الماء الجاري في غسل البخاري

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 1 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
المـــاء الجـــاري في غســل البخـاري
بقلم
علي الكوراني العاملي
الطبعة الأولى- 1439-2018
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 2 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 3 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة وأتم السلام على سيدنا ونبينا محمد
وآله الطيبين الطاهرين .
1. تقرأ عن محمد بن إسماعيل البخاري فيعجبك أنه يتيم عصامي، نشأ في بخارى ثم جاءت به أمه وأخوه الى مكة وتركوه فيها ابن اثنتي عشرة سنة، فكان يعمل لمعيشته ويطلب العلم ست سنين، ثم عاش مثلها في المدينة ، ثم تنقل في البصرة والكوفة وغيرها ، وكان يسكن في محلات البخاريين .
ثم رجع الى بلده بخارى وهو في الثلاثينات ،وكان يملي الحديث على الناس ، وبدأ بتأليف كتابه الجامع الصحيح ، وقال الإمام الباجي المالكي صاحب شرح الموطأ إنه سرق كتاب العلل للمديني ، ومنه ألف كتابه !
2. في تلك الفترة كان المأمون يمتحن القضاة والفقهاء والمحدثين في خلق القرآن ، فقد رأى نفوذهم الكبير في الناس، وحقد عليهم أنهم أفتوا لأخيه الأمين بخلعه وساعدوه على حربه ، فأراد ضرب نفوذهم ، فوجد بعضهم يقول بقدم القرآن لأنه كلام الله ، فجعل هذه المقولة سيفاً عليهم ، وأمر بامتحانهم واحداً واحداً ، فمن قال إن القرآن قديم غيرمخلوق فهومشرك يتخذ مع الله شريكاً ، ولايستخدم في الدولة ، ويستتاب ، وقد يقتل .
وفي تلك الفترة لم يكن البخاري معروفاً ، فلم يحضروه للإمتحان ! وبعد أربع سنوات من بدء الإمتحان مات المأمون ، فتابع أخوه المعتصم ثم ولده الواثق سياسته ، وواصلا امتحان العلماء عشرين سنة ، حتى جاء المتوكل فأدان موقف أخيه الواثق وأبيه المعتصم وعمه المأمون ، وجعل الإمتحان بالعكس ، فمن قال بخلق القرآن يمنع من الوظيفة ، وقد يقتل .
3. برز في زمن المتوكل أحمد بن حنبل، لأن المتوكل قال له: يا أحمد إني أريد أن أجعلك بيني وبين الله حجة ، وكان لاينصب قاضياً ولا شيخاً إلا برأي أحمد ، فصار بيت أحمد محجاً لهم ، وكان ينفق عليهم من أموال المتوكل .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 4 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد حمل البخاري ما كتبه من صحيحه الى بغداد ، وعرضه على أحمد فأعجبه وأكرمه ، ثم زاره ثمان مرات كما قال ، ثم جاء الى بغداد في آخر حياة أحمد ، لكن علاقته معه خربت ، لأنه تأثر بالكرابيسي فقال: لفظي بالقرآن مخلوق ، لأن أفعالنا مخلوقة وتلاوتنا من أفعالنا، فحكم عليه أحمد وعلى الكرابيسي وجماعته بالضلال والكفر ، وأنهم شر من الجهمية !
وتوفي أحمد ، وتابع موقفه خليفته أبو بكرالمروذي وجماعته، وشددوا على الكرابيسي، فاضطر البخاري أن يغادر بغداد الى نيشابور ، فكتبوا الى إمامها محمد بن يحيى الهذلي أن يمنعه من التحديث فمنعه وضيق عليه، فغادرها الى الري فعاداه جماعة أحمد وطردوه ، فذهب الى بخارى ، فكتبوا الى واليها أن يحضره ويمتحنه ويقتله إن ثبت عليه القول بخلق القرآن، فبعث في إحضاره فهرب من بخارى قاصداً سمرقند ، وفي الطريق عرف أنهم أرسلوا الى واليها أن يمتحنه ، فذهب الى قرية خرتنك التي له فيها أقارب، وبقي فيها مدة يسيرة ، وكان يعيش أزمة نفسية حادة من ظلم أتباع أحمد ، والخليفة الملقب بالمعتمد !ومات في أوج ظلمهم له ، وأزمته منهم !
4. مات البخاري مطارداً ، محكوماً عليه بالكفر ، لكن الخلافة تبنت كتابه لأنه مؤلف على مذهبها ، ففيه كل المواصفات المطلوبة ، من الطعن الخفي بأهل البيت عليهم السلام ، وتقديس الشيخين ، والدفاع عن بني أمية ، والتجسيم ، وقد كان تأليفه بتوجيه ابن حنبل المرجع المرضي عند المتوكل !
وبحثوا عن نسخته فوجدوا مسودة ناقصة عند تلميذه الشاب الفربري . قال ابن حجر في مقدمة فتح الباري/6: (إبراهيم بن أحمد المستملي قال: انتسخت كتاب البخاري من أصله الذي كان عند صاحبه محمد بن يوسف الفربري ، فرأيت فيه أشياء لم تتم، وأشياء مبيضة، منها تراجم لم يثبت بعدها شيئاً، ومنها أحاديث لم يترجم لها، فأضفنا بعض ذلك إلى بعض!
ومما يدل على صحة هذا القول أن رواية أبي إسحاق المستملي ، ورواية أبي محمد السرخسي، ورواية أبي الهيثم الكشمهيني، ورواية أبي زيد المروزي ، مختلفة بالتقديم والتأخير مع أنهم انتسخوا من أصل واحد ! وإنما ذلك بحسب ما قدر كل واحد منهم فيما كان في طرة أو رقعة مضافة ، أنه من موضع ما،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 5 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فأضافه إليه! ويبين ذلك أنك تجد ترجمتين وأكثر من ذلك متصلة ليس بينها أحاديث)! والطرة ورقة طويلة ، والرقعة ورقة عادية .
5. قدم البخاري خدمات مهمة للسلطة في كتابه ، لكن أكبرها إخفاءه الأحاديث الصحيحة ، وتدوين الأحاديث الموافقة لدين السلطة !
قال البخاري: (أحفظ مائة ألف حديث صحيح ، وأحفظ مائتي ألف حديث غير صحيح). (تغليق التعليق لابن حجر:5/418)
وسر عمل البخاري، انتقاؤه أحاديث بلغت بدون تكرار 2602، وقيل 2761 حديثاً ، من مئة ألف حديث يحفظها !
يضاف اليها تعليقاته من كلامه وكلام غيره التي بلغت نصف كتابه!
وكمثال لعمله: رووا في تسمية النبي صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام بأبي تراب أسباباً ، واشتهر منها حديث عمار الصحيح بأن ذلك كان في غزوة العشيرة،وأن النبي صلى الله عليه وآله أخبر بأنه سيقتله أشقى الآخرين، وروى خصوم علي عليه السلام أن سبب التسمية أن علياً اختلف مع فاطمة عليهما السلام وغاضبها، وذهب ظهراً الى المسجد ونام ، فجاء النبي صلى الله عليه وآله فلم يجده ، ووجده في المسجد فجاءه وقال له: قم يا أبا تراب ! فاختار البخاري حديث مغاضبته لفاطمة عليها السلام !
وبما أن حديث عمار صحيح مشهور، خشي البخاري أن يتهممه أحد ببغض علي عليه السلام فقال إنه ترك حديث عمار لأنه:(لا يعرف سماع يزيد من محمد، ولامحمد بن كعب من ابن خثيم،ولا ابن خثيم من عمار)!
وأجابه ابن حجر فقال في تهذيب التهذيب (9/130): (فما المانع من سماعه من عمار؟ وعند ابن مندة من طريق محمد بن سلمة ، عن ابن إسحاق التصريح بسماع محمد بن كعب من ابن خثيم ، وسماع يزيد من محمد بن كعب ، فإن في سياقه عن يزيد بن محمد بن خثيم عن محمد بن كعب قال: حدثني أبو محمد بن خثيم). فأظهر تحيز البخاري ضد علي عليه السلام من حيث لا يقصد !
وفي غزوة خيبر فتح النبي صلى الله عليه وآله القسم الشرقي منها وترك فيها علياً عليه السلام ليرتب أمورها، وحاصرالقسم الغربي وهويبعد نحو عشرة كيلومترات ، فعجز الصحابة عن فتح حصنها القموص، وقالوا للنبي صلى الله عليه وآله أرسل الى علي!
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 6 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فرأى البخاري رواية لسلمة بن الأكوع يقول فيها ذهبت فجئت بعلي على بعير، وكان تخلف عن النبي صلى الله عليه وآله وهو يقصد أنه تأخر في القسم المحرر من خيبر ، فطار بها اليخاري كما يطيرالوهابي بخبر ضد الشيعة ، ورواها أربع مرات قائلاً إن علياً عليه السلام تخلف عن النبي صلى الله عليه وآله في خيبر! مع أنه يحفظ أن علياً فتح كل حصون خيبر!
ثم هو يحفظ ما استفاض في أن راية النبي صلى الله عليه وآله كانت دائماً مع علي لكنه وجد رواية لصاحبه الزهري توهم غير ذلك، فعنون لها باباً (4/12): (باب ما قيل في لواء النبي (ص)إن قيس بن سعد الأنصاري وكان صاحب لواء رسول الله (ص) ! فقال ابن حجر (6/89): (قوله:وكان صاحب لواء النبي.أي الذي يختص بالخزرج.وأخرج أحمد بإسناد قوي من حديث ابن عباس أن راية النبي كانت تكون مع علي،وراية الأنصارمع سعد بن عبادة).
فأظهر ابن حجر تحيز البخاري ضد علي عليه السلام عن غيرأن يقصد أيضاً !
وفي سورتي المعوذتين ، ترك البخاري الرواية التي تنص على أنهما من القرآن وروى الحديث الذي يوهم أنهما ليستا من القرآن !
الى آخر ماسترى من أفاعيله المغرضة ، التي تخدم دين الحكومة !
6.نقد علماؤنا روايات البخاري ومؤلفها من قديم ، ولعل أشهر من كتب في الموضوع العلامة الباحث السيد ميرحامد الحسيني قدس سره فقد تضمن كتابه عبقات الأنوار نقوداً بليغة للبخاري .ثم كتب بأعمق منه وأوفى مرجع الطائفة المحقق شيخ الشريعة الأصفهاني قدس سره (1266- 1339 ه‍ ) كتابه: القول الصراح في نقد البخاري والصحاح، طبع في قم ، وهو من أجل الكتب في الموضوع . ثم وجه الشيخ محمود أبو رية، وهو من علماء الأزهر نقوداً مهمة للبخاري في كتابه:أضواء على السنة المحمدية. ثم كتب المحقق الشيخ محمد صادق النجمي كتابه: أضواء على الصحيحين ، طبع في قم . ثم كتب العلامة المحقق الشيخ حسين غيب الهرساوي رسالتين: الإمام البخاري وفقه أهل العراق ، والبخاري وصحيحه ، كشف فيهما أوجهاً في ضعفه العلمي، طبعتا في قم ، وكتب آية الله المحقق السيد علي الميلاني رسالة: الصحيحان في الميزان ، نقد فيها الكتابين ومؤلفيهما ، بنقد مجموعة أحاديث رووها ، أورد عليها إشكالات علمية .
هذا مضافاً الى عشرات الكتب في نقد البخاري من عصره الى عصرنا ، من علماء وباحثين سنة وشيعة ، ومنها كتب لأزهريين وأساتذة أكاديميين، وصفوا البخاري بالأسطورة وبالصنم..الخ.
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 7 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
7. سميت الكتاب: الماء الجاري في غسل البخاري ، وقمت فيه بعملين ، أولهما: بلورة النقود الموجهة للبخاري وتلخيصها ، وقد أنصفته في محنته، وكشفت حقائق جديدة حولها، منها لعبة المأمون في الإمتحان بخلق القرآن لمدة عشرين سنة وتكفيره من قال إن القرآن غير مخلوق ، فوقع فيها جماعة من علماء المذاهب.
ثم حوَّلها المتوكل الى امتحان بالعكس، فكفَّر من قال بخلق القرآن ، ووقع في امتحانه البخاري ، فكفره أحمد وجماعته وأرادوا قتله، فهرب في البلاد حتى مات .
والعمل الثاني:كشفت الجديد في زيف عمل البخاري في كتابه ، وخبثه في اختيار أحاديث وإخفاء غيرها، وحشده أقواله وأقوالاً تؤيد أفكاره لاسند شرعياً لها فبلغت نصف الكتاب، وتفننه في الطعن بخير أهل الأرض نبينا صلى الله عليه وآله وعترته الطاهرين عليهم السلام وتفننه في الغلو وإخفاء نقاط الضعف في الشيخين وبنتيهما ، ثم في الدفاع بالباطل عن بني أمية ، وأعداء أهل البيت عليهم السلام .
وختمته بتنظير البخاري لمذهب كعب الأحبار اليهودي في التنقيص من قدر الله سبحانه وتعالى وتجسيمه ، فنسب اليه الظلم والعبث ، ووصفه بالجسم الخاضع لقوانين الزمان والمكان ونواميس الطبيعة ، كأي مخلوق ، تعالى الله عما يصفون !
أملي أن يكون الكتاب على صغر حجمه وافياً بالموضوع ، كاشفاً لحقائق وأفكار لم تظهر من قبل. والله ولي التوفيق .
كتبه : علي الكوراني العاملي
بقم المشرفة في شوال المكرم 1439 هجرية
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 8 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الأول: البخاري وفتنة المأمون بخلق القرآن

امتحن المأمون العلماء بخلق القرآن عشرين سنة

روينا عن الإمام الرضا عليه السلام أن المأمون كان ملحداً لا يؤمن بالله تعالى ، لكنه كان يحفظ مظهر إسلامه، وكان يتبنى التشيع والقول بوصية النبي صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام بالخلافة ، ويناظر العلماء به ، ليغيض بني العباس، لأنهم عزلوه عن ولاية العهد، فكوَّن جيشاً بمساعدة أخواله الفرس وحارب أخاه الأمين وانتصرعليه وقتله! ثم أجبرالإمام الرضا عليه السلام على قبول ولاية عهده ، ليهدد العباسيين بأنه سينقل الخلافة الى بني علي عليه السلام .
وبعد سنتين تصالح مع العباسيين، فقام بقتل الإمام الرضا عليه السلام وعاد الى بغداد ، خليفة منتصراً على العباسيين وفقهائهم ، فخضعوا له !
كما كان المأمون عدواً لدوداً للأمويين، وعقيدتهم في التشبيه والتجسيم، فكتب منشور براءة من معاوية أثبت كفره ، لكنه أخر نشره ، ونشروه بعده .
ولما رجع الى بغداد وجد أن الفقهاء والمحدثين الذين أيدوا أخاه الأمين ، يقولون بقدم القرآن ، وأنه كلام الله غيرمخلوق لأنه صفة ذاتية لله ، أو لأنه جزء من ذات الله عند من يقول إن الله تعالى وجود مركب، فاتخذها حجة للإنتقام منهم ، ورفع شعار أن القول بقدم القرآن شرك بالله تعالى، لأنه يعني وجود شيئ قديم مع الله تعالى قبل الخلق.
فأمر بامتحان المشايخ ، فمن قال إن القرآن مخلوق شغَّله في وظائف الدولة ومن قال إنه غيرمخلوق حبسه وحرمه ، أو قتله !
ودام هذا الإمتحان عشرين سنة ، لأن المأمون بدأ بتنفيذه سنة 218، لما كان بطرطوس ، ثم تبناه المعتصم والواثق ، الى أن ألغاه المتوكل سنة232.
وهو امتحان خبيث بأمر مبهم ، يمكن معه الحكم على من يجيب بالنفي أو الإثبات! فقد أجاب بعضهم في زمن المأمون بأن القرآن قديم فقيل له أنت كافر تجعل مع الله شريكاً !وأجاب بعضهم في
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 9 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
زمن المتوكل بأن القرآن مخلوق فقيل له تقول إن كلام الله مختلق، أو تقول إن الله مخلوق ، لأن كلامه منه !
فكانت مادة امتحان المأمون ، نفسها مادة امتحان المتوكل المعاكس !
قال اليعقوبي (2/467):(وصار المأمون إلى دمشق سنة 218، وامتحن الناس في العدل والتوحيد، وكتب في إشخاص الفقهاء من العراق وغيرها ، فامتحنهم في خلق القرآن ، وأكفر من امتنع أن يقول القرآن غير مخلوق ، وكتب أن لا تقبل شهادته ، فقال كل بذلك ، إلا نفراً يسيراً ).
وقد روى الطبري(7/197) قصة امتحان المأمون للفقهاء والمحدثين ، وفيها رسائله من سوريا الى صاحب شرطته في بغداد، ونورد منها فقرات ، قال:
(كتب المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم في إشخاص سبعة نفر منهم محمد بن سعد كاتب الواقدي، وأبومسلم مستملي يزيد بن هارون ، ويحيى بن معين ، وزهير بن حرب أبو خيثمة ، وإسماعيل بن داود ، وإسماعيل بن أبي مسعود ، وأحمد بن الدورقي ، فأشخصوا إليه ، فامتحنهم وسألهم عن خلق القرآن فأجابوا جميعاً إن القرآن مخلوق فأشخصهم إلى مدينة السلام ، وأحضرهم إسحاق بن إبراهيم داره ، فشهر أمرهم وقولهم بحضرة الفقهاء والمشايخ من أهل الحديث ، فأقروا بمثل ما أجابوا به المأمون ، فخلى سبيلهم .
وكتب المأمون بعد ذلك إلى إسحاق بن إبراهيم: أما بعد فإن من حق الله على خلفائه في أرضه أن يجهدوا لله أنفسهم ، وينصحوا له فيما استحفظهم ، ويهدوا إليه من زاغ عنه ، ويردوا من حاد عن أمره .
ومما بينه أميرالمؤمنين برويته وطالعه بفكره ، فتبين عظيم خطره من القول في القرآن ألايكون مخلوقاً ، فتعرضوا بذلك لدفع خلق الله الذي بان به عن خلقه ، وتفرد بجلالته من ابتداع الأشياء كلها بحكمته وإنشائها بقدرته ، والتقدم عليها بأوليته ، التي لا يبلغ أولاها ولا يدرك مداها، وكان كل شئ دونه خلقاً من خلقه وحدثاً هو المحدث له ، وضاهوا به قول النصارى في ادعائهم في عيسى بن مريم أنه ليس بمخلوق ، إذ كان كلمة الله والله عز وجل يقول: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًاً، وتأويل ذلك أنا خلقناه كما قال جل جلاله: وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا، وصفوا خلق الله وفعله بالصفة التي هي لله وحده
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 10 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وشبهوه به . وليس يرى أمير المؤمنين لمن قال بهذه المقالة حظاً في الدين ولا نصيباً من الإيمان واليقين، ولا يرى أن يحل أحداً منهم محل الثقة في أمانة ، ولا عدالة ولا شهادة ، ولا تولية لشئ من أمر الرعية!
فاقرأ على جعفر بن عيسى، وعبد الرحمن بن إسحاق القاضي كتاب أمير المؤمنين بما كتب به إليك ، وأنصصهما عن علمهما في القرآن ، وأعلمهما أن أمير المؤمنين لايستعين على شئ من أمور المسلمين ، إلا بمن وثق بإخلاصه وتوحيده ، وأنه لاتوحيد لمن لم يقر بأن القرآن مخلوق ، وافعل ذلك بمن في سائر عملك من القضا ة، واكتب إلى أمير المؤمنين بما يكون منك في ذلك .
قال: فأحضرإسحاق بن إبراهيم لذلك جماعة من الفقهاء والحكام والمحدثين ، وأحضر أبا حسان الزيادي ، وبشر بن الوليد الكندي ، وعلي بن أبي مقاتل ، والفضل بن غانم ، والذيال بن الهيثم ، وسجَّادة ، والقواريري، وأحمد بن حنبل ، وقتيبة ، وسعدويه الواسطي ، وعلي بن الجعد ، وإسحاق بن أبي إسرائيل ، وابن الهرش ، وابن علية الأكبر ، ويحيى بن عبد الرحمن العمري ، وشيخاً آخر من ولد عمر بن الخطاب كان قاضي الرقة ، وأبا نصر التمار ، وأبا معمر القطيعي ، ومحمد بن حاتم بن ميمون ، ومحمد بن نوح المضروب ، وابن الفرخان ، وجماعة منهم النضر بن شميل ، وابن علي بن عاصم ، وأبو العوام البزاز ، وابن شجاع ، وعبد الرحمن بن إسحاق، فأدخلوا جميعاًعلى إسحاق فقرأ عليهم كتاب المأمون هذا مرتين ، حتى فهموه ، ثم قال لبشر بن الوليد: ما تقول في القرآن؟ فقال: قد عرفت مقالتي لأميرالمؤمنين غير مرة . قال فقد تجدد من كتاب أميرالمؤمنين ما قد ترى فقال: أقول القرآن كلام الله . قال: لم أسألك عن هذا ، أمخلوق هو؟قال: الله خالق كل شئ . قال: ما القرآن شئ . قال: هو شئ. قال: فمخلوق؟ قال: ليس بخالق . قال:ليس أسألك عن هذا ، أمخلوق هو؟ قال: ما أحسن غير ما قلت لك . وقد استعهدت أمير المؤمنين أن لا أتكلم فيه،وليس عندي غير ماقلت لك . فأخذ إسحاق بن إبراهيم رقعة كانت بين يديه فقرأها عليه ووقفه عليها فقال: أشهد أن لا إله إلا الله أحداً فرداً ، لم يكن قبله شئ ، ولا بعده شئ ، ولايشبهه شئ من خلقه، في معنى من المعاني ولاوجه من الوجوه. قال: نعم .وقد كنت أضرب الناس على دون هذا .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 11 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فقال للكاتب: أكتب ما قال . ثم قال لعلي بن أبي مقاتل: ما تقول يا علي؟ قال: قد سمعت كلامي لأمير المؤمنين في هذا غير مرة ، وما عندي غير ما سمع ، فامتحنه بالرقعة فأقر بما فيها ثم قال: القرآن مخلوق؟قال: القرآن كلام الله . قال: لم أسألك عن هذا ، قال:هوكلام الله ، وإن أمرنا أميرالمؤمنين بشئ سمعنا وأطعنا. فقال للكاتب:أكتب مقالته . ثم قال للذيال نحواً من مقالته لعلي بن أبي مقاتل، فقال له مثل ذلك .
ثم قال لأبي حسان الزيادي: ما عندك ؟قال: سل عما شئت. فقرأعليه الرقعة ووقفه عليها فأقر بما فيها ، ثم قال: من لم يقل هذا القول فهوكافر. فقال القرآن مخلوق هو؟ قال: القرآن كلام الله والله خالق كل شئ وما دون الله مخلوق ، وأمير المؤمنين إمامنا وبسببه سمعنا عامة العلم ، وقد سمع ما لم نسمع وعلم ما لم نعلم ، وقد قلده الله أمرنا، فصار يقيم حجنا وصلاتنا ، ونؤدي إلي-ه زكاة أموالنا ، ونجاهد معه ونرى إمامته إمامة ، وإن أمرنا إئتمرنا وإن نهانا انتهينا ، وإن دعانا أجبنا .
قال: القرآن مخلوق هو؟ فأعاد عليه أبو حسان مقالته ، قال: إن هذه مقالة أمير المؤمنين.قال قد تكون مقالة أمير المؤمنين ، ولايأمر بها الناس ولا يدعوهم إليها،وإن أخبرتني أن أميرالمؤمنين أمرك أن أقول قلت ما أمرتني به ، فإنك الثقة المأمون عليه فيما أبلغتني عنه من شئ ، فإن أبلغتني عنه بشئ صرت إليه . قال:ما أمرني أن أبلغك شيئاً.قال علي بن أبي مقاتل: قد يكون قوله كاختلاف أصحاب رسول الله (ص)في الفرائض والمواريث ولم يحملوا الناس عليها . قال له أبو حسان: ما عندي إلا السمع والطاعة ، فمرني آتمر . قال: ما أمرني أن آمرك ، وإنما أمرني أن أمتحنك .
ثم عاد إلى أحمد بن حنبل فقال له: ما تقول في القرآن؟ قال: هو كلام الله . قال: أمخلوق هو؟ قال: هو كلام الله لا أزيد عليها . فامتحنه بما في الرقعة ، فلما أتى إلى: ليس كمثله شئ وهو السميع البصير، أمسك عن لايشبهه شئ من خلقه في معنى من المعاني ولا وجه من الوجوه، فاعترض عليه ابن البكاء الأصفر فقال: أصلحك الله إنه يقول سميع من أذن بصير من عين . فقال إسحاق لأحمد بن حنبل:ما معنى قوله سميع بصير؟ قال: هو كما وصف نفسه. قال: فما معناه؟ قال لا أدري هو كما وصف نفسه .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 12 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم دعا بهم رجلاً رجلاً كلهم يقول: القرآن كلام الله ، إلا هؤلاء النفر قتيبة وعبيد الله بن محمد بن الحسن ، وابن علية الأكبر ، وابن البكاء ، وعبد المنعم بن إدريس بن بنت وهب بن منبه ، والمظفر ابن مرجا ، ورجلاً ضريراً ليس من أهل الفقه ولا يعرف بشئ منه ، إلا أنه دس في ذلك الموضع ، ورجلاً من ولد عمر بن الخطاب قاضي الرقة ، وابن الأحمر .
فكتب مقالة القوم رجلاً رجلاً ووجهت إلى المأمون، فمكث القوم تسعة أيام ، ثم دعا بهم وقد ورد كتاب المأمون جواب كتاب إسحاق بن إبراهيم في أمرهم ، ونسخته: بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد فقد بلغ أميرالمؤمنين كتابك جواب كتابه كان إليك فيما ذهب إليه متصنعة أهل القبلة وملتمسوالرئاسة ، فيما ليسوا له بأهل من أهل الملة من القول في القرآن ، وأمرك به أمير المؤمنين من امتحانهم ، وتكشيف أحوالهم ، وإحلالهم محالهم تذكر إحضارك جعفر بن عيسى ، وعبد الرحمن بن إسحاق ، عند ورود كتاب أمير المؤمنين مع من أحضرت ممن كان ينسب إلى الفقه ويعرف بالجلوس للحديث ، وينصب نفسه للفتيا بمدينة السلام ، وقراءتك عليهم جميعاً كتاب أمير المؤمنين ، ومسألتك إياهم عن اعتقادهم في القرآن والدلالة لهم على حظهم ، وإطباقهم على نفي التشبيه واختلافهم في القرآن ، وأمرك من لم يقل منهم إنه مخلوق بالإمساك عن الحديث والفتوى في السر والعلانية، وتقدمك إلى السندي وعباس مولى أمير المؤمنين بما تقدمت به فيهم إلى القاضيين بمثل ما مثل لك أميرالمؤمنين ، من امتحان من يحضرمجالسهما ، من الشهود وبث الكتب إلى القضاة في النواحي من عملك، بالقدوم عليك لتحملهم وتمتحنهم على ما حده أمير المؤمنين، وتثبيتك في آخر الكتاب أسماء من حضر ومقالاتهم ، وفهم أمير المؤمنين ما اقتصصت . وأميرالمؤمنين يحمد الله كثيراً كما هو أهله ، ويسأله أن يصلى على عبده ورسوله محمد (ص)، ويرغب إلى الله في التوفيق لطاعته وحسن المعونة على صالح نيته برحمته . وقد تدبر أمير المؤمنين ما كتبت به من أسماء من سألت عن القرآن ، وما رجع إليك فيه وما شرحت من مقالتهم .
فأما ما قال المغرور بشر بن الوليد في نفي التشبيه، وما أمسك عنه من أن القرآن مخلوق ، وادعى من تركه الكلام في ذلك ، واستعهاده أمير المؤمنين فقد كذب بشر في ذلك وكفر ، وقال الزور والمنكر !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 13 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولم يكن جرى بين أمير المؤمنين وبينه في ذلك ولا في غيره عهد ولا نظر أكثر من إخباره أمير المؤمنين من اعتقاده كلمة الإخلاص ، والقول بأن القرآن مخلوق ، فادع به إليك وأعلمه ما أعلمك به أمير المؤمنين من ذلك ، وأنصصه عن قوله في القرآن واستتبه منه ، فإن أمير المؤمنين يرى أن تستتيب من قال بمقالته ، إذ كانت تلك المقالة الكفر الصراح ، والشرك المحض ، فإن تاب منها فأشهر أمره وأمسك عنه ، وإن أصر على شركه ودفع أن يكون القرآن مخلوقاً بكفره وإلحاده ، فاضرب عنقه وابعث إلى أمير المؤمنين برأسه!
وكذلك إبراهيم بن المهدي ، فامتحنه بمثلما تمتحن به بشراً، فإنه كان يقول بقوله ، وقد بلغت أمير المؤمنين عنه بوالغ ، فإن قال إن القرآن مخلوق فأشهر أمره ، واكشفه وإلا فاضرب عنقه وابعث إلى أمير المؤمنين برأسه إن شاء الله!
وأما علي بن أبي مقاتل فقل له: ألست القائل لأمير المؤمنين إنك تحلل وتحرم والمكلم له بمثل ما كلمته به ، مما لم يذهب عنه ذكره .
وأما الذيال بن الهيثم فأعلمه أنه كان في الطعام الذي كان يسرقه في الأنبار وفيما يستولى عليه من أمرمدينة أمير المؤمنين أبي العباس ما يشغله !
وأنه لو كان مقتفياً آثار سلفه ، وسالكاً مناهجهم ، ومحتذياً سبيلهم ، لما خرج إلى الشرك بعد إيمانه !
وأما أحمد بن يزيد المعروف بأبي العوام وقوله إنه لا يحسن الجواب في القرآن ، فأعلمه أنه صبي في عقله لافي سنه جاهل ، وأنه إن كان لا يحسن الجواب في القرآن ، فيسحسنه إذا أخذه التأديب ، ثم إن لم يفعل كان السيف من وراء ذلك ، إن شاء الله !
وأما أحمد بن حنبل وما تكتب عنه،فأعلمه أن أمير المؤمنين قد عرف فحوى تلك المقالة وسبيله فيها ، واستدل على جهله وآفته بها !
وأما الفضل بن غانم فأعلمه أنه لم يخف على أمير المؤمنين ما كان منه بمصر وما اكتسب من الأموال في أقل من سنة ! وما شجر بينه وبين المطلب بن عبد الله في ذلك ، فإنه من كان شأنه شأنه وكانت رغبته في الدينار والدرهم رغبته فليس بمستنكر أن يبيع إيمانه طمعاً فيهما ، وإيثاراً لعاجل نفعهما ، وأنه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 14 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مع ذلك القائل لعلي بن هشام ما قال ، والمخالف له فيما خالفه فيه ، فما الذي حال به عن ذلك ونقله إلى غيره ؟
وأما الزيادي فأعلمه أنه كان منتحلاً ولاءً ، وأول دعيٍّ كان في الإسلام خولف فيه حكم رسول الله (ص)(يقصد قاعدة الولد للفراش) وكان جديراً أن يسلك مسلكه ! فأنكر أبو حسان أن يكون مولى لزياد،أو يكون مولى لأحد من الناس ( وذكر أنه إنما نسب إلى زياد لأمر من الأمور ) !
وأما المعروف بأبي نصرالتمار فإن أميرالمؤمنين شبه خساسة عقله بخساسة متجره . وأما الفضل بن الفرخان فأعلمه أنه حاول بالقول الذي قاله في القرآن أخذ الودائع التي أودعها إياه عبد الرحمن بن إسحاق وغيره تربصاً بمن استودعه ، وطمعاً في الإستكثار لما صار في يده، ولاسبيل عليه عن تقادم عهده وتطاول الأيام به، فقل لعبد الرحمن بن إسحاق لاجزاك الله خيراً عن تقويتك مثل هذا وإيمانك إياه وهومعتقد للشرك ، منسلخ من التوحيد !
وأما محمد بن حاتم وابن نوح والمعروف بأبي معمرفأعلمهم أنهم مشاغيل بأكل الربا عن الوقوف على التوحيد! وأن أميرالمؤمنين لو لم يستحل محاربتهم في الله ومجاهدتهم إلالإربائهم،وما نزل به كتاب الله في أمثالهم لاستحل ذلك،فكيف بهم وقد جمعوا مع الإرباء شركاً وصاروا للنصارى مثلاً !
وأما أحمد بن شجاع فأعلمه أنك صاحبه بالأمس،والمستخرج منه ما استخرجته من المال ، الذي كان استحله من مال علي بن هشام ، وأنه ممن الدينار والدرهم دينه .
وأما سعدويه الواسطي فقل له قبح الله رجلاً بلغ به التصنع للحديث والتزين به ، والحرص على طلب الرئاسة فيه ، أن يتمنى وقت المحنة فيقول بالتقرب بها مني، يُمتحن فيجلس للحديث .
وأما المعروف بسجادة ، وإنكاره أن يكون سمع ممن كان يجالس من أهل الحديث وأهل الفقه القول بأن القرآن مخلوق ، فأعلمه أنه في شغله بإعداد النوى وحكه لاصلاح سجادته ، وبالودائع التي دفعها إليه علي بن يحيى وغيره ، ما أذهله عن التوحيد وألهاه ! ثم سله عما كان يوسف بن أبي يوسف ومحمد بن الحسن يقولانه إن كان شاهدهما وجالسهما !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 15 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأما القواريري ففيما تكشف من أحواله وقبوله الرشا والمصانعات ما أبان عن مذهبه وسوء طريقته وسخافة عقله ودينه ، وقد انتهى إلى أميرالمؤمنين أنه يتولى لجعفر بن عيسى الحسنى مسائله ، فتقدم إلى جعفربن عيسى في رفضه وترك الثقة به ، والإستنامة إليه .
وأما يحبى بن عبد الرحمن العمرى ، فإنه كان من ولد عمر بن الخطاب ، فجوابه معروف .وأما محمد بن الحسن بن علي بن عاصم، فإنه لو كان مقتدياً بمن مضى من سلفه لم ينتحل النحلة التي حكيت عنه ، وإنه بعد صبي يحتاج إلى تعلم . وقد كان أمير المؤمنين وجه إليك المعروف بأبي مسهر بعد أن نصه أميرالمؤمنين عن محنته في القرآن ، فجمجم عنها ولجلج فيها ، حتى دعى له أميرالمؤمنين بالسيف فأقر ذميماً فأنصصه عن إقراره ! فإن كان مقيماً عليه فأشهر ذلك وأظهره ، إن شاء الله.
ومن لم يرجع عن شركه ممن سميت لأمير المؤمنين في كتابك ، وذكره أمير المؤمنين لك ، أو أمسك عن ذكره في كتابه هذا ، ولم يقل إن القرآن مخلوق بعد بشر بن الوليد وإبراهيم بن المهدي ، فاحملهم أجمعين موثقين إلى عسكر أمير المؤمنين ، مع من يقوم بحفظهم ، وحراستهم في طريقهم ، حتى يؤديهم إلى عسكر أمير المؤمنين ، ويسلمهم إلى من يؤمن بتسليمهم إليه ، لينصهم أمير المؤمنين ، فإن لم يرجعوا ويتوبوا حملهم جميعاً على السيف ، إن شاء الله !
وعجل إجابة أمير المؤمنين بما يكون منك في خريطة بندارية مفردة عن سائر الخرائط ، لتعرف أمير المؤمنين مايعلمونه إن شاء الله. وكتب سنة:218
فأجاب القوم كلهم حين أعاد القول عليهم إلى أن القرآن مخلوق إلا أربعة نفر منهم أحمد بن حنبل، وسجادة ، والقواريري ، ومحمد بن نوح المضروب، فأمر بهم إسحاق بن إبراهيم فشدوا في الحديد ، فلما كان من الغد دعا بهم جميعاً يساقون في الحديد ، فأعاد عليهم المحنة فأجابه سجادة إلى أن القرآن مخلوق ، فأمر بإطلاق قيده وخلى سبيله ، وأصر الآخرون على قولهم فلما كان من بعد الغد عاودهم أيضاً فأعاد عليهم القول، فأجاب القواريري إلى أن القرآن مخلوق ، فأمر بإطلاق قيده وخلى سبيله ، وأصر أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح على قولهما ولم يرجعا، فشدا جميعاً في الحديد ، ووجها إلى طرسوس وكتب معهما كتاباً بإشخاصهما ، وكتب كتاباً مفرداً بتأويل القوم فيما أجابوا إليه ، فمكثوا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 16 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أياماً ، ثم دعا بهم فإذا كتاب قد ورد من المأمون على إسحاق بن إبراهيم ، أن قد فهم أمير المؤمنين ما أجاب القوم إليه ، وذكر سليمان بن يعقوب صاحب الخبر ، أن بشر بن الوليد تأول الآية التي أنزلها الله تعالى في عمار بن ياسر: إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالآيمَانِ، وقد أخطأ التأويل ، إنما عنى الله عز وجل بهذه الآية من كان معتقد الإيمان مظهرالشرك ، فأما من كان معتقد الشرك مظهرالإيمان فليس هذه له ، فأشخصهم جميعاً إلى طرسوس ليقيموا بها ، إلى خروج أمير المؤمنين من بلاد الروم .
فأخذ إسحاق بن إبراهيم من القوم الكفلاء ليوافوا العسكر بطرسوس فأشخص أبا حسان ، وبشر ابن الوليد ، والفضل بن غانم ، وعلي بن أبي مقاتل ، والذيال بن الهيثم ، ويحيى بن عبد الرحمن العمري ، وعلي بن الجعد ، وأبا العوام ، وسجادة ، والقواريري ، وابن الحسن بن علي ابن عاصم ، وإسحاق بن أبي إسرائيل، والنضر بن شميل ، وأبا نصر التمار ، وسعدويه الواسطي ، ومحمد بن حاتم بن ميمون وأبا معمر ، وابن الهرش ، وابن الفرخان ، وأحمد بن شجاع ، وأبا هارون بن البكاء ، فلما صاروا إلى الرقة بلغتهم وفاة المأمون! فأمر بهم عنبسة بن إسحاق ، وهو والي الرقة ، أن يصيروا إلى الرقة ، ثم أشخصهم إلى إسحاق بن إبراهيم بمدينة السلام ، مع الرسول المتوجه بهم إلى أميرالمؤمنين ، فسلمهم إليه ، فأمرهم إسحاق بلزوم منازلهم ، ثم رخص لهم بعد ذلك في الخروج ).
أقول: من الواضح أن المأمون أراد ضرب مكانة القضاة والمحدثين ونفوذ هم ، ومنع تأثيرهم على الناس ، فاخترع لهم الإمتحان بخلق القرآن ، ويكفي دليلاً أن رسائله لصاحب شرطته ذكرت لهم سيآت لاعلاقة لها بعقيدة قدم القرآن وخلقه !
* *

وبالغ المعتصم والواثق في تطبيق مرسوم المأمون

فقد واصل المعتصم 218-227 ه‍ سياسة أخيه المأمون في الإمتحان بخلق القرآن وزاد عليه امتحان الأسرى الذين اتفق مع الروم على إطلاقهم ، فمن قال إن القرآن مخلوق أعطى فدائه وأطلقه ، ومن لم يقل بأن القرآن مخلوق أبقاه عند الروم !
قال اليعقوبي(2/482): (صاروا إلى موضع يقال له نهر اللامس على مرحلتين من طرسوس ، وحضر ذلك الفداء سبعون ألف رامح سوى من ليس معه رمح ، وكان أبو رملة وجعفر الحذاء واقفين على
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 17 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قنطرة النهر ، فكلما مر رجل من الأسرى امتحنوه في القرآن ، فمن قال إنه مخلوق فودي به ، ودفع إليه ديناران وثوبان ، فبلغ عدة من فودي به خمس مائة رجل وسبعمائة امرأة ، وكان هذا في المحرم سنة 231) !
ثم أحضـر المعتصم أحمد بن حنبل فقال أحمد: أقول بقول أمير المؤمنين! فأطلق سراحه ، كما شهد بذلك المؤرخ اليعقوبي. وقد اخترعوا لأحمد بطولات كاذبة !
وأما الواثق ابن المعتصم فقد أبقى نُعيم بن حماد في سجنه بسامراء عشر سنين حتى مات، وأبقى أحمد بن نصـر الخزاعي ثلاث عشرة سنة ، ثم أحضره الواثق وقتله بيده ، وأرسل برأسه فنصبه ببغداد ! (وقد فصلناه في سيرة الإمام علي الهادي عليه السلام ).
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 18 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

ألغى المتوكل سياسة المأمون ، وأعاد بغض أهل البيت عليهم السلام

بادر المتوكل الى إلغاء سياسة عمه المأمون ، فأخرج المسجونين القائلين بقدم القرأن ، وغيرالإمتحان فجعله في خلق القرآن ، فكان يسجن أو يقتل من يقول بخلق القرآن !(كتب المتوكل إلى الآفاق بالمنع من الكلام والكف عن القول بخلق القرآن ، وأن من تعلم علم الكلام أو تكلم فيه فالمطبق مأواه إلى أن يموت) .(النهايةلابن كثير:10/348). والمطبق السجن تحت الأرض !
* *
كما تواترت الرواية بأن المتوكل كان ناصبياً شديد البغض لعلي عليه السلام !
قال ابن الأثير في الكامل «6/108»: «كان المتوكل شديد البغض لعلي بن أبي طالب ولأهل بيته ،وكان يقصد من يبلغه عنه أنه يتولى علياً وأهله بأخذ المال والدم)! أي يصادرمال الشيعي ويقتله !
ثم قال ابن الأثير: وكان من جملة ندمائه عَبَّادة المخنث ، وكان يشد على بطنه مخدة ويكشف رأسه وهوأصلع، ويرقص بين يدي المتوكل ، والمغنون يغنون: قد أقبل الأصلع البدين خليفة المسلمين! يحكي بذلك علياً ! والمتوكل يشرب ويضحك ! ففعل ذلك يوماً والمنتصر(ابن المتوكل)حاضر، فأومأ إلى عَبَّادة يتهدده فسكت خوفاً منه ، فقال المتوكل ما حالك؟فأخبره فقال المنتصر:يا أمير المؤمنين إن الذي يحكيه هذا الكلب ويُضحك منه الناس هوابن عمك، وشيخ أهل بيتك وبه فخرك! فكل أنت لحمه إذا شئت، ولاتُطعم هذا الكلب وأمثاله منه! فقال المتوكل للمغنين: غنوا جميعاً:
غَارَ الفَتَى لابنِ عَمِّهْ

رأسُ الفَتى في حَرِ أمِّهْ» !

وقال النويري في نهاية الأرب «22/282»: «في هذه السنة أمر المتوكل بهدم قبر الحسين بن علي رضي الله عنهما ، وهدم ما حوله من المنازل والدور، وأمرأن يسقى موضع قبره ، وأن يمنع الناس من إتيانه )!
وقال ابن حجر في فتح الباري«1/60»: «وقد ثبت في صحيح مسلم عن علي أن النبي صلى الله عليه وآله قال له: لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق ».

النصب والتجسيم توأمان فكل ناصبي مجسم وبالعكس

قال الذهبي في سيره «12/34»: «وفي سنة 234، أظهر المتوكل السنة ، وزجر عن القول بخلق القرآن ، وكتب بذلك إلى الأمصار، واستقدم المحدثين إلى سامراء، ورووا أحاديث الرؤية والصفات ».
وقال أحمد في العلل(1/79): (استقدم المتوكل المحدثين إلى سامراء،وأجزل عطاياهم وأكرمهم ، وأمرهم أن يحدثوا بأحاديث الصفات والرؤية (رؤية الله تعالى) ! وجلس أبو بكر بن أبي شيبة في جامع
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 19 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الرصافة، فاجتمع إليه نحو من ثلاثين ألف نفس، وجلس أخوه عثمان في جامع المنصور فاجتمع إليه نحو من ثلاثين ألف نفس ).
وفي تاريخ بغداد «10/67»: « فكان فيهم مصعب الزبيري ، وإسحاق بن أبي إسرائيل ، وإبراهيم بن عبد الله الهروي ، وعبد الله وعثمان ابنا محمد بن أبي شيبة الكوفيان ، وهما من بني عبس).
وقال ابن تميم التميمي في المحن/271: «فخرَّج كل واحد منهم ثلاثين حديثاً في تثبيت القدر(الجبر) وثلاثين حديثاً في الرؤية (التجسيم) وغير ذلك من السنن، فتعلمها الناس حتى كثرت السنن ، وفشَت ونمَت ، وطُغيت البدعة وذلَّت».
أقول:الذين جمعهم المتوكل هم دعاة التجسيم والنصب! فمصعب الزبيري وابن أخيه الزبير بن بكار ، معروفان بنصبهما الشديد ! وعثمان بن أبي شيبة الذي أكثر في مسنده من أحاديث النصب والتجسيم..الخ. وابن أبي الشوارب:أموي من بني العاص،جعله المتوكل قاضي القضاة في سامراء ، وهو أستاذ ابن صاعد الذي نصبه المتوكل شيخ أهل الحديث في بغداد ، وهم ميليشيا الحنابلة المجسمة ، الذين كانوا يكفرون من خالفهم ، ويقتلون من استطاعوا منهم !
وهشام بن عمار الذي سموه محدث الشام ، كان يبيع الحديث بالصفحة ! وهو صاحب حديث الكراسي ، وأن الله يجلس على كرسي وحوله الأنبياء عليهم السلام ! وصاحب قصة التفحش مع المتوكل وابنه ، والتي أخذ عليها جائزة سنية !
فأينما رأيت النصب أو التجسيم فابحث عن توأمه! فيكون وصفهم للمتوكل بأنه«محيي السنة»بمعنى:أحيا التجسيم وبغض أهل البيت عليهم السلام ! وحارب تنزيه الله تعالى ، وتأويل الآيات الموهمة للجسمية.
* *

كشف أهل البيت عليهم السلام لعبة المأمون في فتنة خلق القرآن

كتب الإمام الهادي عليه السلام الى بعض شيعته ببغداد: «بسم الله الرحمن الرحيم ، عصمنا الله وإياك من الفتنة ، فإن يفعل فَأَعْظِمْ بها نعمة ، وإلا يفعل فهي الهلكة . نحن نرى أن الجدال في القرآن بدعة اشترك فيها السائل والمجيب ، فتعاطى السائل ما ليس له ، وتكلف المجيب ما ليس عليه.
وليس الخالق إلا الله وما سواه مخلوق ، والقرآن كلام الله.لاتجعل له إسماً من عندك فتكون من الضالين . جعلنا الله وإياك من الذين يخشون ربهم بالغيب ، وهم من الساعة مشفقون» . «أمالي الصدوق/639» .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 20 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فقد أعطى الإمام عليه السلام القاعدة بأن كل ما سوى الله تعالى مخلوق ، لكنه مَنَعَ من وصف القرآن بأنه مخلوق والجدل فيه، لئلا يتسرب الى الذهن حدوث المتكلم به .
ومعنى قوله عليه السلام : تكلف المجيب ما ليس عليه: أن الله تعالى لم يوجب في شريعة الإسلام على أحد أن يعرف ذلك ، ولا أمر بامتحان الناس فيه ! فإيجاب الحاكم لمعرفة ذلك بدعة ، وامتحان الناس فيها بدعة أخرى، ومن أجاب عليها أجاب بغير علم ، على أمر لم يكلفه!
فهولايعرف مفهوم وجود القرآن ولا كيفية فعله وخلقه ، ولا مفهوم المخلوق وأنواع الخلق والجعل والتقدير والتسوية .وما دام السائل لايفقه سؤاله، ولا اللغة التي يجب أن يستعمل ، فهو كمن يسأل عن مسألة رياضية بألفاظ عامية !
يقول الإمام عليه السلام بذلك للمأمون: من أين تعرف كيفية خلق الله تعالى ومعاني خليق وأنواعه ، ومن كلفك بأن توجب ذلك على الناس وتمتحنهم به!!
قال الشريف المرتضى في رسائله «1/152»: « إن القرآن مُحدثٌ لا محالة ، وأمارات الحدث في الكلام أبين وأظهر منها في الأجسام وكثير من الأعراض ، وما ليس بقديم وهوموجود محدث ، وقد وصف الله تعالى القرآن بأنه محدث مصرحاً غير ملوح ، ولا يجوز أن يصفه بغير ما يستحقه من الأوصاف . فأما وصف القرآن بأنه مخلوق ، فالواجب الإمتناع منه والعدل عن إطلاقه ، لأن اللغة العربية تقتضي فيما وصف من الكلام بأنه مخلوق أومختلق أنه مكذوب مضاف إلى غير فاعله! وقد ورد عن أئمتنا عليهم السلام في هذا المعنى أخبار كثيرة تمنع من وصف القرآن بأنه مخلوق ، وأنهم عليهم السلام قالوا: لا خالق ولا مخلوق ).
وقال الشيخ الطوسي في كتابه الخلاف «6/119»: «كلام الله تعالى: فعله ، وهو محدث ، وامتنع أصحابنا من تسميته بأنه مخلوق لما فيه من الإيهام بكونه منحولاً. دليلنا على ما قلناه: ما ذكرناه في الأصول ، فمنها قوله: مَايَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلا اسْتَمَعُوهُ ، فسماه محدثاً. وقال: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا ، وقال: بِلِسَانٍ عَرَبِىٍّ مُبِينٍ. فسماه عربياً والعربية محدثة . وقال: نَزَّلْنَا الذِّكْرَ ، وقال: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ ، فوصفه بالتنزيل . وهذه كلها صفات المحدث . ومن وصفه بالقدم فقد أثبت مع الله تعالى قديماً آخر » !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 21 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

لفصل الثاني: وقع البخاري بين سياسة المأمون والمتوكل

عاش البخاري في ظل الدولة الطاهرية

1. البخاري فارسي واسمه:محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن مغيرة بن بردزبه. وصفه المزي في (تهذيب الكمال:24/237و238):(نحيف الجسم ليس بالطويل ولا بالقصير ، ولد سنة 194، وتوفي سنة 256 ، وعاش 62سنة).
وذكرت رواية أنه كان أعمش يشكو من مرض في عينيه ، وقد فقد بصره مرتين وعمي ، وقالوا إنه شفي بمعجزة .
ومات بردزبه على المجوسية، وكان ابنه خادم الوالي يمان الجعفي البخاري فأسلم على يده وسماه مغيرة (أنساب السمعاني:2/68، والمزي:24/437).وقيل معنى بردزبه بالبخارية: الفلاح.ووصفوه بالجعفي لأن أبا جده أسلم على يد يمان الجعفي فنسب إليه ، بينما مات جده بردزبه على المجوسية.(تهذيب الكمال:24/234) .
2. نشأ صباه ببخارى ثم سافر مع أمه وأخيه الى مكة ، وأبقوه فيها يعمل ويتعلم ، ثم سافر الى عدد من البلاد وكتب الحديث عن علمائها ، ورجع الى بخارى عالماً ، وهو في الثلاثينات وعاش فيها، وتزوج ولم يرزق ذكوراً، وكان مقرباً لولاتها بحكم علاقة عائلته بهم ، حتى اختلف معهم.
3. تقع بخارى اليوم في أُزبكستان وتبعد عن مشهد 760 كيلو متر، وتبعد عنها سمرقند 260، كيلومتر، وقد كانت بخارى عاصمة لمحيطها من قبل الإسلام .
4.جاء البخاري الى نيسابور وكانت عاصمة إيران ومركز تأسيس المذاهب ، فأخد يحضردرس إمام نيسابورمحمد بن يحيى الذهلي ويكتب عنه الحديث ، وأخد الطلبة يكتبون عن البخاري ، لكن جاء الأمر من بغداد بأن البخاري مبتدع ضال يقول بخلق القرآن ، لأنه يقول: أفعال العباد مخلوقة ولفظه بالقرآن مخلوق ! فحرم الذهلي درسه وطرده من بخارى ، فذهب الى الري فكتبوا الى الري فطردوه ، وذهب الى بخارى فكتب الذهلي الى واليها فطرده منها ، فذهب الى سمرقند فكتبوا الى واليها، فذهب الى قرية فيها أقاربه هي خرتنك قرب سمرقند ، وما لبث أن توفي فيها مطارداً ! وقبره هناك ، والقرية الآن شيعية !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 22 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

بخارى فتحها أمير المؤمنين عليه السلام

فتح المسلمون خراسان في عهد عمربن الخطاب، لكنه كان فتحاً أولياً ، فكانت تنتقض عليهم ، وبقيت هي وسمرقند في حكم ملوك بخاريين من أصول فارسية أو تركية ، وكان المسلمون يرسلون اليها جيشاً فيقاتلهم ولاينتصر عليهم، لكثرة عددهم ، فيتصالح معهم ويرجع عنهم ، أو يبقى بجيشه قربهم والحكم لغيره .
وقد كتبنا في قراءة جديدة في الفتوحات (1/316): (أن الإنسان يضحك عندما يقرأ عن سعيد بن عثمان بن عفان، حيث طمع بالخلافة ، فدبَّرله معاوية مَقْلباً وأرسله بجيش ليفتح سمرقند، فوصل إلى بخارا فصالحهم على ثلاث مئة ألف وقبضها ولم يدخل بخارى، وطلب منهم رهائن حتى لايهاجموه من خلفه ، فأعطوه عشرين شاباً من أبناء الأمراء رهينة ، فأخذهم وهاجم سمرقند، وحلف أن يفتحها، فلم يستطع فتحها وجاءه سهم ففقأ عينه ، فطلب من حاكمها أن يمر وسط المدينة ليبر بيمينه! فرضي ملكها بذلك ومرَّ سعيد وسطها ، ورمى حجراً نحو برجها ، وبذلك بر بيمينه بأن يفتحها !
وعاد سعيد إلى المدينة بثروة ، واستعفى معاوية من ولاية خراسان (ابن الأعثم 🙁 4/312) وكان معه العشرون شاباً الرهينة ، فأنشأ بستاناً وشغَّلهم فيه فلاحين ، فاتفقوا عليه ليقتلوه ، فجاء مروان والي المدينة لنجدته بزعمه فلم يجد مفتاح البستان ! فانتظر على الباب حتى قتلوا سعيداً !
قال في تاريخ دمشق(21/223):«كان أهل المدينة عبيدهم ونساؤهم يقولون:
والله لا ينالها يزيدُ.. حتى ينالَ هامَه الحديدُ..إن الأمير بعدَهُ سعيدُ .
فقدم سعيد على معاوية فقال: يا ابن أخي ما شئ يقوله أهل المدينة؟ قال: ما تنكر من ذلك يا معاوية ! والله إن أبي لخير من أبي يزيد ، ولأمي خير من أم يزيد ، ولأنا خير منه ، وقد استعملناك فما عزلناك بعد، ووصلناك فما قطعناك ، ثم صار في يديك ما قد ترى فحلأتنا عنه أجمع »!
فلا نعجب أن يكون معاوية دبر قتله ، لأنه قتل كل من خالف ولاية يزيد بعده !

بعد حرب الجمل أرسل علي جعدة فأكمل فتح خراسان

قال اليعقوبي في تاريخه (2/183):«لما فرغ من حرب أصحاب الجمل ، وجه جعدة بن هبيرة بن أبي وهب المخزومي إلى خراسان » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 23 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي شرح النهج(18/308) والطبري(4/46):«جعدة بن هبيرة ابن أخت علي بن أبي طالب عليه السلام هوالذي فتح القندهز ، وكثيراً من خراسان ، فقال الشاعر:
لولا ابن جعدةَ لم تُفتح قهندزكم * ولا خراسانُ حتى ينفخ الصور).
والقهندز: الحصن، ويسمى به حصن بخارى ، وكان عصياً على الفتح .
وقال الطبري (4/46): « بعث عليٌّ بعد ما رجع من صفين جعدة بن هبيرة المخزومي إلى خراسان ، فانتهى إلى أبر شهر وقد كفروا ، وامتنعوا ).
أقول: بجهاد جعدة خضعت مدن خراسان وأفغانستان للحكم الإسلامي، فعينوا عليها الولاة ، حتى كان عهد المأمون، فأعطاها لطاهر بن الحسين الخزاعي .

الدولة الطاهرية في خراسان

الدولة الطاهرية: نسبة الى طاهر بن الحسين الخزاعي الذي قاد جيش المأمون وقتل أخاه الأمين وجاء برأسه الى المأمون سنة 198 ه‍ ووطد ملكه، فجعله المأمون والي خراسان كلها، وكانت تشمل إيران الفعلية وبخارى وما وراء النهر، فاتخذ طاهر نيسابور عاصمة له ، وكان مطلق اليد ويؤدي للخلافة ماعليه من خراج. وتوفي طاهر بعد سنتين، فخلفه ابنه طلحة بن طاهر، ثم عبد الله بن طاهر 213 - 230 هـ ثم طاهر الثاني بن عبد الله بن طاهر230 - 248 هـ ،ثم محمد بن طاهر 248- 259 هـ وكان آخرحكام الدولة الطاهرية وكان ظالماً ماجناً ، فاستنجد أهل خراسان بالقائد يعقوب بن الليث الصفاري ، مؤسس الدولة الصفارية، فدخل نيسابور بجيشه سنة 259 وقبض على محمد بن طاهر وأسرته ، وأنهى الدولة الطاهرية .
فتكون كل حياة البخاري في فترة الدولة الطاهرية ، ويكون موته قبيل زوالها.

الذهلي والي بخاري الذي نفى البخاري منها

الأمير خالد السدوسي الشيباني الذهلي ، والي بخارى هو الذي نفى البخاري من بخارى، قال عنه السمعاني(3/18) والأعلام:(2/294): (ولي إمارة خراسان ثم إمارة بخارى وسكنها وله بها آثار مشهورة محمودة . وكان عالماً بالحديث ، فاستقدم إليها بعض كبار الحفاظ، وصنف له نصر بن أحمد البغدادي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 24 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مسنداً، وطلب من الإمام محمد بن إسماعيل البخاري أن يوافيه فامتنع ، فأخرجه من بخارى إلى ناحية سمرقند فمات في إحدى قراها ، وبلغ المعتمد الخليفة العباسي عنه ما أحقده عليه . واستأذن خالد للحج ، فأذن له المعتمد ، فمر ببغداد سنة 269 ، فقبض عليه وحبسه ، فمات بها في الحبس).
وقال ابن الجوزي في المنتظم (12/225): (وكان يحب الحديث ويقول:أنفقت في طلب العلم أكثر من ألف ألف درهم ، وكان قد سمع من ابن راهويه ، وعلي بن حجر ، وخلق كثير ، فلما استوطن بخارى أقدم إلى حضرته حفاظ الحديث ، مثل: محمد بن نصر المروزي ، وصالح جزرة ، ونصر بن أحمد البغداديين ، وغيرهم ، وصنف له نصر مسنداً ، وكان يختلف مع هؤلاء المسمين إلى المحدثين ، وكان يمشي برداء ونعل ، يتواضع بذلك ، وبسط يديه بالإحسان إلى أهل العلم فغَشَوْهُ ، وقدموا عليه من الآفاق ، وأراد من محمد بن إسماعيل البخاري أن يصير إلى حضرته فامتنع ، فاعتل عليه باللفظ ، فأخرجه من بخارى فمات بقرية .
وكأنه عوقب بما فعل بالبخاري ، فزال ملكه ، وكان قد ورد بغداد فحدث فسمع منه وكيع القاضي ، وأبو طالب الحافظ وابن عقدة ، ثم اعتقله السلطان فحبسه ببغداد ، فمات بالحبس في هذه السنة ، وكان السبب أنه اشتد على الظاهرية ، ومال إلى يعقوب بن الليث القائم بسجستان ).
أقول: سبب نفيه للبخاري أنه كتب له محمد بن يحيى الذهلي إمام نيسابور أن ينفيه ، بعد أن نفاه هو من نيسابور، فطلب الوالي من البخاري أن يحضرلمناظرته وربما لإثبات كفره أو فسقه، فلم يحضر وخرج !
كما أن سبب حبس الخليفة لهذا الوالي ليس البخاري ، بل ميله الى الليث الصفار الثائر في خراسان ، الذي قضى فيما بعد على الدولة الطاهرية ، وهدد بغداد .
* *

تخبط البخاري بين مذهب المأمون ومذهب المتوكل

كانت الدولة الطاهرية مستقلة في إدارتها ، فهي تؤدي الخراج للخليفة فقط ، لكن عليها أن تتبعه في العقائد والسياسة ، ولذلك كانت تمتحن الناس في زمن المأمون والمعتصم والواثق ، فمن قال بقدم القرآن تعاقبه ، ثم صارت في زمن المتوكل تمتحنهم بالقول بخلق القرآن ، فمن قال بخلق القرآن تعاقبه !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 25 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال الشيخ الهرساوي في كتابه:الإمام البخاري وفقه أهل العراق/106ملخصاً: (مذهب البخاري في الكلام في كتبه الكلامية يسلك آراء معاصريه في المباحث المتداولة بين أَهل العلم ، فإنه يأخذ غالباً من العقول المنحرفة ،كابن كلاّب ، والكرابيسي ، وشمخصة ، وإِسماعيل بن عرعرة ، الذين تركوا سنة الرسول صلى الله عليه وآله وراء ظهورهم!ووافقوا الخوارج والنواصب تارةً ، واليهود والنصارى أُخرى ، وما يهتم به الأَمراء والحكام وما تستأنس به مجالس العلماء والمتكلمين ، ويتخذُ لذلك أَيضاً طريق المخالفة للمعتزلة وأَهل الرأي من الحنفية ، مع ما يوافق سياسة المتوكل العباسي، في مواجهة المعتزلة والجهمية. فنرى في كتابه: خلق أَفعال العباد أَنه خاصم الجهمية ، وأَفكارهم كما ذكر فيه مخالفته لبشر المريسي المتكلم ، والقائل بخلق القرآن .
وأَما رده على الجهمية فإنه أَنكر مقالتهم إِنَّ القرآن مخلوق، وكفَّرهم وقال: «هم شرٌّ من اليهود والنصارى» مع أَنه أَظهر لنفسه مقالة حسين الكرابيسي : « إِن القرآن كلام الله غير مخلوق ، وإِن ألفاظنا به مخلوقة ! فهو في الكلام اختار ما اختاره الكرابيسي في اللفظ ، وقال « إِن القرآن كلام الله غيرمخلوق وإن أفعالنا مخلوقة ، ومن زعم أني قلت: لفظي بالقرآن مخلوق فهو كذاب ، فإني لم أَقله ، إِلا أني قلت: أَفعال العباد مخلوقة » .
وقال الحاكم: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب بن الأَخْرَم: سمعتُ ابن علي المَخْلَدي: سمعت محمد بن يحيى يقول: قد أَظهر هذا البخاري قول اللفظية ، واللفظية عندي شرٌّ من الجهمية »!
وروى الذَّهبي أن رجلاً سأل محمد بن إِسماعيل البخاري عن اللفظ بالقرآن فقال: أَفعالنا مخلوقة ، وأَلفاظنا من أَفعالنا ، فوقع بينهم اختلاف»!
وقال الذهبي: وهذه التفرقة والتفصيل ما قالها أَحد قبله فيما علمت ، وما زال المسلمون على أَن القرآن العظيم كلام الله ووحيه وتنزيله حتى أَظهر المأمون القول بأنه مخلوق ، وظهرت مقالة المعتزلة ، فثبت الإِمام أَحمد بن حنبل وأَئمة السنة على القول بأنه غير مخلوق ، إِلى أَن ظهرت مقالة حسين بن علي الكرابيسي، وهي أنَّ القرآن كلام الله غير مخلوق ، وإن أَلفاظنا به مخلوقة فأنكر الإِمام أحمد ذلك وعدَّه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 26 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بدعة ، وقال: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق يريد به القرآن ، فهو جهمي! وقال أَيضاً: من قال: لفظي بالقرآن غيرمخلوق فهو مُبْتدع ، فزجر عن الخوض في ذلك من الطرفين).
أقول: أخذ البخاري قوله في القرأن من الكرابيسي فوقع في القول بخلق القرآن ، بقوله لفظي بالقرآن مخلوق فحكم عليهما أحمد بن حنبل في بعض كلماته بالكفر !
قال الذهبي في سيره (12/462): (وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم في الجرح والتعديل: قدم محمد بن إسماعيل الري سنة خمسين ومئتين ، وسمع منه أبي وأبو زرعة ، وتركا حديثه عندما كتب إليهما محمد بن يحيى أنه أظهر عندهم بنيسابور أن لفظه بالقرآن مخلوق )!
فذهب من الري الى بخارى، فاستحضره والي بخاري فعرف أنه يريد أن يحاكمه ويلزمه بقوله وربما يقتله ، فهرب منه الى سمرقند ، ثم الى قرية خرتنك ومات بها !
وهكذا ، كان البخاري شاباً في امتحان المأمون والمعتصم والواثق ، فلم يحضروه مع المحدثين ، ثم كان معروفاً في عهد المتوكل فأراد أن يرضي أحمد بن حنبل وجماعته ، ويتخلص من امتحان المتوكل فوقع فيه ، وحكموا عليه بالبدعة ، وكادوا أن يحكموا عليه بالقتل ، فاعتزل الناس ومات في قريته !
* *

محمد بن يحيى الذهلي الذي نفى البخاري من نيشابور

محمد بن يحيى الذهلي ، فارسي مولى الذهليين، نصبه الطاهري إمام نيسابور، قال الزركلي في الأعلام (7/135): (الذهلي مولاهم، النيسابوري،من حفاظ الحديث ، ثقة من أهل نيسابور. رحل رحلة واسعة فزار بغداد والبصرة وغيرهما ، في طلب الحديث واشتهر ، وروى عنه البخاري أربعة وثلاثين حديثاً. انتهت إليه مشيخة العلم بخراسان ،واعتنى بحديث الزهري فصنفه وسماه الزهريات ، في مجلدين ).
قال الحافظ في تاريخ بغداد(2/30) وابن عساكر في تاريخ دمشق(52/95): (سمعت أبا حامد الأعمش يقول: رأيت محمد بن إسماعيل البخاري في جنازة أبي عثمان سعيد بن مروان ،ومحمد بن يحيى يسأله عن الأسامي والكنى وعلل الحديث ، ويمر فيه محمد بن إسماعيل مثل السهم ، كأنه يقرأ قل هو الله أحد ، فما أتى على هذا شهر حتى قال محمد بن يحيى: ألا من يختلف إلى مجلسه لا يختلف إلينا ، فإنهم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 27 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كتبوا إلينا من بغداد أنه تكلم في اللفظ ونهيناه فلم ينته فلا تقربوه ، ومن يقربه فلا يقربنا . فأقام محمد بن إسماعيل هاهنا مدة وخرج إلى بخارى).
فحكم محمد بن يحيى على البخاري في نيسابوركان بطلب بغداد ، ولو كان ابن حنبل حياً لكان هو الذي كتب له ، لكن لابد أن يكون خليفته أبو بكرالرازي وكان على رأي أحمد في أن من قال: لفظي بالقرآن مخلوق ، يجب نفيه واعتزاله:
قال ابن عبد البر في الإنتقاء/106: (وذلك أن أحمد بن حنبل كان يقول: من قال القرآن مخلوق فهو جهمي، ومن قال: القرآن كلام الله ولايقول غير مخلوق ولا مخلوق فهو واقفي ،ومن قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو مبتدع! وكان الكرابيسي وعبد الله بن كلاب وأبو ثور وداود بن علي وطبقتهم يقولون: إن القرآن الذي تكلم به الله صفة من صفاته لايجوز عليه الخلق ، وإن تلاوة التالي وكلامه بالقرآن كسب له وفعل له وذلك مخلوق ، وإنه حكاية عن كلام الله وليس هو القرآن الذي تكلم الله به ،وشبهوه بالحمد والشكر لله ، وهو غير الله).
وقال ابن حجر في تهذيب التهذيب(2/310 ): (عبد الله بن أحمد بن حنبل: سألت أبي عمن قال: لفظي بالقرآن مخلوق، فقال: هذا كلام الجهمية . قلت لأبي: إن الكرابيسي يفعل هذا ، فقال: كذب هتكه الله )!
وقال كما في طبقات الحنابلة (1/29): (القرآن كلام الله تكلم به ليس بمخلوق. ومن زعم أن القرآن مخلوق فهم جهمي كافر، ومن زعم أن القرآن كلام الله ووقف ولم يقل ليس بمخلوق ، فهو أخبث من قول الأول ومن زعم أن ألفاظنا به وتلاوتنا له مخلوقة ، والقرآن كلام الله ، فهو جهمي ومن لم يكفر هؤلاء القوم كلهم ، فهو مثلهم !
قال له إبراهيم بن سعيد: يا أبا عبد الله إن الكرابيسي وابن الثلجي قد تكلما فقال أحمد: فيم تكلموا ؟ قال: في اللفظ. فقال أحمد: اللفظ بالقرآن غير مخلوق ، ومن قال لفظي بالقرآن مخلوق ، فهو جهمي كافر).
وفي بحر الدم/192وطبقات الحنابلة(1/109)::(قال إسحاق سمعت أبا عبد الله (أحمد) يقول:أخزى الله الكرابيسي لا يجالس ولايكلم،ولاتكتب كتبه، ولاتجالس من يجالسه . وقال في رواية شاهين بن السميدع: الحسين الكرابيسي عندنا كافر).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 28 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال الذهبي في تاريخه (18/83): (الذي استقر عليه قول أبي عبد الله: أن من قال: لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي). أي آخر رأي ابن حنبل القطعي.
وقال الذهبي في سيره (18/82): (وقال إسماعيل بن الحسن السراج : سألت أحمد عمن يقول : القرآن مخلوق . فقال: كافر .وعمن يقول: لفظي بالقرآن مخلوق .فقال: جهمي .وقال أحمد بن زنجويه : سمعت أحمد بن حنبل يقول: اللفظية شر من الجهمية).
وفي المسائل والرسائل لابن أحمد (1/235): (سألته عن الذي يقول: لفظي بالقرآن مخلوق قال: هذا كلام جهم ، والجهمي كافر »
أقول: هذه فتاوى صريحة بأن البخاري جهمي كافر ! فالحكم بنفيه موافق لقواعد الحنبلية ، بل هو عند أحمد واجب القتل ! وقد صدق محمد بن يحيى الذهلي بأنهم كتبوا له من بغداد ، وأنهم نهوه فلم ينته ! قال :(كتبوا إلينا من بغداد أنه تكلم في اللفظ ونهيناه فلم ينته ، فلا تقربوه).
فمشكلة البخاري ظهرت في بغداد ، مع أحمد نفسه أي قبل موت أحمد سنة241، لكن البخاري زعم أنه حل المشكلة مع أحمد وأرضاه ، والثابت عكس ذلك !
قال في طبقات الحنابلة (1/179):(قال محمد بن إسماعيل البخاري قلت: لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: أنا رجل مبتلى قد ابتليت أن لا أقول لك ، ولكن أقول فإن أنكرت شيئاً فردني عنه: القرآن من أوله إلى آخره كلام الله ليس شيء منه مخلوق ، ومن قال: إنه مخلوق أو شئ منه مخلوق ، فهو كافر . ومن زعم أن لفظه بالقرآن مخلوق فهو جهمي كافر ؟ قال: نعم).
فزعم البخاري أنه عرض كلامه على أحمد فرآه موافقاً لمذهبه ورضيه ! لكن تلاميذ أحمد قالوا إنهم نهوا البخاري عن قول: لفظي بالقرآن مخلوق ، فلم ينته !
وفي نيسابور والري وبخاري وسمرقند نفى أنه قال: لفظي بالقرآن مخلوق ، وقال إنما قلت: أفعال العباد مخلوقة ، ومنها لفظ الإنسان بالقرآن ، فلم يقبلوا منه وألزموه بأنه يقول: بأن القرآن مخلوق ! فيكون جهمياً واجب القتل عندهم !
أقول: شفع للبخاري تاريخه معهم ، فلم يقبضوا عليه ويقتلوه ، وكتابه الذي أرى أحمد قسماً منه، فكان يشجعه على إكماله وزاره ثمان مرات، فلا بد أنه كان يعطيه ، لأن أحمد كان غنياً ، فالمتوكل يعطيه أكثر من حاجاته .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 29 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال الذهبي في سيره (11/270): ( ووجه إليه المتوكل بمال عظيم ...ثم أجرى المتوكل على أهله وولده في كل شهر أربعة آلاف ).
وكان مجسمة الحنابلة يحبون البخاري ويفاخرون به. قال الصفدي في وفيات الأعيان (4/190): (وكان ابن صاعد إذا ذكره يقول: الكبش النطاح ).
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 30 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الثالث: كفروا البخاري وتبنوا كتابه !

لو ارتد عبد الرزاق لماتركنا حديثه !

من أعجب التناقض عند علماء السلطة وأئمة المذاهب، أنهم فصلوا بين المؤلف وكتابه ، فطعنوا في عبد الرزاق الصنعاني بأنه مبتدع يتشيع ، ثم قبلوا حديثه! وطعنوا في البخاري وحكموا عليه بأنه مبتدع كافر، وقال أحمد عنه وعن الكرابيسي: اللفظية شر من الجهمية فهي كفر ! ومع ذلك تبنوا كتابه ! فما هو السبب الذي جعلهم ينزلون رؤوسهم ولحاهم ، ويرضون بأن يكونوا متناقضين !
أما سبب تبنيهم حديث عبد الرزاق فهو أن ابن حنبل ويحيى بن معين ذهبا الى صنعاء، وتلمَّذا عنده لمدة سنة وكتبا أكثر حديثهم عنه ، وكثيرون غيرهما .ثم انكشف لهم أنه شيعي، من قوله يوماً لشخص في مجلسه: لا تقذر مجلسنا بذكر ولد أبي سفيان ! وقوله في عمر:أنظروا الى هذا الأنوك يقول محمد، ولا يقول رسول الله صلى الله عليه وآله!
فسأل أحدهم ليحيى بن معين: هل ستتركون حديثه؟ فقال: لو ارتد عبد الرزاق ما تركنا حديثه! ففي تذكرة الحفاظ(2/930) وسير أعلام النبلاء (9/572) عن الصراري قال:(بلغنا ونحن بصنعاء عند عبد الرزاق أن أصحابنا ، يحيى بن معين ، وأحمد بن حنبل ، وغيرهما ، تركوا حديث عبد الرزاق وكرهوه ، فدخلنا من ذلك غم شديد وقلنا:قد أنفقنا ورحلنا وتعبنا ، فلم أزل في غم من ذلك إلى وقت الحج ، فخرجت إلى مكة فلقيت بها يحيى بن معين فقلت له: يا أبا زكريا ، ما نزل بنا من شئ بلغنا عنكم في عبد الرزاق؟ قال: وما هو؟قلنا: بلغنا أنكم تركتم حديثه ، ورغبتم عنه ! قال: يا أبا صالح ، لو ارتد عبد الرزاق عن الإسلام ما تركنا حديثه! وقال أحمد بن زهير: سمعت يحيى بن معين ، وبلغه أن أحمد بن حنبل تكلم في عبيد الله بن موسى بسبب التشيع،فقال يحيى: والله العظيم ، لقد سمعت من عبد الرزاق في هذا المعنى أكثر مما يقول عبيد الله بن موسى، ولكن خاف أحمد بن حنبل أن تذهب رحلته إلى عبد الرزاق )!فشيوخ الأمة مضطرون الى قبول حديث عبد الرزاق ! لأنه كان محدثاً مهنياً ، يراعى في تحديثه المذهب الرسمي للسلطة .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 31 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

وكفروا البخاري وتبنوا كتابه !

كذلك الأمر في البخاري وكتابه فقد حكموا عليه بأنه مبتدع كافر، ونفوه من نيسابور ، ثم من الري ، ثم من بخارى ، ثم من سمرقند ، وأرادواقتله ، ومع ذلك قبلوا كتابه ومدحوه وغالوا فيه وتعصبوا له ، وبعد مدة تعصبوا لمؤلفه !
والسبب: أن كتاب البخاري مؤلف بطلبهم ورغبتهم ومفصل على مقاسهم ، فهو يتضمن أصول الدين الأربعة عند الخليفة ، وهي:
1- تبرير عزل قريش لأهل البيت عليهم السلام ، والطعن فيهم بأسلوب مبطن !
2- تقديس الشيخين وبنتيهما، والغلو فيهم حتى لو استلزم الطعن بالنبي صلى الله عليه وآله !
3- تبني حب الأمويين ، والدفاع المستميت عن سيآتهم وجرائمهم .
4- تبني تجسيم كعب الأحبار لله تعالى .
فما دام الكتاب فيه هذه المواصفات العظيمة عندهم ، فليس مهماً أن يكون مؤلفه جهمياً محكوماً عليه بالكفر والقتل! وما دام حديث عبد الرزاق فيه هذه المواصفات ، فليس مهماً بعدها أن يكون شيعياً رافضياً !
قال الذهبي في سيره (12/462):( قال عبد الرحمن بن أبي حاتم في الجرح والتعديل: قدم محمد بن إسماعيل الري سنة خمسين ومئتين ، وسمع منه أبي وأبو زرعة ، وتركا حديثه عندما كتب إليهما محمد بن يحيى أنه أظهر عندهم بنيسابور أن لفظه بالقرآن مخلوق ! قلت: إن تركا حديثه أو لم يتركاه ، البخاري ثقة مأمون محتج به في العالم ) !
فليس مهماً ما قاله أحمد ، ولا ما كتبه إمام نيشابور الذهلي في تكفير البخاري ، وليس مهماً طعن أبي حاتم وأبي زرعة عن البخاري وإعراضهما عن حديثه ، وهما من كبار الأئمة ، بل المهم أن كتاب البخاري نجح وصار عالمياً ، والحمد لله !
فالدين عندهم: هو هذه الأصول الأربعة ، وميزان الحق هو الشهرة والغلبة ! فأي كتاب أوشخص غلب فهو على حق، وأي كتاب اشتهر وقبله الناس فهوحق! أما المبدأ القرآني الذي يقول:وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لايَعْلَمُونَ.. وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ .
وأما أن المقياس هو الدليل والبرهان ، وليس الكثرة . فهذه بضاعة خذها أنت وبعها في السوق ، وإن أصريت عليها قالوا إنك تهجر !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 32 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

هل يمكن الفصل بين المؤلف وكتابه

قلت للمرجع السيد السيستاني حفظه الله: إن فلاناً عنده كتاب جيد فيه أفكار مقبولة ، فقال إن مؤلفه غيرمقبول عند أحد من العلماء ، ولايمكن الفصل بين المؤلف وكتابه .
والأمر في البخاري اشد ، لأن المؤلف المحدث إذا سقط عن الوثاقة ، أو عن الإعتبار العلمي ، أو عن الإعتماد عليه في آرائه ، فلا يمكن قبول كتابه مهما كان ظاهره موافقاً لك ، لأن الكتاب مجبول بآراء مؤلفه ، مطبوع بطابعه في اختيار الحديث وترك الحديث الآخر ، ومدح الراوي أو ذمه ، وكتابه مجبول بآرائه في هيكليته ووضع أبوابه وفصوله ، والإيحاء والتوجيه في كل ما كتب وترك ، وما قال أو لم يقل! فكيف يمكن أن نقبل آراءه وأنت ترفض عقيدته وشخصيته وتعتبره منحرفاً عن الغسلام ، ومغرضاً فيما يقول ولايقول ، وكلها صفات تسقطه ، وتسقط كتابه .
لهذا ، كان موقفنا نحن من البخاري بسبب نصبه لأهل البيت عليهم السلام ، فلا نثق به ، ولا يقوله، ولا نحتج به إلا على من يقبله ، من باب إلزامه بما يلتزم به ، ويتدين به !

خذوا ما رووا وذروا ما رأوا : لا تنطبق على البخاري !

قد يقول أحد ، عندكم حالة تشبه البخاري نطبقها في تبني حديثه ، فقد حكم أئمتكم عليهم السلام بانحراف بعض الرواة ، فسألهم الشيعة: ماذا نصنع بكتبهم فقالوا لهم الأئمة: خذوا بما رووا وذروا ما رأوا.
قال الطوسي في الغيبة/389 : (سئل الشيخ يعني أبا القاسم رضي الله عنه عن كتب ابن أبي العزاقر بعدما ذُم وخرجت فيه اللعنة ، فقيل له: فكيف نعمل بكتبه وبيوتنا منها مِلاء ؟ فقال: أقول فيها ما قاله أبو محمد الحسن بن علي صلوات الله عليهما وقد سئل عن كتب بني فضال فقالوا: كيف نعمل بكتبهم وبيوتنا منها ملاء ؟ فقال صلوات الله عليه: خذوا بما رووا وذروا ما رأوا ) .
لكن تطبيق هذه القاعدة على البخاري لا تصح، لأنه مزج أراءه وتفننه في اختيار حديث ، وتغييب غيره ، وفي تقطيع الحديث ، وفي اختيار عنوانه ومجموعته ، وتفسيره ، فصارت آراؤه مجبولة بأحاديثه .ولا يمكن تفكيك رأيه عن روايته !
وقد كشفنا نماذج من عمله البهلواني في إخفاء الحديث ، أو تمييعه ، وتبسيط الأمر العظيم ، وتعظيم الأمر البسيط !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 33 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الكيد السياسي بين البخاري وخصومه !

كان البخاري يأتي الى بغداد ويظهر موافقته لابن حنبل ومذهب السلطة فكانوا يظهرون الإعجاب به ويؤيدونه، وكان أحمد بن حنبل الوكيل العام للمتوكل ، فلا بد أنه كان يعطي البخاري المقسوم .
قال ابن حجر في تهذيب التهذيب (9/46):(سمعت العقيلي:لما ألف البخاري كتابه الصحيح عرضه على ابن المديني ويحيى بن معين وأحمد بن حنبل وغيرهم ، فامتحنوه ، وكلهم قال: كتابك صحيح إلا أربعة أحاديث .قال العقيلي: والقول فيها قول البخاري وهي صحيحة » .
وقال الذهبي في سيره (12/404): (قال محمد بن أبي حاتم:سمعت البخاري يقول: دخلت بغداد آخر ثمان مرات ، في كل ذلك أجالس أحمد بن حنبل ، فقال لي في آخر ما ودعته: يا أبا عبد الله ، تدع العلم والناس، وتصير إلى خراسان! قال: فأنا الآن أذكر قوله) ! أي يتمنى لو كان أطاعه وسكن بغداد .

طمع البخاري بخلافة الإمام أحمد فطردوه

اتخذ المتوكل أحمد بن حنبل مرجعاً ، قال المَلَطي في التنبيه/7: «قال أمير المؤمنين المتوكل لأحمد بن حنبل:يا أحمد إني أريد أن أجعلك بيني وبين الله حجة ، فأظهرني على السنة والجماعة. وما كتبته عن أصحابك عما كتبوه عن التابعين، مما كتبوه عن أصحاب رسول الله (ص)، فحدثه ».
وروى أبو يعلى في طبقات الحنابلة «1/233»:«حدثني أبي عن جدي قال: كنت في مسجد أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل ، فأنفذ إليه المتوكل بصاحب له يعلمه أن له جارية بها صَرَعٌ ، وسأله أن يدعوالله لها بالعافية ،فأخرج له أحمد نعل خشب بشراك خوص للوضوء ، فدفعه إلى صاحب له وقال له: تمضـي إلى دار أمير المؤمنين وتجلس عند رأس الجارية وتقول له: يقول لك أحمد: أيما أحب إليك تخرج من هذه الجارية أوأصفع الآخر بهذه النعل ! فمضى إليه وقال له مثل ما قال أحمد ، فقال المارد على لسان الجارية: السمع والطاعة ، لو أمرنا أحمد أن لا نقيم في العراق ما أقمنا به ! إنه أطاع الله ، ومن أطاع الله أطاعه كل شئ ، وخرج من الجارية وهدأت ، وزوجت ورزقت أولاداً .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 34 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فلما مات أحمد عاودها المارد ، فأنفذ المتوكل إلى صاحبه أبي بكر المروذي وعرفه الحال ، فأخذ المروذي النعل ومضى إلى الجارية، فكلمه العفريت على لسانها: لا أخرج من هذه الجارية ولا أطيعك ولا أقبل منك ، أحمد بن حنبل أطاع الله فأُمرنا بطاعته» !
أقول: معناه أن المروزي باعترافهم كان خليفة أحمد ، وإن كان قبقابه لا يعمل ! قال في تاريخ بغداد (5/189): (كانت أمه مرذوية وكان أبوه خوارزمياً ، وهو المقدم من أصحاب أحمد ، لورعه وفضله. وكان أحمد يأنس به وينبسط إليه وهوالذي تولى إغماضه لما مات وغسله .قال أبو علي: لم يكن في أصحاب أحمد أقدرعليه من أبي بكر .وتوفي سنة خمس وسبعين ومائتين .ودفن قريباً من قبر أحمد بن حنبل ).

وكان له في بغداد محبون ومغالون !

كان صالح بن جزرة مغالياً في البخاري، يقدمه على المروذي وعلى أحمد نفسه ، قال (تاريخ الذهبي:19/257): (كان محمد بن إسماعيل يجلس ببغداد، وكنت أستملي له ، ويجتمع في مجلسه أكثر من عشرين ألفاً !
وقال إسحاق بن زبرك: سمعت أبا حاتم في سنة سبع وأربعين ومائتين يقول: يقدم عليكم رجل من خراسان لم يخرج منها أحفظ منه، ولا قدم العراق أعلم منه ، فقدم علينا البخاري .
سمعت أحمد بن نصر الخفاف يقول:محمد بن إسماعيل أعلم بالحديث من إسحاق بن راهويه ، وأحمد بن حنبل وغيرهما، بعشرين درجة . ومن قال فيه شيئاً فمني عليه ألف لعنة)!
فقد ادعوا أنه أعلم من أحمد ، وهذا يغيظ أحمد وخليفته المروذي ، فلا بد أن يكون المروذي هو الذي كتب الى الذهلي بأن البخاري صار من اللفظية الجهمية وكفر !
بل يظهر من قول ابن حجر أن الحملة على البخاري بدأت من أحمد بن حنبل قبل موته! لأن الكرابيسي زميل أحمد ، أول من قال بهذه المقوله ، فعاداه أحمد وكفره !
قال في فتح الباري (13/410): (واشتد إنكار الإمام أحمد ومن تبعه على من قال:لفظي بالقرآن مخلوق، ويقال إن أول من قاله الحسين بن علي الكرابيسي أحد أصحاب الشافعي ، فلما بلغ ذلك أحمد بدعه وهجره ).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 35 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال السبكي عن البخاري في طبقات الشافعية(2/229):(قال الذهلي: ألامن يختلف إلى مجلسه فلا يأتينا! فإنهم كتبوا إلينا من بغداد أنه تكلم في اللفظ ونهيناه فلم ينته فلا تقربوه ! قلت:كان البخاري ممن قال: لفظي بالقرآن مخلوق ، وقال محمد بن يحيى الذهلي: من زعم أن لفظي بالقرآن مخلوق فهو مبتدع ، لا يجالس ولا يكلم . ومن زعم أن القرآن مخلوق فقد كفر .
ثم قال السبكي: وكيف يظن بالبخاري أنه يذهب إلى شئ من أقوال المعتزلة وقد صح عنه فيما رواه الفربري وغيره أنه قال: إني لأستجهل من لايكفر الجهمية ! ولا يرتاب المنصف في أن محمد بن يحيى الذهلي لحقته آفة الحسد التي لم يسلم منها إلا أهل العصمة ).
وفي طبقات الشافعية (2/229):(سأل بعضهم البخاري عما بينه وبين محمد بن يحيى؟ فقال البخاري:كم يعتري محمد بن يحيى الحسد في العلم، والعلم رزق الله يعطيه من يشاء ).
أقول: البخاري يكفر الجهمية ، لكنه من اللفظية الذين يعتبرهم أحمد جهمية !
طبقات الشافعية (2/230): (قال له أبو عمرو الخفاف: إن الناس خاضوا في قولك لفظي بالقرآن مخلوق: يا أبا عمرو إحفظ ما أقول لك ، من زعم من أهل نيسابور وقومس والري وهمذان وبغداد والكوفة والبصرة ومكة والمدينة ، أني قلت لفظي بالقرآن مخلوق فهو كذاب ، فإني لم أقله ، إلا أني قلت أفعال العباد مخلوقة .
قلت: تأمل كلامه ما أذكاه! ومعناه والعلم عند الله إني لم أقل لفظي بالقرآن مخلوق ، لأن الكلام في هذا خوض في مسائل الكلام وصفات الله التي لا ينبغي الخوض فيها إلا للضرورة ، ولكني قلت: أفعال العباد مخلوقة ، وهي قاعدة مغنية عن تخصيص هذه المسألة بالذكر ، فإن كل عاقل يعلم أن لفظنا من جملة أفعالنا وأفعالنا مخلوقة فألفاظنا مخلوقة!
لقد أفصح بهذا المعنى في رواية أخرى صحيحة عنه ، رواها حاتم بن أحمد بن الكندي قال: سمعت مسلم بن الحجاج فذكر الحكاية ، وفيها أن رجلاً قام إلى البخاري فسأله عن اللفظ بالقرآن فقال: أفعالنا مخلوقة وألفاظنا من أفعالنا! وفى الحكاية أنه وقع بين القوم إذ ذاك اختلاف على البخاري فقال بعضهم قال: لفظي بالقرآن مخلوق ، وقال آخرون: لم يقل)!
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 36 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أقول: تأمل في بساطتهم ! فقد وقعوا في فخ المأمون في الكلام في خلق القرآن وقدمه، فقالوا فيه بجهل! ثم جعلوا مقولاتهم ديناً يدينون به ، ويتولون الناس ويتبرؤون منهم ويكفرونهم ، ويقتلون الناس عليه !
وقد تأثر البخاري بالكرابيسي ، فقال لفظي بالقرآن مخلوق،أي تلاوتي له ،لأن أفعالنا مخلوقة وتلاوتنا من أفعالنا ، فاعتبر أحمد البخاري كالكرابيسي من اللفظية ، وقال إنهم شر من الجهمية . وضيق عليه أحمد في بغداد بعد أن كان يدعوه الى المجيئ الى بغداد ، ويمدحه ويغدق عليه من مال المتوكل! ثم ضيق عليه خليفته أبو بكر المروذي فذهب الى نيسابور، ثم الى الري ، ثم الى بخارى ، وكانت مكاتباتهم تلاحقه ، وكانت حجة الذهلي: كتبوا الينا من بغداد أنهم نهوه فلم ينته !
وتقدم أنه زار أحمد في بغداد ثمان مرات وعرض عليه صحيحه فمدحه، لكن أحمد غضب عليه وكفره مع الكرابيسي، ولما اشتدت حملة الحنابلة علىه بعد موت أحمد ، حاول إرضاءهم بأنه يكفر الجهمية، لكنهم لم يقبلوا منه ، وعدوه من مذهب الكرابيسي واللفظية الذين يعتبرهم أحمد جهمية وشراً من الجهمية !

الإمتحان المدبر في نيسابور

دخل البخاري بغداد سنة مئتين سبع وأربعين، وبقي فيها سنوات ، ووجد تقبلاًً في أول أمره ، ، لكنه اضطر أن يفرَّ منها الى نيسابور.
ففي تهذيب التهذيب (9/44) أن أبا حاتم الرازي قال: قال محمد بن إسماعيل أعلم من دخل العراق. قال وسمعته في سنة سبع وأربعين يقول: يقدم عليكم رجل من خراسان لم يخرج منها أحفظ منه، فقدم محمد بن إسماعيل بعد أشهر).
ولما ضايقوه في بغداد سافر الى نيسابور سنة 250 هجرية ، ولم يعرف أهل نيسابور أنه مغضوب عليه في بغداد ، فاستقبلوه بحفاوة .
قال ابن حجر في مقدمة فتح الباري/491:(قال حاتم بن أحمد بن محمود: سمعت مسلم بن الحجاج يقول:لما قدم محمد بن إسماعيل نيسابور ما رأيت والياً ولا عالماً فعل به أهل نيسابور ما فعلوا به ، استقبلوه من مرحلتين من البلد أو ثلاث ، وقال محمد بن يحيى الذهلي في مجلسه: من أراد أن يستقبل محمد بن إسماعيل غداً فليستقبله ، فإني أستقبله فاستقبله محمد بن يحيى وعامة علماء نيسابور ، فدخل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 37 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
البلد فنزل دار البخاريين، فقال لنا محمد بن يحيى: لاتسألوه عن شئ من الكلام فإنه إن أجاب بخلاف ما نحن عليه وقع بيننا وبينه ، وشمت بنا كل ناصبي ورافضي وجهمي ومرجئ بخراسان !
قال: فازدحم الناس على محمد بن إسماعيل حتى امتلأت الدار والسطوح، فلما كان اليوم الثاني أو الثالث من يوم قدومه، قام إليه رجل فسأله عن اللفظ بالقرآن ، فأعرض عنه البخاري ولم يجبه ثلاثاً،فألح عليه فقال البخاري: القرآن كلام الله غيرمخلوق، وأفعال العباد مخلوقة والإمتحان بدعة ! فشغب الرجل وقال: قد قال لفظي بالقرآن مخلوق!
قال: فوقع بين الناس اختلاف ، فقال بعضهم قال لفظي بالقرآن مخلوق، وقال بعضهم: لم يقل. فوقع بينهم في ذلك اختلاف ، حتى قام بعضهم إلى بعض! قال:فاجتمع أهل الدار فأخرجوهم!
وقال أبو أحمد بن عدي:حسده بعض شيوخ الوقت ، فقال لأصحاب الحديث: إن محمد بن إسماعيل يقول:لفظي بالقرآن مخلوق !
قال الذهلي: ألا من قال باللفظ فلا يحل له أن يحضرمجلسنا ، فأخذ مسلم رداءه فوق عمامته وقام على رؤس الناس ، فبعث إلى الذهلي جميع ما كان كتبه عنه على ظهر حمال. قلت: وقد أنصف مسلم فلم يحدث في كتابه عن هذا ولا عن هذا. وقال الحاكم أبو عبد الله: سمعت أحمد بن سلمة النيسابوري يقول: دخلت على البخاري فقلت: يا أبا عبد الله إن هذا رجل مقبول بخراسان ، خصوصاً في هذه المدينة ، وقد لج في هذا الأمر حتى لايقدر أحد منا أن يكلمه فيه ، فما ترى؟
قال: فقبض على لحيته ثم قال: وَأُفَوِّضُ أَمْرِى إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ.اللهم إنك تعلم أني لم أرد المقام بنيسابور أشراً ولا بطراً ولا طلباً للرياسة،وإنما أبت عليَّ نفسي الرجوع إلى الوطن لغلبة المخالفين ، وقد قصدني هذا الرجل حسداً لما آتاني الله لا غير! ثم قال لي: يا أحمد إني خارج غداً لتخلصوا من حديثه لأجلى! فخشيَ البخاري (القتل) وسافر!
وقال الحاكم: سمعت محمد بن نعيم يقول: سألت محمد بن إسماعيل لما وقع في شأنه ما وقع عن الإيمان فقال: قول وعمل، ويزيد وينقص، والقرآن كلام الله غيرمخلوق. وأفضل أصحاب رسول الله (ص) أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ، على هذا حييت وعليه أموت ، وعليه أبعث إن شاء الله تعالى).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 38 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أقول: يظهر أن موقف بغداد الرسمي من البخاري ، وصل الى إمام نيسابور محمد بن يحيى الهذلي ، فاحتفى أول الأمر بالبخاري لأنه شخصية معروفة ، ثم دس له من يمتحنه في اليوم الثاني ويسأله عن قوله: لفظي بالقرآن مخلوق. ويلح عليه ، فيشغب المشاغبون عليه ويبدعوه ويشتموه ، فيكون ذلك مبرراً لنفيه !
وقد قال البخاري إن الهذلي حسده ، وأجاب الهذلي بأنهم كتبوا له من بغداد !

الإمتحان المدبر في بخارى

لما ذهب الى بخارى، استقبله أهلها بحفاوة أيضاً ، لكن محمد بن يحيى الذهلي إمام نيسابور كتب الى والي بخارى خالد الذهلي، أن البخاري ضال مبتدع ، يجب نفيه من بخارى حتى لايضل الناس! وامتحنه فإن قال القرآن مخلوق فيجب قتله! فأراد والي بخارى أن يمتحنه ، فعرف المؤامرة وهرب من بخارى ! قال ابن حجر في تهذيب التهذيب ( 9/44): (كان سبب مفارقة أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البلد يعني بخارى، أن خالد بن أحمد الأمير سأله أن يحضر منزله فيقرأ الجامع والتاريخ على أولاده ،فامتنع. فسأله أن يعقد لأولاده مجلساً لا يحضره غيرهم ، فامتنع أيضاً، فاستعان عليه بحريث بن أبي الورقاء وغيره حتى تكلموا في مذهبه ، ونفاه عن البلد ، فدعا عليهم فاستجيب له . وقال ابن عدي: سمعت عبد القدوس بن عبد الجباريقول: جاء محمد بن إسماعيل إلى خرتنك قرية من قرى سمرقند على فرسخين منها وكان له بها أقرباء فنزل عندهم ، قال: فسمعته ليلة من الليالي يدعو: اللهم إنه قد ضاقت علي الأرض بما رحبت فاقبضني إليك . قال فما تم الشهر حتى قبضه الله في سنة ست وخمسين ومائتين في شوال ).
أقول: سبب نقمة الخليفة على خالد الهذلي والي بخارى ، أنه كان من جماعة ليث الصفار الذي ثار وأسقط الدولة الطاهرية ، وهدد بغداد ، حتى اعترفوا به !
وقال في شرح علل الترمذي (1/496): (وفضائل البخاري كثيرة جداً ، وامتحن في آخر عمره بمسألة اللفظ بالقرآن ، فإنه قال: أفعال العباد مخلوقة فنسبه محمد بن يحيى الذهلي إلى القول بأن اللفظ بالقرآن مخلوق ، وأمر بهجره وضيق عليه ، فخرج البخاري من نيسابور إلى بخارى ، فكتب محمد بن يحيى إلى والي بخارى في أخره فنفاه من بخارى ، فتوفي بقرية من قراها).
وقال الذهبي في سيره (12/465): (كان محمد بن إسماعيل يسكن سكة الدهقان ، وكان جماعة يختلفون إليه ، يظهرون شعار أهل الحديث من إفراد الإقامة ، ورفع الأيدي في الصلاة وغير ذلك، فقال حريث بن أبي الورقاء وغيره: هذا رجل مشغب ، وهويفسد علينا هذه المدينة ، وقد أخرجه محمد بن يحيى من
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 39 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
نيسابور ، وهو إمام أهل الحديث ، فاحتجوا عليه بابن يحيى ، واستعانوا عليه بالسلطان في نفيه من البلد ، فأخرج!
قلت : خالد بن أحمد الأمير ، قال الحاكم: له ببخارى آثار محمودة كلها ، إلا موجدته على البخاري، فإنها زلة، وسبب لزوال ملكه .
وكان قد مال إلى يعقوب بن الليث . فلما حج حبسوه ببغداد حتى مات لسنته ، وهي سنة تسع وستين ومئتين ).
ومعناه أن البخاري قصد سمرقند فلاحقوه ، وربما كتبوا الى واليها أن ينفيه منها ، فعرف بذلك البخاري فلم يدخلها ، وقصد قرية خرتنك التي فيها أقاربه .
أما اعتقال الوالي خالد الذي زعموا أن الله انتقم للبخاري منه ، فكان بعد وفاة البخاري بثلاث عشرة سنة، لأنه أيد الثورة الصفارية التي قضت على الطاهريين .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 40 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الرابع: لوهم في البخاري وكتابه

إعرف شخصية البخاري من أفكاره !

1.يقول البخاري: إذا رضع الطفل من بقرة صارت أمه، وصار أولادها إخوانه بالرضاعة، وزوجها الثور أباه من الرضاعة !
ويقول البخاري: إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه، فإن في أحد جناحيه داء ، وفي الآخر شفاء)! ونسبه الى النبي صلى الله عليه وآله !
ويقول البخاري: إنه لم يكذب أبداً ، ونبي الله إبراهيم عليه السلام كذب ثلاث كذبات!
وقال البخاري: (1/182):(فيأتيهم الجبار في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة ، فيقول انا ربكم ! فيقولون: أنت ربنا ! فلا يكلمه إلا الأنبياء فيقول: هل بينكم وبينه آية تعرفونه؟ فيقولون: الساق ، فيكشف عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ). يقصد ساقه التي وضعها في جهنم !!
وقال البخاري: إن شخصاً غش الله يوم القيامة فطلب منه أن يأخذه الى باب الجنة فيأخذه ، فيقول يا رب لا تجعلني أشقى خلقك ، فيضحك الله عز وجل منه ، ثم يأذن له في دخول الجنة !
وستعرف أنواعاً من هرطقة البخاري، وما صححه من أحاديث تخالف للقرآن !

يروي عن ضعفاء ويقول إنهم عدول !

ألف سليمان بن خلف بن سعد الباجي المالكي وهو إمام عندهم (403-474‍) كتابه: التعديل والتجريح لمن خرج عنه البخاري في الجامع الصحيح. وهو مجلدان ، طبع أخيراً في المغرب بتحقيق أحمد البزار ، أستاذ بكلية اللغة العربية بمراكش .
وأعلن استاذه أبو حاتم الرازي، وأبو زرعة ، وهما إمامان كبيران عندهم ، ترك الرواية عن البخاري ، وألف أبو حاتم الرازي كتاباً بإسم: بيان خطأ البخاري في علم الرجال! فبلغت في كتاب واحد أكثر من سبع مئة خطأ!
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 41 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال في صفحة/164، في الخطأ رقم:(771: أبو مالك الغفاري سمع عمارة روى عنه حصين وسلمة. وإنما سمع عمار بن ياسر).وقد ألف مسلمة بن قاسم الأندلسي كتاباً في الرواة الذين روى البخاري عنهم كتابه ، ونقد عدداً منهم !
ومن أوهامه الواضحة قوله في صحيحه (5/17): (أبو مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري، جد زيد بن حسن، شهد بدراً).ولم يشهد بدراً بل كان ساكناً فيها.
قال السمعاني في الأنساب (1/295):(عقبة بن عمرو البدري من الصحابة ، نزل بدراً يعني هذه البئر فنسب إلى هذا الموضع ، ولم يكن شهد هذه الوقعة)
وقال الذهبي(تاريخه:7/254):(ليس بالخبير برجال الشام. وهذه من أوهامه).

ويُضعِف الراوي ثم يروي عنه !

ومما يسقط وثاقة البخاري أنه ضعَّف عدداً من الرواة ثم روى عنهم! وأنه فَسَّق شيخه محمد بن يحيى الهذلي ، ثم روى عنه !
قال في طبقات الشافعية (2/229): (وقد سأل بعضهم البخاري عما بينه وبين محمد بن يحيى؟فقال البخاري: كم يعتري محمد بن يحيى الحسد في العلم ، والعلم رزق الله يعطيه من يشاء )!
وقال في فتح الباري(13/118): (قال الحاكم والكلاباذي: أخرج البخاري عن محمد بن يحيى الذهلي فلم يصرح به ، وإنما يقول حدثنا محمد ، وتارة محمد بن عبد الله فينسبه لجده. وتارة حدثنا محمد بن خالد ، فكأنه نسبه إلى جد أبيه لأنه محمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد بن فارس!
قلت:ويؤيده أنه وقع منسوباً في حديث آخر، أخرجه عند الأكثر في الطب عن محمد بن خالد: حدثنا محمد بن وهب ، بن عطية ، فوقع في رواية الأصيلي: حدثنا محمد بن خالد الذهلي. وكذا هو في نسخة الصغاني).
وقال الذهبي في سيره (12/396): (محمد بن يحيى الذهلي الذي روى عنه الكثير ويدلسه فيقول: حدثني عبد الله ولاينسبه ).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 42 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال الهرساوي في:البخاري وفقه أهل العراق /121و123،ملخصاً: (فصَّلنا الكلام في رجال البخاري الذين ضعَّفهم هو نفسه ، ثم روى عنهم في الصحيح ، لأنه ربما يضعِّف الراوي في الرجال ويذكره في ضعفائه ، ثم يروي عنه في الصحيح !
قال ابن حجر في طبقات المدلِسين: محمد بن إِسماعيل بن المغيرة البخاري،الإمام . وصفه بذلك أَبو عبد الله بن مندة. والتدليس: إِخفاء عيب في الإِسناد، فهو خداع وخيانة .وتدليس المتن:أَن يدخل شيئاً من كلامه في الحديث بوجه يوهم أنه من الحديث .وتدليس الأسناد: أن يروي حديثاً لم يسمعه بصيغة توهم السماع . وقد ذم العلماء التدليس واعتبروه ضرباً من الغش والخداع والتمويه .قال سليمان بن داود المنقري: التدليس والغش والغرور والخداع والكذب .وقد حكموا بإسقاط الروايات المعنعنة للراوي المدلِّس .لكن دافعوا عن تدليس البخاري ومسلم بأن تدليس أئمة الحديث لايضر بإمامتهم ووثاقتهم ، لأنهم جازوا القنطرة )!

إذا عبرت القنطرة فدلس ، فالحرام يصير لك حلالاً !

قال الشيخ الهرساوي تحت عنوان تدليس البخاري/120، ملخصاً:(التدليس إِخفاء عيب في الإِسناد ، فهو خداع وخيانة ، لأن المدلِّس يخون السامع ويوهمه ويكتم عيباً ، كأن يكون شيخه ضعيفاً فيستره .فهومجروح العدالة وقد ذم العلماء التدليس لأنه من الغش وقد قال النبي صلى الله عليه وآله: مَنْ غَشَّنا فَلَيْسَ مِنّا. وقال غندر: التدليس أَشد من الزنا, وتدليس الشيوخ أسوأ من غيره ، ومن أَمثلته تدليس البخاري في شيخه محمد بن يحيى الذهلي .وقال الحاكم : روى عنه البخاري نيّفاً وأَربعين حديثاً .وقال الذَّهبي: لم يصرِّح به قط !
وقال ابن حجر في طبقات المدلِّسين:محمد بن إِسماعيل بن المغيرة البخاري الإِمام ، وصفه بذلك أَبو عبد الله بن مندة، فقال فيه: أَخرج البخاري قال: فلان ، وقال : أَخبرنا فلان ، وهو تدليس». ( طبقات المدلسين/24 ).
وبعد إِثبات تدليس البخاري ومسلم ، قالوا إن تدليس أئمة الحديث لا يضر بإمامتهم ووثاقتهم ، لأنهم جازوا القنطرة !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 43 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال السخاوي في فتح المغيث/21: (ومن ذلك إخراج البخاري ومسلم لجماعة ، ما اطلعنا فيهم على جرح ولا توثيق،فهؤلاء يحتج بهم لأن الشيخين احتجا بهم ، ولأن الدهماء أطبقت على تسمية الكتابين بالصحيحين .
قلت: بل أفاد التقي ابن دقيق العيد أن إطباق جمهور الأمة أو كلهم على كتابيهما يستلزم إطباقهم أو أكثرهم على تعديل الرواة المحتج بهم فيهما اجتماعاً وانفراداً . قال: مع أنه قد وجد فيهم من تكلم فيه،ولكن كان الحافظ أبو الحسن بن المفضل شيخ شيوخنا يقول فيهم: إنهم جازوا القنطرة ، يعني أنه لايلتفت إلى ما قيل فيهم ) !
أقول: إنما تعصبوا للبخاري، لأنه يدافع عن دين السلطة وعن أنداد اتخذوهم بدون نص من الله ولا رسوله صلى الله عليه وآله ، ووالوا الناس وعادوهم وقتلوهم ، لأجلهم !

لا يفقه البخاري الشريعة فأفتى بالنسب بين الإنسان والحيوان!

قال شيخ الشريعة الأصفهاني قدس سره في القول الصراح في نقد الصحاح/90، ملخصاً: (يدل على بلادته وبُعده عن الفقه قول صاحب الكفاية الحنفي: إذا شرب صبيان بلبن شاة فلا رضاع بينها لأنه لاحرمة بين الآدمي والبهائم، لأن البهيمة لايتصورأن تكون أُمّاً للآدمي!وكان محمد بن إسماعيل البخاري يقول : تثبت به حرمة الرضاع ، وقد استفتي في بخارى في زمن الشيخ أبي حفص الكبير: إذا رضع صبيان بلبن شاة فأفتى بثبوت الحرمة ! وقد وصف التفتازاني البخاريين بالبلادة ، وقال أبوالكاتب في ذم بخارى:
لو الفرس العتيق أتى بخارى * لصار بطبعها منها حمارا
فلم تر مثلها عيني كنيفاً * تبوأها أمير الشرق دارا ).

روى البخاري ما خالف القرآن وحكم بصحته !

زعم البخاري أن النبي صلى الله عليه وآله نقض القرآن بأقوله وأفعاله! وكفاه بذلك جهلاً ! وقبل قول عائشة إنه سُحِرحتى اختل عقله وبقي ستة أشهر مسحوراً ، ولم يسألها: لماذا لم يره أحد مسحوراً غيرك ؟ ولم يقل لها إن الله تعالى كذب قول الكفار فقال:إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلا رَجُلاً مَسْحُوراً ، قالت إنه سحر بعد الحديبية، لكن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 44 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
النبي صلى الله عليه وآله بقي في المدينة عشرة أيام ، ثم ذهب الى خيبر ، فأين الستة أشهر، وأين سقوط شعره ؟!وزعمت عائشة أن يهودياً سَحَره فأخذ مشطه وبعض شَعره وعقده في خيط ودفنه في بئر ! وقالت إن النبي صلى الله عليه وآله استخرجه وفكَّ عقد الخيط وأمر بدفن البئر، ولم يقتل الذي سحره !
روى البخاري هذه الخرافة في خمسة مواضع ! قالت عائشة: سُحر النبي(ص) حتى كان يخيل إليه أنه يفعل الشئ وما يفعله ، سحره لبيد بن الأعصم اليهودي في مشط ومشاطة عقده في خيط جلد وألقاه في بئر ذِروان ! فخرج إليها النبي (ص) واستخرجه ولم يعاقب لبيداً، قال خشيتُ أن يثير ذلك على الناس شراً! (4/91):
وفي: 4/68: « سُحر حتى كان يُخَيَّلُ إليه أنه صنع شيئاً ولم يصنعه » !
وفي: 7/88 : « مكث النبي كذا وكذا ، يخيل إليه أنه يأتي أهله ولا يأتي » !
وفي: 7/29 : « كان رسول الله سُحر حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن ! قال سفيان : وهذا أشد ما يكون من السحر » !وكرره في ( 7/28 و 164 ) .
وقال إمامهم ابن حجر عن الزهري أنه لبث ستة أشهر ! وجدناه موصولاً بإسناد الصحيح فهو المعتمد » . ( فتح الباري : 10/192 ) .
ثم ذكر ابن حجر تأثير السحر على حواس النبي صلى الله عليه وآله وبعض عقله !
قال المازري: وهذا كله مردود ، لأن الدليل قد قام على صدق النبي ( ص ) فيما يبلغه عن الله تعالى ، وعلى عصمته في التبليغ ، والمعجزات شاهدات بتصديقه ، فتجويز ما قام الدليل على خلافه باطل وأما ما يتعلق ببعض أمور الدنيا التي لم يبعث لأجلها فغير بعيد أن يخيل إليه في أمر من أمور الدنيا ما لا حقيقة له ، مع عصمته في أمور الدين !
أقول : هذا بعض كلامهم الطويل العليل! الذي يريدون به أن يقنعوك بأن نبيك صلى الله عليه وآله كان لمدة ستة أشهر مسحوراً ، وأنه انتثر شعر رأسه وصار أقرع أو كالأقرع ، ويقولون نعم إنه صلى الله عليه وآله معصوم لا ينطق عن الهوى ، لكن عصمته إنما هي في تبليغه الرسالة فقط ما عدا حديث الغرانيق طبعاً !أما في غير التبليغ فيصاب بالسحر وبالجنون، فيفقد التمييز في الأمور الدنيوية، ومنها استخلاف خليفته !
لقد فاقت القرشيات بافترائها على النبي صلى الله عليه وآله كل ما دبجته الإسرائيليات على أنبيائهم عليهم السلام ! ولذا قال صلى الله عليه وآله: « ما أوذي نبي مثل ما أوذيت » !
وقد رد هذه الفرية علماء الشيعة ، وتجرأ على ردها معهم بعض علماء السنة !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 45 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال الشهاب : إن حديث سحره (ص) المروي هنا متروكٌ لما يلزمه من صدق قول الكفرة أنه مسحور ، وهو مخالف لنص القرآن حيث أكذبهم الله فيه
أقول : أصل المشكلة عندهم أنهم يقبلون كلام عمر وعائشة والبخاري مهما كان ، ولا يسمحون لأنفسهم ولا لأحد أن ينقده ! أما نحنن فهو عندنا من تصورات عجائز مكة ، وهرطقة اليهود ونسبتهم القبيح إلى أنبيائهم عليهم السلام والى ربهم عز وجل!

وتحايل البخاري فسرق كتاب أستاذه وألف منه كتابه !

ارتكب البخاري دريمةً في حق شيخه علي بن المديني وعملاً غير أخلاقي، فسرق كتابه في أحوال الرواة ، وألف منه كتابه !
قال شيخ الشريعة قدس سره في القول الصراح في نقد الصحاح/89:(يدل على عدم ديانته ووثاقته، وتدليسه ، وأنه تصرف في مال الغير بغير إذنه ، مع العلم بكراهته وعدم رضاه ، وارتكب الكذب الصريح وأقدم على أمر قبيح ، كما يظهر كلّه مما قاله مسلمة بن قاسم في تاريخه على ما نقل عنه، قال: وسبب تأليف البخاري الكتاب الصحيح: أن علي بن المديني ألف كتاب العلل ، وكان ضنيناً به لا يخرجه إلى أحد ، ولا يحدث به لشرفه وعظم خطره وكثرة فائدته ، فغاب علي بن المديني في بعض حوائجه ، فأتى البخاري إلى بعض بنيه فبذل له مائة دينار، على أن يخرج له كتاب العلل ليراه ويكون عنده ثلاثة أيام ، ففتنه المال وأخذ منه مائة دينار، ثم تلطف مع أمه فأخرجت الكتاب فدفعه اليه ، وأخذ عليه العهود والمواثيق أن لايحبسه عنده أكثرمن الأمد الذي ذكر، فأخذ البخاري الكتاب وكان مائة جزء ، فدفعه إلى مائة من الوراقين ، وأعطى كل رجل منهم ديناراً على نسخه ومقابلته في يوم وليلة ، فكتبوا له الديوان في يوم وليلة وقوبل ، ثم صرفه إلى ولد علي بن المديني ، وقال: إنما نظرت إلى شيئ فيه!وانصرف علي بن المديني فلم يعلم بالخبر، ثم ذهب البخاري فعكف على الكتاب شهوراً واستحفظه ، وكان كثير الملازمة لابن المديني ، وكان ابن المديني يقعد يوماً لأصحاب الحديث يتكلم في علله وطرقه ، فلما أتاه البخاري بعد مدّة قال له: ما جلسك عنا؟قال: شغل عرض لي ، ثم جعل علي يلقي الأحاديث ويسألهم عن عللها ، فيبدر البخاري بالجواب بنصّ كلام علي في كتابه ! فعجب لذلك ، ثم قال له من أين علمت هذا ! هذا قول منصوص، والله ما أعلم أحداً في زماني يعلم هذا العلم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 46 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
غيري ! فرجع إلى منزله كئيباً حزيناً ، وعلم أن البخاري خدع أهله بالمال حتى أباحوا له الكتاب،ولم يزل مغموماً بذلك ولم يثبت الاّ يسيراً حتى مات!
واستغنى البخاري عن مجالسة علي والتفقه عنده بذلك الكتاب ، وخرج إلى خراسان وتفقه بالكتاب ، ووضع الكتاب الصحيح والتواريخ ، فعظم شأنه وعلا ذكره ، وهو أول من وضع في الإسلام كتاب الصحيح ، فصار الناس له تبعاً بكتابه ، واشتهر لدى العلماء في تأليف الصحيح).
وروى القصة ابن حجر باختصار فقال في تهذيب التهذيب(9/46):(قال مسلمة:وألف علي بن المديني كتاب العلل ، وكان ضنيناً به ، فغاب يوماً في بعض ضياعه ، فجاء البخاري إلى بعض بنيه ،وراغبَهُ بالمال على أن يرى الكتاب يوماً واحداً ! فأعطاه له فدفعه إلى النساخ فكتبوه له ورده إليه ، فلما حضرعلي تكلم بشئ فأجابه البخاري بنص كلامه مراراً ! ففهم القضية ، واغتم لذلك ، فلم يزل مغموماً حتى مات بعد يسير! واستغني البخاري عنه بذلك الكتاب ، وخرج إلى خراسان ووضع كتابه الصحيح فعظم شأنه وعلا ذكره ، وهو أول من وضع في الاسلام كتاباً صحيحاً ، فصار الناس له تبعاً بعد ذلك )! ثم رد ابن حجر تهمة السرقة عن البخاري، فقال:(إنما أوردت كلام مسلمة هذا لأبين فساده ، فمن ذلك إطلاقه بأن البخاري كان يقول بخلق القرآن وهو شئ لم يسبقه إليه أحد ، وقد قدمنا ما يدل على بطلان ذلك. وأما القصة التي حكاها فيما يتعلق بالعلل لابن المديني فإنها غنية عن الرد لظهور فسادها، وحسبك أنها بلا إسناد ، وأن البخاري لما مات علي كان مقيماً ببلاده ، وأن العلل لابن المديني قد سمعها منه غير واحد غير البخاري ، فلو كان ضنيناً بها لم يخرجها ! إلى غير ذلك من وجوه البطلان ).
لكن رد ابن حجر للتهمة لايصح،لأن راوي السرقة مسلمة بن القاسم الأندلسي وهو إمام ثقة من الأجلاء (لسان الميزان لابن حجر:6/35) وكتابه الصلة معتمد عندهم. وقول البخاري بخلق القرآن لازم كلامه، ومسلمة غير متهم في البخاري!
فهو يمدحه كما في(تهذيب التهذيب:9/46): (قال مسلمة في الصلة: كان ثقة جليل القدر ، عالماً بالحديث ، وكان يقول بخلق القرآن ، فأنكر ذلك عليه علماء خراسان ، فهرب ومات وهو مستخف).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 47 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والمؤشرات تساعد على صحة رواية السرقة،لأن علي بن المديني أكبر من البخاري سناً وقدراً ، وهو إمام مشهود له، أما أنه أملى من كتابه العلل على البخاري وغيره ، فلا يعني أنه أملى كل الكتاب ، فكان البخاري بحاجة اليه كله !
كما يؤيد إمكان السرقة أن البخاري مدح المديني فكذبه واتهمه بالغروروالعجب! قال في تهذيب التهذيب (9/43): (حامد ابن أحمد قال: ذكر لعلي بن المديني قول محمد بن إسماعيل: ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند علي بن المديني، فقال: ذروا قوله ، ما رأى مثل نفسه )!
يقصد المديني:لاتصدقوه في تفضيله لي،فهو مغرور يرى نفسه أفضل من الكل!

وقد يبالغ البخاري ويكذب !

قال البخاري:(صنفت كتابي الجامع في المسجد الحرام،وما أدخلت فيه حديثاً حتى استخرت الله تعالى وصليت ركعتين وتيقنت صحته! قال ابن طاهر: الأصح أنه صنفه ببخارى) (تغليق التعليق:5/421).
وحاول ابن حجر أن يوجه كلامه فقال: (تقدم عنه أنه صنفه في ست عشرة سنة ،فيحمل أنه كان يصنفه في البلاد التي يرحل إليها فلاتنافي بين القولين).
لكن كلام البخاري صريحٌ بأنه ألفه في المسجد الحرام ، يعني كله !

وبالغوا في حفظ البخاري ودقته العلمية !

فقد رووا في علمه ودقته قصصاً، حتى أوصلوه الى قرب العصمة، وكله لإسباغ الصحة على كتابه وأحاديثه ، لأنها مؤيدة لدين السلطة !وأكثروا من رواية منامات أمه له، ومناماته لنفسه، ومنامات تلاميذه فيه ، ومناقبه ومعجزاته! كقولهم إنهم رأوا النبي صلى الله عليه وآله يأتي لزيارته،وأنه يكش الذباب عن النبي صلى الله عليه وآله وينفي الكذب عنه !
وقولهم إنه كان يختم القرآن في كل يوم ختمة وثُلْث ختمة ، وإنه كان قبل أن يكتب أي حديث في صحيحه يغتسل ويصلي ركعتين !
وقولهم إنه كان أحفظ الناس، وكان لايكتب عندما يملي عليهم الأستاذ ، فسألوه فقال لهم: الآن أقرأ لكم ، فقرأ عليهم خمسة عشر ألف حديث عن ظهر قلبه ، فصححوا كتبهم عن حفظه ! أي قرأ عليهم سبع مجلدات، وهي خمسة أضعاف كتابه الصحيح، وقراءتها تحتاج الى500 ساعة ، بدون صلاة ولا طعام ولا نوم !
قال في طبقات الحنابلة (1/276):(سمعت حاشد بن إسماعيل يقول: كان أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري يختلف معنا إلى مشايخ الحديث في البصرة وهو غلام فلا يكتب حتى أتى على ذلك أيام ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 48 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فكنا نقول له إنك تختلف معنا ولا تكتب فما غناك فيما تصنع؟فقال لنا بعد ستة عشريوماً: إنكما قد أكثرتما عليَّ وألححتما فاعرضا علي ماكتبتما، فأخرجنا ماكان عندنا فزاد على خمسة عشرألف حديث، فقرأها كلها عن ظهرالقلب حتى جعلنا نحكم كتبنا على حفظه ، ثم قال: أترون أني اختلف هدراً وأضيع أيامي! فعرفنا أنه لا يتقدمه أحد ! وكان أهل المعرفة من أهل البصرة يَعْدُون خلفه في طلب الحديث وهو شاب حتى يغلبوه على نفسه، ويُجلسوه في بعض الطريق ، فيجتمع عليه ألوف أكثرهم ممن يُكتب عنه .وكان شاباً لم يخرج وجهه)!!
وقبل ابن حجر (تغليق التعليق :5/421)رواية أبي زيد المروزي قال: (كنت نائماً بين الركن والمقام فرأيت النبي(ص)فقال لي: يا أبا زيد إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولاتدرس كتابي؟فقلت: يا رسول الله وما كتابك؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل !
ثم قال ابن حجر: قلت: إسناد هذه الحكاية صحيح ، ورواتها ثقات أئمة).
ثم ذكرمنامات في البخاري ، منها: رأيت البخاري في المنام خلف النبي(ص) والنبي يمشي ، فكلما رفع النبي قدمه وضع أبوعبد الله قدمه في ذلك الموضع! ومنها: رأيت النبي في المنام فقال لي: أين تريد؟فقلت: أريد محمد بن إسماعيل البخاري. فقال: أقرئه مني السلام ).
ورأينا أن هذه المنامات ، بين مكذوب ، أو من تأير الإيحاء النفسي . هذا ، وستعرف عمل البخاري في الأحاديث ، وتلمس أنه مغرض متصنع !
* *

من غلوهم في كتاب البخاري

قال بعض الظرفاء: القرآن أصح كتاب بعد كتاب البخاري !

قال العيني(1/5): (اتفق علماء الشرق والغرب على أنه ليس بعد كتاب الله تعالى أصح من صحيحي البخاري ومسلم ، فرجح البعض منهم المغاربة صحيح مسلم على صحيح البخاري ، والجمهورعلى ترجيح البخاري على مسلم ، لأنه أكثر فوائد منه .وقال النسائي: ما في هذه الكتب أجود منه.).
وفي مقدمة فتح الباري/8 :(كتاباهما أصح الكتب بعد كتاب الله العزيز .وقال الشافعي:ما أعلم في الأرض كتاباً في العلم أكثر صواباً من كتاب مالك . وقال ابن الصلاح/20: (فإنما قال ذلك قبل وجود كتابي البخاري ومسلم).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 49 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال الجرجاني (تاريخ دمشق:52/74):
صحيح البخاري لو أنصفوه * لما خُطَّ إلا بماء الذهب
هو الفرق بين الهدي والعمى * هو السد بين الفتى والعطب
أسانيد مثل نجوم السماء * أمام متون كمثل الشهب
به قام ميزان دين النبي* ودان به العجم بعد العرب
حجاب من النار لا شك فيه * يميز بين الرضا والغضب
وستر رقيق إلى المصطفى * ونور مبين لكشف الريب
فياعالماً أجمع العالمون * على فضل رتبته في الرتب
سبقت الأئمة فيما جمعت * وفزت على رغمهم بالقصب
نفيت السقيم من الناقلين * ومن كان متهما بالكذب
وأثبت من عدلته الرواة * وصحت روايته في الكتب
وأبرزت في حسن تريبته * وتبويبه عجباً للعجب
فأعطاك ربك ما تشتهيه * وأجزل حظك فيما يهب
وخصك في عرصات الجنان * بنعم تدوم ولا تنقضب).
وقال شيخ الشريعة في القول الصراح/15، ملخصاً: (بالغ علماء العامة في الثناء على الصحيحين، وذكروا أنهما أصح الكتب بعد القرآن الكريم، وحكى جماعة منهم إجماع الأمة على صحة الأحاديث المودعة فيهما ، بل تعدى جماعة من محققيهم لإثبات كون أخبارهما مقطوعة الصدور عن سيد البشر صلى الله عليه وآله ، بل ذكروا تصحيح النبي صلى الله عليه وآله كتاب البخاري ، وإذنه في روايته عنه ، بل كتاب مسلم أيضاً !وقال السيوطي في تدريبه: قال إمام الحرمين: لو حلف إنسان بطلاق امرأة أن ما في الصحيحين مما حكما بصحته ، من قول النبي صلى الله عليه وآله ، لزمه الطلاق لإجماع المسلمين على صحته .
ثم حكى السيوطي عن النووي أنه قال : خالفه أي ابن الصلاح المحققون والأكثرون فقالوا : يفيد الظن ما لم يتواتر، وقال: تلقي الأمة بالقبول إنما أفاد وجوب العمل بما فيها من غير توقف على النظر فيه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 50 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بخلاف غيرهما فلا يعمل به حتى ينظر فيه ويوجد فيه شروط الصحيح .ولا يلزم من إجماع الأمة على العمل بما فيهما إجماعهم على القطع بأنه كلام النبي صلى الله عليه وآله.
وقد اشتد إنكار ابن برهان على من قال بقول الشيخ، وبالغ في تغليطه .
قال السيوطي: وكذا عاب ابن عبد السلام على ابن الصلاح هذا القول. قال البلقيني: ما قاله النووي وابن عبد السلام ومن تبعهما ممنوع ، فقد نقل بعض الحفاظ المتأخرين مثل قول ابن الصلاح ، عن جماعة من الشافعية كأبي إسحاق ، وأبي حامد الإسفراييني ، والقاضي أبي الطيب ، والشيخ أبي إسحاق الشيرازي ، وعن السرخسي من الحنفية ، والقاضي عبد الوهاب من المالكية ، وأبي يعلى، وابن الزعواني من الحنابلة ، وابن فورك ، وأكثر أهل الكلام من الأشعرية ، وأهل الحديث قاطبة ، ومذهب السلف عامة .
ثم قال السيوطي بعد أن نقل عن ابن تيمية وابن كثير موافقة ابن الصلاح . قلت: وهو الذي اختاره ولا أعتقد سواه ). يعني الجزم بأنه أقواله النبي صلى الله عليه وآله !
وقال الشيخ أبو زهرة في: الحديث والمحدثون، ملخصاً (1/296): (اختلاف العلماء في أن أحاديث الصحيحين ثابتة بالعلم ، أو الظن: قال الحافظ أبو عمرو بن الصلاح:جميع ما حكم مسلم بصحته في كتابه فهو مقطوع بصحته، وهكذا ما حكم البخاري بصحته في كتابه ، وذلك لأن الأمة تلقت الكتابين بالقبول سوى من لا يعتد بخلافه ووفاقه في الإجماع ويستثنى من ذلك أحاديث يسيرة ، تكلم عليها بعض أهل النقد من الحفاظ كالدارقطني .
وقد مال النووي إلى أن أحاديث الصحيحين التي لم تتواتر ثابتة بالظن لا بالعلم ، وتعقب ابن الصلاح في شرحه لمسلم ، فقال: وهذا الذي ذكره الشيخ خلاف ما قاله المحققون والأكثرون ، فإنهم قالوا: أحاديث الصحيحين التي ليست بمتواترة إنما تفيد الظن ، وتلقي الأمة بالقبول إنما أفادنا وجوب العمل بما فيهما ، فإن أخبار الآحاد يجب العمل بها ، إذا صحت أسانيدها ولا تفيد إلا الظن . فكذا الصحيحان .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 51 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد انحاز إلى كلٍّ طائفةٌ من العلماء ، ففريق يرجع كلام ابن الصلاح في أنها ثابتة عنه (ص)بطريق العلم النظري ، وفريق آخر يرجح كلام النووي في أنها ثابتة بطريق الظن .قال شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر:ما ذكره النووي مسلَّم من جهة الأكثرين ، أما المحققون فلا ، فقد وافق ابن الصلاح أيضاً محققون . وقال ابن كثير في الباعث الحثيث: وأنا مع ابن الصلاح فيما عول عليه ، وأرشد إليه ).
وقال الزركشي في النكت على مقدمة ابن الصلاح (1/278):(إن هذا الذي قاله المصنف قد أنكره عليه الشيخان أبو زكريا النووي وأبو محمد بن عبد السلام ، فقال النووي: خالف الشيخ المحققون والأكثرون وقالوا يفيد الظن ما لم يتواتر ، لأن أخبار الآحاد لا تفيد إلا الظن ، ولا يلزم من إجماع الأمة على العمل بما فيهما إجماعهم على أنه مقطوع به من كلام رسول الله (ص) ونقل عن ابن برهان الأصولي أنه أنكر القول بأن عمل الأمة بحديث يقتضي القطع به ، قال: والحق أن أحاديث الصحيحين تفيد الظن القوي واحتجاجه على ذلك بتلقي الأمة بالقبول والعمل به عند عدم المعارض يقتضي القطع ، فهذه الحجة لا تختص بالصحيحين وقد تلقت الأمة الكتب الخمسة أو الستة بالقبول ، وسيأتي نقل الإجماع في ذلك).

حشر في كتابه أقواله وأقوال آخرين فكانت بقدر أحاديثه !

قال في عمدة القاري (1/10):(أكثرَ البخاري من أحاديث وأقوال الصحابة وغيرهم، بغير إسناد ، فإن كان بصيغة جزم كقال ورويَ ونحوهما فهو حكم منه بصحته، وما كان بصيغة التمريض كروي ونحوه، فليس فيه حكم بصحته، ولكن ليس هو واهياً، إذ لو كان واهياً لما أدخله في صحيحه).
أقول: تبلغ هذه الأقوال والتعليقات أكثر من 1500فهي نصف أحاديثه ، واستعملها البخاري لتحديد الخط العقائدي ورد ما خالفه ، ولامستند لها من حديث النبي صلى الله عليه وآله ، وهذا من تدليساته ! لأنه خلط قوله وأقوالاً ارتضاها بالأحاديث التي أعطاها درجة صحة كالقرآن ! قال الشيخ عبد المحسن العباد في كتابه الإمام البخاري وكتابه الجامع الصحيح (مجلة الجامعة الإسلامية:1/41):
1 - عدد الأحاديث المرفوعة الموصولة بما فيها المكررة 7397 حديثاً
2 - عدد الأحاديث المرفوعة المعلقة بما فيها المكررة 1341 حديثاً
3 - عدد ما فيه من المتابعات والتنبيه على اختلاف الروايات 344 حديثاً .
4 - عدد ما فيه من الموصول والمعلق والمتابعات المرفوعة 9082 حديثاً
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 52 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
5 - عدد الأحاديث المرفوعة الموصولة بدون تكرار 2602 حديثاً.
6 - عدد الأحاديث المعلقة بدون تكرار 159 حديثاً
7 - عدد الأحاديث المرفوعة موصولة أو معلقة بدون تكرار2761 حديثاً,
وهذه الأعداد إنما هي في المرفوع خاصة دون ما في الكتاب من الموقوفات على الصحابة ، والمقطوعات عن التابعين ومن بعدهم ).
أما عدد كتب البخاري فهي97 كتاباً ، وعدد أبوابه 3882 باباً .
وقد أخذ الشيخ العباد هذه الأعداد من مقدمة فتح الباري/465و468و470.
ثم ذكر ابن حجر/474 عدد ما رواه عن كل واحد من الصحابة ، فكان سهم أبي هريرة أربع مائة وستة وأربعين حديثاً ، وعبد الله بن عمر مائتين وسبعين حديثاً وعائشة مائتين واثنين وأربعين حديثاً ،ولم يرو عن فاطمة الزهراء سيدة النساء عليها السلام إلا حديثاً واحداً ، ورى عن علي عليه السلام تسعة وعشرين حديثاً ، وروى عن عبد الله بن العباس نحواً من مأتين وسبعة عشر حديثاً ، وعن أبي موسى الأشعري سبعة وخمسين حديثاً .وتبلغ أحاديث عائشة أضعاف غيرها لطولها !

ملاحظتان

1. نعرف بذلك أن المادة التي قدمها البخاري أكثر من نصفها منه بلاسند! ومعناه أنه قدم أفكاره وآراءه قبل الحديث النبوي ، ومعه ، وبعده !
2. الأقوال التي حشرها هي توجيه للقارئ ليفهم الحديث النبوي كما يريده البخاري! فهو كمن يقدم شاعراً أوخطيباً، ويعلق قبله وبعده ، ليوجه السامع بما يريد !ومثال ذلك :ما كتبه في (1/20): باب قول النبي(ص) الدين النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ..وروى فيه حديثاً فيه النصح لكل مسلم ،وأثراً عن جرير قال: استعفوا لأميركم .ولم يرو حديثاً فيه النصيحة لأئمة المسلمين !
2.مؤلفات البخاري: الجامع الصحيح . التاريخ الكبير التاريخ الأوسط . التاريخ الصغير. الضعفاء الصغير. الأدب المفرد. تنوير العينين برفع اليدين في الصلاة . الكلام في القراءة خلف الإمام . خلق أفعال العباد .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 53 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال البخاري إنه بحفظ مائة ألف حديث صحيح، وقال كما ذكر القسطلاني: خرجته من ست مائة ألف حديث ، وصنفته في ست عشرة سنة، وما تركت من الصحيح أكثر . وهو يكرر الحديث ، ويجزؤه ، ويورده تحت أكثر من عنوان..
وفي الكتاب أحاديث معلقة ، والمعلق مشترك بين الصحيح والحسن والضعيف ، وعدد المعلقات واحد وأربعون وثلاث مائة وألف ، وصلها البخاري في مواقع أخرى ، ولم يصل منها مائة وستين حديثاً .
وقد اشترط البخاري في الحديث شروطاً مشددة ، فلا يكتفي مثلاً بالمعاصرة بين الراوي وشيخه ، بل لا بد أن يكون قد ثبت له لقاؤه به .
ومجموع الكتب في صحيحه: سبعة وتسعون كتاباً، في كل كتاب منها أبواب.
ولصحيح البخاري شروحٌ كثيرة ، ذكر صاحب كشف الظنون منها اثنين وثمانين شرحاً . وهي بين مطيل كالفيروزأبادي ت 817 هـ الذي سمى شرحه فتح الباري بالسيل الفسيح المجاري، وبين مختصركشرح الخطابي ت 388 هـ:أعلام السنن في جزء، وأشهر شروحه خمسة:
1 - فتح الباري في شرح صحيح البخاري، لابن حجر ت 852 هـ .
2 - عمدة القاري في شرح صحيح البخاري لمحمود العيني ت 855 هـ .
3 - التوشيح على الجامع الصحيح للسيوطي ت 911 هـ .
4 - إرشاد الساري في شرح صحيح البخاري للقسطلاني ت 923 هـ .
5 - تحفة الباري لشرح صحيح البخاري لزكريا الأنصاري ت 926 هـ .
وله مختصرات كثيرة أهمها: التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح للزبيدي ت 893 هـ ، وعليه شرح الشرقاوي وشرح صديق حسن خان ت 1307 هـ).
(المكتبة الإسلامية للدكتور عماد جمعة:1/101).
هذا ، وذكروا أن أحاديث الشيخين بدون تكرار:2980 حديثاً، ومجموع الأصول الخمسة: البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي:9180، حديثاً،أكثرها ضعيف. فتكون أحاديث الكافي16190،أضعاف أحاديث الأصول الخمسة كلها !

نسخة البخاري معلولة بالبياض والطرر والرقاع !

يكفي لسقوط كتاب البخاري عن الإعتبار العلمي، أن نسخته التي وصلتنا مسودة ناقصة، أكملها أشخاص!قال ابن حجر في مقدمة فتح الباري/6:(إبراهيم بن أحمد المستملي قال: انتسخت كتاب البخاري من أصله الذي كان عند صاحبه محمد بن يوسف الفربري ، فرأيت فيه أشياء لم تتم، وأشياء
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 54 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مبيضة، منها تراجم لم يثبت بعدها شيئاً، ومنها أحاديث لم يترجم لها، فأضفنا بعض ذلك إلى بعض! ومما يدل على صحة هذا القول أن رواية أبي إسحاق المستملي ورواية أبي محمد السرخسي، ورواية أبي الهيثم الكشمهيني، ورواية أبي زيد المروزي ، مختلفة بالتقديم والتأخير، مع أنهم انتسخوا من أصل واحد ! وإنما ذلك بحسب ما قدر كل واحد منهم فيما كان في طرة أو رقعة مضافة، أنه من موضع ما، فأضافه إليه! ويبين ذلك أنك تجد ترجمتين وأكثر من ذلك متصلة ليس بينها أحاديث!
قال الباجي: وإنما أوردت هذا هنا لما عني به أهل بلدنا من طلب معنى يجمع بين الترجمة والحديث الذي يليها، وتكلفهم من ذلك من تعسف التأويل مالايسوغ)
أقول: يقول لك الحافظ الباجي لايصح التعامل مع كتاب البخاري كنص متصل لأنه كان مسودة غيَّرتلاميذه فيه بالزيادة والنقصان ، والتقديم والتأخير، وتفاوتت أقدم النسخ له ! وعناوينه قد لاتنطبق على ماتحتها ، فلا معنى لتعسف المتعسفين ودعوى انطباق عناوينه على ما تحتها ! فأي اعتبار علمي يبقى له ؟!
أقول: الطرة ورقة أو رقعة طويلة ، ومنها الطرة لما طال من مقدم الشعر، قال الزمخشري(الفايق:3/117): (الطرة:القطعة المستطيلة من السحاب ، شبهت بطرة الثوب).فهي رقعة كبيرة . وكان في مسودة البخاري بياضات ، ومعها طرر ورقاع فاجتهد النساخ في إضافة ما أضافوه منها في أمكنته !
قال ابن حجر(6/88): (وكأنه وجد هذه الترجمة في الطرة خالية عن حديث فظن أن هذا موضعها)! وقال في (8/331): (كأنه استطرد من هذه لهذه أو كان في طرة فنقلها الناسخ إلى غير موضعها )!!
وقد اعترف ابن حجربعيوب نسخة البخاري ، لكنه كابر مع الأسف !فقال في فتح الباري(7/73): (قوله: باب مناقب أبي عبيدة بن الجراح. كذا أخَّر ذكره عن إخوانه من العشرة ، ولم أقف في شئ من نسخ البخاري على ترجمة لمناقب عبد الرحمن بن عوف ولا لسعيد بن زيد ، وهما من العشرة ، وإن كان قد أفرد ذكر إسلام سعيد بن زيد بترجمة ، في أوائل السيرة النبوية. وأظن ذلك من تصرف الناقلين لكتاب البخاري كما تقدم مراراً أنه ترك الكتاب مسودة ، فإن أسماء من ذكرهم هنا لم تقع فيهم مراعاة الأفضلية ولا السابقية ولا الأسنية ، وهذه جهات التقديم في الترتيب ، فلما لم يراع واحداً منها دل على أنه كتب كل ترجمة على حدة ، فضم بعض النقلة بعضها إلى بعض حسبما اتفق) !!
وقال في فتح الباري(6/108): (قوله:باب إذا حرق المشرك المسلم هل يحرق؟ أي جزاء بفعله. هذه الترجمة يليق أن تذكر قبل بابين ، فلعل تأخيرها من تصرف النقلة ، ويؤيد ذلك أنهما سقطا جميعاً
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 55 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
للنسفي ، وثبت عنده ترجمة: إذا حرق المشرك ، تلو ترجمة لايعذب بعذاب الله،وكأنه أشار بذلك إلى تخصيص النهي في قوله:لايعذب بعذاب الله بما إذا لم يكن ذلك على سبيل القصاص).
وقال في فتح الباري(7/328): (ويحتمل أن يكون موضع هذه المتابعة بعد حديث القاسم بن محمد عن صالح بن خوات ، فيكون متأخراً عنه ويكون تقديمه من بعض النقلة عن البخاري . ويؤيد ذلك ما ذكرته عن تاريخ البخاري فإنه بين في ذلك ، والله أعلم) .
وقال في فتح الباري (11/491): (وقال الكرماني:لامناسبة لهذا الحديث بالجزأين الأولين .. والأولى أنه لا يلزم أن يكون كل خبر في الباب يطابق جميع ما في الترجمة . ثم قال الكرماني: الظاهر أنه من تصرفات النقلة من أصل البخاري فإنه مات وفيه مواضع مبيضة من تراجم بلا حديث وأحاديث بلا ترجمة فأضافوا بعضاً إلى بعض! قلت: وهذا إنما يصار إليه إذا لم تتجه المناسبة ، وقد بينا توجيهها . والله أعلم).
وقال في فتح الباري(11/495): (الثاني حديث أنس في قصة أقراص الشعير وأكل القوم وهم سبعون أو ثمانون رجلاً حتى شبعوا . وقد مضى شرحه في علامات النبوة . والقصد منه قوله: فأمر بالخبز ففُتَّ وعصرت أم سليم عكة لها فأدَمته ، أي خلطت ما حصل من السمن بالخبز المفتوت . قال ابن المنير وغيره: مقصود البخاري الرد على من زعم أنه لايقال ائتدم إلا إذا أكل بما اصطبغ به قال . ومناسبته لحديث عائشة أنها أرادت نفي الإدام مطلقاً بقرينة ما هو معروف من شظف عيشهم فدخل فيه التمر وغيره . وقال الكرماني .. ويحتمل أن يكون إيراد هذا الحديث في هذه الترجمة من تصرف النقلة ).
وقال في فتح الباري(12/45): (وجرى الكرماني على ما وقع عند أبي نعيم فقال: هاهنا ثلاث تراجم متوالية والحديث ظاهر للثالثة ، وهي من ادعى أخاً أو ابن أخ. قال: وهذا يؤيد ما ذكروا أن البخاري ترجم لأبواب ، وأراد أن يلحق بها الأحاديث فلم يتفق له إتمام ذلك ، وكان أخلي بين كل ترجمتين بياضاً ، فضم النقلة بعض ذلك إلى بعض)!
وقال في فتح الباري(12/193): (وقد اعترض عليه الكرماني فقال: قوله في الترجمة: فلا دية له لا وجه له هنا ، وانما موضعه اللائق به الترجمة السابقة ، إذا مات في الزحام فلا دية له على المزاحمين..قال ولعله من تصرف النقلة بالتقديم والتأخير من نسخة الأصل .
وأما قول الكرماني بأن قول البخاري: فلا دية له ، يليق بترجمة من مات في الزحام ، فهو صحيح ، لكنه في ترجمة من قتل نفسه أليق ،لأن الخلاف فيمن مات في الزحام قوي ، فمن ثم لم يجزم في الترجمة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 56 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بنفي الدية بخلاف من قتل نفسه ، فإن الخلاف فيه ضعيف ، فجزم فيه بالنفي، وهو من محاسن تصرف البخاري ، فظهر أن النقلة لم يخالفوا تصرفه، وبالله التوفيق)
وقال في فتح الباري(12/307): (وأظنه وقع هنا تقديم وتأخير فإن الحديث وما بعده يتعلق بباب الهبة والشفعة ، ومن ثم قال الكرماني إنه من تصرف النقلة وقد وقع عند ابن بطال هنا باب بلاترجمة . ثم ذكرالحديث وما بعده..
ويحتمل أن يكون في الأصل بعد قصة ابن اللتبية (إسم شخص) باب بلا ترجمة فسقطت الترجمة فقط ، أو بيض لها في الأصل)!
أقول: إن اعتراف ابن حجر بشهادة الحفاظ بأن نسخة البخاري مختلة ، والموارد التي ذكرها لذلك ، حجة عليه تدين مكابرته بأن تراجمه فيها علم وسرٌّ إلهي،لأنه كتبها عند قبرالنبي صلى الله عليه وآله ،ولأن بعض الصوفية قال إنه ما قرئ في شدة إلا فرجت !
5. لما مات البخاري كان عمر الفربربي أربعاً وعشرين سنة:وهومحمد بن يوسف بن مطر بن صالح بن بشر الفربري، ولد سنة 231، وعاش نحو تسعين سنة الى سنة 320 هجرية (أنساب السمعاني:4/359 ).
وفَرْبَرْ: قرية قرب بخارى، بفتح الفاء والباء بمعنى الصحراء الواسعة والفربري مغالٍ بالبخاري ، وبعض قصصه عنه لايمكن تصديقها !
تقل عنه في (وفيات الأعيان(4/190) وسير الذهبي(12/398):(سمع صحيح البخاري تسعون ألف رجل ، فما بقي أحد يروي عنه غيري ) !
فنسخته هي الوحيدة ، ولو صح أنه سمعها معه تسعون ألفاً ، لرواها غيره !
قال الذهبي في سيره (12/444و453):(روى الخطيب بإسناده عن الفربري قال: رأيت النبي(ص) في النوم ، فقال لي: أين تريد ؟ فقلت: أريد محمد بن إسماعيل البخاري ، فقال: أقرئه مني السلام.
وقال محمد الوراق: دخل أبو عبد الله بفربر الحمام، وكنت أنا في مشلح الحمام أتعاهد عليه ثيابه، فلما خرج ناولته ثيابه فلبسها،ثم ناولته الخف فقال: مسست شيئاً فيه شعر النبي (ص)! فقلت: في أي موضع هو من الخف؟ فلم يخبرني! فتوهمت أنه في ساقه بين الظهارة والبطانة )!
يقصد البخاري أنه يحمل أثراً من شعر النبي صلى الله عليه وآله ، وقد خبأه في مكان محفوظ ، في نعاله ، بين جلد النعال وبطانته! وهذا أسلوب العوام الذين يدعون الكرامات !
6. عناوين البخاري أو تراجمه: فضيحة ذات قرون !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 57 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أ. عدد أحاديث البخاري سبعة آلاف ومائتان وخمسة وسبعون بالمكررة. وقال ابن الصلاح:بإسقاط المكرر أربعة آلاف. (مقدمة فتح الباري/465).
وعدد الكتب 91 كتاباً ، وعدد الأبواب 3882 باباً .
ب.والفضيحة ذات جلاجل أن أكثر عناوين البخاري لاتنطبق على معنوناتها ! فأنت مثلاً تفتح الكتاب فتقرأ في أوله: باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله (ص) وقول الله جل ذكره:إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ. حدثنا الحميدي قال:حدثنا سفيان قال:حدثنا يحيى بن سعيد الأنصاري قال: أخبرني محمد بن إبراهيم التيمي أنه سمع علقمة بن وقاص الليثي يقول: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه على المنبر قال: سمعت رسول الله (ص)يقول:إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ مانوى فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه).
فتسأل: وأي ربط لحديث عمر عن نية الهجرة ، بكيفية بدء الوحي؟!
الجواب: لا شيئ ، فهذا الحديث هنا كغريبة الإبل!
ثم تقرأ:حديثاً عن الحرث بن هشام، ثم حديثين عن عائشة.، ثم عن جابر، ثم عن ابن عباس في الموضوع . ثم تقرأ حديث أبي سفيان لما أرسل النبي صلى الله عليه وآله رسالة الى هرقل في السنة السادسة للهجرة ، فأحضرهرقل أبا سفيان وسأله عنه.
وليس له ربط ببدء الوحي ، فضلاً عن كيفيته !
ثم تقرأ: كتاب الإيمان ، ومعناه أن باب بدء الوحي قبله لم يكن باباً من كتاب ، بل هو باب وكتاب! ثم تقرأ تفسير آية ، ثم تقرأ: باب أمور الإيمان .فما الفرق بين كتاب الإيمان وباب أمور الإيمان؟ لا أحد يعلم ولا البخاري يعلم ، فهو كالعامي تستهويه العناوين! لأن أمور الإيمان أعم من ذات الإيمان ، فالباب أعم من كتابه !
ثم تقرأ:باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، وفيه حديث: المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، ثم تقرأ بعده:باب أيُّ الاسلام أفضل وفيه حديث: يا رسول الله أي الاسلام أفضل قال: من سلم المسلمون من لسانه ويده ، فما الفرق بينهما ، وهل يحتاج الثاني الى باب ؟!
وهكذا، يرافقك التعجب وتُطالعك الإشكالات برؤوسها من أول الكتاب الى آخره . فكم من الأبواب المتداخلة ، وكم مؤخر حقه التقديم وبالعكس ، وكم ما جعله باباً وليس بباب ، بل هو جزء من باب تقدم ، أو يأتي !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 58 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إنها غابة يتشابك فيها الشجر والنبات، ويتكرر المكرر، ويغيب ما يجب أن يحضر! ويحضر الغائب في غير محله ، ولا تشك وأنت تقرأ بأن المؤلف رغم جَوَلان ذهنه لم يرتب كتابه ، فهو مسودة أدركت مؤلفه الوفاة ، قبل أن يكمله وينقحه !
ج. ثم ترىالمتعصبين يفلسفون الخطأ بال