي والذين رفضوا بيعة أبي بكر .
وبذلك تعرف ما اقترفه الرازي ، ولَبَّس به على المسلمين .
------------------------------------------- ص 281 -------------------------------------------

يازين السماوات والأرضين:


سمى الله تعالى علي بن الحسين عليه السلام زين العابدين، فكان الزهري:( إذا حدث عن علي بن الحسين قال: حدثني زين العابدين علي بن الحسين ، فقال له سفيان بن عيينة: ولمَ تقول له زين العابدين؟ قال: لأني سمعت سعيد بن المسيب يحدث عن ابن عباس أن رسول الله صلي الله عليه وآله قال: إذا كان يوم القيامة ينادي مناد: أين زين العابدين؟ فكأني أنظر إلى ولدي علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب يخطرُ بين الصفوف ). ( علل الشرائع:1/229).
لكن الزينة هنا بمعنى الإضاءة والتجميل ، ومعناها أن الحسين عليه السلام أضاء بوجوده وتضحيته السماوات والأرض وجَمَّلَها، فهو من نوع: إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ ، إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا.
فالحسين عليه السلام قبل شهادته وبعدها كأنه باقة ورد أو تاجٌ يزين السماوات والأرض ، وتزيينه الأرض بشهادته فيأرض عم فيها الجور، وكما أن بعثة النبي صلي الله عليه وآله زينة لها ، فشهادة الحسين عليه السلام زينة لها .
أما زينته للسماوات فلأن النبي صلي الله عليه وآله قال لأبي بن كعب: يا أبيُّ والذي بعثني بالحق نبياً إن الحسين بن علي في السماء أكبر منه في الأرض !
فهو ابن النبي صلي الله عليه وآله سيد الخلائق من أهل السماوات والأرض ، وهو صاحب مقام عظيم في ملائكة السماء وسكانها ، فهو زينتها في حياته وبعد شهادته .

إمام خير ويمن ، وعز وفخر ، وعلم وذخر:


فالأئمة في كتاب الله تعالى أنواع، منهم أئمة الكفرالدعاة الى النار ، قال تعالى: فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ . وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنْصَرُونَ . ومنهم الأئمة الهادون ، قال تعالى: وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ
------------------------------------------- ص 282 -------------------------------------------
فِعْلَ الْخَيْرَاتِ . ومنهم أئمة المتقين ، قال تعالى: رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا للَّمُتَّقِينَ إِمَامًا . ومنهم الأئمة الوارثون للأرض، قال تعالى: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ .
والأئمة للأجيال ، قال تعالى: قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ للَّنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي.
والحسين عليه السلام امتدادٌ لجده صلي الله عليه وآله فإمامته حاوية لصفات أئمة الهدى ، وفيها من جده صلي الله عليه وآله صفات: الخير واليمن ، والعز والفخر ، والعلم والذخيرة . فوجوده يمن وبركة على أمة جده بل على الناس، ولاينقص من ذلك أنهم قتلوه وحرموا أنفسهم من خيره ويمنه ، وباؤوا بغضب الله على قتله .
وهو إمام عز وفخر للأمة ، لأنه جسد بتضحيته كل عناصر العز والفخر ، وجدد في الأمة قيم العز والفخر، بعد أن أذلت نفسها فذلت وهانت .
وقد بين النبي صلي الله عليه وآله معنى أنه إمام علم وذخر بقوله: وإن الله عز وجل ركَّب في صلبه نطفة طيبه مباركه زكية . يقصد بالنطفة الطيبة الإمام المعصوم من ذريته، من الإمام زين العابدين الى المهدي الموعود عليهم السلام المذخور من ربه لإنهاء الظلم وتعميم العدل في الأرض .
وقوله صلي الله عليه وآله عن المهدي عليه السلام : يخرج من تهامة حين تظهر الدلائل والعلامات . فالمجمع عليه أن المهدي عليه السلام يخرج من المدينة ثم من مكة ، فإن كانت تهامة تشمل مكة فبه ، وإلا فلا بد أن يكون المقصود أن أنصاره اليمانيون يخرجون من تهامة تمهيداً له ، ثم يخرج هو من مكة . وهذه شهادة فخر لليمنيين .
* *
------------------------------------------- ص 283 -------------------------------------------

الموضوع التاسع عشر: الحسين سبط من الأسباط


الحديث الشريف وتصحيحاته


روى أحمد في مسنده(4/172): (عن يعلى العامري أنه خرج مع رسول الله صلي الله عليه وآله إلى طعام دعوا له قال فاستمثل رسول الله ، قال عفان قال وهيب فاستقبل رسول الله صلي الله عليه وآله أمام القوم وحسين مع غلمان يلعب ، فأراد رسول الله صلي الله عليه وآله أن يأخذه قال فطفق الصبي ههنا مرة وههنا مرة فجعل رسول الله صلي الله عليه وآله يضاحكه حتى أخذه . قال: فوضع إحدى يديه تحت قفاه ، والأخرى تحت ذقنه فوضع فاه على فيه فقبله ، وقال: حسين منى وأنا من حسين ، أحب الله من أحب حسيناً ، حسين سبط من الأسباط).
وروته عدة مصادر ووثقته أو حسنته كالترمذي (5/324) والحاكم(3/177) وابن ماجة(1/51) وابن أبي شيبة(7/515) والبخاري في الأدب المفرد/85.
ورويناه بسند صحيح في كامل الزيارات/116: (حدثني الحسين بن علي الزعفراني بالري، قال: حدثنا يحيى بن سليمان ، عن عبد الله بن عثمان بن خيثم، عن سعيد بن أبي راشد، عن يعلي بن مرة قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله : حسين مني وأنا من حسين، أحب الله من أحب حسيناً ، حسين سبط من الأسباط . عن يعلي العامري أنه خرج من عند رسول الله صلي الله عليه وآله إلى طعام دعي إليه ، فإذا هو بحسين عليه السلام يلعب مع الصبيان ، فاستنتل النبي صلي الله عليه وآله أمام القوم ثم بسط يديه فطفر الصبي هاهنا مرة وهاهنا مرة ، وجعل رسول الله صلي الله عليه وآله يضاحكه حتى أخذه ، فجعل إحدى يديه تحت ذقنه والأخرى تحت قفائه ، ووضع فاه على فيه
------------------------------------------- ص 284 -------------------------------------------
وقبله ، ثم قال: حسين مني وأنا من حسين ، أحب الله من أحب حسيناً ، حسين سبط من الأسباط ) .
قال الشريف المرتضى في الأمالي(1/157):(معنى استنتل: تقدم ، يقال استنتل الرجل استنتالاً: تفرد من القوم ، ويقال استنتل أشرف ).

في هذه الأمة سبطان فقط وفي اليهود أسباط كثيرة


1. قال الطبراني في المعجم الوسيط/414: (السِّبط من الرجال: الطويل. ومن الشعر المسترسل غير الجعد ، ومن المطر المتدارك . وهو سَبْط بالمعروف: سهل. وسَبط اليدين: سخي. وسَبط الأصابع: طويلها . وفلان سَبط الجسم: حسن القد . وهي سَبطة ، يقال امرأة سبطة الخلق: رخصة لينة .
والسَّبط: شجرة لها أغصان كثيرة وأصلها واحد .
والسِّبط: ولد الابن والإبنة. والسِّبط من اليهود كالقبيلة من العرب ).
2. وفي كفاية الأثر /79: (قاله صلي الله عليه وآله :سِبطاي خيرالأسباط الحسن والحسين سبطا هذه الأمة، وإن الأسباط كانوا من ولد يعقوب ، وكانوا اثني عشر رجلاً، وإن الأئمة بعدي اثنا عشر من أهل بيتي. عليٌّ أولهم ، وأوسطهم محمد وآخرهم محمد، ومهدي هذه الأمة الذي يصلي عيسى بن مريم خلفه. ألا إن من تمسك بهم بعدي فقد تمسك بحبل الله ، ومن تخلى منهم فقد تخلى من الله).
3. أسباط بني إسرائيل الإثنا عشر(سبط يهوذ . سبط رأوبين. سبط جاد. سبط آشر. سبط نفتالي. سبط منسى. سبط شمعون. سبط لاوي. سبط يساكر . سبط زبولون. سبط يوسف. سبط بنيامين ). (الكتاب المقدس/810).
4. وفي قاموس الكتاب المقدس/456: (وقد عين المسيح اثني عشر رسولاً بناء على عدد الأسباط الإثني عشر . وفي سفر الرؤيا يقسم يوحنا المناظر السماوية
------------------------------------------- ص 285 -------------------------------------------
التي رآها كالأختام والأبواب والأساسات إلى اثني عشر ( رؤيا: 7: 4 - 8 و21: 10 - 21 ) وأسماء أسباط بني إسرائيل حسب الترتيب الأبجدي هي: أشير ، أفرايم ، بنيامين ، جاد ، دان ، رأوبين ، زبولون ، شمعون ، لاوي ، منسى ، نفتالي ، يساكر ، يهوذا ).
5. وفي تفسير الآلوسي(19/87):(ويقال: إن كل سبط من الأسباط الإثني عشرسلك في مسلك ، وسلك في الثالث عشر من آمن بموسى من القبط).
6. وفي كفاية الأثر بسنده عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: قال علي: كنت عند النبي صلي الله عليه وآله في بيت أم سلمة إذ دخل علينا جماعة من أصحابه منهم سلمان وأبو ذر والمقداد وعبد الرحمن بن عوف ، فقال سلمان: يا رسول الله إن لكل نبي وصياً وسبطين فمن وصيك وسبطاك ؟ فأطرق ساعة ثم قال: يا سلمان
إن الله بعث أربعة وعشرين ألف نبي ، وكان لهم أربعة وعشرون ألف وصي وثمانية ألاف سبط ، فوالذي نفسي بيده لأنا خير الأنبياء ووصيي خير الأوصياء وسبطاي خير الأسباط...
ثم عدد الأئمة من أهل بيته وقال: ثم يغيب عنهم إمامهم ما شاء الله ، ويكون له غيبتان إحداهما أطول من الأخرى، ثم التفت إلينا رسول الله صلي الله عليه وآله فقال رافعاً صوته: الحذر إذا فقد الخامس من ولد السابع من ولدي! قال علي فقلت: يا رسول الله فما تكون هذه الغيبة؟ قال: الصمت حتى يأذن الله له بالخروج ، فيخرج من اليمن من قرية يقال لها كرعة ، على رأسه غمامة متدرع بدرعي متقلد بسيفي ذي الفقار، ومناد ينادي: هذا المهدي خليفة الله فاتبعوه يملأ الأرض قسطاً وعدلاً ، كما ملئت جوراً وظلماً ، ذلك عندما تصيرالدنيا هرجاً ومرجاً ، ويغار بضعهم على بعض ، فلا الكبير يرحم الصغير ولا القوي يرحم الضعيف، فحينئذ يأذن الله له بالخروج ).(كفاية الأثر/147 ).
------------------------------------------- ص 286 -------------------------------------------
أقول: المتفق عليه أن المهدي عليه السلام يتحرك من المدينة ويخرج من مكة ، ولا يصح هذا الحديث إلا بأن يكون المهدي أولاً في كرعة في صعدة باليمن ثم يظهر من مكة ، إلا أن يكون المقصود يظهر أنصاره اليمانيون من صعدة .

في هذه الأمة سبطان فقط والأئمة اثنا عشر


روى الخزاز القمي في كفاية الأثر/40: بثلاثة أسانيد ، منها:(حدثنا محمد بن عبد الله بن المطلب وأبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الله بن الحسن بن عباس الجوهري ، جميعاً قالا: حدثنا لاحق اليماني، عن إدريس بن زياد قال: حدثنا إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، عن جعفر بن الزبير،عن القاسم عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله صلي الله عليه وآله فقال:
معاشر الناس: إني راحل عن قريب ، ومنطلق إلى المغيب ، أوصيكم في عترتي خيراً، وإياكم البدع فإن كل بدعة ضلالة ، والضلالة وأهلها في النار .
معاشر الناس: من افتقد الشمس فليتمسك بالقمر، ومن افتقد القمر فليتمسك بالفرقدين، فإذا فقدتم الفرقدين فتمسكوا بالنجوم الزاهرة بعدي، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم . قال: فلما نزل عن المنبر صلي الله عليه وآله تبعته حتى دخل بيت عائشة ، فدخلت إليه وقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله سمعتك تقول إذا افتقدتم الشمس فتمسكوا بالقمر ، وإذا افتقدتم القمر فتمسكوا بالفرقدين ، وإذا افتقدتم الفرقدين فتمسكوا بالنجوم الزاهرة . فما الشمس وما القمر وما الفرقدان وما النجوم الزاهرة ؟ فقال: أنا الشمس وعلي القمر،والحسن والحسين الفرقدان ، فإذا افتقدتموني فتمسكوا بعلي بعدي ، وإذا افتقدتموه فتمسكوا بالحسن والحسين، وأما النجوم الزاهرة فهم الأئمة التسعة
------------------------------------------- ص 287 -------------------------------------------
من صلب الحسين تاسعهم مهديهم . ثم قال صلي الله عليه وآله : إنهم هم الأوصياء والخلفاء بعدي ، أئمة أبرار ، عدد أسباط يعقوب وحواري عيسى .
قلت: فسمهم لي يا رسول الله؟ قال:أولهم علي بن أبي طالب ، وبعده سبطاي وبعدهما علي زين العابدين، وبعده محمد بن علي الباقرُ عِلْمَ النبيين ، والصادق جعفر بن محمد وابنه الكاظم سمي موسى بن عمران ، والذي يقتل بأرض الغربة ابنه علي ، ثم ابنه محمد ، والصادقان علي والحسن والحجة القائم المنتظر في غيبته ، فإنهم عترتي من دمي ولحمي ، علمهم علمي وحكمهم حكمي ، من آذاني فيهم فلا أناله الله شفاعتي ).

الحسن والحسين عليهما السلام أفضل من جميع الأسباط


1. في كفاية الأثر/35: (عن أبي ذر قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وآله يقول: من أحبني وأهل بيتي كنا نحن وهو كهاتين وأشار بالسبابة والوسطى ثم قال: أخي خير الأوصياء ، وسبطاي خير الأسباط ، وسوف يخرج الله تبارك وتعالى من صلب الحسين أئمة أبراراً ، ومنا مهدي هذه الأمة .
قلت: يا رسول الله وكم الأئمة بعدك ؟ قال: عدد نقباء بني إسرائيل ).
2. وفي كفاية الأثر/75: ( عن أنس بن مالك ، قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وآله قال: أوصياء الأنبياء الذين بعدهم بقضاء ديونهم وإنجاز عداتهم ويقاتلون على سنتهم . ثم التفت إلى علي فقال: أنت وصيي وأخي في الدنيا والآخرة تقضي ديني وتنجز عداتي وتقاتل على سنتي ، تقاتل على التأويل كما قاتلت على التنزيل . فأنا خير الأنبياء وأنت خير الأوصياء وسبطاي خير الأسباط ، ومن صلبهما يخرج الأئمة التسعة مطهرون ، معصومون قوامون بالقسط ، والأئمة
------------------------------------------- ص 288 -------------------------------------------
بعدي على عدد نقباء بني إسرائيل وحواري عيسى ، هم عترتي من لحمي ودمي).
3. وفي كفاية الأثر /18: (عن شداد بن أوس قال: لما كان يوم الجمل قلت: لا أكون مع علي ولا أكون عليه ، وتوقفت عن القتال إلى انتصاف النهار، فلما كان قرب الليل ألقى الله في قلبي أن أقاتل مع علي ، فقاتلت معه حتى كان من أمره ما كان ، ثم إني أتيت المدينة فدخلت على أم سلمة ، قالت: من أين أقبلت؟ قلت: من البصرة .قالت: مع أي الفريقين كنت؟ قلت: يا أم المؤمنين إني توقفت عن القتال إلى انتصاف النهار وألقى الله عز وجل أن أقاتل مع علي. قالت: نعم ما عملت ، لقد سمعت رسول الله صلي الله عليه وآله يقول: من حارب علياً فقد حاربني ومن حاربني فقد حارب الله. قلت: فترين أن الحق مع علي؟ قالت: إي والله علي مع الحق والحق معه ، والله ما أنصف أمة محمد نبيهم إذ قدموا من أخره الله عز وجل ورسوله وأخروا من قدمه الله تعالى ورسوله ، وأنهم صانوا حلائلهم في بيوتهم وأبرزوا حليلة رسول الله صلي الله عليه وآله إلى الفناء! والله لقد سمعت رسول الله صلي الله عليه وآله يقول: لأمتي فرقة وجعلة فجامعوها إذا اجتمعت وإذا افترقت فكونوا من النمط الأوسط ، ثم ارقبوا أهل بيتي فإن حاربوا فحاربوا وإن سالموا فسالموا وإن زالوا فزولوا معهم ، فإن الحق معهم حيث كانوا . قلت: فمن أهل بيته؟ قالت: أهل بيته الذين أمرنا بالتمسك بهم؟ قالت: هم الأئمة بعده كما قال: عدد نقباء بني إسرائيل علي وسبطاه وتسعة من صلب الحسين ، هم أهل بيته هم المطهرون والأئمة المعصومون . قلت: إنا لله هلك الناس إذاً ! قالت: كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ).
4. أمالي الصدوق /222: (ثم وثب الحسين عليه السلام متوكئاً على سيفه ، فنادى بأعلى صوته ، فقال: أنشدكم الله ، هل تعرفوني؟ قالوا: نعم ، أنت ابن رسول الله
------------------------------------------- ص 289 -------------------------------------------
وسبطيه . قال: أنشدكم الله ، هل تعلمون أن جدي رسول الله صلي الله عليه وآله ؟ قالوا: اللهم نعم . قال: أنشدكم الله، هل تعلمون أن أمي فاطمة بنت محمد؟ قالوا: اللهم نعم . قال: أنشدكم الله ، هل تعلمون أن أبي علي بن أبي طالب؟ قالوا: اللهم نعم . قال: أنشدكم الله ، هل تعلمون أن جدتي خديجة بنت خويلد ، أول نساء هذه الأمة إسلاماً ؟ قالوا: اللهم نعم . قال: أنشدكم الله ، هل تعلمون أن سيد الشهداء حمزة عم أبي؟ قالوا: اللهم نعم. قال: فأنشدكم الله هل تعلمون أن جعفرا الطيار في الجنة عمي؟ قالوا: اللهم نعم . قال: فأنشدكم الله هل تعلمون أن هذا سيف رسول الله صلي الله عليه وآله وأنا متقلده ؟ قالوا: اللهم نعم . قال: فأنشدكم الله ، هل تعلمون أن هذه عمامة رسول الله صلي الله عليه وآله أنا لابسها ؟ قالوا: اللهم نعم . قال: فأنشدكم الله ، هل تعلمون أن علياً كان أولهم إسلاماً، وأعلمهم علماً، وأعظمهم حلماً، وأنه ولي كل مؤمن ومؤمنة؟ قالوا: اللهم نعم. قال: فبم تستحلون دمي ، وأبي الذائد عن الحوض غداً ، يذود عنه رجالاً كما يذاد البعير الصادي عن الماء ، ولواء الحمد في يدي جدي يوم القيامة ؟ قالوا: قد علمنا ذلك كله ، ونحن غير تاركيك حتى تذوق الموت عطشاً ! فأخذ الحسين عليه السلام بطرف لحيته ، وهو يومئذ ابن سبع وخمسين سنة ثم قال: اشتد غضب الله على اليهود حين قالوا: عزير بن الله ، واشتد غضب الله على النصارى حين قالوا: المسيح بن الله ، واشتد غضب الله على المجوس حين عبدوا النار من دون الله ، واشتد غضب الله على قوم قتلوا نبيهم ، واشتد غضب الله على هذه العصابة الذين يريدون قتل ابن نبيهم .
قال: فضرب الحر بن يزيد فرسه ، وجاز عسكر عمر بن سعد إلى عسكر الحسين واضعاً يده على رأسه ، وهو يقول: اللهم إليك أنيب فتب عليَّ ، فقد أرعبت قلوب أوليائك وأولاد نبيك . يا ابن رسول الله ، هل لي من توبة ؟ قال: نعم
------------------------------------------- ص 290 -------------------------------------------
تاب الله عليك . قال: يا بن رسول الله ، أتأذن لي فأقاتل عنك ؟ فأذن له ، فبرز وهو يقول:
أضرب في أعناقكم بالسيف
عن خير من حل بلاد الخيف
فقتل منهم ثمانية عشر رجلاً ، ثم قتل ، فأتاه الحسين عليه السلام ودمه يشخب ، فقال: بخٍ بخٍ يا حر ، أنت حر كما سميت في الدنيا والآخرة ).

السياسة الربانية في انقراض الأقوام ونشوئها


أخبر الله نبيه صلي الله عليه وآله بأن الحسن والحسين عليهما السلام سبطان ، ومعناه أنه قرر أن يكثر نسلهما ويجعل من منهما قبيلتين . ولله عز وجل سياسة في تكثيرالأفراد والأمم أو الإذن في انقراضهم وإبادتهم ، يدل عليها قوله تعالى: لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ . فبين أن غرضه من معركة بدر أن يقطع طرفاً من المشركين ، أي يهزمهم أو يفنيهم ، أو يهزم طرفاً آخر ويخزيهم .
ونلاحظ في تاريخ الأقوام والأفراد أن خطط الله تعالى وقوانينه فاعلة في إنهاء الأقوام وانقراضهم ونشوء أقوام جدد . فقد كان بنوهاشم لما بعث النبي صلي الله عليه وآله أربعين مقاتلاً واستطاع أبو طالب أن يجمعهم لحماية النبي صلي الله عليه وآله فوقفوا في وجه قبائل قريش العشرين ، ولم يجرأ القرشيون أن يقاتلوهم لشجاعتهم وبأسهم ، فكانت كفتهم راجحة على قريش حتى أن بعض المسلمين المنافقين النكرات أرادوا من النبي صلي الله عليه وآله أن يقاتل قريشاً ويسيطر على مكة ، بأمل أن يغلب بنو هاشم ويكون لهم موقع في مكة أفضل ، فمنعهم النبي صلي الله عليه وآله ونزل فيهم: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَوةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ الله أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً . أي لما كتب عليهم القتال في المدينة في بدر جبنوا !
------------------------------------------- ص 291 -------------------------------------------
وقد بلغ من قوة بني هاشم أن حمزة عم النبي صلي الله عليه وآله تحدى أبا جهل رئيس مخزوم وضربه على رأسه بقوسه ، وأعلن إسلامه ! وأن أبا طالب عليه السلام تحدى قريشاً وأذلها ! فعن الإمام الصادق عليه السلام (الكافي:1/449) قال: بينا النبي صلي الله عليه وآله في المسجد الحرام وعليه ثياب له جدد ، فألقى المشركون عليه سلى ناقة (كرشها) فملؤوا ثيابه بها ، فدخله من ذلك ما شاء الله فذهب إلى أبي طالب فقال له:يا عم كيف ترى حسبي فيكم؟ فقال له: وماذا يا ابن أخي؟ فأخبره الخبر.. ورواه فخار بن معد في كتابه/346 ، والمستطرف وغيرهما ، بتفصيل، قال: مر رسول الله صلي الله عليه وآله بنفر من قريش وقد نحروا جزوراً وكانوا يسمونها الظهيرة ويذبحونها على النصب فلم يسلم عليهم ، فلما انتهى إلى دار الندوة قالوا: يمر بنا يتيم أبي طالب فلا يسلم علينا ! فأيكم يأتيه فيفسد عليه مصلاه ؟ فقال عبد الله بن الزبعرى السهمي: أنا أفعل ، فأخذ الفرث والدم فانتهى به إلى النبي صلي الله عليه وآله وهو ساجد فملأ به ثيابه ومظاهره ، فانصرف النبي صلي الله عليه وآله حتى أتى عمه أبا طالب فقال: يا عم من أنا ؟ فقال: ولمَ يا ابن أخ ؟ فقص عليه القصة فقال: وأين تركتهم؟ فقال: بالأبطح ، فنادى في قومه: يا آل عبد المطلب، يا آل هاشم ، يا آل عبد مناف ، فأقبلوا إليه من كل مكان مُلَبِّين قال: كم أنتم؟ قالوا: نحن أربعون. قال: خذوا سلاحكم فأخذوا سلاحهم وانطلق بهم حتى انتهى إلى أولئك النفر ، فلما رأوه أرادوا أن يتفرقوا فقال لهم: ورب هذه البنية لايقومن منكم أحد إلا جللته بالسيف! ثم أتى إلى صفاة كانت بالأبطح فضربها ثلاث ضربات ، حتى قطعها ثلاثة أفهار (قطعها بسيفه ثلاثة ) ثم قال: يا محمد سألتني من أنت ، ثم أنشأ يقول ويومي بيده إلى النبي صلي الله عليه وآله :
أنت النبي محمدُ
قَرْمٌ أغَرُّ مسود
لمسوَّدين أكارمٍ
طابوا وطاب المولد
------------------------------------------- ص 292 -------------------------------------------
نعم الأرومة أصلها
عمرو الخضم الأوحد
هشم الربيكة في الجفان
وعيش مكة أنكد
فجرت بذلك سنة
فيها الخبيزة تثرد
ولنا السقاية للحجيج
بها يماث العنجد
والمأزمان وما حوت
عرفاتها والمسجد
أنى تضام ولم أمت
وأنا الشجاع العربد
وبطاح مكة لا يرى
فيها نجيع أسود
وبنو أبيك كأنهم
أسد العرين توقد
ولقد عهدتك صادقاً
في القول لا تتزيد
ما زلت تنطق بالصواب
وأنت طفل أمرد
ثم قال: يا محمد أيهم الفاعل بك ؟ فأشار النبي صلي الله عليه وآله إلى عبد الله بن الزبعرى السهمي الشاعر ، فدعاه أبو طالب فوجأ أنفه حتى أدماها ، ثم أمر بالفرث والدم فأُمِرَّ على رؤس الملأ كلهم ! ثم قال: يا ابن أخ أرضيت؟ ثم قال: سألتني من أنت ؟ أنت محمد بن عبد الله ، ثم نسبه إلى آدم ، ثم قال: أنت والله أشرفهم حسباً وأرفعهم منصباً. يا معشر قريش من شاء منكم أن يتحرك فليفعل أنا الذي تعرفوني ! فظهر خوف قريش من بأس بني هاشم !
وبعد خمس عشرة سنة تجدهم ماتوا ، ولم يبق إلا علي والعباس وعقيل .
ففي الكافي (8/190): (عن سدير قال: كنا عند أبي جعفر عليه السلام فذكرنا ما أحدث الناس بعد نبيهم صلي الله عليه وآله واستذلالهم أمير المؤمنين عليه السلام فقال رجل من القوم: أصلحك الله فأين كان عز بني هاشم وما كانوا فيه من العدد ؟
فقال أبو جعفر عليه السلام : ومن كان بقي من بني هاشم إنما كان جعفر وحمزة فمضيا وبقي معه رجلان ضعيفان ذليلان حديثا عهد بالإسلام ، عباس وعقيل
------------------------------------------- ص 293 -------------------------------------------
وكانا من الطلقاء . أما والله لوأن حمزة وجعفراً كانا بحضرته ، ما وصلا إلى ما وصلا إليه ).
فقد أذن الله أن ينقرض بنو هاشم ، وينشأ قبيلتان من السبطين الحسنين عليهما السلام . وفي المقابل أذن بانقراض بني عبد الدار حملة لواء قريش . أما بنو مخزوم فلم يبق منهم إلا خالد وقد انقرضت ذريته ما عدا ابنه المهاجر الشيعي .
وبنو عدي انقرضوا بعد عمر ، وبنو تيم انقرضوا بعد أبي بكر إلا قليلاً.. الخ.
فأقوام ينقرضون وأقوام ينشؤون .. وكل ذلك بقانون رباني يوازن في المجتمع بين أهدافه عز وجل في مخلوقاته ، ومجتمع بني آدم .

السبطان هما الكوثر الموعود


قال الله تعالى: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ. فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ . إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ .وقد اتفق المفسرون والمحدثون والمؤرخون على أنها نزلت لما توفي ابنا النبي صلي الله عليه وآله القاسم والطاهر فقال العاص بن وائل: دعوه فإنه أبتر أي لا يعيش له أولاد . فأجابه الله تعالى بسورة الكوثر. فكثرة الذرية المقصود الأول بالكوثر ، وهي أيضاً تقصد حوض الكوثر في المحشر، ونهر الكوثر في الجنة .
فدلالتها على كوثر الذرية من السبطين عليهما السلام من حاق لفظها ، ودلالتها على حوض الكوثر ، ونهر الكوثر بالرواية . والثلاثة مقصودة بالكوثر .
ولما أخبر جبرئيل النبي صلي الله عليه وآله بأن الحسن والحسين عليهما السلام سبطا هذه الأمة ، فقد أخبره بأنهم قبيلتان ، وبأن هذا كوثر الذرية الذي وعده به الله تعالى .

البركة في ذرية السبطين عليهما السلام في الكمية والنوعية


يكفي من البركة في ذرية السبطين عليهما السلام أن المهدي الموعود والأئمة التسعة عليهم السلام منهما ، وأن الألوف المؤلفة من العلماء والقادة والنابغين من
------------------------------------------- ص 294 -------------------------------------------
ذريتهما، بل لانعرف أسرة في العالم قدمت للإنسانية من العلماء والمفكرين والنابغين بقدرما قدمته أسرة السبطين عليهما السلام ، وهذا واضح بنظرة إحصائية لشخصيات الأمة الإسلامية. أما الكم فإن مجموع نسل الأسباط الإثني عشر من أبناء يعقوب عليه السلام يبلغ عددهم في عصرنا خمسة عشر مليوناً ، بينما عدد ذرية الحسن والحسين عليهما السلام يبلغ ضعفي هذه العدد ، أو ثلاثة أضعافه !
وهذه البركة في الكمية على رغم سياسة الإضطهاد والتقتيل والإبادة لبني هاشم! فقد قال أحد أصحاب المنصور: دخلت عليه يوماً وإذا هو يفرك يديه ويتنفس تنفساً بارداً ، فقلت: يا أميرالمؤمنين ما هذه الفكرة ؟ فقال: يا محمد إني قتلت من ذرية فاطمة بنت رسول الله ألفاً أو يزيدون وقد تركت سيدهم! فقلت له: ومَن ذلك يا أميرالمؤمنين؟ فقال: ذلك جعفر بن محمد»! ( دلائل الإمامة / 298 ، وعيون المعجزات / 80 ). وفي رواية: لاأبقاني الله إن أبقيته !
ويقابلهم الأمويون والعباسيون فقد حكموا قروناً ، وكانوا مرفهين ، ولم يبلغوا من العدد ما بلغه أبناء السبطين عليهما السلام بقية السيف. وقد ورد أن تأثير بني هاشم في العالم يتعاظم حيث يجتمعون على المهدي عليه السلام ، فينصرونه .
* *
------------------------------------------- ص 295 -------------------------------------------

الموضوع العشرون: الإمام الحسين عليه السلام في معراج النبي صلي الله عليه وآله


المعراج سفر في المستقبل


كتبنا في السيرة النبوية عند أهل البيت عليهم السلام :
1 - المعراج برنامج رباني لإعداد النبي صلي الله عليه وآله :
الإسراء: سفر النبي صلي الله عليه وآله من مكة إلى الكوفة ثم إلى بيت المقدس ، إشارة إلى أنه وارث آدم ونوح وإبراهيم عليهم السلام .
والمعراج: عروجه صلي الله عليه وآله إلى السماء . وكان ذلك في أوائل البعثة ، وهو برنامج إعداد للنبي صلي الله عليه وآله ليريه الله تعالى من ملكوته وآياته الكبرى . وعن الإمام الصادق عليه السلام أنه: «عرج بالنبي صلي الله عليه وآله إلى السماء مائة وعشرين مرة». (بصائر الدرجات / 99).
2 - آيات الإسراء والمعراج:
سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ . ( الإسراء: 1 ) .
وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى. مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى. وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى. إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى. عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى. ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى. وَهُوَ بِالأفُقِ الأَعْلَى. ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى. فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى. مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى. أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى. وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى. عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى. عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى . إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى. مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى . لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى . ( النجم: 1 - 18 ) .
فآيات سورة النجم في المعراج، ومطلع سورة الإسراء في الإسراء ، وقال المفسرون واللغويون: السُّرى هو السير بالليل فقط.( لسان العرب: 4 / 389 ) ، لكن
------------------------------------------- ص 296 -------------------------------------------
قوله تعالى: أسْرَى بِعَبْدِه لَيْلاً ، يدل على أن الإسراء مطلق السير ، وإلا لما قال: لَيْلاً. هذا وتبلغ أحاديث الإسراء والمعراج مئات الصفحات .
وفي أمالي الصدوق/213: عن ثابت بن دينار قال: سألت زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام عن الله جل جلاله هل يوصف بمكان ؟ فقال: تعالى الله عن ذلك.قلت: فلمَ أسرى بنبيه محمد صلي الله عليه وآله إلى السماء؟ قال: ليريه ملكوت السماوات وما فيها من عجائب صنعه وبدائع خلقه. قلت: فقول الله عز وجل: ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى؟
قال: ذلك رسول الله صلي الله عليه وآله دنا من حجب النور فرأى ملكوت السماوات ، ثم تدلى صلي الله عليه وآله فنظر من تحته إلى ملكوت الأرض حتى ظن أنه في القرب من الأرض كقاب قوسين أو أدنى ».

أنواع الوحي الإلهي للنبي صلي الله عليه وآله


قال الله تعالى: وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ الله إِلا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِي حَكِيمٌ .
فهذه ثلاثة أنواع للوحي بالكلام .
والنوع الرابع: أن يلقي في قلبه العلم ، وهو غير الوحي في الآية .
والنوع الخامس: أن يكشف له الواقع فيراه أمامه ويصفه ، كما وضعت أمامه صورة بيت المقدس فوصفه للمشركين .
والنوع السادس: أن يريه الله الشيئ في معراجه ، وقد أراه الكثير من ملكوت السماوات والأرض ، فنقل بعض ما رآه .
------------------------------------------- ص 297 -------------------------------------------
والنوع السابع: أن ينقله الله الى المستقبل فيسافر اليه ويرى ويصف ، فيقول: بينا أنا في مشهد القيامة..أو في الجنة..
ومن السفر في المستقبل إخبار النبي صلي الله عليه وآله أصحابه عن مشهد رهيب في المحشر حيثُ يُمنعون من لقائه ، ويؤمر بهم الى النار !
وبهذا الأسلوب النبوي أخبرأصحابه عما كشفه له الله وأراهم حقيقتهم !
روى البخاري في صحيحه (7/208): (عن أبي هريرة عن النبي صلي الله عليه وآله قال: بينا أنا قائم فإذا زمرة حتى إذا عرفتهم ، خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلمَّ. فقلت: أين قال إلى النار والله ! قلت: وما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى! ثم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلم . قلت: أين؟قال: إلى النار والله!قلت:ما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى! فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم)!
فقد أخبر صلي الله عليه وآله عن ارتداد أكثرهم بهذا المشهد الذي رآه في يوم القيامة !
وهذا السفر في المستقبل من مختصاته صلي الله عليه وآله ويشبهه ما أخبر الأئمة عليهم السلام عن مستقبل الأمة كما أخبرهم رسول الله صلي الله عليه وآله .
ومن أمثلته قول أمير المؤمنين عليه السلام في وصف المغول الذين يُنْهون ملك بني العباس(نهج البلاغة:2/10): (كأني أراهم قوماً كأن وجوههم المجان المطرَّقة ، يلبسون السرق والديباج، ويعتقبون الخيل العتاق. ويكون هناك استحرار قتل حتى يمشي المجروح على المقتول ، ويكون المفلت أقل من المأسور ! فقال له بعض أصحابه: لقد أعطيت يا أمير المؤمنين علم الغيب ، فضحك عليه السلام وقال للرجل وكان كلبياً: يا أخا كلب ليس هو بعلم غيب ، وإنما هو تعلم من ذي
------------------------------------------- ص 298 -------------------------------------------
علم ، وإنما علم الغيب علم الساعة وما عدد الله سبحانه بقوله: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَىِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ، فيعلم سبحانه ما في الأرحام ، من ذكر أو أنثى ، وقبيح أو جميل ، وسخي أو بخيل ، وشقي أو سعيد ، ومن يكون في النار حطباً ، أو في الجنان للنبيين مرافقاً. فهذا علم الغيب الذي لا يعلمه أحد إلا الله ، وما سوى ذلك فعلم علمه الله نبيه فعلمنيه ، ودعا لي بأن يعيه صدري، وتضطمَّ عليه جوانحي ).
يقصد عليه السلام أن علم الغيب بالذات لله تعالى وحده ، وهو يُعَلِّمُ منه ما شاء لمن يشاء من عباده . فعِلْمُ المخلوقين بالتعلم ، وعلم الخالق بالذات .
وكم للنبي صلي الله عليه وآله من إخبار بالمغيبات عن مستقبل الأمة ومستقبل أصحابه ، وعن حال الناس في المحشر والجنة والنار ، وقد جمعها الشيخ نظري منفرد ، في مجلدين .

بعض ما رآه النبي صلي الله عليه وآله في معراجه عن الحسين عليه السلام


1. الحسين مصباح هدى


تقدم من روايتنا عن عيون أخبار الرضا عليه السلام (1/52): (عن الحسين بن علي أبي طالب عليهم السلام قال: دخلت على رسول الله صلي الله عليه وآله وعنده أبيُّ بن كعب فقال لي رسول الله صلي الله عليه وآله : مرحباً بك يا أبا عبد الله يا زين السماوات والأرضين . قال له أبيٌّ: وكيف يكون يا رسول الله زين السماوات والأرضين أحدٌ غيرك؟ قال: يا أبيُّ والذي بعثني بالحق نبياً إن الحسين بن علي في السماء أكبر منه في الأرض وإنه
------------------------------------------- ص 299 -------------------------------------------
لمكتوب عن يمين عرش الله عز وجل: مصباح هدى وسفينة نجاة ، وإمام خير ويمن ، وعز وفخر ، وعلم وذخر ).

2. سافر النبي صلي الله عليه وآله في المستقبل فجمع دماء الحسين عليه السلام !


روى المفيد في الإرشاد(2/130): (عن أم سلمة أنها قالت: خرج رسول الله صلي الله عليه وآله من عندنا ذات ليلة فغاب عنا طويلاً ، ثم جاءنا وهو أشعث أغبر ويده مضمومة ، فقلت له:يا رسول الله مالي أراك شعثاً مغبراً ؟ فقال: أسري بي في هذا الوقت إلى موضع من العراق يقال له كربلا فأريت فيه مصرع الحسين ابني وجماعة من ولدي وأهل بيتي، فلم أزل ألْقُطُ دماءهم فها هو في يدي وبسطها إلي فقال: خذيه فاحتفظي به فأخذته فإذا هو شبه تراب أحمر، فوضعته في قارورة وشددت رأسها واحتفظت به .
فلما خرج الحسين عليه السلام من مكة متوجهاً نحو العراق ، كنت أخرج تلك القارورة في كل يوم وليلة وأشمها وأنظر إليها ثم أبكي لمصابه ، فلما كان اليوم العاشر من المحرم وهو اليوم الذي قتل فيه أخرجتها في أول النهار وهي بحالها ثم عدت إليها آخر النهار ، فإذا هي دم عبيط فصحت في بيتي وبكيت وكظمت غيظي مخافة أن يسمع أعداؤهم بالمدنية فيتسرعوا بالشماتة ، فلم أزل حافظة للوقت واليوم ، حتى جاء الناعي ينعاه ، فحقق ما رأيت ) .
وهي غير التربة التي أتى بها جبرئيل عليه السلام وأودعها النبي صلي الله عليه وآله عند أم سلمة أيضاً.
------------------------------------------- ص 300 -------------------------------------------
ملاحظات
أ. استوفينا الكلام في شرح الحديث الأول: الحسين مصباح هدى .
ونقول في هذا الحديث: جاء جبرئيل عليه السلام الى النبي صلي الله عليه وآله بتربة الحسين عليه السلام عدة مرات ، لكن هذه المرة أخذه الى ساحة المعركة بعد شهادة الحسين عليه السلام فجمع دماءه المتساقطة على الأرض ، وجاء بها مع ترابها وأعطاه الى أم سلمة .
وهذا التكريم للحسين عليه السلام يكشف معنى قول النبي صلي الله عليه وآله لأبي بن كعب: يا أبيُّ والذي بعثني بالحق نبياً إن الحسين بن علي في السماء أكبر منه في الأرض !
ب. غاب النبي صلي الله عليه وآله فترةً ثم رجع فإذا به شَعِثٌ مغبرٌّ حزين؟ ومعناه أنه سافر قبل قتل الحسين بخمسين سنة الى ساحة المعركة التي قتل فيها الحسين عليه السلام ! والتقط نقاط دمائه بترابها ، ودماء ذريته الذين قتلوا معه !
وهذا إسراء في المكان ، وسفر في المستقبل ، لا نعرف له مثيلاً لكنا نؤمن به ، ويقربه الى الذهن نظرية آنشتاين في أن سرعة الجسم تُلغي الزمن .
وقد روت هذا الحديث مصادر السنة وقبلوه وفي بعض رواياته تفصيلات.
ج. توجد هنا أسئلة كثيرة هنا: كيف جمع النبي صلي الله عليه وآله دم الحسين عليه السلام قبل سقوطه في كربلاء بنص قرن ؟ وكيف تحول التراب في المدينة على بعد أكثر من ألف كيلو متر! وكيف يرتبط دم الحسين عليه السلام على أرض كربلاء بتربته في زجاجة في المدينة !كل ذلك خارق لقوانين الطبيعة التي نعرفها !
ولا جواب عليه إلا بالقبول بالمعجزة للنبي صلي الله عليه وآله وولده الحسين عليه السلام .

------------------------------------------- ص 301 -------------------------------------------

3. رأى النبي صلي الله عليه وآله قصرين في الجنة للحسن والحسين عليهما السلام


في مدينة المعاجز للبحراني(3/332): (روي أن الحسن الزكي لما دنت وفاته ونفدت أيامه ، وجرى السم في بدنه وأعضائه ، وتغير لون وجهه ومال بدنه إلى الزرقة والخضرة ، فبكاه الحسين عليهما السلام وقال: مالي أرى وجهك مائلاً إلى الخضرة ؟ فبكى الحسن عليه السلام وقال له:يا أخي لقد صح حديث جدي فيَّ وفيك ثم مد يده إلى أخيه الحسين ، واعتنقه طويلاً وبكيا كثيراً .
فقال الحسين عليه السلام : يا أخي ما حدثك جدي وماذا سمعت منه؟ فقال: أخبرني جدي رسول الله صلي الله عليه وآله قال: مررت ليلة المعراج بروضات الجنان ومنازل أهل الإيمان ، فرأيت قصرين عاليين متجاورين على صفة واحدة لكن أحدهما من الزبرجد الأخضر ، والآخر من الياقوت الأحمر فاستحسنتهما وشاقني حسنهما فقلت:يا أخي جبرائيل لمن هذان القصران؟ فقال:أحدهما لولدك الحسن والآخر لولدك الحسين. فقلت:يا أخي جبرئيل فلمَ لم يكونا على لون واحد؟ فسكت ولم يرد عليَّ جواباً ، فقلت له: يا أخي لمَ لا تتكلم .
فقال: حياء منك يا محمد ، فقلت له: بالله عليك إلا ما أخبرتني ، فقال: أما خضرة قصر الحسن فإنه يسم ويخضر لونه عند موته ، وأما حمرة قصر الحسين فإنه يقتل ويذبح ويخضب وجهه وشيبه وبدنه من دمائه ! فعند ذلك بكيا وضج الحاضرون بالبكاء والنحيب ).
------------------------------------------- ص 302 -------------------------------------------
ملاحظات
1. أول حديث ورد عن بيوت المؤمنين في الجنة حديث بشارة خديجة عليهما السلام ببيت لها في الجنة لما فقدت بيتها الكبير ، وعاشت مشردة في خيمة مع طفلتها في شعب أبي طالب ، وكان النبي صلي الله عليه وآله أشد منها تشريداً ، حتى أنهم كانوا يحرسونه ويضطرون الى تغيير مكانه نصف الليل .
فجاء جبرئيل يبشرخديجة بأن الله عوضها عن بيتها ببيت في الجنة ! وبعد وفاة خديجة كانت عائشة تحسدها على بيتها قالت: «ما غرت على امرأة ما غرت على خديجة، ولقد أمره ربه أن يبشرها ببيت في الجنة»!( صحيح بخاري:8/195).
2. ومن يومها ترى الحسد في البيوت وفي قصور الجنة! فإذا قال النبي صلي الله عليه وآله رأيت شيئاً لعلي في المعراج أو لفاطمة والحسنين عليهم السلام ، جعلوه ، أو جعلوا مثله أو أفضل منه ، لفلان وفلان وفلانة !
وإذا وصف النبي صلي الله عليه وآله عترته بصفة ، جعلوا لأنفسهم مثلها أو أحسن منها !
وإذا قال رأيت قصراً لعلي ، قالوا رأى حورية تتوضأ فأعجبته فقيل له هذه زوجة عمر، وإذا قال إن الله كلمني بصوت علي، قالوا بل بصوت أبي بكر .
لكنهم ما رووا أن النبي رأى منديل الحرير الذي جاء به جبرئيل وعليه صورة عائشة ! فقد قالت عائشة كما روى ابن سعد (8/59): (تزوجني رسول الله وأنا بنت ست سنين ، وأدخلت عليه وأنا بنت تسع سنين، وكنت ألعب على المرجوحة ولي جمة ، فأتيت وأنا ألعب عليها فأخذت فهيأت ثم أدخلت عليه ، وأري صورتي في حريرة ). أي أراه إياها جبرئيل عليه السلام .
------------------------------------------- ص 303 -------------------------------------------
3. معنى القصرين الأخضر والأحمر أن الله تعالى أريد أن يخلد في الجنة قتل الحسن والحسين عليهما السلام ويُعرف أهل الجنة ظلامتهما .
كما أنه لا بد في اللون الأخضر والأحمر أن يكون جميلاً مميزاً ، لكي يتناسب مع جمال الجنة ، كما يظهر أنهما القصران الأساسيان ، ولا يمنع ذلك أن يكون لهما قصور غيرهما بألوان أخرى .

4. الأئمة هم الكلمة الباقية في عقب إبراهيم عليهم السلام


روى في كفاية الأثر/137، في تفسير قوله تعالى: وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ ، بسنده عن حذيفة اليمان قال: صلى بنا رسول الله صلي الله عليه وآله ثم أقبل بوجهه الكريم علينا فقال: معاشر أصحابي أوصيكم بتقوى الله والعمل بطاعته ، فمن عمل بها فاز وغنم وأنجح ، ومن تركها حلت به الندامة، فالتمسوا بالتقوى السلامة من أهوال يوم القيامة ، فكأني أدعى فأجيب ، وإني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا ، ومن تمسك بعترتي من بعدي كان من الفائزين ، ومن تخلف عنهم كان من الهالكين . فقلت: يا رسول الله على من تُخَلفنا؟قال: على مَن خَلَّفَ موسى بن عمران قومه . قلت: على وصيه يوشع بن نون . قال: فإن وصي وخليفتي من بعدي علي بن أبي طالب ، قائد البررة وقاتل الكفرة ، منصور من نصره ، مخذول من خذله.
قلت: يا رسول الله فكم يكون الأئمة من بعدك ؟ قال: عدد نقباء بني إسرائيل، تسعة من صلب الحسين ، أعطاهم الله علمي وفهمي ، خزان علم الله ومعادن وحيه . قلت: يا رسول الله فما لأولاد الحسن ؟ قال: إن الله تبارك
------------------------------------------- ص 304 -------------------------------------------
وتعالى جعل الإمامة في عقب الحسين ، وذلك قوله تعالى: وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ . قلت: أفلا تسميهم لي يا رسول الله؟قال: نعم ، إنه لما عرج بي إلى السماء ونظرت إلى ساق العرش فرأيت مكتوباً بالنور: لا إله إلا الله محمد رسول الله، أيدته بعلي ونصرته به ، ورأيت أنوار الحسن والحسين وفاطمة ، ورأيت في ثلاثة مواضع علياً علياً علياً ومحمداً ومحمداً وموسى وجعفراً ، والحسن . والحجة يتلألأ من بينهم كأنه كوكب دري .
فقلت: يا رب من هؤلاء الذين قرنت أسماءهم باسمك ؟ قال: يا محمد إنهم هم الأوصياء والأئمة بعدك ، خلقتهم من طينتك ، فطوبى لمن أحبهم والويل لمن أبغضهم فبهم أنزل الغيث وبهم أثيب وأعاقب .
ثم رفع رسول الله صلي الله عليه وآله يده إلى السماء ودعا بدعوات فسمعته يقول:اللهم اجعل العلم والفقه في عقبي وعقب عقبي ، وفي زرعي وزرع زرعي ).
ملاحظات
1. في مناقب آل أبي طالب(1/214)عن الصادق عليه السلام قال:(في قوله:وجعلها كلمة باقية في عقبه ، أي الإمامة إلى يوم القيامة . قال السدي: عقبه آل محمد ).
وفي كمال الدين(2/358): (قال: يعني بذلك الإمامة جعلها الله تعالى في عقب الحسين إلى يوم القيامة . قال فقلت له: يا ابن رسول الله فكيف صارت الإمامة في ولد الحسين دون ولد الحسن عليهما السلام وهما جميعاً ولدا رسول الله صلي الله عليه وآله وسبطاه، وسيدا شباب أهل الجنة ؟ فقال عليه السلام : إن موسى وهارون كانا نبيين مرسلين وأخوين ، فجعل الله عز وجل النبوة في صلب هارون دون صلب
------------------------------------------- ص 305 -------------------------------------------
موسى عليهما السلام ، ولم يكن لأحد أن يقول لم فعل الله ذلك؟ وإن الإمامة خلافة الله عز وجل في أرضه وليس لأحد أن يقول لم جعلها الله في صلب الحسين دون صلب الحسن عليهما السلام ، لأن الله تبارك وتعالى هو الحكيم في أفعاله: لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ .
2. استدلوا بالآية على إيمان آباء النبي صلي الله عليه وآله فقد فهموا منها أن إبراهيم عليه السلام جعل التوحيد مستمراً في عقبه جيلاً فجيلاً ، حتى وصل الى نبينا صلي الله عليه وآله .
قال تعالى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِى بَرَآءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ . إِلا الَّذِي فَطَرَنِى فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ. وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ . فهي كقوله تعالى للنبي صلي الله عليه وآله : الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ . وَتَقَلُّبَكَ فِي أَلسَّاجِدِينَ . أي في أصلاب آبائك .
وكلا الإستدلالين يصح بتأييد الرواية لمعنى الكلمة الباقية ومعنى بقائها. لكن تفسيرها بالإمامة وهي شاملة للتوحيد أصح لتواتر الرواية فيها .
وهذه الرواية في أسماء الأئمة عليهم السلام نص في أن الإمامة في عقب إبراهيم عليه السلام خلفاً عن خلف ثم في عقب النبي صلي الله عليه وآله جعلها الله في عقبه وزرع زرعه عليهم السلام خلَفاً عن خلَف ، كما دعاه فاستجاب له .

5. حديث أم سلمة عن المعراج


روى في كفاية الأثر/185، عن أم سلمة عن النبي صلي الله عليه وآله : « لما أسري بي إلى السماء نظرت فإذا مكتوب على العرش: لا إله إلا الله محمد رسول الله أيدته بعلي ونصرته بعلي ، ورأيت أنوار علي وفاطمة والحسن والحسين وأنوار علي بن الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد وموسى بن جعفر وعلي بن موسى ومحمد بن علي وعلي بن محمد والحسن بن علي ، ورأيت نور الحجة يتلألأ من بينهم كأنه كوكب دري ، فقلت: يا
------------------------------------------- ص 306 -------------------------------------------
رب من هذا ومن هؤلاء ؟ فنوديت يا محمد هذا نور علي وفاطمة ، وهذا نور سبطيك الحسن والحسين ، وهذه أنوار الأئمة بعدك من ولد الحسين ، مطهرون معصومون ، وهذا الحجة يملأ الدنيا قسطا وعدلاً .
ملاحظة
هذا الحديث نص في أن الخطة الربانية من الأزل أن يبعث الله النبي صلي الله عليه وآله ومعه منظومة عترته الأئمة عليهم السلام حتى تتحقق إقامة دولة العدل في الأرض على يد خاتمهم الإمام المهدي عليه السلام . فهو مثل قوله تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ الله وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الانْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ الله الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا .
فقد قال والذين معه ، ولم يقل الذين آمنوا معه ، لأنهم من الأصل مؤمنون .
وهو تصديق قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ . ولا يتحقق ذلك إلا بالمهدي الموعود روحي فداه .

6. حديث أبي أيوب الأنصاري في البصرة


روى في كفاية الأثر/116، في أحداث حرب الجمل، قال: نزل أبو أيوب في بعض دور الهاشمين فجمعنا إليه ثلاثين نفساً من شيوخ أهل البصرة ، فدخلنا إليه وسلمنا عليه وقلنا: إنك قاتلت مع رسول الله صلي الله عليه وآله ببدر وأحد المشركين ، والآن جئت تقاتل المسلمين! فقال:والله لقد سمعت رسول الله يقول لعلي: إنك تقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين .
------------------------------------------- ص 307 -------------------------------------------
قلنا: آلله إنك سمعت من رسول الله في علي؟ قال: سمعته يقول: علي مع الحق والحق معه ، وهو الإمام والخليفة بعدي ، يقاتل على التأويل كما قاتلت على التنزيل، وابناه الحسن والحسين سبطاي من هذه الأمة ، إمامان إن قاما أو قعدا وأبوهما خير منهما ، والأئمة بعد الحسين تسعة من صلبه ، ومنهم القائم الذي يقوم في آخرالزمان كما قمت في أوله ، ويفتح حصون الضلالة.
قلنا: فهذه التسعة من هم؟ قال: هم الأئمة بعد الحسين خَلَف بعد خَلَف . قلنا: فكم عهد إليك رسول الله صلي الله عليه وآله أن يكون بعده من الأئمة ؟ قال: إثنا عشر . قلنا: فهل سماهم لك؟ قال: نعم إنه قال صلي الله عليه وآله : لما عُرج بي إلى السماء نظرت إلى ساق العرش فإذا هو مكتوب بالنور:لا إله إلا الله محمد رسول الله أيدته بعلي ونصرته بعلي . ورأيت أحد عشر إسماً مكتوباً بالنور على ساق العرش بعد علي ، منهم الحسن والحسين وعلياً علياً علياً ومحمداً ومحمداً، وجعفراً وموسى والحسن، والحجة . قلت: إلهي من هؤلاء الذين أكرمتهم وقرنت أسماءهم باسمك؟ فنوديت:يا محمد هم الأوصياء بعدك والأئمة ، فطوبى لمحبيهم والويل لمبغضيهم !
ملاحظات
1. أبو أيوب الأنصاري من الصحابة المقربين من رسول الله صلي الله عليه وآله ، وهو الذي اختار الله بيته فأناخت أمامه ناقة النبي صلي الله عليه وآله لما وصل من الهجرة .
وكان أبو أيوب مع العترة النبوية وشارك في حروب علي عليه السلام كلها ، وكان محباً للجهاد في سبيل الله وقد ذهب في جيش فتح القسطنطينية ولوكان بقيادة يزيد، وتأخر يزيد في لهوه وخمره ، وبقي الجيش ينتظر حتى وقع فيه الوباء ، فمات أبو
------------------------------------------- ص 308 -------------------------------------------
أيوب وأوصى أن يأخذوه الى قرب القسطنطينية وأعطى لذلك مالاً، فحملوا جنازته وأوصلوه الى سور القسطنطينية ، ودفنوه هناك .
ولا يبعد أن يكون النبي صلي الله عليه وآله أخبره بما يكون بعده ، وأمره بذلك .
2. ونلاحظ يقين أبي أيوب رضي الله عنه وصراحته بوصية النبي صلي الله عليه وآله لعلي والعترة عليهم السلام ، وأن أسماء الأئمة كانت معروفة لأصحاب النبي صلي الله عليه وآله ، وأن النبي صلي الله عليه وآله استعمل أسلوبه النبوي الفريد لتبليغ رسالة ربه وترسيخها في أذهان المسلمين ، فأخبرهم أنه شاهد في المعراج أسماءهم مكتوبة على سرادق العرش، لأن مقام الأئمة الإثني عشر عليهم السلام عند الله عظيم فهوامتداد لمقام النبوة، وكما أن ولاية النبي صلي الله عليه وآله وطاعته ميزان الإيمان فكذلك ولايتهم وطاعتهم .
3. في كل مشاهدات النبي صلي الله عليه وآله للأئمة عليهم السلام في المعراج ، نلاحظ التركيز على دور المهدي الموعود عليه السلام في الأخذ بثار المظلومين وإقامة دولة العدل الإلهي . ومعناه أن اضطهاد هؤلاء الأئمة يستمر الى ظهور المهدي عليه السلام ، وهو ما وقع .

7. حديث امتحان النبي صلي الله عليه وآله وعترته في الدنيا


في كامل الزيارات/547 ، عن الإمام الصادق عليه السلام :« لما أسري بالنبي صلي الله عليه وآله إلى السماء قيل له إن الله تبارك وتعالى يختبرك في ثلاث لينظر كيف صبرك ، قال: أسلِّمُ لأمرك يا رب ولا قوة لي على الصبر إلا بك ، فما هن؟ قيل له: أولاهن الجوع والأثرة على نفسك وعلى أهلك لأهل الحاجة .
قال: قبلت يا رب ورضيت وسلمت ، ومنك التوفيق والصبر .
------------------------------------------- ص 309 -------------------------------------------
وأما الثانية ، فالتكذيب والخوف الشديد ، وبذلك مهجتك في محاربة أهل الكفر بمالك ونفسك ، والصبر على ما يصيبك منهم ومن أهل النفاق ، من الأذى والألم في الحرب والجراح ، قال: قبلت يا رب ورضيت وسلمت ، ومنك التوفيق والصبر .
وأما الثالثة ، فما يلقي أهل بيتك من بعدك من القتل ، أما أخوك علي فيلقى من أمتك الشتم والتعنيف والتوبيخ والحرمان والجحد والظلم ، وآخر ذلك القتل، فقال: يا رب قبلت ورضيت ، ومنك التوفيق والصبر .
وأما ابنتك فتُظلم وتُحرم ويؤخذ حقها غصباً الذي تجعله لها ، وتُضرب وهي حامل ، ويُدخل عليها وعلى حريمها ومنزلها بغير إذن ، ثم يمسها هوانٌ وذُلٌّ ثم لا تجد مانعاً ، وتطرح ما في بطنها من الضرب ، وتموت من ذلك الضرب ! قلت: إنا لله وإنا إليه راجعون ، قبلت يا رب وسلمت ، ومنك التوفيق للصبر. ويكون لها من أخيك ابنان ، يقتل أحدهما غدراً ويطعن ، تفعل به ذلك أمتك، قلت: يا رب قبلت وسلمت ، إنا لله وإنا إليه راجعون ومنك التوفيق للصبر . وأما ابنها الآخر فتدعوه أمتك للجهاد ثم يقتلونه صبراً ويقتلون ولده ومن معه من أهل بيته ، ثم يسلبون حرمه ، فيستعين بي وقد مضى القضاء مني فيه بالشهادة له ولمن معه، ويكون قتله حجة على من بين قطريها ، فيبكيه أهل السماوات وأهل الأرضين جزعاً عليه ، وتبكيه ملائكة لم يدركوا نصرته . ثم أُخرج من صلبه ذكراً به أنصرك ، وإن شبحه عندي تحت العرش يملأ الأرض بالعدل ويطبقها بالقسط ، يسير معه الرعب ، يقتل حتى يُشك فيه . قلت: إنا لله. فقيل: إرفع رأسك ، فنظرت إلى رجل أحسن الناس صورة وأطيبهم ريحاً،
------------------------------------------- ص 310 -------------------------------------------
والنور يسطع من بين عينيه ومن فوقه ومن تحته ، فدعوته فأقبل إلي وعليه ثياب النور وسيماء كل خير حتى قبَّل بين عينيَّ ، ونظرت إلى الملائكة قد حفوا به لا يحصيهم إلا الله عز وجل .
فقلت: يا رب لمن يغضب هذا ولمن أعددت هؤلاء ، وقد وعدتني النصر فيهم فأنا أنتظره منك ، وهؤلاء أهلي وأهل بيتي وقد أخبرتني بما يلقون من بعدي ، ولئن شئت لأعطيتني النصر فيهم على من بغى عليهم .
وقد سلمت وقبلت ورضيت ، ومنك التوفيق والرضا، والعون على الصبر.
فقيل لي: أما أخوك فجزاؤه عندي جنة المأوى نزلاً بصبره ، أُفلج حجته على الخلائق يوم البعث ، وأوليه حوضك يسقي منه أولياءكم ويمنع منه أعداءكم وأجعل عليه جهنم برداً وسلاماً ، يدخلها ويخرج من كان في قلبه مثقال ذرة من المودة ، وأجعل منزلتكم في درجة واحدة في الجنة .
وأما ابنك المخذول المقتول ، وابنك المغدور المقتول صبراً ، فإنهما مما أزين بهما عرشي ، ولهما من الكرامة سوى ذلك مما لا يخطر على قلب بشر ، لما أصابهما من البلاء ، فعليَّ فتوكل. ولكل من أتى قبره في الخلق من الكرامة ، لأن زواره زوارك وزوارك زواري ، وعليَّ كرامة زواري ، وأنا أعطيه ما سأل ، وأجزيه جزاء يغبطه من نظر إلى عظمتي إياه ، وما أعددت له من كرامتي .
وأما ابنتك فإني أوقفها عند عرشي فيقال لها: إن الله قد حكمك في خلقه فمن ظلمك وظلم ولدك ، فاحكمي فيه بما أحببت فإني أجيز حكومتك فيهم .
------------------------------------------- ص 311 -------------------------------------------
وفي عيون أخبار الرضا عليه السلام (2/239 وكمال الدين/255، في جوابه على سؤال علي عليه السلام : إن الله تبارك وتعالى خلق آدم فأودعنا صلبه، وأمر الملائكة بالسجود له تعظيماً لنا وإكراماً ، وكان سجودهم لله عز وجل عبودية ، ولآدم إكراماً وطاعة لكوننا في صلبه ، فكيف لانكون أفضل من الملائكة وقد سجدوا لآدم كلهم أجمعون . وإنه لما عُرج بي السماء أذَّنَ جبرئيل مثنى مثنى وأقام مثنى مثنى، ثم قال لي: تقدم يا محمد ، فقلت لجبرئيل: أتقدم عليك؟ قال: نعم ،لأن الله تبارك وتعالى فضل أنبياءه وملائكته أجمعين ، وفضلك خاصه .
قال: فتقدمت فصليت بهم ولا فخر، فلما انتهيت إلى حجب النور قال لي جبرئيل: تقدم يا محمد، وتخلَّفَ عني، فقلت له: يا جبرئيل في مثل هذا الموضع تفارقني! فقال: يا محمد انتهاء حدي الذي وضعني الله عز وجل فيه إلى هذا المكان ، فإن تجاوزته احترقت أجنحتي بتَعَدِّيَّ حدود ربي جل جلاله !
فزجَّ بي في النور زجَّةً حتى انتهيت إلى ما شاء الله عز وجل من علو مكانه ، فنوديت فقلت: لبيك ربي وسعديك تباركت وتعاليت . فنوديت:يا محمد أنت عبدي وأنا ربك فإياي فاعبد وعليَّ فتوكل فإنك نوري في عبادي ورسولي إلى خلقي وحجتي على بريتي لك ولمن تبعك خلقت جنتي ولمن خالفك خلقت ناري ولأوصيائك أوجبت كرامتي ولشيعتهم أوجبت ثوابي فقلت : يا رب ومن أوصيائي؟فنوديت: يا محمد أوصيائك المكتوبون على ساق عرشي ، فنظرت وأنا بين يدي ربى جل جلاله إلى ساق العرش فرأيت اثنا عشر نوراً في كل نور سطر أخضر عليه إسم وصي من أوصيائي ، أولهم علي بن أبي طالب ، وآخرهم مهدي أمتي ، فقلت: يا رب هؤلاء أوصيائي بعدي؟ فنوديت: يا محمد هؤلاء أوصيائي وأحبائي وأصفيائي وحججي بعدك على بريتي، وهم
------------------------------------------- ص 312 -------------------------------------------
أوصياؤك وخلفاؤك وخير خلقي بعدك وعزتي وجلالي لأظهرن بهم ديني ولأعلين بهم كلمتي ، ولأطهرن الأرض بآخرهم من أعدائي ولأملكنه مشارق الأرض ومغاربها ، ولأسخرن له الرياح ولأذللن له السحاب الصعاب ، ولأرقينه في الأسباب ، ولأنصرنه بجندي ولأمدنه بملائكتي حتى يعلن دعوتي ، ويجمع الخلق على توحيدي ، ثم لأديمن ملكه ، ولأداولن الأيام بين أوليائي ، إلى يوم القيامة ».
وروته مصادرنا بنصه أو بمضمونه ، بطرق وأسانيد عديدة .
ملاحظات
1. القاعدة في مذهبنا أن النبي يستحق النبوة فيصير نبياً ، والإمام يستحق الإمامة فيصير إماماً . فالله تعالى ليس عنده محاباة مع أحد ، ولا ظلم لأحد .. واستحقاق الأنبياء والأئمة عليهم السلام إنما هو كون بجهدهم في تعميق عبوديتهم ، وإخلاصهم في طاعة ربهم . فكل منهم يؤدي امتحانه ليستحق مقامه .
والإمتحان الإلهي أنواع كثيرة ، فقد امتحن الله إبراهيم عليه السلام لبلوغ درجة الإمامة بقوله: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ للَّنَّاسِ إِمَامًا.
وامتحن أمير المؤمنين عليه السلام كما قال بسبع امتحانات في زمن النبي صلي الله عليه وآله وسبع امتحانات بعده . وهذا الحديث في امتحان النبي صلي الله عليه وآله في مسيرة نبوته وفي أهل بيته من بعده .
2. قد يكتفي الله تعالى بعلمه بنجاح النبي والوصي لو امتحن ، فيعطيه النبوة من صغره قبل امتحانه عملياً ، كما هو الحال في عيسى ويحيى وسليمان ، والأئمة الذين أوتوا الإمامة وهم صغار السن عليهم السلام .
------------------------------------------- ص 313 -------------------------------------------
3. نلاحظ أن الله تعالى جعل امتحان عترة النبي صلي الله عليه وآله جزء لا يتجزأ من امتحان النبي صلي الله عليه وآله ، وأنه أخبره بما يجري عليهم .
وكان الإختبار الأول للنبي صلي الله عليه وآله : الجوع والأثرة على نفسك وعلى أهلك لأهل الحاجة . ومعناه أن النبي صلي الله عليه وآله كان يؤثر المؤمنين المحتاجين على نفسه وعترته ، فقد كان يملك أموال خديجة سلام الله عليها ، لكن مصارفه لا تتيسر دائماً ، فقد يكون المال إبلاً، أو أرضاً لم يتيسر بيعها ، فيحتاج الى الإيثار.
وقد اتضح ذلك في حصار قريش ولبني هاشم ، ثلاث سنوات ونصفاً .
أما ادعاء الخلافة ومداحوها بأن فلاناً أو فلاناً أنفق عليه ، فكلها مكذوبات .
وقال له عن الإمتحان الثاني: وأما الثانية فالتكذيب والخوف الشديد، وبذل مهجتك في محاربة أهل الكفر ، وجهادهم بمالك ونفسك ، والصبر على ما يصيبك منهم ومن أهل النفاق ، من الأذى والألم في الحرب والجراح .
وقال عن الإمتحان الثالث: وأما الثالثة ، فما يلقي أهل بيتك من بعدك من القتل ، أما أخوك علي فيلقى من أمتك الشتم والتعنيف والتوبيخ والحرمان والجحد والظلم ، وآخر ذلك القتل ، فقال: يا رب قبلت ورضيت ومنك التوفيق والصبر . وأما ابنتك فتظلم وتحرم ويؤخذ حقها غصباً الذي تجعله لها، وتضرب وهي حامل ، ويُدخل عليها وعلى حريمها ومنزلها بغير إذن ، ثم يمسها هوانٌ وذُلٌّ ثم لا تجد مانعاً ، وتطرح ما في بطنها من الضرب وتموت من ذلك الضرب ! الى آخر ما تقدم .
وقوله عن الحسين عليه السلام : فيستعين بي وقد مضى القضاء مني فيه بالشهادة : ليس معناه أن الحسين يطلب النصرة من الله تعالى فلا يستجاب له ، فهو يعلم أن الله قضى بشهادته . بل معناه أنه يستعين على الصبر وتحمل ما نزل به كما ورد في
------------------------------------------- ص 314 -------------------------------------------
دعائه عليه السلام يوم عاشوراء: اللهم أنت ثقتي في كل كرب ، ورجائي في كل شدة ، وأنت لي في كل أمر نزل بي ثقةٌ وعُدة .
ومعناه: أنه لولا قضاء الله له بالشهادة لأنزل الله عليه ملائكة تنصره .
4. والفقرة التي ذكرت الإمام المهدي عليه السلام في هذا الحديث القدسي، بشارة من الله لنبيه صلي الله عليه وآله وتسلية عما يتحمله هو وأهل بيته عليهم السلام بأن الله سينصرهم ويمكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم ، ويظهر بهم دينه على الدين كله ، وقد جعل المهدي عليه السلام نصرةً للنبي صلي الله عليه وآله ، ثم أراه مثاله النوراني فجاء المهدي فقبل بين عيني جده ، وكأن هذا التقبيل أعظم من تقبيل اليد في عرفنا .
(فدعوته فأقبل إلي وعليه ثياب النور وسيماء كل خير ، حتى قبَّل بين عينيَّ ، ونظرت إلى الملائكة قد حفوا به ، لا يحصيهم إلا الله عز وجل ).
5. كما بشره الله تعالى وسلَّاهُ عن اختبار الحسنين عليهما السلام فقال: وأما ابنك المخذول المقتول ، وابنك المغدور المقتول صبراً ، فإنهما مما أزين بهما عرشي، ولهما من الكرامة سوى ذلك مما لايخطر على قلب بشر).
* *
------------------------------------------- ص 315 -------------------------------------------

الموضوع الحادي والعشرون: اهتمام النبي صلي الله عليه وآله بالحسين عليه السلام رسالة الى قريش


الحوار العجيب بين الله تعالى ورسوله صلي الله عليه وآله !


ما معنى أن يأتي جبرئيل عليه السلام برسالة من الله الى نبيه صلي الله عليه وآله : إن ربك يقرؤك السلام ويقول: مارأيك أن نعطيك من فاطمة عليها السلام ولدين تقتلهما أمتك ؟!
معناه : أيها النبي إستعد لارتداد أمتك من بعدك ! ارتداداً يبلغ أن تقتل أبناءك، فهل تريد أن نعطيك ولدين تقتلهما أمتك ؟ أنت بالخيار ، فماذا تقول:
فأجاب النبي صلي الله عليه وآله : اللهم إني أقبل بقضائك أن ترتد أمتي من بعدي ، لكن لو خيرتني هل أريد ولدين تقتلهما أمتي ، فأقول: لا حاجة بي .
ويصعد جبرئيل عليه السلام ثم يعود فيقول للنبي صلي الله عليه وآله : إن الله تعالى يقول لك: إنه جعل فيهما الإمامة بعدك ، وجعل من ذرية الثاني المهدي الموعود الذي يملأ به الأرض عدلاً ، وينهي الظلم الى يوم القيامة ، فهل تقبل؟
فيجيب النبي صلي الله عليه وآله :اللهم رضيت بقضائك وقدرك ، وشكرت نعمتك !
وعلى هامش الحوار بين النبي صلي الله عليه وآله وربه ، كان حوار النبي صلي الله عليه وآله مع عزيزته فاطمة عليه السلام وكان الجواب منهما واحداً !
وكان علي عليه السلام يستمع ويراقب ، ويؤمِّن على جواب فاطمة !
------------------------------------------- ص 316 -------------------------------------------

المشهد العجيب بين النبي صلي الله عليه وآله وأمته !


لما جاءه جبرئيل عليه السلام بتربة الحسين عليه السلام هرع النبي صلي الله عليه وآله الى المسجد: (كاسفَ البال مهموماً ، إلى أصحابه وهم جلوس، فقال لهم: إن أمتي يقتلون هذا ! وفي القوم أبو بكر وعمر ) ! (الطبراني (8/285).
فلم ينفجروا بالبكاء ، ولا صعقوا من التعجب ، ولا نبسوا ببنت شفة ! ولا سألوه عن الخبر الفادح ، وكيف يمكن منع قتلهم للحسين عليه السلام ؟!
ثم جاءهم نبيهم صلي الله عليه وآله الى المسجد مرات ، وفي مرة منها أصعد الحسين عليه السلام معه على المنبر وأخبرهم بأنهم سيقتلونه وبكى! فصمتوا صمت القبور !
وسبب صمتهم أنهم منذ فتح مكة يعملون لعزل أهل بيت النبي صلي الله عليه وآله من بعده !
وقد فهموا من إخباره بقتل الحسين عليه السلام أن مشروعهم بعزل أهل بيت النبي صلي الله عليه وآله سينتصر! فهم بالفرح أولى منهم بالبكاء ! وفهموا منه أن علياً سيقاومهم ويقتل هو وأولاده ، فليكن ذلك !
ولك الله يارسول الله ، تخبرهم بارتدادهم وقتلهم لابنك ، فيعتبرونه خبراً بالنصر على عترتك ، وتمتلئ أجوافهم فرحاً ، فلماذا يبكون ؟!

تنوع اهتمام النبي صلي الله عليه وآله بالحسنين عليهما السلام !


يتفاجأ المسلم بشدة اهتمام النبي صلي الله عليه وآله بالحسن والحسين عليهما السلام وتنوع اهتمامه: في تعامله معهما ، وأقواله فيهما ، من مراسم ولادتهما ، وتسميتهما ، والعقيقة عنهما، وكان يراهما يومياً ، ويقبلهما ، ويتابع أحوالهما !
ولما مشيا..كان يأخذهما معه الى المسجد ويجلسهما الى جنبه ويصلي، وقد يركب الواحد منهما على ظهره ، فيريد المسلمون أن يبعدوه فيقول أتركوه !
------------------------------------------- ص 317 -------------------------------------------
وكان مع سلوكه هذا معهما ، يطلق فيهما أقواله النبوية الخالدة:
( قال عمران بن حصين:قال لي رسول الله صلي الله عليه وآله :ياعمران إن لكل شئ موقعاً من القلب ، وما وقع موقع هذين الغلامين من قلبي شئ قط، فقلت: كل هذا يا رسول الله! قال: يا عمران وما خفي عليك أكثر. إن الله أمرني بحبهما .
( وكان يقول: يا علي لقد أذهلني هذان الغلامان يعني الحسن والحسين أن أحب بعدهما أحداً أبداً ، إن ربي أمرني أن أحبهما ، وأحب من يحبهما .
( وعن أبي ذر قال: أمرني رسول الله صلي الله عليه وآله بحب الحسن والحسين عليهما السلام ، فأنا أحبهما ، وأحب من يحبهما ، لحب رسول الله صلي الله عليه وآله إياهما .
( وقال: رأيت رسول الله صلي الله عليه وآله يقبل الحسن والحسين وهو يقول: من أحب الحسن والحسين وذريتهما مخلصاً لم تلفح النار وجهه ، ولو كانت ذنوبه بعدد رمل عالج ، إلا أن يكون ذنبه ذنباً يخرجه من الإيمان .
( وعن عبد الله بن مسعود قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وآله يقول: من كان يحبني فليحب ابنيَّ هذين ، فإن الله أمرني بحبهما .
( إن الله أمرني بحب الحسن والحسين فأحبوهما ..
( اللهم إني أحبهما وأحب من يحبهما ..
( الحسن والحسين سيد شباب أهل الجنة ..
( الحسن والحسين سبطان من الأسباط ..
( الحسن والحسين ريحانتاي من الدنيا ..
( الحسن والحسين ابناي من فاطمة وعلي ..
( وقال: حسين مني وأنا من حسين .
------------------------------------------- ص 318 -------------------------------------------
أحب الله من أحب حسيناً .
حسين سبط من الأسباط .
( قال الإمام الكاظم عليه السلام :أخذ رسول الله صلي الله عليه وآله بيد الحسن والحسين عليهما السلام فقال: من أحب هذين الغلامين وأباهما وأمهما ، فهو معي في درجتي يوم القيامة .
ورواه الترمذي وغيره ، وهو من أثقل الأحاديث على النواصب !
( قال الإمام الباقر عليه السلام : قال رسول الله صلي الله عليه وآله : خذوا بحجزة هذا الأنزع ، فإنه الصديق الأكبر والهادي لمن اتبعه ، ومن سبقه مرق من دين الله ، ومن خذله محقه الله ، ومن اعتصم به فقد اعتصم بالله ، ومن أخذ بولايته هداه الله ، ومن ترك ولايته أضله الله . ومنه سبطا أمتي الحسن والحسين ، وهما ابناي ، ومن ولد الحسين الأئمة الهداة والقائم المهدي ، فأحبوهم وتوالوهم ، ولا تتخذوا عدوهم وليجة من دونهم ، فيحل عليكم غضب من ربكم وذلة في الحياة الدنيا، وقد خاب من افترى .
( وقال الإمام الصادق عليه السلام :قال رسول الله صلي الله عليه وآله : من أبغض الحسن والحسين جاء يوم القيامة وليس على وجهه لحم ، ولم تنله شفاعتي )!
(هذه الأقوال: في مصادر الحديث الصحيحة ومنها: كامل الزيارات/114، وبعدها).

قرار قريش بأخذ خلافة النبي صلي الله عليه وآله وعزل عترته


( وجه النبي صلي الله عليه وآله في تعامله الخاص مع الحسنين عليهما السلام رسالتين: أولاهما الى قريش ، والثانية الى أمته يطلب منها طاعة علي والحسنين عليهم السلام .
ورسالته الى قريش إتمام حجة ، لأنها كانت ماضية في مشروعها بإصرار وعناد تعمل له ليل نهار ، ولا تتراجع عنه ، ولو استلزم قتل الحسين عليه السلام !
------------------------------------------- ص 319 -------------------------------------------
فبعد أن انهزمت في فتح مكة وأجبرها النبي صلي الله عليه وآله على خلع سلاحها ودخل فاتحاً ، وعين حاكماً على مكة من بني أمية ، خضعت قريش في الظاهر، لكنها اتهمت زعيمها أبا سفيان بأنه غلبته المنافية أي التعصب لبني عبد مناف وهو الجد المشترك مع بني هاشم ، فتآمر مع بني هاشم ضد قبائل قريش!
فقامت قريش بعزل أبي سفيان عن قيادتها وعينت بدله سهيل بن عمرو السهمي، وأخذت تعمل للإلتفاف على انتصار النبي صلي الله عليه وآله عليها ، فتوصلت بمشورة اليهود وبعض الصحابة الى أن تأخذ خلافته وتعزل أهل بيته ، وتقتل من خالفها منهم ، حتى لو كان الحسين ، وأب الحسين ، وأخ الحسين ، وأمه!
ولك الله يارسول الله ! فعلى من تقرأ مزاميرك بقتل الحسين عليه السلام وتبكيه !
إن قريشاً أولاد عم اليهود الذين كان يقرأ عليهم داود مزاميره !
لكن النبي صلي الله عليه وآله مأمورٌ بإتمام الحجة كما قال تعالى: وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا الله مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ .

صحيفة قريش الثانية


خطب النبي صلي الله عليه وآله في حجةالوداع خمس خطب ، وسادستها خطبة غدير خم . وفي كل خطبه ركز على مقام أهل بيته عليهم السلام ، فبشرالأمة بالأئمة الاثني عشر منهم عليهم السلام ، وبلغها أنهم ربانيون فرض الله عليهم طاعتهم ، وجعلهم عدلاً مع القرآن ، فهما الثقلان وصيته في هذه الأمة . وقد استقصينا خطبه في حجة الوداع في مصادر السنة في رسالة: الأئمة الإثني عشر .
------------------------------------------- ص 320 -------------------------------------------
وكانت قريش تمتعض من مدح النبي صلي الله عليه وآله الدائم لبني هاشم ، لأنها ترفض قيادتهم وتقول إن مدحهم ظلم لبقية قبائل قريش ، يجعلهم محكومين لبني هاشم ! وقد نشطت قريش بعد فتح مكة في العمل لعزلهم ، وزاد نشاطها في حجة الوداع رداً على تأكيدات النبي صلي الله عليه وآله على عترته بعده .
وكانت نتيجة مشاورات زعماء قريش أن كتبوا صحيفة تعاهدوا فيها أنه إذا هلك محمد أن يعزلوا بني هاشم عن خلافته ، وأودعوا الصحيفة في الكعبة . فكانت الصحيفة الملعونة الثانية بعد الصحيفة الأولى لعزلهم في الشعب !
قال ابن هشام (1/234):( اجتمعوا بينهم أن يكتبوا كتاباً يتعاقدون فيه على بني هاشم ، وبني المطلب، على أن لا ينكحوا إليهم ولا ينكحوهم ، ولا يبيعوهم شيئاً ولا يبتاعوا منهم ، فلما اجتمعوا لذلك كتبوه في صحيفة ، تعاهدوا وتواثقوا على ذلك، ثم علقوا الصحيفة في جوف الكعبة توكيداً على أنفسهم، وكان كاتب الصحيفة منصور بن عكرمة ) .
وقد قام بالصحيفة الثانية خمسة تعاهدوا عليها داخل الكعبة في حجة الوداع!
قال الإمام الباقر عليه السلام : (دخلت مع أبي الكعبة فصلى على الرخامة الحمراء بين العمودين فقال: في هذا الموضع تعاقد القوم إن مات رسول الله صلي الله عليه وآله أو قتل ألايردوا هذا الأمر في أحد من أهل بيته أبداً )! ( الكافي:4/545).
قال الإمام الصادق عليه السلام (الكافي:1/431): (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ: قال: نزلت فيهم حيث دخلوا الكعبة فتعاهدوا وتعاقدوا على كفرهم وجحودهم بما نزل في أمير المؤمنين عليه السلام ، فألحدوا في البيت بظلمهم الرسول ووليه صلي الله عليه وآله ).
------------------------------------------- ص 321 -------------------------------------------
وأنزل الله فيهم قوله تعالى: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ . أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ الله فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ. أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا . إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ. ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا للَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ الله سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ . فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ. ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ. (محمّد:22 - 28).
والذين كرهوا ما نزَّل الله هم اليهود قال السمرقندي(3/289) (هم المنافقون قالوا ليهود بني قريظة والنضير ، وهم الذين كرهوا ما نزل الله).
فقد كانوا يقولون لقريش إن محمداً ليس نبياً ، ولكنه نبوخذ نصرسوف يُسلط على العرب مثل نبوخذ نصر البابلي ، فلا تؤمنوا به ولا بكتابه ، ولا تسلطوا أهل بيته عليكم بعده ، فكانت قريش تقول لهم: لا نكفر به لكن نطيعكم في بعض الأمر ، في عزل أهل بيته عن الخلافة ، وحرمانهم الخمس الذي لهم !
ويدل حديث الإمام الصادق عليه السلام على أن اليهود كانوا يؤكدون على القرشيين أن يحرموا بني هاشم من الخمس ، قال عليه السلام (الكافي:1/420 ): (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا للَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ الله سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ. نزلت والله فيهما وفي أتباعهما وهو قول الله عز وجل الذي نزل به جبرئيل عليه السلام على محمد صلي الله عليه وآله : قال: دعوا بني أمية إلى ميثاقهم ألا يصيروا الأمر فينا بعد النبي صلي الله عليه وآله ولايعطونا من الخمس شيئاً ، وقالوا: إن أعطيناهم إياه لم يحتاجوا إلى شئ ، ولم يبالوا أن يكون الأمر فيهم ، فقالوا: سَنُطِيعُكُم في بَعْضِ الأَمْر الذي دعوتمونا إليه وهو الخمس ألا نعطيهم منه شيئاً . وكان معهم أبو عبيدة وكان كاتبهم ) !
فأطلع الله تعالى نبيه صلي الله عليه وآله على أمر الصحيفة الثانية ، فواجه أصحابها بفعلتهم فارتعدت فرائصهم! ونظر إلى أبي عبيدة بن الجراح وقال له: أصبحت أمين
------------------------------------------- ص 322 -------------------------------------------
هذه الأمة !لأنه كان مؤتمناً على نسخة الصحيفة حتى أوصلها الى الكعبة! قالها له النبي صلي الله عليه وآله توبيخاً واستنكاراً ، فسموه أمين الأمة بدون استنكار !
وكانت سياسة النبي صلي الله عليه وآله أن يقول لهم في أنفسهم قولاً بليغاً ويترك مقادير الله تجري: ِليَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ.
ومن القول النبوي البليغ لهم مارواه أحمد بن همام (الإحتجاج:1/291) قال: «أتيت عبادة بن الصامت في ولاية أبي بكر فقلت له:يا عبادة أكان الناس على تفضيل أبي بكر قبل أن يستخلف؟ فقال: يا أبا ثعلبة إذا سكتنا عنكم فاسكتوا ولا تبحثونا ! فوالله لعلي بن أبي طالب كان أحق بالخلافة من أبي بكر ، كما كان رسول الله صلي الله عليه وآله أحق بالنبوة من أبي جهل ! قال: وأزيدكم:إنا كنا ذات يوم عند رسول الله صلي الله عليه وآله فجاء علي وأبو بكر وعمر إلى باب رسول الله فدخل أبو بكر ثم دخل عمر ثم دخل عليٌّ على أثرهما، فكأنما سُفِيَ على وجه رسول الله الرماد ! ثم قال: يا عليُّ أيتقدمانك هذان ، وقد أمَّرك الله عليهما؟ فقال أبو بكر: نسيت يا رسول الله ، وقال عمر: سهوت يا رسول الله ! فقال رسول الله: ما نسيتما ولا سهوتما ! وكأني بكما قد سلبتماه ملكه وتحاربتما عليه ، وأعانكما على ذلك أعداء الله وأعداء رسوله! وكأني بكما قد تركتما المهاجرين والأنصار يضرب بعضهم وجوه بعض بالسيف على الدنيا!
ولكأني بأهل بيتي وهم المقهورون المشتتون في أقطارها وذلك لأمر قد قضي! ثم بكى رسول الله صلي الله عليه وآله حتى سالت دموعه ثم قال: يا عليُّ الصبرَ الصبرَ حتى ينزل الأمر، ولاحول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ).
في هذا الجو أخبر النبي صلي الله عليه وآله قريشاً بقتل الحسين عليه السلام وبكى، لكن لماذا يبكي القرشيون وقد فهموا منه نجاح خطتهم ، وما عليهم أن تستلزم قتل الحسين عليه السلام !
وتحاربتما عليه: بمعنى جمعتما عليه من يحاربه .
------------------------------------------- ص 323 -------------------------------------------

إذا كتب الكتاب قتل الحسين عليه السلام


في الكافي:(8/179):(عن الإمام الصادق عليه السلام قال في قول الله عز وجل:مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَئٍ عَلِيمٌ.
قال: نزلت هذه الآية في فلان وفلان وأبي عبيدة الجراح وعبد الرحمن بن عوف وسالم مولى أبي حذيفة والمغيرة بن شعبة ، حيث كتبوا الكتاب بينهم وتعاهدوا وتوافقوا: لئن مضى محمد لا تكون الخلافة في بني هاشم ولا النبوة أبداً ، فأنزل الله عز وجل فيهم هذه الآية ! قال قلت: قوله عز وجل: أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ. أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ .
قال: وهاتان الآيتان نزلتا فيهم ذلك اليوم . قال أبو عبد الله عليه السلام : لعلك ترى أنه كان يوم يشبه يوم كتب الكتاب إلا يوم قتل الحسين عليه السلام وهكذا كان في سابق علم الله عز وجل الذي أعلمه رسول الله صلي الله عليه وآله أَنْ إذَا كُتِبَ الكتَاب قُتِلَ الحُسَين ، وخرج الملك من بني هاشم فقد كان ذلك كله ).
وهو صريح في أن اتفاق قريش كان في حياة النبي صلي الله عليه وآله وأن كتابتهم الصحيفة فيما بينهم بداية أحداث تصل الى قتل الحسين عليه السلام . فيكون إخبار جبرئل بقتل الحسين ، إخباراً للنبي صلي الله عليه وآله بمؤامرة قريش التي تؤسس لذلك .

كان النبي صلي الله عليه وآله يخبر أهل بيته وخاصته بخطط قريش


فقد روت المصادر كالكافي:1/529 ، وكمال الدين/270 ، والخصال/477 ، والإحتجاج:1/285 ، وكشف الغمة:2/508 ، وسليم/231، واللفظ له:
حدثني عبد الله بن جعفر بن أبي طالب قال: كنت عند معاوية ومعنا الحسن والحسين ، وعنده عبد الله بن عباس ، فالتفت إلي معاوية فقال: يا عبد الله (بن
------------------------------------------- ص 324 -------------------------------------------
جعفر)! ما أشد تعظيمك للحسن والحسين! وما هما بخير منك ولا أبوهما خير من أبيك ، ولولا أن فاطمة بنت رسول الله لقلت: ما أمك أسماء بنت عميس بدونها ! فقلت: والله ! إنّك لقليل العلم بهما وبأبيهما وبأمهما ، بل والله لهما خير مني وأبوهما خير من أبي ، وأمهما خير من أمي .
يا معاوية، إنك لغافل عما سمعته أنا من رسول الله صلي الله عليه وآله يقول فيهما وفي أبيهما وأمهما قد حفظته ووعيته ورويته. قال: هات يا ابن جعفر فوالله ما أنت بكذاب ولا متهم. فقلت: إنه أعظم مما في نفسك ، قال:وإن كان أعظم من أحد وحراء جميعاً ، فلست أبالي إذ قتل الله صاحبك وفرق جمعكم وصار الأمر في أهله،فحدثنا فما نبالي بما قلتم ولايضرنا ما عددتم.
قلت: سمعت رسول الله صلي الله عليه وآله وقد سئل عن هذه الآية: وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ ، فقال: إني رأيت اثني عشر رجلاً من أئمة الضلالة يصعدون منبري وينزلون ، يردون أُمتي على أدبارهم القهقرى ، فيهم رجلان من حيين من قريش مختلفين ، وثلاثة من بني أُمية ، وسبعة من ولد الحكم بن أبي العاص.
وسمعته يقول: إن بني أبي العاص إذا بلغوا خمسة عشر رجلاً ، جعلوا كتاب الله دَخَلاً ، وعباد الله خَوَلاً، ومال الله دُوَلاً.
يا معاوية إني سمعت رسول الله صلي الله عليه وآله يقول على المنبر وأنا بين يديه ، وعمر ابن أبي سلمة ، وأسامة بن زيد ، وسعد بن أبي وقاص ، وسلمان الفارسي ، وأبو ذر، والمقداد ، والزبير بن العوام ، وهو يقول: ألستُ أولى بالمؤمنين من أنفسهم فقلنا: بلى ، يا رسول الله، قال: أليس أزواجي أُمهاتكم؟ قلنا: بلى ، يا رسول الله. قال: مَن كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه وضرب بيديه على منكب علي وقال: اللهم والِ من والاه وعاد من عاداه .
------------------------------------------- ص 325 -------------------------------------------
أيّها الناس: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم ليس لهم معي أمر، وعلي من بعدي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ليس لهم معه أمر، ثم ابني الحسن أولى بالمؤمنين من أنفسهم ليس لهم معه أمر .
ثم عاد فقال: أيها الناس إذا أنا استشهدت فعلي أولى بكم من أنفسكم ، فإذا استشهد علي فابني الحسن أولى بالمؤمنين منهم بأنفسهم ، فإذا استشهد الحسن فابني الحسين أولى بالمؤمنين منهم بأنفسهم ، فإذا استشهد الحسين فابني علي بن الحسين أولى بالمؤمنين منهم بأنفسهم ليس لهم معه أمر .
ثمّ أقبل على علي فقال: يا علي، إنك ستدركه فاقرأه مني السلام ، فإذا استشهد فابني محمد أولى بالمؤمنين منهم بأنفسهم ، وستدركه أنت يا حسين ! فاقرأه مني السلام ، ثم يكون في عقب محمد رجال واحد بعد واحد ، وليس منهم أحد إلاّ وهو أولى بالمؤمنين منهم بأنفسهم ليس لهم معه أمر، كلهم هادون مهتدون.
فقام علي بن أبي طالب صلوات الله عليه وهو يبكي ، فقال: بأبي أنت وأمي يا نبي الله أتقتل!قال: نعم، أهلك شهيداً بالسم، وتقتل أنت بالسيف ، وتخضب لحيتك من دم رأسك ، ويقتل ابني الحسن بالسم ، ويقتل ابني الحسين بالسيف يقتله طاغ ابن طاغ ، دعيٌّ ابن دعي .
فقال معاوية: يا ابن جعفر لقد تكلمت بعظيم ، ولئن كان ما تقول حقاً لقد هلكت أُمة محمد من المهاجرين والأنصار غيركم أهل البيت وأوليائكم وأنصاركم ! فقلت: والله إن الذي قلت حقاً ، سمعته من رسول الله صلي الله عليه وآله . قال معاوية: يا حسن ويا حسين ويا ابن عباس:ما يقول ابن جعفر؟ فقال ابن عباس: إن لم تؤمن بالذي قال فأرسل إلى الذين سماهم فاسألهم عن ذلك . فأرسل معاوية إلى عمر بن أبي سلمة وإلى أسامة بن زيد ، فسألهما ، فشهدا أن الذي قال ابن جعفر قد سمعناه من رسول الله صلي الله عليه وآله كما سمعه .
------------------------------------------- ص 326 -------------------------------------------
فقال معاوية: يا ابن جعفر، قد سمعناه في الحسن والحسين وفي أبيهما ، فما سمعت في أُمهما؟ ومعاوية كالمستهزئ والمنكر.
فقلت: سمعت من رسول الله صلي الله عليه وآله يقول: ليس في جنة عدن منزل أشرف ولا أفضل ولا أقرب إلى عرش ربي من منزلي ، ومعي ثلاثة عشر من أهل بيتي: أخي علي ، وابنتي فاطمة ، وابناي الحسن والحسين ، وتسعة من ولد الحسين الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً ، هداة مهتدون ، وأنا المبلغ عن الله ، وهم المبلغون عني ، وهم حجج الله على خلقه ، وشهداؤه في أرضه، وخزانه على علمه ومعادن حكمه ، من أطاعهم أطاع الله ، ومن عصاهم عصى الله ، لا تبقى الأرض طرفة عين إلا ببقائهم ، ولا تصلح إلا بهم ، يخبرون الأمة بأمر دينهم ، حلالهم وحرامهم ، يدلونهم على رضى ربهم ، وينهونهم عن سخطه بأمر واحد ونهي واحد ، ليس فيهم اختلاف ولا فرقة ولا تنازع ، يأخذ آخرهم عن أولهم إملائي، وخطّ أخي علي بيده، يتوارثونه إلى يوم القيامة ، وأهل الأرض كلهم في غمرة وغفلة وتيهة وحيرة غيرهم وغير شيعتهم وأوليائهم ، لايحتاجون إلى أحد من الأُمة في شئ من أمر دينهم والأمة تحتاج إليهم ، هم الذين عنى الله في كتابه وقرن طاعتهم بطاعته وطاعة رسول الله فقال: آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِى الأَْمْرِ مِنكُمْ .
فأقبل معاوية على الحسن والحسين وابن عباس والفضل بن عباس وعمر بن أبي سلمة وأسامة بن زيد ، فقال: كلكم على ما قال ابن جعفر؟قالوا: نَعَمْ .
قال: يا بني عبد المطلب إنكم لتدعون أمراً عظيماً، وتحتجون بحجج قوية إن كانت حقاً ، وإنكم لتضمرون على أمر تسرونه والناس عنه في غفلة عمياء ، ولئن كان ما تقولون حقاً لقد هلكت الأمة وارتدت عن دينها ، وتركت عهد نبينا غيركم أهل البيت ، ومن قال بقولكم فأولئك في الناس قليل !
------------------------------------------- ص 327 -------------------------------------------
فقلت: يا معاوية ، إن الله تبارك وتعالى يقول: وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ، ويقول: وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ، ويقول: إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ، ويقول لنوح: وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ.
يا معاوية ! المؤمنون في الناس قليل، وإن أمر بني إسرائيل أعجب حيث قالت السحرة لفرعون: فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاض إِنَّمَا تَقْضِى هَذِهِ الْحَيَوةَ الدُّنْيَا، إِنَّا آَمَنَّا بِرَبِّنَا ، فآمنوا بموسى وصدقوه واتبعوه ، فسار بهم وبمن تبعه من بني إسرائيل ، فأقطعهم البحر وأراهم الأعاجيب ، وهم يصدقون به وبالتوراة ، يقرون له بدينه فمر بهم على قوم يعبدون أصناماً لهم فقالوا: يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ ، ثم اتخذوا العجل فعكفوا عليه جميعاً غير هارون وأهل بيته ، وقال لهم السامري: هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِىَ. فاحتذت هذه الأُمة ذلك المثال سواء ، وقد كانت فضائل وسوابق مع رسول الله صلي الله عليه وآله ومنازل منه قريبة مقرين بدين محمّد والقرآن حتى فارقهم نبيهم صلي الله عليه وآله ، فاختلفوا وتفرقوا وتحاسدوا ، وخالفوا إمامهم ووليهم حتى لم يبق منهم على ما عاهدوا عليه نبيهم غير صاحبنا الذي هو من نبينا بمنزلة هارون من موسى ،ونفر قليل لقوا الله عز وجل على دينهم وإيمانهم ، ورجع الآخرون القهقرى على أدبارهم كما فعل أصحاب موسى عليه السلام باتّخاذهم العجل وعبادتهم إياه ، وزعمهم أنه ربهم ، وإجماعهم عليه غير هارون وولده ونفر قليل من أهل بيته .
ونبينا صلي الله عليه وآله قد نصب لأُمته أفضل الناس وأولاهم وخيرهم بغديرخم وفي غير موطن ، واحتج عليهم به وأمرهم بطاعته ، وأخبرهم أنه منه بمنزلة هارون من موسى ، وأنه وليّ كل مؤمن بعده ، وأنه كل مَن كان وليه فعليٌّ وليُّه ، ومن كان أولى به من نفسه فعليٌّ أولى به ، وأنه خليفته فيهم ووصيه ، وأن من أطاعه أطاع
------------------------------------------- ص 328 -------------------------------------------
الله ، ومن عصاه عصى الله ، ومن والاه والى الله ، ومن عاداه عادى الله ، فأنكروه وجهلوه وتولوا غيره .
يا معاوية ! أما علمت أن رسول الله صلي الله عليه وآله حين بعث إلى مؤتة أمَّرَ عليهم جعفر بن أبي طالب ، ثم قال: إن هلك جعفر فزيد بن حارثة ، فإن هلك زيد فعبد الله بن رواحة ، ولم يرض لهم أن يختاروا لأنفسهم ، أفكان يترك أمته لايبين لهم خليفته فيهم! بلى ، والله ! ما تركهم في عمياء ولا شبهة ، بل ركب القوم ما ركبوا بعد نبيهم وكذبوا على رسول الله صلي الله عليه وآله فهلكوا وهلك من شايعهم ، وضلوا وضل من تابعهم ، فبعداً للقوم الظالمين .
فقال معاوية: يا ابن عباس! إنك لتتفوه بعظيم ، والإجتماع عندنا خير من الإختلاف ، وقد علمت أن الأمة لم تستقم على صاحبك .
فقال ابن عباس: إني سمعت رسول الله صلي الله عليه وآله يقول: ما اختلفت أُمة بعد نبيها إلاّ ظهر أهل باطلها على أهل حقها !
يا معاوية ! إن عمر بن الخطاب أرسلني في أمرته إلى عليّ بن أبي طالب عليه السلام أني أريد أن أكتب القرآن في مصحف فابعث الينا ما كتبت من القرآن ، فقال: تضرب والله عنقي قبل أن تصل إليه . قلت: ولم ؟ قال: إن الله يقول: لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ ، يعني لا يناله كله إلا المطهرون ، إيانا عنى ، نحن الذين أذهب الله عنا الرجس وطهرنا تطهيراً .وقال: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَبَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ، فنحن الذين اصطفانا الله من عباده، ونحن صفوة الله ، ولنا ضرب الأمثال ، وعلينا نزل الوحي. فغضب عمر، وقال: إن ابن أبي طالب يحسب أنه ليس عند أحد علم غيره ، فمن كان يقرأ من القرآن شيئاً فليأتنا به ، فكان إذا جاء رجل بقرآن فقرأه ومعه آخر كتبه وإلا لم يكتبه .
------------------------------------------- ص 329 -------------------------------------------
فمن قال: يا معاوية إنه ضاع من القرآن شئ فقد كذب ، هو عند أهله مجموع. ثم أمر عمر قضاته وولاته فقال اجتهدوا رأيكم ، واتبعوا ما ترون أنه الحق ، فلم يزل هو وبعض ولاته قد وقعوا في عظيمة ، فكان علي بن أبي طالب عليه السلام يخبرهم بما يحتج به عليهم، وكان عماله وقضاته يحكمون في شئ واحد بقضايا مختلفة فيجيزها لهم ، لأن الله لم يؤته الحكمة وفصل الخطاب ، وزعم كل صنف من أهل القبلة أنهم معدن العلم والخلافة دونهم !
فبالله نستعين على من جحدهم حقهم وسن للناس ما يحتج به مثلك عليهم . ثم قاموا فخرجوا ) .

شكى علي عليه السلام قريشاً كما شكاها النبي صلي الله عليه وآله


( كان عليه السلام يقول (مالي ولقريش!والله لقد قاتلتهم كافرين ولأقاتلنهم مفتونين. وإني لصاحبهم بالأمس كما أنا صاحبهم اليوم! والله ما تنقم منا قريش إلا أن الله اختارنا عليهم فأدخلناهم في حيزنا، فكانوا كما قال الأول:
أدَمْتَ لعمري شُربك المحضَ صابحاً
وأكلك بالزبد المقشَّرةَ البُجْرَا
ونحن وهبناك العلاء ولم تكن
علياً وحُطنا حولك الجُرد والسمرا)
( وكان عليه السلام يقول: (أين الذين زعموا أنهم الراسخون في العلم دوننا ، كذباً وبغياً علينا أن رفعنا الله ووضعهم ، وأعطانا وحرمهم ، وأدخلنا وأخرجهم . بنا يستعطى الهدى ويستجلى العمى. إن الأئمة من قريش، غرسوا في هذا البطن من هاشم ،لا تصلح على سواهم ، ولاتصلح الولاة من غيرهم ).
( وكان عليه السلام يقول(شرح النهج:20/298): (اللهم إني أستعديك على قريش ، فإنهم أضمروا لرسولك صلي الله عليه وآله ضروباً من الشر والغدر فعجزوا عنها ، وحِلْتُ بينهم وبينها ، فكانت الوجبة بي والدائرة عليَّ ! اللهم احفظ حسناً وحسيناً، ولا تمكن
------------------------------------------- ص 330 -------------------------------------------
فجرة قريش منهما ما دمت حياً ، فإذا توفيتني فأنت الرقيب عليهم وأنت على كل شئ شهيد ). (نهج البلاغة:1/81و:2/27، وشرح النهج:20/298).
( وفي غيبة النعماني/144، قال أمير المؤمنين عليه السلام لحذيفة:(يا حذيفة: لاتحدث الناس بما لايعرفون فيطغوا ويكفروا، إن من العلم صعباً شديداً محمله، لو حملته الجبال عجزت عن حمله إن علمنا أهل البيت سيُنْكَر ويُبطل وتُقتل رواته ، ويساء إلى من يتلوه ، بغياً وحسداً لما فضل الله به عترة النبي صلي الله عليه وآله .
يا ابن اليمان ، إن النبي صلي الله عليه وآله تفل في فمي وأمر يده على صدري ، وقال: اللهم
أعط خليفتي ووصيي ، وقاضي ديني ، ومنجز وعدي وأمانتي ، ووليي ، وناصري على عدوك وعدوي ، ومفرج الكرب عن وجهي ، ما أعطيت آدم من العلم ، وما أعطيت نوحاً من الحلم ، وإبراهيم ، من العترة الطيبة والسماحة، وما أعطيت أيوب من الصبر عند البلاء ، وما أعطيت داود من الشدة عند منازلة الأقران ، وما أعطيت سليمان من الفهم ، اللهم لا تخف عن علي شيئاً من الدنيا حتى تجعلها كلها بين عينيه مثل المائدة الصغيرة بين يديه ، اللهم أعطه جلادة موسى ، واجعل في نسله شبيه عيسى ، اللهم إنك خليفتي عليه وعلى عترته وذريته الطيبة المطهرة ، التي أذهبت عنها الرجس والنجس وصرفت عنها ملامسة الشياطين . اللهم إن بغت قريش عليه ، وقدمت غيره عليه فاجعله بمنزلة هارون من موسى إذ غاب عنه موسى .
ثم قال لي: يا علي ، كم في ولدك من ولد فاضل يقتل ، والناس قيام ينظرون لا يغيرون ! فقبحت أمة ترى أولاد نبيها يقتلون ظلماً وهم لا يغيرون ، إن القاتل والآمر والشاهد الذي لا يغيركلهم في الإثم واللعن سواء مشتركون .
يا ابن اليمان ، إن قريشاً لا ينشرح صدورها ، ولا ترضى قلوبها ، ولا تجري ألسنتها ببيعة علي وموالاته ، إلا على الكره والعمى والصغار .
------------------------------------------- ص 331 -------------------------------------------
يا ابن اليمان ، ستبايع قريش علياً ، ثم تنكث عليه وتحاربه ، وتناضله وترميه بالعظائم ، وبعد علي يلي الحسن وستنكث عليه ، ثم يلي الحسين فتقتله أمة جده! فلُعِنَتْ أمةٌ تقتل ابن بنت نبيها ولا تُعَزُّ من أمة ، ولُعِن القائد لها والمرتب لفاسقها . فوالذي نفس علي بيده لاتزال هذه الأمة بعد قتل الحسين ابني في ضلال وظلمة وعسف وجور واختلاف في الدين ، وتغيير وتبديل لما أنزل الله في كتابه، وإظهار البدع وإبطال السنن، واختلال وقياس مشتبهات وترك محكمات حتى تنسلخ من الإسلام وتدخل في العمى والتلدد والتسكع. ما لكِ يا بني أمية ، لا هديت ، وما لكِ يا بني العباس الأتعاس ، فما في بني أمية إلا ظالم ، ولا في بني العباس إلا معتد متمرد على الله بالمعاصي قتَّال لوُلدي ، هتَّاك لستري وحرمتي ! فلا تزال هذه الأمة جبارين يتكالبون على حرام الدنيا ، منغمسين في بحار الهلكات .
حتى إذا غاب المتغيب من ولدي عن عيون الناس ، وتدلهت وأكثرت في قولها إن الحجة هالكة ، والإمامة باطلة ، فورب عليٍّ إن حجتها عليها قائمة ماشية في طرقها، داخلة في دورها وقصورها ، جوالة في شرق هذه الأرض وغربها ، تسمع الكلام وتسلم عن الجماعة ، ترى ولا تُرى إلى الوقت والوعد ونداء المنادي من السماء: ألا ذلك يومٌ فيه سرور ولد علي وشيعته).

كان الحسين عليه السلام يجاهر بأن قريشاً ستقتله


( قال حذيفة (دلائل الإمامة/83) (سمعت الحسين يقول: وَاللهِ ! لَيَجْتَمِعَنَّ عَلى قَتْلي طُغاةُ بَني أُمَيَّةَ ، وَيَقْدِمُهُمْ عُمَرُ ابْنُ سَعْد . وذلك في حياة النبى صلي الله عليه وآله )!
( قال الإمام الصادق عليه السلام (كامل الزيارات/149): (قال علي للحسين عليهما السلام : يا أبا عبد الله أسوة أنت قدماً، فقال: جعلت فداك ما حالي؟ قال: علمت ما جهلوا
------------------------------------------- ص 332 -------------------------------------------
وسينتفع عالم بما علم ، يا بني إسمع وأبصرمن قبل أن يأتيك ، فوالذي نفسي بيده ليسفكن بنو أمية دمك ثم لايزيلونك عن دينك ، ولاينسونك ذكر ربك فقال الحسين: والذي نفسي بيده ، حسبي أقررت بما أنزل الله ، وأصدق قول نبي الله ، ولا أكذب قول أبي ) .
( لما عزم عليه السلام على الخروج إلى العراق قام خطيباً فقال: (الحمد لله وما شاء الله ولاحول ولا قوة إلا بالله ، وصلى الله على رسوله وسلم . خُطَّ الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة ، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف ، وخُيَّرَ لي مصرع أنا لاقيه .كأني بأوصالي تقطعها عُسْلان الفلوات بين النواويس وكربلا ، فيملأن مني أكراشاً جُوَفاً ، وأجربةً سُغْباً ! لامحيص عن يوم خط بالقلم. رضا الله رضانا أهل البيت ، نصبر على بلائه ، ويوفينا أجور الصابرين ، لن تشذ عن رسول الله صلي الله عليه وآله لحمته ، وهي مجموعة له في حظيرة القدس، تقر بهم عينه وينجز لهم وعده.
من كان فينا باذلاً مهجته ، موطناً على لقاء الله نفسه ، فليرحل معنا ، فإني راحل مصبحاً إن شاء الله تعالى) . (العوالم/217) .
(وسار الحسين عليه السلام وسار الحر في أصحابه يسايره ، وهو يقول له: يا حسين إني أذكرك الله في نفسك ، فإني أشهد لئن قاتلت لتقتلن ! فقال له الحسين: أفبالموت تخوفني ؟ وهل يعدو بكم الخطب أن تقتلوني !
وسأقول كما قال أخو الأوس لابن عمه وهو يريد نصرة رسول الله صلي الله عليه وآله فخوفه ابن عمه وقال: أين تذهب فإنك مقتول؟ فقال:
سأمضي وما بالموت عار على الفتى
إذا ما نوى حقاً وجاهد مسلما
وآسى الرجال الصالحين بنفسه
وفارق مثبوراً وودع مجرما
فإن عشت لم أندم وإن مِتُّ لم ألم
كفى بك ذلاً أن تعيش وترغما).
------------------------------------------- ص 333 -------------------------------------------

اهتمام النبي صلي الله عليه وآله بالحسين عليهما السلام رسالة الى أمته


كان اهتمام النبي صلي الله عليه وآله بالحسين عليه السلام إتمام الحجة على قريش، كما تقدم . كما كان رسالة الى أمته بأنها ستمتحن بعترته عليهم السلام ، ولذا بين لها مقام العترة عند الله تعالى وفرض طاعتهم، كما بين خطة الله تعالى فيهم .

أنتم المستضعفون المضطهدون بعدي !


عن الإمام الصادق عليه السلام 🙁 لما احتضر رسول الله صلي الله عليه وآله غشى عليه ، فبكت فاطمة صلوات الله عليها فأفاق وهي تقول: من لنا بعدك يا رسول الله ؟ فقال: أنتم المستضعفون بعدي والله ). (دعائم الإسلام(1/225).
وفي عيون أخبار الرضا(2/66):(قال لبني هاشم: أنتم المستضعفون بعدي).
وفي مسند أحمد (6/339): (عن أم الفضل قالت: أتيت النبي صلي الله عليه وآله في مرضه فجعلت أبكى فرفع رأسه فقال: ما يبكيك؟ قلت خفنا عليك وما ندري ما نلقى من الناس بعدك يا رسول الله . قال: أنتم المستضعفون بعدي)
وفي أمالي المفيد/351: (أما إنكم المقهورون والمستضعفون بعدي ) .
وفي الفصول المختارة/353: (أنتم المقهورون وأنتم المضطهدون ).

يا علي إن الأمة ستغدر بك !


قال النبي صلي الله عليه وآله لعلي عليه السلام 🙁 يا أخي إنك ستبقى بعدي وستلقى من قريش شدة من تظاهرهم عليك وظلمهم لك ). (عيون أخبا الرضا عليه السلام (2/72)
وقال صلي الله عليه وآله :(إن أمتي ستغدر بك بعدي ، ويتبع في ذلك برُّها فاجرَها ).
وقال صلي الله عليه وآله : (إذا متُّ ظهرت لك ضغائن في صدور قوم يتمالؤون عليك ، ويمنعونك حقك) .(عيون أخبار الرضا:2/72).
------------------------------------------- ص 334 -------------------------------------------
وفي مناقب محمد بن سليمان (2/550): (عن أنس بن مالك قال: أخذ رسول الله صلي الله عليه وآله بعنق علي فبكى فقال علي: يا رسول الله ما يبكيك؟ قال: ضغائن في قلوب أقوام لايبدونها لك حتى يفقدوني ) .
وفي كتاب سليم/137، قال علي عليه السلام :(اعتنقني ثم أجهش باكياً وقال: بأبي الوحيد الشهيد! فقلت: يا رسول الله ما يبكيك؟ فقال: ضغائن في صدور أقوام لا يبدونها لك إلا من بعدي! أحقاد بدر وتِراتُ أحد .
يا عليٌّ ما بعث الله رسولاً إلا وأسلم معه قوم طوعاً وقوم آخرون كرهاً ، فسلط الله الذين أسلموا كرهاً على الذين أسلموا طوعاً ، فقتلوهم ليكون أعظم لأجورهم ! يا عليُّ ، وإنه ما اختلفت أمة بعد نبيها إلا ظهر أهل باطلها على أهل حقها ، وإن الله قضى الفرقة والإختلاف على هذه الأمة ، ولو شاء الله لجعلهم على الهدى حتى لا يختلف اثنان من خلقه ، ولا يُتنازع في شئ من أمره، ولا يُجحد المفضول ذا الفضل فضله .
ولو شاء عجَّل النقمة ، فكان منه التغيير حتى يُكذب الظالم ، ويعلم الحق أين مصيره . ولكن جعل الدنيا دار الأعمال ، وجعل الآخرة دار القرار: لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى . فقلت: الحمد لله شكراً على نعمائه ، وصبراً على بلائه ، وتسليماً ورضاً بقضائه ) .
وفي الإحتجاج(1/407): (دخل عليٌّ على رسول الله صلي الله عليه وآله في مرضه الذي توفي فيه فبكى رسول الله صلي الله عليه وآله فقال علي: ما يبكيك يا رسول الله ؟ فقال: يبكيني أني أعلم أن لك في قلوب رجال من أمتي ضغائن ، لا يبدونها لك حتى أتولى عنك)! ونحوه في مجمع الزوائد (9/118).
------------------------------------------- ص 335 -------------------------------------------
وفي كتاب سليم/136: (فقلت يا رسول الله ، ما يبكيك؟ فقال: ضغائن في صدور أقوام لا يبدونها لك إلا من بعدي ، أحقاد بدر وترات أحد . قلت: في سلامة من ديني؟ قال: في سلامة من دينك )
وفي كتاب سليم/305: (قال النبي صلي الله عليه وآله لعلي عليه السلام : فاصبر لظلم قريش إياك وتظاهرهم عليك فإنها ضغائن في صدور قوم أحقاد بدر وتِراتُ أحد !
وإن موسى أمر هارون عليهما السلام حين استخلفه في قومه إن ضلوا فوجد أعواناً أن يجاهدهم بهم ، فإن لم يجد أعواناً أن يكف يده ويحقن دمه ولا يفرق بينهم فافعل أنت كذلك . إن وجدت عليهم أعواناً فجاهدهم ، وإن لم تجد أعواناً فاكفف يدك واحقن دمك » .
قال علي عليه السلام : (لعمر أبي وأمي لن تحبوا أن يكون فينا الخلافة والنبوة ، وأنتم تذكرون أحقاد بدر وثارات أحد، أما والله لو قلت ما سبق لله فيكم لتداخلت أضلاعكم في أجوافكم كأسنان دوارة الرحى).(الإحتجاج:1/127)

ستبتلون في أهل بيتي من بعدي !


قال خالد بن عرفطة يوم قتل الحسين بن علي(الطبراني الكبير: 4/229): سمعت رسول الله يقول:إنكم ستبتلون في أهل بيتي من بعدي). ووثقه الهيثمي (9/194) .

سيلقى أهل بيتي بعدي تشريداً وتطريداً !


(عن عبد الله بن مسعود قال: بينما نحن عند رسول الله صلي الله عليه وآله إذا أقبلت فتية من بني هاشم فلما رآهم اغرورقت عيناه وتغير لونه! قال فقلت: يا رسول الله ما نزال نرى في وجهك شيئا نكرهه؟ فقال: إنا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا ، وأن أهل بيتي سيلقون بعدي تشريداً وتطريداً وبلاءً شديداً ) . (المصنف لابن أبي شيبة: 8 ، والسنة لابن أبي عاصم ( 2 / 619 ) .
------------------------------------------- ص 336 -------------------------------------------

الله الله في أهل بيتي !


وفي صحيح مسلم (7/123) ومسند أحمد( 4/367) عن زيد بن أرقم ، قال صلي الله عليه وآله : (أما بعد ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب ، وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور ، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به ، فحث على كتاب الله ورغب فيه ، ثم قال: وأهل بيتي. أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي ! فقال له حصين: ومن أهل بيته يا زيد ، أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته! ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده . قال: ومن هم؟ قال: هم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس . قال كل هؤلاء حُرم الصدقة؟ قال: نعم) .
وفي السنة لابن أبي عاصم (2/627): (قال: فإني فرط لكم على الحوض يوم القيامة ، والله سائلكم عن اثنتين ، عن القرآن وعن عترتي).
وفي حلية الأولياء (1/355) وابن سعد (2/194) ونوادر الأصول للترمذي: (أيها الناس! إنه قد نبأني اللطيف الخبير أنه لن يعمر نبي إلامثل نصف عمره الذي يليه من قبل ، وإني أظن موشك أن أدعى فأجيب ، وإني فرطكم على الحوض، وإني سائلكم حين تردون علي عن الثقلين، فانظروا كيف تخلفونني فيهما:الثقل الأكبر كتاب اللَّه تعالى ، سبب طرفه بيداللَّه تعالى وطرف بأيديكم، فاستمسكوا به ، فلاتضلوا ولاتبدلوا ، والثقل الأصغر عترتي أهل بيتي ، فإني قد نبأني اللطيف الخبير أنهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض).
------------------------------------------- ص 337 -------------------------------------------
ورواه من مصادرنا الكافي(2/46)، قال صلي الله عليه وآله : (لما أسري بي إلى السماء الدنيا فنسبني جبرئيل لأهل السماء استودع الله حبي وحب أهل بيتي وشيعتهم في قلوب الملائكة ، فهو عندهم وديعة إلى يوم القيامة .
ثم هبط بي إلى أهل الأرض فنسبني إلى أهل الأرض فاستودع الله عز وجل حبي وحب أهل بيتي وشيعتهم في قلوب مؤمني أمتي ، فمؤمنوا أمتي يحفظون وديعتي في أهل بيتي إلى يوم القيامة .
ألا فلو أن الرجل من أمتي عبد الله عز وجل عمره أيام الدنيا ثم لقي الله عز وجل مبغضاً لأهل بيتي وشيعتي ما فَرَج الله صدره إلا عن النفاق).
وروى الصدوق في الخصال/463: (ألا وإن أهل بيتي هم الوارثون أمري ، القائمون بأمر أمتي ، اللهم فمن حفظ فيهم وصيتي فاحشره في زمرتي ، واجعل له من مرافقتي نصيباً يدرك به فوز الآخرة ، اللهم ومن أساء خلافتي في أهل بيتي فاحرمه الجنة التي عرضها السماوات والأرض) .

وتستمر ظلامتهم حتى يظهر المهدي من ولد الحسين عليهما السلام


كما نصت الأحاديث الصحيحة في مصادر الشيعة والسنة ، ومنها حديث الرايات السود ، وحديث أهل المشرق ، وحديث ما يلقى أهل بيته. رواه ابن مسعود وغيره بفروق في ألفاظه ، ونص العلماء على صحته .
ومن أقدم من رواه ابن حماد في الفتن (1/310 ) عن عبد الله بن مسعود قال: بينما نحن عند رسول الله صلي الله عليه وآله إذ جاء فتية من بني هاشم فتغير لونه ! قلنا: يا رسول الله ما نزال نرى في وجهك شيئاً نكرهه ، فقال: إنا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا ، وإن أهل بيتي هؤلاء سيلقون بعدي بلاء وتطريداً وتشريداً حتى يأتي قوم من ها هنا من نحو المشرق أصحاب رايات سود يسألون الحق
------------------------------------------- ص 338 -------------------------------------------
فلا يعطونه ، مرتين أو ثلاثاً ، فيقاتلون فينصرون فيعطون ما سألوا فلا يقبلوه حتى يدفعوها إلى رجل من أهل بيتي ، فيملؤها عدلاً كما ملؤوها ظلماً ، فمن أدرك ذلك منكم فليأتهم ولو حبواً على الثلج ) .
ورواه الحاكم(4/464) ، وفيه: أتينا رسول الله صلي الله عليه وآله فخرج إلينا مستبشراً يعرف السرور في وجهه ، فما سألناه عن شئ إلا أخبرنا به ولا سكتنا إلا ابتدأنا ، حتى مرت فتية من بني هاشم فيهم الحسن والحسين ، فلما رآهم التزمهم وانهملت عيناه ، فقلنا: ما نزال نرى في وجهك شيئاً نكرهه ، قال: إنا أهل بيت اختار لنا الله الآخرة على الدنيا ، وإنه سيلقى أهل بيتي من بعدي تطريداً وتشريداً في البلاد ، حتى ترتفع رايات سود من المشرق فيسألون الحق فلا يعطونه ثم يطلبونه فلا يعطونه ثم يسألونه فلا يعطونه ، فيقاتلون فينصرون . فمن أدركه منكم أو من أعقابكم فليأت إمام أهل بيتي ولو حبواً على الثلج ، فإنها رايات هدى يدفعونها إلى رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي، فيملك الأرض فيملؤها قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً ). وابن أبي شيبة: 15/235 ، وابن ماجة:2/ 1366 ، ومسند الصحابة لابن كليب/41 ، وملاحم ابن المنادي/44 ، والبزار:4/ 310 ، و 354 ، والداني/92 ، وجامع السيوطي:3 /101 ، وزوائد ابن ماجة / 527 ، والمعجم الأوسط: 6 / 327 ، والسنن في الفتن: 5 / 1.
ورواه من مصادرنا: دلائل الإمامة/233 و 235 ، بروايات عن ابن مسعود ، والمناقب لمحمد بن سليمان:2 /110، عن ابن مسعود ، وملاحم ابن طاووس/52 ، عن ابن حماد ، وفي/161، عن فتن زكريا ، وكشف الغمة:3/262، عن أربعين أبي نعيم. وفي/ 268، عن البيان للشافعي . والعدد القوية/90 ، كرواية دلائل الإمامة الثانية بتفاوت يسير ، وإثبات الهداة: 3 / 595 ، عن كشف الغمة.الخ.
وأدق نصوصه رواية أبي خالد الكابلي عن الإمام الباقر عليه السلام رواها النعماني/273، قال عليه السلام : (كأني بقوم قد خرجوا بالمشرق يطلبون الحق فلا يعطونه ، ثم
------------------------------------------- ص 339 -------------------------------------------
يطلبونه فلا يعطونه ، فإذا رأوا ذلك وضعوا سيوفهم على عواتقهم ، فيعطون ما سألوه فلا يقبلونه حتى يقوموا ، ولايدفعونها إلا إلى صاحبكم . قتلاهم شهداء .أما إني لو أدركت ذلك لاستبقيت نفسي لصاحب هذا الأمر ) .
فمظلومية أهل البيت عليهم السلام تستمرحتى يأتي القوم الموعودون من المشرق يمهدون للمهدي عليه السلام الذي ينتظرونه ، وعندما يظهر يسلمونه رايتهم ويظهر الله به الإسلام على العالم ، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً .

من هم أولوا الأمر الذين فرض الله طاعتهم على الناس


قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ . وروى الصدوق في كمال الدين(1/253):(عن جابر بن عبد الله الأنصاري يقول: لما أنزل الله عز وجل على نبيه صلي الله عليه وآله :يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ . قلت: يا رسول الله عرفنا الله ورسوله ، فمن أولو الأمر الذين قرن الله طاعتهم بطاعتك؟ فقال: هم خلفائي يا جابر، وأئمة المسلمين بعدي. أولهم علي بن أبي طالب ، ثم الحسن والحسين ، ثم علي بن الحسين ، ثم محمد بن علي المعروف في التوراة بالباقر وستدركه يا جابر، فإذا لقيته فأقرئه مني السلام ، ثم الصادق جعفر بن محمد ، ثم موسى بن جعفر ، ثم علي بن موسى ، ثم محمد بن علي ، ثم علي بن محمد ، ثم الحسن بن علي ، ثم سميي وكنيي حجة الله في أرضه وبقيته في عباده ابن الحسن بن علي ، ذاك الذي يفتح الله تعالى ذكره على يديه مشارق الأرض ومغاربها ، ذاك الذي يغيب عن شيعته وأوليائه غيبة لا يثبت فيها على القول بإمامته إلا من امتحن الله قلبه للإيمان . قال جابر: فقلت له: يا رسول الله فهل يقع لشيعته الإنتفاع به في غيبته؟ فقال صلي الله عليه وآله : إي والذي
------------------------------------------- ص 340 -------------------------------------------
بعثني بالنبوة إنهم يستضيئون بنوره ، وينتفعون بولايته في غيبته كانتفاع الناس بالشمس وإن تجللها سحاب ، يا جابر هذا من مكنون سر الله ومخزون علمه ، فاكتمه إلا عن أهله) .
( وروى الصدوق في كمال الدين(1/319):) بسنده عن أبي خالد الكابلي قال: (دخلت على سيدي علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام فقلت له: يا ابن رسول الله أخبرني بالذين فرض الله عز وجل طاعتهم ومودتهم ، وأوجب على عباده الإقتداء بهم بعد رسول الله صلي الله عليه وآله ؟ فقال لي: يا كابلي إن أولي الأمر الذين جعلهم الله عز وجل أئمة الناس ، وأوجب عليهم طاعتهم: أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، ثم الحسن عمي ، ثم الحسين أبي ، ثم انتهى الأمر إلينا . ثم سكت. فقلت له: يا سيدي رويَ لنا عن أمير المؤمنين عليه السلام أن الأرض لا تخلو من حجة لله تعالى على عباده ، فمن الحجة والإمام بعدك؟قال: ابني محمد واسمه في صحف الأولين باقر، يبقر العلم بقراً ، هو الحجة والإمام بعدي ، ومن بعد محمد ابنه جعفر واسمه عند أهل السماء الصادق ، قلت: يا سيدي فكيف صار اسمه الصادق وكلكم صادقون ، قال: حدثني أبي ، عن أبيه عن رسول الله صلي الله عليه وآله قال: إذا ولد ابني جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب فسموه الصادق ، فإن الخامس من ولده الذي اسمه جعفر يدعي الإمامة اجتراء على الله وكذباً عليه ، فهو عند الله جعفر الكذاب المفتري على الله تعالى، والمدعي لما ليس له بأهل ، المخالف لأبيه والحاسد لأخيه ، وذلك الذي يروم كشف ستر الله عز وجل عند غيبة ولي الله ، ثم بكى علي بن الحسين عليه السلام بكاء شديداً ثم قال: كأني بجعفر الكذاب وقد حمل طاغية زمانه على تفتيش أمر ولي
------------------------------------------- ص 341 -------------------------------------------
الله ، والمغيب في حفظ الله والتوكيل بحرم أبيه جهلاً منه برتبته ، وحرصاً منه على قتله إن ظفر به ، وطمعاً في ميراث أخيه حتى يأخذه بغير حق .
فقال أبو خالد فقلت: يا ابن رسول الله وإن ذلك لكائن ، فقال: إي وربي إن ذلك مكتوب عندنا في الصحيفة التي فيها ذكر المحن التي تجري علينا بعد رسول الله صلي الله عليه وآله . فقال أبو خالد فقلت:يا ابن رسول الله ثم يكون ماذا ؟ قال: ثم تمتد الغيبة بولي الله الثاني عشر من أوصياء رسول الله صلي الله عليه وآله والأئمة بعده يا أبا خالد إن أهل زمان غيبته القائلين بإمامته والمنتظرين لظهوره أفضل من أهل كل زمان ، فإن الله تبارك وتعالى أعطاهم من العقول والأفهام والمعرفة ما صارت به الغيبة عندهم بمنزلة المشاهدة ، وجعلهم في ذلك الزمان بمنزلة المجاهدين بين يدي رسول الله صلي الله عليه وآله بالسيف ، أولئك المخلصون حقاً وشيعتنا صدقاً ، والدعاة إلى دين الله عز وجل سراً وجهراً ).
( روى الكليني في الكافي(1/ 186) عن الحسن بن أبي العلاء: (ذكرت لأبي عبد الله الصادق عليه السلام قولنا في الأوصياء أن طاعتهم مفترضة . قال فقال: نعم ، هم الذين قال الله تعالى: أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِى الأَْمْرِ مِنكُمْ . وهم الذين قال الله عز وجل: إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ ).
( وروى الكليني في الكافي(1/ 186) عن الإمام الباقر عليه السلام : (في قول الله عز وجل: وآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيمَا . قال: الطاعة المفروضة ).
( وعن أبي الصباح الكناني قال: قال أبو عبد الله عليه السلام : نحن قوم فرض الله عز وجل طاعتنا ، ولنا صفوا المال ، ونحن الراسخون في العلم ، ونحن المحسودون الذين قال الله: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ الله مِنْ فَضْلِهِ ..).
------------------------------------------- ص 342 -------------------------------------------
( وعن إسماعيل بن جابر ، قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام : أعرض عليك ديني الذي أدين الله عز وجل به ؟ قال: فقال هات ، قال فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله ، والإقرار بما جاء به من عند الله، وأن علياً كان إماماً فرض الله طاعته ، ثم كان بعده الحسن إماماً فرض الله طاعته ، ثم كان بعده الحسين إماماً فرض الله طاعته، ثم كان بعده علي بن الحسين إماماً فرض الله طاعته حتى انتهى الأمر إليه ، ثم قلت: أنت يرحمك الله؟ قال فقال: هذا دين الله ودين ملائكته ).

حرموا أهل البيت الخمس عملاً بنصيحة اليهود


أجمع المسلمون على أن الله تعالى حرم الصدقات على بني هاشم وجعل لهم بدله الخمس ، فقال تعالى: واعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَئٍ فَأَنَّ لِلَّه خُمُسَه ولِلرَّسُولِ ولِذِي الْقُرْبى والْيَتامى والْمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِالله .
قال زيد بن أرقم كما في صحيح مسلم (3/123): (أهل بيته من حرم الصدقة بعده. قال: ومن هم؟ قال: هم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس . قال كل هؤلاء حُرم الصدقة؟ قال: نعم ) .
قال البيضاوي في تفسيره (3/60):( أي: إن كنتم آمنتم بالله فاعلموا أنه جعل الخمس لهؤلاء فسلموه إليهم ).
وقد حسدتهم قبائل قريش لأن هذا تمييز لبني هاشم عليهم ، وحسدهم اليهود، وكانوا يحثون قريشاً على أخذ الخمس منهم وإفقارهم ، كما تقدم من تفسير السمرقندي . فأخذوه منهم ولم يبقوا لهم شيئاً .
روى السيوطي في الدر المنثور (3/186) عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: سألت علياً فقلت: يا أمير المؤمنين أخبرني كيف كان صنع أبي بكر وعمر في الخمس نصيبكم؟ فقال: أما أبو بكر فلم تكن في ولايته أخماس ، وأما عمر فلم يزل
------------------------------------------- ص 343 -------------------------------------------
يدفعه إلي في كل خمس حتى كان خمس السوس وجند نيسابور فقال وأنا عنده: هذا نصيبكم أهل البيت من الخمس ، وقد أخل ببعض المسلمين واشتدت حاجتهم؟ فقلت نعم ، فوثب العباس بن عبدالمطلب فقال: لا تعرض في الذي لنا . فقلت: ألسنا أحق من أرفق المسلمين؟ فوالله ما أقبضناه عمر ، ولا قدرت عليه في ولاية عثمان ).
وفي رواية: حتى يأتينا مال فأوفيكم حقكم . وفي تحف العقول/347: (فأسلفونا حقكم من هذا المال حتى يأتي الله بقضائه من أول شئ يأتي المسلمين ).
وفي الختام: هذه خطة قريش التي نشطت فيها بعد فتح مكة ، ومقابلها ترتيبات النبي صلي الله عليه وآله لعترته ، وأنه جعلهم وصيته مع القرآن وبلغ الأمة أن الله تعالى قد فرض طاعتهم ، وأنهم اثنا عشر ربانياً بعدد نقباء بني إسرائيل، وأولهم علي ثم الحسن والحسين ، ثم تسعة من ذرية الحسين آخرهم المهدي عليهم السلام .
ففي مثل هذا الجو كان صلي الله عليه وآله يأخذ الحسين الى المسجد ويعلن أن أمته ستقتله !
ليتم الحجة على قريش ، ويؤكد للأمة أن تتمسك بالعترة ولاتطيع فيهم قريشاً !
* *
------------------------------------------- ص 344 -------------------------------------------

الموضوع الثاني والعشرون: خبران مؤلمان لقلب رسول الله صلي الله عليه وآله


انقلاب أمته.. وقتل الحسين عليه السلام !

في أحُد انهار المسلمون فنزلت آية الإنقلاب !


أكثر غزوة نزل فيها الآيات غزوة أحد، نزل فيها نحو ستين آية. منها قوله تعالى: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ الله وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الأَخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ .
إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَىْ لا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ .
ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الأَمْرِ مِنْ شَئٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ للَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَىْءٌ مَا قُتِلْنَا هَا هُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِي الله مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ .
إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا الله عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ...
إِن يَّمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ الله الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ. وَلِيُمَحِّصَ الله الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ. أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ الله أَلَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ. وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ .
------------------------------------------- ص 345 -------------------------------------------
وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِى الله الشَّاكِرِينَ .
فقد أمعنوا في فرارهم ، وكان همهم أن يأخذوا الأمان من قائد المشركين أبي سفيان !وأن يقبل (توبتهم) من الإسلام ومن اتِّبَاع محمد صلي الله عليه وآله !
قال محمد بن مسلمة( شرح النهج: 15/24): «سمعت أذناي وأبصرت عيناي رسول الله صلي الله عليه وآله يقول يوم أحد وقد انكشف الناس إلى الجبل وهو يدعوهم وهم لايلوون عليه ، سمعته يقول: إليَّ يا فلان إليَّ يا فلان ، أنا رسول الله صلي الله عليه وآله ! فما عرج عليه واحد منهما ومضيا، فأشار ابن معد إليَّ ، أي إسمع ، فقلت: وما في هذا؟ قال: هذه كناية عنهما . فقلت: ويجوز أن لايكون عنهما لعله عن غيرهما . قال: ليس في الصحابة من يحتشم من ذكره بالفرار وما شابهه من العيب فيضطر القائل إلى الكناية إلا هما. قلت له: هذا ممنوع . فقال: دعنا من جدلك ومنعك، ثم حلف أنه ما عنى الواقدي غيرهما ، وأنه لو كان غيرهما لذكرهما صريحاً ».
وروى الطبري في تفسيره(4/193):« خطب عمر يوم الجمعة فقرأ آل عمران قال: لما كان يوم أحد ففررت حتى صعدت الجبل، فلقد رأيتني أنزو كأنني أروى ، والناس يقولون: قتل محمد ! والأروى: العنزة الجبلية !
وفي سيرة ابن إسحاق(3/309) وغيره، أن أنس بن النضر: « انتهى إلى عمر بن الخطاب وطلحة بن عبيد الله في رجال من المهاجرين والأنصار وقد ألقوا بأيديهم«انهاروا» فقال: مايجلسكم! قالوا: قتل رسول الله! قال:فما تصنعون بالحياة بعده! قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله ! ثم استقبل القوم فقاتل حتى قتل رحمة الله عليه ».
وفي تاريخ الطبري (2/201) وسيرة ابن إسحاق(3/309) وغيرهما:«فقال بعض أصحاب الصخرة: ليت لنا رسولاً إلى عبد الله بن أبيّ فيأخذ لنا أَمَنَةً من أبي
------------------------------------------- ص 346 -------------------------------------------
سفيان! ياقوم إن محمداً قد قتل فارجعوا إلى قومكم قبل أن يأتوكم فيقتلوكم! قال أنس بن النضر: يا قوم إن كان محمد قد قتل ، فإن رب محمد لم يقتل ، فقاتلوا على ما قاتل عليه محمد ! اللهم إني أعتذر إليك مما يقول هؤلاء ، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء ! ثم شد بسيفه فقاتل حتى قتل».
فقد كان همُّ الفارين أخذ الأمان من أبي سفيان ، ويدل قولهم فارجعوا الى قومكم أو الى دين قومكم ، على أنهم كانوا قرشيين وليسوا من الأنصار !
قال أحد الفارين (الدر المنثور: 2/80 ):« والذي نفسي بيده لئن كان قتل النبي لنعطينهم بأيدينا ! إنهم لعشائرنا وإخواننا! وقالوا:لو أن محمداً كان نبياً لم يهزم ولكنه قد قتل)!
وفي تفسير الطبري (4/151): « قال أهل المرض والإرتياب والنفاق حين فرَّ الناس عن النبي: قد قتل محمد ، فالحقوا بدينكم الأول !

انقضت فاطمة الزهراء عليها السلام كالصقر الى قلب المعركة!


وفي المناقب (1/166):« وصاح إبليس من جبل أحد: ألا أن محمداً قد قتل! فصاحت فاطمة عليها السلام ووضعت يدها على رأسها ، وخرجت تصرخ » !
في تفسير القمي(1/124):«خرجت فاطمة بنت رسول الله صلي الله عليه وآله تعدو على قدميها ، حتى وافت رسول الله صلي الله عليه وآله وقعدت بين يديه ، فكان إذا بكى رسول الله صلي الله عليه وآله بكت لبكائه ، وإذا انتحب انتحبت» ! وكان بكاؤه صلي الله عليه وآله حباً وشكراً لفاطمة عليها السلام ، وبكاؤها تأثراً لوحدته وجراحه !
ومعنى ذلك أنها حضرت عندما جاء علي وجبرئيل عليهما السلام بالنبي صلي الله عليه وآله الى ظل الصخرة ، بعد أن جرح ووقع في حفرة ، فجاء بها الله تعالى لتغسل جراحه وتكون الى جنبه ! فجاءت ركضاً تمشي في سفوح وادي قُبا الشرقية لأن الوادي كانت بيد جيش قريش ، ولو رأوها لأخذوها أسيرة ، وكان ذلك نصراً عظيماً
------------------------------------------- ص 347 -------------------------------------------
لهم!وقد جاءت وحدها ، فلم تذكر المصادر أحداً معها !
كما أن النبي صلي الله عليه وآله لما أرسل علياً عليه السلام خلف جيش قريش ، وبقيت فاطمة مع أبيها وحدهما ، وهذا خطر آخر تعرض له النبي صلي الله عليه وآله والزهراء( عليها السلام )!
وقد طمس رواة السلطة دورها عليها السلام في أحُد ، ولم يشيدوا بمجيئها إلى المعركة والناس فارُّون!وغاية مارووه أنها غسلت جرح النبي صلي الله عليه وآله !
قال البخاري في صحيحه(3/227): لما كسرت بيضة النبي «ص» على رأسه وأدميَ وجهه وكسرت رباعيته ، كان عليٌّ يختلف بالماء في المجن وكانت فاطمة عليها السلام تغسله، فلما رأت الدم يزيد على الماء كثرة عمدت إلى حصير فأحرقتها وألصقتها على جرحه يعني رمادها ، فرقأ الدم ».
في إعلام الورى(1/177):«ذهبت صيحة إبليس حتى دخلت بيوت المدينة فصاحت فاطمة عليها السلام ، ولم تبق هاشمية ولا قرشية إلا وضعت يدها على رأسها، وخرجت فاطمة عليها السلام تصرخ! قال الصادق عليه السلام : فلما دنت فاطمة من رسول الله صلي الله عليه وآله ورأته قد شج في وجهه وأدمي فوهُ إدماءً ، صاحت وجعلت تمسح الدم وتقول:اشتد غضب الله على من أدمى وجه رسول الله ! وكان رسول الله صلي الله عليه وآله يتناول في يده ما يسيل من الدم فيرميه في الهواء فلا يتراجع منه شئ ! قال الصادق عليه السلام : والله لو سقط منه شئ على الأرض لنزل العذاب )!

وقال الهاربون: كل التقصير من النبي صلي الله عليه وآله !


قال عمر: «فلما كان عام أحد من العام المقبل عوقبوا بما صنعوا يوم بدر من أخذهم الفداء ، فقتل منهم سبعون! وفرَّ أصحاب رسول الله عن النبي فكسرت رباعيته وهشمت البيضة على رأسه وسال الدم على وجهه وأنزل الله: وَلَمّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَمِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ . بأخذكم الفداء»! (مجمع الزوائد:6 /115، وصححه ابن حجر في العجاب«2/780».
------------------------------------------- ص 348 -------------------------------------------
ومعناه أن النبي صلي الله عليه وآله أخطأ بأخذه الفداء من أسرى قريش المحترمين في بدر فعاقبه الله بالهزيمة! بل قالوا إنه أخطأ في إدارة المعركة ، ولو أشركنا في الإدارة معه ما انهزمنا ! قال تعالى: يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الأمر مِنْ شَئٍ قُلْ إِنَّ الأمركُلَّهُ للهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لايُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأمر شَئٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا !
وكله عندنا افتراءات على النبي صلي الله عليه وآله لغرض مدح زعماء قريش المشركين ، ومدح عمر بأنه لم يرض بأخذ الفداء منهم ، وخالفه النبي صلي الله عليه وآله فعاقبه الله تعالى في أحد !

نصت الآية على ارتداد المسلمين بعد النبي صلي الله عليه وآله


قال تعالى: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِى الله الشَّاكِرِينَ .
ووجه الدلالة أن الله لايفرض أمراً خطيراً كانقلاب الأمة لمجرد الفرض، بل هو إخبار بما يكون ، وقد أيدت الأحاديث وقوع هذه الفرضية .
روى البخاري في صحيحه (7 / 208) أن النبي وصف الصحابة في المحشر فقال: (بينا أنا قائمٌ فإذا زمرةٌ حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلمَّ، فقلت أين ؟ قال إلى النار والله ! قلت: وما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى ! ثم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلمَّ ! قلت: أين؟ قال: إلى النار والله ! قلت: ما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى ! فلا أراه يخلص منهم إلا مثلُ هَمَل النعم ) .
وهو مشهد كارثي للصحابة وأنهم يدخلون جهنم، ويُمنعون من مقابلة النبي صلي الله عليه وآله ! ويتفاجأ الناس يومها بأن هؤلاء الصحابة غشوهم وخدعوهم ، وكانوا مجرمين كباراً انقلبوا على أعقابهم ، وأوقعوا الأمة في أعظم كارثة !
والهمل الذين ينجون ، قلة قليلة ، مثل الغنم المنفردة عن القطيع ! فقطيع الصحابة هالك ، ولا يسلم إلا المعارضون المنفردون عنهم !
------------------------------------------- ص 349 -------------------------------------------
وقد صرحت رواية البخاري بأن هؤلاء من الصحابة ، فقد روى (2 / 975): ( يرد على الحوض رجالٌ من أصحابي فيحلؤون عنه فأقول يا رب أصحابي! فيقول: فإنه لا علم لك بما أحدثوا بعدك ، إنهم ارتدوا على أعقابهم القهقرى)! وشبيهاً به في: 8 /86 . و: 7 / 195 و 207 - 210 وص 84 و 87 و: 8 / 86 و 87 ، ونحوه مسلم: 1/150 و: 7 /66 وابن ماجة: 2/1440 وأحمد:2 /25 و 408 و: 3 / 28 و: 5/21 و 24 و 50 و: 6/16، والبيهقي في سننه: 4/14، وفي بعضها تفاصيل.
وفي ابن ماجة (2/1016و1300):( فأقول: يا رب أصيحابي! فيقول: إنك لاتدري ما أحدثوا بعدك!قال:ويحكم أو ويلكم!لاترجعوا بعدي كفاراً ».
وروى البخاري (9/126)قوله صلي الله عليه وآله : ( لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً شبراً ، وذراعاً بذراع ، حتى لو دخلوا حجر ضب تبعتموهم ، قلنا: يا رسول الله ، اليهود والنصارى ؟ قال: فمَن ؟) ونحوه مسلم ( 4/ 2054).
وقال تعالى: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ الله وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ الله مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ الله مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ .
وقال الكراجي في التعجب من أغلاط العامة/83:(قال بعض المعتزلة لأحد الشيعة: إن أمركم معشر الشيعة لعجيب ، ورأيكم طريف غير مصيب لأنكم أقدمتم على وجوه الصحابة الأخيار ، وعيون الأتقياء الأبرار ، الذين سبقوا إلى الإسلام واختصوا بصحبة الرسول وشاهدوا المعجزات ، وقطعت أعذارهم الآيات ، وصدقوا بالوحي ، وانقادوا إلى الأمر والنهي ، وجاهدوا المشركين، ونصروا رسول رب العالمين ، ووجب أن تحسن بهم الظنون ، ويعتقد فيهم الإعتقاد الجميل ، فزعمتم أنهم خالفوا الرسول ، وعاندوا أهله
------------------------------------------- ص 350 -------------------------------------------
من بعده ، واجتمعوا على غصب حق الإمام ، وإقامة الفتنة في الأنام ، واستأثروا بالخلافة ، وسارعوا إلى الترأس على الكافة ، وهذا مما تنكره العقول وتشهد أنه مستحيل ، فالتعجب منكم طويل !
فأجابه: أما المؤمنون من الصحابة الأخيار ، والعيون من الأتقياء الأطهار ، فمن هذه الأمور مبرؤون ، ونحن عن ذمهم متنزهون ، وأما من سواهم ممن ظهر زللهم وخطؤهم ، فإن الذم متوجه إليهم ، وقبيح فعلهم طرق القول عليهم ، ولو تأملت حال هؤلاء الأصحاب لعلمت أنك نفيت عنهم خطأ قد فعلوا أمثاله ، ونزهتهم عن خلاف قد ارتكبوا أضعافه ، وتحققت أنك وضعت تعجبك في غير موضعه ، وأوقعت استطرافك في ضد موقعه ، فاحتشمت من خصمك ، ورددت التعجب إلى نفسك .
وهؤلاء القوم الذين فضلتهم وعظمتهم، وأحسنت ظنك بهم ونزهتهم ، هم الذين دحرجوا الدباب ليلة العقبة بين رجلي ناقة رسول الله صلي الله عليه وآله طلباً لقتله .
وهم الذين كانوا يضحكون خلفه إذا صلى بهم ويتركون الصلاة معه وينصرفون إلى تجاراتهم ولهوهم حتى نزل القرآن يهتف بهم .
وهم الذين جادلوا في خروجه إلى بدر وكرهوا رأيه في الجهاد، واعتقدوا أنه على غير الصواب ونزل فيهم:كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ. يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ !
وهم الذين كانوا يلتمسون من النبي صلي الله عليه وآله بمكة القتال وينازلونه في الجهاد ، ويرون أن الصواب خلاف ما تعبدوا به في تلك الحال من الكف والإمساك ، فلما حصلوا في المدينة وتكاثر معهم الناس،ونزل عليهم فرض الجهاد وأمروا بالقتال كرهوا ذلك وطلبوا التأخير، ونزل فيهم: ألَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ
------------------------------------------- ص 351 -------------------------------------------
كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا القِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ !
وهم الذين أظهروا الأمانة والطاعة وأضمروا الخيانة والمعصية ، حتى نزل فيهم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ .
وهم الذين كفوا عن الإثخان في القتل يوم بدر وطمعوا في الغنائم، حتى نزل فيهم: مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأرض تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ.لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ .
وهم الذين شكوا في وعيد الله ورسوله صلي الله عليه وآله وخبثت نياتهم ، فظنوا أن الأمر بخلاف ما أخبرهم به النبي صلي الله عليه وآله إذ نزل فيهم: إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا . هُنَالِكَ ابْتُلِي الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيدًا . وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُورًا !
وهم الذين نكثوا عهد رسول الله صلي الله عليه وآله ونقضوا ما عقده عليهم في بيعته تحت الشجرة ، وأنفذهم إلى قتال خيبر فولوا الدبر ونزل فيهم: وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللهِ مَسْؤُولاً .
وهم الذين انهزموا يوم حنين وأسلموا النبي صلي الله عليه وآله للأعداء ، ولم يبق معه إلا أمير المؤمنين عليه السلام وتسعة من بني هاشم ، ونزل فيهم: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرض بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ . وأمثال ذلك مما يطول بشروحه الذكر !
وهم الذين قال الله تعالى: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ . .
وهم الذين قال لهم النبي عليه السلام : لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا جحر ضبٍّ لاتبعتموه ! قالوا: يا رسول الله اليهود والنصارى ؟ قال: فمن إذاً ! وهم الذين قال لهم: ألا لأعرفنكم ترتدون بعدي
------------------------------------------- ص 352 -------------------------------------------
كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض.
وهم الذين قال لهم: إنكم محشورون إلى الله حفاة عراة ، وإنه سيجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول:يا رب أصحابي! فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم ! وهم الذين قال لهم: بينما أنا على الحوض إذ مُرَّ بكم زمراً فتفرق بكم الطرق فأناديكم: ألا هلموا إلى الطريق ، فينادي مناد من ورائي: إنهم بدلوا بعدك ، فأقول: ألا سحقاً ألا سحقاً .
وهم الذين قال لهم عند وفاته: جهزوا جيش أسامة ، ولعن من تخلف عنه ، فلم يفعلوا .وهم الذين قال لهم: إئتوني بدواة وكتف أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعدي فلم يفعلوا وقال أحدهم: دعوه فإنه يهجر ! ولم ينكر الباقون عليه ! هذا مع إظهارهم الإسلام واختصاصهم بصحبة النبي صلي الله عليه وآله ورؤيتهم الآيات ، وقطع أعذارهم بالمعجزات ! فانظر الآن أينا أحق بأن يتعجب وأولانا بأن يتعجب منه: من أضاف إلى هؤلاء الأصحاب ما يليق بأفعالهم ، ومن جعلهم فوق منازل الأنبياء وهذه أحوالهم !»

نزلت آيات انقلاب الأمة قبل ولادة الإمام الحسين عليه السلام


فقد ولد الحسين عليه السلام بعد أحد بشهور وروي بسنة فيكون إخبارالله لنبيه صلي الله عليه وآله بالإنقلاب قبل إخباره بقتل ابنه الحسين عليه السلام ، فماذا كان وقع الخبر عليه؟!
لا بد أن وقعه كان هائلاً وأنه عانى من خبر انقلاب أمته أنواع الألم ، لأن أحدنا إذا زرع بستاناً وربى أشجاره حتى كبرت وأطعمت ، ثم قيل له ستأتيها ريح بعد أيام وتيبس، فسيكون الخبر عليه كالصاعقة !
أو إذا أسس أسرة ورزق بأولاد أبناء وبنات ورباهم حتى كبروا ، فكانوا أمله،
------------------------------------------- ص 353 -------------------------------------------
فقيل له سيموتون كلهم بعد أسبوع! فسيكون الخبر عليه كارثة !
فكيف برسول الله صلي الله عليه وآله وقد تحمل في تبليغ رسالته أنواع المتاعب والأذى ، وتعرض للأخطار ، وعمل لتأسيسها ليل نهار لأكثر من عشرين سنة ، ثم يقال له: إن صحابتك سيطمعون بسلطانك ويخالفون وصيتك ، وينقلبون عليك وينحرفون بأمتك ! فإن ذلك عليه كارثة الكوارث .
ثم يقال له: أنت واصل عملك أيها النبي وكأن شيئاً لن يحدث ، وأكمل بناء أمتك وإرساء هذا المد الحضاري ، واترك مقادير الله تجري !
إن هذا الحمل الثقيل لاينهض به غيرالنبي صلي الله عليه وآله ، المطيع لربه بالمطلق المستعين به على الأعباء الثقيلة . وينهض به تلميذه علي عليه السلام الذي عمل مع النبي صلي الله عليه وآله ثلاث وعشرين سنة في نصرة هذا الدين وإرساء قواعده ، وواصل ليله بنهاره في العمل والجهاد ، ووضع روحه على كفه وهو ينصرهذا الدين، ويلقي بنفسه في لهوات الحرب ، ليزيح من طريق الإسلام عتاة العرب وشياطينهم .
وإذا بالنبي صلي الله عليه وآله يخبره: يا علي ستغدر بك أمتي ، وتتبع سنن من كان قبلها من المنحرفين بعد أنبيائهم ، ويضطهدونك وأبناءك ، ويتسلط على الأمة المفتونون حتى يبعث الله المهدي الموعود من ذريتك فيملأ الأرض عدلاً بعد أن ملئت ظلماً ! ويخبره أنك لابد أن تبقى بعدي لتقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت معي على تنزيله ، وتعيش بعدي ثلاثين سنة .
* *
وهكذا عمل النبي صلي الله عليه وآله وعلي عليه السلام من بعد آية الإنقلاب.. بكل طاقته طاعةً وعبودية خالصةً، ولم تفتر همتهما بسبب معرفتهما انحراف الأمة بعده نبيها !
* *
وبعد شهور من أحُد جاءه خبر الحسن والحسين عليهما السلام ليكون مصيبة وقعت
------------------------------------------- ص 354 -------------------------------------------
على أختها ، فتحمل النبي صلي الله عليه وآله ذلك طاعة وعبودية لربه .
ومن أعجب الأمور أن النبي صلي الله عليه وآله وعلياً عليه السلام كانا يعيشان مع أبطال الإنقلاب ومؤسسي قتل الحسين والعترة عليهم السلام ، ويعاملونهم على ظاهرهم.
وأحياناً يقول لهم ما أمره ربه: أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ الله مَافِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغًا.
وكذلك عمل علي عليه السلام في ظروف كظروف النبي صلي الله عليه وآله تحمل الأمرالصعب الذي لايحتمله إلاملك مقرب أو نبي مرسل، أو عبد امتحن الله قلبه للإيمان !
* *
------------------------------------------- ص 355 -------------------------------------------

الموضوع الثالث والعشرون: فدى رسول الله صلي الله عليه وآله الحسين بابنه إبراهيم عليهما السلام


مارية القبطية الطاهرة المبرأة في القرآن


بعث المقوقس إلى رسول الله صلي الله عليه وآله في سنة سبع من الهجرة بمارية وبأختها سيرين، وألف مثقال ذهباً ، وعشرين ثوباً ليناً ، وبغلته الدلدل وحماره عفير ويقال يعفور، ومعهم خِصْيٌ يقال له مابور شيخ كبير كان أخا مارية..
فجاء أبو رافع زوج سلمى فبشر رسول الله بإبراهيم فوهب له عبداً ، وذلك في ذي الحجة سنة ثمان . (الطبقات: 8 / 212).
وقالت عائشة: «ما غرتُ على امرأة إلا دون ما غرتُ على مارية! وذلك أنها كانت جميلة من النساء جعدة ، وأعجب بها رسول الله وكان أنزلها أول ما قدم بها في بيت لحارثة بن النعمان فكانت جارتنا ، فكان رسول الله عامة النهار والليل عندها ، حتى فرغنا لها ، فجزعت !
فحولها إلى العالية ، فكان يختلف إليها هناك ، فكان ذلك أشد علينا ، ثم رزق الله منها الولد وحرمنا منه » ! (الطبقات: 8 / 212) .
تقصد عائشة أنها وحفصة تفرغت لأذية مارية وتحمل النبي صلي الله عليه وآله ذلك كيدهما نحو سنتين حتى جزعت مارية ! فخشي النبي صلي الله عليه وآله على حملها منهن !
وقد روي من أذيتهن الكلام ، والأفعال ، والضرب ، والشد بالشعر !
وكان له بستان في العوالي يسكن فيه غلامه أبو رافع وزوجته وكانت عاقلة ، فبنى لأم إبراهيم غرفة وأسكنها هناك وكان يذهب إليها . فزاد عداء عائشة لمارية خاصة لما رزقت بولد ! بل دخل العنصرالقرشي على الخط لأنه صار للنبي صلي الله عليه وآله وارث من صلبه ! فأشاعت قريش أن إبراهيم لايشبهه ! واتهموا
------------------------------------------- ص 356 -------------------------------------------
مارية فغضب النبي صلي الله عليه وآله واعتزل نساءه وسكن في بيت مارية عليها السلام فنزلت آيات الإفك وبراءة مارية ، وآيات تخييرالنبي صلي الله عليه وآله لأزواجه بين الزوجية والطلاق .
قال علي عليه السلام : « إن العرب كرهت أمر محمد صلي الله عليه وآله وحسدته على ما آتاه الله من فضله ، واستطالت أيامه حتى قذفت زوجته ، ونَفَّرت به ناقته ، مع عظيم إحسانه إليها وجسيم مننه عندها ، وأجمعت مذ كان حياً على صرف الأمر عن أهل بيته بعد موته ! ( شرح النهج: 20 / 298 ) .
وروى ابن الجوزي في المنتظم (3/346) عن عائشة قالت: « لما ولد إبراهيم جاء به رسول الله إليَّ فقال: أنظري إلى شبهه بي ، فقلت: ما أرى شبهاً » !
وروى الحاكم (4/39 ) عن عائشة أن الذي اتهم مارية غيرها وليست هي فقالت: «أهديت مارية إلى رسول الله ومعها ابن عم لها ، قالت: فوقع رسول الله عليها وقعة فاستمرت حاملاً ، قالت فعزلها عند ابن عمها ، قالت فقال أهل الإفك والزور: من حاجته إلى الولد ادعى ولد غيره ! وكانت أمةً قليلة اللبن فابتاعت له ضائنة لبون فكان يغذي بلبنها فحسن عليه لحمه ، قالت عائشة: فدُخل به على النبي ذات يوم فقال: كيف ترين؟ فقلت من غُذِّيَ بلحم الضأن يحسن لحمه . قال: ولا الشبه ؟ قالت: فحملني ما يحمل النساء من الغيرة أن قلت ما أرى شبهاً !
قالت: وبلغ رسول الله ما يقول الناس ! فقال لعلي: خذ هذا السيف فانطلق فاضرب عنق ابن عم مارية حيث وجدته ! قالت: فانطلق فإذا هو في حائط على نخلة يخترف رطباً ، قال فلما نظر إلى علي ومعه السيف استقبلته رعدة ، قال فسقطت الخرقة فإذا هو لم يخلق الله له ما للرجال ، شئ ممسوح )!
وفي شرح النهج (9/190): كانت لها عليه جرأة وإدلال لم يزل ينمو ويستشري حتى كان منها في أمره في قصة مارية ما كان » . يعني اتهمتها !
------------------------------------------- ص 357 -------------------------------------------
وقد صرحت مصادرنا بأن عائشة هي التي اتهمت مارية فقالت للنبي صلي الله عليه وآله بعد موت إبراهيم: ما الذي يحزنك عليه إنه ابن جريح القبطي! فبعث النبي علياً ليقتله فخاف منه جريح فتسلق نخلة في بستان فانكشف ثوبه فإذا ليس له ما للرجال ، فرجع علي إلى رسول الله وأخبره بما رأى فقال: الحمد لله الذي صرف عنا السوء أهل البيت ، ثم نزلت هذه الآية: إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ » . ( تفسير القمي: 2 / 318 ) .
بل افتروا على النبي صلي الله عليه وآله بأنه كان شاكاً بزوجته مارية ، حتى طمأنه الوحي!
قال أنس: لما ولد إبراهيم من مارية جاريته كان يقع في نفس النبي حتى أتاه جبريل فقال: السلام عليك يا أبا إبراهيم».(الإصابة:1 / 218 ) .
ولما لغط المنافقون باتهام مارية ، أنزل الله في تبرئتها: إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالآفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِىءٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الآثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ... الى قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ . يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ . يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ..
وكان ذلك في السنة الثامنة للهجرة. فادعت عائشة أنها نزلت في تبرئتها، مع أن تهمتها كانت في الخامسة في غزوة بني المصطلق . (إعلام الورى:1/ 196).

لست أجمعهما لك فافد أحدهما بصاحبه !


كان النبي صلي الله عليه وآله محباً للحسن وإبراهيم عليهم السلام ، ومشغوفاً بالحسين عليه السلام . فأمره الله أن يختار بين الحسين وإبراهيم عليهما السلام .
روى في كشف اليقين/321، عن ابن عباس: «كنت عند النبي صلي الله عليه وآله وعلى فخذه الأيسر ابنه إبراهيم وعلى فخذه الأيمن الحسين بن علي ، وهو يقبل هذا تارة
------------------------------------------- ص 358 -------------------------------------------
وذلك أخرى ، إذ هبط جبريل فقال: يا محمد إن الله تعالى يقرأ عليك السلام ويقول لك: لست أجمعهما لك فافد أحدهما بصاحبه ! فنظر النبي صلي الله عليه وآله إلى إبراهيم وبكى ، ونظر إلى الحسين وبكى وقال: إن إبراهيم متى مات لم يحزن عليه غيري ، وأما الحسين متى مات حزنت عليه ابنتي وحزن ابن عمي وحزنت أنا ، وأنا أؤثر حزني على حزنهما .
يا جبرئيل يقبض إبراهيم فقد فديت الحسين به . قال: فقبض بعد ثلاثة ، فكان النبي صلي الله عليه وآله إذا رأى الحسين مقبلاً ، قبَّله وضمه إلى صدره ورشف ثناياه وقال: فديت من فديته بابني إبراهيم»وتاريخ بغداد: 2/200 وتاريخ دمشق:52/324.

ماذا لو بقي إبراهيم والحسين عليهما السلام ؟


السؤال: ماذا لو بقي إبراهيم ابن النبي صلي الله عليه وآله مع حفيده الحسين عليهما السلام ؟ ولماذا لا يجمعهما الله تعالى لنبيه صلي الله عليه وآله ؟
الجواب: أنه لو بقي إبراهيم وأوصى له النبي صلي الله عليه وآله بالخلافة والإمامة بعده لقتلته قريش أويبايع لزعيمهم ، ويفعل ما فعله علي عليه السلام .
قال علي عليه السلام كما في شرح النهج (20/298): « اللهم إني أستعديك على قريش ، فإنهم أضمروا لرسولك ضروباً من الشر والغدر فعجزوا عنها ، وحِلْتُ بينهم وبينها ، فكانت الوجبة بي والدائرة عليَّ !
اللهم احفظ حسناً وحسيناً ، ولا تمكن فجرة قريش منهما ما دمت حياً ، فإذا توفيتني فأنت الرقيب عليهم ، وأنت على كل شئ شهيد .
وقال له قائل: يا أمير المؤمنين ، أرأيت لو كان رسول الله ترك ولداً ذكراً قد بلغ الحلم وآنس منه الرشد ، أكانت العرب تسلم إليه أمرها ؟
------------------------------------------- ص 359 -------------------------------------------
قال: لا ، بل كانت تقتله إن لم يفعل ما فعلتُ ! ولولا أن قريشاً جعلت اسمه ذريعة إلى الرياسة وسلَّماً إلى العز والإمرة ، لما عبدت الله بعد موته يوماً واحداً ولارتدت في حافرتها ، وعاد قارحها جذعاً وبازلها بكراً .
ثم فتح الله عليها الفتوح فأثْرت بعد الفاقة ، وتمولت بعد الجَهد والمخمصة ، فحسن في عيونها من الإسلام ما كان سمجاً ، وثبت في قلوب كثير منها من الدين ما كان مضطرباً ، وقالت: لولا أنه حق لما كان كذا !ثم نسبت تلك الفتوح إلى آراء ولاتها وحسن تدبير الأمراء القائمين بها ، فتأكد عند الناس نباهة قوم وخمول آخرين ، فكنا نحن ممن خمل ذكره ، وخبت ناره ، وانقطع صوته وصيته ، حتى أكل الدهر علينا وشرب ، ومضت السنون والأحقاب بما فيها ، ومات كثير ممن يعرف ، ونشأ كثير ممن لا يعرف .
وما عسى أن يكون الولد لو كان ! إن رسول الله لم يقربني بما تعلمونه من القُرْب للنسب واللحمة ، بل للجهاد والنصيحة ، أفتراه لو كان له ولد هل كان يفعل ما فعلت . وكذاك لم يكن يَقْرُب ما قَرُبْتُ ، ثم لم يكن عند قريش والعرب سبباً للحظوة والمنزلة بل للحرمان والجفوة !
اللهم إنك تعلم أني لم أرد الأمرة ولا علو الملك والرياسة ، وإنما أردت القيام بحدودك ، والأداء لشرعك ، ووضع الأمور في مواضعها ، وتوفير الحقوق على أهلها ، والمضي على منهاج نبيك ، وإرشاد الضال إلى أنوار هدايتك » .
فإبراهيم ابن النبي صلي الله عليه وآله لو كبر سيكون مضطهداً كما اضطهد علي عليه السلام ، وتعامله قريش كأنه النبي صلي الله عليه وآله فالأفضل أن يكون الإضطهاد بعيداً ولو قليلاً عن شخص النبي صلي الله عليه وآله حتى يُحفظ مقامه بالحد الأدنى !
------------------------------------------- ص 360 -------------------------------------------
وأما الحسين عليه السلام فستجري عليه مقادير الله ، ومن المقادير أن يفدى بخاله ابراهيم ، ويقتل في كربلاء ، فلا بد أن يذهب اليها ، ولو كان إبراهيم حياً لذهب معه حتى يقتلا في كربلاء ! أو قد يقتل إبراهيم عليهما السلام قبله !

الفرق بين فداء الحسين بإبراهيم وفداء إسماعيل بالكبش


قال الله تعالى: فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ . فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ . فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ . وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ . قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ. إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ .وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ . وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ . سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ.. وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ .
قال علي بن فضال(الخصال/55):(سألت أبا الحسن علي بن موسى الرضا عليه السلام عن معنى قول النبي صلي الله عليه وآله :أنا ابن الذبيحين؟ قال: يعني إسماعيل بن إبراهيم الخليل عليهما السلام وعبد الله بن عبد المطلب.
أما إسماعيل فهو الغلام الحليم الذي بشر الله به إبراهيم ، فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ . قال يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ . ولم يقل له يا أبت افعل ما رأيت فلما عزم على ذبحه فداه الله بذبح عظيم، بكبش أملح يأكل في سواد ، ويشرب في سواد، وينظر في سواد، ويمشي في سواد ، ويبول ويبعر في سواد ، وكان يرتع قبل ذلك في رياض الجنة أربعين عاماً ، وما خرج من رحم أنثى ، وإنما قال الله جل وعز له: كن ، فكان ليفدي به إسماعيل. فكل ما يذبح بمنى فهو فدية لإسماعيل إلى يوم القيامة ، فهذا أحد الذبيحين .
وأما الآخر، فإن عبد المطلب كان تعلق بحلقة باب الكعبة ودعا الله عز وجل أن يرزقه عشرة بنين ونذر لله عز وجل أن يذبح واحداً منهم متى أجاب الله
------------------------------------------- ص 361 -------------------------------------------
دعوته ، فلما بلغوا عشرة قال: قد وفى الله لي فلأفيَنَّ لله عز وجل ، فأدخل ولده الكعبة وأسهم بينهم فخرج سهم عبد الله أبي رسول الله صلي الله عليه وآله وكان أحب ولده إليه ، ثم أجالها ثانية فخرج سهم عبد الله ، ثم أجالها ثالثة فخرج سهم عبد الله، فأخذه وحبسه وعزم على ذبحه ، فاجتمعت قريش ومنعته من ذلك واجتمع نساء عبد المطلب يبكين ويصحن ، فقالت له ابنته عاتكة: يا أبتاه اعذر فيما بينك وبين الله عز وجل في قتل ابنك. قال: فكيف أعذر يا بنية فإنك مباركة ، قالت: إعمد إلى تلك السوائم التي لك في الحرم فاضرب بالقداح على ابنك وعلى الإبل وأعط ربك حتى يرضى . فبعث عبد المطلب إلى إبله فأحضرها وعزل منها عشراً وضرب السهام فخرج سهم عبد الله ، فما زال يزيد عشراً عشراً حتى بلغت مائة فضرب فخرج السهم على الإبل، فكبرت قريش تكبيرة ارتجت لها جبال تهامة ، فقال عبد المطلب: لاحتى أضرب بالقداح ثلاث مرات ، فضرب ثلاثاً كل ذلك يخرج السهم على الإبل.
فلما كان في الثالثة اجتذبه الزبير وأبو طالب وإخوانه من تحت رجليه ، فحملوه وقد انسلخت جلدة خده الذي كان على الأرض وأقبلوا يرفعونه ويقبلونه ويمسحون عنه التراب .
وأمر عبد المطلب أن تنحر الإبل بالحزورة ولا يمنع أحد منها وكانت مائة .
وكانت لعبد المطلب خمس سنن أجراها الله عز وجل في الاسلام: حرم نساء الآباء على الأبناء ، وسن الدية في القتل مائة من الإبل ، وكان يطوف بالبيت سبعة أشواط ، ووجد كنزاً فأخرج منه الخمس ، وسمى زمزم لما حفرها سقاية الحاج . ولولا أن عبد المطلب كان حجة وأن عزمه على ذبح ابنه عبد الله شبيه بعزم إبراهيم على ذبح ابنه إسماعيل ، لما افتخر النبي عليها السلام بالإنتساب إليهما لأجل أنهما الذبيحان في قوله: أنا ابن الذبيحين .
------------------------------------------- ص 362 -------------------------------------------
والعلة التي من أجلها رفع الله عز وجل الذبح عن إسماعيل هي العلة التي من أجلها رفع الذبح عن عبد الله وهي كون النبي صلي الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام في صلبهما. فببركة النبي والأئمة عليهم السلام رفع الله الذبح عنهما ، فلم تجر السنة في الناس بقتل أولادهم ، ولولا ذلك لوجب على الناس كل أضحى التقرب إلى الله تعالى ذكره بقتل أولادهم ، وكل ما يتقرب الناس به إلى الله عز وجل من أضحية فهو فداء لإسماعيل إلى يوم القيامة ).
ملاحظات
1. القربان في الأديان رمز لطاعة الله المطلقة وعبوديته عز وجل .ومعناه أن صاحب القربان حاضر أن يقدم نفسه ذبيحاً لله تعالى ، فيقول له الله: قبلتك فاذبح قرباناً حيواناً وأطعم لحمه للفقراء فكأنك ذبحت نفسك لي.
فيقوم الشخص بذبح قربان لوجه الله تعالى ويقسم لحمه .
ثم أخذه المشركون ذبيحاً وقرباناً لأصنامهم ، وكانت قريش والعرب تذبح قربانًا للات فقط ، ولما غلب المناذرة الغسانيين وأسروا ابن ملكهم الأيهم ، جاؤوا به الى الطائف وذبحوه قرباناً للات .
وفي مقابل ذلك نذر عبد المطلب إن رزق بعشرة بنين أن يذبح أحدهم للكعبة أي لرب الكعبة عز وجل ، مقابل ذبح المشركين للات .
2. لا بد للباحث المنصف أن يعتبر عبد المطلب من كبار أولياء الله تعالى ، أما نبياً أو ولياً .. لأنه هدي بالمنام الى حفر زمزم وكانت مدفونة وضائعة من عقود أو قرون . ثم ظهرت له كرامات فنبع الماء من تحت خف ناقته في الصحراء ، ك