الولادات الثلاث

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 1 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الولادات الثلاث
وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 2 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 3 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

مقـدمـة

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، مالك يوم الدين ، وأفضل الصلاة والسلام على سيدنا ونبينا ، صاحب الشفاعة الكبرى ، محمد وآله الطيبين الطاهرين .
وبعد ، فقد رغب اليَّ بعض الأعزاء أن أكتب قصة الإنسان ، من ولادته الى موته ، وقيامته ، وحشره ، وحسابه ، ومصيره ، الى جنة أو نار .
وكنت أشعر بأهمية الموضوع وأفكر في طريقة تقديمه الى القارئ بأسلوب علمي ميسر ، في كتاب واحد ، مع تعدد بحوثه ، وكثرة فروعه ، فهي تشمل الروح والجسد ، والموت ، والبرزخ ، والحشر، والحساب ، والجنة ، والنار.
وذلك يحتاج الى أن تقرأ وتفكر كثيراً ، لتستكمل الصورة الصحيحة للموضوع ثم تختار من بستانه الواسع قطافاً ينفع الناس ، وترجو عليه الثواب .
وعندما شرعت في العمل ، وجدتني أدخل في عَالَمٍ جَلِيلٍ مَهِيب ، تقول لك هواتفه: أشدد حيازيمك فالأمر كله جِدٌّ ، واشحذ ذهنك فالمطالب دقيقة .
وجدتني أمام آياتٍ تهزُّ معانيها أعماق العقل ، وتملأ نبراتها جنبات الروح ، وتفتح أحاديثها منافذ الغيب ، فتحدثك عن ماضيك وحاضرك ومستقبلك ! وأيُّ حديث أبلغ من الحديث عن المستقبل والمصير !
وقد سميته الولادات الثلاث ، لأن موضوعه يبدأ بولادتنا من أبوينا ، ثم يبحث ولادةً أعجب منها ، هي ولادة أرواحنا من أجسادنا بالموت ، ثم يبحث
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 4 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولادة أعجب منهما ، هي ولادتنا من مشتل الأرض في القيامة ، لأن جسدنا يتحلل ويبلى ما عدا ذرة مستديرة لاتبلى، وهي تحمل خصائص شخصيتنا التي صنعناها بسلوكنا! فقد سئل الإمام الصادق عليه السلام : (عن الميت يبلى جسده ؟ قال: نعم ، حتى لا يبقى له لحم ولا عظم ، إلا طينته التي خلق منها فإنها لا تبلى ، تبقي في القبر مستديرة ، حتى يخلق منها كما خلق أول مرة ). (الكافي:3/251).
أما عن منهج البحث فهو استنطاق الآيات والأحاديث لأنها اليقين لا الظنون ، ومن يملك كلام الله تعالى وكلام المعصومين عليهم السلام لا يستبدل به ظنون أهل الفلسفة وترصيفهم ، ولا شطحات أهل العرفان ، ولا هرطقات الإسرائيليات .
أرجو أن أكون وُفقت في تقديم تصور علمي للموضوع ، وقد تركت من مواده الجذابة أضعاف ما كتبت ، وقررت أن أنشره في هذه الطبعة التجريبية ، آملاً من الباحثين تزويدي بملاحظاتهم ، لأستفيد منها تكميلاً وتصحيحاً ، إن شاء الله .
أسأل الله الكريم أن يوفقني للعمل الصالح فيما بقي من عمري ، ويبارك لي في الموت ، ويشملني وإياكم بشفاعة نبيه وآله الطاهرين ، صلوات الله عليهم .
كتبه بقم المشرفة في خامس ربيع المولود سنة1433
علي الكوراني العاملي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 5 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الأول: أهل الشك وأهل اليقين

(1) من أين جئنا والى أين نذهب ؟

لماذا جئتُ الى هذه الحياة ؟ والى أين أذهبُ بعد موتي ؟
يقول أحد دعاة الشك والحيرة في عصرنا ، الشاعر إيلِيَّا أبي ماضي:
جئت لا أعلم من أينَ ، ولكني أتيتْ
ولقد أبصرتُ قُدَّامي طريقاً فمشيتْ
وسأبقى ماشياً إن شئتُ هذا أم أبيتْ
كيف جئتُ ؟ كيف أبصرتُ طريقي ؟ لست أدري !
ويقول أصحاب اليقين: دَلَّنِي عقلي على أن لهذا الكون صانعاً خلقه وخلقني، ودَلَّني عقلي على أن كل عمله متقنٌ هادف ، ومنه وجودي المتقن الهادف .
أنا عندما أرى جهازاً أو زجاجةَ عِطْرٍ ، أبحث عن عبارة: (صُنِعَ في..) لأعرف من أنتجها ، فلماذا لا أقرأ في هذا الكون عبارة: (صنع في..) !
لماذا أُعْجَبُ بلوحة غروب الشمس التي رسمها فنان ، ولا أُعجب بلوحة غروب الشمس الحية ، التي يرسمها كل يوم ، وفي كل بلد: رب الفنانين .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 6 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لماذا أقرأ عبارة: (صنع في..) على لوح الشوكولا، وعلبة الدواء ، والقميص ، ولا أقرؤها على جبيني ، وجبين الآباء ، والأمهات ، والأطفال ؟
لماذا لا أقرؤها في حركة الذرة والمجرة ، وفي تكوين الألكترون والبروتون ؟
أيها الصانع الحكيم والخالق العظيم.. آمنتُ بك ، فأنتَ حقيقة أوضحُ من هذا الكون الذي خلقته ، وأقوى وجوداً من وجودي !
أنت فقط.. تستطيع أن تدلني على مستقبلي ، وهدفك من خلقي .

(2) وجوه الخطأ والصواب في مقولة أبي ماضي

إن مقولة: جئت لا أعلم من أين ؟ فيها وجوه من الصحة ، والخطأ .
ففيها مقولة: إني أحب أن أعلم ، وهي صحيحة ، فكلنا نحب أن نعرف .
وفيها مقولة: لي الحق على من أوجدني أن يعرفني . وفيه وجهٌ من الخطأ . فما هو المستند القانوني لهذا الحق؟ وهل إذا صنعتَ تمثالاً ، أو جهاز كمبيوتر ، يجب عليك أن تُفْهِمَهُ مَن أنت ومَا هو ، وكيف جاء ، ولماذا جاء ؟
ثم.. هل يمكن للإنسان أن يعرف كل ما يريد ، عن خالقه ، وعن خلقه ، ومسار وجوده ، ولماذا لاتكون القضية وتفاصيلها أكبر من طاقة استيعابه؟
نعم ليس الإنسان جهازاً ميتاً ، لكن طاقة ذهنه وعقله محدودة، وغاية ما يستطيع أن يستوعبه جزءٌ من جزء ، من خطط الله تعالى وعلمه المطلق .
وقد بعث الله لهذا الإنسان أنبياء قدموا له الكثير .. لو استوعب .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 7 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كما تضمنت مقولة أبي ماضي: التشكيك في النظريات التي سمعها عن وجود الإنسان وهدفه ، وهذا صحيح الى حد كبير ، لأن أكثر النظريات المطروحة غير مقنعة للإنسان العادي ، فضلاً عن المثقف !
فلو سألت علماء الدين المسلمين والمسيحيين واليهود: لماذا خلقنا الله ، والى أين نذهب ؟ لوجدت في إجاباتهم كثيراً من الكلام الإنشائي ، الخالي من العلم واليقين ، وقليلاً من العناصر المقنعة .
يقول بعضهم: خلقنا لنعبده: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالآنْسَ إِلالِيَعْبُدُونِ . وتسألهم: وهل هو محتاج الى عبادتنا ؟ فيقولون: لا. وينقضون جوابهم !
ويقولون: جاء في حديث قدسي: كنتُ كنزاً مخفياً ، فأحببتُ أن أعرف، فخلقتُ الخلق لكي أعرف .
وتسألهم: هل هو عز وجل بحاجة لأن يُعرف؟وهل عدم معرفة الإنسان وأهل الأرض له تجعله مخفياً ؟ وهل يفكر الله سبحانه هكذا ، مثلنا ؟!
ويقول لك بعض المتعمقين: إن اللام في قوله تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالآنْسَ إِلالِيَعْبُدُونِ . ليست لام الغاية بل هي لام الطريق الى الغاية ، أما لام الغاية فهي في قوله تعالى: إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ . والرحمة هي العطاء الإلهي للإنسان ليتكامل ، والعبادة طريق الإستفادة من هذه الرحمة .
فتجده منطقاً جديداً مقنعاً ، فلا هو عز وجل بحاجة لأن يُعرف ، ولا بحاجة الى عبادتنا . بل خلقنا لنتكامل باختيارنا ، ونحقق ذواتنا بإرادتنا ، ونجعلها
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 8 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
صالحة للخلود في النعيم . وهو عز وجل يدلنا على كل ما يلزمنا لذلك ، وهذه هي عبادته عز وجل .
وتسأل: وماذا كان سيحدث لو لم يخلقنا ؟
والجواب: لا يحدث له شئ سبحانه ، فهو الغني المطلق ، عنا وعن العالمين .
لكن عندما يكون في علمه عز وجل أنه يمكن أن يخلق مخلوقاً يتكامل بإرادته ، وبصراع الخير والشر، وليس في خلقه ظلمٌ له ولا لغيره ، فلماذا لايخلقه ؟!
وتسألني: هذا يعني أن مشروع الحياة كله ، كان من أجل الناس الذين علم الله أنهم سيتكاملون ، فلماذا خلق الكافرين ، وقد علم أنهم لن يتكاملوا !
والجواب: أن الكافرين مُنِحت لهم الفرصة للتكامل فلم يستفيدوا منها ، فلم يظلمهم الله تعالى بل ظلموا أنفسهم ، لأنهم أبوا أن يحققوا ذواتهم بشكل صحيح أو أصروا على أن يحققوها بطريقة خاطئة !
ولهذا فإن فَتْحَ مدرسة الحياة ضرورةٌ ، ليتكامل من يريد التكامل: مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ . وليس فيه ظلم لمن يأبى التكامل .
وكلما كان فعل الله تعالى رحمةً وعدلاً لا ظلم فيه ، وجب أن يقع .

(3) أين المشككون عن يقينيات العقل البشري؟

قلت لصاحبي: دعك من التشكيك.. وابدأ من اليقين وقِفْ على أرضٍ صلبة ! أنت تفكر فأنت موجود . وهذا الكون متقنٌ من ألفه الى يائه ، ومن ذراته الى مجراته ، ونحن نكتشف كل يوم من وجوه إتقانه ما يدهشنا .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 9 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
هذا الكون ، له خالق عظيم ، وصانع ، ومهندس ، ومدير . فلماذا تعاند ؟!
قال: أنا معك في كل ذلك ، لكن الكلام فيما بعده .
قلت له: إصبر ولا تطوِ المراحل طيَّ المجادل ، فأنت معي في أن الإنسان يملك ثروة من اليقينيات ، منها أنه موجود ، وأنه مخلوق لخالق عظيم ، ومصنوع لصانع حكيم. ومنها ، كل بدهيات العقل، مثل أن الكل أكبر من الجزء ، والمعلول يحتاج الى علة ، وأن النقيضين لايجتمعان ، وأن الشئ الذي له عُمْر لم يكن ثم كان..
إن يقينياتك هذه رأس مالك ، وأرضك الصلبة ، فأحسن التعامل معها ، والكسب بها ، ولا تنقل قدمك منها إلا الى أرض صلبة .
تَعَرَّفْ على ماشئت من ظنونٍ واحتمالات ، وكن خَصْبَ الخيال ماشئت ، لكن أَبْقِ كل ما ليس بيقين في عالمه ، وإياك أن تقف عليه ، لأنه يهوي بك !
كل القضية ياصاحبي هنا: هل أرسل الينا صانع الكون وصانعنا ، من يشرح لنا هدفه فينا ، ويهدينا طريق تكاملنا ؟
هل تدلنا ثروتنا الطبيعة من اليقينيات على الأنبياء المبعوثين من الله ، أم لا ؟
فإن آمنتَ بالأنبياء عليهم السلام فاسألهم عن أهداف الله فيك ، لأنهم أصحاب النوافذ المفتوحة على الغيب . وإن لم تؤمن بهم ، فأنت تؤمن بالخالق الصانع الحكيم تبارك وتعالى ، لكنه حسب زعمك لم يخبرك بهدفه من خلقك ، ولا يجب عليه أن يفعل ، فَقَدِّرْ أنت الهدف من خلقك تقديراً ، ولو بالظن ، وانسجم معه .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 10 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وإياك أن تقع في المحال فتقول: إن خالقك وخالق هذا الكون مُقصرٌ ظالم ، كان يجب عليه أن يبين لك الهدف ، وقد قَصَّرَ في حقك ولم يفعل !
قال صاحبي: كلامك منطقي قوي ، لكن ألا ترى جمال شعر إيلِيَّا أبي ماضي:
وطريقي ما طريقي ؟ أطويل أم قصيرْ ؟
هل أنا أصعد أم أهبط فيه وأغورْ ؟
أأنا السائر في الدرب أم الدرب يسير
أم كلانا واقفٌ والدهر يجري ؟..لست أدري
أجديد أم قديم أنا في هذا الوجودْ ؟
هل أنا حُرَّ طليقٌ أم أسيرٌ في قيود ؟
هل أنا قائدُ نفسي في حياتي أم مَقُود ؟
أتمنى أنني أدري ولكن...لستُ أدري
قد سألت البحر يوماً هل أنا يا بحر منكا ؟
أصحيحٌ ما رواه بعضهم عني وعنكا ؟
أم ترى ما زعموا زوراً وبهتاناً وإفكا ؟
ضحكت أمواجه مني وقالت.. لست أدري
أيها البحر أتدري كم مضت ألفٌ عليكا
وهل الشاطئُ يدري أنه جاثٍ لديكا
وهل الأنهارُ تدري أنها منك إليكا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 11 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ما الذي الأمواجُ قالت حين ثارت.. لست أدري
قيل لي في الدير قومٌ أدركوا سرَّ الحياةْ
غيرَ أني لم أجدْ غيرَعقولٍ آسناتْ
وقلوبٍ بَلِيَتْ فيها المنى فَهْيَ رُفاتْ
ما أنا أعمى فهل غيريَ أعمى؟.. لست أدري
قيلَ أدرى الناسِ بالأسرارِ سُكّانُ الصوامعْ
قلتُ إن صحَّ الذي قالوا فإنَّ السرَّ شائعْ
عجباً كيف ترى الشمسَ عيونٌ في براقعْ
والتي لم تتبرقعْ لا تراها.. لستُ أدري
قلتُ له: نعم ، إن شعره جميل ، لكن لا تحمله ما لايحتمل !
فالشاعر لم يقل إنه ملحد ، ينكر وجود الخالق الحكيم سبحانه ، بل قال إنه لايعلم من أين أتى ، والى أين هو ذاهب ؟
لا يدري.. لكن إذا لم يدرِ إيلِيَّا ، فهل كل العالم لا يدري !
وإذا لم يجد إيلِيَّا الجواب.. فهل معناه أنه لا يوجد !
وإذا كان شك هذا الشاعر يعجبك ، فلماذا لايعجبك جواب الشاعر الشيخ عبد الحميد السماوي رحمه الله ، ومنه قوله:
أفكونٌ فوق كونٍ متوازي الحركات
شاسعُ الأبعاد رَحْبٌ متداني الحلقاتْ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 12 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مفعمٌ بالنور مغمورٌ بأسرار الحياة
صادرٌ عن غير قصد من مدير..ليس يدري!
أسمعته نبراتُ الكون لغزاً أبديَّا
و أرتْهُ شَرَفَ الغاية فاجتاز المُغَيَّا
فرأى العُدْم وجوداً ورأى اللاشئ شَيَّا
فتراه يستمد الفيض ممن..ليس يدري!
جاء كي يعبث بالعقل ويهزا بالدليل
و يرى كل جميل ماثل غير جميل
يتحدى كل علم و يداجي كل جيل
فتراه كلما استنطق شيئاً..ليس يدري!
ليتك استوقفت أوهامك لو أغنتك ليتْ
أنا لا أدري إلى أين فهل أنت دريت؟
ملأوا دربك شوكاً فأملِ مصباحك زيتْ
و تخطى فعسى أن يهتدي من..ليس يدري!
ليته استعرض لما استعرض الكون نظامه
ليته أترع من فلسفة التكوين جامه
أينما يتجه العقل يرى الله أمامه
أينما يرعاه يلقاه ولكن..ليس يدري!
أو جواب الشاعر الشيخ محمد جواد الجزائري رحمه الله ، ومنه قوله:
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 13 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ضَمَّنِي الكونُ ومالي مُنْيَةٌ كانت لديهِ
لا ولا راقَ لعيني يومَ أقبلت عليه
دفعتني حكمةٌ من عالم النور إليه
أنا لا أجهل مِن أيـن أتيت..أنا أدري
إنَّ هذا الكون يسري سيره نحو الكمالْ
يترقّى في حدود السـيرِ من حالٍ لحال
ما على المنطق هذا السـير شكٌّ أو خيال
وعليه سنن الكون تمشَّـت..أنا أدري
فوق تيَّارك يا بحـرُ أرى بحراً سَعِيَّا
أزليّاً لا يباريـه.. قديمٌ أبديـّا
شأنه الفيض ولولا فيضه لم تك شَيَّـا
كيف كان الفيض حتى كنت شيّـاً.. أنا أدري
أيُّها الشّـاطئ ما أخفـى وما أظهر سرَّك
دَلَّـني معناك لمـا أظهر المنطق أمرك
أن بحراً ليس فيه شاطئٌ أبدع بحرك
كيف كانت حكمة الإبـداع فيه.. أنا أدري.
إن المشكلة يا صاحبي في المشككين أنفسهم ، لا في الكون ولا في هدف صانعه .
وإن الشك ليس عيباً ولا نقصاً ، لكن سوء التعامل معه ، وبه ، هو النقص !
فسوء التعامل به: عندما يحوله صاحبه الى دعايةٍ لمذهب التشكيك ودعوةٍ اليه .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 14 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وسوء التعامل معه: عندما يجمد عليه صاحبه ويقف ويُحْرِنُ ، ولا ينقل قدمه الى أرض اليقين ، حتى لو رأى يقيناً يملك كل المبررات الموضوعية للتصديق .
تقول إن ديكارت صاحب مدرسة: الشك طريق اليقين ، وهو خطأ شائع! فنحن أصحاب هذه المدرسة ، قبل أن يولد ديكارت بقرون !
وإن أردت التوثق من ذلك فاقرأ كتب علمائنا الكلامية ، ثم اقرأ بحوث علمائنا الأصولية ، لتجد الشك عندهم مفتاحاً ذهبياً .
جاء وفد من علماء من الفاتيكان الى النجف ، وزاروا المرجع الراحل السيد أبو القاسم الخوئي قدس سره ، وجرى الحديث عن المعرفة والشك واليقين ، فداعب السيد الخوئي أحدهم وسأله: أنتم بما أثبتم وجود المسيح عليه السلام وقد كُتِبت هذه الأناجيل بعده بقرون ؟
قال: بالنصوص التاريخية . فأجابه السيد: هذه النصوص لاتوجب أكثر من الظن ، ولا توجب حصول اليقين بوجوده! قال:وبالشياع عند مختلف الشعوب .
قال له السيد: والشياع لا يوجب أكثر من الظن ، لأنه قد يكون مبنياً على خبر روجته دولة أو جهة ، وأخذه الناس وتلقاه عنهم آخرون جيلاً فجيلاً !
قال: لا بأس ، إسمح أيها السيد أن أسألك: هل تؤمن أنت بوجود المسيح عليه السلام ؟
قال له السيد: نعم ، أنا على يقين من وجوده عليه السلام .
قال: إذن من أين حصلت على هذا اليقين ؟
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 15 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال: حصلت عليه من شخص أخبرني وأنا متيقن من صدقه ، وهذا الشخص هو محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله ، فقد ثبت عندي صدقه ونبوته ، وأن الله أنزل عليه قرآناً ، فكل ما قاله القرآن ، أو ثبت أن محمداً قاله ، فهو عندي يقين.
وهنا سكت محاور السيد وزملاؤه ، وظهر عليهم التعجب !
ثم تحدثوا في التعاون العلمي بين المراكز الدينية ، وتبادل الزيارات .
ومن حقهم أن يتعجبوا من هذا المنهج الذي يُقَيِّم كل وسائل إثباتهم لوجود المسيح عليه السلام بأنها ظنية ، ويحصر طريق اليقين به بتصديق نبينا صلى الله عليه وآله .
المسألة التي تواجه إيلِيَّا أبي ماضي يا صاحبي وجماعة المشككين: أن يعترفوا بأن المبررات الموضوعية لليقين موجودة في يقينيات العقل ، وفي الوحي ، فلماذا لايستجيبون لها ، فينطلقون معها ومنها ، لتخرجوا من وهدة الشكوك .
أنت والحمد لله تؤمن بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وتوالي الأئمة من عترته عليهم السلام ومعناه: أنك تؤمن بأن عمل الخالق في وحيه للرسل وأوصيائهم ، حقٌّ ، كعمله في الطبيعة ، وبأن يقينيات العقل متسقة مع يقينيات النقل .
صلوات الله على النبي وآله ، المفتوحة لهم نوافذ على الغيب ، والذين عِلْمُهُمْ حَقٌّ لا باطلَ فيه ، ويقينٌ لا ظنونَ فيه . لقد أرشدونا الى يقينيات عقولنا، فقال الإمام موسى الكاظم عليه السلام لهشام بن الحكم: ( يا هشام إن لله على الناس حجتين: حجة ظاهرة وحجة باطنة ، فأما الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة ، وأما الباطنة فالعقول ).(الكافي:1/16)
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 16 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال أمير المؤمنين عليه السلام : (فبعث فيهم رسله، وواترَ إليهم أنبياءه ، لِيَسْتَأدُوهم ميثاق فطرته ، ويذكروهم مَنْسِيَّ نعمته ، ويحتجوا عليهم بالتبليغ ، ويُثيروا لهم دفائن العقول ، ويروهم الآيات المقدرة: من سقفٍ فوقهم مرفوع ، ومهادٍ تحتهم موضوع ، ومعايشَ تُحييهم ، وآجالٍ تفنيهم ، وأوصابٍ تُهرمهم ، وأحداثٍ تتابع عليهم .ولم يُخْل سبحانه خلقه من نبي مرسل ، أوكتاب منزل ، أو حجة لازمة ، أو محجة قائمة . رسلاً لا تقصر بهم قلة عددهم ، ولا كثرة المكذبين لهم . من سابقٍ سُمِّيَ له من بعده ، أو غابرٍ عرفه من قبله .
على ذلك نسلت القرون ، ومضت الدهور، وسلفت الآباء ، وخلفت الأبناء . إلى أن بعث الله سبحانه محمداً ، رسول الله لإنجاز عِدَته وتمام نبوته . مأخوذاً على النبيين ميثاقه ، مشهورةٌ سماته ، كريماً ميلاده .
وأهل الأرض يومئذ مللٌ متفرقة ، وأهواءٌ منتشرة ، وطوائف متشتتة ، بين مشبِّهٍ لله بخلقه ، أو ملحد في إسمه ، أو مشير إلى غيره . فهداهم به من الضلالة ، وأنقذهم بمكانه من الجهالة ). (نهج البلاغة:1/23) .

(4) إيلِيَّا أبي ماضي أفضل من الملحد السعودي والبريطاني!

على أن صاحبك إيليا أفضل من غيره ، فقد رفع راية: لستُ أدري ، وأعلن مذهب الشك في قصة الإنسان ، فهو يقول: لست أدري لماذا خُلقنا ، وما هي الحكمة من وجودنا . ولكنه لم يقل إنه ملحد ، ولم ينف وجود الله تعالى ، بل لم ينف وجود الحكمة من خلق الإنسان ، بل قال إنه بحث عنها فلم يجدها .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 17 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أبو ماضي أفضل من دكتور بريطاني ملحد ناقشته في لندن . كان مثقفاً يفهم ويستوعب ، لكنه اتخذ قراراً عنيداً بأن لا يعترف بوجود الله تعالى مهما قُدِّمَ له من أدلة ، لأن ذلك يوجب عليه أن يعترف بأنه مخلوق لذلك الإله ، ومسؤول عن سلوكه أمامه ، وهو يريد أن يكون (إلهاً) غير مسؤول أمام أحد !
وأبو ماضي أفضل من ملحد سعودي ناقشته في شبكة النت ، ثم عرَّفَني إسمه وطلب أن أكتمه ، وكان أعنف من أخيه الإنكليزي ! كان سبب إلحاده أن أستاذه ربَّاه على حب تحقيق الذات على مذهب إمامه نيتشه الذي يدعو الى شخصية الإنسان "السوبرماند" أي الإله ! فوضع في رأسه أن يكونه!
يذكرني هؤلاء بقوله تعالى: إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ . وبالخوارج المصابين بمرض تحقيق الذات القيادية !
فقد جاء مؤسسهم ابن حرقوص بعد حرب حنين ، ووقف على النبي صلى الله عليه وآله وهو يقسم الغنائم فقال له بلهجة الآمر: إعدل يا محمد ! ( البخاري:4/179) !
ثم جاءه إلى المدينة: ( فأقبل حتى وقف عليهم ولم يسلم ! فقال له رسول الله: أنشدتك بالله ، هل قلت حين وقفت على المجلس: ما في القوم أحدٌ أفضلُ مني أو أخيرُ مني؟! قال: اللهم نعم! ثم دخل يصلي ) ! (مسند أبي يعلى :1/90) .
فهو "مسلمٌ" جاء الى مسجد النبي صلى الله عليه وآله ، ليصلي لله الصلاة التي نزلت على هذا النبي صلى الله عليه وآله ، وهو يرى أنه أفضل منه ، ولعله يقول لله في صلاته: إعدل يا رب ، ولا تظلمني ! فلماذا بعثت محمداً نبياً ، وأنا أفضل منه ؟!
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 18 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فأمثال هؤلاء لايبحثون عن الحق ، بل يقاومون أدلته مهما كانت قوية ، بينما يبحث عنه إيلِيَّا ، وربما يفرح به إذا وجد دليله . (راجع للمؤلف: ثمار الأفكار).

(5)الدكتورة كوفمان(h.kaufman ) أفضل من إيلِيَّا

قال صديقنا الضمري الذي يعيش في برلين: كان عندي محل لبيع التحف ، وكانت تشتري مني امرأة محترمة ، متقدمة في السن ، فجرى بيننا حديث عن الأناجيل وناقشتها فاستمعت اليَّ بإصغاء ، وطلبت المزيد . ثم جرى الحديث عن نبينا صلى الله عليه وآله والقرآن ، فحدثتها ، وكانت تستمع بإصغاء ، وتسأل .
كانت طبيبة ومثقفة . قالت لي يوماً: إن نقدك للأناجيل صحيح ، وعندي نقدٌ لها أكثر مما ذكرت ، وأنا لا أؤمن بها ، ولا بشخصية المسيح التي تقدمها .
وفي يوم قالت لي: يا أحمد إن نبيكم محمد صادق .
وكانت تأتي مع ابن أخيها، ورأت زوجتي وأولادي ، فزارتنا وزرناها في بيتها .
قالت لي يوماً: لقد جاوزتُ الثمانين ولا وَلَد لي ، ولي ابن أخ يطمع هو وأقاربي أن يرثوني ، وأنا أعتبرك أنت وزوجتك وأولادك أولادي وأسرتي ، وقد قررت أن أعطيك ثروتي ، فخذها وابن بيتاً في الأردن ، وأنا أسكن معكم بقية عمري .
قال أحمد: شكرتها وقلت لها: لا أستطيع أن أقبل ذلك .
قالت: خذ مليون مارك هدية مني . فشكرتها وقلت: لا أستطيع .
قالت: خذ لزوجتك وكل ولد مئة ألف ، فشكرتها وقلت: لا أستطيع!
وصديقنا أحمد صاحب طبيعة خاصة في الإباء ، تمتد الى أجداده بني ضمرة ، أولاد عم بني غفار ، قبيلة الصحابي الكبير أبي ذر الغفاري رضي الله عنه .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 19 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قلت له هذا إفراطٌ في الإباء ، فقد كان الأحسن لك أن تقبل .
ثم إنك حرمت زوجتك وأبناءك ، فيجب أن تسترضيهم .
قال أحمد: اشتد مرض الدكتورة ودخلت المستشفى . وكنت عندما أزورها تُخرج زوارها ، وفيهم شخصيات كبيرة ، وتحدثني ، وتستمع اليَّ .
كانت مصابة بالسرطان فثقل مرضها ، فقالت لي يوماً: إذهب الى فلان الصيدلي وقل له عن لساني يعطيك حبتين ، وأكتب لك الإسم .
سألتها: وما هي؟قالت: أنا خائفة من الموت ومن شماتة بعض الأقارب ، وأريد أن أنهي حياتي ! فقلت لها: هذا حرام ، ومن قتل نفسه يدخل النار !
فقالت: لا ، الرحمن الرحيم ، لايمكن أن يعذبني على هذا الفعل، ودمعت عيناها . أنا لا أقتل أحداً ولا نفسي ، وإنما أنهي عذابي .
قلت لها: قلت إنك خائفة ، فكيف تخافين وأنت ذاهبة الى الرحمن الرحيم ؟ ألست تؤمنين بالله تعالى وبأنه عادل رحيم ، وتؤمنين بأنبيائه المسيح ومحمد صلى الله عليه وآله ؟
لماذا تخافين من الموت وهو انتقال من هذه الحياة البائسة ، إلى رب رحمن رحيم كريم ؟
قالت: نعم ، وتهللت أساريرها ، وارتسمت على وجهها بسمة ، وقالت: كلامك صحيح . الآن لست خائفة ، وظهر عليها السرور.
ثم أمرت أن يدخل أقاربها وزوارها ، فكلمتهم وهي مستبشرة ، فقال بعضهم: لقد سحرها أحمد ! فتبسمت وقالت: نعم . وبعد مدة وجيزة فارقت الحياة ، رحمها الله .
كانت هذه الدكتورة تعيش الشك ، لكنها كانت تقبل الدليل ، ولا تقاومه !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 20 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

(6) القيمة العلمية لكلام المعصومين ؟

كن مثلي يا صاحبي، واشكر خالقك على نعمة العقل، الذي يوصلك بيقينياته الى المعصومين عليهم السلام ، المفتوح لهم نوافذ الغيب ، واستمع اليهم وهم يحدثونك من أين أتيت وكيف أتيت ، والى أين أنت ذاهب .
إن الكلمة من معصوم أكثر مصداقية من كتاب لعالم غربي ، لأن المعصوم يخبر بما قاله له خالق الكون ، ولا يرقى الى مستواه كلام عالم يفكر ويحلل ويتصور ، ويحكم .
وليكن يقينك بها أشد من يقينك بما تسمع بأذنك ، أو ترى بعينيك .
تَعَلَّم من إمامك علي عليه السلام حيث يقول: ( أخبرني رسول الله صلى الله عليه وآله بما الأمة صانعة بي بعده ، فلم أكُ بما صنعوا حين عاينته ، بأعلم مني ولا أشد يقيناً مني به قبل ذلك ، بل أنا بقول رسول الله صلى الله عليه وآله أشد يقيناً مني بما عاينت وشهدت ). (كتاب سليم بن قيس/215).
إنه يقول لك: إن وسائط الوحي وأجهزته ، أكثر دقةً وصحةً من أجهزة حواسك المادية . فإن كنت تؤمن بالحقائق العلمية التجريبية لأنها حسية تملك السند الموضوعي للإعتقاد بها ، فليكن إيمانك بحقائق الوحي وكلام المعصوم عليه السلام أشد منها ، لأنها تملك السند الموضوعي الأقوى .
فإن شككت فيما ترى من حقائق العلوم ، فلا تشك فيما يأتيك من الوحي .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 21 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الثاني : جئنا من عالم الذر

(1) قال أبو ماضي وقال الله تعالى

يقول أبو ماضي: جئت لا أعلم من أين..وهو صادق ، فكلنا مثله لم نكن نعلم . فأنا لم أكن حاضراً عندما وضع الله خرائط وجودي ، ولا عندما سَلَّمَها الى ملائكة التكوين ودخلت في مصنع الإنتاج . لكن يقينيات عقلي دلتني على الأنبياء والمعصومين عليهم السلام ، الذين فتح الله لهم نوافذ علمه ، وأخبرهم فأخبرونا .
أخبرونا أن الله عز وجل خلق كل أولاد آدم في عالمٍ قبل عالمنا، وأعطاهم العقل والإختيار ، وامتحنهم فاختاروا !
قال الله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ . أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ . وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ . (الأعراف:172-174).
فهل أُصَدِّقُ الله تعالى وأنبيائه عليهم السلام ، أم أصدِّق إيلِيَّا والشكاكين؟
كلا ، لا أبيع اليقين الذي تمت مبرراته الموضوعية ، بشك أحد !
ولهذا أقول: نعم ، كنت في عالم الذر وإن نسيت ، واخترت أنا وأنت ما نحن فيه ، فخلقنا الله تعالى كما اخترنا ، حرفاً بحرف ، نسخةً طبق الأصل .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 22 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم سَلَكَنَا في الطريق الذي اخترناه ، لم يزد عليه ولم ينقص !
في علل الشرائع(1/118): (عن زرارة قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول الله عز وجل: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى. قال: ثبتت المعرفة ونسوا الموقف ، وسيذكرونه يوماً، ولولا ذلك لم يدر أحد من خالقه ، ولا من رازقه) .
وقال الإمام الصادق عليه السلام :(إن بعض قريش قال لرسول الله صلى الله عليه وآله : بأي شئ سبقت الأنبياء وأنت بعثت آخرهم وخاتمهم؟
فقال: إني كنت أول من آمن بربي وأول من أجاب حيث أخذ الله ميثاق النبيين: وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ، فكنت أنا أول نبي قال: بلى، فسبقتهم بالإقرار بالله عز وجل). (الكافي:2/10) .
وقال الإمام الباقر عليه السلام : ( إن الله عز وجل قبض قبضة من تراب التربة التي خلق منها آدم عليه السلام فصب عليها الماء العذب الفرات ، ثم تركها أربعين صباحاً ، ثم صب عليها الماء المالح الأجاج ، فتركها أربعين صباحاً ، فلما اختمرت الطينة أخذها فعركها عركاً شديداً ، فخرجوا كالذر من يمينه وشماله ، وأمرهم جميعاً أن يقعوا في النار ، فدخل أصحاب اليمين فصارت عليهم برداً وسلاماً ، وأبى أصحاب الشمال أن يدخلوها). (الكافي:2/7) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 23 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال عليه السلام : (ثم قال الله عز وجل لآدم: أنظر ماذا ترى. قال فنظر آدم إلى ذريته ، وهم ذرٌّ قد ملأوا السماء ، قال آدم: يا رب ما أكثر ذريتي ، ولأمر ما خلقتهم ، فما تريد منهم بأخذك الميثاق عليهم؟
قال الله عز وجل: يعبدونني لا يشركون بي شيئاً ، ويؤمنون برسلي ويتبعونهم . قال آدم: يا رب فمالي أرى بعض الذر أعظم من بعض ، وبعضهم له نور كثير ، وبعضهم له نور قليل ، وبعضهم ليس له نور؟ فقال الله عز وجل: كذلك خلقتهم لأبلوهم في كل حالاتهم..
قال آدم: يا رب فلو كنت خلقتهم على مثال واحد وقدر واحد وطبيعة واحدة وجبلة واحدة وألوان واحدة وأعمار واحدة وأرزاق سواء ، لم يبغ بعضهم على بعض ، ولم يكن بينهم تحاسد ولا تباغض ، ولا اختلاف في شئ من الأشياء.
قال الله عز وجل: يا آدم بروحي نطقت وبضعف طبيعتك تكلفت ما لا علم لك به ، وأنا الخالق العالم . بعلمي خالفت بين خلقهم، وبمشيئتي يمضي فيهم أمري، وإلى تدبيري وتقديري صائرون . لا تبديل لخلقي . إنما خلقت الجن والإنس ليعبدون ، وخلقت الجنة لمن أطاعني وعبدني منهم واتبع رسلي ، ولا أبالي . وخلقت النار لمن كفر بي و عصاني ولم يتبع رسلي ، ولا أبالي .
وخلقتك وخلقت ذريتك من غير فاقة بي إليك وإليهم ، وإنما خلقتك وخلقتهم لأبلوك وأبلوهم أيكم أحسن عملاً ، في دار الدنيا في حياتكم ، وقبل مماتكم . فلذلك خلقت الدنيا والآخرة والحياة والموت والطاعة والمعصية والجنة والنار .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 24 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وكذلك أردت في تقديري وتدبيري ، وبعلمي النافذ فيهم خالفت بين صورهم وأجسامهم وألوانهم وأعمارهم وأرزاقهم وطاعتهم ومعصيتهم ، فجعلت منهم الشقي والسعيد ، والبصير والأعمى ، والقصير والطويل ، والجميل والدميم ، والعالم والجاهل ، والغني والفقير ، والمطيع والعاصي ، والصحيح والسقيم ، ومن به الزمانة ومن لا عاهة به ، فينظر الصحيح إلى الذي به العاهة فيحمدني على عافيته ، وينظر الذي به العاهة إلى الصحيح فيدعوني ويسألني أن أعافيه ، ويصبر على بلائي ، فأثيبه جزيل عطائي . وينظر الغني إلى الفقير فيحمدني ويشكرني . وينظر الفقير إلى الغني فيدعوني ويسألني . وينظر المؤمن إلى الكافر فيحمدني على ما هديته .
فلذلك خلقتهم لأبلوهم في السراء والضراء ، وفيما أعافيهم وفيما أبتليهم ، وفيما أعطيهم وفيما أمنعهم ، وأنا الله الملك القادر ، ولي أن أمضي جميع ما قدرت على ما دبرت . ولي أن أغير من ذلك ما شئت إلى ما شئت ، وأقدم من ذلك ما أخرت وأؤخر من ذلك ما قدمت . وأنا الله الفعال لما أريد ، لا أسأل عما أفعل ، وأنا أسأل خلقي عما هم فاعلون ). (الكافي:2/8).
وسأل أبو بصير الإمام الصادق عليه السلام : (كيف أجابوا وهم ذر؟ قال: جعل فيهم ما إذا سألهم أجابوه ، يعني في الميثاق ).
وسأل زرارة الإمام الصادق عليه السلام : (عن قول الله عز وجل: فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا. قال: فطرهم جميعاً على التوحيد ) . (الكافي:2/12).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 25 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأحاديث عالم الذر متواترة عند المسلمين ، وفيها بحوث لا نستطرد فيها حتى لا نخرج عن غرض الكتاب . وقد روتها مصادر الحديث السنية ، كمسند أحمد:1/272، و:5/135، وفيه: وإني سأرسل إليكم رسلي يذكرونكم عهدي وميثاقي وأنزل عليكم كتبي. قالوا: شهدنا بأنك ربنا وإلهنا لا رب لنا غيرك ، فأقروا بذلك ورفع عليهم آدم ينظر إليهم . ورواها الترمذي:4/331، والحاكم:1/27، وفيه: فنثرهم نثراً بين يديه كالذر ثم كلمهم . والحاكم:1/457، و:2/323 ، والدر المنثور:3/142، وغيرها .

(2) هل تعرف أن لوجودك خطة منذ الأزل

وتسأل: لماذا خلق الله بني آدم ؟
وهذا كالسؤال عن سبب فتح جامعة ، سينبغ بعض طلابها ، وينجح بعضهم ويرسب آخرون . فعدم فتحها فيه ظلم لطاقات كان يمكن أن تنبغ وتنجح ، وفتحها ليس فيه ظلم لأحد . وَمَا ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ .
وتقول: ألم يقل الله تعالى إنه خلقنا لنعبده ، فقال: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالآنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ .
أقول: نعم ، لكن العبادة طريق تكاملنا ، وليست هدفاً ونفعاً لله تعالى . فأنت تقول لابنك: علمتك السياقة لتسير بشكل صحيح ، فهذه اللام ليست لام العاقبة والهدف ، بل الطريق الى الهدف .
ولام الهدف في قوله تعالى: وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ، إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ. أي خلقهم ليتكاملوا برحمته وعطائه .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 26 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد روى الصدوق في علل الشرائع(1/13) عن النبي صلى الله عليه وآله قال: ( في صحف موسى بن عمران عليه السلام : يا عبادي: إني لم أخلق الخلق لأستكثر بهم من قلة، ولا لآنس بهم من وحشة ، ولا لأستعين بهم على شئ عجزت عنه ، ولا لجر منفعة ولا لدفع مضرة . ولو أن جميع خلقي من أهل السماوات والأرض اجتمعوا على طاعتي وعبادتي لا يفترون عن ذلك ليلاً ولا نهاراً ما زاد ذلك في ملكي شيئاً).
وتسأل عما يقولون إنه حديث قدسي: كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف ، فخلقت الخلق لكي أعرف؟
ونقول: تناقله أهل التصوف ، ولم نجده مروياً عن نبينا وأهل بيته عليهم السلام .
وعلى الذين يعتقدون بصحته ، أن يفسروه بما لايمس الغنى المطلق لله تعالى .
وتسأل عن معنى تكامل الإنسان ، فنقول: تكامل كل مخلوق: أن يحقق وجوده بأقصى ما يمكن له ، وتكامل الإنسان بأن يحقق لنفسه سبب الخلود في النعيم . هذا هو تكامله ، وكل سلوك يخدم هذا الهدف فهو يقع في طريق التكامل ، وكل سلوك يضر به يقع في طريق التسافل ، وإن بدا جميلاً .
وتسأل: هل كان وجودنا على أساس خطة من الله تعالى ؟
والجواب: وهل يمكن أن يكون غير ذلك ؟
أنظر الى ما خلق الله تعالى في هذه الطبيعة وهذا الكون الفسيح ، تجد كل شئ يؤدي دوره بنَظْمٍ وهَدْفٍ ، يدل على تخطيط وجوده قبل وجوده .
فلماذا تريد للإنسان سيد هذه الطبيعة ، أن يكون بلا خطة ولا هدف ؟!
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 27 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

(3) لماذا لم أختر محيطي وعصر وجودي؟

لو خُيِّرْتَ متى تُخلق ، وابن مَن تحب أن تكون ، فماذا تختار ؟
يقول أحدهم: أختار أن أكون من أولاد آدم المباشرين ، لأرى من أين جئنا والى أين نذهب ؟
ويقول آخر: لوخُيِّرْتُ لاخترت أن أكون في عصرأحد الأنبياء عليهم السلام .
ويعطي الآخر رأيه في اختيار والده ، وآخر في اختيار والدته ، وعصره .
ويقول آخر: لو خُيِّرْتُ لاخترتُ أن لا أُخلق ، لأبقى مرتاحاً .
أما أنا ، فأختار ما أنا فيه بدون زيادة ولا نقصان ، لأن الله اختاره لي ، وهو أعلم بمصلحتي مني ، وأشفق عليَّ من نفسي! وقد قال الإمام الصادق عليه السلام : ( إن أعلم الناس بالله ، أرضاهم بقضاء الله عز وجل ) . (الكافي:2/60).
وقال عليه السلام : (عجبت للمرء المسلم ، لا يقضي الله عز وجل له قضاء إلا كان خيراً له . إن قٌرِّضَ بالمقاريض كان خيراً له ، وإن ملك مشارق الأرض ومغاربها كان خيراً له ). (الكافي:2/62).
وتسألني: وهل الله اختار من الأزل أبويَّ وعصري ، وأين اختياري أنا ؟
فأسألك: وأنت ما هو رأيك ؟ هل تتصور أن الله تعالى مسبوق في شئ من خلقه وأنه يعمل كما يعمل الأشخاص ، أو الشركات ؟
ما أضعف بنيتنا الفكرية في معرفة الله تعالى ، فنحن نتصوره مثلنا ، وسبحانه !
وقد قيل إن النملة تتصور أن لربها قرنين كقرنيها !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 28 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ترانا نقرأ آيات القرآن ، ونقرأ الأحاديث ، لكنا لا نستوعب !
إقرأ معي قوله تعالى: اللهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَئٍْ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ... وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلابِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلايُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلا فِي كِتَابٍ... وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلا بِعِلْمِهِ...
المسألة مدروسةٌ يا صاحبي ، فلايولد مولودٌ إلا بسابق علم ، وتخطيط وهدف .
بل لاتسقط ورقة خضراء أو يابسة من شجرة أو نبتة ، ولا تُبَرْعِمُ حبةٌ من تراب الأرض ، إلا بحساب وكتاب: وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ..
وكل مخلوق له مخطط كامل ، قبل وجوده ، ومعه ، وبعده ، فكيف بالإنسان ، وهو أكبر كلمات الله تعالى . ولو أردنا أن نكتب هذه المخططات ، فلا تكفينا بحار الدنيا حبراً لأقلامنا، أو لأجهزة الطباعة ! قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّى لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّى وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا .
قرأت أن خرائط طائرة الميراج التي سرقها عملاء إسرائيل من فرنسا ، كانت خمسة أطنان . والنبتة في مجاهل الصحراء لا تقل خرائطها عن طائرة الميراج . فكيف بالإنسان ، وهو سيد المخلوقات !
قال الإمام الكاظم عليه السلام : (لا يكون شئ في السماوات ولا في الأرض إلا بسبع: بقَضاء ، وقَدَر ، وإرادة ، ومَشيئة ، وكِتابٍ ، وأجَلٍ ، وإذْن . فمن زعم غير هذا فقد كذب على الله ، أو رد على الله عز وجل ). (الكافي:1/149).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 29 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
تأمل في هذا الحديث ، وحديث أهل البيت عليهم السلام حديث جدهم رسول الله صلى الله عليه وآله ، وحديثه قول جبرئيل عليه السلام ، ووحي الله تعالى .
تأمل في هذا الخط السباعي المراحل ، لكل فعل من أفعال الله تعالى .
ولكل واحدة من هذه المراحل في مصنع التخطيط والإنتاج الرباني ، فروع ، وقواعد ، وأحكام. وخرائط تفصيلية . فهل عرفت مدى جهلنا بقوانين فاعليات الله تعالى ؟

(4) ولادات الإنسان الثلاث

قال الله تعالى عن يحيى عليه السلام : وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيّاً. وروى الصدوق رحمه الله في كتاب التوحيد/107، عن الإمام الرضا عليه السلام قال: (إن أوحش ما يكون هذا الخلق في ثلاثة مواطن: يوم يولد ، ويخرج من بطن أمه فيرى الدنيا ، ويوم يموت فيرى الآخرة وأهلها.ويوم يبعث فيرى أحكاماً لم يرها في دار الدنيا.
وقد سَلَّمَ الله عز وجل على يحيى في هذه الثلاثة المواطن وآمن روعته ، فقال: وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا.
وقد سَلَّمَ عيسى بن مريم عليه السلام على نفسه في هذه الثلاثة المواطن فقال: وَالسَّلامُ عَلَىَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ).
أما ولادتنا الأولى :
فقد جاءت بعد حملٍ في رحم الأم دام تسعة شهور ، وتم الحمل بعد عملية كبرى ، تسابق فيها خمسة ملايين حويمن ، لتخصيب بويضة الأم !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 30 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ومعناه أنه كان يمكن أن يتحقق احتمال آخر من خمسة ملايين ، وكل احتمال منها يعني أن يخلق شخص آخر غيري ، أوغيرك !
فمن الذي اختار هذا الحويمن ليأتي الى الحياة دون غيره؟
من الذي وضع القوانين الدقيقة المتشابكة لبويضة الأم ، ولخمسة ملايين متسابق ، ليفوز منها واحد ، ويفشل الباقي ؟!
مَن الذي اختارك لتُخلق وتأتي الى الحياة ، أو اختارني ، أو اختار إيلِيَّا أبي ماضي دون غيرنا من الخمسة ملايين البديلة لكل واحد منا ؟
كان كل واحد منها مشروع إنسان ، كامل الكرموسومات والجينات ، وله شخصية تختلف عن الآخرين أو تشبههم . وقد كان على أهبة العبور والوصول الى تخصيب البويضة ، فمُنِع! فمن الذي منعه ، وسمح لأخيه بأن يكون إنساناً ؟!
بالله عليك..ألا ترى النظم والإتقان والهدف ، في فعل الله تعالى في ذلك ؟
ألا ترى أن الذي خلق هذه الكائنات ووضع لها هذه القوانين ، له هدف في الذي يفوز بتخصيب البويضة ، ويكون زيداً أو عمرواً ؟
وهل سمعت بقوانين الحويمنات المسموح لها أن تخصب البويضة ، وتلك الممنوع عليها ذلك؟
قال سلام بن المستنير: (سألت أبا جعفر(الباقر عليه السلام )عن قول الله عز وجل: مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ ؟ فقال: المخلقة هم الذر الذين خلقهم الله في صلب آدم عليه السلام أخذ عليهم الميثاق ، ثم أجراهم في أصلاب
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 31 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الرجال وأرحام النساء ، وهم الذين يخرجون إلى الدنيا حتى يُسألوا عن الميثاق . وأما قوله: وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ ، فهم كل نسمة لم يخلقهم الله في صلب آدم عليه السلام حين خلق الذر وأخذ عليهم الميثاق ، وهم النُّطَف من العَزْل ، والسِّقط قبل أن ينفخ فيه الروح والحياة والبقاء ). (الكافي:6/12).
وروت ذلك مصادر السنة ، كما في سنن سعيد بن منصور(2/98): (عن إبراهيم قال: سئل بن مسعود عن العزل فقال: لا عليكم ألا تفعلوا ، فلو أن هذه النطفة التي أخذ الله منها الميثاق كانت في صخرة ، لنفخ فيها الروح ) .
ومعنى ذلك أن نطف الرجال تنقسم أولاً الى قسمين:
قسم يحمل جينات من أخذ عليهم الميثاق وتم امتحانهم في عالم الذر ، فهو نسخة منهم ، وهذا يسمح له بالتخصيب .
وقسم ليسوا نسخاً منهم ، فلا يسمح لهم بالتخصيب ، والخروج الى الحياة !
وهل سمعت بقانون منع الحويمن لشخص مؤمن أن يتولد من زنا !
فهؤلاء المأخوذ عليهم الميثاق والمسموح لهم بالحياة من الخمسة ملايين حويمن أو إنسان ، فيهم البار والفاجر، ولا يُسمح للمؤمن من ذرية الرجل الزاني ، أن يخصب بويضة الزانية !
ترى بعضهم مشفقين على ابن الزنا يسألون: ما ذنب هذا الطفل حتى يحرمه النبي صلى الله عليه وآله من حقوق مدنية كإمامة الصلاة والشهادة والقضاء ، ويحكم عليه بأنه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 32 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
شرُّ الثلاثة أي شرٌّ من أبويه ، وبأنه لايفلح أبداً ! لكنهم لايعرفون تاريخه ، وأنه أدى امتحانه في عالم الذر ورسب ، واستحق أن يتكون من نطفة حرام !
وهل سمعت بالولد المشترك ! الذي يشارك إبليس أباه في نطفته ، فيمسها ويكون شريكه في الطفل ! أو يناصفه بنطفته فتختلطان فتكونان حويمناً مشتركاً بينهما ، يخصب بويضة الأم ، حسب تعبير الإمام الباقر عليه السلام !
قال أمير المؤمنين عليه السلام : (قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إن الله حرم الجنة على كلَّ فَحَّاشٍ بذئٍ قليل الحياء ، لايبالي ما قال ولا ما قيل له . فإنك إن فتشته لم تجده إلا لِغَيَّةٍ ، أو شرك شيطان! فقيل يا رسول الله وفي الناس شرك شيطان؟ فقال: أما تقرأ قول الله عز وجل: وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ). ( الكافي:2/324).
وقال الإمام الباقر عليه السلام : (شرك الشيطان: ما كان من مال حرام فهو من شركة الشيطان ، ويكون مع الرجل حين يجامع، فتكون نطفته مع نطفته إذا كان حراماً.
قال: كلتاهما جميعاً تختلطان. وقال: ربما خلق من واحدة ، وربما خلق منهما جميعاً) . (تفسير العياشي:2/300).
ومن هذا القانون أن المحب لأهل البيت عليهم السلام لايولد من زنا: قال رسول الله صلى الله عليه وآله : (من أحبنا أهل البيت فليحمد الله على أول النعم . قيل وما أول النعم ؟ قال:طيب الولادة لا يحبنا إلا من طابت ولادته).(أمالي الصدوق/562).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 33 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأما ولادتنا الثانية:
فهي ولادة روحنا من جسدنا بالموت ! قال الإمام الصادق عليه السلام : (مَثَلُ روح المؤمن وبدنه كجوهرة في صندوق ، إذا أخرجت الجوهرة منه اطُّرِحَ الصندوق ، ولم يعبأ به ). (مختصر البصائر/67).
أقول: إن تعبير الإمام عليه السلام عن الموت بخروج الجوهرة من الصندوق يبرر تعبيرنا بالولادة ، لأن الروح تولد من البدنه ، وتسكن في قالب من نوع آخر ، وتعيش فيه في البرزخ في نعيم أو عذاب ولا تشعر بالزمن ، الى يوم القيامة ، ولكنها تبقى تحن الى البدن، وتنتظر حتى يصنع من جديد في المحشر فتعود اليه .
أما البدن فيفسد ويتحلل ، إلا نواته التي تحمل خصائص الإنسان حسب عمله وهي كالبذرة تزرع يوم القيامة فتنبت ، أو تجمع بواسطتها بقية أجزاء البدن وتنمو في القبر ، فإذا اكتمل نموها تعود اليها الروح .
فقد سئل الإمام الصادق عليه السلام : (عن الميت يبلى جسده ؟ قال: نعم ، حتى لا يبقى له لحم ولا عظم ، إلا طينته التي خلق منها فإنها لا تبلى ، تبقي في القبر مستديرة حتى يخلق منها كما خلق أول مرة). (الكافي:3/251). وسيأتي بحث ذلك .
وأما ولادتنا الثالثة :
فهي يوم القيامة ، بعد أن تزرع نواته في أرض المحشر، كما قال الله تعالى: وَاللهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا. ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا . (نوح:17 -18).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 34 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَئٍْ نُكُرٍ . خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ . (القمر:6-7) .
وقال: يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ . (المعارج:43).
وقال: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ. قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ.إِنْ كَانَتْ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ. (يس:51-53).
وقال الصادق عليه السلام :(إذا أراد الله عز وجل أن يبعث الخلق، أمطر السماء على الأرض أربعين صباحاً فاجتمعت الأوصال ونبتت اللحوم).(أمالي الصدوق/243).
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله : (قال لي جبرئيل: يا محمد ، لو تراهم حين يخرجون من قبورهم ينفضون التراب عن رؤسهم، هذا يقول:لا إله إلا الله والحمد لله ، يَبْيَضُّ وجهه ، وهذا يقول: يا حسرتاه على ما فرطت في جنب الله ). (المحاسن:1/34).
وفي الإعتقادات/47: (واعتقادنا فيها أنها إذا فارقت الأبدان فهي باقية ، منها منعمة ، ومنها معذبة ، إلى أن يردها الله تعالى بقدرته إلى أبدانها ).
وفي تفسير الطبري (30/89): (عن الشعبي أنه قال في هذه الآية: وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ ، قال: زُوجت الأجساد فرُدت الأرواح في الأجساد ) .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 35 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الثالث : قول أهل البيت عليهم السلام في الروح والبدن

الروح مركزها الدماغ وهي قُبَابٌ على البدن

قال الله تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلاً . (الإسراء:85)
ومعناه أن قدرة أذهانكم على التصور والتعقل محدودة ، فقل لهم أيها الرسول إن أرواحكم ، والروح الملاك ، من أمر الله وصنعه ، ويصعب عليكم أن تستوعبوا.
أما الرسول صلى الله عليه وآله فقد أفهمه الله تعالى الكثير عن الروح وقوانينها وأسرارها. وأودع الرسول ذلك عند أهل بيته الطاهرين عليهم السلام مدينة علمه وموضع سره ، ليبينوا منها للناس حسب المصلحة . ومما بينه لنا الأئمة عليهم السلام أنها ليست شيئاً حالّاً في البدن ، بل مسكنها ومحورها في الدماغ ، وهي على شكل (كِلَل) تحيط بالبدن !
1. قال الإمام الصادق عليه السلام : ( إن الروح لا تُمازج البدن ولا تُداخله ، وإنما هي كِلَلٌ للبدن ، محيطةٌ به ). (مختصر البصائر/67).
2. وفي أجوبة الإمام الرضا عليه السلام : في مجلس المأمون ، لصباح بن نصـر الهندي وعمران الصابي عن مسائلهما . قال عمران: ( العين نور مركبة أم الروح تبصـر
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 36 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأشياء من منظرها ؟ قال عليه السلام : العين شحمة وهو البياض والسواد والنظر للروح . دليله أنك تنظر فيه فترى صورتك في وسطه ، والإنسان لا يرى صورته إلا في ماء ، أو مرآة ، وما أشبه ذلك. قال صباح: فإذا عميت العين كيف صارت الروح قائمة ، والنظر ذاهب؟ قال عليه السلام : كالشمس طالعة يغشاها الظلام .
قال: أين تذهب الروح؟ قال عليه السلام : أين يذهب الضوء الطالع من الكُوَّة في البيت إذا سُدَّت الكوة ؟ قال: أوضح لي .
قال عليه السلام : الروح مسكنها في الدماغ، وشعاعها مُنْبَثٌّ في الجسد ، بمنزلة الشمس دارتُها في السماء وشعاعها منبسط في الأرض ، فإذا غابت الدائرة فلا شمس ، وإذا قطع الرأس فلا روح ). (مناقب آل أبي طالب:3/463)
3. وروى الإحتجاج (2/77) ، حواراً مفصلاً للإمام الصادق عليه السلام مع شخص ملحد: جاء فيه: (كيف يعبد الله الخلق ولم يروه ؟ قال: رأته القلوب بنور الإيمان ، وأثبتته العقول بيقظتها إثبات العيان ، وأبصرته الأبصار بما رأته من حسن التركيب وإحكام التأليف ، ثم الرسل وآياتها ، والكتب ومحكماتها ، واقتصرت العلماء على ما رأت من عظمته دون رؤيته . قال:أليس هو قادر أن يظهر لهم حتى يروه فيعرفونه ، فيعبد على يقين؟قال: ليس للمحال جواب . قال: فمن أين أثبتَّ أنبياء ورسلاً ؟ قال عليه السلام : إنا لما أثبتنا أن لنا خالقاً صانعاً متعالياً عنا وعن جميع ما خلق ، وكان ذلك الصانع حكيماً ، لم يجز أن يشاهده خلقه ، ولا أن يلامسوه ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 37 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولا أن يباشرهم ويباشروه ، ويحاجهم ويحاجوه ، ثبت أن له سفراء في خلقه وعباده ، يدلونهم على مصالحهم ومنافعهم ، وما به بقاؤهم وفي تركه فناؤهم .
فثبت الآمرون والناهون عن الحكيم العليم في خلقه ، وثبت عند ذلك أن له معبرون هم أنبياء الله وصفوته من خلقه عليهم السلام ، حكماء مؤدِّبين بالحكمة ، مبعوثين عنه، مشاركين للناس في أحوالهم على مشاركتهم لهم في الخلق والتركيب ، مؤيدين من عند الحكيم العليم بالحكمة والدلائل والبراهين والشواهد ، من إحياء الموتى ، وإبراء الأكمه والأبرص...
الى أن قال:( أخبرني عن السراج إذا انطفى ، أين يذهب نوره؟ قال عليه السلام : يذهب فلا يعود . قال: فما أنكرت أن يكون الإنسان مثل ذلك ، إذا مات وفارق الروح البدن لم يرجع إليه أبداً ، كما لا يرجع ضوء السراج إليه أبداً إذا انطفأ ؟
قال: لم تُصِبِ القياس، إن النار في الأجسام كامنة ، والأجسام قائمة بأعيانها كالحجر والحديد ، فإذا ضرب أحدهما بالآخر سطعت من بينهما نار ، تقتبس منها سراج له ضوء ، فالنار ثابتة في أجسامها ، والضوء ذاهب . والروح: جسم رقيق قد ألبس قالباً كثيفاً وليس بمنزلة السراج الذي ذكرت ، إن الذي خلق في الرحم جنيناً من ماء صاف ، وركب فيه ضروباً مختلفة من عروق وعصب وأسنان وشعر وعظام ، وغير ذلك ، هو يحييه بعد موته ، ويعيده بعد فنائه .
قال:فأين الروح؟ قال: في بطن الأرض ، حيث مصرع البدن إلى وقت البعث . قال: فمن صلب فأين روحه؟ قال: في كف الملك الذي قبضها حتى يودعها
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 38 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأرض . قال: فأخبرني عن الروح أغير الدم ؟ قال: نعم، الروح على ما وصفت لك: مادتها من الدم ، ومن الدم رطوبة الجسم ، وصفاء اللون ، وحسن الصوت وكثرة الضحك ، فإذا جمد الدم فارق الروح البدن .قال: فهل يوصف بخفة وثقل ووزن ؟
قال: الروح بمنزلة ريح في زق إذا نفختها فيه امتلأ الزق منها ، فلا يزيد في وزن الزق ولوجها فيه ولاينقصها خروجها منه ، كذلك الروح ليس لها ثقل ولا وزن.
قال: فأخبرني ما جوهر الريح؟ قال: الريح هواء إذا تحرك يسمى ريحاً ، فإذا سكن يسمى هواء ، وبه قوام الدنيا ، ولو كَفَّت الريح ثلاثة أيام لفَسَدَ كل شئ على وجه الأرض ونَتَنَ ، وذلك أن الريح بمنزلة المروحة ، تذب وتدفع الفساد عن كل شئ وتُطَيِّبُهُ ، فهي بمنزلة الروح إذا خرج عن البدن نَتَنَ البدن وتغير ، وتبارك الله أحسن الخالقين . قال: أفتتلاشى الروح بعد خروجه عن قالبه ، أم هو باق ؟قال: بل هو باق إلى وقت ينفخ في الصور، فعند ذلك تبطل الأشياء وتفنى ، فلا حسٌّ ولا محسوس . ثم أعيدت الأشياء كما بدأها مدبرها ، وذلك أربع مائة سنة يسبت فيها الخلق ، وذلك بين النفختين .
قال: وأنى له بالبعث والبدن قد بلى ، والأعضاء قد تفرقت ، فعضو ببلدة يأكلها سباعها ، وعضو بأخرى تمزقه هوامها ، وعضو قد صار تراباً بني به مع الطين حائط ؟ قال: إن الذي أنشأه من غير شئ ، وصوره على غير مثال كان سبق إليه ، قادر أن يعيده كما بدأه . قال: أوضح لي ذلك !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 39 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال: إن الروح مقيمة في مكانها ، روح المحسن في ضياء وفسحة ، وروح المسئ في ضيق وظلمة . والبدن يصير تراباً كما منه خلق ، وما تقذف به السباع والهوام من أجوافها ، مما أكلته ومزقته ، كل ذلك في التراب محفوظ عند من لايعزب عنه مثقال ذرة في ظلمات الأرض ، ويعلم عدد الأشياء ووزنها. وإن تراب الروحانيين بمنزلة الذهب في التراب ، فإذا كان حين البعث مطرت الأرض مطر النشور ، فتربو الأرض ثم تمخضه مخض السقاء ، فيصير تراب البشـر كمصير الذهب من التراب إذا غسل بالماء ، والزبد من اللبن إذا مخض ، فيجتمع تراب كل قالب إلى قالبه ، فينتقل بإذن الله القادر إلى حيث الروح ، فتعود الصور بإذن المصور كهيئتها ، وتلج الروح فيها ، فإذا قد استوى لا ينكر من نفسه شيئاً) .
4. وفي علل الشـرائع (1/107): (عن إسماعيل بن أبي زياد السكوني قال: قال أبو عبد الله عليه السلام : إنما صار الإنسان يأكل ويشـرب بالنار ويبصـر ويعمل بالنور ويسمع ويشم بالريح ، ويجد طعم الطعام والشراب بالماء ، ويتحرك بالروح .
ولولا أن النار في معدته ما هضمت الطعام والشراب في جوفه . ولولا الريح ما التهبت نار المعدة ولا خرج الثفل من بطنه . ولولا الروح ما تحرك ولا جاء ولا ذهب . ولولا برد الماء لأحرقته نار المعدة . ولولا النور ما بصر ولاعقل .
فالطين صورته ، والعظم في جسده بمنزلة الشجرة في الأرض، والدم في جسده بمنزلة الماء في الأرض، ولا قوام للأرض إلا بالماء ، ولا قوام لجسد الإنسان إلا بالدم , والمخ دسم الدم وزبده .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 40 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فهكذا الإنسان خُلق من شأن الدنيا وشأن الآخرة ، فإذا جمع الله بينهما صارت حياته في الأرض ، لأنه نزل من شأن السماء إلى الدنيا ، فإذا فرق الله بينهما صارت تلك الفرقة الموت ، تَرُدُّ شأن الأخرى إلى السماء ، فالحياة في الأرض والموت في السماء، وذلك أنه فرق بين الأرواح والجسد ، فردت الروح والنور إلى القدرة الأولى ، وترك الجسد لأنه من شأن الدنيا .
وإنما فسد الجسد في الدنيا ، لأن الريح تنشف الماء فييبس ، فيبقى الطين فيصير رفاتاً ويبلى، ويرجع كل إلى جوهره الأول .
وتحركت الروح بالنفس ، والنفس حركتها من الريح ، فما كان من نفس المؤمن فهو نور مؤيد بالعقل، وما كان من نفس الكافر فهو نار مؤيد بالنكراء له ، فهذه صورة نار، وهذه صورة نور ، والموت رحمة من الله لعباده المؤمنين، ونقمة على الكافرين . ولله عقوبتان: إحداهما أمر الروح، والأخرى تسليط بعض الناس على بعض، فما كان من قبل الروح فهو السقم والفقر، وما كان من تسليط فهو النقمة وذلك قوله تعالى: وَكَذَلِكَ نُوَلِي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ . من الذنوب ، فما كان من ذنب الروح من ذلك سقم وفقر ، وما كان تسليط فهو النقمة ، وكان ذلك للمؤمن عقوبة له في الدنيا ، وعذاب له فيها .
وأما الكافر فنقمته عليه في الدنيا وسوء العذاب في الآخرة ، ولا يكون ذلك إلا بذنب ، والذنب من الشهوة ، وهي من المؤمن خطأ ونسيان ، وأن يكون
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 41 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مستكرهاً ، وما لا يطيق ، وما كان في الكافر فعمد وجحود واعتداء وحسد ، وذلك قول الله عز وجل:كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ ) .
5. ومن لايحضره الفقيه (1/193): (قال الصادق عليه السلام : إذا قُبضت الروح فهي مُظِلَّةٌ فوق الجسد روح المؤمن وغيره ، تنظر إلى كل شئ يصنع به . فإذا كفن ووضع على السرير ، وحمل على أعناق الرجال ، عادت الروح إليه ودخلت فيه ، فيُمد له في بصره ، فينظر إلى موضعه من الجنة أو من النار ، فينادي بأعلى صوته إن كان من أهل الجنة: عجلوني عجلوني ، وإن كان من أهل النار: ردوني ردوني ، وهو يعلم كل شئ يُصنع به ، ويسمع الكلام ).
6. وفي تفسير مجمع البيان (8/404): عن الإمام الباقر عليه السلام قال: (ما من أحد ينام إلاعرجت نفسه إلى السماء وبقيت روحه في بدنه ، وصار بينهما سبب كشعاع الشمس . فإن أذن الله في قبض الأرواح أجابت الروح النفس.
وإذا أذن الله في رد الروح أجابت النفس الروح . وهو قوله سبحانه: اللهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الآخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى. فمهما رأت في ملكوت السماوات فهو مما له تأويل،وما رأت فيما بين السماء والأرض فهو مما يخيله الشيطان ، ولا تأويل له).
وفي كمال الدين/314، عن الإمام الحسن عليه السلام قال: (أما ما سألت عنه من أمر الإنسان إذا نام أين تذهب روحه ، فإن روحه متعلقة بالريح ، والريح متعلقة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 42 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بالهواء إلى وقت ما يتحرك صاحبها لليقظة ، فإن أذن الله عز وجل برد تلك الروح إلى صاحبها ، جذبت تلك الروح الريح ، وجذبت تلك الريح الهواء فرجعت الروح ، فأسكنت في بدن صاحبها .
وإن لم يأذن الله عز وجل برد تلك الروح إلى صاحبها جذب الهواء الريح ، وجذبت الريح الروح ، فلم ترد إلى صاحبها إلى وقت ما يبعث ) !
وفي تفسير القمي (2/45): (فإن روحه تُخرج مثل شعاع الشمس ، فتَعَلَّقُ بالريح والريح بالهواء..).
وفي أمالي الصدوق/208، عن محمد بن القاسم النوفلي قال: (قلت لأبي عبد الله الصادق عليه السلام : المؤمن يرى الرؤيا فتكون كما رآها ، وربما رأى الرؤيا فلا تكون شيئاً ؟فقال: إن المؤمن إذا نام خرجت من روحه حركة ممدودة صاعدة إلى السماء فكل ما رآه روح المؤمن في ملكوت السماء في موضع التقدير والتدبير فهو الحق، وكل ما رآه في الأرض فهو أضغاث أحلام . فقلت له: أوَتصعد الروح إلى السماء؟ قال: نعم . قلت: حتى لا يبقى منها شئ في بدنه ؟ فقال: لا، لو خرجت كلها حتى لا يبقى منها شئ إذن لمات ! قلت: فكيف تخرج؟ فقال: أما ترى الشمس في السماء في موضعها وضوؤها وشعاعها في الأرض، فكذلك الروح أصلها في البدن ، وحركتها ممدودة إلى السماء).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 43 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال المرتضى رحمه الله في رسائله (1/130): (الصحيح عندنا أن الروح عبارة عن الهواء المتردد في مخارق الحي منا، الذي لا يثبت كونه حياً إلا مع تردده ، ولهذا لا يسمى ما يتردد في مخارق الجماد روحاً ، فالروح جسم على هذه القاعدة ).
ملاحظات على هذه الأحاديث

1. الروح القدس وروح الكائن الحي:

ذكر المفسرون أن سبب نزول قوله تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلاً. أن اليهود سألوا النبي صلى الله عليه وآله عن الروح ، وقَصْدُهُم الروح الملَك ، لكن الجواب جاء عن الروح الملَك وروح الإنسان وذوات الأرواح . وقال المفسرون إن معنى مِنْ أَمْرِ رَبِّى: أنها من عالم الأمر والملكوت ، فهي من مختصات الله تعالى وأسراره .
وقد وردت الروح في القرآن بالمعنىين ، بمعنى الملَك المسمى الروح، في قوله تعالى: يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ . تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ .
وبمعنى الروح التي في الإنسان ، في قوله تعالى: فَإِذَا سَوَيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحي. ثُمَّ سَوَاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ .
وسمى الله تعالى عيسى عليه السلام روحاً منه ، فقال: إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 44 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأرسل الى مريم عليها السلام روحه: فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا .
وأيد المؤمنين بروحه:أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمان وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ.
وقال أهل البيت عليهم السلام إن الروح القُدُس أعظم من الملائكة، ولم يرافق أحداً قبل النبي صلى الله عليه وآله ، وأنه بقي بعد النبي صلى الله عليه وآله مع الأئمة عليهم السلام .
قال الإمام الصادق عليه السلام : ( خَلْقٌ أعظم من جبرئيل وميكائيل..لم يكن مع أحدٍ ممن مضى غير محمد صلى الله عليه وآله وهو مع الأئمة يسددهم ، وليس كل ما طلب وجد . وهو من الملكوت . وقال في تفسير قوله تعالى: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِى مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ: بلى، قد كان في حال لا يدري ما الكتاب ولا الإيمان ، حتى بعث الله تعالى الروح التي ذكر في الكتاب ، فلما أوحاها إليه علم بها العلم والفهم ، وهي الروح التي يعطيها الله تعالى من شاء ، فإذا أعطاها عبداً علمه الفهم ). (الكافي:1/273).
وقال عليه السلام :(إن الله تبارك وتعالى أحد صمد والصمد الشئ الذي ليس له جوف .
وإنما الروح خلقٌ من خلقه ، له بصر وقوة وتأييد . يجعله الله في قلوب الرسل والمؤمنين). (بصائر الدرجات/483).

2. الروح طاقة لاتخضع لقوانين المادة المكثفة:

نلاحظ في هذه الجواهر من حديث الأئمة عليهم السلام ، أنها تخالف قول الفلاسفة إن الروح ليست مادة ، وتخالف المشهور عند الناس من أن الروح داخل الجسم ، فهي كما قال الإمام الصادق عليه السلام لا تُمازج البدن ولا تُداخله . ولها مركز في الدماغ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 45 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
تدار منه ، أو ترتبط بالبدن بواسطته . وهي على شكل (كِلَل) تحيط بالبدن ولم يقل قُباب ، لأن الكل مخروطية الشكل ، والقباب لا يلزم أن تكون كذلك .

3. تيارات الهواء والأشعة في حديث الإمام الصادق عليه السلام :

يلفتك غنى هذه الأحاديث كثرة الحقائق التي تضمنتها ، كتعريف الإمام الصادق عليه السلام للهواء والريح ، وتشبيهه عمل الروح بعمل الريح والشمس ، في نظرية علمية كاملة في الحياة: ( قال عليه السلام : الريح هواء ، إذا تحرك يسمى ريحاً ، فإذا سكن يسمى هواء ، وبه قوام الدنيا . ولو كَفَّت الريح ثلاثة أيام لفَسَدَ كل شئ على وجه الأرض ونَتَنَ ! وذلك أن الريح بمنزلة المروحة ، تذب وتدفع الفساد عن كل شئ وتُطَيِّبُهُ . فهي بمنزلة الروح إذا خرج عن البدن نَتَنَ البدن وتغير . وتبارك الله أحسن الخالقين ) .
وقال عليه السلام : (الروح مسكنها في الدماغ وشعاعها مُنبثٌّ في الجسد ، بمنزلة الشمس دَارَتُها في السماء ، وشعاعُها منبسط في الأرض ).
وقد يكون الهواء الساكن الذي يتحول الى ريح جارٍ ، وتتعلق به الروح عندما تعرج الى السماء ، هواءً آخر ، غير الهواء المعروف المحيط بالأرض.
لاحظ تعبير الإمام الحسن والإمام الصادق’:(عرجت نفسه إلى السماء ، وبقيت روحه في بدنه ، وصار بينهما سبب كشعاع الشمس..فإن روحه متعلقة بالريح والريح متعلقة بالهواء إلى وقت مايتحرك صاحبها لليقظة).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 46 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

4. كلام المعصوم أكثر مصداقية من النظرية العلمية :

كلام المعصوم عليه السلام حقيقة ، لأنه من علم الله تعالى ، ولا فرق في كلامه بين قضايا التشريع والتكوين . وإذا ثبت النص عنه فلا نحتاج الى ما توصل اليه العلماء والباحثون ، لأن قوله هو ميزان الصحة لنتائج بحثهم ، ولا بد أن يصلوا اليه .
لكن بعض الناس يزدادون إيماناً بالدين إذا توصل الى حقائقه علماء الطبيعة ، ولهذا نورد بعض ما توصلوا اليه في أمر الروح .
من ذلك: بحوثهم عن الأشعة الصادرة من بدن الإنسان أو الواردة اليه . وهذه خلاصة مقالة عن الموجات الكهرومغناطيسية وعلاقتها بالإنسان:
http://kenanaonline.com/users/qasrrowan/topics/79648/posts/245076
تتحرك الموجات الكهرومغناطيسية بسرعة الضوء 300000 ألف كلم في الثانية وتنتقل في خطوط مستقيمة في الوسط المتجانس الواحد , وكلما قطعت مسافة أطول كلما ضعفت قوتها حسب نوعيتها, والمسافة بين نقطتين متتاليين تسمى طول الموجة ، أو الطول النوعيWave Length وعدد القمم المارة في نقطة ثابتة في الفضاء في الثانية الواحدة يسمى تردد Frequency ووحدة قياسه الهيرتزHertz.
ويطلق إسم (الطيف الكهرومغناطيسي) على مجالات الأشعة . وأهم أقسامها ، Bands:
1) الأشعة الكونية.
2) أشعة جاما.
3) أشعة إكس.
4) الأشعة فوق البنفسجية.
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 47 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
5) الأشعة المرئية أو الطيف المرئي.
6) الأشعة تحت الحمراء.
7) الأشعة تحت الحمراء الحرارية.
8) الموجات القصيرة:الميكروويف .
9) موجات الراديو والتلفزيون.
وفي جسم الإنسان طاقة عظيمة ، لأن جميع أعضائه تحركها كهرباء حقيقية ، ففي داخل العضلات ألياف صغيرة متداخلة تَنْشَدُّ إلى بعضها بسبب اختلاف الشحنات الكهربائية .
ويوجد رأي بأن أصل هذه الطاقة أشعة الشمس التي يختزنها النبات بعملية الكلوروفيل، وتصل الينا من الدهون أو الكربوهيدرات ، وأحياناً من البروتينات، التي تتحول إلى سكر الجلوكوز الذي يسمى سكر الدم.
أما دماغ الإنسان الذي يتكون من150 مليار خلية يتم فيه ترجمة الطاقة الواردة ، كما أنه مصدر الأوامر لأنواع من الطاقة ، وهو الذي يدير الحواس ، فالعينان مثلاً تفتحان وتغمضان 17 ألف مرة يومياً، وتميزان عشرة ملايين لون في الحال .
وحاسة التذوق في اللسان تستطيع تمييز2000 نوع من المذاقات . وعضلات الإنسان لو وضع بعضها مع بعض يمكنها أن تشد 25طناً.
كما أن القلب له أنظمته لاستقبال الموجات وإصدارها ، وهناك ترابط بين دقاته وبين الموجات التي يبثها الدماغ .
ومن ذلك: بحوثهم في الشحنات الكهربية المنفية في الجسم ، التي ترد اليه من الأجهزة الكهربائية والألكترونية ، خاصة الموبايل .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 48 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فقد حذر مخترع رقائق الهاتف المحمول ، عالم الكيمياء الألماني فرايدلهايم فولنهورست وهو يعمل في شركة سيمنس الألمانية للالكترونيات ، حَذَّرَ من مخاطر أجهزة الموبايـل على الدماغ البشري خاصة في غرف النوم وقال إن ذلك قد يسبب الأرق والقلق وتلفاً في الدماغ ، وأن الأشعة الكهرومغناطيسية تخترق الجسم ، ويبلغ ترددها 900 ميجا هرتز ، ويصل الى 546 ميكرو ثانية ، ومعدل تكرار النبضة 215 هرتز .
وكتب إنه تعرض لمرض سرطان العظام أثناء عمله، واضطر للتقاعد والبدء في علاج نفسه من سرطان العظام ، باستخدام مواد طبيعية مثل بذور المانجو المجففة ، والثوم المجفف .
وقال إن بعض الخلايا تتحول في جسم الإنسان عادة إلى خلايا سرطانية ولكن الجهاز المناعي في الجسم إذا كان سليماً يقوم بالتخلص منها.
لكن الإشعاعات المنبعثة من الموبايل ترفع نسبة التحول من 5% إلي 95.
وقال إنه لايستخدم الهاتف المحمول ولا أية أجهزة الكترونية في منزله مثل التلفزيون أو الكمبيوتر أو الإنترنيت ، ونصح بإبعاد الهاتف المحمول عن غرف النوم أو إغلاقة بالكامل بعد الانتهاء من العمل .
وقال: إن التقنيات الحديثة والأجهزة هي سبب رئيسي في ارتفاع معدلات الأمراض الأكثر شيوعاً في الدول المتقدمة .
وقال إنه لم يتمكن من الزواج وتكوين أسرة له بسبب انشغاله الدائم ، غير أنه فخور بما أنجز لوطنه ألمانيا ، وللعالم ، وأنه تعرف على الخلايا السرطانية في عظامه مبكراً ، وأوقف نموها بدون طبيب .راجع هذين الرابطين:
http://www.almoso3h.com/up3/getimg.php?image=40176
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 49 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
http://www.alsnani.com/vb/showthread.php?t=20291
أقول: توجد أقسام خاصة في بعض المستشفيات لمعالجة شحنات الكهرباء المنفية في الجسم ، وحالات الخلل في كهربائه .
وقد قرأت مقالات عن ذلك ، وكلفت أحد الإخوان أن يبحث عن العالم الألماني فرايدلهايم فولنهورست في ميونخ ، فأخبروه إنه متقاعد ولا يعرفون عنوانه . وكلفته أن يبحث عنه ويعطيه تربة كربلاء ، ويطلب منه أن يفحص السجود عليها ، لأني أظن أن السجود عليها أو على التراب ، يفرغ الشحنات الكهربية المنفية من بدن الإنسان . ولا بد أن يكشف العلم ميزاته العظيمة !
ومن ذلك: بحوثهم في الهالات النورية المحيطة بالبدن:
http://anwrsabah.hooxs.com/t3398-topic
وهذه البحوث أقرب الى موضوعنا ، لكني لم أجد فيها بحثاً موثقاً مقنعاً ، مع أن العديد من الجامعات تعمل في هذا المجال .
وقد ذكروا أن جامعة كامبردج البريطانية أقدم جامعة اهتمت بموضوع الروح وخصصت فرعاً لدراسة الظواهر المتعلقة بالروح والنفس البشرية سنة1940م.
ثم أكسفورد سنة 1943م. ومن أوائل التجارب التي كانوا يجرونها لتقدير وزن الروح بعد خروجها من الجسم ، أن يضعوا إنساناً في حالة الإحتضار، على جهاز فيه ميزان دقيق ، ويضعون على رأسه جهازاً لقياس ذبذبات المخ الكهربائية أثناء الوفاة ، وعلى قلبه جهازاً لرسم القلب !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 50 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي عام 1907 قام الطبيب الأمريكي دانكان ماكدوغال بتجربة ، فوزن عدة أشخاص قبل موتهم وبعده، وقال إن الوزن كان ينقص كل مرة بمقدار 10 الى 42 غراماً ! وزعم أن هذا هو وزن الروح !
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=139015
كما نشروا في بعض القنوات شريطاً قالوا إنه صورة فيديو لخروج الروح ، وهي هالة ملونة . لكن ذلك لا يصل الى مستوى الحقيقة القطعية .
وأخيراً : نلاحظ أن القرآن يعبر دائماً بموت النفس ووفاتها ، ولا يعبر بوفاة الروح: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ..وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلا بِإِذْنِ اللهِ.. بينما تعبر الأحاديث الشريفة بقبض الروح ، ولا تعبر بقبض النفس ، فما هو السبب ؟
لم أجد سبباً إلا أن النفس زبدة الروح وأهم طاقاتها ، فعبر الله تعالى عن موت الإنسان باستيفاء نفسه ، ونعرف ذلك من قوله تعالى: اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الآخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى . فالذي يفقده النائم ويستوفيه الله ويصعد الى الملأ الأعلى هو النفس ، وتشمل عقله وحواسه الخمس . والذي يبقى في النائم الروح النباتية . فإذا أمسك الله النفس عنده تتبعها بقية الروح ، لأنها مرتبطة بها بشعاع ، فتحصل الوفاة الكاملة .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 51 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الرابع : علاقة سلوكنا بصناعة شخصيتناالقادمة

كل إنسان يصنع مواصفاته لولادته الآتية؟

1. في ولادتنا هذه لم يكن لنا رأي في اختيار عصرنا الذي ولدنا فيه ، ولا في اختيار أبوينا ، وشكلنا وصفاتنا . وإن كنا اخترنا ذلك في عالم الذر ، ونسيناه .
وفي ولادتنا هذه تحكمنا مورثات من جينات الأبوين ، ومن التغذية والمناخ والمحيط . وقليلٌ منا راضٍ بما خُلق عليه ، وأكثرنا يريد أن تكون مواصفاته أفضل مما هو عليه .
لكن لحسن الحظ أن كل ذلك بيدك في ولادتك الثانية،وهي ولادة روحك من جسدك. وفي ولادتك الثالثة ، وهي ولادة جسدك يوم القيامة .
2. إن الذرة المستديرة التي تحدث عنها الإمام الصادق عليه السلام عندما سئل: (عن الميت يبلى جسده؟ قال: نعم ، حتى لا يبقى له لحم ولا عظم إلا طينته التي خلق منها ، فإنها لا تبلى ، تبقي في القبر مستديرة حتى يخلق منها كما خلق أول مرة ). (الكافي:3/251) . تكشف لنا حقائق مهمة:
فمن ناحية ، تشبه الصندوق الأسود في الطائرة وغيرها ، المحصن عن التلف .
ومن ناحية هي النواة لولادة جسدنا الآتي ، تحمل جينات مواصفاته التي نصنعها بأعمالنا وسلوكنا ، فكل عمل نقوم به يؤثر في تشكيلها !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 52 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فالذي يكذب مثلاً، أو يَقتل ، أو يؤذي بريئاً ، أو يَسرق ، أو يأكل شيئاً مسـروقاً أو محرماً ، أو ينوي الشر.. ينعكس كذبه في نواة بدنه ويُختزن فيها .
والذي ينوي الخير ويخدم الناس ، أو يصلي ويناجي ربه..يختزن كذلك في نواته.
وقد ذكرت الآيات والأحاديث الشريفة أنواعاً من تأثيرات الأعمال على الروح . فشكل الإنسان وصفاته في النشأة الآخرة تتبع درجة عمله . فالجميل المجرم يبعث قبيحاً . قال تعالى: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ.. وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ.. وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا.. وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ. إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ. وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ .
ويظهر أن هذا التأثير آلي ، ويشهد له بأن العلم أثبت أن تحريكك يدك له تأثير على كل العالم . ويشير اليه قوله تعالى:إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ. يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ. وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ . فالنعيم والجحيم هو الجو الذي تصنعه أعمالنا لأرواحنا الآن ، وسنعيشه بشكل متجسد في الآخرة .
3. وبعد فقدانها البدن تلبس الروح قالباً موقتاً ، وتتنعم أو تعذب ، لكنها تَحِنُّ دائماً الى البدن الذي عاشت وتتوأمت معه ، وتنتظر أن يعاد بناؤه في أرض القيامة لترجع اليه ، لأن مصيرها مرتبط به الى جنة أو الى نار !
سأل رجل الإمام الصادق عليه السلام (الإحتجاج:2/77): (أفتتلاشى الروح بعد خروجه عن قالبه أم هو باق؟ قال: بل هو باق إلى وقت ينفخ في الصور فعند ذلك تبطل الأشياء وتفنى، فلا حس ولا محسوس . ثم أعيدت الأشياء كما بدأها مدبرها،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 53 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وذلك أربع مائة سنة يسبت فيها الخلق ، وذلك بين النفختين . قال: وأنى له بالبعث والبدن قد بلي والأعضاء قد تفرقت ، فعضوٌ ببلدة يأكلها سباعها ، وعضوٌ بأخرى تمُزقه هوامها ، وعضو قد صار تراباً بنيَ به مع الطين حائط ؟ قال: إن الذي أنشأه من غير شئ ، وصوره على غير مثال كان سبق إليه قادر أن يعيده كما بدأه . قال: أوضح لي ذلك !
قال: إن الروح مقيمة في مكانها ، روح المحسن في ضياء وفسحة ، وروح المسئ في ضيق وظلمة . والبدن يصير تراباً كما منه خلق ، وما تقذف به السباع والهوام من أجوافها ، مما أكلته ومزقته ، كل ذلك في التراب محفوظ عند من لايعزب عنه مثقال ذرة في ظلمات الأرض ، ويعلم عدد الأشياء ووزنها .
وإن تراب الروحانيين بمنزلة الذهب في التراب ، فإذا كان حين البعث مطرت الأرض مطر النشور فتربو الأرض ، ثم تمخضه مخض السقاء فيصير تراب البشر كمصير الذهب من التراب إذا غسل بالماء ، والزُّبد من اللبن إذا مخض ، فيجتمع تراب كل قالب إلى قالبه ، فينتقل بإذن الله القادر إلى حيث الروح ، فتعود الصور بإذن المصور كهيئتها وتلج الروح فيها ، فإذا قد استوى لا ينكر من نفسه شيئاً ).
وروى الطبري في تفسيره (8/274) شبيهاً به عن أبي هريرة ولم يرفعه قال: (إن الناس إذا ماتوا في النفخة الأولى أمطر عليهم من ماء تحت العرش يدعى ماء الحيوان أربعين سنة، فينبتون كما ينبت الزرع من الماء،حتى إذا استكملت أجسامهم نفخ فيهم الروح).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 54 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال تعالى: وَاللهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا . ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا . (نوح:17- 18).
وهنا مسائل:
الأولى ، حقيقة أعمالنا وأن عمقها نوايا ثم أفعال ، وإنما العمل النية .
والثانية ، تأثير عملك على روحك وبدنك .
والثالثة ، التأثير الوضعي أي التكويني للعمل على الروح والبدن .
والرابعة ، التأثير المجعول من الله تعالى للعمل على الروح والبدن.
وفي كل واحدة منها بحث مفصل ، وقد أجمع المسلمون على أن النية أصل العمل وعمقه ، وأن الأعمال الخيِّرة والشريرة تؤثر بكل مباشر وغير مباشر على الروح والبدن ، ومنها ما يتجسد عند موت الإنسان ، أو في قبره ، أو يوم القيامة .
كما اتفقوا على التفاعل بين الروح والجسد ، وأن علاقتهما لاتنقطع بالموت .

الفعل من الروح والبدن مجرد آلة !

روى الجميع أن النبي صلى الله عليه وآله قال للمهاجرين الى المدينة: إن قيمة هجرتكم بالنية. ففي صحيح البخاري عن عمر بن الخطاب ، قال: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى ، فمن كانت هجرته إلى دنياً يصيبها ، أو إلى امرأةٍ ينكحها ، فهجرته إلى ما هاجر إليه ).
فالنبي صلى الله عليه وآله يقول لهم: إن المهاجر الى المدينة لهدف دنيوي ، يشبه في ظاهره المخلص المهاجر الى الله ورسوله لكن الدنيوي لا نصيب له في الإسلام والهجرة!
والسبب أن نيته فاسدة وأن قيمة العمل بالنية ، بل العمل في حقيقته: النية !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 55 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال الإمام الصادق عليه السلام كما روى عنه سفيان الثوري (الكافي:2/16): ( في قول الله عز وجل:لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ، قال: ليس يعني أكثر عملاً، ولكن أصوبكم عملاً. وإنما الإصابة خشية الله والنية الصادقة والحسنة .
ثم قال: الإبقاء على العمل حتى يخلص أشد من العمل.
والعمل الخالص: الذي لاتريد أن يحمدك عليه أحد إلا الله عز وجل ، والنية أفضل من العمل . ألاوإن النية هي العمل . ثم تلا قوله عز وجل: قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ . يعني على نيته ).
وسبب قوله عليه السلام 🙁 ألاوإن النية هي العمل) أن النية من أفعال الروح ، وأفعال البدن تنفيذٌ لأفعال الروح ، ليس إلا . فالفعل والإرادة للروح ، والبدن أداتها ، وخير الإنسان وشره إنما هو من روحه !
إن الذي يكلمك ليس بدن مخاطبك ، بل روحه بوسيلة فمه وحركاته ، والذي يفهم منك ويجيبك ليس بدنه ، بل روحه بواسطة البدن !
فالبدن أداة للروح لا أكثر ، ولذا كان الحساب والعقاب على الروح .
وقد شرح الإمام الصادق عليه السلام ذلك في عدة أحاديث:
قال عليه السلام : (قال رسول الله صلى الله عليه وآله : نية المؤمن خير من عمله ، ونية الكافر شرٌّ من عمله ، و كل عامل يعمل على نيته) . (الكافي:2/84).
أي: إن ما ظهر من مخزون الخير والشر ، جزء . وما بقي منهما ولم يظهر أكثر .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 56 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال عليه السلام : (إن العبد المؤمن الفقير ليقول: يا رب ارزقني حتى أفعل كذا وكذا من البر ووجوه الخير ، فإذا علم الله عز وجل ذلك منه بصدق نية كتب الله له من الأجر مثل ما يكتب له لو عمله ، إن الله واسع كريم) !
وفي فقه الرضا/378: (وإن نية المؤمن خير من عمله ، لأنه ينوي خيراً من عمله , ونروي:نية المؤمن خير من عمله لأنه ينوي من الخير ما لا يطيقه ولا يقدر عليه).
ومعناه: أن النية خير من العمل حتى الذي فيه نيته ، لأنها أكبر من العمل .
وعن أبي بصير قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن حد العبادة التي إذا فعلها فاعلها كان مؤدياً ؟ فقال: حُسْنُ النية بالطاعة) . (الكافي:2/85).
ومعنى علم صدق نيته: أنه قرر بنية عميقة ودرجة عالية تصلح لتحريك البدن للعمل لو توفرت الشروط . فكتبه الله له فعلاً مع أنه نية .
ومعنى حُسْنُ النية بالطاعة: القرار الجازم العميق بطاعة الله تعالى في كل أموره.
وقال عليه السلام :(إن الله عز وجل يحشـر الناس على نيـاتهم يوم القيامة). (الكافي:5/20).
ومعناه: أن الحساب والثواب والعقاب إنما هو على الفعل الحقيقي للإنسان ، وهو مخزون النوايا والقرارات في النفس ، التي تعمقت وصارت صالحة لأن تكون فعلاً إرادياً كامل الشروط ، حتى لو لم تتوفر له ظروف تحقيقه بدنياً .
وقال عليه السلام : (إنما خُلِّدَ أهل النار في النارلأن نياتهم كانت في الدنيا أن لو خُلِّدُوا فيها أن يعصوا الله أبداً ! وإنما خُلِّدَ أهل الجنة في الجنة لأن نياتهم كانت في الدنيا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 57 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أن لو بقوا فيها أن يطيعوا الله أبداً. فبالنيات خُلِّدَ هؤلاء وهؤلاء ثم تلا قوله تعالى: قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ . قال: على نيته). (الكافي:2/85).
فأفعالنا الإرادية لاتنحصرفيما قمنا به بدنياً ، بل هي كل مخزون أنفسنا وأرواحنا من النوايا التي بلغت مرحلة الصلاحية للتجسد في عمل ، وهي مثل كرة الثلج في الماء ، لم يظهر منها في أفعالنا البدنية إلا القليل القليل !
فالفعل كل الفعل في داخل أنفسنا ، وهو عمل إرادي يسمى النية ، وهي تبدأ بخطور ذهني وتصورات ، ثم يصل الى حد العزم والقرار الجازم ، فتأمر النفس الدماغ فيصدر أمره الى البدن بالفعل ، ويكون الفعل البدني على شاكلة الفعل النفسي أو الروحي .
أما الخطورات والتصورات التي لم تبلغ درجة النية المحرِّكة ، فلا تعتبر عملاً ولا تدخل في قوله عز وجل: وَ إِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ . (البقرة:284).
ونلفت الى كلمة: شَاكِلَتِهِ ، في قوله تعالى: قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلاً. وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلاً. (الإسراء:83-85).
وقد تتبعتها عند المفسرين والفقهاء والفلاسفة ، فلم أجد عندهم ما يقنع، فقد فسروها في الآية: على طريقته ، وطبيعته ، وخليقته ، وجديلته ، وناحيته ، وسجيته وأخلاقه ، ودينه ، ومذهبه..الخ. وأصل الشاكلة في اللغة: الخاصرة. (الصحاح:5/1736).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 58 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بينما فسرها الإمام الصادق عليه السلام بشكل النية ، يعني أن شكل الفعل يطابق شكل نيته في النفس، وصيغة الصفة المشبهة تعني أنها شكل استقرَّ في النفس .
ومما يؤيد أن الفعل للروح بواسطة البدن ، التفريع عليه بقوله: فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى ، وأن آية الروح جاءت في سياقه. ولامجال لتفصيله.

تأثير الفعل على الروح وبدنها !

تتحدث آيات وأحاديث عن الذنوب والمعاصي، وتأثيرها المباشر على الروح ، ثم انعكاسها على الجسد !
فقد وصف الله تعالى شخصية المرابي فقال: الَّذِينَ يَاكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطَهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا . (البقرة:275).
وقال الإمام الصادق عليه السلام (الكافي:5/542): (اجتمع الحواريون إلى عيسى عليه السلام فقالوا له: يا معلم الخير أرشدنا. فقال لهم: إن موسى كليم الله عليه السلام أمركم أن لا تحلفوا بالله تبارك وتعالى كاذبين وأنا آمركم أن لا تحلفوا بالله كاذبين ولاصادقين.
قالوا: يا روح الله زدنا. فقال: إن موسى نبي الله عليه السلام أمركم أن لا تزنوا ، وأنا آمركم أن لا تحدثوا أنفسكم بالزنا فضلاً عن أن تزنوا ، فإن من حدث نفسه بالزنا كان كمن أوقد في بيت مزوق فأفسد التزاويق الدخان ، وإن لم يحترق البيت) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 59 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ومعناه أن نية الزنا وفعله بمثابة إشعال نار في بيت الروح . والعزم عليه وتحديث النفس به ، أي رسم الخطط لفعله ، بمثابة إشعال نار في جانب من بيت الروح ، فهو لايحرقه ، لكنه يفسد ألوانه بدخانه .
والآيات والأحاديث في تأثير أفعال الإنسان ، على روحه وبدنه ، كثيرة وغنية .
منها: أن الإعتراض على رسول الله صلى الله عليه وآله يوجب انخفاض درجة الإيمان !
فقد روى في الكافي(2/411) عن الإمام الباقر عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وآله لما أعطى غنائم حنين الى زعماء مكة ، جاؤوا مع سعد بن عبادة الى النبي صلى الله عليه وآله وقال له سعد: إن كان هذا الأمر من هذه الأموال التي قسمت بين قومك شيئاً أنزله الله رضينا،وإن كان غير ذلك لم نرض ! فقال صلى الله عليه وآله : يا معشر الأنصار أكُلُّكُمْ على قول سيدكم سعد؟فقالوا: سيدنا الله ورسوله ، ثم قالوا في الثالثة: نحن على مثل قوله ورأيه ! قال زرارة: فسمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: فَحَطَّ الله نورهم » !
ومنها: قول الإمام الصادق عليه السلام (الكافي:2/447): (الذنوب التي تغير النعم:البغي والذنوب التي تورث الندم: القتل. والتي تنزل النقم: الظلم . والتي تهتك الستر:شرب الخمر. والتي تحبس الرزق: الزنا . والتي تعجل الفناء: قطيعة الرحم. والتي ترد الدعاء وتُظْلِمُ الهواء: عقوق الوالدين).
ومنها: قول الإمام الصادق عليه السلام في إجاباته لرجل ملحد(الإحتجاج:2/92): (قال: ولم حرم الله الخمر، ولا لذة أفضل منها؟ قال: حرمها لأنها أم الخبائث ، وأُسُّ كل شر ، يأتي على شاربها ساعة يسلب لبه ولا يعرف ربه، ولا يترك معصية إلا ركبها
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 60 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولا حرمة إلا انتهكها، ولا رحماً ماسة إلا قطعها، ولا فاحشة إلا أتاها . والسكران زمامه بيد الشيطان ، إن أمره أن يسجد للأوثان سجد ، وينقاد حيث ما قاده . قال: فلم حرم الدم المسفوح ؟ قال: لأنه يورث القساوة ، ويسلب الفؤاد رحمته ، ويعفن البدن ويغير اللون وأكثر ما يصيب الإنسان الجذام يكون من أكل الدم .
قال: فأكل الغدد ؟ قال: يورث الجذام . قال:فالميتة لم حرمها ؟ قال:فرقاً بينها وبين ما يذكى ويذكر إسم الله عليه. والميتة قد جمد فيها الدم وتراجع إلى بدنها ، فلحمها ثقيل غير مرئ ، لأنها يؤكل لحمها بدمها ).
وقال عليه السلام : (أما الميتة فإنه لا يُدْمِنُهَا أحدٌ إلا ضَعُفَ بدنه ونَحُلَ جسمه ، وذهبت قوته ، وانقطع نسله. ولايموت آكل الميتة إلافجأة ). (الكافي:6/242).
أقول: هذا موضوع كبير فيه بحوث مهمة ، وقد ألف فيه العلماء فصولاً وكتباً منها كتاب: ثواب الأعمال وعقابها ، للمحدث الصدوق عليه السلام .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 61 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الخامس : الموت ولادة وليس فناءً

(1) سبب تفاوت نظرة الناس الى الموت

1. كنت أجري فحوصاً عند طبيب كبير في لندن ، فجرى ذكر الموت ، فرأيته ارتعب وتغير وجهه ، فقلت له: ولماذا الخوف من الموت ، يوجد ناسٌ لا يخافون من الموت ، وناسٌ يحبونه !
فرفض ذلك ، وأخذ يكرر: الموت..الموت.. كلا . هو عندي شئ مهول !
وهذه حالة أكثر الناس ، فهم يخافون من الموت ، وبعضهم يرتعب منه ، ولا يُحب الكلام فيه ، ولا التفكير به .
وأكثر ما تأخذني الشفقة على المشبعين بالثقافة المادية الغربية ، عندما أرى تعلقهم الشديد بحياتهم ، من مسكن وملبس وممتلكات ومأكل ، وأصدقاء ورفاهية ، وهم ينظرون الى الموت على أنه غولٌ وحشيٌّ يهاجمهم فيفقدهم كل ذلك ، ويأخذهم الى عدم محض ، فتدمع عيونهم من مجرد تصوره !
أشفق عليهم لأنهم لا أمل لهم بحياة أخرى ، ولا بخلود في نعيم .
وفي مقابل هذا الذعر من الموت ، نرى من يخاف منه بدرجة أقل .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 62 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم نرى من يحب الموت ويأنس به كأمير المؤمنين عليه السلام يقول: (والله لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أمه ). (نهج البلاغة:1/41).
والسبب في هذا التفاوت في النظرة الموت تصور أحدنا أنه خسارةٌ له، أو ربح.
فالذي لايؤمن بالآخرة أو لا أمل لها فيها ، يراه خسارةً محضاً . والمؤمن الذي لا يأمل بالآخرة والجنة يرى أن خسارته أكثر من ربحه . والمؤمن الآمل يرى ربحه أكثر . وصاحب اليقين كأمير المؤمنين صلوات الله عليه ، يراه ربحاً محضاً.
2. قال رجل للإمام الصادق عليه السلام : (خلقنا للفناء!فقال: مَهْ يا ابن أخ،خلقنا للبقاء. وكيف تفنى جنة لا تبيد ، ونار لا تخمد . ولكن قل: إنما نتحرك من دار إلى دار). (علل الشرائع:1/11).
وقال الصدوق قدس سره في الإعتقادات/47:(اعتقادنا في النفوس أنها هي الأرواح التي بها الحياة ، وأنها الخلق الأول لقول النبي صلى الله عليه وآله : إن أول ما أبدع الله سبحانه وتعالى هي النفوس المقدسة المطهرة فأنطقها بتوحيده. ثم خلق بعد ذلك سائر خلقه. واعتقادنا فيها أنها خلقت للبقاء ولم تخلق للفناء ، لقول النبي صلى الله عليه وآله : ما خلقتم للفناء بل خلقتم للبقاء ، وإنما تنقلون من دار إلى دار. وأنها في الأرض غريبة وفي الأبدان مسجونة . واعتقادنا فيها أنها إذا فارقت الأبدان فهي باقية ، منها منعمة ، ومنها معذبة ، إلى أن يردها الله تعالى بقدرته إلى أبدانها ).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 63 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
3. قال الإمام الصادق عليه السلام (الكافي:2/458):(جاء رجل إلى أبي ذر فقال: يا أبا ذر ، ما لنا نكره الموت؟فقال:لأنكم عمرتم الدنيا وأخربتم الآخرة ، فتكرهون أن تُنقلوا من عمران إلى خراب .
فقال له: فكيف ترى قدومنا على الله؟ فقال: أما المحسن منكم فكالغائب يقدم على أهله ، وأما المسئ منكم فكالآبق يرد على مولاه !
قال: فكيف ترى حالنا عند الله ؟ قال: أعرضوا أعمالكم على الكتاب ، إن الله يقول: إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ، وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ. قال فقال الرجل: فأين رحمة الله ؟ قال: إِنَّ رَحْمَةَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ).
وقال رجل للإمام الصادق عليه السلام (الكافي:3/134): (أصلحك الله من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ، ومن أبغض لقاء الله أبغض الله لقاءه؟ قال: نعم . قال: فوالله إنا لنكره الموت ! فقال: ليس ذلك حيث تذهب، إنما ذلك عند المعاينة إذا رأى ما يحب فليس شئ أحب إليه من أن يُقْدِمَ والله تعالى يحب لقاءه وهو يحب لقاء الله حينئذ.وإذا رأى ما يكره فليس شئ أبغض إليه من لقاء الله ، والله يبغض لقاءه).
ونحوه في مسند أحمد (4/260) عن النبي صلى الله عليه وآله .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 64 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

(2) ماذا يحدث للإنسان بالموت؟

يمكن القول: إن الروح والبدن جهازان يعملان معاً بتوافق ، مع أن أحدهما موجود مادي مكثف ، والآخر مادي شفاف .
وهما متآخيان متفاعلان ، بل توأمان يتأثر كل منهما بالآخر ويؤثر فيه ، فعندما يتعب البدن تتعب الروح وبالعكس ، وعندما يفرح أحدهما ويزدهر ، يزدهر الآخر . مع أن عوامل تعبهما وراحتهما قد تتفق ، وقد تختلف .
وسبب هذا التوافق والتوأمة ، أنهما كالساعتين المتوافقتين في برمجتهما ، كما يقول الفيلسوف الألماني لايبنتز , أو لأن البدن مظهر الروح وتَشَكُّلُهَا المادي المكثف ، كما يقول بعض الفلاسفة المسلمين .
أما الموت فهو في ظاهره حالة خلل في الجسم ، توجب أن تنفصل عنه الروح وتغادره لأنها لاتستطيع أن تبقى فيه ، فإذا غادرته نهائياً حصل الموت .
وفي واقعه حالة نزع للروح من كل البدن ، ولا تكون إلا بأمر الله تعالى .
وبعد موت الجسد تبقى الروح تَحِنُّ اليه وتنتظره لشدة ارتباطها به ، بل ورد أن أصل مسكنها في المكان الذي قبضت فيه . وفي فترة البرزخ تُلْبَسُ الروح قالباً شفافاً شبيهاً ببدنها ، الى أن يعاد يوم القيامة فتعود اليه .
ويتوجه الى هذه النظرية القوية عددٌ من الأسئلة:
- ما هي حالة الخلل هذه ، وما أسبابها ، وهل يمكن تلافيها ؟
- لماذا نرى أن السبب قد يوجب الموت عند إنسان ولايوجبه عند آخر؟
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 65 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- يظهر من آيات القرآن وأحاديث النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام أن جميع ما نراه من أسباب للموت هي أسباب ظاهرية ، أما السبب الحقيقي فهو الأجل المحدد وأن الله تعالى يقبض روح الإنسان عند حلوله حتى لو كان الإنسان سليماً معافى. فما تفسير ذلك ؟
- الى أين تذهب الروح ، وكيف يكون ارتباطها بالبدن؟
وقد اتضحت الإجابة على بعض هذه الأسئلة بما تقدم ، وتأتي الإجابة عن بعضها الآخر . لكن التفصيل يخرجنا عن غرض الكتاب .

(3) هل الأجل سبب الموت أم الأسباب المنظورة ؟

يقول بعض الشباب: لماذا نربط الموت بالملائكة ، والأجل ، وقبض الروح ، ولا نقول إنه انتهاء الحياة بأسباب طبيعية ؟
فلماذا لا نجعل سبب الموت من يطلق الرصاصة على رأس الشخص فيقتله ؟!
هكذا يميل البعض الى تبسيط الأمور المركبة ، فهو يجد أن الأسهل عليه أن يقف عند السبب المنظور ، ولا يتعمق في تسلسل الأسباب حتى يصل الى السبب الحقيقي . فهو كمن يرفض أن يربط حدثاً سياسياً في بلده ، بتحريك دولة كبرى في الجانب الآخر من العالم . أو كمن يقول إن الحمام الزاجل فقد معرفة اتجاهه بسبب مرضه ، ولا ينسب ذلك الى المجال المغناطيسي في المنطقة التي تحيط به .
إن مشكلة التبسيط والتعمق الذهني تواجهنا دائماً ، ليس في قضايا الدين فحسب ، بل في قضايا العلوم الطبيعية وأبحاثها المعمقة .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 66 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إن هذا الشاب يرى الشخص قد أطلق رصاصة على إنسان حي فمات، ولا يرى بقية الأحداث والأسباب المحيطة. وبدل أن يقول إني أرى ما هو أمامي ، وأجهل بقية الأمور ، يسارع الى نفي وجود ما لايراه !
والتعمق في الأمر فيقول:إن تسلسل الأسباب كله واقع تحت السيطرة فصاحب المسدس ونواياه وأفعاله ، والمقتول ونواياه وأفعاله ، هما تحت سيطرة العلم الإلهي المطلق، والقدرة الإلهية المطلقة ، ليس عند وقوع الفعل فحسب ، بل من الأزل والى الأبد .
وما دام الله تعالى يعلم ، فمن السهل أن يرسل ملك الموت ليقبض الروح !
وهل يصعب ذلك على الذي أمر مياه النيل أن تحمل تابوت الطفل موسى عليه السلام وتأخذه الى ساحل قصرفرعون ! وأعقم فرعون وأمره وزوجته أن يجلسا في ذلك الوقت في حديقة قصرهما ، ليريا التابوت يطفو على وجه الماء ، ويُحضراه فيريا فيه طفلاً محبوباً ، ويتبنياه !
إنه مهما افترضنا قوة أنظمة الأسباب الظاهرة ، فهو لا يمنع من وجود أنظمة أسباب أعلى منها ، تهيمن عليها وتعمل معها .
(عن شهر بن حوشب قال: دخل ملك الموت على سليمان عليه السلام فجعل ينظر إلى رجل من جلسائه يديم إليه النظر ، فلما خرج قال الرجل: من هذا ؟ قال: هذا ملك الموت ، قال: لقد رأيته ينظر إليَّ كأنه يريدني! قال: فما تريد؟ قال: أريد أن تحملني على الريح فتلقيني بالهند . فدعا بالريح فحملته عليها فألقته بالهند .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 67 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثمّ أتى ملك الموت سليمان عليه السلام فقال: إنك كنت تديم النظر إلى رجل من جلسائي! قال: كنتُ أعجبُ منه ، إني أُمرت أنْ أقبضَ روحه بالهند وهو عندك). (تفسير الثعلبي:7/329).
أقول: هذا يدلنا على أنه لا فرق في قبض الملائكة لروح الإنسان ، بين أن يموت بعد مرض طويل أو قصير ، أو يموت بالقتل ، أو بحادث سيارة ، أو كارثة . وبين أن يكون واحداً ، أوألوفاً . مادام عِلْمُ الله تعالى محيطٌ بالأحداث والأسباب ، من الأزل الى الأبد .
إن الظاهر لنا أن مُطْلق الرصاصة كان السبب في الوفاة ، لكن ملك الموت كان قبل ذلك حاضراً ينتظر أن تفعل الرصاصة فعلها في بدنه ، فيقبض الروح في اللحظة التي أُمر بها ، وبالطريقة التي أُمر بها !
سئل الإمام الصادق عليه السلام :(يعلم مَلَك الموت بقبض من يقبض؟ قال:لا، إنما هي صِكَاكٌ تنزل من السماء: إقبض نفس فلان ابن فلان ). (الكافي:3/255).
وقال الله عز وجل: وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ . (فاطر:11).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 68 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

(4) آيات الأجل وبعض أحاديثه

قال تعالى:أَيْنَمَاتَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْكُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ. (النساء: 78).
وقال تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ . (الأنعام:60).
وقال تعالى: اللهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الآخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لايَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ . (الزمر:42).
وقال تعالى: وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلاً مُسَمًّى. (غافر:67).
وقال تعالى: وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا. (المنافقون:11).
وقال تعالى:هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ . (الأنعام:2 ).
أقول: في كل واحدة من هذه الآيات مباحث ، ونكتفي بالإشارة الى الأخيرة التي هي محور بحث بين المفسرين والمتكلمين والفلاسفة ، لأنها ذكرت أجلين: أجلاً مقضياً غير مسمى ، وأجلاً مسمى ، فما الفرق بينهما ؟
وقد تحيروا في تفسيرهما وشرقوا وغربوا ، وفسرها أهل البيت عليهم السلام بأنها تخص عمل الله تعالى ، وإدارته للكون والإنسان ، ورحمته بالإنسان حيث جعل له أجلين ، أجلاً مشروطاً ، وأجلاً محتوماً هو المسمى عنده .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 69 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ففي تفسير العياشي (1/354) قال الإمام الصادق عليه السلام : (المسمى ما سُمِّيَ لملك الموت في تلك الليلة ، وهو الذي قال الله:فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لايَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ. وهو الذي سُمِّيَ لملك الموت في ليلة القدر . والآخر له عز وجل فيه المشية ، إن شاء قدمه وإن شاء أخره).
وفي رواية: (الأجل الأول هو ما نبذه إلى الملائكة والرسل والأنبياء عليهم السلام ، والأجل المسمى عنده هو الذي ستره الله عن الخلايق ).
وفي الكافي (1/146): (عن الفضيل بن يسار قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: العلم علمان: فعلم عند الله مخزون لم يُطْلِعْ عليه أحداً من خلقه ، وعلمٌ عَلَّمه ملائكته ورسله ، فما علمه ملائكته ورسله فإنه سيكون ، لا يكذب نفسه ولا ملائكته ولا رسله . وعلم عنده مخزون ، يقدم منه ما يشاء ، ويؤخر منه ما يشاء ، ويثبت ما يشاء ).
وفي رواية أخرى: (سئل العالم عليه السلام كيف عَلِمَ الله؟ قال: علم ، وشاء ، وأراد ، وقدر ، وقضى ، وأمضى ، فأمضى ما قضى ، وقضى ما قدر ، وقدر ما أراد .
فبعلمه كانت المشيئة ، وبمشيئته كانت الإرادة ، وبإرادته كان التقدير ، وبتقديره كان القضاء ، وبقضائه كان الإمضاء ، والعلم متقدم على المشيئة ، والمشيئة ثانية ، والإرادة ثالثة ، والتقدير واقع على القضاء بالإمضاء).
وقال في تفسير الميزان(7/10): (للمفسـرين تفسيرات غريبة للأجلين الواقعين في الآية: منها: أن المراد بالأجل الأول ما بين الخلق والموت ، والثاني مابين الموت
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 70 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والبعث .. عن ابن عباس. ومنها: أن الأجل الأول أجل أهل الدنيا حتى يموتوا. والثاني: أجل الآخرة الذي لا آخر له ونسب إلى مجاهد والجبائي وغيرهما .
ومنها: أن الأجل الأول أجل من مضى . والثاني أجل من بقي من سيأتي. ونسب إلى أبي مسلم . ومنها: أن الأجل الأول النوم والثاني الموت . ومنها: أن المراد بالأجلين واحد ، وتقديرالآية الشريفة:ثم قضى أجلاً وهذا أجل مسمى عنده! ولا أرى الإشتغال بالبحث عن صحة هذه الوجوه وأشباهها وسقمها ، يسوغه الوقت) .
أقول: تعجب كيف ترك هؤلاء قول الإمام الصادق عليه السلام ورضوا بهذا الحشو ؟
وغرضنا من هذه الآيات والأحاديث ، أن الله تعالى جعل لحياتنا في الأرض أجلاً محدداً لا يزيد ساعة ولا ينقص . فلا بد من القول إن سبب الموت حضور الأجل المحدد ، وأن الأسباب المادية التي نراها ، متوافقة مع الأجل ، وتبدو هي السبب بنظرنا القاصر ، بينما السبب الحقيقي الأجل فقط .
قال الإمام الصادق عليه السلام : (دخل رسول الله صلى الله عليه وآله على رجل من أصحابه وهو يجود بنفسه فقال: يا ملك الموت إرفق بصاحبي فإنه مؤمن. فقال: أبشر يا محمد فإني بكل مؤمن رفيق ، واعلم يا محمد أني أقبض روح ابن آدم فيجزع أهله ، فأقوم في ناحية من دارهم فأقول: ما هذا الجزع؟فوالله ما تعجلناه قبل أجله ، وما كان لنا في قبضه من ذنب! فإن تحتسبوا وتصبروا تؤجروا،وإن تجزعوا تأثموا وتوزروا). (الكافي:3/136).
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 71 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل السادس : الإحتضار وقبض الروح

(1) ملك الموت وأعوانه على قبض الأرواح

1. الموت نعمة على المجتمع البشري ، ولو رفعه الله تعالى لطالب به الناس ! قال الإمام الصادق عليه السلام :(إن قوماً فيما مضى قالوا لنبيٍّ لهم: أُدْعُ لنا ربك يرفع عنا الموت، فدعا لهم فرفع الله عنهم الموت ، فكثروا حتى ضاقت عليهم المنازل وكثر النسل، وأصبح الرجل يطعم أباه وجده وأمه وجد جده ويُوَضِّيهم ويتعاهدهم . فشُغلوا عن طلب المعاش، فقالوا (لنبي لهم آخر) : سل لنا ربك أن يردنا إلى حالنا التي كنا عليها ، فسأل نبيهم ربه فردهم إلى حالهم ). (الكافي:3/260).
2 سُمِّيَتْ حالة الموت: الإحتضار ، لحضور الملائكة لقبض روح الميت . وسميت: السَّوْق والسِّيَاق ، لأنها سَوْقُ الميت الى الآخرة .
وسمي أَلَمُ الميِّت حينها: النَّزْع ، لأن سببه نزع الروح من البدن .
وسميت غشية الموت: سَكْرة الموت وسَكَراته ، لأنها كحالة السُّكْر .
3.الملك عزرائيل عليه السلام من كبار الملائكة ويسمى في اليهودية والمسيحية: رافائيل.
وقد ذكره الله وأعوانه بقوله: قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 72 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ودعا له الإمام زين العابدين عليه السلام في دعائه لحملة العرش والملائكة/37: (وملك الموت وأعوانه ، و منكر ونكير ، ورومان فَتَّان القبور، والطائفين بالبيت المعمور، ومالك والخزنة ، ورضوان وسدنة الجنان).
4.وله ألوف الأعوان، من ملائكة الرحمة وملائكة العذاب . وربما كانوا ملايين.
قال الصدوق قدس سره في الفقيه (1/136): (سئل الصادق عليه السلام عن قول الله عز وجل: اللهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا. وعن قول الله عز وجل: قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ . وعن قول الله عز وجل: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ. والَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِى أَنْفُسِهِمْ. وعن قول الله عز وجل: تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا. وعن قوله عز وجل: وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ . وقد يموت في الساعة الواحدة في جميع الآفاق ما لا يحصيه إلا الله عز وجل ، فكيف هذا ؟
فقال عليه السلام : إن الله تبارك وتعالى جعل لملك الموت أعواناً من الملائكة يقبضون الأرواح ، بمنزلة صاحب الشرطة له أعوانٌ من الإنس يبعثهم في حوائجه ، فتتوفاهم الملائكة ، ويتوفاهم ملك الموت من الملائكة ، مع ما يقبض هو ، ويتوفاها الله عز وجل من ملك الموت ).
أقول: لاحظ أن الله تعالى يستوفي جميع الأرواح من ملك الموت .
5. قال النبي صلى الله عليه وآله يصف ما رآه في المعراج: ( ثم مررتُ بملك من الملائكة وهو جالس وإذا جميع الدنيا بين ركبتيه ، وإذا بيده لوح من نور فيه كتاب ينظر فيه ولا يلتفت يميناً ولا شمالاً، مقبلاً عليه كهيئة الحزين ، فقلت: من هذا يا جبرئيل؟
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 73 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فقال: هذا ملك الموت دائبٌ في قبض الأرواح . فقلت: يا جبرئيل أدنني منه حتى أكلمه ، فأدناني منه فسلمت عليه ، وقال له جبرئيل: هذا محمد نبي الرحمة الذي أرسله الله إلى العباد ، فرحب بي وحياني بالسلام وقال: أبشر يا محمد ، فإني أرى الخير كله في أمتك . فقلت: الحمد لله المنان ذي النعم على عباده ، ذلك من فضل ربي ورحمته عليَّ . فقال جبرئيل: هو أشدُّ الملائكة عملاً . فقلت: أكُلُّ من مات أو هو ميت فيما بعد هذا ، تقبض روحه ؟
قال: نعم . قلت: تراهم حيث كانوا وتشهدهم بنفسك؟ فقال: نعم . فقال ملك الموت: ما الدنيا كلها عندي فيما سخرها الله لي ومكنني منها ، إلا كالدرهم في كف الرجل يقلبه كيف يشاء.وما من دار إلا وأنا أتصفحها كل يوم خمس مرات ، وأقول إذا بكى أهل الميت على ميتهم: لا تبكوا عليه فإن لي فيكم عودة وعودة ، حتى لا يبقى منكم أحد !
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله :كفى بالموت طامَّةً يا جبرئيل ! فقال جبرئيل: إن ما بعد الموت أطَمُّ وأطَمُّ من الموت ). ( تفسير القمي:2/6).
وفي رواية: (رأى ملكاً باسرَ الوجه ، وبيده لوح مكتوب بخط من النور ، وخط من الظلمة). (المناقب:1/154).
وقال للنبي صلى الله عليه وآله : (لو أني يا محمد أردت قبض نفس بعوضة ما قدرت على قبضها حتى يكون الله عز وجل هو الآمر بقبضها ). (الكافي:3/136).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 74 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وسئل الصادق عليه السلام : (يعلمُ ملك الموت بقبض من يقبض؟قال:لا، إنما هي صِكَاكٌ تنزل من السماء: إقبض نفس فلان ابن فلان). (الكافي:3/255).
6. يستعرض ملك الموت وأعوانه الناس يومياً مرات ، ويُعرف مروره بمجلس من لحظة الهدوء التي تعم المجلس ! قال جابر الجعفي رحمه الله : (سألته (الإمام الباقر عليه السلام ) عن لحظة ملك الموت ، قال: أما رأيت الناس يكونون جلوساً فتعتريهم السكتة فما يتكلم أحد منهم ! فتلك لحظة ملك الموت حيث يلحظهم ). (الكافي:3/259).
عن الإمام الصادق عليه السلام قال: (دخل رسول الله صلى الله عليه وآله على رجل من أصحابه وهو يجود بنفسه فقال: يا ملك الموت إرفق بصاحبي فإنه مؤمن، فقال: أبشر يا محمد فإني بكل مؤمن رفيق ، واعلم يا محمد أني أقبض روح ابن آدم فيجزع أهله ، فأقوم في ناحية من دارهم فأقول: ما هذا الجزع ، فوالله ما تعجلناه قبل أجله ، وما كان لنا في قبضه من ذنب ، فإن تحتسبوا وتصبروا تؤجروا وإن تجزعوا تأثموا وتوزروا . واعلموا أن لنا فيكم عودة ثم عودة فالحذر الحذر . إنه ليس في شرقها ولا في غربها أهل بيت مَدَر ولا وَبَر إلا وأنا أتصفحهم في كل يوم خمس مرات ، ولأنا أعلم بصغيرهم وكبيرهم منهم بأنفسهم . ولو أردت قبض روح بعوضة ما قدرت عليها حتى يأمرني ربي بها ! فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : إنما يتصفحهم في مواقيت الصلاة ، فإن كان ممن يواظب عليها عند مواقيتها لقنه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، ونَحَّى عنه ملكُ الموت إبليسَ ). (الكافي:3/135).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 75 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
7. ويحضر ملك الموت لقبض روح المؤمن بصورة حسنة ، ولقبض روح الفاجر بصورة سيئة . ( فى الحديث أن إبراهيم عليه السلام لقيَ ملكاً فقال له: من أنت؟ قال: أنا ملك الموت . فقال: أتستطيع أن تريني الصورة التي تقبض فيها روح المؤمن؟ قال: نعم ، أعرض عني فأعرض عنه ، فإذا شاب حسن الصورة حسن الثياب حسن الشمايل طيب الرائحة . فقال: يا ملك الموت ، لو لم يلق المؤمن إلا حسن صورتك لكان حسبه . ثم قال: هل تستطيع أن تريني الصورة التي تقبض فيها روح الفاجر؟فقال: لاتطيق .فقال: بلى. قال: أعرض عني فأعرض عنه ثم التفت إليه فإذا هو رجل أسود قائم الشعر ، منتن الرائحة ، أسود الثياب ، يخرج من فيه ومن مناخره النيران والدخان ! فغُشيَ على إبراهيم ، ثم أفاق وقد عاد ملك الموت إلى حالته الأولى ، فقال: يا ملك الموت لو لم يلق الفاجر إلا صورتك هذه لكفته) . (عوالي اللئالي:1/247).
8. ولعزرائيل عليه السلام مهمات أخرى غير قبض الأرواح ، فقد بعثه الله تعالى لأخذ تراب آدم من الأرض . (بصائر الدرجات/37). ويرسله في مهمات أخرى ، وقد ورد أن علياً عليه السلام كان إذا قاتل يكون جبرئيل عن يمينه وميكائيل عن يساره ، ويتقدم عزرائيل أمامه . (الخصال/218). ولما أرسله صلى الله عليه وآله الى فتح خيبر قال له: ( إمض يا علي، وجبرئيل عن يمينك، وميكائيل عن يسارك ، وعزرائيل أمامك ، ونصـر الله فوقك ، ودعائي خلفك) . (مناقب آل أبي طالب:2/78).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 76 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
9. وبعد أن تنتهي مهمة عزرائيل عليه السلام ، ويقبض أرواح الناس وغيرهم ، يقول له الله تعالى: مُتْ يا ملك الموت ، فيموت .
قال الإمام الصادق عليه السلام : (يموت أهل الأرض حتى لا يبقى أحد ، ثم يموت أهل السماء حتى لا يبقى أحد إلا ملك الموت وحملة العرش وجبرئيل وميكائيل عليهم السلام . قال: فيجئ ملك الموت حتى يقوم بين يدي الله عز وجل فيقال له: مَن بقي ، وهو أعلم؟ فيقول: يا رب لم يبق إلا ملك الموت وحملة العرش وجبرئيل وميكائيل . فيقال له: قل لجبرئيل وميكائيل فليموتا .
فتقول الملائكة عند ذلك: يا رب رسوليك وأمينيك ، فيقول: إني قد قضيت على كل نفس فيها الروح الموت . ثم يجئ ملك الموت حتى يقف بين يدي الله عز وجل فيقال له: من بقي، وهو أعلم؟ فيقول: يا رب لم يبق إلا ملك الموت وحملة العرش ، فيقول: قل لحملة العرش فليموتوا . قال: ثم يجئ كئيباً حزيناً لا يرفع طرفه ، فيقال: من بقي؟ فيقول: يا رب لم يبق إلا ملك الموت . فيقال له:مُتْ ياملك الموت ، فيموت ). (الكافي:3/256).

(2) يقبض الملائكة الروح من أمكنة في البدن

روى الصدوق رحمه الله في أماليه/303، عن محمد بن عمارة ، عن أبيه ، قال: (قلت للصادق جعفر بن محمد عليه السلام : أخبرني بوفاة موسى بن عمران عليه السلام ، فقال: إنه لما أتاه أجله واستوفى مدته وانقطع أُكْله ، أتاه ملك الموت فقال له: السلام عليك يا كليم الله . فقال موسى: وعليك السلام من أنت؟ فقال: أنا ملك الموت . قال: ما
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 77 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الذي جاء بك؟ قال: جئت لأقبض روحك: فقال له موسى: من أين تقبض روحي؟ قال: من فمك . قال له موسى كيف وقد كلمت به ربي جل جلاله ! قال: فمن يديك . قال: كيف وقد حملت بهما التوراة ! قال: فمن رجليك . قال: كيف وقد وطأت بهما طور سيناء ! قال: فمن عينيك؟ قال: كيف ولم تزل إلى ربي بالرجاء ممدودة ! قال: فمن أذنيك . قال: كيف وقد سمعت بهما كلام ربي عز وجل! قال: فأوحى الله تبارك وتعالى إلى ملك الموت:لاتقبض روحه حتى يكون هو الذي يريد ذلك!
وخرج ملك الموت ، فمكث موسى عليه السلام ما شاء الله أن يمكث بعد ذلك..)
أقول: هذا الحديث يدل على أن قبض الروح يكون من منافذ الرأس أو من الأطراف . وقد كنت أحمل طفلي الصغير وعمره شهر، وكان رأسه على يدي ، فرأيت احتضاره لدقائق قليلة ، ثم رأيت نَفَساً خرج من أنفه ، أعلى من أنفاسه السابقة وأطول ، فحرك الهواء من أنفه شعر ساعدي ومات الطفل رحمه الله . فكأن روحه قبضت من أنفه .

(3) من آيات القرآن في قبض الروح

قال الله تعالى: فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ . وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ. وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ. فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ . تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ . (الواقعة:83-87).
كَلا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِىَ . وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ . وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ . وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ . إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ. (القيامة:26- 30)0
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 78 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ. إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ. مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ.وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ. (قاف:16-19)
الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ . (النحل:32).
الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِى أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ .( النحل:28).
قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ.(السجدة:11).
حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ . (الأعراف:37).
وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ . (الأنفال:50 ).
فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ . (محمّد:27).
إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِى أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فيِمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ. (النساء:97).
وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ . (الأنعام:61).
وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضـَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ . (الأنعام:60).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 79 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
اللهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضـَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الآخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ. (الزمر:42).
وفي هذه الآيات بحوث مهمة ، لكن الدخول فيها يخرجنا عن غرض الكتاب.

(4) كيفية قبض الروح

1.تفيد أحاديث أهل البيت عليهم السلام بما لا يقبل الشك، أن الروح موجودٌ شفاف غير مرئي لنا ، ومسكنها ومركزها في دماغ الإنسان ، لكن جسمها ليس في جسم الإنسان ، فهي لا تداخله ولا تمازجه على حد تعبير الإمام الصادق عليه السلام ، بل توجد حوله على شكل (كِلَل) أي قباب مخروطية تحيط به وتمد شعاعها الى كل(عرق وعضو ومفصل وشعرةٍ).(الإختصاص/359) أي الى كل ذرة في البدن.
ومعناه أنها تتحكم في البدن أشد مما يتحكم نظام التشغيل في جهاز الحاسب !
والبدن يتعب من يقظته بالروح وتنفيذه لأوامرها ، فيحتاج يومياً الى راحة . كما أن الروح تحتاج الى راحة من التعب بمقاييسها .
روى جابر بن يزيد الجعفي، عن أبي عبيدة الحذَّاء أن الإمام الباقر عليه السلام قال له: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعاً . لعلك ترى أن القوم لم يكونوا ينامون. قال قلت: الله ورسوله وابن رسوله أعلم . قال فقال:لا بد لهذا البدن من أن تريحه حتى يَخْرُجَ نَفَسَهُ ، فإذا خَرَجَ النَّفَسُ استراح البدن ، ورجع الروح فيه قوة على العمل). (علل الشرائع:2/365).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 80 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وراحة البدن بالنوم واضحة ، وقد كتب فيها العلماء والأطباء ، وقرأت أن المادة السنجابية بين خطوط الدماغ تستعيد اتصالها بالنوم . لكني لم أقرأ شيئاً عن النَّفَس الذي يخرج من داخل البدن بالنوم ، ولا بد أن يصل اليه العلم .
أما الروح فيدل قول الإمام عليه السلام : (ورجع الروح فيه قوة على العمل) على أنها تستجم أيضاً بخروج النَّفْس من البدن وقت النوم ! والنفس: تعني الحواسَّ الخمس والعقل ، وهي قوى الروح . فهي التي تخرج من البدن في النوم ، وتبقى فيه روح الحياة ، ويكون متصلاً بالنفس بشعاع ، كما قال الإمام الصادق عليه السلام .
2. وقد وصفت أحاديث أهل البيت عليهم السلام أشعة الروح أو خيوطها في البدن بأنها متشابكة مع أجزائه كتشابك جزة الصوف ، وأن قبض الروح أو الموت يشبه سحب هذه الجزة من كل أجزاء البدن . ففي الكافي(3/136) عن الإمام الصادق عليه السلام قال: (إذا كان ممن سخط الله عليه أو ممن أبغض الله ، أمره أن يجذب الجذبة التي بلغتكم ، بمثل السفود من الصوف المبلول ).
وفي تفسير مجمع البيان(10/253)، عن علي عليه السلام : ( وَالسَّابِحَاتِ سَبْحاً. فيها أقوال ، أحدها: أنها الملائكة يقبضون أرواح المؤمنين ، يَسِلُّونَها سَلاًّ رفيقاً ، ثم يدعونها حتى تستريح، كالسابح بالشئ في الماء يرمي به ).

(5) المدة التي يستغرقها قبض الروح

1. نلاحظ أن احتضار الميت قد يكون قصيراً أو طويلاً. وقد يكون سهلاً عليه كما يظهر لنا ، وقد يكون صعباً . لكنا لانعرف قواعد ذلك وأسبابه ، ومتى يبدأ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 81 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قبض الروح ونزعها من الجسم ، ومتى يتم وينتهي ، فقد يكون أنواعاً يبدأ بعضها بعد موت الجسم الذي نراه ، وبعضها بعد موته الحقيقي .
سألتني طبيبة أستاذة: من أين تُقبض الروح؟ أجبتها:ذكرت الرواية عدة أماكن: اليدين ، والرجلين، والأذنين ، والأنف ، والعينين ، والفم . فقالت: نعم،كثيراً ما لاحظت أن المريض تموت رجلاه وفخذاه تماماً، ويبقى حياً بعد ذلك لمدة .
والظاهر أن الوضع السائد لقبض الروح أن يبدأ من الرجلين ، وينتهي بالحلقوم قال الله تعالى: فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ. وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ. وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لاتُبْصِرُونَ. فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ. تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ . (الواقعة:83-87)
ومعناه أن بلوغها الحلقوم آخر مرحلة من الإحتضار ، وأن إرجاعها الى البدن أمرٌ ممكن لملك الموت ، الذي هو أقرب اليه ، وأقدر على ذلك منا .
قال الراوندي في كتابه الدعوات/281: ( ورويَ أن المحتضر يحضـره صَفٌّ من الملائكة عن يمينه عليهم لباس خضر ، وصف عن يساره عليهم لباس سود.. ويأمر ملك الموت أن يتراءى له في أحسن صورة .
فإذا أخذ في قبض روحه وارتقى إلى ركبته شفع إلى جبرئيل وقد أمره الله أن ينزل إلى عبده ، أن يرخص له في توديع أهله وولده ، فيقول له: أنت مخير بين أن أمسح عليك جناحي ، أو تنظر إلى ميكائيل . فيقول: أين ميكائيل؟ فإذا به وقد نزل في جوق من الملائكة فينظر إليه ويسلم عليه .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 82 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فإذا بلغت الروح إلى بطنه وصرته ، شفع إلى ميكائيل أن يمهله فيقول له: أنت مخير بين أن أمسح عليك جناحي ، أو تنظر إلى الجنة ، فيختار النظر إلى الجنة فيتضاحك ، ويأمر الله ملك الموت أن يرفق به ).
وروى في الإختصاص/346 ، عن الإمام الصادق عليه السلام قال من حديث طويل: (ثم يبعث الله له صفين من الملائكة غير القابضين لروحه ، فيقومون سماطين ما بين منزله إلى قبره ، ويستغفرون له ويشفعون له ، قال: فيعلله ملك الموت ويمنيه ويبشره عن الله بالكرامة والخير... قال: فإذا بلغت الحلقوم قال الحافظان اللذان معه: يا ملك الموت إرأف بصاحبنا وارفق ، فنعم الأخ كان ، ونعم الجليس ، لم يمل علينا ما يسخط الله قط .
فإذا خرجت روحه خرجت كنخلة بيضاء ، وضعت في مسكة بيضاء ، من كل ريحان في الجنة ، فأدرجت إدراجاً . وعرج بها القابضون إلى السماء الدنيا ، قال فتُفتح له أبواب السماء ).
وهذا يدل على أن قبض الروح يكون على مراحل ، قد تطول نسبياً .
2. وهناك حالات تعليق للروح ، فلا صاحبها ميت ، ولا هو حي حياة طبيعية . ويسمونها حالة الموت السريري ، وقد يُغمى على صاحبها أياماً أو شهوراً ، ثم تعود اليه روحه ووعيه بالكامل .
وبعض هؤلاء العائدين لايذكر شيئاً عن فترة غيبوبته ، بينما يتحدث بعضهم عما كان يشاهده ويفعله في تلك المدة .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 83 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد أخبرني من أثق به أن صاحبه حدثه أنه أمضى شهرين غائباً عن الوعي، وأنه كان يرى ويسمع ما يجري حوله تماماً ، لكنه كان لايستطيع أن يتكلم معهم .
وكان يحفظ أحاديث أقاربه ومنهم من كان يتمنى موته أو يتمنى شفاءه ، وأحاديث الأطباء وتشاورهم في حالته ، وأنهم أرادوا يوماً أن يفصلوا الأجهزة عنه فخاف وأخذ يدعو الله تعالى ، وذهب الى مشهد الإمام الرضا عليه السلام وتوسل به الى تعالى أن لايفصلوا عنه الأجهزة .
وقال إنه كان يذهب بلحظة واحدة الى أي مكان ، كان ذهب اليه قبل غيبوبته ، لكنه لا يستطيع الذهاب الى مكان آخر لم يكن ذهب اليه .
وقال إنه كان معه في المستشفى شخص مثله غائب عن الوعي، وكان يتبادل معه الحديث بسهولة ، ويشاهدان ما حولهما وقد يذهبان معاً ، وأن الأطباء تشاوروا في فصل الأجهزة عن زميله فتأثرا لذلك كثيراً ، ثم جاء صاحبه وأخبره بأنهم قرروا فصل الأجهزة عني ، وأنه سيموت ، وودعه فلم يره بعد ذلك . وعندما عاد الى الوعي عرف أنهم فصلوا عنه الأجهزة فعلاً ومات .
وقال محدثي إن هذا الرجل حدثه عن عودة روحه الى جسده ، وقال له إن الآلام التي تحملتها من عودتي الى جسدي لا تطاق ، ولا يمكنني وصفها !
3. وهناك ثلاث حالات أخرى ، يمكن اعتبارها من حالات تعليق الروح عن الجسد ، وانفصالها عنه ، انفصالاً غير كامل:
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 84 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أولها: عندما يشرف الإنسان على الموت بسبب حادث ، ولايموت ، فيشعر بانفصال روحه عن بدنه ، ويغيب عن الوعي ، ويرى شريطاً لمحطات من ماضي حياته ، من طفولته وشبابه وحاضره ، وربما كان معها من مستقبله .
وهذه الرؤية متفاوتة ، فبعضهم يقول إني ذهبت الى تلك المشاهد ورأيتها، وبعضهم يقول إنها كانت شريطاً واضحاً عُرض عليه .
وقد رأيت هذا الشريط عندما حاول اغتيالي الطاغية صدام في بيروت ، فأصبت برصاصة في رأسي . ثم رأيت هذا الشريط الواضح عن مشاهد من حياتي .
وثانيها: حالات الإنكشاف العرفاني ، وهي حالة انفلات للروح من البدن لفترة قصيرة ، بسبب التعمق والوَجْدٍ في الدعاء أوالتفكير ، فيشعر أنه خرج من بدنه وذهب الى بعض الأماكن ، وشاهد بعض المشاهد ، ثم رجع الى بدنه .
وقد وقعت لي هذه الحالة عندما كنت في النجف ، وكنا نتلقى دروساً في العرفان ونروض أنفسنا ببعض التقشف ، فكنا معتكفين في شهر رجب في مسجد الكوفة وكنت أقرأ دعاء على سطح في المسجد ، فارتفعت روحي من بدني وسارت في الجو من فوق سور المسجد العالي ، وذهبت نحو المدينة المنورة ومكة المكرمة ، وبقيت في أفق من السماء ملون بالغيوم والألوان ، وشعرت فيه بجلال الله تعالى ، ودعوت . ثم رجعت فرأيت نفسي فوق بدني ونزلت فيه وأحسست بأني جالس أدعو وبين يدي الكتاب . فكأني جسمٌ شفاف ينزل من قدميه في البدن ، ولما اكتمل نزولي ، انتبهت الى بدني ، وأني جالس أقرأ الدعاء من كتاب بين يديَّ .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 85 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وثالثها: ما يسميه أهل العرفان خلع الروح من الجسد . وهي قدرة عند بعض الناس أن يفصل روحه عن جسده بنوع من الإنفصال ، فلا يشعر بألم الجسد ، ثم يعيدها اليه عندما يريد !
وقد تواتر نقل ذلك عن المرجع المرحوم السيد أحمد الخونساري قدس سره ، وأنه احتاج الى عملية جراحية في معدته ، ورفض أن يعطوه مخدراً ، وقال للطبيب: أنت قم بعملك وما عليك ! وبدأ الطبيب بعمله وبدأ السيد بقراءة سورة المائدة ، ولم يتأوه ولم يقل آخ ، حتى أنجزوا العملية .
والنتيجة: أن ارتباط الروح بالبدن ، فيه مرونة وسعة لحالات من الإنفصال غير الكامل ، كالنوم ، والغيبوبة ، والمكاشفة ، وخلع الروح .
كما أن قبض ملك الموت للروح فيه سعة لحالات عديدة . أعاننا الله عليه .

(6) من آداب معاملة المؤمن عند احتضاره

1. يكره لمس الميت عند الإحتضار . قال المحقق البحراني قدس سره في الحدائق (3/367): (في الموثق عن زرارة قال: ثقل ابن لجعفر وأبو جعفر جالس في ناحية ، فكان إذا دنا منه إنسان قال: لا تمسه ، فإنه إنما يزداد ضعفاُ، وأضعف ما يكون في هذه الحال ، ومن مسه في هذه الحال أعان عليه ).
وهذا يدل على أن التأثير المتبادل بين الروح والبدن له قوانين ، لانعرف منها إلا القليل. وأن مجرد مس بدن المحتضر يؤلمه ، ويعجل في موته !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 86 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
2.ورد استحباب نقل المحتضر الى مكان صلاته ، لأنه يخفف عليه النزع ويريحه فعن الإمام الصادق عليه السلام (الكافي:3/126):(إن أبا سعيد الخدري رضي الله عنه قد رزقه الله هذا الرأي ، وإنه قد اشتد نزعه فقال: إحملوني إلى مصلاي ، فحملوه ، فلم يلبث أن هلك ) .
3. روى في علل الشرائع(1/297): ( عن علي عليه السلام قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وآله على رجل من ولد عبد المطلب فإذا هو في السَّوْق ، وقد وُجِّهَ إلى غير القبلة فقال: وجهوه إلى القبلة ، فإنكم إذا فعلتم ذلك أقبلت عليه الملائكة ، وأقبل الله عليه بوجهه ، فلم يزل كذلك حتى يقبض ) .
4. ينبغي تعطير مكان الإحتضار، وإبعاد الروائح الكريهة لأن الملائكة تأذى بها!
ففي الكافي(3/138): (قلت لأبي الحسن (الكاظم عليه السلام ): المرأة تقعد عند رأس المريض وهي حائض في حد الموت؟ فقال: لا بأس أن تمرضه ، فإذا خافوا عليه وقرب ذلك ، فلتتنح عنه وعن قربه ، فإن الملائكة تتأذى بذلك ) .
وروى الكشي(1/66): « قال سلمان رحمه الله : قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله : إذا حضـرك أو أخذك الموت ، حضر أقوامٌ يجدون الريح ، ولا يأكلون الطعام .
ثم أخرج صرة من مسك فقال: هبةٌ أعطانيها رسول الله صلى الله عليه وآله . قال: ثم بَلَّهَا وَنَضَحَهَا حوله ، ثم قال لامرأته: قومي أجيفي الباب ، فقامت وأجافت الباب، فرجعت وقد قُبض رضي الله عنه » !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 87 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي طبقات ابن سعد (4/92):« إفتحي هذه الأبواب يا بَقِيرَة ، فإن لي اليوم زواراً لا أدري من أي هذه الأبواب يدخلون عليِّ ، ثم دعا بمسك له فقال: أديفيه في تَنُّورٍ (وعاء) ففعلت ، ثم قال: إنضحيه حول فراشي ثم انزلي فامكثي ، فسوف تطلعين فتريني على فراشي . فاطلعت فإذا هو قد أخذت روحه ، فكأنما هو نائم على فراشه ». أي أمر بإغلاق الباب ، وفتح الشبابيك .
هذا ، وقد فصلت كتب الحديث والفقه ، أحكام التعامل مع المحتضر وآدابه .

(7) سهولة قبض الروح على المؤمن

قال الصدوق قدس سره في الإعتقادات/51: (قيل لأمير المؤمنين علي عليه السلام : صف لنا الموت ؟ فقال: على الخبير سقطتم ، هو أحد ثلاثة أمور ترد عليه:
إما بشارةٌ بنعيم الأبد ، وإما بشارةٌ بعذاب الأبد ، وإما بتحزينٍ وتهويلٍ وأمرٍ مُبْهَمٍ ، لا يَدري من أيِّ الفرق هو .
أما ولينا والمطيع لأمرنا ، فهو المبشر بنعيم الأبد . وأما عدونا والمخالف لأمرنا ، فهو المبشر بعذاب الأبد . وأما المبهم أمره الذي لايدري ما حاله ، فهو المؤمن المسرف على نفسه ، لا يدري ما يؤول حاله . يأتيه الخبر مبهماً مخوفاً ، ثم لن يساويه الله بأعدائنا . ويخرجه من النار بشفاعتنا .
فاعملوا وأطعيوا ولا تتكلوا ، ولا تستصغروا عقوبة الله ، فإن من المسرفين من لا تلحقه شفاعتنا إلا بعد عذاب ثلاث مائة ألف سنة !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 88 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وسئل الحسن بن علي عليه السلام ما الموت الذي جهلوه ؟ فقال: أعظم سرورٍ يَرِدُ على المؤمنين ، إذ نقلوا عن دار النكد إلى نعيم الأبد ، وأعظم ثُبُورٍ يرد على الكافرين ، إذ نقلوا عن جنتهم إلى نار لا تبيد ولا تنفد .
ولما اشتد الأمر بالحسين بن علي بن أبي طالب’: نظر إليه من كان معه ، فإذا هو بخلافهم ، لأنهم إذا اشتد بهم الأمر تغيرت ألوانهم وارتعدت فرائصهم ووجلت قلوبهم ووجبت جنوبهم ، وكان الحسين عليه السلام وبعض من معه من خواصه تشرق ألوانهم ، وتهدأ جوارحهم ، وتسكن نفوسهم!
فقال بعضهم لبعض: أنظروا إليه لايبالي بالموت . فقال لهم الحسين عليه السلام : صبراً بني الكرام ، فما الموت إلا قنطرة تعبر بكم عن البؤس والضرإلى الجنان الواسعة والنعم الدائمة ، فأيكم يكره أن ينتقل من سجن إلى قصـر . وهؤلاء أعداؤكم كمن ينتقل من قصر إلى سجن وعذاب أليم .
إن أبي حدثني عن رسول الله صلى الله عليه وآله أن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر ، والموت جسر هؤلاء إلى جناتهم ، وجسر هؤلاء إلى جحيمهم . ما كذبت ولا كذبت .
وقيل لعلي بن الحسين عليه السلام : ما الموت ؟ فقال: للمؤمن كنزع ثياب وَسِخَةٍ قَمِلَةٍ وفَكِّ قيودٍ وأغلالٍ ثقيلة ، والإستبدال بأفخر الثياب وأطيبها روائح ، وأوطأ المراكب ، وآنس المنازل . وللكافر كخلع ثياب فاخرة ، والنقل عن منازل أنيسة ، والإستبدال بأوسخ الثياب وأخشنها ، وأوحش المنازل ، وأعظم العذاب .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 89 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقيل لمحمد بن علي عليه السلام : ما الموت ؟ فقال: هو النوم الذي يأتيكم في كل ليلة ، إلا أنه طويل مدته ، لا ينتبه منه إلا يوم القيامة ، فمنهم من رأى في منامه من أصناف الفرح ما لا يقادر قدره ، ومنهم من رأى في نومه من أصناف الأهوال ما لا يقادر قدره ، فكيف حال من فرح في الموت ووجل فيه ! هذا هو الموت فاستعدوا له .
وقيل للصادق عليه السلام : صف لنا الموت؟ فقال: هو للمؤمنين كأطيب ريح يشمه فينعس لطيبه ، فينقطع التعب والألم كله عنه . وللكافر كلسع الأفاعي، وكلدغ العقارب وأشد .
قيل: فإن قوماً يقولون هو أشد من نشر بالمناشير، وقرض بالمقاريض ، ورضخ بالحجارة ، وتدوير قطب الأرحية في الأحداق؟
فقال عليه السلام : كذلك هو على بعض الكافرين والفاجرين ، ألا ترون منهم من يعاين تلك الشدائد ، فذلك الذي هو أشد من هذا , إلا عذاب الآخرة ، فإنه أشد من عذاب الدنيا. قيل: فما لنا نرى كافراً يسهل عليه النزع فينطفئ وهو يتحدث ويضحك ويتكلم ، وفي المؤمنين من يكون أيضاً كذلك . وفي المؤمنين والكافرين من يقاسي عند سكرات الموت هذه الشدائد ؟
قال عليه السلام : ما كان من راحة هناك للمؤمنين فهو عاجل ثوابه. وما كان من شدة فهو تمحيصه من ذنوبه ، ليرد إلى الآخرة نقياً نظيفاً مستحقاً لثواب الله ، ليس له
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 90 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مانع دونه . وما كان من سهولة هناك على الكافر، فليوفى أجر حسناته في الدنيا ، ليرد الآخرة وليس له إلا ما يوجب عليه العذاب .
وما كان من شدة على الكافر هناك ، فهو ابتداء عقاب الله عند نفاد حسناته . ذلكم بأن الله عَدْلٌ لا يجور .
ودخل موسى بن جعفر عليه السلام على رجل قد غرق في سكرات الموت ، وهو لا يجيب داعياً فقالوا له: يا ابن رسول الله ، وددنا لو عرفنا كيف حال صاحبنا وكيف يموت؟ فقال: إن الموت هو المصفاة: يصفي المؤمنين من ذنوبهم ، فيكون آخر ألمٍ يصيبهم كفارةَ آخر وِزْرٍ عليهم . ويصفي الكافرين من حسناتهم فتكون آخر لذة أو نعمة أو رحمة تلحقهم ، هي آخر ثواب حسنة تكون لهم . أما صاحبكم فقد نُخل من الذنوب نخلاً، وصُفِّي من الآثام تصفيةً ، وخلص حتى نقيَ كما ينقى ثوب من الوسخ، وصلح لمعاشرتنا أهل البيت ، في دارنا دار الأبد.
وقيل لمحمد بن علي بن موسى عليهم السلام : ما بال هؤلاء المسلمين يكرهون الموت؟ فقال: لأنهم جهلوه فكرهوه ، ولو عرفوه وكانوا من أولياء الله حقاً لأحبوه ، ولعلموا أن الآخرة خير لهم من الدنيا). انتهى.
وفي الكافي(3/128):(عن أبي اليقظان عمار الأسدي ، عن الإمام الصادق عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله :لو أن مؤمناً أقسم على ربه أن لا يميته ما أماته أبداً. ولكن إذا كان ذلك ، أو إذا حضر أجله ، بعث الله عز وجل إليه ريحين: ريحاً يقال
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 91 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لها المُنْسِيَة ، وريحاً يقال لها المُسْخِيَة ، فأما المنسية فإنها تنسيه أهله وماله ، وأما المسخية فإنها تُسَخِّي نفسه عن الدنيا ، حتى يختار ما عند الله...
عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله عليه السلام : إذا حيل بينه وبين الكلام أتاه رسول الله صلى الله عليه وآله ومن شاء الله ، فجلس رسول الله صلى الله عليه وآله عن يمينه والآخر عن يساره ، فيقول له رسول الله صلى الله عليه وآله : أما ما كنت ترجو فهوذا أمامك ، وأما ما كنت تخاف منه فقد أمنت منه ، ثم يفتح له باب إلى الجنة فيقول: هذا منزلك من الجنة، فإن شئت رددناك إلى الدنيا ولك فيها ذهب وفضة، فيقول: لا حاجة لي في الدنيا .
فعند ذلك يبيض لونه ، ويرشح جبينه ، وتَقَلَّصُ شفتاه ، وتنتشر منخراه وتدمع عينه اليسرى . فأي هذه العلامات رأيت فاكتف بها .
فإذا خرجت النفس من الجسد ، فيعرض عليها كما عرض عليه وهي في الجسد فتختار الآخرة ، فتغسله فيمن يغسله وتقلبه فيمن يقلبه، فإذا أُدرج في أكفانه ووضع على سريره ، خرجت روحه تمشي بين أيدي القوم قُدُماً ، وتَلْقاه أرواح المؤمنين يسلمون عليه ويبشرونه بما أعد الله له جل ثناؤه من النعيم . فإذا وضع في قبره رُدَّ إليه الروح إلى وركيه ، ثم يسأل عما يعلم ، فإذا جاء بما يعلم ، فُتِحَ له ذلك الباب الذي أراه رسول الله صلى الله عليه وآله ، فيدخل عليه من نورها وضوئها وبردها وطيب ريحها .
قال قلت: جعلت فداك ، فأين ضغطة القبر؟فقال: هيهات ، ما على المؤمنين منها شئ . والله إن هذه الأرض لتفتخر على هذه فيقول: وطأ على ظهري مؤمن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 92 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولم يطأ على ظهرك مؤمن . وتقول له الأرض: والله لقد كنت أحبك وأنت تمشي على ظهري ، فأما إذا وليتك فستعلم ماذا أصنع بك ، فتفسح له مد بصره ).
وفي رواية دعائم الإسلام (1/220): (فعند ذلك يبيض وجهه ويرشح جبينه ، وتتقلص شفتاه وينتشر منخراه وتدمع عينه اليسرى، فإذا رأيتها فاكتف بها.. وقال: هو قول الله عز وجل: لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ).

(8) حضور النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام عند الميت !

قال الله تعالى: إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لاخَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ. الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ. لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ ذَلِكَ هُوَالْفَوْزُ الْعَظِيمُ . (يونس:62-64).
وروى الصدوق في تفسيرها (الفقيه:1/134): (أتى رسول الله صلى الله عليه وآله رجل من أهل البادية له حشم وجمال ، فقال: يا رسول الله أخبرني عن قول الله عز وجل: الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ. لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ .فقال: أما قوله تعالى: لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ، فهي الرؤيا الحسنة يراها المؤمن فيبشر بها في دنياه ، وأما قول الله عز وجل: وَفِي الآخِرَةِ ، فإنها بشارة المؤمن عند الموت يبشـر بها عند موته أن الله قد غفر لك ، ولمن يحملك إلى قبرك ).
وقال الصدوق في من لايحضره الفقيه(1/136): (وما من أحد يحضـره الموت إلا مُثِّلَ له النبي صلى الله عليه وآله والحجج صلوات الله عليهم أجمعين حتى يراهم . فإن كان مؤمناً يراهم بحيث يحب ، وإن كان غير مؤمن يراهم بحيث يكره . قال الله تبارك
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 93 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وتعالى: فَلَوْلاإِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ. وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ. وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لاتُبْصِرُونَ ) .
وقال الإمام الصادق عليه السلام لبعض أصحابه: (والذي بعث محمداً صلى الله عليه وآله بالنبوة وعَجَّلَ روحه إلى الجنة: ما بين أحدكم وبين أن يغتبط ويرى السـرور ، أو تبين له الندامة والحسرة ، إلا أن يعاين ما قال الله عز وجل في كتابه:عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ. وأتاه ملك الموت يقبض روحه ، فينادي روحه فتخرج من جسده .
فأما المؤمن فما يحس بخروجها ، وذلك قول الله تبارك وتعالى: يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ . إرْجِعِى إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً . فَادْخُلِي فِي عِبَادِى وَادْخُلِي جَنَّتِى .
ثم قال: ذلك لمن كان ورعاً ، مواسياً لإخوانه ، وصولاً لهم . وإن كان غير ورع ولاوصولٍ لإخوانه ، قيل له: ما منعك من الورع والمواساة لإخوانك؟ أنت ممن انتحل المحبة بلسانه ، ولم يصدق ذلك بفعل ! وإذا لقى رسول الله صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين صلوات الله عليه لقيهما مُعرضيْن مُقطبيْن في وجهه ، غير شافعين له ! قال سدير:مَن جدع الله أنفه! قال أبو عبد الله عليه السلام :فهو ذلك). (المحاسن:1/177).
وفي شرح الأخبار(3/481): (قال أبو جعفر عليه السلام : إنما يغتبط أحدكم حين تبلغ نفسه إلى هاهنا ، فينزل عليه ملك فيقول: أما ما كنت ترجو فقد أعطيت ، وأما ماكنت تخاف فقد أمنت منه . ويفتح له باب إلى منزله من الجنة فيقال له: أنظر إلى مسكنك من الجنة، وهذا رسول الله صلى الله عليه وآله وعلي والحسن والحسين هم رفقاؤك ، وذلك قول الله: لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ ).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 94 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي أمالي الطوسي/625: (عن الأصبغ بن نباتة قال: دخل الحارث الهمداني على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في نفر من الشيعة وكنت فيهم، فجعل يعني الحارث يتأود في مشيته، ويخبط الأرض بمحجنه ، وكان مريضاً .
فأقبل عليه أمير المؤمنين عليه السلام وكانت له منه منزلة ، فقال: كيف تجدك يا حارث؟ قال: نال الدهر مني يا أمير المؤمنين ، وزادني أواراً وغليلاً اختصام أصحابك ببابك . قال: وفيم خصومتهم؟ قال: في شأنك ، والبلية من قبلك ، فمن مفرط غال ومقتصد قال ، ومن متردد مرتاب ، لا يدري أيقدم أو يحجم .
قال: فحسبك يا أخا همدان ، ألا إن خير شيعتي النمط الأوسط ، إليهم يرجع الغالي ، وبهم يلحق التالي .قال: لو كشفت فداك أبي وأمي، الرين عن قلوبنا ، وجعلتنا في ذلك على بصيرة من أمرنا؟ قال: قَدْكَ ، فإنك امرؤ ملبوس عليك ، إن دين الله لا يعرف بالرجال ، بل بآية الحق ، فاعرف الحق تعرف أهله .
يا حارِ ، إن الحق أحسن الحديث ، والصادع به مجاهد ، وبالحق أخبرك ، فارعني سمعك ، ثم خبر به من كانت له حصانة من أصحابك .
ألا إني عبد الله وأخو رسوله صلى الله عليه وآله ، وصِدَِّيقُهُ الأول ، قد صدَّقته وآدم بين الروح والجسد . ثم إني صدِّيقه الأول في أمتكم حقاً ، فنحن الأولون ونحن الآخرون ، ألا وأنا خاصته يا حارِ وخالصته وصنوه ووصيه ووليه ، وصاحب نجواه وسره.
أوتيت فهم الكتاب وفصل الخطاب ، وعلم القرون والأسباب ، واستودعت ألف مفتاح ، يفتح كل مفتاح ألف باب ، يُفضي كل باب إلى ألف ألف عهد .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 95 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأيدت بليلة القدر نفلاً ، وإن ذلك ليجري لي ولمن استحفظ من ذريتي ، ما جرى الليل والنهار ، حتى يرث الله الأرض ومن عليها .
وأبشرك يا حارِ ، لَيَعْرِفُنِي ، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ، وليي وعدوي في مواطن شتى ، لَيَعْرِفُنِي عند الممات ، وعند الصراط ، وعند المقاسمة . قال: قلت: وما المقاسمة يا مولاي ؟قال: مقاسمة النار، أقاسمها قسمة صحاحاً ، أقول: هذا وليي ، وهذا عدوي . ثم أخذ أمير المؤمنين عليه السلام بيد الحارث وقال: يا حار ، أخذت بيدك كما أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله بيدي فقال: لي ، واشتكيت إليه حسد قريش والمنافقين لي: إنه إذا كان يوم القيامة أخذتُ بحبل أو بحجزةٍ ، يعني عصمة ، من ذي العرش تعالى ، وأخذتَ أنت يا عليُّ بحجزتي ، وأخذت ذريتك بحجزتك ، وأخذ شيعتكم بحجزتكم ، فماذا يصنع الله بنبيه ، وما يصنع نبيه بوصيه؟
خذها إليك يا حار قصيرةً من طويلة: أنت مع من أحببت ، ولك ما احتسبت ، أو قال: ما اكتسبت ، قالها ثلاثاً .
فقال الحارث ، وقام يجر رداءه جذلاً: ما أبالي وربي بعد هذا ، متى لقيت الموت أو لقيني ! قال جميل بن صالح: فأنشدني السيد بن محمد في كتابه:
قولُ عليٍّ لحارثٍ عجبٌ * كمْ ثَمَّ أعجوبةٌ لهُ حملا
يا حار همدان من يَمُتْ يرني * من مؤمنٍ أو منافقٍ قُبَلا
يعرفني طَرْفُهُ وأعرفُه * بنعتهِ واسْمِهِ ومَا فَعَلا
وأنت عند الصـراط تعرفُني * فلا تخفْ عَثْرةً ولا زَلَلا
أسقيك من باردٍ على ظمأٍ * تخالُهُ في الحلاوة العَسَلا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 96 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أقول للنار حينَ تُعرض * للعرْض دعيه لا تقربي الرجلا
دعيه لا تقربيه إن لهُ * حبلاً بحبل الوصي متصلا)
وفي مناقب آل أبي طالب(3/23): (عن الصادق عليه السلام قال: هو أن يبشراه بالجنة عند الموت ، يعني محمداً صلى الله عليه وآله وعلياً عليه السلام ..حرام على روحٍ أن تفارق جسدها حتى ترى محمداً وعلياً وحسناً وحسيناً عليهم السلام بحيث تقر عينها .
الحافظ أبو نعيم بالإسناد عن هند الجملي عن أمير المؤمنين عليه السلام . وروى الشعبي وجماعة من أصحابنا عن الحارث الأعور عنه عليه السلام : لا يموت عبد يحبني إلا رآني حيث يحب ، ولا يموت عبد يبغضني إلا رآني حيث يكره !
سئل الصادق عليه السلام عن الميت أتدمع عينه عند الموت؟ فقال عليه السلام : ذاك معاينة رسول الله صلى الله عليه وآله فيرى ما يسره . ولما احتضر السيد الحميري وبدت في وجهه نكتة سوداء ، فجعلت تَنْمَى حتى طبَّقت وجهه فاغتم لذلك من حضره من الشيعة ، وظهرت من الناصبة شماتة ، ثم بدت في ذلك المكان لمعة بيضاء ، حتى أسفر وجهه وأشرق وَافْتَرَّ ضاحكاً ، وأنشأ يقول:
كذِب الزاعمون أن علياً * لا يُنجي مُحِبَّهُ من هِنَاتِ
كذبوا قد دخلتُ جنة عدنٍ * وعفا لي الإلهُ عن سيئاتي
فأبشـروا اليوم أولياءَ عليٍّ * وتولُّوا الوصيَّ حتى الممات
ثم من بعده تَوَالَوْا بنيه * واحداً بعد واحد بالصفات
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 97 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم قال:
أحب الذي من مات من أهل وده * تلقَّاهُ بالبشرى لدى الموت يضحك
ومن كان يهوى غيره من عدوه * فليس له إلا إلى النار مسلك
ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله حقاً حقاً ، وأشهد أن محمداً رسول الله صدقاً صدقاً . وأشهد أن علياً ولي الله رفقاً رفقاً. ثم غمض عينيه لنفسه ، فكأنما كانت روحه ذُبَالة طفيت ، أو حصاة سقطت ).
وفي الكافي (3/134) قال ابن أبي يعفور:(كان خَطَّابُ الجهني خليطاً لنا وكان شديد النُّصْبِ لآل محمد عليهم السلام ، وكان يصحب نجدة الحروري .
قال: فدخلت عليه أعوده للخلطة والتقية ، فإذا هو مغمىً عليه في حَدِّ الموت ، فسمعته يقول: مالي ولك يا علي! فأخبرت بذلك أبا عبد الله عليه السلام فقال أبو عبد الله: رآه ورب الكعبة ، رآه ورب الكعبة ) .
أقول: يتعجب بعضهم ، أو ينكر حضور النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام عند الميت المحتضر ، أو عند محاسبته في قبره ، ويقولون: كيف يحضـر النبي صلى الله عليه وآله أو علي عليه السلام إذا تعدد المحتضـرون في وقت واحد ؟
وسبب تعجبهم أنهم يقيسون نشأة البرزخ والملأ الأعلى ، على هذه النشأة الدنيوية المادية ، مع أن النشآت متفاوتة ، ولايقاس بعضها بالآخر لاختلاف قوانينهما .
على أن تطور العلم في عصرنا قرَّب الى الأذهان فهم كثير من أمور العوالم الأخرى ، فصار بإمكانك توسعة ذهن المخاطب بتشبيه ذلك بصفحة النت مثلاً التي يشاهدها
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 98 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ملايين الناس في وقت واحد . فتُقرب الى ذهنه حضور المعصومين عليهم السلام عند ألوف المؤمنين أو ملايينهم ، إذا حضرهم الموت في وقت واحد .
وقد ورد عندنا أن الخضر عليه السلام الذي مد الله في عمره الى الآن ألوف السنين ، إذا ذكر إسمه في مكان حضر فيه ! سلام الله عليه .
قال الإمام الرضا عليه السلام : (إن الخضر عليه السلام شرب من ماء الحياة ، فهو حيٌّ لايموت حتى ينفخ في الصور، وإنه ليأتينا فيسلم علينا ، فنسمع صوته ولا نرى شخصه . وإنه ليحضر ما ذكر ، فمن ذكره منكم فليسلم عليه ). (كمال الدين:2/390).

(9) تصنيف الإنسان عند احتضاره؟

من الطبيعي إذا حضرت الميت الوفاة ، أن يقوم الملكان الشهيدان عليه بجمع صحيفة أعماله وختمها ، وتصنيفها تصنيفاً أولياً: من صحف الكفار ، أو الفجار ، أو المؤمنين ، أو المحسنين ، أو ممن يدخلون الجنة بغير حساب..الخ. ثم يسلمانها في السماء الى رئيسهما حتى تُسَلَّم يوم القيامة الى الملك الشهيد على الميت ، كما قال تعالى: وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ. فالسائق مسؤول إداري ، والشهيد مسؤول عن صحيفته ، وعنده ما كتبه الرقيبان ، ولا بد أن يكون بالصوت والصورة والتوثيق .
ولا شك أن صحيفة الذي يبغض علياً عليه السلام في المنافقين الذين يستحقون الدرك الأسفل من النار، حتى لو كان موحداً بلسانه ، مصلياً عابداً ! لأن علياً عليه السلام بحكم النبي صلى الله عليه وآله ميزان الكفر والإيمان ، لايحبه إلا مؤمن ولا يبغضه إلا منافق !
(قال رجل لسلمان: ما أشد حبك لعلي؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله : من أحب علياً فقد أحبني ومن أبغض علياً فقد أبغضني).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 99 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وصححه الحاكم (3/130) والذهبي على شرط الشيخين !
وروى الحاكم (3/129) على شرط مسلم: (عن أبي ذر قال: ما كنا نعرف المنافقين إلا بتكذيبهم الله ورسوله صلى الله عليه وآله والتخلف عن الصلوات ، والبغض لعلي بن أبي طالب).ورواه أحمد في فضائل الصحابة:2/639، والدارقطني في المؤتلف: 3/1376، والترمذي: 4/327، و:5/293و298: عن أبي سعيد الخدري. راجع: ألف سؤال وإشكال (1/230).
أما الموالي لعلي عليه السلام فإن كانت له جرائم تستوجب سلب ولاية علي عليه السلام من صحيفته مُحيت منه والعياذ بالله. وإلا أثبتت فيها وفاز بالجنة ، لأن ولاية علي عليه السلام تغلب سيئاته ! وهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وآله : (حبُّ عليٍّ حسنة لا تضـر معها سيئة ، وبغضه سيئة لا تنفع معها حسنة ). (الأربعون حديثاً لمنتجب الدين/44، وغيره ).
وهذا معنى قوله صلى الله عليه وآله : (من مات على حب آل محمد مات شهيداً...ألا ومن مات على بغض آل محمد لم يشم رائحة الجنة).
رواه الثعلبي وعدد من علماء السنة ، كالزمخشري في الكشاف: 3/82 ، 339 ، والقرطبي في تفسيره: 16/23 والفخر الرازي في تفسيره:27/165 ، والمقريزي في فضل آل البيت/128 ، وابن الفوطي في الحوادث الجامعة ص 153 ، والحموي في فرائد السمطين/49 ، وابن حجر في الصواعق/109 أوله ، والحضرمي في رشفة الصادي ص 45 ، والقندوزي في ينابيع المودة 2/332 و: 3/139 ، والشبلنجي في نور الأبصار ص 104 ، والحنفي في أرجح المطالب/320 ..الخ.
وقد أساء بعضهم فهم ذلك ، فتصور أن الشيعة يقولون إن حب علي لاتضـر معه الذنوب مطلقاً ، مع أنا نشترط أن لا تسلب منه الولاية عند احتضاره .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 100 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

(10) قبض روح بعض الأنبياء عليه السلام

قبض روح أبينا آدم عليه السلام :
روى في علل الشرائع(2/553): (عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: إن الله تعالى عرض على آدم أسماء الأنبياء وأعمارهم ، قال فمر آدم باسم داود النبي عليه السلام فإذا عمره في العالم أربعون سنة ، فقال آدم عليه السلام : يا رب ما أقل عمر داود ، وما أكثر عمري ، يا رب إن أنا زدت داود من عمري ثلاثين سنة أثبتَّ ذلك له؟
قال: يا آدم ، نعم . قال: فإني قد زدته من عمري ثلاثين سنة . فأنفذ ذلك له وأثبتها له عندك ، واطرحها من عمري . قال أبو جعفر عليه السلام :فأثبت الله تعالى لداود في عمره ثلاثين سنة ، وكانت له عند الله مثبتة ، فذلك قول الله تعالى: يَمْحُواْ اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ. قال فمحى الله ما كان عنده مثبتاً لآدم وأثبت لداود ما لم يكن عنده مثبتاً.
قال: فمضى عمر آدم ، فهبط عليه ملك الموت لقبض روحه ، فقال له آدم: يا ملك الموت إنه قد بقي من عمري ثلاثون سنة ، فقال له ملك الموت: يا آدم ألم تجعلها لابنك داود النبي وطرحتها من عمرك حين عرضت عليك أسماء الأنبياء من ذريتك ، وعرضت عليك أعمارهم وأنت يومئذ بوادي الدخياء؟ قال: فقال آدم ما أذكر هذا ! قال: فقال له ملك الموت: يا آدم لا تجحد ، ألم تسأل الله تعالى أن يثبتها لداود ويمحوها من عمرك ، فأثبتها لداود في الزبور ومحاها من عمرك في الذكر . قال آدم:حتى أعلم ذلك . قال أبو جعفر: وكان آدم صادقاً ، لم يذكر
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 101 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولم يجحد ، فمن ذلك اليوم أمر الله تبارك وتعالى العباد أن يكتبوا بينهم إذا تداينوا وتعاملوا إلى أجل مسمى ، لنسيان آدم وجحوده ما جعل على نفسه).
وفي الكافي (8/114) عن الإمام الباقر عليه السلام قال: (ثم إن آدم عليه السلام مرض المرضة التي مات فيها فأرسل هبة الله وقال له: إن لقيت جبرئيل أو من لقيت من الملائكة فاقرأه مني السلام وقل له: يا جبرئيل إن أبي يستهديك من ثمار الجنة ، فقال له جبرئيل:يا هبة الله إن أباك قد قبض وإنا نزلنا للصلاة عليه فارجع ، فرجع فوجد آدم عليه السلام قد قبض ، فأراه جبرئيل كيف يغسله فغسله حتى إذا بلغ الصلاة عليه ، قال هبة الله:يا جبرئيل تقدم فصل على آدم . فقال له جبرئيل:إن الله عز وجل أمرنا أن نسجد لأبيك آدم ، وهو في الجنة فليس لنا أن نؤم شيئاً من ولده . فتقدم هبة الله فصلى على أبيه وجبرئيل خلفه وجنود الملائكة ، وكبر عليه ثلاثين تكبيرة فأمر جبرئيل فرفع خمساً وعشرين تكبيرة.والسنة اليوم فينا خمس تكبيرات ، و قد كان يكبر على أهل بدر تسعاً وسبعاً .
ثم إن هبة الله لما دفن أباه أتاه قابيل فقال:يا هبة الله إني قد رأيت أبي آدم قد خصك من العلم بما لم أُخَص به أنا ، وهو العلم الذي دعا به أخوك هابيل فتقبل قربانه ، وإنما قتلته لكيلا يكون له عقب فيفتخرون على عقبي فيقولون:نحن أبناء الذي تقبل قربانه ، وأنتم أبناء الذي ترك قربانه ، فإنك إن أظهرت من العلم الذي اختصك به أبوك شيئاً قتلتك كما قتلت أخاك هابيل !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 102 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فلبث هبة الله والعقب منه مستخفين بما عندهم من العلم والإيمان والإسم الأكبر وميراث النبوة وآثار علم النبوة ، حتى بعث الله نوحاً عليه السلام وظهرت وصية هبة الله حين نظروا في وصية آدم عليه السلام فوجدوا نوحاً عليه السلام نبياً قد بشـر به آدم عليه السلام فآمنوا به واتبعوه وصدقوه .وقد كان آدم وصى هبة الله أن يتعاهد هذه الوصية عند رأس كل سنة فيكون يوم عيدهم، فيتعاهدون نوحاً وزمانه الذي يخرج فيه).
وفي تفسير العياشي(1/306) عن الإمام الباقر عليه السلام قال: (فلما كان اليوم الذي أخبر الله أنه متوفيه فيه ، تهيأ آدم للموت وأذعن به . قال: وهبط عليه ملك الموت فقال آدم: دعني يا ملك الموت حتى أتشهد ، وأثني على ربي بما صنع عندي ، من قبل أن تقبض روحي . فقال آدم: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أني عبد الله وخليفته في أرضه ، ابتدأني بإحسانه ، وخلقني بيده ، ولم يخلق خلقاً بيده سواي . ونفخ فيَّ من روحه ، ثم أجمل صورتي ، ولم يخلق على خلقي أحداً قبلي ، ثم أسجد لي ملائكته ، وعلمني الأسماء كلها ولم يعلمها ملائكته .
ثم أسكنني جنته ، ولم يكن يجعلها دار قرار ولا منزل استيطان ، وإنما خلقني ليسكنني الأرض ، للذي أراد من التقدير والتدبير ، وقدر ذلك كله من قبل أن يخلقني ، فمضيت في قدره وقضائه ونافذ أمره . ثم نهاني أن آكل من الشجرة ، فعصيته وأكلت منها ، فأقالني عثرتي وصفح لي عن جرمي ، فله الحمد على جميع نعمه عندي، حمداً يكمل به رضاه عني.
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 103 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال: فقبض ملك الموت روحه صلوات الله عليه . فقال أبو جعفر: إن جبرئيل نزل بكفن آدم ، وبحنوطه ، والمسحاة معه . قال: ونزل مع جبرئيل سبعون ألف ملك ليحضروا جنازة آدم عليه السلام . قال: فغسله هبة الله ، وجبرئيل كفَّنه وحنَّطه ، ثم قال: يا هبة الله تقدم فصل على أبيك ، وكبِّر عليه خمساً وعشرين تكبيرة . فوضع سرير آدم ، ثم تقدم هبة الله ، وقام جبرئيل عن يمينه والملائكة خلفهما ، فصلى عليه وكبر عليه خمساً وعشرين تكبيرة.وانصرف جبرئيل والملائكة فحفروا له بالمسحاة ثم أدخلوه في حفرته ثم قال جبرئيل:يا هبة الله هكذا فافعلوا بموتاكم).
قبض روح نبي الله إدريس عليه السلام :
قال الله تعالى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا. وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا.(مريم:56-57) قال مجاهد وبعض المفسرين: (رفع إدريس كما رفع عيسى’ وهو حي لم يمت ).( مجمع البيان:6/430).
والصحيح أنه صعد الى السماء بواسطة أحد الملائكة ، وقبضت روحه هناك . ففي الكافي(3/257): (عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله : أخبرني جبرئيل عليه السلام أن ملكاً من ملائكة الله كانت له عند الله عز وجل منزلة عظيمة، فتَعَتَّبَ عليه فأُهبط من السماء إلى الأرض ، فأتى إدريس عليه السلام فقال: إن لك من الله منزلة فاشفع لي عند ربك، فصلى ثلاث ليال لا يفتر وصام أيامها لا يفطر ، ثم طلب إلى الله تعالى في السحر في الملك، فقال الملك: إنك قد أعطيت سؤلك ، وقد أطلق لي جناحي، وأنا أحب أن أكافيك فاطلب إلي حاجة .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 104 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فقال: تريني ملك الموت ، لعلي آنس به ، فإنه ليس يهنئني مع ذكره شئ ! فبسط جناحه ثم قال: إركب فصعد به يطلب ملك الموت في السماء الدنيا، فقيل له: إصعد فاستقبله بين السماء الرابعة والخامسة ، فقال الملك: ياملك الموت ما لي أراك قاطباً ؟ قال: العجب إني تحت ظل العرش حيث أمرت أن أقبض روح آدمي بين السماء الرابعة والخامسة ، فسمع إدريس عليه السلام فامتعض ، فخرَّ من جناح الملك ، فقبض روحه مكانه ، وقال الله عز وجل: وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيّاً ) !
وفي تفسير مجمع البيان (6/430): (وهو جد أب نوح عليه السلام ، وإسمه في التوراة أخنوخ. وقيل إنه سمي إدريس لكثرة درسه الكتب ، وهو أول من خط بالقلم ، وكان خياطاً وأول من خاط الثياب . وقيل إن الله تعالى علمه النجوم ، والحساب وعلم الهيأة ، وكان ذلك معجزة له ) .
وفي مروج الذهب (1/50): (وقام بعده ولده أخنوخ ، وهو إدريس النبي والصابئة تزعم أنه هو هرمس ، ومعنى هرمس عطارد . وهو الذي أخبر الله عز وجل في كتابه أنه رفعه مكاناً علياً ، وكانت حياته في الأرض ثلاث مائة سنة وقيل أكثر من ذلك ، وهو أول من دَرَزَ الدَّرُوز وخاط بالإبرة ، وأنزل عليه ثلاثون صحيفة ، وكان قد نزل قبل ذلك على آدم إحدى وعشـرون صحيفة ، وأنزل على شيث تسع وعشرون صحيفة ).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 105 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قبض روح نبي الله نوح عليه السلام :
في الكافي (8/284): (عن أبي عبد الله عليه السلام قال: عاش نوح عليه السلام ألفي سنة وثلاث مائة سنة ، منها ثمان مائة وخمسين سنة قبل أن يبعث ، وألف سنة إلا خمسين عاماً وهو في قومه يدعوهم ، وخمس مائة عام بعد ما نزل من السفينة ونضب الماء ، فمصَّر الأمصار وأسكن ولده البلدان . ثم إن ملك الموت جاءه وهو في الشمس فقال: السلام عليك . فرد عليه نوح ، قال: ما جاء بك يا ملك الموت؟ قال: جئتك لأقبض روحك ، قال: دعني أدخل من الشمس إلى الظل فقال له: نعم . فتحول ثم قال: يا ملك الموت ، كل ما مَرَّ بي من الدنيا مِثْلُ تحويلي من الشمس إلى الظل ! فامض لما أمرت به . فقبض روحه عليه السلام ).
قبض روح أبينا إبراهيم عليه السلام :
في الكافي (8/392): (عن أبي جعفر عليه السلام قال: لما اتخذ الله عز وجل إبراهيم عليه السلام خليلاً أتاه بشراه بالخلة ، فجاءه ملك الموت في صورة شاب أبيض عليه ثوبان أبيضان ، يقطر رأسه ماءً ودُهْناً، فدخل إبراهيم عليه السلام الدار ، فاستقبله خارجاً من الدار وكان إبراهيم عليه السلام رجلاً غيوراً ، وكان إذا خرج في حاجة أغلق بابه وأخذ مفتاحه معه ، ثم رجع ففتح فإذا هو برجل قائم أحسن ما يكون من الرجال ، فأخذه بيده وقال: يا عبد الله من أدخلك داري؟ فقال: ربها أدخلنيها! فقال: ربها أحق بها مني فمن أنت؟قال: أنا ملك الموت . ففزع إبراهيم عليه السلام فقال: جئتني لتسلبني روحي؟ قال: لا ، ولكن اتخذ الله عبداً خليلاً فجئت لبشارته . قال: فمن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 106 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
هو لعلي أخدمه حتى أموت ؟ قال: أنت هو! فدخل على سارة عليها السلام فقال لها: إن الله تبارك وتعالى اتخذني خليلاً ) !
وفي أمالي الصدوق/264، عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: (لما أراد الله تبارك وتعالى قبض روح إبراهيم عليه السلام أهبط إليه ملك الموت ، فقال: السلام عليك يا إبراهيم . قال: وعليك السلام يا ملك الموت ، أداعٍ أم ناعٍ ؟ قال: بل ناعٍ يا إبراهيم ، فأجب . قال إبراهيم عليه السلام : فهل رأيت خليلاً يميت خليله؟قال: فرجع ملك الموت حتى وقف بين يدي الله جل جلاله فقال: إلهي قد سمعتَ ما قال خليلك إبراهيم . فقال الله جل جلاله: يا ملك الموت إذهب إليه وقل له: هل رأيت حبيباً يكره لقاء حبيبه ؟ إن الحبيب يحب لقاء حبيبه).
وفي رواية: فقال: يا ملك الموت ، أما الآن فاقبض.
قبض روح نبي الله موسى عليه السلام :
في علل الشرائع (1/70) عن الإمام الصادق عليه السلام قال: (إن ملك الموت أتى موسى بن عمران عليه السلام فسلم عليه فقال: من أنت؟ فقال: أنا ملك الموت . فقال ما حاجتك؟ فقال له: جئت أقبض روحك . فقال له موسى: من أين تقبض روحي؟قال من فمك. فقال له موسى: كيف وقد كلمت ربي عز وجل. فقال من يديك. فقال له موسى: كيف وقد حملت بهما التوراة.فقال: من رجليك.فقال: وكيف وقد وطأت بهما طور سيناء؟ قال: وعد أشياء غير هذا ، قال: فقال له ملك الموت: فإني أمرت أن أتركك حتى تكون أنت الذي تريد ذلك !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 107 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فمكث موسى عليه السلام ما شاء الله ، ثم مر برجل وهو يحفر قبراً ، فقال له موسى: ألا أعينك على حفر هذا القبر؟ فقال له الرجل: بلى ، قال فأعانه حتى حفر القبر ولحد اللحد فأراد الرجل أن يضطجع في اللحد لينظر كيف هو؟ فقال له موسى: أنا أضطجع فيه ، فاضطجع موسى فرأى مكانه من الجنة أو قال: منزله من الجنة فقال: يا رب إقبضني إليك فقبض ملك الموت روحه ، ودفنه في القبر وسوى عليه التراب . قال: وكان الذي يحفر القبر ملك الموت في صورة آدمي ، فلذلك لا يعرف قبر موسى عليه السلام ) .
في كمال الدين/153،بسنده عن عمارة بن ذكوان الكلابي قال: (قلت للصادق جعفر بن محمد عليه السلام : أخبرني بوفاة موسى بن عمران عليه السلام فقال: إنه لما أتاه أجله واستوفي مدته وانقطع أُكله ، أتاه ملك الموت عليه السلام فقال له:السلام عليك يا كليم الله. فقال موسى:وعليك السلام من أنت؟ فقال: أنا ملك الموت . قال: ما الذي جاء بك؟ قال: جئت لأقبض روحك . فقال له موسى عليه السلام : من أين تقبض روحي؟ قال: من فمك ، قال موسى عليه السلام :كيف وقد كلمت به ربي جل جلاله . قال: فمن يديك ، قال: كيف وقد حملت بهما التوراة . قال: فمن رجليك. قال: كيف وقد وطأت بهما طور سيناء. قال: فمن عينك. قال: كيف ولم تزل إلى ربي بالرجاء ممدودة. قال: فمن أذنيك. قال: كيف وقد سمعت بهما كلام ربي عز وجل. قال: فأوحي الله تبارك وتعالى إلى ملك الموت:لا تقبض روحه حتى يكون هو الذي يريد ذلك . وخرج ملك الموت ، فمكث موسى عليه السلام ما شاء الله أن يمكث بعد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 108 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ذلك ، ودعا يوشع بن نون ، فأوصى إليه وأمره بكتمان أمره ، وبأن يوصى بعده إلي من يقوم بالأمر، وغاب موسى عليه السلام عن قومه ، فَمَرذَ في غيبته برجل وهو يحفر قبراً فقال له: ألا أعينك على حفر هذا القبر؟فقال له الرجل: بلى ، فأعانه حتى حفر القبر وسوى اللحد ، ثم اضطجع فيه موسى عليه السلام لينظر كيف هو؟ فكشف الله له الغطاء فرأى مكانه في الجنة، فقال: يا رب إقبضني إليك ، فقبض ملك الموت روحه مكانه ، ودفنه في القبر وسوى عليه التراب . وكان الذي يحفر القبر ملك الموت في صورة آدمي، وكان ذلك في التيه ، فصاح صائح من السماء: مات موسى كليم الله وأيُّ نفس لا تموت.فحدثني أبي عن جدي عن أبيه أن رسول الله سئل عن قبر موسى أين هو؟فقال: هو عند الطريق الأعظم عند الكثيب الأحمر .
ثم إن يوشع بن نون عليه السلام قام بالأمر بعد موسى عليه السلام صابراً من الطواغيت على اللأواء والضراء والجهد البلاء ، حتى مضى منهم ثلاث طواغيت ، فقوي بعدهم أمره ، فخرج عليه رجلان من منافقي قوم موسى عليه السلام بصفراء بنت شعيب امرأة موسى عليه السلام في مائة ألف رجل ، فقاتلوا يوشع بن نون عليه السلام فقتلهم وقتل منهم مقتلة عظيمة ، وهزم الباقين بإذن الله تعالى ذكره ، وأسر صفراء بنت شعيب وقال لها: قد عفوت عنك في الدنيا إلى أن ألقى نبي الله موسى فأشكو إليه ما لقيت منك ومن قومك.
فقالت صفراء: واويلاه ، والله لو أبيحت لي الجنة ، لاستحييت أن أرى فيها رسول الله وقد هتكت حجابه ، وخرجت على وصيه بعده !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 109 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فاستتر الأئمة بعد يوشع بن نون إلى زمان داود عليه السلام أربع مائة سنة ، وكانوا أحد عشر، وكان قوم كل واحد منهم يختلفون إليه في وقته ويأخذون عنه معالم دينهم ، حتى انتهى الأمر إلى آخرهم فغاب عنهم ، ثم ظهر فبشرهم بداود عليه السلام وأخبرهم أن داود هو الذي يطهر الأرض من جالوت وجنوده ، ويكون فرجهم في ظهوره فكانوا ينتظرونه..الخ.).
وقد جعل اليهود مناقشة موسى لملك الموت’أسطورة ، وأرادوا مدح موسى عليه السلام بالشجاعة فذموه وقالوا إنه ضرب عزرائيل ففقأ عينه ، فرجع الى ربه أعور باكياً شاكياً ، فعالجه الله تعالى وأرسله ثانية ليقبض روح موسى فاستعمل معه الحيلة ، وأعطاه تفاحة مسمومة ، فشمها موسى فمات !
وتبعهم رواة قريش فنسبوا افتراءهم الى رسول الله صلى الله عليه وآله ورووه عنه !
روى مسلم(7/100) عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله قال: (أرسل ملك الموت إلى موسى عليه السلام فلما جاءه صكه ففقأ عينه ! فرجع إلى ربه فقال: أرسلتني إلى عبد لايريد الموت ! قال فرد الله إليه عينه ، وقال: إرجع إليه ).
وقال البخاري(2/92): (أرسل ملك الموت إلى موسى فلما جاءه صكه، فرجع إلى ربه فقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت ، فرد الله عز وجل عليه عينه ، وقال إرجع). فحذف البخاري: ففقأ عينه ، لكنه أبقى من الحديث: فرد الله عينه ! وقد أثبتها مسلم وأحمد والنسائي وغيرهم!
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 110 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال في فتح الباري في شرح البخاري(6/315): (صكه: أي ضربه على عينه ، وفي رواية همام عن أبي هريرة عند أحمد ومسلم: جاء ملك الموت إلى موسى فقال: أجب ربك ، فلطم موسى عين ملك الموت ففقأها ! وفي رواية عمار:فقال يا رب عبدك موسى فقأ عيني ! ولولا كرامته عليك لشققت عليه ).
ونحن لا نقبل ما ينسبه رواة السلطة الى الأنبياء عليهم السلام من ارتكاب معصية ، أو ما ينافي الأدب ، أو ما ينفر الناس منهم ، ونعتبره مكذوباً عليهم لأغراض سياسية ، أو مأخوذاً من إسرائيليات كعب الأحبار وتلاميذه .(راجع: ألف سؤال وإشكال:2/160).
قبض روح نبينا محمد صلى الله عليه وآله :
في الفقيه (4/163) عن الإمام الباقر عليه السلام قال: «لما حضرت النبي صلى الله عليه وآله الوفاة نزل جبرئيل عليه السلام فقال:يا رسول الله هل لك في الرجوع إلى الدنيا؟ فقال: لا ، قد بلغت رسالات ربي . فأعادها عليه فقال: لا ، بل الرفيق الأعلى .
ثم قال النبي صلى الله عليه وآله والمسلمون حوله مجتمعون: أيها الناس إنه لا نبي بعدي ، ولا سنة بعد سنتي ، فمن ادعى بعد ذلك فدعواه وبدعته في النار فاقتلوه ، ومن اتبعه فإنه في النار.أيها الناس: أحيوا القصاص وأحيوا الحق لصاحب الحق ولا تفرقوا، أسلموا وسلِّمُوا تسلموا:كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِىٌّ عَزِيزٌ ».
وفي أمالي الصدوق/384 ، عن الإمام زين العابدين عليه السلام قال: «سمعت أبي عليه السلام يقول: لما كان قبل وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله ثلاثة أيام هبط عليه جبرئيل فقال: يا أحمد إن الله أرسلني إليك إكراماً وتفضيلاً لك وخاصة ، يسألك عما هو أعلم به منك
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 111 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يقول: كيف تجدك يا محمد؟ قال النبي صلى الله عليه وآله : أجدني يا جبرئيل مغموماً ، وأجدني يا جبرئيل مكروباً ! فلما كان اليوم الثالث هبط جبرئيل وملك الموت ، ومعهما ملك يقال له إسماعيل في الهواء على سبعين ألف ملك، فسبقهم جبرئيل عليه السلام فقال: يا أحمد إن الله عز وجل أرسلني إليك إكراماً لك وتفضيلاً لك خاصة ، يسألك عما هو أعلم به منك، فقال:كيف تجدك يا محمد؟
قال:أجدني يا جبرئيل مغموماً، وأجدني يا جبرئيل مكروباً ! فاستأذن ملك الموت فقال جبرئيل: يا أحمد هذا ملك الموت يستأذن عليك ، لم يستأذن على أحد قبلك ، ولا يستأذن على أحد بعدك . قال: إئذن له ، فأذن له جبرئيل فأقبل حتى وقف بين يديه فقال: يا أحمد ، إن الله أرسلني إليك ، وأمرني أن أطيعك فيما تأمرني ، إن أمرتني بقبض نفسك قبضتها ، وإن كرهت تركتها.
فقال النبي صلى الله عليه وآله : أتفعل ذلك يا ملك الموت ؟ قال:نعم ، بذلك أمرت أن أطيعك فيما تأمرني . فقال له جبرئيل عليه السلام : يا أحمد ، إن الله تبارك وتعالى قد اشتاق إلى لقائك . فقال رسول الله لملك الموت: إمض لما أمرت به » .
وفي الإرشاد/187: « ثم قضى صلى الله عليه وآله ويد أمير المؤمنين عليه السلام اليمنى تحت حنكه ففاضت نفسه فيها، فرفعها إلى وجهه فمسحه بها ، ثم وجَّهَه وغمضه ، ومد عليه إزاره ، واشتغل بالنظر في أمره » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 112 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

(11) قد يحتاج المؤمن الى تطهير عند الإحتضار

قال رسول الله صلى الله عليه وآله : (ما يزال الهم والغم بالمؤمن ، حتى ما يدع له ذنباً). وقال صلى الله عليه وآله : ( قال الله عز وجل: وعزتي وجلالي لا أخرج عبداً من الدنيا وأنا أريد أن أرحمه ، حتى أستوفي منه كل خطيئة عملها: إما بسقم في جسده ، وإما بضيق في رزقة ، وإما بخوف في دنياه . فإن بقيت عليه بقية شَدَّدْتُ عليه عند الموت . وعزتي وجلالي ، لا أخرج عبداً من الدنيا وأنا أريد أن أعذبه ، حتى أوفيه كل حسنة عملها ، إما بسعة في رزقه ، وإما بصحة في جسمه ، وإما بأمن في دنياه، فإن بقيت عليه بقية هونت عليه بها الموت). (الكافي:2/444و445).
وقيل للإمام الصادق عليه السلام : (فما لنا نرى كافراً يسهل عليه النزع فينطفئ وهو يتحدث ويضحك ويتكلم ، وفي المؤمنين من يكون أيضاً كذلك . وفي المؤمنين والكافرين من يقاسي عند سكرات الموت هذه الشدائد ؟
قال عليه السلام : ما كان من راحة هناك للمؤمنين فهو عاجل ثوابه. وما كان من شدة فهو تمحيصه من ذنوبه ، ليرد إلى الآخرة نقياً نظيفاً ، مستحقاً لثواب الله ، ليس له مانع دونه . وما كان من سهولة هناك على الكافر فليوفى أجر حسناته في الدنيا ، ليَرِدَ الآخرة وليس له إلا ما يوجب عليه العذاب .
وما كان من شدة على الكافر هناك ، فهو ابتداء عقاب الله عند نفاد حسناته ، ذلكم بأن الله عَدْلٌ لا يجور ). (الإعتقادات للصدوق/54).
وهذا يدل على أن سهولة قبض الروح قد تكون لغير المؤمن ، وأن التشديد في قبضها قد يبتلى به المؤمن المذنب .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 113 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

(12) شدة قبض الروح على الفاجر

قال الصدوق في الفقيه (1/135): (قال أبو جعفر عليه السلام : إن آية المؤمن إذا حضـره الموت أن يبيضَّ وجهه أشد من بياض لونه ، ويرشح جبينه ، ويسيل من عينه كهيئة الدموع ، فيكون ذلك آية خروج روحه . وإن الكافر تخرج روحه سَلاًّ من شِدْقِهِ كزَبَد البعير ، كما تخرج نفس الحمار).والكافي:3/134.
وفي الإختصاص للمفيد/359: (فيضربه بالسفود ضربة ، فلا يبقى منه شعبة إلا أنشبها في كل عرق ومفصل ، ثم يجذبه جذبة فيسل روحه من قدميه بسطاً ، فإذا بلغت الركبتين أمر أعوانه فأكبوا عليه بالسياط ضرباً ، ثم يرفعه عنه فيذيقه سكراته وغمراته قبل خروجها ، كأنما ضرب بألف سيف ، فلو كان له قوه الجن والإنس لاشتكى كل عرق منه على حياله ، بمنزلة سفود كثير الشعب ، ألقي على صوف مبتل ، ثم يطوقه فلا يأت على شئ إلا انتزعه.
كذلك خروج نفس الكافر من عرق وعضو ومفصل وشعرة ، فإذا بلغت الحلقوم ضربت الملائكة وجهه ودبره وقيل: أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَاكُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ. وذلك قوله:يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً. فيقولون: حراماً عليكم الجنة).
وفي الكافي(3/253)، عن الإمام الصادق عليه السلام أن علياً عليه السلام اشتكى عينه فزاره النبي صلى الله عليه وآله فوجده متألماً فأخذ يُسَكِّنُه بالحديث عن ألم عقوبة الكافر عند احتضاره، قال:
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 114 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
(يا علي إن ملك الموت إذا نزل لقبض روح الكافر، نزل معه سفود من نار، فينزع روحه به فتصيح جهنم! فاستوى علي عليه السلام جالساً فقال: يارسول الله أَعِدْ عليَّ حديثك ، فلقد أنساني وجعي ما قلت ! ثم قال:هل يصيب ذلك أحداً من أمتك؟ قال: نعم: حاكمٌ جائر، وآكلُ مال اليتيم ظلماً ، وشاهدُ زور).
وفي الكافي (3/250)قال الإمام الصادق عليه السلام : (إن الميت إذا حضره الموت ، أوثقه ملك الموت ، ولولا ذلك ما استقر).
أقول: أما الفاجر والمقصر فيحتاج الى تكتيف وشدِّ وَثاق عند نزع روحه ، حتى لا يضطرب ويقفز من شدة الألم ! وأما المؤمن فتدل الأحاديث على سهولة قبض روحه عليه ، فإن صح أنه يشمله الوثاق فمن أجل أن لايضطرب لأنها كالعملية الجراحية . أو يكون الوثاق مختصاً ببعض المؤمنين الذي لهم ذنوب .
روى في الفقيه (1/135): (سئل رسول الله صلى الله عليه وآله : كيف يَتوفى ملك الموت المؤمن؟ فقال: إن ملك الموت ليقف من المؤمن عند موته موقف العبد الذليل من المولى ، فيقوم وأصحابه لا يدنون منه حتى يبدأه بالتسليم ويبشره بالجنة).
فمثل هذا المؤمن لايرى ألماً حتى يحتاج الى وثاق .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 115 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

(13) وصف أهوال الموت وسكراته وآلامه

1. قال الله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ . إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ . مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ. وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ . (قاف:16-19).
في تلخيص البيان/310:(وهذه استعارة . والمراد بسكرة الموت هاهنا: الكرب الذي يتغشى المحتضر عند الموت فيفقد له تمييزه، ويفارق معه معقوله . فشبه تعالى ذلك بالسَّكرة من الشراب، إلا أن تلك السَّكرة مُنَعِّمَة وهذه السّكرة مؤلمة . وقوله تعالى:بِالْحَقِّ ، يحتمل معنيين: أحدهما أن يكون جاءت بالحق من أمر الآخرة ، حتى عرفه الإنسان اضطراراً ورآه جهاراً . والآخر أن يكون المراد بِالْحَقِّ هاهنا أي بالموت الذي هو الحق .
وقوله سبحانه: لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ . وهذه استعارة والمراد بها ما يراه الإنسان عند زوال التكليف عنه من أعلام السّاعة وأشراط القيامة ، فتزول عنه اعتراضات الشكوك ، ومشتبهات الأمور، يصدِّق بما كذَّب ويقرُّ بما جحد ، ويكون كأنه قد نفذ بصره بعد وقوف ، وأحدَّ بعد كلالٍ ونُبُوٍّ ).
قال الطبرسي مجمع البيان(9/238): (إن شئت علقت الباء بنفس جاءت . وإن شئت علقتها بمحذوف: وجاءت سكرة الموت ومعها الحق ).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 116 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أقول: الصحيح أن بالحق متعلق بجاءت ، لأن المعنى المقصود: جاءته سكرة الموت وهي حق ، وليس المعنى: جاءت بشئ هو الموت وهو حق .
2. حذر النبي وأهل بيته صلى الله عليه وآله من هَوْل المُطَّلَع.قال في لسان العرب (8/238) فقال: (المُطَّلَعُ: المَأْتَى ، ويقال: ما لهذا الأمر مُطَّلَعٌ ولا مُطْلَعٌ أَي ما له وجه ولامَأْتًى يُؤْتى إِليه..وهو موضع الإطِّلاعِ من إِشْرافٍ إِلى انْحِدارٍ .
وفي حديث عمر أَنه قال عند موته: لو أَنَّ لي ما في الأَرض جميعاً لافْتَدَيْتُ به من هَوْلِ المُطَّلَعِ. يريد به الموقف يوم القيامة ، أو ما يُشْرِفُ عليه من أَمر الآخرة عَقِيبَ الموت ، فشبه بالمُطَّلَعِ الذي يُشْرَفُ عليه من موضع عالٍ .
قال الأَصمعي: وقد يكون المُطَّلَعُ المَصْعَدَ من أَسفل إِلى المكان المشرف.. يقال: مُطَّلَعُ هذا الجبل من مكان كذا أَي مأْتاه ومَصْعَدُه ).
وروى في الفقيه(1/480) أن الإمام الصادق عليه السلام : (كان إذا قام آخر الليل رفع صوته حتى يسمع أهل الدار، يقول: اللهم أعني على هول المطلع ، ووسع عليَّ المضجع، وارزقني خير ماقبل الموت ، وارزقني خير ما بعد الموت).
وفي الكافي(3/250): (لما مات ذر بن أبي ذر ، مسح أبو ذر القبر بيده ثم قال: رحمك الله يا ذر والله إن كنت بي لبَرّاً ، ولقد قُبضتَ وإني عنك لراض . أما والله ما بي فقدك ، وما عليَّ من غضاضة ، ومالي إلى أحد سوى الله من حاجة ، ولولا هول المطلع لسرني أن أكون مكانك ، ولقد شغلني الحزن لك عن الحزن عليك ، والله ما بكيت لك ولكن بكيت عليك ، فليت شعري ماذا قلت وماذا قيل لك .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 117 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم قال: اللهم إني قد وهبت له ما افترضت عليه من حقي ، فهب له ما افترضت عليه من حقك ، فأنت أحق بالجود مني ) .
3. قال أمير المؤمنين عليه السلام في وصف الإحتضار ورهبته:(فإنكم لو قد عاينتم ما قد عاين من مات منكم لجزعتم ووهلتم ، وسمعتم وأطعتم ، ولكن محجوب عنكم ما قد عاينوا ، وقريب ما يطرح الحجاب ). (نهج البلاغة:1/57).
وقال أمير المؤمنين عليه السلام كما في نهج البلاغة (1/211): (سبحانك خالقاً ومعبوداً، بحسن بلائك عند خلقك. خلقت داراً (الجنة) وجعلت فيها مأدبةً: مشرباً ومطعماً وأزواجاً وخدماً ، وقصوراً وأنهاراً ، وزروعاً وثماراً . ثم أرسلت داعياً يدعو إليها ، فلا الداعي أجابوا ، ولا فيما رغبت رغبوا، ولا إلى ما شوقت إليه اشتاقوا.
أقبلوا على جيفة افتضحوا بأكلها ، واصطلحوا على حبها ، ومن عشق شيئاً أعشى بصره ، وأمرض قلبه ، فهو ينظر بعين غير صحيحة ، ويسمع بأذن غير سميعة ! قد خرقت الشهوات عقله ، وأماتت الدنيا قلبه ، وولهت عليها نفسه ، فهو عبد لها ولمن في يده شئ منها ، حيثما زالت زال إليها ، وحيثما أقبلت أقبل عليها . لايزدجر من الله بزاجر ، ولا يتعظ منه بواعظ .
وهو يرى المأخوذين على الغرة ، حيث لا إقالة ولا رجعة ، كيف نزل بهم ما كانوا يجهلون ، وجاءهم من فراق الدنيا ما كانوا يأمنون ، وقدموا من الآخرة على ما كانوا يوعدون . فغيرُ موصوفٍ ما نزل بهم ! اجتمعت عليهم سكرة الموت وحسرة الفوت ، ففترت لها أطرافهم ، وتغيرت لها ألوانهم . ثم ازداد الموت فيهم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 118 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولوجاً ، فحيل بين أحدهم وبين منطقه ، وإنه لبين أهله ، ينظر ببصره ويسمع بأذنه ، على صحة من عقله ، وبقاء من لبه . يفكر فيم أفنى عمره ، وفيم أذهب دهره . ويتذكر أموالاً جمعها أغمض في مطالبها ، وأخذها من مصـرحاتها ومشتبهاتها ، قد لزمته تبعات جمعها وأشرف على فراقها ، تبقى لمن وراءه ينعمون فيها ويتمتعون بها ، فيكون المهنأ لغيره ، والعبء على ظهره .
والمرء قد غلقت رهونه بها ، فهو يعض يده ندامة على ما أصحر له عند الموت من أمره ، ويزهد فيما كان يرغب فيه أيام عمره ، ويتمنى أن الذي كان يغبطه بها ويحسده عليها ، قد حازها دونه .
فلم يزل الموت يبالغ في جسده حتى خالط لسانه سمعه ، فصار بين أهله لا ينطق بلسانه ، ولايسمع بسمعه ، يردد طرفه بالنظر في وجوههم ، يرى حركات ألسنتهم ، ولا يسمع رجع كلامهم .
ثم ازداد الموت التياطاً به ، فقبض بصره كما قبض سمعه ، وخرجت الروح من جسده ، فصار جيفة بين أهله ، قد أوحشوا من جانبه ، وتباعدوا من قربه ، لايسعد باكياً ، ولا يجيب داعياً . ثم حملوه إلى مخطٍّ في الأرض ، وأسلموه فيه إلى عمله ، وانقطعوا عن زَوْرَتِه ) .
(فهل دَفَعَتِ الأقارب ، أو نَفَعَت النواحِب ، وقد غُودر في محلَّة الأموات رهيناً وفي ضيق المضجع وحيداً . قد هتكت الهوامّ جلدته ، وأبلت النّواهك جِدته ، وعَفَت العواصف آثاره ، ومحا الحدثان معالمه . وصارت الأجساد شَحْبَةً بعد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 119 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بَضَّتها ، والعظام نَخِرَةً بعد قًوَّتها ، والأرواح مرتهنةً بثقل أعبائها ، موقنة بغيب أنبائها ، لاتستزاد من صالح عملها ، ولا تستعتب من سئ زللها.أوَلستم أبناء القوم والآباء وإخوانهم والأقرباء . تحتذون أمثلتهم ، وتركبون قُدَّتهم ، وتطأون جادَّتهم. فالقلوب قاسيةٌ عن حظها، لاهيةٌ عن رشدها ، سالكةٌ في غير مضمارها، كأن المعنيَّ سواها ، وكأن الرشد في إحراز دنياها ). (نهج البلاغة:1/141).
(أو لستم ترون أهل الدنيا يصبحون ويمسون على أحوال شتى: فميتٌ يُبكى ، وآخر يُعُزَّى ، وصريع مبتلى . وعائد يعود ، وآخر بنفسه يجود . وطالب للدنيا والموت يطلبه ، وغافل وليس بمغفول عنه . وعلى أثر الماضي ما يمضـي الباقي. ألا فاذكروا هادم اللَّذَّات ومُنَغِّص الشهوات ، وقاطع الأمنيات ، عند المساورة للأعمال القبيحة). (نهج البلاغة:1/192).
(أولئكم سلف غايتكم وفُرَّاطُ مناهلكم . الَّذين كانت لهم مقاوم العز ، وحلبات الفخر ، ملوكاً وسُوَقاً ، سلكوا في بطون البرزخ سبيلاً . سلَّطت الأرض عليهم فيه ، فأكلت من لحومهم ، وشربت من دمائهم ، فأصبحوا في فجوات قبورهم ، جماداً لاينمون ، وضِماراً لايوجدون). (نهج البلاغة:2/206).
(فكم أكلت الأرض من عزيز جسد ، وأنيق لون . كان في الدنيا غَذِيَّ تَرَفٍ وربيب شرف.. فبينا هو يضحك إلى الدنيا وتضحك إليه ، في ظل عيش غفول ، إذ وطئ الدهر به حسكه ، ونقضت الأيام قواه ، ونظرت إليه الحتوف من كثب . فخالطه بثٌّ لا يعرفه ، ونَجِيُّ همِّ ما كان يجده . وتولَّدت فيه فترات علل ، آنس
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 120 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ما كان بصحته ، ففزع إلى ما كان عوده الأطباء ، من تسكين الحار بالقار ، وتحريك البارد بالحار ، فلم يطفئ ببارد إلَّا ثوّر حرارة ، ولا حرّك بحارّ إلَّا هيّج برودة ، ولا اعتدل بممازج لتلك الطَّبائع إلَّا أمد منها كل ذات داء .
حتى فتر مُعَلِّله ، وذُهِلَ مُمَرِّضه ، وتعايا أهله بصفة دائه ، وخرسوا عن جواب السائلين عنه ، وتنازعوا دونه شجيَّ خبر يكتمونه ، فقائلٌ يقول هو لما به ، ومؤمِّلُهم إياب عافيته ، ومصبِّرٌ لهم على فقده ، يذكَّرهم أسى الماضين من قبله. فبينا هو كذلك على جناح من فراق الدنيا ، وترك الأحبة ، إذ عرض له عارض من غصصه ، فتحيرت نوافذ فطنته ، ويبست رطوبة لسانه . فكم من مُهِمٍّ من جوابه عرفه فعيَّ عن ردِّه ، ودعاء مؤلمٍ بقلبه سمعه فتصامَّ عنه ، من كبير كان يعظَّمه ، أو صغير كان يرحمه . وإن للموت لغمرات هي أفظع من أن تستغرق بصفة ، أو تعتدل على عقول أهل الدنيا) . (نهج البلاغة:2/210).
وقال عليه السلام وقد أشرف على القبور بظاهر الكوفة: (يا أهل الديار الموحشة ، والمحالِّ المقفرة ، والقبور المظلمة . يا أهل التّربة ، يا أهل الغربة . يا أهل الوحدة ، يا أهل الوحشة . أنتم لنا فَرطٌ سابق ، ونحن لكم تبع لاحق . أمّا الدُّور فقد سكنت ، وأما الأزواج فقد نكحت ، وأما الأموال فقد قسمت .
هذا خبر ما عندنا ، فما خبر ما عندكم؟ ثم التفت إلى أصحابه فقال: أما لو أذن لهم في الكلام ، لأخبروكم أن خير الزاد التقوى) . (نهج البلاغة:4/31).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 121 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال عليه السلام بعد ضربته التي قتل فيها: (أنا بالأمس صاحبكم واليوم عبرة لكم وغداً مفارقكم..وإنما كنت جاراً جاوركم بدني أياماً ، وستعقبون مني جثة خلاء ، ساكنة بعد حركة ، وكاظمة بعد نطق ، ليعظكم هدوِّي وخفوف إطراقي ، وسكون أطرافي ، فإنه أوعظ لكم من الناطق البليغ . ودعتكم وداع مُرْصِد للتلاقي . غداً ترون أيامي ، ويكشف الله عز وجل عن سرائري، وتعرفوني بعد خلو مكاني ، وقيام غيري مقامي ). (الكافي:1/299) .
4. وفي أمالي الطوسي/432، عن الإمام الصادق عليه السلام قال: (من أحب أن يخفف الله عنه سكرات الموت ، فليكن لقرابته وصولاً، وبوالديه باراً ، فإذا كان كذلك هون الله عليه سكرات الموت ، ولم يصبه في حياته فقر أبداً ).
وفي روضة الواعظين/370: (قال موسى عليه السلام : إلهي فما جزاء من وصل رحمه؟ قال: أنسئ له أجله ، وأهون عليه سكرات الموت ، ويناديه خزنة الجنة: هَلُمَّ الينا فادخل من أي باب شئت ).
ومن دعاء الإمام زين العابدين عليه السلام عند ختم القرآن/204: (اللهم صل على محمد وآله ، وهَوِّنْ بالقرآن عند الموت على أنفسنا كرب السياق ، وجهد الأنين ، وترادف الحشارج ، إذا بلغت النفوس التراقي ، وقيل من راق ، وتجلى ملك الموت لقبضها من حجب الغيوب ، ورماها عن قوس المنايا بأسهمِ وحشةِ الفراق ، ودافَ لها من ذُعاف الموت كأساً مسمومة المذاق ، ودنا منا إلى الآخرة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 122 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
رحيل وانطلاق ، وصارت الأعمال قلائد في الأعناق ، وكانت القبور هي المأوى إلى ميقات يوم التلاق ).
وفي تهذيب الأحكام (3/93) عن الإمام الصادق عليه السلام قال:(اللهم بارك لي في الموت. اللهم أعني على الموت . اللهم أعني على سكرات الموت . اللهم أعني على غم القبر . اللهم أعني على ضيق القبر . اللهم أعني على ظلمة القبر . اللهم أعني على وحشة القبر . اللهم أعني على أهوال يوم القيامة . اللهم بارك لي في طول يوم القيامة . اللهم زوجني من الحور العين ) .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 123 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل السابع : حساب القبر

(1)الروح في حياة البرزخ

يستعمل البرزخ في اللغة العربية بمعنى الفاصل بين شيئين ، وقد صار إسماً للمدة الفاصلة بين الموت والقيامة .
قال الشهيد في الذكرى (2/85): (البرزخ وهو لغة الحاجز ، والمراد هنا ما بين الموت والبعث .قال الله تعالى: وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ).
وتَدُلُّ أحاديث أهل البيت عليهم السلام على أن الروح عندما تخرج من البدن تصعد الى جنة البرزخ ، وتلتقي في أفق سماوي بأرواح المؤمنين . ثم تعود الى البدن فترافقه الى القبر ، وتعود فيه لمدة وجيزة لحساب القبر .
ثم تكون في البرزخ ، فتلبس بدناً يشبه بدنها ، وتكون منعمة أو معذبة حسب عملها.وتعيش في جنتها وفي الأرض معاً، وتكون المسافة والزمن ملغيين عندها!
ومع أنها تكون في بدنها البرزخي تبقى علاقة قوية ببدنها الأول ، ويؤذن لها فتزور أقارب بدنها أي أقاربها ، وتأتيهم على صورة طائر صغير شفاف .
وفي فترة البرزخ تكون أرواح الفجار مسجونة في وادي برهوت في اليمن ، بينما تتواجد أرواح المؤمنين في وادي السلام بالنجف، في ملتقى لها أو مجمع . وتتحرك أرواح المؤمنين بحرية منعمةً في جنة البرزخ ، وقد تزور جنة الآخرة.
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 124 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كما تدل الأحاديث على أن ارتباط الروح ببدنها عميق ومصيري ، حتى ورد أن أصل مسكنها: (في بطن الأرض ، حيث مصـرع البدن إلى وقت البعث) لأن البدن توأمها ومحبوبها ، وكأن قالبها البرزخي عاريةٌ لا تقنع به ، بل تنتظر أن يعاد صنع بدنها الأصلي في المحشر ، لتعود اليه .
ويظهر من الأحاديث سعة مجال حياة روح المؤمن في البرزخ ، فهي في وادي السلام في مجتمع الأرواح ، وتزور أهلها ، وتسكن في الجنة وتعيش فيها.
فعن الإمام الصادق عليه السلام : (إن أرواح المؤمنين لفي شجرة (وفي رواية حجرات) في الجنة يأكلون من طعامها ، ويشربون من شرابها ، ويقولون ربنا أقم لنا الساعة ، وأنجز لنا ما وعدتنا ، وألحق آخرنا بأولنا). (الكافي:3/244).
ويظهر من هذه الأحاديث أن حياة البرزخ لا مسافة فيها على الروح ولا زمان ، فهي تعيش في الأرض ببدن برزخي ، وتزور أماكن في الأرض كمساكن أقاربها ، وتصعد الى الملأ الأعلى ، كما كانت تصعد في حال النوم .

(2)البدن في فترة البرزخ

تقول أحاديث أهل البيت عليهم السلام إن البدن يفنى إلا ذرة مستديرة هي أصل التربة التي خلق منها ، لاتبلى ولا تتحلل ، ثم تُزرع في الأرض الجديدة في المحشر، وينبت الجسد منها حسب عمل الإنسان . كما ذكرت الروايات أن أجزاء بدن الإنسان الأخرى تجمع يوم القيامة أيضاً ، وتُشْتَل مع نواة البدن ، فيتكون منها البدن الجديد .
ففي الإجتجاج(2/97) عن الإمام الصادق عليه السلام قال: (وإن تراب الروحانيين بمنزلة الذهب في التراب ، فإذا كان حين البعث ، مَطرت الأرض مطر النشور ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 125 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فتربو الأرض ، ثم تمخضهم مخض السقاء ، فيصير تراب البشر كمصير الذهب من التراب ، إذا غسل بالماء ، والزبد من اللبن إذا مخض ، فيجتمع تراب كل قالب إلى قالبه ، فينتقل بإذن الله القادر إلى حيث الروح ، فتعود الصور بإذن المصور كهيئتها ، وتلج الروح فيها، فإذا استوى لا ينكر من نفسه شيئاً) .
ونلاحظ في هذا المجال أن النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام كانوا يأمرون أن يدفن معهم في القبر شعرهم ، وقلامة أظفارهم ، والسن إذا سقط .
(فلما حلق رسول الله صلى الله عليه وآله رأسه أخذ من شاربه وعارضيه وقلم أظفاره ، وأمر بشعره وأظفاره أن يدفنا ).(مغازي الواقدي:2/1109).
(كان علي بن الحسين عليه السلام إذا حلق رأسه بمنى أمر أن يدفن شعره)(مكارم الأخلاق/66).
(إن أبا جعفر عليه السلام انقلع ضرس من أضراسه فوضعه في كفه ، ثم قال: الحمد لله ثم قال: يا جعفر إذا أنا متُّ ودفنتني فادفنه معي). (الكافي(3/262).
وقد سأل رجل الإمام الصادق عليه السلام (الإحتجاج:2/77): (أفتتلاشى الروح بعد خروجه عن قالبه أم هو باق ؟ قال: بل هو باق إلى وقت ينفخ في الصور ، فعند ذلك تبطل الأشياء وتفنى ، فلاحس ولا محسوس .
ثم أعيدت الأشياء كما بدأها مدبرها ، وذلك أربع مائة سنة يسبت فيها الخلق ، وذلك بين النفختين . قال: وأنى له بالبعث والبدن قد بلي والأعضاء قد تفرقت ، فعضوٌ ببلدة يأكلها سباعها ، وعضوٌ بأخرى تمُزقه هوامها ، وعضو قد صار تراباً بنيَ به مع الطين حائط؟ قال: إن الذي أنشأه من غير شئ ، وصوره على غير مثال كان سبق إليه قادر أن يعيده كما بدأه . قال: أوضح لي ذلك !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 126 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال: إن الروح مقيمة في مكانها ، روح المحسن في ضياء وفسحة ، وروح المسئ في ضيق وظلمة . والبدن يصير تراباً كما منه خلق، وما تقذف به السباع والهوام من أجوافها ، مما أكلته ومزقته ، كل ذلك في التراب محفوظ عند من لايعزب عنه مثقال ذرة في ظلمات الأرض ويعلم عدد الأشياء ووزنها . وإن تراب الروحانيين بمنزلة الذهب في التراب ، فإذا كان حين البعث مطرت الأرض مطر النشور فتربو الأرض ، ثم تمخضه مخض السقاء ، فيصير تراب البشر كمصير الذهب من التراب إذا غسل بالماء ، والزُّبد من اللبن إذا مخض ، فيجتمع تراب كل قالب إلى قالبه ، فينتقل بإذن الله القادر إلى حيث الروح ، فتعود الصور بإذن المصور كهيئتها وتلج الروح فيها ، فإذا قد استوى لا ينكر من نفسه شيئاً ).
وقال الصدوق رحمه الله في الفقيه (1/193): (قال الصادق عليه السلام : إذا قُبضت الروح فهي مُظِلَّةٌ فوق الجسد ، روح المؤمن وغيره ، تنظر إلى كل شئ يصنع به . فإذا كفن ووضع على السرير وحمل على أعناق الرجال ، عادت الروح إليه ودخلت فيه ، فيُمد له في بصره فينظر إلى موضعه من الجنة أو من النار ، فينادي بأعلى صوته إن كان من أهل الجنة: عجلوني عجلوني ، وإن كان من أهل النار: ردوني ردوني ، وهو يعلم كل شئ يصنع به ، ويسمع الكلام ).
وقال أمير المؤمنين عليه السلام (نهج البلاغة:1/135): (حتى إذا تصرمت الأمور ، وتقضت الدهور، وأزف النشور ، أخرجهم من ضرائح القبور، وأوكار الطيور ، وأوجرة السباع ، ومطارح المهالك ، سراعاً إلى أمره ، مهطعين إلى معاده ، رعيلاً صموتاً قياماً صفوفاً ، ينفذهم البصر ويسمعهم الداعي ).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 127 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ضغطة القبر ونجاة الأبرار منها

(3) قال رواة السلطة إن ضغطة القبر تشمل كل الناس !

فقد رووا أن الميت عندما ترجع اليه روحه في قبره ، يستقبل بضغطة القبر ، فيُطبق جانبا القبر على بدنه ويعصره ، حتى تلتقي أضلاعه وتدخل في بعضها !
قال الأزهري في الثمر الداني/21: (وورد أن ضغطة القبر وهي التقاء حافتيه على جسد الميت ، لا ينجو منها أحد إلا من استثناهم النبي صلى الله عليه وآله ، منهم فاطمة بنت أسد أم علي بن أبي طالب رضي الله عنه).
وزعموا أن النبي صلى الله عليه وآله قال إن ضغطة القبر تشمل الكافر والمؤمن ، والكبير والصغير حتى الرضيع ! قال الهيتمي(3/47): (وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وآله صلى على صبي أو صبية، فقال: لو كان أحد نجا من ضمة القبر لنجا هذا الصبي ) !
وقال:رواه الطبراني في الأوسط ورجاله موثقون. وقال عن شبيهه: ورجاله رجال الصحيح.
وقال في إعانة الطالبين (2/164): (صرحت الروايات والآثار بأن ضمة القبر عامة للصالح وغيره . وقد قال الشهاب ابن حجر: قد جاءت الأحاديث الكثيرة بضمة القبر، وأنه لاينجو منها صالح ولا غيره ) !
وقال الدمياطي في إعانة الطالبين (2/230): (وأنه إذا وضع في قبره ، ضمه القبر حتى تختلف أضلاعه) !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 128 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال ابن حجر في فتح الباري(6/318 ): (وقد ثبتت الأحاديث بما ذهب إليه الجمهور ). وزاد ابن زمنين في تفسيره (3/134): (فيفرش له لوحان من نار ، ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه).
فمعنى كلامهم أن ضمة القبر تشمل كل الناس حتى النبي صلى الله عليه وآله لأنه استثنى فاطمة بنت أسد رضي الله عنها كما رووا ، ولم يستثن نفسه !
وأسوأ من روايتهم ذلك، تعليلهم له بما يضحك! فقالوا إن الأرض أمٌّ تضم أولادها!
وقد روت عائشة أن النبي صلى الله عليه وآله قال لها (السيرة الحلبية:2/673): (ياعائشة إن ضغطة القبر على المؤمن كضمة الأم الشفيقة يديها على رأس ابنها ، يشكو إليها الصداع ! وضرب منكر ونكير عليه كالكحل في العين! ولكن يا عائشة ويل للشاكين الكافرين أولئك الذين يضغطون في قبورهم ضغطاً يقبض على الصخر)!
وقال السيوطي في شرح النسائي(4/103): (عن محمد التيمي قال: كان يقال أن ضمة القبر إنما أصلها أنها أمهم ، ومنها خلقوا، فغابوا عنها الغيبة الطويلة ، فلما رُدَّ إليها أولادها ضمتهم ضمة الوالدة غاب عنها وَلَدُها ثم قدم عليها )!
فأيُّ أم هذه وأي رأفة ؟! فلو كانت هذه الأم ضبعة لكانت أرأف بأولادها منها ! وهل رأيت أماً تضم ابنها حتى تكسر أضلاعه وتدخلها في بعضها ؟!
ولم يكتفوا برأفة الأم مرة واحدة حتى جعلوها برنامجاً مستمراً الى يوم القيامة !
ففي معالم التنزيل للبغوي (3/235): (يلتئم عليه القبر حتى تختلف أضلاعه ، فلا يزال يعذب حتى يبعث ).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 129 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال الثعلبي في تفسيره(6/265): (يضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه ويسُلّط عليه في قبره تسعة وتسعون تِنِّيناً ، لكل تنين سبعة رؤوس تنهشه وتخدش لحمه حتى يُبعث.ولو أن تنيناً منها ينفخ في الأرض لم تنبت زرعاً ).
وقد حاول المناوي أن يحل المشكلة فاخترع الضمة السريعة والبطيئة !
قال في فيض القدير(2/212): (يمكن الجواب بأن المؤمن الكامل ينضم عليه ثم ينفرج عنه سريعاً ، والمؤمن العاصي يطول ضمه ثم يتراخى عنه بعد ، وأن الكافر يدوم ضمه أو يكاد أن يدوم ، وبذلك يحصل التوفيق بين الحديثين ، ويزول التعارض من البين . فتدبره فإني لم أره )
ومعناه أن جميع الأنبياء وأولهم رسول الله صلى الله عليه وآله ، والشهداء والصالحين ، تكون ضمتهم قصيرة أو سريعة كما يرى المناوي ، وتكون ضمة غيرهم طويلة !
وكل هذا التمحل والتعسف لأنهم لا يريدون رد حديث عائشة وأنس !
أما أصل الموضوع فيبدو أن النبي صلى الله عليه وآله تحدث عن ضمة القبر للفجار ، أو حذر منها بعض أصحابه ، فعممها الرواة للجميع ، لتخليص من يحبونهم !

(4)ضغطة القبر عندنا عقاب لمستحقيه فقط

مذهب أهل البيت عليهم السلام أن ضغطة القبر عقوبة على عمل ، لذلك لا تشمل الأطفال والمؤمنين الأبرار ، فضلاً عن الأنبياء والأوصياء عليهم السلام ، بل تختص بأنواع من العاصين .
ففي علل الشرائع(1/309) بسند معتبر عن الإمام الصادق عليه السلام : (قال رسول الله صلى الله عليه وآله : ضغطة القبر للمؤمن ، كفارة لما كان منه من تضييع النعم ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 130 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي الكافي (3/242) (عن عمرو بن يزيد: قلت لأبي عبد الله عليه السلام : إني سمعتك وأنت تقول: كل شيعتنا في الجنة على ما كان فيهم؟قال: صدقتك كلهم والله في الجنة. قال قلت: جعلت فداك إن الذنوب كثيرة كبار! فقال: أما في القيامة فكلكم في الجنة بشفاعة النبي المطاع صلى الله عليه وآله أو وصي النبي عليه السلام . ولكني والله أتخوف عليكم في البرزخ. قلت: وما البرزخ؟ قال: القبر منذ حين موته إلى يوم القيامة).
وفي الكافي (3/236) عن أبي بصير (قلت لأبي عبد الله عليه السلام : أيفلت من ضغطة القبر أحد ؟ قال فقال: نعوذ بالله منها ، ما أقل من يفلت من ضغطة القبر ) .
وسئل عليه السلام عن المصلوب ، المستحق لعذاب القبر فقال: (نعم إن الله عز وجل يأمر الهواء أن يضغطه). (الكافي:3/241).
الى جانب ذلك نصت أحاديث صحيحة على أن ضغطة القبر لا تصيب مؤمناً . ففي الكافي (3/130) من حديث للإمام الصادق عليه السلام قال: ( فإذا أدرج في أكفانه ووضع على سريره ، خرجت روحه تمشي بين أيدي القوم قدماً . وتَلَقَّاه أرواح المؤمنين يسلمون عليه ويبشرونه بما أعد الله له جل ثناؤه من النعيم . فإذا وضع في قبره رُدَّ إليه الروح إلى وركيه ، ثم يسأل عما يعلم ، فإذا جاء بما يعلم فتح له ذلك الباب الذي أراه رسول الله صلى الله عليه وآله فيدخل عليه من نورها وضوئها وبردها وطيب ريحها .
قال قلت: جعلت فداك فأين ضغطة القبر؟ فقال: هيهات ما على المؤمنين منها شئ ، والله إن هذه الأرض لتفتخر على هذه فتقول: وطأ على ظهري مؤمن ولم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 131 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يطأ على ظهرك مؤمن ، وتقول له الأرض:والله لقد كنت أحبك وأنت تمشي على ظهري ، فأما إذا وليتك فستعلم ماذا أصنع بك ، فيفسح له مد بصره ).
فالمتحصل من الروايات: أن ضغطة القبر عقوبة باستحقاق ، وقلَّ من يسلم منها .
وأما سؤال الميت في القبر عن نبيه صلى الله عليه وآله وأئمته عليهم السلام ، فعام .
وأما حساب القبر وعذابه ، فخاص بمن محض الإيمان أو الكفر.
وينبغي الإلفات الى أن مبالغة رواة السلطة في ضغطة القبر ، توجب أن نشك في روايتهم في ضمة القبر لسعد بن معاذ رضي الله عنه ،لأنه كان متعصباً للنبي صلى الله عليه وآله وبني هاشم ، فكان القرشيون يكرهونه ، وقد تمكنوا من اغتياله بسهم من وراء الخندق .

(5) خلط بعضهم بين مسائل حساب القبر !

خلط بعض الرواة والعلماء بين ضغطة القبر ، وسؤال القبر ، وعذاب القبر ، وهي ثلاث مسائل ، وتبلغ مسائل القبر عشرة أو أكثر:
1- لماذا كان حساب القبر خاصاً بالأمة الإسلامية دون غيرها ؟
2- وهل هو حساب على العقيدة فقط ، فتكون تسميته بسؤال القبر أدق؟ وما معنى ما ورد من أن عذاب القبر على أعمال كالنميمة وعدم التطهر من البول ؟
3- هل هناك تلازم بين ضغطة القبر وسؤاله ، وهل ينجو من ضغطته من لايُسأل عن عقائده ؟ وما معنى: مَن مُحض الإيمان محضاً أو الكفر ؟
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 132 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
4- ما معنى الفتنة عن الدين في القبر ، وما ورد عن دور إبليس في تشكيك الميت بعقائده ، وعن رومان فتان القبور .
5- هل يُنجي تلقين الميت عقائده من سؤال منكر ونكير ، ومن ضغطة القبر؟ وهل لوقت التلقين خصوصية ، كأن يكون عند إنزاله القبر، أو بعد انصـراف المشيعين .وهل للملقن خصوصية كأن يكون من أقارب الميت القريبين؟ وما معنى أن عزرائيل يلقن الميت الشهادتين ؟
6- لماذا سمي الملكان منكراً ونكيراً، وهل يأتيان للكافر والمؤمن ، أم يأتي الى المؤمن بدلهما مبشر وبشير ، كما ذكر الشيخ الطوسي وغيره ؟
7 - لماذا ترجع الروح الى البدن في القبر الى نصف بدن الميت فقط ومتى تغادره؟ وهل يبقى لها ارتباط فيه ؟
8- وإذا تحلل البدن وبلي ، فهل يبقى للروح ارتباط بذرات البدن ؟
9- كيف يحاسب البدن إذا أحرق أو أذيب أو تبخر ، ولم يدفن في قبر ؟
10- كيف ترتبط الروح ببدنها الأصلي ، وببدن البرزخ ، وكيف تستغني عنهما وتصعد الى الملأ الأعلى والجنة بدونهما . وهل للميت عدة وجودات ؟
ونحن نذكر من هذه المسائل ما يتسع له غرض الكتاب .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 133 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

(6)سؤال القبر عام وعذابه خاص بمن مُحِضَ الإيمان والكفر

عقد الكليني قدس سره في الكافي (3/235) باباً بعنوان: المسألة في القبر ، ومن يسأل ومن لا يسأل ، روى فيه18حديثاً في من يسأل في القبر، وفي ضغطة القبر .
وأولها بسنده عن أبي بكر الحضرمي قال: (قال أبو عبد الله عليه السلام : لا يسأل في القبر إلا من محض الإيمان محضاً ، أو محض الكفر محضاً ، والآخرون يُلْهى عنهم ) .
وقد أسند الصدوق رحمه الله هذا المضمون بنحو القطع (الفقيه:1/178)قال: (وقال الصادق عليه السلام : لا يسأل في القبر إلا من محض الإيمان محضاً، أو محض الكفر محضاً، والباقون ملهو عنهم إلى يوم القيامة ).
وصحح ابن الشهيد في منتقى الجمان (1/302) حديث محمد بن مسلم في الكافي قال: (قال أبو عبد الله عليه السلام : لايسأل في القبر إلا من محض الإيمان محضاً أو محض الكفر محضاً ) . وقال: وروي هذا المعنى عنه بعدة طرق أخرى فيها جهالة وضعف.. وذكر منها رواية أبي بكر الحضرمي .
وقال المفيد في تصحيح الإعتقادات/99: (جاءت الآثار الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وآله أن الملائكة تنزل على المقبورين فتسألهم عن أديانهم . وألفاظ الأخبار بذلك متقاربة ، فمنها أن ملكين لله تعالى يقال لهما: ناكر ونكير ينزلان على الميت فيسألانه عن ربه ونبيه ودينه وإمامه، فإن أجاب بالحق سلموه إلى ملائكة النعيم، وإن ارتج عليه سلموه إلى ملائكة العذاب . وقيل في بعض الأخبار إن إسمي الملكين اللذين ينزلان على الكافر: ناكر ونكير . وإسما الملكين اللذين ينزلان على
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 134 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
المؤمن: مبشـر وبشير . وقيل: إنه إنما سمي ملكا الكافر ناكراً ونكيراً ، لأنه ينكر الحق وينكر ما يأتيانه به ويكرهه . وسمي ملكا المؤمن مبشـراً وبشيراً ، لأنهما يبشرانه بالنعيم ، ويبشرانه من الله تعالى بالرضا والثواب المقيم.. وقد قلنا فيما سلف أنه إنما ينزل الملكان على من محض الإيمان محضاً أو محض الكفر محضاً ومن سوى هذين فيلهى عنه.وبَيَّنَّا أن الخبر جاء بذلك، فمن جهته قلنا فيه ما ذكرناه).
وقال في المسائل السروية/62: (وقد ورد عن أئمة الهدى عليهم السلام أنهم قالوا: ليس يعذب في القبر كل ميت ، وإنما يعذب من جملتهم من محض الكفر ، ولا ينعم كل ماض لسبيله ، وإنما ينعم منهم من محض الإيمان محضاً ، فأما سوى هذين الصنفين فإنه يلهى عنهم . وكذلك روي أنه لا يسأل في قبره إلا هذان الصنفان خاصة . فعلى ما جاء به الأثر من ذلك يكون الحكم ما ذكرناه .
وأما كيفية عذاب الكافر في قبره ، ونعيم المؤمن فيه ، فإن الأثر أيضاً قد ورد بأن الله تعالى يجعل روح المؤمن في قالب مثل قالبه في الدنيا في جنة من جنانه ، ينعمه فيها إلى يوم الساعة .
فإذا نفخ في الصور أنشأ جسده الذي بليَ في التراب وتمزق ، ثم أعاده إليه وحشره إلى الموقف ، وأمر به إلى جنة الخلد ، فلا يزال منعماً بإبقاء الله عز وجل . غير أن جسده الذي يعاد فيه لا يكون على تركيبه في الدنيا ، بل يعدل طباعه ويحسن صورته فلا يهرم مع تعديل الطباع، ولا يمسه نصب في الجنة ولا لغوب .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 135 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والكافر يجعل في قالب كقالبه في الدنيا ، في محل عذاب يعاقب به ، ونار يعذب بها حتى الساعة ، ثم ينشأ جسده الذي فارقه في القبر ويعاد إليه ، ثم يعذب به في الآخرة عذاب الأبد. ويركب أيضاً جسده تركيباً لا يفنى معه ) .
أقول: بهذا تعرف أن سؤال القبر قد يستعمل بمعنى عذاب القبر ، وقد يستعمل بمعنى مجرد سؤال الميت عن عقائده ، وهذا هو العام لكل ميت عندهم .
قال المفيد في أوائل المقالات/322: (ظاهر الروايات الواردة في تلقين الميت عموم السؤال لكل ميت ، ففي رواية الشيخ والكليني والصدوق عن أبي عبدالله عليه السلام : ما على أهل الميت منكم أن يدرؤوا عن ميتهم لقاء منكر ونكير...
والمرتكز في أذهان الشيعة من دون خلاف بحيث يعدونه من الضروريات التي يجب اعتقادها: عموم سؤال الملكين في القبر ، حتى أن التلقين الذي يلقنون الميت في القبر يذكرون فيه: وسؤال منكر ونكير في القبر حق ، وحمله أيضاً على بعض الأموات خلاف الظاهر . و الله العالم ).
فالسؤال عند المفيد رحمه الله عام ، لكن العذاب خاص بمن محض الإيمان والكفر .
أما ضمة القبر فهي من العذاب ، فهي خاصة بمن محض الإيمان والكفر ، وإن كانت قبل السؤال والعذاب ، فلا تكون إلا باستحقاق الميت لهذه العقوبة .
وقال الصدوق في الإعتقادات/58: (إعتقادنا في المسألة في القبر أنها حق لابد منها فمن أجاب بالصواب فاز برَوْحٍ ورَيْحَانٍ في قبره وبجنة نعيم في الآخرة . ومن لم يأت بالصواب فله نُزُلٌ من حميم في قبره ، وتصلية جحيم في الآخرة . وأكثر ما يكون عذاب القبر من النميمة وسوء الخلق ، والإستخفاف بالبول .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 136 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأشد ما يكون عذاب القبر على المؤمن مثل اختلاج العين ، أو شرطة حجام ، ويكون ذلك كفارة لما بقي عليه من الذنوب ، التي لم تكفرها الهموم والغموم والأمراض ، وشدة النزع عند الموت).
ومعناه أن ضمة القبر أو عذابه قد تشمل بعض المؤمنين لكن تكون كفارة لما بقي من ذنوبه التي لم يكفرها البلاء في الدنيا ، وشدة النزع عند الموت .

(7) منكر ونكير ، ومبشر وبشير ، ورومان فتان القبور

ورد في مصادرنا ذكر رومان فَتَّان القبر في دعاء الإمام زين العابدين عليه السلام لحملة العرش والملائكة ، قال عليه السلام :(ومَلَك الموت وأعوانه ، ومنكر ونكير، ورومان فَتَّان القبور ، والطائفين بالبيت المعمور ، ومالك والخَزَنة ، ورضوان وسَدَنة الجنان ). (الصحيفة السجادية/37) .
ولم أجد نصاً آخر عن أئمتنا عليهم السلام يذكر رومان . نعم ورد ذكر فَتَّانَيْ القبر في مصادر الطرفين ، وكأن المقصود بهما منكر ونكير . وفي الرسائل العشر للشيخ الطوسي/99: (كلُّ ما أخبر به النبي صلى الله عليه وآله من نبوة الأنبياء المذكورين ، ومن رسالة الرسل المذكورين ، ومن الصحف المنزلة ، ومن الشرايع المذكورة ، ومن أحوال القبر، ومن منكر ونكير ، ومبشـر وبشير.. جميع ذلك حقٌّ لاريب فيه ).
وفي رسائل الشهيد الثاني(2/733):(يجب الإقرار بجميع ما جاء به النبي صلى الله عليه وآله من أحكام الدنيا والآخرة ، ومنها الشرائع وعذاب القبر وسؤال منكر ونكير عليهم السلام ، والحشر ، والصراط ، والميزان ، وغير ذلك ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 137 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي مصباح المتهجد/220: (من رواية معاوية بن عمار في أعقاب الصلوات.. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً صلى الله عليه وآله عبده ورسوله.. وأن الله هو الحق ، والرسول حق ، والقرآن حق ، والموت حق ، ومساءلة منكر ونكير في القبر حق ، والبعث حق ، والصـراط حق ، والميزان حق ) .
وروى في رياض السالكين (2/66) روايات ضعيفة من مصادر غيرنا ، قال: (رومان: بضم الراء المهملة إسم أحد ملائكة القبر، وهو فعلان من الرَّوْم يقال: رامَه يَرُومُه رَوْماَ إذا طلبه . أخرج أبو نعيم عن ضمرة بن حبيب قال:فُتَّانُ القبر ثلاثة: أنكر وناكور ورومان. وأخرج أبو الحسن القطَّان في المطولات عن ضمرة قال: فُتَّان القبور أربعة: منكر ونكير وناكور وسيدهم رومان . ذكر ذلك الجلال السيوطي في الحبائك. في رواية عبد الله بن سلام قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله عن أول ملك يدخل في القبر على الميت قبل منكر ونكير، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : مَلَكٌ يتلألأوجهه كالشمس إسمه رومان، يدخل على الميت ثمّ يقول له: أكتب ما عملت من حسنة وسيئة، فيقول:بأي شئ أكتب، أين قلمي ودواتي ومدادي؟ فيقول: ريقك مدادك وقلمك إصبعك.فيقول:على أي شئ أكتب وليس معي صحيفة؟ قال: صحيفتك كفنك فاكتب . فيكتب ما عمله في الدنيا خيراً ، وإذا بلغ سيئاته يستحي منه ، فيقول له الملك: يا خاطئ ما تستحي من خالقك حين عملته في الدنيا فتستحي الآن ! فيرفع الملك العمود ليضربه فيقول: إرفع عني حتى أكتبها فيكتب فيها جميع حسناته وسيئاته. ثم يأمره أن يطوي ويختم ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 138 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فيقول: بأيِّ شئ أختم وليس معي خاتم؟ فيقول: إختمها بظفرك وعلَّقها في عنقك إلى يوم القيامة. كما قال الله تعالى: وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ..).
وروى العياشي في تفسيره (2/227) حديثاً عن علي عليه السلام طويلاً يشبه ما رواه في رياض السالكين ، قال فيه عن المؤمن: (فإذا أدخل قبره أتاه اثنان ، هما فَتَّانَا القبر يجرَّان أشعارهما ويبحثان الأرض بأنيابهما ، أصواتهما كالرعد العاصف ، وأبصارهما كالبرق الخاطف ، ثم يقولان: من ربك وما دينك ومن نبيك؟
ثم ذكر عدو الله فقال: (فإذا أُدخل في قبره أتاه مُمْتَحِنا القبر فألقيا أكفانه ثم قالا له: من ربك وما دينك ومن نبيك؟فيقول: لا أدري، فيقولان:لا دَرَيْتَ ولا هُدِيتَ! فيضربان يافوخه بمرزبة..). وهي روايات ضعيفة السند ركيكة المتن ، كما ترى.
وفي مسند أحمد(3/346): (عن أبي الزبير أنه سأل جابر بن عبد الله عن فتاني القبر فقال: سمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول: إن هذه الأمة تبتلى في قبورها فإذا أدخل المؤمن قبره وتولى عنه أصحابه ، جاء مَلَكٌ شديد الإنتهار فيقول له: ما كنت تقول في هذا الرجل). وصححه ابن أبي عاصم/404.
وفي أكثر صيغ الحديث:أتاك فتانا القبر: منكر ونكير .(تفسير الثعالبي: 3/382):
وفي بعضها: فتان ، بالمفرد .(مسند أحمد:2/172).
وفي شرح مسلم للسيوطي (4/507): (ورد أن فتاني القبر ثلاثة أو أربعة).
وفي تنزيه الشريعة للكتاني/372: (فَتَّانُو القبر أربعة منكر ونكير وناكور ، وسيدهم رومان...إن الحافظ ابن حجر سئل: هل يأتي الميت ملك إسمه رومان؟
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 139 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فأجاب بأنه ورد بسند فيه لين ، وذكره الرافعي في تاريخ قزوين عن الطوالات لأبي الحسن القطان ، بسنده برجال موثقين إلى ضمرة بن حبيب قال: فتان القبر أربعة: منكر ونكير وناكور وسيدهم رومان ، وهذا الوقف له حكم الرفع ، إذ لا يقال مثله من قبل الرأي فهو مرسل).
وسيأتي في حديث:كيف بك يا عمر: (فأتاك فَتَّانَا القبر منكر ونكير.. فَتَلْتَلَاكَ وَتَوَهَّلَاكَ (جرجراك وخوفاك) وقالا:من ربك ، وما دينك).
والنتيجة: أن بعض الناس يستحق المحاسبة في القبر. وأن ملائكة القبر ثلاثة أو خمسة، وأسماؤهم مشتقة من أعمالهم ، فمنكر لأن شكله موحش ومنظره مستنكر ، ونكير لأنه ينكر على الميت المنكر الذي كان يفعله ، ومبشـر وبشير ، لتبشيرهما الميت وتطمينه . ورَوْمَان قيل بفتح الواو وسكون الراء من الرَّوْم ، وهو بعيد .
والمؤكد أن المؤمن المقبول كالغائب يقدم على أهله وأحبابه ، يرى كل ما يسـره ، ويستقبل بالإكرام والرضوان ، ويُبشره الملائكة بالخلود في النعيم .

(8) حساب القبر خاص بمن تمت عليهم الحجة

قال علماء المذاهب إن سؤال القبر خاص بالمسلمين . وقال أهل البيت عليهم السلام يختص بمن مُحِضَ الإيمان مَحْضاً أو الكفر محضاً.
قال أبو بكر الحضرمي: (قلت لأبي جعفر عليه السلام :أصلحك الله مَن المسؤولون في قبورهم؟ قال: من مُحِضَ الإيمان ومن محض الكفر . قال قلت: فبقية هذا الخلق؟ قال: يلهى والله عنهم ، ما يُعبأ بهم.قال قلت: وعم يسألون؟ قال:عن الحجة القائمة بين أظهرهم، فيقال للمؤمن: ما تقول في فلان ابن فلان؟ فيقول: ذاك إمامي . فيقال:
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 140 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
نَمْ أنام الله عينك ، ويفتح له باب من الجنة فما يزال يتحفه من روحها إلى يوم القيامة . ويقال للكافر: ما تقول في فلان ابن فلان؟ قال فيقول: قد سمعت به وما أدري ما هو. فيقال له: لا دَرَيْتَ . قال: ويفتح له باب من النار فلا يزال يتحفه من حرها إلى يوم القيامة ).
وهذا يدل على أن هذا حساب القبر خاص بمن تمت عليهم الحجة في النبوة والإمامة ، وعرفوا الأنبياء والأوصياء عليهم السلام ، فآمنوا بهم ، أو جحدوهم . فهو تصنيف للمسلمين ، لتكريم المؤمنين بالنبي وأهل بيته صلى الله عليه وآله ، وعقوبةٌ للذين لم يؤمنوا بهم عليهم السلام .
ويؤيده ما رواه ابن حجر في فتح الباري(3/191): ( حديث عائشة عند أحمد أيضاً بلفظ: وأما فتنة القبر ، فبي تفتنون وعني تسألون ) !
فمحور سؤال القبر وأصله الإيمان بالنبي صلى الله عليه وآله ، ومنه الإيمان بآله صلى الله عليه وآله ، فيكون امتحاناً للصحابة وخواص من الأمة ! ويؤيده حديث: كيف بك يا عمر الآتي.

(9) حساب القبر خاص بهذه الأمة

قال الصنعاني في سبل السلام (2/113):(واعلم أنه قد وردت أحاديث على اختصاص هذه الأمة بالسؤال في القبر دون الأمم السالفة.قال العلماء: والسر فيه أن الأمم كانت تأتيهم الرسل ، فإن أطاعوهم فالمراد ، وإن عصوهم اعتزلوهم وعولجوا بالعذاب . فلما أرسل الله محمداً صلى الله عليه وآله رحمة للعالمين أمسك عنهم العذاب وقَبِل الإسلام ممن أظهره سواء أخلص أم لا، وقيض الله لهم من يسألهم في القبور ليخرج الله سرهم بالسؤال ، وليميز الله الخبيث من الطيب ).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 141 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال الشوكاني نيل الأوطار (4/139): (وورد أيضاً ما يدل على أن السؤال في القبر مختص بهذه الأمة ، كما في حديث زيد بن ثابت عند مسلم أن هذه الأمة تبتلى في قبورها ، وبذلك جزم الحكيم الترمذي ).
وفي صحيح مسلم(8/161): (إن هذه الأمة تبتلى في قبورها ، فلو لا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه) !
وفي صحيح البخاري(1/29): (فأوحى إليَّ أنكم تفتنون في قبوركم ).
قال ابن عبد البر في التمهيد (22/252): ( الآثار الثابتة في هذا الباب إنما تدل على أن الفتنة في القبر لا تكون إلا لمؤمن أو منافق ، ممن كان في الدنيا منسوباً إلى أهل القبلة ودين الإسلام ، ممن حقن دمه بظاهر الشهادة . وأما الكافر الجاحد المبطل فليس ممن يسأل عن ربه ودينه ونبيه ، وإنما يسأل عن هذا أهل الإسلام).
وروى البخاري(2/92) تفصيل ذلك: (إن العبد إذا وضع في قبره وتولى وذهب أصحابه حتى إنه ليسمع قرع نعالهم ، أتاه ملكان فأقعداه فيقولان له:ما كنت تقول في هذا الرجل محمد؟ فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله. فيقال:أنظر إلى مقعدك من النار أبدلك الله به مقعداً من الجنة.قال النبي صلى الله عليه وآله : فيراهما جميعاً . وأما الكافر أو المنافق فيقول: لا أدري ، كنت أقول ما يقول الناس . فيقال: لا دريت ولا تليت ! ثم يضرب بمطرقة من حديد ضربة بين أذنيه ، فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلا الثقلين ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 142 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والحاصل: أن علماء المذاهب الأربعة أجمعوا على عقيدة حساب القبر ، وأن النبي صلى الله عليه وآله بلغها الى الأمة ، وحذر منها تحذيراً عاماً ، وتحذيراً خاصاً لبعض الصحابة .
قال أئمة المذاهب: يُسأل المسلم في قبره عن ربه ودينه ونبيه صلى الله عليه وآله
قال ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة (1/242): (والإيمان بعذاب القبر وأن هذه الأمة تفتن في قبورها ، وتسأل عن الإيمان والإسلام ، ومن ربه ، ومن نبيه ، ويأتيه منكر ونكير كيف شاء الله). أي بصورة حسنة ، أو مخيفة .
وروى مسلم (8/162): (عن النبي صلى الله عليه وآله قال: يثبت الله الذي آمنوا بالقول الثابت قال: نزلت في عذاب القبر، فيقال له: من ربك؟ فيقول:ربي الله ، ونبيي محمد).
وفي سنن أبي داود (2/425):(من ربك ، وما دينك ، ومن نبيك؟ قال هناد: قال:ويأتيه ملكاه فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله ، فيقولان له: ما دينك ؟ فيقول: ديني الإسلام ).
وفي مسند أحمد (3/346): (يبعث كل عبد في القبر على ما مات . المؤمن على إيمانه والمنافق على نفاقه). وفي التمهيد (22/252) : (يفتن رجلان مؤمن ومنافق فأما المؤمن فيفتن سبعاً، وأما المنافق فيفتن أربعين صباحاً).
فسؤال القبر وحسابه عندهم على العقائد ، ويسأل الميت عن ثلاثة أمور: عن ربه ، ونبيه ، ودينه .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 143 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال أهل البيت عليهم السلام : يسأل عن إمامه أيضاً
ففي الكافي (3/239) عن الإمام الصادق عليه السلام قال: (إن المؤمن إذا أخرج من بيته شَيَّعَتْهُ الملائكة إلى قبره يزدحمون عليه،حتى إذا انتهيَ به إلى قبره قالت له الأرض: مرحباً بك وأهلاً ، أما والله لقد كنت أحب أن يمشـي عليَّ مثلك ، لتَرَيَنَّ ما أصنع بك . فتوسع له مد بصره ، ويدخل عليه في قبره ملكا القبر وهما قعيدا القبر منكر ونكير ، فيلقيان فيه الروح إلى حقويه ، فيقعدانه ويسألانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: الله ، فيقولان: ما دينك؟ فيقول: الإسلام ، فيقولان: ومن نبيك؟ فيقول: محمد . فيقولان: ومن إمامك؟ فيقول: فلان . قال: فينادي مناد من السماء:صدق عبدي ، أفرشوا له في قبره من الجنة ، وافتحوا له في قبره باباً إلى الجنة ، وألبسوه من ثياب الجنة حتى يأتينا ، وما عندنا خير له. ثم يقال له: نم نومة عروس ، نم نومة لا حلم فيها.
قال: وإن كان كافراً خرجت الملائكة تشيعه إلى قبره يلعنونه ، حتى إذا انتهى به إلى قبره قالت له الأرض: لا مرحباً بك ولا أهلاً، أما والله لقد كنت أبغض أن يمشي عليَّ مثلك ، لاجرم لترين ما أصنع بك اليوم، فتضيق عليه حتى تلتقي جوانحه ! قال: ثم يدخل عليه ملكا القبر وهما قعيدا القبر منكر ونكير .
قال أبو بصير: جعلت فداك يدخلان على المؤمن والكافر في صورة واحدة؟ فقال: لا ، قال: فيقعدانه ويلقيان فيه الروح إلى حقويه فيقولان له:من ربك؟فيتلجلج ويقول: قد سمعت الناس يقولون. فيقولان له: لا دريت !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 144 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ويقولان له: ما دينك؟ فيتلجلج ، فيقولان له: لا دريت ! ويقولان له: من نبيك؟ فيقول: قد سمعت الناس يقولون ، فيقولان له: لا دريت ! ويسأل عن إمام زمانه . قال: فينادي مناد من السماء: كذب عبدي ، أفرشوا له في قبره من النار وألبسوه من ثياب النار ، وافتحوا له باباً إلى النار حتى يأتينا ، وما عندنا شر له ، فيضربانه بمرزبة ثلاث ضربات ليس منها ضربة إلا يتطاير قبره ناراً ، لو ضرب بتلك المرزبة جبال تهامة لكانت رميماً .
وقال أبو عبد الله عليه السلام :ويسلط الله عليه في قبره الحيات تنهشه نهشاً والشيطان يَغُمُّهُ غَمّاً .قال:ويسمع عذابه من خلق الله إلا الجن والإنس. قال: وإنه ليسمع خفق نعالهم ونقض أيديهم . وهو قول الله عز وجل: يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللهُ مَا يَشَاءُ).
وأشهر حديث في سؤال القبر حديث: كيف بك يا عمر !
فهو أكثر ماروته المصادر في عذاب القبر وأن النبي صلى الله عليه وآله قاله لعمربن الخطاب . قال ابن عبد البر في التمهيد (22/250): (وروينا عن محمد بن عمرو بن علقمة عن أصحابه ، وعن معمر عن عمرو بن دينار ، وعن سعد بن إبراهيم عن عطاء بن يسار، دخل حديث بعضهم في بعض والمعنى واحد:أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لعمر: كيف بك يا عمر إذا جاءك منكر ونكير ، إذا متَّ وانطلق بك قومك فقاسوا ثلاثة أذرع وشبراً في ذراع وشبر ، ثم غسلوك وكفنوك وحنطوك ، واحتملوك فوضعوك فيه ، ثم أهالوا عليك التراب . فإذا انصرفوا عنك أتاك فتانا القبر مُنْكَرٌ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 145 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ونكير ، أصواتهما كالرعد القاصف ، وأبصارهما كالبرق الخاطف ، يجران شعورهما ، معهما مرزبة لو اجتمع عليها أهل الأرض لم يقلوها) !
وفي إثبات عذاب القبر للبيهقي/81: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعمر بن الخطاب: يا عمر كيف بك إذا أنت أُعِدَّ لك من الأرض ثلاث أذرع ، وشبر في عرض ذراع وشبر، ثم قام إليك أهلوك فغسلوك وكفنوك وحنطوك ، ثم احتملوك حتى يغيبوك ، ثم يهيلوا عليك التراب . ثم انصرفوا عنك ، فأتاك فتانا القبر منكر ونكير، أصواتهما مثل الرعد القاصف وأبصارهما مثل البرق الخاطف ، قد سدلا شعورهما ، فَتَلْتَلَاكَ وَتَوَهَّلَاكَ (أي جرجراك وخوفاك) وقالا: من ربك وما دينك؟ قال: يا نبي الله ويكون معي قلبي الذي معي اليوم؟قال: نعم ، قال: إذاً كفيتهما).
وروته المصادر بطرق وأسانيد صحيحة ، كمصنف عبد الرزاق:3/583، والمنذري في الترغيب والترهيب:4/363، وفتح الباري:3/183. وقال عنه في مجمع الزوائد:3/47: رواه أحمد والطبراني في الكبير، ورجال أحمد رجال الصحيح . ورواه السيوطي الدر المنثور:4/78 ، بعدة طرق وألفاظ . وحذف بعضهم منه خطاب النبي صلى الله عليه وآله لعمر، كمسند أحمد:2/172 و3/346 ، وغيره .
هذا ، وقد زعمت رواية في البخاري(7/183) أن النبي صلى الله عليه وآله تبنى القول بعذاب القبر بعد قول عجوزين يهوديتين ! وأنه يشمل كل الناس المؤمن والكافر. (قالت عائشة: دخلتْ عليَّ عجوزان من عُجَّز يهود المدينة فقالتا لي: إن أهل القبور يعذبون في قبورهم، فكذبتهما ولم أنعم أن أصدقهما . فخرجتا ودخل علي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 146 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
النبي صلى الله عليه وآله فقلت: يا رسول الله إن عجوزين وذكرت له . فقال: صدقتا ، إنهم يعذبون عذاباً تسمعه البهائم كلها).
ويرده ما تقدم من حصرسؤال القبر ببعض المسلمين. وما رواه المنذري في الترغيب والترهيب (4/363) أن النبي صلى الله عليه وآله حذرعائشة من عذاب القبر ، فتعجبت: (قالت قلت: يا رسول الله ، تبتلى هذه الأمة في قبورها فكيف بي وأنا امرأة ضعيفة . قال: يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ .رواه البزار ورواته ثقات).
وهذا يدل على أن عائشة تفاجأت بإخبار النبي صلى الله عليه وآله عن عذاب القبر على المسلمين خاصة ، وخافت منه شخصياً . ولا علاقة لذلك باليهود وعجائزهم.

(10) تلقين الميت عقيدته ينجيه من حساب القبر !

ورد في مصادر الطرفين استثناء أصناف لا يعذبون بضغطة القبر . فقد روت مصادرنا أن من حج أربع حجج ينجو من ضغطة القبر ، وكذلك من زار قبر الحسين عليه السلام ، أو قرأ بعض السور، أو مات من ظهر يوم الخميس الى ظهر الجمعة.
كما وردت الرواية بعدة أعمال توجب النجاة من سؤال منكر ونكير ، منها ولاية أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله كما روت مصادرهم ومصادرنا .
قال الزيلعي في تخريج الأحاديث (3/238) من حديث: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله : من مات على حب
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 147 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
آل محمد مات شهيداً . ألا ومن مات على حب آل محمد مات مغفوراً له . ألا ومن مات على حب آل محمد مات تائباً. ألا ومن مات على حب آل محمد مات مؤمناً مستكمل الإيمان . ألا ومن مات على حب آل محمد ، بَشَّرَهُ ملك الموت بالجنة ، ثم منكر ونكير).
ورواه الثعلبي في تفسيره:8/314، والرازي:27/166، والزمخشري في الكشاف:3/467.
كما روينا بسند صحيح أن تلقين الميت عقيدته ، ينجيه من حساب القبر .
ففي الكافي (3/201): (عن يحيي بن عبد الله قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: ما على أهل الميت منكم أن يدرؤوا عن ميتهم لقاء منكر ونكير؟ قلت: كيف يصنع؟ قال: إذا أفرد الميت فليتخلف عنده أولى الناس به فيضع فمه عند رأسه ، ثم ينادي بأعلى صوته: يا فلان بن فلان ، أو يا فلانة بنت فلان: هل أنت على العهد الذي فارقتنا عليه ، من شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله سيد النبيين ، وأن علياً أمير المؤمنين وسيد الوصيين . وأن ما جاء به محمد صلى الله عليه وآله حق ، وأن الموت حق ، وأن البعث حق ، وأن الله يبعث من في القبور. قال: فيقول منكر لنكير: إنصرف بنا عن هذا ، فقد لُقِّنَ حُجَّتَه ) !
(وأجمع كلمة في التلقين أن يقول: إسمع ، إفهم يا فلان بن فلان . هل أنت على العهد الذي فارقتنا عليه من شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمداً صلى الله عليه وآله عبده ورسوله ، وسيد النبيين وخاتم المرسلين .
وأن علياً عليه السلام أمير المؤمنين وسيد الوصيين وإمام افترض الله طاعته على العالمين. وأن الحسن والحسين وعلي بن الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد وموسى
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 148 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بن جعفر وعلي بن موسى ومحمد بن علي وعلي بن محمد والحسن بن علي والقائم الحجة المهدي صلوات الله عليهم أئمة المؤمنين وحجج الله على الخلق أجمعين .
يا فلان بن فلان ، إذا أتاك الملكان المقربان رسولين من عند الله تبارك تعالى وسألاك عن ربك وعن نبيك ، وعن دينك وعن كتابك ، وعن قبلتك وعن أئمتك ، فلا تخف ولا تحزن وقل في جوابهما: الله ربي ، ومحمد صلى الله عليه وآله نبيّي ، والإسلام ديني ، والقرآن كتابي ، والكعبة قبلتي ، وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب إمامي ، والحسن بن علي المجتبي إمامي ، والحسين بن علي الشهيد بكربلاء إمامي ، وعلي زين العابدين إمامي ، ومحمد الباقر إمامي ، ومحمد الجواد إمامي ، وعلي الهادي إمامي ، والحسن العسكري إمامي ، والحجة المنتظر إمامي . هؤلاء صلوات الله عليهم أجمعين أئمتي وسادتي وقادتي وشفعائي ، بهم أتولى ومن أعدائهم أتبرأ في الدنيا والآخرة .
ثم اعلم يا فلان بن فلان ، أن الله تبارك وتعالى نعم الرب ، وأن محمداً صلى الله عليه وآله نعم الرسول ، وأن علي بن أبي طالب وأولاد المعصومين الأئمة الاثني عشر نعم الأئمة ، وأن ما جاء به محمد صلى الله عليه وآله حق ، وأن الموت حق ، وسؤال منكر ونكير في القبر حق ، والبعث حق والنشور حق ، والصراط حق ، والميزان حق ، وتطاير الكتب حق وأن الجنة حق ، والنار حق ، وأن الساعة آتية لا ريب فيها ، وأن الله يبعث من في القبور .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 149 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم يقول: أَفَهِمْتَ يا فلان . ثم يقول: ثبتك الله بالقول الثابت ، وهداك الله إلى صراط مستقيم ، عرّف الله بينك وبين أوليائك في مستقر من رحمته .
ثم يقول: اللهم جاف الأرض عن جنبيه واصعد بروحه إليك ، ولقّه منك برهاناً ، اللهم عفوَك عفوَك) . (تعليقة السيد السيستاني على العروة:1/344 ).

(11)تدفع الملائكة الشيطان عن الميت لئلا يشككه في دينه

قال الصدوق في الفقيه (1/133):(قال الصادق عليه السلام :ما من أحد يحضره الموت إلا وكل به إبليس من شياطينه من يأمره بالكفر ويشككه في دينه حتى تخرج نفسه ، فإذا حضرتم موتاكم فلقنوهم شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وآله حتى يموتوا ) .
وأضاف له في الكافي(3/124): (فمن كان مؤمناً لم يقدر عليه ، فإذا حضـرتم موتاكم فلقنوهم شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول صلى الله عليه وآله حتى يموت .
وفي رواية أخرى قال: فلقنه كلمات الفرج والشهادتين وتسمي له الإقرار بالأئمة عليهم السلام واحداً بعد واحد حتى ينقطع عنه الكلام).
وقال في الفقيه (1/136): (وقال الصادق عليه السلام : إن وليَّ عليٍّ عليه السلام يراه في ثلاثة مواطن حيث يسره: عند الموت وعند الصراط وعند الحوض. وملك الموت يدفع الشيطان عن المحافظ على الصلاة ، ويُلقنه شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله ، في تلك الحالة العظيمة ).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 150 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي المقنعة للمفيد/81: (ويستحب أن يلقنه الشهادتين وأسماء الأئمة صلوات الله عليهم ، عند وضعه في القبر قبل تشريج اللبن عليه ، فيقول: يا فلان بن فلان أذكر العهد الذي خرجت عليه من دار الدنيا:شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً عبده ورسوله ، وأن علياً أمير المؤمنين ، والحسن والحسين ، ويذكر الأئمة عليهم السلام آخرهم أئمتك ، أئمة هدى أبراراً . فإنه إذا لقنه ذلك كُفِيَ المسألة بعد الدفن إن شاء الله)
وذكرت رواية الإختصاص للمفيد رحمه الله انتهاء سلطان الشيطان على الميت/347: (فإذا حمل سريره حملت نعشه الملائكة ، واندفعوا به اندفاعاً ، والشياطين سماطين ينظرون من بعيد ، ليس لهم عليه سلطان ولا سبيل ).
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 151 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الثامن : الحياة في عالم البرزخ

(1) القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار !

تبدأ حياة الإنسان في البرزخ بموته ، وتنتهي بقيام القيامة الكبرى. فأطول مدة في البرزخ يقضيها إنسان مدة هابيل ابن آدم’ ، وأقصرها لآخر إنسان يموت قبل النفخ في الصور الذي تبدأ به القيامة .
وهذه المدة طبعاً بحسابنا نحن ، لأن البرزخ ليس فيه زمان ولا مسافة كالدنيا . وتبدأ حياة البرزخ بأهوال الموت على العاصين ، من قبض الروح ، وضغطة القبر ، وسؤال منكر ونكير ، وعذاب القبر .
ومن رأفة الله تعالى بالإنسان المؤمن والكافر أنه يرفع عنهما الشعور بالزمن في البرزخ . قال الله تعالى: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ . وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإيمان لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ . (الروم:55-56).
وقال تعالى:كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ.(الأحقاف:35).
وسئل الإمام محمد الباقر عليه السلام : (ما الموت؟ فقال: هو النوم الذي يأتيكم في كل ليلة إلا أنه طويل مدته ، لا يُنْتَبَهُ منه إلا يوم القيامة ، فمنهم من رأى في منامه من
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 152 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أصناف الفرح ما لا يُقَادَرُ قَدْرُه ، ومنهم من رأى في نومه من أصناف الأهوال ما لايقادر قدره. فكيف حال من فرح في الموت ووجل فيه! هذا هو الموت فاستعدوا له ). (الإعتقادات للصدوق/53).
ولا يذهب بك الخيال فتتصور أن العذاب على المجرمين سهل لأنه كالمنام ، فإن النائم قد يرى مناماً مهولاً قصيراً ، يبقى مذعوراً منه كل عمره !
وروى المفيد في الإختصاص/349، عن أمير المؤمنين عليه السلام ، قال: ( يُفتح لولي الله من منزله من الجنة إلى قبره تسعة وتسعون باباً ، يدخل عليها روحها وريحانها وطيبها ولذتها ونورها إلى يوم القيامة ، فليس شئ أحب إليه من لقاء الله .
قال: فيقول: يا رب عجل عليَّ قيام الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي ، فإذا كانت صيحة القيامة خرج من قبره مستورةً عورته ، مسكنةً روعته ، قد أعطي الأمن والأمان، وبشر بالرضوان والروْح والريحان والخيرات الحسان ، فيستقبله الملكان اللذان كانا معه في الحياة الدنيا ، فينفضان التراب عن وجهه وعن رأسه ولا يفارقانه ، ويبشرانه ويمنيانه ).
وروى الشيخ الطوسي في التهذيب(1/466) عن الإمام الصادق عليه السلام :(المؤمن إذا قبضه الله تعالى صيَّرَ روحه في قالب كقالبه في الدنيا، فيأكلون ويشربون. فإذا قدم عليهم القادم عرفوه بتلك الصورة التي كانت في الدنيا..لو رأيته لقلت فلان) .
أي أن أهل جنة البرزخ يسألون القادم عليهم من الدنيا عن أقاربهم ومعارفهم ، فإن قال لهم إنه مات ، ولم يأت اليهم عرفوا أنه ليس من أهل الجنة فيقولون: هوى ، هوى !
وسبب معرفتهم للميت أن روحه تلبس بدناً شفافاً يشبه بدنها الأصلي .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 153 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي الكافي (3/245): (عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن أرواح المشركين فقال: في النار يعذبون يقولون: ربنا لا تقم لنا الساعة ، ولا تنجز لنا ما وعدتنا ، ولا تلحق آخرنا بأولنا) .
وفي الكافي (3/244): (عن أبي ولاد الحناط ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال قلت له: جعلت فداك، يَرْوُون أن أرواح المؤمنين في حواصل طيور خُضْـرٍ حول العرش؟ فقال: لا، المؤمن أكرم على الله من أن يجعل روحه في حوصلة طير ، ولكن في أبدان كأبدانهم .
عن يونس بن ظبيان قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام فقال:ما يقول الناس في أرواح المؤمنين؟فقلت: يقولون تكون في حواصل طيور خضر ، في قناديل تحت العرش . فقال أبو عبد الله عليه السلام : سبحان الله ، المؤمن أكرم على الله من أن يجعل روحه في حوصلة طير. يا يونس إذا كان ذلك أتاه محمد صلى الله عليه وآله وعلي وفاطمة والحسن والحسين والملائكة المقربون ، فإذا قبضه الله عز وجل صير تلك الروح في قالب كقالبه في الدنيا فيأكلون ويشربون ، فإذا قدم عليهم القادم عرفوه بتلك الصورة التي كانت في الدنيا .
إن أرواح المؤمنين لفي شجرة من الجنة يأكلون من طعامها ويشربون من شرابها ويقولون: ربنا أقم الساعة لنا ، وأنجز لنا ما وعدتنا ، والحق آخرنا بأولنا..إن الأرواح في صفة الأجساد في شجرة في الجنة(وفي رواية: في حجرات في الجنة) تَعَارَفَ وتَسَاءلُ . فإذا قدمت الروح على الأرواح يقال دعوها فإنها قد أفلتت من هول
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 154 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عظيم. ثم يسألونها:ما فعل فلان وما فعل فلان؟فإن قالت لهم: تركته حياً ارتجوه وإن قالت لهم: قد هلك . قالوا: قد هوى هوى )!
وتقدم في الفصل الثالث حديث مفصل عن الإمام الصادق عليه السلام ، وفيه حقائق مهمة عن تفاوت الروح والبدن في الكثافة والشفافية ، وأن لكل منهما قوانين غير الآخر ، وأنهما إذا انفصلا تصعد الروح الى عالمها . قال عليه السلام : (إنما صار الإنسان يأكل ويشرب بالنار، ويبصر ويعمل بالنور، ويسمع ويشم بالريح ، ويجد طعم الطعام والشراب بالماء ، ويتحرك بالروح ، ولولا أن النار في معدته ما هضمت الطعام والشراب في جوفه . ولولا الريح ما التهبت نار المعدة ولا خرج الثقل من بطنه ، ولولا الروح ما تحرك ولا جاء ولا ذهب ، ولولا برد الماء لأحرقته نار المعدة ، ولولا النور ما بصر ولا عقل . فالطين صورته ، والعظم في جسده بمنزلة الشجرة في الأرض ، والدم في جسده بمنزلة الماء في الأرض ، ولا قوام للأرض إلا بالماء ، ولا قوام لجسد الإنسان إلا بالدم ، والمخ دسم الدم وزبده . فهكذا الإنسان خلق من شأن الدنيا وشأن الآخرة ، فإذا جمع الله بينهما صارت حياته في الأرض ، لأنه نزل من شأن السماء إلى الدنيا ، فإذا فرق الله بينهما صارت تلك الفرقة الموت ، ترد شأن الأخرى إلى السماء، فالحياة في الأرض والموت في السماء. وذلك أنه يفرق بين الأرواح والجسد، فردت الروح والنور إلى القدرة الأولى وترك الجسد لأنه من شأن الدنيا). الخ. (علل الشرائع:1/107).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 155 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وروى الصدوق في الخصال/119، حديثاً بسند صحيح عندهم:(حدثنا عبد الرزاق عن معمر ، عن الزهري قال: قال علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام : أشد ساعات ابن آدم ثلاث ساعات: الساعة التي يعاين فيها ملك الموت . والساعة التي يقوم فيها من قبره . والساعة التي يقف فيها بين يدي الله تبارك وتعالى ، فإما إلى الجنة وإما إلى النار .
ثم قال: إن نجوت يا ابن آدم عند الموت فأنت أنت ، وإلا هلكت .
وإن نجوت يا ابن آدم حين توضع في قبرك فأنت أنت ، وإلا هلكت.
وإن نجوت حين يُحمل الناس على الصراط فأنت أنت ، وإلا هلكت.
وإن نجوت حين يقوم الناس لرب العالمين فأنت أنت ، وإلا هلكت .
ثم تلا: وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ . قال: هو القبر . فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا. والله إن القبر لروضةٌ من رياض الجنة ، أو حفرةٌ من حفر النار ).

(2) عذاب البرزخ خاص بالمكابرين !

تحصر أحاديث أهل البيت عليهم السلام العذاب في البرزخ بمن عرف الحق وجحده وعاند وكابر ، أما الباقون فهم متروكون الى أن تقوم القيامة .
بل ورد أن غير المعاندين تفتح لهم في البرزخ منافذ نعيم بشكل ما على قبورهم .
ففي الكافي (3/246): (عن ضريس الكناسي ، عن أبي جعفر عليه السلام قال قلت له: جعلت فداك ما حال الموحدين المقرين بنبوة محمد صلى الله عليه وآله من المسلمين المذنبين الذين يموتون وليس لهم إمام ولا يعرفون ولايتكم؟ فقال: أما هؤلاء فإنهم في
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 156 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
حُفَرهم ولا يخرجون منها ، فمن كان له عمل صالح ولم تظهر منه عداوة ، فإنه يُخَدُّ له خَدٌّ (قناة) إلى الجنة التي خلقها الله بالمغرب ، فيدخل عليه الروح في حفرته إلى يوم القيامة ، حتى يلقى الله فيحاسب بحسناته وسيئاته ، فإما إلى الجنة وإما إلى النار . فهؤلاء الموقوفون لأمر الله . قال: وكذلك يفعل بالمستضعفين، والبُلْهِ ، والأطفال ، وأولاد المسلمين الذين لم يبلغوا الحلم ).
وهذا ينسجم مع ما ورد عن الأئمة عليه السلام في سعة دائرة المرجون لأمر تعالى .
ففي الكافي (2/399): (عن محمد بن مسلم قال:كنت عند أبي عبد الله عليه السلام جالساً عن يساره وزرارة عن يمينه ، فدخل عليه أبو بصيرفقال: يا أبا عبدالله ما تقول فيمن شك في الله؟ فقال: كافر يا أبا محمد. قال: فشك في رسول الله؟فقال: كافر. قال: ثم التفت إلى زرارة فقال:إنما يكفر إذا جحد).أي إذا أقيم له الدليل ، وكابر .
وفي الكافي (2/382): أن زرارة قال للإمام الباقر عليه السلام : (إنا نمد المطمار . قال: وما المطمار؟ قلت: التِّرّ ( خيط البناء) فمن وافقنا من عَلَوِيٍّ أو غيره توليناه ، ومن خالفنا من علوي أو غيره برئنا منه. فقال لي: يا زرارة ، قول الله أصدق من قولك فأين الذين قال الله عز وجل: إِلا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً. أين المُرْجَوْنَ لأمر الله؟ أين الذين خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً ؟ أين أصحاب الأعراف . أين المؤلفة قلوبهم) ؟
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 157 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي الكافي (2/405): (عن إسماعيل الجعفي قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن الدين الذي لايسع العباد جهله ؟ فقال: الدين واسع ، ولكن الخوارج ضيقوا على أنفسهم من جهلهم ) !

(3) زيارة الميت المؤمن والكافرلأهله

وردت أحاديث عديدة في زيارة الميت المؤمن والكافر لأهلهما ، ففي الكافي (3/230، و231) عن الإمام الصادق عليه السلام قال: ( إن المؤمن ليزور أهله فيرى ما يحب ، ويستر عنه ما يكره. وإن الكافر ليزور أهله فيرى ما يكره ويستر عنه ما يحب . قال: ومنهم من يزور كل جمعة ، ومنهم من يزور ، على قدر عمله .
وقال عليه السلام : (ما من مؤمن ولا كافر إلا وهو يأتي أهله عند زوال الشمس ، فإذا رأى أهله يعملون بالصالحات، حمد الله على ذلك ، وإذا رأى الكافر أهله يعملون بالصالحات كانت عليه حسرة .
عن عبد الرحيم القصير قال قلت له: المؤمن يزور أهله؟ فقال: نعم يستأذن ربه فيأذن له ، فيبعث معه ملكين فيأتيهم في بعض صور الطير يقع في داره ، ينظر إليهم ، ويسمع كلامهم .
عن إسحاق بن عمار قال: قلت لأبي الحسن الأول عليه السلام : يزور المؤمن أهله؟ فقال: نعم . فقلت: في كم؟ قال: على قدر فضائلهم ، منهم من يزور في كل يوم ، ومنهم من يزور في كل يومين ، ومنهم من يزور في كل ثلاثة أيام ، قال: ثم رأيت في مجرى كلامه أنه يقول: أدناهم منزلة يزور كل جمعة قال قلت: في أي ساعة ؟
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 158 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال عند زوال الشمس ، ومثل ذلك . قال قلت: في أي صورة ؟ قال: في صورة العصفور أو أصغر من ذلك ، فيبعث الله تعالى معه ملكاً فيريه ما يسره ويستر عنه ما يكره ، فيرى ما يسره ويرجع إلى قرة عين .
قال عليه السلام : في صورة طائر لطيف ، يسقط على جدرهم ويشرف عليهم فإن رآهم بخير فرح ، وإن رآهم بشر وحاجة ، حزن واغتم ) .
أقول: يفهم منه أنه يزورهم على صورة طائر شفاف ليس من نوع الطيور المعروفة ، فهو غير قابل للرؤية العادية ، إلا لمن له بصيرة خاصة . وقدرة الروح أن تتخذ شكل طائر شفاف له عقل إنسان ، يدل على إمكاناتها الكبيرة في حياة البرزخ .
ويفهم منه أن معاصيهم تُستر عنه، لكنه يعرف أنهم يعملون الصالحات أو الطالحات . كما يعرف حالتهم المادية ، وهل هم في سعة أو ضيق: (وإن رآهم بشر وحاجة ، حزن واغتم) وإذا اغتم لهم فقد يدعو الله أن يرزقهم ويوسع عليهم ، فيستجيب الله له .
وهذا يعني أن بعض الناس يعيشون في سعة ، ببركة أمواتهم .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 159 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

(4) العلاقة بين الميت وأهل الدنيا

يتميز فقه أهل البيت عليهم السلام بأنه يقول إن الخط مفتوح بين الميت وبين أهل الدنيا فيمكن أن نعمل أي عمل ونهدي ثوابه الى الميت ، ويصل ثوابه اليه ويأنس به ، ويؤثر ذلك في غفران سيئاته ، وزيادة حسناته ، ورفع درجاته .
قال المحقق الحلي قدس سره في المعتبر(1/340): ( كل ما يفعله الحي من القُرَب يجوز أن يجعل ثوابها للميت ، لما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال لعمرو بن العاص: لو كان أبوك مسلماً فأعتقتم عنه أو تصدقتم عنه أو حججتم عنه ، بلغه ذلك .
ومن طريق الأصحاب ما رواه عمر بن يزيد عن أبي عبد الله عليه السلام : يُصَلَّى عن الميت ؟فقال: نعم ، حتى أنه يكون في ضيق فيُوسع عليه ، ويقال له خُفف عنك بصلاة أخيك عنك . وقال عليه السلام : من عمل من المسلمين عن ميت عملاً صالحاً ، أضعف له أجره ، ونفع الله به الميت .
احتج المانع بقوله تعالى: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى . وبقوله صلى الله عليه وآله : إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية ، أو علم ينتفع به من بعده ، أو ولد صالح يدعو له .
والجواب عن الآية: أن سعيه في تحصيل الإسلام يُصَيِّرُهُ بحالٍ ينفعه ما يهدى له من أفعال البر ، وكأنه فعله . وأما الخبر ، فدالٌّ على انقطاع عمله ، ولا يدل على انقطاع ما يتجدد من عمل غيره ، ويهدى إليه ).
أقول: هذا منطق قوي لم يستطع فقهاء المذاهب الأخرى أن يواجهوه ، فتمسكوا بأقوال واهية ، لقدماء ومتأخرين . بل استعمل مشايخ الوهابية الحيلة لرده ، فقالوا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 160 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
في فتاويهم (1/59): (الأصل في الأموات أنهم لايسمعون نداء من ناداهم من الناس ولايستجيبون دعاء من دعاهم ، ولا يتكلمون مع الأحياء من البشر، ولو كانوا أنبياء ، بل انقطع عملهم بموتهم ، لقول الله تعالى: وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ).
فاستدلوا بعدم سماع الميت لصوت الحي ، وأن معنى انقطاع عمله هو في الحديث النبوي انقطاع وصول عمل الأحياء المهدى اليه ! وربطوا الموضوع بآية النهي عن عبادة المعبودين من دون الله تعالى ، وهي غريبة عنه !
ومن أحسن من حرر هذه المسألة الشهيد الثاني قدس سره في كتابه ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة (2/66) فقد استدل على وصول أعمال الخير الى الميت بآيات وأربعين حديثاً ، منها قوله تعالى: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلآخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالآيمَانِ . ومعناه أن نفع الإستغفار يصل اليهم . وكذلك قوله تعالى: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ .
واستدل بقول النبي صلى الله عليه وآله : اللهم اغفر لحينا وميتنا. وقول الإمام الصادق عليه السلام : إن الميت يفرح بالترحم عليه والإستغفار له ، كما يفرح الحي بالهدية تهدى إليه .
وقال: وفي البخاري وغيره عن ابن عباس: قال رجل إن أختي نذرت أن تحج وإنها ماتت . فقال النبي صلى الله عليه وآله : لو كان عليها دين أكنت قاضيه ؟ قال: نعم . قال فاقض دين الله ، فهو أحق بالقضاء .
وعن الصادق عليه السلام :ستة تلحق المؤمن بعد وفاته: ولد يستغفر له ، ومصحف يخلفه ، وغرس يغرسه ، وصدقة ماء يجريه ، وقليب يحفره ، وسنة يؤخذ بها من
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 161 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بعده . وعنه عليه السلام :من عمل من المسلمين عن ميت عملاً صالحاً ، أضعف له أجره ونفع الله عز وجل به الميت .
ثم أورد رحمه الله أربعين حديثاً من كتاب غياث سلطان الورى لابن طاووس رحمه الله ، منها: عن ابن أبي عمير ، أن هشام بن الحكم سأل الإمام الصادق عليه السلام : يصل إلى الميت الدعاء والصدقة والصلاة ونحو هذا ؟ قال: نعم . قلت: أو يعلم من صنع ذلك به ؟ قال: نعم . ثم قال: يكون مسخوطاً عليه ، فيُرضى عنه !
ومنها: أن الإمام الكاظم عليه السلام سئل عن الرجل يحج ويعتمر ويصلي ويصوم ويتصدق عن والديه وذوي قرابته؟ قال: لا بأس به ، يؤجر فيما يصنع ، وله أجر آخر بصلته قرابته . قلت: وإن كان لا يرى ما أرى وهو ناصب؟ قال: يخفف عنه بعض ما هو فيه .
ومنها: عن الإمام الصادق عليه السلام : إن الصلاة والصوم والصدقة والحج والعمرة ، وكل عمل صالح ، ينفع الميت . حتى أن الميت ليكون في ضيق فيوسع عليه ، ويقال إن هذا بعمل ابنك فلان ، وبعمل أخيك فلان ، أخوه في الدين .
ثم قال الشهيد رحمه الله : (فهذه أربعون حديثاً ، خالية عن معارض) .
أقول: كل هذا فيما إذا لم يوص الميت ، أما إذا أوصى بعمل فإن ثوابه يصل اليه ، ويجب على الحي تنفيذ وصيته .
قال محمد بن مسلم الثقفي سألت الصادق عليه السلام : عن رجل أوصى بماله في سبيل الله قال: أعطه لمن أوصى له وإن كان يهودياً أو نصرانياً ، إن الله عز وجل يقول: فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ . (الوسائل:13/417).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 162 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وينبغي التذكير هنا بوصية الإمام الصادق عليه السلام أن تتوجه الى ربك جيداً عندما تدعو الى الميت ، لأن ذلك مؤثر في استجابة الدعاء. وأن تستحضر الميت لأن ذلك مؤثر في ارتباطك به . قال عليه السلام :(كان علي عليه السلام يقول: إذا دعا أحدكم للميت فلا يدعو له وقلبه لاه عنه ولكن ليجتهد له في الدعاء). (الكافي:2/473).

(5) جنة البرزخ غير جنة الخلود

هل أن الجنة التي تعيش فيها أرواح المؤمنين في البرزخ ، نفس جنة الخلد الموعودة في الآخرة ، أم جنةٌ أخرى في أفق الأرض ، أوفي آفاق السماء ؟
نصَّ القرآن على أنها جنة أخرى غير جنة الخلد ، فقال تعالى عن فرعون وآله: وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ. النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ. (غافر:45-46) .
وهو نصٌّ على أن فرعون يلاقي عذاباً في البرزخ في محيط فيه شمس وصباح ومساء ، وجنة الخلد ليس فيها شمس ، فمعناه أن جنة البرزخ وناره غير جنة الخلد وناره .
وفي تفسير علي بن بن إبراهيم القمي(2/258): (قوله: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا، قال: ذلك في الدنيا قبل القيامة ، وذلك أن في القيامة لا يكون غدوٌّ ولا عشيّ ، لأن الغدو والعشي إنما يكون في الشمس والقمر ، وليس في جنان الخلد ونيرانها شمس ولا قمر .
قال: وقال رجل لأبي عبد الله عليه السلام : ما تقول في قول الله عز وجل: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام : ما تقول الناس فيها؟ فقال يقولون إنها في نار الخلد وهم لا يعذبون فيما بين ذلك . فقال عليه السلام فهم من السعداء ؟ فقيل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 163 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
له: جعلت فداك فكيف هذا ؟ فقال: إنما هذا في الدنيا ، وأما في نار الخلد فهو قوله: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ).
بل نص القرآن على أن جنة الخلد نفسها متعددة ، قال تعالى: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ . (الرحمن: 46) وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ . (الرحمن: 62) .
كما ورد عن أهل البيت عليهم السلام أن جنة آدم عليه السلام غير جنة الخلد . قال الحسن بن بشار إنه سأل الإمام الصادق عليه السلام عن جنة آدم فقال: (جنة من جنات الدنيا تطلع عليه فيها الشمس والقمر، ولو كانت من جنات الخلد ما خرج منها أبداً).(علل الشرائع: 2/600 ، والكافي:3/247).
وقال الصدوق في الإعتقادات/79: (وأما جنة آدم عليه السلام ، فهي جنة من جنان الدنيا ، تطلع الشمس فيها وتغيب ، وليست بجنة الخلد ).
أين تقع جنة البرزخ ، من هذه الجنات ؟
ينبغي أن نتذكر أن المواصلات في عالم البرزخ محلولة وأن التنقل فيه سهل .
وأن المكان عندنا ظرف واحد وحيٍّزٌ لا يتسع لأكثر من وجود مادي يملؤه ، أما عالم البرزخ فيتسع فيه المكان ليكون ظرفاً لوجودين في آن واحد !
بل إن محيط أرضنا اليوم ظرف لحياتنا ، وظرف لمواطنين آخرين من الجن ، يعيشون معنا في جونا ، ويصعدون الى قرب الملأ الأعلى الملائكة ، ولا نشعر بهم إلا قليلاً !
والذي أعتقده أن مدخل جنة البرزخ من جهة غرب الأرض ، ومدخل النار من جهة شرقها ، كما نص على ذلك حديث في درجة عالية من الصحة ، رواه ضريس الكناسي عن الإمام الباقر عليه السلام ، رواه ثقة الإسلام الكليني رحمه الله في الكافي (3/246) ، قال ضريس:
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 164 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
(سألت أبا جعفر عليه السلام أن الناس يذكرون أن فراتنا يخرج من الجنة ، فكيف هو وهو يقبل من المغرب ، وتصب فيه العيون والأودية ؟
قال فقال أبو جعفر عليه السلام وأنا أسمع:إن لله جنة خلقها الله في المغرب وماء فراتكم يخرج منها، وإليها تخرج أرواح المؤمنين من حفرهم عند كل مساء ، فتسقط على ثمارها وتأكل منها وتتنعم فيها ، وتتلاقى وتتعارف ، فإذا طلع الفجر هاجت من الجنة ، فكانت في الهواء فيما بين السماء والأرض ، تطير ذاهبة وجائية وتَعَهَّدُ حفرها (قبور أصحابها أو مساكنها) إذا طلعت الشمس وتتلاقى في الهواء وتتعارف .
قال: وإن لله ناراً في المشرق خلقها ، تسكنها أرواح الكفار ويأكلون من زقومها ويشربون من حميمها ليلهم ، فإذا طلع الفجر هاجت إلى واد باليمن يقال له برهوت ، أشد حراً من نيران الدنيا فكانوا فيها ، يتلاقون ويتعارفون فإذا كان المساء عادوا إلى النار. فهم كذلك إلى يوم القيامة .
قال قلت: أصلحك الله فما حال الموحدين المقرين بنبوة محمد صلى الله عليه وآله من المسلمين المذنبين الذين يموتون ، وليس لهم إمام ، ولايعرفون ولايتكم؟
فقال: أما هؤلاء فإنهم في حفرتهم لا يخرجون منها ، فمن كان منهم له عمل صالح ولم يظهر منه عداوة ، فإنه يخد له خد إلى الجنة التي خلقها الله في المغرب فيدخل عليه منها الروح في حفرته إلى يوم القيامة ، فيلقى الله فيحاسبه بحسناته وسيئاته ، فإما إلى الجنة وإما إلى النار .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 165 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فهؤلاء موقوفون لأمر الله . قال: وكذلك يفعل الله بالمستضعفين ، والبُلْهِ ، والأطفال ، وأولاد المسلمين الذين لم يبلغوا الحلم .
فأما النُّصَّاب من أهل القبلة ، فإنهم يُخَدُّ لهم خد إلى النار التي خلقها الله في المشرق ، فيدخل عليهم منها اللهب والشرر والدخان ، وفورة الحميم ، إلى يوم القيامة ، ثم مصيرهم إلى الحميم ، ثم في النار يسجرون . ثم قيل لهم: أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ؟ أين إمامكم الذي اتخذتموه دون الإمام الذي جعله الله للناس إماماً) !
أقول: رغم تطور العلوم في عصرنا، واكتشاف أنواع الأشعة والموجودات في فضاء أرضنا ، فما زالت معلوماتنا عن المكان والفضاء وتحيز الأشياء محدودة .
وهذا الحديث يؤكد وجود جنة مدخلها من فضاء الأرض من جهة المغرب ، يزورها المؤمنون ويتنعمون فيها يومياً في مرحلة البرزخ . وأن أصل منابع الفرات منها ، فلا بد أن تكون منابعه الظاهرة مرتبطة بها بنحو من الأنحاء ! أما النار فمدخلها من جهة المشرق ، وتسكنها أرواح الفجار ليلاً ، ويعودون الى وادي برهوت نهاراً .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 166 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

(6) أماكن تجمع أرواح المؤمنين والكفار

روت مصادرنا أحاديث صحيحة في وجود مجمع لأرواح المؤمنين ، ومجمع أرواح الكفار في الأرض ، بل أكثر من مجمع .
مجمع أرواح المؤمنين وادي السلام:
في الكافي(3/243): (عن حبة العرني قال: خرجت مع أمير المؤمنين عليه السلام إلى الظهر (ظهر الكوفة) فوقف بوادي السلام كأنه مخاطب لأقوام ، فقمت بقيامه حتى أعييت، ثم جلست حتى مللت ، ثم قمت حتى نالني مثل ما نالني أولاً .
ثم جلست حتى مللت ، ثم قمت وجمعت ردائي فقلت: يا أمير المؤمنين ، إني قد أشفقت عليك من طول القيام ، فراحةُ ساعة . ثم طرحت الرداء ليجلس عليه فقال لي: يا حبة إن هو إلا محادثة مؤمن أو مؤانسته .
قال قلت: يا أمير المؤمنين وإنهم لكذلك. قال: نعم ، ولو كُشِفَ لك لرأيتهم حلقاً حلقاً مُحْتَبِينَ يتحادثون ! فقلت: أجسامٌ أم أرواح؟ فقال: أرواح . وما من مؤمن يموت في بقعة من بقاع الأرض ، إلا قيل لروحه إلحقي بوادي السلام . وإنها لبقعة من جنة عدن..
عن أحمد بن عمر رفعه عن أبي عبد الله عليه السلام قال قلت له: إن أخي ببغداد وأخاف أن يموت بها ، فقال: ما تبالي حيثما مات ، أما إنه لا يبقى مؤمن شرق الأرض وغربها إلا حشر الله روحه إلى وادي السلام . قلت له: وأين وادي السلام؟قال: ظهر الكوفة ، أما إني كأني بهم حلق حلق قعود يتحدثون ).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 167 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وروى ابن عساكر في تاريخ دمشق (1/213): (عن محمد بن مسلم قال:سألت الصادق عن قول الله عز وجل: وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ؟ قال: الربوة النجف ، والقرار المسجد ، والمعين الفرات . ثم قال: إن نفقة الدرهم الواحد بالكوفة يعدل بمائة درهم في غيرها ، والركعة بمئة ركعة . ومن أحب أن يتوضأ من ماء الجنة ويشرب من ماء الجنة ويغتسل بماء الجنة ، فعليه بماء الفرات ، فإن فيه شعبتين من الجنة ، وينزل من الجنة كل ليلة مثقالان من مسك في الفرات .
وكان أمير المؤمنين علي يأتي النجف ويقول:وادي السلام ومجمع أرواح المؤمنين ونعم المضجع للمؤمن هذا المكان.وكان يقول: اللهم اجعل قبري بها. اللهم اجعل قبري بها . قال أبو الغنائم:في النجف ماء طيب تنزله العرب يقال له السلام).
مجمع أرواح الكفار في برهوت:
روى في الكافي(3/246و286) عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: (شر بئر في النار برهوت الذي فيه أرواح الكفار . وقال عليه السلام : شر ماء على وجه الأرض ماء برهوت ، وهو الذي بحضرموت ، ترده هامُ الكفار .
وقال عليه السلام : ماء زمزم خير ماء على وجه الأرض ، وشر ماء على وجه الأرض ماء برهوت الذي بحضر موت ، ترده هام الكفار بالليل .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 168 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وعن الصادق عليه السلام : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : شر اليهود يهود بيسان ، وشر النصارى نصارى نجران ، وخير ماء على وجه الأرض ماء زمزم ، وشر ماء على وجه الأرض ماء برهوت ، و هو واد بحضرموت ، يرد عليه هام الكفار وصداهم ).
وفي تاريخ دمشق(2/344) عن عبد الله بن عمرو قال: ( أرواح المؤمنين تجمع بالجانبين ، وأرواح الكفار تجمع ببرهوت وفي سفحه لحضرموت . قال أبو حاتم: الجانبين اليمن ، وبرهوت من ناحية اليمن ، ولا أدري تفسير أبي حاتم للجانبين محفوظاً ، والله تعالى أعلم).
وفي تاريخ دمشق(64/267) عن حذيفة قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله : لتقصدنكم نار هي اليوم خامدة ، في واد يقال له برهوت ، تغشى الناس فيها عذاب أليم ، تأكل الأنفس والأموال ، تدور الدنيا كلها في ثمانية أيام ، تطير طير الريح والسحاب ، حرها بالليل أشد من حرها بالنهار ، ولها بين السماء والأرض دوي كدوي الرعد القاصف، هو من رؤوس الخلائق بالنهار أدنى من العرش . قلت: يا رسول الله أسليمة هي يومئذ على المؤمنين والمؤمنات؟ قال: وأين المؤمنون والمؤمنات يومئذ هم شر من الحمر، يتسافدون كما تتسافد البهائم،وليس فيهم رجل يقول مَهْ مَهْ).
أقول: وردت أحاديث عديدة في مصادر الطرفين عن هذه النار وأنها نار المحشر، وأن القيامة تقوم على شرار الناس . وسيأتي .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 169 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل التاسع : أشْرَاط الساعة وعلاماتها

(1) ظهورالمهدي عليه السلام والرجعة ليسا من أشراط الساعة

ذكرت بعض الروايات أن ظهور المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف والرجعة من أشراط الساعة ، مع أن الفاصلة بينهما وبين القيامة قد تكون عشرات ألوف السنين .
فدولة العدل الإلهي على يد المهدي عليه السلام تطول ، ولا يرجع الظلم الى الأرض، وينزل في أولها عيسى عليه السلام ، ويخرج بعد نزوله الدجال ، ويُقتل .
أما دولة الرجعة فهي في آخر دولة المهدي عليه السلام ، وهي برنامج طويل أيضاً ، وفي آخرها تبدأ علامات الساعة والقيامة ، ومنها دابة الأرض ، ثم خروج يأجوج ومأجوج ، ثم النفخ في الصور ونهاية الحياة على الأرض وفي الكون .
ثم يعاد خلق الكون مجدداً ، وينفخ في الصور ، فيخرج الناس الى المحشر.

(2) دابة الأرض ليست من أشراط الساعة

قلد رواة السلطة كعب الأحبار وقبلوا منه إسرائيلياته ، فجعلوا دابة الأرض ويأجوج عند ظهور المهدي ونزول عيسى’ ، وقالوا إن عيسى عليه السلام يقاتل الدجال ، ثم يقاتل يأجوج ومأجوج ، ثم تقوم القيامة !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 170 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والصحيح أن وقت دابة الأرض في الرجعة ، وهي بعد ظهور المهدي عليه السلام وقبل القيامة بمدة طويلة . أما يأجوج ومأجوج ، فوقتهم قرب القيامة !
قال الله تعالى: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ . وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ . إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ . فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ . إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ . وَمَا أَنْتَ بِهَادِى الْعُمْىِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ . وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ . وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ . (النمل:76-83).
فالآيات خطاب لليهود والمعاندين ، الذين تعمدوا مخالفة الحق ، فسماهم الله موتى وصَمّاً ، وأمر رسوله صلى الله عليه وآله أن يعرض عنهم ، لأنهم سيبقون هكذا حتى يقع عليهم القول ويخرج الله لهم دابة الأرض ، فتكلمهم !
ولم تربط الآية الدابة بالقيامة ، فقد تكون قبلها بألوف السنين .
كما أن تعبير: وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ ، لم يستعمل إلا في هذه الآية . واستعمل للقيامة: حَقَّ القَوْل (السجدة:3،ويس:7،والقصص:62-63) . واستعمل: وقع ، لوقوع الرجز (الأعراف:134)والرجس( الأعراف:71)والعذاب الدنيوي( يونس:49).
وهذا يؤيد أن دابة الأرض تكون في الرجعة ، وتسمى الرجعة القيامة الصغرى وقد تطول ألوف السنين ، ويرجع فيها النبي صلى الله عليه وآله والأئمة وبعض الأنبياء عليهم السلام إلى الدنيا ، بعضهم زائراً وبعضهم يحكم في الأرض مدة .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 171 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وتشير الى ذلك الآية التي بعدها عن الحشر الخاص ، الذي يكون قبل الحشـر العام: وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ . (النمل:83). أما القيامة فهي حشر عام: وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا . (الكهف:47).
وفي تفسير القمي (1/198) عن أبي جعفر عليه السلام : (وسيريكم في آخر الزمان آيات ، منها دابة في الأرض ، والدجال ، ونزول عيسى بن مريم عليه السلام وطلوع الشمس من مغربها).وتعبير آخر الزمان يشمل فترة كبيرة من عمر الحياة تبدأً من بعثة النبي صلى الله عليه وآله إلى آخر الدنيا. كما أن التسلسل في الرواية جاء من الراوي ، لأن الأئمة عليهم السلام نصوا على أن ظهور المهدي عليه السلام قبل الدجال ودابة الأرض .
وفي الكافي (1/197) أن علياً عليه السلام قال: (ولقد أعطيتُ الستَّ: علم المنايا والبلايا والوصايا والأنساب وفصل الخطاب . وإني لَصَاحِبُ الكرَّات ودولة الدول ، وإني لصاحب العصا ، والميسم ، والدابة التي تكلم الناس) .
أي الدابة التي تأتمر بأمره فتكلم الناس. وصاحب العصا التي ورد أنها عصا آدم عليه السلام وأنها آية في الرجعة . والمَيْسَم: الآلة التي تطبع علامة على جبهة بعض الكفار ، الذين لا يؤمل صلاحهم ليعرفهم الناس ويحذروا منهم ، والميسم يرافق دابة الأرض ، وهو آية للمعاندين من اليهود وأمثالهم ، والوسم لنوع خاص منهم .
ومما يدل على أن دابة الأرض من آيات الرجعة ، وليست من آيات القيامة ، ما روي عن الصادق عليه السلام : (إن العذاب الأدنى الدابة والدجال).(مختصر البصائر/210) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 172 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وعنه عليه السلام : (ولاتنقطع الحجة من الأرض إلا أربعين يوماً قبل يوم القيامة ، فإذا رفعت الحجة أغلق باب التوبة ولم يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أن ترفع الحجة. وأولئك شرار من خلق الله ، وهم الذين تقوم عليهم القيامة). (المحاسن/236، ونحوه الكافي:1/329 ).
دابة الأرض في مصادر السنيين:
نلاحظ كثرة الإسرائيليات والأساطير في مصادر علماء الخلافة ، وهذا طابع روايات كعب وتلاميذه ، الذين هم كبار رواة الدولة الأموية .
فقد زعموا أن دابة الأرض تطارد الناس ! روى الطيالسي/144، عن عبد الله بن عمير: ( ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله الدابة فقال: لها ثلاث خرجات من الدهر ، فتخرج في أقصى البادية ، ولا يدخل ذكرها القرية يعني مكة ، ثم تكمن زماناً طويلاً ، ثم تخرج خرجة أخرى دون ذلك ، فيعلو ذكرها أهل البادية ويدخل ذكرها القرية يعني مكة . قال رسول الله صلى الله عليه وآله : ثم بينما الناس في أعظم المساجد على الله حرمة وخيرها ، وأكرمها المسجد الحرام ، لم يَرُعْهم إلا وهي ترغو بين الركن والمقام ، تنفض عن رأسها التراب ، فارفضَّ الناس معها شتى ومعاً ، وثبت عصابة من المؤمنين وعرفوا أنهم لن يعجزوا الله ، فبدأت بهم فجلت وجوههم حتى تجعلها كأنها الكوكب الدري ، وولت في الأرض لا يدركها طالب ، ولا ينجو منها هارب ، حتى أن الرجل ليتعوذ منها بالصلاة فتأتيه من خلفه فتقول: يا فلان يا فلان الآن تصلي ! فيقبل عليها فتسِمُه في وجهه ثم تنطلق ، ويشترك الناس في
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 173 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأموال ويصطحبون في الأمصار ، يعرف المؤمن من الكافر حتى أن المؤمن يقول: ياكافر إقضني حقي ، وحتى أن الكافر يقول: يا مؤمن إقضني حقي ) .
وروى الحاكم (4/484) (تخرج الدابة من الصفا أول ما يبدو رأسها مُلَمَّعَة ذات وبر وريش لم يدركها طالب ولن يفوتها هارب)! وصححه على شرط الشيخين !
(ولها عنق مشرف يراها من بالمشرق ، كما يراها من بالمغرب ، ولها وجه كوجه إنسان ، ومنقار كمنقار الطير ، ذات وبر وزغب معها عصا موسى وخاتم سليمان بن داود تنادي بأعلى صوتها:إن الناس كانوا بآياتنا لايوقنون).(الدر المنثور:5/116).
(مثل الدابة التي تخرج كمثل حَيِّزٍ بُنيَ ورفعت حيطانه وسُدت أبوابه ، وطُرح فيه من الوحوش كلها ، ثم جئ بالأسد فطرح وسطها ، فانذعرت وأقبلت إلى النفق تلمسه من كل جانب . كذلك أمتي عند خروج الدابة لا يفر منها أحد إلا مثلت بين عينيه ، ولها سلطان من ربنا عظيم). (زهر الفردوس:4/64).
وفي فتن ابن حماد (2/665):(دابة الأرض ذات وبر تنال رأسها السماء).
وفي الدر المنثور (5/116) عن ابن عباس: (الدابة مؤلفة ذات زغب وريش ، فيها من ألوان الدواب كلها )!
وفي تفسير ابن كثير(3/388) عن أبي الزبير: (رأسها رأس ثور وعينها عين خنزير وأذنها أذن فيل وقرنها قرن إيل وعنقها عنق نعامة وصدرها صدر أسد ولونها لون نمر وخاصرتها خاصرة هر وذنبها ذنب كبش وقوائمها قوائم بعير بين كل مفصلين اثنا عشر ذراعاً ) !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 174 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي سنن الداني/104 ، في حديث بعدة صفحات عن حذيفة قال: (قلت يا رسول الله وما الدابة ؟ قال:ذات وبَر وريش ، عظمها ستون ميلاً ، ليس يدركها طالب ولا يفوتها هارب ، تَسِمُ الناس مؤمناً وكافراً ، فأما المؤمن فتترك في وجهه كالكوكب الدري وتنكت بين عينيه مؤمن ، وأما الكافر فتكتب بين عينيه نكتة سوداء ، وتكتب بين عينيه كافر ) .
ثم زعموا أن النبي صلى الله عليه وآله حدد مكان خروجها لبريدة الأسلمي، فرووا عن بريدة أنه قال كما في مسند أحمد (5/357): (ذهب بي رسول الله صلى الله عليه وآله إلى موضع بالبادية قريباً من مكة فإذا أرض يابسة حولها رمل فقال رسول الله صلى الله عليه وآله :تخرج الدابة من هذا الموضع فإذا فِتْرٌ في شبر ) !
وقال عبد الله بن عمرو العاص كما في تفسير الطبري(20/10): ( لو شئت لانتعلت بنعليَّ هاتين فلم أمس الأرض قاعداً حتى أقف على الأحجار التي تخرج الدابة من بينها) ! وفي فتن ابن حماد(2/662): (رأيت عبد الله بن عمرو وكان منزله قريباً من الصفا رفع قدمه وهو قائم وقال: لو شئت لم أضعها حتى أضعها على المكان الذي تخرج منه الدابة ) !
أما عبد الله ابن عمر فقال كما روى عنه أبو يعلى (10/67):(ألا أريكم المكان الذي قال رسول الله إن دابة الأرض تخرج منه؟فضرب بعصاه الشق الذي في الصفا).
أقول: هذا يسير من كثير ، مما رووه عن دابة الأرض ، ولا يمكن أن نطمئن بشئ منه ، حتى لو كانت روايته صحيحة على شرط الشيخين وجميع المشايخ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 175 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

(3) يأجوج ومأجوج من أشراط الساعة

قال الله تعالى:قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا. قَالَ مَا مَكَّنِّى فِيهِ رَبِّى خَيْرٌ فَأَعِينُونِى بِقُوَةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا. آتُونِى زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِى أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا. فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا . قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّى فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّى جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّى حَقًّا . وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا . (الكهف:94-99).
وخلاصة معنى الآيات: أن ذا القرنين رضي الله عنه ، توجه بوسائله نحو مشرق الشمس فوصل الى منطقة فيها قومٌ تحت أشعة الشمس الحارقة ، وقد يكونون هم يأجوج ومأجوج ، فلم يصنع لهم شيئاً .
ثم سار بوسائله حتى وصل إلى منطقة ، فوجد قوماً خلف جبلين عاليين شكوا له هجوم يأجوج ومأجوج عليهم من وراء الجبلين ، فصنع السد لحمايتهم (سد ذي القرنين) فعجزت يأجوج عن نقبه أو تسلقه ، وأخبرهم أن هذا السد رحمة لهم ، وسيستمر إلى قرب يوم القيامة ، حيث يدكه الله تعالى في مقدمات القيامة .
قال تعالى:حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ . وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ . (الأنبياء:96-97).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 176 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فالحياة الدنيا تمتد حتى تنفتح على الأرض بوابة يأجوج ومأجوج ، وينسابوا في الأرض قرب القيامة التي هي الوعد الحق ! ولم تذكر الآية أنهم يقاتلون أحداً !
ولذلك فقد يكونون في مكان آخر غير أرضنا ، لأن الله تعالى قال عن ذي القرنين: ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ ، فقد يكون السبب وسيلة فضائية ويكون مطلع الشمس الذي بلغه في غير الأرض..الخ .
ويؤيد ذلك أنهم ليسوا من أبناء آدم عليه السلام ، ففي الكافي(8/220) عن علي عليه السلام قال: (وأجناس بني آدم سبعون جنساً . والناس ولد آدم ما خلا يأجوج ومأجوج).
ولم تذكر روايات أهل البيت عليهم السلام أي حرب للمسلمين مع يأجوج ومأجوج ، بينما طفحت مصادر الخلافة بمعارك خيالية معهم بقيادة عيسى بن مريم عليه السلام .
قال أحمد في مسنده (5/271): (خطب رسول الله صلى الله عليه وآله وهو عاصب إصبعه من لدغة عقرب ، فقال: إنكم تقولون لا عدو ، وإنكم لا تزالون تقاتلون عدواً حتى يأتي يأجوج ومأجوج ، عراض الوجوه صغار العيون ، شهب الشعاف ، من كل حدب ينسلون ، كأن وجوههم المجان المطرقة) .
ومعنى شُهْبُ الشِّعَاف: صُفْرُ الرؤوس كأن وجوههم المُبَقَّعَة تِرْسُ حديدٍ مُبَقَّع من طرق الحداد . وهذه صفة المغول الذين غزوا بلادنا في القرن السابع.
وقال البخاري(8/88): (استيقظ النبي صلى الله عليه وآله من النوم محمراً وجهه يقول: لا إله إلا الله، وَيْلٌ للعرب من شر قد اقترب! فُتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه . وعقد سفيان تسعين أو مائة . قيل: أنهلكُ وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 177 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كثر الخبث ). ورواه أيضاً في: 4/176 وفي: 4/109 ، عن أم حبيبة بنت أبي سفيان وكأنها تطبقه على قتل عثمان ، لكن أبا هريرة طبقه على غَلَمَة قريش الذين تهلك الأمة بأيديهم ! ونحوه أيضاً (4/109، و176، و: 8/104عن زينب بنت جحش أن النبي صلى الله عليه وآله دخل عليها فزعاً يقول..).
أقول: معنى عقد تسعين أو مئة ، أي بأصابعه بحساب العقود ، وهي عقود أصابع اليد ، وله أصول ، ذكرها في هامش البحار (53/193).
وقد أكثَرَ المفسـرون والمحدثون والمؤرخون من الروايات والكلام حول يأجوج ومأجوج ونوعهم ومكانهم ، وسد ذي القرنين أمامهم ، ومعنى كسره ومجيئهم الى الأرض قرب القيامة. وأكثر مصادرهم الإسرائيليات وموروثات عامية .
ومن الواضح أنها روايات ظنية وأقل من ظنية ، وأكثرها لا يمكن تطبيقه على الآيات فتسقط عن الفائدة ، بل تسقط عن القيمة العلمية ، لأن الآيات يقين.
ومن الواضح أن القيمة العلمية في مثل قضية يأجوج تنحصر بالكشوف المادية الحسية التي توجب اليقين ، أو بكلام المعصوم المفتوح له نافذة على الغيب توجب اليقين . ودرجة اليقين في كلام المعصوم ، أعلى من درجة الحس والمشاهدة .

(4) بقية أحاديث علامات الساعة

1.ذكرت أحاديث عديدة أن الشئ الفلاني من علامات الساعة ، أو أنه لا بد أن يقع قبل أن تقوم الساعة . وكثير منها مراسيل أو ضعيفة السند .
والصحيح منها قد يقصد حتمية وقوع هذا الشئ ، ولا يقصد أن الساعة ستقوم بعده مباشرة . فقد كان بعض الناس يتصورون قرب القيامة فيجابون بأنه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 178 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لا بد أن يقع قبلها الحدث الفلاني والفلاني ، وأن تكثر الفتن والمعاصي ، وأن يعق الرجل أبويه ، وأن ترفع الأمانة ، ويتباهى الناس بالبنيان ..الخ.
وكمثال على ذلك: حديث عبد الله بن عمر: ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله : لاتقوم الساعة حتى يخرج المهدي من ولدي). (الإرشاد:2/371)
فهو لا يقصد أن الساعة تكون بعده مباشرة ، بل يقصد أنه حتمي قبلها .
وحديث البخاري (2/22):(لاتقوم الساعة حتى يقبض العلم ، وتكثر الزلازل، ويتقارب الزمان ، وتظهر الفتن ، ويكثر الهرج وهو القتل القتل ، وحتى يكثر فيكم المال فيفيض ).
فليس فيه شئ من علامات القيامة القريبة ، فقد قبض العلم بوفاة النبي صلى الله عليه وآله ثم قبض العلم بإعراض السلطة عن مدينة علم النبي صلى الله عليه وآله ، واعتمادها على أصحاب الظنون ، الذين ملؤوا أذهان المسلمين ومصادرهم بظنونهم وإسرائيلياتهم .
أما الزلازل والفتن والقتل فهي موجودة في كل عصر، ولايمكن ضبط ما هو العلامة منها . وكذا تقارب الزمان وشعور الناس بسرعة مضي أيامه وسنينه .
وأما فيض المال حتى يعرض المسلم زكاة ماله فلا يجد من يأخذه ، فهو علامة خاصة بعصر المهدي عليه السلام وهو قبل القيامة بكثير .
2. من أحاديث علامات الساعة: حديث عوف بن مالك الذي رواه البخاري (4/68) وأن النبي صلى الله عليه وآله قال له: ( أعدد ستاً بين يدي الساعة: موتي ، ثم فتح بيت المقدس ، ثم مَوَتَان يأخذ فيكم كقِعَاص الغنم ، ثم استفاضة المال حتى يعطى الرجل مائة دينار فيظل ساخطاً ، ثم فتنة لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته ، ثم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 179 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر ، فيغدرون فيأتونكم تحت ثمانين غاية ، تحت كل غاية اثنا عشر ألفاً ).
والمقصود أن هذه الأحداث ستقع قبل القيامة،لا أنها أو بعضها متصل بقيام الساعة.
3. ومنها ما رواه الفريقان عن النبي صلى الله عليه وآله : (عشر قبل الساعة لابد منها: السفياني ، والدجال ، والدخان ، والدابة ، وخروج القائم ، وطلوع الشمس من مغربها ، ونزول عيسى عليه السلام ، وخسف بالمشرق ، وخسف بجزيرة العرب ، ونار تخرج من قعر عدن تسوق الناس إلى المحشر). (غيبة الطوسي/267).
وليس فيه علامة متصلة بالقيامة إلا نار عدن، وهي قبل النفخة الثانية أو بعدها . ونزول عيسى عليه السلام وخروج الدجال من أحداث ظهور المهدي عليه السلام ..
قال السيد الميلاني في كتاب قادتنا (4/475):(إعلم أنه وقع الخلط في كثير من كتب علماء أهل السنة بالنسبة إلى الأحاديث المتعلقة بآخر الزمان ، بين ما هو من أشراط الساعة وعلامات دنو القيامة ، وبين العلامات التي تسبق ظهور الإمام المهدي المنتظر عجل الله له الفرج. فقد أدرجها البعض في عنوان الفتن وآخر تحت عنوان الملاحم وأشراط الساعة . وربما أورد بعضهم الأحاديث المتعلقة بالمهدي في علائم دنوِّ القيامة).
وقال ابن حجر في فتح الباري(1/112): (قال القرطبي: علامات الساعة على قسمين: ما يكون من نوع المعتاد أو غيره . والمذكور هنا الأول ، وأما الغير مثل طلوع الشمس من مغربها ، فتلك مقاربة لها أو مضايقة ). أي قريبة منها .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 180 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال في فتح الباري(6/199) عن استفاضة المال المتقدم: (قوله: ثم استفاضة المال، أي كثرته ، وظهرت في خلافة عثمان عند تلك الفتوح العظيمة . والفتنة المشار إليها افتتحت بقتل عثمان واستمرت الفتن بعده ).
وعندما يفسر إمام كبير عندهم مثل ابن حجر العسقلاني أحاديث علامات الساعة بعصر عثمان ، فهذه شهادة بأن أحاديثها لا تقصد معناها الحقيقي !
ولا ينفع بعد ذلك قول التفتازاني في شرح المقاصد(2/309): (وذكر في حديث آخر من علامات الساعة أن تظهر الأصوات في المساجد ، وأن يسود القبيلة فاسقهم، وأن يكون زعيم القوم أرذلهم، وأن يكرم الرجل مخافة شره .
وبالجملة فالأحاديث في هذا الباب كثيرة ، رواها العدول الثقاة وصححها المحدثون الأثبات ، ولا يمتنع حملها على ظواهرها عند أهل الشريعة ، لأن المعاني المذكورة أمور ممكنة عقلاً ).
فمهما كانت هذه الأحاديث صحيحة ، فإن أحداثها ليست علامات للقيامة ، إلا ما ثبت اتصاله بها ، وهو قليل جداً .
4. والنتيجة: أن العلامات المتصلة بقيام الساعة ، قليلة جداً، منها في مصادر السنيين نار عدن التي تسوق الناس الى المحشر ، لكنها علامة للمحشر، وهو بعد النفخة الثانية ، والقيامة تبدأ بالأولى .
ومنها: حديث الريح الطيبة التي تقبض أرواح المؤمنين قبل القيامة ، فلا يبقى إلا الأشرار فتقوم القيامة عليهم .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 181 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لكنهم رووها في أسطورة أن المسلمين يكونون قلة في الشام ، ويقودهم عيسى عليه السلام ويقاتل الدجال ويقتله ، ثم يقاتل يأجوج ومأجوج فيقتلهم حتى تمتلئ الأرض من جيفهم ، ويرسل الله عليهم دوداً يأكلهم ! ثم تظهر دابة الأرض وبقية أشراط الساعة ، ويكون آخرها نارٌ من عدن تسوق الناس إلى المحشر وريحٌ تقبض أرواح المؤمنين . (مسلم:4/2250، وابن ماجة:2/1358).
أما مصادرنا فلم ترو مثل هذه الأساطير ، ولا تقبلها . نعم روت أن القيامة تقوم على شرار الناس: (إن الأرض لا تخلو من حجة إلا إذا كان قبل يوم القيامة بأربعين يوماً ، فإذا كان ذلك رفعت الحجة وأغلق باب التوبة ، فلم يك يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا ، فأولئك أشرار من خلق الله عز و جل وهم الذين تقوم عليهم القيامة). (الكافي:1/329).
وروى الصدوق في أماليه/551: (عن الصادق جعفر بن محمد عن أبيه’ قال: إن الزلازل ، والكسوفين ، والرياح الهائلة ، من علامات الساعة ، فإذا رأيتم شيئاً من ذلك فتذكروا قيام القيامة ، وافزعوا إلى مساجدكم ).
وفي تحف العقول لابن شعبة الحراني/59: (وقال صلى الله عليه وآله : من أشراط الساعة كثرة القراء ، وقلة الفقهاء ، وكثرة الأمراء وقلة الأمناء ، وكثرة المطر وقلة النبات ) .
5. وجود علامات للقيامة لا ينافي أنها تأتي بغتةً ، كما قال عز وجل:هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ . (الزخرف:66).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 182 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال تعالى: فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ . (محمّد:18).
وقال تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاهُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلا بَغْتَةً. يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِي عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ.(الأعراف:187).
فهي لا تأتي إلا فجأةً وبغتةً ، لكن قبلها علامات وأشراط .
وكذلك الأمر في ظهور الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف .
وكذلك كان الأمر في الأنبياء المبشر بهم عليهم السلام فقد جعلت لهم علامات ، ومع ذلك بعثوا فجأة .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 183 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل العاشر : النفخ في صور الكون

(1) نفخة إنهاء الحياة

قال الله تعالى: وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ .
وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ . وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيْئَ بِالنَّبِيِّنَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ. وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَأَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ . (الزمر:67-70).
وقال تعالى: فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ . وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً . فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ . (الحاقّة:13-15).
نلاحظ أن آيات النفخة الأولى أقل من آيات الثانية ، وسببه أنها نفخة الصعق وموت كل ذي روح في الأرضين والسماوات ، إلا من استثنى الله تعالى .
أما الثانية فهي نفخة إحياء الأموات وسَوْقِهم الى المحشر، فأحداثها متعددة .
والأحداث التي تكون بين النفختين متعددة وكبيرة ، وأكثرها لا يحتملها الأحياء كإشتعال البحار ، وجمع الشمس والقمر ، وطي السماء ، وغيرها ، كما سيأتي .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 184 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

(2) الكون مسطح وليس كروياً !

ننقل هذه المعلومات من موقع فلكي متخصص:
http://www.startimes.com/f.aspx?t=29511438
(عدد المجرات في الكون: يقدر العلماء عدد المجرات في الكون ، بما يزيد على مئة مليون مجرة .
أشكال المجرات: منها ذات الشكل اللولبي ، ومنها ذات الشكل البيضاوي ومنها المجرة المشطوبة التي لها ذراعان من كل جانب .
المسافة بين طرفي مجرتنا: يقدر العلماء المسافة بين طرفي مجرتنا فقط100000سنة ضوئية أي946080000000000000 كم (946080ترليون كيلو متر) .
قطر المجرة: يبلغ قطر مجرتنا 70 ألف سنة ضوئية .
إسم مجرتنا: يطلق على مجرتنا: الطريق اللبني ، أو درب الحليب ، ودرب التبانة هي جزء من المجرة الأصلية ، الطريق اللبني، ودرب التبانة هي جزء من المجرة الذي يوجد فيه نظامنا الشمسي المعروف .
أبعد النجوم في مجرتنا: أبعد نجم في مجرتنا يقع لى بعد 63 ألف سنة ضوئية.
مساحة مجرتنا: 109645852384000000000000000000000000كم2
= ( 109 مليارو 645 مليون و 856 ألف و 384 ترليون ترليون كم2
أبعد نقطة في الكون يمكن للعلماء مراقبتها عبر أضخم التلسكوبات:
تقع أبعد نقطة في الكون بشكل عام يمكن للعلماء مراقبتها عبر أضخم تلسكوب تقع على بعد 16300 مليون سنة ضوئية .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 185 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أي 154.211.040.000.000.000.000.000 ميل ، أي ( 154 ألف مليون و211 مليون و 40 ألف ترليون ) ميل .
أبعد جسم أو جرم فضائي يمكن رؤيته بالعين المجردة:
هو مجرة المرأة المسلسلة (المجرة الكبرى) أندروميدا ، وهي تبعد عن الأرض بنحو 2.150.000 سنة ضوئية) .انتهى.
أقول:إقرأ قوله تعالى: وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ. (الذاريات:47). والأيْدُ هنا القوة والقدرة . ثم اقرأ عن نظرية تمدد الكون واتساعه ، لترى فيها ما يدهش ، ويسبح باسم خالقه العظيم تبارك وتعالى .
ثم تدبر في وصف علي عليه السلام لخلق الله السماء والأرض ، وهو باب مدينة علم النبي صلى الله عليه وآله والمفتوح له نافذة على الغيب . قال في نهج البلاغة (1/16):
(أنشأ الخلق إنشاء ، وابتدأه ابتداء ، بلا رَوِيَّة أجالها ، ولا تجربة استفادها ، ولا حركة أحدثها ، ولا هُمَامة نفس اضطرب فيها .
أحال الأشياء لأوقاتها ، ولأَّم بين مختلفاتها ، وغرَّز غرائزها ، وألزمها أشباحها . عالماً بها قبل ابتدائها ، محيطاً بحدودها وانتهائها ، عارفاً بقرائنها وأحنائها .
ثم أنشأ سبحانه فَتْقَ الأجواء ، وشقَّ الأرجاء ، وسكائك الهواء . فأجرى فيها ماءً متلاطماً تياره ، متراكماً زخَّاره ، حمله على متن الريح العاصفة ، والزعزع القاصفة ، فأمرها برده ، وسلطها على شده ، وقرنها إلى حده . الهواء من تحتها فتيق ، والماء من فوقها دفيق .
ثم أنشأ سبحانه ريحاً اعتقم مهبها وأدام مَرََّبها ، وأعصف مجراها وأبعد منشأها . فأمرها بتصفيق الماء الزخار، وإثارة موج البحار، فمخضته مخض السقاء ، وعصفت به
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 186 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عصفها بالفضاء ، ترد أوله إلى آخره ، وساجيه إلى مائره . حتى عبَّ عُبَابُه ، ورمى بالزبد ركامُه، فرفعه في هواء منفتق ، وجو منفهق ، فسوى منه سبع سماوات جعل سفلاهن موجاً مكفوفاً، وعُلياهن سقفاً محفوظاً ، وسمكاً مرفوعاً . بغير عمد يدعمها ، ولا دسار ينظمها . ثم زينها بزينة الكواكب ، وضياء الثواقب . وأجرى فيها سراجاً مستطيراً ، وقمراً منيراً ، في فلك دائر ، وسقف سائر ، ورقيم مائر .
ثم فتق ما بين السماوات العلى، فملأهن أطواراً من ملائكته . منهم سجود لا يركعون وركوع لا ينتصبون ، وصافون لا يتزايلون ، ومسبحون لا يسأمون . لا يغشاهم نوم العين ، ولا سهو العقول ، ولا فترة الأبدان ، ولا غفلة النسيان. ومنهم أمناءُ على وحيه وألسنةٌ إلى رسله ، ومختلفون بقضائه وأمره . ومنهم الحفظة لعباده والسدنة لأبواب جنانه . ومنهم الثابتة في الأرضين السفلى أقدامهم ، والمارقة من السماء العليا أعناقهم ، والخارجة من الأقطار أركانهم ، والمناسبة لقوائم العرش أكتافهم . ناكسة دونه أبصارهم، متلفعون تحته بأجنحتهم . مضروبة بينهم وبين من دونهم حجب العزة وأستار القدرة . لا يتوهمون ربهم بالتصوير، ولا يُجرون عليه صفات المصنوعين ، ولا يحدونه بالأماكن ، ولا يشيرون إليه بالنظائر ) .
ومن أحاديث عظمة خلق الله تعالى ما رواه في عوالي اللئالي(4/100): (قال رسول الله صلى الله عليه وآله : خلق الله ملكاً تحت العرش ، فأوحى إليه أيها الملك: طِرْ ، فطار ثلاثين ألف سنة . ثم أوحى إليه: أن طِرْ ، فطار ثلاثين ألف سنة أخرى . ثم أوحى إليه أن طِرْ ، فطار ثلاثين ألف سنة ثالثة .
فأوحى إليه لو طرت إلى نفخ الصور كذلك، لم تبلغ إلى الطرف الثاني من العرش (الكرسي؟) . فقال الملك عند ذلك: سبحان ربي الأعلى وبحمده ).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 187 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

(3) معنى النفخ في الصور

عندما تقرأ مصادر التفسير السنية والشيعية عن معنى النفخ في الصور ، تجد معناه أن إسرافيل عليه السلام ينفخ في قرن أو بوق ، وكأنه يشبه الأبواق التي نعرفها !
بل كأن بعضهم لايعرف العربية فقرأه بفتح الواو فصار نفخاً في الصُّوَر !
ثم تبحث عن روايتهم في تفسير الآية فتجد أنها رواية عبد الله بن عمرو العاص أن بدوياً سأل النبي صلى الله عليه وآله عن معنى الآية ، فقال: قرنٌ ينفخ فيه !
قال في فتح الباري(11/316 ):(أخرج أبو داود ، والترمذي وحسنه ، والنسائي وصححه ابن حبان ، والحاكم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: ما الصور؟ قال: قرن ينفخ فيه! وللترمذي أيضاً وحسنه ، من حديث أبي سعيد ، مرفوعاً: كيف أنْعَمُ (أتنعم) وصاحب الصور قد التقم القرن ، واستمع الإذن متى يؤمر بالنفخ !
وأخرجه الطبراني من حديث زيد بن أرقم، وابن مردويه من حديث أبي هريرة. ولأحمد والبيهقي من حديث ابن عباس ، وفيه جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره ، وهو صاحب الصور يعني إسرافيل . وفي أسانيد كل منهما مقال ).
ومعناه: أن إسرافيل قد التقم القرن بفمه فهو ينتظر الأمر حتى ينفخ ! وقد ضعف ابن حجر هذا ، لكنه صحح حديث ابن العاص بأن الصور هو القرن !
ونحن لا نقبل حديث ابن العاص لأنه ليس ثقة ، ولأنه قَمَشَ حمل بعير أو حمل بغلين من الإسرائيليات وكان يحدث منها ، ولا يتورع أن ينسبها الى النبي صلى الله عليه وآله !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 188 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال ابن حجر في فتح الباري(1/167): (إنه قد ظفر في الشام بحمل جمل من كتب أهل الكتاب ، فكان ينظر فيها ويحدث منها » !
وردَّ ابن كثير رغم تعصبه أحاديثه وفضح كذبه! فقد ردَّ في تفسيره (1/391) حديثه في بناء الكعبة وقال:(والأشبه والله أعلم أن يكون هذا موقوفاً على عبد الله بن عمرو ، ويكون من الزاملتين اللتين أصابهما يوم اليرموك ، من كلام أهل الكتاب) !
وردَّ في تفسيره (2/203) حديثه عن دابة الأرض ، وأنها تخرج من الصفا ، فأول خطوة تضعها في أنطاكية ، وقال: (هذا حديث غريب جداً ، وسنده ضعيف ، ولعله من الزاملتين اللتين أصابهما عبد الله بن عمرو ) !
وردَّ في تفسيره (2/239) ما نسبه عبد الله الى النبي صلى الله عليه وآله من أنه مر على قبر أبي رغال.. وقال ابن كثير: (قلت: وعلى هذا فيخشى أن يكون وهم في رفع هذا الحديث ، وإنما يكون من كلام عبد الله بن عمرو مما أخذه من الزاملتين . قال شيخنا أبو الحجاج بعد أن عرضت عليه ذلك: وهذا محتمل والله أعلم ) !
وردَّ في (3/328) حديثه عن هبوط الله تعالى الى الأرض وقال: (وهذا موقوف على عبد الله بن عمرو من كلامه . ولعله من الزاملتين ) !
والخطير في الموضوع أنه ينسب أحاديث الزاملتين الى رسول الله صلى الله عليه وآله !
وهذا كاف لسقوط حديث القرن ، مضافاً الى أن أهل البيت عليهم السلام لم يعبروا به .
ماذا قال أهل البيت عليهم السلام ؟
تتبعت مصادر الحديث والتفسير والفقه عند أهل بيت النبوة ومدينة علم النبي صلى الله عليه وآله ، فما وجدت في تفسير النفخ في الصور أثراً لقرن ابن عمرو العاص ولا للصورة التي ذكرها بعض المفسرين .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 189 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ووجدت رواية صحيحة السند عن الإمام زين العابدين علي بن الحسين صلوات الله عليه ، يفهم منها أن الصور جهازٌ ضخم يحمله إسرافيل عليه السلام وينفخ فيه ! لكن لم يصفه بأنه قرنٌ أو بوق ، وهذا نص الرواية:
في تفسير القمي (2/252): (حدثني أبي ، عن الحسن بن محبوب ، عن محمد بن النعمان الأحول ، عن سلام بن المستنير ، عن ثوير بن أبي فاختة ، عن علي بن الحسين’قال: سئل عن النفختين ، كم بينهما ؟
قال: ما شاء الله ، فقيل له: فأخبرني يا ابن رسول الله كيف ينفخ فيه ؟
فقال: أما النفخة الأولى ، فإن الله يأمر إسرافيل فيهبط إلى الأرض ومعه الصور وللصور رأس واحد وطرفان ، وبين طرف كل رأس منهما ما بين السماء والأرض . قال: فإذا رأت الملائكة إسرافيل وقد هبط إلى الدنيا ومعه الصور، قالوا: قد أذن الله في موت أهل الأرض ، وفي موت أهل السماء !
قال: فيهبط إسرافيل بحظيرة بيت المقدس ، ويستقبل الكعبة ، فإذا رآه أهل الأرض قالوا: قد أذن الله في موت أهل الأرض !
قال: فينفخ فيه نفخة فيخرج الصوت من الطرف الذي يلي أهل الأرض ، فلا يبقى في الأرض ذو روح إلا صعق ومات .
ويخرج الصوت من الطرف الذي يلي أهل السماوات ، فلا يبقى في السماوات ذو روح إلا صعق ومات ، إلا إسرافيل . فيمكثون في ذلك ما شاء الله ، قال: فيقول الله لإسرافيل: يا إسرافيل مُتْ فيموت إسرافيل . فيمكثون في ذلك ما شاء الله ، ثم يأمر الله السماوات فتمور ويأمر الجبال فتسير وهو قوله:يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 190 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مَوْراً وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْراً ، يعني تبسط . و تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ ، يعني بأرض لم تكسب عليها الذنوب ، بارزة ليس عليها جبال ولا نبات،كما دحاها أول مرة.
ويعيد عرشه على الماء كما كان أول مرة ، مستقلاً بعظمته وقدرته .
قال: فعند ذلك ينادي الجبار جل جلاله بصوت من قِبَلِهِ جهوري يُسمِعُ أقطار السماوات والأرضين: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ؟! فلا يجيبه مجيب ، فعند ذلك يقول الجبار مجيباً نفسه: للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ، وأنا قهرت الخلايق كلهم وأَمَتُّهُمْ . إني أنا الله لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي ولا وزير لي ، وأنا خلقت خلقي بيدي ، وأنا أمتهم بمشيتي ، وأنا أحييهم بقدرتي .
قال: فينفخ الجبار نفخة في الصور ، فيخرج الصوت من أحد الطرفين الذي يلي السماوات ، فلا يبقى في السماوات أحد إلا حَيِيَ ، وقام كما كان . ويعود حملة العرش وتحضر الجنة والنار ، وتحشر الخلائق للحساب !
قال: فرأيت علي بن الحسين عليه السلام يبكي عند ذلك بكاءً شديداً).
ماذا قال أئمة اللغة ؟
قال الخليل في العين (7/149): (الصُّور: الميل، يقال: فلان يَصُورُ عُنُقَه إلى كذا ، أي مال بعنقه ووجهه نحوه. والنعت أصور..وقوله تعالى:فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ، أي فشفعهن إليك، قال: فقال له الرحمن:صُرْهَا فإنها تأتيك طوعاً عند دعوتك الشفع . ويقال: صُرْهُنَّ أي ضمهن).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 191 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال ابن فارس في مقاييس اللغة (3/319): (الصاد والواو والراء ، كلمات كثيرة متباينة الأصول . وليس هذا الباب بباب قياس ولا اشتقاق. وقد مضى فيما كتبناه مثله . ومما ينقاس منه قولهم: صوَّرَ يُصَوِّرُ ، إذا مال . وصِرت الشِّشَّ أصُورُه وأصَرته: إذا أمَلْتَه إليك . ويجئ قياسه تَصَوَّرَ لما ضرب كأنه مال وسقط . فهذا هو المُنْقَاسُ ، وسوى ذلك فكل كلمة منفردة بنفسها .
من ذلك الصورة صورة كل مخلوق والجمع صُوَر. وهي هيئة خلقته والله تعالى البارئ المصور . ويقال رجل صَيِّر إذا كان جميل الصورة . ومن ذلك الصُّور ، جماعة النخل وهو الحائش، ولا واحد للصور من لفظه . ومن ذلك الصوار وهو القطيع من البقر والجمع صيران.. ومن ذلك الصوار صوار المسك ).
ويقول الجوهري في الصحاح (2/717): (صَارَهُ يَصُورُهُ ويَصِيُرهُ ، أي أماله: وقرئ قوله تعالى: فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ، بضم الصاد وكسرها. قال الأخفش: يعني وَجِّهْهُنَّ.. وصرت الشئ أيضاً: قطعته وفصلته ).
والنتيجة: أنَّا أمام لفظة قرآنية تصف نفخةً في شئ إسمه الصور فتُحدث صيحةً يموت بها الأحياء . وأمامنا في اللغة أفعال وكلمات كلها أصول مستقلة ، تصلح أصلاً للصور ، فلا بد أن نختار منها ما يناسب المعنى .
وينبغي التنبيه الى أن الصور المنفوخ به هو وسيلة النفخة وليس مكانها . فالمعنى نفخ في شئ ، فأحدث صيحة ، فسببت وفاة الأحياء .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 192 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ويمكن أن يكون الصُّور بمعنى (المائل) والمعنى: ونفخ في مائل الكون ، فلعل في تكوين الكون منطقة مائلة أو جداراً مائلاً، والنفخ في الصور يؤثر عليها ويسبب سحب كل الأرواح من الأحياء وإنهاء الحياة .
ويمكن أن يكون الأحياء في الكون ، كجماعة النخل والنفخ فيها ينهي الحياة .
ويمكن أن يكون النفخ بمعنى التقطيع ، لأن صُرت الشئ بمعنى قطعته .
أو بمعنى توجيهه الى مرحلة جديدة ، لأن صُرته بمعنى وجهته .
أرى أنه لا يمكننا الجزم بشئ من الإحتمالات الممكنة، لأنا لانعرف مراحل عملية الإفناء ، وكل ما نعرفه أن إسرافيل عليه السلام ينفخ هو أو يأمر بنفخة في جهاز سماه الله الصور ، موجه نحو الأرض والسماء ، فتحدث بنفخته صيحة عظيمة ، تسبب موت أهل الأرض . ثم يفعل مثلها لأهل السماء .
كما ينبغي التنبيه الى خطأ فهم النفخة والصيحة بما يناسب محيطنا ، بل يجب فهمها بما يناسب هذه العملية الضخمة .
وقد تصور الديلمي رحمه الله في إرشاد القلوب (1/53): ( أن الصور قرن عظيم له رأس واحد وطرفان وبين الطرف الأسفل الذي يلي الأرض إلى الطرف الأعلى الذي يلي السماء ، مثل ما بين تخوم الأرضين السابعة إلى فوق السماء السابعة ، فيه أثقاب بعدد أرواح الخلائق ، ووسع فمه ما بين السماء والأرض ) .
وقد قال ذلك شارحاً حديث الإمام زين العابدين عليه السلام فحمَّله مالا يحتمل . وخلط كلامه هو بأصل الحديث ، وليته مَيَّزَ بينهما .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 193 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولا بد أنه رحمه الله أخذ هذا الوصف للصور من روايات أخرى ، ولكني لم أجد ما زاده على نص الإمام عليه السلام في روايات المعصومين عليهم السلام .
وبما تقدم اتضح أنه لايصح تفسير النفخ في الصور بأنه نفخٌ في صُوَر الأحياء أو صُوَر الموجودات ، لأن الصُّور غير الصُّوَرة والصُّوَر.
وكأن القائل بذلك اغتر باشتراك الصُّورة مع الصُّور في الحروف !
على أنه لامعنى لتفسير: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ، بذلك ، فالنفخ في الصُّوَر إحياء وهذا إفناء ، فهو نفخٌ عليها لا فيها !

(4)ملاحظات على النفخ في الصور

1. أخذ الديلمي رحمه الله (إرشاد القلوب:1/53) حديث الإمام زين العابدين عليه السلام وشرحه ، خالطاً كلامه بكلام الإمام عليه السلام ، ونسب الجميع الى الإمام عليه السلام !
قال: وقد روى الثقة عن زين العابدين عليه السلام أن الصور قرن عظيم له رأس واحد وطرفان ، وبين الطرف الأسفل الذي يلي الأرض إلى الطرف الأعلى الذي يلي السماء مثل ما بين تخوم الأرضين السابعة إلى فوق السماء السابعة ، فيه أثقاب بعدد أرواح الخلائق ، وسع فمه ما بين السماء والأرض ، وله في الصور ثلاث نفخات
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 194 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
نفخة الفزع ونفخة الموت ونفخة البعث .
فإذا أفنيت أيام الدنيا أمر الله عز وجل إسرافيل أن ينفخ فيه نفخة الفزع ، فرأت الملائكة إسرافيل وقد هبط ومعه الصور ، قالوا: قد أذن الله في موت أهل السماء والأرض ، فيهبط إسرافيل عند بيت المقدس مستقبل الكعبة ، فينفخ في الصور نفخة الفزع قال الله تعالى: وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ . إلى قوله تعالى: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ.
وتزلزلت الأرض ، وتذهل كل مرضعة عما أرضعت ، وتضع كل ذات حمل حملها ويصير الناس يميدون ، ويقع بعضهم على بعض كأنهم سكارى وما هم بسكارى ، ولكن من عظيم ما هم فيه من الفزع ، وتبيضُّ لحى الشبان من الفزع وتطير الشياطين هاربة إلى أقطار الأرض ، ولو لا أن الله تعالى يمسك أرواح الخلائق في أجسادهم ، لخرجت من هول تلك النفخة ...الى آخر كلامه).
ولا نجد في كلام الإمام عليه السلام ذكراً للقرن ، ولا أشياء عديدة أضافها الديلمي رحمه الله من عنده ، وأخذها من روايات عامية ، حتى صار الحديث ضعفين وأكثر !
ولا يحتمل أنه أراد حديثاً آخر للإمام زين العابدين عليه السلام لأنه قال في آخره: (قال الراوي: وهو الحسن بن محبوب يرفعه إلى يونس بن أبي فاختة ، قال: رأيت زين العابدين عليه السلام عند بلوغه هذا المكان ينتحب ويبكي بكاء الثكلى ).
2. يشمل الإفناء بالنفخة الأولى وبعدها أهل البرزخ والأرواح ، ففي جواب الإمام الصادق عليه السلام (الإحتجاج:2/77):( أفتتلاشى الروح بعد خروجه عن قالبه أم هو باق؟ قال: بل هو باق إلى وقت ينفخ في الصور . فعند ذلك تبطل الأشياء وتفنى ، فلا حس ولا محسوس ).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 195 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
3. كُتبت بحوث علمية كثيرة وكتب ، عن نهاية العالم وقيام القيامة ، وحاول بعض علماء الطبيعة أن يفسروا القيامة بتفسير مادي فيزيائي .
ومهما تكن النظريات في القيامة والأسباب المتصورة لها، فلا تنافي الحقيقة الدينية بل تؤكدها، وهي عمل خالق لهذه القوانين والمهيمن عليها عز وجل .
وتبقى القيمة العلمية لما أخبربه الله أعلى مما يتوصل اليه العلماء المحللون .
ومن العجيب أن بعض الناس يقدم قول الباحث المادي ، القاصر في إحاطته العلمية واستنتاجه ، على قول الخالق العليم عز وجل .
بل تصل الركاكة ببعض الناس الى حد أنه يقدم قول المنجم المتنبئ على قول المعصوم ، وقول الله تعالى .
وهؤلاء بحاجة لتقوية بنيتهم المعرفية التحتية بالله تعالى ، وفاعليته في الكون ، وبرسوله صلى الله عليه وآله وآله عليهم السلام ، وفهم مصداقيتهم الفريدة .

(5) تورط الوهابيون وهلك معبودهم !

قال المسلمون إن معنى: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ: أن قدرته فوق قدرتهم .فاليد هنا مجازية ، والقرآن نزل بلغة العرب وهي مبنية على الحقيقة والمجاز والكناية والتشبيه والإستعارة ، وغيرها من أساليب البلاغة . فعن الإمام الصادق عليه السلام قال:(نزل القرآن بإياك أعني واسمعي يا جارة ).( الكافي:2/631 ) .
ولم يقبل ابن تيمية ذلك ، وقال إن معناها أن الله تعالى له يد جارحة حسية كأيدينا ! وأصرَّ على مذهبه في التجسيم وأنه يجب حمل صفات الله تعالى على
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 196 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ظاهرها الحسي المادي ! وشن حملة على من يؤولونها وهم كافة المسلمين واتهمهم بالشرك والتعطيل !
وقد قلده الوهابية ، فقال مفتيهم ابن باز في فتاويه (4/382): (الصحيح الذي عليه المحققون (؟) أنه ليس في القرآن مجاز على الحد الذي يعرفه أصحاب فن البلاغة وكل ما فيه فهو حقيقة في محله) .
ومعنى قوله كل ما فيه حقيقة أن قوله تعالى: وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً. أن أعمى البصر هنا أعمى في الآخرة . وقد كان ابن باز أعمى !
وفي موضوعنا حرَّم الوهابية تأويل: يد الله ، وعين الله ، ووجه الله ، وأمثالها ، وقالوا لله تعالى له يدٌ وعينٌ ووجهٌ حقيقةً لا مجازاً ، وتأويلها شركٌ بالله تعالى !
واصطدموا بقوله تعالى:كُلُّ شَئٍْ هَالِكٌ إِلاوَجْهَهُ ، فقال المسلمون معنى وجهه ملكه ، أو ذاته . أو وجهه الذي منه يؤتى وهم أنبياؤه وحججه عليهم السلام .
وتورط الوهابيون وتوحَّل مشايخهم في مَوْحَلَةٍ غليظة ، ولم يستطع أحد منهم الخروج منها ، لأنهم قالوا إن الله تعالى له يد ورجل وعين وجنب وحقو ووجه.. وغيرها من الأعضاء ، ويجب حمل الألفاظ على ظاهرها الحسي، فوجب عليهم هنا أن يقولوا إن الله يهلك ، وتبقى صورة وجهه فقط !
قال أحدهم للألباني: إن البخاري فسر قوله تعالى: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالآكْرَامِ ، بأنه يبقى ملكه . فأجابه الألباني: ليس في البخاري مثل هذا التأويل الذي هو عين التعطيل. المهم أن ننزه الإمام البخاري أن يؤول هذه الآية ، وهو إمام في الحديث وفي الصفات ، وهو سلفي العقيدة والحمد لله .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 197 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لكن عندما ترجع الى صحيح البخاري ، تجد أن مانفاه عنه الألباني، موجود فيه ! قال البخاري في (6/17):(كُلُّ شَئٍْ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ: إلا ملكه. ويقال إلا ما أريد به وجه الله ، وقال مجاهد: الأنبياء الحجج).
وقول مجاهد الذي نقله البخاري هو قول أهل البيت عليهم السلام فقد سئل الصادق عليه السلام عن الآية(الكافي:1/143):(ما يقولون فيه؟قلت: يقولون:يهلك كل شئ إلا وجه الله! فقال:سبحان الله لقد قالوا قولاً عظيماً ! إنما عنى بذلك وجه الله الذي يؤتى منه).

(6)المستثنون من الصعقة عند نفخ الصور

يتعجب الإنسان عندما يقرأ أمرالله تعالى للملائكة بالسجود لآدم عليه السلام ، ويجد فيه استثناءً لنوع من مخلوقاته عَبَّرَ عنهم بالعالين ، فقال تعالى: قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ . (صاد:75).
ثم يجد استثناءً لهم من الصعق في النفختين ، مع أنه موت عام لكل ذي روح من مخلوقاته ! قال تعالى: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ . (الزمر:68).
وقال تعالى: وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ . (النمل:87).
فمن هؤلاء العظماء عند الله تعالى الذين استُثْنُوا من الأمر بالسجود لآدم عليه السلام ، ثم اسْتَثْنُوا من الصعقة والموت العام في النفخة الأولى ، حتى لو ماتوا بعدها آحاداً ؟ ثم استثنوا في النفخة الثانية من الصعقة والفزع الأكبر؟
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 198 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أما المستثنون من الأمر بالسجود في قوله تعالى: أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ ، فقد تصور بعضهم كصاحب الميزان أن هذا التعبير ليس استثناءً ، وأن المعنى: أستكبرت ، أم تصورت أنك أعلى قدراً من أن تؤمر .
والصحيح أنه استثناء ، لأنه لايرد في حق مخلوق من الملائكة والجن ، أن يتصور أنه أكبر قدراً من أن يأمره خالقه تعالى ، فلا يرد ذلك في حق إبليس .
بل المعنى: هل استكبرت عن أمري ، أم أنت من عبادي العالين الذين لم يشملهم أمري . فقد شمل الأمر بالسجود كل الملائكة ، وشمل إبليس الذي كان في مجتمعهم وهو من الجن .
ولم يشمل النبي صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام الذين كانوا أنواراً تامة العقل والحياة ، يعيشون في منطقة عُلْيَا حول العرش .
فقد روى الصدوق رحمه الله بسنده عن أبي سعيد الخدري ، قال: (كنا جلوساً مع رسول الله صلى الله عليه وآله إذ أقبل إليه رجل فقال: يا رسول الله أخبرني عن قوله عز وجل لإبليس: أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ ، فمن هو يا رسول الله الذي هو أعلى من الملائكة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : أنا وعلي وفاطمة والحسن والحسين ، كنا في
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 199 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
سرادق العرش نسبح الله وتسبح الملائكة بتسبيحنا ، قبل أن يخلق الله عز وجل آدم بألفي عام ، فلما خلق الله عز وجل آدم أمر الملائكة أن يسجدوا له ، ولم يأمرنا بالسجود . فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلا إِبْلِيسَ أَبَى ، ولم يسجد فقال الله تبارك وتعالى: أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ ، عنى: من هؤلاء الخمسة المكتوبة أسماؤهم في سرادق العرش . فنحن باب الله الذي يؤتى منه . بنا يهتدي المهتدى ، فمن أحبنا أحبه الله وأسكنه جنته ، ومن أبغضنا أبغضه الله وأسكنه ناره ، ولا يحبنا إلا من طاب مولده ). (فضائل الشيعة للصدوق/7 ).
ويؤيده ما رواه أحمد بن حنبل في فضائل الصحابة (2/262) عن سلمان قال: «سمعت حبيبي رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: كنت أنا وعلي نوراً بين يدي الله عز وجل قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف عام ، فلما خلق الله آدم قسم ذلك النور جزءين فجزءٌ أنا ، وجزءٌ علي » . ولا يتسع المجال للتفصيل ، وإيراد بقية أحاديث الموضوع .
ويتوقف معرفة المُسْتَثْنَيْنَ من الصعقة والفزع ، على معنى الصعقة.
قال الخليل (1/129): (صعق صعقاً: غُشِيَ عليه من صوت يسمعه أو حس ، أو نحوه . وصعق صعقاً: مات).
وقال ابن فارس (3/286): (الصاعقة: وهي الوقع الشديد من الرعد ، ويقال إن الصعاق الصوت الشديد ومنه قولهم صَعِق ، إذا مات كأنه أصابته صاعقة قال الله تعالى: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ ) .
أقول: قد يكون أصل الصعق والمصعوق مأخوذاً من إصابة الصاعقة ، كما يطلق على من يغمى عليه أو يموت من موعظة . ففي نهج البلاغة (2/165): (فصعق همام صعقة كانت نفسه فيها ، فقال أمير المؤمنين عليه السلام ..هكذا تصنع المواعظ البالغة بأهلها). وفي الكافي (2/615): (إن علي بن الحسين عليه السلام كان يقرأ فربما مر به المار فصعق من حسن صوته).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 200 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد تحير المفسرون في المستثنين من الصعقة ، على عشرة أقوال ، وأكثر !
قال في فتح الباري(11/320): (وحاصل ما جاء في ذلك عشرة أقوال:
الأول: أنهم الموتى كلهم لكونهم لا إحساس لهم..وإلى هذا جنح القرطبي في المفهم وفيه ما فيه.. وفي الزهد لهناد بن السرى عن سعيد بن جبير موقوفاً: هم الشهداء وسنده إلى سعيد صحيح..وهذا هو القول الثاني .
الثالث: الأنبياء والى ذلك جنح البيهقي..قال ووجهه عندي أنهم أحياء عند ربهم كالشهداء.. وقد جوز النبي صلى الله عليه وآله أن يكون موسى ممن استثنى الله..
الرابع: قال يحيى بن سلام في تفسيره: بلغني أن آخر من يبقى جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت.. أخرجه البيهقي وابن مردويه.. وسنده ضعيف ، وله طريق أخرى عن أنس ضعيفة أيضاً .
الخامس: يمكن أن يؤخذ مما في الرابع .
السادس: الأربعة المذكورون وحملة العرش وقع ذلك في حديث أبي هريرة الطويل.. وقد تقدمت الإشارة إليه وأن سنده ضعيف مضطرب .
السابع: موسى وحده أخرجه الطبري بسند ضعيف ..
الثامن: الولدان الذين في الجنة والحور العين .
التاسع: هم وخزان الجنة والنار وما فيها من الحيات والعقارب.
العاشر: الملائكة كلهم جزم به أبو محمد بن حزم..
قال البيهقي: استضعف بعض أهل النظر أكثر هذه الأقوال).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 201 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أقول: فهم الجميع أن الإستثناء من الصعقة تكريمٌ خاصٌّ للمستثنيْن . وطبَّق كل منهم هذا التكريم على من يراه أهلاً له . وجعل بعضهم الأهلية هنا بسببٍ تكويني غير التفضيل ، وجعلها أكثرهم بسبب التفضيل .
والعجيب أنهم قبلوا أن يكون أحدٌ من الملائكة أو البشر أحق بالتكريم من محمد وآل محمد صلى الله عليه وآله ! وهم يعرفون أن بني آدم أفضل من الملائكة ، وأن جبرئيل سيد الملائكة لايتقدم على نبينا صلى الله عليه وآله !
فعن الإمام الصادق عليه السلام في حديث الإسراء: (أذن جبرئيل وأقام الصلاة فقال: يا محمد تقدم ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله : تقدم يا جبرئيل ، فقال له: إنا لا نتقدم على الآدميين منذ أُمرنا بالسجود لآدم » ! (علل الشرائع:1/8).
وتفصيل الموضوع يخرجنا عن غرض الكتاب .

(7) خوف جبرئيل عليه السلام من القيامة والنفخ في الصور

جاء في تفسير القمي (2/27) بسند صحيح ، عن الإمام الباقر عليه السلام قال: ( بينا رسول الله صلى الله عليه وآله جالسٌ وعنده جبرئيل إذ حانت من جبرئيل عليه السلام نظرةٌ قِبَلَ السماء فامتقع لونه حتى صار كأنه كُرْكُمَة (نبات أصفر)ثم لاذ برسول الله صلى الله عليه وآله ، فنظر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى حيث نظر جبرئيل ، فإذا شئ قد ملأ ما بين الخافقين مقبلاً حتى كان كقاب من الأرض ، ثم قال: يا محمد ، إني رسول الله إليك أُخَيِّرُك أن تكون ملكاً رسولاً أحب إليك ، أو تكون عبداً رسولاً؟
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 202 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فالتفت رسول الله صلى الله عليه وآله إلى جبرئيل وقد رجع إليه لونه ، فقال جبرئيل: بل كن عبداً رسولاً. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : بل أكون عبداً رسولاً .
فرفع الملك رجله اليمنى فوضعها في كبد السماء الدنيا ، ثم رفع الأخرى فوضعها في الثانية ، ثم رفع اليمنى فوضعها في الثالثة ، ثم هكذا حتى انتهى إلى السماء السابعة ، كل سماء خطوة ! وكلما ارتفع صغر ، حتى صار آخر ذلك مثل الصِّرّ ! (العصفور الصغير)فالتفت رسول الله صلى الله عليه وآله إلى جبرئيل فقال:لقد رأيتك ذعراً وما رأيت شيئاً كان أذعر لي من تغير لونك !
فقال: يا نبي الله لا تلمني، أتدري من هذا ؟ قال: لا، قال: هذا إسرافيل حاجب الرب ، ولم ينزل من مكانه منذ خلق الله السماوات والأرض ، فلما رأيته منحطاً ظننت أنه جاء بقيام الساعة ، فكان الذي رأيت من تغير لوني لذلك ، فلما رأيت ما اصطفاك الله به ، رجع إليَّ لوني ونفسي! أما رأيته كلما ارتفع صغر ! إنه ليس شئ يدنو من الرب إلا صغر لعظمته !
إن هذا حاجب الرب ، وأقرب خلق الله منه ، واللوح بين عينيه من ياقوتة حمراء فإذا تكلم الرب تبارك وتعالى بالوحي ضرب اللوح جبينه ، فنظر فيه ثم يلقيه الينا ، فنسعى به في السماوات والأرض. إنه لأدنى خلق الرحمن منه ، وبينه وبينه سبعون حجاباً من نور ، تقطع دونها الأبصار ما لا يُعد ولا يُوصف . وإني لأقرب الخلق منه ، وبيني وبينه مسيرة ألف عام ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 203 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أقول: خَيَّرَ الله نبيه صلى الله عليه وآله مرات بين أن يكون مَلِكاً للأرض ، ويبقى رسولاً، أو يكون عبداً رسولاً. ففي الكافي(8/129) عن الإمام الباقر عليه السلام قال: (ولقد أتاه جبرئيل بمفاتيح خزائن الأرض ثلاث مرات يخيره من غير أن ينقصه الله تبارك وتعالى مما أعد الله له يوم القيامة شيئاً ، فيختار التواضع لربه عز وجل).

(8) اللهم آمِنا يوم الفزع الأكبر

قرأتُ يوماً حديث خوف جبرئيل عليه السلام من القيامة ، فَهَزَّنِي من أعماقي ، وبكيت!
ورافقني تصوري لجبرئيل عليه السلام وهو يرتجف وَيَصْفَرُّ ، ويلوذ بالنبي صلى الله عليه وآله ! وكانت تعاودني الصورة بدون استئذان ، فتدخل الى ذهني وتسكن !
اللهم إذا كان هذا حال عبدك المقرب جبرئيل عليه السلام سيد الملائكة ، الذي حملته رسالاتك الى أنبيائك ورسلك عليهم السلام ، وجعلته معلماً لهم.. إذا كان هذا حاله ، فما حالي أنا العبد المقصر العاصي؟!
المسألة جِدٌّ لا مزاح فيه ، والقيامة والمحشر، ومحكمة العدل الإلهي بين شرطيين سائق وشهيد.. حقيقةٌ آتيةٌ لنا اليوم أو غداً . فلماذا لا نخاف ؟!
وتأخذك في مشهد مجيئ إسرافيل عليه السلام : عظمة تشكيلات الملائكة ، وسعتها . فكل مَلَك أو مجموعة لهم وظائف محددة ، ومناطق سكن ، ومجال تحرك وعمل .
وكبار الملائكة لهم شخصياتهم ومقامهم . وسلوكهم دائماً متناسبٌ معها . وإسرافيل يسكن في منطقته العليا حتى عن الملائكة ، فهم يصعدون اليه ولا ينزل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 204 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
هو اليهم . أما الى الأرض فلا ينزل أبداً ، وسوف ينزل يوماً فينفخ في صور الأرض وينهي الحياة عليها ، ثم ينفخ في صور السماوات وينهي الحياة فيها !
لاحظ قول جبرئيل عليه السلام : (هذا إسرافيل حاجب الرب ، ولم ينزل من مكانه منذ خلق الله السماوات والأرض ، فلما رأيته منحطاً ، ظننت أنه جاء بقيام الساعة ) !
فهو يعرف أن له نَزْلَة ، وهاهو يراه نازلاً ، فلماذا لايخاف ويرتجف !
لكن عندما عرف أن نزوله تكريم لرسول الله صلى الله عليه وآله ، فقد اختار الله تعالى إسرافيل رسولاً اليه ، مع أن رسوله جبرئيل عنده ! وأمره أن يبلغ النبي صلى الله عليه وآله رسالة خاصة أن الله يخيرك بين: أن تصير ملِكاً فتملك الأرض وتبقى رسولاً ، أو تبقى عبداً رسولاً بدون مُلك ؟
فلما سمع ذلك جبرئيل عرف أن نزوله ليس للنفخ في الصور ، فتنفس الصعداء: (فلما رأيت ما اصطفاك الله به ، رجع إليَّ لوني ونفسي ) !
وقد أراد الرسول صلى الله عليه وآله أن يعرف رأي جبرئيل عليه السلام فاستشاره ، فنصحه بأن الأفضل له أن يبقى عبداً رسولاً ، فأجابه وصعد .
ثم نظر النبي وجبرئيل’الى إسرافيل وهو يصعد، ووصف النبي صعوده حتى وصل الى السماء السابعة . فأي بصر أعطاهما الله تعالى ، يريان به من الأرض الى السماء السابعة !
لقد رأيا إسرافيل يخطو كل سماء بخطوة،وهذا ما لايقدر عليه غيره من الملائكة! ورأياه كلما ارتفع نحو عرش الله تعالى صَغُرَ ، حتى صار آخر ذلك مثل الصُّرّ، أي العصفور الصغير . والله تعالى لايحده مكان ولا يخلو منه مكان ، فالأمكنة بالنسبة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 205 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
له على السواء ، لكن القرب من مركز عظمته وهو العرش، يجعل الكبير يتضاءل تكويناً ، أو يتضاءل تبعاً لخشوعه لربه عز وجل .
(إن هذا حاجب الرب ، وأقرب خلق الله منه .. إنه لأدنى خلق الرحمن منه ، وبينه وبينه سبعون حجاباً من نور تُقطع دونها الأبصار ، ما لا يُعد ولا يُوصف . وإني لأقرب الخلق منه ، وبيني وبينه مسيرة ألف عام ) .
جلَّ الله أن يكون له مكان وحاجب مثل الملوك . لكنه التنظيم الرباني للملائكة ومقام كل واحد ، أو مجموعة منهم .
ومعنى: أدنى خلق الرحمن منه وأقربهم: أقربهم مكاناً ليس من ذات الله تعالى ، بل من نقطة العرش العليا التي يتجلى فيها الله سبحانه بنوره ، وتعجز المخلوقات أن تصل اليها . (وإني لأقرب الخلق منه ، وبيني وبينه مسيرة ألف عام) !
ولعل جبرئيل سيد الملائكة عليه السلام لايمكنه الصعود الى مكان إسرافيل عليه السلام .
ولا نعرف معنى مسيرة ألف عام في حساب رتب الملائكة ، ومسافات السماوات ! لكنا نعرف أن أعلى نقطة وصل اليها مخلوق كما في حديث المعراج ، عندما انتهى جبرئيل الى مكان فقال للنبي صلى الله عليه وآله : ( تقدم يا رسول الله ، ليس لي أجوز هذا المكان ، ولو دنوت أنملة لاحترقت ) ! (المناقب:1/155).
ثم قال جبرئيل عن إسرافيل: (واللوح بين عينيه من ياقوتة حمراء ، فإذا تكلم الرب تبارك وتعالى بالوحي ضرب اللوح جبينه، فنظر فيه ثم يلقيه الينا ، فنسعى به في السماوات والأرض ).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 206 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فهذا اللوح ليس هو اللوح المحفوظ ، بل لوح الأوامر للملائكة ، ولا نعرف كيف تنكتب عليه أوامر الله تعالى .
وقد وصف النبي صلى الله عليه وآله اللوح الذي يعمل به عزرائيل عليه السلام فقال: (ثم مررت بملك من الملائكة ، وهو جالس وإذا جميع الدنيا بين ركبتيه ، وإذا بيده لوح من نور فيه كتاب ينظر فيه ، ولا يلتفت يميناً ولا شمالاً) . (تفسير القمي:2/6).
لكن لوح عزرائيل ، أقل شأناً من لوح إسرافيل ، الذي يتلقى عليه الأوامر الربانية ، ويوزعها على الملائكة ، فينطلقون لتنفيذ ما أمروا به في السماوات والأرضين !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 207 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

(9) إنذار النبي صلى الله عليه وآله الناس من الفزع الأكبر

من طريف ما قرأته في إنذار النبي صلى الله عليه وآله للناس من الفزع الأكبر ، أنه صلى الله عليه وآله قال للفارس المشهور عمرو بن معدي كرب الزبيدي ، عندما دعاه الى الإسلام:
( أسلم يا عمرو يؤمنك الله من الفزع الأكبر . قال: يا محمد وما الفزع الأكبر، فإني لا أفزع ! فقال يا عمرو: إنه ليس كما تظن وتحسب ! إن الناس يصاح بهم صيحة واحدة ، فلا يبقى ميت إلا نشر ، ولا حي إلا مات ، إلا ما شاء الله .
ثم يصاح بهم صيحة أخرى فينشر من مات، ويُصَفُّونَ جميعاً ، وتنشق السماء وتُهَدُّ الأرض ، وتَخِرُّ الجبال هداً ، وترمي النار بمثل الجبال شرراً ، فلا يبقي ذو روح إلا انخلع قلبه وذكر ذنبه وشغل بنفسه ، إلا من شاء الله !
فأين أنت يا عمرو من هذا ؟! قال: ألا إني أسمع أمراً عظيماً . فآمن بالله ورسوله وآمن معه من قومه ناس ورجعوا إلى قومهم ).
وذات يوم كان عمرو في المدينة ، فوجد قاتل أبيه ابن عثعث الخثعمي ، فأخذ برقبته ثم جاء به إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: (أُعْدُني على هذا الفاجر الذي قتل والدي . فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : أهدر الإسلام ما كان في الجاهلية ).
فانصرف عمرو مرتداً ، فأغار على قوم مسلمين ومضى إلى قومه ، فجمع بني زبيد لحرب النبي صلى الله عليه وآله إن أرسل لهم جيشاً .
فأرسل لهم النبي صلى الله عليه وآله علياً عليه السلام فقال بنو زبيد لعمرو: كيف أنت يا با ثور إذا لقيك هذا الغلام القرشي ، فأخذ منك الإتاوة؟ قال: سيعلم إن لقيني!
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 208 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فلما اصطفوا للقتال خرج عمرو فقال: من يبارز؟ فمشى اليه علي عليه السلام ولما اقترب منه فصاح به صيحة فانهزم عمرو ! وبرز أخوه فقتله علي عليه السلام .
وبعد ثلاثة أيام رجع عمرو ، فعفا عنه علي عليه السلام ، بعد أن أفهمه معنى الفزع الأكبر ! (الإرشاد:1/145)
ومن عجيب ما قرأت في تفسير قوله تعالى: وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ. (النمل:87).
ما رواه في الكافي(4/258): (عن هارون بن خارجة قال: سمعت أبا عبد الله (الإمام الصادق عليه السلام ) يقول: من دفن في الحرم أمن من الفزع الأكبر ، فقلت له: من بَرِّ الناس وفاجرهم ؟ قال: من بَرِّ الناس وفاجرهم ) !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 209 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الحادي عشر : الأحداث الكبرى بين النفختين

(1) العمليات الكبرى في الكون بعد إفناء الأحياء

وصف الإمام الصادق عليه السلام فناء العالم بعد النفخة الأولى بقوله: (فعند ذلك تبطل الأشياء وتفنى ، فلا حسٌّ ولا محسوس ) .
وقد أخبرنا القرآن أن أحداثاً كبرى تقع في هذه الفترة ، وهي أحداثٌ لايحتملها الأحياء ، ولذلك تكون بين النفختين .
وبهذه الأحداث يعاد خلق الكون من جديد، قال تعالى:يَوْمَ نَطْوِى السَّمَاءَ كَطَىِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًأَ عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ.(الأنبياء:104).
فإماتة الناس بالنفخة الأولى قبل هذه الأحداث رحمةٌ بهم ، لأن إعادة الكون أمرٌ ضروري ، وهذه الأحداث هي عمليات إعادته .
1. أحداث تتعلق بالأرض تقع بين النفختين:
قال الله تعالى:إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ . وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ . وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ . وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ . (الإنفطار:1-4).
إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ . وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ . وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ . وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ . وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ . وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ. (التكوير:1-6).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 210 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ . وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ . وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ. وَأَلَقْتَ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ . وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ. يَا أَيُّهَا الإنسان إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ . (الإنشقاق:1-6).
إِذَا رُجَّتِ الأَرْضُ رَجًّا . وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا . فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا. (الواقعة:4-6).
فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ . وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً. فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ . وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ . وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ . يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ . (الواقعة:13-18).
يَوْمَ تَرْجُفُ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلاً . (المزّمّل:14).
كَلا إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا . وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا . (الفجر:21-22)
فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ. وَخَسَفَ الْقَمَرُ . وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ . يَقُولُ الإنسان يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ . (القيامة:7-10).
كَلا إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا . وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا . وَجِيئَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنسان وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى . (الفجر:22-23).
إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً . وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا . (الكهف:7-8).
يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ.(إبراهيم:48).
يَوْمَ تَرْجُفُ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلاً . (المزّمّل:14).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 211 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ. وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ . وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ . وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ. لأَىِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ . لِيَوْمِ الْفَصْلِ . (المرسَلات:8-13).
2- أحداث تتعلق بالسماء بين النفختين:
قال الله تعالى: يَوْمَ نَطْوِى السَّمَاءَ كَطَىِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًأَ عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ . (الأنبياء:104).
وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ . (الزمر:67).
إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ. (يونس:4).
كما توجد أحداثٌ نشك في وقتها هل هي قبل النفخة الثانية أم بعدها ، لأنه ورد فيها ذكر الناس ، كقوله تعالى: إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا . وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا . وَقَالَ الإنسان مَا لَهَا .
وقوله تعالى: وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا . (الكهف:47).
فقول الإنسان: مالها ، في المحشر بعد النفخة الثانية ، لكن قد تكون زلزلة الأرض وإخراج أثقالها بعد النفخة الأولى . وظهور الأرض بارزة وحشر الناس بعد الثانية ، لكن قد يكون تسيير الجبال بعد النفخة الأولى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 212 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

(2) ملاحظات على الأحداث بين النفختين

تضمنت الآيات والأحاديث أحداثاً كبرى تتعلق بالأرض والكون والمخلوقات وكتب العلماء بحوثاً عن تكوين الأرض والسماء والإنسان ، وهي تؤيد الحقائق القرآنية ، بل تكشف إعجاز القرآن في حديثه عن الطبيعة .
ولو أردنا بحث المسائل العلمية في هذه الآيات وتفسيرها من حديث النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام ، ونظريات العلم الحديث فيها.. لاحتجنا الى مجلدات .
لذلك نكتفي بعرض نموذج لآية:يَوْمَ نَطْوِى السَّمَاءَ كَطَىِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ . أي كما يطوي الصحاف الكتاب ويلفه طوماراً . وقيل معناه كما يطوي السجل ما يكتب فيه . وهذان المعنيان تجدهما في عامة التفاسير .
وقال الشريف الرضي في تلخيص البيان/287: (وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ، أي مجموعات في ملكه ومضمومات بقدرته . واليمين هاهنا بمعنى الملك ).
وقال الطبري في تفسيره (17/131):(واختلف أهل التأويل في معنى السجل الذي ذكره الله في هذا الموضع ، فقال بعضهم: هو إسم ملك من الملائكة . ذكر من قال ذلك..وذكر أنه قول ابن عمر والسدي..ثم قال: كان ابن عباس يقول: هو الرجل... وقال آخرون: بل هو الصحيفة التي يكتب فيها ).
وقال علي بن إبراهيم في تفسيره (2/77): ( السجل إسم الملك الذي يطوي الكتب ، ومعنى يطويها أي يفنيها ، فتتحول دخاناً والأرض نيراناً ).
ولم أجد عن المعصومين عليه السلام ما يفعل الله بالسماء بعد طيها ، فلا نعلم مأخذه .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 213 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ونورد هنا مقالة موجزة من: موقع الإعجاز العلمي للقرآن والسنة:
http://www.eajaz.com/
( خلال آلاف السنوات كان الإعتقاد السائد عند الناس عن الكون أنه كروي ، وأن الأرض هي مركز هذا الكون ، وأن الكون يدور من حولها ، وقد وضع أرسطو مخططاً اعتبر أن الأرض هي المركز، والكواكب والشمس والقمر والنجوم تدور حولها.
وفي عام 1917قام ألبرت آينشتاين بوضع نموذج للكون ، متوافق مع نظريته النسبية ، وكان نموذجه معتمداً على الشكل الكروي ، وقرّر بأن الكون ثابت منذ أن وُجد ، ولا يزال كذلك وسيبقى على ما هو عليه ، ومن أجل تحقيق هذا الهدف وضع ثابتاً كونياً سماه: ثابت آينشتاين.
ولكن الأمر انقلب رأساً على عقب ، عندما جاء العالم هابل بعد ذلك ، وأثبت بالتجربة أن المجرات تتباعد عنا بسرعات كبيرة ، مما يؤكد أن الكون كان في الماضي أصغر مما هو عليه الآن .
وعندها اعترف آينشتاين بأنه أخطأ خطأً شنيعاً باعتباره الكون ثابتاً، ثم عاد وصرح بأن الكون يتوسَّع .
كما يؤكد جميع العلماء أن نظرية الكون الأبدي لم يعد لها وجود اليوم ، بعد اكتشاف العلماء توسع الكون وتطوره .
ولكن السؤال الذي بقي يشغل بال الفلكيين:كيف كان شكل الكون في الماضي واليوم ، وإلى أين يذهب ؟
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 214 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يؤكد معظم العلماء حقيقة أن الكون مسطح ويشبه الورقة ! وهاهم علماء وكالة ناسا الأمريكية للفضاء يؤكدون وبالحرف الواحد:
"The most widely accepted theory predicts that the density of the Universe is very close to the critical density, and that the shape of the Universe should be flat, like a sheet of paper."
(إن النظرية الأكثر والأوسع قبولاً تتوقع بأن كثافة الكون قريبة جداً من الكثافة الحرجة ، وأن شكله ينبغي أن يكون منبسطاً ، مثل صفيحة من الورق ).

(3) المدة الزمنية بين النفختين

سئل الإمام الصادق عليه السلام (الإحتجاج:2/77):( أفتتلاشى الروح بعد خروجه عن قالبه أم هو باق ؟ قال: بل هو باق إلى وقت ينفخ في الصور . فعند ذلك تبطل الأشياء وتفنى ، فلا حس ولا محسوس . ثم أعيدت الأشياء كما بدأها مدبرها ، وذلك أربع مائة سنة ، يسبت فيها الخلق ، وذلك بين النفختين ).
وفي الدر المنثور(5/337): (وأخرج البخاري ومسلم وابن جرير وابن مردويه ، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله :بين النفختين أربعون . قالوا يا أبا هريرة أربعون يوماً؟قال: أبَيْتُ . قالوا: أربعون شهراً؟ قال: أبيت. قالوا: أربعون عاماً. قال: أبيت. ثم ينزل الله من السماء ماء، فينبتون كما ينبت البقل وليس من الإنسان شئ إلا يبلى إلا عظما واحداً وهو عُجْبُ الذنب، ومنه يُرَكَّب الخلق يوم القيامة).
وقد تقدم عن الإمام الصادق عليه السلام أن البدن يبلى: ( إلا طينته التي خلق منها فإنها لا تبلى، تبقي في القبر مستديرة ، حتى يخلق منها كما خلق أول مرة). (الكافي:3/251).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 215 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

(4) لماذا كان الموت والمعاد ضرورة ؟

قال الله تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالآنْسَ إِلالِيَعْبُدُونِ . لكن اللام هنا ليست لام الغاية بل لام الطريق ، أما لام الغاية ففي قوله تعالى: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ، فقد خلقنا لنكسب عطاءه ورحمته فنتكامل، وأعطانا القدرة لذلك . فمنا من استجاب وآمن وعمل صالحاً . ومنا من كفر وعمل سيئاً فاستحق العقوبة .
وبما أن دار الدنيا محدودة ، ولا تتسع لنتائج أعمالنا ولاتتسع لحياة الخلود ، فكان لا بد من دار أخرى يتحقق فيها الجزاء بالثواب والعقاب .
وقد استدل علماء الإسلام والأديان على ضرورة المعاد والحساب والمجازاة ، بالأدلة العقلية والنقلية .
منها: أن كل عاقل يدرك أن المحسن والمسئ في الأقوال والأعمال ليسا سواء ، وأن التسوية بينهما ظلم وسفاهة . وبما أنهم لا ينالون جزاء أعمالهم في هذه الدنيا ، فلا بد من دار أخرى . قال الله تعالى: أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ . (صاد:28).
ومنها: أنا نرى أفعال الله تعالى في خلقه حكيمة ودقيقة ، وقد جهز الإنسان بقوى أوسع وأعلى من قوى الحياة الحيوانية ، فالحكمة الإلهية تقتضي أن لا تقتصر حياة الإنسان على الحياة المادية والحيوانية .
قال تعالى: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ. (المؤمنون:115).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 216 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ومنها: أن الفطرة البشرية تقضي بأن حكمة الله تعالى وعدله ، تستوجب وجود حياة أخرى تؤخذ فيها حقوق المظلومين من الظالمين . وَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلاًعَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ . (إبراهيم:42).
ومنها: آيات القرآن العديدة ، وأحاديث النبي صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام : قال صلى الله عليه وآله : ( يا بني عبد المطلب ، إن الرائد لا يكذب أهله . والذي بعثني بالحق نبياً ، لتموتن كما تنامون ، ولتبعثن كما تستيقظون ، وما بعد الموت دار إلا جنة أو نار . وخلق جميع الخلق وبعثهم على الله عز وجل كخلق نفس واحدة وبعثها).
وقال الإمام زين العابدين عليه السلام : (الْحَمْدُ لِلَّه الأَوَّلِ بِلَا أَوَّلٍ كَانَ قَبْلَه ، والآخِرِ بِلَا آخِرٍ يَكُونُ بَعْدَه.. ابْتَدَعَ بِقُدْرَتِه الْخَلْقَ ابْتِدَاعاً ، واخْتَرَعَهُمْ عَلَى مَشِيَّتِه اخْتِرَاعاً . ثُمَّ سَلَكَ بِهِمْ طَرِيقَ إِرَادَتِه ، وبَعَثَهُمْ فِي سَبِيلِ مَحَبَّتِه.. وجَعَلَ لِكُلِّ رُوحٍ مِنْهُمْ قُوتاً مَعْلُوماً مَقْسُوماً مِنْ رِزْقِه.. ثُمَّ ضَرَبَ لَه فِي الْحَيَاةِ أَجَلًا مَوْقُوتاً ، ونَصَبَ لَه أَمَداً مَحْدُوداً ، يَتَخَطَّى إِلَيْه بِأَيَّامِ عُمُرِه ، ويَرْهَقُه بِأَعْوَامِ دَهْرِه، حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَقْصَى أَثَرِه ، واسْتَوْعَبَ حِسَابَ عُمُرِه، قَبَضَه إِلَى مَا نَدَبَه إِلَيْه مِنْ مَوْفُورِ ثَوَابِه ، أَوْ مَحْذُورِ عِقَابِه: لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا ويَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى.عَدْلًا مِنْه تَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُه وتَظاهَرَتْ آلَاؤُه). ( الصحيفة السجادية/28 ).
وقد حاول بعض المتأثرين بالفلسفة والتصوف ، تفسير المعاد حسب فهمهم للكون والآيات ، فبعضهم قارب ، وبعضهم شطح شطحاً بعيداً .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 217 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ومن المعتدلين نسبياً السيد الطباطبائي قدس سره قال:(فطي السماء على هذا ، رجوعها إلى خزائن الغيب بعد ما نزلت منها وقُدَّرَت ، كما قال تعالى: وَإِنْ مِنْ شَئٍْ إِلا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ . قال تعالى: وَإِنْ مِنْ شَئٍْ إِلا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ . وقال مطلقاً: وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ. وقال: إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى. ولعله بالنظر إلى هذا المعنى قيل إن قوله: كَمَا بَدَأْنَا أَوَلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ ، ناظر إلى رجوع كل شئ إلى حاله التي كان عليها حين ابتدئ خلقه ، وهي أنه لم يكن شيئاً مذكوراً كما قال تعالى: وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً). (الميزان:14/329)
وقال في الميزان (7/128): (فما من شئ مما خلقه الله سبحانه إلا وله في خزائن الغيب أصل يستمد منه ، وما من شئ مما خلقه الله إلا والكتاب المبين يحصيه قبل وجوده وعنده وبعده ، غير أن الكتاب أنزل درجة من الخزائن ، ومن هنا يتبين للمتدبر الفطن أن الكتاب المبين ، في عين أنه كتاب محض ، ليس من قبيل الألواح والأوراق الجسمانية ، فإن الصحيفة الجسمانية أياً ما فرضت وكيفما قدرت ، لا تحتمل أن يكتب فيها تاريخ نفسه فيما لا يزال ، فضلاً عن غيره ، فضلا عن كل شئ في مدى الأبد ).
ومن المتطرفين القائلين بوحدة الوجود: ابن عربي والقيصري ، حيث فسر المعاد وطي السماء ، بأنه نزع التعيينات عن الموجودات ، وإعادتها الى الوجود الكلي !
قال في شرح الفصوص/141: (أي نزيل عنها التعين السماوي ليرجع إلى الوجود المطلق ، بارتفاع وجوده المقيد ، فقال: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ، مشيراً
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 218 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إلى ظهور دولة حكم المرتبة الأحدية . وجاء في الخبر الصحيح أيضاً أن الحق سبحانه يميت جميع الموجودات حتى الملائكة وملك الموت أيضاً ، ثم يعيدها للفصل والقضاء بينهم ، لينزل كل منزلته من الجنة والنار .
وأيضاً ، كما أن وجود التعينات الخَلْقِية ، إنما هو بالتجليات الإلهية في مراتب الكثرة ، كذلك زوالها بالتجليات الذاتية في مراتب الوحدة .
ومن جملة الإسماء المقتضية لها ، القهار والواحد والأحد والفرد والصمد والغني و العزيز والمعيد والمميت والماحي وغيرها ) .
وقصده عودة المخلوقات لتتحد مع الله ، معاذ الله !
وكلامهم هؤلاء ظنون مصفوفة ، واحتمالات مرصوفة ، واستحسانات منمقة ، لا دليل عليها من عقل أو قرآن أو حديث . فلا يمكن لباحث أن يقبلها .
أما صدر الدين الشيرازي المعروف بصدر المتألهين ، ففسر المعاد تفسيراً أقرب الى فهم الماديين ، فتحامل عليه العلماء وقالوا إنه شطح بتفسيره عن القرآن ، وأنكر المعاد الجسماني . قال في أسرار الآيات/86 في تفسير قوله تعالى: يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ: ( فإن لجميع الموجودات الطبيعية حركة جوهرية ذاتية ، وتحولاً من صورة إلى صورة حتى يقع لها الرجوع إلى الله بعد صيرورتها غير نفسها ، بحسب الصورة السابقة ، وتحولها إلى نشأة أخرى . ولو كانت هذه الطبائع ثابتة الجوهرية مستمرة الهوية ، لم تنتقل هذه الدار إلى دار الآخرة، ولم تتبدل الأرض غير الأرض ، ولا السماوات غير السماوات ).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 219 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال في أسرار الآيات/96، في تفسير قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ: (وهذه الوراثة والرجوع إنما يتحققان إذا صارت الأرض غير الأرض ، بأن تصير أرضاً حية بيضاء منيرة مشرقة عقلية ، كما في قوله: يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ، وقوله: وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا . وإلا فما دامت كثيفة مظلمة ميتة ، فهي بعيدة المناسبة عن الحضرة الإلهية .
وقوله: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلا آتِى الرَّحْمَنِ عَبْدًا. لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا . وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا ، أي مجرداً عن الأجسام وعوارضها المادية وأوضاعها الحسية ، بل عن إنياتهم وهوياتهم المغايرة للحق، لاستغراقهم في بحر الطبيعة وانغمارهم في الدنيا . وذلك التجرد إنما يحصل بالفناء عن هذه النشأة الطبيعية ، والحشر إلى الله والبعث في القيامة..
وقوله: يَوْمَ نَطْوِى السَّمَاءَ كَطَىِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًأَ عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ. قد مر سابقاً أن هذه الأجسام الطبيعية منشورة في الدنيا مطوية في الآخرة ، والأرواح بعكس ذلك ).
وقال في أسرار الآيات/198: (فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ . عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ . وبهذا التبديل في الوجود ، سواء وقع قبل الموت أو بالموت أو بعده ، يستحق الإنسان لدخول الجنة ودار السلام ، ويتحقق الفرق بين أهل الجنة وأهل النار ، فأهل الجنة لهم أبدان مطهرة وصور مجردة عن رجس هذه المواد ، بخلاف أهل الجحيم لعدم تبدل نشأتهم كما قال
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 220 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
تعالى: أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ. كَلا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ . قال المفسرون: المعنى أنكم مخلوقون من نطفة قذرة ، لا يناسب المكون من هذه المادة عالم القدس والطهارة ).
ومن الواضح أن تفسيره استحساني ، فهو يتصور برنامجاً لعمل الله تعالى ، ومراحل لوجود مخلوقاته ، ولم يستدل على أصله ولا مفرداته من برهان العقل القطعي أو القرآن والسنة . ومن ذلك استدلاله على قذارة الإنسان واستحقاقه النار بأنه من نطفة المني ! ولم يذكر دليلاً إلا (قال المفسرون) !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 221 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الثاني عشر : القيامة والحشرالأكبر

(1) آيات النفخة الثانية والمحشر

النفخة والصيحة وقيام الناس من قبورهم:
قال الله تعالى: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ . وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيْئَ بِالنَّبِيِّنَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ . وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَأَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ . (الزمر:68-70).
وقال تعالى: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ . (يس:51).
وقال تعالى:خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ . (القمر:7).
وقال تعالى: فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ . يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ . خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ . (المعارج:42-44 ).
وقال تعالى: وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ . يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ . إِنَّا نَحْنُ نُحْيِى وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ . يَوْمَ تَشَقَّقُ الأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ . (قاف:41-44).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 222 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال تعالى: وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ. مَا يَنْظُرُونَ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ. فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ. وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ. قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ. إِنْ كَانَتْ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ. فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلا تُجْزَوْنَ إِلا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. (يس:48-54).
النداء ودعوة الناس الى المحشر:
وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّى نَسْفًا. فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا. لاتَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا. يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِىَ لاعِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلا هَمْسًا. (طَهَ:105-108).
يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا قَلِيلاً. (الإسراء:52).
وَمِنْ آيَإِتِه أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ. (الروم:25 ).
الراجفة والرادفة والزجرة:
يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ . تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ . قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ . أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ . يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ . أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً.قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ . فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ . فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ . (النازعات:6-14).
النفخة ودكُّ الأرض وانشقاق السماء:
فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ. وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً. فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ. وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ. وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 223 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ. يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ. (الحاقّة:13-18).
النفخة وفزع الخلائق منها:
وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ . (النمل:87).
النفخة وسَوْق الناس الى المحشر:
وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ. وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ. لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ(قاف:20-22).
النفخة وأفواج الناس:
إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا . يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا. وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا. وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا . (النبأ:17-20).
النفخة وحشر المجرمين:
يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا . يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا عَشْرًا.نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا يَوْمًا.(طَهَ:102-104).
قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّى فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّى جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّى حَقًّا . وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا . وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا . (الكهف:98-100).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 224 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

(2) الولادة الثالثة من أرض المحشر !

إنبات الناس من الأرض ثانية:
وَاللهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتاً.ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا.(نوح:17- 18).
قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ . (الأعراف:25).
يُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَىِّ وَيُحْيِى الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ . (الروم:19 ).
وَمِنْ آيَإِتِه أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ . (الروم:25).
وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ.(الزخرف:11 ).
وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ . (الأعراف:57).
وراثة المؤمنين للأرض في الآخرة:
وَلَقَدْكَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَاعِبَادِىَ الصَّالِحُونَ.(الأنبياء:105).
وَقَالُوا الْحَمْدُ للهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ . (الزمر:74).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 225 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

(3) شكل أرض المحشر

يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ ، وَبَرَزُوا للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ. (إبراهيم:48).
وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا.(الكهف:47).
من المؤكد أن الكون الجديد في الآخرة سيكون أرقى من هذا الكون من عدة جهات . بعد أن تمت عمليات تغيير كبرى فيه ، بل يطوى السابق ويعاد مجدداً.
والمفهوم من آياته وأحاديثه الصحيحة ، أن تركيب ذرات مادته تختلف ، لأن تراب الأرض يكون كالخبز النقي ، ويكون مادة غذائية كاملة لأهل المحشر .
ومدى البصر فيه يكون أوسع . وقد يكون نظام الكون يختلف كلياً عن النظام الكروي الذي نراه في كوننا الفعلي .
ومستوى وعي الناس بشكل عام يكون أعلى ، ويتميز كل إنسان بنوع بدنه ووعيه وإمكاناته ، حسب عمله في الدنيا ، وليس حسب جيناته المورثة .
روى في الكافي (6/286) بسند صحيح أن الأبرش الكلبي سأل الإمام الباقر عليه السلام عن قوله تعالى: يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ ، قال: تُبَدَّلُ خُبْزَةً نَقِيَّةً ، يأكل الناس منها حتى يُفرغ من الحساب . قال الأبرش فقلت: إن الناس يومئذ لفي شغل عن الأكل . فقال أبو جعفر عليه السلام : هم في النار لا يشتغلون عن أكل الضريع وشرب الحميم وهم في العذاب ، فكيف يشتغلون عنه في الحساب .
وفي رواية عنه عليه السلام : أهم أشد شغلاً يومئذ أم من في النار، فقد استغاثوا . والله عز وجل يقول:وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِى الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ.
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 226 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال عليه السلام : إن الله عز وجل خلق ابن آدم أجوف . وقال الإمام الصادق عليه السلام : إنما بني الجسد على الخبز ) .
وفي تفسير العياشي (2/236): (عن ثوير بن أبي فاختة ، عن علي بن الحسين عليه السلام قال: تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ ، يعني بأرض لم تكتسب عليها الذنوب . بارزة: ليست عليها جبال ولا نبات ، كما دحاها أول مرة ).
وفي شرح الأخبار(3/280): (قال له أبو جعفر عليه السلام : إن الله عز وجل يقول: يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ . فيحشر الناس يوم القيامة على الأرض ، وتكون لهم كالخبزة النقية يأكلون منها ، وأنهار متفجرة يشـربون منها ، إلى أن يُفرغ من حسابهم ).
وفي متشابه القرآن لابن شهر آشوب (2/99): (عن ابن عباس: أي تبدل صورتها من الآجام والآكام والبحار والأنهار ، وتبدل السماوات ، فتذهب شمسها وقمرها ونجومها ) .
وروى الحاكم (4/570) عن ابن مسعود: (أرض كالفضة بيضاء نقية ، لم يسفك فيها دم ، ولم يعمل فيها خطيئة ، يُسْمِعهم الداعي ، ويَنْفُذُهُم البصَر، حفاة عراة قياماً ، ثم يلجمهم العرق ).
وفي فتح الباري(11/324): (عن ابن مسعود بلفظ: أرض بيضاء كأنها سبيكة فضة . ورجاله موثقون ).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 227 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد استعرض الطبري في تفسيره (13/330) الروايات والأقوال في الآية ، ثم روى عن علي عليه السلام أن معناها: الأرض من فضة ، والجنة من ذهب ) .
لكنه شكك في هذه الروايات وقال: (وجائز أن تكون المبدلة أرضاً أخرى من فضة ، وجائز أن تكون ناراً ، وجائز أن تكون خبزاً ، وجائز أن تكون غير ذلك ، ولا خبر في ذلك عندنا من الوجه الذي يجب التسليم له أيُّ ذلك يكون ، فلا قول في ذلك يصح ، إلا ما دل عليه ظاهر التنزيل ) .
أقول: دلت الأحاديث على أنه ليس في أرض المحشر ولا في الجنة شموس وأقمار ، بل تشرق بنور ربها ، ونور النبي صلى الله عليه وآله ونور الأئمة عليهم السلام ونور المؤمنين . وما ورد من عرق الناس في المحشر لا بد أن يكون من حرارة غير الشموس .
وفي أرض المحشر ماء وأنهار ، يشرب منه الناس ، أما حوض الكوثر فلا يشرب منه إلا من يستحق الجنة ، ومن شرب منه لا يظمأ بعده ولا يطلب ماء آخر .
كما أن في أرض المحشر منطقة مرتفعة تسمى الأعراف وهي كثبان مسك مرتفعة ، وهي مركز رئاسة المحشر وموقف النبي صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام ، ويرى منها الصـراط والجنة والنار . ونظام الرؤية هناك يختلف عنه في الأرض .
ومساحة الجنة أكبر مما نتصور ، ويبدو أنها تكون بعيدة عن أرض المحشـر ومرتفعة عنها ، وقد صحت الرواية بأنه يصب من الجنة نهران في حوض الكوثر.
أما النار فهي صغيرة ، ويؤتى بها يوم القيامة ، وتقع تحت الصراط ، أعاذنا الله .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 228 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
حول آية: فإذا هم بالساهرة
يظهر أن أرض المحشر تنقسم ، في مرحلة من المراحل الى قسمين ، فتتميز أرض المكذبين بالآخرة عن أرض المؤمنين ، وتسمى أرضهم الساهرة: قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ. أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ.يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ . أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً . قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ. فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ. فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ.(النازعات:8-14).
قال في تلخيص البيان/358:( قالوا إنما سميت ساهرة على مثال: عيشة راضية . كأنه جاء على النسب: ذات السهر ، وهي الأرض المخوفة ، أي يسهر في ليلها خوفاً من طوارق شرها ) . وفي مختصر البصائر/28: (إذا انتقم منهم وماتت الأبدان ، بقيت الأرواح ساهرة لا تنام ولا تموت ) .
أما الخليل فالساهرة عنده لاتدل على السهر ، فقد فسـرها في العين (4/7) فقال: (أي: على وجه الأرض ) .
حول آية: وأشرقت الأرض بنور ربها
لايوجد في نظام الكون في الآخرة شمس وقمر، فمن أين تضئ أرض المحشر؟
قال الله تعالى: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ. وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِئَ بِالنَّبِيِّنَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ.(الزمر:-6869 ).
قال الطبري في تفسيره (24/42): (وذلك حين يبرز الرحمن لفصل القضاء بين خلقه . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 229 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وهذا لا يصح كما ستعرف ، لأن الله تعالى تراه القلوب والعقول والنفوس ، ولا تدركه الأبصار ، لا في الدنيا ولا في الآخرة . بل تشرق الأرض بنور يخلقه عز وجل ، أو بنور الأنبياء والأوصياء عليهم السلام ، ونور المؤمنين .
قال تعالى: يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ . (الحديد:12).
وقال تعالى: يَوْمَ لايُخْزِى اللهُ النَّبِىَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا . (التحريم:8).
وقد روينا أن الأرض في عهد الإمام المهدي عليه السلام تُشرق بنوره ، كما في تفسير القمي (2/253) ، بسند صحيح عن الإمام الصادق عليه السلام قال: (رب الأرض يعني إمام الأرض ، فقلت: فإذا خرج يكون ماذا ؟ قال: إذاً يستغني الناس عن ضوء الشمس ونور القمر ، ويجتزون بنور الامام) .
حول آية: يوم يخرجون من الأجداث سراعاً
قال الله تعالى: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ. (يس:51).
وقال: يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ. (المعارج:43).
وقال: خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ. (القمر:7).
وفي تفسير القمي(2/216) عن الإمام الباقر عليه السلام قال: (فإن القوم كانوا في القبور ، فلما قاموا حسبوا أنهم كانوا نياماً: قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا . قالت الملائكة: هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 230 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

(4) كيف تتم زراعة الناس وإنباتهم ؟

في تفسير القمي(2/253)، بسند صحيح: (عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا أراد الله أن يبعث الخلق ، أمطر السماء على الأرض أربعين صباحاً ، فاجتمعت الأوصال ونبتت اللحوم . وقال: أتى جبرئيل رسول الله صلى الله عليه وآله فأخذ بيده وأخرجه إلى البقيع فانتهى به إلى قبر فصوَّتَ بصاحبه فقال: قم بإذن الله، فخرج منه رجل أبيض الرأس واللحية، يمسح التراب عن وجهه، وهو يقول: الحمد لله والله أكبر ، فقال جبرئيل: عُد بإذن الله . ثم انتهى به إلى قبر آخر فقال: قم بإذن الله ، فخرج منه رجل مسود الوجه وهو يقول: يا حسرتاه يا ثبوراه ! ثم قال له جبرئيل: عد إلى ما كنت فيه بإذن الله ، فقال: يا محمد ، هكذا يحشرون يوم القيامة . فالمؤمنون يقولون هذا القول ، وهؤلاء يقولون ما ترى) .
وفي الإحتجاج(2/97) ، من حديث الإمام الصادق عليه السلام مع الزنديق: (قال: إن الروح مقيمة في مكانها: روح المحسن في ضياء وفسحة ، وروح المسئ في ضيق وظلمة ، والبدن يصير تراباً كما منه خلق ، وما تقذف به السباع والهوام من أجوافها ، مما أكلته ومزقته ، كل ذلك في التراب محفوظ عند من لا يعزب عنه مثقال ذرة في ظلمات الأرض ، ويعلم عدد الأشياء ووزنها، وإن تراب الروحانيين بمنزلة الذهب في التراب ، فإذا كان حين البعث مطرت الأرض مطر النشور، فتربو الأرض ثم تمخضهم مخض السقاء فيصير تراب البشر كمصير الذهب من التراب إذا غسل بالماء والزبد من اللبن إذا مخض ، فيجتمع تراب كل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 231 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قالب إلى قالبه ، فينتقل بإذن الله القادر إلى حيث الروح ، فتعود الصور بإذن المصور كهيئتها ، وتلج الروح فيها، فإذا قد استوى لا ينكر من نفسه شيئاً ).
وفي تفسير الطبري (8/274): (قال أبو هريرة: إن الناس إذا ماتوا في النفخة الأولى أمطر عليهم من ماء تحت العرش يدعى ماء الحيوان ، أربعين سنة فينبتون كما ينبت الزرع من الماء ، حتى إذا استكملت أجسامهم نفخ فيهم الروح ، ثم يلقي عليهم نومة ، فينامون في قبورهم ، فإذا نفخ في الصور الثانية ، عاشوا وهم يجدون طعم النوم في رؤوسهم وأعينهم ، كما يجد النائم حين يستيقظ من نومه ، فعند ذلك يقولون: يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا. فناداهم المنادي: هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ ).
أقول: تقدم في الصحيح عندنا عن الإمام الصادق عليه السلام لما سئل هل يبلى الميت؟ (قال: نعم ، حتى لايبقى له لحم ولا عظم ، إلا طينته التي خلق منها فإنها لا تبلى، تبقي في القبر مستديرة حتى يخلق منها كما خلق أول مرة).(الكافي:3/251).
وروى البخاري ومسلم أن النبي صلى الله عليه وآله قال: (وليس من الإنسان شئ إلا يبلى إلا عظما واحداً وهو عُجْبُ الذنب، ومنه يركب الخلق يوم القيامة).(الدر المنثور:5/337)
وفي صحاح الجوهري (1/1045): (العُصْعُص، بالضم: عَجْبُ الذنب ، وهو عظمه . يقال: إنه أول ما يخلق وآخر ما يبلى) .
فكيف يخلق الإنسان من تلك الذرة المستديرة ، أو من العُصص على رواية البخاري؟
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 232 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
تدل رواياتنا على أن هذه الذرة تُزرع في أرض المحشر وتتغذى من ترابها ، فتكون بدناً حسب مواصفاتها المخزونة فيها. وهذا معنى قوله تعالى: وَاللهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا . ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا .
لكن حديث الإمام الصادق عليه السلام يقول إن ذرات بدن الإنسان مهما بليت وصارت أجزاء من غيرها ، فهي محفوظة في التراب ، وأن مطر النشور يخلصها منها ويجمعها الله الى قالبها ، وعندما تكتمل تذهب الى الروح !
قال عليه السلام : (والبدن يصير تراباً كما منه خلق ، وما تقذف به السباع والهوام من أجوافها ، مما أكلته ومزقته ، كل ذلك في التراب محفوظ عند من لا يعزب عنه مثقال ذرة في ظلمات الأرض ، ويعلم عدد الأشياء ووزنها، وإن تراب الروحانيين بمنزلة الذهب في التراب ، فإذا كان حين البعث مطرت الأرض مطر النشور، فتربو الأرض ثم تمخضهم مخض السقاء ، فيصير تراب البشر كمصير الذهب من التراب إذا غسل بالماء ، والزبد من اللبن إذا مخض ، فيجتمع تراب كل قالب إلى قالبه ، فينتقل بإذن الله القادر إلى حيث الروح ، فتعود الصور بإذن المصور كهيئتها ، وتلج الروح فيها ، فإذا قد استوى لا ينكر من نفسه شيئاً ) .
ويظهر أن هذه الأجزاء تتحد مع الذرَّة المستديرة وتُكَوِّن بدن الإنسان ، وهي القالب الذي قال عنه عليه السلام : (فيجتمع تراب كل قالب إلى قالبه ، فينتقل بإذن الله القادر إلى حيث الروح ). فبدن الإنسان في الآخرة مركب من ذرته المستديرة ، وتضم اليها أجزاؤه المحفظة رغم كل التبدلات ! فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 233 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

(5 ) بعض الناس يحشرون عراة !

روت مصادر السنة أحاديث صحيحة في البخاري ومسلم وغيرهما ، أن كل الناس يحشرون عراةً يوم القيامة !
فقد روى البخاري عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله قال في خطبته على المنبر: (إنكم تحشرون حفاة عراة غُرْلاً(غير مختونين) ثم قرأ:كَمَا بَدَأْنَا أَوَلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًأَ عَلَيْنَا إِنَّاكُنَّا فَاعِلِينَ. وأول من يكسى يوم القيامة إبراهيم . وإن أناساً من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال فأقول: أصحابي أصحابي! فيقال: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم ! فأقول: كما قال العبد الصالح: وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَئٍْ شَهِيدٌ. إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).(صحيح البخاري:4/110.وروى نحوه في خمسة مواضع:4/142 و:5/191 و:5/240 و:7/195و:8/85.
وفي تفسير الطبري(17/134) قالت عائشة: (دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وعندي عجوز من بني عامر فقال: من هذه العجوز يا عائشة؟ فقلت: إحدى خالاتي. فقالت:أدع الله أن يدخلني الجنة فقال..يحشرون حفاة عراة غلفاً. فقالت: حاش لله من ذلك ! قال رسول الله صلى الله عليه وآله : بلى ، إن الله قال:كَمَا بَدَأْنَا أَوَلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًأَ عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ . ثم روى أن عائشة قالت: يا نبي الله ، لايحتشم الناس بعضهم بعضاً؟ قال: لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 234 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ورووا حديثاً صحيحاً ينقضه ، أن أبا سعيد الخدري رضي الله عنه: ( لما حضـره الموت دعا بثياب جدد فلبسها ، وقال:سمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول: إن الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها ) . (فتح الباري:11/331).
وجمع ابن حجر وبعض علمائهم بين الحديثين ، بأن بعض الناس يحشـرون عراة وبعضهم كاسين ، لكن أكثر علمائهم لم يهتموا بحديث أبي سعيد !
وقال بعضهم إن حديث النبي صلى الله عليه وآله خاص بالصحابة المرتدين !
ولذلك قال أبو الفتح الكراجكي في كتابه التعجب من أغلاط العامة/89: (وهم الذين قال صلى الله عليه وآله لهم: ألا لأعرفنكم ترتدون بعدي كفاراً ، يضرب بعضكم رقاب بعض. وهم الذين قال لهم: إنكم محشورون إلى الله حفاة عراة ، وأنه سيجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول: يا رب أصحابي؟فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم) !
والتأمل في سياق الأحاديث التي رووها في حشر الناس عراة ، يقوي هذا الرأي ، وأن قصد النبي صلى الله عليه وآله به أولئك الصحابة الذين وصفهم بالردة بعده .
أما مصادرنا فقد روت أن الناس يحشرون عراة ، لكنها لم تنص على تعميم ذلك بل نصت على استثناء المؤمنين والأبرار .
فقد ورد ذكر العراة يوم القيامة في خطبة لأمير المؤمنين عليه السلام (نهج البلاغة: 1/216)قال: (أما بعد فإني أحذركم الدنيا ، فإنها حلوة خضرة ، حُفت بالشهوات ، وتحببت بالعاجلة ، وراقت بالقليل ، وتحلت بالآمال ، وتزينت بالغرور...
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 235 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الى أن قال عليه السلام : إتعظوا فيها بالذين قالوا: مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَةً! حمُلوا إلى قبورهم فلا يُدْعَوْنَ رُكبانا. وأنزلوا الأجداث فلا يدعون ضِيفاناً.. استبدلوا بظهر الأرض بطناً ، وبالسعة ضيقاً ، وبالأهل غربة ، وبالنور ظلمة . فجاءوها كما فارقوها حفاة عراة . قد ظعنوا عنها بأعمالهم ، إلى الحياة الدائمة والدار الباقية ، كما قال سبحانه: كَمَا بَدَأْنَا أَوَلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًأَ عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ ).
لكن كلامه عليه السلام عن نوعٍ من الحكام والعاصين ، الذين كانوا مغرورين بقوتهم ، فمثل هؤلاء يحشرون عراة ، والمؤمنون مستثنون من ذلك .
ويكفي لرد القول بعموم العري ، ما ثبت في فقهنا من استحباب إجادة الكفن لأن الناس يحشرون في أكفانهم . وأحاديث عديدة تنص على أن الناس يحشرون كاسين .
ففي جواب الإمام الصادق عليه السلام للزنديق (الإحتجاج:2/77): (قال: فأخبرني عن الناس يحشرون يوم القيامة عراة ؟قال: بل يحشرون في أكفانهم . قال: أنى لهم بالأكفان وقد بليت؟! قال: إن الذي أحيا أبدانهم جدد أكفانهم .قال: فمن مات بلا كفن؟قال: يستر الله عورته بما يشاء من عنده . قال: أفيعرضون صفوفاً؟ قال عليه السلام : نعم ، هم يومئذ عشرون ومائة ألف صف ، في عرض الأرض ) .
كما ورد في مصادر الطرفين في حديث وفاة فاطمة بنت أسد رضي الله عنها ، أنها كانت سمعت من النبي صلى الله عليه وآله إن الناس يحشرون عراة فخافت ، وأن النبي صلى الله عليه وآله كفنها بقميصه لتنجو من ضغطة القبر ، وتبعث يوم القيامة كاسية .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 236 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد روى ذلك الكافي(1/453) وأجاب عنه المرجع الراحل الميرزا جواد التبريزي قدس سره في صراط النجاة (2/567): (سؤال1757: ورد في كتاب وسائل الشيعة، كتاب الطهارة ، أبواب التكفين باب 18: استحباب إجادة الأكفان والمغالاة في أثمانها. فعن ابن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: تَنَوَّقُوا في الأكفان ، فإنكم تبعثون بها..الحديث.. ومن جهة أخرى فقد جاء في الكافي ، كتاب الحجة، باب مولد أمير المؤمنين صلوات الله عليه الحديث الثاني ، حكاية عن قصة فاطمة بنت أسد أم أمير المؤمنين’عن أبي عبد الله عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال..
وإني ذكرت القيامة وأن الناس يحشرون عراة ، فقالت: وا سوأتاه ، فضمنت لها أن يبعثها الله كاسية..الخ.
فكيف نوفق بين هذه الروايات على فرض صحتها؟وهل يمكن رفع هذا التعارض بالقول إن البعث مرحلة في القيامة ، والحشر مرحلة أخرى؟
التبريزي: استحباب إجادة الأكفان ثابت ، وخطاب الحشر بالأكفان راجع إلى المؤمنين، فلا ينافي حشر الفساق والكفار عراة . وما ورد في حشر الناس عراة لا يعم أهل الإيمان والبارِّين . والتضمين بالإضافة إلى فاطمة بنت أسد عليها السلام من رسول الله صلى الله عليه وآله كالضمان عن ضغطة القبر بالإضافة إليها ، وكما أن ضغطته لا تصيب المؤمن البار ، كذلك الأمر في الحشر عارياً .
هذا مع أن الرواية ضعيفة سنداً بالإرسال وغيره ، فلا توجب التشكيك في الأمر بالإجادة ، ولا في تعليقه بما ذكر ).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 237 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

(6) تنظيم الناس في المحشر

قال الله تعالى: وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا. وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا . وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَا لِهَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا . (الكهف:47-49).
وقال تعالى: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ. وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ . لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ . وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَىَّ عَتِيدٌ . (قاف:20-23).
والصف في الآية إسم جنس بمعنى مصفوفين . والسائق والشهيد: (سائق يسوقها إلى محشرها، وشاهد يشهد عليها بعملها ). (نهج البلاغة:1/149).
أي أن السائق مسؤول إداري عن موقف أحدنا وتنقلاته في المحشر . وقد ورد أنه قد يطلب من سائقه رؤية آخرين في المحشر فيُحضرهم اليه ، أو يأخذه اليهم.
أما الشهيد فمعه صحيفة أعماله ، ولا بد أنها بالصوت والصورة ، لقوله تعالى: إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ . ولعله من ملائكة الشخص الذين كانوا يراقبون أعماله في الدنيا ، فقد ورد أنهما يحضران في المحشر .
وعمل الشهيد أنه عندما يُحْضَرُ صاحبه للمحاكمة ويُفتح أحد ملفاته ، يخرج ما عنده!
أما الشاهد الأكبر فهو رسول الله صلى الله عليه وآله ، والسائق علي عليه السلام : (البحار:23/352).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 238 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أما عدد صفوف المحشر ، فقد روت مصادر الطرفين أنها مئة وعشـرون صفاً ، لكن روينا بسند صحيح عن الإمام الباقر عليه السلام قال: (والناس صفوف عشـرون ومائة ألف صف ، ثمانون ألف صف أمة محمد صلى الله عليه وآله ، وأربعون ألف صف من سائر الأمم). (الكافي:2/596) .
وقال الإمام الصادق عليه السلام : (هم يومئذ عشرون ومائة ألف صف ، في عرض الأرض ). (الإحتجاج:2/98).
وقد ورد أن الأرض تمُدَ ُّكمد الأديم العكاظي ، أي كما يمد الجلد المدبوغ في سوق عكاظ ، وقال تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّى نَسْفًا. فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا. لاتَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا . (طَهَ:105-107).
ولنا أن نتصور أن عرض الأرض يكون عشرة آلاف كيلو متر مثلاً ، فيكون هذا طول الصف ، ولو حسبنا للشخص ثلاثة أمتار ، يكون الصف الواحد نحو ثلاثة ملايين شخص . ويكون مجموع المئة وعشرون ألف صف أكثر من ثلاث مئة مليار إنسان ! ثلثهم قبل نبينا صلى الله عليه وآله ، وثلثاهم بعده .
روى الهيثمي في مجمع الزوائد (10/402) ، عن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وآله يقول: ( إني لأرجو أن يكون من تبعني من أمتي ربع أهل الجنة . قال: فكبرنا . ثم قال: أرجو أن يكونوا ثلث الناس. قال: فكبرنا . ثم قال: أرجوا ان يكونوا الشطر . رواه بن أحمد ، والبزار ، والطبراني في الأوسط ، ورجال البزار رجال الصحيح ، وكذلك أحد إسنادي أحمد).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 239 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كيف يتم تقسيم الناس وفرزهم في المحشر؟
يبدو أن فرز الناس وتصنيفهم يتم بالتدريج في مراحل المحشـر ، الى أن يتم الفرز النهائي، الذي قال عنه الله تعالى: وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا.. وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا .
ففي حديث الحوض في البخاري(7/208) أن النبي صلى الله عليه وآله يكون واقفاً في المحشـر وتأتيه زمرة ، ثم زمرة من أصحابه ، فيخرج من بينهم رجل أو ملَكٌ يقودهم الى النار !
( قال: بينا أنا قائم فإذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلمَّ، فقلت: أين؟ قال: إلى النار والله ! قلت: وما شأنهم؟قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى . ثم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلم ، قلت: أين؟ قال: إلى النار والله ! قلت ما شأنهم؟ قال إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى ! فلا أراه يخلص منهم إلا مِثْلُ هَمَل النَّعَم).
أي لا ينجو من الصحابة من النار ، إلا أقل القليل .
وفي فتح الباري(11/333): (ولأحمد والطبراني من حديث أبي بكرة ، رفعه: ليردن عليَّ الحوض رجال ممن صحبني ورآني . وسنده حسن ). فالصحابة من أهل النار يكونون مخلوطين بغيرهم ، ولعل ذلك في مرحلة العرض ، أو في أوائل المحشر .
وتدل روايةٌ على أن الفرز يكون من أول الحشر، ففي مسند أحمد (6/298): (عن أم سلمة قالت قال النبي صلى الله عليه وآله :من أصحابي من لا أراه ولا يراني بعد أن أموت أبداً. قال: فبلغ ذلك عمر، قال فأتاها يَشْتَدُّ أو يسرع ، شك شاذان . قال فقال لها: أنشدك بالله أنا منهم؟ قالت: لا ، ولن أبرئ أحداً بعدك أبداً ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 240 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ومعناه أن فرز الصحابة المغضوبين ، يتم من أول المحشر .
والجمع بين الروايتين بأن الفرز من أول الحشر يكون جزئياً وليس شاملاً .
أما قوله تعالى: يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ، فهو فرزٌ حسب الإئتمام والفئات ، لكن لا يدل على وقته ، وقد يكون في أواخر المحشر .
وأما قوله تعالى: وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ . فيدل على فرز فئة من الناس ولايعلم أنه أول المحشر .
وأما قوله تعالى:يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا. فقد يكونون أفواجاً مختلطة .
وأما قوله تعالى: فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا . فهو يدل على عموم الحشر ، ولا يدل على الفرز .
وأما قوله تعالى: يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا . فهو يدل على تمييز المتقين لكن قد يكون ذلك في وفدهم الى الجنة ، كما تشير اليه الآية بعده: وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا .
وأما قوله تعالى: وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ . فهو حشر في الرجعة قبل القيامة ، لأن حشر القيامة كما قال تعالى: وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا .
نعم ورد تصنيفٌ وفرزٌ بالمكانة والصفة لفئات من الناس ، كقوله تعالى: وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا.. فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 241 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا.. وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.. سَيُطَوَقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.. وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.. يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ .

(7) مدة المحشر

اتفقت مصادر الطرفين على أن عدد مواقف الحساب:خمسون موقفاً ، وأن مدة المحشر تشبه خمسين ألف سنة ! ففي الكافي (8/143) بسند صحيح عن الإمام الصادق عليه السلام قال: ( إذا أراد أحدكم أن لا يسأل ربه شيئاً إلا أعطاه ، فلييأس من الناس كلهم ، ولا يكون له رجاء إلا من عند الله عز ذكره . فإذا علم الله عز وجل ذلك من قلبه لم يسأله شيئاً إلا أعطاه !
فحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا عليها ، فإن للقيامة خمسين موقفاً ، كل موقف مقداره ألف سنة ثم تلا: فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ).
ورواه المفيد في أماليه/329 ، بسند صحيح أيضاً ، وفيه: (ألا فحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، فإن أمكنة القيامة خمسون موقفاً ، كل موقف مقام ألف سنة ).
وفي أمالي المفيد/274، عن الإمام الصادق عليه السلام : (فإن في القيامة خمسين موقفاً ، كل موقف مثل ألف سنة مما تعدون). ورواه في أمالي الطوسي/36.
والتعبير بمثل ، يعني أن التعبير مجازي ، عن طول الزمان الذي يشعر به المذنبون .
ويؤكد ذلك ما في مجمع البيان (10/120) ، عن أبي سعيد الخدري: (قيل يا رسول الله ما أطول هذا اليوم؟ فقال:والذي نفس محمد بيده إنه ليخف على المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 242 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أما ما روي عن الإمام الصادق عليه السلام (مجمع البيان:10/120): ( لو وليَ الحساب غير الله لمكثوا فيه خمسين ألف سنة ، من قبل أن يفرغوا ، والله سبحانه يفرغ من ذلك في ساعة . وعنه عليه السلام أيضاً: لاينتصف ذلك اليوم حتى يَقِيلَ أهل الجنة في الجنة ، وأهل النار في النار ) . فمعناه أن الله تعالى يعلم قواعد الحساب لقضاة المحشر ، ولولا ذلك لما استطاعوا محاسبة الناس . وقد يكون المقصود أن النتائج تتضح من اليوم الأول بجردة أوليه مثلاً . على أن الحديث مرسل ولو صحت روايته وتم معناه ، فلا يصلح لمعارضة الأحاديث الصحيحة الصريحة في طول زمان المحشر .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 243 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الثالث عشر : افتتاح المحشر ومقدمات الحساب

(1) أول المحشر ومقدماته

الموقف الأول في المحشر: موقف عرض الخلائق على الله عز وجل .قال تعالى: وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا . وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَا لِهَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا . (الكهف:48-49).
عن الإمام الباقر عليه السلام قال: ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله : كل محاسب معذب . فقال له قائل: يا رسول الله ، فأين قول الله عز وجل: فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ؟ قال: ذلك العرض ، يعني التصفح ) .
يعني أنه معذبٌ بالخوف في موقف العرض على الله تعالى مع أنه ليس فيه حساب ، لكن يكفي جو الهيبة والخشوع والخوف من العقاب ، وانكشاف سرّ الإنسان نوعٌ من العذاب . أما الحساب اليسير للمؤمن ، فيكون بعد العرض على الله تعالى .
وفي نهج البلاغة(4/104): (قال عليه السلام : الغنى والفقر بعد العرض على الله).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 244 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أي لا تقل لأحد هو غني أو فقير ، حتى يتبين أمره بعد العرض على الله تعالى ، لأن العرض يكشف حاله ويعين مصيره .
وفي أمالي الصدوق(244):(أن الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام كان أعبد الناس في زمانه وأزهدهم وأفضلهم . وكان إذا حج حج ماشياً ، وربما مشى حافياً . وكان إذا ذكر الموت بكى ، وإذا ذكر القبر بكى ، وإذا ذكر البعث والنشور بكى ، وإذا ذكر الممر على الصراط بكى ، وإذا ذكر العرض على الله تعالى ذكره شهق شهقة يُغشى عليه منها ).
وقد وصف الحديث التالي بداية المحشر ، ومخاطبة الله تعالى للناس .
ففي الكافي (8/104) بسند صحيح عن ثوير بن أبي فاختة قال: (سمعت علي بن الحسين عليه السلام يحدث في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله قال: حدثني أبي أنه سمع أباه علي بن أبي طالب عليه السلام يحدث الناس قال: إذا كان يوم القيامة بَعث الله تبارك وتعالى الناس من حُفَرهم غُرْلاً بُهْماً جُرْداً مُرْداً ، في صعيد واحد ، يسوقهم النور وتجمعهم الظلمة حتى يقفوا على عقبة المحشر ، فيركب بعضهم بعضاً ويزدحمون دونها فيمنعون من المضي ، فتشتد أنفاسهم ويكثر عرقهم ، وتضيق بهم أمورهم ، ويشتد ضجيجهم وترتفع أصواتهم . قال: وهو أول هَوْلٍ من أهوال يوم القيامة قال:فيشرف الجبار تبارك وتعالى عليهم من فوق عرشه في ظلل من الملائكة فيأمر ملكاً من الملائكة فينادي فيهم: يا معشر الخلائق أنصتوا واستمعوا منادي الجبار، قال فيسمع آخرهم كما يسمع أولهم، قال: فتنكسـر أصواتهم عند ذلك ، وتخشع
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 245 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أبصارهم ، وتضطرب فرائصهم ، وتفزع قلوبهم ، ويرفعون رؤوسهم إلى ناحية الصوت مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ. قال: فعند ذلك يقول الكافر: هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ !
قال: فيشرف الجبار عز وجل الحكم العدل عليهم ، فيقول: أنا الله لا إله إلا أنا الحكم العدل الذي لا يجور، اليوم أحكم بينكم بعدلي وقسطي، لا يظلم اليوم عندي أحد . اليوم آخذ للضعيف من القوي بحقه ، ولصاحب المظلمة بالمظلمة ، بالقصاص من الحسنات والسيئات ، وأثيب على الهبات . ولايجوز هذه العقبة اليوم عندي ظالم ولأحد عنده مظلمة ، إلا مظلمة يهبها صاحبها وأثيبه عليها ، وآخذ له بها عند الحساب ، فتلازموا أيها الخلائق ، واطلبوا مظالمكم عند من ظلمكم بها في الدنيا ، وأنا شاهد لكم عليهم وكفى بي شهيداً .
قال: فيتعارفون ويتلازمون ، فلا يبقى أحد له عند أحد مظلمة أو حق إلا لزمه بها ، قال: فيمكثون ما شاء الله ، فيشتد حالهم ويكثر عرقهم ، ويشتد غمهم وترتفع أصواتهم بضجيج شديد ، فيتمنون المخلص منه بترك مظالمهم لأهلها !
قال: ويطلع الله عز وجل على جَهْدِهم فينادي مناد من عند الله تبارك وتعالى يسمع آخرهم كما يسمع أولهم: يا معشر الخلائق، أنصتوا لداعي الله تبارك وتعالى واسمعوا: إن الله تبارك وتعالى يقول: أنا الوهاب ، إن أحببتم أن تواهبوا فتواهبوا وإن لم تواهبوا أخذت لكم بمظالمكم .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 246 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال: فيفرحون بذلك لشدة جَهْدِهم ، وضيق مسلكهم ، وتزاحمهم . قال: فيهب بعضهم مظالمهم رجاء أن يتخلصوا مما هم فيه ، ويبقى بعضهم فيقول: يا رب مظالمنا أعظم من أن نهبها .
قال: فينادي مناد من تلقاء العرش: أين رضوان خازن الجنان جنان الفردوس؟ قال: فيأمره الله عز وجل أن يطلع من الفردوس قصراً من فضة بما فيه من الأبنية والخدم ، قال: فيطلعه عليهم في حفافة القصر الوصائف والخدم .قال: فينادي مناد من عند الله تبارك وتعالى: يا معشر الخلائق ، إرفعوا رؤوسكم فانظروا إلى هذا القصر ، قال: فيرفعون رؤوسهم فكلهم يتمناه ، قال: فينادي مناد من عند الله تعالى: يا معشر الخلائق هذا لكل من عفا عن مؤمن !
قال: فيعفون كلهم إلا القليل . قال: فيقول الله عزو جل لا يجوز إلى جنتي اليوم ظالم ، ولا يجوز إلى ناري اليوم ظالم ولأحد من المسلمين عنده مظلمة حتى يأخذها منه عند الحساب . أيها الخلائق استعدوا للحساب .
قال: ثم يخلى سبيلهم فينطلقون إلى العقبة يكرد بعضهم بعضاً ، حتى ينتهوا إلى العرصة ، والجبار تبارك وتعالى على العرش ، قد نشـرت الدواوين ونصبت الموازين ، وأحضر النبيون والشهداء وهم الأئمة عليهم السلام ، يشهد كل إمام على أهل عالمه ، بأنه قد قام فيهم بأمر الله عز وجل ، ودعاهم إلى سبيل الله.
قال: فقال له رجل من قريش: يا ابن رسول الله ، إذا كان للرجل المؤمن عند الرجل الكافر مظلمة ، أي شئ يأخذ من الكافر ، وهو من أهل النار؟
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 247 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال: فقال له علي بن الحسين: يطرح عن المسلم من سيئاته بقدر ما له على الكافر فيعذب الكافر بها مع عذابه بكفره ، عذاباً بقدر ما للمسلم قبله من مظلمة .
قال: فقال له القرشي: فإذا كانت المظلمة للمسلم عند مسلم كيف تؤخذ مظلمته من المسلم؟ قال: يؤخذ للمظلوم من الظالم من حسناته بقدر حق المظلوم فتزاد على حسنات المظلوم .
فقال له القرشي: فإن لم يكن للظالم حسنات؟ قال: إن لم يكن للظالم حسنات فإن للمظلوم سيئات ، يؤخذ من سيئات المظلوم ، فتزاد على سيئات الظالم ).
أقول: ليس معنى مجيئ الله تعالى في ظلل من الملائكة ، مجيؤه بذاته سبحانه ، فليس كمثله شئ ، بل معناه مجيئ أمره وملائكته .
وكذلك خطابه للناس ليس كخطابنا ونطقنا ، ومعناه أنه يخلق الصوت فيما شاء من مخلوقاته ، كما خلقه في الشجرة وغيرها في طور سيناء ، وخاطب به نبيه موسى عليه السلام .
هذا ، وقد ذكر الحديث التالي عن أمير المؤمنين عليه السلام ستة مواقف في المحشر، كلها قبل بدء الحساب ، فاعتبرناها مقدمات للمحشر .
وقد رواها الصدوق في التوحيد/254: (عن أبي معمر السعداني ، أن رجلاً أتى أمير المؤمنين عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين ، إني قد شككت في كتاب الله المنزل .
قال له عليه السلام : ثكلتك أمك ، وكيف شككت في كتاب الله المنزل !
قال: لأني وجدت الكتاب يكذب بعضه بعضاً ، فكيف لا أشك فيه .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 248 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فقال علي عليه السلام : إن كتاب الله ليصدق بعضه بعضاً ، ولا يكذب بعضه بعضاً ولكنك لم ترزق عقلاً تنتفع به ، فهات ما شككت فيه من كتاب الله عز وجل !
قال له الرجل: إني وجدت الله يقول: فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا. وقال أيضاً: نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ . وقال: وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا .
فمرة يخبر أنه ينسى ، ومرة يخبر أنه لا ينسى ، فأنَّى ذلك يا أمير المؤمنين .
قال: هات ما شككت فيه أيضاً .
فذكر مجموعة آيات..الى أن قال: ( قال عليه السلام : هات ويحك ما شككت فيه .
قال: وأجد الله عز وجل يقول: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ. إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ. ويقول: لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَيُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ. ويقول: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى. قال عليه السلام : هات أيضاً ويحك ، ما شككت فيه .
قال: وأجد الله جل ثناؤه يقول: وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا. وقال: وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَلَ مَرَّةٍ . وقال: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَاتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ . وقال: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ تَاتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَاتِىَ رَبُّكَ أَوْ يَأتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَاتِى بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا. فمرة يقول: يوم يأتي ربك ، ومرة يقول: يوم يأتي بعض آيات ربك ، فأنى ذلك يا أمير المؤمنين ، وكيف لا أشك فيما تسمع ؟! قال: هات ويحك ما شككت فيه..). فذكر آيات .. حتى أكملها:
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 249 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
(فقال علي عليه السلام : قُدُّوسٌ رَبُّنَا قُدُّوس ، تبارك وتعالى علواً كبيراً ، نشهد أنه هو الدائم الذي لا يزول ولا نشك فيه ، وليس كمثله شئ وهو السميع البصير ، وأن الكتاب حق والرسل حق ، وأن الثواب والعقاب حق .
فإن رزقت زيادة إيمان أو حرمته فإن ذلك بيد الله ، إن شاء رزقك وإن شاء حرمك ذلك . ولكن سأعلمك ما شككت فيه ولا قوة إلا بالله...
فقال عليه السلام : وأما قوله: يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا. وقوله: وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ.وقوله: ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا.
وقوله: إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ . وقوله: قَالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَىَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ. وقوله: الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ .
فإن ذلك في موطن غير واحد من مواطن ذلك اليوم ، الذي كان مقداره خمسين ألف سنة ، يجمع الله عز وجل الخلائق يومئذ في مواطن ، ويكلم بعضهم بعضاً ، ويستغفر بعضهم لبعض ، أولئك الذين كان منهم الطاعة في دار الدنيا . ويلعن أهل المعاصي الرؤساء والأتباع الذين بدت منهم البغضاء ، وتعاونوا على الظلم والعدوان في دار الدنيا ، المستكبرين والمستضعفين ، يكفر بعضهم ببعض ويلعن بعضهم بعضاً . والكفر في هذه الآية البراءة ، يقول: يبرأ بعضهم من بعض،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 250 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ونظيرها في سورة إبراهيم قول الشيطان: إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ. وقول إبراهيم خليل الرحمن:كَفَرْنَا بِكُمْ . يعني تبرأنا منكم .
ثم يجتمعون في موطن آخر يبكون فيه ، فلو أن تلك الأصوات بدت لأهل الدنيا لأذهلت جميع الخلق عن معائشهم ، ولتصدعت قلوبهم إلا ما شاء الله ، فلا يزالون يبكون الدم .
ثم يجتمعون في موطن آخر فيستنطقون فيه فيقولون: وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ، فيختم الله تبارك وتعالى على أفواههم ، ويستنطق الأيدي والأرجل والجلود ، فتشهد بكل معصية كانت منهم .
ثم يرفع عن ألسنتهم الختم فيقولون لجلودهم: لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَئٍْ .
ثم يجتمعون في موطن آخر فيُستنطقون ، فيَفِرُّ بعضهم من بعض ، فذلك قوله عز وجل: يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ . فيُستنطقون فـ: لا يَتَكَلَّمُونَ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا ، فيقوم الرسل صلى الله عليهم فيشهدون في هذا الموطن ، فذلك قوله: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا .
ثم يجتمعون في موطن آخر، يكون فيه مقام محمد صلى الله عليه وآله وهو المقام المحمود ، فيثني على الله تبارك وتعالى بما لم يُثْنَ عليه أحد قبله ، ثم يثني على الملائكة كلهم ، فلا يبقى ملك إلا أثنى عليه محمد صلى الله عليه وآله ، ثم يثني على الرسل بما لم يثن عليهم أحد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 251 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قبله ثم يثني على كل مؤمن ومؤمنة ، يبدأ بالصديقين والشهداء ثم بالصالحين ، فيحمده أهل السماوات والأرض .
فذلك قوله: عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا. فطوبى لمن كان له في ذلك المقام حظ ، وويل لمن لم يكن له في ذلك المقام حظ ولا نصيب .
ثم يجتمعون في موطن آخر ويدال بعضهم من بعض . وهذا كله قبل الحساب فإذا أخذ في الحساب شغل كل إنسان بما لديه ، نسأل الله بركة ذلك اليوم .
قال: فرجت عني فرج الله عنك يا أمير المؤمنين، وحللت عني عقدة فعظم الله أجرك. فقال عليه السلام ...فأما قوله: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ. إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ . فإن ذلك في موضع ينتهي فيه أولياء الله عز وجل بعد ما يفرغ من الحساب ، إلى نهر يسمى الحيوان فيغتسلون فيه ويشربون منه ، فتنضُر وجوههم إشراقاً، فيذهب عنهم كل قذى ووَعَث ، ثم يؤمرون بدخول الجنة ، فمن هذا المقام ينظرون إلى ربهم كيف يثيبهم ، ومنه يدخلون الجنة ، فذلك قوله عز وجل من تسليم الملائكة عليهم: سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ.فعند ذلك أيقنوا بدخول الجنة والنظر إلى ماوعدهم ربهم فذلك قوله:إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ.وإنما النظر إليه النظر إلى ثوابه تبارك وتعالى.. الى أن قال عليه السلام : وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله : يا جبرئيل هل رأيت ربك؟ فقال جبرئيل: إن ربي لا يرى ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : فمن أين تأخذ الوحي ؟ فقال: آخذه من إسرافيل فقال: ومن أين يأخذه إسرافيل ؟ قال: يأخذه من ملك فوقه من الروحانيين ، قال: فمن أين يأخذه ذلك الملك ؟ قال: يقذف في قلبه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 252 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قذفاً فهذا وحي ، وهوكلام الله عز وجل ، وكلام الله ليس بنحو واحد ، منه ما كلم الله به الرسل ، ومنه ما قذفه في قلوبهم ، ومنه رؤيا يريها الرسل ، ومنه وحي وتنزيل يتلى ويقرأ ، فهو كلام الله .
فاكتفِ بما وصفت لك من كلام الله ، فإن معنى كلام الله ليس بنحو واحد ، فإن منه ما يبلغ به رسل السماء رسل الأرض . قال: فرجت عني فرج الله عنك ، وحللت عني عقدة ، فعظم الله أجرك يا أمير المؤمنين ) .
أقول: يتضح بذلك أن مواقف يوم القيامة متعددة ، ولا يمكن معرفة تسلسلها بالتفصيل من الآيات والأحاديث . وقد ذكر أمير المؤمنين عليه السلام ستة مواقف ، وفي وسطها موقف مقام النبي صلى الله عليه وآله ، وكلها قبل بدء الحساب! قال عليه السلام :(يجمع الله عز وجل الخلائق يومئذ في مواطن ويكلم بعضهم بعضاً،ويستغفر بعضهم لبعض).
فهو موطن للتعارف ، وشكر المؤمنين لبعضهم ، وبراءة العاصين من بعضهم . والظاهر أن كلمة يتفرقون مصحفة عن كلمة أخرى .
وقال عليه السلام : (ثم يجتمعون في موطن آخر يبكون فيه)
وقال عليه السلام : (ثم يجتمعون في موطن آخر فيُستنطقون فيه فيقولون: وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ). ويظهر أنه موطن لاستنطاقهم بالتوحيد .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 253 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال عليه السلام : (ثم يجتمعون في موطن آخر فيُستنطقون فيَفِرُّ بعضهم من بعض، فذلك قوله عز وجل: يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ..).
وهو فرار من مساعدة الآخرين ، وستعرف نظام الشفاعة والدرجات الإضافية.
وقال عليه السلام : (ثم يجتمعون في موطن آخر، يكون فيه مقام محمد صلى الله عليه وآله ).
وهذا الموقف خاص لبيان مقام النبي صلى الله عليه وآله وكرامته عند الله تعالى به ، وكرامة أهل بيته عليهم السلام ، وإعلان رئاسته للمحشر ، وأنه صاحب الشفاعة وحوض الكوثر .
وقال عليه السلام : (ثم يجتمعون في موطن آخر ويدال بعضهم من بعض. وهذا كله قبل الحساب . فإذا أُخذ في الحساب شُغل كل إنسان بما لديه).
فكأن هذه المواقف مقدمات الحساب والجلسات العامة لجميع الخلق ، وبعدها يبدأ الحساب وكأنه المحاكمات التفصيلية لكل شخص ، فينشغل كل إنسان بمحاكمته !

(2) افتتاح نبينا صلى الله عليه وآله للمحشر رسمياً

قال الله تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّى نَسْفًا.فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا. لاتَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا . يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِىَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلا هَمْسًا. يَوْمَئِذٍ لاتَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِىَ لَهُ قَوْلاً. يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا . وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا . (طَهَ:105-111).
وقد وَصَفَتْ الروايات مرحلة السكوت والخشوع التي تعم المحشـر قبل حفل الإفتتاح ، وروتها مصادر السنيين بشئ من الأسطورة ، وأنه بعد العرض تحدث فترة سكوت طويلة ، فيتعب الناس ويعرقون ، فيطلبون من الأنبياء عليهم السلام أن يشفعوا لهم الى الله تعالى ليبدأ الحساب ، فلا يجرؤ أحد أن يكلمه إلا نبينا صلى الله عليه وآله .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 254 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال البخاري في صحيحه (2/225) إن النبي صلى الله عليه وآله قال: (أنا سيد الناس يوم القيامة وهل تدرون ممَّ ذلك؟ يجمع الناس الأولين والآخرين في صعيد واحد يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، وتدنو الشمس فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون، فيقول الناس: ألا ترون ما قد بلغكم ، ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض: عليكم بآدم ، فيأتون آدم عليه السلام فيقولون له: أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه ، وأمر الملائكة فسجدوا لك، إشفع لنا إلى ربك ، ألا ترى إلى ما نحن فيه ، ألا ترى إلى ما قد بلغنا؟فيقول آدم: إن ربي قد غضب اليوم عضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه نهاني عن الشجرة فعصيته. نفسي، نفسي، نفسي. إذهبوا إلى غيري إذهبوا إلى نوح ) .
ثم ذكرت الرواية أنهم يذهبون الى نوح عليه السلام فيقول لهم نفس ما قاله آدم حرفياً ، ثم يعتذر لهم بأنه: (كانت لي دعوة دعوتها على قومي)! إذهبوا إلى إبراهيم، فيقول لهم إبراهيم كما قال نوح حرفياً ثم يعتذر بأنه: (قد كنت كذبت ثلاث كذبات) ! إذهبوا إلى موسى ، فيقول لهم موسى كما قاله إبراهيم حرفياً ، ثم يعتذر لهم بأنه: (قتلت نفساً لم أؤمر بقتلها) ! ويقول إذهبوا إلى عيسى ، فيقول لهم عيسى نفس ما قال إبراهيم ولا يذكر أنه أذنب ، ويقول لهم: إذهبوا إلى محمد .
(فيأتون محمداً صلى الله عليه وآله فيقولون: يا محمد أنت رسول الله وخاتم الأنبياء ، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، إشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه! فَأَنْطَلِقُ فآتي تحت العرش فأقع ساجداً لربي عز وجل، ثم يفتح الله على من محامده
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 255 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وحسن الثناء عليه شيئاً لم يفتحه على أحد قبلي ، ثم يقال: يا محمد ، إرفع رأسك ، سل تعطه واشفع تشفع.فأرفع رأسي فأقول: أمتي يا رب ، أمتي يا رب ، فيقال: يا محمد ، أدخل من أمتك من لاحساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب.ثم قال:والذي نفسـي بيده إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وحمير ، أو كما بين مكة وبصرى ).
وهي رواية مصاغة لمصلحة قريش، وتمدح النبي صلى الله عليه وآله بأنه يدخلهم الجنة . وهي تطعن في نوح عليه السلام لأنه دعا على قومه مع أن الله أجازه: وَأُوحِىَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلا مَنْ قَدْ آمَنَ . كما تطعن في إبراهيم عليه السلام . كما تنسب الى الله تعالى الغضب بدون سبب مقنع! مضافاً الى أن جوها أقرب الى الحياة الدنيا ، منه الى موقف القيامة .
وقد روتها مصادرنا ، بصيغة لا تتضمن طعناً بالأنبياء عليهم السلام (تفسير العياشي:2/314).
لكن الصحيح في افتتاح المحشـر ما استفاضت روايته عندناوهو قول النبي صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام (الخصال/580): (يا علي إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ من بطنان العرش: أين سيد الأنبياء ، فأقوم . ثم ينادي أين سيد الأوصياء ، فتقوم ) .
وفي رواية العياشي(2/314) ، عن الإمام الصادق عليه السلام : (وسأله رجل عن قول رسول الله صلى الله عليه وآله : أنا سيد ولد آدم ولا فخر . قال عليه السلام : نعم يأخذ صلى الله عليه وآله حلقة باب الجنة فيفتحها فيخر ساجداً فيقول الله: إرفع رأسك ، إشفع تشفع ، أطلب تُعط ، فيرفع رأسه ثم يخر ساجداً فيقول الله: إرفع رأسك إشفع تشفع ، واطلب تُعط، ثم يرفع رأسه فيشفع فيشفع ، ويطلب فيعطى ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 256 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي تفسير فرات/437: (قال النبي صلى الله عليه وآله : إن الله تبارك وتعالى إذا جمع الناس يوم القيامة ، وعدني المقام المحمود وهو وافٍ لي به ، إذا كان يوم القيامة نُصب لي منبر له ألف درجة ، لا كمراقيكم ، فأصعد حتى أعلو فوقه ، فيأتيني جبرئيل بلواء الحمد ، فيضعه في يدي ويقول: يا محمد هذا المقام المحمود الذي وعدك الله تعالى فأقول لعلي: إصعد ، فيكون أسفل مني بدرجة ، فأضع لواء الحمد في يده .
ثم يأتي رضوان بمفاتيح الجنة فيقول: يا محمد هذا المقام المحمود ، الذي وعدك الله تعالى ، فيضعها في يدي ، فأضعها في حجر علي بن أبي طالب .
ثم يأتي مالك خازن النار فيقول: يا محمد هذا المقام المحمود الذي وعدك الله تعالى ، هذه مفاتيح النار ، أدخل عدوك وعدو ذريتك وعدو أمتك النار ، فآخذها وأضعها في حجر علي بن أبي طالب . فالنار والجنة يومئذ أسمعُ لي ولعلي من العروس لزوجها ، فهو قول الله تبارك وتعالى في كتابه: أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ. ألق يا محمد ويا علي عدوكما في النار .
ثم أقوم فأثني على الله ثناء لم يُثْنَ عليه أحد قبلي ، ثم أثني على الملائكة المقربين ، ثم أثني على الأنبياء والمرسلين، ثم أثني على الأمم الصالحين ، ثم أجلس فيثني الله عليَّ، ويثني عليَّ ملائكته ويثني عليَّ أنبياءه ورسله ويثني عليَّ الأمم الصالحة).
وفي بصائر الدرجات/436 ، بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال:(كان النبي صلى الله عليه وآله يقول: إذا سألتم الله فسلوه الوسيلة . قال: فسألنا النبي صلى الله عليه وآله عن الوسيلة قال: هي درجتي في الجنة ، وهي ألف مرقاة ، ما بين مرقاة إلى مرقاة جوهرة ، إلى مرقاة زبرجدة ، إلى مرقاة ياقوتة ، إلى مرقاة لؤلوة ، إلى مرقاة ذهبة ، إلى مرقاة فضة ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 257 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فيؤتى بها يوم القيمة حتى تنصب مع درجة النبيين ، فهي في درجة النبيين كالقمر بين الكواكب ، فلا يبقى يومئذ نبي ولاصديق ولا شهيد إلا قالوا طوبى لمن له هذه الدرجة فيأتي النداء من عند الله تبارك وتعالى يسمع النبيين والصديقين والشهداء والمؤمنين: هذه درجة محمد . فقال رسول الله صلى الله عليه وآله أُقْبِلُ أنا يومئذ متزراً بريطة من نور ، على تاج الملك وإكليل الكرامة ، وعلي بن أبي طالب أمامي ، بيده لوائي وهو لواء الحمد ، مكتوب عليه: لا إله إلا الله المفلحون هم الفائزون بالله . فإذا مررنا بالنبيين قالوا: هذان ملكان مقربان ، وإذا مررنا بالملائكة قالوا هذا نبيان مرسلان ، وإذا مررنا بالمؤمنين قالوا نبيان لم نرهما و لم نعرفهما ، حتى أعلو تلك الدرجة وعليٌّ يتبعني، فإذا صرت في أعلى الدرجة وعليٌّ أسفل مني بدرجة ، وبيده لوائي فلا يبقى يومئذ ملك ولا نبي ولا صديق ولا شهيد ولا مؤمن إلا رفعوا رؤوسهم إلينا ويقولون: طوبى لهذين العبدين ما أكرمهما على الله . فيأتي النداء من عند الله يسمع النبيين والخلايق: هذا محمد حبيبي ، وهذا علي وليي ، طوبى لمن أحبه ، وويل لم أبغضه وكذب عليه ).

(3) تعريف أهل المحشر بالأئمة من عترة النبي صلى الله عليه وآله

عن الإمام الصادق عليه السلام (الكافي:1/418): (قال في قول الله عز وجل: وَقَالُوا الْحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللهُ: إذا كان يوم القيامة دُعِيَ بالنبي صلى الله عليه وآله وبأمير المؤمنين وبالأئمة من ولده عليهم السلام فينصبون للناس، فإذا رأتهم شيعتهم قالوا: وَقَالُوا الْحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللهُ يعني هدانا الله في ولاية أمير المؤمنين والأئمة من ولده عليهم السلام ).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 258 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي الكافي (8/159): (عن أبي جعفر عليه السلام قال: يا جابر إذا كان يوم القيامة جمع الله عز وجل الأولين والآخرين لفصل الخطاب، ودُعِيَ رسول الله صلى الله عليه وآله ودُعِيَ أمير المؤمنين عليه السلام فيكسى رسول الله صلى الله عليه وآله حلة خضـراء تضيئ ما بين المشـرق والمغرب ويكسى علي عليه السلام مثلها . ويكسى رسول الله حلة وردية ، يضيئ لها ما بين المشـرق والمغرب ، ويكسى عليٌّ مثلها ،ثم يصعدان عندها .
ثم يدعى بنا فيدفع إلينا حساب الناس، فنحن والله ندخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار. ثم يدعى بالنبيين عليهم السلام فيقامون صفين عند عرش الله عز وجل ، حتى نفرغ من حساب الناس ).
وفي الكافي(1/419) عن الإمام الصادق عليه السلام : (قال في قوله تعالى: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ، قال: الأنبياء والأوصياء عليهم السلام ) .
ومعناه أن وضع الموازين بإحضار الأنبياء والأوصياء عليهم السلام لأنهم الشهود .
هذا وسيأتي أنهم عليهم السلام رجال الأعراف ، الذين قال الله تعالى فيهم: وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاً بِسِيمَاهُمْ، فهؤلاء هم النبي صلى الله عليه وآله والأئمة من أهل بيته عليهم السلام والأعراف مركز قيادة النبي صلى الله عليه وآله رئيس المحشر، ومعاونيه الأئمة من عترته عليهم السلام .
وقد تجاهل رواة السلطة وكبار مفسروها أهل البيت عليهم السلام في تفسير رجال الأعراف ، فتخبطوا في تفسيرها أي تخبط !
وقد روينا تفسيرها بهم بأسانيد صحيحة مستفيضة كما يأتي ، ونكتفي هنا بهذا الحديث الذي أسنده الى الإمام الصادق عليه السلام بنحو القطع كلٌّ من الشيخ الطوسي في التبيان: 4/410 والطبرسي في الجوامع:1/659، و:4/261، وابن إدريس في المنتخب:1/319
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 259 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال: (قال أبو عبد الله عليه السلام : الأعراف كثبان بين الجنة والنار ، فيوقف كل نبي وخليفته مع المذنبين من أهل زمانه ، كما يقف صاحب الجيش مع الضعفاء من جنده ، وقد سبق المحسنون إلى الجنة ، فيقول ذلك الخليفة للمذنبين الواقفين: أنظروا إلى إخوانكم المحسنين قد سبقوا إلى الجنة . فيسلمون عليهم وذلك قوله: وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ . أصحاب الجنة أن سلام عليكم . ثم أخبر سبحانه أنهم: لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ ، يعني هؤلاء المذنبين لم يدخلوا الجنة، وهم يطمعون أن يدخلهم الله إياها بشفاعة النبي والامام ، وينظر هؤلاء المذنبون إلى أهل النار فيقولون: رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ).

(4) تكريم رب العالمين لفاطمة الزهراء عليها السلام

ومن مقدمات الحساب الإحتفال بتجليل الصديقة فاطمة الزهراء عليها السلام ، فقد روى الجميع أن المنادي ينادي من قبل الله تعالى: يا أهل الجَمْع ، يا أهل المحشـر طأطئوا رؤوسكم حتى تمرَّ فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله .
فقد روى الحاكم (3/153)وصححه هو والذهبي بشرط الشيخين، أن النبي صلى الله عليه وآله قال: (إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ من وراء الحجاب: يا أهل الجَمْع غضوا أبصاركم عن فاطمة بنت محمد حتى تمرَّ ) .
وفي فيض القدير للمناوي (1/539): (إذا كان يوم القيامة نادى مناد من بطنان العرش: يا أهل الجمع نكسوا رؤوسكم: أي إخفضوها، وغضوا أبصاركم:
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 260 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كفوها واحبسوها حتى تمر فاطمة الزهراء بنت محمد خاتم الأنبياء حبيب الرحمن على الصراط لتذهب إلى الجنة ! فتمر مع سبعين ألف جارية من الحور العين ، كمرِّ البرق في السرعة والمضاء . ويظهر أن المراد بالسبعين ألفاً التكثير لاخصوص العدد ، قياساً على نظائره . وهذا فضلٌ لها فخيم من ذلك الموقف العظيم ، وفيه إشعارٌ بأنها أفضل النساء مطلقاً ).
وفي أمالي الصدوق/69، عن الإمام الباقر عليه السلام قال:(سمعت جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله :إذا كان يوم القيامة تُقبل ابنتي فاطمة على ناقة من نوق الجنة مدبجة الجنبين ، خطامها من لؤلؤ رطب ، قوائمها من الزمرد الأخضر، ذنبها من المسك الأذفر، عيناها ياقوتتان حمراوان ، عليها قبة من نور ، يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها ، داخلها عفو الله ، وخارجها رحمة الله ، على رأسها تاج من نور ، للتاج سبعون ركناً كل ركن مرصع بالدر والياقوت ، يضئ كما يضئ الكوكب الدري في أفق السماء ، وعن يمينها سبعون ألف ملك ، وعن شمالها سبعون ألف ملك ، وجبرئيل آخذ بخطام الناقة ينادي بأعلى صوته: غضوا أبصاركم حتى تجوز فاطمة بنت محمد ).
وفي مسائل علي بن جعفر/345: (قال صلى الله عليه وآله : إذا كان يوم القيامة نادى مناد: يا معشر الخلائق غضوا أبصاركم ونكسوا رؤوسكم ، حتى تمر فاطمة بنت محمد فتكون أول من يكسى، وتستقبلها من الفردوس إثنتا عشـرة ألف حوراء ، وخمسون ألف ملك ، على نجائب من الياقوت أجنحتها وأزمتها اللؤلؤ الرطب ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 261 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ركبها من زبرجد ، عليها رَحْلُ من الدر على كل رحلٍ نَمْرَقَةٌ من سندس ، حتى يجوزوا بها الصراط ويأتوا بها الفردوس ، فيتباشر بمجيئها أهل الجنان ، فتجلس على كرسي من نور ويجلسون حولها . وهي جنة الفردوس التي سقفها عرش الرحمان ، وفيها قصران قصر أبيض وقصر أصفر من لؤلؤة على عرقٍ واحد ، في القصر الأبيض سبعون ألف دار: مساكن محمد وآل محمد ، وفي القصـر الأصفر سبعون ألف دار ، مساكن إبراهيم وآل إبراهيم .
ثم يبعث الله ملكاً لها لم يبعث لأحد قبلها ولا يبعث لأحد بعدها ، فيقول: إن ربك يقرأ عليك السلام ويقول: سليني ، فتقول: هو السلام ، ومنه السلام ، قد أتم علي نعمته ، وهنأني كرامته ، وأباحني جنته ، وفضلني على سائر خلقه ، أسأله ولدي وذريتي ، ومن ودهم فيَّ وحفظهم بعدي ، فيوحي الله إلى ذلك الملك من غير أن يزول من مكانه ، أخبرها أني قد شفعتها في ولدها وذريتها ، ومن ودهم فيها وحفظهم بعدها . فتقول: الحمد لله الذي أذهب عني الحزن ، وأقر عيني. فيقر الله بذلك عين محمد صلى الله عليه وآله ) .
أقول: كفى بهذا تكريماً من رب العالمين ، أن يأمر جميع الخلق بمن فيهم الأنبياء عليهم السلام والملائكة عليهم السلام ، لأنه نداء لأهل الجمع أو المحشر فيشمل الملائكة ، والمستنى الوحيد قد يكون أبوها صلى الله عليه وآله ، فيأمرهم جلت عظمته بأن يحنوا رؤوسهم تحيةً وإجلالاً وخضوعاً للصديقة الطاهرة الزهراء عليها السلام ، فتمر بموكبها النوراني من فوق رؤسهم الى الجنة بغير حساب ، وتكون أول من يدخل الجنة ! ومع هذا ، ترى علماء السلطة يبحثون هل هي أفضل أو فلانه وعلانة !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 262 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كما استكثروا على الزهراء عليها السلام أن تكون أول من يدخل الجنة ، فقال بعضهم لا يصح أن يتقدم أحدٌ على رسول الله صلى الله عليه وآله . لكنهم نسوا أو تناسوا أن تكريم فاطمة عليها السلام هو تكريم لأبيها صلى الله عليه وآله . وكذلك استكثروا أن يدخل علي عليه السلام الجنة قبل رسول الله صلى الله عليه وآله ، ونسوا أو تناسوا أنه حامل لوائه ، وأن من تكريم النبي صلى الله عليه وآله أن يدخل حامل لوائه مقدمةً له .
في ميزان الإعتدال للذهبي (2/618): (عن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وآله :أول شخص يدخل الجنة فاطمة . أخرجه أبو صالح المؤذن في مناقب فاطمة) .
وروى الحاكم(3/151) وصححه: (عن علي رضي الله عنه قال: أخبرني رسول الله صلى الله عليه وآله أن أول من يدخل الجنة أنا وفاطمة والحسن والحسين . قلت: يا رسول الله فمحبونا ؟قال من ورائكم ).
وفي علل الشرائع (1/173)عن علي عليه السلام : (قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله أنت أول من يدخل الجنة ، فقلت يا رسول الله أدخلها قبلك ؟ قال: نعم صاحب لوائي في الآخرة كما أنك صاحب لوائي في الدنيا، وحامل اللواء هو المتقدم، ثم قال: يا علي كأني بك وقد دخلت الجنة وبيدك لوائي وهو لواء الحمد،تحته آدم فمن دونه ) .
أقول: الظاهر أن الزهراء صلوات الله عليها تدخل الجنة في أول المحشـر ، وعندما يصل الوقت الى فتح ملف ظلامتها، وملف ولدها الحسين عليه السلام ترجع الى منصة المحشر.
أما علي عليه السلام فيدخل الجنة مع النبي صلى الله عليه وآله ، بعد الفراغ من الحساب.
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 263 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

(5) تكريم رب العالمين للإمام زين العابدين عليه السلام

كان الزهري: ( إذا حدث عن علي بن الحسين قال: حدثني زين العابدين علي بن الحسين ، فقال له سفيان بن عيينة: ولمَ تقول له زين العابدين؟قال: لأني سمعت سعيد بن المسيب يحدث عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إذا كان يوم القيامة ينادي مناد: أين زين العابدين؟ فكأني أنظر إلى ولدي علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، يخطرُ بين الصفوف).( علل الشرائع: 1/229).
أقول: يعتبر علماء السلطة أن سند الزهري عن ابن المسيب عن ابن عباس ، من أصح الأسانيد ، وبعضهم يعتبره أصح الأسانيد ، لكن المتن المنقول بهذا السند ثقيل على السلطة فهو ثقيل على علمائها ، فإن لم يمكنهم رده ، فيجب عليهم إهماله والإعراض عنه ، حتى لو قاله النبي صلى الله عليه وآله ! وكفى بذلك سوء توفيق .

(6) تعريف أهل المحشر ببني عبد المطلب

روى ابن ماجة (2/1368) عن أنس قال:(سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: نحن ولد عبد المطلب سادة أهل الجنة: أنا وحمزة وعلي وجعفر والحسن والحسين والمهدي . ورواه الحاكم:3/211، وصححه على شرط مسلم ، وتاريخ بغداد:9/434، وتلخيص المتشابه:1/197، والفردوس:1/53. ومصادر أخرى .
وقد افتخر النبي صلى الله عليه وآله في معركة حنين بنبوته ، وبجده عبد المطلب ، فارتجز:
أنا النبيُّ لا كَذِبْ * أ نَا ابنَ عبد المطلبْ
(صحيح البخاري:3/218و220، و233، و:4/28).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 264 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ومن الطبيعي أن يعرف الله تعالى الناس بسادة أهل الجنة وبأبيهم عبد المطلب رضي الله عنه . قال الإمام الصادق عليه السلام (الكافي:1/447): (يبعث يوم القيامة أمة وحده عليه بهاء الملوك ، وسيماء الأنبياء عليهم السلام ).
وروى في الكافي (1/450) (عن أصبغ بن نباتة الحنظلي قال: رأيت أمير المؤمنين عليه السلام يوم افتتح البصرة وركب بغلة رسول الله صلى الله عليه وآله قال: أيها الناس ألا أخبركم بخير الخلق يوم يجمعهم الله ، فقام إليه أبو أيوب الأنصاري فقال: بلى يا أمير المؤمنين حدثنا ، فإنك كنت تشهد ونغيب. فقال: إن خير الخلق يوم يجمعهم الله سبعة من ولد عبد المطلب، لا ينكر فضلهم إلا كافر، ولا يجحد به إلا جاحد .
فقام عمار بن ياسر رحمه الله فقال:يا أمير المؤمنين سمهم لنا لنعرفهم ، فقال: إن خير الخلق يوم يجمعهم الله الرسل، وإن أفضل الرسل محمد صلى الله عليه وآله ، وإن أفضل كل أمة بعد نبيها وصي نبيها حتى يدركه نبي ، ألا وإن أفضل الأوصياء وصي محمد عليه وآله السلام. ألا وإن أفضل الخلق بعد الأوصياء الشهداء ، ألا وإن أفضل الشهداء حمزة بن عبد المطلب ، وجعفر بن أبي طالب ، له جناحان خضيبان يطير بهما في الجنة ، لم يُنحل أحدٌ من هذه الأمة جناحان غيره ، شئٌ كرم الله به محمداً والسبطان الحسن والحسين والمهدي ، يجعله الله من شاء منا أهل البيت، ثم تلا هذه الآية: وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا. ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللهِ وَكَفَى بِاللهِ عَلِيمًا ).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 265 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

(7) تعريف أهل المحشر بآدم وكبار الرسل عليهم السلام

في اليقين لابن طاووس/174: (عن مجاهد ، عن ابن عباس قال: لما خلق الله تعالى آدم ونفخ فيه من روحه عطس فألهمه الله:الحمد لله رب العالمين. فقال له ربه: يرحمك ربك . فلما أسجد له الملائكة تداخله العجب فقال: يا رب ، خلقت خلقاً أحب إليك مني؟ فلم يجب ، ثم قال الثانية فلم يجب ، ثم قال الثالثة فلم يجب .
ثم قال الله عز وجل له: نعم ولولاهم ما خلقتك ! فقال: يا رب فأرنيهم . فأوحى الله عز وجل إلى ملائكة الحجب أن ارفعوا الحجب ، فلما رفعت إذا آدم بخمسة أشباح قدام العرش فقال: يا رب من هؤلاء؟ قال: يا آدم ، هذا محمد نبيي ، وهذا علي أمير المؤمنين ابن عم نبيي ووصيه ، وهذه فاطمة ابنة نبيي ، وهذان الحسن والحسين ابنا علي وولدا نبيي . ثم قال: يا آدم هم ولدك ، ففرح بذلك . فلما اقترف الخطيئة قال: يا رب أسألك بمحمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين لما غفرت لي ، فغفر الله له بهذا . فهذا الذي قال الله عز وجل: فَتَلَقَّىءادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ.. ويكني آدم بأبي محمد ) .
وفي الدر المنثور (1/62): (ليس أحد في الجنة له كنية ، إلا آدم يكنى أبا محمد أكرم الله بذلك محمداً صلى الله عليه وآله ).
وفي سعد السعود لابن طاووس/35 ، أن الله تعالى أرى آدم عليه السلام في عالم الذر الأنبياء من ذريته:(قال: كم هم يارب؟ قال: هم مائه ألف نبي وأربعة وعشـرون ألف نبي ، المرسلون منهم ثلاث مائة وخمسة عشر نبياً مرسلاً . قال: يا رب فما بال نور
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 266 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
هذا الأخير ساطعاً على نورهم جميعاً؟ قال: لفضله عليهم جميعاً. قال ومن هذا النبي يا رب وما إسمه؟ قال هذا محمد نبي ورسولي وأميني ونجيبي.. أخذت له ميثاق حملة عرشي فما دونهم من خلايق السماوات والأرض بالإيمان والإقرار بنبوته ، فآمن به يا آدم تزد مني قربة ومنزلة وفضلاً ونوراً ووقاراً .
قال:آمنت بالله وبرسوله محمد صلى الله عليه وآله .
قال الله: قد أوجبت لك يا آدم ، وقد زدتك فضلاً وكرامة . أنت يا آدم أول الأنبياء والرسل ، وابنك محمد خاتم الأنبياء والرسل ، وأول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة ، وأول من يكسى ويحمل إلى الموقف ، وأول شافع وأول شفيع ، وأول قارع لأبواب الجنان ، وأول من يفتح له ، وأول من يدخل الجنة . وقد كنيتك به فأنت أبو محمد . فقال آدم: الحمد لله الذي جعل من ذريتي من فضله بهذه الفضائل وسبقني إلى الجنة ولا أحسده ).
ورويَ حول نوح عليه السلام :
روى البخاري (5/151): (قال رسول الله صلى الله عليه وآله : يدعى نوح يوم القيامة، فيقول لبيك وسعديك يا رب . فيقول: هل بلغت ؟ فيقول: نعم . فيقال لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير! فيقول: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته ، فيشهدون أنه قد بلغ ويكون الرسول عليكم شهيداً ، فذلك قوله جل ذكره: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 267 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وروته مصادرنا بصيغة أخرى عن الإمام الصادق عليه السلام (الكافي:8/267) :
(عن يوسف بن أبي سعيد قال: كنت عند أبي عبد الله (الصادق عليه السلام ) ذات يوم فقال لي: إذا كان يوم القيامة وجمع الله تبارك وتعالى الخلائق كان نوح عليه السلام أول من يدعى به فيقال له: هل بلغت؟فيقول: نعم. فيقال له: من يشهد لك؟ فيقول: محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله قال: فيخرج نوح عليه السلام فيتخطى الناس حتى يجئ إلى محمد صلى الله عليه وآله وهو على كثيب المسك ، ومعه علي عليه السلام ، وهو قول الله عز وجل: فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ، فيقول نوح لمحمد: يا محمد إن الله تبارك وتعالى سألني هل بلغت؟ فقلت نعم فقال: من يشهد لك؟ فقلت: محمد . فيقول: ياجعفر ياحمزة إذهبا واشهدا له أنه قد بلغ . فقال أبو عبد الله عليه السلام : فجعفر وحمزة هما الشاهدان للأنبياء عليهم السلام بما بلغوا. فقلت: جعلت فداك فعلي أين هو؟ فقال: هو أعظم منزلة من ذلك ).
أقول: الإشكال على الصيغتين في البخاري والكافي: كيف تصح شهادة أمة النبي صلى الله عليه وآله على أمم الأنبياء السابقين ولم يكونوا حاضرين؟ وكيف لم يجد نوح عليه السلام شاهداً واحداً من أمته بأنه بلغ رسالة ربه ؟ وأين المؤمنون ووصيه من بعده؟ والصحيح أن شهادة أمة نبينا على الأمم بمعنى شهادة نبيها وأهل بيته صلى الله عليه وآله .
فإذا صحت الرواية عن نوح عليه السلام ، فلا بد أن يكون سئل عن الميثاق الذي أخذه الله على الأنبياء عليهم السلام بنبوة محمد صلى الله عليه وآله ولذلك استشهد به صلى الله عليه وآله ، فأرسل معه الى المحكمة من يشهد له .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 268 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أما معنى الآية في الحديث: فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ، فهو أن الكفار المنافقين تسوء وجوههم عندما يرون علياً عليه السلام الى جنب النبي صلى الله عليه وآله .
وروينا في مقام إبراهيم عليه السلام في المحشر:
(عن بريد بن معاوية العجلي قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام : كيف صار الناس يستلمون الحجر والركن اليماني ، ولا يستلمون الركنين الآخرين؟ فقال: قد سألني عن ذلك عباد بن صهيب البصري فقلت له: لأن رسول الله صلى الله عليه وآله استلم هذين ولم يستلم هذين ، فإنما على الناس أن يفعلوا ما فعل رسول الله صلى الله عليه وآله . وسأخبرك بغير ما أخبرت به عباداً: إن الحجر الأسود والركن اليماني عن يمين العرش ، وإنما أمر الله تبارك وتعالى أن يستلم ما عن يمين عرشه .
قلت: فكيف صار مقام إبراهيم عن يساره؟ فقال:لأن لإبراهيم عليه السلام مقاماً في القيامة ولمحمد صلى الله عليه وآله مقاماً ، فمقام محمد عن يمين عرش ربنا عز وجل ، ومقام إبراهيم عن شمال عرشه ، فمقام إبراهيم في مقامه يوم القيامة ، وعرش ربنا مقبل غير مدبر ). (علل الشرائع:2/428).
وروى البخاري(4/110) عن أبي هريرة قصة غير منطقية عن إبراهيم عليه السلام في المحشر، قال: (يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قَتَرة وغبرة ، فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك لا تعصني! فيقول أبوه: فاليوم لا أعصيك . فيقول إبراهيم: يا رب إنك وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون ، فأي خزيٍ أخزى من أبي الأبعد ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 269 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فيقول الله تعالى: إني حرمت الجنة على الكافرين. ثم يقال: يا إبراهيم ما تحت رجليك؟ فينظر فإذا هو بذيخٍ ملتطخٍ ، فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار ) .
أقول: عقيدتنا أن آزر عم إبراهيم عليه السلام وليس أباه ، فأبوه إسمه تارح . وهذه الرواية من خشونة رواة السلطة القرشية مع عوائل الأنبياء عليهم السلام لتبرير خشونتهم مع عائلة النبي صلى الله عليه وآله . فهم يقولون إن كل أسرة النبي صلى الله عليه وآله كلهم كفار ، حتى لا تكون وارثة إسماعيل وإبراهيم’ووارثة خلافة النبي صلى الله عليه وآله دون الصحابة !
وقد وصلت خشونتهم الى الله تعالى، فقالوا إنه لم يرحم إبراهيم عليه السلام ولم يقبل شفاعته ، مع أنه دعاه في الدنيا: وَلاتُخْزِنِى يَوْمَ يُبْعَثُونَ . وقالت رواية البخاري إن الله تعالى استجاب له بأنه لن يخزيه ، فطالبه إبراهيم بذلك ، لكنه تعالى أخلف قوله ولم يرحمه وأخزاه واستعمل معه الحيلة فقلب أباه الى ذِيخ! أي ذئب كبير كثير الشعر متلطخ بفضلاته! وقال له: أنظر، فلما رآه إبراهيم سكت وترك الشفاعة له ، فأخذوه الى جهنم !
وفي فتح الباري(8/384): (فيؤخذ منه فيقول: يا إبراهيم أين أبوك؟ قال: أنت أخذته مني . قال: أنظر أسفل ، فينظر فإذا ذيخٌ يتمرغ في نتنه وفي رواية أيوب: فيمسخ الله أباه ضبعاً ، فيأخذ بأنفه فيقول يا عبدي أبوك هو؟ فيقول: لا وعزتك.. فإذا رآه كذا تبرأ منه قال لست أبي ) ! وفي مصنف ابن أبي شيبة (8/207): (فيلتفت إليه وقد غُيِّرَ خَلْقُهُ ، قال: فيقول إبراهيم: أفٍّ أف ! ثم يمشي إلى الجنة ويدعه ).
وهذه نفس هرطقة اليهود في نسبة الخشونة والحيل الى أنبيائهم عليهم السلام وربهم سبحانه !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 270 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

(8)مقام إبراهيم وآله عليهم السلام يلي مقام نبينا وآله عليهم السلام

في تفسير فرات/446: (وإن في بطنان الفردوس للؤلؤتان من عرق واحد ، لؤلؤة بيضاء ولؤلؤة صفراء ، فيهما قصور ودور ، في كل واحدة سبعون ألف دار . البيضاء منازل لنا ولشيعتنا ، والصفراء منازل لإبراهيم وآل إبراهيم ).
وفي تفسير العياشي(2/312 ) قال رسول الله صلى الله عليه وآله في حديث يصف فيه تكريم الله تعالى له ولإبراهيم ولعلي عليهم السلام : (ثم آتي المقام المحمود حتى أقضي عليه (بين الناس) وهو تل من مسك أذفر ، بحيال العرش . ثم يدعى إبراهيم عليه السلام فيحمل على مثلها ، فيجئ حتى يقف عن يمين رسول الله صلى الله عليه وآله .
ثم رفع رسول الله صلى الله عليه وآله يده فضرب على كتف علي بن أبي طالب ثم قال:ثم تؤتى والله بمثلها فتُحمل عليها.ثم تجئ حتى تقف بيني وبين أبيك إبراهيم عليه السلام ).
وفي الفضائل/125: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله : يا علي ألا ترضى إذا جمع الناس يوم القيامة في صعيد واحد حفاة عراة مشاة ، قد قطع أعناقهم العطش، فيكون أول من يدعى إبراهيم فيكسى ثوبين أبيضين، ثم يقوم عن يمين العرش ، ثم يفتح لي ثَعْبٌ (جدول) إلى الجنة ما بين صنعاء إلى البصـرة ، وفيه عدد نجوم السماء أقداح من فضة ، فأشرب وأتوضأ ، ثم أكسى ثوبين أبيضين ، ثم أقوم عن يمين العرش . ثم تدعى فتشرب وتتوضأ ، ثم تكسى ثوبين أبيضين . وما أدعى لخير إلا دعيت ، وتشفع إذا شفعت).
وروى ابن ماجة(1/50) أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: (إن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً . فمنزلي ومنزل إبراهيم في الجنة يوم القيامة تجاهين . والعباس بيننا مؤمن بين خليلين). ومن الواضح أنه إسم العباس وضع مكان إسم علي عليه السلام .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 271 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كما رد أن إبراهيم وسارة’يربيان في البرزخ أطفال المؤمنين ، ففي التوحيد للصدوق/394، عن الإمام الصادق عليه السلام قال: (إن الله تبارك وتعالى كفل إبراهيم عليه السلام وسارة أطفال المؤمنين ، يغذونهم من شجرة في الجنة ، لها أخلاف كأخلاف البقر ، في قصور من در . فإذا كان يوم القيامة ألبسوا وطيبوا وأهدوا إلى آبائهم ، فهم مع آبائهم ملوك في الجنة ).

(9) من هرطقة المعجبين بحاخامات اليهود !

كثرت عند رواة السلطة القرشية الإسرائيليات في أحاديث القيامة والمحشر والحساب والجنة والنار . والسبب أن السلطة خافت من أحاديث النبي صلى الله عليه وآله فمنعت تدوينها والتحديث بها ، وأبعدت الصحابة المحدثين .
ثم تبنت مقولة: حدثوا عن أهل الكتاب ولا حرج ، فقربت أحبار اليهود والنصارى وجعلتهم المحدثين الرسميين في مسجد النبي صلى الله عليه وآله ، ثم في العالم الإسلامي .
واستطاع كعب وتميم وزملاؤهما كعبد الله بن سلام ووهب بن منبه ، أن يُخرِّجوا جيلاً من الرواة ، أخذوا عنهم الغث والمبالغة والأسطورة ، وروايات الهرطقة أي اللامعقول التي اشتهر بها اليهود مع ربهم وأنبيائهم عليهم السلام ، فصرت تجدها في أهم مصادر الحديث التي اعتمدتها الدولة ، كصحيح البخاري ومسلم ، وينسبونها الى رسول الله صلى الله عليه وآله !
ومن ذلك أحاديث تجسيم الله تعالى ، وأنه يأتي الى المحشر على صورة إنسان ويعرِّف الناس بنفسه فيكذبونه ويقولون له: نعوذ بالله منك ، فيكشف لهم عن ساقه وإذا بها محروقة ! فيصدقونه ، ويضحك ويضحكون !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 272 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال ابن باز في فتاويه (4/130):(الرسول فسر:يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ ، بأن المراد يوم يجئ الرب يوم القيامة ويكشف لعباده المؤمنين عن ساقه ، وهي العلامة بينه وبينهم سبحانه وتعالى ، فإذا كشف عن ساقه عرفوه وتبعوه ، وهذه من الصفات التي تليق بجلال الله وعظمته ، لايشابهه فيها أحد جل وعلا ! وهكذا سائر الصفات كالوجه واليدين والقدم والعين ، وغير ذلك من الصفات الثابتة بالنصوص، ومن ذلك الغضب والمحبة والكراهة وسائر ما وصف به نفسه سبحانه في الكتاب العزيز ، وفيما أخبر به النبي ، كلها وصف شاهق ، وكلها تليق بالله جل وعلا ! أما التأويل للصفات وصرفها عن ظاهرها (الحسي) فهو مذهب أهل البدع من الجهمية والمعتزلة ومن سار في ركبهم،وهو مذهب باطل أنكره أهل السنة والجماعة وتبرؤوا منه وحذروا من أهله).
وقد اكتفى ابن باز بالإشارة ولم يصرح ، بأن ساق معبودهم صارت علامة بينه وبين عباده لأنها محروقة ، وأنها احترقت جزئياً عندما قالت جهم هل من مزيد فوضع فيها رجله ، فامتلأت !
وقد حدث أحد السعوديين أن معلماًً في مدرسة سأل تلاميذه يوماً فقال: كيف نعرف الله ؟ فأجابه تلميذ: يا أستاذ نعرفه بأن رجله محروقة !
وهكذا خربوا فطرة أبناء المسلمين على التنزيه ، وغرسوا في أذهانهم التجسيم . سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ .
وأصل عقيدتهم من روايات أحبار اليهود ، فقد رووا أن حاخاماً جاء الى النبي صلى الله عليه وآله وعلمه هذه العقيدة ! ففي صحيح البخاري (8/202): (قال: جاء حبر من اليهود فقال إنه إذا كان يوم القيامة جعل الله السماوات على إصبع والأرضين على إصبع والماء
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 273 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والثرى على إصبع والخلائق على إصبع، ثم يهزهن ثم يقول: أنا الملك أنا الملك! فلقد رأيت النبي يضحك حتى بدت نواجذه تعجباً وتصديقاً لقوله) !
لاحظ أن ربهم والعياذ بالله حمل السماوات والأرضين على إصبعين ، فبقيت ثلاثة أصابعه خالية ، فحمل الماء والثرى على واحدة ، والخلائق على واحدة ، وترك الخامسة خالية ! ثم قالوا إنه أخذ يرقص ، ويقول: أنا الملك ، أنا الملك !
وروى البخاري (7/205): (عن أبي هريرة قال: قال أناس: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة ؟فقال هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا:لا، يا رسول الله . قال: هل تضارون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟ قالوا: لا، يا رسول الله. قال: فإنكم ترونه يوم القيامة كذلك ، يجمع الله الناس فيقول: من كان يعبد شيئاً فليتبعه ، فيتبع من كان يعبد الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر ، ويتبع من كان يعبد الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها ، فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون فيقول: أنا ربكم ! فيقولون: نعوذ بالله منك ، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا أتانا عرفناه .فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون أنت ربنا فيتبعونه، ويضرب جسر جهنم.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله : فأكون أول من يُجيز( يعبر الجسر) ودعاء الرسل يومئذ: اللهم سلم سلم ، وبه كلاليب مثل شوك السعدان ، أما رأيتم شوك السعدان؟ قالوا: بلى يارسول الله ، قال: فإنها مثل شوك السعدان ، غير أنها لا يعلم قدر عظمها إلا الله ، فتخطف الناس بأعمالهم، منهم الموبق بعمله ، ومنهم المخردل ثم ينجو.
حتى إذا فرغ الله من القضاء بين عباده وأراد أن يُخرج من النار من أراد أن يُخرج ممن كان يشهد أن لا إله إلا الله ، أمر الملائكة أن يخرجوهم فيعرفونهم بعلامة آثار السجود ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 274 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وحرم الله على النار أن تأكل من ابن آدم أثر السجود ، فيخرجونهم قد امتحشوا (احترقوا ويبسوا) فيصب عليهم ماء يقال له ماء الحياة ، فينبتون نبات الحبة في حميل السيل (الوادي فيه الماء) ويبقى رجل مقبل بوجهه على النار فيقول: يا رب قد قشبني ريحها ، وأحرقني ذكاؤها فاصرف وجهي عن النار ، فلا يزال يدعو الله فيقول: لعلك إن أعطيتك أن تسألني غيره . فيقول: لا وعزتك لا أسألك غيره . فيصرف وجهه عن النار ، ثم يقول بعد ذلك: يا رب قربني إلى باب الجنة ، فيقول: أليس قد زعمت أن لاتسألني غيره ، ويلك ابن آدم ما أغدرك ! فلا يزال يدعو فيقول: لعلي إن أعطيتك ذلك تسألني غيره، فيقول: لا ، وعزتك لا أسألك غيره. فيعطي الله من عهود ومواثيق أن لا يسأله غيره ، فيقربه إلى باب الجنة ، فإذا رأى ما فيها سكت ما شاء الله أن يسكت، ثم يقول:رب أدخلني الجنة . ثم يقول: أوليس قد زعمت أن لا تسألني غيره . ويلك يا ابن آدم ما أغدرك ! فيقول: يا رب لا تجعلني أشقى خلقك ، فلا يزال يدعو حتى يضحك ، فإذا ضحك منه أذن له بالدخول فيها ، فإذا دخل فيها قيل: تَمَنَّ من كذا فيتمنى ، ثم يقال له تمن من كذا فيتمنى ، حتى تنقطع به الأماني فيقول هذا لك ومثله معه . قال أبو هريرة: وذلك الرجل آخر أهل الجنة دخولاً ).
أقول: ترى بوجدانك أن العامية ظاهرة في هذا النص، والشطارة اليهودية ، والحيلة في التعامل مع الله تعالى وأنبيائه عليهم السلام ! وقد استوفينا ذلك في كتاب الوهابية والتوحيد ، وكتاب: ألف سؤال وإشكال على المخالفين لأهل البيت الطاهرين عليهم السلام .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 275 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الرابع عشر : الأعراف مركز رئاسة المحشر

(1) أهمية الحياة الآخرة في القرآن

من عجائب التوراة الموجودة أنه لا ذكر فيها للآخرة والقيامة ، وكأنها كتاب دنيوي لا ديني ! ( راجع: البيان للسيد الخوئي/62، والرحلة المدرسية للبلاغي:1/124).
بينما نجد في أناجيل المسيحيين: الإعتقاد بالقيامة والجزاء والثواب والعقاب .
ففي العهد الجديد/48: ( أما أنا فأقول لكم: من غضب على أخيه استوجب حكم القضاء ، ومن قال لأخيه: يا أحمق استوجب حكم المجلس، ومن قال له: يا جاهل استوجب نار جهنم ).
وفي العهد الجديد/75: (يرسل ابن الإنسان ملائكته ، فيجمعون مسببي العثرات والأثمة كافة ، فيخرجونهم من ملكوته ، ويقذفون بهم في أتون النار ، فهناك البكاء وصريف الأسنان).
وفي العهد الجديد/100: (الويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون... أيها الحيات أولاد الأفاعي ، كيف لكم أن تهربوا من عقاب جهنم ).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 276 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أما القرآن الكريم فالآخرة من عقائده الأساسية،وقد أعطاها حقها من الإهتمام وسمى سوراً باسمها ، ومنها سورة الأعراف التي هي مركز رئاسة المحشر.
وهذه صورة لأهم السور التي سميت باسم الآخرة ، أو كان لإسمها ربط بها.
فمنها سورة الزُّمَر:
أي مجموعات الأتقياء من أهل الجنة والكفار من أهل النار. وقد رسمت مشهداً بليغاً ، يبدأ بالنفخ في الصور ، وينتهي باستقرار المتقين في الجنة .
قال الله تعالى: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ . وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيْئَ بِالنَّبِيِّنَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ . وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ . وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ. قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ . وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ. وَقَالُوا الْحَمْدُ للهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ. وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 277 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ومنها سورة الجاثية ، التي جاء فيها:
وَللَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ . وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ .
ومنها سورة الواقعة ، التي جاء فيها:
إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ. لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ. خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ . إِذَا رُجَّتِ الأَرْضُ رَجًّا. وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا . فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا . وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً . فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ . وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ . وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ . أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ .
ومنها سورة الحاقة ، التي جاء فيها:
الْحَاقَّةُ . مَا الْحَاقَّةُ . وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ .كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ . فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ . وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً . فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ. وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ . وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ.يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاتَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ
فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ . إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّى مُلاقٍ حِسَابِيَهْ . فَهُوَفِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ . فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ . قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ . ُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ .
وَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِى لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ . وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ . يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ . مَا أَغْنَى عَنِّى مَالِيَهْ . هَلَكَ عَنِّى سُلْطَانِيَهْ . خُذُوهُ فَغُلُّوهُ . ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ . ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ . إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 278 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بِاللهِ الْعَظِيمِ . وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ . فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَا هُنَا حَمِيمٌ . وَلا طَعَامٌ إِلا مِنْ غِسْلِينٍ . لا يَأْكُلُهُ إِلا الْخَاطِئُونَ .
ومنها سورة المعارج ، التي جاء فيها:
سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ . لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ. مِنَ اللهِ ذِى الْمَعَارِجِ . تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ. فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلاً. إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا . وَنَرَاهُ قَرِيبًا . يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ . وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ . وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا .
ومنها سورة المرسلات ، التي جاء فيها:
إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ . فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ. وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ. وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ . وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ . لأَىِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ . لِيَوْمِ الْفَصْلِ . وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ .
ومنها سورة تكوير الشمس ، التي جاء فيها:
إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ . وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ . وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ . وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ . وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ . وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ . وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ . وَإِذَا الْمَوْءوُدَةُ سُئِلَتْ . بِأَىِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ . وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ . وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ. وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ . وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ . عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ .
ومنها سورة انفطار السماء التي جاء فيها:
إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ . وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ . وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ . وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ . عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ . يَا أَيُّهَا الإنسان مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ . الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَاكَ فَعَدَلَكَ . فِي أَىِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ . كَلا بَلْ تُكَذِّبُونَ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 279 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بِالدِّينِ . وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ .كِرَامًا كَاتِبِينَ . يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ . إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ . وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ . يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ . وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ. وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ . ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ . يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ للهِ .
ومنها سورة انشقاق السماء، التي جاء فيها:
إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ . وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ . وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ . وَأَلَقْتَ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ . وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ . يَا أَيُّهَا الإنسان إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ . فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ . فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا . وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا . وَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ . فَسَوْفَ يَدْعُواْ ثُبُورًا . وَيَصْلَى سَعِيرًا . إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا . إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ .
ومنها سورة زلزلة الأرض ، التي جاء فيها:
إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا . وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا . وَقَالَ الإنسان مَا لَهَا . يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا . بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا . يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ . فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ . وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ .
ومنها سورة القارعة ، التي جاء فيها:
القارعة مَا الْقَارِعَةُ. وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ . يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ . وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ. فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ . فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ. وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ. فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ. وَمَا أَدْرَاكَ مَاهِيَهْ. نَارٌ حَامِيَةٌ .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 280 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

(2) الأعراف مركز رئاسة المحشر

قال الله تعالى: وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ. الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ . وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاً بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ . وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ .
وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ . أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنَالُهُمُ اللهُ بِرَحْمَةٍ اُدْخُلُوا الْجَنَّةِ لاخَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ .
وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ قَالُوا إِنَّ اللهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ . الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ . (الأعراف:44-51).
1.تبدأ الآيات بنداء أهل الجنة لأهل النار، واعتراف أهل النار بأن وعد الله تعالى كان حقاً . ثم ينادي المنادي بينهما بلعنة الظالمين. ثم ذكرت الحجاب بين أهل الجنة والنار . ثم ذكرت رجال الأعراف وتسليمهم على أهل الجنة .
ثم النداء لزعماء من أهل النار كانوا حكاماً مستكبرين: مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ ، ولم تذكر جوابهم ، ثم ذكَّروهم بأنهم كانوا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 281 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يستهزئون بهؤلاء الموجودين على الأعراف ويقولون: لا يَنَالُهُمُ اللهُ بِرَحْمَةٍ .ثم يشفعون لهم ويأمرونهم بأن يدخلوا الجنة ، رغم أنف أعدائهم !
ثم تختم بنداء أهل النار لأهل الجنة ، يطلبون منهم الماء والغذاء ، فلا يعطونهم .
2.كشفت آيات الأعراف عن مكان في أرض المحشر هو ربوات أو جبال ، سماه الله الأعراف ، وهو مقابل الجنة ، يرونها منه ، فإن التفتوا الى جهة أخرى: وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ ، رأوا أهل النار أيضاً .
3. نصت الأحاديث الصحيحة على أن رجال الأعراف هم النبي الأئمة عليه السلام . وهم الذين يعرفون كلاً بسيماهم ، أي يعرفون جميع أهل الجنة وجميع أهل النار ، أو الذين عاصروهم ، كل واحد وما عمل . وقد سئل الإمام الباقر عليه السلام عن رجال الأعراف فقال: (هم أكرم الخلق على الله). (بصائر الدرجات/520).
وأصحاب الأعراف: هم جماعة مع الأئمة عليهم السلام على الأعراف ، وهم من شيعتهم الذين استوت حسناتهم وسيآتهم ، ولم يدخلوا الجنة وهم يطمعون بشفاعتهم .
4. وقت هذا المشهد القرآني ، أوائل دخول أهل الجنة وأهل النار فيهما . وبما أن الأعراف في الأرض ، فمعناه أن النبي والأئمة عليه السلام يتأخر دخولهم الى الجنة ، أو يدخلون الجنة ويرجعون لبعض الأعمال ، ويكون هذا المشهد في الأعراف .
ويظهر أن الأرض تكون مفتوحة على الجنة: وَقَالُوا الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ . فالأرض لهم ، لكن سكنهم في الجنة .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 282 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
5. اشتهر استعمال العرف والأعراف عند العرب ، بعُرف الفرس والدابة والديك . واستعملوه بمعنى الرائحة فقالوا: طيب العُرف . وبمعنى متعارف الناس ، فقالوا عُرف السوق . كما استعملوه بمعنى الربوة المرتفعة أو الجبل ، ونقل الثعالبي في تفسيره (5/232) أن عرف الفرس مأخوذ من الأعراف بمعنى الجبال ، قال: (وهذا من الأعراف التي هي الجبال ، ومنه أعراف الخيل ).
وقال في الصحاح (4/1401): (العُرْف والعُرُف: الرمل المرتفع . قال الكميت:
أبكاك بالعُرُفِ المنزلُ * وما أنتَ والطلل المُحْوِلُ ).
فالمقصود به في الآيات: جبال في أرض المحشر مشرفة ، تشاهد منها الجنة والنار وقد ورد أنها كثبان مسكية ، وأنها مقر رئاسة النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام للمحشر .
6. روى في تفسير القمي(1/231) بسند صحيح عن الإمام الصادق عليه السلام : (قال: الأعراف كثبان بين الجنة والنار، والرجال الأئمة صلوات الله عليهم ، يقفون على الأعراف مع شيعتهم ، وقد سيق المؤمنون إلى الجنة بلا حساب ، فيقول الأئمة لشيعتهم من أصحاب الذنوب: أنظروا إلى إخوانكم في الجنة قد سِيقوا إليها بلاحساب ، وهو قوله تبارك وتعالى:سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ .
ثم يقال لهم: أنظروا إلى أعدائكم في النار ، وهو قوله: وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لاتَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ . وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ . في النار: قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ في
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 283 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الدنيا: وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ . ثم يقولون لمن في النار من أعدائهم: أهؤلاء شيعتي وإخواني الذين كنتم أنتم تحلفون في الدنيا أن لا يَنَالُهُمُ اللهُ بِرَحْمَةٍ .
ثم يقول الأئمة لشيعتهم: اُدْخُلُوا الْجَنَّةِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ).
فالنبي والأئمة عليهم السلام هم رجال الأعراف ، وهم يرون منه أهل الجنة وأهل النار ويخاطبونهم . وأصحاب الأعراف هم الشيعة المذنبون الذين يرسلهم الله تعالى الىهم .
وفي مختصر البصائر/190، عن الإمام الصادق عليه السلام في قول الله تعالى: وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ ، قال: (سور بين الجنة والنار، قائمٌ عليه محمد صلى الله عليه وآله وعلي والحسن والحسين وفاطمة وخديجة عليهم السلام فينادون: أين محبونا ، أين شيعتنا؟ فيقبلون إليهم فيعرفونهم بأسمائهم وأسماء آبائهم ، وذلك قوله تعالى: يَعْرِفُونَ كُلاً بِسِيمَاهُمْ ، فيأخذون بأيديهم ، فيجوزون بهم الصراط ويدخلونهم الجنة). وسيأتي مزيد من الأحاديث .
أقول: لاحظ هذا التفسير المنسجم ، فالأعراف مكان مشرف على الجنة والنار ، ولا يوجد مكان في المحشر مشرفٌ غيره . والواقفون عليه النبي صلى الله عليه وآله والأئمة من عترته ، وأولهم علي عليه السلام ، ومعهم فاطمة الزهراء وخديجة الكبرى’وأبرار من بني هاشم ، ومعهم بعض كبار شيعتهم كسلمان والمقداد وعمار .
ويرسل الله اليهم المذنبين من شيعتهم ، ممن استوت حسناتهم وسيئاتهم ، أما أبرار شيعتهم فيساقون الى الجنة . فيخاطب الأئمة عليهم السلام بعض أهل النار من أعدائهم ، ثم يشفعون للمذنبين من شيعتهم ، ويأمرون بهم الى الجنة .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 284 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد ورد ذكر كَثِيبُ المِسْك في المحشر وأنه مركز قيادة النبي صلى الله عليه وآله ، في حديث مجئ نوح عليه السلام الى رسول الله صلى الله عليه وآله (الكافي:8/267): (فيخرج نوح عليه السلام فيتخطى الناس حتى يجئ إلى محمد صلى الله عليه وآله ، وهو على كثيب المسك ، ومعه علي عليه السلام ).
وذكر رواة السلطة كثيب المسك ، وأنه يقف عليه المؤذن ، وإمام الجماعة ، والعبد المستضعف ، لكن لم يذكروا فيه النبي وآله صلى الله عليه وآله ! (شعب الإيمان:3/120، والترغيب (3/26 ).
ومعنى الكثيب:الربوة من الرمل ، وهي من كَثَبَ بمعنى جَمَع. والإذفر: قوي الرائحة .

(3) تخبط رواة السلطة في تفسير رجال الأعراف

جعل الله تعالى آيات الأعراف من المتشابه في القرآن لحكم ٍ يعلمها ، ولا يصح تفسيرها إلا بجعل الواقفين عليها نوعين: رجال الأعراف أو أئمة الأعراف عليهم السلام الذين يعرفون كلاً بسيماهم ، ويشاهدون أهل الجنة وأهل النار ويخاطبونهم ، ويشفعون للمذنبين ويأمرونهم ببهم الى الجنة . وأصحاب الأعراف ، من المذنبين الذين يطمعون بشفاعة أئمتهم عليهم السلام . وقد يعبر عن أئمة الأعراف بأصحاب الأعراف ، ويعرف المقصود بالفرق بين الشفعاء والمشفوع لهم .
وقد تخبط علماء السلطة في تفسير رجال الأعراف الى حد التناقض ، فتراهم لا يريدون القول بأنهم عترة النبي صلى الله عليه وآله ، وفي نفس الوقت لا يمكنهم إلباس ثوب الآية لغيرهم ، فيكثرون الإحتمالات لتضييع التفسير الصحيح !
مثال ذلك إمامهم الكبير القرطبي الذي يأخذ منه إمامهم ابن حجر، وكثير من أئمتهم قال في تفسيره الجامع لأحكام القرآن (7/211): (وقد تكلم العلماء في أصحاب
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 285 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأعراف على عشرة أقوال: فقال عبد الله بن مسعود وحذيفة بن اليمان وابن عباس والشعبي والضحاك وابن جبير: هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم... وقال مجاهد: هم قوم صالحون فقهاء علماء. وقيل: هم الشهداء ، ذكره المهدوي. وقال القشيري: وقيل هم فضلاء المؤمنين والشهداء...وقال شرحبيل بن سعد: هم المستشهدون في سبيل الله ، الذين خرجوا الى الجهاد عصاة لآبائهم... وذكر الثعلبي بإسناده عن ابن عباس في قول عز وجل: وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ،قال: الأعراف موضع عال على الصـراط ، عليه العباس وحمزة وعلي بن أبي طالب وجعفر ذو الجناحين رضي الله عنهم، يعرفون محبيهم ببياض الوجوه ومبغضيهم بسواد الوجوه . وقال الزجاج: هم قوم أنبياء . وقيل: هم قوم كانت لهم صغائر لم تكفر عنهم بالآلام والمصائب في الدنيا، وليست لهم كبائر، فيحبسون عن الجنة لينالهم بذلك غَمٌّ فيقع في مقابلة صغائرهم . وتمنى سالم مولى أبي حذيفة أن يكون من أصحاب الأعراف ، لأن مذهبه أنهم مذنبون.
وقيل: هم أولاد الزنى ، ذكره القشيري عن ابن عباس. وقيل: هم ملائكة موكلون بهذا السور، يميزون الكافرين من المؤمنين قبل إدخالهم الجنة والنار ، ذكره أبو مجلز. فقيل له لا يقال للملائكة رجال ! فقال: إنهم ذكور وليسوا بإناث.. وحكى الزهراوي أنهم عدول القيامة الذين يشهدون على الناس بأعمالهم ، وهم في كل أمة . واختار هذا القول النحاس ، وقال: وهو من أحسن ما قيل فيه ، فهم على السور بين الجنة والنار .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 286 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال ابن عطية: واللازم من الآية أن على الأعراف رجالاً من أهل الجنة ، يتأخر دخولهم...قلت: فوقف عن التعيين لاضطراب الأثر والتفصيل ، والله بحقائق الأمور عليم ).
أقول: الأقوال عندهم في رجال الأعراف أكثر من عشـرة ، فقد زادت بعد عصـر القرطبي . وهي نموذج للتفسير الحكومي الذي يقدم لك عشـرات الإحتمالات ، وينسبها الى علماء وصحابة ، ثم يختار المؤلف أحدها أو لا يختار ، ليقول لك إن تفسير الآية مشكل فاتركه ! وقد يكون هذا الإمام المفسر ضائعاً ضياعاً حقيقياً ، وقد لا يكون ضائعاً ، لكنه يريد تضييعك وإبعادك عن التفسير الصحيح .
أما في رجال الأعراف فأكثرهم من النوع الثاني الذي يريد تضييعك! لأن الآية واضحة تقول: وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاً بِسِيمَاهُمْ . فهي تنص على رجالٍ مسؤولين واقفين على الأعراف ، وقد أعطاهم الله تعالى معرفة كل أهل الجنة وكل أهل النار ، والقدرة على مخاطبتهم ، وأعطاهم حق الشفاعة ، وخولهم أمر من استوت حسناتهم وسيآتهم من أتباعهم . فمن هم هؤلاء ؟
لو كانت الآية: وعلى الأعراف رجلٌ ، لسارعوا الى القول إنه رسول الله صلى الله عليه وآله وحده ، وفصلوا عترته عنه وانحلت مشكلتهم !
لكنها قالت: رجال ، ولا يمكنهم جعلهم النبي صلى الله عليه وآله والصحابة الذين يحبونهم ، لأن النبي صلى الله عليه وآله قال إن أكثرهم مطرودون عن الحوض ، ويقادون الى النار !
ولا يريدون الإعتراف بأنهم عترة النبي صلى الله عليه وآله فالحل أن يقولوا يحتمل ويحتمل ويحتمل !
وقد أغرب النووي فاحتمل أن تكون الأعراف سجناً يسجن فيه بعض العاصين !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 287 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال في شرح مسلم (13/37): (ويحتمل أن يكون عقابه إن عوقب بغير النار كالحبس في الأعراف عن دخول الجنة ) !
يا أئمة التفسير: أخبرونا من هم هؤلاء الرجال القادة ، الذين هم فوق الملائكة ، يُسلِّمون على أهل الجنة ويباركون لهم ، ويُوبِّخون حكاماً من أهل النار كانوا في الدنيا جمعوا الجيوش والأموال، ثم يشفعون لمن كان يزدريهم هؤلاء الحكام،وكأن الجنة لهم ؟
أما نحن فنقول إنهم النبي صلى الله عليه وآله وعترته عليهم السلام ، فمن هم برأيكم ؟
لاجواب عندهم إلا الإحتمالات الهوائية بلا دليل ، أو تعويم القضية والقول تحكماً واستحساناً إنهم عدول الأمة ، ولا علاقة لهم بعترة النبي صلى الله عليه وآله !
وقد يمرر بعضهم في قائمة احتمالاته رواية أنهم النبي صلى الله عليه وآله وعترته عليهم السلام ، لكنه يخلطها باحتمالاته الأخرى لكي يضيعها !
أو يجد أن الرواية تقول إنهم من أقارب النبي صلى الله عليه وآله فيحذف منهم علياً والحسن والحسين عليهم السلام ويُدخل فيهم العباس وغيره ، تقرباً الى الحكام العباسيين !
وقد أحس ابن حجر بأن تفسير الرجال في قوله تعالى: وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ ، بالملائكة لايصح، فقال في فتح الباري(8/223): (اختلف في المراد بالأعراف في قوله تعالى:وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ ، وعن أبي مجلز هم ملائكة وُكِّلوا بالصُّور ليميزوا المؤمن من الكافر . واستشكل بأن الملائكة ليسوا ذكوراً ولا إناثاً ، فلا يقال لهم رجال . وأجيب بأنه مثل قوله في حق الجن: وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الآنْسِ يَعُوذُونَ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 288 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ ، ذكره القرطبي في التذكرة .وليس بواضح ، لأن الجن يتوالدون فلا يمتنع أن يقال فيهم الذكور والإناث ، بخلاف الملائكة ).
فقد دافع ابن حجر عن كون رجال الأعراف من البشر ، لكنه لم يقل مَن هم؟!
ثم رأيناه يتفنن في الهروب من تعيينهم! فجعلهم مع أصحاب الأعراف واحداً ، قال: (وقد تقدم قريباً أن أرجح الأقوال في أصحاب الأعراف: أنهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم ). (فتح الباري:11/370و346 ).
يقول ذلك وهو يعرف أن هؤلاء هم المذنبون المشفوع لهم ، فمن هم رجال الأعراف الشفعاء ، الذين يتصرفون من منصتهم في الأعراف العليا ، فيسلمون على أهل الجنة ويباركون لهم ، ويوبخون أئمة الكفر في جهنم ، ويصدرون أمرهم الى (أصحاب الأعراف) المذنبين ، فيقولون أدخلوا الجنة خالدين فيها بلا خوف ولا حزن ، فقد كفاكم ما لقيتم من هؤلاء الجبابرة من خوف فينا وحزن من أجلنا: قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ . أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنَالُهُمُ اللهُ بِرَحْمَةٍ اُدْخُلُوا الْجَنَّةِ لاخَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ .
أيها الأئمة المفسرون: مَن هؤلاء الذين فوضهم الله تعالى أن يشفعوا ويصدروا الأوامر في المحشر ؟ وهل ترون أحداً غير النبي صلى الله عليه وآله وعترته عليهم السلام أهلاً لهذا المقام العظيم ؟
ترى أكثرهم محرنين ، لايريدون الإعتراف بهذا المقام الرباني العظيم للنبي وآله صلى الله عليه وآله ويريدون إعطاءه لصحابة مفضلين أو لمتصوفين ، لكنهم يحومون حوله ولا يصرحون !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 289 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أما ابن عربي فصرح في فتوحاته (1/158)وقال: (ورجال الأعراف وهم رجال الحدّ قال الله تعالى:وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ: أهل الشم ، والتمييز ، والسـراح عن الأوصاف فلا صفة لهم . كان منهم أبو يزيد البسطامي! ورجالٌ إذا دعاهم الحق إليه يأتونه رجالاً لسرعة الإجابة لا يركبون:وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً. وهم رجال المطلع. فرجال الظاهر هم الذين لهم التصرف في عالم الملك والشهادة وهم الذين كان يشير إليهم الشيخ محمد بن قائد الأواني . وهو المقام الذي تركه الشيخ العاقل أبو السعود بن الشبل البغدادي أدباً مع الله !
أخبرني أبو البدر التماشكي البغدادي رحمه الله قال: لما اجتمع محمد بن قائد الأواني ، وكان من الأفراد ، بأبي السعود هذا قال له: يا أبا السعود ، إن الله قسَّمَ المملكة بيني وبينك ، فلم لا تتصرف فيها كما أتصرف أنا ؟
فقال له أبو السعود: يا ابن قائد وهبتك سهمي، نحن تركنا الحق يتصـرف لنا ! وهو قوله تعالى:فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً. فامْتَثِلْ أمر الله .
فقال لي أبو البدر: قال لي أبو السعود:إني أعطيت التصرف في العالم منذ خمس عشرة سنة من تاريخ قوله ، فتركته وما ظهر عليَّ منه شئ !
وأما رجال الباطن فهم الذين لهم التصرف في عالم الغيب والملكوت فيستنزلون الأرواح العلوية بهممهم فيما يريدونه، وأعني أرواح الكواكب لا أرواح الملائكة وإنما كان ذلك لمانع إلهي قوي يقتضيه مقام الأملاك . أخبر الله به في قول
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 290 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
جبريل عليه السلام لمحمد فقال: وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلا بِأَمْرِ رَبِّكَ. ومن كان تنزله بأمر ربه ، لا تؤثر فيه الخاصية ولا ينزل بها ) .
وقال ابن عربي في تفسيره (1/258): ( وعلى الأعراف: أي على أعالي ذلك الحجاب الذي هو حجاب القلب الفارق بين الفريقين ، هؤلاء عن يمينه وهؤلاء عن شماله. رجالٌ: هم العرفاء أهل الله وخاصته . يعرفون كلاً من الفريقين بسيماهم . يسلمون على أهل الجنة بإمداد أسباب التزكية والتحلية والأنوار القلبية وإفاضة الخيرات والبركات عليهم ، لم يدخلوا الجنة لتجردهم عن ملابس صفات النفوس وطيباتها وترقيهم عن طورهم ، فلا يشغلهم عن الشهود الذاتي ومطالعة التجلي الصفاتي نعيم ).
فرجال الأعراف عنده: رجال الظاهر الذين لهم التصرف في الكون ، وهم أقل من رجال الباطن الذين لهم التصرف في الغيب !
والبسطامي من رجال الأعراف ، ومحمد بن قائد الأواني أعلى درجة منه لأنه يتصرف في عالم الشهادة والطبيعة ، وأبو السعود أعلى درجة منهما ، لأنه وهب له سهمه من القدرة على التصرف بالكون .
أما رجال الباطن فهم فوقهم جميعاً ، ولا بد أن يكون ابن عربي رئيسهم ، فهو فوق أهل الأعراف بدرجات ودرجات !
وأمام هذا المنطق الذاتي الغوغائي، لا يبقى مقام للنبي صلى الله عليه وآله وعترته المطهرين المعصومين عليهم السلام ، لأن المقامات كلها محجوزة لهؤلاء الهراطقة ! أما عند النواصب فمحجوزة لبني أمية ومن أسس لهم .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 291 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولا نطيل في عرض بقية آراء المفسرين ونقدها ، فقد تبين عوارها بما تقدم ، وبما يأتي من أحاديث مستفيضة ، فيها العددي صحيح السند .
لكن أسجل تعجبي من بعض مفسرينا رحمهم الله كيف أخذوا معنى الأعراف من مفسري السلطة ، وتأثر بعضهم بابن عربي كصدر المتألهين الشيرازي ، فقد خلط بين رجال الأعراف واصحاب الأعراف كما فعل ابن حجر ، وقال في الأسفار الأربعة (5/316): (وأما الأعراف فهو سور بين الجنة والنار، له باب باطنه وهو ما يلي الجنة فيه الرحمة ، وظاهره وهو ما يلي النار من قبله العذاب . يكون عليه من تساوت كفتا ميزانه ، فهم ينظرون بعين إلى الجنة وبعين أخرى إلى النار). وذكر نحوه أسرار الآيات/200 ، والشواهد الربوبية/312.
وقد أخذه من فتوحات ابن عربي (1/509) بلفظه تقريباً ، والحمد لله أنه لم يأخذ منه تطبيقه لرجال الأعراف على البسطامي ورفقائه !
ويقصدون بالسور المذكور في قوله تعالى:يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ .
وقد تصوروا أن هذا السور هو المذكور في آبات الأعراف:وَبَيْنَهُمَاحِجَابٌ وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ. وهو توهم لأن هذا الحجاب لاعلاقة له بالأعراف !
وقال صاحب تفسير الميزان: (8/132): (وعلى الأعراف رجال مُشـرفون على الناس من الأولين والآخرين، يشاهدون كل ذي نفس منهم في مقامه الخاص به على اختلاف مقاماتهم ودرجاتهم ودركاتهم ، من أعلى عليين إلى أسفل سافلين ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 292 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ويعرفون كلاً منهم بما له من الحال الذي يخصه ، والعمل الذي عمله ، لهم أن يكلموا من شاؤوا منهم ، ويؤمِّنوا من شاؤوا ، ويأمروا بدخول الجنة بإذن الله . ويستفاد من ذلك أن لهم موقفاً خارجاً من موقفي السعادة التي هي النجاة بصالح العمل ، والشقاوة التي هي الهلاك بطالح العمل ، ومقاماً أرفع من المقامين معاً ولذلك كان مصدراً للحكم والسلطة عليهما جميعاً ).
وقد أجاد رحمه الله في أنه لم يخلط رجال الأعراف بالمذنبين على الأعراف ، الذين ينتظرون شفاعة رجال الأعراف فيهم ! وقد مدح هؤلاء العظماء ، لكنه لم يبين هل هم جماعة ابن عربي من أئمة الصوفية ، أوأنه متحير فيهم كابن حجر والقرطبي ومفسري بني أمية ؟ أو قائل بما تواتر عند مفسري الشيعة ، من أنهم أكرم الخلق على الله صلوات الله عليهم .

(4) من أحاديث تفسير رجال الأعراف

وهي مستفيضة ، وقد تكون متواترة ، وفيها عدد لا يمكن الإشكال على سنده :
1. في كفاية الأثر/195: (عن أبي ذر رضي الله عنه ، قال سمعت فاطمة عليها السلام تقول: سألت أبي صلى الله عليه وآله عن قول الله تبارك وتعالى: وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاً بِسِيمَاهُمْ ؟ قال: هم الأئمة بعدي: علي وسبطاي وتسعة من صلب الحسين ، هم رجال الأعراف ، لا يدخل الجنة إلا من يعرفهم ويعرفونه ، ولا يدخل النارإلا من أنكرهم وينكرونه ، ولا يعرف الله إلا بسبيل معرفتهم ).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 293 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
2. عقد محمد بن الحسن الصفار في كتابه بصائر الدرجات/515 ، فصلاً لأحاديث تنص على أن رجال الأعراف هم النبي صلى الله عليه وآله والأئمة من أهل بيته عليهم السلام ، أورد فيه تسعة عشر حديثاً ، منها: (عن سلمان الفارسي قال: أقسم بالله لسمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يقول لعلي: يا علي أنت والأوصياء من بعدي أو قال من بعدك ، أعرافٌ لا يُعرف الله إلا بسبيل معرفتكم ، وأعرافٌ لا يدخل الجنة إلا من عرفكم وعرفتموه ، ولا يدخل النار إلا من أنكركم وأنكرتموه) .
3. ومنها: عن الإمام الباقر عليه السلام قال: (نحن أولئك الرجال. الأئمة منا يعرفون من يدخل النار ومن يدخل الجنة ، كما تعرفون في قبائلكم: الرجل منكم يعرف من فيها من صالح أو طالح ).
4. ومنها: (عن سعد الإسكاف قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام قوله عز وجل وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم؟ فقال: يا سعد إنها أعرافٌ لا يدخل الجنة إلا من عرفهم وعرفوه ، وأعراف لا يدخل النار إلا من أنكرهم وأنكروه وأعرافٌ لا يعرف الله إلا بسبيل معرفتهم . فلا سواء ما اعتصمت به المعتصمة ومن ذهب مذهب الناس. ذهب الناس إلى عين كدرة يفرغ بعضها في بعض! ومن أتى آل محمد أتى عيناً صافية تجرى بعلم الله ليس لها نفاد ولا انقطاع . ذلك أن الله لو شاء لأراهم شخصه حتى يأتوه من بابه ، لكن جعل الله محمداً وآل محمد الأبواب التي يؤتى منها ، و ذلك قوله: وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَاتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَاتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 294 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
5. وفي الكافي (1/184): (عن مقرن قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: جاء ابن الكواء إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين: وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاً بِسِيمَاهُمْ ؟فقال: نحن على الأعراف نعرف أنصارنا بسيماهم ، ونحن الأعراف الذي لايعرف الله عز وجل إلا بسبيل معرفتنا. ونحن الأعراف يعرفنا الله عز وجل يوم القيامة على الصراط ، فلا يدخل الجنة إلا من عرفنا وعرفناه ، ولا يدخل النار إلا من أنكرنا وأنكرناه .
إن الله تبارك وتعالى لو شاء لعرف العباد نفسه، ولكن جعلنا أبوابه وصراطه وسبيله والوجه الذي يؤتى منه ، فمن عدل عن ولايتنا أو فضل علينا غيرنا ، فإنهم عن الصراط لناكبون ، فلا سواء من اعتصم الناس به ، ولا سواء حيث ذهب الناس إلى عيون كدرة يفرغ بعضها في بعض ، وذهب من ذهب إلينا إلى عيون صافية تجري بأمر ربها ، لا نفاد لها ولا انقطاع ) .
6. وفي الكافي(2/408): (عن زرارة قال: قال لي أبو جعفر عليه السلام ما تقول في أصحاب الأعراف؟ فقلت: ما هم إلا مؤمنون أو كافرون ، إن دخلوا الجنة فهم مؤمنون ، وإن دخلوا النار فهم كافرون ، فقال: والله ما هم بمؤمنين ولا كافرين ولو كانوا مؤمنين دخلوا الجنة كما دخلها المؤمنون ، ولو كانوا كافرين لدخلوا النار كما دخلها الكافرون ، ولكنهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم فقصرت بهم الأعمال ، وإنهم لكما قال الله عز وجل.
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 295 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فقلت : أمن أهل الجنة هم أو من أهل النار؟ فقال: أتركهم حيث تركهم الله ، قلت: أفترجؤهم؟ قال: نعم أرجؤهم كما أرجأهم الله ، إن شاء أدخلهم الجنة برحمته ، وإن شاء ساقهم إلى النار بذنوبهم ولم يظلمهم .
فقلت: هل يدخل الجنة كافر؟ قال: لا، قلت: هل يدخل النار إلا كافر ؟ قال: فقال: لا إلا أن يشاء الله . يا زرارة إنني أقول: ما شاء الله وأنت لا تقول ما شاء الله ، أما إنك إن كبرت رجعت وتحللت عقدك ).
7. وفي مناقب آل أبي طالب (3/31): (سأل سفيان بن مصعب العبدي الصادق عليه السلام عنها فقال: هم الأوصياء من آل محمد ، الإثنا عشـر لا يعرف الله إلا من عرفهم. قال: فما الأعراف جعلت فداك؟ قال:كتايب من مسك عليها رسول الله صلى الله عليه وآله والأوصياء: يَعْرِفُونَ كُلاً بِسِيمَاهُمْ . فأنشأ سفيان يقول:
وأنتم ولاة الحشـر والنشـر والجزا * وأنتم ليوم المفزع الهولِ مفزع
وأنتم على الأعراف وهي كتائب * من المسك ريَّاها بكم يتضوع
ثمانية بالعرش إذا يحملونه * ومن بعدهم في الأرض هادون أربع)
وفي مناقب آل أبي طالب (3/497): (وقال العبدي:
صلوات الإلهِ ربي عليكمْ * أهلَ بيتِ الصيامِ والصلواتِ
قَدَّمَ اللهُ كونكم في قديمِ * الكون قبل الأرضين والسماوات
واصطفاكم لنفسه وارتضاكم * وأرى الخلقَ فيكم المعجزات
وعَلمتم ما قد يكون وما كانَ * وعلمَ الدهور والحادثات
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 296 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أنتم جنبُهُ وعروته الوثقى * وأسماؤه وباب النجاة
وبكم يعرف الخبيث من الطيب * والنورُ في دجى الظلمات
لكم الحوض والشفاعة والأعراف * عرفتم جميع السمات).

(5)النبي صلى الله عليه وآله رئيس المحشر وأهل بيته حكامه

روى الجميع أن النبي صلى الله عليه وآله رئيس المحشر وشفيعه، وحامل لوائه لواء الحمد علي عليه السلام . قال السرخسي في مبسوطه (1/73): ( ولما كسرت إحدى زندي عليٍّ رضي الله تعالى عنه يوم حنين ، حتى سقط اللواء من يده ، قال النبي صلى الله عليه وآله : إجعلوها في يساره ، فإنه صاحب لوائي في الدنيا والآخرة ) !
وفي أمالي الصدوق/354 ، عن النبي صلى الله عليه وآله : (وإن علي بن أبي طالب لصاحب لوائي في الآخرة ، كما كان صاحب لوائي في الدنيا ، وإنه أول من يدخل الجنة لأنه يقدمني وبيده لوائي ، تحته آدم ومن دونه من الأنبياء ).
ورووا أن علياً عليه السلام المسؤول عن حوض الكوثر. (السنة لابن أبي عاصم/346).
ورووا أن ولديه الحسنين’سيدا شباب أهل الجنة ، وأن فاطمة عليها السلام تكرم يوم المحشر ويأمر الله الخلائق أن يحيوها وينكسوا لها رؤوسهم ، حتى يمر موكبها الملائكي في فوق رؤوسهم . ورووا حديث الثقلين المتواتر وهو يوصي الأمة بعترته عليهم السلام الذين سيردون عليه الحوض ، وسيسأل أمته عنهم !
ومعنى ذلك أن العترة النبوية يكونون مع النبي صلى الله عليه وآله حكاماً في المحشر .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 297 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لكن أتباع السلطة يغضبون عندما تقول لهم: إن علياً والأئمة من ولده عليهم السلام حكام المحشر . وكأنهم يخافون أن ينتقم أهل البيت عليهم السلام من الذين ظلموهم وقتلوهم !
روى أحمد بن محمد بن خالد البرقي رحمه الله المتوفى سنة 274، في كتابه المحاسن (1/180) عن الإمام الصادق عليه السلام قال: (إذا كان يوم القيامة دعي برسول الله صلى الله عليه وآله فيكسى حلة وردية ، فقلت: جعلت فداك وردية؟ قال: نعم ، أما سمعت قول الله عز وجل: فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ . ثم يدعى عليٌّ عليه السلام فيقوم على يمين رسول الله صلى الله عليه وآله . ثم يدعى من شاء الله فيقومون على يمين علي، ثم يدعى شيعتنا فيقومون على يمين من شاء الله ، ثم قال: يا با محمد أين ترى ينطلق بنا؟ قال قلت: إلى الجنة والله ، قال: ما شاء الله ).
ورواه في تفسير القمي(1/128) مفصلاً ، قال عليه السلام : (إذا كان يوم القيامة يدعى محمد صلى الله عليه وآله فيكسى حلة وردية، ثم يقام على يمين العرش ، ثم يدعى بإبراهيم عليه السلام فيكسى حلة بيضاء فيقام عن يسار العرش ، ثم يدعى بعلي أمير المؤمنين عليه السلام فيكسى حلة وردية فيقام على يمين النبي صلى الله عليه وآله .
ثم يدعي بإسماعيل فيكسى حلة بيضاء فيقام على يسار إبراهيم’.
ثم يدعى بالحسن فيكسى حلة وردية فيقام على يمين أمير المؤمنين’.
ثم يدعى بالحسين فيكسى حلة وردية فيقام على يمين الحسن’.
ثم يدعى بالأئمة فيكسون حللاً وردية ويقام كل واحد على يمين صاحبه. ثم يدعى بالشيعة فيقومون أمامهم .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 298 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم يدعى بفاطمة عليها السلام ونسائها من ذريتها وشيعتها ، فيدخلون الجنة بغير حساب ، ثم ينادي مناد من بطنان العرش من قبل رب العزة والأفق الأعلى: نعم الأب أبوك يا محمد وهو إبراهيم ، ونعم الأخ أخوك وهو علي بن أبي طالب ، ونعم السبطان سبطاك وهما الحسن والحسين ، ونعم الجنين جنينك وهو محسن . ونعم الأئمة الراشدون من ذريتك وهم فلان وفلان . ونعم الشيعة شيعتك . ألا إن محمداً ووصيه وسبطيه والأئمة من ذريته هم الفائزون.ثم يؤمر بهم إلى الجنة).
وروى في الإستنصار/23، والعدد القوية/89: (عن الحارث وسعيد بن قيس عن علي بن أبي طالب قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله :أنا واردكم على الحوض، وأنت يا علي الساقي ، والحسن الذائد ، والحسين الآمر ، وعلي بن الحسين الفارط (الرائد) ومحمد بن علي الناشر ، وجعفر بن محمد السايق ، وموسى بن جعفر محصـي المحبين والمبغضين وقامع المنافقين ، وعلي بن موسى مزين المؤمنين ، ومحمد بن علي منزل أهل الجنة في درجاتهم ، وعلي بن محمد خطيب شيعته ومزوجهم الحور العين ، والحسن بن علي سراج أهل الجنة يستضيئون به ، والمهدي شفيعهم يوم القيمة ، حيث لا يأذن الله لمن يشاء ويرضى).
وفي مناقب ابن شهر آشوب (1/251) ، بسنده عن عبد الله بن عمر، وروي عن جابر بن عبد الله ، أن النبي صلى الله عليه وآله قال لعلي: (يا علي أنا نذير أمتي وأنت هاديها ، والحسن قايدها ، والحسين سايقها ، وعلي بن الحسين جامعها ، ومحمد بن علي عارفها ، وجعفر بن محمد كاتبها ، وموسى بن جعفر محصيها، وعلي بن موسى
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 299 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
معبرها ومنجيها وطارد مبغضيها ومدني مؤمنيها ، ومحمد بن علي قايدها وسايقها ، وعلي بن محمد سايرها وعالمها ، والحسن بن علي ناديها ومعطيها، والقائم الخلف ساقيها وناشدها وشاهدها ).
أقول: مادام رئيس المحشر رسول الله صلى الله عليه وآله وعترته المطهرون معه ، فمن الطبيعي أن تكون إدارة المحشر بيدهم ، صلوات الله عليهم .

(6) ألقيا في جهنم كل جبار عنيد

قال الله تعالى: وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ . لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ . وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَىَّ عَتِيدٌ . أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ . مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ . الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ . قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ . قَالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَىَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ . مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَىَّ وَمَا أَنَا بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ . (قاف:21-29).
فمن هما المخاطبان بقوله تعالى: أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ ؟
استفاض الحديث عندنا أن النبي صلى الله عليه وآله قال: يأمر الله عز وجل فأقعد أنا وعلي على الصراط ، ويقال لنا: أدخلا الجنة من آمن بي وأحبكما ، وأدخلا النار من كفر بي وأبغضكما .ثم تلا: أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ .
قال المفيد في تصحيح اعتقادات الإمامية/ 108: (وقد جاء الخبر بأن الطريق يوم القيامة إلى الجنة كالجسر يمر به الناس ، وهو الصـراط الذي يقف عن يمينه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 300 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
رسول الله صلى الله عليه وآله وعن شماله أمير المؤمنين عليه السلام ويأتيهما النداء من قبل الله تعالى: أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ) .
وفي أمالي الطوسي/628، عن:(شريك بن عبد الله القاضـي قال: حضـرت الأعمش في علته التي قبض فيها ، فبينا أنا عنده إذ دخل عليه ابن شبرمة ، وابن أبي ليلى، وأبو حنيفة، فسألوه عن حاله فذكر ضعفاً شديداً ، وذكر ما يتخوف من خطيئاته وأدركته رقة فبكى. فأقبل عليه أبو حنيفة فقال: يا أبا محمد إتق الله وانظر لنفسك فإنك في آخر يوم من أيام الدنيا وأول يوم من أيام الآخرة ، وقد كنت تحدث في علي بن أبي طالب بأحاديث ، لو رجعت عنها كان خيراً لك ! قال الأعمش: مثل ماذا يا نعمان ؟ قال: مثل حديث عباية: أنا قسيم النار .
قال: أو لمثلي تقول هذا يا يهودي؟ أقعدوني سندوني أقعدوني: حدثني والذي إليه مصيري موسى بن طريف ، ولم أرَ أسدياً كان خيراً منه قال: سمعت عباية بن ربعي إمام الحي، قال: سمعت علياً أمير المؤمنين يقول: أنا قسيم النار، أقول هذا وليي دعيه وهذا عدوي خذيه !
وحدثني أبو المتوكل الناجي في إمرة الحجاج وكان يشتم علياً شتماً مقذعاً يعني الحجاج ، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إذا كان يوم القيامة يأمر الله عز وجل فأقعد أنا وعلي على الصراط ويقال لنا: أدخلا الجنة من آمن بي وأحبكما وأدخلا النار من كفر بي وأبغضكما ! ثم قال أبو سعيد: قال رسول الله صلى الله عليه وآله :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 301 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ما آمن بالله من لم يؤمن بي ، ولم يؤمن بي من لم يتول أو قال لم يحب علياً ، وتلا: أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ ) !
ورواه بعض علمائهم كالحاكم الحسكاني النيسابوري في شواهد التنزيل (2/261) بعدة أسانيد ، وفيها الصحيح على مبانيهم .

(7) يوكل الله تعالى حساب الخلق الى أهل البيت عليهم السلام

جاء في الزيارة الجامعة للأئمة عليهم السلام : (والحق معكم وفيكم ومنكم وإليكم ، وأنتم أهله ومعدنه ، وميراث النبوة عندكم ، وإياب الخلق إليكم،وحسابهم عليكم، وفصل الخطاب عندكم).(من لايحضره الفقيه:2/612).
وعندما يسمعنا الوهابي نقرؤها يجن جنونه ويقول: هذا شركٌ بالله تعالى ! فكيف تجعلون أئمتكم آلهة يحاسبون الناس !
ونسأله: فمن يحاسب الناس يوم القيامة برأيك؟فيقول: يحاسبهم الله تعالى .
نقول: نعم ، لكن هل يحاسبهم كلهم بنفسه ؟ يقول: يوكل بذلك ملائكته .
فنقول: ما دمتم تقبلون أن يحاسب الملائكة الناس بأمر الله تعالى وإذنه وتوجيهه ، فلماذا لاتقبلون أن يحاسبهم محمد وآل محمد صلى الله عليه وآله بأمر الله تعالى ، وإذنه ، وتوجيهه ؟ وهم أفضل من الملائكة عليهم السلام باتفاق المسلمين .
عن الإمام الصادق عليه السلام في حديث الإسراء: أذن جبرئيل وأقام الصلاة فقال: يا محمد تقدم ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله : تقدم يا جبرئيل، فقال له: إنا لا نتقدم على الآدميين منذ أُمرنا بالسجود لآدم » ! (علل الشرائع:1/8).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 302 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال الصدوق قدس سره في كتابه الإعتقادات/73: (باب الإعتقاد في الحساب والميزان: إعتقادنا فيهما أنهما حق.والحساب منه ما يتولاه الله تعالى ، ومنه ما يتولاه حججه. فحساب الأنبياء والرسل والأئمة عليهم السلام يتولاه الله عز وجل ، ويتولى كل نبي حساب أوصيائه عليهم السلام ، ويتولى الأوصياء حساب الأمم. والله تعالى هو الشهيد على الأنبياء والرسل ، وهم الشهداء على الأوصياء ، والأئمة شهداء على الناس، وذلك قوله عز وجل:لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا.
وقوله عز وجل:فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا. وقال عز وجل:أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ. والشاهد أمير المؤمنين. وقال عز وجل:إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ .وسئل الصادق عن قول الله:وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا؟قال: الموازين الأنبياء والأوصياء عليهم السلام .ومن الخلق من يدخل الجنة بغير حساب ).
وينبغي التنبيه هنا: الى أن عقيدتنا في أن الله تعالى جعل حساب الخلق بيد ملائكته أو نبيه وأهل بيته عليهم السلام ، لا تعني أنه عز وجل يوكل ذلك اليهم ويتخلى عنهم . بل لا بد أن يعلمهم قواعد المحاسبة وهي مفصلة ومعقدة ، أو يزودهم بخبراء محاسبة من ملائكته ، وهو الرقيب المهيمن المشرف عز وجل .
بل يتولى المحاسبة في محاكم المحشـر قضاة الملائكة عليهم السلام بإشراف النبي صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام . فالملائكة تطيعهم ولا ترد لهم طلباً ، وهم لا يتدخلون ولا يصدرون أمراً إلا بوحي ربهم وإلهامه عز وجل .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 303 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ويؤيده ما روي عن الإمام الصادق عليه السلام (مجمع البيان:10/120):( لو وليَ الحساب غير الله لمكثوا فيه خمسين ألف سنة من قبل أن يفرغوا ، والله سبحانه يفرغ من ذلك في ساعة).ومعناه أن الله تعالى يعلم قواعد الحساب لقضاة المحشر ، ولولا ذلك لما استطاعوا محاسبة الناس ، في خمسين ألف سنة ، ولا مئة ألف سنة !

(8) الأشهاد في القيامة هم النبي والأئمة عليهم السلام

قال الله تعالى:إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا : فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ، وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ .
فمن هم هؤلاء الأشهاد ، ومتى يقومون ؟
أجابت مصادر السنة بأنهم الشهود على الأمم يوم القيامة ، كما قال الله تعالى: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا . (النساء:41).
وقال تعالى: وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ. (القصص:75).
وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ (الحج:78).
فهم إذن الأنبياء شهود على أممهم ، ونبينا صلى الله عليه وآله ومعه أمته الإسلامية كلها !
وأجابت مصادرنا: بأنه نصر موعود في الدنيا والآخرة معاً ، وليس في إحداهما ، وسيكون في الدنيا عند قيام الأشهاد في الرجعة ، وهم الأئمة عليهم السلام .
فعن الإمام الصادق عليه السلام بسند صحيح (تفسير القمي:2/258) قال جميل بن دراج: (قلت له قول الله تعالى: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ ؟ قال: ذلك والله في الرجعة ، أما علمت أن أنبياء الله كثيراً ما لم ينصـروا في الدنيا وقتلوا ، والأئمة بعدهم قتلوا ولم ينصروا . فذلك في الرجعة ).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 304 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ورواه في تفسير القمي(2/258)وقال: (قال علي بن إبراهيم في قوله: وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ: يعني الأئمة عليهم السلام ). ورواه في مناقب آل أبي طالب:3/314، عن الباقر عليه السلام .
وهذا لايمنع أن يكون النبي والأئمة عليهم السلام هم الأشهاد في الآخرة ، فالنبي يشهد عليهم وهم يشهدون على أمته ، ويشهدون معه على الأمم أيضاً. فهم الأمة المسلمة التي طلبها إبراهيم وإسماعيل من ذريتهما عندما بنيا البيت فقالا: رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ. (البقرة:128).
والنتيجة: الشهود على الأمم يوم القيامة هم أنبياؤهم وأوصياؤهم عليهم السلام ، والشهود على هذه الأمة نبينا وآله صلى الله عليه وآله :فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ. وهم أيضاً الأشهاد العامون في المحشر على كل الأمم .
ولا يصح أن يشكل علينا المخالفون لأنهم رووا أن هذه الأمة تشهد لنبي الله نوح عليه السلام !
ففي البخاري(5/151):(قال رسول الله صلى الله عليه وآله : يدعى نوح يوم القيامة، فيقول لبيك وسعديك يا رب .فيقول: هل بلغت؟فيقول: نعم. فيقال لأمته: هل بلغكم؟فيقولون: ما أتانا من نذير! فيقول: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته ، فيشهدون أنه قد بلغ). وفي الترمذي (4/275): (فيؤتى بكم تشهدون أنه قد بلغ).
وفي شعب الإيمان(1/248): (فيؤتى بكم فتشهدون أنه قد بلغ ، وذلكم قول الله عز وجل: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ).
لكن الصحيح ما ذكرناه من أن الشهداء والأشهاد هم النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام ولا يصح أن يكونوا الأمة ، لأن الأمة لا تشهد على الأمة ، بل الأئمة هم الأمة المسلمة الموعودة من ذرية إسماعيل عليه السلام ، الذين يشهدون على هذه الأمة وعلى الأمم .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 305 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

(9) حوض النبي صلى الله عليه وآله في المحشر

1. قال الصدوق في كتاب الإعتقادات/65: (إعتقادنا في الحوض أنه حق ، وأن عرضه ما بين أيْلَة وصنعاء ، وهو حوض النبي صلى الله عليه وآله وأن فيه من الأباريق عدد نجوم السماء . وأن الوالي عليه يوم القيامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام يسقي منه أولياءه ويذود عنه أعداءه . ومن شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً . وقال النبي صلى الله عليه وآله : ليختلجن قوم من أصحابي دوني وأنا على الحوض فيؤخذ بهم ذات الشمال،فأنادي: يارب أصحابي . فيقال لي: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك).
وفي الخصال/624، عن علي عليه السلام : (أنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله ، ومعي عترتي وسبطيَّ على الحوض ، فمن أرادنا فليأخذ بقولنا وليعمل عملنا ، فإن لكل أهل بيت نجيب ولنا شفاعة ، ولأهل مودتنا شفاعة ، فتنافسوا في لقائنا على الحوض، فإنا نذود عنه أعداءنا ونسقي منه أحباءنا وأولياءنا ، ومن شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً. حوضنا مترع فيه مَثْعَبان ينصبَّان من الجنة، أحدهما من تسنيم والآخر من معين . على حافتيه الزعفران ، وحصاه اللؤلؤ والياقوت ، وهو الكوثر ).
وفي كامل الزيارة/204، عن الإمام الصادق عليه السلام قال: ( وإن المتوجع قلبه لنا ليفرح يوم يرانا عند موته فرحة لاتزال تلك الفرحة في قلبه حتى يرد علينا الحوض. وإن الكوثر ليفرح بمحبنا إذا ورد عليه حتى أنه ليذيقه من ضروب الطعام ما لا يشتهي أن يصدر عنه .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 306 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يا مِسْمَع ، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً ، ولم يستق بعدها أبداً ، وهو في بَرْدِ الكافور ، وريح المسك ، وطعم الزنجبيل . أحلى من العسل ، وألين من الزبد ، وأصفى من الدمع ، وأذكى من العنبر . يخرج من تسنيم ، ويمر بأنهار الجنان ، يجري على رضراض الدر والياقوت . فيه من القدحان أكثر من عدد نجوم السماء ، يوجد ريحه من مسيرة ألف عام ، قدحانه من الذهب والفضة وألوان الجوهر . يفوح في وجه الشارب منه كل فائحة ، حتى يقول الشارب منه: يا ليتني تُركت هاهنا ، لا أبغي بهذا بدلاً، ولا عنه تحويلاً .
أما إنك يا كردين ممن تُرْوَى منه، وما من عين بكت لنا إلا نعمت بالنظر إلى الكوثر ، وسقت منه من أحبنا . وإن الشارب منه ليعطي من اللذة والطعم والشهوة له أكثر مما يعطاه من هو دونه في حبنا.
وإن على الكوثر أمير المؤمنين عليه السلام وفي يده عصا من عوسج يحطم بها أعداءنا ، فيقول الرحل منهم: إني أشهد الشهادتين. فيقول: إنطلق إلى إمامك فلان فاسأله أن يشفع لك . فيقول: يتبرأ مني إمامي الذي تذكره ، فيقول: إرجع إلى ورائك فقل للذي كنت تتولاه وتقدمه على الخلق ، فاسأله إذا كان خير الخلق عندك أن يشفع لك ، فإن خير الخلق حقيق أن لا يرد إذا شفع! فيقول: إني أهلك عطشاً . فيقول له: زادك الله ظمأ ، وزادك الله عطشاً ).
وفي أمالي الطوسي/228: (عن أبي أيوب الأنصاري: أن رسول الله صلى الله عليه وآله سئل عن الحوض فقال: أما إذا سألتموني عنه فأخبركم أن الحوض أكرمني الله به وفضلني
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 307 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
على من كان قبلي من الأنبياء عليهم السلام ، وهو ما بين أيلة وصنعاء . فيه من الآنية عدد نجوم السماء . يسيل فيه خليجان من الماء . ماؤه أشد بياضاً من اللبن ، وأحلى من العسل . حصاه الزمرد والياقوت ، بطحاؤه مسك أذفر .
شرطٌ مشـروط من ربي ، لا يرده أحد من أمتي إلا النقية قلوبهم ، الصحيحة نياتهم ، المسلمون للوصي من بعدي، الذين يعطون ما عليهم في يسر ولا يأخذون ما عليهم في عسر ، يذود عنه يوم القيامة من ليس من شيعته كما يذود الرجل البعير الأجرب من إبله ، من شرب منه لم يظمأ أبداً ).
2. ورد في أحاديث المحشر أن الأرض: (تكون لهم كالخبزة النقية يأكلون منها ، وأنهار متفجرة يشربون منها). (شرح الأخبار(3/280) .
وهذا لاينافي أن أهل المحشر بحاجة للشرب من الكوثر ، فقد نصت الأحاديث على أن أمة النبي صلى الله عليه وآله ترد عليه عند الحوض في أول المحشر، كما ورد أن الناس في المحشرلا يبقون في مكان واحد ، بل ينقلون الى أمكنة متعددة ، وفي بعضها يعيشون في ظلام إلا المؤمنين ، وفي بعضها يعطشون فلا يكون أمامهم إلا الورود على حوض الكوثر . هذا ، مضافاً الى أن ماء الكوثر شراب خاص ، يُصلح بدن الإنسان للذهاب الى الجنة ، فهو مطلوب حتى لو كان عند الناس ماء غيره .
3. تسمية الكوثر بحوض محمد صلى الله عليه وآله واحدٌ من تكريمات الله تعالى لنبيه بصفته الرئيس العام للمحشر ، وبيده مفاتيح الجنة والنار .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 308 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
(اللهم صل على محمد وآله، واجعل النورَ في بصري، واليقينَ في قلبي، والنصيحة في صدري ، وذكرك بالليل والنهار على لساني ، ومن طيب رزقك يا رب غير ممنون ولامحظور فارزقني ، ومن ثياب الجنة فاكسني ، ومن حوض محمد صلى الله عليه وآله فاسقني). (مصباح المتهجد/350).
(اللهم أوردنا حوض محمد ، واسقنا بكأسه ، مشرباً، روياً، سائغاً هنياً ، لا نظمأ بعده أبداً ، واحشرنا في زمرته غير خزايا ولا ناكثين للعهد ، ولا مرتابين ولا مفتونين ، ولا مغضوب علينا ولا ضالين ). (الإحياء للغزالي:3/574).
كما أن َجَعْلُ الكوثر في يد علي والأئمة عليهم السلام تكريمٌ لهم أيضاً ، ولمن أحبهم واتبعهم .
4. قال الغزالي في الإحياء (1/159): (وأن يؤمن بالحوض المورود: حوض محمّد صلى الله عليه وآله يشرب منه المؤمنون قبل دخول الجنة وبعد جواز الصراط).
وقال في فتح الباري(11/406): (وإيراد البخاري لأحاديث الحوض بعد أحاديث الشفاعة وبعد نصب الصراط، إشارة منه إلى أن الورود على الحوض يكون بعد نصب الصراط والمرور عليه... ووجه الإشكال أن الذي يمر على الصراط إلى أن يصل الحوض ، يكون قد نجا من النار ، فكيف يرد إليها ) !
ثم رجح ابن حجر أن يكون قبل الصراط ، واستشهد بحديث لقيط الذي أخرجه ابن أبي عاصم والطبراني والحاكم ، وقال: (وهو صريح في أن الحوض قبل الصراط).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 309 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
5. لا يحب رواة السلطة أحاديث الحوض ، لأنها طعنت في الصحابة ، ونصت على أن غالبيتهم العظمى يُطردون عن الحوض ، ويؤمر بهم الى النار .
وقد تقدم حديث البخاري(7/208):(قال:بينا أنا قائم(على الحوض) فإذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلمَّ، فقلت: أين؟ قال: إلى النار والله.. فلا أراه يخلص منهم إلا مِثْلُ هَمَل النَّعَم). أي أقل القليل .
6. حاول بعض الحكام الأمويون تكذيب أحاديث الحوض، فكانوا يسخرون من حوض محمد ، وآمر السقاية عليه علي !
وكان عبيد الله بن زياد وهو حاكم العراق وإيران ، يتجاهر بالتكذيب به !
قال الحاكم (1/75) إن أبا سبرة بن سلمة الهذلي سمع ابن زياد يسأل عن الحوض حوض محمد ، فقال: ما أراه حقا ! بعد ما سأل أبا برزة الأسلمي ، والبراء بن عازب ، وعائذ بن عمرو ، قال: ما أصدق هؤلاء ! الخ.
وروى الحاكم (1/78) عن أنس قال:(دخلت على عبيد الله بن زياد وهم يتراجعون في ذكر الحوض، قال فقال جاءكم أنس ، قال: يا أنس ما تقول في الحوض؟ قال قلت: ما حسبت أني أعيش حتى أرى مثلكم يمترون في الحوض! لقد تركت بعدي عجائز ما تصلي واحدة منهن صلاة إلا سألت ربها أن يوردها حوض محمد صلى الله عليه وآله ! هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه).
وروى البيهقي في الإعتقاد والهداية/84 عن أبي حمزة قال: (دخل أبو برزة على عبيد الله بن زياد فقال: إن محمدكم هذا لدحداح ! فقال: ما كنت أراني أن أعيش في
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 310 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قوم يعدون صحبة محمد عاراً ! قالوا: إن الأمير إنما دعاك ليسألك عن الحوض! فقال: عن أي باله؟ قال: أحق هو؟ قال: نعم ، فمن كذب به فلا سقاه الله منه) !
ويظهر أن السخرية الأموية أثرت في الناس حتى في متدينيهم كعمر بن عبد العزيز ! فبعد نصف قرن أراد أن يتثبت من صحة أحاديث الحوض ! فأرسل في إحضار صحابي كبير السن ، ليسمع منه الحديث مباشرة !
فقد روى البيهقي في شعب الإيمان (8/243): (أن ابن عبد العزيز بعث إلى أبي سلام الحبشي، وحمل على البريد حتى قدم عليه فقال: إني بعثت إليك أشافهك حديث ثوبان في الحوض! فقال أبو سلام: سمعت ثوبان يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: حوضي من عدن أبين إلى عمان البلقاء ، أكوازه مثل عدد نجوم السماء ، ماؤه أحلى من العسل ، أشد بياضاً من اللبن ، من شرب منه شَربة لم يظمأ بعدها أبداً ، أول من يرد علي فقراء أمتي. فقال عمر: يا رسول الله من هم؟قال: هم الشعث الرؤوس، الدنس الثياب ، الذين لا ينكحون المتنعمات ).
وقال الذهبي في سيره:4/355: (أبو سلام ممطور الحبشي..استقدمه عمر بن عبد العزيز في خلافته إليه على البريد ، ليشافهه بما سمع من ثوبان في حوض النبي فقال له: شققت عليَّ، فاعتذر إليه عمر وأكرمه . توفي سنة نيف ومئة).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 311 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الخامس عشر : حساب الخلق في المحشر

(1) قوانين الحساب في المحشر

القاعدة الأولى: قاعدة عدم العقوبة بلا بيان

قال الله تعالى: لايُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلا مَا آتَاهَا . (الطلاق:7).
وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً . (الإسراء:15).
لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ. (البقرة:286).
وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ. (التوبة:115).
لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ. (الأنفال:42).
قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ. (الأنعام:145 ).
قال الصدوق في الهداية/18: (ويجب أن يعتقد أن الله تبارك وتعالى لم يفوض الأمر إلى العباد ، ولم يجبرهم على المعاصي، وأنه لم يكلف عباده إلا دون ما يطيقون ، كما قال الله عز وجل: لايُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا ).
وقال الصدوق في التوحيد/413: (عن أبي عبد الله(الصادق) عليه السلام قال: ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم ).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 312 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وروى في الكافي(1/165): (عن أبي عبد الله (الصادق عليه السلام )قال: أكتب ، فأملى عليَّ: إن من قولنا إن الله يحتج على العباد بما آتاهم وعرفهم، ثم أرسل إليهم رسولاً وأنزل عليهم الكتاب فأمر فيه ونهى.ثم قال عليه السلام :وكذلك إذا نظرت في جميع الأشياء لم تجد أحداً في ضيق ، ولم تجد أحداً إلا ولله عليه الحجة ، ولله فيه المشيئة . وقال عليه السلام : وما أمروا إلا بدون سعتهم ، وكل شئ أمر الناس به فهم يسعون له ، وكل شئ لا يسعون له فهو موضوع عنهم ، ولكن الناس لا خير فيهم).
وفي الفقيه(1/317): (عن الصادق عليه السلام : كل شئ مطلق حتى يرد فيه نهي).
وفي عوالي اللئالي(1/424):(قال النبي صلى الله عليه وآله :إن الناس في سعةٍ ما لم يعلموا).
وروى في الخصال/417، عن الإمام الصادق عليه السلام : (قال رسول الله صلى الله عليه وآله : رُفِعَ عن أمتي تسعة: الخطأ ، والنسيان ، وما أكرهوا عليه ، ومالايعلمون ، وما لايطيقون، وما اضطروا إليه ، والحسد ، والطَّيَرَة ، والتفكر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطق بشفة).
أقول: هذه الآيات والأحاديث ، مما استدلَّ به علماؤنا في أصول الفقه ، على قاعدة براءة الذمة من التكليف حتى يثبت .
وفي كل آية وحديث منها كلام علمي، وفي بعضها بحث مفصل ، لكنا نريد منها التأكيد على عدل الله تعالى ورحمته ، وأنه محالٌ عليه عز وجل أن يعاقب المخلوق على أمر لم يبينه له ، ولم يُتم عليه فيه الحجة .
وعمدة البحث هنا ، أن الله تعالى أرسل أنبياء عليهم السلام وَعَيَّنَ بعدهم أوصياء عليهم السلام ، فبينوا لمعاصريهم وأتموا عليهم الحجة.لكن الكلام في الأجيال التي جاءت بعدهم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 313 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولم يصل اليهم البيان ، أو كانوا في عصرهم في منطقة أخرى من العالم، ولم يصل اليهم البيان ، ولم تقم عليهم الحجة .
فهل يصح القول بأن الله تعالى يعاقبهم يوم القيامة ، لأنهم لم يؤمنوا ؟
يقول البعض إن هؤلاء كان يجب عليهم البحث عن الحق ، بحكم العقل.لكن الكلام في حدود حكم العقل بذلك ، وفي حساب الله عز وجل للذين لم يبحثوا عن الحق ، أو الذين بحثوا ولم يقتنعوا ؟
فهل يصح أن نقول إن الله تعالى يحاسب خمس مليارات إنسان في عصـرنا مثلاً لأنهم لم يسلموا ؟وبعضهم لم يسمع بالإسلام ونبيه صلى الله عليه وآله ، وأكثرهم لا يعرفون عنه شيئاً ، وبعضهم سمع به لكنه لا يخطر في باله أن يكون ديناً أصح من دينه الذي هو عليه . وبعضهم يريد البحث ، لكنه لا يجد كتاباً عن الإسلام بلغته !
يقول البعض: لقد صار العالم قرية ، وعمت فيه وسائل الإتصال والترجمة ، فلم يبق لأحد حجة . لكنه كلام غير دقيق، فكم راغب في معرفة الإسلام ودعوة نبيه صلى الله عليه وآله ، لا تجد لهم كتاباً بلغتهم ، ولا شخصاً يستطيع أن يبلغ في مجتمعهم !
قال لي الأخ الفاضل السيد محسن التبريزي: قضيت شهراً في المركز الإسلامي في عاصمة السويد ، وكان في جوارنا كنيسة ، وكان رئيسَها قسيسٌ في الستينات من العمر، خلوقٌ بشوشٌ ، يوصي جماعته بحسن جوارنا ، وقد أخبرني الإخوة في المركز عن حسن تعاملهم معهم وتحملهم منهم .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 314 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ويوم خرجت مسافراً صادفت القسيس فبادرني بالسلام وسألني: أنت إمام هذا المركز ؟ قلت: نعم . قال: نحن جيرانكم ، وكان بودي أن أتعرف على الإسلام من عالم دين وليس مما كتبه الآخرون عنكم ، وقد نويت أن أجلس معك لتشـرح لي . فشكرته ووعدته أن أزوره بعد رجوعي .
هذا القسيس مثالٌ للذين لايعرفون شيئاً عن الإسلام ، فكيف نقول إن عامة الناس وصل اليهم الإسلام ، وتمت عليهم الحجة؟!
إن الحساب الإلهي ليس بهذا التبسيط، والمؤكد أن الله تعالى يحاسب الإنسان على ما تمت فيه حجية العقل القطعية الواضحة .
ولذلك يجب علينا أن نوسع دائرة المُرْجَوْنَ لأمر الله في قوله تعالى: وَآخَرُونَ مَرْجَوْنَ لأَمْرِ اللهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ . (التوبة:106) .
أما عن حجية العقل ، وقول الإمام عليه السلام :(إن لله على الناس حجتين: حجة ظاهرة وحجة باطنة، فأما الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة وأما الباطنة فالعقول).
فإن مدركات العقل القطعية في العقائد هي وجود الله تعالى وتوحيده ، فيصح الحساب عليه . أما في السلوك فليست كثيرة ، كعقوق الوالدين، والقتل، والتعدي على أموال الناس وحقوقهم ، فهذه وأمثالها تمت الحجة من العقل فيها ، أما بقية الأمور ، فإن الحجة لم تتم إلا على عدد قليل من غير المسلمين .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 315 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

القاعدة الثانية: حساب الإنسان على قدر عقله وقدراته

قال الله تعالى: لايُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلا مَا آتَاهَا. (الطلاق:7 ) وهي أوسع من قوله تعالى: لايُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا ، لأن الوسع بمعنى الطاقة ، بينما آتاها ناظرة الى كل شروط التكليف الأصلية من الطاقة الفعلية ، وغيرها .
والنتيجة أن الحساب الإلهي إنما يكون بقدر ما أعطى الله للإنسان من إدراك عقلي، وقدرة نفسية وبدنية ومادية . فصاحب العشـرة بالمئة من العقل لايحاسب كصاحب الخمسين والتسعين. وكذلك القدرة المالية والبدنية .
فالرجل البسيط المعرفة ليس كالعالم المطلع المتخصص . والذي عاش في زمن النبي صلى الله عليه وآله والمعصومين عليهم السلام وعايشهم ، لا يحاسب كمن ولد قبلهم أو بعدهم ، ولم يتشرف برؤيتهم وتوجيههم المباشر .
والذي تيسرت له ظروف الهداية والمعرفة والتقوى ، ليس كمن فرضت عليه ظروف معاكسة .
والذي ولد ونشأ بخيلاً ، لا يستطيع أن يعطي الشيئ اليسير إلا بجهاد نفسه ! لا يحاسب كالذي نشأ كريماً سخياً ، يعطي ما في جيبه وما في يده ، وحتى لقمته .
والذي خلق قاصراً في عقله أو فهمه أو بقية قدراته ، ليس كمن خلق تاماً ، وليسا كالذي عمل عملاً أفقده هذه القدرات ، أو بعضها .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 316 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الى آخر الفروقات الكثيرة والكبيرة بين البشر ، التي تؤثر تأثيراً أساسياً على العمل ، فتجعل العمل الكبير صغيراً ، وبالعكس ، وتجعل الفاعل معذوراً والقاعد فاعلاً ، وتجعل السيئة من شخص حسنةً من آخر !
وهذا يفتح مسائل عديدة في حساب البشر: فمن الذي يحدد درجة ما آتى الله هذا الشخص من قدرات عقلية ونفسية وفكرية ومادية ، ثم يقدر درجة استحقاقه للثواب والعقاب على أساسها ؟
فهل هي قوانين ولوائح ، يوزعها الله تعالى على قضاة محاكم المحشر؟
أم يزود القاضي بجهاز يكشف نوع الشخص ، ودرجات استحقاقه؟
أم أن صحيفة أعماله التي سجلها الملكان في الدنيا ، تحوي جميع العناصر اللازمة للقاضي ليحدد درجة استحقاقه ؟
نعم هذا هو العدل الإلهي ، وإلا نكون نسبنا الظلم الى الله ، عز وجل عنه .
وبهذا العدل قد ينجو ذلك القسيس ، وتنجو امرأة سافرة في الغرب ، ويكونان أحسن حالاً من رجل دين عاش في بلاد المسلمين !

الثالثة: الحساب على النيات وليس على ظاهر العمل

وقد أجمعت عليها مصادر المسلمين، فقد روى الطوسي في التهذيب (6/339) بسند صحيح: (عن الحلبي قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن رجل مسلم وهو في ديوان هؤلاء ، وهو يحب آل محمد عليهم السلام ويخرج مع هؤلاء وفي بعثهم ، فيقتل تحت
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 317 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
رايتهم؟ قال: يبعثه الله على نيته . قال: وسألته عن رجل مسكين دخل معهم رجاء أن يصيب معهم شيئاً يغنيه الله به فمات في بعثهم؟ قال: هو بمنزلة الأجير. إنه إنما يعطي الله العباد على نياتهم ). وروى نحوه المحاسن:1/262.
وفي الكافي (5/20) عن الإمام الصادق عليه السلام قال: ( إن الله عز وجل يحشر الناس على نياتهم يوم القيامة ) .
وكتب أمير المؤمنين عليه السلام الى واليه على مصرمحمد بن أبي بكر: (ولتعظم رغبتك في الخير ولتحسن فيه نيتك ، فإن الله عز وجل يعطي العبد على قدر نيته، وإذا أحب الخير وأهله ولم يعمله كان إن شاء الله كمن عمله، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله قال حين رجع من تبوك:لقد كان بالمدينة أقوام ما سِرْتُمْ من مسيرٍ ولا هبطتم من وادٍ إلاكانوا معكم . ما حبسهم إلا المرض ) . (الغارات:1/229)
وقال الشهيد الثاني في منية المريد/133: (وقال صلى الله عليه وآله : إنما يبعث الناس على نياتهم).ورواه ابن ماجه (2/1414) .
وروى البخاري (3/19) في جيش السفياني الذي يقصد المهدي عليه السلام فيخسف الله بهم ، أنهم يبعثون على نياتهم ، لأن فيهم المجبور والمكره:(قال رسول الله صلى الله عليه وآله يغزو جيش الكعبة، فإذا كانوا ببيداء من الأرض يخسف بأولهم وآخرهم. قالت (عائشة) قلت: يا رسول الله كيف يخسف بأولهم وآخرهم ، وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم؟ قال: يخسف بأولهم وآخرهم ثم يبعثون على نياتهم ).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 318 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي صحيح مسلم(8/168): (فيهم المستبصـر والمجبور وابن السبيل . يهلكون مهلكاً واحداً ، ويصدرون مصادر شتى ، يبعثهم الله على نياتهم ).
وفي فقه الرضا/378: (إن نية المؤمن خير من عمله ، لأنه ينوي خيراً من عمله ونروي: نية المؤمن خير من عمله ، لأنه ينوي من الخير ما لا يطيقه ولا يقدر عليه). ومعنى ذلك: أن النية خير من العمل حتى مع نيته ، لأنها أكبر من العمل .
بل روى في الكافي بسند صحيح ، عن الإمام الصادق عليه السلام قال: (إن العبد المؤمن الفقير ليقول: يا رب أرزقني حتى أفعل كذا وكذا من البر ووجوه الخير ، فإذا علم الله عز وجل ذلك منه بصدق نية كتب الله له من الأجر مثل ما يكتب له لو عمله ، إن الله واسع كريم) !
فهذه القاعدة تقلب التصور السائد لحساب المحشر ، لأنها تقول لقاضي المحشـر: لا عليك بظاهر العمل ، فشغلك مع مخزون النية !
وكيف يعرف القاضي مخزون النية ، وما ظهر منها وما بطن ، وما أثر في العمل ، وما لم يؤثر ، ونسبة الدوافع الى العمل في النية التي قد تكون مركبة من عشرين عاملاً ؟
وكيف يقنن الله تعالى ذلك ، ويعلمه لقضاة المحاكم في المحشر ؟

الرابعة: السيئة بواحدة والحسنة بعشرة

قال الله تعالى: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ . (الأنعام:160).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 319 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وروى في معاني الأخبار/248، بسند صحيح عن الإمام الصادق عليه السلام قال: (كان علي بن الحسين صلوات الله عليهما يقول:ويل لمن غلبت آحاده أعشاره! فقلت له: وكيف هذا ؟ فقال: أما سمعت الله عز وجل يقول: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْـرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا. فالحسنة الواحدة إذا عملها كتبت له عشراً ، والسيئة الواحدة إذا عملها كتبت له واحدة، فنعوذ بالله ممن يرتكب في يوم واحد عشر سيئات ولا تكون له حسنة واحدة ، فتغلب حسناته سيئاته) .
وروى في الكافي(2/440) بسند صحيح عن الإمام الباقر عليه السلام قال: (إن آدم عليه السلام قال: يا رب سَلَّطْتَ عَليَّ الشيطان وأجريته مني مجرى الدم ، فاجعل لي شيئاً ، فقال: يا آدم جعلت لك أن مَن هَمَّ من ذريتك بسيئة لم تكتب عليه ، فإن عملها كتبت عليه سيئة . ومن هَمَّ منهم بحسنة فإن لم يعملها كتبت له حسنة فإن هو عملها كتبت له عشراً . قال: يا رب زدني. قال: جعلت لك أن من عمل منهم سيئة ثم استغفر له غفرت له . قال: يا رب زدني . قال: جعلت بسطت لهم التوبة حتى تبلغ النفس هذه .قال: يا رب حسبي) .
وفي الكافي(2/440) أن الإمام موسى الكاظم عليه السلام سئل: (عن الملكين هل يعلمان بالذنب إذا أراد العبد أن يفعله أو الحسنة ؟ فقال: ريح الكنيف وريح الطِّيب سواء؟ قلت: لا. قال: إن العبد إذا هم بالحسنة خرج نَفَسُهُ طَيِّبَ الريح فقال صاحب اليمين لصاحب الشمال: قم فإنه قد هم بالحسنة ، فإذا فعلها كان لسانه قلمه وريقه مداده ، فأثبتها له . وإذا هم بالسيئة خرج نفسه منتن الريح ، فيقول
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 320 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
صاحب الشمال لصاحب اليمين: قف فإنه قد هم بالسيئة ، فإذا هو فعلها كان لسانه قلمه وريقه مداده وأثبتها عليه .
وعن فضل بن عثمان المرادي قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول:قال رسول الله صلى الله عليه وآله : أربع من كن فيه لم يهلك على الله بعدهن إلا هالك: يَهِمُّ العبدُ بالحسنة فيعملها، فإن هو لم يعملها كتب الله له حسنة بحسن نيته ، وإن هو عملها كتب الله له عشراً. ويهم بالسيئة أن يعملها فإن لم يعملها لم يكتب عليه شئ ، وإن هو عملها أُجِّلَ سبع ساعات ، وقال صاحب الحسنات لصاحب السيئات وهو صاحب الشمال: لا تعجل عسى أن يتبعها بحسنة تمحوها ، فإن الله عز وجل يقول: إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ. أو الإستغفار . فإن هو قال: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو، عالم الغيب والشهادة ، العزيز الحكيم ، الغفور الرحيم ، ذو الجلال والإكرام ، وأتوب إليه . لم يكتب عليه شئ . وإن مضت سبع ساعات ولم يتبعها بحسنة واستغفار ، قال صاحب الحسنات لصاحب السيئات: أكتب على الشقي المحروم ) !
أقول: وهذه القاعدة تسبب زيادة عدد أهل الجنة ، وتقلل عدد أهل النار .

الخامسة: الشفاعة حق لأصحاب الدرجات الإضافية

يمكن تقريب الشفاعة إلى الذهن بأنها: قاعدة الإستفادة من الدرجات الإضافية ، كأن يقال للطالب: يمكنك أن تستفيد من الدرجات الإضافية على المعدل ، وتعطيها إلى أصدقائك ، الأقرب فالأقرب من النجاح .
ولنفرض أن الإنسان يحتاج للنجاة من النار ودخول الجنة إلى51 درجة ( مَنْ رَجُحَتْ حسناتُه على سيئاتِه) فالذي بلغ عمله 400 درجة مثلاً ، يُسمح له أن يوزع 349 درجة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 321 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
على أعزائه ، ولكن بشروط ، بأن يكونوا مثلاً من أقربائه القريبين ، وأن يكون عند أحدهم ثلاثين درجة فما فوق ، وذلك لتحقيق أوسع استفادة من الدرجات الإضافية .
وقد نصت أحاديث أئمة أهل البيت عليهم السلام على أن شفاعة المؤمن تكون على قدر عمله ، ففي مناقب آل أبي طالب (2/15)عن الإمام الباقر عليه السلام في قوله تعالى: وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. قال:
(ذلك النبي صلى الله عليه وآله وعلي عليه السلام يقوم على كُومٍ قد علا الخلايق فيشفع ، ثم يقول: يا علي إشفع. فيشفع الرجل في القبيلة، ويشفع الرجل لأهل البيت ، ويشفع الرجل للرجلين على قدر عمله. فذلك المقام المحمود ). وروت شبيهاً به مصادر السنيين.
ودرجات الملائكة والأنبياء والأوصياء عليهم السلام متفاوتة ، وأعظمهم درجةً نبينا صلى الله عليه وآله ، ولذلك صار أعظمهم شفاعة عند الله تعالى .
والذين تشملهم الشفاعة هم الأقرب إلى النجاح، والأفضل من مجموع المسيئين. وقد وردت في شروطهم أحاديث، منها عن النبي صلى الله عليه وآله :(أدناكم مني وأوجبكم عليَّ شفاعةً: أصدقكم حديثاً، وأعظمكم أمانةً، وأحسنكم خلقاً، وأقربكم من الناس).(مستدرك الوسائل:11/171).
فالشفاعة لها قوانين دقيقة ، ككل أعمال الله الدقيقة الحكيمة ، وليست من نوع الوساطات الدنيوية ، كما تصور بعض المستشرقين أو الوهابيين .
قال المستشرق اليهودي جولد تسيهر في كتابه مذاهب التفسير الإسلامي/192، مادحاً المعتزلة ، لعدم قبولهم الشفاعة لأهل الكبائر :(لايريدون التسليم بقبول الشفاعة على وجه أساسي حتى لمحمد، ذلك بأنه يتعارض مع اقتناعهم بالعدل الإلهي المطلق ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 322 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال بعض المتأثرين بالأفكار الوهابية: ( إن الشفاعة إنما هي بالشكل فقط ، وليست حالة وساطة بالمعنى الذي يفهمه الناس في علاقتهم بالعظماء ، حيث يلجؤون إلى الأشخاص الذين تربطهم بهم علاقة مودة ، أو مصلحة ، أو موقع معين ، ليكونوا الواسطة في إيصال مطالبهم ، وقضاء حوائجهم عنده). وقال: (وفي ضوء ذلك لا معنى للتقرب للأنبياء والأولياء ليحصل الناس على شفاعتهم ، لأنهم لا يملكون من أمرها شيئاً بالمعنى الذاتي المستقل ، بل الله هو المالك لذلك كله على جميع المستويات ، فهو الذي يأذن لهم بذلك في مواقع محددة ليس لهم أن يتجاوزوها.الأمر الذي يفرض التقرب إلى الله في أن يجعلنا ممن يأذن لهم بالشفاعة).(خلفيات مأساة الزهراء عليها السلام /:1/221).
كل هذا ، لأنهم تخيلوا أن مبدأ الشفاعة الإسلامي يشبه الواسطة الدنيوية !

(2) أنواع المحاكم الإلهية في المحشر

تدل الأحاديث الشريفة على أن محاكم الله تعالى في المحشر عدة أنواع . فمنها محاكم خاصة للحكم في الدماء ، ومحاكم خاصة للحكم في الجرائم بحق الإنسانية ، ومحاكم لظلامات العباد ، ومحاكم للمعاصي الفردية .
ومنها مواطن ومجامع عامة ، يجمع الله فيها كل أهل المحشر لغرض من الأغراض ، أو يجمع فيها فئات معينة ، ليواجهها ببعضها ويقضي بينها .
وقد تقدم في فصل أول المحشر ، عن أمير المؤمنين عليه السلام قوله: (فإن ذلك في موطن غير واحد من مواطن ذلك اليوم ، الذي كان مقداره خمسين ألف سنة ، يجمع الله عز وجل الخلائق يومئذ في مواطن ، ويكلم بعضهم بعضاً ، ويستغفر بعضهم لبعض ، أولئك
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 323 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الذين كان منهم الطاعة في دار الدنيا. ويلعن أهل المعاصي الرؤساء والأتباع الذين بدت منهم البغضاء...ثم يجتمعون في موطن آخر يبكون فيه..الخ.).

(3) المفاجآت يوم القيامة

قال الله تعالى: إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ. لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ. خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ. فهي تخفض أناساً كانوا عالين في الدنيا ، فتذهب بهم الى جهنم ، نعوذ بالله . وترفع أناساً كانوا ضعفاء أو مستضعفين ، فتذهب بهم الى الجنة .
روى الصدوق رحمه الله في التوحيد/107، عن الإمام الرضا عليه السلام :(إن أوحش ما يكون هذا الخلق في ثلاثة مواطن: يوم يولد ، ويخرج من بطن أمه فيرى الدنيا ، ويوم يموت فيرى الآخرة وأهلها،ويوم يبعث فيرى أحكاماً لم يرها في دار الدنيا. وقد سَلَّمَ الله عز وجل على يحيى في هذه الثلاثة المواطن وآمن روعته فقال: وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا. وقد سَلَّمَ عيسى بن مريم على نفسه في هذه الثلاثة المواطن فقال: وَالسَّلامُ عَلَىَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا).
لذلك يجب أن لانستغرب إذا رأينا في محاكم يوم المحشر أمثال النماذج التالية:
دخلت النار امرأة في هرة !
في عوالي اللئالي:1/154، ومسند أحمد:2/507: (قال صلى الله عليه وآله : دخلت امرأة النار في هرة ربطتها ، فلم تطعمها ، ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض ).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 324 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فلا بد أن يكون الحكم عليها بدخول جهنم ، بسبب مخزون نية العدوان والتعذيب التي صنعتها ونَمَّتْها داخل نفسها ! ولا بد أن يكون تعذيبها للقطة حتى الموت ، جزءاً من مخزون عدوانها ، فلو كانت حاكماً لعذبت شعبها بالجوع حتى الموت !
دعوها فإنها جبارة !
روى في الكافي (2/309) عن الإمام الصادق عليه السلام قال: (الكِبْرُ قد يكون في شرار الناس من كل جنس ، والكبر رداء الله ، فمن نازع الله عز وجل رداءه لم يزده الله إلا سَفَالاً. إن رسول الله صلى الله عليه وآله مرَّ في بعض طرق المدينة وسوداءُ تلقط السـرقين فقيل لها: تَنَحَّيْ عن طريق رسول الله .فقالت:إن الطريق لمُعْرَض! فهمَّ بها بعض القوم أن يتناولها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : دعوها فإنها جبارة)!
فهذه المرأة السوداء التي تلتقط السرقين أي روث البقر وقوداً للتنور ، وتثير الغبار ، كانت مسلمة تؤمن بالنبي صلى الله عليه وآله ، لكنها ترى نفسها عظيمة فلا يجب عليها احترام أحد ، بل يجب على النبي صلى الله عليه وآله وأصحابه أن يحترموها . ولما قيل لها لا تثيري الغبار وتنحي لحظات حتى يمر النبي صلى الله عليه وآله ، قالت: الطريق عريض فليمر من هناك !
ومن هذه الكلمة أومن غيرها ، قال النبي صلى الله عليه وآله لأصحابه: دعوها ومُرُّوا بنا من الجانب الآخر ، فهذه جبارة كفرعون !
فالفقير قد يصنع في نفسه كبرياء فرعون وجبروته ، فيكون أخاه ، غاية الأمر أنه لم يُتح له المجال ليتفرعن . والحساب عند الله تعالى على مخزون الفرعنة الذي صنعه بإرادته حتى لو لم يظهر في أعمال ، فإن ظهر كان عليه حسابٌ أيضاً.
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 325 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عاشق النبي صلى الله عليه وآله
روى في الكافي(8/77) عن الإمام الصادق عليه السلام قال: (كان رجل يبيع الزيت وكان يحب رسول الله صلى الله عليه وآله حباً شديداً. كان إذا أراد أن يذهب في حاجته لم يمض حتى ينظر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وقد عرف ذلك منه ، فإذا جاء تطاول له حتى ينظر إليه . حتى إذا كانت ذات يوم دخل عليه فتطاول له رسول الله صلى الله عليه وآله حتى نظر إليه ثم مضى في حاجته ، فلم يكن بأسرع من أن رجع ، فلما رآه رسول الله قد فعل ذلك ، أشار إليه بيده أجلس فجلس بين يديه ، فقال: مالك فعلت اليوم شيئاً لم تكن تفعله قبل ذلك؟ فقال: يا رسول الله والذي بعثك بالحق نبياً لَغَشِيّ قلبي شئ من ذكرك حتى ما استطعت أن أمضي في حاجتي حتى رجعت إليك !
فدعا له وقال له خيراً . ثم مكث رسول الله صلى الله عليه وآله أياماً لا يراه فلما فقده سأل عنه فقيل: يا رسول الله ما رأيناه منذ أيام ، فانتعل رسول الله صلى الله عليه وآله وانتعل معه أصحابه وانطلق حتى أتوا سوق الزيت ، فإذا دكان الرجل ليس فيه أحد ، فسأل عنه جيرته فقيل: يا رسول الله مات ، ولقد كان عندنا أميناً صدوقاً ، إلا أنه قد كان فيه خصلة ، قال: وما هي؟ قالوا: كان يرهق ، يعنون يتبع النساء . فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : رحمه الله ، والله لقد كان يحبني حباً لو كان نخاساً لغفر الله له).
فقد كان بياع الزيت هذا مغرماً بالنساء ، يجري خلفهن ، وقد يزني ، وربما كانت عنده تقصيرات أخرى ، لكنه نَمَّى حبه لرسول الله صلى الله عليه وآله حتى صار عشقاً وهياماً الى حد أنه لا يستطيع الذهاب الى عمله حتى يتزود منه بنظرة !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 326 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إن هذا الحب بذاته عملٌ صالح ، وقد سبب تنمية مخزون الخير في نفس الزيات ، فقد مدحوا تعامله ، فغلب حبه ذلك على معاصيه ، حتى لو كان زَنَّاءً كالنخاسين الذين يشتري أحدهم الجواري ويبيعهن ، ولا يسلم منه إلا بعضهن .
ناصب العداء لأهل البيت عليهم السلام
في الكافي (2/3) عن الإمام الصادق عليه السلام :(طينة الناصب من حمأ مسنون ، وأما المستضعفون فمن تراب. لا يتحول مؤمن عن إيمانه ولا ناصب عن نصبه ، ولله المشيئة فيهم).
فالناصبي ربَّى نفسه على العدوانية وكره أهل البيت عليهم السلام حسداً لأن الله ميزهم عليه ، أو ميزهم على أشخاص يحبهم . فهو في الواقع يعترض على الله تعالى ، ويتخذ أنداداً وهم نفسه وأئمته ، فهو يحبهم ويكره الذين فضلهم الله عليهم !
فمشكلة الناصبي أنه يريد من الله تعالى أن يتبنى الأنداد الذين اتخذهم ! ومعناه أنه لا يوحد الله إلا بشرط، ولا يؤمن برسوله إلا بشرط، ولا يطيعهما إلا بشرط . والشـرط دائماً ذاته وأنداده . وكفى بهذا المخزون النفسي كفراً ، يستوجب صاحبه جهنم .

(5) أول ما يسأل عنه الإنسان

روت مصادر الجميع أن أول ما يُسأل عنه الإنسان من العقائد: التوحيد وشهادة ألا إله إلا الله ، ثم شهادة أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وآله . وروت مصادرنا أنه يُسأل بعدها عن ولاية علي والأئمة من عترة النبي عليهم السلام .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 327 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أما من الأعمال ، فأول ما يحاسب عليه الإنسان بعد العقائد: الصلاة ، فإن قُبلت قبل ما سواها ، وإن ردت رد ما سواها .
وقد روى الجميع عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه ، وعن جسده فيما أبلاه ، وعن ماله فيما أنفقه ومن أين كسبه ، وعن حبنا أهل البيت).فرواه من مصادرنا: الصدوق في أماليه/93، والخصال/253، وتفسير القمي:2/20. ومن مصادرهم: الطبراني الكبير:11/83 ، و20/61، والأوسط:9/155.
وفي فوائد العراقيين للنقاش/49، عن أبي برزة ، ومنهاج الكرامة للعلامة الحلي/89: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله ونحن جلوس ذات يوم: والذي نفسي بيده لا يزول قدم عبد يوم القيامة حتى يسأله تبارك وتعالى عن أربع: عن عمره فيم أفناه ، وعن جسده فيم أبلاه ، وعن ماله مم كسبه وفيم أنفقه ، وعن حبنا أهل البيت .
فقال له عمر: فما آية حبكم من بعدكم؟ فوضع يده على رأس علي وهو إلى جانبه فقال: إن حبي من بعدي حب هذا ).
ويظهر أن رواة السلطة مدوا أصابعهم لهذا الحديث فحذفوا منه حب أهل البيت عليهم السلام ! فقد وضع بدله رواة الترمذي(4/36) سؤال الإنسان عن جسمه !
قال: (عن أبي برزة الأسلمي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله : لا تزول قدما عبد حتى يسأل: عن عمره فيما أفناه ، وعن علمه فيما فعل وعن ما له من أين اكتسبه وفيما أنفقه ، وعن جسمه فيما أبلاه ). ونحوه سنن الدارمي(1/135).
ومن الواضح أن سؤال الإنسان عما أفنى فيه عمره وعما أبلى فيه جسده ، سؤال واحد ! وهو يوجب الشك في صيغة الحديث .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 328 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

(4) الملفات الأولى في محكمة المحشر

ورد في مصادرنا أن أول ما يحكم به الله تعالى في محكمة المحشـر هو: الدماء . وهذا يعني أن أمرٌ خطير له أولوية مطلقة . قال الإمام الباقر عليه السلام (الكافي:7/272): (قال رسول الله صلى الله عليه وآله : أول ما يحكم الله فيه يوم القيامة الدماء ، فيوقف ابني آدم فيفصل بينهما ، ثم الذين يلونهما من أصحاب الدماء ، حتى لا يبقى منهم أحد . ثم الناس بعد ذلك . حتى يأتي المقتول بقاتله فيتشخب في دمه وجهه فيقول: هذا قتلني ، فيقول: أنت قتلته فلا يستطيع أن يكتم الله حديثاً ) .
كما روى الجميع أن أول ملف خصومة يفتح يوم القيامة هو ملف علي عليه السلام ! فقد روى البخاري(5/6) عن علي عليه السلام قال: (أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة ).
فظلامة علي عليه السلام لها أولوية في المحشر لأنها مصنفة في الجرائم بحق الإنسانية . ومعنى ذلك أن نوعين من المحاكم تتزامنان ، وتكون لهما الأولوية المطلقة: الدماء والجرائم بحق الإنسانية . وقد يجمع الموضوع الواحد أولويتين .
ويتواكب مع هذين النوعين من المحاكم: الحساب الفردي لكل إنسان .
ولا بد أن يطلع الخلائق على مجرى المحاكمات في قضايا الأنبياء عليهم السلام ، وقضايا الجرائم بحق البشرية ، وأن يكون في المحشر نظام إعلامي لإطلاع الثلاث مئة مليار إنسان وأكثر ، على ما ينبغي أن يعرفوه !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 329 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

(6) معنى أن ملف علي عليه السلام أول ملف في المحشر

روى البخاري(5/6) عن علي عليه السلام قال: ( أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة ).
ومعناه: أن النبي صلى الله عليه وآله أخبره بأنك ستظلم بعدي ظلامةً لا مثيل لها في تاريخ الأمم ، وعندما يقف الخلائق بين يدي رب العالمين ، وتنصب الموازين ، ويحضـر الأنبياء عليهم السلام ، وتُصنف الجرائم والظلامات ، تُصنف ظلامتك في الجرائم ضد البشرية ، وتكون أشد الظلامات على الإطلاق وأكثرها تأثيراً في حياة البشـرية ، فتأخذ الرقم الأول . ويعين الله لها قاضياً خاصاً ، وتبدأ المرافعة !
وقد رويَ أن النبي صلى الله عليه وآله أخبر علياً عليه السلام بهذه الخصومة ، وأمره أن يستعد لها ! فقد روى الإمام الحسين عن أبيه’أنه قال: ( لما نزلت: اَلَمِ. أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا.. الآيات. قلت: يا رسول الله ما هذه الفتنة؟ قال: يا علي إنك مبتلى ، ومبتلى بك ، وإنك مخاصَمٌ فأعدَّ للخصومة ). (مناقب آل أبي طالب:3/7).
وروى المفيد في الأمالي/288, والطوسي في الأمالي/65: (عن علي عليه السلام قال: لما نزلت على النبي صلى الله عليه وآله :إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ، قال لي: يا علي إنه قد جاء نصـر الله والفتح ، فإذا رأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان تواباً . يا علي إن الله قد كتب على المؤمنين الجهاد في الفتنة من بعدي كما كتب عليهم جهاد المشركين معي. فقلت: يا رسول الله وما الفتنة التي كتب علينا فيها الجهاد ؟ قال: فتنة قوم يشهدون أن لا إله إلا الله ، وأني رسول الله
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 330 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مخالفون لسنتي وطاعنون في ديني . فقلت: فعلامَ نقاتلهم يا رسول الله وهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله؟ فقال: على إحداثهم في دينهم وفراقهم لأمري ، واستحلالهم دماء عترتي . قال فقلت: يا رسول الله إنك كنت وعدتني الشهادة ، فسل الله تعالى أن يعجلها لي. فقال: أجل، قد كنت وعدتك الشهادة ، فكيف صبرك إذا خضبت هذه من هذا ، وأومأ إلى رأسي ولحيتي؟ فقلت: يا رسول الله أما إذا بينت لي ما بينت فليس بموطن صبر ، لكنه موطن بشرى وشكر . فقال: أجل ، فأعد للخصومة فإنك مخاصمٌ أمتي !
قلت: يا رسول الله أرشدني الفَلَج . قال: إذا رأيت قوماً قد عدلوا عن الهدى إلى الضلال فخاصمهم ، فإن الهدى من الله والضلال من الشيطان .
يا علي إن الهدى هو اتباع أمر الله ، دون الهوى والرأي: وكأنك بقوم قد تأولوا القرآن وأخذوا بالشبهات ، واستحلوا الخمر بالنبيذ ، والبخس بالزكاة ، والسحت بالهدية . قلت: يا رسول الله فما هم إذا فعلوا ذلك ، أهم أهل ردة أم أهل فتنة ؟ قال: هم أهل فتنة ، يعمهون فيها إلى أن يدركهم العدل .
فقلت: يا رسول الله العدل منا أم من غيرنا ؟ فقال: بل منا ، بنا يفتح الله ، وبنا يختم ، وبنا ألف الله بين القلوب بعد الشرك ، وبنا يؤلف الله بين القلوب بعد الفتنة . فقلت: الحمد لله على ما وهب لنا من فضله ).
وقد بَيَّنَ عليٌّ عليه السلام أن خصمه يوم القيامة قريش ممثلةً بشخصياتها في حياة النبي صلى الله عليه وآله وبعد وفاته . وبَيَّنَ بعض ما سيقدمه في ملف شكايته ، قال عليه السلام :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 331 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
(مارأيت منذ بعث الله محمداً صلى الله عليه وآله رخاءً ! لقد أخافتني قريش صغيراً وأنصبتني كبيراً ، حتى قبض الله رسوله صلى الله عليه وآله فكانت الطامة الكبرى ! والله المستعان على ما تصفون ) ! (شرح النهج:4/108).
وقال عليه السلام : (مالي ولقريش! والله لقد قاتلتهم كافرين ولأقاتلنهم مفتونين . وإني لصاحبهم بالأمس كما أنا صاحبهم اليوم . والله ما تنقم منا قريش إلا أن الله اختارنا عليهم ، فأدخلناهم في حّيِّزِنَا ، فكانوا كما قال الأول:
أدمت لعَمري شُربك المحضَ صابحاً * وأكْلك بالزبد المقشَّرة البُجْرا
ونحن وهبناك العلاءَ ولم تكنْ * علياً وحُطْنَا حولك الجُرْدَ والسُّمرا ).
(نهج البلاغة:1/81).
(لما انتهت إلى أمير المؤمنين عليه السلام أنباء السقيفة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله قال: ما قالت الأنصار؟ قالوا: قالت منا أمير ومنكم أمير . قال: فهلا احتججتم عليهم بأن رسول الله صلى الله عليه وآله وصى بأن يحسن إلى محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم. قالوا: وما في هذا من الحجة عليهم؟ فقال عليه السلام : لو كانت الإمارة فيهم لم تكن الوصية بهم !
ثم قال عليه السلام : فما ذا قالت قريش؟ قالوا احتجت بأنها شجرة الرسول صلى الله عليه وآله . فقال عليه السلام : احتجوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة).(نهج البلاغة:1/116).
وقال عليه السلام : ( أين الذين زعموا أنهم الراسخون في العلم دوننا ، كذباً وبغياً علينا أن رفعنا الله ووضعهم ، وأعطانا وحرمهم ، وأدخلنا وأخرجهم . بنا يستعطى الهدى ، ويستجلى العمى . إن الأئمة من قريش غرسوا في هذا البطن من هاشم .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 332 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لا تصلح على سواهم ، ولا تصلح الولاة من غيرهم..آثروا عاجلاً، وأخروا آجلاً، وتركوا صافياً وشربوا آجناً).(نهج البلاغة:2/27).
(وقال قائل: إنك على هذا الأمر يا ابن أبي طالب لحريص. فقلت: بل أنتم والله لأحرص وأبعد ، وأنا أخص وأقرب . وإنما طلبت حقاً لي وأنتم تحولون بيني وبينه ، وتضربون وجهي دونه ! فلما قرعته بالحجة في الملأ الحاضرين هب لا يدري ما يجيبني به ! اللهم إني أستعديك على قريش ومن أعانهم ، فإنهم قطعوا رحمي ، وصغروا عظيم منزلتي، وأجمعوا على منازعتي أمراً هو لي .ثم قالوا إلا أن في الحق أن تأخذه وفي الحق أن تتركه...فاصبر مغموماً أو مُتْ متأسفاً! فنظرت فإذا ليس لي رافد ولا ذاب ولا مساعد ، إلا أهل بيتي ، فضننت بهم عن المنية فأغضيت على القذى ، وجرعت ريقي على الشجى ، وصبرت من كظم الغيظ على أمر من العلقم ، وآلم للقلب من حز الشفار).(نهج البلاغة:2/84 و202).
(فدع عنك قريشاً وتِركاضهم في الضلال ، وتِجوالهم في الشقاق ، وجِماحهم في التيه ، فإنهم قد أجمعوا على حربي كإجماعهم على حرب رسول الله صلى الله عليه وآله قبلي!
فَجَزَتْ قريشاً عني الجوازي ، فقد قطعوا رحمي ، وسلبوني سلطان ابن أمي. وأما ما سألت عنه من رأيي في القتال فإن رأيي في قتال المحلين حتى ألقى الله، لا يزيدني كثرة الناس حولي عزة ، ولا تفرقهم عني وحشة) .
(نهج البلاغة:3/61).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 333 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
« اللهم إني أستعديك على قريش ، فإنهم أضمروا لرسولك صلى الله عليه وآله ضروباً من الشر والغدر فعجزوا عنها ، وحِلْتُ بينهم وبينها ، فكانت الوجبة بي والدائرة عليَّ ! اللهم احفظ حسناً وحسيناً ، ولا تمكن فجرة قريش منهما ما دمت حياً فإذا توفيتني فأنت الرقيب عليهم ، وأنت على كل شئ شهيد .
وقال له قائل: يا أمير المؤمنين ، أرأيت لو كان رسول الله صلى الله عليه وآله ترك ولداً ذكراً قد بلغ الحلم وآنس منه الرشد ، أكانت العرب تسلم إليه أمرها؟ قال: لا ، بل كانت تقتله إن لم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 334 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يفعل ما فعلتُ ! ولولا أن قريشاً جعلت اسمه ذريعة إلى الرياسة ، وسلَّماً إلى العز والأمرة لما عبدت الله بعد موته يوماً واحداً، ولارتدت في حافرتها وعاد قارحها جذعاً ، وبازلها بكراً .
ثم فتح الله عليها الفتوح فأثْرت بعد الفاقة ، وتمولت بعد الجَهد والمخمصة ، فحسن في عيونها من الإسلام ما كان سمجاً ، وثبت في قلوب كثير منها من الدين ما كان مضطرباً ، وقالت: لولا أنه حق لما كان كذا !
ثم نسبت تلك الفتوح إلى آراء ولاتها وحسن تدبير الأمراء القائمين بها ، فتأكد عند الناس نباهة قوم وخمول آخرين ، فكنا نحن ممن خمل ذكره ، وخبت ناره، وانقطع صوته وصيته ، حتى أكل الدهر علينا وشرب ، ومضت السنون والأحقاب بما فيها، ومات كثير ممن يعرف، ونشأ كثير ممن لا يعرف .
وما عسى أن يكون الولد لو كان ! إن رسول الله صلى الله عليه وآله لم يقربني بما تعلمونه من القُرْب للنسب واللحمة ، بل للجهاد والنصيحة ، أفتراه لو كان له ولد هل كان يفعل ما فعلت . وكذاك لم يكن يَقْرُب ما قَرُبْتُ ، ثم لم يكن عند قريش والعرب سبباً للحظوة والمنزلة ، بل للحرمان والجفوة . اللهم إنك تعلم أني لم أرد الأمرة ولا علو الملك والرياسة ، وإنما أردت القيام بحدودك ، والأداء لشرعك ، ووضع الأمور في مواضعها وتوفير الحقوق على أهلها،والمضي على منهاج نبيك ، وإرشاد الضال إلى أنوار هدايتك » . (شرح النهج:20/298).
فشكايته عليه السلام من قريش تبدأ من فورتهم الجاهلية الوحشية في وجه النبي صلى الله عليه وآله وبني هاشم عندما أعلن بعثته . وتشمل عتبة بن ربيعة ، وأبا سفيان ، والوليد بن المغيرة ، وأبا جهل ، وسهيل بن عمرو ، وزملاءهم ، فهؤلاء الذين قادوا الحروب ضد النبي صلى الله عليه وآله . وتشمل بعد النبي صلى الله عليه وآله سهيل بن عمرو ، وأبا سفيان ، ومن اتفقوا معهم من الصحابة على إقصاء علي عليه السلام وأخذ الخلافة .وتشمل من بايعه ونكث بيعته وخرج عليه في حرب الجمل ، ومن خرج عليه وبغى عليه في حرب صفين ، ومن خرج عليه في النهروان . فهؤلاء أطراف الخصومة يوم القيامة مع علي عليه السلام .
لكن رواة السلطة القرشية حرَّفوا محتوى أعظم ملف في الآخرة فقالوا إنه خصومة بين علي والوليد بن عتبة بن ربيعة ، لأنهما أول المتبارزين في بدر !
لكن أي قضية في ذلك ، وكيف يترك الله عز وجل القضايا الكبرى في حياة علي عليه السلام ، ويجعل القضية الأولى في العالم ، بين علي وشخص بارزه ، فقتله !
قال البخاري في صحيحه بعد إيراده حديث علي عليه السلام : (وقال
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 335 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قيس بن عباد: وفيهم أنزلت:هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ. قال هم الذين تبارزوا يوم بدر حمزة وعلي وعبيدة بن الحرث وشيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة.. عن قيس بن عباد عن أبي ذر قال: نزلت هذا خصمان اختصموا في ربهم في ستة من قريش علي وحمزة وعبيدة بن الحرث وشيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة.. قيس بن عباد قال: قال علي: فينا نزلت هذه الآية: هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ.. عن قيس بن عباد قال: سمعت أبا ذر يُقسم لنزلت هؤلاء الآيات في هؤلاء الرهط الستة يوم بدر).
لاحظ توظيفهم لقيس بن عباد ، أو ما نسبوه اليه ، وتكرار هم التأكيد ، وروايتهم ذلك عن أبي ذر ، وعن علي نفسه عليه السلام ، لإبعاد القضية عن واقعها !

(7)ملف فاطمة الزهراء عليهم السلام في المحشر

اتفقت مصادر المسلمين سنة وشيعة على أن الله يكرم فاطمة الزهراء عليها السلام فينادي المنادي في أهل المحشر أن يحيوها فينكسوا رؤوسهم عندما يمر موكبها الملائكي من فوق رؤوسهم الى الجنة .
ويظهر أن ذلك يكون في أول المحشر قبل بدء الحساب ، لكن ورد أنها عليها السلام تكون مع أمها الصديقة خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها في المحشر، في منطقة الأعراف حيث يقيم النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام .
وأنها تتقدم بين يدي الله تعالى شاكية ظلامتها وظلامة أولادها الأئمة عليهم السلام .
وأنها تحضر أيضاً في محكمة الحساب عندما يأتي وقت ملف ظلامتها ، فتطلب من الله تعالى أن يحكم بينها وبين من ظلمها وظلم ذريتها عليهم السلام .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 336 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
روى وجودها في الأعراف في مختصر البصائر/190عن الإمام الصادق عليه السلام قال: (سور بين الجنة والنار، قائمٌ عليه محمد صلى الله عليه وآله وعلي والحسن والحسين وفاطمة وخديجة عليهم السلام فينادون: أين محبونا ، أين شيعتنا؟ فيقبلون إليهم فيعرفونهم بأسمائهم وأسماء آبائهم ، وذلك قوله تعالى: يَعْرِفُونَ كُلاً بِسِيمَاهُمْ ، فيأخذون بأيديهم فيجوزون بهم الصراط ويدخلونهم الجنة).
كما روينا أحاديث عديدة في شكايتها يوم القيامة ولم يروها مخالفونا ، لكنهم رووا أصل الشكاية ، وأنها أقسمت أن تشكو الشيخين الى أبيها رسول الله صلى الله عليه وآله .
قال ابن قتيبة في الإمامة والسياسة(1/20): (فاستأذنا على فاطمة ، فلم تأذن لهما ، فأتيا عليا فكلماه ، فأدخلهما عليها ، فلما قعدا عندها حولت وجهها إلى الحائط ، فسلما عليها فلم ترد عليهما السلام ! فتكلم أبو بكر فقال: يا حبيبة رسول الله ، والله إن قرابة رسول الله أحب إلى من قرابتي ، وإنك لأحب إلي من عائشة ابنتي ، ولوددت يوم مات أبوك أني مُت ولا أبقى بعده ، أفتراني أعرفك وأعرف فضلك وشرفك وأمنعك حقك وميراثك من رسول الله ، إلا أني سمعت أباك رسول الله يقول: لا نورث ، ما تركنا فهو صدقة .
فقالت: أرأيتكما إن حدثتكما حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وآله تعرفانه وتعملان به؟ قالا: نعم . فقالت: نشدتكما الله ألم تسمعا رسول الله يقول: رضا فاطمة من رضاي ، وسخط فاطمة من سخطي ، فمن أحب فاطمة ابنتي فقد أحبني ، ومن أرضى فاطمة فقد أرضاني ، ومن أسخط فاطمة فقد أسخطني ؟
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 337 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قالا: نعم ، سمعناه من رسول الله . قالت: فإني أشهد الله وملائكته أنكما أسخطتماني وما أرضيتماني ، ولئن لقيت النبي لأشكونكما إليه !
فقال أبو بكر: أنا عائذ بالله تعالى مني سخطه وسخطك يا فاطمة. ثم انتحب أبو بكر يبكي ، حتى كادت نفسه أن تزهق ، وهي تقول: والله لأدعون الله عليك في كل صلاة أصليها ، ثم خرج باكياً ، فاجتمع إليه الناس فقال لهم: يبيت كل رجل منكم معانقاً حليلته مسروراً بأهله ، وتركتموني وما أنا فيه ، لا حاجة لي في بيعتكم ، أقيلوني بيعتي ) !
ولم تصل الينا روايات تفصي شكايتها لظلامتها وظلامة علي والحسن عليهم السلام ، وسبب ذلك الظروف القاسية التي كان يعيش فيها الرواة ، وإبادة السلطة لكتبنا ، وقتلها كثيراً من الرواة والعلماء ، الذين رووها وألفوا كتبها !
وفي أمالي الصدوق/69، عن النبي صلى الله عليه وآله أن فاطمة الزهراء عليها السلام تطرح شكايتين، فتقول: (إلهي وسيدي، أحكم بيني وبين من ظلمني. اللهم احكم بيني وبين من قتل ولدي! فإذا النداء من قبل الله جل جلاله: يا حبيبتي وابنة حبيبي، سلي تعطيْ واشفعي تُشَفَّعِي ، فوعزتي وجلالي لا جازني ظلمُ ظالم . فتقول: إلهي وسيدي: ذريتي وشيعتي وشيعة ذريتي ، ومحبي ومحبي ذريتي . فإذا النداء من قبل الله جل جلاله: أين ذرية فاطمة وشيعتها ومحبوها ومحبو ذريتها؟ فيقبلون وقد أحاط بهم ملائكة الرحمة ، فتقدمهم فاطمة حتى تدخلهم الجنة ).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 338 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وعن الإمام الرضا عن آبائه عليهم السلام : ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله : تحشر ابنتي فاطمة يوم القيامة ومعها ثياب مصبوغة بالدماء ، تتعلق بقائمة من قوائم العرش تقول: يا عدل أحكم بيني وبين قاتل ولدي ).(عيون أخبار الرضا عليه السلام :2/12).
وروى المفيد في أماليه/130، عن الإمام الصادق عليه السلام قال: (إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد ، ثم أمر منادياً فنادى: غضوا أبصاركم ونكسوا رؤوسكم حتى تجوز فاطمة ابنة محمد صلى الله عليه وآله الصراط . قال: فتغض الخلائق أبصارهم ، فتأتي فاطمة عليها السلام على نجيب من نجب الجنة يشيعها سبعون ألف ملك ، فتقف موقفاً شريفاً من مواقف القيامة ، ثم تنزل عن نجيبها فتأخذ قميص الحسين بن علي عليه السلام بيدها مضمخاً بدمه وتقول: يا رب هذا قميص ولدي وقد علمتَ ما صنع به !
فيأتيها النداء من قبل الله عز وجل: يا فاطمة لك عندي الرضا.فتقول: يا رب انتصر لي من قاتله، فيأمر الله تعالى عنقاً من النار، فتخرج من جهنم فتلتقط قتلة الحسين بن علي’كما يلتقط الطير الحب ، ثم يعود العنق بهم إلى النار فيعذبون فيها بأنواع العذاب .
ثم تركب فاطمة عليها السلام نجيبها حتى تدخل الجنة ، ومعها الملائكة المشيعون لها ، وذريتها بين يديها ، وأولياءهم من الناس عن يمينها وشمالها ).
وفي ثواب الأعمال وعقابها/216:(قال عيص بن القاسم:ذُكر عند أبي عبدالله عليه السلام قاتل الحسين عليه السلام فقال بعض أصحابه:كنت أتمنى أن ينتقم الله منه في الدنيا. قال: كأنك تستقل له عذاب الله ، وما عند الله أشد عذاباً وأشد نكالاً منه ).
وفي ثواب الأعمال وعقابها/216، عن الإمام الباقر عليه السلام قال:( قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إن في النار منزلة لم يكن يستحقها أحد من الناس إلا بقتل الحسين بن علي ويحيى بن زكريا’.. إذا كان يوم القيامة نُصب لفاطمة قبة من نور ، وأقبل الحسين رأسه على يده ، فإذا رأته شهقت شهقة لا يبقى في الجمع ملك مقرب ولانبي مرسل ، ولاعبد مؤمن إلا بكى لها ، فيمثله الله عز وجل رجلاً لها في أحسن صورة وهو يخاصم قتلته بلا رأس ، فيجمع الله قتلته والمجهزين عليه ، ومن شرك في قتله فيقتلهم حتى يأتي على آخرهم . ثم ينشرون فيقتلهم أمير المؤمنين ، ثم ينشرون فيقتلهم الحسن ، ثم ينشرون فيقتلهم الحسين ، ثم ينشرون فلا يبقى من ذريتنا أحد إلا قتلهم قتلة ، فعند ذلك يكشف الله الغيظ ويُنسى الحزن .
ثم قال أبو عبد الله عليه السلام :رحم الله شيعتنا.شيعتنا والله المؤمنون ، فقد والله شركونا في المصيبة بطول الحزن والحسرة ).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 339 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي ثواب الأعمال/219، قال النبي صلى الله عليه وآله : (يُمَثَّلُ لفاطمة رأس الحسين متشحطاً بدمه فتصيح: واولداه ، وا ثمرة فؤاداه ! فتصيح الملائكة لصيحة فاطمة عليها السلام وينادون أهل القيامة: قتل الله قاتل ولدك يا فاطمة ) !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 340 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي تفسير فرات/445: (ثم يُنصب لك منبر من نور ، فيه سبع مراق بين المرقاة إلى المرقاة صفوف الملائكة ، بأيديهم ألوية النور ، وتصطف الحور العين عن يمين المنبر وعن يساره ، وأقرب النساء منك عن يسارك حواء وآسية بنت مزاحم ، فإذا صرت في أعلى المنبر ، أتاك جبرئيل عليه السلام فيقول لك: يا فاطمة سلي حاجتك، فتقولين: يا رب أرني الحسن والحسين فيأتيانك وأوداج الحسين تشخب دماً، وهو يقول: يا رب خُذ لي اليوم حقي ممن ظلمني، فيغضب عند ذلك الجليل وتغضب لغضبه جهنم والملائكة أجمعون ، فتزفر جهنم عند ذلك زفرة ، ثم يخرج فوج من النار فيلتقط قتلة الحسين وأبناءهم وأبناء أبناءهم ، فيقولون: يا رب إنا لم نحضر الحسين ، فيقول الله لزبانية جهنم: خذوهم بسيماهم بزرقة الأعين وسواد الوجوه ، خذوا بنواصيهم فألقوهم في الدرك الأسفل من النار ، فإنهم كانوا أشد على أولياء الحسين من آبائهم الذين حاربوا الحسين فقتلوه ! فيسمع شهيقهم في جهنم . ثم يقول جبرئيل عليه السلام : يا فاطمة سلي حاجتك؟ فتقولين: يا رب شيعتي ، فيقول الله: قد غفرت لهم ، فتقولين: يا رب شيعة ولدي ، فيقول الله: قد غفرت لهم ، فتقولين: يا رب شيعة شيعتي ، فيقول الله: إنطلقي فمن اعتصم بك فهو معك في الجنة ، فعند ذلك يود الخلائق أنهم كانوا فاطميين، فتسيرين ومعك شيعتك وشيعة ولدك وشيعة أمير المؤمنين ، آمنة روعاتهم مستورة عوراتهم ، قد ذهبت عنهم الشدائد ، وسهلت لهم الموارد ، يخاف الناس وهم لايخافون ، ويظمأ الناس وهم لا يظمؤون ، فإذا بلغت باب الجنة تلقتك اثنتا عشر ألف حوراء ، لم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 341 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يتلقين أحداً قبلك ولا يتلقين أحداً بعدك ، بأيديهم حراب من نور على نجائب من نور، رحائلها من الذهب الأصفر والياقوت ، أزمَّتها من لؤلؤ رطب ، على كل نجيبة نمرقة من سندس منضود .
فإذا دخلت الجنة تباشر بك أهلها، ووضع لشيعتك موائد من جوهر على أعمدة من نور، فيأكلون منها والناس في الحساب ، وهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون .
فإذا استقر أولياء الله في الجنة ، زارك آدم ومن دونه من النبيين . وإن في بطنان الفردوس للؤلؤتان من عرق واحد ، لؤلؤة بيضاء ولؤلؤة صفراء فيها قصور ودور في كل واحدة سبعون ألف دار ، البيضاء منازل لنا ولشيعتنا ، والصفراء منازل لإبراهيم وآل إبراهيم .
قالت: يا أبة فما كنت أحب أن أرى يومك وأبقى بعدك . فقال: يا بنية لقد أخبرني جبرئيل عن الله نك أول من يلحقني من أهل بيتي ، فالويل كله من ظلمك والفوز العظيم لمن نصرك . قال عطاء: وكان ابن عباس إذا ذكر هذا الحديث تلا هذه الآية: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَئٍْ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ) .

(8)الذين يدخلون الجنة بغير حساب

قال الله تعالى:قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ.( الزمر:10)
ولم يذكر القرآن دخول الجنة بغير حساب إلا للصابرين، وفي هذه الآية فقط .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 342 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أما الأحاديث فذكرت أنواعاً أخرى قليلة تدخل الجنة بغير حساب .
ففي أمالي الطوسي/103: (عن أبي جعفر الباقر عليه السلام عن آبائه ، عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إذا كان يوم القيامة جمع الله الخلائق في صعيد واحد ، وينادي مناد من عند الله ، يُسْمِعُ آخرهم كما يُسْمِعُ أولهم ، يقول: أين أهل الصبر؟ فيقوم عنق من الناس ، فتستقبلهم زمرة من الملائكة فيقولون لهم: ما كان صبركم هذا الذي صبرتم؟ فيقولون: صبرنا أنفسنا على طاعة الله ، وصبرناها عن معصية الله . قال: فينادي مناد من عند الله: صدق عبادي خلوا سبيلهم ليدخلوا الجنة بغير حساب.
قال: ثم ينادي مناد آخر ، يُسْمِعُ آخرهم كما يُسمع أولهم ، فيقول: أين أهل الفضل . فيقوم عنق من الناس ، فتستقبلهم زمرة من الملائكة فيقولون: ما فضلكم هذا الذي نوديتم به؟ فيقولون: كنا يجهل علينا في الدنيا فنحتمل ويساء إلينا فنعفو . قال: فينادي مناد من عند الله تعالى: صدق عبادي ، خلوا سبيلهم ليدخلوا الجنة بغير حساب .
قال: ثم ينادي مناد من عند الله عز وجل ، يُسْمِعُ آخرهم كما يُسْمِعُ أولهم فيقول: أين جيران الله تعالى في داره؟ فيقوم عنق من الناس فتستقبلهم زمرة من الملائكة ، فيقولون لهم: ماذا كان عملكم في دار الدنيا فصرتم به اليوم جيران الله تعالى في داره؟ فيقولون: كنا نتحاب في الله عز وجل ، ونتباذل في الله ، ونتوازر في الله .
فينادي مناد من عند الله: صدق عبادي خلوا سبيلهم لينطلقوا إلى جوار الله في الجنة بغير حساب . قال: فينطلقون إلى الجنة بغير حساب .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 343 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم قال أبو جعفر عليه السلام : فهؤلاء جيران الله في داره ، يخاف الناس ولا يخافون ويحاسب الناس ولا يحاسبون ) !
وفي الخصال/80 ، عن الإمام الصادق عليه السلام قال: (ثلاثة يدخلهم الله الجنة بغير حساب ، وثلاثة يدخلهم الله النار بغير حساب . فأما الذين يدخلهم الله الجنة بغير حساب ، فإمام عادل ، وتاجر صدوق ، وشيخ أفنى عمره في طاعة الله عز وجل . وأما الثلاثة الذين يدخلهم الله النار بغير حساب فإمام جائر ، وتاجر كذوب ، وشيخ زان ).
كما ورد أن النفساء إذا ماتت فلا حساب عليها، فعن الإمام الصادق عليه السلام قال: (النفساء تبعث من قبرها بغير حساب، لأنها ماتت في غم نفاسها). (أمالي الطوسي/673).
وورد أن الأم الرحيمة بأولادها تدخل الجنة بغير حساب ، إن لم تظلم زوجها ، ففي الكافي(5/554): (جاءت امرأة سائلة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال رسول الله: والداتٌ والهاتٌ رحيماتٌ بأولادهن . لولا ما يأتين إلى أزواجهن لقيل لهن: أدخلن الجنة بغير حساب ).
وورد أن المؤمن البار بإخوانه يدخل الجنة بغير حساب ، ففي الكافي(2/206) بسند صحيح عن جميل بن دراج ، قال الإمام الصادق عليه السلام : (إن مما خص الله عز وجل به المؤمن أن يعرفه بر إخوانه وإن قل ، وليس البر بالكثرة وذلك أن الله عز وجل يقول في كتابه: وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ. ثم قال: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ .ومن عرفه الله عز وجل بذلك
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 344 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أحبه الله ، ومن أحبه الله تبارك وتعالى وفاه أجره يوم القيامة بغير حساب . ثم قال: يا جميل إرو هذا الحديث لاخوانك ، فإنه ترغيب في البر ).
أما محب أهل البيت عليهم السلام فجاءت الأحاديث بأنه يدخل الجنة بغير حساب ، ولا بد أن يختص ذلك بخيرة المتبعين بإحسان ، ففي الخصال/515، عن أبي سعيد الخدري قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله : من رزقه الله حب الأئمة من أهل بيتي فقد أصاب خير الدنيا والآخرة...الى أن قال: والعاشرة:يدخل الجنة بغير حساب ، فطوبى لمحبي أهل بيتي ) .
كما رويت قاعدة لمن يدخل الجنة بغير حساب ، ففي الإحتجاج (1/364) عن علي عليه السلام قال: (ومعنى قوله: فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ . وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ . فهو: قلة الحساب وكثرته . والناس يومئذ على طبقات ومنازل فمنهم: من يحاسب حساباً يسيراً وينقلب إلى أهله مسروراً ، ومنهم الذين يدخلون الجنة بغير حساب لأنهم لم يتلبسوا من أمر الدنيا ، وإنما الحساب هناك على من تلبس بها هاهنا ، ومنهم من يحاسب على النقير والقطمير ، ويصير إلى عذاب السعير ، ومنهم أئمة الكفر وقادة الضلالة ، فأولئك لا يقيم لهم يوم القيامة وزناً ).
أقول: لا بد أن يكون التلبس بالدنيا الإستغراق فيها والإلتهاء بها عن واجباته، وقد قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ . (المنافقون:9).
أما مصادر السنة ، فقد وسعت الدخول الى الجنة بغير حساب الى كثير من الناس ، ووسعت دخول الجنة الى كل الناس . ففي صحيح مسلم (1/137) أن الصحابة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 345 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
اختلفوا فيمن يدخل الجنة بغير حساب: (فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله ، وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام ولم يشـركوا بالله وذكروا أشياء ، فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: ما الذي تخوضون فيه؟ فأخبروه فقال: هم الذين لا يَرْقٌونَ ولا يَسْتَرْقون ولا يتطيرون ، وعلى ربهم يتوكلون. فقام عكاشة بن محصن فقال: أدع الله أن يجعلني منهم. فقال: أنت منهم.ثم قام رجل آخر فقال:أدع الله أن يجعلني منهم.فقال:سبقك بها عكاشة).
والمعنى: أنهم لايستعملون الرُّقْيَة بانفسهم ولا يطلبون من أحد أن يرقيهم ، ولا يتشاءمون . فثمن دخول الجنة بغير حساب ترك الرقية مع أنها عندهم جائزة .
فالثمن غريب وحصر الشفاعة بعكاشة غريب ، لأنهم رووا أنها لكل مسلم !
ففي مجمع الزوائد (10/369 ) أن النبي صلى الله عليه وآله قال: (إن شفاعتي لكل مسلم) .
وتجد العجائب وغير المعقول في مصادرهم من تأثير الإسرائيليات ، وقد بحثنا ذلك في المجلد الثالث من كتاب العقائد الإسلامية . وقد وصل الأمر بابن تيمية وأتباعه أنهم قالوا إن النار تفنى وتخرب كما يخرب السجن ، فينقل الله أهلها الى الجنة !

(9)المفضوحون على رؤوس الأشهاد

لا نعرف بالضبط هل يشاهد الناس كل المحاكمات والمواقف يوم القيامة ، أم أن بعضها عام وبعضها خاص ، وما هو نظام الرؤية لمئات المليارات التي تعيش في المحشر تلك السنين الطويلة ، أعاننا الله عليها .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 346 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لكن المؤكد أن بعض القضايا تطرح لجميع أهل المحشـر، لإطلاعهم عليها . كمكانة النبي صلى الله عليه وآله وأهل بيته ، وإبراهيم وأهل بيته ، وعدد من الأنبياء عليهم السلام .
وكذلك إطلاعهم على حقيقة بعض الشخصيات العالمية الخبيثة ، وهؤلاء الذين يفضحهم الله تعالى على رؤوس الأشهاد . وفي أولهم كبار المجرمين والفراعنة وأعداء الأنبياء والأوصياء صلوات الله عليهم ، فإن محاكمتهم تكون علنية ، ويفضحون على رؤوس الأشهاد .
وقد وردفي أحاديث أهل البيت عليهم السلام روايات تسمي كبار الطغاة الذين أضلوا الأمم ، وأنهم أشد الناس عذاباً يوم القيامة .
كما وردت أحاديث في مصادر الطرفين عن نماذج من أصحاب المعاصي الذين يفضحهم الله يوم القيامة على رؤوس الأشهاد:
ففي روضة الواعظين/11: (قال صلى الله عليه وآله : علماء هذه الأمة رجلان: رجل آتاه الله علماً فطلب به وجه الله والدار الآخرة وبذله للناس ، ولم يأخذ عليه طعماً ولم يشتر به ثمناً قليلاً . فذلك يستغفر له من في البحور ودواب البر والبحر والطير في جو السماء ، ويقدم على الله سيداً شريفاً .
ورجل آتاه الله علماً فبخل به على عباد الله ، وأخذ عليه طعماً ، واشترى به ثمناً قليلاً ، فذلك يلجم يوم القيامة بلجام من نار ، وينادي ملك من الملائكة على رؤوس الأشهاد:هذا فلان بن فلان آتاه الله علماً في دار الدنيا فبخل به على عباده).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 347 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي الكافي(2/353):عن الإمام الصادق عليه السلام قال:(من استذل مؤمناً واستحقره لقلة ذات يده ولفقره ، شهره الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق ).
وفي كتاب الزهد لحسين بن سعيد/92، عن الإمام الصادق عليه السلام قال: (وإذا أراد بعبد شراً حاسبه على رؤوس الناس ، وبَكَّتَهُ ، وأعطاه كتابه بشماله ، وهو قول الله عز وجل: فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ.فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا. وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا . قلت: أي أهل ؟ قال: أهله في الدنيا ).
وفي رسائل الشهيد الثاني/287:(عن النبي صلى الله عليه وآله :من مشى في غيبة أخيه وكشف عورته ، كانت أول خطوة خطاها وضعها في جهنم ، وكشف الله عورته على رؤوس الخلائق).
وفي مسند أحمد (2/26): (عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله : من انتفى من ولده ليفضحه في الدنيا ، فضحه الله يوم القيامة على رؤوس الأشهاد ).

(10) الميزان

1. قال الله تعالى: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ . (الأنبياء:47).
وقال تعالى:فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ . فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ . وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ . وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ . (الأعراف:6-9).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 348 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال تعالى: فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ . وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ . (المؤمنون:102-103).
وقال تعالى:يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ. وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ. فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ. فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ. وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ. فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ . (القارعة:4-101).
2. مرحلة الميزان آخر مرحلة في الحساب ، وليس بعدها إلا تطاير الكتب وتوزيع النتائج . ومعناه أنه يتم في آخر الحساب تحويل الأعمال الى وحدات أو درجات ، تُحدد نقاط استحقاق كل شخص من العقاب والثواب .
وهذه الآيات صريحة في وزن الأعمال يوم القيامة بشكل من الأشكال ، وأن الأعمال الصالحة ثقيلة تُرَجِّحُ الميزان ، والسيآت خفيفة ترفع كفته .
والظاهر منها أن الميزان وجود مادي حقيقي ، وأن الأعمال تتجسد فتكون السيئات خفيفة والحسنات ثقيلة .
قال الصدوق في المقنع/297: (وعليك بالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله فإني رويت أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: أنا عند الميزان غداً ، فمن رجحت سيئاته على حسناته ، جئت بالصلاة عليَّ حتى أثَقِّلَ بها حسناته).
كما نصت رواية صحيحة على أن الميزان من مواطن المحشر، فيكون له مكان ، أو مكان لتحديد الأوزان . ففي كامل الزيارات/506، عن الإمام الرضا عليه السلام قال: (من زارني على بعد داري ، وشطون مزاري ، أتيته يوم القيامة في ثلاث مواطن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 349 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
حتى أخلصه من أهوالها: إذا تطايرت الكتب يميناً وشمالاً ، وعند الصراط ، وعند الميزان ).
3. المشهور عند جمهور المسلمين من السنة والشيعة أن الميزان في القيامة مادي ، وأن الأعمال تتجسد وتوزن فيه . قال ابن حجر في فتح الباري (13/450): (عن مجاهد قال: الموازين: العدل. والراجح ما ذهب إليه الجمهور...والحق عند أهل السنة أن الأعمال حينئذ تجسد أو تجعل في أجسام ، فتصير أعمال الطائعين في صورة حسنة، وأعمال المسيئين في صورة قبيحة ، ثم توزن ) .
4. قال العلامة في شرح التجريد/575: (اختلفوا في كيفية الميزان ، فقال شيوخ المعتزلة: إنه يوضع ميزان حقيقي له كفتان يوزن به ما يتبين من حال المكلفين في ذلك الوقت لأهل الموقف، إما بأن يوضع كتاب الطاعات في كفة الخير ، ويوضع كتاب المعاصي في كفة الشر ، ويجعل رجحان أحدهما دليلاً على إحدى الحالتين ، أو بنحو من ذلك . لورود الميزان سمعاً، والأصل في الكلام الحقيقة مع إمكانها. وقال عباد وجماعة من البصريين وآخرون من البغداديين: المراد بالموازين العدل دون الحقيقة ).
ونلاحظ أن العلامة الحلي قدس سره لم يختر قولاً ، بينما اختار المجلسي أن يكون الميزان مادياً عملاً بظاهر النص ، قال في البحار (7/244): (وأما كيفية وزن الأعمال على هذا القول ففيه وجهان..الى أن قال في ختام كلامه: ولقائل أن يقول: هذان الوجهان يوجبان العدول عن ظاهر اللفظ ، وذلك إنما يصار إليه عند تعذر حمل الكلام
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 350 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
على ظاهره ، ولا مانع ههنا منه فوجب إجراء اللفظ على حقيقته فكما لم يمتنع إثبات ميزان له لسان وكفتان فكذلك لا يمتنع إثبات موازين بهذه الصفة، فما الموجب لتركه والمصير إلى التأويل ).
5. أما المفيد رحمه الله فاختار في تصحيح الإعتقادات/114، أن الميزان معنوي وليس مادياً قال: (والموازين: هي التعديل بين الأعمال والجزاء عليها ، ووضع كل جزاء في موضعه ، وإيصال كل ذي حق إلى حقه. فليس الأمر في معنى ذلك على ما ذهب إليه أهل الحشو من أن في القيامة موازين كموازين الدنيا ، لكل ميزان كفتان توضع الأعمال فيها ، إذ الأعمال أعراض والأعراض لا يصح وزنها ، وإنما توصف بالثقل والخفة على وجه المجاز .
والمراد بذلك أن ما ثقل منها هو ما كثر واستحق عليه عظيم الثواب ، وما خف منها ما قل قدره ، ولم يستحق عليه جزيل الثواب ).
وكأن المفيد وغيره ممن نفوا وزن الأعمال وزناً مادياً ، استندوا الى جواب الإمام الصادق عليه السلام لبعض الماديين: (الإحتجاج:2/98): (قال: أوَليس توزن الأعمال؟ قال: لا، إن الأعمال ليست بأجسام، وإنما هي صفة ما عملوا، وإنما يحتاج إلى وزن الشئ من جهل عدد الأشياء ولا يعرف ثقلها أو خفتها، وأن الله لا يخفى عليه شئ . قال: فما معنى الميزان ؟ قال عليه السلام : العدل . قال: فما معناه في كتابه:فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ؟ قال: فمن رجح عمله).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 351 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والظاهر أن ما ينفيه المفيد رحمه الله هو موازين الدنيا التي ذهب اليها أهل الحشو . ولم ينف الموازين من نوع آخر كما نرجحه . لاحظ قوله: (فليس الأمر في معنى ذلك على ما ذهب إليه أهل الحشو ، من أن في القيامة موازين كموازين الدنيا).
ولا يبعد أن يكون حديث الإمام الصادق عليه السلام ناظراً الى ذلك ، فقد أطال الحشوية في وصف الميزان وأن له كفَّتين ولساناً ، وتكلموا في طوله وقدرته على وزن الأجسام الثقيلة.. الخ. بل قالوا إن الميزان نزل الى الدنيا فوزن النبي صلى الله عليه وآله نفسه وأمته وأصحابه ، حتى وصل الى علي عليه السلام فارتفع الميزان الى السماء !
فقد روى أحمد في مسنده (5/44) أن النبي صلى الله عليه وآله قال ذات يوم: أيكم رأى رؤيا؟ فقال رجل:أنا يا رسول الله رأيت كأن ميزاناً دُلِّيَ من السماء فوزنت أنت بأبي بكر فرجحت بأبي بكر ، ثم وزن أبو بكر بعمر فرجح أبو بكر بعمر ، ثم وزن عمر بعثمان فرجح عمر بعثمان، ثم رفع الميزان).ورواه أبو داود:2/398، والترمذي:3/369، والنسائي في فضائل الصحابة/12. ونحوه في الرياض النضرة:1/38.
فلأجل هذا الحشو واللامعقول نفى المفيد رحمه الله أن يكون كميزان الدنيا.
ومثله أبو الصلاح الحلبي ، قال في الكافي/494:( إن قيل: فما معنى الموازين، والأعمال أعراض يستحيل وزنها أو وزن المستحق بها لعدمه؟قيل:
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 352 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الموازين عبارة عن العدل في أهل الموقف وإيصال كل منهم إلى مستحقه ، ألا ترى قوله تعالى: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ . فنص سبحانه على أن الموازين عبارة عن عدله في توفية كل ذي حق حقه...وهذا شايع في عرف المخاطبين بالقرآن ، يقولون: ميزان فلان راجح عندي أو عند فلان ، أي أعماله ثابتة كبيرة ، وميزان فلان خفيفة ولا وزن لأفعاله).
6. والصحيح عندنا أنه ميزان مادي لكن من نوع آخر غير ما تصوره الحشوية . يدل عليه الأحاديث الكثيرة الصحيحة التي نصت على تجسم الأعمال ، بل تكفي القرائن الموجودة في أحاديث الميزان نفسها كقوله صلى الله عليه وآله : (إذا كان يوم القيامة جمع الله عز وجل الناس في صعيد واحد ، ووضعت الموازين فتوزن دماء الشهداء مع مداد العلماء فيرجح مداد العلماء على دماء الشهداء). (من لايحضره الفقيه:4/398).
وحديث أمير المؤمنين عليه السلام (التوحيد/268): (وأما قوله: فمن ثقلت موازينه ، وخفت موازينه ، فإنما يعني الحساب ، توزن الحسنات والسيئات ، والحسنات ثقل الميزان والسيئات خفة الميزان ).
لكن لابد من القول إنه وزن من نوع آخر غير ما نعرف من الميزان الدنيوي ، فقد تحول الأعمال الى وحدات ، أو الى أنوار من نوع خاض ..الخ.
7. من المؤكد أن لوزن الأعمال وقتاً ومحلاً ، ولذا عبر بموطن الميزان ، أي المكان الذي يجري فيه وزن الأعمال ، ففي التهذيب (6/85) عن الإمام الرضا عليه السلام قال: (من زارني على بعد داري ومزاري ، أتيته يوم القيامة في ثلاثة مواطن حتى أخلصه من أهوالها: إذا تطايرت الكتب يميناً وشمالاً، وعند الصـراط، والميزان).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 353 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي أمالي الصدوق/60: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله : حبي وحب أهل بيتي نافع في سبعة مواطن أهو الهن عظيمة: عند الوفاة ، وفي القبر ، وعند النشور ، وعند الكتاب ، وعند الحساب ، وعند الميزان ، وعند الصراط ) .
وفي كفاية الأثر/36 ، في حديث فاطمة في مرض أبيها صلى الله عليه وآله : (قالت: يا أبَهْ أين ألقاك؟ قال: تلقيني عند الحوض وأنا أسقي شيعتك ومحبيك ، وأطرد أعداك ومبغضيك . قالت: يا رسول الله فإن لم ألقك عند الحوض؟ قال: تلقيني عند الميزان . قالت: يا أبه وإن لم ألقك عند الميزان؟ قال: تلقيني عند الصراط وأنا أقول: سَلِّمْ سَلِّمْ شيعة علي ).
8. بقي أن نذكر ما رواه في الكافي (8/75) ، من كلام كان يلقيه الإمام زين العابدين عليه السلام في مسجد النبي صلى الله عليه وآله كل جمعة ، جاء فيه: ( إعلموا عباد الله أن أهل الشرك لا ينصب لهم الموازين ولا ينشر لهم الدواوين وإنما يحشرون إلى جهنم زمراً وإنما نصب الموازين ونشر الدواوين لأهل الإسلام ).
فهو لا يعني أن موازين الأعمال خاصة بالمسلمين ، لأن تعبيره بأهل الإسلام قد تكون بالمعنى اللغوي ، ويقصد به الموحدين من الأمم ، ومنهم أمتنا . وكأن الموازين تنصب لأعمال الموحدين ، أما المشركين ، فلا وزن لأعمالهم .
وهذا غير ميزان الحقوق والظلامات الذي ورد في حديث الإمام الرضا عليه السلام (التوحيد/268): (ميزان العدل يؤخذ به الخلائق يوم القيامة ، يدين الله تبارك وتعالى الخلق بعضهم من بعض بالموازين ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 354 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
9. في الإعتقادات للصدوق/74:(وسئل الصادق عليه السلام عن قول الله:وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا؟قال: الموازين: الأنبياء والأوصياء ).
وفي التوحيد/268: (فقال عليه السلام : وأما قوله تبارك وتعالى: ونضع الموازين القسط ليوم القيمة فلا تظلم نفس شيئاً، فهو ميزان العدل يؤخذ به الخلائق يوم القيامة ، يدين الله تبارك وتعالى الخلق بعضهم من بعض بالموازين. وفي غير هذا الحديث الموازين هم الأنبياء والأوصياء عليهم السلام ).
وقد ورد تعريف الموازين بأنها الأئمة عليهم السلام في أحاديث وفيها صحيح السند ، ومعناها أنهم الشهود ، والمخولون بحساب الناس والشفاعة لمن يستحق ، فهم أولياء الموازين من جهة ، كما أن ولايتهم تثقل ميزان الأعمال ، لأنه لا يقبل عمل إلا بها .

(11) تطاير الكتب وأهل اليمين وأهل الشمال

من ابتكارات الله تعالى ، وكل أعماله ابتكار ، أنه بعد أن انتهاء مراحل الحساب ووزن الأعمال ، اختار لتوزيع النتائج على أهل المحشر طريقة الكتاب المدون ، ويتم توزيعه بدون مراكز توزيع ، وبدون موظفين يوصلونه الى أصحابه ! فمليارات الكتب أو الصحف تطير ، ويَعرف كل كتاب منها صاحبه فيقصده ويحوم فوق رأسه ، وما عليه إلا أن يمد يده ويأخذه . أما المؤمن فيرفع يده اليمنى ويستلم كتابه ويفرح به .وأما المجرم الكافر فيحاول أن يرفع يده اليمنى فلا ترتفع ، فيرفع اليسـرى ويأخذ كتابه ، ليرى فيه جرائمه في الدنيا وجزاءها العادل .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 355 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وهناك نوع ثالث أكثر إجراماً ، تكون يد أحدهم اليمنى مغلولة الى عنقه ، واليسـرى مربوطة وراء ظهره ، فيحاول أحد أن يستلم كتابه فلا تعمل يده اليمنى فيستلمه بشماله لكن من وراء ظهره !
قال الله تعالى: وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا . إِقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا . (الإسراء:13-14).
وقال تعالى:يَا أَيُّهَا الإنسان إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ . فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ . فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا . وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا . وَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ . فَسَوْفَ يَدْعُواْ ثُبُورًا . وَيَصْلَى سَعِيرًا . إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا . إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ . (الإنشقاق:6-14).
وقال تعالى:يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِىَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَأُونَ كِتَابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً . وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً . (الإسراء:71-72).
وقال تعالى:فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ . وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً . فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ . وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ . وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ . يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ. فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ. إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّى مُلاقٍ حِسَابِيَهْ . فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ . فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ . قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ . كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ .
وَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِى لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ . وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ . يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ . مَا أَغْنَى عَنِّى مَالِيَهْ . هَلَكَ عَنِّى سُلْطَانِيَهْ . خُذُوهُ فَغُلُّوهُ.
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 356 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ . ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ . إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللهِ الْعَظِيمِ . وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ. (الحاقّة:13-37).
وقال تعالى: وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَا لِهَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا . (الكهف:49).
وفي كتاب الزهد لحسين بن سعيد الكوفي/92، عن الإمام الصادق عليه السلام قال: ( إن الله تبارك وتعالى إذا أراد أن يحاسب المؤمن ، أعطاه كتابه بيمينه ، وحاسبه فيما بينه وبينه، فيقول: عبدي فعلت كذا وكذا ، وعملت كذا وكذا ؟ فيقول: نعم يا رب ، قد فعلت ذلك. فيقول: قد غفرتها لك وأبدلتها حسنات . فيقول الناس: سبحان الله أما كان لهذا العبد سيئة واحدة؟
وهو قول الله عز وجل: فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا. وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا. قلت: أيُّ أهل؟ قال: أهله في الدنيا هم أهله في الجنة إن كانوا مؤمنين . قال: وإذا أراد بعبد شراً حاسبه على رؤوس الناس ، وبَكَّته وأعطاه كتابه بشماله وهو قول الله عز وجل: وَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ . فَسَوْفَ يَدْعُواْ ثُبُورًا . وَيَصْلَى سَعِيرًا . إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا . قلت: أي أهل؟ قال: أهله في الدنيا. قلت: قوله: إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ؟ قال: ظن أنه لن يرجع).
وفي تفسير العياشي (2/302) عن الإمام الصادق عليه السلام قال:(إذا كان يوم القيمة يدعى كل بإمامه الذي مات في عصره ، فإن أثبته أعطيَ كتابه بيمينه ، لقوله: يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِىَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَأُونَ كِتَابَهُمْ. واليمين
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 357 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إثبات الإمام لأنه كتاب يقرؤه، إن الله يقول: وَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ. إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّى مُلاقٍ حِسَابِيَهْ. فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ. فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ. قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ. كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ .
والكتاب الإمام ، فمن نبذه وراء ظهره كان كما قال: فنبذوه وراء ظهورهم. ومن أنكره كان من أصحاب الشمال الذين قال الله: وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ. فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ.وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ . لابَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ. إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ. وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ . وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ) .
وفي تفسير القمي (/384): (وأما قوله: فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ ، فإنه قال الصادق عليه السلام : كل أمة يحاسبها إمام زمانها . ويعرف الأئمة أولياءهم وأعداءهم بسيماهم. وهو قوله تعالى: وعلى الأعراف رجالٌ، وهم الأئمة يعرفون كلا بسيماهم ، فيعطون أولياءهم كتابهم بيمينهم فيمرون إلى الجنة بلا حساب ، ويعطون أعداءهم كتابهم بشمالهم فيمرون إلى النار بلا حساب .
فإذا نظر أولياؤهم في كتابهم يقولون لإخوانهم: هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ. إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّى مُلاقٍ حِسَابِيَهْ. فَهُوَفِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ ، أي مرضية ).
وفي الخصال/515: (عن أبي سعد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله : من رزقه الله حب الأئمة من أهل بيتي ، فقد أصاب خير الدنيا والآخرة ، فلا يشكن أحد أنه في الجنة ، فإن في حب أهل بيتي عشرون خصلة ، عشر منها في الدنيا ، وعشـر منها في الآخرة . أما التي في الدنيا: فالزهد ، والحرص على العمل ، والورع في
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 358 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الدين ، والرغبة في العبادة ، والتوبة قبل الموت ، والنشاط في قيام الليل ، واليأس مما في أيدي الناس ، والحفظ لأمر الله ونهيه عز وجل ، والتاسعة بغض الدنيا ، والعاشرة السخاء .
وأما التي في الآخرة: فلا ينشر له ديوان ، ولا ينصب له ميزان ، ويعطى كتابه بيمينه ، ويكتب له براءة من النار ، ويبيض وجهه ، ويكسى من حلل الجنة ، ويشفع في مائة من أهل بيته ، وينظر الله عز وجل إليه بالرحمة ، ويتوج من تيجان الجنة ، والعاشرة: يدخل الجنة بغير حساب ، فطوبى لمحبي أهل بيتي).
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 359 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل السادس عشر : الصراط: جسر جهنم

(1) موقع الصراط من النار والجنة

أفعال الله تعالى حكيمة ودقيقة ، غرضها تحقيق المصالح لخلقه ، لكن لايلزم أن نعرف دائماً وجه الحكمة فيها ، ومن ذلك لزوم عبور الخلائق على الصراط بعد الحساب .
كما لا نعرف الكثير عن جغرافية المحشـر، والجنة والنار والصراط ، والكون في تلك النشأة ، إلا ما ذكرته الروايات من أن نهرين من الجنة يصبان في حوض الكوثر، وهو في أرض المحشر . وأن الأعراف في المحشر كثبان أو جبال ترابها مسكي ، وهي مركز رئاسة النبي صلى الله عليه وآله ، وتُرى منها الجنة والنار والصراط ، وقد تكون المسافات بينها مئات السنين الضوئية ، لكن نظام الرؤية وتكوين الكون هناك ، مختلف عما عهدناه.
وتدل الروايات على أن الجنة واسعة جداً ، والنار ضيقة ، لأن طبيعة الحياة السعيدة في الجنة تستوجب المساحات وحرية الحركة ، بينما النار سجن وعقوبة .
وقد ورد أن وجه الحكمة في رؤية أهل الجنة لجهنم وعقوباتها ، أن يعرفوا قيمة نعيم الجنة الذي ينعم به الله عليهم .
وقد وصف الأحاديث الصراط بأنه جسر يعبر عليه الناس فيتساقط أهل النار في مكان محدد ليساقوا منه الى جهنم زمراً . أما المؤمنون فيَعْبُرون الى منطقة قريبة من الجنة ، حيث يُعَدُّون فيها للحياة فيها ، ويفدوا اليها وفوداً زمراً .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 360 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وتدل تسمية الصراط بجسر جهنم وليس جسر الجنة ، على أن العبور عليه مُفزع ، وأنه الطريق الوحيد لأهل جهنم ، بينما بعض أهل الجنة منهم ينقل الى الجنة من طريق آخر .
ولا بد أن يكون لفظ الجسر تقريباً للمعنى الى أذهاننا ، فقد يكون طريقاً فضائياً يقطع فيه الإنسان ملايين الأميال ، أو السنوات الضوئية . فإن معرفة الموضوع الذي يتحدث عنه المعصوم عليه السلام يوجب علينا أن نفهم محيطه ، ولا نحمله معاني من محيطنا وأذهاننا .
وينبغي الإلتفات في كل أحاديث المحشر الى أن فوق وتحت وسطح ، تعابير نسبية ، فيصح التعبير بالصعود والنزول والعبور حسب موقعك ، أوموقع أرض المحشر.
وكذلك المسافات وحركة الإنسان فيها لا يصح قياسها على ظروفنا في الأرض ، وقد رأيت الحديث الصحيح عن الإمام الباقر عليه السلام في وصف إسرافيل عندما بلغ النبي صلى الله عليه وآله رسالة من ربه ، ورجع(تفسير القمي:2/27): (فرفع الملك رجله اليمنى فوضعها في كبد السماء الدنيا ، ثم رفع الأخرى فوضعها في الثانية ، ثم رفع اليمنى فوضعها في الثالثة ، ثم هكذا حتى انتهى إلى السماء السابعة، كل سماء خطوة! وكلما ارتفع صَغُر ، حتى صار آخر ذلك مثل الصُّرّ )! أي العصفور الصغير .
فقد قطع كل سماء بخطوة ، ونحن نعرف أن سماءنا تحوي مئات المجرات ، وتقاس مسافاتها بملايين السنين الضوئة ، وكلها السماء الأولى أو السماء الدنيا ، التي يقول عنها الله تبارك وتعالى: فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ . (فُصِّلَتْ:12).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 361 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فكم هي خطوة إسرافيل عليه السلام ، وقوة نظام الإبصار الذي أعطاه الله للنبي صلى الله عليه وآله ولجبرئيل عليه السلام حتى رأياه في صعوده ، الى أن وصل الى السماء السابعة ، ثم رأياه يتضاءل ليس لبعده عنهما ، بل لقربه من عرش الله ، ومركز تجليه عز وجل.
وفي تفسير القمي(1/28): (وصف أبو عبد الله عليه السلام الصـراط فقال: ألف سنة صعود ، وألف سنة هبوط ، وألف سنة حِدَال. (أي مستوية) .
سألته عن الصراط فقال: هو أدق من الشعر ، وأحدُّ من السيف ، فمنهم من يمر عليه مثل البرق ، ومنهم من يمر عليه مثل عَدْو الفرس ، ومنهم من يمر عليه ماشياً ، ومنهم من يمر عليه حبواً ، ومنهم من يمر عليه متعلقاً ، فتأخذ النار منه شيئاً وتترك منه شيئاً ) .
ولذلك فإن وصف المحشر بالجسر ، يقصد به أنه طريق العبور الذي يمر فوق جهنم أو الى جنبها ، ويصل الى الجنة ، والمسافات شاسعة في تلك النشأة .

(2) يؤتى بجهنم يوم القيامة فتكون تحت الصراط

روى في تفسير القمي (2/421) بسند صحيح ، في تفسير قوله تعالى: كَلا إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا. وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا. وَجِيئَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنسان وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى . قال: (حدثني أبي، عن عمرو بن عثمان ، عن جابر ، عن أبي جعفر عليه السلام قال: لما نزلت هذه الآية سئل رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: بذلك أخبرني الروح الأمين ، أن الله لا إله غيره إذا أبرز الخلائق وجمع الأولين والآخرين ، أُتِيَ بجهنم تُقاد بألف زمام ، مع كل زمام مائة ألف ملك من الغلاظ الشداد ، لها هدةٌ وغضبٌ وزفيرٌ وشهيق . وإنها لتزفر الزفرة ، فلولا أن الله أخرهم للحساب
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 362 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لأهلكت الجميع. ثم يخرج منها عنق فيحيط بالخلائق البر منهم والفاجر، فما خلق الله عبداً من عباد الله ملكاً ولا نبياً إلا ينادي: نفسي نفسي ، وأنت يا نبي الله تنادي: أمتي أمتي . ثم يوضع عليها الصراط أدق من حد السيف ، عليها ثلاث قناطر ، فأما واحدة فعليها الأمانة والرحم ، والثانية فعليها الصلاة ، وأما الثالثة فعليها عدل رب العالمين لا إله غيره ، فيكلفون بالممر عليها فيحبسهم الرحم والأمانة ، فإن نجوا منهما حبستهم الصلاة ، فإن نجوا منها كان المنتهى إلى رب العالمين ، وهو قوله: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ. والناس على الصراط، فمتعلق بيد وتزل قدمه ومستمسك بقدم. والملائكة حولها ينادون: يا حليم أعف واصفح وعُدْ بفضلك وسَلِّمْ وسّلِّمْ ، والناس يتهافتون في النار كالفراش فيها، فإذا نجا ناج برحمة الله مر بها فقال الحمد لله وبنعمته تتم الصالحات وتزكو الحسنات ، والحمد لله الذي نجاني منك بعد اليأس بمنه وفضله ، إن ربنا لغفور شكور).
ورواه الصدوق في الأمالي/241، ونحوه في فتح الباري (8/540) عن مسلم والترمذي.
ملاحظات
1. ظاهر الأحاديث أن المجئ بجهنم الى المحشـر حقيقي . وقال بعض المفسـرين إنه مجازي ، بمعنى كشفها للناس ، لكن لا يصح العدول عن ظاهر اللفظ الى المجاز إلا بقرينة ، ولا قرينة عندهم إلا استبعاد المجئ بجهنم وهي بحجم الأرض مثلاً ، وكأن المفسر هم المكلفون بجلبها ! قال في تفسير الميزان (20/284): (لايبعد أن يكون المراد بالمجئ بجهنم إبرازها لهم كما في قوله تعالى: وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 363 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال في التفسير الكاشف(7/564): (يكشف عنها يوم القيامة لكل ناظر ، وتصبح في عالم الشهادة بعد أن كانت في عالم الغيب ).
2. معنى قوله عليه السلام : (تُقاد بألف زمام مع كل زمام مائة ألف ملك) أنه يسيطر على لهبها وحرارتها ، حتى لا تضر أهل المحشر .
وقوله عليه السلام : (يخرج منها عنق فيحيط بالخلائق البر منهم والفاجر): الغرض منه أن يعرف المؤمنون من أهل المحشر قدر الجنة ، بعد أن يروا شيئاً من النار.

(3) الصراط في الدنيا وفي القيامة

قال الصدوق في الإعتقادات/70: (إعتقادنا في الصراط أنه حق وأنه جسر جهنم وأن عليه ممر جميع الخلق . قال تعالى: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا. والصراط في وجه آخر: إسم حجج الله ، فمن عرفهم في الدنيا وأطاعهم أعطاه الله جوازاً على الصراط ، الذي هو جسر جهنم يوم القيامة .
وقال النبي صلى الله عليه وآله لعلي: يا علي إذا كان يوم القيامة أقعد أنا وأنت وجبرئيل على الصراط ، فلا يجوز على الصراط إلا من كانت معه براءة بولايتك ).
وقال المفيد في أوائل المقالات/108: (الصراط في اللغة هو الطريق ، فلذلك سمي الدين صراطاً ، لأنه طريق إلى الصواب ، وسمي الولاء لأمير المؤمنين والأئمة من ذريته عليهم السلام صراطاً . ومن معناه قال أمير المؤمنين عليه السلام : أنا صراط الله المستقيم ، وعروته الوثقى التي لا انفصام لها . يعني: أن معرفته والتمسك به طريق إلى الله سبحانه . وقد جاء الخبر بأن الطريق يوم القيامة إلى الجنة كالجسر يمر به الناس ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 364 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وهو الصراط الذي يقف عن يمينه رسول الله صلى الله عليه وآله وعن شماله أمير المؤمنين عليه السلام ويأتيهما النداء من قبل الله تعالى: أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ. وجاء الخبر أنه لا يعبر الصراط يوم القيامة إلا من كان معه براءة من علي بن أبي طالب من النار .
وجاء الخبر بأن الصراط أدق من الشعرة ، وأحدُّ من السيف على الكافر . والمراد بذلك أنه لا تثبت لكافر قدم على الصراط يوم القيامة ، من شدة ما يلحقهم من أهوال يوم القيامة ومخاوفها ، فهم يمشون عليه كالذي يمشي على الشئ الذي هو أدق من الشعرة وأحد من السيف . وهذا مثلٌ مضـروب لما يلحق الكافر من الشدة في عبوره على الصراط . وهو طريق إلى الجنة وطريق إلى النار، يشرف العبد منه إلى الجنة ، ويرى منه أهوال النار ).
وفي معاني الأخبار/32، عن الإمام الصادق عليه السلام : (عن المفضل بن عمر قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الصراط فقال: هو الطريق إلى معرفة الله عز وجل. وهما صراطان: صراط في الدنيا وصراط في الآخرة . وأما الصراط الذي في الدنيا فهو الإمام المفترض الطاعة ، من عرفه في الدنيا واقتدى بهداه مَرَّ على الصراط الذي هو جسر جهنم في الآخرة ، ومن لم يعرفه في الدنيا زلت قدمه عن الصـراط في الآخرة ، فتردَّى في نار جهنم ) .
أما علماء المذاهب السنية ، فقال في فتح الباري (11/405):(تقدم أن الصراط جسر جهنم وأنه بين الموقف والجنة ، وأن المؤمنين يمرون عليه لدخول الجنة..وظاهر الحديث أن الحوض بجانب الجنة لينصب فيه الماء من النهر الذي داخلها).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 365 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال الشعراني في العهود المحمدية/627: ( ثم يؤمر بالخلائق إلى الصـراط ، فينتهون إلى الصراط وقد ضربت عليه الجسور على جهنم، أدقُّ من الشعرة وأحدُّ من السيف ، وقد غابت الجسور في جهنم مقدار أربعين ألف عام ، ولهب جهنم بجانبها يلتهب ، وعليها حسك وكلاليب وخطاطيف ، وهي تسعة جسور ، يحشر العباد كلهم عليها . وعلى كل جسر منها عقبة مسيرة ثلاثة آلاف سنة: ألف سنة صعوداً ، وألف عام استواء ، وألف عام هبوطاً . وذلك قوله عز وجل: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ. يعني على أهل تلك الجسور ملائكة يرصدون الخلق فيها ، فيسأل العبد عن الإيمان الخالص بالله تعالى ، فإن جاء به مخلصاً لا شك فيه ولا زيغ جاز إلى الجسر الثاني، فيسأل عن الصلاة ، فإن جاء بها تامة جاز إلى الجسـر الثالث ، فيسأل عن الزكاة ، فإن جاء بها تامة جاز إلى الجسر الرابع ، فيسأل عن الصيام ، فإن جاء به تاماً جاز إلى الجسر الخامس ، فيسأل عن حجة الإسلام فإن جاء بها تامة جاز إلى الجسر السادس ، فيسأل عن الطهر من الحدث ، فإن جاء به تاماً جاز إلى الجسر السابع فيسأل عن المظالم فإن كان لم يظلم أحداً جاز إلى الجنة. وإن كان قصر في واحدة منهن حبس على كل جسر منها ألف سنة ، حتى يقضـي الله فيه بما يشاء . الحديث . ففتش يا أخي نفسك ، فإن كنت وقعت في شئ من هذه الذنوب التي ذكرت في المواقف المذكورة ، فقد سمعت ما تجازى به ، وإن تكن وقعت في شئ منها أو وقعت وقبل الله تعالى توبتك ، لم تقاسِ شيئاً
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 366 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
من تلك الأهوال حتى تدخل الجنة برحمة الله تعالى ، ولكن من أين لك أن تعرف أن الله تعالى قبل توبتك ، فوالله لقد خلقنا لأمر عظيم تذهل فيه عقول العقلاء ).
أقول: بذلك تعرف اتفاق الجميع على أن الصراط جسر يمر فوق جهنم.

(4) الآيات التي تشير الى الصراط

لا توجد آية صريحة في صراط القيامة ، إلا قوله تعالى: ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا. وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا. ثُمَّ نُنَجِّى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا . (مريم:70-72).
نعم توجد آيتان فيهما إشارة الى الصراط:قوله تعالى: واحْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ. مِنْ دُونِ اللهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ . (الصافات:22-23).
وصراط الجحيم عام ، لكنه ينطبق على صراط المحشر .
وقوله تعالى: وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ.(الحج:24)
وصراط الله تعالى هو صراط الجنة ، وهو عام لكنه ينطبق على صراط المحشر.
أما قوله تعالى:فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا. ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا . (مريم:-69).
فهو مشهد لأهل النار بعد الصراط ، بدليل الآية الثانية .
وأما قوله تعالى:وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ. وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ.(يس:66-67)
فالمقصود به مطلق الطريق ، ولا علاقة لها بصراط القيامة .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 367 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ومعنى قوله تعال: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا عندنا: المرور على الصراط وقد وافقنا بعض أتباع الخلافة ، لكن أكثرهم قال إن الورود بمعنى دخول جهنم !

(5) أخذ علماء السلطة تحلة القسم من اليهود !

زعم اليهود أن الله تعالى وعد نبيه يعقوب عليه السلام بأنه لايدخل أحداً من أولاده النار ، إلا أياماً معدودات تَحِلَّةَ القسم (تفسير كنز الدقائق: 2/47). فقال رواة السلطة إن المسلمين كذلك ، لأن الله تعالى قال: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لامْلانَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ.(هود:119) وقال: وَلَوْ شِئْنَا لاتَيْنَا كُلُّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لامْلانَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ.( السجدة: 13).
وزعموا أن معنى قوله تعالى:وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا: أنه عز وجل سيدخل كل الناس جهنم ، لكي يُحلل قسمه ! قال البخاري في صحيحه (7/197): ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله : يَخلص المؤمنون من النار ، فيُحبسون على قنطرة بين الجنة والنار ).
وارتضى ابن حجر في فتح الباري(3/99) قول الخطابي:(معناه لا يدخل النار ليعاقب بها، ولكنه يدخلها مجتازاً ولا يكون ذلك الجواز إلا قدر ما يحلل به الرجل يمينه)!
وقال السرخسي في المبسوط(24/151):( قالوا مراده الدخول الذي هو تحلة القسم قال الله تعالى: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا ، أي داخلها. وهو المذهب عند أهل السنة والجماعة ). وفي البخاري(2/72): (عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله قال:لايموت لمسلم ثلاثة من الولد فيلج النار إلا تحلَّةَ القسم). ورواه في: 7/224. ومسلم: 8/39 ، وابن ماجة: 1/512 والنسائي: 4/22 و 25 بعدة روايات . والترمذي: 2/262 وأحمد: 2/240
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 368 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
و276 و 473 و 479 ومجمع الزوائد: 1/163 و: 5/287 وكنز العمال: 3/284 و 293 و: 4/323 و: 10/216 والدر المنثور: 4/280، بعدة روايات .
ومن مفارقات البيهقي أنه فسرالآية مثلهم بتحلة القسم في سننه:4/67و: 7/78.
ثم رد تحلة القسم في سننه: 10/64 ، وأجاز على الله تعالى التنصل من يمينه !
وقد رد ذلك أهل البيت عليهم السلام فقالوا إنَّ ورود جهنم في الآية ليس بمعنى دخولها ، فقد روى علي بن إبراهيم القمي في تفسيره (2/52) عن الإمام الصادق عليه السلام : ( في قوله: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا ، قال: أما تسمع الرجل يقول: وردنا ماء بني فلان فهو الورود ، ولم يدخله) !
ومعه لامورد للنسخ كما: (قال علي بن إبراهيم: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ ، ناسخة لقوله: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا ).(تفسيره:2/77):
وقد وافقنا بعض علماء السنة في تفسيرها الآية . قال النووي في المجموع (5/323): (رواه البخاري ومسلم تحلة القسم . قوله عز وجل: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا ، والمختار أن المراد به المرور على الصراط ). وقال التفتازاني في شرح المقاصد: (2/223): (ومنها الصراط وهو جسر ممدود على متن جهنم يَرِدُه الأولون والآخرون ، أدق من الشعر وأحد من السيف على ما ورد في الحديث الصحيح ، ويشبه أن يكون المرور عليه هو المراد بورود كل أحد النار على ما قال تعالى: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا ).

(6) من أحاديث الصراط

في أمالي الصدوق/301: (عن عبد الرحمن بن سمرة قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله يوماً فقال: إني رأيت البارحة عجائب...
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 369 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ورأيت رجلاً من أمتي على الصراط ، يرتعد كما ترتعد السعفة في يوم ريح عاصف ، فجاءه حسن ظنه بالله ، فسكَّن رعدته ومضى على الصراط .
ورأيت رجلاً من أمتي على الصراط ، يزحف أحياناً ، ويحبو أحياناً ، ويتعلق أحياناً ، فجاءته صلاته علي فأقامته على قدميه ، ومضى على الصراط ).
وفي الخصال/119: (حدثنا عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري قال: قال علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب: أشد ساعات ابن آدم ثلاث ساعات: الساعة التي يعاين فيها ملك الموت ، والساعة التي يقوم فيها من قبره ، والساعة التي يقف فيها بين يدي الله تبارك وتعالى ، فإما إلى جنة وإما إلى نار .
ثم قال: إن نجوت يا ابن آدم عند الموت فأنت أنت وإلا هلكت ، وإن نجوت يا ابن آدم حين توضع في قبرك فأنت أنت وإلا هلكت ، وإن نجوت حين يُحمل الناس على الصراط فأنت أنت وإلا هلكت ، وإن نجوت حين يقوم الناس لرب العالمين فأنت أنت وإلا هلكت ).
وفي أمالي الصدوق/635، من حديث فاطمة عليها السلام في مرض النبي صلى الله عليه وآله 🙁 قالت: فإن لم ألقك عند الحساب؟ قال: عند الشفاعة لأمتي. قالت: فإن لم ألقك عند الشفاعة لأمتك؟قال:عند الصراط، جبرئيل عن يميني وميكائيل عن يساري ، والملائكة من خلفي وقدامي ينادون:رب سَلِّمْ أمة محمد من النار ، ويَسِّرْ عليهم الحساب).
وفي من لايحضره الفقيه (1/136): (قال الصادق عليه السلام : إن ولي علي عليه السلام يراه في ثلاثة مواطن حيث يسره:عند الموت ، وعند الصراط ، وعند الحوض).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 370 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وينبغي أن نلفت هنا ، الى معنى العقبات على الصراط التي وردت في عدة أحاديث ، منها ما رواه الصدوق في الإعتقادات/71: ( باب الإعتقاد في العقبات التي على طريق المحشر: إعتقادنا في ذلك أن هذه العقبات إسم كل عقبة منها على حدة اسم فرض ، أو أمر ، أو نهي. فمتى انتهى الإنسان إلى عقبة إسمها فرض ، وكان قد قصر في ذلك الفرض حبس عندها وطولب بحق الله فيها . فإن خرج منه بعمل صالح قدمه أو برحمة تداركه ، نجا منها إلى عقبة أخرى . فلا يزال يدفع من عقبة إلى عقبة ، ويحبس عند كل عقبة ، فيسأل عما قصر فيه من معنى إسمها . فإن سلم من جميعها انتهى إلى دار البقاء ، فحيِيَ حياة لا موت فيها أبداً ، وسَعِدَ سعادة لا شقاوة معها أبداً ، وسكن جوار الله مع أنبيائه وحججه والصديقين والشهداء والصالحين من عباده . وإن حبس على عقبة فطولب بحق قصر فيه ، فلم ينجه عمل صالح قدمه ، ولا أدركته من الله عز وجل رحمة ، زلت قدمه عن العقبة فهوى في جهنم نعوذ بالله منها.
وهذه العقبات كلها على الصراط. إسم عقبة منها: الولاية ، يوقف جميع الخلائق عندها فيسألون عن ولاية أمير المؤمنين والأئمة من بعده عليهم السلام ، فمن أتى بها نجا وجاز ، ومن لم يأت بها بقي فهوى ، وذلك قوله تعالى: وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ. وإسم عقبة منها: المرصاد ، وذلك قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ. ويقول تعالى: وعزتي وجلالي لا يجوز بي ظلم ظالم . وإسم عقبة منها: الرحم. وإسم عقبة منها: الأمانة.وإسم عقبة منها:الصلاة. وباسم كل فرض أو أمر أو نهي عقبة ، يحبس عندها العبد فيسأل ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 371 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أقول: عندما يصل الناس الى الصراط ، تكون تمت محاسبتهم على العقائد والأعمال فلا بد أن تكون هذه العقبات درجات حسب نتيجة حسابهم ، تظهر في عبورهم للصراط ، لأن الصراط ليس مكان محاسبة ومحاكمة .

(7) لا يعبر أحد الصراط إلا بجواز من علي عليه السلام

من عجائب ما وافقنا السنيون على روايته أنه لا يجوز أحد على الصراط إلا بجواز من علي عليه السلام ! ففي تاريخ بغداد (3/161و380) عن ابن عباس: (قلت للنبي صلى الله عليه وآله : يا رسول الله للنار جواز . قال: نعم. قلت: وما هو؟ قال: حب علي بن أبي طالب).
وفي الرياض النضرة في فضائل العشرة للمحب الطبري(1/344):(عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إن على الصراط لعقبةً لا يجوزها أحد إلا بجواز من علي بن أبي طالب ).ورواه الخطيب:10/357.
وفي الرياض النضرة (3/130) أيضاً: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة ونصب الصراط على جسر جهنم ، ما جازها أحد حتى تكون معه براءة بولاية علي بن أبي طالب . خرجه الحاكمي في الأربعين. والمراد بالولاية والله أعلم الموالاة والنصرة والمحبة ).
وفي الصواعق المحرقة لابن حجر/195: (عن أبي بكر بن أبي قحافة سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول:لايجوز أحد الصراط إلا من كتب له علي الجواز ).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 372 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي معاني الأخبار للصدوق/35: (عن سعد بن طريف ، عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله : يا علي إذا كان يوم القيامة أَقْعُدُ أنا وأنت وجبرئيل على الصراط ، فلم يجز أحد إلا من كان معه كتاب فيه براة بولايتك ).
وفي أمالي الطوسي/628: (عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إذا كان يوم القيامة يأمر الله عز وجل فأقعد أنا وعلي على الصراط ، ويقال لنا: أدخلا الجنة من آمن بي وأحبكما ، وأدخلا النار من كفر بي وأبغضكما !
ثم قال أبو سعيد: قال رسول الله صلى الله عليه وآله : ما آمن بالله من لم يؤمن بي ، ولم يؤمن بي من لم يتول أو قال لم يحب علياً ، وتلا: أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ ) !
وفي فضائل الشيعة للصدوق/4: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله : ألا ومن أحب علياً جاز على الصراط كالبرق الخاطف . ألا ومن أحب علياً كُتب له براءة من النار ، وجوازٌ على الصراط ، وأمانٌ من العذاب ).
وفي بشارة المصطفى/311: (عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إذا كان يوم القيامة أمرني الله عز وجل وجبرئيل فنقف على الصراط ، فلا يجوز أحد إلا بجواز من علي ). وتقدمت بعض الأحاديث في ذلك ، وقول السيد الحميري رحمه الله :
قولُ عليٍّ لحارثٍ عجبٌ * كمْ ثَمَّ أعجوبةٌ لهُ حملا
يا حار همدان من يَمُتْ يرني * من مؤمن أو منافق قُبَلا
يعرفني طرفُهُ وأعرفُه * بنعتهِ واسْمِهِ ومَا فَعَلا
وأنت عند الصـراط تعرفُني * فلا تخف عثرةً ولا زللا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 373 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

(8) الصراط بعد الحوض وليس قبله

جعل بعضهم حوض الكوثر ، وعقبة المظالم، بعد الصراط ، ولا يصح ذلك . قال ابن حجر في فتح الباري(11/405): (وإيراد البخاري لأحاديث الحوض بعد أحاديث الشفاعة ، وبعد نصب الصراط ، إشارة منه إلى أن الورود على الحوض يكون بعد نصب الصراط والمرور عليه...وقال أبو عبد الله القرطبي في التذكرة: ذهب صاحب القوت وغيره إلى أن الحوض يكون بعد الصراط ، وذهب آخرون إلى العكس. والصحيح أن للنبي صلى الله عليه وآله حوضين ، أحدهما في الموقف قبل الصـراط والآخر داخل الجنة ، وكل منهما يسمى كوثراً..).
أقول: لعل سبب اشتباه البخاري أنه روى أن أكثر الصحابة يمنعون من ورود الحوض ويؤمر بهم الى النار: (فقال: هلم، قلت: أين؟ قال: إلى النار والله)، فتصور البخاري أن يكون ذلك بعد الصراط . لكن لا يلزم ذلك ، فقد يكون معناه خذوهم الى النار بعد بقية مراحل الحساب ، وآخرها الصراط .
وفي صحيح البخاري (7/197): (قال رسول الله صلى الله عليه وآله : يخلص المؤمنون من النار ، فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار، فيقص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا ، حتى إذا هذبوا ونقوا ، أذن لهم في دخول الجنة).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 374 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال ابن حجر في فتح الباري(11/346): (واختلف في القنطرة المذكورة ، فقيل هي من تتمة الصراط ، وهي طرفه الذي يلي الجنة ، وقيل إنهما صراطان ، وبهذا الثاني جزم القرطبي ).
أقول: تدل الأحاديث العديدة على أن الصراط آخر مراحل الحساب ، فلا بد من تفسير مثل هذه الرواية بأنها تقصد تطبيق القصاص الذي صدرت أحكامه في المحشـر وإذا لم يمكن تأويلها ، يتعين ردها .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 375 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل السابع عشر : جهنم وأهل جهنم

(1) اعتقادنا في الجنة والنار

قال الصدوق رحمه الله في الإعتقادات/76: ( إعتقادنا في الجنة أنها دار البقاء ودار السلامة . لا موت فيها ولا هرم ، ولا سقم ، ولا مرض ، ولا آفة ، ولا زوال ، ولا زمانة ، ولا غم ، ولا هم ، ولا حاجة ، ولا فقر . وأنها دار الغنى والسعادة ، ودار المقامة والكرامة ، ولا يمس أهلها فيها نَصَب ، ولا يمسهم فيها لغوب . وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الاعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ .
وأنها دارٌ أهلها جيران الله ، وأولياؤه وأحباؤه وأهل كرامته . وهم أنواع ومراتب: منهم المتنعمون بتقديس الله وتسبيحه وتكبيره في جملة ملائكته . ومنهم المتنعمون بأنواع المآكل والمشارب والفواكه والأرائك ، والحور العين ، واستخدام الولدان المخلدين ، والجلوس على النمارق والزرابي ، ولباس السندس والحرير . كل منهم إنما يتلذذ بما يشتهي ويريد ، على حسب ما تعلقت عليه همته ، ويعطى ما عَبَدَ الله من أجله .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 376 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال الصادق عليه السلام : إن الناس يعبدون الله تعالى على ثلاثة أصناف: صنف منهم يعبدونه رجاء ثوابه فتلك عبادة الحرصاء . وصنف منهم يعبدونه خوفاً من ناره ، فتلك عبادة العبيد . وصنف منهم يعبدونه حباً له فتلك عبادة الكرام .
واعتقادنا في النار أنها دار الهوان ، ودار الإنتقام من أهل الكفر والعصيان، ولا يخلد فيها إلا أهل الكفر والشرك . وأما المذنبون من أهل التوحيد فإنهم يُخرجون منها ، بالرحمة التي تدركهم ، والشفاعة التي تنالهم . وروي أنه لا يصيب أحداً من أهل التوحيد ألمٌ في النار إذا دخلوها ، وإنما تصيبهم الآلام عند الخروج منها ، فتكون تلك الآلام جزاء بما كسبت أيديهم، وما الله بظلام للعبيد .
وأهل النار هم المساكين حقاً: لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا و: لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلا شَرَابًا. إِلا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا . وإن استطعموا أطعموا من الزقوم ، وإن استغاثوا: يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِى الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا.
وينادون من مكان بعيد:رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ.. رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ. فيمسك الجواب عنهم أحياناً، ثم قيل لهم:َ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ.وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ.
وروي أنه يأمر الله تعالى برجال إلى النار ، فيقول لمالك: قل للنار لا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 377 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
تحرقي لهم أقداماً ، فقد كانوا يمشون بها إلى المساجد ، ولا تحرقي لهم أيديَ فقد كانوا يرفعونها إلي بالدعاء. ولا تحرقي لهم ألسنة فقد كانوا يكثرون تلاوة القرآن. ولا تحرقي لهم وجوهاً فقد كانوا يسبغون الوضوء . فيقول مالك: يا أشقياء ، فما كان حالكم؟ فيقولون: كنا نعمل لغير الله ! فقيل لهم: خذوا ثوابكم ممن عملتم له !
واعتقادنا في الجنة والنار أنهما مخلوقتان ، وأن النبي صلى الله عليه وآله قد دخل الجنة ، ورأى النار ، حين عرج به .
واعتقادنا أنه لايخرج أحد من الدنيا حتى يرى مكانه من الجنة أو من النار، وأن المؤمن لا يخرج من الدنيا حتى ترفع له الدنيا كأحسن ما رآها ، ويرى مكانه في الآخرة ، ثم يخير فيختار الآخرة فحينئذ تقبض روحه .
وفي العادة أن يقال: فلان يجود بنفسه ، ولا يجود الإنسان بشئ إلا عن طيبة نفس غير مقهور ولا مجبور ولا مكروه .
وأما جنة آدم ، فهي جنة من جنان الدنيا ، تطلع الشمس فيها وتغيب ، وليست بجنة الخلد ، ولو كانت جنة الخلد ما خرج منها أبداً .
واعتقادنا أنه بالثواب يُخَلَّدُ أهل الجنة في الجنة ، وبالعقاب يخلد أهل النار في النار. وما من أحد يدخل الجنة حتى يعرض عليه مكانه من النار ، فيقال له: هذا مكانك الذي لو عصيت الله لكنت فيه . وما من أحد يدخل النار حتى يعرض عليه مكانه من الجنة ، فيقال له: هذا مكانك الذي لو أطعت الله لكنت فيه . فيورث هؤلاء مكان هؤلاء ، وهؤلاء مكان هؤلاء ، وذلك قوله تعالى: أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ. الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ .
وأقل المؤمنين منزلة في الجنة ، من له مثل ملك الدنيا عشر مرات ) !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 378 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أقول: في هذا الفصل كغيره مواضيع كثيرة وبحوث: بدءاً من أسماء جهنم، الى أبوابها وموقعها ومناطقها ، وأنواع المعاقبين فيها ، من المخلدين والمحكومين بمدد ثم ينقلون الى الجنة ، وأنواع العذاب ودركاته ، وأشد الناس عذاباً ، وأخفهم عذاباً . ومشاهد النار في القرآن . وأحاديث النبي صلى الله عليه وآله وأهل بيته الطاهرين عليهم السلام .
ومن بحوثها: هل يمكن معرفة أهل النار في الدنيا . وهل صحيح أن الحقد والحسد والغضب والزنا والشهوات ، وأنواعٌ أخرى من حب الدنيا ، أبوابٌ لجهنم يعيش فيها أهلها الآن جزئياً ، كما قال الله تعالى: إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ. وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ . يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ . وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ .
الى آخر مفردات الموضوع ، التي لا يتسع المجال لبحثها ، فنكتفي بموجز عنها:

(2)التعامل العقلاني مع آيات وصف النار وأحاديثها

لا أريد التخفيف من إنذار الله عز وجل ، وإنذار رسوله صلى الله عليه وآله بعذاب النار ، أعاذنا الله منها وجميع المؤمنين ، فإن الخوف والرجاء ضروريان لتقويم سلوك الإنسان . فقد سئل الإمام الصادق عليه السلام عن وصية لقمان عليه السلام (الكافي:2/67) فقال: (كان فيها الأعاجيب، وكان أعجب ما فيها أن قال لابنه: خَفِ الله عز وجل خيفةً لو جئته ببرِّ الثقلين لعذبك، وارْجُ الله رجاء لو جئته بذنوب الثقلين لرحمك !
ثم قال أبو عبد الله عليه السلام :كان أبي يقول: إنه ليس من عبد مؤمن إلا في قلبه نوران: نور خيفة ونور رجاء،لو وُزن هذا لم يزد على هذا ولو وُزن هذا لم يزد على هذا).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 379 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فالرجاء نورٌ وأملٌ يجذب الإنسان الى العمل الصالح ، والخوف نورٌ يمنعه من المعصية ويشد فرامله . فهما يشبهان المحركين لسيارة .
لكن مقصودنا من العنوان أن ننبه على ثلاثة أمور:
الأمر الأول: أن العقاب والعذاب الوارد في القرآن والسنة ، له أصحاب معينون من الطغاة والمتكبرين والمعاندين والكافرين والعاصين . لكن بعضهم يخطئ في تطبيقها على غير أصحابها ، فيصاب المؤمن بالخوف دون موجب !
حضرت يوماً موعظة أحد العلماء وهو يشـرح سورة الماعون: أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ. فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ. وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ. فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ. الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ. الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ. وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ.
وكان الحاضرون مؤمنين ملتزمين ، يؤدون الفرائض ، ويبتعدون عن المعاصي ، وكثير منهم ملتزم بقيام الليل وبعض المستحبات .
فانطلق الشيخ يشـرح تقصير المؤمنين والحاضرين في عدم التوجه الى الله في صلاتهم ، وفي الإنفاق على الأيتام ، وأخذ يخوفهم بوادي الويل في جهنم ، الذي توعد الله به المصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون !
فرأيت كل واحد من الحاضرين يفتش ثيابه ، ويبتلع ريقه وألمه ، وكأنه المقصود بوعيد الله تعالى له بوادي الويل في جهنم !
واكفهرَّ الجو ، وظهر على وجوه الحاضرين آثار سياط الشيخ ! فقررت إن فتح لي مجال الكلام ، أن أعطي الحاضرين دفعة أمل ، لعلي أجبر ما خربه هذا الصديق .
وبعد أن أكمل سألني بيني وبينه: ما رأيك في الموضوع ؟
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 380 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فقلت له بيني وبينه: لقد أشفقت لحالة مستمعيك ، فما ذنب هؤلاء المؤمنين يا شيخنا حتى أتيت بمقارع جعلها الله للكفار الفجار وقَرَعْتَهم بها !
أما ترى السورة نصفها للكافرين ، الذين يكذب أحدهم بالدين والآخرة ، ويدفع اليتيم في صدره . ونصفها للمنافقين ، الذين يسهى أحدهم عن صلاته فلا يصلي ، وإن صلاها فرياءً ، ويمنع مساعدة المحتاجين !
فكيف جعلت معنى عن صلاتهم ساهون: في صلاتهم ساهون ! وجعلت المؤمن الذي يساعد ولو قليلاً ، كمن يمنع الماعون ويدع اليتيم !
والأمر الثاني: أن نصحح نظرتنا للتدين بالإسلام ، فبعضهم يميل الى تعذيب الذات وجلدها ، وكأنه يفهم الدين من هذه الزاوية !
وبعضهم يميل الى تعظيم ذاته ، ويفهم الدين من شيخ يقول له: من عرف نفسه فقد عرف ربه. ويقول له: تحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر . فتعال معي حتى تعرف نفسك ، وتصل الى معارج القرب من الله !
وقد بينا خطأ الإتجاهين ، وأن الحق بينهما ، في كتاب العقائد الإسلامية .
ومن الواضح أن نوع تدين الإنسان ينتج نظرته الى الآخرة والجنة والنار .
الأمر الثالث: الإلفات الى أحاديث الهرطقة اليهودية الموجودة في أحاديث الآخرة ، والحساب والجنة والنار، خاصة في المصادر السنية وبين عوام المسلمين.
ونقصد بالهرطقة المخالف للعقل ولقوانين الشـريعة الإسلامية وأحكامها.
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 381 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والقاعدة التي يهمنا التنبيه عليها: أن العقوبة التي نص عليها القرآن ، أو السنة بسند صحيح، يجب أن نحدد صاحبها الذي تنطبق عليه ، فإن لم نجده وجب أن نتوقف ، ولا نقع في الخطأ الذي يقع فيه بعض الناس فيلبسون عقوبات لغير أصحابها !
ونشير الى أن هذا التثبت ليس ضرورياً بهذه الدرجة في آيات وأحاديث الجنة والنعيم ، لأن العقاب بند جزائي محدد عقلاً وشرعاً ، أما العطاء الإلهي فليس له حدود .

(10) هل يمكن أن نعرف أهل النار؟

يقول الله تعالى:إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ.يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ. وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ . (الإنفطار: 13-16). وظاهر الآية أنهم الآن في جحيم ، وسيصلونها يوم الدين. فالنعيم والجحيم جو يصنعونه بأعمالهم ، وسوف يتجسد في الآخرة .
وتدل أحاديث أهل البيت عليهم السلام على أن الإنسان يصنع الجحيم بنواياه قبل أعماله ، وأن النية السيئة تكون لها رائحة كريهة يعرفها الملكان الرقيب والعتيد .
ففي الكافي(2/440) أن الإمام الكاظم عليه السلام سئل: (عن الملكين هل يعلمان بالذنب إذا أراد العبد أن يفعله أو الحسنة؟ فقال: ريح الكنيف وريح الطِّيب سواء؟ قلت: لا، قال: إن العبد إذا هم بالحسنة ، خرج نَفَسُهُ طَيِّبَ الريح ).
وبعض أهل النار يسهل على الإنسان الذكي أن يعرفه من روائح نياته ، ومن تعقيد نفسه ، وغيرها من العلامات. وبعضهم تصعب معرفتهم ، كالمنافقين الذين قال الله عنهم: وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ . (المنافقون:4).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 382 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لكن العلامة القطعية للشخص من أهل النار هي: التكبر والعناد . فهما في آيات النار وأحاديثها السبب الأساسي لاستحقاق النار ! لكنهما أنواع ، ولا مجال للتفصيل .

(3)النار في مكان كالأرض ولها سبعة أبواب

قال الله تعالى: إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ. وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ.لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ.(الحجر:42-44).
فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ. (النحل:29).
دلت الآية على أن أبواب النار سبعة ، ولكل نوع من الفجار باب . وفي تفسير مجمع البيان:6/118، وتفسير الثعلبي:5/342: (عن أمير المؤمنين عليه السلام : إن جهنم لها سبعة أبواب أطباق ، بعضها فوق بعض ، ووضع إحدى يديه على الأخرى ، فقال: هكذا ، وإن الله وضع الجنان على العرض، ووضع النيران بعضها فوق بعض، فأسفلها جهنم ، وفوقها لظى ، وفوقها الحطمة ، وفوقها سقر ، وفوقها الجحيم ، وفوقها السعير ، وفوقها الهاوية ).
وفي الخصال/595، بسنده عن ابن عباس قال: ( قدم يهوديان أخوان من رؤساء اليهود بالمدينة...فقال المهاجرون والأنصار: إن نبينا صلى الله عليه وآله قد قبض. فقالا: فأيكم وصيه..فأومأ المهاجرون والأنصار إلى أبي بكر فقالوا: هو وصيه . فقالا لأبي بكر: إنا نلقي عليك من المسائل ما يلقى على الأوصياء ، ونسألك عما تسأل الأوصياء عنه . فقال لهما أبو بكر: ألقيا ما شئتما أخبركما بجوابه إن شاء الله . فقال أحدهما: ما أنا وأنت عند الله عز وجل؟وما نفس في نفس ليس بينهما رحم ولا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 383 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قرابة؟ وما قبر سار بصاحبه؟ومن أين تطلع الشمس؟وأين تغرب؟ وأين طلعت الشمس ثم لم تطلع فيه بعد ذلك؟ وأين تكون الجنة؟وأين تكون النار؟ وربك يحمل أو يحمل؟ وأين يكون وجه ربك؟ وما اثنان شاهدان ، وما اثنان غائبان وما اثنان متباغضان؟ وما الواحد؟ وما الاثنان... قال: فبقي أبو بكر لا يرد جواباً..فأتيت منزل علي بن أبي طالب...فأقبل يمشـي أمامي وما أخطأت مشيته من مشية رسول الله صلى الله عليه وآله شيئاً..ثم التفت إلى اليهوديين فقال: يا يهوديان أدنوا مني وألقيا علي ما ألقيتماه على الشيخ...فقال له أحد اليهوديين... فأين تكون الجنة ، وأين تكون النار؟ قال: أما الجنة ففي السماء ، وأما النار ففي الأرض ).
أقول: هذا يدل على أن نظام الكون في الآخرة فيه سماء وأرض ، ومقصوده عليه السلام أرض كأرضنا وليست هي ، بدليل قوله تعالى عن أهل الجنة: وَقَالُوا الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ. (الزمر:73-74). فالمتقون مسكنهم الجنة ، وهم يرثون الأرض ، فكأنها تصير متحفاً لأبنائها الصالحين .
ويدل قوله عليه السلام : (وضع الجنان على العرض، ووضع النيران بعضها فوق بعض) على ضيق النار وسعة الجنة . كما يشير الى ذلك زيادة عدد أبواب الجنة على أبواب النار ، ويدل على معانٍ أخرى ، لكن لم أجد رواية في سبب اختيار السبعة والثمانية .

(4) جَنة الجن ونارهم في منطقة بين الجنة والنار

روينا أن مؤمني الجن لهم جنة خاصة في منطقة تقع بين الجنة والنار، ففي تفسير القمي(2/300)في تفسير قوله تعالى: قُلْ أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 384 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا. يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا. أن النبي صلى الله عليه وآله ولى عليهم أحداً منهم ، وكانوا يعودون إليه في كل وقت ، وأن منهم مؤمنين وكافرين ، ونواصب ، ويهود ، ونصارى ، ومجوساً .
وسئل العالم عليه السلام عن مؤمني الجن أيدخلون الجنة؟ فقال: لا ، ولكن لله حظائر بين الجنة والنار ، يكون فيها مؤمنوا الجن ، وفساق الشيعة ).
أقول: مقتضى تكليف الجن بشريعة مثلنا ، أنهم يُحاسبون ويُثابون ويُعاقبون ، لكن جنتهم ونارهم تختلف عنا ، لأن تكوينهم يختلف عن تكويننا . ولم أرَ مخالفاً لذلك من علمائنا ، فتكون رواية تفسير القمي بلا معارض . وأما فساق الشيعة فلا بد أن يكون المقصود بهم نوعاً خاصاً من الفساق ، جمعاً بين الروايات .
أما أتباع المذاهب السنية فقال كثير منهم إن الجن لا يدخلون الجنة ، وروى ابن أبي حاتم في تفسيره (10/3297): (عن ابن عباس قال: لا يدخل مؤمنوا الجن الجنة ، لأنهم من ذرية إبليس ، ولا تدخل ذرية إبليس الجنة).
لكن ذلك لا يصح ، لأن ذرية إبليس بعض الجن ، وليسوا كلهم .
وقال في عمدة القاري(15/184): (واختلفوا في مؤمني الجن هل يدخلون الجنة ، على أربعة أقوال . والجمهور على أنهم يدخلونها ، حكاه ابن حزم في الملل عن ابن أبي ليلى وأبي يوسف وجمهور الناس.. وعن مجاهد أنهم يدخلونها ولكن لايأكلون ولا يشربون ويلهمون من التسبيح والتقديس ما يجده أهل الجنة من لذة الطعام والشراب..القول الثاني: إنهم لايدخلون الجنة بل يكونون في ربضها. وهذا القول
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 385 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مأثور عن مالك والشافعي وأحمد وأبي يوسف حكاه ابن تيمية وهو خلاف ما حكاه ابن حزم . القول الثالث: أنهم على الأعراف . القول الرابع: الوقف ).
لكن كل هذه الأقوال ظنون وتخمينات بلا دليل ، في مقابل ما روي عن المعصوم عليه السلام .

(5) بقية سكان المنطقة الوسطى بين الجنة والنار

روت مصادر الطرفين أنه يسكن فيها بعض الكفار المميزين، الذين لهم أعمال حسنة. فقد رووا في تفسير: وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ قَالُوا إِنَّ اللهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ. أن بعض الكفار يسكنهم الله تعالى في منطقة بين الجنة والنار ، ويطعمهم من غير الجنة .
فعن الإمام الباقر عليه السلام (الكافي:2/188) قال: ( إن فيما ناجى الله عز وجل به عبده موسى عليه السلام قال: إن لي عباداً أبيحهم جنتي وأحكمهم فيها. قال: يا رب ومن هؤلاء الذين تبيحهم جنتك وتحكمهم فيها؟ قال: من أدخل على مؤمن سروراً . ثم قال: إن مؤمناً كان في مملكة جبار فولع به ، فهرب منه إلى دار الشرك ، فنزل برجل من أهل الشرك ، فأظله وأرفقه وأضافه . فلما حضره الموت أوحى الله عز وجل إليه وعزتي وجلالي لو كان لك في جنتي مسكن لأسكنتك فيها ، ولكنها محرمة على من مات بي مشركاً ، ولكن يا نار هيديه (أتركيه) ولا تؤذيه . ويؤتى برزقه طرفي النهار . قلت: من الجنة؟ قال: من حيث شاء الله ).
وفي ثواب الأعمال/169، بسند صحيح ، عن الإمام الكاظم عليه السلام : (كان في بني إسرائيل رجل مؤمن ، وكان له جار كافر فكان يرفق بالمؤمن ويوليه المعروف في
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 386 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الدنيا ، فلما أن مات الكافر بنى الله له بيتاً في النار من طين ، فكان يقيه حرها ، ويأتيه الرزق من غيرها ، وقيل له: هذا بما كنت تدخل على جارك المؤمن فلان بن فلان من الرفق ، وتوليه من المعروف في الدنيا ) .
قال صاحب البحار رحمه الله (8/297): (هذا الخبر الحسن الذي لا يقصرعن الصحيح ، يدل على أن بعض أهل النار من الكفار يرفع عنهم العذاب لبعض أعمالهم الحسنة).
وفي ثواب الأعمال/179، عن الإمام الصادق عليه السلام قال: (إن المؤمن منكم يوم القيامة ليمر به الرجل له المعرفة به في الدنيا ، وقد أمر به إلى النار ، والملك ينطلق به ، قال فيقول: يا فلان أغثني ، فقد كنت أصنع إليك المعروف في الدنيا، وأسعفك في الحاجة تطلبها مني. فهل عندك اليوم من مكافأة ؟ فيقول المؤمن للملك الموكل به: خَلِّ سبيله. قال: فيسمع الله قول المؤمن ، فيأمر الملك أن يجيز قول المؤمن ، فيخلى سبيله) !
وروى شبيهاً به ابن ماجة في سننه(2/1215) عن أنس: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله : يُصَفُّ الناس يوم القيامة صفوفاً ، وقال ابن نمير أهل الجنة ، فيمر الرجل من أهل النار على الرجل فيقول: يا فلان أما تذكر يوم استسقيت فسقيتك شربة؟ قال فيشفع له . ويمر الرجل فيقول: أما تذكر يوم ناولتك طهوراً فيشفع له. قال ابن نمير ويقول: يا فلان أما تذكر يوم بعثتني في حاجة كذا وكذا ، فذهبت لك ؟ فيشفع له).
كما رويَ أن من هؤلاء حاتم الطائي ، ففي المحجة البيضاء(4/122) لما وقعت سفانة بنت حاتم الطائي في سبي المسلمين قالت للنبي صلى الله عليه وآله :(يا محمد، إن رأيت أن تًخلَّي عنِّي ولا تُشمت بي أحياء العرب فإني بنت سيد قومي، وإن أبي كان يحمي الذمار ويفكُّ العاني ، ويشبع الجائع ، ويطعم الطعام ، ويفشي السلام ، ولم يردَّ طالب
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 387 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
حاجة قطَّ . أنا ابنة حاتم طيئ . فقال النبي صلى الله عليه وآله : يا جارية هذه صفة المؤمنين حقاً لو كان أبوك مسلماً لترحمنا عليه خَلُّوا عنها ، فإنَّ أباها كان يحبُّ مكارم الأخلاق وإنَّ اللَّه يحبَّ مكارم الأخلاق . فقام أبو بردة بن دينار فقال: يا رسول الله ، اللهُ يحب مكارم الأخلاق؟فقال: والَّذي نفسي بيده لايدخل الجنة إلا حسن الأخلاق».
وفي تفسير مقتنيات الدرر(11/177) عن كتاب أنيس الوحدة قال: (لما عرج بالنبي صلى الله عليه وآله اطلع على النار فرأى حظيرة فيها رجل لا تمسُّه النار، فقال: ما بال هذا الرجل في هذه الحظيرة لا تمسّه النار؟ فقال جبرئيل عليه السلام : هذا حاتم طيئ صرف الله عنه جهنم بسخائه وجوده ) .
كما رويَ عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال في عبد الله بن جدعان الذي كان يطعم الطعام في مكة ، إنه أهون أهل النار عذاباً . (المحاسن (2/389) .
وروينا أن ابن الزنا لا يدخل الجنة ، فإن كان صالحاً سكن في هذه المنطقة الوسطى. ففي الخصال (2/564): (عن سعد بن عمر الجلاب قال:قال لي أبو عبد الله عليه السلام : إن الله تعالى خلق الجنة طاهرة مطهرة ، فلا يدخلها إلا من طابت ولادته ).
وفي المحاسن للبرقي (1/149): (فقال عبد الله بن عجلان: معنا رجل يعرف ما نعرف ، ويقال إنه ولد زنا ! فقال: ما تقول؟ فقلت: إن ذلك ليقال له ، فقال: إن كان ذلك كذلك بنيَ له بيت في النار من صدر يرد عنه وهج جهنم ويؤتى برزقه) قال في البحار (6/287): (والظاهر أنه مُصَحَّف عن صَبَر بالتحريك ، وهو الجمد) . أي الحجارة . وقد تقدم في فصل عالم الذر لماذا لا يكون ابن الزنا نجيباً .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 388 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

(6) السور والحجاب بين أهل النار وأهل الجنة

قال الله تعالى: يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ . يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِىُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللهِ وَغَرَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ . (الحديد:13-14 ).
دلت الآية على أن الله تعالى يميز في مرحلة من مراحل الحساب ، بين المنافقين والمؤمنين ويضرب بينهم بسور له باب .
وقال تعالى: وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ . الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ . وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاً بِسِيمَاهُمْ. (الأعراف:44-46) .
ذكرت الآية مخاطبة أهل الجنة لأهل النار ، وأن بينهما حجاباً . والظاهر من الآيات والأحاديث أن السور يضرب بين المنافقين والمؤمنين في أوائل المحشـر، وأن الحجاب يكون بين الجنة والنار ، بعد استقرار الناس فيهما .
وقد روى في تأويل الآيات(2/660) بسند صحيح: (قال محمد بن العباس رحمه الله : حدثنا محمد بن الحسن بن علي بن مهزيار، عن أبيه، عن جده، عن الحسن بن محبوب ، عن الأحول ، عن سلام بن المستنير قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول الله تبارك وتعالى: فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ..؟ قال فقال: أما إنها نزلت فينا وفي شيعتنا وفي المنافقين الكفار. أما إنه إذا كان يوم القيامة وحبس الخلائق في طريق
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 389 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
المحشر، ضرب الله سوراً من ظلمة فيه باب ، باطنه فيه الرحمة يعني النور وظاهره من قبله العذاب يعني الظلمة ، فيُصيِّرنا الله وشيعتنا في باطن السور الذي فيه الرحمة والنور، ويُصَيِّرُ عدونا والكفار في ظاهر السور الذي فيه الظلمة ).
وقال علي بن إبراهيم القمي في تفسيره (2/351): (قوله:يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ ، قال: يُقْسَم النور بين الناس يوم القيامة على قدر إيمانهم، يقسم للمنافق فيكون نوره في ابهام رجله اليسرى ، فينظر نوره ثم يقول للمؤمنين مكانكم حتى اقتبس من نوركم ، فيقول المؤمنون لهم: ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا ، فيرجعون ويضرب بينهم بسور له باب فينادون من وراء السور المؤمنين: يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ ، قال: بالمعاصي . وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ ، قال: أي شككتم . وقوله:فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ ، قال: والله ما عنى بذلك اليهود ولا النصارى ، وإنما عنى بذلك أهل القبلة ، ثم قال: مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ قال هي أولى بكم ).
ويؤيده رواية البخاري(1/195و:7/205) وشرح مسلم(3/19)وفيه: ( قال بعض العلماء: هؤلاء هم المطرودون عن الحوض، الذين يقال لهم سحقاً سحقاً) .
واستقرب في تفسير الميزان(19/157) أن يكون السور هو الحجاب ، ولا يصح .
وشذ عن الجميع عبد الله بن عمرو العاص فقال كما رواه الحاكم:4/601: (هو السور الشرقي ، باطنه المسجد وما يليه ، وظاهره وادى جهنم ).
يقصد أنه سور بيت المقدس ! وهو من إسرائيليات أستاذه كعب الأحبار .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 390 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

(7) أين يتساقط أهل النار من الصراط ؟

ورد في بعض الروايات أن أهل النار يتساقطون عن الصـراط كلٌّ في موقعه في النار ، ويعارض ذلك قوله تعالى: وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ. قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ .
بل يدل قوله تعالى: حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا.. ومخاطبة زبانية جهنم لهم ، على وجود مسافة يقطعونها . ويؤيده ما رواه في تفسير القمي(2/113) عن الإمام الباقر عليه السلام قال: ( إذا استوى أهل النار إلى النار لينطلق بهم قبل أن يدخلوا النار، فيقال لهم: إِنْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِى ثَلاثِ شُعَبٍ ، من دخان النار فيحسبون أنها الجنة ثم يدخلون النار أفواجاً أفواجاً ، وذلك نصف النهار. وأقبل أهل الجنة فيما اشتهوا من التحف حتى يعطوا منازلهم في الجنة نصف النهار ، فذلك قول الله عز وجل: أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلاً ).
أقول: دلت الرواية وغيرها على ما نذهب اليه من وجود نهار في الجنة والنار ، لكن لايلزم منه أن توجد شمس .
ثم إن ظاهر قوله تعالى: وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا ، أنهم يساقون جميعاً ، وذلك بعد عبورهم الصراط ، فلا بد أنهم يسقطون من الصراط في مكان أو أماكن ، ثم ينقلون جماعات الى جهنم .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 391 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أما رواية معاني الأخبار/32، عن الإمام الصادق عليه السلام التي سَمَّت الصـراط جسـر جهنم ، وجاء فيها: (ومن لم يعرفه (الإمام) في الدنيا ، زلت قدمه عن الصـراط في الآخرة ، فتردَّى في نار جهنم ) .فإن ترديه في جهنم لا يلزم أن يكون مباشراً ، فقد يتردى ويقع قربها ، ثم يُجعل في زمرته ويساق اليها.

(8) أشد الناس عذاباً وأهونهم عذاباً

في تفسير القمي(2/257) بسند صحيح: (حدثني أبي ، عن ابن أبي عمير، عن منصور بن يونس، عن أبي عبد الله عليه السلام قال:إن في النار لناراً يتعوذ منها أهل النار! ما خُلقت إلا لكل متكبر جبار عنيد ، ولكل شيطان مريد ، ولكل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب ، ولكل ناصب العداوة لآل محمد .
وقال: إن أهون الناس عذاباً يوم القيامة لرجل في ضحضاح من نار عليه نعلان من نار ، وشِراكانِ من نار يغلي منها دماغه ، كما يغلي المرجل ! ما يرى أن في النار أحداً أشد عذاباً منه . وما في النار أحد أهون عذاباً منه ).
وعن الإمام الصادق عليه السلام قال: (إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة سبعة نفر: أولهم ابن آدم الذي قتل أخاه ، ونمرود الذي حاج إبراهيم في ربه ، واثنان من بني إسرائيل هودا قومهم ونصراهم ، وفرعون الذي قال: أنا ربكم الأعلى ، واثنان من هذه الأمة ). (الخصال/346).
وفي روضة الواعظين/10: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة من قتل نبياً أو قتل أحد والديه ، أو عالم لم ينتفع بعلمه ).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 392 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي ثواب الأعمال/287: (فقام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فقال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي ، وما منزلة إمام جائر معتد لم يصلح لرعيته ولم يقم فيهم بأمر الله تعالى؟ قال: هو رابع أربعة من أشد الناس عذاباً يوم القيامة ، إبليس ، وفرعون ، وقاتل النفس ورابعهم سلطان جاير).

(9) الموحدون لا يخلدون في جهنم

قال الله تعالى: قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلا مَا شَاءَ اللهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ . (الأنعام:128). وروت مصادر الجميع أنه يوجد صنف من المذنبين يحكم عليهم بدخول جهنم مدةً ، ثم يُخرجون منها وتعالج أجسامهم ويدخلون الجنة ، وذكرت رواياتنا أنهم الموحدون الذين لم يعادوا أهل البيت عليهم السلام .
قال الحسين بن سعيد في كتابه الزهد/95، بسند صحيح:(حدثنا فضالة ، عن القاسم بن بريد ، عن محمد بن مسلم قال:سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الجهنميين فقال: كان أبو جعفر عليه السلام يقول: يخرجون منها فيُنتهى بهم إلى عين عند باب الجنة ، تسمى عين الحيوان ، فينضح عليهم من مائها ، فينبتون كما ينبت الزرع لحومهم وجلودهم وشعورهم .
ثم روى عن حمران قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام : إنهم يقولون: ألا تعجبون من قوم يزعمون أن الله يخرج قوماً من النار فيجعلهم من أصحاب الجنة مع أوليائه؟ فقال: أما يقرؤن قول الله تبارك وتعالى: وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ ، إنها جنة دون جنة ، ونار دون نار. إنهم لا يساكنون أولياء الله .وقال: إن بينهما والله منزلة ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 393 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وروى في كتاب الزهد/98، عن حمران قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: إن الكفار والمشركين يعيرون أهل التوحيد في النار فيقولون: ما نرى توحيدكم أغنى عنكم شيئاً وما أنتم ونحن إلا سواء ! قال: فيأنف لهم الرب عز وجل فيقول للملائكة: إشفعوا فيشفعون لمن شاء الله ، ويقول للمؤمنين: مثل ذلك حتى إذا لم يبق أحد إلا تبلغه الشفاعة ، قال تبارك وتعالى: أنا أرحم الراحمين ، أخرجوا برحمتي . فيخرجون كما يخرج الفراش ! قال: ثم قال أبو جعفر عليه السلام : ثم مُدَّت العمد وأصمدت عليهم ، وكان والله الخلود .
وعن حمران قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام : إنه بلغنا أنه يأتي على جهنم حينٌ تصطفق أبوابها (أي تفرغ)؟ فقال:لا، والله إنه الخلود . قلت:خَالِدِينَ فِيهَا إِلا مَا شَاءَ اللهُ ؟ فقال: هذه في الذين يخرجون من النار ). وقد روت المصادر السنية مضمونه .
وقال السيوطي في الدر المنثور (4/93): (وأخرج ابن أبي حاتم ، وابن شاهين في السنة عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إن أصحاب الكبائر من موحدي الأمم كلها، الذين ماتوا على كبائرهم غير نادمين ولا تائبين، من دخل منهم جهنم لاتَزْرَقٌّ أعينهم ولاتَسْوَدُّ وجوههم، ولا يقرنون بالشياطين ولا يُغَلُّونَ بالسلاسل ، ولا يُجَرَّعُون الحميم ، ولا يلبسون القطران ، حرم الله أجسادهم على الخلود من أجل التوحيد ، وصورهم على النار من أجل السجود ، فمنهم من تأخذه النار إلى قدميه ، ومنهم من تأخذه النارإلى عقبيه ، ومنهم من تأخذه النار إلى فخذيه ، ومنهم من تأخذه النار إلى حجزته ، ومنهم من تأخذه النار إلى عنقه ، على قدر ذنوبهم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 394 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأعمالهم . ومنهم من يمكث فيها شهراً ثم يخرج منها ، ومنهم من يمكث فيها سنة ثم يخرج منها ، وأطولهم فيها مكثاً بقدر الدنيا منذ يوم خلقت إلى أن تفنى .
فإذا أراد الله أن يخرجهم منها قالت اليهود والنصارى ومن في النار من أهل الأديان والأوثان لمن في النار من أهل التوحيد: آمنتم بالله وكتبه ورسله ، فنحن وأنتم اليوم في النار سواء ! فغضب الله غضباً ، لم يغضبه لشئ فيما مضـى، فيخرجهم إلى عين بين الجنة والصراط ، فينبتون فيها نبات الطراثيث في حميل السيل ، ثم يدخلون الجنة، مكتوب في جباههم: هؤلاء الجهنميون عتقاء الرحمن ، فيمكثون في الجنة ما شاء الله أن يمكثوا ، ثم يسألون الله تعالى أن يمحو ذلك الإسم عنهم ، فيبعث الله ملكاً فيمحوه .
ثم يبعث الله ملائكة معهم مسامير من نار فيطبقونها على من بقي فيها يسمرونها بتلك المسامير فينساهم الله على عرشه ، ويشتغل عنهم أهل الجنة بنعيمهم ولذاتهم ، وذلك قوله: رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ).
ورواه البخاري(8/187) بصيغة: (ليصيبن أقواماً سَفْعٌ من النار بذنوب أصابوها عقوبةً ، ثم يدخلهم الله الجنة بفضل رحمته ، يقال لهم الجهنميون ).
وروته بقية مصادرهم بصيغ متعددة مفصلة ، ودخلت في بعضها الإسرائيليات !
هذا ، وقد استوفينا قول ابن تيمية وعمر بن الخطاب إن النار تفنى وينقل أهلها الى الجنة ! في المجلد الثالث من كتاب العقائد الإسلامية .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 395 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

(11) من آيات التحذير من النار

خطر العقاب في الآخرة بالنار جدٌّ لا لعب فيه . أعاذنا الله منها وإياكم بجاه محمد وآله صلى الله عليه وآله . ولذلك حذر الله منها في كتابه ، وأرانا منها مشاهد لأهل جهنم ، لنبتعد عن الشرور التي تؤدي بنا اليها . وهذه نماذج منها:
قال الله عز وجل: وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِـرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ . تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ . أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِى تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ . قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ. رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ . قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ . إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِى يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ . فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِى وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ . إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ.(المؤمنون:103-111).
وقال عز وجل: وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ . قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ . وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ . قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ . (غافر:47-50).
وقال عز وجل: أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ. إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ. إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ . طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ . فَإِنَّهُمْ لاكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ. ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ . ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لالَى الْجَحِيمِ . (الصافات:62-68).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 396 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال عز وجل:هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ . جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ . هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ . وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ . هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ . قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ . قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ . وَقَالُوا مَا لَنَا لا نَرَى رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الأَشْرَارِ . أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأَبْصَارُ . إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ . (صاد:55-64).
وقال تعالى:يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ . (التحريم:6)
وقال تعالى: وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلاً. وَذَرْنِى وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً. إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالاً وَجَحِيمًا . وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا . يَوْمَ تَرْجُفُ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلاً . (المزّمّل:10-14).
وقال تعالى: وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ . إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ . تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِىَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ . قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللهُ مِنْ شَئٍْ إِنْ أَنْتُمْ إِلا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ . (الملك:6-9).
وقال تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ . هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 397 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ . يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ . وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ . كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ . (الحج:18-22).
وقال تعالى: وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِى الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا . (الكهف:29).
وقال تعالى: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ . يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُم وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَاكَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ . (التوبة:34-35).
وقال تعالى: وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ . مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ . يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ . (إبراهيم:15-17).
وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَاكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَاكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا . (النساء:10).
وقال تعالى: إِنَّ اللهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا . خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا . يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا. وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا . رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا . (الأحزاب:64-68).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 398 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

(12) من أحاديث وَصَفَ النار والجنة

في كتاب الزهد لابن سعيد/99: (لما أسريَ برسول الله صلى الله عليه وآله لم يَمُرَّ بملك من الملائكة إلا استبشر به ، حتى مر بملك لم يستبشر به كما استبشرت به الملائكة ، ولم يقل له شيئاً ، فوجده قاطباً عابساً ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : يا جبرئيل، ما مررت بخلق من الملائكة إلا استبشر بي ، إلا هذا الملك ! فقال: يا رسول الله ، هذا مالك خازن جهنم ، وهكذا جعله الله . فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله :سله أن يرينيها ؟فقال له جبرئيل: يا مالك إن هذا محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وقد قال لي إنه لم يمر بملك من الملائكة إلا استبشر به غيرك. فقلت إن هذا مالك خازن جهنم وهكذا جعله الله ، وقد سألني أن أسألك أن تريه إياها. قال: فكشف له طبقاً من أطباقها ، قال: فما افْتَرَّ رسول الله صلى الله عليه وآله ضاحكاً حتى مات ) .
أقول: إذا صح هذا الحديث فلا بد أن يكون هذاالمعراج قبيل وفاة النبي صلى الله عليه وآله ، وقد ورد عندنا أنه عرج به مئة وعشرين مرة .
وفي وسائل الشيعة (7/186) عن الإمام الصادق عليه السلام قال: (التفت رسول الله صلى الله عليه وآله إلى أصحابه فقال: إتخذوا جُنَناً (أي دروعاً). فقالوا: يا رسول الله من عدو قد أظلنا؟ فقال: لا ، ولكن من النار ) .
وفي دعائم الإسلام(2/468) عن الإمام الصادق عليه السلام قال:(إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: رأيت في النار صاحب العباءة التي غلها ، ورأيت في النار صاحب المحجن الذي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 399 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كان يسرق الحاج بمحجنه ، ورأيت في النار صاحبة الهرة تنهشها مقبلة ومدبرة ، وكانت أو ثقتها ، فلم تكن تطعمها ولم ترسلها فتأكل من خشاش الأرض) .
والذي غل العباءة صحابي من أهل بدر ! وقد خبأها واتهم النبي صلى الله عليه وآله أنه أخذها ، فنزل قوله تعالى: وَمَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .
وفي نهج البلاغة:3/27: « لما ولَّى أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام محمد بن أبي بكر مصر وأعمالها ، كتب له كتاباً ، وأمره أن يقرأه على أهل مصـر، ويعمل بما وصاه به... وجاء فيه في التحذير من النار:
إنه ليس أحد من الناس تفارق روحه جسده حتى يعلم إلى أيَّ المنزلتين يصير إلى الجنة أم النار ، أعدوٌّ هو لله أو وليٌّ ، فإن كان وليّاً لله فُتحت له أبواب الجنة ، وشُرعت له طرقها ، ورأى ما أعدَّ الله له فيها ، ففرغ من كل شغل ، ووضع عنه كل ثقل. وإن كان عدوَّاً لله فتحت له أبواب النار ، وشرع له طرقها،ونظر إلى ما أعد الله له فيها فاستقبل كل مكروه ، وترك كل سرور...
يا عباد الله ، إن بعد البعث ما هو أشدُّ من القبر ، يومٌ يشيب فيه الصغير ، ويسكر فيه الكبير ، ويسقط فيه الجنين ، وتذهل كل مرضعة عما أرضعت ، يوم عبوس قمطرير ، يوم كان شره مستطيراً .
إن فزع ذلك اليوم ليرهب الملائكة الذين لا ذنب لهم، وترعد منه السبع الشداد ، والجبال الأوتاد ، والأرض المهاد ، وتنشق السماء فهي يومئذ واهية ، وتصير وردة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 400 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كالدهان ، وتكون الجبال كثيباً مهيلاً ، بعد ما كانت صُمّاً صِلاباً ، وينفخ في الصور فيفزع من في السماوات ومن في الأرض ، إلا من شاء الله .
فكيف من عصى بالسمع والبصر واللسان واليد والرجل والفرج والبطن ، إن لم يغفر الله له ويرحمه من ذلك اليوم ، لأنه يقضي ويصير إلى غيره ، إلى نار قعرها بعيد ، وحرها شديد ، وشرابها صديد ، وعذابها جديد ، ومقامعها حديد ، لا يفتر عذابها ، ولا يموت سكانها . دار ليس فيها رحمة ، ولا يسمع لأهلها دعوة .
واعلموا يا عباد الله ، أن مع هذا رحمة الله التي لا تعجز عن العباد ، جنة عرضها كعرض السماء والأرض ، أعدت للمتقين ، خيرٌ لا يكون معها شرٌّ أبداً ، لذَّاتها لا تمل ، ومجتمعها لا يتفرق ، سكانها قد جاوروا الرحمن ، وقام بين أيديهم الغلمان بصحاف من الذهب فيها الفاكهة والريحان) .

(13) الجنة والنار موجودتان فعلاً

تقدم في أول الفصل قول الصدوق رحمه الله : (واعتقادنا في الجنة والنار أنهما مخلوقتان ، وأن النبي صلى الله عليه وآله قد دخل الجنة ، ورأى النار ، حين عرج به ).
وفي أمالي الصدوق/545، بسند صحيح عن:(عن عبد السلام بن صالح الهروي، قال: قلت لعلي ابن موسى الرضا عليه السلام : يا ابن رسول الله ، ماتقول في الحديث الذي يرويه أهل الحديث: إن المؤمنين يزورون ربهم من منازلهم في الجنة . فقال عليه السلام : يا أبا الصلت ، إن الله تبارك وتعالى فضل نبيه محمداً صلى الله عليه وآله على جميع خلقه من النبيين والملائكة ، وجعل طاعته طاعته ، ومتابعته متابعته ، وزيارته في
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 401 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الدنيا والآخرة زيارته ، فقال عز وجل: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ ، وقال: إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ .
وقال النبي صلى الله عليه وآله : من زارني في حياتي أو بعد موتي فقد زار الله جل جلاله.
ودرجة النبي صلى الله عليه وآله في الجنة أرفع الدرجات ، فمن زاره إلى درجته في الجنة من منزله ، فقد زار الله تبارك وتعالى .
قال: فقلت له: يا بن رسول الله ، فما معنى الخبر الذي رووه: أن ثواب لا إله إلا الله النظر إلى وجه الله ؟ فقال عليه السلام : يا أبا الصلت ، من وصف الله بوجه كالوجوه فقد كفر ، ولكن وجه الله أنبياءه ورسله وحججه صلوات الله عليهم ، هم الذين بهم يتوجه إلى الله وإلى دينه ومعرفة ، وقال الله عز وجل: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ . وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالآكْرَامِ، وقال عز وجل: كُلُّ شَئٍْ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ ، فالنظر إلى أنبياء الله ورسله وحججه عليهم السلام في درجاتهم ثواب عظيم للمؤمنين يوم القيامة. وقد قال النبي صلى الله عليه وآله : من أبغض أهل بيتي وعترتي لم يرني ولم أره يوم القيامة.وقال: إن فيكم من لايراني بعد أن يفارقني. يا أبا الصلت ، إن الله تبارك وتعالى لا يوصف بمكان ، ولا يدرك بالأبصار والأوهام .
قال فقلت له: يا ابن رسول الله ، فأخبرني عن الجنة والنار أهما اليوم مخلوقتان ؟ فقال: نعم ، وإن رسول الله صلى الله عليه وآله قد دخل الجنة ورأى النار لما عرج به إلى السماء. قال فقلت له: فإن قوماً يقولون إنهما اليوم مقدرتان غير مخلوقين ؟ فقال عليه السلام : ما أولئك منا ولا نحن منهم ، من أنكر خلق الجنة والنار فقد كذب النبي صلى الله عليه وآله
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 402 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وكذبنا ، وليس من ولايتنا على شئ ، وخلد في نار جهنم ، قال الله عز وجل: هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ. يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ.
وقال النبي صلى الله عليه وآله : لما عرج بي إلى السماء أخذ بيدي جبرئيل عليه السلام فأدخلني الجنة ، فناولني من رطبها فأكلته ، فتحول ذلك نطفة في صلبي ، فلما هبطت إلى الأرض واقعت خديجة فحملت بفاطمة ، ففاطمة حوراء إنسية ، فكلما اشتقت إلى رائحة الجنة شممت رائحة ابنتي فاطمة).
وفي عمدة القاري (5/303): (الجنة والنار مخلوقتان اليوم ، وهو مذهب أهل السنة والجماعة). وشرح المواقف:3/485، والطحاوي/476.
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 403 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الثامن عشر : الجنة وأهل الجنة

(1) غريزة حب الجمال وحب الخلود

الخضرة والماء عنصران ثابتان في مقيـاس الجمال عند الإنسان ، في كل الشعوب وكل العصور ، وحتى في نشأة الإنسان الثانية في الآخرة .
لقد وهبهُ اللهُ قوةَ إدراك الكمال والنزوع اليه ، فتراه عندما يرى النقص في نفسه أو في شئ ، يتصور كماله ويحب أن يكون كذلك . فهو بغريزته يحب الجمال والكمال ، ويريد للزهرة والثمرة أن تكون في أعلى درجات الجمال ، وللعصافير والأشجار، وكل ما يحيط بحياته .
وكما ينزع الى الكمال والجمال ينزع الى الخلود..فإذا أحس بالجوع عرف أنه يوجد ما يؤكل فتراه يبحث عنه ، وإذا رأى محدودية وجوده في جانب ، عرف أنه يوجد فيه كمال وخلود ، فينزع اليه .
فالنزوع الى الكمال والخلود غريزةً تؤشر له على وجود الجنة ، والخلود فيها .
يرى الإنسان من الطائرة: مساحات واسعة من الأرض: جبالاً مقفرة ، أو صحراء مجدبة ، يابسةً أو ثلوجاً . أو أرضاً مغطاةً بمياه البحار المالحة.. فيقول في نفسه: لماذا صارت أكثر أرضنا قاحلة ، ومصادر قوت الناس بقاعاً ورقاعاً
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 404 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
صغيرة يتنازع عليها البشر؟ فهل من الصعب على الله تعالى أن يجعل الأرض كلها مروجاً وأنهاراً ، ويحل المشكلة ؟
وطعامنا..جعله الله من نبات الأرض وحيوانها، يحتاج الى جهد يأخذ أكثر وقتنا فهل كان من الصعب عليه عز وجل أن يجعل قوتنا ميسوراً مبذولاً للجميع، كما جعل الهواء الذي نتنفسه ؟
وهل كان من الضروري أن يكون ابن آدم أجوف ، يجب عليه أن يملأ جوفه باستمرار بمواد من نبات الأرض أوحيوانها ، فإن لم يملأه مات !
وعندما ينظر الإنسان الى نفسه يرى أنه جهاز عظيم ، مجهز بخمس كاميرات متطورة ، هي حواسه الخمس ، وبمركز تحليل قدير لمعلوماتها هو الدماغ .
وإذا قسنا سرعة عمل دماغ الإنسان بسرعة شرائح الحاسب ، وجدنا أن أعظم الشرائح وأكثرها تطوراً ، متخلفة عاجزة عن القيام بأبسط عمليات الدماغ !
ويتميز الإنسان عن كل الأجهزة بأنه يعي نفسه وينفتح على غيره ، فله نوافذ لفهم وجود العالم من حوله ، ومعرفة وجود ربه ، خالقه وخالق العالم .
ويتميز بطموحه العظيم ، وإمكاناته الكبيرة.. وبتناقضه العجيب .
إنه جهاز فريد (متعوبٌ عليه) . لكن عُمْرَهُ ومشاكله لا تتناسب مع عظمته !
مسكين ابن آدم ، تؤلمه البَقَّة ، وتقتله الشَّرْقَة ، وتُنْتِنُهُ العَرْقة ، وسرعان ما يموت ويصير تراباً ! وما قيمة الستين سنة والمئة !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 405 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فهل كان صعباً على الله عز وجل أن يجعل عمره ألوف السنين ؟ أو يجعله خالداً لا يموت ؟! إن الفقر والمرض والموت ، حدودٌ بالغة القسوة على وجودنا .
وربط وجودنا بجاذبية الأرض ، سجنٌ يكبل مجال حياتنا .
والنتيجة: أننا ندرك وجود حياة أفضل وأكمل ، ونطمح اليها ، وننزع الى الكمال والجمال والخلود .
لكن الله تعالى يقول لنا إن مشكلتكم أنكم تعجلون ، وتريدون ذلك في الدنيا ، والدنيا لا تصلح لما تريدون ، لأنها مبنية على المحدودية ، والإمتحان ! وغاية ما يمكن أن يكون للدنيا من دور ، أن تكون مكاناً للإعداد لما تريدون .
يقول عز وجل: وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ . (الشورى:27).
ويقول النبي صلى الله عليه وآله :لولا ثلاث في ابن آدم ما طأطأ رأسه شئ: المرض ، والفقر، والموت ، وكلهنَّ فيه وإنه معهن لَوَثَّاب ) ! (الخصال/113).
وهكذا قدم الأنبياء عليهم السلام عقيدة الجنة والنار الى الأمم ، واقعاً أمامهم ، لكنه في دار أخرى غير الأرض . أما في الأرض فالإيمان به معادلةٌ ضرورية في قانون الثواب والعقاب ، تكمل قوانينهم فترتقي بسلوك الناس ، وتساعد على إصلاح مجتمعاتهم .
إن الدين يقدم الجنة للناس بنعيمها المادي والمعنوي ، أملاً محققاً ، لتخفق له قلوبهم ، وتُشحذ له هممهم ، فيعملوا الخير ويبتعدوا عن الشر، ليفوزوا بها .
ويقدم عقيدة العقاب بالنار أمراً محققاً أيضاً ، لترتعد منه فرائصهم ، ويكون رادعاً ضميرياً لهم عن الشر .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 406 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

(2) الجنة كما تريد وفوق ما تريد

فشكلك فيها وصفات شخصيتك ، في أحسن تقويم ممكن بحسب عملك ، لأنك أنت صنعت جيناتها بسلوكك . ثم لك في الجنة ما تريد، وفوق ما تريد .
قال الصدوق رحمه الله في الإعتقادات/76: ( إعتقادنا في الجنة أنها دار البقاء ، ودار السلامة . لا موت فيها ، ولا هرم ، ولا سقم ، ولا مرض ، ولا آفة ، ولا زوال ، ولا زمانة ، ولا غم ، ولا هم ، ولا حاجة ، ولا فقر . وأنها دار الغنى والسعادة ، ودار المقامة والكرامة ، ولا يمس أهلها فيها نَصَب ، ولا يمسهم فيها لغوب . وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الاعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ.. وأقل المؤمنين منزلة في الجنة ، من له مثل ملك الدنيا عشر مرات ) !
وقال أمير المؤمنين عليه السلام : (فلو رميت ببصـر قلبك نحو ما يوصف لك منها ، لعزفت نفسك عن بدائع ما أخرج إلى الدنيا ، من شهواتها ولذاتها وزخارف مناظرها ، ولذهلت بالفكر في اصطفاق أشجار، غيبت عروقها في كثبان المسك ، على سواحل أنهارها ، وفي تعليق كبائس(عذوق) اللؤلؤ الرطب في عساليجها (عصونها)وأفنانها، وطلوع تلك الثمار مختلفة في غلف أكمامها ، تُحنى من غير تكلف فتأتي على منية مجتنيها ، ويطاف على نزالها في أفنية قصورها بالأعسال المصفقة ، والخمور المروقة . قومٌ لم تزل الكرامة تتمادى بهم حتى حلوا دار القرار، وأمنوا نقلة الأسفار . فلو شغلت قلبك أيها المستمع، بالوصول إلى ما يهجم عليك من تلك المناظر المونقة ، لزهقت نفسك شوقاً إليها ، ولتحملت من مجلسـي هذا إلى
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 407 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مجاورة أهل القبور استعجالاً بها . جعلنا الله وإياكم ممن سعى بقلبه إلى منازل الأبرار برحمته ). (نهج البلاغة/2/75) .
قال ابن أبي الحديد في شرحه (9/279): (واعلم أنه لا مزيد في التشويق إلى الجنة على ما ذكره الله تعالى في كتابه ، فكل الصيد في جانب الفرا . وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وآله في ذلك أخبار صحيحة، فروى أسامة بن زيد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يذكر الجنة فقال: ألا مُشْتَرٍ لها ! هي ورب الكعبة ريحانة تهتز ، ونور يتلألأ، ونهر يطرد ، وزوجة لا تموت ، مع حبور ونعيم ومقام الأبد .
وروى أبو سعيد الخدري عنه صلى الله عليه وآله : إن الله سبحانه لما حَوَّط حائط الجنة ، لبنةً من ذهب ولبنةً من فضة ، وغرس غرسها ، قال لها: تكلمي، فقالت: قد أفلح المؤمنون: فقال: طوبى لك منزل الملوك ! وروى جابر بن عبد الله عنه صلى الله عليه وآله : إذا دخل أهل الجنة الجنة ، قال لهم ربهم تعالى: أتحبون أن أزيدكم؟ فيقولون: وهل خير مما أعطيتنا؟ فيقول: نعم رضواني أكبر !
وعنه صلى الله عليه وآله : إن أحدهم ليعطى قوة مائة رجل في الأكل والشرب ، فقيل له: فهل يكون منهم حدث ؟ قال: عرقٌ يفيض من أعراضهم ، كريح المسك ، يضمر منه البطن ). انتهى.
ونقرأ في تفسير قوله تعالى: عَيْنًا يَشْـرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا: (وأنهار الجنة تجري بغير أخدود ، فإذا أراد المؤمن أن يُجري نهراً ، خَطَّهُ خَطّاً فنبع الماء من ذلك الموضع ، وجرى بغير تعب... أي يجرونها إلى حيث شاءوا من الجنة ) ! (البحار:8/11، وتأويل الآيات/741).
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 408 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ونقرأ للمفيد في الإختصا