المعجم الموضوعي لأحاديث الإمام المهدي (عج)ـ

بسم الله الرحمن الرحيم
المعجم الموضوعي لأحاديث الإمام المهدي عليه السلام
علي الكوراني العاملي
الطبعة السابعة - مزيدة ومنقحة 1436

مقدمة الطبعة الخامسة

بسْـمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمْ
الحمد لله رب العالمين، وأفضلُ الصلاة وأتم السلام على سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين، سيما خاتم الأوصياء، موعود الأنبياء، منتظر الأجيال والأمم، مذخور الله لإصلاح العالم، الإمام المهدي المنتظر، روحي فداه.
وبعد، فقد لاقى هذا الكتاب قبولاً من العلماء والباحثين وعامة الناس، والحمد لله.
وفي هذه المدة توفقت لتدقيقه وتنقيحه، فأعدت كتابة بعض فصوله، كفصل الدجال، وفصل الأتراك، وفصل مصر.
ثم دققت دلالة أحاديثه وكثيراً من أسانيدها، وأماكن ذكر النص كاملاً، أو ذكر الشاهد منه، والإشارة الى مواضعه في أماكن أخرى.
كما خففت من المصادر المتعددة للنص الواحد، مكتفياً بأهمها خاصة الأصلية، كما اكتفيت بنماذج من الأدعية للإمام عليه السلام وزياراته، لأنها توجد في الكتب المختصة.
ثم اخترت لهذه الطبعة حرفاً مناسباً وإخراجاً أجمل، شبيهاً بنقد مفردات الراغب.
وينبغي أن ألفتُ الى أني أوردتُ الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله كاملةً، وإن كانت في المصدر الذي نقلت منه ناقصة، فإن عدداً من المؤلفين السنيين كالحاكم يُصَلُّونها تامةً ولا يبترونها، فيقولون: صلى الله عليه وآله. كما وردت تامة في الأصول المخطوطة لعدد من مصادرهم، لكن الناشرين حذفوا «وآله» وجعلوا بدلها «وسلم»!
أسأل الله العلي العظيم برحمته أن يصلي على رسوله وآله الأطهار، لاسيما خاتمهم الإمام المهديّ الموعودُ، وأن يتقبل هذا العمل في خدمة دينه، وتوعية المسلمين على بشارة نبيهم صلى الله عليه وآله بمهديهم الموعود عجل الله تعالى فرجه الشريف ، وهو ولي التوفيق.
كتبه: علي الكَوْراني العاملي
قم المشرفة - غرة ذي القعدة الحرام 1436 للهجرة

الفصل الأول: الأئمة المضلون، الخطر الأكبر على الأمة..

1- الخطر على الأمة هم الأئمة المضلون وليس الدجال!

يوجد عددٌ من الأحاديث النبوية لايحبها رواة الخلافة القرشية أبداً، رغم أنها صحيحة ومتواترة، ومنها أحاديث التحذير من الأئمة المضلين، وقد نص بعضها على أن الأمة تُبتلى بهم بعد النبي صلى الله عليه وآله ، وأن فتنتهم تستمر حتى يبعث الله المهدي عليه السلام ! فقد روى أحمد:4/123، عن شداد بن أوس أن النبي صلى الله عليه وآله قال: «إن الله عز وجل زَوَى لي الأرض «جَمَعَها» حتى رأيت مشارقها ومغاربها، وإن مُلك أمتي سيبلغ ما زُوِيَ لي منها، وإني أعطيت الكنزين الأبيض والأحمر، وإني سألت ربي عز وجل أن لا يُهلك أمتي بِسِنةٍ بعامة، وأن لا يُسلّط عليهم عدواً فيهلكهم بعامة، وأن لا يُلبسهم شيعاً، ولا يُذيق بعضهم بأس بعض. قال: يا محمد إني إذا قضيت قضاءً فإنه لايُرد، وإني قد أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة بعامة، ولا أسلِّط عليهم عدواً ممن سواهم فيهلكوهم بعامة، حتى يكون بعضهم يُهلك بعضاً، وبعضهم يقتل بعضاً، وبعضهم يسبي بعضاً! قال: وقال النبي صلى الله عليه وآله : وإني لا أخاف على أمتي إلا الأئمة المضلين، فإذا وضع السيف في أمتي لم يرفع عنهم إلى يوم القيامة»!
وروى نحوه «5/278» عن ثوبان. ورواه أبو داود: 4/97، والترمذي: 4/410، وصححه. والبيهقي: 9/181. والألباني: 7/2، أوله. ومجمع الزوائد: 5/239، آخره بلفظ أحمد. وزاد فيه ابن ماجة «2/1304»: «وستعبد قبائل من أمتي الأوثان، وستلحق قبائل من أمتي بالمشركين. وإن بين يدي الساعة دجالين كذابين، قريباً من ثلاثين كلهم يزعم أنه نبي. ولن تزال طائفة من أمتي على الحق منصورين لايضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله عز وجل». وقال عنه ابن ماجة: ما أهْوَله!
وروى ابن أبي شيبة:8/653، عن علي قال: «كنا عند النبي صلى الله عليه وآله جلوساً وهو نائم فذكرنا الدجال، فاستيقظ مُحْمَرّاً وجهُهُ فقال: غيرُ الدجال أخوف عليكم عندي من الدجال: أئمةٌ مضلون». وفي رواية أحمد: 5/389، عن حذيفة: «ذُكر الدجال عند رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: لأنا لفتنة بعضكم أخوف عندي من فتنة الدجال».
وصححه في مجمع الزوائد: 7/335. ونحوه الفردوس: 3/131، وفي هامشه: قال الإمام العراقي: روى أحمد عن أبي ذر بإسناد جيد: «لأنا من غير الدجال أخوف عليكم من الدجال، فقيل: وما ذلك؟ قال: من الأئمة المضلين».
وروى أحمد: 5/145، عن أبي ذر قال: «كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: لَغَيْرُ الدجال أخوفني على أمتي، قالها ثلاثاً، قال: قلت: يا رسول الله ما هذا الذي غير الدجال أخوفك على أمتك؟ قال: أئمة مضلون».
وروى أحمد: 1/98، عن علي رضي الله عنه قال: «ذكرنا الدجال عند النبي صلى الله عليه وآله وهو نائم فاستيقظ مُحْمَرَّاً لونه فقال: غير ذلك أخوف لي عليكم. ذكر كلمة»!
وقد خاف الراوي أن يذكر الكلمة فتنطبق على حكام عصره!
وفي صحيحة الألباني: 2/271ح54، عن شداد بن أوس: «قال رسول الله صلى الله عليه وآله : من أخوفُ ما أخاف على أمتي أئمة مضلون. إذا وضع السيف لم يرفع الى يوم القيامة».
وفي سبل الهدى: 10/138: «أبو يعلى وابن حبان، عن أبي سعيد وأبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: ليأتينَّ على الناس زمانٌ يكون عليهم أمراءُ سفهاء، يقدمون شرار الناس ويظاهرون بخيارهم، ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها، فمن أدرك ذلك منكم فلا يكونن عريفاً ولا شرطياً ولاجابياً ولا خازناً.. وروى أحمد بن منيع برجال ثقات، وابن أبي شيبة، وأبو يعلى، عن أبي هريرة: «قال رسول الله صلى الله عليه وآله : تعوذوا بالله من رأس السبعين ومن أمارة الصبيان. وروى عن ابن عباس ووثقه: قال رسول الله صلى الله عليه وآله : يكون عليكم أمراء، هم شرٌّ من المجوس».
وفي حلية الأولياء: 7/69: «عن سفيان: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لسلمان: إن طعام أمرائي بعدي مثل طعام الدجال، إذا أكله الرجل انقلب قلبه».
أقول: وردت كلمة المضلين في أحاديث منصوبة وحقها الرفع، ويصح نصبها تأكيداً بتقدير: أعني

2- الأئمة المضلون يسفكون دماء العترة والأمة

أخبر النبي صلى الله عليه وآله في أحاديثه عن الأئمة المضلين بأنهم سيسفكون دماء عترته عليهم السلام ، لكن أتباع الحكام المضلين حذفوا أحاديث ظلمهم لأهل بيت النبي صلى الله عليه وآله !
ففي أمالي الطوسي: 2/126، وفي طبعة /512، عن الحضرمي قال: «سمعت علياً عليه السلام يقول: كنا جلوساً عند النبي صلى الله عليه وآله وهو نائم ورأسه في حجري، فتذاكرنا الدجال، فاستيقظ النبي مُحْمَرّاً وجهه، فقال: غير الدجال أخوف عليكم من الدجال: الأئمة المضلون، وسفك دماء عترتي من بعدي، أنا حربٌ لمن حاربهم، وسلمٌ لمن سالمهم».
وفي أمالي الطوسي /65، وأمالي المفيد /288، عن علي عليه السلام قال: «لما نزلت على النبي صلى الله عليه وآله : إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ، قال لي: يا عليُّ لقد جاء نصر الله والفتح، فإذا رأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان تواباً. يا علي، إن الله تعالى قد كتب على المؤمنين الجهاد في الفتنة من بعدي، كما كتب عليهم جهاد المشركين معي. فقلت: يا رسول الله وما الفتنة التي كتب علينا فيها الجهاد؟ قال: فتنة قوم يشهدون أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ، وهم مخالفون لسنتي وطاعنون في ديني! فقلت: فعلى مَ نقاتلهم يا رسول الله ، وهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله ؟ فقال: على إحداثهم في دينهم وفراقهم لأمري، واستحلالهم دماء عترتي. قال: فقلت: يا رسول الله ، إنك كنت وعدتني الشهادة، فسلِ الله تعجيلها لي. فقال: أجل قد كنت وعدتك الشهادة، فكيف صبرك إذا خُضبت هذه من هذا ؟ وأومى إلى رأسي ولحيتي، فقلت: يا رسول الله أمَّا إذا بَيَّنْتَ لي ما بينت، فليس هذا بموطن صبر، لكنه موطن بشرى وشكر! فقال: أجل فأعدَّ للخصومة، فإنك تخاصم أمتي. قلت: يا رسول الله أرشدني الى الفَلَج. قال: إذا رأيت قوماً قد عدلوا عن الهدى إلى الضلال فخاصمهم، فإن الهدى من الله والضلال من الشيطان. يا عليُّ إن الهدى هو اتَّباع أمر الله دون الهوى والرأي. وكأنك بقوم قد تأولوا القرآن وأخذوا بالشبهات، واستحلوا الخمر بالنبيذ، والبخس بالزكاة، والسحت بالهدية! قلت: يا رسول الله فما هم إذا فعلوا ذلك، أهم أهل ردة أم أهل فتنة؟ قال: هم أهل فتنة يعمهون فيها إلى أن يدركهم العدل! فقلت: يا رسول الله ، العدل منا أم من غيرنا؟ فقال: بل منا، بنا يفتح الله وبنا يختم، وبنا ألف الله بين القلوب بعد الشرك، وبنا يؤلف الله بين القلوب بعد الفتنة.فقلت: الحمد لله على ما وهب لنا من فضله».
أقول: روت مصادرهم جزءً من حديث أمالي المفيد والطوسي، وحذفوا منه ذكر الأئمة المضلين، على عادة رواة السلطة في تغييب ذم النبي صلى الله عليه وآله للحكام بعده!
فقد روى الحاكم: 3/149، عن أبي هريرة قال: «نظر النبي صلى الله عليه وآله إلى علي وفاطمة والحسن والحسين فقال: أنا حربٌ لمن حاربكم وسلم لمن سالمكم».وصححه، واستشهد له بحديث مشابه عن زيد بن أرقم، وفيه: «أنا حربٌ لمن حاربتم وسلمٌ لمن سالمتم». كما رووه عن زيد بن أرقم، والخدري، وأم سلمة وغيرهم، وأن النبي صلى الله عليه وآله كرره عندما نزلت آية التطهير، فكان أربعين صباحاً يذهب الى باب دار علي ويقرأ الآية، ويقول هذا الكلام.
كما رووا أنه صلى الله عليه وآله قاله في حيٍّ في المدينة، وفي مناسبات أخرى، وفي مرض وفاته، كما في أحمد: 2/442، وابن ماجة:1/52، والترمذي:5/360، والزوائد:9/169، وابن ابي شيبة:7/512، ولمحاملي /447، وابن حبان:15/434، وأوسط الطبراني:3/179، و:5/182، و:7 /197، والأصغر:2 /3، والأكبر:3/40، و:5/184، وفضائل سيدة النساء لعمر بن شاهين/29، وتفسير الثعلبي:8 /311، وشواهد التنزيل:2/44، وتاريخ بغداد:7/144، وتاريخ دمشق:13/218، و:14/144، وسير الذهبي:2 /122.

3- محاولات تبرئة الصحابة من صفة المضلين

أحمد:1/458، عن ابن مسعود، قال رسول الله صلى الله عليه وآله : «ما من نبي بعثه الله عز وجل في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تُخْلَفُ من بعدهم خلوفٌ يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون».
ونحوه في أحمد:1/461، عن ابن مسعود، ومسلم:1 /51، وفيه: «قال أبو رافع: فحدثت عبد الله بن عمر فأنكره عليَّ، فقدم ابن مسعود فنزل بقناة فاستتبعني إليه عبد الله بن عمر يعوده فانطلقت معه، فلما جلسنا سألت ابن مسعود عن هذا الحديث، فحدثنيه كما حدثته ابن عمر».
والحواريون والحواري: الأصحاب الخاصون. والخُلوف: جمع خليفة، أي أجيال.
وروى الطبراني الكبير:22/362، و373: «ستكون عليكم أئمة يملكون أرزاقكم، يحدثونكم فيكذبونكم، ويعملون ويسيئون العمل، لا يرضون منكم حتى تُحَسِّنُوا قبيحهم وتصدقوا كذبهم، فأعطوهم الحق ما رضوا به، فإذا تجاوزوا، فمن قتل على ذلك فهو شهيد».
وفي الطبراني الكبير:22/375، عن الصدفي أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: «سيكون من بعدي خلفاء، ومن بعد الخلفاء أمراء، ومن بعد الأمراء ملوك، ومن بعد الملوك جبابرة، ثم يخرج رجل من أهل بيتي يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً». انتهى.
أقول: لا يمكن إبعاد أحاديث الأئمة المضلين عن الصحابة، لأن البخاري روى في صحيحه «7/208» أحاديث الحوض التي نصت على أن أكثر الصحابة ينحرفون بعد النبي صلى الله عليه وآله فيدخلون النار ولا ينجو منهم إلا أفراد! قال صلى الله عليه وآله : «بينا أنا قائمٌ فإذا زمرةٌ حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلمَّ، فقلت أين؟ قال إلى النار والله! قلت: وما شأنهم؟! قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى! ثم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلمَّ! قلت: أين؟ قال: إلى النار والله! قلت: ما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى فلا أراه يخلص منهم إلا مثلُ هَمَل النعم».
هذا، وقد تدخلت السلطة في أحاديث الخروج على المضلين فتناقض رواتها، فبعضهم روى النهي عن الخروج عليهم مهما ظلموا، وبعضهم روى الأمر بالخروج حتى الشهادة، وبعضهم روى النهي عن الخروج ما أقاموا الصلاة.. الخ.

4- إن أطعتموهم أضلوكم وإن عصيتموهم قتلوكم!

روى الطبراني، الكبير:8/176، عن أبي أمامة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: «لستُ أخاف على أمتي جوعاً يقتلهم، ولا عدواً يجتاحهم «يستأصلهم» ولكني أخاف على أمتي أئمة مضلين،إن أطاعوهم فتنوهم «أضلوهم» وإن عصوهم قتلوهم».
وفي الطبراني الصغير:1/264: عن معاذ أن النبي صلى الله عليه وآله قال: «خذوا العطاء ما دام عطاء، فإذا صار رشوةً على الدين فلا تأخذوه، ولستم بتاركيه، يمنعكم الفقر والحاجة! ألا إن رحى بني مرح قد دارت، وقد قتل بنو مرح. ألا إن رحى الإسلام دائرة فدوروا مع الكتاب حيث دار. ألا إن الكتاب والسلطان سيفترقان فلا تفارقوا الكتاب. ألا إنه سيكون أمراء [يقضون لأنفسهم ما لا] يقضون لكم فإن أطعتموهم أضلوكم، وإن عصيتموهم قتلوكم! قال: يا رسول الله فكيف نصنع؟ قال كما صنع أصحاب عيسى بن مريم نُشِّروا بالمناشير وحُملوا على الخشب! موتٌ في طاعة الله خير من حياة في معصية الله عز وجل».
والمطالب العالية:4/267، كالطبراني بتفاوت يسير، والدر المنثور:2/300، ووثقه مجمع الزوائد:5/227. وبنو مرح: أهل الفرح والزهو، كناية عن المشـركين. وافتراق السلطان والقرآن: يعني أن الحكام سيحكمون بغير ما أنزل الله تعالى، كما حصل.
وفي مصنف عبد الرزاق:11/329: «إنها ستكون عليكم أمراء يتركون بعض ما أمروا به، فمن ناواهم نجا ومن كره سلم أو كاد يسلم، ومن خالطهم في ذلك هلك أو كاد يهلك». وفي عبد الرزاق:11/330: عن الحسن البصري بنحوه، وفيه: «قالوا: أفلا نقاتلهم يا رسول الله ؟قال: لا، ما صلوا».
ونحوه ابن أبي شيبة:15/71، و/243، عن أم سلمة، والترمذي:4/529، وصححه، كرواية ابن أبي شيبة الأولى بتفاوت يسير، وفيه: سيكون عليكم أئمة. ورواه الطبراني في الكبير:11/39، كرواية ابن أبي شيبة الثانية بتفاوت يسير. ونحوه البيهقي:8/157، عن أبي هريرة. ومثله الطبراني الأوسط:5/374، والبزار:6/61، وفيه: «قالت يا رسول الله أو لانقتلهم؟ قال: لا، ما أقاموا الصلاة». ومثله الطبراني الأوسط:1/252، ومسند الشاميين:1/371، وأبو يعلى:10/308.

5- تطبيق أميرالمؤمنين عليه السلام للأئمة المضلين

في نهج البلاغة:2/188:«ومن كلام له عليه السلام وقد سأله سائل عن أحاديث البدع، وعما في أيدي الناس من اختلاف الخبر؟ فقال عليه السلام : إن في أيدي الناس حقاً وباطلاً، وصدقاً وكذباً، وناسخاً ومنسوخاً، وعاماً وخاصاً، ومحكماً ومتشابهاً، وحفظاً ووهماً. ولقد كُذب على رسول الله على عهده حتى قام خطيباً فقال: من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار! وإنما أتاك بالحديث أربعة رجال ليس لهم خامس:رجلٌ منافق مظهر للإيمان متصنعٌ بالإسلام لايتأثم ولا يتحرج، يكذب على رسول الله متعمداً! فلو علم الناس أنه منافق كاذب لم يقبلوا منه ولم يصدقوا قوله، ولكنهم قالوا صاحب رسول الله رأى وسمع منه ولقف عنه، فيأخذون بقوله! وقد أخبرك الله عن المنافقين بما أخبرك، ووصفهم بما وصفهم به لك، ثم بقوا بعده عليه وآله السلام فتقربوا إلى أئمة الضلالة والدعاة إلى النار، بالزور والبهتان فولَّوْهم الأعمال، وجعلوهم حكاماً على رقاب الناس وأكلوا بهم الدنيا! وإنما الناس مع الملوك والدنيا إلا من عصم الله، فهو أحد الأربعة..». ورواه في الكافي:1/62.
وفي الكافي:8/62: عن أميرالمؤمنين عليه السلام يشكو حال الأمة، قال: «قد عملت الولاة قبلي أعمالاً خالفوا فيها رسول الله صلى الله عليه وآله متعمدين لخلافه، ناقضين لعهده، مغيرين لسنته! ولو حَمَلْتُ الناس على تركها وحوَّلتها إلى مواضعها وإلى ما كانت في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله لتفرق عني جندي...والله لقد أمرت الناس أن لا يجتمعوا في شهر رمضان إلا في فريضة، وأعلمتهم أن اجتماعهم في النوافل بدعة، فتنادى بعض أهل عسكري ممن يقاتل معي: يا أهل الإسلام غُيِّرت سنة عمر، ينهانا عن الصلاة في شهر رمضان تطوعاً! ولقد خفت أن يثوروا في جانب عسكري! ما لقيتُ من هذه الأمة من الفرقة، وطاعة أئمة الضلالة، والدعاة إلى النار»!

6- تطبيق عُبَادَة بن الصامت للأئمة المضلين

روى ابن أبي شيبة:8 /696: «أقبل عُبَادَة بن الصامت حاجاً من الشام فقدم المدينة فأتى عثمان بن عفان فقال: يا عثمان ألا أخبرك شيئاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ قال: بلى، قال: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: ستكون عليكم أمراء يأمرونكم بما تعرفون، ويعملون ما تنكرون، فليس لأولئك عليكم طاعة»!
و في المستدرك:3/357:«ستكون عليكم أمراء يأمرونكم بما تعرفون ويعملون ما تنكرون فليس لأولئك عليكم طاعة. فلا تُعْتِبوا أنفسكم. فوالذي نفسي بيده إن معاوية من أولئك! فما راجعه عثمان حرفاً». وصححه الحاكم على شرط الشيخين، وذكر أن عبادة جاء متظلماً، المستدرك: 3 /357، ونحوه أحمد:5/329.
وفي مسند الشاشي:3/172، عن رفاعة: «أن عُبَادَة بن الصامت مرت عليه قَطَارة وهو بالشام تحمل الخمر فقال: ما هذه؟ أزَيْتٌ؟ قيل: لا بل خمر تباع لفلان «معاوية»! فأخذ شفرةً من السوق فقام إليها ولم يذر منها راويةً إلا بقرها، وأبو هريرة إذ ذاك بالشام، فأرسل فلان إلى أبي هريرة فقال: ألا تمسك عنا أخاك عُبَادَة بن الصامت! أما بالغدوات فيغدو إلى السوق فيفسد على أهل الذمة متاجرهم، وأما بالعشي فيقعد بالمسجد ليس له عمل إلا شتم أعراضنا وعيبنا، فأمسك عنا أخاك.
فأقبل أبو هريرة يمشي حتى دخل على عبادة فقال: يا عبادة مالك ولمعاوية؟ ذَرْهُ وما حمل، فإن الله يقول: تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ. قال: يا أبا هريرة لم تكن معنا إذ بايعنا رسول الله صلى الله عليه وآله ، بايعناه على السمع والطاعة في النشاط والكسل، وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن نقول في الله لا تأخذنا في الله لومة لائم، وعلى أن ننصره إذا قدم علينا يثرب فنمنعه ما نمنع منه أنفسنا وأزواجنا وأهلنا، ولنا الجنة، ومن وفى وفى الله له الجنة بما بايع عليه رسول الله صلى الله عليه وآله ، ومن نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ!
فلم يكلمه أبو هريرة بشئ. فكتب فلان إلى عثمان بالمدينة أنَّ عُبَادَة بن الصامت قد أفسد عليَّ الشام، فإما أن يكف عنا عُبَادَة بن الصامت وإما أن أخلي بينه وبين الشام.
فكتب عثمان إلى فلان: أرْحِلْهُ الى داره من المدينة، فبعث به فلان حتى قدم المدينة، فدخل على عثمان الدار وليس فيها إلا رجل من السابقين يعينه، فلم يهم عثمان به إلا وهو قاعد في جانب الدار، فالتفت إليه فقال: ما لنا ولك يا عبادة؟ فقام عبادة قائماً وانتصب لهم في الدارفقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله أبا القاسم يقول: سيلي أموركم من بعدي رجال يعرفونكم ما تنكرون، وينكرون عليكم ما تعرفون، فلا طاعة لمن عصى الله، فلا تضلوا بربكم، فو الذي نفس عبادة بيده إن فلاناً لمن أولئك! فما راجعه عثمان بحرف»! ورواه الطبراني في مسند الشاميين:2/282، عن ابن عمرو مختصـراً، وصححه الألباني: 2/138، والذهبي في سيره:2/9، وفيه: فكتب إليه أن رحِّل عبادة حتى ترجعه إلى داره بالمدينة. راجع إنكار عبادة على معاوية في المجلد الثاني من جواهر التاريخ.

7- نص النبي صلى الله عليه وآله على أن من صحابته أئمة مضلون!

روى عبد الرزاق:11/345، أن النبي صلى الله عليه وآله قال لكعب بن عجرة:«أعاذك الله يا كعب بن عجرة من أمارة السفهاء، قال: وما أمارة السفهاء؟ قال: أمراء يكونون بعدي لايهتدون بهديي ولايستنون بسنتي، فمن صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فأولئك ليسوا مني ولست منهم، ولايَرِدِون عليَّ حوضي. ومن لم يصدقهم على كذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فأولئك مني وأنا منهم، وسَيَرِدُونَ عليَّ حوضي. ياكعب بن عجرة: الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة، والصلاة قربان. ياكعب بن عجرة: إنه لايدخل الجنة لحم نبت من سحت أبداً، النار أولى به. يا كعب بن عجرة:الناس غاديان: فمبتاع نفسه فمعتقها، أو بائعها فموبقها». ومثله أحمد:3/231. وقوله صلى الله عليه وآله : لايردون عليَّ الحوض، أي لايسقون منه ولا يدخلون الجنة. والجُنَّة: الحجاب من النار. والسُّحت: المال الحرام. والغادي: السائر في صبح النهار.
وفي مسند أحمد:5/111، عن خباب قال: «إنا لقعودٌ على باب رسول الله ننتظرأن يخرج لصلاة الظهر، إذ خرج علينا فقال: إسمعوا، فقلنا: سمعنا، ثم قال: إسمعوا، فقلنا: سمعنا، فقال: إنه سيكون عليكم أمراء فلا تعينوهم على ظلمهم، فمن صدقهم بكذبهم فلن يَرِدَ عليَّ الحوض». وروى نحوه «5/384» عن حذيفة، وفيه: «فمن صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منهم ولا يرد عليَّ الحوض».
ونحوه في:6/395، وأوسع منه في:4/243: عن كعب بن عجرة، قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وآله أو دخل ونحن تسعة وبيننا وسادة من أدم فقال... وفي:4/267، عن النعمان بن بشير قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وآله ونحن في المسجد بعد صلاة العشاء، فرفع بصره إلى السماء ثم خفض حتى ظننا أنه قد حدث في السماء شئ، فقال: ألا إنه سيكون بعدي أمراء يكذبون ويظلمون فمن صدقهم بكذبهم ومالأهم على ظلمهم فليس مني ولا أنا منه.الخ.
وفي مسند ابن المبارك/163، عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وآله : ستكون أمراء يغشاهم غواش أو حواش من الناس يظلمون ويكذبون، فمن أعانهم على ظلمهم وصدقهم بكذبهم فليس مني..الخ.
ونحوه الترمذي:2/512، عن ابن عجرة. وفي:2/137، بعضه، عن جابر بن عبد الله، وعن ابن عمر، قال: خرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وآله ونحن أربعة من العرب وخمسة من الموالي، فقال: هل سمعتم أنه سيكون بعدي أمراء فمن أعانهم على ظلمهم وصدقهم بكذبهم وغشى أبوابهم... ونحوه صحيح ابن حبان:5/9.
وفي الطبراني الكبير«3/135» عن ابن عَجْرة قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وآله ونحن تسعة، خمسة من العرب وأربعة من العجم فقال: اسمعوا، أما سمعتم أنه سيكون بعدي أمراء فمن دخل عليهم فصدقهم بكذبهم.
ونحوه المسند الجامع:10/749، عن ابن عمر، والحاكم:1/78، عن خباب، وفي:4/126، كما في عبد الرزاق وصححه، وتاريخ بغداد:5/361. وفي الزوائد: 5/248: أحمد والبزار، وأحد أسانيد البزار رجاله الصحيح، ورجال أحمد كذلك..الخ.
وروى مسلم:6 /20، أنهم يكونون بعد النبي صلى الله عليه وآله مباشرة! «عن حذيفة: قلت: يا رسول الله إنّا كنا بِشَرٍّ فجاء الله بخير فنحن فيه، فهل من وراء هذا الخير شرٌّ؟ قال: نعم. قلت هل وراء ذلك الشر خيرٌ؟قال: نعم! قلت: فهل وراء ذلك الخير شر؟ قال: نعم. قلت كيف؟ قال: يكون بعدي أئمة لايهتدون بهداي ولايستنون بسنتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان الآدميين! قال قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ قال: تسمع وتطيع للأمير، وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك، فاسمع وأطع».

8- وقال عمر إن النبي أسرَّ اليه كلاماً عن الأئمة المضلين!

مسند أحمد:1/42: قال عمر لكعب: «إني أسألك عن أمر فلا تكتمني! قال: والله لا أكتمك شيئاً أعلمه، قال: ما أخوف شئ تخوفه على أمة محمد؟ قال: أئمة مضلين. قال عمر: صدقت قد أسر ذلك إليَّ وأعلمنيه رسول الله ».
وفي الزوائد:5/239: رواه أحمد ورجاله ثقات. وفي مسند الشاميين:2/97: «عن عمر قال: أسرَّ إليَّ رسول الله فقال: إن أخوف ما أخاف على أمتي أئمة مضلين! قال كعب: فقلت: والله ما أخاف على هذه الأمة غيرهم».

9- وجاء النبي صلى الله عليه وآله الى بيت عمر مرة وحيدة!

في حلية الأولياء:5/119، عن عمر بن الخطاب قال: «أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله بلحيتي وأنا أعرف الحزن في وجهه، فقال: إنا لله وإنا اليه راجعون! أتاني جبريل آنفاً فقال لي: إنا لله وإنا اليه راجعون! فقلت: أجل إنا لله وإنا اليه راجعون، فمِمَّ ذاك يا جبريل؟ فقال: إن أمتك مفتتنة بعدك بقليل من دهر، غير كثير! فقلت: فتنة كفر أو فتنة ضلالة؟ فقال: كلٌّ سيكون! فقلت: ومن أين وأنت تاركٌ فيهم كتاب الله؟! قال: فبكتاب الله يفتنون، وذلك من قبل أمرائهم وقرائهم! يمنع الناسَ الأمراءُ الحقوق فيظلمون حقوقهم ولا يعطونها، فيقتتلون ويفتتنون. ويتَّبع القراء أهواء الأمراء فيمدونهم في الغي ثم لا يقصرون! فقلت: كيف يسلم من سلم منهم؟ قال: بالكف والصبر. إن أعطوا الذي لهم أخذوه، وإن منعوه تركوه».
وفي الدر المنثور:3/155: «وأخرج الحكيم الترمذي عن عمر بن الخطاب قال: أتاني رسول الله صلى الله عليه وآله وأنا أعرف الحزن في وجهه فأخذ بلحيتي فقال..الخ. ورواه في الجليس الصالح/599، والمعرفة والتاريخ/580.
ولم يُرْوَ أن النبي صلى الله عليه وآله ذهب الى بيت عمر أبداً، غير تلك المرة!

10- سبب ابتلاء الأمة بهؤلاء الأئمة المضلين

سببه أن الأمة خالفت أمر نبيها صلى الله عليه وآله ورفضت أعظم عرض قدمه نبيٌّ لأمته!
فقد أحضرهم في مرض وفاته وعرض عليهم أن يكتب لهم عهداً يؤمِّنهم من الضلال الى يوم القيامة، ويجعلهم سادة العالم الى يوم القيامة! فأحسَّت قريش أنه يريد أن يكتب ولاية علي والعترة عليهم السلام رسمياً، ويأخذ منهم إقراراً والتزاماً بالطاعة. فقام عمر وواجه النبي صلى الله عليه وآله قائلاً لا حاجة لنا بعهدك، كتاب الله يكفينا! وصاح الطلقاء القرشيون مؤيدين لعمر: القول ما قاله عمر، القول ما قاله عمر! حسبنا كتاب الله. لا تقربوا له شيئاً، ولا يكتب شيئاً، وقالوا كلمة الكفر: إن نبيكم يهجر! وعلا صياحهم ولغطوا! فصاح بعض الصحابة وبعض نساء النبي صلى الله عليه وآله : قربوا له يكتب لكم! فقالوا: لا تُقَربوا له شيئاً، إستفهموه، إنه يهجر! وكانوا مستعدين إذا أصرَّ النبي صلى الله عليه وآله على كتابة عهده، أن يعلنوا ردتهم عن الإسلام ويقولوا إنه لم يكن نبياً، بل كان يريد تأسيس ملك لبني هاشم! ولذلك أمره جبرئيل أن يطردهم فقال صلى الله عليه وآله : قوموا عني! وهي المرة الوحيدة التي طرد فيها أصحابه، فقال لهم كما في البخاري: «قوموا عني ولا ينبغي عندي التنازع ما أنا فيه خيرٌ مما تدعوني اليه»! والذي يدعونه اليه أن يصرَّ على الكتابة ليكون مبرراً لهم لإعلان الردة! فكان ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله وبين كتابه»!
ورواه بخاري:1/36، وفي ست مواضع وخفف منه ما استطاع! ورواه غيره بأوسع منه.

11- أحاديث الشجرة الملعونة في القرآن تفسر المضلين

قال الله تعالى: وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلا طُغْيَاناً كَبِيراً.
وروى السنة تفسير النبي صلى الله عليه وآله الآية بالأئمة المضلين من بني أمية، كما في مجمع الزوائد:5/243، عن أبي يعلى ووثقه: «عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله رأى في منامه كأن بني الحكم ينزون على منبره وينزلون! فأصبح كالمتغيظ فقال: ما لي رأيت بني الحكَم ينزون على منبري نَزْوَ القردة؟! قال: فما رؤي رسول الله صلى الله عليه وآله مستجمعاً ضاحكاً بعد ذلك حتى مات»!
ورواه في مجمع الزوائد:5/240، عن ابن عمرو، وصححه، قال: «كنا جلوساً عند النبي صلى الله عليه وآله وقد ذهب عمرو بن العاص يلبس ثيابه ليلحقني فقال صلى الله عليه وآله ونحن عنده: ليدخلنَّ عليكم رجل لعين! فوالله ما زلت وجلاً أتشوَّف خارجاً وداخلاً، حتى دخل فلان. يعني الحكم».
وفي معجم الطبراني الكبير:3/90، عن الحسن بن علي رضي الله عنه أنه قالَ لِمن اعترض على صلحه مع معاوية: «رحمك الله فإن رسول الله قد أريَ بني أمية يخطبون على منبره رجلاً فرجلاً فساءه ذلك، فنزلت هذه الآية: إنَّا أعطيناك الكوثَرْ، نهر في الجنة. ونزلت: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ، لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، تملكه بنو أمية! قال القاسم: فحسبنا ذلك فإذا هو ألفٌ لا يزيد ولا ينقص».
والبيهقي في فضائل الأوقات/211، والترمذي:5/115، والحاكم:3/170، وصححه. ونحوه في:3/175، و4:/74.
وفي فتح الباري:8/287: «عن ابن عباس أنه سأل عمر عن هذه الآية: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ؟ فقال مَن هم؟قال: هم الأفجران من بني مخزوم وبني أمية، أخوالي وأعمامك! فأما أخوالي فاستأصلهم الله يوم بدر، وأما أعمامك فأملى الله لهم إلى حين»!
وقال عن حديث علي عليه السلام : «وهو عند عبد الرزاق أيضاً، والنسائي، وصححه الحاكم».
أقول: يقصد عمر بأخواله: بني مخزوم، وكان ينسب اليهم أمه حنتمة، وكان خالد بن الوليد لا يقر له بذلك. ويشير عمر الى قوله تعالى: لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ، لكن معنى الآية: أن الإرادة الإلهية أن يُمهل بعض قبائل قريش، وأن يقطع طرفاً منهم كبني عبد الدار، ويستأصلهم ويخرجهم من ساحة الصـراع مع الإسلام! لذلك لم نرَ لهم أيَّ دور مهم في التاريخ وقد كانوا فرسان قريش وأصحاب حربها، وقد قَتَلَ علي عليه السلام منهم في بدر وأحُد بضعة عشر فارساً، كلهم أبطالٌ حَمَلةُ الراية!
وبنو المغيرة هم العائلة المالكة في بني مخزوم، وقد انطفأوا بعد مقتل أبي جهل في بدر، وبرز منهم عسكري واحد هو خالد بن الوليد، وطمع ابنه عبد الرحمن بالخلافة فقتله معاوية! كما انتهت تيْمٌ وعديٌّ بعد أبي بكر وعمر، فلم يبق في الساحة السياسية إلا بنو أمية وهاشم!
أما مصادرنا فروت أن كل قريش مسؤولة عن تبديل نعمة الله كفراً، وليس بني أمية وبني مخزوم فقط! قال الإمام الصادق عليه السلام لأحدهم: «ما تقولون في ذلك؟ فقال: نقول: هما الأفجران من قريش بنو أمية وبنو المغيرة. فقال عليه السلام : بل هي قريش قاطبة! إن الله خاطب نبيه فقال: إني قد فضلت قريشاً على العرب وأتممت عليهم نعمتي، وبعثت إليهم رسولاً، فبدلوا نعمتي وكذبوا رسولي».«العياشي:2/229».
وقال الإمام الباقر عليه السلام «الكافي:8/345»: «أصبح رسول الله صلى الله عليه وآله يوماً كئيباً حزيناً فقال له علي عليه السلام : ما لي أراك يا رسول الله كئيباً حزيناً؟ فقال: وكيف لا أكون كذلك وقد رأيت في ليلتي هذه أن بني تيم وبني عدي وبني أمية يصعدون منبري هذايردُّون الناس عن الإسلام القهقرى!فقلت: يارب في حياتي أوبعد موتي؟فقال:بعد موتك»!

12- صححوا حديث: الخلافة بعدي ثلاثون سنة

أحمد:4/273:عن النعمان بن بشير قال: «كنا قعوداً في المسجد مع رسول الله صلى الله عليه وآله وكان بشير رجلاً يكفُّ حديثه، فجاء أبو ثعلبة الخشني فقال: يا بشير بن سعد، أتحفظ حديث رسول الله في الأمراء؟ فقال حذيفة: أنا أحفظ خطبته، فجلس أبو ثعلبة فقال حذيفة: قال رسول الله صلى الله عليه وآله : تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكاً عاضاً فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعه إذا شاء أن يرفعه، ثم تكون ملكاً جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت.
قال حبيب: فلما قام عمر بن عبد العزيز، وكان يزيد بن النعمان بن بشير في صحابته، فكتبت إليه بهذا الحديث أذكره إياه فقلت له: إني أرجو أن يكون أميرالمؤمنين يعني عمر، بعد الملك العاض والجبرية. فأدخل كتابي على عمر بن عبد العزيز فسُـرَّ به».
وفي الطيالسي /31، عن معاذ عن النبي صلى الله عليه وآله قال: «إن الله عز وجل بدأ هذا الأمر نبوة ورحمة، وكائناً خلافة ورحمة، وكائناً ملكاً عضوضاً، وكائناً عنوةً وجبريةً وفساداً في الأرض، يستحلون الفروج والخمور والحرير، ويُنصـرون على ذلك ويُرزقون أبداً، حتى يلقوا الله».
وفي الدارمي:2/114، عن أبي عبيدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله : «أول دينكم نبوة ورحمة، ثم ملك ورحمة، ثم ملك أعفر، ثم ملك وجبروت، يستحل فيها الخمر والحرير. قال أبو محمد: سئل عن أعفر فقال: يشبه بالتراب وليس فيه خير».
ونحوه أبو يعلى:2/177، وفيه: عتواً وجبرية وفساداً في الأمة. ونحوه الطبراني الكبير:11/88، وفيه: ثم يتكادمون عليها تكادم الحُمُر».
ومعنى: ملكاً جبرية: تسلطاً غير شرعي بالإجبار والقهر. وملكاً عاضاً أو عضوضاً: شديد الظلم على الناس، يعضهم كالكلب! وهو حديث صحيح يُفسر الأئمة المضلين ببني أمية وينص على أن حكم معاوية ومن بعده الى عمر بن عبد العزيز حكمٌ جبري ظالم، غير شرعي!
وقال في فتح الباري:8/61: «وإشارته بهذا الكلام تطابق الحديث الذي أخرجه أحمد وأصحاب السنن، وصححه ابن حبان وغيره من حديث سفينة أن النبي صلى الله عليه وآله قال: الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم تصير ملكاً عضوضاً». وقال في:1/543: «وغالب طرقها صحيحة أو حسنة». وفي صحيحة الألباني:1/742: «رواه أحمد وأبو داود والترمذي والحاكم، وهذا من دلائل صدق نبوة النبي صلى الله عليه وآله فإن أبابكر تولى عام11، وتنازل عنها الحسن بن علي عام41.وهي ثلاثون عاماً كاملة».
ونحن نُلزمهم بهذا الحديث الذي ينفي شرعية حكم معاوية وأمثاله، لكنا لا نقبل خلافتهم ولا هذا الحديث، لأنه يناقض وصية النبي الصحيحة صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام . كما نعتبره محاولة لإخراج ابن عبد العزيز من ذم النبي صلى الله عليه وآله لكل بني أمية!
13- حكم الأئمة المضلين يستمرحتى ظهور المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف
في عقد الدرر للسلمي/62، عن حذيفة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: «ويحُ هذه الأمة من ملوك جبابرة كيف يقتلون ويخيفون المطيعين إلا من أظهر طاعتهم، فالمؤمن التقي يصانعهم بلسانه ويفرُّ منهم بقلبه. فإذا أراد الله عز وجل أن يعيد الإسلام عزيزاً قصم كل جبار، وهو القادر على ما يشاء أن يصلح أمة بعد فسادها. فقال صلى الله عليه وآله : يا حذيفة لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يملك رجل من أهل بيتي، تجري الملاحم على يديه، ويُظهر الإسلام، لايخلف وعده، وهو سريع الحساب. أخرجه الحافظ أبو نعيم الأصفهاني في صفة المهدي». والعرف الوردي:2/2، والبرهان/92، وينابيع المودة/448. وقوله صلى الله عليه وآله : لطول الله ذلك اليوم: كناية عن حتمية ظهور المهدي عليه السلام . والملاحم: جمع ملحمة وأصلها المعركة التي يلتحم فيها الناس، وتطلق على الأحداث الكبيرة.
* *

الفصل الثاني: عقيدة الدجال، عقيدة الدجال عند المسلمين واليهود والمتهوكين

1- عقيدة الدجال في أحاديث أهل البيت عليهم السلام

تختلف صورة الدجال وحركته في مصادرنا، عما ترويه المصادر السنية، بأمور:
1. أولها أن الدجال عندنا يهودي يقوم بحركة عالمية ضد الإمام المهدي عليه السلام بعد ظهوره وإقامته دولته العالمية ونزول عيسى عليه السلام . وأتباع الدجال يهود ونواصب، ويظهر أنه يستفيد من تطور العلوم يومها، ويستعمل الدجل والشعبذة.
وفي كمال الدين/528، عن ابن عمر: «أكثر أتباعه اليهود والنساء والأعراب».
2. لا وجود في أحاديثنا لمخاريق الدجال، التي امتلأت بها مصادر غيرنا.
3. جعل كعب الأحبار خروج الدجال بعد فتح القسطنطينية مباشرة، وجعل قيام الساعة بعده! ورفضت ذلك مصادرنا، لأن دولة العدل الإلهي تستمر طويلاً.
4. الدجال في مصادرنا آخر الطواغيت وآخر أئمة الضلال، ففي الكافي: 8/296، عن الإمام الباقر عليه السلام ، من حديث: «وإنه ليس من أحد يدعو إلى أن يخرج الدجال، إلا سيجد من يبايعه. ومن رفع راية ضلالة فصاحبها طاغوت».
وعن علي عليه السلام قال: «سلوني قبل أن تفقدوني، فوالله لاتسألوني عن فئة تهدي مائة، إلا أخبرتكم بسائقها وناعقها، حتى يخرج الدجال». «البصائر/317».
فتعبير: الى أن يخرج الدجال، أو حتى يخرج، يدل على أنه آخر الطواغيت.
5. عامة أعداء أهل البيت عليهم السلام أتباع الدجال، ففي أمالي الطوسي:1/59، عن رافع مولى أبي ذر قال: «رأيت أبا ذر رحمه الله آخذاً بحلقة باب الكعبة، مستقبل الناس بوجهه وهو يقول: من عرفني فأنا جندب الغفاري، ومن لم يعرفني فأنا أبو ذر الغفاري، سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: من قاتلني في الأولى، وقاتل أهل بيتي في الثانية، حشره الله تعالى في الثالثة مع الدجال. إنما مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق، ومثل باب حطة من دخله نجا، ومن لم يدخله هلك». ونحوه أمالي الطوسي:2/74، والكشي1 /115.
وروت نحوه مصادر السنيين بدون ذكر الدجال، كمسند الشهاب:2/273، عن سعيد بن المسيب، عن أبي ذر. والطبراني الصغير:1/139، وفيه: مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح في قوم نوح، من ركبها نجا، ومثل باب حطة في بني إسرائيل. والحاكم:3/150، وفيه: عن حنش الكناني قال: سمعت أبا ذر رضي الله عنه يقول وهو آخذ بباب الكعبة: من عرفني فأنا من عرفني، ومن أنكرني فأنا أبوذر... ورواه ابن المغازلي/68 و/134، والشجري:1/151، وميزان الإعتدال:1/482، ومقتل الخوارزمي:1/104، وكشف الهيثمي:3/222، كلها كمسند الشهاب. والزوائد:9/168.
وفي المحاسن1/90، عن الإمام الصادق عليه السلام : «قال رسول الله صلى الله عليه وآله : من أبغضنا أهل البيت بعثه الله يهودياً. قيل: يا رسول الله وإن شهد الشهادتين! قال: نعم إنما احتجب بهاتين الكلمتين عن سفك دمه، أو يؤدي الجزية وهو صاغر.ثم قال: من أبغضنا أهل البيت بعثه الله يهودياً! قيل: وكيف يا رسول الله ؟قال: إن أدرك الدجال آمن به».
وفي رجال الكشي:2 /697، عن الإمام الصادق عليه السلام قال: «إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: خلق الله الأرواح قبل الأجساد بألفي عام ثم أسكنها الهواء، فما تعارف منها ائتلف هاهنا، وما تناكر منها ثَمَّ اختلف هاهنا، ومن كذب علينا أهل البيت حشره الله يوم القيامة أعمى يهودياً، وإن أدرك الدجال آمن به، وإن لم يدركه آمن به في قبره».
وفي مشارق أنوار اليقين/52: «عن أبي سعيد، قال رسول الله صلى الله عليه وآله : أيها الناس من أبغضنا أهل البيت بعثه الله يهودياً لا ينفعه إسلامه، وإن أدرك الدجال آمن به، وإن مات بعثه الله من قبره حتى يؤمن به».
ورواه البسوي في المعرفة والتاريخ/833، عن حذيفة، وفي نسخته تصحيف. ومعنى ذلك أن النواصب سيكونون حلفاء اليهود وأتباعهم في زمن المهدي عليه السلام !
6. وروينا تحريم المدينة على الدجال، ورووا شبيهاً به، ففي من لايحضره الفقيه:2/564:«وروي أن الصادق عليه السلام ذكر الدجال فقال: لا يبقى منها سهل إلا وطأه إلا مكة والمدينة، فإن على كل نقب من أنقابها ملكاً يحفظهما من الطاعون والدجال».
لكنا لم نرو استثناءاتهم، التي نقضوا بها ذلك وجعلوا الدجال يدخل المدينة!
7. توجد رواية مرسلة قد يفهم منها أن الدجال يفتك بأهل البصرة، ففي شرح النهج لابن ميثم البحراني:1/289، أن علياً عليه السلام : «لما فرغ من حرب أهل الجمل أمر منادياً ينادي في أهل البصرة أن الصلاة جامعة لثلاثة أيام من غد إن شاء الله، ولا عذر لمن تخلف إلا من حجة أو علة، فلا تجعلوا على أنفسكم سبيلاً، فلما كان في اليوم الذي اجتمعوا فيه خرج فصلى في الناس الغداة في المسجد الجامع، فلما قضـى صلاته، قام فأسند ظهره إلى حائط القبلة عن يمين المصلي، فخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، وصلى على النبي صلى الله عليه وآله واستغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات، ثم قال: يا أهل المؤتفكة، ائتفكت بأهلها ثلاثاً وعلى الله تمام الرابعة، يا جند المرأة وأعوان البهيمة، رغا فأجبتم وعقر فهربتم، أخلاقكم دقاق وماؤكم زعاق، بلادكم أنتن بلاد الله تربة، وأبعدها من السماء، بها تسعة أعشار الشر، المحتبس فيها بذنبه، والخارج منها بعفو الله، كأني أنظر إلى قريتكم هذه وقد طبقها الماء حتى ما يرى منها إلا شرف المسجد، كأنه جؤجؤ طير في لجة بحر!
فقام إليه الأحنف بن قيس فقال: يا أميرالمؤمنين ومتى يكون ذلك؟
قال: يا أبا بحر إنك لن تدرك ذلك الزمان، وإن بينك وبينه لقروناً، ولكن ليبلغ الشاهد منكم الغائب عنكم، لكي يبلغوا إخوانهم إذا هم رأوا البصرة قد تحولت أخصاصها دوراً وآجامها قصوراً، فالهرب الهرب، فإنه لا بُصَيْرَةَ لكم يومئذ! ثم التفت عن يمينه فقال: كم بينكم وبين الأبلة؟ فقال له المنذر بن الجارود: فداك أبي وأمي، أربعة فراسخ. قال له: صدقت فوالذي بعث محمداً وأكرمه بالنبوة وخصه بالرسالة وعجل بروحه إلى الجنة، لقد سمعت منه كما تسمعون مني أن قال: يا علي هل علمت أن بين التي تسمى البصرة والتي تسمى الأبلة أربعة فراسخ، وقد يكون في التي تسمى الأبُلَّة موضع أصحاب العشور، يقتل في ذلك الموضع من أمتي سبعون ألفاً، شهيدهم يومئذ بمنزلة شهداء بدر!
فقال له المنذر: يا أميرالمؤمنين ومن يقتلهم فداك أبي وأمي؟ قال: يقتلهم إخوان الجن، وهم جيل كأنهم الشياطين، سود ألوانهم، منتنة أرواحهم، شديد كَلَبُهم، قليل سلبهم، طوبى لمن قتلهم، وطوبى لمن قتلوه، ينفر لجهادهم في ذلك الزمان قوم هم أذلة عند المتكبرين من أهل ذلك الزمان، مجهولون في الأرض معروفون في السماء، تبكي السماء عليهم وسكانها والأرض وسكانها، ثم هملت عيناه بالبكاء، ثم قال: ويحك يا بصرة من جيش لارهَجَ له ولا حس! قال له المنذر: يا أميرالمؤمنين وما الذي يصيبهم من قبل الغرق مما ذكرت، وما الويح، وما الويل؟ فقال: هما بابان، فالويح باب الرحمة والويل باب العذاب.
يا ابن الجارود، نعم، ثارات عظيمة منها عصبة يقتل بعضها بعضاً، ومنها فتنة تكون بها خراب منازل، وخراب ديار، وانتهاك أموال، وقتل رجال، وسبي نساء يذبحن ذبحاً، يا ويل أمرهن حديث عجب، منها أن يستحل بها الدجال الأكبر الأعور الممسوح العين اليمنى والأخرى كأنها ممزوجة بالدم لكأنها في الحمرة علقة، ناتئ الحدقة كهيئة حبة العنب الطافية على الماء، فيتبعه من أهلها عدة من قتل بالأبلة من الشهداء، أناجيلهم في صدورهم، يقتل من يقتل ويهرب من يهرب. ثم رجف ثم قذف، ثم خسف، ثم مسخ، ثم الجوع الأغبر، ثم الموت الأحمر وهو الغرق.
يا منذر، إن للبصرة ثلاثة أسماء سوى البصرة في الزبر الأول، لايعلمها إلا العلماء منها الخريبة، ومنها تدمر، ومنها المؤتفكة. يا منذر، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، لو أشاء لأخبرتكم بخراب العرصات، عرصة عرصة، ومتى تخرب ومتى تعمر بعد خرابها إلى يوم القيامة، وإن عندي من ذلك علماً جماً، وإن تسألوني تجدوني به عالماً، لا أخطئ منه علماً.
قال: فقام إليه رجل فقال: يا أميرالمؤمنين أخبرني من أهل الجماعة ومن أهل الفرقة، ومن أهل السنة، ومن أهل البدعة؟ فقال: ويحك إذا سألتني فافهم عني ولا عليك أن لا تسأل أحداً بعدي: أما أهل الجماعة فأنا ومن اتبعني وإن قلوا، وذلك الحق عن أمر الله وأمر رسوله، وأما أهل الفرقة فالمخالفون لي ولمن اتبعني وإن كثروا! وأما أهل السنة فالمتمسكون بما سنه الله ورسوله صلى الله عليه وآله لا العاملون برأيهم وأهوائهم وإن كثروا».
لكنها خطبة مرسلة، لا يمكن الأخذ بها، ما عدا القسم الأول الى قوله عليه السلام : «كأنه جؤجؤ طير في لجة بحر» لأن المؤرخين رووه، ورواه ابن أبي الحديد، وابن منظور.
ثم إن الفقرة التي ذكرت الدجال فيها مبهمة وهي: «يستحل بها الدجال الأكبر الأعور الممسوح العين اليمنى..» فلعل المقصود دجال حركة الزنج التي وصفها الإمام عليه السلام في مطلع الخطبة، وقد تحققت وانطبقت عليه أوصافه: «سودٌ ألوانهم منتنة أرواحهم، أي رائحتهم، شديد كَلَبُهم، قليل سلبهم، طوبى لمن قتلهم».
8. وصح عندنا أن بداية حركة الدجال من بلخ، في أفغانستان، ففي البصائر/141، أن رجلاً من أهل بلخ دخل على الإمام الباقر عليه السلام فقال له: «ياخراساني تعرف وادي كذا وكذا؟ قال: نعم قال له: تعرف صدعاً في الوادي من صفته كذا وكذا؟ قال: نعم، قال: من ذلك يخرج الدجال! في حديث طويل جاء فيه:«وخروج رجل من ولد الحسين بن علي، وظهور الدجال يخرج بالمشـرق من سجستان، وظهور السفياني».
ومعناه أن حركته تبدأ من قرى ذلك الوادي.
9. وروينا أن الذي يقتل الدجال هو الإمام المهدي عليه السلام ، ويساعده نبي الله عيسى عليه السلام ففي كمال الدين:2/335، عن المفضل: قال الصادق جعفر بن محمد عليه السلام : «إن الله تبارك وتعالى خلق أربعة عشر نوراً قبل خلق الخلق بأربعة عشر ألف عام، فهي أرواحنا، فقيل له: يا ابن رسول الله ، ومن الأربعة عشر؟ فقال: محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والأئمة من ولد الحسين، آخرهم القائم الذي يقوم بعد غيبته فيقتل الدجال، ويطهر الأرض من كل جور وظلم».
وفي منتخب الأثر للشيخ الصافي/172، عن الكامل في السقيفة لعماد الدين الطبري، عن الإمام زين العابدين عليه السلام قال: «إن الله تعالى أعطانا الحلم والعلم والشجاعة والسخاوة والمحبة في قلوب المؤمنين، ومنا رسول الله ووصيه، وسيد الشهداء، وجعفر الطيار في الجنة، وسبطا هذه الأمة، والمهدي الذي يقتل الدجال».
10. وروينا أن المسيح يساعد المهدي عليه السلام على الدجال، ففي أمالي الصدوق/224، عن حماد، عن عبد الله بن سليمان، وكان قارئاً للكتب، قال: «قرأت في الإنجيل: يا عيسى جِدَّ في أمري ولا تهزل، واسمع وأطع، يا ابن الطاهرة الطهر البكر البتول، أتيتَ من غير فَحْل، أنا خلقتك آية للعالمين، فإياي فاعبد وعليَّ فتوكل. خذ الكتاب بقوة. فَسِّرْ لأهل سوريا بالسريانية. بَلِّغْ من بين يديك أني أنا الله الدائم الذي لا أزول. صدقوا النبي الأمي صاحب الجمل والمدرعة والتاج والنعلين والهراوة، الأنجل العينين، الصلت الجبين، الواضح الخدين، الأقنى الأنف، المفلج الثنايا.. ذو النسل القليل، إنما نسله من مباركة لها بيت في الجنة لا صخب فيه ولا نصب، يكفلها في آخر الزمان كما كفل زكريا أمك، لها فرخان مستشهدان. كلامه القرآن، ودينه الإسلام، وأنا السلام. طوبى لمن أدرك زمانه، وشهد أيامه وسمع كلامه. قال عيسى: يا رب وما طوبى؟ قال: شجرة في الجنة أنا غرستها، تُظِلُّ الجنان، أصلها من رضوان، ماؤها من تسنيم، برده برد الكافور، وطعمه الزنجبيل، من يشرب من تلك العين شربةً لا يظمأ بعدها أبداً. فقال عيسى: اللهم اسقني منها. قال: حرام يا عيسى على البشـر أن يشـربوا منها حتى يشرب ذلك النبي، وحرام على الأمم أن يشربوا منها حتى تشرب أمة ذلك النبي. أرفعك إليَّ ثم أهبطك في آخر الزمان، لترى من أمة ذلك النبي العجائب، ولتعينهم على اللعين الدجال، أهبطك في وقت الصلاة لتصلي معهم. إنهم أمة مرحومة».
11. وروينا أن الحياة تستمر بعد الدجال، رداً على الذين زعموا أن يأجوج ومأجوج يأتون بعده، ثم تنتهي الحياة وتقوم القيامة! ففي الكافي:5/260، عن سيابة أن رجلاً سأل الصادق عليه السلام فقال: «جعلت فداك أسمع قوماً يقولون إن الزراعة مكروهة! فقال له: إزرعوا واغرسوا، فلا والله ما عمل الناس عملاً أحل ولا أطيب منه، والله ليزرعن الزرع وليُغْرَسَنَّ النخلُ بعد خروج الدجال».
12. وجاء في بعض رواياتنا، ما يوافق رواياتهم الكثيرة من أن الدجال من علامات القيامة، لكن بعض أسانيدها يلتقي بأسانيدهم التي لا تصح عندنا، فلا نقول بصحتها، ولا بترتيب علامات القيامة التي ذكرت فيها.
من ذلك ما في غيبة الطوسي/267، عن علي عليه السلام قال رسول الله صلى الله عليه وآله : «عشـر قبل الساعة لا بد منها: السفياني، والدجال، والدخان، والدابة، وخروج القائم، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى، وخسف بالمشرق، وخسف بجزيرة العرب، ونار تخرج من قعر عدن، تسوق الناس إلى المحشر».
والظاهر أن مقصوده صلى الله عليه وآله أنه لا قيامة قبل هذه الأمور، لا أنها علاماتها بالترتيب.
13. ووصفت رواياتنا المنافق في تشيعه بأنه أضر على الشيعة من الدجال، ففي صفات الشيعة للصدوق/14، عن الإمام الرضا عليه السلام قال: «إن ممن يتخذ مودتنا أهل البيت لَمَنْ هو أشد فتنة على شيعتنا من الدجال! فقلت: يا ابن رسول الله بماذا؟ قال: بموالاة أعدائنا ومعاداة أوليائنا! إنه إذا كان كذلك، اختلط الحق بالباطل واشتبه الأمر، فلم يعرف مؤمن من منافق».
كما وصفت الكذابين بأنهم مهيؤون ليتبعوا الدجال! ففي كتاب سليم /405، عن أمير المؤمنين عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله قال: «إحذروا على دينكم ثلاثة رجال: رجل قرأ القرآن حتى إذا رأى عليه بهجته، كاد الإيمان، واخترط سيفه على أخيه المسلم ورماه بالشرك. قلت: يا رسول الله ، أيهما أولى بالشرك؟ قال: الرامي به منهما.
ورجل استخفته الأحاديث، كلما انقطعت أحدوثة كذب مثلها أطول منها، إن يدرك الدجال يتبعه. ورجل آتاه الله عز وجل سلطانا فزعم أن طاعته طاعة الله ومعصيته معصية الله، وكذب، لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، لا طاعة لمن عصى الله، إنما الطاعة لله ولرسوله ولولاة الأمر الذين قرنهم الله بنفسه ونبيه فقال: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ، لأن الله إنما أمر بطاعة رسول الله صلى الله عليه وآله لأنه معصوم مطهر لا يأمر بمعصية الله، وإنما أمر بطاعة أولي الأمر لأنهم معصومون مطهرون لا يأمرون بمعصية الله». وروى ابن حماد:2/520 بعضه، وفيه: «كلما وضع أحدوثة كذب وانقطعت، مدها بأطول منها، إن يدرك الدجال يتبعه ».
14. وروينا أن أشر الناس أئمة الضلال وهم اثنا عشـر، ستة من الأولين، وستة من الآخرين أحدهم الدجال، ففي الخصال/457 عن النبي صلى الله عليه وآله : «اثنا عشر، ستة من الأولين وستة من الآخرين، ثم سمى الستة من الأولين: ابن آدم الذي قتل أخاه، وفرعون، وهامان، وقارون والسامري، والدجال، إسمه في الأولين، ويخرج في الآخرين».
وفي كتاب سليم رحمه الله /161 عن علي عليه السلام :«فسألت رسول الله صلى الله عليه وآله عنهم وأنتم شهود، فقال: أما الأولون فابن آدم الذي قتل أخاه، وفرعون الفراعنة، والذي حاج إبراهيم في ربه، ورجلان من بني إسرائيل بدَّلا كتابهم وغيَّرا سنتهم، أما أحدهما فهوَّدَ اليهود، والآخر نَصَّرَ النصارى. وإبليس سادسهم. وفي الآخرين الدجال».

2- عقيدة اليهود في الدجال!

1. الدجال هو المهدي الموعود عند اليهود: قال المناوي في فيض القدير:3/718: «قال البسطامي: الدجال مهدي اليهود، ينتظرونه كما ينتظر المؤمنون المهدي! ونقل عن كعب الأحبار أنه رجل طويل عريض الصدر، مطموسٌ، يدعي الربوبية، معه جبل من خبز، وجبل من أجناس الفواكه، وأرباب الملاهي جميعاً يضربون بين يديه بالطبول والعيدان والمعازف والنايات، فلا يسمعه أحد إلا تبعه، إلا من عصمه الله! قال: ومن أمارات خروجه تهب ريح كريح قوم عاد ويسمعون صيحة عظيمة، وذلك عند ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكثرة الزنا، وسفك الدماء، وركون العلماء إلى الظلمة، والتردد إلى أبواب الملوك.
ويخرج من ناحية المشرق من قرية تسمى دسر أبادين، ومدينة الهوازن، ومدينة أصبهان، ويخرج على حمار، وهو يتناول السحاب بيده ويخوض البحر إلى كعبيه، ويستظل في أذن حماره خلق كثير، ويمكث في الأرض أربعين يوماً، ثم تطلع الشمس يوماً حمراء، ويوماً صفراء، ويوماً سوداء، ثم يصل المهدي وعسكره إلى الدجال، فيلقاه فيقتل من أصحابه ثلاثين ألفاً، فينهزم الدجال، ثم يهبط عيسى إلى الأرض، وهو متعمم بعمامة خضراء، متقلد بسيف، راكب على فرسه، وبيده حربة، فيأتي إليه فيطعنه بها فيقتله». انتهى.
2. وسَمَّوْه: ملك آخر الزمان! «أخرج ابن المنذر، عن ابن جريج في قوله تعالى: لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ، قالوا: يكون منا ملك في آخر الزمان: البحر إلى ركبتيه والسحاب دون رأسه، يأخذ الطير بين السماء والأرض، معه جبل خبز ونهر، فنزلت:لخلق السماوات والأرض أكبر...».«الدر المنثور:5/353».
وفي الإقبال للسيد ابن طاووس:2/319، في حديث مناظرة النبي صلى الله عليه وآله لوفد علماء نجران أن أحدهم واسمه حارثة أسلم، وقال لهم: «وأحذركم يا قوم أن يكون مَن قَبْلكم من اليهود أسْوَةً لكم، إنهم أُنذروا بمسيحين: مسيح رحمة وهدى، ومسيح ضلالة، وجعل لهم على كل واحد منهما آية وأمارة، فجحدوا مسيح الهدى وكذبوا به، وآمنوا بمسيح الضلالة الدجال، وأقبلوا على انتظاره، وأضربوا في الفتنة وركبوا نَتَجَهَا. ومن قبل نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، وقتلوا أنبياءه والقوامين بالقسط من عباده، فحجب الله عز وجل عنهم البصيرة بعد التبصـرة، بما كسبت أيديهم، ونزع ملكهم منهم ببغيهم، وألزمهم الذلة والصغار».
وفي الرواية أن كبيرهم واسمه العاقب لم يردَّ كلام صاحبه، بل ناقشه في تطبيق مسيح الهدى على النبي صلى الله عليه وآله ، ومعناه أنه أقر بوجود بشارة نبوية عندهم بنبي ودجال. وستعرف أنهم سموا المسيح عليه السلام المشيح، وسموه المجدف، يقصدون أنه مسيح الضلالة أو الدجال، معاذ الله. فإسم المسيح الدجال تسمية يهودية!
وقال الطبري في تاريخه:1/12: «وزعموا أن اليهود إنما نقصوا ما نقصوا من عدد سني ما بين تاريخهم وتاريخ النصارى، دفعاً منهم لنبوة عيسى بن مريم عليه السلام ، إذ كانت صفته ووقت مبعثه مثبتة في التوراة، وقالوا لم يأت الوقت الذي وقت لنا في التوراة، أن الذي صفته صفة عيسى يكون فيه! وهم ينتظرون بزعمهم خروجه ووقته. فأحسب أن الذي ينتظرونه ويدعون أن صفته في التوراة مثبتة هو الدجال الذي وصفه رسول الله صلى الله عليه وآله لأمته، وذكر لهم أن عامة أتباعه اليهود، فإن كان ذلك هو عبد الله بن صياد، فهو من نسل اليهود».
3. والدجال الذي أنذر به الأنبياء عليهم السلام شخص مذموم، لكن اليهود تعصبوا له لأنه «ملك يهودي» يبعثه الله ليأكل أعداءهم كالوحش! ونشـروا الرعب منه في المسلمين بواسطة الصحابة المتهوكين!
وجاء الحاخام كعب الأحبار فجعلته الخلافة مرجعاً دينياً للمسلمين، فنشر الإسرائيليات وعقيدة الدجال اليهودية، وحاول تطويرها لئلا ينكشف أمره للمسلمين، فوقع في التناقض والتهافت!
4. وزعم كعب الأحبار أن الدجال شيطان مقيَّد في جزيرة، وسوف يُطلق! فقد روى ابن حماد:2/541، عن الكلاعي صاحب كعب: «ليس الدجال إنساناً، إنما هو شيطان في بعض جزائر البحر، موثق بسبعين حلقة، لا يُعلم من أوثقه أسليمان أم غيره؟ فإذا كان أول ظهوره فكَّ الله عنه في كل عام حلقة، فإذا برز أتته أتان عرض ما بين أذنيها أربعون ذراعاً بذراع الجبار! وذلك فرسخ للراكب المحثّ، فيضع على ظهرها منبراً من نحاس ويقعد عليه فتبايعه قبائل الجن ويخرجون له كنوز الأرض، ويقتلون له الناس». وفتح الباري:13/277.
5. ونشر اليهود التخويف من الدجال من زمن النبي صلى الله عليه وآله ! «جاء أعرابي فقال: يا رسول الله بلغنا أن المسيح يعني الدجال، يأتي الناس بالثريد وقد هلكوا جميعاً جوعاً! أفتَرى بأبي أنت وأمي أن أكُفَّ عن ثريده تعففاً وتزهداً؟! فضحك رسول الله صلى الله عليه وآله ثم قال: يغنيك الله بما يغني به المؤمنين». «المناقب:1/129».
وروى ابن حماد:2/581، ووثقه في الزوائد:7/338، عن الشيباني قال: «كنت مع حذيفة بن اليمان في المسجد، إذ جاء أعرابي يهرول حتى وقف بين يديه فقال: أخَرَجَ الدجال؟! فقال حذيفة: أنا لما دون الدجال أخوفُ مني للدجال. وما الدجال! إنما فتنته أربعون يوماً..».ونحوه عبد الرزاق:11/392، وابن ابي شيبة:8 /653، وأحمد:6/454. ولفظ الطبري في الأحاديث الطوال/125، أصح.
أقول: لاحظ أن دعاية اليهود عن الدجال وصلت الى الأعراب، وقد سماه الأعرابي المسيح فقط كما سمعه من اليهود، أو من الصحابة المتهوكين. ومعناه أن اليهود أوصلوا ثقافة الرعب من الدجال حتى الى الأعراب، وأن المتهوكين من الصحابة كتموا تطمينات النبي صلى الله عليه وآله ونشروا تخويفات اليهود!
ثم اقرأ وتعجب في مصنف ابن شيبة:8 /649، وأحمد:6/75: «عن عائشة قالت: دخل عليَّ النبي صلى الله عليه وآله وأنا أبكي، فقال: ما يبكيك؟ فقلت يا رسول الله ذكرت الدجال، قال: فلا تبكي فإن يخرج وأنا حي أكفيكموه، وإن أمت فإن ربكم ليس بأعور، وإنه يخرج معه يهود أصبهان فيسير حتى ينزل بضاحية المدينة، ولها يومئذ سبعة أبواب على كل باب ملكان، فيخرج إليه شرار أهلها، فينطلق حتى يأتي لُدّ فينزل عيسى بن مريم فيقتله، ثم يمكث عيسى في الأرض أربعين سنة أو قريباً من أربعين سنة، إماماً عادلاً وحكماً مقسطاً».
فبكاء عائشة يدل على تأثرها بأحاديث اليهود وتصديقها لها، فطمأنها النبي صلى الله عليه وآله ! لكنها بقيت تُخوِّف الناس بالدجال!
فقد روى الضحاك في الآحاد والمثاني: 6/208، أن عائشة وحفصة رأتا سَوْدة وقد تزينت، فقالتا لها: خرج الدجال، خرج الدجال! فخافت سودة: «وكانت امرأة طويلة، فدخلت خباء كان لوقودهم! قالت: واستضحكنا، فدخل رسول الله فإذا سودة تنتفض فقال: مالك؟ فقالت: يا رسول الله خرج الدجال؟ فقال: لا، وهو خارج؟ فأخذ بيدها وأخرجها وجعل ينفض بكم قميصه عن وجهها، وعن خمارها أثر الدخان ونسج العنكبوت»!ورواه ابن كثير في سيرته:4/644، عن عائشة، وفيها: «فاختبأت في بيت كانوا يوقدون فيه... فخرجت وجعلت تنفض عنها بيض العنكبوت».
6. وزاد تخويفهم للمسلمين من الدجال في حجة الوداع! فقد روى البخاري في صحيحه: 5/125، عن ابن عمر قال: «كنا نتحدث بحجة الوداع والنبي بين أظهرنا ولا ندري ما حجة الوداع! فحمد الله وأثنى عليه ثم ذكر المسيح الدجال فأطنب في ذكره، وقال: ما بعث الله من نبي إلا أنذر أمته، أنذره نوح والنبيون من بعده، وإنه يخرج فيكم، فما خفي عليكم من شأنه فليس يخفى عليكم أن ربكم«ثلاثاً» ليس بأعور، وإنه أعور عين اليمنى كأن عينه عنبة طافية! ألا إن الله حرم عليكم دماءكم وأموالكم كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا. ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم. قال: اللهم اشهد ثلاثاً، ويلكم أو ويحكم: أنظروا لا ترجعوا بعدي كفاراً، يضـرب بعضكم رقاب بعض». ونحوه أحمد:2/135، وصححه في الزوائد:7/338، والطبراني الكبير:12/275، وأبو يعلى:9/435، وتاريخ دمشق:45/324.
ومعناه أن أحاديث الدجال كانت منتشـرة قرب وفاة النبي صلى الله عليه وآله ، ولعل مجئ الأعرابي كان في تلك الفترة أيضاً، وكذا تخويف عائشة وحفصة لسودة، وكذا مقولات بعض الصحابة، كمقولة:«عبد الله بن الحرث بن جزء، قال: ما كنا نسمع فزعة ولا رجة في المدينة إلا ظننا أنه الدجال، لِما كان رسول الله يحدثنا عنه ويقربه لنا»!«الزوائد:7/336».
فلا يبعد أن تكون إشاعة قرب خروج الدجال، من الأدوات التي استعملها اليهود والطلقاء في الشهرين الأخيرين من حياة النبي صلى الله عليه وآله ، للسيطرة على دولته!
7. سمى اليهود المسيح عليه السلام بالدجال! وتبعهم رواة السلطة فسموا الدجال المسيح، وعللوا ذلك بأن «إحدى عينه مطموسة، والأخرى ممزوجة بالدم كأنها الزهرة». «ابن حماد:2/518». ونسبوه الى النبي صلى الله عليه وآله ! أما أهل البيت عليهم السلام فسمَّوه الدجال فقط، ولم يسموه المسيح أبداً! وهذا دليلٌ على أن سنة النبي صلى الله عليه وآله الصافية عند أهل بيته عليهم السلام .
8. ذكرت مصادر اليهود والنصارى الدجال المنتظر، بما يؤيد قول أسقف نجران الذي أسلم إن اليهود بشرهم أنبياؤهم بمسيحيْن، مسيح هدى ومسيح ضلالة. وورد التعبير عنهما بالمشيح الموعود والمجدف، وعبروا عن الدجال بالنبي الكذاب الذي يمهد للنبي الوحش! ففي الكتاب المقدس، لمجمع الكنائس الشرقية/126: «كتب في سفر النبي أشعيا: ها أنذا أرسل رسولي قدامك ليعد طريقك. [النبي الكذاب يخدم الوحش] ورأيت وحشاً آخر خارجاً من الأرض، وكان له قرنان أشبه بقرني الحمل ولكنه يتكلم مثل تنين. وكل سلطان الوحش الأول يتولاه بمحضر منه. فجعل الأرض وأهلها يسجدون للوحش الأول، الذي شفي من جرحه المميت، ويأتي بخوارق عظيمة، حتى أنه ينزل ناراً من السماء على الأرض، بمحضـر من الناس. ويضل أهل الأرض بالخوارق التي أوتي أن يجريها بمحضر من الوحش».
وفي هامشه: «سيسمى هذا الوحش الثاني الذي في خدمة الوحش الأول، نبياً كذاباً «راجع رؤ:16/13 و 19/20 و 20 /10»
وهذا النبي الكذاب يذكر بالأنبياء الكذابين والمسحاء الدجالين الذين ينبئ بمجيئهم في متى 24 / 11 و 24، ليكون علامة تبشـر بعودة المشيح الحقيقي.
وفي انجيل متى/53: «قال لهم بيلاطس: فماذا أفعل بيسوع الذي يقال له المسيح؟ قالوا جميعاً: ليصلب! قال لهم: فأي شر فعل؟ فبالغوا في الصياح: ليصلب! فلما رأى بيلاطس أنه لم يستفد شيئاً بل ازداد الإضطراب، أخذ ماء وغسل يديه بمرأى من الجمع، وقال: أنا برئ من هذا الدم، أنتم وشأنكم فيه. فأجاب الشعب بأجمعه: دمه علينا وعلى أولادنا! فأطلق لهم باراباس، أما يسوع فجلده وأسلمه ليصلب».
وفي هامشه: لهتاف اليهود هذا جذور في العهد القديم أيضاً «2صم1/13- 16 و 3 /29وار 51/55 وراجع أيضاً لو 23/28».
واليهود أمام خيار ديني يتجاوز اتخاذ موقف سياسي: فعليهم، إما أن يعترفوا بأن يسوع هو المشيح الموعود به، وإما أن يطلبوا موته لأنه مجدف».
وقد فسر الشراح الغربيون عقيدة المسيح الدجال، بأنها نشأت من اضطهاد اليهود، ففي مقدمة الكتاب المقدس طبعة مجمع الكنائس الشرقية/19: «فقد ترسخ يوماً بعد يوم في يقين اليهود، أن الله لن يلبث أن يرد على تحدي وجود الوثنية في الأرض المقدسة، فيعود إلى إقامة عدله ويعيد إلى مختاريه امتيازاتهم، إذ يبسط ملكوته على الأرض بسطاً يبهر العيون، وهذا التدخل يجعل حداً للشدائد الحاضرة، ويفتح عهداً جديداً خالياً من الشر والإثم، ويؤذن بقدوم ذلك العهد آخر الأمر تضاعف الكوارث والنكبات يرافقها ابتلاع جميع أعداء الله من غير رجعة...
إن جملة هذه المعتقدات تؤلف آراء اليهودية المتأخرة في أمور الأزمنة الأخيرة...
ففي ذلك المشهد لرؤيا الأزمنة الأخيرة ليس للمشيح نصيب كبير جداً في جميع الآراء، فإن مؤلفي الرؤى عندما يتكلمون عليه كفُّوا على ما يبدو عن أن يروه شأنهم في الماضي مشيحاً دنيوياً مسحه يهوه، وبعبارة أخرى ملكاً من ذرية داود، يقوم بأعمال سياسية وعسكرية في جوهرها ليحقق بعون الله تحرير الشعب وازدهاره».
أقول: هذا تحليل مثقفين غربيين، أما الصحيح فهو ما تقدم من أن أنبياء اليهود بشروهم باثنين سموهم مسيحين: مسيح هدى، ومسيح ضلال، فكان مسيح الهدى المسيح عليه السلام لأنه يشفي بمسحة يده. ومسيح الضلالة الدجال الموعود، وهو آخر أئمة الضلال، ويخرج في مواجهة المهدي الموعود عليه السلام .

3- عقيدة الدجال عند الخلافة بؤرة الإسرائيليات!

1. أحاديثهم في الدجال كثيرة ومتناقضة، وكلها عندهم صحيحة! وأكثرها عن كعب الأحبار، وعمر بن الخطاب، وتميم الداري. وقد قبلوها بما فيها من خرافة وتناقض، فصارت الهرطقة ديناً نسبوه الى الإسلام ورسوله صلى الله عليه وآله !
قال لهم كعب إن الدجال محبوس في إحدى جزائر اليمن. وقال تميم الداري إنه محبوس في جزيرة في البحر المتوسط. وقال عمر إنه ولد في المدينة ورآه. وصدقوهم جميعاً!
2. خالفوا النبي صلى الله عليه وآله وجعلوا الدجال أخطر من الأئمة المضلين! مع أنهم رووا بأسانيد صحيحة أنهم أخطر من الدجال، وتقدم توثيقهم لقول حذيفة للأعرابي الذي سأل عن الدجال: «وما الدجال! إنما فتنته أربعون يوماً ».
لكنهم أصروا على أن الدجال أخطر الفتن! فانظر الى ما روى ابن حماد:2/518، عن هشام بن عامر قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة أمرٌ أكبر من الدجال»!
وفي طبقات ابن سعد:7/26، عن هشام بن عامر قال: «إنكم تجاوزوني إلى رهط من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ما كانوا بألزم لرسول الله مني، ولا أحفظ مني، سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: ما بين خلق آدم والقيامة فتنة أعظم من الدجال»!
وابن أبي شيبة:8 /648، وأحمد:4/19، ومسلم:8 /207، كابن حماد، عن عمران بن حصين. وأبو يعلى:3/126، بروايتين عنه وعن هشام بن عامر. والطبراني الكبير:22/174، عن هشام بن عامر، والمعجم الأوسط:5/27، نحوه، ولفظه: ما أهبط الله إلى الأرض منذ خلق آدم إلى أن تقوم الساعة فتنة أعظم من فتنة الدجال! والحاكم:4/528، كابن أبي شيبة وصححه على شرط بخاري، والفردوس:4/340، كابن حماد، والجامع الصغير:2/489، عن أحمد ومسلم وصححه.الخ.
لاحظ أن راوي الحديث هشام بن عامر يغضب من الرواة لأنهم يتركونه ولا يروون عنه، ويدعي أنه أحفظ من الذين يقصدونهم ويفضلونهم عليه! وهو صحابي صغير، يروج لبني أمية، وهذا كاف لترك الرواة العقلاء له.
وروى ابن حماد:2/517، عن أبي أمامة الباهلي! قال: «خطبنا رسول الله صلى الله عليه وآله فكان أكثر خطبته ما يحدثنا عن الدجال يحذرناه، وكان من قوله: يا أيها الناس إنها لم تكن فتنة في الأرض أعظم من فتنة الدجال، وإن الله تعالى لم يبعث نبياً إلا حذره أمته، وأنا آخر الأنبياء وأنتم آخر الأمم وهو خارج فيكم لا محالة، فإن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيج كل مسلم، وإن يخرج بعدي فكل امرئ حجيج نفسه والله خليفتي على كل مسلم، فمن لقيه منكم فليتفل في وجهه وليقرأ بفواتيح سورة الكهف».
3. وقد تبارى علماء السلطة في نشر الرعب الديني في المسلمين! وأولهم البخاري، ثم مسلم الذي قال في صحيحه: 4/2250، عن نواس بن سمعان قال: «ذكر رسول الله الدجال ذات غداة، فخفض فيه ورفع حتى ظنناه في طائفة النخل، فلما رحنا إليه عرف ذلك فينا فقال: ماشأنكم؟ قلنا: يا رسول الله ذكرت الدجال غداةً، فخفضت فيه ورفعت، حتى ظنناه في طائفة النخل! فقال: غير الدجال أخوفني عليكم، إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم وإن يخرج ولست فيكم فامرؤ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم، إنه شاب قطط عينه طافئة، كأني أشبهه بعبد العزى بن قطن، فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتيح سورة الكهف. إنه خارج من خلة بين الشام والعراق، فعاث يميناً وعاث شمالاً. يا عباد الله فاثبتوا. قلنا: يا رسول الله وما لبثه في الأرض؟ قال: أربعون يوماً، يومٌ كسنة ويوم كشهر ويوم كجمعة وسائر أيامه كأيامكم. قلنا: يارسول الله ، فذلك اليوم الذي كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: لا، أقدروا له قدره. قلنا: يا رسول الله وما إسراعه في الأرض؟ قال: كالغيث استدبرته الريح، فيأتي على القوم فيدعوهم فيؤمنون به ويستجيبون له، فيأمر السماء فتمطر والأرض فتنبت، فتروح عليهم سارحتهم أطول ما كانت دَرّاً، وأسيغه ضروعاً، وأمده خواصر، ثم يأتي القوم فيدعوهم فيردون عليه قوله، فينصرف عنهم فيصبحون مملحين ليس بأيديهم شئ من أموالهم، ويمر بالخربة فيقول لها: أخرجي كنوزك، فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل، ثم يدعو رجلاً ممتلئاً شباباً فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين رمية الغرض، ثم يدعوه فيقبل ويتهلل وجهه يضحك! فبينما هو كذلك إذ بعث الله المسيح بن مريم، فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين، واضعاً كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قَطَرَ، وإذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ، فلا يجد ريح نَفَسه أحد إلا مات، ونَفَسُه ينتهي حيث ينتهي طرفه، فيطلبه حتى يدركه بباب لُد فيقتله.
ثم يأتي عيسى بن مريم قومٌ قد عصمهم الله منه، فيمسح عن وجوههم ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة، فبينما هو كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى: إني قد أخرجت عباداً لي لا يَدَانِ لأحد بقتالهم فحرِّز عبادي إلى الطور، ويبعث الله يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون، فيمرأوائلهم على بحيرة طبرية فيشـربون ما فيها ويمر آخرهم فيقولون لقد كان بهذه مرة ماء، ويحصر نبي الله عيسى وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيراً من مائة دينار لأحدكم اليوم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه فيرسل الله عليهم النغف «الدود» في رقابهم فيصبحون فَرْسَى «صرعى» كموت نفس واحدة! ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض، فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم ونتنهم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله فيرسل الله طيراً كأعناق البخت، فتحملهم فتطرحهم حيت شاء الله، ثم يرسل الله مطراً لا يكنُّ منه بيت مدر ولا وبر، فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلقة، ثم يقال للأرض: أنبتي ثمرتك وردي بركتك، فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة ويستظلون بقحفها، ويبارك في الرَّسل«قطعة الإبل» حتى أن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس، واللقحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس، واللقحة من الغنم لتكفي النفر من الناس، فبينما هم كذلك إذ بعث الله ريحاً طيبة فتأخذهم تحت آباطهم، فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم، ويبقى شرار الناس يتهارجون تهارج الحُمَر، فعليهم تقوم الساعة».
ثم رواه مسلم في: 8 /199، وابن ماجة:2/1356، وأبوداود:4/117، والترمذي:4/510، والبدء والتاريخ:2/193، والطبراني الكبير:8/171،والحاكم:4/492، وصححه على شرط الشيخين. وفي/536، وصححه على شرط مسلم.
وذُرَى الحيوان: سنامه وأعلاه. والخواصر والذروع: جمع خاصرة. وذرعه أي ضرعه الذي فيه الحليب، وصف لجودته وكثرة حليبه. ويعسوب النحل: ملكتها. والغرض: الهدف. والنَّغَف: في الأصل الحزام الجلدي، شُبِّهت به الحشرات التي تبعث على جيف يأجوج ومأجوج بزعمهم. والزَّهم بفتح الزاي: الوغف والنتن.
ومعنى: فلا يجد ريح نَفَسه أحد إلا مات، ونَفَسُه ينتهي حيث ينتهي طرفه: أن كل من يصل اليه نفس المسيح عليه السلام يموت. ونفسه يصل الى حيث ينتهي طرفه!
والباحث المطلع يعرف أن هذه الأحاديث إسرائيليات، وقد خلطها الرواة البدو بخيالهم، وبعضهم لا يعرف اللغة، لأن اليعاسيب يتبعها النحل ولا تَتَبع. ومن الغريب أن هذه الأحاديث عندهم في أعلى درجات الصحة!
وتلاحظ في رواية مسلم قول النبي صلى الله عليه وآله :«غير الدجال أخوفني عليكم» لكنها عبارة ضائعة في حشد الكذب والتضخيم للدجال!
4. وجعلوا للدجال معجزات ومخاريق، وتبنى ذلك الأمويون! ففي مجموع فتاوى ابن تيمية:35/118: «وقد قال صلى الله عليه وآله :لا تقوم الساعة حتى يكون فيكم ثلاثون دجالون كذابون كلهم يزعم أنه رسول الله . وأعظم الدجاجلة فتنةً الدجال الكبير الذي يقتله عيسى بن مريم فإنه ما خلق الله من لدن آدم الى قيام الساعة أعظم من فتنته! وأمَرَ المسلمين أن يستعيذوا من فتنته في صلاتهم! وقد ثبت أنه يقول للسماء أمطري فتمطر وللأرض أنبتي فتنبت! وأنه يقتل رجلاً مؤمناً ثم يقول له قم فيقوم فيقول أنا ربك، فيقول له كذبت بل أنت الأعور الكذاب الذي أخبرنا عنه رسول الله صلى الله عليه وآله ، والله ما ازددت فيك إلا بصيرة، فيقتله مرتين فيريد أن يقتله في الثالثة، فلايسلطه الله عليه».
فقد جعل ابن تيمية فتنة الدجال أعظم من فتنة الأئمة المضلين، وأبطل الأحاديث الصحيحة التي نصت على أن فتنتهم أكبر وأخطر! كما جزم بأن الله سبحانه يعطي الدجال المعجزة والولاية التكوينية، فيأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت، والميت فيحيا! وهي قدرات لا يقبلون بها للنبي وآله عليهم السلام ، فهل الدجال عندهم أفضل؟!
وروى ابن حماد:2/536، عن حذيفة، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: «الدجال أعور العين اليسرى، جِفَالُ الشعر، معه جنة ونار، فناره جنة وجنته نار... وعن ابن عمر يرفعه: الدجال إحدى عينيه مطموسة والأخرى ممزوجة بالدم كأنها الزهرة، ويسير معه جبلان: جبل من أنهار وثمار وجبل دخان ونار، يشقُّ الشمس كما يشق الشعرة، ويتناول الطير في الهواء».
ورواه أحمد:5/324، و/397، ومسلم:8 /195، وأبو داود:4/116، وابن ماجة:2/1353، وحلية الأولياء: 5/157، و:9/235، والبغوي:3/498، من صحاحه..الى آخر القائمة الطويلة!
ونلاحظ العمل اليهودي في هذا الحديث المزعوم! فقد كان من معجزات نبينا صلى الله عليه وآله أنه دعا الله تعالى فشق له القمر آيةً للمشركين، فادعى اليهود للدجال بأنه يشق الشمس كما يشق الشعرة، أي نصفين متساوين بالشعرة!
وروى ابن أبي شيبة: 8/657، عن النبي صلى الله عليه وآله : «الدجال يخوض البحار إلى ركبتيه، ويتناول السحاب، ويسبق الشمس إلى مغربها، وفي جبهته قرن يخرص منه الحيات، وقد صور في جسده السلاح كله، حتى ذكر السيف والرمح والدرق. قال قلت: وما الدرق؟ قال: الترس».
وفي/648: «لأنا أعلم بما مع الدجال من الدجال، معه نهران يجريان أحدهما رأي العين ماء أبيض، والآخر رأي العين نار تأجج، فإما أدرك أحد ذلك فليأت النهر الذي يراه ناراً، فليغمص ثم ليطأطئ رأسه وليشرب، فإنه ماء بارد.وإن الدجال ممسوح العين عليها ظفرة غليظة، مكتوب بين عينيه كافر، يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب».
ورواه أحمد:5/386، والحاكم:4/491، وصححه، والطبراني في طواله/125، والكبير:8/146.
ومعنى يَخْرُصُ الحيات من قرنه: يقطفها منه قطفاً مرة بعد مرة ويحارب بها أعداءه! ورواه عبد الرزاق:11/391، عن أسماء بنت يزيد الأنصارية «وهي زميلة فاطمة بنت قيس في رواية الدجال» قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله في بيتي فذكر الدجال فقال: «إن بين يديه ثلاث سنين سنة تمسك السماء ثلث قطرها، والأرض ثلث نباتها، والثانية تمسك السماء ثلثي قطرها، والأرض ثلثي نباتها، والثالثة تمسك السماء قطرها كله والأرض نباتها كله، فلا تبقى ذات ظلف ولاذات ضرس من البهائم إلا هلكت. وإن من أشد الناس فتنة أنه يأتي الأعرابي فيقول: أرأيت إن أحييت لك إبلك ألست تعلم أنني ربك؟ قال فيقول: بلى، فيتمثل له الشيطان نحو إبله، كأحسن ما تكون ضروعاً وأعظمه أسنمة. قال: ويأتي الرجل قد مات أخوه ومات أبوه فيقول: أرأيت إن أحييت لك أباك وأحييت لك أخاك أليس تعلم أني ربك؟ فيقول: بلى، فيتمثل له الشيطان نحو أبيه ونحو أخيه.
قالت: ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وآله لحاجة له ثم رجع، قالت: والقوم في اهتمام وغم مما حدثهم به، قالت فأخذ بلحمتي الباب وقال: مهيم أسماء «ماذا يا أسماء»؟ قالت: قلت يا رسول الله لقد خلعت أفئدتنا بذكر الدجال، قال: إن يخرج وأنا حي فأنا حجيجه، وإلا فإن ربي خليفتي من بعدي على كل مؤمن. قالت أسماء: فقلت يا رسول الله والله إنا لنعجن عجينتنا فما نخبزها حتى نجوع فكيف بالمؤمنين يومئذ؟قال:يجزئهم ما يجزئ أهل السماء من التسبيح والتقديس» وابن حماد:2/527، وغيره عن ابن عمر، وأحمد:6/455، عن عائشة، وقالت: فأين العرب يومئذ؟ قال صلى الله عليه وآله : العرب يومئذ قليل.. يعني أقل منهم في عهد النبي صلى الله عليه وآله إلى آخر هرطقتها ومن شاكلها!
5. وقد أكثر البخاري من حديث الدجال، فروى «4/105» أن النبي صلى الله عليه وآله قال: «يجئ معه بمثال الجنة والنار، فالتي يقول إنها الجنة هي النار». وفي«4/143»: «إن مع الدجال إذا خرج ماء وناراً، فأما الذي يرى الناس أنها النار فماء بارد، وأما الذي يرى الناس أنه ماء بارد فنار تحرق!فمن أدرك ذلك منكم فليقع في الذي يرى أنها نار فإنه عذب بارد».
وفي «8/101»: «فناره ماء بارد، وماؤه نار».
وروى في:1/202، و:7/159/و 161، و:8/103، عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وآله كان يستعيذ في صلاته من الدجال! فيقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا وفتنة الممات.
ونحوه في:2/103 عن أبي هريرة، وفي:5/223، عن أنس، وفي:7/158، أن سعداً كان يستعيذ «من فتنة الدنيا، أي فتنة الدجال».
6. وناقض البخاري نفسه في أحاديث الدجال «8/103» بل من جهله اتهم النبي صلى الله عليه وآله بالتناقض! فقد روى عن أنس أنه صلى الله عليه وآله قال: «المدينة يأتيها الدجال فيجد الملائكة يحرسونها، فلا يقربها الدجال ولا الطاعون».
وروى «2/223، و8/101»: «لا يدخل المدينة رعب المسيح الدجال، لها يومئذ سبعة أبواب، على كل باب ملكان».
ثم نقض ذلك فروى «8/101» أنه صلى الله عليه وآله قال: «يجئ الدجال حتى ينزل في ناحية المدينة، ثم ترجف المدينة ثلاث رجفات، فيخرج إليه كل كافر ومنافق».
وروى في«8/103»: «ينزل بعض السباخ التي بالمدينة، فيخرج إليه يومئذ رجل هو خير الناس أو من خير الناس، فيقول أشهد أنك الدجال الذي حدثنا عنك رسول الله صلى الله عليه وآله حديثه فيقول الدجال: أرأيت إن قتلت هذا ثم أحييته، هل تشكون في الأمر؟ فيقولون: لا، فيقتله ثم يحييه».
فصار تحريم المدينة عليه أنه ينزل في ضاحيتها فيهرب أهلها، ويأتيه منافقوها ويسلط على مؤمنيها، ويقتل منهم رجلاً صالحاً! فماذا بقي من حفظها منه! بل روى الطيالسي/183، عن النبي صلى الله عليه وآله أن كل أهلها يفرون! قال: «ويل أمها من قرية يوم يدعها أهلها أعمرَ ما كانت! يجئ الدجال فيجد على كل باب منها ملكاً مصلتاً فلا يدخلها»!
وروى البخاري:8/101، عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله صَدَّق قول عمر وابنه في أن الدجال قد وُلد وأنه صلى الله عليه وآله رآه عند الكعبة وقال:«بينا أنا قائم أطوف بالكعبة فإذا رجل آدم سبط الشعر ينطف أو يهراق رأسه ماء قلت: من هذا؟ قالوا: ابن مريم، ثم ذهبت التفت فإذا رجل جسيم أحمر جعد الرأس أعور العين، كأن عينه عنبة طافية، قالوا: هذا الدجال! أقرب الناس به شبهاً ابن قطن رجل من خزاعة».
7. وکل أحاديثهم مردودة عندنا، بل عليهم هم أن يردوها، لأنهم صححوا أن فتنة الأئمة المضلين أشد الفتن! ولأن العقل يحكم باستحالة أن يعطي الله تعالى المعجزة لعدوه الدجال وإحياء الموتى كالأنبياء عليهم السلام !
8. ورووا حديثاً صحيحاً يطابق قول أهل البيت عليهم السلام لكنهم خالفوه! ففي البخاري «8/101» عن المغيرة بن شعبة أنه سأل النبي صلى الله عليه وآله عن الدجال فقال له: «ما يضرك منه؟! قلت: لأنهم يقولون إن معه جبل خبز ونهر ماء! فقال صلى الله عليه وآله : هو أهون على الله من ذلك ». فهذا يُكذب تضخيمات البخاري وغيره للدجال، ويدلك على أن الصحابة المتهوكين أشاعوا أساطيره في المسلمين ورفضوا سنة النبي صلى الله عليه وآله ! ولهذا سماهم النبي صلى الله عليه وآله «المُتَهَوِّكِين» أي المتهودين إلا قليلاً!
9. ثم اعجب من أن مشايخهم ما زالوا الى عصرنا ينشرون «الرعب الديني» اليهودي بين المسلمين قربة الى الله تعالى! وينشرون مخاريق الدجال فيصدقها عوام المسلمين، وأنه ينفخ جلده فيملأ الطريق، وحماره سبعون ذراعاً بذراع الله، ومعه جنة ونار وجبل ثريد..الخ. ويُخفون عن المسلمين تطمينات النبي صلى الله عليه وآله التي تكذب ذلك!
10. وقد تواصل خوف المسلمين من الدجال حتى طبقه بعضهم على المغول! فرووا عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال:«ليهبطن الدجال خوز وكرمان في ثمانين ألفاً، كأن وجوههم المجان المطرقة، يلبسون الطيالسة وينتعلون الشعر».
«ابن حماد:2/579. ورواه ابن أبي شيبة:8 /654، عن أبي هريرة بتفاوت يسير. وأحمد:2/337 وأبو يعلى:10/380، وفتن ابن كثير:1/143و144، والزوائد:7/345، كرواية أحمد». والمجان المطرَّقة:التروس المضروبة عند الحداد أو المخططة، وهو وصف ورد في صفات المغول فقط، وكذا انتعال الشعر.
11. قبلوا طول عمر الدجال واعترضوا على عمر المهدي! روى الصدوق رحمه الله في كمال الدين/528، حديث ابن عمر عن الدجال، وقد زعم فيه أن النبي صلى الله عليه وآله صلى ذات يوم بأصحابه الفجر، ثم قام مع أصحابه حتى أتى باب دار بالمدينة، فطرق الباب فخرجت إليه امرأة فقالت: ما تريد يا أبا القاسم؟ فقال رسول الله : يا أم عبد الله إستأذني لي على عبد الله، فقالت: يا أبا القاسم، وما تصنع بعبد الله، فوالله إنه لمجهود في عقله يُحدث في ثوبه، وإنه ليراودني على الأمر العظيم! فقال: إستأذني عليه فقالت: أعلى ذمتك؟ قال: نعم، فقالت: أدخل، فدخل فإذا هو في قطيفة له يهينم فيها «أي في عباءة وهو يغني» فقالت أمه: أسكت واجلس هذا محمد قد أتاك، فسكت وجلس. فقال النبي صلى الله عليه وآله : ما لها لعنها الله لو تركتني لأخبرتكم أهوَ هو، ثم قال له النبي صلى الله عليه وآله : ما ترى؟ قال: أرى حقاً وباطلاً، وأرى عرشاً على الماء، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ، فقال: بل تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ، فما جعلك الله بذلك أحق مني. فلما كان اليوم الثاني صلى صلى الله عليه وآله بأصحابه الفجر ثم نهض فنهضوا معه، حتى طرق الباب...فقالت له أمه: أسكت وانزل هذا محمد قد أتاك، فسكت فقال النبي صلى الله عليه وآله : ما لها لعنها الله لو تركتني لأخبرتكم أهو هو. فلما كان في اليوم الثالث صلى النبي صلى الله عليه وآله بأصحابه الفجر ثم نهض ونهض القوم معه... فقال النبي صلى الله عليه وآله إني قد خبأت لك خبيئاً فما هو؟ فقال: الدُّخّ الدخ! «أي سورة الدخان» فقال النبي صلى الله عليه وآله :إخسأ فإنك لن تعدو أجلك، ولن تبلغ أملك، ولن تنال إلا ما قدر لك. ثم قال لأصحابه: أيها الناس ما بعث الله عز وجل نبياً إلا وقد أنذر قومه الدجال، وإن الله عز وجل قد أخره إلى يومكم هذا، فمهما تشابه عليكم من أمره فإن ربكم ليس بأعور، إنه يخرج على حمار عرض ما بين أذنيه ميل، يخرج ومعه جنة ونار، وجبل من خبز ونهر من ماء، أكثر أتباعه اليهود والنساء والأعراب. يدخل آفاق الأرض كلها إلا مكة ولابَّتيها، والمدينة ولابتيها». أي طرفيها.
قال الصدوق رحمه الله :«إن أهل العناد والجحود يصدقون بمثل هذا الخبر ويروونه في الدجال وغيبته، وطول بقائه المدة الطويلة، وخروجه في آخر الزمان، ولا يصدقون بأمر القائم عليه السلام ، وأنه يغيب مدة طويلة، ثم يظهر فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، مع نص النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام بعده عليه، باسمه وغيبته ونسبه وإخبارهم بطول غيبته!
إرادةً لإطفاء نور الله عز وجل، وإبطالاً لأمر ولي الله، وَيَأْبَى اللهُ إِلا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ.
وأكثر مايحتجون به في دفعهم لأمر الحجة عليه السلام أنهم يقولون: لم نرو هذه الأخبار التي تروونها في شأنه ولا نعرفها، وهكذا يقول من يجحد نبوة نبينا صلى الله عليه وآله من الملحدين والبراهمة واليهود والنصارى والمجوس إنه ما صح عندنا شئ مما تروونه من معجزاته ودلائله ولا نعرفها، فنعتقد ببطلان أمره لهذه الجهة، ومتى لزمنا ما يقولون لزمهم ما تقوله هذه الطوائف، وهم أكثر عدداً منهم!
ويقولون أيضاً: ليس في موجب عقولنا أن يُعَمِّرَ أحد في زماننا هذا عمراً يتجاوز عمر أهل الزمان، فقد تجاوز عمر صاحبكم على زعمكم عمر أهل الزمان. فنقول لهم: أتصدقون على أن الدجال في الغيبة يجوز أن يعمر عمراً يتجاوز عمر أهل الزمان وكذلك إبليس اللعين، ولا تصدقون بمثل ذلك لقائم آل محمد عليهم السلام ، مع النصوص الواردة فيه بالغيبة وطول العمر والظهور بعد ذلك، للقيام بأمر الله عز وجل، وما روي في ذلك من الأخبار التي قد ذكرتها في هذا الكتاب، ومع ما صح عن النبي صلى الله عليه وآله إذ قال: كل ما كان في الأمم السالفة يكون في هذه الأمة مثله حذو النعل بالنعل والقُذَّة بالقذة. وقد كان فيمن مضى من أنبياء الله عز وجل وحججه معمرون، أما نوح عليه السلام فإنه عاش ألفي سنة وخمس مائة سنة، ونطق القرآن بأنه لبث قومه أَلْفَ سَنَةٍ إِلا خَمْسِينَ عَاماً. وقد روي في الخبر الذي قد أسندته في هذا الكتاب أن في القائم عليه السلام سُنَّةٌ من نوح وهي طول العمر، فكيف يدفع أمره ولا يدفع ما يشبهه من الأمور التي ليس شئ منها في موجب العقول، بل لزم الإقرار بها لأنها رويت عن النبي صلى الله عليه وآله ، وهكذا يلزم الإقرار بالقائم عليه السلام من طريق السمع.
وفي موجب أي عقل من العقول، أنه يجوز أن يلبث أصحاب الكهف في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعاً، هل وقع التصديق بذلك إلا من طريق السمع؟ فلمَ لا يقع التصديق بأمر القائم عليه السلام أيضاً من طريق السمع؟! وكيف يصدقون ما يرد من الأخبار عن وهب بن منبه، وعن كعب الأحبار، في المحالات التي لايصح شئ منها في قول الرسول صلى الله عليه وآله ولا في موجب العقول، ولايصدقون بما يرد عن النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام في القائم وغيبته وظهوره، بعد شك أكثر الناس في أمره وارتدادهم عن القول به، كما تنطق به الآثار الصحيحة عنهم عليهم السلام ؟! هل هذا إلا مكابرة في دفع الحق وجحوده.
كيف لا يقولون: إنه لما كان في الزمان غير محتمل للتعمير، وجب أن تجري سنة الأولين بالتعمير في أشهر الأجناس تصديقاً لقول صاحب الشريعة صلى الله عليه وآله ، ولا جنس أشهر من جنس القائم عليه السلام لأنه مذكور في الشرق والغرب على ألسنة المقرين به، وألسنة المنكرين له. ومتى بطل وقوع الغيبة بالقائم الثاني عشر من الأئمة عليهم السلام مع الروايات الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وآله أنه أخبر بوقوعها به بطلت نبوته، لأنه يكون قد أخبر بوقوع الغيبة بمن لم يقع به، ومتى صح كذبه في شئ لم يكن نبياً! وكيف يُصَدَّقُ صلى الله عليه وآله فيما أخبر به في أمر عمار بن ياسر رضي الله عنه أنه تقتله الفئة الباغية، وفي أميرالمؤمنين عليه السلام أنه تخضب لحيته من دم رأسه، وفي الحسن بن علي عليه السلام أنه مقتول بالسم، وفي الحسين بن علي عليه السلام أنه مقتول بالسيف؟ ولايصدق فيما أخبر به من أمر القائم عليه السلام ووقوع الغيبة به، والتعيين عليه باسمه ونسبه؟! بلى، هو صادق في جميع أقواله صلى الله عليه وآله ، مصيب في جميع أحواله، ولا يصح إيمان عبد حتى لايجد في نفسه حرجاً مما قضى، ويسلم له في جميع الأمور تسليماً، ولا يخالطه شك ولا ارتياب، وهذا هو الإسلام، والإسلام هو الإستسلام والإنقياد. وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ.
ومن أعجب العجائب أن مخالفينا يروون أن عيسى بن مريم عليه السلام مرَّ بأرض كربلا فرأى عدة من الظباء هناك مجتمعة، فأقبلت إليه وهي تبكي، وأنه جلس وجلس الحواريون، فبكى وبكى الحواريون، وهم لا يدرون لم جلس ولم بكى، فقالوا: يا روح الله وكلمته ما يبكيك؟ قال: أتعلمون أي أرض هذه؟ قالوا: لا، قال: هذه أرض يقتل فيها فرخ الرسول أحمد، وفرخ الحرة الطاهرة البتول شبيهة أمي، ويُلْحَد فيها، هي أطيب من المسك لأنها طينة الفرخ المستشهد، وهكذا تكون طينة الأنبياء وأولاد الأنبياء، وهذه الظباء تكلمني وتقول: إنها ترعى في هذه الأرض شوقاً إلى تربة الفرخ المستشهد المبارك، وزعمت أنها آمنة في هذه الأرض، ثم ضرب بيده إلى بعر تلك الظباء فشمها فقال: اللهم أبقها أبداً حتى يشمها أبوه، فتكون له عزاء وسلوة، وإنها بقيت إلى أيام أميرالمؤمنين عليه السلام حتى شمها وبكى، وأخبر بقصتها لما مر بكربلاء.
فيصدقون بأن بعر تلك الظباء تبقى زيادة على خمس مائة سنة لم تغيرها الأمطار والرياح ومرور الأيام والليالي والسنين عليه، ولا يصدقون بأن القائم من آل محمد عليهم السلام يبقى حتى يخرج بالسيف فيبير أعداء الله عز وجل، ويظهر دين الله... هل هذا إلا عناد وجحود للحق؟!».
وفي غيبة الطوسي/113: «وروى أصحاب الحديث أن الدجال موجود، وأنه كان في عصر النبي صلى الله عليه وآله وأنه باق إلى الوقت الذي يخرج فيه وهو عدو الله، فإذا جاز في عدو الله لضرب من المصلحة، فكيف لا يجوز مثله في ولي الله! إن هذا من العناد».
أقول: يعتقد أتباع المذاهب بالدجال، وبعضهم يعتقد بدجال عمر وأنه ابن صياد، لأن أحاديثه الصحيحة أقسم عليها عمر وأولاده! وبعضهم بدجال تميم الداري الذي أرشدته اليه جساسته في الجزيرة، لأن أحاديثه صحيحة أيضاً. وبعضهم بدجال كعب الأحبار. فكلهم يعتقدون بأن الدجال حيٌّ غائب عن الأنظار، وأن الله تعالى مدَّ في عمره مئات السنين حسب عقيدة عمر، أو ألوف السنين حسب عقيدة تميم وكعب، فلا يصح أن يُشَنِّعوا علينا لاعتقادنا بأن الإمام المهدي عليه السلام حيٌّ يرزق حتى يأذن الله تعالى بظهوره، ويظهر به الإسلام على العالم.
فكيف يكون تمديد الحياة لأعداء الله ممكناً، ولأوليائه مستحيلاً؟! وهل أن روايات تميم وكعب وأمثالهم، أوثق من روايات أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله ؟!

4- نشروا أحاديث الدجال وغيبوا أحاديث الإثني عشر!

1. أجمع المسلمون على أن النبي صلى الله عليه وآله تحدث عن ثلاثة موضوعات، فبشـر باثني عشر إماماً من بعده، وحذر من أئمة مضلين اثني عشر، وحذر من الدجال. وصرت تجد في مصادر السلطة بضعة أحاديث عن الأئمة الإثني عشـر عليهم السلام ، والمضلين الإثني عشر! وقد اعتذروا بأن الناس لغطوا أثناء خطبة النبي صلى الله عليه وآله فضاع على الراوي إسم هؤلاء الأئمة الربانيين، والمضلين! ونفس الأمر حدث لما حدَّث النبي صلى الله عليه وآله عنهم في المدينة، فلم يسمعوا تحديد هويتهم، وقد سأل الراوي عمر فقال له: كلهم من قريش، من قريش!
لقد ضاعت أسماء أئمة الهدى الإثني عشر، وأئمة الضلال الإثني عشر! أما أحاديث الدجال فلم يضع منها شئ، وهي محفوظة في دارالخلافة وصدور رواتها! ولهذا نشرتها الخلافة القرشية!
2. زعمت بعض أحاديثهم أن الله يبعث مع الدجال نبيين في خدمته وأن أحدهما يصدقه! فقد روى الطيالسي/150، حديثاً صحيحاً، عن سفينة قال: «خطبنا رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إنه لم يكن نبي إلا وقد أنذر الدجال أمته، الى أن قال: فيقول الدجال للناس: ألست بربكم أحيى وأميت؟ ومعه نبيان من الأنبياء إني لأعرف إسمهما وإسم آبائهما، لوشئت أن أسميهما سميتهما، أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره فيقول: ألست بربكم أحيى وأميت؟ فيقول أحدهما: كذبت، فلا يسمعه أحد من الناس إلا صاحبه، ويقول الآخر: صدقت ويسمعه الناس وذلك فتنة »!
فانظر الى هرطقة رواة الخلافة وتقليدهم اليهود في افترائهم على أنبياء الله تعالى!
3. وزعموا أن الدجال يشبه الله تعالى، فيشتبه أمره على المسلمين! فأعطاهم النبي صلى الله عليه وآله علامة للدجال بأنه أعور ليميزوه عن الله تعالى، والله تعالى ليس أعور بل عيناه سالمتان!
فقد روى عبد الرزاق:11/390، عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله قال: «ما من نبي إلا قد أنذره قومه، لقد أنذره نوح قومه! ولكني سأقول لكم فيه قولاً لم يقله نبي لقومه، تعلمون أنه أعور وأن الله ليس بأعور»!
ورواه ابن حماد:2/518، والطيالسي/73، وابن أبي شيبة:8 /646 و8 /647، وفيه:إنه أعور العين اليمنى... وإنه يتبعه من كل قوم يدعونه بلسانهم: إلهاً! رووا ذلك بعشرات الروايات، وأكثرها عن ابن عمر، ومنهم البخاري في:4/163، ومسلم:8 /193، وأبو داود:4/116، والترمذي:4/508، و/514، وأبو يعلى:2/78 و:5/368. وأبو نعيم:4/334، والخطيب:3/118، والبغوي:3/497، الى آخر القائمة الدجالية!
4. وزعموا أن الدجال عنده معجزات، وأنه يحيي الموتى! روى عبد الرزاق: 11/393، عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وآله قال: «وهو محرم عليه أن يدخل أنقاب المدينة، فيخرج إليه رجل يومئذ هو خير الناس أو من خيرهم فيقول: أشهد أنك الدجال الذي حدثنا رسول الله صلى الله عليه وآله حديثه. فيقول الدجال أرأيتم إن قتلت هذا ثم أحييته أتشكون في الأمر؟ فيقولون: لا، فيقتله ثم يحييه، فيقول حين يحيى: والله ما كنت قط أشد بصيرة فيك مني الآن. قال: فيريد قتله الثانية فلا يسلط عليه. قال معمر: وبلغني أنه يجعل على حلقه صفيحة من نحاس. وبلغني أنه الخضر الذي يقتله الدجال ثم يحييه».
ورواه ابن حماد:2/546، وأحمد:3/36 وبخاري:9/76، ومسلم:8 /199، كعبد الرزاق بتفاوت يسير، وفيه: «فيأمر به فينشر بالمنشار من مفرقه حتى يفرق بين رجليه! قال: ثم يمشي الدجال بين القطعتين ثم يقول له: قم فيستوي قائماً! قال ثم يقول له: أتؤمن بي؟ فيقول: ما ازددت فيك إلا بصيرة. قال: ثم يقول: يا أيها الناس إنه لايفعل بعدي بأحد من الناس قال: فيأخذه الدجال ليذبحه، فيجعل ما بين رقبته إلى ترقوته نحاساً فلا يستطيع إليه سبيلاً، قال: فيأخذ بيديه ورجليه فيقذف به فيحسب الناس أنما قذفه إلى النار وإنما ألقي في الجنة. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : هذا أعظم الناس شهادة عند رب العالمين ».
فاعجب للذين يشنعون علينا لاعتقادنا بالمعجزة لعترة النبي المعصومين عليهم السلام ثم يزعمون أن الله أعطاها لأعدائه كالدجال والجن والسحرة! فينقضون بذلك النبوات لأن دليل النبوة المعجزة.
5. ورووا عشرات الروايات عن الدجال، منها أنه من يهود المشـرق، أو يهود أصفهان،ففي الطبراني الكبير: 18/155، عن عمران بن حصين قال رسول الله صلى الله عليه وآله :«يخرج الدجال من قبل أصبهان».
وفي الطبراني الصغير:1/260، عن أبي بردة أن النبي صلى الله عليه وآله قال: «يجئ من ها هنا لا بل من ها هنا، وأومى نحو المشـرق». ورواه الحاكم:4/528، وصححه! قال: «يخرج الدجال من ها هنا أو ها هنا أو من ها هنا، بل يخرج ها هنا يعني المشرق ».
وروى ابن حماد:2/532، وابن أبي شيبة:8 /654: «إن أبا بكر سأل: هل بالعراق أرض يقال لها خراسان؟ قالوا نعم، قال:فإن الدجال يخرج منها».وأحمد:1/4، ورفعه ابن ماجة:2/1353، والترمذي:4/509 والحاكم:4/527، والبغوي:3/508، كرواية أحمد الأولى وقال في الدر المنثور:5/354: وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، والترمذي، وصححه، وابن ماجة.
وفي تهذيب تاريخ دمشق:1/195: «روى ابن مندة عن عبد الله بن معتمر مرفوعاً قال: إن الدجال ليس به خفاء، يجئ من قبل المشرق، فيدعو لنفسه فيتبع ويقاتل ناساً فيظهر عليهم، لا يزال على ذلك حتى يقدم الكوفة فيظهر عليهم».
ورواه عبد الرزاق:11/396، عن كعب: أنه يخرج الدجال من العراق! وفي/395، وابن أبي شيبة:8 /656، عن ابن عمرو أنه يخرج من العراق، وفي ابن حماد:2/530 عن النبي صلى الله عليه وآله :يخرج الدجال من خلة بين الشام والعراق! والنهاية:2/73، عن الهروي.
والخلة: منخفض بين جبلين. وتقدم حديث أنه يخرج من بلخ بأفغانستان.
6. ورووا وروينا أن أتباعه اليهود، وقد تقدمت رواية مسلم «8/207» «يتبع الدجال من يهود أصبهان سبعون ألفاً عليهم الطيالسة». وسيأتي أن كعب الأحبار جعل أتباعه من صلب العرب!
وفي أحمد:3/224: «يخرج الدجال من يهودية أصبهان، معه سبعون ألفاً من اليهود عليهم التيجان ».
الى عشرات الروايات ومئاتها التي غصت بها مصادرهم، بما فيها من تهافت وتناقض!
لكن في كمال الدين من مصادرنا/528، عن ابن عمر:«أكثر أتباعه اليهود والنساء والأعراب».
الأبطال الثلاثة في تحريف عقيدة الدجال
أبرز الشخصيات الذين تبنوا أحاديث الدجال ونشروها في المسلمين، ثلاثة: عمر بن الخطاب، وتميم الداري، وكعب الأحبار، فقد اتفقوا على أسطورة الدجال ومخاريقه، واختلفوا في تحديده فجعله عمر شخصاً وُلد في عهده وقال إنه عبد الله بن صياد، وهو يهودي أمه من الخزرج من جماعة سعد بن عبادة. وجعله تميم الداري شخصاً طويلاً عريضاً، مقيداً بالسلاسل في جزيرة من البحر المتوسط. وجعله كعب الأحبار شيطاناً مقيداً بالسلاسل في جزيرة باليمن.
وكان التأثيرالأكبر لعمر، الذي نشرعقيدته بالدجال، وسمح لتميم وكعب أن ينشروا عقيدتهم أيضاً! فتحير الناس بين دجال عمر ودجال تميم ودجال كعب، لأن أحاديثهم كلها صحيحة، فصدقوهم جميعاً وجعلوا دجاجيلهم واحداً!
ثم تحيروا في أحاديث كعب وجماعته التي تربط خروج الدجال بفتح القسطنطينية، وبالمهدي، وبالقيامة، وفيها حشدٌ من التفاصيل والتناقضات!
والعجب من علماء الخلافة لم ينتقدوا روايات الدجال لأنها عندهم صحيحة بل حاولوا توحيد الدجالي، كابن حجر وهو من كبارأئمتهم، فقد قَبِلَ دجال كعب المحبوس في إحدى جزائر اليمن وقبل رواية تميم في الجساسة وتحير في الجمع بينهما وبين دجال عمر! وتخبط في ذلك «فتح الباري«13/277» . ومما قاله: « ذكر نعيم بن حماد شيخ البخاري في كتاب الفتن أحاديث تتعلق بالدجال وخروجه، إذا ضمت إلى ما سبق ذكره في أواخر كتاب الفتن، انتظمت منها له ترجمة تامة. منها: ما أخرجه من طريق جبير بن نفير وشريح بن عبيد وعمرو بن الأسود وكثير بن مرة، قالوا جميعاً: الدجال ليس هو إنسان وإنما هو شيطان موثق بسبعين حلقة في بعض جزائر اليمن، لا يعلم من أوثقه سليمان النبي أو غيره، فإذا آن ظهوره فك الله عنه كل عام حلقة، فإذا برز أتته أتان عرض ما بين أذنيها أربعون ذراعاً، فيضع على ظهرها منبراً من نحاس ويقعد عليه، ويتبعه قبائل الجن، يخرجون له خزائن الأرض! قلت: وهذا لا يمكن معه كون ابن صياد هو الدجال».
وابن صياد الذي استبعده ابن حجر هو دجال عمر، وأحاديثه عندهم في أعلى درجات الصحة! ثم قال ابن حجر: «ولعل هؤلاء مع كونهم ثقات تلقوا ذلك من بعض كتب أهل الكتاب!
وأخرج أبو نعيم أيضاً من طريق كعب الأحبار أن الدجال تلده أمه بقوص من أرض مصر، قال: وبين مولده ومخرجه ثلاثون سنة. قال: ولم ينزل خبره في التوراة والإنجيل وإنما هو في بعض كتب الأنبياء.. وذكر ابن وصيف المؤرخ أن الدجال من ولد شق الكاهن المشهور، قال: بل هو شق نفسه أنظره الله، وكانت أمه جنية عشقت أباه فأولدها، وكان الشيطان يعمل له العجائب، فأخذه سليمان فحبسه في جزيرة من جزائر البحر...».
وقال ابن حجر: «ولشدة التباس الأمر في ذلك، سلك البخاري مسلك الترجيح، فاقتصر على حديث جابرعن عمر في ابن صياد، ولم يخرج حديث فاطمة بنت قيس في قصة تميم، وقد توهم بعضهم أنه غريب فرده، وليس كذلك».
ثم رد ابن حجرأن الدجال مصري، فقال في:13/277: «وأخلق بهذا الخبر أن يكون باطلاً، فإن الحديث الصحيح أن كل نبي قبل نبينا أنذر قومه الدجال. وكونه يولد قبل مخرجه بالمدة المذكورة مخالف لكونه ابن صياد، ولكونه موثوقاً في جزيرة من جزائر البحر».
وقد أطال ابن حجر ومال الى دجال تميم أكثر من دجال عمر! وحاول أن يجمع بينهما بقوله: «وأقرب ما يجمع به بين ما تضمنه حديث تميم، وكون ابن صياد هو الدجال أن الدجال بعينه هو الذي شاهده تميم موثوقاً، وأن ابن صياد شيطان تبدَّى في صورة الدجال في تلك المدة إلى أن توجه إلى أصبهان فاستتر مع قرينه، إلى أن تجئ المدة التي قدر الله تعالى خروجه فيها»! انتهى. ولا يصح هذا الجمع، لأن ابن صياد مات في المدينة، بينما دجال تميم ودجال كعب مكتفان، لايطلقان إلا عند خروجهما!
لقد غرق ابن حجر في أحاديثهم في الدجال رغم علمه، فكيف ببقية علمائهم! فمشكلة كبارعلمائهم ليست ضعف ذهن الواحد منهم بل في المادة المفروضة عليه بحجة صحتها، التي تجبره على قبول التناقض والحشوية والهرطقة!

5- عقيدة الدجال التي نشرها عمر بن الخطاب

روى أصح كتاب عندهم أن عمر كان يحلف أن الدجال هو عبد الله بن صياد! وهو يهودي من المدينة. ففي البخاري:8/ 158، و9/133، أن جابراً قال: « سمعت عمر يحلف على ذلك عند النبي فلم ينكره النبي صلى الله عليه وآله ». يعني أن النبي صلى الله عليه وآله أقر دجال عمر! والعجيب أن عمر لم يسأل النبي صلى الله عليه وآله عنه، بل كان يحلف أمامه على رأيه، فيسكت النبي صلى الله عليه وآله مقراً له! ثم كذبوا على جابر وأبيّ أنهما كانا يحلفان مثل عمر، أما أبوذر فكان يحلف عشـر مرات! ثم افتروا على النبي صلى الله عليه وآله أنه كان يظنه أن الدجال ابن صياد، وكان حريصاً على معرفة كلامه ونواياه، حتى ذهب مرات متخفياً يتلصص عليه ويتجسس! قال بخاري في صحيحه:7/113: «أخبرني سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر أخبره أن عمر بن الخطاب انطلق مع رسول الله صلى الله عليه وآله في رهط من أصحابه قِبَل ابن صياد، حتى وجده يلعب مع الغلمان في أطم بني مَغَالة، وقد قارب ابن صياد يومئذ الحلم، فلم يشعر حتى ضرب رسول الله ظهره بيده، ثم قال: أتشهد أني رسول الله ؟ فنظر إليه فقال: أشهد أنك رسول الأميين. ثم قال ابن صياد: أتشهد أني رسول الله ؟ فرضَّه النبي، ثم قال: آمنت بالله ورسله. ثم قال لابن صياد: ماذا ترى؟ قال: يأتيني صادق وكاذب. قال رسول الله : خلط عليك الأمر. قال: رسول الله : إني خبأت لك خبيئاً، قال: هو الدخّ. قال: إخسأ فلن تعدو قدرك! قال عمر: يا رسول الله أتأذن لي فيه أضرب عنقه؟ قال رسول الله : إن يكن هو لا تُسلط عليه، وإن لم يكن هو فلا خير لك في قتله».
قال سالم: فسمعت عبد الله بن عمر يقول: «إنطلق بعد ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وأبي بن كعب الأنصاري يؤمان النخل التي فيه ابن صياد، حتى إذا دخل رسول الله طفق رسول الله صلى الله عليه وآله يتقي بجذوع النخل وهو يَخْتِل أن يسمع من ابن صياد شيئاً قبل أن يراه، وابن صياد مضطجع على فراشه في قطيفة له فيها رمرمة أو زمزمة، فرأت أم ابن صياد النبي وهو يتقي بجذوع النخل فقالت لابن صياد: أي صاف وهو إسمه، هذا محمد، فتناهى ابن صياد. قال رسول الله : لو تركَتْهُ بَيَّن! قال سالم: قال عبد الله: قام رسول الله في الناس فأثنى على الله بما هو أهله ثم ذكر الدجال فقال: إني أنذركموه، وما من نبي إلا وقد أنذر قومه، لقد أنذره نوح قومه، ولكني سأقول فيه قولاً لم يقله نبي لقومه: تعملون أنه أعور وإن الله ليس بأعور».
ورواه عبد الرزاق:11/389، بثلاث روايات، وفي الثالثة:11/389 عن الحسين بن علي عليه السلام ! قال: «إن النبي صلى الله عليه وآله خبأ لابن صياد دخاناً فسأله عما خبأ له فقال: دخّ، فقال: إخسأ فلن تعدو قدرك، فلما ولى قال النبي ما قال، فقال بعضهم: دُخّ، وقال بعضهم: بل قال ريح! فقال النبي: قد اختلفتم وأنا بين أظهركم وأنتم بعدي أشد اختلافاً».
وفي رواية أحمد:3/368، فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وآله مشفقاً أنه الدجال.
ومعنى حديث بخاري أن الله تعالى له عينان سالمتان، وبذلك يتميزعن الدجال!
وأدلى أبو بكرة أخ زياد بن أبيه بدلوه في الدجال لتأييد قسم عمر، فروى عنه الطيالسي/116: قال رسول الله : يمكث أبَوَا الدجال ثلاثين عاماً لا يولد لهما، ثم يولد لهما غلام أعور أضر شئ وأقله نفعاً، تنام عيناه ولا ينام قلبه. قال: ونعت رسول الله صلى الله عليه وآله أباه فقال: أبوه رجل طوال مضطرب اللحم كأن أنفه منقار! وأما أمه فامرأة طويلة فرضاخية عظيمة الثديين. قال أبو بكرة: فسمعنا بمولود ولد بالمدينة في اليهود، فذهبت أنا والزبير بن العوام فدخلنا على أبويه فإذا نعت رسول الله فيهما فقلت: هل ولد لكما من ولد؟ فقالا: مكثنا ثلاثين عاماً لايولد لنا، ثم ولد هذا لنا أضر شئ وأقله نفعاً، تنام عيناه ولا ينام قلبه، فخرجنا من عندهما فإذا هو منحول في قطيفة في الشمس له همهمة فكشف عن رأسه فقال: ما قلتما؟ قلنا: أو سمعت؟ قال: إني أنام ولا ينام قلبي»! ورواه ابن أبي شيبة:8 /651،وأحمد:5/49، كما في الطيالسي بتفاوت يسير، ونحوه في/51، والترمذي:4/518، ومصابيح البغوي:3/514، من حسانه.. الى آخر القائمة الدجالية.
والفرضاخ والفرضاخة والفرضاخية: بكسر الفاء للرجل والمرأة العظيم البدن.
ثم زعموا أن النبي صلى الله عليه وآله كان شاكاً واحتاج الى علم اليهود، وبما أن عمركان يحضـر دروسهم وتعلم منهم علم الدجال، فعلمه للنبي صلى الله عليه وآله وأكد ذلك بيمين، فتيقن النبي صلى الله عليه وآله من يمين عمر، واستغنى بعلم اليهود ويمين عمرعن نزول الوحي!
قال في عمدة القاري:25/69:«فهذا يدل على شكه فيه وترك القطع عليه أنه الدجال. قلت: يمكن أن يكون هذا الشك منه كان متقدماً على يمين عمر بأنه الدجال»! لكن ابن حجر قال إن النبي صلى الله عليه وآله لم يؤيد دجال عمر وسكت، وبقي شاكاً حتى جاءه تميم الداري فأخبره أنه رأى الدجال، فشكره ودعا المسلمين وخطب بهم، وعلمهم عقيدة الدجال، فكان الفضل فيه لتميم وليس لعمر! الى آخر هرطقتهم!

6- كان أولاد عمر يؤكدون عقيدة أبيهم!

روى أبو داود:4/120، أن عبد الله بن عمر كان يقول: «والله ما أشك أن المسيح الدجال ابن صياد». وروى أحمد:6/283، أن ابن عمر «رأى ابن صائد في سكة من سكك المدينة فسبه ابن عمر ووقع فيه، فانتفخ حتى سد الطريق! فضربه ابن عمر بعصاً كانت معه حتى كسرها عليه! فقالت له حفصة: ما شأنك وشأنه، ما يولعك به؟ أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إنما يخرج الدجال من غضبةٍ يغضبها»!
وروى مسلم:8 /194، عن نافع قال: «لقي ابن عمر ابن صائد في بعض طرق المدينة فقال له قولاً أغضبه فانتفخ حتى ملأ السكة، فدخل ابن عمر على حفصة وقد بلغها فقالت له: رحمك الله ما أردت من ابن صائد أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إنما يخرج من غضبة يغضبها»!
وروى عبد الرزاق:11/396، عن ابن عمر، قال: «لقيت ابن صياد يوماً ومعه رجل من اليهود فإذا عينه قد طفيت، وكانت عينه خارجة مثل عين الجمل، فلما رأيتها قلت: يا ابن صياد أنشدك الله متى طفيت عينك أو نحو هذا؟ قال: لا أدري والرحمن، فقلت: كذبت لاتدري وهي في رأسك؟ قال: فمسحها، قال: فنخر ثلاثاً! فزعم اليهودي أني ضربت بيدي على صدره، قال: ولا أعلم أني فعلت ذلك! قلت: إخس، فلن تعدو قدرك، قال: أجل لعمري لا أعدو قدري.
قال: فذكرت ذلك لحفصة فقالت: إجتنب هذا الرجل، فإنا نتحدث أن الدجال يخرج عند غضبة يغضبها»!
أقول: هذا يدلنا على أن بدعة عمر أو خيالاته قد نجحت، وآمن بها أولاده وبعض المسلمين!

7- محنة المسكين عبد الله بن صياد وابنه عمارة!

وقد تناقض علماء الخلافة فيما كتبوه في ترجمة ابن صياد وابنه عمارة، فقد تحيروا في قبول يمين عمر إنه الدجال فقال بعضهم: كلام عمر صحيح، وابن صياد هو الدجال، ونسبوا الى جابر الأنصاري رحمه الله وغيره تصديق عمر رغم أن ابن صياد أسلم وشارك في فتح أصفهان، فأجابوا بأنه غاب عند يهود اصفهان، لأن النبي أخبر أنه يخرج من هناك: « وأن اليهود تلقوه وقالوا: هذا ملكنا الذي نستفتح به على العرب، وأدخلوه البلد ليلاً ومعه الطبول والشموع، ثم لم يعرف له خبر بعد ذلك». «تهذيب ابن حجر:7/367».
لكنهم كذبوا أنفسهم فرووا أنه كان في المدينة يوم الحرة! وقال بعضهم: كيف يكون ابن صياد الدجال وقد أسلم وشارك في الفتوحات ومات في المدينة، وابنه عمارة إمام وَثَّقَهُ ابن معين وابن حبان، وغيرهما!
وقد تجرأ البيهقي وابن حجر والذهبي وابن تيمية والشوكاني فقالوا إن ابن صياد ليس الدجال، وإنَّ عمر أخطأ في يمينه وإن النبي صلى الله عليه وآله لم يقره لأنه كان «شاكاً» فيه، فنزل عليه الوحي بأن الدجال هو دجال تميم الداري المسجون في جزيرة، فخطب في الناس وأخبرهم! قال في الإصابة:5/148:«في الصحيحين عن جابر أنه كان يحلف أن ابن صياد الدجال، وذكر أن عمر كان يحلف بذلك عند النبي صلى الله عليه وآله .. لكنه إن كان مات على الإسلام يكون كما قال ابن فتحون «صحابياً عادلاً»على شرط كتاب الإستيعاب».
وقال الذهبي في الكاشف:2/54:«عمارة بن عبد الله بن صياد: هو ولد الذي ظُنَّ أنه الدجال، عن جابر، وعن ابن المسيب، وعنه مالك، وجماعة. وثقه ابن معين».
وقال الشوكاني في نيل الأوطار:8/19:«قال الخطابي: اختلف السلف في أمر ابن صياد بعد كبره، فروي أنه تاب من ذلك القول ومات بالمدينة، وأنهم لما أرادوا الصلاة عليه كشفوا وجهه حتى يراه الناس، وقيل لهم: إشهدوا!
وقال النووي: قال العلماء قصة ابن صياد مشكلة وأمره مشتبه، ولكن لا شك أنه دجال من الدجاجلة! والظاهر أن النبي صلى الله عليه وآله لم يوح إليه في أمره بشئ، وإنما أوحيَ إليه بصفات الدجال وكان في ابن صياد قرائن محتملة، فلذلك كان صلى الله عليه وآله لا يقطع في أمره بشئ».
وقال البيهقي في نيل الأوطار:8/19: «يحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وآله كان متوقفاً في أمره، ثم جاءه التثبت من الله تعالى بأنه غيره، على ما تقتضيه قصة تميم الداري، وبه تمسك من جزم بأن الدجال غير ابن صياد وطريقه أصح».
وقال في نيل الأوطار:8/20: «وهذا الحديث ينافي ما استدل به على أن ابن صياد هو الدجال ولايمكن الجمع أصلاً، إذ لا يلتئم أن يكون من كان في الحياة النبوية شبه المحتلم ويجتمع به النبي ويسأله، أن يكون شيخاً في آخرها مسجوناً في جزيرة من جزائر البحر موثوقاً بالحديد يستفهم عن خبر النبي صلى الله عليه وآله : هل خرج أم لا، فينبغي أن يحمل حلف عمر وجابر، على أنه وقع قبل علمهما بقصة تميم».
لكنهم رووا عن جابر رحمه الله نقيض ذلك وأنه قال: «ما زلت في شك من عبد الله بن صائد حتى قبر»! «رسالة الصاهل لأبي العلاء المعري/100».
وقال ابن تيمية في فتاويه:11/283:«ظن بعض الصحابة أنه الدجال وتوقف النبي في أمره حتى تبين له فيما بعد أنه ليس هو الدجال، لكنه كان من جنس الكهان».
وقال ابن قتيبة في المعارف/272: «وأبوه عبد الله بن صياد هو الذي قيل فيه إنه الدجال لأمور كان يفعلها، وأسلم عبد الله، وحج، وغزا مع المسلمين، وأقام بالمدينة! ومات ابنه عمارة في خلافة مروان بن محمد».
وفي الجرح والتعديل:6/367:«عن يحيى بن معين أنه قال: عمارة بن عبد الله بن صياد ثقة، نا عبد الرحمن قال: سألت أبي عن عمارة بن صياد فقال: هو صالح الحديث».
وفي تهذيب الكمال:21/249:«وقال محمد بن سعد: كان ثقة قليل الحديث، وكان مالك بن أنس لايقدم عليه في الفضل أحداً...ومات عمارة في خلافة مروان بن محمد. وذكره ابن حبان في كتاب الثقات».
وفي أسد الغابة:3/187: «عبد الله بن صياد..كان أبوه من اليهود لايدرى ممن هو، وهو الذي يقول بعض الناس إنه الدجال. ولد على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله أعور مختوناً. من ولده عمارة بن عبد الله بن صياد من خيار المسلمين، من أصحاب سعيد بن المسيب، روى عنه مالك وغيره»
ثم ذكر يمين عمر وقال: «الذي صح عندنا أنه ليس الدجال، لما ذكره في هذا الحديث، ولأنه توفي بالمدينة مسلماً، ولحديث تميم الداري».
«كان مالك بن أنس لا يقدِّم عليه أحداً في الفضل، وروى عنه وروى عمارة عن سعيد بن المسيب. وكانوا يقولون نحن بنو أشيهب. ثم قال ابن سعد عن أبيه عبد الله: وهو الذي قيل إنه الدجال لأمور كان يفعلها».«الطبقات، القسم المتمم/302».
أقول: يبدو أن أم ابن صائد خزرجية، وقد يكون أبوه يهودياً، ولم أجد بني أشيهب الذين نسبوه اليهم، وربما كانوا أخواله من الخزرج. فهو محسوب على الخزرج ورئيسهم سعد بن عبادة، الذي هو العدو اللدود لعمر، لأنه وقف ضد بيعة أبي بكر فنفاه عمر الى الشام، ثم بعث له خالداً فقتله!
قال في الطبقات:3/503: «إن النبي صلى الله عليه وآله رأى ابن صياد وهو صبي مراهق يلعب في حي بني مَغَالة، وهم بطن من بني عبد النجار». لكن عمر جعله يهودياً، ولَبَّسَهُ تهمة الدجال! وكان مسلماً مجاهداً، وكان قائد الخيل في معركة نهاوند «الطبري:3/187» وكان يصرخ من تهمة عمر له، وتهمة ابنه عبدالله بن عمر وابنته حفصة!
وروى أحمد:3/79: أن أبا سعيد الخدري كان ذاهباً في جيش الفتح:«قال: أقبلنا في جيش من المدينة قبل هذا المشرق، قال: فكان في الجيش عبد الله بن صياد، وكان لايسايره أحد، ولا يرافقه ولا يؤاكله ولا يشاربه، ويسمونه الدجال! فبينا أنا ذات يوم نازل في منزل لي إذ رآني عبد الله بن صياد جالساً، فجاء حتى جلس إليَّ فقال: يا أبا سعيد ألا ترى إلى ما يصنع الناس؟! لايسايرني أحد ولا يرافقني أحد ولا يشاربني أحد ولا يؤاكلني أحد، ويدعوني الدجال! وقد علمت أنت يا أبا سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إن الدجال لايدخل المدينة، وإني ولدت بالمدينة. وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إن الدجال لايولد له وقد وُلد لي! فوالله لقد هممتُ مما يصنع بي هؤلاء الناس أن آخذ حبلاً فأخلو فأجعله في عنقي، فأختنق فأستريح من هؤلاء الناس! والله ما أنا بالدجال»!
لكن الرواة أرادوا إثبات صدق عمر، وقالوا: عنزة ولو طارت! فأضافوا في الحديث: «ثم قال لي في آخر قوله: أما والله إني لأعلم مولده ومكانه وأين هو! قال فلبَّسني». «مسلم:8/190». يقصد أنه غشه في أول حديثه، ثم أقر في آخره!

8- عقيدة الدجال التي نشرها تميم الداري

تميم الداري مسيحي من بلاد الشام، وقد جاء هو وجماعته الى النبي صلى الله عليه وآله في السنة العاشرة للهجرة، أي بعد انتصار النبي صلى الله عليه وآله وشمول الإسلام الجزيرة. وكان تميم وجماعته تجار خمر فأهدى إلى النبي صلى الله عليه وآله أدناناً من الخمر فرفضها، لأن الله حرمها، فقال له تميم: خذها وانتفع بثمنها، فأجابه إذا حرم الله شيئاً حرم ثمنه.
وسكن تميم المدينة، وكان مقرباً من الخليفة عمر الأنه يقص قصص أهل الكتاب التي تعجب عمر! وقد طلب منه تميم أن يقصها في المسجد، فقال له عمر: إن النبي نهى عن ثقافة القصاصين: «إني أخاف أن يجعلك الله تحت أقدامهم»
يعني أخاف عليك غضب المسلمين، إذا قَصَصْتَ في مسجدهم! لكن تميماً استغل ليونة عمر فواصل طلبه، كما في تاريخ المدينة:1/9، فأصدر له مرسوماً بالقص في مسجد النبي صلى الله عليه وآله ! وحضر عمر تحت منبره، وقال إنه أراد أن يسأله عن توضيح كلمة، لكنه احترمه وكره أن يقطع كلامه!
وقد اختار له عمر يوم الجمعة، ثم أضاف اليه يوم السبت، فصارت النتيجة مزيجاً طريفاً: قسيسٌ وتاجر خمر، مسيحي سابقاً ومسلم حالياً حسب قوله، يقصُّ على المسلمين قصص اليهود والنصارى، في مسجد نبيهم صلى الله عليه وآله في يوم السبت! في حين أن عمر منع من أي تحديث عن النبي صلى الله عليه وآله تحت طائلة العقوبة!
وروى أحمد:3/449:«لم يكن يقصُّ على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله ولا أبي بكر، وكان أول من قص تميماً الداري، استأذن عمر بن الخطاب أن يقص على الناس قائماً، فأذن له عمر».
وقال عمر بن شبَّة في تاريخ المدينة:1/11:«ثم استخلف عثمان فاستزاده، فزاده مقاماً آخر، فكان يقوم ثلاث مرات في الجمعة». انتهى. وبهذا صار تميم الواعظ الرسمي للمسلمين، وكان عمر يحترمه كثيراً ويسميه «خير المؤمنين» واخترعوا له كرامات ومعجزات، فقالوا: ذات يوم ثار بركان في المدينة فطلب عمر من تميم أن يرد البركان ويطفئه، فذهب معه وحاش فوهة البركان بيديه وطرد النار الى شعب من شعاب الجبال، وركض وراءها، حتى اختفت!
قال البيهقي في دلائل النبوة:6/80: «باب ما جاء في الكرامة التي ظهرت على تميم الداري رضي الله عنه... عن معاوية بن حرمل قال: قدمت المدينة فلبثت في المسجد ثلاثاً لا أطعم، قال: فأتيت عمر فقلت: يا أميرالمؤمنين تائب من قبل أن تقدر عليه، قال: من أنت؟ قلت: أنا معاوية بن حرمل« صهر مسيلمة الكذاب وكان معه في حركة نبوته، الإصابة:10/35» قال: إذهبْ الى خير المؤمنين فانزل عليه. قال: وكان تميم الداري إذا صلى ضرب بيده عن يمينه وعن شماله، فأخذ رجلين فذهب بهما، فصليت الى جنبه فضرب يده فأخذ بيدي، فذهب بي فأتينا بطعام فأكلت أكلاً شديداً وما شبعت من شدة الجوع! قال: فبينا نحن ذات يوم إذ خرجت نار بالحرة، فجاءه عمر الى تميم فقال: قم الى هذه النار، فقال: يا أميرالمؤمنين ومن أنا وما أنا! قال: فلم يزل به حتى قام معه، قال: وتبعتهما فانطلقا الى النار فجعل تميم يحوشها بيديه حتى دخلت الشعب ودخل تميم خلفها! قال: فجعل عمر يقول: ليس من رأى كمن لم يرَ، قالها ثلاثاً». انتهى.
هذا هو تميم الداري الذي زعموا أن النبي صلى الله عليه وآله أخذ منه عقيدة الدجال! وقد طوَّرها تميم عن أسطورة الدجال اليهودي وادعى أنه رآه مقيداً في جزيرة في البحر! وقد بلغت بهم الجرأة أن زعموا أنه أخبر النبي صلى الله عليه وآله فسارع الى المنبر وخطب في المسلمين وقص عليهم قصة تميم، وجعلها جزء من الإسلام وعقائده! ثم روجوها في أهم مصادرهم، وعرفت باسم: «حديث الجساسة».
وأقدم من رواها قبل ابن أبي شيبة:8 /658، وأشهر رواتها فاطمة بنت قيس الفهرية، أخت الضحاك المتقرب الى معاوية، قالت: « صلى النبي صلى الله عليه وآله ذات يوم الظهر ثم صعد المنبر فاستنكر الناس ذلك، فبيْنَ قائم وجالس، ولم يكن يصعده قبل ذلك إلا يوم الجمعة، فأشار إليهم بيده أن اجلسوا، ثم قال: والله ما قمت مقامي هذا لأمر ينفعكم، لا لرغبة ولا لرهبة، ولكن تميماً الداري أتاني فأخبرني خبراً منعني القيلولة من الفرح وقرة العين، ألا إن بني عمٍّ لتميم الداري أخذتهم عاصف في البحر، فألجأتهم الريح إلى جزيرة لا يعرفونها، فقعدوا في قوارب السفينة فصعدوا فإذا هم بشئ أسود أهدب كثير الشعر، قالوا لها: ما أنت؟ قالت: أنا الجساسة قالوا: فأخبرينا، قالت: ما أنا بمخبرتكم ولا سائلتكم عنه، ولكن هذا الدير قد رمقتموه فأتوه فإن فيه رجلاً بالأشواق إلى أن يخبركم وتخبروه، فأتوه فدخلوا عليه فإذا هم بشيخ موثق في الحديد شديد الوثاق كثير الشعر، فقال لهم: من أين؟ قالوا: من الشام قال: ما فعلت العرب؟ قالوا: نحن قوم من العرب، قال: ما فعل هذا الرجل الذي خرج فيكم؟ قالوا: خير، ناواه قوم فأظهره الله عليهم، فأمرهم اليوم جميع وإلههم واحد ودينهم واحد، قال: ذلك خير لهم، قال: ما فعلت عين زَغَر؟ قالوا: يسقون منها زروعهم ويشربون منها لسقيهم. قال: ما فعل نخل بين عمان وبيسان؟ قالوا: يطعم من جناه كل عام، قال: ما فعلت بحيرة طبرية؟ قالوا: تدفق جانباها من كثرة الماء. فزفر ثلاث زفرات ثم قال: إني لو قد انفلتُّ من وثاقي هذا لم أترك أرضاً إلا وطأتها بقدمي هاتين، إلا طيبة ليس لي عليها سلطان. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : إلى هذا انتهى فرحي! هذه طيبة، والذي نفس محمد بيده ما منها طريق ضيق ولا واسع إلا عليه ملك شاهر بالسيف إلى يوم القيامة».
ونحوه أحمد:6/416، وابن ماجة:2/1354، وأبو داود:4/118، مختصراً، بخمس روايات. والترمذي:4/521، بتفاوت، وأبو يعلى:4/119، بثلاث روايات... الى آخر القائمة.
لكن مسلماً صاحب الصحيح، أفاض «8 /203 » في جساسة تميم ودجاله بتفصيل فرواها بعدة روايات عن بطلة الرواية فاطمة بنت قيس، قالت: « فلما انقضت عدتي سمعت نداء المنادى منادي رسول الله صلى الله عليه وآله ينادى: الصلاة جامعة، فخرجت إلى المسجد فصليت مع رسول الله صلى الله عليه وآله ، فكنت في صف النساء التي تلي ظهورالقوم فلما قضى رسول الله صلاته جلس على المنبر وهو يضحك فقال: ليلزم كل إنسان مصلاه، ثم قال: أتدرون لم جمعتكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: إني والله ما جمعتكم لرغبة ولا لرهبة، ولكن جمعتكم لأن تميماً الداري كان رجلاً نصرانياً فجاء فبايع وأسلم، وحدثني حديثاً وافق الذي كنت أحدثكم عن مسيح الدجال! حدثني أنه ركب في سفينة بحرية مع ثلاثين رجلاً من لخم وجذام، فلعب بهم الموج شهراً في البحر، ثم أرفأوا إلى جزيرة في البحرحتى مغرب الشمس فجلسوا في أقرب السفينة فدخلوا الجزيرة، فلقيتهم دابة أهلب كثير الشعر لايدرون ما قُبله من دُبره من كثرة الشعر، فقالوا: ويلك ما أنت؟ فقالت: أنا الجساسة! قالوا: وما الجساسة؟! قالت: أيها القوم، انطلقوا إلى هذا الرجل في الدير فإنه إلى خبركم بالأشواق. قال: لما سمَّت لنا رجلاً فرقنا منها أن تكون شيطانة، قال فانطلقنا سراعاً حتى دخلنا الدير فإذا فيه أعظم إنسان رأيناه قط خلقاً وأشده وثاقاً، مجموعة يداه إلى عنقه ما بين ركبتيه إلى كعبيه بالحديد! قلنا: ويلك ما أنت؟ قال: قد قدرتم على خبري فأخبروني ما أنتم؟ قالوا: نحن أناس من العرب ركبنا في سفينة بحرية، فصادفنا البحر حين اغتلم، فلعب بنا الموج شهراً، ثم أرفأنا إلى جزيرتك هذه فجلسنا في أقربها، فدخلنا الجزيرة فلقيتنا دابة أهلب كثير الشعر لا يدرى ما قبله من دبره من كثرة الشعر، فقلنا: ويلك ما أنت؟ فقالت: أنا الجساسة. قلنا: وما الجساسة؟ قالت: إعمدوا إلى هذا الرجل في الدير، فإنه إلى خبركم بالأشواق، فأقبلنا إليك سراعاً وفزعنا منها، ولم نأمن أن تكون شيطانة!
فقال: أخبروني عن نخل بيسان؟ قلنا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: أسألكم عن نخلها هل يثمر؟ قلنا له: نعم. قال: أما إنه يوشك أن لا تثمر. قال: أخبروني عن بحيرة الطبرية ؟ قلنا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: هل فيها ماء؟ قالوا: هي كثيرة الماء. قال: أما إن ماءها يوشك أن يذهب. قال: أخبروني عن عين زغر؟ قالوا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: هل في العين ماء وهل يزرع أهلها بماء العين؟ قلنا له: نعم هي كثيرة الماء وأهلها يزرعون من مائها. قال: أخبروني عن نبي الأميين ما فعل؟ قالوا: قد خرج من مكة ونزل يثرب. قال: أقاتله العرب؟ قلنا: نعم. قال: كيف صنع بهم؟ فأخبرناه أنه قد ظهر على من يليه من العرب وأطاعوه. قال لهم: قد كان ذلك؟! قلنا: نعم. قال: أما إن ذاك خير لهم أن يطيعوه، وإني مخبركم عني: إني أنا المسيح «!» وإني أوشك أن يؤذن لي في الخروج فأخرج فأسير في الأرض فلا أدع قرية إلا هبطتها في أربعين ليلة غيرمكة وطيبة، فهما محرمتان عليَّ كلتاهما كلما أردت أن أدخل واحدة أو واحداً منهما استقبلني ملك بيده السيف مصلتاً يصدني عنها، وإن على كل نقب منها ملائكة يحرسونها.
قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وطعن بمخصرته في المنبر: هذه طيبة هذه طيبة هذه طيبة يعنى المدينة، ألا هل كنت حدثتكم ذلك؟ فقال الناس: نعم. قال صلى الله عليه وآله : فإنه أعجبني حديث تميم أنه وافق الذي كنت أحدثكم عنه وعن المدينة ومكة! ألا إنه في بحر الشام أو بحر اليمن، لا بل من قبل المشرق، ما هو من قبل المشرق ما هو من قبل المشرق ما هو. وأومأ بيده إلى المشرق. قالت: فحفظت هذا من رسول الله ».
أقول: هذه القصة واضحة الكذب والتناقض، ويظهر أنها واضعتها بنت قيس وهي كذابة ولا حافظة لكذوب، ففي بعضها أن تميماً كان في السفينة وفي بعضها لم يكن! وفي بعضها أخذهم موج البحر شهراً، وفي بعضها كانوا يسيرون فظهرت لهم جزيرة، فذهبوا ليشتروا خبزاً! وفي بعضها أن الجزيرة في ساحل فلسطين، وفي بعضها في المغرب! وفي بعضها أن النبي صلى الله عليه وآله تحير فيها أين هي! كما أن الجساسة عند بنت قيس مرة دابة ومرة امرأة! أما الدجال فإنسان ضخم، أو شيطان، مقيدٌ في دير في جزيرة. ثم تتعجب لماذا سألهم الدجال عن مناطق، ولم يرسل أحداً ليتعرف خبرها..الخ.!

9- عقيدة الدجال التي نشرها كعب الأحبار

عمل اليهود للتأثير الثقافي على المسلمين فترجموا توراتهم الى العربية وكلفوا عمر بن الخطاب أن يقنع النبي بأن يعتمدها كتاباً للمسلمين! فغضب النبي صلى الله عليه وآله وقال: «والذي نفس محمد بيده، لو أصبح موسى فيكم ثم اتبعتموه وتركتموني، لضللتم»! وفي عبد الرزاق:6/113: «فتغير وجه رسول الله ! قال عبد الله: فقلت: مسخ الله عقلك! ألاترى ما بوجه رسول الله ؟!». وفتح الباري:13/438.
وكان لليهود في المدينة مدرستان: المدراس لتدريس التوراة، والمشنا لتدريس التلمود، وكان عمر ومعه جماعة يحضرون عندهم كل سبت، وطلب من النبي صلى الله عليه وآله أن يأذن لهم بكتابة أحاديثهم فنهاه وقال: كيف يهدونكم وقد أضلوا أنفسهم! لكنهم تابعوا حضورهم! فاستنفر النبي صلى الله عليه وآله المسلمين وخطب وحذرهم من المتأثرين باليهود وأطلق عليهم إسم «المُتَهَوِّكين»! «الدر المنثور:4/3».
ومعنى ذلك أن نشر الإسرائيليات كان من زمن النبي صلى الله عليه وآله وعندما جاء كعب في عهد عمر، وجد الإسرائيليات في الدجال قائمة، فطورها ونفى أن يكون الدجال يهودياً وجعله عربياً عراقياً، وزاد من تخويف المسلمين منه، كما خوفهم من فتح القسطنطنية لأنه يوجب خروج الدجال وقيام الساعة! وجعل فتح القسطنطينية بيد اليهود من بني إسحاق كما روى مسلم! لا بيد المسلمين..الخ. وتجد من العجائب أن كعباً يروي ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وآله مع أنه لم يره! لكن تلاميذه أبا هريرة وعبد الله بن عمر وابن عمرو العاص، جعلوا كلامه أحاديث نبوية!

10- جعل كعب حركة الدجال حركة عربية!

رووا عن أنس أن الدجال يهودي، ففي مسند أحمد:3/224، عن أنس: قال رسول الله صلى الله عليه وآله : «يخرج الدجال من يهودية أصبهان، معه سبعون ألف من اليهود عليهم التيجان». ويهودية أصفهان: محلة فيها يسكنها اليهود.
وفي مسلم: 8/207: «يتبع الدجال من يهود أصبهان سبعون ألفاً، عليهم الطيالسة».
لكن كعباً جعل أتباعه من العرب الأقحاح! ففي مصنف ابن أبي شيبة:8/671:«كأني بمقدمة الأعور الدجال ست مائة ألف من العرب يلبسون السيجان». وفي كنى البخاري/65: «يتبع الدجال أربعون ألفاً من صلب العرب».
ثم جعل الدجال عراقياً، لأن كعباً كان يكره العراق لأن القبائل اليمانية فيه يعرفون زيفه، ففي مصنف عبد الرزاق:11/396، عن كعب قال: «يخرج الدجال من العراق». وفي/251: أراد عمر أن يسكن العراق فقال له كعب: «لا تفعل، فإن فيها الدجال، وبها مردة الجن، وبها تسعة أعشار السحر، وبها كل داء عضال يعني الأهواء».
وتكرم كعب على بني تميم فقال لابن فاتك التميمي: «إن أشد أحياء العرب على الدجال قومك يعني بني تميم».«الآحاد والمثاني:2/372». ولعله خاف من ابن فاتك! وبذلك خالف كعب عمر لأنه قال إن الدجال مولود ويعيش حتى يخرج.
كما رد حديث النبي صلى الله عليه وآله المعروف عندهم أن الدجال من يهود أصفهان! فزعم كعب أنه، ليجعله يهودياً شبيهاً بموسى عليه السلام لأنه المهدي المنتظر عندهم!
قال في فتح الباري:13/277:«وأخرج أبو نعيم أيضاً من طريق كعب الأحبار، أن الدجال تلده أمه بقوص من أرض مصر، قال: وبين مولده ومخرجه ثلاثون».

11- من لم يؤمن بدجال كعب فقد كفر!

في فرائد السمطين:2/334: «عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله : من أنكر خروج المهدي فقد كفر بما أنزل على محمد، ومن أنكر نزول عيسى فقد كفر، ومن أنكر خروج الدجال فقد كفر».
والمقصود بهذا الدجال دجال كعب، وقد قال ذلك لأن هرطقته واجهت رفضاً من عقلاء المسلمين، فأعلن بعضهم كفره بهذا الدجال أو موافقتهم لأهل البيت عليهم السلام ، فوضع لهم كعب وتلاميذه هذا الحديث وربط دجاله بالمهدي عليه السلام !
ولو سلَّمنا جدلاً صحة هذا الحديث، فلا بد أن يكون الكفر فيه بمعناه اللغوي، أي تغطية الحق، وليس الكفر المصطلح المُخرج عن الدين.

12- حرف كعب أحاديث المهدي والدجال ليطعن بالإسلام!

أخذ كعب البشارة النبوية بالمهدي ونزول عيسى صلى الله عليه وآله وخلطها بهرطقة اليهود، وأضاف اليها أكاذيب لمصلحة الروم تمنع المسلمين من فتح القسطنطينية، فزعم أن الدجال يخرج بعد فتحها مباشرة، وأن المهدي عليه السلام سيقتل، والكعبة ستهدم، ومكة تخرب، ولا تسكن أبداً!
والعجيب أن عمر قبل هرطقاته وتبعه رواة الخلافة وجعلوها أحاديث نبوية، ودونوها في أصح مصادرهم، فصارت ديناً، بل فضيحةً موصوفة!
روى ابن حماد:2/457، عن كعب قال: «المنصور مهدي يصلي عليه أهل السماء والأرض وطير السماء، يبتدي بقتال الروم والملاحم عشرين سنة، ثم يقتل شهيداً في الملحمة العظمى هو وألفان معه كلهم أمير وصاحب راية. ولم يصب المسلمون بمصيبة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله أعظم منها».
وفي:1/393، قال كعب: «بلغني أن المهدي يمكث أربعة عشر سنة ببيت المقدس، ثم يموت، ثم يكون من بعده شريف الذكر، من قوم تُبَّع يقال له منصور ببيت المقدس، إحدى وعشرين سنة، خمسة عشر منها عدل وثلاث سنين جور، وثلاث سنين منها حرمان الأموال، لايعطي أحداً درهماً».
وفي معارج الوصول للزرندي الشافعي/198:«وعن كعب قال: يموت المهدي موتاً ثم يلي الناس بعده رجل من أهل بيته، فيه خير وشر، وشره أكثر من خيره، يُغضب الناس يدعوهم إلى الفرقة بعد الجماعة، بقاؤه قليل، يثور به رجل من أهل بيته يقتله ويقتل الناس بعده قتلاً شديداً. وبقاء الذي قتله بعده قليل، ثم يموت موتاً ويليهم رجل من مضر من الشرق، يُكفر الناس ويخرجهم من دينهم»! انتهى.
فانظر كيف وجَّه كعب طعنته الى قلب عقيدة الإسلام بدولة العدل الإلهي وإنهاء الظلم! فجعلها لعبةً، ونسب الى الله تعالى أن المهدي عليه السلام يقتل ويعود الظلم! ثم لاحظ كيف قبل ابن عمر وابن عمرو وابن منبه والزهري، أفكار كعب ونشروها، ولم يسألوا من أين جاء علم الغيب الى كعب، إلا من أمنيات اليهود؟!

13- زعم كعب أن اليهود سيفتحون القسطنطينية!

من عجائب ما رواه مسلم النيسابوري:8 /187 عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله قال: «سمعتم بمدينة جانب منها في البر وجانب منها في البحر؟ قالوا: نعم يا رسول الله ، قال: لا تقوم الساعة حتى يغزوها سبعون ألفاً من بني إسحاق، فإذا جاؤها نزلوا فلم يقاتلوا بسلاح ولم يرموا بسهم، قالوا: لا إله إلا الله والله أكبر، فيسقط أحد جانبيها. قال ثور: لا أعلمه إلا قال: الذي في البحر، ثم يقولوا الثانية: لا إله إلا الله والله أكبر فيسقط جانبها الآخر ثم يقولوا الثالثة: لا إله إلا الله والله أكبر فيفرج لهم فيدخلوها فيغنموا فبينما هم يقتسمون المغانم، إذ جاءهم الصريخ فقال: إن الدجال قد خرج فيتركون كل شئ ويرجعون».
ورواه الحاكم:4/476، والبغوي:3/482، من صحاحه، وجامع الأصول:11/75، وتذكرة القرطبي/707.
وقال النووي في شرح مسلم:18/43: «قال القاضي: كذا هو في جميع أصول صحيح مسلم «من بني إسحاق» قال بعضهم: المعروف المحفوظ من بنى إسماعيل وهو الذي يدل عليه الحديث وسياقه، لأنه إنما أراد العرب وهذه المدينة هي القسطنطينية». انتهى.
أقول: سمع كعب أن المهدي عليه السلام يفتح مدينة غربية بالتكبير، وقال بعض الرواة: إنها القسطنطينية، وكان المسلمون يتحفزون لفتحها، فنسب كعب فتحها الى قومه. وعلَّمَ كعب ذلك لأبي هريرة فجعله حديثاً عن النبي صلى الله عليه وآله ، كما سترى!

14- كعب يخوِّف المسلمين بالدجال إن فتحوا القسطنطينية!

أوردنا في المجلد الثالث من جواهر التاريخ رد الإمام زين العابدين والإمام الباقر عليه السلام على افتراء كعب بأن قبلة اليهود صخرة بيت المقدس أفضل من الكعبة، وأوردنا في المجلد الثاني في فصل الذين قتلهم معاوية، سخرية رشيد الهجري ومحمد بن أبي حذيفة رحمهما الله من كعب وتنبؤاته! راجع تدوين القرآن/429.
وقد وجد كعب أن الدجال حقلٌ حيويٌّ لأكاذيبه، فبث سمومه في نفوس المسلمين، وأقنعهم بأن هذه الأمة ستنتهي قريباً! وأقنع عمر بذلك، وأن الكعبة ستهدم ومكة تخرب، فلا تَعمر بعدها أبداً! وتحوَّل هذيانه بأيدي تلاميذه الى أحاديث نبوية! قال ابن حماد:2/529: «عن كعب قال: يفتتحون القسطنطينية، فيأتيهم خبر الدجال فيخرجون إلى الشام فيجدونه لم يخرج، ثم قلَّ ما يلبثُ حتى يخرج». وفي:2/522: عن كعب قال: «يأتيهم الخبر وهم يقسمون غنائمهم إن الدجال قد خرج، وإنما هو كذب، فخذوا ما استطعتم، فإنكم تمكثون ست سنين، ثم يخرج في السابعة». وفي/147، عن كعب قال: «لا يخرج الدجال حتى تفتح القسطنطينية».
وروى الحاكم:4/462، عن كعب: « الجزيرة آمنة من الخراب حتى تخرب أرمينية، ومصر آمنة من الخراب حتى تخرب الجزيرة، والكوفة آمنة من الخراب حتى تخرب مصر، ولا تكون الملحمة حتى تخرب الكوفة، ولا تفتح مدينة الكفر حتى تكون الملحمة، ولا يخرج الدجال حتى تفتح مدينة الكفر».
وروى ابن حماد:2/548، عن ابن عمر قال: «ملاحم الناس خمس: فثنتان قد مضتا وثلاث في هذه الأمة: ملحمة الترك وملحمة الروم وملحمة الدجال. ليس بعد ملحمة الدجال ملحمة».
وفي:2/161، عن كعب: « بينما هم يقتسمون غنائم القسطنطينية، إذ يأتيهم خبر الدجال فيرفضون ما في أيديهم ثم يقبلون فيلحقون ببيت المقدس، فيصلي خلف من يلي أمر المسلمين، ثم يوحي الله تعالى إلى عيسى بن مريم أن يسير إلى يأجوج ومأجوج، ثم يرجع إلى بيت المقدس. ثم إن الأرض تخرج زكاتها على ما كانت في أول الدنيا، ثم يلبث سبعاً، ثم يبعث الله ريحاً فتقبض أرواح المؤمنين».
وروى ابن حماد:2/499، عن كعب قال: «الملحمة العظمى وخراب القسطنطينية وخروج الدجال في سبعة أشهر، أو ما شاء الله من ذلك».
ثم صار كلام كعب هذا قولاً لصحابي! قال ابن حماد:2/469، عن بشير بن عبد الله بن يسار قال: «أخذ عبد الله بن بسر المازني صاحب رسول الله بأذني فقال: يا ابن أخي لعلك تدرك فتح قسطنطينية، فإياك إن أدركت فتحها أن تترك غنيمتك منها، فإن بين فتحها وبين خروج الدجال سبع سنين».
ثم ترقى كلام كعب فصار حديثاً نبوياً «ص147و148»! فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: «الملحمة العظمى وفتح القسطنطينية وخروج الدجال في سبعة أشهر»! ورواهما أحمد «4/189» عن عبد الله بن بسر أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: «بين الملحمة وفتح المدينة ست سنين، ويخرج مسيح الدجال في السابعة».
ورواه أحمد:5/234، عن معاذ بن جبل! ومثله تاريخ بخاري:8/431، عن بسر. وفي ابن ماجة:2/1370، عن معاذ بن جبل، وابن بسر.وفي سنن أبي داود:4/110، كرواية ابن حماد الثالثة، عن معاذ، وبرواية أخرى، وقال: هذا أصح من حديث عيسى. وفي الترمذي:4/509، كرواية ابن حماد الثالثة عن معاذ.
وفي البدء والتاريخ:2/185: «قالوا: وبين فتح القسطنطينية وخروج الدجال سبع سنين، فبينا هم كذلك إذ جاء الصريخ أن الدجال في داركم، فيرفضون ما في أيديهم وينفرون إليه».
وفي الحاكم:4/426، كرواية ابن حماد الثالثة، عن معاذ بن جبل. وفي مصابيح البغوي:3/483 كرواية ابن حماد الثالثة، من حسانه. وفي الدر المنثور:6/59، كرواية ابن حماد الثانية، وقال: وأخرج أحمد، وأبو داود، وابن ماجة، وأبو يعلى، ونعيم بن حماد، والطبراني، والبيهقي في البعث، والضياء المقدسي عن عبد الله بن بسر. وفيه: بين الملحمة وفتح القسطنطينية ست سنين. ثم رواه كرواية ابن حماد الثالثة، وقال: وأخرج أحمد، وأبو داود، والترمذي وحسنه، وابن ماجة.
ومن هذه الخرافات ما رواه مسلم: 8 /175 عن أبي هريرة: «قال رسول الله صلى الله عليه وآله : لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق أو بدابق، فيخرج إليهم جيش من المدينة من خيارأهل الأرض يومئذ، فإذا تصافوا قالت الروم: خلوا بيننا وبين الذين سبقوا منا نقاتلهم، فيقول المسلمون: لا والله لا نخلي بينكم وبين إخواننا، فيقاتلونهم فيهزم ثلث لا يتوب الله عليهم أبداً، ويقتل ثلثهم أفضل الشهداء عند الله، ويفتح الثلث لايفتنون أبداً فيفتحون قسطنطينية، فبينما هم يقتسمون الغنائم قد علقوا سيوفهم بالزيتون، إذ صاح فيهم الشيطان أن المسيح قد خلفكم في أهليكم فيخرجون وذلك باطل، فإذا جاءوا الشام خرج حينما هم يعدون للقتال يسوون الصفوف إذ أقيمت الصلاة فينزل عيسى بن مريم عليه السلام فأمهم، فإذا رآه عدو الله ذاب كما يذوب الملح في الماء، فلو تركه لذاب حتى يهلك ولكن يقتله الله بيده، فيريهم دمه في حربته».
ومثله ابن حبان:8/286، والحاكم:4/482، وصححه. وكذا البغوي:3/480. وقال الحاكم:4/476، بعد حديث فتح بني إسحاق: يقال إن هذه المدينة هي القسطنطينية، وقد صحت الرواية أن فتحها مع قيام الساعة».
وبذلك صار كذب كعب أحاديث نبوية صحيحة، روتها المصادر المعتمدة! فهل رأيت كيف استحمر اليهود رواة الخلافة الأغرار لخدمة مؤامرتهم؟! وكيف قبلت الحكومات هرطقة اليهود الى يومنا هذا، ثم لا تجد أحداً منهم يسأل نفسه: لقد فتحت القسطنطينية ومضت سبع سنوات، وسبعون، وست مائة سنة، فأين دجال كعب، ومهديه، وقيامته؟!

15- كان كعب بن ماتع يتفنن في تأييد مكذوباته

في فائق الزمخشري:2/185: قال كعب لأبي عثمان النهدي: «إلى جانبكم جبل مشرف على البصرة يقال له سنام؟ فقال: نعم، قال: فهل إلى جانبه ماء كثير السافي؟ قال: نعم. قال: فإنه أول ماء يرده الدجال من مياه العرب»!
ورواه عنه أبو نعيم في الحلية:6/13. وروى ابن حماد:2/325: «أول ما يَرِدُهُ الدجال سنام، جبل مشرف على البصرة وماء إلى جنبه، كثير الساف يعني الرمل، هو أول ما يرده الدجال»!
ثم صار كلامه حديثاً عن النبي صلى الله عليه وآله ! «ابن حماد/149»

16- كعب يرد على رسول الله صلى الله عليه وآله وأتباع الخلافة يطيعونه!

تقدم أن المغيرة بن شعبة سأل النبي صلى الله عليه وآله :«إن الناس يزعمون أن معه الطعام والشراب، قال: هو أهون على الله تعالى من ذلك»! لكن كعباً أكد أساطير اليهود وصدقه المسلمون في جبل الثريد! «ومنه حديث كعب: والدجال يُسَخَّرُ معه جبل ماتعٌ خلاطه ثريد، أي طويل شاهق»! «لسان العرب:8/328، وغريب ابن قتيبة:1/271، ونهاية ابن الأثير:4/293». فجعله جبلاً ماتعاً شاهقاً، ليكفي قبائل العرب! فالجبل على اسم أبيه، لأنه كعب بن ماتع!

17- رد أهل البيت عليه السلام مكذوبات كعب!

قالت مصادرنا إن ظهور المهدي عليه السلام مرحلة جديدة في حياة الناس على الأرض، تستمر الى يوم القيامة فلا ظلم بعدها أبداً. وروينا أن الإمام المهدي عليه السلام يملك طويلاً بعدد سنيِّ أهل الكهف، ثم يرجع النبي صلى الله عليه وآله وبعض الأئمة عليهم السلام ويحكمون.. الخ. فتسلسل الأحداث: ظهور المهدي ثم نزول المسيح عليه السلام ، ثم خروج الدجال في عصرهما والقضاء عليه، ثم وفاة عيسى ثم المهدي عليه السلام ، وتستمر ودولة العدل الى يوم القيامة.
فخروج الدجال يكون بعد ظهور المهدي ونزول المسيح عليه السلام . بينما تبنت مصادر السنيين مقولات اليهود التي زعمت أن المسلمين إذا فتحوا القسطنطينية وغلبوا الروم قُتِلَ المهدي عليه السلام ، وخرج الدجال، ثم نزل المسيح عليه السلام ، ثم ظهرت يأجوج ومأجوج، ثم قامت القيامة! فقد جعلوا هذه الأحداث العظيمة المتباعدة متتابعة، وجمعوها في سبعة أشهر أو سنين، ثم جعلوها أحاديث نبوية!
ويواجهك في أمر القسطنطينية سؤال عن موقف كعب المريب لمصلحة الروم؟! فبعد هزيمتهم في سورية واتجاه المسلمين الى فتح القسطنطينية، جعل كعب فتحها يستوجب خروج الدجال، وقتل مهدي المسلمين، وقيام القيامة، ونهاية العالم؟! إقرأ ما رواه ابن أبي شيبة:8 /650، عن معاذ بن جبل قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وآله : عُمْرَانُ بيت المقدس خرابُ يثرب، وخرابُ يثرب خروج الملحمة، وخروجُ الملحمة فتح القسطنطينية، وفتحُ القسطنطينية خروج الدجال! ثم ضرب بيده على فخذ الذي حدَّثه أو منكبيه، ثم قال: إن هذا هو الحق كما أنك ها هنا، أو كما أنت قاعد، يعني معاذاً»!
ومثله أحمد:5/232 و 245، وأبو داود:4/110، كرواية أحمد الثانية بتفاوت يسير، والحاكم:4/420، وصححه وفيه: ثم ضرب معاذ على منكب عمر بن الخطاب فقال: والله إن ذلك لحق كما أنك جالس! والبغوي:3/482، والدر المنثور:6/60.
أقول: إن صحت روايتهم عن معاذ، فهي تدل على أنه من مجموعة المتهوكين تلاميذ الحاخامات، وممن أخذوا عنهم أحاديث التخويف بالدجال!
واقرأ ما رواه ابن ماجة:2/1370، عن عمرو بن عوف قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله : «لا تقوم الساعة حتى تكون أدنى مسالح المسلمين ببولاء، ثم قال: يا علي، يا علي، ياعلي، قال: بأبي وأمي، قال: إنكم ستقاتلون بني الأصفر ويقاتلهم الذين من بعدكم، حتى تخرج إليهم رُوقة الإسلام أهل الحجاز الذين لا يخافون في الله لومة لائم، فيفتتحون القسطنطينية بالتسبيح والتكبير، فيصيبون غنائم لم يصيبوا مثلها حتى يقتسموا بالأترسة، ويأتي آت فيقول: إن المسيح قد خرج في بلادكم، ألا وهي كذبة، فالآخذ نادم والتارك نادم».
وفي فتن ابن حماد:1/55، عن عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وآله قال: «تكون أربع فتن؛ الأولى يستحل فيها الدم، والثانية يستحل الدم والمال، والثالثة يستحل فيها الدم والمال والفرج، والرابعة الدجال».
وفي فتن ابن حماد:2/555: «يخرج الدجال في الفتنة الرابعة، بقاؤه أربعون سنة».
وفي فتن ابن حماد:2/517: «عن كعب قال:كان يقال كلب الساعة الدجال». أي خروجه ملازم للقيامة كما يلازم الكلب صاحبه! ولا بد أن يكون كعب ترجم ذلك من تلمودهم، لأن أحاديث الدجال لم ترد في التوراة، كما قال ابن حجر.
وقد حذف كعب الأحبار تطبيق قومه اليهود للدجال على نبي الله المسيح عليه السلام ! كما أضاف اليه ظهور المهدي ونزول المسيح عليه السلام وقتالهما للدجال وذلك مداراة للمسلمين! لكنه في نفس الوقت أدخل مفاهيم يهوديته في عقيدة المهدي والدجال، مثل أن الدجال عربي، وأن المهدي لايحقق هدفه، بل يُقتل، وأن الكعبة تُهدم، ومكة تخرب!
ختاماً، اتضح لك خطورة أحاديث كعب، وأنها تحولت الى أحاديث عن النبي صلى الله عليه وآله مع أنه لم يره! وقد ذكرنا تقديس عمر لكعب، ثم عثمان بعده، ثم معاوية، وكان يتنقل بين المدينة والشام ومصر والقسطنطينية!
وقد بلغ تقديس كعب عند رواة الخلافة أنه يقول ما شاء فيحوله أبو هريرة، وعبد الله بن عمرو العاص، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن سلام، ووهب بن منبه، وغيرهم، الى حديث يسنده الى النبي صلى الله عليه وآله ، تصديقاً لكعب!

18- الكذابون قبل الدجال!

روى السنيون أنه يكون قبل الدجال ثلاثون كذاباً، أو سبعون. ورواية الثلاثين عندهم صحيحة. وورد عندنا أنه يكون في هذه الأمة اثنا عشر إمام هدى، واثنا عشر إمام ضلال، وثلاثون كذاباً. والمقصود الدجالون البارزون قبل الدجال الأصلي، وإلا فهم مئات! ومنهم بعض رواة أحاديث الدجال!
روى عبد الرزاق:11/392، عن أبي بكرة قال: «أكثرَ الناسُ في مسيلمة قبل أن يقول رسول الله صلى الله عليه وآله فيه شيئاً، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله خطيباً فقال: أما بعد، ففي شأن هذا الدجال الذي قد أكثرتم فيه فإنه كذاب من ثلاثين كذاباً يخرجون بين يدي المسيح، وإنه ليس من بلد إلا يبلغه رعب المسيح إلا المدينة، على كل نقب من أنقابها ملكان يذبان عنها رعب المسيح». انتهى. فهم يعبرون عن الدجال عن لسان النبي صلى الله عليه وآله بالمسيح وهو تعبير كعب واليهود! ومعنى أنقابها: مداخلها من بين الجبال. وابن حماد:2/551، وأحمد:5/41، وبخاري:9/75، وابن حبان:8/225، والحاكم:4/541، والزوائد:7/332.
وروى ابن أبي شيبة:8 /665، عن عبيد بن عمير الليثي قال:« قال رسول الله صلى الله عليه وآله : لاتقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذاباً، كلهم يزعم أنه نبي قبل يوم القيامة».
ونحوه أحمد:2/95 و 103، و117 و 236 و 312 و 429 و 530، وصحيح بخاري:4/243، كرواية أحمد الرابعة بتفاوت يسير، عن عبد الرزاق، وفي:9/74، كرواية أحمد الخامسة، ورواه في عدة مواضع. ومسلم:8 /189، كرواية أحمد الرابعة، وفي ابن أبي شيبه:8 /655، عن أنس: إن بين يدي الدجال لستاً وسبعين دجالاً. وفي مجمع الزوائد:7/333، عن أبي يعلى: نيف وسبعون دجالاً...
هذا، وتزيد أحاديثهم في الدجال على مجلد! وهي من نوع ما قدمناه، وأسوأ.

ختام في دابة الأرض ويأجوج ومأجوج

خلط رواة الخلافة أحاديث المهدي عليه السلام بأحاديث الدجال وأحاديث علامات القيامة، فجعلوها قطعة واحدة!
وكذلك فعلوا بآية دابة الأرض، ويأجوج، المذكورتين في القرآن، فجعلوا وقتهما عند ظهورالمهدي ونزول عيسى عليه السلام . بل زعموا أن عيسى عليه السلام يقاتل الدجال ثم يأجوج ومأجوج! مع أن وقت دابة الأرض في الرجعة أي بعد ظهور المهدي عليه السلام ، ويأجوج قرب القيامة! وقد جاءتهم هذه التصورات للمستقبل، من الإسرائيليات وخيالات كعب!

آية دابة الأرض التي تُكلم الناس!

قال الله تعالى: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ. وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ. إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ. فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ. إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ. وَمَا أَنْتَ بِهَادِى الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ. وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأرض تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ. وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ.حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِى وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمْ مَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ».سورة النمل:76-85
فالآيات خطاب لليهود ومعهم المعاندون الذين تعمدوا أن لا يسمعوا ولا يَرَوْا حقائق الكون! فسماهم الله موتى وأمر رسوله صلى الله عليه وآله أن يصرف النظر عنهم، لأنهم سيبقون هكذا حتى يقع القول عليهم، ويخرج الله لهم دابة من الأرض تكلمهم!
ولم تحدد الآية وقت هذه الحدث، فقد يكون قرب القيامة، وقد يكون قبلها بألوف السنين، كما أن تعبير: وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ، لم يستعمل في القرآن إلا في دابة الأرض، واستعمل: حَقَّ القَوْل للقيامة: وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لامْلأنَّ جَهَنَّمَ. «السجدة:13» لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ.«يس: 7». قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ. «القصص:62».
كما أن كلمة «وقع» استعملت في القرآن لوقوع الرجز «الأعراف134» والرجس «الأعراف71» ووقوع العذاب الدنيوي «يونس 51».
وهذا يقرِّب ما في أحاديثنا من أن دابة الأرض تكون في الرجعة، وهي مرحلة من الحياة تبدأ بظهورالمهدي عليه السلام ويرجع فيها النبي صلى الله عليه وآله وعدد من الأنبياء والأئمة عليهم السلام إلى الدنيا، بعضهم زائراً لمدة قصيرة، وبعضهم يحكم في الأرض مدة. ويدل على ذلك الآية التي تليها فقد نصت على حشرٍ خاص لفئات قبل الحشر العام: وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ.
وفي تفسير القمي:1/198: «عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: إِنَّ اللهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً.. وسيريكم في آخر الزمان آيات، منها دابة في الأرض، والدجال، ونزول عيسى بن مريم، وطلوع الشمس من مغربها».
وقد استعمل تعبير آخر الزمان لفترة كبيرة من عمر الحياة تبدأ من بعثة النبي صلى الله عليه وآله الى آخر الدنيا. كما أن التسلسل في الرواية جاء من الراوي، لأن الأئمة عليهم السلام نصوا على أن ظهور المهدي عليه السلام قبل الدجال ودابة الأرض.
وفي الكافي:1/197، والبصائر/199، وطبعة/219، عن أبي جعفر عليه السلام أن علياً عليه السلام قال في حديث طويل: «ولقد أعطيتُ الستَّ: علم المنايا والبلايا والوصايا والأنساب وفصل الخطاب. وإني لصاحب الكرَّات ودولة الدول، وإني لصاحب العصا والميسم، والدابة التي تكلم الناس».
وهو نصٌّ على أن علياً عليه السلام يكرُّ أي يرجع الى الدنيا مع النبي صلى الله عليه وآله ويكون صاحب الدابة أي تأتمر بأمره فتكلم الناس، والعصا هنا لعلها عصى موسى عليه السلام وقد ورد أنها عصا آدم عليه السلام ، فتكون آية في الرجعة. ويكون المَيْسَم أي الآلة التي تضع علامة على جبهة بعض الكفار، ومعناه تصنيف الناس الذين لايؤمل صلاحهم في دولة الإمام المهدي عليه السلام ليعرفهم الناس ويحذروا منهم، لأن الميسم يرافق دابة الأرض والدابة آية للمعاندين من اليهود وأمثالهم، فلعل الوسم لهم أيضاً.
وقد نصت أحاديث أهل البيت عليهم السلام على أن دابة الأرض من آيات الرجعة، وليست من آيات القيامة، قال الله تعالى: يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً.
ففي مختصر البصائر/210 عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن العذاب الأدنى الدابة والدجال.
وفي المحاسن/236، عن عبد الله بن سليمان العامري، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «ما زالت الأرض ولله فيها حجة يعرف الحلال والحرام ويدعو إلى سبيل الله، ولا تنقطع الحجة من الأرض إلا أربعين يوماً قبل يوم القيامة، فإذا رفعت الحجة أغلق باب التوبة ولم يَنْفَع نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْل أن ترفع الحجة. وأولئك شرار من خلق الله، وهم الذين تقوم عليهم القيامة».

دابة الأرض في مصادر السنيين

تكثر في مصادرهم الإسرائيليات، وتتشابه عناصر الأسطورة في أحاديثهم في الدجال ودابة الأرض ويأجوج ومأجوج! وأول ما تلاحظه أنهم ربطوا دابة الأرض بآية: يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً. فقد روى ابن أبي شيبة:8 /669، عن أبي هريرة، قال رسول الله صلى الله عليه وآله : «ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، والدابة». ومثله أحمد:2/445 ومسلم:1 /95، وأبو عوانة:1/107، والترمذي:5/264، وصححه، وتفسير الطبري:8/76، وكثير من مصادرهم.
وفي الطبراني الكبير: 9/214، عن ابن عمر قال: «التوبة معروضة على ابن آدم إن قبلها، ما لم يخرج إحدى ثلاث: ما لم تطلع الشمس من مغربها، أو تخرج الدابة، أو تخرج يأجوج ومأجوج».
مع أنهم رووا ما يوافق مذهب أهل البيت عليهم السلام وأن التوبة تبقى مفتوحة، وصححوه، لكنهم أعرضوا عنه حباً بأحاديث كعب وتلاميذه! فقد روى الحاكم:4/485، في وصف دابة الأرض: «ثم يخرج الدجال فيأخذ المؤمن منه كهيئة الزكمة، وتدخل في مسامع الكافر والمنافق حتى يكون كالشئ الحنيذ، وإن التوبة لمفتوحة، ثم تطلع الشمس من مغربها. هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه».

من مبالغاتهم وإسرائيلياتهم في دابة الأرض

1. في كيفية خروج الدابة: في الطبراني الأوسط:1/98، عن عبد الله بن عمرو العاص قال: قال النبي صلى الله عليه وآله : «إذا طلعت الشمس من مغربها يخر إبليس ساجداً ينادي إلهي مرني أن أسجد لمن شئت فتجتمع إليه زبانيته فيقولون: ياسيدهم ما هذا التضرع؟ فيقول: إنما سألت ربي أن ينظرني إلى الوقت المعلوم وهذا الوقت المعلوم، ثم تخرج دابة الأرض من صدع في الصفا فأول خطوة تضعها بأنطاكية، ثم تأتي إبليس فتلطمه».
وعلق عليه ابن كثير في تفسيره:2/202: «حديث غريب جداً وسنده ضعيف، ولعله من الزاملتين اللتين أصابهما عبدالله يوم اليرموك! فأما رفعه فمنكر، والله أعلم».
وهذا الكلام من ابن كثير يوجب الشك في كل مارواه عبد الله بن العاص، لأنه كان عنده حمل بعير أو حملان من كتب حصل من الشام وكان يحدث منها! وأخطر ما في الأمر أن ابن كثير يقول إن ابن العاص قد يكذب على النبي صلى الله عليه وآله في نسبته اليه ما يرويه من الزاملتين! ويسري هذا الشك الى عبد الله بن عمر، فهو مثله، بل قد يختلط مع ا بن العاص عندما يقال في السند «عن عبدالله» بدون إسم أبيه!
2. زعموا أن دابة الأرض تطارد الناس! روى الطيالسي/144، عن طلحة، قال: «ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله الدابة فقال: لها ثلاث خرجات من الدهر، فتخرج في أقصـى البادية ولا يدخل ذكرها القرية يعني مكة، ثم تكمن زماناً طويلاً ثم تخرج خرجة أخرى دون ذلك، فيعلو ذكرها أهل البادية ويدخل ذكرها القرية يعني مكة. قال رسول الله صلى الله عليه وآله : ثم بينما الناس في أعظم المساجد على الله حرمة وخيرها وأكرمها المسجد الحرام، لم يَرُعْهم إلا وهي ترغو بين الركن والمقام، تنفض عن رأسها التراب فأرفض الناس معها شتى ومعاً، وثبت عصابة من المؤمنين وعرفوا أنهم لن يعجزوا الله، فبدأت بهم فجلت وجوههم حتى تجعلها كأنها الكوكب الدري، وولت في الأرض لايدركها طالب ولاينجو منها هارب، حتى أن الرجل ليتعوذ منها بالصلاة فتأتيه من خلفه فتقول: يا فلان يا فلان الآن تصلي! فيقبل عليها فتسِمُه في وجهه ثم تنطلق، ويشترك الناس في الأموال ويصطحبون في الأمصار يعرف المؤمن من الكافر حتى أن المؤمن يقول: ياكافر إقضني حقي، وحتى أن الكافر يقول: يا مؤمن إقضني حقي».
ورواه ابن حماد في:2/666وبعدها، بصيغ أخرى وإضافات، وفيها: فيهريق الأمراء فيها الدماء. وفي تفسير الطبري: « تخرج الدابة من الصفا أول ما يبدو رأسها ملمعة ذات وبر وريش، لم يدركها طالب ولن يفوتها هارب» والطبراني الكبير:3/193، والحاكم:4/484، وصححه، وبسند آخر وصححه على شرط الشيخين! ونحوه الدر المنثور:5/116، وفيه: «ولها عنق مشـرف يراها من بالمشـرق كما يراها من بالمغرب، ولها وجه كوجه إنسان ومنقار كمنقار الطير، ذات وبر وزغب، معها عصا موسى وخاتم سليمان بن داود، تنادي بأعلى صوتها: إن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون، ثم بكى رسول الله صلى الله عليه وآله ، فقيل: يا رسول الله وما بعد؟ قال: هنات وهنات ثم خصب وريف حتى الساعة».
وفي زهر الفردوس 4/64: قال صلى الله عليه وآله : «مثل أمتي ومثل الدابة التي تخرج كمثل حِيزٍ بُنيَ ورفعت حيطانه وسُدت أبوابه وطُرح فيه من الوحوش كلها، ثم جئ بالأسد فطرح وسطها فانذعرت وأقبلت إلى النفق تلمسه من كل جانب، كذلك أمتي عند خروج الدابة لا يفر منها أحد إلا مثلت بين عينيه، ولها سلطان من ربنا عظيم».
3. واخترعوا لها صفات أسطورية: قال ابن حماد:2/665، عن الشعبي قال: «دابة الأرض ذات وبر، تنال رأسها السماء».
وفي الدر المنثور:5/116، عن الشعبي: «إن دابة الأرض ذات وبر تناغي السماء. وعن ابن عباس: الدابة مؤلفة ذات زغب وريش، فيها من ألوان الدواب كلها»!
وفي التبيان 8/119، عن ابن عمر:«تخرج حتى يبلغ رأسها الغيم فيراها جميع الخلق».
وفي تفسير ابن كثير:3/388، عن أبي الزبير: «رأسها رأس ثور، وعينها عين خنزير، وأذنها أذن فيل، وقرنها قرن إبل، وعنقها عنق نعامة، وصدرها صدر أسد، ولونها لون نمر، وخاصرتها خاصرة هر، وذنبها ذنب كبش، وقوائمها قوائم بعير، بين كل مفصلين اثنا عشر ذراعاً، تخرج معها عصا موسى وخاتم سليمان، فلا يبقى مؤمن إلا نكتت في وجهه بعصا موسى نكتة بيضاء فتفشو تلك النكتة حتى يبيض لها وجهه، ولايبقى كافر إلا نكتت في وجهه نكتة سوداء بخاتم سليمان، فتفشو تلك النكتة حتى يسود بها وجهه. وعن أبي هريرة: ما بين قرنيها فرسخ للراكب».
وفي سنن الداني/104، حديث في عدة صفحات عن حذيفة قال: «قلت: يا رسول الله وما الدابة؟ قال: ذات وبَر وريش، عظمها ستون ميلاً، ليس يدركها طالب، ولا يفوتها هارب، تَسِمُ الناس مؤمناً وكافراً، فأما المؤمن فتترك في وجهه كالكوكب الدري، وتنكت بين عينيه مؤمن، وأما الكافر فتكتب بين عينيه نكتة سوداء، وتكتب بين عينيه كافر».
وفي تاريخ بخاري:3/316: عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله :«تخرج الدابة فتصـرخ ثلاث صرخات»! وفي الزوائد:8/6، عن أحمد: «فَتَسِمُ الناس على خراطيمهم، ثم يعمرون فيكم حتى يشتري الرجل البعير فيقول: ممن اشتريته؟ فيقول: اشتريته من أحد المخطَّمين». ويفهم منه أن خَطْمَها على الجباه خاص بفئة من الناس، وهذا يردُّ ما نصوا عليه من أن خطمها شامل. فانظر الى خيال هؤلاء البدو الكذبة، كيف اختلط مع الإسرائيليات!
4. وكذَبوا على النبي صلى الله عليه وآله فقالوا إنه حدد مكان خروجها، للصحابي بريدة الأسلمي، فروى عنه أحمد:5/357، أنه قال: «ذهب بي رسول الله صلى الله عليه وآله إلى موضع بالبادية قريباً من مكة فإذا أرض يابسة حولها رمل، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : تخرج الدابة من هذا الموضع، فإذا فِتْرٌ في شبر»!
وفي الدر المنثور:5/117: أخرج البخاري في تاريخه، وابن ماجة، وابن مردويه عن بريدة.. لكن ابن عمرو العاص صاحب الزاملتين جعل مكان خروجها الصفا، فقال كما في تفسير الطبري:20/10: «لو شئت لانتعلت بنعليَّ هاتين فلم أمس الأرض قاعداً حتى أقف على الأحجار التي تخرج الدابة من بينها، ولكأني بها قد خرجت في عقب ركب من الحاج. قال: فما حججت قط إلا خفت أن تخرج بعقبنا»!
وفي ابن حماد:2/662، وبعدها، عن عطاء، قال: «رأيت عبد الله بن عمرو وكان منزله قريباً من الصفا، رفع قدمه وهو قائم وقال: لو شئت لم أضعها حتى أضعها على المكان الذي تخرج منه الدابة»!
ثم أبعدها ابن العاص قليلاً عن الصفا وزعم أنها تخرج من مكة من «شعب بالأجياد»! كما في ابن حماد، وابن أبي شيبة:15/67، ووافقه أبو هريرة:7/2569.
أما زميله ابن عمر فوافقه على أنها تخرج من الصفا، وقال إنها لاتكلم الناس! بل تختمهم في الحج وتنتهي مهمتها، فترفع قدمها من مكة وتضع أول خطوة لها في أنطاكية وتذهب! وروى عنه ابن حماد:2/667، قال: «ألا أريكم المكان الذي قال رسول الله صلى الله عليه وآله إن دابة الأرض تخرج منه؟فضرب بعصاه الشق الذي في الصفا».
وأنت ترى الكذب والهرطقة في هذه الروايات في دابة الأرض والدجال ويأجوج، حتى لو صححوها على شرط الشيخين وشرط كل الشيوخ! والعجيب أنهم أكثروا منها وقللوا الرواية في القضايا المصيرية التي سفكت فيها دماء المسلمين، كالخلافة بعد النبي صلى الله عليه وآله !

رواية أن علياً عليه السلام دابة الأرض ورواية نفي ذلك

في الدر المنثور:5/117: وأخرج ابن أبي حاتم، عن النزال بن سبرة قال: «قيل لعلي بن أبي طالب: إن ناساً يزعمون أنك دابة الأرض، فقال: والله إن لدابة الأرض ريشاً وزغباً وما لي ريش ولا زغب، وإن لها لحافراً وما لي من حافر، وإنها لتخرج حضر الفرس الجواد ثلاثاً، وما خرج ثلثاها».
وابن سبرة عثماني الهوى، ويقصد أن بعض الشيعة في زمن أميرالمؤمنين عليه السلام كانوا يقولون إن علياً هو دابة الأرض الموعودة! وإنه سأل علياً عليه السلام فنفى ذلك ووصف دابة الأرض كما يصفها رواة الخلافة، وأن طولها أكثر من ميدان تقطعه الفرس السريعة حتى تتعب، وهو نحو خمسة كيلو مترات!
وقد روت مصادرنا أن معاوية سأل الأصبغ بن نباتة نفس سؤال ابن سبرة، قال الأصبغ: «قال لي معاوية: يا معشر الشيعة تزعمون أن علياً دابة الأرض؟ فقلت: نحن نقول! اليهود تقوله! قال: فأرسل إلى رأس الجالوت فقال: ويحك تجدون دابة الأرض عندكم؟ فقال: نعم. فقال: وما هي؟ فقال: رجل. فقال: أتدري ما اسمه؟ قال: نعم، اسمه إيليا، قال: فالتفت إليَّ فقال: ويحك يا أصبغ، ما أقرب إيليا من علي»! «مختصر البصائر/208، تأويل الآيات 1 /404».
ويبدو أن الأمويين كانوا يشيعون ذلك لتشويه صورة علي عليه السلام بسبب أنه صاحب دابة الأرض فجعلوه نفس دابة الأرض! وقد يكون ذلك تسرب منهم الى مصادرنا! ففي رواية تفسير القمي:2/130:«عن علي عليه السلام وأبي ذر وعمار، أن رسول الله صلى الله عليه وآله جاء إلى أميرالمؤمنين عليه السلام وهو نائم في المسجد قد جمع رملاً ووضع رأسه عليه فحركه برجله ثم قال له: قم يا [صاحب] دابة الله! فقال رجل من أصحابه: يا رسول الله أيسمي بعضنا بعضاً بهذا الإسم؟ فقال: لا والله ما هو إلا له خاصة وهو الدابة التي ذكر الله في كتابه: وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأرض تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لايُوقِنُونَ، ثم قال: يا علي إذا كان آخر الزمان أخرجك الله في أحسن صورة، ومعك مَيْسَمٌ تَسِمُ به أعداءك. فقال رجل لأبي عبد الله عليه السلام : إن الناس يقولون هذه الدابة إنما تَكلِمُهم. فقال أبو عبد الله عليه السلام : كلمهم الله في نار جهنم، إنما هو يُكَلِّمُهم من الكلام! والدليل على أن هذا في الرجعة قوله: وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ. حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْماً أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ؟!
قال: الآيات أميرالمؤمنين والأئمة عليهم السلام . فقال الرجل لأبي عبد الله عليه السلام : إن العامة تزعم أن قوله: وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا، عنى يوم القيامة، فقال أبو عبد الله عليه السلام : أفيحشر الله من كل أمة فوجاً ويدع الباقين؟ لا، ولكنه في الرجعة، وأما آية القيامة فهي: وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً».
أقول: يحتمل أن يكون أصل الرواية «صاحب دابة الله»! فسقطت كلمة «صاحب» التي جاءت في رواية الكافي وبصائر الدرجات. وفي مقابلها روى مصدران هما تفسير القمي ومختصر البصائر، أن دابة الأرض هي علي عليه السلام ! ففي مختصر البصائر/206، عن أبي عبد الله الجدلي قال: «دخلت على علي بن أبي طالب عليه السلام فقال: ألا أحدثك ثلاثاً قبل أن يدخل علي وعليك داخل؟ أنا عبد الله أنا دابة الأرض صدقُها وعدلُها وأخو نبيها، ألا أخبرك بأنف المهدي وعينه ؟ قال: قلت: نعم، فضرب بيده إلى صدره فقال: أنا».
وعن الجدلي أيضاً في/207، قال: «دخلت على علي عليه السلام فقال: أحدثك بسبعة أحاديث إلا أن يدخل علينا داخل، قال: قلت: إفعل جعلت فداك، قال: أتعرف أنف المهدي وعينه؟ قال: قلت: أنت يا أميرالمؤمنين. فقال: الدابة وما الدابة، عدلها وصدقها وموقع بعثها والله مهلك من ظلمها، وذكر الحديث».
وفي/208، عن الأصبغ بن نباتة قال: «دخلت على أميرالمؤمنين عليه السلام وهو يأكل خبزاً وخلاً وزيتاً فقلت: يا أميرالمؤمنين قال الله عز وجل: وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهم دَابَّةً مِنَ الأرض تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لايُوقِنُونَ، فما هذه الدابة ؟ قال: هي دابة تأكل خبزاً وخلاً وزيتاً»!
أما رواية تفسير القمي:2/131، فهي عن أبي عبد الله عليه السلام ، قال رجل لعمار بن ياسر: «يا أبا اليقظان آية في كتاب الله قد أفسدت قلبي وشككتني، قال عمار: وأي آية هي؟ قال: قول الله وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهم دَابَّةً مِنَ الأرض الآية، فأي دابة هي؟ قال عمار: والله ما أجلس ولا آكل ولا أشرب حتى أريكها، فجاء عمار مع الرجل إلى أميرالمؤمنين عليه السلام وهو يأكل تمراً وزبداً، فقال له: يا أبا اليقظان هلمَّ! فجلس عمار وأقبل يأكل معه، فتعجب الرجل منه، فلما قام عمار قال له الرجل: سبحان الله ياأبا اليقظان حلفت أنك لا تأكل ولا تشرب ولا تجلس حتى ترينيها؟! قال عمار: قد أريتكها إن كنت تعقل».
أقول: القدر المتيقن من الروايات أن علياً عليه السلام صاحب دابة الأرض، وأنها تخرج في رجعته مع النبي صلى الله عليه وآله ، ولعل أصل القول بأن علياً عليه السلام دابة الأرض جاء من قوله عليه السلام : «وإني لصاحب العصا والميسم والدابة التي تكلم الناس» أي في الرجعة. ولعل الشبهة من قراءة الدابة بالضم مع أنها بالكسر، عطفٌ على الميسم والعصا.

آيات يأجوج ومأجوج

قال الله تعالى في قصة ذي القرنين:«ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا. حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا. كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا. ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا. حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لايَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً. قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يأجوج وَمأجوج مُفْسِدُونَ فِي الأرض فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً. قَالَ مَا مَكَّنِّى فِيهِ رَبِّى خَيْرٌ فَأَعِينُونِى بِقُوَةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً. آتُونِى زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَاراً قَالَ آتُونِى أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً. فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْباً. قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّى فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّى جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّى حَقّاً. وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعاً.وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضاً.«الكهف:89-100».
والمعنى: أن ذا القرنين رحمه الله الذي بعثه الله في مهمة عالمية، توجه بوسائله نحو مشرق الشمس فبلغ منطقة فيها قومٌ تحت أشعة الشمس الحارقة، وقد يكونون يأجوج ومأجوج، فلم يصنع لهم شيئاً. ثم سار بوسائله حتى وصل الى منطقة بين السدين، فوجد قوماً شكوا له هجوم يأجوج ومأجوج عليهم، فصنع السد لحمايتهم منهم وعرف باسمه «سد ذي القرنين» فعجزت يأجوج عن نقبه أو تسلقه، وأخبرهم ذو القرنين أن السد رحمة لهم، وأن الله سيدكه قرب يوم القيامة.
قال تعالى في سياق كلامه عن بعثة الأنبياء عليهم السلام : إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ. وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ. فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ. وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ. حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يأجوج وَمأجوج وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ. وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ.«الأنبياء:92-97».
والمعنى: أن الله تعالى أرسل الأنبياء عليهم السلام وأمر الناس أن يهتدوا بهم ويكونوا أمة واحدة، لكنهم اختلفوا وسلكوا طرق التفرق، وأنهم سيرجعون الى الله فيجازيهم. ثم تحدث عز وجل عن القرى التي أهلكها بظلمها، أي الحضارات الجائرة، وقال إنه حرَّم عليهم الرجوع!
وتحير المفسرون في هذا الرجوع المحرم، فقال بعضهم: «ممتنع عليهم أن يرجعوا فيتداركوا ما فاتهم من السعي المشكور والعمل المكتوب المقبول».«الميزان:14/325». وفالصحيح ما قاله أهل البيت عليهم السلام أنه تحريم رجوع المهلكين في الرجعة لا في القيامة. ففي تفسير القمي:2/75، بسند صحيح عن الصادق والباقر صلى الله عليه وآله : «كل قرية أهلك الله أهلها بالعذاب لايرجعون في الرجعة». ثم قال القمي: «فهذه الآية من أعظم الدلالة في الرجعة لأن أحداً من أهل الإسلام لا ينكر أن الناس كلهم يرجعون إلى القيامة، من هلك ومن لم يهلك».انتهى.
وتحدثت الآية التالية عن انفتاح يأجوج ومأجوج وانسيابهم في الأرض قرب القيامة، التي هي الوعد الحق! ولم تذكر أن يأجوجاً يأتون من جهة السد أو غيره، ولا أنهم يخوضون قتالاً مع أحد! ونسجل حولهم ملاحظات:
1- الظاهر أن يأجوج ومأجوج في مكان آخر غير أرضنا، ويشير اليه قوله تعالى: «ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ..»، فقد يكون هذا السبب وسيلة فضائية ويكون مطلع الشمس الذي وصل اليه في غير الأرض..الخ.
2- ورد أن يأجوجاً ليسوا من أبناء آدم عليه السلام ، ففي الكافي:8/220 عن علي عليه السلام قال: «وأجناس بني آدم سبعون جنساً، والناس ولد آدم ما خلا يأجوج ومأجوج». وهنا أدخل كعب أنفه فقال: «هم نادرة من ولد آدم، وذلك أن آدم احتلم ذات يوم وامتزجت نطفته بالتراب، فخلق الله من ذلك الماء والتراب يأجوج ومأجوج، فهم متصلون بنا من جهة الأب دون الأم». «شرح مسلم:3/98، وفتح الباري:13/94».
3- لم تذكر روايات أهل البيت عليهم السلام أي حرب مع يأجوج ومأجوج، بينما طفحت مصادر السنيين بمعارك خيالية معهم، بقيادة عيسى بن مريم عليه السلام .
4- وصف أميرالمؤمنين عليه السلام المغول وغزوهم للأمة، ولم يربطهم بيأجوج أو بالقيامة، بينما طبقت مصادرأتباع الخلافة يأجوج على المغول! وقد انتهى المغول ولم تقم القيامة فثبت كذبهم! ففي مسند أحمد:5/271: «خطب رسول‌الله صلى الله عليه وآله وهوعاصب إصبعه من لدغة عقرب فقال: إنكم تقولون لا عدو وإنكم لا تزالون تقاتلون عدواً حتى يأتي يأجوج ومأجوج، عراض الوجوه صغار العيون شهب الشعاف، من كل حدب ينسلون، كأن وجوههم المجان المطرقة».
الشِّعَاف: جمع شَعْفَة: أعلى الشئ والمعنى صفر الشعور. والمجان المطرَّقة: أي وجوههم مبقعة كترس الحديد المبقع من الطرق. ومثله الفائق:2/204، وعنه فتن ابن كثير:2/183، وتفسيره:3/205، ومجمع الزوائد:8/6، وعن الطبراني، والدر المنثور:4/336.. الخ.
5- روى أتباع الخلافة أن النبي صلى الله عليه وآله أخبر بقرب هلاك العرب وخروج يأجوج، في أقل من قرن! ولا شئ من ذلك في أحاديث أهل البيت عليهم السلام ! ففي صحيح بخاري:8/88: «استيقظ النبي صلى الله عليه وآله من النوم محمراً وجهه يقول: لا إله إلا الله، ويلٌ للعرب من شرٍّ قد اقترب! فُتِحَ اليوم من رَدْمِ يأجوج ومأجوج مثل هذه! وعقد سفيان «بأصابعه» تسعين أو مائة. قيل: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث». ورواه أيضاً في:4/176وفي:4/109، عن أم حبيبة بنت أبي سفيان، وكأنها تطبقه على قتل عثمان، لكن رواه عن أبي هريرة أيضاً وطبقه على غَلَمَة قريش الذين تهلك الأمة بأيديهم!
ومعنى عقد تسعين أو مئة، أنه رسم دائرة بضم الخنصر والإبهام.

نموذج من مبالغاتهم في يأجوج ومأجوج

أكثرت رواياتهم عن يأجوج ومأجوج غثٌّ ينادي بأنه موضوع، لكنه صحيح على شرط الشيخ والشيخين والشيوخ! بينما لا تجد في قضايا الأمة المصيرية كقضية الخلافة ومستقبل الأمة عشر معشارها!
وتقدم من صحيح بخاري:4/167،أن رجلاً أخبر النبي أنه رأى السد ووصفه له كأنه البُرْد المحبر، أي العباءة المخططة فصدقه النبي صلى الله عليه وآله ! ثم عقد بخاري باباً بعنوان: باب قصة يأجوج ومأجوج:4/108، وباباً آخربعنوان: باب يأجوج ومأجوج:8/104، وروى عنهم في:5/241، و:6/175، و:7/196.
وروى أحمد:2/510، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: «إن يأجوج ومأجوج ليحفرون السد كل يوم، حتى إذا كان شعاع الشمس قال الذي عليهم: إرجعوا فستحفرون غداً، فيعودون إليه كأشد ما كان. حتى إذا بلغت مدتهم وأراد الله عز وجل أن يبعثهم على الناس حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: إرجعوا فستحفرونه غداً إن شاء الله، ويستثني فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه فيحفرونه ويخرجون على الناس فينشفون المياه، ويتحصن الناس منهم في حصونهم فيرمون بسهامهم إلى السماء فترجع وعليها كهيئة الدم فيقولون: قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء، فيبعث الله عليهم نغفاً في أقفائهم فيقتلهم بها. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : والذي نفس محمد بيده إن دواب الأرض لتسمن شَكَراً من لحومهم ودمائهم». والنغف بفتح الغين: دودٌ يظهر في أنوف الجمال. وشَكِرَت الدابة شَكَراً بفتحها: سمنت وكثر لبنها.ونحوه ابن ماجة:2/1364، والترمذي:5/313.
وروى الطبري في تفسيره:17/71، عن كعب حديثاً طويلاً جاء فيه: «حتى يسمع الذين يلونهم قرع فؤوسهم فإذا كان الليل قالوا نجئ غداً فنخرج فيعيدها الله كما كانت، فيجيئون من الغد فيجدونه قد أعاده الله كما كان، فيحفرونه حتى يسمع الذين يلونهم قرع فؤوسهم فإذا كان الليل ألقى الله على لسان رجل منهم أن يقول نجئ غداً فنخرج إن شاء الله، فيجيئون من الغد فيجدونه كما تركوه فيحفرون ثم يخرجون، فتمر الزمرة الأولى بالبحيرة فيشربون ماءها، ثم تمر الزمرة الثانية فيلحسون طينها، ثم تمر الزمرة الثالثة فيقولون قد كان ههنا مرة ماء، وتفر الناس منهم فلا يقوم لهم شئ. فيدعو عليهم عيسى بن مريم فيقول: اللهم لا طاقة ولا يَدَينِ لنا بهم فاكفناهم بما شئت، فيسلط الله عليهم دوداً يقال له النغف فتفرس رقابهم، ويبعث الله عليهم طيراً فتأخذهم بمناقرها فتلقيهم في البحر، ويبعث الله عيناً يقال لها الحياة تطهر الأرض منهم وتنبتها، حتى أن الرمانة ليشبع منها السكن! قيل: وما السكن يا كعب؟ قال: أهل البيت! قال: فبينا الناس كذلك إذ أتاهم الصريخ أن ذا السويقتين يريده، فيبعث عيسى طليعة سبع مائة أو بين السبع مائة والثمان مائة حتى إذا كانوا ببعض الطريق بعث الله ريحاً يمانية طيبة فيقبض الله فيها روح كل مؤمن، ثم يبقى عجاج من الناس يتسافدون كما يتسافد البهائم، فمثل الساعة كمثل رجل يطيف حول فرسه ينتظرها حتى تضع، فمن تكلف بعد قولي هذا شيئاً أو على هذا شيئاً فهو المتكلف».
ونحوه الحاكم:4/488، وصححه على شرط الشيخين، والدر المنثور:4/250، وقال: «وأخرج أحمد، والترمذي، وحسنه، وابن ماجة، وابن حبان، والحاكم، وصححه، وابن مردويه، والبيهقي عن أبي هريرة». وقال في/252: «وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن كعب».
وروى في سنن الداني/104، عن حذيفة: قال رسول الله صلى الله عليه وآله في حديث طويل: « يأجوج أمة، ومأجوج أمة، كل أمة أربعمائة ألف أمة، لا يموت الرجل منهم حتى ينظر إلى ألف عين تطرف بين يديه من صلبه. قال: قلت: يا رسول الله صف لنا يأجوج ومأجوج، قال: هم ثلاثة أصناف صنف منهم أمثال الأرز الطوال، وصنف آخر منهم عرضه وطوله سواء عشرون ومائة ذراع في مائة وعشرين ذراعاً، وهم الذين لا يقوم لهم الحديد، وصنف يفترش إحدى أذنيه ويلتحف بالأخرى».
والفردوس:5/441، وتهذيب ابن عساكر:1/196، ومجمع الزوائد:8/6، عن الطبراني في الأوسط. والدر المنثور:4/155، عن ابن مردويه، وفي/250، عن ابن حماد، وابن مردويه وقال: وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه وابن عدي وابن عساكر وابن النجار، عن حذيفة قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله عن يأجوج ومأجوج فقال...الخ.
وعلى هذا فقس عشرات من أمثالها.
والنتيجة: أن يأجوج ومأجوج بنص القرآن من علامات الساعة، ولا علاقة لهما بعلامات الإمام المهدي ولا بنزول المسيح عليه السلام ، وقد تكون الفاصلة بينهما مئات السنين أو ألوفها! ولا صحة لأساطير بني إسرائيل وبني الخلافة القرشية عنهم. أما دابة الأرض فهي آية لليهود وأمثالهم من المكذبين، تكون في فترة رجعة النبي صلى الله عليه وآله وأميرالمؤمنين عليه السلام إلى الدنيا، ويكون هو صاحبها.
* *

الفصل الثالث: ( الطائفة الثابتة ، حتى يظهر إمامها المهدي عليه السلام )

الغرباء والطائفة الثابتة حتى يظهرالمهدي عليه السلام

روت مصادر السنيين أن النبي صلى الله عليه وآله أخبر أن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً، وأنه سيبقى من المسلمين عصابة أو طائفة ثابتة على الحق، لايضرهم تكذيب من كذَّبهم حتى تقوم الساعة، وفي بعضها حتى يخرج الدجال، وفي بعضها حتى يأتي أمر الله، وحتى ينزل عيسى بن مريم عليه السلام ، وحتى يظهر إمامهم المهدي عليه السلام .
وقد اهتم معاوية بهذه الأحاديث، وأضاف لها صفاتٍ لهؤلاء الغرباء لتنطبق على أهل الشام! ثم وضع رواته أحاديث تصرح بأنهم أهل الشام، وإمامهم معاوية!
وفي عصرنا، حاول الإخوان المسلمون أن يطبقوا أحاديث الغرباء على حركتهم، لأنهم أمة وطائفة من الأمة، ثابتة على الحق تدعو الى الإسلام.
كما حاول الفلسطينيون تطبيقها عليهم، لأنه في بعض رواياتها أن الفئة الظاهرة في بيت المقدس وأكنافه، وفي بعضها أنهم يقاتلون فهي تنطبق على المقاومين لإسرائيل.
كما حاول الوهابيون أن يطبقوها عليهم، لأنها تصف الثابتين من الأمة بأنهم طائفة أوعصابة أي فئة قليلة وهم فئة قليلة. وفي السنوات الأخيرة حَفَّظوا جماعتهم الطالبان هذه الأحاديث، وسموا أنفسهم الطائفة المنصورة التي وصفها النبي صلى الله عليه وآله !
أما مصادرنا فروت أن النبي صلى الله عليه وآله لم يترك حديثه مهملاً، بل سمى هؤلاء الغرباء الظاهرين بالحجة، وأنهم الأئمة من عترته عليهم السلام وشيعتهم، فهم الذين أوصى بهم أمته وقال:«إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله عز وجل وعترتي، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي، وإن اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض فانظروني بم تخلفوني فيهما». «مسند أحمد:3/17». فهم الذين بَشَّر بإمامتهم الربانية، وأخبر أن الأمة ستضطهدهم وتكذبهم وتقتلهم ولا يضرهم تكذيب من كذبهم وعداء من عاداهم، حتى يظهر الإمام المهدي الموعود منهم عليهم السلام فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً.
فقد روى الطبراني في الكبير:2/213، عن جابر بن سمرة، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: «يكون لهذه الأمة اثنا عشر قيِّماً لايضرهم من خذلهم». وفي:2/265، عن جابر بن سمرة قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يخطب على المنبر ويقول: اثنا عشر قيماًَ من قريش لايضرهم عداوة من عاداهم».
وقال في الزوائد:5/191: «رواه البزار عن جابر بن سمرة وحده، وزاد فيه: ثم رجع النبي إلى بيته فأتيته فقلت: ثم يكون ماذا؟ قال: ثم يكون الهرج. ورجاله ثقات».
لذلك نعتقد أن رواة الخلافة القرشية حذفوا صفات هؤلاء الثابتين الغرباء، وجردوها من القرائن التي تدل عليهم. وإليك مجموعة أحاديثهم:

من أحاديث المخالفين في الطائفة الظاهرة أو المنصورة

نورد أولاً الأحاديث التي وصفتها بأنها ظاهرة ولم تعين أنه ظهور بالحجة أو بالقتال، فيصح تفسيره بالأعم.
ففي مسند الطيالسي/9، عن سليمان بن الربيع العدوي قال: «لقينا عمر فقلنا له: إن عبد الله بن عمرو حدثنا بكذا وكذا، فقال عمر: عبد الله بن عمرو أعلم بما يقول قالها ثلاثاً! ثم نودي بالصلاة جامعة فاجتمع إليه الناس فخطبهم عمر فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: لاتزال طائفة من أمتي على الحق حتى يأتي أمر الله».
ورواه سعيد بن منصور:2/144، عن ثوبان، وفيه:ظاهرين على الحق لايضـرهم من خذلهم. وأحمد:2/321، عن أبي هريرة، وفيه: عصابة على الحق ولا يضـرهم خلاف من خالفهم حتى يأتيهم أمر الله. وفي صحيح بخاري:4/252، عن مغيرة بن شعبة، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: لايزال ناسٌ من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون.
ونحوه مسلم:6 /53، عن المغيرة، والجواهر الحسان:2/279، عن ابن مسعود وفيه: حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون. والمسند الجامع:14/14. وابن حبان: 8/294، عن أبي هريرة: لايزال على هذا الأمر عصابة على الحق لايضرهم خلاف من خالفهم.
وفي مسلم:6 /54، عن ابن عمرو: «لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله قاهرين لعدوهم، لايضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك. فقال عبد الله: أجل، ثم يبعث الله ريحاً كريح المسك، مسها مس الحرير فلا تترك نفساً في قلبه مثقال حبة من الإيمان إلا قبضته، ثم يبقى شرار الناس عليهم تقوم الساعة».
لاحظ أن ابن عمرو لم يذكر القتال، وفسر أمر الله بالساعة، على مذهب أستاذه كعب بأن قيام الساعة بعد فتح القسطنطينية بسنوات قليلة!
وفي جمع الفوائد:3/157، عن ثوبان رفعه: «ولا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان! وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون كل يزعم أنه نبي وأنا خاتم النبيين لانبي بعدي. ولاتزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لايضـرهم من خالفهم، حتى يأتي أمر الله» وتذكرة القرطبي:2/638.
فهذه الأحاديث جعلت وجود هؤلاء الثابتين الى أن «يأتي أمر الله» وهو يشير الى ظهور المهدي عليه السلام وليس الى أن تقوم الساعة، ولم تصفهم بأنهم مقاتلون.

الأحاديث التي وصفتهم بأنهم يقاتلون وينتصرون

قال ابن منصور:2/145، قال رسول الله صلى الله عليه وآله : «لا تبرح عصابة من أمتي ظاهرين على الحق لايبالون من خالفهم، حتى يخرج المسيح الدجال فيقاتلونه».
وفي مسند أحمد:4/434:«قال لي عمران: واعلم أنه لن تزال طائفة من أهل الإسلام يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناواهم، حتى يقاتلوا الدجال».
وفي طبقات ابن سعد:2/167: «عصابة من أمتي يجاهدون على الحق حتى يخرج الدجال». وفي تهذيب ابن عساكر:1/65: وفي لفظ: إذا هلك أهل الشام فلا خير في أمتي، ولا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يقاتلوا الدجال...الخ. وفي أحمد:3/345، يقول: «لاتزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة، قال: فينزل عيسى بن مريم عليه السلام فيقول أميرهم: تعال صل بنا، فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمير ليكرم الله هذه الأمة».
ونحوه في أحمد:3/384، وفيه: تكرمة الله عز وجل. ومثله مسلم:1 /95. وأبو يعلى:4/59، وفيه: فيقول إمامهم: تقدم فيقول: أنتم أحق بعضكم أمراء بعض، أمر أكرم الله به هذه الأمة. ونحوه جامع المسانيد:25/26. وفي سنن الداني/43: «تقدم يا نبي الله فصل لنا فيقول: إن هذه الأمة أمير بعضهم على بعض لكرامتهم على الله عز وجل».

اهتم معاوية بتطبيق أحاديثهم على نفسه وأهل الشام!

في مسند أحمد:4/97 و101، عن عمير بن هاني قال: «سمعت معاوية بن أبي سفيان على هذا المنبر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، ولن تزال من هذه الأمة أمة قائمة على أمر الله، لايضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس. وفي أخرى: فقام مالك بن يخامر السكسكي فقال: يا أميرالمؤمنين سمعت معاذ بن جبل يقول: وهم أهل الشام، فقال معاوية ورفع صوته: هذا مالك يزعم أنه سمع معاذاً يقول وهم أهل الشام». وفي مسند الشاميين للطبراني:1/315، وسعيد بن منصور:2/369، عن أبي عبد الله الشامي، قال: «سمعت معاوية يخطب يقول: يا أهل الشام حدثني الأنصاري قال: قال شعبة يعني زيد بن أرقم: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال.. وفيه: وإني لأرجو أن تكونوا هم يا أهل الشام».
ورواه بخاري:9/167 كرواية أحمد الأولى. ومسلم:6 /53، كالثانية. وفي تاريخ بخاري:7/327، وعلل الدارقطني:7/61، ومسند الشاميين لجماز:1/109و/135 و96و101و103 و118 و129 و131و133 و144و149ح31و49 و63 و7 و 69 و83 و92.
وكلها عن معاوية، وفي عدد منها أنه كان يخطب بها على المنبر! وهدفه مدح نفسه وأهل الشام في مقابل مخالفيه أهل العراق والحجاز. وهذا كافٍ لسقوط رواياتها!

أحاديث مكذوبة ومحرفة لمدح معاوية وأهل الشام

قال الطيالسي/145:«حدثنا معاوية بن قرة، عن أبيه قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم، لا تزال طائفة من أمتي منصورين لايضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة». لكن ابن منصور:2/145، وأحمد:3/436، وابن ماجة:1/45، وغيرهم، رووه بدون ذكر أهل الشام، فهي زيادة لمصلحة بني أمية تُسقط الرواية.
ففي مسند أحمد:4/429، عن عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: «لاتزال طائفة من أمتي على الحق، ظاهرين على من ناواهم حتى يأتي أمر الله تبارك وتعالى وينزل عيسى بن مريم عليه السلام ».
وفي تهذيب ابن عساكر:1/56: «قال أبو عمرو: فحدثت قتادة بهذا الحديث فقال: لا أعلم أولئك إلا أهل الشام»! ثم صار تفسير قتادة حديثاً نبوياً في حلية الأولياء:9/307، عن أبي هريرة: «لا تزال طائفة من أمتي قائمة على أمر الله لا يضرها من خالفها تقاتل أعداءها.. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله : هم أهل الشام»!
وروى نحوه الطبراني في الشاميين:1/56، عن الجرشي، وفيه: «والخيل معقود في نواصيها الخير الى يوم القيامة، وعقر دار المؤمنين بالشام».
ونحوه مسند الشاميين لجماز:1/191، والمعجم الكبير:7/61، وابن ماجة:2/1369، والحاكم:4/548، فاتضح لك أنهم زادوا إسم أهل الشام على لسان النبي صلى الله عليه وآله !

ومثلها في مدح سكان بيت المقدس وحوله

في أحمد:5/269، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله :«لا تزال طائفة من أمتي على الدين ظاهرين لعدوهم قاهرين، لا يضرهم من خالفهم ولا ما أصابهم من لأواء، حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك، قالوا: يارسول الله وأين هم؟ قال: ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس».
ونحوه في تهذيب الآثار، مسند عمر:2/823.
وفي مسند أبي يعلى:11/302، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله قال: «لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أبواب دمشق وما حوله، وعلى أبواب بيت المقدس وما حوله، لايضرهم خذلان من خذلهم، ظاهرين على الحق إلى أن تقوم الساعة».

ومثلها في مدح أهل الطالقان!

في تهذيب ابن عساكر:1/55، عن تاريخ داريا وقال: وفي لفظ آخر: «لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على أبواب بيت المقدس وما حولها، وعلى أبواب أنطاكية وما حولها، وعلى باب دمشق وما حولها، وعلى أبواب الطالقان وما حولها، ظاهرين على الحق، لايبالون بمن خذلهم ولا من نصرهم، حتى يخرج الله كنزه من الطالقان فيحيي به دينه كما أميت من قبل».
ونحوه عقد الدرر/122، وبعضه283.
وفي مشارق الأشواق:1/407: «لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على أبواب بيت المقدس وما حولها، وعلى أبواب أنطاكية وما حولها، وعلى أبواب دمشق وما حولها، وعلى أبواب الطالقان وما حولها، ظاهرين على الحق، لايضرهم من خذلهم ولا من نصرهم، حتى يخرج الله كنزه من الطالقان فيحيي به دينه».
أقول: جبال الطالقان جزء من سلسلة جبال آلبرز في إيران، ويراد بها في الأحاديث منطقة إيران، فقد عرفت بإسم بلاد المشرق أو خراسان أو جبال الطالقان كما يأتي.
والإشكال على تطبيق الفئة الظاهرة على أهل الشام، يشمل تطبيقها على أهل الطالقان، فرواته الأمويون أوالفرس أرادوا مدح مناطقهم! نعم وردت أحاديث صحيحة في أنصار المهدي عليه السلام أهل المشرق، ولا يرد عليها هذا الإشكال.
وستعرف أن السنيين أكثروا من أحاديث مدح الفرس، وهذا ليس عجيباً، لأن الفرس أسسوا لهم مذاهبهم، وكتبوا لهم مصادرهم في الحديث والفقه والتفسير!

مكذوبات اليهود في تفضيل بلاد الشام!

وضع اليهود وأتباعهم أحاديث مغالية في مدح الشام وفلسطين، تُفضلهما على الحجاز والعراق، وتُفضل بيت المقدس على مكة، وصخرتها على الكعبة، وتنتقص من الحجاز والعراق وأهلهما! وقد تبناها معاوية وبنو أمية، وأتباع الخلافة، وتلقاها عوام المسلمين على أنها جزء من الدين، لأن عدداً منها جعلت له الحكومات سنداً صحيحاً!
1- أشاع كعب أن النبي الخاتم صلى الله عليه وآله يبعث في الحجاز، لكن عاصمته وملكه يكون في الشام لا في الحجاز ولا العراق! ففي الدارمي 1/4: «قال كعب: نجده مكتوباً: محمد رسول الله ، لا فظٌّ ولا غليظٌ ولا صخَّابٌ بالأسواق، ولا يُجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر... ومولده بمكة، ومهاجره بطيبة، وملكه بالشام».
وقوله: «وملكه بالشام» زيادة منه، كما قال ابن حجر في فتح الباري:8/450: «زاد في رواية كعب: مولده بمكة ومهاجره طيبة وملكه بالشام». انتهى.
فهي زيادة يهودية لتكون الخلافة لأحبائهم بني أمية في الشام، بعيداً عن الحجاز والعراق، لأن أهلهما لا يحبون اليهود كأهل الشام! لكن مصادرهم روت هذه الزيادة وصححتها مع الأسف!
كابن سعد:1/360، وحلية الأولياء:5/387، وتفسير البغوي:2/205، وخصائص السيوطي:1/19، وفيض القدير:3/768، ودلائل الأصبهاني:4/1332، وتفسير ابن كثير:4/383، والدر المنثور:3/132، وتاريخ دمشق:1/186. وغيرها!
كما وجد رواة الخلافة يهودياً إسمه جريجرة أكد قول صاحبه كعب فشكروه!
«المستدرك:2/622، وتاريخ دمشق:1/184، وخصائص السيوطي:1/23».
وبذلك تعرف أن اليهود كانوا يخططون لنقل عاصمة الإسلام الى الشام بدل الحجاز أو العراق! ولذلك طلب معاوية من عثمان أن ينتقل الى الشام، ليكون ضيفاً عليه، ويرتب له الأمر بعده كما رتبه أبو بكر لعمر! «راجع جواهر التاريخ /ج2».
2- جاء كعب الأحبار من اليمن الى المدينة وهو حاخام، فخرج عمر لاستقباله، واحترمه كاحترام الأنبياء عليهم السلام ، وجعله مستشار الخليفة الثقافي والمقدم في مجلسه! وبقي كعب على يهوديته وسكن في حمص، وكان يتردد على المدينة ويمضي فيها مدة طويلة، وبعد مدة أعلن إسلامه، فطلب منه عمر أن يسكن في المدينة فقال:« إني أجد في كتاب الله المنزل أن الشام كنز الله في الأرض، وبها كنزه من عباده »! «تاريخ دمشق:1/122».
3- روى ابن حماد:1/236: «عن كعب قال: رأس الأرض الشام وجناحاها، مصر والعراق، والذنباء أي الحجاز! وعلى الذنباء يسلح الباز»! والذنباء: المؤخرة! وهذا ذم يهودي خبيث للحجاز بل لمصر والعراق، والعجيب أن رواة الخلافة وعلماء المذاهب، ومنهم عراقيون وحجازيون، قبلوه ورووه! وروى نحوه الدر المنثور:3/113، عن وهب بن منبه، وهو تلميذ كعب في اليهودية وفي بعض رواياته: وجناحاها مصر والعراق، لكن وصف الذنباء ثابت للحجاز!
4- «عن كعب قال:لا تقوم الساعة حتى يزفُّ البيت الحرام إلى بيت المقدس، فينقادان إلى الجنة وفيهما أهلهما والعرض والحساب ببيت المقدس» «الدر المنثور:1/136».
وفي الكافي:4/239:«عن زرارة قال: كنت قاعداً إلى جنب أبي جعفر«الإمام الباقر عليه السلام » وهو مُحْتبٍ مستقبلَ الكعبة فقال: أمَا إن النظر إليها عبادة، فجاءه رجل من بجيلة يقال له عاصم بن عمر، فقال لأبي جعفر: إن كعب الأحبار كان يقول: إن الكعبة تسجد لبيت المقدس في كل غداة، فقال أبو جعفر: فما تقول فيما قال كعب؟ فقال: صدق، القول ما قال كعب! فقال أبو جعفر: كذبت وكذب كعب الأحبار معك! وغضب! قال زرارة: ما رأيته استقبل أحداً بقول كذبت غيره! ثم قال: ما خلق الله عز وجل بقعة في الأرض أحب إليه منها، ثم أومأ بيده نحو الكعبة ولا أكرم على الله عز وجل منها، لها حرَّم الله الأشهر الحرم في كتابه يوم خلق السماوات والأرض، ثلاثة متوالية للحج:شوال وذو القعدة وذو الحجة، وشهر مفرد للعمرة، وهو رجب».
5- في تاريخ دمشق:1/152: «قال كعب: ما شُرب ماء عذبٌ قط إلا ما يخرج من تحت هذه الصخرة! حتى أن العين التي بدارِين ليخرج ماؤها من تحت هذه الصخرة»!
6- ألفوا كتباً شحنوها بأحاديث مدح الشام والقدس، وروى العجلوني في كشف الخفاء: 2/2، نصوصاً وأحاديث في فضل الشام، ولم يوثق أياً منها!
7- روى السيوطي في الدر المنثور:3/111، غرائب في فضل الشام عن كعب وتلاميذه، من مصادر متعددة! وبعضها تحول بقدرة قادر إلى حديث نبوي! منها، عن كعب: مكتوب في التوراة أن الشام كنز الله عز وجل من أرضه بها كنز الله من عباده.
وعن كعب قال: أحب البلاد إلى الله الشام، وأحب الشام إليه القدس، وأحب القدس إليه جبل نابلس، ليأتين على الناس زمان يتقاسمونه بالحبال بينهم!
وعن كعب قال: إني لأجد في كتاب الله المنزل أن خراب الأرض قبل الشام بأربعين عاماً.
إني لأجد تردد الشام في الكتب، حتى كأنه ليس لله حاجة إلا بالشام.
وعن ابن عمر: قال رسول الله صلى الله عليه وآله : دخل إبليس العراق فقضى منها حاجته، ثم دخل الشام فطردوه حتى بلغ بيسان، ثم دخل مصر فباض فيها وفرخ، وبسط عبقريه. «أي بساطه».
وعن وهب بن منبه قال: رأس الأرض الشام.
وعن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله قال: اللهم بارك لنا في شامنا ويمننا، قالوا: وفي نجدنا؟ وفي لفظ وفي مشرقنا؟ قال: هناك الزلازل والفتن، وبها يطلع قرن الشيطان. زاد ابن عساكر في رواية: وبها تسعة أعشار الشر.
وعن ابن عمر قال رسول الله صلى الله عليه وآله : الخير عشرة أعشار، تسعة بالشام وواحد في سائر البلدان. والشر عشرة أعشار واحد بالشام وتسعة في سائر البلدان! وإذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم!
عن زيد بن ثابت: قال النبي صلى الله عليه وآله : طوبى للشام! قيل له: ولم َ؟ قال: إن ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها عليهم. وقال صححه الحاكم!
قال رجل: يا رسول الله خِرْ لي، فقال صلى الله عليه وآله : عليك بالشام، فإنها صفوة الله من بلاده فيها خيرة الله من عباده! فمن رغب عن ذلك فليلحق بنجدة، فإن الله تكفل لي بالشام وأهله... ولفظ أحمد فإنه خيرة الله من أرضه...فإن أبيتم فعليكم بيمنكم! عن واثلة بن الأسقع... فمن أبى فليلحق بيمنه ويسق من غدره!
وأخرج أحمد وأبو داود وابن حبان والحاكم عن عبد الله بن حوالة الأزدي عن رسول‌الله صلى الله عليه وآله : فمن أبى فليلحق بيمنه وليُسْقَ من غدره! انتهى.
ولا يمكن قبول هذه الأحاديث ومنها ذم نجد وإن رواها البخاري، لأن رواة الخلافة الأموية متهمون، بعكس أهل البيت الصادقين الطاهرين عليهم السلام ..
قال الشيخ محمود أبو رية، وهو من علماء الأزهر في كتابه: أضواء على السنة المحمدية/176، بعد أن نقل طعن عدد من العلماء السنيين بكعب ووهب بن منبه وأمثالهما من أحبار اليهود: «إن الأئمة المحققين قد طعنوا في رواية هذين الكاهنين، ولايزال يوجد بيننا وا أسفاه من يثق بهما ويصدق ما يرويانه، ولا يقبل أي كلام فيهما... نكشف لك عن جانب آخر من عمل دهاة اليهود، ذلك هو الجانب السياسي، فلقد كان كيدهم في محاربة الإسلام يتجه إلى ضربه من ناحيتين: ناحية دينية، وأخرى سياسية...الخ».

أحاديث الغرباء وغربة الإسلام في مصادر الطرفين

ابن حماد:1/78، عن عبد الله بن عمرو العاص قال:«أحب شئ إلى الله تعالى الغرباء. قيل: أي شئ الغرباء؟ قال: الذين يفرون بدينهم، يجمعون إلى عيسى بن مريم عليه السلام ». وتاريخ بخاري:4/130، وفيه:«فرَّارون بدينهم يجتمعون إلى عيسى بن مريم يوم القيامة». وحلية الأولياء:1/25، وفيه: «الفرَّارون بدينهم يبعثهم الله يوم القيامة مع عيسى بن مريم». وفي مسند أحمد:1/184، عن سعد بن أبي وقاص قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يقول: إن الإيمان بدأ غريباً وسيعود كما بدأ، فطوبى للغرباء إذا فسد الناس. والذي نفس أبي القاسم بيده ليأزرنَّ الإيمان بين هذين المسجدين «مكة والمدينة» كما تأرز الحية في جحرها».
وطوبى: شجرة مميزة في الجنة وتطلق على الجنة. يأرز: يجتمع بعضه إلى بعض.
وفي مسند أحمد:1/398، عن ابن مسعود قال رسول الله صلى الله عليه وآله :«قيل: ومن الغرباء؟ قال: النُّزَّاع من القبائل». وفي:2/177، عن ابن عمرو العاص، وفيه: «قال: أناس صالحون في أناس سوء كثير، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم». وفي أحمد:4/73، عن عبد الرحمن بن سنة، وفيه: «قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس، والذي نفسي بيده، لينحازن الإيمان إلى المدينة كما يحوز السيل. والذي نفسي بيده ليأرزنَّ الإسلام إلى ما بين المسجدين كما تأزر الحية إلى حجرها». ورواه مسلم:1/90،كرواية أحمد الخامسة عن أبي هريرة. وابن ماجة:2/1319،كرواية مسلم الأولى، والبزار:1/314، والترمذي:5/18، كرواية أحمد الثانية إلى قوله للغرباء، وبآخر فيه: إن الدين ليأرز إلى الحجاز كما تأرز الحية إلى جحرها، وليعقلن الدين من الحجاز معقل الأروية من رأس الجبل، إن الدين بدأ غريباً ويرجع غريباً، فطوبى للغرباء الذين يصلحون ما أفسد الناس من بعدي من سنتي. وقال: هذا حديث حسن.
ورواه في مشكل الآثار:1/297، كرواية أحمد الثانية. وبنحوه المعجم الأوسط:2/551 عن أنس. وفي:5/478، و:6/377، والمسند الجامع:12/317، و:6/155، عن ابن سعد بن أبي وقاص. وفي:14/192، عن ابن عوف...
وروت مصادرنا أحاديث حول غربة الإسلام كما في الجعفريات/192، عن علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله : «إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً فطوبى للغرباء، فقيل: ومن هم يا رسول الله ؟ قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس، إنه لا وحشة ولاغربة على مؤمن، وما من مؤمن يموت في غربة إلا بكت الملائكة رحمة له حيث قلت بواكيه، وإلا فسح له في قبره بنور يتلألأ من حيث دفن إلى مسقط رأسه».
ورواه الصدوق في كمال الدين:1/200، ثم قال: «فقد عاد الإسلام كما قال عليه السلام غريباً في هذا الزمان كما بدأ، وسيقوى بظهور ولي الله وحجته كما قوي بظهور نبي الله ورسوله صلى الله عليه وآله ، وتقر بذلك أعين المنتظرين له والقائلين بإمامته كما قرت أعين المنتظرين لرسول الله صلى الله عليه وآله والعارفين به بعد ظهوره. وإن الله عز وجل لينجز لأوليائه ما وعدهم ويُعلي كلمته، ويتم نوره ولو كره المشركون».
وفي شرح الأخبار:3/371، أن أبا بصير طلب من الإمام الصادق عليه السلام أن يشرح له هذا الحديث: «قال أبو بصير: فقلت له: إشرح لي هذا جعلت فداك يا ابن رسول الله . قال عليه السلام : يستأنف الداعي منا دعاءً جديداً كما دعا رسول الله ، وكذلك المهدي يستأنف دعاء جديداً إلى الله لمـَّا غُيِّرت السنن وكثرت البدع، وتغلَّب أئمة الضلال، واندرس ذكر أئمة الهدى، الذين افترض الله طاعتهم على العباد، وأقامهم للدعاء إليه والدلالة بآياته عليه، ونُسي ذكرهم وانقطع خبرهم، لغلبة أئمة الجور عليهم. فلما أنجز الله بالدعاء للأئمة ما وعدهم به من ظهور مهديهم، احتاج أن يدعوهم دعاء جديداً، كما ابتدأهم رسول الله بالدعاء أولاً».
وفي الإرشاد/364، محمد بن عجلان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «إذا قام القائم عليه السلام دعا الناس إلى الإسلام جديداً، وهداهم إلى أمر قد دثر فضل عنه الجمهور، وإنما سمي القائم مهدياً لأنه يهدى إلى أمر مضلول عنه، وسمي بالقائم لقيامه بالحق».
وفي النعماني/230، عن ابن عطاء المكي: «عن شيخ من الفقهاء يعني أبا عبد الله قال: سألته عن سيرة المهدي كيف سيرته؟ فقال: يصنع كما صنع رسول الله صلى الله عليه وآله ، يهدم ما كان قبله كما هدم رسول الله أمر الجاهلية، ويستأنف الإسلام جديداً».
وفي الكافي:1/536، عن أبي خديجة، عن أبي عبد الله عليه السلام ، أنه سئل عن القائم فقال:«كلنا قائم بأمر الله واحد بعد واحد حتى يجئ صاحب السيف، فإذا جاء صاحب السيف جاء بأمر غير الذي كان».
أقول: المقصود بغربة الإسلام غربته عن التطبيق. وقد صرح بذلك الصدوق رحمه الله وربطه بظهورالمهدي عليه السلام وقد حاولت مصادرهم توظيف الحديث للصراع بين أهل الحجاز وأهل الشام، كما وظفوا حديث الفئة الظاهرة لمصلحة أهل الشام وبني أمية! ومعنى: يأرز الإيمان أو العلم إلى المدينة ومكة: أن وعي الدين ينحسر من الأمة، وتكون المدينة ومكة مركزاً لتجديد الإسلام وانطلاقته في آخر الزمان على يد الإمام المهدي عليه السلام ، كما كانتا مركزاً لانطلاقته على يد جده خاتم النبيين صلى الله عليه وآله .

من هم الغرباء والطائفة المنصورة؟

ينبغي الالتفات الى أن سبب كثرة طرق الحديث ورواته عندهم، أن معاوية دخل في رواته، وطبقه عليه وعلى أهل الشام! ومحاولته تضعف صِيَغَ الحديث ولا تضعف أصله الذي رويناه عن أهل البيت عليهم السلام . . وهي شبيهة بمحاولة العباسيين تطبيق أحاديث الرايات السود على حركتهم، وبمحاولة تطبيق صفات المهدي عليه السلام على ابن طلحة التيمي، أو على حسني، أوعباسي، فهي لاتؤثر في قيمة أصل أحاديث المهدي عليه السلام لكن يجب معرفة صيغه التحريفية.
ويكفي دليلاًعلى بطلان تطبيقاتهم لحديث الغرباء على غير أهل البيت وشيعتهم، أن الحديث نص على أنهم جماعة في كل جيل حتى يظهرإمامهم المهدي وينزل المسيح، وأنهم أقلية ولهم أعداء، وهذه صفة أئمة العترة وأتباعهم.

أحاديث مجددي الإسلام

روت المصادرالسنية نصاً عن أبي هريرة ظن الراوي أنه رفعه الى النبي صلى الله عليه وآله ، قال أبو داود:4/109:«عن أبي هريرة، فيما أعلم عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها».
ورواه البيهقي في المعرفة:1/137، والخطيب البغدادي: 2/61، والجامع الصغير:1/282، والمسند الجامع:17/843، وصحيح بخاري بشـرح الكرماني: 1/72.
وروى الحاكم:4/522، أن رجلاً قرأ هذا النص في مجلس القاضي أبي العباس بن شريح وقال له: «فأبشر أيها القاضي فإن الله بعث على رأس المائة عمر بن عبد العزيز، وبعث على رأس المأتين محمد بن إدريس الشافعي، وأنت على رأس الثلاث مائة».
ولو صح الحديث وكان يشمل غيرالعترة عليهم السلام ، فلا يمكن معرفة المجددين لكثرة ادعائه لحكام وعلماء!
كما أنه حديث مجملٌ، فهل تحسب المئة من بعثة النبي صلى الله عليه وآله أو من هجرته أو وفاته، وهل المقصود المئة السنة الأولى منها، أم المعنى العرفي الذي يشمل عدة سنوات من الثانية ؟
وما معنى تجديد الدين للأمة، هل هو التجديد النظري أو العملي؟ وهل هو نفي التحريف عن عقائده، أم نفي الإنحرافات العملية عنه؟
ثم، ما معنى هذا المجدد، هل هو مبعوث من ربه يعمل بالعلم الرباني، أم مجتهد في الدين، يدعو الناس إلى اجتهاد رأيه. وهل هو حاكم يقدر على تنفيذ تجديده للدين، أم داعية يدعو المسلمين، ويوصل صوته اليهم؟
وقد اعتبر المودودي أن المهدي عليه السلام هو المجدد العالمي العام للإسلام، في عداد المجددين على رأس كل مئة سنة، مع أنه عجل الله تعالى فرجه الشريف لايحسب ظهوره بمقياس المصلحين العاديين، بل بمقياس حياة البشرية كلها.
والذي أرجحه أن أصل الحديث عن دورالعترة في حفظ الإسلام، ونفي زيف المحرفين له، فزادوا فيه، وصادروه لمن يتولونهم! فالقدرالمتيقن أن أئمة العترة عليهم السلام والإمام المهدي عليه السلام هم المجددون للإسلام.
ونقل في إحقاق الحق عن ابن حنبل تخصيص المجدد بالعترة الطاهرة عليهم السلام ، ولعل ابن حنبل فهمه من قول النبي صلى الله عليه وآله عن عترته: ولن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض. فهو يدل على وجود إمام منهم في كل عصر.
وقد نصت أحاديثنا على أن الإمام المهدي عليه السلام يجدد الإسلام، ويخرجه من غربته. ففي عيون أخبار الرضا عليه السلام 2/200، عن الحسن بن الجهم قال: «حضرت مجلس المأمون يوماً وعنده علي بن موسى الرضا عليه السلام وقد اجتمع الفقهاء وأهل الكلام من الفرق المختلفة... فقال المأمون: يا أبا الحسن فما تقول في الرجعة ؟ فقال الرضا عليه السلام : إنها لَحَقٌّ قد كانت في الأمم السالفة، ونطق بها القرآن، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله : يكون في هذه الأمة كل ما كان في الأمم السالفة، حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة. وقال صلى الله عليه وآله : إذا خرج المهدي من ولدي نزل عيسى بن مريم عليه السلام فصلى خلفه. وقال صلى الله عليه وآله : إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً فطوبى للغرباء، قيل: يا رسول الله ثم يكون ماذا؟ قال: ثم يرجع الحق إلى أهله».
وفي تفسير فرات/44، عن خيثمة الجعفي عن الإمام الباقر عليه السلام قال في تفسير قوله تعالى: يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً: «يعني صفوتنا ونصرتنا. قلت: إنما قدر الله عنه باللسان واليدين والقلب ؟ قال: يا خيثمة ألم تكن نصـرتنا باللسان كنصـرتنا بالسيف، ونصـرتنا باليدين أفضل والقيام فيها. يا خثيمة إن القرآن نزل أثلاثاً، فثلث فينا وثلث في عدونا وثلث فرائض وأحكام. ولو أن آية نزلت في قوم ثم ماتوا أولئك ماتت الآية إذا ما بقي من القرآن شئ. إن القرآن يجري من أوله إلى آخره وآخره إلى أوله، ما قامت السماوات والأرض، فلكل قوم آية يتلونها. يا خيثمة: إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً فطوبى للغرباء، وهذا في أيدي الناس فكل على هذا. يا خثيمة: سيأتي على الناس زمان لا يعرفون الله وما هو التوحيد، حتى يكون خروج الدجال، وحتى ينزل عيسى بن مريم من السماء، ويقتل الله الدجال على يده، ويصلي بهم رجل منا أهل البيت. ألا ترى أن عيسى يصلي خلفنا وهو نبي، إلا ونحن أفضل منه».
وفي غيبة النعماني/320، عن الإمام الباقر عليه السلام قال: «إن قائمنا إذا قام دعا الناس إلى أمر جديد كما دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وإن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء».
وروى النعماني/232، عن الإمام الباقر عليه السلام أيضاً أن عبد الله بن عطاء سأله: «إذا قام القائم بأي سيرة يسير في الناس؟فقال: يهدم ما قبله كما صنع رسول الله صلى الله عليه وآله ويستأنف الإسلام جديداً.» وروى/322، أن أبا بصير سأله عليه السلام : «أخبرني عن قول أميرالمؤمنين عليه السلام : إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود كما بدأ فطوبى للغرباء، فقال: يا أبا محمد، إذا قام القائم استأنف دعاء جديداً كما دعا رسول الله صلى الله عليه وآله ».

حديث بعثت بين جاهليتين

في أمالي الشجري:2/277، بسنده عن موسى بن جعفر عن أبيه عن آبائه عن علي عليهم السلام : «قال رسول الله صلى الله عليه وآله : بعثت بين جاهليتين لأخراهما شر من أولاهما». ولم أجد لهذا الحديث المهم مصادر أخرى، وهو يدل على أن الجاهلية الثانية التي تكون بعد النبي صلى الله عليه وآله أسوأ من الجاهلية الأولى التي كانت قبله. وهو مفاد قوله تعالى: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأولى.«الأحزاب:33» والجاهلية الثانية بعد النبي صلى الله عليه وآله تشمل الجاهلية المعاصرة.
* *

الفصل الرابع : ( الفتن الموعودة ، الفتن الموعودة في هذه الأمة )

1- تحذير النبي صلى الله عليه وآله لأمته من الفتن بعده!

عرض النبي صلى الله عليه وآله وهو على فراش المرض على أمته كنزاً، لم يعرضه نبي على أمته أبداً! وهو أن تطيعه فيكتب لها عهداً يضمن لها أن تكون على الهدى فلا تضل أبداً، وتكون سيدة الأمم الى يوم القيامة، فواجهه عمر ورفض ذلك! وأيده طلقاء قريش وكانوا كثروا في المدينة وصاحوا: القول ما قاله عمر، لاتقربوا له دواة ولا قرطاساً، حسبنا كتاب الله، أي نرفض سنته، ولا نريد أن يكتب لنا عهداً وأماناً من الضلال! وروى البخاري موقف عمر هذا ضد النبي صلى الله عليه وآله في ست مواضع من صحيحه! ودافع أتباع الخلافة عن عمر وما زالوا يدافعون عنه الى اليوم!
وهكذا واجهت الأمة نبيها صلى الله عليه وآله بالمعصية في حياته، ورفضت قيادته واختارت قيادة عمر، ورفضت تأمين مستقبلها من الضلال والفتن! وهو أغرب موقف لأمة مع رسولها.
وقد قال لهم النبي صلى الله عليه وآله كما في مسند الشاميين:1/56: «يوحى إليَّ أني مقبوضٌ غير مُلَبَّث، وأنكم مُتِّبِعِيَّ أفناداً، يضرب بعضكم رقاب بعض»! أي تطمعون في رئاسة دولتي، وتتقاتلون!
وقال كما في الطبراني في الكبير:22/69، ومسند الشاميين:3/124 صلى الله عليه وآله : «إنكم تزعمون أني آخركم موتاً! وإني أولكم ذهاباً، ثم تأتون من بعدي أفناداً! يقتل بعضكم بعضاً».
وهو إخبار من النبي بما فعله عمر وقال إن النبي لم يمت، وإنه آخرنا موتاً. لغرض عنده وعند أبي بكر!

2- استغلال رواة الخلافة أحاديث الفتن!

أضاف رواة الخلافة الى أحاديث الفتن من عاميتهم وإسرائيلياتهم، ثم وظفوها لخدمة الخلافة!
وقد وصف الحسن البصري الذين سقطوا في الفتن فقال: «والله لقد رأيتهم صوراً ولاعقول، أجساماً ولا أحلام، فراش نار وذبان طمع، يغدون بدرهمين، ويروحون بدرهمين، يبيع أحدهم دينه بثمن عنز». «حلية الأولياء:10/170».
وقد اعترف أبو هريرة في آخر عمره بأن النبي صلى الله عليه وآله حذر المسلمين من فتنة قريش! واعترف بأنه أخفى هذه الأحاديث، خوفاً من القتل! «راجع البخاري:8/88».
ومن أشهرالمحرفين لأحاديث الفتن أبو موسى الأشعري، فقد حرفها ليخذل المسلمين عن نصرة أميرالمؤمنين عليه السلام في حربه للبغاة في البصرة بحجة أن النبي صلى الله عليه وآله نهى عن القتال! «راجع المجلد الأول من جواهر التاريخ».
رواه أحمد:4/416، قال: « قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إن بين يدي الساعة فتناً كقطع الليل المظلم يصبح الرجل فيها مؤمناً ويمسي كافراً ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، القاعد فيها خير من القائم والقائم فيها خير من الماشي والماشي فيها خير من الساعي! فاكسروا قسيكم وقطعوا أوتاركم واضربوا بسيوفكم الحجارة، فإن دخل على أحدكم بيته فليكن كخير ابني آدم». أي كهابيل الذي تحمَّل القتل ولم يبسط يده لأخيه!
ونحوه: نعيم بن حماد:1/30، وابن ماجة:2/1310، وأبو داود:2/305، والحاكم:4/555، وسنن البيهقي:8/191، وصححه الألباني في إرواء الغليل:8/102.
وتتعجب من حكمهم بصحته مع أنه يحكم على الطرفين باستحقاق النار، ويخالف القرآن في قوله تعالى: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأخرى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِئَ إِلَى أَمْرِ اللهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ. «الحجرات:9».
ورواه بخاري في صحيحه:4/177، و:8/91، عن أبي هريرة، تحت عنوان: باب تكون فتنة القاعد فيها خير من القائم، ثم عقد عنواناً: باب إذا التقى المسلمان بسيفيهما، وروى فيه قصة الحسن البصري مع أبي بكرة أخ زياد بن أبيه، قال: «خرجت بسلاحي ليالي الفتنة فاستقبلني أبو بكرة فقال:أين تريد؟ قلت: أريد نصرة ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله .قال: قال رسول الله : إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فكلاهما من أهل النار! قيل: فهذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه أراد قتل صاحبه».
ومن أعمال البخاري أنه تغافل عن رد أبي سعيد الخدري وعبد الله بن جارية لأبي بكرة، قالا: «لعن الله أبا بكرة، أساء سمعاً فأساء إجابة! إنما قال النبي صلى الله عليه وآله لأبي موسى: تكون بعدي فتنة، أنت فيها نائم خير منك قاعد، وأنت فيها قاعد خير منك ساع». فقد شهدا بأن أبا موسى حرف الحديث وشهد بذلك عمار، كما روى الطبري في تاريخه:3/497، والغارات:2/918، عندما أرسله أمير المؤمنين عليه السلام الى الكوفة: « فقال: يا أبا موسى لمَ تُثَبِّط الناس عنَّا؟ فوالله ما أردنا إلا الإصلاح، ولا مثل أميرالمؤمنين يخاف على شئ! فقال: صدقت بأبي أنت وأمي ولكن المستشار مؤتمن سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إنها ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم والقائم خير من الماشي والماشي خير من الراكب. فغضب عمار وساءه وقام وقال: يا أيها الناس، إنما قال له خاصة: أنت فيها قاعداً خير منك قائماً».
وفي تاريخ دمشق:32/93، أن عماراً واجهه بأنه من أهل ليلة العقبة الذين تآمروا لقتل النبي صلى الله عليه وآله : «جاء أبو موسى فقال ما لي ولك، ألست أخاك؟ قال: ما أدري إلا أني سمعت رسول الله يلعنك ليلة الجبل! قال: إنه قد استغفر لي. قال عمار: قد شهدت اللعن ولم أشهد الإستغفار»! وقد ضعفوا الحديث بالعطار، لكن الخطيب وثقه.
والنتيجة أنهم شهدوا على أبي موسى أنه حرف حديث الفتنة، وقد عزله أميرالمؤمنين عليه السلام عن ولاية الكوفة وسماه السامري لأنه قال لاقتال، كقول السامري: لامساس! بل اعترف أبو موسى على نفسه بأن النبي صلى الله عليه وآله وصفه بأنه مُضِلّ!
ففي المناقب: 2/363، وشرح النهج:13/507، عن ابن مردويه بأسانيده: «عن سويد بن غفلة أنه قال:كنت مع أبي موسى على شاطئ الفرات فقال:سمعت رسول الله يقول: إن بني إسرائيل اختلفوا فلم يزل الاختلاف بينهم حتى بعثوا حكمين ضالين ضلَّ من اتبعهما ولاتنفك أموركم تختلف حتى تبعثوا حكمين يضلان ويضل من تبعهما! فقلت: أعيذك بالله أن تكون أحدهما! قال: فخلع قميصه فقال: برأني الله من ذلك كما برأني من قميصي».وفي اليعقوبي:2/190: « فقال سويد: لربما كان البلاء موكلاً بالمنطق. ولقيته بعد التحكيم فقلت: إن الله إذا قضى أمراً لم يغالب»!
أقول: كيف يمكن أن نثق بأحاديث الفتن التي يرويها أمثال أبي موسى، وقد حرفوها جهاراً نهاراً فجعلوا أعظم الفتن قتل عثمان، وجعلوا معركهم مع علي عليه السلام ومع الأمة أخذاً بثأره.
والذي يدخل في غرضنا هنا: الفتن المتصلة بظهورالإمام المهدي عليه السلام ، وقد نصت الأحاديث على أنها تستمرحتى ظهوره عليه السلام ، رواه الطرفان وصححوه، كالذي في الطبراني الكبير: 18/51، عن عوف بن مالك: «قلتُ: وهل يفتح الشام؟ قال: نعم وشيكاً ثم تقع الفتن بعد فتحها، ثم تجئ فتنة غبراء مظلمة، ثم تتبع الفتن بعضها بعضاً، حتى يخرج رجل من أهل بيتي يقال له المهدي، فإن أدركته فاتبعه وكن من المهتدين».

3- الفتنة العالمية وامتلاء الأرض بظلم الجبارين وجورهم

اتفقت المصادر على أن مهمة الإمام المهدي عليه السلام أن يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد أن يملأها الجبارون ظلماً وجوراً. فظهوره عليه السلام يكون بعد فتنة عامة.
وامتلاء الأرض بالظلم مفهوم عرفي، يصدق على أكثرعصورالأرض، فقد قال الله تعالى: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ. «الروم:41»
أما في عصرنا فقد ظهر الفساد في البر والبحر والجو، وامتلأت الأرض بالجور حتى غصت!
وهذه نماذج من أحاديث الطرفين: روى الصدوق في كمال الدين:1/286، عن جابر قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وآله : المهدي من ولدي، اسمه اسمي وكنيته كنيتي، أشبه الناس بي خَلْقاً وخُلُقاً، تكون له غيبة وحيرة تضل فيها الأمم، ثم يقبل كالشهاب الثاقب يملؤها عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً»
وفي كمال الدين:1/287، عن أميرالمؤمنين: « قال رسول الله صلى الله عليه وآله : المهدي من ولدي، تكون له غيبة وحيرة تضل فيها الأمم، يأتي بذخيرة الأنبياء عليهم السلام فيملؤها عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً».
أي تكون له غيبة وتكون في أثنائها حيرة الأمم وضلالها. وذخيرة الأنبياء: مواريثهم من الكتب والعلم وآثار النبوة.
وفي مسند أحمد:3/37، عن أبي سعيد الخدري قال: « قال رسول الله صلى الله عليه وآله : أبشركم بالمهدي يبعث في أمتي على اختلاف من الناس وزلازل، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً..الخ.».
وفي مسند أحمد:3/17: «لاتقوم الساعة حتى يملك رجل من أهل بيتي، أجلى أقنى يملأ الأرض عدلاً، كما ملئت قبله ظلماً».

4- أهل البيت عليهم السلام أمان الأمة وسفينة النجاة من الفتن

تواترعند الجميع حديث وصية النبي صلى الله عليه وآله بالقرآن والعترة، ووصف أهل بيته عليهم السلام بأنهم سفينة نجاة أمته من الفتن والضلال، فقال: «مَثَلُ أهل بيتي فيكم كسفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق»!
قال الصدوق رحمه الله في الإعتقادات/94: «واعتقادنا فيهم عليهم السلام : أنهم أولوا الأمر الذين أمر الله تعالى بطاعتهم، وأنهم الشهداء على الناس، وأنهم أبواب الله، والسبيل إليه، والأدلاء عليه، وأنهم عيبة علمه، وتراجمة وحيه، وأركان توحيده، وأنهم معصومون من الخطأ والزلل، وأنهم الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، وأن لهم المعجزات والدلائل، وأنهم أمان لأهل الأرض كما أن النجوم أمان لأهل السماء، وأن مثلهم في هذه الأمة كسفينة نوح أو كباب حطة، وأنهم عباد الله المكرمون، الذين لايسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون».
وفي الخصال/573: «يا علي، مثلك في أمتي كمثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق». وفي عيون أخبار الرضا عليه السلام :1/30: «ومن تخلف عنها زج في النار».
وفي كفاية الأثر/29، عن أبي سعيد الخدري قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: أهل بيتي أمان لأهل الأرض كما أن النجوم أمان لأهل السماء. قيل: يا رسول الله فالأئمة بعدك من أهل بيتك؟قال: نعم الأئمة بعدي اثنا عشر، تسعة من صلب الحسين أمناء معصومون، ومنا مهدي هذه الأئمة، ألا إنهم أهل بيتي وعترتي من لحمي ودمي. ما بال أقوام يؤذونني فيهم! لا أنالهم الله شفاعتي».
وروى الجميع أن أباذر رحمه الله كان يأخذ بحلقة الكعبة ويخطب بالمسلمين هذه الخطبة.. ففي الطبراني الكبير:3/46: «عن حنش بن المعتمر قال: رأيت أبا ذر الغفاري أخذ بعضادتي باب الكعبة وهو يقول: من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا أبوذر الغفاري، سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله قال: مَثَلُ أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح في قوم نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها هلك، ومثل باب حطة في بني إسرائيل».
والطبراني الأوسط:4/9، و:5/306، والصغير:1/139 و:2/22، ومجمع الزوائد:9/168، وشواهد التنزيل:1/360، وتاريخ بغداد:12/90، وإكمال الخطيب/59، وصححه. وقال الصالحي في سبل الهدى:11/11: قواه السخاوي.
وقد بحث السيد الميلاني في نفحات الأزهار:1/60، طرقه وأثبت صحته عند علمائهم على اختلاف مذاهبهم، وأثبت أن تضعيفه مكابرة بدون حجة!
وقال الشيخ الصافي في أمان الأمة من الإختلاف/171: «روى أحاديث الأمان بطرق كثيرة وألفاظ متقاربة جمع كثير من أعلام أهل السنة عن أميرالمؤمنين عليه السلام وأنس وأبي سعيد الخدري وجابر وأبي موسى وابن عباس وسلمة بن الأكوع... قال ابن حجر: الآية السابعة «من الآيات الواردة في أهل البيت عليهم السلام » قوله تعالى: وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ، أشار صلى الله عليه وآله إلى أنه وجد ذلك المعنى في أهل بيته عليهم السلام وأنهم أمان لأهل الأرض كما كان هو صلى الله عليه وآله أماناً لهم، وفي ذلك أحاديث كثيرة».
لكن تعال انظر الى الفخر الرازي كيف تحايل على الحديث ليفرغه من معناه!
قال في تفسيره:27/167:«والحاصل أن هذه الآية «آية المودة» تدل على وجوب حب آل رسول الله صلى الله عليه وآله وحب أصحابه! وهذا المنصب لا يسلم إلا على قول أصحابنا أهل السنة والجماعة الذين جمعوا بين حب العترة والصحابة. وسمعت بعض المذكرين قال إنه صلى الله عليه وآله قال: مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح من ركب فيها نجا، وقال: صلى الله عليه وآله أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم. ونحن الآن في بحر التكليف، وتضربنا أمواج الشبهات والشهوات وراكب البحريحتاج إلى أمرين: أحدهما، السفينة الخالية عن العيوب والثقب. والثاني، الكواكب الظاهرة الطالعة النيرة، فإذا ركب تلك السفينة ووقع نظره على تلك الكواكب الظاهرة، كان رجاء السلامة غالباً، فكذلك ركب أصحابنا أهل السنة سفينة حب آل محمد، ووضعوا أبصارهم على نجوم الصحابة، فرجوا من الله تعالى أن يفوزوا بالسلامة والسعادة في الدنيا والآخرة».
ونلاحظ أنه جعل سند حديث أهل بيتي كسفينة نوح، قولَ واعظٍ مُذَكِّر، مع أنه حديث صحيح عندهم!
وجعل أصحابي كالنجوم حديثاً نبوياً صحيحاً مع أن كبارعلمائهم حكموا بأنه موضوع!
فهو يعرف أن حديث السفينة صحيح، وحديث أصحابي كالنجوم، مكذوبٌ! لكنه ارتكب التعصب والتزوير!
قال ابن حزم في الاحكام:6/810: «وأما الرواية: أصحابي كالنجوم فرواية ساقطة... وسلام بن سليمان يروي الأحاديث الموضوعة، وهذا منها بلا شك». وفي تحفة الأحوذي:10/125:«قال أبو بكر البزار: هذا الكلام لم يصح عن النبي صلى الله عليه وآله ». والرازي يعرف ذلك، لكنه لتعصبه جعل أهل البيت عليهم السلام سفينةً لا تهدي الراكب فيها! وجعل الصحابة نجوماً تهدي ركاب السفينة!

5- اختلاف الروايات في عدد الفتن في هذه الأمة

اختلفت الأقوال في عدد الفتن الموعودة في هذه الأمة، لكن ذلك لا يضـرُّ ببحثنا الذي هو معرفة الفتنة الأخيرة المتصلة بظهور الإمام المهدي عليه السلام .

عدَّتها بعض النصوص ثلاث فتن

في تاريخ ابن معين:1/317، عن أبي هريرة، قال النبي صلى الله عليه وآله :«أتتكم الدهيماء ترمي بالنشف، والثانية ترمى بالرضف، والثالثة سوداء مظلمة إلى يوم القيامة قتلاها قتلى الجاهلية».
وقال ابن حماد:1/234: عن كعب قال: «ثلاث فتن تكون بالشام: فتنة إهراقة الدماء وفتنة قطع الأرحام ونهب الأموال، ثم يليها فتنة المغرب وهي العمياء».
وفيه:1/57: «عن كعب قال: تكون فتن ثلاث كأمسكم أنه الذاهب: فتنة تكون بالشام، ثم الشرقية هلاك الملوك، ثم تتبعها الغربية وذكر الرايات الصفر. قال والغربية هي العمياء». كأمسكم الذاهب: أي حتمية كأمسكم الذي حدث وتحقق. والرضَف: الحجارة المحماة، فكأن الذي تصيبه يجلس عليها. والنشَف: البلل فكأن الذي تصيبه مبلل الثياب. وأكثر الروايات قدمت فتنة النشف على الرضف وطبقوها على قتل عثمان. ومقصود الراوي بالفتنة الغربية والرايات الصفر التي رواها عن كعب: حركة الفاطميين، لأنهم أقبلوا من مغرب العالم الإسلامي إلى مصر وغيرها. وهذا يوجب الشك في أن الرواية مكذوبة على كعب ضد حركة الفاطميين التي يسميها أعداؤها: فتنة المغرب، وكانت راياتهم صفراء كراية الأنصار، وفي رواية القرطبي أن رايات الإمام المهدي عليه السلام فيها رايات صفر، وفسرها بعض إخواننا براية المقاومة في لبنان.
وأنت تلاحظ أن هذه النصوص ليست أحاديث، بل أقوال لكعب وأبي هريرة وحذيفة، ومن هو دونهم، فقد كان المسلمون يهتمون بأي كلام للصحابة في الفتن، خاصة كلام حذيفة لأنه موضع سر النبي صلى الله عليه وآله ويعرف أسماء المنافقين وأخبار الفتن. بل لعل الرواية كانت لأبي هريرة ونسبوها الى حذيفة!
ولا قيمة علمية لهذه الأقوال مضافاً الى توظيفها لفتن ذلك العصـر، كما رأيت من أبي موسى الأشعري.
ويوضح ما قلناه ما رواه في تاريخ دمشق «39/478» «عن زيد بن وهب قال.. فدخلنا على أبي موسى وهو أمير الكوفة فكان قوله نهياً عن الفتنة والأمر بالجلوس في البيوت، فخرجنا فأتينا منزل حذيفة فلم نجده، فأتينا المسجد فوجدناه مسنداً ظهره إلى سارية، ومعه رجل فقلت: إني أظن أن له حاجة فجلسنا دونهما، فجاء رجل فجلس إليهما فقمنا فجلسنا إليه وهو عاض على إبهامه، وهو يقول: أتتكم ترمى بالنشف، ثم يليها أخرى ترمى بالرضف، ثم المظلمة التي يصبح المرء فيها مهتدياً ويمسي ضالاً، ويمسي مهتدياً ويصبح ضالاً، والعاقل حيران بين ذلك لا يدري أضل أم اهتدى؟ ألا إن لها دفعات ومثاعب، فإن استطعت أن تموت أو تكون في وقفاتها فافعل! فقال الرجل الذي جلس إليه: جزاكم الله أصحاب محمد شراً، فوالله لقد لبَّستم علينا، حتى ما ندري أنقعد أم نقوم، فهلا نهيت الناس يوم الجرعة «لما اعترض أهل الكوفة على عثمان» قال: قد نهيت عنها نفسي وابن الخضـرامة، ولو لم أنهه لكان من القائمين فيها والقائلين».
ويقصد الراوي: بالفتنة الأولى التي ترمى بالنشف فتنة قتل عثمان، والتي ترمي بالرضف فتنة الحروب على علي عليه السلام ، والثالثة التي لها دفعات ومثاعب أي ميازيب تصب فيها: فتنة بني أمية.
وغرضه أن يثبت أن حذيفة رحمه الله كان ضد قتل عثمان وضد حروب علي عليه السلام ! مع أن حذيفة رحمه الله كان والياً لعثمان على المدائن، وعندما وصل اليه خبر بيعة علي عليه السلام فرح بذلك وكان مريضاً، فقال: إحملوني الى المنبر وخطب مبيناً حق علي عليه السلام بالخلافة بوصية النبي صلى الله عليه وآله وأعلن بيعته له وأمر المسلمين أن يبايعوه، وأوصى ولديه أن يكونا معه ويحرصا على الشهادة بين يديه، وقد عملا بوصيته واستشهدا مع علي عليه السلام في صفين.
ومات حذيفة رحمه الله بعد أيام في المدائن، بينما زعمت الرواية أنه كان في الكوفة، وهذا دليل على الوضع!
وروى ابن حماد:1/53: «عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله : تكون فتنة ثم تكون جماعة، ثم فتنة ثم تكون جماعة، ثم فتنة تعوج فيها عقول الرجال».
وقصده بالفتنة الأولى: قتل عثمان، وبالثانية: حروبهم على علي عليه السلام ، وبالثالثة فتنة بني أمية! وهذا يتفق مع عقيدة الخوارج.

وبعض النصوص عدَّتها أربعاً

ففي فتن ابن حماد:1/54، عن عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وآله قال: «تكون أربع فتن: الأولى يستحل فيها الدم، والثانية يستحل فيها الدم والمال، والثالثة يستحل فيها الدم والمال والفروج، والرابعة الدجال».
ورواه الطبراني الكبير:18/180، بنحوه وليس فيه: والرابعة الدجال، مما يشير الى أصابع كعب! والأوسط:8/109 و:9/55، وحلية الأولياء:6/23، وجامع الجوامع:1/481 وجامع المسانيد:9/434 والزوائد:7/308، عن الطبراني وضعفه بابن لهيعة، مع أن عدداً منهم وثقه.
وروى ابن حماد:1/57، عن حذيفة: «الفتن ثلاث تسوقهم الرابعة إلى الدجال: التي ترمي بالرضف، والتي ترمي بالنشف، والسوداء المظلمة والتي تموج موج البحر».
وفي ابن حماد:1/53: عن عبد الله قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وآله : تكون في أمتي أربع فتن: يكون في الرابعة الفناء... في الإسلام أربع فتن تسلمهم الرابعة إلى الدجال».
وفي ابن حماد:1/67: عن أبي هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وآله :«تأتيكم من بعدي أربع فتن، فالرابعة منها الصماء العمياء المطبقة تعرك الأمة فيها بالبلاء عرك الأديم، حتى ينكر فيها المعروف ويعرف فيها المنكر، تموت فيها قلوبهم كما تموت أبدانهم».
وفي:1/55: «قال أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وآله : أربع فتن تكون بعدي، الأولى تسفك فيها الدماء، والثانية يستحل فيها الدماء والأموال، والثالثة يستحل فيها الدماء والأموال والفروج والرابعة عمياء صماء تعرك فيها أمتي عرك الأديم».
وفي:1/56: «والرابعة صماء عمياء مطبقة، تمور مورالموج في البحر، حتى لا يجد أحد من الناس منها ملجأ. تطيف بالشام وتغشى العراق وتخبط الجزيرة بيدها ورجلها، وتعرك به الأمة فيها بالبلاء عرك الأديم، ثم لا يستطيع أحد من الناس يقول فيها مه مه. ثم لا يرفعونها من ناحية إلا انفتقت من ناحية أخرى...
ثم قال ابن حماد: قال أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وآله في قوله تعالى: قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ. قال: أربع فتن تأتي: الفتنة الأولى: يستحل فيها الدماء، والثانية: تستحل فيها الدماء والأموال، والثالثة:تستحل فيها الدماء والأموال والفروج. والرابعة: عمياء مظلمة تمور مَوْرَ البحر، تنتشر حتى لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته..
عن أرطاة بن المنذر قال: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: تكون في أمتي أربع فتن، يصيب أمتي في آخرها فتن مترادفة، فالأولى: تصيبهم فيها بلاء حتى يقول المؤمن هذه مهلكتي ثم تنكشف. والثانية: حتى يقول المؤمن هذه مهلكتي ثم تنكشف، والثالثة: كلما قيل انقضت تمادت. والفتنة الرابعة: تصيرون فيها إلى الكفر، إذا كانت الأمة مع هذا مرة، ومع هذا مرة بلا إمام ولا جماعة، ثم المسيح، ثم طلوع الشمس من مغربها. ودون الساعة اثنان وسبعون دجالاً، منهم من لايتبعه إلا رجل واحد».
أقول: هذه «الأحاديث» ليست إلا خيالات وأمنيات من كعب وأمثاله بقرب انتهاء هذه الأمة بخروج الدجال ملك اليهود! وقد صيرها الحمقى أحاديث نبوية! ويشهد على كذبها أن الدجال الذي وعدت به عند فتح القسطنطينية لم يخرج! ويشهد أيضاً ما رواه ابن حماد نفسه:1/57:«عن عمير بن هانئ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله : فتنة الأحلاس فيها حرب وهرب، وفتنة السراء يخرج دخنها من تحت قدمي رجل يزعم أنه مني وليس مني، إنما أوليائي المتقون «يقصد علياً عليه السلام »! ثم يصطلح الناس على رجل«يقصد معاوية». ثم تكون فتنة الدهيماء، كلما قيل انقطعت تمادت حتى لايبقى بيت من العرب إلا دخلته، يقاتل فيها لا يدرى على حق يقاتل أم على باطل«يقصد فتنة ابن الزبير وغيره» فلا يزالون كذلك حتى يصيروا إلى فسطاطين فسطاط إيمان لا نفاق فيه، وفسطاط نفاق لا إيمان فيه، فإذا هما اجتمعا فأَبْصِـرِ الدجال اليوم أو غداً».
وغرضهم أن حرب علي عليه السلام للبغاة الخارجين عليه «فتنة» يتحمل هو مسؤوليتها وإن النبي صلى الله عليه وآله تبرأ منه! فكان الواجب عليه برأيهم أن يسكت على الخارجين عليه حتى يأخذوا البلاد وينتصروا عليه! أما أبو بكر وعمر وعثمان ومعاوية، فالخارج عليهم كافر باغ شاق لعصا المسلمين، ويجب عليهم وعلى المسلمين أن يقاتلوه، ليمنعوا الفساد في الأمة! وقد أكثروا من رواية هذه العبارة المحببة الى قلوبهم: «فتنة السراء دَخْلها أو دُخْنُها من تحت قدمي رجل من أهل بيتي يزعم أنه مني وليس مني». فرواه أحمد:2/133، عن عبدالله بن عمر ولفظه: «كنا عند رسول الله قعوداً فذكر الفتن فأكثر ذكرها حتى ذكر فتنة الأحلاس، فقال قائل: يا رسول الله وما فتنة الأحلاس؟ قال: هي فتنة هرب وحرب، ثم فتنة السراء دخلها أو دُخنها من تحت قدمي رجل من أهل بيتي، يزعم أنه مني وليس مني إنما وليي المتقون، ثم يصطلح الناس على رجل كورك على ضَلَع«عَرَج»ثم فتنة الدهيماء، لا تدع أحداً من هذه الأمة إلا لطمته لطمة، فإذا قيل انقطعت تمادت، يصبح الرجل فيها مؤمناً ويمسي كافراً، حتى يصير الناس إلى فسطاطين فسطاط إيمان لا نفاق فيه وفسطاط نفاق لا إيمان فيه وإذا كان ذاكم فانتظروا الدجال من اليوم أو غد».
وأبو داود:2/299، والحاكم:4/466 وصححه، وحلية الأولياء:5/158، ومسند الشاميين:3/401 وعلل الحديث لابن أبي حاتم:2/417 والدر المنثور:6/56.وفي معالم السنن:4/336: أضيفت الفتنة إلى الأحلاس لدوامها وطول لبثها، يقال للرجل إذا كان يلزم بيته لايبرح منه هو حلس بيته، لأن الحلس يفترش فيبقى على المكان ما دام لا يرفع... والحَرَب ذهاب المال والأهل.. والدخن الدخان».
أقول: وأصل كل هذه الفرية ما رواه بخاري عن عمرو العاص أن النبي صلى الله عليه وآله أعلن براءته من آل أبي طالب!
قال بخاري في صحيحه:7/73:«عن قيس بن أبي حازم أن عمرو بن العاص قال: سمعت النبي صلى الله عليه وآله جهاراً غير سر يقول: إن آل أبي «قال عمر: وفي كتاب محمد بن جعفر بياض» ليسوا بأوليائي، إنما وليي الله وصالح المؤمنين». وقد حاول ابن القيم في زاد المعاد:5/158، أن يُرقِّع كلام بخاري فزعم أن النبي صلى الله عليه وآله يقصد بآل أبي...ليسوا لي بأولياء: آل أبيه صلى الله عليه وآله ! لكن ابن حجر «10/352» اعترف بأن أصل نص بخاري «آل أبي طالب» وحاول أن يرقِّعه من جانب آخر فقال: «وقال الخطابي: الولاية المنفية ولاية القرب والإختصاص، لا ولاية الدين، ورجح ابن التين الأول وهو الراجح، فإن من جملة آل أبي طالب علياً وجعفراً، وهما من أخص الناس بالنبي صلى الله عليه وآله لما لهما من السابقة والقدم في الإسلام، ونصر الدين. وقد استشكل بعض الناس صحة هذا الحديث، لما نسب إلى بعض رواته من النصب، وهو الإنحراف عن علي وآل بيته...وأما عمرو بن العاص وإن كان بينه وبين علي ما كان فحاشاه أن يُتَّهم «!» وللحديث محمل صحيح لايستلزم نقصاً في مؤمني آل أبي طالب، وهو أن المراد بالنفي المجموع كما تقدم، ويحتمل أن يكون المراد بآل أبي طالب أبو طالب نفسه، وهو إطلاق سائغ»!
فالقضية عند النواصب أن لا تتهم ابن العاص بالكذب بينما تراهم مستبشرين بحديث بخاري، كأنه إعلان نبوي للبراءة من علي والعترة عليهم السلام ! إنهم يتمنون أن يتراجع النبي عن حديث الثقلين، وعن فرض الصلاة على آله صلى الله عليه وآله معه، وعن عشرات الأحاديث في فضلهم! بل يتمنون أن تنسخ آيات القرآن فيهم!
قال ابن تيمية في منهاجه:7/76:«كما ثبت في الصحيح أنه صلى الله عليه وآله قال: إن آل بني فلان ليسوا لي بأولياء، وإنما وليي الله وصالح المؤمنين، فبيَّنَ أن أولياءه صالح المؤمنين. وكذلك في حديث آخر: إن أوليائي المتقون، حيث كانوا وأين كانوا».
وطبَّلَ به في فتاويه:10/543، وتفسيره:2/48 ومجموع الفتاوى:11/164، و:27/435 , و:28/227، و543، وجامع الرسائل/510. وطبَّل معه ابن قيم في جلاء الأفهام/226، وابن رجب في جامعه/347، وابن حجر في التغليق:5 /86. لكن الله تعالى كشف كذبهم، لأن حديثهم نص على خروج الدجال بعد «فتنة علي عليه السلام » بأربعين سنة! فقد روى ابن حماد في الفتن:2/686: «عن حذيفة قال: الفتن بعد رسول الله صلى الله عليه وآله إلى أن تقوم الساعة، أربع فتن: فالأولى خمس «يقصد خلافة علي عليه السلام وكانت خمس سنين» والثانية عشـرون، والثالثة عشـرون، والرابعة الدجال». ولم يظهر الدجال بعد أربعين سنة من خلافة أميرالمؤمنين عليه السلام ، كما زعم الكذابون!

وبعض النصوص عدَّتها خمساً

في علل الحديث لابن أبي حاتم:2/411:«عن عمارة بن عبيد شيخ من جشعم كبيرقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يذاكرنا خمس فتن، أعلم أربعة قد مضت، والخامسة هي فيكم يا أهل الشام، قال: إن أدركت الخامسة واستطعت أن تقعد في بيتك فافعل، وإن استطعت أن تبتغي نفقاً في الأرض فتدخل فيه فافعل».
وفي ابن حماد:1/51: «عن حزن بن عبد عمرو، قال: دخلنا أرض الروم في غزوة الطوانة، فنزلنا مرجاً فأخذت أنا برؤوس دواب أصحابي فطولت لها، فانطلق أصحابي يتعلفون، فبينا أنا كذلك إذ سمعت: السلام عليك ورحمة الله، فالتفت فإذا أنا برجل عليه ثياب بياض فقلت: السلام عليك ورحمة الله فقال: أمن أمة أحمد؟ قلت: نعم، قال: فاصبروا فإن هذه الأمة أمة مرحومة، كتب الله عليها خمس فتن وخمس صلوات. قال قلت: سمِّهِنَّ لي. قال أمْسِكْ: إحداهن موت نبيهم واسمها في كتاب الله تعالى بغتة، ثم قتل عثمان واسمها في كتاب الله الصماء، ثم فتنة ابن الزبير واسمها في كتاب الله العمياء، ثم فتنة ابن الأشعث واسمها في كتاب الله البتيراء. ثم تولى وهو يقول: وبقيت الصيلم وبقيت الصيلم، فلم أدر كيف ذهب». والطوانة: قرب أنطاكية داخل بلاد الروم، تراوح حكمها بين المسلمين والروم، وأصاب المسلمين فيها شدة وهزيمة سنة 88 هجرية. تاريخ ابن عساكر:26/444.
وابن الأشعث: هو عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس الكندي، وكان الأشعث رأس المنافقين في عهد علي عليه السلام وتاريخه غدرٌونفاق، فقد جاء في وفد كندة إلى النبي صلى الله عليه وآله وأعلن إسلامه، ثم أعلن ارتداده مع بني وليعة فأسره المسلمون وطلب منهم أن يأخذوه إلى أبي بكر، فأطلقه وأكرمه وزوجه أخته! ثم ندم أبو بكر لأنه لم يقتله!
فقد روى اليعقوبي:2/137، أنه كان يتحسر في مرض وفاته على أشياء يتمنى أنه لم يفعلها منها هجومه على بيت فاطمة الزهراء عليها السلام ، وأشياء ليته فعلها منها قتل الأشعث قال: «فليتني قدمت الأشعث بن قيس تضرب عنقه، فإنه يخيل إليَّ أنه لا يرى شيئاً من الشر إلا أعان عليه»!
وكان الأشعث أشد عداوةً لأميرالمؤمنين عليه السلام من ابن سلول للنبي صلى الله عليه وآله ! قال الإمام الصادق عليه السلام :«إن الأشعث بن قيس شَرِكَ في دم أميرالمؤمنين عليه السلام ، وابنته جعدة سمَّت الحسن، ومحمد ابنه شرك في دم الحسين عليهم السلام ».«الكافي:8/167».
وكان الأشعث عميلاً لمعاوية، وبعد هلاكه صار ولده محمد مكانه رئيس كندة، ثم ابنه عبد الرحمن، وكانا مع معاوية ثم مع يزيد. ثم خرج عبد الرحمن على المروانيين في البصرة وجنوب إيران، وطالت حربه معهم حتى قتله عبد الملك بن مروان. فحركته محدودة في المكان والزمان، ولايصح أن تكون فتنة للأمة كلها، لكن الراوي حرف رواية الخمس فتن وعدَّها الخامسة الموعودة، ثم زعم أن الهاتف كلمه بذلك في مرج الطَّوَّانة.
فهذه النصوص كلها لاقيمة لها، والنص الوحيد الذي يستحق الاهتمام هنا، رواه ابن حماد:1/51، عن عاصم بن ضمرة، عن علي قال: «جعل الله في هذه الأمة خمس فتن: فتنة عامة، ثم فتنة خاصة، ثم فتنة عامة، ثم فتنة خاصة، ثم الفتنة السوداء المظلمة التي يصير الناس كالبهائم، ثم هدنة، ثم دعاة إلى الضلالة، فإن بقي لله يومئذ خليفة فالزمه». ورواه عبد الرزاق:11/356، بلفظ: «جعلت في هذه الأمة خمس فتن: فتنة عامة، ثم فتنة خاصة، ثم فتنة عامة، ثم فتنة خاصة. ثم تأتي الفتنة العمياء الصماء المطبقة التي يصير الناس فيها كالأنعام». وابن أبي شيبة:8 /599، والحاكم:4/437 و504، وصححه، وابن المنادي/75. ويصعب تفسير معنى الخاص والعام في هذه الفتن، وأصعب منه تحديد زمنها.

وبعض النصوص جعلتها سبعاً

في فتن ابن حماد:1/55: «عبد الله بن مسعود: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وآله : أحذركم سبع فتن تكون بعدي: فتنة تقبل من المدينة، وفتنة بمكة، وفتنة تقبل من اليمن، وفتنة تقبل من الشام، وفتنة تقبل من المشرق، وفتنة من قبل المغرب، وفتنة من بطن الشام، وهي فتنة السفياني. قال فقال ابن مسعود: منكم من يدرك أولها، ومن هذه الأمة من يدرك آخرها. قال الوليد بن عياش: فكانت فتنة المدينة من قبل طلحة والزبير، وفتنة مكة فتنة ابن الزبير، وفتنة اليمن من قبل نجدة، وفتنة الشام من قبل بني أمية، وفتنة المشرق من قبل هؤلاء». وصححه الحاكم:4/468. والوليد بن عياش أموي الهوى. وقوله من قبل هؤلاء: يقصد العباسيين.

6- الفتن المتصلة بظهور المهدي عليه السلام

وهي التي تنفع في بحثنا، ويتضمَّن نصها صراحة أو بقرائن أن زمنها متصل بظهورالإمام المهدي عليه السلام . وأحاديثها كثيرة، منها ما رواه عبد الرزاق:11/371، عن أبي سعيد الخدري قال: «ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله بلاء يصيب هذه الأمة حتى لا يجد الرجل ملجأ يلجأ إليه من الظلم، فيبعث الله رجلاً من عترتي من أهل بيتي فيملأ به الأرض قسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً، يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض، لا تدع السماء من قطرها شيئاً إلا صبته مدراراً، ولا تدع الأرض من مائها شيئاً إلا أخرجته، حتى تتمنى الأحياء الأموات. يعيش في ذلك سبع سنين أو ثمان أو تسع سنين».
ورواه ابن حماد:1/358، بدون الفقرة الأخيرة عن مدة ملكه عليه السلام . والحاكم:4/465 وصححه، وتذكرة القرطبي:2/700، وشرح المقاصد:2/307، أوله كعبد الرزاق، وقال: فذهب العلماء إلى أنه إمام عادل من ولد فاطمة رضي الله عنها يخلقه الله تعالى متى شاء ويبعثه نصـرة لدينه. والدر المنثور:6/58، وابن حجر/63 في الصواعق.
وهذا الحديث من أوضح أحاديث الفتن، وهو ينص على أن الفتنة الأخيرة تَعُمُّ المسلمين وتمتدُّ حتى يظهر المهدي عليه السلام ، وفيه دلالات على المسار العام للأمة.

يبعث في أمتي على اختلاف من الناس وزلازل

روى أحمد:3/37: «عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله : أبشـركم بالمهدي يبعث في أمتي على اختلاف من الناس وزلازل، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض، يقسم المال صحاحاً. فقال له رجل: ما صحاحاً ؟ قال بالسوية بين الناس، قال: ويملأ الله قلوب أمة محمد غنى، ويسعهم عدله حتى يأمر منادياً فينادي فيقول: من له من مال حاجة؟ فما يقوم من الناس إلا رجل فيقول: إئت السدان يعني الخازن فقل له إن المهدي يأمرك أن تعطيني مالاً، فيقول له: أحثُ، حتى إذا جعله في حجره وأحرزه ندم، فيقول: كنت أجشع أمة محمد نفساً، أوَ عجز عني ما وسعهم! قال: فيرده فلا يقبل منه، فيقال له: إنا لا نأخذ شيئاً أعطيناه، فيكون كذلك سبع سنين أو ثمان سنين أو تسع سنين، ثم لاخير في العيش بعده، أو قال ثم لاخير في الحياة بعده».
والمقصود بالزلازل: الإجتماعية منها، بقرينة ذكرها بعد اختلاف الناس. وصحاحاً: أي كاملة. وأحْثُ: أي خذ منه بغير عد. والجشع: الحرص والنهم. ورواه أحمد بنحوه:3/52، وملاحم ابن المنادي/42، بتفاوت يسير. ومجمع الزوائد: 7/313، وقال: رواه الترمذي وغيره باختصار كثير، ورواه أحمد بأسانيد، وأبو يعلي باختصار كثير ورجالهما ثقات. والدر المنثور:6/57، عن رواية أحمد الأولى، وصواعق ابن حجر/166، كرواية أحمد الثانية، وعن الماوردي. الى آخر المصادر. ورواه من مصادرنا: دلائل الإمامة/249: «عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله : أبشروا بالمهدي، فإنه يأتي في آخر الزمان على شدة وزلازل، يسع الله له الأرض عدلاً وقسطاً». وفي/252، بنحو حديث أحمد.
وغيبة الطوسي/111، عن أبي سعيد، أوله كرواية أحمد الأولى إلى قوله: وساكن الأرض. ثم روى بالسند المتقدم: قال رسول الله صلى الله عليه وآله :«أبشـروا بالمهدي، قالها ثلاثاً، يخرج على حين اختلاف من الناس وزلزال شديد، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، يملأ قلوب عباده غنى ويسعهم عدله».
ويظهر من رواية الطوسي، أن رواة الحكومة زادوا في رواية أبي سعيد، وهذا هو دأبهم!

يكون على تظاهرالعمر وانقطاع من الزمان

روى أبو يعلى: 2/356، أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: «يكون في آخر الزمان على تظاهر العمر وانقطاع من الزمان إمام يكون أعطى الناس، يجيئه الرجل فيحثو له في حجره يهمه من يقبل عنه صدقة ذلك المال ما بينه وبين أهله، لما يصيب الناس من الخير».
ومسند ابن الجعد:2/795 وفي الحاوي:2/63: أخرج أبو يعلى، وابن عساكر، عن أبي سعيد. وجمع الجوامع:1/1012، عن حلية الأولياء، وابن عساكر، عن أبي سعيد.
وفي ابن حماد:1/361، عن أبي سعيد الخدري، قال النبي صلى الله عليه وآله :«يخرج رجل من أهل بيتي عند انقطاع من الزمان وظهور من الفتن، يكون عطاؤه حَثْياً يقال له السفاح».
وحثياً: مقداراً كثيراً دون عد، أو يقول للآخذ: أُحْثُ، أي إحمل مقداراً كما في بعض الأحاديث، وفي بعض الروايات: حسياً بالسين وهو قريب منه. والسفاح: سفاك دماء أعدائه. وقد ورد إسم السفاح صفة للمهدي عليه السلام في أحاديث من طرق الفريقين، لكن قد يكون من إضافة رواة العباسيين لينطبق على سفاحهم، فقد رواه عدد من المصادر بدونها، كابن أبي شيبة:8/678..الخ.

إذا كثرت الشرط، وملكت الإماء

الطبراني الكبير:18/51: «عن عوف بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله : كيف أنت يا عوف إذا افترقت هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، واحدة في الجنة وسائرهن في النار! قلت: ومتى ذلك يا رسول الله ؟ قال: إذا كثرت الشرط، وملكت الإماء، وقعدت الحملان على المنابر، واتخذ القرآن مزامير، وزخرفت المساجد، ورفعت المنابر، واتخذ الفئ دولاً، والزكاة مغرماً، والأمانة مغنماً، وتفقه في الدين لغيرالله، وأطاع الرجل امرأته، وعق أمه وأقصى أباه، ولعن آخر هذه الأمة أولها، وساد القبيلة فاسقهم، وكان زعيم القوم أرذلهم، وأكرم الرجل اتقاء شره. فيومئذ يكون ذلك، ويفزع الناس يومئذ إلى الشام يعصمهم من عدوهم، قلت: وهل يفتح الشام؟ قال: نعم وشيكاً، ثم تقع الفتن بعد فتحها، ثم تجئ فتنة غبراء مظلمة، ثم يتبع الفتن بعضها بعضها حتى يخرج رجل من أهل بيتي يقال له المهدي، فإن أدركته فاتبعه وكن من المهتدين». ومجمع الزوائد:7/323، ووثقه على مبنى ابن حبان.

ثم تكون فتنة كلما قيل انقطعت تمادت!

ابن حماد:1/57: «عن أبي سعيد الخدري: قال رسول الله صلى الله عليه وآله : ستكون بعدي فتن: منها فتنة الأحلاس يكون فيها حرب وهرب، ثم بعدها فتن أشد منها، ثم تكون فتنة كلما قيل انقطعت تمادت، حتى لايبقى بيت إلا دخلته ولا مسلم إلا صكته، حتى يخرج رجل من عترتي». ورواه في المعجم الأوسط:5/338: «ستكون فتنة لايهدأ منها جانب إلاجاش منها جانب، حتى ينادي مناد من السماء إن أميركم فلان».
أقول: يتعجب الإنسان من رواية طلحة بن عبيدالله حديث النداء باسم المهدي عليه السلام مع أن المهدي عليه السلام من ولد علي وفاطمة عليها السلام ، وموقف طلحة من العترة معروف! لكن يزول العجب عندما نعرف أن بني تيم كانوا يعملون للوصول الى الخلافة بعد أبي بكر، وما زالت رواية عائشة في صحيح مسلم: «قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله في مرضه: ادعي لي أبا بكر أباك وأخاك حتى أكتب كتاباً، فإني أخاف أن يتمنى متمنٍّ ويقول قائل أنا أولى»! «صحيح مسلم:7/110».
ثم تنازلت عائشة عن النص النبوي بالخلافة لأبيها وأخيها، وأرادتها لابن عمها طلحة فلم تنجح. ثم ادعى أنصارها أن ابنه موسى بن طلحة هو المهدي الموعود! فحديث طلحة يقع في هذا السياق!

شرُّ الفتن كلها تكون قبل ظهوره عجل الله تعالى فرجه الشريف !

سنن الداني/161، أن الحكم بن عتيبة سأل الإمام الباقر عليه السلام : «سمعنا أنه سيخرج منكم رجل يعدل في هذه الأمة؟ فقال: إنا نرجو ما يرجو الناس، وإنا نرجو لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد سيطول ذلك اليوم حتى يكون ما ترجو هذه الأمة. وقبل ذلك فتنة شرفتنة، يُمسي الرجل مؤمناً ويصبح كافراً، ويصبح مؤمناً ويمسي كافراً! فمن أدرك ذلك منكم فليتق الله، وليحرز دينه وليكن من أحلاس بيته».

7- فتنة كنز الكعبة وجبل الذهب في مجرى الفرات

روت مصادر السنيين أحاديث عديدة صحيحة، عن نزاع يقع بين فئتين أو أكثر على كنز مدفون في بئر تحت الكعبة، وأنه يكون على أثره ظهور المهدي عليه السلام .
كما رووا عن نزاع يقع على جبل من ذهب ينحسرعنه مجرى الفرات، وقتال عليه بين فئات ولا يصلون اليه، ويكون على أثره ظهور المهدي عليه السلام . ولم ترد في هذا رواية في مصادرنا.
وقد اختلطت أحاديث كنز الكعبة وكنز الفرات عند بعضهم. روى ابن ماجة:2/1367، عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله :«يقتتل عند كنزكم ثلاثة كلهم ابن خليفة، ثم لا يصير إلى واحد منهم، ثم تطلع الرايات السود من قبل المشرق فيقتلونكم قتلاً لم يقتله قوم، ثم ذكر شيئاً لا أحفظه فقال: فإذا رأيتموه فبايعوه ولو حبواً على الثلج فإنه خليفة الله المهدي». وفي هامشه: «وفي الزوائد: هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، ورواه الحاكم في المستدرك «4/463» وقال: صحيح على شرط الشيخين.والروياني في مسنده/123، عن ثوبان. وابن المنادي في الملاحم/44، والبيهقي في دلائل النبوة:6/515، والشافعي في البيان/489، وصححه.
وقال الشافعي/520: حديث حسن المتن، وقع إلينا عالياً من هذا الوجه بحمد الله وحسن توفيقه، وفيه دليل على شرف المهدي عليه السلام بكونه خليفة الله في الأرض على لسان أصدق ولد آدم.
وقال السقاف في تناقضات الألباني:1/43:«ضعفه الألباني في تخريج مشكاة المصابيح: 3/1495 برقم 5429 فقال: بسند ضعيف. ثم وجدنا أنه تناقض حيث صححه في صحيحته:2/415، حديث رقم772. !! انتهى.
ورواه ابن كثير في الفتن:1/42، عن ابن ماجة وقال: «تفرد به ابن ماجة، وهذا إسناد قوي صحيح، والمراد بالكنز المذكور في هذا السياق كنز الكعبة يقتتل عنده ليأخذه ثلاثة من أولاد الخلفاء، حتى يكون آخر الزمان، فيخرج المهدي ويكون ظهوره من بلاد المشرق، لا من سرداب سامراء كما يزعمه جهلة الرافضة».

ملاحظات

1- المتواتر عند الفريقين أن المهدي عليه السلام يظهر من مكة، ولا بد أن يكون المقصود بظهوره من المشرق أن أمره يبدأ من المشرق كما ف ي روايتنا، وذلك على يد أصحابه الممهدين الخراسانيين. وما ذكره ابن كثيرعن ظهوره من سرداب سامراء لم يَدَّعِهِ جَهَلة الشيعة فضلاً عن علمائهم، فهو من نبز خصومهم وافترائهم!
2- ادعى الوهابيون المهدية لشخص من مدينة بريدة في نجد، إسمه محمد بن عبد الله، وأيد ذلك وباركه إمامهم ابن باز، وأرسلوه الى الشيشان لينطبق عليه أنه خرج من المشرق، وأعرضوا عن الأحاديث الصحيحة التي تنص على خروجه من مكة، وفسـروا رايات خراسان التي تأتي لنصرته برايات الطالبان. وهذا غاية التعصب والإعراض عن الأحاديث الصحيحة عندهم!
3- مما يتناقله أهل مكة أنه يوجد كنز للكعبة مدفون تحتها، وقد روت كتب التاريخ والسيرة والحديث حوله روايات كثيرة، ولا نعرف مدى صحة ذلك.
راجع: تاريخ الطبري:2/36، وابن هشام:1/124، وسبل الهدى للصالحي:10/190
وحديث كنز الكعبة خارج عن موضوعنا لأنه لاربط له صريحاً بالإمام المهدي عليه السلام ، كما لايصح الأخذ به لأنه يوافق مزاعم كعب بأن الكعبة ستهدم!
أما حديث كنز الفرات وجبل الذهب فيه، فرواه عبد الرزاق:11/382، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله :«يحسر الفرات عن جبل من ذهب، فيقتتل الناس عليه، فيقتل من كل مئة تسعون، أو قال: تسعة وتسعون، كلهم يرى أنه ينجو». وفي ابن حماد:1/57، عن عبد الله بن زرير الغافقي: سمعت علياً رضي الله عنه يقول: «الفتن أربع: فتنة السراء، وفتنة الضراء، وفتنة كذا، فذكر معدن الذهب، ثم يخرج رجل من عترة النبي يصلح الله على يديه أمرهم».
ورواه السلمي في عقد الدرر/57، عن ابن حماد، والحاوي:2/67، وصححه بشـرط مسلم. ومثله جمع الجوامع:2/30. ونحوه ابن حماد:1/239، وفيه: من ذهب وفضة، فيقتل عليه من كل تسعة سبعة، فإن أدركتموه فلا تقربوه. وفي رواية: تدوم الفتنة الرابعة اثنا عشر عاماً، تنجلي حين تنجلي وقد أحسرت الفرات عن جبل من ذهب، فيقتل عليه من كل تسعة سبعة. وفي رواية: الفتنة الرابعة ثمانية عشر عاماً، ثم تنجلي حين تنجلي وقد انحسر... تكب عليه الأمة فيقتل علىه من كل تسعة سبعة. وأحمد:2/261.
وفي أحمد:5/139، عن عبد الله بن الحرث قال: «وقفت أنا وأبي بن كعب في ظل أَجَمٍ حِسَان فقال لي أبي: ألا ترى الناس مختلفة أعناقهم في طلب الدنيا؟ قال قلت: بلى، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: يوشك الفرات أن يحسر عن جبل من ذهب فإذا سمع به الناس ساروا إليه، فيقول من عنده: والله لئن تركنا الناس يأخذون فيه ليذهبن، فيقتتل الناس حتى يقتل من كل مائة تسعة وتسعون! وقال: وهذا اللفظ حديث أبي عن عفان».
ورواه بخاري:9/73، كرواية أحمد، وفيه: عن كنز من ذهب، فمن حضره فلا يأخذ منه شيئاً. والحميدي:3/98، عن أبي هريرة وفيه:«لاتقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب، يقتتل الناس عليه فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون».
وروى ابن حماد:1/239، عن كعب قال: «يكون ناحية الفرات في ناحية الشام أو بعدها بقليل مجتمع عظيم فيقتتلون على الأموال، فيقتل من كل تسعة سبعة، وذاك بعد الهدة والواهية في شهر رمضان، وبعد افتراق ثلاث رايات يطلب كل واحد منهم الملك لنفسه فيهم رجل اسمه عبد الله». انتهى.
أقول: وقت الصراع على كنز الفرات بقول كعب، بعد النداء السماوي. لكن لايمكننا الأخذ بأحاديث الصراع على كنز الفرات، لأنه لم يثبت بنص صحيح عن أهل البيت عليهم السلام .
والحديث اليتيم في مصادرنا حول كنز الكعبة، ما رواه الحميري في قرب الإسناد /82: عن الإمام الباقرعن آبائه عليهم السلام : «أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: تاركوا الحبشة ما تاركوكم، فوالذي نفسي بيده لايستخرج كنزالكعبة إلا ذو السويقتين».
ولا يمكن الأخذ به على قواعدنا لأنه موافق لما روته رواة السلطة. وقد رواه أحمد:5/371، عن أبي أمامة عن رجل، قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: أتركوا الحبشة ما تركوكم، فإنه لايستخرج كنز الكعبة إلا ذو السويقتين من الحبشة».
والنسائي:9/176، وأبو داود:2/316، والمستدرك:4/453 وصححه.

8- الفتنة التي تكون بعد موت الخامس من أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله

روى ابن حماد:1/117، حديثاً عجيباً، لايتم معناه إلا على مذهبنا، قال: «حدثنا ابن أبي هريرة عن أبيه، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إذا مات الخامس من أهل بيتي فالهرج الهرج، حتى يموت السابع، ثم كذلك حتى يقوم المهدي. قال بلغني عن شريك أنه قال: هو ابن العَفَر، يعني هارون وكان الخامس. ونحن نقول هو السابع، والله أعلم».
ورواه السيوطي في الحاوي:2/83، وفيه: حتى يموت السابع قالوا: وما الهرج؟ قال: القتل كذلك. وكنز العمال:11/247، وفيه: حتى يموت السابع، قالوا: وما الهرج؟ قال: الفتن، كذلك حتى يقوم المهدي».انتهى.
أقول: طبَّق ابن حماد كثرة القتل بعد الخامس الى أن يموت السابع، على ملوك بني عباس، فاعتبر السابع الرشيد المتوفى قبل المئتين، ولذلك استبشـر بقرب ظهور المهدي عليه السلام ! وقد توفي ابن حماد سنة227.
ولا يصح به معنى الحديث، لأنه إن كان المقصود أنه لايحكم من بني العباس أكثر من سبعة، فقد حكم أكثر، وإن أراد أن المهدي عليه السلام يظهر بعد السابع، فلم يظهر!
كما لايصح من جهة أخرى، لأن النبي صلى الله عليه وآله قال: «مات الخامس من أهل بيتي» وبنو العباس ليسوا من أهل بيته، فقد حددهم صلى الله عليه وآله بعلي وفاطمة والحسنين والأئمة من ذريتهما عليهم السلام . وقد روى أحمد:4/107: «اللهم هؤلاء أهل بيتي وأهل بيتي أحق». وروى في:6/323: «قال لفاطمة إئتيني بزوجك وابنيك فجاءت بهم، فألقى عليهم كساء فدكياً، قال: ثم وضع يده عليهم ثم قال: اللهم إن هؤلاء آل محمد، فاجعل صلواتك وبركاتك على محمد وعلى آل محمد إنك حميد مجيد. قالت أم سلمة: فرفعت الكساء لأدخل معهم فجذبه من يدي وقال إنك على خير».انتهى.
وعليه فلا بد أن يكون في الحديث سقطاً، لأنه لايصح إلا بالخامس والسابع من الأئمة الربانيين الإثني عشر من عترته عليهم السلام ، الذين بشـر بهم، وأولهم علي وخاتمهم المهدي عليهم السلام . فالحديث محرفٌ عن أحاديث مصادرنا الآتية.

9- الفتنة في العقيدة بعد فقدان الخامس من ولد السابع

روى الخزاز كفاية الأثر/156، عن محمد بن الحنفية قال: قال أميرالمؤمنين عليه السلام : «سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول، في حديث طويل في فضل أهل البيت عليهم السلام : وسيكون بعدي فتنة صمَّاء صيْلم يسقط فيها كل وليجة وبطانة، وذلك عند فقدان شيعتك الخامس من السابع من ولدك، يحزن لفقده أهل الأرض والسماء، فكم مؤمن ومؤمنة متأسف متلهف حيران عند فقده! ثم أطرق ملياً ثم رفع رأسه، وقال: بأبي وأمي سميي وشبيهي وشبيه موسى بن عمران عليه جيوب النور «أو قال جلابيب النور» تتوقد من شعاع القدس!
كأني بهم آيس ماكانوا ثمَّ نودي بنداء يسمع من البعد كما يسمع من القرب، يكون رحمة على المؤمنين وعذاباً على المنافقين. قلت: وما ذلك النداء؟ قال: ثلاثة أصوات في رجب أولها: ألا لعنة الله على الظالمين، والثاني: أزفت الأزفة، والثالث: ترون بدرياً بارزاً مع قرن الشمس، ينادي: ألا إن الله قد بعث فلان بن فلان حتى ينسبه إلى علي عليه السلام ، فيه هلاك الظالمين، فعند ذلك يأتي الفرج ويشفي الله صدورهم ويذهب غيظ قلوبهم. قلت: يا رسول الله ، فكم يكون بعدي من الأئمة؟ قال: بعد الحسين تسعة والتاسع قائمهم».
ومعنى الحديث:أن الناس سيفقدون الإمام الخامس بعد السابع من عترة النبي صلى الله عليه وآله ، وهو الإمام المهدي بن الحسن العسكري عليه السلام ، ويبتلى المؤمنون بفتنة غيبة إمامهم عليه السلام ، ويسقط في الفتنة من لابصيرة له في دينه، ولا يثبت على القول بولادته وغيابه إلا القليل، المتلهفون لفقده المؤمنون به مهما طال الزمان.
لاحظ قوله صلى الله عليه وآله : «وسيكون بعدي فتنة صماء صيلم يسقط فيها كل وليجة وبطانة، وذلك عند فقدان شيعتك الخامس من السابع من ولدك، يحزن لفقده أهل الأرض والسماء، فكم مؤمن ومؤمنة متأسف متلهف حيران عند فقده».
وروت مصادرنا أحاديث أخرى صحيحةً بمعناه، منها ما رواه الخزار رحمه الله في كفاية الأثر/147، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: قال علي عليه السلام : كنت عند النبي صلى الله عليه وآله في بيت أم سلمة إذ دخل علينا جماعة من أصحابه، منهم سلمان وأبو ذر والمقداد وعبد الرحمن بن عوف، فقال سلمان: يا رسول الله إن لكل نبي وصياً وسبطين فمن وصيك وسبطاك؟ فأطرق ساعة ثم قال: يا سلمان إن الله بعث أربعة آلاف نبي وكان لهم أربعة آلاف وصي وثمانية آلاف سبط، فوالذي نفسي بيده لأنا خير الأنبياء ووصيي خير الأوصياء، وسبطاي خير الأسباط. في حديث طويل عدَّد فيه النبي صلى الله عليه وآله الأئمة من أهل بيته، ثم قال: «ثم يغيب عنهم إمامهم ما شاء الله، ويكون له غيبتان إحداهما أطول من الأخرى. ثم التفت إلينا رسول الله صلى الله عليه وآله فقال رافعاً صوته: الحذر إذا فقد الخامس من ولد السابع من ولدي! قال علي: فقلت: يا رسول الله فما تكون هذه الغيبة؟ قال: الصمت حتى يأذن الله له بالخروج فيخرج من اليمن من قرية يقال لها أكرعة على رأسه غمامة، متدرع بدرعي متقلد بسيفي ذي الفقار، ومناد ينادي هذا المهدي خليفة الله فاتبعوه، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، ذلك عندما تصير الدنيا هرجاً ومرجاً يَغار بضعهم على بعض، فلا الكبير يرحم الصغير ولا القوي يرحم الضعيف، فحينئذ يأذن الله له بالخروج».

ملاحظات

1- المتفق عليه في مصادر الجميع أن عدد الأنبياء عليهم السلام مئة وأربع وعشرون ألفاً، وعدد الرسل منهم ثلاث مئة وستون، وفي رواية ثلاث مئة وثلاثة عشر. وعندنا أن لكل نبي وصياً، والأربعة آلاف نبي عليهم السلام قد يكونون كبار الأنبياء، ولكل واحد منهم وصي وسبطان.
2- وردت في مصادرنا أحاديث صحيحة السند عن أئمة أهل البيت عليهم السلام حول اليماني الذي يظهر قبل الإمام المهدي عليه السلام ، ويكون من خاصة أنصاره. أما المصادر السنية فنصوصها في اليماني أو القحطاني متعارضة منتاقضة.

10- تربية الشيعة على مواجهة الفتن وانتظار الإمام المهدي عليه السلام

كفاية الأثر/260، عن مسعدة قال: «كنت عند الصادق عليه السلام إذ أتاه شيخ كبير قد انحنى متكئاً على عصاه، فسلم فرد أبو عبد الله عليه السلام الجواب، ثم قال: يا ابن رسول الله ناولني يدك أقبلها، فأعطاه يده فقبلها ثم بكى، فقال أبو عبد الله عليه السلام : ما يبكيك يا شيخ؟ قال: جعلت فداك أقمت على قائمكم منذ مائة سنة أقول هذا الشهر وهذه السنة، وقد كبرت سني ودق عظمي واقترب أجلي، ولا أرى ما أحب، أراكم مقتلين مشردين، وأرى عدوكم يطيرون بالأجنحة، فكيف لا أبكي! فدمعت عينا أبي عبد الله عليه السلام ثم قال: يا شيخ إن أبقاك الله حتى ترى قائمنا كنت معنا في السنام الأعلى، وإن حلت بك المنية جئت يوم القيامة مع ثقل محمد ونحن ثقله، قال صلى الله عليه وآله : إني مخلف فيكم الثقلين فتمسكوا بهما لن تضلوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي. فقال الشيخ: لا أبالي بعد ما سمعت هذا الخبر.
قال: يا شيخ، إن قائمنا يخرج من صلب الحسن «أي العسكري» والحسن يخرج من صلب علي، وعلي يخرج من صلب محمد، ومحمد يخرج من صلب علي، وعلي يخرج من صلب ابني هذا، وأشار إلى موسى عليه السلام ، وهذا خرج من صلبي. نحن اثنا عشر كلنا معصومون مطهرون.
فقال الشيخ: يا سيدي بعضكم أفضل من بعض؟ قال: لا، نحن في الفضل سواء، ولكن بعضنا أعلم من بعض. ثم قال: يا شيخ، والله لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يخرج قائمنا أهل البيت، ألا وإن شيعتنا يقعون في فتنة وحيرة في غيبته، هناك يثبت الله على هداه المخلصين، اللهم أعنهم على ذلك».
وروى نحوه في أمالي الطوسي/161، وفيه: «ثم قال يا شيخ ما أحسبك من أهل الكوفة ؟ قال: لا، قال: فمن أين؟ قال: من سوادها جعلت فداك. قال: أين أنت من قبر جدي المظلوم الحسين عليه السلام ؟ قال: إني لقريب منه. قال: كيف إتيانك له؟ قال: إني لآتيه وأكثر. قال عليه السلام : يا شيخ دمٌ يطلب الله تعالى به. وما أصيب ولد فاطمة ولا يصابون بمثل الحسين عليه السلام . ولقد قتل في سبعة عشر من أهل بيته نصحوا لله وصبروا في جنب الله، فجزاهم الله أحسن جزاء الصابرين. إنه إذا كان يوم القيامة أقبل رسول الله ومعه الحسين، ويده على رأسه تقطر دماً فيقول: يا رب سل أمتي فيمَ قتلوا ولدي!».
وفي كمال الدين:2/510، خرج «توقيع» إلى العمري وابنه رضي الله عنهما،رواه سعد بن عبد الله قال: قال الشيخ أبو عبد الله جعفر رضي الله عنه وجدته مثبتاً عنه رحمه الله : وفقكما الله لطاعته وثبتكما على دينه وأسعدكما بمرضاته. انتهى إلينا ما ذكرتما أن الميثمي أخبركما عن المختار ومناظراته من لقي، واحتجاجه بأنه لا خلف غير جعفر بن علي وتصديقه إياه، وفهمت جميع ما كتبتما به مما قال أصحابكما عنه، وأنا أعوذ بالله من العمى بعد الجلاء، ومن الضلالة بعد الهدى، ومن موبقات الأعمال ومرديات الفتن، فإنه عز وجل يقول: ألم. أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لايُفْتَنُونَ. كيف يتساقطون في الفتنة، ويترددون في الحيرة، ويأخذون يميناً وشمالاً، فارقوا دينهم أم ارتابوا أم عاندوا الحق، أم جهلوا ما جاءت به الروايات الصادقة والأخبار الصحيحة؟! أو علموا ذلك فتناسوا؟ ما يعلمون أن الأرض لا تخلو من حجة، إما ظاهراً وإما خائفاً مغموراً؟! أولم يعلموا انتظام أئمتهم بعد نبيهم صلى الله عليه وآله واحداً بعد واحد، إلى أن أفضى الأمر بأمر الله عز وجل إلى الماضي، يعني الحسن بن علي عليه السلام ، فقام مقام آبائه عليهم السلام يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم! كان نوراً ساطعاً، وشهاباً لامعاً، وقمراً زاهراً، ثم اختار الله عز وجل له ما عنده فمضى على منهاج آبائه عليهم السلام حذو النعل بالنعل على عهد عهده، ووصية أوصى بها إلى وصي ستره الله عز وجل بأمره إلى غاية، وأخفى مكانه بمشيئة للقضاء السابق والقدر النافذ، وفينا موضعه ولنا فضله، ولو قد أذن الله عز وجل فيما قد منعه عنه، وأزال عنه ما قد جرى به من حكمه، لأراهم الحق ظاهراً بأحسن حلية، وأبين دلالة، وأوضح علامة، ولأبان عن نفسه، وقام بحجته. ولكن أقدار الله عز وجل لاتغالب، وإرادته لاترد، وتوفيقه لايسبق، فليَدعوا عنهم اتباع الهوى، وليقيموا على أصلهم الذي كانوا عليه، ولا يبحثوا عما سترعنهم فيأثموا، ولا يكشفوا ستر الله عز وجل فيندموا، وليعلموا أن الحق معنا وفينا، لا يقول ذلك سوانا إلا كذاب مفتر، ولا يدعيه غيرنا إلا ضال غوي. فليقتصروا منا على هذه الجملة دون التفسير، ويقنعوا من ذلك بالتعريض دون التصريح، إن شاء الله».

11- فتنة بلاد الشام الموعودة قبل ظهور المهدي عليه السلام

عبد الرزاق:11/361: «تكون فتنة بالشام، كأن أولها لعب الصبيان، تطفو من جانب وتسكن من جانب، فلا تتناهى حتى ينادي مناد: إن الأمير فلان. وقال: فيُقَلِّبُ ابن المسيب يديه حتى أنهما لتنتفضان، ثم يقول: ذاكم الأمير حقاً ذاكم الأمير حقاً».
وفي ابن حماد:1/338: «ولا تكون لهم جماعة حتى ينادي مناد من السماء عليكم بفلان وتطلع كف تشير..عن المغيرة بن عبد الرحمن عن أمه وكانت قديمة: قال: قلت لها في فتنة ابن الزبير: إن هذه الفتنة يهلك فيها الناس؟فقالت: كلا يا بنيَّ ولكن بعدها فتنة يهلك فيها الناس ولايستقيم أمرهم حتى ينادي مناد من السماء عليكم بفلان».

12- شدة الفتنة قبل ظهور المهدي عليه السلام وحدث يكون في الحجاز

ذكرت أحاديث الطرفين فتنة تكون في الحجاز، حيث يموت حاكمهم ويختلفون بعده على السلطة، وينتهي ملك السنين، ويكون ملك الشهور والأيام، ولايجتمع أمرهم على أحد، فيبحث الناس عن الإمام عليه السلام ويطلبون منه أن يقبل بيعتهم، وسيأتي ذلك في فصل الحجاز.

13- نصوص كثيرة تشبه الأحاديث وليست بها

وكلها تصف فتنة تتصل بظهور الإمام المهدي عليه السلام ،كالذي رواه عبد الرزاق: 11/372، عن أبي الجلد قال: «تكون فتنة ثم تتبعها أخرى، لاتكون الأولى في الآخرة إلا كثمرة السوط تتبعه ذباب السيف، ثم تكون فتنة فلا يبقى لله محرم إلا استحل، ثم يجتمع الناس على خيرهم رجلاً، تأتيه إمارته هنيئاً وهو في بيته».
وعنه ابن حماد:1/344، وابن أبي شيبة:8 /702، وفيه: «ثم تأتي الخلافة خير أهل الأرض وهو قاعد في بيته هنياً». وثمرة السوط: طرفه من أسفله. وذباب السيف: طرفه الذي يضرب به، والمقصود تفاقم الفتن من الشديد إلى الأشد.
وفي القول المختصر/70: «لا يخرج حتى تكون قبله فتنة تستحل فيها المحارم كلها، ثم تأتيه الخلافة وهو قاعد في بيته، وهو خير أهل الأرض».
وفي ملاحم ابن طاووس/121، من كتاب الفتن للسليلي، عن عبد الله بن عمر قال: «تكون فتنة يقال لها السبيطة قتلاها في النار، فقلت: وهما مسلمان؟ قال: وهما مسلمان، قلت: وهما مسلمان! قال: وهما مسلمان، قلت: لمَ؟ قال: لأنهم تغالبوا على أمر الدنيا ولم يتغالبوا على أمر الله، فقلت قد كان ذلك. قال: متى لله أبوك؟ فقلت فتنة عثمان. قال:كلا والذي بعث محمداً بالحق حتى يدخل على العرب كلهم حجرها وحتى يأتي الرجل القبر فيقول: يا ليتني كنت مكانك! وحتى تملأ الأرض ظلماً وجوراً! قلت ثم مَهْ؟ قال: ثم يبعث الله رجلاً يملؤها قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، يعيش بضع سنين، فقلت: وما البضع؟ قال: زعم أهل الكتاب أنه تسع أو سبع». والجمع بين الصحيحين: 3/203، عن أبي هريرة. والسبيطة: الطويلة، ولعلها من السباطة أي الكناسة، شبهت بها لاجتماع الصفات السيئة فيها. وقد تكون السبيتة من السبت والسكون، لاستقرارها ودوامها.
وفي الداني/95، والسنن/1042، عن قتادة قال: «يجاء إلى المهدي وهو في بيته والناس في فتنة تهراق فيها الدماء، فيقال له: قم علينا فيأبى حتى يُخَوَّف القتل، فإذا خُوِّفَ بالقتل قام عليهم فلا يهراق في سببه محجمة دم.
وقد فسرت الأحاديث التخويف بالقتل في هذا الحديث وغيره بالتخويف بانكشاف أمره عليه السلام قرب مجئ جيش السفياني، لا أن الذين يريدونه للبيعة يخوفونه بالقتل.
* *

الفصل الخامس : ( حكام السوء ، ذم حكام السوء وعلماء آخر الزمان )

علماء السوء أتباع الأئمة المضلين!

روى الجميع أن النبي صلى الله عليه وآله أخبرالأمة بأنها ستبتلى بحكام جور، وعلماء سوء يبررون لهم أعمالهم! وحاول بعضهم إبعاد وقتهم عن الصحابة ويجعلهم في آخر الزمان قرب قيام الساعة! لكن بعضها ذكر أن زمنهم بعد النبي صلى الله عليه وآله مباشرة، وأن ذلك البلاء يستمر حتى ظهور المهدي عليه السلام !
على أن عدداً من الصحابة كانوا يتصورون أن عصرهم آخر الزمان، فقد فسروا قوله صلى الله عليه وآله :«بعثت أنا والساعة كهاتين وجمع بين إصبعيه» «بخاري:6/177» بأنهم في قرن القيامة، وكذا فهموا صفة النبي صلى الله عليه وآله بأنه نبي آخر الزمان. « كمال الدين/190».
والصحيح أن آخر الزمان وصف نسبي فيصح إطلاقه على مرحلة ما بعد النبي صلى الله عليه وآله كلها أو بعض أجزائها، وأن يسمى علماؤه: علماء آخر الزمان. والأحاديث في ذمهم كثيرة، لكن غرضنا منها ما يرتبط بظهور الإمام عليه السلام : ففي مجمع الزوائد:5/233:«عن معاذ بن جبل قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله : لا تقوم الساعة حتى يبعث الله أمراء كذبة، ووزراء فجرة، وأمناء خونة، وقراء فسقة سمتهم سمة الرهبان وليس لهم رعية أو قال رعة، فيلبسهم الله فتنة غبراء مظلمة يتهوكون فيها تهوك اليهود في الظلم. رواه البزار وفيه حبيب بن عمران كلاعي ولم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح».
والقراء الفسقة: حملة القرآن من الرواة والعلماء. سمتهم: أي هيئتهم المعنوية الظاهرة مثل الرهبان. والرِّعْيَة: بمعنى ورع عن المحارم. يتهوكون فيها: أي يقعون في الفتنة ويتخبطون كاليهود. والتهوك مصطلح نبوي لمن تأثر باليهود من أصحابه. وتعبير: لا تقوم الساعة حتى.. يدل على حتميته فقط، ولايدل على أنه سيكون قرب الساعة!
أما رواية ابن أبي شيبة:8/698، «في آخر هذا الزمان قراء فسقة» فتدل على أنهم عند ظهور المهدي عليه السلام ، ومثله تاريخ بخاري:4/330، والزهد لابن عاصم:1/212.
وفي الدر المنثور:6/53: «وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: حج النبي صلى الله عليه وآله حجة الوداع ثم أخذ بحلقة باب الكعبة فقال: أيها الناس ألا أخبركم بأشراط الساعة ؟ فقام إليه سلمان فقال: أخبرنا فداك أبي وأمي يا رسول الله . قال: إن من أشراط الساعة إضاعة الصلاة والميل مع الهوى وتعظيم رب المال. فقال سلمان: ويكون هذا يا رسول الله ؟ قال: نعم والذي نفس محمد بيده، فعند ذلك يا سلمان تكون الزكاة مغرماً والفئ مغنماً، ويُصَدَّقُ الكاذب ويُكذَّب الصادق، ويؤتمن الخائن ويخون الأمين، ويتكلم الرويبضة. قال: وما الرويبضة؟ قال: يتكلم في الناس من لم يتكلم. وينكر الحق تسعة أعشارهم، ويذهب الإسلام فلا يبقى إلا اسمه، ويذهب القرآن فلا يبقى إلا رسمه، وتحلى المصاحف بالذهب، وتتسمن ذكور أمتي وتكون المشورة للإماء! ويخطب على المنابر الصبيان، وتكون المخاطبة للنساء! فعند ذلك تزخرف المساجد كما تزخرف الكنائس والبيَع، وتطوَّل المنائر، وتكثر الصفوف مع قلوب متباغضة، وألسن مختلفة، وأهواء جمة!
قال سلمان: ويكون ذلك يا رسول الله ؟ قال: نعم والذي نفس محمد بيده، عند ذلك يا سلمان يكون المؤمن فيهم أذل من الأمة، يذوب قلبه في جوفه كما يذوب الملح في الماء مما يرى من المنكر فلا يستطيع أن يغيره. ويكتفي الرجال بالرجال والنساء بالنساء، ويغار على الغلمان كما يغار على الجارية البكر! فعند ذلك يا سلمان يكون أمراء فسقة ووزراء فجرة وأمناء خونة، يضيعون الصلوات ويتبعون الشهوات، فإن أدركتموهم فصلوا صلاتكم لوقتها. عند ذلك يا سلمان يجئ شئ من المشرق وشئ من المغرب جثاؤهم جثاء الناس وقلوبهم قلوب الشياطين، لا يرحمون صغيراً ولا يوقرون كبيراً. عند ذلك يا سلمان يحج الناس إلى هذا البيت الحرام، تحج ملوكهم لهواً وتنزهاً، وأغنياؤهم للتجارة ومساكينهم للمسألة، وقراؤهم رياءً وسمعة!
قال: ويكون ذلك يا رسول الله ؟ قال: نعم والذي نفسي بيده، عند ذلك يا سلمان يفشو الكذب ويظهر الكوكب له الذنب، وتشارك المرأة زوجها في التجارة، وتتقارب الأسواق! قال: وما تقاربها؟ قال كسادها وقلة أرباحها.
عند ذلك يا سلمان يبعث الله ريحاً فيها حيات صفر فتلقط رؤساء العلماء لما رأوا المنكر فلم يغيروه! قال: ويكون ذلك يا رسول الله ؟ قال: نعم والذي بعث محمداً بالحق». ونحوه عدد من مصادر السنيين، ورواه في البحار:52/262، عن جامع الأخبار لتاج الدين الشعيري/72، عن جابر، وليس فيه ذكر أشراط الساعة.
وفي تاريخ دمشق:36/282: «عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله : «إن في جهنم رحى تطحن علماء السوء طحناً». وفي المستطرف:1/47: قال رسول الله صلى الله عليه وآله : «ويل لأمتي من علماء السوء يتخذون العلم تجارة يبيعونها لا أربح الله تجارتهم».
وفي فيض القدير:1/183، أن النبي صلى الله عليه وآله سئل عن أشر الخلق على الإطلاق، فأجاب: «هم علماء السوء». وفي:6/478: «ويل لأمتي من علماء السوء».
وهي أحاديث مطلقة من حيث الزمان. وهي كثيرة جداً في مصادر الطرفين. وقد روت مصادرنا أحاديث في ذم علماء السوء تدل على أن زمنهم بعد النبي صلى الله عليه وآله إلى ظهور الإمام المهدي عليه السلام . وهذه نماذج منها:
في الكافي:8/307، عن أميرالمؤمنين عليه السلام قال رسول الله صلى الله عليه وآله : «سيأتي على الناس زمان لايبقى من القرآن إلا رسمه ومن الإسلام إلا اسمه، يُسمَّوْنَ به وهم أبعد الناس منه، مساجدهم عامرة وهي خراب من الهدى، فقهاء ذلك الزمان شر فقهاء تحت ظل السماء! منهم خرجت الفتنة وإليهم تعود». ومثله ثواب الأعمال/301، وأعلام الدين/406. ورسم القرآن: خطه. منهم خرجت الفتنة: لأنهم يؤيدون حكام الجوْر ويحرفون الإسلام لأجلهم.
وفي جامع الأخبار/129: «علماؤهم شر خلق الله على وجه الأرض، حينئذ ابتلاهم الله بأربع خصال: جور من السلطان، وقحط من الزمان، وظلم من الولاة، والحكام فتعجب الصحابة وقالوا: يارسول الله أيعبدون الأصنام؟ قال: نعم كل درهم عندهم صنم».
وأورد في البحار:2/107، آيات ذم علماء السوء وأحاديثه تحت عنوان: «ذم علماء السوء ولزوم التحرز عنهم»، وهي25 حديثاً، منها: عن النبي صلى الله عليه وآله :«الفقهاء أمناء الرسل ما لم يدخلوا في الدنيا. قيل: يا رسول الله وما دخولهم في الدنيا؟ قال: اتباع السلطان، فإذا فعلوا ذلك فاحذروهم على دينكم».
وقوله صلى الله عليه وآله :«ألا إن شر الشـر شرار العلماء، وإن خير الخير خيار العلماء». وقوله صلى الله عليه وآله : «أوحى الله عز وجل إلى داود عليه السلام لاتجعل بيني وبينك عالماً مفتوناً بالدنيا فيصدك عن طريق محبتي، فإن أولئك قطاع طريق عبادي المريدين».
وعن الإمام الباقر عليه السلام في قول الله عز وجل: وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ، قال: هل رأيت شاعراً يتبعه أحد؟ إنما هم قوم تفقهوا لغير الدين فضلوا وأضلوا». انتهى.
وفي الإحتجاج:2/262: «فمن قلد من عوامنا مثل هؤلاء الفقهاء، فهم مثل اليهود الذين ذمهم الله بالتقليد لفسقة فقهائهم. فأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظاً لدينه مخالفاً على هواه مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلدوه، وذلك لا يكون إلا بعض فقهاء الشيعة لا جميعهم. فإن من ركب من القبايح والفواحش مراكب فَسَقة العامة فلا تقبلوا منا عنه شيئاً ولا كرامة..».
وفي تفسير الإمام العسكري عليه السلام /344، عن الإمام الهادي عليه السلام في مدح العلماء المتقين: «لولا من يبقى بعد غيبة قائمكم من العلماء الداعين إليه والدالين عليه والذابين عن دينه بحجج الله والمنقذين لضعفاء عباد الله من شباك إبليس ومردته، ومن فخاخ النواصب، لما بقي أحد إلا ارتد عن دين الله! ولكنهم الذين يمسكون أزمة قلوب ضعفاء الشيعة كما يمسك صاحب السفينة سكانها، أولئك هم الأفضلون عند الله عز وجل».
* *

الفصل السادس : ( بشارة النبوية ، أحاديث البشارة النبوية بالمهدي من عترته عليهم السلام )

المهدي من عترتي، إسمه إسمي وكنيته كنيتي

روى أحمد:3/36، عن أبي سعيد الخدري: قال رسول الله صلى الله عليه وآله :«لا تقوم الساعة حتى تمتلئ الأرض ظلماً وعدواناً، قال ثم يخرج رجل من عترتي أو من أهل بيتي، يملؤها قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وعدواناً». ومثله أبو يعلى:2/274، وابن حبان:8/290، والحاكم:4/557، عن أبي سعيد الخدري، وصححه على شرط الشيخين. ومن مصادرنا: دلائل الإمامة/249، بنحوه.
وقال الحافظ المغربي/515: «أخرجه الحاكم، عن عوف بن أبي جميلة المذكور من طريقين: الطريق الأول: عن أبي بكر بن إسحاق وعلي بن حماد العدل وأبي بكر محمد بن أحمد بن بالويه كلهم عن بشر بن موسى الأسدي، عن هارون بن خليفة، عن عوف بن أبي جميلة الأعرابي به. الطريق الثاني: عن الحسين بن علي الدارمي، عن محمد بن إسحاق الإمام، عن محمد بن يسار، عن ابن أبي عدي، عن عوف الأعرابي به. وأخرجه الإمام أحمد عن محمد بن جعفر، حدثنا عوف الأعرابي به. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، وأقره الحافظ الذهبي في المستدرك، وفي هذا كفاية للمنصف».
وفي الجامع الصحيح:1/147،عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله : «لاتقوم الساعة حتى تمتلئ الأرض ظلماً وعدواناً قال: ثم يخرج رجل من عترتي أو من أهل بيتي يملؤها قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً». ومثله/164و/382
وفي المقصد العلي:4/406، عن أبي سعيد الخدري قال النبي صلى الله عليه وآله : «لاتقوم الساعة حتى تمتلئ الأرض ظلماً وعدواناً، ثم يخرج رجل من أهل بيتي، أو قال من عترتي، فيملؤها قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً وعدواناً».
وفي جامع الأحاديث:8/81، عن ابن مسعود: «يخرج رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي وخلقه خلقي فيملؤها عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً».
أحمد:1/376، عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وآله : «لاتقوم الساعة حتى يلي رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي».
ورواه الترمذي:4/505، عن عبد الله، وأبي هريرة قال: لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يلي.. وحسنه وصححه، والبدء والتاريخ:2/180، وقال: وأحسن ما جاء في هذا الباب خبر أبي بكر بن عياش، عن عاصم بن ذر، عن عبد الله بن مسعود.
وفي ملاحم ابن المنادي/41، عن ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وآله :«لا تقوم الساعة حتى يملك الأرض أحد من أهل بيتي إسمه كاسمي». وفي رواية: إسمه إسمي.
وفي أحمد:3/28 و:3/70، عن أبي سعيد، أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: «تملأ الأرض ظلماً وجوراً، ثم يخرج رجل من عترتي، يملك سبعاً أو تسعاً، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً».
ورواه الحاكم:4/558، كأحمد، بتفاوت يسير، عن أبي سعيد، وصححه على شرط مسلم واستدراك الذهبي:7/3461. ونحوه حلية الأولياء:3/101، وليس فيه مدته.
وفي تذكرة الخواص/363، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله : «يخرج في آخر الزمان رجل من ولدي، إسمه كاسمي وكنيته ككنيتي، يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً. وقال: فذلك هو المهدي، وهذا حديث مشهور».

المهدي عليه السلام حتمي ودولته العالمية حتمية

ابن أبي شيبة:8 /679، عن علي عن النبي صلى الله عليه وآله قال: «لو لم يبق من الدهر إلا يوم لبعث الله رجلاً من أهل بيتي يملؤها عدلاً كما ملئت جوراً».
ومثله مسند البزار:2/134، و أحمد:1/99، بتفاوت يسير. والبدء والتاريخ:2/181، والجامع الصغير:2/438، أحمد، وأبي داود. والدر المنثور:6/58، وقال: وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد، وأبو داود.
ومسند الشاشي:2/109، عن عبدالله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله : «لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لبعث الله تعالى فيه رجلاً من أهل بيتي يواطئ إسمه إسمي وإسم أبيه إسم أبي، يملؤها عدلاً كما ملئت جوراً». وفي جامع المسانيد:20/300: «لو لم يبق من الدهر إلا يوم لبعث الله رجلاً من أهل بيتي، يملؤها عدلاً كما ملئت جوراً».
وفي مسند أحمد:1/376 و377: «لا تنقضي الأيام ولا يذهب الدهر حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي، إسمه يواطئ اسمي».
ومثله أبو داود:4/107، والترمذي:4/505، وصححه. والطبراني الكبير:10/164 و166، والبزار:5/204، عن عبد الله، ومثله الأوسط:7/425، عن عبد الله بن مسعود.
وفي الطبراني الكبير:10/168، عن ابن عمر: قال رسول الله صلى الله عليه وآله :«لا تذهب الأيام والليالي ولو لم يبق من الدنيا إلا يوم حتى يبعث الله رجلاً من أمتي، يواطئ إسمه إسمي». ومثله تحفة الأشراف:7/23، أوله، والفصول المهمة/291، عن إرشاد المفيد. وفي/294، عن أبي داود، والترمذي..
وفي ابن حبان:7/576، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله :«لو لم يبق من الدنيا إلا ليلة لملك فيها رجل من أهل بيت النبي».
ومثله ابن حبان:7/576، عن ابن مسعود وفيه: يواطئ إسمه إسمي. وملاحم ابن المنادي/41، عن ابن مسعود، كرواية ابن حبان الثانية. والطبراني الكبير:10/161، عن ابن مسعود، وفيه: «رجل من أهل بيتي يوافق إسمه إسمي». ورواه من مصادرنا: دلائل الإمامة/255، كما في رواية الطبراني الثانية، بسند آخر، وفيه:«رجل من ولدي يوافق إسمه اسمي» وبشارة المصطفى/258، كالطبراني الثالثة.
وفي سنن الداني/100، عن أبي سعيد:«يخرج رجل من أمتي يعمل بسنتي، ينزل الله له البركة من السماء، وتخرج له الأرض بركتها، يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً يعمل سبع سنين على هذه الأمة، وينزل بيت المقدس».
وفي عقد الدرر/20، عن الداني وأبي نعيم، وفيه: من أهل بيتي، وتملأ به عدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً. ومجمع الزوائد:7/317، كالداني بتفاوت يسير، وقال: رواه الترمذي، وابن ماجة باختصار، رواه الطبراني في الأوسط، وفيه: ينزل الله عز وجل له القطر من السماء وينبت الله له الأرض من بركتها.والمعجم الأوسط:2/47.
ومن مصادرنا: غيبة الطوسي/111، عن أبي سعيد الخدري قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول على المنبر: إن المهدي من عترتي، من أهل بيتي، يخرج في آخر الزمان ينزل الله له من السماء قطرها، ويخرج له من الأرض بذرها، فيملأ الأرض عدلاً وقسطاً، كما ملأها القوم ظلماً وجوراً».
وفي/113، عن ابن مسعود: «لا تذهب الدنيا حتى يلي أمتي رجل من أهل بيتي يقال له المهدي».

المهدي حق وهو من ولد فاطمة عليها السلام

روى ابن ماجة:2/1368، عن سعيد بن المسيب قال: «كنا عند أم سلمة فتذاكرنا المهدي فقالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: المهدي حق وهو من ولد فاطمة عليها السلام ».
ومثله تاريخ بخاري:3/346، عن ابن المسيب، عن أم سلمة. وأبو داود:4/107، والطبراني الكبير:23/267، والحاكم:4/577، بروايتين: نعم هو حق وهو من بني فاطمة. ومشكاة المصابيح:3/24، عن أبي داود وفيه: من أولاد فاطمة، وفي هامشه: وإسناده جيد. ومثله تذكرة الحفاظ:2/463، عن أم سلمة. وفي الدر المنثور:6/58: وأخرج أبو داود، وابن ماجة، والطبراني، والحاكم، عن أم سلمة. وصواعق ابن حجر/163، كأبي داود، وقال: ومن ذلك ما أخرجه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة، والبيهقي، وآخرون. ومن مصادرنا: غيبة الطوسي/114، كأبي داود عن أم سلمة. والطرائف:1/175، كأبي داود، عن الجمع بين الصحاح، والفردوس، ومصابيح الفراء.
وفي عقيدة أهل السنة والأثر للوهابي العباد /18، عن أبي داود، وابن ماجة، وقال: «وقد أورد هذا الحديث في الجامع الصغير، ورمز لصحته، وأورده في مصابيح السنن في فصل الحسان، وقال الألباني في تخريج أحاديث المشكاة: وإسناده جيد، وقال: رواه الترمذي وأبو داود. وقال: أخرج أبو داود، وابن ماجة، والطبراني، والحاكم عن أم سلمة».
وفي الفتن لابن حماد:1/368، عن قتادة قال: «قلت لسعيد بن المسيب: المهدي حق هو؟ قال: حق، قال قلت: ممن هو؟ قال من قريش، قلت: من أي قريش؟ قال: من بني هاشم، قلت: من أي بني هاشم؟ قال: من بني عبد المطلب، قلت: من أي عبد المطلب؟ قال: من ولد فاطمة».
وفي مناقب ابن المنادي/41: «أخبرنا عبد الرزاق بن همام قال: قلت لسعيد بن المسيب أحق المهدي؟ فقال...كابن حماد، وفيه: قال: حسبك الآن. وفيها، عن سعيد بن المسيب يحدث عن أم سلمة قالت: ذكر عند رسول الله صلى الله عليه وآله المهدي فقال: نعم هو حق،وهو من ولد فاطمة، أو قال: من بني فاطمة.
وملاحم ابن طاووس/164، عن فتن زكريا، عن ابن المسيب، عن ابن عباس، قال: وفيه: المهدي من قريش، قالوا: من أي قريش؟ قال من بني هاشم، من ولد فاطمة عليها السلام . وفي فرائد الفكر/65، عن قتادة، قال: قلت لسعيد بن المسيب: أحق المهدي؟ فقال: نعم هو حق. قلت: ممن هو...قال: من ولد فاطمة. قلت: من أي ولد فاطمة؟ قال: حسبك الآن! ونحوه تيسير المطالب/88، عن أم سلمة، وزين الفتى:1/402، عن قتادة.ونحوه ابن حماد:1/375، بعدة أحاديث/345، و350، و369، و373، و375، والحاوي:2/78 وجمع الجوامع:2/104، ومقتضب الأثر/166.
وفي غيبة الطوسي/114، عن جابر الجعفي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: «المهدي رجل من ولد فاطمة عليها السلام ، وهو رجل آدم».

بشر النبي صلى الله عليه وآله فاطمة الزهراء بالمهدي عليه السلام

من عجائب ما رواه أتباع الخلافة حديث النبي صلى الله عليه وآله مع فاطمة عليها السلام ، الذي فيه ذكر المهدي، وذكر فضل عترة النبي صلى الله عليه وآله على جميع الصحابة ونص على وصية علي عليه السلام ! فهو إحدى الحجج النبوية التي أفلتت من رقابة الخلافة!
وقد أغاض ذلك الذهبي، فحاول أن يضعفه بالهيثم بن حبيب، لكن وثقه كبار أئمة الجرح والتعديل كأحمد بن حنبل، وأبي عوانة، وشعبة، وإسحاق بن منصور، وأبي زرعة، وأبي حاتم، وابن حبان! «تهذيب التهذيب: 11/81».
ورووه بصيغ متشابهة، عن أبي أيوب الأنصاري، وأبي سعيد الخدري، وسلمان، وعلي الهلالي، وابن عباس، وغيرهم. وتبلغ طرقه وأسانيده أكثر من مئة صفحة.
فمن صيغه في الطبراني الصغير:1/37، عن أبي أيوب الأنصاري قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وآله لفاطمة: نبينا خير الأنبياء وهو أبوك، وشهيدنا خير الشهداء وهو عم أبيك حمزة، ومنا من له جناحان يطير بهما في الجنة حيث يشاء، وهو ابن عم أبيك جعفر، ومنَّا سبطا هذه الأمة الحسن والحسين، وهما ابناك، ومنا المهدي».
وفي الطبراني الأوسط:7/276، والكبير:3/52، بروايتين عن علي المكي الهلالي، قال: «دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله في شكاته التي قبض فيها، فإذا فاطمة رضي الله عنها عند رأسه، قال فبكت حتى ارتفع صوتها فرفع رسول الله صلى الله عليه وآله طرفه إليها فقال: حبيبتي فاطمة ما الذي يبكيك؟ فقالت: أخشى الضيعة من بعدك! فقال: ياحبيبتي أما علمت أن الله عز وجل أطلع إلى الأرض إطلاعة فاختار منها أباك، فبعثه برسالته، ثم أطلع إطلاعة فاختار منها بعلك، وأوحى إلي أن أنكحك إياه. يا فاطمة: ونحن أهل بيت قد أعطانا الله سبع خصال لم يعط أحد قبلنا، ولايعطى أحد بعدنا: أنا خاتم النبيين وأكرم النبيين على الله وأحب المخلوقين إلى الله عز وجل وأنا أبوك. ووصيي خير الأوصياء وأحبهم إلى الله وهو بعلك. وشهيدنا خير الشهداء وأحبهم إلى الله وهو عمك حمزة بن عبد المطلب وهو عم أبيك وعم بعلك.
ومنا من له جناحان أخضران يطير في الجنة مع الملائكة حيث يشاء وهو ابن عم أبيك وأخو بعلك. ومنا سبطا هذه الأمة وهما ابناك الحسن والحسين، وهما سيدا شباب أهل الجنة. وأبوهما والذي بعثني بالحق خير منهما.
يا فاطمة: والذي بعثني بالحق إن منهما مهدي هذه الأمة، إذا صارت الدنيا هرجاً ومرجاً، وتظاهرت الفتن وتقطعت السبل، وأغار بعضهم على بعض، فلا كبير يرحم صغيراً ولا صغير يوقر كبيراً، فيبعث الله عز وجل عند ذلك منهما من يفتتح حصون الضلالة وقلوباً غلفاً، يقوم بالدين في آخر الزمان كما قمت به في أول الزمان ويملأ الدنيا عدلاً كما ملئت جوراً.
يافاطمة: لاتحزني ولاتبكي فإن الله عز وجل أرحم بك، وأرأف عليك مني، وذلك لمكانك مني وموضعك من قلبي، زوجك الله زوجك وهو أشرف أهل بيتك حسباً وأكرمهم منصباً، وأرحمهم بالرعية، وأعدلهم بالسوية، وأبصرهم بالقضية، وقد سألت ربي عز وجل أن تكوني أول من يلحقني من أهل بيتي. قال علي «بن هلال»: فلما قبض النبي صلى الله عليه وآله لم تبق فاطمة رضي الله عنها بعده إلا خمسة وسبعين يوماً حتى ألحقها الله به».
ومعنى أخشى الضيعة من بعدك: أي ظلم الأمة. الهرج والمرج: القتل والفوضى. تظاهرت الفتن: توالت وتعاونت في تأثيرها. تقطعت السبل: أي فُقد الأمن. حصون الضلالة: مراكزها. قلوباً غلفاً: عليها غلافٌ وغشاء عن سماع الحق واتباعه.
وفي مناقب ابن المغازلي/101، عن أبي أيوب قال: «يا فاطمة: إنا أهل بيت أعطينا سبع خصال لم يعطها أحد من الأولين ولا الآخرين قبلنا أو قال: ولا يدركها أحد من الآخرين غيرنا: نبينا أفضل الأنبياء وهو أبوك، ووصينا خير الأوصياء وهو بعلك، وشهيدنا خير الشهداء وهو عم أبيك، ومنا من له جناحان يطير بهما في الجنة حيث يشاء، وهو جعفر ابن عمك، ومنا سبطا هذه الأمة وهما ابناك، ومنا والذي نفسي بيده مهدي هذه الأمة».
وفي مسند فاطمة للسيوطي/47و93: «أبشري يافاطمة، فإن المهدي منك» وفي ينابيع المودة/81، عن مناقب الخوارزمي: ومنا سبطان وسيدا شبان أهل الجنة، ابناك، والذي نفسي بيده إن مهدي هذه الأمة يصلي عيسى بن مريم خلفه، فهو من ولدك.
وفي البيان للشافعي/501، عن أبي هارون العبدي قال: «أتيت أبا سعيد الخدري فقلت له: هل شهدت بدراً؟ فقال: نعم، قلت ألا تحدثني بشئ مما سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله في علي وفضله؟ فقال: بلى أخبرك أن رسول الله صلى الله عليه وآله مرض مرضة نقه منها، فدخلت عليه فاطمة تعوده وأنا جالس عن يمين رسول الله صلى الله عليه وآله ... ومنا مهدي الأمة الذي يصلي عيسى خلفه. ثم ضرب على منكب الحسين فقال:من هذا مهدي الأمة. هكذا أخرجه الدارقطني صاحب الجرح والتعديل».
ورواه عدد من مصادرنا كأمالي الطوسي:1/154، عن أبي أيوب الأنصاري.
وفي عوالم العلوم/487، عن سلمان: «كنت جالساً بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله في مرضه الذي قبض فيه، فدخلت فاطمة عليها السلام ... وأول الأوصياء بعدي أخي علي، ثم حسن، ثم حسين، ثم تسعة من ولد الحسين في درجتي... يابنية: إنا آل بيت أعطانا الله عز وجل ست خصال لم يعطها أحداً من الأولين كان قبلكم ولم يعطها أحداً من الآخرين غيرنا..».
وفي مقاتل الطالبيين:1/97، عن الوليد بن المروزي قال: «كنت مع الزهري بالرصافة «لعلها رصافة الكوفة» فسمع أصوات لعابين فقال لي: يا وليد انظر ما هذا؟ فأشرفت من كوة في بيته، فقلت: هذا رأس زيد بن علي، فاستوى جالساً ثم قال: أهلكَ أهل هذا البيت العجلة، فقلت:أوَيملكون؟ قال: حدثني علي بن الحسين عن أبيه عن فاطمة، أن رسول‌الله صلى الله عليه وآله قال لها: المهدي من ولدك». ومثله تهذيب ابن عساكر:6/26.
وفي دلائل الإمامة/234، عن الوليد بن محمد المروزي، قال: كنت واقفاً بالرصافة نصف النهارعلى باب الزهري، فمر اللعابون يطوفون برأس زيد بن محمد، فبكى ثم قال: يملك أهل هذا البيت ولكن العجلة، قلت يا أبا بكرأو يملكون ؟ قال: حدثني علي بن الحسين، عن أبيه، أن النبي صلى الله عليه وآله قال لفاطمة: المهدي من ولدك».
وفي كفاية الأثر/62، عن جابر بن عبد الله قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وآله في الشكاة التي قبض فيها، إذا فاطمة عند رأسه قال فبكت حتى ارتفع صوتها، فرفع رسول الله طرفه إليها فقال: حبيبتي فاطمة ما الذي يبكيك؟ قالت: أخشى الضيعة من بعدك! قال: يا حبيبتي لا تبكين فنحن أهل بيت أعطانا الله سبع خصال لم يعطها قبلنا ولا يعطيها أحداً بعدنا: أنا خاتم النبيين وأحب الخلق إلى الله عز وجل وهو أنا أبوك، ووصيي خير الأوصياء وأحبهم إلى الله وهو بعلك، وشهيدنا خير الشهداء وأحبهم إلى الله وهو عمك، ومنا سبطا هذه الأمة وهما ابناك الحسن والحسين وسوف يخرج الله من صلب الحسين تسعة من الأئمة أمناء معصومين، ومنا مهدي هذه الأمة إذا صارت الدنيا هرجاً ومرجاً وتظاهرت الفتن، وتقطعت السبل وأغار بعضهم على بعض فلا كبير يرحم صغيراً ولا صغير يوقر كبيراً، فيبعث الله عند ذلك مهدينا التاسع من صلب الحسين، يفتح حصون الضلالة وقلوباً غلفاً يقوم بالدين في آخر الزمان كما قمت به في أول الزمان، ويملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً».انتهى.
وكتاب سُليم بن قيس/69. ونحوه تفسير فرات الكوفي/179، عن عبد الله بن عباس عن سلمان، وأمالي الطوسي:2/219، عن أبي الطفيل، عن سلمان، وفي آخره: والحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، ومن ذريتكما المهدي يملأ الله عز وجل به الأرض عدلاً كما ملئت قبله جوراً.

النبي صلى الله عليه وآله بشر علياً بالمهدي عليه السلام

في دلائل الإمامة/250، عن أنس بن مالك قال: «خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وآله ذات يوم فرأى علياً فوضع يده بين كتفيه، ثم قال: يا علي، لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يملك رجل من عترتك، يقال له المهدي، يهدي إلى الله عز وجل ويهتدي به العرب كما هديت أنت الكفار والمشركين من الضلالة. ثم قال: ومكتوب على راحتيه: بايعوه، فإن البيعة لله عز وجل».
النعماني/92، عن عبد خير قال: «سمعت أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه يقول: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله : يا علي الأئمة الراشدون المهتدون المعصومون من ولدك أحد عشر إماماً. أنت أولهم، وآخرهم إسمه إسمي، يخرج فيملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، يأتيه الرجل والمال كدس فيقول يا مهدي أعطني فيقول: خذ».
وفي غيبة النعماني/57، عن الحسن بن أبي الحسن البصري، يرفعه: «أتى جبرئيل النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا محمد إن الله عز وجل يأمرك أن تزوج فاطمة من علي أخيك، فأرسل رسول الله إلى علي عليه السلام فقال له: يا علي إني مزوجك فاطمة ابنتي سيدة نساء العالمين، وأحبهن إليَّ بعدك، وكائنٌ منكما سيدا شباب أهل الجنة، والشهداء المضرجون المقهورون في الأرض من بعدي، والنجباء الزهر، الذين يطفئ الله بهم الظلم ويحيي بهم الحق ويميت بهم الباطل، عدتهم عدة أشهر السنة، آخرهم يصلي عيسى بن مريم خلفه».

النبي صلى الله عليه وآله بشر الحسين بالمهدي عليه السلام

روى السلمي في عقد الدرر/24، عن أبي نعيم في صفة المهدي، قال: «عن حذيفة رضي الله عنه قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وآله فذكرنا بما هو كائن، ثم قال: لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد، لطول الله عز وجل ذلك اليوم حتى يبعث فيه رجلاً من ولدي إسمه إسمي، فقام سلمان الفارسي رضي الله عنه، فقال يارسول الله من أي ولدك؟ قال: من ولدي هذا، وضرب بيده على الحسين».
ورواه في ذخائر العقبى/136، وفرائد السمطين:2/325، عن حذيفة، قال: خطبنا رسول‌الله صلى الله عليه وآله فذكر ماهوكائن، وفيه: فضرب بيده على ظهر الحسين..
وفي المنار المنيف/148، عن الطبراني، والقول المختصر/7، عن أبي نعيم، وفيه: «حتى يملك رجل من أهل بيتي، تجري الملاحم على يديه، ويُظهر الإسلام، لايخلف الله وعده وهو سريع الحساب». ونحوه كفاية الطالب/510، عن حذيفة وفيه:«إسمه إسمي وخلقه خلقي، يكنى أبا عبد الله، يبايع له الناس بين الركن والمقام، يردُّ الله به الدين ويفتح له فتوحاً، فلا يبقى على ظهر الأرض إلا من يقول لا إله إلا الله.. قال: من ولد ابني هذا، وضرب بيده على الحسين عليه السلام ».
أقول: تفردت هذه الرواية بذكر أن كنيته أبو عبد الله، والصحيح المتواتر عند الجميع أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: وكنيته كنيتي، أي أبا القاسم.
وفي دلائل الإمامة/234، عن أبي سعيد الخدري، قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وآله : والذي نفسـي بيده إن مهدي هذه الأمة الذي يصلي خلفه عيسى منا، ثم ضرب يده على منكب الحسين وقال: من هذا، من هذا».
وفي النجاة في القيامة/167، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال للحسين عليه السلام : «إبني هذا إمام، ابن إمام، أخو إمام، أبو أئمة تسعة، تاسعهم قائمهم. حجة ابن حجة، أخو حجة أبو حجج تسع».
وفي البرهان/46، والدر النظيم/791، عن سلمان الفارسي قال: «دخلت على رسول‌الله صلى الله عليه وآله فإذا الحسين على فخذه وهو يقبل خديه ويلثم فاه ويقول: أنت سيد، ابن سيد، أخو سيد، وأنت إمام، ابن إمام، أخو إمام، وأنت حجة، أخو حجة، أبو حجج تسعة، تاسعهم قائمهم المهدي».
وفي عوالم النصوص على الأئمة/146، عن أبي سعيد، وفيه: «فقيل يا رسول الله كم الأئمة بعدك؟ قال: إثنا عشر تسعة من صلب الحسين».

وبشَّر عليٌّ ولده الحسين عليه السلام

كمال الدين:1/304، عن أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام قال: «التاسع من ولدك يا حسين هو القائم بالحق، المظهر للدين والباسط للعدل. قال الحسين: فقلت له: يا أميرالمؤمنين وإن ذلك لكائن؟ فقال عليه السلام : إي والذي بعث محمداً صلى الله عليه وآله بالنبوة واصطفاه على جميع البرية، ولكن بعد غيبة وحيرة، فلا يثبت فيها على دينه إلا المخلصون المباشرون لروح اليقين الذين أخذ الله عز وجل ميثاقهم بولايتنا، وكتب في قلوبهم الإيمان، وأيدهم بروح منه».

إبتكار النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام أساليب جديدة في التحديد

ينحني الإنسان إجلالاً لطريقة النبي صلى الله عليه وآله في التحديد، عندما يقرأ أحاديثه في تفسير آية التطهير وتحديده لآله وأهل بيته صلى الله عليه وآله ، فقد أحضـر علياً وفاطمة والحسنين عليهم السلام وأدار عليهم كساءً، ثم قرأ الآية وقال: هؤلاء أهل بيتي، ودعا لهم. وقد أرادت أم سلمة أن تدخل معهم فجذب منها الكساء، كما روى أحمد! ثم كرر ذهابه بعد نزول الآية الى باب علي وفاطمة ستة أشهر، كما روى أحمد وغيره، ينبههم لصلاة الفجر، ويقرأ آية التطهير!
ومضافاً الى هذا التحديد الحسي، تضمن كلامه صلى الله عليه وآله بلاغات رووا بعضها ورويناها كاملة، منها أنه قال: «علي وفاطمة والحسن والحسين، وتسعة من ذرية الحسين، تاسعهم مهديهم يملأ الأرض قسطاً وعدلاً». «الكافي:1/529 وكفاية الأثر/66».
ومن أفعاله المبتكرة صلى الله عليه وآله ، أنه أصعد علياً عليه السلام في حجة الوداع المنبر معه ورفع بيده وبلغ رسالة ربه فيه، ثم طلب من المسلمين أن يهنؤوه ويبايعوه بالولاية بعده!
ومن ابتكارته قوله صلى الله عليه وآله : «الأئمة بعدي اثنا عشر غرسوا في هذا البطن من هاشم، لاتصلح على سواهم ولاتصلح الولاة من غيرهم». «نهج البلاغة:2/27».
وقوله صلى الله عليه وآله :«الأئمة بعدي اثنا عشر عدد نقباء بني إسرائيل، تسعة من صلب الحسين والتاسع قائمهم، يخرج في آخر الزمان فيملؤها عدلاً كما ملئت جوراً وظلماً» «كفاية الأثر/250».
وقوله صلى الله عليه وآله :«إذا توالت ثلاثة أسماء من الأئمة من ولدي محمد وعلي والحسن، فرابعها هو القائم المأمول المنتظر». «دلائل الإمامة/236».
وكذلك تعابيره البليغة عن المهدي، مثل قوله: المهدي من عترتي.. من أولاد فاطمة.. التاسع من صلب الحسين.. ابن خيرة الإماء.. بنا فتح الله وبنا يختم.. لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطوله الله ذلك اليوم حتى يبعثه.. يملأ الأرض قسطاً وعدلاً.. نحن ولد عبد المطلب سادة أهل الجنة..الخ. وكلها من جوامع الكلم.

الإمام الكاظم عليه السلام يحدد الخامس من ولده

روى في الكافي:1/336، بسند صحيح أن الإمام الكاظم عليه السلام قال لخاصته: «إذا فُقد الخامس من ولد السابع، فالله الله في أديانكم لا يزيلكم عنها أحد. يابنيَّ إنه لا بد لصاحب هذا الأمر من غيبة حتى يرجع عن هذا الأمر من كان يقول به! إنما هي محنة من الله عز وجل امتحن بها خلقه. لو علم آباؤكم وأجدادكم ديناً أصحَّ من هذا لاتبعوه. قال فقلت: يا سيدي مَن الخامس من ولد السابع؟ فقال: يا بني عقولكم تصغرعن هذا وأحلامكم تضيق عن حمله، ولكن إن تعيشوا فسوف تدركونه».
ومثله النعماني/154، والهداية الكبرى/361، وفيه: أنا السابع وابني علي الرضا الثامن، وابنه محمد التاسع، وابنه علي العاشر، وابنه الحسن حادي عشر، وابنه محمد سمي جدي رسول الله صلى الله عليه وآله وكنيه المهدي الخامس بعد السابع، قلت: فرج الله عنك يا سيدي كما فرجت عني».وإثبات الوصية/224، وكمال الدين:2/359 وعلل الشرائع:1/244، وكفاية الأثر/264، ودلائل الإمامة/292، وغيبة الطوسي/104، و204، وإعلام الورى/406.

أميرالمؤمنين عليه السلام : يبشر بالمهدي الحادي عشر من ولده

الكافي:1/338: «عن الأصبغ بن نباتة قال: أتيت أميرالمؤمنين عليه السلام فوجدته متفكراً ينكت في الأرض، فقلت: يا أميرالمؤمنين ما لي أراك متفكراً تنكت في الأرض، أرغبةً منك فيها؟ فقال: لا والله ما رغبت فيها ولا في الدنيا يوماً قط، ولكني فكرت في مولود يكون من ظهري الحادي عشر من ولدي، هو المهدي الذي يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً، تكون له غيبة وحيرة يضل فيها أقوام ويهتدي فيها آخرون. فقلت: يا أميرالمؤمنين وكم تكون الحيرة والغيبة؟ قال «سبتٌ من الدهر». فقلت: وإن هذا لكائن؟ فقال: نعم كما أنك مخلوق. وأنى لك بهذا الأمر يا أصبغ، أولئك خيار هذه الأمة مع أبرار هذه العترة. فقلت: ثم ما يكون بعد ذلك؟ فقال: ثم يفعل الله ما يشاء، فإن له بداءات، وإرادات، وغايات، ونهايات».
ورواه في إثبات الوصية/225، كالكافي، بتفاوت، و/229، وفيه: وذلك إذا فقد الباب بينه وبين شيعتنا، تكون الحيرة. ورواه في غيبة النعماني/60، وفيه: سبت من الدهر.. وكمال الدين:1/288،. وكفاية الأثر/219، ودلائل الإمامة/289، والإختصاص/209، وغيبة الطوسي/103، كالكافي، بسندين عن الأصبغ..الخ. ورسائل المفيد/400 وقال: هذا الخبر الذي روته العامة والخاصة وهو خبر كميل بن زياد. وفيه: ما رغبت فيها ساعة قط.. التاسع من ولد الحسين عليه السلام .. يكون له غيبة يرتاب فيها المبطلون.. لابد له من حجة، إما ظاهر مشهور شخصه وإما باطن مغمور، لكيلا تبطل حجج الله»..الخ.
وفي معاني الأخبار/58، عن أبي جعفر محمد بن علي قال: «خطب أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه بالكوفة بعد منصرفه من النهروان، وبلغه أن معاوية يسبه ويلعنه ويقتل أصحابه، فقام خطيباً فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسول الله صلى الله عليه وآله ، وذكر ما أنعم الله على نبيه وعليه، ثم قال في حديث طويل: ومن ولدي مهدي هذه الأمة».

الإمام الحسن عليه السلام يبشر بالمهدي

كمال الدين:1 /316، عن أبي سعيد عقيصا في حديث طويل عن الإمام الحسن بن علي صلى الله عليه وآله قال: «أما علمتم أنه ما منا أحد إلا ويقع في عنقه بيعة لطاغية زمانه، إلا القائم الذي يصلي روح الله عيسى بن مريم عليه السلام خلفه، فإن الله عز وجل يخفي ولادته ويُغَيِّبُ شخصه لئلا يكون لأحد في عنقه بيعة إذا خرج، ذلك التاسع من ولد أخي الحسين، ابن سيدة الإماء، يطيل الله عمره في غيبته، ثم يظهره بقدرته في صورة شاب دون أربعين سنة، ذلك ليعلم أن الله على كل شئ قدير».

الإمام الحسين عليه السلام يبشر بالمهدي التاسع من ولده!

في كمال الدين:1/317، عن الحسين بن علي عليه السلام قال: «قائم هذه الأمة هو التاسع من ولدي، وهو صاحب الغيبة، وهو الذي يقسم ميراثه وهو حي».
وفي كفاية الأثر/232، عن يحيى بن نعمان قال: «كنت عند الحسين عليه السلام إذ دخل عليه رجل من العرب متلثماً أسمر شديد السمرة، فسلم ورد الحسين عليه السلام فقال: يا ابن رسول الله مسألة؟ قال: هات. قال: كم بين الإيمان واليقين؟ قال: أربع أصابع. قال: كيف؟ قال: الإيمان ما سمعناه، واليقين ما رأيناه، وبين السمع والبصر أربع أصابع. قال: فكم بين السماء والأرض؟ قال: دعوة مستجابة. قال: فكم بين المشرق والمغرب؟ قال: مسيرة يوم للشمس. قال: فما عز المرء؟ قال: استغناؤه عن الناس. قال: فما أقبح شئ؟ قال: الفسق في الشيخ قبيح، والحدة في السلطان قبيحة، والكذب في ذي الحسب قبيح، والبخل في ذي الغنا، والحرص في العالم.
قال: صدقت يا ابن رسول الله ، فأخبرني عن عدد الأئمة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله قال: اثنا عشر عدد نقباء بني إسرائيل. قال: فسمهم لي قال: فأطرق الحسين عليه السلام ملياً ثم رفع رأسه فقال: نعم أخبرك يا أخا العرب، إن الإمام والخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله أميرالمؤمنين علي عليه السلام والحسن، وأنا وتسعة من ولدي، منهم علي ابني وبعده محمد ابنه، وبعده جعفر ابنه، وبعده موسى ابنه، وبعده علي ابنه، وبعده محمد ابنه، وبعده علي ابنه، وبعده الحسن ابنه، وبعده الخلف المهدي هو التاسع من ولدي، يقوم بالدين في آخر الزمان. قال: فقام الأعرابي وهو يقول:
مَسَـحَ الـنبيُّ جَــبـيـنهُ فـلهُ بريقٌ في الخــدود
أبواهُ من عـليـا قـريشِ وجــدُّهُ خيرُ الجُـدود».
وفي كمال الدين:1/317، عن الحسين بن علي عليه السلام قال: «في التاسع من ولدي سنة من يوسف وسنة من موسى بن عمران. وهو قائمنا أهل البيت، يُصلح الله تبارك وتعالى أمره في ليلة واحدة.. منا إثنا عشر مهدياً، أولهم أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب، وآخرهم التاسع من ولدي، وهو القائم بالحق، يحيي الله به الأرض بعد موتها، ويظهر به دين الحق على الدين كله، ولو كره المشركون. له غيبة يرتد فيها أقوام ويثبت فيها على الدين آخرون، فيؤذون ويقال لهم: متى هذا الوعد إن كنتم صادقين! أما إن الصابر في غيبته على الأذى والتكذيب بمنزلة المجاهد بالسيف بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله ».
وروى في إثبات الهداة:3/569، عن إثبات الرجعة للفضل بن شاذان، عن أبي جعفر، عن جده الحسين عليه السلام قال:«يظهر الله قائمنا فينتقم من الظالمين، فقيل له: يا ابن رسول الله من قائمكم؟ قال: السابع من ولد ابني محمد بن علي، وهو الحجة بن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي ابني،وهو الذي يغيب مدة طويلة ثم يظهر ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً كماً ملئت جوراً وظلماً».

الإمام زين العابدين عليه السلام : كأني بصاحبكم قد علا فوق نجفكم

في أمالي المفيد/45 عن أبي خالد الكابلي قال: «قال لي علي بن الحسين عليه السلام : يا أبا خالد، لتأتين فتنٌ كقطع الليل المظلم، لاينجو إلا من أخذ الله ميثاقه. أولئك مصابيح الهدى، وينابيع العلم، ينجيهم الله من كل فتنة مظلمة. كأني بصاحبكم قد علا فوق نجفكم بظهر كوفان، في ثلاث مائة وبضعة عشر رجلاً، جبرئيل عن يمينه وميكائيل عن شماله وإسرافيل أمامه، معه راية رسول الله صلى الله عليه وآله قد نشرها، لا يهوي بها إلى قوم إلا أهلكهم الله عز وجل».

الإمام الباقر عليه السلام : قائمنا السابع من ولدي

كفاية الأثر/297، عن زيد بن علي، قال: «كنت عند أبي علي بن الحسين، إذ دخل عليه جابر بن عبد الله الأنصاري، فبينما هو يحدثه إذ خرج أخي محمد من بعض الحجر، فأشخص جابر ببصره نحوه ثم قام إليه فقال: يا غلام أقبل فأقبل، ثم قال: أدبر فأدبر، فقال: شمائل كشمائل رسول الله صلى الله عليه وآله ما اسمك يا غلام؟ قال: محمد. قال: ابن من؟ قال: ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، قال: أنت إذاً الباقر، قال: فانكبَّ عليه وقبل رأسه ويديه، ثم قال: يا محمد إن رسول الله صلى الله عليه وآله يقرؤك السلام، قال: على رسول الله أفضل السلام وعليك يا جابر، بما أبلغت السلام، ثم عاد إلى مصلاه، فأقبل يحدث أبي ويقول: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لي يوماً: يا جابر إذا أدركت ولدي الباقر فاقرأه مني السلام، فإنه سميي وأشبه الناس بي، علمه علمي وحكمه حكمي، سبعة من ولده أمناء معصومون أئمة أبرار، والسابع مهديهم الذي يملأ الدنيا قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وآله : وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الخيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ».
كفاية الأثر/250، عن أبي مريم عبد الغفار بن القاسم، قال:«دخلت على مولاي الباقر عليه السلام وعنده أناس من أصحابه فجرى ذكرالإسلام فقلت: يا سيدي فأي الإسلام أفضل؟ قال: من سلم المؤمنون من لسانه ويده. قلت: فما أفضل الأخلاق؟ قال: الصبر والسماحة. قلت: فأي المؤمنين أكمل إيماناً؟ قال: أحسنهم خلقاًٍ. قلت: فأي الجهاد أفضل؟ قال: من عقر جواده وأهريق دمه. قلت: فأي الصلاة أفضل؟ قال: طول القنوت. قلت: فأي الصدقة أفضل؟ قال: أن تهجر ما حرم الله عز وجل عليك. قلت: يا سيدي فما تقول في الدخول على السلطان؟ قال: لا أرى لك ذلك. قلت: فإني ربما سافرت إلى الشام فأدخل على إبراهيم بن الوليد. قال يا عبد الغفار إن دخولك على السلطان يدعو إلى ثلاثة أشياء: محبة الدنيا، ونسيان الموت، وقلة الرضا بما قسم الله. قلت:يا ابن رسول الله فإني ذو عَيلة وأتَّجر إلى ذلك المكان لجر المنفعة فما ترى في ذلك؟ قال: يا عبد الله إني لست آمرك بترك الدنيا بل آمرك بترك الذنوب. فترك الدنيا فضيلة وترك الذنوب فريضة، وأنت إلى إقامة الفريضة أحوج منك إلى اكتساب الفضيلة. قال: فقبلت يده ورجله وقلت: بأبي أنت وأمي يا ابن رسول الله فما نجد العلم الصحيح إلا عندكم، وإني قد كبرت سني ودق عظمي، ولا أرى فيكم ما أسره أراكم مقتلين مشـردين خائفين، وإني أقمت على قائمكم منذ حين أقول: يخرج اليوم أو غداً.
قال: يا عبد الغفار إن قائمنا هو السابع من ولدي، وليس هو أوان ظهوره، ولقد حدثني أبي عن أبيه عن آبائه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إن الأئمة بعدي اثنا عشـر، عدد نقباء بني إسرائيل، تسعة من صلب الحسين والتاسع قائمهم، يخرج في آخر الزمان فيملؤها عدلاً كما ملئت جوراً وظلماً. قلت: فإن كان هذا كائن يا ابن رسول الله فإلى من بعدك؟ قال: إلى جعفر وهو سيد أولادي وأبو الأئمة، صادق في قوله وفعله، ولقد سألت عظيماً يا عبد الغفار وإنك لأهل الإجابة، ثم قال: ألا إن مفاتيح العلم السؤال، وأنشأ يقول:
شفاءُ العَمَى طولُ السؤال وإنماُ تمامُ العمى طولُ السكوت على الجهلِ».

الإمام الصادق عليه السلام يبشر بالسادس من ولده

كمال الدين:1/33، عن السيد بن محمد الحميري قال: «كنت أقول بالغلو وأعتقد غيبة محمد بن علي بن الحنفية، قد ضللت في ذلك زماناً، فمنَّ الله عليَّ بالصادق جعفر بن محمد، وأنقذني به من النار، وهداني إلى سواء الصراط، فسألته بعد ما صح عندي بالدلائل التي شاهدتها منه أنه حجة الله عليَّ وعلى جميع أهل زمانه، وأنه الإمام الذي فرض الله طاعته وأوجب الإقتداء به، فقلت له: يا ابن رسول الله قد روي لنا أخبار عن آبائك عليهم السلام في الغيبة وصحة كونها، فأخبرني بمن تقع؟ فقال: إن الغيبة ستقع بالسادس من ولدي، وهو الثاني عشر من الأئمة الهداة بعد رسول الله ، أولهم أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب، وآخرهم القائم بالحق بقية الله في الأرض وصاحب الزمان عليه السلام ، والله لو بقي في غيبته ما بقي نوح في قومه، لم يخرج من الدنيا حتى يظهر، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً.
قال السيد: فلما سمعت ذلك من مولاي الصادق جعفر بن محمد صلى الله عليه وآله تبت إلى الله تعالى ذكره على يديه، وقلت قصيدتي التي أولها:
أيا راكباً نحو المدينة جَسـْرة
عذافرةً يطوى بها كل سبسب
إذا ما هداك الله عاينت جعفراً
فقل لولي الله وابن المهذب
ألا يا أمين الله وابن أمينه
أتوبُ إلى الرحمن ثم تأوبي
إليك من الأمر الذي كنت مطنباً
أحارب فيه جاهداً كل معرب
وماكان قولي في ابن خولةَ مطنباً
معاندةً مني لنسل المطيب
ولكن روينا عن وصي محمد
وما كان فيما قال بالمتكذب
بأن وليَّ الأمر يفقد لا يرى
ستيراً كفعل الخائف المترقب
فتقسم أموال الفقيد كأنما
تغيبه بين الصفيح المنصب
فيمكث حيناً ثم ينبع نبعةً
كنبعة جديٍ من الأفق كوكب
يسير بنصـر الله من بيت ربه
على سؤدد منه وأمر مسبب
يسيـــر إلى أعــــدائه بلوائه
فيقتلهم قتلاً كحرَّانَ مغضب
فلما روي أن ابن خولةَ غائبٌ
صرفنا إليه قولنا لم نكذب
وقلنا هو المهديُّ والقائم الذي
يعيش به من عدله كل مجدب
فإن قلت لا فالحق قولك والذي
أمرت فحتمٌ غير ما متعصب
وأشهد ربي أن قولك حجة
على الناس طراً من مطيع ومذنب
بأن ولي الأمر والقائم الذي
تطلُّع نفسـي نحوه بتطرب
له غيبةٌ لابد من أن يغيبها
فصلى عليه الله من متغيب
فيمكث حيناً ثم يظهر حينه
فيملك من في شرقها والمغرّب
بذاكَ أدين الله سراً وجهرةً
ولست وإن عوتبت فيه بمعتب».

الإمام الكاظم عليه السلام : القائم هو الخامس من ولدي

روى الصدوق في كمال الدين:2/361، عن يونس بن عبد الرحمن قال: «دخلت على موسى بن جعفر عليه السلام فقلت له: يا ابن رسول الله ، أنت القائم بالحق؟ فقال: أنا القائم بالحق، ولكن القائم الذي يطهر الأرض من أعداء الله عز وجل ويملؤها عدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، هو الخامس من ولدي، له غيبة يطول أمدها خوفاً على نفسه، يرتدّ فيها أقوام ويثبت فيها آخرون. ثم قال عليه السلام : طوبى لشيعتنا المتمسكين بحبلنا في غيبة قائمنا، الثابتين على موالاتنا والبراءة من أعدائنا، أولئك منا ونحن منهم، قد رضوا بنا أئمة ورضينا بهم شيعة، فطوبى لهم ثم طوبى لهم، وهم والله معنا في درجتنا يوم القيامة».
وكفاية الأثر/265، وإعلام الورى/407..الخ.

الإمام الرضا عليه السلام يبشر بالمهدي الرابع من ولده

كمال الدين:2/376، عن الريان بن الصلت، قال: «قلت للرضا: أنت صاحب هذا الأمر؟ فقال: أنا صاحب هذا الأمر، ولكني لست بالذي أملؤها عدلاً كما ملئت جوراً، وكيف أكون ذلك على ما ترى من ضعف بدني، وإن القائم هو الذي إذا خرج كان في سن الشيوخ ومنظر الشبان، قوياً في بدنه حتى لو مدَّ يده إلى أعظم شجرة على وجه الأرض لقلعها، ولو صاح بين الجبال لتدكدكت صخورها، يكون معه عصا موسى وخاتم سليمان، ذاك الرابع من ولدي، يغيبه الله في ستره ما شاء، ثم يظهره فيملأ به الأرض قسطاً وعدلاً، كما ملئت جوراً وظلماً».
وفي كمال الدين:1/371، عن الحسين بن خالد قال: «قال علي بن موسى الرضا عليه السلام : لا دينَ لمن لا ورع له، ولا إيمان لمن لا تقية له، إن أكرمكم عند الله أعملكم بالتقية، فقيل له: يا ابن رسول الله إلى متى؟ قال: إلى يوم الوقت المعلوم، وهو يوم خروج قائمنا أهل البيت، فمن ترك التقية قبل خروج قائمنا فليس منا! فقيل له: يا ابن رسول الله ومَن القائم منكم أهل البيت؟ قال الرابع من ولدي، ابن سيدة الإماء، يُطهر الله به الأرض من كل جور، ويقدسها من كل ظلم. وهو الذي يشك الناس في ولادته، وهو صاحب الغيبة قبل خروجه، فإذا خرج أشرقت الأرض بنوره، ووضع ميزان العدل بين الناس فلا يظلم أحد أحداً. وهو الذي تطوى له الأرض ولا يكون له ظل. وهو الذي ينادي مناد من السماء يسمعه جميع أهل الأرض بالدعاء إليه يقول: ألا إن حجة الله قد ظهر عند بيت الله فاتبعوه فإن الحق معه وفيه، وهو قول الله عز وجل: إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ. إن دولة أهل البيت هي الآية في الآية».
وفي إثبات الوصية/227، عن الحسن بن محبوب، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: «لا بدَّ من فتنة صماء صيْلم تظهر فيها كل بطانة ووليجة، وذلك عند فقدان الشيعة الثالث من ولدي، يبكي عليه أهل السماء وأهل الأرض!
ثم قال من بعد كلام طويل: كأني بهم شرَّما كانوا، وقد نودوا ثلاثة أصوات: الصوت الأول أزفت الآزفة يا معشر المؤمنين. والصوت الثاني: ألا لعنة الله على الظالمين. والثالث: بدن يظهر فيرى في قرن الشمس يقول: إن الله بعث فلاناً فاسمعوا وأطيعوا».
وروى نحوه النعماني/180، وفيه: «قال لي الرضا عليه السلام : إنه يا حسن سيكون فتنة صماء صيلم، يذهب فيها كل وليجة وبطانة، وذلك عند فقدان الشيعة الثالث من ولدي، يحزن لفقده أهل الأرض والسماء. كم من مؤمن ومؤمنة متأسف متلهف حيران حزين لفقده. ثم أطرق، ثم رفع رأسه وقال: بأبي وأمي سميُّ جدي وشبيهي، وشبيه موسى بن عمران، عليه جيوب النور تتوقد من شعاع ضياء القدس، كأني بهم آيس ما كانوا قد نودوا نداء يسمعه من بالبعد كما يسمعه من بالقرب، يكون رحمةً على المؤمنين وعذاباً على الكافرين. فقلت: بأبي وأمي أنت وما ذلك النداء؟ قال ثلاثة أصوات في رجب، أولها: ألا لعنة الله على الظالمين، والثاني: أزفت الأزفة يا معشر المؤمنين، والثالث: يرون بدناً بارزاً مع قرن الشمس ينادي ألا إن الله قد بعث فلاناً على هلاك الظالمين، فعند ذلك يأتي المؤمنين الفرج ويشفي الله صدورهم،ويذهب غيظ قلوبهم».
أقول: معنى قول الإمام الرضا عليه السلام فقدان الشيعة الثالث من ولدي، أي عند فقدانهم الإمام الحسن العسكري عليه السلام ، لأنه يتزامن مع غيبة خليفته الإمام المهدي عليه السلام .وستأتي بشارة الإمام الجواد والهادي والعسكري بالمهدي عليهم السلام ..
* *

الفصل السابع : ( الخطة الإلهية ، موقع الإمام المهدي عليه السلام من الخطة الإلهية )

قال النبي صلى الله عليه وآله : بنا فتح الله وبنا يختم

روى ابن حماد في كتابه الفتن:1/370، عن علي عليه السلام قال:«قلت يا رسول الله ، المهدي منا أئمة الهدى أم من غيرنا؟ قال: بل منا، بنا يختم الدين كما بنا فتح، وبنا يستنقذون من ضلالة الفتنة، كما استنقذوا من ضلالة الشرك، وبنا يؤلف الله بين قلوبهم في الدين، بعد عداوة الفتنة، كما ألف الله بين قلوبهم ودينهم بعد عداوة الشرك».
ونحوه الطبراني الأوسط:1/136، وقال عنه في شرح النهج:9/206 خطبة 155: «وهذا الخبر مروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله قد رواه كثير من المحدثين عن علي عليه السلام أن رسول‌الله صلى الله عليه وآله قال له: إن الله قد كتب عليك جهاد المفتونين، كما كتب عليَّ جهاد المشركين، فقلت: يا رسول الله فبأي المنازل أنزل هؤلاء المفتونين من بعدك، أبمنزلة فتنة أم بمنزلة ردة؟ فقال: بمنزلة فتنة يعمهون فيها إلى أن يدركهم العدل. فقلت: يا رسول الله ، أيدركهم العدل منا أم من غيرنا؟ قال: بل منا، بنا فتح وبنا يختم، وبنا ألف الله بين القلوب بعد الشرك، وبنا يؤلف بين القلوب بعد الفتنة. فقلت: الحمد لله على ما وهب لنا من فضله».
ورواه الشافعي في البيان/506،وقال: حديث حسن عال رواه الحفاظ في كتبهم. والسلمي في عقد الدرر/25، وقال: أخرجه جماعة من الحفاظ في كتبهم، منهم أبو القاسم الطبراني، وأبو نعيم الأصبهاني، وعبد الرحمن بن أبي حاتم، وأبو عبد الله نعيم بن حماد، وغيرهم. ورواه في عقد الدرر/145، وقال: أخرجه الحافظ أبو بكر البيهقي. والطبراني في المعجم الأوسط:1/136.
وقال عنه الحافظ المغربي/535:«رواه الطبراني من طريق عبد الله بن لهيعة، عن عمرو بن جابر الحضرمي، عن عمر بن علي بن أبي طالب، عن أبيه، به. أما ابن لهيعة فسيأتي الكلام عليه، وأما الحضرمي فقد روى له الترمذي وابن ماجة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث عنده نحو عشرين حديثاً، وذكره البرقي فيمن ضعف بسبب التشيع وهو ثقة، وذكره يعقوب بن سفيان في الثقات،وصحح الترمذي حديثه».
وفي فتن ابن حماد:1/375: «عن سالم قال:كتب نجدة إلى ابن عباس يسأله عن المهدي، فقال: إن الله تعالى هدى هذه الأمة بأول أهل هذا البيت، ويستنفذها بآخرهم، لا ينتطح فيه عنزان، جماء وذات قرن»!
ورواه من مصادرنا: الإمامة والتبصـرة/92، عن الحارث بن نوفل قال:«قال علي لرسول الله صلى الله عليه وآله : يا رسول الله أمنا الهداة أو من غيرن..االخ.
وفي أمالي المفيد/288: «لما نزلت على النبي صلى الله عليه وآله : إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ، قال لي: يا علي إنه قد جاء نصر الله والفتح. يا علي إن الهدى هو اتباع أمر الله دون الهوى والرأي، وكأنك بقوم قد تأولوا القرآن وأخذوا بالشبهات، واستحلوا الخمر بالنبيذ والبخس بالزكاة، والسحت بالهدية! قلت: يا رسول الله فما هم إذا فعلوا ذلك، أهم أهل ردة أم أهل فتنة؟ قال: هم أهل فتنة يعمهون فيها إلى أن يدركهم العدل، فقلت: يا رسول الله العدل منا أم من غيرنا؟ فقال: بل منا، بنا فتح الله وبنا يختم الله، وبنا ألف الله بين القلوب بعد الشرك، وبنا يؤلف الله بين القلوب بعد الفتنة. فقلت: الحمد لله على ما وهب لنا من فضله».
أقول: الختم في الحديث بمعنى بلوغ الأوج في إثمار المشروع الإلهي وتحقيق هدفه. والحديث يعني أن نبوة نبينا صلى الله عليه وآله كانت افتتاحاً لمشروع الإسلام، وأنه سيصل الى أوجه على يد الإمام المهدي عليه السلام . قال عز وجل بقوله: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ.

وما من سِرٍّ إلا والمهدي عليه السلام يختمه

روى ابن شعبة الحراني رحمه الله في تحف العقول/171، وبشارة المصطفى/24، خلاصة وصية أميرالمؤمنين عليه السلام لكميل بن زياد عليه السلام ، وهي طويلة مليئة بالعلم والحكمة، جاء فيها: «عن سعيد بن زيد بن أرطاة، قال: لقيت كميل بن زياد وسألته عن فضل أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فقال: ألا أخبرك بوصية أوصاني بها يوماً، هي خير لك من الدنيا بما فيها؟ فقلت: بلى. قال: قال لي علي عليه السلام : يا كميل، سمِّ كل يوم باسم الله، وقل: لاحول ولا قوة إلا بالله، وتوكل على الله، واذكرنا وسمِّ بأسمائنا...
يا كميل، إن رسول صلى الله عليه وآله أدبه الله عز وجل وهو عليه السلام أدبني، وأنا أؤدب المؤمنين وأورث الأدب المكرمين. يا كميل، ما من علم إلا وأنا أفتحه، وما من سر إلا والقائم عليه السلام يختمه. ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ.
ياكميل، لا تأخذ إلا عنا تكن منا. يا كميل، ما من حركة إلا وأنت محتاج فيها إلى معرفة... يا كميل، أنتم مُمتعون بأعدائكم، تطربون بطربهم، وتشربون بشـربهم، وتأكلون بأكلهم، وتدخلون مداخلهم، وربما غلبتم على نعمتهم، إي والله على إكراه منهم لذلك، ولكن الله عز وجل ناصركم وخاذلهم، فإذا كان والله يومكم وظهر صاحبكم لم يأكلوا والله معكم، ولم يردوا مواردكم، ولم يقرعوا أبوابكم، ولم ينالوا نعمتكم، أذلة خائبين، مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً.
يا كميل، لا تغتر بأقوام يُصلون فيطيلون، ويصومون فيداومون، ويتصدقون فيحسبون أنهم موفقون. يا كميل، أقسم بالله لسمعت رسول صلى الله عليه وآله يقول: إن الشيطان إذا حمل قوماً على الفواحش مثل الزنا وشرب الخمر وما أشبه ذلك من الخنا والمآثم، حبب إليهم العبادة الشديدة والخشوع والركوع والخضوع والسجود، ثم حملهم على ولاية الأئمة الذين يدعون إلى النار، ويوم القيامة لا ينصرون...
يا كميل، إنه مستقر ومستودع، فاحذر أن تكون من المستودعين، وإنما تستحق أن تكون مستقراً إذا لزمت الجادة الواضحة التي لا تخرجك إلى عوج، ولا تزيلك عن منهج، ما حملناك عليه وما هديناك إليه.
يا كميل، لا غزو إلا مع إمام عادل، ولا نفل إلا مع إمام فاضل!
يا كميل، أرأيت لو لم يظهر نبيٌّ وكان في الأرض مؤمن تقي لكان في دعائه إلى الله مخطئاً أو مصيباً؟ بلى والله مخطئاً حتى ينصبه الله عز وجل ويؤهله له!
يا كميل، الدين لله، فلا تغترن بأقوال الأمة المخدوعة التي قد ضلت بعد ما اهتدت وجحدت بعد ما قبلت. يا كميل، الدين لله تعالى فلا يقبل الله تعالى من أحد القيام به إلا رسولاً أو نبياً أو وصياً! يا كميل، هي نبوة ورسالة وإمامة، وليس بعد ذلك إلا متولون ومتغلبون، وضالون ومعتدون.
يا كميل، إن النصارى لم تعطل الله تعالى ولا اليهود، ولا جحدت موسى ولا عيسى، ولكنهم زادوا، ونقصوا، وحرفوا، وألحدوا، فلُعنوا ومُقتوا ولم يتوبوا...
يا كميل، قال رسول صلى الله عليه وآله قولاً أعلنه والمهاجرون والأنصارمتوافرون يوماً بعد العصر، يوم النصف من شهر رمضان، وهو قائمٌ على قدميه من فوق منبره: عليٌّ مني، وابناي منه والطيبون مني ومنهم، وهم الطيبون بعد أمهم، وهم سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها هوى، الناجي في الجنة والهاوي في لظى».
ومعنى قوله عليه السلام : ما من علم إلا وأنا أفتحه:أن النبي صلى الله عليه وآله جاء بأصول العلوم التي يحتاج اليها الناس، وفتح أصول بعضها ثم يفتح أميرالمؤمنين عليه السلام وأبناؤه المعصومون عدداً منها حتى يصل الأمر الى المهدي عليه السلام فيكملها ويختمها. ويكفي أن يكشف أسرار القرآن، ويبني به المعرفة الإنسانية العالية، والحياة المتطورة، مادياً ومعنوياً.
وقد استدل ابن أبي الحديد في مقدمة شرحه على أن العلوم الإسلامية كلها ترجع الى أميرالمؤمنين صلى الله عليه وآله ، فهو مؤسسها أو مرسيها.

أميرالمؤمنين عليه السلام : بنا فتح الله وبنا يختم، لا بكم

في ملاحم ابن المنادي/64، عن الأصبغ بن نباتة قال: «خطب أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام بالكوفة فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إن قريشاً أئمة العرب، أبرارها لأبرارها وفجارها لفجارها، ألا ولا بد من رحاً تطحن على ضلالة وتدور، فإذا قامت على قطبها طحنت بحدِّها، ألا وإن لطحنها رُوقاً، ورُوقها حدتها، وفَلُّها على الله عز وجل. ألا وإني وأبرار عترتي وأهل بيتي، أعلم الناس صغاراً وأحلم الناس كباراً، معنا راية الحق، من تقدمها مرق ومن تأخر عنها محق، ومن لزمها لحق. وإنا أهل بيت الرحمة، وبنا فتحت أبواب الحكمة، وبحكم الله حكمنا، وبعلم الله علمنا، ومن صادق سمعنا، فإن تتبعونا تنجوا، وإن تتولوا يعذبكم الله بأيدينا، بنا فك الله ربق الذل من أعناقكم، وبنا يختم لا بكم، بنا يلحق التالي وإلينا يفئ الغالي.
ولولا أن تستعجلوا وتستأخروا القدر لأمر قد سبق في البشر، لحدثتكم بشباب من الموالي وأبناء العرب ونبذ من الشيوخ، كالملح في الزاد وأقل الزاد الملح! فينا معتبر ولشيعتنا منتظر، وإنا وشيعتنا نمضي إلى الله عز وجل بالبَطَن والحُمى والسيف، وإن عدونا يهلك بالداء والدبيلة، وبما شاء الله من البلية والنقمة.
وأيم الله أن لو حدثتكم بكل ما أعلم لقالت طائفة ما أكذب وأرجم، ولو انتقيت منكم مائة قلوبهم كالذهب، ثم انتقيت من المائة عشرة، ثم حدثتهم فينا أهل البيت حديثاً ليناً لا أقول فيه إلا حقاً، ولا أعتمد فيه إلا صدقاً، لخرجوا وهم يقولون علي من أكذب الناس! ولو اخترت من غيرهم عشرة فحدثتهم في عدونا وأهل البغي علينا أحاديث كثيرة، لخرجوا وهم يقولون علي من أصدق الناس!
هلك خاطب الخطب، وحاص صاحب العَصَب، وبقيت القلوب تَقلَّب، منها مشغب، ومنها مجدب، ومنها مخصب، ومنها مشتت. يا بنيَّ لِيبرَّ صغاركم كباركم، وليرأف كباركم بصغاركم، ولا تكونوا كالغواة الجفاة، الذين لم يتفقهوا في الدين ولم يعطوا في الله عز وجل محض اليقين، كبيض في أداح.
وويحُ الفراخ فراخ آل محمد من خليفة جبار عتريف مترف، مستخفٍّ بخلفي وخلف الخلف!وبالله لقد علمت تأويل الرسالات، وإنجاز العداة، وتمام الكلمات.
وليكونن من أهل بيتي رجل يأمر بأمر الله، قوي يحكم بحكم الله، وذلك بعد زمان مكلح مفضح، يشتد فيه البلاء، وينقطع فيه الرجاء، ويقبل فيه الرشاء، فعند ذلك يبعث الله عز وجل رجلاً من شاطئ دجلة لأمر حزبه يحمله الحقد على سفك الدماء، قد كان في ستر وغطاء، فيقتل قوماً هو عليهم غضبان شديد الحقد حران، في سنة بخت نصر، يسومهم خسفاً ويسقيهم كأساً مُصَبَّرة، سوط عذاب، وسيف دمار، ثم يكون بعده هنات، وأمور مشتبهات.
ألا إن من شط الفرات إلى النجفات باباً إلى القطقطانيات، في آيات وآفات متواليات، يحدثن شكاً بعد يقين، يقوم بعد حين، تبنى المدائن وتفتح الخزائن وتجمع الأمم، ينفذها شخص البصر وطمح النظر، وعنتُ الوجوه وكَسْفُ البال، حين يرى مقبلاً مدبراً، فيا لهفاه على ما أعلم، رجب شهر ذكر، رمضان تمام السنين، شوال يشال فيه من القوم، ذو القعدة يقتعدون فيه، ذو الحجة الفتح من أول العشر.
ألا إن العجب كل العجب بعد جمادى ورجب، جمع أشتات وبعث أموات، وحديثات هونات هونات، بينهن موتات، رافعة ذيلها داعية عولها معلنة قولها، بدجلة أو حولها.
ألا إن منا قائماً عفيفةٌ أحسابه، سادةٌ أصحابه، تنادون عند اصطلام أعداء الله باسمه واسم أبيه، في شهر رمضان ثلاثاً، بعد هرج وقتال وضنك وخبال، وقيام من البلاء على ساق، وإني لأعلم إلى من تخرج الأرض ودايعها وتسلم إليه خزائنها، ولو شئت أن أضرب برجلي فأقول أخرجوا من هاهنا بيضاً ودروعاً!
كيف أنتم يا بني هنات، إذا كانت سيوفكم بأيمانكم مصلتات، ثم رملتم رملات ليلة البيات، ليستخلفن الله خليفة يثبت على الهدى، ولا يأخذ على حكمه الرشى، إذا دعا دعوات بعيدات المدى، دامغات المنافقين، فارجات عن المؤمنين. ألا إن ذلك كائن على رغم الراغمين، والحمد لله رب العالمين». انتهى.
وروى الجاحظ في البيان والتبيين/238، بعضها، قال: «قال أبو عبيدة: وروى فيها جعفر بن محمد: إن أبرار عترتي وأطايب أرومتي أحلم الناس صغاراً وأعلمهم كباراً ألا وإنا من أهل بيتٍ من عِلم الله علمنا، وبحكم الله حكمنا، ومن قول صادق سمعنا، وإن تتبعوا آثارنا تهتدوا ببصائرنا، وإن لم تفعلوا يهلككم الله بأيدينا، معنا راية الحق، من تبعنا لحق ومن تأخر عنا غرق. ألا وإن بنا ترد دبَرة كل مؤمن، وبنا تخلع ربقة الذل من أعناقكم، وبنا فتح وبنا ختم، لا بكم».
ورواها في شرح النهج:1/276، عن الجاحظ، وقال/281:«وقوله في آخرها: وبنا تختم لا بكم، إشارة إلى المهدي الذي يظهر في آخر الزمان، وأكثر المحدثين على أنه من ولد فاطمة وأصحابنا المعتزلة لاينكرونه، وقد صرحوا بذكره في كتبهم، واعترف به شيوخهم، إلا أنه عندنا لم يخلق بعد وسيخلق». وكنز العمال:14/592.
ورواها في الإرشاد/128، كالبيان والتبيين وقال: «ما رواه الخاصة والعامة عنه، وذكر ذلك أبو عبيدة معمر بن المثنى وغيره ممن لا يتهمه خصوم الشيعة في روايته، أن أميرالمؤمنين عليه السلام قال في أول خطبة خطبها بعد بيعة الناس له على الأمر، وذلك بعد قتل عثمان بن عفان».
ورواها في المسترشد/75، وقال إنه خطبها عندما ولي الأمر، ونصها: «والذي نفسـي بيده لتُخلخلن خلخلة، ولتُبلبلن بلبلة، ولتُغربلن غربلة، ولتُساطن سوطة القدر، حتى يعود أعلاكم أسفلكم وأسفلكم أعلاكم، ولقد عدتم كهيئتكم يوم بعث فيكم نبيكم صلى الله عليه وآله ، ولقد نبئت بهذا الموقف وبهذا الأمر.. ألا إن أبغض عبد خلقه الله إلى الله لعبدٌ وكَلَه إلى نفسه، ورجل قَمَش في أشباه الناس علماً فسماه الناس عالماً، حتى إذا ورد من آجن، وارتوى من غير طائل، قعد قاضياً للناس لتخليص ما اشتبه من غيره، فإن قاس شيئاً بشئ لم يكذب بصره، وإن أظلم عليه شئ كتم ما يعرف من نفسه لكيلا يقال لايعرف، خباط عشوات، ومفتاح جهالات، لا يسأل عما لا يعلم فيعَلَّم، ولاينهض بعلم قاطع، يذري الرواية إذراء الريح الهشيم، تصرخ منه المواريث، يحل بقضائه الفرج الحرام، ويحرم بقضائه الفرج الحلال، لامليٌّ بتصدير ما ورد عليه، ولا ذاهل عما فرط عنه.
ألا إن العلم الذي هبط به آدم وجميع ما فضلت به الأنبياء عليهم السلام ، في عترة نبيكم، فأين يتاه بكم وأين تذهبون. يا معشر من نجا من أصحاب السفينة، هذا مثلها فيكم كما نجا في هاتيك من نجا، فكذلك من ينجو في هذه منكم من ينجو! ويل لمن تخلف عنهم، إنهم لكم كالكهف لأصحاب الكهف، سموهم بأحسن أسمائهم، وبما سموا به في القرآن، هذا عذب فرات سائغ شرابه فاشربوا، وهذا ملح أجاج فاحذروا، إنهم باب حطة فادخلوا.
ألا إن الأبرار من عترتي وأطائب أرومتي أعلم الناس صغاراً وأحلمهم كباراً. من عِلم الله علمنا، ومن قول صادقٍ سمعنا، فإن تتبعوا آثارنا تهتدوا ببصائرنا، وإن تدبروا عنا يهلككم الله بأيدينا أو بما شاء.معنا راية الحق، من تبعها لحق ومن تخلف عنها محق، وبنا ينير الله الزمان الكلف، وبنا يدرك الله ترة كل مؤمن، وبنا يفك الله ربقة الذل عن أعناقكم، وبنا يختم الله لابكم».
وروى بعضها ابن شعبة الحراني في تحف العقول/115، وفيه: «بنا فتح الله عز وجل وبنا يختم الله، وبنا يمحو الله ما يشاء، وبنا يدفع الله الزمان الكَلِب، وبنا ينزل الغيث. لايغرنكم بالله الغرور، لو قد قام قائمنا لأنزلت السماء قطرها، ولأخرجت الأرض نباتها، وذهبت الشحناء من قلوب العباد، واصطلحت السباع والبهائم، حتى تمشي المرأة بين العراق والشام لاتضع قدميها إلا على نبات، وعلى رأسها زنبيلها، لايهيجها سبع ولا تخافه».
أقول: روى مسلم«3/84 »أن بلاد العرب تعود في عهده عليه السلام مروجاً وأنهاراً، ومعنى أن المرأة تمشي بين العراق والشام والحجاز وزنبيلها على رأسها لا تخاف: أن الأمن يكون مستتباً، والمواصلات متيسرة، وقد قرَّبَ لهم ذلك بمَثَلٍ من عصرهم.

خاتم الأوصياء من ذرية خاتم الأسباط

في أمالي الطوسي:2/113، عن الإمام زين العابدين عليه السلام قال: «كنت أمشـي خلف عمي الحسن وأبي الحسين عليه السلام في بعض طرقات المدينة في العام الذي قبض فيه عمي الحسن عليه السلام ، وأنا يومئذ غلام لم أراهق، أو كدت، فلقيهما جابر بن عبد الله وأنس بن مالك الأنصاريان، في جماعة من قريش والأنصار، فما تمالك جابر بن عبد الله حتى أكب على أيديهما وأرجلهما يقبلهما، فقال رجل من قريش كان نسيباً لمروان: أتصنع هذا يا أبا عبد الله، وأنت في سنك هذا وموضعك من صحبة رسول الله صلى الله عليه وآله ، وكان جابر قد شهد بدراً، فقال له: إليك عني، فلو علمت يا أخا قريش من فضلهما ومكانهما ما أعلم، لقبلت ما تحت أقدامهما من التراب.
ثم أقبل جابر على أنس بن مالك فقال: يا أبا حمزة أخبرني رسول الله صلى الله عليه وآله فيهما بأمر ما ظننته أنه يكون في بشر. قال: له أنس: وبماذا أخبرك يا أبا عبد الله؟ قال علي بن الحسين: فانطلق الحسن والحسين عليه السلام ووقفت أنا أسمع محاورة القوم، فأنشأ جابر يحدث قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وآله ذات يوم في المسجد وقد خفَّ مَن حوله إذ قال لي: يا جابر ادع لي حسناً وحسيناً، وكان شديد الكلف بهما، فانطلقت فدعوتهما وأقبلت أحمل هذا مرة وهذا أخرى حتى جئته بهما، فقال لي وأنا أعرف السرور في وجهه لما رأى من محبتي لهما وتكريمي إياهما: أتحبهما يا جابر؟ فقلت: وما يمنعني من ذلك فداك أبي وأمي وأنا أعرف مكانهما منك؟ قال: أفلا أخبرك عن فضلهما؟ قلت: بلى بأبي أنت وأمي. قال: إن الله تعالى لما أحب أن يخلقني خلقني نطفة بيضاء طيبة، فأودعها صلب أبي آدم عليه السلام فلم يزل ينقلها من صلب طاهر إلى رحم طاهر، إلى نوح وإبراهيم عليه السلام ثم كذلك إلى عبد المطلب، فلم يصبني من دنس الجاهلية، ثم افترقت تلك النطفة شطرين إلى عبد الله وأبي طالب، فولدني أبي فختم الله بي النبوة، وولد أبو طالب علياً فختمت به الوصية، ثم اجتمعت النطفتان مني ومن علي فولدنا الجهر والجهير الحسنين، فختم بهما أسباط النبوة، وجعل ذريتي منهما، وأمرني بفتح مدينة أو قال مدائن الكفر. ومن ذرية هذا، وأشار إلى الحسين عليه السلام ، رجل يخرج في آخر الزمان يملأ الأرض عدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، فهما طاهران مطهران، وهما سيدا شباب أهل الجنة، طوبي لمن أحبهما وأباهما وأمهما وويل لمن حاربهم وأبغضهم».

وبمهدينا تنقطع الحجج

روى المسعودي في مروج الذهب:1/32: «عن أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: إن الله حين شاء تقدير الخليقة وذَرْأَ البرية، وإبداع المبدعات، نصب الخلق في صور كالهباء، قبل دحو الأرض ورفع السماء، وهو في انفراد ملكوته وتوحد جبروته، فأتاح نوراً من نوره فلمع، و نزع قبساً من ضيائه فسطع، ثم اجتمع النور في وسط تلك الصور الخفية، فوافق ذلك صورة نبينا محمد صلى الله عليه وآله ، فقال الله عز من قائل: أنت المختار المنتخب، وعندك مستودع نوري وكنوز هدايتي، من أجلك أسطح البطحاء، وأمرج الماء، وأرفع السماء، وأجعل الثواب والعقاب، والجنة والنار، وأنصب أهل بيتك للهداية، وأوتيهم من مكنون علمي، ما لا يشكل عليهم دقيق ولا يعييهم خفي، وأجعلهم حجتي على بريتي، والمنبهين على قدرتي ووحدانيتي، ثم أخذ الله الشهادة عليهم بالربوبية والإخلاص بالوحدانية.
فبعد أخذ ما أخذ من ذلك، شابَ ببصائر الخلق انتخاب محمد وآله، وأراهم أن الهداية معه والنور له والإمامة في آله، تقديماً لسنة العدل، وليكون الإعذار متقدماً، ثم أخفى الله الخليقة في غيبه، وغيبها في مكنون علمه، ثم نصب العوالم وبسط الزمان، ومرج الماء وأثار الزبد وأهاج الدخان، فطفا عرشه على الماء، فسطح الأرض على ظهر الماء [وأخرج من الماء دخاناً فجعله السماء] ثم استجلبهما إلى الطاعة فأذعنتا بالاستجابة، ثم أنشأ الله الملائكة من أنوار أبدعها وأرواح اخترعها، وقرن بتوحيده نبوة محمد صلى الله عليه وآله ، فشهرت في السماء قبل بعثته في الأرض.
فلما خلق آدم أبان فضله للملائكة، وأراهم ما خصه به من سابق العلم، من حيث عرفه عند استنبائه إياه أسماء الأشياء، فجعل الله آدم محراباً وكعبة وباباً، وقبلة أسجد إليها الأبرار والروحانيين الأنوار، ثم نبه آدم على مستودعه، وكشف له خطر ما ائتمنه عليه، بعد ما سماه إماماً عند الملائكة، فكان حظ آدم من الخير ما أراه من مستودع نورنا، ولم يزل الله تعالى يخبأ النور تحت الزمان، إلى أن فضل محمداً صلى الله عليه وآله في ظاهر الفترات، فدعا الناس ظاهراً وباطناً، وندبهم سراً وإعلاناً،واستدعى التنبيه على العهد الذي قدمه إلى الذر قبل النسل، فمن وافقه وقبس من مصباح النور المقدم اهتدى إلى سره، واستبان واضح أمره، ومن أبلسته الغفلة استحق السخط.
ثم انتقل النور إلى غرائزنا ولمع في أئمتنا، فنحن أنوار السماء، وأنوار الأرض، فبنا النجاة، ومنا مكنون العلم، وإلينا مصير الأمور، وبمهدينا تنقطع الحجج، خاتمة الأئمة، ومنقذ الأمة، وغاية النور، ومصدر الأمور. فنحن أفضل المخلوقين، وأشرف الموحدين، وحجج رب العالمين، فليهنأ بالنعمة من تمسك بولايتنا، وقبض على عروتنا». وفي تذكرة الخواص لابن الجوزي/128: «وبمهدينا تقطع الحجج، فهو خاتم الأئمة..وغامض السرفليهنأ من استمسك بعروتنا، وحُشر على محبتنا». ومعنى تقطع الحجج: لايبقى لأحد حجة مقابل أهل البيت عليه السلام .

الإمام العسكري عليه السلام : خاتم حجج الله وآخر خلفائه

في إثبات الهداة:3/569: «عن الفضل بن شاذان، عن محمد بن عبد الجبار قال: قلت لسيدي الحسن بن علي عليه السلام : يا ابن رسول الله جعلني الله فداك: أحب أن أعلم من الإمام وحجة الله على عباده من بعدك؟ فقال: إن الإمام وحجة الله من بعدي ابني سميُّ رسول‌الله صلى الله عليه وآله وكنِيُّه، الذي هو خاتم حجج الله وآخر خلفائه، قلت: ممن هو يا ابن رسول الله ؟قال: من ابنة ابن قيصر ملك الروم. ألا إنه سيولد ويغيب عن الناس غيبة طويلة ثم يظهر».
وفي مصباح المتهجد/287، عن الإمام الصادق عليه السلام في التوسل بالأئمة المعصومين عليهم السلام : «اللهم...وأتقرب إليك بالبقية الباقي، المقيم بين أوليائه الذي رضيته لنفسك، الطيب الطاهر الفاضل الخير، نور الأرض وعمادها، ورجاء هذه الأمة وسيدها، الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر، الناصح الأمين، المؤدي عن النبيين، وخاتم الأوصياء النجباء الطاهرين».
وفي غيبة الطوسي/165، «عن أبي سليمان داود بن عنان البحراني قال: قرأت على أبي سهل إسماعيل بن علي النوبختي: دخلت على أبي محمد في المرضة التي مات فيها وأنا عنده، إذ قال لخادمه عقيد وكان الخادم أسود نوبياً، قد خدم من قبله علي بن محمد، وهو رَبِيُّ الحسن عليه السلام ، فقال: يا عقيد أغل لي ماء بمصطكى فأغلى له، ثم جاءت به صقيل الجارية أم الخلف عليه السلام «أي مربيته» فلما صار القدح في يديه وهمَّ بشُربه، فجعلت يده ترتعد حتى ضرب القدح ثنايا الحسن، فتركه من يده وقال لعقيد: أدخل البيت فإنك ترى صبياً ساجداً فأتني به، قال أبو سهل: قال عقيد فدخلت أتحرى فإذا أنا بصبي ساجد، رافع سبابته نحو السماء فسلمت عليه، فأوجز في صلاته فقلت: إن سيدي يأمرك بالخروج إليه، إذ جاءت أمه صقيل فأخذت بيده وأخرجته إلى أبيه الحسن عليه السلام ، قال أبو سهل: فلما مَثُلَ الصبي بين يديه سلَّم، وإذا هو دري اللون وفي شعر رأسه قطط، مفلج الأسنان، فلما رآه الحسن عليه السلام بكى وقال: يا سيد أهل بيته، إسقني الماء فإني ذاهب إلى ربي، وأخذ الصبي القدح المغلي بالمصطكى بيده، ثم حرك شفتيه ثم سقاه، فلما شربه قال: هيئوني للصلاة، فطرح في حجره منديل فوضأه الصبي واحدة واحدة، ومسح على رأسه وقدميه، فقال له أبو محمد عليه السلام : أبشر يا بني فأنت صاحب الزمان، وأنت المهدي، وأنت حجة الله على أرضه، وأنت ولدي ووصيي، وأنا ولدتك، وأنت محمد بن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ولدك رسول الله صلى الله عليه وآله وأنت خاتم الأئمة الطاهرين، وبشـر بك رسول الله صلى الله عليه وآله وسماك وكناك، بذلك عهد إلي أبي عن آبائك الطاهرين، صلى الله على أهل البيت ربنا إنه حميد مجيد، ومات الحسن بن علي من وقته صلوات الله عليهم أجمعين».

الإمام المهدي عليه السلام : أنا خاتم الأوصياء وبي يرفع الله البلاء

في إثبات الوصية للمسعودي/221: «حدثني أبو نصر ضرير الخادم قال: دخلت على صاحب الزمان فقال لي: علي بالصندل الأحمر فأتيته به، فقال: أتعرفني؟ قلت نعم قال من أنا؟ فقلت أنت سيدي وابن سيدي. فقال ليس عن هذا سألتك، قال ضرير فقلت: جعلت فداك فسر لي، فقال: أنا خاتم الأوصياء، وبي يرفع الله البلاء عن أهلي وشيعتي».
* *

الفصل الثامن : ( تحريف البشارة ، من تحريف السلطة للبشارة النبوية! )

1- قال النبي صلى الله عليه وآله «من عترتي» فجعلوها«من أمتي»

اقرأ هذا الحديث الصحيح عندهم، الذي رواه الحافظ الإمام ابن المنادي/41، قال: «أخبرنا عبد الرزاق بن همام قال: قلت لسعيد بن المسيب: أحقٌّ المهدي؟ قال حق، قال قلت: ممن هو؟ قال من قريش، قلت: من أي قريش؟ قال: من بني هاشم قلت: من أي بني هاشم؟ قال: من بني عبد المطلب، قلت: من أي عبد المطلب؟ قال: من ولد فاطمة. قلت: من أي ولد فاطمة؟ قال: حسبك الآن»!
ورواه فوائد الفكر/65 عن قتادة. وابن طاووس/164، عن فتن زكريا.وينابيع المودة:3/262، وشرح المقاصد:8/232، وفي جميعها:قلت: من أي ولد فاطمة ؟ قال: حسبك الآن».
وسبب كتمان ابن المسيب حديث رسول الله صلى الله عليه وآله أن مدح أهل البيت عليهم السلام كان جريمة عند السلطة فهو يخاف منها، حتى لوكان حديثه تحديد هوية المهدي عليه السلام ، فكان بعضهم يغيرعترتي بأمتي لئلا يغضبون عليه، كما ترى في صحيح ابن حبان:8/11، ومسند أبي يعلى:2/291، عن ابن عمر قال: قال النبي صلى الله عليه وآله : «يخرج رجل من أمتي يواطئ اسمه اسمي وخلقه خلقي، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً». والطبراني الكبير:10/168، عن ابن عمر، قال رسول الله صلى الله عليه وآله : «لاتذهب الأيام والليالي، ولو لم يبق من الدنيا إلايوم حتى يبعث الله رجلاً من أمتي، يواطئ اسمه».
ولهذا يجب ان تضع كلمة «عترتي» بدل «أمتي» في أحاديثهم في المهدي عليه السلام !
وتجد التحريف مرة عن ابن عمر، ومرة عن ابن عمرو، ومرة عن ابن مسعود، أو أبي سعيد الخدري وهو أصدقهم وأجرؤهم في الرواية، وقد رفض البيعة ليزيد عندما استباح جيشه المدينة في وقعة الحرة، فنتفوا لحيته وكادوا يقتلونه! وروى تلميذه أبو الصديق الناجي،كما في سنن الداني/93، أن أبا سعيد كان جالساً عند منبر النبي صلى الله عليه وآله يبكي وله حنين: «قلت: ما يبكيك؟قال: تذكرت النبي صلى الله عليه وآله ومقعده على هذا المنبر، قال: إن من أهل بيتي الأقنى الأجلى، يأتي الأرض وقد ملئت ظلماً وجوراً، فيملؤها قسطاً وعدلاً»!

2- غيروا«اسمه اسمي» الى«يواطئ اسمه اسمي»!

كنت أقرأ في أحاديثهم أن النبي صلى الله عليه وآله قال: «يواطئ إسمه إسمي» فأتساءل: هل يمكن أن يعبر النبي صلى الله عليه وآله بتعبيرمن يظن ظناً، وهو مصدر اليقين، وهل يريد أن يبهم ويقول: «إسمه قريب من اسمي» لهدفٍ له في إبهام إسم المهدي عليه السلام ؟!
أما أحاديث أهل البيت عليهم السلام فكلها تقول: «إسمه إسمي» وليس فيها أثرٌ لكلمة يواطي أو يقارب أو يوافق! ففي كمال الدين:1/286، مثلاً عن جابر رحمه الله قال: «قال رسول الله : المهدي من ولدي إسمه إسمي وكنيته كنيتي، أشبه الناس بي خَلْقاً وخُلُقاً، تكون له غيبة وحيرة، تضل فيها الأمم، ثم يقبل كالشهاب الثاقب، يملؤها عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً». فالقضية إذن، أن الذين يدعون المهدوية لمعاوية وموسى بن طلحة، يريدون زحزحة إسم المهدي عن إسم النبي صلى الله عليه وآله إلى ما يواطيه، أي يوافقه أو يقاربه، ليجعلوا إسم موسى ومعاوية موافقين له في المعنى!
ويلاحظ أنهم كذبوا ذلك أولاً عن لسان ابن مسعود:» قال ابن المنادي في سننه/41:«سألت عاصم بن أبي النجود فقلت له: يا أبا بكر أذكرت زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله :لاتنقضي الدنيا حتى يملك الأرض رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي؟ فقال: نعم، وكذلك خليفة». انتهى.
ولعل تحريفهم بدأ بإضافة كاف فصار الحديث: إسمه كاسمي، ثم صار: يوافق إسمي، ويواطي إسمي! «الطبراني الكبير:10/161، وابن المنادي/41، عن ابن مسعود»! بينما أصل رواية حذيفة «إسمه إسمي» كما في عقد الدرر/24، عن أبي نعيم في صفة المهدي قال: «وعن حذيفة قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وآله فذكَّرنا رسول الله بما هو كائن ثم قال: لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد، لطول الله عز وجل ذلك اليوم حتى يبعث فيه رجلاً من ولدي اسمه اسمي، فقام سلمان الفارسي رضي الله عنه فقال: يارسول الله ، من أي ولدك؟ قال من ولدي هذا، وضرب بيده على الحسين».انتهى.

3- أضافوا الى النص:«وإسم أبيه إسم أبي»

والد الإمام المهدي هو الإمام الحسن العسكري عليه السلام ، وجاءه اللقب لأن الخليفة فرض عليه وعلى أبيه الإمام الهادي عليه السلام الإقامة الجبرية في عاصمته سامراء، وكان اسمها العسكر، فعرفا باسم: «العسكرييْن».
لكن رواة الخلافة جعلوا إسم والد المهدي إسم والد النبي صلى الله عليه وآله ،لأن عبدالله بن الحسن المثنى ادعاها لابنه محمد، وعبدالله المنصور العباسي ادعاها لابنه محمد. وقد تبنى هذه الزيادة أتباع ابن تيمية، ثم أمعنوا في التطرف وألغوا كافة الأحاديث التي تنص على أن المهدي من أولاد علي وفاطمة عليهم السلام ليفسحوا المجال بذلك لمهديهم غيرالهاشمي أيضاً!
فقد قامت حركة محمد بن عبدالله العتيبي في مطلع القرن الخامس عشر عام 1400هجرية، على ادعاء أنه المهدي الموعود وسيطرعلى الحرم المكي أياماً، وكان وزيره أخ زوجته جهيمان، ودعا المسلمين الى بيعة صهره المهدي محمد بن عبدالله العتيبي! وقد قتل هذا «المهدي» ولم يملأ شيئاً قسطاً وعدلاً!
ثم ادعى الوهابيون المهدية لشخص آخر من مدينة بريدة، إسمه محمد بن عبدالله ومازال حياً، ولعله من قبائل هوازن، فزعموا أن فيه صفات المهدي عليه السلام وأخذوه الى مفتيهم الأكبر ابن باز وامتحنه فأعجبه، ووافقهم على انطباق الصفات عليه وتمنى له التوفيق! وقد نشرت هذا الخبر مواقعهم قبل نحو سنتين من وفاة شيخهم ابن باز ثم قرأنا عن مهدي بريدة أنهم أخذوه الى الشيشان وأفغانستان لينطبق عليه الحديث أنه يخرج من المشرق، ثم غيبوه في سردابهم الذي يتهموننا به! لكن الصحيح أن الإمام المهدي عليه السلام يخرج من مكة، وأنه يبدأ أمره من المشرق، أي حركة أنصاره أهل المشرق، وليس ظهوره.
وأصل هذه الزيادة من نص نسبوه الى ابن مسعود: «قال رسول الله صلى الله عليه وآله : لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطوَّل الله ذلك اليوم حتى يبعث رجلاً من أهلي، يواطئ اسمه إسمي، وإسم أبيه اسم أبي، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً». وابن حماد:1/367، وابن أبي شيبة:8 /678، وأوسط الطبراني:2/135، والداني/94، وغيرهم.
ولم يدخل هذا التحريف إلا في مصادرهم من الدرجة الثانية أو الثالثة، مثلاً رواه أحمد:1/376 عن زر بن حبيش، عن ابن مسعود، وليس فيه: وإسم أبيه إسم أبي. وفي الروض الداني على المعجم الصغير:2/290، عن ابن مسعود قال: قال رسول‌الله صلى الله عليه وآله : لاتذهب الدنيا حتى يملك رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي.
ومثله جامع الأحاديث للسيوطي:7/264، بروايتين عن ابن مسعود، ولفظهما: يملك العرب رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي. ومسند البزار:5/225، وزين الفتى:1/382، وأبو داود:4/106، بثلاثة أسانيد عن عبد الله بن مسعود، وليس فيها: اسم أبيه اسم أبي. والترمذي:4/505، كرواية أحمد الثانية، والطبراني الكبير:10/166، والداني/98،كأبي داود بتفاوت، عن عبد الله بن مسعود. ومصابيح البغوي:3/492، وجامع الأصول:11/48، وكلها بدون: إسم أبيه إسم أبي. ورواه البيهقي في الإعتقاد/173، عن علي بدونها، ثم قال: ورواه عاصم بن أبي النجود عن زر بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله : وذكر فيه: يواطئ إسمه اسمي..
وكشف هذه الزيادة الشافعي الكنجي، وهو من كبار علمائهم فقال في كتابه البيان/482: «أخبرنا الحافظ أبو الحسن محمد بن الحسين بن إبراهيم بن عاصم الآبري في كتاب مناقب الشافعي، ذكر هذا الحديث وقال فيه: وزاد زائدة في روايته: لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث الله رجلاً مني، أو من أهل بيتي يواطئ إسمه إسمي، وإسم أبيه اسم أبي، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً. قلت: وذكر الترمذي الحديث، ولم يذكر قوله وإسم أبيه إسم أبي، وذكره أبو داود، وفي معظم روايات الحفاظ والثقات من نقلة الأخبار: إسمه إسمي فقط، والذي رواه إسم أبيه اسم أبي، فهو زائدة وهو يزيد في الحديث. والقول الفصل في ذلك أن الإمام أحمد مع ضبطه وإتقانه روى هذا الحديث في مسنده في عدة مواضع: وإسمه إسمي».
وقال السلمي في عقد الدرر/27: «أخرجه جماعة من أئمة الحديث في كتبهم منهم الإمام أبو عيسى الترمذي في جامعه، والإمام أبو داود في سننه، والحافظ أبو بكر البيهقي، والشيخ أبو عمرو الداني، كلهم هكذا، وليس فيه:وإسم أبيه إسم أبي».
أقول: فقد نصوا على أن الكذاب الذي وضع الزيادة هو زائدة بن قدامة الثقفي، وكان قائداً عند الحجاج، وذكروا في ترجمته تعصبه وأنه كان يطرد من بيته من يروي طعناً في أبي بكر وعمر وعثمان، ولذلك وثقوه.
ومع شهادتهم بأن الزيادة موضوعة، لا تبقى حاجة لتأويلها كما حاول الشبلنجي والإربلي والهروي والنوري والمجلسي وغيرهم، فقالوا ربما كان أصلها: واسم أبيه إسم نبي، أو إسم إبني، أي الحسن عليه السلام !
ولا يرد الإشكال علينا بأن بعض علماء الشيعة أورد هذه الزيادة في بعض ما رواه، كما في أمالي الطوسي:1/361، وابن طاووس، فإن ذلك يدل على أمانتهم في النقل، فقد نصّوا على أن إسم أبيه الإمام الحسن العسكري عليه السلام .. بل هو من ضرورات مذهبنا.

4- «من وُلْد الحسين» جعلوها«من وُلْد الحسن»!

وثَّقنا في المجلد الثالث من جواهر التاريخ استغلال الأمويين لصلح الإمام الحسن لمعاوية، ومحاولتهم أن يصوروه مخالفاً لأبيه وأخيه عليهم السلام ، ومعارضاً لحرب الجمل وصفين، وأنه أوصى الحسين أن لايخرج على بني أمية!
ورووا أحاديث ظاهرها المدح له، وغرضها الطعن بأبيه وأخيه عليه السلام !
ومن أعمالهم هنا أنهم انتقموا من الحسين عليه السلام فصادروا منه أن المهدي عليه السلام من ولده وأعطوه الى الإمام الحسن عليه السلام ، ونسبوا روايتهم الى علي عليه السلام ! فقال ابن حماد:1/374: «عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: سمى النبي صلى الله عليه وآله الحسن سيداً وسيخرج الله من صلبه رجلاً إسمه إسم نبيكم، يملأ الأرض عدلاً كماً ملئت جوراً».
ورواه أبو داود:4/108: «عن أبي إسحاق، قال: قال علي ونظر إلى ابنه الحسن فقال: إن ابني هذا سيد كما سماه النبي صلى الله عليه وآله وسيخرج من صلبه رجل يسمى باسم نبيكم، يشبهه في الخلق ولا يشبهه في الخلق. ثم ذكر قصة يملأ الأرض عدلاً».
وجامع الأصول:11/49، وعقد الدرر/23، ومشكاة المصابيح:3/26 وفتن ابن كثير:1/38، والحاوي:2/59، وعون المعبود:11/381، وعقيدة أهل السنة /16.. الخ.
وقد فرح أتباع بني أمية بهذا «الحديث» وتجاهلوا وجود رواية عندهم بلفظ: «قال علي ونظر إلى ابنه الحسين عليه السلام ».
قال في فيض القدير:6/362: «بالغ الحسن في ترك الخلافة ونهى أخاه عنها، وتذكر ذلك ليلة مقتله فترحم على أخيه! وما روى من كونه من ولد الحسين فواهٍ جداً».
وقال ابن تيمية في منهاجه:4/95: «فالمهدي الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وآله إسمه محمد بن عبد الله لا محمد بن الحسن، وقد روى عن علي رضي الله عنه أنه قال: هو من ولد الحسن بن علي، لا من ولد الحسين بن علي». ونحوه:8/258.
وزاد تلميذه ابن قيم في المنار المنيف/151: «وأكثر الأحاديث على هذا تدل. وفي كونه من ولد الحسن سر لطيف وهو أن الحسن رضي الله تعالى عنه ترك الخلافة لله، فجعل الله من ولده من يقوم بالخلافة الحق المتضمن للعدل الذي يملأ الأرض... وهذا بخلاف الحسين رضي الله عنه فإنه حرص عليها وقاتل عليها فلم يظفر بها»!
فانظر الى خبثهم ونصبهم وتهمتهم للحسين سيد شباب أهل الجنة عليه السلام ، وراجع فرحتهم وطعنهم به عليه السلام في: صواعق ابن حجر:2/480 و680، والحاوي:2/85، والفتاوى الحديثية/30، وعون المعبود:11/256، والفائق:1/230.
وأفضل ما وجدته في الرد عليهم ما كتبه السيد الميلاني في مجلة تراثنا:43/59، ملخصاً:
1- يلاحظ عليه: أنه لم يخرِّجه أحد من المحدثين غير أبي داود، لا قبله ولا بعده.
2 - اختلف النقل عن أبي داود فقال الجزري الشافعي «ت833 هـ» في كتابه أسمى المناقب:«‍والأصح أنه من ذرية الحسين بن علي لنص أميرالمؤمنين علي على ذلك فيما أخبرنا به شيخنا المسند، رحالة زمانه عمر بن الحسن الرقي قراءة عليه، قال: أنبأنا أبو الحسن البخاري أنبأنا عمر بن محمد الدارقزي، أنبأنا أبو البدر الكرخي، أنبأنا أبو بكر الخطيب، أنبأنا أبو عمر الهاشمي، أنبأنا أبو علي اللؤلؤي، أنبأنا أبو داود الحافظ قال: حدثت عن هارون بن المغيرة قال: حدثنا عمر بن أبي قيس، عن شعيب بن خالد،عن أبي إسحاق قال علي ونظر إلى ابنه الحسين...هكذا رواه أبو داود في سننه وسكت عنه».
3- الحديث منقطع ولاحجة في المنقطع، لأنه راويه عن علي عليه السلام أبو إسحاق السبيعي، ولم تثبت له رواية عن علي عليه السلام كما نص المنذري، وكان عمره عند شهادة أميرالمؤمنين عليه السلام سبع سنين. قال ابن حجر إنه ولد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان».
4- مضافاً الى انقطاعه فقد رواه أبو داود عن مجهول لم يسمه حيث قال: «حُدِّثت عن هارون»، وهذا وحده يكفي لإبطاله! على أن السيد صدر الدين الصدر ناقش هذا الحديث بستة وجوه، فقال ما نصه: «أقول: بحسب القواعد المقررة في أصول الفقه لا يصح الإستناد إلى رواية أبي داود المذكورة لأمور: الأول: اختلاف النقل عن أبي داود، ففي عقد الدرر نقلها عن أبي داود في سننه وفيها: أن علياً نظر إلى ابنه الحسين. الثاني: أن جماعة من الحفاظ نقلوا هذه القصة بعينها وفيها: أن علياً نظر إلى ابنه الحسين، كالترمذي، والنسائي، والبيهقي كما في عقد الدرر. الثالث: احتمال التصحيف فيها فإن لفظ الحسين والحسن في الكتابة وقوع الإشتباه فيه قريب جداً، سيما في الخط الكوفي.الرابع: أنها مخالفة لما عليه المشهور من علمائهم، كما نص عليه بعضهم. الخامس: أنها معارضة بأخبار كثيرة أصح سنداً وأظهر دلالة. السادس: أن احتمال الوضع وكونها صنيعة الدرهم والدينار قريب جداً،تقرباً إلى محمد بن عبد الله المعروف بالنفس الزكية». وذكر في هامشه مصادر أحاديث تنص على أنه من ولد الحسين عليه السلام ،وقال: أنظر: المنار المنيف:148، رقم:329، فصل50 عن المعجم الأوسط للطبراني، عقد الدرر/24 باب 1، عن كتاب الأربعين لأبي نعيم الأصبهاني. ذخائر العقبى:136، وقد جعل حديث المهدي من ولد الإمام الحسين عليه السلام مقيداً لما أطلق قبله. فرائد السمطين:2/325، رقم 575 باب 61. القول المختصر:7/37 باب1. فرائد فوائد الفكر:2 باب 1. السيرة الحلبية:1/193. مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي الحنفي:1/196، ينابيع المودة:224 باب 56 و492. غاية المرام:694رقم 17 باب 141، منتخب الأثر/154 رقم40 باب1. وفيه أحاديث كثيرة جداً من طرق أهل السنة تثبت كون الإمام المهدي من ولد الحسين عليه السلام ».
أقول: يظهر لك شكهم في هذه الرواية، من محاولته الصلح بين النصين بأنه يحتمل أن تكون أمه من ذرية الحسن عليه السلام «فوائد الفكر/101».
أما مصادرنا فهي صريحة متواترة بأن النبي صلى الله عليه وآله نص على أن الأئمة التسعة المعصومين من ذرية الحسين لا من ذرية الحسن عليهم السلام . ففي تفسير العياشي:2/291، عن حمران، عن أبي جعفر عليه السلام قال: «قلت له: يا ابن رسول الله زعم ولد الحسن عليه السلام أن القائم منهم، وأنهم أصحاب الأمر، ويزعم ولد ابن الحنفية مثل ذلك، فقال: نحن والله أصحاب الأمر وفينا القائم، ومنا السفاح والمنصور، وقد قال الله: وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً، نحن أولياء الحسين بن علي عليه السلام وعلى دينه».
وفي كمال الدين:2/358، عن المفضل بن عمر، عن الإمام الصادق عليه السلام قال: «سألته عن قول الله عز وجل: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ؟ ما هذه الكلمات؟ قال: هي الكلمات التي تلقاها آدم من ربه فتاب الله عليه، وهو أنه قال: أسألك بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين، إلا تبت عليَّ، فتاب الله عليه إنه هو التواب الرحيم. فقلت له: يا ابن رسول الله فما يعني عز وجل بقوله فأتمهن؟ قال: يعني فأتمهن إلى القائم اثني عشر إماماً، تسعة من ولد الحسين عليه السلام . قال المفضل فقلت: يا ابن رسول الله فأخبرني عن قول الله عز وجل: وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ؟ قال: يعني بذلك الإمامة جعلها الله تعالى في عقب الحسين إلى يوم القيامة.
قال فقلت له: يا ابن رسول الله فكيف صارت الإمامة في ولد الحسين دون ولد الحسن وهما جميعاً ولدا رسول الله صلى الله عليه وآله وسبطاه وسيدا شباب أهل الجنة؟ فقال: إن موسى وهارون كانا نبيين مرسلين وأخوين، فجعل الله عز وجل النبوة في صلب هارون دون صلب موسى، ولم يكن لأحد أن يقول لم فعل الله ذلك؟وإن الإمامة خلافة الله عز وجل في أرضه، وليس لأحد أن يقول لمَ جعلها الله في صلب الحسين دون صلب الحسن؟ لأن الله تبارك وتعالى هو الحكيم في أفعاله:لايُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ».
ومعاني الأخبار/126، والخصال/304، والمناقب: 1/283، ومجمع البيان:1/200، وإرشاد القلوب/421، وتأويل الآيات:1/77، وإثبات الهداة:1/645.
ويدل ما رواه في تفسير العياشي:2/72، على أن الله تعالى أجرى اختياره للإمامة طبق أولوية الرحم في الإرث: عن أبي عمرو الزبيري، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «قلت له أخبرني عن خروج الإمامة من ولد الحسن إلى ولد الحسين، كيف ذلك وما الحجة فيه؟ قال: لما حضر الحسين ما حضره من أمر الله لم يجز أن يردها إلى ولد أخيه ولا يوصى بها فيهم، يقول الله: وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ، فكان ولده أقرب رحماً إليه من ولد أخيه، وكانوا أولى بالإمامة. وأخرجت هذه الآية ولد الحسن منها، فصارت الإمامة إلى الحسين، وحكمت بها الآية لهم، فهي فيهم إلى يوم القيمة». انتهى.

5- معاوية أول من ادعى أنه المهدي الموعود!

قال ابن حماد في الفتن:1/370: «عن الوليد بن هشام المعيطي عن أبان بن الوليد قال: سمعت ابن عباس وهو عند معاوية يقول: «‍ يبعث الله المهدي منا أهل البيت».
أقول: هذا هو السبب في ادعاء معاوية أنه المهدي رداً على مهدي بني هاشم! فقد روى السيد ابن طاوس رحمه الله في الملاحم والفتن/115، وطبعة/238، عن الطبري المؤرخ المعروف، في كتابه «عيون أخبار بني هاشم» الذي صنفه للوزير علي بن عيسى بن الجراح، قال ابن طاووس: «وجدته ورويته من نسخة عتيقة ظاهرحالها أنها كتبت في حياته، فقال ما هذا لفظه: ذكر المهدي والإمام، قال: وبإسناده: إن معاوية أقبل يوماً على بني هاشم فقال: إنكم تريدون أن تستحقوا الخلافة بما استحققتم به النبوة، ولم يجتمعا لأحد، ولعمري إن حجتكم في الخلافة مشتبهة على الناس! إنكم تقولون نحن أهل بيت الله فما بال النبوة محلها فينا والخلافة في غيرنا ؟ وهذه شبهة لها تمويه، وإنما سميت الشبهة شبهة لأنها تشبه الحق حتى تعرف، وإنما الخلافة تنقلب في أحياء قريش برضا العامة وشورى الخاصة، فلم يقل الناس ليت بني هاشم ولَوْنا، وإن بني هاشم لو ولونا لكان خيراً لنا في ديننا ودنيانا، فلا هم اجتمعوا عليكم، ولا هم إذ اجتمعوا على غيركم يمنعونكم، ولو زهدتهم فيها أمس لمَ تقاتلوننا عليها اليوم ؟ وقد زعمتم أن لكم ملكاً هاشمياً ومهدياً قائماً، والمهدي عيسى بن مريم، وهذا الأمر في أيدينا حتى نسلمه إليه، ولعمري لئن ملكتم، ما ريح عاد ولاصاعقة ثمود بأهلك للناس منكم، ثم سكت! فقام فيهم عبد الله بن عباس، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما قولك إنا لا نستحق الخلافة بالنبوة، فإذا لم نستحق الخلافة بالنبوة فبمَ نستحق؟!
وأما قولك إن الخلافة والنبوة لم يجتمعا لأحد، فأين قول الله سبحانه وتعالى: فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً. فالكتاب النبوة، والحكمة السنة والملك الخلافة، ونحن آل إبراهيم، أمر الله فينا وفيهم واحد، والسنة فينا وفيهم جارية. وأما قولك: إن حجتنا مشتبهة فهي والله أضوأ من الشمس وأنور من القمر، وإنك لتعلم ذلك ولكن ثنى عطفَك وصعَّرَ خَدَّك قَتْلُنا أخاك وجدك وعمك وخالك، فلا تبك على عظام حائلة وأرواح زائلة في الهاوية، ولا تغضبن لدماء أحلها الشـرك ووضعها الإسلام! فأما ترك الناس أن يجتمعوا علينا، فما حرموا منا أعظم مما حرمنا منهم، وكل أمر إذا حصل حاصله ثبت حقه وزال باطله!
وأما قولك إنا زعمنا أن لنا ملكاً مهدياً، فالزعم في كتاب الله شك، قال الله سبحانه وتعالى: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُن، فكلٌّ يشهد أن لنا مُلْكاً، وأن لنا مهدياً لو لم يبق إلا يوم واحد لبعثه الله لأمره يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، لا تملكون يوماً إلا ملكنا يومين، ولا شهراً إلا ملكنا شهرين، ولا حولاً إلا ملكنا حولين!
وأما قولك إن المهدي عيسى بن مريم، فإنما ينزل عيسى على الدجال، فإذا رآه ذاب كما تذوب الشحمة، والإمام رجل منا يصلي عيسى خلفه ولو شئت سميته. وأما ريح عاد وصاعقة ثمود فإنهما كانتا عذاباً وملكنا رحمة».
لكن معاوية لم يكتف بذلك، بل رتب من يروي له أن النبي صلى الله عليه وآله دعا له ووصفه بأنه الهادي المهدي! فصرت ترى في مسند أحمد:4/216، «عن عبد الرحمن بن أبي عميرة الأزدي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه ذكر معاوية وقال: اللهم اجعله هادياً مهدياً واهد به». ورواه الترمذي:5/350، ثم رتب معاوية شهادات علماء البلاط بأن معاوية هو المهدي الموعود! ففي نهاية ابن كثير:8/143«عن الأعمش عن مجاهد قال: لو رأيتم معاوية لقلتم هذا المهدي»
وقد ضعَّف الخلال نسبة القولين الى قتادة ومجاهد، فقال في السنة:2/438:«عن قتادة قال: لو أصبحتم في مثل عمل معاوية لقال أكثركم: هذا المهدي. في إسناده عمرو بن جبلة لم أتوصل إلى معرفته، أخبرنا محمد بن سليمان بن هشام قال: ثنا أبو معاوية الضرير، عن الأعمش، عن مجاهد قال: لو رأيتم معاوية لقلتم هذا المهدي. إسناده ضعيف». كما ضعف الهيثمي في مجمع الزوائد:9/357، نسبته إلى الأعمش، قال: «وعن الأعمش قال: لو رأيتم معاوية لقلتم هذا المهدي. رواه الطبراني مرسلاً، وفيه يحيى الحماني وهو ضعيف». انتهى.
لكن ابن تيمية أشد أمويةً من بني أمية، فلم يهتم لتضعيف الخلال والهيثمي وصححه في منهاجه:6/233، فقال: « يونس عن قتادة قال: لو أصبحتم في مثل عمل معاوية لقال أكثركم هذا المهدي، وكذلك رواه ابن بطة بإسناده الثابت من وجهين عن الأعمش عن مجاهد قال: لو أدركتم معاوية لقلتم هذا المهدي! عن أبي إسحاق السبيعي أنه ذكر معاوية فقال: لو أدركتموه أو أدركتم أيامه لقلتم كان المهدي»!
كما ضرب بعرض الحائط شهادة إمامه عبدالله بن عمرو العاص بأن معاوية لا كرامة له حتى يوصف بأنه المهدي! فقد روى ابن طاووس في الملاحم/326، أن عبد الله بن عمرو ذكر المهدي، فقال أعرابي: «هو معاوية بن أبي سفيان! فقال عبد الله بن عمرو: لا ولا كرامة، بل هو الذي ينزل عليه عيسى بن مريم». انتهى.
وقال الحافظ السقاف في تناقضات الألباني:2/229:« أورد الألباني حديث عبد الرحمن بن أبي عميرة مرفوعاً: اللهم اجعله هادياً مهدياً واهد به! يعني معاوية. وهذا حديث لايصح بحال لوجوه:
أولاً: قال الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء:3/132، عن إسحاق بن راهويه أنه قال: لايصح عن النبي صلى الله عليه وآله في فضل معاوية شئ.
ثانياً: هذا الحديث بالخصوص نص حذاق المحدثين على أنه لايصح. قال أبو حاتم الرازي كما في علل الحديث لابنه:2/362: إن عبد الرحمن بن أبي عميرة لم يسمع هذا الحديث من النبي صلى الله عليه وآله . وقال الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب:6/220، نقلاً عن الحافظ ابن عبد البر إن عبد الرحمن بن أبي عمير هذا: لاتصح صحبته، ولا يثبت إسناد حديثه!
ثالثاً: طرق هذا الحديث تدور على سعيد بن عبد العزيز، عن ربيعة بن يزيد عن عبد الرحمن بن عميرة به. وسعيد بن عبد العزيز اختلط كما أقر واعترف هناك.
وقد زعم الألباني أنه قد تابعه جمع، ولم يَصْدُق! لأن من رجع إلى المتابعات التي زعمها في كتابه وجدها كلها تدور على سعيد بن عبد العزيز، وسعيد هذا اختلط كما قال أبو مسهر، وكذا قال أبو داود ويحيى بن معين، كما تجد ذلك في التهذيب:4/54، وقد اعترف الألباني باختلاطه في مواضع منها في ضعيفته:3/393، ومنها في صحيحته:2/647، وغير ذلك فكيف يصح هذا أيضاً؟! فما على الألباني إلا أن ينقل الحديث للضعيفة»!
أقول: راجع تحقيق السقاف لكتاب دفع شبه التشبيه لابن الجوزي/235. ويكفي للجواب على ابن تيمية والألباني، أن يقال لهم: ما بال إمامكم معاوية المهدي من ربه لم يملأ الأرض قسطاً وعدلاً؟!

6- موسى بن طلحة ثاني من ادعى أنه المهدي الموعود!

كان لعائشة مشروع في زمن أبيها، أن تبقي الخلافة لبني تَيْم، لأخيها عبد الرحمن، فإن لم يمكن فلابن عمها طلحة بن عبيدالله، لكنها تفاجأت بموت أبي بكر مسموماً، وإعلانهم أنه أوصى الى عمر، فغضب طلحة واعترض: « لما استخلفه أبو بكر كره خلافته طائفة حتى قال له طلحة: ماذا تقول لربك إذْ وليت علينا فظاً غليظاً؟! فقال: أبالله تخوفوني؟! أقول: وليت عليهم خير أهلك».
منهاج السنة:2/170ط. بولاق. وقد حرفه الوهابية في الطبعات التالية! راجع:6/155، و349، و:7/461، من برنامج مؤلفاته.
لكن عائشة واصلت عملها لأخذ الخلافة لبني تيم وحققت تقدماً في عهد عمرلأنها أدخلت طلحة في الشورى، مع أنها شورى شكلية، لأن حق النقض فيها لعبد الرحمن بن عوف.
أما في عهد عثمان فاصطدمت به عائشة، ودعت الى عزله وقتله، وكان حسابها مبنياًعلى أن طلحة يستطيع بمساعدتها أن يطرح نفسه بعد عثمان! لكنها كانت في مكة، ففوجئت ببيعة الصحابة لعلي عليه السلام فغضبت وقادت حرب الجمل! لكنها خسرت الحرب وخسرت معها ابن عمها طلحة.
وعندما حكم معاوية اختارت عائشة المعارضة الهادئة، ثم صعدتها هي وأخوها عبد الرحمن كما بيناه في المجلد الثاني من جواهر التاريخ، فما كان من معاوية إلا أن قتل عبد الرحمن، ويقال إنه قتل عائشة!
وبموتها انتهى مشروع بني تيم لأخذ الخلافة، لكن عائشة بقيت في مصادر المسلمين تنادي بأن النبي صلى الله عليه وآله أوصى بالخلافة إلى أبي بكر وأولاده! ففي صحيح مسلم:7/110، قالت عائشة: «قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله في مرضه: ادعي لي أبا بكر أباك وأخاك حتى أكتب كتاباً، فإني أخاف أن يتمنى متمنٍّ ويقول قائل: أنا أولى». ولا بد أن تكون دعواها هذه بعد وفاة عمر لأن أبا بكر وعمر قالا إن النبي صلى الله عليه وآله لم يوص إلى أحد، فلو كان هذا النص موجوداً لاحتجَّا به في السقيفة! بل احتجَّا بأن محمداً قرشي وأنهما أولى به! قال عمر: «ولنا بذلك على من أبى من العرب الحجة الظاهرة والسلطان المبين. مَنْ ذا ينازعنا سلطان محمد وإمارته ونحن أولياؤه وعشيرته إلا مُدْلٍ بباطل أومتجانفٌ لإثم أومتورطٌ في هلكة». « و لو كان صحيحاً لاحتج به طلحة عندما اعترض على أبي بكر في توليته لعمر!
وبعد موت طلحة ادعوا لابنه موسى أنه المهدي الموعود، ولم تنفع هذه الدعوى في دعم جهود عائشة الفاشلة، ويبدو أنها لم تنتشر إلا بعد موتها فقد رووا: «لما خرج المختار بالكوفة قدم علينا «إلى البصرة» موسى بن طلحة، وكانوا يرونه في زمانهم المهدي فغشيه الناس»!
«تاريخ دمشق60/431 وسيرالذهبي:4/365،وابن حماد:1/158، والداني:1/158».

7- وادعى الحسنيون مهدوية محمد بن عبدالله بن الحسن المثنى

ويظهر أن ادعاء المهدوية صار موجة في أواخر القرن الأول، بعد أن ضاق المسلمون ذرعاً بالتسلط الأموي، فانتشرت أحاديث النبي صلى الله عليه وآله عن ظلامة أهل بيته عليهم السلام والبشارة بمهديهم، فكان ذلك أرضية لادعاء المهدوية لأشخاص من بني هاشم وبني تيْم. وقد ادعيت لاثنين إسم كل منهما محمد وإسم أبيه عبدالله، وهما محمد بن عبدالله بن الحسن المثنى، ومحمد بن عبد الله المنصور المعروف بالمهدي العباسي، وحاول أنصار كل منهما أن يطبقوا أحاديث المهدي على صاحبهم، ولذلك رجحنا أن تكون زيادة واسم أبيه إسم أبي في الحديث، لمصلحة أحدهما أو كليهما!
ثم أفرط العباسيون فوضعوا أحاديث تنص على أن المهدي من أولاد العباس! لكن شهد العلماء أنها مكذوبة كالتي تزعم أنه من أولاد عمر أو من بني أمية!
إن مغامرة ادعاء المهدوية مغرية لأصحابها، لكن الضبط النبوي لصفاته يكشف الزيف بسرعة، عندما لايملأ المهدي المدعى الأرض عدلاً، ولا يعطي المال حثياً بغير عد..الخ.!
ويظهر أن عبد الله بن الحسن المثنى كان أبرع من ادعاها لولده محمد، فقد خطط له من طفولته فسماه محمداً، ثم حجبه عن الناس وأشاع حوله الأساطير! قال في مقاتل الطالبيين/162:«لم يزل محمد بن عبد الله بن الحسن منذ كان صبياً يتوارى ويراسل الناس بالدعوة إلى نفسه، ويسمى بالمهدي»!
وفي تهذيب الكمال:25/467: «وقال داود بن عبد الله الجعفري، عن الدراوردي عن ابن أخي الزهري: تجالسنا بالمدينة أنا وعبد الله بن حسن فتذاكرنا المهدي، فقال عبد الله بن حسن:المهدي من ولد الحسن بن علي. فقلت: يأبى ذاك علماء أهل بيتك. فقال عبد الله: المهدي والله من ولد الحسن بن علي، ثم من ولدي خاصة».
وقد وصفوا عبد الله هذا بقوة الشخصية والقدرة على الإقناع، فقد ادعاها لابنه وأقنع حلفاءه العباسيين ومنهم المنصور، ففي مقاتل الطالبيين/161، عن عمير بن الفضل الخثعمي قال:«رأيت أبا جعفر المنصور يوماً وقد خرج محمد بن عبد الله بن الحسن من دار ابنه، وله فرس واقف على الباب مع عبد له أسود وأبو جعفر ينتظره، فلما خرج وثب أبو جعفر فأخذ بردائه حتى ركب، ثم سوى ثيابه على السـرج ومضى محمد، فقلت وكنت حينئذ أعرفه ولا أعرف محمداً: من هذا الذي أعظمته هذا الإعظام حتى أخذت بركابه وسويت عليه ثيابه؟ قال: أو ما تعرفه؟! قلت: لا. قال:هذا محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن، مهدينا أهل البيت»! وقال في/244:«لهجت العوام بمحمد تسميه بالمهدي»!
وذلك قبل أن ينقلب عليهم العباسيون، ويدَّعوا المهدوية لأنفسهم!
وقد روت مصادر التاريخ بيعتهم للمهدي في مؤتمر الأبواء الذي دعا له الحسنيون من أجل بيعة المهدي!
ففي مقاتل الطالبيين/140، عن عمر بن شبة وعدة رواة ومؤرخين عاصروا تلك الفترة قال: «إن جماعة من بني هاشم اجتمعوا بالأبواء، وفيهم إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، وأبو جعفر المنصور، وصالح بن علي، وعبد الله بن الحسن بن الحسن، وابناه محمد وإبراهيم، ومحمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان. فقال صالح بن علي: قد علمتم أنكم الذين تمد الناس أعينهم إليهم، وقد جمعكم الله في هذا الموضع، فاعقدوا بيعة لرجل منكم تعطونه إياها من أنفسكم، وتواثقوا على ذلك حتى يفتح الله وهو خير الفاتحين. فحمد الله عبد الله بن الحسن وأثنى عليه ثم قال: قد علمتم أن ابني هذا هو المهدي، فهلموا فلنبايعه. وقال أبو جعفر«المنصور»: لأي شئ تخدعون أنفسكم ووالله لقد علمتم ما الناس إلى أحد أطول أعناقاً ولا أسرع إجابة منهم إلى هذا الفتى، يريد محمد بن عبد الله. قالوا: قد والله صدقت إن هذا لهو الذي نعلم! فبايعوا جميعاً محمداً ومسحوا على يده.
قال عيسى: وجاء رسول عبد الله بن الحسن إلى أبي، أن ائتنا فإننا مجتمعون لأمر وأرسل بذلك إلى جعفر بن محمد، هكذا قال عيسى. وقال غيره: قال لهم عبد الله بن الحسن: لا نريد جعفراً لئلا يفسد عليكم أمركم! قال عيسى: فأرسلني أبي أنظر ما اجتمعوا عليه، وأرسل جعفر بن محمد محمدَ بن عبد الله الأرقط بن علي بن الحسين، فجئناهم فإذا بمحمد بن عبد الله يصلي على طنفسة رحل مثنية، فقلت: أرسلني أبي إليكم لأسألكم لأي شئ اجتمعتم؟ فقال عبد الله: اجتمعنا لنبايع المهدي محمد بن عبد الله. قالوا: وجاء جعفر بن محمد، فأوسع له عبد الله بن الحسن إلى جنبه فتكلم بمثل كلامه، فقال جعفر: لا تفعلوا فإن هذا الأمر لم يأت بعد! إن كنت ترى يعني عبد الله أن ابنك هذا هو المهدي، فليس به ولا هذا أوانه، وإن كنت إنما تريد أن تخرجه غضباً لله وليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فإنا والله لا ندعك وأنت شيخنا ونبايع ابنك. فغضب عبد الله وقال: علمتَ خلاف ما تقول! ووالله ما أطلعك الله على غيبه، ولكن يحملك على هذا الحسد لابني! فقال: والله ما ذاك يحملني، ولكن هذا وإخوته وأبناؤهم دونكم، وضرب بيده على ظهر أبي العباس، ثم ضرب بيده على كتف عبد الله بن الحسن، وقال: إنها والله ما هي إليك، ولا إلى ابنيك، ولكنها لهم، وإن ابنيك لمقتولان! ثم نهض وتوكأ على يد عبد العزيز بن عمران الزهري، فقال: أرأيت صاحب الرداء الأصفر يعني أبا جعفر؟ قال: نعم. قال: فإنا والله نجده يقتله! قال له عبد العزيز: أيقتل محمداً؟ قال: نعم. قال: فقلت في نفسـي: حسده ورب الكعبة! قال: ثم والله ما خرجت من الدنيا حتى رأيته قتلهما! قال: فلما قال جعفر ذلك، انفضَّ القوم فافترقوا ولم يجتمعوا بعدها، وتبعه عبد الصمد وأبو جعفر فقالا: يا أبا عبد الله أتقول هذا؟قال: نعم أقوله والله، وأعلمه». انتهى.
وفي مقاتل الطالبيين/142:«كان جعفر بن محمد إذا رأى محمد بن عبد الله بن حسن تغرغرت عيناه ثم يقول: بنفسـي هو، إن الناس ليقولون فيه إنه المهدي، وإنه لمقتول! ليس هذا في كتاب أبيه علي من خلفاء هذه الأمة».
ثم روى ذلك أيضاً برواية ثانية في/171، عن عدة مؤرخين وشهود، قال: «إن بني هاشم اجتمعوا فخطبهم عبد الله بن الحسن فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إنكم أهل البيت قد فضلكم الله بالرسالة واختاركم لها، وأكثركم بركة يا ذرية محمد بنو عمه وعترته، وأولى الناس بالفزع في أمر الله، من وضعه الله موضعكم من نبيه، وقد ترون كتاب الله معطلاً وسنة نبيه متروكة والباطل حياً والحق ميتاً. قاتلوا لله في الطلب لرضاه بما هو أهله، قبل أن ينزع منكم اسمكم وتهونوا عليه كما هانت بنو إسرائيل وكانوا أحب خلقه إليه. وقد علمتم أنا لم نزل نسمع أن هؤلاء القوم إذا قتل بعضهم بعضاً خرج الأمر من أيديهم، فقد قتلوا صاحبهم يعني الوليد بن يزيد فهلمَّ نبايع محمداً فقد علمتم أنه المهدي. فقالوا: لم يجتمع أصحابنا بعد ولو اجتمعوا فعلنا، ولسنا نرى أبا عبد الله جعفر بن محمد! فأرسل إليه ابن الحسن فأبى أن يأتي، فقام وقال: أنا آت به الساعة، فخرج بنفسه حتى أتى مضـرب الفضل بن عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة بن الحرث، فأوسع له الفضل ولم يُصَدِّرْهُ، فعلمت أن الفضل أسن منه، فقام له جعفر وصدَّره فعلمت أنه أسن منه. ثم خرجنا جميعاً حتى أتينا عبد الله فدعا إلى بيعة محمد، فقال له جعفر: إنك شيخ وإن شئت بايعتك وأما ابنك فوالله لا أبايعه وأدعك. وقال عبد الله الأعلى في حديثه: إن عبد الله بن الحسن قال لهم: لاترسلوا إلى جعفر فإنه يفسد عليكم فأبوا، قال: فأتاهم وأنا معهم فأوسع له عبد الله إلى جانبه وقال: قد علمت ما صنع بنا بنو أمية، وقد رأينا أن نبايع لهذا الفتى. فقال: لا تفعلوا فإن الأمر لم يأت بعد! فغضب عبد الله..الى آخر ما مر».
وفي مناقب ابن شهرآشوب:4/228: «إنها والله ما هي إليك ولا إلى ابنك، وإنما هي لهذا يعني السفاح، ثم لهذا يعني المنصور، يقتله على أحجار الزيت، ثم يقتل أخاه بالطفوف وقوائم فرسه في الماء!
فتبعه المنصور فقال: ما قلت يا أبا عبد الله؟ فقال: ما سمعته وإنه لكائن، قال: فحدثني من سمع المنصور أنه قال: انصرفت من وقتي فهيأت أمري، فكان كما قال».
وفي النعماني/229، عن يزيد بن أبي حازم قال: «خرجت من الكوفة فلما قدمت المدينة دخلت على أبي عبد الله عليه السلام فسلمت عليه فسألني: هل صاحبك أحد؟ فقلت: نعم، فقال: أكنتم تتكلمون؟ قلت: نعم، صحبني من المغيرية. قال فما كان يقول؟ قلت: كان يزعم أن محمد بن عبد الله بن الحسن هو القائم، والدليل على ذلك أن اسمه اسم النبي، واسم أبيه اسم أبي النبي صلى الله عليه وآله ، فقلت له في الجواب: إن كنت تأخذ بالأسماء فهو ذا في ولد الحسين محمد بن عبد الله بن علي، فقال لي: إن هذا ابن أمَة، يعني محمد بن عبد الله بن علي، وهذا ابن مهيرة يعني محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن، فقال أبو عبد الله عليه السلام : فما رددت عليه؟ فقلت: ما كان عندي شئ أرد عليه فقال:أو لم تعلموا أنه ابن سبية يعني القائم عليه السلام ».
هذا، ويبدوأن مهدي الحسنيين أو العباسيين في لسانه ثقلٌ يحتبس عليه الكلام فيضرب بيده على فخذه، فوصفوا بذلك المهدي الموعود عليه السلام ، لينطبق الوصف على صاحبهم! راجع ابن حماد:1/365.

8- كذِبَ العباسيون على النبي صلى الله عليه وآله وزعموا أن المهدي عليه السلام منهم!

في تاريخ بغداد:2/63، عن ابن عباس قال: «حدثتني أم الفضل بنت الحارث الهلالية قالت:مررت بالنبي صلى الله عليه وآله وهو في الحجر فقال: يا أم الفضل إنك حامل بغلام. قالت: يا رسول الله وكيف وقد تحالف الفريقان أن لا يأتوا النساء؟ قال: هو ما أقول لك، فإذا وضعتيه فأتني به. قالت: فلما وضعته أتيت به رسول الله صلى الله عليه وآله فأذن في أذنه اليمنى وأقام في أذنه اليسرى وقال: اذهبي بأبي الخلفاء، قالت: فأتيت العباس فأعلمته، فكان رجلاً جميلاً لبَّاساً، فأتى النبي فلما رآه رسول الله قام إليه فقبل بين عينيه، ثم أقعده عن يمينه، ثم قال: هذا عمي فمن شاء فليباه بعمه.
قال: يا رسول الله بعض هذا القول، فقال: ياعباس لم لا أقول هذا القول وأنت عمي وصنو أبي، وخير من أخلف بعدي من أهلي! فقلت: يا رسول الله ، ما شئ أخبرتني به أم الفضل عن مولودنا هذا؟ قال: نعم يا عباس، إذا كانت سنة خمس وثلاثين ومائة فهي لك ولولدك، منهم السفاح، ومنهم المنصور، ومنهم المهدي».
والوضع على هذا الحديث ظاهر! وفي تاريخ بغداد:3/343، «عن هشام بن محمد الكلبي أنه كان عند المعتصم في أول أيام المأمون حين قدم المأمون بغداد، فذكر قوماً بسوء السيرة فقلت له: أيها الأمير إن الله تعالى أمهلهم فطغوا، وحلم عنهم فبغوا، فقال لي: حدثني أبي الرشيد،عن جدي المهدي، عن أبيه المنصور، عن أبيه محمد بن علي، عن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه: أن النبي صلى الله عليه وآله نظر إلى قوم بني فلان يتبخترون في مشيهم، فعرف الغضب في وجهه ثم قرأ: وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ، فقيل له: أي الشجر هي يا رسول الله حتى نجتثها؟ فقال: ليست بشجرة نبات، إنما هم بنو فلان، إذا ملكوا جاروا وإذا ائتمنوا خانوا ثم ضرب بيده على ظهر العباس قال: فيخرج الله من ظهرك يا عم رجلاً يكون هلاكهم على يديه».
وفي ابن حماد:1/121، و400، عن كعب: «المنصور والمهدي والسفاح من ولد العباس». وفي عيون الأخبار لابن قتيبة:1/302، عن ابن عباس «أنه كان إذا سمعهم يقولون: يكون في هذه الأمة اثنا عشر خليفة، قال: ما أحمقكم! إن بعد الاثني عشر ثلاثة منا: السفاح والمنصور والمهدي يسلمها إلى الدجال».
قال أبو أسامة: تأويل هذا عندنا أن ولد المهدي يكونون بعده إلى خروج الدجال. ورواه الحاكم:4/514، وصححه، عن مجاهد قال: قال لي عبد الله بن عباس: «لو لم أسمع أنك مثل أهل البيت ما حدثتك بهذا الحديث!
قال فقال مجاهد: فإنه في سترلا أذكره لمن نكره، قال فقال ابن عباس: منا أهل البيت أربعة: منا السفاح، ومنا المنذر، ومنا المنصور، ومنا المهدي. قال فقال له مجاهد: فبين لي هؤلاء الأربعة، فقال: أما السفاح فربما قتل أنصاره وعفا عن عدوه، وأما المنذر قال فإنه يعطي المال الكثير لا يتعاظم في نفسه، ويمسك القليل من حقه. وأما المنصور فإنه يعطى النصـرعلى عدوه الشطرمما كان يعطى رسول الله صلى الله عليه وآله يرعب منه عدوه على مسيرة شهرين، والمنصور يرعب عدوه منه على مسيرة شهر. وأما المهدي الذي يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، وتأمن البهائم والسباع، وتلقي الأرض أفلاذ كبدها. قال قلت: وما أفلاذ كبدها؟ قال: أمثال الأسطوانة من الذهب والفضة».
وفي دلائل النبوة:6/513، عن سعيد بن جبير قال: «سمعنا عبد الله بن عباس ونحن نقول: اثنا عشر أميراً، ثم لا أمير. واثنا عشر أميراً، ثم هي الساعة. فقال ابن عباس: ما أحمقكم: إن منا أهل البيت بعد ذلك المنصور، والسفاح، والمهدي، يدفعها إلى عيسى بن مريم». وفي/514: «يكون منا ثلاثة أهل البيت: سفاح ومنصور ومهدي».
والأحاديث المكذوبة على النبي صلى الله عليه وآله في مدح العباس وأولاده كثيرة، نكتفي منها بما تقدم!
وقد نصوا على عدد من الذبابين الوضاعين فيها مثل محمد بن الوليد غلام بني عباس، ففي فيض القدير:6/278: «وقال السمهودي: وأما هذا ففيه محمد بن الوليد وضاع. قال ابن عدي: يضع الحديث ويصله ويسرق ويقلب الأسانيد والمتون. وقال ابن أبي معشر: هو كذاب.».
قال السيوطي في الجامع:5/375، عن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وآله : «لن تزال الخلافة في ولد عمي صنو أبي العباس، حتى يسلموها الى الدجال».وفي إسعاف الراغبين/151: «وفي إسناده وضاع ».

9- أحاديثهم الموضوعة تحريفٌ لحديث صحيح!

يظهر أن أحاديثهم المكذوبة في أن المهدي من ولد العباس، تغطية للأحاديث التي روتها العترة النبوية بأن النبي صلى الله عليه وآله أخبر العباس بما يكون من أولاده! tوفي النعماني/248: «عن عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لأبي: يا عباس ويلٌ لذريتي من ولدك، وويلٌ لولدك من ولدي، فقال: يا رسول الله أفلا أجتنب النساء، أو قال: أفلا أجبُّ نفسي؟ قال: إن علم الله عز وجل قد مضى، والأمور بيده، وإن الأمر سيكون في ولدي»!
وفي كتاب سُليم/427:«إنا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة ولم يرض لنا الدنيا. قال: ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وآله على ابن عباس فقال: أما إن أول هلاك بني أمية بعد ما يملك منهم عشرة على يد ولدك، فليتقوا الله وليرقبوا في ولدي وعترتي، فإن الدنيا لم تبق لأحد قبلنا ولاتبقى لأحد بعدنا. دولتنا آخر الدول، يكون مكان كل يوم يومين، ومكان كل سنة سنتين. ومنا من وُلدي من يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما ملئت ظلماً وجوراً».
ففي غيبة النعماني/247، عن الإمام الصادق عليه السلام قال: «بينا رسول الله صلى الله عليه وآله ذات يوم في البقيع حتى أقبل علي عليه السلام فسأل عن رسول الله صلى الله عليه وآله فقيل إنه بالبقيع، فأتاه علي عليه السلام فسلم عليه فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : اجلس فأجلسه عن يمينه، ثم جاء جعفر بن أبي طالب فسأل عن رسول الله صلى الله عليه وآله فقيل له هو بالبقيع، فأتاه فسلم عليه فأجلسه عن يساره، ثم جاء العباس فسأل عن رسول الله صلى الله عليه وآله فقيل له هو بالبقيع، فأتاه فسلم عليه فأجلسه أمامه، ثم التفت رسول الله صلى الله عليه وآله إلى علي عليه السلام فقال:ألا أبشرك ألا أخبرك ياعلي؟ فقال: بلى يارسول الله . فقال: كان جبرئيل عندي آنفاً، وأخبرني أن القائم الذي يخرج في آخر الزمان فيملأ الأرض عدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، من ذريتك من ولد الحسين. فقال علي: يارسول الله ما أصابنا خير قط من الله إلا على يديك.
ثم التفت رسول الله صلى الله عليه وآله إلى جعفر بن أبي طالب فقال:يا جعفر ألا أبشـرك ألا أخبرك؟ قال: بلى يا رسول الله فقال: كان جبرئيل عندي آنفاً فأخبرني أن الذي يدفعها إلى القائم من ذريتك، أتدري من هو؟ قال لا، قال: ذاك الذي وجهه كالدينار، وأسنانه كالمنشار، وسيفه كحريق النار، يدخل الجند ذليلاً، ويخرج منه عزيزاً، يكتنفه جبرئيل وميكائيل.
ثم التفت إلى العباس فقال:يا عم النبي ألا أخبرك بما أخبرني به جبرئيل عليه السلام ؟ فقال: بلى يارسول الله ، قال: قال لي جبرئيل ويلٌ لذريتك من ولد العباس! فقال: يارسول الله أفلا أجتنب النساء؟ فقال له صلى الله عليه وآله : قد فرغ الله مما هو كائن».
أقول: يحتمل أن يكون ابن جعفر الطيار المذكور هو الخراساني الذي يسلم الراية الى المهدي عليه السلام .

10- وادعى المنصور أن ابنه هو المهدي الموعود!

لم يكتف العباسيون بادعاء أن رايات خراسان الموعودة لنصـرة المهدي عليه السلام هي رايات ثورتهم بيد أبي مسلم الخراساني، ولا بالأحاديث التي زعموا فيها أن النبي بشر العباس بأن الملك في أولاده حتى يخرج الدجال!
بل قرر المنصور بعد أن قتل محمد بن عبدالله الذي ادعوا له المهدوية وأخاه إبراهيم، أن يجعل ابنه محمد بن عبدالله المهدي الموعود! وقد وصف الذهبي في تاريخه:9/49، تحايل المنصور وإجباره أخاه عيسى على خلع نفسه قال: « وكان السفاح لما احتضر جعل الخلافة للمنصور ثم بعده لعيسى، وقد لاطفه المنصور وكلمه بألين الكلام في ذلك «خلع نفسه» فقال: يا أميرالمؤمنين فكيف بالأيمان والعهود والمواثيق التي عليَّ وعلى المسلمين، فلما رأى المنصور امتناعه تغير له وأعرض عنه، وجعل يقدم المهدي عليه في المجالس، ثم شرع المنصور يدس من يحفر عليه بيته ليسقط عليه، فجعل يتحفظ ويتمارض. وقيل بل سقاه المنصور «السم» فاستأذن في الذهاب إلى الكوفة ليتداوى، وكان الذي جرأه على ذلك طبيبه بختيشوع وقال له: والله ما أجسر على معالجتك وما آمن على نفسي، فأذن له المنصور، وبلغت العلة من عيسى كل مبلغ حتى تمعط شعره! ثم إنه نصل من علته ثم سعى موسى ولد عيسى بن موسى في أن يطيع أبوه المنصور خوفاً عليه منه وعلى نفسه، ودبر حيلة أوحاها إلى المنصور فقال: مُرْ بخنقي قُدَّامَ أبي إن لم يخلع نفسه! قال: فبعث المنصور من فعل به ذلك فصاح أبوه وأذعن بخلع نفسه وقال: هذه يدي بالبيعة للمهدي»!
وهكذا تم للمنصور ما أراد فخلع أخاه، وعقد المجلس في قصرالرصافة الذي بناه خصيصاً لولده المهدي! وأحضر الفقهاء والقضاة فشهدوا وبايعوا ولي عهده المهدي المنتظر! «وخطب المنصور الناس وأعلمهم ما جرى في أمر عيسى من تقديم المهدي عليه ورضاه بذلك، وتكلم عيسى وسلم الأمر للمهدي فبايع الناس على ذلك بيعة محددة للمهدي، ثم لعيسى من بعده». «تاريخ دمشق:48/9».
وفي الأغاني:13/313: «عن الفضل بن إياس الهذلي الكوفي، أن المنصور كان يريد البيعة للمهدي، وكان ابنه جعفر يعترض عليه في ذلك، فأمر بإحضار الناس فحضروا وقامت الخطباء فتكلموا، وقالت الشعراء فأكثروا في وصف المهدي وفضائله، وفيهم مطيع بن إياس، فلما فرغ من كلامه في الخطباء وإنشاده في الشعراء، قال للمنصور: يا أميرالمؤمنين حدثنا فلان عن فلان أن النبي صلى الله عليه وآله قال: المهدي منا محمد بن عبد الله، وأمه من غيرنا، يملؤها عدلاً كما ملئت جوراً! وهذا العباس بن محمد أخوك يشهد على ذلك! ثم أقبل على العباس فقال له: أنشدك الله هل سمعت هذا؟ فقال: نعم، مخافةً من المنصور! فأمرالمنصور الناس بالبيعة للمهدي. قال: ولما انقضى المجلس وكأن العباس بن محمد لم يأنس به، قال: أرأيتم هذا الزنديق إذ كذب على الله عز وجل ورسوله، حتى استشهدني على كذبه فشهدت له خوفاً، وشهد كل من حضر عليَّ بأني كاذب! وبلغ الخبر جعفر بن أبي جعفر، وكان مطيع منقطعاً إليه يخدمه، فخافه وطرده عن خدمته! قال: وكان جعفر ماجناً، فلما بلغه قول مطيع هذا غاظه وشقت عليه البيعة لمحمد فأخرج «آلته» ثم قال: إن كان أخي محمد هو المهدي، فهذا القائم من آل محمد».
راجع في تحريفهم وقبائحهم: تاريخ الطبري:6/ 269، واليعقوبي:2/ 395، ومعارف ابن قتيبة/379، والنهاية:10/111، وسمط النجوم/1094، وشذرات الذهب:1/219، وعبر الذهبي:1/207، والتحفة اللطيفة:2/26، والمنار المنيف/149.
ولكنهم شهدوا أن هذا «المهدي» كان فاجراً فزاد الأرض ظلماً وجوراً! وصادر أموال المسلمين حثياً وزادهم فقراً! ورووا أنه كان خماراً زماراً سفاكاً للدماء، وأنجب للمسلمين ابنة مغنية ضرابة عود هي عُلَيّة العباسية. «خزانة الأدب:11/217» وكان مغرماً بتطيير الحمام، فحرَّف الرواة له حديث النبي صلى الله عليه وآله : «لاسبق إلا في نصل أو خف أو حافر» فأضافوا له «أو جناح» فأمر للراوي بصرة ذهب. «مجموعة الرسائل للصافي:2/424»!
وكان عنيفاً فقتل رجلاً لروايته حديثاً عن الأعمش «الصحيح من السيرة:1/88» ورأى مناماً أن وجهه أسود فرزق بأنثى فكان كذلك. «الكنى والألقاب:1/319» وظل يطارد ابن عم أبيه ولي عهده، الذي خلع نفسه من أجله حتى قتله، وجعل ابنه موسى ولي عهده! « تهذيب المقال2/320». وسلط زوجته الخيزران فكانت الدولة بيدها «الطبري:3/466» وبنى مدينة سيروان في جبال إيران، وبها مات ودفن.«صبح الأعشى:4/368». وحكم عشر سنين ومات سنة 169، وعمر ه 43 سنة. «الأخبار الطوال/386 ». لذلك اضطر النواصب للقول إنه ليس المهدي!«منهاج السنة:4/98، والنهاية:6/277».

11- اعترف هارون الرشيد بكذبة أبيه وجده!

في إعلام الورى/ 365 وطبعة:2/165، «عن سليمان بن إسحاق بن سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس قال: حدثني أبي قال: كنت يوماً عند الرشيد فذُكر المهدي وما ذكر من عدله فأطنب في ذلك، فقال الرشيد:أحسبكم تحسبونه أبي المهدي! حدثني عن أبيه، عن جده، عن ابن عباس، عن أبيه العباس بن عبد المطلب، أن النبي صلى الله عليه وآله قال له: يا عم، يملك من ولدي اثنا عشر خليفة، ثم تكون أمور كريهة شديدة عظيمة، ثم يخرج المهدي من ولدي يصلح الله أمره في ليلة، فيملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً ويمكث في الأرض ما شاء الله، ثم يخرج الدجال».

12- اثنا عشر كذاباً سيدعون المهدية قبيل ظهور الإمام عليه السلام

الإرشاد/358: «عن أبي خديجة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لايخرج القائم حتى يخرج قبله اثنا عشـر من بني هاشم كلهم يدعو إلى نفسه».
وفي الكافي:1/338، والنعماني/151، عن الإمام الصادق عليه السلام قال: «ولتُرفعنَّ اثنتا عشرة راية مشتبهة، لا يُدرى أيٌّ من أي! قال المفضل: فبكيت، فقال ما يبكيك يا أبا عبد الله؟ فقلت: كيف لا أبكي وأنت تقول ترفع اثنتا عشرة راية لا يدرى أيٌّ من أي، فكيف نصنع؟ قال فنظر إلى شمس داخلة في الصُّفَّة فقال: يا أبا عبدالله ترى هذه الشمس؟ قلت: نعم. قال: والله لأمرنا أبين من هذه الشمس».
وفي ابن حماد:1/291: «ثم يسير إلى العراق، وترفع قبل ذلك ثنتا عشرة راية بالكوفة، معروفة منسوبة. ويقتل بالكوفة رجل من ولد الحسن أو الحسين، يدعو إلى أبيه».

13-حرفوا نسخة كتاب ابن عربي وحذفوا نسب الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف

ننبه الى التحريف الذي اقترفته يد من طبع كتاب الفتوحات لابن عربي، فإن عدداً من المصادر نقلت نصه على نسب الإمام المهدي عليه السلام وأنه ابن الإمام الحسن العسكري عليه السلام ، ثم أورد نسبه الى علي وفاطمة عليهم السلام ، لكن النواصب حذفوا ذلك من طبعته! قال في إلزام الناصب:1/292: «الشيخ الأكبر محي الدين بن العربي في الباب السادس والستين وثلاثمائة من الفتوحات: واعلموا أنه لا بد من خروج المهدي لكن لا يخرج حتى تمتلئ الأرض جوراً وظلماً فيملؤها قسطاً وعدلاً، ولو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد طول الله ذلك اليوم حتى يلي ذلك الخليفة، وهو من عترة رسول الله صلى الله عليه وآله من ولد فاطمة، جده الحسين بن علي بن أبي طالب، ووالده الحسن العسكري، بن الإمام علي النقي بالنون، بن الإمام محمد التقي بالتاء، بن الإمام علي الرضا بن موسى الكاظم بن الإمام جعفر الصادق بن الإمام محمد الباقر بن الإمام زين العابدين علي بن الإمام الحسين بن الإمام علي بن أبي طالب يواطئ اسمه اسم رسول الله صلى الله عليه وآله ، يبايعه المسلمون ما بين الركن والمقام، يشبه رسول الله في الخلق بفتح الخاء وينزل عنه في الخلق بضمها، إذ لا يكون أحد مثل رسول‌الله صلى الله عليه وآله في أخلاقه، والله تعالى يقول: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ.
وهو أجلى الجبهة أقنى الأنف، أسعد الناس به أهل الكوفة، يقسم المال بالسوية ويعدل في الرعية، يمشي الخضر بين يديه، يعيش خمساً أو سبعاً أو تسعاً، يقفو أثر رسول الله لايخطئ، له ملك يسدده من حيث لا يراه، يفتح المدينة الرومية بالتكبير مع سبعين ألفاً من المسلمين، يعز الله به الإسلام بعد ذله، ويحييه بعد موته، ويضع الجزية ويدعو إلى الله بالسيف فمن أبى قتل ومن نازعه خذل، يحكم بالدين الخالص عن الرأي. إلى آخر كلامه». انتهى.
وقد حفوا نسبه من نسخة الفتوحات المتداولة، ونص كلامه:3/327: «إعلم أيدنا الله أن لله خليفة يخرج وقد امتلأت الأرض جوراً وظلماً، فيملؤها قسطاً وعدلاً، ولو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد طول الله ذلك اليوم حتى يلي هذا الخليفة من عترة رسول الله صلى الله عليه وآله من ولد فاطمة، يواطئ إسمه إسم رسول الله صلى الله عليه وآله جده الحسين بن علي بن أبي طالب، يبايع بين الركن والمقام، يشبه رسول الله في خلقه بفتح الخاء، وينزل عنه في الخلق بضم الخاء، لأنه لا يكون أحد مثل رسول الله في أخلاقه والله يقول فيه: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ. هو أجلى الجبهة أقنى الأنف، أسعد الناس به أهل الكوفة، يقسم المال بالسوية، ويعدل في الرعية، ويفصل في القضية، يأتيه الرجل فيقول له: يا مهدي أعطني، وبين يديه المال، فيحثي له في ثوبه ما استطاع أن يحمله! يخرج على فترة من الدين، يزع الله به ما لا يزع بالقرآن، يمسي جاهلاً بخيلاً جباناً ويصبح أعلم الناس أكرم الناس أشجع الناس، يصلحه الله في ليلة! يمشي النصر بين يديه، يعيش خمساً أو سبعاً أو تسعاً، يقفو أثر رسول الله لا يخطئ، له ملك يسدده من حيث لا يراه، يحمل الكل ويقوي الضعيف في الحق، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق، يفعل ما يقول ويقول ما يعلم، ويعلم ما يشهد.
يفتح المدينة الرومية بالتكبير في سبعين ألفاً من المسلمين من ولد إسحاق، يشهد الملحمة العظمى مأدبة الله بمرج عكا. يبيد الظلم وأهله يقيم الدين، ينفخ الروح في الإسلام، يعز الإسلام به بعد ذله ويحيا بعد موته، يضع الجزية ويدعو إلى الله بالسيف، فمن أبى قتل، ومن نازعه خذل، يُظهر من الدين ما هو الدين عليه في نفسه، ما لو كان رسول الله لحكم به. يرفع المذاهب من الأرض فلا يبقى إلا الدين الخالص. أعداؤه مقلدة العلماء أهل الإجتهاد لما يرونه من الحكم بخلاف ما ذهبت إليه أئمتهم، فيدخلون كرهاً تحت حكمه خوفاً من سيفه وسطوته ورغبة فيما لديه.
يفرح به عامة المسلمين أكثر من خواصهم، يبايعه العارفون بالله من أهل الحقائق عن شهود وكشف، بتعريف إلهي.
له رجال إلهيون يقيمون دعوته وينصرونه، هم الوزراء يحملون أثقال المملكة ويعينونه على ما قلده الله. ينزل عليه عيسى بن مريم بالمنارة البيضاء بشرقي دمشق بين مهرودتين، متكأ على ملكين ملك عن يمينه وملك عن يساره، يقطر رأسه ماء مثل الجمان يتحدر، كأنما خرج من ديماس، والناس في صلاة العصـر، فيتنحى له الإمام من مقامه، فيتقدم فيصلي بالناس يؤم الناس بسنة محمد.
يكسـر الصليب ويقتل الخنزير، ويقبض الله المهدي إليه طاهراً مطهراً، وفي زمانه يقتل السفياني عند شجرة بغوطة دمشق، ويخسف بجيشه في البيداء بين المدينة ومكة حتى لا يبقى من الجيش إلا رجل واحد من جهينة، يستبيح هذا الجيش مدينة الرسول صلى الله عليه وآله ثلاثة أيام ثم يرحل يطلب مكة، فيخسف الله به في البيداء، فمن كان مجبوراً من ذلك الجيش مكرهاً يحشر على نيته. القرآن حاكم والسيف مبيد، ولذلك ورد في الخبر: إن الله يزع بالسلطان ما لايزع بالقرآن:
ألا إن خـــتمَ الأولــياء شهـيــد وعـينُ إمـام الــعــالمين فـقـيدُ
هو الـسيد المـهديُّ من آل أحـمدٍ هو الصــارم الهنـدي حين يبيد
هو الشمس يجلو كل غم وظلمـة هو الوابــل الوسميُّ حين يجود
وقد جاءكم زمانه وأظلكم أوانه، وظهر في القرن الرابع اللاحق بالقرون الثلاثة الماضية قرن رسول الله صلى الله عليه وآله وهو قرن الصحابة، ثم الذي يليه، ثم الذي يلي الثاني، ثم جاء بينهما فترات وحدثت أمور، وانتشرت أهواء، وسفكت دماء، وعاثت الذئاب في البلاد، وكثر الفساد، إلى أن طم الجور وطما سيله، وأدبر نهار العدل بالظلم حين أقبل ليله. فشهداؤه خير الشهداء، وأمناؤه أفضل الأمناء. وإن الله يستوزر له طائفة خبأهم له في مكنون غيبه، أطلعهم كشفاً وشهوداً على الحقائق، وما هو أمر الله عليه في عباده، فبمشاورتهم يفصل ما يفصل، وهم العارفون الذين عرفوا ما ثَمَّ.
وأما هو في نفسه فصاحب سيف حق وسياسة مدنية، يعرف من الله قدر ما تحتاج إليه مرتبته ومنزله، لأنه خليفة مسدد، يفهم منطق الحيوان، يسـري عدله في الإنس والجان، من أسرار علم وزرائه الذين استوزرهم الله له قوله تعالى: وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ. وهم على أقدام رجال من الصحابة، صدقوا ما عاهدوا الله عليه. وهم من الأعاجم ما فيهم عربي! لكن لا يتكلمون إلا بالعربية، لهم حافظ ليس من جنسهم ما عصى الله قط، هو أخص الوزراء وأفضل الأمناء، فأعطاهم الله في هذه الآية التي اتخذوها هجيراً وفي ليلهم سميراً، أفضل علم الصدق حالاً وذوقاً، فعلموا أن الصدق سيف الله في الأرض، ما قام بأحد ولا اتصف به إلا نصره الله، لأن الصدق نعته والصادق اسمه، فنظروا بأعين سليمة من الرمد، وسلكوا بأقدام ثابتة في سبيل الرشد، فلم يروا الحق قيد مؤمناً من مؤمن، بل أوجب على نفسه نصر المؤمنين».
* *

الفصل التاسع : ( صفات المهدي ، من صفات الإمام المهدي عليه السلام البدنية والمعنوية )

1- أجلى الجبهة أقنى الأنف أفلج الثنايا

روى أبو داود في سننه:4/107: «عن أبي سعيد الخدري، قال رسول الله صلى الله عليه وآله : المهدي مني، أجلى الجبهة، أقنى الأنف، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما ملئت جوراً وظلماً. يملك سبع سنين».ورواه ابن حماد:1/369، و 373، بعدة أحاديث، وعبد الرزاق:11/372. و أحمد: 3/17، عن أبي سعيد: «قال رسول الله صلى الله عليه وآله : لا تقوم الساعة حتى يملك رجل من أهل بيتي، أجلى أقنى، يملأ الأرض عدلاً كما ملئت قبله ظلماً، يكون سبع سنين».
وفي الدر المنثور:6/57: «وأخرج أحمد، وأبو داود، عن أبي سعيد الخدري قال رسول الله صلى الله عليه وآله .. يكون سبع سنين».
وفي مسند أبي يعلى:2/367، عن أبي سعيد: «ليقومن على أمتي من أهل بيتي أقنى أجلى، يوسع الأرض عدلاً كما وسعت ظلماً وجوراً، يملك سبع سنين».
وفي سنن الداني/94، «عن أبي سعيد الخدري: قال رسول الله صلى الله عليه وآله : يقوم في آخر الزمان رجل من عترتي، شاب حسن الوجه، أجلى الجبين، أقنى الأنف، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، ويملك كذا سبع سنين».
ورواه الحاكم:4/557: وصححه على شرط مسلم: «عن أبي سعيد: قال رسول الله صلى الله عليه وآله : المهدي منا أهل البيت أشم الأنف أقنى أجلى، يعيش هكذا، وبسط يساره وإصبعين من يمينه المسبحة والإبهام، وعقد ثلاثة».
وابن حماد:1/373، عن أبي سعيد: «قال رسول الله صلى الله عليه وآله : المهدي أجلى الجبين، أقنى الأنف».
ونحوه عبد الرزاق:11/372، ومعالم السنن: 4/344، والسنن في الفتن: 5/1038. الخ
وأجلى الجبهة: أي جبهته عريضة عالية.أقنى الأنف: أنفه طويل مع دقة أرنبته واحديداب فيه.
وقوله: يملك سبع سنين، فالصحيح أن هدنته مع الروم تطول سبع سنين، ويأتي بيانه في فصل مدة ملكه عليه السلام .
ورواه من مصادرنا: دلائل الإمامة/251، كأبي يعلى، وفي/258، كرواية أحمد، عن أبي سعيد
وروى في الفردوس:4/221: «عن حذيفة، عن النبي صلى الله عليه وآله : المهدي رجل من ولدي وجهه كالقمر الدري، اللون لون عربي والجسم جسم إسرائيلي، يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، يرضى بخلافته أهل السماء وأهل الأرض والطير في الهواء. يملك عشرين سنة». والعلل المتناهية:2/858، ودلائل الإمامة/233، وعنه العمدة/439، والطرائف:1/178، بتفاوت يسير. ولون عربي: أي حنطي أو أبيض، وقد ورد في صفة المهدي عليه السلام أن لونه لون النبي صلى الله عليه وآله أبيض مشرب بحمرة. وجسم إسرائيلي: أي طويل مملوء كأجسام أبناء يعقوب عليه السلام وقد كان بنو إبراهيم معروفين بكمال أجسامهم وجمالهم، فصفات إبراهيم عليه السلام ظاهرة في المهدي عليه السلام . الطير في الهواء: أي يكون الرضا بالمهدي عليه السلام عاماً يشمل المجتمع والطبيعة.

2- شيخ السن شاب المنظر لايهرم بمرور الأيام

في كمال الدين:2/652: «عن أبي الصلت الهروي قال قلت للرضا عليه السلام : ما علامات القائم منكم إذا خرج؟ قال: علامته أن يكون شيخ السن شاب المنظر، حتى أن الناظر إليه ليحسبه ابن أربعين سنة أو دونها، وإن من علاماته أن لايهرم بمرور الأيام والليالي، حتى يأتيه أجله».
وفي النعماني/188و211: «عن علي بن أبي حمزة، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: لو قد قام القائم لأنكره الناس، لأنه يرجع إليهم شاباً موفقاً، لا يثبت عليه إلا من قد أخذ الله ميثاقه في الذر الأول. وفي غير هذه الرواية أنه قال عليه السلام : وإن أعظم البلية أن يخرج إليهم صاحبهم شاباً وهم يحسبونه شيخاً كبيراً».

3- أبيض اللون، مشرب بحمرة، مبدَّح البطن

في كمال الدين:2/653: «عن أبي الجارود زياد بن المنذر، عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر، عن أبيه، عن جده عليهم السلام قال: قال أميرالمؤمنين عليه السلام وهو على المنبر: يخرج رجل من ولدي في آخر الزمان أبيض اللون، مشرب بالحمرة، مبدح البطن عريض الفخذين، عظيم مشاش المنكبين، بظهره شامتان، شامة على لون جلده وشامة على شبه شامة النبي صلى الله عليه وآله ، له اسمان: إسم يخفى وإسم يعلن، فأما الذي يخفى فأحمد، وأما الذي يعلن فمحمد، إذا هز رايته أضاء لها ما بين المشرق والمغرب، ووضع يده على رؤوس العباد، فلا يبقى مؤمن إلا صار قلبه أشد من زبر الحديد، وأعطاه الله تعالى قوة أربعين رجلاً، ولا يبقى ميت إلا دخلت عليه تلك الفرحة وهو في قبره، وهم يتزاورون في قبورهم، ويتباشرون بقيام القائم صلوات الله عليه».

4- غائر العينين مشرف الحاجبين عريض ما بين المنكبين

النعماني/215: «عن حمران بن أعين قال: قلت لأبي جعفر الباقر عليه السلام : جعلت فداك إني قد دخلت المدينة وفي حِقْوَيَّ هميان فيه ألف دينار، وقد أعطيت الله عهداً أنني أنفقها ببابك ديناراً ديناراً، أو تجيبني فيما أسألك عنه! فقال: يا حمران سل تجب، ولا تنفقن دنانيرك، فقلت: سألتك بقرابتك من رسول الله صلى الله عليه وآله أنت صاحب هذا الأمر والقائم به؟ قال: لا. قلت: فمن هو بأبي أنت وأمي؟ فقال: ذاك المشرب حمرة الغائر العينين، المشرف الحاجبين، العريض ما بين المنكبين، برأسه حزاز، وبوجهه أثر، رحم الله موسى».
وفيها: عن حمران، قال: فقلت له: أنت القائم؟ فقال: قد ولدني رسول الله صلى الله عليه وآله وإني المطالب بالدم ويفعل الله ما يشاء، ثم أعدت عليه، فقال: قد عرفت حيث تذهب. صاحبك المبدح البطن، ثم الحزاز برأسه، ابن الأرواع رحم الله فلاناً».
وفي النعماني/216: «بالقائم علامتان: شامة في رأسه وداء الحزاز برأسه، وشامة بين كتفيه من جانبه الأيسر، تحت كتفه الأيسر ورقة، مثل ورقة الآس».
ومشرف الحاجبين: أي في وسطهما ارتفاع. والحزاز: ما يكون في الشعر مثل النخالة. ويبدو لي أن الحزاز كان صفة أحد مدعي المهدية، فجعلوها للمهدي صلوات الله عليه، كقولهم إنه يُتأتي بالكلام، وسيأتي القول في مبدح البطن!

5- إسمه إسمي.. وشمائله شمائلي

كمال الدين:2/411: «عن الإمام الصادق عليه السلام : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : القائم من ولدي إسمه إسمي وكنيته كنيتي، وشمائله شمائلي، وسنته سنتي، يقيم الناس على ملتي وشريعتي، ويدعوهم إلى كتاب ربي عز وجل. من أطاعه فقد أطاعني، ومن عصاه فقد عصاني، ومن أنكره في غيبته فقد أنكرني، ومن كذبه فقد كذبني، ومن صدقه فقد صدقني. إلى الله أشكو المكذبين لي في أمره، والجاحدين لقولي في شأنه، والمضلين لأمتي عن طريقته، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون». والشمائل: الطبائع، وتطلق على ملامح البدن. وقد دلت هذه الأحاديث على شبهه بجده رسول الله صلى الله عليه وآله في خلقه وخلقه واتباعه لسنته، وتجديده الإسلام وبسط نوره. وكفى به مقاماً عظيماً.

6- سيرة المهدي عليه السلام في ملبسه

الكافي:1/411 و:6/444: «عن حماد بن عثمان قال: حضرت أبا عبد الله عليه السلام وقال له رجل: أصلحك الله ذكرت أن علي بن أبي طالب عليه السلام كان يلبس الخشن، يلبس القميص بأربعة دراهم وما أشبه ذلك، ونرى عليك اللباس الجديد؟ فقال له: إن علي بن أبي طالب عليه السلام كان يلبس ذلك في زمان لا ينكر عليه، ولو لبس مثل ذلك اليوم شهِّرَ به، فخير لباس كل زمان لباس أهله، غير أن قائمنا أهل البيت، إذا قام لبس ثياب علي، وسار بسيرة علي عليه السلام ».
وفي تحف العقول/446: «عن معمر بن خلاد أنه قال للرضا عليه السلام : عجل الله فرجك. فقال عليه السلام : يا معمر ذاك فرجكم أنتم، فأما أنا فوالله ما هو إلا مِزْوَدٌ فيه كفُّ سويق مختوم بخاتم». أي إذا ملكنا تتنعمون أنتم، أما أنا فأساوي فقراء الناس، ويكون طعامي كأقل الناس، كما كان يفعل أميرالمؤمنين عليه السلام .

7- عدم ثبوت صفة: أزْيَلُ الفخذين

شرح النهج:1/281: «إسماعيل بن عباد عن علي عليه السلام أنه ذكر المهدي وقال إنه من ولد الحسين عليه السلام وذكرحليته فقال: رجل أجلى الجبين أقنى الأنف ضخم البطن، أزْيَلُ الفخذين، أبلج الثنايا بفخذه اليمنى شامة. وذكر هذا الحديث بعينه عبد الله بن قتيبة في كتاب غريب الحديث». وذكره في:19/130، وفي غريب الحديث لابن الجوزي: 1/449، وقال: أزيل الفخذين، والمراد انفراج فخذيه وتباعد ما بينهما وهو الزَّيَل.
وفي النعماني/214، عن أبي وائل قال: «نظر أميرالمؤمنين علي عليه السلام إلى الحسين عليه السلام فقال: إن ابني هذا سيد كما سماه رسول الله صلى الله عليه وآله سيداً، وسيخرج الله من صلبه رجلاً باسم نبيكم، يشبهه في الخلق والخلق، يخرج على حين غفلة من الناس، وإماتة للحق وإظهار للجور، والله لو لم يخرج لضربت عنقه، يفرح بخروجه أهل السماوات وسكانها، وهو رجل أجلى الجبين، أقنى الانف، ضخم البطن، أزيل الفخذين، بفخذه اليمنى شامة، أفلج الثنايا، ويملأ الأرض عدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً».
أقول: لم ترد صفة «أزْيَل الفخذين» من طريق أهل البيت عليهم السلام ، وهذه الرواية عن أميرالمؤمنين عليه السلام من رواة غير شيعة، وقد تكون هذه الصفة مثل الحزاز موضوعة لتنطبق على شخص أفحج ادعى المهدية.
نعم ورد في كمال الدين:2/653، عن الإمام الباقر عليه السلام :«مُشْـرَبٌ بالحمرة، مُبَدَّح البطن، عريض الفخذين، عظيم مشاش المنكبين». وعرض الفخذين ضخامتهما، وهو غير الأزيل الأفحج.
وقد رووا أن عمر كان أفحج، ففي تفسير الطبري 2/794: «بينما عمر يصلي ويهوديان خلفه وكان عمر إذا أراد أن يركع خوى، فقال أحدهم لصاحبه: أهو هو؟ فلما انفتل عمر قال: رأيت قول أحدكم لصاحبه أهو هو! فقالا: إنا نجد في كتابنا قرناً من حديد يعطى ما يعطى حزقيل الذي أحيا الموتى بإذن الله».
ومعنى خوى: أنه كان لايستطيع الركوع بشكل طبيعي، فزعم اليهوديان تقرباً الى عمر، أن ذلك علامة رجل يحيي الموتى كحزقيل! والزَّيَل: الفحَج. «الفايق:1/200» وخففه بعضهم فجعله شبيهاً بالفَحَج.
قال ابن الأثير في النهاية:2/325: «في حديث علي رضي الله عنه، ذكر المهدى فقال:إنه أزيل الفخدين أي منفرجهما، وهو الزيل، والتزيل».
وفي لسان العرب:11/317: «والزَّيَل بالتحريك: تباعد ما بين الفخذين كالفحج. ورجل أزيل الفخذين: منفرجهما متباعدهما، وهو من ذلك لأن المتباعد مفارق.
والنتيجة: أن الزَّيَل هو الفَحَج أوشبهه، وهو عيبٌ لا يكون في المعصوم عليه السلام .

من صفاته المعنوية

1- يعطف الرأي على القرآن إذا عطفوا القرآن على الرأي

في نهج البلاغة:2/21 و:4/36: «يعطف الهوى على الهدى، إذا عطفوا الهدى على الهوى، ويعطف الرأي على القرآن، إذا عطفوا القرآن على الرأي. حتى تقوم الحرب بكم على ساق، بادياً نواجذها، مملوءة أخلافها، حلواً رضاعها، علقماً عاقبتها! ألا وفي غد، وسيأتي غد بما لا تعرفون، يأخذ الوالي من غيرها عمالها على مساوئ أعمالها، وتخرج له الأرض أفاليذ كبدها، وتلقي إليه سلماً مقاليدها، فيريكم كيف عدل السيرة، ويحيي ميت الكتاب والسنة».
وفي نهج البلاغة، شرح الصالح/208: «وأخذوا يميناً وشمالاً، ضعناً في مسالك الغي، وتركاً لمذاهب الرشد، فلا تستعجلوا ما هو كائن مرصد، وتستبطئوا ما يجئ به الغد. فكم من مستعجل بما إن أدركه ودَّ أنه لم يدركه. وما أقرب اليوم من تباشير غد. يا قوم هذا أبان ورود كل موعود، ودنُوُّ من طلعة ما لاتعرفون.
ألا إن من أدركها منا يسري فيها بسراج منير، ويحذو فيها على مثال الصالحين، ليحل فيها ربقاً، ويعتق فيها رقاً، ويصدع شعباً، ويشعب صدعاً.
في سترة عن الناس، لايبصرالقائف أثره ولو تابع نظره، ثم ليشحذن فيها قوم شحذ القين النصل، تُجلى بالتنزيل أبصارهم، ويُرمى بالتفسير في مسامعهم، ويغبقون كأس الحكمة بعد الصبوح».

2- معدنٌ عريق وشخصيةٌ ربانية

النعماني/212: «عن الحسين بن علي عليهم السلام قال: جاء رجل إلى أميرالمؤمنين فقال له: يا أميرالمؤمنين نبئنا بمهديكم هذا؟ فقال: إذا درج الدارجون وقلَّ المؤمنون، وذهب المجلبون، فهناك هناك، فقال: يا أميرالمؤمنين ممن الرجل؟ فقال: من بني هاشم، من ذروة طود العرب، وبحر مغيضها إذا وردت، ومخفر أهلها إذا أُتيت، ومعدن صفوتها إذا اكتدرت، لا يجبن إذا المنايا هكعت، ولا يخور إذا المنون اكتنعت، ولاينكل إذا الكماة اصطرعت، مشمرٌ مغلولب، ظفرٌ ضرغامة، حصد مخدش ذكر، سيف من سيوف الله، رأس قثم، نشو رأسه في باذخ السؤدد، وغارز مجده في أكرم المحتد. فلا يصرفنك عن بيعته صارف عارض، ينوص إلى الفتنة كل مناص، إن قال فشر قائل، وإن سكت فذو دعاير.
ثم رجع إلى صفة المهدي عليه السلام فقال: أوسعكم كهفاً، وأكثركم علماً، وأوصلكم رحماً، اللهم فاجعل بعثه خروجاً من الغُمة، واجمع به شمل الأمة. فإن خار الله لك فاعزم، ولا تنثنِ عنه إن وُفقت له، ولا تجوزنَّ عنه إن هديت إليه، هاه، وأومأ بيده إلى صدره، شوقاً إلى رؤيته».

3- قد لبس للحكمة جنتها وأخذها بجميع أدبها

نهج البلاغة شرح الصالح/263 خطبة 182: «قد لبس للحكمة جنتها، وأخذها بجميع أدبها من الإقبال عليها والمعرفة بها، والتفرغ لها، فهي عند نفسه ضالته التي يطلبها، وحاجته التي يسأل عنها، فهو مغترب إذا اغترب الإسلام، وضرب بعسيب ذنبه، وألصق الأرض بجرانه. بقية من بقايا حجته، خليفة من خلائف أنبيائه».
وقال في شرح النهج:10/95: «هذا الكلام فسره كل طائفة على حسب اعتقادها، فالشيعة الإمامية تزعم أن المراد به المهدى المنتظر عندهم. والصوفية يزعمون أنه يعنى به ولي الله في الأرض، وعندهم أن الدنيا لا تخلو من الأبدال وهم أربعون، ومن الأوتاد وهم سبعة، ومن القطب وهو واحد، فإذا مات القطب صار أحد السبعة قطباً عوضه، وصار أحد الأربعين وتداً عوض الوتد، وصار بعض الأولياء الذين يصطفيهم الله تعالى أبدالاً، عوض ذلك البدل.
وأصحابنا «المعتزلة» يزعمون أن الله تعالى لا يخلي الأمة من جماعة من المؤمنين العلماء بالعدل والتوحيد، وأن الإجماع إنما يكون حجة باعتبار أقوال أولئك العلماء، لكنه لما تعذرت معرفتهم بأعيانهم، اعتبر إجماع سائر العلماء، وإنما الأصل قول أولئك. قالوا: وكلام أميرالمؤمنين عليه السلام ليس يشير فيه إلى جماعة أولئك العلماء من حيث هم جماعة، ولكنه يصف حال كل واحد منهم فيقول: من صفته كذا، ومن صفته كذا. والفلاسفة يزعمون أن مراده عليه السلام بهذا الكلام العارف، ولهم في العرفان وصفات أربابه كلام يعرفه من له أنس بأقوالهم.
وليس يبعد عندي أن يريد به القائم من آل محمد عليه السلام في آخر الوقت إذا خلقه الله تعالى، وإن لم يكن الآن موجوداً، فليس في الكلام ما يدل على وجوده الآن، وقد وقع اتفاق الفرق من المسلمين أجمعين على أن الدنيا والتكليف لاينقضي إلا عليه».

4- يطبق القرآن ويعلمه للناس كما أنزل

الكافي:8/396: «عن أحمد بن عمر: قال أبو جعفر عليه السلام وأتاه رجل فقال له: إنكم أهل بيت رحمة اختصكم الله تبارك وتعالى بها، فقال له: كذلك نحن والحمد لله، لا ندخل أحداً في ضلالة، ولا نخرجه من هدى. إن الدنيا لا تذهب حتى يبعث الله عز وجل رجلاً منا أهل البيت يعمل بكتاب الله، لايرى فيكم منكراً إلا أنكره».
وفي الإرشاد/365، عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: «إذا قام قائم آل محمد عليه السلام ضرب فساطيط يعلم الناس القرآن على ما أنزل الله عز وجل، فأصعب ما يكون على من حفظه اليوم لأنه يخالف فيه التأليف». وإثبات الهداة:3/556.
وفي البصائر/193، عن سالم بن أبي سلمة: «قال قرأ رجل على أبي عبد الله عليه السلام وأنا أسمع حروفاً من القرآن ليس على ما يقرؤها الناس، فقال أبو عبد الله عليه السلام : مَهْ مَهْ كُفَّ عن هذه القراءة، إقرأ كما يقرأ الناس حتى يقوم القائم، فإذا قام قرأ كتاب الله على حدِّه، وأخرج المصحف الذي كتبه علي عليه السلام . وقال: أخرجه علي عليه السلام إلى الناس حيث فرغ منه وكتبه، فقال لهم: هذا كتاب الله كما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وآله وقد جمعته بين اللوحين، قالوا: هو ذا عندنا مصحف جامع فيه القرآن، لا حاجة لنا فيه! قال: أما والله لا ترونه بعد يومكم هذا أبداً! إنما كان عليَّ أن أخبركم به حين جمعته لتقرؤوه».
وفي النعماني/317، عن حبة العرني، قال: «قال أميرالمؤمنين عليه السلام : كأني أنظر إلى شيعتنا بمسجد الكوفة قد ضربوا الفساطيط يعلمون الناس القرآن كما أنزل. أما إن قائمنا إذا قام كسره وسوى قبلته».
وفي الكافي:8/287: «عن عاصم بن حميد، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله عز وجل: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ؟ قال: اختلفوا كما اختلفت هذه الأمة في الكتاب وسيختلفون في الكتاب الذي مع القائم الذي يأتيهم به حتى ينكره ناس كثير فيقدمهم فيضرب أعناقهم».
أقول: يقصد عليه السلام أنهم يعلمونهم القرآن على نسخة علي عليه السلام التي توارثها الأئمة عليهم السلام وهي تتفاوت مع القرآن في ترتيب بعض آياته، وليس في الزيادة والنقصان.
ففي الإحتجاج:1/155: «عن أبي ذر الغفاري: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وآله جمع علي عليه السلام القرآن وجاء به إلى المهاجرين والأنصار وعرضه عليهم، لما قد أوصاه بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله ...فلما استخلف عمر سأل علياً أن يدفع إليهم القرآن فقال: يا أبا الحسن إن جئت بالقرآن الذي كنت قد جئت به إلى أبي بكر حتى نجتمع عليه فقال عليه السلام : هيهات ليس إلى ذلك سبيل، إنما جئت به إلى أبي بكر لتقوم الحجة عليكم ولا تقولوا يوم القيامة: إنا كنا عن هذا غافلين، أو تقولوا: ما جئتنا به، إن القرآن الذي عندي لا يمسه إلا المطهرون والأوصياء من ولدي! قال عمر: فهل لإظهاره وقت معلوم.فقال: نعم إذا قام القائم من ولدي يظهره ويحمل الناس عليه فتجري السنة به».

5- الشريد الطريد الفريد الوحيد، المفرد من أهله!

في النعماني/178: «عن عبد الأعلى بن حصين الثعلبي عن أبيه قال: لقيت أبا جعفر محمد بن علي عليه السلام في حج أو عمرة فقلت له: كبرت سني ودق عظمي فلست أدري يقضى لي لقاؤك أم لا فاعهد إلي عهداً وأخبرني متى الفرج؟ فقال: إن الشريد الطريد الفريد الوحيد، المفرد من أهله، الموتور بوالده، المكنى بعمه، هو صاحب الرايات، واسمه إسم نبي. فقلت: أعد علي، فدعا بكتاب أديم أو صحيفة فكتب لي فيها». وفي رواية: «فقال: أحفظت أم أكتبها لك؟ فقلت: إن شئت، فدعا بكراع من أديم أو صحيفة فكتبها لي ثم دفعها إلي. وأخرجها حصين إلينا فقرأها علينا ثم قال: هذا كتاب أبي جعفر عليه السلام ».
وفي النعماني/179، عن الإمام الباقر عليه السلام : «صاحب هذا الأمر هو الطريد، الشريد، الموتور بأبيه، المكنى بعمه، المفرد من أهله، إسمه إسم نبي».
وفي كمال الدين:1/303، عن الأصبغ بن نباتة قال: «سمعت أميرالمؤمنين عليه السلام يقول: صاحب هذا الأمر: الشريد، الطريد، الفريد، الوحيد».

6- معه راية النبي صلى الله عليه وآله ومواريثه، ومواريث الأنبياء عليهم السلام

النعماني/315، عن أبي جعفر الباقر عليه السلام : «إن القائم يهبط من ثنية ذي طوى، في عدة أهل بدر ثلاث مائة وثلاثة عشر رجلاً، حتى يسند ظهره إلى الحجر الأسود، ويهز الراية الغالبة. قال علي بن أبي حمزة: فذكرت ذلك لأبي الحسن موسى بن جعفر عليه السلام فقال: كتاب منشور». وعنه البحار:52/370، وقال: «أي هذا مثبت في الكتاب المنشور، أو معه الكتاب، أو الراية كتاب منشور».
وفي النعماني/307: «عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله عليه السلام :لما التقى أميرالمؤمنين عليه السلام وأهل البصرة نشر الراية راية رسول الله صلى الله عليه وآله فزلزلت أقدامهم، فما اصفرت الشمس حتى قالوا: آمنا يا بن أبي طالب، فعند ذلك قال: لا تقتلوا الأسرى ولا تجهزوا على الجرحى، ولا تتبعوا مولياً، ومن ألقى سلاحه فهو آمن ومن أغلق بابه فهو آمن. ولما كان يوم صفين سألوه نشـر الراية فأبى عليهم فتحملوا عليه بالحسن والحسين وعمار بن ياسر، فقال للحسن: يا بنيَّ إن للقوم مدة يبلغونها وإن هذه راية لاينشرها بعدي إلا القائم صلوات الله عليه».

7- معه سلاح رسول الله صلى الله عليه وآله

الإرشاد/274، عن الصادق عليه السلام : «عِلْمُنَا غابرٌ، ومزبورٌ، ونَكْتٌ في القلوب، ونَقْرٌ في الأسماع. وإن عندنا الجفر الأحمر، والجفر الأبيض، ومصحف فاطمة عليها السلام . وإن عندنا الجامعة فيها جميع ما يحتاج الناس إليه. فسئل عن تفسير هذا الكلام فقال: أما الغابر فالعلم بما يكون، وأما المزبور: فالعلم بما كان، وأما النكت في القلوب فهو الإلهام، والنقر في الأسماع: حديث الملائكة، نسمع كلامهم ولا نرى أشخاصهم، وأما الجفر الأحمر: فوعاء فيه سلاح رسول الله صلى الله عليه وآله ، ولن يخرج حتى يقوم قائمنا أهل البيت. وأما الجفر الأبيض: فوعاء فيه توراة موسى وإنجيل عيسى وزبور داود وكتب الله الأولى. وأما مصحف فاطمة عليها السلام ففيه ما يكون من حادث، وأسماء كل من يملك إلى أن تقوم الساعة. وأما الجامعة: فهي كتاب طوله سبعون ذراعاً، أملاه رسول الله صلى الله عليه وآله من فلق فيه وخط علي بن أبي طالب عليه السلام بيده، فيه والله جميع ما يحتاج الناس إليه إلى يوم القيامة، حتى أن فيه أرش الخدش والجلدة ونصف الجلدة. وكان عليه السلام يقول: إن حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدي، وحديث جدي حديث علي بن أبي طالب أميرالمؤمنين، وحديث علي أميرالمؤمنين حديث رسول الله صلى الله عليه وآله ، وحديث رسول الله قول الله عز وجل».
وفي البصائر/188: «عن أبي بصير أنه قال للإمام الصادق عليه السلام : جعلت فداك إني أريد أن ألمس صدرك، فقال: إفعل، فمسست صدره ومناكبه فقال: ولمَ يا أبا محمد؟ فقلت: جعلت فداك إني سمعت أباك وهو يقول: إن القائم واسع الصدر مسترسل المنكبين عريضُ ما بينهما، فقال: يا أبا محمد إن أبي لبس درع رسول الله صلى الله عليه وآله وكانت تسحب على الأرض، وأنا لبستها فكانت وكانت، وإنها تكون من القائم كما كانت من رسول الله صلى الله عليه وآله مشمرة، كانت ترفع نطاقها بحلقتين، وليس صاحب هذا الأمر من جاز أربعين».
وفي إثبات الوصية/223: «عن الحسن بن علي قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام : أنت صاحبنا أعني صاحب الأمر؟ فقال: ألبست درع رسول الله صلى الله عليه وآله فانجرَّت عليَّ، وإنه ليؤخذ لي بالركاب، وإن صاحبكم يلبس الدرع فتستوي عليه، ولايؤخذ له بالركاب. ثم قال لي: أنَّى يكون ذلك ولم يولد الغلام الذي تربيه جدته».
وفي البصائر/184، والإرشاد/275: «عن عبد الأعلى بن أعين قال: سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول: عندي سلاح رسول الله صلى الله عليه وآله لا أنازع فيه، ثم قال: إن السلاح مدفوع عنه لو وضع عند شر خلق الله كان أخيرهم، ثم قال: إن هذا الأمر يصير إلى من يُلوى له الحنك، فإذا كانت من الله فيه المشية خرج فيقول الناس ما هذا الذي كان. ويضع الله له يده على رأس رعيته».
ومعنى الحديث: أن من يرى الإمام عليه السلام قبل أن يخرج يراه شخصاً مؤمناً كالمسكين، وقد يلوي فمه استهزاءً به، فإذا خرج ورأى ما خصه الله تعالى به يقول: ليس هذا الذي رأيته. ويعطيه الله الهيبة في قلوب الناس، كأنما وضع الله يده على رؤوسهم.
الكافي:1/284: «عن عبد الأعلى قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام : المتوثب على هذا الأمر المدعي له، ما الحجة عليه؟ قال: يسأل عن الحلال والحرام قال: ثم أقبل علي فقال: ثلاثة من الحجة لم تجتمع في أحد إلا كان صاحب هذا الأمر: أن يكون أولى الناس بمن كان قبله، ويكون عنده السلاح، ويكون صاحب الوصية الظاهرة، التي إذا قدمت المدينة سألت عنها العامة والصبيان: إلى من أوصى فلان؟ فيقولون: إلى فلان بن فلان».
وفي النعماني/243: «عن يعقوب بن شعيب، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: «ألا أريك قميص القائم الذي يقوم عليه؟ فقلت بلى، قال: فدعا بقَمْطَر«محفظة للكتب ونحوها» ففتحه وأخرج منه قميص كرابيس فنشره فإذا في كمه الأيسر دم، فقال: هذا قميص رسول الله صلى الله عليه وآله الذي عليه يوم ضربت رباعيته، وفيه يقوم القائم. فقبَّلت الدم ووضعته على وجهي، ثم طواه أبو عبد الله عليه السلام ورفعه».
وفي البصائر/162: «عن عبد الملك بن أعين قال: أراني أبو جعفر بعض كتب علي ثم قال لي: لأي شئ كتبت هذه الكتب؟ قلت: ما أبين الرأي فيها قال: هات قلت: علم أن قائمكم يقوم يوماً، فأحب أن يعمل بما فيها، قال:صدقت».
وفي النعماني/238: «عن عبد الله بن سنان قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: عصا موسى قضيب آس من غرس الجنة، أتاه بها جبرئيل عليه السلام لما توجه تلقاء مدين، وهي وتابوت آدم في بحيرة طبرية، ولن يبليا ولن يتغيرا حتى يخرجهما القائم عليه السلام إذا قام».
وفي البصائر/183: «عن محمد بن الفيض، عن محمد بن علي عليه السلام قال: كانت عصا موسى لآدم فصارت إلى شعيب، ثم صارت إلى موسى بن عمران، وإنها لعندنا وإن عهدي بها آنفاً، وهي خضراء كهيئتها حين انتزعت من شجرها، وإنها لتنطق إذا استنطقت، أعدت لقائمنا ليصنع كما كان موسى يصنع بها، وإنها لتروع وتلقف! قال:إن رسول الله صلى الله عليه وآله لما أراد الله أن يقبضه أورث علياً عليه السلام علمه وسلاحه وما هناك، ثم صار إلى الحسن والحسين، ثم حين قتل الحسين استودعه أم سلمة، ثم قبض بعد ذلك منها. قال فقلت: ثم صار إلى علي بن الحسين ثم صار إلى أبيك ثم انتهى إليك؟ قال: نعم».
ونحوه الكافي:1/231، وفيه: إنها حيث أقبلت تلقف ما يأفكون، يفتح لها شعبتان: إحداهما في الأرض والأخرى في السقف وبينهما أربعون ذراعاً تلقف ما يأفكون بلسانها».

8- معه عهدٌ معهود من النبي صلى الله عليه وآله

البحار:52/305، عن السيد علي بن عبد الحميد: «إذا خسف بجيش السفياني، والقائم يومئذ بمكة عند الكعبة مستجيراً بها يقول: أنا ولي الله، فيبايعونه بين الركن والمقام. ومعه عهد من رسول الله صلى الله عليه وآله قد تواترت عليه الآباء. فإن أشكل عليهم من ذلك الشئ فإن الصوت من السماء لايشكل عليهم، إذا نودي باسمه واسم أبيه».

9- الإمام المهدي عليه السلام ساقي الأمة في المحشر

مائة منقبة/24: «عن عبد الله بن عمر: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي بن أبي طالب عليه السلام : يا علي أنا نذير أمتي، وأنت هاديها، والحسن قائدها، والحسين سائقها، وعلي بن الحسين جامعها، ومحمد بن علي عارفها، وجعفر بن محمد كاتبها، وموسى بن جعفر محصيها، وعلي بن موسى معبرها ومنجيها وطارد مبغضيها ومدني مؤمنيها، ومحمد بن علي قائدها وسائقها، وعلي بن محمد ساترها وعالمها، والحسن بن علي مناديها ومعطيها، والقائم الخلف ساقيها ومناشدها:إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ».
ومن العجيب أن يروي ذلك عبدالله بن عمر، لكن له روايات عجيبة منها أن الله تعالى كلم النبي صلى الله عليه وآله في المعراج بصوت علي بن أبي طالب عليه السلام .

10- وهو الصراط السوي

في تأويل الآيات:1/323، عن الإمام الكاظم عليه السلام قال: «سألت أبي عن قول الله عز وجل: فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى؟ قال: الصراط السوي هو القائم عليه السلام ، واهتدى من اهتدى إلى طاعته. ومثلها في كتاب الله عز وجل: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى. قال: إلى ولايتنا».

11- وهو صاحب ليلة القدر

في تفسير القمي:2/431: «علي بن إبراهيم في قوله: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، قال: فهو القرآن أنزل إلى البيت المعمور في ليلة القدر جملة واحدة، وعلى رسول الله صلى الله عليه وآله في طول ثلاث وعشرين سنة. وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ: ومعنى ليلة القدر أن الله يقدر فيها الآجال والأرزاق وكل أمر يحدث من موت أو حياة، أو خصب أو جدب، أو خير أو شر، كما قال الله: فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ، إلى سنة. قوله: تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ، قال: تنزل الملائكة وروح القدس على إمام الزمان، ويدفعون إليه ما قد كتبوه من هذه الأمور».
وفي تفسير القمي:2/290: «عن أبي جعفر وأبي عبد الله وأبي الحسن عليهم السلام : إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ: يعني القرآن. فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ. وهي ليلة القدر، أنزل الله القرآن فيها إلى البيت المعمور جملة واحدة. ثم نزل من البيت المعمور على رسول الله صلى الله عليه وآله في طول ثلاث وعشرين سنة. فِيهَا يُفْرَقُ: في ليلة القدر.كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ: أي يقدر الله كل أمر من الحق ومن الباطل، وما يكون في تلك السنة، وله فيه البداء والمشية، يقدم ما يشاء ويؤخر ما يشاء، من الآجال والأرزاق والبلايا والأعراض والأمراض، ويزيد فيها ما يشاء وينقص ما يشاء، ويلقيه رسول الله صلى الله عليه وآله إلى أميرالمؤمنين عليه السلام ويلقيه أميرالمؤمنين إلى الأئمة عليهم السلام حتى ينتهي ذلك إلى صاحب الزمان. ويشترط له ما فيه البداء والمشية والتقديم والتأخير».

12- وهو بقية الله في أرضه

الكافي:1/411: عن عمر بن زاهر، عن أبي عبد الله عليه السلام : «قال سأله رجل عن القائم يسلم عليه بإمرة المؤمنين قال: لا، ذاك إسمٌ سمى الله به أميرالمؤمنين عليه السلام لم يسم أحد قبله ولا يتسمى به بعده إلا كافر. قلت: جعلت فداك كيف يسلم عليه؟ قال يقولون السلام عليك يا بقية الله، ثم قرأ: بَقِيَّةُ اللهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ».
أقول: لعل الكافر هنا بالمعنى اللغوي.
وفي الإحتجاج:1/240: «جاء بعض الزنادقة إلى أميرالمؤمنين عليه السلام وقال له: لولا ما في القرآن من الإختلاف والتناقض لدخلت في دينكم... قال علي عليه السلام : الذي تنزل به الملائكة في الليلة التي يفرق فيها كل أمر حكيم من خلق ورزق وأجل وعمل، وعمر وحياة وموت، وعلم غيب السماوات والأرض، والمعجزات التي لا تنبغي إلا لله وأصفيائه والسفرة بينه وبين خلقه. وهم وجه الله الذي قال: فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ، هم بقية الله، يعني المهدي، يأتي عند انقضاء هذه النظرة فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما ملئت ظلماً وجوراً».

13- وهو الكوكب الدري والنور الإلهي في الآية

في المحكم والمتشابه/112، عن أميرالمؤمنين عليه السلام في أقسام النور في القرآن، قال: «النور: القرآن، والنور إسم من أسماء الله تعالى، والنور النورية، والنور ضوء القمر والنور ضوء المؤمن، وهو الموالاة التي يلبس لها نوراً يوم القيامة، والنور في مواضع من التوراة والإنجيل والقرآن حجة الله على عباده، وهو المعصوم...فقال تعالى: وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.فالنور في هذا الموضع هو القرآن، ومثله في سورة التغابن قوله تعالى: فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا. يعني سبحانه: القرآن وجميع الأوصياء المعصومين من حملة كتاب الله تعالى وخزانه وتراجمته، الذين نعتهم الله في كتابه فقال: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا، فهم المنعوتون الذين أنار الله بهم البلاد وهدى بهم العباد، قال الله تعالى في سورة النور: اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرض مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ، يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِئُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللهُ بِكُلِّ شَئٍْ عَلِيمٌ. فالمشكاة رسول الله صلى الله عليه وآله والمصباح الوصي والأوصياء عليهم السلام والزجاجة فاطمة عليها السلام والشجرة المباركة رسول الله ، والكوكب الدري القائم المنتظر عليه السلام الذي يملأ الأرض عدلاً».
التوحيد للصدوق/158، عن عيسى بن راشد، عن محمد بن علي بن الحسين عليه السلام في قوله عز وجل: كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ، قال: «المشكاة نور العلم في صدر النبي صلى الله عليه وآله . الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ: الزجاجة صدر علي عليه السلام . صار علم النبي صلى الله عليه وآله إلى صدر علي عليه السلام . الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ: قال: نور. لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ: قال: لا يهودية ولا نصرانية. يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِئُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ: يكاد العالم من آل محمد عليهم السلام يتكلم بالعلم قبل أن يسأل. نُورٌ عَلَى نُورٍ: يعني إماماً مؤيداً بنور العلم والحكمة في إثر إمام من آل محمد عليهم السلام ، وذلك من لدن آدم إلى أن تقوم الساعة، فهؤلاء الأوصياء الذين جعلهم الله عز وجل خلفاءه في أرضه وحججه على خلقه، لاتخلو الأرض في كل عصر من واحد منهم».

14- المهدي والأئمة عليهم السلام هم السبع المثاني

تفسير العياشي:2/250: « عن أبي جعفر عليه السلام في قول الله: وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ، قال: سبعة أئمة والقائم عليه السلام . وعن الإمام الصادق عليه السلام قال: إن ظاهرها الحمد، وباطنها ولد الولد. والسابع منها القائم عليه السلام ».

15- له سيف مذخور من جده عبد المطلب رحمه الله

الكافي:4/220: «عن الحسن بن راشد قال: سمعت أبا إبراهيم عليه السلام يقول: لما احتفر عبد المطلب زمزم وانتهى إلى قعرها، خرجت عليه من إحدى جوانب البئر رائحة منتنة أفظعته، فأبى أن ينثني، وخرج ابنه الحارث عنه، ثم حفر حتى أمعن فوجد في قعرها عيناً تخرج عليه برائحة المسك، ثم احتفر فلم يحفر إلا ذراعاً حتى تجلاه النوم، فرأى رجلاً طويل الباع حسن الشعر جميل الوجه جيد الثوب طيب الرائحة، وهو يقول: إحفرْ تَغْنَمْ، وجُدَّ تسلم، ولا تدخرها للمقسم، الأسياف لغيرك والبئر لك، أنت أعظم العرب قدراً، ومنك يخرج نبيها ووليها، والأسباط النجباء الحكماء العلماء البصراء، والسيوف لهم وليسوا اليوم منك ولا لك، ولكن في القرن الثاني منك، بهم ينيرالله الأرض ويخرج الشياطين من أقطارها، ويذلها في عزها، ويهلكها بعد قوتها، ويذل الأوثان ويقتل عبادها حيث كانوا، ثم يبقى بعده نسل من نسلك هو أخوه ووزيره ودونه في السن... فوجد ثلاثة عشر سيفاً مسندة إلى جنبه، فأخذها وأراد أن يبتَّ فقال: وكيف ولم أبلغ الماء، ثم حفر فلم يحفر شبراً حتى بدا له قرن الغزال ورأسه، فاستخرجه وفيه طبع: لا إله إلا الله محمد رسول الله علي ولي الله فلان خليفة الله، فسألته فقلت: فلان متى كان قبله أو بعده؟ قال: لم يجئ بعد ولا جاء شئ من أشراطه... رأى عبد المطلب أن يبطل الرؤيا التي رآها في البئر، ويضرب السيوف صفائح للبيت، فأتاه رسول الله بالنوم فغشيه وهو في حجر الكعبة، فرأى ذلك الرجل بعينه، وهو يقول: يا شيبة الحمد ضع السيوف في مواضعها... فادفع هذه الثلاثة عشر سيفاً إلى ولد المخزومية، ولا يبان لك أكثر من هذا، وسيف لك منها واحد سيقع من يدك، فلا تجد له أثراً، إلا أن يستجنه جبل كذا وكذا فيكون من أشراط قائم آل محمد!
فانتبه عبد المطلب وانطلق والسيوف على رقبته فأتى ناحية من نواحي مكة ففقد منها سيفاً كان أرقها عنده، فيظهر من ثَمَّ. ونحن نقول: لا يقع سيف من أسيافنا في يد غيرنا إلا رجل يعين به معنا إلا صار فحماً، قال: وإن منها لواحداً في ناحية يخرج كما تخرج الحية فيبين منه ذراع وما يشبهه، فتبرق له الأرض مراراً ثم يغيب، فإذا كان الليل فعل مثل ذلك، فهذا دأبه حتى يجئ صاحبه، ولو شئت أن أسمي مكانه لسميته ولكن أخاف عليكم من أن أسميه فتسموه فينسب إلى غير ما هو عليه».

16- يجتمع أبناء الزهراء عليها السلام في العالم على تأييده

وروايته صحيحة السند تقدمت في فصل السفياني، وهي تدل على أن السادة أبناء علي وفاطمة عليها السلام في كل العالم على اختلاف مذاهبهم يُجمعون على تأييده واتِّباعه عجل الله تعالى فرجه الشريف ! وهو أمرٌ لم يحدث بعد أن كثر أولاد الحسنين عليه السلام وتفرقوا.
ففي الكافي:8/264: «عن عيص بن القاسم قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن أتاكم آت منا فانظروا على أي شئ تخرجون؟...إلا مع من اجتمعت بنو فاطمة معه، فوالله ما صاحبكم إلا من اجتمعوا عليه».
فكل من صح نسبه الى فاطمة يتحرك عرقها فيه وينصره!.

17- يقاتل على السنة ويكمل مهمة جده المصطفى صلى الله عليه وآله

ابن حماد:1/379: «عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وآله قال: هو رجل من عترتي، يقاتل على سنتي كما قاتلت أنا على الوحي». وصواعق ابن حجر/164، والقول المختصر/7 و12، وفيه: «يضرب الناس حتى يرجعوا للحق».
وفي فتوحات ابن عربي:3/332: «وكذا ورد الخبر في صفة المهدي أنه قال صلى الله عليه وآله : يقفو أثري لا يخطئ». وفي/335: «فعرفنا أنه متبع لا متبوع، وأنه معصوم ولا معنى للمعصوم في الحكم إلا أنه لا يخطئ، فإن حكم الرسول لا ينسب إليه خطأ، فإنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.
وقال في/327: يقفو أثر رسول الله صلى الله عليه وآله لايخطئ، له ملك يسدده من حيث لا يراه، يحمل الكَلّ ويُقوي الضعيف في الحق، ويُقري الضيف، ويُعين على نوائب الحق، يفعل ما يقول ويقول ما يعلم، ويعلم ما يشهد».

18- تنتهي التقية بظهوره عليه السلام

في تفسير العياشي:2/351: «عن المفضل قال: وسألته عن قوله:فإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ؟ قال: رفع التقية عند الكشف، فينتقم من أعداء الله». ورواه في البحار:12/207، وقال: «هذا كلام على سبيل التمثيل والتشبيه، أي جعل الله التقية لكم سداً لرفع ضرر المخالفين عنكم إلى قيام القائم عليه السلام ورفع التقية، كما أن ذا القرنين وضع السد لرفع فتنة يأجوج ومأجوج، إلى أن يأذن الله لرفعها».
* *

الفصل العاشر : ( مقام المهدي ، مقام الإمام المهدي عليه السلام عند الله تعالي )

المهدي‌ عليه السلام أحد سبعة سادة أهل الجنة

في كتاب سُلَيْم بن قيس رحمه الله /245، قال: «كانت قريش إذا جلست في مجالسها فرأت رجلاً من أهل البيت قطعت حديثها، فبينما هي جالسة إذ قال رجل منهم: ما مَثَلُ محمد في أهل البيت إلا كمثل نخلة نبتت في كناسة «أي مزبلة»! فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله فغضب ثم خرج فأتى المنبر فجلس عليه حتى اجتمع الناس، ثم قام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال... وأورد خطبة في فضله وفضل أهل بيته صلى الله عليه وآله جاء فيها: «ألا ونحن بنو عبد المطلب سادة أهل الجنة، أنا، وعلي، وجعفر، وحمزة، والحسن، والحسين، وفاطمة، والمهدي».
وروى نحوه الصدوق في أماليه/384، عن أنس، وفيه: نحن بنو عبد المطلب سادة أهل الجنة: رسول الله ، وحمزة سيد الشهداء، وجعفر ذو الجناحين، وعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين، والمهدي. ورواه الطوسي في الغيبة /113، والعمدة /52 و430، والطرائف:1/176، عن الثعلبي. وتأتي بقية مصادره.
وفي سنن ابن ماجة:2/1368: «عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله يقول: نحن ولد عبد المطلب سادة أهل الجنة، أنا، وحمزة، وعلي، وجعفر، والحسن، والحسين، والمهدي».
ومثله الحاكم:3/211، وصححه بشرط مسلم، وفيه: «أنا وعلي وجعفر وحمزة. وتاريخ بغداد:9/434، وفيه: نحن سبعة بنو عبد المطلب سادات أهل الجنة، أنا وعلي أخي وعمي حمزة وجعفر والحسن والحسين والمهدي».
ورواه في تلخيص المتشابه:1/197، والفردوس:1/53، وفيه: بني المطلب سادة. ومقتل الحسين للخوارزمي:1/108، عن أبي نعيم. وبيان الشافعي/488، كابن ماجة، وقال: هذا الحديث صحيح أخرجه ابن ماجة الحافظ في صحيحه كما سقناه، ورزقناه عالياً بحمد الله، وأخرجه الطبراني عن جعفر بن عمر الصباح، عن سعد بن عبد الحميد كما أخرجناه، ورواه أبو نعيم الحافظ في مناقب المهدي بطرق شتى. وذخائر العقبى/15، و89، كابن ماجة بتفاوت يسير. ورواه السلمي في عقد الدرر/144، كتاريخ بغداد، وفتن ابن كثير:1/44، عن ابن ماجة، وقال: أورده البخاري في التاريخ، وابن حاتم في الجرح والتعديل.
وفي المسند الجامع:2/446: «عن أنس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: نحن ولد عبد المطلب سادة أهل الجنة: أنا، وحمزة، وعلي، وجعفر، والحسن، والحسين، والمهدي».
وجامع الأحاديث:6/723، وزوائد ابن ماجة/528، وجامع المسانيد:21/51، ومصباح الزجاجة:2/314، واعتقاد أهل السنة:8/141، والدر النظيم/755 و798، وارتقاء الغرف/214 و253والكشف والبيان:8/312، ومسند شمس الأخبار:2/305، وكفاية الطالب/488، وعوالم النصوص/304، وكلها عن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله كالمسند الجامع. ونحوه العلل المتناهية:1/223.
وفي:2/549، عن ابن سيرين: قال رسول الله صلى الله عليه وآله :«خير هذه الأمة بعد نبيها ستة. قالوا يارسول الله من هم؟ قال: علي وحمزة وجعفر والحسن والحسين والمهدي».
قال ابن الصديق المغربي/542: «وقد وجدت ما يصلح أن يكون للحديث شاهداً، قال الطبراني في المعجم الصغير: حدثنا أحمد بن محمد بن العباس المري القنطري...عن أبي أيوب الأنصاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لفاطمة: «نبينا خير الأنبياء وهو أبوك، وشهيدنا خير الشهداء وهو عم أبيك حمزة، ومنا من له جناحان يطير بهما في الجنة حيث يشاء وهو ابن عم أبيك جعفر، ومنا سبطا هذه الأمة الحسن والحسين وهما ابناك، ومنا المهدي». انتهى.
وفي قرب الإسناد/13، عن أميرالمؤمنين عليه السلام قال: «منا سبعة خلقهم الله عز وجل، لم يخلق في الأرض مثلهم: منا رسول الله صلى الله عليه وآله سيد الأولين والآخرين وخاتم النبيين، ووصيه خير الوصيين، وسبطاه خير الأسباط حسناً وحسيناً، وسيد الشهداء حمزة عمه، ومن قد طار مع الملائكة جعفر، والقائم».
وفي دلائل الإمامة/256: «عن الأصبغ بن نباتة، قال: كنا مع علي عليه السلام بالبصرة وهو على بغلة رسول الله صلى الله عليه وآله وقد اجتمع هو وأصحاب محمد صلى الله عليه وآله فقال: ألا أخبركم بأفضل خلق الله عند الله يوم يجمع الرسل؟ قلنا: بلى يا أميرالمؤمنين، قال: أفضل الرسل محمد، وإن أفضل الخلق بعدهم الأوصياء، وأفضل الأوصياء أنا، وأفضل الناس بعد الرسل والأوصياء الأسباط، وإن خير الأسباط سبطا نبيكم يعني الحسن والحسين، وإن أفضل الخلق بعد الأسباط الشهداء، وإن أفضل الشهداء حمزة بن عبد المطلب، قال ذلك النبي، وجعفر بن أبي طالب ذو الجناحين، مختصان بكرامة خص الله عز وجل بها نبيكم. والمهدي منا في آخر الزمان، لم يكن في أمة من الأمم مهدى ينتظر غيره».

المهدي عليه السلام مختارٌ مصطفىً من الله عز وجل

في الكافي:8/49: عن الإمام الصادق عليه السلام قال: «خرج النبي صلى الله عليه وآله ذات يوم وهو مستبشر يضحك سروراً، فقال له الناس: أضحك الله سنك يا رسول الله وزادك سروراً، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : إنه ليس من يوم ولا ليلة إلا ولي فيهما تحفة من الله، ألا وإن ربي أتحفني في يومي هذا بتحفة لم يتحفني بمثلها فيما مضى، إن جبرئيل أتاني فأقرأني من ربي السلام وقال: يا محمد إن الله عز وجل اختار من بني هاشم سبعة لم يخلق مثلهم فيمن مضى ولا يخلق مثلهم فيمن بقي: أنت يا رسول الله سيد النبيين، وعلي بن أبي طالب وصيك سيد الوصيين، والحسن والحسين سبطاك سيدا الأسباط، وحمزة عمك سيد الشهداء، وجعفر بن عمك الطيار في الجنة يطير مع الملائكة حيث يشاء، ومنكم القائم يصلي عيسى بن مريم خلفه إذا أهبطه الله إلى الأرض، من ذرية علي وفاطمة، من ولد الحسين».
وفي المسترشد/150، عن أبي أيوب الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لفاطمة عليها السلام : «إنا أهل بيت أعطينا سبع خصال لم يعطها أحد من الأولين قبلنا، ولا يدركها أحد من الآخرين غيرنا: نبينا خير الأنبياء وهو أبوك، ووصينا خير الأوصياء وهو بعلك، وشهيدنا خير الشهداء وهو حمزة عمك، ومن له جناحان يطير بهما في الجنة حيث يشاء، وهو جعفر بن أبي طالب ابن عمك، ومنا سبطا هذه الأمة، ومهديهم وُلْدُك».
وفي الإرشاد/24، عن ابن عباس: «لنا أهل البيت سبع خصال ما منهن خصلة في الناس، منا النبي، ومنا الوصي خير هذه الأمة بعده علي بن أبي طالب، ومنا حمزة أسد الله وأسد رسوله وسيد الشهداء، ومنا جعفر بن أبي طالب المزين بالجناحين يطير بهما في الجنة حيث يشاء، ومنا سبطا هذه الأمة وسيدا شباب أهل الجنة الحسن والحسين، ومنا قائم آل محمد الذي أكرم الله به نبيه، ومنا المنصور».
قال في البحار:37/48: «لعل المراد بالمنصور أيضاً القائم عليه السلام بقرينة أنه بالقائم يتم السبع، ويحتمل أن يكون المراد به الحسين عليه السلام فإنه منصور في الرجعة».
أقول: ورد وصف الإمام المهدي عليه السلام بأنه منصور في أكثر من حديث، كما ورد لقباً له في تفسير قوله تعالى: وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً. كما ورد إسماً أو لقباً لوزيره المنصور اليماني..الخ. أما السفاح فلعله ورد وصفاً للإمام المهدي عليه السلام لأنه يُنهي الظلم ويسفح دم أعداء الله تعالى. وكان المسلمون يتداولون أسماء هؤلاء الموعودين ويتصورون أنهم سيظهرون قريباً! وكان اليمانيون يفتخرون بالمنصور الموعود منهم، وأنه وزير المهدي عليه السلام ، وكان القرشيون المتعصبون يدعون أن المنصور منهم.
وروى البخاري توبيخ معاوية لعبدالله بن عمرو بن العاص عندما روى أن المنصور يماني، فتراجع ابن العاص وقال: «إنه لقرشي أبوه، ولو أشاء أن أسميه إلى أقصـى جد هو له لفعلت»! « ابن حماد: 1/120و383 ».
وفي سياق هذا التنافس تبنى العباسيون السفاح والمنصور والمهدي، وسموا بهم أبناءهم! وهم يعلمون أنهم يكذبون ويسرقون فضائل أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله .
وفي النعماني/67، بسندين عن أبي عبدالله عليه السلام عن آبائه عليهم السلام قال رسول الله صلى الله عليه وآله : «إن الله عز وجل اختار من كل شئ شيئاً. اختار من الأرض مكة، واختار من مكة المسجد، واختار من المسجد الموضع الذي فيه الكعبة، واختار من الأنعام إناثها ومن الغنم الضأن، واختار من الأيام يوم الجمعة، واختار من الشهور شهر رمضان، ومن الليالي ليلة القدر، واختار من الناس بني هاشم، واختارني وعلياً من بني هاشم، واختار مني ومن علي الحسن والحسين، وتكملة اثني عشر إماماً من ولد الحسين، تاسعهم باطنهم وهو ظاهرهم، وهو أفضلهم، وهو قائمهم، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين».
وفي إثبات الوصية/225، قال رسول الله صلى الله عليه وآله : «إن الله عز وجل اختار من الأيام يوم الجمعة ومن الليالي ليلة القدر، ومن الشهور شهر رمضان، واختارني من الرسل، واختار مني علياً، واختار من علي الحسن والحسين، واختار منهما تسعة تاسعهم قائمهم، وهو ظاهرهم وهو باطنهم».
ومثله كمال الدين:1/281، ودلائل الإمامة/240، ومقتضب الأثر/9، عن جابر، وفيه: واختار من الحسين حجج العالمين، تاسعهم قائمهم أعلمهم أحكمهم.
وفي المسلك في أصول الدين/273: «عن ابن عباس: قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إن الله أطلع إلى الأرض إطلاعة فاختارني منها، ثم أطلع ثانية فاختار منها علياً، وهو أبو سبطيَّ الحسن والحسين. إن الله جعلني وإياهم حججاً على عباده، وجعل من صلب الحسين عليه السلام أئمة يقومون بأمري، التاسع منهم قائم أهل بيتي ومهدي أمتي».
عن الإمام الصادق عليه السلام ، وفيه: «إن الله عز وجل اختار من الأيام الجمعة، ومن الليالي ليلة القدر، ومن الشهور شهر رمضان، واختار جدي رسول الله من الرسل، واختار منه علياً، واختار من علي الحسن والحسين، واختار من الحسين تسعة أئمة، وتاسعهم ظاهرهم وباطنهم، وهو سمي جده وكنيُّه». غيبة الطوسي/93.
وفي الهداية/374، عن الحسين عليه السلام قال: «دخلت أنا وأخي الحسن على جدي رسول الله صلى الله عليه وآله فأجلسني على فخذه وأجلس أخي على فخذه الآخر وقبّلنا، وقال: بأبي وأمي أنتما من إمامين زكيين صالحين، اختاركما الله عز وجل مني ومن أبيكما وأمكما واختار من صلبك ياحسين تسعة أئمة تاسعهم قائمهم، وكلاكما في المنزلة سواء».
وفي تقريب المعارف/182: «أنت إمام، ابن إمام، أخو إمام، أبو أئمة حجج تسع، تاسعهم قائمهم، أعلمهم أحكمهم أفضلهم». وفي تقريب المعارف/447، عن سلمان رحمه الله قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وقد أجلس الحسين بن علي على فخذه وتفرس في وجهه، ثم قال: إمام ابن إمام أبو أئمة حجج تسع، تاسعُهم قائمُهم أحلمُهم أعلمُهم». وفي/425، عن أبي جعفر عليه السلام قال: «تاسعهم قائمهم».
وفي أمالي الصدوق/504، عن ابن عباس: «قال رسول الله صلى الله عليه وآله : لما عرج بي إلى السماء السابعة ومنها إلى سدرة المنتهى، ومن السدرة إلى حجب النور، ناداني ربي جل جلاله: يا محمد أنت عبدي وأنا ربك، فلي فاخضع، وإياي فاعبد، وعليَّ فتوكل، وبي فثق، فإني قد رضيت بك عبداً وحبيباً ورسولاً ونبياً، وبأخيك علي خليفة وباباً، فهو حجتي على عبادي وإمام لخلقي، به يعرف أوليائي من أعدائي، وبه يميز حزب الشيطان من حزبي، وبه يقام ديني وتحفظ حدودي وتنفذ أحكامي. وبك وبه وبالأئمة من ولده أرحم عبادي وإمائي، وبالقائم منكم أعمر أرضي بتسبيحي وتهليلي وتقديسي وتكبيري وتمجيدي، وبه أطهر الأرض من أعدائي وأورثها أوليائي، وبه أجعل كلمة الذين كفروا بي السفلى وكلمتي العليا، وبه أحيي عبادي وبلادي بعلمي، وله أظهر الكنوز والذخائر بمشيتي، وإياه أظهر على الأسرار والضمائر بإرادتي، وأمده بملائكتي لتؤيده على إنفاذ أمري وإعلان ديني. ذلك وليي حقاً، ومهديُّ عبادي صدقاً».

أخذ الله الميثاق للمهدي عليه السلام

البصائر/70، عن حمران، عن أبي جعفر عليه السلام قال: «إن الله تبارك وتعالى حيث خلق الخلق، خلق ماءً عذباً وماءً مالحاً أجاجاً، فامتزج الماءان، فأخذ طيناً من أديم الأرض فعركه عركاً شديداً، فقال لأصحاب اليمين وهم فيهم كالذر يدبُّون إلى الجنة بسلام، وقال لأصحاب الشمال وهم يدبُّون إلى النار ولا أبالي. ثم قال: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ، قال: ثم أخذ الميثاق على النبيين فقال: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ ثم قال: وأن هذا محمد رسول الله ، وأن هذا علي أميرالمؤمنين؟ قالوا: بلى. فثبتت لهم النبوة. وأخذ الميثاق على أولي العزم ألا إني ربكم، ومحمد رسولي، وعلي أميرالمؤمنين، وأوصياؤه من بعده ولاة أمري وخزان علمي، وإن المهدي أنتصر به لديني، وأظهر به دولتي، وأنتقم به من أعدائي، وأعبد به طوعاً وكرهاً؟ قالوا: أقررنا وشهدنا يا رب.
ولم يجحد آدم ولم يقر فثبتت العزيمة لهؤلاء الخمسة في المهدي، ولم يكن لآدم عزم على الإقرار به، وهو قوله عز وجل: وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً. قال: إنما يعني فترك. ثم أمر ناراً فأججت فقال لأصحاب الشمال: ادخلوها فهابوها، وقال لأصحاب اليمين: ادخلوها فدخلوها فكانت عليهم برداً وسلاماً، فقال أصحاب الشمال: يا رب أقلنا، فقال: قد أقلتكم اذهبوا فادخلوها فهابوها، فثم ثبتت الطاعة والمعصية والولاية».
أقول: إذا صحت الرواية فينبغي أن تكون نسبة الضعف اليه قبل نزوله إلى الدنيا لأن الله تعالى اجتباه وجعله نبياً معصوماً: ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى.

المهدي عليه السلام أحد أربعة أمر الله نبيه صلى الله عليه وآله بحبهم

في كشف اليقين/328: «عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إن الجنة تشتاق إلى أربعة من أهلي قد أحبهم الله، وأمرني بحبهم: علي بن أبي طالب والحسن والحسين والمهدي الذي يصلي خلفه عيسى بن مريم».
واشتهرت صيغة هذا لحديث كما في مجمع الزوائد: 9/307، بسند موثق: «عن أنس: قال رسول الله صلى الله عليه وآله إن الجنة تشتاق إلى أربعة: علي بن أبي طالب وعمار بن ياسر وسلمان الفارسي والمقداد بن الأسود. قلت: رواه الترمذي غير ذكر المقداد، رواه الطبراني». ولا تنافي بين الحديثين، فيكون كل منهما مؤيداً للآخر.

تُرافقهُ غمامةٌ تُظِلُّه وفيها ملَك

بيان الشافعي/511، عن عبد الله بن عمرو قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وآله : يخرج المهدي على رأسه غمامة، فيها مناد ينادي: هذا المهدي خليفة الله فاتبعوه. وقال: هذا حديث حسن ما رويناه إلا من هذا الوجه، أخرجه أبو نعيم في مناقب المهدي عليه السلام ».
ومثله عقد الدرر/135، وفرائد السمطين:2/316، وعنه الفصول المهمة/298، وقال: روته الحفاظ كأبي نعيم والطبراني وغيرهما. وتاريخ الخميس:2/288، وفرائد الفكر/30. وفي بعض الروايات على رأسه عمامة بالعين، وهو تصحيف.وفي تلخيص المتشـابه:1/417: «يخرج المهدي وعلى رأسـه ملك ينادي: إن هذا المهــدي فاتبعـوه». وبيان الشافعي/512، ومثله المغربي/573، وحسَّنه. ومسند الشاميين:2/71.

تظهر على يده معجزات الأنبياء عليهم السلام

إثبات الهداة:3/700، عن إثبات الرجعة للفضل بن شاذان بسندين عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «ما من معجزة من معجزات الأنبياء والأوصياء إلا ويظهر الله تبارك وتعالى مثلها في يد قائمنا، لإتمام الحجة على الأعداء».

حتى المتعصبين فضلوه على أبي بكر وعمر

ابن أبي شيبة:8 /679: «أبو أسامة، عن عوف، عن محمد «بن سيرين» قال: يكون في هذه الأمة خليفة لا يفضل عليه أبو بكر ولا عمر». ورواه الداني/81، وتاريخ الخميس:2/288. وفي ابن حماد:1/358. «قيل لابن سيرين: المهدي خير أو أبو بكر وعمر؟ قال:هو خير منهما ويعدل بنبي...ذكر فتنة تكون فقال: إذا كان ذلك فاجلسوا في بيوتكم حتى تسمعوا على الناس بخير من أبي بكر وعمر، قيل: يا أبا بكر، خير من أبي بكر وعمر؟قال: قد كان يفضل على بعض الأنبياء».
ورواه الحاوي:2/77، والقول المختصر/27و109، وعقد الدرر/148، وتاريخ الخميس:2/289.

رواية أنه طاووس أهل الجنة

الفردوس:4/222: «عن ابن عباس:قال النبي صلى الله عليه وآله : المهدي طاووس أهل الجنة».وفي ابن حماد:1/364:«عن كعب قال:المهدي خاشع لله كخشوع النسر بجناحه». وهذه أقوال تابعين يرون أن الشيخين أفضل الناس، وليست أحاديث نبوية، وهي تدل على مكانة المهدي عليه السلام عند أتباع أبي بكر وعمر! ويكفي لتفضيل المهدي تسمية الله له بالمهدي، فهو يدل على العصمة الكاملة. كما شبهوا خشوعه بخضوع النسر بجناحيه: لأنه يخفضهما عند مشيه أو طيرانه. وكخشوع الزجاجة: أي شفاف الروح كالزجاجة.
* *

الفصل الحادي عشر : ( ملك المهدي ، مدة ملك الإمام المهدي عليه السلام وما يكون بعده )

1- تفاوت الروايات في مدة حكم الإمام المهدي عليه السلام

1- المشهور في مصادر السنيين أنه يحكم سبع سنين أو تسعاً، لكن رووا ما يعارضه، وعقد ابن حماد فصلاً في كتابه الفتن:1/376، بعنوان: قدر ما يملك المهدي، روى فيه أحاديث عن أبي سعيد الخدري وغيره، منها: المهدي يعيش في ذلك، يعني بعدما يملك سبع سنين أو ثمان أو تسع. يكون المهدي في أمتي إن قصر فسبعاً وإلا فثمان وإلا فتسعاً..
عن أبي زرعة عن صباح قال: يمكث المهدي فيكم تسعاً وثلاثين سنة، يقول الصغير ياليتني قد بلغت، ويقول الكبير ياليتني صغيراً..
عن ضمرة بن حبيب قال: حياة المهدي ثلاثون سنة..
عن الصقر بن رستم عن أبيه قال: يملك المهدي سبع سنين، وشهرين وأيام..
عن دينار بن دينار قال: بقاء المهدي أربعون سنة. وقال أحدهما مرة أربعين ومرة أربع وعشرين..
عن الزهري قال: يعيش المهدي أربع عشرة سنة ثم يموت موتاً..
عن علي قال: يلي المهدي أمر الناس ثلاثين أو أربعين سنة.
ويرد الإشكال على رواية السبع سنين بأن مهمة الإمام عليه السلام استثمار جهود جميع الأنبياء عليهم السلام خاصة نبينا صلى الله عليه وآله ، وإقامة دولة العدل الإلهي العالمية، وهذا مشـروع ضخم لا يكفي له بضع سنين. وستعرف أن سبب روايتها اشتباه من الراوي بين مدة ملكه ومدة الهدنة مع الروم.
2- كما روت مصادر الطرفين أنه يحكم تسع عشرة سنة، ففي النعماني/331 و332 و353، بطرق عن أبي عبد الله عليه السلام قال: يملك القائم عليه السلام تسع عشرة سنة وأشهراً.
وفي مختصر البصائر/193: فمن ذلك ما رويناه عن النعماني...عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: يملك القائم تسع عشرة سنة وأشهراً...الخ. ثم قال مؤلف المختصر: فأين موقع هذه التسع عشرة سنة وأشهر من الدعاء له بطول العمر والتمتع في الأرض طويلاً؟! والذي يظهر من هذا ويتبادر إليه الذهن أنه يكون أطول من الزمان الذي انقضى في غيبته، وعمره الشريف اليوم ينيف على الخمس مائة والثلاثين سنة، ويدل على ما قلناه ما تقدم ورويناه عن الصادق عليه السلام أنه سئل: أي العمرين له أطول؟ قال: الثاني بالضعف. وهذا صريح في رجعته». انتهى.
3- وروى ابن حماد:1/378، عن علي عليه السلام أنه قال: «يلي المهدي أمر الناس ثلاثين أو أربعين سنة».
4- كما روي أن المهدي عليه السلام يظهر كأنه ابن ثلاثين سنة، ويعيش عمر الخليل إبراهيم عليه السلام . كما يفهم من بعض رواياته أنه يحكم تسعين سنة، ومن بعضها أربعين. ففي غيبة النعماني/189، عن الإمام الصادق عليه السلام قال: «القائم من ولدي، يُعَمّرعمر الخليل عشرين ومائة سنة يُدرى به، ثم يغيب غيبة في الدهر ويظهر في صورة شاب موفق ابن اثنين وثلاثين سنة، حتى ترجع عنه طائفة من الناس. يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً».
وفي غيبة الطوسي/259: «إن ولي الله عُمِّرَ عُمر إبراهيم الخليل عشرين ومائة سنة، ويظهر في صورة فتى موفق ابن ثلاثين سنة».
وفي دلائل الإمامة/258: «القائم من ولدي يعمَّر عمر خليل الرحمن، يقوم في الناس وهو ابن ثلاثين سنة، ويلبث فيها أربعين سنة، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً».
5- ورد في مصادر الطرفين أن السنين تطول في عصـره، فتكون السبع سنين سبعين سنة. ففي الارشاد/365، عن أبي جعفر عليه السلام في حديث طويل قال: «إذا قام القائم سار إلى الكوفة فهدم بها أربعة مساجد، ولم يبق مسجد على وجه الأرض له شرف إلا هدمها وجعلها جماء، ووسع الطريق الأعظم، وكسر كل جناح خارج في الطريق، وأبطل الكنف والميازيب إلى الطرقات، ولا يترك بدعة إلا أزالها، ولا سنة إلا أقامها، ويفتح قسطنطينية والصين وجبال الديلم، فيمكث على ذلك سبع سنين، كل سنة عشر سنين من سنيكم هذه، ثم يفعل الله ما يشاء. قال قلت له: جعلت فداك فكيف تطول السنون؟ قال: يأمر الله تعالى الفلك باللبوث وقلة الحركة فتطول الأيام لذلك والسنون. قال قلت له: إنهم يقولون: إن الفلك إن تغير فسد قال: ذلك قول الزنادقة، فأما المسلمون فلا سبيل لهم إلى ذلك، وقد شق الله تعالى القمر لنبيه صلى الله عليه وآله ورد الشمس من قبله ليوشع بن نون، وأخبر بطول يوم القيامة وأنه كألف سنة مما تعدون».
وفي الإرشاد:2/381: «روى عبد الكريم الخثعمي قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام : كم يملك القائم؟ قال: سبع سنين، تطول له الأيام والليالي حتى تكون السنة من سنيه مقدار عشر سنين من سنيكم، فيكون سنو ملكه سبعين سنة من سنيكم هذه».
6- روى الجميع عن أميرالمؤمنين وعن الإمام الحسن عليه السلام وابن عباس، أن مدة دولة أهل البيت عليهم السلام ستكون أضعاف مدة دولة بني أمية، ففي شرح الأخبار:2/289 عن أبي سالم قال: «كنا مع علي عليه السلام بالكوفة فقال يوماً من الأيام ونحن عنده: إني سبطٌ من الأسباط أقاتل على حق ليقوم ولن يقوم، والأمر لهم فإذا كثروا فتنافسوا بعث الله عز وجل عليهم أقواماً من هذا المشرق، فقتلهم بدداً وأحصاهم بهم عدداً. والله لا يملكون سنة إلا ملكنا سنتين ولا يملكون سنتين إلا ملكنا أربعاً، وما من فئة تخرج إلى يوم القيامة إلا ولو شئت لسميت لكم سائقها وناعقها. قال فقلت لأصحابي: فما المقام وقد أخبركم أن الأمر لهم؟! قالوا: لا شئ. واستأذناه إلى مصر، فأذن لمن شاء وأقام معه قوم منا». ونحوه ابن حماد:1/193
وفي شرح الأخبار:3/96: «عن الحسن بن علي عليه السلام أنه مر في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله بحلقة فيها قوم من بني أمية فتغامزوا به، وذلك عندما تغلب معاوية على ظاهر أمره، فرآهم وتغامزهم به، فصلى ركعتين ثم جاءهم، فلما رأوه جعل كل واحد منهم يتنحى عنه مجلسه له فقال لهم: كونوا كما أنتم فإني لم أرد الجلوس معكم، ولكن قد رأيت تغامزكم بي: أما والله لا تملكون يوماً إلا ملكنا يومين، ولا شهراً إلا ملكنا شهرين، ولا سنة إلا ملكنا سنتين! وإنا لنأكل في سلطانكم ونشـرب ونلبس ونركب وننكح، وأنتم لا تأكلون في سلطاننا ولا تشربون ولا تلبسون ولا تنكحون. فقال له رجل: وكيف يكون ذلك يا أبا محمد وأنتم أجود الناس وأرأفهم وأرحمهم، تأمنون في سلطان القوم ولا يأمنون في سلطانكم؟ فقال: لأنهم عادونا بكيد الشيطان وكيد الشيطان كان ضعيفاً، وإنا عاديناهم بكيد الله، وكيد الله شديد»!
وتقدم قول ابن عباس من أمالي المفيد/14، جواباً على ادعاء معاوية المهدية مقابل مهدي أهل البيت عليهم السلام ، قال: «وأما افتخارك بالملك الزائل الذي توصلت إليه بالمحال الباطل، فقد ملك فرعون من قبلك فأهلكه الله، وما تملكون يوماً يا بني أمية إلا ونملك بعدكم يومين، ولا شهراً إلا ملكنا شهرين، ولا حولاً إلا ملكنا حولين». والدر المنثور:2/173
7- ثبت استحباب الدعاء لكل إمام ومنهم الإمام المهدي عليهم السلام بهذا الدعاء: «اللهم كن لوليك في هذه الساعة وفي كل ساعة، ولياً وحافظاً وقائداً وناصراً ودليلاً وعيناً، حتى تسكنه أرضك طوعاً، وتمتعه فيها طويلاً». «مصباح المتهجد/630». وعبارة: وتمتعه فيها طويلاً، لاتتناسب مع حكمه لمدة قصيرة كسبع سنين.
وفي الكافي:4/162: «محمد بن عيسى بإسناده عن الصالحين عليهم السلام قال: تكرر في ليلة ثلاث وعشرين من شهر رمضان هذا الدعاء، ساجداً وقائماً وقاعداً وعلى كل حال، وفي الشهر كله وكيف أمكنك ومتى حضرك من دهرك. تقول بعد تحميد الله تبارك وتعالى والصلاة على النبي صلى الله عليه وآله : اللهم كن لوليك فلان بن فلان، في هذه الساعة وفي كل ساعة، ولياً وحافظاً، وناصراً ودليلاً، وقائداً وعيناً، حتى تسكنه أرضك طوعاً وتمتعه فيها طويلاً».
8- وروينا أنه عليه السلام يحكم عدد سني أهل الكهف، ثلاث مئة وتسع سنين، ففي دلائل الإمامة/241، عن الإمام الباقر عليه السلام قال: «سألته متى يقوم قائمكم؟ قال: يا أبا الجارود لا تدركه. فقلت: أهل زمانه، فقال: ولن تدرك أهل زمانه، يقوم قائمنا بالحق بعد إياس من الشيعة، يدعو الناس ثلاثاً فلا يجيبه أحد، فإذا كان اليوم الرابع تعلق بأستار الكعبة فقال: يا رب انصرني، ودعوته لاتسقط، فيقول تبارك وتعالى للملائكة الذين نصروا رسول‌الله صلى الله عليه وآله يوم بدر ولم يحطوا سروجهم ولم يضعوا أسلحتهم، فيبايعونه، ثم يبايعه من الناس ثلاث مائة وثلاثة عشر رجلاً.
ويسير إلى المدينة فيسير الناس «فيقتل مقاتليها» حتى يرضى الله عز وجل، فيقتل ألفاً وخمس مائة قرشي، ليس فيهم إلا فرخ زنية... ويهدم قصر المدينة.
ويسير إلى الكوفة فيخرج منها ستة عشرألفاً من البترية، شاكين في السلاح، قراء قرآن فقهاء في الدين، قد قرحوا جباههم وشمّروا ثيابهم وعمهم النفاق، وكلهم يقولون: يا ابن فاطمة إرجع لاحاجة لنا فيك! فيضع السيف فيهم على ظهر النجف عشية الإثنين من العصر إلى العشاء، فيقتلهم أسرع من جزر جزور، فلا يفوت منهم رجل، ولا يصاب من أصحابه أحد، دماؤهم قربان إلى الله!
ثم يدخل الكوفة فيقتل مقاتليها حتى يرضى الله. قال: فلم أعقل المعنى، فمكثت قليلاً ثم قلت: جعلت فداك وما يدريه جعلت فداك متى يرضى الله عز وجل؟ قال: يا أبا الجارود إن الله أوحى إلى أم موسى وهو خير من أم موسى، وأوحى الله إلى النحل وهو خير من النحل، فعقلت المذهب! فقال لي: أعقلت المذهب؟ قلت: نعم. فقال: إن القائم ليملك ثلاث مائة وتسع سنين كما لبث أصحاب الكهف في كهفهم، يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً، ويفتح الله عليه شرق الأرض وغربها. يقتل الناس حتى لايرى إلا دين محمد صلى الله عليه وآله ، يسير بسيرة سليمان بن داود، يدعو الشمس والقمر فيجيبانه، وتطوى له الأرض فيوحي الله إليه فيعمل بأمر الله».
ومثله غيبة الطوسي/283، و474، وفيه: كما لبث أهل الكهف في كهفهم.. ويفتح الله له شرق الأرض وغربها».
فالرواية صريحة في أنه يملك بعدد سني أهل الكهف.
9- يؤيد ما تقدم رواية صحيحة السند مشكلة المتن، روتها عدة مصادر، وهي في تفسير العياشي:2/326، وغيبة النعماني/331: «أخبرنا أحمد بن محمد بن سعيد بن عقدة قال: حدثنا محمد بن المفضل بن إبراهيم بن قيس بن رمانة الأشعري، وسعدان بن إسحاق بن سعيد، وأحمد بن الحسين بن عبد الملك الزيات ومحمد بن أحمد بن الحسن القطواني، عن الحسن بن محبوب، عن عمرو بن ثابت، عن جابر بن يزيد الجعفي قال: سمعت أبا جعفر محمد بن علي عليه السلام يقول: والله ليملكن رجل منا أهل البيت الأرض بعد موته ثلاثمائة سنة ويزداد تسعاً. قال قلت: فمتى ذلك؟قال: بعد موت القائم. قال قلت:وكم يقوم القائم في عالمه حتى يموت؟ قال: تسع عشرة سنة من يوم قيامه إلى يوم موته، قال قلت: فيكون بعد موته هرج؟ قال: نعم، خمسين سنة، قال: ثم يخرج المنصور إلى الدنيا، فيطلب بدمه ودم أصحابه فيقتل ويسبي حتى يقال لو كان هذا من ذرية الأنبياء ما قتل الناس كل هذا القتل، فيجتمع الناس عليه أبيضهم وأسودهم فيكثرون عليه حتى يلجؤونه إلى حرم الله، فإذا اشتد البلاء عليه مات المنتصر، وخرج السفاح إلى الدنيا غضباً للمنتصر فيقتل كل عدو لنا جائر، ويملك الأرض كلها، ويصلح الله له أمره ويعيش ثلاث مائة سنة ويزداد تسعاً.
ثم قال أبو جعفر: يا جابر، وهل تدري من المنتصـر والسفاح؟ ياجابر المنتصـر الحسين والسفاح أميرالمؤمنين، صلوات الله عليهم أجمعين».
أقول: في هذه الرواية غموض، ولعلها تتحدث عن الرجعة وليس عن الظهور بعد الغيبة. وقد يعبرعن الغيبة بالموت مجازاً كما ورد في رواية غيبة الطوسي/282.
عن أبي سعيد الخراساني، قال: «قلت لأبي عبد الله عليه السلام : المهدي والقائم واحد؟ فقال: نعم. فقلت: لأي شئ سمي المهدي؟ قال: لأنه يهدى إلى كل أمر خفي وسمي القائم لأنه يقوم بعدما يموت، إنه يقوم بأمر عظيم».
وفي رواية معاني الأخبار/64: «وسمي القائم قائماً، لأنه يقوم بعد موت ذكره».
ونحوها مختصر البصائر/18و106: «عن بريدة الأسلمي: قال رسول الله صلى الله عليه وآله : كيف أنت إذا استيأست أمتي من المهدي فيأتيها مثل قرن الشمس، يستبشر به أهل السماء وأهل الأرض! فقلت: يا رسول الله بعد الموت؟ فقال: والله إن بعد الموت هدى وإيماناً ونوراً! قلت: يا رسول الله أي العمرين أطول؟ قال الآخر بالضعف».
ويرد الإشكال في عبارة: «قلت: متى يكون ذلك؟قال: بعد القائم عليه السلام . قلت: وكم يقوم القائم في عالمه؟ قال: تسع عشرة سنة» فلعل فيها سقطاً وأصلها «بعد غيبة القائم» كما أن سؤاله الثاني: كم يقوم في عالمه؟ غير مفهوم، فهي فقرةٌ مضطربة، ويبدو أن فيها خللاً من النساخ.

ملاحظات

الملاحظة الأولى: لعل أصل الأحاديث التي تذكر أن مدة حكمه عليه السلام سبع سنين، أن النبي صلى الله عليه وآله سئل فعقد بيده الشريفة أصابعها الخمس، ثم عقد من الثانية إصبعين، ففسره الرواة بسبع، ومن الشائع في العربية تصحيف سبع بتسع.
لكن قد يكون قصده سبع مراحل أو سبعة عقود مثلاً، فحصروها بالسنين. لاحظ أصل رواياتها: روى الحاكم:4/557، وصححه على شرط مسلم، عن أبي سعيد: قال رسول الله صلى الله عليه وآله : «المهدي منا أهل البيت، أشم الأنف أقنى أجلى، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، يعيش هكذا، وبسط يساره وإصبعين من يمينه: المسبحة والإبهام، وعقد الثلاثة». وأشم الأنف أقنى: مرتفع قصبته مع إشراف أرنبته. أجلى: منحسر الشعر عن جبهته.
وفي المعجم الأوسط:10/209: «عن أبي سعيد: يعيش هكذا، وبسط كفه اليمنى وبسط إلى جنبها إصبعين، وبسط كفه اليسرى».
وفي جمع الفوائد:3/181: «عن أبي سعيد: قال النبي صلى الله عليه وآله : منا أهل البيت أشم الأنف أقنى أجلى يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، يعيش هكذا، وبسط يساره وإصبعين من يمينه: السبابة والإبهام وعقد ثلاثة».
وفي مسند أبي يعلى:12/19: عن أبي هريرة: «لا تقوم الساعة حتى يخرج عليهم رجل من أهل بيتي، فيضربهم حتى يرجعوا إلى الحق. قال قلت: وكم يكون؟ قال: خمس واثنين، قال: قلت: ما خمس واثنين؟ قال: لا أدري».
أقول: أساس قول الرواة سبع سنين أن النبي صلى الله عليه وآله عقد بيده خمساً واثنين، لكن لا دليل على أن مقصوده سبع سنين!
الملاحظة الثانية: ولعل بعض الرواة وقع في اشتباه في الهدنة التي تكون بين الإمام المهدي عليه السلام والروم، والتي ورد أنها تدوم سبع سنين، فتصور أنها ملكه يدوم سبعاً! ففي الطبراني الكبير:8/101و120، عن أبي أمامة: «قال رسول الله صلى الله عليه وآله : سيكون بينكم وبين الروم أربع هدن، يوم الرابعة على يد رجل من أهل هرقل، يدوم سبع سنين. فقال له رجل من عبد القيس يقال له المستورد بن خيلان: يا رسول الله مَن إمام الناس يومئذ؟ قال: المهدي من ولدي ابن أربعين سنة، كأن وجهه كوكب دري في خده الأيمن خال أسود، عليه عباءتان قطوانيتان كأنه من رجال بني إسرائيل، يملك عشرين سنة، يستخرج الكنوز ويفتح مدائن الشرك».
ونحوه مسند الشاميين:2/410، وعقد الدرر للسلمي/15، عن أبي نعيم. والإصابة:6/71 و:3/407، وأسد الغابة:4/353 والفصول المهمة/298، وجمع الجوامع:1/545، وصواعق بن حجر/98، وبيان الشافعي/514. ومثله أسد الغابة:4/353، وفرائد السمطين:2/314، وكشف الغمة:3/260، وعنه إثبات الهداة:3/593، والبحار:51/80. وضعفه في مجمع الزوائد:7/319، ورده ابن حجر في لسان الميزان:4/383، ولكنهما لم يستوفيا طرقه.
ويوم الرابعة: أي يوم عقد الهدنة الرابعة. والعباءة القطوانية: البيضاء القصيرة الخمل. كأنه من رجال بني إسرائيل: أي جميل، يشبه في كمال بدنه أبناء يعقوب وإبراهيم عليهم السلام .
وروى ابن حماد:1/399: «عن محمد بن الحنفية قال: ينزل خليفة من بني هاشم بيت المقدس يملأ الأرض عدلاً، يبني بيت المقدس بناءً لم يبن مثله، يملك أربعين سنة، وتكون هدنة الروم على يديه في سبع سنين بقين من خلافته ثم يغدرون به، ثم يجتمعون له بالعمق فيموت فيها غماً، ثم يلي بعده رجل من بني هاشم، ثم تكون هزيمتهم وفتح القسطنطينية على يديه، ثم يسير إلى رومية فيفتحها ويستخرج كنوزها ومائدة سليمان بن داود، ثم يرجع إلى بيت المقدس فينزلها ويخرج الدجال في زمانه وينزل عيسى بن مريم عليه السلام فيصلي خلفه».
أقول: ما رواه ابن حماد مردود، ويظهر أنه خيال من راوٍ نسبه الى محمد ابن الحنفية رحمه الله .

2- عظمة الملك الذي يعطيه الله لوليه المهدي عليه السلام

تواترت أحاديث الجميع أن الإمام المهدي عليه السلام يملك مشارق الأرض ومغاربها ويملؤها قسطاً وعدلاً، وهو أمر لا سابقة له في تاريخ الأنبياء وأوصيائهم عليهم السلام ! وتقدم من غيبة الطوسي/283: «ويفتح الله عليه شرق الأرض وغربها... يدعو الشمس والقمر فيجيبانه، وتطوى له الأرض فيوحي الله إليه فيعمل بأمر الله».
وفي الخصال/248: «عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن الله تبارك وتعالى لم يبعث الأنبياء ملوكاً في الأرض إلا أربعة بعد نوح: ذو القرنين وإسمه عياش، وداود، وسليمان، ويوسف عليهم السلام . فأما عياش فملك ما بين المشرق والمغرب، وأما داود فملك ما بين الشامات إلى بلاد إصطخر، وكذلك كان ملك سليمان. وأما يوسف فملك مصر وبراريها، لم يجاوزها إلى غيرها. قال مصنف هذا الكتاب رضي الله عنه: جاء هذا الخبر هكذا، والصحيح الذي أعتقده في ذي القرنين أنه لم يكن نبياً، وإنما كان عبداً صالحاً أحب الله فأحبه الله ونصح لله فنصحه الله، قال أميرالمؤمنين عليه السلام : وفيكم مثله، وذو القرنين ملك مبعوث وليس برسول ولا نبي، كما كان طالوت، قال الله عز وجل: وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً. وقد يجوز أن يذكر في جملة الأنبياء من ليس بنبي، كما يجوز أن يذكر في جملة الملائكة من ليس بملك قال الله عز وجل ثناؤه: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ».
وفي كمال الدين:1/282، عن أميرالمؤمنين عليه السلام : «قال رسول الله صلى الله عليه وآله : الأئمة بعدي اثنا عشر أولهم أنت يا علي، وآخرهم القائم الذي يفتح الله عز وجل على يديه مشارق الأرض ومغاربها».
ومثله عيون أخبار الرضا:1/56، ونحوه أمالي الصدوق/97، و502. وروضة الواعظين:1/102، والمناقب:1/298،وإثبات الهداة:1/616، و نوادر الأخبار/128: «عن السجاد عن أبيه عن جده: قال رسول الله صلى الله عليه وآله : الأئمة من بعدي اثنا عشـر، أولهم أنت ياعلي، وآخرهم القائم الذي يفتح الله عز وجل على يديه مشارق الأرض ومغاربها».
وفي تفسير القمي:2/87: «أبو الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله تعالى: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَللهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ..الآية. قال عليه السلام : «وهذه الآية لآل محمد عليهم السلام .. والمهدي وأصحابه يملكهم الله مشارق الأرض ومغاربها، ويظهر الدين ويميت الله به وأصحابه البدع والباطل، كما أمات السُّفَّهُ الحق حتى لا يرى أثر للظلم».
وفي العياشي:1/183، عن رفاعة بن موسى قال: «سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرض طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ، قال: إذا قام القائم عليه السلام لايبقى أرض إلا نودي فيها بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ».
عن ابن بكير قال: «سألت أبا الحسن عليه السلام عن قوله: وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرض طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ؟ قال: أنزلت في القائم إذا خرج «أمر» باليهود والنصارى والصابئين والزنادقة وأهل الردة والكفار، في شرق الأرض وغربها، فعرض عليهم الإسلام، فمن أسلم طوعاً أمره بالصلاة والزكاة وما يؤمر به المسلم ويجب لله عليه، ومن لم يسلم ضرب عنقه، حتى لايبقى في المشارق والمغارب أحد إلا وحد الله! قلت له: جعلت فداك، إن الخلق أكثر من ذلك فقال: إن الله إذا أراد أمراً قلل الكثير وكثر القليل».
أقول: يشكل قبول ما في هذه الرواية: ومن لم يسلم ضرب عنقه، لأنه عليه السلام يستعمل طرق الإقناع للناس ويخيرهم، ولا يجبرهم.
وفي الإرشاد/364، عن علي بن عقبة، عن أبيه قال: «إذا قام القائم عليه السلام حكم بالعدل، وارتفع في أيامه الجور، وأمنت به السبل، وأخرجت الأرض بركاتها، وردّ كل حق إلى أهله ولم يبق أهل دين حتى يظهروا الإسلام ويعترفوا بالإيمان.
أما سمعت الله سبحانه يقول: وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرض طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ، وحكم بين الناس بحكم داود وحكم محمد صلى الله عليه وآله ، فحينئذ تظهر الأرض كنوزها وتبدي بركاتها، ولا يجد الرجل منكم يومئذ موضعاً لصدقته ولبره، لشمول الغنى جميع المؤمنين! ثم قال: إن دولتنا آخر الدول ولم يبق أهل بيت لهم دولة إلا ملكوا قبلنا، لئلا يقولوا إذا رأوا سيرتنا إذا ملكنا سرنا بمثل سيرة هؤلاء، وهو قول الله تعالى: والعَاقِبَةُ لِلمُتَّقِين».
وفي غيبة الطوسي/283: عن أبي بصير عن الإمام الصادق عليه السلام ، جاء فيه:«ثم يتوجه إلى كابل شاه وهي مدينة لم يفتحها أحد قط غيره فيفتحها، ثم يتوجه إلى الكوفة فينزلها وتكون داره، ويبهرج سبعين قبيلة من قبائل العرب.. تمام الخبر. وفي خبر آخر: يفتح قسطنطينية والرومية وبلاد الصين».
وفي ينابيع المودة:3/238، قال جابر الأنصاري: «قال رسول الله صلى الله عليه وآله :المهدي من ولدي الذي يفتح الله به مشارق الأرض ومغاربها، ذاك الذي يغيب عن أوليائه غيبة لا يثبت على القول بإمامته إلا من امتحن الله قلبه للإيمان».
وفي كتاب سليم/152، والنعماني/74، في حديث شمعون بن حمون الراهب الذي لقي أميرالمؤمنين عليه السلام في رجوعه من صفين، وهو طويل فيه وصف النبي صلى الله عليه وآله والأئمة بعده، جاء فيه: «حتى يبعث الله رجلاً من العرب من ولد إسماعيل بن إبراهيم خليل الله، من أرض تدعى تهامة، من قرية يقال لها مكة، يقال له أحمد، الأنجل العينين، المقرون الحاجبين، صاحب الناقة والحمار والقضيب والتاج يعني العمامة. له اثنا عشر إسماً. ثم ذكر مبعثه ومولده وهجرته ومن يقاتله ومن ينصـره ومن يعاديه، وكم يعيش، وما تلقى أمته بعده إلى أن ينزل الله عيسى بن مريم من السماء، فذكر في الكتاب ثلاثة عشر رجلاً من ولد إسماعيل بن إبراهيم خليل الله صلى الله عليهم، هم خير من خلق الله وأحب من خلق الله إلى الله، وأن الله ولي من والاهم وعدو من عاداهم، من أطاعهم اهتدى ومن عصاهم ضل، طاعتهم لله طاعة ومعصيتهم لله معصية. مكتوبة فيه أسماؤهم وأنسابهم ونعتهم وكم يعيش كل رجل منهم، واحداً بعد واحد، وكم رجل منهم يستتر بدينه ويكتمه من قومه، ومن يظهر حتى ينزل الله عيسى صلى الله عليه على آخرهم، فيصلي عيسى خلفه ويقول: إنكم أئمة لاينبغي لأحد أن يتقدمكم، فيتقدم فيصلي بالناس وعيسى خلفه إلى الصف الأول، أولهم أفضلهم، وآخرهم له مثل أجورهم وأجور من أطاعهم واهتدى بهداهم..فأول من يظهر منهم يملأ جميع بلاد الله قسطاً وعدلاً، ويملك ما بين المشرق والمغرب حتى يظهره الله على الأديان كلها».
وسيأتي في فصل تطور العلوم أنه عليه السلام يركب السحاب ويرقى في أسباب السماوات السبع والأرضين السبع، خمس عوامر واثنان خرابان». «الإختصاص/199» وأن مجتمع الأرض ينفتح على مجتمعات الكواكب الأخرى!
كما يأتي في فصل الآيات المفسرة ما يدل على سعة ملكه عليه السلام كقوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْـرِكُونَ.«التوبة:33». وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرض كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً».«النور:55». وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ للهِ.. «البقرة:193».
كما ينبغي أن نشير إلى تفسير أهل البيت عليهم السلام للملك العظيم في قوله تعالى: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً، وأنه الطاعة المفروضة للنبي وآله صلى الله عليه وآله وهي أعظم مما أعطي الأنبياء عليهم السلام . «بصائر الدرجات/55».

3- هل يقتل الإمام عليه السلام أم يموت موتاً طبيعياً؟

كنت أشك في عموم حديث: «ما منَّا إلا مقتولٌ أو مسموم» لكني وصلت الى الإطمئنان بصحته، وشموله لجميع الأئمة الإثني عشـر عليهم السلام . وعليه فالإمام المهدي عليه السلام يموت شهيداً بالسم، لكن الدولة تستمر بعده. وقد صح أن الإمام الحسين عليه السلام يتولى تجهيزه والصلاة عليه، ويحكم بعده مباشرة، ثم تكون رجعة النبي صلى الله عليه وآله ..الخ.
والروايات التي تدل على شهادة الإمام عليه السلام خمس روايات فيها صحيح السند، ففي كفاية الأثر/160: «عن هشام بن محمد، عن أبيه قال: لما قتل أميرالمؤمنين عليه السلام رقى الحسن بن علي عليه السلام فأراد الكلام فخنقته العبرة، فقعد ساعة ثم قام وقال: الحمد لله الذي كان في أوليته وحدانياً وفي أزليته متعظماً.. والحمد لله الذي أحسن الخلافة علينا أهل البيت، وعند الله نحتسب عزاءنا في خير الآباء رسول الله صلى الله عليه وآله وعند الله نحتسب عزاءنا في أميرالمؤمنين عليه السلام وقد أصيب به الشرق والغرب، ولقد حدثني جدي رسول الله صلى الله عليه وآله أن الأمر يملكه اثنا عشر إماماً من أهل بيته وصفوته، ما منا إلا مقتول أو مسموم».
وفي كفاية الأثر/226: «عن جنادة بن أبي أمية قال: دخلت على الحسن بن علي في مرضه الذي توفي فيه، وبين يديه طشت يقذف فيه الدم، ويخرج كبده قطعة قطعة من السم الذي أسقاه معاوية لعنه الله، فقلت: يا مولاي ما لك لا تعالج نفسك؟ فقال: يا عبد الله بماذا أعالج الموت؟! قلت: إنا لله وإنا إليه راجعون! ثم التفت إليَّ وقال: والله إنه لعهد عهده إلينا رسول الله صلى الله عليه وآله أن هذا الأمر يملكه اثنا عشر إماماً من ولد علي وفاطمة، ما منا إلا مسموم أو مقتول! ثم رُفعت الطشت واتكأ صلوات الله عليه فقلت: عظني يا ابن رسول الله . قال: نعم، إستعد لسفرك وحصِّل زادك قبل حلول أجلك، واعلم أنك تطلب الدنيا والموت يطلبك، واعلم أنك لا تكسب من المال شيئاً فوق قوتك إلا كنت فيه خازناً لغيرك، واعلم أن في حلالها حساباً وفي حرامها عقاباً وفي الشبهات عتاباً، فأنزل الدنيا بمنزلة الميتة خذ منها ما يكفيك، فإن كان ذلك حلالاً كنت قد زهدت فيها، وإن كان حراماً لم تكن قد أخذت من الميتة، وإن كان العتاب فإن العتاب يسير..الخ.».
وفي أمالي الصدوق/120، وعيون أخبار الرضا عليه السلام :1/287، عن أبي الصلت الهروي قال: «سمعت الرضا عليه السلام يقول: والله ما منا إلا مقتول شهيد. فقيل له: فمن يقتلك يا ابن رسول الله ؟ قال: شر خلق الله في زماني يقتلني بالسم، ثم يدفنني في دار مضيعة وبلاد غربة».
وعنه أيضاً عليه السلام في:2/220: «وما منا إلا مقتول، وإني والله لمقتول بالسم باغتيال من يغتالني! أعرف ذلك بعهد معهود إلي من رسول الله صلى الله عليه وآله أخبره به جبرئيل عن رب العالمين عز وجل. وأما قول الله عز وجل: وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً، فإنه يقول لن يجعل الله لكافر على مؤمن حجة، ولقد أخبر الله عز وجل عن كفار قتلوا النبيين بغير الحق، ومع قتلهم إياهم لن يجعل لهم على أنبيائه عليهم السلام سبيلاً من طريق الحجة».
وفي غيبة الطوسي/388: «محمد بن أحمد الصفواني قال: حدثني الشيخ الحسين بن روح رضي الله عنه أن يحيى بن خالد سم موسى بن جعفر في إحدى وعشرين رطبة، وبها مات، وأن النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام ما ماتوا إلا بالسيف أو السم، وقد ذكر عن الرضا عليه السلام أنه سم وكذلك ولده وولد ولده».
فشهادة المعصومين عليهم السلام بالقتل أو بالسم صحيحة،وهنا بحوث لا يتسع لها المجال.

4- ما يكون بعد المهدي عليه السلام

تدخل الحياة على الأرض في عصر الإمام المهدي عليه السلام طّوْراً جديداً كلياً، من معالمه: الإنفتاح على العوالم والكواكب الأخرى في الكون الفسيح، وإحياء الله تعالى لعدد من الأموات، وبدءالإنفتاح على الآخرة والجنة!
ولعل السبب في أن النبي صلى الله عليه وآله لم يذكر السنين أنه يتبادر الى الذهن منها المعروفة. وهذا ينفع لفهم روايات الرجعة، وموت الإمام المهدي عليه السلام ورجعته!
ففي الإرشاد:2/211: «عن عبد الكريم الخثعمي قال: قلت لأبي عبدالله عليه السلام :كم يملك القائم؟ قال: سبع سنين، تطول له الأيام والليالي حتى تكون السنة من سنيه مقدار عشر سنين من سنيكم، فيكون سنو ملكه سبعين سنة من سنيكم هذه، وإذا آن قيامه مطر الناس جمادى الآخرة وعشرة أيام من رجب مطراً لم ير الخلائق مثله، فينبت الله به لحوم المؤمنين وأبدانهم في قبورهم، فكأني أنظر إليهم مقبلين من قبل جهينة ينفضون شعورهم من التراب».

5- دولة أهل البيت عليهم السلام تمتد الى يوم القيامة

في غيبة الطوسي/282، وطبعة 472: «عن أبي جعفر عليه السلام قال: دولتنا آخر الدول، ولم يبق أهل بيت لهم دولة إلا ملكوا قبلنا، لئلا يقولوا إذا رأوا سيرتنا: إذا ملكنا سرنا مثل سيرة هؤلاء، وهو قول الله عز وجل: والعَاقِبَةُ لِلمُتَّقِين».
والإرشاد/364، وروضة الواعظين:2/265، وإعلام الورى/432، وكشف الغمة:3/255، وإثبات الهداة:3/528، ومنتخب الأنوار/194.
وفي غيبة النعماني/274: «عن الإمام الصادق عليه السلام قال: ما يكون هذا الأمرحتى لا يبقى صنف من الناس إلا وقد وَلُوا على الناس، حتى لايقول قائل إنا لو ولينا لعدلنا ثم يقوم القائم بالحق والعدل».
وفي تفسير العياشي:1/199: «عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله: وَتِلْكَ الأيام نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ؟ قال: ما زال مذ خلق الله آدم: دولة لله ودولة لإبليس، فأين دولة الله؟ ما هو إلا قائم واحد».
وفي الكافي:8/287: «عن أبي جعفر عليه السلام في قوله عز وجل: وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً؟ قال: إذا قام القائم ذهبت دولة الباطل».
عن أبي جعفر عليه السلام في قوله عز وجل: قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ، إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ: قال: هو أميرالمؤمنين عليه السلام . وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ: قال: عند خروج القائم عليه السلام . وفي قوله عز وجل: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ: قال: اختلفوا كما اختلفت هذه الأمة في الكتاب، وسيختلفون في الكتاب الذي مع القائم الذي يأتيهم به حتى ينكره ناس كثير، فيقدمهم فيضرب أعناقهم. وأما قوله عز وجل: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: قال: لولا ما تقدم فيهم من الله عز وجل ما أبقى القائم عليه السلام منهم واحداً. وفي قوله عز وجل: وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ: قال: بخروج القائم عليه السلام . وفي قوله عز وجل: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ: قال: يعنون بولاية علي عليه السلام . وفي قوله عز وجل: وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً: قال: إذا قام القائم ذهبت دولة الباطل».
وفي أمالي الصدوق/396: «كان الصادق جعفر بن محمد عليه السلام يقول:
لكــلِّ أُنَاسٍ دولةٌ يَـرْقُـبُونَـهَا ودولتُنا في آخر الدَّهْرِ تَظْهَرُ».
وتقدم ما يدل على استمرار دولتهم عليهم السلام وأنه لا ظلم بعدها ولا دولة بعدها.

6- من هم الذين يحكمون بعد المهدي عليه السلام

تمتد الدولة الإلهية قروناً على يد المهدي عليه السلام وتتطور الحياة كثيراً، ويرجع النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام الى الحياة الدنيا في زيارات، وبعضهم يحكم مدةً. كما يحكم أخيارٌ من أبناء الحسين أو أبناء المهدي عليه السلام . أما نزول عيسى فيكون في زمن المهدي عليه السلام ويبقى مدة ويتوفى.وأما الدجال فيخرج في زمن المهدي عليه السلام فيقتله المهدي.
وذكرت الروايات أن الحياة على الأرض تختم بعلامات الساعة، ولعل أولها دابة الأرض التي تكلم الناس، وآخرها النفخ في الصور بداية قيام القيامة. وقد صح عندنا أن أول من يرجع الإمام الحسين عليه السلام : «فيدفع إليه القائم الخاتم فيكون الحسين عليه السلام هو الذي يلي غسله وكفنه وحنوطه، ويواريه في حفرته... فيملك حتى تقع حاجباه على عينيه من الكبر». « مختصر البصائر/48 و22و27»
ووردت الرواية بأنه يملك بعد المهدي عليه السلام أيضاً اثنا عشر من ولد الحسين عليه السلام ولم أرَ رواية تعين وقت ملكهم، وهل هم متتالون أم لا؟ والمفهوم من تعبير «وُلْد الحسين» أنهم أعم من أبناء المهدي عليه السلام أو غيره من ذرية الحسين عليه السلام .
ففي غيبة الطوسي/285، عن الصادق عليه السلام من حديث: «يا أبا حمزة، إن منا بعد القائم أحد عشر مهدياً من ولد الحسين». وفي مختصر البصائر/182: «إن منا بعد القائم إثنا عشر مهدياً من ولد الحسين».
وفي شرح الأخبار:3/400: «يقوم القائم منا، ثم يكون بعده اثنا عشر مهدياً».
وقد صرحت الرواية بأنهم حكام يدعون الى ولاية الأئمة عليهم السلام وليسوا أئمة، ففي كمال الدين:2/358، عن أبي بصير قال: «قلت للصادق جعفر بن محمد عليه السلام : يا ابن رسول الله إني سمعت من أبيك عليه السلام أنه قال: يكون بعد القائم اثنا عشـر مهدياً؟ فقال: إنما قال اثنا عشر مهدياً ولم يقل اثنا عشر إماماً، ولكنهم قوم من شيعتنا يدعون الناس إلى موالاتنا ومعرفة حقنا».
وقد أوضحت الرواية التالية أن حجج الله على خلقه بعد النبي صلى الله عليه وآله هم الأئمة الإثنا عشر عليهم السلام فقط، وأن غيرهم لا يكون حجة بهذا المعنى. ففي الإحتجاج:1/81، عن الإمام الباقر عليه السلام في حديث طويل عن خطبة النبي صلى الله عليه وآله في الغدير جاء فيه: «معاشر الناس: النور من الله عز وجل فيَّ مسلوكٌ ثم في علي، ثم في النسل منه إلى القائم المهدي، الذي يأخذ بحق الله وبكل حق هو لنا، لأن الله عز وجل قد جعلنا حجة على المقصرين والمعاندين والمخالفين والخائنين والآثمين والظالمين من جميع العالمين. ألا إن خاتم الأئمة منا القائم المهدي، ألا إنه الظاهر على الدين، ألا إنه المنتقم من الظالمين، ألا إنه فاتح الحصون وهادمها، ألا إنه قاتل كل قبيلة من أهل الشرك، ألا إنه مدرك بكل ثار لأولياء الله، ألا إنه الناصر لدين الله، ألا إنه الغراف في بحر عميق، ألا إنه يَسِمُ كل ذي فضل بفضله، وكل ذي جهل بجهله، ألا إنه خيرة الله ومختاره، ألا إنه وارث كل علم والمحيط به، ألا إنه المخبر عن ربه عز وجل، والمنبه بأمر إيمانه، ألا إنه الرشيد السديد، ألا إنه المفوض إليه، ألا إنه قد بشر به من سلف بين يديه، ألا إنه الباقي حجةً ولا حجة بعده، و لا حق إلا معه ولا نور إلا عنده، ألا إنه لا غالب له ولا منصور عليه ألا وإنه ولي الله في أرضه، وحكمه في خلقه، وأمينه في سره وعلانيته.
ألا إن الحلال والحرام أكثر من أن أحصيهما وأعرفهما، فآمر بالحلال وأنهى عن الحرام في مقام واحد، فأمرت أن آخذ البيعة منكم والصفقة بقبول ما جئت به عن الله عز وجل في علي أميرالمؤمنين والأئمة من بعده، الذين هم مني ومنه، أئمة قائمة منهم المهدي إلى يوم القيامة الذي يقضي بالحق».
وفي المقابل توجد رواية واحدة غير تامة السند تدل على أنه يحكم بعد المهدي عليه السلام إثنا عشر من ذريته.
ففي غيبة الطوسي/151، في حديث ذكر فيه النبي صلى الله عليه وآله الأئمة من عترته عليهم السلام قال: «فذلك اثنا عشر إماماً، ثم يكون من بعده اثنا عشر مهدياً، فإذا حضـرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه أول المقربين، له ثلاثة أسامي: اسم كإسمي، وإسم أبي وهو عبد الله وأحمد، والإسم الثالث المهدي هو أول المؤمنين».
وبهذه الرواية حاول شخص من البصرة إسمه أحمد أن يستدل على أنه ابن المهدي وسفيره ووصيه عليه السلام ، وأن إسمه أحمد ومحمد وعبد الله! وفي نفس الوقت ادعى أنه اليماني! واستعمل التزوير وأساليب التضليل والإغراء بالمال.
وقد رددنا على أباطيله في كتاب باسم: دجال البصرة، وقلنا: لم يذكر المدعي وجه الإستدلال بالرواية، لكن غرضه الفقرة الأخيرة منها، وهي التي تأمر الإمام المهدي بأن يسلم الوصية أو الإمامة عندما تحضره الوفاة الى «ابنه أول المقربين» الذي له ثلاثة أسماء أو أربعة أحدها أحمد! وقد فسرها أحمد إسماعيل بنفسه، وهذه هرطقة ركيكة لأن الرواية إن صحت فهي تأمر الإمام المهدي عليه السلام بعد أن يظهر ويقيم دولة العدل الإلهي، أن يسلم الإمامة الى ابنه! فزمن الرواية يومذاك وليس زماننا، فكيف يجعلها هذا المزيف على زماننا ويجعل نفسه ابن الإمام الذي سيتسلم الإمامة منه عند احتضاره؟! فلا زمان الرواية زماننا، ولا الشخص الذي تأمر الوصية المهدي عليه السلام أن يسلمه إياها ينطبق على أحمد إسماعيل كاطع!
ثم لو صحت الرواية، فالأمر فيها أن يسلم الإمام عليه السلام الحكم الى ابنه أي المباشر وقد اعترف أحمد إسماعيل بأنه ليس ابناً مباشراً للإمام المهدي عليه السلام وادعى أنه من ذريته!
على أن سند الرواية لايتم، فقد قال عنها الحر العاملي: «وروى الشيخ في كتاب الغيبة في جملة الأحاديث التي رواها من طرق العامة». «الإيقاظ /362». وسببه أن في سندها مجهولين لم يوثقهم أحد من علماء الرجال، مثل: علي بن سنان الموصلي، وأحمد بن محمد بن الخليل، وجعفر بن أحمد البصري.
ويضاف الى ما ذكرنا أن الرواية معارضة برواية تنفي وجود عقب للإمام المهدي عليه السلام ، رواها الطوسي في الغيبة/223: «عن الحسن بن علي الخزاز قال: دخل علي بن أبي حمزة على أبي الحسن الرضا عليه السلام فقال له: أنت إمام؟ قال: نعم، فقال له: إني سمعت جدك جعفر بن محمد يقول: لا يكون الإمام إلا وله عقب. فقال: أنسيت يا شيخ أو تناسيت؟ ليس هكذا قال جعفر عليه السلام إنما قال جعفر عليه السلام : لايكون الإمام إلا وله عقب إلا الإمام الذي يخرج عليه الحسين بن علي عليه السلام فإنه لا عقب له، فقال له: صدقت جعلت فداك، هكذا سمعت جدك يقول». والذي يخرج في زمنه الحسين هو المهدي’.
والنتيجة: أن القدر المتيقن أن الإمام الحسين عليه السلام يحكم بعده مباشرة، ثم لاتدل الروايات على ترتيب من يحكم بعده من الأئمة عليهم السلام أو الحكام المهديين من ذرية الحسين، والذين قد يكون بعضهم من أبناء المهدي عليه السلام .
هذا، وقد رد البياضي روايات حكم اثني عشر مهدياً بعد المهدي عليه السلام ، وناقش الشريف المرتضى في ذلك. وقد أجاد في نفيه أن يكونوا أئمة أو حججاً لله تعالى بعد الأئمة عليهم السلام ، لكنه أخطأ في نفي حديثهم مطلقاً قال رحمه الله في الصراط المستقيم:2/152: «وفي بعضها: سيكون بعدي اثنا عشر إماماً أولهم أنت، ثم عد أولاده، وأمر أن يسلمها كل إلى ابنه، قال: ومن بعدهم اثنا عشر مهدياً. قلت: الرواية بالإثني عشر بعد الإثني عشر، شاذة ومخالفة للروايات الصحيحة المتواترة الشهيرة بأنه ليس بعد القائم دولة، وأنه لم يمض من الدنيا إلا أربعين يوماً فيها الهرج، وعلامة خروج الأموات وقيام الساعة. على أن البعدية في قوله من بعدهم لا تقتضي البعدية الزمانية كما قال تعالى: فمن يهديه من بعد الله، فجاز كونهم في زمان الإمام وهم نوابه عليه السلام .
إن قلت: قال في الرواية: فإذا حضرته يعني المهدي الوفاة فليسلمها إلى ابنه ينفي هذا التأويل؟ قلت: لا يدل هذا على البقاء بعده، ويجوز أن يكون لوظيفة الوصية لئلا يكون ميتة جاهلية، ويجوز أن يبقى بعده من يدعو إلى إمامته، ولا يضـر ذلك في حصر الإثني عشر فيه وفي آبائه.
قال المرتضى: لايقطع بزوال التكليف عند موته عليه السلام بل يجوز أن يبقى حصـر الإثني عشر فيه بعد أئمة يقومون بحفظ الدين ومصالح أهله، ولا يخرجنا هذا القول عن التسمية بالإثني عشرية، لأنا كلفنا بأن نعلم إمامتهم إذ هو موضع الخلاف، وقد بينا ذلك بياناً شافياً فيهم، ولا موافق لنا عليهم، فانفردنا بهذا الإسم عن غيرنا من مخالفيهم. وأنا أقول: هذه الرواية آحادية توجب ظناً، ومسألة الإمامة علمية، ولأن النبي صلى الله عليه وآله إن لم يبين المتأخرين بجميع أسمائهم، ولاكشف عن صفاتهم مع الحاجة إلى معرفتهم، فيلزم تأخير البيان عن الحاجة. وأيضاً فهذه الزيادة شاذة لاتعارض الشائعة الذائعة.
إن قلت: لامعارضة بينهما، لأن غاية الروايات يكون بعدي اثنا عشـر خليفة. الأئمة بعدي عدد نقباء بني إسرائيل، ونحوها. قلت: لو أمكن ذلك لزم العبث والتعمية في ذكر الإثني عشـر، ولأن في أكثر الروايات وتسعة من ولد الحسين، ويجب حصر المبتدأ في الخبر، ولأنهم لم يذكروا في التوراة وأشعار قِسٍّ وغيرها، ولا أخبر النبي صلى الله عليه وآله برؤيتهم ليلة إسرائه إلى حضرة ربه ولما عد الأئمة الإثني عشر، قال للحسن: لا تخلو الأرض منهم، ويعني به زمان التكليف، فلو كان بعدهم أئمة لخلت الأرض منهم، ويبعد حمل الخلو على أن المقصود به أولادهم، لأنه من المجاز ولا ضرورة تحوج إليه». انتهى.
ومعنى كلامه رحمه الله : أن المرتضى رحمه الله دافع عن روايات استمرار التكليف والإمامة العامة بعد المهدي عليه السلام بالمهديين من أولاده أو أولاد الحسين عليه السلام ، وقال إن ذلك لاينافي أن الأئمة عليهم السلام اثنا عشر لا أكثر، لأن الإثني عشر هم الأصل والحكام المهديون من فروعهم وامتدادهم. وهو كلام متين، لكن البياضي ردَّه بالإستبعاد، وتكلف في تأويل حديث الإثني عشر مهدياً!
أما مصادر السنة فقد روت أنه يحكم بعد المهدي عليه السلام اثنا عشـر من ذرية الحسن والحسين قال ابن حجر في فتح الباري:13/184: «فقال أبو الحسين بن المنادي في الجزء الذي جمعه في المهدي: يحتمل في معنى حديث يكون اثنا عشـر خليفة، أن يكون هذا بعد المهدي الذي يخرج في آخر الزمان، فقد وجدت في كتاب دانيال: إذا مات المهدي ملك بعده خمسة رجال من ولد السبط الأكبر، ثم خمسة من ولد السبط الأصغر، ثم يوصي آخرهم بالخلافة لرجل من ولد السبط الأكبر، ثم يملك بعده ولده، فيتم بذلك اثنا عشر ملكاً، كل واحد منهم إمام مهدي...»
وفي رواية أبي صالح عن ابن عباس: « المهدي اسمه محمد بن عبد الله وهو رجل ربعة مشرب بحمرة، يفرج الله به عن هذه الأمة كل كرب، ويصرف بعدله كل جور، ثم يلي الأمر بعده اثنا عشر رجلاً، ستة من ولد الحسن وخمسة من ولد الحسين، وآخر من غيرهم، ثم يموت فيفسد الزمان»! انتهى.
وفي فيض القدير:2/582: «وحمل بعضهم الحديث على من يأتي بعد المهدي لرواية: ثم يلي الأمر بعده اثنا عشر رجلاً ستة من ولد الحسن، وخمسة من ولد الحسين، وآخر من غيرهم، لكن هذه الرواية ضعيفة جداً».
وفي عمدة القاري للعيني:24/282: «وقيل: يحتمل أن يكون اثنا عشر بعد المهدي الذي يخرج في آخر الزمان، وقيل: وجد في كتاب دانيال: إذا مات المهدي ملك بعده خمسة رجال من ولد السبط الأكبر، ثم خمسة من ولد السبط الأصغر، ثم يوصي آخرهم بالخلافة لرجل من ولد السبط الأكبر، ثم يملك بعده ولده، فيتم بذلك اثنا عشر ملكاً، كل واحد منهم إمام مهدي. وعن كعب الأحبار: يكون اثنا عشر مهدياً ثم ينزل روح الله فيقتل الدجال.
وقيل: المراد من وجود اثني عشر خليفة في جميع مدة الإسلام إلى يوم القيامة يعملون بالحق، وأن تتوالى أيامهم. ويؤيد هذا ما أخرجه مسدد في مسنده الكبير من طريق أبي بحر أن أبا الجلد حدثه أنه لا يهلك هذه الأمة حتى يكون منها اثنا عشر خليفة كلهم يعمل بالهدى ودين الحق، منهم رجلان من أهل بيت محمد، يعيش أحدهما أربعين سنة، والآخر ثلاثين سنة»..الخ.
وقال ابن حجر في الصواعق:2/478: «ورواية أنه: يلي الأمر بعد المهدي اثنا عشر رجلاً ستة من ولد الحسن وخمسة من ولد الحسين، وآخر من غيرهم، واهية جداً كما قاله شيخ الإسلام والحافظ الشهاب ابن حجر، أي مع مخالفتها للأحاديث الصحيحة أنه آخر الزمان، وأن عيسى يأتم به. ولخبر الطبراني: سيكون من بعدي خلفاء ثم من بعد الخلفاء أمراء ثم من بعد الأمراء ملوك ومن بعد الملوك جبابرة، ثم يخرج رجل من أهل بيتي يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، ثم يؤمَّر القحطاني فوالذي بعثني بالحق ما هو دونه». انتهى.

ملاحظات

1. أن تضعيفهم للسند باطل، لأن سند أبي صالح عن ابن عباس صحيح، لكنهم رجحوا كذبة كعب بأن الظلم يرجع بعد المهدي عليه السلام ، لأن الروم يقتلونه في فتح القسطنطينية! ولا يقلّل من هذه الكذبة اعترافهم باثني عشر مهدياً بعد المهدي عليه السلام .
2. قد يقال: إن أهل البيت عليه السلام امتنعوا عن الحديث عما يكون بعد المهدي عليه السلام ، فقد روى المفيد في الإرشاد:2/382: عن جابر الجعفي قال: «سمعت أبا جعفر عليه السلام قال: سأل عمر بن الخطاب أميرالمؤمنين عليه السلام فقال: أخبرني عن المهدي ما اسمه؟ فقال: أما اسمه فإن حبيبي عهد إليَّ ألا أحدِّث به حتى يبعثه الله، قال: فأخبرني عن صفته؟ قال: هو شاب مربوع حسن الوجه حسن الشعر، يسيل شعره على منكبيه، ويعلو نور وجهه سواد شعر لحيته ورأسه، بأبي ابن خيرة الإماء».
وفي كمال الدين:1/77، عن عبد الله بن الحارث قال: قلت لعلي عليه السلام : «يا أميرالمؤمنين أخبرني بما يكون من الأحداث بعد قائمكم؟ قال: يا ابن الحارث ذلك شئ ذكره موكول إليه وإن رسول الله صلى الله عليه وآله عهد إلي أن لا أخبر به إلا الحسن والحسين».
والجواب: قد يكون سبب عدم جواب أميرالمؤمنين عليه السلام لعمر بسبب ذلك الظرف، وقد يكون مقصوده بقوله: «حتى يبعثه الله» حتى يولد. ولا ينافي ذلك أن الأئمة عليه السلام أخبرونا بتفاصيل عن المهدي عليه السلام وعلاماته حسب المصلحة.
3. روى الخاتون آبادي في أربعينه/203: «عن الفضل بن شاذان عن الإمام الصادق عن آبائه عن أميرالمؤمنين عليهم السلام قال: الإسلام والسلطان العادل أخوان، لا يصلح واحد منهما إلا بصاحبه، الإسلام أسّ، والسلطان العادل حارس، وما لا أسَّ له فمنهدم، وما لا حارسَ له فضايع، فلذلك إذا رحل قائمنا، لم يبق أثر من الإسلام، وإذا لم يبق أثر من الإسلام، لم يبق أثر من الدنيا». انتهى.
والجواب: أن القائم هنا ليس بمعنى المهدي المنتظر عليه السلام بل بمعنى الحاكم من ذرية أهل البيت عليهم السلام ، فهذه الرواية لا علاقة لها باستمرار دولتهم إلى يوم القيامة.

7-جريمة كعب ورواة الخلافة في تشويه صورة المستقبل

ذكرنا في فصل الدجال بعض أعمال كعب وتلاميذه التخريبية، وأنهم نشـروا في ثقافة المسلمين من خيالهم التلمودي أكاذيب عما يكون بعد المهدي عليه السلام ومزجوه بالبشارة النبوية بالمهدي ونزول عيسى عليه السلام !
وكذبوا في أمر الدجال وفتح القسطنطينية وأشراط الساعة! ومن أمثلة كذبهم: «عن كعب قال: المنصور مهدي يصلي عليه أهل السماء والأرض وطير السماء، يبتلي بقتال الروم والملاحم عشرين سنة، ثم يقتل شهيداً في الملحمة العظمى هو وألفان معه، كلهم أمير وصاحب راية، فلم يصب المسلمون بمصيبة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله أعظم منها». «الفتن لابن حماد:2/457».
وفي فتن ابن حماد:1/401: «سمع عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: الجابر ثم المهدي ثم المنصور ثم السلام ثم أمير العصب، فمن استطاع أن يموت بعد ذلك فليمت»! وفي:1/387، عن ابن عمر قال: «ثلاثة أمراء يتوالون، تفتح الأرضون كلها عليهم كلهم صالح: الجابر ثم المفرح ثم ذو العصب، يمكثون أربعين سنة، ثم لا خير في الدنيا بعدهم». وكل ذلك خيالات منشؤها كعب الأحبار!

8- زعم كعب أن مخزومياً ويمانياً يملكان بعد المهدي عليه السلام !

قال ابن حماد:1/379: «حدثنا عبد الله بن مروان عن سعيد بن يزيد التنوخي عن الزهري قال: يموت المهدي موتاً ثم يصير الناس بعده في فتنة، ويقبل إليهم رجل من بني مخزوم فيبايع له، فيمكث زماناً ثم يمنع الرزق فلا يجد من يغير عليه، ثم يمنع العطاء فلا يجد أحداً يغير عليه، وهو ينزل بيت المقدس فيكون هو وأصحابه مثل العجاجيل المريبة، وتمشي نساؤهم ببطيطات الذهب وثياب لا تواريهن، فلا يجد من يغير عليه، فيأمر بإخراج أهل اليمن قضاعة ومذحج وهمدان وحمير والأزد..».
وروى في:1/379، تحت عنوان: «ما يكون بعد المهدي. عن دينار بن دينار قال: بلغني أن المهدي إذا مات صار الأمر هرجاً بين الناس، ويقتل بعضهم بعضاً، وظهرت الأعاجم واتصلت الملاحم، فلا نظام ولا جماعة حتى يخرج الدجال... عن كعب قال: يموت المهدي موتاً ثم يلي الناس بعده رجل من أهل بيته فيه خير وشر وشره أكثر من خيره، يغضب الناس يدعوهم إلى الفرقة بعد الجماعة، بقاؤه قليل، يثور به رجل من أهل بيته فيقتله فيقتتل الناس بعده قتالاً شديداً، وبقاء الذي قتله بعده قليل، ثم يموت موتاً، ثم يليهم رجل من مضر من الشرق، يكفر الناس ويخرجهم من دينهم، يقاتل أهل اليمن قتالاً شديداً فيما بين النهرين فيهزمه الله».
أقول: هذه الروايات وعشرات أمثالها من خيالات كعب نشـرها بين المسلمين لأغراضه وأمراضه. فقد وزع وعوده ووعيده على قبائل اليمن، وحرف البشارة النبوية بإقامة دولة العدل الإلهي حتى جعلها لعبةً بل كذبة، فزعم أن هذا المهدي سرعان ما يقتل فيعود الظلم والجور!

9- يماني كعب يكون بعد المهدي عليه السلام ويُبيد قريشاً

قال ابن حماد في فتنه:1/402: «حدثنا الحكم بن نافع، عن جراح، عن أرطاة قال: بلغني أن المهدي يعيش أربعين عاماً، ثم يموت على فراشه، ثم يخرج رجل من قحطان مثقوب الأذنين على سيرة المهدي، بقاؤه عشرين سنة ثم يموت قتلاً، ثم يخرج رجل من أهل بيت النبي مهدي حسن السيرة يفتح مدينة قيصر، وهو آخر أمير من أمة محمد، ثم يخرج في زمانه الدجال وينزل في زمانه عيسى بن مريم عليه السلام ...
عن أرطأة قال: على يدي ذلك الخليفة اليماني الذي تفتح القسطنطينية ورومية على يديه، يخرج الدجال في زمانه، وينزل عيسى بن مريم عليه السلام في زمانه..».
وفي:1/405: «عن كعب قال: في ولاية القحطاني تقتتل قضاعة بحمص وحمير، وعليها يومئذ رجل من كندة، فتقتله قضاعة ويعلق رأسه في شجرة في المسجد فتغضب له حمير، فيقتتلون بينهم قتالاً شديداً حتى تهدم كل دار عند المسجد، كي تتسع صفوفهم للقتال».
ولو سألت كعباً: من أين جئت بهذا الغيب؟ لقال: من كتب الله التي عنده! أي من التوراة والتلمود وخيالاته! وقد أكثر منها ابن حماد في كتابه، وبعضها صار أحاديث نبويةً في أصح مصادر أتباع الخلافة، كعبد الرزاق، وأحمد، وبخاري، ومسلم، فتجد في البخاري:9/73: «لا تقوم الساعة حتى يسوق الناس رجل من قحطان».
وعبد الرزاق:11/388، وابن حماد:1/121، و381، و382، وأحمد:3/417، ومسلم: 4/2232، والبدء والتاريخ:2/183، وجامع الأصول:11/82.. الى آخر مكذوباتهم!
* *

الفصل الثاني عشر : ( أصحاب الإمام المهدي عليه السلام )

1- أصحابه الخاصون في غيبته

عمل الإمام المهدي عليه السلام في غيبته

في الكافي:1/340، قال الإمام الصادق عليه السلام : «لابد لصاحب هذا الأمر من غيبة، ولا بد له في غيبته من عزلة، ونعم المنزل طيبة، وما بثلاثين من وحشة».
وفي غيبة النعماني/171، عن المفضل بن عمر الجعفي، عن الإمام الصادق عليه السلام قال: «إن لصاحب هذا الأمر غيبتين، إحداهما تطول حتى يقول بعضهم مات وبعضهم يقول قتل وبعضهم يقول ذهب، فلا يبقى على أمره من أصحابه إلا نفر يسير، لايطلع على موضعه أحد من وليّ ولا غيره إلا المولى الذي يلي أمره. قال النعماني: ولو لم يكن يروى في الغيبة إلا هذا لكان فيه كفاية لمن تأمله».
أقول: معنى الغَيْبة التامة للإمام المهدي عليه السلام ، أن الناس حُرموا من نعمة رؤيته وحضوره بينهم، حتى يأذن له الله بالظهور، فيبدأ مهمته التي ادَّخره لها. ومعناها أيضاً: أن الله تعالى كلفه في غيبته بمهمة من نوع آخر، ومعه أعوانه جنود الله، وهم أصحابه الخاصون الذين يلتقي بهم، ومنهم الخضر، وربما إلياس’.
ومعناها أيضاً: أن الغيبة الثانية تختلف عن الأولى بقوانينها وشدتها.
ويدل قول الإمام الباقر عليه السلام : ولابد في عزلته من قوة. «غيبة الطوسي/102» على أنها ببرنامج وأعوان، وليست مجرد اختفاء، كما يتصوره البعض! وإذا أردت أن تأخذ صورة عن هذه الغيبة وعن عمله فيها، فاقرأ آيات نبي الله موسى والخضر’، وتأمل فيما رأى من عجائبه في يومين أو ثلاثة.

أصحاب المهمات الخاصة مع الإمام المهدي عليه السلام

معنى قول الإمام الباقر عليه السلام «وما بثلاثين من وحشة»: أن الإمام المهدي عليه السلام يكون له في غيبته ثلاثون شخصاً يلتقي بهم على الأقل، وقد سُمُّوا الأبدال لأنه إذا مات أحدهم استبدل الله به غيره، فهم يعيشون بأعمارهم الطبيعية ولا يمد لهم في أعمارهم كالمهدي والخضر’.
أما كيف يتم اختيار البديل، فالإمام عليه السلام مهديٌّ من ربه في كل أموره، ومنها اختيار أصحابه، وقد نقل الثقاة قصة أحد المؤمنين الأبرار من أهل تبريز، وقد أبلغوه أن الله اختاره ليكون من الأبدال، وواعدوه ظهر اليوم الفلاني ليأخذوه، فتفرغ أحدهم لمراقبته كيف يأخذونه، ولما حان الموعد افتقده من أمامه، وهو ينظر اليه!
وهؤلاء الثلاثون يأخذون التوجيهات والأوامر من الإمام المهدي عليه السلام ، ويمنح الله الواحد منهم القدرات التي يحتاجها في عمله، ومنها الحركة في أنحاء الأرض، وقد يحتاج الى أعوان وجهاز، فقد رأى بعضهم كرامة من أحد الأشخاص فسأله: هل أنت من أصحاب الإمام المهدي عليه السلام ؟ فقال: لا، ولكن أستاذي أخبرني أن بينه وبينه من يتشرف بخدمة الإمام عليه السلام بضع وسائط! وقد أخذ هذه الحقيقة المتصوفة فصاغوها بتصوراتهم وجعلوها لأنفسهم.
قال المجلسـي رحمه الله في البحار:53/301: «قال الشيخ الكفعمي رحمه الله في هامش جنته عند ذكر دعاء أم داود: قيل: إن الأرض لا تخلو من القطب وأربعة أوتاد وأربعين أبدالاً وسبعين نجيباً وثلاث مائة وستين صالحاً، فالقطب هو المهدي عليه السلام ، ولا يكون الأوتاد أقل من أربعة لأن الدنيا كالخيمة والمهدي كالعمود وتلك الأربعة أطنابها، وقد يكون الأوتاد أكثر من أربعة، والأبدال أكثر من أربعين، والنجباء أكثر من سبعين والصلحاء أكثر من ثلاث مائة وستين والظاهر أن الخضـر وإلياس، من الأوتاد فهما ملاصقان لدائرة القطب. وأما صفة الأوتاد، فهم قوم لا يغفلون عن ربهم طرفة عين ولايجمعون من الدنيا إلا البلاغ، ولاتصدر منهم هفوات الشر، ولا يشترط فيهم العصمة من السهو والنسيان، بل من فعل القبيح ويشترط ذلك في القطب. وأما الأبدال فدون هؤلاء في المراقبة، وقد تصدر منهم الغفلة فيتداركونها بالتذكر، ولا يتعمدون ذنبا. وأما النجباء فهم دون الأبدال. وأما الصلحاء فهم المتقون الموفون بالعدالة، وقد يصدر منهم الذنب فيتداركونه بالاستغفار والندم، قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ. جعلنا الله من القسم الأخير لأنا لسنا من الأقسام الأول، لكن ندين الله بحبهم وولايتهم ومن أحب قوماً حشر معهم. وقيل: إذا نقص أحد من الأوتاد الأربعة وضع بدله من الأربعين وإذا نقص أحد من الأربعين وضع بدله من السبعين، وإذا نقص أحد من السبعين، وضع بدله من الثلاث مائة وستين، وإذا نقص أحد من الثلاث مائة وستين وُضع بدله من سائر الناس». انتهى.
أقول: هذا التصور عن هذا الجهاز من جنود الله تعالى، وقدراتهم وأعمالهم، ظنية استحسانية ما لم تقم على علم وتستند الى المعصوم عليه السلام .
وفي الخرائج:2/930، عن الإمام الباقر عليه السلام : «إن ذا القرنين كان عبداً صالحاً ناصح الله سبحانه فناصحه، وسُخر له السحاب وطُويت له الأرض، وبُسط له في النور فكان يبصر بالليل كما يبصر بالنهار.
وإن أئمة الحق كلهم قد سخر الله تعالى لهم السحاب، وكان يحملهم إلى المشـرق والمغرب لمصالح المسلمين ولإصلاح ذات البين، وعلى هذا حال المهدي، ولذلك يسمى: صاحب المرأى والمسمع، فله نور يرى به الأشياء من بعيد كما يرى من قريب، ويسمع من بعيد كما يسمع من قريب، وإنه يسيح في الدنيا كلها، على السحاب مرة وعلى الريح أخرى، وتطوى له الأرض مرة، فيدفع البلايا عن العباد والبلاد شرقاً وغرباً».
وفي كمال الدين:2/481، عن عبد الله بن الفضل الهاشمي قال: «سمعت الصادق جعفر بن محمد عليه السلام يقول: إن لصاحب هذا الأمر غيبة لابد منها، يرتاب فيها كل مبطل، فقلت: ولمَ جعلت فداك؟ قال: لأمر لم يؤذن لنا في كشفه لكم، قلت: فما وجه الحكمة في غيبته؟ قال: وجه الحكمة في غيبته وجه الحكمة في غيبات من تقدمه من حجج الله تعالى ذكره، إن وجه الحكمة في ذلك لاينكشف إلا بعد ظهوره كما لم ينكشف وجه الحكمة فيما أتاه الخضر عليه السلام من خرق السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار لموسى عليه السلام ، إلى وقت افتراقهما. يا ابن الفضل: إن هذا الأمر أمرٌ من أمر الله تعالى، وسرٌّ من سر الله، وغيبٌ من غيب الله، ومتى علمنا أنه عز وجل حكيم، صدقنا بأن أفعاله كلها حكمة، وإن كان وجهها غير منكشف».

هل لجبل رضوى علاقة بالإمام عليه السلام وأصحابه؟

في المحتضر/20، عن كتاب القائم لابن شاذان بسنده الى الإمام الصادق عليه السلام قال: «إن أرواح المؤمنين ترى آل محمد عليهم السلام في جبال رضوى، فتأكل من طعامهم، وتشرب من شرابهم، وتتحدث معهم في مجالسهم، حتى يقوم قائمنا أهل البيت، فإذا قام قائمنا بعثهم الله تعالى وأقبلوا معه يلبون زمراً زمراً، فعند ذلك يرتاب المبطلون، ويضمحل المنتحلون، وينجو المقربون. وهذا الحديث يدل على ما رويناه من القالب للروح بعد خروجها من الأول كما يدل عليه أكلهم وشربهم وحديثهم».
وفي غيبة الطوسي/103: «عن عبد الأعلى مولى آل سام قال: خرجت مع أبي عبدالله عليه السلام فلما نزلنا الروحاء نظر إلى جبلها مطلاً عليها فقال لي: ترى هذا الجبل هذا جبل يدعى رضوى من جبال فارس، أحبنا فنقله الله إلينا، أما إن فيه كل شجرة مطعم، ونعم أمان للخائف مرتين، أما إن لصاحب هذا الأمر فيه غيبتين: واحدة قصيرة والأخرى طويلة».
وفي البحار:52/306، عن الإمام زين العابدين عليه السلام ، في خبر طويل في خروج الإمام المهدي عليه السلام وأنه يجتمع بالنبي صلى الله عليه وآله وعلي عليه السلام في جبل رضوى، جاء فيه: «ثم يأتي إلى جبل رضوى، فيأتي محمد وعلي فيكتبان له عهداً منشوراً يقرؤه على الناس، ثم يخرج إلى مكة والناس يجتمعون بها».
وفي معجم البلدان:3/51، في جبل رضوى: «وهو من ينبع على مسيرة يوم ومن المدينة على سبع مراحل...وهو جبل منيف ذو شعاب وأودية، ورأيته من ينبع أخضر، وأخبرني من طاف في شعابه أن به مياهاً كثيرة وأشجاراً. وهو الجبل الذي يزعم الكيسانية أن محمد بن الحنيفة به مقيم، حيٌّ يرزق».
وروى البلاذري في أنساب الأشراف 2/202، والسمعاني:1/207، قول كُثَيِّر والسيد الحميري، وكانا أول أمرهما يعتقدان بمهدوية محمد بن الحنفية، قال كثير:
ألا إن الأئمــة من قـريـش ولاة الحـق أربـعـــة سـواءُ
عليٌّ والـثلاثـــة من بـنيــهِ هم الأسباط ليس بهم خفـاء
فسبطٌ سـبـط إيــمان وبــر وســبطٌ غـيـبـتـه كـربــلاء
وســبطٌ لا تراهُ العين حتى يقـود الخيــل يقدمهـا اللواء
تغيَّبَ لا يُرى فيهـم زمـانا بـرضوى عنـده عســلٌ وماء
وقال السيد الحميري رحمه الله :
يا شعب رضوى ما لمن بك لا يرى ويهيـج قلبي بالصبـــابة أولقُ
حتى متى وإلى متى و كم المــدى؟ يا ابن الوصي وأنت حيٌّ ترزق
وكان السيد الحميري رحمه الله كيسانياً فرجع عنها وصار إماميا اثني عشرياً، وقال:
فلما رأيت الناس في الدين قد غووا تجعفرت باسم الله فيمن تجعفـروا
وناديت بــاســـم الله والله أكـــبرُ وأيقنت أن الله يعفو ويغفرُ..الخ.
والكيسانية نسبة إلى كيسان من وزراء المختار، وقد طبقوا أحاديث النبي وآله صلى الله عليه وآله في أن المهدي الموعود لا بد أن يغيب، على محمد بن الحنفية بعد موته رحمه الله كما صرح بذلك السيد الحميري. واختاروا جبل رضوى مكاناً لغيبته، بسبب أحاديث عن النبي وآله صلى الله عليه وآله أيضاً.
وتدل هذه الأحاديث على أن لجبل رضوى موقعاً في عالم الأرواح، وكأنه من الأمكنة التي هي نقاط التقاء أرواح الأموات، وقد عدَّت منها بيت المقدس، وحضرموت اليمن، ووادي السلام التي تسمى ظهر الكوفة والنجف، وغيرها. ومعلوماتنا قليلة عن تحرك الأرواح، ونقاط التقائها، أو نزول الملائكة وصعودها، وصعود الأعمال.. لكن يبدو لي أن جبل رضوى واحدٌ منها.
كما لا يصح رد قول الإمام الصادق عليه السلام : «رضوى من جبال فارس أحبنا فنقله الله إلينا» بعد أن روى الجميع أن جبل الطائف من جبال الشام وقد نقله الله تعالى إلى الحجاز! فمعلوماتنا عن تكوين الأرض وجبالها وتحرك أمكنتها قليلة.
وقد روى بخاري:2/133، قول النبي صلى الله عليه وآله : «أُحُدٌ جبل يحبنا ونحبه.وكرره في كتابه سبع مواضع! وهذا يدل على أنَّ للجمادات شعوراً وإحساساً وتكليفاً كالنبات والحيوان، كل بمستواه، فلا يوجد ميت بالكامل في الكون، بل الموت والحياة نسبيان، كما قال تعالى: تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأرض وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَئٍْ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً ». «الإسراء:44».
وعليه، فإن ما ورد في دعاء الندبة: «ليت شعري أين استقرت بك النوى، أم أي أرض تقلك أم ثرى، أبرضوى أم غيرها أم ذي طوى، عزيزٌ عليَّ أن تَرى الخلق ولا تُرى، ولا يُسمع لك حسيس ولا نجوى، عزيزٌ عليَّ أن تحيط بك الأعداء، بنفسي أنت من مغيب ما غاب عنا، بنفسي أنت من نازح ما نزح عنا». «الإقبال:1/510».
يقصد به التساؤل بشوق عن مكان الإمام عليه السلام ، الذي يتحرك في أرض الله تعالى بهداية ربه، وأن له علاقة بجبل رضوى، الذي هو من مراكز نزول الأرواح العلوية.

الخضر من أصحاب المهدي عليه السلام

وأحاديثه كثيرة في مصادر الجميع، وفيها صحيح السند، تجدها في قصص الأنبياء عليهم السلام وفي تفسير آيات الخضر في سورة الكهف. قال الله تعالى: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِىَ حُقُباً. فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً. فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَباً. قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً. قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصاً. فَوَجَدَا عَبْداً مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً. قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً. قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْراً. وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً. قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ صَابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً. قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَئٍْ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً. فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً. قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً. قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْري عُسْراً. فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلاماً فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً. قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً. قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَئٍْ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً. فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً. قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً. أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً. وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً. فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِنْهُ زَكَوةً وَأَقْرَبَ رُحْماً. وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً». «سورة الكهف:60-82».
وهي تدل على أن الخضر من جنود الله تعالى أصحاب المهمات الخاصة في الأرض، وقد ورد أنه كان يظهر للنبي صلى الله عليه وآله ، وأنه عزَّى أهل البيت بوفاته صلى الله عليه وآله ، ثم كان يظهر للأئمة عليهم السلام ، ورويت أخبار ظهوره لعدد منهم، وروي أنه جوال في الأرض، ويحج في كل عام، ويصلي أحياناً في مسجد الكوفة والسهلة، وأنه مع المهدي عليه السلام في غيبته.
ففي كمال الدين:2/390: «عن الإمام الرضا عليه السلام قال: إن الخضر عليه السلام شرب من ماء الحياة فهو حيٌّ لايموت حتى ينفخ في الصور، وإنه ليأتينا فيسلّم فنسمع صوته ولا نرى شخصه، وإنه ليحضر ما ذكر، فمن ذكره منكم فليسلّم عليه، وإنه ليحضـر الموسم كل سنة فيقضي جميع المناسك، ويقف بعرفة فيؤمِّن على دعاء المؤمنين، وسيؤنس الله به وحشة قائمنا في غيبته ويصل به وحدته».
وذكر في البحار:13 /303 أن اسم الخضر خضرويه، سمي به لأنه جلس على أرض بيضاء فاهتزت خضراء، وأنه أطول الآدميين عمراً، والصحيح أن إسمه إلياس بن ملكان بن عامر بن أرفخشد بن سام بن نوح. لكن لايمكن الأخذ بروايات أنساب الأنبياء عليهم السلام لتأثرها بالإسرائيليات. هذا، وسيأتي في غيبة الإمام عليه السلام ما يدل على حضور الخضر عليه السلام موسم الحج كل عام.

ربما كان نبي الله إلياس من أصحابه عليه السلام

وردت في نبي الله إلياس عليه السلام وحياته، أحاديث وقصص في مصادر الطرفين، لكنها لاتبلغ في قوتها وصحتها أحاديث الخضر عليه السلام .
فقد روى في كمال الدين 2/545، قصة أبي الدنيا، وأنه كان معمّراً رأى في الجاهلية الخضر وإلياس وبشراه بالنبي صلى الله عليه وآله وأخبراه أنه يعيش حتى يرى المهدي وعيسى عليه السلام . وروى في البحار:13/319، ومستدرك الوسائل:5/386، عن النبي صلى الله عليه وآله أن الخضر عليه السلام وإلياس يلتقيان في كل موسم فإذا تفرقا تفرقا عن هذه الكلمات: بسم الله، ما شاء الله، لا قوة إلا بالله، ما شاء الله، كل نعمة فمن الله، ما شاء الله، الخير كله بيد الله، ما شاء الله، لا يصرف السوء إلا الله».
وفي الكافي:1/227، عن مفضل بن عمر أنه دخل على الإمام الصادق عليه السلام وهو يقرأ دعاءً بالسريانية ويبكي، وفسره لهم بأنه دعاء الياس عليه السلام :«كان يقول في سجوده: أتراك معذبي وقد أظمأت لك هواجري، أتراك معذبي وقد عفرت لك في التراب وجهي، أتراك معذبي وقد اجتنبت لك المعاصي، أتراك معذبي وقد أسهرت لك ليلي؟ قال: فأوحى الله إليه أن ارفع رأسك فإني غير معذبك، قال فقال: إن قلت لا أعذبك ثم عذبتني ماذا؟ ألست عبدك وأنت ربي؟قال: فأوحى الله إليه أن ارفع رأسك فإني غير معذبك، إني إذا وعدت وعداً وفيت به».
وفي المحاسن:2/515:«عن أبي عبدالله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله :عليكم بالكرفس، فإنه طعام إلياس واليسع ويوشع بن نون». والكافي:6/366.
وروى في البحار:13/393، قصة نبي الله إلياس عليه السلام عن وهب بن منبه، وابن عباس، وحاصلها: أنه من أنبياء بني إسرائيل، بعثه الله الى سبط بني إسرائيل في بعلبك، وكان بعد داود عليه السلام أي في حكم الرومان، وكانت زوجة ملكهم رومانية فاجرة وكانوا يعبدون بعلاً، كما ورد في آيات إلياس عليه السلام : وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ. أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ. اللهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الأولينَ. فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ. إِلا عِبَادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ. وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ. «الصافات:123-129» فكذبوه وأهانوه وأخافوه وهموا بتعذيبه، فهرب منهم ولحق بأصعب جبل، فبقي فيه وحده سبع سنين، يأكل من نبات الأرض وثمار الشجر، فابتلى الله قومه بالقحط، ومرض ابن الملك حتى يئس منه وكان أعز ولده إليه، فاستشفعوا إلى عبدة الصنم ليستشفعوا له فلم ينفع، فبعثوا إلى إلياس عليه السلام في الجبل أن يهبط إليهم ويشفع لهم، فنزل إلياس من الجبل ودعا الله فشافى ابن الملك وأنزل المطر.. وفي آخر الرواية: «ثم وصى إلياس إلى اليسع، وأنبت الله لإلياس الريش، وألبسه النور ورفعه إلى السماء، وقذف بكسائه من الجو على اليسع، فنبأه الله على بني إسرائيل وأوحى إليه وأيده، فكان بنو إسرائيل يعظمونه ويهتدون بهداه».
ونقل عن الطبرسي قوله: «ورفعه الله تعالى من بين أظهرهم، وقطع عنه لذة الطعام والشراب وكساه الريش، فصار إنسياً ملكياً، أرضياً سماوياً، وسلط الله على الملك وقومه عدواً لهم فقتل الملك وامرأته، وبعث الله اليسع رسولا، فآمنت به بنو إسرائيل وعظموه وانتهوا إلى أمره».
وروى في البحار:13/399: «عن الإمام الصادق عليه السلام أن ملك بني إسرائيل هويَ امرأة من قوم يعبدون الأصنام من غير بني إسرائيل، فخطبها فقالت: على أن أحمل الصنم فأعبده في بلدتك، فأبى عليها ثم عاودها مرة بعد مرة حتى صار إلى ما أرادت فحولها إليه ومعها صنم، وجاء معها ثمان مائة رجل يعبدونه... وانتهت القصة بأن القحط أصابهم فاستغاثوا بإلياس، وتاب الملك توبة حسنة حتى لبس الشعر، وأرسل الله إليهم المطر والخصب». انتهى.
أقول: يؤخذ على هذه الروايات ضعف أسانيدها، وأنها تشبه الإسرائيليات وسياقها غير المنطقي في تعامل الله تعالى مع الأنبياء عليهم السلام ! ثم في ادعائها أن بني إسرائيل اهتدوا وآمنوا بإلياس واليسع عليه السلام ، وأن اليهود كانوا مستقلين يحكمون أنفسهم، مع أنهم كانوا تحت حكم الروم، وكانت قلعة بعلبك معبد الرومان الوثنيين. ويدل قول إلياس عليه السلام : أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ، على أنه بُعث الى وثنيين من الرومان وأتباعهم اليهود.
وروى في الكافي:1/242: «عن ابن الحريش عن الإمام محمد الجواد عليه السلام قال: قال أبو عبد الله عليه السلام : بينا أبي عليه السلام يطوف بالكعبة إذا رجل معتجر قد قيض له فقطع عليه أسبوعه، حتى أدخله إلى دار جنب الصفا، فأرسل إليَّ فكنا ثلاثة فقال: مرحباً يا ابن رسول الله ، ثم وضع يده على رأسي وقال: بارك الله فيك يا أمين الله بعد آبائه. يا أبا جعفر إن شئت فأخبرني وإن شئت فأخبرتك، وإن شئت سلني وإن شئت سألتك، وإن شئت فأصدقني، وإن شئت صدقتك؟
قال: كل ذلك أشاء. قال: فإياك أن ينطق لسانك عند مسألتي بأمر تضمر لي غيره. قال: إنما يفعل ذلك من في قلبه علمان يخالف أحدهما صاحبه، وإن الله عز وجل أبى أن يكون له علم فيه اختلاف! قال: هذه مسألتي وقد فسرتَ طرفاً منها! أخبرني عن هذا العلم الذي ليس فيه اختلاف مَن يعلمه؟ قال: أما جملة العلم فعند الله جل ذكره، وأما ما لابد للعباد منه فعند الأوصياء عليهم السلام ، قال: ففتح الرجل عجيرته واستوى جالساً وتهلل وجهه، وقال: هذه أردت ولها أتيت، زعمت أن علم ما لا اختلاف فيه من العلم عند الأوصياء، فكيف يعلمونه؟ قال: كما كان رسول الله صلى الله عليه وآله يعلمه، إلا أنهم لا يرون ما كان رسول الله يرى لأنه كان نبياً وهم محدّثون، وأنه كان يفد إلى الله عز وجل فيسمع الوحي، وهم لايسمعون.
فقال: صدقت يا ابن رسول الله .... سآتيك بمسألة صعبة: أخبرني عن هذا العلم ما له لايظهر كما كان يظهر مع رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ قال: فضحك أبي عليه السلام وقال: أبى الله عز وجل أن يطلع على علمه إلا ممتحناً للإيمان به، كما قضى على رسول الله أن يصبر على أذى قومه ولا يجاهدهم إلا بأمره، فكم من اكتتام قد اكتتم به حتى قيل له: فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ! وأيم الله أن لو صدع قبل ذلك لكان آمناً، ولكنه إنما نظر في الطاعة وخاف الخلاف فلذلك كفَّ.
فوددتَ أن عينك تكون مع مهدي هذه الأمة، والملائكة بسيوف آل داود بين السماء والأرض تعذب أرواح الكفرة من الأموات، وتلحق بهم أرواح أشباههم من الأحياء، ثم أخرج سيفاً ثم قال: ها إن هذا منها، قال فقال أبي: إي والذي اصطفى محمداً على البشر، قال: فرد الرجل اعتجاره وقال: أنا إلياس، ما سألتك عن أمرك وبي منه جهالة، غير أني أحببت أن يكون هذا الحديث قوة لأصحابك...
وجاء في آخر الحديث: فقال الرجل:أشهد أنكم أصحاب الحكم الذي لا اختلاف فيه! ثم قام الرجل وذهب فلم أره». وعنه البحار:25/74، ولعله أقوى نص في حياة إلياس عليه السلام .لكن النجاشي/45، ضعف ابن الحريش، قال: ضعيف جداً، له كتاب إنا أنزلناه في ليلة القدر، وهو كتاب ردي الحديث مضطرب الألفاظ..الخ.
أما مصادر السنيين فقد روت في الياس إسرائيليات كثيرة! ففي الجامع الصغير:1/636: «الخضر في البحر وإلياس في البر، يجتمعان كل ليلة عند الردم الذي بناه ذو القرنين بين الناس وبين يأجوج ومأجوج، ويحجان ويعتمران كل عام، ويشربان من زمزم شربة تكفيهما إلى قابل».
وشرحه في فيض القدير:3/672: فقال: «أي معظم إقامته فيه. وإلياس بكسـر الهمزة من الأيس الخديعة والخيانة واختلاط العقل، أو هو إفعال من قولهم رجل أليس أي شجاع لا يفر، والأليس الثابت الذي لا يبرح، كذا ذكره ابن الأنباري. قال السهيلي: والأصح أن إلياس سمي بضد الرجاء، ولامه للتعريف، وهمزته همزة وصل، وقيل قطع»!
«في البر يجتمعان كل ليلة.. ويشربان من زمزم شربة تكفيهما إلى قابل» تمامه طعامهما ذلك اهـ. فكأنه سقط من قلم المصنف.. ثم قال المناوي: «وهذا حديث ضعيف، لكنه يتقوى بوروده من عدة طرق بألفاظ مختلفة، فمنها ما في المستدرك عن أنس كنا مع النبي صلى الله عليه وآله في سفر فنزل منزلاً فإذا رجل في الوادي يقول: اللهم اجعلني من أمة محمد المرحومة المغفور لها المتاب عليها، فأشرفتُ على الوادي فإذا رجل طوله أكثر من ثلاثمائة ذراع فقال: من أنت؟ قلت: أنس خادم رسول الله صلى الله عليه وآله قال: وأين هو؟ قلت: هو ذا يسمع كلامك. قال: أقرئه السلام وقل له أخوك إلياس يقرؤك السلام فأتيته فأخبرته، فجاء حتى اعتنقه ثم قعدا يتحدثان، فقال: يا رسول الله إني إنما آكل في السنة مرة، وهذا يوم فطري، فآكل أنا وأنت. فنزلت عليهما مائدة من السماء عليها خبز وحوت وكرفس، وأكلا وصليا العصـر، ثم ودعته فرأيته مشى في السحاب نحو السماء اهـ .
وأخرج الحاكم في المستدرك أن إلياس اجتمع بالمصطفى وأكلا جميعاً وأن طوله ثلاث مائة ذراع، وأنه لا يأكل في السنة إلا مرة واحدة كما مر، وأورده الذهبي في ترجمة يزيد بن يزيد البلوي، وقال إنه خبر باطل.
وفي البخاري: يذكر عن ابن مسعود وابن عباس أن إلياس هو إدريس. قال ابن حجر: أما قول ابن مسعود فوصله عبد بن حميد وابن حاتم بإسناد حسن عنه وأما قول ابن عباس فوصله جويبر عن الضحاك عنه، وإسناده ضعيف ولهذا لم يجزم به البخاري. وقيل: إلياس إنما هو من بني إسرائيل».
أقول: في كلامهم تكلف ورجم بالغيب، في تفسير إسم عبري أصله سرياني.
وفي الدر المنثور:4/240: «وأخرج الحارث بن أبي أسامة في مسنده، بسند واهٍ عن أنس.. كما تقدم، وقال: وأخرج ابن عساكر عن ابن أبي داود قال: إلياس والخضر يصومان شهر رمضان في بيت المقدس، ويحجان في كل سنة، ويشربان من زمزم شربة تكفيهما إلى مثلها من قابل. وأخرج العقيلي والدارقطني في الإفراد وابن عساكر عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله قال: يلتقي الخضر وإلياس كل عام في الموسم، فيحلق كل واحد منهما رأس صاحبه، ويتفرقان عن هؤلاء الكلمات... قال ابن عباس: من قالهن حين يصبح وحين يمسي ثلاث مرات أمنه الله من الغرق والحرق والسرق، ومن الشياطين والسلطان والحية والعقرب». ورواه في الإصابة:2/251، عن أنس، وقال: قلت وعبد الرحيم وأبان متروكان.
وفي ربيع الأبرار/126، عن مقاتل: «من الأنبياء أربعة أحياء:اثنان في السماء عيسى وإدريس، واثنان في الأرض: إلياس والخضر، فإلياس في البر والخضـر في البحر».
وفي فتح الباري:7/342: «وأغرب ابن التين فجزم أن الياس ليس بنبي، وبناه على قول من زعم أنه أيضاً حي، وهو ضعيف أعني كونه حياً، وأما كونه ليس بنبي فنفيٌ باطل ففي القرآن العظيم: وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ، فكيف يكون أحد من بني آدم مرسلاً وليس بنبي».
أقول: شطحة ابن التين مثلٌ لمن تستهويه الإسرائيليات فينسى نص القرآن، أو يتحايل عليه!
ولا يمكننا الإعتماد على أخبار إلياس عليه السلام هذه لأنها حتى في مصادرنا متأثرة بالإسرائيليات، ما لم يؤيدها حديث النبي صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام وهو هنا قليل. وأما أحاديث الخضر عليه السلام فكثيرة وفيها الصحيح، وأنه حي يرزق، وأنه من أصحاب الإمام المهدي عليه السلام ويظهر معه عند ظهوره. وتجد بعضها في فصول الكتاب.

أصحاب الكهف أعوان المهدي عليه السلام

قال الله تعالى: أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً. إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً. فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عدداً. ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَىُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصـَى لِمَا لَبِثُوا أَمَداً. نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى. وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأرض لَنْ نَدْعُوَاْ مِنْ دُونِهِ إِلَهاً لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً. هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً.
وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلا اللهَ فَاوُواْ إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً.
وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللهِ مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَالْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِداً. وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً.
وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً. إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً.
وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَاناً رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً. سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّى أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلا قَلِيلٌ فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلا مِرَاءً ظَاهِراً وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً.«الكهف:9-22».
ذكر المفسرون في سبب نزولها أن مشركي قريش بعثو الى حاخامات اليهود ثلاثة قرشيين هم: العاص السهمي، وابن أبي معيط الأموي، وابن كلدة العبدري، ليأتوهم بمسائل يعجز عن جوابها النبي صلى الله عليه وآله ! فجاؤوا بمسائل: متى تقوم الساعة، ومن هم أصحاب الكهف، ومن هو ذو القرنين. «تفسير القمي:1/249، والطبري:15/285».
وفي تفسير القمي:2/31: «هم فتية كانوا في الفترة بين عيسى بن مريم عليه السلام ومحمد صلى الله عليه وآله . وأما الرقيم فهما لوحان من نحاس مرقومان، أي مكتوب فيهما أمر الفتية وأمر إسلامهم، وما أراد منهم دقيانوس الملك، وكيف كان أمرهم وحالهم».
وفي تفسير العياشي:2/321، عن الإمام الصادق عليه السلام قال: «كتب ملك ذلك الزمان بأسمائهم وأسماء آبائهم وعشايرهم، في صحف من رصاص».
وفي الفواكه الدواني:1/70: «ويكون مع المهدي أصحاب الكهف الذين هم من أتباع المهدي من جملة أتباعه، ويصلي عيسى عليه السلام وراء المهدي صلاة الصبح، وذلك لا يقدح في قدر نبوته، ويسلّم المهدي لعيسى الأمر ويقتل الدجال. ويموت المهدي ببيت المقدس وينتظم الأمر كله لعيسى عليه السلام ، ويمكث في الأرض بعد نزوله أربعين سنة، ثم يموت ويصلي عليه المسلمون. وقيل يمكث سبع سنين بعد نزوله، ليس يبقى بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله الريح التي تقبض أرواح المؤمنين». وهذه الرواية ترديد لأفكار كعب،كأنها أحاديث نبوية قطعية!
وفي الدر المنثور:4/215: «عن ابن عباس: قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إن أهل الكهف من أصحاب المهدي عليه السلام . وأخرج الزجاجي في أماليه عن ابن عباس في قوله: أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيم؟ قال: إن الفتية لما هربوا من أهليهم خوفاً على دينهم، فقدوهم فخبروا الملك خبرهم، فأمر بلوح من رصاص فكتب فيه أسماءهم وألقاه في خزانته، وقال إنه سيكون لهم شأن».
ومثله العطر الوردي/70، وقال: وحينئذ فَسِرُّ تأخيرهم إلى هذا المدة إكرامهم بشـرف دخولهم في هذه الأمة وإعانتهم الخليفة الحق. وقال في فتح الباري:6/365: «وسنده ضعيف، فإن ثبت حمل على أنهم لم يموتوا بل هم في المنام إلى أن يبعثوا لإعانة المهدي».

قصة البساط النبوي

روت مصادر السنة والشيعة حديثاً عجيباً، مفاده: أن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وآله طلبوا منه أن يريهم أهل الكهف، فأمرهم أن يركبوا على بساط وبعث معهم علياً عليه السلام فطار بهم البساط حتى وصلوا الى أهل الكهف، فرأوهم نائمين فكلموهم فلم يجيبوهم وكلمهم علي عليه السلام فأجابوه: «فقال أبو بكر: يا علي ما بالهم ردوا عليك وما ردوا علينا؟ فقال لهم علي، فقالوا: إنا لا نردُّ بعد الموت إلا على نبي أو وصى نبي».انتهى.
ورووا أن علياً عليه السلام استشهد بأنس بن مالك على هذه الكرامة، فأبى أن يشهد! فدعا عليه فأصابه البرص والعمى! «راجع: عقد الدرر/141، عن تفسير الثعلبي، وعنه البرهان للهندي/87، ومناقب ابن المغازلي/232، عن أنس».
ورواه سعد السعود لابن طاووس/112، وقال: فصل فيما نذكره من كتاب التفسير مجلد واحد، تأليف أبي إسحاق إبراهيم بن أحمد القزويني نذكر منه حديثاً واحداً من تفسير سورة الكهف، من الوجهة الأولة من القائمة الثانية من الكراس الرابعة، بإسناده عن محمد بن أبي يعقوب الجوال الدينوري، قال: حدثني جعفر بن نصـر بحمص قال: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن ثابت عن أنس بن مالك قال: أهدي لرسول الله بساط من قرية يقال لها بهندف...هذا الحديث رويناه من عدة طرق مذكورات، وإنما ذكرناه هاهنا لأنه من رجال الجمهور، وهم غير متهمين فيما ينقلونه لمولانا علي عليه السلام من الكرامات..
ورواه الخرائج والجرائح:1/210، والفضائل لابن شاذان/164، ونحوه المناقب: 2/337 و338، والثاقب في المناقب/71، واليقين/133، عن جابر بن عبد الله الأنصاري، وإرشاد القلوب/268، وخلاصة عبقات الأنوار:3/258، ونفحات الأزهار:3/241.
والطرائف لابن طاووس/84، وقال: «وزاد الثعلبي في هذا الحديث على ابن المغازلي، قال: فصاروا إلى رقدتهم إلى آخر الزمان عند خروج المهدي، فقال: إن المهدي يسلّم عليهم فيحييهم الله عز وجل له ثم يرجعون إلى رقدتهم فلا يقومون إلى يوم القيامة».

ملاحظات

1- في الإرشاد:2/117: «عن زيد بن أرقم أنه قال: مُرَّ به عليَّ «رأس الحسين عليه السلام » وهو على رمح وأنا في غرفة، فلما حاذاني سمعته يقرأ: أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً، فقفَّ والله شعري وناديت: رأسك والله يا ابن رسول الله أعجب وأعجب»!
وقال ابن سليمان:2/267:«عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو قال: رأيت رأس الحسين عليه السلام على الرمح وهو يتلو هذه الآية:أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً، فقال رجل من عرض الناس:رأسك يا ابن رسول الله أعجب»!
2- يظهر من آيات أصحاب الكهف أن الله تعالى ادّخرهم للإمام المهدي عليه السلام ، ولهذا كتب معاصروهم قصتهم على رقيم معدني وبنوا عليهم باب الكهف. ولذلك أخفى الله عددهم ولم يكشفه لعامة الناس. وقد روى في الهداية/31: «يأتيه الله ببقايا قوم موسى عليه السلام ويجئ له أصحاب الكهف، ويؤيده الله بالملائكة».
وفي الإرشاد/365، عن المفضل بن عمر، عن أبي عبد الله عليه السلام قال:«يُخرج القائم عليه السلام .. خمسة عشر من قوم موسى عليه السلام الذين كانوا يهدون بالحق وبه يعدلون، وسبعة من أهل الكهف ويوشع بن نون... فيكونون بين يديه أنصاراً وحكاماً». ولا بد أن يكونوا عوناً له في إقامة الحجة على قومهم الروم الذين يحشدون نحو مليون جندي في منطقة أنطاكية، فيرسل عليه السلام وفداً الى أنطاكية هدفه الأساسي كشف أهل الكهف، ليكونوا آية ويحتجوا على الروم، ثم يلتحقون بالإمام عليه السلام .
وقد روى في فوائد الفكر/103:«عن حذيفة عن النبي صلى الله عليه وآله : لاتحشر أمتي حتى يخرج المهدي...ثم يتوجه إلى الشام وجبريل على مقدمته وميكائيل على يساره، ومعه أهل الكهف أعوان له فيفرح به أهل السماء والأرض».
3- ومما يتصل بأهل الكهف مكانة أنطاكية في حركة الإمام المهدي عليه السلام ، وأنه سيكون لها شأن لأنها مركزٌ لحواريي المسيح عليه السلام ودعوته، وأن الوفد الذي يرسله الإمام عليه السلام يستخرج نسخ التوراة الأصلية من مكان فيها.
ففي دلائل الإمامة/249، عن الإمام الباقر عليه السلام قال: «إنما سمي المهدي مهدياً لأنه يهدي لأمر خفي يهدي ما في صدور الناس، ويبعث إلى الرجل فيقتله لا يدرى في أي شئ قتله، ويبعث ثلاثة رَكْب، أما ركبٌ فيأخذ ما في أيدي أهل الذمة من رقيق المسلمين فيعتقهم، وأما ركب فيظهر البراءة من يغوث ويعوق في أرض العرب. وركب يخرج التوراة من مغارة بأنطاكية. ويعطى حكم سليمان».
وفي غيبة النعماني/237: «عن عمرو بن شمر، عن جابر قال: دخل رجل على أبي جعفر الباقر عليه السلام فقال له: عافاك الله، اقبض مني هذه الخمس مائة درهم فإنها زكاة مالي. فقال له أبو جعفر عليه السلام : خذها أنت فضعها في جيرانك من أهل الإسلام والمساكين من إخوانك المؤمنين. ثم قال: إذا قام قائم أهل البيت قسم بالسوية وعدل في الرعية، فمن أطاعه فقد أطاع الله ومن عصاه فقد عصى الله. وإنما سمي المهدي مهدياً لأنه يهدي إلى أمر خفي، ويستخرج التوراة وسائر كتب الله عز وجل من غار بأنطاكية، ويحكم بين أهل التوراة بالتوراة، وبين أهل الإنجيل بالإنجيل، وبين أهل الزبور بالزبور، وبين أهل القرآن بالقرآن. وتجمع إليه أموال الدنيا من بطن الأرض وظهرها فيقول للناس: تعالوا إلى ما قطعتم فيه الأرحام وسفكتم فيه الدماء الحرام، وركبتم فيه ما حرم الله عز وجل، فيعطي شيئاً لم يعطه أحد كان قبله،ويملأ الأرض عدلاً وقسطاً ونوراً، كما ملئت ظلماً وجوراً وشراً».
أقول: لم يذكر الراوي ظرف الحديث الذي أوجب أن لايقبل الإمام الباقر عليه السلام زكاة الرجل، وأن يتحدث عن إعادة توزيع الإمام المهدي عليه السلام للثروة.
وفي فتن ابن حماد:1/355: «عن كعب قال: المهدي يبعث بقتال الروم، يعطى فقه عشرة، يستخرج تابوت السكينة من غار بأنطاكية، فيه التوراة التي أنزل الله تعالى على موسى عليه السلام ، والإنجيل الذي أنزل الله عز وجل على عيسى عليه السلام ، يحكم بين أهل التوراة بتوراتهم، وبين أهل الإنجيل بإنجيلهم».
وفي العرائس للثعلبي/118: «عن تميم الداري قال: قلت: يا رسول الله مررت بمدينة صفتها كيت وكيت، قريبة من ساحل البحر، فقال صلى الله عليه وآله : تلك أنطاكية، أما إن في غار من غيرانها رضاضاً من ألواح موسى، وما من سحابة شرقية ولا غربية تمر بها إلا ألقت عليها من بركاتها. ولن تذهب الأيام والليالي حتى يسكنها رجل من أهل بيتي يملؤها عدلاً وقسطاً، كما ملئت جوراً وظلماً». والرضراض: القطع الصغيرة.
وفي تاريخ بغداد:9/471: «عن تميم الداري قال: قلت: يا رسول الله ، ما رأيت للروم مدينة مثل مدينة يقال لها أنطاكية، وما رأيت أكثر مطراً منها! فقال النبي صلى الله عليه وآله نعم، وذلك أن فيها التوراة، وعصا موسى ورضراض الألواح، ومائدة سليمان بن داود في غار من غيرانها، ما من سحابة تشرف عليها من وجه من الوجوه إلا فرغت ما فيها من البركة في ذلك الوادي، ولا تذهب الأيام ولا الليالي حتى يسكنها رجل من عترتي إسمه إسمي وإسم أبيه اسم أبي، يشبه خلقه خلقي وخلقه خلقي، يملأ الدنيا قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً».
أقول: لا قيمة علمية لما يقوله أو يرويه كعب وتميم، لكن أوردنا ذلک ليطلع الباحث على التحريفات التي ارتكبوها في أحاديث المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف . على أن عدداً من الروايات قد تكون نسبت اليهما بعد عصرهما.

من أصحاب المهدي عليه السلام سبعة علماء من بلاد شتى

روى ابن حماد:1/345: «عن ابن مسعود ولم يسنده إلى النبي صلى الله عليه وآله قال: إذا انقطعت التجارات والطرق وكثرت الفتن، خرج سبعة رجال علماء من أفق شتى على غير ميعاد، يبايع لكل رجل منهم ثلاث مائة وبضعة عشر رجلاً، حتى يجتمعوا بمكة فيلتقي السبعة فيقول بعضهم لبعض: ما جاء بكم؟ فيقولون: جئنا في طلب هذا الرجل الذي ينبغي أن تهدأ على يديه هذه الفتن وتفتح له القسطنطينية، قد عرفناه باسمه واسم أبيه وأمه وحليته، فيتفق السبعة على ذلك. فيطلبونه فيصيبونه بمكة: فيقولون له: أنت فلان بن فلان، فيقول: لا، بل أنا رجل من الأنصار، حتى يفلت منهم. فيصفونه لأهل الخبرة والمعرفة به، فيقال هو صاحبكم الذي تطلبونه، وقد لحق بالمدينة، فيطلبونه بالمدينة فيخالفهم إلى مكة، فيطلبونه بمكة فيصيبونه فيقولون: أنت فلان بن فلان وأمك فلانة بنت فلان وفيك آية كذا وكذا، وقد أفلت منا مرة فمد يدك نبايعك فيقول: لست بصاحبكم أنا فلان بن فلان الأنصاري، مروا بنا أدلكم على صاحبكم، حتى يفلت منهم، فيطلبونه بالمدينة فيخالفهم إلى مكة فيصيبونه بمكة عند الركن فيقولون: إثمنا عليك ودماؤنا في عنقك إن لم تمد يدك نبايعك، هذا عسكر السفياني قد توجه في طلبنا عليهم رجل من جرم، فيجلس بين الركن والمقام فيمد يده فيبايع له، ويلقي الله محبته في صدور الناس، فيسير مع قوم أسد بالنهار رهبان بالليل».
أقول: هذه القصة تدل على نوع فهم السنيين للبشارة النبوية بالمهدي عليه السلام في القرن الثالث، وقد أسندوا روايتها إلى ابن مسعود رحمه الله الذي كان يحدث بالبشارة النبوية بالأئمة الاثني عشر عليه السلام ، وأدخلوا فيها تصورهم للمهدي وتفسيرهم لمقولة إنه يبايع وهوكاره. وقد ذكرت الرواية أصحاب المهدي عليه السلام الثلاث مئة وثلاثة عشـر، الذين يجمعهم الله تعالى من بلاد شتى وجعلت لكل واحد من هؤلاء العلماء بعددهم!وروى ابن حماد فيهم روايات طويلة وقصيرة، وليس فيها رواية مسندة.

النفس الزكية في ظهر الكوفة من علامات المهدي عليه السلام

في الإرشاد:2/368: «جاءت الأخبار بذكر علامات لزمان قيام القائم المهدي عليه السلام وحوادث تكون أمام قيامه، وآيات ودلالات: فمنها: خروج السفياني، وقتل الحسني، واختلاف بني العباس في الملك الدنياوي، وكسوف الشمس في النصف من شهر رمضان، وخسوف القمر في آخره، على خلاف العادات، وخسف بالبيداء وخسف بالمغرب وخسف بالمشرق، وركود الشمس من عند الزوال إلى وسط أوقات العصر، وطلوعها من المغرب، وقتل نفس زكية بظهر الكوفة في سبعين من الصالحين، وذبح رجل هاشمي بين الركن والمقام، وهدم سور الكوفة».
أقول: مقصوده رحمه الله سرد العلامات بدون ترتيب، وشاهدنا منها: «وقتل الحسني... وقتل نفس زكية بظهر الكوفة في سبعين من الصالحين، وذبح رجل هاشمي بين الركن والمقام، وهدم سور الكوفة».
ولم تعين الرواية بلد الحسني، أما الهاشمي أو الحسني الذي يذبح بين الركن والمقام ففيه روايات صريحة، ستأتي. وأما هدم سور الكوفة فيقصد به سور مسجدها من الجهة المقابلة للقبلة كما دلت الروايات. وأما النفس الزكية التي تقتل في سبعين من الصالحين بظهر الكوفة، فأوضح من تنطبق عليهم ممن قتلوا في النجف إلى الآن، هو الشهيد السيد محمد باقر الحكيم رحمه الله فقد قتل في أكثر من سبعين، ومعناه أن سبعين منهم صالحون.
وتقدم من مختصر البصائر/199، الخطبة المروية عن أميرالمؤمنين عليه السلام التي تسمى المخزون جاء فيها: «ألا يا أيها الناس، سلوني قبل أن تشرع برجلها فتنة شرقية، وتطأ في خطامها بعد موت وحياة، أو تشب نار بالحطب الجزل غربي الأرض، رافعة ذيلها تدعو يا ويلها بذحلة أو مثلها، فإذا استدار الفلك قلتم مات أو هلك بأي واد سلك، فيومئذ تأويل هذه الآية: ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً. ولذلك آيات وعلامات، أولهن إحصار الكوفة بالرصد والخندق، وتحريق الزوايا في سكك الكوفة، وتعطيل المساجد أربعين ليلة، وتخفق رايات ثلاث حول المسجد الأكبر، يُشبَّهْنَ بالهدى، القاتل والمقتول في النار.
وقتل كثير وموت ذريع، وقتل النفس الزكية بظهر الكوفة في سبعين، والمذبوح بين الركن والمقام، وقتل الأسبغ المظفر صبراً في بيعة الأصنام، مع كثير من شياطين الإنس». الخ.
فهي تتكلم عن الحجاز والعراق معاً، والرايات التي تتنازع حول المسجد الأكبر تقصد المسجد الحرام. والقتل الذريع يحتمل أن يكون في البلدين، والنفس الزكية بظهر الكوفة أي النجف. والأسبغ المظفر شخص يعتقل ويقتل صبراً، أي يحكم عليه بالقتل، ولم تعين بلده.

النفس الزكية في المدينة من علامات المهدي عليه السلام

في الفتن:1/324: «عن كعب قال: تستباح المدينة حينئذ وتقتل النفس الزكية».
وفي الفتن: 1 /329: «عن ابن مسعود قال: يبعث جيش إلى المدينة فيخسف بهم بين الحماوين، وتقتل النفس الزكية».
وفي الكافي:1/337، بعدة روايات عن زرارة قال: «سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن للغلام غيبة قبل أن يقوم، قال: قلت: ولم؟ قال: يخاف وأومأ بيده إلى بطنه، ثم قال: يا زرارة وهو المنتظر، وهو الذي يشك في ولادته، منهم من يقول مات أبوه بلا خلف، ومنهم من يقول حمل، ومنهم من يقول إنه ولد قبل موت أبيه بسنتين وهو المنتظر، غير أن الله عز وجل يحبُّ أن يمتحن الشيعة، فعند ذلك يرتاب المبطلون يا زرارة. قال قلت: جعلت فداك إن أدركت ذلك الزمان أي شئ أعمل؟ قال: يا زرارة إذا أدركت هذا الزمان فادع بهذا الدعاء: اللهم عرفني نفسك، فإنك إن لم تعرفني نفسك لم أعرف نبيك، اللهم عرفني رسولك، فإنك إن لم تعرفني رسولك لم أعرف حجتك، اللهم عرفني حجتك، فإنك إن لم تعرفني حجتك ضللت عن ديني. ثم قال: يا زرارة لا بد من قتل غلام بالمدينة، قلت: جعلت فداك أليس يقتله جيش السفياني؟ قال: لا، ولكن يقتله جيش آل بني فلان، يجئ حتى يدخل المدينة فيأخذ الغلام فيقتله، فإذا قتله بغياً وعدواناً وظلماً لايمهلون، فعند ذلك توقع الفرج إن شاء الله». والنعماني/166، و177، وكمال الدين:2/342 و346 و481، ودلائل الإمامة/293 كرواية كمال الدين الأخيرة، وغيبة الطوسي/202،كرواية النعماني الأولى..الخ.
وفي الفتن لابن حماد:1/323: «عن علي عليه السلام قال: يكتب السفياني إلى الذي دخل الكوفة بخيله، بعدما يعركها عرك الأديم، يأمره بالسير إلى الحجاز، فيسير إلى المدينة فيضع السيف في قريش فيقتل منهم ومن الأنصار أربع مائة رجل، ويبقر البطون ويقتل الولدان، ويقتل أخوين من قريش، رجل وأخته يقال لهما محمد وفاطمة ويصلبهما على باب المسجد بالمدينة». وفي ابن حماد:1/323: «عن أبي رومان قال: يبعث بجيش إلى المدينة فيأخذون من قدروا عليه من آل محمد، ويُقتل من بني هاشم رجال ونساء، فعند ذلك يهرب المهدي والمنصور من المدينة إلى مكة، فيبعث في طلبهما، وقد لحقا بحرم الله وأمنه».
وهذا الغلام النفس الزكية، غير النفس الزكية الذي يقتل في مكة قبيل الظهور.
وفي تفسير العياشي«1/65»عن الإمام الباقر عليه السلام :«ويظهر السفياني ومن معه حتى لايكون له همة إلا آل محمد صلى الله عليه وآله وشيعتهم، فيبعث بعثاً إلى الكوفة فيصاب بأناس من شيعة آل محمد صلى الله عليه وآله بالكوفة قتلاً وصلباً. ويبعث بعثاً إلى المدينة فيقتل بها رجلاً ويهرب المهدي والمنصور منها، ويؤخذ آل محمد صغيرهم وكبيرهم، لايترك منهم أحد إلا أخذ وحبس. ويخرج الجيش في طلب الرجلين، ويخرج المهدي منها على سنة موسى خائفاً يترقب حتى يقدم مكة». وسيأتي ذكر النفس الزكية التي في مكة.

النفس الزكية في مكة من أصحابه الخاصين

في غيبة النعماني/257: «قلنا له «الإمام الصادق عليه السلام »: السفياني من المحتوم؟ فقال: نعم، وقتل النفس الزكية من المحتوم، والقائم من المحتوم، وخسف البيداء من المحتوم، وكفٌّ تطلع من السماء من المحتوم، والنداء من السماء من المحتوم. فقلت: وأي شئ يكون النداء؟ فقال: مناد ينادي باسم القائم واسم أبيه.
وعن أميرالمؤمنين عليه السلام : ألا أخبركم بآخر ملك بني فلان؟ قلنا: بلى أميرالمؤمنين. قال: قتل نفس حرام في بلد حرام، عن قوم من قريش، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما لهم ملك بعده غير خمسة عشر ليلة».
وفي النعماني/264: «عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من المحتوم الذي لابد أن يكون من قبل قيام القائم خروج السفياني، وخسف بالبيداء، وقتل النفس الزكية، والمنادي من السماء».
وفي النعماني/262: «عن محمد بن الصامت، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: ما من علامة بين يدي هذا الأمر؟ فقال: بلى، قلت: وما هي؟ قال: هلاك العباسي، وخروج السفياني، وقتل النفس الزكية، والخسف بالبيداء، والصوت من السماء. فقلت: جعلت فداك أخاف أن يطول هذا الأمر، فقال: لا، إنما هو كنظام الخرز يتبع بعضه بعضاً».
وفي كمال الدين:2/649: «عن صالح مولى بني العذراء قال: سمعت أبا عبد الله الصادق عليه السلام يقول: ليس بين قيام قائم آل محمد وبين قتل النفس الزكية، إلا خمس عشرة ليلة».
وفي غيبة الطوسي/464: «عن عمار بن ياسر: إن دولة أهل بيت نبيكم في آخر الزمان ولها أمارات...وإذا رأيتم أهل الشام قد اجتمع أمرها على ابن أبي سفيان، فالحقوا بمكة فعند ذلك تقتل النفس الزكية وأخوه بمكة ضيعةً، فينادي مناد من السماء: أيها الناس إن أميركم فلان، وذلك هو المهدي الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما ملئت ظلماً وجوراً».
وفي غيبة الطوسي/464: «عن إبراهيم الجريري قال: النفس الزكية غلام من آل محمد، إسمه محمد بن الحسن، يقتل بلا جرم ولا ذنب، فإذا قتلوه لم يبق لهم في السماء عاذر، ولا في الأرض ناصر. فعند ذلك يبعث الله قائم آل محمد في عصبةٍ لهمُ أدقُّ في أعين الناس من الكحل، إذا خرجوا بكى لهم الناس، لا يرون إلا أنهم يُختطفون، يفتح الله لهم مشارق الأرض ومغاربها، ألا وهم المؤمنون حقاً. ألا إن خير الجهاد في آخر الزمان».
كما روت شهادة النفس الزكية بعض مصادر السنيين،كابن أبي شيبة:8/679: «عن مجاهد: قال فلان رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله : إن المهدي لا يخرج حتى تقتل النفس الزكية، فإذا قتلت النفس الزكية غضب عليهم من في السماء ومن في الأرض فأتى الناس المهدي فزفوه كما تزف العروس إلى زوجها ليلة عرسها، وهو يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، وتخرج الأرض نباتها وتمطر السماء مطرها، وتنعم أمتي في ولايته نعمة لم تنعمها قط».
فالنفس الزكية شخص ممدوح كان حديثه معروفاً عند الصحابة، ولذا حاول بعضهم تطبيقه على محمد بن عبد الله بن الحسن المثنى، وسموه النفس الزكية.
وروى ابن حماد:1/339: «عن عمار بن ياسر رضي الله عنه قال: إذا قتل النفس الزكية وأخوه يقتل بمكة ضيْعَةً، نادى مناد من السماء إن أميركم فلان، وذلك المهدي الذي يملأ الأرض حقاً وعدلاً».
وأورد ابن حماد:1/193، و:1/324، و329، و330، و339، أحاديث في النفس الزكية الذي يقتل في المدينة، والذي يقتل في مكة، منها/93: «إن المهدي لايخرج حتى تقتل النفس الزكية، فإذا قتلت النفس الزكية غضب عليهم من في السماء ومن في الأرض، فأتى الناس المهدي فزفوه كما تزف العروس إلى زوجها ليلة عرسها، وهو يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، وتخرج الأرض نباتها وتمطر السماء مطرها، وتنعم أمتي في ولايته نعمة لم تنعمها قط».

2- أصحاب المهدي‌ عليه السلام الخاصون الثلاث مئة وثلاثة عشر

مقام أصحاب الإمام المهدي عليه السلام

في نهج البلاغة:2/126: «ألا بأبي وأمي، هم من عدة أسماؤهم في السماء معروفة، وفي الأرض مجهولة. ألا فتوقعوا ما يكون من إدبار أموركم، وانقطاع وصلكم، واستعمال صغاركم. ذاك حيث تكون ضربة السيف على المؤمن أهون من الدرهم من حله. ذاك حيث يكون المعطى أعظم أجراً من المعطي. ذاك حيث تسكرون من غير شراب، بل من النعمة والنعيم، وتحلفون من غير اضطرار، وتكذبون من غير إحراج. ذاك إذا عضكم البلاء كما يعض القتب غارب البعير. ما أطول هذا العناء، وأبعد هذا الرجاء».
وفي كمال الدين:2/654: «عن عبد الله بن عجلان قال: ذكرنا خروج القائم عليه السلام عند أبي عبد الله عليه السلام فقلت له: كيف لنا أن نعلم ذلك؟ فقال: يصبح أحدكم وتحت رأسه صحيفة عليها مكتوب: طاعة معروفة».
وفي كمال الدين:2/673: «عن أبي جعفر عليه السلام قال: كأني بأصحاب القائم وقد أحاطوا بما بين الخافقين، فليس من شئ إلا وهو مطيع لهم حتى سباع الأرض وسباع الطير يطلب رضاهم في كل شئ، حتى تفخر الأرض على الأرض وتقول مرَّ بي اليوم رجل من أصحاب القائم عليه السلام ».
وفي علل الشرائع/89: «عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث جاء فيه: فقال أبو بكر الحضرمي: جعلت فداك الجواب في المسألتين الأولتين؟ فقال: يا أبا بكر: سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ، فقال: مع قائمنا أهل البيت. وأما قوله: وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً، فمن بايعه ودخل معه ومسح على يده ودخل في عقد أصحابه، كان آمناً».
وفي الإختصاص/325: «عن أبي بصير قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام وعنده رجل من أهل خراسان وهو يكلمه بلسان لا أفهمه، ثم رجع إلى شئ فهمته، فسمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: اركض برجلك الأرض، فإذا بحر تلك الأرض، على حافَّتيها فرسان قد وضعوا رقابهم على قرابيس سروجهم، فقال أبو عبد الله عليه السلام : هؤلاء أصحاب القائم عليه السلام ».
ومثله دلائل الإمامة/245، وفيه: فإذا نحن بتلك الأرض. ومعناه أن الإمام الصادق عليه السلام كشف له فرأى أصحاب المهدي عليه السلام على هيأة فرسان.

لم يسبقهم الأولون ولا يدركهم الآخرون!

روى الحاكم في المستدرك:4/554، وصححه على شرط الشيخين «عن محمد بن الحنفية قال: كنا عند علي رضي الله عنه فسأله رجل عن المهدي فقال علي: هيهات ثم عقد بيده سبعاً فقال: ذاك يخرج في آخر الزمان، إذا قال الرجل الله الله قتل، فيجمع الله تعالى له قوماً قزع كقزع السحاب، يؤلف الله بين قلوبهم، لايستوحشون إلى أحد ولا يفرحون بأحد يدخل فيهم، على عدة أصحاب بدر، لم يسبقهم الأولون ولا يدركهم الآخرون، وعلى عدد أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر! قال أبو الطفيل: قال ابن الحنفية: أتريده؟ قلت: نعم. قال: إنه يخرج من بين هذين الخشبتين. قلت: لاجرم والله لا أريمهما حتى أموت. فمات بها يعني مكة».
ورويناه بصيغة أوضح في بصائر الدرجات/104: «عن أبي جعفر عليه السلام : قال رسول الله صلى الله عليه وآله ذات يوم وعنده جماعة من أصحابه: اللهم لقني إخواني مرتين، فقال من حوله من أصحابه: أمَا نحن إخوانك يارسول الله ؟ فقال: لا، إنكم أصحابي، وإخواني قوم في آخر الزمان، آمنوا بي ولم يروني، لقد عرفنيهم الله بأسمائهم وأسماء آبائهم من قبل أن يخرجهم من أصلاب آبائهم وأرحام أمهاتهم، لأحدُهم أشدُّ بُقيَةً على دينه من خرط القتاد في الليلة الظلماء، أو كالقابض على جمر الغضا، أولئك مصابيح الدجى، ينجيهم الله من كل فتنة غبراء مظلمة».
ونحوه ما في صحيح مسلم:1/150: «وددت أنا قد رأينا إخواننا. قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله ؟ قال: أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد. فقالوا: كيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك يا رسول الله ؟ فقال: أرأيت لو أن رجلاً له خيل غر محجلة بين ظهري خيل دهم بهم ألا يعرف خيله؟ قالوا: بلى يا رسول الله . قال: فإنهم يأتون غراً محجلين من الوضوء وأنا فرطهم على الحوض. ألا ليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال. أناديهم ألا هلمَّ، فيقال إنهم قد بدلوا بعدك، فأقول سحقاً سحقاً»!
أقول: إن تسمية النبي صلى الله عليه وآله لهم بإخوانه مقامٌ عظيمٌ يجعلهم أفضل من كافة صحابته غير المعصومين، بل في حديثه عنهم صلى الله عليه وآله تعريض بصحابته، خاصة أنه ختم كلامه بالحديث عن الأباعرالضالة منهم يوم القيامة الذين يذادون عن حوضه وعن صحبته ويؤمر بهم الى النار! فقوله صلى الله عليه وآله : إخواني، بضميمة: لم يسبقهم الأولون ولا يدركهم الآخرون، يدل على أفضليتهم على الصحابة، بل ورد أنهم أفضل من أصحاب جميع الأنبياء عليهم السلام .
أقول: مقتضى هذه الأحاديث الصحيحة في مصادر السنة، والواردة أيضاً في مصادنا أن أصحاب المهـــدي عليه السلام أفضل من جميع أصحاب الأنبيــاء والأئمـــة عليهم السلام وحتى من أصحاب الحسين عليه السلام .
لكني لا أستطيع تقديمها على نص صحيح رواه ابن قولويه رحمه الله في كامل الزيارة /454، يقول: «خرج أميرالمؤمنين علي عليه السلام يسير بالناس حتى إذا كان من كربلاء على مسيرة ميل أو ميلين، تقدم بين أيديهم حتى صار بمصارع الشهداء، ثم قال: قبض فيها مائتا نبي ومائتا وصي ومائتا سبط كلهم شهداء بأتباعهم، فطاف بها على بغلته خارجاً رجله من الركاب، فأنشأ يقول: مناخ ركاب ومصارع شهداء، لا يسبقهم من كان قبلهم ولا يلحقهم من أتى بعدهم» يقصد الحسين عليه السلام وأصحابه.

يجمعهم الله من أنحاء الأرض في ليلة واحدة

في غيبة الطوسي/284: «عن الإمام الصادق عليه السلام قال: كان أميرالمؤمنين عليه السلام يقول: لا يزال الناس ينقصون حتى لا يقال «الله» فإذا كان ذلك ضرب يعسوب الدين بذنبه، فيبعث الله قوماً من أطرافها، يجيئون قزعاً كقزع الخريف. والله إني لأعرفهم وأعرف أسماءهم وقبائلهم، وإسم أميرهم، وهم قوم يحملهم الله كيف شاء من القبيلة الرجل والرجلين، حتى بلغ تسعة، فيتوافون من الآفاق ثلاث مائة وثلاثة عشـر رجلاً عدة أهل بدر، وهو قول الله: أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَئٍْ قَدِيرٌ. حتى أن الرجل ليحتبي«يشد حزامه» فلا يحل حبوته حتى يبلغه الله ذلك».
وقال في البحار:52/334: قال الزمخشـري: «الضـرب بالذنب هاهنا مثل للإقامة والثبات، يعني أنه يثبت هو ومن تبعه على الدين».
وروى العياشي:1/66: «أبي سمينة عن مولى لأبي الحسن عليه السلام : عن قوله: أيْنَمَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جميعاً؟ قال: وذلك والله أن لو قد قام قائمنا، يجمع الله إليه شيعتنا من جميع البلدان».
وفي كمال الدين:2/672: «عن المفضل بن عمر قال: قال أبو عبد الله عليه السلام : لقد نزلت هذه الآية في المفتقدين من أصحاب القائم عليه السلام .قوله عز وجل: أيْنَمَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جميعاً. إنهم ليفتقدون عن فرشهم ليلاً فيصبحون بمكة، وبعضهم يسير في السحاب يعرف باسمه واسم أبيه وحليته ونسبه. قال: قلت: جعلت فداك أيهم أعظم إيماناً؟ قال: الذي يسير في السحاب نهاراً».
وفي العياشي:1/67: «قال أبو عبد الله عليه السلام : إذا أوذن الإمام، دعا الله باسمه العبراني الأكبر، فانتحيت له أصحابه الثلاث مائة والثلاثة عشر، قزعاً كقزع الخريف، وهم أصحاب الولاية، ومنهم من يفتقد من فراشه ليلاً فيصبح بمكة، ومنهم من يرى يسير في السحاب نهاراً، يُعرف باسمه واسم أبيه وحسبه ونسبه. قلت: جعلت فداك أيهم أعظم إيماناً؟ قال: الذي يسير في السحاب نهاراً، وهم المفقودون، وفيهم نزلت هذه الآية: أيْنَمَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جميعاً».
«عن ابن عباس في قوله تعالى: وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ.فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأرض إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُون؟قال:قيام القائم عليه السلام ومثله: أَيْنَمَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً.قال: أصحاب القائم عليه السلام يجمعهم الله في يوم واحد».«غيبة الطوسي/110».
وفي النعماني/316: «عن سليمان بن هارون العجلي قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن صاحب هذا الأمر محفوظ له أصحابه، لو ذهب الناس جميعاً أتى الله له بأصحابه، وهم الذين قال الله عز وجل: فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ. وهم الذين قال الله فيهم: فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ».
وفي النعماني/315: «عن أبي جعفر الباقر صلى الله عليه وآله قال: أصحاب القائم ثلاث مائة وثلاثة عشر رجلاً أولاد العجم. بعضهم يحمل في السحاب نهاراً، ويعرف باسمه واسم أبيه، ونسبه وحليته، وبعضهم نائم على فراشه، فيوافيه في مكة على غير ميعاد».
وفي كمال الدين:2/377: «عن عبد العظيم بن عبد الله الحسني، قال: قلت لمحمد بن علي بن موسى عليهم السلام : إني لأرجو أن تكون القائم من أهل بيت محمد الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، فقال عليه السلام : يا أبا القاسم: ما منا إلا وهو قائم بأمر الله عز وجل وهاد إلى دين الله، ولكن القائم الذي يطهر الله عز وجل به الأرض من أهل الكفر والجحود، ويملؤها عدلاً وقسطاً، هو الذي تخفى على الناس ولادته، ويغيب عنهم شخصه ويحرم عليهم تسميته. وهو سميُّ رسول الله صلى الله عليه وآله وكنيه، وهو الذي تطوى له الأرض، ويذل له كل صعب، ويجتمع إليه من أصحابه عدة أهل بدر: ثلاث مائة وثلاثة عشر رجلاً، من أقاصي الأرض، وذلك قول الله عز وجل: أَيْنَمَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً إنَّ الله على كُلِّ شَئٍْ قَدِير، فإذا اجتمعت له هذه العدة من أهل الإخلاص أظهر الله أمره، فإذا كمل له العقد وهو عشرة آلاف رجل، خرج بإذن الله عز وجل، فلا يزال يقتل أعداء الله حتى يرضى الله عز وجل. قال عبد العظيم: فقلت له: يا سيدي وكيف يعلم أن الله عز وجل قد رضي؟ قال: يلقي في قلبه الرحمة، فإذا دخل المدينة أخرج اللات والعزى فأحرقهما».
وفي مختصر تاريخ دمشق:1/114:«عن علي عليه السلام : إذا قام قائم أهل محمد، جمع الله له أهل المشرق وأهل المغرب، فيجتمعون كما يجتمع قزع الخريف، فأما الرفقاء فمن أهل الكوفة، وأما الأبدال فمن أهل الشام» والصواعق/165، وصححه المغربي/572.
ابن حماد:1/390: «عن التيمي، عن علي رضي الله عنه قال:يُنقض الدين حتى لا يقول أحد لا إله إلا الله. وقال بعضهم: حتى لا يقال: الله الله، ثم يضرب يعسوب الدين بذنبه، ثم يبعث الله قوماً قزع كقزع الخريف، إني لأعرف إسم أميرهم ومناخ ركابهم». ومثله ابن أبي شيبة:15/23، عن الحارس بن سويد، عن علي عليه السلام ، وغريب الحديث للهروي:1/115، بعضه، وتهذيب اللغة للأزهري:1 /185 بعضه، وغريب الحديث لابن الجوزي:2/241، ولسان العرب:8/271،
وفي غيبة الطوسي/284، عن أبي عبد الله عليه السلام .. وفيه: «لايزال الناس ينقصون حتى لا يقال الله فإذا كان ذلك ضرب.. فيبعث الله قوماً من أطرافها يجيئون قزعاً.. لأعرفهم وأعرف أسماءهم وقبائلهم واسم أميرهم، وهم قوم يحملهم الله كيف شاء من القبيلة الرجل والرجلين حتى بلغ تسعة، فيتوافون من الآفاق ثلاث مائة وثلاثة عشر رجلاً، عدة أهل بدر وهو قول الله: أين مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جميعاً إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَئْ قَدِيرٌ ».
وفي شرح النهج:19/104: «وهذا الخبر من أخبار الملاحم التي كان يخبر بها عليه السلام وهو يذكر فيه المهدي الذي يوجد عند أصحابنا في آخر الزمان..فإن قلت: فهذا يشيد مذهب الإمامية في أن المهدي خائف مستتر ينتقل في الأرض، وأنه يظهر آخر الزمان ويثبت ويقيم في دار ملكه. قلت: لايبعد على مذهبنا أن يكون الإمام المهدي الذي يظهر في آخر الزمان مضطرب الأمر، منتشر الملك في أول أمره لمصلحة يعلمها الله تعالى، ثم بعد ذلك يثبت ملكه وتنتظم أموره».

وهم الأمة المعدودة في القرآن

في تفسير القمي:1/323: «عن علي عليه السلام في قوله تعالى: وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ؟قال: الأمة المعدودة أصحاب القائم الثلاث مائة والبضعة عشر».
وفي تفسير العياشي:2/57: «عن الإمام الباقر عليه السلام قال: أصحاب القائم عليه السلام الثلاث مائة والبضعة عشر رجلاً، هم والله الأمة المعدودة، التي قال الله في كتابه: وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ، قال: يجمعون له في ساعة واحدة قَزعاً كقزع الخريف».
وفي تفسير القمي:2/205: «عن الإمام الباقر عليه السلام قال في تفسيرها: وهم والله أصحاب القائم يجتمعون والله إليه في ساعة واحدة، فإذا جاء إلى البيداء يخرج إليه جيش السفياني فيأمر الله الأرض فتأخذ أقدامهم، وهو قوله: وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيب: يعني بالقائم من آل محمد عليهم السلام . وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ.. إلى قوله: وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ: يعني أن لا يُعذبوا.كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ: يعني من كان قبلهم من المكذبين هلكوا من قبل، إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ».
وفي النعماني/241، عن الإمام الصادق عليه السلام قال: العذاب خروج القائم عليه السلام ، والأمة المعدودة عدة أهل بدر.

وهم الموعودون بالإستخلاف والتمكين في الأرض

الكافي:1/193: «عن عبد الله بن سنان قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله جل جلاله: وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرض كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ؟ قال: هم الأئمة عليهم السلام ».
ومثله تأويل الآيات:1/368، وفيه: «نزلت في علي بن أبي طالب والأئمة من ولده، وعنى به ظهور القائم عليه السلام ».
وفي كفاية الأثر/56: «عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: دخل جندب بن جنادة اليهودي من خيبر، على رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا محمد أخبرني عما ليس لله، وعما ليس عند الله، وعما لا يعلمه الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : أما ما ليس لله فليس لله شريك. وأما ما ليس عند الله فليس عند الله ظلم للعباد. وأما ما لا يعلمه الله فذلك قولكم يا معشر اليهود إنه عزير ابن الله، والله لايعلم له ولداً.
فقال جندب: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله حقاً. ثم قال: يا رسول الله إني رأيت البارحة في النوم موسى بن عمران عليه السلام فقال لي: يا جندب أسلم على يد محمد واستمسك بالأوصياء من بعده، فقد أسلمت فرزقني الله ذلك، فأخبرني بالأوصياء بعدك لأتمسك بهم. فقال: يا جندب أوصيائي من بعدي بعدد نقباء بني إسرائيل. فقال: يا رسول الله إنهم كانوا اثني عشر، هكذا وجدنا في التوراة، قال: نعم، الأئمة بعدي اثنا عشر. فقال: يا رسول الله كلهم في زمن واحد؟ قال: لا ولكنهم خلف بعد خلف، فإنك لا تدرك منهم إلا ثلاثة، قال: فسمهم لي يا رسول الله ، قال: نعم إنك تدرك سيد الأوصياء ووارث الأنبياء وأبا الأئمة علي بن أبي طالب بعدي، ثم ابنه الحسن، ثم الحسين، فاستمسك بهم من بعدي، ولا يغرنك جهل الجاهلين. فإذا كانت وقت ولادة ابنه علي بن الحسين سيد العابدين يقضي الله عليك، ويكون آخر زادك من الدنيا شربة من لبن تشربه.
فقال: يا رسول الله هكذا وجدت في التوراة البانقطة: شبراً وشبيراً، فلم أعرف أساميهم، فكم بعد الحسين من الأوصياء وما أساميهم؟ فقال: تسعة من صلب الحسين والمهدي منهم، فإذا انقضت مدة الحسين قام بالأمر بعده ابنه علي ويلقب بزين العابدين، فإذا انقضت مدة علي قام بالأمر بعده محمد ابنه يدعى بالباقر، فإذا انقضت مدة محمد قام بالأمر بعده ابنه جعفر يدعى بالصادق، فإذا انقضت مدة جعفر قام بالأمر بعده ابنه موسى يدعى بالكاظم، ثم إذا انتهت مدة موسى قام بالأمر بعده ابنه علي يدعى بالرضا، فإذا انقضت مدة علي قام بالأمر بعده محمد ابنه يدعى بالزكي، فإذا انقضت مدة محمد قام بالأمر بعده علي ابنه يدعى بالنقي، فإذا انقضت مدة علي قام بالأمر بعده الحسن ابنه يدعى بالأمين. ثم يغيب عنهم إمامهم. قال: يا رسول الله هو الحسن يغيب عنهم، قال: لا ولكن ابنه الحجة. قال: يا رسول الله فما اسمه؟ قال: لا يسمى حتى يظهره الله.
قال جندب: يا رسول الله قد وجدنا ذكرهم في التوراة، وقد بشـرنا موسى بن عمران بك وبالأوصياء بعدك من ذريتك. ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وآله : وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرض كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً، فقال جندب: يا رسول الله فما خوفهم؟ قال: يا جندب في زمن كل واحد منهم سلطان يعتريه ويؤذيه، فإذا عجل الله خروج قائمنا يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً. ثم قال عليه السلام : طوبى للصابرين في غيبته، طوبى للمتقين على محجتهم، أولئك وصفهم الله في كتابه وقال: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ، وقال: أُولَئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُون».

وهم الصالحون الموعودون بوراثة الأرض

في تأويل الآيات:1/332: «عن الإمام الباقر عليه السلام في تفسير قوله تعالى: وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأرض يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ. قال: الكتب كلها ذكر وأَنَّ الأرض يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ: قال: القائم عليه السلام وأصحابه».
وفي تفسير القمي:2/126: «في قوله: وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلاً يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ. قال: أعطى داود وسليمان ما لم يُعط أحداً من أنبياء الله من الآيات، علمهما منطق الطير، وألانَ لهما الحديد والصِّفر من غير نار، وجعل الجبال يسبِّحن مع داود وأنزل الله عليه الزبور فيه توحيد وتمجيد ودعاء، وأخبار رسول الله صلى الله عليه وآله وأميرالمؤمنين عليه السلام والأئمة من ذريتهما عليهم السلام ، وأخبار الرجعة والقائم عليه السلام لقوله:وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأرض يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ».

وهم المبشر بهم في الآية: فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ..

العياشي:1/326: «عن سليمان بن هارون أنه ق