الحق المبين في معرفة المعصومين(ع)ـ

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 1 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الحق المبين في معرفة المعصومين عليهم السلام
بحوث مستفادة من محاضرات المرجع الديني الوحيد الخراساني مد ظله
بقلم
علي الكوراني العاملي
الطبعة الثانية ، مزيدة ومنقحة
1424 ه‍ 2003 م
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 2 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الكتاب : الحق المبين في معرفة المعصومين عليهم السلام
المؤلف : علي الكوراني العاملي
الناشر : دار الهدى - قم المشرفة
الطبعة : الثانية ، مزيدة ومنقحة
العدد : 3000 نسخة
الشابك : 6 - 60 - 5902 - 964
التاريخ : 1424 هجرية - 2003 ميلادية
ملاحظة :
عبارة : ( التي هي آخر حروف الهجاء ) في ص 83 ، زائدة ، نرجو حذفها .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 3 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، وأفضل الصلاة وأتم السلام على سيدنا ونبينا
محمد وآله الطيبين الطاهرين .

المرجع الخراساني وفهم النبي وآله صلى الله عليه وآله

عرفت المرجع الوحيد الخراساني في الكويت قبل نحو ثلاثين سنة ، لكني لم أعرف منهجه في فهم النبي وآله صلى الله عليه وآله حتى اطلعت على محاضراته وآرائه في قم المشرفة ، فوجدت فيها ضالتي التي كنت أبحث عنها ، والبراهين على قناعاتي الكامنة ، بل وجدت في عمق فهمه للنبي والأئمة صلوات الله عليهم ما لم أجده إلا عند القليل ممن عايشته من علمائنا المعاصرين .
فما دام الأئمة المعصومون عليهم السلام مشروعاً ربانياً تولى وضع خطته وتنفيذها الحكيم الخبير عز وجل ، فلا يصح أن نحصر دورهم في عصر دون عصر ، ولا أن نلخصه في العمل لتسلم السلطة ، أو نختصره في بيانهم لبعض العلوم ، ورقابتهم على بعض الأوضاع . . فقضيتهم عليهم السلام أعمق من ذلك وأوسع .
يدلنا على عمقها حتى لو لم نصل إلى غورها ، ما نراه من عمل صاحب
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 4 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مشروعهم عز وجل في هذا الكون الوسيع والطبيعة التي حولنا وفي أنفسنا ، هذا الصنع الذي بلغ أقصى درجات الإعجاز والإتقان .
وإذا كان من الغباء أن نُبَسِّط أيَّ جزءٍ منه ، أو نُسَطِّح فيزياءه وقوانينه ، فإن من الغباء الأكبر أن ننظر بسطحية إلى مشروع النبي والأئمة عليهم السلام الذي هو أعمق من فيزياء الطبيعة بكثير ، فهم حجج الله تعالى على خلقه ، بعلمهم ومعجزاتهم ، وهم نوره في أرضه ، هذا النور الذي قال لنا عنه سبحانه في سورة النور ( آية : 35 ) إنه موجود في بيوت عندكم : اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ . مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ، الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ، يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ ، يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِئُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ . يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللهُ بِكُلِّ شئ عَلِيمٌ .
فالنبي وآله المعصومون صلى الله عليه وآله نور الله في أرضه ، والرابط بينه وبين خلقه ، لا يصح أن نقسس بهم أحداً . . لا بعلمهم ، ولا بأفعالهم ، ولا بأرواحهم ، ولا بأجسادهم ، ولا بفريضة ولايتهم وطاعتهم عليهم السلام !
وليس كل من ادعى الفهم فاهماً ، ولا من ادعى العلم عالماً ، ولا من تعاطى الطب طبيباً ، ولا كل من ورد بحر فهم الأنبياء والمعصومين عليهم السلام سبَّاحاً ، فإن بحوث معرفة شخصياتهم المقدسة عليهم السلام بحرٌ ، النجاةُ فيه في اللجة ، والغرق فيه في الشاطئ ، وهو بحرٌ يحتاج إلى فهم الفقيه ، وعمق الفيلسوف ، وفهم المعصوم من كلام معصوم ، ويحتاج بعد ذلك إلى نبض قلب وإشراقة روح . . وتلك ميزات وهب الله منها الكثير للمرجع الأستاذ دام ظله .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 5 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فهم الفقيه
إذا قرأت نصاً لعقد عمل أو إنشاء شركة ، فسوف تفهمه ، أو تفهم منه لكن لو أعطيته إلى خبير قانوني فسيفهمه بشكل أعمق .
إن الفرق بين فهم الشخص العادي وفهم الحقوقي المتخصص ، مثلٌ تقريبي نعرف به الفرق بين فهم الفقيه وغير الفقيه .
والفقيه بمستوى مراجعنا الكبار ، أدقُّ من الحقوقي الذي قضى عمره في القانون ، لأن منهج الفقهاء في البحث أصح ، وجهدهم أكثر .
غيرُ الفقيه يقرأ بالجملة ، والفقيه يقرأ بالمفرد .
غيره يقرأ بالطول ، وهو يقرأ في العمق .
غيره يقرأ الكلمات والجمل ويفهم منها ، وهو يتأمل في اختيار الكلمة وصيغتها في نفسها ، وتركيبها مع أخواتها ، ونوع الربط والرابط بينهن .
غير الفقيه يفهم المعنى الظاهر الذي تدل عليه الألفاظ ، والفقيه يفهم الظاهر ولوازمه وأبعاده ، ويفهم العمق ، وأبعاده وإشاراته .
غير الفقيه يتعامل مع اللفظ بسطحية ، والفقيه يتفهم اللفظ واللغة ، ويحترم المتكلم واختياره .
غير الفقيه يفهم العقيدة بقطع النظر عن معمارية الشريعة في مفرداتها وقواعدها وأهدافها ، فقد يلائمها ، وقد يخسر الانسجام مع بنائها . . والفقيه يستحضر منظومة الشريعة بكل أحكامها ، فيجئ فهمه للعقيدة غنياً بفهمه للشريعة ، صَرْحَيْن مُتَّسَقَيْن مُتَنَاسِقَيْن .
غير الفقيه يكون فهمه عادةً في معرض الإشكال والنقض والرد والبدل ،
والفقيه يفهم بعقلية الأصولي الذي عايش لسنين طويلة أبحاث أصول الفقه الدقيقة العميقة ، وقتلها بحثاً وتعمقاً ، وتشقيقاً ، وإشكالاً ورداً ، من أول
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 6 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بحث الوضع والمعنى الحرفي ، إلى آخر بحث التعارض والتراجيح .
نقل لي أحدهم أن الكاتب المصري المعروف أحمد أمين عندما زار النجف الأشرف سأل المرحوم الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء قدس سره عن علم أصول الفقه ، فدعا له بالمجلد الأول من كفاية الأصول للمحقق الخراساني قدس سره ، فقرأ فيه أحمد أمين ، ثم قرأ . . وقال : لم أفهم !
فقال له : نعم ، لأنك لم تدرس . . وهذا علم يحتاج إلى دراسة !
عمق الفيلسوف
يحترم الناس الفلاسفة بقطع النظر عن عقائدهم ، بسبب مستوياتهم الذهنية العالية . فالذي يستطيع أن يفهم مصادر الفلسفة القديمة اليونانية وما طوَّر فيها الفلاسفة المسلمون ، ويستوعب منظومة السبزواري وشفاء ابن سينا وإشاراته مثلاً ، أو يستوعب الفلسفة الحديثة كفلسفة كانت ، وديكارت ، وبراتراند راسل . . لابد أن يكون فهيماً صاحب مستوى ذهني عال .
والمرجع الوحيد الخراساني بهذا الميزان ، من أصحاب هذه الذهنيات العالية ، حيث درس أمهات كتب الفلسفة ، فهو أستاذ فيها ، وإن كان وزن الفلسفة والفلاسفة عنده خفيفاً ، فنراه عندما يتعرض لبعض نظريات الشيخ الرئيس ابن سينا ، إنما يحترمه لأنه وصل في آخر عمره إلى اليأس من الفلسفة ، وتوجه بفكره ليقتبس من القرآن الكريم .
من هنا كانت خبرته الفلسفية عاملاً مساعداً في فهمه للنبي وآله صلى الله عليه وآله توجب مزيد اطمئنان لأولئك الذين يُكْبِرون الفلسفة .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 7 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فهم شخصية المعصوم من كلام المعصوم عليهم السلام
كلما تقدمت المعرفة بالفلاسفة والمفكرين والعلماء ، اكتشفوا أبعاداً جديدة في كلام النبي صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام ، وعرفوا قيمتهم أكثر ، وعرفوا أن شخصية المعصوم يجب أن تفهم من كلام المعصوم عليهم السلام !
صحيح أن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وآله : قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ( سورة فصلت : 6 ) ، لكنه قال لنا بذلك إن النبي مثلنا وليس مثلنا ! وإن شخصيته مركبة من جنبة بشرية يعاملنا بها ، وجنبة غيبية يتلقى بها الوحي والعلم من رب العالمين ! وأنى لنا أن نفهم بفكرنا وعقلنا جنبة الغيب في شخصيته ، إلا بكلام معصوم له نافذة مفتوحة على الغيب ؟ !
بل حتى المثلية في قوله تعالى : قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ، تعني أنه من وسطكم يعرف تفكيركم ومشاعركم ويدرك مشكلاتكم ، ولا تعني أنه مثلنا بمستوانا ونوع تفكيرنا ومشاعرنا ، فإن له صلى الله عليه وآله عالمه الأعلى الذي لا نرتقي اليه ، كما أنه لا ينزل إلى عوالمنا الدنيا !
فالنبي إذن بسبب رقيِّ فكره ومشاعره ليس مثلنا ، وبسبب أن شخصيته مفتوحة على الغيب ليس مثلنا ! فماذا بقي من المثلية التي تمكننا من الإحاطة بحقيقة شخصيته صلى الله عليه وآله ؟ ! وكذلك هي شخصيات المعصومين من عترته عليهم السلام .
ومن هنا نعرف لماذا اختار الله تعالى لفظ البشرية للمثلية ، دون الإنسانية !
ومن هنا كانت قوة منهج المرجع الأستاذ في أن فهم المعصوم لا يمكن إلا من كلام المعصوم عليهم السلام ، وقد طبقه في محاضراته خير تطبيق فكشف أبعاداً جديدة في شخصياتهم ومقاماتهم عليهم السلام لم تكن تتيسر لولا هذا المنهج .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 8 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
نبض القلب وإشراقة الروح
أقصد بنبض القلب : التفاعل الإنساني العقلي والعاطفي مع الحقائق التي تهز العقل والقلب ، الحيَّيْن الحَيَويَّيْن .
وبإشراقة الروح : تلك الإنارة التي ينعم الله بها على الإنسان فتضئ له الأمر ، فيراه على واقعه ، أو قريباً من واقعه .
وهما أمران يتوقفان على عدة عوامل تكوينية وسلوكية يتفاوت فيها الناس كثيراً ، وتختلف تبعاً لها إشراقة أرواحهم ، ونبض قلوبهم !
فبعض الناس تراه قطعة عاطفة ، ينفعل من رمشة العين ، ويطير كالريشة في الهواء الذاري !
تراه انفعالياً لا يعرف التعقل ، وكأنه لم يطرق سمعه أن الإنسان له عقل يفكر فيه ويصل به إلى نتائج نظرية وعملية مهمة !
وبعض الناس تراه كأنه عقلٌ رياضي محض ، كل شئ عنده معادلة جافة إما معادلة حسابية مالية ، أو معادلة أحداث وقعت أو سوف تقع ، ثم لا شئ غير ذلك ! لا قلبٌ ينبض ، ولا عاطفةٌ تجيش !
تراه يواجه حدثاً تهتز له أحجار المقابر فلا يرفُّ له جفنٌ ، ولا يخفق له شعور ، فكأنه في حياته لم يبتسم ولا سمع بمن يضحك ويبكي ويغضب !
وبين هذين النموذجين درجات كثيرة . . .
وتكامل الشخصية وتميزها ، إنما يكون بما يحققه صاحبها فيها من تعادل قوى العقل والعاطفة ، وما يكسبه من استشراف الروح وإشراقتها .
وإذا نظرنا إلى شخصية الشيخ الوحيد الخراساني بهذا الميزان ، يبدو لنا أنها أقرب إلى شخصيات أصحاب المعادلات الرياضية ، الذين لا يعجبهم العجب ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 9 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولا يهتمون بأكثر الأمور والقضايا التي يهتم بها الناس !
لكن يكفي أن تسأله مسألة تتعلق بالله تعالى أو بالنبي وآله الأطهار صلوات الله عليهم ، حتى تعرف أن اهتمامه هنا ، وليس هناك !
أو تسمع له محاضرة عنهم عليهم السلام لترى هذا الساكن الساكت عالَماً يموج بالإيمان ، وقلباً نابضاً بالأفراح والأحزان ، وروحاً مشرقة بنور النبي والزهراء والأئمة صلوات الله عليهم .
كنت نويت أن أكتب سيرته الذاتية حفظه الله في مقدمة هذا الكتاب ، وطلبت منه أن يخصص وقتاً للإجابة على أسئلتي التي أحتاجها لكتابة الموضوع ، فأوعدني خيراً واستمهلني أن يكمل عملاً بيده ، فصبرت حتى أكمله ، لكنه فكر فرأى سيرته الذاتية أمراً غير مهم فاعتذر عنها !
قالت له موازينه ومعادلاته إنها حديث عن الذات والذات غير مهمة ، وإنما المهم الحديث . . عن النبي وآل النبي صلى الله عليه وآله .
ميزة هذا الكتاب
وجدت في هذه الدروس ما أعتقده في فهم النبي وآله صلى الله عليه وآله ، فهي بمادتها العلمية وتحليلها تؤصل للمنهج الصحيح في معرفتهم عليهم السلام ، وبمادتها الولائية العملية تمثل أنشودتي التي أحب أملأ بها جنبات عقلي وروحي ، وأحملها معي إلى قبري ، وألاقي بها ربي عز وجل ، وأشنِّفَ بها أسماع الموالين من إخواني الشيعة الذين يعرفون نبيهم صلى الله عليه وآله وأئمتهم عليهم السلام بهذا المنهج وهذا الفهم التقليدي الأصيل ، ويعيشون به معهم في ليلهم ونهارهم ، وتزهر به قلوبهم كالمصابيح ، وإن لم يستطيعوا أن يعبروا عنه بشرح وبرهان !
فهؤلاء الموالون هم الذين وصفهم الإمام الصادق عليه السلام ووصف أضدادهم بقوله : ( تجد الرجل لا يخطئ بلام ولا واو ، خطيباً مصقعاً ، ولقلبُه أشدُّ ظلمةً من الليل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 10 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
المظلم ! وتجد الرجل لا يستطيع يعبِّر عما في قلبه بلسانه ، وقلبه يزهر كما يزهر المصباح ) . ( الكافي : 2 / 422 )
والحمد لله أن كثيرين عرفوا قيمة هذه الجواهر التي أفاضها شيخنا الأستاذ في مركز تدريسه العامر ، قاعة المسجد الأعظم بقم المشرفة ، خاصة فضلاء تلاميذه ، الذين تخرَّج منهم على يده المئات وربما الألوف ، وفيهم من هو بمستوى المرجعية والحمد لله .
وقد انتشرت أشرطة هذه الدروس بشكل واسع ، لكني أردت أن أترجمها كاملة ، وأستخرج مصادر أحاديثها ونصوصها ، وأشرح بعض مواردها ، وأقدمها إلى شيعة أهل البيت الطاهرين عليهم السلام بصيغة تضمن المحافظة على أفكارها ، وتتميز بحرية التعبير وسلاسة الأسلوب وانسيابه . .
فكان هذا الكتاب الذي أرجو أن يكون ذخراً ليوم حشري ، وأن يكتبني الله تعالى به فيمن دافع عن التشيع الأصيل ، في عصر كثرت فيه الكتابات عن أنواع من التشيع ، منها الأصيل المشرق ، ومنها البائس الهزيل ، ومنها الإلتقاطي الهجين ، ومنها التحريفي الممسوخ .
أسأله تعالى أن يجزي أستاذنا المرجع خير الجزاء بما أوضح من معالم ولاية أهل البيت الطاهرين عليهم السلام وعرَّفَ بمقاماتهم ، ونَصر قضيتهم ، قضية الإسلام ، وأن يكتب لي سهماً في عمله ، ويشمله وإياي بشفاعتهم عليهم السلام .
حرره بقم المشرفة ، في الأول من صفر الخير 1424
علي الكوراني العاملي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 11 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الاتجاهات المعاصرة في فهم النبي وآله صلى الله عليه وآله

تنحصر المذاهب والاتجاهات الإسلامية المعاصرة في فهم النبي وآله صلى الله عليه وآله في خمسة : المذهب السني ، والزيدي ، والإسماعيلي ، والشيعي الإمامي ، وأخيراً الاتجاه الشيعي التركيبي .
ولابد لنا أن نستبعد الغلاة الذين يؤلهون أحداً من أهل البيت النبوي عليهم السلام بأي نوع من التأليه ، ونستبعد النواصب الذين ينصبون العداء لأهل البيت النبوي عليهم السلام ، لأنهما اتجاهان خارجان عن الإسلام لا يصح عدهما من المذاهب أو الاتجاهات الإسلامية في فهم النبي وآله المعصومين صلى الله عليه وآله .

1 - الاتجاه السني في فهم النبي وآله صلى الله عليه وآله

يرى أتباع المذاهب السنية أن النبي صلى الله عليه وآله معصوم في تبليغ الرسالة فقط ، دون بقية سلوكه العام ، وسلوكه الشخصي !
هذا من ناحية نظرية ، أما ناحية عملية فإن مصادرهم تزعم أن النبي صلى الله عليه وآله ارتكب أخطاء عديدة وبعضها في تبليغ الرسالة ! وأن بعضها كان يصححه له جبرئيل عليه السلام ، وبعضها كان يصححه له عمر بن الخطاب ، فيؤيده الوحي !
وكذلك لا يرون عصمة أهل بيت النبي وعترته ، علياً وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام ، ويقولون إن لهم فضائل كما لهم أخطاء ، ولا يعترفون بأنهم معينون من الله تعالى أوصياء للنبي صلى الله عليه وآله وأئمة للأمة ، ولذا يؤولون الآيات والأحاديث التي تدل على عصمتهم وإمامتهم عليهم السلام ، ويجعلون درجة علي عليه السلام
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 12 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
رابع الصحابة لأنه كان الخليفة الرابع ، وأكثرهم يفضل عليه أبا بكر وعمر وعثمان ، وقد يفضلون عائشة على فاطمة الزهراء عليها السلام ، كما يفضلون بعض التابعين العاديين على أئمة أهل البيت عليهم السلام أمثال الإمام زين العابدين ، والإمام محمد الباقر ، والإمام جعفر الصادق عليهم السلام !
ويترتب على هذا الفهم أمور عديدة ، تظهر في المعالم التالية :
الأول : أن النبي صلى الله عليه وآله توفي عندهم بدون وصية كتبية ولا شفهية ! وأن الصحابة هم الأصل بعد النبي صلى الله عليه وآله والأفضل من جميع الأمة عبر أجيالها ، وعنهم يتلقون دينهم ، ولا يهتمون بالرأي المخالف لهم ، بل يعتبرونه انحرافاً عن الإسلام حتى لو كان صادراً من أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله !
بل تراهم يقرنون الصحابة بالنبي في الصلاة عليه صلى الله عليه وآله ، وقد يحذفون منها الصلاة على آل النبي ، مع أنهم رووا في أصح صحاحهم أن النبي صلى الله عليه وآله علمهم الصلاة عليه وأمرهم أن يقرنوا به آله عليهم السلام فقط !
الثاني : عندما يقولون ( الصحابة ) فلا يقصدون المئة ألف شخص وأكثر ، الذين رأوا النبي صلى الله عليه وآله وسموهم صحابة ، ولا يقصدون أهل بيته علياً وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام الذين هم أهل بيت وصحابة !
بل هم عملياً يقصدون أربعة رجال من الصحابة هم : أبو بكر وعمر وعثمان ومعاوية ، ومن وافقهم ، ومعهم امرأتان هما : عائشة وحفصة ، ومن وافقهما .
أما باقي الصحابة فهم مقبولون عندهم بشرط أن يوافقوا هؤلاء الستة ، ولا عبرة بقول جميع الصحابة إن خالفوا الستة ، أو خالفوا عمر وحده !
الثالث : لا يقول السنيون نظرياً بعصمة هؤلاء الصحابة الستة ، لكنهم عملياً يرون عصمتهم كمجموع ، بل يرون عصمة عمر وأبي بكر خاصة ، فهم لا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 13 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يقبلون أن يوجه اليهما أي نقد ! ويحاولون تصحيح أفعالهما وأقوالهما حتى في مقابل النبي صلى الله عليه وآله ! ويحكمون بضلال من ينتقدهما ، أو بكفره !
الرابع : أن تاريخ الإسلام في رأيهم صحيح على عمومه ، ونظام الخلافة الذي أسسه أهل السقيفة نظام شرعي ، وما ارتكبوه من إقصاء أهل البيت عليهم السلام وما اقترفوه في حقهم وحق من عارضهم ، من بطش وتقتيل وتشريد وحروب كلها طبيعية ومغفورة ، والحق فيها مع الصحابة ككل ، فإن لم يمكن جعل الحق مع الكل ، فالحق مع أبي بكر وعمر ، والضلال في من يقابلهم !
كما أن الدعوة إلى إقامة نظام إسلامي في عصرنا ، تعني عندهم الدعوة إلى تطبيق فقه المذاهب الأربعة ، وإعادة أمجاد نظام حكم الخلافة الإسلامية عبر العصور ، وخاصة خلافة أبي بكر وعمر .

2 - الاتجاه الزيدي في فهم النبي وآله صلى الله عليه وآله

وهم يعتقدون أن الإمامة في ذرية علي وفاطمة صلى الله عليه وآله ، وأن الإمام بعد الحسين هو الإمام زين العابدين عليهم السلام ، وبعده زيد بن علي بن الحسين ، وبعده من اجتمعت فيه شروط الإمامة التي توجب البيعة والطاعة وهي ثلاثة : أن يكون من ذرية علي وفاطمة صلى الله عليه وآله ، وأن يكون عالماً ، وأن يقوم بالسيف .
ولكنهم يعتقدون بعصمة أهل الكساء عليهم السلام ، دون بقية أئمتهم .

3 - الاتجاه الإسماعيلي في فهم النبي وآله صلى الله عليه وآله

يرى المذهب الإسماعيلي أن الإمامة في ذرية علي وفاطمة صلى الله عليه وآله ، ويشتركون معنا في إمامة الأئمة من العترة الطاهرة إلى الإمام الصادق عليه السلام ، ثم يقولون بإمامة ولده إسماعيل بن الإمام الصادق عليه السلام ، ثم بإمامة العشرات من أئمتهم ، ومنهم كل الخلفاء الفاطميين . وبعضهم يعتقد بعصمتهم جميعاً .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 14 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

4 - الاتجاه الشيعي في فهم النبي وآله صلى الله عليه وآله

نعتقد نحن الشيعة بإمامة الأئمة الاثني عشر عليهم السلام وعصمتهم ، وأنهم أئمة معيَّنون من الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله مفروضةٌ طاعتهم ، بل هم أفضل الخلق بعد نبينا صلى الله عليه وآله ، ولهم مقاماتٌ عظيمة خصهم الله تعالى بها في نشأتهم في هذه الدنيا وقبلها ، ولهم مع جدهم صلى الله عليه وآله مقام الشفاعة العظمى في الآخرة . وقد يعبر علماؤنا عن النبي وآله صلى الله عليه وآله بأنهم وسائط العطاء والرحمة والفيض الإلهي .
ويترتب على هذا الفهم أمور ، تظهر في المعالم التالية :
الأول : أن العصمة التي نعتقد بها للنبي صلى الله عليه وآله عصمةٌ كاملة عن جميع المعاصي الكبائر والصغائر ، قبل البعثة وبعدها ، في تبليغ الرسالة وغيره . وكذلك عصمة الأئمة من عترته عليهم السلام ، مع أنهم أئمة وليسوا أنبياء .
الثاني : أن أهل البيت المعصومين عليهم السلام هم مصدر التلقي الوحيد للكتاب والسنة بعد النبي صلى الله عليه وآله ، والميزان الوحيد لصلاح الصحابة والأمة أو الحكم بانحرافهم عن الإسلام ، فالأئمة من العترة النبوية هم الأفضل وهم الأصل ، ولا عبرة بقول من خالفهم من الصحابة وغيرهم ، وذلك لثبوت عصمتهم ، وأمر النبي صلى الله عليه وآله باتباعهم والتلقي منهم وحدهم .
والآيات والأحاديث التي تدل على ذلك كثيرة رواها الجميع ، كقوله صلى الله عليه وآله :
إني أوشك أن أدعى فأجيب وإني تاركٌ فيكم الثقلين ، كتاب الله عز وجل وعترتي كتاب الله حبل ممدودٌ من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي . وإن اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض ، فانظروني بِمَ تخلفوني فيهما . ( مسند أحمد : 3 / 17 ) .
وقال السرخسي : قال عليه السلام : إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي ، إن تمسكتم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 15 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بهما لم تضلوا بعدي . وقال تعالى : إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً . ( أصول الفقه : 1 / 314 )
الثالث : أن مذهب أهل البيت عليهم السلام هو الإسلام كما نزل على رسول الله صلى الله عليه وآله ، وهو استمرار خط النبوة بالأئمة الذين أمر النبي صلى الله عليه وآله الأمة باتباعهم بعده .
ويصح وصف التشيع بأنه مذهب ، لكن بمعنى أشمل من المذاهب الفقهية والكلامية التي أنشئت في القرن الأول والثاني ، في العصر الأموي والعباسي .
الرابع : أن قضية أهل البيت النبوي عليهم السلام هي لبُّ الإسلام ، وظلامتهم هي ظلامة الإسلام ، وفضائلهم فضائل الإسلام ، وأن الأولوية في العمل الإسلامي لتعريف المسلمين والعالم بهم ، ورد الشبهات عنهم وعن شيعتهم ، والدفاع عن حقهم ودفع ظلامتهم ، وتطبيق الإسلام الذي تلقيناه منهم .
الخامس : أن مسار تاريخ الإسلام على عمومه غير صحيح ، ما عدا ما أمضاه الأئمة المعصومون من أهل البيت عليهم السلام وأقروه من الفتوحات التي خطط لفتحها النبي صلى الله عليه وآله وأدار فتوحها علي عليه السلام وقاد تلامذته أهم مراحلها .
ونظام الحكم الذي أسسته قبائل قريش في السقيفة غير شرعي ، ما عدا خلافة أمير المؤمنين عليه السلام ، وخلافة الإمام الحسن صلى الله عليه وآله التي عاشت ستة أشهر .
والذي صنعته قبائل قريش وارتكبته مع النبي وأهل بيته صلى الله عليه وآله هو أسوأ أنواع الانقلابات التي قامت بها أمة في حياة نبيها وبعده ، ضده وضد أوصيائه !
وقد فتحوا بذلك أبواب الظلم والصراع في الأمة ، وحرفوا مسيرة الإسلام عن خطها الصحيح ، حتى يظهر المهدي عليه السلام فيعيد الحق إلى نصابه !
ومن هنا كانت البراءة من ظالمي أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله من أصول مذهبنا إلى جنب ولايتهم ومودتهم وطاعتهم عليهم السلام .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 16 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

5 - الاتجاه الشيعي التركيبي أو الإلتقاطي في فهم النبي وآله صلى الله عليه وآله

وهو الاتجاه المتأثر بأفكار السنيين وأحياناً بأفكار الغربيين ، وقد توسعنا فيه ، لأنه يتصل بموضوعنا مباشرة .
وأصحاب هذا الاتجاه ليسوا فرقة متميزة عن الشيعة ، بل هم أفرادٌ في أوساطهم ، ويظهر اتجاههم من أقوالهم وبعض كتاباتهم .
وأبرز معالم هذا الاتجاه الأمور التالية :
الأول ، أن أصحابه ينكرون عدداً من فضائل الأئمة ومقاماتهم عليهم السلام ، مثل أن الله خلق نورهم قبل خلق العالم ، وأنهم وسائط عطاء الله تعالى وفيضه ، وأن لهم ولاية تكوينية على العالم . . الخ . ويحرصون على تقديم شخصياتهم عليهم السلام بعيدةً عن عناصر الغيب التي فيها ، كأنهم مجرد أئمة مذهبٍ من المذاهب ! بينما هم عليهم السلام أئمةٌ ربانيون معينون من الله تعالى ، وعلمهم منه سبحانه ، فهم ورثة الكتاب والعلم الإلهي ، وعندهم مواريث الأنبياء عليهم السلام ، وهم ملهمون من الله تعالى ، فلا يقاس بهم أحد ، ولا تقاس شخصياتهم بغيرهم ، ولا مذهبهم ببقية مذاهب الدول التي اضطهدتهم وأقامت مقابلهم علماء أسسوا لها هذه المذاهب ، وجمعوا أصولها وفروعها خليطاً من مصادر الإسلام ، ومقولات أهل الكتاب ، وظنون مؤسسيها !
الثاني : يدعو أصحاب هذا الاتجاه الشيعة إلى تركيز اهتمامهم على الولاية دون البراءة ، وأن يكتفوا بذكر فضائل أهل البيت عليهم السلام دون ذكر مظالمهم ودون البراءة من أعدائهم وظالميهم ، حتى لا يثيروا بذلك حساسية أتباع المذاهب السنية ، وغيرتهم على أئمتهم وحكامهم الذين ظلموا أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 17 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد يفرط بعضهم في التنازل عن ظلامة أهل البيت عليهم السلام فيعتبر أنها مسألة تاريخية لا يصح أن نهتم بها كثيراً ، لأن الاهتمام بالقضايا العامة أولى منها !
الثالث : يشارك أصحاب هذا الاتجاه السنيين في نظرتهم إلى تاريخ الإسلام بشكل عام ، ويرون أن الدعوة إلى إقامة النظام الإسلامي في عصرنا تعني الدعوة إلى إعادة ما يسمى أمجاد الحضارة الإسلامية ، وأمجاد نظام حكم الخلافة الإسلامية في صدر الإسلام ، وتطبيق ما يختاره الحاكم من فقه المذاهب الأربعة أو الخمسة .
كما أن نظرتهم إلى نظام الخلافة الذي أسسته بطون قريش في السقيفة ، وما نتج عنه من صراع الخلفاء على الحكم ، أقرب إلى نظرة السنيين . وإذا ذكرت أمامهم الجرائم التي ارتكبها الخلفاء مع أهل البيت عليهم السلام ، فقد يقرون بهولها ، لكنهم يريدون الإغماض عنها وترك مناقشتها !
والأمر الأسوأ في آرائهم أنهم يريدون من الشيعة أن يقدموا أهل البيت عليهم السلام إلى الأمة ويربُّوا أبناءهم على أنهم شخصيات قيادية ضمن المسار العام للأمة وكأن الأئمة عليهم السلام ارتضوا هذا المسار وعملوا في تقويته ! مع أنهم أدانوا كل المسار ، وحكموا بأنه انحراف عن الإسلام ، وتعاملوا معه من باب الضرورة ، لحفظ كيان الأمة ، وما يمكن حفظه من الإسلام ، وتثبيت خطه الصحيح !
الرابع : يتبنى بعض أصحاب هذا الاتجاه مفهوماً خاطئاً للوحدة الإسلامية ، فيتصورون أنها تعني الوحدة الفكرية بين المسلمين على القواسم المشتركة بين المذاهب في العقيدة والفقه ، وأنه يجب إهمال ما عدا المشتركات !
مع أن الوحدة بهذا المعنى هدف خيالي لا يمكن تحقيقه إلا بالتنازل عن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 18 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مجموعة من عقائد المذاهب وأحكامها !
والوحدة الإسلامية الصحيحة هي وحدة المسلمين السياسية في مواجهة أعدائهم ، ووحدتهم بتعاونهم لتحقيق النهوض بشعوبهم ، وهذا لا يتنافي مع المحافظة على حرية المذهب ، وحرية البحث العلمي المذهبي مع حفظ الأدب الاسلامي ، ولا مع العمل لبيان ظلامة أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله .
لهذه الأسباب وغيرها ، صحت تسميتهم بأصحاب الاتجاه التركيبي ، وأحياناً تصح تسميتهم بأصحاب الاتجاه الإلتقاطي .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 19 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

معايشتي لتأثير الموجة الشيوعية على العراق في ولادة الفهم الإلتقاطي

أحمد الله تعالى حيث وفقني في نشأتي لأن أعيش في أجواء المرحوم آية الله السيد عبد الحسين شرف الدين قدس سره ، حيث كان يقضي شهور الصيف في قريتنا ياطر ، من جنوب لبنان ، وكان يفيض على القرية والمنطقة من روحانيته الصافية ، وعمق ولائه لأهل البيت الطاهرين عليهم السلام .
وكان من فضله عليَّ رحمه الله أن شجعني على طلب العلم في سن مبكرة ، وهيأ لي أستاذي آية الله الشيخ إبراهيم سليمان حفظه الله ، الذي كان يعيش أجواء السيد شرف الدين قدس سره في الولاء ، فدرست عنده نحو ثلاث سنوات .
ثم عشت في الحوزة العلمية في النجف الأشرف في أجواء هذا الفهم والولاء لأهل البيت الطاهرين عليهم السلام ، وكنت مهتماً إلى جانب دراستي ، بقراءة سيرتهم عليهم السلام والتعرف عليهم أكثر ، فكنت أقضي ساعات طويلة في مكتبة أمير المؤمنين عليه السلام في أوائل تأسيسها في قراءة السيرة من كتاب البحار وغيره ، وكنت أشاهد العلامة الأميني قدس سره مشغولاً في تأليف موسوعة الغدير ، أو أراه في حرم أمير المؤمنين عليه السلام مستغرقاً في الصلاة أو في الزيارة .
في تلك الفترة عايشتُ في النجف الصراع الذي احتدم بين الحوزة الدينية وموجة الشيوعيين ( 1377 - 1381 هجرية 1958 - 1962 ميلادية ) ، وشاهدت معاناة الشعب العراقي منهم ، وتحملتُ بعض ما تحمله المتدينون وطلبة الحوزة خاصة من تحديات وإذلال وخطر ، إلى أن استطاع المرجع السيد الحكيم قدس سره أن يصدر فتواه في الشيوعية ، ويحدث ضدهم موجةً شعبيةً قويةً .
رأيتُ كيف هبت الحوزة والمسلمون في كل محافظات العراق في موجة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 20 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إسلامية ضد الشيوعيين وأفكارهم وتصرفاتهم ، ثم رأيت كيف بدأت الحوزة تفكر في انتهاج طرق جديدة في التوعية الإسلامية ، لمواجهة الأخطار الشرسة على الدين والمتدينين .
فقد تصدت الحوزة للموجة الشيوعية بكل فئاتها ، التقليديون والمثقفون أو الواعون كما كنا نسميهم ، لكن الذين واصلوا العمل الحركي مثقفون يكثر فيهم الاتجاه التركيبي في فهم الأئمة عليهم السلام ، وقد أثروا على بعض الحوزويين ، وكنت أتأثر بهم في بعض المفاهيم ، وأناقشهم في بعضها .
وقد تبنينا باعتبارنا اتجاهاً واعياً في الحوزة رؤية لشخصياتهم وسيرتهم عليهم السلام ، وقبلتها يومذاك على تأمل في بعضها ، لكنها لم تُقنع أعماقي ، فكنت في داخلي أبحث عن رؤية أكثر إقناعاً .
كانت رحلتي في البحث عن الفهم الصحيح للنبي والمعصومين عليهم السلام من أصعب الرحلات الفكرية ! لأني قطعت مسافتها وأنا في وسط يتبنى الاتجاه التركيبي ويعمل به !
وقد أنعم الله تعالى عليَّ بحب القراءة ، فقرأت الكافي بمجلداته الثمانية ، والبحار بمجلداته المئة ، وكتب الصدوق كلها ، وعشرات الدورات في التفسير والحديث والتاريخ والكلام ، من مصادر الشيعة والسنة ، مضافاً إلى الكتب الجديدة ، التي قرأت أكثرها ، أو تصفحته !
كنت يوماً أقرأ في روضة الكافي حديثاً عن الإمام محمد الباقر عليه السلام يفسر قوله تعالى : أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شئ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ . ( سورة الأنبياء : 30 ) يقول فيه الإمام الباقر عليه السلام :
إن الله تبارك وتعالى لما أهبط آدم إلى الأرض كانت السماوات رتقاً لا تمطر شيئاً ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 21 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وكانت الأرض رتقاً لا تنبت شيئاً ، فلما أن تاب الله عز وجل على آدم أمر السماء فتقطرت بالغمام ، ثم أمرها فأرخت عزاليها ، ثم أمر الأرض فأنبتت الأشجار وأثمرت الثمار وتفهَّقت بالأنهار ، فكان ذلك رتقها ، وهذا فتقها .
قرأت ذلك فقلت في نفسي : ما أغبانا ! ركضنا وراء ثقافة الإخوان المسلمين وابتعدنا عن ثقافة أهل البيت الطاهرين عليهم السلام الذين عندهم علم الكتاب !
لقد مضى علينا سنين ونحن نأخذ بقول سيد قطب وأمثاله ، ونفسر الآية في تدريسنا ومحاضراتنا بأن السماء والأرض كانتا قطعة واحدة ، ففصَّلَهما الله تعالى إلى أرض ونجوم وكواكب . . . الخ .
تأملْ في الآية لتراها تنطق بصحة تفسير الإمام الباقر عليه السلام لأن المخاطب فيها الكفار لينظروا فصول السنة ، وموضوع الآية نظام التبخير والإمطار ، ولا علاقة له بفصل الأرض عن السماء ، فانظر إلى قوله : فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ . . !
وقد جاء كلام الإمام الباقر عليه السلام هذا ضمن هذه الرواية التي نوردها لفوائدها :
في الكافي : 8 / 120 ، عن أبي الربيع قال : حججنا مع أبي جعفر ( الإمام الباقر عليه السلام ) في السنة التي كان حج فيها هشام بن عبد الملك وكان معه نافع مولى عبد الله بن عمر بن الخطاب ( من علماء النصارى وكان ناصبياً يميل الخوارج ) ، فنظر نافع إلى أبي جعفر في ركن البيت وقد اجتمع عليه الناس ، فقال نافع : يا أمير المؤمنين من هذا الذي قد تداكَّ عليه الناس ؟ !
فقال : هذا نبيُّ أهل الكوفة ، هذا محمد بن علي !
فقال : إشهد لآتينه فلأسألنه عن مسائل لا يجيبني فيها إلا نبي أو ابن نبي أو وصي نبي ! قال : فاذهب إليه وسله لعلك تخجله !
فجاء نافع حتى اتكأ على الناس ثم أشرف على أبي جعفر عليه السلام فقال : يا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 22 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
محمد بن علي إني قرأت التوراة والإنجيل والزبور والفرقان ، وقد عرفت حلالها وحرامها ، وقد جئت أسألك عن مسائل لا يجيب فيها إلا نبي أو وصي نبي أو ابن نبي ! قال : فرفع أبو جعفر عليه السلام رأسه فقال : سل عما بدا لك .
فقال : أخبرني كم بين عيسى وبين محمد من سنة ؟ قال : أخبرك بقولي أو بقولك ؟ قال : أخبرني بالقولين جميعاً . قال : أما في قولي فخمس مائة سنة ، وأما في قولك فست مائة سنة .
قال : فأخبرني عن قول الله عز وجل لنبيه : وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ . ( سورة الزخرف : 45 ) مَن الذي سأل محمدٌ وكان بينه وبين عيسى خمس مائة سنة ؟
قال : فتلا أبو جعفر عليه السلام هذه الآية : سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ، فكان من الآيات التي أراها الله تبارك وتعالى محمداً صلى الله عليه وآله حيث أسرى به إلى بيت المقدس أن حشر الله عز ذكره الأولين والآخرين من النبيين والمرسلين ، ثم أمر جبرئيل عليه السلام فأذن شفعاً وأقام شفعاً وقال في أذانه : حي على خير العمل ، ثم تقدم محمد صلى الله عليه وآله فصلى بالقوم ، فلما انصرف قال لهم : على مَ تشهدون ، وما كنتم تعبدون ؟ قالوا : نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأنك رسول الله أخذ على ذلك عهودنا ومواثيقنا !
فقال نافع : صدقت يا أبا جعفر ، فأخبرني عن قول الله عز وجل : أَوَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَئٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُون ؟ قال : إن الله تبارك وتعالى لما أهبط آدم إلى الأرض وكانت السماوات رتقاً لا تمطر شيئاً ، وكانت الأرض رتقاً لا تنبت شيئاً ، فلما أن تاب
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 23 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الله عز وجل على آدم عليه السلام أمر السماء فتفطرت بالغمام ، ثم أمرها فأرخت عزاليها ، ثم أمر الأرض فأنبتت الأشجار ، وأثمرت الثمار ، وتفهقت بالأنهار ، فكان ذلك رتقها وهذا فتقها .
قال نافع : صدقت يا ابن رسول الله فأخبرني عن قول الله عز وجل : يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا للهِ الْوَاحِد الْقَهَّار . ( سورة إبراهيم : 48 ) أي أرض تبدل يومئذ ؟ فقال أبو جعفر عليه السلام : أرض تبقى خبزة يأكلون منها حتى يفرغ الله عز وجل من الحساب ! فقال نافع : إنهم عن الأكل لمشغولون ؟ فقال أبو جعفر عليه السلام : أهم يومئذ أشغل أم إذ هم في النار ؟ فقال نافع : بل إذ هم في النار . قال : فوالله ما شغلهم إذ دعوا بالطعام فأطعموا الزقوم ، ودعوا بالشراب فسقوا الحميم !
قال : صدقت يا ابن رسول الله ولقد بقيت مسألة واحدة ، قال : وما هي ؟ قال : أخبرني عن الله تبارك وتعالى متى كان ؟
قال : ويلك متى لم يكن حتى أخبرك متى كان ؟ ! سبحان من لم يزل ولا يزال ، فرداً صمداً ، لم يتخذ صاحبةً ولا ولداً .
ثم قال : يا نافع أخبرني عما أسألك عنه ، قال : وما هو ؟ قال : ما تقول في أصحاب النهروان ؟ فإن قلت : إن أمير المؤمنين قتلهم بحق فقد ارتددت ، وإن قلت : إنه قتلهم باطلاً فقد كفرت ؟ !
قال : فولى من عنده وهو يقول : أنت والله أعلم الناس حقاً حقاً !
فأتى هشاماً فقال له : ما صنعت ؟ قال : دعني من كلامك ! هذا والله أعلم الناس حقاً حقاً وهو ابن رسول الله حقاً ، ويحق لأصحابه أن يتخذوه نبياً ) . انتهى .
وقد ذكر سيد قطب تفسير الآية بفتق الأرض عن السماء في عدة مواضع من تفسيره : قال في أحدها ( ص 2376 ) : ( وقد يشير القرآن أحياناً إلى حقائق كونية
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 24 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كهذه الحقيقة التي يقررها هنا أن السماوات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما ، ونحن نستيقن هذه الحقيقة لمجرد ورودها في القرآن ، وإن كنا لا نعرف منه كيف كان فتق السماوات والأرض أو فتق السماوات عن الأرض ، ونتقبل النظريات الفلكية التي لا تخالف هذه الحقيقة ) . انتهى .
وقد أخذه سيد قطب من مفسري الدولة الأموية . ( نسبه الطبري : 17 / 25 ، إلى الحسن وقتادة ومجاهد ، ونسبه الرازي إلى كعب الأحبار ، كما في البحار : 54 / 14 ) .
إن تفسير هذه الآية ما هو إلا نموذج بسيط ليس فيه معاناة تذكر ، لكن المعاناة كانت عندما تصطدم النصوص التي نقرؤها بتصورنا الذي غرسناه في أذهاننا عن الأئمة عليهم السلام ! فكم فكرت في مشروع فهمهم عليهم السلام الذي تبنيناه في الحركة الإسلامية ، فلم أستطع تطبيقه على نصوص سيرتهم عليهم السلام ، ولاعلى أصول فعل الله تعالى العليم بعلمه المطلق ، الحكيم بحكمته المطلقة .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 25 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

أهم الاتجاهات التي تبلورت أو تكونت بسبب الهزة الشيوعية

يتوقف فهم نشوء الاتجاهات الفكرية والسياسية الحديثة في كل مجتمعاتنا الشيعية ، على فهم تأثير الموجة الشيوعية في العراق ( 1377 - 1381 ه‍ . 1958 - 1962 م . ) على الحوزة العلمية في النجف الأشرف .
وقد حدثت تلك الموجة بسبب أن زعيم الثورة عبد الكريم قاسم تحالف مع الحزب الشيوعي العراقي ، وكان أقوى حزب شيوعي في البلاد العربية ، واعتمد عليهم في تشكيل حرس الثورة ( المقاومة الشعبية ) ، وأطلق يدهم في العمل الاجتماعي والسياسي ، فاستغلوا فرصتهم أوسع استغلال ، وساعدتهم على ذلك عوامل داخلية وخارجية ، لا يدخل في غرضنا الحديث عنها .
بدأت الموجة الشيوعية في العراق بشعار ( الدين أفيون الشعوب ) ، ونشطوا في نشر هذا المفهوم القنبلة بكل ما استطاعوا من وسائل ! ولك أن تقدر فعل الدعوة إلى الإلحاد ورفض الدين من أساسه ، في شعب مسلم كالعراق !
كانت تحدياً للجميع ، لأصل وجود دين ! وتحدياً خاصاً لأصل وجود الحوزة العلمية في النجف ، ووجود العتبات المقدسة ، والعلماء السنيين ومراكزهم العلمية في بغداد والموصل ، ومشاهد أئمتهم ! !
كان المسلم المتدين في تلك الفترة ذليلاً ، كأنه ارتكب بإيمانه بالدين ذنباً يعوق تقدم كل المجتمع !
أما طالب العلم من أمثالنا فكان حسب تهريجهم من بقايا وجود الإقطاع الرأسمالي ، وبقايا الدين الذي يخدر الشعوب عن الثورة والتقدم والرقي !
كنا نعيش الخوف في النهار ، فلا نخرج من مدارسنا وبيوتنا إلا مجموعات
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 26 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وإلى مسافات قصيرة ! أما في الليل فنعيش الرعب من أن تدخل علينا بعض المنظمات الشيوعية المسلحة فتقتلنا ، أو تقتادنا إلى السجن !
وكان بعضنا ينتظر أن تصدر أوامر بمنع الدراسات الدينية وحل الحوزات العلمية ، ومنع زيارة المشاهد المشرفة ، لولا أن عبد الكريم قاسم قام بوضع حدوداً لحلفائه الشيوعيين ، بعد أن ضاقت بهم ذرعاً تركيبة المجتمع العراقي الإسلامية القبلية ، التي لا تتحمل هذا النوع من التطرف !
لقد بلغ الأمر أن صاحب دكان في سوق العمارة اسمه محمد أبو اللبن مجاور لمنزل السيد محسن الحكيم قدس سره المرجع العام للشيعة في العالم ، كان إذا رأى السيد خرج إلى صلاة الجماعة في الصحن الحيدري الشريف ، رفع صوت المذياع في دكانه بأناشيد الشيوعيين ، فإذا وصل السيد إلى أمام دكانه رفع صوته : ( عفلقي عفلقي ) ! وكان السيد رحمه الله يأمر بعدم جوابه والصبر عليه ! !
ومعنى عفلقي : بعثي ، نسبة إلى ميشيل عفلق ، فقد كان البعثيون والقوميون حزبيْن ناشئيْن مؤيديْن لجمال عبد الناصر ، يعملان ضد نظام عبد الكريم قاسم ، وكان الشيوعيون يطاردونهم ويتهمون من عارضهم بأنه ضد الثورة والزعيم الأوحد ويصفونه بأنه عفلقي ، وكان من شعاراتهم :
( والما يصفق عفلقي ، والحبال موجودة ) أي : من لم يصفق للزعيم الأوحد فهو بعثي جزاؤه القتل ، والحبال حاضرة لسحله في الشوارع !
* *
لقد انتهت الموجة الشيوعية إلى غير رجعة ، لكن لك أن تقدر ما أحدثته من هزة وتحدٍّ في الحوزة والأمة ، وما نتج عنها من اتجاهات في العمل الديني ، في حوزاتنا ومجتمعاتنا !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 27 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كان وما زال لتلك السنوات الأربع أوسع التأثير الفكري ، على الحوزة العلمية والعمل الإسلامي ، ليس في العراق فحسب ، بل في امتدادات الحوزة حيثما يوجد شيعة في البلاد العربية وإيران والعالم !
وبذلك صح أن نسميها : سنوات الهزة ، والتنظير ، والتأسيس لأهم الاتجاهات الفكرية والسياسية الموجودة في حوزاتنا وعالمنا الشيعي إلى اليوم .
وما أسهل على من واكب تلك الفترة أن يعرف أصول أكثر الاتجاهات والأفكار ، والكتب والمقالات ، التي يراها اليوم في بيروت أو القطيف أو طهران أو كراتشي . . لأنها ليست إلا رشحاً من تلك الينابيع التي نبعت وأخذت مجراها بعد الهزة الشيوعية ، في آخر الخمسينات وأوائل الستينات !
فعلى صعيد المرجعية والحوزة ومشاريع تطوير هيكليتها ومناهجها ، نجد أن الأفكار المطروحة كلها ترجع إلى الإتجاهين التقليدي والإصلاحي اللذين احتدم النقاش حولهما ، وطرحت لهما المشاريع المتعددة في تلك السنوات .
وعلى صعيد فهم الإسلام والعمل الإسلامي ، فالإتجاهات الثلاثة التقليدي ، والحركي ، والعصري . . ترجع إلى تلك الفترة أو تتغذى من فكرها ونتاجها !
لقد تجمعت الأسباب والعوامل يومها لتكوين تلك الاتجاهات في الفكر الشيعي والعمل الشيعي ، وأهمها العوامل الأربعة التالية :
المحفز القوي الذي هو الموجة الشيوعية ، والفراغ الديني ، ووجود نابغين مؤسسين ، ووجود نماذج تحتذى لهم من الفكر والأعمال والتنظيمات .
أما الاتجاهات التي تبلورت أو ولدت في تلك السنوات الأربع التاريخية ، فهي :
1 - المرجعية التي تعتقد بوجوب الإنكماش الحضاري :
2 - المرجعية التي تعتقد بوجوب الإصلاح المطلبي :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 28 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
تعايشت المرجعية الشيعية عبر التاريخ مع الحكومات المختلفة ، من زمن العباسيين إلى الخلافة العثمانية وحكم القاجاريين في إيران ، لكن مع اتفاق المراجع على مشروعية التعايش ، كان يوجد فيهم اتجاهان :
اتجاه إصلاحي ، يرى وجوب قيام المرجعية بحركة مطلبية من السلطة لأخذ حقوق الشيعة في الحرية المذهبية ، والشؤون الاجتماعية والمعيشية .
واتجاه آخر ، يتخوف من دخول المرجعية في الأمور السياسية سواء كانت من نوع الثورة على السلطة ، أو من نوع الحركة المطلبية ، ويرى أن واجب المرجعية ينحصر في تبليغ الدين وحفظ معالمه ، وأن هذا هو الطريق الوحيد لحفظ التشيع ومواجهة الانحرافات الداخلية ، والغزو الثقافي الغربي .
وكان هذا الاتجاه الذي سميناه ( الإنكماش الحضاري ) هو الغالب على تاريخ مراجعنا رضوان الله عليهم ، وحجتهم فيه أنه لا يمكن إقامة حكم إسلامي فلا يجب علينا ذلك ، بل يجب علينا المحافظة على هويتنا وهوية من يسمع كلامنا من الموالين المتدينين ، وأن ننكمش عن الذوبان في المحيط المخالف والثقافات الغازية ، ونكون فئة مسالمة تتعايش مع الأنظمة المختلفة ، لكنها تصر على ثقافتها وخصوصيتها ، إلى أن يشاء الله ، ويظهر حجته عليه السلام .
لكن مراجعنا أصحاب نظرية الإنكماش الحضاري كان يتنازلون عنها في الهزات التي تواجه الأمة ، ومنها الغزو الغربي لبلاد الخلافة العثمانية ، حيث غلب منطق الدفاع عن بلاد المسلمين وبيضة الإسلام ، فأفتوا بالجهاد الدفاعي ، وخرجوا مع جمهورهم وعشائرهم إلى ساحات الجهاد ، وقاتلوا الإنكليز إلى جنب جيش الخلافة العثمانية ، وسطروا بطولات فيما سمي ب‍ ( ثورة العشرين ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 29 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وعندما غلبهم الإنكليز ورتبوا الأمر مع رؤساء العشائر ( القادة الحقيقيين لثورة العشرين ) واتفقوا معهم أن ينصبوا على العراق ملكاً من أولاد الشريف حسين ، عاد المراجع إلى حوزاتهم وسيرتهم في اعتزال العمل السياسي ، ومواصلة عملهم الأصلي في التدريس والتبليغ وحفظ معالم الدين ، والتعايش مع الحكومة الجديدة ، كما كانوا يتعايشون مع الوالي العثماني !
في تلك الفترة توجهت سهام النقد إلى المرجعية لماذا لم يواصلوا العمل حتى يفرضوا الحكم الإسلامي في العراق ، أو لماذا لم يشاركوا في الحكومة ويفرضوا على الملك والإنكليز شخصيات كفوءة ، فقد تسبب رفضهم المشاركة في أن يعتمد الإنكليز والملك على موظفي الدولة العثمانية ويسلموهم مقدرات البلد ، وقد كان أحدهم مثلاً نوري السعيد !
لكن المراجع كانوا يسرون بحجتهم إلى خاصتهم بأننا قد غُلبنا ولا جمهور لنا ، ولا أدوات ضغط بأيدينا ، ومشاركتنا في الحكم لن تكون إلا شهادة زور وإعطاء شرعية لغير الشرعي ، وهذا ليس شغلنا !
عادت المرجعية إلى تقليديتها الإنكماشية حتى كانت مرجعية السيد الحكيم فانتهج قدس سره التقليدية الإصلاحية ، واغتنم فرصة زيارة الملك فيصل إلى النجف حيث كان عُرْف المرجعية يقضي بأن يلتقي المرجع مع الملك في حرم أمير المؤمنين عليه السلام ، فالتقى به وقدم له مجموعة مطالب تتعلق بالحرية المذهبية ، وإنصاف المناطق المحرومة .
وعندما نجحت ثورة عبد الكريم قاسم أرسل اليه السيد قدس سره رسالة تهنئة تضمنت عدداً من المطالب المشابهة .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 30 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كما كان يرسل مطالبه المشابهة إلى عبد السلام عارف وأخيه عبد الرحمن عارف ، ثم إلى البعثيين .
أما اصطدامه في آخر حياته قدس سره مع البعثيين فكانت له عوامل أجبرته على تجاوز الخط الإصلاحي المطلبي الذي يؤمن به . وللحديث عنها مجال آخر .
3 - المرجعية الموضوعية :
وهي مشروع طرحه أستاذنا الشهيد السيد محمد باقر الصدر قدس سره ، مقابل النوعين الأولين من المرجعية ، على أساس أنهما مرجعية ذاتية تتمحور حول شخص المرجع ومعتمديه من أولاده ووكلائه ، وتموت مشاريعها بموته .
وسمهاها أيضاً المرجعية الرشيدة ، في مقابل المرجعة غير الرشيدة ، ويسميها بعضهم المرجعية المؤسساتية ، في مقابل المرجعية غير المنظمة !
وقد بقي هذا المشروع في ذهنه قدس سره ولم يشهد التطبيق !
وقد تبنت مشروعها حركة الدعوة الإسلامية في الستينات ، وكتب الأستاذ محمد عبد الساعدي تصوراً للمرجعية ومجلس الفقهاء ونشره في كتاب ، وخلاصته أن تكون المرجعية مؤسسة مجلس فقهاء شبيهة بالفاتيكان ، تقدم المشورة والفتاوى الفقهية للحاكم المسلم ، ليختار أصلحها في نظره .
كما تبنى بعضهم مشروع المرجعية الرشيدة أخيراً ، ولم ينجح في تطبيقها ، وقد ناقشنا هذا الموضوع في كتاب : ( نظرات في المرجعية )
4 - الاتجاه العصري العلماني :
وهو اتجاه يتبناه مثقفون من أنواع متعددة ، ففيهم علماء دين ومتدينون ، وفيهم غير متدينين ، وملحدون . ذلك أن مصطلح العلمانية في بلادنا كان وما زال عاماً عائماً ، يشمل الملحدين واليساريين والقوميين ، وبعض المتدين
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 31 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
التقليديين الذين يعتقدون بأن الحكم بالدين لغير النبي صلى الله عليه وآله والإمام المعصوم عليه السلام عملٌ يضر بالدين ، ويبعد الناس عنه أكثر مما يقربهم اليه !
ويدَّعون أن مشروعهم يمنع الصراعات الدينية التي تنشأ من تبني الدولة للدين ، كما ينزه الدين من أن يستغله نظام حكم فيمارس الظلم والقتل والاضطهاد باسمه وينفر الناس منه !
والمقولة المشتركة بينهم : أن الدولة يجب أن تكون دنيوية على أساس العلم والقانون والعدالة . . إلى آخر المبادئ الإنسانية بتعبيرهم .
ويقول المتدينون منهم : نحن لا نتبنى تعطيل أحكام الإسلام ، بل يجب علينا أن نعمل بكل وسعنا لبلوغ هذا الهدف العظيم ، لكنا نعتقد عدم إمكان تطبيقها إلا على يد المعصوم عليه السلام !
ويقولون إنهم لا يتبنون العلمانية التي تعادي الدين كعلمانية تركيا وروسيا ، بل العلمانية التي تعطي الحرية للسلوك الفردي ، وتضمن حرية ممارسة شعائر الدين ومؤسساته القانونية ، كما في أكثر البلاد الغربية .
وكان غالبية السياسيين الشيعة والسنة في الستينات ، في العراق وغيره ، من هؤلاء العلمانيين ، وكان عدد قليل من طلبة الحوزة يتأثرون بهم ، ويميلون إلى القومية وأفكار التجديد الغربي .
5 - الاتجاه الحركي الحزبي :
ما أن انتشرت فتوى المرجع الحكيم قدس سره ضد الشيوعية ، حتى أحدثت موجة ضد الشيوعيين في أنحاء المجتمع العراقي ، وبدأت الوفود الشعبية من المحافظات تتقاطر على النجف مؤيدة للسيد المرجع قدس سره ، وتحولت الحوزة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 32 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
العلمية وبيوت علماء الشيعة والسنة ومراكزهم ، إلى خلية عمل لنشر البيانات والكتب ، وعقد المجالس لإدانة الشيوعيين وتأييد الإسلام وعلمائه .
وفي أيام الشعور بالنصر على موجة الإلحاد ، انفتح سوق العمل الحركي والإصلاحي على مصراعيه ، وبدأ التداول في النجف وبغداد وكربلاء وغيرها بين علماء ومثقفين ، في مشاريع العمل الإسلامي .
لم يكن يوجد عند الشيعة إلا تنظيم إيراني ( فدائيان خلق ) وهو تنظيم فدائي يتبنى العنف والإغتيال للتوصل إلى إقامة نظام إسلامي ، ولم يكن معروفاً في البلاد العربية ، إلا في بعض الأوساط المتصلة بالإيرانيين كالنجف .
وكان يوجد تنظيم آخر نشأ في النجف ، اسمه ( الشباب المسلم ) وكان تنظيماً سرياً بقيادة المرحوم الشيخ عز الدين الجزائري ، وهو شبيه بتنظيم الشباب المسلم الذي نشأ قبل سنوات في سوريا ، بعد أن ضرب جمال عبد الناصر تنظيم الإخوان المسلمين في مصر ، وحظر فروعه في سوريا وغيرها .
وكان عند السنة في العراق تنظيم الإخوان المسلمين ، وكان تنظيماً قوياً خاصة في الموصل وبغداد . وقد نافسه تنظيم حزب التحرير ، وكان بعض الشيعة في هذين التنظيمين ، فخرجوا منهما وشاركوا في أطروحات العمل الإسلامي ، والمداولات التي استمرت شهوراً حولها .
واستقرت مداولات المتشاورين والمنظِّرين على تأسيس عدة حركات ، أهمها الدعوة الإسلامية ، كمشروع لإقامة الدولة الإسلامية العالمية ، وكان بعض مؤسسيها متأثرين بأفكار التنظيمات التي كانوا فيها أو أعجبوا بها ، وقد أخذوا موقعاً قيادياً في الدعوة فكانوا أصحاب التأثير في أفكارها وقرارها .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 33 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
في مقابل ذلك تأسست حركات شيعية أخرى ، كانت أقرب إلى المرجعية والحوزة من حركة الدعوة ، لأنها تتبنى قيادة المرجعية ، بينما تتبنى الدعوة قيادة شورى الحزب ، وأغلب أعضاء تلك الشورى لم يكونوا من الحوزة .
وللحديث عن ذلك مجال آخر .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 34 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

مسائل تتعلق بالفهم الإلتقاطي للتشيع

نوجز فيما يلي أهم عوامل الفهم التركيبي أو الإلتقاطي للتشيع ونتائجه ، في تسع مسائل ، وإن كانت كل واحدة منها تستحق كتاباً لتفصيلها .

المسألة الأولى : النظرة الخاطئة إلى التاريخ الإسلامي

في مطلع هذا القرن كان تحدي الغربيين للإسلام والمسلمين كبيراً ، فقد أخذهم الغرور بثورتهم الصناعية وتقدمهم المادي ، ونشطوا لغزوا العالم ، وأخذوا يروجون لنظرية تفوق الإنسان الأوروبي ، بينما كان العالم الإسلامي غارقاً في الركود والتخلف ، تحت حكم الخلافة العثمانية ، والقاجارية . . .
وبعد استفحال موجة الغزو الغربية ، جاءت موجة المد الشيوعي واليساري في أوائل هذا القرن أيضاً ، وكان تحديهم أكثر صراحة ووقاحة !
وكان الرد الطبيعي من علماء المسلمين ومثقفيهم أن قالوا لهم : مهلاً أيها الغربيون والشرقيون ، لا تفخروا علينا فنحن أيضاً أبناء دين وحضارة وأمجاد !
لقد استطاع نبينا صلى الله عليه وآله وديننا العظيم أن يؤسس مداً حضارياً ، وينشئ دولة عالمية ، في مدة قياسية ، في حين كنتم أنتم غارقين في الركود والتخلف !
نحن هزمنا كسرى وقيصر وفتحنا بلادهما ، وأقمنا دولاً حديثة وحضارة عالمية ، أسسنا فيها العلوم ، وعلمنا الشعوب ، ومن جملتهم أنتم !
إنكم مدينون لنا في ثورتكم الصناعية وحضارتكم ، لأنا نحن الذين أسسنا العلوم الطبيعية فاستثمرتموها وطورتموها ، فنحن المؤسسون والأساتذة ، وأنتم التلامذة النابغون !
أما العلوم الإنسانية فكنا وما زلنا معلمين فيها لكم ولغيركم ، لأن ما يوجد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 35 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
في الإسلام من مبادئ وقيم وشريعة سماوية عادلة فوق ما عندكم ، وما زالت مجتمعاتكم بجاجة اليه !
كان هذا المنطق هو السائد عند المسلمين ، وفيه قدر من الصواب ، وفيه ردة فعل وتفاخر ب‍ ( القومية الإسلامية ) .
وعندما نجح الغربيون في إسقاط الخلافة العثمانية سنة 1925 م . بمساعدة الحركة الوهابية وحركة القومية العربية ، وسيطروا على البلاد التي كانت تحكمها ، وأقاموا فيها دولاً قومية عربية وغير عربية . . طفحت ثقافتهم التي تنتقد الدين والتاريخ الإسلامي ، وتأثر بها أبناء المسلمين ، فتعززت عند المتدينين مكانة ثقافة القومية الإسلامية .
وكان أمثال السيد جمال الدين الأفغاني وتلميذه الشيخ محمد عبده ، والشاعر محمد إقبال لاهوري ، يمثلون فكر إنهاض الأمة ، في مقابل موجة الغزو الغربي وثقافته ، وعلى وَقْع صيحاتهم وأفكارهم تأسست الحركات والأحزاب الإسلامية في أندونيسيا ، ثم في مصر ثم في بقية البلاد ، وتبنت ثقافة التفاخر بأمجاد الإسلام وتاريخه وخلافته .
كان من السهل عليك أن تلاحظ أيام الموجة الشيوعية في العراق وبعدها كتب الافتخار بأمجاد الإسلام تملأ أسواق الكتب في النجف ، وتختار ما تريده من كتب جمال الدين الأفغاني ، وحسن البنا ، والمودودي ، ثم سيد قطب ، ومحمد قطب ، وظفر الدين خان . . إلى آخر قائمة المؤلفين الذين يجيبون على فكر الغربيين واليساريين ، ويتفاخرون بأمجاد الإسلام وتاريخه .
كانت تلك الكتب مادة المتدينين لمناقشة الشيوعيين في العراق ، ومادة الخطيب في مساجد مصر ولبنان والهند ، ومادة مقدم البرنامج الديني في
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 36 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إذاعات الدول العربية التي تسمح بذلك .
كانت أنشودتنا الفكرية هي النظرة السنِّية إلى أمجاد تاريخ الاسلام في فتوحاته وحضارته وشمول دولته لكل آسيا وإفريقيا ، ووصولها إلى فرنسا .
هذه النظرة التي تكاد تعتبر أن كل ما حدث في تاريخنا كان صحيحاً بل معجزة ، وتقول إن الأمة ابتعدت عن ذلك الإسلام الصحيح فتسلط عليها أعداؤها وقوضوا كيانها السياسي المتمثل بالخلافة العثمانية ، وأن علينا إعادة دولة الخلافة مجدداً ، مع تحسينات تجعلها تتسع لجميع مذاهبه .
لكن هذا الفكر إن صح جواباً على هجمة الثقافة الغربية والشيوعية ، فلا يصح أن يؤثر علينا نحن أتباع أهل البيت عليهم السلام فنعطي الشرعية لمسار هذا التاريخ وأنظمته ، وننتقص من مقام أهل البيت الطاهرين عليهم السلام بصفتهم أصحاب المشروع البديل لكل التاريخ الإسلامي ، وإن لم يطبق مشروعهم بعدُ .
فلا بد لنا أن نركز أولاً على قضيتهم عليهم السلام بصفتها البرنامج الرباني الذي تركته الأمة ، فتخبطت في ضياعها وصراعاتها وعانت منها ، أكثر مما نَعِمَتْ بما بقي فيها من زَخْم نبوي وهداية ، سلمت من شر برنامجها الأرضي !
لذلك وجب علينا أن نتعامل بدقة مع مفردات الفتوحات والإنجازات المدنية والحضارية التي حققتها الأمة قبل أن تضعف وتنهار ، فننظر إلى كل مفردة على حدة ، ونقيِّمها بميزان الإسلام من وجهة نظر أهل البيت عليهم السلام .
مثلاً الدخول التاريخي للنعمان بن مقرن رحمه الله على كسرى يزدجرد ، وكان اختاره علي عليه السلام وأشار على عمر أن يرسله اليه ، فدخل على كسرى باعتزاز ودعاه إلى الإسلام أو الجزية !
فهذا أمرٌ يعتز به المسلم ، فإن من أمجاد الإسلام أنه جعل واحداً من شيوخ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 37 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قبيلة مزينة الصحراوية كالنعمان ، يخاطب رئيس ثاني أمبراطورية في العالم بهذا الخطاب القوي الواثق ! ( تاريخ اليعقوبي : 2 / 143 ) .
وقصةُ الحمامة التي عششت على خيمة للجيش الإسلامي الذي فتح مصر ، وعندما أرادوا أن يرحلوا أخذتهم الشفقة على فراخها أو بيضها فتركوا لها الخيمة أو الفسطاط ، فسميت المنطقة بفسطاط مصر !
هذه القصة أيضاً من أمجاد الإسلام لأنها رمزٌ تحول إنساني أحدثه الإسلام في نفوس العرب الذين كان بعضهم يدفنون بناتهم وهن أحياء ! ( معجم البلدان : 4 / 263 )
وحقيقةُ أن المسلمين كانوا أرحم الفاتحين ، حتى أن كثيراً من أهل البلاد المفتوحة طلبوا منهم فتح بلادهم ، وإنقاذهم من استعمار الروم والفرس !
هذه أيضاً من أمجاد الإسلام التي تخفف من الأخطاء ، والقتل ، والنهب ، التي ارتكبها المسلمون في عمليات الفتح .
وعلى صعيد الحضارة ، والمدنية ، والقوة السياسية للدولة الإسلامية في القرون الثلاثة الأولى وفي العهد العثماني ، تكثر قائمة الإنجازات الإيجابية . . .
لكن ذلك لا يجيز لنا أن نغمض عيوننا عن السلبيات الكبرى في تاريخ الإسلام ، التي جرَّت الأمة إلى أسوأ نتائج الضعف والانهيار !
ولو لم يكن منها إلا مواجهة الأمة لنبيها صلى الله عليه وآله في حياته ، ورفضها التعهد له بتنفيذ كتابه الذي يؤمِّنُها من الضلال والانحراف والانهيار ، لكفى !
ولو لم يكن منها إلا رفض الأمة منظومة الترتيب الإلهي للحكم بعد نبيها وإقصاؤها آل نبيها صلى الله عليه وآله عن الحكم ، وجعلها الخلافة لقبائل قريش ، لمن غلب منهم بالسيف ، لكفى !
ولو لم يكن منها إلا الحكم الديكتاتوري ومصادرة حريات الأمة ، وتشريع
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 38 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بيعة الحاكم بالتهديد بالسيف ، من يوم السقيفة إلى يومنا هذا ، لكفى !
أليس عجيباً أن نقول إن الإسلام أعطى الإنسان قيمته الإنسانية ، وضمن له حرياته المشروعة ، ثم نرى أنه بمجرد أن أغمض النبي صلى الله عليه وآله عينيه صادروا حريات المسلمين في سقيفة قريش ، وسَنُّوا سُنَّة البيعة بالإجبار والتهديد بالقتل وحرق البيوت ! فلم نجد بعد ذلك اليوم في تاريخ الأمة حاكماً لم يجبر المسلمين على بيعته ، غير الإمامين علي والحسن صلى الله عليه وآله !
إن علينا عندما ننظر إلى أمجاد الإسلام العظيمة ، أن ننظر إلى ما يقابلها من جرائم عظيمة ، أدت إلى تبخير كل ذلك الكيان ، وجعله حكايةً في خبر كان !
وعندما نتحدث عن أزهى عصور الإسلام وقوة دولته في عصر هارون الرشيد ، علينا أن نعرف أيَّ سفاح كان هذا الخليفة ، الذي رأى كرامات الإمام الكاظم عليه السلام ومعجزاته وشاهد آيات الله على يديه ، فازداد قلبه قسوة ولم يقنع بسجنه الطويل ، حتى قتله !
أن نعرف أن هذا ( الخليفة الرشيد ) ظل يتلذذ بسفك الدماء وتقطيع الناس إلى أشلاء إلى آخر دقيقة من حياته كما يرويه محبوه وليس مبغضوه !
قال الطبري في تاريخه : 6 / 525 : ( عن ابن جامع المروزي عن أبيه قال : كنت فيمن جاء إلى الرشيد بأخ رافع ، قال فدخل عليه وهو على سرير مرتفع عن الأرض بقدر عظم الذراع ، وعليه فرش بقدر ذلك أو قال أكثر ، وفي يده مرآة ينظر إلى وجهه ، قال فسمعته يقول : إنا لله وإنا إليه راجعون ، ونظر إلى أخ رافع فقال : أما والله يا ابن اللخناء إني لأرجو أن لا يفوتني خامل ، يريد رافعاً ، كما لم تفتني ! فقال له : يا أمير المؤمنين قد كنت لك حرباً وقد أظفرك الله بي فافعل ما يحب الله ، أكن لك سلماً ، ولعل الله أن يلين لك قلب رافع إذا علم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 39 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أنك قد مننت عليَّ ! فغضب وقال : والله لو لم يبق من أجلي إلا أن أحرك شفتي بكلمة لقلت أقتلوه ! ثم دعا بقصاب فقال : لا تشحذ مداك ، أتركها على حالها ! وفَصِّلْ هذا الفاسق وعجل لا يحضرنَّ أجلي وعضوان من أعضائه في جسمه ! ففصله حتى جعله أشلاءً ! فقال : عُدَّ أعضاءه ، فعُدَّت له أعضاؤه فإذا هي أربعة عشر عضواً ! فرفع يديه إلى السماء فقال : اللهم كما مكنتني من ثأرك وعدوك فبلغت فيه رضاك ، فمكني من أخيه ! ثم أغمي عليه وتفرق من حضره ! ) . انتهى .
ولم يكن الخلفاء العثمانيون أفضل من هذا الخليفة القصاب ، بل أسوأ !
إن الذين حكموا الأمة من مخالفي أهل البيت عليهم السلام مَثَلُهُمْ كقراصنة بحرٍ سَطَوْا على سفينة نبيٍّ ، فاعتقلوا ربانها ومعاونيه ، وأبحروا بالسفينة وأهلها وحاربوا لصوصاً آخرين في طريقهم ، وحققوا عليهم انتصارات .
وفي المقابل اضطهدوا أهل السفينة وساموهم سوء العذاب ، واتخذوا بعضهم أعواناً ، ولم يوصلوا السفينة إلى الساحل ، بل اختلفوا فيما بينهم وتقاتلوا ، فرسَوْا بها في جزيرة ، فاستلمها لصوص أجانب غنيمةً باردة !
وخلاصة الأمر : ما دمنا نؤمن بإمامة أهل البيت النبوي عليهم السلام وظلامتهم العظيمة ونقيِّمُ تاريخ الإسلام بميزان الإسلام ، فلا بد أن ننظر معاً إلى الوجهين المضئ والمظلم ، فهذا الوجه المظلم هو الذي قوض الكيان الشكلي للإسلام ومكَّن الظلام الغربي من السيطرة !
العلاقة بين المعصوم عليه السلام وغاصبي سلطته :
من أبرز مصاديق الخلل في فهم تاريخ الإسلام ، الخطأ الذي يقع فيه بعض هؤلاء في فهم العلاقة بين الأئمة المعصومين عليهم السلام وغاصبي سلطتهم .
فمن الواضح أن الجدلية بين نبي صادق عليه السلام ومُدَّعٍ للنبوة ، أو بين إمامٍ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 40 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مختارٍ من ربه عليه السلام وبين غاصبٍ لسلطته ، لا يمكن أن تكون إلا جدلية النفي التام ! فالقيادة المعصومة والغاصبة ضدان يستحيل أن يجتمعا . ومهما بدا لنا من إمضاء المعصوم عليه السلام لوضعٍ من الأوضاع ، فلا بد أن يكون رحمةً بالأمة من أجل تقليل الضياع ، وتأخير الانهيار ، وحفظ ما يمكن من المهدور ، وتصريف ما يجب تصريفه من الأمور .
ومحالٌ أن يكون إعطاءَ روحٍ لميت ، أو منحَ شرعيةٍ لغاصب !
وبهذا نعرف أن كل محاولات التقليل من هذه الجدلية لا تنسجم مع أسِّ أساس المذهب الذي هو بيعة الغدير ، وبقية نصوص النبي صلى الله عليه وآله القاطعة على إمامة علي عليه السلام والعترة الطاهرة وعصمتهم عليهم السلام ، ولا مع موقف أمير المؤمنين والصديقة الزهراء وجميع الأئمة عليهم السلام الذي يؤكد على أن كل ترتيب يزعمه أحد في قبال المعصوم فهو ردٌّ على الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله ومَعْلَمٌ من معالم الضلال البشري في مقابل الهدى الإلهي ، وخطُّ انحرافٍ في مقابل الصراط المستقيم .
إن النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام مهما أمرونا أن نسكت على نظام حكم من غصبهم سلطانهم الرباني ، أو أن نتعاون معه في المشتركات ، فلم يجيزوا لنا أن نعطي نظامه حرفاً من الشرعية ، إلا ما جاز في خوف وتقية .
نسبة الفتوحات الإسلامية إلى الولاة لا إلى الأمة :
يُهَوِّل علينا خصوم أهل البيت عليهم السلام بأن أبا بكر وعمر وعثمان هم الذين قادوا الفتوحات الإسلامية ، وأن علياً عليه السلام انشغل عنها بالحروب الداخلية ، حرب الجمل عائشة وطلحة والزبير ، وحرب صفين مع معاوية ، والنهروان مع الخوارج ، فقد أوقف حركة الفتوحات ، أو أنها كانت تمت قبل عهده .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 41 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وهم يريدون بذلك إثبات فضيلة لخلفاء قريش ، توجب غض النظر عما ارتكبوه من غصب الخلافة ، وإقصاء أهل البيت عليهم السلام !
وقد أثر هذا التهويل على بعضهم لعدم اطلاعهم على دور أمير المؤمنين عليه السلام ودور الأمة في الفتوحات . ونكتفي هنا بذكر ملاحظات كلية حول ذلك :
1 - لقد هيأ النبي صلى الله عليه وآله المسلمين للفتوحات وأخبرهم من أول بعثته بأن الله تعالى وعده أن تفتح أمته بلاد كسرى وقيصر وتملك كنوزهما ، وكان ذلك معروفاً للجميع وكأنه من عقائد الإسلام وأحكامه .
ففي مجمع الزوائد : 9 / 103 : ( عن عفيف الكندي قال : كنت امرأ تاجراً فقدمت مكة فأتيت العباس بن عبد المطلب لأبايع منه بعض التجارة وكان امرأ تاجراً قال : فو الله إني لعنده بمنى إذ خرج رجل من خباء قريب منه إذ نظر إلى السماء فلما رآها مالت قام يصلي ، ثم خرجت امرأة من ذلك الخباء الذي خرج ذلك الرجل منه فقامت خلفه تصلي ، ثم خرج غلام حين ناهز الحلم من ذلك الخباء فقام معه يصلي . قال فقلت للعباس يا عباس : ما هذا ؟ قال : هذا محمد بن أخي بن عبد الله بن عبد المطلب . قال قلت : من هذه المرأة ؟ قال : هذه امرأته خديجة ابنة خويلد . قال : فقلت من هذا الفتى ؟ قال : هذا علي بن أبي طالب ابن عمه . قال قلت : فما هذا الذي يصنع ؟ قال : يصلي وهو يزعم أنه نبي ، ولم يتبعه على أمره إلا امرأته وابن عمه هذا الفتى ، وهو يزعم أنه ستفتح عليه كنوز كسرى وقيصر ! !
قال فكان عفيف وهو ابن عم الأشعث بن قيس يقول وأسلم بعد فحسن إسلامه : لو كان الله رزقني الإسلام يومئذ فأكون ثانياً مع على بن أبي طالب ! ! رواه أحمد وأبو يعلى بنحوه والطبراني بأسانيد ، ورجال أحمد ثقات . ) . انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 42 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي الكافي : 8 / 216 : عن الإمام الصادق عليه السلام قال : ( لما حفر رسول الله صلى الله عليه وآله الخندق مروا بكدية ( وصلوا إلى صخرة صلبة ) ، فتناول رسول الله صلى الله عليه وآله المعول من يد أمير المؤمنين عليه السلام فضرب بها ضربة فتفرقت بثلاث فرق ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : لقد فتح عليَّ في ضربتي هذه كنوز كسرى وقيصر ، فقال أحدهما لصاحبه : يعدنا بكنوز كسرى وقيصر وما يقدر أحدنا أن يخرج يتخلى ) !
ونسب ابن هشام في سيرته : 2 / 365 و : 3 / 706 ، هذا القول إلى مُعتَّب بن قشير الأنصاري . والمهم إثبات أن الوعد الإلهي بالفتوحات كان معروفاً للجميع ، وأن الأمة كانت متحفزة لذلك ، ومعتقدة أن فتح بلاد فارس والروم وعدٌ من الله الذي لا يخلف الميعاده ، وأن أي حاكم يتولى السلطة بعد النبي صلى الله عليه وآله كان محكوماً لهذه العقيدة ، مجبوراً على أن يوجه الأمة وجهتها النبوية .
2 - أن خلافة أبي بكر كانت نحو سنتين ، ولم يكن فيها إلا مقدمات الفتوحات ، أما في خلافة عمر فكان علي عليه السلام هو المدبر الحقيقي للفتوحات ، وكان تلاميذه الفرسان عمدة قادتها الميدانيين ، مثل عمار بن ياسر ، وحذيفة بن اليمان ، وسلمان الفارسي ، وأبو ذر الغفاري ، والمقداد بن عمرو ، وحجر بن عدي ، ومالك الأشتر ، وهاشم المرقال ، وعبادة بن الصامت ، وخالد بن سعيد بن العاص وإخوته أبان وعمرو ، وبريدة الأسلمي ، وبلال بن رباح ، وعبد الله بن خليفة البجلي ، وعدي بن حاتم الطائي ، وبديل بن ورقاء الخزاعي والنعمان بن مقرن . . وغيرهم من الفرسان الذين كانوا من شيعة علي عليه السلام ، والذين قامت على أكتافهم حروب الفتوحات .
ويكفي أن نعرف أن المسلمين هزموا في أول معركة لهم مع الفرس قرب
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 43 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الكوفة ، وهي التي تسمى ( يوم القادسية ، ويوم الجسر ، وقيس الناطف ) حتى طمع الفرس في غزو المدينة ، وأعدوا جيشاً ذا عدد ، فخاف عمر واستشار الصحابة ، فثبته أمير المؤمنين عليه السلام وطمأنه بالنصر ، وأشار عليه أن يقيم في المدينة ويرسل مدداً للمسلمين ، واختار لمددهم عدداً من القادة الفرسان .
ومن المعروف عن عمر أنه كان خوافاً ولم يكن يوماً فارس حرب ، وقد شهد بأن أبا بكر وصفه بالجبن والخور ! ففي كنز العمال : 6 / 527 : ( عن عمر قال : لما قبض رسول الله ارتد من ارتد من العرب وقالوا : نصلي ولا نزكي فأتيت أبا بكر فقلت : يا خليفة رسول الله تألف الناس وارفق بهم فإنهم بمنزلة الوحش ، فقال : رجوت نصرك وجئتني بخذلانك ! جبار في الجاهلية خوار في الإسلام ! ماذا عسيت أن أتألفهم بشعر مفتعل أو بسحر مفترى ؟ ! هيهات هيهات مضى النبي وانقطع الوحي ! ! والله لأجاهدنهم ما استمسك السيف في يدي وإن منعوني عقالاً ، قال عمر فوجدته في ذلك أمضى مني وأصرم مني ، وأدب الناس على أمور هانت عليَّ كثير من مؤنتهم حين وليتهم ) .
وبعد أن نصر الله المسلمين وفتحوا أكثر العراق والبصرة والأهواز ، أوقف عمر الفتوحات ! قال الطبري : 3 / 176 : ( قال عمر حسبنا لأهل البصرة سوادهم والأهواز ، وددت أن بيننا وبين فارس جبلاً من نار لا يصلون إلينا منه ولا نصل إليهم ! كما قال لأهل الكوفة : وددت أن بينهم وبين الجبل جبلاً من نار لا يصلون إلينا منه ولا نصل إليهم ! ) .
وفي الطبري : 3 / 246 : ( عن أبي الجنوب اليشكري عن علي بن أبي طالب قال : لما قدم على عمر فتح خراسان قال لوددت أن بيننا وبينها بحراً من نار ، فقال علي وما يشتد عليك من فتحها ، فإن ذلك لموضع سرور ! ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 44 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والأمر في فتح الشام كفتح العراق ، وهما أساس كل الفتوحات الإسلامية ، فيكفي أن نعرف دور الأبطال من تلاميذ علي عليه السلام مثل حذيفة ، وحجر بن عدي ، وخالد بن سعيد بن العاص الذي كان أبو بكر كتب له مرسوم قيادة فتوحات الشام ، فخالف عمر وأصرَّ عمر على عزله لأنه من شيعة علي ، لكنه ذهب قائدأ ميدانياً ، وهاشم المرقال الذي كان قائد الرجالة ، ومالك الأشتر ، الذي غير الميزان لمصلحة المسلمين في معركة اليرموك وهي أهم معارك المسلمين مع الروم عندما برز إلى قائد الروم وبطلهم ( ماهان ) فقتله !
قال ابن الأعثم في كتابه الفتوح ص 230 :
( ثم سار ماهان من أرض حمص في مائة ألف فارس ، حتى نزل اليرموك وهو نهر من أنهار بلد الأردن ، فلما استقر به الموضع إذا قناطر قد أقبل في مائة ألف فارس حتى نزل به مع ماهان ، قال : وإذا بطريق من بطارقة الروم يقال له جرجيس قد أقبل من عند ملك الروم مدداً لماهان في مائة ألف فارس ، قال : فصار ماهان في أربعمائة ألف فارس ) .
وقال في ص 268 : ( وبرز ماهان فخرج إليه رجل من دوس فقتله ماهان ، وخرج إليه ثان فقتله ! وجال ماهان وقوي قلبه ودعا بالبراز فسارع المسلمون إليه وكل يقول : اللهم اجعل قتله على يدي ، فكان أول من برز إليه مالك النخعي ثم جاوله في ميدان الحرب ، فقال له ماهان : أنت صاحب خالد بن الوليد ؟ قال : لا ، أنا مالك النخعي صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله ، فحمل على مالك وضربه بعموده على بيضته فغاصت البيضة في جبهته فشترت عينه ، فمن ذلك اليوم سمي ( الأشتر ) وكان من فرسان العرب المذكورة ، فصبر نفسه وحمل على ماهان والدم يسيل من جبهته ! وأخذته أصوات المسلمين فقوى
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 45 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عزمه . قال مالك : فاستعنت عليه بالله عز وجل وصليت على محمد صلى الله عليه وآله وضربته ضربة عظيمة فقطع سيفي فيه قطعاً غير موهن ، فلما حس بحرارة الضربة ولى منهزماً ، فصاح خالد بالمسلمين : يا أهل الصبر والبأس احملوا على القوم ما داموا في دهشتهم . . . الخ . ) . انتهى .
ولا مجال لتفصيل دور علي عليه السلام وتلاميذه في الفتوح ، وهو يحتاج إلى دراسة جادة تكشف الواقع ، وتنفي عنه تزييف رواة السلطة القرشية .
قال عليه السلام شاكياً قريشاً :
( اللهم إني أستعديك على قريش فإنهم أضمروا لرسولك صلى الله عليه وآله ضروباً من الشر والغدر فعجزوا عنها ، وحِلْتَ بينهم وبينها ، فكانت الوجبة بي والدائرة عليَّ . اللهم احفظ حسناً وحسيناً ولا تمكن فجرة قريش منهما ما دمت حياً ، فإذا توفيتني فأنت الرقيب عليهم ، وأنت على كل شئ شهيد .
وقال له قائل : يا أمير المؤمنين أرأيت لو كان رسول الله صلى الله عليه وآله ترك ولداً ذكراً قد بلغ الحلم ، وآنس منه الرشد ، أكانت العرب تسلم إليه ؟ أمرها ؟
قال : لا ، بل كانت تقتله إن لم يفعل ما فعلتُ ! إن العرب كرهت أمر محمد صلى الله عليه وآله وحسدته على ما آتاه الله من فضله ، واستطالت أيامه حتى قذفت زوجته ، ونفرت به ناقته ، مع عظيم إحسانه إليها ، وجسيم مننه عندها ، وأجمعت مذ كان حياً على صرف الأمر عن أهل بيته بعد موته !
ولولا أن قريشاً جعلت اسمه ذريعة إلى الرياسة ، وسلماً إلى العز والإمرة ، لما عبدت الله بعد موته يوماً واحداً ، ولارتدت في حافرتها ، وعاد قارحها جذعا ، وبازلها بكراً !
ثم فتح الله عليها الفتوح ، فأثْرت بعد الفاقة ، وتمولت بعد الجَهد والمخمصة ، فحسن في عيونها من الإسلام ما كان سمجاً ، وثبت في قلوب كثير منها من الدين ما
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 46 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كان مضطرباً ، وقالت : لولا إنه حق لما كان كذا ، ثم نسبت تلك الفتوح إلى آراء ولاتها ، وحسن تدبير الأمراء القائمين بها ، فتأكد عند الناس نباهة قوم وخمول آخرين ، فكنا نحن ممن خمل ذكره وخبت ناره ، وانقطع صوته وصيته ، حتى أكل الدهر علينا وشرب ، ومضت السنون والأحقاب بما فيها ، ومات كثير ممن يعرف ، ونشأ كثير ممن لا يعرف ! !
وما عسى أن يكون الولد لو كان ! إن رسول الله صلى الله عليه وآله لم يقربني بما تعلمونه من القرب للنسب واللحمة ، بل للجهاد والنصيحة ، أفتراه لو كان له ولد هل كان يفعل ما فعلت ! وكذاك لم يكن يقرب ما قربت ، ثم لم يكن عند قريش والعرب سبباً للحظوة والمنزلة ، بل للحرمان والجفوة ! !
اللهم إنك تعلم أني لم أرد الإمرة ، ولا علو الملك والرياسة ، وإنما أردت القيام بحدودك والأداء لشرعك ، ووضع الأمور في مواضعها ، وتوفير الحقوق على أهلها ، والمضي على منهاج نبيك صلى الله عليه وآله ، وإرشاد الضال إلى أنوار هدايتك ) . ( شرح النهج : 20 / 298 ) .
3 - حتى لو سلمنا أن لسلطة الخلافة القرشية وخلفائها دوراً في الفتوحات ،
فإن ذلك لا يغير من الأمر شيئاً ، ولا يعطي شرعية لحكم خالف النص النبوي والأمر الإلهي وقام على أساس العصبة القبلية وأن قبائل استكثرت على بني هاشم النبوة والخلافة ، فقررت أن تأخذ منهم الخلافة وتجعلها في قبائلها ! ! وقد صرح بمعنى ذلك عمر بن الخطاب ! ولا مجال للتفصيل .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 47 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة الثانية : الفهم الخاطئ للوحدة الإسلامية

وحدة الأمة فريضة شرعية على جميع المسلمين ، ومطلب لجميعهم ، لكنها مع ذلك حلمٌ بعيد المنال !
والسبب هو السياسة التي فرقت وما زالت تفرق الأمة !
وأهم مشاريع الوحدة ثلاثة :
1 - الوحدة بالإجبار على مذهب الخليفة وطاعته :
وهي تعني سيطرة خليفة أو حاكم على الأمة وفرض مذهبه وأفكاره عليها بالقوة ، ومصادرة حريات المعارضين الثقافية والمذهبية والسياسية .
وهي التي طبقها أبو بكر وعمر وعثمان بعد النبي صلى الله عليه وآله وكذلك بنو أمية وبنو العباس ، ثم طبقتها الدول المنشقة عنهم كدولة الأدارسة في المغرب ، ودولة الأمويين في الأندلس ، ثم الدول الوارثة لهم كدولة المماليك في مصر ، وأخيراً دولة الخلافة العثمانية .
وهي الوحدة التي يتبناها أصحاب مشروع الخلافة الإسلامية في عصرنا ، كحزب الإخوان المسلمين وحزب التحرير الإسلامي ، وكل الحركات التي تدعو إلى إعادة أمجاد الإسلام والخلافة .
ونحن بصفتنا أتباع مذهب أهل البيت عليهم السلام وفقهه ، لا نستطيع أن نعتبر دول الخلافة دولاً شرعية ، ولا إسلامية بالمعنى الحقوقي ، لأن الحكم فيها قام على الغلبة والقهر ، وليس على دستور ونظام حكم محدد الأجهزة والآليات !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 48 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولأنها صادرت الحريات الشرعية لفئات واسعة من الأمة ، إن لم يكن لجميعها ، وهما أمران يحتاجان إلى بحث مستقل .
ونستثني دولة أمير المؤمنين علي عليه السلام لأنه الحاكم الوحيد الذي قام حكمه على البيعة بالاختيار ، ولم يجبر أحداً على بيعته أو القتال معه ، وأعاد إلى المسلمين حريتهم في التعبير والعمل معه أو ضده !
إن نقطتي الضعف هاتين ( الحكم بالغلبة ، ومصادرة الحريات ) هما السبب في انهيار الدول التي قامت في تاريخنا الإسلامي ، رغم أنها كانت تملك أفضل الظروف ، وأقوى عوامل الثبات والاستمرار !
فقد كانت النتيجة الطبيعية للنظام القرشي الذي ولدته السقيفة وقمعت لأجله الأنصار وأهل البيت عليهم السلام ، أن يتسلط بنو أمية ، وأن يسببوا في الأمة ردة فعل فيتسلط بنو العباس ، ثم تتسلط عسكر تاريا المماليك والأتراك ، ثم تدفن الخلافة العثمانية بيد الغربيين في استانبول ، وبمساعدة حركات ( التحرر ) العربية ، والحركة الوهابية السلفية !
2 - الوحدة التلفيقية بين المذاهب :
يتصور البعض أن بالإمكان توحيد المسلمين مذهبياً بالاتفاق على المشتركات في العقائد والفقه ، وحل المسائل الخلافية بحلول وسط .
ويكثر هذا التصور في المثقفين على الطريقة الغربية ، الذين لا يعني لهم الدين شيئاً كثيراً ، فضلاً عن الفروقات بين مذاهبه ! كما يوجد في مناطق تعايش السنة والشيعة ، فيقول بعضهم : أنا مسلم وكفى ، نريد إسلاماً بلا مذاهب !
والإشكال عليه أنه مشروع نظري غير قابل للحياة ، فليس له ضابطة تعيِّن المشتركات ، ولا مَن سيختارون المذهب الملفق من المذاهب ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 49 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولو فرضنا أنه تحقق في صيغة من الصيغ ، وصار للمذهب ( المنتخب ) قوانين حكومية ، فسيكون سبباًً لخلافات جديدة بين الناس !
قد يقال : نعم ، ولهذا يستدل العلمانيون على ضرورة القوانين العلمانية ، بأن المسلمين مختلفون على المذهب الذي يجب تطبيقه ، فالأفضل أن تكون القوانين مدنية حتى لا نقع في مشكلة الصراع المذهبي .
والجواب : أن الحل الإسلامي للقوانين لا ينحصر بفرض مذهب بالغلبة والقهر ، أو مذهب تلفيقي ! بل يكون بإعطاء الحرية المذهبية للمسلمين .
وثانياً ، أن النظام العلماني نفسه ليس إلا شكلاً غربياً لنظام القهر والغلبة ! فهو لا يحل مشكلة الدستور والقوانين ، بل يلجأ إلى الحكم العسكري لخوفه من الانتخابات الحرة !
وثالثاً ، أن النظام العلماني ليس حلاً لمشكلة المذهبية ، بل هو إحداث قول ثالث ومذهب إضافي تعارضه أكثرية المسلمين من مختلف المذاهب !
3 - الوحدة السياسية مع حفظ الحريات الإقليمية والمذهبية :
وهو الأكثر ملاءمة للإسلام وروح العصر ، لأنه لا يقوم على القهر والغلبة ، بل يعطي الحرية المذهبية للمسلمين ، ويركز على وحدتهم في حفظ مصالحهم العليا كشؤون الدفاع ، والتنمية ، والحفاظ على الثقافة الإسلامية .
وهذه الوحدة التي دعا إليها أهل البيت عليهم السلام بعد أن خسرت الأمة وحدتها الطبيعية بوفاة النبي صلى الله عليه وآله ودخلت تحت وحدة الإجبار على مذهب الخليفة !
مقولة إخفاء المذهب من أجل الحفاظ على الوحدة !
كنا في الستينات نفكر أنَّنا كأصحاب مشروع نهضوي بالأمة ، لابد أن نحرص على وحدتها ، ونغض النظر عن مذهبنا ، ونخاطبها إسلامياً لا مذهبياً !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 50 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وبما أن أئمتنا عليهم السلام أئمة لكل الأمة ، فعلينا أن نقدمهم بصفتهم قادة عملوا لإغناء المسار الإسلامي وتصحيحه . لكنه تصور خاطئ للأسباب التالية :
1 - أن مخاطبة الأمة بالإسلام بدون مذهب أو بإخفائه ، قد يصح من شخص يحتاج إلى إخفاء مذهبه مثل السيد جمال الدين الأفغاني ، لأن إظهار مذهبه يضر بهدفه الذي نذر له حياته ، وهو المحافظة على الأمة من الغزو الغربي ، والعمل لتقوية قيادتها المتمثلة بالخلافة العثمانية .
أما الحركة التي تنطلق من علماء في الحوزة العلمية في النجف ، وتعمل في وسط شيعي ، وأحياناً نادرة في وسط سني ، فلا يمكنها أن تواصل مخاطبتها للأمة بدون مذهب إلا مدة قصيرة ! لأن مذهبها معروف من سلوك أفرادها ، وسوف ينظر أتباع المذاهب الأخرى بريبة إلى أسلوبهم في إخفاء مذهبهم ، ويطلبون منهم تحديد موقفهم من المذاهب .
وهذا ما حدث بالفعل ، فقد تم تصنيف الحركات الإسلامية المرتبطة بعلماء الشيعة إلى حركات مذهبية ، سواء من الحكومات أو الجمهور السني ، وصار ذلك لازمةً لها لا تنفك عنها ، ولم ينفعها ابتعادها عن إعلان مذهبها ، ولا تحاشيها الخطاب المذهبي في ثقافتها !
2 - أن من أقوى عوامل نجاح الوحدة بين المسلمين ، صدق الداعية إلى الوحدة في طرحه وممارسته ، فداعية الوحدة سيكون أقدر على تحقيق هدفه إذا أظهر مذهبه الذي يعتقد به ، فقال أنا شيعي أتبع مذهب أهل البيت عليهم السلام ، أو أنا سني أتبع المذهب الشافعي ، ومع ذلك أدعو وأعمل لوحدة المسلمين وتآخيهم ، للنهوض بواقعهم إلى واقع أفضل .
فهذا الصدق في الشخصية ، شخصاً أو حركة ، أدْعَى إلى ثقة الموافق والمخالف ، بينما إخفاء المذهب أو تعويمه ، يعني وجود ظلال مبهمة تؤثر
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 51 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
سلبياً على الثقة ، وقد يخطر في بال الذين يدعوهم إلى الوحدة والتعاون ، أن هذا لو كان مخلصاً لمذهبه لأظهره ، وحيث لم يظهره ولم يكن صادقاً مع مذهبه ، فكيف يكون صادقاً في دعوته لوحدة المسلمين ؟ !
3 - إن القول بأن أئمتنا عليهم السلام أئمةٌ لكل المسلمين ، وأنهم حملوا همَّ الإسلام والأمة كلها ، مَنْ وافقهم ومن خالفهم ، وعملوا لمصلحة الجميع ، وأنا يجب أن نقدمهم إلى جميع الأمة والى العالم بأحسن أسلوب . .
هذا كله صحيحٌ ، لكنه لا يجيز لنا بحال أن ننسب إلى هؤلاء المعصومين الطاهرين المطهرين عليهم السلام أنهم أقروا مسار الأمة المنحرف ، أو نحمِّلهم شيئاً من أوزار أنظمتها وجرائم طغاتها في صراعهم على السلطة وأنهار الدماء التي أجروها من ملايين المسلمين المخالفين لهم !
وكيف يجوز لنا أن نحمِّل المعصومين الأطهار عليهم السلام الذين دفعوا حياتهم ثمناً لمعارضة حكام الجور ، شيئاً من أوزار الانحرافات الخطيرة عن الإسلام ، التي سببت أسوأ الكوارث في الأمة ، حتى أدت إلى انهيار كيانها بالكامل وتسليط الغربيين على شؤونها ومقدراتها ؟ !
البحث العلمي المذهبي لا ينافي الوحدة الإسلامية :
كان المهم عند أساتذتنا بعد الموجة الشيوعية : العمل للإسلام كما يفهمونه فقد اعتبروا ذلك فريضةً متفقاً عليها ، وأصدروا حكمهم على الذين لا يرونها فريضةً بأنهم موالون للسلطة ، أو خائفون لا يملكون الشجاعة !
ومع أنهم لم يبحثوا المسألة بحثاً فقهياً في موقف الأئمة عليهم السلام ورواياتهم الشريفة في الخروج على الحاكم ، وفتاوى الفقهاء !
مع ذلك كانت الأولوية المطلقة عندهم لعمل التوعية على هذا الخط فقط .
ولهذا السبب ، كانت نظرتهم إلى البحث العلمي المذهبي سلبية ، لأنه في
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 52 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
تصورهم إشغالٌ للأمة ببعضها ، ناتجٌ عن عدم الوعي ، أو عن تحريك أعداء الإسلام ، وأنَّ واجبنا الابتعاد عنها ، ونُصح أصحابها ، وأحياناً مقاومتها !
هكذا وبكل بساطة ، شطب هؤلاء المحترمون على كل فعاليات البحوث العلمية لبيان التشيع ، ورد الحملات الظالمة عليه ! وكأن مقاومة أعداء الأمة والعمل لإقامة حياتها على أساس الاسلام ، يستلزم سكوتنا عن الطعن في مذهب أهل البيت عليهم السلام ، ويتنافى مع الدفاع عنه وبيان جواهره للأمة والعالم !
وبذلك وجَّهونا ولو عن غير قصد ، إلى مقاومة دفاعات علماء الشيعة وكتَّابهم عن التشيع ، بحجة أنها أعمال مذهبية ، تضر بمسيرة الأمة نحو وحدتها ومقاومة أعدائها !
كانت خسارتنا كبيرة طوال انشغالنا عن الدفاع عن مذهب أهل البيت الطاهرين عليهم السلام ، ولم تقتصر على خسارتنا لثقافتنا المذهبية اللازمة ، بل تحولنا عن غير قصد إلى عامل يعضد تلك الحملات الضارية ، التي يشنها النواصب والأجانب على مذهب أهل البيت عليهم السلام وأتباعه ، بمن فيهم نحن ! !
نضحي بوحدة الطائفة ولا نربح وحدة الأمة :
من مفارقات أصحاب هذا الاتجاه أنهم مشغوفون بالوحدة الإسلامية ، يلهجون بها دائماً ويعملون لها ، ويرقبون أي عمل قد يثير أحداً من أبناء المذاهب فيقفون ضده .
حسناً جزاكم الله خيراً ، فأنتم كمن يعمل للحفاظ على وحدة أهل حيِّه الذي يسكن فيه ، لكن هل يصح له أن يخرب وحدة بيته ؟ !
ما بالكم لا تراعون جمهور الشيعة وعلماءهم ومراجعهم الذين يخالفونكم بمقدار ما تراعون فلان السلفي ، أو فلان الحنفي ؟ أليس الدار قبل الجار ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 53 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة الثالثة : تعويم الإجتهاد ، وتعويم المرجعية

كان الإجتهاد عند السنيين محصوراً بالمذاهب الأربعة ، وإذا فتح بابه فإنما يفتح لكبير علماء الأزهر ، ويتقيد الشعب المصري برأيه وأكثر العالم السني .
أما بعد ضرب مكانة الأزهر ، فقد تعوَّم مركز الفتوى ، ودخل فيه من هبَّ ودب ، ممن يرغب أن يكون مفتياً له أتباع !
أرادت السلطة المصرية والغربيون ، أن يستبدلوا مركزية الأزهر الدينية الخطيرة برمز ديني تعينه السلطة ! ولم يحسبوا حساب المخزون الديني في الأمة ، وأن جذور الأزهر ستنبت في كل بلد أزهر جديداً ، ومفتين جدداً !
لقد ضربوا مركز الفتوى الطبيعي ومكانة العلماء الطبيعية عند المسلمين ، لكنهم زرعوا بذور عشرات المراكز ، فأنبتت مئات القيادات الدينية ، وأكثرهم جهلاء ، يفتون في كل أمور الدين ، بلا تخصص في علومه ، ولا قواعد في فهم نصوصه ، ولا ضوابط للاجتهاد !
إن ما حدث في مصر تعويمٌ فوضويٌّ لمرجعية الدين أغرق الموازين وطفح بسببه جيل من ( المجتهدين ) كل بضاعة الواحد ظنونه واستحساناته ، وقدرته على إقناع بعض الناس بأن يقلدوه ويعملوا بفتاواه ، وربما بأوامره العسكرية !
لقد ملأ التعويم المصري للاجتهاد أسواق الأمة وأذهانها بظنون المفتين الجدد وتخيلاتهم ، وصار معنى طلب العلم طلب الظن ، وطلب الاحتمال !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 54 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ومصر هي مصر ! التي كانت وما زالت مؤثرة على كل العالم الإسلامي ، حتى على خصومها الوهابيين ، وعلينا نحن الشيعة رغم خصوصيتنا المذهبية !
فمن طريف ما نلاحظه أن علماء المذهب الوهابي الذين هم مقلدون تقليداً حنبلياً لابن تيمية ، والشيخ محمد عبد الوهاب ، قلدوا المصريين في تعويم الإجتهاد في الدين فأباحوه حتى لعوامهم ! فهذه هيئة علمائهم تعطي إجازة اجتهاد لمعلمة عادية ، تسألهم :
سؤال : أنا مدرسة دين متخرجة من الكلية المتوسطة قسم دراسات إسلامية ، وقد اطلعت على مجموعة من الكتب الفقهية ، فما هو الحكم حين أسأل من قبل الطالبات فأجاوبهن على حسب معرفتي ، أي عن طريق القياس والاجتهاد دون التدخل في أحكام الحرام والحلال ؟
جواب : الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه ، وبعد : عليك مراجعة الكتب والاجتهاد ، ثم الإجابة بما غلب على ظنك أنه الصواب ولاحرج عليك في ذلك ! أما إذا شككت في الجواب ولم يتبين لك الصواب فقولي لا أدري ، وعديهن بالبحث ثم أجيبيهن بعد المراجعة ، أو سؤال أهل العلم للاهتداء إلى الصواب حسب الأدلة الشرعية . وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .
( التوقيع : اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والافتاء . عضو : عبد الله بن قعود ، عضو : عبد الله بن غديان . نائب الرئيس : عبد الرزاق عفيفي ، الرئيس : عبد العزيز بن عبد الله بن باز - كتاب فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والافتاء في المملكة العربية السعودية ، مجلد : 5 / 48 - 49 ، فتوى رقم 4798 ) .
أما السؤال الثالث من الفتوى رقم 4400 ، فهو من طالب مبتدئ يسألهم : هل أن من لم يحفظ ستة آلاف حديث فلا يحل له أن يقول لأحد هذا حلال وهذا حرام ، فليتوضأ وليصل صلاته فقط .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 55 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أجابته هيئة علماء الوهابية : كل من تعلم مسألة من مسائل الشريعة الإسلامية بدليلها ووثق من نفسه فيها ، فعليه إبلاغها وبيانها عند الحاجة ، ولو لم يكن حافظاً للعدد المذكور في السؤال . ( نفس المصدر ونفس التواقيع ) .
وبهذه الفتاوى تضع يدك على السبب في انشقاقات الوهابيين وكثرة فرقهم حتى زادت على الثلاثين ، وعلى سر تكفيرهم لبعضهم ! وماذا ينتظر الذين يفتحون باب الإجتهاد للحفاة ، ويقولون بحجية الظنون والاستحسانات !
* *
كما نلاحظ أنا نحن الشيعة لم نسلم من داء تعويم الإجتهاد المصري ! فقد سرى فينا ، ونشأت ناشئة من متعلمينا ومن صغار طلبة علوم الدين يكتبون في عقائد الإسلام وشريعته ، ويفتون فيها كما يفتي كبار الفقهاء ! !
أذكر أنني قرأت يوماً قبل نحو ثلاثين سنة ، الرواية التالية في علل الشرائع للصدوق قدس سره : 1 / 241 ، قال : ( حدثنا محمد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني رضي الله عنه قال كنت عند الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح قدس الله روحه مع جماعة فيهم على بن عيسى القصري فقام إليه رجل فقال له : أريد أسألك عن شئ ، فقال له : سل عما بدا لك ، فقال الرجل : أخبرني عن الحسين بن علي صلى الله عليه وآله أهو ولي الله ؟ قال : نعم ، قال أخبرني عن قاتله لعنه الله أهو عدو الله ؟ قال : نعم . قال الرجل : فهل يجوز أن يسلط الله عدوه على وليه ؟ ! فقال له أبو القاسم قدس الله روحه : إفهم عني ما أقول لك ، إعلم أن الله تعالى لا يخاطب الناس بشهادة العيان ولا يشافههم بالكلام ، ولكنه عز وجل بعث إليهم رسلاً من أجناسهم وأصنافهم بشراً مثلهم ، فلو بعث إليهم رسلاً من غير صنفهم وصورهم لنفروا عنهم ولم يقبلوا منهم ، فلما جاؤوهم وكانوا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 56 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
من جنسهم يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ، قالوا لهم أنتم مثلنا فلا نقبل منكم حتى تأتونا بشئ نعجز أن نأتي بمثله فنعلم أنكم مخصوصون دوننا بما لا نقدر عليه ، فجعل الله تعالى لهم المعجزات التي يعجز الخلق عنها ، فمنهم من جاء بالطوفان بعد الإنذار والإعذار فغرق جميع من طغى وتمرد ، ومنهم من ألقي في النار فكانت عليه برداً وسلاماً ، ومنهم من أخرج له من الحجر الصلد ناقة وأجرى في ضرعها لبناً ، ومنهم من فلق له البحر وفجر له من الحجر العيون ، وجعل له العصا اليابسة ثعباناً فتلقف ما يأفكون . ومنهم من أبرأ الأكمه والأبرص وأحيا الموتى بإذن الله تعالى ، وأنبأهم بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم .
ومنهم من انشق له القمر وكلمته البهائم مثل البعير والذئب وغير ذلك ، فلما أتوا بمثل ذلك وعجز الخلق من أممهم عن أن يأتوا بمثله ، كان من تقدير الله تعالى ولطفه بعباده وحكمته أن جعل أنبياءه مع هذه المعجزات في حال غالبين وفي أخرى مغلوبين ، وفي حال قاهرين وفي حال مقهورين ، ولو جعلهم عز وجل في جميع أحوالهم غالبين وقاهرين ولم يبتلهم ولم يمتحنهم لاتخذهم الناس آلهة من دون الله تعالى ، ولما عرف فضل صبرهم على البلاء والمحن والاختبار ، ولكنه عز وجل جعل أحوالهم في ذلك كأحوال غيرهم ليكونوا في حال المحنة والبلوى صابرين وفي حال العافية والظهور على الأعداء شاكرين ، ويكونوا في جميع أحوالهم متواضعين غير شامخين ولا متجبرين ، وليعلم العباد أن لهم عليهم السلام إلهاً هو خالقهم ومدبرهم فيعبدوه ويطيعوا رسله ، وتكون حجة الله تعالى ثابتة على من تجاوز الحد فيهم ، وادعى لهم الربوبية أو عاند وخالف وعصى وجحد بما أتت به الأنبياء والرسل ، ليهلك
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 57 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة .
قال محمد بن إبراهيم بن إسحاق رضي الله عنه : فعدت إلى الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح قدس الله روحه من الغد وأنا أقول في نفسي : أتراه ذكر ما ذكر لنا يوم أمس من عند نفسه ؟ فابتدأني فقال لي : يا محمد بن إبراهيم ، لأن يلقى بي من شاهق أو أَخِرَّ من السماء فتخطفني الطير ، أو تهوي بي الريح في مكان سحيق ، أحبُّ إليَّ من أن أقول في دين الله تعالى ذكره برأيي ومن عند نفسي ، بل ذلك عن الأصل ومسموع من الحجة صلوات الله وسلامه عليه ) . انتهى .
قرأت هذه الرواية الشريفة وتأملت فيها ، لأنها تعني أن غالبيتنا المطلقة نحن الكتاب الإسلاميين والدعاة المحترمين ، عندما نحلل عقائد الإسلام وأحكامه ونصدر فيها أحكامنا ، نفعل بأنفسنا أكثر من إلقائها من شاهق ! !
نقول يريد الإسلام هذا الأمر ، ولا يريد ذاك ، ويقصد كذا ولا يقصد كذا ، بغير علم إلا اتباع الظن والاستحسان ، وتقليد الكتَّاب المصريين ! !
رواية الصدوق صحيحة ، ومنطقها قوي ، ووقعها على المثقفين أثقل من الجبال ! والسبب أنهم تعودوا أن يكتبوا في مسائل الدين بآرائهم ، فهم أبناء الإجتهاد المصري ومدرسته الإخوانية ، وأبناء عصر الإنسان الغربي الذي أعطى لنفسه الحق في تحليل الدين ، بل في اختراع دين ودعوة الناس إليه !
لا أريد بذلك إلغاء دور العقل في فهم الدين وتحليله ، لكني أريد ( عقلنة ) دور العقل ، والوقوف به عند مدركاته القطعية فهي فقط الحجة الشرعية !
أريد من أتباع الإجتهاد المصري أن يريحوا الإسلام والمسلمين من ظنونهم واستحساناتهم ، ويعترفوا بأن الإسلام العزيز عليهم ، قد احترم نفسه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 58 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بقدر مبدأ أرضي عادي ، حيث لا يعطي لكل أحد الحق في فهم نصوصه وتقديمها إلى الناس باسمه ؟ !
فما بالهم هوَّنوا الإسلام وجعلوا تفسيره مشاعاً لكل أحد ، بلا ضوابط ، ولا شروط ، لا في التفسير ، ولا في المفسِّر ؟ ! !
إن من الفروق الأساسية بيننا وبين المذاهب السنية أن الاجتهاد الفقهي عندنا يبحث عن العلم و ( الحجة القطعية ) من الكتاب أو السنة أو العقل ، إما على الحكم الشرعي مباشرة ، أو على ما يجب عمله عند الشك في الحكم ، فالفقيه دائماً طالب علم وحجة قطعية ، وليس طالب ظن واحتمال !
بينما يقوم منهج الاستنباط السني في مرحلته الأولى على طلب العلم بالحكم ، فإن لم يحصل للمجتهد انتقل فوراً إلى اجتهاد الرأي ، وهو يعني اتباع الظن مهما كانت درجته نازلة ! بل يعني الاكتفاء بالقياس والاستحسان والمصالح المرسلة ، وهي أقل من الظن ، لأنها لا تفيد غالباً أكثر من الاحتمال !
ويترتب على هذا الفرق أمور عديدة ، تؤكد ضرورة التخصص وصعوبة شروطه ، وبالتالي مركزية الإجتهاد والأعلمية في المرجعية والتقليد .
ومن هنا ، يتضح لنا ما فعله تعويم الإجتهاد في الأمة ، وما ارتكبه مر وجوه من تقديم ظنونهم واحتمالاتهم إلى قرائهم وأتباعهم على أنها دين الله تعالى ، ومفاهيمه وأحكامه ! ويتضح لنا تأثير ذلك على فهم النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام ، وأصول العقيدة ، وتفاصيلها .
في اعتقادي أنه لابد لنا أن نضع حداً لأتباع الإجتهاد المصري في أوساطنا الشيعية ، وأن نساعد المذاهب السنية على معالجة ( بازار ) الظنون والاحتمالات وندعو فقهاءهم إلى وضع ضوابط للاجتهاد ، ووضع حد لأولئك المزدحمين في سوقه ، والمتجهين إلى الدخول فيه بلا بضاعة ! !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 59 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
العلاقة بين تعويم الإجتهاد وتعويم المرجعية والقيادة :
من الذي له الحق بأن يفتي ؟ ومن له الحق بأن يقود ويأمر وينهى ؟
تقول الثقافة الغربية إن الحق لمن غلب ، مهما كانت وسائله في الغلبة ! وتميل إلى ذلك مذاهب إخواننا السنيين فتعتبر أن من تسلط من الأمة فقد صار حاكماً شرعياً ، بقطع النظر عن سلوكه ووسائله في الغلبة !
لكن الأسوأ من مقولة الحكم لمن غلب ، مقولة : الفتوى لمن غلب ، التي يتبناها اليوم كل المجتهدين بلا بضاعة ، والتجار بلا رأسمال ، والأطباء بلا وسائل ، وهم كثيرون في ساحة العمل الإسلامي ، وكل واحد منهم يقدم المبررات الشرعية على أن له الحق في التصدي للفتوى وقيادة الأمة ، وأمر المسلمين ونهيهم ، ودعوتهم إلى الإسلام ، وأن على الأمة أن تسمع له وتطيع ! !
ومعنى ذلك أن نضيف إلى تعويم القيادة والحكم تعويم الفتوى ! وأن نعرف أننا في نظرية الفتيا والقيادة الدينية التي نعمل بها في مجتمعاتنا ، لافرق بيننا وبين الثقافة الغربية ، في قانون المغالبة والغلبة ، الغربي الجاهلي الإسلامي ! !
ومعنى ذلك أن مجتمعاتنا سوف لا تعرف الهدوء ، ما دامت أبواب الفتوى والقيادة مفتوحة على مصاريعها ! فرغبة الفتوى والقيادة مغروزة في الناس ، والمجتمع لا يتسع لتحقيق رغباتهم الجميع ، فالنتيجة غابة الفتاوى والقيادات !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 60 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة الرابعة : تكبير مشكلة الغلو وتصغير مشكلة التقصير

يتصور البعض أن المشكلة الوحيدة في قضية أهل البيت عليهم السلام هي الغلو ، مع أن الغلو محصورٌ في حفنة من الناس غَلَوْا في بعض أهل البيت عليهم السلام وألَّهُوهُمْ وجعلوهم شركاء لله تعالى ، والعياذ بالله ! وقد حسم المسلمون موقفهم منهم وأجمعوا على كفر كل من ألَّهَ مخلوقاً ، أو أشركه مع الله تعالى .
لقد غفل هؤلاء أو تغافلوا عن أن المشكلة في قضية أهل البيت عليهم السلام ليست الغلو ، بل هي تقصير المسلمين في أداء فرائض الله تعالى في حقهم ، من وجوب ولايتهم ومحبتهم ، ومعرفتهم ، والتلقي منهم ، والاهتداء بنورهم . .
المشكلة في أن أكثر المسلمين أعرضوا عن عمد أو عادة ، عن أهل بيت نبيهم صلى الله عليه وآله وابتعدوا عن ولايتهم ، وحتى عن فهمهم ، وابتلوا بمرض حب مخالفيهم وظالميهم وأعدائهم !
والأسوأ من التقصير أن بعض المقصرين تبرعوا بمحاربة المسلم الذي يؤدي فريضة ربه في حق أهل بيت نبيه صلوات الله عليه وعليهم ! فتراهم يصفون محبيهم وشيعتهم بالضلال والغلو ، وقد يحكمون عليهم بالكفر !
لقد توارثوا هذا الموقف الظالم تجله الشيعي الأصيل ، من أسلافهم أتباع الخلافة القرشية ، كما وصفهم الكميت بن زيد الأسدي رحمه الله ، فقال :
وطائفةٌ قد كفَّرَتْنِي بحُبَكُمْ * وطائفةٌ قالوا مسئٌ ومذنبُ
فما ساءني تكفيرُ هاتيكَ منهمُ * ولا عيبُ هاتيكَ التي هي أعْيَبُ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 61 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يعيبونني من خِبِّهم وضلالهمْ * على حبكم ، بل يسخرونَ وأعجب
وقالوا ترابيٌّ هواهُ ورأيهُ * بذلك أدعى فيهمُ وألَقَّبُ
فلا زلتُ منهم حيث يتهمونَنِي * ولا زلتُ في أشياعكمْ أتقلب
وأحمل أحقادَ الأقارب فيكم * وينصب لي في الأبعدين فأنصب
بخاتمكم غصباً تجوز أمورهم * فلم أرَ غصباً مثله حين يغصب
فقل للذي في ظل عمياءَ جونةٍ * ترى الجور عدلاً أين لا أينَ تذهب
بأي كتاب أم بأية سنة * ترى حبهم عاراً عليَّ وتحسب
فما ليَ إلا آلَ أحمدَ شيعةٌ * وما ليَ إلا مذهبَ الحق مذهب
يتهمنا هؤلاء المعترضون بأن اعتقادنا بمقامات أهل البيت عليهم السلام وكلامنا فيهم يشبه كلام الغلاة ، لأنه يخرج بهم عن حدود البشرية التي أكد عليها الله تعالى بقوله : قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ . ( سورة فصلت : 6 ) .
لكن الأولى بهم أن يتهموا فهمهم ، ويحكموا على أنفسهم بالسذاجة ، حيث أخذوا الجزء الأدنى من وصف الآية للنبي صلى الله عليه وآله : بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ، وتركوا جزءَها الأعلى : يُوحَى إِلَيَّ !
نعم إنه صلى الله عليه وآله بشر مثلنا تجري عليه القوانين التي تجري علينا إلا ما شاء الله ، لكن هذه جَنْبَةٌ من شخصيته فقط ، أما الجَنْبَةُ الأخرى فهي أن له قدرةً على تلقي الوحي من رب العالمين سبحانه ! وهل هي حقيقة بسيطة أن يكون إنسانٌ مثلنا فيه القدرة على تلقي العلم من خالق السماوات والأرضين ؟ !
كأنهم لم يؤمنوا بأن شخصية المعصوم عليه السلام ذات جنبتين ، بإحداهما ينفتح على الغيب ويتلقى ، وبالثانية يتعامل مع البشر فيهديهم ! وأنَّى لأحدنا ولكل أهل الأرض أن تكون في شخصيته نافذة على خالق الكون يتلقى منه ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 62 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد يتصور البعض أن هذا الوصف يختص بشخصية النبي صلى الله عليه وآله فلا يصح توسيعه إلى الأئمة عليهم السلام ، لكن فاتهم أن اختصاص وحي النبوة بخاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله لا ينفي أن يكون للأئمة المعصومين من عترته عليهم السلام جنبة انفتاح على الغيب والتلقي من الله تعالى ، بما يشاء من وسائل غير وحي النبوة .
فاتهم أنهم أوصياء النبي هم الأئمة الربانيون الذين بَشَّرَ بهم ، وأمر الأمة بمودتهم وطاعتهم ، وجعلهم عِدْلَ القرآن في وجوب التمسك بهم !
لقد حاول الحكام القرشيون أن ينكروا هذه الجنبة في شخصيات الأئمة عليهم السلام لكنهم عجزوا بسبب قوة نصوصها وقوة واقعها ! فقد واجهتهم معجزات الأئمة عليهم السلام وأفحمتهم !
وما زالت النصوص والمعجزات تواجه أتباعهم حتى يظهر الله خاتمهم الموعود عليه السلام فيظهر به الحق ، ويظهر دينه على الدين كله !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 63 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة الخامسة : التنقيص من مقام المعصوم عليه السلام

توجد مسألتان أساسيتان في معرفة المعصومين عليهم السلام هما : مقام المعصوم عليه السلام والعلاقة الجدلية بين الأئمة عليهم السلام وبين خلافة أبي بكر وعمر خاصة .
وينبغي لنا أن نعترف أنا عندما انطلقنا في العمل الإسلامي على أثر الموجة الشيوعية ، أهملنا فهم هاتين المسألتين ، أو قررنا أن نتجاوزهما لتصورنا عدم الحاجة اليهما في عملنا ، أو لمراعاة مخاطبنا الذي هو كل الأمة الإسلامية !
كنا نتصور أن بحث مقام المعصومين عليهم السلام وعلاقتهم بالخلافة القرشية ، سوف لا يؤثر على فهمنا الذي توصلنا اليه لحياتهم وأدوارهم عليهم السلام !
وفاتنا أن فهم مقام المعصوم يعني فهم برنامج عمله الرباني ، وأن فهم موقفه من نظام حكم أبي بكر وعمر ، يعني تطبيقه لبرنامج عمله الرباني ! وكلاهما يؤثران على فهم شخصية المعصوم عليه السلام وعمله ، أبلغ التأثير !
المعصوم عليه السلام إنسان اختاره الله تعالى صاحب العلم المطلق والحكمة المطلقة وعصمه من الخطأ والهوى ، وجعله إماماً لعباده ، وحجةً على خلقه !
فماذا تعني للمسلم الشيعي هذه الصفات الثلاث المتفق عليها في مذهبنا ؟ !
إنها تعني أن حلم جميع المفكرين والعقلاء ، والمعذبين في الأرض ، قد تحقق ! وقد انحلت مشاكلهم الفكرية والعملية ، وأن علينا جميعاً أن نترك فذلكاتنا ونعطل فلسفاتنا ونطيعه ، ونطيف حول بيته الذي أذن الله أن يرفع ، ونؤدي فروض الاحترام لمقامه الشامخ ، ونتفكر فيه لعلنا نفهمه !
تعني أن علينا أن نفتح عقولنا وقلوبنا لقول المعصوم عليه السلام وفعله وسلوكه ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 64 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
حتى الفتات منها ، إن كان عنده فتات . . ففتاته خير من كل خبزنا !
أجل ، ما دام ثبت لنا بالنص القطعي وبدليل العقل القطعي ، أن الله تعالى قد اختار ، فقد انتهى الأمر ، وانحسمت القضايا ، وبدأ ما يجب علينا !
وأول ما علينا أن نرضى بالذي اختاره رب العالمين وجعله علينا إماماً ، ونحبه ، ثم نفهمه ، ونصغي اليه ونطيعه مهما كلفنا ذلك ، ثم لا نلتفت إلى من خالفه كائناً من كان شخصه ، وكائناً ما كان موقعه ، فكل شخص مقابله وكل مقام بعد الذي اختاره الله رب العالمين ، هوى وهواء وهباء !
المعصوم ، ليس قضيةً صغيرة ، بل هو أكبر قضية عملية للأمة بعد نبيها !
إمامٌ مفتوحةٌ له نوافذ الغيب ، مهديٌّ من ربه ، يملك الخريطة للبشرية ، وليس كمن أضاعوا قضية خلقهم ، وخريطة طريقهم ، أو ضاعوا فيها !
الإمام عالمٌ يملك العلم القطعي ، وليس كعلماء الأرض ومفكريها ، الذين جمعوا بضاعتهم من الظنون والاحتمالات ، وقليل قليل منها اليقين !
كثيراً ما كنت أفكر كيف لم نهتم بفهم شخصية المعصوم عليه السلام ؟ !
وكيف يمكن أن نبني فكرنا بقطع النظر عن مقامه ، ونحن نعتقد أن مشروع المعصومين من عترة النبي صلى الله عليه وآله ، ما زال موجوداً فعلاً ولم ينته بعدُ ، فلم يتركه الله تعالى بسبب ترك الأمة له ! فما زال سبحانه يقول : هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ، وما زال قراره تعالى أن يملأ الأرض بخاتمهم قسطاً وعدلاً ، كما ملئت ظلماً وجوراً ، وما زال هذا الإمام موعوداً من ربه الحكيم وجده المصطفى ، حياً يرزق ، مدَّ الله في عمره ، فهو يعمل في برنامجه مع الخضر وجنود الله في الغيب ، حتى
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 65 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يأذن الله له ربه بالظهور ، فيكمل مشروع الإسلام ، ويظهره على الدين كله ، ويعيد مسيرته إلى نصابها . .
ما دام الأمر كذلك ، فرؤيتنا للتاريخ تختلف كثيراً ، وللمستقبل أيضاً !
ومشروعنا في هداية الناس ودعوتهم إلى الإسلام لابد أن يكون منسجماً مع المشروع الإلهي للإسلام في المعصومين من العترة عليهم السلام وأن يكون مشروعاً ممهداً لخاتمهم الموعود صلوات الله عليه . ومن أول شروط الانسجام أن ينص أي مشروع عمل توعوي على مقام المعصوم عليه السلام في ثقافته .
ما دمنا نعتقد أنه قد وجد هذا المعصوم عليه السلام بعد النبي صلى الله عليه وآله ، وأن النبي دلَّ الأمة عليه ، وأعلنه لها ولياً وإماماً ، وأخذ منها البيعة والمواثيق على اتِّباعه ، فالمسألة تختلف كثيراً !
لو أردنا أن نضرب للأمة مثلاً مصغراً ، لقلنا إن مثلها كجماعة في صحراء قاحلة ، فيهم شخص واحد يملك الخريطة لنجاتهم ويجيد قراءتها ، فائتمروا عليه وعزلوه ورفضوا خريطته ، واتخذوا بدله أئمة ضلال تاهوا بهم يميناً وشمالاً ، تيهاً بعد تيه ، وضلالاً في ضلال ، حتى شتتوهم في كل واد ، ومزقوهم شرَّ ممزق !
ونكتفي أمام هذا الكتاب بهذه الكلمات في بيان مقام الإمام المعصوم عليه السلام .
* *
تبقى مسألة من أسوأ أنواع التنقيص من مقام لمعصوم عليه السلام ، وهي مصادرة مقامات المعصومين عليهم السلام وإعطاؤها لغير المعصومين !
وظواهرها في أصحاب التشيع الإلتقاطي كثيرة ، وقد توجد في غيرهم من
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 66 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الشيعة الأصيلين مع الأسف ، حيث يدَّعون عملياً عصمة غير المعصوم ويغالون فيه ، وينسجون له الفضائل ، ويمنعون من انتقاد أفكاره وأعماله !
ويظهر أن كل الذين يُنقصون من مقام أهل البيت عليهم السلام يبتلون بالغلو في غيرهم ! فكأنه جزاء من الله تعالى لمن يقصر في تعظيم حجته المعصوم عليه السلام ، أن يبتليه بتعظيم غيره !
ويمكن أن نفسر ذلك حسياً بأن الإئتمام وتعظيم القدوة نزعةٌ في شخصية الإنسان قد تصل إلى الغريزة ، فإن لم تصرف في موضعها الصحيح صرفت في غيره ، كما نرى في غريزة الحب والبغض .
ومن ظواهرها ، اختراع العصمة الجائزة لغير المعصومين عليهم السلام ، في مقابل العصمة الواجبة ! ووصفهم بها بعض كبار أنصار المعصومين عليه السلام ، وبعض يحبونهم ! مع أنه لا توجد رواية ولا دليل عقلي عليها !
ومن ظواهرها ، ادعاء العناية الخاصة للإمام صاحب الزمان عليه السلام بأشخاص يحبونهم ، شبيهاً بالنيابة الخاصة عنه ، أو عن غيره من المعصومين عليهم السلام ، وقد يدعون له الكرامات والولاية التكوينية ، بل السفارة !
ومن ظواهرها ، إعطاء عدد من الصفات الخاصة بالمعصومين عليهم السلام لغيرهم كصفة الخلافة في الأرض ، ووعد الله للمستضعفين بها ، وإعطاء الألقاب الخاصة بالمعصومين عليهم السلام لغيرهم . . .
إلى آخر القائمة في مشكلة مصادرة مفاهيم الإسلام ومفاهيهم المذهب !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 67 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة السادسة : نظرتهم الخاطئة إلى زيارة الأئمة عليهم السلام ومراسم عاشوراء

من المجمع عليه في مذهب أهل البيت عليهم السلام فضل زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وبقية المعصومين من عترته الطاهرة عليهم السلام ، خاصة الإمام الحسين والإمام الرضا صلى الله عليه وآله .
وقد وردت في ذلك روايات صحيحة بلغت حد التواتر وعمل بها الشيعة من عصر الأئمة عليهم السلام إلى يومنا هذا ، وأفتى بها فقهاؤنا القدماء والمتأخرون .
وقد أكدت الروايات والفتاوى ما لزائرهم من فضل وثواب في الدنيا والآخرة ، وأطلقت ذلك ولم تقيده بقيد أو شرط .
إلى أن جاء تأثير فكر الإخوان المسلمين والإخوان الوهابيين ، فقام بعض المتأثرين به بوضع شروط لثواب الزيارة ، ثم لمحتواها ! فقالوا إن ثواب الزيارة بمقدار ما فيها من عمل سياسي لمعارضة النظام ، وتوعية الأمة على إقامة الحكم الإسلامي ! وادعوا أن الروايات التي تصف ذلك الثواب العظيم ناظرة إلى ذلك الهدف مختصة بظرفه ، أما في مثل ظرفنا فثواب ذهابك إلى كربلاء بقدر الأجرة التي تعطيها للسيارة ، وقدر السلام العادي على الإمام الحسين عليه السلام ، والركعات التي تصليها هناك ! .
كنا شباناً متحمسين لزيارة كربلاء مشياً على الأقدام في المواسم ، أو بالسيارة في ليالي الجمع ، فكان بعض أساتذنا يناقشنا بهذا الكلام ، وكان بعضنا يناقشه ، أو يسكت احتراماً له ، دون أن يقتنع !
وطالت الأيام ، حتى اكتشفنا أن الفهم السياسي للدين فهمٌ ناقص يُخرجه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 68 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عن كونه ديناً إلهياً كامل الأبعاد ! وأن صاحب هذا الفهم مشغوفٌ بعامل واحد ، مصابٌ بالتسطيح الذهني ، وعدم فهم بقية الجوانب !
ومن هذا النوع ، مسألة مخاطبة النبي صلى الله عليه وآله أو الإمام عليه السلام وأن تطلب منه أن يشفع لك إلى الله تعالى في المغفرة أو قضاء حوائجك .
وقد كنت بحكم تربيتي وتأثري ببعض أساتذتي ، أخاطب أمير المؤمنين عليه السلام عندما أزوره وأطلب منه الشفاعة أو قضاء حاجتي ، وكان بعضهم لا يعجبه ذلك ويتبرم منه !
ناقشته أكثر من مرة ، فلم يكن عنده حجة إلا أن مخاطبة المعصوم عليه السلام قد يفهم منها إشراكه مع الله تعالى !
كنت أقول له وهل أنا أطلب منه عليه السلام من جيبه حتى أكون أشركته مع الله ؟ ! إنما أطلب منه مما أعطاه الله تعالى ، وأطلب منه لأن الله أمرني أن أتخذه واسطة وأتوسل به اليه في قوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) ( المائدة : 35 )
وأي وسيلة إلى الله أعظم من محمد وآل محمد صلى الله عليه وآله ؟ !
لم يكن يقبل كلامي ، وغاية ما وصلنا اليه ذات يوم أن قال : إذا كان قولك هذا لا يؤثر في ذهنك ذرة من الشرك فقله ، أما أنا فلا أقوله ! !
والأمر في مراسم عزاء الإمام الحسين عليه السلام أكثر وضوحاً ، لأنها عمل شعبي وثيق الصلة بالعمل السياسي ، ولذا كثرت أطروحاتهم لها !
يريدون من الحسين عليه السلام أن يكون ثائراً على طريقتهم ، ولعلاقة الشيعة به أن يغلب فيها الطابع السياسي على الطابع العقائدي والعاطفي !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 69 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ويشنون حملة على مراسم العزاء القديمة من أجل هدمها وإعادة تشكيلها حسب فهمهم للإمام الحسين عليه السلام ، وهدفهم من مراسم عاشورائه !
وهنا يصطدمون بالجمهور الشيعي فيما يعارضون من مراسم ويهاجمونه ، أو فيما يقبلونه ويريدون التدخل فيه وصرفه إلى غرضهم !
ولا حلَّ لخلاف الشيعة معهم في هذا الموضوع كما في غيره !
لأنهم من جهة لا يقبلون التعددية في الرأي والعمل ، فمن لم يكن معهم فهو ضدهم ، وكأنه خارج عن الدين !
ومن جهة ، يريدون فرض مرجعيتهم في مسائل الاختلاف ، من السياسيين أو من صغار العلماء ، بينما يريد الشيعة تحكيم مراجع الدين الذين يقلدونهم لأنهم المرجعية الشرعية في مسائل الاختلاف !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 70 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة السابعة : مرض الآحادية ، والجرأة على مقام المراجع والعلماء

مرض الآحادية :
ندرس في الحوزة في أول دروسنا في قطر الندى وألفية ابن مالك : قال الكوفيون وقال البصريون ، فنعرف أنهم يختلفون في الرأي ، لكنهم لا يتعادون ولا يتقاتلون ! ثم نقرأ في المنطق ، والمعاني والبيان ، وأصول الفقه ، والفقه ، والتفسير ، وفي كل علم ندرسه أو نقرأ فيه ، أنه توجد آراء مختلفة في المسائل ، فلا يتعادى أهلها ، ولا يكره بعضهم بعضاً ، ولا هم يحزنون !
نتعلم بذلك أنه يوجد في المسائل العلمية موافق ومخالف ورأي ثالث ، وأن أصحابها يتعايشون لأنهم يؤمنون بالتعددية ، فيدافع كل منهم عن رأيه ، وينتقد رأي من خالفه ، لكنه يحترمه ويتعايش معه .
ونقرأ عن حقوق المؤمن على المؤمن ، في الإخاء ، والمودة ، والمواساة ، وحفظه في الغيب ، وتحريم غيبته . . ونرى نماذج عالية من سلوك المؤمنين مع بعضهم ، من عصور أئمتنا عليهم السلام إلى يومنا .
ونولد في بيوت تحترم العلماء ، وتقدس المراجع ، ثم نقرأ عن مكانتهم ومقامهم وسيرتهم ، فنحبهم أكثر ونقلدهم ونتعلم منهم . ثم نتعرف على اختلاف آرائهم ، فنعذرهم لأن اجتهادهم مشروع ، ولأن الله تعالى يحاسب المرجع والعامي على قناعته هو بينه وبين ربه ، وليس على قناعتي أنا !
وفي التاريخ والعقائد ، ننتقد الآحاديين الذين اضطهدوا أصحاب الرأي الآخر ، وسلبوا منهم حقهم الشرعي في التعبير عن رأيهم ، ومنعوهم من قول
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 71 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ما يعتقدون ، وانتقاد ما يخالفون ، وأجبروهم على بيعتهم بالسيف !
ونقول إن أئمتنا عليهم السلام وشيعتهم ضحية فرض الرأي ومصادرة الحرية ! وإن أمير المؤمنين علياً عليه السلام هو الحاكم الوحيد بعد النبي صلى الله عليه وآله الذي احترم الإنسان المسلم ورد اليه حريته ، فلم يجبر أحداً على بيعته ، ولم يجبر أحداً من الذين بايعوه أن يقاتل معه الناكثين والقاسطين والمارقين !
نقول ذلك ونقبله ، فإذا جاء دور العمل دخلنا في امتحان التطبيق الصعب !
الفردية المفرطة عند الإلتقاطيين وجرأتهم على المراجع :
إن مرض الآحادية وظلم أصحاب الرأي المخالف واضطهادهم ، مرضٌ عامٌّ لا يسلم منه إلا المعصومون عليهم السلام والقليل من الأولياء الذين قهروا شرَّ أنفسهم فاتسعت صدورهم لخصومهم ، وبحثوا لهم عن المعاذير ، واتقوا الله فيهم حق تقاته ، فلم يقدموا على عمل ضدهم ، إلا مجبرين بحكم الشرع والتكليف !
لكن نلاحظ أن مرض الآحادية في الإلتقاطيين أكثر من غيرهم ! وأنهم من أشد الناس على من خالفهم ! فكم وصموا مراجع النجف وعلماءها الذين خالفونهم الرأي ، بصفات يندى لها جبين المتدينين ، وأقلها الجمود والقعود عن الواجب ! لكنهم غير حاضرين لأن يسمعوا وجهة نظرهم ، والسبب الشرعي عندهم في مخالفتهم لمشروعهم السياسي ، وطريقتهم في العمل !
والذي يقرر أن لا يسمع رأي من خالفه ويفهمه ، كيف ننتظر منه أن يحترمه ويحفظ حقه ، ويتعايش بالحسنى معه ؟ !
والذي يُسْكره الغرور فيفقد توازنه عندما يرى حوله عدداً من الأنصار المسلحين ، ويريد من المراجع أن يطيعوه . . ماذا تنتظر منه إذا حكم ؟ !
والوجه في الأمر واضح ، فإن الذي ينقص من مقام المعصوم عليهم السلام ويظلمه ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 72 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أحرى بأن ينقص من مقام غيره ويظلمه !
العلاقة بين الجرأة على العلماء والجرأة على سفك الدماء :
قال علي عليه السلام : ( إذا كان في رجل خلة رائعة فانتظروا أخواتها ) . ( نهج البلاغة : 4 / 103 ) .
ومعناه أنه إن كان فيه صفة سيئة فانتظروا أخواتها أيضاً ، لأن صفات الإنسان الرائعة والعائبة ، مجموعات أو عوائل مترابطة .
ومن عائلة الجرأة على حرمة المراجع والعلماء ، الجرأة على حرمات بقية الناس ! ومن عائلة الاعتداء على حرمات الناس المعنوية ، إمكانية الاعتداء على حرمات وجودهم ، وارتكاب سفك دمائهم .
إن من أصعب امتحانات الله تعالى للإنسان أن يمتحنه بخصم يخالفه الرأي ويعمل ضده ، ومع ذلك يوجب عليه أن يحفظ دمه وعرضه وغيبته ، إلا في موضوع ظلامته فيجيز له أن يجهر بها : ( لا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللهُ سَمِيعاً عَلِيماً ) ( النساء : 148 )
هنا يمكننا أن نفهم حقيقة الشخص بأن ندرس تعامله مع خصمه ، خاصة في المسائل السياسية ، فنعرف أنه متدين ، أو فاسق ، أو مجرم !
أما صاحب الدين فيقف عند حدود الله تعالى ولا يتعداها ، وقليل ما هم !
وأما الفاسق فيطلق العنان للسانه وعمله لكن إلى مادون القتل وسفك الدم !
وأما المجرم فلا يقف في خصومته عند حد ، بل هو مستعد لأن يسفك دم خصمه ، ودم من يتصل به ! !
وإذا وصل أمر الإنسان إلى القتل بغير حق ، فقد خرج من الدين ومن الإنسانية ، وصار وحشاً مفترساً ، لكنه مع الأسف بصورة ( إنسان متدين ) ! !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 73 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة الثامنة : النزعة المادية والضيق بالغيبيات

بعض هؤلاء يحمل في قلبه عقدة من الغيبيات ، فتراه يرد معجزات الأئمة صلوات الله عليهم وكراماتهم ، أو يميل إلى ردها حتى لو كانت بسند صحيح !
بل يرد أكثر معجزات النبي صلى الله عليه وآله التي رواها الشيعة والسنة بأسانيد صحيحة ! !
وتصل حساسيته إلى رواة الكرامات فتراه يضعف الرواة الأجلاء الذين أجمعت الطائفة على توثيقهم مثل جابر بن يزيد الجعفي رحمه الله ، والعلماء الأجلاء الذين أجمعت الطائفة على وثاقتهم وعدالتهم ، مثل السيد ابن طاووس قدس سره ، لمجرد أنهما يعتقدان بالمعجزات والكرامات ويرويانها !
تراه يشبه أصحاب النزعة الغربية العلمانية ، الذين يكبرون الماديات ، ويفسرون بها الأمور الغيبية ، ويردون منها ما لا يقبل التفسير المادي !
عندما أسمع أحدهم وهو يتحامل على الغيبيات ويردد كلمة الغيبيات بإهمال واستخفاف ، لا أملك إلا التعجب لهذا ( العالم أو الطالب أو المسلم المتدين ) ، المعتقد بالله ورسوله صلى الله عليه وآله وبالكتاب والسنة ، وهو مع ذلك يتكلم بهذا الكلام !
وهل الإسلام إلا الغيب ؟ ! أليس وجود الله تعالى الذي نعبده غيباً ؟ أليست الآخرة التي نوقن بها غيباً ؟ أليس الغيب في القرآن أضعاف الشهادة ؟
أليس الغيب يحيط بنا من كل جانب ؟ !
يقول بعضهم ، أنا أؤمن بالغيب ، لكني أناقش في وسائل إثباته ، وفي إشاعة ثقافة الغيبيات في عوام الناس .
وهو كلام يغريك لأول سماعه ، كأن صاحبه عالم متثبت محتاط ! لكنك
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 74 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عندما تتعرف على أفكاره ومبانيه وسلوكه ، تجد أنه لا يؤمن بالمفردة الغيبية حتى لو صح دليلها على مبناه ، ويتمحل لتفسيرها تفسيراً مادياً !
إنه نزَّاعٌ إلى الماديات ، معرضٌ عن الغيبيات ، وكأنه يكرهها !
ولو سألتهم عن مقولتهم عن ثقافة الغيبيات : ماذا يضركم أن يعتقد الناس بالغيبيات ؟ وأن يتلو الخطباء على أسماع المسلمين من منابر الجمعة ومنابر العزاء الحسيني آياتها ورواياتها ، ويشرحوا لهم مفاهيمها ، ويقصوا عليهم قصصها ؟ !
لقال قائلهم إن انشغال الأمة بالغيبيات يبعدها عن واقعها ، ويقلل من استجابتها للدعوة إلى العمل الإسلامي ، وأداء واجبها لإقامة الدولة الإسلامية ،
وهذا يعني تخلف الأمة في الوعي والعمل السياسي الواجب !
هنا ينكشف سر حساسيتهم من الغيبيات !
فالواقع الذي يجب على الأمة وعيه هو الواقع الحسي السياسي فقط ، والغيب ليس من الواقع ، ولا يصح الانشغال به إلا بقدر ملح الزاد فقط !
من أين جاء هذا التعريف للواقع ، إلا من الفهم الغربي ، الذي يتفق تماماً مع الفهم السلفي في الحساسية من المعجزات والكرامات والغيبيات ؟ ! !
لقد انكشف السر ! فالمطلوب سَوْق الأمة في مساق معين ، وإيمانها بالغيبيات والمعجزات والكرامات يعيق ذلك !
لهذا تجب التخلية ثم التحلية ! التخلية من زيادة الإيمان بالغيبيات ، والتحلية بوعي الواقع الإسلامي والعمل السياسي له !
ولماذا لا يكون الواقع الإسلامي شاملاً لوعي الخارج الحسي ، ووعي الغيب في مختلف شؤون العقيدة والحياة ، وفي طليعته وعي مقامات النبي صلى الله عليه وآله
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 75 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والأئمة عليهم السلام ومعجزاتهم وكراماتهم ، ومعايشتها ؟ !
وأين هم عن صفات أصحاب الأمام المهدي عليه السلام وأنهم رهبان بالليل ، وقد أعدهم الله تعالى لأكبر تغيير ، وإقامة أعظم دولة على وجه الأرض ؟ ! :
قال المفيد قدس سره في الإختصاص ص 208 : ( عن طارق بن شهاب قال : سمعت حذيفة يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : إذا كان عند خروج القائم ينادي مناد من السماء : أيها الناس قطع عنكم مدة الجبارين وولي الأمر خير أمة محمد فالحقوا بمكة ، فيخرج النجباء من مصر والأبدال من الشام وعصائب العراق ، رهبان بالليل ليوث بالنهار ، كأن قلوبهم زبر الحديد ، فيبايعونه بين الركن والمقام .
قال عمران بن الحصين : يا رسول الله صف لنا هذا الرجل ، قال : هو رجل من ولد الحسين كأنه من رجال شنوءة ، عليه عباءتان قطوانيتان ، اسمه اسمي ، فعند ذلك تفرخ الطيور في أوكارها والحيتان في بحارها ، وتمد الأنهار ، وتفيض العيون وتنبت الأرض ضعف أكلها ، ثم يسير مقدمته جبرئيل وساقيه إسرافيل فيملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً ) .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 76 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة التاسعة : من ظواهر الاتجاه الإلتقاطي وصفات أصحابه

من الظواهر البارزة في أصحاب هذا الاتجاه ، ضعف اطلاعهم على مصادر التشيع ، خاصة في الكلام والحديث والتفسير ، مع أن بعضهم كثير القراءة لأنواع الكتب ، لكنه معرضٌ عن دراسة مصادرنا وقراءتها ، ومشغوفٌ بأجواء ثقافية مشبعة بالمفاهيم الغربية والسنية !
وبعضهم مشكلته شخصية ، فهو من صغره لم تتركز عقيدته ولم يستوعبها من أسرته ومحيطه ، وعاش التزلزل في عقيدته بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله والأئمة المعصومين عليهم السلام !
وعندما كَبُر لم يبْنِ عقيدته ، ولم يتفهم الإسلام والمذهب من مصادره وعلمائه ، بل اختار تركيبية متنافرة ، أو التقاطية متضادة !
ومن الواضح أن درجة استيعاب أي دين أو مذهب ، تتبع المستوى العلمي للشخص ، ومستوى تدينه ومعايشته الفكرية والروحية لعقائده وقادته .
وبعضهم كأنَّ عمله أن يرصد فضائل أهل البيت الطاهرين عليهم السلام المجمع عليها عند الطائفة ، حتى ما رواه السنيون بأحاديث صحيحة ، فينشر التشكيك فيها !
تراه لا تكاد تسلم منه آية في حقهم عليهم السلام حتى مثل آية المودة في القربى ، وآية التطهير ، وآية البلاغ ، وآية المباهلة ، إلا وضعَّف مقامهم الرباني فيها ، أو أدخل معهم غيرهم ، أو شكك في دلالتها ، أو في الروايات المفسرة لها !
ثم تراه يرصد الأحاديث النبوية في حقهم عليهم السلام حتى حديث الغدير ، وحديث الثقلين ، وحديث الكساء ، فيشكك في دلالتها ، أو في سندها ، أو يخدش فيها !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 77 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لذلك رأى مراجع الدين أن من واجبهم حراسة عقائد المذهب الحق ، والوقوف في وجه أمثال هذه الأفكار التحريفية لعقائده ومفاهيمه .
وبعضهم يحرص على تقديم التشيع الإلتقاطي إلى العالم ! خاصة بعد الثورة الإيرانية حيث كثر الطلب في العالم لمعرفة الشيعة ، وعقائدهم ، فكثرت الكتابات والخطابات عن عقائد الشيعة وفقههم وتاريخهم وشخصياتهم ، واختلط ما هو أصيل من مذهب التشيع فيما هو غريب عنه ملصق به !
وكان من أسبابه أن بعض الجهلاء أو أصحاب الاتجاه الإلتقاطي نشطوا في الكلام عن مذهب التشيع والكتابة عنه بآرائهم ، دون الاستناد إلى مصادر الشيعة ونصوصهم ، وآراء كبار علمائهم .
وقد وصل الأمر ببعضهم أن سمى المعصومين عليهم السلام مجتهدين ، وسمى من ظلمهم مجتهدين ! ونسب إلى الأئمة عليهم السلام العمل بالظن في أمور الدين ، مع أن عصمتهم عليهم السلام من البدائة وضروريات مذهب التشيع ، وأن الذين تبنوا العمل بالظن هم أعداؤهم ، فقاومه الأئمة عليهم السلام بشدة ! !
وبعضهم مفتونٌ بالعصرنة ، مبهورٌ بالأفكار الغربية ، يهشُّ ويبشُّ لمقالاتها وكتبها . أو مغالٍ في الفلسفة اليونانية والغربية ، كأنه يرى الفلاسفة أنبياء أو أصحاب مقام قريب من مقامهم !
وهو في المقابل لا يكبر مصادر الثقافة الإسلامية ، ولا يقدِّر علماء المسلمين قدرهم .
وكثير منهم ، سطحيون في الفكر . . والعمل . .
إلى آخر صفاتهم ولحن قولهم ، الذي يعرفهم به المؤمنون الأصيلون .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 78 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
استناد خصوم الشيعة إلى آراء أصحاب هذا الاتجاه :
من نتائج هذا الاتجاه السيئ على الشيعة ، أن بعض خصوم مذهب أهل البيت عليهم السلام ، خاصة السلفييين ، يأخذون آراء أصحابه على أنها تمثل التشيع ، ويهاجمونه بها ، ويثيرون بها الشبهات !
مع أنهم يعرفون أن الملاك في آراء المذهب ليس فهم عوامه ، ولا فهم الشاذ من أتباعه ، بل ما دَوَّنه مراجع المذهب المعترف بعلمهم ومرجعيتهم ، وما هو ثابت من سيرة أتباعه جيلاً فجيلاً وصولاً إلى جيل الرواة والفقهاء من تلاميذ الأئمة عليهم السلام .
لقد قسمنا خصومنا الشيعة بسبب هؤلاء إلى شيعة معتدلين وشيعة متطرفين ، ومدحوا أولئك المعتدلين لانتقادهم بعض عقائد التشيع ومفاهيمه !
قيل لأحدهم إن صحيفة سلفية كتبت بسبب كلامك : أحد أئمة الشيعة يعترف بزيف مذهبهم ! فقال : لماذا بسببي ؟ أنا لم أقل لهم أن يكتبوا !
وبعضهم يقيم علاقات ودية مع خصوم مذهب التشيع ، ويناغيهم في نقد الشيعة و ( غلوهم ) في أهل البيت عليهم السلام ! وعندما يسأل عن ذلك ينكر ! أو يعترف بأن له علاقات ودية معهم ، ويقول إنه لا يوافقهم على طعنهم في التشيع !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 79 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الأول : ما هو القرآن ؟

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 80 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 81 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

( 1 ) لقد تجلى الله لخلقه بكلامه ولكنهم لا يبصرون !

( بتاريخ : 13 شعبان 1414 - 26 / 1 / 1994 - 6 / 11 / 1372 )
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين ، سيما بقية الله في الأرضين ، واللعن على أعدائهم إلى يوم الدين .
قبل أسبوع ذكرنا فكرةً عن القرآن بمناسبة قوله تعالى : وَللهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ . ( سورة الأعراف : 180 ) ومع أن قلوبنا كالحجارة ، فقد احتج علينا أحدهم بحجةٍ كانت نتيجتها أن نتكلم هذا الأسبوع حول القرآن ، القرآن الذي نعترف بظلمنا له ، لعل الله تعالى يعاملنا بفضله . .
على أنا نتخوف من الدخول في هذه المباحث بسبب قلة الباع ونقص الاطلاع ، وعدم لياقة الباحث ، فليس هذا من مباحث الفقه والأصول التي نتسلط عليها ، بل هو من المباحث المسلطة علينا ، التي نتحدث فيها بخوف وهيبة ، معترفين بالعجز عن الخوض في أعماقها !
توجد كلمة في القرآن للإمام الصادق عليه السلام وما أدراك من هو ؟ بها نعرف القرآن ونعرف الإمام الصادق عليه السلام . . فلنتوجه جميعاً بأدب وحضور قلب ، إلى روح الإمام الصادق المقدسة ، لعله يتفضل ويفيض علينا من بركة الله فيه ، فنفهم شيئاً من هذه الفقرة التي تجلى فيها عليه السلام .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 82 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والكلمة هي : ( لقد تجلى الله لخلقه بكلامه ، ولكنهم لا يبصرون ) . ( 1 )
إنه أمرٌ محيرٌ واقعاً ، أن يتجلى الله بكلامه لخلقه ولكنهم لا يبصرون ! وهذه الجملة في عالم العلم معجزة ، فالمعجزة للعوام تختلف عن المعجزة للخواص ، والإنسان الذي وصل إلى درجة البلوغ العقلي يعرف منها أن الإمام الصادق عليه السلام متحدٌ بكله مع القرآن ، وبهذا الاتحاد متحدٌ مع تجلي الله تعالى في القرآن ، فهو حكيم قرآني عليه السلام .
ومن هذه الجملة نفهم أن الإمام الصادق عليه السلام قصد بالتجلي كلام الألوهية التكويني ، لا الرحمانية ، ولا الرحيمية ، ولا العليمية ، ولا السميعية . . ! فقد اختار من الأسماء الحسنى اسم الله تعالى وقال : لقد تجلى الله ، ولم يقل تجلى العليُّ العظيم مثلاً ، ليفهمنا ما هو القرآن ، الذي لم نفهم ما هو !
لقد تجلى الله . . هذا هو القسم الأول ، وفي اسم الله تعالى ميزةٌ على التسع وتسعين إسماً ، ميزةٌ في المسمى ، وفي الاسم . .
أما في المسمى فإن المسمى به الله مقام يجمع كل الأسماء الحسنى والصفات العليا ، من الجمال ، والكمال ، والجلال .
وأما في الاسم ، فإن خصوصية اسم الله تعالى من بين أسمائه كلها ، أن حقيقة غيب الغيوب مندرجةٌ فيه ، وحقيقة المالكية الربوبية ، وحقيقة بساطة الذات ، الحاكية عن الوحدة الحقة الحقيقية . . كلها مندرجة فيه !
نحن عندما نقرأ كلام الإمام الصادق عليه السلام ، لا نستطيع أن نستفيد منه كما ينبغي ، لأنا لم نصل إلى عظمة ذلك الإمام الذي صدر عنه ! نعم ، نحن نقبل كلامه بدليل التعبد والتقديس لشخصيته صلوات الله عليه ، لكنا مع الأسف لانبذل جهدنا في فهمها ، بل ترانا نولي أهمية أكثر لسطور الشفاء ، وكلمات
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 83 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأسفار ، وتأملات نهاية الدراية ، والمنظومة ، والكفاية !
يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ ، وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللهُ مَا يَشَاءُ . ( سورة إبراهيم : 27 )
* *
وعندما ننظر إلى عالَم الحروف المبني بحكمة ، نجد أن اسم الله تعالى يتكون من الألف في أوله ، وهو أول حروف الهجاء ، أما آخره فهو الهاء . والألف له الأولية والاستقامة والبساطة ، وهو يحكي عن الوحدة الحقة الحقيقية ، وقائل هذه الكلمة ومبينها وشارحها هو الإمام عليه السلام ، والذي أول حرف من اسمه الألف أيضاً !
وإذا رفعنا الألف ، صارت الكلمة ( لله ) : للهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ . ( سورة لقمان : 26 )
وإذا رفعنا اللام ، صارت ( له ) : لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شئ قَدِيرٌ . ( سورة الحديد : 2 )
وإذا رفعنا اللام الثانية ، بقيت الهاء ( هو ) : قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ . ( سورة الإخلاص : 1 )
هذه رشحة من خصوصيات الاسم والمسمى ، فالقرآن إذن جلوةٌ لهذه الذات المقدسة ، بكل أسمائها الجمالية والكمالية ، وكل أسمائها الجلالية للخلق . . فهل فهمنا القرآن هكذا ، وهل عرفنا ماذا في أيدينا ؟ !
وهل عرفنا معنى قول النبي صلى الله عليه وآله عندما قال : كأني قد دعيت فأجبت ، وإني تارك فيكم الثقلين أحدهما أعظم من الآخر : كتاب الله عز وجل حبل ممدود من السماء إلى الأرض ، وعترتي أهل بيتي ، فإنهما لن يزالا جميعاً حتى يردا عليَّ الحوض ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما . ( كمال الدين ص 238 ) ، وأنه بذلك سلم بأيدينا عصارة وجوده ! فالقرآن حرف الربط بين الخالق والخلق ، وهو تجلي الألوهية بتمامها ! فما الذي يجب علينا عمله لنستفيد منه ؟
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 84 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الخطوة الأولى أن نعرف ما هو ؟ وأنتم أيها الفضلاء لستم عواماً ، فالقرآن للعوام عبارات ، لكنه للخواص إشارات . أرجو أن تنتبهوا إلى هذا الموضوع لأنفسكم وغيركم ، فكل واحد منا مسؤول حسب سهمه في القرآن .
لاحظوا أنه تعالى يستعمل صيغة ( تبارك ) في موارد خاصة كقوله تعالى : إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ، ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْش ، يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ ، أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ ، تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ . ( سورة الأعراف : 54 )
دققوا في التعبير ، فعند ما يجمع الله الخلق والأمر فقد جمع الملك والملكوت أي لب الكون وقشره ، وهنا يقول ( تَبَارَكَ ) .
وعندما ينهي الملك والوجود اليه تعالى يقول أيضاً ( تَبَارَكَ ) ، تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شئ قَدِيرٌ . ( سورة الملك : 1 )
ثم لاحظوا أنه عندما يصل العالم إلى ثمرته ، وتجتمع عصارة العالم في آدم وذريته . . من نطفةٍ إلى علقةٍ إلى مضغةٍ ، ثم يكسو العظام لحماً ، ثم ينشؤه خلقاً آخر . . يعبر عنه بقوله ( تَبَارَكَ ) : ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ، ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ ، فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ . ( سورة المؤمنون : 14 ) اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَاراً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً ، وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ، ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ . ( سورة غافر : 64 ) .
ثم لاحظوا أنه سبحانه استعمل كلمة ( تَبَارَك ) في كلامه عن تنزيل الكتاب على عبده : تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً . ( سورة الفرقان : 1 ) وذلك ليفهمنا أن الله الذي له الملك والملكوت ، والذي جعل عصارة العالم وخلاصته الإنسان هو : الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ !
وليحرك أذهاننا لنفهم ماذا في القرآن ، وماذا يجب أن نعمل لكي نفوز به ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 85 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولا نضيع عمرنا ولا نصل اليه فنقول : يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا . ( سورة الأنعام : 31 )
روحي وأرواح العالمين فداء لصاحب تلك النفس المقدسة الذي قال : لقد تجلى الله ، لقد تجلى الله ! الكلمة التي كلما كررها الإنسان ، وجد منها فيضاً جديداً . . لقد تجلى الله لخلقه في كلامه ولكنهم لا يبصرون .
الجملة الثانية : ولكنّهم لا يبصرون . . والسؤال : أنه ما دام الله تعالى قد تجلى في القرآن فلماذا لا نرى تجليه فيه ؟ ! والجواب هنا للقرآن نفسه ، لأن الكلام في هذا الموضوع للقرآن وليس لابن سينا وغير ابن سينا من الفلاسفة ، فالمكان الذي يتكلم فيه جعفر بن محمد ، يتطاير هؤلاء كالهباء في الهواء !
والقرآن يخبرنا أنا لا نراه لأن القرآن نفسه بصرٌ وبصيرة ، فلا بد أن نبصره ببصيرته ، وهذا هو المهم والمعجزة ! نحن البشر عندنا البصر أما البصيرة فهي موجودة في القرآن : هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ . ( سورة الجاثية : 20 ) قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ . ( سورة الأنعام : 104 ) فأين نجد تلك البصيرة التي نبصر بها التجلي الإلهي في القرآن ؟
نختصر الموضوع وأرجو أن يوفقني الله تعالى أنا وأنتم لأن نجعل ما قلناه وفهمناه برنامج عمل لنا ، أن يوفقنا عندما نفهم المشروط أن نعمل على تحقيق شرطه في أنفسنا !
هذه البصيرة المطلوبة تحدث عنها الله تعالى في قوله : لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ . ( سورة آل عمران : 164 )
وفي دعاء إبراهيم عليه السلام للأمة الخاتمة : رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ . ( سورة البقرة : 129 ) ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 86 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي كل القرآن نجد التأكيد على هذا الشرط : قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ . يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ . ( سورة المائدة : 15 - 16 )
إن البصيرة المطلوبة لرؤية التجلي الإلهي في القرآن ، تكمن في هذه الجملة : وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِه ! فماذا نعمل لكي نصل إليها ؟ !
لا تضيعوا وقتكم ، فليست المسألة دراسةً ولا بحثاً وتحصيلاً ، ومهما ألقيتُ عليكم دروساً فلا أثر لها هنا أصلاً ، ومهما درستم وقرأتم لتصير الزجاجة الموجودة في داخل الرمل والصخر مصباحاً ، ويتصل المصباح بالكهرباء ، ويضئ ، فلا أثر لقراءتكم ! لأن المسألة ليست فكرية ! ليست كتاب الكفاية ، ولا نهاية الدراية ، ولا جواهر الكلام ، لتدرسوها عند أستاذ !
الطريق هنا طريق آخر . . فلا بد أن يتم صهر صخرنا أو رملنا في أتون حتى يذوب ، ثم يفصل المعدن الذائب عن تفالته ، ثم يصنع منه المصباح . . وبعد ذلك يحتاج الأمر إلى ( يدٍ ) تصله بتيار الكهرباء حتى يضئ !
إن تيار الكهرباء ومنبعه من عند الله تعالى : اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ، مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ، الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ، يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ ، يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِئُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ ، وَيَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللهُ بِكُلِّ شَئٍ عَلِيمٌ ) . ( سورة النور : 35 ) ، فأنا وأنت زجاجة مصباح ، وذلك هو مصنع الكهرباء ، ونحن في باطن الرمل والصخور ، فلا بد أن نخرج منها ، وأن ننصهر بدرجة حرارة عالية فنذوب ، ثم ننفصل عن بقية موادنا الزائدة ، ثم ندخل إلى المصنع ، ليصنع صاحبه منا زجاجة مصباح .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 87 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أما صاحب ذلك المصنع ، فهو الحجة بن الحسن عليه السلام فهو الذي يملك أن ينفخ فينا بإذن ربه ، لاغيره !
نعم ، إننا وجهاً لوجه أمام ذلك النور الإلهي عليه السلام ولا نحتاج إلى عمل آخر ولا إلى الذهاب إلى شرق أو غرب ، فهو عليه السلام حاضر دائماً ، وما علينا إلا أن نخرج معدن زجاجنا ونهيئه لصانع المصابيح ، ليتفضل بصنع مصباحنا منه ، ويصله بتيار الكهرباء ، وينتهي الأمر !
من أين يبدأ هذا الطريق . . ؟
يبدأ من هنا . . تأملوا فيما يقوله الله تعالى في قرآنه الذي هو فوق كلام البشر : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم : بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ . قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلاً . نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً . أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً . إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً . إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً . ( سورة المزمل : 1 - 6 ) .
يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ . . مَن يتكلم مع مَن ؟
المفتاح هنا ، فلنقرر جميعنا من هذه الليلة أن نطبق : قُمِ اللَّيْلَ ، فكل ما يوجد مخزون في ذلك الوقت ، فلنحرص عليه مهما كلفنا أمره !
إن هذه الآيات برهان ولا أقوى منه ، فأول السورة خطاب موجه إلى شخص النبي صلى الله عليه وآله : قُمِ اللَّيْلَ . . ثم قال له : وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً .
إن كل هذا التأكيد من الله تعالى على صلاة الليل له سرٌّ ، وهو محسوبٌ بحساب ، وهو تأكيدٌ على خير كبير . . وطريق الله لابد أن نتعلمه من الله تعالى ومن المعلمين الذين عينهم لنا .
لاحظوا أنه في آخر سورة المزمل وجه الله تعالى خطابه للنبي صلى الله عليه وآله الذي له حساب خاص لأنه النبي الخاتم ، ثم وجه الخطاب لأمته معه : إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 88 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ . عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى ، وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللهِ ، وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ ، فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ ، وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللهَ قَرْضاً حَسَناً وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً ، وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ . ( سورة المزمل : 20 ) .
ليفكر أصحاب الفكر هنا أن الخطاب كان في أول السورة خاصاً للنبي صلى الله عليه وآله وصار في آخرها عاماً : إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ ، وهذا هو الإعجاز ، وهذا هو القرآن ، كتاب العلم والحكمة الذي نتحسر لأنه لم يفسر . . ولو تركوا مفسره يفسره للناس ، لعرفوا أبواباً من هذا الخير !
المهم هنا أيها الفضلاء : وَاللهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ، عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ، فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ . . أما بعد قراءة مَا تَيَسَّرَ مِنه ، فصلاة الليل هي المفتاح ، فبها فافتحوا الأقفال !
فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ . . لتصلوا به وبصلاة الليل إلى مطلوبكم ! والمطلوب من أول القرآن إلى آخره هو الوصول إلى الله تبارك وتعالى : وإذا انتهى الكلام إلى الله فأمسكوا . ( الكافي : 1 / 92 ) .
فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ . . ثم أعادها : فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ . . إن في هذه الآية آياتٍ لمن كان له لب !
وإذا أكمل الإنسان هذا الطريق ، يصل رويداً رويداً إلى مستوى أن يفهم ماذا تعني : ق . وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ ، وماذا تعني : ص . وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ ، وماذا تعني : يس . وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 89 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يصل إلى معنى : الحكيم والمجيد والذكر . . ثم يواصل ليفهم الأحرف الثلاثة من الاسم الأعظم الربوبي ، ثم يفهم الربط بين حرف القاف في أول سورة قاف ، والقاف في اسم القرآن الكريم . . وبعد ذلك يمكن أن يسير رويداً رويداً حتى يكون من أهل : لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللهِ ، وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ . ( سورة الحشر : 21 ) .
ثم يترقى إلى درجة أعلى فيكون من أهل : وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ للهِ الأَمْرُ جَمِيعاً . أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً ، وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ الله ، إِنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ . ( سورة الرعد : 31 )
* *
التعليقات
( 1 ) رواه ابن أبي جمهور الأحسائي في عوالي اللئالي : 4 / 116 ، وفيه : ( تجلى لخلقه في كلامه ) . وفي البحار : 89 / 107 ، عن أسرار الصلاة . والبهائي في مفتاح الفلاح ص 292 ، وفيه : ( تجلى الله لعباده في كلامه ) .
وقال الزركشي في البرهان : 1 / 452 ، في أنواع القراءة : ( الأول ، من يشهد أوصاف المتكلم في كلامه ومعرفة معاني خطابه ، فينظر إليه من كلامه وتكلمه بخطابه . . . لأن الكلام ينبئ عن معاني الأوصاف ، ويدل على الموصوف . وهذا مقام العارفين من المؤمنين لأنه لا ينظر إلى نفسه ولا إلى قراءته ، ولا إلى تعلق الإنعام به ، من حيث أنه منعم عليه ، بل هو مقصور الفهم عن المتكلم ، موقوف الفكر عليه ، مستغرق بمشاهدة المتكلم ، ولهذا قال جعفر بن محمد الصادق : لقد تجلى الله لخلقه بكلامه ولكن لا يبصرون ) .
وقال الفيروزآبادي في هامش العروة الوثقى : 2 / 434 : ( الظاهر أن أمير المؤمنين وأولاده الطيبين سلام الله عليهم أجمعين ، لهم درجات أخرى فوق هذه ، بأن يعبدوه من غير أن يجعلوا شيئاً غاية يقصد ، ويكون لهم أمر زائد ملحوظ بالتفصيل يكون هو المحرك دون أن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 90 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يلاحظ طلب وأمر ، بل المحرك مشاهدة جلال الله وجماله وشمول عنايته . قال عليه السلام : وأنر أبصار قلوبنا بضياء نظرها إليك ، حتى تخرق أبصار القلوب حجب النور فتصل إلى معدن العظمة ، وتصير أرواحنا معلقة بعز قدسك . وقال عليه السلام : والله لقد تجلى الله لخلقه في كلامه ولكن لا يبصرون ) .
وفي توحيد الصدوق ص 115 : ( أبي رحمه الله قال : حدثنا سعد بن عبد الله ، عن إبراهيم بن هاشم ، عن ابن أبي نجران ، عن محمد بن سنان ، عن إبراهيم والفضل ابني محمد الأشعريين ، عن عبيد بن زرارة ، عن أبيه ، قال : قلت لأبي عبد الله عليه السلام : جعلت فداك ، الغشية التي كانت تصيب رسول الله صلى الله عليه وآله إذا أنزل عليه الوحي ؟ فقال : ذاك إذا لم يكن بينه وبين الله أحد ، ذاك إذا تجلى الله له ، قال ثم قال : تلك النبوة يا زرارة ) .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 91 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الثاني : في مقام نبينا صلى الله عليه وآله

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 92 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 93 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

( 2 ) من هو النبي صلى الله عليه وآله وما حققه للبشرية

( بتاريخ : 15 صفر 1422 - 9 / 5 / 2001 - 19 / 2 / 1380 )
بمناسبة العشرة الأخيرة من شهر صفر ، أيام رحلة الشخصية الأولى في عالم الوجود صلى الله عليه وآله ، وبمناسبة سفر العديد من العلماء ، من أهل الجد في تحصيل مرضات الله تعالى ، أسأل الله أن يوفقهم في سفرهم التبليغي إلى هداية أيتام آل محمد صلى الله عليه وآله .
تصل أخبار من عدة مناطق أن الملحدين وأصحاب الشبهات يعملون بشكل واسع لنشر دعاياتهم المسمومة ، بين الناس البعيدين عن المناطق العامرة بالعلماء والمبلغين ! وفي مثل هذه الظروف يجب على القادرين من الفضلاء العجم والعرب ، أن يؤدوا ما عليهم من مسؤولية في المناطق التي يؤثرون فيها ، مسؤولية إنقاذ النفوس وصيانة عقائد الإسلام .
نعم إن راحة الإنسان ببقائه في بيته عند أهله وعياله ، لأن سفره إلى المناطق الأخرى خاصة النائية فيه تعب ومشقة ، لكن ينبغي لأحدكم أن يفكر أن هجرته وسفره لكي يبلغ الدين بعيداً عن عائلته ، ويهدي الضائع ويرشد الجاهل ، سفره
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 94 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لكي يقيم معروفاً ، أو يزيل منكراً ، هو بلا شك حركةُ سير في سبيل الله تعالى ، وقد قال الله تعالى عن أهل هذه الحركة : ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَطَأُونَ مَوْطِئاً يُغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ .
( سورة التوبة : 120 ) .
فكل ما يصيبكم ، من أدنى تعب إلى أشده ، مكتوبٌ في سجل أعمالكم عند الله تعالى ، وقد بلغت أهمية المسألة عنده سبحانه أنه هو كاتب الأجر فيها ، وهو الضامن لصلاح هذا العمل وجزائه ! وفي مقابل هذا الأجر العظيم ، فإن الإنسان يتقبل متاعب سفره وعمله .
وبهذه المناسبة أذكر أموراً ينبغي مراعاتها لتحقيق الإخلاص في النية الذي هو الجهاد الأكبر ، وتحقيق التوفيق في عملكم في إخراج الناس من الضلال إلى الهدى ، الذي هو التأويل الأعظم لقوله تعالى : وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً . ( سورة المائدة : 32 ) .
الأمر الأول : كونوا على وضوء في كل مجلس تبليغ أو خطابة ، فالوضوء بنفسه نور ، ومضافاً إلى ذلك فإن لمجالسكم خصوصية فيمن يحضرها ، فقد يحضر في المجلس شخصٌ كادٌّ على عياله يعمل من الصبح إلى المغرب لكي يوفر لقمة عيش لزوجته وأطفاله ، وهذا كالمجاهد في سبيل الله بكد يمينه وعرق جبينه ، يأتي إلى مجلسكم مدفوعاً بالإيمان والعشق لرسول الله صلى الله عليه وآله ، أو سبطه الإمام الحسن عليه السلام أو الإمام الرضا عليه السلام . أو تحضر مجلسكم عجوزٌ مستضعفة ، تحملت المتاعب في حياتها ، وجاءت إلى هذا المجلس مع ضيق معيشتها ، بسبب محبتها وعشقها للصديقة الطاهرة الزهراء عليها السلام .
أو يحضره طفل يتيم فقد والديه ، وجاء ضيفاً إلى مجلس رسول الله صلى الله عليه وآله .
في مثل هذه الحالات يستحيل على الشخص الأول في العالم صلى الله عليه وآله أن لا ينظر
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 95 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إلى ذلك المجلس بعين عطفه ، ليس من أجلي وأجلك بل من أجل هؤلاء ! ‍ وإذا نظر إلى المجلس فسوف يشملك شعاع نظره ، فكن في كل مجلس على وضوء . . هذا أولاً .
والأمر الثاني : بعد أن تفتتحوا مجلسكم بالقرآن ، إفتتحوه بزيارة آل ياسين ، فاقرؤوا أصل الزيارة وإن لم تقرؤوا الدعاء الذي بعدها ، لأن صاحب الزمان عليه السلام يقول : ( إذا أردتم التوجه بنا إلى الله والينا ، فقولوا كما قال الله تعالى : سلام على آل ياسين ) . ( 1 )
إن هذه الزيارة إذا قرئت في مجلس وتلي فيها التسليم على صاحب الزمان عليه السلام ، فإن أثرها أن تتوجه القلوب اليه ، والله تعالى يقول : فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ، وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ . ( سورة البقرة : 152 ) وصاحب الزمان صلوات الله عليه حجة الله علينا ، ومركز نور الله في أرضه ، وهو متخلق بأخلاق الله تعالى ، فلا يمكن أن نذكره ولا يذكرنا .
والأمر الثالث : لا تختموا أي مجلس من مجالسكم إلا بعد أن تكونوا ذكرتم فيه الإمام صاحب الزمان عليه السلام فهو واسطة فيض الوجود ، ونحن به نستيقظ من نومنا ، وبه نريد ، وبه نفهم ، وبه نقول ، وبه نحيا ، وبه نموت . . نعم عقيدتنا أن كل ذلك وكل النعم من الله تعالى ، والإمام عبدٌ مخلوقٌ مملوكٌ لله تعالى ، لا يملك بذاته لنفسه نفعاً ولا ضراً ، ولكن هذه الجزئيات من الله به عليه السلام . . وما دامت منه بهذا المعنى فإن شكر واسطة الفيض تستوجب عقلاً ونقلاً أن تتوجه اليه القلوب في المجالس .
والأمر الرابع : أقدم لكم حديثاً عن الإمام الباقر عليه السلام ، أنا عاجزٌ عن شرحه ، وكل أفكار البشر أصغر من أن تدرك عمقه ! ففي الكافي : 3 / 220 ، عن أبي جعفر
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 96 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الباقر عليه السلام أنه قال لعمرو بن سعيد الثقفي : ( إن أُصبتَ بمصيبة في نفسك ، أو في مالك ، أو في ولدك ، فاذكر مصابك برسول الله ، فإن الخلائق لم يصابوا بمثله قط ) . والذي يحير العقل هنا هو تعليله ووصفه عليه السلام للمصاب بالنبي صلى الله عليه وآله بأن الخلائق لم تصب بمثله ! والخليقة عنوان عام يشمل كل مخلوق ، فكيف بجمعه الخلائق ؟ وهو محلى بألْ ، فهو يشمل حتى الملائكة المقربين والأنبياء والمرسلين عليهم السلام وما يرى وما لا يرى فكل هؤلاء لم يصابوا بمثل رسول الله صلى الله عليه وآله
وهو تعليل لا يفهمه إلا خواص العلماء ، الذين يدركون من هو النبي ، وماذا فعل ، وما هي مصيبة فقده ، ومن الذين أصيبوا به صلى الله عليه وآله ؟ !
توجد كلمتان تعرفان كل وجود الشخص هما : من كان ، وماذا فعل ؟ والإمام الباقر نفسه عليه السلام يعلم ويدرك أن هذه المصيبة كانت مصيبة بشخص لم يكن أحدٌ مثله ، ولم يكن عملُ أحد مثل عمله ، لأنه هو الذي قال : فإن الخلائق لم يصابوا بمثله قط ، يعني لا في الماضي ولا في الحاضر ولا في المستقبل ! فماذا كان عمل النبي صلى الله عليه وآله ، وماذا أعطى للعالم ؟ !
هذا بحر محيط لا يمكننا التوصل إلى قعره ، فخوضه مقصور على الأنبياء والأوصياء عليهم السلام ، فهم يدركون أي أمواج انطلقت من بحره صلى الله عليه وآله ؟ !
سأقدم لكم أربع كلمات ، تقال في كل صلاة ، تكفي لأن نفهم ما عمله رسول الله صلى الله عليه وآله ، وهي : ( سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر ) .
إن لكل واحدة من هذه الكلمات قدرها وحسابها الخاص . . ولنتأمل في أول كلمة منها : سبحان الله ، ولنتجول بفكرنا في شرق العالم وغربه وشماله وجنوبه في كل الأديان والمذاهب بلا استثناء . . لندرك أنه لو لم تكن هذه الكلمة موجودة ، فلا يوجد ارتباط في العالم بين الخالق والمخلوق !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 97 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
العمل الذي قام به رسول الله صلى الله عليه وآله : أنه ربط الخلق بخالقهم ! فلو لم يكن النبي موجوداً ، ولا دينه ، فلا وجود لحرف يربط بين الخالق وخلقه ! ولكان العالم كله يدور في زوبعةٍ من الضلال ، ما بين مشبهٍ وملحدٍ وعابدٍ لغير الله تعالى !
يقول أمير المؤمنين عليه السلام :
( إلى أن بعث الله سبحانه محمداً صلى الله عليه وآله رسولاً لإنجاز عدته ، وتمام نبوته ، مأخوذاً على النبيين ميثاقه ، مشهورةً سماته ، كريماً ميلاده . وأهل الأرض يومئذ مللٌ متفرقة ، وأهواءٌ منتشرة ، وطوائفُ متشتتة ، بين مشبِّهٍ لله بخلقه ، أو ملحدٍ في اسمه ، أو مشيرٍ إلى غيره . . فهداهم به من الضلالة ، وأنقذهم بمكانه من الجهالة ) . ( نهج البلاغة : 1 / 24 )
كان العالم كله في تلك الدوامة العاصفة ، بين مشبِّهٍ لله بخلقه ، أو ملحدٍ في اسمه ، أو مشيرٍ إلى غيره ، فجاء صلى الله عليه وآله وأخذ منجله النبوي فحصد كل ذلك الحشيش التافه ، وغرس بدله شجرة التسبيح الطيبة ، وأضاء شجرة التهليل والتوحيد ، وأنار في العالم مشعل التسبيح والتحميد وأوصل البشر إلى مستوى أن يقولوا : ( الله أكبر . . من أن يوصف ) !
نفس : سبحان الله ، ماذا تعني ؟ هنا تتحير عقول الكمَّل من البشر . . فقد أوصل النبي المعرفة إلى هنا ! أوصل التنزيه إلى هنا . . تنزيهٌ عن الجسم ، وتنزيهٌ عن صفات عالم الكون ، وهذا هو التنزيه الابتدائي لعامة الناس !
قال النبي سبحان الله ، فهدى عقول الألوف كعقل ابن سينا ، بل إن ابن سينا لا قيمة له هناك ، لقد هدى النبي صلى الله عليه وآله ألوف العقول النيرة كعقول الأنبياء عليهم السلام إلى أقصى ما يمكنهم أن يجدوا اليه طريقاً في دائرة الوحي وإمكانيات العقل البشري ، والى أدق معاني قوله : كلما ميزتموه بأوهامكم في أدق معانيه ، فهو مخلوق مصنوع مثلكم ، مردود إليكم ! ولا غرو فهو صلى الله عليه وآله نبي الأنبياء عليهم السلام ! ( 2 )
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 98 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
نعم ، هذه هي كلمة : سبحان الله التي أتى بها ! وهذا هو العمل الذي عمله في تعريف البشر بالله تعالى ! فكل ما في هذا العالم من تسبيح لله تعالى ، فإنما هو من كلمات شفتيه ، وكل ما في العالم من تحميد لله تعالى ، فأصله من لفظ لسانه الشريف . وكل ما فيه من توحيد فمنبعه من نطق فمه المبارك . وكل ما فيه من تكبير ، فمنطلقه من صوته النبوي .
هذا ما عمله النبي صلى الله عليه وآله في تعريف الخلق بخالقهم تبارك وتعالى .
أما ما عمله مع خلق الله تعالى ، فإن النموذج الواحد منه يحتاج شرحه إلى كتاب ! في ذلك الوقت الذي انهزم المسلمون في أحد ، وتركوا النبي صلى الله عليه وآله وحده مع علي أمام سيوف قريش الحاقدة ، فقاتل صلى الله عليه وآله ومعه علي عليه السلام فقط ، قاتلا بعد أن جرح أبو دجانة لساعات يردَّان هجمات المشركين المستميتة لقتل النبي صلى الله عليه وآله حتى جرح في جبهته الشريفة وكسرت مقدمة أسنانه ، وهذا ما لم يحدث له في كل حياته ، فأي جبهة جرحت يومئذ ، وأسنان أي فم كسرت ؟ لقد تزلزلت أركان العالم ، فالعالم قشرٌ والنبي لبه ، وإذا تضرر اللب فما قيمة القشر ؟ !
في ذلك الظرف ، قالوا له : يا رسول الله أدع عليهم . . في ذلك الوقت وقد سال ذلك الدم المقدس من جبهته وفمه ، فوق قميصه الخام ، ذلك القميص الذي لم يفتح إلا عندما لبسه النبي صلى الله عليه وآله يومها ، ثم طواه ليفتحه بيده ولده الموعود الإمام المهدي عليه السلام ! قيل له : أدع عليهم فرفع يديه إلى السماء وقال : اللهمَّ اهْدِ قومي ، فإنهم لا يعلمون !
هذا ما عمله للخلق : إلهي أريد منك لهؤلاء بدل العذاب الذي يستحقونه أن ترحمهم وتنعم عليهم ! بأي نعمة ؟ بنعمة الهداية التي هي أغلى جوهر في
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 99 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
العالم ! ولمن طلبها النبي صلى الله عليه وآله ؟ لهؤلاء الذين أصروا وما زالوا مصرين على قتله ، وجرحوه في جبهته وفمه الشريف !
ثم لم يقل صلى الله عليه وآله : اللهم اهدهم فقط ، بل قال : إهْدِ قومي ! فأضافهم إلى نفسه ليجر الرحمة الإلهية من المضاف اليه إلى المضاف !
أيها الرسول العظيم ! ماذا فعلت ، ومن كنت ؟ ! وبماذا جئت ؟ !
قال : يا رب هؤلاء قومي ، وبحث لهم عن عذر أمام الله : فإنهم لا يعلمون ، فاقبل مني يا رب عذر هؤلاء الجهال ، لعلهم يعلمون ! !
هذا ما فعله النبي لمعرفة الخالق ، ولخدمة الخلق !
وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ . ( سورة الأنبياء : 107 )
* *
وأختم حديثي بهذه الحادثة :
عند رحلته صلى الله عليه وآله جاءته أحب عترته اليه الصديقة فاطمة الزهراء عليها السلام وجلست عنده ، وقد روت مصادر الحديث عند الفريقين أجزاء من الحديث الذي دار بينهما ، منها هذا الرواية ، أرجو أن تتأملوا في كلماتها خصوصاً في ختامها ، واشرحوا للناس وبينوا لهم أن النبي صلى الله عليه وآله هو هذا ، وأن دينه الإسلام هو هذا ، عرفوهم بالدين وبصاحب الدين صلى الله عليه وآله ، حتى يشملكم صاحب الزمان عليه السلام برضاه وعنايته . عرفوهم من هو نبينا صلى الله عليه وآله ، وكيف كان يعيش ، وما حققه وأنجزه للبشرية ، وأبعدوا الأوهام عن وجه هذا الدين الجميل المشرق ، حتى يعرف الناس ما هو ، ومن هو الذي أتى به صلى الله عليه وآله ؟ !
قالت له فاطمة عليها السلام : يا أبَهْ ، أنا لا أصبر عنك ساعة من الدنيا ، فأين الميعاد غداً ؟ لا أصبر عنك ساعة ، يعني أستطيع أن أفارق الحسن ، وأن أفارق الحسين ، وزينب ، لكني لا أستطيع فراقك !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 100 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فبشرها بأنها ستلتحق به عما قريب . . قال لها : أما إنك أول أهلي لحوقاً بي . . . قالت : يا أبت فأين ألقاك يوم القيامة ؟ قال : انظري عند الميزان وأنا أنادي : رب أرجح من شهد أن لا إله إلا الله . قالت : فإن لم أرك هناك ؟ قال : على جسر جهنم . قالت : يا أبه أليس قد حرم الله عز وجل جسمك ولحمك على النار ؟ قال : بلى ، ولكني قائم حتى تجوز أمتي . قالت : فإن لم أرك هناك ؟ قال : تريني عند القنطرة السابعة من قناطر جهنم ، أستوهب الظالم من المظلوم . قالت : فإن لم أرك هناك ؟ قال : تريني في مقام الشفاعة وأنا أشفع لأمتي ) . ( 3 )
إن العقل ليتحير لهذا الرسول الشفيع الشفيق !
وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ . ( سورة الأنبياء : 107 ) .
هذا ما فعله ويفعله رسول الله للبشر صلى الله عليه وآله !
وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً . ( الإسراء : 79 )
التعليقات
( 1 ) في الإحتجاج للطبرسي رحمه الله : 2 / 315 : ( وعن محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري أنه قال : خرج التوقيع من الناحية المقدسة حرسها الله ، بعد المسائل :
بسم الله الرحمن الرحيم ، لا لأمره تعقلون ، ولا من أوليائه تقبلون ، حكمةٌ بالغةٌ فما تغني النذر عن قوم لا يؤمنون . السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين .
إذا أردتم التوجه بنا إلى الله وإلينا ، فقولوا كما قال الله تعالى : سلام على آل يس . السلام عليك يا داعي الله ورباني آياته . السلام عليك يا باب الله وديان دينه . السلام عليك يا خليفة الله وناصر خلقه . السلام عليك يا حجة الله ودليل إرادته . السلام عليك يا تالي كتاب الله وترجمانه . السلام عليك يا بقية الله في أرضه . السلام عليك يا ميثاق الله الذي أخذه ووكده . السلام عليك يا وعد الله الذي ضمنه . السلام عليك أيها العلم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 101 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
المنصوب ، والعلم المصبوب ، والغوث والرحمة الواسعة وعداً غير مكذوب . السلام عليك حين تقعد . السلام عليك حين تقوم . السلام عليك حين تقرأ وتبين . السلام عليك حين تصلي وتقنت . السلام عليك حين تركع وتسجد . السلام عليك حين تكبر وتهلل . السلام عليك حين تحمد وتستغفر . السلام عليك حين تمسي وتصبح . السلام عليك في الليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى . السلام عليك أيها الإمام المأمون . السلام عليك أيها المقدم المأمول . السلام عليك بجوامع السلام .
أشهدك يا مولاي أني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمداً عبده ورسوله ، لا حبيب إلا هو وأهله ، وأشهد أن أمير المؤمنين حجته ، والحسن حجته ، والحسين حجته ، وعلي بن الحسين حجته ، ومحمد بن علي حجته ، وجعفر بن محمد حجته ، وموسى بن جعفر حجته ، وعلي بن موسى حجته ، ومحمد بن علي حجته ، وعلي بن محمد حجته ، والحسن بن علي حجته ، وأشهد أنك حجة الله .
أنتم الأول والآخر ، وأن رجعتكم حق لا شك فيها ، يوم لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً ، وأن الموت حق ، وأن ناكراً ونكيراً حق ، وأشهد أن النشر والبعث حق ، وأن الصراط والمرصاد حق ، والميزان والحساب حق ، والجنة والنار حق ، والوعد والوعيد بهما حق .
يا مولاي شقي من خالفكم وسعد من أطاعكم ، فاشْهَدْ على ما أشهدتك عليه ، وأنا وليٌ لك ، برئٌ من عدوك ، فالحق ما رضيتموه ، والباطل ما سخطتموه ، والمعروف ما أمرتم به ، والمنكر ما نهيتم عنه . فنفسي مؤمنةٌ بالله وحده لا شريك له ، وبرسوله ، وبأمير المؤمنين ، وبأئمة المؤمنين وبكم يا مولاي ، أولكم وآخركم ، ونصرتي معدة لكم ، فمودتي خالصة لكم . آمين ، آمين .
الدعاء للإمام عقيب الزيارة
بسم الله الرحمن الرحيم . اللهم إني أسألك أن تصلي على محمد نبي رحمتك ، وكلمة نورك ، وأن تملأ قلبي نور اليقين ، وصدري نور الإيمان ، وفكري نور الثبات ، وعزمي نور العلم ، وقوتي نور العمل ، ولساني نور الصدق ، وديني نور البصائر من عندك ، وبصري نور
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 102 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الضياء ، وسمعي نور وعي الحكمة ، ومودتي نور الموالاة لمحمد وآله صلى الله عليه وآله ، حتى ألقاك وقد وفيت بعهدك وميثاقك ، فلتسعني رحمتك يا ولي يا حميد .
اللهم صل على حجتك في أرضك ، وخليفتك في بلادك ، والداعي إلى سبيلك والقائم بقسطك ، والثائر بأمرك ، ولي المؤمنين ، وبوار الكافرين ، ومجلي الظلمة ومنير الحق ، والساطع بالحكمة والصدق ، وكلمتك التامة في أرضك ، المرتقب الخائف والولي الناصح سفينة النجاة ، وعلم الهدى ، ونور أبصار الورى ، وخير من تقمص وارتدى ، ومجلي العمى ، الذي يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً ، إنك على كل شئ قدير .
اللهم صل على وليك وابن أوليائك ، الذين فرضت طاعتهم ، وأوجبت حقهم ، وأذهبت عنهم الرجس وطهرتهم تطهيرا .
اللهم انصره وانصر به أولياءك وأولياءه ، وشيعته وأنصاره ، واجعلنا منهم . اللهم أعذه من كل باغ وطاغ ، ومن شر جميع خلقك . واحفظه من بين يديه ومن خلفه ، وعن يمينه وعن شماله ، واحرسه وامنعه من أن يوصل إليه بسوء ، واحفظ فيه رسولك وآل رسولك ، وأظهر به العدل وأيده بالنصر ، وانصر ناصريه واخذل خاذليه ، واقصم به جبابرة الكفرة ، واقتل به الكفار والمنافقين ، وجميع الملحدين ، حيث كانوا في مشارق الأرض ومغاربها ، برها وبحرها ، واملأ به الأرض عدلاً ، وأظهر به دين نبيك . واجعلني اللهم من أنصاره وأعوانه ، وأتباعه وشيعته ، وأرني في آل محمد ما يأملون ، وفي عدوهم ما يحذرون . إله الحق آمين ، يا ذا الجلال والاكرام ، يا أرحم الراحمين ) .
* *
( 2 ) في بحار الأنوار : 66 / 292 : وفي كلام الإمام أبي جعفر محمد بن علي الباقر صلى الله عليه وآله إشارة إلى هذا المعنى حيث قال : كلما ميزتموه بأوهامكم في أدق معانيه مخلوق مصنوع مثلكم مردود إليكم .
* *
( 3 ) ما أورده الأستاذ مد ظله عن الزهراء عليها السلام قسم من رواية في بحار الأنوار : 22 / 535 نقلاً عن كشف الغمة للإربلي ص 148 .
وفي البحار : 7 / 110 أيضاً : إن فاطمة صلوات الله عليها قالت لأبيها : يا أبت أخبرني كيف
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 103 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يكون الناس يوم القيامة ؟ قال : يا فاطمة يشغلون فلا ينظر أحد إلى أحد ، ولا والد إلى ولده ولا ولد إلى أمه . قالت : هل يكون عليهم أكفان إذا خرجوا من القبور ؟ قال : يا فاطمة تبلى الأكفان وتبقى الأبدان ، تُستر عورة المؤمن ، وتبدى عورة الكافرين . قالت يا أبت ما يستر المؤمنين ؟ قال : نورٌ يتلألأ لا يبصرون أجسادهم من النور . قالت : يا أبت فأين ألقاك يوم القيامة ؟ قال : انظري عند الميزان وأنا أنادي : رب أرجحْ من شهد أن لا إله إلا الله . وانظري عند الدواوين إذا نشرت الصحف وأنا أنادي : رب حاسب أمتي حساباً يسيراً . وانظري عند مقام شفاعتي على جسر جهنم ، كل إنسان يشتغل بنفسه وأنا مشتغل بأمتي أنادي : يا رب سلم أمتي ، والنبيون عليهم السلام حولي ينادون : رب سلم أمة محمد ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 104 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 105 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الثالث : في مقام أمير المؤمنين عليه السلام

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 106 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 107 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

( 3 ) في عصمة أمير المؤمنين عليه السلام

( بتاريخ : 12 رجب 1411 - 29 / 1 / 1991 - 9 / 11 / 1369 )
هذا الحديث من الصحاح التي يجب أن يتعمق الفقهاء في دلالتها وأبعادها . قال رسول الله صلى الله عليه وآله : ( من أطاعني فقد أطاع ال له ، ومن عصاني فقد عصا الله ، ومن أطاع علياً فقد أطاعني ، ومن عصا علياً فقد عصاني ) ! ! ( 1 )
ومن ميزات هذا الحديث أن الذهبي الذي هو إمام النقد والتجريح عندهم ، والذي عمل كل ما استطاع لإسقاط عمدة أحاديث فضائل أمير المؤمنين عليه السلام ، قد صحح هذا الحديث ووصف أبا ذر الذي ينتهي اليه بأنه : رأس في العلم والزهد والإخلاص والجهاد وصدق اللهجة .
لعل هذا الكلام يصل إلى بعض أصحاب الفكر السنيين ، فعندما نقول يجب أن يتعمق الفقهاء في هذا الحديث ، لا نقصد التعمق بالفقه الابتدائي بل بالفقه النهائي . فينبغي أن يعرف هؤلاء حتى لا يقعوا في الغرور بعملهم الحديثي ، أنهم بلغوا الغاية في رواية الحديث والأسانيد ، والشاهد على ذلك ما فعله محققوهم في قلب المتون من قبيل قلب الحديث المرفوع عن أنيسة في أذان بلال وابن أم مكتوم ، قلب روايتها وفقهها ! وكذلك قلبهم طبقة الإسناد ، كالذي ارتكبه الرواة الحمقى من قلب مئات الأسانيد على المتون والمتون على الأسانيد ، في البخاري وغيره .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 108 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
نعم إنهم قاموا بأعمالهم هذه بكل دقة ! وارتكبوا بكامل ذكائهم أنواعاً من القلب والرفع والتدليس ، وبقية أنواع تحريف السنة الثمانية والعشرين مما لا يخفى على الخاصة !
لكن الذي تركوه وأعرضوا عنه هو فقه الحديث ! وعليهم أن يعترفوا بذلك .
ومن الواضح أن نسبة فقه الحديث إلى عملهم الواسع في روايته نسبة اللب إلى القشر ، فأين هم عن فقه السنة ؟ !
ماذا فعلوا في فقه هذا الحديث الذي هو باعتراف كبير نقادهم الذهبي صحيح لا ريب فيه ، وأن رسول الله صلى الله عليه وآله قال : من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصا الله ، ومن أطاع علياً فقد أطاعني ومن عصا علياً فقد عصاني !
وما هي النتيجة التي أخذوها منه ؟ !
هذا الحديث الذي صح عن الصحابي الجليل أبي ذر رضوان الله عليه ، الذي يقول عنه الذهبي في تذكرة الحفاظ إن النبي وصفه بأنه ليس تحت ظل السماء أصدق لهجة منه . . فكيف تجاوزوا قوله وأعرضوا عن حديث نبيهم صلى الله عليه وآله ولم يتفكروا فيه ؟ !
لا يمكننا في هذه العجالة أن نستوفي فقه هذا الحديث الشريف ، لكنا نعمل بقاعدة الميسور ، ففي هذا القول النبوي الكريم أصل وفرع ، وشجرة وثمرة ، وعلة ومعلول . . أما البحث في المعلول والنتيجة الظاهرة المترتبة عليه ، فأولها عصمة علي بن أبي طالب عليه السلام . . فكيف غفلوا عن هذه الحقيقة ، وحصروا العصمة برسول الله صلى الله عليه وآله مع أن قوله هذا نصٌّ في عصمة علي عليه السلام ؟ !
وبرهانه أن قوله : ( من أطاعني فقد أطاع الله ، ومن عصاني فقد عصا الله ، ومن أطاع علياً فقد أطاعني ، ومن عصا علياً فقد عصاني ) يدل على أن إرادة عليٍّ لا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 109 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يمكن أن تتخلف عن إرادة الله تعالى ، ولا أن تتخلف كراهته عن كراهة الله تعالى ، ولو أمكن أن تتخلف لكان قوله : من أطاعه فقد أطاع الله ، غلطاً ، ولكان قوله : من عصاه فقد عصى الله ، باطلاً ، معاذ الله !
وما دام شق هذه القضية حقاً ، فإنكار عصمة علي باطل !
ولنرجع إلى العلة وجذر هذا الحديث ، لنرى أن قائله هو أول عالم الوجود صلى الله عليه وآله ، وكلامه ليس فقط للرواية والتسجيل في الكتب كما يتخيلون ، فالعلم مخزونٌ عند أهله فاقتبسوه في مظانه .
لقد بدأ النبي صلى الله عليه وآله عن طريق عقلي ، وأنهى القضية إلى إرشاد عقلي ، وهذا شأن مقامه العلمي صلى الله عليه وآله !
بدأ أولاً بكلمة : من أطاعني ، وشرع من إطاعة الله تعالى لا من علي عليه السلام وفي ذلك نكتة عميقة ليس هذا مجالها . وإن أحداً لا يستثنى من الدخول في دائرة قوله ( مَن ) ، فكل الناس عليهم أن يطيعوا الله تعالى ، ويدخلوا في دائرة ( مَن ) هذه ، وذلك بالدليل العقلي أو النقلي ، الإستقلالي أو الإرشادي . وكل من دخل في هذه الدائرة التي هي طاعة الله تعالى ، يجب عليه أن يدخل بنفس الدليل في طاعة الرسول صلى الله عليه وآله لأنه لا ينطق عن الهوى !
ثم قال صلى الله عليه وآله بعد ذلك : ومن أطاع علياً فقد أطاعني ومن عصا علياً فقد عصاني فدل على أن كل من دخل في تلك الدائرة فعليه أن يدخل في هذه الدائرة ، فلا يمكن التخلف بين دائرة ( مَن ) ودائرة ( مَن ) هناك !
فكيف لم يفكروا في ذلك ؟ ! إن مسؤولية العالم غير مسؤولية الجاهل !
والمهم هنا أن يفهم الفقيه السني أننا عندما نقول : علي وجه الله تعالى ، فإنا لا نغالي بل نقولها بالدليل والبرهان ، ونعتمد فيها على رواية السنيين التي لا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 110 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
تقبل الإنكار عند علماء الجرح والتعديل وعلماء اللغة والبيان !
وتوضيح المطلب : أن الأمر أو النهي له مبدأ ومنتهى ، فمنتهاه الإطاعة أو المعصية ، ومبدؤه الإرادة ، وحدُّه الوسط الكراهة .
فالأمر والنهي معلولان للإرادة لا محالة ، فيستحيل إطاعة الله تعالى ومعصيته بدون وجود إرادة وأمر أو نهي ربانيين صادرين عنها ، وقد أراد النبي صلى الله عليه وآله بقوله : ومن أطاع علياً فقد أطاعني . . أن يُفهم المسلمين أن إرادة علي إرادة الله تعالى وكراهته كراهة الله تعالى ! إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ( سورة ق : 37 )
تأمل في تسلسل قوله صلى الله عليه وآله : من أطاعني فقد أطاع الله ، ومن عصاني فقد عصا الله ، ومن أطاع علياً فقد أطاعني ومن عصا علياً فقد عصاني ، فإنها لمن يفهمها قضية خطيرة تقشعر منها الجلود ، ويضطرب لها الإنسان فيخرس عن الكلام ! قضية خطيرة وحق كبير ، لا يمكننا أن نتنازل عنه !
من أطاعني فقد أطاع الله . . فقد استعمل النبي صلى الله عليه وآله في حكمه الذي أصدره لفظ ( مَن ) للتعميم ، وحرف ( الفاء ) للتفريع ، وحرف ( قد ) للتحقيق !
ونتيجة ذلك ومعناه : أنه إذا تغير وجه علي غضباً ، فبدليل ارتباط البدن بالروح وفناء إرادة علي عليه السلام في إرادة الله تعالى ، وفناء غضبه في غضب الله تعالى ، فإن هذا ليس تغير وجه علي عليه السلام ، بل هو مرآة لغضب الله تعالى !
وإذا تبسمت شفتا علي فهذا ليس تبسم علي عليه السلام بل هو مرآة لرضا الله تعالى !
ذلك أن هذه الإرادة فانيةٌ في تلك ، فهي انعكاسٌ لها ، وكراهته فانية في تلك فهي انعكاسٌ لها ، وذلك بقانون انعكاس الروح على البدن !
فعلي عليه السلام لا محالة وجه الله تعالى ، ومظهر أمره ونهيه وإرادته !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 111 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لا يصح أيها الفضلاء أن تقدموا الروايات الشريفة الواردة في تفاسيرنا في مثل هذا الموضوع ، بشكل بسيط بدون تحليل ، أمام المخالفين السذج الذين لاعلم لهم ، بل ينبغي أن تبينوا جذرها العقلي والنقلي من المصادر . . فعندما تقولون لهم إن علياً عليه السلام يد الله وعين الله ، يتصور هؤلاء العوام أنها غلو ! !
إن هؤلاء الذين لم يشموا رائحة العلم والحكمة ولم يفهموا الكتاب والسنة ، كيف يفهمون أن يصل إنسانٌ إلى أن يكون وجه إرادة الله تعالى ونهيه ، ومظهر سر اسمه الأعظم وغيبه ؟ !
إن هذا الظهور لاسم الله تعالى على روح علي عليه السلام هو الذي يعطيه مقام قدرة يد الله تعالى ، مقام : وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى ! هذا المقام العظيم الذي يجعله يقول : والله ما قلعت باب خيبر بقوة جسدانية ، ولكن بقوة ربانية ، ونفس بنور بارئها مُضيَّة .
إن هذا البشر ، هذا الإنسان ، هذا الموجود ، فوق مستوى العقل البشري . . فها أنتم ترون أنَّا لم نستطع أن نستوفي حديثاً نبوياً واحداً في حقه ، ولا نستوعب ما قاله النبي صلى الله عليه وآله ، في مقامه عليه السلام .
فأيُّ ظلم في العالم كهذا الظلم الذي وقع عليه ؟ ! وكيف يمكن لعاقل أن يغض النظر عن ظلامته ويتحمل أن يؤخر إنسان مثل علي عليه السلام ، ويقدم عليه أشخاص تعرفون مستواهم !
لله أي إنسان أخروا ، وأي أشخاص قدموهم عليه ؟ !
إذا كنت فقيهاً سنياً ، فهل فكرت في هذه القصة التي يرويها ابن حجر في شرحه للبخاري ، قال في فتح الباري : 9 / 323 : ( قوله : وقال علي : ألم تعلم أن القلم رفع عن ثلاثة عن المجنون حتى يفيق وعن الصبي حتى يدرك وعن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 112 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
النائم حتى يستيقظ . وصله البغوي في الجعديات عن علي بن الجعد ، عن شعبة ، عن الأعمش عن أبي ظبيان ، عن ابن عباس ، أن عمر أتي بمجنونة قد زنت وهي حبلى ، فأراد أن يرجمها ! فقال له علي : أما بلغك أن القلم قد وضع عن ثلاثة . . فذكره ، وتابعه بن نمير ، ووكيع وغير واحد ، عن الأعمش ، ورواه جرير بن حازم عن الأعمش فصرح فيه بالرفع . أخرجه أبو داود وابن حبان من طريقه ، وأخرجه النسائي من وجهين آخرين عن أبي ظبيان مرفوعاً وموقوفاً ، لكن لم يذكر فيهما ابن عباس جعله عن أبي ظبيان عن علي ، ورجح الموقوف على المرفوع . وأخذ بمقتضى هذا الحديث الجمهور ) !
فالشخص الذي لا يعرف حكم العاقل من حكم المجنون ، ولو لم ينبهه أمير المؤمنين عليه السلام في ذلك اليوم ، لقتل تلك المرأة بدون حق ، وقتل جنينها أيضاً ، ولنسبت هذه الجريمة إلى الإسلام ! !
إنه لا مجال لإنكار هذه الرواية ، إلا بإنكار الفقه السني الذي تسالم عليها ! تُرى ، كيف يقدَّم مثل هذا الشخص على علي عليه السلام الذي يقول فيه النبي صلى الله عليه وآله : من أطاع علياً فقد أطاعني ، ومن أطاعني فقد أطاع الله ؟ ! كيف يجوز أن يقدَّم أحدٌ على إنسان طاعته طاعة الله ومعصيته معصية الله ، ورأيه حكم الله ، وعلمه من علم الله تعالى ؟ ! ! على شخصٍ قال فيه النبي صلى الله عليه وآله : أقضاكم علي . . علي مع القرآن والقرآن مع علي . . الخ . فهل هذه النصوص النبوية الجازمة من مصادرنا حتى ينكروها ؟ !
وهل حديث : أنا مدينة الحكمة وعلي بابها . . من مصادرنا أو مصادرهم ؟
إن علياً عليه السلام قمة العلم في هذه الأمة ، ومعدنه ، والذي عنده علم الكتاب ، والشاهد على الأمة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله : قُلْ كَفَى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 113 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ . ( سورة الرعد : 43 ) ، الكتاب الذي وصفه الله تعالى فقال : وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَئٍْ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ . ( سورة النحل : 89 )
فهل يجوز أن يؤخر إنسان بهذا المستوى العظيم ، ويقدم عليه من لا يعرف حكم الحبلى المجنونة ؟
أم هل يجوز أن يقدم عليه أبو بكر بن أبي قحافة الذي لم يكن يعرف حكم إرث الجدة ، فاعترف أنه لا يعرف هل ترث أم لا ، ولا يعرف سهمها ؟ !
لقد حاول الذهبي أن يغطي على جهل أبي بكر في تذكرة الحفاظ وسير الأعلام ، ويقلب جهله بإرث الجدة إلى افتخار ، وأنه كان يسأل عما لا يعرفه ! لكنه بذلك كشف مستواه ؟ ! ! ( 2 )
إن الجاهل بأحكام الإسلام الذي يفتي في أمور الدين استناداً إلى أمثال المغيرة بن شعبة ، والمغيرة معروف أنه رأس المكر والكذب ، والفاسق الذي عزله عمر بن الخطاب ! كيف يكون خليفة النبي صلى الله عليه وآله ويجلس مجلسه ، ويقدم على علي بن أبي طالب عليه السلام ، الذي من أطاعه فقد أطاع الله ، والذي هو مع القرآن ومع الحق ، إلى آخر الصفات التي قالها فيه النبي صلى الله عليه وآله ؟ ! !
فهل هذا من العقل ، أو من الكتاب أو السنة ؟ ! أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ( سورة يونس : 35 ) .
ألا يفكر هؤلاء أنهم مسؤولون يوم القيامة : وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ !
ألم تفكروا أن النبي صلى الله عليه وآله عندما قال : من أطاعه أطاعني ، هل كان أبو بكر وعمر داخلين في دائرة الإطاعة هذه ، أم خارجين عنها ؟ !
إن من يخرج عن دائرة هذه الطاعة فقد خرج عن دائرة طاعة الله تعالى ! ومن دخل في دائرة طاعة الله ، فلا بد أن يدخل في دائرة طاعة علي ، لأن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 114 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أمره أمر الله ونهيه نهي الله تعالى ! وعليه فإن طاعة علي عليه السلام بنص صحاحهم فريضة ! وأصل خلافة أبي بكر وعمر بنص صحاحهم باطلة ! !
( أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) ؟ !
إنها حقائق لا يمكننا الإغماض عنها والسكوت عليها . . فقد تقع ظلامة من نوعها على مثلي أو مثلك ، بأن يعزل الإنسان عن الحكم ويقصى عن منصب القيادة ويجلس بدله شخص جاهل ! فتكون ظلامةً خفيفة أو قابلة للإصلاح ، لكنها في مثل خلافة النبي صلى الله عليه وآله على مثل علي ثم مصيبة مؤلمة ، وقد وصفها هو عليه السلام بأنها أحدُّ من حزِّ الشفار ، وبأن ألمها يذيب البدن ، لأنه يعرف ماذا خسرت الأمة والبشرية بها ! فهو يعرف بما آتاه الله علم وبعد نظر حقيقة ما حدث بعد النبي صلى الله عليه وآله ، وأنهم أضاعوا الثمرة المطلوب نضجها على يده من بعثة جميع الأنبياء عليهم السلام ، ثمرة قوله تعالى : لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ . ( سورة آل عمران : 164 )
أجل ، لم يكن كسر ضلع الصديقة الزهراء عليها السلام مصيبةً قاتلة لعلي عليه السلام ، ولا كان غصب فدك مصيبةً غير محتملة ، لكن الذي كان يحزُّ في قلبه ويؤرقه أنه يرى أن المجلس الذي كان يجلس فيه رسول الله صلى الله عليه وآله ، والمنبر الذي كان يجلس عليه من قال الله له : وَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيماً . ( سورة النساء : 113 ) يراه يجلس فيه من يقول عن نفسه : كل الناس أفقه من عمر حتى ربات الحجال ! !
المصيبة التي كانت تحز في قلبه أنه رأى الزهراء عليها السلام عندما ذهبت من الدنيا وغسل جنازتها ، رآها قد ذاب جسمها من الأذى ( حتى صارت كالخيال ) !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 115 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لقد بقي منها شبه البدن ، وذاب بدنها من اضطهادهم وأذاهم ! !
والأمر المهم بالنسبة إليكم أنتم الحاضرين في هذا المجلس ، وأنتم ما بين فقيه وسائر في طريق الفقاهة . . أن تعرفوا تكليفكم اليوم . فلو كان أحدنا عالماً سنياً ، وفهم ما يدل عليه هذا الحديث الصحيح بمقاييسهم لقام بواجبه في الدفاع عن ظلامة علي عليه السلام ، فكيف بكم أنتم علماء الشيعة ؟ !
إن الواجب المهم أمران : الأول ، أن تبذروا بذور حب علي عليه السلام في القلوب . والثاني ، أن تبذروا بذور البغض لغاصبي حقه بنفس المقياس والمستوى ، ولا تنقصوا منه ذرةً واحدة ، فإن الأمة إذا تراجعت يوماً عن البراءة مقدار ذرة ، فستبتلى في ذلك اليوم جميعها بلعنة لا يُعلم ما سوف تجره عليها !
ذلك أن كل الجهود التي بذلت من صدر الإسلام إلى اليوم ، إنما هي :
أولاً إحقاق الحق ، وثانياً إبطال الباطل .
* *
التعليقات
( 1 ) قال الحاكم في المستدرك : 3 / 121 : أخبرنا أبو أحمد محمد بن محمد الشيباني من أصل كتابه ، ثنا على بن سعيد بن بشير الرازي بمصر ، ثنا الحسن بن حماد الحضرمي ، ثنا يحيى بن يعلى ، ثنا بسام الصيرفي ، عن الحسن بن عمرو الفقيمي ، عن معاوية بن ثعلبة ، عن أبي ذر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله : من أطاعني فقد أطاع الله ، ومن عصاني فقد عصى الله ، ومن أطاع علياً فقد أطاعني ، ومن عصى علياً فقد عصاني . هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ) . انتهى .
وقال السيد شرف الدين في النص والاجتهاد ص 574 : ( وقال صلى الله عليه وآله : من أطاعني فقد أطاع الله ، ومن عصاني فقد عصى الله ، ومن أطاع علياً فقد أطاعني ، ومن عصى علياً
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 116 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فقد عصاني . أخرجه الحاكم في ص 121 من الجزء الثالث من المستدرك ، والذهبي في تلك الصفحة من تلخيصه ، وصرح كل منهما بصحته على شرط الشيخين ! ) . انتهى .
وقال الذهبي في تذكرة الحفاظ : 1 / 17 : ( أبو ذر الغفاري جندب بن جنادة على الصحيح أحد السابقين الأولين . أسلم في أول المبعث خامس خمسة ، ثم رجع إلى بلاد قومه ، ثم بعد حين هاجر إلى المدينة ، وكان رأساً في العلم والزهد والجهاد ، وصدق اللهجة والإخلاص ، وكان آدمَ ، جسيماً ، كث اللحية ) . انتهى .
* *
( 2 ) قال مالك في الموطأ : 2 / 54 : ( جاءت الجدة إلى أبي بكر الصديق تسأله ميراثها فقال لها أبو بكر : مالك في كتاب الله شئ ، وما علمت لك في سنة رسول الله شيئاً ، فارجعي حتى أسأل الناس ، فسأل الناس فقال المغيرة بن شعبة : حضرت رسول الله ( ص ) أعطاها السدس . فقال أبو بكر : هل معك غيرك ؟ فقام محمد بن مسلمة الأنصاري فقال مثل ما قال المغيرة ، فأنفذه لها أبو بكر ) . ( وروى نحوه الدارمي ، وأبو داود ، وابن ماجة ، وغيرها ) .
وفي موطأ مالك أيضاً : 2 / 54 : ( أتته جدتان أم الأم وأم الأب فأعطى الميراث أم الأم دون أم الأب . فقال عبد الرحمن بن سهل أخو بني حارثة : يا خليفة رسول الله ! لقد أعطيت التي لو أنها ماتت لم يرثها ، فجعله أبو بكر بينهما ، يعني السدس ) !
وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء : 41 / 210 : ( قال ابن الحداد : ودخلت يوماً على أبي العباس ، فأجلسني معه في مكانه وهو يقول لرجل : أليس المتعلم محتاجاً إلى المعلم أبداً ؟ فعرفت أنه يريد الطعن على الصديق في سؤاله عن فرض الجدة . . .
وقال في هامشه : ( إشارة إلى الحديث الذي رواه مالك في الموطأ : 2 / 54 في الفرائض : باب ميراث الجدة ، وأبو داود ( 2894 ) والترمذي ( 2102 ) فيه أيضاً ، باب ميراث الجدة ، وابن ماجة : ( 2724 ) في الفرائض : باب ميراث الجدة ، من حديث قبيصة بن ذؤيب أنه قال : جاءت الجدة إلى أبي بكر تسأله ميراثها فقال : مالك في كتاب الله من شئ ، وما
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 117 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
علمت لك في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً فارجعي حتى أسأل الناس ، فسأل الناس فقال المغيرة بن شعبة : حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاها السدس ، فقال : هل معك غيرك ؟ فقام محمد بن مسلمة الأنصاري فقال مثل ما قال المغيرة فأنفذ لها أبو بكر السدس .
ثم جاءت الجدة الأخرى إلى عمر بن الخطاب تسأله ميراثها فقال : مالك في كتاب الله من شئ ، وما كان القضاء الذي قضي به إلا لغيرك ، وما أنا بزائد في الفرائض شيئاً ، ولكن هو ذلك السدس ، فإن اجتمعتما فيه فهو بينكما ، وأيتكما خلت به فهو لها ) ! ! قال الترمذي : حسن صحيح ، وصححه الحاكم : 4 / 338 ، وابن حبان ( 1224 ) . . . انتهى .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 118 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

( 4 ) تفسير : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ

( بتاريخ : 15 ذي الحجة 1417 - 23 / 4 / 1997 - 3 / 2 / 1376 )
بسم الله الرحمن الرحيم
قال الله تعالى : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً . ( سورة المائدة : 3 ) .
على مدى قرون ، وعلماء المسلمين يكتبون في تفسير آية إكمال الدين ، وفي صاحب هذه الآية عليه السلام ، وأحداث ذلك اليوم .
اليومَ . . تبدأ الآية بكلمة اليوم محلاةً بالألف واللام ، لتشير إلى أهمية ذلك اليوم وعظمته ، فما هو سر ذلك اليوم ؟
ذلك اليوم الذي روى فيه أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله أن صيامه يعدل عند الله عبادة ستين سنة ! ( 1 )
اليوم . . الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وآله للمسلمين : ألستُ أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ قالوا : بلى . فقال : من كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه ، فنهض عمر بن الخطاب وقال : بخٍ بخٍ لك يا أبا الحسن أصبحت مولايَ ومولى كل مسلم ومسلمة . ( النهاية لابن كثير : 7 / 386 ) .
إن أهمية ذلك اليوم بأهمية صاحبه ، صاحبه الذي سُئل عنه الخليل بن أحمد فقال : ( ماذا أقول في رجل أخفى أعداؤه فضائله حسداً ، وأخفاها محبوه خوفاً ، وظهر من بين ذين وذين ما ملأ الخافقين ! ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 119 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والذي قال فيه أحمد بن حنبل : ( ما جاء في أحد من الصحابة من الفضائل ما جاء في علي بن أبي طالب ) ! ( 2 )
ما الذي حدث في ذلك اليوم ؟
حدث أولاً ، أن الله أكمل لنا ديننا .
وحدث ثانياً ، أنه أتم علينا نعمته . وحدث ثالثاً ، أنه رضي لنا الإسلام ديناً !
فما معنى الإكمال والإتمام والرضا ؟
إن هذه المفاهيم القرآنية قضايا كبيرة تبين معنى الدين الإلهي وتاريخ تنزله ، وفيها بحوث كثيرة ، قد يستغرق الحديث فيها سنة من الزمان ، وإنما نتكلم حولها بكلمات مختصرة !
ولكي نعرف ما هو الدين ، وما هو الإسلام ، الذي رضيه الله لنا ديناً في هذا اليوم ، ينبغي أن ننظر في الآيات التي تحدثت عن الدين والإسلام ، من أول آية إلى آخر آية .
ينبغي أن نعرف أن الإسلام الذي قال الله تعالى عنه : إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلامُ . . . وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ . ( سورة آل عمران : 85 ) . هو الإسلام الذي صار الجانب التنفيذي منه ركناً في بنائه ، من يوم جدد إبراهيم عليه السلام بناء البيت ودعا ربه كما أمره ، أن يكون نبي الأمة المسلمة خاتمة الأمم ، وأئمتها ، من ذريته : وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( سورة البقرة : 127 )
فبعد أن أتم إبراهيم بناء قِبْلَة الحق للعالم ، طلب من ربه ما وعده به ، فقال إلهي أنا معمار بيتك وهذا ابني العامل معي في بناء بيتك . . فاجعل أجر بنائنا ما وعدتنا : رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ . ( سورة البقرة : 128 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 120 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
هذا الإسلام الذي أسس قبلته وأساسه إبراهيم عليه السلام ، ثم بعث الله به سيد المرسلين من ولد إبراهيم صلى الله عليه وآله فأشاد صرحه ، وبنى أمته ، بجهاد وجهود مباركة مقدسة طيلة ثلاثٍ وعشرين سنة ، وكان عامل البناء معه بدل إسماعيل : علي بن أبي طالب عليه السلام !
هذا الإسلام الذي أنزله الله تعالى ، بقي إلى أواخر عمر النبي صلى الله عليه وآله ناقصاً ، وبالذات إلى اليوم الثامن عشر من ذي الحجة ، فأعلن الله إكماله ! !
يا لله ، ما هو قدر ذلك اليوم ، الذي ظل الإسلام يفتقد كماله حتى وجده ؟ ! هنا ليس موضع الكلام لأمثالي ، بل موضع الاستغفار من الكلام ! فأي قضية قيلت للبشر في هذا اليوم فلم يفهموها ، والى يومك هذا ؟ !
أي يوم كنت يا يوم الغدير ، حتى جاء الخطاب الرباني فيك لرسول الله صلى الله عليه وآله بهذا الحسم غير المعهود في خطابه له : يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ، وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ، إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ . ( سورة المائدة : 67 ) . فنحن نعرف أن خطاب الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وآله أرقُّ خطاب وأحناه : مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى . ( سورة طه : 2 ) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ( سورة الأنبياء : 107 ) ، بل نراه أقسم بعمر نبيه الحبيب : لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ . ( سورة الحجر : 72 ) ، لكنه في هذا اليوم خاطبه بحسم خاص فقال : بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ !
يقول له بذلك إن هذا اليوم مركزي في تبليغ الرسالة ، والعمل الذي ستقوم به ، به يكمل الدين ، وبدونه يبقى ناقصاً وتضيع فائدة جهودك في تبليغه ! !
نعم ، إن الرحمة التي تنزلت يوم الغدير أكبر من أن يتعقلها بشر ! والسبب أن الله تعالى إنما خلق هذا العالم ، لأنه أراد أن يوجد موجوداً ويودع فيه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 121 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
جوهرين نادرين هما : العقل والنفس ، ولابد لهذين الجوهرين أن يصلا إلى مرحلة الإثمار .
إن مشروع بعثة الأنبياء عليهم السلام إنما كان من أجل إيصال جوهر العقل إلى درجة الكمال النظري ، وجوهر الإرادة إلى درجة الكمال العملي ، وكانت بعثتهم مقدمات لكي تبلغ هدفها وأوجها ببعثة نبينا صلى الله عليه وآله : لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ . ( سورة آل عمران : 164 )
إن قوله تعالى : لَقَدْ مَنَّ اللهُ رمزٌ لقوله : وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي . فبعثة خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله لا تتم بتعليم الكتاب والحكمة فقط ، بل لابد من يوم الغدير !
ذلك أن تعليم الكتاب هو الجانب العلمي وبناء الوعي البشري ، وتعليم الحكمة هو الجانب العملي وبناء الإرادة البشرية ، وتكميل هذين الجانبين يحتاج إلى مفسر رباني وحكيم رباني ، يواصل المهمة بعد النبي صلى الله عليه وآله .
مفسرٌ رباني ، يستطيع تفسير الكتاب الإلهي الذي قال فيه منزله عز وجل : الر . كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ . ( سورة إبراهيم : 1 ) ، وقال فيه : وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَى هَؤُلاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شئ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ . ( سورة النحل : 89 )
وقال عن الذين يفهمونه ويفسرونه : لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ . ( سورة الواقعة : 79 ) .
لقد تم تنزيل الكتاب الإلهي لكنه بدون مفسر رباني بعد النبي يبقى ناقصاً ، لأن مفسره المؤهل تأهيلاً ربانياً هو الوحيد الذي يستطيع أن يستخرج من خزائن العلم الإلهي فيه ، كل ما يحتاج اليه العقل البشري .
إن القرآن الكريم كان وما زال خزائن الله العظيمة ، التي يراها العلماء ولا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 122 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يستطيعون وصفها ، ويحومون حول كنوزها ولا يستطيعون استخراجها ! كان وما زال بكراً على عقولهم ، مهاباً في صدورهم ! ومع أنه غني في عطائه لهم ، فإن كل حصيلتهم من خزائنه الدنيا ، أما خزائنه العليا فهي أعلى منالاً من مستواهم ، لا يمسها إلا المطهرون ، الذين يملكون الوسائل العليا التي تمكنهم من استخراج ما يحتاجه البشر من القرآن !
هل يستطيع أحدٌ من العلماء في عصرنا أو غير عصرنا ، أن يدعي أنه يمكنه أن يستخرج كنوز القرآن ؟ ! فليتفضل علماء الأزهر ، وكل علماء الحواضر الإسلامية من مذاهب السنة والشيعة ، هل يستطيع أحد منهم أن يفتح فمه بعلم فيخبرنا عن معنى : ألف . لام . ميم . ؟
هل يستطيع أحد منهم أن يخبرنا عن المعنى المكنون في : ح . م . ع . س . ق . ؟ ! هل يوجد منهم أحد يخبرنا عن رمز ق ، وعن سر : أ . ل . ر . ؟ !
إن هذا الكتاب العظيم ، كان وما زال بحاجة إلى معلم رباني يعلمه للأمة وللبشرية ، ومعلم هذا الكتاب بعد النبي صلى الله عليه وآله ، هو فقط من يقول : سلوني قبل أن تفقدوني ، سلوني عما دون العرش !
إن البشرية لم ترَ بعد النبي صلى الله عليه وآله من قال : سلوني ، ولم يعين حداً لما يسأل عنه في الأرض ولا في السماء ! فهذا الشخص فقط يستطيع أن يفسر كتاب الله الذي فيه تبيان كل شئ !
اليوم أكملت لكم دينكم . . لأنا إن اكتفينا بتنزيل الكتاب عليكم ، ولم نجعل له مفسراً له بعد رسولنا ، فقد جعلنا الكتاب خزائن مقفلة ! ولكم مَنْ يستخرج منها ما تحتاجه عقول البشر في كل جيل ، فالنعمة العلمية على البشر لا تتم إلا بمفسر للكتاب الإلهي .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 123 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وكذلك النعمة العملية في بناء الإرادة البشرية وتحقيق عدالة الكتاب الإلهي لا تتم إلا بمن يجسدها ويعلمها للناس .
قد نجدُ من يدعي أنه يستطيع تحقيق العدالة الإلهية التي نزل بها القرآن ! لكن الواقع أن تحقيق العدالة القرآنية النظرية والعملية ، الفردية والاجتماعية . . إنما يستطيع تطبيقها من وصل في تحقيق العدالة مع نفسه إلى أن يقول : والله لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعير ما فعلت . ! فمثل هذه الإرادة ، هي التي تستطيع أن تحقق الحكمة العملية القرآنية ، وتعلمها للبشرية !
الذي يحق له أن يقول إنه يطبق العدالة القرآنية ، هو فقط الذي كان يملك بلاد كسرى وكثيراً من بلاد قيصر وخيراتها وكنوزها ، ومع ذلك كان طعامه خبز شعير وملح ، وربما سمح لأولاده أن يضيفوا اليه شيئاً من لبن ! فقد كان يقول : إن الله فرض على أئمة العدل أن يساووا أنفسهم بضعفة الناس . . . أوَ أرضى بأن يقال لي أمير المؤمنين ولا أشاركهم في مكاره الدهر ! أأبيتُ مبطاناً وحولي بطونٌ غرثى وأكبادٌ حرَّى ، ولعل بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له بالقرص ، ولا عهد له بالشبع ؟ ! ( 3 )
هذا عن طعام أمير المؤمنين عليه السلام ، أما عن ملبسه فكان يلبس الكرابيس ، وهو نوع من الثياب العادية لعامة الناس ! ولم يختلف ملبسه طوال عمره ، في فقر مرَّ عليه أو غنىً ، وحتى عندما كانت تحت يده خزائن الدولة الإسلامية المترامية الأطراف ، وكان قسم من الناس يعيشون السعة والثروة ، كان ملبسه نفس ملبس خادمه قنبر ! بل كان يخص قنبر بالقميص الأجود الذي سعره ضعف سعر قميصه ، يقول إنه شاب ينبغي أن يفرح !
اليوم أكملت لكم دينكم . . أكمله بهذا العالم الرباني الذي يستطيع أن يتناول
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 124 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
من خزائن القرآن ، وبهذا الإنسان الكامل الذي يستطيع أن يطبق عدالة القرآن ! أما الآخرون ، فهم مساكين ، من أين لهم هذا العلم ، وهذه الإرادة ؟ !
لقد تصور عمر بن الخطاب يوماً أن العدالة القرآنية في المهور أن تكون متساوية إلى يوم القيامة ، فخطب على المنبر ناهياً المسلمين عن زيادة المهر على مهر نساء النبي صلى الله عليه وآله ، وحذر من يخالفه وهدد بالعقوبة !
فقامت اليه عجوز وقالت : بل قول الله أصدق من قولك يا عمر ، قال الله تعالى : وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً . ( سورة النساء : 20 ) فتعجب عمر من قولها ، وقال : كل الناس أفقه من عمر ، حتى المخدرات في الحجال .
فأيهما يجب أن يضم إلى القرآن حتى يكمل الدين ؟
الذي يقول : كل الناس أفقه من عمر ؟ !
أم الذي يقول فيه عمر : علي أعلم الأمة !
ويقول فيه رسول الله صلى الله عليه وآله : أنا مدينة العلم وعلي بابها ؟ !
إن ما ذكرناه عن أمير المؤمنين عليه السلام هو ألف باء صفاته ، وإلا فهو في مقام أعظم وأعظم ، صلوات الله عليه . قال الإمام الصادق عليه السلام لمحمد بن مسلم الثقفي : إذهب إلى قبر أمير المؤمنين عليه السلام ، وقف مقابله ، وزره بهذه الزيارة . . إلى أن يقول فيها : السلام على اسم الله . . لكن أي اسم ؟
السلام على اسم الله الرضي .
السلام على وجه الله المضي .
السلام على جنب الله القوي .
السلام على صراط الله السوي .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 125 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إلى أن يقول : السلام على نور الله الأنور ، وضيائه الأزهر . ( 4 )
والفرق بين النور والضياء كالفرق بين نور الشمس والقمر ، فالشمس مضيئة والقمر منير ، لأنه يعكس نورها بنسبة بسيطة ، والشمس المضيئة هنا رسول الله صلى الله عليه وآله ونورها الجلي علي عليه السلام ! لكن ما معنى الأنور ؟ وما معنى الأزهر ؟
هنا يحق للملائكة أن تتعجب من مقامات علي عليه السلام ، وقد تعجبت !
ذاك هو علي بن أبي طالب عليه السلام ، الذي يحق له عندما سمع شخصاً تحت منبره يقول إني مظلوم ، أن يقول له : إنك ظلمت مرة ، لكني ظلمت عدد المدر والحصى ! !
السلام عليك يا أول المظلومين . ( 5 )
* *
التعليقات
( 1 ) تورط علماء الجرح والتعديل السنيون في حديث أبي هريرة في آية إكمال الدين ، وأنها نزلت في يوم غدير خم بعد خطبة النبي صلى الله عليه وآله ووصيته للأمة بالقرآن والعترة ، وبعد أن أصعد علياً معه على المنبر ورفع يده وأعلنه خليفة من بعده . وقد روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله أمرهم أن يصوموا ذلك اليوم شكراً لله تعالى ، وأن أجر من صامه كمن صام ستين سنة !
قال أبو هريرة : ( من صام يوم ثماني عشرة من ذي الحجة كتب له صيام ستين شهراً ، وهو يوم غدير خم لما أخذ النبي ( ص ) بيد علي بن أبي طالب فقال : ألست ولي المؤمنين ؟ قالوا : بلى يا رسول الله . قال : من كنت مولاه فعلي مولاه . فقال عمر بن الخطاب بخ بخ لك يا ابن أبي طالب ، أصبحت مولاي ومولى كل مسلم ! فأنزل الله عز وجل : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً ) . انتهى . ( تاريخ دمشق : 42 / 233 ، وغيره ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 126 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وسبب تحيرهم أنهم لا يمكنهم الطعن في سند الحديث ، لأن رجاله رجال الصحاح والطعن فيهم طعن في الصحاح كالبخاري ومسلم !
ولا يمكنهم أيضاً قبول متن الحديث لأن عمر سئل عن الآية فأنكر أنها نزلت في يوم الغدير ، وقال إنها نزلت قبله بأيام في حجة الوداع !
وقبول حديث أبي هريرة يعني تكذيب عمر في سبب نزول الآية ، وأن ولاية علي وخلافته عليه السلام نزلت من الله تعالى وبلغها النبي صلى الله عليه وآله للمسلمين ، وأن عمر هنأه وبخبخ له !
وعادة المتعصبين لعمر عندما يقعون في مثل هذا المأزق أن يخرجوا عن توازنهم ، ويردوا الحديث النبوي المعارض لقول عمر بأي وسيلة ، فإن لم يجدوا وسيلة ردوه ( دفعاً بالصدر ) وهو مصطلح لمن رد الحديث بلا حجة ، تشبيهاً له بمن يدفع أحداً بصدره !
وفي هذا الحالة يصفون الحديث بأنه منكر أو مكذوب ، لأنه يخالف قول عمر !
قال السيد حامد النقوي في خلاصة عبقات الأنوار : 7 / 246 : ( روى حديث صوم يوم الغدير بطريق صحيح رجاله كلهم ثقات ، فقد أخرج الحافظ الخطيب ، عن عبد الله بن علي بن محمد بن بشران ، عن علي بن عمر الدار قطني ، عن أبي نصر حبشون الخلال ، عن علي بن سعيد الرملي ، عن ضمرة بن ربيعة ، عن عبد الله بن شوذب ، عن مطر الوراق ، عن شهر بن حوشب عن أبي هريرة قال : من صام يوم ثمان عشر من ذي الحجة كتب له صيام ستين شهراً ، وهو يوم غدير خم . . . الخ . ) .
وقال الراضي في سبيل النجاة ص 192 : ( فضل صوم عيد الغدير : عن أبي هريرة . . . هذا يوجد في ترجمة الإمام علي بن أبي طالب من تاريخ دمشق لابن عساكر : 2 / 75 ح 575 و 576 و 577 ، شواهد التنزيل للحسكاني : 1 / 158 ح 210 و 213 ، الغدير : 1 / 402 ، تاريخ بغداد : 8 / 290 وفي بعض الروايات بدل ستين شهراً ستين سنة ، كما في فرائد السمطين للحمويني : 1 / 77 ب 13 ، المناقب للخوارزمي ) .
وعدَّد الأميني رحمه الله في الغدير : 1 / 236 ، ستة عشر من علماء السنة رووا هذا الحديث : فقال : ( 15 - جلال الدين السيوطي الشافعي المتوفى 911 ، رواه في الدر المنثور : 2 / 259 من
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 127 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
طريق ابن مردويه والخطيب وابن عساكر بلفظ مر في رواية ابن مردويه ، وقال في الإتقان : 1 / 31 في عد الآيات السفرية : ( منها اليوم أكملت لكم دينكم : في الصحيح عن عمر أنها نزلت عشية عرفة يوم الجمعة عام حجة الوداع ، له طرق كثيرة . لكن أخرج ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري أنها نزلت يوم غدير خم ، وأخرج مثله من حديث أبي هريرة وفيه : إنه اليوم الثامن عشر من ذي الحجة مرجعه من حجة الوداع . وكلاهما لا يصح . ) ا ه‍ .
وقال الأميني : قلنا إن كان مراده من عدم الصحة غميزة في الإسناد ففيه أن رواية أبي هريرة صحيحة الإسناد عند أساتذة الفن ، منصوص على رجالها بالتوثيق ، وسنفصل ذلك عند ذكر صوم الغدير ، وحديث أبي سعيد له طرق كثيرة كما مر في كلام الحمويني في فرائده .
على أن الرواية لم تختص بأبي سعيد وأبي هريرة فقد عرفت أنها رواها جابر بن عبد الله ، والمفسر التابعي مجاهد المكي ، والإمامان الباقر والصادق صلوات الله عليهما ، وأسند إليهم العلماء مخبتين إليها .
كما إنها لم تختص روايتها من العلماء وحفاظ الحديث بابن مردويه وقد سمعت عن السيوطي نفسه في دره المنثور رواية الخطيب وابن عساكر ، وعرفت أن هناك جمعا آخرين أخرجوها بأسانيدهم وفيها مثل الحاكم النيسابوري ، والحافظ البيهقي ، والحافظ ابن أبي شيبة ، والحافظ الدارقطني ، والحافظ الديلمي ، والحافظ الحداد وغيرهم . كل ذلك من دون غمز فيها عن أي منهم .
وإن كان يريد عدم الصحة من ناحية معارضتها لما روي من نزول الآية يوم عرفة ، فهو مجازف في الحكم بات بالبطلان على أحد الجانبين ، وهب أنه ترجح في نظره الجانب الآخر لكنه لا يستدعي الحكم القطعي ببطلان هذا الجانب ، كما هو الشأن عند تعارض الحديثين ، لا سيما مع إمكان الجمع بنزول الآية مرتين كما احتمله سبط ابن الجوزي في تذكرته ص 18 كغير واحدة من الآيات الكريمة النازلة غير مرة واحدة ، ومنها البسملة النازلة في مكة مرة ، وفي المدينة أخرى ، وغيرها مما يأتي .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 128 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
على أن حديث نزولها يوم الغدير معتضد بما قدمناه عن الرازي وأبي السعود وغيرهما من أن النبي صلى الله عليه وآله لم يعمر بعد نزولها إلا أحداً أو اثنين وثمانين يوماً . فراجع ص 230 .
والسيوطي في تحكمه هذا ، قلد ابن كثير فإنه قال في تفسيره : 2 / 14 بعد ذكر الحديث بطريقيه : لا يصلح لا هذا ولا هذا . فالبادي أظلم ! ) . انتهى كلام الأميني رحمه الله .
ولا يتسع المجال لنقل كلام ابن كثير وشيخه الذهبي ومناقشته ، وقد كان العجلوني أقل تزويراً وتحريفاً من بقيتهم ، فقد نقل تكذيب الذهبي للحديث بدليل واه ، ولم يردَّه ، ولا ذكر أسانيد الحديث الصحيحة التي لا يمكن دفعها !
قال في كشف الخفاء : 2 / 258 : ( من صام يوم ثمانية عشر من ذي الحجة كتب الله له صيام ستين شهراً . هذا الحديث ذكره الحلبي في سيرته في أواخرها قبل باب ذكر عمره ( ص ) من غير عزو لأحد ، ثم نقل عن الحافظ الذهبي أنه ( حديث منكر جداً بل كذب فقد ثبت في الصحيح أن صيام شهر رمضان بعشرة أشهر فكيف يكون صيام يوم واحد يعدل ستين شهراً ؟ هذا باطل فليتأمل . انتهى ما في السيرة . وذكر فيها قبيل ذكره أن الرافضة اتخذوه عيداً لهم لأمر ذكره فيها ، فليراجع ) . انتهى .
أما من طرقنا فرواه الصدوق رحمه الله في الأمالي ص 50 : ( حدثنا الحسن بن محمد بن الحسن بن إسماعيل السكوني في منزله بالكوفة قال : حدثني إبراهيم بن محمد بن يحيى النيسابوري قال : حدثنا أبو جعفر ابن السري وأبو نصر بن موسى بن أيوب الخلال قال : حدثنا علي بن سعيد قال : حدثنا ضمرة بن شوذب ، عن مطر ، عن شهر بن حوشب ، عن أبي هريرة ، قال : من صام يوم ثمانية عشر من ذي الحجة ، كتب الله له صيام ستين شهراً ، وهو يوم غدير خم ، لما أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله بيد علي بن أبي طالب وقال :
يا أيها الناس ، ألست أولى بالمؤمنين ؟ قالوا : نعم يا رسول الله ، قال : من كنت مولاه فعلي مولاه ، فقال له عمر : بخ بخ يا بن أبي طالب ، أصبحت مولاي ومولى كل مسلم ، فأنزل الله عز وجل : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 129 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي الكافي : 4 / 148 : ( علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن القاسم بن يحيى ، عن جده الحسن بن راشد ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : قلت : جعلت فداك للمسلمين عيد غير العيدين ؟ قال : نعم يا حسن أعظمهما وأشرفهما ، قلت وأي يوم هو ؟ قال هو يوم نصب أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه فيه علما للناس ، قلت : جعلت فداك وما ينبغي لنا أن نصنع فيه ؟ قال : تصومه يا حسن وتكثر الصلاة على محمد وآله وتبرأ إلى الله ممن ظلمهم فإن الأنبياء صلوات الله عليهم كانت تأمر الأوصياء باليوم الذي كان يقام فيه الوصي أن يتخذ عيداً .
قال قلت : فما لمن صامه ؟ قال : صيام ستين شهراً ، ولا تدع صيام يوم سبع وعشرين من رجب فإنه هو اليوم الذي نزلت فيه النبوة على محمد صلى الله عليه وآله وثوابه مثل ستين شهراً لكم ) . انتهى . ونحوه في الفقيه : 2 / 90 ، وتهذيب الأحكام : 4 / 305 ، وثواب الأعمال ص 74 .
* *
( 2 ) قال المناوي في فيض القدير : 4 / 468 : ( قال الإمام أحمد : ما جاء في أحد من الفضائل ما جاء في علي . وقال النيسابوري : لم يرد في حق أحد من الصحابة بالأحاديث الحسان ما ورد في حق علي رضي الله عنه ) .
* *
( 3 ) قال الأحنف بن قيس وهو رئيس قبيلة تميم المشهورة : ( دخلت على معاوية فقدم إلي من الحلو والحامض ما كثر تعجبي منه ، ثم قدم لونا ما أدري ما هو فقلت : ما هذا ؟ قال : مصارين البط محشوة بالمخ ، قد قُلي بدهن الفستق ، وذُرَّ عليه الطبرزد . فبكيت فقال : ما يبكيك ؟ قلت : ذكرت علياً ، بينا أنا عنده فحضر وقت إفطاره فسألني المقام ، إذ دعا بجراب مختوم . ‍ قلت : ما في الجراب ؟ قال : سويق شعير .
قلت : خفت عليه أن يؤخذ أو بخلت به ؟
قال : لا ، ولا أحدهما ، ولكني خفتُ أن يلِتَّهُ الحسن والحسين بسمنٍ أو زيت .
قلت : محرمٌ هو يا أمير المؤمنين ؟
قال : لا ولكن يجب على أئمة الحق أن يعتدُّوا أنفسهم من ضَعَفَة الناس لئلا يطغي الفقيرَ فقرُه ! قال معاوية : ذكرت من لا ينكر فضله ! ) انتهى .
( شرح إحقاق الحق للسيد المرعشي : 23 / 261 : عن كتاب التذكرة الحمدونية لمحمد بن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 130 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
حمدون ، ص 69 طبعة بيروت - وذكره في مواقف الشيعة سعيد منصور بن الحسين الآبي المتوفى سنة 422 ه‍ . والكتاب مخطوط بدار الكتب المصرية رقم 2604 ) .
* *
( 4 ) في كتاب المزار لابن المشهدي رحمه الله ص 205 ، من زيارة لأمير المؤمنين عليه السلام :
( السلام على اسم الله الرضي ، ووجهه المضئ ، وجنبه القوي ، وصراطه السوي ، السلام على الإمام التقي المخلص الصفي . . .
ومنها : السلام على النبأ العظيم ، الذي هم فيه مختلفون ، وعليه يعرضون ، وعنه يسألون . السلام على نور الله الأنور ، وضيائه الأزهر ورحمة الله وبركاته ) .
وفي إقبال الأعمال لابن طاووس : 3 / 133 من زيارة لأمير المؤمنين عليه السلام :
( السلام على اسم الله الرضي ووجهه المضئ وجنبه القوي وصراطه السوي ) .
* *
( 5 ) في المناقب لابن شهرآشوب : 1 / 382 : ( روى إبراهيم بإسناده عن المسيب بن نجية قال : بينما علي يخطب وأعرابي يقول وا مظلمتاه ، فقال عليه السلام : أدْنُ ، فدنا ، فقال : لقد ظُلِمْتُ عددَ المدر والمطر والوبر ) !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 131 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

( 5 ) مولد أمير المؤمنين عليه السلام

( بتاريخ : 12 رجب 1417 - 24 / 11 / 1996 - 11 / 8 / 1377 )
يصادف غداً مولد أمير المؤمنين وإمام الموحدين ويعسوب المسلمين ، وقائد الغُرِّ المحجلين عليه السلام . وولادته حدثٌ عظيم لا يمكن أن ينهض بمسؤولية تحليله بيان الباحث ، فضلاً عن بيان المتعبد !
أي حادثة حدثت في مثل يوم غد ؟
لقد دونتها مصادر الشيعة والسنة ، لكن فقهها وتحليل لطائف كلام رسول الله صلى الله عليه وآله وإشاراته النبوية فيها ، لم يكتب بعد !
ونحن نكتفي بالإشارة إلى كلمة واحدة من حديث واحد ، روته مصادر الشيعة والسنة ! فقد كان شهر رجب عند العرب في الجاهلية شهراً ممتازاً ، ومن لم يستطع الحج منهم في ذي الحجة ، زار الكعبة في رجب ، وأدى ما كانوا يؤدونه عندها من مناسك .
في تلك المناسبة ، وفي اليوم الثالث عشر من شهر رجب ، والمسجد ممتلئ بالطائفين من قبائل العرب ، كانت امرأة تطوف حول البيت ، لكن أي امرأة ؟ إن الحديث الذي نبحث فقرة منه حديث في حقها ، فعندما توفيت كفنها رسول الله صلى الله عليه وآله بقميصه ، وصلى عليها ، وكبر في صلاته سبعين تكبيرة ! ثم نزل في قبرها ، ودعا لها ولقنها الشهادة !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 132 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
روى الحاكم النيسابوري : ( لما ماتت فاطمة بنت أسد بن هاشم كفنها رسول الله صلى الله عليه وآله في قميصه وصلى عليها ، وكبر عليها سبعين تكبيرة ، ونزل في قبرها فجعل يومي في نواحي القبر كأنه يوسعه ، ويسوي عليها ، وخرج من قبرها وعيناه تذرفان ، وحثا في قبرها ، فلما ذهب قال له عمر بن الخطاب :
يا رسول الله رأيتك فعلت على هذه المرأة شيئاً لم تفعله على أحد !
فقال : يا عمر إن هذه المرأة كانت أمي التي ولدتني ! إن أبا طالب كان يصنع الصنيع وتكون له المأدبة ، وكان يجمعنا على طعامه ، فكانت هذه المرأة تفضل منه كله نصيبنا فأعود فيه .
وإن جبريل عليه السلام أخبرني عن ربي عز وجل أنها من أهل الجنة ، وأخبرني جبريل عليه السلام أن الله تعالى أمر سبعين ألفاً من الملائكة يصلون عليها ) ! ( المستدرك : 3 / 108 ) .
إن هذه المرأة كانت أمي التي ولدتني . . كلمة ينبغي للباحثين الشيعة والسنة أن يفكروا فيها ! فماذا عنى النبي صلى الله عليه وآله بقوله هذا ؟ !
إن كلام النبي صلى الله عليه وآله حكمه حكم التنزيل ، فهو لا ينطق عن الهوى ، وكلامه بعد كلام الله تعالى ، ومنطقه ميزان الحقيقة . وعندما تكون رتبة القائل بعد الله تعالى ، فمن يستطيع أن يصل إلى عمق الحق الذي يحويه كلامه ؟ !
تلك المرأة العظيمة التي كانت تطوف حول البيت ، أحست بالمخاض وبدل أن يهديها ربها إلى خارج البيت ، هداها إلى داخل بيته ، أول بيت وضع للناس ، فدخلت إلى الكعبة ، وخرجت منها إلى العالم بتحفة ، إلى الآن لم تدرك البشرية قيمتها ! جاءت إلى قومها بمولودها تحمله ، والى الآن لم تدرك البشرية معنى ذلك المولود !
في دائرة الوجود توجد كلمتان : نحن ، وأنا . ويوجد في دائرة ( نحن ) في
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 133 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قوس الصعود ، شئ هو أشرف مصاديقها يقع في قمة هرم تلك السلسلة . كما يوجد في دائرة كلمة ( أنا ) في قوس النزول الذي يبدأ به تنزل الفيض ، نقطة هي أيضاً أشرف من في الوجود ، وهذه النقطة مع النقطة الأعلى في دائرة ( نحن ) هما أشرف ما في الوجود !
أقول هذا الكلام لكي يتأمل أصحاب الفكر غير المتعصبين من كل الفرق الإسلامية فيما سأقوله ، ويتفكروا بأنفسهم ، ثم يصدروا حكمهم ، لأن ما أقوله مقدمات لا تخرج كلمة منها عن قطعي الكتاب والسنة !
إن تلك النقطة التي هي أشرف الموجودات في دائرة ( نحن ) هي القرآن . ففي القرآن تجلى الله إلى خلقه ، فهو مظهر اسمه الأعظم الجامع لأسمائه الحسنى وأمثاله العليا .
أما النقطة التي أشرف ما في قوس ( أنا ) حيث يبدأ الفيض ، فهي الذي جاء بالقرآن صلى الله عليه وآله . هذه هي المقدمة .
روى الحاكم في المستدرك وصححه : 3 / 124 : ( عن أبي ثابت مولى أبي ذر قال : كنت مع علي رضي الله عنه يوم الجمل ، فلما رأيت عائشة واقفة دخلني بعض ما يدخل الناس ! فكشف الله عني ذلك عند صلاة الظهر ، فقاتلت مع أمير المؤمنين ، فلما فرغ ذهبت إلى المدينة فأتيت أم سلمة فقلت : إني والله ما جئت أسأل طعاماً ولا شراباً ولكني مولى لأبي ذر . فقالت مرحباً ، فقصصت عليها قصتي فقالت : أين كنت حين طارت القلوب مطائرها ؟ قلت : إلى حيث كشف الله ذلك عني عند زوال الشمس ! قالت : أحسنت سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : علي مع القرآن والقرآن مع علي ، لن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض ) .
روى هذا الحديث الحاكم وصححه على شرط مسلم . أما الذهبي كبير
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 134 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
نقادهم ، والذي لا يترك حديثاً في فضل أمير المؤمنين عليه السلام إلا وسعى بكل قوته لتضعيفه ! فقال عن هذا الحديث : ( حديث صحيح ) !
لكن غرضنا هنا ليس البحث في سنده ، بل لمحة من فقهه ، فما معنى هذه الجملة النبوية : علي مع القرآن والقرآن مع علي ، لن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض ؟
لا يمكننا فهم ما قاله النبي صلى الله عليه وآله حتى نفهم معنى القرآن الذي حكم صلى الله عليه وآله بوجود معيَّةٍ بينه وبين علي عليه السلام .
فعليٌّ مع القرآن الذي قال تعالى عنه : وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَئٍْ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ . ( سورة النحل : 89 )
القرآن الذي قال عنه : إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ .
( سورة الواقعة : 77 - 79 )
وقال عنه : تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً . ( سورة الفرقان : 1 )
وقال عنه : لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِه تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ) ( سورة فصلت : 42 )
فعليٌّ في رتبة المعية مع هذا القرآن ! فهو في رتبة عبارات قرآن ، ورتبة إشارات القرآن ، ورتبة لطائف القرآن ، ورتبة حقائق القرآن ، ورتبة بطون القرآن السبعة !
وعلي في رتبة مقامات القرآن الذي لا تحصى عجائبه ، ولا تبلى غرائبه ، له تخوم ، وعلى تخومه تخوم ! !
والمسألة لا تنتهي بأن علياً مع القرآن ، فالقرآن مع علي أيضاً !
نحن نعرف أن المعية نسبة تقوم بطرفين ويستحيل أن تقوم بطرف واحد ، وعندما قال النبي صلى الله عليه وآله : علي مع القرآن فقد أثبتها بينهما ، فلماذا أعاد إثباتها بصيغة أخرى فقال : والقرآن مع علي ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 135 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
حاشا أفصح من نطق بالضاد من اللغو في كلامه ، وحاشا أفصح من نطق بالضاد من التكرار في كلامه . بل أراد أن يفهمنا أن مسألة معيتهما معية من نوع خاص ، ويشير إلى أبعادها العميقة ، ذلك أن المعية بين شيئين أو أكثر عندما تطلق فيقال : زيد مع عمرو ، فهي أعم من أن يكون هذا الطرف في الإضافة متقدماً رتبة على ذاك أو متأخراً عنه ، بل تدل على أنهما معاً بقطع النظر عن رتبة كل منهما ، وربما كان فيها إشارة إلى أن المقرون أقل رتبة من المقرون به . لهذا أعاد النبي صلى الله عليه وآله صياغة هذه المعية ، ليقول للمفكرين لا ينبغي أن تفهموا من قولي : عليٌّ من القرآن ، أن علياً أقل رتبة من القرآن ، بل القرآن مع علي أيضاً ، فهما وجودان متعادلان !
علي مع القرآن . . فيها بحوث وبحوث ! فعلي مع القرآن من أول : ألم . كهيعص . حمعسق . طسم . ق . ص .
وعلي مع القرآن ، فقد وصل عليٌّ إلى حيث وصلت كل رموز الاسم الأعظم ! بل وصل إلى آخر تخوم القرآن !
ومن جهة أخرى ، فالقرآن من أين ما فتحته أو قرأته فهو مع علي عليه السلام !
فعلى ماذا يدل هذا التعادل والتوازن بين هذا الإنسان والقرآن ؟ !
وهل يستيقظ المفكرون السنيون من نوم الغفلة ؟ !
وهل يدركون أنه عندما يقول النبي صلى الله عليه وآله : علي مع القرآن ، والقرآن مع علي ، ويقرؤون معه وصف الله للقرآن بأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه . . فإن معناه بمقتضى هذا الحديث الصحيح عند الجميع ، أن العصمة الكبرى التي ثبتت للنبي صلى الله عليه وآله هي ثابتة لعلي عليه السلام ! وأن منكر ذلك خارج عن التسنن وعن التشيع ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 136 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
علي مع القرآن ، والقرآن مع علي . . ومعنى ذلك أن كل ما هناك من علم ، فهو في القرآن ، وهو في صدر علي عديل القرآن !
نعم كل ما هناك من علم ! لا يستثنى منه إلا علم الله تعالى المختص به فهو العلم الربوبي الوحيد المستثنى من ذلك ، أما ما دونه فهو في صدر علي !
وبما أن القرآن تبيان كل شئ ، فإنه فيه علم الأولين والآخرين ، وعلم ما كان وما يكون ، وكل علوم نظام التكوين ونظام التشريع . .
فكلها في القرآن ، وكلها في قلب علي عليه السلام !
ليس كلامنا هذا تعصباً للتشيع ، بل هو مُرُّ الحق ، وخالص منطوق نبينا الذي لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وآله فلا بد أن نحني رؤوسنا ونخضع لهذا الحق شئنا أم أبينا !
فهذا مقام علي عليه السلام ونسبته إلى القرآن ، ونسبته إلى قوس ما في الوجود .
أما نسبته إلى من في الوجود ، والى من جاء بالقرآن ، فلا بد أن نتذكر قول النبي صلى الله عليه وآله : علي مني وأنا من علي ! ( 1 )
والحديث متواتر ، والمتواتر لا يحتاج إلى بحث سنده ، لا عند الشيعة ولا عند السنة ، ولا حتى عند الجهال ! ومع ذلك فقد شهد بصحته نقادهم في الحديث والمشككون في الأسانيد ، ورواه البخاري في : 3 / 168 بلفظ : وقال لعلي أنت مني وأنا منك ، ( وكذا في : 4 / 207 ، و : 5 / 85 ) مضافاً إلى اتفاق أصحاب الصحاح والمسانيد والتفسير على روايته .
علي مني . . تعبير نبوي يحدد نسبة علي عليه السلام من النبي صلى الله عليه وآله ، ويجري فيه ما قلناه في قوله : علي مع القرآن ! ولكنه جزء من نسبة علي من رسول الله صلى الله عليه وآله ، وليس كلها ! فتكملته : وأنا من علي . . وهي جملة كبيرة ، عظيمة ، يقول فيها
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 137 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
النبي صلى الله عليه وآله : في نفس الوقت الذي علي مني ، فأنا في كل مكان مع علي ! !
فهل عرف البخاري ماذا كتب ؟ لماذا لم تفكر أيها البخاري ماذا يعني قول النبي : وأنا من علي ؟ ! إن فهم ذلك يتوقف على نقل هذه القصة :
بعد أن قتل المسلمون عثمان بن عفان ، وهتفوا باسم أمير المؤمنين عليه السلام وجاؤوه إلى منزله فاستخرجوه منه وبايعوه ، صعد المنبر .
وكان أبو بكر لما صعد منبر النبي صلى الله عليه وآله نزل مرقاة ، فلما صعد عمر نزل مرقاة ، فلما صعد عثمان نزل مرقاة ، فلما صعد علي صعد إلى الموضع الذي كان يجلس عليه رسول الله صلى الله عليه وآله ! فسمع من الناس ضوضاء فقال : ما هذه التي أسمعها ؟ قالوا لصعودك إلى موضع رسول الله صلى الله عليه وآله الذي لم يصعده الذي تقدمك . فقال عليه السلام : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : من قام مقامي ولم يعمل بعملي أكبه الله في النار ، وأنا والله العامل بعمله ، الممتثل قوله ، الحاكم بحكمه فلذلك قمت هنا .
ثم قال في خطبته : معاشر الناس قمت مقام أخي وابن عمي لأنه أعلمني بسري وما يكون مني ! فكأنه قال : أنا الذي وضعت قدمي على خاتم النبوة فما هذه الأعواد ؟ ! أنا من محمد ومحمد مني ) ! ( 2 )
فكروا في هذه الكلمات : أنا كسرت الأصنام ، أنا رفعت الأعلام ، أنا بنيت الإسلام ! ! أي صاحب فمٍ ولسان له جرأة على أن ينطق بذلك ؟ !
صلوات الله عليك يا مظلوم العالم ، نعم هكذا كنت !
فأي أيام رأيت بعد النبي صلى الله عليه وآله حتى قلت مثل هذه الكلمات التي تهز الدنيا وتذهل العقل ! أنا الذي وضعت قدمي على خاتم النبوة فما هذه الأعواد ؟ أنا من محمد ومحمد مني ! يقصد بذلك عندما صعد إلى سطح الكعبة ليكسر
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 138 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأصنام ثم لنقرأ هذه التكملة : ( فلما سقط ضحك ، فقال النبي صلى الله عليه وآله : ما يضحكك يا علي أضحك الله سنك ؟ قال : ضحكت يا رسول الله تعجباً من أني رميت بنفسي من فوق البيت إلى الأرض فما ألمت ولا أصابني وجع ؟ ! فقال : كيف تألم يا أبا الحسن أو يصيبك وجع ؟ إنما رفعك محمد وأنزلك جبرئيل ) . ( نفس المصدر ص 403 ) .
كذلك أنت يا علي صلوات الله عليك !
والآن : اتضح معنى قول النبي صلى الله عليه وآله لعمر : يا عمر إن هذه المرأة كانت أمي التي ولدتني . . فعلي أنا وأنا علي !
ونختم بهذه الكلمة من السنة الصحيحة : علي مع القرآن والقرآن مع علي . . فهذا موقع علي من من أول نقطة ( نحن ) .
وقالت السنة الصحيحة : علي مني وأنا من علي ، وهذا موقع علي من من أول نقطة ( أنا ) .
أما الكتاب وهو فصل الخطاب فيقول : فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ . ( سورة آل عمران : 61 )
إن علياً لم يُعرف إلى الآن !
وأختم بهذا الحديث الشريف ، عن ابن عباس قال : ( كنا جلوساً عند رسول الله صلى الله عليه وآله فقال : من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه ، وإلى نوح في سلمه ، وإلى إبراهيم في حلمه ، وإلى موسى في فطانته ، وإلى داود في زهده ، فلينظر إلى هذا . قال : فنظرنا فإذا علي بن أبي طالب قد أقبل كأنما ينحدر من صبب ) ! ( كمال الدين ص 25 )
ولماذا لم يقل النبي عن شَبَهِ عليٍ بهِ ؟ لأن الله تعالى قال عنه إنه نفس النبي صلى الله عليه وآله : وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 139 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
سبحان الله . . أي ظلامة ارتكبتها الأمة في حق أمير المؤمنين عليه السلام ؟ ! والى الآن تراهم يَغُطُّونَ في غفلتهم ، ويدَّعون العلم والفقه والحديث ، ويَقْبلون أن يكون مكان رسول الله صلى الله عليه وآله شخص كان يقول باتفاق رواتهم : وليتكم ولست بخيركم ويفضلونه على من كان يقول : سلوني قبل أن تفقدوني ! ومن قال فيه النبي صلى الله عليه وآله : علي مع القرآن والقرآن مع علي ! وقال فيه : علي مني وأنا من علي !
بل من قال فيه الله تعالى : وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ! ( 3 )
أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ ، أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ؟ ! ( سورة يونس : 35 )
ما لكم كيف تحكمون ، ما لكم كيف تحكمون ؟ ! !
* *
التعليقات
( 1 ) قال السيد شرف الدين رحمه الله في النص والاجتهاد ص 579 : ( أخرجه الإمام أحمد بن حنبل في ص 164 من الجزء الرابع من مسنده ، من حديث حبشي بن جنادة بطرق متعددة كلها صحيحة ، وحسبك أنه رواه عن يحيى بن آدم ، عن إسرائيل بن يونس ، عن جده إسحاق السبيعي ، عن حبشي ، وكل هؤلاء حجج عند الشيخين وقد احتجا بهم في الصحيحين .
ومن راجع هذا الحديث في مسند أحمد علم أن صدوره إنما كان في حجة الوداع .
وقد أخرجه أيضاً ابن ماجة في باب فضائل الصحابة ص 92 من الجزء الأول من سننه ، والترمذي والنسائي في صحيحيهما ، وهو الحديث 2531 في ص 153 من الجزء السادس من كنز العمال ) . انتهى .
* *
( 2 ) روى ذلك ابن شهرآشوب رحمه الله في مناقب آل أبي طالب : 1 / 398 ، وقال أيضاً : وروى القاضي أبو عمر وعثمان بن أحمد ، عن شيوخه بإسناده عن ابن عباس قال : قال
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 140 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
النبي صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام : قم بنا إلى الصنم في أعلى الكعبة لنكسره ، فقاما جميعاً ، فلما أتياه قال له النبي : قم على عاتقي حتى أرفعك عليه ، فأعطاه علي ثوبه ، فوضعه رسول الله على عاتقه ، ثم رفعه حتى وضعه على البيت ، فأخذ علي الصنم وهو من نحاس فرمى به من فوق الكعبة ، فنادى رسول الله إنزل ، فوثب من أعلى الكعبة كأنما كان له جناحان . وقال عليه السلام في خطبة الافتخار : أنا كسرت الأصنام ، أنا رفعت الأعلام ، أنا بنيت الإسلام ) . انتهى . ( وعنه في بحار الأنوار : 83 / 78 ) .
* *
( 3 ) روى محمد بن جرير الطبري الشيعي في المسترشد ص 287 : ( 101 - قال : وحدثنا أحمد بن حنبل ، قال : وحدثنا عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة ، قال : بينا النبي صلى الله عليه وآله في محفل من أصحابنا إذ قال : من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه ، وإلى نوح في فهمه ، وإلى إبراهيم في خلته ، وإلى موسى في مناجاته ، وإلى عيسى في سنته ، وإلى محمد في تمامه وكماله ، فلينظر إلى هذا الرجل المقبل . فنظر الناس متطاولين فإذا هم بعلي بن أبي طالب عليه السلام كأنما ينقلع من صبب ، وينحط من جبل ) . انتهى .
والمعنى أنه أتى مقبلاً ينحدر انحداراً ، كأنما ينزل من جبل .
وقال في هامشه ص 288 : ( قال الأميني رحمه الله : وهذا الحديث الذي رواه الحموي في معجمه نقلاً عن تاريخ ابن بشران ، قد أصفق على روايته الفريقان غير أن له ألفاظاً مختلفة وإليك نصوصها : أخرج إمام الحنابلة أحمد عن عبد الرزاق بإسناده المذكور بلفظ وأورده كما تقدم في المسترشد ، وقال : من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه ، وإلى نوح في فهمه ، وإلى إبراهيم في خلقه ، وإلى موسى في مناجاته ، وإلى عيسى في سنته ، وإلى محمد في تمامه وكماله ، فلينظر إلى هذا الرجل المقبل ، فتطاول الناس فإذا هم بعلي بن أبي طالب كأنما ينقلع من صبب ، وينحط من جبل . أخرجه أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي المتوفى 458 في فضائل الصحابة بلفظ : من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه ، وإلى نوح في تقواه ، وإلى إبراهيم في حلمه ، وإلى موسى في هيبته ، وإلى عيسى في عبادته ، فلينظر إلى علي بن أبي طالب . . الخ . ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 141 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

( 6 ) في علي عليه السلام سنن الأنبياء عليهم السلام

( بتاريخ : 12 رجب 1422 - 30 / 9 / 2001 - 8 / 7 / 1380 )
الشئ المهم أن تتوجه قلوبنا إلى ظلامة مظلومٍ لم يوجد مثله في تاريخ البشرية ، ولا سيوجد !
في مثل يوم غدٍ ولد في الكعبة مولودٌ ، تتابعت الألسن والأقلام على الحديث والبحث حوله . . لكن كل ما قيل وما كتب ، وما سوف يقال أو يكتب . . نسبته إلى مقامه كنسبة جناح الذبابة إلى النسر ! وهذا ما ينبغي إثباته بالبرهان لا بالخطابة . . نحن نعرف أن الله تعالى لا يدرك ولا يوصف ، بل إن عبده المخلوق الذي فيه سر اسمه الأعظم ، يجل عن الوصف والإدراك !
وتعقل هذه المسألة لا يتيسر إلا للراسخين في العلم ، فهؤلاء فقط يفهمون لماذا كان أمير المؤمنين عليه السلام فوق الوصف وإدراك البشر ؟
قال في بصائر الدرجات ص 134 : ( عن أبي جعفر عليه السلام قال : ( كانت في علي سنة ألف نبي ) ! وسند الرواية في مرتبة عالية من الاعتبار ، فيه بعض أصحاب الإجماع . وأما متنها فهو جملةٌ تحير الكمَّل من أصحاب العقول !
تأمل فيها جيداً فهي تقول إن فهم علي عليه السلام يتوقف على فهم النبوة ، لكن ليس أي نبوة ، بل على فهم ألف نبي ، وأحد هؤلاء الألف آدم ، وأحدهم إبراهيم الخليل ، وأحدهم موسى بن عمران ، وأحدهم عيسى بن مريم ، وبقية
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 142 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أولي العزم عليهم السلام ، فعلي عصارة هؤلاء الألف نبي ، فكيف يمكن لنا التقرير والتحرير ؟ !
بل كيف لنا أن ندرك مقام النبي مطلق النبي عليه السلام هذا الموجود ذو الجنبتين ، جنبة ملكوتية وجنبة بشرية ؟ ! واحدة للحق بها يتلقى الوحي ، وواحدة للخلق بها يبلغ الوحي ، فبهذا يكون النبي نبياً !
فكيف يمكننا نحن الغارقين في جنبة الخلق أن ندرك جنبة الحق في النبي ، مهما بلغنا من العلم والمعرفة ؟ !
إن الذين يتخيلون أنهم فهموا أو عرفوا ، يقدمون بذلك دليلاً على أنهم ما فهموا ولا عرفوا ! فعندما نتعمق في علم هذا الموضوع وحكمته ونبدأ بتحليل مسألة واحدة منه ، يتضح لنا أن القضية أكبر من فهمنا !
هذا كله في فهم الحد الأدنى للنبوة ، فكيف بمستوياتها العليا ؟ !
لابد لنا أن نعترف بأننا وكل من كان من نوعنا من الأولين والآخرين ، لا يمكننا أن ندرك حتى مقاماً شبيهاً بمقام النبوة ، لأنها حقيقة من عالم الملكوت أعلى من متناولنا نحن المنفصلين عن ذلك العالم ، المنغمرين في عالم الملك ! وأنى لنا أن نعرف معنى اتصال شخص بالملكوت ؟ !
إن النبي إنسان من هذا النوع الذي يقول عنه تعالى : وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ . ( سورة الأنعام : 75 ) وحقيقة اتصال النبي بعالم الملكوت ، مقولة متفاوتة ، تبدأ مستوياتها من أول درجة الارتباط بذلك العالم ، إلى أعلى الدرجات !
فأين ابتداؤها ، وأين الوسط ، والانتهاء ؟ !
وإذا كنا عاجزين عن إدراك أدنى درجة منها ، فكيف لنا بأوسطها ، فضلاً
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 143 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عن أعلاها التي هي نقطة نهاية قوس الصعود والنزول ؟ !
النقطة التي يبدأ منها هرم الوجود وينتهي إليها كمال كل موجود ، درجة وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَئٍ عَلِيماً . ( سورة الأحزاب : 40 )
وحيث تصورنا دائره عالم النبوة ، بدرجاتها الواسعة الشاسعة ، العظيمة كلها ، من أدناها إلى أعلاها ! نأتي إلى معنى ( السنة ) .
فما معنى : ( كانت في علي سنة ألف نبي ) ؟ السنة هنا بمعنى أبرز الأعمال والصفات في النبي عليه السلام مثلاً العلم في آدم وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ( سورة البقرة : 31 ) والصبر والتقوى في نوح ، والخلة في إبراهيم ، والمناجاة في موسى بن عمران ، والإعراض عن عالم الطبيعة والمادة والاستغراق في العبادة والسياحة ، في عيسى . فهذا معنى سنة النبي عليه السلام !
وعلى هذا ، لو اجتمع عطر ألف نبي وسننهم في شخصية واحدة ، فماذا ستكون درجة صاحبها ؟ وأي مقام سيكون مقامه ؟ !
ومع أن سند هذا الحديث الشريف قوي لا يحتاج إلى بحث ، فإن موضوعه واضحٌ أيضاً لمن اطلع على مصادر الاسلام للعامة والخاصة ، وعرف منها مقام علي عليه السلام . فالروايات المشتملة على هذا المعنى موجودة في مصادر الجميع ، وردت بألسنة مختلفة أن النبي صلى الله عليه وآله تحدث عن شباهة علي عليه السلام بعدد من الأنبياء عليهم السلام ولا يتسع المجال لبحثها كلها أو استعراضها ، لذا اخترنا واحدة منها لكي تعملوا ما بوسعكم لإحقاق حق هذا المظلوم ، وتحفظوا كرامتكم عند ربكم ، وأنتم تعيشون على مائدة علي وتأملون أن تفوزوا غداً بشفاعته عليه السلام .
سأكتفي بالإشارة إلى شئ من فقه هذه الرواية الشريفة لتتأملوا فيها وتنصروا هذا الحق الضائع ، الذي لم أر حقاً ضائعاً مثله ، ولا مظلوماً مثل صاحبه !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 144 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لاحظوا قول أبي ذر رحمه الله : بينما أنا ذات يوم من الأيام بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله ، إذ قام وركع وسجد شكراً لله تعالى ، ثم قال . . . الخ . ( 1 )
فعندما نقرأ عن رسول الله صلى الله عليه وآله علينا أن نتوقف عند كل كلمة وحركة وسكنة ، ونتأمل فيها . . فالشخص الذي ينزه الله تعالى نفسه لأنه أسرى به فيقول : سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ . ( سورة الإسراء : 1 ) صاحب مقام رفيع لا يمكن معرفته إلا مجملاً ، كما أجمل الله عنه القول بقوله : فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ( سورة النجم : 10 ) فمثل هذا الشخص لا يصح أن ينظر إلى قوله وعمله كغيره ، فإن الحركة والسكنة منه لها حساب .
يقول أبو ذر كان النبي صلى الله عليه وآله جالساً مع أصحابه وفيهم أبو ذر ، فوقف في مجلسه فجأة ، ثم ركع ، ثم سجد !
والقيام والركوع والسجود أعلى أوضاع العبادة لله تعالى ، ثم قال : يا جندب من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه ، وإلى نوح في فهمه ، وإلى إبراهيم في خلته ، وإلى موسى في مناجاته وإلى عيسى في سياحته ، وإلى أيوب في صبره وبلائه ، فلينظر إلى هذا الرجل المقبل .
من أراد أن ينظر إلى آدم . . في عطر وجوده الذي هو العلم .
والى نوح . . في عطر وجوده الذي هو الفهم ، والى بقية هؤلاء الأنبياء العظام عليهم السلام في أعلى صفاتهم ، فلينظر إلى رجل سوف يأتي !
وهذا أيضاً من الإعجاز النبوي ، فالله هو الذي أخبر النبي صلى الله عليه وآله بهذه الصفات أخبره بأن صاحبها آت في الطريق ، وأمره بأن يخبر المسلمين بمقامه العظيم قبل أن يأتي ، ليستشرفوه وينتظروه ، ويفكروا في أنفسهم من ترى سيكون هذا الشخص الرباني الذي يمدحه الله ورسوله بهذا المديح ؟ !
والذي يحير العقل أكثر أن النبي صلى الله عليه وآله مضافاً إلى تلك الصفات الفريدة ، التي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 145 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وصف علياً عليه السلام بها ، قال عنه أيضاً : ( الذي هو كالشمس والقمر الساري ، والكوكب الدري ) ! ونحن نعرف أن منظومات الكون ثلاثة أنواع لا أكثر : شموس مضيئة بنفسها ، وأقمار منيرة بغيرها ، ونجوم . وقد وصف النبي علياً بها ثلاثتها !
وهذا الكلام ليس كلاماً صادراً من عارف أو فيلسوف أو فلكي حتى نحمله على عالمه ، ولا المتكلم به موسى وعيسى صلى الله عليه وآله ، بل هو خاتم الأنبياء والمرسلين ، وعقل الكل ، ونقطة الوصل بين الرب وجميع المربوبين ، فهو صلى الله عليه وآله يقول لنا إن أردتم أن تنظروا إلى شخص يحمل علم آدم وفهم نوح وخلة إبراهيم ومناجاة موسى وسياحة عيسى وصبر أيوب عليه السلام . . فانظروا إلى علي بن أبي طالب ! ويقول : إن علياً فوق ذلك شمس مضيئة ، وقمر منير ، ونجم يتلألأ !
ثم قال صلى الله عليه وآله : أشجع الناس قلباً ، وأسخى الناس كفاً ، فعلى مبغضه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين .
وكلمة ( أشجع الناس ) أعم الألفاظ في الدلالة على التفضيل ، فلا يستثنى من جميع الناس إلا من أخبرنا الله تعالى بأنه سيد الخلق وخاتم النبيين !
أو ليس هذا الكلام البليغ من رسول الله صلى الله عليه وآله دليلاً على أن ما قيل وكتب ، وما سيقال ويكتب عن علي عليه السلام ليس إلا بمقدار جناح بعوضة أمام ذروة ربانية شامخة ؟ !
بلى ، إنه كلام فوق شرح الشراح ، وتفسير المفسرين ، وقول القائلين !
روى أحمد بن حنبل في فضائل الصحابة : 2 / 662 ، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال : ( خلقت أنا وعلي بن أبي طالب من نور واحد ، قبل أن يخلق الله تعالى آدم بأربعة عشرة ألف عام ، فلم يزل في شئ واحد ، يسبح الله ذلك النور ويقدسه ، فلما خلق الله تعالى آدم أسكن ذلك النور في صلبه ، إلى أن افترقنا في صلب عبد المطلب ، فجزء
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 146 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
في صلب عبد الله ، وجزء في صلب أبي طالب ) !
هذه رواية إمام الحنابلة لهذه المنقبة ! والأربعة عشر ألف سنة في الحديث ليست من سنيِّنا التي تبدأ بمحرم وتنتهي بذي الحجة ، بل هي سنين ربانية يومها أكبر مما نفكر ! فتأملوا بدقة في هذا الكلام النبوي ، والمقام العجيب لسيد الأنبياء وسيد الأوصياء صلوات الله عليهما ، ومسار نورهما في الوجود ! ( 1 )
وقد روى هذه المنقبة من العامة ابن المغازلي في مناقبه ص 87 وغيره .
أما مصادرنا فقد روتها بألسنة مختلفة ، ولعل اختلاف عدد السنين فيها تعبير عن مراحل وجود ذلك النور قبل أن يحل في صلب آدم عليه السلام .
ففي علل الشرائع : 1 / 134 ، عن أبي ذر رحمه الله قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يقول : خلقت أنا وعلي بن أبي طالب من نور واحد ، نسبح الله يمنة العرش قبل أن يخلق آدم بألفي عام ، فلما أن خلق الله آدم جعل ذلك النور في صلبه ، ولقد سكن الجنة ونحن في صلبه ، ولقد همَّ بالخطيئة ونحن في صلبه ، ولقد ركب نوح في السفينة ونحن في صلبه ، ولقد قذف إبراهيم في النار ونحن في صلبه ، فلم يزل ينقلنا الله عز وجل من أصلاب طاهرة إلى أرحام طاهرة ، حتى انتهى بنا إلى عبد المطلب فقسمنا بنصفين ، فجعلني في صلب عبد الله وجعل علياً في صلب أبي طالب ، وجعل فيَّ النبوة والبركة ، وجعل في علي الفصاحة والفروسية ، وشق لنا اسمين من أسمائه ، فذو العرش محمود وأنا محمد ، والله الأعلى وهذا علي ) . ( 2 )
لاحظوا قول النبي صلى الله عليه وآله لعمر : أَوَمَا علمت ؟ ! فهو استفهام يحمل معنى بليغاً . إن رواية أحمد بن حنبل المتقدمة عن نور النبي ونور علي ، وجواب النبي صلى الله عليه وآله على سؤال عمر في هذه الرواية ، يقولان للبشر إفهموا قوله تعالى عنهما : وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ . ( سورة آل عمران : 61 ) ، فأنا وعلي وجودٌ واحد ، بِدأ واحدٌ ، وختمٌ واحدٌ ، وانقسامه بعد عبد المطلب كان لسر عظيم ، ليعود ويتحد من بعدي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 147 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وبعد علي وفاطمة في الحسن والحسين والأئمة المعصومين عليهم السلام !
وهذا معنى قوله صلى الله عليه وآله : علي شمس وقمر وكوكب .
أما الكوكب فلأن في علي صبر أيوب ، وأيوب كوكب .
وأما القمر ، فلأن فيه شبه موسى وعيسى وإبراهيم ، ولهم رتبه القمر .
لكن علياً مع ذلك شمسٌ أيضاً ، لأنه مني وأنا هو ، ففي علي خصائص هذه الثلاثة ، الشمس والقمر والكوكب الدري !
هذا المظلوم الذي لم تعرف الدنيا مظلوماً مثله . . هل يصح أن يجعل طرفاً يقارن به شخصٌ تنازع أبوته أربعة رجال ، ولم يعرف هل أبوه منهم أو من غيرهم ؟ ! وهل يصح أن يجلس مثله تحت منبر شخص يقول : كل الناس أفقه مني حتى ربات الحجال ؟ !
وهل رأيتم مظلوماً أعظم ظلامة من علي عليه السلام الذي تسلم من رسول الله صلى الله عليه وآله أمانته وابنته الصديقة الطاهرة ، ثم سلمها اليه جنازة تجرعت مرارات الظلم والاضطهاد حتى ذاب جسدها وصارت كالخيال ، وصلى على جنازتها الطاهرة ودفنها نصف الليل ، ولم يحضر جنازتها إلا بضعة نفر ، ثم قال :
الآن انهدَّ ركناي ! !
إن مسؤولية كل واحد منكم أن يعمل بكل ما يستطيع ، بقلمه وبيانه ، لكشف هذه الظلامة الكبرى ، ورفع غيومها عن وجه شمس العالم .
والسلام عليه يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حياً .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 148 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
التعليقات
( 1 ) روى الحاكم الحسكاني النيشابوري في كتابه شواهد التنزيل : 1 / 398 : عن أبي جعفر قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وآله عن قوله تعالى : الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ . ( سورة الرعد : 29 ) ؟ قال : هي شجرة في الجنة أصلها في داري وفرعها على أهل الجنة . ثم سئل عنها مرة أخرى قال : هي شجرة في الجنة أصلها في دار علي وفرعها على أهل الجنة . فقيل له : سألناك عنها يا رسول الله فقلت : أصلها في داري ثم سألناك عنها مرة أخرى فقلت : شجرة في الجنة أصلها في دار علي وفرعها على أهل الجنة . فقال إن داري ودار علي واحدة ) .
وفي بحار الأنوار : 8 / 148 : ( عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله إن في الجنة شجرة يقال لها طوبى ، ما في الجنة دار ولا قصر ولا حجر ولا بيت إلا وفيه غصن من تلك الشجرة وإن أصلها في داري . ثم أتى عليه ما شاء الله ، ثم حدثهم في يوم آخر : إن في الجنة شجرة يقال لها طوبى ، ما في الجنة قصر ولا دار ولا بيت إلا وفيه من ذلك الشجر غصن ، وإن أصلها في دار علي . فقام عمر فقال : يا رسول الله أو ليس حدثتنا عن هذه وقلت : أصلها في داري ؟ ثم حدثت وتقول : أصلها في دار علي ! فرفع النبي صلى الله عليه وآله رأسه فقال : أوَمَا علمت أن داري ودار علي واحد ، وحجرتي وحجرة علي واحد ، وقصري وقصر علي واحد ، وبيتي وبيت علي واحد ، ودرجتي ودرجة علي واحد ، وستري وستر علي واحد ؟
وقال القرطبي في تفسيره : 9 / 317 : ( وقال ابن عباس : طوبى ، شجرة في الجنة أصلها في دار علي ، وفي دار كل مؤمن منها غصن . وقال أبو جعفر محمد بن علي : سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى : طوبى لهم وحسن مآب ، قال : شجرة أصلها في داري وفروعها في الجنة . ثم سئل عنها مرة أخرى فقال : شجرة أصلها في دار علي وفروعها في الجنة . فقيل له : يا رسول الله ! سئلت عنها فقلت : أصلها في داري وفروعها في الجنة ، ثم سئلت عنها فقلت : أصلها في دار علي وفروعها في الجنة ؟ ! فقال النبي ( ص ) : إن داري ودار
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 149 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
علي غداً في الجنة واحدة في مكان واحد ) . انتهى .
* *
( 2 ) الرواية في الفضائل لابن جبريل القمي ص 98 ، عن أبي ذر الغفاري رحمه الله قال : بينما أنا ذات يوم من الأيام بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله ، إذ قام وركع وسجد شكراً لله تعالى ، ثم قال : يا جُنْدُب من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه ، وإلى نوح في فهمه ، وإلى إبراهيم في خلته ، وإلى موسى في مناجاته ، وإلى عيسى في سياحته ، وإلى أيوب في صبره وبلائه ، فلينظر إلى هذا الرجل المقبل ، الذي هو كالشمس والقمر الساري ، والكوكب الدري . أشجع الناس قلباً ، وأسخى الناس كفاً ، فعلى مبغضه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، قال : فالتفت الناس ينظرون من هذا المقبل ، فإذا هو علي بن أبي طالب ! ) . انتهى . وعنه في بحار الأنوار : 93 / 38 ، رواه الصدوق في كمال الدين ص 25 ، عن ابن عباس ، والطوسي في الأمالي ص 417 عن ابن مسعود ، والطبري في ذخائر العقبى ص 93 عن أبي الحمراء .
وأخرجه من العامة كما في الغدير : 3 / 355 ، أحمد بن حنبل عن أبي هريرة ، والبيهقي في فضائل الصحابة ، والخوارزمي في المناقب عن أبي الحمراء . . وغيرهم .
وأخرجه ابن الصديق المغربي في فتح الملك العلى ص 69 ، عن ابن بطة بسنده عن ابن عباس ، وفي سنده مسعر بن يحيى الهدي ، وقال ابن صديق المغربي : ذكره الذهبي في الميزان وقال : لا أعرفه وأتى بخبر منكر ، ثم ذكر هذا الحديث ، وقد عرفت أن النكارة عند الذهبي هي فضل علي بن أبي طالب ! ! ) .
وفي كفاية الأثر للخزاز القمي ص 71 ، من حديث : ( خلقني الله تبارك وتعالى وأهل بيتي من نور واحد ، قبل أن يخلق آدم بسبعة آلاف عام ، ثم نقلنا إلى صلب آدم ثم نقلنا من صلبه في أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات . . . ) .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 150 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

( 7 ) في علم أمير المؤمنين عليه السلام

( بتاريخ : 10 رجب 1420 - 20 / 10 / 1999 - 28 / 7 / 1378 )
بما أنا نستقبل ولادة سيد الشهداء والمظلومين أمير المؤمنين عليه السلام ، فالبحث في هذا الموضوع أهم من غيره .
مظلوم لا يوجد في العالم أكثر منه ظلامة ، ولا سوف يوجد !
قال عليه السلام ذات مرة : لقد ظلمتُ عددَ المَدَر والمطر والوبر . ووصفه المعصومون عليهم السلام بأنه أول المظلومين ! ( 1 )
وهي كلمة يصعب فهمها ، فإن تصور معاني هذا الحد من الظلم الذي وقع على أمير المؤمنين عليه السلام لا يمكن إلا للمتعمقين في غور الحكمة . . وهو مظلوم من مبغضيه ومن محبيه أيضاً ! فلو دققنا في الأمر لوجدنا أنا ظالمون له أيضاً !
وبذلك يتضح قوله عليه السلام : عدد المدر والمطر والحصى !
يوجد حديث متفق عليه بين الشيعة وأغلب السنة ، إذا فهمناه عرفنا مدى مظلومية أمير المؤمنين عليه السلام ، وهو قول النبي صلى الله عليه وآله : أنا مدينة الحكمة وعلي بابها فمن أراد الحكمة فليأت الباب .
وفي لفظ آخر : أنا دار الحكمة وعلي بابها . ( 2 )
وفي تعبير الدار نكتة ، وفي تعبير المدينة نكتة أخرى في فهم الحكمة ، فإن فهم الحكمة وتعريفها من المشكلات العلمية ، وعندما يتعمق الباحث
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 151 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لمعرفة معناها بالطريقة التحليلية العقلية يصل إلى قوله تعالى : وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلاً ( سورة الاسراء : 85 ) فيعرف بذلك حدود الحقيقة التي يمكن أن يفهمها . ثم يصل إلى قوله تعالى مخاطباً خاتم أنبيائه : قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ . ( سورة النساء : 77 ) .
فأي دنياً هذه التي يقول الله تعالى إن متاعها قليل ؟ إنها الدنيا التي زين الله سماءها بزينة الكواكب ، والتي تشمل كل تلك المجرات والشموس والنجوم ، وبعضها أكبر من حجم الأرض بملايين المرات ، والتي لا نعرف سعتها طولاً ولا عرضاً ، ولا ابتداءها ولا انتهاءها !
هذه الدنيا بسعتها المذهلة ، وأمدها من الأزل إلى الأبد ، قليلة ، ومتاعها قليل ! !
ونفس الذي يقول عن متاعها إنه قليل ، وعن علم الناس في الدنيا إنه قليل ، هو عز وجل يقول : يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الأَلْبَابِ . ( سورة البقرة : 269 )
فمن يؤتَ الحكمة فهذا كثير . . مطلقَ الحكمة ، وليس الحكمة المطلقة !
أما متاع الدنيا بقول مطلق ، فهو قليل قليل !
هذه قيمة الحكمة ، إنها بمطلق وجودها كثير ، والدنيا بوجودها المطلق قليل ! وبهذا نفهم أن مدينة الحكمة في الحديث النبوي ليست مطلق الحكمة بل هي الحكمة المطلقة جمعت في هذه المدينة !
وبهذا يتضح لنا من هو علي ومدى ظلامته عليه السلام !
لكن وضوح ذلك مخصوص بالفقهاء الكمَّل ، وفضلاء البشر الذين يدركون أن عالم المادة من البدو إلى الختم محكوم بالقلة ، ومطلق الحكمة محكوم بالكثرة .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 152 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إن صاحب الحكمة المطلقة هو الشخص الذي لم يبق أمامه نقطة إبهام في الوجود إلا واتضحت ، والذي تبلغ إحاطته العلمية بالوجود مبلغاً يرى فيه كل الأشياء كما هي في الواقع ، فهو من ناحية نظرية عالمٌ عقلاني يضاهي آدم العيني بصورته لا بمادته ! وهو من ناحية عملية إنسانٌ متخلق بأخلاق الله تعالى حتى يكون هو اسم الله الأعظم علماً وعملاً !
هذا هو معنى : أنا مدينة الحكمة ، بل لابد لمعرفة معنى الحكمة أن نعرف أيضاً أن كل عالم الوجود إنما هو مقدمة ، وذو المقدمة هو بعثة الأنبياء عليهم السلام .
ثم إن بعثة الأنبياء عليهم السلام مقدمة أيضاً ، وذو المقدمة هو بعثة خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله ثم إن بعثة خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله مقدمة ، وذو المقدمة له مبدأٌ واحدٌ ومنتهىً واحد ومبدؤه الحكمة ، ومنتهاه الحكمة ! وبرهان ذلك قوله تعالى : يُسَبِّحُ للهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ . ( سورة الجمعة : 1 )
فالعزيز الحكيم هو المبدأ ، أما المنتهى فهو تعليمهم الحكمة في ختام قوله تعالى : هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ . ( سورة الجمعة : 2 )
فمهمة النبي صلى الله عليه وآله لا تتم بتلاوته الكتاب الإلهي على الناس ، ولا بتزكيتهم ولا بتعليمهم الكتاب ، بل بتعليمهم الحكمة ! فهي التمام ، وبعدها لا كلام !
وبهذا تنفتح نافذة لفهم الحديث المتفق عليه : ( أنا مدينة الحكمة وعلي بابها ) ترى من هو هذا الإنسان ، وماذا في قلبه ، حتى صار باب مدينة الحكمة ؟ !
والآن حيث اتضح معنى الحكمة إلى حد ، فإنها تنقسم إلى عشرة أجزاء ، ومدينة الحكمة تشمل هذه الأجزاء العشرة ، تسعة أجزاء يختص بها شخص
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 153 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
واحد هو علي بن أبي طالب عليه السلام ، بشهادة النبي صلى الله عليه وآله ، وجزء واحد يشترك فيه الناس ، أي كل البشرية من ابتدائها إلى انتهائها وعلي أعلمهم بهذا الجزء ! ( 3 )
والآن يستطيع الفقيه المتبحر بالفقه الأكبر أن يفهم معنى :
السلام عليك يا أول مظلوم !
فإن الظلم الذي وقع على علي عليه السلام ، لا يمكن تصوره إلا إذا عرفنا من هو علي ، وأي ظلم وقع على البشرية بظلمه صلوات الله عليه ؟ !
إن مسألة علم علي وحكمته وظلامته ، مسألة عميقة والرواية فيها كثيرة ، لكن أين الدراية ؟ ! إني أتحسر ، وأتمنى لو أوفق لأعمل لشهر على الأقل في بحث حديث : أنا مدينة الحكمة وعلي بابها ، فمن أراد الحكمة فليأت الباب !
وأكتفي هنا بصحيح واحد فقط ، رواه علي بن إبراهيم ، عن أبيه إبراهيم بن هاشم ، عن محمد بن أبي عمير ، عن عمر بن أذينة ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : من عنده علم الكتاب علي بن أبي طالب . ( 4 )
أما سند الحديث فهو مضافاً إلى اشتماله على بعض أصحاب الإجماع مثل ابن أبي عمير رحمه الله ، ففيه شيوخ الحديث وأساطين الوثاقة والصحة : علي بن إبراهيم ، وأبوه إبراهيم بن هاشم ، وعمر بن أذينة ، رحمهم الله . ومن ميزات هذا الحديث الشريف قلة وسائطه ، فهم ثلاثة وسائط من علي بن إبراهيم شيخ القميين إلى الإمام الصادق عليه السلام .
عنده علم الكتاب . . فالعلم هنا مضاف إلى الكتاب ، الكتاب المكنون الذي : لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ . ( سورة الواقعة : 79 ) والذي قال عنه الله تعالى : وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شئ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِين . ( سورة النحل : 89 ) .
وكلمة ( شئ ) مفهوم لا يوجد أعم منه ، وهي لفظ مطلق ، مُصَدَّرٌ بكل ! فلا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 154 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يخرج عن دائرة هذا التعميم مخلوق من الأزل إلى الأبد !
وعلم هذا الكتاب كله ، في صدر علي بن أبي طالب عليه السلام !
وهنا سؤال : ما هو الفرق بين قوله تعالى : قُلْ كَفَى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ . ( سورة الرعد : 43 ) ، وقوله عن نبي الله سليمان ووصيه ، عندما طلب سليمان أن يحضروا له عرش بلقيس من اليمن :
قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ . قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ . قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ . ( سورة النمل : 40 )
فسليمان ووصيه صلى الله عليه وآله عندهما : عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ . و ( مِن ) هنا تبعيضية ، ومن هذا البعض الذي كان عنده تعلَّم منطق الطير ، وتسخير الجن وتسخير الريح غدوها شهر ورواحها شهر ! !
وقد سئل الإمام الصادق عليه السلام عن نسبة علم من عنده علم من الكتاب إلى علم من عنده علم الكتاب فقال : ( قدر قطرة من الماء في البحر الأخضر ) أي المحيط ! فهذا هو الفرق بين علم سليمان ووصيه وبين علم أمير المؤمنين عليه السلام ! ومعناه : انتبهوا واعرفوا علياً وعرفوه للناس هكذا ، ولا تظلموه !
إن مسؤولية كل واحد منكم ثقيلة . ( 5 )
وإذا أردتم أن تعرفوا لماذا صار علي عليه السلام في هذا المقام العظيم ، فاختص بتسعة أجزاء من الحكمة الربانية من دون جميع الناس من الأولين والآخرين ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 155 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ما عدا سيد المرسلين صلى الله عليه وآله ، وشارك الناس في الجزء الذي عندهم منها ، فاقرؤوا هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله : ما أخلص عبد لله عز وجل أربعين صباحاً إلا جرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه . ( 6 )
ومعنى أخلص لله تعالى أربعين صباحاً : لم يقل شيئاً إلا لله تعالى ، ولم ير شيئاً إلا لله تعالى ، ولم يقف إلا لله تعالى ، ولم يفكر إلا لله تعالى . . فعند ذلك تجري ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه !
وبهذا نعرف أي إخلاص لله تعالى كان في شخصية علي عليه السلام ، بحيث جرت كل حكمة الوجود دفعة واحدة على قلبه المقدس ! !
هكذا كان علي ابن أبي طالب عليه السلام . وقد ذهب من الدنيا ولم يعرفه أحد !
لا يعرف منه أهل الدنيا إلا أنه كبير ، لا أكثر ، أما أهل السماء فيعرفون أنه جليل جليل ، أما ما هي هذه الجلالة ففيها بحث مفصل .
أما عظمة علي عليه السلام فلا يعرفها أهل الأرض ولا أهل السماء ! وشاهدها بيان الإمام المعصوم عليه السلام : كبير في الأرض ، جليل في السماء ، عظيم عند الله سبحانه وتعالى !
إن عظمة علي يعرفها فقط المليك المقتدر عز وجل ، هناك حيث يكون كل هذا العالم حقيراً أمام شخصيته العظيمة صلوات الله عليه !
اللهم صل وسلم على سيد الشهداء والمظلومين ، وولي الأوصياء ، وإمام الصديقين ، زين المؤمنين ، ويعسوب المسلمين ، أمير المؤمنين ،
عدد ما فيه الذكر ، صلاة دائمة ، بدوام ملكك وسلطانك .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 156 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
التعليقات
( 1 ) في المناقب لابن شهرآشوب : 1 / 382 : ( روى إبراهيم بإسناده عن المسيب بن نجية قال : بينما علي يخطب وأعرابي يقول وامظلمتاه فقال عليه السلام : أدْنُ ، فدنا ، فقال : لقد ظُلِمْتُ عددَ المدر والمطر والوبر ) .
وفي الكافي : 4 / 569 : ( باب ما يقال عند قبر أمير المؤمنين عليه السلام : ( عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن محمد بن أورمة ، عمن حدثه ، عن الصادق أبي الحسن الثالث عليه السلام قال يقول : السلام عليك يا ولي الله ، أنت أول مظلوم ، وأول من غصب حقه ، صبرت واحتسبت حتى أتاك اليقين . . . ) . ونحوه في الكافي : 4 / 570 ، وكامل الزيارات ص 95 ، وص 103 ، ومصباح المتهجد ص 745 ، وغيرها .
* *
( 2 ) قال المناوي في فيض القدير : 3 / 60 : ( 2704 - ( أنا دار الحكمة ) وفي رواية أنا مدينة الحكمة ( وعلي بابها ) أي علي بن أبي طالب هو الباب الذي يُدخل منه إلى الحكمة ، فناهيك بهذه المرتبة ما أسناها وهذه المنقبة ما أعلاها ، ومن زعم أن المراد بقوله وعلي بابها أنه مرتفع من العلو وهو الارتفاع ، فقد تمحل لغرضه الفاسد بما لا يجزيه ولا يسمنه ولا يغنيه !
أخرج أبو نعيم عن ترجمان القرآن مرفوعاً : ما أنزل الله عز وجل يا أيها الذين آمنوا إلا وعلي رأسها وأميرها .
وأخرج عن ابن مسعود قال : كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فسئل عن علي كرم الله وجهه فقال : قسمت الحكمة عشرة أجزاء فأعطي علي تسعة أجزاء والناس جزءاً واحداً .
وعنه أيضاً : أنزل القرآن على سبعة أحرف ما منها حرف إلا وله بطن وظهر ، وأما علي فعنده منه علم الظاهر والباطن .
وأخرج أيضاً عن سيد المرسلين وإمام المتقين : أنا سيد ولد آدم وعلي سيد العرب .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 157 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأخرج أيضاً : علي راية الهدى .
وأخرج أيضاً : يا علي إن الله أمرني أن أدنيك وأعلمك لتعي ، وأنزلت عليه هذه الآية : ( لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ) .
وأخرج عن ابن عباس : كنا نتحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلى علي كرم الله وجهه سبعين عهداً لم يعهده إلى غيره ، والأخبار في هذا الباب لا تكاد تحصى . . .
2705 - أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد العلم فليأت الباب ، فإن المصطفى صلى الله عليه وسلم المدينة الجامعة لمعاني الديانات كلها ، ولا بد للمدينة من باب ، فأخبر أن بابها هو علي كرم الله وجهه ، فمن أخذ طريقه دخل المدينة ، ومن أخطأه أخطأ طريق الهدى !
وقد شهد له بالأعلمية الموافق والمخالف والمعادي والمحالف ، أخرج الكلاباذي أن رجلاً سأل معاوية عن مسألة فقال : سل علياً هو أعلم مني ، فقال : أريد جوابك ! قال : ويحك كرهت رجلاً كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يَغِرُّهُ بالعلم غَرّاً ؟ !
وقد كان أكابر الصحب يعترفون له بذلك وكان عمر يسأله عما أشكل عليه ، جاءه رجل فسأله فقال : هاهنا علي فاسأله ، فقال : أريد أسمع منك يا أمير المؤمنين ! قال : فلا أقام الله رجليك ! ومحى اسمه من الديوان .
وصح عنه من طرق أنه كان يتعوذ من قوم ليس هو فيهم ، حتى أمسكه عنده ، ولم يوله شيئاً من البعوث لمشاورته في المشكل .
وأخرج الحافظ عبد الملك بن سليمان قال : ذكر لعطاء أكان أحد من الصحب أفقه من علي ؟ قال لا والله .
قال الحرالي : قد علم الأولون والآخرون أن فهم كتاب الله منحصر إلى علم علي ، ومن جهل ذلك فقد ضل عن الباب الذي من ورائه يرفع الله عنه القلوب الحجاب ، حتى يتحقق اليقين الذي لا يتغير بكشف الغطاء ) . انتهى كلام المناوي .
أقول : حديث أنا مدينة العلم ، ومدينة الحكمة ، وعلي بابها . . . مستفيض في مصادر الطرفين ، وقد أنكره ابن تيمية تعصباً ، وحاول أتباعه تضعيفه ، ورد عليهم عدد من علماء
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 158 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
السنة وأثبتوا صحته ، ونقلوا تصحيح عدد كبير من أئمتهم له . وألف الحافظ الصديق المغربي كتاباً في تصحيحه باسم ( فتح الملك العلي في إثبات أنا مدينة العلم وعلي بابها ) . وألف ابن يحيى الشافعي كتاب ( دفع الإرتياب عن حديث الباب ) . فهو في مصادرهم ومصادرنا متواتر ، ولا اعتبار بمن شذ وحاول تضعيفه .
* *
( 3 ) في ينابيع المودة لذوي القربى للقندوزي : 1 / 215 : ( ابن المغازلي وموفق الخوارزمي : أخرجا بسنديهما ، عن علقمة ، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : كنت عند النبي صلى الله عليه وآله فسئل عن علم علي فقال : قسمت الحكمة عشرة أجزاء فأعطي علي تسعة أجزاء والناس جزءً واحداً ، وهو أعلم بالعشر الباقي . ( أيضاً أخرجه موفق بن أحمد عن ابن مسعود ) . وعن حلية الأولياء وابن شهرآشوب في المناقب : 1 / 312 ، والصراط المستقيم : 1 / 226 .
وقال الأميني في الغدير : 3 / 96 : ( وقوله صلى الله عليه وآله : قسمت الحكمة عشرة أجزاء فأعطي علي تسعة أجزاء والناس جزءاً واحداً . حلية الأولياء : 1 / 65 ، أسنى المطالب ص 14 ) .
وقال ابن الصديق المغربي في فتح الملك العلي ص 68 : ( قال أبو نعيم في الحلية ، ثنا أبو أحمد الغطريفي ، ثنا أبو الحسين بن أبي مقاتل ، ثنا محمد بن عبد الله بن عتبة ، ثنا محمد بن علي الوهبي الكوفي ، ثنا أحمد بن عمران بن سلمه وكان ثقة عدلاً مرضياً ، ثنا سفيان الثوري ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله قال : كنت عند النبي صلى الله عليه وآله فسئل عن علي فقال : قسمت الحكمة عشرة أجزاء ، فأعطي علي تسعة أجزاء والناس جزءاً واحداً . اه‍ .
وقال في هامشه : أحمد بن عمران ذكره الذهبي في الميزان وقال : لا يدرى من هو ؟ ثم ضعفه بهذا الحديث ، وتعقبه الحافظ في اللسان بما تقدم في السند من قول الوهبي أنه كان ثقة عدلاً مرضياً ، قال : وفي هذا مخالف لما ذكره الذهبي .
قلت : لو وثقه الناس كلهم لقال الذهبي في حديثه إنه كذب ، كما فعل في عدة أحاديث أخرجها الحاكم بسند الشيخين ، وادعى هو دفعاً بالصدر وبدون دليل أنها موضوعة وما علتها في نظره إلا كونها في فضل علي بن أبي طالب ! فالله المستعان ) .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 159 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
( 4 ) في تفسير القمي رحمه الله : 1 / 367 : ( حدثني أبي ، عن ابن أبي عمير ، عن ابن أذينة ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : الذي عنده علم الكتاب هو أمير المؤمنين عليه السلام . وسئل عن الذي عنده علمٌ من الكتاب أعلم أم الذي عنده علم الكتاب ؟ فقال : ما كان علم الذي عنده علم من الكتاب عند الذي عنده علم الكتاب إلا بقدر ما تأخذ البعوضة بجناحها من ماء البحر !
قال أمير المؤمنين عليه السلام : ألا إن العلم الذي هبط به آدم من السماء إلى الأرض وجميع ما فضلت به النبيون إلى خاتم النبيين ، في عترة خاتم النبيين صلى الله عليه وآله .
* *
( 5 ) في بصائر الدرجات ص 232 : ( حدثنا أبو القاسم ، قال حدثنا محمد بن يحيى العطار قال حدثنا محمد بن الحسن الصفار ، قال حدثني يعقوب بن يزيد ، عن الحسن بن علي بن فضال ، عن عبد الله بن بكير ، عن أبي عبد الله عليه السلام ، قال كنت عنده فذكروا سليمان وما أعطي من العلم ، وما أوتي من الملك ، فقال لي : وما أعطي سليمان بن داود ؟ إنما كان عنده حرف واحد من الاسم الأعظم ، وصاحبكم الذي قال الله : قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب . كان والله عند علي عليه السلام علم الكتاب ) .
وفي الكافي : 1 / 257 : ( أحمد بن محمد ، عن محمد بن الحسن ، عن عباد بن سليمان ، عن محمد بن سليمان عن أبيه ، عن سدير قال : كنت أنا وأبو بصير ويحيى البزاز وداود بن كثير في مجلس أبي عبد الله عليه السلام إذ خرج إلينا وهو مغضب ، فلما أخذ مجلسه قال : يا عجباً لأقوام يزعمون أنا نعلم الغيب ، ما يعلم الغيب إلا الله عز وجل ، لقد هممت بضرب جاريتي فلانة ، فهربت مني فما علمت في أي بيوت الدار هي !
قال سدير : فلما أن قام من مجلسه وصار في منزله دخلت أنا وأبو بصير وميسر وقلنا له : جعلنا فداك سمعناك وأنت تقول كذا وكذا ، في أمر جاريتك ، ونحن نعلم أنك تعلم علماً كثيراً ، ولا ننسبك إلى علم الغيب . قال فقال : يا سدير : ألم تقرأ القرآن ؟ قلت : بلى ، قال : فهل وجدت فيما قرأت من كتاب الله عز وجل : قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك ؟ قال قلت : جعلت فداك قد قرأته ، قال : فهل عرفت الرجل ؟ وهل علمت ما كان عنده من علم الكتاب ؟ قال قلت : أخبرني به ؟ قال : قدر
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 160 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قطرة من الماء في البحر الأخضر ، فما يكون ذلك من علم الكتاب ؟ ! قال : قلت جعلت : فداك ما أقل هذا ؟ ! فقال : يا سدير : ما أكثر هذا ، أن ينسبه الله عز وجل إلى العلم الذي أخبرك به . يا سدير فهل وجدت فيما قرأت من كتاب الله عز وجل أيضاً : قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب ؟ قال قلت : قد قرأته جعلت فداك . قال : أفمن عنده علم الكتاب كله أفهم أم من عنده علم الكتاب بعضه ؟
قلت : لا ، بل من عنده علم الكتاب كله ، قال : فأومأ بيده إلى صدره وقال : علم الكتاب والله كله عندنا ، علم الكتاب والله كله عندنا ) . انتهى .
* *
( 6 ) الحديث الشريف في عيون أخبار الرضا : 1 / 74 ، وهو الكافي : 2 / 16 : عن أبي جعفر عليه السلام قال : ما أخلص العبد الإيمان بالله عز وجل أربعين يوماً أو قال : ما أجمل عبد ذكر الله عز وجل أربعين يوماً ، إلا زهَّده الله عز وجل في الدنيا ، وبصره داءها ودواءها ، فأثبت الحكمة في قلبه ، وأنطق بها لسانه ) .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 161 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

( 8 ) أنت أحسن الخلق عبادة

( بتاريخ : 17 ذي الحجة 1422 - 2 / 3 / 2002 - 11 / 12 / 1380 )
غداً يوم عيد الغدير ، اليوم الذي يفهم من كلام أمير المؤمنين عليه السلام أنه ليس كمثله يوم ، ولا كحقه حقٌّ مضيَّع ! فلا بد من توضيح أمرين :
ذلك اليوم ما هو ؟
والحق المضيع فيه ما هو ؟ وكلاهما بحثان عميقان !
إن أمير المؤمنين عليه السلام شمس مشرقة ، يستفيد منها قلب كل إنسان بقدر ظرفه وسعته ، وما كتبه المؤلفون عنه بدون استثناء ، إنما هو تعريف للشعاع الذي استفاده المؤلف من شمسه ، أما نفس الشمس فلم يصل إليها أحد ، ولن يصل ، إلا من كان في مرتبته ، أو أعلى منه !
أما نحن فغاية ما نعرف منه أننا لا نعرفه ، وهو أمر مهم ، أن يعرف الإنسان حدود ما يمكن أن تصل اليه معرفته ، ويعترف بذلك .
عندما تقرأ كلام الإمام علي الهادي عليه السلام في زيارة الغدير التي أنشأها ، تعرف ما هي القضية ، وما هي تلك الشخصية !
إن فهم تلك الزيارة بدون مبالغة أعلى من طاقات كل الحكماء والفقهاء !
واليوم نعرض بعض فقرات هذه الزيارة ، وهي فقرات من بحر محيط ، تحتاج إلى علم وفكر عميقين ، يتأملان فيها عمراً كاملاً !
قال عليه السلام :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 162 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
( صلوات الله عليك غاديةً ورائحة ، وعاكفةً وذاهبة ، فما يحيط المادح وصفك ، ولا يحبط الطاعن فضلك . أنت أحسن الخلق عبادة ، وأخلصهم زهادة ، وأذبُّهم عن الدين . أقمت حدود الله بجهدك ، وفللت عساكر المارقين بسيفك ، تخمد لهب الحروب ببنانك ، وتهتك ستور الشبه ببيانك ، وتكشف لبس الباطل عن صريح الحق ، لا تأخذك في الله لومة لائم ) . ( 1 )
إن شخصيةً كأمير المؤمنين عليه السلام ، ينبغي أن تعرفها شخصية مثل الإمام الهادي عليه السلام ! أما نحن جميعاً من الصدر إلى الذيل ، فيجب أن نكمَّ أفواهنا ، ونتأمل فيما قاله الذين يستحقون أن يكونوا مداحين لأمير المؤمنين عليه السلام !
إن كل جملة من هذا النص المعصوم ، تحتاج إلى ساعات من الحديث ، ونكتفي هذا اليوم بواحدة منها !
إن الفرق بين كلام المعصوم وغيره أن كلام المعصوم يغلب الحقيقة والواقع ! فغير المعصوم مهما كان مستوى فكره وعلمه ، فألفاظه تغلب معانيها ، لأنه ليس ( محيطاً ) بالواقع ! وهي مسألة مهمة ينبغي لأهل الدقة أن يتأملوا فيها ! وكلما كان مستوى فكر المتكلم أعلى ، وكان إدراك عقله أعمق ، كان التناسب بين الألفاظ والمعاني أكثر .
فالمعادلة هنا : أن مستوى الفكر كلما نزل كلما كان التطابق والتناسب والانسجام أقل ، وكلما ارتفع كان أكثر .
لكن في كل المستويات لا يمكن أن يكون كلام غير المعصوم أقوى من الواقع ، بل الواقع دائماً أقوى منه لأن غلبة الكلام على الواقع تحتاج إلى إحاطة صاحبه الكاملة بالواقع ، وهي صفة خاصة بالمعصوم ، فهو وحده هو الذي يملك الإحاطة بالحقيقة ، ويستطيع أن يفصل لها ثوب الألفاظ المناسب ، ويلبسها إياه !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 163 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إن الشاهد على الخلق ، الذي وصل إلى عمق الوجود ، هو الذي يستطيع بيان الواقع كما هو ، والحقيقة كما هي !
وإنسان كهذا عندما يقف يوم الغدير على قبر صاحب الغدير عليه السلام يستطيع أن يعبر عن شخصيته ومقامه عليه السلام
لأن دائرة الخلق التي يحيط بها تشمل كل ما عدا الخالق سبحانه ، فهو بهذه البصيرة وهذه الإحاطة يتكلم !
هذا هو نوع كلام الإمام الهادي عليه السلام ! وهذه الجملة الواحدة التي قالها عن أمير المؤمنين عليه السلام ، تكفي لتشغل فكر أحكم الحكماء وأفقه الفقهاء ، سنين وليس ساعات !
( فما يحيط المادح وصفك ) ! فما هو ذلك الموجود الذي لا يستطيع مادح من دائرة الخلق على الإطلاق ، كائناً من كان ، أن يحيط بوصفه !
وما هو وصف علي عليه السلام ؟ ما قدره كماً ، وما حده كيفاً ؟ بحيث إن أحداً بدون استثناء لا يستطيع أن يحيط به ويستوعبه ؟ !
ومن هو هذا الموجود ، وماذا أعطاه الله تعالى ، حتى أن الإمام المعصوم يقف مقابل قبره ويقول : فما يحيط المادح وصفك ؟ !
هذا برهان ما قلته في مطلع حديثي من أن ما كتبه المؤلفون عنه بدون استثناء ، إنما هو تعريف للشعاع الذي استفاده أحدهم من شمسه عليه السلام ووصل اليه من نافذة قلبه وعقله ، أما نفس الشمس فهي أعلى وأرفع من أن يصل إليها أحد ، إلا من كان في مرتبة أمير المؤمنين عليه السلام وأعلى منه !
ثم يستدل الإمام الهادي عليه السلام ، وكلام الإمام إمام الكلام ، بعدة أدلة على
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 164 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ذلك أولها : أنت أحسن الخلق عبادة !
ولابد أن نعرف ما هي العبادة ، فالسر كله هنا فقد سمعنا بعبادة الله تعالى ، لكن هل فهمنا معناها ؟ !
إن مفهوم العبادة من المفاهيم ذات التعلق ، أي التي لا يمكن فهمها إلا بفهم المتعلق وطرف التعلق ، ومن الواضح لدى أهل النظر أن مفهوم الإضافة ذاتها لا يمكن فهمه بدون المضاف والمضاف اليه ( وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلاً ) فما هي العبادة ، وما هو العابد ، وما هو المعبود ؟
لابد لفهم العبادة أن نعرف المعبود الذي صفته أن : ( كلما ميزتموه بأوهامكم في أدق معانيه ، فهو مخلوقٌ مصنوعٌ مثلكم ، مردودٌ إليكم ) ( البحار : 66 ص 292 ) ، لابد نعرف الإنسان بصفاته بالفعل والقوة ، لكي نفهم قوله تعالى : ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ ) . ( سورة الذريات : 56 )
والخلاصة أن هذا العالم تم خلقه ، وأنشئت شجرته العظيمة المترامية المذهلة ، من أجل ثمرة واحدة ، هي العبادة !
فلابد أن ننظر إلى هذه القوة التي خلقها الله في مخلوقاته لمعرفته وعبادته ، لنرى في أي مخلوق بلغت فعليتها ، ونرى هذا الاستعداد في المخلوقات بأي شكل تم ظهوره وبأي وجود تحقق ؟
إن العبادة عبادتان : عبادة بالتسخير ، وعبادة بالاختيار ، وفي كل منهما بحث . . والعبادة بالاختيار تكون من المخلوقات الذين وهب الله لهم عقلاً ، سواء من عالم الملك أو الملكوت : من ملائكة أسكنتهم سمواتك ورفعتهم عن أرضك ، هم أعلم خلقك بك ، وأخوفهم لك ، وأقربهم منك . لم يسكنوا الأصلاب ، ولم يُضَمَّنوا الأرحام ، ولم يخلقوا من ماء مهين ، ولم يشعبهم ريب المنون . وإنهم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 165 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
على مكانهم منك ، ومنزلتهم عندك ، واستجماع أهوائهم فيك ، وكثرة طاعتهم لك ، وقلة غفلتهم عن أمرك ، لو عاينوا كنه ما خفي عليهم منك لحقروا أعمالهم ولزروا على أنفسهم ، ولعرفوا أنهم لم يعبدوك حق عبادتك ، ولم يطيعوك حق طاعتك . سبحانك خالقاً ومعبوداً بحسن بلائك عند خلقك ) ( نهج البلاغة : 1 / 210 ) ( 2 )
فهؤلاء الملائكة الأبرار مستغرقون في عبادة الله تعالى ، وأي عبادة ؟ !
( منهم سجود لا يركعون ، وركوع لا ينتصبون ، وصافون لا يتزايلون ، ومسبحون لا يسأمون ، لا يغشاهم نوم العيون ، ولا سهو العقول ، ولا فترة الأبدان ، ولا غفلة النسيان ، ومنهم أمناء على وحيه ، وألسنة إلى رسله ) . ( نهج البلاغة : 1 / 14 )
كذلك هي عبادة سكان الملأ الأعلى ، عبادةٌ لا كلل فيها ولا ملل . . حتى نصل إلى عبادة أنبياء الله تعالى : آدم ، ونوح ، وإبراهيم ، وموسى ، وعيسى عليه السلام ، فهذه أيضاً عبادة عباد وصلوا إلى كمال المعرفة .
والمهم هنا أن نعرف معنى قول الإمام الهادي لأمير المؤمنين صلى الله عليه وآله : ( أنت أحسن الخلق عبادةً ) ، فهذه الثمرة العليا لشجرة الوجود ، وهذا المقام الأسمى في العبادة ، لم يبلغه ملكٌ من الملائكة ، ولا بشرٌ بعد النبي صلى الله عليه وآله ، إلا أمير المؤمنين عليه السلام ! فما هي هذه العبادة التي صار بها أحسن الخلق عبادةً ؟
هنا يتضح لنا معنى قوله عليه السلام : ( إلهي ما عبدتك خوفاً من عقابك ، ولا طمعاً في ثوابك ، ولكن وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك ) . ( البحار : 41 / 14 ) . ( 3 )
أرجو أن نكون فهمنا معنى هذه الكلمة ؟ !
إن علياً عليه السلام عابدٌ لربه من أول يوم جاء إلى الدنيا في بيت ربه ، إلى اليوم الذي قال في بيت ربه : فزت ورب الكعبة ! لقد رأى الجنة ولم يسمع بها ، ورأى جهنم ولم يسمع بها ، أنت تسمع بهما ، ولكنه رآهما !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 166 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وهي الجنة التي يقول عنها عليه السلام : ( وكل شئ من الدنيا سماعه أعظم من عيانه وكل شئ من الآخرة عيانه أعظم من سماعه ، فليكفكم من العيان السماع ، ومن الغيب الخبر ) . ( نهج البلاغة : 1 / 225 )
هذه الجنة التي فوق وصفنا ، شطب عليها أمير المؤمنين عليه السلام ، وقال لربه إلهي منذ عبدتك ما عبدتك شوقاً إلى ثوابك وجنتك على عظمتها ، لا من أجل نعيمها وخلودها ، وأشجارها وثمارها ، ولا حورها وقصورها !
فمَنْ غير علي بن أبي طالب قال هذا الكلام ؟ !
وجهنم أيضاً ، وأي جهنم هي أعاذنا الله منها ، وقد رآها أمير المؤمنين وكان يتعوذ منها ، وعرف أن طليعتها قوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شئ عَظِيمٌ . يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللهِ شَدِيدٌ ) . ( سورة الحج : 1 - 2 )
لكن الخوف منها لم يكن الدافع له عليه السلام لعبادة ربه !
فأيُّ قدرة عند هذا الشخص الذي يقول لربه أنا أحب ثوابك والنعيم ، أنا أخاف من عقابك وأعلم أنه شديد ، وقد رأيته ، لكني لا أعبدك خوفاً منه ؟ !
الله أكبر . . فهنا موضع التكبير ، يقول أمير المؤمنين عليه السلام لربه إني لا أعبدك شوقاً إلى ثوابك ، ولا خوفاً من عقابك ! فأي بشر هذا ، وأي مخلوق هو ؟ بل أي جوهر لم يعرف العالم قدره ؟ !
إن روحه أعلى وأسمى من كل عالم الثواب والعقاب ، ومحيطهما !
فقد وصلت به تلك الروح السامية . . إلى حيث يقول : ( لكني وجدتك ) !
تأملوا هنا لتعرفوا من هو علي عليه السلام ، وتعرفوه للناس هكذا كما هو ، لا كما يفعلون اليوم فيتكلمون حوله بلا طائل ، ويحوكون كلاماً على قدر فهمهم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 167 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وإدراكهم ، ويقولون للناس هذا علي بن أبي طالب !
وجدتُك . . وأيُّ فمٍ من البشر يجرؤ أن يقول لذات الحق : ( وجدتُك ) ؟ !
أنتم قضيتم عمراً في الدرس والبحث ، وقرأتم باب اللقطة . وإن الضائع على الفطرة هو الله تعالى ، فأعماق فكر الإنسان وعقله تبحث عنه لتجده وتعرفه ، فمن الذي وجده بحيث يستطيع أن يقول : ( أنا وجدتُك ؟ ! ) من ذلك الإنسان الذي يقول لله هذا الكلام ، ويخاطبه بكاف الخطاب : ( وجدتُك ) !
وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك . . وبهذا نفهم كلمة الإمام الهادي عليه السلام في وصف جده أمير المؤمنين عليه السلام : ( أنت أحسن الخلق عبادة ! )
ثم نصل إلى ثمرة هذا النوع الفريد من العبادة ، ما هي ؟
هي أن أمير المؤمنين عليه السلام صار مصداق الحديث القدسي : ( عبدي أطعني أجعلك مثلي أقول للشئ كن فيكون ، وتقول للشئ كن فيكون ! ) ( 4 ) وصار المثل الأعلى لله تعالى : ( وَللهِ الْمَثَلُ الأعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) ( سورة النحل : 60 )
وقد أخبرنا الله تعالى أن هذا المثل موجود في الأرض ! ( وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الأعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ . ) ( سورة الروم : 27 )
وصار من حق علي عليه السلام أن يقول : أنا ذلك المثل الأعلى لله تعالى !
* *
التعليقات
( 1 ) نورد هذه الزيارة الشريفة كاملة ، لكثرة فوائدها ، من كتاب المزار لمحمد بن المشهدي قدس سره ، قال في ص 263 : ( زيارة أخرى لمولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه ، مختصة بيوم الغدير :
أخبرني بهذه الزيارة الشريفة العالم أبو جعفر محمد المعروف بابن الحمد النحوي ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 168 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
رفع الحديث عن الفقيه العسكري صلوات الله عليه في شهور سنة إحدى وسبعين وخمسمائة . وأخبرني الفقيه الأجل أبو الفضل شاذان بن جبرئيل القمي رضي الله عنه ، عن الفقيه العماد محمد بن أبي القاسم الطبري ، عن أبي علي ، عن والده ، عن محمد بن محمد بن النعمان ، عن أبي القاسم جعفر بن قولويه ، عن محمد بن يعقوب الكليني ، عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن أبي القاسم بن روح وعثمان بن سعيد العمري ، عن أبي محمد الحسن بن علي العسكري ، عن أبيه صلوات الله عليهما ، وذكر أنه عليه السلام زار بها في يوم الغدير في السنة التي أشخصه المعتصم . تقف عليه وتقول :
السلام على محمد رسول الله ، خاتم النبيين ، وسيد المرسلين ، وصفوة رب العالمين ، أمين الله على وحيه ، وعزائم أمره ، الخاتم لما سبق ، والفاتح لما استقبل ، والمهيمن على ذلك كله ، ورحمة الله وبركاته وصلواته وتحياته .
السلام على أنبياء الله ورسله ، وملائكته المقربين ، وعباده الصالحين . السلام عليك يا أمير المؤمنين ، وسيد الوصيين ، ووارث علم النبيين ، وولي رب العالمين ، ومولاي ومولى المؤمنين ورحمة الله وبركاته . السلام عليك يا أمير المؤمنين ، يا أمين الله في أرضه ، وسفيره في خلقه ، وحجته البالغة على عباده .
السلام عليك يا دين الله القويم ، وصراطه المستقيم .
السلام عليك أيها النبأ العظيم ، الذي هم فيه مختلفون ، وعنه يسألون .
السلام عليك يا أمير المؤمنين ، آمنت بالله وهم مشركون ، وصدقت بالحق وهم مكذبون وجاهدت وهم محجمون ، وعبدت الله مخلصاً له الدين ، صابراً محتسباً حتى أتاك اليقين ، ألا لعنة الله على الظالمين . السلام عليك يا سيد المسلمين ، ويعسوب المؤمنين ، وإمام المتقين ، وقائد الغر المحجلين ، ورحمة الله وبركاته .
أشهد انك أخو الرسول ووصيه ، ووارث علمه ، وأمينه على شرعه ، وخليفته في أمته ، وأول من آمن بالله ، وصدق بما أنزل على نبيه . وأشهد أنه قد بلغ عن الله ما أنزله فيك ، وصدع بأمره ، وأوجب على أمته فرض ولايتك ، وعقد عليهم البيعة لك ، وجعلك أولى بالمؤمنين من أنفسهم كما جعلك الله كذلك ، ثم أشهد الله تعالى عليهم فقال : ألست قد بلغت ؟ فقالوا : اللهم بلى ، فقال : اللهم اشهد وكفى بك شهيداً وحاكماً بين العباد . فلعن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 169 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الله جاحد ولايتك بعد الإقرار ، وناكث عهدك بعد الميثاق . وأشهد أنك أوفيت بعهد الله تعالى ، وأن الله تعالى موف بعهده لك ، وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ( سورة الفتح : 10 )
وأشهد أنك أمير المؤمنين الحق ، الذي نطق بولايتك التنزيل ، وأخذ لك العهد على الأمة بذلك الرسول .
وأشهد أنك وعمك وأخاك ، الذين تاجرتم الله بنفوسكم ، فأنزل الله فيكم : إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ . التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ الله وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ( سورة التوبة : 111 - 112 )
أشهد يا أمير المؤمنين أن الشاك فيك ما آمن بالرسول الأمين ، وأن العادل بك غيرك عادل عن الدين القويم ، الذي ارتضاه لنا رب العالمين ، فأكمله بولايتك يوم الغدير .
وأشهد أنك المعني بقول العزيز الرحيم : وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( سورة الأنعام : 153 ) ، ضلَّ والله وأضلَّ من اتبع سواك ، وعَنَدَ عن الحق من عاداك . اللهم سمعنا لأمرك ، وأطعنا واتبعنا صراطك المستقيم ، فاهدنا ربنا ولا تزغ قلوبنا بعد الهدى عن طاعتك ، واجعلنا من الشاكرين لأنعمك . وأشهد أنك لم تزل للهوى مخالفاً ، وللتقى محالفاً ، وعلى كظم الغيظ قادراً ، وعن الناس عافياً ، وإذا عصي الله ساخطاً ، وإذا أطيع الله راضياً ، وبما عهد الله إليك عاملاً ، راعياً ما استحفظت ، حافظاً ما استودعت ، مبلغاً ما حملت ، منتظراً ما وُعدت .
وأشهد أنك ما اتقيت ضارعاً ، ولا أمسكت عن حقك جازعاً ، ولا أحجمت عن مجاهدة عاصيك ناكلأ ، ولا أظهرت الرضا بخلاف ما يرضى الله مداهناً ، ولا وهنت لما أصابك في سبيل الله ، ولا ضعفت ولا استكنت عن طلب حقك مراقبا .
معاذ الله أن تكون كذلك ، بل إذ ظلمت فاحتسبت ربك ، وفوضت إليه أمرك ، وذكرت فما ذكروا ، ووعظت فما اتعظوا ، وخوفتهم الله فما خافوا .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 170 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأشهد أنك يا أمير المؤمنين جاهدت في الله حق جهاده ، حتى دعاك الله إلى جواره ، وقبضك إليه باختياره ، وألزم أعداءك الحجة ، بقتلهم إياك ، لتكون لك الحجة عليهم ، مع ما لك من الحجج البالغة على جميع خلقه .
السلام عليك يا أمير المؤمنين ، عبدت الله مخلصاً ، وجاهدت في الله صابراً ، وجدت بنفسك صابراً محتسباً ، وعملت بكتابه ، واتبعت سنة نبيه صلى الله عليه وآله ، وأقمت الصلاة ، وآتيت الزكاة ، وأمرت بالمعروف ، ونهيت عن المنكر ما استطعت ، مبتغياً مرضاة ما عند الله ، راغباً فيما وعد الله لا تحفل بالنوائب ، ولا تهن عند الشدائد ، ولا تحجم عن محارب .
أفِكَ من نسب غير ذلك وافترى باطلاَ عليك ، وأولى لمن عند عنك . لقد جاهدت في الله حق الجهاد ، وصبرت على الأذى صبر احتساب ، وأنت أول من آمن بالله وصلى له ، وجاهد وأبدى صفحته في دار الشرك ، والأرض مشحونة ضلالة ، والشيطان يعبد جهرة .
وأنت القائل لا تزيدني كثرة الناس حولي عزة ، ولا تفرقهم عني وحشة ، ولو أسلمني الناس جميعاً لم أكن متضرعاً .
اعتصمتَ بالله فعززت ، وآثرت الآخرة على الأولى فزهدت ، وأيدك الله وهداك وأخلصك واجتباك ، فما تناقضت أفعالك ، ولا اختلفت أقوالك ، ولا تقلبت أحوالك ، ولا ادعيت ولا افتريت على الله كذباً ، ولا شرهت إلى الحطام ، ولا دنستك الآثام ، ولم تزل على بينة من ربك ويقين من أمرك ، تهدي إلى الحق والى صراط مستقيم .
أشهد شهادة حق ، وأقسم بالله قسم صدق أن محمداً وآله صلوات الله عليهم سادات الخلق ، وأنك مولاي ومولى المؤمنين ، وأنك عبد الله ووليه وأخو الرسول ، ووصيه ووارثه ، وأنه القائل لك : والذي بعثني بالحق ما آمن بي من كفر بك ، ولا أقر بالله من جحدك . وقد ضل من صد عنك ، ولم يهتد إلى الله تعالى ولا إليَّ من لا يهتدى بك ، وهو قول ربي عز وجل : ( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى ) إلى ولايتك .
مولاي فضلك لا يخفى ، ونورك لا يطفى ، وإن من جحدك الظلوم الأشقى .
مولاي أنت الحجة على العباد ، والهادي إلى الرشاد ، والعدة للمعاد .
مولاي لقد رفع الله في الأولى منزلتك ، وأعلى في الآخرة درجتك ، وبصرك ما عمي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 171 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
على من خالفك ، وحال بينك وبين مواهب الله لك . فلعن الله مستحلي الحرمة منك وذائد الحق عنك ، وأشهد أنهم الأخسرون ، الذين تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ ( سورة المؤمنون : 104 )
وأشهد أنك ما أقدمت ، ولا أحجمت ، ولا نطقت ، ولا أمسكت إلا بأمر من الله ورسوله ، قلت : والذي نفسي بيده لنظر إلي رسول الله صلى الله عليه وآله أضرب قدامه بسيفي فقال : يا علي أنت عندي بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ، وأعلمك أن موتك وحياتك معي وعلى سنتي ، فوالله ما كذبت ولا كذبت ، ولا ضللت ولا ضل بي ، ولا نسيت ما عهد إلي ربي ، وإني لعلى بينة من ربي ، بينها لنبيه ، وبينها النبي لي ، وإني لعلى الطريق الواضح ، ألفظه لفظاً .
صدقت والله وقلت الحق ، فلعن الله من ساواك بمن ناواك ، والله جل ذكره يقول : قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبَابِ ( سورة الزمر : 9 ) ولعن الله من عدل بك من فرض الله عليه ولايتك .
وأنت ولي الله وأخو رسوله ، والذاب عن دينه ، والذي نطق القرآن بتفضيله ، قال الله تعالى : وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً . دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً . ( سورة النساء : 68 - 69 ) وقال الله تعالى : أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ . الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ . يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ ( سورة التوبة : 19 - 21 )
أشهد أنك المخصوص بمدحة الله ، المخلص لطاعة الله ، لم تبغ بالهدى بدلاً ولم تشرك بعبادة ربك أحداً ، وان الله تعالى استجاب لنبيه صلى الله عليه وآله فيك دعوته . ثم أمره باظهار ما أولاك لأمته ، اعلاء لشأنك ، واعلانا لبرهانك ، ودحضا للأباطيل ، وقطعا للمعاذير ، فلما أشفق من فتنة الفاسقين ، واتقى فيك المنافقين ، أوحى الله رب العالمين : يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ( سورة المائدة : 67 ) فوضع على نفسه أوزار المسير ، ونهض في رمضاء
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 172 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الهجير ، فخطب فأسمع ، ونادى فأبلغ ، ثم سألهم أجمع ، فقال : هل بلغت ؟ فقالوا : اللهم بلى ، فقال : اللهم اشهد ، ثم قال : ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ فقالوا : بلى ، فأخذ بيدك ، وقال : من كنت مولاه فهذا علي مولاه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله . فما آمن بما أنزل الله فيك على نبيه إلا قليل ، ولا زاد أكثرهم إلا تخسيراً ، ولقد أنزل الله تعالى فيك من قبل وهم كارهون : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ . إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ . وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ( سورة المائدة : 54 - 56 )
رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ( سورة آل عمران : 53 ) رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ( سورة آل عمران : 8 )
اللهم إنا نعلم أن هذا هو الحق من عندك ، فالعن من عارضه واستكبر وكذب به وكفر ، وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ( سورة الشعراء : 227 )
السلام عليك يا أمير المؤمنين ، وسيد الوصيين ، وأول العابدين ، وأزهد الزاهدين ، ورحمة الله وبركاته وصلواته وتحياته .
أنت مطعم الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً لوجه الله ، لا تريد منهم جزاء ولا شكورا ، وفيك أنزل الله تعالى : وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( سورة الحشر : 9 )
وأنت الكاظم للغيظ ، والعافي عن الناس ، والله يحب المحسنين . وأنت الصابر في البأساء والضراء وحين البأس . وأنت القاسم بالسوية ، والعادل في الرعية ، والعالم بحدود الله من جميع البرية . والله تعالى أخبر عما أولاك من فضله بقوله : أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لا يَسْتَوُونَ . أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلاً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ( سورة السجدة : 18 - 19 )
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 173 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأنت المخصوص بعلم التنزيل وحكم التأويل ، ونصر الرسول ، ولك المواقف المشهورة ، والمقامات المشهورة والأيام المذكورة ، يوم بدر ويوم الأحزاب : إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا . هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً . وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُوراً . وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلا فِرَاراً ( سورة الأحزاب : 10 - 13 )
وقال الله تعالى : وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً ( سورة الأحزاب : 22 ) فقتلت عمرهم وهزمت جمعهم وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللهُ قَوِيّاً عَزِيزاً ( سورة الأحزاب : 25 )
ويوم أحد إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ ( سورة آل عمران : 153 ) وأنت تذود بهم المشركين عن النبي ذات اليمين وذات الشمال ، حتى صرفهما عنكم الخائفين ، ونصر بك الخاذلين .
ويوم حنين على ما نطق به التنزيل : لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ . ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ . ( سورة التوبة : 25 - 26 ) والمؤمنون أنت ومن يليك ، وعمك العباس ينادي المنهزمين : يا أصحاب سورة البقرة ، يا أهل بيعة الشجرة ، حتى استجاب له قوم قد كفيتهم المؤونة ، وتكفلت دونهم المعونة فعادوا آيسين من المثوبة ، راجين وعد الله تعالى بالتوبة ، وذلك قوله جل ذكره : ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ . ( سورة التوبة : 27 ) وأنت حائز درجة الصبر ، فائز بعظيم الأجر .
ويوم خيبر إذ ظهر الله خور المنافقين ، وقطع دابر الكافرين ، والحمد لله رب العالمين : وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللهِ مَسْؤُولاً . ( سورة الأحزاب : 15 )
مولاي أنت الحجة البالغة ، والمحجة الواضحة ، والنعمة السابغة ، والبرهان المنير ، فهنيئاً لك ما آتاك الله من فضل ، وتباً لشانئك ذي الجهل . شهدت مع النبي صلى الله عليه وآله جميع حروبه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 174 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ومغازيه ، تحمل الراية أمامه ، وتضرب بالسيف قدامه ، ثم لحزمك المشهور ، وبصيرتك بما في الأمور ، أمرك في المواطن ، ولم يك عليك أمير ، وكم من أمر صدك عن إمضاء عزمك فيه التقى ، واتبع غيرك في نيله الهوى ، فظن الجاهلون أنك عجزت عما إليه انتهى ضل والله الظان لذلك وما اهتدى . ولقد أوضحت ما أشكل من ذلك لمن توهم وامترى ، بقولك صلى الله عليك : قد يرى الحول القلب وجه الحيلة ، ودونها حاجز من تقوى الله ، فيدعها رأى العين ، وينتهز فرصتها من لا جريحة له في الدين ! صدقت وخسر المبطلون .
وإذ ماكرك الناكثان فقالا : نريد العمرة ، فقلت لهما : لعمري ما تريدان العمرة لكن الغدرة ، وأخذت البيعة عليهما ، وجددت الميثاق فجدا في النفاق ، فلما نبهتهما على فعلهما أغفلا وعادا ، وما انتفعا ، وكان عاقبة أمرهما خسرا . ثم تلاهما أهل الشام فسرت إليهم بعد الإعذار ، وهم لا يدينون دين الحق ولا يتدبرون القرآن ، همج رعاع ضالون ، وبالذي أنزل على محمد فيك كافرون ، ولأهل الخلاف عليك ناصرون . وقد أمر الله تعالى باتباعك وندب إلى نصرك ، قال الله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ( سورة التوبة : 119 )
مولاي بك ظهر الحق ، وقد نبذه الخلق ، وأوضحت السنن بعد الدروس والطمس ولك سابقة الجهاد على تصديق التنزيل ، ولك فضيلة الجهاد على تحقيق التأويل ، وعدوك عدو الله ، جاحد لرسول الله ، يدعو باطلاً ، ويحكم جائراً ، ويتأمر غاصباً ، ويدعو حزبه إلى النار . وعمار يجاهد وينادي بين الصفين : الرواح الرواح إلى الجنة ، ولما استسقى ، فسقي اللبن كبر وقال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله آخر شرابك من الدنيا ضياح من لبن وتقتلك الفئة الباغية ، فاعترضه أبو العادية الفزاري فقتله . فعلى أبي العادية لعنة الله ولعنة ملائكته ورسله أجمعين ، وعلى من سل سيفه عليك وسللت عليه سيفك يا أمير المؤمنين من المشركين والمنافقين إلى يوم الدين ، وعلى من رضي بما ساءك ولم يكرهه ، وأغمض عينه ولم ينكره ، أو أعان عليك بيد أو لسان ، أو قعد عن نصرك ، أو خذل عن الجهاد معك ، أو غمط فضلك ، أو جحد حقك ، أو عدل بك من جعلك الله أولى به من نفسه ، وصلوات الله عليك ورحمة الله وبركاته وسلامه وتحياته ، وعلى الأئمة من آلك الطاهرين إنه حميد مجيد .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 175 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والأمر الأعجب والخطب الأفظع بعد جحدك حقك ، غصب الصديقة الزهراء سيدة النساء فدكاً ، ورد شهادتك وشهادة السيدين سلالتك وعترة أخيك المصطفى صلوات الله عليكم ، وقد أعلى الله تعالى على الأمة درجتكم ، ورفع منزلتكم ، وأبان فضلكم ، وشرفكم على العالمين ، فأذهب عنكم الرجس وطهركم تطهيراً !
قال الله جل وعز : إِنَّ الإنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً ، إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً . وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً ، إِلا الْمُصَلِّينَ ( سورة المعارج : 19 - 22 ) ، فاستثني الله تعالى نبيه المصطفى وأنت يا سيد الأوصياء من جميع الخلق ، فما أعمه من ظلمك عن الحق ، ثم أفرضوك سهم ذوي القربى مكراً أو حادوه عن أهله جوراً ، فلما آل الأمر إليك أجريتهم على ما أجريا رغبة عنهما بما عند الله لك ، فأشبهت محنتك بهما محن الأنبياء عليهم السلام عند الوحدة وعدم الأنصار .
وأشبهت في البيات على الفراش الذبيح عليه السلام ، إذ أجبت كما أجاب ، وأطعت كما أطاع إسماعيل صابراً محتسباً ، إذ قال له : يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ( سورة الصافات : 102 )
وكذلك أنت لما أباتك النبي صلى الله عليكما ، وأمرك أن تضطجع في مرقده واقياً له بنفسك ، أسرعت إلى إجابته مطيعاً ، ولنفسك على القتل موطناً ، فشكر الله تعالى طاعتك ، وأبان عن جميل فعلك بقوله جل ذكره : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ وَاللهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ ( سورة البقرة : 207 )
ثم محنتك يوم صفين ، وقد رفعت المصاحف حيلة ومكرا ، فأعرض الشك وعرف الحق واتبع الظن ، أشبهت محنة هارون إذ أمره موسى على قومه فتفرقوا عنه ، وهارون يناديهم : يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي . قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى ( سورة طه : 90 - 91 )
وكذلك أنت لما رفعت المصاحف قلت : يا قوم إنما فتنتم بها وخدعتم ، فعصوك وخالفوا عليك ، واستدعوا نصب الحكمين ، فأبيت عليهم ، وتبرأت إلى الله من فعلهم وفوضته إليهم . فلما أسفر الحق وسفه المنكر ، واعترفوا بالزلل والجور عن القصد ، واختلفوا من بعده ، وألزموك على سفه التحكيم الذي أبيته ، وأحبوه وحظرته ، وأباحوا ذنبهم الذي اقترفوه . وأنت على نهج بصيرة وهدى ، وهم على سنن ضلالة وعمى ، فما
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 176 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
زالوا على النفاق مصرين ، وفي الغي مترددين ، حتى أذاقهم الله وبال أمرهم ، فأمات بسيفك من عاندك ، فشفي وهوى ، وأحيا بحجتك من سعد فهدى .
صلوات الله عليك غادية ورائحة ، وعاكفة وذاهبة ، فما يحيط المادح وصفك ، ولا يحبط الطاعن فضلك . أنت أحسن الخلق عبادة ، وأخلصهم زهادة ، وأذبهم عن الدين ، أقمت حدود الله بجهدك ، وفللت عساكر المارقين بسيفك ، تخمد لهب الحروب ببنانك ، وتهتك ستور الشبه ببيانك ، وتكشف لبس الباطل عن صريح الحق ، لا تأخذك في الله لومة لائم . وفي مدح الله تعالى لك غنى عن مدح المادحين وتقريظ الواصفين ، قال الله تعالى : مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ( سورة الأحزاب : 23 )
ولما رأيت قد قتلت الناكثين والقاسطين والمارقين ، وصدقك رسول الله صلى الله عليه وآله وعده ، فأوفيت بعهده ، قلت : أما آن أن تخضب هذه من هذه ، أم متى يبعث أشقاها ، واثقاً بأنك على بينة من ربك وبصيرة من أمرك ، قادماً على الله ، مستبشراً ببيعك الذي بايعته به ، وذلك هو الفوز العظيم .
اللهم العن قتلة أنبيائك وأوصياء أنبيائك بجميع لعناتك ، وأصْلِهِمْ حَرَّ نارك ، والعن من غصب وليك حقه ، وأنكر عهده ، وجحده بعد اليقين والاقرار بالولاية له يوم أكملت له الدين . اللهم العن قتلة أمير المؤمنين ومن قتلته ، وأشياعهم وأنصارهم .
اللهم العن ظالمي الحسين وقاتليه والمتابعين عدوه وناصريه ، والراضين بقتله وخاذليه ، لعناً وبيلاً . اللهم ألعن أول ظالم ظلم آل محمد ومانعيهم حقوقهم . اللهم خص أول ظالم وغاصب لآل محمد باللعن ، وكل مستن بما سن إلى يوم الدين .
اللهم صل على محمد خاتم النبيين ، وسيد المرسلين وآله الطاهرين ، واجعلنا بهم متمسكين ، وبموالاتهم من الفائزين الآمنين ، الذين لا خوف عليهم ولا يحزنون ، إنك حميد مجيد ) . انتهى .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 177 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
( 2 ) في نهج البلاغة : 1 / 14 ، من خطبة له عليه السلام يذكر فيها ابتداء خلق السماء والأرض وخلق آدم : ( الحمد لله الذي لا يبلغ مدحته القائلون . ولا يحصي نعماءه العادون . ولا يؤدي حقه المجتهدون ، الذي لا يدركه بعد الهمم ولا يناله غوص الفطن . . .
فسوى منه سبع سماوات جعل سفلاهن موجاً مكفوفاً وعلياهن سقفاً محفوظاً . وسمكاً مرفوعاً . بغير عمد يدعمها ، ولا دسار ينظمها .
ثم زينها بزينة الكواكب ، وضياء الثواقب . وأجرى فيها سراجا مستطيراً ، وقمراً منيراً . في فلك دائر ، وسقف سائر ، ورقيم مائر ثم فتق ما بين السماوات العلا . فملأهن أطواراً من ملائكته ، منهم سجود لا يركعون ، وركوع لا ينتصبون ، وصافون لا يتزايلون ومسبحون لا يسأمون . لا يغشاهم نوم العين . ولا سهو العقول . ولا فترة الأبدان . ولا غفلة النسيان . ومنهم أمناء على وحيه ، وألسنة إلى رسله ، ومختلفون بقضائه وأمره . ومنهم الحفظة لعباده والسدنة لأبواب جنانه . ومنهم الثابتة في الأرضين السفلى أقدامهم ، والمارقة من السماء العليا أعناقهم ، والخارجة من الأقطار أركانهم ، والمناسبة لقوائم العرش أكتافهم ، ناكسة دونه أبصارهم ، متلفعون تحته بأجنحتهم ، مضروبة بينهم وبين من دونهم حجب العزة وأستار القدرة ، لا يتوهمون ربهم بالتصوير ، ولا يجرون عليه صفات المصنوعين ، ولا يحدونه بالأماكن ، ولا يشيرون إليه بالنظائر ) .
* *
( 3 ) في البحار : 41 / 14 ، وعنه عليه السلام : ( إلهي ما عبدتك خوفاً من عقابك ، ولا طمعاً في ثوابك ، ولكن وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك ) .
وفي نهج البلاغة : 4 / 53 ، قال عليه السلام : ( إن قوماً عبدوا الله رغبةً فتلك عبادة التجار ، وإن قوماً عبدوا الله رهبةً فتلك عبادة العبيد ، وإن قوماً عبدوا الله شكراً فتلك عبادة الأحرار ) .
* *
( 4 ) في الجواهر السنية للحر العاملي ص 361 : ( وروى الحافظ البرسي قال : ورد في الحديث القدسي عن الرب العلي أنه يقول : عبدي أطعني أجعلك مثلي : أنا حيٌّ لا أموت ، أجعلك حياً لا تموت ، أنا غني لا أفتقر ، أجعلك غنياً لا تفتقر ، أنا مهما أشاء يكون ، أجعلك مهما تشاء يكون ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 178 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 179 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الرابع : مسؤولية العلماء والخطباء في التبليغ

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 180 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 181 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

( 9 ) زاد المسافر : الكتاب والسنة

( بتاريخ : 23 شعبان 1417 - 3 / 1 / 1997 - 3 / 10 / 1376 )
طلب بعض الأفاضل بمناسبة قرب سفرهم للتبليغ ( زاد المسافر ) ، وزاد المسافر مصطلح ، تطبيقه هنا فقط : الكتاب والحديث . .
بعضهم يراجعنا ويسأل هل نذهب إلى التبليغ بمناسبة شهر رمضان أم لا ؟ الشيطان يقول لا تذهب ، أما الله تعالى فيقول إذهبوا ! فاختاروا بينهما ، قال الله تعالى : وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ( سورة التوبة : 122 )
إن حاجة البلاد إلى مبلغين في المحافظات والقرى ، حاجة كبيرة لا توصف في أصول الدين وفروعه ، فالأجانب ينشطون في البلد ويبنون مساجد في القرى ، ويوظفون فيها أئمة مساجد ومبلغين ، ويضللون أفواجاً من شباب الشيعة ويحرفونهم عن مذهب أهل البيت عليهم السلام !
ففي مثل هذا الظروف لا يصح أن نسأل : هل نجلس أم نذهب ؟ !
هذا من جهة الخطر على أصول الدين . .
أما من جهة الأحكام فكثير من الناس في المدن لا يعرفون الحلال والحرام مع كثرة أئمة الجماعة والعلماء ، فكيف بالقرى النائية ؟ ! إنهم جميعاً مسلمون شيعة ، ومائدة التبليغ هذه وضعت من قبل صاحب الزمان عليه السلام من أجل خدمة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 182 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ضعفاء الشيعة هؤلاء . ومن الطبيعي أن يكون في السفر مشقة ، خاصة في شهر رمضان .
أين نذهب ، ماذا نعمل ، ماذا يحدث ؟ هذه الأفكار موجودة . .
ولكن توجد كلمة واحدة تسهل الأمر ، وهي أن هذا السفر ليس سفر تجارة وكسب ، بل هو سفر عمل لهداية الناس . . وما دام كذلك فلا بد أن نعرف ما هو عمل الهداية ؟
لو أنكم أدركتم ماهية هذا السفر لانحلت كل المشكلات ، فما معنى هداية الناس التي نسافر من أجلها ؟ وهذا المجلس والحمد لله ليس مجلس عوام نتحدث إليهم . والهداية أول واجبات مقام الإمامة ، تلك الإمامة التي بحثنا في جلسة سابقة مقامها الرفيع ، قال الله تعالى : وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ ( سورة الأنبياء : 73 )
فعمل كل واحد منكم في هذا السفر هو عمل إبراهيم الخليل عليه السلام ، هو عمل أمير المؤمنين عليه السلام ، عمل الإمام الحسين عليه السلام . . هذه عظمة هذا العمل .
إنه لا كلام أعلى من كلام أئمة الدين صلوات الله عليهم ، فأرجو أن تقرروا جميعاً بدون استثناء من هذا اليوم أن يقرأ الواحد منكم كل يوم صفحة من أول كتاب البحار . إن هذه الجهود التي بذلها أساطين العلم من أجلكم ، أمثال الشيخ الأنصاري والآخوند وآقا ضيا والأصفهاني أعلى الله مقامهم ، والأفكار التي طرحوها إنما هي مقدمة لتصيروا أهل فكر واجتهاد ، وتستعملوا ذلك في فهم الآيات والأحاديث ، فاقرؤوا صفحة من البحار بتلك الحصيلة العلمية التي استفدتموها من درسكم في الحوزة ، وتأملوا في دقائقها ، وواصلوا هذا البرنامج في حياتكم .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 183 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
غرضي مما أقوله أن أبين لكم أن المسافة بيننا وبين الوصول إلى الأسرار كبيرة ، فقد قرأنا زيارة الجامعة كل عمرنا ، فتأملوا فيها فقرة فقرة .
من فقراتها : كلامكم نور وأمركم رشد . فما معناه ؟ معناه أنكم جميعاً تطلبون النور ، وتبحثون عن النور ، لكن هذا النور ليس في شفاء ابن سينا ، ولا في المباحث المشرقية للرازي ، ولا في كلمات أرسطو وأفلاطون وفيثاغورس . .
هذا النور في قلب عدة من المستقيمين ، ذوي القلوب المتوقدة من شعاع ( يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ ) .
ابن سينا في آخر عمره وبعد أن قضى حياته في الفلسفة المشائية ، وولج كل الأبواب بحثاً عن ضائعه ، واصطدم رأسه بالصخور مرات عديدة . . . في آخر عمره فهم أن ضائعه لا يوجد في تلك المداخل وإنما يوجد في القرآن ، فكتب كلمات يفهم منها ذلك ، وكان يقضي نهاره وليله في قراءة القرآن !
أما أنتم فيمكنكم أن تكونوا يقظين من أول أعماركم وتصلوا من الآن إلى القرآن والحديث ، إلى : ( إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي ! )
ابن سينا في آخر عمره ، وبسبب قصة لا يتسع المجال لشرحها الآن ، وصل ، لكن بعد فوات الأوان ! لكنه قرر أن يغتنم ما بقي له من أيام ، وأخذ في قراءة القرآن ومطالعته إلى أن توفي !
أما النبي صلى الله عليه وآله فقال : ( إني تارك فيكم الثقلين : كتاب الله وعترتي ، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا أبداً . )
كلامكم نور . . نقرأ هذا اليوم نوراً من أنوارهم صلوات الله عليهم ، في هذه الرواية الشريفة ، فإن لم نصل إلى عمقها وأسرارها ، فإن مجرد قراءتنا لها نور وإن وصلنا إلى شرحها فهو نور على نور .
قال علي بن الحسين عليه الصلاة والسلام : ( أوحى الله تعالى إلى موسى : حَبِّبْنِي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 184 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إلى خلقي ، وحَبِّبْ خلقي إليَّ . قال : يا رب كيف أفعل ؟ قال : ذكرهم آلائي ونعمائي ليحبوني ، فلئن ترد آبقاً عن بابي ، أو ضالاً عن فنائي ، أفضل لك من عبادة مائة سنة بصيام نهارها ، وقيام ليلها .
قال موسى : ومن هذا العبد الآبق منك ؟
قال : العاصي المتمرد .
قال : فمن الضال عن فنائك ؟
قال : الجاهل بإمام زمانه تعرفه ، والغائب عنه بعد ما عرفه ، الجاهل بشريعة دينه ، تعرفه شريعته ، وما يعبد به ربه ويتوصل به إلى مرضاته . قال علي بن الحسين صلى الله عليه وآله : فأبشروا علماء شيعتنا بالثواب الأعظم والجزاء الأوفر ) . ( البحار : 2 / 4 )
إقرؤوا بتفكير . . ما معنى هذه الكلمة : حَبِّبْنِي إلى خلقي ، وحَبِّبْ خلقي إليَّ ؟ ! يقول الله تعالى هذا الكلام لنبيه موسى عليه السلام بعد أن نجح في تلك الإمتحانات وعبر تلك المراحل ، ووصل إلى تلك المقامات !
يقول له : الآن حان الوقت الذي تكون فيه دلاَّلاً لمحبتي !
لله ، أي دلالون نحن بين الله وخلقه ؟ ! إن كل واحد منكم يذهب إلى بلد أو قرية ، فهو دلال بين الخالق والخلق ! هذا هو عملكم ، فافهموا ماذا تعملون ، وبأي نية تذهبون ، ثم انظروا في نتيجة ذلك .
قال : يا رب كيف أفعل ، لكي أصل إلى هذا المقام ؟
قال : ذكرهم آلائي ونعمائي . .
ويسأل بعضهم : هل نذهب للتبليغ أم لا نذهب ؟ وإذا ذهبنا ماذا نفعل ؟
الجواب كله هنا . . لقد حدد لك كيف تذهب ، وماذا تقول وكيف ، وماذا تفعل ، وأي نتيجة تهدف من عملك . . فلم يبق شئ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 185 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عندما تذهبون وتريدون أن تتحدثوا إلى الناس حببوهم بالله تعالى ، قوُّوا علاقتهم به وحبهم له ، فبذلك تحببون الله تعالى بخلقه . . كيف ؟
طريق ذلك أن تقرؤوا بابين : باباً في آلاء الله ، وباباً في نعمائه : ذكرهم بآلائي ونعمائي . . هذا هو إعجاز كلام الأئمة عليهم السلام .
لقد قرأتم في كتب المقدمات أن الآلاء هي المواهب المعنوية ، والنعماء هي المواهب الظاهرية . . والإنسان المبلغ للدين يجب أن يكون عالماً بآلاء الله تعالى ونعمائه ، لابد له أن يعرف عالم ملك كل إنسان وعالم ملكوته ، وطريق ذلك التعمق والغور في الأحاديث .
ذكروا الناس بما أعطاهم الله تعالى في ظاهرهم وفي باطنهم ، ولا تحتاجون إلى شئ غيره ، فبهذا تفتِّحون أكمام ورودهم ، وتيقظون فيهم فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ( سورة الروم : 30 ) .
أحيوا فيهم ذلك العشق الكامن في أعماق فطرة الناس لخالقهم ، فإن أحييتم حبهم له ، صاروا مطيعين لربهم ، وصاروا محبوبين له .
وبذلك تكونون حببتم الناس بربهم ، وحببتموه بهم .
وإذا ذهب أحدكم شهراً للتبليغ فليعاود ذلك مرة أخرى ، وإن طبَّق ما سنذكره إجمالاً ، فسوف تتحول شخصيته إلى إكسير ، أين منه الذهب ؟ !
وطريق ذلك هذه الرواية الشريفة التي لا يتسع المجال لشرحها ، فلنكمل قراءة ألفاظها : فلئن ترد آبقاً عن بابي أو ضالاً عن فنائي . . إن تفعل واحداً من هذين : ترد إنساناً آبقاً هارباً من ربه ، أو ترشد إنساناً ضالاً عن رحاب ربه إلى فنائه !
لاحظوا أن المتكلم هو الله تعالى ، والمستمع نبي الله موسى عليه السلام ، والموضح
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 186 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
هو الإمام زين العابدين وتاج الساجدين عليه السلام !
إن عملكم في التبليغ أحد هذين الأمرين : إما آبقٌ تردونه إلى البيت ، أو ضالٌّ لا يعرف الفناء ترشدونه اليه ! وفي كلمة الآبق والضال ، مالا يتسع له المجال .
يا موسى ، إن فعلت هذا فنتيجته : أفضل لك من عبادة مئة سنة بصيام نهارها وقيام ليلها ! فأجر المبلغ للدين ليس تلك الدريهمات القليلة أو الكثيرة ، إن هذا التفكير غلط ، بل هو جوهر عظيم يسَّرَهُ الله لكم وجعله من نصيبكم ، فلا تدعوا الشيطان يسلبه منكم !
القضية ، أن كل واحد منكم إن استطاع أن يرجع آبقاً إلى ربه ، أو يهدي ضالاً إلى ربه ، فعمله أفضل من مئة سنة عبادة ، ليست من عبادته وصلاته وصومه هو ، بل من عبادة نبي الله موسى بن عمران عليه السلام وصلاته وصومه !
من مئة سنة يصوم موسى عليه السلام كل أيامها ويصلي كل لياليها ! !
ثم شرح الله تعالى لموسى معنى الآبق والضال :
قال موسى : ومن هذا العبد الآبق منك ؟ قال : العاصي المتمرد .
فاعمل عملاً ترد فيه هذا العبد الهارب إلى ربه ، تعيد تارك الصلاة إلى ربه بإعادته إلى صلاته ، وتارك الصوم إلى ربه بإعادته إلى صومه ، وتعيد آكل الحرام إلى ربه بالتوبة من الحرام .
قال : فمن الضال عن فنائك ؟ قال : الجاهل بإمام زمانه تعرفه ، والغائب عنه بعد ما عرفه ، الجاهل بشريعة دينه ، تعرفه شريعته وما يعبد به ربه ويتوصل به إلى مرضاته !
إن كل فقرة من هذا الرواية فيها بحث مفصل ، فاجعلوا نصها برنامجاً شهرياً لعملكم في التبليغ ، وعسى أن نتوفق لتفصيل شرحها .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 187 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ونتيجتها أن مسؤوليتكم مركبة من عملين :
الأول ، أن تعلموا الناس فروع دينهم ومسائل الحلال والحرام ، وترغبوهم في أداء الواجبات وترك المحرمات ، فتردوا الآبق إلى ربه .
والثاني ، أن تعرفوهم بأصل دينهم ، وأصل الدين إمام الزمان عليه السلام . . ومع أن الخطاب من الله تعالى لنبيه موسى بن عمران عليه السلام ، فقد بين فيه أهمية إمام الزمان في التدين بالدين الإلهي في كل عصر ، وهو كلام عظيم يفهم سره كبار العلماء والحكماء ! ذلك أن الإمام هو الرابط بين الخلق والخالق ، هو حرف الربط ، وبدون حرف الربط محال أن يرتبط المحمول بالموضوع !
إن قلوب الناس كلها بمنزلة المحمول ، وذات القدوس والمبدأ المتعالي عز وجل موضوع الموضوعات ، والرابط بينهما صاحب الزمان صلوات الله عليه . فإن كان الشخص بعيداً عن هذا الحرف كان ضالاً عن فناء الله تعالى ورحابه ، مهاناً في فناء غيره ، فهو كالنبت بلا جذور ، ومحال أن يثمر نبت بلا جذور !
ونتيجة هذا الحديث الشريف : أن تعرفوا أيها المسافرون للتبليغ أن جذر المسائل الشريعة وأحكام الحلال والحرام وجذعها هو صاحب الزمان عليه السلام ، وثمرة هذه الشجرة المباركة سعادة الدنيا والآخرة . فإن أوصلتم شخصاً واحداً من أيتام آل محمد وشيعتهم إلى هاتين الكلمتين ، أو بذلتم جهدكم في ذلك ، فثمرته ثواب صوم الدهر وصلاته من نبي الله موسى بن عمران عليه السلام !
وشاهد ذلك قول الإمام زين العابدين عليه السلام في آخر الحديث : فأبشروا علماء شيعتنا بالثواب الأعظم ، والجزاء الأوفر . والإمام لا يبالغ في كلامه ولا يُغرق ، فهو يخبر عن هذا الثواب العظيم ويتكفل به عن الله تعالى ، لمن رد عبداً آبقاً
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 188 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عن باب الله ، أو رد عبداً ضالاً إلى فناء الله تعالى !
فاستبشروا بهذا الثواب الأعظم والجزاء الأوفر وبشروا به ، ولا يكن مجلسٌ من مجالسكم خالياً من ذكر إمام العصر صلوات الله عليه ، فليكن في كل مجلس أو خطبة مسألة أو قضية تتعلق به ، وإن فعلتم ذلك فمحال أن لا ينظر إليكم ، وإذا نظر إليكم بعناية فإن نتيجة ذلك قد تصل إلى خير عظيم ، يدرك ولا يوصف !
اللهم صل على وليك الحجة بن الحسن العسكري عدد ما في علمك ، صلاةً دائمة بدوام ملكك وسطانك .
اللهم سلم على وليك الحجة بن الحسن العسكري ، سلاماً دائماً بدوام ملكك وسلطانك .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 189 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

( 10 ) الكافلون لأيتام آل محمد صلى الله عليه وآله

( بتاريخ : 23 شعبان 1419 - 13 / 12 / 1998 - 22 / 9 / 77 )
الآن أنتم أيها الفضلاء على قسمين : بعضكم معذور من السفر للتبليغ وهؤلاء لهم أجر نيتهم ، ما داموا نووا أن يذهبوا لو استطاعوا .
أما الذين لا عذر لهم فيجب أن يذهبوا ، لكن عليهم أن يعرفوا قيمة هذا السفر ، وأنه تجارة مربحة يَسَّرَهَا لهم ربُّهم .
يوجد حديث شريف يبين لنا أهمية هذا الأمر : جاءت امرأة إلى الصديقة الطاهرة الزهراء عليها السلام فقالت لها : ( إن لي والدة ضعيفة ، وقد لبس عليها في أمر صلاتها شئ ، وقد بعثتني إليك أسألك . فأجابتها فاطمة عن ذلك ، ثم ثنَّتْ ، فأجابتْ ، ثم ثلَّثتْ فأجابتْ ، إلى أن عشَّرتْ فأجابتْ ، ثم خجلت من الكثرة ، فقالت : لا أشقُّ عليك يا بنت رسول الله . قالت فاطمة عليها السلام : هاتي وسلي عما بدا لك ، أرأيت من اكتُرِيَ يوماً أن يصعد إلى سطح بحمل ثقيل ، وكراؤه مائة ألف دينار أيثقل عليه ؟ فقالت : لا . فقالت : اكتُرِيتُ أنا لكل مسألة بأكثر من ملء ما بين الثرى إلى العرش لؤلؤاً ، فأحرى أن لا يَثقل عليَّ ! ) ( 1 )
نعم ، هذا أجر هداية الناس إلى أحكام دين الله تعالى !
ومسائل هذا الموضوع ليست تعبدية ، لكنها تحتاج إلى عقل ناضج لإدراكها فعند ما يكون الحكم حكم الله تعالى والقانون قانون الله تعالى ، فإن هذه الإضافة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 190 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
توجب تغيير كل الأمور المتعلقة به . فكل شئ موجود في هذه الإضافة !
عندما يكون الحكم حكم الله تعالى يصير الذي يبلغه نبياً ، ويصير حجة لله ويصير موضوع التقييم نبي الله وحجة الله ! ويصير أجره أكثر من ملء ما بين الثرى إلى العرش لؤلؤاً ! ومعنى تعبير الصديقة الزهراء عليها السلام أن هذا حد إدراكنا نحن ، وإلا فالأجر أعظم من هذا ، ولم تعين عليها السلام بأي مقدار هو أعظم وأكثر . . ولا عَجَبَ ، فإن طرف الإضافة هو الله تعالى !
المهم لكم أن تستفيدوا من الفرصة . صحيح أنكم لو عملتم في مجال آخر لوصلتم إلى درجات مختلفة ، حسب استعداد كل منكم . مثلاً أكثركم لو اتجه إلى دراسة فرع من الفروع غير علوم الدين لكان الأمر عليه أسهل ، وما تكلف بذل هذا الجهد ولا تحمل هذه المصاعب ، فغيركم يدرس اثنتي عشرة سنة أو أكثر أو أقل ، فيصير مهندساً أو طبيباً ، ثم يعمل ويدير أمور معيشته .
أما أنتم فتدرسون سنيناً أطول ، وتبذلون جهداً أكبر ، ثم يرى الطالب نفسه أنه لا يحصل من راتب الحوزة على كفاف معيشته !
لكن المهم أن لا يعطي أذنه لوسوسة الشيطان ، وأن يقدر النعمة التي أنعم الله عليه بها ، حتى لا ينطبق عليه لا سمح الله : ( خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ) .
إن ما يمنَُ الله به على طالب العلم من توفيقات ونعم عظيمة ، إنما هو بسبب حليب الأم الطاهر ، أو نية الأب الصافية ، أو نية أحد أجداده الصالحين ، فإن عمل الله تعالى أمرٌ محسوب بدقة ، فلا تتخيلوا أن منصب خادم الإمام المهدي عليه السلام ، الذي لا تقاس به مناصب كل حكومات العالم مجتمعة . . أمرا بسيطا ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 191 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إن مجرد تسجيل اسم أحدكم في سجل صاحب الزمان صلوات الله عليه ، مقامٌ وشرفٌ لا تعدله ثروةٌ ولا سلطةٌ ، بل لا تعدل حتى غبارَه !
فعلى الواحد منكم أن يعرف ماذا عليه أن يفعل . وقد أطلنا اليوم في هذا الموضوع ، لأن التذكير به ضروري .
يُعرف الإمام عليه السلام بأمرين : العلم ، وإجابة الدعوة . فدعوة حجة الله في أرضه مستجابة لا ترد ولا تبدل ، وقد قال الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام : ( رحم الله عبداً أحيا أمرنا ) . رحم الله . . بصيغة الماضي ، ولم يقل يرحم الله من أحيا أمرنا ! فالنسبة قسمان : نسبة تقديرية هي مدلول هيئة المضارع ، ونسبة تحقيقية وهي مدلول هيئة الماضي ، وقد أكدها الإمام بأن جاء بها بصورة الإخبار ، ثم بصيغة الدعاء ، ودعاء المعصوم لا يرد !
يقول أبو الصلت رحمه الله : فقلت له : وكيف يحيي أمركم ؟
قال : يتعلم علومنا ويعلمها الناس ، فإن الناس لو علموا محاسن كلامنا لاتبعونا .
( العيون : 2 / 275 )
هذا هو إحياء أمرهم عليهم السلام فأمرهم أمر الله تعالى والمتعلم علوم أهل البيت عليهم السلام ومعلمها للناس محيٍ لأمر الله . فهل يتصور أحدنا أن يحصل على مقام أعلى من هذا المقام ، مقروناً بذلك الدعاء من حجة الله عليه السلام ؟ !
كما ينبغي أن تعرفوا أن التبليغ المؤثر في الناس لعلوم أهل البيت عليهم السلام في شهر رمضان وغيره ، إنما هو أمران : القرآن والحديث .
والسر في ذلك أن نص القرآن ذو روح ، ونص الحديث نص له روح ، وحتى ترجمة القرآن والحديث ليس فيها تلك الروح !
جربوا واقرؤوا على الناس أصل القرآن وأصل الحديث ، واقرؤوا ترجمتهما ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 192 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لتلمسوا ذلك ، وأن الذي يؤثر في الناس أصل القرآن ، وأن الروح التي فيه تدرك ولا توصف ! وأن في كلام النبي والأئمة عليهم السلام نوراً خاصاً ، لا يرى بهذه العين ، بل بعين أقوى !
فاقرؤوا على الناس نصوص تلك الآيات الكريمة والكلمات المنيرة ، فإن قراءتها تحيي الأرواح ، وتنعش القلوب .
هذا هو طريق التبليغ ، وأمامكم ذلك الأجر الذي وصفته الصديقة الكبرى فاطمة الزهراء عليها السلام ، ومعكم دعاء الإمام الرضا المستجاب عليه السلام .
وأهم من هذا . . أن الإمام الرضا عليه السلام قال : ( أفضل ما يقدمه العالم من محبينا وموالينا أمامه ليوم فقره وفاقته وذله ومسكنته ، أن يغيث في الدنيا مسكيناً من محبينا ، من يد ناصبٍ عدو لله ولرسوله صلى الله عليه وآله .
يقوم من قبره والملائكة صفوف من شفير قبره إلى موضع محله من جنان الله ، فيحملونه على أجنحتهم يقولون له : مرحباً طوباك طوباك ، يا دافع الكلاب عن الأبرار ، ويا أيها المتعصب للأئمة الأخيار ) . ( الإحتجاج : 1 / 12 )
ماذا يعني ذلك ؟ ! يعني أن الذي يدفع شبهات النواصب والمخالفين عن إمامة الأئمة المعصومين من أهل بيت النبوة الأطهار عليهم السلام ، أو الذي يرد شبهات المشككين ووسوساتهم في عقيدتنا بمقامات الصديقة الكبرى والأئمة المعصومين ، أولئك الشكاكون الذين يستكثرون عليهم أن تكون لهم مقامات من الله تعالى فوق تصور البشر !
إن الذي يقف أمام هؤلاء ويدفع شبهاتهم يعطى اسم : دافع الكلاب عن الأبرار . ويعطى وساماً آخر أيضاً وهو : المتعصب للأئمة الأخيار !
إن التعصب لأحدٍ أو لقبيلة أو وطن ، محرمٌ في الإسلام ومبغوض ، لكن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 193 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
هذا التعصب مستثنى لأنه دفاع عن خير الخلق محمد وعترته الأئمة الأخيار الأطهار المظلومين ، صلوات الله عليه وعليه !
وأختم كلامي بأن سفركم للتبليغ يجب أن يكون منصباً على كلمتين :
دفع الكلاب عن الأبرار ، والتعصب للأئمة الأخيار .
* *
التعليقات
( 1 ) الحديث في تفسير الإمام العسكري عليه السلام ص 340 والبحار : 2 / 3 ، وتكملته : ( سمعت أبي رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : إن علماء شيعتنا يحشرون ، فيخلع عليهم من خلع الكرامات على قدر كثرة علومهم وجدهم في إرشاد عباد الله ، حتى يخلع على الواحد منهم ألف ألف خلعة من نور . ثم ينادي منادي ربنا عز وجل : أيها الكافلون لأيتام آل محمد الناعشون لهم عند انقطاعهم عن آبائهم الذين هم أئمتهم ، هؤلاء تلامذتكم والأيتام الذين كفلتموهم ونعشتموهم ، فاخلعوا عليهم كما خلعتموهم خلع العلوم في الدنيا . فيخلعون على كل واحد من أولئك الأيتام على قدر ما أخذوا عنهم من العلوم ، حتى أن فيهم لمن يخلع عليه مائة ألف خلعة . وكذلك يخلع هؤلاء الأيتام على من تعلم منهم .
ثم إن الله تعالى يقول : أعيدوا عليَّ هؤلاء العلماء الكافلين للأيتام حتى تتموا لهم خلعهم وتضعفوها ، فيتم لهم ما كان لهم قبل أن يخلعوا عليهم ، ويضاعف لهم ، وكذلك من بمرتبتهم ممن يخلع عليه على مرتبتهم .
وقالت فاطمة عليها السلام : يا أمة الله إن سلكاً من تلك الخلع لأفضل مما طلعت عليه الشمس ألف ألف مرة ، وما له فضل ، فإنه مشوب بالتنغيص والكدر ) . انتهى .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 194 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

( 11 ) مسؤولية العلماء في حراسة العقائد وإحياء عاشوراء

( بتاريخ : 24 ذي الحجة 1418 - 22 / 4 / 1998 - 2 / 2 / 1377 )
إن زماننا هذا زمان هرج ومرج ! فالظلم فيه كثير ، وشبهات الشياطين ووسوساتهم كثيرة ، يوجهونها إلى أصول الإسلام ومبانيه ، والمسؤولية ثقيلة على عاتق كل فرد منا !
إن المعذورين لا حرج عليهم إن لم يسافروا إلى التبليغ في أيام عاشوراء ، لكن على المستطيعين أن يغتنموا هذه الفرصة ، ويذهبوا بأي طريقة إلى تلك المناطق التي يوجد فيها قطاع طرق ، يقطعون طريق التشيع ، ويضللون بسطاء الناس بالشبهات !
يجب الانتباه إلى أن أهم واجباتنا اليوم حفظ ثغور المذهب ، وخير من أن نتكلم نحن في ذلك ، فلنستمع إلى كلام الأئمة عليهم السلام ، فمن ذلك قول الإمام الصادق عليه السلام : ( علماء شيعتنا مرابطون في الثغر الذي يلي إبليس وعفاريته ، يمنعونهم عن الخروج على ضعفاء شيعتنا ، وعن أن يتسلط عليهم إبليس وشيعته والنواصب . ألا فمن انتصب لذلك من شيعتنا ، كان أفضل ممن جاهد الروم والترك والخزر ألف ألف مرة ، لأنه يدفع عن أديان محبينا ، وذلك يدفع عن أبدانهم ) . ( الإحتجاج : 1 / 8 )
إن هذا الكلام مصداق : كلامكم نور ، فهو خير مصباح ينير كل حياتكم .
أنتم ترون أن الفقهاء قسموا كتاب الجهاد إلى فصلين ، فصل في الجهاد ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 195 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفصل في الرباط ، والرباط ورد ذكره في القرآن في قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ . ( سورة آل عمران : 200 ) ،
وقد وردت فيه أحاديث كثيرة ، وهو محل إجماع فرق المسلمين .
فالمرابطة عمل يلي الجهاد ، وقد بلغ من أمر الجهاد أن من يخرج من بيته بنيته فهو لا يخلو من أمرين : إن رجع إلى أهله رجع مغفوراً له كيوم ولدته أمه ، وإن مات فقد وقع أجره على الله تعالى : وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً ( سورة النساء : 100 )
وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ . ( سورة آل عمران : 169 ) .
والرباط الذي يلي مرتبة الجهاد ، منه رباط للقوات العسكرية على حدود بلاد المسلمين ، يحفظون ثغورها من هجمات الأعداء ، ومنه هذا الرباط المميز الذي حثكم عليه الإمام الصادق عليه السلام ، وهو رباط العلماء على ثغور عقائد الإسلام ، وهو رباط من أفضل أنواع الجهاد ، لأنه رباط على ثغور التشيع الذي حدوده قلوب ضعفاء المسلمين ، وعدوه المقابل إبليس وعفاريته المضلون !
وفي كلامه عليه السلام لطائف كثيرة لا يمكننا استيعابها ، وكما قال هو عليه السلام : حديث تدريه خير من ألف حديث ترويه . ( معاني الأخبار للصدوق ص 2 ) ، لكن واجبي أن أقدم لكم عصارة الفقه والأحاديث التي فيها سعادة الدنيا والآخرة ، حتى أسقط مسؤوليتي الشرعية ، ولا يقال لي غداً : لماذا لم تقل ؟
إن الذين يقومون بتنظيم برنامج حياتهم حسب كلامه عليه السلام ، فنتيجة عملهم الفريدة ليس محلها الدنيا ! لكنهم سوف يدركون ماذا ينتظرهم عند ربهم ، فهم في الدنيا يذوقون حلاوة عملهم ، وهذه السعادة العليا لا ينالها كل أحد ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 196 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فاحرصوا على سلوك التقوى لأن جناب الحق سبحانه عظيم الجلال ، والطريق هنا لا يمكن سلوكه بدون طهارة : لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ فبمقدار ما تحققون من التقوى في سلوككم ، يمن عليكم الله تعالى بخلعته الربانية وهي لباس المرابطين على ثغور المذهب ، في غيبة ولي العصر أرواحنا فداه .
ومن واجبات المرابط أن يرصد العدو ، ويفهم من أين يريد إبليس وعفاريته أن ينفذوا ، فيحصن تلك الثغرة ، ويسد ذلك المنفذ .
هذه المهمة هي واجبكم اليوم ، أما ثوابها فهو يبهر العقول !
قال الإمام عليه السلام : ( ألا فمن انتصب لذلك من شيعتنا ، كان أفضل ممن جاهد الروم والترك والخزر ألف ألف مرة ! )
إن هذه الرواية وأمثالها التي وردت بهذا المضمون ، تدلنا على أن الأئمة عليهم السلام كانوا يتوقعون أن إبليس وعفاريته سوف يركزون جهودهم لإبعاد الناس عن مذهب أهل البيت عليهم السلام ، وأن الخطر سيتوجه من إبليس وعفاريته إلى ضعفاء الشيعة ! فاقرؤوا هذه الروايات في البحار وغيره بفهم وليس مجرد قراءة ! وستجدون أن همَّ الأئمة عليهم السلام يتركز على حفظ ضعفاء الشيعة من وسوسات النواصب والمخالفين !
والتعبير بإبليس وعفاريته له مغزى مهم ، فهو يدل على أن قوى عفريتية وأعمالاً عفريتية ستحاول النفوذ إلى أذهان ضعفاء الشيعة والتأثير عليها كما نرى في مثل هذا الزمان !
فعلى العالم أن يكون مرابطاً في سبيل الله ، حارساً لثغور المذهب الحق ، حافظاً لقلوب ضعفاء الشيعة ، دافعاً عنهم إبليس وعفاريته ، الذين يبذلون جهدهم للنفوذ إلى قلوبهم .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 197 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
هل تعرفون كم أريق من الدماء الطاهرة من أجل هذه العقائد الحقة التي هي مذهب أهل البيت الطاهرين عليهم السلام ؟ !
وأن الأئمة المعصومين عليهم السلام وشيعتهم الأبرار قد تحملوا من المعاناة من أجل ترسيخها وحفظها ما يصعب على الإنسان أن يتحمل سماعه أو تصوره ؟ !
هل عندكم خبر أن اضطهاد أهل البيت الطاهرين وشيعتهم وصل إلى حد أن الطاغية هارون الرشيد العباسي أمر قائد حملته العسكرية على المدينة ( أن يُغير على دور آل أبي طالب ، وأن يسلب نساءهم ، ولا يدع على الواحدة منهن إلا ثوباً واحداً ) ؟ ! !
ثم بلغ في عهد الطاغية المتوكل العباسي أنه ( كان القميص يكون بين جماعة من العلويات يصلين فيه واحدة بعد واحدة ) ! !
قال الصدوق في عيون أخبار الرضا عليه السلام : 1 / 172 : ( وكان الجلودي في خلافة الرشيد لما خرج محمد بن جعفر بن محمد بالمدينة ، بعثه الرشيد وأمره إن ظفر به أن يضرب عنقه ، وأن يغير دور آل أبي طالب ، وأن يسلب نساءهم ، ولا يدع على واحدة منهن إلا ثوباً واحداً ، ففعل الجلودي ذلك ، وقد كان مضى أبو الحسن موسى بن جعفر صلى الله عليه وآله فصار الجلودي إلى باب دار أبي الحسن الرضا عليه السلام ، هجم على داره مع خيله ، فلما نظر إليه الرضا جعل النساء كلهن في بيت ، ووقف على باب البيت فقال الجلودي لأبي الحسن : لا بد من أن أدخل البيت فأسلبهن كما أمرني أمير المؤمنين ! فقال الرضا عليه السلام : أنا أسلبهن لك وأحلف أني لا أدع عليهن شيئاً إلا أخذته ! فلم يزل يطلب إليه ويحلف له حتى سكن ، فدخل أبو الحسن الرضا عليه السلام فلم يدع عليهن شيئاً حتى أقراطهن وخلاخيلهن وأزرهن إلا أخذه منهن ، وجميع ما كان في الدار من قليل وكثير ) ! !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 198 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال أبو الفرج الأصفهاني في مقاتل الطالبيين ص 396 : ( واستعمل - أي المتوكل - على المدينة ومكة عمر بن الفرج الرخجي ، فمنع آل أبي طالب من التعرض لمسألة الناس ، ومنع الناس من البر بهم ، وكان لا يبلغه أن أحداً أبر أحداً منهم بشئ وإن قل إلا أنهكه عقوبة وأثقله غرماً ، حتى كان القميص يكون بين جماعة من العلويات يصلين فيه واحدة بعد واحدة ، ثم يرقعنه ويجلسن على مغازلهن عواري حواسر ، إلى أن قتل المتوكل ) ! ! . انتهى .
إن مذهب التشيع الذي وصل الينا إنما هو بقية السيف ، وحصيلة جهود عظيمة تواصلت عبر قرون ، من أولئك الصامدين الأبرار ، وثمرة تحملاتهم لأنواع أذى الطغاة واضطهادهم . . ويوم يحاسب الله الظالمين على ظلمهم ، لابد أن يحاسبنا على تقصيرنا بحق هذا التراث النبوي إن لم يدركنا برحمته .
إن هذه العقيدة مذكرات دم الحسين بن علي عليه السلام وثمرة قهر زينب وأسرها ، وميراث قطع يدي أبي الفضل العباس . . فعلينا أن نعرف قيمة هذه العقيدة العظيمة ، وندرك حجم مسؤوليتنا تجاهها .
عندما تخرجون من بيوتكم في سفركم لتبليغ الإسلام ، فلتكن همتكم أن تحفظوا عقائد هذا المذهب الحق بحبات قلوبكم ، وإن رأيتم قلباً موالياً بذروا فيه شكاً ، أن تزيلوا شكه ، وإن رأيتموهم ألقوا شبهة ، أن تدفعوها . . عندئذ سيكون أجركم ما فوق الدراهم والدنانير ! سيكون ما قال عنه أمير المؤمنين عليه السلام : من قوَّى مسكيناً في دينه ضعيفاً في معرفته ، على ناصب مخالف فأفحمه ، لقنه الله تعالى يوم يدلى في قبره أن يقول : الله ربي ، ومحمد نبيي ، وعلي وليي ، والكعبة قبلتي ، والقرآن بهجتي وعدتي ، والمؤمنون إخواني ، فيقول الله : أدليت بالحجة فوجبت لك أعالي درجات الجنة ، فعند ذلك يتحول عليه قبره أنزه رياض الجنة . ( الإحتجاج : 1 / 10 )
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 199 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لقَّنه الله تعالى . . كلمةٌ لا يتصور أعلى منها ! فهي وعد أمير المؤمنين لكم ، إن أنتم قوَّيتم عقيدة ضعيف في معرفة دينه ، وثبَّتم قلبه على مذهب الحق ، أن أول أثر عملكم أن يكون ملقنَ أحدكم في قبره الله تبارك وتعالى ! ثم يكون الأثر أن يتحول قبره إلى روضة من رياض الجنة ، بل من أنزه رياضها ! !
إنه أجرٌ أكبر من توقعنا ، بل هو أكبر من تصورنا ! فابذلوا همتكم في هذا السفر في نشر فضائل أهل البيت عليهم السلام ، وليكن همكم أن تشرحوا للناس القرآن والسنة فقط ، فلا تنحرفوا عن هذا الخط . واعلموا أن طريق التأثير في قلوب الناس محصور في القرآن وأحاديث النبي والعترة صلى الله عليه وآله ، وأن الطرق الأخرى غلط ! فلا تخلطوا الكلام البشري بالكلام الإلهي ، ولا تقيسوا الأرضي بالسماوي ، ولا الأوهام بالحقائق !
هذا هو طريق إرشاد الناس ، وتبليغ الدين . فإن فعلتم فإن أفضل ما تحصلون عليه من أجرة أنكم ترجعون برضا صاحب الزمان أرواحنا فداه ، فرضاه يتحقق بذلك دون شك .
إن الإمام المهدي أرواحنا فداه يركز نظره في عصرنا على عاشوراء ، فهي محط نظره وأمله ، وهذا أمر قطعي لاشك فيه ولا قيد له ، وعنايته روحي فداه بهذا البلد مشروطة بوجود عاشوراء ، فإن تزلزل وجودها فإن كل ما يبقى لا قيمة له في نظره الشريف !
أما لماذا كانت عاشوراء مركز الثقل في نظره ، وما هو السر في ذلك ؟ فجوابه : أن الوصول إلى أعماق أفكار الإسلام في مذهب أهل البيت عليهم السلام ليس أمراً سهلاً في متناول الأطفال .
السر . . أن الحارث بن المغيرة النصري قال : قلت لأبي عبد الله : إني رجل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 200 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كثير العلل والأمراض وما تركت دواء إلا تداويت به فما انتفعت بشئ منه !
فقال لي : أين أنت عن طين قبر الحسين بن علي ، فإن فيه شفاءً من كل داء ، وأمناً من كل خوف . ( أمالي الطوسي ص 317 ) إنه كلام إمام نشر علوم الأنبياء عليهم السلام !
فإن فيه شفاءً من كل داء . . من الأمراض البدنية والعقلية والروحية أيضاً ! فلفظ ( كل ) موضوع للدلالة على العموم ، ومقام الإمام بالدرجة الأولى طب أمراض النفوس لا الأبدان .
فإن فيه شفاءً من كل داء . . فلو تفهمنا لانفتح باب علم من تربة كربلاء !
إن الإمام الحسين عليه السلام لم يعرف إلى الآن ! وإن تربة قبره إكسير يشفي داء أبداننا ، وداء أفكارنا ، وداء أرواحنا ، وكل داء جسمي ، أو روحي للبشر .
وأمناً من كل خوف . . أيُّ خوف تؤمِّن منه تربة قبر الحسين عليه السلام ؟ إنها أمان من الخوف الأكبر ، لمن وضعها في قبره وتفضل الله عليه بإكرامه إكراماً لهذه التربة للإمام الحسين عليه السلام ، كما أنها أمانٌ من خوف الظالم في الدنيا لمن اصطحبها معه ليرد ببركتها ظلم الظالم !
لكن الإمام الصادق عليه السلام قال إن لذلك دعاء وآداباً ولا يتسع وقتنا لشرحها ، قال عليه السلام : ( فإذا أخذته فقل هذا الكلام : اللهم إني أسألك بحق هذه الطينة ، وبحق الملك الذي أخذها ، وبحق النبي الذي قبضها ، وبحق الوصي الذي حل فيها ، صل على محمد وأهل بيته ، وافعل بي كذا وكذا .
قال : ثم قال لي أبو عبد الله : أما الملك الذي قبضها فهو جبرئيل ، وأراها النبي صلى الله عليه وآله ، فقال : هذه تربة ابنك الحسين تقتله أمتك من بعدك ، والذي قبضها فهو محمد رسول الله صلى الله عليه وآله ، وأما الوصي الذي حل فيها فهو الحسين عليه السلام والشهداء .
قلت : قد عرفت جعلت فداك الشفاء من كل داء ، فكيف الأمن من كل خوف ؟ فقال : إذا خفت سلطاناً أو غير سلطان ، فلا تخرجن من منزلك إلا ومعك من طين قبر
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 201 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الحسين فتقول : اللهم إني أخذته من قبر وليك وابن وليك ، فاجعله لي أمناً وحرزاً لما أخاف وما لا أخاف ، فإنه قد يرد ما لا يخاف .
قال الحارث بن المغيرة : فأخذت كما أمرني ، وقلت ما قال لي فصح جسمي ، وكان لي أماناً من كل ما خفت وما لم أخف كما قال أبو عبد الله ، فما رأيت مع ذلك بحمد الله مكروهاً ولا محذوراً ) . ( أمالي الطوسي ص 317 )
أما قول الإمام الصادق عليه السلام : أما الملك الذي قبضها فهو جبرئيل ، وأراها النبي . . فهو إشارة إلى ذلك اليوم الذي جاء فيه جبرئيل إلى النبي صلى الله عليه وآله وأخبره فيه عن الإمام الحسين والأئمة من بعده من ذريته عليهم السلام ، قال الإمام الصادق عليه السلام :
( إن جبرئيل عليه السلام نزل على محمد وما ولد الحسين بعدُ فقال : يولد لك غلامٌ تقتله أمتك من بعدك ! فقال : يا جبرئيل لا حاجة لي فيه ، فخاطبه ثلاثاً ، ثم دعا علياً فقال له : إن جبرئيل عليه السلام يخبرني عن الله تعالى أنه يولد لك غلام تقتله أمتك من بعدك ، قلت لا حاجة لي فيه ، فقال علي : لا حاجة لي فيه يا رسول الله ، فخاطب علياً ثلاثاً ، ثم قال : إنه يكون فيه وفي ولده الإمامة والوراثة والخزانة . فأرسل إلى فاطمة : إن الله يبشرك بغلام تقتله أمتي من بعدي ! قالت فاطمة : لا حاجة لي فيه ، فخاطبها فيه ثلاثاً ، ثم أرسل إليها : لابد من أن يكون وتكون فيه الإمامة والوراثة والخزانة . فقالت له : رضيت عن الله . فعلقت وحملت بالحسين فحملته ستة أشهر ثم وضعته ، ولم يعش مولود قط لستة أشهر غير الحسين وعيسى بن مريم صلى الله عليه وآله فكفلته أم سلمة ) . ( الإمامة والتبصرة ص 51 )
إقرؤوا روايات كامل الزيارات لتروا الاهتمام بهذه التربة المقدسة ، حيث ورد التعبير عنها بحفظها ، وفي بعضها بخزن النبي صلى الله عليه وآله لها ! فقد وصل هذا التراب الطاهر إلى مستوى أن يقسم بها على الله تعالى ، بعد القسم عليه بجبرئيل والنبي صلى الله عليه وآله ! والروايات في فضلها كثيرة أعم من المعتبرة وغيرها !
وفوق هذا ، لقد وصلت مكانة تربة الحسين عليه السلام إلى أن السجود عليها ينور
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 202 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إلى الأرض السابعة ! فقد قال الصدوق رحمه الله : وقال عليه السلام : السجود على طين قبر الحسين عليه السلام يُنوِّر إلى الأرض السابعة . انتهى . ( من لا يحضره الفقيه : 1 / 268 )
فما هي هذه الملحمة وما تلك الأسرار التي جعلت أشعتها تصل إلى الأرض السابعة ؟ !
وفوق هذا ، والسر المحير للعقول أن السجود عليها يخرق الحجب السبعة ! ! يقول معاوية بن عمار رضي الله عنه :
( كان لأبي عبد الله عليه السلام خريطة ديباج صفراء فيها تربة أبي عبد الله عليه السلام فكان إذا حضرته الصلاة صبه على سجادته وسجد عليه ثم قال : إن السجود على تربة أبي عبد الله يخرق الحجب السبع ) . ( وسائل الشيعة : 3 / 608 )
كان لأبي عبد الله عليه السلام . . وكان هنا تفيد الاستمرار . .
خريطة ديباج صفراء . . من أغلى القماش الذي كانت تحفظ فيه الجواهر واللئالي ! فكان يحفظ فيه تربة أبي عبد الله الحسين عليه السلام !
وكان يفتح هذا الكنز المقدس ، ويخرج ذلك التراب المبارك ليسجد لله عليه في صلاته ! ثم يقول للناس لا تتعجبوا من فعلي هذا : إن السجود على تربة أبي عبد الله يخرق الحجب السبع !
أنا عاجز عن شرح هذه الكلمة ! وروايتها صحيحة ، فهي عن معاوية بن عمار رضي الله عنه ، وسند الشيخ اليه صحيح .
فاعجب إن أردت العجب لأن يكون السجود على تربة الحسين عليه السلام يصل شعاعه المنير إلى الأرض السابعة ! ويصعد من ناحية أخرى حتى يخرق الحجب السبع ! فأي قدرة جعل الله في هذا التراب ؟ ومن هو ذلك العظيم الذي وقع ظله على تراب كربلاء ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 203 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
التراب الذي بلغ من قدرته أن الإمام الصادق عليه السلام ، حجة الله في أرضه وولي الله المطلق ، يستفيد منه في سجوده فيضع عليه جبهته ، ليخرق نوره وسجوده الحجب ! إنه أمر يحتاج إلى فقيه نبيه ليفهمه !
إقرؤوا روايات تكبير الإفتتاح ، لتروا ما هو سر استحباب سبع تكبيرات ؟ !
( عن الإمام الصادق عليه السلام قال : إن رسول الله صلى الله عليه وآله كان في الصلاة إلى جانبه الحسين بن علي ، فكبر رسول الله فلم يُحِر الحسين التكبير ، فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وآله يكبر ويعالج الحسين التكبير فلم يحره ، حتى أكمل سبع تكبيرات ، فأحار الحسين التكبير في السابعة . فقال أبو عبد الله : وصارت سنة ) . ( علل الشرائع : 2 / 331 )
وصارت سنة . . يعني نزل جبرئيل فأخبر النبي صلى الله عليه وآله أن تكبيرات الإفتتاح سبع تكبيرات بعدد الحجب السبعة ، وأن تكبيرات هذا الطفل المبارك صحيحة وقد خرقت الحجب السبعة ، وقد تركه الله تعالى يلثغ في الستة حتى ألهمه فنطق السابعة ( الله أكبر ) بدون لثغ الأطفال !
فهل جاء من هنا تأثير تربة قبر الحسين عليه السلام ؟
هذا هو الإمام الحسين عليه السلام وهكذا فاعرفوه ، وهكذا عرفوه إلى الناس عسى أن يشملكم لطف ولده الإمام المهدي أرواحنا فداه . والسلام عليه وعلى أولاده وأصحابه .
اللهم صل على وليك الحسين بن علي بن أبي طالب
عدد ما في علمك ، صلاة دائمة بدوام ملكك وسلطانك .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 204 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

( 12 ) فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ

( بتاريخ : 24 شعبان 1421 - 21 / 11 / 200 - 1 / 9 / 13791 )
بعض الفضلاء يريدون أن يذهبوا للتبليغ في هذا الشهر الشريف ، ومن أعظم ألطاف الله تعالى أن يتوفق أحد لإرشاد جاهل . لكن الذين يريدون الذهاب لابد أن يستوعبوا هذا الحديث الآتي .
لاحظوا أن سورة البقرة ب‍ ( ا . ل . م . ) ، وفي فواتح السور أسرار ، وكل سورة تبدأ بالأحرف المقطعة فيها أسرار لا يعلمها إلا الله والراسخون في العلم !
فيها اسم الله الأعظم مقطع في هذا الحروف ، وسره لا ينكشف لأحد إلا لولي العصر صلوات الله عليه فقط . وكل ما قاله المفسرون بدون استثناء إنما هو بقدر فهمهم من هذه الحروف لا بقدرها !
ح م ع س ق . . . ك . ه‍ . ي . ع . ص . . . ح . م . . . ال . م . ر . . . ماذا يريد أن يقول . . ؟ !
إقرؤوا هذه الآية أيضاً : ( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم . ق . وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ ) .
( بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . ص . وَالْقُرْآنِ ذي الذِّكْرِ )
مرة ترون الحرف آية ، ومرة الحرفين ، أو الثلاثة !
هذه أيضاً أسرار فوق إدراكنا ، وكما قال الإمام عليه السلام إن اسم الله مقطع في هذه الحروف ، وتركيبه عندهم . ( 1 )
من كل هذه الحروف أعطي آصف بن برخيا حرفاً واحداً ، فجاء بعرش بلقيس بنظرة واحدة ! ( قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 205 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إِلَيْكَ طَرْفُكَ . . . ) . ( النمل : 40 ) !
ولكل حرف من هذه الحروف متون ، وقد أعطوا متناً لسلمان الفارسي رضي الله عنه ، وبهذا المتن من الحرف أحاط بكل ما يقع إلى يوم القيامة !
إن هذه الكنوز أسرار ، ويجب أن تكون أسراراً ، لأن من تعطى له يستطيع أن يغير قوانين الطبيعة ، يستطيع بنظرة واحدة أن يوقف جريان المنظومة الشمسية ، لذلك لابد أن تكون له سيطرة على إرادته بحث يعيش بالأسباب العادية ، وفي الوقت الذي يقول ( سلوني قبل أن تفقدوني ) ( 2 ) ، يستطيع أن يجلس تحت منبر شخص عادي غصب وكان يقول : ( كل الناس أفقه من عمر . . ) ( 3 )
لمثل هؤلاء تعطى قدرة اسم الله الأعظم . . فكروا في قول أمير المؤمنين عليه السلام الذي يقف العقل عنده متحيراً مبهوتاً : ( فصبرت وفي العين قذى وفي الحلق شجى ) ( 4 ) فإن الألفاظ قوالب المعاني ، وقول الإمام قالب الحقيقة ليس فيه ذرة زيادة ولا نقصان ، ولا تجدون في العالم أحداً كلامه قالب للمعنى بلا زيادة ولا نقصان إلا المعصوم عليه السلام ! لأن له إحاطة بالقالب وما في القالب ؟ !
الشخص الذي عنده هذه القدرة ، يعطونه كل أسرار تلك الحروف ، والقلوب أوعية ، وبقدر ظرفية الوعاء يعطى صاحبه .
تبدأ سورة البقرة ب‍ ( ا . ل . م . ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ . الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلوةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ) .
تأملوا في هذه الجملة ( وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ) التي يسأل محمد بن مسلم عنها الإمام الصادق عليه السلام ، فيقول الإمام عليه السلام : ( معناها : ومما علمناهم يبثون ) . ( 4 )
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 206 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد استعمل الإمام كلمة ( معناها ) لأن المعنى هو المقصود وتمام المراد .
والقرآن قسم نفسه وبين أنه قشر ولب ، فقشره لأهل القشر ولبه لأولي الألباب ! والإمام عليه السلام يقول : ( لا نعد الرجل منكم فقيها حتى يعرف معاني كلامنا ) . ( 5 ) فإن وصلتم إلى فهم المعاني والمقاصد ، فإن الإمام يعدكم علماء !
ينبغي أن نعرف معنى الرزق في الآية ، ونحن نتكلم بمقدار وقتنا ، وإلا فالقرآن بحر عندما يرده الإنسان يغرق في أمواجه !
الرزق قوام وجود الموجود ، والإمام اعتبره معنى لأنه يرتبط بهذه الحقيقة ، إن ما يرتبط ببدني ليس هو رزقي بل هو رزق جلدي وقشري ، رزق مركبي وليس رزقي .
وعندما أخرج من جلدي ، فإن الذي يدفن تحت التراب جسدي ولست أنا ، فإضافة الرزق إلى الجسد ، من إضافة الأوْل والصيرورة لا الحقيقة ،
ثم إن رزقي ( أنا ) متوقف على معرفة أنا ، وما لم نعرف معنى ( هم ) في رزقناهم لا يمكن أن نعرف معنى رزقناهم ، التي هي جوهر الحديث .
إجمال المطلب أن ما تفهمه هو رزقك ، وما تأكله رزق مركبك .
فالعلم والمعرفة قوام الروح ، والعلم قوام الوجود ، ومعنى ذلك قهراً أن رزقي هو علمي ، ورزقك هو علمك .
وعندما يقول بحر العلم ، وهو بحر لا ينال قعره ، اسمه جعفر بن محمد عليه السلام يقول : المعنى هنا : ومما علمناهم ، يتضح ما هو رزقنا .
مما علمناهم . . هنا بحث ، مما علمناكم نحن . .
والخلاصة : رزقكم هو علمكم ، وهذا الرزق ليس إلا القرآن وما يصدر من بيت الوحي . . ( 6 )
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 207 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
علمناهم . . هنا يوجد العلم . . أما بقية ما يوجد في الكتب فهو تفالة . . يشبه القوت الذي يأكله الإنسان ، ففيه تفالة لا بد أن تذهب جانباً . .
هذه أسرار . . كلها بقيت في أكمامها ، مما رزقناهم . . مما علمناهم . .
إن كل ما استوعبتموه من الكتاب والسنة ثم هضمتموه ، فهو قوت روحكم وهو الرزق الذي يقصده الإمام عليه السلام .
وإن رزق أرواحكم وقوام وجودكم الأبدي إنما هو في مائدة واحدة ليس إلا : القرآن وروايات أهل البيت عليهم السلام ، فركزوا فكركم ما استطعتم منها .
لقد أعطى الإمام الصادق عليه السلام بنصف سطر عالماً من الأفكار !
والآن إن كانت هذه السعادة من نصيبكم ، فاعملوا أولاً لأن تكونوا مصداق ( علمناهم ) ، فتعلموا من الكتاب والسنة ، ثم بثوه للناس في هذه الشهر المبارك .
بعضكم معذور من السفر ، وعدة منكم راحتهم في بقائهم عند أهليهم وعيالهم ، ويلاقون في سفرهم صعوبات . . اتركوا عنكم هذه الأعذار ، فإن الذي يخسر هو الذي لا يبث ما تعلمه للناس .
المسألة من الأهمية بمكان ، وأذكر لكم فيها حديثاً واحداً :
في تفسير العسكري عليه السلام ص 340 : جاءت امرأة إلى الصديقة الزهراء عليها السلام فقالت لها : ( إن لي والدة ضعيفة وقد لُبِّس عليها في أمر صلاتها شئ ، وقد بعثتني إليك أسألك . فأجابتها فاطمة عن ذلك ، ثم ثنَّتْ ، فأجابتْ ، ثم ثلَّثتْ فأجابتْ ، إلى أن عشَّرتْ فأجابتْ ، ثم خجلت من الكثرة فقالت : لا أشقُّ عليك يا بنت رسول الله .
قالت فاطمة عليها السلام : هاتي وسلي عما بدا لك ، أرأيت من اكتُرِيَ يوماً أن يصعد إلى سطح بحمل ثقيل وكراؤه مائة ألف دينار أيثقل عليه ؟ فقالت : لا . فقالت : اكتُرِيتُ أنا لكل مسألة بأكثر من ملء ما بين الثرى إلى العرش لؤلؤاً ، فأحرى أن لا يَثقل عليَّ ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 208 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
هذا كلام فاطمة الزهراء عليها السلام التي إذا دخلت الجنة زارها آدم ومن دونه من النبيين عليهم السلام ! أجابتها ، ثانياً وثالثاً . . إلى عشر مرات ، وفي المرة العاشرة اعتذرت لها المرأة أني أثقلت عليك السؤال يا بنت رسول الله ، فأجابتها ذلك الجواب المحير وقالت عليها السلام : ( هاتي وسلي عما بدا لك ، أرأيت من اكتُرِيَ يوماً أن يصعد إلى سطح بحمل ثقيل ، وكراؤه مائة ألف دينار أيثقل عليه ؟ فقالت : لا . فقالت : اكتُرِيتُ أنا لكل مسألة بأكثر من ملء ما بين الثرى إلى العرش لؤلؤاً ، فأحرى أن لا يَثقل عليَّ ! )
ومثالها هذا عليها السلام لنا نحن الذين نجهل ، فهي تمثل المعقول بالمحسوس !
هذا أجر تعليم حكم شرعي واحد لمن لا يعرفه . .
ثم قالت عليها السلام : ( سمعت أبي رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : إن علماء شيعتنا يحشرون ، فيخلع عليهم من خلع الكرامات على قدر كثرة علومهم وجدهم في إرشاد عباد الله ، حتى يخلع على الواحد منهم ألف ألف خلعة من نور ! ثم ينادي منادي ربنا عز وجل : أيها الكافلون لأيتام آل محمد الناعشون لهم عند انقطاعهم عن آبائهم الذين هم أئمتهم ، هؤلاء تلامذتكم والأيتام الذين كفلتموهم ونعشتموهم ، فاخلعوا عليهم كما خلعتموهم خلع العلوم في الدنيا . فيخلعون على كل واحد من أولئك الأيتام على قدر ما أخذوا عنهم من العلوم ، حتى أن فيهم لمن يخلع عليه مائة ألف خلعة . وكذلك يخلع هؤلاء الأيتام على من تعلم منهم .
ثم إن الله تعالى يقول : أعيدوا عليَّ هؤلاء العلماء الكافلين للأيتام حتى تتموا لهم خلعهم وتضعفوها ، فيتم لهم ما كان لهم قبل أن يخلعوا عليهم ، ويضاعف لهم ، وكذلك من بمرتبتهم ممن يخلع عليه على مرتبتهم .
وقالت فاطمة عليها السلام : يا أمة الله إن سلكاً من تلك الخلع لأفضل مما طلعت عليه الشمس ألف ألف مرة ، وما له فضل ، فإنه مشوب بالتنغيص والكدر ) . انتهى .
فيخلع عليهم من خلع الكرامات على قدر كثرة علومهم وجدهم . . .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 209 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وهذا الشرط لنا حتى لا نغتر بأننا تعلمنا بعض المطالب ، فالمسألة ليست العلم فقط ، بل في جديتنا في إرشاد عباد الله . وبقدر علومهم وجدهم تكون خلعة الله تبارك وتعالى .
أقول ذلك للذين يذهبون للتبليغ ويتعبون ويرون أنهم لم يحصلوا على شئ يذكر ! اتركوا عنكم هذه المحاسبات ، فعند ما تتكاملون تعرفوا أي فرصة كانت أمامكم فلا تفرطوا فيها . فلو أرشد أحدكم شخصاً واحداً ، فإن أقل عطائه ألف حلة من نور ، وقيمة كل حلة أن ما تشرق عليه الشمس لا قيمة له أمام سلك تلك الحلة ، كما قالت الزهراء عليها السلام
هذا كله لمن ( وممن علمناهم يبثون ) ، فلا تضيعوا هذه الفرصة وأنفقوا العلم في سبيل الله ، وأنقذوا المبتلين ، وركزوا جهدكم هذا الشهر على توجيه الناس إلى الله تعالى والى سبيل الله ، وسبيل الله هو صاحب الزمان ( أنتم السبيل الأعظم ) ، فدلوا الناس عليه ، وهذا ثوابكم من الله تعالى .
اللهم إنا نسألك بحرمة إمام الزمان ، بمقامه ، بعباداته ، أن تجعل هذا الشهر لنا شهر رحمة بركة ومغفرة وسعادة . . واكتب اسمنا في ليلة القدر في دفتر خدامه .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 210 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
التعليقات
( 1 ) في معاني الأخبار للصدوق قدس سره ص 23 ، عن الإمام الصادق عليه السلام قال : ( ا . ل . م . هو حرف من حروف اسم الله الأعظم ، المقطع في القرآن ، الذي يؤلفه النبي صلى الله عليه وآله والإمام عليه السلام فإذا دعا به أجيب . . . ومما رزقناهم ينفقون ، قال : مما علمناهم يبثون ، ومما علمناهم من القرآن يتلون ) . ( وهو في البحار : 2 / 16 )
وفي تفسير الإمام العسكري عليه السلام ص 6 : ( كذبت قريش واليهود بالقرآن وقالوا : سحر مبين تقوله . فقال الله عز وجل : ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين ، أي يا محمد هذا الكتاب الذي أنزلته عليك هو بالحروف المقطعة التي منها ألف ، لام ، ميم وهو بلغتكم وحروف هجائكم ، فأتوا بمثله إن كنتم صادقين ، واستعينوا على ذلك بسائر شهدائكم . ثم بين أنهم لا يقدرون عليه بقوله : قل لئن اجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ) .
وفي تفسير نور الثقلين : 2 / 480 : ( في تفسير العياشي عن أبي لبيد عن أبي جعفر عليه السلام قال : يا بالبيد إن لي في حروف القرآن المقطعة لعلماً جماً ، إن الله تبارك وتعالى أنزل ( ألم ذلك الكتاب ) فقام محمد صلى الله عليه وآله حتى ظهر نوره وثبتت كلمته . . . ) .
وفي تفسير القرطبي : 1 / 155 : ( فروي عن ابن عباس وعلي أيضاً أن الحروف المقطعة في القرآن اسم الله الأعظم ، إلا أنا لا نعرف تأليفه منها ) . ومثله في فتح القدير : 1 / 29
* *
( 2 ) في نهج البلاغة : 2 / 129 : ( إن أمرنا صعب مستصعب ، لا يحمله إلا عبد مؤمن امتحن الله قلبه للايمان ، ولا يعى حديثنا إلا صدور أمينة وأحلام رزينة .
أيها الناس سلوني قبل أن تفقدوني ، فلأنا بطرق السماء أعلم مني بطرق الأرض ، قبل أن تشغر برجلها فتنة تطأ في خطامها ، وتذهب بأحلام قومها ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 211 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي كامل الزيارات ص 155 : ( كان أمير المؤمنين عليه السلام يخطب الناس وهو يقول : سلوني قبل أن تفقدوني ، فوالله ما تسألوني عن شئ مضى ولا شئ يكون إلا نبأتكم به !
قال : فقام إليه سعد بن أبي وقاص وقال : يا أمير المؤمنين أخبرني كم في رأسي ولحيتي من شعرة ؟ فقال له : والله لقد سألتني عن مسألة حدثني خليلي رسول الله صلى الله عليه وآله أنك ستسألني عنها ، وما في رأسك ولحيتك من شعرة إلا وفي أصلها شيطان جالس ، وإن في بيتك لسخلاً يقتل الحسين ابني ! ! وعمر يومئذ يدرج بين يدي أبيه ) ! ! . انتهى .
ورواه الصدوق قدس سره في أماليه ص 196 ، ورويت عنه عليه السلام في مناسبات أخرى أيضاً ، راجع أمالي الصدوق ص 422 ، وتوحيده ص 305 ، وقد فضح الله من أراد أن يشبه نفسه بأمير المؤمنين عليه السلام مثل مقاتل بن سليمان ، وكان ناصبياً !
قال المزي في تهذيب الكمال : 28 / 447 : ( وقال علي بن سهل البزاز : سمعت عفان بن مسلم يقول : قام مقاتل بن سليمان فأسند ظهره إلى القبلة فقال : سلوني عما دون العرش حتى أخبركم به ، قال : فتمشى إليه يوسف السمتي ، فقال له : إنك قلت سلوني عما دون العرش حتى أخبركم به ؟ قال : نعم ، فسلني ، قال : أخبرني عن آدم أول حجة حجها من حلق رأسه ؟ قال : لا أدري . قال : هذا ما دون العرش .
وقال العباس بن الوليد بن مزيد : سمعت بعض مشيختنا يقول : جلس مقاتل بن سليمان في مسجد بيروت ، فقال : لا تسألوني عن شئ ما دون العرش إلا أنبأتكم عنه ! فقال الأوزاعي لرجل : قم إليه فسله ما ميراثه من جدتيه ! فحار ولم يكن عنده جواب ، فما بات فيها إلا ليلة ثم خرج بالغداة ) ! !
* *
( 3 ) في مبسوط السرخسي : 10 / 153 : ( ولما قال عمر في خطبته ألا لا تغالوا في أصدقة النساء ، فقالت امرأة سفعاء الخدين : أنت تقوله برأيك أم سمعته من رسول الله ( ص ) فإنا نجد في كتاب الله تعالى بخلاف ما تقول قال الله تعالى ( وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا ) فبقي عمر باهتاً وقال : كل الناس أفقه من عمر حتى النساء في البيوت ) ! !
وفي كشف الخفاء للعجلوني : 2 / 117 : ( 1958 - كل الناس أفقه منك يا عمر . قاله موبخاً
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 212 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لنفسه تواضعاً ، وسيأتي قريباً لذلك حكاية في : كل أحد أفقه من عمر .
1960 - كل أحد أعلم أو أفقه من عمر . قاله عمر بن الخطاب بعد أن خطب ناهياً عن المغالاة في أصداق النساء وأن لا يزدن على أربعمائة درهم ، فقالت له امرأة من قريش أما سمعت الله تعالى يقول : ( وآتيتم إحداهن قنطارا ) رواه أبو يعلى في مسنده الكبير عن مسروق قال . . . وسنده جيد . ورواه البيهقي في سننه بدون مسروق وقال إنه منقطع . . . وأخرجه عبد الرزاق عن أبي العجفاء السلمي قال . . . وللبيهقي بسند جيد لكنه مرسل عن بكير قال قال عمر . . . ) . انتهى ، ورواه في كنز العمال : 16 / 536 و 537 ، عن خمسة مصادر .
. * *
( 4 ) في تفسير العياشي : 1 / 25 : عن الإمام الصادق عليه السلام في تفسير قوله تعالى : ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه ( قال : كتاب على لا ريب فيه " هدى للمتقين قال : المتقون شيعتنا " الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون . ومما علمناهم يبثون ) . انتهى . وهو في البحار : 2 / 17
. * *
( 5 ) في معاني الأخبار للصدوق قدس سره ص 1 : ( عن داود بن فرقد قال : سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول : أنتم أفقه الناس إذا عرفتم معاني كلامنا ، إن الكلمة لتنصرف على وجوه ، فلو شاء إنسان لصرف كلامه كيف شاء ولا يكذب ) .
وعن إبراهيم الكرخي ، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال : حديث تدريه خير من ألف حديث ترويه ، ولا يكون الرجل منكم فقيهاً حتى يعرف معاريض كلامنا ، وإن الكلمة من كلامنا لتنصرف على سبعين وجهاً لنا من جميعها المخرج ) .
وفي بحار الأنوار : 2 / 208 : ( عن المفضل قال قال أبو عبد الله عليه السلام : خبر تدريه خير من عشرة ترويها ، إن لكل حقيقة حقاً ولكل صواب نوراً ، ثم قال : إنا والله لا نعد الرجل من شيعتنا فقيهاً حتى يلحن له فيعرف اللحن ) .
. * *
( 6 ) في الكافي : 1 / 399 : ( عن زرارة قال : كنت عند أبي جعفر عليه السلام فقال : له رجل من أهل الكوفة يسأله عن قول أمير المؤمنين عليه السلام : سلوني عما شئتم فلا تسألوني عن شئ إلا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 213 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أنبأتكم به ؟ قال : إنه ليس أحد عنده علم شئ إلا خرج من عند أمير المؤمنين عليه السلام ، فليذهب الناس حيث شاؤوا ، فوالله ليس الأمر إلا من ههنا ، وأشار بيده إلى بيته ) .
وفي بصائر الدرجات ص 531 : ( حدثنا العباس بن معروف عن حماد بن عيسى عن ربعي عن فضيل بن يسار قال سمعت أبا جعفر يقول : كل ما لم يخرج من هذا البيت فهو باطل ) .
وفي الإختصاص ص 1 : ( وقال أبو جعفر الباقر عليه السلام : كل شئ لم يخرج من هذا البيت فهو وبال ) .
وفي الفصول المهمة : 1 / 526 : ( وقول الباقر عليه السلام : من أصغى إلى ناطق فقد عبده فإن كان الناطق يؤدي عن الله فقد عبد الله وان كان الناطق يؤدي عن الشيطان فقد عبد الشيطان . وقوله عليه السلام : كل ما لم يخرج من هذا البيت فهو باطل ) .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 214 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

( 13 ) إن للحسين عليه السلام درجةً لا ينالها أحد !

( بتاريخ 23 ذي الحجة 1423 - 7 / 2 / 2003 - 6 / 12 / 1381 )
بعض الفضلاء يريدون أن نتكلم عن محرم ، فهل نكمل المطلب ، أو نتكلم عن محرم ، ما هو الأولى بنظركم ؟ فطلب الفضلاء الحديث عن محرم فقال سماحته : لا بأس . .
يتصرم عمرنا ولم نفهم شيئاً ، ولم نبلغ درجةً ! فالذي عندنا حفظيات ، والفهم والفقه قليل . . إن عمر الإنسان أنفس النفائس ، فلا يوجد في العالم جوهر أغلى من عمر الإنسان ، وإنما يقول يوم القيامة : ( رَبِّ ارْجِعُونِ ، لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ ) ( المؤمنون : 100 ) لأنه يعرف أي جوهرة أضاع !
القرآن يقرأ كثيراً ، لكن ماذا يُفهم منه ، ومَن يفهم ؟
ما دام رأيكم أن نتكلم ، فاعرفوا أي رأسمال تصرفونه ، وماذا نربحون في مقابله ؟
إذا فهم الإنسان هاتين الكلمتين : ماذا أخسر وماذا أربح ؟ فقد تم الأمر .
فكل شئ في هاتين الكلمتين وتفسيرهما في آية النفر : ( وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) ( التوبة : 122 )
إن في حروف هذه الآية بحوثاً ، وليس في كلماتها فقط ! فهل فكرنا في
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 215 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مرام الآية ، وبماذا افتتحت ، وبماذا ختمت ؟
افتتحت بحرف فاء ، وبكلمة لولا ، وفيهما معان !
ثم في كلمة النفر وتعريف النفر ، بحث مفصل .
وفي الآية : فرقة وطائفة ، وفي كل منهما بحث .
ثم يصل الأمر إلى نتيجة نفر الطائفة ، وهي ثلاثة أقسام : التفقه في الدين ، وإنذار القوم ، والتحذير والحذر .
وتفسيرها بهذا التفصيل لم يكتب ، وهذه جار في كل آيات القرآن ، وفي كل التفاسير ، فعندما يطالعها متبحر في القرآن والسنة ، يجد أن كلمات القرآن ما زالت مخزونة في حجاب مستور ، ودقائقها ما زالت في صرة لم تفتح !
على أي حال ، إذا فهمنا هذه الآية وقرناها بالعمل ، ننج من تلك الحسرة التي يقول الله تعالى عنها : ( وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ) . ( مريم : 39 ) ونحن نشير إليها إشارة لا نقول إنها تفسير . .
ينبغي التدقيق في كلمتي : ( لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا ) ، ما هو التفقه وما هو الإنذار ، وما الربط بينهما ؟ فلو صرفنا حياتنا في هاتين الكلمتين فلا حسرة .
الأولى : التفقه في الدين ، وقوله سهل ، لكن فهمه والعمل به صعب .
الفقه هو الفهم ، والفهم كمال العقل ، والعقل دعامة الإنسان .
فإنسانية الإنسان بعقله ، وكمال عقله بفهمه ، وذلك الفهم هو التفقه !
ومتعلق هذا الفهم ، ما هو ؟ فالفهم صفة نفسانية ذات تعلق ، تتعلق أحياناً بالأرض فيكون المفهوم هو الأرض مثلاً ، أو السماء . . الخ .
وقيمة الفقه والفهم ترتبط قهراً بمتعلقهما ، ومتعلقهما في الآية هو الدين . فإذا عرفنا الدين ما هو ، نعرف التفقه في الدين ما هو .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 216 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الدين هو الذي قال الله تعالى عنه : ( وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) . ( البقرة : 132 )
إن الكتاب والسنة لازم وملزوم ، ومفتاح فهم القرآن في روايات أهل البيت عليهم السلام وقد أعطى القرآن كلمة الحكمة أهمية كبيرة فقال : ( يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الأَلْبَابِ ) . ( البقرة : 269 )
وقد سئل الإمام الصادق عليه السلام عن هذه الحكمة التي من أوتيها فقد أوتي خيراً كثيراً ، والتي ليست جوهراً يعطونه لكل أحد : ( وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ للهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ) ( لقمان : 12 ) فأجاب الإمام عليه السلام فخذوا جوابه ثم افهموه من القرآن ، قال عليه السلام :
( إن الحكمة المعرفة والتفقه في الدين ، فمن فقه منكم فهو حكيم ، وما من أحد يموت من المؤمنين أحب إلى إبليس من فقيه ) . ( تفسير العياشي : 1 / 151 ) . ( 1 ) .
هذا هو الركن الأول . .
وعندما يعرِّفون كمال المسلم يعرفونه بثلاث كلمات : التفقه في الدين ، والتقدير في المعيشة ، والصبر في النوائب . ( 2 ) .
فإن صرفتم عمركم في التفقه في الدين فأنتم في أمان من الحسرة الكبرى غداً ، التي يتحسر فيها الأولون والآخرون : ( وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ) . ( مريم : 39 )
تدبروا في القرآن ، فالتفقه في الدين بهذه العظمة والجلال والمقام ، والفقيه في الدين أعظم على الشيطان من ألف عابد !
إن الذين تعبوا في عمرهم ، ووصلوا إلى آخر النظريات في الفقه والأصول ، ينبغي أن يفهموا هذه المطالب بالإشارة .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 217 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
على الذين يذهبون إلى التبليغ في محرم أن يستوعبوا ذلك قبل أن يتشرفوا بشرف الإنذار ، أن يكونوا متفقهين في الدين ، يكونوا هم قد فهموا ما يعلمونه للناس ، وذلك الفهم هو الإكسير الأحمر .
والكملة الثانية : أن نتيجة التفقه الإنذار .
ويكفي في فهم الإنذار ومعرفة ما تنطوي عليه كلمة ( وَلِيُنْذِرُوا ) أن تقرؤوا سورة المدثر . . يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ . قُمْ فَأَنْذِرْ . وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ . وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ . وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ . وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ . وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ .
إن المتفقه في الدين عندما يطبق التفقه وينذر قوماً من الناس . . يصير مقامه من مقام الخاتمية ، فيشرق على وجوده شعاع شمس وجود خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله . . فاعرفوا هذه القيمة الغالية لعمركم !
والإنذار في هذه الآية ثلاثة أقسام ، إن عملتم بها فقد تم الأمر : آية محكمة ، وفريضة عادلة ، وسنة قائمة . ( 3 ) .
فإن قمتم بهذه الأمور الثلاثة في تبليغكم في عاشوراء ، فقد سجلتم أسماءكم في سجل فيه اسم إبراهيم الخليل صلى الله عليه وآله .
فواحدة منها : ترسيخ عقائد الناس ، أي تبيين معارف الدين ومعالمه ، وتعريف الناس بمبدأ الوجود عز وجل ، ووسائط فيض الوجود عليهم السلام .
والثانية : تعليم أحكام الحلال والحرام ، واجبات الشريعة ومحرماتها .
والثالثة : تهذيب النفوس وتزكية القلوب ، بتعليم الأخلاق المستفادة من كلمات المعصومين عليهم السلام .
والربح لكم . والخسارة تعرف بمعرفة الربح ، فاغتنموا رأس المال الذي وهبكم الله عز وجل ، ولا تصرفوا أعماركم سدى ، فيقول أحدنا غداً : ( رَبِّ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 218 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ارْجِعُونِ ، لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ ) !
مجئ عاشوراء ، وقول عاشوراء أمر سهل . . لكن المهم فهم معناها . . ما هي عاشوراء ، وكيف يجب أن نستفيد منها ؟
إن من يوفقهم الله تعالى - ورزق التوفيق ليس نصيب كل أحد - فيسجلون أسماءهم هذه السنة في دفتر سيد الشهداء عليه السلام ، ينبغي لهم أن يفهموا جيداً ويستوعبوا جيداً هاتين الكلمتين : التفقه والإنذار .
إن كل ما قلناه حاشية ، ويبقى المتن ، فالكلام عن عاشوراء لو تضمن كل شئ لكنه بدون ذكر سيد الشهداء عليه السلام لا ملح فيه .
أما متن هذا الكلام الحكيم وملحه فنفهمه من الحديث الشريف التالي ، وسنده صحيح ، ففي الكافي : 4 / 258 : ( عن معاوية بن عمار قال : لما أفاض رسول الله صلى الله عليه وآله تلقاه أعرابي بالأبطح فقال : يا رسول الله إني خرجت أريد الحج فعاقني ، وأنا رجل ميِّل ، يعني كثير المال ، فمُرْني أصنع في مالي ما أبلغ به ما يبلغ به الحاج . قال فالتفت رسول الله صلى الله عليه وآله إلى أبي قبيس فقال : لو أن أبا قبيس لك زنته ذهبة حمراء أنفقته في سبيل الله ، ما بلغتَ ما بلغ الحاج ) . انتهى .
هذا الحج الذي لا يبلغ ثوابه من أنفق جبلاً من ذهب ، والذي ورد في ثوابه أنه عندما يتجهز له الحاج يكتب له بكل خطوة عشر حسنات وتمحى عنه عشر سيئات . . الخ . ( 4 ) .
هذا الحج يسأل عنه الإمام الصادق عليه السلام منصور بن خزرج : ( كم حججت ؟ قال : تسعة عشر ، قال فقال : أما إنك لو أتممت إحدى وعشرين حجة ، لكنت كمن زار الحسين عليه السلام ) ! ( 5 ) .
إنه أمر محير ! فعندما تحج إحدى وعشرين حجة من ذلك الحج العظيم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 219 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
المقبول . . عندها يكون ثوابك معادلاً لزيارة أبي عبد الله الحسين عليه السلام !
إن ملح الطعام اسمه صلوات الله عليه . . ونحن نتحسر على أنفسنا ، فلا فهمناه هو ، ولا فهمنا عاشوراءه ! لم نعرف ماذا كان الحسين عليه السلام ، وماذا عمل يوم عاشوراء ، وماذا صار ؟ !
هذا الحديث قرأناه ، ومن أراد منكم أن يذهب فهو في حل ، فقد ذكرنا اسم سيد الشهداء عليه السلام ولا يصح أن نقطع الكلام !
إن قضية عاشوراء ، وشخصية صاحبها إنما تفهم وتتعقل من كلمات الأئمة المعصومين صلوات الله عليهم ، فالإمام كلامه قالب الواقع ، ومن المحال أن يكون فيها ذرة نقص أو زيادة على الواقع .
الإمام الرضا عليه السلام يقول : إن يوم الحسين أقرح جفوننا ! يعني أنه عليه السلام كان يبكي في يوم أيام عاشوراء حتى تُقرح أجفانه ! كما كان أبوه الكاظم عليه السلام عندما يدخل محرم ينقبض ولا يضحك !
ففي أمالي الصدوق قدس سره ص 190 : ( قال الرضا عليه السلام : إن المحرم شهر كان أهل الجاهلية يحرمون فيه القتال ، فاستحلت فيه دماؤنا ، وهتكت فيه حرمتنا ، وسبي فيه ذرارينا ونساؤنا ، وأضرمت النيران في مضاربنا ، وانتهب ما فيها من ثقلنا ، ولم ترع لرسول الله صلى الله عليه وآله حرمة في أمرنا ! إن يوم الحسين أقرح جفوننا ، وأسبل دموعنا ، وأذل عزيزنا ، بأرض كرب وبلاء ، أورثتنا الكرب والبلاء ، إلى يوم الانقضاء !
فعلى مثل الحسين فليبك الباكون ، فإن البكاء يحط الذنوب العظام .
ثم قال عليه السلام : كان أبي صلوات الله عليه إذا دخل شهر المحرم لا يرى ضاحكاً ، وكانت الكآبة تغلب عليه حتى يمضي منه عشرة أيام ، فإذا كان يوم العاشر كان ذلك اليوم يوم مصيبته وحزنه وبكائه ويقول : هو اليوم الذي قتل فيه الحسين صلوات الله عليه ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 220 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي أمالي الصدوق قدس سره ص 203 : ( عن الإمام الباقر عليه السلام قال : كان النبي صلى الله عليه وآله في بيت أم سلمة رضي الله عنها فقال لها : لا يدخل عليَّ أحد ، فجاء الحسين عليه السلام وهو طفل ، فما ملكت معه شيئاً حتى دخل على النبي صلى الله عليه وآله ، فدخلت أم سلمة على أثره فإذا الحسين على صدره ، وإذا النبي صلى الله عليه وآله يبكي ، وإذا في يده شئ يقلبه ، فقال النبي صلى الله عليه وآله : يا أم سلمة ، إن هذا جبرئيل يخبرني أن هذا مقتول ، وهذه التربة التي يقتل عليها ، فضعيها عندك فإذا صارت دماً فقد قتل حبيبي ، فقالت أم سلمة : يا رسول الله ، سل الله أن يدفع ذلك عنه . قال : قد فعلت فأوحى الله عز وجل إليَّ : أن له درجةً لا ينالها أحد من المخلوقين ، وإن له شيعة يشفعون فيشفعون ، وإن المهديَّ من ولده ، فطوبى لمن كان من أولياء الحسين ، وشيعته هم والله الفائزون يوم القيامة ) . ( 6 ) . .
قصدي من الحديث عبارة أم سلمة رضوان الله عليها ، قالت للنبي صلى الله عليه وآله : ( يا رسول الله سلِ الله أن يدفع ذلك عنه ) فأنت صاحب الدعوة المستجابة ، الذي يستطيع أن يغير بإرادته صفحات الوجود ، ويمحو الله ما يشاء ويثبت !
( قال : قد فعلت فأوحى الله عز وجل إليَّ : أن له درجةً لا ينالها أحد من المخلوقين ، وإن له شيعة يشفعون فيشفعون ، وإن المهديَّ من ولده ، فطوبى لمن كان من أولياء الحسين ، وشيعته هم والله الفائزون يوم القيامة ) .
قال صلى الله عليه وآله : دعوتُ ، ولكن قيل لي إن للحسين درجةً لا يصل إليها أحد إلا الحسين ، ولا يصل إليها إلا بالشهادة !
والثانية ، أنه يبلغ من درجته أن شيعته يكون لهم حق الشفاعة !
والثالثة ، أن المهدي الموعود يكون من صلبه صلى الله عليه وآله !
هذه الثلاثة ترتبط بقتله ، وإلا فلا ، وأنا اخترت أن يكون ما شاء الله !
فالمسألة أن الإمام الحسين عليه السلام قام بعمل في عاشوراء فنال ذلك المقام الذي لا يستطيع أحد أن يدركه ! وأن وجود وليَّ العصر عليه السلام ودولة الحق
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 221 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
العالمية التي تمتد إلى يوم القيامة ، كلها ثمرة يوم عاشوراء ! !
اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة ، ولياً وحافظاً ، وقائداً وناصراً ودليلاً وعيناً حتى تسكنه أرضك طوعاً ، وتمتعه فيها طويلا .
* *
التعليقات
( 1 ) في تفسير العياشي : 1 / 151 : ( عن سليمان بن خالد قال : سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله : وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ، فقال : إن الحكمة المعرفة والتفقه في الدين ، فمن فقه منكم فهو حكيم ، وما من أحد يموت من المؤمنين أحب إلى إبليس من فقيه )
وفي الكافي : 1 / 16 : ( وقال : وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ . . قال : الفهم والعقل ) .
وفي الكافي : 1 / 31 : ( عن على بن أبي حمزة قال : سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول : تفقهوا في الدين فإنه من لم يتفقه منكم في الدين فهو أعرابي ، إن الله يقول : ( لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) .
وفي الكافي : 1 / 33 : ( عن أبي جعفر عليه السلام قال : عالم ينتفع بعلمه أفضل من سبعين ألف عابد ) . ويأتي في الموضوع رقم : 28 ، ولا منافاة بينهما . ( راجع المحاسن : 1 / 148 ، والكافي : 1 / 185 ) .
وفي الكافي : 2 / 284 : ( عن أبي عبد الله عليه السلام : معرفة الامام واجتناب الكبائر التي أوجب الله عليها النار ) .
. * *
( 2 ) في الكافي : 1 / 32 : ( عن أبي جعفر عليه السلام قال : الكمال كل الكمال التفقه في الدين ، والصبر على النائبة وتقدير المعيشة ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 222 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي الكافي : 5 / 87 : ( أحمد بن محمد ، عن ابن فضال ، عن داود بن سرحان قال : رأيت أبا عبد الله عليه السلام يكيل تمراً بيده فقلت : جعلت فداك لو أمرت بعض ولدك أو بعض مواليك فيكفيك ، فقال : يا داود إنه لا يصلح المرء المسلم إلا ثلاثة : التفقه في الدين ، والصبر على النائبة ، وحسن التقدير في المعيشة .
وفي الخصال ص 124 : عن أمير المؤمنين عليه السلام : ( ثلاث بهن يكمل المسلم : التفقه في الدين ، والتقدير في المعيشة ، والصبر على النوائب ) .
. * *
( 3 ) في الكافي : 1 / 32 : ( عن أبي الحسن موسى عليه السلام قال : دخل رسول الله صلى الله عليه وآله المسجد فإذا جماعة قد أطافوا برجل فقال : ما هذا ؟ فقيل : علامة فقال : وما العلامة ؟ فقالوا له : أعلم الناس بأنساب العرب ووقائعها ، وأيام الجاهلية ، والأشعار العربية ، قال : فقال النبي صلى الله عليه وآله : ذاك علم لا يضر من جهله ، ولا ينفع من علمه ، ثم قال النبي صلى الله عليه وآله : إنما العلم ثلاثة : آية محكمة ، أو فريضة عادلة ، أو سنة قائمة ، وما خلاهن فهو فضل ) .
. * *
( 4 ) في الكافي : 4 / 254 : ( عن سعد الإسكاف قال : سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول :
إن الحاج إذا أخذ في جهازه لم يحظ خطوة في شئ من جهازه إلا كتب الله عز وجل له عشر حسنات ومحى عنه عشر سيئات ورفع له عشر درجات حتى يفرغ من جهازه متى ما فرغ ، فإذا استقبلت به راحلته لم تضع خفاً ولم ترفع إلا كتب الله عز وجل له مثل ذلك حتى يقضي نسكه . فإذا قضى نسكه غفر الله له ذنوبه ، وكان ذا الحجة والمحرم وصفر وشهر ربيع الأول أربعة أشهر تكتب له الحسنات ولا تكتب عليه السيئات إلا أن يأتي بموجِبة ، فإذا مضت الأربعة الأشهر خلط بالناس ) . !
وفي الكافي : 4 / 255 : ( عن أبي عبد الله عليه السلام قال : الحاج لا يزال عليه نور الحج ما لم يلم بذنب ) .
. * *
( 5 ) في كامل الزيارات ص 303 : ( عن شهاب ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : سألني فقال : يا شهاب كم حججت من حجة ؟ فقلت : تسعة عشر حجة ز فقال لي : تممها عشرين حجة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 223 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
تحسب لك بزيارة الحسين عليه السلام ) .
في كامل الزيارات ص 303 : ( عن حذيفة بن منصور قال : قال أبو عبد الله عليه السلام : كم حججت ؟ قلت : تسعة عشر . قال فقال : أما إنك لو أتممت إحدى وعشرين حجة لكنت كمن زار الحسين عليه السلام ) . ( وهو في ثواب الأعمال ص 92 ) :
. * *
( 6 ) في مجمع الزوائد : 9 / 189 : ( عن أبي أمامة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لنسائه لا تُبكوا هذا الصبي يعنى حسيناً . قال وكان يوم أم سلمة فنزل جبريل فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم الداخل وقال لأم سلمة لا تدعي أحداً أن يدخل عليَّ ، فجاء الحسين فلما نظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم في البيت أراد أن يدخل فأخذته أم سلمة فاحتضنته وجعلت تناغيه وتسكنه ، فلما اشتد في البكاء خلت عنه ، فدخل حتى جلس في حجر النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال جبريل للنبي : إن أمتك ستقتل ابنك هذا ! فقال النبي صلى الله عليه وسلم : يقتلونه وهم مؤمنون بي ؟ ! قال : نعم ، يقتلونه ! فتناول جبريل تربة فقال بمكان كذا وكذا ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم قد احتضن حسيناً كاسف البال مغموماً ، فظنت أم سلمة أنه غضب من دخول الصبي عليه فقالت : يا نبي الله جعلت لك الفداء إنك قلت لنا لا تُبكوا هذا الصبي ، وأمرتني أن لا أدع أحداً يدخل عليك ، فجاء فخليت عنه . فلم يرد عليها ، فخرج إلى أصحابه وهم جلوس فقال : إن أمتي يقتلون هذا ! وفي القوم أبو بكر وعمر ، وكانا أجرأ القوم عليه ، فقالا : يا نبيَّ الله وهم مؤمنون ؟ ! قال نعم ، وهذه تربته وأراهم إياها . رواه الطبراني ورجاله موثقون وفي بعضهم ضعف ) .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 224 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 225 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الخامس : في مقام الصديقة الكبرى الزهراء عليها السلام

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 226 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 227 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

( 14 ) وجوب الجهر بظلامة الزهراء عليها السلام

( بتاريخ : 28 جمادى الأولى 1412 - 6 / 12 / 1991 - 15 / 9 / 1370 )
بما أن الأسبوع القادم تعطيل ، ولا نستطيع إكمال هذا البحث قبل التعطيل ، فلننتقل اليوم من الفقه الأصغر إلى الفقه الأكبر ، والبحث في هذا الفقه أصعب من ذاك ، فذاك بحثه سهل علينا لأنا مسلطون على مواضيعه ، أما هذا فمواضيعه مسلطة علينا ! لكن ما لا يدرك كله لا يترك كله .
قال الله تعالى : لا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللهُ سَمِيعاً عَلِيماً ( سورة النساء : 148 ) وهي آية عجيبة ، لأن معناها أن الله تعالى يحب للمظلوم أن يصيح ويصرخ ! !
والظلم له مراتب ودرجات ، حكمه واضح عقلاً ونقلاً ، لكن المهم أن نعرف مدى الظلم الذي وقع على علي وفاطمة صلى الله عليه وآله ، فإدراكه يحتاج إلى دقة ، وإن كانت معرفة حده وحقيقته غير ممكنة لنا ، بل غاية ما يمكننا أن نستكشف بالدليل العلمي مؤشرات على فداحته !
إن الشخص الوحيد في العالم الذي يحمل صفة أصبر الصابرين هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام . فقد ورد له هذا الوصف في زيارته عليه السلام ، وفي خطبة الإمام زين العابدين في الشام وغيرها ) ( 1 )
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 228 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فكيف صار أصبر الصابرين ؟
يتضح ذلك من قوله عليه السلام : فصبرت وفي العين قذى ، وفي الحلق شجى !
فهل رأيت شخصاً في العالم يصبر على شوكة في عينه ، أو عظمة في حلقومه ؟ ! لقد صبر عليٌّ عليه السلام على أمور من هذا النوع ، وصبر على أمور هي : أحدُّ من حزِّ الشِّفَار ! فهل رأيت شخصاًً يحزُّون لحمه بالشفار ويصبر ؟ ! ( 2 )
إن المعصوم لا يبالغ في كلامه !
نعم ، هذا الرجل الفريد ، الصابر الأول في العالم ، الذي لم تستطع خيبر أن تخضعه ، ولا استطاع الخندق أن يحني ظهره ، الذي أمضى ليلة المبيت على فراش النبي على هولها فلم يخف . . نراه في ليلة موت فاطمة عليها السلام منكسراً لا حيلة له ، يخاطب النبي صلى الله عليه وآله فيقول : قلَّ يا رسول الله عن صفيتك صبري !
إنها شكوى لم يشكها إلى أحد ! فلم يكن عنده من يبث اليه ما لاقاه ، إلا الذي خاطبه بهذه الآهات !
يقول بذلك : نعم ، أنا الذي صبرت وفي العين قذى وفي الحلق شجى ، وصبرت على أحدِّ من حزِّ الشفار ، لكني اليوم معذور إذا لم أصبر هنا ! لماذا ؟ قال : بعين الله تدفن ابنتك سراً ! ( 3 )
ماذا جرى حتى دفنت فاطمة الزهراء ليلاً ؟ ماذا حدث حتى وصلت الأمور بسرعة إلى هذا الحد ؟ !
إنها حوادث لا يستطيع الإنسان المسلم أن يغمض عينيه عنها ، إلا أن يكون في إسلامه خلل !
وهل يمكن لإنسان أن يؤمن بنبوة النبي صلى الله عليه وآله ، ثم يتساهل في مظلومية فاطمة الزهراء والصديقة الكبرى سيدة نساء العالم ، وحرمة الله ورسوله في
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 229 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أرضه عليها السلام ، ويغمض عينيه عن جناياتهم في حقها ، حتى أوصت بدفنها ليلاً حتى لا يشهد الظالمون جنازتها !
إنها جنايةٌ يجب أن تكون محور البحث بين عوامنا وخواصنا ، ترى ماذا كان ، وماذا جرى ، حتى وصل الأمر إلى شهادتها ؟ ! !
اللهم اغفر لنا ، ولا تجعلنا شركاء في ظلم فاطمة الزهراء عليها السلام .
اللهم اغفر لنا حتى لا نكون مسؤولين في مقابل ذلك الأنين ، وتلك الدموع ، وتلك الآهات التي عاشت بها فاطمة عليها السلام بعد فقد أبيها صلى الله عليه وآله .
لنتأمل هذا اليوم في هذه الكلمة التي تبين تلك الظلامة إلى حد ما ، فقد روى ابن حجر في لسان الميزان والذهبي في الميزان ، عن أبي صالح المؤذن ، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله قال : أول شخص يدخل الجنة فاطمة بنت محمد . كما رواه أعلام سنيون ( 4 )
فلنتأمل نحن في فقهه ولو بقدر شخص سني أزاح عن فكره حجاب التعصب ، وجعل العقل والكتاب والسنة دليله للوصول إلى الحق .
إن الفرق بين عالم الدنيا والآخرة ، أن هذا العالم عالم غلبة الملك على الملكوت ، وحسب التعابير الدقيقة لأعيان المتألهين والحكماء المتعمقين ، والفقهاء الراسخين ، فإن هذا العالم عالمُ غلبةِ الباطل على الحق ، وغلبةُ عالم الشهود على عالمِ الأمر ، وغلبة الغيب على الظهور . ولهذا نرى أن السِّيَر في هذه النشأة تابعةٌ للصور ، والصور حاكمةٌ على السُّوَر !
والسِّيَر هي المنويات ولكل امرئ ما نوى . فالإنسان إنسانٌ بعالمه الداخلي ومعانيه ، ومنها فهمه للمعاني . وقد صدق أهل البيت عليهم السلام حيث قالوا : لا نعد الرجل منكم فقيهاً حتى يعرف معاني كلامنا .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 230 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إن الظاهر من الإنسان هو صورته وشكله ، أما مضمونه ونواياه وباطنه فمن الممكن أن يكون ذئباً لكنه في ظاهره لا يختلف عن الإنسان الحقيقي !
فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شئ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( سورة يس : 83 )
إن عالم الملكوت المظلوم في هذه النشأة ، يأخذ حقه في النشأة الأخرى ويكون حاكماً ( يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ) ( سورة إبراهيم : 48 ) ، فسوف ينتهي هذا الجور ، وسوف يظهر المكنون إلى العلن ، ويبرز المكتوم إلى الظاهر : وبرزوا لله الواحد القهار ، كل شئ يبرز باطنه كما هو فيكون ظاهره وباطنه ، وتنتهي حكومة الظواهر والأشكال والصور ، وتحكم دولة الواقع والبواطن ! !
إن آيات القرآن عجيبة في إبرازها للحقائق ، ورسمها للمستقبل ، ووصفها لوجوه الناس يوم القيامة على حسب سِيَرهم لا صُورهم :
يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ . ( سورة آل عمران : 106 )
وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ . ( سورة الزمر : 60 )
وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً ! أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ . ( سورة يونس : 27 )
وَمَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً . ( سورة الاسراء : 97 ) سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ ( سورة إبراهيم : 50 )
أما وجوه المؤمنين فقال عنها عز وجل : تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ . ( سورة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 231 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
المطففين : 24 ) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ . ( سورة الغاشية : 8 ) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ . ( سورة عبس : 38 ) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ . إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ . وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ . تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ ( سورة القيامة : 21 - 25 )
إنه يوم بروز الحقائق والبواطن ، فالذين أخلدوا إلى الأرض واتبعوا أهواءهم لابد أن تظهر حقيقتهم ويحشروا على وجوههم إلى النار .
أما الذي ناجى ربه فقال : إلهي ما عبدتك طمعاً في جنتك ، ولا خوفاً من نارك ، بل وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك . ( نهج السعادة : 8 / 7 )
فلابد أن يُحشر مشرقَ الوجه ، مرفوعَ الرأس ، تعرف في وجهه نُضْرة النعيم ، يجلله نور ربه ، ويتطلع إلى رحمته وفيض عطائه : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ . إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ .
في ذلك العالم لابد أن يموت الباطل لكي تظهر الأمور على واقعها ، وأن يحيا الحق ويبرز من مكامنه : ( أشهد أن الموت حق والبعث حق ! )
وبعد أن يتم حشر الناس وحسابهم ، وتعدَّ جنة الخلود لأولياء الله وأحبائه . . فمن هو أول شخص يدخل الجنة ؟
لاشك أن درجة الأولية هي للشخص الأول في الوجود وهو نبينا محمد صلى الله عليه وآله فهو الأول في كل درجات وجوده ، ومحال أن يعطي الله هذه الدرجة لغيره ! فكيف يصح قوله صلى الله عليه وآله : أول شخص يدخل الجنة فاطمة بنت محمد ؟
يصح ذلك إذا تعمقنا في دراية الحديث ، ولم نكن كالرواة الذين يروون الحديث ولا يفقهونه ، لقد رووا أن النبي صلى الله عليه وآله قال : نضر الله عبداً سمع مقالتي فوعاها ثم بلغها عني ، فرب حامل فقه غير فقيه ، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه . ( سنن ابن ماجة : 1 / 86 ) !
إن فاطمة وأباها صلى الله عليهما جوهرٌ واحد ، ونورٌ واحد ، ودخولها الجنة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 232 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يعني دخول النبي الجنة ! فهي كالشخص الأول في الوجود خلقاً وخلقاً ومنطقاً ، وسيرةً وعلماً وعملاً ! ألم يرووا عن عائشة أنها قالت : ( فأقبلت فاطمة تمشي ، لا والله ما تخفى مشيتها من مشية رسول الله صلى الله عليه وآله فلما رآها رحب قال مرحباً بابنتي ثم أجلسها عن يمينه ) ( البخاري : 7 / 141 ) ( 5 )
ألم يرووا عنه صلى الله عليه وآله أنه قال : فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني ! ( البخاري : 4 / 210 ) فما المانع أن يعطي الله ورسوله هذا المقام لبضعة النبي المباركة ، ويكون افتتاح جنة الخلد بدخولها إليها ؟ !
وروى ابن عساكر في تاريخ دمشق : 13 / 334 ، أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال : ( تحشر ابنتي فاطمة وعليها حلة الكرامة ، قد عجنت بماء الحيوان ، فينظر الخلائق إليها فيتعجبون منها ، وتكسى أيضاً ألف حلة من حلل الجنة ، مكتوب على كل حلة منها بخط أخضر : أدخلوا ابنة نبيي الجنة على أحسن صورة ، وأحسن الكرامة ، وأحسن المنظر ، فتزف كما تزف العروس وتتوج بتاج العز ، ويكون معها سبعون ألف جارية ) . ورواه الطبري في دلائل الإمامة ص 155 ، والخوارزمي في مقتل الحسين : 1 / 52 ، وغيرهم ، والصدوق في عيون أخبار الرضا : 2 / 30 - 38 ) .
فما هي حلة الكرامة ، وما معنى أنها معجونة بماء الحياة ؟ ! هذا بحث له مكانه ، ونكتفي هنا بالإشارة إلى كلمات وردت في هذا الحديث :
أدخلوا ابنة نبيي الجنة على أحسن صورة . . ونظام العدل في الوجود يقضي أن لا تعطى أحسن صورة لإنسان إلا إذا كان عمله أحسن عمل لله تعالى ، فلا بد أن يكون في الكمال العلمي أحسن العلماء ، وفي الكمال العملي أحسن المتخلقين بالفضائل ، فإن دقة القانون الإلهي تقول : ( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ . وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ) ( سورة الزلزلة : 7 - 8 )
في مثل ذلك اليوم العظيم ، وذلك المشهد العظيم ، لا يمكن أن يكون الإنسان الذي يضع قدمه مكان قدم سيد المرسلين صلى الله عليه وآله ويدخل أولاً إلى الجنة إلا إنساناً فريداً ، فالأمور عند الله تعالى تخضع لحساب وكتاب ! !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 233 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لا بد من التفكير في مثل هذه الحقائق التي رواها الجميع ، في أمثال هذه الأحاديث وذلك السلوك النبوي مع الصديقة الكبرى فاطمة عليها السلام فقد كان آخر من يودعه النبي صلى الله عليه وآله في المدينة فاطمة ، وأول من يزوره إذا رجع من سفره فاطمة ! ( كان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين ، ثم يثني بفاطمة ثم يأتي أزواجه ، وفي لفظ : ثم بدأ ببيت فاطمة ، ثم أتى بيوت نسائه ) ( فتح الباري : 8 / 89 ، المعجم الكبير للطبراني : 22 / 225 ) ، وكان يشمها ويقبلها ويقول أشم منها رائحة الجنة ( فاطمة حوراء إنسية ، فكلما اشتقت إلى رائحة الجنة شممت رائحة ابنتي فاطمة ) . ( أمالي الصدوق ص 546 )
إن هذا السلوك فضلاً عن أنه عاطفة أبوية ، له دلالته النبوية على مقام الصديقة الزهراء عليها السلام ومقامها عند الله تعالى !
فليس أمراً بسيطاً من سيد الخلق وأقربهم إلى الله تعالى صلى الله عليه وآله ، الذي يقبل سيد الملائكة جبرئيل غبار قدميه ، أن يقبل ابنته فاطمة ، ويشم منها رائحة الجنة !
وليس أمراً بسيطاً أن تكون أول شخص يدخل الجنة ، لا بمعنى أن النبي صلى الله عليه وآله يرسلها أمامه إلى الجنة ، بل لأن الله تعالى يريد أن يري أهل المحشر من الأولين والآخرين أني عندما أنزلت على عبدي محمد ( طه . مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى ) فإن فاطمة التي هي بضعة من أبيها كانت شريكة في هذه السورة لأنها كانت شريكة لأبيها في عبادتي ، ووقفت مثله في محرابها بين يديَّ حتى تورمت قدماها ! فقد روت مصادرهم كالسيوطي في الدر المنثور : 6 / 361 قال : ( وأخرج العسكري في المواعظ وابن مردويه وابن الدلال وابن النجار عن جابر بن عبد الله قال : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على فاطمة وهي تطحن بالرحى وعليها كساء من وبر الإبل ، فلما نظر إليها قال :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 234 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يا فاطمة تعجلي فتجرعي مرارة الدنيا لنعيم الآخرة غداً ! فأنزل الله : وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى . ( سورة الضحى : 5 ) .
وفي نهاية الإرب للنويري : 3 جزء 5 / 264 : ( فلما نظر إليها بكى وقال : يا فاطمة تجرعي مرارة الدنيا لنعيم الأبد . . الخ . وكذا في إحياء الغزالي : 4 / 233 .
فرآها وعليها كساء من وبر الإبل . . رأى حالتها ، رأى ابنته التي أمضت ليلها في محراب عبادتها ولم تكد تنم ، وفي الصباح بدأت بعملها ، وهذا لباسها ، فانكسر لها قلبه ودمعت عيناه !
وانكسار قلب النبي صلى الله عليه وآله ليس أمراً عادياً ، وعندما يجري دمع النبي صلى الله عليه وآله فإن دمع باطن الوجود يجري ! فبكى رسول الله وقال لها : إصبري على مرارة الدنيا . ولا نعرف مما نقله السيوطي وغيره ماذا كانت القضية وماذا جرى ؟ لكن نفهم أنها كانت ملحمة في الصبر والعبودية ، وأن النبي صلى الله عليه وآله انكسر قلبه لحال فاطمة وبكى ، وأن الله تعالى أنزل عليه جبرئيل شاكراً واعداً ، بقوله تعالى : ( ولسوف يعطيك ربك فترضى ) ! !
إن ما يجب أن نقوله ونصرخ به ، ونحن نواجه ظلماً لم تنصفه الدنيا ! أن بشراً ملائكياً من نوع فاطمة عليها السلام هذه معيشتها ، يستحيل أن تقف في وجه أبي بكر من أجل لقمة خبز ، أو مزرعة نخل وزروع !
ألم يحن للدنيا أن تفكر وتعرف أن أبا بكر بن أبي قحافة كان أمياً في مسائل الدين ، وأن المحدثين والنقاد اتفقوا على أنه كان جاهلاً بإرث الجدة هل ترث أم لا ؟ فقال لا أدري !
إلى هذه الحد كان علمه بأحكام الشرع ، وقد حاول الذهبي أن يجد له عذراً بأنه لم يكن يحفظ ، وأنه أراد الدقة ، وأنه لذلك منع الناس من جمع
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 235 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
السنة النبوية وتدوينها ! ولكنه عذر أقبح من ذنب !
وأبو بكر الذي كان جاهلاً بإرث الجدة فسأل عنه وتعلمه لكن ممن ؟ ! من شخص متفق عليه أنه من أفجر الفجار ، هو المغيرة بن شعبة !
لقد اعتمد أبو بكر على كلامه ، وحكم للجدة بما قاله المغيرة !
لكن عندما جاءته سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء عليها السلام واعترضت عليه لماذا صادرت مني فدك ؟ ! ردها أبو بكر ولم يصدقها ! مع أن ابنته عائشة كانت تقول قالت : ( ما رأيت أحد كان أصدق لهجة من فاطمة ، إلا أن يكون الذي ولدها ) حلية الأولياء : 2 / 42 ، الإستيعاب : 2 / 751 ، ذخاير العقبى ص 44 ، تقريب الأسانيد وشرحه : 1 / 150 ، مجمع الزوايد : 9 / 201 ، وقال : رجاله رجال الصحيح ) . ( الغدير : 2 / 312 )
أبو بكر يعرف من هي فاطمة ، وقد سمع شهادة ابنته عائشة بحق فاطمة فلم يصدقها ! لكنه صدق المغيرة الفاسق الفاجر في إرث الجدة !
إن الظلم الذي يحتاج إلى صيحة ، والذي يجب على علماء المسلمين أن يجهروا به ولا يكتمونه أن مصادرهم وكبار مفسريهم رووا أنهم عندما نزل قوله تعالى : ( فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) . ( سورة الروم : 38 ) ، دعا النبي صلى الله عليه وآله فاطمة فأعطاها فدكاً ، وبقيت في يدها حتى صادرها أبو بكر ! ( 6 )
لكن مطالبتها بفدك لم تكن من أجل فدك ، فهذه حياتها التي رضيت بها ، واختارت عن علم وعمد أن تتجرع مرارتها من أجل حلاوة الآخرة ، وهي أيضاً تعلم أنها أسرع أهل البيت لحاقاً بأبيها رسول الله صلى الله عليه وآله !
فأي قيمة لفدك ؟ !
إن غصة الصديقة الكبرى عليها السلام لم تكن من أجل خبزها وخبز أطفالها !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 236 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فالتي قال الله عنها وعن أسرتها في كتابه : ( وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً . إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً ) ( الانسان : 8 - 9 ) والتي تصوم مع أطفالها ثلاثة أيام وتمنع اللقمة عن فمهم فيطعمونها للمسكين واليتيم والأسير . . لا تركض وراء مال الدنيا !
إنما يتصور ذلك خفاف العقول ! وقد آن لهم أن يستيقظوا من نومهم ويفكروا ماذا جرى ، ويعرفوا أي تاريخ محمل بالعار حّرَفَ مسيرة الأمة الإسلامية وأوصلها إلى هذه المهاوي التي نراها اليوم ؟ !
إنما كانت مطالبة الزهراء عليها السلام بفدك إيقاظاً للأمة ، لتثبت لهم أن هؤلاء الذين سيطروا على الحكم يأكلون الحق الواضح لبنت النبي صلى الله عليه وآله وينكرونه ، فماذا سيفعلون في حقوق الأمة غداً ؟ !
كانت غصتها أن الذي يجلس مكان النبي صلى الله عليه وآله اليوم لا يعرف مسألة إرث الجدة ، ويدعي أن الأنبياء عليهم السلام مستثنون من أحكام الشريعة !
وغداً سيجلس مكان النبي عمر بن الخطاب ، وهو لا يعرف حكم التيمم ! وبعده سيجلس أمثال الوليد بن عبد الملك ، ثم هارون والمأمون ! ثم يتقاتلون على كرسي النبي صلى الله عليه وآله ويسفكون دماء الأمة ، والأمة تسير بهم في الضلال والضعف والتفكك ، حتى تنهار ! !
هذه غصة فاطمة عليها السلام ، وليست مزرعة فدك ! غصتها أنهم بفعلهم وبأساسهم الذي أسسوه ، يبطلون الهدف من بعثة الأنبياء عليهم السلام !
إن الذي صدع قلب الصديقة الزهراء عليها السلام وقتلها ، أنها لم تستطع أن تشكو مرارتها وغصتها إلى عامة الأمة ، وتجعلهم يستوعبون ما حدث ! لكنها قالت لأبي بكر وعمر في نفسيهما قولاً بليغاً ! وقالت لهما في آخر حياتها عندما
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 237 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
جاءا لزيارتها ، ما رواه ابن قتيبة وروته مصادرنا كما في البحار : 29 / 158 ، عن الإمام الصادق عليه السلام قال : ( بينما أبو بكر وعمر عند فاطمة يعودانها ، فقالت لهما : أسألكما بالله الذي لا إله إلا هو هل سمعتما رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : من آذى فاطمة فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله ؟ فقالا : اللهم نعم . قالت : فأشهد أنكما آذيتماني ) ! !
وقد اعترف البخاري أنها بقيت ستة أشهر بعد النبي صلى الله عليه وآله ، وهي مغاضبة لأبي بكر ! قال : ( فغضبت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فهجرت أبا بكر فلم تزل مهاجرته حتى توفيت ، وعاشت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة أشهر ) ( البخاري : 4 / 42 ) .
وعندما حضرتها الوفاة أوصت إلى علي فقالت : ( يا ابن عم ما أراني إلا لما بي ، وأنا أوصيك أن تتزوج بنت أختي زينب تكون لولدي مثلي ، وتتخذ لي نعشاً فإني رأيت الملائكة يصفونه لي ، وأن لا يشهد أحدٌ من أعداء الله جنازتي ولا دفني ولا الصلاة عليَّ !
قال ابن عباس : فقبضت فاطمة من يومها ، فارتجَّت المدينة بالبكاء من الرجال والنساء ، ودهش الناس كيوم قبض فيه رسول الله صلى الله عليه وآله . فأقبل أبو بكر وعمر يعزيان علياً ويقولان له : يا أبا الحسن لا تسبقنا بالصلاة على ابنة رسول الله . . . فلما كان في الليل دعا علي العباس والفضل والمقداد وسلمان وأبا ذر وعماراً ، فقدم العباس فصلى عليها ودفنوها .
فلما أصبح الناس أقبل أبو بكر وعمر والناس يريدون الصلاة على فاطمة عليها السلام فقال المقداد : قد دفنا فاطمة البارحة . فالتفت عمر إلى أبي بكر فقال : ألم أقل لك إنهم سيفعلون ؟ قال العباس : إنها أوصت أن لا تصليا عليها ! فقال عمر : والله لا تتركون يا بني هاشم حسدكم القديم لنا أبداً ! إن هذه الضغائن التي في صدوركم لن تذهب ، والله لقد هممت أن أنبشها فأصلي عليها ! فقال علي : والله لو رمت ذلك يا بن صهاك
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 238 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لا رجعتْ إليك يمينك ! والله لئن سللت سيفي لا غمدته دون إزهاق نفسك فَرُمْ ذلك . فانكسر عمر وسكت وعلم أن علياً إذا حلف صدق ) . ( كتاب سليم بن قيس ص 392 ) . ( 7 )
ودفنوها في جوف الليل ! فما جواب هذه الأمة لمن سألها : لماذا دفنت بنت نبيهم سراً وليلاً وأخفي قبرها ؟ إنها ظلامة بعد ظلامة .
ولأي الأمور تدفن سراً * بضعة المصطفى ويعفى ثراها
بنتُ مَنْ أمُّ مَنْ حليلةُ مَنْ * ويلٌ لمن سنَّ ظلمَها وأذاها
* *
التعليقات
( 1 ) في بحارالأنوار : 45 / 138 : ( من خطبة الإمام زين العابدين عليه السلام : أنا ابن من ضرب بين يدي رسول الله بسيفين ، وطعن برمحين ، وهاجر الهجرتين ، وبايع البيعتين ، وقاتل ببدر وحنين ، ولم يكفر بالله طرفة عين ، أنا ابن صالح المؤمنين ، ووارث النبيين ، وقامع الملحدين ، ويعسوب المسلمين ، ونور المجاهدين ، وزين العابدين ، وتاج البكائين ، وأصبر الصابرين ، وأفضل القائمين من آل ياسين ) .
وفي نهج السعادة : 8 / 379 : عن العاصمي في كتاب ( زين الفتى ) عن ابن عباس ، في جواب أعرابي سأله عن أمير المؤمنين عليه السلام ، قال : ( لقد سألت يا أعرابي عن رجل عظيم يحب الله ورسوله ، ويحبه الله ورسوله ، ذاك والله صالح المؤمنين ، وخير الوصيين ، وقامع الملحدين ، وركن المسلمين ، ويعسوب المؤمنين ، ونور المهاجرين ، وزين المتعبدين ، ورئيس البكائين ، وأصبر الصابرين ، وأفضل القائمين ، وسراج الماضين ، وأول السابقين ، من آل ياسين ، المؤيد بجبريل الأمين ، والمنصور بميكائيل المتين . . . ) . انتهى .
* *
( 2 ) في نهج البلاغة : 1 / 30 : ( ومن خطبة له وهي المعروفة بالشقشقية : أما والله لقد تقمصها ابن أبي قحافة وإنه ليعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى . ينحدر عني
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 239 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
السيل ولا يرقى إلي الطير . فسدلت دونها ثوباً ، وطويت عنها كشحاً ، وطفقت أرتئي بين أن أصول بيد جذاء ، أو أصبر على طِخية عمياء ، يهرم فيها الكبير ، ويشيب فيها الصغير ، ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربه ! فرأيت أن الصبر على هاتي أحجى ، فصبرت وفي العين قذى ، وفي الحلق شجا ، أرى تراثي نهبا ) .
وفي نهج البلاغة : 2 / 202 : ( ومن كلام له عليه السلام : اللهم إني أستعديك على قريش ، فإنهم قد قطعوا رحمي ، وأكفأوا إنائي ، وأجمعوا على منازعتي حقاً كنت أولى به من غيري وقالوا : ألا إن في الحق أن تأخذه وفي الحق أن تمنعه ، فاصبر مغموماً أو مت متأسفاً ، فنظرت فإذا ليس لي رافد ولا ذاب ولا مساعد ، إلا أهل بيتي ، فضننت بهم عن المنية ، فأغضيت على القذى ، وجرعت ريقي على الشجى ، وصبرت من كظم الغيظ على أمر من العلقم ، وآلم للقلب من حز الشفار ! ) .
* *
( 3 ) في أمالي المفيد ص 281 : عن علي بن الحسين بن علي ، عن أبيه الحسين عليهم السلام قال : لما مرضت فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وآله وأوصت إلى علي صلوات الله عليه أن يكتم أمرها ، ويخفي خبرها ، ولا يؤذن أحداً بمرضها ، ففعل ذلك . وكان يمرضها بنفسه ، وتعينه على ذلك أسماء بنت عميس رحمها الله ، على استسرار بذلك كما وصت به .
فلما حضرتها الوفاة وصت أمير المؤمنين عليه السلام أن يتولى أمرها ، ويدفنها ليلاً ويعفي قبرها . فتولى ذلك أمير المؤمنين عليه السلام ودفنها ، وعفى موضع قبرها ، فلما نفض يده من تراب القبر ، هاج به الحزن ، فأرسل دموعه على خديه ، وحول وجهه إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وآله فقال :
السلام عليك يا رسول الله مني ، والسلام عليك من ابنتك وحبيبتك ، وقرة عينك وزائرتك ، والبائتة في الثرى ببقعتك ، والمختار لها الله سرعة اللحاق بك .
قلَّ يا رسول الله عن صفيتك صبري ، وضعف عن سيدة النساء تجلدي ، إلا أن في التأسي لي بسنتك ، والحزن الذي حل بي بفراقك موضع التعزي ، فلقد وسدتك في ملحود قبرك ، بعد أن فاضت نفسك على صدري ، وغمضتك بيدي ، وتوليت أمرك بنفسي . نعم وفي كتاب الله أنعم القبول : إنا لله وإنا إليه راجعون . لقد استرجعت الوديعة ، وأخذت الرهينة ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 240 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
واختلست الزهراء ، فما أقبح الخضراء والغبراء .
يا رسول الله ! أما حزني فسرمد ، وأما ليلي فمسهد ، لا يبرح الحزن من قلبي ، أو يختار الله لي دارك التي أنت فيها مقيم . كَمَدٌ مُقيح ، وهَمٌّ مُهيج ، سرعان ما فرق بيننا ، وإلى الله أشكو . وستنبئك ابنتك بتضافر أمتك عليَّ ، وعلى هضمها حقها ، فاستخبرها الحال ، فكم من غليل معتلج بصدرها لم تجد إلى بثه سبيلاً ! وستقولُ ويحكم الله ، وهو خير الحاكمين .
سلام عليك يا رسول الله سلام مودع ، لا سئم ولا قال ، فإن أنصرف فلا عن ملالة ، وإن أقم فلا عن سوء ظن بما وعد الله الصابرين ، والصبر أيمن وأجمل ، ولولا غلبة المستولين علينا لجعلت المقام عند قبرك لزاماً ، واللبث عنده معكوفاً ، ولأعولت إعوال الثكلى على جليل الرزية !
فبعين الله تدفن ابنتك سراً ، وتهتضم حقها قهراً ، وتمنع إرثها جهراً ، ولم يطل العهد ولم يخل منك الذكر !
فإلى الله يا رسول الله المشتكى ، وفيك أجمل العزاء . وصلوات الله عليك وعليها ، ورحمة الله وبركاته ) .
* *
( 4 ) في ميزان الاعتدال للذهبي : 2 / 618 : ( عن عبد السلام بن عجلان عن أبي يزيد المدني عن أبي هريرة ، قال رسول الله : أول شخص يدخل الجنة فاطمة . أخرجه أبو صالح المؤذن في مناقب فاطمة ) . انتهى . وهو في لسان الميزان لابن حجر : 4 ص 16 .
وفي كنز العمال : 12 / 110 : ( أول شخص يدخل الجنة فاطمة بنت محمد ، ومثلها في هذه الأمة مثل مريم في بني إسرائيل ) . وقال في مصادره : ( أبو الحسن أحمد بن ميمون ، في كتاب فضائل علي ، والرافعي عن بدل بن المحبر ، عن عبد السلام ابن عجلان ، عن أبي يزيد المدني ) . انتهى .
وفي مناقب آل أبي طالب : 3 / 110 ، عن أبي صالح في الأربعين ، عن أبي حامد الإسفرائيني ، بإسناده عن أبي هريرة .
وفي البحار : 73 / 70 ، من كتاب الفردوس لابن شيرويه ، عن أبي هريرة .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 241 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي اللمعة البيضاء للأنصاري ص 55 : عن مقتل الحسين للخوارزمي : 56 ، وعن الفردوس 1 : 38 ح 81 ، ونظم درر السمطين : 180 ، والخصائص الكبرى للسيوطي : 2 / 225 ، ومسند فاطمة الزهراء : 52 ح 114 ، ومناقب ابن شهر آشوب ) .
* *
( 5 ) قالت عائشة : ( ما رأيت أحداً كان أصدق لهجة من فاطمة ، إلا أن يكون الذي ولدها ) . حلية الأولياء : 2 / 42 ، الإستيعاب : 2 / 751 ، ذخائر العقبى ص 44 ، تقريب الأسانيد وشرحه : 1 / 150 ، مجمع الزوائد : 9 / 201 ، وقال : رجاله رجال الصحيح ) . ( الغدير : 2 / 312 )
* *
( 6 ) نكتفي هنا بنقل كلام السيد شرف الدين رحمه الله ونقل كلام الحسكاني في شواهد التنزيل وحاشية المحمودي عليه ، فهو كلام كاف لإثبات أن فدكاً كانت في يد الزهراء عليها السلام وأن أبا بكر صادرها من يدها !
قال في النص والاجتهاد ص 67 : ثم لما أنزل الله عز وجل عليه : ( وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً ( سورة الاسراء : 26 ) أَنْحَل فاطمة فدكاً ، فكانت في يدها حتى انتزعت منها لبيت المال .
أئمةُ أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم كافة ، لا يرتابون في أن رسول الله صلى الله عليه وآله أنحل بضعته الزهراء عليها السلام ما كان خالصاً له من فدك ، وأنه كان في يدها حتى انتزع منها ، وحسبك قول أمير المؤمنين عليه السلام فيما كتبه إلى عامله في البصرة عثمان بن حنيف : بلى كانت في أيدينا فدك من كل ما أظلته السماء فشحَّت عليها نفوس قوم ، وَسَخَتْ عنها نفوس قوم آخرين ، ونعم الحكم الله . . إلى آخر كلامه وهو في نهج البلاغة ، وفى معناه نصوص متواترة عن أئمة العترة الطاهرة .
والمحدثون الأثبات رووا بالإسناد إلى أبي سعيد الخدري أنه قال : لما نزل قوله تعالى : وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ ( سورة الاسراء : 26 ) أعطى رسول الله فاطمة فدكاً . أخرجه الإمام الطبرسي في مجمع البيان فليراجع منه تفسير ( وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ ) ( سورة الاسراء : 26 ) . وتجد ثمة أن هذا الحديث مما ألزم المأمون برد فدك على ولد فاطمة عليها السلام ) . انتهى .
وفي شواهد التنزيل للحاكم الحسكاني : 1 / 441 : ( 472 - أخبرنا أبو سعد السعدي بقراءتي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 242 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عليه في الجامع من أصل سماعه قال : أخبرنا أبو الفضل الطوسي قال : أخبرنا أبو بكر العامري قال : أخبرنا هارون بن عيسى قال : أخبرنا بكار بن محمد بن شعبة ، قال : حدثني أبي قال : حدثني بكر بن الأعتق عن عطية العوفي : عن أبي سعيد الخدري قال : لما نزلت على رسول الله : وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ . ( سورة الاسراء : 26 ) ، دعا فاطمة فأعطاها فدكاً والعوالي وقال : هذا قسم ، قسمه الله لك ولعقبك ) .
وقال المحمودي في هامشه : كذا في النسخة الكرمانية ، وفي النسخة اليمنية : بكر بن الأغر . أقول : والظاهر أنه هو الذي ذكره ابن حجر مصغراً في كتاب تهذيب التهذيب : 1 / 493 قال : بكير بن عتيق العامري ، ويقال : المحاربي يعد في الكوفيين . روى عن سالم بن عبد الله بن عمر ، وسعيد بن جبير . روى عنه صفوان بن أبي الصهباء والثوري وإسماعيل بن زكريا وابن فضيل . قال ابن سعد : حج ستين حجة وكان ثقة . وذكره ابن حبان في الثقات . والحديث رواه أيضاً أبو أحمد ابن عدي في ترجمة علي بن عابس من كتاب الكامل : 5 / 1835 ، قال : أخبرنا القاسم بن زكريا ، حدثنا عباد بن يعقوب ، حدثنا علي بن عابس عن فضيل يعني ابن مرزوق : عن عطية عن أبي سعيد قال : لما نزلت : ( وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ ) دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة فأعطاها فدكاً .
ورواه أيضا الخوارزمي في باب فضائل فاطمة في الفصل : من كتاب مقتل الإمام الحسين : 1 / 70 قال : قال سيد الحفاظ الديلمي : أخبرنا محي السنة : أبو الفتح عبدوس بن عبد الله الهمداني إجازة ، حدثنا القاضي أبو نصر شعيب بن علي ، حدثنا موسى بن سعيد ، حدثنا الوليد بن علي ، حدثنا عباد بن يعقوب ، حدثنا علي [ بن ] عياش عن فضيل ، عن عطية : عن أبي سعيد قال : لما نزلت آية : ( وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ ) دعا رسول الله صلى الله عليه وآله فاطمة عليها السلام فأعطاها فدكاً .
أقول : ورواه أيضاً السيد ابن طاووس في الطرائف : 1 / 254 و 341 ) . انتهى .
وفي شواهد التنزيل : 1 / 442 : ( 473 - حدثني أبو الحسن الفارسي قال : حدثنا الحسين بن محمد الماسرجسي قال : حدثنا جعفر بن سهل ببغداد قال : حدثنا المنذر بن محمد القابوسي قال : حدثنا أبي قال : حدثنا عمي ، عن أبيه ، عن أبان بن تغلب ، عن جعفر بن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 243 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
محمد عن أبيه ، عن علي بن الحسين ، عن أبيه ، عن علي قال : لما نزلت : ( وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ ) دعا رسول الله فاطمة عليها السلام فأعطاها فدكاً .
وقال في هامشه : والحديث رواه السيوطي في تفسير الآية الكريمة من الدر المنثور : أيضاً ; قال : وأخرج البزار ، وأبو يعلى ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه ، عن أبي سعيد الخدري قال : لما نزلت هذه الآية : ( وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ ) دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة سلام الله عليها فأعطاها فدكاً . ورواه أيضا الطبراني كما في مجمع الزوائد : 7 / 49 وكما في ميزان الاعتدال : 2 / 228 ، ورواه عنهم جميعاً الفيروزآبادي في كتاب فضائل الخمسة : 3 / 136 . وروى المتقي في الحديث الأخير ، من عنوان : صلة الرحم والترغيب فيها ، من كتاب منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد بن حنبل : 1 / 228 : عن أبي سعيد قال : لما نزلت : ( وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ ) قال النبي صلى الله عليه وآله : يا فاطمة لك فدك ) . [ قال : رواه ] الحاكم في تاريخه وقال : تفرد به إبراهيم بن محمد بن ميمون ، عن علي بن عابس بن النجار . كذا في المنتخب ، وفي كنز العمال : 2 / 158 ، ط 1 : أخرجه الحاكم في تاريخه وابن النجار ولعله الصواب .
473 - ورواه أيضاً محمد بن سليمان في الحديث : ( 91 ) في أواخر الجزء الأول من مناقب علي عليه السلام الورق 35 بنص قال : حدثنا عثمان بن محمد الألثغ : قال : حدثنا جعفر بن محمد الرماني قال : حدثنا الحسن بن الحسين العرني ، عن إسماعيل بن زياد السلمي ، عن جعفر بن محمد قال : لما نزلت : ( وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ ) أمر رسول الله صلى الله عليه وآله لفاطمة وابنيها بفدك فقالوا : يا رسول الله أمرت لهم بفدك ؟ فقال : والله ما أنا أمرت لهم بها ولكن الله أمر لهم بها ، ثم تلا هذه الآية : ( وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ ) .
ورواه أيضاً في فضائل فاطمة في أوائل الجزء السادس تحت الرقم : 674 من كتاب المناقب ورقة 151 / أ قال : حدثنا عثمان بن محمد الألثغ قال : حدثنا جعفر بن مسلم قال : حدثنا يحي بن الحسن قال : حدثنا أبان بن أبان بن تغلب ، عن أبي مريم الأنصاري ، عن أبان بن تغلب : عن جعفر بن محمد قال : لما نزلت هذه الآية : ( وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ ) دعا رسول الله صلى الله عليه وآله فاطمة عليها السلام فأعطاها فدك . قال أبان بن تغلب : قلت لجعفر بن محمد : رسول
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 244 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الله أعطاها ؟ قال : بل الله أعطاها !
وقال الطبري في تفسير الآية الكريمة من تفسيره : 15 / 72 : حدثني محمد بن عمارة الأسدي ، قال : حدثنا إسماعيل بن أبان ، قال : حدثنا الصباح بن يحيى المزني ، عن السدي ، عن أبي الديلم قال : قال علي بن الحسين صلى الله عليه وآله لرجل من أهل الشام : أقرأت القرآن ؟ قال : نعم . قال : أفما قرأت في بني إسرائيل ( وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ ) . قال : وإنكم للقرابة التي أمر الله جل ثناؤه أن يؤتى حقه ؟ قال : نعم .
وقريباً منه رواه في تفسير الآية الكريمة من مجمع البيان ، عن السدي ثم قال : وهو الذي رواه أصحابنا عن الصادقين عليهم السلام . ورواه أيضاً الثعلبي كما في تفسير الآية الكريمة من تفسير البرهان : 2 / 415 . وورد أيضاً عن ابن عباس ، قال السيوطي في تفسير الآية الكريمة من تفسير الدر المنثور : وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : لما نزلت : ( وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ ) أقطع رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة سلام الله عليها فدكاً .
أقول : ويجئ حديث ابن عباس بسند آخر تحت الرقم 608 ، في تفسير الآية 38 من سورة الروم ص 443 .
وقال علي بن طاووس رحمه الله : وقد روى محمد بن العباس المعروف بابن الحجام حديث فدك عن عشرين طريقاً ، ونذكر منها طريقاً واحداً بلفظه [ قال ] : حدثنا محمد بن محمد بن سليمان الباغندي وإبراهيم بن خلف الدوري وعبد الله بن سليمان بن الأشعث ومحمد بن القاسم بن زكريا ، قالوا : حدثنا عباد بن يعقوب قال : أخبرنا علي بن عابس وحدثنا جعفر بن محمد الحسيني قال : حدثنا علي بن المنذر الطريقي قال : حدثنا علي بن عابس قال : حدثنا فضيل بن مرزوق عن عطية العوفي : عن أبي سعيد الخدري قال : لما نزلت : ( وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ ) دعا رسول الله فاطمة وأعطاها فدكاً . سعد السعود ص 102 ، وذكر بمعناه في الطرائف ص 254 : وروى البلاذري في عنوان : فتح فدك ، من كتاب فتوح البلدان ص 40 قال : وحدثنا عبد الله بن ميمون المكتب قال : أخبرنا الفضيل بن عياض عن مالك بن جعونة عن أبيه قال : قالت فاطمة لأبي بكر : إن رسول الله صلى الله عليه وآله جعل فدك لي فأعطني إياها وشهد لها علي بن أبي طالب فسألها شاهداً آخر فشهدت لها أم أيمن ، فقال : قد علمت يا بنت رسول الله أنه لا تجوز إلا شهادة رجلين أو رجل وامرأتين ! ! فانصرفت .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 245 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وحدثني عمرو الناقد قال : حدثني الحجاج بن أبي منيع الرصافي عن أبيه عن أبي برقان قال : ولما كانت سنة عشر وماءتين أمر أمير المؤمنين المأمون عبد الله بن هارون الرشيد فدفعها إلى ولد فاطمة ، وكتب بذلك إلى قثم بن جعفر عامله على المدينة :
أما بعد فإن أمير المؤمنين بمكانه من دين الله وخلافة رسول الله صلى الله عليه وآله وللقرابة به أولى من استنَّ سنة ونفذ أمره ، وسلم لمن منحه منحة وتصدق عليه بصدقة منحته وصدقته ، وبالله توفيق أمير المؤمنين وعصمته ، وإليه في العمل بما يقربه إليه رغبته . وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله أعطى فاطمة بنت رسول الله فدك وتصدق بها عليها ، وكان ذلك أمراً ظاهراً معروفاً لا خلاف فيه بين آل رسول الله صلى الله عليه وآله ، ولم تزل تدعي منه ما هو أولى به من صدق عليه ، فرأى أمير المؤمنين أن يردها إلى ورثتها ويسلمها إليهم تقرباً إلى الله تعالى بإقامة حقها وعدله ، وإلى رسول الله بتنفيذ أمره وصدقته .
فأمر بإثبات ذلك في دواوينه والكتاب به إلى عماله : فلان كان ينادى في كل موسم بعد أن قبض الله نبيه ( ص ) أن يذكر كل من كانت له صدقة أو وهبة أو عدة ذلك ؟ فيقبل قوله وينفذ عدته ! وإن فاطمة رضي الله عنها لأولى بأن يصدق قولها فيما جعل رسول الله صلى الله عليه وآله لها .
وقد كتب أمير المؤمنين إلى المبارك الطبري مولى أمير المؤمنين يأمره برد فدك على ورثة فاطمة بنت رسول الله بحدودها وجميع حقوقها المنسوبة إليها ، وما فيها من الرقيق والغلات وغير ذلك ، وتسليمها إلى محمد بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، ومحمد بن عبد الله بن الحسن بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، لتولية أمير المؤمنين إياهما القيام بها لأهلها ، فأعلمَ ذلك من رأي أمير المؤمنين وما ألهمه الله من طاعته ، ووفقه له من التقرب إليه وإلى رسوله ، وأعلمه من قبلك وعامل محمد بن يحيى ومحمد بن عبد الله بما كنت تعامل به المبارك الطبري وأعنهما على ما فيه عمارتها ومصلحتها ، ووفور غلاتها إن شاء الله والسلام .
وكتب يوم الأربعاء لليلتين خلتا من ذي القعدة سنة عشر وماءتين .
فلما استخلف المتوكل أمر بردها إلى ما كانت عليه قبل المأمون !
وهذا قليل من كثير مما جاء في قصة فدك مع شدة حرص حفاظ آل أمية وأنصار
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 246 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الظالمين على سترها ، وإبادة الكتب المؤلفة حولها ، فمن أراد المزيد فعليه بكتاب الشافي للسيد المرتضى وشرح المختار من الباب الثاني من نهج البلاغة من شرح ابن أبي الحديد : ج 4 ص 834 ط . بيروت والباب 11 من القسم الأول من سيرة أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب بحار الأنوار : 8 / 91 - 131 ، ط . الكمباني ، وكتاب الغدير : 7 / 190 ، و : 8 / 137 ) . انتهى .
* *
( 7 ) في كتاب سليم بن قيس ص 391 : ( فدخلا وسلما وقالا : إرضيْ عنا رضي الله عنك . فقالت : ما دعاكما إلى هذا ؟ فقالا : اعترفنا بالإساءة ، ورجونا أن تعفي عنا وتخرجي سخيمتك .
فقالت : فإن كنتما صادقين فأخبراني عما أسألكما عنه فإني لا أسألكما عن أمر إلا وأنا عارفة بأنكما تعلمانه ، فإن صدقتما علمت أنكما صادقان في مجيئكما .
قالا : سلي عما بدا لك . قالت : نشدتكما بالله هل سمعتما رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : فاطمة بضعة مني فمن آذاها فقد آذاني ؟ قالا : نعم .
فرفعت يدها إلى السماء فقالت : اللهم إنهما قد آذياني فأنا أشكوهما إليك وإلى رسولك . لا والله لا أرضى عنكما أبداً حتى ألقى أبي رسول الله وأخبره بما صنعتما فيكون هو الحاكم فيكما !
قال : فعند ذلك دعا أبو بكر بالويل والثبور وجزع جزعاً شديداً . فقال عمر : تجزع يا خليفة رسول الله من قول امرأة ؟ ! ) . انتهى .
وفي رواية علل الشرائع : 1 / 187 : ( قالا نعم . قالت : الحمد لله ، ثم قالت : اللهم إني أشهدك فاشهدوا يامن حضرني أنهما قد آذياني في حياتي وعند موتي ! والله لا أكلمكما من رأسي كلمة حتى ألقى ربي فأشكوكما بما صنعتما بي وارتكبتما مني !
فدعا أبو بكر بالويل والثبور وقال : ليت أمي لم تلدني !
فقال عمر : عجباً للناس كيف ولوك أمورهم ، وأنت شيخ قد خرفت ! تجزع لغضب امرأة ، وتفرح برضاها ، وما لمن أغضب امرأة ؟ ! وقاما وخرجا ) .
وفي الغدير : 7 / 228 ، عن الإمامة والسياسة : 1 / 14 ، وأعلام النساء للجاحظ : 3 / 1214 : ( قالت :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 247 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فإني أشهد الله وملائكته إنكما أسخطتماني وما أرضيتماني ، ولئن لقيت النبي لأشكونكما إليه . فقال أبو بكر . أنا عائذ بالله تعالى من سخطه وسخطك يا فاطمة ! ثم انتحب أبو بكر يبكي حتى كادت نفسه أن تزهق وهي تقول : والله لأدعون عليك في كل صلاة أصليها . ثم خرج باكياً فاجتمع الناس إليه فقال لهم : يبيت كل رجل معانقا حليلته مسرورا بأهله وتركتموني وما أنا فيه ، لا حاجة لي في بيعتكم ، أقيلوني بيعتي . . . ) . انتهى . وهو في الإمامة والسياسة طبعة مصر تحقيق الزيني ج 1 ص 31 .
وفي رواية روضة الواعظين للنيسابوري ص 151 : ( فقالت : يا بن عم إنه قد نعيت إلى نفسي لأرى ما بي لا أشك ، إلا أنني لاحقة بأبي ساعة بعد ساعة وأنا أوصيك بأشياء في قلبي . قال لها علي : أوصيني بما أحببت يا بنت رسول الله . فجلس عند رأسها وأخرج من كان في البيت ، ثم قالت يا بن عم ما عهدتني كاذبة ولا خائنة ولا خالفتك منذ عاشرتني !
فقال : معاذ الله أنت أعلم بالله وأبر وأتقى وأكرم ، وأشد خوفاً من الله أن أوبخك غداً بمخالفتي ، فقد عز علي بمفارقتك وبفقدك ، إلا أنه أمر لابد منه . والله جدد على مصيبة رسول الله صلى الله عليه وآله وقد عظمت وفاتك وفقدك ، فإنا لله وإنا إليه راجعون من مصيبة ما أفجعها وآلمها وأمضها وأحزنها ، هذه والله مصيبة لا عزاء عنها ورزية لا خلف لها ! ثم بكيا جميعاً ساعة ، وأخذ على رأسها وضمها إلى صدره ، ثم قال أوصيني بما شئت ، فإنك تجديني وفياً أمضي كل ما أمرتني به وأختار أمرك على أمري .
ثم قالت : جزاك الله عنى خير الجزاء ، يا بن عم أوصيك أولاً أن تتزوج بعدي بابنة أختي أمامة فإنها تكون لولدي مثلي ، فإن الرجال لابد لهم من النساء ، ثم قالت أوصيك يا بن عم أن تتخذ لي نعشاً فقد رأيت الملائكة صوروا صورته ، فقال لها : صفيه لي فوصفته فاتخذه لها ، فأول نعش عمل في وجه الأرض ذلك ، وما رأى أحد قبله ولا عمل أحد .
ثم قالت : أوصيك أن لا يشهد أحد جنازتي من هؤلاء الذين ظلموني ، وأخذوا حقي ، فإنهم أعدائي وأعداء رسول الله ، وان لا يصلي علي أحد منهم ولا من أتباعهم . وادفني في الليل إذا هدأت العيون ونامت الأبصار !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 248 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم توفيت صلوات الله عليها وعلى أبيها وبعلها وبنيها ، فصاحت أهل المدينة صيحة واحدة واجتمعت نساء بني هاشم في دارها ، فصرخن صرخة واحدة كادت المدينة أن تزعزع من صراخهن وهن يقلن : يا سيدتاه يا بنت رسول الله !
وأقبل الناس مثل عُرْف الفرس إلى علي وهو جالس ، والحسن والحسين بين يديه يبكيان فبكى الناس لبكائهما ، وخرجت أم كلثوم وعليها برقعة وتجر ذيلها متجللة برداء عليها تسحبها ، وهي تقول : يا أبتاه يا رسول الله ، الآن حقاً فقدناك فقداً لا لقاء بعده ، واجتمع الناس فجلسوا وهم يرجون وينظرون أن تخرج الجنازة فيصلون عليها .
وخرج أبو ذر فقال : انصرفوا فإن ابنة رسول الله قد أخر إخراجها في هذه العشية ، فقام الناس وانصرفوا ، فلما أن هدأت العيون ، ومضى من الليل ، أخرجها علي والحسن والحسين ، وعمار ، والمقداد ، وعقيل ، والزبير وأبو ذر ، وسلمان ، وبريدة ، ونفر من بني هاشم وخواصه ، صلوا عليها ، ودفنوها في جوف الليل وسوى على حواليها قبوراً مزورة مقدار سبعة حتى لا يعرف قبرها ) . انتهى .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 249 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

( 15 ) عصمة الصديقة الكبرى فاطمة الزهراء عليها السلام

( بتاريخ : 9 جمادى الأولى 1411 - 28 / 11 / 1990 - 7 / 9 / 1369 )
بسم الله الرحمن الرحيم
( وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) . ( سورة التوبة : 122 )
عرَّف صاحب المعالم رحمه الله الفقه بأنه : العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية .
لكن هذا التعريف لا يتم ، لأن القرآن والسنة القطعية لم يحصرا الفقه في هذا النطاق ، وهذا بحث مهم ينفع تحقيقه في مباحث الإجتهاد والتقليد بشكل خاص ، وفي بحث ولاية الفقيه ، وفي بحث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وفي بحث وجوب تعليم الجاهل وإرشاده ، وبحث حجية الخبر ، وحجية الفتوى .
أما في الآية فإن ( لولا ) للتحضيض على التفقه في الدين ، وليس على التفقه فقط في أحكام الطهارة ، فالطهارة جزء صغير من الدين ، وليست هي الدين ، وبعض الشئ ليس هو الشئ !
والفقه المعروف بالأقسام الأربعة : الإيقاعات ، والعقود ، والأحكام ، والعبادات ، كله قسم صغير من الفقه ، بل الفقه أوسع منه بكثير !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 250 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فالفقيه في رأي الإمام الصادق عليه السلام ليس هو فقط الذي تعلم علم أصول الفقه وعرف مبانيه ، من أول مبحث وضع الألفاظ إلى آخر مبحث التعادل والتراجيح ، وتعلم علم الفقه من أول بحث طهارة الماء المطلق إلى آخر أحكام العاقلة . فقوله تعالى : لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ . يدل على أن الإنذار يجب أن يكون بكل الدين ، وأن يكون الفقيه فقيهاً بكل الدين وهذه الحقيقة يجب أن تكون واضحة لكم أنتم الذين تسيرون في طريق الفقاهة ، فالفقيه الذي يكتفي بصفة نصف فقيه ، كمن يترك بناءه على النصف ، لا يمكنه أن يحل المشكلة الدينية للناس !
الفقهاء الذين عينتهم الآية الكريمة : فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ ، لحل المشكلة ، هم طائفة منتخبة من كل فرقة ، وهم ثمرات الناس الذين لهم صلاحية أن يتفقهوا ، ثم ينذروا !
لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّين . . أي دين ؟ إنه ذلك الدين الذي وصى به إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ( سورة البقرة : 132 ) والذي قال عنه الله تعالى : إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللهِ فَإِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ( سورة آل عمران : 19 ) ، فالتفقه المطلوب هو التفقه في الإسلام ، وصاحبه هو الفقيه المطلوب في الآية الكريمة ، وذلك الفقيه هو الإكسير الأعظم .
عندنا مثلاً في الأحكام الفقهية : ملعون من أخر الصلاة حتى تشتبك النجوم ، وعندنا : ملعون من أحب الرئاسة ، فلماذا نعتبر النص الأول حكماً فقهياً ولا نعتبر الثاني حكماً فقهياً ؟ ! فكما نبحث في معنى لعن من أخر الصلاة حتى تشتبك النجوم ، وأنه هل يدل على الحرمة أو الكراهة ، وما هو الموضوع فيه وما هو
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 251 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
المحمول ، يجب أن نبحث ما يدل عليه لعن من أحب الرئاسة ، وما هو حب الرئاسة ، وهل اللعن فيه تمحيضي أو تحريمي ؟ ! إنها مسألة مهمة ، وأغلبكم والحمد لله في مستوى علمي كالثمر عند بدو صلاحه .
وعندنا مثلاً وجوب التولي والتبري ، فالواجب علينا أن نتبرأ من كل من أغضب ولي الله وحجته عليه السلام ، فهل هذا فقه أو ليس فقهاً ؟
وهل أن التولي والتبري واجب أو مستحب ؟
وإن كان واجباً ، فما هو موضوعه وما محموله ؟ وما هي النسبة بين هذين الفرضين ، هل يمكن أن ينقص أحدهما عن الآخر ، أم يجب أن يساوق التبري التولي في كل مستوى تم عليه الدليل برهاناً وعقلاً كتاباً وسنة ؟ !
وما دامت هذه من مسائل الدين ، فلا بد لنا أن نتفقه فيها ، لأنها مشمولة للمأمور به في الآية : لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّين ، ومشمولة بوجوب الإنذار بعد التفقه : وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ .
إن مقام الصديقة الكبرى فاطمة الزهراء صلوات الله عليها مقامٌ عظيمٌ ، وحقها في أعناق المسلمين حقٌّ كبير ، ونحن مع الأسف لم نعمل لبيان حقها كما يجب !
إني أخاف أن تعقد محكمة لمحاكمتنا في الدنيا يكون القاضي فيها صاحب الزمان أرواحنا فداه . أو في الآخرة يكون القاضي فيها الله تعالى ، وأن نسأل هل عملنا لإحقاق فاطمة الزهراء عليها السلام بمقدار اعتراف فقيه سني ؟ أخشى أن نكون عاجزين عن الجواب !
ولننظر إلى ما رواه البخاري وما أثبته من حقها عليها السلام ولو عن غير عمد ! فالبخاري مقبول عند أشد المتعصبين منهم ، وأشد نقاد حديثهم ! وقد روى
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 252 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عن أبي الوليد عن ابن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن ابن أبي مليكة ، عن المسور بن مخرمة ، أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال : ( فاطمة بضعة مني ، من أغضبها فقد أغضبني ) . نوجه كلامنا حول هذا الحديث إلى الفقيه السني وليس إلى السفيه ! فماذا تقضي فقاهته في سند هذا الحديث ، ودلالته ؟
أما سنده فهو عندهم في الدرجة العليا حيث رواه البخاري الذي ( يحتاط ) في الرواية عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام !
وقد صحح هذا الحديث الذهبي الذي يعتبرونه أنقد نقادهم للحديث ، وصحح حديث : ( إن الرب يرضى لرضا فاطمة ويغضب لغضب فاطمة ) فالحديث عندهم في حد مقطوع الصدور عن النبي صلى الله عليه وآله ، ( 1 )
ونحن أردنا حديث البخاري مفسراً ومؤيداً لحديث الذهبي ، فعلى ماذا يدل هذا الحديث ؟
من أين ينشأ الرضا والغضب في أنواع الناس ؟
تقوم حياة النبات على قوتين ، قوة جذب الملائم ، وقوة دفع المنافر . وتظهر هاتان القوتان في حياة الحيوان بصورة قوة رضا وقوة غضب ، وتستمدان وجودهما من الطبع والغريزة .
وأما في حياة الإنسان ، ولا نقصد بها حياتنا نحن ، فليس مجلسنا هذا مجلس مجاملات ، إن معنى حياة الإنسان أن يصل أحدنا إلى درجة الإنسان الذي دعامة وجوده العقل : دعامة الإنسان العقل . ( 2 ) حينئذ يكون العقل منشأ كل رضاه وغضبه ، أما قبل ذلك فمنشؤهما الطبع والغريزة !
هل وصلت أنا إلى مرحلة الإنسان الذي ينشأ رضاه وغضبه من عقله ؟ أقول : كلا ، أبداً ، وكل عاقل لابد أن يعرف في أول درجات تعقله أنه لم يبلغ درجة الإنسان العاقل ، وهذا الاعتراف أمر مهم !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 253 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
نحن إلى الآن لم نلتفت إلى محك إنسانيتنا وميزانها ما هو ؟ فنحن نرضى ونغضب لذواتنا ومكانتنا الاجتماعية ، ولا أقول إن رضانا وغضبنا لحاجاتنا البدنية !
فلينظر أحدنا إلى نفسه عندما يتركه شخص كان يثق به ويعتقد به ، هل ينقبض ويحزن ؟ فهو إذن ذئب ، ولم يصر إنساناً !
إن عمامة أحدنا لا تمنع أن يكون ما تحتها ذئب !
فلن يصير أحدنا إنساناً إلا إذا صار منشأ غضبه ورضاه العقل ، وليس الغريزة !
وإذا رأينا في حياتنا أن رضانا أو غضبنا نشأ ذات مرة من العقل ، فقد صار أحدنا ذات مرة إنساناً ! فإن عدنا إلى الرضا والغضب للبطن أو الفرج ، فنحن من تلك الحيوانات ، غاية الأمر أننا على شكل الناس !
أما الإنسان العقلاني فهو الذي يرضى دائماً لرضا العقل ، ويغضب لغضب العقل !
فإن كنت تعرف شخصاً على وجه الكرة الأرضية بلغ في شخصيته هذه الدرجة فدلني عليه حتى أذهب اليه وأقبل يده ، بل أقبل غبار قدميه !
وإن فوق هذه المرتبة مقاماً يمكن أن يبلغه الإنسان ، حيث تصير إرادته فانية في إرادة الله تعالى ، فلا يكون له مع إرادة ربه إرادة ! وهي درجة تجعله في كل أموره يرضى لرضا الله ويغضب لغضب ربه ! يعني لو قتلوا ابنه فهو يغضب لغضب الرب وليس لنفسه ، ولو أحيوا ابنه فهو يرضى لرضا الرب ، وليس لنفسه !
إن تصور هذا المستوى أمر صعب ، فكيف بتحققه ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 254 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وهذا هو مقام عصمة خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله ، عصمة ذلك المخلوق الذي لا نظير لوجوده في جميع المخلوقات ، الذي ذاب حبه وبغضه وفني في حب الله وبغضه ! فلا يحب إلا ما يحبه الله ، ولا يبغض إلا ما يبغضه الله تعالى !
وهذا هو البشر الذي وصل إلى درجة : وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى . إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى . ( سورة النجم : 3 - 4 ) وهذه المرحلة والدرجة هي التي يعبر عنها بالعصمة الخاتمية وهي غير العصمة الإبراهيمية ، والعصمة الإبراهيمية غير العصمة اليونسية .
إن عصمة يونس عليه السلام عصمة ، لكن فيها : وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ . ( سورة الأنبياء : 87 ) ، إنه نبي معصوم ولكن في حياته نقاطاً يحتاج أن يصل منها إلى درجة : سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِين . وقبل بطن الحوت لم يصل إليها !
ونبي الله يوسف نبي معصوم ، وبرهان ربه الذي رآه هو عصمته : وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ . ( سورة يوسف : 24 ) ، لكنها عصمة بمستوى : وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِين . ( سورة يوسف : 42 ) ، أما التسليم المطلق لحب الله وبغضه ورضاه وغضبه ، فهو مقام خاص بأفضل الخلق وخاتم النبيين وسيد المرسلين صلى الله عليه وآله ، ففي هذا المقام نستطيع أن نقول إنه يرضى لرضا الله ويغضب لغضبه مطلقاً ، وأن الله تعالى يرى لرضاه ويغضب لغضبه !
فهل فهم البخاري والذهبي ما روياه عن خير الخلق وصححاه : إن الرب يرضا لرضا فاطمة ويغضب لغضب فاطمة ؟ ! وهل فهما أن النبي صلى الله عليه وآله لو قال : إن فاطمة ترضى لرضا الرب وتغضب لغضبه ، فقط ، لدل ذلك على أن رضاها
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 255 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وغضبها منشؤه من الله تعالى فقط ، وليس من نفسها ولا من عالم الخلق ، وكان معناه درجة العصمة الكبرى التي لرسول الله صلى الله عليه وآله ؟ !
فما معنى قوله صلى الله عليه وآله بعد هذا المقام : إن الرب يرضى لرضى فاطمة ويغضب لغضب فاطمة ؟ ما معنى الصعود إلى درجة أعلى تكون لام الرضا من جهة فاطمة عليها السلام ؟ ! هنا يفهم الكلام من يعرف فاطمة عليها السلام ما هي ؟
والذي يعرف فاطمة من هي هو الإمام جعفر الصادق عليه السلام الذي يقول : إنما سميت فاطمة فاطمة ، لأن الناس فطموا عن معرفتها . ( تفسير فرات ص 581 ، البحار : 43 / 65 )
فثبت بالدليل أننا مفطومون عن معرفتها ، لأننا عاجزون عن معرفة تلك الدرجة الأعلى التي تجعل الله تعالى يرضى لرضاها ويغضب لغضبها ! ! عاجزون عن معرفة هذه المخلوقة الربانية ، والحوراء الإنسية ، ما هي ، وفي أي أفق هي ؟ !
لقد كشف لنا أمير المؤمنين عليه السلام ليلة دفنها عن نافذة من مقامها عليها السلام ، حيث قال : أما حزني فسرمد ، وأما ليلي فمُسَهَّد ! ( أمالي المفيد ص 281 )
وينبغي أن نعرف أن الذي يقول ذلك هو الذي عرف الدنيا والآخرة ، ووضعهما كلتيهما تحت قدميه ! لكن غصة فقد فاطمة أرهقته ، لأنه يعرف من هي فاطمة ! لاحظوا كلماته عليه السلام عندما صلى على جنازتها ، فقد حدث عند جنازتها ما لم يحدث عند جنازة أحد ! ولا نستطيع أن نذكر أكثر من هذا :
في البحار عن مصباح الأنوار للخوارزمي عن أبي عبد الله الحسين عليه السلام قال :
إن أمير المؤمنين عليه السلام غسل فاطمة عليها السلام ثلاثاً وخمساً ، وجعل في الغسلة الخامسة الآخرة شيئاً من الكافور ، وأشعرها مئزراً سابغاً دون الكفن ، وكان هو الذي يلي ذلك منها ، وهو يقول : اللهم إنها أمتك ، وبنت رسولك ، وصفيك وخيرتك من خلقك ، اللهم لقنها حجتها ، وأعظم برهانها ، وأعل درجتها ، واجمع بينها وبين أبيها محمد صلى الله عليه وآله . فلما
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 256 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
جن الليل غسلها علي ، ووضعها على السرير ، وقال للحسن أدع لي أبا ذر فدعاه ، فحملاها إلى المصلى ، فصلى عليها ثم صلى ركعتين ، ورفع يديه إلى السماء فنادى : هذه بنت نبيك فاطمة ، أخرجتها من الظلمات إلى النور ، فأضاءت الأرض ميلا في ميل ! ( مقتل الحسين للخوارزمي 1 : 86 ، البحار 43 : 214 ، عوالم العلوم : 11 / 514 ط . ثانية ) .
ورفع يديه إلى السماء فنادى : هذه بنت نبيك فاطمة أخرجتها من الظلمات إلى النور !
ماذا يعني هذا الكلام ؟ ! لاحظوا أنه عليه السلام قال ذلك مجملاً ، فهذا المطلب لا يمكن أن يقوله لغير الله تعالى ! قال له إلهي إنك أخذت فاطمة من هذه الدنيا المظلمة ، إلى حيث النور نور السماوات والأرض .
ولاحظوا أن الله أجاب علياً وكأنه قال له نعم نقلتها إلى النور حيث خلقت روحها من نور ربها وفي نور ربها ، وما أن أكمل أمير المؤمنين عليه السلام كلمته حتى أضاء نورها من نقطة بدنها الطاهر عليها السلام إلى ميل في ميل ، تصديقاً لعلي عليه السلام وتطميناً له !
ماذا يعني هذا ؟ ! يعني أن حقيقة : إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ، للجميع ، أما فاطمة فإلى نور عظمة الله الذي منه خلقت ، وإليه عادت !
هذه فاطمة . . وإلى ذلك النور ذهبت روحها ، وبهذا النحو استقبل ذلك العالم بدنها الذي كان في عالم الظلمة !
وهذه فاطمة التي بلغت مقام : إن الرب ليغضب لغضب فاطمة ويرضى لرضاها ! ومن المهم هنا أن نشير إلى أن البخاري يروي في صحيحه عن عائشة أنها قالت : فغضبت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله فهجرت أبا بكر فلم تزل مهاجرته حتى توفيت ! ( : 4 / 41 ) . وروى غيره أنها أوصت علياً عليه السلام أن يدفنها سراً ولا يعلمهم بجنازتها !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 257 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وبهذه الاعترافات تكتمل مواد الحكم عليهم ، في صغرى وكبرى ونتيجة القياس ، فهذا ما تقوله السنة : إن الله ليغضب لغضبها ، وتقول إنها غضبت على أبي بكر وهجرته حتى توفيت فحل عليه غضب الله ، والقرآن يقول : وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى ! ( سورة طه : 81 )
فلا طريق أمام الفقيه السني الذي يقرأ في صلاته كل يوم عشر مرات : صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ ، إلا أن يتنازل عن أئمته ، أو عن القرآن ، أو عن السنة !
نعم يوجد بديل واحد لذلك أن يكون : مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ . ( سورة الجمعة : 5 )
* *
التعليقات
( 1 ) في مستدرك الحاكم : 3 / 154 : ( قال النبي صلى الله عليه وآله لفاطمة : إن الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك . هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه .
وفي مجمع الزوائد : 9 / 203 : ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك . رواه الطبراني وإسناده حسن ) .
وهو في الطبراني الكبير : 1 / 108 ، ولم أجد تصريح الذهبي بتصحيحه في ميزان الإعتدال ، وقد يفهم ذلك من توثيقه للقزاز في : 2 / 492 ، وهو في سلسلة رواته عند الطبري .
وقال الصالحي في سبل الهدى والرشاد : 11 / 44 : ( الرابع : في أن الله تبارك وتعالى يرضى لرضاها ، ويغضب لغضبها . روى الطبراني بإسناد حسن ، وابن السني في معجمه وأبو
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 258 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
سعيد النيسابوري في الشرف ، عن علي رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة : إن الله تعالى يغضب لغضبك ويرضي لرضاك . انتهى .
وهو مستفيض في مصادرنا ، راجع عيون أخبار الرضا عليه السلام : 2 / 26 ، وأمالي الصدوق : 1 / 313 ، وأمالي المفيد ، وغيرها .
* *
( 2 ) في علل الشرائع : 1 / 103 : ( حدثنا محمد بن الحسن قال : حدثنا محمد بن الحسن الصفار ، عن أحمد بن محمد ، عن الحسن بن محبوب ، عن بعض أصحابه ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : دعامة الانسان العقل ، ومن العقل الفطنة والفهم والحفظ والعلم ، فإذا كان تأييد عقله من النور كان عالماً حافظاً ذكياً فطناً فهماً ، وبالعقل يكمل ، وهو دليله ومبصره ، ومفتاح أمره ) .
وفي الكافي 1 / 25 : ( عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد مرسلاً ، قال : قال أبو عبد الله : دعامة الإنسان العقل ، والعقل منه الفطنة والفهم ، والحفظ والعلم ، وبالعقل يكمل ، وهو دليله ومبصره ، ومفتاح أمره ، فإذا كان تأييد عقله من النور كان عالماً ، حافظاً ، ذاكراً فطناً ، فهماً ، فعلم بذلك كيفَ ولمَ وحيثُ ، وعرف من نصَحَهُ ومن غشَّهُ ، فإذا عرف ذلك عرف مجراه وموصوله ومفصوله ، وأخلص الوحدانية لله ، والإقرار بالطاعة ، فإذا فعل ذلك كان مستدركاً لما فات ، ووارداً على ما هو آت ، يعرف ما هو فيه ، ولأي شئ هو ههنا ، ومن أين يأتيه وإلى ما هو صائر ، وذلك كله من تأييد العقل ) .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 259 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

( 16 ) فاطمة الزهراء عليها السلام حوراء إنسية . .

( بتاريخ : 19 جمادى الثانية 1416 - 13 / 11 / 1995 - 17 / 8 / 1374 )
أشكو من الرشح ، لكن لا يصح أن نضيع حق الصديقة الكبرى الزهراء عليها السلام .
إن فاطمة الزهراء عليها السلام فوق كلامنا ، إنها الصديقة الجليلة ، صاحبة المقام العظيم عند الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله ، التي إذا استقرت في الجنة زارها جميع الأنبياء عليهم السلام ، آدم فمن دونه ! ( وإذا استقر أولياء الله في الجنة زارك آدم ومن دونه من النبيين ) . ( تفسير فرات ص 171 ) ( 1 )
يا لها من عظمة ! إن الفقه أن يعرف الإنسان معنى ما يقوله المعصومون عليهم السلام وكلمة النبي صلى الله عليه وآله : ( رب حامل فقه غير فقيه ) كلمة عجيبة ، فكيف إذا وصلنا إلى قوله صلى الله عليه وآله : ( ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ) !
من الأمور المتفق عليها في مصادر الخاصة ، وقد رويت في عدد من مصادر العامة ، أن أصل مادة بدن الصديقة الطاهرة الزهراء عليها السلام ليست من مادة هذا العالم والحياة الدنيا ، بل هي من الجنة من أعلى أشجارها وثمارها ! وأن جبرئيل عليه السلام أخذ النبي صلى الله عليه وآله في معراجه إلى الجنة إلى شجرة طوبى وأطعمه من ثمارها ، أو أهدى له وهو في الأرض من ثمارها ، فأكلها فتكونت نطفة فاطمة وحملت بها خديجة الكبرى سلام الله عليهما .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 260 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فقد روى السيوطي ذلك في الدر المنثور ، والطبراني في معجمه ، والثعلبي في تفسيره ، وغيرهم من كبار علماء السنة ومحدثيهم .
وفي رواية الطبراني تعبيرات عجيبة عن تلك الشجرة : عن عائشة قالت قال رسول صلى الله عليه وآله : لما أسري بي إلى السماء أدخلت الجنة ، فوقفت على شجرة من أشجار الجنة لم أرَ في الجنة أحسن منها ، ولا أبيض ورقاً ، ولا أطيب ثمرة ، فتناولت ثمرةً من ثمرتها فأكلتها ، فصارت نطفة في صلبي ، فلما هبطت إلى الأرض واقعت خديجة فحملت بفاطمة ، فإذا أنا اشتقت إلى ريح الجنة شممت ريح فاطمة ) . ( الدر المنثور : 4 / 153 . ونحوه في أمالي الصدوق ص 546 )
نعم رووا ذلك ، لكن هل فهموا فقه ما رووه ؟ !
أما الإمام الصادق عليه السلام فيقول : حديث تدريه خير من ألف حديث ترويه . ولا يعد الرجل فقيهاً حتى يفقه مقاصد الكلام ودقائقه ! ( 2 )
لاحظوا أن جبرئيل عليه السلام أخذ النبي صلى الله عليه وآله وهو الشخص الأول في العالم ، إلى الشجرة الأولى في الجنة ، في أرفع ملك الله تعالى ، وإنما كان ذلك بجاذبية الملك والملكوت ؟ ! ثم قطف له من أفضل ثمارها فكان ذلك الثمر نطفة الصديقة الطاهرة الزهراء عليها السلام لتكون آية لله تعالى في الأرض فريدة في تكوينها وشخصيتها وذريتها ؟ !
تأملوا في قول الله تعالى : فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِين َ . ( سورة الحجر : 29 ) ، فلابد من فهم هاتين الكلمتين : تسوية الجسد ، ثم نفخ الروح ، فهما تدلان على إعداد خاص للجسد ، وعلى تناسب خاص ضروري بينه وبين الروح ، فنفس الإنسان لا يمكن أن تحل في بدن حيوان مثلاً ، لماذا ؟ لأن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 261 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
تسويته غير مناسبة لها ، فهي لا تحل إلا في بدن تمت تسويته في أحسن تقويم : وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ . لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ( سورة التين : 1 - 4 )
وما دام بدن الإنسان العادي مخلوقاً في أحسن تقويم ، فكيف بالبدن الذي لم يؤخذ أصله من عالم الملك ، بل أخذ من عالم الملكوت الذي هو فوق عالم الظلمات ، كبدن الصديقة الكبرى فاطمة الزهراء عليها السلام ؟ ! وكيف ستكون النفس التي تناسبه وتحل فيه ؟ ! !
هذا هو الفقه الذي لم يفهمه الطبراني ولا السيوطي ولا الفخر الرازي ، ولا كل من روى منهم وكتب حديث خلق فاطمة من ثمار شجرة طوبى !
إن شجرة طوبى شجرة وحيدة متفردة ، وقد شاء الله تعالى أن يجعل تكوين بنت أفضل أنبيائه صلى الله عليه وآله وأم خير أوصيائه عليهم السلام من أعلى ثمارها !
فما هي الروح المتناسبة مع هذا البدن التي اختارها الله لفاطمة عليها السلام ؟ ! !
إنها من أسرار الله تعالى التي لا نستطيع أن نفهمها ، لكنا نفهم منها لماذا علمنا النبي وأهل بيته أن ندعو الله تعالى فنقول : ( اللهم إني أسألك بفاطمة وأبيها ، وبعلها وبنيها ، والسر المستودع فيها ) ! !
نعم إن قضية الزهراء عليها السلام بهذا المستوى من العظمة والأهمية ، غاية الأمر أن كل إنسان يفهم منها بقدر عقله وفكره ( إن هذه القلوب أوعية فخيرها أوعاها ) ! فبعضهم يفهم من شخصية الزهراء عليها السلام أنها أم نموذجية ! فمعرفته لها على قدر عقله ! وبعضهم يفهم أنها زوجة مثالية ، وهذا أيضاً قدر عقله وشعوره ! وبعضهم حد فهمه أن يرى فيها قدوة لنساء العالم ، وهذا أيضاً حد فهمه !
لكن قضيتها عليها السلام أعظم من كل ذلك ، فعندما نبحث عن أسرار الله المودعة في الروح الفريدة للزهراء عليها السلام ، ذات التكوين البدني الفريد ، نصل إلى أن روحها
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 262 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
خلقت من نور عظمة الله تعالى ! ! فعن جابر بن يزيد الجعفي رحمه الله أنه سأل الإمام الصادق عليه السلام : لم سميت فاطمة الزهراء ، زهراء ؟ فقال : لأن الله عز وجل خلقها من نور عظمته ، فلما أشرقت أضاءت السماوات والأرض بنورها ، وغشيت أبصار الملائكة ، وخرت الملائكة لله ساجدين وقالوا : إلهنا وسيدنا ، ما هذا النور ؟ فأوحى الله إليهم : هذا نور من نوري ، أسكنته في سمائي ، خلقته من عظمتي ، أُخرجه من صلب نبي من أنبيائي ، أُفضله على جميع الأنبياء ، وأُخرج من ذلك النور أئمة يقومون بأمري ، يهدون إلى حقي ، وأَجْعَلُهُم خلفائي في أرضي ، بعد انقضاء وحيي ) . ( الإمامة والتبصرة ص 133 )
إن إضافة النور إلى الله تعالى يعطيه خصوصية عالية ، فالله تعالى نور السماوات والأرض ، والنور الذي خلقه ونسبه اليه ، يصعب على العقول فهمه : اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِئُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللهُ بِكُلِّ شئ عَلِيمٌ ( سورة النور : 35 )
ونور العظمة أعلى من نور العلو ، لأن وصف العظيم في آية الكرسي ورد بعد وصف العلي : وَلا يُحِيطُونَ بِشَئٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاّ بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ( سورة البقرة : 255 )
وعندما يكون البدن من أعلى ما في الجنة ، والروح من نور العظمة ، فأي بشر سيكون صاحبه ؟ ! من أين أتى ، والى أين ، وماذا سيكون في المحشر ، وأين سيكون في الجنة ؟ !
وقد روى الإمام الصادق عليه السلام عن جده المصطفى صلى الله عليه وآله كيف خلق الله تعالى روح فاطمة من نور عظمته قبل خلق آدم عليه السلام ، فقال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله : خلق
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 263 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
نور فاطمة قبل أن تخلق الأرض والسماء . فقال بعض الناس : يا نبي الله فليست هي إنسية ؟ فقال صلى الله عليه وآله : فاطمة حوراء إنسية . قال : يا نبي الله وكيف هي حوراء إنسية ؟ قال : خلقها الله عز وجل من نوره قبل أن يخلق آدم ، إذ كانت الأرواح ، فلما خلق الله عز وجل آدم عرضت على آدم ! قيل : يا نبي الله وأين كانت فاطمة ؟ قال : كانت في حقة تحت ساق العرش . قالوا : يا نبي الله فما كان طعامها ؟ قال : التسبيح والتهليل والتحميد ) . ( معاني الأخبار للصدوق ص 396 ) ( 3 )
كانت في حقة تحت ساق العرش . . كالجوهر الذي يحفظونه في علبة في صندوق ثمين ، مكانها عند قوائم عرش الرحمن ! أما طعام روح فاطمة قبل أن تحل في هذا البدن الفريد أيضاً فكان التسبيح والتهليل والتحميد ، وذلك بعد التقديس !
فأول طعامها التسبيح وبهذه نعرف العلاقة بين الزهراء عليها السلام وبين تسبيح الزهراء الذي سماه النبي صلى الله عليه وآله باسمها والذي كانت تتغذى به وتداوم عليه في ذلك العالم !
إن المهم كما أكدنا دائماً هو الدراية ، وليس مجرد الرواية !
نحن نتعجب عندما نعرف أن سبب نزول سورة طه ، أن رسول الله صلى الله عليه وآله بلغ من حبه لربه واستغراقه في عبادته أنه كان يقف في محرابه يصلي حتى تورمت قدماه ، فأنزل الله عليه سورة ( طه ) يحدثه فيها ويطمئنه ويطلب منه أن يخفف عن نفسه !
( طَهَ . مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى . إِلاَّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى . تَنْزِيلا مِمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَوَاتِ الْعُلَى . الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى . لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا في الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى . وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى . اللهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى . وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى ) . ( سورة طه : 1 - 9 )
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 264 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لكن هذا ليس عجيباً على الشخص الأول في الوجود ، والنقطة الأولى في قوس النزول ، والنقطة العليا في قوس الصعود !
بل هو عجيب على ابنته الزهراء عليها السلام التي لم تبلغ ثمانية عشر عاماً ، وقد سلكت خط أبيها ، ووقفت في محرابها تصلي لربها وتعبده ، حتى تورمت قدماها كأبيها ، فكانت شريكة له في سورة ( طه ) !
إنها ملحمة العبودية لله في هذا البيت ، فقد كانت فاطمة مستغرقة في ذات الله ، مندكة في عظمته وجلاله . وكانت في هذه النشأة في سباق في معرفة الله تعالى وعبادته ، ونسخة عن أبيها رسول الله صلى الله عليه وآله في شبابه ! ( 4 )
والآن يمكننا أن نفكر لماذا تشترك الزهراء مع أبيها يوم القيامة في فضيلة لا يشاركهما فيها غيرهما ، فعندما يتم حشر الناس وحسابهم ويؤتى بالبراق للنبي صلى الله عليه وآله للذهاب إلى الجنة ، يتقدم أمامه موكب واحد ، هو موكب فاطمة الزهراء عليها السلام ! ! ( 5 )
ونفهم لماذا عندما تدخل فاطمة الجنة ، يزورها الأنبياء عليهم السلام من آدم فما دونه ، يزورها نوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام ، ويزورها رسول الله صلى الله عليه وآله ، ولذلك تفسير لا يتسع له المقام !
ويمكننا أن نفهم لماذا خصها الله بالذكر في بشارة الأنبياء السابقين بخاتم أنبيائه صلى الله عليه وآله : ( أوحى الله تعالى إلى عيسى جِدَّ في أمري ولا تترك ، إني خلقتك من غير فحل آية للعالمين ، أخبرهم : آمنوا بي ، وبرسولي النبي الأمي ، نسله من مباركة هي مع أمك في الجنة ، طوبى لمن سمع كلامه ، وأدرك زمانه ، وشهد أيامه ) . ( الخرائج والجرائح : 2 / 950 )
ونفهم معنى أنها ليلة القدر : ( عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال : ( إنا أنزلناه في
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 265 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ليلة القدر ، ليلة القدر فاطمة ، ليلة القدر فاطمة ، فمن عرف فاطمة حق معرفتها فقد أدرك ليلة القدر ، وإنما سميت فاطمة لأن الخلق فطموا عن معرفتها ) . ( تفسير فرات الكوفي ص 581 ، البحار : 43 / 65 ، العوالم : 11 / 103 )
فبطون الكتاب المحكمة كلها في ذلك السر المستسر في قلب فاطمة عليها السلام !
إن بشراً كهذا البشر لهو فوق تعبيرنا ، ومهما قلنا في حقها ينبغي لنا أن نستغفر الله تعالى من تقصيرنا فيه .
وهنا نصل إلى قول الإمام الصادق عليه السلام : ( إنما سميت فاطمة لأن الخلق فطموا عن معرفتها ) !
* *
التعليقات
( 1 ) في البحار : 8 / 172 ، عن تفسير فرات : عن ابن عباس ، عن أمير المؤمنين عليه السلام قال : دخل رسول الله صلى الله عليه وآله ذات يوم على فاطمة عليها السلام وهي حزينة ، فقال لها - وساق الحديث في أحوال القيامة إلى أن قال : فتقولين : يا رب أرني الحسن والحسين ، فيأتيانك وأوداج الحسين تشخب دماً وهو يقول : يا رب خذ لي اليوم حقي ممن ظلمني ، فيغضب عند ذلك الجليل ويغضب لغضبه جهنم والملائكة أجمعون ، فتزفر جهنم عند ذلك زفرة ، ثم يخرج فوج من النار ويلتقط قتلة الحسين وأبناءهم وأبناء أبنائهم فيقولون يا رب إنا لم نحضر الحسين فيقول الله لزبانية جهنم : خذوهم بسيماهم بزرقة العيون وسواد الوجوه ، وخذوا بنواصيهم فألقوهم في الدرك الأسفل من النار ، فإنهم كانوا أشد على أولياء الحسين من آبائهم الذين حاربوا الحسين فقتلوه ! فتسمع أشهقتهم في جهنم - وساق الحديث إلى أن قال : فإذا بلغت باب الجنة تلقتك اثنتا عشر ألف حوراء لم يتلقين أحداً قبلك ولا يتلقين أحداً كان بعدك ، بأيديهم حراب من نور على نجائب من نور ، جللها من الذهب الأصفر والياقوت الأحمر ، أزمتها من لؤلؤ رطب ، على كل نجيب أبرقة من سندس منضود ، فإذا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 266 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
دخلت الجنة تباشر بك أهلها ، ووضع لشيعتك موائد من جوهر على عمد من نور ، فيأكلون منها والناس في الحساب ، وهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون .
وإذا استقر أولياء الله في الجنة زارك آدم ومن دونه من النبيين .
وإن في بطنان الفردوس للؤلؤتين من عرق واحد : لؤلؤة بيضاء ، ولؤلؤة صفراء ، فيها قصور ودور فيها سبعون ألف دار ، البيضاء منازل لنا ولشيعتنا ، والصفراء منازل لإبراهيم وآل إبراهيم ) . انتهى . ( تفسير فرات ص 171 ) .
* *
( 2 ) في معاني الأخبار للصدوق رحمه الله ص 2 : عن الإمام الصادق عليه السلام قال : حديث تدريه خير من ألف حديث ترويه ، ولا يكون الرجل منكم فقيهاً حتى يعرف معاريض كلامنا ، وإن الكلمة من كلامنا لتنصرف على سبعين وجهاً ، لنا من جميعها المخرج ) .
* *
( 3 ) في الكافي : 1 / 389 : ( أحمد بن محمد ، عن محمد بن الحسن ، عن محمد بن عيسى بن عبيد ، عن محمد بن شعيب ، عن عمران بن إسحاق الزعفراني ، عن محمد بن مروان ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : سمعته يقول : إن الله خلقنا من نور عظمته ، ثم صور خلقنا من طينة مخزونة مكنونة من تحت العرش ، فأسكن ذلك النور فيه ، فكنا نحن خلقاً وبشراً نورانيين لم يجعل لأحد في مثل الذي خلقنا منه نصيباً ، وخلق أرواح شيعتنا من طينتنا وأبدانهم من طينة مخزونة مكنونة أسفل من تلك الطينة ، ولم يجعل الله لأحد في مثل الذي خلقهم منه نصيباً ، إلا للأنبياء ، ولذلك صرنا نحن وهم الناس ، وصار سائر الناس همج ، للنار وإلى النار ) .
* *
( 4 ) في المناقب لابن شهرآشوب : 3 / 119 : ( الحسن البصري : ما كان في هذه الأمة أعبد من فاطمة ، كانت تقوم حتى تورم قدماها . وقال النبي لها : أي شئ خير للمرأة ؟ قالت : أن لا ترى رجلاً ولا يراها رجل ، فضمها إليه وقال : ( ذرية بعضها من بعض ) .
وفي فضل آل البيت للمقريزي ص 25 : ( ومن تتبع سيرة علي وفاطمة والحسن والحسين
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 267 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ومواضبتهم على صلاة الفريضة والنافلة يدرك بطلان ذلك . كيفَ وعليٌّ الذي لم يترك صلاته حتى يوم صفين ، وفاطمة التي كانت تتورم قدماها من صلاة الليل ، والحسن الذي كان يحج ماشياً ، والحسين الذي ما ترك صلاته لا ليلة عاشوراء ولا يومها وبنو أمية ترميه بالسهام ) .
وفي علل الشرائع للصدوق : 1 / 179 : ( حدثنا محمد بن إبراهيم بن إسحاق رضي الله عنه قال : حدثنا عبد العزيز بن يحيى الجلودي قال : حدثنا محمد بن زكريا الجوهري ، عن جعفر بن محمد بن عمارة ، عن أبيه قال : سألت أبا عبد الله عليه السلام عن فاطمة لم سميت الزهراء ؟ فقال لأنها كانت إذا قامت في محرابها زهر نورها لأهل السماء ، كما يزهر نور الكواكب لأهل الأرض ) .
. * *
( 5 ) في ميزان الإعتدال للذهبي : 2 / 618 : ( عن عبد السلام بن عجلان عن أبي يزيد المدني ، عن أبي هريرة قال رسول الله : أول شخص يدخل الجنة فاطمة . أخرجه أبو صالح المؤذن في مناقب فاطمة ) . انتهى . وهو في لسان الميزان لابن حجر : 4 / 16 .
وفي كنز العمال : 12 / 110 : ( أول شخص يدخل الجنة فاطمة بنت محمد ، ومثلها في هذه الأمة مثل مريم في بني إسرائيل ) . ( أبو الحسن أحمد بن ميمون في كتاب فضائل علي ، والرافعي عن بدل بن المحبر عن عبد السلام بن عجلان عن أبي يزيد المدني .
وفي مناقب آل أبي طالب : 3 / 10 عن أبي صالح في الأربعين عن أبي حامد الإسفرائيني بإسناده عن أبي هريرة .
وفي البحار : 73 / 70 ، من كتاب الفردوس لابن شيرويه الديلمي عن أبي هريرة .
وفي اللمعة البيضاء للأنصاري ص 55 : عن مقتل الحسين للخوارزمي : 56 ، والفردوس : 1 / 38 ح 81 ، ونظم درر السمطين : ص 180 ، والخصائص الكبرى للسيوطي : 2 / 225 ، ومسند فاطمة الزهراء : ص 52 ح 114 ، ومناقب ابن شهر آشوب ) .
وفي أمالي الصدوق ص 69 : ( حدثنا محمد بن إبراهيم ، قال : حدثنا أبو جعفر محمد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 268 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بن جرير الطبري قال : حدثنا أبو محمد الحسن بن عبد الواحد الخزاز قال : حدثني إسماعيل بن علي السندي ، عن منيع بن الحجاج ، عن عيسى بن موسى ، عن جعفر الأحمر ، عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر قال : سمعت جابر بن عبد الله الأنصاري يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إذا كان يوم القيامة تقبل ابنتي فاطمة على ناقة من نوق الجنة مدبجة الجنين ، خطامها من لؤلؤ رطب ، قوائمها من الزمرد الأخضر ، ذنبها من المسك الأذفر ، عيناها ياقوتتان حمراوان ، عليها قبة من نور يرى ظاهرها من باطنها ، وباطنها من ظاهرها ، داخلها عفو الله ، وخارجها رحمة الله ، على رأسها تاج من نور ، للتاج سبعون ركناً ، كل ركن مرصع بالدر والياقوت ، يضئ كما يضئ الكوكب الدري في أفق السماء ، وعن يمينها سبعون ألف ملك ، وعن شمالها سبعون ألف ملك ، وجبرئيل آخذ بخطام الناقة ، ينادي بأعلى صوته : غضوا أبصاركم حتى تجوز فاطمة بنت محمد . فلا يبقى يومئذ نبي ولا رسول ولا صديق ولا شهيد ، إلا غضوا أبصارهم حتى تجوز فاطمة بنت محمد ، فتسير حتى تحاذي عرش ربها جل جلاله ، فتزج بنفسها عن ناقتها وتقول : إلهي وسيدي ، احكم بيني وبين من ظلمني ، اللهم احكم بيني وبين من قتل ولدي . فإذا النداء من قبل الله جل جلاله : يا حبيبتي وابنة حبيبي ، سليني تعطيْ ، واشفعي تشفعي ، فوعزتي وجلالي لا جازني ظلم ظالم .
فتقول : إلهي وسيدي ذريتي وشيعتي وشيعة ذريتي ، ومحبي ومحبي ذريتي . فإذا النداء من قبل الله جل جلاله : أين ذرية فاطمة وشيعتها ومحبوها ومحبو ذريتها ؟ فيقبلون وقد أحاط بهم ملائكة الرحمة ، فتقدمهم فاطمة حتى تدخلهم الجنة .
وفي ثواب الأعمال للصدوق ص 219 : ( حدثني علي بن أحمد بن عبيد الله ، عن أبيه عن جده أحمد بن أبي عبد الله ، عن أبيه عن محمد بن خالد ، بإسناده يرفعه إلى عنبسة الطائي ، عن أبي جبير ، عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : يمثل لفاطمة رأس الحسين متشحطاً بدمه فتصيح وا ولداه وا ثمرة فؤاداه ، فتصيح الملائكة لصيحة فاطمة ، وينادي أهل القيامة : قتل الله قاتل ولدك يا فاطمة ، قال : فيقول الله عز وجل : أفعل به ولشيعته وأحبائه وأتباعه . وإن فاطمة في ذلك اليوم على ناقة من نوق الجنة مدبجة الجبينين واضحة الخدين شهلاء العينين رأسها من الذهب المصفى ، وأعناقها من المسك
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 269 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والعنبر ، خطامها من الزبرجد الأخضر ورحائلها مفضضة بالجوهر ، على الناقة هودج غشاوته من نور الله ، وحشوها من رحمة الله ، خطامها فرسخ من فراسخ الدنيا ، يحف بهودجها سبعون ألف ملك بالتسبيح والتمجيد والتهليل والتكبير والثناء على رب العالمين ، ثم ينادي مناد من بطنان العرش : يا أهل القيامة غضوا أبصاركم فهذه فاطمة بنت محمد رسول الله تمر على الصراط فتمر فاطمة عليها السلام وشيعتها على الصراط كالبرق الخاطف . قال النبي صلى الله عليه وآله : ويلقى أعداءها وأعداء ذريتها في جهنم ) .
وفي ذخائر العقبى للطبري ص 48 : ( ذكر زفاف فاطمة عليها السلام إلى الجنة كالعروس ) : عن علي عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : تحشر ابنتي فاطمة يوم القيامة وعليها حلة الكرامة ، قد عجنت بماء الحيوان ، فتنظر إليها الخلائق فيتعجبون منها ، ثم تكسى حلة من حلل الجنة على ألف حلة مكتوب بخط أخضر : أدخلوا ابنة محمد الجنة على أحسن صورة ، وأكمل هيبة ، وأتم كرامة ، وأوفر حظ ، فتزف إلى الجنة كالعروس حولها سبعون ألف جارية ) .
. * *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 270 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

( 17 ) إن الرب يغضب لغضب فاطمة ويرضى لرضاها

( بتاريخ : 29 جمادى الأولى 1417 - 13 / 10 / 1996 - 22 / 7 / 1375 ا )
المسألة التي يجب الالتفات إليها أنا نعاني من الضعف العلمي ، ليس في الفقه وأصول الفقه فقط ، بل في أصول الدين أيضاً ! وهذا يسبب انحرافات خطيرة ، حتى عند خواص العوام وعوام الخواص .
إن قضيتنا تختلف عن مخالفينا الذين لم يبنوا عقائدهم على أسس علمية محكمة معمقة ، بل بنوها على ما تربوا عليه وورثوه من الآباء والدولة !
أما نحن فنحتاج في كل عصر إلى مجتهدين متعمقين في الأصول ، كما في الفروع . من باب المثال كم عندنا من أهل الإجتهاد والتعمق من يستطيعون أن يدافعوا حق الدفاع عن أساسٍ لو أصابه خلل لانهدمت الغاية وبطل الغرض من التكوين والتشريع ؟ وقصدي به أساس خلافة النبي صلى الله عليه وآله .
نعم إن كمال الخلقة الإلهية وتمامها ، وتمام البعثة النبوية والتشريع والإسلام مرتبطة بأن يكون الخليفة بعد النبي صلى الله عليه وآله علي عليه السلام أو عمر !
المسألة مهمةٌ إلى حد أنها تحتاج من الباحث الفقيه أن يكون صاحب قدرة علمية ، تجعله يقف في مقابل أكثرية الناس فلا يَرِفُّ له جفن ، ولا يسمح لكثرتهم أن تؤثر على عقله وذهنه ، لأنه يفهم معنى قوله تعالى : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً ( سورة المائدة : 3 ) .
ماذا يريد أن يقول الله تعالى بهذه الجملة وأي سر أودعه فيها ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 271 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ما أعظم ما نواجه ، وما أقل ما نعلم ؟ ! فهل فكرت في معنى إكمال الدين وإتمام النعمة ؟ وأن إيصال الإنسان إلى كماله الذي هو غرض بعثة النبي صلى الله عليه وآله وجميع الأنبياء والمرسلين عليهم السلام ، مرتبط بعلي بن أبي طالب !
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ، لأن غاية تكوين الخلق ، ونتيجة كل النعم التي لا تعد ولا تحصى ، لا تتم على البشرية إلا بدور علي بن أبي طالب عليه السلام بعد النبي صلى الله عليه وآله .
نعم ، المسألة بهذه الأهمية لكنا لا نفهمها حق فهمها ، والذين هم أكبر منا لا يفهمونها حق فهمها ! والذي يفهم واقعها وأهميتها ، هو الذي فهم أنه سيترتب على تغيير قريش لمسار الإسلام بعد النبي صلى الله عليه وآله أن كل شئ سوف يتغير ، وأن الغرض والغاية من البعثة سوف ينقضان !
هو الذي فهم ماذا سيحدث على العالم إذا لم يحل القمر مكان الشمس ، وحلت مكانها ظلمات الجهل ! وماذا سيحدث إذا باع المسلمون إلى شعوب العالم الحديد الصدئ بدل الذهب ، باسم الإسلام والوحي والقرآن !
الذي فهم ذلك ، وبذل وجوده من أجل هذا الفهم النبوي ، وتحمل ما يترتب عليه من مصائب حتى الموت ، هي فاطمة الزهراء عليها السلام . . وما أدراك ما فاطمة ! !
سنتكلم فيما بقي من وقتنا مع ثلاثة أشخاص ، أحدهم إمام المفسرين جار الله الزمخشري ، والثاني إمام المشككين بهلوان المعقول والمنقول الفخر الرازي ، والثالث إمام اللغة صاحب القاموس الفيروز آبادي . فأولئك الذين هم أفقه القوم يفهمون ماذا قيل ، وما هي نتيجته ؟
إن مسألة معرفة الصديقة الزهراء عليها السلام لابد أن تستند إلى البرهان ، وما سأقوله الآن يستند إلى ثلاثة شهود لا يمكن ردها : القرآن والسنة والإجماع .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 272 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أورد الفخر الرازي في الجزء السابع والعشرين من تفسيره ص 165 ، في تفسير آية : قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنا إِنَّ اللهَ غَفُورٌ شَكُورٌ ( سورة الشورى : 23 ) ، بضعة عشر حديثاً عن الزمخشري ، وقال فيما قال : ( نقل صاحب الكشاف عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال : من مات على حب آل محمد مات شهيداً .
ألا ومن مات على حب آل محمد مات مغفوراً له .
ألا ومن مات على حب آل محمد مات تائباً .
ألا ومن مات على حب آل محمد مات مؤمناً مستكمل الايمان .
ألا ومن مات على حب آل محمد بشره ملك الموت بالجنة ثم منكر ونكير .
ألا ومن مات عل حب آل محمد يزف إلى الجنة كما تزف العروس إلى بيت زوجها .
ألا ومن مات على حب آل محمد فتح له في قبره بابان إلى الجنة .
ألا ومن مات على حب آل محمد جعل الله قبره مزار ملائكة الرحمة .
ألا ومن مات على حب آل محمد مات على السنة والجماعة .
ألا ومن مات على بغض آل محمد مات كافراً .
ألا ومن مات على بغض آل محمد لم يشم رائحة الجنة ) .
ثم قال الرازي : هذا هو الذي رواه صاحب الكشاف وأنا أقول : آل محمد صلى الله عليه وآله هم الذين يؤول أمرهم إليه ، فكل من كان أمرهم إليه أشد وأكمل كانوا هم الآل ، ولاشك أن فاطمة وعلياً والحسن والحسين كان التعلق بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد التعلقات ، وهذا كالمعلوم بالنقل المتواتر ، فوجب أن يكونوا هم الآل . وأيضاً اختلف الناس في الآل فقيل هم الأقارب وقيل هم أمته . فإن حملناه على القرابة فهم الآل ، وإن حملناه على الأمة الذين قبلوا دعوته فهم أيضاً آل ، فثبت أنهم على جميع التقديرات هم الآل .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 273 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأما غيرهم فهل يدخلون تحت لفظ الآل ؟ فمختلف فيه .
وروى صاحب الكشاف أنه لما نزلت هذه الآية قيل يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم ؟ فقال : علي وفاطمة وابناهما ، فثبت أن هؤلاء الأربعة أقارب النبي صلى الله عليه وآله ، وإذا ثبت هذا وجب أن يكونوا مخصوصين بمزيد التعظيم . ويدل عليه وجوه :
الأول : قوله تعالى ( إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) ووجه الاستدلال به ما سبق .
الثاني : لاشك أن النبي ( ص ) كان يحب فاطمة ، قال : ( فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها ) وثبت بالنقل المتواتر عن محمد صلى الله عليه وسلم أنه كان يحب علياً ، والحسن ، والحسين . وإذا ثبت ذلك وجب على كل الأمة مثله لقوله ( وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) ، ولقوله تعالى : ( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) ولقوله ( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ ) . وقوله سبحانه ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةًٌ ) .
الثالث : أن الدعاء للآل منصب عظيم ولذلك جعل هذا الدعاء خاتمة التشهد في الصلاة وهو قوله : اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وارحم محمداً وآل محمد ، وهذا التعظيم لم يوجد في حق غير الآل ، فكل ذلك يدل على أن حب آل محمد واجب . وقال الشافعي ( رض ) :
يا راكباً قف بالمحصب من منى * واهتف بساكن خيفها والناهض
سحراً إذا فاض الحجيج إلى منى * فيضاً كملتطم الفرات الفائض
إن كان رفضاً حب آل محمد * فليشهد الثقلان أني رافضي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 274 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
المسألة الثالثة : قوله ( إلا المودة في القربى ) فيه منصب عظيم للصحابة لأنه تعالى قال ( والسابقون السابقون أولئك المقربون ) فكل من أطاع الله كان مقرباً عند الله تعالى فدخل تحت قوله ( إلا المودة في القربى ) .
والحاصل أن هذه الآية تدل على وجوب حب آل رسول الله صلى الله عليه وسلم وحب أصحابه ، وهذا المنصب لا يسلم إلا على قول أصحابنا أهل السنة والجماعة الذين جمعوا بين حب العترة والصحابة .
وسمعت بعض المذكرين قال إنه صلى الله عليه وسلم قال : ( مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح من ركب فيها نجا ) . وقال : ( أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ) ، ونحن الآن في بحر التكليف وتضربنا أمواج الشبهات والشهوات ، وراكب البحر يحتاج إلى أمرين : أحدهما السفينة الخالية عن العيوب والثقب . والثاني الكواكب الظاهرة الطالعة النيرة ، فإذا ركب تلك السفينة ووقع نظره على تلك الكواكب الظاهرة ، كان رجاء السلامة غالباً ، فكذلك ركب أصحابنا أهل السنة سفينة حب آل محمد ، ووضعوا أبصارهم على نجوم الصحابة ، فرجوا من الله تعالى أن يفوزوا بالسلامة والسعادة والآخرة .
ثم تابع الرازي : ولنرجع إلى التفسير : أورد صاحب الكشاف على نفسه سؤالاً فقال : هلاَّ قيل إلا مودة القربى أو إلا مودة للقربى ، وما معنى قوله ( إلا المودة في القربى ) ؟ وأجاب عنه بأن قال جعلوا مكاناً للمودة ومقراً لها كقولك لي في آل فلان مودة ولي فيهم هوى وحب شديد ، تريد أحبهم وهم مكان حبي ومحله ) .
انتهى كلام الرازي ، وقد زاد على ما قاله الزمخشري ، واستعمل قدرته على التفنن في تضييع حق آل البيت الطاهرين عليهم السلام ، وتضعيف حديث سفينة نوح الصحيح ، وتقوية الحديث الذي اعترفوا بوضعه : أصحابي كالنجوم !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 275 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لاحظوا أنه اعترف بأن ( الآل ) تشمل المتفق عليهم أنهم آل النبي صلى الله عليه وآله وهم من كان النبي أشد تعلقاً بهم ، وتشمل المختلف فيهم !
فلنسلك الدليل البرهاني لنرى نتيجة كلامه فبناء على تفسيره للآل بالمعنى اللغوي دون الاصطلاحي ، وأنهم من الأوْل والرجوع ، فإن أول وأولى من يرجع أمرهم إلى النبي صلى الله عليه وآله ، الذين هم آله بلا ريب ولا خلاف بين المسلمين ، هم أربعة : علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام أما البقية فهم محل اختلاف ! هذه مسألة .
والأخرى أن الفخر الرازي قال في تفسير القربى الذين جعل الله أجر تبليغ الرسالة مودتهم ( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) ، قال : ( لاشك أن النبي ( ص ) كان يحب فاطمة ، قال : فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها ) .
ثم وصل الرازي إلى مستوى أعلى وهو أن الله تعالى أوجب الصلاة عليهم في الصلاة وقال : ( وهذا التعظيم لم يوجد في حق غير الآل ) . انتهى .
فاعترف بأن المتيقن من الذين أمرنا الله تعالى بالصلاة عليهم هم : علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام .
وسؤالنا : ما بالهم يتركون المتيقن المتفق عليه إلى المشكوك المختلف فيه ؟ !
لا يتسع المجال لكشف أسلوب الفخر الرازي ومغالطاته في الأحاديث التي أوردها الزمخشري وأثبتها هو ، ثم ظلمها ولم يشرحها ، ولعله لم يفقهها ! فإن كل واحد منها يحتاج إلى بحث علمي مفصل !
ونكتفي بالإشارة إلى اعترافه فيما يتعلق بالصديقة الكبرى الزهراء عليها السلام فقد اعترف أنها القدر المتيقن من الآل ، وممن تجب مودتهم أجراً للنبي صلى الله عليه وآله على تبليغ الرسالة !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 276 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والنتيجة أن فاطمة القدر المتيقن من الذين أوجب الله تعالى على كل مسلم في شرق الأرض وغربها أن يصلي عليهم مع رسوله في صلاته !
كما نشير إلى نقطتين من حديث : من مات على حب آل محمد صلى الله عليه وآله .
أولاهما ، أنه حديث متكامل بالإثبات والنفي معاً : ومن مات على بغض آل محمد صلى الله عليه وآله . . الخ ! وهذا منسجم مع بناء الله تعالى لنظام الكون على نظام النفي والإثبات ، فهذه الكهرباء التي تضئ المسجد تتولد من ضم السالب إلى الموجب ، هذا في الماديات وإنتاجها ، وهو النظام الحاكم في إنتاج أكبر الأنوار المعنوية العليا ، فشهادة ( لا إله إلا الله ) التي تنتج نور التوحيد وهو أشرف الأنوار ، تتكون من نفي وإثبات . . ف‍ ( لا إله ) هي النفي و ( إلا الله ) هي الإثبات .
ولاحظوا بقية الأسرار العظيمة في الأحاديث التي أوردها الزمخشري والرازي في مقام أهل البيت عليهم السلام ! فالمهم كما أكدنا هو دراية الحديث وليس روايته . فمن مات على حب آل محمد مات مؤمناً مستكمل الايمان . . وقد فرغنا من البحث الصغروي وعرفنا أن القدر المتيقن من الآل هم فاطمة وعلي والحسن والحسين ، وموضوعنا الآن في الكبرى في أن من مات على حب فاطمة عليها السلام فقد مات مؤمناً مستكمل الإيمان ، ومعنى هذا الشرط كمال الوجود .
والمهم هنا فهم النفي الذي روياه : وهو أن ( من مات على بغض آل محمد مات كافراً ) نعم ، كافراً ! ولم يقل النبي صلى الله عليه وآله مات مؤمناً غير مستكمل الإيمان ! فالقضية هنا ليست في وجود الإيمان في الجميع واستكماله في محب آل محمد ، بل في نفي وجود الإيمان فيمن أبغضهم ، وأن من يموت مبغضاً لهم لا إيمان له ، بل يحشر يوم القيامة مكتوباً بين عينيه : آيس من رحمة الله !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 277 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والنقطة الثانية : ( ألا ومن مات على حب آل محمد جعل الله قبره مزار ملائكة الرحمة ) ! فمن مات على ولاية فاطمة عليها السلام صار قبره مهبطاً للملائكة !
يا بنت رسول الله ، أيتها الصديقة الطاهرة . . إلى أي مقام وصلتِ بحيث أن الذي يموت على ولايتك يصير قبره مزاراً لملائكة الرحمة ؟ !
فكيف يكون نفس قبرك ؟ ! !
بعد أن يموت الذي يتشرف بموالاتك ويدفن وينام في قبره ، يطوف حوله ملائكة الرحمة ، كما يطوف الفراش حول السراج ! فمن هم الملائكة الذين يطوفون حول قبرك أنت ، حيث حلَّ جثمانك الطاهر ؟ !
أيها الفخر الرازي ، أيها الزمخشري . . هل فهمتما ماذا قلتما وكتبتما عن فاطمة ؟ هل فهمتما أن رحمة الله التي وسعت كل شئ لا تشمل من آذى فاطمة ؟ وأن الذي يغضب فاطمة ولم يرتبط بولايتها بخيط ولاء ، يخرج عن مفهوم الشيئية ويستحق أن يكتب على جبينه : منقطع عن الله ، آيس من رحمة الله ؟ !
أيها الفخر الرازي ، هل فهمت ما كتبت ؟ كتبت أن الايمان وجوداً وعدماً . . هذه واحدة ! وقلت إن الايمان كمالاً ونقصاً يرتبط بمحبة فاطمة الزهراء عليها السلام . . هل فهمت لوازم ما قلت وكتبت ؟ !
أنسيت أنك أنت قلت وصححت وأمضيت أن النبي صلى الله عليه وآله قال : ( من آذى فاطمة فقد آذاني . . وغضب فاطمة غضبي ) .
هنا أمام هذه الكلمات ، أتكلم قليلاً في بعض أبعاد هذا الحديث الشريف الذي أورده الفخر الرازي في تفسيره ، ونسبه إلى النبي على نحو القطع بدون ترديد فقال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم . . . ) فقصة هذا الحديث أنه ورد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 278 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بعدة صيغ بعضها بلفظ : ( رضا فاطمة رضاي . . وغضب فاطمة غضبي ) وبعضها بلفظ : ( إن الرب يغضب لغضب فاطمة ويرضى لرضاها )
ولفظ : ( إن الله يغضب لغضب فاطمة ويرضى لرضاها ) .
والحديث من ناحية السند مفروغ عن صحته ، فلا يوجد أحد من أهل الجرح والتعديل تردد في تصحيحه ، حتى رأس النقاد السنيين وإمامهم شمس الدين الذهبي ، صححه بلفظ : ( إن الرب يغضب لغضب فاطمة ويرضى لرضاها ) ! ! ( تقدم من مستدرك الحاكم : 3 / 154 وغيره )
ترى ، هل فهموا ماذا رووا وما كتبوا ؟ ! وأن معنى هذا الحديث أن فاطمة لها مقام العصمة ! نعم مقام عصمةٍ ليست كعصمة يعقوب وعصمة ويوسف ، ولا كعصمة موسى وعيسى ، بل ولا كعصمة إبراهيم عليهم السلام !
فهي عصمة كعصمة النبي الخاتم صلى الله عليه وآله !
إن الرب ليغضب لغضب فاطمة ويرضى لرضاها . . وسؤالنا لأمثال الفخر الرازي : إذا لم تكن فاطمة معصومة من الخطأ والهوى ، فإن أقل انحراف في رضاها وغضبها عن نقطة الحق المستقيمة ، يوجب قهراً أن يتعلق رضا الله تعالى وغضبه بالباطل !
وعليه ، فبحكم البرهان تكون الصديقة فاطمة عليها السلام وصلت إلى ذلك الأفق المبين ، واتخذت منزلاً في ذلك المقام المكين ، هناك حيث تتعطل كل العقول عن العمل !
ولا نحتاج إلى الكلام إلى بيان ما هي العصمة ، فالمسألة هنا فوق العصمة ! العصمة أن يصل الإنسان إلى مستوى فيرتفع غضبه ورضاه عن حد الحيوانية ويصل إلى حد العقلانية ، ثم لابد للمعصوم أن يعبر عن حد العقلانية إلى حد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 279 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الربانية ، فيكون رضاه رضا الله وغضبه غضب الله تعالى ، فهنا يصل الانسان إلى مستوى أنه يغضب حيث يغضب الله تعالى ويرضى حيث يرضى الله تعالى ! !
لكن المسألة هنا فوق هذا ، لأن النبي صلى الله عليه وآله لم يقل فقط إن فاطمة عليها السلام وصلت إلى مستوى بحيث صارت تغضب حيث يغضب الله تعالى وترضى حيث يرضى الله تعالى ! بل قال إن الله يغضب عندما تغضب فاطمة ، ويرضى عندما ترضى فاطمة عليها السلام ! ! وهنا يقف العقل في الميدان ، ولو كان جواده كميتاً !
شخصيةٌ بهذا المقام ، وباعترافهم بأنها سيدة نساء أهل الجنة . . أنظروا كيف يعاملونها ، ويتكلمون عنها !
روى البخاري : 4 / 41 باب فرض الخمس ، عن عائشة ( أن فاطمة ابنة رسول الله ( ص ) سألت أبا بكر بعد وفاة رسول الله ( ص ) أن يقسم لها ميراثها ما ترك رسول الله ( ص ) مما أفاء الله عليه . فقال لها أبو بكر : إن رسول الله ( ص ) قال : لا نورث ، ما تركنا صدقة . فغضبت فاطمة بنت رسول الله فهجرت أبا بكر فلم تزل مهاجرته حتى توفيت . وعاشت بعد رسول الله ( ص ) ستة أشهر . قالت : وكانت فاطمة تسأل أبا بكر نصيبها مما ترك رسول الله ( ص ) من خيبر وفدك ، وصدقته بالمدينة ، فأبى أبو بكر عليها ذلك وقال لست تاركاً شيئا كان رسول الله ( ص ) يعمل به إلا عملت به ، فإني أخشى إن تركت شيئاً من أمره أن أزيغ . فأما صدقته بالمدينة فدفعها عمر إلى علي وعباس ، فأما خيبر وفدك فأمسكهما عمر ، وقال : هما صدقة رسول الله ( ص ) كانتا لحقوقه التي تعروه ونوائبه ، وأمرهما إلى من ولي الأمر ) ! ! . انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 280 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ومع أن البخاري حريص دائماً على تبرئة أبي بكر وعمر ، لكنه هنا لم يعرف ماذا فعل !
فقد روى أن أبا بكر أبى أن يعطي فاطمة عليها السلام صدقة النبي صلى الله عليه وآله في المدينة ولم يهتم لغضبها وآذاها ، ولكن عمر دفعها إلى علي والعباس !
فهل كان فعل أبي بكر غلطاً أو فعل عمر ؟ !
وأي النجمين من نجوم السماء كما يقولون قد أخطأ ؟ وبأيهما اقتدوا واهتدوا ؟ !
في الواقع أن تعارض فعل أبي بكر وفعل عمر يسقطهما عن الحجية والاعتبار ولا يبقى ثابتاً إلا قول النبي الصادق الأمين الذي لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وآله : إن الله يغضب لغضب فاطمة ويرضى لرضاها !
ولا يبقى لعمر ولا لأبي بكر جواب مقابل هذا الكلام !
وقد قالت له الزهراء عليها السلام : فدونكها مخطومة مرحولة تلقاك يوم حشرك ، ونعم الحَكَم الله ، والزعيم محمد ، وعند الساعة يخسر المبطلون . ! !
وختاماً . . فإن نتيجة الدلالة القطعية للكتاب والسنة والإجماع ، أن مودة فاطمة الزهراء عليها السلام فريضةٌ على كل المسلمين ، والصلاة عليها واجبة في صلاتهم ، بآية مودة القربى ، وآية الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله ، وأن رضاها رضا الله وغضبها غضب الله ، ومن آذاها فقد آذى الله ورسوله ، بنص رسول الله صلى الله عليه وآله ، واقرؤوا حكم أولئك المؤذين لله ورسوله في سورة الأحزاب !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 281 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

( 18 ) ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيرا

( بتاريخ : 19 جمادى الثانية 1415 - 13 / 11 / 1994 - 2 / 9 / 1373 )
بمناسبة ميلاد الصديقة الزهراء عليها السلام ، نركز نظرنا على واحدة من الروايات الشريفة ، والروايات كثيرة وأهلها كثيرون أيضاً ، لكن الدراية وأهلها قليلون !
كلام أهل البيت عليهم السلام كله نور ، وأحاديثهم تنحني العقول لارتفاعهما وعلو مطالبها ، وكما أن إدراك ما يتعلق بالله تعالى مشكل على أكثر الأذهان ( جل جناب الحق أن يكون شرعة لكل وارد ) ، فكذلك مقامات خير خلقه صلوات الله عليهم لا تستطيع فهمها إلا بعض الأذهان ! لكن لا يسقط الميسور بالمعسور .
عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال : ( إنا أنزلناه في ليلة القدر ، ليلة القدر فاطمة ، ليلة القدر فاطمة ، فمن عرف فاطمة حق معرفتها فقد أدرك ليلة القدر ، وإنما سميت فاطمة لأن الخلق فطموا عن معرفتها ) . ( تفسير فرات الكوفي ص 581 ، البحار : 43 / 65 ، العوالم : 11 / 103 ، وغيرها . )
فطموا عن معرفتها . . فأي شخصية هذه التي عز مقامها عن أن ينال الخلق معرفتها ؟ ! لا بد أن نتأمل في هذا الأمر ! بل ينبغي أن يتأمل في ذلك كبار مفكري الانسانية ، من أصحاب التفكير الراقي الذي بلغ مستوى عالياً من النضج والرشد ، ويتساءلوا عن حقيقة هذه المسألة ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 282 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ليلة القدر . . ليلة تنزل القرآن : إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ ( سورة الدخان : 3 ) ، فما معنى أن فاطمة تفسيرٌ لهذه الليلة المباركة ؟ !
تلاحظون أن تعليل هذا المطلب جاء بتعليل تسميتها ( إنما سميت فاطمة لأن الخلق فطموا عن معرفتها ) ! وكلمة الخلق أوسع نطاقاً من كلمة الناس ، فهي تشمل الإنس والجن إلى أن تصل إلى الملائكة ( الذين أسكنتهم سماواتك ورفعتهم عن أرضك ) فحتى هؤلاء فطموا عن معرفتها ! !
فما الخبر ؟ ومن هي هذه المرأة ؟ وماذا فيها من حقيقة غيبٍ هي أرفع من أن ينال معرفتها أصحاب العقول الراقية ؟ ! !
من أجل فهم هذه المسألة نحتاج إلى عقل قوي تربى بالقرآن ، واستدلال معتمد على أكثر الأدلة قطعية يعني القرآن ، بمساعدة السنة القطعية ، فلعله يستطيع أن يفتح نافذة صغيرة على هذا المطلب العظيم .
لأن الخلق فطموا عن معرفتها . . لماذا ؟
وأي سر في شخصية فاطمة عليها السلام ، فطم الخلق عن معرفته ؟ !
القرآن كتاب الحكمة الإلهية ( يس . وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ ) والإنسان أعلى موجود في المخلوقات ، وقد ذكر القرآن الإنسان في ثمان وخمسين مورداً ، وفي أغلب هذه الموارد جاء ذكر الإنسان معرفةً وفي بعضها ورد ذكره نكرة ، وهذا التعريف والتنكير يحمل معاني كثيرة .
وقد بين القرآن مبدأ تكوين الإنسان ومنتهاه ، فمبدؤه من علق اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ . خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ ( سورة العلق : 1 - 2 ) ومنتهى مساره ( خَلَقَ الإِنْسَان عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ) ( سورة الرحمن : 4 ) ليس هذا بيان النطق باللسان فقط ، بل هو البيان المتناسب مع تسمية القرآن بياناًً في قوله تعالى هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 283 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لِلْمُتَّقِينَ ( سورة آل عمران : 138 ) وبياناً في قوله تعالى وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَئٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ( سورة النحل : 89 )
كما بيََّن مسار الإنسان في خطين ، خط صعود وخط نزول ، وقسم الناس لذلك إلى سالكين في طريق التكامل أو متسافلين ، وخص كلاً منهما بآيات . وسمى أول سورة من القرآن تتحدث عن خلق الإنسان وطغيانه ، باسم سورة العلق ! كما سمى سورة باسم سورة الإنسان ، تحدث فيها عن أعظم مراتب الكمال في الإنسان ، وأعلى قوس الصعود في تكامله ، وجمع فيها خلاصة ما أنزله عن الإنسان في البضعة وخمسين مورداً ! هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً . إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً ( سورة الانسان : 1 - 2 ) .
فأين الذي يقرأ القرآن بفكر ثاقب يتدبر القرآن ؟
إن سورة الإنسان تعني سورة العالم ، كل عالم الإمكان ! وهي من أكبر حجج الله على خلقه ، وهي بناء رباني يتحدث عن الإنسان ذلك الكائن العجيب الذي بناه الله تعالى بقدرته :
وتزعم أنك جرم صغير * وفيك انطوى العالم الأكبر
لقد لخص الله العالم في آدم عليه السلام ، ثم فصَّل حال آدم وبنيه في تكاملهم وصعودهم ، وتسافلهم ونزولهم ! ثم لخص قضيتهم في سورة الإنسان !
ففي سورة العلق تحدث عن مبدأ خلق الإنسان من علقة .
وفي سورة الطارق تحدث عن خلق الإنسان من ماء دافق : فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ . خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ . يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ ( سورة الطارق : 5 - 7 )
فتراه يتناول الموضوع من هذه الزاوية ، أو تلك ، ويجمع المفصل ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 284 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ويفصل المجمل ، أو يلخص القضايا ، أو يبسطها ، في وجوه من إعجاز القرآن وخصائصه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه !
هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً . . هنا أفاض في الحديث عن الإنسان ، وذكر ما لم يذكره في مكان آخر ! فمن عادته أن يتكلم عن بدأ خلق الإنسان من نطفة ، أو علقة ، أو سلالة ، أو تراب ، أو طين ، أو صلصال ، أو ماء مهين . . لكنه هنا تحدث عما قبل ذلك فقال : ( هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ) ؟ !
لاحظوا تسلسل آيات سورة الإنسان :
هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا .
إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا .
إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا .
إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاسِلا وَأَغْلالاً وَسَعِيرًا .
إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا .
عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا .
يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا .
وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا .
إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا .
إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا .
فَوَقَاهُمُ اللهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا .
وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا .
مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا .
وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 285 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ويُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوارِيرَاْ .
قَوَارِيرَاْ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا .
وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلاً .
عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً .
وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا .
وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا .
عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا .
إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا .
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلاً .
فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا . ( سورة الإنسان : 1 - 24 )
يقول مستخرج لآلي القرآن الإمام الصادق عليه السلام : كان شيئاً ولم يكن مذكوراً .
( تفسير نور الثقلين : 5 / 469 ) ، وفيه مطالب عالية لا يتسع لها المجال .
إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاج نَبْتَلِيه . . وكل كلمة فيها تجعلك تتوقف عندها ، فهذا الهيكل مركب من لب وقشر بناه الله بقدرته على الأمشاج ، أي على التركيب والتأليف من متضادات ومتوافقات ! أمشاج نطفة الأب وبويضة الأم ، وأمشاج اللب والقشر ، وأمشاج العقل والهوى ، وأمشاج المذكر والمؤنث في تركيب البدن ، وحتى في تركيب الروح !
نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا . . إن ظاهر القرآن حق ، وباطنه حق ، ولكل أهل . وسير الإنسان يبدأ من هنا بابتلائه ، بتطويره واختباره معاً ، حتى يصل إلى : إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 286 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم تنمو شجرته وتكبر ، لكنها تنقسم بشكل متباين فتكون شعبتين : إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ، وتذهب كل منهما في طريق !
أما فرع : شَاكِرًا ، فيكون كشجرة طيبة أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ . تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ( سورة إبراهيم : 24 - 25 ) .
وأما فرع كَفُورًا ( كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأَرْضِ مَالَهَا مِنْ قَرَارٍ ) . ( سورة إبراهيم : 26 )
ثم تبدأ السورة بآيات قوس النزول البشري ، وقوس الصعود الإنساني فتختصر آيات الأشرار السافلين بآية واحدة : إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاسِلا وَأَغْلالاً وَسَعِيرًا ولكنها تفصل في آيات الأبرار العالين بنحو عشرين آية :
إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا . . . الآيات !
لقد استعمل الله تعالى في آيات خلق الإنسان كلمة ( أحسن ) مرتين ، لخلق بدن الإنسان ولخلق نفسه ، في قوله تعالى : ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ . ( سورة المؤمنون : 14 )
وفي قوله تعالى : لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ( سورة التين : 4 )
أما في سورة الإنسان فقد بين تعالى كيف يصل الإنسان صاحب أحسن تقويم إلى أعلى درجات الكمال ، فما لم يصل الإنسان إلى هذه الدرجة لا يصل العالم إلى كماله .
أما أهل أعلى درجات الكمال الإنساني في سورة الإنسان فهم أصحاب : " إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا " ، فهؤلاء هم أصحاب : وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى . الَّذِي يُؤْتي مَالَهُ يَتَزَكَّى . وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى . إِلا ابْتِغَاءَ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 287 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى . وَلَسَوْفَ يَرْضَى . ( سورة الليل : 17 - 21 ) فهذا هو منتهى مسار الإنسان في قوس الصعود ، والكمال المطلق الممكن للإنسان !
وفي هذه الدرجة تنطفئ كل المصابيح ، فكل الأنوار هنا ظلمات ، ويشرق نور الله تعالى ! حيث تفنى الأنا والنحن ، وتفنى إرادة الإنسان في إرادة الله ، ويفنى فكره وعقله . . فلا ابتغاء إلا لوجه الله ، ولا وجهة إلا وجه الله !
لقد اتفقت كلمة جمع كبير من مفسري السنة على القضية التالية ، ونقلوا اتفاق مفسريهم القدامى على ذلك ، مثل قتادة ، والحسن البصري ، ومجاهد ، والضحاك ، وابن جبير ، وابن مسعود ، وابن عباس .
ونحن ننقلها من تفسير الكشاف لجار الله بن محمود بن عمر الزمخشري الخوارزمي ، من مفسري أواخر القرن الرابع وأوائل القرن الخامس ، قال : وعن ابن عباس ( رض ) أن الحسن والحسين مرضا ، فعادهما رسول الله صلى الله عليه وآله في ناس معه ، فقالوا يا أبا الحسن لو نذرت على ولديك ، فنذر علي وفاطمة وفضة جارية لهما ، إن برئا مما بهما أن يصوموا ثلاثة أيام ، فشفيا وما معهما شئ ، فاستقرض عليٌ من شمعون الخيبري اليهودي ثلاثة أصوع من شعير ، فطحنت فاطمة صاعاً واختبزت خمسة أقراص على عددهم فوضعوها بين أيديهم ليفطروا ، فوقف عليهم سائل فقال : السلام عليكم أهل بيت محمد ، مسكين من مساكين المسلمين أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنة ، فآثروه وباتوا لم يذوقوا إلا الماء ، وأصبحوا صياماً ، فلما أمسوا ووضعوا الطعام بين أيديهم وقف عليهم يتيم فآثروه ، ووقف عليهم أسير في الثالثة ففعلوا مثل ذلك ، فلما أصبحوا أخذ علي ( رض ) بيد الحسن والحسين وأقبلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ، فلما أبصرهم وهم يرتعشون كالفراخ من شدة الجوع ، قال ما أشد ما يسوؤني ما أرى بكم ، وقام فانطلق معهم فرأى فاطمة في محرابها ، وقد التصق بطنها في ظهرها ، وغارت عيناها فساءه ذلك ، فنزل عليه جبرئيل عليه السلام وقال : خذها يا محمد هنأك الله في أهل بيتك ، فأقرأه السورة . انتهى . ( 1 )
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 288 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ما أحقر الدنيا عند الله تعالى ، حتى سمح أن يكون خيرة أوليائه بعد نبيه صلى الله عليه وآله ، الذين لو دعا أحدهم أن يملأ الله بيته ذهباً لفعل ، سمح أن يستقرضوا قوتهم وهو خبز شعير ، من يهودي !
إن هذا هو الإسلام الذي قَلَبَ الدنيا ، وهذه هي المدينة الإسلامية الفاضلة التي تهز العالم ، وهذا هو أشرف بيت فيها لا يملك قوت يومه ، ويحتاج أن يستقرض خبزه من يهودي خيبري !
فطحنت فاطمة صاعاً واختبزت خمسة أقراص . . وفي الليلة الأولى جاءهم فقير مسلم ، وفي الثانية يتيم ، وفي الثالثة أجنبي مشرك فآثروه كلهم حتى الحسن والحسين تصرفا كالكبار ، ومن أولى منهما بفعل الكبار ؟
فلما أصبحوا أخذ علي بيد الحسن والحسين . . وأقبل فاتح خيبر وقالع بابها مع طفليه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فلما أبصرهم وهم يرتعشون كالفراخ من شدة الجوع قال ما أشد ما يسوؤني ما أرى بكم !
فذلك الإنسان الكامل ، ملك ثمرات الوجود ، وأشجع المخلوقات وأصبرها ، الذي لا يهتز قلبه لما يهتز له العرش . . اهتز قلبه لهم وقال : ما أشد ما يسوؤني ما أرى بكم ! بلفظ التعجب وأفعل التفضيل !
وقام فانطلق معهم . . لأنه لما رأى حالهم ، رأى بلوغ عترته ذروة الإنسان وتحقق الثمرة من خلق الله للعالم ، فأراد أن ينظر إلى بقية عترته في أي حال ؟ فلعل فاطمة لا تستطيع الحراك أو أغشي عليها من الجوع !
فرأى فاطمة في محرابها ، رأى ثمرة الوجود في محرابها ، وقد التصق بطنها في ظهرها ، وغارت عيناها فساءه ذلك ! فنزل عليه جبرئيل عليه السلام وقال : خذها يا محمد هناك الله في أهل بيتك . . فأقرأه السورة !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 289 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فنزل جبرئيل ، وهنا أوجُ المطلب وسره : خذها يا محمد ، هنأك الله في أهل بيتك . . فقد أوصلت خاتمية النبوة إلى أوجها ، وقطفت ثمار شجرة الخليقة ! لقد استطعت أن تربي بيتاً بهذا المستوى ، سيرته وسريرته وظاهره وباطنه : إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا .
هنا يظهر معنى الحديث ، ويتضح أن هذا البيت النبوي الفريد فانٍ في وجه الله ، وعندما يفنى الإنسان في وجه الله ينقلب وجوده ، ويأخذ من أحكام وجه الله تعالى !
أيها الزمخشري والبيضاوي وكبار المفسرين السنيين ، هل تعقلون هذا الحديث الذي كتبته أيديكم ؟
هل عرفتم ماذا يأخذ الفاني في وجه الله ، من الوجه المفني فيه ؟
وهل عرفتم أن وجه الله لا يمكننا معرفته ، فعليٌّ لا يمكننا معرفته ، وفاطمةُ لا يمكننا معرفتها ، والحسنُ والحسين . . صلوات الله عليهم ! فهل عرفتم الآن معنى : إنما سميت فاطمة لأن الخلق فطموا عن معرفتها ؟ ! !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 290 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
التعليقات
( 1 ) الحديث الشريف في الكشاف : 4 / 197 ، وفي طبعة أخرى : 4 / 670 ، وفي شواهد التنزيل : 2 / 393 - 414 ح 1042 - 1070 ، وفي المناقب للمغازلي ص 272 ح 320 ، وأسباب النزول للواحدي ص 296 ، والدر المنثور للسيوطي : 8 / 371 ، وذخائر العقبى ص 102 ، وتفسير البيضاوي : 5 / 165 ، وتفسير الطبري : 29 / 125 ، وتفسير الرازي : 30 / 243 . . وغيرها .
وقد وردت له روايات أخرى منها في تفسير القمي : 2 / 398 قال : ( قوله وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا . فإنه حدثني أبي عن عبد الله بن ميمون القداح ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : كان عند فاطمة عليها السلام شعير فجعلوه عصيدة ، فلما أنضجوها ووضعوها بين أيديهم جاء مسكين ، فقال المسكين رحمكم الله أطعمونا مما رزقكم الله ، فقام علي عليه السلام فأعطاه ثلثها ، فما لبث أن جاء يتيم فقال اليتيم رحمكم الله أطعمونا مما رزقكم الله ، فقام علي عليه السلام فأعطاه ثلثها الثاني ، فما لبث أن جاء أسير فقال الأسير يرحمكم الله أطعمونا مما رزقكم الله ، فقام علي عليه السلام فأعطاه الثلث الباقي ، وما ذاقوها ! فأنزل الله فيهم هذه الآية إلى قوله : ( إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً ) ، في أمير المؤمنين عليه السلام وهي جارية في كل مؤمن فعل مثل ذلك لله عز وجل ) .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 291 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

( 19 ) النبي يباهل النصارى بآله أفضل الخلق صلى الله عليه وآله

( بتاريخ : 11 جمادى الأولى 1414 - 28 / 10 / 1993 - 5 / 8 / 1372 )
نستقبل أيام شهادة الصديقة الكبرى والإنسية الحوراء فاطمة الزهراء صلوات الله عليها وعلى أبيها وبعلها وبنيها .
هذه المظلومة المجهولة القدر عند غير المسلمين وعند المسلمين ، عند السنة وعند الشيعة ، عند العوام وحتى عند الخواص !
يجب علينا أن نحيي ذكرها العاطر في كل سنة ، معترفين بالتقصير والقصور عن أداء حقها .
وفي هذا اليوم أخاطب اثنين من أئمة التفسير السنيين ، هما الفخر الرازي الذي ذكر هذا الحديث في تفسيره في الجزء الثامن صفحة ثمانين في المسألة الثانية ، وإمام مفسريهم الزمخشري الذي طرح نفس الموضوع الذي بحثه الفخر الرازي ، وكذلك البيضاوي الذي ذكر الموضوع باختصار شديد .
ومن أئمة الحديث عندهم ، رواه مسلم ، والترمذي ، وابن منذر ، والحاكم النيشابوري ، وجلال الدين السيوطي .
فقد اتفقت كلمة أئمة التفسير والحديث على ما أقوله اليوم ، وخلاصته :
أن النبي صلى الله عليه وآله عندما خرج للمباهلة مع نصارى نجران ، خرج في ذلك اليوم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 292 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الموعود وعليه مرط أسود ، وبعد أن أقام عليهم الحجة بالبرهان العلمي القاطع بالوحي وقوله تعالى : إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ . ( سورة آل عمران : 59 ) ، بعد هذا وصل الأمر إلى المواجهة والمباهلة ! وستتضح حقيقة المباهلة من قول رأس النصارى الذي سيأتي . .
المطلب عندكم واضح لكن نتعرف على رواية السنيين في آية المباهلة ، وما نذكره من أتقن الروايات التفسيرية والحديثية .
خرج رسول الله وعليه مرط أسود ، وقد حمل الحسين على صدره واحتضنه !
لقد كان الإمام الحسين في ذلك الوقت في سن يستطيع أن يمشي ، لكن لأمر ما خرج النبي صلى الله عليه وآله بهذه الصفة : محتضناً الحسين ، آخذاً بيد الحسن يجره إلى جانبه . . لاحظوا تعبير النص بدقة . .
النبي صلى الله عليه وآله في الإمام محتضناً الحسين ، آخذاً بيد الحسن ، وخلفه فاطمة الزهراء ، وخلفها علي بن أبي طالب عليهم السلام !
إنه نفس النبي الذي قال فيه الله تعالى وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ( سورة النجم : 3 ) والذي لا ينطق عن الهوى لا يفعل عن الهوى !
إنه نفس النبي الذي يقول فيه الله تعالى وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ( سورة الحشر : 7 ) ونفس النبي الذي سنته ليست فقط قوله ، بل سنته قوله وفعله وتقريره . . وكل حركاته وسكناته سنة . . كل أطواره وأحواله سنة . . وكل ما يرتبط بمقام ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى . ( سورة النجم 8 - 9 )
إنه خلاصة العالم ، والنبي الخاتم ، وجوهر الوجود ، والشخص الأول في عالم الكون .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 293 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إن شخصاً من هذا النوع ، النظرة الواحدة منه عالم من الحكمة ، وكل عمل منه ربيع ملئ بالمعرفة ، وعندما يكون هو في المقدمة وفاطمة خلفه ، وعلي خلفهما ، فهذا عمل له معنى ، ومعناه : أن فاطمة هي البرزخ بين النواة الكبرى والولاية العظمى . . ومعناه أن فاطمة فيها جنبة القطب والمحور ، ولها موقع المركزية بين مقام الوحي الأعظم وتبليغ الوحي ، وبين مقام تفسير الوحي فأمام فاطمة النبي وتبليغ الوحي ، ووراءها تفسير الوحي .
هذه فاطمة الزهراء ، هذه مجهولة القدر عند جميع العوالم ، هكذا خرج رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المباهلة ، فماذا كان التأثير ، وماذا حدث ؟ !
عندما جاء رئيس أساقفة نجران في وفد علماء النصارى وشخصياتهم ، ورأى هذا المنظر ، لم يملك نفسه أن قال : ( والله إني لأرى وجوهاً لو أقسمت على الله أن يزيل الجبال لأزالها من مواضعها ) .
وجوهاً إذا حركت شفاهها بالدعاء . . أو مدت أيديها إلى السماء . . لامتلأ الوادي على وفد النصارى ناراً ، ولما بقي نصراني على وجه الأرض ! !
يا ليت أن فهم هذا الأسقف النصراني كان توأماً مع نقل الفخر الرازي !
لكن مع الأسف فإنا نرى نقل الحديث من الفخر الرازي ، بينما درايته من الأسقف النصراني ! وهذا بحد بذاته مصيبة كبرى !
قال الأسقف النصراني لقومه يجب أن نعمل بكل وسيلة لكي لا يرفع هؤلاء أيديهم بالدعاء !
وكان النبي صلى الله عليه وآله قال لفاطمة وعلي والحسن والحسين : ( إذا دعوت فأمِّنوا ) !
إلتفتوا إلى هذه الكلمة ، ما معنى هذه الجملة أيها الفخر الرازي ؟ أيها
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 294 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الزمخشري ؟ أيها البيضاوي ؟ معناها أنه : أن النبي يقول عملي تطبيق لأمر الوحي بقوله تعالى : فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ . ( سورة آل عمران : 61 ) حيث أوجب عز وجل أن يجتمع هؤلاء ، ولذا قال لهم النبي : إذا دعوت فأمِّنوا .
ومعنى هذا أن دعائي بصفتي خاتم النبيين مقتض ، لكن شرط فعلية اقتضاء المقتضي أنفاس فاطمة الزهراء ، فلا بد أن ينضم تأمينها إلى دعائي ! هكذا قرر الوحي ، وهكذا قررت السنة هنا : أن دعاء الزهراء شرط لدعاء النبي صلى الله عليه وآله والمقتضي محال أن يؤثر بدون شرطه ! ففي هذا المقام مقام مباهلة النبي صلى الله عليه وآله مع النصارى لابد مع رفع النبي يديه نحو السماء أن ترتفع معه أيدي أربعة آخرين حتى يستجاب الدعاء ويتحقق المطلوب ! !
وما دام الأمر هكذا ، فيا ترى من هو علي ؟ ومن هي فاطمة ؟ ومن هو الحسن بن علي ؟ ومن هو الحسين بن علي ؟ ! !
إن قيمة الحديث ليس بروايته ، بل بدرايته ، والأساس في الدين هو التفقه فيه ، والكمال كل الكمال في التفقه والدراية لا بالرواية . وحقيقة التفقه أن تتعمق في كل الأفعال والأقوال والخصوصيات ، ثم تستنتج .
نفس ذلك النبي الذي ( وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ) ولا يفعل عن الهوى ، خرج في هذا الوضع ! فلما رآه أسقف النصارى قال : ( والله إني لأرى وجوهاً لو شاء الله أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله بها ، فلا تباهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة ! ( الكشاف : 1 - 369 دار البلاغة ط . ثانية ) فليت الفخر الرازي والزمخشري أعطيا فقه ذلك الأسقف النصراني وإنصافه !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 295 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم تأملوا فيما قاله الزمخشري بعد أن نقل قضية المباهلة ، في سبب تقديم الأبناء والنساء في آية المباهلة : ( فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ . . . ) قال : ( وقدمهم في الذكر على الأنفس لينبه على لطف مكانهم وقرب منزلتهم ، وليؤذن بأنهم مقدمون على الأنفس مفدون بها . وفيه دليل لا شئ أقوى منه على فضل أصحاب الكساء ، وفيه برهان واضح على صحة نبوة النبي ( ص ) ) ( الكشاف : 1 / 370 )
وبذلك اعترف الزمخشري بأن فاطمة والحسن والحسين مفدون بنفس النبي صلى الله عليه وآله وكذلك قال البيضاوي إن في الآية دليلين على نبوة النبي صلى الله عليه وآله وعلى فضيلة أهل الكساء عليهم السلام .
أما الفخر الرازي فقال : وكان رسول الله خرج وعليه مرط أسود وكان قد احتضن الحسين وأخذ بيد الحسن وفاطمة تمشي خلفه وعلي رضي الله عنه خلفهما ، وهو يقول : إذا دعوت فأمِّنوا ، فقال أسقف نجران . . إلى آخر ما ذكره الزمخشري ، ثم ذكر الرازي رواية حديث الكساء وقال : واعلم أن هذه الرواية كالمتفق على صحتها بين أهل التفسير والحديث . ( تفسير الفخر الرازي : 7 / 85 )
حسناً ، لقد اعترفوا كلهم بهذا المقام العظيم لهؤلاء العظماء الذين يفديهم النبي بنفسه !
وهنا نوجه سؤالنا إلى الزمخشري رجل التفسير ، والى الفخر الرازي رجل العقل والفلسفة ، صاحب التفسير وشرح الإشارات والمباحث المشرقية ، إلى من يشبههما من أهل الدقة والتعمق من علماء السنة أمثال البيضاوي والحاكم والسيوطي ، فقد رووا كلهم واعترفوا أن الله تعالى أظهر للعالم في آية المباهلة أنه لا يوجد على وجه الأرض أقرب اليه بعد النبي صلى الله عليه وآله من هؤلاء الأربعة ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 296 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فهؤلاء الذين يستطيعون أن يرفعوا أيديهم بالدعاء ويدعوا ، فيستجيب الله لهم مهما دعوا !
سؤالنا : لقد اعترفتم بأن هذه الأيدي ترتفع فتدعوا فيستجيب الله ، فهل يمكن أن ترتفع إلا عن عقل معصوم وقلب معصوم ؟ !
هل فهمتم أن الكلم الطيب الذي يصعد حتماً إلى الله تعالى ولا يرد ، لا يمكن أن يكون إلا من معصوم : ( إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ) ( سورة فاطر : 10 ) وأنه لا يمكن أن يصعد من قلب أبي بكر وعمر ، ولا من قلب سلمان وأبي ذر ، فيصل حتماً إلى درجة : وَإِنْ مِنْ شئ إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ . ( سورة الحجر : 21 ) ، بل لابد أن يصعد من قلب علي ، أو قلب فاطمة ، أو الحسن ، أو الحسين عليهم السلام ؟ ! !
وسؤالنا : ما دام الأمر كذلك ، فما حكم الذي استحل قتل هؤلاء وشرع في إحراق البيت عليهم ، من أجل تثبيت خلافة اعترف أنها ( فلتة ) ؟ ! !
لقد كتبوا جميعاً من الزبير بن بكار وابن قتيبة ، إلى محمد فريد وجدي في دائرة معارفه ، أن عمر جاء إلى باب بيت علي عليه السلام فقال : يا علي أخرج فبايع ، وإلا أحرقت عليكم هذا البيت بمن فيه ! فبالله عليكم من الذين كانوا في البيت ؟ ! ! أليس من حق الإنسان أن يبكي دماً هنا ؟ !
أيها الفخر الرازي ، أيها القاضي البيضاوي ، أيها الزمخشري ، يا جلال الدين السيوطي . . أنتم رجال فَهْم ، فلماذا نراكم هنا لم تفهموا القضية ؟ ! لماذا لم تفهموا حكم هذا الشخص الذي جاء إلى هذا البيت وقال يا علي أخرج وبايع وإلا حرقت عليكم الدار بأهلها ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 297 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ ! قيل لعمر : إن في البيت فاطمة ! وفي ذلك معنى كبير ، يعني داخل هذا البيت تلك التي قال فيها النبي صلى الله عليه وآله ( من آذاها فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله ) ! وكتبوا كلهم أن عمر قال : وإن . . وإن ! !
بالله عليكم أي بيعة هذه التي دفع ثمنها كل شئ ، وهاجم من أجلها بيت آل النبي صلى الله عليه وآله وكان مستعداً لإحراقه على من فيه ؟ ! إنها تلك البيعة التي قال عنها هو نفسه : ( كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى الله المسلمين شرها ) !
قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ على كل العالم ، نفس الشخص الذي جاء ليحرق بيتاً فيه فاطمة وعلي والحسن والحسين عليهم السلام ، نفسه قال كما في البخاري بيعة أبي بكر كانت فلتةً - أي غلطاً وخطيئةً - وقى الله الأمة شرها ! !
أيها الرجل ، إذا كانت حقيقة بيعتكما هذه باعترافك ، فلماذا دفعت من أجل تثبيتها هذا الثمن الباهض من الإسلام ومستقبل الأمة ، ومن دينك أنت ؟ ! !
أيها العلماء السنيون . . هذا الرجل قائل تلك الكلمة إن كان عاقلاً فإن إقرار العقلاء على أنفسهم جائز ! وقد أقر أنه من أجل الفلتة والغلطة جاء ليحرق فاطمة الزهراء وبعلها وبنيها عليهم السلام ! ترى ، هل يوجد مظلوم في العالم أكثر من هذه الحرة ؟ ! وهل توجد مصيبة أعظم من هذه المصيبة ؟ ! !
إن قدر فاطمة مجهول عند أهل الأرض ، وظلامتها أيضاً ، وسوف لا يعرف مقامها حتى يكون يوم المحشر ، فيظهر الله ظلامتها ومقامها العظيم !
والله إن قدر فاطمة الزهراء مجهول في كل العالم ، وإذا كان قدرها مجهولاً في مراكز السنيين وبلادهم فليس فيه حسرة ، لكن في دولة فاطمة ، هنا دولة الزهراء ، هنا بلد فاطمة ، وهنا يعلنون عطلةً رسمية طويلة من أجل ذكرى
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 298 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
جم ، من أجل نوروز العجم ، لكن من أجل شهادة فاطمة الزهراء عليها السلام لا يوجد تعطيل رسمي ليوم واحد ! المجهولة قدراً ، المجهولة قدراً !
أما متى يعلم مقام فاطمة ويعرف قدرها ؟ في ذلك اليوم الذي تبعث من تربتها فيبعث الله تعالى لاستقبالها سبعين ألف ملك بلواء التكبير ، وسبعين ألف ملك بلواء التسبيح ، يرافقونها حتى تستقر في مقرها !
هذا النوع من التكريم والتقدير الإلهي لم يصدر أمر من الله تعالى بمثله لإبراهيم خليل الله وأب الأنبياء عليهم السلام ولا لموسى بن عمران كليم الله عليه السلام ولا لعيسى بن مريم روح الله عليه السلام ، مع أن خزائن الله لا تتناهى .
إنه يفتح لفاطمة اعتباراً غير محدود ! يأتيها جبرئيل فيقول لها : سلي حاجتك تعطين ، ولا حد لهذه الحاجة ، مهما شئت فاطلبي ! فماذا تطلب فاطمة من الله تعالى ؟
أرجو الدقة في هذا الموضوع أيها العلماء ، أنتم أهل دقة ففكروا في رقيّ هذه المسألة ، إن الطلب من الله تعالى في ذلك اليوم هو الجزاء ، والجزاء غير العمل ، ولكن فاطمة عندما يقال لها أطلبي حاجتك من الله تعالى ، تقول : اللهم أرني الحسن والحسين ! إنها تريد أن ترى العمل قبل الجزاء !
يعني إلهي أرني الذي عملته كما هو ، ليكون الجزاء متناسباً معه ! فيأتونها بالحسن والحسين وأوداج الحسين تشخب دماً ! !
اللهم بفاطمة وأبيها ، وبعلها ، وبنيها ، والسر المستودع فيها صل وسلم عليها وعلى أبيها وبعلها وبنيها عدد ما في علمك صلاةً دائمة بدوام ملكك وفضلك .
والعن أعداءها وغاصبي حقوقها ، عدد ما في علمك لعناً دائماً أبدياً ، بدوام قهاريتك وعدلك . وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 299 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

( 20 ) ولأي الأمور تدفن سراً . . ؟ !

( بتاريخ : 1 جمادى الأولى 1413 - 28 / 10 / 1992 - 16 / 8 / 1371 )
كان المرحوم الميرزا الشيرازي أعلى الله مقامه في منزله أو في منزل الشيخ حسن علي الطهراني ، والشك مني ، فقرأ المرحوم الطهراني وكان من أعظم تلامذة الميرزا الشيرازي ، من مقتل الحسين عليه السلام هذه الجملة : دخلت زينب على ابن زياد ، وما أن سمع الميرزا هذه الجملة حتى تغير ، فشرع الطهراني في قراءة الجملة الثانية ، فقال له الميرزا : إصبر حتى نؤدي هذه الجملة حقها !
والخلاصة ، أن المجلس انقضى ذلك اليوم بهذه الجملة !
إن درجة الفكر والفهم عندما ترتقي ، يختلف تلقي المطالب وفهمها ! فالمطلب واحد ، لكنه يختلف تبعاً لحدة الذهن وعمق الفكر الذي يتلقاه ! لقد رأى الميرزا قدس سره في هذه الجملة مطالب ، لم يرها غيره !
وكذلك الأمر في جملة سمعناها وقرأناه مراراً : دفنت فاطمة ليلاً سراً . فقد اتفقت مصادر الشيعة والسنة على هذه الجملة ، وفهمت منها الأذهان أموراً ، لكن لو تلقاها ذهنٌ كذهن الميرزا الشيرازي لفهم ماذا تعني ! إن أحداث وفاة الزهراء عليها السلام فيها أمور محيرة !
قالت فاطمة لعلي صلى الله عليه وآله إذا لم تستطع تنفيذ وصيتي فأنت معذور ، فأخبرني
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 300 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
حتى أوصي غيرك ! وأوصته أن يقوم بمراسم جنازتها ويدفنها ليلاً ، ولا يخبر فلاناً وفلاناً بموتها وأن يخفي قبرها !
( أوصيك أن لا يشهد أحد جنازتي من هؤلاء الذين ظلموني . . . وأن لا يصلي علي أحدٌ منهم ولا من أتباعهم . وادفني في الليل إذا هدأت العيون ونامت الأبصار ) ! .
هذه الرواية وأمثالها تدل على أن الأحداث كانت خطيرة وجدية إلى أبعد حد ! وأنه لم يضيع حق شخص كما ضيعوا حق الزهراء عليها السلام ، ولا تحمَّل أحدٌ من الألم ما تحمله أمير المؤمنين عليه السلام !
إن فكرنا يبقى عاجزاً عن إدراك هذه الشخصية وهذا الحق المضيع ، ولكي ندرك ذلك نحتاج إلى ذهن كذهن الميرزا أعلى الله مقامه !
ورد في روايات العامة ورواياتنا أن النبي صلى الله عليه وآله عُرج به إلى السماء مرتين ، وعن ابن عباس أن أحدهما معراج كرامة ، والثاني معراج عجائب ، وفي بعض رواياتنا أنه عُرج به مئة وعشرين مرة .
ولعل هذه الحادثة المرتبطة بالزهراء عليها السلام كانت في معراج العجائب !
فقد روى السيوطي وهو من أكابر علمائهم في الدر المنثور ( : 4 / 153 ) حديثاً عن الطبراني بحذف سنده ، ثم نقل رواية عن الحاكم وقال إنه ضعفها ، ثم روى حديثاً عن الطبراني واهتم به ، وهو عن عائشة قالت : ( قال رسول صلى الله عليه وآله :
لما أسري بي إلى السماء أدخلت الجنة ، فوقفت على شجرة من أشجار الجنة لم أرَ في الجنة أحسن منها ، ولا أبيض ورقاً ، ولا أطيب ثمرة ، فتناولت ثمرة من ثمرتها فأكلتها فصارت نطفة في صلبي فلما هبطت إلى الأرض واقعت خديجة فحملت بفاطمة ، فإذا أنا اشتقت إلى ريح الجنة شممت ريح فاطمة ) . انتهى .
فلا بد أن نفهم من هي فاطمة عليها السلام التي هاجموا بيتها وأضرموا فيه النار وضربوها ! والتي عاشت بعد أبيها خمساً وسبعين يوماً ، في مواجهة أحداث
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 301 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مؤامرة ضخمة ، حتى ذاب بدنها من الآلام وصارت كالخيال ، ودفنت ليلاً ! !
بعد أن أثبت الشيخ الرئيس ابن سينا جوهر النفس ، في الإشارات في نمط النفس ، أشار إلى الارتباط بين النفس والبدن أو الروح والبدن ! وقد جعل هذا النمط بتعبيره إشارةً فقط ، ولم يجعله مبحثاً ، وعمله هذا صحيح ، لأنه هنا متفهم وليس فيلسوفاً ، وقد استفاد في هذه الإشارة من مقام العارفين ، على أن مبناه في الإشارات أن يجمع جوهر الحكمة ويؤسسه بشكل متن مختصر .
وقد ذكر في هذا ( النمط ) كيفية الفعل والإنفعال بين النفس والبدن ، كيف يتأثر البدن بالروح والروح بالبدن ؟
وهذا هو المنطلق لما نريد أن نقوله في شخصية الصديقة الزهراء عليها السلام عن العلاقة التامة بين طهارة الروح وطهارة البدن وصفائهما ، فإن فقه الإسلام يؤكد على وجود علاقة جدلية بين البدن والروح . لاحظوا في أبواب الفقه الأهمية التي يوليها الإسلام للقوت الحلال وطهارته وزكائه ، وأن تسعة أعشار الأمر في تحصيل الرزق الحلال ، لكي يكون نسيج البدن حلالاً زكياً ، وتكون نتيجته طهارةَ الروح وصفاءها . إن قضية غذاء الإنسان لها حساب دقيق في الإسلام ، وهي من معجزات القرآن والشريعة المقدسة . لكن من الذي يفهم ذلك ، ومن يستخرج هذه الجواهر الغالية ؟
وإن حقيقة أن الزهراء عليها السلام حوراء إنسية ، ليست مسألة بسيطة ! فعندما يكون نسيج البدن من أرقى ثمار الجنة وأنقاها وأصفاها ، ويكون الأب خير الخلق ، فأي بدن طاهر سيكون ؟
وفوق ذلك فالروح التي سترتبط بهذا البدن ، أي روح ستكون ؟
إنها روح الصديقة الزهراء عليها السلام .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 302 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فهي ليست امرأة من النساء كما يتصور ذلك السطحي الجاهل !
إنها جوهر وناموس ، وسرُّ وجود ، وقضيةٌ فوق قدرة استيعاب عقولنا ، بل فوق قدرة تصورنا وإدراكنا !
ذلك النبي العظيم صلى الله عليه وآله ، الذي لا ينطق عن الهوى ، الذي يخضع جميع الأنبياء عليهم السلام أمام قوله وفعله . . عندما يقول عن شجرة طوبى وثمرتها : لم أرَ في الجنة أحسنَ منها ، ولا أبيضَ ورقاً ولا أطيبَ ثمرةً ، فمعنى عدم رؤيته عدم وجود المرئي ! ومعنى ذلك أن أصل بدن فاطمة أنقى ما في الكون ! فأي روح تناسب ذلك البدن تحل فيه ؟ !
لاحظوا القرآن وتدبروا في آياته ، لتجدوا أبواب حكمة تفوق حكمة ابن سينا ، يقول تعالى : فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ . ( سورة الحجر : 29 ) فقبل أن يُسَوِّي الله البدن بعلمه وحكمته لا تحل فيه الروح . فانظروا كيف كانت تسوية بدن فاطمة ، وأي جوهر ستكون الروح الحالة فيه ؟ !
لابد أن نعترف أننا لا نفهم هذه المطالب إلا عندما يقول الإمام عليه السلام إذا أردت أن تستخير الله تعالى وتطلب منه أن يهديك إلى الخير فيما تريد الإقدام عليه فقل : اللهم إني أسألك بفاطمة وأبيها وبعلها وبنيها والسر المستودع فيها !
هكذا فاستخر الله تعالى ، وبهذا الدعاء فادعه !
وتأمل في أول الدعاء وختامه ؟ ! وفي هذه المحورية لفاطمة الزهراء عليها السلام ؟ ! محورية لمن يقول الله تعالى فيهم : فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ . ( سورة آل عمران : 61 ) إنها عليها السلام محور هؤلاء الخمسة الذين لا سادس لهم في الكون ، والذين بواسطتهم يتم الاتصال بالله تعالى ، ولو دعوا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 303 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الله أن يزيل الجبال لفعل ، ولو دعوه أن يطبق السماء على الأرض لفعل !
أحدهم المحور ، والثاني مركز الدائرة حول ذلك المحور ، وفي ذلك المركز سرٌّ مستسر !
ثم انظر كيف تتوزع مواقع الباقين ؟ مواقع أين منها مواقعُ النجوم وأسرارٌ أين منها أسرار الفيزياء ونسج الطبيعة ! !
إن في حادثة المعراج حقائق عجيبة ، نستطيع أن نتحدث عنها على قدر فهمنا وقدرة عقولنا ، لا على قدرها وواقعها !
القضية التالية التي سأنقلها اتفقت عليها كلمة الكل ، وقد رواها البخاري في كتاب بدأ الخلق وفي كتاب الاستئذان ، ( : 4 / 183 ) عن عائشة قالت : أقبلت فاطمة تمشي كأن مشيتها مشي النبي فقال النبي ( ص ) : مرحباً يا ابنتي ، ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله ، ثم أسرَّ إليها حديثاً فبكت فقلت لها : لم تبكين ؟ ثم أسر إليها حديثاً فضحكت ، فقلت ما رأيت كاليوم فرحاً أقرب من حزن ! فسألتها عما قال فقالت : ما كنت لأفشي سر رسول الله . حتى قبض النبي ( ص ) فسألتها فقالت : أسر إليَّ أن جبريل كان يعارضني القرآن كل سنة مرة ، وأنه عارضني العام مرتين ولا أراه إلا حضر أجلي ، وإنك أول أهل بيتي لحاقاً بي ، فبكيت ! فقال أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة أو نساء المؤمنين ، فضحكت لذلك ) . انتهى . ونحوه في مسند أحمد : 6 / 282 ،
لكن الأصح ما رواه البخاري : 4 / 210 وهو عن عائشة أيضاً ، قالت :
دعا النبي ( ص ) فاطمة ابنته في شكواه الذي قبض فيها فسارَّها بشئ فبكت ثم دعاها فسارَّها فضحكت ، قالت فسألتها عن ذلك فقالت : سارَّني النبي فأخبرني أنه يقبض في وجعه الذي توفي فيه فبكيت ، ثم سارني فأخبرني أني أول أهل بيته أتبعه ، فضحكت ) . ونحوه في : 5 / 138 ، وقد رواه في مواضع أخرى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 304 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي مسلم : 7 / 142 : ( عن عائشة قالت : كنَّ أزواج النبي ( ص ) عنده لم يغادر منهن واحدة ، فأقبلت فاطمة تمشي ما تخطئ مشيتها من مشية رسول الله شيئاً ، فلما رآها رحَّب بها فقال مرحباً بابنتي ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله ، ثم سارَّها فبكت بكاء شديداً ، فلما رأى جزعها سارَّها الثانية ، فضحكت ! فقلت لها خصك رسول الله من بين نسائه بالسرار ، ثم أنت تبكين ؟ ! فلما قام رسول الله سألتها ما قال لك رسول الله ( ص ) ؟ قالت : ما كنت لأفشي على رسول الله سره ! قالت : فلما توفي رسول الله قلت : عزمتُ عليك بما لي عليك من الحق ، لما حدثتني ما قال لك رسول الله ؟ فقالت : أما الآن فنعم ، أما حين سارَّني في المرة الأولى فأخبرني أن جبريل كان يعارضه القرآن في كل سنة مرة أو مرتين ، وأنه عارضه الآن مرتين ، وإني لا أرى الأجل إلا قد اقترب فاتقي الله واصبري ، فإنه نعم السلف أنا لك . قالت فبكيت بكائي الذي رأيت . فلما رأى جزعي سارني الثانية فقال : يا فاطمة أما ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين أو سيدة نساء هذه الأمة ؟ قالت فضحكتُ ضحكي الذي رأيت ) .
وإني لا أرى الأجل إلا قد اقترب فاتقي الله واصبري ! هذه الكلمة التي قالها النبي صلى الله عليه وآله لفاطمة عليها السلام ، غنيةٌ بالمعاني ، فهو يذكر فاطمة بالامتحان الكبير الذي أخبرها أنها ستواجهه بعد وفاته ! إن فراقها له أثقل عليها من السماء والأرض ، لكن ما بعد فراقه سيكون أصعب ! وقد أعدها لهذه المرحلة وشرح لها ما سيحدث ، وهو هنا يودعها ويؤكد عليها أن تتسلح بسلاح الأولياء في امتحاناتهم ( فاتقي الله واصبري ) ويبشرها بقصر مدة الامتحان ، وبالجزاء العظيم من الرب العظيم !
عندما نقرأ في زيارتها سلام الله عليها : يا ممتحنة ، امتحنك الله الذي خلقك قبل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 305 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أن يخلقك ، فوجدك لما امتحنك صابرة . ( مصباح المتهجد ص 711 ) نعرف أنها بلغت مقامها العظيم بامتحان الله تعالى لها ، لكنا لا نعرف إلا القليل عن ذلك الامتحان وكيف نجحت فيه بالصبر ، وكيف حبست نفسها على مرضاة الله تعالى حتى رحلت من هذه الدنيا !
بقطع النظر عن كل ذلك ، فإن كل المسلمين عرفوا أن نبيهم هو خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وآله ، وقد أوصاهم بعترته ، ولم يبق منه ذكرى بعد موته إلا ابنته الوحيدة عليها السلام ! وأن هذه البنت الطاهرة لاقت من أمته من يوم وفاته ، أنواعاً من الظلم والأذى ، حتى أوصت أن تدفن سراً ، وتعمدت أن لا يعرف قبرها ! أقسم بالله أن هذه مصيبة فوق تحمل الإنسان ، بل فوق الوصف !
فما هو واجبنا تجاهها ؟
إن واجبكم أيها الفضلاء ، أنتم أهل الفكر ، وبعضكم حضروا بحوث الخارج لأكثر من عشر سنوات ، ووصلوا إلى حد النبوغ الفكري . . أن تطلقوا أقلامكم وألسنتكم في بيان هذه الظلامة ، التي لم يَرَ العالم مثلها ، وأن تعرفوا الناس بهذه المظلومة ، التي لم يعرف التاريخ مظلوماً مثل زوجها ، ومثلها !
اكشفوا للمسلمين ماذا حدث بمجرد أن أغمض النبي صلى الله عليه وآله عينيه ، حتى وصل الأمر إلى أن توصي فاطمة عليها السلام أن تدفن ليلاً وسراً ؟ !
إن مسلماً لا يمكنه أن يغضي عن هذه الحادثة ، إلا أن يكون في إيمانه خلل ! فهل يمكن أن يكون مؤمناً بالنبي صلى الله عليه وآله ثم يترك قضية ظلامة ابنته الصديقة الطاهرة ، ويساعد على التعتيم عليها وتضييعها ؟ !
إن ظلامة الزهراء عليها السلام جناية يجب أن يجعلها عوامنا محور كلامهم واهتمامهم وخواصنا محور بحثهم وحديثهم ، ليبينوا للعالم ماذا حدث ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 306 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
اللهم اعف عنا ولا تجعلنا شركاء في ظلم فاطمة الزهراء عليها السلام !
اللهم أعنا لنبرئ ذمتنا ونقوم بواجبنا تجاه غضب الزهراء عليها السلام وحزنها ودموعها !
لقد حدد لنا أمير المؤمنين عليه السلام واجبنا عندما قال :
يا رسول الله ! أما حزني فسرمد ، وأما ليلي فمسهد ، لا يبرح الحزن من قلبي ، أو يختار الله لي دارك التي أنت فيها مقيم . كَمَدٌ مُقيح ، وهَمٌّ مُهيج ، سرعان ما فُرق بيننا وإلى الله أشكو ، وستنبئك ابنتك بتظافر أمتك عليَّ وعلى هضمها حقها ، فاستخبرها الحال ، فكم من غليلٍ معتلجٍ بصدرها لم تجد إلى بثه سبيلاً ! ( أمالي المفيد ص 281 )
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 307 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

( 21 ) نحن بحاجة إلى الفقاهة لا إلى السفاهة !

( بتاريخ : 12 جمادى الثاني 1418 - 15 / 10 / 1997 - 24 / 6 / 1376 )
إن منشأ مشكلات مجتمعاتنا السفاهة ، وعلاج أمراضنا الفقاهة ! فعندما يصير الشخص سفيهاً ، حتى لو كان معمماً ذا لحية عريضة ، فإن عيناه لا ترى في الصديقة الكبرى فاطمة الزهراء صاحبة المقام الرباني الذي لا ينال ، سلام الله عليها ، لا يرى فيها إلا أنها امرأة عادية ! غاية الأمر أنها زوجة ناجحة وربة بيت موفقة ، وأنها عابدة لربها . وانتهى الأمر ! !
فلو كان عنده فقاهة لعرف أنه لا يصح أن يقال لفاطمة إنها امرأة عادية ، بل يجب أن يقال لها ( حوراء إنسية ) فهذه هي العبارة التي تعرف شخصيتها !
لو كان فقيهاً لعرف أنها ليست امرأة كالنساء ، وأن النبي صلى الله عليه وآله عندما عرج به إلى الملأ الأعلى رأى الجنة مكتوباً على بابها : لا إله إلا الله ، محمد رسول الله ، عليٌّ حزب الله ، والحسن والحسين صفوة الله ، فاطمة خيرة الله ! إن هذا الحديث لم يروه الشيعة فقط بل رواه السنة أيضاً ! ولا بد للفقيه أن يفهم لماذا يجب أن يفتتح ما كتب على باب الجنة ب‍ ( لا إله إلا الله ) ويختم باسم ( فاطمة ) ! هنا يتميز حد الفقاهة عن حد السفاهة !
والإنسان الذي يقول هذا الكلام لم يبلغ حد الرشد ، وعندما يبلغه سيفهم أن فاطمة الزهراء عليها السلام موجودٌ أبلغ من كل تعبيرنا ، وأن عباراتنا بطبيعتها
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 308 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مفصلة لمعان تبقى قاصرة عن قمة وجود فاطمة الزهراء عليها السلام ، ويفهم معنى اختيار الله اسم فاطمة لها : لأن الناس فطموا عن معرفتها ! !
في هذا اليوم نتعرض لرواية واحدة ، ونلفتكم جميعاً إلى أن أوجب الواجبات عليكم فرداً فرداً أن تعملوا بكل طاقاتكم الفكرية لكي تكونوا علماء فقهاء ، في الدين ، في أصول الدين ، في معرفة النبي وأهل بيته الطاهرين صلى الله عليه وآله ، وتنجوا الناس من هذه الضلالات والفتنة التي أثارها في هذا الزمن بعض المعممين بمساندة جهات ضالة وكافرة ، محاولاً التشكيك في أصول المذهب ومبانيه المحكمة .
الرواية التي نتكلم حولها اليوم لها أصل في مصادر التفسير السنية والحديثية والتاريخية ، كتفسير السيوطي ، ومستدرك الحاكم ، والخطيب البغدادي ، ولكن هذه المصادر لا تهمنا ، والمهم هو الرواية الصحيحة السند التي يعتمد على رجال سندها في الفتوى في مهمات الأحكام الشرعية ، وهي عن الإمام الصادق عليه السلام ( كان رسول الله يكثر تقبيل فاطمة فعاتبته عائشة وقالت يا رسول الله إنك تكثر من تقبيل فاطمة فقال صلى الله عليه وآله : ( إنه لما عرج بي إلى السماء مر بي جبرئيل على شجرة طوبى ، وناولني من ثمرها فأكلته ، فحول الله ذلك ماء إلى ظهري ، فلما هبطت إلى الأرض واقعت خديجة فحملت بفاطمة ، فما قبلتها إلا وجدت رائحة شجرة طوبى منها ! ) . ( المحتضر للحلي ص 135 ، وفي المناقب : 3 / 114 : ( فكلما اشتقت إلى رائحة الجنة شممت رائحة ابنتي ) . انتهى .
لقد عرج بالنبي صلى الله عليه وآله إلى الملأ الأعلى مرات عديدة ، كما ثبت في محله ، وفي تلك المرة أخذ بيده جبرئيل فأدخله الجنة ، وأخذه إلى شجرة طوبى ! وقد ورد وصف طوبى في مصادر السنيين بأنه لم يُرَ أحسن من ورقها ، ولا أطيب من ثمرها ! وقد سميت في القرآن ( طوبى ) وهي مصدر من طاب ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 309 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وتسميتها من حمل المصدر على الذات ، والروايات في عظمة هذه الشجرة وأنها الأولى في الجنة والأكبر ، كثيرة في مصادرنا ومصادر غيرنا ، ونحن في غنى عن بحث دلالتها وسندها .
ولشجرة طوبى ميزات منها أن جذعها في بيت النبي صلى الله عليه وآله ، وأن الله تعالى غرسها بيده ، كناية عن أن ملائكة الله بمن فيهم جبرئيل وميكائيل وإسرافيل ، لا يصلون إلى مستوى غرسها !
إن فقه الحديث يكمن في فهم كلماته فتأملوا فيها : تربة شجرة طوبى ومغرسها في بيت الشخص الأول في الوجود صلى الله عليه وآله . ويجري من تحتها ثلاث عيون : السلسبيل ، والتسنيم ، والمعين . وفي أملاك كل مؤمن غصن منها ، هو أعز عليه من كل ما يملك في الجنة ، لأنه مميز بثماره ، وطيوره ، وأنغام حفيف أوراقه ، والثياب التي تنبت عليه . . كل ذلك فوق ما تشتهي الأنفس !
مر بي جبرئيل على شجرة طوبى وناولني من ثمرها ، فأكلته فحول الله ذلك ماء إلى ظهري ، فلما هبطت إلى الأرض واقعت خديجة فحملت بفاطمة ، فكلما اشتقت إلى رائحة الجنة شممت رائحة ابنتي !
هنا لابد من استعمال أدوات الفقاهة ، فالفقيه هو الذي يفهم العلاقة بين البدن والروح بمستوى ابتدائي ، وقد بحث الشيخ الرئيس ابن سينا ، والخواجة نصير الدين الطوسي ، وقطب الدين الشيرازي ، والى حد ما الفخر الرازي ، بحثوا هذه المسألة إلى الحد الابتدائي ، في ماهية الارتباط بين الروح والجسد ، والتأثير والتأثر ، والعلاقة الجدلية بينهما .
إن خلق الزهراء عليها السلام من ثمر طوبى يفتح نافذة لفقهاء البشر والمفكرين في إنسانية الإنسان ، ويطرح عليهم سؤالاً : إذا أخذت نطفة بدن إنسان من ثمرة شجرة طوبى ، فما هو البدن الذي يتكون من تلك النطفة ؟ ثم ما هي تلكم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 310 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الروح التي صنعت لتحل فيه ، والتي أكرمها الله أن يصل بدنها إلى مرحلة : فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي ، ( سورة الحجر : 29 ) ، والى أن يكتب الله تعالى على باب جنته : ( فاطمة خيرة الله ) ؟
ترى من كان بدنها كهذا البدن ، فما هو نوع روحها ؟ !
ماذا في تلك الروح ، وما هو مقصدها في الوجود ؟ !
إن المصنع الإلهي قائم على الحكمة ، والصانع هو ذلك الحكيم الذي يدير كل منظومة الوجود التي لا يحدها الحس البشري ، والذي هو اللهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ . ( سورة البقرة : 255 ) ، وكل هذه العظمة والحكمة في عالم المادة ، الذي لا يساوي بالنسبة إلى بقية الوجود أكثر من حصوة المثانة ، على حد تعبير المحقق السبزواري رحمه الله .
ذلك الحكيم سبحانه الذي يدير كل تلكم العوالم ، ما غرضه من خلق روح فاطمة الزهراء وبدنها ؟ ! ما غرضه في أن يأخذ الإنسان الأول في الوجود إلى شجرة طوبى التي تحدث عنها لعيسى في الإنجيل ، وذكرها في القرآن فقال : الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ . ( سورة الرعد : 29 ) ، ويطعمه من ثمرها فيتحول ثمرها إلى نطفة في بدنه ، ثم يحل في رحم امرأة أعطت كل ما تملك لربها ، قالوا كانت تجمع ما عندها من حلي وزينة فيبلغ قامة الإنسان ولا يرى الواقف إلى جنبه ! لكنها عندما حضرتها الوفاة قالت لرسول الله صلى الله عليه وآله ليس عندي ثمن كفن ، فأنزل الله تعالى لها كفناً مع جبرئيل عليه السلام !
أمٌّ كهذه ، وأبٌ كهذا ، وبدنٌ فاطمة من ثمار طوبى ، وروحها تلك الروح العليا . . فأي موجودة تكون فاطمة عليها السلام ؟ !
هذا كله ألف باء المطلب ، أما أوْجهُ وختامه فيحتاج إلى فقيه حكيم قد استكمل أصول البحث العقلي والنقلي ، ليدرك نهاية هذا المسار !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 311 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وردت هذه الرواية بمضامين مختلفة في مصادر الخاصة والعامة : ( خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وقد أخذ بيد فاطمة عليها السلام وقال : من عرف هذه فقد عرفها ، ومن لم يعرفها فهي فاطمة بنت محمد ، وهي بضعة مني ، وهي قلبي الذي بين جنبيَّ ، فمن آذاها فقد آذاني ، ومن آذاني فقد آذى الله جل وعلا ) . ( المحتضر للحلي ص 133 ، وشرح الأخبار : 3 / 30 ح 970 ، ومناقب ابن شهر آشوب : 3 / 332 . وكتاب الأربعين للماحوزي ص 316 ، عن الفصول المهمة ص 146 ، واللمعة البيضاء للأنصاري ص 59 ، عن كشف الغمة : 2 / 94 . والبحار : 43 / 54 ح 48 ) .
أنظروا إلى التعبير ، فمجلسنا والحمد لله يكفيه إلفات النظر ، ما معنى أن يخرج النبي صلى الله عليه وآله آخذاً بيد فاطمة عليها السلام ؟ ! إن عمله هذا كعمله في حق عليٍّ يوم الغدير ، حيث أصعد ذلك الرجل الفريد معه على المنبر ، وأخذ بيده ورفعها !
وفي هذا اليوم عندما خرج آخذاً بيد فاطمة المرأة الفريدة في العالم ، قال : من عرفها فقد عرفها . . . ومن لم يعرفها فليعرفها !
لاحظوا كيف قدمها النبي صلى الله عليه وآله إلى الأمة ، وعرفهم مقامها درجةً درجة !
إن لكلامه صلى الله عليه وآله في أنفس مستمعيه وقارئيه جاذبيةً خاصة منوعة ! في المرتبة الأولى قال : بضعةٌ مني . لاحظوا كلمة ( بضعة ) ثم انتقل إلى الأعلى إلى المرتبة الثانية فقال : ( وهي قلبي الذي بين جنبي ) ! وعندما يقول النبي ( أنا ) فالأنا هنا غير كلمة بدني ، فالبدن مضاف وضمير المتكلم مضاف اليه . هنا تعابير خاصة : بضعةٌ مني ، وهي أبلغ من بضعة من بدني ، وقلبي الذي بين جنبي غير قلبي ، إنها قلب بين جنبي الشخص الذي ( إنيته ) مبدأ ومنشأ لكل الفضائل البشرية !
الشخص الذي قال وهو الصادق الأمين : ( كنت نبياً وآدم بين الماء والطين ) ! ( المناقب لابن شهر آشوب : 1 / 214 ، ونحوه في مسند أحمد بن حنبل : 4 / 66 )
معنى أن فاطمة قلب إنسان بهذه الصفة ، أنه لو أخذت مني فاطمة فسأبقى بدناً بلا روح ! فإلى أين وصلت الصديقة الزهراء عليها السلام حتى بلغت مقاماً كهذا ، وصارت قلباً بين جنبي علم وعمل ! فجنب النبي الأيمن علم ، والأيسر عمل !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 312 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
علمٌ عنده تتلاشى كل علوم الأنبياء عليهم السلام ! وعملٌ عنده تتلاشى كل أعمال الأولياء ! ! والقلب الذي بين هذين الجنبين هو الصديقة الكبرى فاطمة الزهراء عليها السلام ! ! وهنا يتضح سر الحديث القدسي في النبي والعترة صلى الله عليه وآله :
( هم فاطمة وأبوها . . وبعلها وبنوها ) !
سيدتي ، ما ذا فعلت حتى صرت المحور والقطب ؟ !
سيدتي ، ما ذا فعلت حتى صرت قلب عالم الوجود ؟ !
سيدتي ، حتى صرت في مقام قال عنك خاتم النبيين صلوات الله عليه : ( من صلى على فاطمة فهو معي أينما كنت في الجنة ) !
إن العمل الذي عملته لا يعرف كنهه وقيمته إلا الله تعالى ومن هم خزائن أسرار الله تعالى . . فأنت تلك العظيمة التي يقول فيك الإمام الصادق عليه السلام لو حاول الناس جادين أن يعرفوا كنه فاطمة ما عرفوه : لأنهم فطموا عن معرفتها !
وهنا نصل إلى مرحلة من كلام الإمام الصادق عليه السلام : ( اللهم إني أسألك بفاطمة وأبيها ، وبعلها وبنيها ) !
فكروا وتفهموا سر هذه الكلمات . . فالسؤال بفاطمة ، وأب فاطمة ، وبعل فاطمة ، وأبناء فاطمة ، وختام هذا الدعاء كلمة هي ختم الكلام : والسر المستودع فيها ! !
في معراج النبي صلى الله عليه وآله أخذوه إلى شجرة طوبى ، وقطفوا له من ثمرها ، وأطعموه منها ، ومن هذا الثمر انعقدت نطفة فاطمة ، وفي هذه النطفة وضعوا جوهر روح اختارها الله تعالى من أشرف ما في خزائنه من جواهر ! !
المسألة هنا : والسر المستودع فيها ، فأي سر هذا السر ، الذي كان لابد له من مقدمات ، معراج النبي صلى الله عليه وآله ، وأن يتناول من ثمار شجرة طوبى ، ليتكون البدن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 313 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الذي يكون محلاً لهذا السر ! هذا السر يحتاج إلى فرصة أخرى لبيانه .
إنها سرٌّ . . سر الله الأعظم . . فقد كان قلبها سراً . .
وما في ذلك القلب كان سراً . .
ألمها كان سراً ، لونها كان سراً . .
ما تحملته كان سراً . .
قدرها كان سراً ، مقامها ما زال سراً . .
سرٌَ في سر ، وحتى القبر التي حوى جثمانها كان سراً !
ماذا فعلت يا بنت رسول الله حتى صرت سر الله ؟ !
والى أي مقام وصلت ؟ !
الذي أستطيع أن أقوله إن العمل الذي قامت بها فاطمة عليها السلام أحيت به قيم الأنبياء عليهم السلام من آدم إلى النبي الخاتم صلى الله عليه وآله !
العمل الذي عملته . . به أحيت اسم الله تعالى . . أحيت كل حرمات الله تعالى . .
عندما يموت المؤمن . . أول تحفة يقدمونها له في الجنة أنهم يقولون له : كل
من شارك في تشييع جنازتك مغفور له . وفاطمة تعرف ذلك ولذا قالت : يا علي لا تُعلم بموتي أحداً منهم !
هذا العمل وما أحدثه ، جدير بأن نفكر فيه كثيراً ، لنعرف ماذا حدث ؟ !
عندما غادر النبي الدنيا صلى الله عليه وآله كانت فاطمة في كامل النشاط وغاية السلامة ، وبعد مضي خمس وسبعين يوماً لحقت به !
وفي الليلة التي غسلوا جثمانها قالوا إنها كانت من ضعفها كالخيال ! وأن جسدها على المغتسل كان كالشبح !
لم يبق إلا نفَسٌ خافتُ * أو مقلةٌ إنسانها باهتُ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 314 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 315 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل السادس : في مقام الإمام الحسين عليه السلام وعظمة عاشوراء

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 316 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 317 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

( 22 ) مسؤولية المبلغ . . وعظمة عاشوراء

( بتاريخ : أواخر ذي الحجة 1417 - . . . / 5 / 1997 - . . . / 2 / 1376 )
بمناسبة أيام عاشوراء يوجد أمران مهمان ، أرجو أن تتأملوا فيهما بعمق :
للعلامة الحلي أعلى الله مقامه كتابان : التبصرة ، ألفه لعامة الناس ، والتذكرة ألفها للفقهاء . وطبيعي أن لا يكون حديثي إليكم التبصرة وأنتم تحضرون هذا البحث ، وأكثركم والحمد لله من العلماء ، وعدة منكم أساتيذ السطوح العالية وبحوث الخارج .
المطلب الأول : ما هو واجبكم في موسم عاشوراء ؟
عاشوراء لها حكم ربيع القلوب ، فكما أن الأرض في الربيع تستعد لإنبات النبات وتنميته ، فإن قلوب الناس تستعد في موسم عاشوراء لتقبل بذور الحكمة والموعظة الحسنة ، ومن المهم جداً أن نستفيد من ربيع قلوب الناس من أجل تربيتها . . فماذا يجب عمله ؟
لقد عين الله تعالى في كتابه واجبنا بقوله تعالى : وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَر مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ . ( سورة التوبة : 122 ) ، فواجبكم أمران : التفقه في الدين ، والإنذار ، وإنه لا يصح ولا يناسب أن نملأ وقت الناس بالقصص ومواد الجرائد ، فواجبنا تجاه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 318 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أنفسنا التفقه ، وتجاه الناس الإنذار : رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً ( سورة النساء : 165 ) ، فلابد أن نقتدي في دعوة الناس إلى الله تعالى بالأنبياء عليهم السلام ، يعني أن تتعلموا مخاطبة الناس من طريقة مخاطبه الله تعالى لهم .
للقرآن في تربية البشر طريقتان : إحداهما التخويف من المسؤولية والمستقبل والثانية بعث الرجاء والأمل في نفوسهم .
فلماذا نرى التأثير في الناس قليلاً ، وتطبيقهم للأحكام الشرعية قليلاً ؟
إن السبب يكمن في تبليغنا وخطابنا للناس عندما لا يكون على أساس صحيح ، فنحن لم نستفد كما ينبغي من طريقة الرسل والأنبياء عليهم السلام في تحريك الفطرة التي فطر الله الناس عليها !
إن طريق تربية الناس توجب أولاً أن نتفقه نحن ! أرجو أن تتأملوا أن كلمة ( تفقُّه ) من باب ( التفعل ) الذي يعني قبول الفقه ، وأن تكون شخصية أحدكم بلون الفقه ، لا أقصد اللون الظاهري فقط ، بل أن يرسخ الفقه في الأعماق ، فينعكس لونه على الشخصية . فإن حصلتم على هذه المرحلة ، فقد حصلتم على التفقه . وإذا صار الإنسان متفقهاً ، فمحال أن لا يحدث في سلوكه تحول !
إن فقه الدين حالة إذا رسخ في فكر الإنسان وصار له خلقاً ، فإن نفسه تتغير لا محالة ، وإذا تغيرت نفسه نحو الكمال ، فقد آن الوقت الذي يكون فيه منذراً ، وحينئذ لابد أن يؤثر في الناس ويغيرهم .
المتفقه في دينه عندما يقول للناس : يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شئ عَظِيمٌ . يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 319 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللهِ شَدِيدٌ . ( سورة الحج : 1 - 2 ) فإنه يحدث انقلاباً في القلوب بإنذاره !
لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ ، ثم : وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ .
من روايات الإمام الحسن العسكري عن أمير المؤمنين صلى الله عليه وآله أنه قال :
( من كان من شيعتنا عالماً بشريعتنا ، فأخرج ضعفاء شيعتنا من ظلمة جهلهم إلى نور العلم الذي حبوناه به ، جاء يوم القيامة على رأسه تاج من نور ، يضئ لجميع أهل العرصات ، وحلة لا تقوم لأقل سلك منها الدنيا بحذافيرها ، ثم ينادي مناد : يا عباد الله هذا عالم من تلامذة بعض علماء آل محمد ، ألا فمن أخرجه في الدنيا من حيرة جهله فليتشبث بنوره ليخرجه من حيرة ظلمة هذه العرصات إلى نزهة الجنان . فيخرج كل من كان علَّمه في الدنيا خيراً ، أو فَتَحَ عن قلبه من الجهل قفلاً ، أو أوضح له عن شبهة ) . ( الاحتجاج للطبرسي : 1 / 7 )
من كان عالماً بشريعتنا . . هذا قول أمير المؤمنين عليه السلام . فالشرط هو العلم بالشريعة ، وكلمات الأئمة عليهم السلام تحتاج إلى دقة عالية لفهمها ، فقد استعمل الإمام هنا لفظ ( الشريعة ) وهي ولفظ ( المشرعة ) من جذر واحد ! وعند التأمل فيهما نفهم معنى : من كان عالماً بشريعتنا ، فمثل هذا الشخص يستطيع أن يخرج ضعفاء شيعة آل محمد صلى الله عليه وآله من ظلمة جهلهم ، إلى نور العلم الذي تعلمه من أهل بيت النبوة عليهم السلام .
معنى هذه الجملة أنكم عندما تجلسون على منبر الخطابة والتبليغ ، فلا تطعموا الناس المساكين ما يلوكه زيد وعمرو ، وما يتجشأه هذا وذاك ! وليكن ما تقدمونه لهم علماً ينبع من عين معين القرآن المبين والعترة الطاهرة ، فبهذا الزلال فقط تحيون قلوب الناس .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 320 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
من كان عالماً بشريعتنا . . ثم أخرج الناس من جهالتهم إلى نور علمنا ، فما هو جزاؤه ؟ ما جزاء تبليغكم في عاشوراء وغيرها ، إن أتقنتموه ؟
إن إتقانه بثلاثة أمور :
أن تعلموهم خيراً .
وأن تكسروا قفل الجهل عن ضعفاء شيعة آل محمد صلى الله عليه وآله .
وأن تدفعوا شبهات أهل الريب التي يلقونها في قلوب الشيعة .
ولا بد أن تؤدوا هذه الأمور الثلاثة مستضيئين بنور علمهم عليهم السلام . وعند ذلك يكون جزاؤكم عندما تبعثون للمحشر أن يضع الله تعالى على رأس الواحد منكم تاجاً : من نور ، يضئ لجميع أهل العرصات ! والجزاء أيضاً : حلة لا تقوم لأقل سلك منها الدنيا بحذافيرها ! هذا واجبكم في عاشوراء .
والمطلب الثاني : أن تُفهموا الناس ما هي عاشوراء ؟ ومن هو صاحب عاشوراء ؟ ونقصد بذلك قدر استطاعتنا من الفهم ، وإلا فلا يمكن أن ندعي أننا نفهم عاشوراء وصاحب عاشوراء صلوات الله عليه ، لا أنا ولا أنتم ولا ملايين من أمثال الشيخ الأنصاري ، والطوسي ، والعلامة ، أعلى الله مقامهم .
إنها قضية بلغت من أهميتها وعظمتها أن الإنسان مهما زاد تبحره في المعقول والمنقول ، لم يرجع من الغور فيها إلا بالإكبار والحيرة والذهول !
وأكتفي بعدة كلمات من مصادر الخاصة والعامة المتقنة ، لتعرفوا أن قضية الإمام الحسين عليه السلام فوق الوصف والتقرير ! بل إن ذلك الغلام الأسود الذي استشهد معه ، فوق وصفنا وبياننا ! لأنه بلغ مقاماً أن سيد المرسلين وخاتم النبيين يحضر من عالمه الأعلى بنفسه فيحفر له قبره ويدفنه !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 321 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
نعم ، خاتم النبيين صلى الله عليه وآله الشخص الأول في عوالم المخلوقات ، لكنه هو الذي يتولى حفر قبر أصحاب الحسين سلام الله عليه ، ورضوان الله عليهم ! !
إنها عظمة قضية كربلاء ، وعظمة الحسين عليه السلام وأصحابه !
فلنفكر في هذا الأمر ، وفيما يستلزمه !
والأمر الثاني أن الإمام الحسين عليه السلام وأصحابه وصلوا إلى مرتبة بحيث أن جبرئيل قال للنبي صلى الله عليه وآله إن الله تعالى بنفسه يقبض أرواحهم !
فما هذا المقام ؟ ! الذي بلغ أن الله يقبض أرواحهم وليس عزرائيل عليه السلام !
والنبي صلى الله عليه وآله يحفر لهم ويدفنهم !
هذا عن أصحاب الحسين ، أما عن مقام الحسين نفسه عليه السلام فإني أورد لكم رواية من مصادر العامة صححها كبارهم ، تدل على أن قضية الحسين أعظم من كل ما ذكرناه ! فقد رواها إمام الحنابلة في مسنده ، والحاكم النيشابوري في مستدركه ، وآخرون من أئمة السنة ، كالخطيب ، وابن كثير ، وابن الأثير ، وابن حجر . وغرضي هنا فقه المطلب وإلا فالأحاديث والآثار كثيرة ، لكن المهم إدراك دقائق المعاني وفقه الحديث .
( قال ابن عباس : رأيت رسول الله في المنام نصف النهار أشعث أغبر ، معه قارورة فيها دم ، فقلت بأبي وأمي يا رسول الله ما هذا ؟ قال : هذا دم الحسين وأصحابه لم أزل التقطه منذ اليوم ! قال عمار : فأحصينا ذلك اليوم فوجدناه قد قتل فيه ) .
وقال ابن الأثير في تاريخه ( ج 1 ص 582 طبعة إحياء التراث - بيروت ) : ( قال ابن عباس : رأيت النبي الليلة التي قتل فيها الحسين ، وبيده قارورة يجمع فيها دماً فقلت : يا رسول الله ما هذا ؟ فقال : هذه دماء الحسين وأصحابه أرفعها إلى الله تعالى ) ! . انتهى . ( 1 )
أرجو أن تنتبهوا ، فإن أحاديث النبي والأئمة صلى الله عليه وآله فيها دقائق ، فقد وردت
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 322 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عبارة : ( كنت ألتقطه ) في رواياتهم التي صححوها وهي تعبير فيه رمز عجيب ! لأن مادة التقط تستعمل في اللغة لالتقاط الضائع ، وجمع المتفرق المنثور من سلكه ومجمعه ، فماذا يعني دم الحسين وأصحابه ؟ ولماذا يجمع النبي صلى الله عليه وآله دم الحسين عليه السلام ، وكيف يمكن جمعه ؟ ولماذا عبر عن جمعه بالإلتقاط ، ولماذا قام هو بالإلتقاط ؟ والى أين يريد أن يأخذ دمهم الطاهر المسفوك ؟
الجواب عن هذا السؤال الأخير بكلمة عجيبة ، نقلها هذا العالم السني الكبير والمؤرخ ابن الأثير ونقلها غيره أيضاً ، لكن لا أظنهم فقهوا معناها قال :
( قال النبي صلى الله عليه وآله : أرفعها إلى الله تعالى ) ! يعني أن هذه الدماء لا تذهب إلى الجنة ولا إلى اللوح ولا إلى القلم ، فمكانها أرفع من ذلك ! دم الحسين ، ومعه دم العباس قمر بني هاشم ، ودم علي الأكبر ، ودم القاسم بن الحسن ، وبقية الأنصار ، لا بد أن يسلمها النبي صلى الله عليه وآله بيده إلى حيث تصل إلى خالقها عز وجل الذي هو مبدأ الوجود والخلق ! فما معنى ذلك ، وما هو فقهه ؟
خلاصة معناه أن النبي صلى الله عليه وآله يقول لنا : أيها البشر ، إن الشجرة التي غرستها ببعثتي إليكم ، قد أزهرت وأثمرت ، وها أنا أجمع زهورها وثمارها لأسلمها إلى الله تعالى !
هذه هي عاشوراء ، فلا تصغروا قدر هذه الواقعة الكبرى . اتقوا الله تعالى ومحارمه وشعائره ، واحذروا العقاب إن صغرتم شأنها !
إن قضية الحسين وعاشوراء قضية عظيمة ، إلى حد أن أبي بن كعب كان عند النبي صلى الله عليه وآله عندما دخل عليه الحسين ، فرحب به النبي صلى الله عليه وآله وقال له : مرحباً بك يا أبا عبد الله يا زين السماوات والأرضين ! فتعجب أبيٌّ من احترام النبي لهذا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 323 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الطفل وتكنيته له ، ووصفه له بأنه زين السماوات كلها وزين الأرضين كلها ! فقال للنبي صلى الله عليه وآله : وكيف يكون يا رسول الله زين السماوات والأرضين أحد غيرك ؟
قال : يا أبيُّ ، والذي بعثني بالحق نبياً ، إن الحسين بن علي في السماء أكبر منه في الأرض ، وإنه لمكتوب عن يمين عرش الله عز وجل : مصباح هدى وسفينة نجاة . . . ( 2 )
فالمسألة فوق صفته بأنه زين السماوات والأرض ، فقد كتبت على يمين العرش صفته أنه : مصباح هدى وسفينة نجاة ! فلماذا كتب في العرش أن الحسين سفينة نجاة ؟ وما هي فلسفة ذلك ؟ لابد أن نجد سر القضية وأساسها ، ومع أن التاريخ قد عمل على تغطية هذا السر وإخفائه ، لكن مضي العصور يكشف الكثير من مخبآت التاريخ ، فقد وصل أمر انكشاف بني أمية إلى حد أن عالماً شيخ الأزهر مثل محمد عبده ، يعلن رسمياً ويكتب أن دولة بني أمية قامت من أجل محو الإسلام كلياً ! ومعناه أن أمثال محمد عبده فهموا أن أصل خطة بني أمية كانت من أجل هذا ! لكن من المبكر أن يصل أمثال محمد عبده إلى كنه القضية ، فهل يمكنكم أنتم أن تصلوا ؟ !
إن هداية البشرية ، أو صرح هدايتها له علة محدثة وعلة مبقية ، كبناء هذا المسجد له علة محدثة وعلة مبقية . والعلة المحدثة لهداية البشر هي بعثة الأنبياء صلوات الله عليهم ، من نبي الله آدم إلى النبي الخاتم صلى الله عليه وآله .
والعلة المبقية إنما هي الولاية الكبرى ، ولاية الأئمة من العترة الطاهرة عليهم السلام . فالحسين عليه السلام علة مبقية ولهذا كان زين السماوات والأرضين ! فالنبوة والإمامة معاً به باقيتان !
نعم ، نفهم ذلك عندما نتأمل في أن جماعة عملوا بمساندة اليهود والنصارى
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 324 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فتركوا جنازة النبي صلى الله عليه وآله مسجاة بيد أهل بيته ، وائتمروا بسرِّية وعجلة وأعلنوا تشكيل حكومة باسم النبي والإسلام ، وعزلوا أهل بيته !
ثم سرعان ما ظهر هدف ترتيباتهم السياسية فأوصلت قيادة الأمة الإسلامية إلى يد عثمان بن عفان الأموي ، ثم إلى معاوية ويزيد ، اللذين عملا بكل قدرتهما لتحقيق فكرة أبي سفيان بضرورة زوال اسم النبي صلى الله عليه وآله عن المآذن !
لقد ظهر أن هدف السقيفة أن يجلس على كرسي النبي صلى الله عليه وآله شخص مثل يزيد الذي شهد أئمتهم أنه كان لا يصلي ، ويشرب الخمر وينكح البنات والأخوات والأمهات ، فيرسل جيشاً إلى المدينة بقيادة شخص مثله ، ويأمره أن يرتكب فيها مجزرة ، فيقتل ثلاثة آلاف من أهلها وفيهم بقية الصحابة ، ويبيحها لجيشه للنهب والعدوان ثلاثة أيام ، وتدخل خيولهم مسجد النبي صلى الله عليه وآله ويرتكب جنوده القتل والسرقة والزنا قرب قبر النبي صلى الله عليه وآله ! ( 3 )
كانت هذه الأعمال مدروسة بجدية ، من أجل محو الإسلام ! يعني محو ذكر كل الأنبياء عليهم السلام ، ثم محو كل جهود أمير المؤمنين عليه السلام لإحياء الإسلام وإعادة العهد النبوي !
إن الحسين عليه السلام أحيا الدين كله من آدم إلى النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وأحيا علياً عليه السلام إلى آخر الدهر ! فهذه هي نتائج عمله صلوات الله عليه !
في كامل الزيارات ص 222 : ( حدثني محمد بن عبد الله الحميري ، عن أبيه ، عن هارون بن مسلم ، عن عبد الرحمن بن الأشعث ، عن عبد الله بن حماد الأنصاري ، عن ابن سنان ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال سمعته يقول : قبر الحسين بن علي عشرون ذراعاً في عشرين ذراعاً مكسراً ، روضة من رياض الجنة ، وفيه معراج الملائكة إلى السماء ، وليس من ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا وهو يسأل الله
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 325 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أن يزوره ، ففوج يهبط وفوج يصعد ) !
وما ذلك إلا لأنه أحيا دين كل الأنبياء عليهم السلام .
والمسألة فوق هذا أيضاً . . ونقول ذلك لكي تعرفوا واجبكم في إقامة عزاء الحسين عليه السلام وتعظيم مقامه ، فكل ما نقوم به من ذلك ليس إلا يسيراً ، فالواجب الشرعي أن تحفظ الشعائر الحسينية بكل قوة وحسم ، وأن تكون في كل سنة أفضل من التي قبلها ! نعم ، المسألة بهذا المستوى . . لماذا ؟
لأن أساس عاشوراء إذا صار واهناً توجه الخطر إلى الدين كله ، فإن بقاء الدين بعاشوراء ، وبقاء توحيد الله تعالى مرتبط بيوم عاشوراء ! إقرؤوا هذا التعبير وافهموا معنى : وبذل فيك مهجته ! فقد بذل عليه السلام روحه من أجل بقاء توحيد الله تعالى ، فإحياء ذكراه وتعظيمها ، تعظيم للتوحيد .
روى في كامل الزيارات ص 278 ، بسند قوي عن الإمام الصادق عليه السلام ( حدثني أبي رحمه الله وعلي بن الحسين وجماعة مشايخي رحمهم الله ، عن سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمد ومحمد بن الحسين ، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع ، عن صالح بن عقبة ، عن زيد الشحام قال : قلت لأبي عبد الله عليه السلام : ما لمن زار قبر الحسين ؟ قال : كان كمن زار الله في عرشه . قال قلت : ما لمن زار أحداً منكم ؟ قال : كمن زار رسول الله صلى الله عليه وآله ) ! !
يا أبا عبد الله الحسين ، صلوات الله عليك .
ماذا فعلت حتى صار ثواب زيارتك كمن زار الله في عرشه ؟ !
بينما ثواب الذي يزور أمير المؤمنين عليه السلام كمن زار رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ !
ماذا فعلت . . فجعلت من كربلاء عرش الله ، وزيارتك فيها زيارة الله ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 326 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ماذا فعل أبو عبد الله . . حتى روى ابن طاووس أن أخته زينب عندما هرعت إلى مقتله وأقبل الشمر ليحز رأسه ، قال لأخته : إرجعي إلى الخيمة ، فأطاعته ورجعت ، وسمعت وهي راجعة ضحكة أبي عبد الله الحسين عليه السلام !
هذا هو العمل الذي عمله أبو عبد الله الحسين : بذل فيك مهجته !
روحي لك الفداء يا من أعطيت روحك وأنت مبتسم ، وهويت إلى الأرض وأنت تقول : بسم الله وبالله ، وفي سبيل الله ، وعلى ملة رسول الله .
السلام عليك يا أبا عبد الله ، وعلى الأرواح التي حلت بفنائك .
( يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ . إرْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً ) .
* *
التعليقات
( 1 ) في أمالي الطوسي ص 315 ، عن ابن عباس : ( فلما كانت الليلة رأيت رسول الله في منامي أغبر أشعث ، فذكرت له ذلك وسألته عن شأنه ؟ فقال لي : ألم تعلم أني فرغت من دفن الحسين وأصحابه ) . انتهى .
ولا يصح للمخالف الإشكال علينا كيف يقبض الله تعالى روح الحسين عليه السلام وأصحابه بيده بدون توسيط عزرائيل ، لأن شبيه هذا التكريم ورد عندهم لمن يقرأ سورة يس . . ففي كنز العمال : 1 / 569 ، عن أبي أمامة : من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة كان الرب الذي يتولى قبض روحه بيده ، وكان بمنزله من قاتل عن أنبياء الله ورسله حتى يستشهد - ابن السني ، والديلمي ) .
والرواية التي أوردها الأستاذ في تاريخ ابن الأثير : 1 / 582 ، وفي طبعة أخرى : 3 / 38 ، وفي تاريخ دمشق لابن عساكر : 14 / 237 ، ورواها ابن كثير في البداية والنهاية : 8 / 218 ، والصالحي في سبل الهدى والرشاد : 11 / 75 ، وابن الدمشقي في المناقب : 2 / 298 ، والغزالي في الإحياء : 4 / 507 ، وكلها فيها : أرفعه إلى الله عز وجل ، وفي بعض مصادرهم : أرفعه إلى
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 327 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
السماء . ولكن أكثر مصادرهم روتها إلى قوله صلى الله عليه وآله : هذا دم الحسين وأصحابه لم أزل التقطه منذ اليوم ، ولم ترو بعدها : أرفعها إلى الله عز وجل . وفي مسند عبد بن حميد ص 235 : لم أزل إلتقطهم قد منذ اليوم .
ومن أبرز الذين رووا ها الحديث أيضاً أحمد بن حنبل في مسنده : 1 / 242 وص 283 ، وقال عنه في مجمع الزوائد : 9 / 193 : رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد رجال الصحيح . ورواية الطبراني في المعجم الكبير : 3 / 110 و : 12 / 143 .
ورواه ابن كثير في النهاية : 6 / 258 ، وقال عنه في : 8 / 218 : تفرد به أحمد وإسناده قوي .
وكذلك رواه أحمد في فضائل الصحابة : 2 / 778 ، وص 781 ، وفي 784 .
ومن أبرزهم الحاكم في المستدرك : 4 / 398 ، وفيه : فوجدوه قتل قبل ذلك بيوم . وقال : هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه . وقال المقريزي في إمتاع الأسماع : / 1 / 241 : ( قال الحاكم والذهبي : هذا حديث صحيح على شرط مسلم ) .
وكذلك رواه الخطيب في تاريخ بغداد : 1 / 152 ، وابن عساكر في تاريخ دمشق : 14 / 237 ، و : 14 / 237 ، وابن الأثير في أسد الغابة : 2 / 22 ، وابن حجر في الإصابة : 2 / 71 ، وابن كثير في النهاية : 6 / 258 ، و : 8 / 218 ، والمناوي فيض القدير : 1 / 265 ، وابن العديم في تاريخ حلب : 6 / 2634 ، والخطيب التبريزي في مشكاة المصابيح ص 572 . والذهبي في سيره : 3 / 315 ، وقال في هامشه : أخرجه أحمد : 1 / 283 ، والطبراني : 28 / 22 ، وسنده قوي كما قال الحافظ ابن كثير في البداية : 8 / 200 وهو في تهذيب ابن عساكر : 4 / 343 . ونقله ابن نما الحلي في مثير الأحزان ص 62 عن تاريخ البلاذري . وفي نظم درر السمطين للزرندي الحنفي ص 218 : ( دم الحسين وأصحابه ، ولم أزل أتتبعه منذ اليوم ! فنظروا فوجدوه قد قتل في ذلك اليوم ، رواه الإمام أحمد . وفي رواية . . . قال : دم الحسين أرفعه إلى السماء .
ورواه السيوطي في تاريخ الخلفاء ص 208 ، عن البيهقي في الدلائل ، وقال قبله : وأخرج الترمذي عن سلمى قالت دخلت على أم سلمة وهي تبكي فقلت ما يبكيك ؟ قالت رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله في المنام وعلى رأسه ولحيته التراب ! فقلت : مالك يا رسول الله ؟ قال : شهدت قتل الحسين آنفاً ! ) . انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 328 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال الأميني رحمه الله في سيرتنا وسنتنا ص 148 : ( قال السيد الشيخاني في الصراط السوي بعد روايته حديث أحمد المذكور : وفي رواية لأحمد : أن ابن العباس كان في قائلة فانتبه وهو يسترجع ففزع أهله ، فقالوا : ما شأنك ما لك ؟ قال : رأيت النبي صلى الله عليه وآله وهو يتناول من الأرض شيئاً . فقلت : بأبي وأمي يا رسول الله ما هذا الذي تصنع ؟ قال : دم الحسين أرفعه إلى السماء ) . انتهى .
وهذا يوجب الشك في إسقاطهم العبارة من نسخة أحمد المطبوعة !
وفي مناقب آل أبي طالب : 3 / 236 : ( وفي أثر ابن عباس : رأى النبي صلى الله عليه وآله في منامه بعد قتل الحسين وهو مغبر الوجه حافي القدمين باكي العينين ، وقد ضم حجزة قميصه إلى نفسه ، وهو يقرأ هذه الآية : وَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ . وقال : إني مضيت إلى كربلاء والتقطت دم الحسين من الأرض وهو ذا في حجري ، وأنا ماض أخاصمهم بين يدي ربي ) .
* *
( 2 ) في عيون أخبار الرضا عليه السلام : 2 / 62 ، قال : ( حدثنا أبو الحسن على بن ثابت الدواليبي رضي الله عنه بمدينة السلام ، سنه اثنتين وخمسين وثلاث مأة قال : حدثنا محمد بن علي بن عبد الصمد الكوفي قال : حدثنا علي بن عاصم ، عن محمد بن علي بن موسى ، عن أبيه علي بن موسى ، عن أبيه موسى بن جعفر ، عن أبيه جعفر بن محمد ، عن أبيه محمد بن علي ، عن أبيه علي بن الحسين ، عن أبيه الحسين بن علي أبي طالب عليه السلام قال : دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وعنده أبي بن كعب فقال لي رسول الله : مرحباً بك يا أبا عبد الله يا زين السماوات والأرضين . قال له أبيُّ : وكيف يكون يا رسول الله زين السماوات والأرضين أحد غيرك ؟ قال : يا أبيُّ والذي بعثني بالحق نبياً ، إن الحسين بن علي في السماء أكبر منه في الأرض ، وإنه لمكتوب عن يمين عرش الله عز وجل : مصباح هدى وسفينة نجاة ، وإمام خير ويمن ، وعز وفخر ، وعلم وذخر ، وإن الله عز وجل ركب في صلبه نطفة طيبة مباركة زكية ، ولقد لقن دعوات ما يدعو بهن مخلوق إلا حشره الله عز وجل معه ، وكان شفيعه في آخرته ، وفرج الله كربه ، وقضى بها دينه ، ويسر أمره ، وأوضح سبيله ، وقواه على عدوه ، ولم يهتك ستره . فقال له أبي بن كعب : وما هذه الدعوات يا رسول الله ؟
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 329 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال : تقول إذا فرغت من صلاتك وأنت قاعد : اللهم إني أسألك بكلماتك ومعاقد عرشك ، وسكان سمواتك وأنبيائك ورسلك أن تستجيب لي ، فقد رهقني من أمري عسراً ، فأسألك أن تصلي على محمد وآل محمد ، وأن تجعل لي من أمري يسراً . فإن الله عز وجل يسهل أمرك ويشرح صدرك ويلقنك شهادة أن لا إله إلا الله عند خروج نفسك . قال له أبيّ : يا رسول الله فما هذه النطفة التي في صلب حبيبي الحسين ؟ قال : مثل هذه النطفة كمثل القمر ، وهي نطفه تبيين وبيان ، يكون من اتبعه رشيداً ومن ضل عنه هوياً ) . انتهى .
* *
( 3 ) وفي الموفقيات للزبير بن بكار ص 575 : ( عن المطرف بن المغيرة بن شعبة قال : دخلت مع أبي على معاوية ، فكان أبي يأتيه فيتحدث معه ، ثم ينصرف إلي فيذكر معاوية وعقله ، ويعجب بما يرى منه ، إذ جاء ذات ليلة فأمسك عن العشاء ، ورأيته مغتماً فانتظرته ساعة ، وظننت أنه لأمر حدث فينا ، فقلت : مالي أراك مغتماً منذ الليلة ؟ فقال : يا بني ، جئت من أكفر الناس وأخبثهم . قلت : وما ذاك ؟ ! قال : قلت له وقد خلوت به : إنك قد بلغت سناً يا أمير المؤمنين ، فلو أظهرت عدلاً وبسطت خيراً فإنك قد كبرت ، ولو نظرت إلى إخوتك من بني هاشم ، فوصلت أرحامهم ، فوالله ما عندهم اليوم شئ تخافه ، وإن ذلك مما يبقى لك ذكره وثوابه ؟
فقال : هيهات هيهات ! أي ذكر أرجو بقاءه ؟ ! ملك أخو تيم فعدل وفعل ما فعل ، فما عدا أن هلك حتى هلك ذكره إلا أن يقول قائل : أبو بكر . ثم ملك أخو عدي ، فاجتهد وشمر عشر سنين ، فما عدا أن هلك حتى هلك ذكره ، إلا أن يقول قائل : عمر . وإن أخا هاشم ليصاح به كل يوم خمس مرات : أشهد أن محمداً رسول الله ! ! فأي عمل يبقى ؟ وأي ذكر يدوم بعد هذا ، لا أباً لك ؟ لا والله إلا دفناً دفناً ! ) انتهى . ورواه المسعودي في مروج الذهب : 3 / 454 ، وفي شرح النهج : 5 / 130
وفي طبقات ابن سعد : 5 / 66 : ( أخبرنا محمد بن عمر قال : حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي ، عن أبيه قال : وأخبرنا بن أبي ذئب عن صالح بن أبي حسان قال : وحدثنا سعيد بن محمد عن عمرو بن يحيى عن عباد بن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 330 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
تميم ، عن عمه عبد الله بن زيد ، وعن غيرهم أيضاً ، كل قد حدثني قالوا : لما وثب أهل المدينة ليالي الحرة فأخرجوا بني أمية عن المدينة ، وأظهروا عيب يزيد بن معاوية وخلافه ، أجمعوا على عبد الله بن حنظلة فأسندوا أمرهم إليه فبايعهم على الموت وقال : يا قوم اتقوا الله وحده لا شريك له ، فوالله ما خرجنا على يزيد حتى خفنا أن نرمى بالحجارة من السماء ! إن رجلاً ينكح الأمهات والبنات والأخوات ، ويشرب الخمر ، ويدع الصلاة ، والله لو لم يكن معي أحد من الناس لأبليت لله فيه بلاء حسناً ، فتواثب الناس يومئذ يبايعون من كل النواحي ، وما كان لعبد الله بن حنظلة تلك الليالي مبيت إلا المسجد . . الخ . ! !
وفي هامش سير أعلام النبلاء : 4 / 228 ، عن ابن حزم في كتابه جوامع السيرة ص 357 ما نصه : ( أغزى يزيد الجيوش إلى المدينة حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى مكة حرم الله تعالى ، فقتل بقايا المهاجرين والأنصار يوم الحرة ، وهي أيضاً أكبر مصائب الإسلام وخرومه ، لأن أفاضل المسلمين وبقية الصحابة ، وخيار المسلمين من جلة التابعين قتلوا جهراً ظلماً في الحرب وصبراً ، وجالت الخيل في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وراثت وبالت في الروضة بين القبر والمنبر ! ! ولم تصلَّ جماعة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا كان فيه أحد ، حاشا سعيد بن المسيب فإنه لم يفارق المسجد ، ولولا شهادة عمرو بن عثمان بن عفان ، ومروان بن الحكم عند مجرم بن عقبة المري بأنه مجنون لقتله ! وأكره الناس على أن يبايعوا يزيد بن معاوية على أنهم عبيد له ، إن شاء باع ، وإن شاء أعتق ! وذكر له بعضهم البيعة على حكم القرآن وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر بقتله ، فضرب عنقه صبراً ! وهتك مسرف أو مجرم الاسلام هتكاً ، وأنهب المدينة ثلاثاً ، واستخف بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومدت الأيدي إليهم وانتهبت دورهم !
وانتقل هؤلاء إلى مكة شرفها الله تعالى ، فحوصرت ورمي البيت بحجارة المنجنيق ، تولى ذلك الحصين بن نمير السكوني في جيوش أهل الشام ، وذلك لأن مجرم بن عقبة المري مات بعد وقعة الحرة بثلاث ليال ، وولي مكانه الحصين بن نمير !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 331 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأخذ الله تعالى يزيد أخذ عزيز مقتدر ، فمات بعد الحرة بأقل من ثلاثة أشهر وأزيد من شهرين ، وانصرفت الجيوش عن مكة ) . اه‍ . انظر : معجم البلدان : 2 ص 249 والطبري ، والكامل ، والبداية ، وتاريخ الاسلام ، في أحداث سنة 63 وجوامع السيرة لابن حزم 357 - 358 .
وفي لسان الميزان : 6 / 294 : ( ثم إن أهل المدينة خلعوا يزيد في سنة ثلاث وستين ، فجهز إليهم مسلم بن عقبة المري في جيش حافل فقاتلهم فهزمهم ، وقتل منهم خلقاً كثيراً من الصحابة وأبنائهم ، وسبى أكابر التابعين وفضلاؤهم ، واستباحها ثلاثة أيام نهباً وقتلاً ، ثم بايع من بقي على أنهم عبيد ليزيد ، ومن امتنع قتل ! !
ثم توجه إلى مكة لحرب ابن الزبير فمات في الطريق ، وعهد إلى الحصين بن نمير فسار بالجيش إلى مكة فحاصر ابن الزبير ونصبوا المنجنيق على الكعبة ، فوهت أركانها ثم احترقت ، وفي أثناء ذلك ورد الخبر بموت يزيد ) . ونحوه في الإصابة : 6 ص 232
وفي نهاية ابن كثير : 8 / 239 - 241 : ( قالوا : وقد بلغ يزيد أن ابن الزبير يقول في خطبته : يزيد القرود ، شارب الخمور ، تارك الصلوات ، منعكف على القينات . . .
ثم أباح مسلم بن عقبة ، الذي يقول فيه السلف مسرف بن عقبة - قبحه الله من شيخ سوء ما أجهله - المدينة ثلاث أيام كما أمره يزيد لا جزاه الله خيراً ، وقتل خلقاً من أشرافها وقرائها وانتهب أموالاً كثيرة منها ، ووقع شر عظيم وفساد عريض على ما ذكره غير واحد . فكان ممن قتل بين يديه صبراً معقل بن سنان ، وقد كان صديقه قبل ذلك ، ولكن أسمعه في يزيد كلاماً غليظاً فنقم عليه بسببه ) !
وقال الحافظ ابن عقيل في النصائح الكافية لمن يتولى معاوية ص 62 :
( نقل أبو جعفر الطبري في تاريخه ، وابن الأثير في الكامل ، والبيهقي في المحاسن والمساوي ، وغيرهم أن معاوية قال : ليزيد إن لك من أهل المدينة ليوماً ، فإن فعلوا فارمهم بمسلم بن عقبة ( هو الذي سمي مسرفاً ومجرماً ) فإنه رجل قد عرفت نصيحته . اه‍
عرف معاوية أن مسلماً لا دين له ، فأمر يزيد أن يرمي به أهل المدينة ، وقد فعل يزيد ما أمره به أبوه ، وفعل مسلم بأهل المدينة ما أريد منه ، حيث قال له يزيد : يا مسلم لا تردن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 332 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أهل الشام عن شئ يريدون بعدوهم ، فسار بجيوشه من أهل الشام فأخاف المدينة واستباحها ثلاثة أيام بكل قبيح ، وافتضت فيها نحو ثلاثمائة بكر ، وولدت فيها أكثر من ألف امرأة من غير زوج ، وسماها نتنة وقد سماها رسول الله صلى الله عليه وآله طيبة ، وقتل فيها من قريش والأنصار والصحابة وأبنائهم نحو من ألف وسبعمائة وقتل أكثر من أربعة آلاف من سائر الناس ، وبايع المسلمين على أنهم عبيد ليزيد ! ومن أبى ذلك أمَرَّهُ مسلم على السيف ! إلى غبر ذلك من المنكرات !
قال المحدث الفقيه ابن قتيبة رحمه الله في كتاب الإمامة والسياسة ، والبيهقي في المحاسن والمساوي ، واللفظ للأول قال : أبو معشر دخل رجل من أهل الشام على امرأة نفساء من نساء الأنصار ومعها صبي لها ، فقال لها : هل من مال ؟ قالت : لا والله ما تركوا لي شيئاً ، فقال : والله لتخرجن إلَّي شيئاً أو لأقتلنك وصبيك هذا ! فقالت له : ويحك إنه ولد أبي كبشة الأنصاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله ، ولقد بايعت رسول الله يوم بيعة الشجرة على أن لا أسرق ولا أزني ، ولا أقتل ولدي ، ولا آتي ببهتان أفتريه ، فما أتيت شيئاً ، فاتق الله ! ثم قالت له : يا بني والله لو كان عندي شئ لافتديك به ! قال فأخذ برجل الصبي والثدي في فمه فجذبه من حجرها فضرب به الحائط فانتشر دماغه في الأرض ! قال فلم يخرج من البيت حتى اسود نصف وجهه وصار مثلاً .
وأمثال هذه من أهل الشام ومن مسلم نفسه كثيرة ، فمسلم في هذا كله منفذ لأمر يزيد ، ويزيد منفذ لأمر معاوية ! فكل هذه الدماء وكل هذه المنكرات الموبقات ودم الحسين عليه السلام ومن معه في عنق معاوية أولاً ، ثم في عنق يزيد ثانياً ، ثم في عنق مسلم وابن زياد ثالثاً ، أفبعد هذا يتصور أن يقال لعله تاب ورجع ؟ ! كلا والله ، ولقد صدق من قال : أبقى لنا معاوية في كل عصر فئة باغية ، فهاهم أشياعه وأنصاره إلى يومنا هذا يقلبون الحقائق ويلبسون الحق بالباطل ! ( وَمَنْ يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئاً ) .
أخرج مسلم في صحيحه : ( من أخاف أهل المدينة ظلماً أخافه الله ، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ) . انتهى .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 333 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

( 23 ) حسين مني وأنا من حسين

( بتاريخ : 24 ذي الحجة 1416 - 13 / 5 / 1996 - 24 / 2 / 75 )
الموضوع الذي يجب التذكير به اليوم ، هو أن الله تعالى يسر لكم بمناسبة أيام عاشوراء خدمةً عظيمة لدينه ، وتجارةً لن تبور .
يجب أن يعرف العلماء والفضلاء الذين في هذا المجلس ، قدر منصبهم الديني الذي وفقهم الله اليه . وأحاديث أهل البيت عليهم السلام هي عبارات للعوام ، وإشارات للعلماء ، كما هو دأب القرآن .
ومن الأمور المهمة في الدين كفالة الأيتام ، ويكفينا لبيان أهميتها قول النبي صلى الله عليه وآله في الحديث الذي روته مصادر السنيين : أنا وكافل اليتيم كهاتين . هذا بالنسبة إلى عموم الأيتام ، ولكن الحديث فيه إشارة فسرها الأئمة عليهم السلام بأبي طالب رضوان الله عليه ، الذي كفل أعظم يتيم على وجه الأرض ، وآمن به أحسن إيمان ، وحماه ورعاه أحسن رعاية ، رضوان الله عليه .
وفيه إشارة فسرها الإمام العسكري عليه السلام بحديث عن آبائه عن جده رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال : ( أشد من يتم اليتيم الذي انقطع من أمه وأبيه ، يتم يتيمٍ انقطع عن إمامه ولا يقدر على الوصول إليه ، ولا يدري كيف حكمه فيما يبتلي به من شرائع دينه . ألا فمن كان من شيعتنا عالماً بعلومنا فهدى الجاهل بشريعتنا المنقطع عن مشاهدتنا وهو يتيم في حجره ، ألا فمن هداه وأرشده وعلمه شريعتنا ، كان معنا في الرفيق الأعلى ) . ( 1 )
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 334 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فقد وصف النبي صلى الله عليه وآله يتم من انقطع عن الوصول إلى إمامه بأنه : أشد اليتم ، لأن اليتم تارة يكون يتماً جسمانياً ، وتارة يتماً روحانياً . وهذا من باطن كلامه صلى الله عليه وآله . والآن في هذا البلد يوجد أناس محرومون من تعلم مسائل الدين الابتدائية البسيطة ، وهم يجهلون مسائل الحلال والحرام ، وعقائدهم متزلزلة ، وقد تسلح ذئاب النواصب بكل قواهم لصيدهم ! ولا حاجة لبيان هذا الخطر .
في مثل هذه الظروف يجب على كل من يستطيع أن يقوم بحفظ أيتام آل محمد ويتكفلهم . وبما أننا في أيام عاشوراء ، أكتفي بهذا الحديث عن أبي عبد الله الحسين عليه السلام قال : من كفل لنا يتيماً قطعته عنا محنتنا باستتارنا ، فواساه من علومنا التي سقطت إليه ، حتى أرشده وهداه . . . وفي نسخة : قطعته عنا محبتنا ، ولكن الأظهر : قطعته عنا محنتنا باستتارنا ، فتنطبق الرواية على عصرنا ، عصر الامتحان بالغيبة والإستتار ، وبذلك يتضح واجبنا في كفالة أيتام شيعة آل محمد في هذا العصر والامتحان .
وقد بين الإمام عليه السلام في الجملة الثانية كيف يتكفل أمثالكم اليتيم ، فقال : فواساه من علومنا التي سقطت إليه ، حتى أرشده وهداه ، فبين لكم ماذا يجب أن تقدموه في خطابتكم من الثمار المتساقطة عليكم من شجرة أهل البيت الطيبة شجرة الوحي والنبوة .
إن برنامجكم في التبليغ لا يحتاج إلى شرح وتوضيح ، فأنتم والحمد لله يكفيكم الإلفات والتذكير ، فاكفلوا اليتامى كما أمركم عليه السلام ، ولا تقرؤوا عليهم كلام زيد أو عمر ، بل كلام الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله ، إقرؤوا لهم ما قاله جعفر بن محمد ومحمد بن علي صلوات الله عليهما ، من ثمار تلك الشجرة الطيبة التي : أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ . تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا . ( سورة إبراهيم : 24 - 25 )
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 335 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فاقطفوا الثمار من تلك الشجرة ، وأسقطوها على أولئك الأيتام !
هذه توجيهات الإمام الحسين عليه السلام ولا يتسع الوقت لتفصيل فقه الحديث . فإن فعلتم ذلك ، فإن أجر من تكفل أولئك الأيتام الفكريين في زمن الغيبة وواساهم أن يقول الله له الله عز وجل : أيها العبد الكريم المواسي لأخيه أنا أولى بالكرم منك ، إجعلوا له يا ملائكتي في الجنان بعدد كل حرف علمه ألف ألف قصر ، وضموا إليها ما يليق بها من سائر النعيم .
نعم هذا أجر الحرف الواحد للكافلين أيتام آل محمد صلى الله عليه وآله في غيبة إمامهم ! وما أقل معرفتنا بعالم الجزاء وحياة الخلود ؟ !
يمكنكم في هذه الأيام القليلة أن تفوزوا بتجارة رابحة ، فالترغيب الكثير الذي ترونه في القرآن والسنة لنشر العلم والهداية ، إنما هو من أجل أن يقوم العلماء بواجبهم في التعليم ، خاصة في مثل عصرنا ، حتى لا يأتي بعض المخالفين والمتأثرين بهم ويعملوا لتحريف تلك العقائد المقدسة والأفكار النورانية ، التي بذل السلف الصالح جهودهم وجهادهم لحراستها والمحافظة عليها وإيصالها إلى الأجيال ، من زمن أوتاد الأرض الأربعة من تلاميذ الأئمة : محمد بن مسلم ، وبريد بن معاوية ، وليث بن البختري المرادي ، وزرارة بن أعين رضوان الله عليهم ( 2 ) ، وصولاً إلى الذين حفظوا عقائد التشيع إلى عصرنا . فأهم واجبكم أن تحرسوا هذه العقائد لتبقى نقية سليمة كما هي . يجب أن تكون همتكم في أمرين : الأول : حفظ العقائد ، والثاني : تعليم مسائل الحلال والحرام . ويجب أن تعرفوا أنه لا يمكن حفظ الإسلام إلا بحفظ التشيع . . أصلاً لا يوجد دين في العالم إلا الإسلام ، ولا يوجد إسلام بالمعنى الصحيح إلا في مذهب التشيع ، فالدين الصحيح والإسلام الصحيح منحصر في مذهب أهل البيت عليهم السلام .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 336 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أنتم ترون أن الذين يكثرون الكلام عن التوحيد ويدعون أنهم يحملون رايته دون سواهم ، هم عند المحاكمة البرهانية أتباع أئمة في الشرك ، وبحكم البرهان رافعوا راية التشبيه والتجسيم !
إن العقيدة الإسلامية الحقة في الله تعالى وتوحيده ، وفي النبوات وفي المعاد منحصرة في المذهب الجعفري فقط ! وهذا الحكم ليس كلاماً خطابياً بل برهاني ، فلن تجد ثقافة عند فئة ولا مذهب إلا وهي متأثرة بثقافات البشر وتحريفاتهم ، إلا ما صدر من هذا البيت النبوي المطهر !
روحي فداء للإمام الباقر الذي قال : كل ما لم يخرج من هذا البيت فهو باطل ! فهذه الكلمة اليوم يثبتها البرهان . ( 3 )
وإذا أردتم أن تهدوا الناس فلا تنسوا أن الحسين عليه السلام مصباح الهدى ، فما لم تجدوا المصباح لا يمكنكم هدايتهم !
إن الحسين مصباح الهدى . . كلمة رآها النبي صلى الله عليه وآله في معراجه إلى السماء ! لم ير هذه الكلمة في السماء الأولى ولا الثانية ، وصل إلى اللوح ثم إلى القلم ، وعَبَرَ عنهما وعن الكرسي ، عَبَرَ عن سبعين ألف قائمة للعرش ! وعندما وصل إلى منتهى المطالب والمقاصد رآها هناك ! وإنه لمكتوب عن يمين عرش الله عز وجل : مصباح هدى وسفينة نجاة . ( 4 )
فعليكم أن تحافظوا على عظمة عزاء سيد الشهداء عليه السلام ولا تسمحوا للضعفاء أو السفهاء المتأثرين بالأفكار السنية ، أن ينقصوا من عظمة العزاء الحسيني .
في هذا اليوم لي كلمة مختصرة مع أعيان علماء السنيين ، فلا أهمية لعلمائهم المقلدة ، لكن في كل قوم باحثون من أهل الإستدلال العقلي لهم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 337 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
تضلع في العلوم النقلية . وكلامي فقط مع هؤلاء الذين لا يقاس الواحد منهم بملايين المقلدة . توجد رواية نصها : حسين مني ، وأنا من حسين ، أحب الله من أحب حسينا . في هذه الرواية جهتان للبحث : بحث سندي ، ودلالي .
أما البحث السندي فنتعرض له هنا ، مع أنه ينبغي للمحققين منهم أن يلتفتوا إلى أننا لا نحتاج إلى أصالة السند في مثل هذا النص ، بناء على مبنانا الذي نؤكد عليه ، من أن قوة المتن قد تكون دليلاً على صحة السند ، وأنه يستحيل أن يصدر هذا الكلام من غير المعصوم عليه السلام .
لقد روى الحديث من علمائهم وأئمة محدثيهم : صاحب الإستيعاب ، وابن الأثير ، وأحمد بن حنبل ، والترمذي ، وابن ماجة ، والحاكم ، والبخاري في الأدب المفرد ، والطبراني ، وابن شيبة ، وآخرون من أعيان علمائهم . وهذا نصه من الأدب المفرد للبخاري ص 85 : ( 364 - حدثنا عبد الله بن صالح قال : حدثنا معاوية بن صالح ، عن راشد بن سعد ، عن يعلى بن مرة أنه قال : خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ، ودعينا إلى طعام ، فإذا حسين يلعب في الطريق ، فأسرع النبي صلى الله عليه وسلم أمام القوم ، ثم بسط يديه فجعل الغلام يفر ههنا وههنا ، ويضاحكه النبي صلى الله عليه وسلم حتى أخذه ، فجعل إحدى يديه في ذقنه والأخرى في رأسه ، ثم اعتنقه ، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم : حسين مني وأنا من حسين ، أحب الله من أحب حسيناً ، الحسين سبط من الأسباط ) . انتهى . ( 5 )
وقد صححه عدد من علمائهم ، ومنهم الذهبي كبير النقاد عندهم ، مع أنه حريص ما استطاع على تضعيف أحاديث فضائل أهل البيت عليهم السلام .
أما فقه هذا الحديث فهو عميق ، لكنا نذكر منه نقاطاً ، ويمكن لأهل البحث والتحقيق أن يتوسعوا فيها ، وندعو مفكري السنة لأن يهتموا بدرايته ، ولا يقتصروا على روايته كما هو ديدنهم .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 338 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
حسين مني . . ماذا تعني ؟ هذه الياء التي هي ضمير متصل بِمِن ، ثم جاءت ضميراً منفصلاً في أول الجملة الثانية : وأنا من حسين ، أي ياء هي ؟ وعن أي معنى تحكي ؟ ينبغي أن ينتبه من كان منهم متضلعاً في الاستدلالات العقلية ، إلى أن كلمة : مني ، هنا لا تعني أن الحسين يدي ، أو عيني ، أو رأسي ، أو جسدي . . فالياء هنا وكذا : أنا ، تعني تمام وجود النبي صلى الله عليه وآله ، من بدن وقوى ! فالحسين وجود انشعب من حقيقة الحقائق !
فإن لم يكونوا من أهل التخصصات العقلية العالية ، فلا أقل أن يتفهموا النمط الثالث للنفس الأرضية والسماوية عند ابن سينا ، هناك حيث يقال للإنسان : إرجع إلى نفسك وتأمل ! فليقرؤوا التنبيه الأول في إشارات ابن سينا في بحث النفس حتى آخره ليعرفوا حقيقة العِلِّية للإنسانية ، وأنها مبدأ الإدراك والحركة ومبدأ كل فعل وانفعال في تكوين شخصيته !
حسين مني . . معناها أنه منشعب ومتفرع من جوهر النبوة السامي اللطيف ، هذا الجوهر الذي هو فوق البدن البشري للنبي صلى الله عليه وآله ذي الحواس المعروفة ، وفوق البدن المثالي للنبي صلى الله عليه وآله الذي له حواسه أيضاً . أما حسين مني . . فهو من جوهر مرتبته أعلى من هذا البدن المادي ، وذاك البدن المثالي !
ما أسهل رواية الحديث ، فقد رواه كبارهم وصححوه . . رواه الحاكم النيشابوري وصححه هو والذهبي ، ورواه آخرون كالترمذي وابن ماجة والبخاري ، لكن اقتحام العقبة إنما هو بفقهه لا بروايته فماذا فعلتم في فقهه ؟ !
لو فهمتم معنى حسين مني ، لتابعتم سيركم . . فالحسين من النبي صلى الله عليه وآله ، والنبي من ماذا ؟ والى أين يرجع الضمير في ( مِنِّي ) ومن أين تفرع النبي صلى الله عليه وآله ؟ ! هنا يخشع خواص المفكرين ويقولون : انكسرت الأقلام ، وخرس البيان !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 339 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فالنبي صلى الله عليه وآله متفرع من نور العظمة الإلهي ! والحقيقة المحمدية هي النقطة الأولى في بدو قوس النزول في الوجود ، وهي منتهى قوس الصعود في الوجود ! وبه يتضح أن الحقيقة الحسينية عين الحقيقة المحمدية !
وهنا يصل العالم المفكر السني من هذا الحديث الشريف إلى أصل النور وفروعه : اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللهُ بِكُلِّ شئ عَلِيمٌ . . ( سورة النور : 35 ) .
وما دام الأمر كذلك ، فإن الجراحات التي أصابت بدن الحسين يوم عاشوراء قد وقعت على شخص رسول الله صلى الله عليه وآله ، وما يقع على النبي يقع على نور عظمة الله تعالى ! إن المصيبة التي أصيبها الإسلام بالحسين عليه السلام هي المصيبة التي ثقلت في السماوات والأرض ! المصيبة التي تهدمت بها أركان الهدى ، وأثرت على كل الوجود !
لو أن علماء المذاهب السنية تأملوا في كلامنا بعين الإنصاف وتابعوا هذا الباب الذي يفتحه لهم حديث : حسين مني وأنا من حسين ، لعظموا يوم عاشوراء ، ولخرجوا فيه حفاة حاسري الرؤوس دامعي العيون ، وأوصوا جميع المسلمين أن يقيموا مراسم العزاء ليوم عاشوراء ، تفوق مراسم كل الحوادث والمناسبات الأخرى !
أرجو أن يقرؤوا هذا الرواية ، ثم يقرؤوا كلام ابن حجر العسقلاني ، وابن حجر الهيتمي ، وجلال الدين السيوطي ، وغيرهم من علماء السنة ، حيث رووا كلهم ما حدث في يوم عاشوراء قالوا : لما قتل الحسين بن علي رضي الله
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 340 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عنهما كسفت الشمس كَسْفَةً بدت الكواكب نصف النهار حتى ظننا أنها هي ! أي ظننا أنها القيامة ! ( 6 )
فالمصيبة التي هزت الملأ الأعلى ، وأحدثت فيه هذا الحزن والغضب ، ماذا يجب أن تؤثر فينا في هذا العالم ؟ !
حسين مني . . هذه هي الجملة الأولى ، والجملة الثانية : وأنا من حسين . .
ولا يتسع المقام لشرحها .
أما الجملة الثالثة ، فهي عالم يموج بالبلاغة النبوية والدقة : أحب الله من أحب حسيناً . . والسر فيها أنها جملة خبرية ، وإنشائية تتضمن معنى الإخبار ! ومعناها أن الحسين محبوب الله تعالى إلى حد أن محبته محبة لله تعالى ! فما هذه العظمة ، وما السبب في حدوث هذا الانقلاب حتى صار حب الحسين حباً لله تعالى ؟ !
ولي خطاب أيضاً معكم ، فخطابكم يختلف عن خطاب السنيين . .
أقول لكم كلمتين لتفكروا فيهما :
الكلمة الأولى : أن الإمام الصادق عليه السلام المعروف بأخلاقه وبشاشته ، كان كما يروي صاحب كامل الزيارة عن أبي عمارة المنشد : ما ذكر الحسين عند أبي عبد الله في يوم قط فرئي أبو عبد الله متبسماً في ذلك اليوم إلى الليل ! وكان يقول : الحسين عبرة كل مؤمن ! ( 7 )
هذه هي قضية الحسين . . وهذا هو الإمام الصادق . . صلوات الله عليهم .
والكلمة الثانية : هل رأيتم كيف يكون الفقيه ؟ ! كان كبار العلماء إذا رأوا اتفاق ثلاثة فقهاء على الفتوى في مسألة في الفقه ، أفتوا بها ثقة بعلمهم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 341 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ودقتهم وتقواهم ! والثلاثة هم الشيخ الأنصاري ، والميرزا الشيرازي ، والميرزا الشيرازي الثاني ، قدس الله أرواحهم .
وكان الميرزا محمد تقي الشيرازي أعلى الله مقامه أعجوبة في الفكر ، من حيث دقة النظر ، وأعجوبة في متانته وصلابته . . فهو الذي وقف في وجه الإنكليز وأطلق ثورة العراق ! شخص في مثل هذه الصفة ، كان يوم عاشوراء حاسر الرأس حافياً ، في موكب العزاء يلطم على صدره !
ما هذا العمل من رأس الشيعة ومرجعهم ؟ نعم ، كان رأس الشيعة ، وهو في عاشوراء ، حاسر الرأس حافي القدمين ! وهذا علامة فقاهته لأنه يرى أن الإمام الرضا عليه السلام يقول : إن يوم الحسين أقرح جفوننا ، وأسبل دموعنا ، وأذل عزيزنا بأرض كرب وبلاء ، أورثتنا الكرب والبلاء ، إلى يوم الانقضاء ! ( 8 )
إن يوم الحسين أقرح جفوننا . . إن أدق وألطف عضو في البدن هو العين ، فماذا بلغت مصيبة الحسين حتى جرحت جفون الإمام الرضا عليه السلام ؟ !
إن الميرزا أعلى الله مقامه يفهم أن المصيبة التي أقرحت جفون الإمام الرضا عليه السلام ، يجب أن يخرج لها حافيا حاسراً ، ويلطم على صدره !
لقد كان رحمه الله أكبر مما قلنا ، وكان عمله أكثر مما ذكرنا .
وأختم حديثي كما افتتحته بجملة للإمام الصادق عليه السلام رئيس المذهب ، فهو الذي ينبغي أن يقول من هو الإمام الحسين عليه السلام ، ومثله ينبغي له أن يقول ! ففي تعليماته للشيعة في زيارة الإمام الحسين عليه السلام قال : إذا أتيت أبا عبد الله فاغتسل على شاطئ الفرات ، ثم البس ثيابك الطاهرة ، ثم امش حافياً ، فإنك في حرم من حرم الله وحرم رسوله ، وعليك بالتكبير والتهليل والتسبيح والتحميد ، والتعظيم لله عز وجل كثيراً ، والصلاة على محمد وأهل بيته ، حتى تصير إلى باب الحِير " الحائر " ، ثم تقول : السلام عليك يا حجة الله وابن حجته . . . الخ .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 342 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وبما أن السائل سأله عن كيفية زيارته ، فقد علمه أنك عندما تصل إلى قبره الشريف وتسلم عليه بتلك التسليمات تقول : أشهد أنك حجة الله وابن حجته ، وأشهد أنك قتيل الله وابن قتيله ، وأشهد أنك ثائر الله وابن ثائره ، وأشهد أنك وتر الله الموتور في السماوات والأرض ، وأشهد أنك قد بلغت ونصحت ووفيت وأوفيت ، وجاهدت في سبيل الله ، ومضيت للذي كنت عليه شهيداً ومستشهداً وشاهداً ومشهوداً . ( الكافي : 4 / 575 )
السلام عليك يا حجة الله . . أشهد أنك حجة الله . . فبعد التسليم ، يأتي دور أداء الشهادة لله تعالى ، شهادةٌ تشبه تشهدك عندما تجثو في صلاتك بين يدي الله تعالى ، فتشهد له بالوحدانية ولرسول بالرسالة ، كذلك عندما تزور الإمام الحسين عليه السلام ، فاشهد لله عند قبره بأن الحسين حجته على خلقه !
وهناك شهادة أخرى عظيمة ، عليَّ قولها وعليكم التفكير ، فقد علمنا الإمام الصادق أن نشهد بها للحسين صلى الله عليه وآله وهي : أشهد أنك نور الله الذي لم يطفأ ولا يطفأ أبداً . وأشهد أنك وجه الله الذي لم يهلك ولا يهلك أبداً . ( 9 )
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 343 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
التعليقات
( 1 ) في الاحتجاج : 1 / 5 : ( وأما الأخبار في فضل العلماء فهي أكثر من أن تعد أو تحصى ، لكنا نذكر طرفاً منها . فمن ذلك ما حدثني به السيد العالم العابد أبو جعفر مهدي بن أبي حرب الحسيني المرعشي رضي الله عنه ، قال حدثني الشيخ الصادق أبو عبد الله جعفر بن محمد بن أحمد الدوريستي رحمه الله عليه ، قال حدثني أبي محمد بن أحمد ، قال حدثني الشيخ السعيد أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي رحمه الله ، قال حدثني أبو الحسن محمد بن القاسم المفسر الأسترآبادي ، قال حدثني أبو يعقوب يوسف بن محمد بن زياد ، وأبو الحسن علي بن محمد بن سيار ، وكانا من الشيعة الإمامية ، قالا : حدثنا أبو محمد الحسن بن علي العسكري عليه السلام ، قال حدثني أبي عن آبائه عليهم السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال : أشد من يتم اليتيم الذي انقطع من أمه وأبيه ، يتم يتيمٍ انقطع عن إمامه ولا يقدر على الوصول إليه ، ولا يدري كيف حكمه فيما يبتلى به من شرائع دينه ، ألا فمن كان من شيعتنا عالماً بعلومنا فهذا الجاهل بشريعتنا المنقطع عن مشاهدتنا يتيم في حجره ، ألا فمن هداه وأرشده وعلمه شريعتنا ، كان معنا في الرفيق الأعلى ) .
( وفي الاحتجاج : 1 / 8 : ( وبهذا الإسناد عن أبي محمد الحسن بن علي العسكري قال : قال الحسين بن علي عليه السلام : من كفل لنا يتيماً قطعته عنا محنتنا باستتارنا ، فواساه من علومنا التي سقطت إليه ، حتى أرشده وهداه قال الله عز وجل : أيها العبد الكريم المواسي لأخيه ، أنا أولى بالكرم منك ، إجعلوا له يا ملائكتي في الجنان بعدد كل حرف علمه ألف ألف قصر ، وضموا إليها ما يليق بها من سائر النعيم .
وبهذا الإسناد عنه عليه السلام قال قال محمد بن علي الباقر عليه السلام : العالم كمن معه شمعة تضئ للناس ، فكل من أبصر بشمعته دعا بخير ، كذلك العالم معه شمعة تزيل ظلمة الجهل والحيرة ، فكل من أضاءت له فخرج بها من حيرة أو نجا بها من جهل ، فهو من عتقائه من النار ، والله يعوضه عن ذلك لكل شعرة لمن أعتقه ما هو أفضل له من الصدقة بمائة ألف قنطار ، على الوجه الذي أمر الله عز وجل به ، بل تلك الصدقة وبال على صاحبها لكن يعطيه الله ما هو أفضل من مائة ألف ركعة يصليها من بين يدي الكعبة .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 344 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وبهذا الإسناد عنه : قال قال جعفر بن محمد الصادق عليه السلام : علماء شيعتنا مرابطون في الثغر الذي يلي إبليس وعفاريته ، يمنعونهم عن الخروج على ضعفاء شيعتنا وعن أن يتسلط عليهم إبليس وشيعته والنواصب ، ألا فمن انتصب لذلك من شيعتنا كان أفضل ممن جاهد الروم والترك والخزر ألف ألف مرة لأنه يدفع عن أديان محبينا وذلك يدفع عن أبدانهم .
وعنه بالإسناد المتقدم قال : قال موسى بن جعفر صلى الله عليه وآله : فقيه واحد ينقذ يتيما من أيتامنا المنقطعين عنا وعن مشاهدتنا بتعليم ما هو محتاج إليه أشد على إبليس من ألف عابد لأن العابد همه ذات نفسه فقط وهذا همه مع ذات نفسه ذوات عباد الله وإمائه لينقذهم من يد إبليس ومردته ، فلذلك هو أفضل عند الله من ألف عابد وألف ألف عابدة .
( وعنه قال : قال علي بن موسى الرضا عليه السلام : يقال للعابد يوم القيامة : نعم الرجل كنت همتك ذات نفسك وكفيت مؤنتك فادخل الجنة . ألا إن الفقيه من أفاض على الناس خيره وأنقذهم من أعدائهم ووفر عليهم نعم جنان الله تعالى ، وحصل لهم رضوان الله تعالى ، ويقال للفقيه : يا أيها الكافل لأيتام آل محمد ، الهادي لضعفاء محبيهم ومواليهم قف حتى تشفع لكل من أخذ عنك أو تعلم منك ، فيقف فيدخل الجنة معه فئاما وفئاماً وفئاماً - حتى قال عشراً - وهم الذين أخذوا عنه علومه وأخذوا عمن أخذ عنه وعمن أخذ عمن أخذ عنه إلى يوم القيامة ! فانظروا كم صرف ما بين المنزلتين ؟ !
* *
( 2 ) في معجم رجال الحديث : 4 / 196 : ( عن جميل بن دراج ، قال : سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول : أوتاد الأرض وأعلام الدين أربعة : محمد بن مسلم ، وبريد بن معاوية ، وليث بن البختري المرادي ، وزرارة بن أعين ) .
* *
( 3 ) في بصائر الدرجات ص 531 : ( عن الإمام الباقر عليه السلام قال : كل ما لم يخرج من هذا البيت فهو باطل ) . انتهى ، وقد تقدم مع غيره في موضوع رقم 12 .
. * *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 345 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
( 4 ) في عيون أخبار الرضا عليه السلام : 2 / 62 : ( وإنه لمكتوب عن يمين عرش الله عز وجل : مصباح هدى وسفينة نجاة ) .
* *
( 5 ) في مسند أحمد بن حنبل : 4 / 172 : ( عبد الله حدثني أبي ، ثنا عفان ، ثنا وهيب ، ثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم ، عن سعيد بن أبي راشد عن يعلى العامري ، أنه خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى طعام دعوا له ، قال : فاستمثل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال عفان قال وهيب فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم أمام القوم ، وحسين مع غلمان يلعب فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذه ، قال فطفق الصبي ههنا مرة وههنا مرة ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يضاحكه حتى أخذه ، قال فوضع إحدى يديه تحت قفاه والأخرى تحت ذقنه ، فوضع فاه على فيه فقبله ، وقال : حسين مني وأنا من حسين ، أحب الله من أحب حسيناً ، حسين سبط من الأسباط .
وفي سنن ابن ماجة : 1 / 51 بروايتين ، وقال في هامشه : ( في الزوائد : إسناده حسن . رجاله ثقات ) .
وفي سنن الترمذي : 5 / 324 ، وقال : هذا حديث حسن .
وفي مستدرك الحاكم : 3 / 177 ، وقال : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه .
وفي تحفة الأحوذي بشرح الترمذي : 10 / 190 : ( قوله : حسين مني وأنا من حسين قال القاضي : كأنه صلى الله عليه وسلم علم بنور الوحي ما سيحدث بينه وبين القوم فخصه بالذكر ، وبين أنهما كالشئ الواحد في وجوب المحبة وحرمة التعرض والمحاربة ، وأكد ذلك بقوله : أحب الله من أحب حسيناً ، فإن محبته محبة الرسول ومحبة الرسول محبة الله .
( حسين سبط ) بالكسر ( من الأسباط ) قال في النهاية : أي أمة من الأمم في الخير ، والأسباط في أولاد إسحاق بن إبراهيم الخليل ، بمنزلة القبائل في ولد إسماعيل واحدهم سبط ، فهو واقع على الأمة والأمة واقعة عليه . انتهى .
وقال القاضي : السبط ولد الولد ، أي هو من أولاد أولادي ، أكد به البعضية وقررها ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 346 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ويقال للقبيلة قال تعالى : وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطاً أُمَماً ، أي قبائل ، ويحتمل أن يكون المراد ههنا على معنى أنه يتشعب منه قبيلة ، ويكون من نسله خلق كثير ، فيكون إشارة إلى أن نسله يكون أكثر وأبقى ، وكان الأمر كذلك .
قوله ( هذا حديث حسن ) وأخرجه البخاري في الأدب المفرد ، وابن ماجة والحاكم .
ورواه ابن أبي شيبة في المصنف : 7 / 515 ، والبخاري في الأدب المفرد ص 85 ، وابن حبان في صحيحه : 15 / 427 ، والطبراني في المعجم الكبير : 3 / 33 ، و : 22 / 274 ، وابن حجر الهيثمي في موارد الظمآن ص 553 .
وفي كشف الخفاء : 1 / 358 : ( حسين مني وأنا من حسين ) رواه الترمذي وحسنه ، عن يعلى ابن مرة الثقفي مرفوعاً ، ورواه أحمد وابن ماجة في سننه عن يعلى بن مرة باللفظ المذكور ، وزاد : أحب الله من أحب حسيناً ، حسين سبط من الأسباط ) .
وفي تناقضات الألباني الواضحات للسقاف : 1 / 74 : ( حديث يعلى بن مرة مرفوعاً : ( حسين مني وأنا من حسين ، أحب الله من أحب حسيناً ، حسين سبط من الأسباط ) رواه الترمذي ، وهو حسن الإسناد . قلت : صححه الألباني فأورده في سلسلته الصحيحة : 3 / 229 برقم 1227 وهو متناقض حيث ضعفه في تخريج مشكاة المصابيح : 3 / 1738 برقم 6160 ، قائلاً : وإسناده ضعيف . اه‍ . ! ! .
وقال ابن كثير في والنهاية : 8 / 224 : ( ثم قال ( أي الترمذي ) : حدثنا الحسن بن عرفة ، ثنا إسماعيل بن عياش ، عن عبد الله بن عثمان بن خيثم ، عن سعيد بن راشد عن يعلى بن مرة . قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : حسين مني وأنا من حسين ، أحب الله من أحب حسيناً ، حسين سبط من الأسباط .
ثم قال الترمذي : هذا حديث حسن . ورواه أحمد عن عفان عن وهب عن عبد الله بن عثمان بن خيثم به . ورواه الطبراني عن بكر بن سهل ، عن عبد الله بن صالح ، عن معاوية بن صالح بن راشد بن سعد ، عن يعلى بن مرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : الحسن والحسين سبطان من الأسباط . وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو نعيم ، ثنا سفيان ، عن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 347 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يزيد بن أبي زياد ، عن أبي نعيم ، عن أبي سعيد الخدري . قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة ) . انتهى .
ورواه ابن عساكر في تاريخ دمشق : 14 / 148 ، وص 149 ، وابن الأثير في أسد الغابة : 2 / 19 .
* *
( 6 ) روى البيهقي في سننه : 3 / 337 قال : ( وأخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان ، أنبأ عبد الله بن جعفر ، ثنا يعقوب بن سفيان ، حدثني أبو الأسود النضر بن عبد الجبار ، أنبأ ابن لهيعة ، عن أبي قبيل قال : لما قتل الحسين بن علي رضي الله عنهما كسفت الشمس كسفة بدت الكواكب نصف النهار حتى ظننا أنها هي ! . انتهى . أي أنها القيامة !
وفي مجمع الزوائد للهيتمي : 9 / 196 : ( وعن أم حكيم قالت قتل الحسين وأنا يومئذ جويرية فمكثت السماء أياماً مثل العلقة . رواه الطبراني ورجاله إلى أم حكيم رجال الصحيح .
وعن جميل بن زيد قال : لما قتل الحسين احمرت السماء قلت أي شئ تقول قال ان الكذاب منافق ان السماء احمرت حين قتل . رواه الطبراني وفيه من لم أعرفه .
وعن أبي قبيل قال : لما قتل الحسين بن علي انكسفت الشمس كسفة حتى بدت الكواكب نصف النهار حتى ظننا أنها هي . رواه الطبراني وإسناده حسن .
وفي المصنف لابن أبي شيبة : 8 / 633 : ( 262 - حدثنا علي بن مسهر عن أم حكيم قالت : لما قتل الحسين بن علي وأنا يومئذ جارية قد بلغت مبلغ النساء أو كدت أن أبلغ ، مكثت السماء بعد قتله أياما كالعلقة .
وقال القرطبي في تفسيره : 16 / 141 : ( قال السدي : لما قتل الحسين بن علي رضي الله عنهما بكت عليه السماء ، وبكاؤها حمرتها .
وحكى جرير عن يزيد بن أبي زياد قال : لما قتل الحسين بن علي ابن أبي طالب رضي الله عنهما احمر له آفاق السماء أربعة أشهر . قال يزيد : واحمرارها بكاؤها .
وقال محمد بن سيرين : أخبرونا أن الحمرة التي تكون مع الشفق لم تكن حتى قتل الحسين بن علي رضي الله عنهما . وقال سليمان القاضي : مطرنا دماً يوم قتل الحسين .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 348 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال ابن حجر في تلخيص الحبير : 5 / 84 : ( روى البيهقي عن أبي قبيل أنه لما قتل الحسين كسفت الشمس كسفةً بدت الكواكب نصف النهار حتى ظننا أنها هي هو ) انتهى .
ورواه بنحوه الطبراني في المعجم الكبير : 3 / 113 و 119 وابن عساكر : 14 / 228 و 229 ، والمزي في تهذيب الكمال : 6 / 432 و 433 ، والمناوي في فيض القدير : 1 / 265 ، وعلي بن محمد الحميري في جزئه ص 31 ، والنووي في المجموع : 5 / 59 ، وفي روضة الطالبين : 1 / 598 ، والرافعي في الفتح العزيز : 5 / 83 ، والشربيني في مغني المحتاج : 1 / 320 ، والشرواني في حواشيه : 9 / 67
وروى البخاري في التاريخ الكبير : 4 / 129 : ( عن سليم القاص قال : مطرنا أياماً أو يوم قتل الحسين دماً . سمع منه حماد بن سلمة وإسماعيل بن إبراهيم أبو إبراهيم ) .
* *
( 7 ) في كامل الزيارات ص 203 : ( حدثني محمد بن جعفر القرشي ، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب ، عن الحسن بن علي ، عن ابن أبي عمير ، عن علي بن المغيرة ، عن أبي عمارة المنشد ، قال : ما ذكر الحسين بن علي عليه السلام عند أبي عبد الله جعفر بن محمد عليه السلام في يوم قط فرئي أبو عبد الله في ذلك اليوم متبسماً إلى الليل ) . ورواه في كامل الزيارات ص 214 وزاد فيه : ( وكان عليه السلام يقول : الحسين عبرة كل مؤمن ) .
وفي أمالي الصدوق ص 205 : ( حدثنا أبي رحمه الله قال : حدثنا سعد بن عبد الله ، عن الحسن بن موسى الخشاب ، عن علي بن حسان الواسطي ، عن عمه عبد الرحمن بن كثير الهاشمي ، عن داود بن كثير الرقي قال : كنت عند أبي عبد الله عليه السلام إذ استسقى الماء ، فلما شربه رأيته وقد استعبر واغرورقت عيناه بدموعه ، ثم قال : يا داود ، لعن الله قاتل الحسين ، فما أنغص ذكر الحسين للعيش ! إني ما شربت ماء بارداً إلا وذكرت الحسين ، وما من عبد شرب الماء فذكر الحسين ولعن قاتله إلا كتب الله له مائة ألف حسنة ، ومحا عنه مائة ألف سيئة ، ورفع له مائة ألف درجة ، وكان كأنما أعتق مائة ألف نسمة ، وحشره الله يوم القيامة أبلج الوجه ) .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 349 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
( 8 ) في أمالي الصدوق ص 190 : ( حدثنا جعفر بن محمد بن مسرور رحمه الله ، قال : حدثنا الحسين بن محمد بن عامر ، عن عمه عبد الله بن عامر ، عن إبراهيم بن أبي محمود ، قال : قال الرضا عليه السلام : إن المحرم شهر كان أهل الجاهلية يحرمون فيه القتال ، فاستحلت فيه دماؤنا ، وهتكت فيه حرمتنا ، وسبي فيه ذرارينا ونساؤنا ، وأضرمت النيران في مضاربنا ، وانتهب ما فيها من ثقلنا ، ولم ترع لرسول الله حرمة في أمرنا ! إن يوم الحسين أقرح جفوننا ، وأسبل دموعنا ، وأذل عزيزنا بأرض كرب وبلاء ، أورثتنا الكرب والبلاء ، إلى يوم الانقضاء ، فعلى مثل الحسين فليبك الباكون ، فإن البكاء يحط الذنوب العظام .
ثم قال عليه السلام : كان أبي إذا دخل شهر المحرم لا يرى ضاحكاً ، وكانت الكآبة تغلب عليه حتى يمضي منه عشرة أيام ، فإذا كان يوم العاشر كان ذلك اليوم يوم مصيبته وحزنه وبكائه ، ويقول : هو اليوم الذي قتل فيه الحسين صلوات الله عليه ) .
* *
( 9 ) في بحار الأنوار : 98 / 342 : ( روي عن الصادق عليه السلام في زيارة الحسين عليه السلام قال : تقف على القبر وتقول : الحمد لله العلي العظيم ، والسلام عليك أيها العبد الصالح الزكي ، أودعك شهادة مني لك تقربني إليك في يوم شفاعتك ، أشهد أنك قتلت ولم تمت ، بل برجاء حياتك حييت قلوب شيعتك ، وبضياء نورك اهتدى الطالبون إليك ، وأشهد أنك نور الله الذي لم يطفأ ، ولا يطفأ أبداً ، وأنك وجه الله الذي لم يهلك ، ولا يهلك أبداً ) . ورواه أيضاً في : 98 / 251 .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 350 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

( 24 ) الإمام الحسين عليه السلام فوق الوصف والتعريف

( بتاريخ : 24 ذي الحجة 1415 - 25 / 5 / 1995 - 3 / 3 / 1374 )
طلب بعض الأفاضل أن أتكلم كلمات بمناسبة قرب عاشوراء . . وإنه لفوز عظيم يفوق التصور أن يشملكم التوفيق الإلهي ولطف حضرة ولي العصر أرواحنا لتراب مقدمه الفداء ، فتُسجَّل أسماؤكم في دفتر سيد الشهداء في أيام عاشوراء هذه . كما أن المسؤولية مهمة جداً وثقيلة ، وهي أن نعرف الناس من هو الإمام الحسين عليه السلام ، وما هي عاشوراء ؟
والمهم بالنسبة إلينا أن نفهم بالبرهان أن سيد الشهداء عليه السلام فوق الوصف والتعريف ، وأن عمله فوق رتبة التوفيق . وبما أن المسألة أكبر من أن نستطيع تقريرها بكلماتنا ، فنحن ملزمون أن نطلب فهمها من كلمات أهل البيت الطاهرين صلوات الله عليهم ، بالتأمل فيها وكشف الحجاب عن أذهاننا للوصول إلى عمقها .
سأعرض عليكم توجيه الإمام الصادق عليه السلام ليونس بن ظبيان ، بشكل مجمل وأرجو أن تستفيدوا من خبراتكم العلمية لفقه هذا الحديث ، لأن مراتب العلماء إنما هي بدرجة الدراية لا الرواية . قال يونس للإمام الصادق عليه السلام : ( جعلت فداك إني كثيراً ما أذكر الحسين ، فأي شئ أقول ؟ فقال قل : صلى الله عليك
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 351 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يا أبا عبد الله . تعيد ذلك ثلاثاً ، فإن السلام يصل إليه من قريب ومن بعيد . . . قال له يونس : جعلت فداك إني أريد أن أزوره فكيف أقول وكيف أصنع ؟ قال : إذا أتيت أبا عبد الله فاغتسل على شاطئ الفرات ، ثم البس ثيابك الطاهرة ، ثم امش حافياً فإنك في حرم من حرم الله وحرم رسوله ، وعليك بالتكبير والتهليل والتسبيح والتحميد ، والتعظيم لله عز وجل كثيراً ، والصلاة على محمد وأهل بيته ، حتى تصير إلى باب الحائر ، ثم تقول :
السلام عليك يا حجة الله وابن حجته .
السلام عليكم يا ملائكة الله ، وزوار قبر ابن نبي الله .
ثم أخط عشر خطوات ، ثم قف وكبر ثلاثين تكبيرة ، ثم امش إليه حتى تأتيه من قبل وجهه ، فاستقبل وجهك بوجهه وتجعل القبلة بين كتفيك ثم قل :
السلام عليك يا حجة الله وابن حجته .
السلام عليك يا قتيل الله وابن قتيله .
السلام عليك يا ثأر الله وابن ثاره .
السلام عليك يا وتر الله الموتور في السماوات والأرض ) . انتهى . ( 1 )
تأملوا جيداً ، فالسلام الأول سلام عام ، وبعده ثلاث تسليمات خاصة ! وهنا المعرفة والحكمة ! إن لُباب العلم في كلمات الأئمة المعصومين عليهم السلام ، والعقل البشري يحتاج إلى مدد إلهي وعناية ربانية ، ليصل إلى شعاع من تلك الشموس المتوهجة !
السلام عليك يا حجة الله وابن حجته . . وهذه الصفة سمةٌ عامة للأئمة الذين جعلهم الله ذرية مباركة بعضها من بعض ، لكن ما بعدها صفاتُ وسماتٌ خاصة بالحسين لا يشترك معه فيها غيره ، حتى أبوه صلوات الله عليهم .
السلام عليك يا قتيل الله وابن قتيله . . تعبيرٌ بليغٌ لنوع فريد من الشهادة لله
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 352 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
تعالى على خلقه ، شاركه فيه أبوه أمير المؤمنين عليه السلام ، لكن الحسين عليه السلام اختص بأنه قتيل الله وابن قتيله ! فقد كُتِبَتْ له هذه السمة الفريدة من عالم الغيب : قتيل الله وابن قتيله ! فلا تجد هذا المنصب الرباني لغيره في كل تاريخ البشرية ، ولا في مقامات الأنبياء والأوصياء والشهداء عليهم السلام .
ومن الممكن لنا أن نفهم صفة : قتيل الله وابن قتيله ، وثأر الله في الأرض وابن ثاره . . لكن العبارة المحيرة للعقول هي :
السلام عليك يا وتر الله الموتور ، في السماوات والأرض !
ثم ، بعد هذه المقامات الثلاثة ، قال الإمام الصادق عليه السلام : أشهد أن دمك سكن في الخلد ، واقشعرت له أظلة العرش ، وبكى له جميع الخلائق ! !
فصاحب هذا المقام الذي نريد أن نعرِّفه للمسلمين ، جوهرٌ منحصرٌ بفرد ! وإنجازاته كليٌّ منحصر بفرد ! وفي كل فقرة من هذه الدرر أبحاثٌ تستغرق ساعات ، ولا ندعي الكمال في الشارح ، بل نأمل الاستعداد في المستمع .
والمهم الآن أن نفهم ما الذي حدث حتى صار دم الحسين عليه السلام من سكان عالم الخلد ؟ ! فعالم الخلود مكان التجرد ، وذهاب الروح اليه وسكناها فيه منسجم مع الأصل ، لكن ذهاب الدم وسكنه فيه ، يعني أن الروح حدث فيها تطور فصار مقرها فوق الخلد ! وأن الدم صار من نوع الروح فسكن الخلد ! معنى ذلك أن الحسين عليه السلام وصل إلى درجة أن الخلد صار مسكناً لدمه الطاهر ، أما روحه فمسكنها في درجة فوق الخلد ، لا نعرفها !
أشهد أن دمك سكن في الخلد ، واقشعرت له أظلة العرش . . كلامٌ عن عالم أعلى ، من إمام مفتوحة له النوافذ على ذلك العالم ! فما معنى سكن الدم في الخلد ، واقشعرار أظلة العرش له ؟ ! وما هذا التقابل والجدلية بين سكن دم الحسين وسكونه في الخلد ، وبين اقشعرار أظلة العرش ؟
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 353 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إنه تعبير يموج بالبحث والمعرفة ! ثم يأتي بعده المشهد العجيب : وبكت له جميع الخلائق !
أين أهل التأمل والنظر وأصحاب الدقة الفكرية ؟ لقد استعمل الإمام الجمع المحلى بالألف واللام للخليقة لتفيد التعميم لكل المخلوقات ، ثم جمعها بكلمة ( الخلائق ) ، ثم فصل الخلائق بعد إجمالها ! فقال : وبكت له السماوات السبع والأرضون السبع ، وما فيهن وما بينهن ومن يتقلب في الجنة والنار من خلق ربنا ، وما يرى وما لا يرى . . كلها بكت من أجل دم الحسين عليه السلام ، فأين الحسين نفسه ؟ ! نعم ، كل هذا التجليل والعظمة إنما هو لدم سيد الشهداء الذي يجري في عروقه ، والذي أراقه لله تعالى في كربلاء ! أما روحه المتعلقة بذلك الدم ، فلها حديث آخر !
فانظروا إلى هذا التحول والإنقلاب الذي حصل في مراتب الوجود ، في نقطة الصعود ونقطة النزول ، من أين امتد إلى أين ؟ ! وإلى أين نصل من باب العلم هذا الذي فتحه الإمام الصادق عليه السلام لأهل الفقه الأكبر ، عندما عرَّف لنا الإمام أبا عبد الله الحسين عليه السلام بدمه وليس بنفسه ولا بروحه فأفهمنا أن دمه الشريف فوق التعريف ، فكيف بصاحب الدم ، ومنزلته ؟ !
إقرأ كتاب الكافي من أوله إلى آخره ، ولكن قراءة باحث ، وتتبعْ فيه مراتب الوجود ، وقوس النزول والصعود ، لترى أن ما أشرت اليه من تفصيل علامة الوجود الإمام جعفر الصادق عليه السلام بعد إجماله : وبكت له السماوات السبع والأرضون السبع ، وما فيهن وما بينهن ومن يتقلب في الجنة والنار من خلق ربنا وما يرى ومالا يرى . . يدل على أهل الجنة بكوْا لهذا الدم ، وأهل جهنم بكوا لهذا الدم ! وما ذلك إلا لأن انقلاباً حدث في قوس الصعود وفي قوس النزول !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 354 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأن أعلى نقطة في مراتب الوجود إلى أدنى نقطة في مراتبه ، كلها اهتز وجودها ووجدانها أمام دم الإمام الحسين عليه السلام ، فما هذه العظمة ؟ !
ولم يقف الإمام الصادق عليه السلام عند هذا ، بل قال كلمة بعده لا يستوعبها إلا من خصه الله برزق من عنده ! قال الإمام عليه السلام : وما يرى ، وما لا يرى !
فكل ما خلق الله مما يرى ولا يرى ، بكى لدم الحسين عليه السلام !
فما هذا المجد الرباني للحسين ، وما قضيته ؟
هذا يعني أنك إذا أردت أن تتلفظ باسم الحسين عليه السلام على المنبر ، وتؤدي ما ينبغي من مراسم ذكر اسمه ، فغسلت فمك بماء الورد ألف مرة ! فأنت مقصر في آداب ذكر اسمه الشريف ! كيف لا ، وأنت لا تستطيع أن تفهم دم الحسين عليه السلام ، وما معنى أنه سكن في الخلد ! فكيف تفهم روحه ؟ !
وإذا أردنا أن نصوغ المطلب بنظم الدليل البرهاني ، فإن إضافة النكرة إلى المعرفة تقلب النكرة فتكتسب بإضافتها التعريف ، هذه قاعدة العَلَم الإضافي ، فإذا كان المضاف اليه فوق التعريف ، أخذ المضاف من صفته فصار فوق التعريف ! وهذا هو الدليل البرهاني على أن الإمام الحسين عليه السلام فوق التعريف !
كما أن الإضافة تكون أحياناً إضافة فنائية ، فيكون لها حكم آخر ، حيث تسري آثار المفني فيه إلى الفاني وتظهر عليه ! فلننظر إلى إضافة الحسين إلى الله تعالى ، أي نوع من الإضافة هي ، لكي نفهم لماذا قال الإمام الصادق عليه السلام : السلام عليك يا قتيل الله وابن قتيله !
فمن هو قتيل الله هذا ؟ إرجعوا إلى دعاء علقمة بن محمد الحضرمي ، واقرؤوا هذا الجملة التي تبين مقام النبي صلى الله عليه وآله وبقية أصحاب الكساء عليهم السلام يقول : يا من يكفي من كل شئ ولا يكفي منه شئ في السماوات والأرض ! أسألك
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 355 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بحق محمد خاتم النبيين ، وعلي أمير المؤمنين ، وبحق فاطمة بنت نبيك وبحق الحسن والحسين ، فإني بهم أتوجه إليك في مقامي هذا وبهم أتوسل ، وبهم أتشفع إليك ، وبحقهم أسألك وأقسم وأعزم عليك ، وبالشأن الذي لهم عندك ، وبالقدر الذي لهم عندك ، وبالذي فضلتهم على العالمين ، وباسمك الذي جعلته عندهم ، وبه خصصتهم دون العالمين ، وبه أبنتهم وأبنت فضلهم من فضل العالمين ، حتى فاق فضلهم فضل العالمين جميعاً . ( 2 )
فمعنى هذا أن هؤلاء الخمسة صار لهم حسابهم الخاص عن كل العالمين ، بما حملهم الله تعالى من اسمه الأعظم ، فلا يقاس بهم غيرهم أبداً ! وذلك الدم المقدس الذي أريق في كربلاء أخذ خصوصياته من هنا ! فهو دم بدن يحمل اسم الله الأعظم ، لكن إلى أي حد ، وأي مستوى ؟
إن اسم الله الأعظم ثلاث وسبعون حرفاً ، منه حرف مختص بالله تعالى ، لا يصل إلى مخلوق ولا يصل اليه مخلوق ! ومن الاثنين وسبعين حرفاً أعطى الله تعالى عبده عيسى بن مريم عليه السلام أربعة حروف فقط ، وبها كان يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص ، ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله . كل هذه الآثار كانت بالحروف الأربعة !
أما إبراهيم عليه السلام فقد وصل إلى درجة أن يعطى من اسم الله الأعظم ثمانية حروف لم يتجاوز الثمانية !
وأما نبينا وأهل بيته صلى الله عليه وآله فقد أعطاهم الله تعالى اثنين وسبعين حرفاً من اسمه الأعظم . فالحروف الأربعة التي عند عيسى المسيح عليه السلام ، والثمانية التي عند إبراهيم عليه السلام ، إلى الاثنين وسبعين حرفاً ، كلها في قلب الحسين عليه السلام ! ولك أن تتصور بدناً يحمل مثل هذا الجوهر الفرد ، ودماً أريق من مثل ذلك القلب بأي حساب يجب أن يحسب ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 356 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لا بد أن تعرف دمَ مَنْ هو ؟ ومن أي نوع من المعرفة تغذى ؟
ومن أي نبع سقيت صفاته وملكاته ؟ ومن أجل مَن أريق ، وكيف ؟
وهل يمكن لبشر أن يفهم ذلك الدم الذي يجري فيه اسم الله الأعظم ؟ !
لسنا في صدد الحديث عن الجراحات التي وقعت على ذلك البدن الشريف صلوات الله عليه ، وعن تعدادها وتفصيلها ، فغرضنا أن نفهم شيئاً من شهادة الإمام الصادق عليه السلام : أشهد أن دمك سكن في الخلد ! فالإمام الحسين عليه السلام بكل هذه الجراحات التي في بدنه ( 3 ) ، وقف في جانب الميدان ليستريح ساعة ، فقد كان التعب بلغ به مبلغه ، فهو على أي حال بشر ، وامتحانه الإلهي هذا يتم في عالم بشريته . وقف وهو يحمل جراحاته ليستريح هنيهة ، فقد رجع من حملاته عليهم ، ورد حملاتهم عليه ، وقبل قليل كان عند جسد أخيه العباس ، وجثمان ولده علي الأكبر ، ورأى أجساد أصحابه المجدلين في أرض كربلاء هنا وهناك ، والآن هذه جراحاته تستوعب بدنه !
في ذلك الوقت ضربه خبيث بحجر فوقع على جبهته ، فرفع طرف قميصه ليمسح الدم عن وجهه ، فماذا حدث ؟ أتاه سهم محدد مسموم له ثلاث شعب فوقع في صدره فانبعث الدم كالميزاب ، فتلقى الدم بيده فلما امتلأت رمى به إلى السماء ، فما رجع من ذلك الدم قطرة ! !
أرجو أن تلتفتوا . . لماذا تلقى الحسين دم قلبه بيده ورمى به إلى السماء ؟ ! وكم مرة فعل ذلك ؟ وفي إحداها مسح به وجهه وبدنه !
وأي دم صعد إلى السماء ، وأي دم مسح به رأسه ووجهه ؟
وهل وقع من دمه على الأرض ؟
ولماذا لم يتركه الإمام الحسين يجري على الأرض ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 357 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولو جرى على الأرض هل تبقى أرض وأهل الأرض ؟ !
إن هذا هو معنى : السلام عليك يا رحمة الله الواسعة ويا باب نجاة الأمة .
أنت يا مولاي جعفر بن محمد ينبغي أن تقول أي دم كان ذلك الدم ؟ !
أخذ الحسين عليه السلام الدم الشريف ونظر اليه وقال : بسم الله وبالله ، ثم قال : وفي سبيل الله ، ثم رمى به نحو السماء ، يعني : إِلَيْه يَصْعَد الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُه ! قال الإمام الصادق عليه السلام : فما رجع من ذلك الدم قطرة ! !
ذلك هو الدم الذي سكن في الخلد ! !
يا أحمد بن حنبل ، أنت كتبت في مسندك . .
يا ابن عبد البر ، أنت كتبت في استيعابك . .
ويا ابن حجر ، أنت كتت في الإصابة . .
ويا ترمذي ، أنت كتبت في سننك . .
ويا جلال الدين السيوطي ، أنت كتبت في تفسيرك وتاريخك . .
ويا بيهقي والخطيب البغدادي ، وأئمة التفسير والحديث . .
أنتم جميعاً كتبتم ، فهل فهمتم ما كتبتم من خبر ابن عباس قال رأيت النبي صلى الله عليه وآله حزيناً مغبر الثياب وبيده قارورة يلتقط فيها دم الحسين عليه السلام ليرفعه إلى العرش ، وأن النبي صلى الله عليه وآله أخبر ابن عباس بشهادة الحسين عليه السلام فكان كما قال وظهر صدق رؤيا ابن عباس ، وظهرت كرامة للنبي صلى الله عليه وآله في دم الحسين عليه السلام !
( قال ابن الأثير في تاريخه : 1 / 82 : قال ابن عباس : رأيت النبي الليلة التي قتل فيها الحسين ، وبيده قارورة يجمع فيها دماً فقلت : يا رسول الله ما هذا ؟ فقال : هذه دماء الحسين وأصحابه ، أرفعها إلى الله تعالى ) ! انتهى .
وفي رواية : أرفعه إلى السماء ، وفي رواية : إلى العرش . وفي كلها : دم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 358 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الحسين وأصحابه ! يا أئمة رواة الحديث ، هل فهمتم ماذا يعني النبي صلى الله عليه وآله بذلك ؟ ! يعني أني أنا بستاني الإنسانية ، بعثت في أهل الأرض وغرست بستاناً . . وعندما تطلع منه الورود ، لابد أن آتي وأقطفها وآخذها إلى الله تعالى ، لأن محلها : فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ !
أشهد لقد طيب الله بك التراب ، وأوضح بك الكتاب .
السلام عليك يا قتيل الله وابن قتيله .
* *
التعليقات
( 1 ) في الكافي : 4 / 575 : ( عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد ، عن القاسم بن يحيى عن جده الحسن بن راشد ، عن الحسين بن ثوير قال : كنت أنا ويونس بن ظبيان والمفضل بن عمرو أبو سلمة السراج جلوساً عند أبي عبد الله عليه السلام ، وكان المتكلم منا يونس وكان أكبرنا سناً فقال له : جعلت فداك إني أحضر مجلس هؤلاء القوم يعني ولد العباس فما أقول ؟ فقال : إذا حضرت فذكرتنا فقل : اللهم أرنا الرخاء والسرور فإنك تأتي على ما تريد .
فقلت : جعلت فداك إني كثيراً ما أذكر الحسين عليه السلام فأي شئ أقول ؟ فقال : قل : صلى الله عليك يا أبا عبد الله . تعيد ذلك ثلاثاً فإن السلام يصل إليه من قريب ومن بعيد .
ثم قال : إن أبا عبد الله الحسين لما قضى بكت عليه السماوات السبع والأرضون السبع وما فيهن وما بينهن ، ومن يتقلب في الجنة والنار من خلق ربنا ، وما يرى وما لا يرى بكى على أبي عبد الله الحسين إلا ثلاثة أشياء لم تبك عليه ، قلت : جعلت فداك وما هذه الثلاثة الأشياء ؟ قال : لم تبك عليه البصرة ولا دمشق ولا آل عثمان عليهم لعنة الله .
قلت : جعلت فداك إني أريد ، أن أزوره فكيف أقول وكيف أصنع ؟
قال : إذا أتيت أبا عبد الله فاغتسل على شاطئ الفرات ثم ألبس ثيابك الطاهرة ثم امش حافياً ، فإنك في حرم من حرم الله وحرم رسوله ، وعليك بالتكبير والتهليل والتسبيح
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 359 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والتحميد ، والتعظيم لله عز وجل كثيراً ، والصلاة على محمد وأهل بيته ، حتى تصير إلى باب الحير ، ثم تقول :
السلام عليك يا حجة الله وابن حجته .
السلام عليكم يا ملائكة الله وزوار قبر ابن نبي الله .
ثم أخط عشر خطوات ، ثم قف وكبر ثلاثين تكبيرة ، ثم امش إليه حتى تأتيه من قبل وجهه ، فاستقبل وجهك بوجهه وتجعل القبلة بين كتفيك ثم قل :
السلام عليك يا حجة الله وابن حجته .
السلام عليك يا قتيل الله وابن قتيله .
السلام عليك يا ثأر الله وابن ثاره .
السلام عليك يا وتر الله الموتور في السماوات والأرض .
أشهد أن دمك سكن في الخلد ، واقشعرت له أظلة العرش ، وبكى له جميع الخلائق ، وبكت له السماوات السبع والأرضون السبع وما فيهن وما بينهن ، ومن يتقلب في الجنة والنار من خلق ربنا ، وما يرى وما لا يرى .
أشهد أنك حجة الله وابن حجته ، وأشهد أنك قتيل الله وابن قتيله ، وأشهد أنك ثائر الله وابن ثائره ، وأشهد أنك وتر الله الموتور في السماوات والأرض ، وأشهد أنك قد بلغت ونصحت ووفيت وأوفيت ، وجاهدت في سبيل الله ، ومضيت للذي كنت عليه شهيداً ومستشهداً وشاهداً ومشهوداً .
أنا عبد الله ومولاك ، وفي طاعتك ، والوافد إليك ، ألتمس كمال المنزلة عند الله ، وثبات القدم في الهجرة إليك ، والسبيل الذي لا يختلج دونك من الدخول في كفالتك التي أمرتُ بها . من أراد الله بدأ بكم ، بكم يبين الله الكذب ، وبكم يباعد الله الزمان الكلب ، وبكم فتح الله وبكم يختم ، وبكم يمحو ما يشاء وبكم يثبت ، وبكم يفك الذل من رقابنا ، وبكم يدرك الله ترة كل مؤمن يطلب بها ، وبكم تنبت الأرض أشجارها ، وبكم تخرج الأشجار أثمارها ، وبكم تنزل السماء قطرها ورزقها . بكم يكشف الله الكرب ، وبكم ينزل الله الغيث ، وبكم تسيخ الأرض ، التي تحمل أبدانكم ، وتستقر جبالها عن مراسيها . إرادة الرب في مقادير أموره تهبط إليكم ، وتصدر من بيوتكم ، والصادر عما فصل من أحكام العباد .
لُعِنَتْ أمةٌ قتلتكم ، وأمة خالفتكم ، وأمة جحدت ولايتكم ، وأمة ظاهرت عليكم ، وأمة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 360 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
شهدت ولم تستشهد . الحمد لله الذي جعل النار مثواهم وبئس ورد الواردين ، وبئس الورد المورود . والحمد لله رب العالمين . وصلى الله عليك يا أبا عبد الله ، أنا إلى الله ممن خالفك برئ ( ثلاثاً ) . ثم تقوم فتأتي ابنه علياً وهو عند رجليه فتقول :
السلام عليك يا بن رسول الله ، السلام عليك يا بن علي أمير المؤمنين ، السلام عليك يا بن الحسن والحسين ، السلام عليك يا بن خديجة وفاطمة ، صلى الله عليك . لعن الله من قتلك - تقولها ثلاثاً - أنا إلى الله منهم برئ ( ثلاثاً ) .
ثم تقوم فتؤمي بيدك إلى الشهداء وتقول : السلام عليكم ( ثلاثاً ) فزتم والله فزتم والله فليت أني معكم فأفوز فوزاً عظيما . ثم تدور فتجعل قبر أبي عبد الله بين يديك فصل ست ركعات وقد تمت زيارتك ، فإن شئت فانصرف ) .
* *
( 2 ) في مصباح المتهجد ص 777 : ( وروى محمد بن خالد الطيالسي عن سيف بن عميرة قال : خرجت مع صفوان بن مهران الجمال وعندنا جماعة من أصحابنا إلى الغري بعد ما خرج أبو عبد الله عليه السلام فسرنا من الحيرة إلى المدينة فلما فرغنا من الزيارة صرف صفوان وجهه إلى ناحية أبي عبد الله الحسين عليه السلام فقال لنا : تزورون الحسين عليه السلام من هذا المكان من عند رأس أمير المؤمنين عليه السلام من هاهنا أومأ إليه أبو عبد الله الصادق عليه السلام وأنا معه ، قال فدعا صفوان بالزيارة التي رواها علقمة بن محمد الحضرمي عن أبي جعفر عليه السلام في يوم عاشوراء ثم صلى ركعتين عند رأس أمير المؤمنين عليه السلام وكان فيما دعا في دبرهما :
يا الله يا الله يا الله يا مجيب دعوة المضطرين . يا كاشف كرب المكروبين . يا غياث المستغيثين . ويا صريخ المستصرخين . ويا من هو أقرب إلي من حبل الوريد . يا من يحول بين المرء وقلبه . ويا من هو بالمنظر الأعلى وبالأفق المبين . ويا من هو الرحمن الرحيم على العرش استوى ، ويا من يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ، ويا من لا يخفي عليه خافية ، يا من لا تشتبه عليه الأصوات ، ويا من لا تغلطه الحاجات ويا من لا يبرمه إلحاح الملحين ، يا مدرك كل فوت ، ويا جامع كل شمل ، ويا بارئ النفوس بعد الموت ، يا من هو كل يوم في شأن ، يا قاضي الحاجات ، يا منفس الكربات ، يا معطي السؤلات ، يا ولي الرغبات ، يا كافي السؤالات المهمات ، يا من يكفي من كل شئ ولا يكفي منه شئ في
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 361 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
السماوات والأرض .
أسألك بحق محمد خاتم النبيين ، وعلي أمير المؤمنين ، وبحق فاطمة بنت نبيك ، وبحق الحسن والحسين ، فإني بهم أتوجه إليك في مقامي هذا ، وبهم أتوسل ، وبهم أتشفع إليك ، وبحقهم أسألك وأقسم وأعزم عليك ، وبالشأن الذي لهم عندك وبالقدر الذي لهم عندك ، وبالذي فضلتهم على العالمين . وباسمك الذي جعلته عندهم وبه خصصتهم دون العالمين ، وبه أبنتهم وأبنت فضلهم من فضل العالمين ، حتى فاق فضلهم فضل العالمين جميعاً . أسألك أن تصلي على محمد وآل محمد ، وأن تكشف عني غمي وهمي وكربي ، وتكفيني المهم من أموري . . إلى آخر الدعاء ) .
* *
( 3 ) في بحار الأنوار : 45 / 52 : ( وقال الباقر عليه السلام : أصيب الحسين عليه السلام ، ووجد به ثلاث مائة وبضعة وعشرون طعنة برمح وضربة بسيف أو رمية بسهم . وروي ثلاثمائة وستون جراحة . وقيل ثلاث وثلاثون ضربة سوى السهام . وقيل ألف وتسعمائة جراحة .
وفي بحار الأنوار : 45 / 53 : ( فوقف عليه السلام يستريح ساعة وقد ضعف عن القتال ، فبينما هو واقف إذ أتاه حجر فوقع في جبهته فأخذ الثوب ليمسح الدم عن وجهه ، فأتاه سهم محدد مسموم له ثلاث شعب ، فوقع السهم في صدره - وفي بعض الروايات على قلبه - فقال الحسين عليه السلام : بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله ، ورفع رأسه إلى السماء وقال : إلهي إنك تعلم أنهم يقتلون رجلاً ليس على وجه الأرض ابن نبي غيره ، ثم أخذ السهم فأخرجه من قفاه فانبعث الدم كالميزاب ، فوضع يده على الجرح فلما امتلأت رمى به إلى السماء ، فما رجع من ذلك الدم قطرة ، وما عرفت الحمرة في السماء حتى رمى الحسين عليه السلام بدمه إلى السماء ، ثم وضع يده ثانياً فلما امتلأت لطخ بها رأسه ولحيته وقال : هكذا أكون حتى ألقى جدي رسول الله وأنا مخضوب بدمي وأقول : يا رسول الله قتلني فلان وفلان ، ثم ضعف عن القتال فوقف ، فكلما أتاه رجل وانتهى إليه انصرف عنه ! حتى جاءه رجل من كندة يقال له : مالك بن اليسر فشتم الحسين عليه السلام وضربه بالسيف على رأسه وعليه برنس فامتلأ دماً ، فقال له الحسين : لا أكلت بها ولا شربت ، وحشرك الله مع الظالمين . ثم ألقى البرنس ولبس قلنسوة واعتم عليها وقد أعيا . . . صلوات الله عليه ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 362 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

( 25 ) حديث اللوح الذي أهداه الله تعالى إلى فاطمة عليها السلام

( بتاريخ : 24 ذي الحجة 1419 - 11 / 4 / 1999 - 22 / 1 / 1376 )
ينبغي للعلماء الأفاضل الذين واجبهم السفر في أيام عاشوراء ، أن يتذكروا أن تبليغ الإسلام ونشره من أهم الواجبات ، وأن يستفيدوا من هذا الظرف الزماني أيام عاشوراء الذي هو أهم ظرف في العالم . فالزمن الذي وقع في هذا الظرف وصفه الإمام بكلمة قطعية : لا يوم كيومك يا أبا عبد الله .
ينبغي أن نستفيد الكثير من أسماء السور في القرآن ، فأسماؤها تعطي أضواء على عمود الموضوع في السورة ، ومنها سورة باسم ( التغابن ) لقوله تعالى فيها : يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْم الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ . وكما نلاحظ فإن أسماء القيامة في القرآن متعددة ، وقد استعمل في هذا الآية اسمين منها ، وهذه نقطة مهمة لا أدري هل تعرض المفسرون لها وما هو الارتباط بين الإسمين : الجمع والتغابن ، ولماذا قال : يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ، فأشار إلى جمع لغير يوم الجمع ، وما الفرق بين قوله تعالى : يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ، وقوله : ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَة ، ( سورة الجاثية : 26 ) ثم لماذا استعمل هنا الإشارة بالبعيد فقال : ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 363 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مهما يكن ، فقد سميت السورة بالتغابن وهو من التفاعل ، فما السر في هذا التفاعل التغابني ؟ وأي معان عظيمة ولطائف يقصدها الله تعالى من التغابن بين البشر في يوم القيامة ؟
لابد لفهم القرآن من طلب المدد من كلمات الوحي من كلام النبي وأهل بيته الأطهار صلى الله عليه وآله بقدرة فكرية وقوة فقهية ، لنفهم به كلام الله تعالى .
وهنا حديث عن النبي صلى الله عليه وآله كما في عدة الداعي لابن فهد الحلي قدس سره ص 103 : ( إنه يفتح للعبد يوم القيامة على كل يوم من أيام عمره أربع وعشرون خزانة عدد ساعات الليل والنهار . فخزانة يجدها مملوءة نوراً وسروراً ، فيناله عند مشاهدتها من الفرح والسرور ما لو وزع على أهل النار لأدهشهم عن الإحساس بألم النار ، وهي الساعة التي أطاع فيها ربه .
ثم يفتح له خزانة أخرى فيراها مظلمة منتنة مفزعة ، فيناله منها عند مشاهدتها من الفزع والجزع ما لو قسم على أهل الجنة لنغص عليهم نعيمها ، وهي الساعة التي عصى فيها ربه !
ثم يفتح له خزانة أخرى فيراها خالية ليس فيها ما يسره ولا يسوؤه ، وهي الساعة التي نام فيها ، أو اشتغل فيها بشئ من مباحات الدنيا ، فيناله من الغبن والأسف على فواتها حيث كان متمكناً من أن يملأها حسنات ، ما لا يوصف . ومن هذا قوله تعالى : ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ ) . انتهى .
فكل ساعة من عمر أحدنا خزانة ، لابد أن يفتحها يومئذ ليرى بماذا ملأها : إقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً . ( سورة الإسراء : 14 )
ونلاحظ أن تفسير التغابن عند الخزانة الثالثة عندما يرى تلك الخزانة الفارغة الخالية ، فالغبن هو أن يكون ما حصل عليه أقل مما ذهب منه ، أن يكون المثمن أقل من الثمن إلى حد الغبن ! وبهذا الغبن اهتزت قاعدة : يَا أَيُّهَا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 364 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ، وجعلت أصالة اللزوم في العقود في الشريعة من أجل تدارك ما فات بالغبن ! إن الفقيه الذي يفقه خيار الغبن ، يجب أن يفهم سورة التغابن ، ويدرك هذا الحديث النبوي ، وينظر في ساعات عمره التي تمضي ، خاصة في الظرف الممتاز من ساعات العمر ، كيف يجب أن يستفيد منها ؟ !
إن ساعاتكم في عاشوراء الحسين عليه السلام فيها تغابن لا يقاس بأي تغابن آخر ! والعمدة في الموضوع أن العالم الديني عليه أن يعمل بما استطاع لاجتناب الوقوع في تلك الحسرة التي تفوق الوصف : وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ . ( سورة مريم : 39 )
أما كيف نجبر ذلك الغبن وننجو من يوم التغابن ، فإن النبي صلى الله عليه وآله بين لنا الطريق على لسان الإمام العسكري عليه السلام إذ قال : ألا فمن كان من شيعتنا عالماً بعلومنا فهذا الجاهل بشريعتنا المنقطع عن مشاهدتنا يتيم في حجره ، ألا فمن هداه وأرشده وعلمه شريعتنا ، كان معنا في الرفيق الأعلى .
يقول صلى الله عليه وآله : بعلومنا ، لا بأي علم !
ويقول : وعلمه شريعتنا ، لا أي شريعة ! فذلك الذي هو موضوع الكلام ، وذلك الذي يكون معهم في الرفيق الأعلى . أما معلم العلوم الأخرى فللكلام عنه موضع آخر .
إن عاشوراء بالنسبة إلى كل عالم وخطيب ، مَنْجَمٌ للحصول على تلك الجواهر فما هو واجبه وتكليفه ؟
من أول ما ينبغي أن يعرفه العالم أن كل ما له قدر وقيمة ، موجود بعد القرآن في كلام النبي والأئمة صلوات الله عليهم ، أما كلام زيد وعمر فلا قيمة له لكي يستحق أن يطرحه على الناس ويجعله محوراً !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 365 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إن ما يجب أن يكون مستندكم ومنبع كلامكم مع الناس ، أنتم الذين قضيتم عمراً في الدرس والبحث ، هو القرآن والسنة فقط ! ماذا قال الله تعالى ؟ وماذا أوضح النبي وأهل بيته المعصومون صلى الله عليه وآله ؟
كونوا علماء بعلم هؤلاء صلوات الله عليهم ، فإن كنتم كذلك وهديتم في عاشوراء شخصاً واحداً وأرشدتموه وعلمتموه من علمهم وفقههم الأصيل ، التي هي شريعة الله سبحانه ، عندئذ يكون الأجر والجزاء : كان معنا في الرفيق الأعلى ! !
كان معنا . . لا يتصور مقام أعلى من هذا المقام ! فاعرفوا مقامكم ، واعرفوا مع من تتعاملون ، وإلى من تتركون أولادكم ونساءكم عندما تذهبون إلى منطقة فيها جهال بالعقيدة والشريعة ، فترشدون ولو يتيماً واحداً من أيتام آل محمد إلى معرفة مقامهم وعلومهم وشريعتهم .
مقامكم معهم ، ومقام المعية للنبي وآله الطاهرين لا يتصور أعلى منه ! ولم يكتف الحديث بإضافة المعية ، فأضاف إليها إضافة الظرفية ! أما إضافة المعية فهي الرجوع إليهم عند الله تعالى : يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ إرْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي . ( سورة الفجر : 27 - 30 ) . وأما الإضافة الظرفية فهي : كان معنا في الرفيق الأعلى ، ولنترك بحثه إلى وقت آخر .
المهم الآن أن نفهم عاشوراء ما هي ؟ ويوم من هي ؟ هنا يتحير أهل العقول !
يوجد حديث يعرف قيمته أهل الخبرة بالحديث وأهل الفهم للأحاديث ، ويفهمون أنه إكسير لا مثيل له ، رواه الكليني أعلى الله مقامه في الكافي ، والصدوق أعلى الله مقامه في كمال الدين ، وبقية المشايخ من كبار المحدثين والفقهاء ، وهو معروف باسم ( حديث اللوح ) هذا الحديث جاء به جبرئيل عليه السلام
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 366 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ، مكتوباً على لوح زبرجد ، تحفةً لفاطمة الزهراء عليها السلام ، تهنئةً لها بولادة الإمام الحسين عليه السلام ، وفيه أسماء الأئمة من أولادها ، مع ذكر أهم خصوصياتهم صلوات الله عليهم . ومن نصه : ( عظم يا محمد أسمائي واشكر نعمائي ولا تجحد آلائي ، إني أنا الله إله إلا أنا ، قاصم الجبارين ، ومديل المظلومين ، وديان الدين . إني أنا الله لا إله إلا أنا ، فمن رجا غير فضلي أو خاف غير عدلي عذبته عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين . فإيايَ فاعبد ، وعليَّ فتوكل . إني لم أبعث نبياً فأكملت أيامه وانقضت مدته إلا جعلت له وصياً ، وإني فضلتك على الأنبياء ، وفضلت وصيك على الأوصياء ، وأكرمتك بشبليك وسبطيك حسن وحسين ، فجعلت حسناً معدن علمي ، بعد انقضاء مدة أبيه ، وجعلت حسيناً خازن وحيي ، وأكرمته بالشهادة وختمت له بالسعادة ، فهو أفضل من استشهد وأرفع الشهداء درجة ، جعلت كلمتي التامة معه ، وحجتي البالغة عنده ، بعترته أثيب وأعاقب ) . انتهى . ( 1 )
في هذا الحديث ثمانية مقامات للإمام الحسين عليه السلام عدا أن الحديث في أصله تهنئةٌ وبشرى من رب العالمين عز وجل للنبي صلى الله عليه وآله ، ولوصيه علي وللصديقة الزهراء أم الأئمة ، بمناسبة ولادة الإمام الحسين عليهم السلام .
أولها : وجعلت حسيناً خازن وحيي ، فما هو الوحي الذي جعل الله الحسين خازناً له ؟ ومن أين يبدأ وحي الله ، وأين ينتهي ؟ يبدأ من قوله تعالى : وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ . وينتهي عند قوله تعالى : فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى . وقوله تعالى : وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى . إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى . ! !
هذا الوحي كله مخزون في قلب الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام ! !
وجعلت حسيناً خازن وحيي ، ومتى نحن عرفناه صلوات الله عليه ، حتى نفهم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 367 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عاشوراءه ما هي ؟ ونعرف ماذا حدث في ذلك اليوم ؟ ودم أي شخص أريق ؟ إن كلمات الله تعالى لا أستطيع أنا ولا غيري أن يفهم عمقها ، إنما ندرك منها شعاعاً ! ومن يستطيع أن يفهم معنى : خازن الوحي ، وشخصية خازن الوحي ، إلا الذي يعرف الوحي ما هو ؟ ! فذلك الذي يعرف حقيقة الوحي ، ويعرف الفرق بين الوحي والعقل والفكر !
إن الكلمات التي كلم الله بها موسى عليه السلام وقال عنها عز وجل : وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيماً . ( سورة النساء : 164 ) ، ذكرها بصيغة المفعول المطلق وأجملها إجمالاً ، لأنها شعبةٌ من الموضوع ، وكلماتٌ من الكلمات . أما تمام هذه الكلمات فهي مخزونة في قلب الحسين بن علي عليه السلام ! القلب الذي وقع فيه ذلك السهم في يوم عاشوراء والقلب الذي أريق منه ذلك الدم يوم عاشوراء !
إقرأ كامل الزيارات لتفهم ماذا يقول الأئمة عن مقام الإمام الحسين عليهم السلام !
إن حول قبره عشرون ذراعاً في عشرين ذراعاً ، مهبطٌ للملائكة من السماء ومعراجٌ لهم ! والأهم هذه الجملة قوله عليه السلام : فليس من ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا وهو يسأل الله تعالى أن يزور الحسين ، ففوج يهبط وفوج يصعد ! ( 2 )
هذا هو الإمام الحسين عليه السلام ، الذي غير ماهية يوم عاشوراء فصار : لا يوم كيومك يا أبا عبد الله . الذي يأتي لزيارته كل ليلة جمعة ، كل الأنبياء عليهم السلام بلا استثناء ، من آدم النبي الخاتم ، وكل الأوصياء عليهم السلام بلا استثناء ! !
من خصوصيات الإمام الحسين عليه السلام أن الفاتحة التي تقرأ لروح الأموات المدفونين بجواره في كربلاء ، لو قسمت لوصل إلى الواحد منهم ما لا يحصيه القلم ! ذلك هو سيد الشهداء ، وذلك هو دمه الشريف ، وأي دم ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 368 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
هذا الدم الطاهر لا تجعلوه تجارة ، ولا تستعملوه من أجل منصب فلان وفلان ! إنه رأس مال حق ، يجب أن يستفاد منه للحق . والحق ثلاث كلمات فقط ، الملك الحق : فَتَعَالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ . ( سورة طه : 114 ) ، والثانية الدين الحق : هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ . ( سورة التوبة : 33 ) ، والثالثة : السلام على الحق الجديد . صلوات الله عليه .
والنتيجة : أن عاشوراء يجب حصر إنفاقها في التعريف بالله تعالى ودينه ، وحجته إمام العصر صلوات الله عليه ، لأنه صاحبها عندما أريق دمه قال : بسم الله وبالله وفي سبيل الله . . بسم الله وبالله وفي سبيل الله . . فاستفيدوا من هذا الدم في سبيل الله ، لكي تروا خير الدنيا والآخرة ، ولا يكون أحدنا ممن : خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ . ( سورة الحج : 11 )
. * *
التعليقات
( 1 ) حديث اللوح ، حديث عظيم ، وهو من معجزات نبينا صلى الله عليه وآله ، وهو كتاب من الله تعالى نزل به جبرئيل على النبي صلى الله عليه وآله ، في لوح أخضر كالزمرد مكتوب بنور أبيض . . وفيه بيان نعم الله تعالى على نبيه وتوجيهه إلى شكرها ، خاصة نعمته عليه في جعل الحكم والإمامة في ذريته . وله شبيه فيما أوحاه الله إلى نبيه موسى ونبيه عيسى صلى الله عليه وآله .
وفيما يلي خلاصة من عهد الله تعالى لموسى وعيسى صلى الله عليه وآله ، والنص الكامل لحديث اللوح الذي عهد به لنبيه محمد صلى الله عليه وآله :
عهد الله تعالى إلى نبيه موسى عليه السلام
في الكافي : 8 / 42 : ( عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن عمرو بن عثمان ، عن علي بن عيسى رفعه قال : إن موسى ناجاه الله تبارك وتعالى فقال له في مناجاته :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 369 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يا موسى : لا يطول في الدنيا أملك فيقسو لذلك قلبك وقاسي القلب مني بعيد .
يا موسى : كن كمسرتي فيك فإن مسرتي أن أطاع فلا أعصى ، فأمت قلبك بالخشية وكن خلق الثياب جديد القلب ، تخفى على أهل الأرض ، وتعرف في أهل السماء ، حلس البيوت ، مصباح الليل ، واقنت بين يدي قنوت الصابرين ، وصُحْ إليَّ من كثرة الذنوب صياح المذنب الهارب من عدوه ، واستعن بي على ذلك ، فإني نعم العون ونعم المستعان .
يا موسى : إني أنا الله فوق العباد ، والعباد دوني ، وكل لي داخرون ، فاتهم نفسك على نفسك ، ولا تأتمن ولدك على دينك ، إلا أن يكون ولدك مثلك يحب الصالحين .
يا موسى : اغسل واغتسل واقترب من عبادي الصالحين .
يا موسى : كن إمامهم في صلاتهم وإمامهم فيما يتشاجرون ، واحكم بينهم بما أنزلت عليك ، فقد أنزلته حكماً بيناً وبرهاناً نيراً ونوراً ، ينطق بما كان في الأولين ، وبما هو كائن في الآخرين .
أوصيك يا موسى وصية الشفيق المشفق بابن البتول عيسى بن مريم ، صاحب الأتان والبرنس ، والزيت والزيتون والمحراب .
ومن بعدِهِ بصاحب الجمل الأحمر ، الطيب الطاهر المطهر ، فمثله في كتابك أنه مؤمن مهيمن على الكتب كلها ، وأنه راكع ساجد راغب راهب ، إخوانه المساكين ، وأنصاره قوم آخرون ، ويكون في زمانه أزل وزلزال ، وقتل وقلة من المال . اسمه أحمد ، محمد الأمين ، من الباقين من ثلة الأولين الماضين ، يؤمن بالكتب كلها ، ويصدق جميع المرسلين ويشهد بالإخلاص لجميع النبيين . أمته مرحومة مباركة ما بقوا في الدين على حقائقه ، لهم ساعات مؤقتات يؤدون فيها الصلوات ، أداء العبد إلى سيده نافلته ، فبه فصدق ، ومنهاجه فاتبع فإنه أخوك .
يا موسى : إنه أمي وهو عبد صدق ، يبارك له فيما وضع يده عليه ، ويبارك عليه كذلك كان في علمي وكذلك خلقته ، وبه أفتح الساعة ، وبأمته أختم مفاتيح الدنيا ، فمر ظلمة بني إسرائيل أن لا يدرسوا اسمه ولا يخذلوه ، وإنهم لفاعلون ، حبه لي حسنة ، فأنا معه وأنا من حزبه وهو من حزبي وحزبهم الغالبون ، فتمت كلماتي لأظهرن دينه على الأديان كلها ، ولأعبدن بكل مكان ، ولأنزلن عليه قرآناً فرقاناً شفاءاً لما في الصدور من نفث
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 370 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الشيطان ، فصلِّ عليه يا ابن عمران ، فإني أصلي عليه وملائكتي . . . إلى آخر ما جاء في هذا العهد وهو طويل ) .
عهد الله تعالى إلى نبيه عيسى عليه السلام
في الكافي : 8 / 131 : ( عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن علي بن أسباط عنهم عليهم السلام قال : فيما وعظ الله عز وجل به عيسى عليه السلام :
يا عيسى أنا ربك ورب آبائك ، اسمي واحد ، وأنا الأحد المتفرد بخلق كل شئ ، وكل شئ من صنعي ، وكل إلي راجعون .
يا عيسى : أنت المسيح بأمري ، وأنت تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني ، وأنت تحيي الموتى بكلامي ، فكن إليَّ راغباً ، ومني راهباً ، ولن تجد مني ملجأ إلا إليَّ .
يا عيسى : أوصيك وصية المتحنن عليك بالرحمة حتى حقت لك مني الولاية بتحرِّيك مني المسرة ، فبوركت كبيراً ، وبوركت صغيراً حيثما كنت ، إشهد أنك عبدي ابن أمتي ، أنزلني من نفسك كهمِّك ، واجعل ذكري لمعادك ، وتقرب إليَّ بالنوافل ، وتوكل عليَّ أكفِكْ ، ولا توكَّل على غيري فأخذلك .
يا عيسى : إصبر على البلاء ، وارض بالقضاء ، وكن كمسرتي فيك ، فإن مسرتي أن أطاع فلا أعصى . يا عيسى : أحي ذكري بلسانك ، وليكن ودي في قلبك . يا عيسى : تيقظ في ساعات الغفلة ، واحكم لي لطيف الحكمة . يا عيسى : كن راغباً راهباً ، وأمت قلبك بالخشية . يا عيسى : راع الليل لتحري مسرتي ، واظمأ نهارك ليوم حاجتك عندي .
يا عيسى : نافس في الخير جهدك ، تعرف بالخير حيثما توجهت .
يا عيسى : أحكم في عبادي بنصحي ، وقم فيهم بعدلي ، فقد أنزلت عليك شفاءا لما في الصدور من مرض الشيطان . يا عيسى : لا تكن جليساً لكل مفتون .
يا عيسى : حقا أقول : ما آمنت بي خليقة إلا خشعت لي ، ولا خشعت لي إلا رجت ثوابي ، فاشهد أنها آمنة من عقابي ، ما لم تبدل أو تغير سنتي . . .
يا عيسى : إني لم أرض بالدنيا ثواباً لمن كان قبلك ، ولا عقاباً لمن انتقمت منه .
يا عيسى : إنك تفنى وأنا أبقى ، ومني رزقك ، وعندي ميقات أجلك ، وإليَّ إيابك ، وعليَّ حسابك ، فسلني ولا تسأل غيري ، فيحسن منك الدعاء ومني الإجابة .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 371 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يا عيسى : ما أكثر البشر وأقل عدد من صبر ، الأشجار كثيرة وطيبها قليل ، فلا يغرنك حسن شجرة حتى تذوق ثمرها .
يا عيسى : لا يغرنك المتمرد عليَّ بالعصيان ، يأكل رزقي ويعبد غيري ، ثم يدعوني عند الكرب فأجيبه ، ثم يرجع إلى ما كان عليه . فعليَّ يتمرد أم بسخطي يتعرض ؟ فبي حلفت لآخذنه أخذةً ليس له منها منجىً ولا دوني ملجىً ، أين يهرب من سمائي وأرضي ؟ !
يا عيسى : قل لظلمة بني إسرائيل لا تدعوني والسحت تحت أحضانكم ، والأصنام في بيوتكم ، فإني آليت أن أجيب من دعاني ، وأن أجعل إجابتي إياهم لعناً عليهم حتى يتفرقوا . . .
يا عيسى : كن رحيما مترحماً ، وكن كما تشاء أن يكون العباد لك ، وأكثر ذكر الموت ومفارقة الأهلين ، ولا تَلْهُ فإن اللهو يفسد صاحبه ، ولا تغفل فإن الغافل مني بعيد ، واذكرني بالصالحات حتى أذكرك . . .
يا عيسى : لا خير في لذاذة لا تدوم ، وعيش من صاحبه يزول .
يا ابن مريم لو رأت عينك ما أعددت لأوليائي الصالحين ذاب قلبك وزهقت نفسك شوقاً إليه ، فليس كدار الآخرة دار تجاور فيها الطيبون ، ويدخل عليهم فيها الملائكة المقربون ، وهم مما يأتي يوم القيامة من أهوالها آمنون ، دار لا يتغير فيها النعيم ولا يزول عن أهلها .
يا ابن مريم : نافس فيها مع المتنافسين فإنها أمنية المتمنين ، حسنة المنظر ، طوبى لك يا بن مريم إن كنت لها من العاملين ، مع آبائك آدم وإبراهيم في جنات ونعيم ، لا تبغي لها بدلاً ولا تحويلاً ، كذلك أفعل بالمتقين .
يا عيسى : أهرب إليَّ مع من يهرب من نار ذات لهب ، ونار ذات أغلال وأنكال ، لا يدخلها روح ، ولا يخرج منها غم أبداً ، قطع كقطع الليل المظلم من ينج منها يفز ، ولن ينجو منها من كان من الهالكين ، هي دار الجبارين والعتاة الظالمين ، وكل فظ غليظ ، وكل مختال فخور . . .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 372 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يا عيسى : كنت خلقاً بكلامي ، ولدتك مريم بأمري ، المرسل إليها روحي جبرئيل الأمين من ملائكتي ، حتى قمت على الأرض حياً تمشي ، كل ذلك في سابق علمي . . .
يا عيسى : كيف يكفر العباد بي ونواصيهم في قبضتي ، وتقلبهم في أرضي ، يجهلون نعمتي ، ويتولون عدوي ، وكذلك يهلك الكافرون . . .
يا عيسى : إني إذا غضبت عليك لم ينفعك رضى من رضي عنك ، وإن رضيت عنك لم يضرك غضب المغضبين . يا عيسى اذكرني في نفسك أذكرك في نفسي ، واذكرني في ملائك أذكرك في ملأ خير من ملأ الآدميين . . .
يا عيسى : كيف أنتم صانعون إذا أخرجت لكم كتاباً ينطق بالحق وأنتم تشهدون ، بسرائر قد كتمتموها ، وأعمال كنتم بها عاملين .
يا عيسى : قل لظلمة بني إسرائيل غسلتم وجوهكم ودنستم قلوبكم ، أبي تغترون ، أم علي تجترئون ، تطيبون بالطيب لأهل الدنيا ، وأجوافكم عندي بمنزله الجيف المنتنة ، كأنكم أقوام ميتون .
يا عيسى قل لهم : قلموا أظفاركم من كسب الحرام ، وأصموا أسماعكم عن ذكر الخنا ، وأقبلوا علي بقلوبكم ، فإني لست أريد صوركم .
يا عيسى : إفرح بالحسنة ، فإنها لي رضىً ، وابكِ على السيئة فإنها شيْن ، وما لا تحب أن يصنع بك فلا تصنعه بغيرك ، وإن لطم خدك الأيمن فأعطه الأيسر ، وتقرب إليَّ بالمودة جهدك ، وأعرض عن الجاهلين .
يا عيسى : ذُلَّ لأهل الحسنة وشاركهم فيها ، وكن عليهم شهيداً ، وقل لظلمة بني إسرائيل : يا أخدان السوء والجلساء عليه ، إن لم تنتهوا أمسخكم قردة وخنازير .
يا عيسى قل لظلمة بني إسرائيل : الحكمة تبكي فرقاً مني ، وأنتم بالضحك تهجرون ، أتتكم براءتي أم لديكم أمان من عذابي ، أم تعرضون لعقوبتي ، فبي حلفت لأتركنكم مثلاً للغابرين .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 373 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم أوصيك يا ابن مريم البكر البتول بسيد المرسلين وحبيبي ، فهو أحمد صاحب الجمل الأحمر ، والوجه الأقمر ، المشرق بالنور ، الطاهر القلب ، الشديد البأس ، الحيي المتكرم ، فإنه رحمة للعالمين ، وسيد ولد آدم يوم يلقاني ، أكرم السابقين عليَّ ، وأقرب المرسلين مني ، العربي الأمين ، الديان بديني ، الصابر في ذاتي ، المجاهد المشركين بيده عن ديني ، أن تخبر به بني إسرائيل وتأمرهم أن يصدقوا به ، وأن يؤمنوا به ، وأن يتبعون وأن ينصروه . قال عيسى : إلهي من هو حتى أرضيه ؟ فلك الرضا ؟
قال : هو محمد رسول الله إلى الناس كافة ، أقربهم مني منزلة ، وأحضرهم شفاعة ، طوبى له من نبي ، وطوبى لأمته إن هم لقوني على سبيله ، يحمده أهل الأرض ويستغفر له أهل السماء ، أمين ميمون طيب مطيب ، خير الباقين عندي ، يكون في آخر الزمان إذا خرج أرخت السماء عزاليها ، وأخرجت الأرض زهرتها ، حتى يروا البركة وأبارك لهم فيما وضع يده عليه ، كثير الأزواج ، قليل الأولاد ، يسكن بكة موضع أساس إبراهيم .
يا عيسى : دينه الحنيفية وقبلته يمانية ، وهو من حزبي وأنا معه ، فطوبى له ثم طوبى له ، له الكوثر والمقام الأكبر في جنات عدن ، يعيش أكرم من عاش ويقبض شهيداً ، له حوض أكبر من بكة إلى مطلع الشمس من رحيق مختوم ، فيه آنية مثل نجوم السماء وأكواب مثل مدر الأرض ، عذب فيه من كل شراب ، وطعم كل ثمار في الجنة ، من شرب منه شربة لم يظمأ أبداً ، وذلك من قسمي له وتفضيلي إياه على فترة بينك وبينة ، يوافق سره علانيته وقوله فعله ، لا يأمر الناس إلا بما يبدأهم به ، دينه الجهاد في عسر ويسر ، تنقاد له البلاد ، ويخضع له صاحب الروم . على دين إبراهيم ، يسمى عند الطعام ويفشي السلام ، ويصلي والناس نيام ، له كل يوم خمس صلوات متواليات ، ينادي إلى الصلاة كنداء الجيش بالشعار ، ويفتتح بالتكبير ويختتم بالتسليم ، ويصف قدميه في الصلاة كما تصف الملائكة أقدامها ، ويخشع لي قلبه ورأسه ، النور في صدره ، والحق على لسانه ، وهو على الحق حيثما كان ) .
حديث اللوح أو عهد الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وآله
في الكافي : 1 / 527 : ( عن محمد بن يحيى ومحمد بن عبد الله ، عن عبد الله بن جعفر عن الحسن بن ظريف وعلي بن محمد ، عن صالح بن أبي حماد ، عن بكر بن صالح ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 374 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عن عبد الرحمن بن سالم ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : قال أبي لجابر بن عبد الله الأنصاري إن لي إليك حاجة فمتى يخف عليك أن أخلو بك فأسألك عنها ؟ فقال له جابر : أي الأوقات أحببته ، فخلا به في بعض الأيام فقال له : يا جابر أخبرني عن اللوح الذي رأيته في يد أمي فاطمة عليها السلام بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وما أخبرتك به أمي أنه في ذلك اللوح مكتوب ؟ فقال جابر : أشهد بالله أني دخلت على أمك فاطمة عليها السلام في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله فهنيتها بولادة الحسين ورأيت في يديها لوحا أخضر ، ظننت أنه من زمرد ورأيت فيه كتاباً أبيض ، شبه لون الشمس ، فقلت لها : بأبي وأمي يا بنت رسول الله صلى الله عليه وآله ما هذا اللوح ؟ فقالت : هذا لوح أهداه الله إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فيه اسم أبي واسم بعلي واسم ابني واسم الأوصياء من ولدي وأعطانيه أبي ليبشرني بذلك ، قال جابر فأعطتنيه أمك فاطمة عليها السلام فقرأته واستنسخته ، فقال له أبي : فهل لك يا جابر : أن تعرضه علي ؟ قال : نعم ، فمشى معه أبي إلى منزل جابر فأخرج صحيفة من رق ، فقال : يا جابر انظر في كتابك لأقرأ عليك .
فنظر جابر في نسخته فقرأه أبي ، فما خالف حرف حرفاً ، فقال جابر : فأشهد بالله أني هكذا رأيته في اللوح مكتوباً :
( بسم الله الرحمن الرحيم . هذا كتاب من الله العزيز الحكيم لمحمد نبيه ونوره وسفيره وحجابه ودليله نزل به الروح الأمين من عند رب العالمين . عظم يا محمد أسمائي واشكر نعمائي ولا تجحد آلائي ، إني أنا الله إله إلا أنا قاصم الجبارين ومديل المظلومين وديان الدين . إني أنا الله لا إله إلا أنا ، فمن رجا غير فضلي أو خاف غير عدلي ، عذبته عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين . فإياي فاعبد ، وعليَّ فتوكل .
إني لم أبعث نبياً فأكملت أيامه وانقضت مدته إلا جعلت له وصياً ، وإني فضلتك على الأنبياء وفضلت وصيك على الأوصياء ، وأكرمتك بشبليك وسبطيك حسن وحسين ، فجعلت حسناً معدن علمي ، بعد انقضاء مدة أبيه . وجعلت حسيناً خازن وحيي ، وأكرمته بالشهادة وختمت له بالسعادة ، فهو أفضل من استشهد وأرفع الشهداء درجة ، جعلت كلمتي التامة معه وحجتي البالغة عنده ، بعترته أثيب وأعاقب .
أولهم علي سيد العابدين وزين أوليائي الماضين ، وابنه شبه جده المحمود محمد ، الباقر علمي ، والمعدن لحكمتي .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 375 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
سيهلك المرتابون في جعفر ، الراد عليه كالراد علي ، حق القول مني لأكرمن مثوى جعفر ، ولأسرنه في أشياعه وأنصاره وأوليائه .
أتيحت بعده موسى فتنة عمياء حندس ، لأن خيط فرضي لا ينقطع ، وحجتي لا تخفى ، وإن أوليائي يسقون بالكأس الأوفى ، من جحد واحداً منهم فقد جحد نعمتي ، ومن غير آية من كتابي فقد افترى علي .
ويل للمفترين الجاحدين عند انقضاء مدة موسى عبدي وحبيبي وخيرتي في علي وليي وناصري ، ومن أضع عليه أعباء النبوة ، وأمتحنه بالاضطلاع بها ، يقتله عفريت مستكبر ، يدفن في المدينة التي بناها العبد الصالح ، إلى جنب شر خلقي .
حق القول مني لأسرنه بمحمد ابنه ، وخليفته من بعده ، ووارث علمه ، فهو معدن علمي ، وموضع سري ، وحجتي على خلقي لا يؤمن عبد به إلا جعلت الجنة مثواه ، وشفعته في سبعين من أهل بيته كلهم قد استوجبوا النار .
وأختم بالسعادة لابنه علي وليي وناصري ، والشاهد في خلقي ، وأميني على وحيي .
أخرج منه الداعي إلى سبيلي ، والخازن لعلمي ، الحسن .
وأكمل ذلك بابنه " م ح م د " رحمة للعالمين ، عليه كمال موسى ، وبهاء عيسى ، وصبر أيوب ، فيذل أوليائي في زمانه ، وتتهادى رؤوسهم كما تتهادى رؤوس الترك والديلم ، فيقتلون ويحرقون ، ويكونون خائفين ، مرعوبين وجلين ، تصبغ الأرض بدمائهم ، ويفشو الويل والرنا في نسائهم ، أولئك أوليائي حقاً ، بهم أدفع كل فتنة عمياء حندس ، وبهم أكشف الزلازل وأدفع الآصار والأغلال ، أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة ، وأولئك هم المهتدون .
قال عبد الرحمن بن سالم : قال أبو بصير : لو لم تسمع في دهرك ، إلا هذا الحديث لكفاك ، فصنه إلا عن أهله ) . انتهى .
ورواه ابن بابويه في الإمامة والتبصرة ص 104 ، والصدوق في عيون أخبار الرضا : 2 / 49 ، وفي كمال الدين ص 310 ، والنعماني في الغيبة ص 64 ، والطوسي في الغيبة ص 145 ، والطبرسي في الإحتجاج : 1 / 85 ، وابن شهر آشوب في المناقب : 1 / 255 ، وغيرهم رضوان الله عليهم .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 376 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
( 2 ) في كامل الزيارات ص 225 : ( حدثني القاسم بن محمد بن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن جده ، عن عبد الله بن حماد الأنصاري ، عن عبد الله بن سنان ، قال : سمعت أبا عبد الله يقول : قبر الحسين عشرون ذراعاً في عشرين ذراعاً مكسراً ، روضة من رياض الجنة ، منه معراج إلى السماء . فليس من ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا وهو يسأل الله تعالى أن يزور الحسين ، ففوج يهبط وفوج يصعد ) ! !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 377 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

( 26 ) الخيار بين عاشوراء وعيد النوروز

( بتاريخ : 21 ذي الحجة 1422 - 6 / 3 / 2002 - 15 / 12 / 1380 )
بمناسبة قرب عاشوراء ، وأن هذا اليوم آخر أيام البحث . . أقدم ملاحظات إلى الأفاضل الذين يتوفقون في هذه الأيام لأداء خدمة التبليغ الكبيرة ، التي لا يقدر ثوابها ولا يوصف .
أوصيهم أولاً : أن يفتتحوا كل مجلس من مجالسهم ، بعد القرآن ، بزيارة : سلام على آل ياسين ، حتى يكون المجلس مشمولاً لإشراق شمس وجود الإمام المهدي أرواحنا فداه .
وأوصيهم ثانياً : أن يعلموا الناس أحكام الإسلام من الحلال والحرام ، لأن المنبر الخالي من إرشاد الجاهل وتنبيه الغافل ، لا يكون مشمولاً لرضا النبي والأئمة صلوات الله عليهم .
وأوصيهم ثالثاً : أن يرسخوا أصول عقائد الناس .
فإن كانت مجالسكم بهذه الصفات ، انطبقت على أحدكم ثلاثة عناوين : الأول ، عنوان المرابطة في سد ثغور المسلمين ، ودفع الشبهات عن قلوب أهل الدين . والعنوان الثاني ، عنوان الجهاد في سبيل الله تعالى . والثالث ، أنه من كافلي أيتام آل محمد صلى الله عليه وآله .
فهنيئاً لكم حيث أن كل واحد منكم يذهب إلى التبليغ بيد خالية ، ولكنه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 378 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يرجع بيد مملوءة ، فهو مرابط ، ومجاهد ، وكافل لأيتام آل محمد صلى الله عليه وآله . . وهذا كله في عصر الغيبة الذي يتضاعف فيه الثواب .
وأوصيكم رابعاً : بوصية خاصة في هذه السنة التي يتقارن فيها عيد النوروز بأيام عاشوراء ، لا بد أن يفهم الناس ما معنى عزاء أبي عبد الله الحسين عليه السلام ؟ وأي مصيبة كانت مصيبته ؟ !
عندي كلمات أقولها في هذا اليوم ، لكن ليست لكل الناس ، فالناس قسمان : قسم لا شغل لهم بسيد الشهداء عليه السلام ، ونحن لا شغل لنا بهم !
أما الذين لهم به شغل عليه السلام ، ومّنْ مِنَّا ليس له شغل معه عليه السلام ونحن عما قريب سنواجه سكرات الموت التي لا توصف ، وليس عندنا لآخرتنا شئ !
إن تصور أحدنا أنه يملك شيئاً هو منتهى الجهل ! فلو عرفنا أنفسنا وعرفنا الله تعالى ، لفهمنا أننا لا نملك شيئاً إلا الأمل بأن يتداركنا برحمته ، ويشرفنا عند احتضارنا بحضور أمير المؤمنين عليه السلام .
والحاجة الثانية ، التي لنا عند الإمام الحسين عليه السلام وقتها في أول ليلة نحل فيها في قبرنا ، في تلك الظلمة الموحشة ، والحيرة المذهلة ، حيث لا حبيب ولا مؤنس ولا قريب ، ولا نور إلا نور جماله الرباني ، وجمال جده وأهل بيته الطاهرين عليهم السلام .
والحاجة الثالثة ، وهنا انقطعت الكهرباء فقال الأستاذ : ليس مهماً أن تنقطع الكهرباء ، لا بأس ففي كل شئ عبرة ، قلنا إن المهم لنا يومذاك هو نور الإمام الحسين عليه السلام ، حاجتنا الثالثة للإمام الحسين عليه السلام يوم القيامة : يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ . ( سورة الشعراء : 88 ) ، يوم لا وجود لعمل الإنسان إلا بالنور : يَوْمَ لا يُخْزِي اللهُ النَّبِيَّ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 379 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شئ قَدِيرٌ ( سورة التحريم : 8 ) وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ ( سورة النور : 40 ) . . فكما أن اتصال هذه السلك بتيار الكهرباء ومنبعها يضئ المكان ، فإن اتصال قلبنا وعقلنا بمركز نور الإمام الحسين عليه السلام يضئ ما حولنا فيسعى نورنا يوم القيامة بين أيدينا وبأيماننا !
إن المثل الذي ضربه الله لنا وأرشدنا فيه إلى مركز نوره في الأرض ، إنما هو لنور سيد الأنبياء والرسل وآله سادة الأئمة والأوصياء صلوات الله عليهم : مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَة الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضئُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللهُ بِكُلِّ شئ عَلِيمٌ . ( سورة النور : 35 )
نحن من ناحية العمل ، لا شئ عندنا ليوم موتنا وقبرنا وحشرنا ، إلا مثل هذا الظلام الذي سببه انقطاع الكهرباء ! وكل ما في كتابنا إنما هو كلمة واحدة هي ولاية الحسين وحب الحسين عليه السلام !
وهذا الحب إذا حل في قلب إنسان ، يستطيع صاحبه أن يفهم أي مصيبة أصيبها الوجود في عاشوراء بسيد الشهداء عليه السلام ، وماذا أثرت في الوجود ؟
إن واجبكم فرداً فرداً أن تحبوا الحسين عليه السلام وتَفهموا وتُفهموا الناس معنى : لا يوم كيومك يا أبا عبد الله !
ومن أجل أن نفهم عمل أبي عبد الله الحسين عليه السلام نحتاج إلى الاستعانة بقوله تعالى : وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ . ( سورة الأنعام : 132 ) ، فإن جميع الدرجات في نظام الحكمة الإلهية والعدل الإلهي ، تكون حسب العمل ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 380 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فلا بد أن نعرف العمل البشري ما هو ؟
ونحتاج إلى الاستعانة بقواعد الحكمة التي تنظر في كل عمل إلى ثلاث نقاط : جذره الذي هو مبدؤه ودافعه ، وثمرته أو منتهاه ، وأن ننظر ثالثاً إلى نفس العمل . لذلك ينبغي أن ننظر إلى عمل سيد الشهداء عليه السلام من هذه الزوايا الثلاث ، إلى بعضه بنظرة الدليل ، وبعضه بنظرة البرهان ، وبعضه عن طريق الإستدلال بإنْ ، وبعضه عن طريق الإستدلال بلمَ ، وبعضه بالطريقين . . وبعد ذلك ننظر إلى نفس العمل .
وعندما ننظر إلى عاشوراء من هذه الجهات يتضح لنا وللعالم أنه لا يستطيع أحد أن يفهم عمق شخصية الإمام الحسين عليه السلام ، أو يستوعب عظمة عمله !
أولاً ، ما هو مبدأ عمله ودافعه اليه ؟ إن عمل الإنسان ودافعه ينبع من مقامه وعالمه الذي يعيشه مع الله تعالى ، ومقام الإمام الحسين عليه السلام يفهمه الكاملون من أهل العرفان من دعائه في عرفات بالمقايسة مع مقام نبي الله يونس عليه السلام ! فمقام يونس يدل عليه نداؤه الذي ناداه في بطن الحوت : وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ . ( سورة الأنبياء : 87 ) فمع أن يونس عليه السلام في الصف الأول في عظماء السالكين إلى الله تعالى ، فمقامه : لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ .
أما مقام الحسين عليه السلام فنجده في دعائه في عرفات حيث أضاف إلى جملة نبي الله يونس صلى الله عليه وآله أحد عشر جملة ، كما في بعض الروايات :
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من المستغفرين .
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الموحدين .
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الخائفين .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 381 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الوجلين .
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الراجين .
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من المهللين .
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من السائلين .
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من المسبحين .
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من المكبّرين .
لا إله إلا أنت سبحانك ربي ورب آبائي الأولين .
ومعنى هذا أن الإمام الحسين عليه السلام في الرتبة الثانية عشرة من مقام يونس عليه السلام ! وإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ ( سورة التوبة : 36 ) ولا وجود لرتبة الثالث عشر في نظام الكون . . وهذا يعني أن الإمام الحسين عليه السلام في دعاء عرفة ، قد قطع مراحل شهور المعرفة التي هي المعنى الباطن لهذه الآية ! وقال ليونس : أنت قلت : لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ، وبقيت الكلمات الباقية لي فأنا أقولها ! ( راجع إقبال الأعمال للسيد ابن طاووس : 2 / 84 ، وبحار الأنوار : 95 / 222 )
إن كل واحدة من هذه الجمل بحر من المعرفة بلا قعر ، يغرق فيه جبرئيل وميكائيل وإسرافيل ! فمن يستطيع أن يفهم أنه عليه السلام عندما قال : لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الموحدين ، كيف قطع اثنتي عشرة مرحلة من التوحيد ، من مقامات توحيد الألوهية إلى توحيد الربوبية ، حتى وصل إلى توحيد المحبة لربه ، فصار لسان حاله : تركت الخلق طراً في هواكا !
هذا هو جذر العمل عند الحسين ودافعه ، منبعه من : لا إله إلا أنت ، التي وقف عندها عرفاء الأولين والآخرين ، فأنى لهم بما بعدها ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 382 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أما نفس عمل الإمام الحسين عليه السلام ماذا كان ؟ فهنا يصمت المتكلمون عن الكلام ! يقول أبو بصير رحمه الله : ( كنت عند أبي عبد الله ( الإمام الصادق عليه السلام ) أحدثه ، فدخل عليه ابنه فقال له مرحباً وضمه وقبله وقال : حقَّر الله من حقركم ، وانتقم ممن وَترَكم ، وخذل الله من خذلكم ، ولعن الله من قتلكم ، وكان الله لكم ولياً وحافظاً وناصراً ، فقد طال بكاء النساء وبكاء الأنبياء والصديقين والشهداء وملائكة السماء . ثم بكى وقال :
يا أبا بصير إذا نظرت إلى ولد الحسين أتاني ما لا أملكه مما أتي إلى أبيهم وإليهم ، يا أبا بصير إن فاطمة لتبكيه وتشهق فتزفر جهنم زفرة لولا أن الخزنة يسمعون بكاءها وقد استعدوا لذلك مخافة أن يخرج منها عنق أو يشرد دخانها فيحرق أهل الأرض فيكبحونها ما دامت باكية ، ويزجرونها ويوثقون من أبوابها مخافة على أهل الأرض ، فلا تسكن حتى يسكن صوت فاطمة .
وإن البحار تكاد أن تنفتق فيدخل بعضها على بعض ، وما منها قطرة إلا بها ملك موكل ، فإذا سمع الملك صوتها أطفأ نارها بأجنحته ، وحبس بعضها على بعض مخافة على الدنيا وما فيها ومن على الأرض ، فلا تزال الملائكة مشفقين ، يبكونه لبكائها ، ويدعون الله ويتضرعون إليه ، ويتضرع أهل العرش ومن حوله ، وترتفع أصوات من الملائكة بالتقديس لله مخافة على أهل الأرض . ولو أن صوتاً من أصواتهم يصل إلى الأرض لصعق أهل الأرض ، وتقطعت الجبال وزلزلت الأرض بأهلها .
قلت : جعلت فداك إن هذا لأمرٌ عظيم ! قال : غيره أعظم منه ما لم تسمعه ، ثم قال لي : يا أبا بصير أما تحب أن تكون فيمن يسعد فاطمة ؟ فبكيت حين قالها ، فما قدرت على المنطق ، وما قدرت عل