تدوين القرآن

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 1 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
تدوين القرآن
بقلم
علي الكوراني العاملي
الناشر
دار القرآن الكريم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 2 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الكتاب : تدوين القرآن
المؤلف : علي الكوراني العاملي
الناشر : دار القرآن الكريم
الطبعة : الأولى
ليتوغرافي : نقش
المطبعة : باقري
العدد : 3000 نسخة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 3 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة وأتم الصلاة على سيدنا ونبينا محمد وآله
الطيبين الطاهرين . . . وبعد ،
فإن من أبرز الظواهر في تاريخ الأمم اختلافهم من بعد رسلهم اختلافا شديدا يصل
إلى حد . . . الاقتتال ، قال الله تعالى ( تلك الرسل فضلنا بعضهم . . . . ولو شاء الله ما اقتتل
الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ، ولكن اختلفوا ، فمنهم من آمن ومنهم من كفر ،
ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد ) سورة البقرة - 253
ولم يكن نبينا صلى الله عليه وآله بدعا من الرسل ، مع أنه أفضلهم . . ولم تكن أمته
بدعا من الأمم ، مع أنها أفضل الأمم . .
لكن أمتنا امتازت بأنها لم تكفر بنبيها بعد وفاته كما حدث لبعض الأمم ، وأن
اختلافها كان عن نبيها ولم يكن فيه . . قال حاخام يهودي لعلي عليه السلام : سرعان
ما اختلفتم أيها الأمة في نبيكم ؟ فأجابه : نحن ما اختلفنا في نبينا ولكن اختلفنا عنه ، أما
أنتم فما جفت أقدامكم من حما البحر حتى قلتم ( يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة ) ! !
رواه المجلسي في البحار ج 13 ص 176 و الثعلبي في العرائس ص 113
كما أنها امتازت بأنها الأمة الوحيدة التي سلمت بيدها نسخة كتاب ربها الذي
أنزل عليها ، ولم تختلف فيه ، وإن اختلفت في تفسيره وتأويله . . وهي ميزة ترجع إلى
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 4 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
تكفل إلهي استثنائي بحفظ القرآن ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) لأنه آخر الكتب
الإلهية ، وإذا لم يحفظ ووقع فيه التحريف كما وقع في غيره ، فإن البشرية ستبقى قرونا
طويلة وليس على وجه الأرض كتاب سماوي سليم !
وعندما يتكفل الله عز وجل بحفظ شئ أو بعمل شئ فإن له طرقه وأساليبه ووسائله
في ذلك ، وليس من الضروري أن نعرفها نحن ، ولا أن تفهمها أكبر عقولنا الرياضية !
نعم يمكن أن نفهم بناء الله تعالى للنص القرآني بناء فريدا يجذب أجزاءه إليه ،
وينفي عنه ما ليس منه . . . فقد جعل الله القرآن أشبه بطبق من الجواهر الفريدة ، إذا
وضع بينها غيرها انفضح ! وإذا أخذ منها شئ إلى مكان آخر ، نادى بغربته حتى
يرجع إلى طبقه !
ونفهم منها دور أهل بيت النبي في حفظ القرآن حيث جعلهم الله تعالى توأما له
وقال عنهم النبي صلى الله عليه وآله في الحديث الصحيح عند الجميع ( وإن اللطيف
الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض ، فانظروني بم تخلفوني فيهما ) رواه أحمد ج 3
ص 17 ونحوه مسلم والهيثمي وغيرهم . . .
كما نفهم من التكفل الإلهي بحفظ القرآن أن خطرا حقيقا سيحدث عليه ، وأن
وضع الأمة بعد نبيها سوف لا يكفي لحفظه بدون ضمان رباني استثنائي !
فأين هذا الخطر الذي واجه القرآن في تاريخنا الإسلامي ؟ وهل نكتفي بذكره
بالعموميات والخطابيات ، دون أن نبحث عنه ونحاول أن نضع يدنا عليه . . . ؟
في اعتقادي أنا لا نجد في تاريخ القرآن خطرا على نصه أشد من الفترة التي تلت وفاة
النبي صلى الله عليه وآله إلى . . أن تم تدوينه في عهد الخليفة عثمان . . وهو ما حاولت
أن أقدمه في هذا الكتاب بشئ من العمق والصراحة . . والله الموفق .
الحوزة العلمية بقم المشرفة - غرة محرم الحرام 1418
علي الكوراني العاملي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 5 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 6 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 7 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 8 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 9 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 10 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 11 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 12 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 13 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 14 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 15 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الأول : قصة اتهام الشيعة بتحريف القرآن

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 16 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 17 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

التهمة الجديدة القديمة

تعودنا نحن الشيعة على تلقي التهم ، وتحملها . . فبدأت محنتنا من يوم وفاة النبي
صلى الله عليه وآله . . فنحن في تاريخ الإسلام معارضة ، والمعارضة لا بد أن تتحمل
ضريبة إعلام الدولة واضطهادها وأذاها . . وتتحمل من عوام الدولة تهمهم ومضايقاتهم
أذاهم . .
ولم تختلف علينا العصور إلا في شدة الحملة وخفتها . . فأحيانا تحدث عوامل تخفيف
فيقل الاتهام والاضطهاد وأحيانا تحدث عوامل توجب شدة الموجة ، أو حدوث
موجة جديدة !
والذي حدث في عصرنا أن الشيعة ارتكبوا ذنبا كبيرا ومعصية يصعب غفرانها . .
فقد ثار شيعة إيران على شاههم بفتوى مرجع ديني ، فغضب لذلك الغرب واليهود ،
وغضب كثير من حكام المسلمين . . وبدؤوا الصراع مع الدولة الشيعية .
ثم ما لبث الكتاب والباحثون من خصوم الشيعة أن غضبوا أيضا . . فحدثت موجة
جديدة من التهجم على ( مذهب التشيع ) تكرر التهم القديمة ، وتبحث عن جديد إن
استطاعت . .
ومن التهم المؤذية التي وجهوها إلينا : أن الشيعة لا يعتقدون بالقرآن الكريم !
والسبب أنه توجد في مصادرهم روايات تدعي أن القرآن وقع فيه تحريف ، ولا بد أنهم
يعتقدون بها ! . .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 18 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد روج مبغضوا الشيعة لهذه التهمة ، وبالغوا فيها ، وشنعوا بها علينا ، ونشروا
حولها الكتب والمناشير ، حتى زعم بعضهم أن الشيعة ليسوا مسلمين ، لأن من أنكر
القرآن وادعى أن القرآن الذي نزل على رسول الله صلى الله عليه وآله قرآن آخر ،
فهو كافر بالقرآن ، وخارج عن الإسلام .

نموذج من نصوص التهمة

قال الكاتب الهندي الوهابي إحسان إلهي ظهير في كتابه ( الشيعة والسنة ) صفحة
65 تحت عنوان ( الشيعة والقرآن ) :
( من أهم الخلافات التي تقع بين السنة والشيعة هو اعتقاد أهل السنة بأن القرآن
المجيد الذي أنزله الله على نبينا صلى الله عليه وسلم هو الكتاب الأخير المنزل من عند
الله إلى الناس كافة وأنه لم يتغير ولم يتبدل . وليس هذا فحسب بل إنه لن يتغير ولن
يتحرف إلى أن تقوم الساعة . وهو الموجود بين دفتي المصاحف لأن الله قد ضمن حفظه
وصيانته من أي تغيير وتحريف وحذف وزيادة ، على خلاف الكتب المنزلة القديمة
السالفة ، من صحف إبراهيم وموسى ، وزبور وإنجيل وغيرها ، فإنها لم تسلم من
الزيادة والنقصان بعد وفاة الرسل ، ولكن القرآن أنزله سبحانه وتعالى وقال إنا نحن نزلنا
الذكر وإنا له لحافظون . الحجر - 9 وقال إن علينا جمعه وقرآنه ، فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ، ثم إن
علينا بيانه . القيامة 17 - 19 وقال لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم
حميد . حم السجدة - 42 .
وإن عدم الإيمان بحفظ القرآن وصيانته يجر إلى إنكار القرآن وتعطيل الشريعة التي
جاء بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لأنه حينذاك يحتمل في كل آية من آيات
الكتاب الحكيم أنه وقع فيها تبديل وتحريف ، وحين تقع الاحتمالات تبطل الإعتقادات
والإيمانيات ، لأن الإيمان لا يكون إلا باليقينيات وأما بالظنيات والمحتملات فلا .
وأما الشيعة فإنهم لا يعتقدون بهذا القرآن الكريم الموجود بأيدي الناس ، والمحفوظ
من قبل الله العظيم ، مخالفين أهل السنة ، ومنكرين لجميع النصوص الصحيحة الواردة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 19 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
في القرآن والسنة ، ومعارضين كل ما يدل عليه العقل والمشاهدة ، مكابرين للحق
وتاركين للصواب .
فهذا هو الاختلاف الحقيقي الأساسي بين أهل السنة والشيعة ، بين المسلمين
والشيعة لأنه لا يكون الإنسان مسلما إلا باعتقاده أن القرآن هو الذي بلغه رسول الله
صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة بأمر من الله عز وجل . وإنكار القرآن ليس إلا
تكذيبا بالرسول .
وقال في هامشه : ولقد كان الشيخ السيد محب الدين الخطيب صادقا في رسالته
( الخطوط العريضة ) حين قال : وحتى القرآن الذي كان ينبغي أن يكون المرجع الجامع
لنا ولهم على التقارب والوحدة ، هم لا يعتقدون بذاك ، ثم ذكر بعض الأمثلة من
صفحة 9 إلى 16 التي تدل على أن الشيعة لا يعتقدون بالقرآن الذي في أيدينا وأيدي
الناس بل يظنونه محرفا مغيرا وناقصا .
وقد رد عليه لطف الله الصافي في ( مع الخطيب في خطوطه العريضة ) من ص 48
إلى ص 82 بحماس وشدة وأنكر اعتقاد الشيعة تحريف القرآن وتغييره إنكارا لا يستند
إلى دليل وبرهان .
فأولا : ما استطاع الشيخ الشيعي ( لطف الله الصافي ) أن ينكر ما ذكره الخطيب
من نصوص الشيعة الدالة على التحريف والتغيير في القرآن ، كما لم يستطع إنكار
كتاب الحاج ميرزا حسين بن محمد تقي النوري الطبرسي ومرتبته وشأنه عند الشيعة ،
بل قد اعترف بتضلعه في الحديث وعلو مقامه عندهم .
ثانيا : ذكر الصافي نفسه بعض العبارات التي هي بمنزلة الاعتراف باعتقاد الشيعة
بالتحريف في الكتاب المبين .
ثالثا : التجأ الشيخ الشيعي أخيرا إلى أنه لا ينبغي أن يثار مثل هذا الموضوع لأنه
يعطي سلاحا في أيدي المستشرقين للرد على المسلمين بأن القرآن الذي يدعونه محفوظا
مصونا قد وقع فيه الخلاف أيضا مثل التوراة والإنجيل .
فقوله هذا ، ليس إلا إقرارا واعترافا بالجريمة ، وإلا فالمسألة واضحة كما سيجئ
مفصلا إن شاء الله .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 20 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
رابعا : إن الصافي لم يورد في مبحثه حول القرآن رواية من الاثني عشر - المعصومين
عندهم - تدل وتنص على اعتقادهم بعدم التحريف في القرآن ، بخلاف الخطيب فإنه
ذكر روايتين عن الاثنين منهم تصرح بأن القرآن وقع فيه التغيير والتحريف ، وها نحن
ذاكرون عديدا من الأحاديث والروايات من كتبكم أنتم أيها الصافي التي لا تقبل الشك
في أن الشيعة اعتقادهم في القرآن هو كما ذكره الخطيب رحمه الله ولا تنكرونه إلا تقية
وخداعا للمسلمين .
ثم قال إحسان ظهير في صفحة 69 :
من المجرم أيها السادة العلماء والفضلاء ؟ ومن صاحب الجريمة ؟
الذي يرتكب الجريمة ويكتسب العار ، أم الذي يدل على الجريمة المرتكبة ، وعلى
الفضيحة المكتسبة ؟
والرواية ليست واحدة وثنتين بل هناك روايات وأحاديث عن الشيعة تدل وتخبر بأن
القرآن عندهم غير محفوظ من التغيير والتبديل ، وليس هذا القرآن الموجود قرآن الشيعة ،
بل هذا القرآن عندهم مختلق بعضه ومحرف بعضه ، فانظر ما يرويه الشيعة عن أبي جعفر
فيقول صاحب بصائر الدرجات ( حدثنا علي بن محمد عن القاسم بن محمد عن سليمان
بن داود عن يحيى بن أديم عن شريك عن جابر قال قال أبو جعفر : دعا رسول الله
أصحابه بمنى فقال : يا أيها الناس إني تارك فيكم حرمات الله ، كتاب الله وعترتي ،
والكعبة البيت الحرام . ثم قال أبو جعفر : أما كتاب الله فحرفوا ، وأما الكعبة فهدموا ،
وأما العترة فقتلوا ، وكل ودايع الله فقد تبروا ) .
ثم قال إحسان ظهير في صفحة 73 :
( ويؤيد هذه الرواية ذلك الحديث الشيعي المشهور الذي رواه محمد بن يعقوب
الكليني عن جابر الجعفي قال : سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول : ما ادعى أحد من
الناس أنه جمع القرآن كله كما أنزل إلا كذاب ، وما جمعه وحفظه كما أنزل إلا علي
بن أبي طالب والأئمة بعده ) الكافي في الأصول - كتاب الحجة ، باب أنه لم يجمع
القرآن كله إلا الأئمة - ج 1 ص 228 - ط طهران .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 21 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم قال في صفحة 117 :
وأما القول بأن مثل هذه الروايات توجد عند السنة فليس إلا كذبا وافتراء ، فالحق
أنه لا يوجد في كتب أهل السنة المعتمد عليها رواية واحدة صحيحة تدل على أن
القرآن الذي تركه رسول الله صلى الله عليه وسلم عند وفاته نقص منه أو زيد عليه ،
بل صرح أهل العلم من المسلمين بأن من يعتقد مثل هذا فقد خرج عن الملة الحنيفية
البيضاء ، كما أنهم نصوا على أن الشيعة هم القائلون هذا القول الخبيث .
فهذا الإمام ابن حزم الظاهري يقول في كتابه العظيم ( الفصل في الملل والنحل ) ما
نصه ( ومن قول الإمامية كلها قديما وحديثا أن القرآن مبدل زيد فيه ما ليس منه
ونقص منه كثير وبدل منه كثير .
وقال أيضا ردا على قول الشيعة إن القرآن محرف ومغير فيه : وأعلموا أنه لو رام
اليوم أحد أن يزيد في شعر النابغة أو شعر زهير كلمة أو ينقص أخرى ما قدر لأنه كان
يفتضح في الوقت ، وتخالفه النسخ المثبتة ، فكيف القرآن في المصاحف وهي من آخر
الأندلس ، وبلاد البربر ، وبلاد السودان إلى آخر السند ، وكابل ، وخراسان ، والترك ،
والصقالبة ، وبلاد الهند فما بين ذلك - فظهر حمق الرافضة .
وقال الأصولي الشافعي المعروف : الأول في الكتاب ، أي القرآن وهو ما نقل إلينا
بين دفتي المصاحف تواترا .
وقال الأصولي الحنفي : أما الكتاب فالقرآن المنزل على الرسول عليه السلام ،
المكتوب في المصاحف ، المنقول عنه نقلا متواترا بلا شبهة .
وقال الآمدي : وأما حقيقة الكتاب هو ما نقل إلينا بين دفتي المصاحف نقلا
متواترا .
وقال السيوطي بعد ما ذكر الأقوال بأن القرآن جمعه وترتيبه ليس إلا توقيفيا ، قال
: قال القاضي أبو بكر في الإنتصار : الذي نذهب إليه أن جميع القرآن أنزله الله وأمر
بإثبات رسمه ، ولم ينسخه ولا رفع تلاوته بعد نزوله ، هو هذا الذي بين الدفتين ، الذي
حواه مصحف عثمان ، وإنه لم ينقص منه شئ ولا زيد فيه .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 22 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال البغوي في شرح السنة : إن الصحابة رضي الله عنهم جمعوا بين الدفتين ،
القرآن الذي أنزله الله على رسوله من غير أن زادوا أو نقصوا منه شيئا .
وقال الخازن في مقدمته تفسيره : وثبت بالدليل الصحيح أن الصحابة إنما جمعوا
القرآن بين الدفتين كما أنزله الله عز وجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، من
غير أن زادوا فيه أو نقصوا منه شيئا . . . فكتبوه كما سمعوه من رسول الله صلى الله
عليه وسلم من غير أن قدموا أو أخروا شيئا ، أو وضعوا له ترتيبا لم يأخذوه من رسول
الله صلى الله عليه وسلم . . . فإن القرآن مكتوب في اللوح المحفوظ على النحو الذي
هو في مصاحفنا الآن .
هذا وقد بوب الإمام البخاري بابا في صحيحه بعنوان : باب من قال لم يترك النبي
صلى الله عليه وسلم إلا ما بين الدفتين . ثم ذكر تحت ذلك حديثا : إن ابن عباس قال
في جواب من سأل : أترك النبي صلى الله عليه وسلم من شئ ؟ قال : ما ترك إلا ما
بين الدفتين ، وهكذا قاله محمد بن علي بن أبي طالب المعروف بابن الحنفية .
فهذا ما رواه بخارينا ، وذاك ما رواه بخاريهم ، وهذا ما قاله أئمة أهل السنة ، وذلك
ما قاله أئمتهم .
وهناك نصوص أخرى في هذا المعنى ، فيقول الإمام الزركشي في كتاب ( البرهان )
بعد ذكر قول القاضي في ( الإنتصار ) وذلك دليل على صحة نقل القرآن وحفظه
وصيانته من التغيير ، ونقض مطاعن الرافضة فيه من دعوى الزيادة والنقص ، كيف وقد
قال تعالى إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون وقوله إن علينا جمعه وقرآنه وأجمعت الأمة أن
المراد بذلك حفظه على المكلفين للعمل ) . انتهى محل الحاجة من كلامه .

الهدف من تحويل المسألة النظرية إلى مسألة عملية

ما هو الهدف من هذه العشرات من الكتب والمنشورات التي كتبها بعض الكتاب من
قلوب تفيض ببغض الشيعة ، وقام آخرون بطباعتها وتوزيعها ونشرها في أنحاء العالم . .
ومن أبرزها كتب هذا المؤلف الهندي التي يوزعونها مجانا خاصة على الحجاج في موسم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 23 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الحج . ويبيعونها في المكتبات بثمن بخس . . ومعها أشرطة مسجلة تكفر الشيعة
وتخرجهم من الإسلام !
إن الطبعة التي نقلنا منها فقرات التهمة للشيعة هي الطبعة الثلاثون من كتاب يتهمنا
بالكفر وعدم الإعتقاد بالقرآن ، وقد طبعت في لاهور - باكستان ، وذكر فيها عناوين
ثلاث عشرة مكتبة للتوزيع في السعودية !
هل أن السبب في تبني خصوم الشيعة لهذا ( الباحث ) وكتبه أكثر من غيره ، أنه
أفتى بكفر الشيعة وهدر دمائهم وإباحة أعراضهم ، وأسس مع أشكاله منظمة إرهابية في
باكستان لقتل الشيعة باسم ( ميليشيا الصحابة ) تخصصت بمهاجمة مساجد الشيعة ،
وقتلت أكبر عدد ممكن منهم في حال صلاتهم في مساجدهم ! أو في حال إقامتهم
مجالس التعزية في حسينياتهم في ذكرى شهادة الإمام الحسين عليه السلام !
أم السبب أنهم وجدوا أن كتب هذا المؤلف هي أقوى ما كتب ضد الشيعة بأسلوب
( علمي ) فأحبوا أن يطلع الناس على حقيقة الشيعة من قلم هذا المؤلف القدير ونتاجه
الموضوعي ؟ !
وآخر ما قرأت في هذه التهمة ما توصل إليه ( دكتور ) وهابي ادعى أن الشيعة في
مسألة تحريف القرآن قسمان : قسم يعتقد بتحريف القرآن ونقصه ، وهم عدد من
علمائهم القدماء والمتأخرين . وهؤلاء تنطبق عليهم فتاوي إحسان ظهير وأمثاله . وقسم
يوافق السنة على الإعتقاد بعدم تحريف القرآن ، وهم عدد من علمائهم القدماء
والمتأخرين . وهؤلاء لا يصح تكفيرهم من هذه الجهة ، وإن صح تكفيرهم لمغالاتهم في
أهل البيت وما يوجبه ذلك من شرك وخروج عن الإسلام ! !
ماذا يمكن أن يكون هدف هؤلاء الكتاب ، وأولئك الناشرين ؟
وهل كتب علينا نحن الشيعة أن ندفع دائما الثمن ، وتتوالى علينا سهام الافتراءات
والتهم ؟ وأن يكون جواب دعوتنا إلى الوحدة مع إخواننا السنة لمقابلة موجة العداء
العالمية للإسلام ، أن نفاجأ بتحالف النواصب والأجانب ، ثم يقال لنا : اعترفوا بالكفر
والخروج عن الدين ، أو تبرؤوا من أهل بيت النبي الطاهرين ، الذين أوصى بهم النبي
صلى الله عليه وآله إلى جنب القرآن ! !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 24 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

تحرير المسألة

يقول علماء أصول الفقه : لا بد قبل البحث في المسألة من تحرير محل النزاع فيها . .
وهو كلام علمي تماما ، لأن خلط الموضوعات يوجب خلط الأحكام ، فلا بد من
إعراب المسألة الخلافية وفك الارتباط بين مفرداتها قبل طرحها للبحث . .
هذه هي المشكلة الأولى في مسألتنا . .
والمشكلة الثانية . . هي التهويل والكلام الفارغ عن المحتوى . .
فإذا استطعنا في هذه الدراسة أن نبتعد عن هاتين المشكلتين ، نكون توفقنا بعون الله
تعالى إلى تقديم بحث علمي نافع للمسلمين حول القرآن الكريم ، الركن الأهم والثقل
الأكبر في الإسلام ، وإلى نفي تلك التهمة الكاذبة عن مذهب أهل بيت النبي عليهم
السلام الذين أوصى بهم النبي صلى الله عليه وآله جنبا إلى جنب القرآن .
إن البحث في موضوع مقدس كالقرآن ، وفي مسألة قرآنية خطيرة كمسألتنا . .
يوجب على الباحث الذي يحترم نفسه وقلمه ، أن يراعي الأصول التالية :
أولا : معرفة نوع المسألة ، وهل هي مسألة علمية محضة أم مسألة عملية ؟ هل
المشكلة أنه توجد في مصادر المسلمين وبطون الكتب روايات تتنافى مع صيانة القرآن
وسلامته ؟ أم المشكلة أن أناسا منهم يعتقدون بتحريف القرآن ، لكي نثبت لهم سلامته
وندعوهم إلى الإيمان به ؟
ثانيا : العدالة في النظر إلى الروايات الواردة في مصادر الشيعة والسنة معا . أما أن
يرى الكاتب الروايات التي في مصادر الشيعة ويغمض عينيه عما في مصادر السنة ، كما
فعل الكتاب الجدد الذين وجهوا التهمة إلى الشيعة في عصرنا . . فهذا عمل لا ينسجم
مع العدالة والموضوعية .
ثالثا : التتبع الواسع للروايات وتحري الدقة في نقلها وتحليلها والاستنتاج منها .
وإذا راعينا هذه الأصول في مسألتنا ، نجد أن واقعها ليس أكثر من وجود روايات في
مصادر الشيعة تقول بنقص القرآن . . وفي مقابلها توجد روايات في مصادر السنة تقول بنقص
القرآن ، وروايات أخرى تقول بزيادته ، وروايات أخرى تجوز التصرف في نص القرآن .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 25 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وإذا نظرنا إلى واقع المسلمين الشيعة والسنة نجدهم مجمعين والحمد لله على صحة
نسخة القرآن الموجودة في طول بلاد الشيعة وعرضها ، وطول بلاد السنة وعرضها ، لا
يعرفون قرآنا غيرها .
فكيف يصح لكاتب والحال هذه أن يصدر حكمه ويقول : إن الطائفة الفلانية
يعتقدون بالأمر الفلاني أو لا يعتقدون به ، فإن كلمة ( يعتقدون ) تعني أن ذلك الأمر
موجود في مصادرهم ويقبله علماؤهم ويعتقدون به ويدرسونه لعوامهم ، فهو من
عقائدهم المعاشة في مجتمعاتهم ، كعقيدة الإمامة ، وانتظار الإمام المهدي عليه السلام ،
عند الشيعة .
إن الفرق كبير بين وجود مطلب في مصادر طائفة من المسلمين ، وبين أن يكون
مقبولا عند بعض علمائها أو كلهم . . وحتى لو كان مقبولا عند بعض العلماء فلا يعني
ذلك أنه صار من عقائد طائفتهم ، إلا إذا كان أولئك العلماء باعتراف الطائفة ممثلين
لمذهبها . فطبيعة المشكلة إذن نظرية محضة لا عملية ، لأن العلماء المعاصرين من السنة
والشيعة لا يأخذون بهذه الروايات ، بل يردونها أو يؤولونها . . فلا معنى لإصرار
الكاتب على تحويلها إلى مشكلة عملية إلا أنه صاحب جدل وهدف غير نزيه . . وهذا ما
ارتكبته الكتابات التي اتهمت الشيعة بأنهم لا يؤمنون بالقرآن !
فلو عكسنا القضية وقلنا إن السنة يعتقدون بتحريف القرآن ، لأن روايات التحريف
موجودة في مصادرهم ، فهل يقبل ذلك منا أمثال هذا الكاتب ؟ !
وإذا استخرجنا له روايات التحريف من مصادرهم وقبلها منا بسبب ضعفه أو
جهله ، فهل نكون موضوعيين في حكمنا على السنة بأنهم يعتقدون بتحريف القرآن ؟
كلا ، إن غاية ما نستطيع قوله : إنه توجد في مصادرهم روايات تدل على تحريف
القرآن ، ولا ندري موقف علمائهم المعاصرين منها ، فقد يقبلونها وقد لا يقبلونها . .
ثم إذا قبلوها وأولوها بتأويلات لا تتنافى باعتقادهم مع صيانة القرآن ، فهل يصح
التهريج عليهم بأنكم اعتقدتم بتحريف القرآن وخرجتم بذلك عن الإسلام . . إلى آخر
الأحكام التي أصدرها على الشيعة خصومهم ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 26 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مثلا ، يعتقد الشيعة بأن القرآن نزل من عند الواحد ، على حرف واحد ، على نبي
واحد . . على حد تعبير أئمتنا من أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله ، ويعتقد إخواننا
السنة أنه نزل على سبعة أحرف ، يعني بسبعة أشكال ، والأشكال السبعة كلها قرآن
منزل . أو نزل بأحرف على عدد لغات العرب . . وكلها قرآن منزل !
وعندما تسألهم : هل القرآن واحد أو متعدد ؟ يجيبون : هو واحد .
تسألهم : كيف قلتم إنه نزل سبعة ؟ !
يقولون : نعم ، هو واحد ، ولكن سبعة !
فهل يصح أن نهول عليهم ونقول إنكم لا تعتقدون بالقرآن الواحد ، وتعتقدون بأنه
سبعة قرائين ؟
كلا ، إنها شبهة عرضت لهم بسبب تبني الخليفة عمر لهذا الرأي وتفسيره الأحرف
السبعة التي وردت في حديث النبي صلى الله عليه وآله بأن معاني القرآن سبعة أقسام ،
ففسرها الخليفة عمر بألفاظ القرآن وأنه نزل من عند الله تعالى سبعة أشكال ، ويجوز
للمسلم أن يقرأه بأي شكل منها . . فوقعوا في مشكلة أن الواحد سبعة والسبعة واحد !
إن مسألة القرآن أكثر دقة وتفصيلات ، وعلى الباحثين في العقائد أن يلتفتوا أنه لا
يصح التبسيط في الأمر المركب ، ولا الحكم على صوره وحالاته بالجملة ، بل يجب
تشخيص الحالة بدقة ، ثم إصدار الحكم على قدرها .
ومثال آخر أكثر وضوحا :
هل يقبل هؤلاء الكتاب الذين أصدروا حكمهم على الشيعة بأنهم يعتقدون بتحريف
القرآن ، أن يؤلف باحث شيعي كتابا يقول فيه إن السنيين يؤمنون بنبوة عمر بن
الخطاب ولا يؤمنون بنبوة نبينا محمد صلى الله عليه وآله ؟ ! ثم يسوق لذلك روايات
من صحاحهم المعتمدة تذكر أن النبي كان يرى رأيا وعمر يرى رأيا ، ثم ينزل القرآن
مخطئا رأي النبي ومؤيدا رأي عمر ! أو أن النبي كان يخطئ الخطأ الفاحش فيستنكر ذلك
عمر وينهاه عنه ، فيتدارك النبي أخطاءه ويصحح مواقفه بتسديد عمر ! ثم يسرد لذلك
مجموعة شواهد . . مثل مسألة أسرى بدر ، ومسألة حجاب نساء النبي ، ومسألة أمر
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 27 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
النبي المزعوم للمسلمين أن يذبحوا جمالهم في مؤتة ، ومسألة أمر النبي المزعوم بقطع نخيل
خيبر وكروم الطائف فنهاه عمر . . حتى أن بعض محبي الخليفة ألفوا كتبا ونظموا
قصائد في موافقات الله تعالى لعمر ، يعنون بذلك نزول القرآن أو الوحي بتخطئة رأي
النبي صلى الله عليه وآله وتأييد رأي عمر ! !
والأعظم من ذلك أنه عندما تقع مواجهة بين عمر والنبي صلى الله عليه وآله كما
حدث في طلب النبي من الحاضرين في مرض وفاته أن يأتوه بدواة وقرطاس ليكتب لهم
وصيته لتأمينهم مدى الأجيال من الضلال ، فعارض ذلك عمر وأيده أكثر الحاضرين
حتى غلبوا النبي ومنعوه من كتابة وصيته ! !
وإلى يومنا هذا يقف إخواننا السنة إلى جانب عمر ويبررون عمله ، ولعلهم يخطئون
النبي كيف طلب الورق والدواة لكتابة وصيته ، وأراد أن يؤمن أمته من الضلال ! !
هل يصح أن نجعل من ذلك مشكلة عملية مع إخواننا السنيين وندعوهم إلى الإيمان
بنبوة نبينا محمد صلى الله عليه وآله ، وترك القول بنبوة عمر ؟ !
وإذا قال لنا علماء السنة : إنا نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، ولا
نقول بنبوة عمر ، بل نرى أن عمر فرد من المسلمين ، يجب عليه أن يكون مطيعا للنبي
إطاعة كاملة ! فهل يصح منا أن نصر عليهم ونقول لهم : كلا لا نقبل منكم ؟ !
تلك هي مشكلتنا مع هؤلاء الباحثين الجدد الذين رفعوا في هذه السنوات راية عدم
إيمان الشيعة بالقرآن ، بسبب أنه توجد في مصادرهم روايات تقول بحذف آيات منه
نزلت في حق أهل البيت عليهم السلام !

معنى القول بتحريف القرآن

يطلق هذا التعبير على ادعاء التحريف اللفظي أو التحريف المعنوي ، أو كليهما .
وأهم أقسام التحريف اللفظي :
1 - القول بوجود نقص في القرآن ، أي كلمات أو آيات أو سور أنزلها الله تعالى ،
وكانت جزء منه ، ثم ضاعت أو حذفت منه لسبب وآخر .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 28 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
2 - القول بوجود زيادة في القرآن ، أي كلمات أو آيات أو سور لم ينزلها الله
تعالى ، ثم أضيفت إلى القرآن لسبب وآخر .
3 - القول بوجود الزيادة والنقصان معا في القرآن .
4 - القول بأن القرآن نزل من عند الله تعالى بأكثر من نص ، ولم ينزل بنص واحد ،
بل نزل بالقراءات السبع أو العشر ، أو بكل لغات العرب . . فهي جميعا قرآن منزل من عند
الله تعالى ، لأنها مروية عن النبي صلى الله عليه وآله ، أو مجازة منه ، أو من صحابته .
5 - القول بأن القرآن نزل من عند الله تعالى بالمعنى لا بالألفاظ ! وأن نصه مفتوح
للقراءة بأي صيغة ، فيجوز قراءته بالمعنى بشرط أن يكون بألفاظ عربية وأن لا يغير
القارئ معانيه الأساسية كأن يجعل العذاب مغفرة والمغفرة عذابا !
6 - القول بأن القرآن الذي أنزله الله تعالى على رسوله محمد صلى الله عليه وآله
كتاب آخر غير هذا الموجود بأيدي المسلمين ، وإنكار هذا القرآن الموجود والعياذ بالله !
وأهم أقسام التحريف المعنوي :
1 - تأويل القرآن تبعا للهوى والأغراض الدنيوية ، وهو التأويل الذي أخبر النبي
صلى الله عليه وآله أنه سيقع في أمته ، فقد روى السنة والشيعة روايات صحيحة أن
النبي أخبر بأن عليا سوف يقاتل قريشا على تأويل القرآن ، كما قاتلهم النبي على تنزيله .
كما في الترمذي ج 5 ص 298 وصححه ، والحاكم ج 3 ص 122 و ج 4 ص 298 وصححهما على شرط
الشيخين ، وأحمد ج 3 ص 82 وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ج 9 ص 133 ( رواه أحمد ورجاله رجال
الصحيح غير فطر بن خليفة وهو ثقة ) .
2 - تفسير القرآن خارج الضوابط التي عينها النبي صلى الله عليه وآله ، وهي
ضوابط في المفسر وفي منهج التفسير . وقد ثبت بحديث إني تارك فيكم الثقلين أن النبي
صلى الله عليه وآله عين عترته مفسرين شرعيين للقرآن ، فلا يجوز تجاوز تفسيرهم ،
كما ثبت تحريم تفسير القرآن بالظنون والترجيحات والاحتمالات .
فالتفسير غير الشرعي إن كان عن هوى دنيوي دخل في التأويل ، وإلا فهو منهج
خاطئ في تفسير كتاب الله تعالى ، وفي كلا الحالتين يصح أن يسمى تحريفا لمعانيه .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 29 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أما التأويل الصحيح فليس تحريفا ولا تأويلا مذموما ، بل هو علم الكتاب
المخصوص بأهله الراسخين في العلم ، الذين آتاهم الله تعالى الكتاب والحكمة و علمهم
تأويل الأحاديث . وهم عندنا عترة النبي صلى الله عليه وآله الذين نص عليهم .
واختلف إخواننا السنة في تحديد الراسخين في العلم الذين عندهم علم الكتاب ، فادعاه
بعضهم لبعض الصحابة ، ونفى بعضهم وجودهم في الأمة ، حتى أنه لما رأى أن قوله
تعالى قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب لا يمكن تفسيرها بغير علي ،
حرف الآية وقرأ ( من ) فيها بالكسر ، فقال ( ومن عنده علم الكتاب ) ليكون المعنى :
وعند الله علم الكتاب !

معنى المصادر المعتمدة

يختلف معنى المصادر المعتمدة في الحديث والتفسير والتاريخ والفقه عندنا عن معناه
عند إخواننا السنة ، فروايات مصادرنا المعتمدة وفتاواها جميعا قابلة للبحث العلمي
والاجتهاد عندنا . . ولكل رواية في هذه المصادر أو رأي أو فتوى ، شخصيتها العلمية
المستقلة ، ولا بد أن تخضع للبحث العلمي .
أما إخواننا السنيون فيرون أن مصادرهم المعتمدة فوق البحث العلمي ، فصحيح
البخاري عندهم كتاب معصوم ، كله صحيح من الجلد إلى الجلد ، بل أصح كتاب بعد
كتاب الله تعالى ، ورواياته قطعة واحدة ، فإما أن تأخذها وتؤمن بها كلها ، أو تتركها
كلها . وبمجرد أن تحكم بضعف رواية واحدة من البخاري فإنك ضعفته كله ،
وخرجت عن كونك سنيا . . وصرت مخالفا للبخاري ، ولأهل السنة والجماعة !
وينتج عن هذا الفرق أن الباحث الشيعي يمكن أن يبحث جديا في رواية من كتاب
الكافي ، ويتوصل إلى التوقف في سندها ، أو إلى الإعتقاد بضعف سندها ، فلا يفتي بها ،
ولا يضر ذلك في إيمانه وتشيعه . . بينما السني محروم من ذلك ، وإن فعل صدرت فيه
فتاوى الخروج عن مذاهب أهل السنة ، وقد يتهم بالرفض ومعاداة الصحابة !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 30 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وينتج عنه أن الباحث إذا وجد رواية في تحريف القرآن في البخاري فإن من حقه أن
يلزم السني بأن الإعتقاد بتحريف القرآن جزء من مذهبه ! بينما إذا وجد رواية مثلها في
الكافي لا يستطيع أن يلزم الشيعي بأنها جزء من مذهبه حتى يسأله : هل تعتقد بصحتها
أم لا ؟ أو هل يعتقد مرجع تقليدك بصحتها أم لا ؟ فإن أجابه نعم ، ألزمه بها ، وإلا فلا .

الصيغة العلمية ل‍ ( التهمة )

صار بإمكاننا الآن أن نضع صيغة علمية للتهمة ، وذلك بأن نسأل هذا الكاتب
وأمثاله :
- ماذا تقصد بقولك : إن الشيعة يعتقدون بتحريف القرآن فهم غير مسلمين ؟
- أقصد التحريف اللفظي طبعا ، وليس المعنوي .
- حسنا ، أي أقسام التحريف اللفظي تقصد ؟
- القول بنقص القرآن ، وأنه حذف منه آيات نزلت في مدح أهل البيت وذم
مخالفيهم .
- إذن روايات التهمة كلها تدور حول أن نسخة القرآن الفعلية ناقصة ، فهل رأيت
نصا في مصادرنا يقول بزيادة سورة أو كلمة في القرآن الموجود ؟
- كلا ، لم أر نصا يقول بذلك .
- الحمد لله على أنه لا توجد في مصادر الشيعة روايات تدعي الزيادة في القرآن
، فالقرآن الموجود محل اتفاق ، والروايات التي هي محل الكلام تدعي وجود إضافة لما هو
موجود . هذا هو تحديد التهمة .
وإن من أبسط أصول العدالة إذا وجه إليك أخوك تهمة ما ، أن تقول له : أنظر أيها
الأخ إلى نفسك . . فإن رأيت نفس التهمة موجودة فيك ، فكن أنت الحكم ، وأصدر
الحكم على بما تصدره على نفسك ! !
لذا نرجو أن يسمح لنا إخواننا السنة بأن نسجل تهمة أخرى لمصادرهم بأنها يوجد
فيها روايات كثيرة في تحريف القرآن ، أكثر وأخطر من التي عندنا ، ففيها روايات تدعي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 31 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
نقص القرآن وتقول إن القرآن الموجود لا يبلغ ثلث القرآن المنزل . . وروايات تقول
بوجود سور وآيات زيدت على القرآن . . وروايات أخرى تقول بأن ما نزل من عند
الله تعالى ليس قرآنا واحدا بل هو قرائين متعددة بعدد لهجات قبائل العرب !
ثم تبلغ المصيبة أوجها عندما نجد في مصادرهم أحاديث ( موثقة ) تحرر المسلمين من
النص القرآني وتجوز قراءته بالمعنى . . وتدعي أن كل قراءة له تكون قرآنا منزلا من عند
الله تعالى ! !
ومع كل هذا . . فنحن نوجه التهمة إلى تلك المصادر وأصحاب تلك الروايات ، ولا
نصدر الحكم على إخواننا السنة بأنهم يعتقدون بتحريف القرآن ، ولا نكفر ملايين
المسلمين لأنهم لا بد أنهم يعتقدون بتلك الروايات !
* *
كنا نأمل أن تتوقف موجة التهمة لنا بأنا لا نعتقد بالقرآن ، أو أن يقف بعض
إخواننا علماء السنة فيجيبوا أصحاب هذه التهمة ، ويأخذوا على يد السفهاء الذين
يرفعونها شعارا ضد الشيعة . . .
ولكنا لم نر شيئا من ذلك مع الأسف . . فكان لا بد أن نستخرج نماذج من روايات
مصادر إخواننا في هذه الصفحات ، راجين أن يعالجوها معالجة علمية كما نعالج
الروايات التي في مصادرنا ، وأن ينتهي هذا التنابز والتهريج بأن الشيعة أو السنة لا
يؤمنون بالقرآن . . حتى تتوجه جهودنا وجهودهم إلى بحوث القرآن وتعريف المسلمين
بجواهره وكنوزه . . ودعوة العالم إلى هداه . . فذلك خير لنا عند الله وعند الناس .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 32 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 33 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الثاني : خلاصة ردود علماء الشيعة

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 34 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 35 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
صدرت عن علماء الشيعة ردود عديدة على تهمة القول بتحريف القرآن ، نذكر
خلاصة أفكارها بما يلي :

1 - أن واقع الشيعة في العالم يكذب التهمة

فالشيعة ليسوا طائفة قليلة تعيش في قرية نائية أو مجتمع مقفل ، حتى يخفى قرآنهم
الذي يعتقدون به ويقرؤونه . بل هم ملايين الناس وعشرات الملايين ، يعيشون في أكثر
بلاد العالم الإسلامي ، وهذه بلادهم وبيوتهم ومساجدهم وحسينياتهم ومدارسهم
وحوزاتهم العلمية ، لا تجد فيها إلا نسخة هذا القرآن . . ولو كانوا لا يعتقدون به
ويعتقدون بغيره دونه أو معه ، فلماذا يقرؤونه في بيوتهم ومراكزهم ومناسباتهم ولا
يقرؤون غيره ؟ ولماذا يدرسونه ولا يدرسون غيره ؟ !

2 - ومذهب التشيع مبني على التمسك بالقرآن والعترة

قام مذهب التشيع لأهل بيت النبي صلى الله عليه وآله على الإعتقاد بأن الله تعالى
أمر نبيه صلى الله عليه وآله بأن يوصي أمته بالتمسك بعده بالقرآن وعترة النبي ، لأنه
اختارهم للإمامة وقيادة الأمة بعد نبيه صلى الله عليه وآله .
وحديث الثقلين حديث ثابت عند الشيعة والسنة ، فقد رواه أحمد في مسنده ج 3
ص 17 ( عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إني أوشك أن أدعى
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 36 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فأجيب وإني تارك فيكم الثقلين كتاب الله عز وجل وعترتي . كتاب الله حبل ممدود من السماء
إلى الأرض ، وعترتي أهل بيتي وإن اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض ،
فانظروني بم تخلفوني فيهما ؟ ! ) .
وقد بلغت مصادر هذا الحديث من الكثرة وتعدد الطرق عند الطرفين بحيث أن أحد
علماء الهند ألف في أسانيده وطرقه كتاب ( عبقات الأنوار ) من عدة مجلدات .
وعندما يقوم مذهب طائفة على التمسك بوصية النبي بالثقلين ، الثقل الأكبر القرآن
والثقل الأصغر أهل بيت نبيهم . . فكيف يصح اتهامهم بأنهم لا يؤمنون بأحد ركني
مذهبهم ؟ !
إن مثل القرآن والعترة - الذين هم المفسرون للقرآن والمبلغون للسنة - في مذهبنا ،
كمثل الأوكسجين والهيدروجين ، فبدون أحدهما لا يتحقق وجود مذهب التشيع . .
ولم تقتصر تأكيدات النبي صلى الله عليه وآله على التمسك بعترته على حديث الثقلين ، بل كانت
متكررة وممتدة طوال حياته الشريفة ، وكان أولها مبكرا في مرحلة دعوة عشيرته
الأقربين - التي يقفز عنها كتاب السيرة في عصرنا ويسمونها مرحلة دار الأرقم - يوم
نزل قوله تعالى وأنذر عشيرتك الأقربين فجمع بني عبد المطلب ودعاهم إلى الإسلام ،
وأعلن لهم أن عليا وزيره وخليفته من بعده !
قال السيد شرف الدين في المراجعات ص 187 ( . . . فدعاهم إلى دار عمه أبي
طالب وهم يومئذ أربعون رجلا يزيدون رجلا أو ينقصونه ، وفيهم أعمامه أبو طالب
وحمزة والعباس وأبو لهب ، والحديث في ذلك من صحاح السنن المأثورة ، وفي آخره قال
رسول الله صلى الله عليه وآله يا بني عبد المطلب إني والله ما أعلم شابا في العرب جاء قومه
بأفضل مما جئتكم به ، جئتكم بخير الدنيا والآخرة ، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه ، فأيكم
يؤازرني على أمري هذا على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم ؟ فأحجم القوم عنها غير
علي - وكان أصغرهم - إذ قام فقال : أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه . فأخذ رسول
الله برقبته وقال : إن هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم ، فاسمعوا له وأطيعوا . فقام القوم
يضحكون ويقولون لأبي طالب : قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع ! ) انتهى .
وتواصلت تأكيدات النبي صلى الله عليه وآله بعد حديث الدار في مناسبات عديدة ،
كان منها حديث الثقلين ، وكان منها تحديد من هم أهل بيته الذين أذهب الله عنهم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 37 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الرجس . . ثم كان أوجها أن أخذ البيعة من المسلمين لعلي في حجة الوداع في مكان
يدعى غدير خم . . وقد روت ذلك مصادر الفريقين أيضا ، وألف أحد علماء الشيعة
كتاب ( الغدير ) من عدة مجلدات في جمع أسانيده وما يتعلق به .

3 - والشيعة عندهم قاعدة عرض الأحاديث على القرآن

من مباحث أصول الفقه عند الشيعة والسنة : مسألة تعارض الأحاديث مع القرآن ،
وتعارض الأحاديث فيما بينها . . وفي كلتا المسألتين يتشدد الشيعة في ترجيح القرآن
أكثر من إخوانهم السنة ، فعلماء السنة مثلا يجوزون نسخ آيات القرآن بالحديث حتى
لو رواه صحابي واحد . . ولذلك صححوا موقف الخليفة أبي بكر السلبي من فاطمة
الزهراء عليها السلام ، حيث صادر منها ( فدك ) التي نحلها إياها النبي صلى الله عليه
وآله وكانت بيدها في حياة أبيها ، ثم منعها إرثها من أبيها صلى الله عليه وآله بدعوى
أنه سمع النبي يقول ( نحن معاشر الأنبياء لا نورث ) يقصد أن ما تركه النبي يكون صدقة بيد
الدولة . . واحتجت عليه فاطمة الزهراء عليها السلام بالقرآن وقالت له كما روى النعماني المغربي في
شرح الأخبار ج 3 ص 36 : يا بن أبي قحافة أفي كتاب الله أن ترث أباك ولا أرث أبي . . ؟ ! لقد
جئت شيئا فريا ، فقال علماء السنة إن عمل أبي بكر صحيح ، وآيات الإرث في القرآن
منسوخة بالرواية التي رواها أبو بكر وحده ، ولم يروها غيره !
أما إذا تعارض الحديثان فقد وضع علماء الأصول والحديث لذلك موازين لترجيح
أحدهما على الآخر ، ومن أولها عند الفريقين الأخذ بالحديث الموافق لكتاب الله تعالى
وترك ما خالفه . . إلخ . وزاد علماء الشيعة على ذلك أنه بقطع النظر عن وجود
التعارض بين الأحاديث أو عدم وجوده ، فإنه يجب عرض كل حديث على كتاب الله
تعالى ، والأخذ بما وافقه إن استكمل بقية شروط القبول الأخرى ، ورد ما خالفه وإن
استجمع شروط القبول الأخرى ، ورووا في ذلك روايات صحيحة عن النبي وآله صلى
الله عليه وآله . . ففي الكافي ج 1 ص 69 ( عن أبي عبد الله عليه السلام قال : قال
رسول الله صلى الله عليه وآله : إن على كل حق حقيقة ، وعلى كل صواب نورا ، فما وافق
كتاب الله فخذوه ، وما خالف كتاب الله فدعوه .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 38 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
. . . عن أبي عبد الله عليه السلام قال : خطب النبي صلى الله عليه وآله بمنى فقال :
أيها الناس ما جاء كم عني يوافق كتاب الله فأنا قلته ، وما جاء كم يخالف كتاب الله فلم أقله .
. . . عن عبد الله بن أبي يعفور ، قال : سألت أبا عبد الله عليه السلام عن اختلاف
الحديث يرويه من نثق به ومنهم من لا نثق به ؟ قال إذا ورد عليكم حديث فوجدتم له شاهدا
من كتاب الله أو من قول رسول الله صلى الله عليه وآله ، وإلا فالذي جاءكم به أولى به .
. . . عن أيوب بن الحر قال : سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول : كل شئ مردود إلى
الكتاب والسنة ، وكل حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف ) .
وفي تهذيب الأحكام للطوسي ج 7 ص 275 ( . . . فهذان الخبران قد وردا شاذين
مخالفين لظاهر كتاب الله ، وكل حديث ورد هذا المورد فإنه لا يجوز العمل عليه ، لأنه
روي عن النبي صلى الله عليه وآله وعن الأئمة عليهم السلام أنهم قالوا إذا جاءكم منا
حديث فاعرضوه على كتاب الله ، فما وافق كتاب الله فخذوه وما خالفه فاطرحوه أو ردوه علينا .
وهذان الخبران مخالفان على ما ترى . . ) انتهى .
فكيف يتهم الشيعة بعدم الإعتقاد بالقرآن ، والقرآن هو المقياس الأول في مذهبهم ،
وهم يخوضون معركة فكرية مع إخوانهم السنة ويكافحون من أجل تحكيم نصوص
القرآن ، وقد اشتهرت عنهم إشكالاتهم على اجتهادات الخلفاء في مقابل نص القرآن
والسنة ، وما زال علماء السنة إلى عصرنا يسعون للإجابة على هذه الإشكالات !

4 - وتاريخ الشيعة وثقافتهم مبنيان على القرآن

والشيعة ليسوا طائفة مستحدثة ، بل جذورهم ضاربة إلى زمن النبي صلى الله عليه
وآله ، حيث كان عدد من الصحابة يلتفون حول علي عليه السلام ، فشجعهم النبي
على ذلك ، ومدحهم وأبلغهم مدح الله تعالى لهم ، كما ترويه مصادر السنة والشيعة . .
فقد روى السيوطي في الدر المنثور ج 6 ص 379 في تفسير قوله تعالى إن الذين آمنوا
وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية فقال :
( وأخرج ابن عساكر عن جابر بن عبد الله قال كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم
فأقبل على فقال النبي صلى الله عليه وسلم : والذي نفسي بيده إن هذا وشيعته لهم الفائزون
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 39 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يوم القيامة . ونزلت : إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية . فكان أصحاب
النبي صلى الله عليه وسلم إذا أقبل على قالوا : جاء خير البرية .
وأخرج ابن عدي وابن عساكر عن أبي سعيد مرفوعا : على خير البرية .
وأخرج ابن عدي عن ابن عباس قال لما نزلت : إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك
هم خير البرية . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي : هو أنت وشيعتك يوم القيامة
راضين مرضيين .
وأخرج ابن مردويه عن علي قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألم تسمع
قول الله : إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية ، أنت وشيعتك . وموعدي
وموعدكم الحوض إذا جاءت الأمم للحساب ، تدعون غرا محجلين ) انتهى .
فعلي وشيعته كانوا وجودا مميزا في زمن النبي صلى الله عليه وآله ، وهم الذين كانوا
مشغولين مع علي بجنازة النبي ، عندما بادر الآخرون إلى السقيفة ورتبوا بيعة أبي بكر ،
فأدان علي وفاطمة وشيعتهم هذا التصرف ، واتخذوا موقف المعارضة . . وعندما بويع علي
بالخلافة كانوا معه في مواجهة الانحراف وتنفيذ وصية النبي صلى الله عليه وآله بالقتال
على تأويل القرآن . . ثم كانوا مع أبنائه الأئمة من أهل البيت عليهم السلام . . وعبر
القرون كان الشيعة قطاعا كبيرا حيويا واسع الامتداد في الأمة تمثل في مجتمعات ودول ،
وتاريخ معروف مدون . . وثقافتهم ومؤلفاتهم كثيرة وغزيرة ، وقد كانت وما زالت في
متناول الجميع ، ومحورها كلها القرآن والسنة ، ولا أثر فيها لوجود قرآن آخر ! !

5 - وتفاسيرهم ومؤلفاتهم حول القرآن

يمكن القول بأن عدد الشيعة عبر العصور المختلفة كان خمس عدد الأمة
الإسلامية ، وبقية المذاهب السنية أربعة أخماس . . فالوضع الطبيعي أن تكون نسبة
مؤلفاتهم في تفسير القرآن ومواضيعه الأخرى خمس مجموع مؤلفات إخوانهم السنة . .
وإذا لاحظنا ظروف الاضطهاد التي عاشها الشيعة عبر القرون ، نكون منصفين إذا
توقعنا من علمائهم عشر ما ألفه إخوانهم السنة حول القرآن بل نصف العشر . . بينما
نجد أن مؤلفات الشيعة حول القرآن قد تزيد على الثلث !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 40 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد أحصت دار القرآن الكريم في قم التي أسسها مرجع الشيعة الراحل السيد
الكلبايكاني رحمه الله ، مؤلفات الشيعة في التفسير فقط في القرون المختلفة ، فزادت
على خمسة آلاف مؤلف . .
فكيف يصح أن نعمد إلى طائفة أسهموا على مدى التاريخ الإسلامي أكثر من
غيرهم في التأليف في تفسير القرآن وعلومه . . ونتهمهم بعدم الإيمان بالقرآن ، أو بأن
عندهم قرآنا آخر ! !

6 - وفقه الشيعة في احترام القرآن أكثر نشددا

توجد مجموعة أحكام شرعية عند الشيعة تتعلق بوجوب احترام نسخة القرآن الكريم
وحرمة إهانتها . . فلا يجوز عندنا مس خط القرآن لغير المتطهر ، ولا يجوز القيام بأي
عمل يعتبر عرفا إهانة للقرآن ولو لم يقصد صاحبه الإهانة ، كأن يضع نسخة القرآن في
مكان غير مناسب ، أو يرميها رميا غير لائق ، أو ينام ونسخة المصحف في مكان مواجه
لقدميه ، أو يضعها في متناول طفل يسئ إلى قداستها . . إلى آخر هذه الأحكام التي تشاهدها في
كتب الفقه العملي الذي يعلم الناس الصلاة والوضوء والأحكام التي يحتاجها الشيعي في
حياته اليومية . . فأي قرآن تقصد هذه الأحكام التي تعلمها نساء الشيعة لأطفالهن . . ؟
هل تقصد قرآن الشيعة المزعوم الذي لا يعرفه الشيعة ولا رأوه ؟ !

7 - وفتاوى علماء الشيعة بعدم تحريف القرآن

الذين يمثلون الشيعة في كل عصر هم علماؤهم ، فهم الخبراء بمذهب التشيع لأهل
البيت عليهم السلام ، الذين يميزون ما هو جزء منه وما هو خارج عنه . . وعندما نقول
علماء الشيعة نعني بالدرجة الأولى مراجع التقليد الذين يرجع إليهم ملايين الشيعة
ويقلدونهم ، ويأخذون منهم أحكام دينهم في كيفية صلاتهم وصومهم وحجهم ،
وأحكام زواجهم وطلاقهم وإرثهم ، معاملاتهم . . فهؤلاء الفقهاء ، الذين هم
كبار المجتهدين في كل عصر ، يعتبر قولهم رأي الشيعة ، وعقيدتهم عقيدة الشيعة .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 41 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ويليهم في الاعتبار بقية العلماء ، فهم يعبرون عن رأي الشيعة نسبيا . .
وتبقى الكلمة الفصل في تصويب آرائهم وأفكارهم لمراجع التقليد .
وقد صدرت فتاوى مراجع الشيعة في عصرنا جوابا على تهمة الخصوم فأجمع
مراجعهم على أن اتهام الشيعة بعدم الاعتقاد بالقرآن افتراء عليهم وبهتان عظيم ، وأن
الشيعة يعتقدون بسلامة هذا القرآن وأنه القرآن المنزل على رسول الله صلى الله عليه
وآله دون زيادة أو نقيصة . .
وهذه نماذج من فتاوى عدد من فقهاء الشيعة الماضين والحاضرين ننقلها ملخصة من
كتاب ( البرهان على صيانة القرآن ) للسيد مرتضى الرضوي ص 239 فما بعدها :

رأي الشيخ الصدوق :

( إعتقادنا أن القرآن الذي أنزله الله على نبيه محمد صلى الله عليه وآله هو ما بين
الدفتين ، وهو ما في أيدي الناس ليس بأكثر من ذلك ، ومبلغ سوره عند الناس مائة
وأربع عشرة سورة ، وعندنا أن الضحى وألم نشرح سورة واحدة ، ولإيلاف وألم تر
كيف سورة واحدة ( يعني في الصلاة ) ومن نسب إلينا أنا نقول أكثر من ذلك فهو كاذب ) .

رأي الشيخ المفيد :

( وأما الوجه المجوز فهو أن يزاد فيه الكلمة والكلمتان والحرف والحرفان ، وما أشبه
ذلك مما لا يبلغ حد الإعجاز ، ويكون ملتبسا عند أكثر الفصحاء بكلم القرآن ، غير أنه
لا بد متى وقع ذلك من أن يدل الله عليه ، ويوضح لعباده عن الحق فيه . ولست أقطع
على كون ذلك ، بل أميل إلى عدمه وسلامة القرآن عنه ) .

رأي الشريف المرتضى :

( المحكي أن القرآن كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله مجموعا مؤلفا
على ما هو عليه الآن ، فإن القرآن كان يحفظ ويدرس جميعه في ذلك الزمان ، حتى
عين على جماعة من الصحابة في حفظهم له ، وأنه كان يعرض على النبي صلى الله عليه
وآله ويتلى عليه ، وأن جماعة من الصحابة مثل عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب
وغيرهما ختموا القرآن على النبي صلى الله عليه وآله عدة ختمات . وكل ذلك يدل
بأدنى تأمل على أنه كان مجموعا مرتبا غير منثور ، ولا مبثوث ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 42 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

رأي الشيخ الطوسي :

( وأما الكلام في زيادته ونقصانه ، فمما لا يليق به أيضا ، لأن الزيادة فيه مجمع على
بطلانها ، والنقصان منه فالظاهر أيضا من مذهب المسلمين خلافه ، وهو الأليق
بالصحيح من مذهبنا وهو الذي نصره المرتضى رحمه الله وهو الظاهر في الروايات . .
ورواياتنا متناصرة بالحث على قراءته ، والتمسك بما فيه ، ورد ما يرد من اختلاف
الأخبار في الفروع إليه . وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله رواية لا يدفعها أحد
أنه قال إني مخلف فيكم الثقلين ، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا : كتاب الله وعترتي أهل بيتي ،
وإنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض وهذا يدل على أنه موجود في كل عصر . لأنه لا
يجوز أن يأمر بالتمسك بما لا نقدر على التمسك به . كما أن أهل البيت عليهم السلام
ومن يجب اتباع قوله حاصل في كل وقت . وإذا كان الموجود بيننا مجمعا على صحته ،
فينبغي أن نتشاغل بتفسيره ، وبيان معانيه ، ونترك ما سواه ) .

رأي الشيخ الطبرسي :

( فإن العناية اشتدت ، والدواعي توفرت على نقله وحراسته ، وبلغت إلى حد لم
يبلغه فيما ذكرناه ، لأن القرآن معجزة النبوة ، ومأخذ العلوم الشرعية والأحكام
الدينية ، وعلماء المسلمين قد بلغوا في حفظه وحمايته الغاية ، حتى عرفوا كل شئ
اختلف فيه من إعرابه وقراءته وحروفه وآياته ، فكيف يجوز أن يكون مغيرا ، أو
منقوصا مع العناية الصادقة ، والضبط الشديد ) .

رأي الفيض الكاشاني :

( قال الله عز وجل وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وقال إنا
نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ، فكيف يتطرق إليه التحريف والتغيير ؟ ! وأيضا قد
استفاض عن النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام حديث عرض الخبر المروي
على كتاب الله ليعلم صحته بموافقته له ، وفساده بمخالفته ، فإذا كان القرآن الذي
بأيدينا محرفا فما فائدة العرض ، مع أن خبر التحريف مخالف لكتاب الله ، مكذب له ،
فيجب رده ، والحكم بفساده ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 43 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

رأي الشيخ جعفر الجناجي ( بجيمين ، كاشف الغطاء ) :

( لا زيادة فيه من سورة ، ولا آية من بسملة وغيرها ، لا كلمة ولا حرف . وجميع
ما بين الدفتين مما يتلى كلام الله تعالى بالضرورة من المذهب بل الدين ، وإجماع
المسلمين ، وأخبار النبي صلى الله عليه وآله والأئمة الطاهرين عليهم السلام ، وإن
خالف بعض من لا يعتد به في دخول بعض ما رسم في اسم القرآن . . . لا ريب في أنه
محفوظ من النقصان بحفظ الملك الديان كما دل عليه صريح القرآن ، وإجماع العلماء في
جميع الأزمان ، ولا عبرة بالنادر ) .

رأي السيد محسن الأمين العاملي :

( ونقول : لا يقول أحد من الإمامية لا قديما ولا حديثا إن القرآن مزيد فيه ، قليل أو
كثير ، فضلا عن كلهم ، بل كلهم متفقون على عدم الزيادة ، ومن يعتد بقوله من
محققيهم متفقون على أنه لم ينقص منه ) .

رأي الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء :

( وإن الكتاب الموجود في أيدي المسلمين هو الكتاب الذي أنزله الله للإعجاز
والتحدي ، وتمييز الحلال من الحرام ، وأنه لا نقص فيه ولا تحريف ولا زيادة ، وعلى
هذا إجماعهم ) .

رأي السيد شرف الدين العاملي :

( والقرآن الحكيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، إنما هو ما بين
الدفتين ، وهو ما في أيدي الناس لا يزيد حرفا ولا ينقص حرفا ، ولا تبديل فيه لكلمة
بكلمة ولا لحرف بحرف ، وكل حرف من حروفه متواتر في كل جيل تواترا قطعيا إلى
عهد الوحي والنبوة ، وكان مجموعا على ذلك العهد الأقدس مؤلفا على ما هو عليه
الآن ، وكان جبرائيل عليه السلام يعارض رسول الله صلى الله عليه وآله بالقرآن في
كل عام مرة ، وقد عارضه به عام وفاته مرتين . والصحابة كانوا يعرضونه ويتلونه على
النبي صلى الله عليه وآله حتى ختموه عليه صلى الله عليه وآله مرارا عديدة ، وهذا كله
من الأمور المعلومة الضرورية لدى المحققين من علماء الإمامية .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 44 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
. . . نسب إلى الشيعة القول بتحريف القرآن بإسقاط كلمات وآيات إلخ . فأقول :
نعوذ بالله من هذا القول ، ونبرأ إلى الله تعالى من هذا الجهل ، وكل من نسب هذا
الرأي إلينا جاهل بمذهبنا ، أو مفتر علينا ، فإن القرآن العظيم والذكر الحكيم متواتر من
طرقنا بجميع آياته وكلماته وسائر حروفه وحركاته وسكناته ، تواترا قطعيا عن أئمة
الهدى من أهل البيت عليهم السلام ، لا يرتاب في ذلك إلا معتوه ، وأئمة أهل البيت
كلهم أجمعون رفعوه إلى جدهم رسول الله صلى الله عليه وآله عن الله تعالى ، وهذا
أيضا مما لا ريب فيه ، وظواهر القرآن الحكيم - فضلا عن نصوصه - أبلغ حجج الله
تعالى ، وأقوى أدلة أهل الحق بحكم الضرورة الأولية من مذهب الإمامية ، وصحاحهم
في ذلك متواترة من طريق العترة الطاهرة ، وبذلك تراهم يضربون بظواهر الصحاح
المخالفة للقرآن عرض الجدار ، ولا يأبهون بها ، عملا بأوامر أئمتهم عليهم السلام ) .

رأي السيد البروجردي الطباطبائي :

قال الشيخ لطف الله الصافي عن أستاذه آية الله السيد حسين البروجردي ( فإنه
أفاد في بعض أبحاثه في الأصول كما كتبنا عنه ، بطلان القول بالتحريف ، وقداسة القرآن
عن وقوع الزيادة فيه ، وأن الضرورة قائمة على خلافه ، وضعف أخبار النقيصة غاية
الضعف سندا ودلالة . وقال : وإن بعض هذه الروايات تشتمل على ما يخالف القطع
والضرورة ، وما يخالف مصلحة النبوة . وقال في آخر كلامه الشريف : ثم العجب كل
العجب من قوم يزعمون أن الأخبار محفوظة في الألسن والكتب في مدة تزيد على ألف
وثلاثمائة سنة ، وأنه لو حدث فيها نقص لظهر ، ومع ذلك يحتملون تطرق النقيصة إلى
القرآن المجيد ) .

رأي السيد محسن الحكيم الطباطبائي :

( وبعد ، فإن رأي كبار المحققين ، وعقيدة علماء الفريقين ، ونوع المسلمين من صدر
الإسلام إلى اليوم على أن القرآن بترتيب الآيات والسور والجمع كما هو المتداول
بالأيدي ، لم يقل الكبار بتحريفه من قبل ، ولا من بعد ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 45 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

رأي السيد محمد هادي الميلاني :

( الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى . أقول بضرس قاطع إن القرآن الكريم
لم يقع فيه أي تحريف لا بزيادة ولا بنقصان ، ولا بتغيير بعض الألفاظ ، وإن وردت
بعض الروايات في التحريف المقصود منها تغيير المعنى بآراء وتوجيهات وتأويلات
باطلة ، لا تغيير الألفاظ والعبارات . وإذا اطلع أحد على رواية وظن بصدقها وقع في
اشتباه وخطأ ، وإن الظن لا يغني من الحق شيئا ) .

رأي السيد محمد رضا الكلبايكاني :

( وقال الشيخ لطف الله الصافي دام ظله : ولنعم ما أفاده العلامة الفقيه والمرجع
الديني السيد محمد رضا الكلبايكاني بعد التصريح بأن ما في الدفتين هو القرآن المجيد ،
ذلك الكتاب لا ريب فيه ، والمجموع المرتب في عصر الرسالة بأمر الرسول صلى الله
عليه وآله ، بلا تحريف ولا تغيير ولا زيادة ولا نقصان ، وإقامة البرهان عليه : أن
احتمال التغيير زيادة ونقيصة في القرآن كاحتمال تغيير المرسل به ، واحتمال كون القبلة
غير الكعبة في غاية السقوط لا يقبله العقل ، وهو مستقل بامتناعه عادة ) .

رأي السيد محمد حسين الطباطبائي :

( فقد تبين مما فصلناه أن القرآن الذي أنزله الله على نبيه صلى الله عليه وآله
ووصفه بأنه ذكر محفوظ على ما أنزل ، مصون بصيانة إلهية عن الزيادة والنقيصة
والتغيير كما وعد الله نبيه فيه . وخلاصة الحجة أن القرآن أنزله الله على نبيه ووصفه
في آيات كثيرة بأوصاف خاصة لو كان تغيير في شئ من هذه الأوصاف بزيادة أو
نقيصة أو تغيير في لفظ أو ترتيب مؤثر ، فقد آثار تلك الصفة قطعا ، لكنا نجد القرآن
الذي بأيدينا واجدا لآثار تلك الصفات المعدودة على أتم ما يمكن وأحسن ما يكون ،
فلم يقع فيه تحريف يسلبه شيئا من صفاته ، فالذي بأيدينا منه هو القرآن المنزل على
النبي صلى الله عليه وآله بعينه ، فلو فرض سقوط شئ منه أو إعراب أو حرف أو
ترتيب ، وجب أن يكون في أمر لا يؤثر في شئ من أوصافه كالإعجاز وارتفاع
الاختلاف ، والهداية ، والنورية ، والذكرية ، والهيمنة على سائر الكتب السماوية ، إلى
غير ذلك ، وذلك كآية مكررة ساقطة ، أو اختلاف في نقطة أو إعراب ونحوها ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 46 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

رأي السيد أبو القاسم الخوئي :

( . . . إن حديث تحريف القرآن حديث خرافة وخيال ، لا يقول به إلا من ضعف
عقله أو من لم يتأمل في أطرافه حق التأمل ، أو من ألجأه إليه حب القول به ، والحب
يعمي ويصم . وأما العقل المنصف المتدبر فلا يشك في بطلانه وخرافته ) .

رأي الشيخ لطف الله الصافي :

( القرآن معجزة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو الكتاب الذي لا يأتيه
الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، قد عجز الفصحاء عن الإتيان بمثله ، وبمثل سورة أو
آية منه ، وحير عقول البلغاء ، وفطاحل الأدباء . . . وقد مر عليه أربعة عشر قرنا ، ولم
يقدر في طول هذه القرون أحد من البلغاء أن يأتي بمثله ، ولن يقدر على ذلك أحد في
القرون الآتية والأعصار المستقبلة ، ويظهر كل يوم صدق ما أخبر الله تعالى به فإن لم
تفعلوا ولن تفعلوا . . هذا هو القرآن ، وهو روح الأمة الإسلامية وحياتها ووجودها
وقوامها ، ولولا القرآن لما كان لنا كيان . هذا القرآن هو كل ما بين الدفتين ليس فيه
شئ من كلام البشر وكل سورة من سوره وكل آية من آياته ، متواتر مقطوع به ولا
ريب فيه . دلت عليه الضرورة والعقل والنقل القطعي المتواتر . هذا هو القرآن عند
الشيعة الإمامية ، ليس إلى القول فيه بالنقيصة فضلا عن الزيادة سبيل ، ولا يرتاب في
ذلك إلا الجاهل ، أو المبتلى بالشذوذ الفكري ) .

التقية سند للشيعة أم عليهم ؟

هيأ خصوم الشيعة من أمثال إحسان ظهير جوابا لفتاوى مراجع الشيعة ، فقالوا
للسنة : لا تصدقوهم فإنهم يعتقدون بالتقية ، والتقية هي الكذب والخداع ، وعلماء
الشيعة يكذبون ولا يعتقدون بالقرآن ، بل عندهم قرآن آخر ! !
يعني ذلك أن شخصا يقول لك : أنت كافر !
فتقول له : كلا أنا مسلم . . أشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا
رسول الله . .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 47 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فيقول لك : كلا إنك تكذب !
فتقول له : والله العظيم إني مسلم !
فيقول لك : كلا إنك تعتقد بأن الكذب حلال !
فتقول له : حسنا ، يا بن الحلال ، كيف أثبت لك أني مسلم ؟
فيقول لك : لا تستطيع أن تثبت ذلك ، لأنك تعتقد بأن الكذب حلال للتقية ! !
أيها الأخوة الصادقون الذين تعتقدون بأن الكذب حرام : هل الإيمان بالله تعالى
أكبر أم الإيمان بكتابه ؟ فكيف اكتفى الله تعالى من الناس أن يتلفظوا بالشهادتين ولو
تحت السيف ، وقبل منهم الإسلام وعاملهم معاملة المسلمين ، وأنتم لا تقبلون من
الشيعة كلامهم ، وإعلانهم ، وأيمانهم ، وفتاوى مراجعهم ، وواقع ملايينهم ؟ !
تلك هي صورة من محنة الشيعة مع خصومهم . . قديما وحديثا . .
أما قصة التقية التي يقولون ، فهي قصة إرهاب الظالم ومداراة المظلوم ليحفظ دمه . .
إنها قصة تقتيل الحكام وعوامهم للشيعة بالجملة بلا رحمة ، لمجرد أنهم
شيعة أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله ! فيضطر الشيعة أن يداروهم ليحفظوا دماءهم
من السفك ، وأعراضهم من الهتك ، وأموالهم من الغارة ! !
فإن كان في التقية عار وشنار ، فأيهما أولى بعارها وشنارها : الظالم أو المظلوم ؟
ألا تعجب لمن لا يتحمل مخالفتك له في الرأي فيصادر حريتك ، ويكم فمك
ويصوب رصاصه إلى رأسك ، ويضع شعلة ناره على باب بيتك . . ثم يقول لك : إنك
كذاب جبان لأنك تداريني ، وأنا شجاع صادق لأني لا أداريك ! !
إن التقية سند مظلومية الشيعة من بعد النبي صلى الله عليه وآله إلى يومنا هذا ،
وهي سند يدين الذين اضطهدوا الشيعة . . ولكن هؤلاء الباحثين الموضوعيين
يريدون أن يقلبوا الواقع ويجعلوها سندا لإدانة الشيعة ! !
والتقية سيرة العقلاء في كل المجتمعات مع المتسلط والحاكم ، عندما تصادر حرياتهم
ويواجهون الخوف على أنفسهم وأعراضهم وأموالهم ، فتراهم يدارون الظالم ليسلموا من
شره . . فهل صارت مداراة الظالم سبة ؟ وصار ظلمه مكرمة ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 48 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والتقية عندنا حكم شرعي علمنا إياه أئمتنا عترة النبي عليهم السلام أننا إذا ابتلوا
بإرهاب جسدي أو إرهاب فكري . . فلا يجب على أحدنا أن يقتل نفسه ، بل يجوز
له أحيانا ، أو يجب عليه أحيانا ، أن يداري الإرهابي ويتعايش معه . وقد تحرم عليه
التقية أحيانا ، ويجب عليه أن يجهر بعقيدته ويقاوم حتى يستشهد !
والتقية جزء من مذهبنا لا ننكرها ، لأنها جزء من الإسلام لا يمكن لأحد أن
ينكرها . . فقد أجاز الله تعالى من أجلها إظهار كلمة الكفر أمام الكفار لدفع شرهم
وخطرهم ، فقال تعالى : من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من
شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم - النحل - 106 وقال تعالى : لا يتخذ
المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شئ إلا أن تتقوا منهم
تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير - آل عمران - 28
ومن التقية ما يحرم عندنا مطلقا ولا يجوز بحال وهي ما يترتب عليه قتل شخص
آخر ، فيجب على الشيعي أن يتحمل هو القتل ولا يسببه لغيره ، لأنه لا تقية في
الدماء . . بينما يفتي كثير من فقهاء إخواننا السنة لمن يقلدهم بالتقية لنجاة نفسه حتى لو
سبب ذلك قتل غيره !
فيا أيها الطاعنون على الشيعة لاعتقادهم بالتقية ، إرفعوا عنهم سيوف ظلمكم ،
وأعطوهم حقهم في الأمن والتعبير عن الرأي حتى يتركوا التقية وتنتهي حاجتهم إليها . .
فإذا وجد جو الأمن الإسلامي ، أو جو الحرية الإنساني ، واتسعت الصدور لسماع
الرأي الموافق والمخالف . . فقد ارتفعت الضرورة التي من أجلها شرع الله التقية !

والتقية في مذاهب السنة كما في مذهب الشيعة

قال البخاري في صحيحه ج 8 ص 55 ( كتاب الإكراه . وقول الله تعالى إلا من
أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم
وقال إلا أن تتقوا منهم تقاة وهي تقية ، وقال إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم
كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض . . إلى قوله واجعل لنا من لدنك نصيرا فعذر الله
المستضعفين الذين لا يمتنعون من ترك ما أمر الله به . والمكره لا يكون إلا مستضعفا غير
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 49 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ممتنع من فعل ما أمر به . وقال الحسن - يقصد البصري - : التقية إلى يوم القيامة ) .
وقال في ج 5 ص 165 ( تقاة وتقية واحدة . . ) انتهى .
وروى البيهقي في سننه ج 8 ص 209 تفسير ابن عباس لهذه الآية وفيه ( . . . فأما
من أكره فتكلم بلسانه وخالفه قلبه بالإيمان لينجو بذلك من عدوه فلا حرج عليه ، إن
الله سبحانه إنما يأخذ العباد بما عقدت عليه قلوبهم ) .
ورواه السيوطي في الدر المنثور ج 2 ص 16 وذكر ما يوافق مذهبنا من عدم التقية
في الدماء قال ( . . . ولا يبسط يده فيقتل ولا إلى إثم فإنه لا عذر له ) ثم نقل كلام
الحسن البصري وقراءة قتادة وغيره : تتقوا منهم تقية ، بالياء .
وقال النووي في المجموع ج 18 ص 8 ( . . . إن كفر وقلبه مطمئن بالإيمان ، ولا
تبين منه زوجته ولا يحكم عليه بحكم الكفر . هذا قول مالك والشافعي والكوفيين غير
محمد بن الحسن فإنه قال : إذا أظهر الشرك كان مرتدا في الظاهر ، وفيما بينه وبين الله
تعالى على الإسلام ، وتبين منه امرأته ولا يصلى عليه إن مات ولا يرث أباه إن مات
مسلما . قال القرطبي : وهذا قول يرده الكتاب والسنة قال تعالى : إلا من أكره . . الآية
وقال : إلا أن تتقوا منهم تقاة . ( ثم نقل كلام البخاري وقال : فلما سمح الله عز وجل
بالكفر به لمن أكره وهو أصل الشريعة ولم يؤاخذ به ، حمل عليه أهل العلم ) انتهى .
وروى في المدونة الكبرى ج 3 ص 29 عن عبد الله بن مسعود أنه قال ( ما من كلام
كان يدرأ عني سوطين من سلطان إلا كنت متكلما به ) .
وروى عبد الرزاق في المصنف ج 4 ص 47 عن عبد الله بن عمر أنه كان يستعمل
التقية مع خلفاء بني أمية . . ! قال ( عن ميمون بن مهران قال دخلت على ابن عمر أنا
وشيخ أكبر مني ، قال حسبت أنه قال ابن المسيب ، فسألته عن الصدقة أدفعها إلى
الأمراء ؟ فقال نعم ، قلت وإن اشتروا به الفهود والبيزان ( الصقور ) ؟ ! قال نعم .
. . . وعن محمد بن راشد قال أخبرني أبان قال : دخلت على الحسن وهو متوار
زمان الحجاج في بيت أبي خليفة فقال له رجل : سألت ابن عمر هل أدفع الزكاة إلى
الأمراء ؟ فقال ابن عمر : ضعها في الفقراء والمساكين . قال فقال لي الحسن : ألم أقل
لك إن ابن عمر كان إذا أمن الرجل قال : ضعها في الفقراء والمساكين ) انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 50 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال السرخسي في المبسوط ج 24 ص 45 ( . . . وعن الحسن البصري رحمه الله :
التقية جائزة للمؤمن إلى يوم القيامة ، إلا أنه كان لا يجعل في القتل تقية ، وبه نأخذ .
والتقية أن يقي نفسه من العقوبة بما يظهره وإن كان يضمر خلافه . وقد كان بعض
الناس يأبى ذلك ويقول إنه من النفاق ، والصحيح أن ذلك جائز لقوله تعالى : إلا أن تتقوا
منهم تقاة ، وإجراء كلمة الشرك على اللسان مكرها مع طمأنينة القلب بالإيمان من باب
التقية ، وقد بينا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص فيه لعمار بن ياسر رضي الله
عنه ) . وقال في ص 154 ( . . وذلك على المكره دون المكره عند التهديد بالقتل (
يقصد أن كفارة القتل تكون على من أجبره على القتل لا على المنفذ ) وإن توعده
بالحبس كانت الكفارة على القاتل خاصة ، بمنزلة ضمان المال وبمنزلة الكفارة في قتل
الآدمي خطأ .
. . . ولو أن رجلا وجب عليه أمر بمعروف أو نهي عن منكر فخاف إن فعل أن
يقتل ، وسعه أن لا يفعل . وإن فعل فقتل كان مأجورا ، لأن الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر فر ض مطلقا . قال الله تعالى : وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك
الآية . . والترك عند خوف الهلاك رخصة ، قال الله تعالى : إلا أن تتقوا منهم تقاة ، فإن
ترخص بالرخصة كان في سعة وإن تمسك بالعزيمة كان مأجورا ) انتهى .
فما هو الفرق بين التقية التي يفتي بها الشيعة ، وهذه التي يفتي بها السنة ؟
لا فرق ، إلا أن الشيعة يحتاجون إليها أكثر بسبب الظلم والاضطهاد الذي كان وما
زال ينصب عليهم ! !
ولا فرق ، إلا أن خصوم الشيعة يبحثون عن أي شئ لينبزوا به الشيعة وقد وجدوا
التقية ، ولم يعرفوا أنها أمر مشترك ، أو عرفوا وحرفوا !
جرى نقاش عن التقية بيني وبين بعض علماء الوهابية وكان على مذهب إحسان
ظهير في تكفير الشيعة وكرههم إلى آخر نفس ، فوجدت أنه لا يدرك أنه يستعمل التقية
مع دولته ومن يخاف منهم ، ولا يريد أن يدرك ! فقد كان يصر على أنها جائزة فقط
مع الكفار ولا مع المسلمين . ولم يقتنع بكلامي بأن ملاك التقية الخطر وخوف
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 51 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الضرر ، سواء توجه إليك من كافر أو مسلم . . فأردت أن يلمس أنه يستعمل التقية
مثلي وأكثر ، فجررت الحديث إلى حكومته ورأيه فيها وفي رئيسها ، وواصلت أسئلتي
له ، وواصل استعمال التقية في الجواب حتى أحس بالحرج فودعني ، فشكرته على أنه
استعمل التقية من دولته وصار على مذهب الشيعة في هذه المسألة الفقهية !
إن التقية موجودة في حياتنا جميعا أيها الإخوة ، ولكنها أمر نسبي حسب أجواء
الأمن والحرية التي توجد لإنسان ولا توجد لآخر ، وتوجد في بلد ولا توجد في آخر ،
وتوجد لطائفة ولا توجد لأخرى . . فهل تتركون نبز الشيعة بها ؟ !

وروايات النقص والزيادة في القرآن في مصادر إخواننا أكثر منها في مصادرنا

هؤلاء الكتاب والخطباء الذين يتهمون إخوانهم الشيعة بعدم الإيمان بالقرآن ، بسبب
روايات رأوها في مصادرهم أو سمعوا عنها . . هل رأوا الروايات في هذا الموضوع في
مصادر السنة ؟
وهؤلاء الذين يقولون للشيعة : لا نصدقكم بأنكم تعتقدون بالقرآن حتى لو أفتى
بذلك علماؤكم ، وملأت نسخ القرآن مساجدكم وبيوتكم ، وحتى لو درستموه
وحفظتموه وقرأتموه في مجالسكم ومدارسكم أحسن منا . . حتى تتبرؤوا من مصادركم
التي فيها هذه الروايات ، وتسقطوها عن الاعتبار ، ولا تأخذوا منها عقائدكم
وأحكامكم . .
هل يقبلون أن يعاملوا مصادرهم بالمثل إذا وجدوا فيها روايات تدعي التحريف
كالتي في مصادر الشيعة ، أو أشد ؟ !
إن الناظر بإنصاف في روايات مصادر الطرفين في هذه المسألة ، يحكم بأن اعتقاد
الشيعة بالقرآن الكريم الموجود ، أقوى وأرقى من اعتقاد السنة ! فمصادر الشيعة تقبل
القرآن الموجود ولا تدعي فيه أي زيادة . وروايات التحريف التي فيها محصورة في أمر
واحد هو أن السلطة بعد النبي صلى الله عليه وآله أسقطت آيات من القرآن ورفضت
نسخة القرآن التي كتبها علي عليه السلام بإملاء النبي صلى الله عليه وآله ، والتي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 52 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ذكرت بعض الروايات أن فيها زيادات في مدح أهل البيت عليهم السلام ، قد تكون
تفسيرا ، وقد تكون آيات منزلة . . وقد بحث علماء الشيعة هذه الروايات وفق مقاييس
البحث والاجتهاد التي يتبناها مذهبهم . .
أما مصادر إخواننا السنة ففيها الغرائب والعجائب . . التي لو نظر إليها هؤلاء
الكتاب الذين يتهمون الشيعة لتغيرت حالتهم ، وأصيبوا بالدوار !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 53 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الثالث : موقف الخليفة عمر من القرآن والسنة

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 54 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 55 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

القرآن شعار الخليفة في وجه النبي !

من الأصول الثابتة عند المسلم السني والشيعي في عصرنا ، أن كتاب الله تعالى وسنة
نبيه صلى الله عليه وآله ، هما المصدران الوحيدان للإسلام . .
ويتصور المسلم السني المعاصر أن الخليفة عمر بن الخطاب كان يعتقد بهذين الأصلين
مثل اعتقاده هو اليوم . . بل يتصور أن الخليفة عمر ومن سار على خطه من الخلفاء قد
خاضوا معركة فكرية شعارها القرآن والسنة ضد الذين رفعوا شعار القرآن والإمامة أو
الوصية وأهل بيت النبي . . . إلخ .
ولهذا يعتبر إخواننا السنة أنه لا معنى للسؤال عن موقف الخليفة عمر من القرآن
والسنة لأنه حامل رايتهما ، بل هو إمام المسلمين الذين اتبعوه وتسموا من بعده باسم
( أهل السنة والجماعة ) في مقابل ( أهل البدعة والفرقة ) !
لكن تصوراتنا لا يجب أن تكون دائما مطابقة للواقع . . فربما كان مفيدا أن نفحص ،
ونتعرف على حقيقة موقف الخليفة عمر من القرآن والسنة ، كما تشهد المصادر المحبة
له . . المعتبرة عند محبيه . .
القرآن شعار الخليفة في وجه النبي !
ننقل نصوص الموقف وأجواءه من كتاب عدالة الصحابة للمحامي الأردني أحمد
حسين يعقوب ص 182 - 185 :

( المواجهة الصاخبة :

النبي على فراش الموت ، وجبريل الأمين لا ينقطع عن زيارته ، وأكثر ما كان يأتيه
جبريل في مرضه .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 56 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
النبي على علم بمستقبل هذه الأمة ، وقد أدى النبي دوره كاملا وبلغ رسالات ربه ،
وبين لهم كل شئ على الإطلاق ، وهو على علم تام بما يجري حوله ومدرك أنه السكون
الذي يسبق الانفجار فينسف الشرعية السياسية والمرجعية ، وبنسف الشرعية السياسية
والمرجعية يتجرد الإسلام من سلاحه الجبار ويتعطل المولد الأساسي للدعوة والدولة .
ولكن مثل النبي لا ينحني أمام العاصفة ، ولا يقعده شئ عن متابعة إحساسه العميق
بالرأفة والرحمة لهذه الأمة ، وبالرغم من كمال الدين وتمام النعمة الإلهية والبيان الإلهي
الشامل لكل شئ تحتاجه الأمة بما فيه كيف يتبول وكيف يتغوط أفرادها ، إلا أنه أراد
أن يلخص الموقف لأمته حتى تهتدي وحتى لا تضل ، وحتى تخرج بسلام من المفاجآت
التي تتربص بها وتنتظر موت النبي لتفتح أشداقها فتعكر صفو الإسلام وتعيق حركته
وتغير مساره .
النبي على فراش المرض ، وبيته المبارك يغص بأكابر الصحابة ، وقد أصر النبي على
تلخيص الموقف والتذكير بالخط المستقبلي لمسيرة الإسلام فقال النبي : قربوا أكتب لكم
كتابا لن تضلوا بعده أبدا .
ما هو الخطأ بهذا العرض النبوي ؟
من يرفض التأمين ضد الضلالة ؟
ولماذا ؟ ولمصلحة من ؟
ثم إن من حق أي مسلم أن يوصي ، ومن حق أي مسلم أن يقول ما يشاء قبل
موته ، والذين يسمعون قوله أحرار فيما بعد بإعمال هذا القول أو إبطاله ، هذا إذا
افترضنا أن محمدا مجرد مسلم عادي وليس نبيا وقائدا للأمة .
فتصدى الفاروق عمر بن الخطاب ووجه كلامه للحضور وقال : إن النبي قد غلب
عليه الوجع ، وعندكم القرآن ، حسبنا كتاب الله !
فاختلف أهل البيت فاختصموا ، منهم من يقول قربوا يكتب لكم رسول الله كتابا
لا تضلوا بعده أبدا ، ومنهم من يقول : القول ما قاله عمر . فلما أكثروا اللغو
والاختلاف عند النبي قال لهم رسول الله : قوموا عني ( 1 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 57 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي رواية ثانية أن الرسول عندما قال : ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده
أبدا تنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع ، فقالوا هجر رسول الله . قال النبي : دعوني
فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه ! ! ( 2 )
وفي رواية ثالثة قال النبي : ائتوني بالكتف والدواة أو اللوح والدواة أكتب لكم كتابا لن
تضلوا بعده أبدا ، فقالوا : إن رسول الله يهجر ( 3 ) .
وفي رواية رابعة للبخاري : أن النبي قال : ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده .
قال عمر بن الخطاب : إن النبي غلبة الوجع وعندنا كتاب الله حسبنا ! ! فاختلفوا
وأكثروا اللغط . قال النبي : قوموا عني ولا ينبغي عندي التنازع . ( 4 )
رواية بلفظ خامس للبخاري : قال النبي : ائتوني أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا
فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع ، فقالوا : ما شأنه أهجر ؟ استفهموه . . فذهبوا
يرددون عليه ، فقال : دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه ( 5 ) .
رواية بلفظ سادس للبخاري : قال النبي : ائتوني بكتف أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده
أبدا ، فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع فقالوا : ما له أهجر ، استفهموه ، فقال النبي
ذروني فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه . ( 6 )
رواية بلفظ سابع للبخاري : قال النبي : هلم أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده . قال عمر :
إن النبي غلبه الوجع وعندكم القرآن فحسبنا كتاب الله . واختلف أهل البيت
واختصموا فمنهم من يقول : قربوا يكتب لكم رسول الله كتابا لن تضلوا بعده ، ومنهم
من يقول ما قال عمر ، فلما أكثروا اللغط والاختلاف عند النبي قال : قوموا عني . ( 7 )
وفي رواية أن عمر بن الخطاب قال : إن النبي يهجر . . . ( 8 ) وقد اعترف الفاروق أنه
صد النبي عن كتابة الكتاب حتى لا يجعل الأمر لعلي . ( 9 )

تحليل المواجهة :

أطراف المواجهة : الطرف الأول ، هو محمد رسول الله وخاتم النبيين وإمام الدولة
الإسلامية ( رئيسها ) .
الطرف الثاني ، هو عمر بن الخطاب أحد كبار الصحابة ووزير من أبرز وزراء دولة
النبي ، والخليفة الثاني من خلفاء النبي فيما بعد .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 58 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مكان المواجهة : بيت النبي .
شهود المواجهة : كبار الصحابة رضوان الله عليهم .

النتائج الأولية للمواجهة :

1 - الانقسام . إن الحاضرين قد انقسموا إلى قسمين :
القسم الأول : يؤيد الفاروق فيما ذهب إليه من الحيلولة بين الرسول وبين كتابة ما
يريد . وحجة هذا الفريق أن الفاروق من كبار الصحابة وأحد وزراء النبي ومشفق على
الإسلام ، وأن النبي مريض وبالتالي فلا داعي لإزعاجه بكتابة هذا الكتاب . ثم إن
القرآن وحده يكفي ، فهو التأمين ضد الضلالة ، ولا داعي لأي كتاب آخر يكتبه النبي .
القسم الثاني : يرفض المواجهة أصلا بين التابع والمتبوع ، وبين نبي ومصدق به ، وبين
رسول يتلقى تعليماته من الله ، وبين مجتهد يعمل بما يوحيه له اجتهاده ، وبين رئيس
دولة ونبي بنفس الوقت وبين واحد من وزرائه . ويرى هذا القسم أن تتاح الفرصة للنبي
ليقول ما يريد ، ولكتابة ما يريد لأنه نبي وما زال نبيا حتى يتوفاه الله ، ولأنه رئيس
الدولة وما زال رئيسا للدولة حتى يتوفاه الله ويحل رئيس آخر محله . ثم على الأقل لأنه
مسلم يتمتع بالحرية كما يتمتع بها غيره ، ومن حقه أن يقول ما يشاء وأن يكتب ما
يشاء . ثم إن الأحداث والمواجهة تجري في بيته ، فهو صاحب البيت ، ومن حق أي
إنسان أن يقول ما يشاء في بيته .
2 - بروز قوة هائلة جديدة : برز الفاروق كقوة جديدة هائلة استطاعت أن تحول
بين النبي وبين كتابة ما يريد ، واستطاعت أن تستقطب لرأيها عددا كبيرا من المؤيدين
بمواجهة مع النبي نفسه وبحضور النبي نفسه ! ) 1 .
هامش :
( 1 ) صحيح بخاري - كتاب المرضى باب قول المريض : قوموا عني ج 7 ص 9 وراجع صحيح مسلم في آخر
كتاب الوصية ج 5 ص 75 وصحيح مسلم بشرح النووي ج 11 ص 95 ومسند الإمام أحمد ج 4 ص 356 ح 2992
وشرح النهج لابن أبي الحديد ج 6 ص 51 .
( 2 ) راجع صحيح بخاري ج 4 ص 31 وصحيح مسلم ج 3 ص 16 ومسند الإمام أحمد ج 1 ص 222 وج 3
ص 286 .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 59 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
( 3 ) راجع صحيح مسلم ج 2 ص 16 وج 11 ص 94 - 95 بشرح النووي ومسند الإمام أحمد ج 1 ص 355
وتاريخ الطبري ج 2 ص 193 والكامل لابن الأثير ص 320 .
( 4 ) راجع صحيح بخاري ج 1 ص 37 .
( 5 ) راجع صحيح بخاري ج 5 ص 137 وتاريخ الطبري ج 3 ص 192 - 193 .
( 6 ) صحيح بخاري ج 2 ص 132 وج 4 ص 65 - 66 .
( 7 ) صحيح بخاري ج 8 ص 161 .
( 8 ) راجع تذكرة الخواص للسبط الجوزي الحنفي ص 62 وسر العالمين وكشف ما في الدارين لأبي حامد الغزالي ص 21 .
( 9 ) راجع شرح نهج البلاغة لعلامة المعتزلة ابن أبي الحديد ج 3 ص 114 طبعة أولى مصر وأوفست بيروت وج 12
ص 79 سطر 3 بتحقيق محمد أبو الفضل وج 3 ص 803 دار مكتبة الحياة وج 3 ص 167 دار الفكر ) انتهى .

نتائج المواجهة على القرآن

الذي يخص بحثنا من هذه المواجهة الصاخبة - على حد تعبير الباحث الأردني - أن
الخليفة عمر نجح بمساعدة أكثر الصحابة الحاضرين أن يحقق هدفين ضخمين حول
القرآن والسنة :
الأول : أن القرآن هو المصدر الرسمي للإسلام فقط ، والسنة ليست مصدرا إلى جنب
القرآن وفي مستواه ، بل هي مصدر انتقائي يختار منه عمر ورؤساء قريش ما يناسب ،
ويتركون ما لا يناسب ، أو يمنعون صدوره !
الثاني : أن عمر الزعيم المقبول من كافة قبائل قريش - ما عدا بني هاشم - هو
المفسر الرسمي للقرآن ، وله الحق أن يمنع النبي صلى الله عليه وآله من كتابة وصيته التي
قد تلزم المسلمين بمفسر رسمي من بني هاشم !
وقد اضطر الخليفة عمر من أجل تحقيق هذين الهدفين الضخمين ، وفي تلك اللحظات
الحاسمة من حياة النبي صلى الله عليه وآله . . أن يستعمل الغلظة والشدة ، ويجابه نبيه
بقرار أكثرية الصحابة ويقول له بصراحة : أيها الرسول ، لا حاجة بنا إلى وصيتك ،
فالقرآن كاف شاف ، ولا نحتاج أن تنصب له مفسرا من بني هاشم لأن تفسيره من
حقنا نحن ! لقد قبلنا نبوتك والقرآن الذي أنزله الله عليك ، ولكن قريشا تشاورت
فيما بينها وقررت أن لا يستأثر بنو هاشم بالنبوة والخلافة فلا يبقى لقبائل قريش شئ !
وبما أن الوصية التي تريد أن تكتبها لا تنسجم مع هذا القرار ، فليس فيها إلا الضرر
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 60 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
علينا من بعدك ، فنشكرك أيها الرسول ، فإنا لا نخاف على أنفسنا الضلال من بعدك
حتى تؤمننا منه ! !
وقد قلت للحاضرين بلسان قريش : لا تقربوا له شيئا ، لا دواة وقرطاسا ، فخير
لك أن تصرف النظر عن كتابة الوصية ، وإلا فإني سأشهد الحاضرين عليك بأنك
تهجر وأن كلامك لم يعد وحيا ، بل هذيان ! !

تطبيق الخليفة عمر للهدفين اللذين واجه بهما النبي !

والمتأمل في سيرة الخليفة عمر يجد أن عمله طوال خلافة أبي بكر وخلافته كان على
أساس نظرية أن ( القرآن هو المصدر الوحيد ، والخليفة هو المفسر الوحيد ) !
ولئن اضطر إلى أن يجرح شعور النبي في بيته وهو يودع أمته ، ويعلن ذلك بصراحة ،
فهو ليس مضطرا إلى ذلك بعد وفاة النبي ، بل يمكنه أن ( يحفظ ) حرمة النبي صلى الله
عليه وآله ، ويطبق هدفيه الكبيرين بأسلوبه الخاص الذي يسميه معاريض الكلام فيقول عنه
( لا يسرني أن لي بما أعلم من معاريض القول مثل أهلي ومالي ) كنز العمال ج 3 ص 875 ،
وسنن البيهقي ج 10 - 199 .
ثم بإمكانه بعد أن صار خليفة أن يجسد ذلك في مواقف وقرارات جريئة مبررة ،
لضبط مسألة القرآن والسنة . . ! وتتلخص مواقف الخليفة عمر وقراراته بشأن القرآن
مباشرة ، باثني عشر موقفا وقرارا :
1 - رفض نسخة القرآن التي عند علي عليه السلام .
2 - إخضاع علي وفاطمة وأنصارهما للسلطة ولو بالقوة ، ومنعهما من أي تأثير
على الناس حتى في تعليم القرآن ورواية السنة .
3 - تكذيب أن عليا أو أحدا من الصحابة عنده القرآن كله أو تفسيره من النبي ،
بل القرآن موزع عند الصحابة ، وجمعه والمصادقة على نسخته من حق الخليفة فقط !
4 - النسخة التي بأيدي الصحابة ، والتي جمعها عثمان ، هي برأي عمر جزء
قليل من القرآن ، لا يبلغ ثلث القرآن الذي أنزله الله تعالى ! فقد ضاع أكثر من ثلثيه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 61 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بعد النبي ، وتدارك الخليفة عمر الأمر فجمع ما بقي منه ولم ينشره حتى يكتمل ويحين
موعد نشره !
5 - النسخة التي بأيدي الصحابة هي برأي الخليفة صحيحة لا زيادة فيها ، فكلها قرآن نزل من عند الله
تعالى ، ما عدا سورتي المعوذتين وبعض الآيات ، فإن في نفس الخليفة منها شيئا ،
وعنده حولها استفهاما !
6 - يوجد عدد من آيات القرآن لم يكتبها الناس في القرآن ، وقد أمر الخليفة أن
يكتب بعضها في القرآن واحتاط في بعضها وقال : لولا أن يقول المسلمون إن عمر زاد
في كتاب الله لأمرت بوضعها فيه !
7 - القرآن نزل بألفاظ قريش ، فيجب أن يقرأ بلهجة قريش ، ولا يجوز أن يقرأ
بلهجة هذيل أو تميم ، أو غيرهما من لهجات قبائل العرب .
8 - القرآن فيه سعة للهجات العرب ، وهو معنى قول النبي صلى الله عليه وآله نزل
القرآن على سبعة أحرف فقراءته بهذه اللهجات قراءة شرعية ، ولكن الأصح قراءته
بلهجة قريش . أما القول بأن القرآن نزل على حرف واحد من عند الواحد ، فهو خطأ .
9 - نص القرآن فيه مرونة تتسع لأكثر من الأحرف السبعة ولهجات العرب ، فيجوز
قراءته بالمعنى بأي كلام عربي بشرط أن لا تغير المغفرة إلى عذاب والعذاب إلى مغفرة ،
وكل قراءة يقرأ بها القرآن بهذا الشرط تكون شرعية منزلة من عند الله الواحد الأحد !
10 - تحاشيا لإحراج المفسر الرسمي للقرآن ، تقرر إغلاق كل أنواع البحث في
القرآن ، ومعاقبة كل من يسأل عن شئ منه ، أو يبحث في آياته .
11 - نظرا لخطورة موقع القراء وتعلق الناس بهم والتفافهم حولهم ، فإن كثرتهم
تجعلهم مراكز قوى . . لذلك يجب تقليل قراء القرآن إلى أقل
حد ممكن .
12 - يعمل القضاة بفهمهم للقرآن إذا لم يتعارض مع فهم الخليفة . . ثم بما أفتى به
الخليفة والصحابة المرضيون عنده . . ثم يجوز للقاضي أن يعمل بظنه . . وإذا أخر القضية
حتى يأخذ فيها رأي الخليفة فهو أفضل !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 62 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كما تتلخص مواقف الخليفة وقراراته بشأن السنة بخمسة قرارات ومواقف :
1 - منع رواية سنة النبي منعا باتا ، تحت طائلة العقوبة ، وقد عاقب الخليفة عمر
عددا من الصحابة على مجرد رواية الحديث عن النبي ، بالضرب والسجن ، وبقي عدد
منهم في سجنه إلى أن مات !
2 - منع تدوين سنة النبي منعا باتا ، وهو قرار اتخذه الخليفة عمر
مع زعماء قريش من زمن النبي صلى الله عليه وآله ، عندما رأوا بعض الغرباء وبعض
شباب قريش يكتبون كل ما يقوله النبي ! وفي خلافة أبي بكر جمع أبو بكر المكتوب
من السنة وأحرقه ! وأمر بإحراق المكتوب في المناطق البعيدة أو إتلافه ! !
3 - رفض الخليفة كتاب علي ( الجامعة ) الذي يزعم أنه بإملاء النبي ، وأن فيه كل
ما يحتاج إليه الناس حتى أرش الخدش . بل كذب وجود مثل هذا الكتاب ، فالنبي لم
يخص عليا ولا أحدا من أهل بيته بشئ من العلم . . ولم يترك علما غير القرآن .
4 - انتقى الخليفة مجموعة من روايات سيرة النبي وأحداثها من وجهة نظره ، وعمل
على تعليمها للأمة على أنها السنة والسيرة الصحيحة دون غيرها !
5 - رفع الخليفة شعار ( سنة النبي ) التي رفضها بالأمس ، وعدل شعار ( حسبنا
كتاب الله ) إلى شعار ( حسبنا كتاب الله وسنة نبيه ) أي كتاب الله كما يفهمه
الخليفة عمر ، وسنة رسوله التي يرويها أو يمضيها !
وهناك قراران آخران يتصلان بالقرآن أيضا ، لأنهما قراران ثقافيان واسعا التأثير
على الأمة ، وهما :
1 - قرار الخليفة الانفتاح على الثقافة اليهودية والمسيحية .
2 - اهتمام الخليفة بالشعر الجاهلي وأمره بتعلمه وكتابته .
* *
وبما أن إخواننا السنة يرون أن أعمال الخليفة عمر وأقواله حجة شرعية ، كأعمال
النبي وأقواله صلى الله عليه وآله ، لذا نستعرض في الفصول التالية توثيق هذه
المواقف والقرارات .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 63 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الرابع : نقص القرآن وزيادته في رأي الخليفة

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 64 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 65 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

ضاع من القرآن أكثره برأي الخليفة !

قال السيوطي في الدر المنثور ج 6 ص 422 ( وأخرج ابن مردويه عن عمر بن
الخطاب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : القرآن ألف ألف حرف وسبعة
وعشرون ألف حرف ، فمن قرأه صابرا محتسبا فله بكل حرف زوجة من الحور العين .
قال بعض العلماء هذا العدد باعتبار ما كان قرآنا ونسخ رسمه ، وإلا فالموجود الآن لا
يبلغ هذه العدة ) .
ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد ج 7 ص 163 وقال ( رواه الطبراني في الأوسط عن
شيخه محمد بن عبيد بن آدم بن أبي إياس ، ذكره الذهبي في الميزان لهذا الحديث ، ولم
أجد لغيره في ذلك كلاما ، وبقية رجاله ثقات ) .
ورواه في كنز العمال ج 1 ص 517 وقال عن مصادره ( ط ص ، عن عمر ) ورواه في ج 1
ص 541 وعن ( طس ، وابن مردويه وأبو نصر السجزي في الإبانة عن عمر . قال
أبو نصر : غريب الإسناد والمتن ، وفيه زيادة على ما بين اللوحين ، ويمكن حمله على ما
نسخ منه تلاوة مع المثبت بين اللوحين اليوم ) انتهى .
وبما أن عدد حروف القرآن ثلاث مئة ألف حرف وكسرا ، وهي لا تبلغ
ثلث العدد الذي قاله الخليفة في الرواية ، فيكون مقصوده ضياع أكثر من ثلثي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 66 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
القرآن بعد النبي صلى الله عليه وآله ! ولا يمكن قبول رواية السيوطي بأن ما نسخ من
القرآن أكثر من الثلثين ! !
وقال ابن حجر في لسان الميزان ج 5 ص 276 ( عبيد بن آدم بن أبي أياس
العسقلاني : تفرد بخبر باطل ، قال الطبراني : حدثنا محمد بن عبيد ، قال حدثنا أبي ،
عن جدي ، عن حفص بن ميسرة ، عن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، عن عمر رضي الله
عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : القرآن ألف ألف حرف وسبعة
وعشرون ألف حرف ، فمن قرأه صابرا محتسبا كان له بكل حرف زوجة من الحور
العين . قال الطبراني في معجمه الأوسط : لا يروى عن عمر إلا بهذا الإسناد ) انتهى .
ولكن قول ابن حجر إن الحديث باطل ليس له مستند علمي ، بعد أن مال الهيثمي
إلى توثيقه وقال إن محمد بن عبيد من شيوخ الطبراني ، وبقية رجال السند ثقات . . وبعد
أن كثرت مؤيداته وهي الروايات التي يقول فيها الخليفة ( فقد فيما فقدنا من
القرآن . . . أسقط فيما أسقط . . . قرآن كثير ذهب مع محمد ! . . رفع فيما رفع ) .
قال السيوطي في الدر المنثور ج 5 ص 179 ( وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن
ابن عباس قال : أمر عمر بن الخطاب مناديه فنادى إن الصلاة جامعة ، ثم صعد المنبر
فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : يا أيها الناس لا تجزعن من آية الرجم ، فإنها آية
نزلت في كتاب الله وقرأناها ، ولكنها ذهبت في قرآن كثير ذهب مع محمد . . . ) .
وقال في كنز العمال ج 2 ص 567 ( من مسند عمر رضي الله عنه ، عن المسور
بن مخرمة قال قال عمر لعبد الرحمن بن عوف : ألم نجد فيما أنزل علينا أن جاهدوا كما
جاهدتم أول مرة ؟ فإنا لم نجدها ، قال : أسقط فيما أسقط من القرآن ) . وقال في
رواية أخرى : . . . فرفع فيما رفع !
وفي ج 6 ص 208 ( عن عدي بن عدي بن عميرة بن فروة ، عن أبيه ، عن جده
أن عمر بن الخطاب قال لأبي : أوليس كنا نقرأ من كتاب الله : أن انتفاءكم من آبائكم
كفر بكم ؟ فقال بلى ، ثم قال : أوليس كنا نقرأ : الولد للفراش وللعاهر الحجر ، فقد
فيما فقدنا من كتاب الله ؟ قال : بلى ! ) انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 67 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

سور ضاعت ، وسور مبتكرة ، وسور يجب حذفها !

سورة الأحزاب ، ضاع منها أكثر من 200 آية !

روى في كنز العمال ج 2 ص 480 ( من مسند عمر رضي الله عنه ، عن حذيفة
قال قال لي عمر بن الخطاب : كم تعدون سورة الأحزاب ؟ قلت ثنتين أو ثلاثا وسبعين ،
قال : إن كانت لتقارب سورة البقرة ، وإن كان فيها لآية الرجم - ابن مردويه ) .
وروى نحوه أحمد في مسنده ج 5 ص 132 ، ولكن عن أبي بن كعب .
وكذا الحاكم في المستدرك ج 2 ص 415 ، و ج 4 ص 359 وقال في الموردين ( هذا حديث صحيح
الإسناد ولم يخرجاه ) . ورواه البيهقي في سننه ج 8 ص 211 كما في رواية الحاكم الثانية .
وروى في كنز العمال ج 2 ص 567 ( عن زر قال قال لي أبي بن كعب : يا زر
كأين تقرأ سورة الأحزاب ؟ قلت ثلاثا وسبعين آية ، قال : إن كانت لتضاهي سورة
البقرة ، أو هي أطول من سورة البقرة ، وإن كنا لنقرأ فيها آية الرجم . وفي لفظ : وإن
في آخرها الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم ،
فرفع فيما رفع ( عب ط ص عم ، وابن منيع ن ، وابن جرير وابن المنذر ، وابن
الأنباري في المصاحف ، قط في الإفراد ، ك وابن مردويه ، ص ) .
ورواه السيوطي في الدر المنثور ج 5 ص 180 ، ثم قال ( وأخرج ابن الضريس عن عكرمة قال : كانت
سورة الأحزاب مثل سورة البقرة أو أطول ، وكان فيها آية الرجم ) انتهى .
وبما أن سورة البقرة 286 آية ، فيكون الناقص من سورة الأحزاب حسب هذه
الرواية أكثر من 200 آية ! !

سورة براءة ضاع أكثرها . . ! !

قال الهيثمي في مجمع الزوائد ج 5 ص 302 :
( وعن أبي موسى الأشعري قال نزلت سورة نحوا من براءة فرفعت فحفظت منها
إن الله ليؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم - فذكر الحديث . رواه الطبراني ورجاله
رجال الصحيح غير علي بن زيد وفيه ضعف ، ويحسن حديثه لهذه الشواهد ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 68 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال في ج 7 ص 28 :
( عن حذيفة قال تسمون سورة التوبة هي سورة العذاب وما تقرؤون منها مما كنا
نقرأ إلا ربعها . رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات ) .
وقال الحاكم في المستدرك ج 2 ص 330 :
( . . . عن الأعمش عن عبد الله بن مرة عن عبد الله بن سلمة عن حذيفة رضي الله
عنه قال ما تقرؤون ربعها يعني براءة وإنكم تسمونها سورة التوبة وهي سورة العذاب
هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ) .
وقال السيوطي في الدر المنثور ج 1 ص 105 :
( وأخرج أبو عبيد في فضائله وابن الضريس عن أبي موسى الأشعري قال نزلت
سورة شديدة نحو براءة في الشدة ثم رفعت وحفظت منها أن الله سيؤيد هذا الدين
بأقوام لا خلاق لهم ! ) .
وقال في ج 3 ص 208 :
( وأخرج ابن أبي شيبة والطبراني في الأوسط وأبو الشيخ والحاكم وابن مردويه عن
حذيفة رضي الله عنه قال التي تسمون سورة التوبة هي سورة العذاب والله ما تركت
أحدا إلا نالت منه ولا تقرؤون منها مما كنا نقرأ إلا ربعها ! ! ) انتهى .
والظاهر أن أصل ادعاء هذه السورة من أبي موسى الأشعري ، وأن آيات وادي
التراب المزعومة منسوبة إليها ! وأما آية أبي موسى عن تأييد الدين بالفجار فقد يكون
هدفها تبرير إعطاء مناصب الدولة إلى المنافقين والفساق ! !
ولا بد أن تكون هذه السورة المزعومة موجودة في مصحف أبي موسى الذي صادره
منه حذيفة بأمر الخليفة عثمان وكان أبو موسى يترجاه أن يترك له الإضافات ولا
يمحوها ، وسيأتي ذكره في بحث جمع القرآن !
وهذا يضعف رواية نقص سورة براءة عن حذيفة ، وإن صحت عنه فقد يكون قال :
إنكم لا تقرؤونها حق قراءتها ، فحرف الرواة كلامه . . لأن حذيفة كان يحذر من
المنافقين الذين كشفتهم السورة وحذرت منهم ! !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 69 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

سورتا الخلع والحفد المزعومتان !

من أعجب ما تجد في مصادر إخواننا السنة قصة ( سورتي ) الخلع والحفد . . ! وقد
ربطتهما الروايات الصحيحة بالخليفة عمر ، حيث كان يقرؤهما في صلاته على أنهما
سورتان من القرآن ، أو دعاء في القنوت ! وذكرت المصادر أنهما كتبتا في مصاحف
عدد من الصحابة المقربين من الخليفة عمر ، والمتتبع لمسألة الكتابة في المصاحف يعرف
أن أحدا من أصحاب المصاحف لم يكن يجرأ أن يكتب سورة في مصحفه إلا بأمر عمر
ورأيه . . ويشعر أن الذي أعطى السورتين ( الشرعية ) هو عمر بقراءته لهما في
صلاته . . وأن بعض الصحابة الذين كانوا يؤكدون على أنهما سورتان من القرآن ،
كانوا يتقربون بذلك إلى الخليفة ! !
وقد روى الرواة قصتهما ، وأحيانا بشئ من الخجل ، ولكن بدون توجيه أي اتهام
أو حتى استفهام إلى الخليفة الذي كان يقرؤهما دائما في صلاته ، أو إلى الذين كتبوهما
في مصاحفهم من جماعته !
ولو أن أحدا غير الخليفة وجماعته روى سورة غير موجودة في القرآن ، أو قرأها في
إمامته في الصلاة ، لكان للرواة أصحاب الغيرة على القرآن كلام آخر معه ، وحساب
آخر ، ولكنه الخليفة عمر !
ويتوقف فهم قصة ( سورتي ) الخلع والحفد أو سورتي الخليفة عمر ، على معرفة
قصة قنوت النبي صلى الله عليه وآله ودعائه في قنوته على أئمة الكفر وقادة الأحزاب ،
الذين هم بالدرجة الأولى زعماء قريش ، ثم على بقية أعداء الله ورسوله من المشركين
والمنافقين . . لذلك نحن مضطرون إلى بحث القنوت في فقه الشيعة والسنة . . ليتضح أمر
السورتين المزعومتين .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 70 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

قصة تغييب القنوت من صلاة إخواننا السنة لتضمنه الدعاء على المشركين والمنافقين

من المعروف في سيرة النبي صلى الله عليه وآله أنه كان يقنت في صلاته ، أي يرفع
يديه أثناء الصلاة ويدعو الله تعالى . . وقد يدعو على أعداء الله ورسوله من المشركين
والمنافقين ، وقد يلعنهم ويسميهم بأسمائهم . . !
ومن الطبيعي أن ذلك كان ثقيلا عليهم ، خاصة على رؤساء قريش . . !
وتذكر روايات السيرة أن الله تعالى استجاب دعاء رسوله صلى الله عليه وآله ،
وأنزل بقريش ضائقة اقتصادية ألقت بثقلها على مكة ، حتى أكلوا العلهز أو العلهس
الذي كانوا يضطرون لأكله أحيانا في الجاهلية ، وهو وبر الجمال يخلطونه بالدم
ويشوونه ويأكلونه ! !
ولكنهم مع ذلك لم يؤمنوا بالنبي صلى الله عليه وآله . . اللهم إلا بعد أن نزل
بساحتهم مباغتة في عشرة آلاف مقاتل من المسلمين ، فاضطروا إلى التسليم وإلقاء
السلاح ، فجمعهم النبي في المسجد الحرام وخيرهم بين الإسلام والقتل ، فأسلموا تحت
السيف أو استسلموا ، فعفا عنهم وسماهم الطلقاء . . وبعد أسبوع أخذهم معه كجزء
من جيشه إلى حرب هوازن في حنين ! ومع أنهم انهزموا في أول معركة حنين . . إلا أن النبي
أكرمهم ماديا وأعطاهم أكثر غنائم حنين !
وهكذا انحلت بفتح مكة أزمة قريش الاقتصادية ، كما انحلت مشكلة لعن النبي
إياهم بأسمائهم ، وإن بقيت ذكراها تاريخا يطاردهم وعقدة تتراءى لهم !
وعين النبي حاكما على مكة ، وأطمع شخصيات قريش بأنهم يستطيعون أن
يأخذوا مواقع قيادية في دولة الإسلام ، فهاجر قليل منهم إلى المدينة ، وبقي أكثرهم في
مكة ، وبدؤوا ينسون مرارة الهزيمة بحلاوة الطمع ، لولا أن النبي صلى الله عليه وآله
واصل دعاءه على المنافقين والمشركين عامة ولعنهم ، لكن بدون تسمية ! !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 71 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

محاولات عم وقريش لحل مشكلة الملعونين على لسان النبي !

وطال أمر مشكلة القنوت واللعن نحو سنتين بعد فتح مكة إلى وفاة النبي صلى الله
عليه وآله . . كان لله تعالى ولرسوله خلالها مع المنافقين آيات وقرارات ، بلغت أوجها
في سورة براءة التي سموها السورة الفاضحة ، لأنها فضحت نواياهم وأفكارهم ونفذت
إلى أعماقهم ، ورسمت صورا لمجموعاتهم وأشخاصهم . . كادت أن تعلن أسمائهم ! !
محاولات عمر وقريش لحل مشكلة الملعونين على لسان النبي !
بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله قام محبوا قريش والمنافقين بأعمال مبتكرة لمعالجة
مشكلة الملعونين على لسان النبي ، تتلخص في الأعمال السبعة التالية :
العمل الأول : وضعوا أحاديث مفادها أن النبي صلى الله عليه وآله قد اعترف بخطئه
في لعن الذين لعنهم ودعا عليهم ، لأنه بشر ! فدفع كفارة خطئه بأن دعا الله تعالى أن
يجعل لعنته على من لعنه أو سبه أو آذاه ( صلاة وقربة ، زكاة وأجرا ، زكاة ورحمة ،
كفارة له يوم القيامة ، صلاة وزكاة وقربة تقربه بها يوم القيامة ، مغفرة وعافية وكذا
وكذا . . بركة ورحمة ومغفرة وصلاة ، فإنهم أهلي وأنا لهم ناصح ) على حد تعبير
الروايات !
فقد روى البخاري في صحيحه ج 7 ص 157 ( عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه
سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : اللهم فأيما مؤمن سببته فاجعل ذلك له قربة إليك
يوم القيامة ) . وروى مسلم في صحيحه ج 8 ص 26 عن أبي هريرة أيضا ( سمعت
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : اللهم إنما محمد بشر يغضب كما يغضب
البشر ، وإني قد اتخذت عندك عهدا لن تخلفنيه ، فأيما مؤمن آذيته أو سببته أو جلدته
فاجعلها له كفارة وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة ) .
وروى مسلم سبع روايات أخرى من هذا النوع . وروت ذلك أغلب مصادر إخواننا مثل : مسند أحمد
ج 2 ص 390 و ص 488 و ص 496 و ج 3 ص 384 و ج 5 ص 437 و ص 439 و ج 6 ص 45 وسنن الدارمي
ج 2 ص 314 وسنن البيهقي ج 7 ص 60 وكنز العمال ج 3 ص 609 . . في عشرات الروايات التي
تصور النبي صلى الله عليه وآله جالسا على كرسي الاعتراف بأنه سباب لعان فحاش ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 72 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مؤذ للناس يضربهم بالسوط ويهينهم ! ولذا فهو يعلن توبته ويدعو لمن ظلمهم وأساء
إليهم من الفراعنة والأبالسة ، بهذا الخير الطويل العريض ! !
وقد حيرت هذا الروايات بعض الفقهاء مثل البيهقي . . لأن لعن الذين لعنهم النبي
صلى الله عليه وآله ما دام بأمر الله تعالى فهو طاعة وليس معصية ، لأن الطرد من رحمة
الله تعالى إنما هو جزاء من الله تعالى تابع لقوانين عادلة يتحمل مسؤوليتها الملعون
نفسه ، فلا يحتاج لعنه إلى توبة . . كما لا يجوز الدعاء له بالخير والبركة والرحمة . .
وقد نصت بعض روايات اللعن والدعاء على أن النبي صلى الله عليه وآله قال والله
ما أنا قلته ولكن الله قاله كما في مسند أحمد ج 4 ص 48 و ص 57 و ص 420 و ص 424 ومجمع الزوائد
ج 10 ص 46 وكنز العمال ج 12 ص 68 ومستدرك الحاكم ج 4 ص 82 .
أما إذا كان اللعن بسبب غضب وخطأ بشري كما تقول الروايات ، فهو معصية
كبيرة توجب خروج صاحبها عن العدالة ، بل تجعله هو ملعونا ! فقد نصت على ذلك
روايات رواها إخواننا السنة أيضا . . منها أن لعن المؤمن كقتله ، ومنها إن اللعنة إذا
خرجت من في صاحبها نظرت فإن وجدت مسلكا في الذي وجهت إليه ، وإلا عادت إلى الذي
خرجت منه . وقد عقدت بعض مصادر الحديث عندهم بابا لروايات النهي عن اللعن
وتحريمه ، كما في كنز العمال ج 3 ص 614 و 616 وغيره .
ولكن البيهقي استطاع أن يجد حلا يحفظ كرامة نبيه كما حفظت هذه الروايات
كرامة الملعونين ! قال في سننه ج 7 ص 60 ( باب ما يستدل به على أنه جعل سبه
للمسلمين رحمة وفي ذلك كالدليل على أنه له مباح ) انتهى ! يعني أن اعتراف النبي بأنه
لعن أناسا بغير حق ، أو دعا عليهم بغير حق ، أمر ثابت ، ولا يمكن انسجامه مع
عصمة النبي صلى الله عليه وآله إلا بالقول بأن الله قد أحل لنبيه هذه المحرمات . .
وأطلق لسان نبيه ويده في أعراض المسلمين ! ! وبقيت على أمته حراما ! !
لقد قدم البيهقي حلا للجانب الفقهي من المسألة . . ولكن لم يقدم هو ولا غيره حلا
لمحذورها الأخلاقي ، الذي يدعي أن النبي صلى الله عليه وآله قد ارتكب مثل هذا
السلوك السئ ، الذي لا يليق بشخص عادي من أسرة عادية مؤدبة ! ! بل ولم يقدم
حلا للمحذور الأخلاقي بالنسبة إلى الله سبحانه وتعالى الذي أحل لنبيه هذا السلوك ! !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 73 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولكن إخواننا السنة يجدون أنفسهم مضطرين إلى نسبة هذا النقص الأخلاقي إلى النبي
صلى الله عليه وآله ! لأنه الضريبة الوحيدة لتبرئة من يحبونهم من الملعونين على لسانه !
والعمل الثاني : من أعمال معالجة اللعن ، أحاديث أكثر جرأة على مقام النبي صلى
الله عليه وآله لأنها تصرح بأن النبي قد أخطأ وأساء الأدب في لعنه من لعن ! فبعث الله
تعالى إليه جبرئيل فوبخه وقال له : إن الله يقول لك إني لم أبعثك سبابا ! بل بعثتك
رحمة للعالمين ، والقرشيون قومك وأهلك أولى بالرحمة الإلهية ، فلماذا تسبهم وتلعنهم ؟ !
وعلمه دعاء عاما يقوله في قنوته ليس فيه ما يمس قريش ! وكان ذلك الدعاء
( سورتي ) الخلع والحفد العمريتين ! !
ف‍ ( السورتان ) عند أصحابهما نسخة إلهية بدل دعاء اللعن والسب غير المناسب
الذي كان يتلوه النبي صلى الله عليه وآله في قنوت صلاته . . وعند الباحث نسخة
موضوعة لمصلحة زعماء قريش والمنافقين بدل الدعاء عليهم ولعنهم !
قال البيهقي في سننه ج 2 ص 210 ( . . عن خالد بن أبي عمران قال : بينا رسول
الله صلى الله عليه وسلم يدعو على مضر ( يعني قريش ) إذ جاءه جبرئيل فأومأ إليه أن
اسكت فسكت ، فقال : يا محمد إن الله لم يبعثك سبابا ولا لعانا ! وإنما بعثك رحمة
ولم يبعثك عذابا ، ليس لك من الأمر شئ أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون . ثم
علمه هذا القنوت : اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونؤمن بك ونخضع لك ونخلع ونترك
من يكفرك . اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد ونرجو رحمتك
ونخشى عذابك ونخاف عذابك الجد ، إن عذابك بالكافرين ملحق ) ثم قال البيهقي
( هذا مرسل وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه صحيحا موصولا .
. . . عن عبيد بن عمير أنه عمر رضي الله عنه قنت بعد الركوع فقال : اللهم اغفر
لنا وللمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات وألف بين قلوبهم وأصلح ذات بينهم
وانصرهم على عدوك وعدوهم اللهم ألعن كفرة أهل الكتاب الذين يصدون عن سبيلك
ويكذبون رسلك ويقاتلون أوليائك اللهم خالف بين كلمتهم وزلزل أقدامهم وأنزل بهم
بأسك الذي لا ترده عن القوم المجرمين .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 74 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بسم الله الرحمن الرحيم . اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك ولا نكفرك
ونخلع ونترك من يفجرك .
بسم الله الرحمن الرحيم . اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد ولك نسعي ونحفد
ونخشى عذابك الجد ونرجو رحمتك ، إن عذابك بالكافرين ملحق . رواه أبو سعيد بن
عبد الرحمن ابن أبزى عن أبيه عن عمر فخالف هذا في بعضه .
. . . عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه قال صليت خلف عمر بن الخطاب
رضي الله عنه صلاة الصبح فسمعته يقول بعد القراءة قبل الركوع اللهم إياك نعبد ولك
نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد نرجو رحمتك ونخشى عذابك إن عذابك بالكافرين
ملحق . اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك الخير ولا نكفرك ونؤمن بك ونخضع
لك ونخلع من يكفرك . كذا قال قبل الركوع . وهو إن كان إسنادا صحيحا فمن روى
عن عمر قنوته بعد الركوع أكثر . . . ) انتهى !
العمل الثالث : أحاديث تفسير قوله تعالى : ليس لك من الأمر شئ أو يتوب عليهم أو
يعذبهم فإنهم ظالمون - آل عمران - 128
فإنك تجد العجب في تفسير إخواننا السنة لهذه الآية . . فالروايات فيها من كل
حدب وصوب في رد أفكار النبي وآلامه من طغاة قريش وتخطئته في دعائه عليهم ولعنه
إياهم ! وكأن أصحاب هذه الروايات وجدوا بغيتهم من القرآن ضد النبي صلى الله
عليه وآله لمصلحة مشركي قريش ومنافقيها . . قال الترمذي في ج 4 ص 295 ( . . .
عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم
أحد : اللهم العن أبا سفيان ، اللهم العن الحارث بن هشام ، اللهم العن صفوان بن
أمية ، قال فنزلت : ليس لك من الأمر شئ ، أو يتوب عليهم ، فتاب عليهم فأسلموا وحسن
إسلامهم ! ! هذا حديث حسن غريب يستغرب من حديث عمر بن حمزة عن سالم ،
وكذا رواه الزهري عن سالم عن أبيه .
. . . عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو على أربعة
نفر فأنزل الله تبارك وتعالى : ليس لك من الأمر شئ أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 75 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فهداهم الله للإسلام ! هذا حديث حسن غريب صحيح يستغرب من هذا الوجه من
حديث نافع عن ابن عمر . ورواه يحيى بن أيوب عن ابن عجلان ) انتهى .
أما البخاري فقد عقد للآية أربعة أبواب ! روى فيها كلها أن الله تعالى رد دعاء
نبيه على المشركين والمنافقين أو لعنه إياهم ، ولم يسم البخاري الملعونين في أكثرها حفظا
على ( كرامتهم ) ! قال في ج 5 ص 35 :
( باب ليس لك من الأمر شئ أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون . قال حميد وثابت
عن أنس : شج النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد فقال كيف يفلح قوم شجوا نبيهم ؟
فنزلت : ليس لك من الأمر شئ .
. . . عن الزهري حدثني سالم عن أبيه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا
رفع رأسه من الركوع من الركعة الأخيرة من الفجر يقول اللهم العن فلانا وفلانا وفلانا
بعد ما يقول سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد ، فأنزل الله عز وجل : ليس لك من الأمر
شئ إلى قوله فإنهم ظالمون ) .
وقال في ص 171 :
( باب ليس لك من الأمر شئ . . . سالم عن أبيه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه
وسلم إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الآخرة من الفجر يقول اللهم العن فلانا
وفلانا بعد ما يقول سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد ، فأنزل الله ليس لك من الأمر شئ
إلى قوله فإنهم ظالمون . رواه إسحاق بن راشد عن الزهري ) .
ثم أورد البخاري رواية أخرى تجعل فلانا وفلانا الملعونين أحياء من قبائل العرب
وليسوا قادة من قريش ! قال :
. . . عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد
أن يدعو على أحد أو يدعو لأحد قنت بعد الركوع فربما قال إذا قال سمع الله لمن حمده
اللهم ربنا لك الحمد ، اللهم أنج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة ،
اللهم أشدد وطأتك على مضر واجعلها سنين كسني يوسف ، يجهر بذلك . وكان
يقول في بعض صلاته في صلاة الفجر اللهم العن فلانا وفلانا لأحياء من العرب حتى
أنزل الله : ليس لك من الأمر شئ . . . الآية ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 76 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال في ج 8 ص 155 :
( باب قول الله تعالى ليس لك من الأمر شئ . . . . عن ابن عمر أنه سمع النبي صلى
الله عليه وسلم يقول في صلاة الفجر رفع رأسه من الركوع قال اللهم ربنا ولك الحمد
في الأخيرة ، ثم قال : اللهم العن فلانا وفلانا . فأنزل الله عز وجل : ليس لك من الأمر شئ
أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون ) انتهى .
والمرة الوحيدة التي سمى فيها البخاري بعض الملعونين رواية رواها عن ابن أبي
سفيان ، ومن الطبيعي أن يحذف منها اسم أبيه ! ! قال في ج 5 ص 35 :
( وعن حنظلة بن أبي سفيان قال سمعت سالم بن عبد الله يقول كان رسول الله
صلى الله عليه وسلم يدعو على صفوان بن أمية وسهيل بن عمرو والحرث بن هشام
فنزلت : ليس لك من الأمر شئ إلى قوله فإنهم ظالمون ! ) .
وأورد في ج 7 ص 164 روايات يوهم تسلسلها أن الآية نزلت ردا على دعاء النبي
على أبي جهل ، مع أن أبا جهل قتل في بدر والآية نزلت على أقل تقدير بعد بدر
بسنة ! قال البخاري :
( باب الدعاء على المشركين . وقال ابن مسعود قال النبي صلى الله عليه وسلم
اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف وقال اللهم عليك بأبي جهل . وقال ابن عمر
دعا النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة اللهم العن فلانا وفلانا حتى أنزل الله عز وجل :
ليس لك من الأمر شئ ! . .
. . . عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قال سمع الله لمن حمده في
الركعة الآخرة من صلاة العشاء قنت اللهم أنج عياش بن ربيعة اللهم أنج الوليد بن
الوليد اللهم أنج سلمة بن هشام اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين . اللهم اشدد
وطأتك على مضر اللهم اجعلها سنين كسني يوسف ) انتهى .
والنتيجة من روايات البخاري فقط أن الآية نزلت عدة مرات . . من أجل أشخاص
أو فئات متعددين . . وفي أوقات متفاوتة ! ! أما إذا جمعنا أسباب نزولها عند البخاري
وغيره ، فقد تبلغ عشرين مناسبة متناقضة في الزمان والمكان والأشخاص الملعونين ! !
راجع سنن النسائي ج 2 ص 203 ومسند أحمد ج 2 ص 93 و 104 و 118 و 147 و 255
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 77 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وسنن الدارمي ج 1 ص 374 وسنن البيهقي ج 2 ص 197 وكنز العمال ج 2 ص 379 والدر
المنثور ج 2 ص 70 .
ولكن مسلما كان أقل تشددا من البخاري فقد روى أن نهي الله لرسوله عن لعن
قريش تأخر عدة سنوات . . وأن الآية نزلت بعد غزوة بئر معونة وشهادة قراء القرآن . .
قال في ج 2 ص 134 :
. . . سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أنهما سمعا أبا هريرة يقول
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول حين يفرغ من صلاة الفجر من القراءة
ويكبر ويرفع رأسه سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد ثم يقول وهو قائم اللهم أنج
الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة والمستضعفين من المؤمنين . اللهم
اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم كسني يوسف . اللهم العن لحيان ورعلا
وذكوان وعصية عصت الله ورسوله . ثم بلغنا أنه ترك ذلك لما أنزل : ليس لك من الأمر
شئ أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون .
ثم برأ مسلم ذمته وروى رواية أخرى ليس فيها ذكر نزول الآية . . قال :
. . . عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم إلى قوله واجعلها عليهم كسني
يوسف ولم يذكر ما بعده ! !
. . . عن أبي سلمة أن أبا هريرة حدثهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت بعد
الركعة في الصلاة شهرا إذا قال سمع الله لمن حمده يقول في قنوته اللهم أنج الوليد بن
الوليد اللهم نج سلمة ابن هشام اللهم نج عياش بن أبي ربيعة اللهم نج المستضعفين من
المؤمنين ، اللهم اشدد وطأتك على مضر ، اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف .
قال أبو هريرة ثم رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الدعاء بعد ، فقلت أرى
رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ترك الدعاء لهم ؟ قال فقيل وما تراهم قد قدموا ؟ !
ثم برأ مسلم ذمته مرة أخرى فقال : . . . عن أبي سلمة أن أبا هريرة أخبره أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما هو يصلي العشاء إذ قال سمع الله لمن حمده ثم
قال قبل أن يسجد : اللهم نج عياش بن أبي ربيعة ، ثم ذكر بمثل حديث الأوزاعي إلى
قوله كسني يوسف ولم يذكر ما بعده ! !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 78 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم روى مسلم رواية تنفي أن النبي ترك لعن الكفار من صلاته إلى آخر حياته !
فقال :
( . . . حدثنا أبو سلمة بن عبد الرحمن أنه سمع أبا هريرة يقول والله لأقربن بكم
صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكان أبو هريرة يقنت في الظهر والعشاء
الآخرة وصلاة الصبح ويدعو للمؤمنين ويلعن الكفار ) انتهى .
العمل الرابع : الفتوى بالجنة للمنافقين !
عندما تقرأ القرآن تجد فراعنة قريش والمنافقين وجودا بارزا خطيرا بشخصياتهم
ومواقفهم وخططهم ضد النبي صلى الله عليه وآله ودعوته ودولته وأمته . .
لكن عندما تقرأ السيرة والحديث في مصادر إخواننا السنة تجد الصورة تخف . .
وتصغر . . وتخفى ملامحها . . وأحيانا تغيب كليا . . فتحتاج إلى بحث وتنقيب لتعرف
من هذا الشخص أو الجماعة الذين نزلت فيهم هذه الآية أو الآيات الكاسحة . . ! ومن
هؤلاء الجهنميون الخبثاء الذين حذر الله تعالى منهم واعتبرهم مجرمين على مستوى الأمم
والشعوب . . ؟ ! لقد اختفوا وغابوا ، كما غاب قنوت النبي بالدعاء عليهم ولعنهم !
قد يقال إن النبي صلى الله عليه وآله كان يعرفهم أو يعرف أكثرهم بما علمه الله
تعالى ، فكانوا في عصره معروفين مميزين . . أما بعد وفاته وانقطاع الوحي فقد صار
أمرهم إلى الله تعالى . .
ولكن لو سلمنا ذلك ، فإنا نسأل عن أولئك الذين كانوا مكشوفين في زمن النبي
صلى الله عليه وآله ، أين صاروا ، ولماذا اختفوا . . ؟ ! وأين غاب أبطال الكفر والنفاق
في تاريخ البعثة والمرحلة المكية والمدنية وأحداث نزول القرآن . . ؟ ! ونسأل عن أسماء
الذين كان يدعو عليهم النبي صلى الله عليه وآله في صلاته طوال نبوته تقريبا ، وعن
الذين ضاق بهم صدره الرحب ، ولم يسعهم حلم الله العظيم ، فكشفهم النبي وسماهم
في المسجد واحدا واحدا وطرد بعضهم من مسجده . . وقال لآخرين منهم في أنفسهم
قولا بليغا ؟ لقد اختفى أكثر تاريخ مشركي قريش ومنافقيها من المصادر . . ولعله لولا
آيات القرآن القارعة الهادرة لكان اختفى كل تاريخهم . . !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 79 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إنها ظاهرة ذات دلالة على وجود موقف مقصود مدروس في التغطية على تاريخ
القرشيين أعداء الله ورسوله بالأمس ، والمنافقين اليوم . . لأنهم جميعا صاروا من
شخصيات مجتمع المدينة ، عاصمة الدولة الإسلامية الكبرى ! !
فقد صدر قرار قبول المنافقين واعتبارهم مسلمين من أهل الجنة ، وكتبوا تحته توقيع
النبي صلى الله عليه وآله ، فظهرت الروايات التي تشهد بذلك !
ومن أجل عيون مشركي قريش ومنافقيها صدرت الفتاوي باستحقاق منافقي المدينة
من غير قريش لدخول الجنة ! !
روى أحمد في مسنده ج 3 ص 135 قصة مالك بن الدخشم الذي كان رأس
المنافقين بعد ابن أبي سلول فقال ( فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي
وأصحابه يتحدثون بينهم ، فجعلوا يذكرون ما يلقون من المنافقين فأسندوا أعظم ذلك
إلى مالك بن دخشم ، فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : أليس يشهد
أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ؟ فقال قائل بلى وما هو من قلبه ، فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم : من شهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ، فلن تطعمه النار
أو قال لن يدخل النار ) ونحوه في ج 5 ص 449 ! !
أما في ج 4 ص 44 فاكتفت الرواية بشهادة التوحيد فقط دون النبوة ! قال ( ذكروا
المنافقين وما يلقون من أذاهم وشرهم حتى صيروا أمرهم إلى رجل منهم يقال له مالك
بن الدخشم وقالوا : من حاله ومن حاله ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساكت ،
فلما أكثروا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أليس يشهد أن لا إله إلا الله ؟ فلما
كان في الثالثة قالوا إنه ليقوله ، قال : والذي بعثني بالحق لئن قالها صادقا من قلبه لا
تأكله النار أبدا ! قالوا فما فرحوا بشئ قط كفرحهم بما قال ! ) انتهى !
إذن يكفي لضمان الجنة أن يشهد الشخص بالتوحيد ، ولا يضره أن يكون كافرا
بالنبي صلى الله عليه وآله ، أو منافقا يكيد للإسلام ورسوله وأمته !
وقد احتاط البخاري وغيره قليلا في ضمان الجنة للمنافق ، فاشترطوا أن يشهد
شهادة التوحيد يريد بها وجه الله تعالى ! ثم لا مانع بعد ذلك أن يكفر برسول الله
ويقصد بأعماله وجه الشيطان ! فقد روى في صحيحه رواية ابن الدخشم وغيره في ج 2
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 80 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ص 56 و ج 6 ص 202 وفيهما أن النبي صلى الله عليه و آله قال ( فإن الله قد حرم على
النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله ) ورواه أحمد نحوه في مسنده ج 4 ص 44 !
أما مسلم فلم يستعمل الاحتياط هنا بل روى في صحيحه ج 1 ص 122 كيفية
نجاة المنافقين يوم القيامة ودخولهم الجنة ، يوم ( يتجسد ! ) الله سبحانه وتعالى
و ( يضحك ! ) للمؤمنين والمنافقين ويمشي أمامهم . . الخ ! قال مسلم ( أخبرني
أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يسأل عن الورود فقال . . . فتدعى الأمم بأوثانها وما
كانت تعبد الأول فالأول ، ثم يأتينا ربنا بعد ذلك فيقول من تنظرون ؟ فيقولون : ننظر
ربنا . فيقول أنا ربكم ، فيقولون حتى ننظر إليك ، فيتجلى لهم يضحك ! قال فينطلق
بهم ويتبعونه ويعطي كل إنسان منهم منافق أو مؤمن نورا ، ثم يتبعونه وعلى جسر
جهنم كلاليب وحسك تأخذ من شاء الله ، ثم يطفأ نور المنافقين ، ثم ينجو المؤمنون
فتنجو أول زمرة وجوههم كالقمر ليلة البدر سبعون ألفا لا يحاسبون ، ثم الذين يلونهم
كأضوأ نجم في السماء ، ثم كذلك . ثم تحل الشفاعة ويشفعون حتى يخرج من النار من
قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة ، فيجعلون بفناء الجنة ويجعل
أهل الجنة يرشون عليهم الماء حتى ينبتوا نبات الشئ في السيل ويذهب حراقه ، ثم
يسأل حتى تجعل له الدنيا وعشرة أمثالها معها ) انتهى .
ومع أن ( بركات ) هذه الأحاديث شملت المنافقين من أهل المدينة ، لكن المقصود بها
بالأساس مشركوا قريش ومنافقوها . . فقد أكد الخليفة عمر أن الظالم من قريش مغفور
له ويدخل الجنة ! روى الذهبي في ميزان الاعتدال ج 3 ص 355 ( عن أبي عثمان
النهدي ، سمعت عمر ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : سابقنا سابق ،
ومقتصدنا ناج ، وظالمنا مغفور له ! ) وهو يقصد بذلك قريشا .
وقال السيوطي في الدر المنثور ج 5 ص 251 ( وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة
وابن المنذر والبيهقي في البعث عن عمر بن الخطاب أنه كان إذا نزع بهذه الآية ( ثم
أورثنا الكتاب . . . ) قال : ألا إن سابقنا سابق ، ومقتصدنا ناج ، وظالمنا مغفور له ! !
وأخرج العقيلي وابن لآل وابن مردويه والبيهقي من وجه آخر عن عمر بن الخطاب
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : سابقنا سابق ، ومقتصدنا ناج ، وظالمنا
مغفور له ، وقرأ عمر فمنهم ظالم لنفسه . . . الآية ) انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 81 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وما أدري كيف يمكن الجمع بين هذه الروايات وبين آية واحدة من آيات المنافقين
في القرآن مثل قوله تعالى إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ؟ !
بل كيف يمكن الجمع بينها وبين ما روته نفس هذه المصادر ، كالأحاديث
الصحيحة التي رواها الهيثمي في مجمع الزوائد ج 1 ص 108 ( وعن عبد الله يعني ابن
مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ثلاث من كن فيه فهو منافق ، وإن كان فيه
خصلة ففيه خصلة من النفاق : إذا حدث كذب ، وإذا أوتمن خان ، وإذا وعد أخلف . رواه
البزار ورجاله رجال الصحيح .
وعن ابن مسعود قال : اعتبروا المنافقين بثلاث ، إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا
عاهد غدر . فأنزل الله عز وجل تصديق ذلك في كتابه ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من
فضله . . . إلى آخر الآية . رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح ) انتهى .
والذي رواه الترمذي في سننه ج 5 ص 298 ( عن أبي سعيد الخدري قال : إن كنا
لنعرف المنافقين نحن معشر الأنصار ببغضهم علي بن أبي طالب . هذا حديث غريب .
وقد تكلم شعبة في أبي هارون العبدي ، وقد روى هذا عن الأعمش عن أبي صالح عن
أبي سعيد ) .
وأحاديث الحاكم الصحيحة في المستدرك ج 3 ص 129 ( عن أبي ذر رضي الله
عنه قال ما كنا نعرف المنافقين إلا بتكذيبهم الله ورسوله والتخلف عن الصلوات
والبغض لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه . هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم
يخرجاه ) .
وفي ص 138 ( عن علي بن أبي طلحة قال حججنا فمررنا على الحسن بن علي
بالمدينة ومعنا معاوية بن حديج ، فقيل للحسن إن هذا معاوية بن حديج الساب لعلي ،
فقال على به ، فأتي به فقال : أنت الساب لعلي ؟ فقال ما فعلت . فقال والله إن لقيته
وما أحسبك تلقاه يوم القيامة لتجده قائما على حوض رسول الله صلى الله عليه وآله
يذود عنه رايات المنافقين ، بيده عصا من عوسج . حدثنيها الصادق المصدوق صلى الله
عليه وآله ، وقد خاب من افترى . هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ) انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 82 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
العمل الخامس : إعطاء مناصب هامة في الدولة الإسلامية للمنافقين !
وأول من فتح هذا الباب وأعطى مناصب الدولة للمنافقين هو الخليفة عمر . . وكان
يبرر ذلك تبريرا عصريا فيقول إن مسألة الدين أمر بين الإنسان وربه . . والمنافق إثمه عليه !
فقد روى في كنز العمال ج 4 ص 614 ( عن عمر قال : نستعين بقوة المنافق ، وإثمه
عليه ! ) وفي ج 5 ص 771 ( عن الحسن أن حذيفة قال لعمر : إنك تستعين بالرجل الفاجر
فقال عمر : إني لاستعمله لأستعين بقوته ثم أكون على قفائه - أبو عبيد ) انتهى .
هذا مع أنه روي عن الخليفة قوله ( من استعمل فاجرا وهو يعلم أنه فاجر فهو مثله )
كنز العمال ج 5 ص 761 .
وقد برر البيهقي إعطاء المناصب للمنافقين بأنهم منافقون لينون ، فقال في سننه ج 9
ص 36 ( عن عبد الملك بن عبيد قال قال عمر رضي الله عنه : نستعين بقوة المنافقين
وإثمهم عليهم . وهذا منقطع فإن صح فإنما ورد في منافقين لم يعرفوا بالتخذيل
والإرجاف ، والله أعلم ) !
ولكن محاولة البيهقي للتخفيف لا تنفع مع ما رواه البخاري ، في صحيحه ج 8
ص 100 من أن المنافقين في زمن الخليفة عمر كانوا - بسبب بسط أيديهم وقحين
متجاهرين - وأن حذيفة بن اليمان صاحب سر النبي صلى الله عليه وآله أطلق صيحة
التحذير من خطرهم فقال ( إن المنافقين اليوم شر منهم على عهد النبي صلى الله عليه
وسلم ، كانوا يومئذ يسرون واليوم يجهرون ! ! ) انتهى .

قرار حذف القنوت من الصلاة لأنه كان محل لعن قريش

العمل السادس : انتقام الخلفاء من القنوت !
فقد قرر فقه إخواننا السنة التخلص من القنوت في كل فريضة وحصره في صلاة
الفجر والوتر ، أو فيما إذا نزلت نازلة بالناس فيدعو الإمام بشأنها ، وجوز الإمام أحمد
أن يقنت الأمراء فقط في صلاتهم ويدعوا ، أما عامة المسلمين فلا . . !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 83 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ومع أن القنوت بقي عندهم جزئيا ، لكنك تشعر وأنت تقرأ فتاواهم فيه أنه ما زال
في أنفسهم منه شئ ، وكأنهم لم يستوفوا حقهم من قنوت رسول الله صلى الله عليه
وآله ! ثم تراهم لا يحبونه ولا يعلمونه لعوامهم ! وإذا علموهم اقتصروا على سورتي
الخلع والحفد ، أو دعاء القنوت الذي يروونه عن الإمام الحسن بن علي عليهما السلام ،
وهو دعاء عام لا أثر فيه لذكر الكفار والمنافقين . . وهو الدعاء الشائع عندهم في عصرنا
أكثر من سورتي الخليفة ، بسبب أن نصه أقوى من نصهما . . قال في فتح العزيز ج 4
ص 250 :
( واستحب الأئمة منهم صاحب التلخيص أن يضيف إليه ( القنوت ) ما روي عن
عمر رضي الله عنه . . ) ثم ذكر ( السورتين ) .
ويبدو أن ترك القنوت وتحريمه كان مذهب الأكثرية في زمن بني أمية ! بل تصاعد
غيظ الفقهاء منه وأفتوا بأنه كان من أصله تصرفا شخصيا من النبي صلى الله عليه وآله
لمدة شهر فقط ثم نهاه الله عنه ، أو كان مشروعا لكنه نسخ ، وهو الآن حرام وبدعة . . !
قال النسائي في سننه ج 2 ص 203 ( عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قنت شهرا ، قال شعبة لعن رجالا ، وقال هشام يدعو على أحياء من أحياء العرب ، ثم
تركه بعد الركوع هذا قول هشام . وقال شعبة عن قتادة عن أنس أن النبي صلى الله
عليه وسلم قنت شهرا يلعن رعلا وذكوان ولحيان .
باب لعن المنافقين في القنوت . . . عن سالم عن أبيه أنه سمع النبي صلى الله عليه
وسلم حين رفع رأسه من صلاة الصبح من الركعة الآخرة قال : اللهم العن فلانا وفلانا
يدعو على أناس من المنافقين فأنزل الله عز وجل ليس لك من الأمر شئ أو يتوب عليهم أو
يعذبهم فإنهم ظالمون .
ترك القنوت . . . عن أبي مالك الأشجعي عن أبيه قال : صليت خلف رسول الله
صلى الله عليه وسلم فلم يقنت ! وصليت خلف أبي بكر فلم يقنت ، وصليت خلف
عمر فلم يقنت ، وصليت خلف عثمان ، فلم يقنت ، وصليت خلف علي فلم يقنت ،
ثم قال يا بني إنها بدعة ! ) انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 84 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد يكون المقصود بالقنوت هنا لعن الكفار والمنافقين ، لأن القنوت صار علما على
اللعن . . ولكن ذلك يؤكد ما ذكرناه !

روايات القنوت الشاهدة الشهيدة !

ومع كل هذه الحملة على قنوت النبي صلى الله عليه وآله ، استطاعت بعض رواياته
أن تعبر حواجز تفتيش السلطة والرواة وتصل إلى أيدينا ! ! وبعضها يشهد أن النبي صلى
الله عليه وآله كان يدعو في صلاته على الكفار والمنافقين حتى توفاه الله تعالى ! وأن
بقايا عمل المسلمين بهذه السنة الشريفة كانت موجودة إلى فترة من عهد بني أمية !
روى مالك في الموطأ ج 1 ص 115 ( عن داود بن الحصين ، أنه سمع الأعرج
يقول : ما أدركت الناس إلا وهم يلعنون الكفرة في رمضان . . . في قنوت الوتر اقتداء
بدعائه صلى الله عليه وآله في القنوت ) .
وروى البخاري في صحيحه ج 1 ص 193 ( عن أبي هريرة قال لأقربن صلاة النبي
صلى الله عليه وسلم فكان أبو هريرة رضي الله عنه يقنت في الركعة الأخرى من صلاة
الظهر وصلاة العشاء وصلاة الصبح بعد ما يقول سمع الله لمن حمده فيدعو للمؤمنين
ويلعن الكفار ) ورواه مسلم في صحيحه ج 2 ص 135 والنسائي في سننه ج 2 ص 202 وأبو داود في
سننه ج 1 ص 324 وأحمد في مسنده ج 2 ص 255 و ص 337 و ص 470 والبيهقي في سننه ج 2 ص 198
و ص 206 والسيوطي في الدر المنثور ج 1 ص 307 وقال أخرجه الدارقطني .
وروى أحمد في مسنده ج 1 ص 211 ( . . . عن الفضل بن عباس قال قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم : الصلاة مثنى مثنى ، تشهد في كل ركعتين ، وتضرع
وتخشع وتمسكن ، ثم تقنع يديك - يقول ترفعهما إلى ربك مستقبلا ببطونهما وجهك
- تقول يا رب يا رب ، فمن لم يقل ذلك ، فقال فيه قولا شديدا ! )
ورواه في ج 4 ص 167 وفي آخره ( فمن لم يفعل ذلك فهي خداج ) أي صلاته ناقصة . ورواه الترمذي
في سننه ج 1 ص 238 وفي آخره ( ومن لم يفعل ذلك فهو كذا وكذا . قال أبو عيسى ( الترمذي ) : وقال
غير ابن المبارك في هذا الحديث : من لم يفعل ذلك فهو خداج ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 85 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وروى البيهقي في سننه ج 2 ص 198 ( عن البراء بن عازب رضي الله عنه أن
النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يصلي صلاة مكتوبة إلا قنت فيها ! ومحمد هذا هو
ابن أنس أبو أنس مولى عمر بن الخطاب ، ومطرف هو ابن طريف ) .
وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ج 2 ص 138 ( وعن البراء أن النبي صلى الله عليه
وسلم كان لا يصلي صلاة مكتوبة إلا قنت فيها . رواه الطبراني في الأوسط ورجاله
موثقون . وعن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما أقنت لتدعوا
ربكم وتسألوه حوائجكم . . . وعن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قنت حتى
مات ، وأبو بكر حتى مات ، وعمر حتى مات . رواه البزار ورجاله موثقون ) انتهى .
ومن آراء فقهاء السنة الملفتة في القنوت : رأي ابن حزم الظاهري ودفاعه العلمي
المطول عن سنة رسول الله صلى الله عليه وآله في القنوت . . قال في المحلى ج 4
ص 138 - 146 ( مسألة : والقنوت فعل حسن . . في آخر ركعة من كل صلاة
فرض ، الصبح وغير الصبح ، وفي الوتر ، فمن تركه فلا شئ عليه في ذلك . . ويدعو لمن
شاء ويسميهم بأسمائهم إن أحب فإن قال ذلك قبل الركوع لم تبطل صلاته بذلك . . .
عن البراء بن عازب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقنت في الصبح والمغرب ) .
وقال في هامشه ( في النسائي ج 1 ص 164 ورواه الطيالسي ص 100 رقم 737 عن شعبة ، ورواه
الدارمي ص 198 ولم يذكر فيه المغرب ، ورواه أيضا مسلم ج 1 ص 188 والترمذي وصححه ج 1 ص 81
والطحاوي ج 1 ص 142 وأبو داود ج 1 ص 540 و 541 والبيهقي ج 2 ص 198 ) .
ثم قال ابن حزم ( . . . عن أبي هريرة قال : والله إني لأقربكم صلاة برسول الله
صلى الله عليه وسلم فكان أبو هريرة يقنت في الركعة الآخرة من صلاة الظهر ، وصلاة
العشاء الآخرة وصلاة الصبح ، بعد ما يقول : سمع الله لمن حمده ، فيدعو للمؤمنين
ويلعن الكفار . . . عن البراء ابن عازب : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يصلي
صلاة إلا قنت فيها ! ! )
ثم قال ( أما الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان
وعلي وابن عباس رضي الله عنهم بأنهم لم يقنتوا فلا حجة في ذلك في النهي عن
القنوت ، لأنه قد صح عن جميعهم أنهم قنتوا ، وكل ذلك صحيح قنتوا وتركوا ، فكلا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 86 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأمرين مباح ، والقنوت ذكر لله تعالى ، ففعله حسن ، وتركه مباح ، وليس فرضا ،
ولكنه فضل .
وأما قول والد أبي مالك الأشجعي إنه بدعة ، فلم يعرفه ، ومن عرفه أثبت فيه ممن
لم يعرفه ، والحجة فيمن علم لا فيمن لم يعلم !
. . . وقال بعض الناس : الدليل على نسخ القنوت ما رويتموه من طريق معمر عن
الزهري عن سالم بن عبد الله عن أبيه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رفع
رأسه من صلاة الصبح من الركعة الأخيرة قال : اللهم العن فلانا وفلانا ، دعا على ناس
من المنافقين فأنزل الله عز وجل ليس لك من الأمر شئ أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم
ظالمون قال علي ( ابن حزم ) : هذا حجة في إثبات القنوت : لأنه ليس فيه نهي عنه ،
فهذا حجة في بطلان قول من قال : إن ابن عمر جهل القنوت ، ولعل ابن عمر إنما
أنكر القنوت في الفجر قبل الركوع ، فهو موضع إنكار ، وتتفق الروايات عنه فهو
أولى ، لئلا يجعل كلامه خلافا للثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإنما في
هذا الخبر إخبار الله تعالى بأن الأمر له لا لرسوله صلى الله عليه وسلم ، وأن أولئك
الملعونين لعله تعالى يتوب عليهم ، أو في سابق علمه أنهم سيؤمنون فقط .
. . . وأما أبو حنيفة ومن قلده فقالوا : لا يقنت في شئ من الصلوات كلها إلا في
الوتر ، فإنه يقنت فيه قبل الركوع السنة كلها ، فمن ترك القنوت فيه فليسجد سجدتي
السهو . أما مالك والشافعي فإنهما قالا : لا يقنت في شئ من الصلوات المفروضة كلها
إلا في الصبح خاصة .
. . . قال علي ( ابن حزم ) : أما قول أبي حنيفة : فما وجدناه كما هو عن أحد من
الصحابة نعني النهي عن القنوت في شئ من الصلوات ، حاشا الوتر فإنه يقنت فيه ،
وعلى من تركه سجود السهو . وكذلك قول مالك في تخصيصه الصبح خاصة
بالقنوت ، ما وجدناه عن أحد من الصحابة ولا عن أحد من التابعين . وكذلك تفريق
الشافعي بين القنوت في الصبح وبين القنوت في سائر الصلوات ، وهذا مما خالفوا فيه
كل شئ روي في هذا الباب عن الصحابة رضي الله عنهم ، مع تشنيعهم على من
خالف بعض الرواية عن صاحب لسنة صحت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 87 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال علي : وقولنا هو قول سفيان الثوري . وروى عن ابن أبي ليلى : ما كنت
لأصلي خلف من لا يقنت ، وأنه كان يقنت في صلاة الصبح قبل الركوع ) انتهى .

كيف صار قنوت النبي ( المصحح ) سورتين من القرآن ؟

العمل السابع : إضافة سورتي الخلع والحفد إلى القرآن !
كل أصل ( سورتي ) الخلع والحفد هو الرواية المتقدمة التي تقول إن النبي كان يصلي
ويدعو على قريش في قنوته ويلعنهم ، فنزل جبرئيل وأمره بالسكوت وقطع عليه صلاته
وبلغه توبيخ الله تعالى وقال له ( يا محمد إن الله لم يبعثك سبابا ولا لعانا ! وإنما بعثك
رحمة ولم يبعثك عذابا ، ليس لك من الأمر شئ أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم
ظالمون . ثم علمه هذا القنوت : اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونؤمن بك ونخضع لك
ونخلع ونترك من يكفرك . اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد
ونرجو رحمتك ونخشى عذابك ونخاف عذابك الجد ، إن عذابك بالكافرين ملحق ) !
وما دام جبرئيل علم ذلك للنبي فهو كلام الله تعالى ، وهو من القرآن ! !
أما لماذا صار هذا النص سورتين ببسملتين ؟ فالأمر سهل ، أولا ، لأنهما فقرتان تبدأ
كل منهما ب‍ ( اللهم ) .
وثانيا ، لأنه يجوز للخليفة عمر أن يضع آيات القرآن في سورة مستقلة ! فقد قال
السيوطي في الدر المنثور ج 3 ص 296 ( وأخرج ابن إسحاق وأحمد بن حنبل وابن
أبي داود عن عباد بن عبد الله بن الزبير قال : أتى الحرث بن خزيمة بهاتين الآيتين من
آخر براءة لقد جاءكم رسول من أنفسكم . . . إلى قوله وهو رب العرش العظيم ، إلى عمر
فقال : من معك على هذا ؟ فقال لا أدري والله إلا أني أشهد لسمعتها من رسول الله
صلى الله عليه وسلم ووعيتها وحفظتها . فقال عمر : وأنا أشهد لسمعتها من رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، لو كانت ثلاث آيات لجعلتها سورة على حدة ، فانظروا سورة
من القرآن فألحقوها ، فألحقت في آخر براءة ) ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد ج 7 ص 35 .
وثالثا ، لأنهم إذا أسقطوا من القرآن سورتي المعوذتين باعتبار أنهما عوذتان نزل
بهما جبرئيل على النبي صلى الله عليه وآله ليعوذ بهما الحسن الحسين عليهما السلام ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 88 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولم يقل له إنهما من القرآن ! فلا بد لهم من وضع سورتين مكانهما لا سورة واحدة . .
فيجب جعل النص قسمين !
يبقى السؤال : من الذي ارتأى أن يسمى هذا القنوت المزعوم سورتين ؟ هنا
تسكت الروايات عن التصريح !
ومن الذي أمر أن تضاف سورتان ركيكتان إلى كتاب الله تعالى وتكتبا في
المصاحف ؟ هنا تسكت الروايات عن التصريح !
ولكنها تنطق صحيحة متواترة صريحة بأن الخليفة عمر هو الذي عرفهما للمسلمين
بقراءته لهما في صلاة الصبح دائما أو كثيرا ! إما بنية الدعاء وإما بنية سورتين
من القرآن ! ومن الطبيعي أن تكونا موجودتين في مصحف عمر الذي كان عند
حفصة . . إلى أن أحرقه مروان بن الحكم بعد وفاتها حتى لا يقال إنه يختلف عن
مصحف عثمان ! !
ويشك الإنسان كل الشك في نسبة السورتين المزعومتين إلى مصحف ابن مسعود
وابن كعب . . وإن صح شئ من ذلك فلا بد أن يكون الخليفة عمر هو الذي أقنع ابن
مسعود وابن كعب بكتابتهما في مصحفيهما ! وسيأتي ما ينفع في ذلك في قصة
المعوذتين !
قال السيوطي في الدر المنثور ج 6 ص 420 :
( ذكر ما ورد في سورة الخلع وسورة الحفد .
قال ابن الضريس في فضائله أخبرنا موسى بن إسماعيل أنبأنا حماد قال قرأنا في مصحف
أبي بن كعب اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك الخير ولا نكفرك ونخلع ونترك
من يفجرك قال حماد هذه الآية سورة وأحسبه قال اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد
وإليك نسعى ونحفد نخشى عذابك ونرجو رحمتك إن عذابك بالكفار ملحق .
وأخرج ابن الضريس عن عبد الله بن عبد الرحمن عن أبيه قال : صليت خلف عمر
بن الخطاب فلما فرغ من السورة الثانية قال : اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني
عليك الخير كله ولا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك . اللهم إياك نعبد ولك نصلي
ونسجد وإليك نسعى ونحفد نرجو رحمتك ونخشى عذابك إن عذابك بالكفار ملحق .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 89 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي مصحف ابن عباس قراءة أبي وأبي موسى : بسم الله الرحمن الرحيم . اللهم إنا
نستعينك ونستغفرك ونثني عليك الخير ولا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك . وفي
مصحف حجر : اللهم إنا نستعينك . وفي مصحف ابن عباس قراءة أبي وأبي موسى :
اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد ، نخشى عذابك ونرجو
رحمتك إن عذابك بالكفار ملحق .
وأخرج أبو الحسن القطان في المطولات عن أبان بن أبي عياش قال سألت أنس بن
مالك عن الكلام في القنوت فقال : اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك الخير ولا
نكفرك ونؤمن بك ونترك من يفجرك اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى
ونحفد نرجو رحمتك ونخشى عذابك الجد إن عذابك بالكفار ملحق . قال أنس والله إن
أنزلتا إلا من السماء !
وأخرج محمد بن نصر والطحاوي عن ابن عباس أن عمر بن الخطاب كان يقنت
بالسورتين : اللهم إياك نعبد ، واللهم إنا نستعينك .
وأخرج محمد بن نصر عن عبد الرحمن بن أبزى قال قنت عمر رضي الله عنه
بالسورتين .
وأخرج محمد بن نصر عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن عمر قنت بهاتين السورتين :
اللهم إنا نستعينك . . واللهم إياك نعبد . .
وأخرج البيهقي عن خالد بن أبي عمران قال بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم
يدعو على مضر إذ جاءه جبرئيل فأومأ إليه أن أسكت فسكت فقال : يا محمد إن الله
لم يبعثك سبابا ولا لعانا وإنما بعثك رحمة للعالمين ولم يبعثك عذابا ليس لك من الأمر
شئ أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون ، ثم علمه هذا القنوت : اللهم إنا
نستعينك ونستغفرك ونؤمن بك ونخضع لك ونخلع ونترك من يفجرك اللهم إياك نعبد
ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد نرجو رحمتك ونخشى عذابك إن عذابك الجد
بالكفار ملحق .
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف ومحمد بن نصر والبيهقي في سننه عن عبيد بن
عمير أن عمر بن الخطاب قنت بعد الركوع فقال : بسم الله الرحمن الرحيم اللهم إنا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 90 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
نستعينك ونستغفرك ونثني عليك ولا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك . بسم الله
الرحمن الرحيم اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد ولك نسعى ونحفد نرجو رحمتك
ونخشى عذابك إن عذابك بالكفار ملحق . وزعم عبيد أنه بلغه أنهما سورتان من
القرآن من مصحف ابن مسعود .
وأخرج ابن أبي شيبة ومحمد بن نصر عن ميمون بن مهران قال في قراءة أبي بن
كعب اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك ولا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك
اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد نرجو رحمتك ونخشى عذابك
إن عذابك بالكفار ملحق .
وأخرج محمد بن نصر عن ابن إسحاق قال قرأت في مصحف أبي بن كعب بالكتاب
الأول العتيق بسم الله الرحمن الرحيم قل هو الله أحد إلى آخرها . بسم الله الرحمن
الرحيم قل أعوذ برب الفلق إلى آخرها بسم الله الرحمن الرحيم قل أعوذ برب الناس إلى
آخرها بسم الله الرحمن الرحيم اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك الخير ولا
نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك . بسم الله الرحمن الرحيم اللهم إياك نعبد ولك نصلي
ونسجد وإليك نسعى ونحفد نرجو رحمتك ونخشى عذابك إن عذابك بالكفار ملحق .
بسم الله الرحمن الرحيم اللهم لا تنزع ما تعطي ولا ينفع ذا الجد منك الجد سبحانك
وغفرانك وحنانيك إله الحق ( يلاحظ في هذه الرواية أن السورتين ولدتا بنتا
فصرن ثلاثة ) .
وأخرج محمد بن نصر عن عطاء بن السائب قال كان أبو عبد الرحمن يقرئنا اللهم إنا
نستعينك ونستغفرك ونثني عليك الخير ولا نكفرك ونؤمن بك ونخلع ونترك من يفجرك .
اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد نرجو رحمتك ونخشى عذابك
الجد إن عذابك بالكفار ملحق . وزعم أبو عبد الرحمن أن ابن مسعود كان يقرئهم إياها
ويزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرئهم إياها .
وأخرج محمد بن نصر عن الشعبي قال قرأت أو حدثني من قرأ في بعض مصاحف
أبي بن كعب هاتين السورتين : اللهم إنا نستعينك ، والأخرى ، بينهما بسم الله
الرحمن الرحيم . قبلهما سورتان من المفصل وبعدهما سور من المفصل .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 91 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأخرج محمد بن نصر عن سفيان قال كانوا يستحبون أن يجعلوا في قنوت الوتر
هاتين السورتين : اللهم إنا نستعينك واللهم إياك نعبد .
وأخرج محمد بن نصر عن إبراهيم قال يقرأ في الوتر السورتين : اللهم إياك نعبد
اللهم إنا نستعينك ونستغفرك .
وأخرج محمد بن نصر عن خصيف قال سألت عطاء بن أبي رباح : أي شئ أقول
في القنوت ؟ قال : هاتين السورتين اللتين في قراءة أبي ، اللهم إنا نستعينك ، واللهم
إياك نعبد .
وأخرج محمد بن نصر عن الحسن قال نبدأ في القنوت بالسورتين ثم ندعو على
الكفار ثم ندعو للمؤمنين والمؤمنات ) انتهى .
وروى في كنز العمال ج 8 ص 74 و 75 و 78 وغيرها ، الكثير من روايات الخلع
والحفد ! ! منها :
( عن ابن عباس أن عمر بن الخطاب كان يقنت بالسورتين اللهم إنا نستعينك ،
اللهم إياك نعبد - ش ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة والطحاوي .
عن عبد الرحمن بن أبزى قال : صليت خلف عمر بن الخطاب الصبح ، فلما فرغ من
السورة في الركعة الثانية قال قبل الركوع : اللهم إنا نستعينك . . . إلخ . - ش وابن
الضريس في فضائل القرآن ، هق وصححه .
وقال في هامشه : ملحق : الرواية بكسر الحاء : أي من نزل به عذابك ألحقه
بالكفار . ويروى بفتح الحاء على المفعول : أي عذابك يلحق بالكفار ويصابون به
النهاية 4 / 238 ) ب .
عن عبيد بن عمير أن عمر بن الخطاب قنت بعد الركوع في صلاة الغداة ،
فقال : بسم الله الرحمن الرحيم ، اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك ولا نكفرك
ونخلع ونترك من يفجرك بسم الله الرحمن الرحيم اللهم إياك نعبد . . إلخ . وزعم عبيد
أنه بلغه أنهما سورتان من القرآن في مصحف ابن مسعود - عب ش ومحمد ابن نصر
والطحاوي هق .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 92 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عن عبد الرحمن بن أبزى أن عمر قنت في صلاة الغداة قبل الركوع بالسورتين :
اللهم إنا نستعينك ، واللهم إياك نعبد - الطحاوي .
ثنا هشيم قال : أخبرنا حصين قال : صليت الغداة ذات يوم ، وصلى خلفي عثمان
بن زياد فقنت في الصلاة ، فلما قضيت صلاتي قال لي : ما قلت في قنوتك ؟ فقلت :
ذكرت هؤلاء الكلمات : اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك الخير كله ،
نشكرك ولا نكفرك ، ونخلع ونترك من يفجرك ، اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد
وإليك نسعى ونحفد نرجو رحمتك ونخشى عذابك إن عذابك بالكفار ملحق ، فقال
عثمان : كذا كان يصنع عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان - ش ) انتهى .
وقال ابن شبة في تاريخ المدينة ج 3 ص 1009 ( حدثنا عبد الأعلى قال ، حدثنا
هشام ، عن محمد : أن أبي بن كعب كتبهن في مصحفه خمسهن : أم الكتاب
والمعوذتين والسورتين ، وتركهن ابن مسعود كلهن ، وكتب ابن عفان فاتحة الكتاب
والمعوذتين ، وترك السورتين . وعلى ما كتبه عمر رضي الله عنه مصاحف أهل
الإسلام ، فأما ما سوى ذلك فمطرح ، ولو قرأ غير ما في مصاحفهم قارئ في الصلاة ،
أو جحد شيئا منها استحلوا دمه بعد أن يكون يدين به ) انتهى .
وتعبيره ( على ما كتبه عمر ) يعني أن ما كتب في عهده كان بأمره وموافقته ، وأن
من قرأ سورتي الخلع والحفد لا يستحل دمه لأنهما مما كتبه عمر . والظاهر أن اسم
عمر في الرواية جاء خطأ بدل اسم عثمان . فتكون فتوى باستحلال دم من يكتب
سورتي الخليفة عمر في قرآنه !
روى الشافعي في كتاب الأم ج 7 ص 148 الحديث المتقدم عن البيهقي ، أي
حديث ( يا محمد إن الله لم يبعثك سبابا ولا لعانا ، وسورتي الخلع والحفد ) وأفتى
باستحباب القنوت بهما !
وقال مالك في المدونة الكبرى ج 1 ص 103 :
( قال ابن وهب : قال لي مالك لا بأس أن يدعى الله في الصلاة على الظالم ويدعو
لآخرين وقد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة لناس ودعا على آخرين
( ابن وهب ) عن معاوية بن صالح عن عبد القاهر عن خالد بن أبي عمران قال بينا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 93 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو على مضر إذ جاءه جبريل فأومأ إليه أن أسكت
فسكت فقال يا محمد إن الله لم يبعثك سبابا ولا لعانا وإنما بعثك رحمة ولم يبعثك عذابا
ليس لك من الأمر شئ أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون قال ثم علمه القنوت :
اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونؤمن بك ونخضع لك ونخلع ونترك من يكفرك . اللهم
إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد نرجو رحمتك ونخاف عذابك الجد
إن عذابك بالكافرين ملحق ) انتهى .
وقال النووي في المجموع ج 3 ص 493 عن القنوت ( . . والسنة أن يقول : اللهم
اهدني فيمن هديت وعافني فيمن عافيت وتولني فيمن توليت ، وبارك لي فيما أعطيت
وقني شر ما قضيت ، إنك تقضي ولا يقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، تباركت
وتعاليت . لما روى الحسن بن علي رضي الله عنه قال : علمني رسول الله صلى الله
عليه و سلم هؤلاء الكلمات في الوتر فقال قل : اللهم اهدني فيمن هديت . . إلى آخره .
وإن قنت بما روي عن عمر رضي الله عنه كان حسنا . . . وهو ما روى أبو رافع قال
قنت عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعد الركوع في الصبح فسمعته يقول اللهم إنا
نستعينك ونستغفرك ولا نكفرك ونؤمن بك ونخلع ونترك من يفجرك اللهم إياك
نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد نرجو رحمتك ونخشى عذابك أن عذابك
الجد بالكفار ملحق . اللهم عذب كفرة أهل الكتاب الذين يصدون عن سبيلك
يكذبون رسلك ويقاتلون أولياءك . اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين
والمسلمات وأصلح ذات بينهم وألف بين قلوبهم واجعل في قلوبهم الإيمان والحكمة
وثبتهم على ملة رسولك وأوزعهم أن يوفوا بعهدك الذي عاهدتهم عليه وانصرهم على
عدوك وعدوهم آله الحق واجعلنا منهم . ويستحب أن يصلي على النبي صلى الله عليه
وسلم بعد الدعاء ) .
وقال في ص 498 :
( ولو قنت بالمنقول عن عمر رضي الله تعالى عنه كان حسنا وهو الدعاء الذي
ذكره المصنف رواه البيهقي وغيره قال البيهقي هو صحيح عن عمر واختلف الرواة في
لفظه والرواية التي أشار البيهقي إلى اختيارها رواية عطاء عن عبيد الله بن عمر رضي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 94 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الله عنهم قنت بعد الركوع فقال ( اللهم اغفر لنا وللمؤمنين والمؤمنات والمسلمين
والمسلمات وألف بين قلوبهم وأصلح ذات بينهم وانصرهم على عدوك وعدوهم . اللهم
العن كفرة أهل الكتاب الذين يصدون عن سبيلك ويكذبون رسلك ويقاتلون أولياءك .
اللهم خالف بين كلمتهم وزلزل أقدامهم وأنزل بهم بأسك الذي لا ترده عن القوم
المجرمين . بسم الله الرحمن الرحيم اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك ولا
نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك . بسم الله الرحمن الرحيم اللهم إياك نعبد ولك نصلي
ونسجد وإليك نسعى ونحفد ونخشى عذابك ونرجوا رحمتك إن عذابك الجد بالكفار
ملحق . هذا لفظ رواية البيهقي ) انتهى .
وعندما رأى النووي أن الخليفة حصر دعاءه بكفرة أهل الكتاب ليبعد الأمر عن
كفرة قريش الوثنيين ، علق بقوله ( وقوله اللهم عذب كفرة أهل الكتاب ، إنما اقتصر
على أهل الكتاب لأنهم الذين كانوا يقاتلون المسلمين في ذلك العصر وأما الآن فالمختار
أن يقال عذب الكفرة ليعم أهل الكتاب وغيرهم من الكفار ، فإن الحاجة إلى الدعاء
على غيرهم أكثر والله أعلم ) انتهى !
ولكن النووي نسي المنافقين الذين نسيهم الخليفة ! !
وقد حاول بعض الرواة أن يقوي أمر سورتي الخلع والحفد بأن عليا عليه السلام
أيضا وافق الخليفة عمر وقرأهما في قنوته ! فقد روى السيوطي ومالك في المدونة
الكبرى ج 1 ص 103 عن ( . . عبد الرحمن بن سويد الكاهلي أن عليا قنت في الفجر :
اللهم إنا نستعينك ونستغفرك . . . ) ! ولكنها رواية شاذة ، وقد روت مصادر إخواننا
السنة عن قنوت علي ضد ذلك ، وأنه كان يدعو على خصومه المنافقين ! ففي كنز
العمال ج 8 ص 79 ( عن إبراهيم النخعي قال : إنما كان علي يقنت لأنه كان محاربا
وكان يدعو على أعدائه في القنوت في الفجر والمغرب - الطحاوي )
وفي ص 82 ( عن عبد الرحمن بن معقل قال : صليت مع علي صلاة الغداة ، فقنت
فقال في قنوته اللهم عليك بمعاوية وأشياعه ، وعمرو بن العاص وأشياعه ، وأبي الأعور
السلمي وأشياعه ، وعبد الله بن قيس وأشياعه - ش ) انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 95 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

ابن حزم يفتي بأن ( السورتين ) كلام غير مأثور ! !

قال في المحلى ج 4 ص 148 :
. . . وقد جاء عن عمر رضي الله عنه القنوت بغير هذا ، والمسند أحب إلينا . فإن
قيل : لا يقوله عمر إلا وهو عنده عن النبي صلى الله عليه وسلم . قلنا لهم : المقطوع في
الرواية على أنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أولى من المنسوب إليه عليه السلام بالظن
الذي نهى الله تعالى عنه ورسوله عليه السلام . فإن قلتم ليس ظنا ، فأدخلوا في
حديثكم أنه مسند فقولوا : عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ! فإن فعلتم كذبتم ،
وإن أبيتم حققتم أنه منكم قول على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالظن الذي قال
الله تعالى فيه إن الظن لا يغني من الحق شيئا ) .
وقال في المحلى ج 3 ص 91 ( ويدعو المصلي في صلاته في سجوده وقيامه وجلوسه
بما أحب ، مما ليس معصية ، ويسمي في دعائه من أحب . وقد دعا رسول الله صلى
الله عليه وسلم على عصية ورعل وذكوان ، ودعا للوليد بن الوليد وعياش بن أبي ربيعة
وسلمة بن هشام ، يسميهم بأسمائهم ، وما نهى عليه السلام قط عن هذا ولا نهي هو
عنه ) انتهى .
وكلامه الأخير تكذيب لحديث الشافعي والبيهقي ( يا محمد إن الله لم يبعثك سبابا
ولا لعانا ) !

هل نفعت كل المقويات لبقاء سورتي الخليفة ؟ !

أكبر نجاح حققته سورتا الخلع والحفد أنهما سببتا التشويش على سورتي المعوذتين
كما سترى ! وأنهما دخلتا في فقه إخواننا السنة على أنهما دعاء القنوت المأثور ، كما
رأيت !
ولعل أكبر نجاح أمكن تحقيقه لهما كان على يد السلطة الأموية ، التي تبنت قراءتهما
مدة لا تقل عن نصف قرن على أنهما سورتان من القرآن ! حيث تدل الروايات على
أنهما عاشتا بالمقويات في حكم بني أمية . . ثم ماتتا ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 96 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
روى السيوطي في الإتقان ج 1 ص 227 ( وأخرج الطبراني بسند صحيح عن أبي
إسحاق قال : أمنا أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد بخراسان فقرأ بهاتين السورتين :
إنا نستعينك ، ونستغفرك ) ! ! انتهى .
وعندما يقول أحد : صلى فلان بنا فقرأ بسورتي كذا وكذا فمعناه قرأهما على
أنهما قرآن ، فقرأ إحداهما في الركعة الأولى والثانية في الركعة الثانية .
ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد ج 7 ص 157 وصححه ، قال :
( وعن أبي إسحق قال أمنا أمية ابن عبد الله بن خالد بن أسيد بخراسان فقرأ بها من
السورتين إنا نستعينك ونستغفرك قال فذكر الحديث . رواه الطبراني ورجاله رجال
الصحيح ! )
قال ابن الأثير في أسد الغابة ج 1 ص 116 ( وأما أمية بن عبد الله فإن عبد الملك
استعمله على خراسان ، والصحيح أنه لا صحبة له . . وقد ذكر مصنفوا التواريخ
والسير أمية وولايته خراسان وساقوا نسبه كما ذكرناه . وذكر أبو أحمد العسكري
عتاب بن أسيد بن أبي العيص ثم قال : وأخوه خالد بن أسيد وابنه أمية بن خالد . ثم
قال في ترجمة منفردة : أمية بن خالد بن أسيد ذكر بعضهم أن له رواية وقد روى عن
ابن عمر ) .
وترجم له البخاري في تاريخه الكبير ج 2 ص 7 والرازي في الجرح والتعديل ج 2 ص 301
والمزني في تهذيب الكمال ج 3 ص 334 وقال ( عن سعيد بن عبد العزيز : دعا عبد الملك
بغدائه فقال : أدع خالد ابن يزيد بن معاوية ، قال : مات يا أمير المؤمنين . قال أدع
ابن أسيد ، قال : مات يا أمير المؤمنين . قال أدع روح بن زنباع ، قال : مات يا أمير
المؤمنين . قال إرفع ، إرفع . قال أبو مسهر : فحدثني رجل قال : فلما ركب تمثل هذين
البيتين :
ذهبت لذاتي وانقضت آثارهم وغبرت بعدهم ولست بغابر
وغبرت بعدهم فأسكن مرة بطن العقيق ومرة بالظاهر
قال خليفة بن خياط : وفي ولاية عبد الملك ، مات أمية بن عبد الله بن خالد بن
أسيد . وقال الحافظ أبو القاسم : بلغني أن أمية بن خالد ، وخالد بن يزيد بن معاوية
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 97 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وروح بن زنباع ، ماتوا بالصنبرة في عام واحد . وبلغني من وجه آخر أن روحا مات
في سنة أربع وثمانين . وقال أبو بشر الدولابي : حدثني أحمد بن محمد بن القاسم ،
حدثني أبي ، حدثني أبو الحسن المدائني ، قال : سنة سبع وثمانين ، فيها مات أمية بن عبد
الله بن خالد بن أسيد . روى له النسائي وابن ماجة حديثا واحدا ) انتهى .
ويظهر من ترجمة أمية أنه نشأ في مكة كغيره من بني أمية ، ثم وفد على عبد الملك
فجعله من ندمائه وسكن في الشام حتى عدوه في الشاميين ، ثم ولاه عبد الملك
خراسان . . فالقصة التي يرويها الطبراني عنه بسند صحيح كما يشهد السيوطي لا بد أن
تكون بعد أكثر من نصف قرن من وفاة الخليفة عمر ! !
وهذا يقوي أن تكون السلطة الأموية قد تبنت سورتي الخليفة كسورتين أصيلتين من
القرآن ، وتبنت كتابتهما في المصحف بدل المعوذتين اللتين ليستا في رأيهم أكثر من
عوذتين كان النبي صلى الله عليه وآله يعوذ بهما الحسن والحسين عليهما السلام ،
كما سنرى !
لكن مع كل هذه الجهود الرسمية لدعم هذين النصين الركيكين ، فإن قوة القرآن
الذاتية قد نفتهما عنه كما تنفي النار عن الذهب الزبد والخبث . . وتجلى بذلك أحد
مصاديق قوله تعالى إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ، وكفى الله المسلمين شر سورتي
الخلع والحفد والحمد لله ، ولم يبق منهما إلا الذكرى السيئة لمن أراد أن يزيدهما على
كتاب الله تعالى ! ! وإلا الدعاء في فقه إخواننا ، والحمد لله أنهما صارتا دعاء من
الدرجة الثانية ، لأن الدعاء الذي رووه عن الإمام الحسن عليه السلام أبلغ منهما !

القنوت في فقه الشيعة

القنوت في فقهنا جزء مستحب مؤكد من صلاة الفريضة والنافلة ، ويدعو المصلي
فيه بالمأثور أو بما جرى على لسانه ، لنفسه أو للمؤمنين ولو بأسمائهم ، ولا يجوز الدعاء
على المؤمنين ولا لعنهم . ويجوز أن يدعو على أئمة الكفر والنفاق ولو بأسمائهم ، ويجوز
أن يلعنهم . .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 98 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال المحقق الحلي المتوفى سنة 624 في المعتبر ج 2 ص 238 :
( اتفق الأصحاب على استحباب القنوت في كل صلاة فرضا كانت أو نفلا مرة ،
وهو مذهب علمائنا كافة ، وقال الشافعي : يستحب في الصبح خاصة بعد الركوع ،
ولو نسيه سجد للسهو لأنه سنة كالتشهد الأول ، وفي سائر الصلاة إن نزلت نازلة قولا
واحدا ، وإن لم تنزل فعلى قولين . وبقوله قال أكثر الصحابة ، ومن الفقهاء مالك قال :
وفي الوتر في النصف الأخير من رمضان لا غير . وقال أبو حنيفة : ليس القنوت بمسنون
بل هو مكروه إلا في الوتر خاصة فإنه مسنون . وقال أحمد : إن قنت في الصبح فلا
بأس ، وقال : يقنت أمراء الجيوش .
لنا : أن القنوت دعاء فيكون مأمورا به لقوله تعالى أدعوني أستجب لكم وقوله وقوموا
لله قانتين ، ولأن الدعاء أفضل العبادات فلا يكون منافيا للصلاة ، وما رواه أحمد بن
حنبل عن الفضل بن عباس قال ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله : الصلاة مثنى
مثنى ، وتشهد في كل ركعتين ، وتضرع ، وتخشع ، ثم تضع يديك ترفعهما إلى ربك
مستقبلا ببطونهما وجهك وتقول يا رب . . ) وعن البراء بن عازب قال ( كان رسول
الله صلى الله عليه وآله لا يصلي صلاة مكتوبة إلا قنت فيها ) ورووا عن علي عليه
السلام ( أنه قنت في الصلاة المغرب على أناس وأشياعهم ) وقنت النبي صلى الله عليه
وآله في صلاة الصبح فقال ( اللهم أنج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي
ربيعة والمستضعفين بمكة واشدد وطأتك على مضر ورعل وذكوان وأرسل عليهم سنين
كسني يوسف ) .
ومن طريق أهل البيت عليهم السلام روايات ، منها رواية زرارة عن أبي جعفر
الباقر عليه السلام قال ( القنوت في كل صلاة في الركعة الثانية قبل الركوع ) وروى
محمد بن مسلم ، عن أبي جعفر عليه السلام أيضا قال ( القنوت في كل ركعتين في
التطوع والفريضة ) وروى صفوان الجمال قال ( صليت مع أبي عبد الله أياما فكان
يقنت في كل صلاة يجهر فيها ولا يجهر فيها ) انتهى .
وهكذا تمسك الفقه الشيعي بسنة النبي صلى الله عليه وآله في القنوت باعتبار أنه
تشريع ثابت مفتوح إلى يوم القيامة ، يدعو فيه الفرد المسلم أو الحاكم المسلم إن شاء
لنفسه وإخوانه ، ويدعو فيه إن شاء على المنافقين والكافرين . .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 99 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وهكذا . . أدان الأئمة من عترة النبي صلى الله عليه وآله اتهام رسول الله من أجل
تبرئة الملعونين على لسانه ! وتمسكوا بشهادة الله سبحانه بحق نبيه وما ينطق عن الهوى . .
إن هو إلا وحي يوحى واعتقدوا بأن النبي لا يمكن أن يلعن غير المستحق . . بل تدل
الروايات عن الأئمة من أهل البيت عليهم السلام على أن لعنة الأنبياء أو بعض أنواعها
تجري في ذرية الملعون . . ! لأن اللعن لا يصدر منهم إلا بعد علمهم بنضوب الخير من
الملعون ومن صلبه ! فقد روى الكليني في الكافي ج 5 ص 569 ( عن سدير قال : قال
لي أبو جعفر - الإمام محمد الباقر عليه السلام - : يا سدير بلغني عن نساء أهل الكوفة
جمال وحسن تبعل ، فابتغ لي امرأة ذات جمال في موضع ، فقلت : قد أصبتها جعلت
فداك ، فلانة بنت فلان ابن محمد بن الأشعث بن قيس . فقال لي : يا سدير إن رسول
الله صلى الله عليه وآله لعن قوما فجرت اللعنة في أعقابهم إلى يوم القيامة ! وأنا أكره
أن يصيب جسدي جسد أحد من أهل النار ! ) انتهى .
وفي مجمع البيان في تفسير قوله تعالى لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود
وعيسى بن مريم وقال أبو جعفر عليه السلام أما داود عليه السلام فإنه لعن أهل أيلة لما
اعتدوا في سبتهم ، وكان اعتداؤهم في زمانه ، فقال اللهم ألبسهم اللعنة مثل الرداء
ومثل المنطقة على الحقوين فمسخهم الله قردة ، وأما عيسى فإنه لعن الذين أنزلت
عليهم المائدة ، ثم كفروا بعد ذلك ! ) انتهى .

المؤامرة على سورتي المعوذتين ! -

يتضح من روايات سورتي المعوذتين في مصادر إخواننا السنة أنه كانت توجد
مؤامرة لحذفهما من القرآن ، ولكنها فشلت والحمد لله ، وحفظ الله المعوذتين جزء من
القرآن عند كل المسلمين ! وهو سبحانه القائل إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون .
ولكن لماذا هذه المؤامرة ؟ وما هو هدفها ؟ ومن هو أصلها ؟ !
الاحتمال الأول : أن المعوذتين لم تعجبا السليقة العامة للعرب ! كما يفهم مما رواه
البيهقي في سننه ج 2 ص 394 ( عن عقبة بن عامر الجهني قال : كنت أقود برسول
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 100 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الله صلى الله عليه وسلم ناقته فقال لي : يا عقبة ألا أعلمك خير سورتين قرئتا ؟ قلت
بلى يا رسول الله . فأقرأني قل أعوذ برب الفلق ، وقل أعوذ برب الناس ، فلم يرني
أعجب بهما فصلى بالناس الغداة فقرأ بهما ، فقال لي : يا عقبة كيف رأيت ؟ كذا قال
العلاء بن كثير . وقال ابن وهب عن معاوية عن العلاء بن الحارث وهو أصح ) .
ثم رواه برواية أخرى جاء فيها ( فلم يرني سررت بهما جدا . . . ) .
ثم رواه برواية أخرى تدل على أن عقبة هو الذي سأل النبي صلى الله عليه وآله
عنهما ، وأن النبي أراد تأكيد أنهما من القرآن فصلى بهما ( عن عقبة بن عامر أنه سأل
رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المعوذتين فأمهم بهما رسول الله صلى الله عليه
وسلم في صلاة الفجر ) انتهى .
الاحتمال الثاني : أن محاولة حذفهما من القرآن جاءت بسبب ارتباطهما بالحسن
والحسين عليهما السلام ! فقد روى أحمد في مسنده ج 5 ص 130 ( . . . عن زر قال
قلت لأبي : إن أخاك يحكهما من المصحف ، فلم ينكر ! قيل لسفيان : ابن مسعود ؟
قال نعم . وليسا في مصحف ابن مسعود ، كان يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم
يعوذ بهما الحسن والحسين ولم يسمعه يقرؤهما في شئ من صلاته ، فظن أنهما عوذتان
وأصر على ظنه ، وتحقق الباقون كونهما من القرآن فأودعوهما إياه ! ) .
وروى نحوه ابن ماجة في سننه ولكن لم يذكر الحسن والحسين ، قال في ج 2
ص 1161 ( عن أبي سعيد ، قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوذ من عين
الجان ، ثم أعين الأنس ، فلما نزل المعوذتان أخذهما وترك ما سوى ذلك ) .
وروى الترمذي في سننه ج 3 ص 267 أن النبي كان ( يتعوذ من الجان وعين
الإنسان حتى نزلت المعوذتان ، فلما نزلت أخذ بهما وترك ما سواهما ) .
ورواه في كنز العمال ج 7 ص 77 عن ( ت ن ه‍ ، والضياء عن أبي سعيد ) .
وروى البخاري في صحيحه تعويذ النبي للحسنين عليهما السلام بدعاء آخر غير
المعوذتين ، قال في ج 4 ص 119 ( . . . عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله
عنهما قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يعوذ الحسن والحسين ويقول إن أباكما كان
يعوذ بها إسماعيل وإسحاق : أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 101 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وروى ابن ماجة في ج 2 ص 1165 ( عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال :
كان النبي صلى الله عليه وسلم يعوذ الحسن والحسين يقول أعوذ بكلمات الله التامة ، من
كل شيطان وهامة ، ومن كل عين لامة . قال وكان أبونا إبراهيم يعوذ بها إسماعيل وإسحاق . أو
قال إسماعيل ويعقوب ) . ومثله أبو داود في ج 2 ص 421 ، والترمذي في سننه ج 3 ص 267 ،
والحاكم في المستدرك ج 3 ص 167 و ج 4 ص 416 وقال في الموردين ( صحيح على شرط الشيخين
ولم يخرجاه ) . وأحمد في مسنده ج 1 ص 236 و ص 270
ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد ج 5 ص 113 بعدة روايات ، وإحداها عن عبد الله
بن مسعود فيها تفصيل جميل ( قال كنا جلوسا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ
مر به الحسين والحسن وهما صبيان فقال : هاتوا ابني أعوذهما مما عوذ به إبراهيم
ابنيه إسماعيل وإسحق ، قال أعيذكما بكلمات الله التامة من كل عين لامة ومن كل شيطان
وهامة . رواه الطبراني وفيه محمد بن ذكوان وثقة شعبة وابن حبان وضعفه جماعة ، وبقية
رجاله ثقات ) .
ورواه في كنز العمال عن عمر ، في ج 2 ص 261 و ج 10 ص 108 قال ( عن
عمر بن الخطاب أن النبي صلى الله عليه وسلم ، كان يعوذ حسنا وحسينا يقول :
أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة - حل ) .
وروى البخاري ذلك بعدة روايات عن عائشة بتفاوت في الدعاء ، لكنها لم تسم
فيهما الحسنين ! قال في ج 7 ص 24 ( . . . حدثني سليمان عن مسلم عن مسروق عن
عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعوذ بعض أهله يمسح بيده
اليمنى ويقول الله رب الناس أذهب الباس واشفه وأنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك
شفاء لا يغادر سقما . قال سفيان حدثت به منصورا فحدثني عن إبراهيم عن مسروق
عن عائشة نحوه . . . روايتين في ج 7 ص 26 ( . . . عن عائشة رضي الله عنها قالت
كان النبي صلى الله عليه وسلم يعوذ بعضهم يمسحه بيمينه . . . اذهب الباس رب الناس
واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما . فذكرته لمنصور فحدثني
عن إبراهيم عن مسروق عن عائشة رضي الله عنها بنحوه ) . وروى نحوه أحمد في
مسنده ج 6 ص 44 و 45 . . إلخ .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 102 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
من هذه الروايات نعرف أن النبي صلى الله عليه وآله كان يهتم اهتماما خاصا
بولديه الحسن والحسين عليهما السلام وتعويذهما بكلمات الله تعالى لدفع الحسد
والشر عنهما ، وأنه كان يفعل ذلك عمدا أمام الناس لتركيز مكانتهما في الأمة والتأكيد
على أنهما ذريته وامتداده . . كما كان إسحاق وإسماعيل بقية إبراهيم وامتداده عليهم
السلام ! وأنه بعد نزول المعوذتين كان يعوذهما دائما بهما ! وبهذا ارتبطت السورتان
في ذهن الأمة بالحسنين وسرى إليهما الحسد منهما . . أو الحب ! !
وتحاول الروايات تصوير عبد الله بن مسعود بأنه حامل راية العداء للمعوذتين وتنقل
إصراره على حذفهما من القرآن ! كما في مسند أحمد في ج 5 ص 130 ( عن
عبد الرحمن بن يزيد قال كان عبد الله يحك المعوذتين من مصاحفه ويقول إنهما ليستا من
كتاب الله تبارك وتعالى ) ! ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد ج 7 ص 149 وقال ( رواه
عبد الله بن أحمد والطبراني ورجال عبد الله رجال الصحيح ورجال الطبراني ثقات ) ثم
روى رواية أخرى ووثقها ، قال ( وعن عبد الله أنه كان يحك المعوذتين من المصحف
ويقول إنما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يتعوذ بهما ، وكان عبد الله لا يقرأ بهما .
رواه البزار والطبراني ورجالهما ثقات . وقال البزار : لم يتابع عبد الله أحد من الصحابة ،
وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ بهما في الصلاة وأثبتتا في المصحف ) .
وقال ابن شبة في تاريخ المدينة ج 3 ص 1011 ( عن عبد الرحمن بن يزيد : رأيت
ابن مسعود يحك المعوذتين من المصحف ويقول : لا يحل قراءة ما ليس منه ! ) انتهى .
ولكن توجد أمور توجب الشك في ذلك . .
منها : أن ابن مسعود لم يكن يجرؤ في زمن عمر على حذف شئ من مصحفه أو
إثباته إلا برأي عمر !
ومنها : أن ابن مسعود لم يكن معروفا ببغض علي والحسن والحسين عليهم السلام . .
ومنها : أنه يستبعد أن لا يكون ابن مسعود اطلع على تأكيدات النبي صلى الله عليه
وآله التي نقلها الصحابة وأهل البيت عليهم السلام على أن المعوذتين سورتان منزلتان !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 103 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ومنها : ما يدل على أن ترك المعوذتين شاع في أوساط من المسلمين حتى كانوا
يسخرون ممن يعتقد أنهما من القرآن ويقرأ بهما في صلاته ! وهذا أمر أكبر من تأثير
ابن مسعود ، وهو عادة لا يحدث بدون عمل من السلطة مؤثر على الناس !
قال أحمد في مسنده ج 1 ص 282 ( حنظلة السدوسي قال قلت لعكرمة : إني أقرأ
في صلاة المغرب بقل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس وإن ناسا يعيبون ذلك
على ! ! فقال وما بأس بذلك ، إقرأهما فإنهما من القرآن ! ) وينبغي أن نتذكر هنا أن
عكرمة هو عبد لابن عباس الهاشمي ومنه أخذ ثقافته القرآنية ، وإن صار فيما بعد
من الخوارج .
ومنها : الصلة التي تتبادر إلى الذهن بين حذف سورتين ارتبطتا في ذهن الناس
بالحسن والحسين وبين إضافة سورتين في تبرئة مشركي ومنافقي قريش ، وهما سورتا
الخليفة عمر : الخلع والحفد ؟ !
ومنها : أنه لم يرو عن الخليفة عمر أنه أثبت المعوذتين في مصحفه ، ولا قرأهما في
صلاته ، ولا اتخذ موقفا من نفيهما والتشكيك فيهما الذي كان شائعا في زمانه !
ومنها : أنه رويت عن ابن مسعود رواية أو أكثر في فضل سورتي المعوذتين ، فهي
تناقض رواية أنه أنكرهما . . ففي كنز العمال ج 1 ص 601 ( استكثروا من السورتين
يبلغكم الله بهما في الآخرة : المعوذتين ينوران القبر ويطردان الشيطان ويزيدان
في الحسنات والدرجات ويثقلان الميزان ويدلان صاحبهما إلى الجنة - الديلمي عن
ابن مسعود ) .
ومنها : أن تهمة حذف المعوذتين لم تقتصر على ابن مسعود ، فقد تظافرت الروايات
على أن أبي بن كعب اتخذ موقفا محايدا فلا هو خطأ ابن مسعود في حذفهما ولا هو
شهد بأنهما من القرآن ! والحياد أمام نفي شئ من القرآن نفي لقرآنيته ، وشهادة بعدم
وجود دليل على أنه من القرآن ! !
روى أحمد في مسنده ج 5 ص 129 ( عن زر بن حبيش قال قلت لأبي بن كعب :
إن ابن مسعود كان لا يكتب المعوذتين في مصحفه ! فقال أشهد أن رسول الله صلى
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 104 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الله عليه وسلم أخبرني أن جبريل عليه السلام قال له : قل أعوذ برب الفلق فقلتها ،
فقال قل أعوذ برب الناس فقلتها . فنحن نقول ما قال النبي صلى الله عليه وسلم ! ! )
ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد ج 7 ص 149 وقال ( رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد
رجال الصحيح ) !
وروى البيهقي في سننه ج 2 ص 394 عن أبي بن كعب قال ( سألت رسول الله
صلى الله عليه وسلم عن المعوذتين فقال قيل لي فقلت . فنحن نقول كما قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم . . . زر بن حبيش يقول سألت أبي بن كعب عن المعوذتين فقلت يا
بالمنذر إن أخاك ابن مسعود يحكهما من المصحف ؟ قال إني سألت رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال : فقيل لي فقلت . فنحن نقول كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ) .
قال ابن حجر في لسان الميزان ج 3 ص 81 ( واختلف على أبي بن كعب في إثبات
المعوذتين ) انتهى .
ومعنى كلام أبي ابن كعب كما تدعي هذه الروايات أن النبي صلى الله عليه وآله لم
يصرح بأن المعوذتين سورتان من القرآن ، بل قال : قال لي جبرئيل : قل أعوذ برب
الفلق . . . قل أعوذ برب الناس . . ! ! فلم ينص النبي على أنهما سورتان ولو قال إنهما
من قول جبرئيل ، فقد يكون جبرئيل علمه إياهما ليعوذ بهما الحسنين فقط ، وليس
لتكونا جزء من القرآن ! !
هذه الأمور وغيرها . . تدفع الباحث إلى القول بأن جو السلطة هو الذي كان
يستنكر على الناس ويعيب عليهم قراءة المعوذتين في الصلاة . . وهو المسؤول عن نسبة
هذه الروايات إلى ابن مسعود وابن كعب . وبسبب ذلك ذهب بعض الباحثين إلى
تكذيب نسبة هذا الرأي إلى ابن مسعود مثل الفخر الرازي والباقلاني وابن حزم . .
قال السيوطي في الإتقان ج 1 ص 227 عن عدد السور ( وفي مصحف ابن مسعود
مائة واثنتا عشرة لأنه لم يكتب المعوذتين ! وفي مصحف أبي ست عشرة لأنه كتب قط
آخره ( سورتي ) الحفد والخلع ! ) . وأورد في ص 270 دفاع الفخر الرازي والقاضي
أبي بكر والنووي وابن حزم عن ابن مسعود ، ولكنه رجح كلام ابن حجر في شرح
البخاري بأنه قد صح ذلك عن ابن مسعود ، فلا يمكن إنكاره . .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 105 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

إخواننا السنة يعتقدون أن المعوذتين من القرآن ، إلا البخاري !

أمام هذه التشكيكات في المعوذتين في مصادر إخواننا السنة ، يبقى عندهم عدد من
الروايات التي تثبت جزئيتهما من القرآن الكريم ، وعمدتها ما رووه عن عقبة بن عامر
الجهني كما في مسلم ج 2 ص 200 فقال ( عن عقبة بن عامر قال قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم : ألم تر آيات أنزلت الليلة لم ير مثلهن قط ، قل أعوذ برب الفلق
وقل أعوذ برب الناس . . . . عن عقبة بن عامر قال قال لي رسول الله صلى الله عليه
وسلم : أنزل أو أنزلت على آيات لم ير مثلهن قط المعوذتين . وحدثناه أبو بكر بن أبي
شيبة حدثنا وكيع ح ، وحدثني محمد بن رافع حدثنا أبو أسامة كلاهما عن إسماعيل بهذا
الإسناد مثله ) .
ورواها الترمذي ج 5 ص 122 و ج 4 ص 244 وقال في الموردين ( هذا حديث حسن صحيح ) ثم
روى عن عقبة ( أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقرأ بالمعوذتين في دبر كل صلاة . وقال هذا
حديث حسن غريب ) . ثم كرر رواية ابن كعب . ورواه البيهقي في سننه ج 2 ص 394 .
وقال الشافعي في كتاب الأم ج 7 ص 199 ( أخبرنا وكيع ، عن سفيان الثوري ،
عن أبي إسحق ، عن عبد الرحمن بن يزيد قال : رأيت عبد الله يحك المعوذتين من
المصحف ويقول لا تخلطوا به ما ليس منه - ثم قال عبد الرحمن - وهم يروون عن النبي
صلى الله عليه وسلم أنه قرأ بهما في صلاة الصبح وهما مكتوبتان في المصحف الذي
جمع على عهد أبي بكر ثم كان عند عمر ثم عند حفصة ثم جمع عثمان عليه الناس ،
وهما من كتاب الله عز وجل ، وأنا أحب أن أقرأ بهما في صلاتي ) .
وروى الهيثمي في مجمع الزوائد ج 7 ص 148 عدة روايات في إثبات أن المعوذتين
من القرآن .
أما البخاري فقد اختار أن يقف في صف المشككين في المعوذتين ! فقد كان روى
رواية عقبة في تاريخه الكبير ج 3 ص 353 ثم تراجع عن روايتها في صحيحه ، فلم يرو
إلا روايات أبي ابن كعب المتزلزلة المشككة ! مع أنه عقد في صحيحه عنوانين
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 106 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
للمعوذتين لكن اكتفى بروايات التشكيك دون غيرها ! وقد ألف تاريخه قبل صحيحه
كما في تذكرة الحفاظ ج 2 ص 555 ! !
قال في صحيحه ج 6 ص 96 ( سورة قل أعوذ برب الفلق . . . عن زر بن حبيش قال
سألت أبي بن كعب عن المعوذتين فقال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال
قيل لي فقلت . فنحن نقول كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم . . . سورة قل
أعوذ برب الناس . . . وحدثنا عاصم عن زر قال سألت أبي بن كعب قلت أبا المنذر إن
أخاك ابن مسعود يقول كذا وكذا . فقال أبي : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم
فقال لي قيل لي فقلت ، قال فنحن نقول كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم )
انتهى ، فيكون البخاري متوقفا في أنهما من القرآن لعدم ثبوت دليل على ذلك عنده ! !
ومن طريف ما تقرأ في إرشاد الساري في شرح البخاري ج 7 ص 442 قول
القسطلاني ( وقع الخلاف في قرآنيتهما ثم ارتفع الخلاف ووقع الإجماع عليه ، فلو أنكر
أحد قرآنيتهما كفر ) انتهى .
وقد تضمن كلامه فتوى بتبرئة الذين خالفوا إجماع الصحابة من الماضين ، وتكفير
من خالف إجماعهم ممن بعدهم . . ولا نظن إخواننا السنة يلتزمون بذلك !
وفتوى أخرى بكفر منكر قرآنية المعوذتين من بعد الصحابة وكأن ذلك مما أجمع
عليه الفقهاء . . ولم يذكر حكم من شك فيهما كالبخاري الذي اقتصر على نقل
روايات التشكيك ، وتجاهل روايات جزئيتهما من القرآن ولم يعتمدها في صحيحه ! !
ثم إن الصحابة لم يجمعوا على إثبات المعوذتين ولا على حذف سورتي الخليفة عمر
( الخلع والحفد ) ولكن قوة المعوذتين ، وحفظ الله تعالى لكتابه ، ضمن بقاءهما . كما
أن ركة الخلع والحفد ، وحفظ الله تعالى لكتابه ، تكفل بموتهما !
هذا ، وقد تحدث ابن شبة في تاريخ المدينة ج 3 ص 1010 عن حساسية المسلمين
تجاه النص القرآني فقال ( . . . ولو قرأ غير ما في مصاحفهم قارئ في الصلاة ، أو جحد
شيئا منها استحلوا دمه بعد أن يكون يدين به ) انتهى . ولكنهم استثنوا من ذلك
الخليفة عمر ، ولا بد أنهم من أجله يستثنون البخاري أيضا ! !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 107 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

موقف أهل بيت النبي عليهم السلام وشيعتهم من المعوذتين

لا يوجد في مصادرنا الشيعية أثر لسورتي الخلع والحفد . . كما لا توجد ذرة غبار
على أن المعوذتين جزء من القرآن ، بل كان موقف الأئمة من أهل بيت النبي صلى الله
عليه وآله التأكيد على قرآنيتهما . . روى الشيخ الطوسي في تهذيب الأحكام ج 2
ص 96 ( . . عن سيف بن عميرة عن منصور بن حازم قال : أمرني أبو عبد الله عليه
السلام أن أقرأ المعوذتين في المكتوبة ) .
وروى الحر العاملي في وسائل الشيعة ج 4 ص 786 ( عن أبي عبد الله عليه السلام
أنه سئل عن المعوذتين أهما من القرآن ؟ فقال : هما من القرآن . فقال الرجل : إنهما
ليستا من القرآن في قراءة ابن مسعود ولا في مصحفه . فقال أبو عبد الله : أخطأ ابن
مسعود ، أو قال كذب ابن مسعود ، وهما من القرآن . فقال الرجل : فأقرأ بهما في
المكتوبة ؟ فقال نعم ) انتهى .
وقال المحقق البحراني في الحدائق الناضرة في فقه العترة الطاهرة ج 8 ص 230
( الثانية : أجمع علماؤنا وأكثر العامة على أن المعوذتين من القرآن العزيز وأنه يجوز
القراءة بهما في الصلاة المفروضة ، وروى منصور بن حازم قال : أمرني أبو عبد الله
عليه السلام أن أقرأ المعوذتين في المكتوبة . وعن صفوان الجمال في الصحيح . . . قال في
الذكرى : ونقل عن ابن مسعود أنهما ليستا من القرآن وإنما أنزلتا لتعويذ الحسن
والحسين عليهما السلام ! وخلافه انقرض ، واستقر الإجماع الآن من العامة والخاصة
على ذلك ) انتهى .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 108 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

آيات حذفت من القرآن برأي الخليفة

1 - آية الرجم
2 - آية الشيخ والشيخة

روى البخاري في صحيحه ج 8 ص 25 ( . . . عن عبيد الله عن ابن عباس رضي
الله عنهما قال قال عمر : لقد خشيت أن يطول بالناس زمان حتى يقول قائل لا نجد
الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله . ألا وإن الرجم حق على من زنى
وقد أحصن إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف .
. . . وعن ابن عباس قال : كنت أقرئ رجالا من المهاجرين منهم عبد الرحمن بن
عوف ، فبينما أنا في منزله بمنى وهو عند عمر بن الخطاب في آخر حجة حجها ، إذ
رجع إلى عبد الرحمن فقال : لو رأيت رجلا أتى أمير المؤمنين اليوم فقال يا أمير المؤمنين
هل لك في فلان يقول : لو قد مات عمر لقد بايعت فلانا ! فوالله ما كانت بيعة أبي
بكر إلا فلتة فتمت ! فغضب عمر ثم قال : إني إن شاء الله لقائم العشية في الناس
فمحذرهم هؤلاء الذي يريدون أن يغصبوهم أمورهم !
قال عبد الرحمن فقلت يا أمير المؤمنين لا تفعل فإن الموسم يجمع رعاع الناس
وغوغاءهم ، فإنهم هم الذين يغلبون على قربك حين تقوم في الناس ، وأنا أخشى أن
تقوم فتقول مقالة يطيرها عنك كل مطير ، وأن لا يعوها وأن لا يضعوها على مواضعها
، فأمهل حتى تقدم المدينة فإنها دار الهجرة والسنة ، فتخلص بأهل الفقه وأشراف الناس
فتقول ما قلت متمكنا ، فيعي أهل العلم مقالتك ويضعونها على مواضعها . فقال عمر
أما والله إن شاء الله لأقومن بذلك أول مقام أقومه بالمدينة .
قال ابن عباس فقدمنا المدينة في عقب ذي الحجة ، فلما كان يوم الجمعة عجلنا
الرواح حين زاغت الشمس حتى أجد سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل جالسا إلى ركن
المنبر فجلست حوله تمس ركبتي ركبته ، فلم أنشب أن خرج عمر بن الخطاب ، فلما
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 109 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
رأيته مقبلا قلت لسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل : ليقولن العشية مقالة لم يقلها منذ
استخلف ، فأنكر علي وقال : ما عسيت أن يقول ما لم يقل قبله ؟ ! فجلس عمر على
المنبر فلما سكت المؤذنون قام فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال :
أما بعد فإني قائل لكم مقالة قد قدر لي أن أقولها ، لا أدري لعلها بين يدي أجلي ،
فمن عقلها ووعاها فليحدث بها حيث انتهت به راحلته ، ومن خشي أن لا يعقلها فلا
أحل لأحد أن يكذب علي . إن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق وأنزل عليه
الكتاب فكان مما أنزل الله آية الرجم فقرأناها وعقلناها ووعيناها ، فلذا رجم رسول الله
صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده ، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل والله ما
نجد آية الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله ( والرجم في كتاب الله حق
على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف ) .
ثم إنا كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله أن ( لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن
ترغبوا عن آبائكم . أو إن كفرا بكم أن ترغبوا عن آبائكم ) .
. . . ثم إنه بلغني أن قائلا منكم يقول والله لو مات عمر بايعت فلانا ، فلا يغترن
امرؤ أن يقول إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمت ، ألا وإنها قد كانت كذلك ولكن
الله وقى شرها ، وليس منكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر . من بايع رجلا عن
غير مشورة من المسلمين فلا يبايع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا ) انتهى . ومعنى
قوله تغرة أن يقتلا : مخافة أن يقتلا بهذا الأمر الذي أصدره في هذه الخطبة .
ورواه مختصرا في ج 8 ص 113 ( . . . قال عمر لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبت آية
الرجم بيدي ) وروى نحوه مسلم في صحيحه ج 5 ص 116 وابن ماجة في سننه ج 1 ص 625 و ج 2 ص 853
وأبو داود في سننه ج 2 ص 343 وفيه ( وأيم الله لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله عز وجل لكتبتها ) .
وفي سنن الترمذي ج 2 ص 442 وقال ( هذا حديث صحيح . . . وفي الباب عن علي . حديث عمر
حديث حسن صحيح . وروي من غير وجه عن عمر ) .
ورواه الدارمي في سننه ج 2 ص 179 وأحمد في مسنده ج 1 ص 23 و ص 34 و ص 40 و ص 45
و ص 49 وروى في ج 5 ص 183 ( . . . فقال عمر لما أنزلت هذه أتيت رسول الله صلى
الله عليه وسلم فقلت : أكتبنيها . قال شعبة فكأنه كره ذلك ، فقال عمر ألا ترى أن
الشيخ إذا لم يحصن جلد ، وأن الشاب إذا زنى وقد أحصن رجم ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 110 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ورواه الحاكم في المستدرك ج 4 ص 359 والبيهقي في سننه ج 8 ص 213 بعدة روايات وقال ( قال
مالك : يريد عمر بن الخطاب بالشيخ والشيخة الثيب من الرجال والثيبة من النساء ) ونحوه في ج 8 ص 236
ورواه الشافعي في اختلاف الحديث ص 61 والسيوطي في الدر المنثور ج 5 ص 179 بعدة روايات ، منها
( وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن ابن عباس قال : أمر عمر بن الخطاب مناديا فنادى
أن الصلاة جامعة ثم صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : يا أيها الناس لا تجزعن
من آية الرجم فإنها آية نزلت في كتاب الله وقرأناها ، ولكنها ذهبت في قرآن كثير
ذهب مع محمد . . . وأخرج ابن الضريس عن عمر قال قلت لرسول الله صلى الله عليه
وسلم لما نزلت آية الرجم : أكتبها يا رسول الله . قال : لا أستطيع ذلك .
وأخرج ابن الضريس عن زيد بن أسلم أن عمر بن الخطاب خطب الناس فقال : لا
تشكوا في الرجم فإنه حق قد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجم أبو بكر
ورجمت ، ولقد هممت أن أكتب في المصحف ، فسأل أبي بن كعب عن آية الرجم
فقال أبي : ألست أتيتني وأنا أستقرئها رسول الله صلى الله عليه وسلم فدفعت في
صدري وقلت : أتستقرئه آية الرجم وهم يتسافدون تسافد الحمر ! ) وهو كلام غريب
من ابن كعب يدل على أن الخليفة كان مخالفا لآية الرجم أو لتطبيق حكمها ، لكثرة
من يستحق الرجم من الناس ! فإن صح ذلك فإن تأكيده الشديد على ( آية ) الرجم
وتطبيق الرجم قد يكون ندما على مخالفته لحكمه في زمن النبي صلى الله عليه وآله !
وقال ابن قدامة في المغني ج 10 ص 121 ( . . . قد ثبت الرجم عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم بقوله وفعله في أخبار تشبه المتواتر ، وأجمع عليه أصحاب رسول
الله صلى الله عليه وسلم على ما سنذكره في أثناء الباب في مواضعه إن شاء الله تعالى ،
وقد أنزله الله تعالى في كتابه ! وإنما نسخ رسمه دون حكمه ، فروي عن عمر بن
الخطاب رضي الله عنه أنه قال : إن الله تعالى بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق
وأنزل عليه الكتاب فكان فيما أنزل عليه آية الرجم فقرأتها وعقلتها ووعيتها ورجم
رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده ، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول
قائل ما نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله تعالى ( فالرجم حق
على من زنا إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف )
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 111 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد قرأ بها ( الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم )
متفق عليه . . . وقولهم إن هذا نسخ - يعني لآية الجلد - ليس بصحيح وإنما هو
تخصيص ، ثم لو كان نسخا لكان نسخا بالآية التي ذكرها عمر رضي الله عنه ) !
وقال النووي في المجموع ج 20 ص 7 ( فصل : إذا وطأ رجل من أهل دار الإسلام
امرأة محرمة عليه من غير عقد ولا شبهة عقد وغير ملك ولا شبهة ملك ، وهو عاقل
بالغ مختار عالم بالتحريم ، وجب عليه الحد ، فإن كان محصنا وجب عليه الرجم لما
روى ابن عباس رضي الله عنه قال ، قال عمر : لقد خشيت أن يطول بالناس زمان
حتى يقول قائلهم ما نجد الرجم في كتاب الله فيضلون ويتركون فريضة أنزلها الله ، ألا
إن الرجم إذا أحصن الرجل وقامت البينة أو كان الحمل أو الاعتراف ، وقد قرأتها :
الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة ، وقد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم
ورجمنا ) ورواه ابن حجر في تهذيب التهذيب ج 4 ص 77 وقال ( وقد وقع لي حديث بإسناد صحيح لا
مطعن فيه . . وفيه : لولا أن أزيد في كتاب الله ما ليس فيه لكتبت ، إنه حق ) . ورواه الدميري في حياة
الحيوان ج 2 ص 127 . . . إلخ .
* *
وينبغي أن نسجل هنا ملاحظة أساسية تنفع في هذا الباب وغيره ، وهي أن آية
الرجم العمرية كانت تملك من القوة من تأكيدات الخليفة عمر وشهادات الصحابة ما لم
تملكه بعض آيات القرآن . . وهي تملك الآن في مصادر إخواننا السنة أحاديث صحيحة
على أنها من القرآن أكثر وأقوى مما تملكه سورتا المعوذتين مثلا . . ولكن لماذا لم يكتبها
الخليفة عمر أو غيره في القرآن ؟ ! !
لقد صرح الخليفة بالجواب ، وهو أنه يخاف من الناس . . فأي ناس هؤلاء وقد شهد
بها هو وشهد معه الصحابة . . وهو الحاكم المطلق الجرئ ؟ ! !
هنا تأتي معجزة قوله تعالى إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون معجزة القوة الذاتية
للقرآن ، والتي يعرفها الحس القرآني عند جماهير المسلمين . . فالقرآن فيه خصوصية أنه
ينفي غيره عنه ، تماما كما ينفي الجوهر الفحم الذي تضعه معه على أنه منه ويفضحه . .
وإذا أصريت على أنه منه . . فضحت نفسك معه !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 112 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إن المسلمين يتحملون الكلام النظري للخليفة بأن هذه الآية كانت من القرآن أو لم
تكن منه . . كما يقول الإنسان هذا الحجر كان معدنا كريما ، وكان جزءا من طبق
الجواهر . . لكن إذا وصل الأمر إلى أن يضعه بالفعل في طبق الجواهر على أنه منه . . فإن
للناس معه حسابا آخر . . !
لقد كان الخليفة مدركا لهذه الحقيقة ويخاف منها . . ومن حقه أن يخاف . . وفي
نفس الوقت كان مصرا على اجتهاداته وآرائه ويعمل لها ! !

3 - آية لا ترغبوا عن آبائكم

مضافا إلى ما تقدم في صحيح البخاري ج 8 ص 24 وغيره ، فقد روى الهيثمي في
مجمع الزوائد ج 1 ص 97 ( وعن أيوب بن عدي بن عدي عن أبيه أو عمه أن مملوكا
كان يقال له كيسان فسمى نفسه قيسا وادعى إلى مولاه ولحق بالكوفة ، فركب أبوه
إلى عمر بن الخطاب فقال : يا أمير المؤمنين ابني ولد على فراشي ، ثم رغب عني وادعى
إلى مولاي ومولاه ! فقال عمر لزيد بن ثابت : أما تعلم أنا كنا نقرأ : لا ترغبوا عن
آبائكم فإنه كفر بكم ؟ فقال زيد بلى ، فقال عمر بن الخطاب : انطلق فاقرن ابنك إلى
بعيرك ثم انطلق فاضرب بعيرك سوطا وابنك سوطا حتى تأتي به أهلك ! رواه الطبراني
في الكبير ، وأيوب بن عدي وأبوه أو عمه لم أر من ذكرهما .
وعن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من ادعى إلى غير
أبيه لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد من قدر سبعين عاما - أو من مسيرة سبعين
عاما - قلت رواه ابن ماجة إلا أنه قال من مسيرة خمسمائة عام - رواه أحمد ورجاله
رجال الصحيح ) .
ورواه في كنز العمال ج 2 ص 480 و ص 567 و ج 5 ص 428 - 433 بعدة روايات ، وفي ص 429
( . . ألا وإنا قد كنا نقرأ : لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم - عب ، ش ، حم ،
والعدني ، والدارمي خ م د ت ن ه‍ ، وابن الجارود وابن جرير وأبو عوانة ، حب ، ق ) وروى مالك بعضه .
ثم رواه في ص 649 بعدة روايات وقال في رموزها ( مالك والشافعي وابن سعد والعدني ، حل ، ق - مالك
وابن سعد ومسدد ، ك - عب - ابن الضريس ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 113 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي ج 2 ص 596 ( عن عمر قال : كنا نقرأ لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم ،
أو إن كفرا بكم أن ترغبوا عن آبائكم - الكجي في سننه ) .
وفي ج 6 ص 208 ( عن عدي بن عدي بن عميرة بن فروة عن أبيه عن جده أن عمر بن الخطاب قال
لأبي : أوليس كنا نقرأ من كتاب الله أن انتفاءكم من آبائكم كفر بكم ؟ فقال بلى ، ثم قال : أوليس كنا
نقرأ الولد للفراش وللعاهر الحجر ، فقد فيما فقدنا من كتاب الله ؟ قال بلى - ابن عبد البر في التمهيد ) كما
روى استشهاد الخليفة على قوله بزيد بن ثابت . . . وقال في مصادره ( عب ، ط ، وأبو عبيد في فضائله ، وابن
راهويه ، ورستة في الإيمان ، طب ) .

4 - آية : ولو حميتم كما حموا . . .

روى الحاكم في المستدرك ج 2 ص 225 ( . . . عن أبي بن كعب رضي الله عنه
أنه كان يقرأ : إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية ، ولو حميتم كما
حموا لفسد المسجد الحرام ، فأنزل الله سكينته على رسوله ، فبلغ ذلك عمر فاشتد عليه
فبعث إليه وهو يهنأ ناقة له ( يدهن بالقطران ناقة له جرباء ) فدخل عليه فدعا أناسا من
أصحابه فيهم زيد بن ثابت فقال : من يقرأ منكم سورة الفتح ؟ فقرأ زيد على قراءتنا
اليوم فغلظ له عمر ، فقال له أبي : أأتكلم ؟ فقال تكلم ، فقال : لقد علمت أني كنت
أدخل على النبي صلى الله عليه وسلم ويقرئني وأنتم بالباب ، فإن أحببت أن أقرئ
الناس على ما أقرأني أقرأت ، وإلا لم أقرئ حرفا ما حييت ! . قال بل أقرئ الناس .
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ) انتهى .
ورواه في كنز العمال ج 2 ص 568 وقال ( ن ، وابن أبي داود في المصاحف ، ك ، وروى ابن خزيمة
بعضه ) وروى نحوه في ص 594 وقال ( ن وابن أبي داود في المصاحف ك وروى ابن خزيمة بعضه ) . وفي
ص 595 عن ابن داود .
ورواه السيوطي في الدر المنثور ج 6 ص 79 وقال ( وأخرج النسائي والحاكم وصححه ) ورواه الذهبي
في سير أعلام النبلاء ج 1 ص 397 ( . . . عن أبي إدريس الخولاني أن أبا الدرداء ركب إلى المدينة في نفر من
أهل دمشق ، فقرؤوا يوما على عمر : إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية ولو حميتم كما حموا
لفسد المسجد الحرام . فقال عمر : من أقرأكم هذا ؟ قالوا أبي بن كعب . فدعا به فلما أتى قال : إقرؤوا ،
فقرؤوا كذلك ، فقال أبي : والله يا عمر إنك لتعلم أني كنت أحضر ويغيبون وأدنى ويحجبون ويصنع بي
ويصنع بي ، ووالله لئن أحببت لألزمن بيتي فلا أحدث شيئا ولا أقرئ أحدا حتى أموت ! فقال عمر : اللهم
غفرا ، إنا
لنعلم أن الله قد جعل عندك علما فعلم الناس ما علمت ) ورواه في كنز العمال ج 2 ص 594
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 114 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ونحمد الله تعالى أن المسلمين لم يأخذوا بقول الخليفة عمر ولم يتعلموا هذه
الإضافة الركيكة للآية الكريمة ، ولم يقرأ أحد منهم : ولو حميتم كما حموا لفسد
المسجد الحرام ! !
ثم لا أدري ما هو التناسب بين حمية الجاهلية عند قريش وحمية المسلمين لإسلامهم !
ثم بين ذلك وبين فساد المسجد الحرام ؟ ! فقد نزلت الآية كما تذكر تفاسير الشيعة
والسنة في سورة الفتح على أثر صلح الحديبية . وتمثلت حمية المشركين الجاهلية بمنع النبي
صلى الله عليه وآله والمسلمين من العمرة ، فلو حمي المسلمون كما حموا وقاتلوهم لما
فسد المسجد الحرام ، بل كان كما قال تعالى في سورة الفتح ولو قاتلكم الذين كفروا
لولوا الأدبار ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا وقال في آية 24 وهو الذي كف أيديهم عنكم
وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم وكان الله بما تعملون بصيرا فكيف تصح
مقولة : لفسد المسجد الحرام ؟ وكيف يصح القول : ولو حميتم كما حموا ؟ فهل الحمية
للإسلام مثل الحمية للجاهلية ؟ !
فهذه الزيادة المزعومة في الآية مضافا إلى ركة عبارتها لا يصح معناها . وشهادة
الحاكم بأن روايتها صحيحة على شرط الشيخين ، تضر رواتها ولا تقوم قناتها !
ولا نريد الإطالة في تحليل الهدف من وراء هذه الإضافة ، ولكن الظاهر أنها محاولة
لإثبات مكرمة لكفار قريش ، فيكون أبي بن كعب الأنصاري بريئا منها ! !

5 - آية : حق جهاده في آخر الزمان !

قال السيوطي في الدر المنثور ج 4 ص 371 ( قوله تعالى : وجاهدوا في الله حق
جهاده . أخرج ابن مردويه عن عبد الرحمن بن عوف قال قال لي عمر : ألسنا كنا نقرأ
فيما نقرأ : وجاهدوا في الله حق جهاده في آخر الزمان كما جاهدتم في أوله ؟ قلت
بلى ، فمتى هذا يا أمير المؤمنين ؟ قال : إذا كانت بنو أمية الأمراء وبنو المغيرة الوزراء ! !
وأخرجه البيهقي في الدلائل عن المسور بن مخرمة ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 115 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال في ج 5 ص 197 ( وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه
عن ابن عباس رضي الله عنهما أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سأله فقال : أرأيت
قول الله تعالى لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى ، هل
كانت الجاهلية غير واحدة ؟ فقال ابن عباس رضي الله عنهما : ما سمعت بأولى إلا ولها
آخرة ، فقال له عمر رضي الله عنه : فأنبئني من كتاب الله ما يصدق ذلك ؟ قال : إن
الله يقول وجاهدوا في الله حق جهاده كما جاهدتم أول مرة . فقال عمر رضي الله
عنه : من أمرنا أن نجاهد ؟ قال : بني مخزوم وعبد شمس ! ) .
ورواه في كنز العمال ج 2 ص 480 وقال في مصادره ( أبو عبيد في فضائله ، وابن
جرير وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه ) وفي ج 2 ص 567 ( من مسند
عمر رضي الله عنه ، عن المسور بن مخرمة قال : قال عمر لعبد الرحمن بن عوف : ألم
نجد فيما أنزل علينا أن جاهدوا كما جاهدتم أول مرة ؟ فإنا لم نجدها ! قال : أسقط
فيما أسقط من القرآن - أبو عبيد ) ورواه في ص 568 ورمز له ( ن ، وابن أبي داود
في المصاحف ، ك ، وروى ابن خزيمة بعضه ) انتهى .
ولو كانت هذه الروايات تفسيرا للآية بدون ادعاء أن الزيادة الواردة فيها من
القرآن ، لكانت مقبولة عندنا . . فإنها تتناسب مع اعتقادنا بأن الله تعالى أوجب الجهاد
على تأويل القرآن كما أوجبه على تنزيله ، وأن النبي صلى الله عليه وآله أخبر أمته بأن
عليا عليه السلام هو الذي يقاتل من بعده على تأويله ، وكان ذلك معروفا عند
الصحابة ، ونقلت نصوصه مصادر إخواننا السنة ومن أشهرها حديث ( خاصف النعل )
الذي رواه الترمذي في سننه ج 5 ص 298 ( . . . عن ربعي بن حراش قال أخبرنا علي
بن أبي طالب بالرحبة فقال : لما كان يوم الحديبية خرج إلينا ناس من المشركين فيهم
سهيل بن عمرو وأناس من رؤساء المشركين فقالوا يا رسول الله : خرج إليك ناس من
أبنائنا وإخواننا وأرقائنا وليس لهم فقه في الدين ، وإنما خرجوا فرارا من أموالنا وضياعنا ،
فارددهم إلينا ، فإن لم يكن لهم فقه في الدين سنفقههم ! فقال النبي صلى الله عليه
وسلم : يا معشر قريش لتنتهن أو ليبعثن الله عليكم من يضرب رقابكم بالسيف على الدين ، قد
امتحن الله قلوبهم على الإيمان ، قالوا من هو يا رسول الله ؟ فقال له أبو بكر من هو يا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 116 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
رسول الله ؟ وقال عمر من هو يا رسول الله ؟ قال : هو خاصف النعل ، وكان أعطى
عليا نعله يخصفها ، قال ثم التفت إلينا علي فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال : من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار . هذا حديث حسن صحيح غريب لا
نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث ربعي عن علي ) . ورواه الحاكم في المستدرك ج 2
ص 138 و ج 4 ص 298 وقال في الموردين ( هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ) ورواه أحمد
في مسنده ج 3 ص 33 عن أبي سعيد ، وكذا في ص 82 وفيه ( إن منكم من يقاتل على تأويل هذا القرآن كما
قاتلت على تنزيله فاستشرفنا وفينا أبو بكر وعمر فقال : لا ولكنه خاصف النعل . قال فجئنا نبشره ، قال وكأنه قد سمعه ) ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد ج 5 ص 186 عن أبي سعيد وقال ( رواه أبو يعلى ورجاله رجال
الصحيح ) ورواه في ج 9 ص 133 وقال ( رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير فطر بن خليفة وهو ثقة ) .
وروى في كنز العمال ج 7 ص 326 ( والله يا معشر قريش لتقيمن الصلاة ولتؤتن
الزكاة أو لأبعثن عليكم رجلا فيضرب أعناقكم على الدين ، أنا أو خاصف النعل - ك ، عن
علي ) وروى نحو حديث أبي سعيد في ج 11 ص 613 . . . الخ ) انتهى .
ولا يبعد أن تكون هذه الحادثة بعد فتح مكة وإعلان قريش إسلامها . . وبقائها على
كبريائها في مقابل النبي ! !
أما قبيلة بني مخزوم الواردة في تفسير الجهاد الأول فكانت الرئاسة فيها لبني المغيرة
ورئيسهم أبو جهل . كما كانت الرئاسة في بني عبد شمس لبني أمية ورئيسهم أبو
سفيان . . فالقبيلتان إذن من أشد قبائل قريش كفرا بالنبي صلى الله عليه وآله ، ومن
أول المأمور بجهادهم في الآية . . وقد روى الحاكم في المستدرك ج 4 ص 487 عن أبي
سعيد الخدري ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أهل بيتي سيلقون من بعدي من
أمتي قتلا وتشريدا ، وإن أشد قومنا لنا بغضا بنو أمية وبنو المغيرة وبنو مخزوم . هذا حديث
صحيح الإسناد ولم يخرجاه ) ورواه في كنز العمال ج 11 ص 169 وقال ( نعيم بن
حماد في الفتن ، ك ، عن أبي سعيد ) .
وروى الهيثمي في مجمع الزوائد ج 7 ص 44 عن علي عليه السلام في تفسير قوله
تعالى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا أقومهم دار البوار . . الآية ، قال : نزلت في
الأفجرين من بني مخزوم وبني أمية فقطع الله دابرهم يوم بدر ، وأما بنو أمية فمتعوا إلى
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 117 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
حين . رواه الطبراني في الأوسط وفيه عمرو ذومر ولم يرو عنه غير أبي إسحق السبعي ،
وبقية رجاله ثقات ) ورواه في كنز العمال أيضا ج 2 ص 445 عن ابن مردويه الخ .
لكن تفاسير الشيعة تروي أن المقصود بالآية قريش قاطبة ، كالذي رواه العياشي في
تفسيره ج 2 ص 229 عن الإمام الصادق عليه السلام ( قال فقال : ما تقولون في
ذلك ؟ فقال : نقول هما الأفجران من قريش بنو أمية وبنو المغيرة ، فقال : بل هي
قريش قاطبة ، إن الله خاطب نبيه فقال : إني قد فضلت قريشا على العرب ، وأتممت
عليهم نعمتي ، وبعثت إليهم رسولا فبدلوا نعمتي ، وكذبوا رسولي ) انتهى .
وعلى هذا فمقولة الجهاد أول مرة وثاني مرة ، أو الجهاد على تنزيل القرآن وعلى
تأويله ، مقولة إسلامية ثابتة عن النبي صلى الله عليه وآله ، وهي منسجمة مع اعتقاد
أهل البيت وبني هاشم بعد النبي صلى الله عليه وآله ، لكن لماذا يطرح الخليفة عمر
موضوع الجهاد الأول والثاني مع ابن عباس الهاشمي . . ؟
تدل الروايات المتعددة من مصادر إخواننا السنة على أن الخليفة كان معنيا بمستقبل
الأمة من عهد النبي صلى الله عليه وآله وبعده ، فقد كان يسأل النبي عن ذلك ، بل
كان يسأل الأحبار والرهبان وأهل الفراسة . . كما روى التاريخ روايات له ومناظرات
مع ابن عباس في مسألة الخلافة ، وحق بني هاشم فيها وظلم قريش لهم . . وقد روت
مصادر السنة كما في كنز العمال ج 13 ص 455 أن ابن عباس سأل يوما الخليفة عمر
عن سبب نزول آية في أنساب بعض المخالفين لبني هاشم فقال له الخليفة ( يا بن عباس من ظن أن يرد
بحوركم فيغوص فيها معكم حتى يبلغ قعرها ، فقد ظن عجزا ! ) .
وعلى هذا الأساس فعندما يخاطب الخليفة ابن عباس فهو يعرف من يخاطب ، ولا بد
أن ننظر إلى كلامه معه في هذا الموضوع بعمق خاص ! وهو في هذه الروايات يقول
لابن عباس : إن صراع بني هاشم الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وآله مع بني أمية
أمر لا بد منه ، ودليله تفسير هذه الآية ، فلا تلوموني إذا أشركت بني أمية في الحكم !
لكن تبقى دعوى الخليفة أو ابن عباس إضافة فقرات إلى الآية ، دعوى بدون دليل ،
وقولا بنقص القرآن ! !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 118 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

6 - آية : الولد للفراش !

روى في كنز العمال ج 6 ص 208 ( عن عدي بن عدي بن عميرة بن فروة عن أبيه
عن جده أن عمر بن الخطاب قال لأبي : أوليس كنا نقرأ من كتاب الله أن انتفاءكم
من آبائكم كفر بكم ؟ فقال : بلى ، ثم قال : أوليس كنا نقرأ الولد للفراش وللعاهر
الحجر ؟ فقد فيما فقدنا من كتاب الله ؟ قال بلى - ابن عبد البر في التمهيد ) انتهى .
هذا مع أن مصادر الشيعة والسنة روت أن قاعدة الولد للفراش وللعاهر الحجر هي
حديث للنبي صلى الله عليه وآله ، كما في وسائل الشيعة ج 13 ص 376 وسنن الترمذي ج 2
ص 313 عن أبي هريرة ، وقال ( وفي الباب عن عمر ، وعثمان ، وعائشة ، وأبي أمامة ، وعمرو بن خارجة ،
وعبد الله بن عمر ، والبراء بن عازب ، وزيد بن أرقم . حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح . وقد رواه
الزهري عن سعيد بن المسيب ، وأبي سلمة ، عن أبي هريرة . والعمل على هذا عند أهل العلم ) .
ورواه النسائي في سننه ج 6 ص 180 وأحمد ج 1 ص 25 و ج 4 ص 186 بأربع روايات .
ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد ج 5 ص 14 وفيه ( عن البراء وزيد بن أرقم قالا كنا
مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم غدير خم ، ونحن نرفع غصن الشجرة عن
رأسه فقال : إن الصدقة لا تحل لي ولا لأهل بيتي . لعن الله من ادعى إلى غير أبيه ، ولعن الله
من تولى غير مواليه . الولد للفراش وللعاهر الحجر . ليس لوارث وصية ) انتهى .
وفي كتاب الأم ج 6 ص 213 ( قال الشافعي رحمه الله تعالى : أخبرنا سفيان بن
عيينة عن عبيد الله بن أبي يزيد عن أبيه قال : أرسل عمر إلى رجل من بني زهرة كان
ساكنا معنا فذهبنا معه فسأله عن ولاد من ولاد الجاهلية ، فقال : أما الفراش فلفلان
وأما النطفة فلفلان فقال رضي الله تعالى عنه : صدقت ولكن رسول الله صلى الله
عليه وسلم قضى بالفراش . . . ) انتهى .
وهذا يؤيد أن النص حديث ، ويتناقض مع روايات أنه آية ، ولكن الروايات الواردة
عن الخليفة بأنه آية أكثر ! !

7 - آية : لو كان لابن آدم واديان !

روى البخاري في صحيحه ج 7 ص 175 عن ( ابن عباس رضي الله عنهما يقول
سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثا ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 119 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

7 - آية لو كان لابن آدم واديان !

ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ، ويتوب الله على من تاب . وروى عن أنس بن
مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لو أن لابن آدم واديا من ذهب أحب
أن يكون له واديان ، ولن يملأ فاه إلا التراب ، ويتوب الله على من تاب ) .
وروى مسلم في صحيحه ج 3 ص 100 حديث أنس ولكن بنص حديث ابن
عباس . ورواياته تذكر أن النص هو حديث شريف وليس آية ، ولكن مسلما روى بعد
ذلك ( عن أبي الأسود عن أبيه قال : بعث أبو موسى الأشعري إلى قراء أهل البصرة
فدخل عليه ثلاثمائة رجل قد قرأوا القرآن فقال : أنتم خيار أهل البصرة وقراؤهم ،
فاتلوه ولا يطولن عليكم الأمد فتقسو قلوبكم كما قست قلوب من كان قبلكم ، وإنا
كنا نقرأ سورة كنا نشبهها في الطول والشدة ببراءة فأنسيتها ! غير أني قد حفظت
منها : لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى واديا ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا
التراب . وكنا نقرأ سورة كنا نشبهها بإحدى المسبحات فأنسيتها غير أني حفظت
منها : يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ، فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون
عنها يوم القيامة ! ! ) .
وروى أحمد في مسنده نص أنس على أنه حديث عن النبي صلى الله عليه وآله ج 3
ص 238 وكذا في ج 5 ص 219 ( عن أبي واقد الليثي قال كنا نأتي النبي صلى الله
عليه وسلم إذا أنزل عليه فيحدثنا ، فقال لنا ذات يوم : إن الله عز وجل قال : إنا أنزلنا
المال لإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ولو كان لابن آدم واد لأحب أن يكون إليه ثان ولو
كان له واديان لأحب أن يكون إليهما ثالث ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ثم
يتوب الله على من تاب ) وقريبا منه عن عائشة في ج 6 ص 55 ورواه أيضا في ج 3
ص 122 بصيغة الشك بين الحديث والآية ( عن أنس قال كنت أسمع رسول الله صلى
الله عليه وسلم يقول فلا أدري أشئ نزل عليه أم شئ يقوله ؟ وهو يقول : لو كان
لابن آدم واديان من مال لابتغى لهما ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله
على من تاب ) وقريب منها في ج 3 ص 272
ورواه أحمد في ج 4 ص 368 بصيغة الجزم بأنه آية ( . . . عن زيد بن أرقم قال : لقد كنا نقرأ على عهد
رسول الله صلى الله عليه وسلم : لو كان لابن آدم واديان من ذهب وفضة لابتغى إليهما آخر ، ولا يملأ بطن
ابن آدم إلا التراب ، ويتوب الله على من تاب ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 120 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي ج 5 ص 117 ( . . . عن ابن عباس قال جاء رجل إلى عمر يسأله فجعل ينظر
إلى رأسه مرة وإلى رجليه أخرى هل يرى عليه من البؤس شيئا ؟ ثم قال له عمر كم
مالك ؟ قال أربعون من الإبل . قال ابن عباس فقلت : صدق الله ورسوله : لو كان
لابن آدم واديان من ذهب لابتغى الثالث ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله
على من تاب . فقال عمر ما هذا ؟ فقلت هكذا أقرأنيها أبي ! قال فمر بنا إليه ، قال
فجاء إلى أبي فقال : ما يقول هذا ؟ قال أبي : هكذا أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه
وسلم ! قال أفأثبتها ؟ فأثبتها ! ) ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد ج 7 ص 141 وقال
( . . . قال : أفأثبتها في المصحف قال : نعم ! رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح ) ثم
قال الهيثمي ( وعن ابن عباس قال جاء رجل إلى عمر فقال أكلتنا الضبع . قال مسعر
يعني السنة قال فسأله عمر ممن أنت ؟ قال فما زال ينسبه حتى عرفه ، فإذا هو موسر ،
فقال عمر لو أن لابن آدم واد وواديين لابتغى إليهما ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا
التراب ثم يتوب الله على من تاب . قلت رواه ابن ماجة غير قول عمر ثم يتوب الله
على من تاب ، رواه أحمد ورجاله ثقات ، ورواه الطبراني في الأوسط ) . وروى في
ج 10 ص 243 رواية أحمد المتقدمة ج 4 ص 368 عن زيد بن أرقم ، وقال ( رواه
أحمد والطبراني والبزاز بنحوه ورجالهم ثقات . ثم أورد رواية عائشة وقال ( رواه أحمد
وأبو يعلى إلا أنه قال إنما جعلنا المال لتقضى به الصلاة وتؤتى به الزكاة ، قالت فكنا
نرى أنه مما نسخ من القرآن ، والبزاز وفيه مجالد بن سعيد وقد اختلط ، ولكن يحيى
القطان لا يروي عنه ما حدث به في اختلاطه . والله أعلم ) .
ثم قال الهيثمي ( وعن بريدة قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الصلاة :
لو أن لابن آدم واديا من ذهب لابتغى إليه ثانيا ولو أعطي ثانيا لابتغى إليه ثالثا ولا يملأ
جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب . رواه البزاز ورجاله رجال
الصحيح غير صبيح أبي العلاء وهو ثقة . وعن سمرة بن جندب أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم كان يقول : إن الرجل لا تمتلئ نفسه من المال حتى يمتلئ من التراب ولو
كان لأحدكم واديان من بين أعلاه إلى أسفله أحب أن يملأ له واد آخر ، فإن ملئ له
الوادي الآخر فانطلق فوجد واديا آخر قال أما والله لو استطعت لملأتك . رواه البزاز
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 121 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والطبراني ولفظه : كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول لنا إن أحدكم لو كان له واد
واد ملآن من أعلاه إلى أسفله أحب أن يملأ له واد آخر ، والباقي بنحوه . وفي إسناد
الطبراني من لم أعرفهم ، وفي إسناد البزاز يوسف بن خالد السمتي وهو كذاب .
وعن أبي سعيد يعني الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لو أن لابن
آدم واديا من مال لابتغى إليه ثانيا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب . رواه البزاز وفيه
عطية العوفي وهو ضعيف . وعن سعد بن أبي وقاص قال قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم لو أن لابن آدم واديين من مال لتمنى إليهما الثالث ولا يملأ جوف ابن آدم إلا
التراب ويتوب الله على من تاب . رواه الطبراني في الصغير والأوسط ورجالهما رجال
الصحيح غير حامد بن يحيى البلخي وهو ثقة . وعن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه
وسلم قال : لو كان لابن آدم واديان لتمنى واديا ثالثا وما جعل المال إلا لإقام الصلاة
وإيتاء الزكاة ولا يشبع ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب . رواه الطبراني
وفيه جعفر بن الزبير وهو ضعيف كذاب . وعن كعب بن عياض الأشعري عن نبي الله
صلى الله عليه وسلم قال : لو سيل لابن آدم واديان من مال لتمنى إليهما ثالثا ولا يشبع
ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب . رواه الطبراني ) .
ورواه الدارمي في سننه ج 2 ص 318 عن أنس بصيغة التشكيك قريبا مما في أحمد ج 3 ص 272 ،
ورواه الحاكم في المستدرك ج 2 ص 224 ( . . . عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال قال لي رسول الله صلى
الله عليه وسلم : إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن فقرأ لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين . .
ومن نعتها : لو أن ابن آدم سأل واديا من مال فأعطيته سأل ثانيا ، وإن أعطيته ثانيا سأل ثالثا ، ولا يملأ جوف
ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب . وإن الدين عند الله الحنيفية غير اليهودية ولا النصرانية ومن يعمل
خيرا فلن يكفره . هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ) انتهى .
ويلاحظ أن هذا الحديث الصحيح الإسناد قد خلط بين آيتين مزعومتين ، آية وادي
المال وآية النصرانية أو ذات الدين ! !
ورواه ابن شبة في تاريخ المدينة ج 2 ص 707 وفيه ( قال عمر رضي الله عنه :
أفنكتبها ؟ قال لا آمرك ، قال أفندعها ؟ قال لا أنهاك ، قال : كان إثباتك أولى من
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أم قرآن منزل ) أي ليتك كنت تثبت من النبي صلى
الله عليه وآله هل هي قرآن أم لا ؟
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 122 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ورواه السيوطي في الدر المنثور ج 1 ص 106 وفيه ( ولا يملأ عين ابن آدم إلا التراب . . . قال ابن عباس
فلا أدري أمن القرآن هو أم لا ) وروى في ج 6 ص 378 رواية ابن عباس التي يسأل فيها عمر : أفأثبتها في
المصحف ؟ قال : نعم . ثم نقله عن ابن الضريس عن ابن عباس . . . فقال عمر أفأكتبها ؟ قال لا أنهاك . قال
فكأن أبيا شك أقول من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو قرآن منزل ؟ ) .
ورواه في كنز العمال على أنه آية ج 2 ص 567 وفيه ( عن أبي : أن النبي صلى الله عليه
وسلم قال : إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن ، فقرأ عليه . . ! ورمز له : ط حم ، ت حسن صحيح ، ك ، ص )
ورواه أيضا في ج 3 ص 200 انتهى .
ويتعجب الباحث هنا من سؤال الخليفة لأبي بن كعب : أفأكتبها في المصحف ؟
فهل أن الملاك في كون نص من القرآن أوليس منه هو رأي أبي بن كعب كما تقول
هذه الرواية ؟ أو الملاك رأي الخليفة عمر كما تقول روايات أخرى ؟ أو رأي زيد بن
ثابت كما تقول ثالثة ؟ أو شهادة اثنين من الصحابة كما تقول رابعة ؟ . . إلى آخر
التناقضات الواردة في روايات جمع القرآن في مصادر إخواننا السنة . . لكن المتتبع يعرف
أن الملاك الأول والأخير هو رأي الخليفة وأن الباقين لا يجرؤون أن يكتبوا شيئا إلا بأمره
أو إجازته !
لكن يأتي السؤال هنا أيضا : ما دام الخليفة أمر بإثباتها ، فما لنا لا نراها في القرآن ؟
والجواب قوله تعالى : إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون .

8 - نقص ( وهو أب لهم ) في آية !

قال السيوطي في الدر المنثور ج 5 ص 183 ( وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور
وإسحق بن راهويه وابن المنذر والبيهقي عن بجالة قال : مر عمر بن الخطاب رضي الله
عنه بغلام وهو يقرأ في المصحف : النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم
وهو أب لهم ! فقال يا غلام حكها ، فقال : هذا مصحف أبي ! فذهب إلى أبي فسأله
فقال : إنه كان يلهيني القرآن ويلهيك الصفق بالأسواق ) . ورواه عبد الرزاق في
المصنف ج 10 ص 181 عن بجالة التيمي .
وروى أحمد في مسنده ج 3 ص 122 ( . . . عن قتادة عن أنس قال كنت أسمع
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فلا أدري أشئ نزل عليه أم شئ يقوله ؟ وهو
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 123 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يقول : لو كان لابن آدم واديان من مال لا تبغي لهما ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا
التراب ويتوب الله على من تاب ) .
وفي ج 3 ص 236 ( . . قال ابن شهاب حدثني أنس بن مالك أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم قال : لو أن لابن آدم واديين من ذهب أحب أن له واديا ثالثا ولم
يملأ فاه إلا التراب والله يتوب على من تاب ) .
ورواه ابن شبة في تاريخ المدينة ج 2 ص 708 وزاد في آخره ( فمضى عمر رضي الله عنه ) ورواه
البيهقي في سننه ج 7 ص 69 والذهبي في سير أعلام النبلاء ج 1 ص 397 ورواه في كنز العمال ج 2 ص
569 ورمز له ( ص ك ) . وروى في ج 13 ص 259 وفيه ( وشغلك الصفق بالأسواق إذ تعرض رداءك على عنقك بباب ابن العجماء ) انتهى ، ويقصد أبي بن كعب : أنك كنت مشغولا ببيع الأردية في سوق المدينة عند بيت ابن العجماء فتضعها على عنقك ليراها المشتري ! وابن العجماء
عدوي من عشيرة عمر ، وقد ترجمت المصادر لعدة من بناته ، ولم أجد له ترجمة !
والسؤال في هذه الآية المزعومة وأمثالها : ما دام ابن كعب قد أكد أن هذه الزيادة
جزء من الآية ، والخليفة قبل منه ذلك . . فلماذا لا نجد هذه الزيادة وأمثالها في القرآن ،
خاصة أن معناها يوافق بقية الآية ؟ والجواب : ما تقدم من حس المسلمين في الرقابة على
نص القرآن بقطع النظر عن صحة المعنى المدعى أنه كان جزء منه ! وصدق الله العظيم :
إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون !

9 - آية ذات الدين ووادي التراب !

روى الحاكم في المستدرك ج 2 ص 224 ( . . . عن أبي بن كعب رضي الله عنه
قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن فقرأ :
لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين . ومن نعتها لو أن ابن آدم سأل واديا
من مال فأعطيته لسأل ثانيا ، وإن أعطيته ثانيا سأل ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا
التراب ويتوب الله على من تاب ، وإن الدين عند الله الحنيفية غير اليهودية ولا
النصرانية ومن يعمل خيرا فلن يكفره . هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ) .
وروى الهيثمي في مجمع الزوائد ج 7 ص 140 ( عن أبي ابن كعب قال قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم إن الله أمرني أن أقرأ عليك قال فقرأ علي : لم يكن الذين
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 124 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة رسول من الله يتلو صحفا
مطهرة فيها كتب قيمة وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة . إن
الدين عند الله الحنيفية غير المشركة ولا اليهودية ولا النصرانية ومن يفعل خيرا فلن
يكفره . قال شعبة ثم قرأ آيات بعدها ، ثم قرأ : لو كان لابن آدم واديان من مال
لسأل ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب . قال ثم ختم ما بقي من السورة ! ! وفي
رواية عن أبي بن كعب أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن الله تبارك
وتعالى أمرني أن أقرأ عليك القرآن فذكر نحوه ، وقال فيه : لو أن ابن آدم سأل واديا
من مال فأعطيه لسأل ثانيا ولو سأل ثانيا فأعطيه لسأل ثالثا ، والباقي بنحوه . قلت في
الترمذي بعضه ، وفي الصحيح طرف منه ، رواه أحمد وابنه ، وفيه عاصم بن بهدلة وثقه
قوم وضعفه آخرون ، وبقية رجاله رجال الصحيح ) انتهى .
ورواه في كنز العمال ج 2 ص 567 وفيه ( . . . إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن ، فقرأ عليه لم يكن ،
وقرأ عليه إن ذات الدين عند الله الحنيفية . . . ط حم ت ، حسن صحيح ، ك ص ) .
وعلى هذه الرواية الصحيحة السند بمقاييس إخواننا السنة ينبغي أن تسمى هذه الآيات
المخلوطة من آية وادي التراب وذات الدين وغيرهما : الآية المنزلة إلى أبي بن كعب !
لأنه جاء في نصوصها جميعا قول النبي لابن كعب ( إن الله أمرني أن أقرأ عليك ) !
ولكن ينبغي الشك في كل روايات الزيادة والنقصان المنسوبة إلى أبي بن كعب لأنه
ثبت في بعضها أنها مكذوبة عليه . . وأن اسمه استغل لإثبات الزيادة والنقص في القرآن ! !

10 - التسبيحات الأربع من القرآن !

وروى أحمد في مسنده ج 5 ص 11 ( . . . عن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم
قال : إذا حدثتكم حديثا فلا تزيدن عليه ، وقال : أربع من أطيب الكلام وهن من
القرآن لا يضرك بأيهن بدأت : سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله
أكبر . ثم قال : لا تسمين غلامك أفلحا ولا نجيحا ولا رباحا ولا يسارا )
وفي ج 5 ص 20 ( عن سمرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل
الكلام بعد القرآن أربع وهي من القرآن لا يضرك بأيهن بدأت : سبحان الله ، والحمد
لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 125 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
روى النسائي في سننه ج 2 ص 143 ( . . . عن ابن أبي أوفى قال جاء رجل إلى
النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إني لا أستطيع أن آخذ شيئا من القرآن فعلمني شيئا
يجزئني من القرآن فقال : قل سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر ، ولا
حول ولا قوة إلا بالله ) انتهى .
وهذه الروايات الصحيحة عند إخواننا مناقضة لما ورد في مصادرهم ولما اتفق عليه
المسلمون من أن التسبيحات الأربع حديث شريف وليست قرآنا ! ! ورواية النسائي
تحتمل أن يكون متعلق الجار والمجرور ( يجزئني ) وأن تكون من بمعنى عن ، لكن المرجح
أنه صفة أخرى للشئ ، بقرينة الروايات المتقدمة .

11 - آية : ألا بلغوا قومنا . . !

روى البخاري في صحيحه ج 3 ص 204 و 208 و ج 4 ص 35 و ج 5 ص 42
عدة روايات أن آية ( ألا بلغوا قومنا بأنا قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا ) نزلت في
شهداء بئر معونة الذين بعثهم النبي صلى الله عليه وآله إلى نجد فغدر بهم رعل وذكوان
وعصية من بني لحيان ، وأن المسلمين قرؤوا هذه الآية !
ورواها مسلم في صحيحه ج 2 ص 135 وأحمد في مسنده بعدة روايات ج 3 ص 109 و 210 و 215
و 255 و 289 والبيهقي في سننه ج 2 ص 199 وغيرهم كثيرون . . وفي أكثر الروايات أنها نسخت
بعد ذلك ، وفي بعضها أنها رفعت ، وفي رواية أحمد ج 3 ص 109 ( ثم رفع ذلك بعد ، وقال ابن جعفر ثم
نسخ ) ! ! انتهى .
ولو صح أنها كانت آية ونسخت فلا بد أن يكون قبلها أو بعدها كلام آخر حتى لا
تكون مقتصرة على مقول القول فقط . . فتكون مثلا : إن المؤمنين الذين قتلهم أهل نجد
المشركون قالوا ألا بلغوا قومنا . . . إلخ ! ! ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم !

12 - آية عائشة التي أكلتها السخلة !

من الأحكام الشرعية المتفق عليها بين المسلمين : أن الرضاعة تشبه النسب ، فلو
أرضعت امرأة طفلا لغيرها صارت أما له وحرمت عليه ، وصارت بناتها أخواته
وحرمن عليه . . الخ .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 126 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وبعد اتفاق المسلمين على هذا الأصل الذي نص عليه القرآن اختلفوا في شروطه ،
فقال الأئمة من أهل البيت عليهم السلام : يشترط أن يرضع الطفل من تلك المرأة
رضاعا متصلا خمس عشرة رضعة ، أو يكون الرضاع بحيث ينبت به لحم الطفل ويشتد
عظمه ، وأن لا يكون للطفل غذاء آخر غير الحليب ، وأن يكون الطفل في سن
الرضاعة لا أكبر . . فإذا اختلت الشروط فلا أثر للرضاع .
أما المذاهب الأخرى فتساهلوا في شروط الرضاعة ، وكان أول المتساهلين في عدد
الرضعات عبد الله بن عمر ولا يبعد أن يكون ذلك مذهب أبيه ، فقال إن الرضعة
الواحدة توجب التحريم . . قال السيوطي في الدر المنثور ج 2 ص 135 :
( وأخرج عبد الرزاق عن ابن عمر أنه بلغه عن ابن الزبير أنه يؤثر عن عائشة في
الرضاعة لا يحرم منها دون سبع رضعات . قال : الله خير من عائشة إنما قال الله تعالى
وأخواتكم من الرضاعة ولم يقل رضعة ولا رضعتين . وأخرج عبد الرزاق عن طاووس أنه
قيل له إنهم يزعمون أنه لا يحرم من الرضاعة دون سبع رضعات ثم صار ذلك إلى
خمس . قال قد كان ذلك فحدث بعد ذلك أمر جاء التحريم المرة الواحدة تحرم .
وأخرج بن أبي شيبة عن ابن عباس قال : المرة الواحدة تحرم .
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر قال : المصة الواحدة تحرم ) انتهى .
أما أم المؤمنين عائشة فقالت : نزل في القرآن آية تحدد الرضاعة بعشر رضعات ، ثم
نسخت ونزلت آية تكتفي بخمس رضعات وأن تلك الآية كانت حتى توفي النبي صلى
الله عليه وآله تقرأ في القرآن وكانت مكتوبة عندها على ورقة وموضوعة تحت
سريرها ، ولكنها انشغلت بوفاة النبي وبعدها فدخلت سخلة وأكلت الورقة !
ولكن التساهل الأكبر الذي به صارت عائشة أشهر المتساهلين في المسألة هو
تعميمها الرضاع للكبار ! فيمكن للرجل الكبير أن يرضع من أي امرأة فيكون ابنها
ويصير أقاربها أقاربه ومن المحرمات عليه فيدخل عليهن بدون حجاب !
وكانت عائشة تعمل بذلك فترسل الرجل الذي تريده أن يدخل عليها إلى إحدى
قريباتها فترضعه خمس رضعات فيصير محرما ويدخل عليها بدون حجاب . . وقد ذكر
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 127 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الرواة أسماء بعض الرجال الذين أرضعتهم عائشة عند أقاربها ليدخلوا عليها بدون
حرج . وعرفت هذه المسألة في الفقه برضاع الكبير .
والذي يهمنا في بحثنا هو قول عائشة بأن آية الخمس رضعات كانت في القرآن ثم
ضاعت ، ولكن نورد ما يتعلق بالمسألتين لتداخل رواياتهما وارتباطها .
قال مسلم في صحيحه ج 4 ص 167 :
( . . . عن عبد الله بن أبي بكر عن عمرة عن عائشة أنها قالت كان فيما أنزل من
القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس معلومات ، فتوفي رسول الله
صلى الله عليه وسلم وهن فيما يقرأ من القرآن ! ! ) .
ورواه الدارمي في سننه ج 2 ص 157
ورواه ابن ماجة في سننه ج 1 ص 625 وروى بعده ( . . . عن عبد الرحمن بن
القاسم عن أبيه عن عائشة قالت : لقد نزلت آية الرجم ، ورضاعة الكبير عشرا . ولقد
كان في صحيفة تحت سريري ، فلما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وتشاغلنا
بموته ، دخل داجن فأكلها ) انتهى ، ومعنى الداجن : الحيوان الأهلي الذي يربى في
المنزل وكان السائد منه في المدينة الماعز ، ولذلك جعلنا العنوان : أكلتها السخلة . وفي
هذه الرواية دليل على أن مرض النبي ووفاته لم يكن في غرفة عائشة وإلا لما دخلتها
السخلة ، وبحث ذلك خارج عن موضوعنا .
وروى النسائي في سننه ج 6 ص 100 ( . . . عن عبد الله بن أبي بكر عن عمرة عن
عائشة قالت كان فيما أنزل الله عز وجل ، وقال الحرث فيما أنزل من القرآن ، عشر
رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس معلومات فتوفي رسول الله صلى الله عليه
وسلم وهي مما يقرأ من القرآن ! ) .
وقال الترمذي في سننه ج 2 ص 309 :
( قالت عائشة : أنزل في القرآن : عشر رضعات معلومات ، فنسخ من ذلك خمس
وصار إلى : خمس رضعات معلومات ، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والأمر
على ذلك . . وبهذا كانت عائشة تفتي وبعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم . وهو قول
الشافعي وإسحاق ، وقال أحمد بحديث النبي صلى الله عليه وسلم : لا تحرم المصة ولا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 128 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
المصتان ، وقال : إن ذهب ذاهب إلى قول عائشة في خمس رضعات فهو مذهب قوي .
وجبن عنه أن يقول فيه شيئا . وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه
وسلم وغيرهم : يحرم قليل الرضاع وكثيره إذا وصل إلى الجوف ، وهو قول سفيان
الثوري ومالك بن أنس والأوزاعي وعبد الله بن المبارك ووكيع وأهل الكوفة ) انتهى .
وبذلك يكون هؤلاء الذين ذكرهم الترمذي أكثر تساهلا من عائشة ! لأنهم لم
يشترطوا خمس رضعات بل ولا رضعة واحدة واكتفوا بمصة واحدة ! والمقصود ببعض
أزواج النبي صلى الله عليه وآله غير عائشة في حديث الترمذي هو حفصة لا غير .
وروى أحمد في مسنده ج 1 ص 432 ما يوافق مذهب أهل البيت عليهم السلام
فقال : ( عن أبي موسى الهلالي عن أبيه أن رجلا كان في سفر فولدت امرأته فاحتبس
لبنها فجعل يمصه ويمجه فدخل حلقه فأتى أبا موسى فقال حرمت عليك قال فأتى ابن
مسعود فسأله فقال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحرم من الرضاع إلا ما
أنبت اللحم وأنشر العظم ) .
وقال في ج 6 ص 271 ( . . . كانت عائشة تأمر أخواتها وبنات أخواتها أن
يرضعن من أحبت عائشة أن يراها ويدخل عليها وإن كان كبيرا خمس رضعات ثم
يدخل عليها وأبت أم سلمة وسائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يدخلن عليهن
بتلك الرضاعة أحدا من الناس حتى يرضع في المهد وقلن لعائشة والله ما ندري لعلها
كانت رخصة من رسول الله صلى الله عليه وسلم لسالم من دون الناس ) انتهى .
أما البخاري فلم يرو في صحيحه قصة هذه الآية ولا رضاع الكبير ، واكتفى برواية
ما حول الموضوع . . فقال في صحيحه ج 3 ص 150 :
( . . . عن مسروق أن عائشة رضي الله عنها قالت دخل علي النبي صلى الله عليه
وسلم وعندي رجل قال يا عائشة من هذا قلت أخي من الرضاعة قال يا عائشة أنظرن
من إخوانكن ! فإنما الرضاعة من المجاعة ) . ورواه في ج 3 ص 149 والنسائي في ج 6 ص 101
وروى البخاري في ج 6 ص 125 ( عن مسروق عن عائشة رضي الله عنها أن
النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها وعندها رجل فكأنه تغير وجهه كأنه كره ذلك ! !
فقالت إنه أخي فقال أنظرن من إخوانكن ! فإنما الرضاعة من المجاعة .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 129 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
. . . عن عروة بن الزبير عن عائشة أن أفلح أخا أبي القعيس جاء يستأذن عليها وهو
عمها من الرضاعة بعد أن نزل الحجاب فأبيت أن آذن له فلما جاء رسول الله صلى الله
عليه وسلم أخبرته بالذي صنعت فأمرني أن آذن له ) . ورواه في ج 6 ص 160
وقال الحاكم في المستدرك ج 2 ص 163 بعد أن روى حديث رضاع سالم ( هذا
حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه ، وفيه أن الشريفة تزوج من كل مسلم ) .
وأورد عبد الرزاق الصنعاني في مصنفه ج 7 ص 458 نحو خمسين رواية تحت
عنوان : باب رضاع الكبير يفهم منها أن المجتمع الإسلامي كان يستغرب ذلك بل
يستنكره . . قال ( . . . عن ابن جريج قال : أخبرني عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة
أن القاسم بن محمد بن أبي بكر أخبره أن عائشة أخبرته أن سهلة بنت سهيل بن عمرو
جاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت : يا رسول الله ! إن سالم مولى أبي
حذيفة معنا في بيتنا ، وقد بلغ ما يبلغ الرجال ، وعلم ما يعلم الرجال ، فقال رسول
الله صلى الله عليه وسلم : أرضعيه تحرمي عليه ، قال ابن أبي مليكة : فمكثت سنة أو
قريبا منها لا أحدث به رهبة له ، ثم لقيت القاسم فقلت : لقد حدثتني حديثا ما حدثته
بعد ، قال : وما هو ؟ فأخبرته ، فقال حدث به عني أن عائشة أخبرتني به !
. . . فأخذت بذلك عائشة فيمن كانت تريد أن يدخل عليها من الرجال ، فكانت
تأمر أم كلثوم ابنة أبي بكر وبنات أخيها يرضعن لها من أحبت أن يدخل عليها من
الرجال ، وأبى سائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يدخل عليهن أحد من الناس
بتلك الرضاعة ، قلن : والله ما نرى الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم به سهلة إلا
رخصة في رضاعة سالم وحده ) انتهى .
وقد تكون عائشة اعتمدت على سهلة بنت سهيل بن عمرو . . وسهيل هذا من قادة
الأحزاب والمشركين ، وممن كان النبي صلى الله عليه وآله يقنت بالدعاء عليه ويلعنه ،
وقد أسلم تحت السيف يوم فتح مكة ولكنه بقي الناطق باسم قريش في مواجهة النبي
والإسلام . . فمن أين يأتي الصدق والتدين إلى بنته ؟ !
وقال عبد الرزاق ( . . . عن معمر عن الزهري أن عائشة أمرت أم كلثوم أن ترضع
سالما ، فأرضعته خمس رضعات ، ثم مرضت ، فلم يكن يدخل سالم على عائشة .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 130 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
. . . أخبرنا ابن جريج قال : سمعت نافعا يحدث أن سالم بن عبد الله حدثه أن عائشة
زوج النبي صلى الله عليه وسلم أرسلت به إلى أختها أم كلثوم ابنة أبي بكر ، لترضعه
عشر رضعات ، ليلج عليها إذا كبر ، فأرضعته ثلاث مرات ، ثم مرضت ، فلم يكن سالم
يلج عليها ، قال زعموا أن عائشة قالت : لقد كان في كتاب الله عز وجل عشر رضعات ،
ثم رد ذلك إلى خمس ، ولكن من كتاب الله ما قبض مع النبي صلى الله عليه وسلم .
. . . أخبرنا ابن جريج قال : سمعت نافعا مولى ابن عمر يحدث أن ابنة أبي عبيد امرأة
ابن عمر ، أخبرته أن حفصة بنت عمر زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، أرسلت بغلام
نفيس ( . . . ) لبعض موالي عمر إلى أختها فاطمة بنت عمر ، فأمرتها أن ترضعه عشر
مرات ، ففعلت ، فكان يلج عليها بعد أن كبر ) انتهى .
كما روى عبد الرزاق عددا من الروايات المخالفة لمذهب عائشة في رضاع الكبير . .
قال ( . . . عن جويبر عن الضحاك بن مزاحم عن النزال عن علي عن النبي صلى الله
عليه وسلم قال : لا رضاع بعد الفصال .
. . . عن الثوري عن جويبر عن الضحاك عن النزال عن علي قال : لا رضاع بعد
الفصال ، وسمعته يقول لمعمر : إنه لم يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم ، قال معمر :
بلى . . . . . جابر عن أبيهما جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال
: لا يمين لولد مع يمين والد ، ولا يمين لزوجة مع يمين زوج ، ولا يمين لمملوك مع يمين
مالك ، ولا يمين في قطيعة ، ولا نذر في معصية ، ولا طلاق قبل نكاح ، ولا عتاقة قبل
ملك ، ولا صمت يوم إلى الليل ، ولا مواصلة في الصيام ، ولا يتم بعد حلم ، ولا
رضاع بعد الفطام ، ولا تعرب بعد الهجرة ، ولا هجرة بعد الفتح . . . . عن الثوري عن
عمرو بن دينار عمن سمع ابن عباس يقول : لا رضاع بعد الفطام . . . . عن مالك عن
نافع عن ابن عمر أنه قال : لا رضاع إلا لمن أرضع في الصغر ، ولا رضاعة لكبير )
انتهى . ورواه عنه البيهقي في سننه ج 7 ص 461
وقال مالك في الموطأ ج 2 ص 601 :
( عن نافع ، أن عبد الله بن عمر كان يقول : لا رضاعة إلا لمن أرضع في الصغر ،
ولا رضاعة لكبير .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 131 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
. . . عن يحيى بن سعيد ، أنه قال : سمعت سعيد بن المسيب يقول : لا رضاعة إلا ما
كان في المهد . وإلا ما أنبت اللحم والدم . وحدثني عن مالك ، عن ابن شهاب ، أنه
كان يقول : الرضاعة ، قليلها وكثرت تحرم . والرضاعة من قبل الرجال تحرم . قال
يحيى : وسمعت مالكا يقول : الرضاعة ، قليلها وكثيرها إذا كان في الحولين تحرم . فأما
ما كان بعد الحولين ، فإن قليله وكثيره لا يحرم شيئا ، وإنما هو بمنزلة الطعام .
. . . عمرة بنت عبد الرحمن ، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وآله ، أنها قالت :
كان فيما أنزل من القرآن - عشر رضعات معلومات يحرمن - ثم نسخن ب‍ - خمس
معلومات - فتوفي رسول الله صلى الله عليه وآله وهو فيما يقرأ من القرآن . قال
يحيى ، قال مالك : وليس على هذا العمل ) انتهى .
وقال الشافعي في مسنده ص 416 :
( عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر سهلة
بنت سهيل أن ترضع سالما خمس رضعات فتحرم بهن . أخبرنا مالك عن عبد الله بن
أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة أم المؤمنين
رضي الله عنها أنها قالت كان فيما أنزل الله في القرآن : عشر رضعات معلومات
يحرمن ، ثم نسخن بخمس معلومات فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن مما
يقرأ من القرآن ) .
وقال في كتاب الأم ج 5 ص 29 :
رضاعة الكبير . قال الشافعي رحمه الله تعالى . . . فجاءت سهلة بنت سهيل وهي
قال الشافعي : فإن قال قائل : ما دل على ما وصفت ؟ قال الشافعي : فذكرت حديث
سالم الذي يقال له مولى أبي حذيفة عن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر
امرأة أبي حذيفة أن ترضعه خمس رضعات يحرم بهن ، وقالت أم سلمة في الحديث
وكان ذلك في سالم خاصة وإذا كان هذا لسالم خاصة فالخاص لا يكون إلا مخرجا من
حكم العام ، وإذا كان مخرجا من حكم العام فالخاص غير العام ولا يجوز في العام إلا أن
يكون رضاع الكبير لا يحرم ولا بد إذا اختلف الرضاع في الصغير والكبير من طلب
الدلالة على الوقت الذي إذا صار إليه المرضع فأرضع لم يحرم .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 132 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال : والدلالة على الفرق بين الصغير والكبير موجودة في كتاب الله عز وجل ، قال
الله تعالى والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة ، فجعل الله
عز وجل تمام الرضاع حولين كاملين ) .
. . . قال الشافعي : فإن قال قائل : فقد قال عروة قال غير عائشة من أزواج النبي
صلى الله عليه وسلم ما نرى هذا من النبي صلى الله عليه وسلم إلا رخصة في سالم .
قيل : فقول عروة عن جماعة أزواج النبي صلى الله عليه وسلم غير عائشة لا يخالف قول
زينب عن أمها إن ذلك رخصة مع قول أم سلمة في الحديث هو خاصة وزيادة قول
غيرها ما نراه إلا رخصة مع ما وصفت من دلالة القرآن وإني قد حفظت عن عدة ممن
لقيت من أهل العلم إن رضاع سالم خاص .
فإن قال قائل : فهل في هذا خبر عن أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بما
قلت في رضاع الكبير ؟ قيل نعم : أخبرنا مالك عن أنس عن عبد الله بن دينار قال جاء
رجل إلى ابن عمر وأنا معه عند دار القضاء يسأله عن رضاعة الكبير فقال ابن عمر جاء
رجل إلى عمر ابن الخطاب فقال كانت لي وليدة فكنت أطؤها فعمدت امرأتي إليها
فأرضعتها فدخلت عليها فقالت دونك فقد والله أرضعتها . فقال عمر بن الخطاب
أوجعها وائت جاريتك فإنما الرضاع رضاع الصغير .
. . . قال الشافعي : فجماع فرق ما بين الصغير والكبير أن يكون الرضاع في الحولين
فإذا أرضع المولود في الحولين خمس رضعات كما وصفت فقد كمل رضاعه الذي يحرم )
انتهى .
وقال في كتاب الأم ج 7 ص 236 :
باب في الرضاع . قال الشافعي : أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر سهلة ابنة سهيل أن ترضع سالما خمس رضعات
فيحرم بهن .
قال الشافعي : أخبرنا مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن
عمرة عن عائشة أنها قالت كان فيما أنزل الله في القرآن : عشر رضعات معلومات
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 133 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يحرمن ، ثم نسخن بخمس معلومات فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن مما
يقرأ من القرآن !
قال الشافعي : أخبرنا مالك عن نافع أن سالم بن عبد الله أخبره أن عائشة زوج النبي
صلى الله عليه وسلم أرسلت به وهو يرضع إلى أختها أم كلثوم فأرضعته ثلاث رضعات
ثم مرضت فلم ترضعه غير ثلاث رضعات فلم يكن يدخل على عائشة من أجل أن أم
كلثوم لم تكمل له عشر رضعات . . .
قال الشافعي : فرويتم عن عائشة أن الله أنزل كتابا أن يحرم من الرضاع بعشر
رضعات ثم نسخن بخمس رضعات وأن النبي صلى الله عليه وسلم توفي وهي مما يقرأ
من القرآن ، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بأن يرضع سالم خمس
رضعات يحرم بهن ، ورويتم أن عائشة وحفصة أمي المؤمنين مثل ما روت عائشة
وخالفتموه ، ورويتم عن ابن المسيب أن المصة الواحدة تحرم ، فتركتم رواية عائشة
ورأيها ورأي حفصة بقول ابن المسيب وأنتم تتركون على سعيد بن المسيب رأيه برأي
أنفسكم مع أنه روى عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ما روت عائشة وابن الزبير
ووافق ذلك رأي أبي هريرة . وهكذا ينبغي لكم أن يكون عندكم العمل ) انتهى .
ونحوه في مجموع النووي ج 18 ص 210 و 212
وقال السيوطي في الدر المنثور ج 2 ص 135 :
( وأخرج مالك وعبد الرزاق عن عائشة قالت كان فيما أنزل من القرآن عشر
رضعات معلومات فنسخن بخمس معلومات فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم
وهن فيما يقرأ من القرآن .
وأخرج عبد الرزاق عن عائشة قالت لقد كانت في كتاب الله عشر رضعات ثم رد
ذلك إلى خمس ولكن من كتاب الله ما قبض مع النبي صلى الله عليه وسلم .
وأخرج ابن ماجة وابن الضريس عن عائشة قالت كان مما نزل من القرآن ثم سقط
لا يحرم إلا عشر رضعات أو خمس معلومات .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 134 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأخرج ابن ماجة عن عائشة قالت لقد نزلت آية الرجم ورضاعة الكبير عشرا ولقد
كان في صحيفة تحت سريري فلما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وتشاغلنا
بموته دخل داجن فأكلها ) انتهى . وروى البيهقي أكثر ذلك في سننه ج 7 ص 453
وقال ابن قدامة في المغني ج 9 ص 192 :
( مسألة : قال أبو القاسم رحمه الله ( والرضاع الذي لا يشك في تحريمه أن يكون
خمس رضعات فصاعدا ) في هذه المسألة مسألتان : أحدهما ، أن الذي يتعلق به
التحريم خمس رضعات فصاعدا هذا الصحيح في المذهب وروي هذا عن عائشة وابن
مسعود وابن الزبير وعطاء وطاووس وهو قول الشافعي . وعن أحمد رواية ثانية أن قليل
الرضاع وكثيره يحرم . وروي ذلك عن علي وابن عباس ، وبه قال سعيد بن المسيب
والحسن ومكحول والزهري وقتادة والحكم وحماد ومالك والأوزاعي والثوري والليث
وأصحاب الرأي وزعم الليث أن المسلمين أجمعوا على أن قليل الرضاع وكثيره يحرم في
المهد ما يفطر به الصائم . . . ) .
وقال الكاشاني الحنفي في بدائع الصنائع ج 4 ص 7 :
( ويستوي في الرضاع المحرم قليله وكثيره عند عامة العلماء وعامة الصحابة رضي
الله عنهم وروي عن عبد الله بن الزبير وعائشة رضي الله عنهما أن قليل الرضاع لا
يحرم وبه أخذ الشافعي فقال لا يحرم إلا خمس رضعات متفرقات واحتج بما روي عن
عائشة رضي الله عنها أنها قالت كان فيما نزل عشر رضعات يحرم ثم صرن إلى خمس
فتوفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو فيما يقرأ . . .
وأما حديث عائشة رضي الله عنها فقد قيل أنه لم يثبت عنها وهو الظاهر فإنه روي
أنها قالت توفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو مما يتلى في القرآن فما إلى نسخه
( سبيل ) ولا نسخ بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم . ولا يحتمل أن يقال ضاع شئ
من القرآن ولهذا ذكر الطحاوي في اختلاف العلماء أن هذا حديث منكر ، وإنه من
صيارفة الحديث ولئن ثبت فيحتمل أنه كان في رضاع الكبير فنسخ العدد بنسخ رضاع
الكبير ) انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 135 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال ابن حزم في المحلى ج 10 ص 14 :
( قال أبو محمد : وهذان أثران في غاية الصحة والحجة بهما قائمة ، ثم نظرنا فيما
احتج به من قال : لا يحرم من الرضاع أقل من خمس رضعات فوجدنا ما رويناه من
طريق حماد بن سملة عن يحيى بن سعيد الأنصاري . وعبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن
أبي بكر الصديق كلاهما عن عمرة عن عائشة أم المؤمنين قالت : نزل القرآن أن لا
يحرم إلا عشر رضعات ثم نزل بعد وخمس معلومات هذا لفظ يحيى بن سعيد ، ولفظ
عبد الرحمن قالت : كان مما نزل من القرآن ثم سقط لا يحرم من الرضاع إلا عشر
رضعات ثم نزل بعد وخمس معلومات ، ومن طريق القعنبي عن مالك عن عبد الله بن
أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة أم المؤمنين
أنها قالت : كان فيما نزل من القرآن عشر رضعات يحرمن ثم نسخن بخمس معلومات
يحرمن ، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وآله وهن مما يقرأ من القرآن ، وروينا أيضا
معناه من طريق مسلم نا القعنبي ومحمد بن المثنى قال ابن المثنى نا عبد الوهاب بن
عبد المجيد الثقفي ، وقال القعنبي نا سليمان بن بلال ثم اتفق سليمان وعبد الوهاب
كلاهما عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن عمرة عن عائشة أم المؤمنين قالت لما نزل في
القرآن عشر رضعات معلومات ثم نزل أيضا خمس معلومات . . .
قال أبو محمد : وهذان خبران في غاية الصحة وجلالة الرواة وثقتهم ولا يسع أحدا
الخروج عنهما . . . لكن لما جاءت رواية الثقات التي ذكرنا بأنه لا تحرم الرضعة ولا
الرضعتان وأنه إنما يحرم خمس رضعات كانت هذه الأخبار زائدة على ما في تلك الآية
وفي تلك الأخبار وكانت رواية ابن جريج في حديث أبي حذيفة أرضعيه خمس رضعات
هي زائدة .
وقالوا أيضا : قول الراوي فمات عليه الصلاة والسلام وهو مما يقرأ من القرآن قول
منكر وجرم في القرآن ولا يحل أن يجوز أحد سقوط شئ من القرآن بعد موت رسول
الله صلى الله عليه وآله فقلنا : ليس كما ظننتم إنما معنى قول عبد الله بن أبي بكر في
روايته لما ذكرتم ثم أي أنه عليه الصلاة والسلام مات وهو مما يقرأ مع القرآن بحروف
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 136 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الجر يبدل بعضها من بعض ، ومما يقرأ من القرآن الذي بطل أن يكتب في المصاحف
وبقي حكمه كآية الرجم سواء سواء فبطل إعتراضهم المذكور . . .
فمن ذلك قلنا إن استنفاد الراضع ما في الثديين متصلا رضعة واحدة . وأن المصة لا
تحرم إلا إذا علمنا أنها قد سدت مسدا من الجوع ) انتهى .
وهكذا وافق ابن حزم عائشة في الخمس رضعات التي أكلت آيتها السخلة ، وزاد
عليها أنه اعتبر المصة الطويلة رضعة ، فيكفي عنده خمس مصات متفرقات .
ثم كان من النادرين الذين آنسوا وحدة أم المؤمنين في رضاع الكبير ، فيكفي عنده
أن يرضع رجل كبير ولو كان عمره خمسين سنة من امرأة غير محرم عليه ! خمس
مصات متفرقات فتصير أمه وتحرم عليه هي وقريباتها ! !
قال في ص 19 : ( قال أبو محمد : وقالت طائفة : إرضاع الكبير والصغير يحرم كما
ذكرنا قبل عن أبي موسى وإن كان قد رجع عنه . . . ومن طريق مالك عن ابن شهاب
أنه سئل عن رضاع الكبير ؟ فقال : أخبرني عروة بن الزبير بحديث أمر رسول الله صلى
الله عليه وآله سهلة بنت سهيل بأن ترضع سالما مولى أبي حذيفة خمس رضعات وهو
كبير ففعلت فكانت تراه ابنا لها قال عروة : فأخذت بذلك عائشة أم المؤمنين فيمن
كانت تحب أن يدخل عليها من الرجال فكانت تأمر أختها أم كلثوم وبنات أخيها
يرضعن من أحبت أن يدخل عليها من الرجال . ومن طريق عبد الرزاق نا ابن جريج
قال : سمعت عطاء بن أبي رباح وسأله رجل فقال : سقتني امرأة من لبنها بعد ما كنت
رجلا كبيرا أفأنكحها ؟ قال عطاء لا . قال ابن جريج فقلت له وذلك رأيك قال : نعم
كانت عائشة تأمر بذلك بنات أخيها وهو قول الليث بن سعد . . . )
قال أبو محمد : أما قول أبي حنيفة وزفر ومالك ، فلا خفاء بفسادها إلا على قول
من يقول في النهار أنه ليل مكابرة ونصرا للباطل ، ومن عجائب الدنيا قول بعض
المفتونين لما قال الله تعالى : والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين . . .
قال أبو محمد : فجمع هذا القول مخالفة لله عز وجل ومكابرة الحس . . . ) انتهى
. * *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 137 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فهذه أحاديث تدعي زيادات لا وجود لها في كتاب الله تعالى ، وكثير منها بمقاييس
إخواننا أحاديث صحيحة على شرط البخاري ومسلم ، أو شرط غيرهما ، أو موثقة . .
فهل يمكن لأحد أن يقبلها ويضيف هذه الآيات والزيادات المزعومة في كتاب الله
والعياذ بالله بحجة التمسك بالحديث إذا صح سنده ! !
أم أن علماء إخواننا يردونها كما نفعل نحن الشيعة ، فيقلدوننا في هذا الموضوع من
أجل الحفاظ على كتاب الله تعالى ؟ !
أم يبحثون لها عن تأويلات بعيدة لا تقبلها عبارة عربية مستقيمة ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 138 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 139 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الخامس : قراءات شخصية ومحاولات تحريف

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 140 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 141 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

قراءات للخليفة لم يطعه فيها المسلمون

1 - فامضوا إلى ذكر الله !

اتفقت مصادر إخواننا السنة على أن الخليفة عمر كان يقرأ فاسعوا إلى ذكر الله في
الآية التاسعة من سورة الجمعة ( فامضوا إلى ذكر الله ) حتى في صلاته ، وأنه كان يصر
على ذلك ويأمر بمحو ( فاسعوا ) ويقول إنها منسوخة ! !
فما هو سبب ذلك ؟ ثم ما هو السبب في أن جميع المفسرين وفقهاء المذاهب السنية
لم يطيعوا الخليفة ولم يكتبوها في المصاحف ، ولم يقرؤوا بها ، مع أنهم يتعصبون لأقوال
الخليفة عمر ويتشبثون بها ؟ !
أما السر في اجتهاد الخليفة في نص القرآن فهو أن كلمة ( السعي ) في ذهنه تعني
الركض ، بينما المضي تعني الذهاب . . وبما أن المطلوب من المسلمين إذا سمعوا النداء
لصلاة الجمعة هو الذهاب بسكينة ووقار وليس الركض . . فلا يصح التعبير بالسعي !
وما دام القرآن نازلا من عند الله تعالى فلا بد أنه قال : فامضوا ولم يقل فاسعوا ! أو أن
الركض للجمعة كان مطلوبا أولا ثم نسخ بالمضي ! ! أو أنه كان اشتباها من النبي أو
جبرئيل ثم صححه أحد لهما ! !
قال البخاري في صحيحه ج 6 ص 63 ( قوله وآخرين منهم لما يلحقوا بهم ، وقرأ
عمر : فامضوا إلى ذكر الله ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 142 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وروى ابن شبة في تاريخ المدينة ج 2 ص 711 ( عن إبراهيم عن خرشة بن الحر
قال : رأى معي عمر بن الخطاب رضي الله عنه لوحا مكتوبا فيه : إذا نودي للصلاة من
يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله ، فقال : من أملى عليك هذا ؟ قلت أبي بن كعب ، فقال
إن أبيا كان أقرأنا للمنسوخ ، إقرأها : فامضوا إلى ذكر الله ! ) .
وروى البيهقي في سننه ج 3 ص 227 ( عن سالم عن أبيه قال : ما سمعت عمر بن
الخطاب رضي الله عنه يقرؤها إلا : فامضوا إلى ذكر الله . . . أنبأ الشافعي ، أنبأ سفيان
بن عيينة ، فذكره بنحوه ) .
وقال السيوطي في الدر المنثور ج 6 ص 219 ( قوله تعالى : فاسعوا إلى ذكر الله . .
الآية . أخرج أبو عبيد في فضائله وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر
وابن الأنباري في المصاحف عن خرشة بن الحر قال رأى معي عمر بن الخطاب
لوحا مكتوبا فيه إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله فقال : من أملى
عليك هذا ؟ قلت أبي بن كعب ، قال إن أبيا أقرؤنا للمنسوخ ، إقرأها فامضوا إلى
ذكر الله ! ) انتهى .
ورووا أن الخليفة أقنع برأيه هذا عبد الله بن مسعود فمحى من مصحفه ( فاسعوا )
وكتب فيه ( فامضوا ) !
روى الهيثمي بسند موثق في مجمع الزوائد ج 7 ص 124 ( عن إبراهيم قال ، قال
عبد الله بن مسعود . . . لو قرأتها فاسعوا سعيت حتى يسقط ردائي ! وكان يقرؤها
فامضوا . رواه الطبراني وإبراهيم لم يدرك ابن مسعود ورجاله ثقات . وعن قتادة قال :
في جزء ابن مسعود ( مصحفه ) فامضوا إلى ذكر الله . . . رواه الطبراني وقتادة لم يدرك
ابن مسعود ولكن رجاله ثقات ) انتهى .
أما علي وأهل البيت عليهم السلام فكانوا ملتفتين إلى أن السعي هنا ليس بمعنى
الركض بل بمعنى السعي المعنوي الذي يتناسب مع المشي إلى صلاة الجمعة بسكينة
ووقار . . روى القاضي المغربي في دعائم الإسلام ج 1 ص 182 ( عن علي عليه
السلام أنه سئل عن قول الله تعالى : يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة
فاسعوا إلى ذكر الله ، قال : ليس السعي الاشتداد ولكن يمشون إليها مشيا ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 143 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وروى الصدوق في علل الشرائع ج 2 ص 357 ( عن حماد عن الحلبي عن أبي عبد
الله عليه السلام قال : إذا قمت إلى الصلاة إن شاء الله فأتها سعيا وليكن عليك
السكينة والوقار ، فما أدركت فصل وما سبقت به فأتمه ، فإن الله عز وجل يقول : يا
أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله . ومعنى قوله فاسعوا هو
الإنكفات ) .
وروى علي بن إبراهيم في تفسيره ج 2 ص 367 عن الإمام الباقر عليه السلام
( إسعوا : اعملوا لها وهو قص الشارب ، ونتف الإبط وتقليم الأظافير والغسل ولبس
أفضل ثيابك ، وتطيب للجمعة فهو السعي ، يقول الله : ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها
وهو مؤمن ) انتهى .
وروى هذا المعنى أيضا عن أبي ذر رحمه الله ، قال السيوطي في الدر المنثور ج 6
ص 219 ( وأخرج البيهقي في سننه عن عبد الله بن الصامت قال خرجت إلى المسجد
يوم الجمعة فلقيت أبا ذر فبينا أنا أمشي إذ سمعت النداء فرفعت في المشي لقول الله :
إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله ، فجذبني جذبة فقال : أو لسنا في
سعي ؟ ! ) انتهى .
وتؤيد مصادر اللغة هذا الاشتراك في مادة ( سعى ) فهي تستعمل في المشي السريع
الذي هو دون الركض ، وتستعمل في ( السعي المعنوي ) وهو الاهتمام والجد في الشئ
المقصود . . وأكثر ما وردت في القرآن بهذا المعنى الثاني .
قال الراغب في مفرداته ص 233 ( السعي المشي السريع وهو دون العدو .
ويستعمل للجد في الأمر خيرا كان أو شرا ، قال تعالى وسعى في خرابها وقال نورهم يسعى
بين أيديهم وقال ويسعون في الأرض فسادا ، وإذا تولى سعى في الأرض ، وأن ليس للإنسان إلا ما
سعى ، وأن سعيه سوف يرى ، إن سعيكم لشتى وقال تعالى وسعى لها سعيها ، كان سعيهم
مشكورا وقال تعالى فلا كفران لسعيه ) .
وقال الخليل في كتاب العين ج 2 ص 202 ( السعي عدو ليس بشديد . وكل
عمل من خير أو شر فهو السعي ، يقولون السعي العمل أي الكسب . والمسعاة في
الكرم والجود ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 144 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال الجوهري في الصحاح ج 6 ص 2377 ( سعى الرجل يسعى سعيا أي عدا ،
وكذلك إذا عمل وكسب ) .
وقال الطريحي في مجمع البحرين ج 2 ص 375 ( قوله تعالى فاسعوا إلى ذكر الله ،
أي بادروا بالنية والجد ، ولم يرد للعدو والإسراع في المشي ، والسعي يكون عدوا
ومشيا وقصدا وعملا ، ويكون تصرفا بالصلاح والفساد . والأصل فيه المشي السريع
لكنه يستعمل لما ذكر وللأخذ في الأمر ) انتهى .
* *
وعندما وجد إخواننا السنة أنفسهم أمام هذا الواقع ، ورأوا أن قراءة ( فامضوا )
اشتباه محض من الخليفة وإصرار غير منطقي ، فاختاروا أن يبقوا الآية في مصاحفهم
( فاسعوا ) وأن يحفظوا كرامة الخليفة في نفس الوقت ولا يخطئوه . . فلذلك لا تجد منهم
منتقدا للخليفة ، ولا متسائلا عن معنى شهادة الخليفة بأن اسعوا منسوخة ! ! بل تجد أن
بعضهم فضل السكوت وطلب الستر والسلامة للخليفة ، كما فعل البخاري ! وبعضهم
قلد الخليفة وأفتى بجواز القراءة بقراءته ، وحاول أن يستر خطأه بالإصرار عليه ، مدعيا
أن المضي هو السعي في لغة قريش والحجاز ! ولو كان السعي مرادفا للمضي فلماذا
هرب منه الخليفة وجعل ابن مسعود يهرب منه خوفا على ردائه ، وهما حجازيان ؟ !
وغاية ما وصلت إليه جرأة علماء إخواننا الانتقاد البعيد بالإشارة التي لا يفهمها إلا
اللبيب اللبيب . . قال البيهقي في سننه ج 3 ص 227 ( قال الشافعي : ومعقول أن
السعي في هذا الموضع العمل لا السعي على الأقدام ، قال الله تعالى إن سعيكم لشتى ،
وقال ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن . وقال وكان سعيكم مشكورا ، وقال وأن
ليس للإنسان إلا ما سعى . وقال وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها . قال الشيخ
( البيهقي ) وقد روي عن أبي ذر ما يؤكد هذا ) انتهى . وقد أخذها الشافعي عن أهل
البيت عليهم السلام كما رأيت !
وتبع الشافعي ابن قدامة في المغني ج 2 ص 143 قال ( . . . والمراد بالسعي هاهنا
الذهاب إليها لا الإسراع ، فإن السعي في كتاب الله لم يرد به العدو قال الله تعالى وأما
من جاءك يسعى وقال وسعى لها سعيها وقال سعى في الأرض ليفسد فيها وقال ويسعون في
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 145 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأرض فسادا ، وأشباه هذا لم يرد بشئ منه العدو ، وقد روي عن عمر أنه كان يقرؤها
فامضوا إلى ذكر الله ) ! !
ومن أكثرهم أمانة وجمعا لروايات الموضوع جلال الدين السيوطي ، قال في الدر
المنثور ج 6 ص 219 :
( وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم قال قيل لعمر إن أبيا يقرأ فاسعوا إلى ذكر الله
قال عمر : أبي أعلمنا بالمنسوخ . وكان يقرؤها فامضوا إلى ذكر الله !
وأخرج الشافعي في الأم وعبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة
وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف
والبيهقي في سننه عن ابن عمر قال : ما سمعت عمر يقرؤها قط إلا فامضوا إلى ذكر الله !
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن
الأنباري في المصاحف والبيهقي في سننه عن ابن عمر قال : ما سمعت عمر يقرؤها قط
إلا فامضوا إلى ذكر الله ! !
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن ابن عمر قال : لقد توفي عمر وما يقول هذه
الآية التي في سورة الجمعة إلا فامضوا إلى ذكر الله ! !
وأخرج عبد الرزاق والفريابي وأبو عبيد وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن
حميد وابن جرير وابن المنذر وابن الأنباري والطبراني من طرق عن ابن مسعود أنه كان
يقرأ : فامضوا إلى ذكر الله ، قال ولو كانت فاسعوا لسعيت حتى يسقط ردائي !
وأخرج عبد الرزاق والطبراني عن قتادة قال في حرف ابن مسعود فامضوا إلى ذكر
الله وهو كقوله إن سعيكم لشتى .
وأخرج عبد بن حميد من طريق أبي العالية عن أبي بن كعب وابن مسعود أنهما
كانا يقرآن : فامضوا إلى ذكر الله .
وأخرج ابن المنذر عن عبد الله بن الزبير أنه كان يقرؤها فامضوا إلى ذكر الله .
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس في قوله فاسعوا إلى ذكر الله قال : فامضوا .
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم
عن الحسن أنه سئل عن قوله فاسعوا إلى ذكر الله قال : ما هو بالسعي على الأقدام
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 146 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولقد نهوا أن يأتوا الصلاة إلا وعليهم السكينة والوقار ، ولكن بالقلوب والنية
والخشوع .
وأخرج عبد بن حميد والبيهقي في شعب الإيمان عن قتادة في قوله فاسعوا إلى ذكر
الله قال : السعي أن تسعى بقلبك وعملك وهو المضي إليها ، قال الله فلما بلغ معه
السعي قال لما مشى مع أبيه .
وأخرج عبد بن حميد عن ثابت قال كنا مع أنس بن مالك يوم الجمعة فسمع النداء
بالصلاة فقال قم لنسعى إليها .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن عطاء في قوله فاسعوا إلى ذكر الله
قال : الذهاب والمشي .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن مجاهد في الآية قال : إنما السعي العمل وليس
السعي على الأقدام .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن محمد بن كعب قال : السعي العمل .
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس وعكرمة مثله .
وأخرج البيهقي في سننه عن عبد الله بن الصامت قال خرجت إلى المسجد يوم
الجمعة فلقيت أبا ذر ، فبينا أنا أمشي إذ سمعت النداء فرفعت في المشي لقول الله إذا
نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله ، فجذبني جذبة فقال : أو لسنا في
سعي ؟ ! ) انتهى .
وروى في كنز العمال عددا من هذه الروايات ج 2 ص 591 تحت الأرقام : 48087 و 4809
و 4821 و 4822
وقال ابن جزي في كتاب التسهيل ج 2 ص 445 ( قرأ عمر : وامضوا إلى ذكر الله ) انتهى . .
ويطول الأمر لو أردنا استعراض بقية المصادر . . والحمد لله أن أحدا من المسلمين لم
يطع الخليفة في تحريف هذه الآية ، حتى أشد المتعصبين له . ومن المؤكد أن الخليفة
كان مصرا عليها حتى توفي فقد كتبها في مصحفه ، وبما أن مصحفنا الذي كتبه
الخليفة عثمان فيه ( فاسعوا ) فهو دليل على أنه لم ينسخه من مصحف الخليفة عمر ،
والحمد لله .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 147 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

2 - عظاما ناخرة

قال الله تعالى في الآيتين الحادية عشرة والثانية من سورة النازعات : أإذا كنا عظاما
نخرة . قالوا تلك إذن كرة خاسرة . والموجود في القرآن هو ( نخرة ) فلو أن أحدا في عصرنا
قرأها ( ناخرة ) بالألف بحجة أنه يريد أن تتناسب أواخر الآيات ، أو بحجة أن جنابه
تعود على لفظ ناخرة واستحسنه . . فماذا يقول عنه إخواننا السنة ؟
نقول له جميعا : إن القرآن نص منزل من عند الله تعالى ، ولا يجوز لك أن تغير في
كلام الله تعالى من عندك . فلا جبرئيل ينزل عليك ، ولا أنت مفوض من الله تعالى
بهذا العمل ! !
هذا هو الموقف الطبيعي الصحيح من القراءات الذوقية التي نجدها تملأ كتب التفسير ،
والتي فتح بابها الخليفة عمر ، فقرأ ( فامضوا إلى ذكر الله ) كما تقدم وشجع عليها
بعض الصحابة وكتبها في مصاحفهم ، وفتح بذلك الباب لهم وللتابعين أن يقرأ كل
منهم كلمات القرآن باجتهاده وذوقه وسليقته ! !
قال السيوطي في الدر المنثور ج 6 ص 312 ( وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن
حميد عن عمر بن الخطاب أنه كان يقرأ : أئذا كنا عظاما ناخرة ، بألف .
وأخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود أنه كان يقرأ : ناخرة بالألف .
وأخرج الطبراني عن ابن عمر أنه كان يقرأ هذا الحرف أئذا كنا عظاما ناخرة .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن مجاهد قال سمعت ابن الزبير يقرؤها :
عظاما ناخرة فذكرت ذلك لابن عباس فقال : أوليس كذلك ؟
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر من طرق عن ابن عباس أنه كان
يقرأ التي في النازعات : ناخرة بالألف وقال بالية .
وأخرج عبد بن حميد عن محمد بن كعب القرظي وعكرمة وإبراهيم النخعي أنهم
كانوا يقرؤون : ناخرة بالألف .
وأخرج الفراء عن ابن الزبير أنه قال على المنبر ما بال صبيان يقرؤن : نخرة إنما هي
ناخرة .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 148 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك : عظاما ناخرة ، قال بالية .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال الناخرة العظم يبلى فتدخل الريح فيه ) .
وروى الهيثمي في مجمع الزوائد ج 7 ص 133 ( عن ابن عمر أنه كان يقرأ هذا
الحرف : أئذا كنا عظاما ناخرة . رواه الطبراني من طريق زيد بن معاوية عن ابن عمر
ولم أعرفه ، وبقية رجاله رجال الصحيح ) انتهى .
وروى في كنز العمال ج 2 ص 591 ( عن عمر أنه كان يقرأ : إذا كنا عظاما
ناخرة ، بألف - ص وعبد بن حميد ) .
وقال الطوسي في التبيان ج 10 ص 251 ( قرأ أهل الكوفة إلا حفصا ( عظاما
ناخرة ) بألف ، والباقون ( نخرة ) بلا ألف . من قرأ ( ناخرة ) اتبع رؤوس الآي نحو
( الساهرة ، والحافرة ) ومن قرأ نخرة بلا ألف قال لأنه الأكثر في كلام العرب ، ولما
روي عن علي عليه السلام أنه قرأ ( نخرة ) وقال النحويون : هما لغتان مثل باخل
وبخل ، وطامع وطمع ، وقال الفراء : النخرة البالية والناخرة المجوفة ) .
وقال في ص 255 ( والنخرة البالية بما حدث فيها من التغيير واختلال البنية ، جذع
نخر إذا كان بهذه الصفة ، وإذا لم تختل بنيته لم يكن نخرا وإن بلي بالوهن والضعف .
وقيل ناخرة مجوفة تنخر الرياح فيها بالمرور في جوفها . وقيل : ناخرة ونخرة سواء مثل
ناخل ونخل ، ونخرة أوضح في المعنى ، وناخرة أشكل برؤس الآي ) انتهى .
وقال الطريحي في مجمع البحرين ج 4 ص 284 ( قال الشيخ أبو علي : قرأ أهل
الكوفة ويعني أكثرهم ، عظاما ناخرة بالألف . ثم قال : ناخرة ونخرة لغتان . وقال
الفراء النخرة البالية والناخرة المجوفة . وقال الزجاج : ناخرة أكثر وأجود لأجل مراعاة
أواخر الآي ، مثل الخاسرة والحافرة . والمنخر كمجلس وكسر الميم للاتباع كمنبر لغة ،
والمنخران : ثقبا الأنف ، وفي حديث العابد : فنخر إبليس نخرة واحدة فاجتمع إليه
جنوده ، من النخير وهو صوت الأنف ، يقال نخر ينخر من باب قتل ، إذا مد النفس في
الخياشيم ، والجمع مناخر ) انتهى .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 149 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
نفهم من هذه الروايات أن الخليفة عمر كان يجيز لنفسه وللصحابة الإجتهاد في نص
القرآن الكريم . . وكأن المسألة أن أحدا كتب نصا وأبقى المجال مفتوحا للقراء لإجراء
بعض التحسينات عليه والاجتهادات فيه . . فهل أن نص القرآن الكريم كذلك ؟ !
إن ملاك الخليفة في اختيار كلمة نخرة أو ناخرة هو الأنسب لقوافي الآيات ، أو
للمألوف من الكلمات . . هكذا وبكل بساطة وجرأة . . وكأنه أحاط بعلم الله في
اختيار ألفاظ كتابه أو حصل منه على تفويض . . ! ثم يجب على العباد أن يقبلوا قراءته
ويتعبدوا بها ، ويعتقدوا أنها الكلمة التي أنزلها الله تعالى !
قد يقول قائل : لا فرق يذكر بين قراءة نخرة بدون ألف أو بألف . فالأمر سهل ،
ولا يصح أن نعطي المسألة أكثر من حجمها !
ولكن الأمر ليس سهلا والفرق ليس قليلا ، سواء في ألفاظ القرآن أو في معانيه . .
لأن بناء القرآن بناء خاص لا يشبهه بناء كلام البشر ، والحرف الواحد منه له دوره بل
أدواره في موضعه وفي مجموع القرآن ، بل في عوالم وجود القرآن وتأثيراتها في
الوجود . . فالقول بعدم تأثير زيادة حرف أو نقصه قول سطحي يصدر عمن لم
يستوعب خطورة البناء اللفظي للقرآن وكونية هذا البناء . . !
والكلام نفسه يصح في زيادة شئ في المعنى القرآني أو نقصه ، أو إحداث أدنى تغيير
فيه !
فمن يدري لعل الله تعالى يريد الخروج عن قافية الآيات بكلمة نخرة ؟ ثم من يدري
ما هو بالضبط القول الذي يريد الله تعالى نقله عن المشركين المستبعدين لبعث العظام
البالية . . هل قولهم النخرة أو الناخرة . . ؟
إن مقولة عدم الفرق بين هذه اللفظة وتلك مقولة سطحية ، فالترادف الكامل من
كل الجهات إن كان موجودا في اللغة العربية فهو غير موجود في ألفاظ القرآن ، والفرق
بين الناخرة والنخرة هنا قد يكون من عشرين وجها . . وقد يكون أولها التغيرات
الفيزيائية التي تحدث على العظام حتى تكون نخرة بالية ، أو حتى تكون ناخرة مجوفة
ولو لم يكمل بلاها . . !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 150 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فمن أين يدري الخليفة أن الله تعالى اختار أن ينقل عن المشركين استبعادهم لإحياء
العظام البالية تماما ، أو البالية نصف بلى ، أو البالية إلى حد التجويف فقط ، أو البالية
مطلقا مجوفة كانت أو غير مجوفة . . ؟ ! إلى آخر الاحتمالات في المسألة . .
إن ما يبدو لنا بسيطا هو كبير في البناء القرآني . . فهل يصح مثلا أن نقول : إن
المنزل والبيت والمسكن كلمات مترادفة ، فيجوز أن نبادل مواضعها في القرآن . . ؟
كلا ، ثم كلا . . فإن الزاوية والأبعاد التي يريدها الله تعالى من الكلمة لها موضعها
ودورها الذي لا يؤديه مرادفها ! وحروفها لها أدوارها أيضا . . ونغمها . . إلخ .
ثم لو سلمنا أن اللفظين مترادفان من جميع الأبعاد ، وأن المعنى لا يتغير باختيار
أحدهما أبدا . . فما هو المجوز الشرعي والأخلاقي لأحد أن يمد يده أو لسانه إلى
نصوص الآخرين ، فضلا عن نصوص رب العالمين ؟ ! !
إنها نظرة الخليفة عمر المتساهلة إلى نص القرآن والسنة ، وفي مقابلها نظرة أهل
البيت عليهم السلام ، الذين يرون وجوب التمسك بالنص والمحافظة عليه كما نزل .
وستعرف أن الخليفة عمر يرى التساهل في نص القرآن إلى حد . . التعويم !

3 - صراط من أنعمت عليهم . . وغير الضالين !

قال السيوطي في الدر المنثور ج 1 ص 15 ( أخرج وكيع وأبو عبيد وسعيد بن
منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي داود وابن الأنباري كلاهما في المصاحف
من طرق عن عمر بن الخطاب أنه كان يقرأ : سراط من أنعمت عليهم غير المغضوب
عليهم وغير الضالين .
وأخرج أبو عبيد وعبد بن حميد وابن أبي داود وابن الأنباري عن عبد الله بن الزبير
قرأ : صراط من أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم وغير الضالين ، في الصلاة .
وأخرج ابن أبي داود عن إبراهيم قال كان عكرمة والأسود يقرآنها : صراط من
أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم وغير الضالين ) .
وقال في ص 17 ( وأخرج ابن شاهين في السنة عن إسماعيل ابن مسلم قال في
حرف أبي بن كعب غير المغضوب عليهم وغير الضالين . آمين . بسم الله ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 151 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ورواه في كنز العمال ج 2 ص 593 ( عن عمر أنه كان يقرأ : سراط من أنعمت
عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين - وكيع وأبو عبيد ، ص ، وعبد بن حميد وابن
المنذر ، وابن أبي داود ، وابن الأنباري معا في المصاحف ) .
ورواه البغوي في معالم التنزيل ج 1 ص 42 والراغب في محاضراته ج 2 ص 199
وابن جزي في التسهيل . . وغيرهم . . وغيرهم .
* *
ومن الواضح أن قراءة الخليفة عمر أسبق من قراءة عكرمة وابن الزبير ، وأنهما
قلداه فيها .
وإذا سألت نفسك لماذا يقرأ الخليفة هذه القراءة ، وهو يعرف أن المسلمين كلهم
يقرؤون غيرها . . ؟ وهو يروي أن النبي قد أمره وأمر غيره من المسلمين أن يأخذوا
القرآن من أشخاص معينين ويقرؤوه كما يقرؤونه ؟ ! فسوف لا تجد جوابا لهذا السؤال ،
إلا أن الخليفة استذوق أن ( يصحح ) في كلام الله تعالى أو يحسن في عبارته ! أو أن
ذهنه ولسانه كانا قاصرين عن قراءة القرآن كما أنزل !
لكن نحمد الله تعالى أن أحدا من المسلمين لم يطع الخليفة عمر في هذه التصحيحات
أو التحسينات ، ولا في غيرها من قراءاته المستهجنة . . وبذلك يتجلى قوله تعالى : إنا
نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون !

4 - الحي القيام !

قال البخاري في صحيحه ج 6 ص 72 ( سورة إنا أرسلنا . . . ديارا من دور ،
ولكنه فيعال من الدوران ، كما قرأ عمر : الحي القيام ، وهي من قمت . . . ) . ودافع
عن الخليفة في ج 8 ص 184 فقال ( . . وقال مجاهد القيوم القائم على كل شئ . وقرأ
عمر القيام ، وكلاهما مدح ) انتهى .
ولكن المسألة هنا ليست في أن القيام هل هو مدح أو ذم حتى يقال إنه مدح لله
تعالى مثل القيوم ، بل المسألة أن القيوم اسم من أسماء الله الحسنى ، وهو توقيفي لا
يجوز فيه التغيير ! فهل يصح أن تقول : بسم الله الرحمن الراحم ، وتقول لا فرق
كلاهما مدح ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 152 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وروى الحاكم في المستدرك ج 2 ص 287 ( . . . عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن أبيه عن عمر
رضي الله عنه أنه صلى بهم فقرأ : آلم الله لا إله إلا هو الحي القيام ) ووصف الحديث بأنه صحيح .
وروى الهيثمي في مجمع الزوائد ج 7 ص 154 ( . . . عن أبي خالد الكناني عن ابن مسعود أنه كان
يقرؤها : الحي القيام . رواه الطبراني ، وأبو خالد لم أعرفه ، وبقية رجاله ثقات ) .
وروى السيوطي في الدر المنثور ج 2 ص 3 ( الله لا إله إلا هو الحي القيوم . وأخرج سعيد بن منصور
والطبراني عن ابن مسعود أنه كان يقرؤها القيام . وأخرج ابن جرير عن علقمة أنه قرأ الحي القيوم ) .
وفي كنز العمال ج 2 ص 592 ( عبد الرحمن بن حاطب أن عمر صلى بهم العشاء الآخرة فاستفتح سورة
آل عمران فقرأ : آلم الله لا إله إلا هو الحي القيام - أبو عبيد في الفضائل ص ، وعبد بن حميد وابن أبي داود
وابن الأنباري معا في المصاحف وابن المنذر ، ك ) .
وقال الطوسي في التبيان ج 2 ص 388 ( . . . وقرأ عمر بن الخطاب : الحي القيام وهي لغة أهل الحجاز .
ويقولون في الصواغ صياغ . الباقون : قيوم )
وفي صحاح الجوهري ج 5 ص 2018 ( والقيوم : اسم من أسماء الله تعالى . وقرأ
عمر رضي الله عنه : الحي القيام ، وهو لغة ) انتهى .
ولم تذكر بقية مصادر اللغة أن القيام لغة في القيوم ، ولكن لو تأكد ذلك فإن
اسم الله تعالى هو القيوم وليس القيام ! وقد صرح الراغب في المفردات بأن القيام بناء
آخر ، ولم يقل إنه لغة في القيوم ، قال في ص 417 ( وقوله : الله لا إله إلا هو الحي
القيوم . أي القائم الحافظ لكل شئ والمعطي له ما به قوامه ، وذلك هو المعنى المذكور
في قوله الذي أعطى كل شئ خلقه ثم هدى ، وفي قوله أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت
وبناء قيوم فيعول ، وقيام فيعال نحو ديون وديان ) انتهى .
* *
وهناك نماذج أخرى متعددة نقلتها مصادر الحديث والتفسير من قراءات الخليفة عمر
وكبار شخصيات الصحابة الذين يتعصب إخواننا السنة لرأيهم ، لا نطيل فيها الكلام ،
مثل قراءة عمر :
فأخذتهم الصعقة : قال السيوطي في الدر المنثور ج 2 ص 238 ( وأخرج سعيد بن
منصور وعبد بن حميد عن عمر بن الخطاب أنه قرأ : فأخذتهم الصعقة ) .
وإن كاد مكرهم : قال السيوطي في الدر المنثور ج 4 ص 89 ( وأخرج ابن الأنباري
كان المصاحف عن عمر بن الخطاب أنه قرأ : وإن كاد مكرهم لتزول منه الجبال . يعني
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 153 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بالدال ) ورواه في كنز العمال ج 2 ص 596 ( عن أبي عبيد ص ، وابن جرير وابن
المنذر وابن الأنباري في المصاحف ) .
يا فلان ما سلككم : قال السيوطي في الدر المنثور ج 6 ص 285 ( أخرج عبد الرزاق
وعبد بن حميد وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن أبي داود وابن الأنباري معا في
المصاحف وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عمرو بن دينار قال : سمعت عبد الله بن الزبير
يقرأ في جنات يتساءلون عن المجرمين يا فلان ما سلككم في سقر . قال عمر وأخبرني
لقيط قال سمعت ابن الزبير قال سمعت عمر بن الخطاب يقرؤها كذلك ) ورواه في كنز
العمال ج 2 ص 594 عن ( عب ، وعبد بن حميد عم في زوائد الزهد وابن أبي داود
وابن الأنباري معا في المصاحف وابن المنذر وابن أبي حاتم ) .
فتناه بالتشديد : قال البخاري في صحيحه ج 4 ص 135 ( قرأ عمر : فتناه بتشديد
التاء فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب ) انتهى .
. . إلى آخر ما ورد من قراءات الخليفة الشاذة المخالفة لما أجمع عليه المسلمون ، أو
ما هو مدون في المصاحف ! ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 154 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

محاولات تحريف فاشلة

1 - محاولة تغيير آية الأنصار

روت مصادر إخواننا السنة محاولتين مكشوفتين للخليفة عمر لتغيير آيتين ، إحداهما
موجهة ضد الأنصار لمصلحة قريش ، والثانية موجهة ضد بني هاشم لمصلحة قريش !
وقد يكون ما لم تروه المصادر أكثر وأعظم ! !
1 - محاولة تغيير آية الأنصار
قال الله تعالى : الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله
والله عليم حكيم . ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما ويتربص بكم الدوائر عليهم دائرة السوء
والله سميع عليم . ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله
وصلوات الرسول ألا إنها قربة لهم سيدخلهم الله في رحمته إن الله غفور رحيم . والسابقون
الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم
جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم - التوبة 97 - 100
وقال تعالى : إن الله له ملك السماوات والأرض يحيي ويميت وما لكم من دون الله من ولي
ولا نصير . لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد
ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم - التوبة 116 - 117
وروى الحاكم في مستدركه ج 3 ص 305 ( عن أبي سلمة ومحمد بن إبراهيم
التيمي قالا : مر عمر بن الخطاب برجل وهو يقول السابقون الأولون من المهاجرين
والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه . . إلى آخر الآية ، فوقف عليه
عمر فقال انصرف ، فلما انصرف قال له عمر : من أقرأك هذه الآية ؟ قال أقرأنيها أبي
بن كعب . فقال : انطلقوا بنا إليه فانطلقوا إليه فإذا هو متكئ على وسادة يرجل رأسه
فسلم عليه فرد السلام فقال : يا أبا المنذر ، قال لبيك ، قال : أخبرني هذا أنك أقرأته
هذه الآية ؟ قال صدق ، تلقيتها من رسول الله صلى الله عليه وآله . قال عمر : أنت
تلقيتها من رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ ! قال : نعم أنا تلقيتها من رسول الله صلى
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 155 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الله عليه وآله . ثلاث مرات كل ذلك يقوله . وفي الثالثة وهو غضبان : نعم والله ،
لقد أنزلها الله على جبريل وأنزلها جبريل على محمد فلم يستأمر فيها الخطاب ولا ابنه ! !
فخرج عمر وهو رافع يديه وهو يقول : الله أكبر الله أكبر ! ! ) .
ورواه في كنز العمال ج 2 ص 605 وقال ( أبو الشيخ في تفسيره ، ك ، قال الحافظ ابن حجر في
الأطراف : صورته مرسل . قلت : له طريق آخر عن محمد بن كعب القرظي مثله أخرجه ابن جرير وأبو
الشيخ ، وآخر عن عمر بن عامر الأنصاري نحوه ، أخرجه أبو عبيد في فضائله ، وسنيد وابن جرير وابن المنذر
وابن مردويه هكذا . صححه ، ك ) انتهى .
ولكن ابن شبة روى القصة في تاريخ المدينة ج 2 ص 707 بنحو آخر فقال ( حدثنا
معاذ بن شبة بن عبيدة قال حدثني أبي عن أبيه عن الحسن : قرأ عمر رضي الله عنه
( والسابقون الأولون من المهاجرين الذين اتبعوهم بإحسان ، ( بدون واو ) فقال أبي
والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ، فقال عمر رضي الله
عنه : والسابقون الأولون من المهاجرين الذين اتبعوهم بإحسان ، وقال عمر رضي الله
عنه : أشهد أن الله أنزلها هكذا ، فقال أبي رضي الله عنه : أشهد أن الله أنزلها هكذا ،
ولم يؤامر فيها الخطاب ولا ابنه ! ) . وقال في هامشه : في منتخب كنز العمال 2 : 55 عن عمرو
بن عامر الأنصاري أن عمر بن الخطاب قرأ : والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار الذين . . . ورد في
نفس المرجع 2 : 56 عن أبي سلمة ومحمد بن إبراهيم التيمي قالا . . . وروى رواية الحاكم المتقدمة ، ثم قال :
وانظر تفسير ابن كثير 4 : 228 ) انتهى .
وروى في كنز العمال ج 2 ص 597 ( عن عمرو بن عامر الأنصاري أن عمر بن
الخطاب قرأ : والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار الذين اتبعوهم بإحسان .
فرفع الأنصار ولم يلحق الواو في الذين ، فقال زيد : والذين اتبعوهم بإحسان . فقال عمر :
الذين اتبعوهم بإحسان . فقال زيد : أمير المؤمنين أعلم ! ! فقال عمر : ائتوني بأبي بن
كعب ، فسأله عن ذلك ؟ فقال أبي : والذين اتبعوهم بإحسان ، فجعل كل واحد
منهما يشير إلى أنف صاحبه بإصبعه ، فقال أبي : والله أقرأنيها رسول الله صلى الله
عليه وسلم وأنت تتبع الخبط ، فقال عمر : نعم إذن ، فنعم إذن فنعم إذن ، نتابع أبيا -
أبو عبيد في فضائله ، وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه . وقال في هامشه : الخبط
بفتح الخاء والباء - الورق ينفض بالمخابط ويجفف ويطحن ) انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 156 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال السيوطي في الدر المنثور ج 3 ص 269 ( قوله تعالى : والسابقون الأولون . . .
الآية . أخرج أبو عبيد وسنيد وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن حبيب الشهيد عن
عمرو بن عامر الأنصاري أن عمر بن الخطاب قرأ : والسابقون الأولون من المهاجرين
والأنصار الذين اتبعوهم بإحسان . فرفع الأنصار ولم يلحق الواو في الذين ! فقال له
زيد بن ثابت : والذين . فقال عمر الذين ؟ فقال زيد أمير المؤمنين أعلم ! فقال عمر
رضي الله عنه : إئتوني بأبي بن كعب ، فأتاه فسأله عن ذلك فقال أبي : والذين .
فقال عمر رضي الله عنه : فنعم إذن نتابع أبيا . ( وقد حذفت منه المشادة بينهما كما
رأيت ! وكذا رواه في كنز العمال ج 2 ص 594 ) .
ثم قال السيوطي : وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن محمد بن كعب القرظي قال مر
عمر رضي الله عنه برجل يقرأ : السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ، فأخذ
عمر بيده فقال : من أقرأك هذا ؟ قال أبي بن كعب . قال : لا تفارقني حتى أذهب بك
إليه ، فلما جاءه قال عمر : أنت أقرأت هذا هذه الآية هكذا ؟ قال نعم . قال وسمعتها
من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال نعم . قال : لقد كنت أرى أنا رفعنا رفعة
لا يبلغها أحد بعدنا ! ! فقال أبي : تصديق ذلك في أول سورة الجمعة وآخرين منهم لما
يلحقوا بهم . وفي سورة الحشر والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين
سبقونا بالإيمان وفي الأنفال والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم .
وأخرج أبو الشيخ عن أبا أسامة ومحمد بن إبراهيم التيمي قالا : مر عمر بن الخطاب برجل وهو يقرأ
والسابقون الأولون . . . وأورد رواية الحاكم ) انتهى .
* *
نفهم من هذه الروايات الصحيحة بمقاييس إخواننا ، أن الخليفة يرى أن قريشا فوق
الجميع ، ولا يجوز أن يساوى بها أحد ( لقد كنت أرى أنا رفعنا رفعة لا يبلغها أحد
بعدنا ) وكان يرى أن وجود الواو في الآية يجعل الأنصار على قدم المساواة مع
المهاجرين ، فالحل أن تقرأ الآية المئة من سورة التوبة ( والسابقون الأولون من المهاجرين
والأنصار الذين اتبعوهم بإحسان . . ) فترفع كلمة الأنصار وتحذف الواو بعدها وتكون
جملة ( الذين اتبعوهم ) صفة للأنصار ، ليكون المعنى : أن الله رضي عن المهاجرين
وعن أتباعهم من الأنصار ! !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 157 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد أثار هذا التحريف حفيظة الأنصار ولا شك ، لأنه الله تعالى جعلهم على
قدم المساواة مع المهاجرين وإن ذكر اسمهم بعدهم . . ويريد الخليفة عمر أن يجعلهم
تابعين لهم ! !
أما زيد بن ثابت ( الأنصاري ) فقد سلم للخليفة ( فقال له زيد بن ثابت : والذين .
فقال عمر : الذين ؟ فقال زيد : أمير المؤمنين أعلم ! ) ولو وقف زيد في وجه الخليفة
ولم يخف من سطوته ، لربح المعركة لأن كل الأنصار سيقفون إلى جانبه ، وسيؤيدهم
أهل البيت عليهم السلام ، وعدد من المسلمين الذين لا يسمحون للخليفة أن يحرف آية
من كتاب الله تعالى ! ! ولكن زيدا صغير السن ضعيف الشخصية ، وقد وبخه أبي بن
كعب يوما بأنه نشأ مع صبيان اليهود وكان يلعب معهم ، وقد يكون منزله في محلتهم ،
فقد تعلم العبرية منهم ! بل قد يكون أبوه يهوديا وأمه أنصارية ، فقد قال ابن شبة في
تاريخ المدينة ج 3 ص 1008 ( حدثنا الحماني قال ، حدثنا شريك ، عن ابن إسحاق ،
عن أبي الأسود - أو غيره - قال : قيل لعبد الله ألا تقرأ على قراءة زيد ؟ قال : مالي
ولزيد ولقراءة زيد ، لقد أخذت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين سورة ،
وإن زيد بن ثابت ليهودي له ذؤابتان ) ! ! وسيأتي بحث نسبه في فصل جمع القرآن إن
شاء الله تعالى .
أما أبي بن كعب فمع أنه يخاف سطوة الخليفة عمر ويداريه كثيرا . . لكنه أكبر سنا
من عمر ويرى أنه من صحابة النبي المقربين ، وحافظ القرآن ، ولذا سجلت له الروايات
مواقف في مقابل الخليفة ومنها هذا الموقف في هذه المسألة التي تمس كيان الأنصار !
وقد يحاول البعض الدفاع عن الخليفة بأن المسألة منه مجرد اشتباه ، وقد رجع عنه
عندما شهد له ابن كعب !
ولكن منطق التغيير الذي أراده الخليفة في الآية ، ومنطق وجود المهاجرين في مدينة
الأنصار ، ومواقف الخليفة من الأنصار في حياة النبي صلى الله عليه وآله ، وفي السقيفة
وبعدها ، وتأكيده وشهادته أن الآية نزلت بدون واو . . كلها تدل على أن المسألة كانت جدية وحامية ،
وأن أبيا كان يتكلم وهو مسنود بإجماع الأنصار واستعدادهم للدفاع عن هذا الامتياز
الذي منحهم إياه الله تعالى حتى لو احتاج الأمر إلى السلاح ، كما تذكر بعض المصادر !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 158 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والذي يهمنا هنا ليس سياسة الخليفة عمر مع الأنصار ، وإنما شهادته بأن الآية نزلت
بدون واو ، وأن الله مدح الأنصار فيها بأنهم تابعون للمهاجرين ! ! قال عمر ( أشهد
أن الله أنزلها هكذا - ابن شبة - ج 2 ص 707 ) فإذا كان قوله هذا اجتهادا من
عنده ، لأن مكانة قريش برأيه عند الله أعلى من مكانة الأنصار . . فوا مصيبتاه من هذه
الجرأة على تحريف آية من كتاب الله ! ! وإن كان صادقا ، فلماذا تراجع بمجرد شهادة
أبي بن كعب وتأكيده ؟ ! فقول أبي شهادة في مقابل شهادة ، والشهادتان المتعارضتان
تتكافآن وتتساقطان ، ويجب الرجوع إلى شهادات الصحابة . . فلماذا لم يسأل عمر
عددا من المهاجرين والأنصار عن الآية التي نزلت بالأمس قبل وفاة النبي صلى الله عليه
وآله بشهور ! وكيف خضع لشهادة أبي بن كعب ؟ ثم كيف أمر بكتابتها في القرآن
كما قال ابن كعب ولم يطلب حتى شاهدا آخر معه عليها ؟ !
مهما يكن من أمر ، فلولا موقف أبي بن كعب لقام الخليفة بتغيير آية في كتاب
الله تعالى ، بضربة فنية وحذف واو واحدة ! ولكن الله تعالى حفظ كتابه ، وهو القائل :
إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون !

2 - محاولة تحريف آية نزلت في علي

آية : ومن عنده علم الكتاب
في القرآن الكريم عدة تعبيرات عن العلم بالكتاب الإلهي . . منها تعبير : إيتاء الكتاب ،
ويستعمل بمعنى الإيتاء العام للأمم ، حتى لأولئك الذين انحرفوا عن الكتاب الإلهي
وضيعوه ولم يعرفوا منه إلا أماني . . قال الله تعالى : إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف
الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع
الحساب - آل عمران 19
ويستعمل بمعنى الإيتاء الخاص للأنبياء وأوصيائهم ، قال تعالى : أولئك الذين آتينا هم
الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين . أولئك الذين
هدى الله فبهداهم اقتده ، قل لا أسألكم عليه أجرا إن هو إلا ذكرى للعالمين - الأنعام 90
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 159 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ومنها تعبير : توريث الكتاب ، ويستعمل أيضا بمعنى عام وخاص ، وقد اجتمعا في قوله
تعالى : ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق
بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير - فاطر 32
ومنها تعبير : الراسخون في العلم ، قال تعالى : هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات
محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء
الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا
وما يذكر إلا أولوا الألباب - آل عمران 7
ومنها تعبير : الذي عنده علم من الكتاب ، قال تعالى : قال يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها
قبل أن يأتوني مسلمين . قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه
لقوي أمين . قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك فلما رآه
مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن
كفر فإن ربي غني كريم - النمل 38 - 40
ومنها تعبير : الذي عنده علم الكتاب ، قال تعالى : ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا
وذرية وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله لكل أجل كتاب . يمحو الله ما يشاء ويثبت
وعنده أم الكتاب . وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب . أو لم
يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها والله يحكم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب . وقد مكر
الذين من قبلهم فلله المكر جميعا يعلم ما تكسب كل نفس وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار . ويقول
الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب - الرعد - 43
وقد وردت الروايات الصحيحة عندنا أن الراسخين في العلم ، والذين عندهم علم
الكتاب ، هم بعد النبي أهل بيته صلى الله عليه وآله .
ويدل عليه قول النبي صلى الله عليه وآله : إني أوشك إن أدعى فأجيب وإني تارك فيكم
الثقلين كتاب الله عز وجل وعترتي كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي
وإن اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض فانظروني بم تخلفوني فيهما ،
الذي رواه أحمد في مسنده ج 3 ص 17 وغيره ، وغيره . . بأسانيد صحيحة عند
إخواننا ، فإنه لا معنى لإخبار الله تعالى لرسوله أنهما لن يفترقا إلى يوم القيامة ، إلا أنه
سيكون منهم إمام في كل عصر ، وأن علم الكتاب عنده ، فيكون أفضل من وزير
سليمان ووصيه آصف بن برخيا الذي عنده علم من الكتاب .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 160 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وبما أن نص الآية الموجود في القرآن ومن عنده علم الكتاب فتكون من موصولة بمعنى
الذي . . لكن يطالعك في مصادر إخواننا أن الخليفة عمر حاول إبعاد الآية عن علي
عليه السلام فقرأها ( ومن عنده ) فكسر من وكسر عنده ! وأراد بهاتين الكسرتين أن يغير
معنى الآية من أساسه ليصير : قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عند الله علم
الكتاب . وهذه القراءة لا معنى لها لأنها تقطع الربط بين الفقرتين ، وتجعل من عنده
ابتداء بجملة جديدة بعيدة عن الموضوع ، مع أن الآية آخر آية في سورة الرعد !
والعجيب أن عمر نسب ذلك إلى النبي صلى الله عليه وآله ! !
قال السيوطي في الدر المنثور ج 4 ص 69 ( وأخرج تمام في فوائده وابن مردويه عن
عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ومن عنده علم الكتاب ، قال :
من عند الله علم الكتاب ) .
وفي كنز العمال ج 2 ص 593 ( عن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ : ومن
عنده علم الكتاب - قط في الافراد وتمام وابن مردويه ) .
وفي ج 12 ص 589 ( عن ابن عمر قال : قال عمر وذكر إسلامه فذكر أنه حيث أتى
الدار ليسلم سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ : ومن عنده علم الكتاب - ابن مردويه ) .
وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ج 7 ص 155 ( وعن ابن عمر قال قرأ رسول الله
صلى الله عليه وسلم ومن عنده علم الكتاب - رواه أبو يعلى وفيه سليمان بن أرقم
وهو متروك ) انتهى .
والحمد لله أن إخواننا السنة لم يطيعوا هذه الروايات ، فالموجود في مصحف الجميع
( ومن عنده علم الكتاب ) !
وبعد فشل محاولة قراءة ( ومن عنده ) بكسر ( من ) يبقى السؤال عن هذا الذي
جعله الله شاهدا في الأمة على نبوة النبي صلى الله عليه وآله ؟
أما أهل البيت وشيعتهم فقد رووا أن هذا الشاهد علي عليه السلام . . قال الحويزي
في تفسير نور الثقلين ج 2 ص 523 ( في أمالي الصدوق رحمه الله بإسناده إلى أبي
سعيد الخدري قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وآله عن قول الله جل ثناؤه قل
كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب ؟ قال : ذاك أخي علي بن أبي طالب ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 161 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال العياشي في تفسيره ج 2 ص 220 ( عن الفضيل بن يسار عن أبي جعفر عليه
السلام في قوله ومن عنده علم الكتاب ، قال : نزلت في علي عليه السلام ، إنه عالم هذه
الأمة بعد النبي صلوات الله عليه وآله .
عن بريد بن معاوية العجلي قال : قلت لأبي جعفر عليه السلام قل كفى بالله شهيدا
بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب قال : إيانا عنى ، وعلي أفضلنا وأولنا وخيرنا بعد النبي
صلى الله عليه وآله .
عن عبد الله بن عطاء قال : قلت لأبي جعفر عليه السلام : هذا ابن عبد الله بن
سلام يزعم أن أباه الذي يقول الله قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب
قال : كذب . . هو علي بن أبي طالب !
عن عبد الله بن عجلان عن أبي جعفر عليه السلام قال : سألته عن قوله قل كفى
بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب ، فقال : نزلت في علي بعد رسول الله
صلى الله عليه وآله وفي الأئمة بعده ، وعلي عنده علم الكتاب ) انتهى .
وقال علي بن إبراهيم القمي في تفسيره ج 1 ص 367 ( . . فإنه حدثني أبي عن ابن
أبي عمير عن ابن أذينة عن أبي عبد الله عليه السلام قال : الذي عنده علم الكتاب هو
أمير المؤمنين عليه السلام . وسئل عن الذي عنده علم من الكتاب أعلم أم الذي عنده علم
الكتاب ؟ فقال : ما كان علم الذي عنده علم من الكتاب عند الذي عنده علم الكتاب
إلا بقدر ما تأخذ البعوضة بجناحها من ماء البحر . . فقال أمير المؤمنين عليه السلام : ألا
إن العلم الذي هبط به آدم من السماء إلى الأرض وجميع ما فضلت به النبيون إلى خاتم
النبيين في عترة خاتم النبيين صلى الله عليه وآله ) انتهى ، ولا نطيل بإيراد الروايات
الدالة على ذلك من مصادرنا .
أما مفسروا إخواننا السنة فمنهم من تحير في تفسيرها ، ومنهم من فسرها برجل
يهودي أسلم ! وكأن المهم عندهم إبعاد الآية عن علي ولو بتلبيسها ليهودي ، ولو لزم
منها أن لا يكون في الأمة الإسلامية شخص عنده علم القرآن ! !
قال السيوطي في الدر المنثور ج 4 ص 69 ( قوله تعالى ويقول الذين كفروا . . . الآية .
أخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قدم على رسول الله صلى الله
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 162 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عليه وسلم أسقف من اليمن فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : هل تجدني في
الإنجيل رسولا ؟ قال لا ، فأنزل الله قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب
يقول عبد الله بن سلام ! ) انتهى .
وحادثة أسقف اليمن كانت في المدينة ، لكن واضع الحديث لم يلتفت إلى أن
الآية نزلت في مكة قبل الهجرة !
ثم قال السيوطي ( وأخرج ابن جرير وابن مردويه من طريق عبد الملك بن عمير أن
محمد بن يوسف بن عبد الله بن سلام قال قال عبد الله بن سلام : قد أنزل الله في
القرآن : قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب !
وأخرج ابن مردويه من طريق عبد الملك بن عمير عن جندب رضي الله عنه قال
جاء عبد الله بن سلام رضي الله عنه حتى أخذ بعضادتي باب المسجد ثم قال أنشدكم
بالله أتعلمون أني أنا الذي أنزلت فيه ومن عنده علم الكتاب ؟ قالوا اللهم نعم !
وأخرج ابن مردويه من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عبد الله بن
سلام رضي الله عنه أنه لقي الذين أرادوا قتل عثمان رضي الله عنه فناشدهم بالله فيمن
تعلمون نزل قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عند علم الكتاب ؟ قالوا فيك .
وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه أنه
كان يقرأ ومن عنده علم الكتاب ، قال هو عبد الله بن سلام ) انتهى .
ثم روى السيوطي روايتين تكذبان أن يكون المقصود بالآية ابن سلام ، قال
( وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه
عن سعيد بن جبير رضي الله عنه أنه سئل عن قوله ومن عنده علم الكتاب أهو عبد الله
بن سلام رضي الله عنه ؟ قال وكيف وهذه السورة مكية ؟ ! )
وأخرج ابن المنذر عن الشعبي رضي الله عنه قال : ما نزل في عبد الله ابن سلام
رضي الله عنه شئ من القرآن ) !
ثم روى تفسيرا آخر وسع فيه من عنده علم الكتاب ليشمل عدة أشخاص مع ابن
سلام ، قال ( وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 163 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الله عنه في الآية قال كان من أهل الكتاب قوم يشهدون بالحق ويعرفونه منهم عبد الله
بن سلام والجارود وتميم الداري وسلمان الفارسي ) .
ثم روى تفسيرا آخر جعل الشهداء على الأمة الإسلامية كل أهل الكتاب ! قال
( وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما ومن عنده علم
الكتاب قال هم أهل الكتاب من اليهود والنصارى ! ) .
وتفسيرا آخر جعله جبرئيل ، قال ( وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي
الله عنه في قوله ومن عنده علم الكتاب قال : جبريل ) .
وتفسيرا آخر جعله الله عز وجل ، قال ( وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي
حاتم عن مجاهد رضي الله عنه ومن عنده علم الكتاب قال : هو الله عز وجل ) .
أما الطبري فخلاصة ما قاله في تفسيره ج 7 ص 118 أن في الآية قراءتين ، قراءة
بالفتح فتكون من اسما موصولا ، وعليه فسروها بابن سلام واليهود والنصارى ، وروى
في ذلك روايات ، ومن طريف ما رواه فيما بينها ( . . . عن أبي صالح في قوله ومن عنده
علم الكتاب قال رجل من الإنس ولم يسمه ) وكأن أبا صالح خاف أن يقول إنه علي
عليه السلام !
ثم ذكر الطبري أن في الآية قراءة بالكسر وأنه كان يقرؤها المتقدمون ، وكأنها
عاشت مدة بعد عمر ثم تلاشت ! ثم روى روايات هذه القراءة عن مجاهد والحسن
البصري وشعبة وقتادة وهارون والضحاك بن مزاحم . . وكلهم يبغضون عليا . . ! ثم
قال ( وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر بتصحيح هذه القراءة وهذا
التأويل غير أن في إسناده نظرا ، وذلك ما حدثنا القاسم قال ثنا الحسين قال ثنى عباد
بن العوام عن هارون الأعور عن الزهري عن سالم بن عبد الله عن أبيه عن النبي صلى الله
عليه وسلم أنه قرأ ومن عنده علم الكتاب ، عند الله علم الكتاب ، وهذا خبر ليس له
أصل عند الثقات من أصحاب الزهري . فإذا كان ذلك كذلك وكانت قراء الأمصار
من أهل الحجاز والشام والعراق على القراءة الأخرى وهي ومن عنده علم الكتاب كان
التأويل الذي على المعنى الذي عليه قراء الأمصار أولى بالصواب ممن خالفه ، إذ كانت
القراءة بما هم عليه مجمعون أحق بالصواب ) انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 164 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يقصد الطبري أن قراءة الفتح على الموصولية أصح من قراءة الجر . وقراءة قراء
الأمصار أصح من قراءة الخليفة عمر ومن تبعه من كبار القراء والمفسرين القدماء . .
والخبر الذي نفاه الطبري وقال لا أصل له عند الثقات من أصحاب الزهري هو الخبر
المروي عن الخليفة عمر ، ولكن رواية القراءة بالكسر عن عمر ليست محصورة بطريق
الزهري ، مع أنه يكفي أن أول من اخترع الكسر في الآية هو رواية الخليفة عمر !
أما الفخر الرازي فقد عجز عن تفسير الآية أو هرب من معركتها ! فاكتفى في
تفسيره ج 19 ص 69 بذكر الأقوال في تفسيرها بناء على قراءة الفتح وبناء على قراءة
الكسر ، ولم يستطع ترجيح أي قول منها ، فقال ( والله تعالى أعلم بالصواب ) .
وهكذا فرض مفسروا إخواننا السنة أن المقصود بالكتاب في الآية التوراة والإنجيل ،
ودارت أقوالهم بين أن يكون الذي عنده علم الكتاب عبد الله بن سلام أو غيره من
أمثاله ! وتركز جهدهم على إبعاد ( الكتاب ) عن القرآن !
وإن سألتهم : حسنا هذا عن علم التوراة والإنجيل ، فأين الذي عنده علم القرآن ؟
لقالوا : لا يوجد بعد النبي عند أحد ! أو يوجد عند الأمة كلها ! أو يوجد عند فلان
وفلان الصحابي الذي يتحير في قراءة آية ، وفي معنى مفرداتها !
وهكذا استطاعت السياسة المعادية لأهل بيت النبي صلى الله عليه وآله أن تشوش
معنى الآية في مصادر التفسير ، وتحول البحث فيها من معرفة المقصود بقوله تعالى ومن
عنده علم الكتاب إلى البحث في ( من ) وهل هي موصولة أو جارة ، فإن كانت جارة
كما يرى الخليفة عمر فالمقصود الله تعالى ويكون معنى الآية قل كفى بالله شهيدا بيني
وبينكم ، وبالله ! ! وإن كانت موصولة كما اختاره الطبري فالمقصود بها عبد الله بن
سلام ، فهو الشاهد الذي ارتضاه الله تعالى شاهدا على الأمة الإسلامية والعالم ! ! ولك
الله يا علي بن أبي طالب !
وعندما نرجع إلى حياة عبد الله بن سلام الذي ادعوا أنه الشاهد الرباني على الأمة ،
نجد أن تعصبه اليهودي لا يجعله أهلا لهذه المسؤولية الضخمة ، فقد روى الذهبي عنه أنه
استجاز النبي صلى الله عليه وآله في أن يقرأ القرآن ليلة والتوراة ليلة . . فأجازه النبي
صلى الله عليه وآله ! !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 165 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال في تذكرة الحفاظ ج 1 ص 27 ( . . عن يوسف بن عبد الله بن سلام عن أبيه
أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال إني قرأت القرآن والتوراة ، فقال : إقرأ هذا
ليلة وهذا ليلة ! فهذا إن صح ففيه الرخصة في تكرير التوراة وتدبرها ! ! اتفقوا على
موت ابن سلام في سنة ثلاث وأربعين بالمدينة رضي الله عنه ) انتهى .
وإذا جاز ذلك عند الذهبي فينبغي عملا بفتواه أن توزع نسخ التوراة على المسلمين
أو يطبعوها مع القرآن ! !
ومنها ما رواه الهيثمي من أن عبد الله بن سلام وأولاده كانوا من مرتزقة بني أمية ،
قال في مجمع الزوائد ج 9 ص 92 ( وعن عبد الملك بن عمير أن محمد بن يوسف بن
عبد الله بن سلام استأذن على الحجاج بن يوسف فأذن له فدخل وسلم وأمر رجلين مما
يلي السرير أن يوسعا له فأوسعا له فجلس ، فقال له الحجاج : لله أبوك أتعلم حديثا
حدثه أبوك عبد الملك بن مروان عن جدك عبد الله بن سلام ؟ قال فأي حديث رحمك
الله ؟ قال حديث المصريين حين حصروا عثمان . قال قد علمت ذلك الحديث ، أقبل
عبد الله بن سلام وعثمان محصور فانطلق فدخل عليه فوسعوا له حتى دخل فقال السلام
عليك يا أمير المؤمنين ، فقال وعليك السلام ما جاء بك يا عبد الله بن سلام ؟ قال
جئت لأثبت حتى استشهد أو يفتح الله لك . . . في حديث طويل قال في آخره : رواه
الطبراني ورجاله ثقات ) انتهى .
ونعرف من النص التالي أنه كان يوجد اتجاه لتكبير ابن سلام حتى جعلوه بدريا !
قال في هامش تهذيب الكمال ج 15 ص 75 ( وقال ابن حجر : ذكره أبو عروبة في
البدريين وانفرد بذلك ، وأما ابن سعد فذكره في الطبقة الثالثة ممن شهد الخندق وما
بعدها ، والله أعلم - تهذيب التهذيب : 5 - 249 ) .
* *
وينبغي أن نشير هنا إلى أن مصادر الشيعة تروي أن عدة آيات نزلت في علي عليه
السلام ، وأن إخواننا السنة يروون في بعضها نفس روايات الشيعة ، ولكنهم يخلطونها
بروايات وتفاسير أخرى تشوش الموضوع وتبعد الآية عن علي عليه السلام . . . ونذكر
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 166 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فيما يلي منها آية ويتلوه شاهد منه ، لأنها تكشف عن الشاهد في قوله تعالى ( ومن عنده
علم الكتاب ) .
قال الله تعالى فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه
كنز أو جاء معه ملك إنما أنت نذير والله على كل شئ وكيل . أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر
سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين . فإن لم يستجيبوا لكم
فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون . من كان يريد الحياة الدنيا
وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون . أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار
وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون . أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن
قبله كتاب موسى إماما ورحمة أولئك يؤمنون به ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده فلا تك
في مرية منه إنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون . سورة هود - 12 - 17
وقد أوردنا الآية مع سياقها ليتضح أن من معجزات القرآن ذكر الأحزاب المكذبة
للنبي قبل ظهورها ، وذكر الشاهد على الأمة بعد نبيها . . فإن سورة هود نزلت بعد
عشر سور من القرآن فقط كما ذكر المفسرون .
وهذه الآيات تسلي النبي صلى الله عليه وآله أمام استهزاء المشركين وسخريتهم
وأقوالهم بأن محمدا يدعي النبوة وليس له مال وليس معه ملك يصدقه ويشهد له . .
فيقول الله تعالى لنبيه : ألا يكفيهم هذا القرآن الذي أنزل عليك ؟ ! فادعوهم أن يأتوا
بعشر سور مثله ، فإن لم يستطيعوا ذلك مع أن تأليف الكلام من أسهل الأمور عليهم
وفيهم المتمكنون من أنواعه وفنونه ! فادعوهم إلى الإيمان بالله الذي أنزله ، فإن لم
يستجيبوا فاعلموا أنهم مكابرون يريدون الحياة الدنيا ثم مأواهم النار . .
ثم أجرى الله تعالى مقايسة بين النبي الفقير وأتباعه القلائل وبين الأحزاب المكذبة
الصادة عن سبيل الله ، فقال أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه . . إلى آخر الآية .
فالذي على بينة من ربه هو النبي صلى الله عليه وآله والذين آمنوا معه ، أولئك يؤمنون . .
ولكن من هو هذا الشاهد الذي وعد الله تعالى بأنه يتلو نبيه ؟ !
إذا رجعت إلى مصادر الحديث والتفسير عند شيعة أهل البيت عليهم السلام ، تجد
أنها مجمعة على أن الشاهد الذي يتلو النبي هو علي عليه السلام .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 167 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال الحويزي في تفسير نور الثقلين ج 2 ص 344 ( في أصول الكافي . . . عن أحمد
بن عمر الحلال قال : سألت أبا الحسن عليه السلام عن قول الله عز وجل : أفمن كان
على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ؟ فقال : أمير المؤمنين الشاهد على رسول الله ، ورسول الله
صلى الله عليه وآله على بينة من ربه .
- في بصائر الدرجات . . . عن أبي الجارود عن الأصبغ بن نباتة قال قال أمير
المؤمنين : والله ما نزلت آية في كتاب الله في ليل أو نهار إلا وقد علمت فيمن أنزلت ولا
مر على رأسه المواسي إلا وقد أنزلت عليه آية من كتاب الله تسوقه إلى الجنة أو إلى
النار ، فقام إليه رجل فقال : يا أمير المؤمنين ما الآية التي نزلت فيك ؟ قال له : أما
سمعت الله يقول أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ، فرسول الله صلى الله عليه
وآله على بينة من ربه وأنا الشاهد له فيه وأتلوه منه . ( وفي نسخة وأنا الشاهد التالي
وهي أصح ) .
- في أمالي شيخ الطائفة قدس سره بإسناده إلى أمير المؤمنين عليه السلام أنه إذا كان
يوم الجمعة يخطب على المنبر فقال : والذي فلق الحبة وبرئ النسمة ما من رجل من
قريش جرت عليه المواثيق إلا وقد نزلت فيه آية من كتاب الله عز وجل أعرفها كما
أعرفه ، فقام إليه رجل فقال : يا أمير المؤمنين ما آيتك التي نزلت فيك ؟ فقال : إذا
سألت فافهم ، ولا عليك ألا تسأل عنها غيري ، أقرأت سورة هود ؟ قال نعم يا أمير
المؤمنين ، قال أفسمعت الله عز وجل يقول أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ؟
قال نعم ، قال : فالذي على بينة من ربه محمد صلى الله عليه وآله والذي يتلوه
شاهد منه وهو الشاهد وهو منه أنا علي بن أبي طالب أنا الشاهد ، وأنا منه صلى الله
عليه وآله .
- وقال سليم بن قيس : سأل رجل ، علي بن أبي طالب عليه السلام فقال وأنا
أسمع : أخبرني بأفضل منقبة لك ؟ قال : ما أنزل الله في كتابه ، قال : وما أنزل الله
فيك ؟ قال : أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ، أنا الشاهد من رسول الله صلى الله
عليه وآله . . والحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 168 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- في تفسير العياشي عن بريد بن معاوية العجلي عن أبي جعفر عليه السلام قال
: الذي على بينة من ربه رسول الله صلى الله عليه وآله ، والذي تلاه من بعده الشاهد منه أمير
المؤمنين عليه السلام ، ثم أوصياؤه واحد بعد واحد .
- عن جابر عن عبد الله بن يحيى قال : سمعت عليا عليه السلام وهو يقول : ما
من رجل من قريش إلا وقد أنزل فيه آية أو آيتان من كتاب الله ، فقال له رجل من القوم :
فما نزل فيك يا أمير المؤمنين ؟ فقال أما تقرء الآية التي في هود أفمن كان على بينة من ربه
ويتلوه شاهد منه . محمد صلى الله عليه وآله على بينة من ربه وأنا الشاهد ) انتهى
.
* *
أما مصادر إخواننا السنة ففيها روايات مطابقة لرواياتنا ، لكن معها أضعافها من
الأقوال والاحتمالات المتناقضة والغريبة التي تصرف الألفاظ عن ظواهرها ، وكأن
الغرض تشويش الذهن بتكثير الاحتمالات !
قال السيوطي في الدر المنثور ج 3 ص 324 ( أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه
وأبو نعيم في المعرفة عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال ما من رجل من قريش
إلا نزل فيه طائفة من القرآن فقال له رجل ما نزل فيك ؟ قال أما تقرأ سورة هود أفمن
كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه رسول الله صلى الله عليه وسلم على بينة من ربه
وأنا شاهد منه ) .
وأخرج ابن مردويه وابن عساكر عن علي رضي الله عنه في الآية قال : رسول الله
صلى عليه وسلم على بينة من ربه ، وأنا شاهد منه .
وأخرج ابن مردويه من وجه آخر عن علي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم : أفمن كان على بينة من ربه : أنا ويتلوه شاهد منه : قال علي ) انتهى .
ثم قال السيوطي ( وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني في
الأوسط وأبو الشيخ عن محمد بن علي بن أبي طالب قال قلت لأبي إن الناس يزعمون
في قول الله ويتلوه شاهد منه أنك أنت التالي قال وددت أني أنا هو ، ولكنه لسان
محمد صلى الله عليه وسلم ! وأخرج أبو الشيخ عن محمد بن علي بن الحنفية أفمن كان
على بينة من ربه قال محمد صلى الله عليه وسلم ويتلوه شاهد منه قال : لسانه ) انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 169 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولا يمكن قبول هذه الرواية لأن راويها عن محمد بن الحنفية عروة بن الزبير وهو
معروف ببغضه لعلي عليه السلام ، ولأنها تفسير غير منطقي حيث يصير المعنى بموجبها
أن النبي على بينة من ربه ويأتي بعده لسانه وبيانه ! ! فهل يصح في اللغة العربية أن
تقول : إن الشخص الفلاني على بصيرة من أمره ويليه لسانه ! فلو أنك قلت يتقدمه
لسانه لكان له وجه ولو معلول !
ثم قال السيوطي ( وأخرج أبو الشيخ من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد رضي الله
عنه أفمن كان على بينة من ربه قال هو محمد صلى الله عليه وسلم ويتلوه شاهد منه
قال : أما الحسن رضي الله عنه ( البصري ) فكان يقول : اللسان . وذكر عكرمة عن
ابن عباس رضي الله عنهما أنه جبريل عليه السلام ، ووافقه سعيد بن جبير رضي الله
عنه قال هو جبريل . وأخرج أبو الشيخ عن عطاء رضي الله عنه ويتلوه شاهد منه قال :
هو اللسان ويقال أيضا جبريل . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو
الشيخ وابن مردويه من طرق عن ابن عباس رضي الله عنهما أفمن كان على بينة من
ربه قال : محمد ، ويتلوه شاهد منه قال جبريل ، فهو شاهد من الله بالذي يتلو من
كتاب الله الذي أنزل على محمد ) انتهى .
وجبرئيل عليه السلام شاهد على الأمة ولكنه مع النبي وليس يتلوه بعده ؟ ! وقد
حاول بعضهم أن يصحح ذلك ففسر يتلوه بالقراءة وأرجع ضميره على البينة لا على
النبي . . وقال كان اللازم أن يقول يتلوها ولكن تذكير الضمير باعتبار أن البينة تشتمل
على القرآن . . . ولكنه تمحل ، لأنه أولا ، لا يصح تفسير ( يتلوه ) هنا بالقراءة لمقابلتها
ب‍ ( ومن بعده ) ؟ ! قال الراغب في المفردات ص 75 ( ويتلوه شاهد منه : أي يقتدي
به ويعمل بموجب قوله ) .
وثانيا ، لأن البينة من ربه أعم من القرآن ، ولم نعهد في القرآن موردا أرجع فيه
الضمير المذكر على لفظ مؤنث بحجة اشتماله على مذكر !
وثالثا ، لو سلمنا ، فكيف يصح وصف جبرئيل بأنه منه ؟ فهل جبرئيل من النبي أو
من المتلو ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 170 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ورابعا ، لأن المعنى يكون على هذا التفسير : النبي ومن معه على بينة من ربه ،
ويتلو القرآن شاهد من ربه هو جبرئيل . ولو قبلنا هذا اللعب بالضمائر ، فما هو الربط
بين المعنيين ؟ !
ثم قال السيوطي ( وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن
مجاهد أفمن كان على بينة من ربه قال هو محمد صلى الله عليه وسلم ، ويتلوه شاهد
منه قال ملك يحفظه ) انتهى .
ولكن هذا الملك الذي يحفظ النبي صلى الله عليه وآله إذا صح أنه يتلوه ويمشي
وراءه ، فلماذا قال عنه إنه شاهد على الأمة ، وكيف يصح وصفه بأنه من النبي صلى
الله عليه وآله ؟ !
ثم قال السيوطي ( وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن
عساكر عن الحسين بن علي في قوله ويتلوه شاهد منه قال محمد هو الشاهد من الله )
انتهى . فيكون المعنى أن النبي على بينة من ربه ، وهو يأتي بعد نفسه ! !
ثم قال السيوطي ( وأخرج أبو الشيخ عن الحسن في قوله أفمن كان على بينة من ربه
قال المؤمن على بينة من ربه ) انتهى . وهذا ذهاب بالآية إلى مكان بعيد ليكون معناها :
كل مؤمن على بينة من ربه حتى الجهلة والفساق ، وكل منهم لا بد أن يتلوه شاهد من
أهل بيته أو عشيرته ، فتكون الآية دليلا على أن من انقطع نسله أو انقرضت عشيرته
فهو كافر !
وقال الطبري في تفسيره ج 7 ص 10 ( واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك . . .
فقال بعضهم يعني بقوله أفمن كان على بينة من ربه محمدا صلى الله عليه وسلم . . . ثم
أورد الطبري تسع روايات في أن معنى شاهد منه : لسانه ! !
ثم قال ( وقال آخرون يعني بقوله ويتلوه شاهد منه محمد صلى الله عليه وسلم )
وأورد ثمان روايات !
ثم قال ( وقال آخرون هو علي بن أبي طالب وأورد رواية واحدة . ثم قال ( وقال
آخرون هو جبرئيل ) وأورد تسع عشرة رواية !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 171 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم قال ( وقال آخرون هو ملك يحفظه ) وأورد ست روايات !
ثم قال الطبري ( وأولى هذه الأقوال التي ذكرناها بالصواب في تأويل قوله ويتلوه
شاهد منه قول من قال هو جبرئيل لدلالة قوله ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة على
صحة ذلك ، وذلك أن نبي الله صلى الله عليه وسلم لم يتل قبل القرآن كتاب موسى
فيكون ذلك دليلا على صحة قول من قال عنى به لسان محمد صلى الله عليه وسلم أو
محمد نفسه ، أو على قول من قال عنى به عليا ، ولا يعلم أن أحدا كان تلا ذلك
قبل القرآن أو جاء به ممن ذكر أهل التأويل أنه عنى بقوله ويتلوه شاهد منه غير جبرئيل
عليه السلام .
فإن قال قائل : فإن كان ذلك دليلك على أن المعني به جبرئيل فقد يجب أن تكون
القراءة في قوله ومن قبله كتاب موسى بالنصب لأن معنى الكلام على ما تأولت يجب
أن يكون : ويتلو القرآن شاهد من الله ، ومن قبل القرآن كتاب موسى ؟
قيل : إن القراء في الأمصار قد أجمعت على قراءة ذلك بالرفع فلم يكن لأحد
خلافها ، ولو كانت القراءة جاءت في ذلك بالنصب كانت قراءة صحيحة ومعنى
صحيحا .
فإن قال : فما وجه رفعهم إذن الكتاب على ما ادعيت من التأويل ؟
قيل : وجه رفعهم هذا أنهم ابتدؤا الخبر عن مجئ كتاب موسى قبل كتابنا المنزل على
محمد فرفعوه بمن قبله والقراءة كذلك ، والمعنى الذي ذكرت من معنى تلاوة جبرئيل
ذلك قبل القرآن ، وأن المراد من معناه ذلك ، وإن كان الخبر مستأنفا على ما وصفت
اكتفاء بدلالة الكلام على معناه !
وأما قوله إماما فإنه نصب على القطع من كتاب موسى ، وقوله ورحمة عطف على
الإمام كأنه قيل ومن قبله كتاب موسى إماما لبني إسرائيل يأتمون به ورحمة من الله تلاه
على موسى ، كما حدثناه ابن وكيع قال ثنا أبي عن أبيه عن منصور عن إبراهيم في
قوله ومن قبله كتاب موسى قال من قبله جاء بالكتاب إلى موسى ، وفي الكلام محذوف قد
ترك ذكره اكتفاء بدلالة ما ذكر عليه منه وهو أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 172 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
منه ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة كمن هو في الضلالة متردد لا يهتدي لرشد ولا
يعرف حقا من باطل ولا يطلب بعمله إلا الحياة الدنيا وزينتها . وذلك نظير قوله أمن
هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة به قل هل يستوي الذين
يعلمون والذين لا يعلمون ) انتهى .
وهكذا فرض هذا المفسر ( المنصف ) أن معنى يتلوه : يقرؤه لا غير ، ثم حاكم
التفاسير الأخرى على أساسه حتى تلك التي تقول إن معنى ( يتلوه ) يأتي بعده ! وهذا
في اصطلاح المنطق مصادرة ، وبتعبير عصرنا : إرهاب فكري ، وإلغاء للآراء الأخرى ! !
أما الفخر الرازي فقال في تفسيره جزء 17 ص 200 - 202 ( واعلم أن أول هذه
الآية مشتمل على ألفاظ أربعة كل واحد مجمل . فالأول : أن هذا الذي وصفه الله تعالى
بأنه على بينة من ربه من هو . والثاني : أنه ما المراد بهذه البينة . والثالث : أن المراد
بقوله ( يتلوه ) القرآن أو كونه حاصلا عقيب غيره . والرابع : أن هذا الشاهد ما هو ؟
فهذه الألفاظ الأربعة مجملة ، فلهذا كثر اختلاف المفسرين في هذه الآية .
( أما الأول ) وهو أن هذا الذي وصفه الله تعالى بأنه على بينة من ربه من هو ؟
فقيل : المراد به النبي عليه الصلاة والسلام ، وقيل : المراد به من آمن من اليهود
كعبد الله بن سلام وغيره ، وهو الأظهر لقوله تعالى في آخر الآية أولئك يؤمنون به وهذا
صيغة جمع ، فلا يجوز رجوعه إلى محمد صلى الله عليه وسلم ، والمراد بالبينة هو البيان
والبرهان الذي عرف به صحة الدين الحق والضمير في ( يتلوه ) يرجع إلى معنى البينة ،
وهو البيان والبرهان والمراد بالشاهد هو القرآن ، ومنه أي من الله ، ومن قبله كتاب
موسى ، أي ويتلو ذلك البرهان من قبل مجئ القرآن كتاب موسى . واعلم أن كون
كتاب موسى تابعا للقرآن ليس في الوجود بل في دلالته على هذا المطلوب و ( إماما )
نصب على الحال ، فالحاصل أنه يقول اجتمع في تقرير صحة هذا الدين أمور ثلاثة :
أولها دلالة البينات العقلية على صحته . وثانيها شهادة القرآن بصحته . وثالثها شهادة
التوراة بصحته ، فعند اجتماع هذه الثلاثة لا يبقى في صحته شك ولا ارتياب ، فهذا
القول أحسن الأقاويل في هذه الآية وأقربها إلى مطابقة اللفظ . وفيها أقوال أخر .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 173 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والمراد بقوله ( يتلوه ) هو التلاوة بمعنى القراءة وعلى هذا التقدير فذكروا في تفسير
الشاهد وجوها : أحدها : أنه جبريل عليه السلام ، والمعنى : أن جبريل عليه السلام يقرأ
القرآن على محمد عليه السلام . وثانيها : أن ذلك الشاهد هو لسان محمد عليه السلام
وهو قول الحسن ، ورواية عن محمد بن الحنفية عن علي رضي الله عنهما قال : قلت
لأبي أنت التالي قال : وما معنى التالي قلت قوله ( ويتلوه شاهد منه ) قال وددت أني
هو ولكنه لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم . ولما كان الإنسان إنما يقرأ القرآن
ويتلوه بلسانه لا جرم جعل اللسان تاليا على سبيل المجاز كما يقال : عين باصرة وأذن
سامعة ولسان ناطق . وثالثها : أن المراد هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، والمعنى
أنه يتلو تلك البينة وقوله ( منه ) أي هذا الشاهد من محمد وبعض منه ، والمراد منه
تشريف هذا الشاهد بأنه بعض من محمد عليه السلام . ورابعها : أن لا يكون المراد بقوله
( ويتلوه ) القرآن بل حصول هذا الشاهد عقيب تلك البينة ، وعلى هذا الوجه قالوا إن
المراد : أن صورة النبي عليه السلام ووجهه ومخايله كل ذلك يشهد بصدقه ، لأن من
نظر إليه بعقله علم أنه ليس بمجنون ولا كاهن ، ولا ساحر ولا كذاب ، والمراد بكون
هذا الشاهد منه كون هذه الأحوال متعلقة بذات النبي صلى الله عليه وسلم .
واعلم أن هذين القولين وإن كانا محتملين إلا أن القول الأول أقوى وأتم ) انتهى .
وهكذا اختار هذا المفسر الكبير أن يكون معنى الآية : هل يمكن أن يكون خيار
اليهود كالكفار ، وهم الذين على بينة من أمرهم ويتلو هذه البينة عليهم توراة موسى ،
بعد شهادة القرآن ! ! فقد جعل كتاب موسى فاعل يتلوه ، وجعل الشاهد القرآن ! ثم
قال ( فهذا القول أحسن الأقاويل في هذه الآية وأقربها إلى مطابقة اللفظ ) ! !
فانظر إلى فن التفسير ومطابقته اللفظ للمعنى عند هذا المفسر الفيلسوف ! ! وكأنه
تبع في ذلك الثعالبي حيث قال في الجواهر الحسان ج 2 ص 120 ( والراجح عندي من
الأقوال في هذه الآية أن يكون ( فمن ) للمؤمنين أو لهم وللنبي صلى الله عليه وسلم
معهم ، والبينة القرآن وما تضمن ، والشاهد الإنجيل ، يريد أو إعجاز القرآن في قول ،
والضمير في ( يتلوه ) للبينة ، وفي ( منه ) للرب . . . الخ ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 174 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أما المراغي فقال في تفسيره ج 12 ص 18 ( بعد أن ذكر سبحانه مآل من كان
يريد الدنيا وزينتها ولا يهتم بالآخرة وأعمالها ، قفى على ذلك بذكر من كان يريد
الآخرة ويعمل لها ، وكان على بينة من ربه في كل ما يعمل ، ومعه شاهد يدل على
صدقه ، وهو القرآن ، ومآل من أنكر صحته وكفر به ) انتهى .
فقد جعل المراغي ، الذي هو على بينة من ربه : كل مؤمن ، وجعل يتلوه : معه !
وجعل شاهد منه : القرآن مع المؤمن ! وهكذا فعل المراغي والمراغيون ! ولا نطيل
الكلام فيما فعل بقية المفسرين !
إنهم يرون جوا مفروضا في كتب التفسير ، فيه روايات رووها عن مفسري العصر
الأموي والعباسي لم يسند شئ منها إلى النبي صلى الله عليه وآله إلا نادرا . . فيقعون في
أسرها ويعاملونها كالروايات عن النبي صلى الله عليه وآله ، حتى لو كانت مخالفة
لألف باء اللغة العربية ، وفهم العرف والأذهان السوية !
ومنهم من يمتلئ قلبه ببغض علي وآله فيطفح على لسانه وقلمه ، فيفعل المستحيل
لإبعاد الآيات عن علي عليه السلام ، أو يتكلف تفسيرات تجعل الآية القرآنية البليغة
عبارة عامية ركيكة ، فلا يبقي منها من عربيتها إلا حروفها ! !
أما إذا وجد رواية عن أحد الصحابة أو التابعين المعروفين بنصبهم العداء لأهل بيت
نبيهم صلى الله عليه وآله فهي بغيته المطلوبة ، والتمسك بها فريضة !
وكم مرة أراني أقرأ آيات من القرآن فأفهم منها أشياء تقربني خطوات من فهم
معناها . . ثم أرجع إلى أقاويل هؤلاء المفسرين فأراهم يتأرجحون ذات الشمال وذات
اليمين . . يشط واحدهم في احتمالاته ويشذ في تفسيراته ، ويمرغ المعاني السامية
والكلمات الصافية بتراب سليقته وأوحال طريقته ، حتى كأن هدفه التضييع لا التفسير ،
وأن يشوش فهمك العربي السليم ، ويضلل ذهنك الإنساني القويم ! !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 175 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل السادس : نظريات لا يمكن أن يقبلها المسلمون

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 176 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 177 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

تمهيد

القرآن كلام الله تعالى . . وهي حقيقة يقف عندها الذهن لاستيعابها ، ويتفكر فيها
العقل لإدراك أبعادها ، ويخشع لها القلب لجلالها . .
وهي تعني فيما تعني أنه عز وجل قد انتقى معاني القرآن وألفاظه ، وصاغها بعلمه
وقدرته وحكمته . .
وهي حقيقة تفاجئ كل منصف يقرأ القرآن ، فيجد نفسه أمام متكلم فوق البشر ،
وأفكار أعلى من أفكارهم ، وألفاظ لا يتمكن إنسان أن ينتقيها أو يصوغها ! !
يجد . . أن نص القرآن متميز عن كل ما قرأ وما سمع . . وكفى بذلك دليلا على
سلامته عن تحريف المحرفين وتشكيك المشككين .
إن القوة الذاتية لنص القرآن هي أقوى سند لنسبته إلى الله تعالى . . وأقوى ضمان
لإباء نسيجه عما سواه ، ونفيه ما ليس منه !
إن التكفل الإلهي بحفظ القرآن لا بد أن يكون بأسباب عديدة . . ولكن من أولها قوة
بناء القرآن ، وتفرده وتعاليه على جميع أنواع كلام البشر . . الماضي منه والآتي ! فقد
قال تعالى وإنا له لحافظون ولا يلزم أن يكون حفظه له بنوع أو نوعين من الأسباب
فقط . . فحفظه تعالى لكتابه كأفعاله الأخرى . . لها وسائلها وجنودها وقوانينها ! ولا
شك أن من أعظم جنودها بناء القرآن الفريد ، وأهل بيت النبي الأطهار !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 178 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بل تدل الآيات الشريفة على أن بناء القرآن قد أتقن بدقة متناهية وإعجاز كبناء
السماء ! قال الله تعالى فلا أقسم بمواقع النجوم . وإنه لقسم لو تعلمون عظيم . إنه لقرآن كريم
الواقعة 75 - 77 والتناسب بين المقسم به والمقسم عليه الذي تراه دائما حاضرا في القرآن ،
يدل على التشابه في حكمة البناء ودقته بين سور القرآن وآياته وكلماته وحروفه ،
ولبناء مجرات السماء ومواقع نجومها . . !
وإلى اليوم لم يكتشف العلماء من بناء الكون إلا القليل ، وكلما اكتشفوا جديدا
خضعت أعناقهم لبانيه عز وجل !
وكذلك لم يكتشفوا من بناء القرآن إلا القليل ، وكلما اكتشفوا منه جديدا خضعت
أعناقهم لبانيه عز وجل ! !
أجل ، إن التاريخ لم يعرف أمة اهتمت بحفظ كتاب وضبطه والتأليف حول سوره
وآياته وكلماته وحروفه ، فضلا عن معانيه ، كما اهتمت أمة الإسلام بالقرآن . . وهذا
سند ضخم ، رواته الحفاظ والقراء والعلماء وجماهير الأجيال سندا متصلا جيلا عن
جيل . . إلى جيل السماع من فم الذي أنزله الله على قلبه صلى الله عليه وآله . . ولكن
سند القرآن الأعظم هو قوته الذاتية ومعماريته الفريدة ! !
هذا اعتقاد المسلمين بالقرآن سواء منهم الشيعة والسنة . . وسواء استطاع علماؤهم
وأدباؤهم أن يعبروا عنه ، أم بقي حقائق تعيش في عقولهم وقلوبهم وإن عجزت عنها
ألسنتهم والأقلام . . !
ولا يحتاج الأمر إلى أن ينبري كتاب الوهابية أمثال إحسان ظهير فينصحوا الشيعة
بضرورة الإيمان بكتاب الله تعالى وسلامته من التحريف . . فنحن الشيعة نفتخر بأن
اعتقادنا بالقرآن راسخ ، ورؤيتنا له صافية ، ونظرياتنا حوله واضحة ، لأنها مأخوذة
من منبع واضح صاف ، منبع أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله ، وأبواب مدينة علمه !
أما إخواننا السنة فقد أخذوا رؤيتهم للقرآن من عدد من الصحابة . . والصحابة
كلهم أمرهم النبي صلى الله عليه وآله أن يرجعوا في أمور القرآن إلى مفسريه الشرعيين
من عترته ، فقال لهم : إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، ولكن بعض
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 179 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الصحابة لم يفعلوا ، ثم تدخلوا في تحليل أمور القرآن ووضعوا له نظريات بدون علم إلا
اتباع الظن ، فوقعوا وأوقعوا الذين قلدوهم من الأمة في مشكلات فكرية لا حل لها . .
وفيما يلي نستعرض نظريتين منها !

1 - نظرية التوسع في نص القرآن !

إذا كنت مسلما سنيا وكنت من أعلم العلماء ، فلن تستطيع أن تقنع أطفالك بأن
القرآن نزل على سبعة حروف . . بل سوف تتحير من أول الأمر ماذا تقول لهم ؟ ! فهل
تقول لهم إن الله تعالى أنزل القرآن بسبعة نصوص ؟ يعني أنزل سبعة قرائين ؟ ! أو أنزله
بسبع طبعات منقحة ؟ !
وماذا تجيب إذا سألك ولدك الناشئ فقال لك : يا أبتي نحن نعرف أن الملك أو
رئيس الجمهورية يصدر المرسوم بنسخة واحدة ونص واحد ! وأنت تقول إن جبرئيل
كان يضبط نص القرآن على النبي كل سنة مرة ، فهل تقصد أنه نزل على النبي من
الأول سبع نسخ ، وكان جبرئيل يضبط عليه سبعة ؟ ولماذا ، ألا تكفي نسخة واحدة ؟ !
ثم ما هو الفرق بين هذه النسخ ؟ !
تقول لابنك : لا يا ولدي ، القرآن نسخة واحدة ومعنى أنه على سبعة حروف أن
الله تعالى استعمل فيه سبعة أنواع من لغات العرب أو لهجاتهم .
فيقول لك : ولكن هذا لا يقال له نزل على سبعة حروف ، بل يقال إن ألفاظه
مختارة من كلمات سبع قبائل !
ثم تقول له . . ويقول لك . . حتى تعجز أمام ابنك ! !
وقد يمكنك أن تسكته بأن هذه المقولة حديث نبوي وردت في المصادر المعتمدة ،
فيجب عليك أن تقبلها حتى ولو لم تفهمها ولم يفهمها أبوك وعلماؤك !
وقد يسكت ابنك : ولكن يبقى السؤال يجول في أعماق نفسه : هل يعقل أن يكون
هذا كلام النبي صلى الله عليه وآله ؟ ! وهل يمكن أن يتكلم النبي بغير المعقول أو بغير
المفهوم ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 180 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لقد تحير كبار علماء السنة ومفسروهم وما زالوا متحيرين إلى يومنا هذا . . فلا هم
يستطيعون أن يردوا نظرية الخليفة عمر ( الأحرف السبعة ) لأنها بتصورهم حديث
نبوي رواه عمر . . ولا هم يستطيعون أن يقنعوا بها أحدا ، أو يقتنعوا بها هم ! !
وسيظلون متحيرين إلى آخر الدهر ، لسبب بسيط . . هو أنهم يبحثون عن معنى
معقول لمقولة ليس لها معنى معقول ! !
من العلماء المتحيرين في هذا الموضوع الإمام ابن جزي المشهود له في التفسير وعلوم
القرآن الذي نقل في تاريخ القرآن ص 87 قوله ( ولا زلت أستشكل هذا الحديث - أي
حديث نزول القرآن على سبعة أحرف - وأفكر فيه وأمعن النظر من نحو نيف وثلاثين
سنة حتى فتح الله علي بما يمكن أن يكون صوابا إن شاء الله تعالى ، وذلك أني تتبعت
القراءات صحيحها وضعيفها وشاذها فإذا هي يرجع اختلافها إلى سبعة أوجه ) ! !
فترى ابن جزي بعد تفكير أكثر من ثلاثين سنة غير مطمئن إلى ما توصل إليه وإن
سماه فتحا علميا ولذا عبر عنه بأنه ( يمكن أن يكون صوابا ) ومن حقه أن يشك في هذا
الفتح ، لأن معناه أن نسخة القرآن نزلت من عند الله تعالى مفصلة على حسب قراءات
سوف يولد أصحابها ! وسوف تكون اختلافاتهم في سبعة وجوه لا أكثر ! ! فكيف
تعقل هذا العالم أن نسخة القرآن نزل بها جبريل مفتوحة لاجتهادات القراء الذين
سوف يأتون ! ! ثم اعتبر ذلك فتحا علميا ؟ ! بالله عليك هل تتعقل أن مؤلفا يؤلف
كتابا بسبعة نصوص سوف تظهر على يد أشخاص بعد نشره ؟ ! !
قال السيوطي في الإتقان في علوم القرآن ج 1 ص 172 ( وقال ابن حجر : ذكر
القرطبي عن ابن حبان ، أنه بلغ الاختلاف في الأحرف السبعة إلى خمسة وثلاثين قولا ،
ولم يذكر القرطبي منها سوى خمسة ، ولم أقف على كلام ابن حبان في هذا ، بعد
تتبعي مظانه . قلت : قد حكاه ابن النقيب في مقدمة تفسيره عنه بواسطة الشرف المزني
المرسي . فقال : قال ابن حبان اختلف أهل العلم في معنى الأحرف السبعة على خمسة
وثلاثين قولا ) .
وقال السيوطي في ص 176 ( قال ابن حبان : فهذه خمسة وثلاثون قولا لأهل العلم
واللغة في معنى إنزال القرآن على سبعة أحرف ، وهي أقاويل يشبه بعضها بعضا وكلها
محتملة وتحتمل غيرها ) انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 181 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وهو اعتراف من ابن حبان بأن جميع هذه الأقوال لا تزيد عن كونها احتمالات
استنسابية غير مقنعة !
ثم نقل السيوطي تصريحا مشابها لأحد علمائهم فقال ( وقال المرسي : هذه الوجوه
أكثرها متداخلة ، ولا أدري مستندها ، ولا عمن نقلت ، ولا أدري لم خص كل واحد
منهم هذه الأحرف السبعة بما ذكر ، مع أن كلها موجودة في القرآن فلا أدري معنى
التخصيص ! وفيها أشياء لا أفهم معناها على الحقيقة ، وأكثرها يعارضه حديث عمر
مع هشام بن حكيم الذي في الصحيح ، فإنهما لم يختلفا في تفسيره ولا أحكامه ، إنما
اختلفا في قراءة حروفه . وقد ظن كثير من العوام أن المراد بها القراءات السبع ، وهو
جهل قبيح ) انتهى .
هذه نماذج من أقوال هؤلاء العلماء الكبار ، وهي كافية للتدليل على أن النظرية
برأيهم غير قابلة للفهم والتعقل . . فهل يجوز نسبتها والحال هذه إلى الله تعالى ، وإلى
رسوله صلى الله عليه وآله ؟ !

سبب وضع الخليفة عمر لهذه النظرية ؟

السبب ببساطة أن النبي صلى الله عليه وآله كان في حياته يقرأ نص القرآن
ويصححه لمن يقرؤه ، فكان مصدر نص القرآن واحدا مضبوطا .
أما بعد وفاته صلى الله عليه وآله وأحداث السقيفة وبيعة أبي بكر ، فقد جاءهم
علي عليه السلام بنسخة القرآن بخط يده حسب أمر النبي صلى الله عليه وآله ، فرفضوا
اعتمادها لأنه كان فيها تفسير كل الآيات أو كثير منها لمصلحة علي برأيهم ، فأخذها
علي وقال لهم إن النبي صلى الله عليه وآله أمرني أن أعرضها عليكم فإن قبلتموها فهو ،
وإلا فإني أحفظها وأقرأ النسخة التي تعتمدونها ، حتى لا يكون في أيدي الناس
نسختان للقرآن !
روى الكليني في الكافي ج 2 ص 633 :
( عن عبد الرحمن بن أبي هاشم ، عن سالم بن سلمة قال : قرأ رجل على أبي
عبد الله عليه السلام وأنا أستمع حروفا من القرآن ليس على ما يقرؤها الناس ، فقال
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 182 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أبو عبد الله عليه السلام : كف عن هذه القراءة إقرأ كما يقرأ الناس حتى يقوم القائم فإذا قام القائم
عليه السلام قرأ كتاب الله عزو جل على حده وأخرج المصحف الذي
كتبه علي عليه السلام وقال : أخرجه علي عليه السلام إلى الناس حين فرغ منه وكتبه
فقال لهم : هذا كتاب الله عز وجل كما أنزله الله على محمد صلى الله عليه وآله وقد
جمعته من اللوحين فقالوا : هو ذا عندنا مصحف جامع فيه القرآن لا حاجة لنا فيه ،
فقال أما والله ما ترونه بعد يومكم هذا أبدا ، إنما كان علي أن أخبركم حين جمعته
لتقرؤوه ! ) وسوف نتعرض في جمع القرآن إلى ما يؤيده من مصادر إخواننا .
من ذلك اليوم . . ولدت أرضية التفاوت في النص القرآني ، وأخذ الخليفة والناس
يقرؤون ولا مصحح لهم ، ولا مرجع يرجعون إليه في نص القرآن ! !
وما لبث أن انتشر التفاوت في قراءاتهم ، ثم تحول التفاوت إلى اختلاف بين القراء
في هذه الكلمة وتلك ، وهذه الآية وتلك . . فهذا يقرأ في صلاته أو يعلم المسلمين على
نحو ، وذاك على نحو آخر . . وهذا يؤكد صحة قراءته وخطأ القراءة المخالفة ، وذاك
بعكسه . . وهذا يتعصب لهذه القراءة وقارئها ، وهذا لذاك . . إلى آخر المشكلة الكبيرة
التي تهم كيان الدولة الإسلامية وتمس قرآنها المنزل ! !
هنا كان لا بد أن يتدخل الخليفة عمر لحل المشكلة ، وكان الأحرى به أن يختار
نسخة من القرآن ويعتمدها ، وقد كانت موجودة عند عدد من الصحابة غير علي . .
ومنهم من روى عمر نفسه أن النبي أمر بأخذ القرآن منهم . . أو يجمع نسخة ويعتمدها ،
ويحل المشكلة من أساسها كما فعل عثمان . . ولكن عمر لم يرد اعتماد نسخة معينة ،
بل اختار حل المشكلة بالتسامح في نص القرآن ، والفتوى بصحة جميع القراءات
المختلف عليها ، واستند بذلك إلى حديث ادعاه على النبي صلى الله عليه وآله ولم يدعه
غيره ، بأن في القرآن سعة ، وأنه نزل على سبعة أحرف ! !
فالنظرية إذن ولدت على يد الخليفة عمر عندما واجه مشكلة ! وحيث لم يعالجها
بنسخة علي ، أو عثمان أو زيد أو عمرو . . بل روى عن النبي حديث الأحرف السبعة
لكي يثبت مشروعية التسامح في قراءة النص القرآني . . ولكنه بذلك سكن المشكلة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 183 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
تسكينا آنيا . . وحير علماء الأمة أربعة عشر قرنا في تصور معنى معقول لهذا الحديث أو
هذه النظرية !
إن ابن جزي الذي اعترف بتحيره وبحثه أكثر من ثلاثين سنة عن معنى مفهوم
لنظرية الخليفة . . ما هو إلا نموذج لحيرة خيرة أئمتهم وعلمائهم الذين عملوا المستحيل
حتى يجدوا وجها معقولا لنظرية الأحرف السبعة ، وما ازدادوا إلا حيرة وتخبطا . .
فكلما خرجوا من مطب وقعوا في آخر أكبر منه . . وليس ذلك بسبب ضعفهم العلمي ،
ولكن بسبب أنهم تبنوا نظرية عصمة الخليفة عمر ، فصاروا مجبورين أن يبحثوا عن
وجه معقول لمقولة الأحرف السبعة التي قالها الخليفة ورواها عنه البخاري . . حتى لو
كان البحث عن ذلك عقيما . . وطال إلى يوم القيامة ! !
لقد حاول بعض عقلائهم أن يجد مخرجا سليما لهذه الورطة ويقنعهم بأن حديث
( نزل القرآن على سبعة أحرف ) يقصد معاني القرآن لا ألفاظه ، فالقرآن كون مثل
هذا الكون ، ونظامه سباعي كالسماوات السبع . . ولكنهم ردوه بأن الأحاديث تصرح
بأن الخليفة عمر قال إن المقصود بالأحرف السبعة الألفاظ لا المعاني . . وهكذا أقفلوا
الباب على أنفسهم . . وعادوا في الورطة ! !
وستعرف أن رأي أهل البيت عليهم السلام أن القرآن نزل من عند الواحد على
حرف واحد ، وأن حديث نزوله على سبعة أحرف قصد به النبي صلى الله عليه وآله
معاني القرآن . . ولكن الخليفة أصر على توظيفه لحل مشكلة الألفاظ وتفاوت القراءات !
قال السيوطي في الإتقان في علوم القرآن ج 1 ص 168 ( قال الطحاوي : وإنما
كان ذلك رخصة ( أي القراءة بسبعة أحرف ) لما كان يتعسر على كثير منهم التلاوة
بلفظ واحد لعدم علمهم بالكتابة والضبط وإتقان الحفظ ، ثم نسخ بزوال العذر وتيسر
الكتابة والحفظ . وكذا قال ابن عبد البر والباقلاني وآخرون . وفي فضائل أبي عبيد من
طريق عون بن عبد الله أن ابن مسعود أقرأ رجلا ( إن شجرة الزقوم ، طعام الأثيم )
فقال الرجل : طعام اليتيم ، فردها فلم يستقم بها لسانه ، فقال أتستطيع أن تقول طعام
الفاجر ؟ قال نعم ، قال فافعل ) انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 184 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد روى قصة طعام اليتيم في الدر المنثور ج 6 ص 33 عن ابن مردويه عن أبي بن
كعب ، وعن أبي عبيد في فضائله وابن الأنباري وابن المنذر عن ابن مسعود . وعن
سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه عن همام بن
الحارث عن أبي الدرداء ) انتهى .
لكن ما هو دليل الباقلاني وابن عبد البر والطحاوي على أن السبعة أحرف كانت
فقط لظرف خاص ثم نسخت ؟ ! فإن كانت حديثا نبويا صحيحا كما زعموا . .
وتوسعة من الله ورسوله على المسلمين في النص القرآني . . فما هو الحديث الذي
نسخها ؟ !
وإن كانت استنسابا عمريا فما هو المجوز للخليفة أن يفتي بالتوسع في نص
كتاب الله تعالى بسبعة أشكال أو أكثر . . ثم يفتي هو أو غيره بالتضييق ووجوب
القراءة بنص واحد ؟ !
على أن مقولة الباقلاني وجماعته بتيسر الكتابة في زمن عثمان وعدم تيسرها في عهد
أبي بكر وعمر ، إلقاء للكلام على عواهنه من أجل تصحيح عمل الخليفة . . فأين
مقولتهم بأن الخليفة أول من مدن الدولة ودون الدواوين . . ؟ فقد كانت الكتابة ميسرة
في عهده إذن ، بل في عهد النبي صلى الله عليه وآله بل وقبله ، خاصة في المدن . . كما سيأتي ذلك في
قصة جمع القرآن .
كلا . . ليست المسألة صعوبة الكتابة في عهد الخليفة عمر . . بل المسألة أن الخليفة لا
يريد أن يلتزم بنسخة محددة من القرآن ، ويريد إبقاء المجال مفتوحا في جمع القرآن
وقراءته . .
لقد رخص عمر بقراءة القرآن إلى سبعة أنواع وأكثر ! ثم نسخ الخليفة عثمان هذه
الرخصة وأوجب أن يقرأ القرآن بالحرف الذي كتب عليه مصحفه . . ونحن نقبل من
الطحاوي وزملائه القول بالحرف الواحد الموحد الذي عممه الخليفة عثمان على البلاد
الإسلامية ، وذلك لأن عليا عليه السلام أقر هذا العمل ، ولأن الأدلة تشير أنه نسخ عن
مصحف علي عليه السلام . ولكن نسألهم : أين صار حديث نزول القرآن على سبعة
أحرف والذي قلتم إنه كلام النبي صلى الله عليه وآله ، وقلتم إنه صحيح ومتواتر . . ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 185 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
صار معناه أن القرآن نزل من عند الله تعالى على سبعة أحرف ، لكن الذي يجب أن
يقرأ منها في زمن النبي صلى الله عليه وآله حرف واحد كما يقرؤه النبي فقط ، ثم يصير
في زمن أبي بكر وعمر سبعة أحرف ، ثم يرجع في زمن عثمان إلى حرف واحد ! !
فتكون فائدة هذا النص في مدة حكم أبي بكر وعمر فقط ، ويكون مفصلا لمعالجة
مشكلة اضطراب القراءة في هذه الفترة كما ذكرنا !
فهل يمكن لباحث أن يغمض عينيه ويقبل حديثا نسب إلى النبي صلى الله عليه وآله
وليس له دور في الحياة إلى يوم القيامة إلا أداء وظيفة خاصة من وجهة نظر خليفة
معين ؟ !
ولكن حتى هذه الوظيفة التي أرادها عمر من نظرية الأحرف السبعة أحرف . . لم تستطع
النهوض بها ! بدليل أن المشكلة بقيت وتفاقمت وصارت تنذر بالخطر في زمن عثمان
فبادر إلى حلها بما كان يجب أن يحلها به عمر ! ! بل تدل الروايات الصحيحة على أن
الخليفة عمر لم يسمح لأحد أن يستفيد من الأحرف السبعة إلا هو !

أحاديث نظرية التوسع في نص القرآن

ننقل روايات السبعة أحرف من رواية النسائي أولا ، لأنه جمعها في مكان واحد ،
بينما وزعها البخاري في بضعة أمكنة من أجزاء كتابه . . قال النسائي في صحيحه ج 2
ص 150 :
( عن ابن مخرمة أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : سمعت هشام بن حكيم
بن حزام يقرأ سورة الفرقان فقرأ فيها حروفا لم يكن نبي الله صلى الله عليه وسلم
أقرأنيها ! قلت من أقرأك هذه السورة ؟ ! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم . قلت
كذبت ، ما هكذا أقرأك رسول الله صلى الله عليه وسلم ! فأخذت بيده أقوده إلى
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقلت : يا رسول الله إنك أقرأتني سورة الفرقان
وإني سمعت هذا يقرأ فيها حروفا لم تكن أقرأتنيها ! فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم : إقرأ يا هشام فقرأ كما كان يقرأ ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 186 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أنزلت ! ثم قال إقرأ يا عمر فقرأت ، فقال : هكذا أنزلت ! ! ثم قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم : إن القرآن أنزل على سبعة أحرف ! ) .
ثم رواه بروايتين أخريين وفيهما ( فقرأ القراءة التي سمعته يقرأ فقال رسول الله صلى
الله عليه وسلم : هكذا أنزلت . ثم قال لي إقرأ فقرأت فقال : هكذا أنزلت ، إن هذا
القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرؤوا ما تيسر منه ! ) .
ثم روى ثلاث روايات عن أبي بن كعب ، قال ( . . . عن أبي بن كعب أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم كان عند أضاة بني غفار فأتاه جبريل عليه السلام فقال : إن
الله عز وجل يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرف ، قال : أسأل الله معافاته
ومغفرته ، وإن أمتي لا تطيق ذلك ! ثم أتاه الثانية فقال إن الله عز وجل يأمرك أن
تقرئ أمتك القرآن على حرفين ، قال : أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق
ذلك ! ثم جاءه الثالثة فقال إن الله عز وجل يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على ثلاثة
أحرف فقال : أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك ! ثم جاءه الرابعة
فقال إن الله عز وجل يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على سبعة أحرف ، فأيما حرف
قرؤوا عليه فقد أصابوا ! !
. . . عن أبي بن كعب قال أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة فبينا أنا في
المسجد جالس إذ سمعت رجلا يقرؤها يخالف قراءتي فقلت له من علمك هذه السورة ؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت لا تفارقني حتى نأتي رسول الله صلى
الله عليه وسلم فأتيته فقلت يا رسول الله إن هذا خالف قراءتي في السورة التي علمتني !
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إقرأ يا أبي فقرأتها فقال لي رسول الله صلى
الله عليه وسلم : أحسنت . ثم قال للرجل : إقرأ فقرأ فخالف قراءتي فقال له رسول
الله صلى الله عليه وسلم : أحسنت . ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا أبي
إنه أنزل القرآن
على سبعة أحرف كلهن شاف كاف ! !
. . . عن أبي قال ما حاك في صدري منذ أسلمت إلا أني قرأت آية وقرأها آخر غير
قراءتي فقلت أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال الآخر أقرأنيها رسول الله
صلى الله عليه وسلم ! فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت يا نبي الله أقرأتني آية
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 187 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كذا وكذا ، قال نعم . وقال الآخر ألم تقرئني آية كذا وكذا ؟ قال نعم ، إن جبريل
وميكائيل عليهما السلام أتياني فقعد جبريل عن يميني وميكائيل عن يساري فقال جبريل
عليه السلام : إقرأ القرآن على حرف ، قال ميكائيل استزده استزده حتى بلغ سبعة
أحرف ، فكل حرف شاف كاف ! ) انتهى .
روى البخاري في صحيحه ج 6 ص 100 رواية عمر مع هشام تحت عنوان
( باب أنزل القرآن على سبعة أحرف ) ورواها أيضا في ج 6 ص 110 وفي ج 3 ص 90 وفي
ج 8 ص 215 ورواها مسلم في ج 2 ص 201 بروايتين وأبو داود في سننه ج 1 ص 331 والترمذي في سننه
ج 4 ص 263 والبيهقي في سننه ج 2 ص 383 وأحمد في مسنده ج 1 ص 24 و ص 39 و ص 45 و ص 264
وقال السيوطي في الإتقان ج 1 ص 163 ( المسألة الثالثة : في
الأحرف السبعة التي نزل القرآن عليها . قلت : ورد حديث ( نزل القرآن على سبعة
أحرف ) من رواية جمع من الصحابة : أبي بن كعب ، وأنس ، وحذيفة بن اليمان ،
وزيد بن أرقم . وسمرة بن جندب ، وسليمان بن صرد ، وابن عباس ، وابن مسعود ،
وعبد الرحمن ابن عوف ، وعثمان بن عفان ، وعمر بن الخطاب ، وعمر بن أبي سلمة ،
وعمرو بن العاص ، ومعاذ بن جبل ، وهشام بن حكيم ، وأبي بكرة ، وأبي جهم وأبي
سعيد الخدري ، وأبي طلحة الأنصاري ، وأبي هريرة ، وأبي أيوب . فهؤلاء أحد
وعشرون صحابيا ، وقد نص أبو عبيد على تواتره . وأخرج أبو يعلى في مسنده أن
عثمان قال على المنبر : أذكر الله رجلا ، سمع النبي صلى الله عليه وسلم قال ( إن
القرآن أنزل على سبعة أحرف كلها شاف كاف ، لما قام ، فقاموا حتى لم يحصوا ،
فشهدوا بذلك ، فقال : وأنا أشهد معهم ) انتهى .

ملاحظات على النظرية

الإشكالات على حديث الأحرف السبعة كثيرة ، نجملها فيما يلي :
أولا : الظاهر أن أصل جميع أحاديث النظرية رواية واحدة أو اثنتان رواهما الخليفة
عمر ، وإن اعتبرها بعضهم أحاديث عديدة وصل فيها إلى حد التواتر . . ويكفي تدليلا
على ذلك أن حديث ابن كعب تكملة لحديث عمر أو هو نفسه . . وأن أكثر الصحابة رووه عن
عمر ، ولم يرووه عن النبي مباشرة !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 188 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثانيا : إن أسلوب النقاشات المروية فيه بين النبي صلى الله عليه وآله وبين جبرئيل
وميكائيل وبقية الملائكة ، نسخة طبق الأصل عما يرويه اليهود من نقاشات موسى مع
ربه ! وأكثرها ( اتزانا ) لا يمكن قبول مضمونه ، وهو ما رواه الترمذي في سننه ج 4
ص 263 تحت عنوان ( باب ما جاء أن القرآن أنزل على سبعة أحرف . . . عن أبي بن
كعب قال : لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم جبرئيل فقال : يا جبرئيل إني بعثت
إلى أمة أميين منهم العجوز والشيخ الكبير والغلام والجارية والرجل الذي لم يقرأ كتابا
قط . قال : يا محمد إن القرآن أنزل على سبعة أحرف ! ) انتهى .
ثالثا : إن التوسعة على الناس والتسامح في نص القرآن مسألة كبيرة وخطيرة ،
فكيف لم تكن معروفة في زمن النبي صلى الله عليه وآله ، ثم عرفت على يد عمر عندما
وجدت مشكلة تفاوت القراءات ؟ !
رابعا : روى الخليفة عمر وغيره أن النبي صلى الله عليه وآله أمر المسلمين أن يأخذوا
القرآن من أحد أربعة ( أبي بن كعب ، وعبد الله بن مسعود ، ومعاذ بن جبل ، وسالم
مولى حذيفة ) كما سيأتي في قصة جمع القرآن . . وقراءة القرآن على حرف أو سبعة أو
عشرين من صلب مسائل أخذه . . فكان الواجب على الخليفة أن يرجع إلى هؤلاء
الأربعة ويقبل القرآن بقراءتهم . . ولكنه رفع شعار هذا الحديث ولم يرجع إليهم لا في
أصل تلقي القرآن ولا في حروفه ! بل كانت معاملته لهم سلبية شديدة كما سنرى !
خامسا : إذا صحت نظرية عمر في الأحرف السبعة ، وأن الله تعالى قد وسع على
المسلمين في قراءة نص كتابه ، فلماذا حرم الله نبيه من هذه النعمة وألزمه بحفظ القرآن
حرفيا بدقة وتشدد معه في ذلك ، وكان ينزل عليه كبير ملائكته كل عام مرة
ليضبط عليه نص القرآن ، وفي سنة وفاته ضبطه عليه مرتين ليتأكد من دقة ضبط النبي
لنص القرآن ؟ ! !
ألا يكون ذلك شبيها بقانون يصدره رئيس ويتشدد مع وزيره في ضبط نصه
وطباعته ، ولكنه بعد نشره للتطبيق يجيز للناس أن يتسامحوا في نصه وأن يقرؤوه
بعدة نصوص ؟ ! !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 189 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
سادسا : هشام بن حكيم بن حزام الذي يروي عمر أن القصة حدثت معه ، أحد
الطلقاء الذين يسمونهم مسلمة الفتح . . مما يعني أن زمن القصة هو السنة الأخيرة من
حياة النبي صلى الله عليه وآله . . ويعني أن النبي صلى الله عليه وآله كان كل هذه المدة
يقرأ نص القرآن بصيغة واحدة ولم يقل لجبرئيل شيئا ، ولم يقل له جبريل شيئا ! إلى أن
اكتشف النبي المشكلة في أواخر حياته فشكا ذلك إلى جبرئيل فلم يراجع جبرئيل ربه ،
وكان الجواب عنده حاضرا ! !
سابعا : كان سلوك عمر ضد نظريته . . فكان يتدخل في القراءات ويحاسب عليها ،
ويرفض منها ويقبل ، ويأمر بمحو هذا وإثبات ذاك ، كما رأيت في نماذج من قراءاته
وكما ترى من سلوكه مع القراء . . وقد ( هجم ) بيت عبد الله بن مسعود عندما بلغه
أنه قرأ آية بلغة هذيل كما سترى !
وبهذا نعرف أن مقصوده بالحروف السبعة التوسعة على نفسه فقط ، ليختار الحرف
الذي يريده ويلزم به المسلمين ، ويرفض الحرف الذي لا يريده وينهى عنه المسلمين . .
ويجمع ذلك في مصحفه عند حفصة حتى يستكمل اجتهاداته في كتاب الله تعالى . .
فيخرجه إلى المسلمين ويلزمهم به . . ولكن الأجل أدركه قبل ذلك . . !
على أي حال لم يكن لأحد من المسلمين حق أن يستفيد من هذه التوسعة المزعومة إلا الخليفة عمر فقط ، وكان
نصيب من يستفيد منها من المسلمين . . التعرض لسوط الخليفة ! !

الفتاوى الفقهية بالتوسع في نص القرآن !

لقد حفظ الله تعالى كتابه من نظرية الخليفة في التوسع في نصه ، ولم تؤثر إلا
التشويش على النص القرآني في عهده ، ولكن بقيت آثارها وأثمرت في فقه مذاهب
إخواننا السنة فأفتى فقهاؤهم بجواز التغيير في نص القرآن ، وفي نص التشهد في الصلاة
لأنه أخف من نص القرآن !
قال الشافعي في اختلاف الحديث ص 489 وفي كتاب الأم ج 1 ص 142 :
( وقد اختلف بعض أصحاب النبي في بعض لفظ القرآن عند رسول الله ولم يختلفوا
في معناه فأقرهم وقال : هكذا أنزل إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرؤوا ما
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 190 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
تيسر منه . فما سوى القرآن من الذكر أولى أن يتسع ، هذا فيه إذا لم يختلف المعنى !
قال : وليس لأحد أن يعمد أن يكف عن قراءة حرف من القرآن إلا بنسيان ، وهذا في
التشهد وفي جميع الذكر أخف ! ! ) .
وقال البيهقي في سننه ج 2 ص 145 ، في الاستدلال على أن التشهد في الصلاة لا
يجب أن يكون بصيغة واحدة :
( قال الشافعي رحمه الله فإذا كان الله برأفته بخلقه أنزل كتابه على سبعة أحرف
معرفة منه بأن الحفظ قد نزر ليجعل لهم قراءته وإن اختلف لفظهم فيه ، كان ما سوى
كتاب الله أولى أن يجوز فيه اختلاف اللفظ ما لم يخل معناه ! )
وقال ابن قدامة في المغني ج 1 ص 575 :
( فصل . وبأي تشهد تشهد مما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم جاز ، نص عليه
أحمد فقال : تشهد عبد الله أعجب إلي ، وإن تشهد بغيره فهو جائز ، لأن النبي صلى
الله عليه وسلم لما علمه الصحابة مختلفا دل على جواز الجميع كالقراءات المختلفة التي
اشتمل عليها المصحف . . . وقال ابن حامد رأيت بعض أصحابنا يقول لو ترك واوا أو
حرفا أعاد الصلاة لقول الأسود : فكنا نتحفظه عن عبد الله كما نتحفظ حروف
القرآن ، والأول أصح لما ذكرنا . وقول الأسود يدل على أن الأولى والأحسن الإتيان
بلفظه وحروفه ، وهو الذي ذكرنا أنه المختار ، وعلى أن عبد الله كان يرخص في
إبدال لفظات من القرآن فالتشهد أولى ! فقد روي عنه أن إنسانا كان يقرأ عليه إن
شجرة الزقوم طعام الأثيم ، فيقول طعام اليتيم ، فقال له عبد الله : قل طعام الفاجر .
فأما ما اجتمعت عليه التشهدات كلها فيتعين الإتيان به . وهذا مذهب الشافعي ) .
وقال ابن حزم في المحلى ج 3 ص 253 :
( والحق من هذا أن النص قد صح بوجوب قراءة أم القرآن فرضا ، ولا يختلف اثنان
من أهل الإسلام في أن هذه القراءات حق كلها مقطوع به مبلغة كلها إلى رسول الله
صلى الله عليه وسلم عن جبريل عليه السلام عن الله عز وجل بنقل الملوان فقد وجب ،
إذ كلها حق أن يفعل الإنسان في قراءته أي ذلك شاء ! ) انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 191 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وهكذا ذهب إخواننا فقهاء المذاهب إلى أن القراء كلهم على حق ولا ذنب لهم ،
لأن النبي صلى الله عليه وآله أقرأهم متفاوتا أو أمضى قراءاتهم المتفاوتة ، والنبي أيضا لا
ذنب له ، لأن جبرئيل أبلغه القرآن متفاوتا . . وجبرئيل أيضا لا ذنب له لأن الله تعالى
أعطاه القرآن متفاوتا . . تعالى الله عن ذلك ، وتنزه رسله ! !
وسترى في البحث التالي أن نظرية التسامح في نص القرآن لم تقف عند حد التفاوت
في بعض الحروف والكلمات في الآيات ، بل أخذت مجراها ونموها السرطاني حتى
وصلت إلى نظرية تعويم نص القرآن وجواز قراءته بالمعنى بدون التقيد بألفاظه ! !
ولكن مع خطورة هذه الفتاوي وهذه النظريات . . فإن ضررها والحمد لله بقي
محصورا تقريبا في مصادر إخواننا السنة ، خاصة في تفاسيرهم ، ولم يؤثر تأثيرا كبيرا
على القرآن في حياتهم وسلوكهم . . والسبب في ذلك هو فقط تكفل الله تعالى بحفظ
كتابه : إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ! !

رأي أهل البيت عليهم السلام وعلماء الشيعة

روى الكليني في الكافي ج 2 ص 630 ( . . . عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام
قال : إن القرآن واحد نزل من عند واحد ، ولكن الاختلاف يجئ من قبل الرواة .
. . . عن الفضيل بن يسار قال : قلت لأبي عبد الله عليه السلام : إن الناس يقولون :
إن القرآن نزل على سبعة أحرف ، فقال : كذبوا أعداء الله ولكنه نزل على حرف
واحد من عند الواحد ! ) انتهى ، ويدل قوله عليه السلام ( كذبوا أعداء الله ) على أنه
كان يوجد جماعة يريدون تمييع نص القرآن بهذه المقولة !
وروى المجلسي في بحار الأنوار ج 90 ص 3 حديثا مطولا جاء فيه ( عن إسماعيل بن
جابر قال سمعت أبا عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام يقول : إن الله تبارك
وتعالى بعث محمدا فختم به الأنبياء فلا نبي بعده ، وأنزل عليه كتابا فختم به الكتب فلا
كتاب بعده ، أحل فيه حلالا وحرم حراما ، فحلاله حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام
إلى يوم القيامة ، فيه شرعكم وخبر من قبلكم وبعدكم ، وجعله النبي صلى الله عليه
وآله علما باقيا في أوصيائه . فتركهم الناس وهم الشهداء على أهل كل زمان ، فعدلوا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 192 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عنهم ثم قتلوهم واتبعوا غيرهم . . . ضربوا بعض القرآن ببعض ، واحتجوا بالمنسوخ ،
وهم يظنون أنه الناسخ ، واحتجوا بالمتشابه وهم يرون أنه المحكم ، واحتجوا بالخاص
وهم يقدرون أنه العام ، واحتجوا بأول الآية وتركوا السبب في تأويلها ، ولم ينظروا إلى
ما يفتح الكلام وإلى ما يختمه ، ولم يعرفوا موارده ومصادره ، إذ لم يأخذوه عن أهله . . .
ولقد سأل أمير المؤمنين صلوات الله عليه شيعته عن مثل هذا فقال : إن الله تبارك
وتعالى أنزل القرآن على سبعة أقسام كل منها شاف كاف ، وهي أمر وزجر وترغيب
وترهيب وجدل ومثل وقصص . وفي القرآن ناسخ ومنسوخ ، ومحكم ومتشابه ،
وخاص وعام ، ومقدم ومؤخر ، وعزائم ورخص ، وحلال وحرام ، وفرائض وأحكام ،
ومنقطع ومعطوف ، ومنقطع غير معطوف ، وحرف مكان حرف ، ومنه ما لفظه
خاص ، ومنه ما لفظه عام محتمل العموم ، ومنه ما لفظه واحد ومعناه جمع ، ومنه ما
لفظه جمع ومعناه واحد ، ومنه ما لفظه ماض ومعناه مستقبل ، ومنه ما لفظه على الخبر
ومعناه حكاية عن قوم أخر ، ومنه ما هو باق محرف عن جهته ، ومنه ما هو على
خلاف تنزيله ، ومنه ما تأويله في تنزيله ، ومنه ما تأويله قبل تنزيله ، ومنه ما تأويله بعد
تنزيله . ومنه آيات بعضها في سورة وتمامها في سورة أخرى ، ومنه آيات نصفها
منسوخ ونصفها متروك على حاله ، ومنه آيات مختلفة اللفظ متفقة المعنى ، ومنه آيات
متفقه اللفظ مختلفة المعنى ، ومنه آيات فيها رخصة وإطلاق بعد العزيمة . . . ) انتهى .
وينبغي الالتفات إلى أن الإمام علي عليه السلام استعمل كلمة ( أقسام ) وترك
استعمال كلمة ( أحرف أو حروف ) حتى لا يفسرها أحد بألفاظ القرآن كما فسروا
السبعة أحرف في الحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وآله ! !
وقال الشيخ الطوسي في تفسير التبيان ج 1 ص 7 ( . . وروى المخالفون لنا عن
النبي صلى الله عليه وآله أنه قال : نزل القرآن على سبعة أحرف كلها شاف كاف ،
وفي بعضها : على سبعة أبواب ، وكثرت في ذلك رواياتهم ، ولا معنى للتشاغل
بإيرادها ، واختلفوا في تأويل الخبر ، فاختار قوم أن معناه على سبعة معان : أمر ،
ونهي ، ووعد ، ووعيد ، وجدل ، وقصص ، وأمثال . وروى ابن مسعود عن النبي أنه
قال : نزل القرآن على سبعة أحرف : زجر ، وأمر ، وحلال ، وحرام ، ومحكم ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 193 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ومتشابه ، وأمثال . . . وقال آخرون : أي سبع لغات مختلفة ، مما لا يغير حكما في تحليل
وتحريم . . . وكانوا مخيرين في أول الإسلام في أن يقرؤوا بما شاؤوا منها ، ثم أجمعوا على
أحدها ، فصار ما أجمعوا عليه مانعا مما أعرضوا عنه . وقال آخرون نزل على سبع
لغات . . . الخ ) انتهى .
وقال الشهيد الثاني في مسالك الأفهام ج 1 ص 429 ( ووجه تسمية القراءة
بالحرف ما روي أن النبي صلى الله عليه وآله قال نزل القرآن على سبعة أحرف ،
وفسرها بعضهم بالقراءات وليس بجيد ، لأن القراءة المتواترة لا تنحصر في السبعة بل
ولا في العشرة كما حقق في موضعه ، وإنما اقتصروا على السبعة تبعا لابن مجاهد حيث
اقتصر عليها تبركا بالحديث . وفي أخبارنا أن السبعة أحرف ليست هي القراءة بل هي
أنواع التركيب من الأمر والنهي والقصص وغيرها ) انتهى .
وقال المحقق البحراني في الحدائق الناضرة ج 8 ص 99 ( ثم اعلم أن العامة قد رووا
في أخبارهم أن القرآن قد نزل على سبعة أحرف كلها شاف واف ، وادعوا تواتر ذلك
عنه صلى الله عليه وآله ، واختلفوا في معناه إلى ما يبلغ أربعين قولا ، أشهرها الحمل
على القراءات السبع . وقد روى الصدوق قدس سره في كتاب الخصال بإسناده إليهم
عليهم السلام ، قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله أتاني آت من الله عز وجل
يقول إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على حرف واحد ، فقلت يا رب وسع على أمتي
فقال إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على سبعة أحرف . وفي هذا الحديث ما يوافق أخبار
العامة المذكورة ، مع أنه عليه السلام قد نفى ذلك في الأحاديث المتقدمة وكذبهم في ما
زعموه من التعدد ، فهذا الخبر بظاهره مناف لما دلت عليه تلك الأخبار والحمل على
التقية أقرب فيه ) انتهى .
وروى المجلسي في بحار الأنوار ج 82 ص 65 عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال
( أتاني آت من الله ، فقال إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على حرف واحد ، فقلت :
يا رب وسع على أمتي ، فقال إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على سبعة أحرف ) ثم
قال : بيان ، الخبر ضعيف ومخالف للأخبار الكثيرة كما سيأتي ، وحملوه على القراءات
السبعة ، ولا يخفى بعده لحدوثها بعده صلى الله عليه وآله ، وسنشبع القول في ذلك في
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 194 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كتاب القرآن إن شاء الله . ولا ريب في أنه يجوز لنا الآن أن نقرأ موافقا لقراءاتهم
المشهورة ) انتهى .
وقال المحقق الهمداني في مصباح الفقيه ج 2 ص 274 ( والحق أنه لم يتحقق أن
النبي صلى الله عليه وآله قرأ شيئا من القرآن بكيفيات مختلفة ، بل ثبت خلافه فيما كان
الاختلاف في المادة أو الصورة النوعية التي يؤثر تغييرها في انقلاب ماهية الكلام عرفا ،
كما في ضم التاء من أنعمت ، ضرورة أن القرآن واحد نزل من عند الواحد كما
نطقت به الأخبار المعتبرة المروية عن أهل بيت الوحي والتنزيل ، مثل ما رواه ثقة
الإسلام الكليني بإسناده عن أبي جعفر عليه السلام قال : إن القرآن واحد من عند
الواحد ولكن الاختلاف يجئ من قبل الرواة ! وعن الفضيل بن يسار في الصحيح قال
قلت لأبي عبد الله عليه السلام : إن الناس يقولون نزل القرآن على سبعة أحرف ، فقال
كذبوا أعداء الله ، ولكنه نزل على حرف واحد من عند الواحد . ولعل المراد بتكذيبهم
تكذيبهم بالنظر إلى ما أرادوه من هذا القول مما يوجب تعدد القرآن ، وإلا فالظاهر
كون هذه العبارة صادرة عن النبي صلى الله عليه وآله بل قد يدعى تواتره ، ولكنهم
حرفوها عن موضعها وفسروها بآرائهم ، مع أن في بعض رواياتهم إشارة إلى أن المراد
بالأحرف أقسامه ومقاصده ، فإنهم على ما حكي عنهم رووا عنه صلى الله عليه وآله
أنه قال نزل القرآن على سبعة أحرف : أمر وزجر وترغيب وترهيب وجدل وقصص
ومثل . ويؤيده ما روى من طرقنا عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال : إن الله تبارك
وتعالى أنزل القرآن على سبعة أقسام كل قسم منها كاف شاف ، وهي أمر وزجر
وترغيب وترهيب وجدل ومثل وقصص .
. . . فظهر مما ذكرنا أن الاستشهاد بالخبر المزبور لصحة القراءات السبع وتواترها عن
النبي صلى الله عليه وآله في غير محله . وكفاك شاهدا لذلك ما قيل من أنه نقل
اختلافهم في معناه إلى ما يقرب من أربعين قولا ! . والحاصل : أن دعوى تواتر جميع
القراءات السبعة أو العشرة بجميع خصوصياتها عن النبي صلى الله عليه وآله تتضمن
مفاسد ومناقضات لا يمكن توجيهها ، وقد تصدى جملة من القدماء والمتأخرين لإيضاح
ما فيها من المفاسد بما لا يهمنا الإطالة في إيراده ) انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 195 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال السيد الخوئي في مستند العروة ج 14 ص 474 ( . . . هذا وحيث قد جرت
القراءة الخارجية على طبق هذه القراءات السبع لكونها معروفة مشهورة ظن بعض
الجهلاء أنها المعني بقوله صلى الله عليه وآله على ما روي عنه ، إن القرآن نزل على
سبعة أحرف ، وهذا كما ترى غلط فاحش ، فإن أصل الرواية لم تثبت ، وإنما رويت
من طريق العامة ، بل هي منحولة مجعولة كما نص الصادق عليه السلام على تكذيبها
بقوله : كذبوا أعداء الله نزل على حرف واحد . . . ) انتهى .
وقال السيد الخوئي في البيان في تفسير القرآن ص 180 بعد إيراد روايات السبعة
أحرف ( وعلى هذا فلا بد من طرح الروايات ، لأن الالتزام بمفادها غير ممكن .
والدليل على ذلك :
أولا : أن هذا إنما يتم في بعض معاني القرآن ، التي يمكن أن يعبر عنها بألفاظ سبعة
متقاربة . . .
ثانيا : إن كان المراد من هذا الوجه أن النبي صلى الله عليه وآله قد جوز تبديل
كلمات القرآن الموجودة بكلمات أخرى تقاربها في المعنى ، ويشهد لهذا بعض الروايات
المتقدمة ، فهذا الاحتمال يوجب هدم أساس القرآن ، المعجزة الأبدية ، والحجة على
جميع البشر . . . وقد قال الله تعالى : قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما
يوحى إلي . وإذا لم يكن للنبي أن يبدل القرآن من تلقاء نفسه ، فكيف يجوز ذلك لغيره ؟
وإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علم البراء بن عازب دعاء كان فيه ونبيك
الذي أرسلت فقرأ براء : ورسولك الذي أرسلت ، فأمره صلى الله عليه وآله أن لا
يضع الرسول موضع النبي . فإذا كان هذا في الدعاء ، فماذا يكون الشأن في القرآن ؟ . . .
ثالثا : أنه صرحت الروايات المتقدمة بأن الحكمة في نزول القرآن على سبعة أحرف
هي التوسعة على الأمة ، لأنهم لا يستطيعون القراءة على حرف واحد ، وأن هذا هو
الذي دعا النبي إلى الاستزادة إلى سبعة أحرف . وقد رأينا أن اختلاف القراءات أوجب
أن يكفر بعض المسلمين بعضا حتى حصر عثمان القراءة بحرف واحد وأمر بإحراق بقية
المصاحف . ويستنتج من ذلك . . . أن الاختلاف في القراءة كان نقمة على الأمة وقد
ظهر ذلك في عصر عثمان ، فكيف يصح أن يطلب النبي صلى الله عليه وآله وسلم من
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 196 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الله ما فيه فساد الأمة . وكيف يصح على الله أن يجيبه إلى ذلك ؟ وقد ورد في كثير
من الروايات النهي عن الاختلاف ، وأن فيه هلاك الأمة ، وفي بعضها أن النبي صلى
الله عليه وآله وسلم تغير وجهه واحمر حين ذكر له الاختلاف في القراءة . . .
وحاصل ما قدمناه : أن نزول القرآن على سبعة أحرف لا يرجع إلى معنى صحيح ،
فلا بد من طرح الروايات الدالة عليه ، ولا سيما بعد أن دلت أحاديث الصادقين عليهم
السلام على تكذيبها وأن القرآن إنما نزل على حرف واحد ، وأن الاختلاف قد جاء
من قبل الرواة ) انتهى .
وقال في ص 160 عن القراءات السبع ( . . . والأولى أن نذكر كلام الجزائري في
هذا الموضع . قال : لم تكن القراءات السبع متميزة عن غيرها حتى قام الإمام أبو بكر
أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد - وكان على رأس الثلاثمائة ببغداد - فجمع
قراءات سبعة من مشهوري أئمة الحرمين والعراقين والشام ، وهم : نافع ، وعبد الله
ابن كثير ، وأبو عمرو بن العلاء ، وعبد الله بن عامر ، وعاصم وحمزة ، وعلي الكسائي .
وقد توهم بعض الناس أن القراءات السبعة هي الأحرف السبعة ، وليس الأمر كذلك . . .
وقد لام كثير من العلماء ابن مجاهد على اختياره عدد السبعة ، لما فيه من الايهام . . .
قال أحمد ابن عمار المهدوي : لقد فعل مسبع هذه السبعة ما لا ينبغي له ، وأشكل
الأمر على العامة بإيهامه كل من قل نظره أن هذه القراءات هي المذكورة في الخبر ،
وليته إذ اقتصر نقص عن السبعة أو زاد ليزيل الشبهة . . . قال أبو شامة : ظن قوم أن
القراءات السبع الموجودة الآن هي التي أريدت في الحديث ، وهو خلاف إجماع أهل
العلم قاطبة ، وإنما يظن ذلك بعض أهل الجهل . . . ) انتهى .
وقال في ص 167 ( ذهب الجمهور من علماء الفريقين إلى جواز القراءة بكل
واحدة من القراءات السبع في الصلاة ، بل ادعي على ذلك الإجماع في كلمات غير
واحد منهم وجوز بعضهم القراءة بكل واحدة من العشر ، وقال بعضهم بجواز القراءة
بكل قراءة وافقت العربية ولو بوجه ، ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالا
وصح سندها ، ولم يحصرها في عدد معين . والحق أن الذي تقتضيه القاعدة الأولية ، هو
عدم جواز القراءة في الصلاة بكل قراءة لم تثبت القراءة بها من النبي الأكرم صلى الله
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 197 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عليه وآله أو من أحد أوصيائه المعصومين عليهم السلام ، لأن الواجب في الصلاة هو
قراءة القرآن فلا يكفي قراءة شئ لم يحرز كونه قرآنا ، وقد استقل العقل بوجوب إحراز
الفراغ اليقيني بعد العلم باشتغال الذمة . . . وأما بالنظر إلى ما ثبت قطعيا من تقرير
المعصومين عليهم السلام شيعتهم على القراءة ، بأية واحدة من القراءات المعروفة في
زمانهم ، فلا شك في كفاية كل واحدة منها ، فقد كانت هذه القراءات معروفة في
زمانهم ، ولم يرد عنهم أنهم ردعوا عن بعضها ، ولو ثبت الردع لوصل إلينا بالتواتر ،
ولا أقل من نقله بالآحاد ، بل ورد عنهم عليهم السلام إمضاء هذه القراءات بقولهم :
إقرؤوا كما يقرأ الناس . إقرؤا كما علمتم . وعلى ذلك فلا معنى لتخصيص الجواز
بالقراءات السبع أو العشر ، نعم يعتبر في الجواز أن لا تكون القراءة شاذة . . . وصفوة
القول : أنه تجوز القراءة في الصلاة بكل قراءة كانت متعارفة في زمان أهل البيت عليهم
السلام ) انتهى . ونلفت هنا إلى نكتة نحوية في الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام
( كذبوا أعداء الله ) فقد ورد في كثير من الأحاديث والنصوص الفصيحة الجمع بين
فاعلين مضمر وظاهر ، مما يجعلنا نطمئن إلى أنه أسلوب عربي في التأكيد على الفاعل
لغرض من الأغراض . وكذلك تمييز أحد المعطوفات بإعراب آخر لتأكيده كما ورد في
القرآن ، وأن هذه القواعد قد فات النحاة استقراؤها من لغة العرب ، كما فاتهم إضافة
( بقي ) إلى أخوات كان مع أنه لا فرق بينها وبينها .

الروايات السنية الموافقة لرأي أهل البيت

لا أدري لماذا أعرض علماء إخواننا السنة عن هذه الأحاديث مع أن فيها الصحيح ،
وأقل ما يقال فيها أنها تصلح لمعارضة الأحاديث التي تفسر السبعة أحرف بالألفاظ ،
وقواعدهم عند تعارض الأحاديث الصحيحة مثل قواعدنا . . فعندما يتعارض الحديثان
أو المجموعتان من الأحاديث ولا يمكن الجمع بينها ، فإذا وجد مرجح لبعضها رجحناه ،
وإلا فإنها جميعا تتساقط ونتوقف عن الأخذ بأي منها . . وبما أن الجمع بين هاتين
المجموعتين غير ممكن ، فكيف صح لهم أن يرجحوا الأحاديث التي تفسر الأحرف السبعة
بالألفاظ على الأحاديث التي تفسرها بالمعاني ؟ ! مع أن أكبر مرجح للأحاديث التي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 198 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
تفسرها بالمعاني أنها تسد ذريعة التوسع في نص القرآن ، وأنها مضافا إلى صحة
أسنادها ذات معنى مفهوم معقول . . بعكس الأخرى . .
روى الحاكم في مستدركه ج 1 ص 553 وفي ج 2 ص 289 ( . . . عن ابن مسعود
رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال نزل الكتاب الأول من
باب واحد على حرف واحد ونزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف : زاجرا
وآمرا وحلالا وحراما ومحكما ومتشابها وأمثالا ، فأحلوا حلاله وحرموا حرامه وافعلوا
ما أمرتم به وانتهوا عما نهيتم عنه واعتبروا بأمثاله واعملوا بمحكمه وآمنوا بمتشابهه ،
وقولوا آمنا به كل من عند ربنا . هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ) ورواه
السيوطي في الدر المنثور ج 2 ص 6 عن ابن جرير والحاكم وصححه وأبو نصر
السجزي في الإبانة عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم . . . وعن الطبراني
عن عمر بن أبي سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن مسعود . . . إلخ .
وعن ابن الضريس وابن جرير وابن المنذر عن ابن مسعود . . . إلخ . وعن البيهقي في
شعب الإيمان عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أعربوا القرآن
واتبعوا غرائبه وغرائبه فرائضه وحدوده ، فإن القرآن نزل على خمسة أوجه حلال
وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال ، فاعملوا بالحلال واجتنبوا الحرام واتبعوا المحكم وآمنوا
بالمتشابه واعتبروا بالأمثال ) انتهى .
وقال السيوطي في الإتقان ص 170 وهو يعدد الأربعين وجها التي توصل إليها علماء السنة في
تفسير الأحرف السبعة :
( الحادي عشر : أن المراد سبعة أصناف ، والأحاديث السابقة ترده ، والقائلون به
اختلفوا في تعيين السبعة فقيل : أمر ونهي وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال ،
واحتجوا بما أخرجه الحاكم والبيهقي عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم ،
قال ( كان الكتاب الأول ينزل من باب واحد على حرف واحد ، ونزل القرآن من
سبعة أبواب على سبعة أحرف : زاجر وآمر وحلال وحرام ومحكم ومتشابه ،
وأمثال . . . ) انتهى . وقصده بالأحاديث السابقة التي ترد هذا الوجه : أحاديث الخليفة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 199 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عمر التي تنص على أن السبعة أحرف تقصد ألفاظ القرآن لا معانيه ! وبهذا يكون
السيوطي وقف إلى صف الذين أقفلوا باب الحل المعقول لورطة الأحرف السبعة !
وقال في ص 172 ( السادس عشر : إن المراد بها سبعة علوم : علم الإنشاد
والإيجاد ، وعلم التوحيد والتنزيه ، وعلم صفات الذات ، وعلم صفات الفعل ، وعلم
العفو والعذاب ، وعلم الحشر والحساب ، وعلم النبوات ) انتهى . ولا بد أنه يرد هذا
الوجه أيضا ، لأن حديث الخليفة ينص على أن المقصود بالسبعة الألفاظ لا المعاني !
وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ج 7 ص 152 ( وعن عبد الله يعني ابن مسعود أن
النبي صلى الله عليه وسلم قال أنزل القرآن على سبعة أحرف لكل آية منها ظهر
وبطن . . . الخ . رواه البزار وأبو يعلى في الكبير وفي رواية عنده لكل حرف منها بطن
وظهر ، والطبراني في الأوسط باختصار آخره ورجال أحدهما ثقات . ورواية البزار
عنه محمد بن عجلان عن أبي إسحق قال في آخرها لم يرو محمد بن عجلان عن إبراهيم
الهجري غير هذا الحديث ، قلت ومحمد بن عجلان إنما روى عن أبي إسحق السبيعي
فإن كان هو أبو إسحق السبيعي فرجال البزار أيضا ثقات ) انتهى .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 200 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

2 - أخطر فتاوى الخليفة عمر : فتواه بتعويم نص القرآن !

ماذا يقول علماء إخواننا السنة في الفتوى التالية :
( لا يجب على المسلمين أن يتقيدوا في قراءة القرآن بنصه ! لا في صلاتهم ولا في
غيرها ، بل يجوز أن يقرؤوه بالمعنى ، أو بما يقرب من المعنى ، بأي ألفاظ شاؤوا !
والشرط الوحيد أن لا يبدلوا المعنى بحيث ينقلب رأسا على عقب وتصير آية الرحمة آية
عذاب وآية العذاب آية رحمة ! فإذا قرؤوا بهذا الشرط فقراءتهم صحيحة شرعا !
وقراءتهم شرعا قرآن أنزله الله تعالى ! لأن الله رخص أن يقرأ الناس كتابه بأي لفظ
بهذا الشرط ! ! ) .
لا بد أن هذه الفتوى ستغيضهم وتثير غيرتهم على القرآن ، ويصبون بحر غضبهم
على صاحبها أيا كان . . وقد يقولون إنه رافضي كافر ! !
لكن إذا كان صاحبها الخليفة عمر فسوف يختلف الحال ، وسوف يتحمس
علماؤهم الغيارى لتفسير نظرية الخليفة ، ويكثرون من ذكر الأقوال والوجوه
والاحتمالات فيها ، ويفكر بعضهم نيفا وثلاثين سنة حتى يفتح الله عليه بالعثور على
وجه جديد معقول ! بينما يسكت بعضهم . . طالبا من الله الستر والسلامة له
وللخليفة ! !
روى أحمد في مسنده ج 4 ص 30 عن ( إسحق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أبيه
عن جده قال قرأ رجل عند عمر فغير عليه فقال : قرأت على رسول الله صلى الله عليه
وسلم فلم يغير علي ! قال فاجتمعنا عند النبي صلى الله عليه وسلم قال فقرأ الرجل على
النبي صلى الله عليه وسلم فقال له : قد أحسنت ! قال فكأن عمر وجد من ذلك فقال
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 201 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
النبي صلى الله عليه وسلم : يا عمر إن القرآن كله صواب ، ما لم يجعل عذاب مغفرة
أو مغفرة عذابا ! ! ) .
وروى في ج 5 ص 41 ( عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه عن النبي صلى الله
عليه وسلم قال : أتاني جبريل وميكائيل فقال جبريل إقرأ القرآن على حرف واحد ،
فقال ميكائيل استزده ، قال إقرأه على سبعة أحرف كلها شاف كاف ، ما لم تختم آية
رحمة بعذاب أو آية عذاب برحمة ! ! ) .
ورواه أيضا في ج 5 ص 51 وأضاف في آخره ( . . . نحو قولك تعال وأقبل وهلم
واذهب وأسرع وأعجل ) .
وروى في ج 5 ص 124 ( . . . عن أبي بن كعب قال قرأت آية وقرأ ابن مسعود
خلافها فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : ألم تقرئني آية كذا وكذا ؟ قال بلى .
فقال ابن مسعود ألم تقرئنيها كذا وكذا ؟ فقال بلى ! كلاكما محسن مجمل ! قال فقلت
له . . فضرب صدري فقال : يا أبي بن كعب إني أقرئت القرآن فقيل لي على حرف أو
على حرفين ؟ قال فقال الملك الذي معي : على حرفين فقلت على حرفين ؟ ! فقال على
حرفين أو ثلاثة . فقال الملك الذي معي على ثلاثة ؟ فقلت على ثلاثة حتى بلغ سبعة
أحرف ليس منها إلا شاف كاف . إن قلت غفورا رحيما أو قلت سميعا عليما أو عليما
سميعا فالله كذلك ، ما لم تختم آية عذاب برحمة أو آية رحمة بعذاب ! ! ) .
وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ج 7 ص 150 عن رواية أحمد الأولى ( رواه أحمد
ورجاله ثقات ) ثم قال الهيثمي ( وعن أبي بكرة أن جبريل عليه السلام قال يا محمد
إقرا القرآن على حرف ، قال ميكائيل استزده فاستزدته قال إقرأ على حرفين ، قال
ميكائيل استزده فاستزدته قال إقرأ على ثلاثة أحرف ، قال ميكائيل استزده حتى بلغ
سبعة أحرف ، قال كل شاف كاف ما لم يختم آية عذاب برحمة أو رحمة بعذاب ، نحو
قولك تعال وأقبل وهلم واذهب وأسرع وأعجل . رواه أحمد والطبراني بنحوه إلا
أنه قال واذهب وأدبر ، وفيه علي بن زيد بن جدعان وهو سئ الحفظ وقد توبع ، وبقية
رجال أحمد رجال الصحيح ) انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 202 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وروى البخاري في التاريخ الكبير ج 1 ص 382 ( حدثنا موسى بن إسماعيل قال
حدثنا حرب بن ثابت المنقر ، قال حدثني إسحاق الأنصاري عن أبيه عن جده ،
وكانت له صحبة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : القرآن كله صواب ، وقال
عبد الصمد : حدثنا حرب أبو ثابت سمع إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أبيه عن
جده عن النبي صلى الله عليه وسلم - مثله )
وقال في أسد الغابة ج 5 ص 156 ( أبو جارية الأنصاري ، روى عن النبي صلى
الله عليه وسلم أنه قال : القرآن كله صواب . روى حديثه حرب بن ثابت عن إسحاق
بن جارية عن أبيه عن جده ، أخرجه ابن مندة ) .
وقال السيوطي في الإتقان ج 1 ص 168 ( وعند أحمد من حديث أبي هريرة :
أنزل القرآن على سبعة أحرف ، عليما حكيما غفورا رحيما . وعنه أيضا من حديث
عمر : أن القرآن كله صواب ، ما لم تجعل مغفرة عذابا أو عذابا مغفرة ) أسانيدها
جياد ) انتهى .
وروى في كنز العمال ج 1 ص 550 ( القرآن كله صواب - خ في تاريخه عن
رجل له صحبة ) .
وفي ص 618 ( أنفر الشيطان أنفر الشيطان أنفر الشيطان . يا عمر القرآن كله
صواب ما لم يجعل المغفرة عذابا والعذاب مغفرة - البغوي عن إسحاق بن حارثة
الأنصاري عن أبيه عن جده ) .
وفي ص 619 ( يا عمر إن القرآن كله صواب ما لم يجعل عذاب مغفرة ومغفرة
عذابا - حم وسمويه عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أبيه عن جده )
وفي ج 2 ص 52 ( يا أبي إني أقريت القرآن على حرف أو حرفين ، فقال الملك
الذي معي قل على حرفين ، قلت على حرفين ، فقيل لي على حرفين أو ثلاثة ، فقال
الملك الذي معي قل على ثلاثة ، قلت على ثلاثة حتى بلغ سبعة أحرف ، ثم قال ليس
منها إلا شاف كاف ، إن قلت سميعا عليما عزيزا حكيما ، ما لم تختم آية عذاب برحمة
أو آية رحمة بعذاب - د عن أبي ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 203 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي ج 2 ص 603 ( قرأت آية وقرأ ابن مسعود خلافها ، فأتيت النبي صلى الله
عليه وسلم فقلت : ألم تقرئني كذا وكذا ؟ قال : بلى ، فقال ابن مسعود : ألم تقرئني
كذا وكذا ؟ قال : بلى ، كلاكما محسن مجمل ، فقلت له فضرب في صدري وقال : يا
أبي بن كعب إني أقرئت القرآن فقيل لي على حرف أو حرفين ، فقال الملك الذي
معي : على حرفين فقلت على حرفين ، قال حرفين أو ثلاثة ، فقال الذي معي : على
ثلاثة فقلت على ثلاثة ، حتى بلغ سبعة أحرف ليس منها إلا شاف كاف ، إن قلت
غفورا رحيما ، أو قلت سميعا عليما ، أو عليما سميعا فالله كذلك ، ما لم تختم آية
عذاب برحمة ، أو آية رحمة بعذاب - حم ، وابن منيع ، ن ، ع ، ص ) انتهى .
ماذا تعني هذه الروايات ؟
تعني أولا : الفتوى القنبلة المتقدمة وأن نص القرآن مفتوح لقراءة من يريد بالألفاظ
التي يريد ، مع شرط واحد خفيف جدا . . وهو أن لا تقلب المعنى من رحمة ومغفرة إلى
عذاب . . أو من عذاب إلى رحمة ومغفرة ! !
وتعني ثانيا : أن روايات تعويم نص القرآن بمقاييس إخواننا السنة يجب أن تقبل ،
لأنها على الأقل موثقة ، وقد تكون بدرجة صحة روايات البخاري ، الذي هو عندهم
أصح كتاب بعد كتاب الله تعالى !
وتعني ثالثا : أن الخليفة يقول : إذا رأيت أحدا يقرأ القرآن غلطا فلا تغير عليه ، فهل
أنت أعلم بالقرآن من النبي الذي أنزل عليه ؟ ! فلقد غيرت يوما على شخص قراءته فلم
يقبل ، فاحتكمنا عند النبي فصحح قراءته فوجدت في نفسي . . أو كما رووا عن ابن
كعب : ما شككت في نبوة النبي منذ الجاهلية مثل ذلك اليوم ! فقال لي النبي : لا تشك
فنص القرآن هكذا أنزل من عند الله تعالى مفتوحا عائما يصح أن تقرأه بأي لفظ ،
بهذا الشرط البسيط ! !
وتعني رابعا : أن نظرية تعويم نص القرآن تجعل الإنسان يشك في أحاديث السبعة
أحرف ، لأن نظرية التعويم إنما هي نتيجة طبيعية لها . . فنظرية الأحرف السبعة هي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 204 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
( الأميبا ) أو البذور لنظرية التعويم ! ! ونظرية الأحرف السبعة لو طبقها المسلمون لا
سمح الله لأدت إلى هدم لبنات القرآن واحدة واحدة ، أما نظرية التعويم هذه فلو طبقت
لا سمح الله لأدت إلى هدم القرآن سورة سورة ، ثم هدم صرح القرآن كله ! !
وأخيرا ، فإن الناظر في سياسة الخليفة عمر تجاه القرآن يجد فيها حقائق غريبة تبعث
على الحيرة . . ويتساءل عن هدف الخليفة من ورائها فلا يجد الجواب حتى عند ابن
جزي . . فماذا كان يريد الخليفة عمر ؟
فقد تعمد أولا ، تغييب النص القرآني الواحد في عهد أبي بكر وعهده !
وثانيا ، شكل لجنة لجمع القرآن جعل رئاستها لشاب صغير السن أنصاري ويقال
أصله يهودي هو زيد بن ثابت ، وأبعد منها كل الذين شهد بأن النبي أمر المسلمين أن
يأخذوا القرآن منهم ! !
وثالثا ، أعلن أنه ضاع من القرآن أكثره ، وأن اللجنة التي كلفها بجمعه بذلت جهودا
كبيرة لجمعه من الناس والمكتوبات بشرط شاهدين عاديين فقط . . الخ ! .
ورابعا ، القرآن الذي جمعته اللجنة المحترمة لم يره المسلمون . . بل خبأه الخليفة عند
بنته أم المؤمنين حفصة ولم يكن يطلع عليه أحدا . . وربما كان يواصل جمعه وتنقيحه
باجتهاده . . ولكن كان نصيبه الإحراق بعد وفاة حفصة ! !
وخامسا ، روى الخليفة نظرية الأحرف السبعة ولكن لم يسمح بها للناس ، ولا لقراء
القرآن المشهود لهم من النبي صلى الله عليه وآله . . ولم يستفد منها أحد إلا هو نفسه ! !
وسادسا ، كان الخليفة عمر يتدخل في صغير الأمور التي تتعلق بالقرآن والسنة
وكبيرها ، بل في صغير شؤون الآخرين وكبيرها حتى واجهته أم سلمة كما روى
البخاري ج 6 ص 69 ( فقالت أم سلمة عجبا لك يا بن الخطاب دخلت في كل شئ
حتى تبتغي أن تدخل بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وأزواجه ! ) فلم يكن غائبا
عن معاناة المسلمين واختلافهم في قراءة القرآن ، ولا كان من طبيعته التوسعة على
الناس وعدم التدخل . .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 205 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وسابعا ، وإن عجبت فاعجب من أن الخليفة عمر أعطى لنفسه الحق في أن يرخص
لكل الناس بما لم يرخصه الله تعالى لرسوله الذي هو أعظم عقلية بشرية على الاطلاق ،
فقد قال تعالى وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا : ائت بقرآن غير هذا ،
أو بدله . قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي ، إن أتبع إلا ما يوحى إلى . إني أخاف إن
عصيت ربي عذاب يوم عظيم - يونس - 15
وثامنا ، روى الخليفة نظرية تعويم نص القرآن . . ولكن الجو العام للمسلمين لم
يسمح لأحد بالاستفادة منها والحمد لله . . وذلك بسبب قوة القرآن الذاتية وفرادة نصه
المعجز . . فالمسلمون يعرفون أنه كلام رب العالمين وأن النبي نفسه صلى الله عليه وآله
لا يستطيع أن يغير منه حرفا من تلقاء نفسه ، وهم يريدون هذا النص المعجز ولا
يسمعون لقول قائل بأنه سبعة أشكال ، أو أنه مفتوح ليتصرف في نصه المتصرفون
ويحرفوا كلام الله عن مواضعه ويلوون به ألسنتهم ويقولون هو من عند الله تعالى !
* *
لا يجد الإنسان جوابا لأعمال الخليفة هذه . . ولكنه يجد ظروفا خطيرة حدثت على
القرآن بعد النبي صلى الله عليه وآله ، واستمرت بضع عشرة سنة ، وسببت اختلاف
الأمة في نصوصه . . حتى نهض الغيارى على الإسلام ، وكتبوا نسخته على نسخة علي
عليه السلام كما ستعرف . وتجلت فاعلية قوله تعالى إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون .
فالحمد لله الذي جعل الأعمال والنظريات المنافية لحفظ كتابه حبرا على ورق ، وهواء
في شبك ! !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 206 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 207 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل السابع : تحريم الخليفة البحث العلمي في القرآن

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 208 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 209 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

محنة صبيغ التميمي

وثائق القضية

1 - روى الدارمي في سننه ج 1 ص 54 ( عن سليمان بن يسار أن رجلا يقال له
صبيغ قدم المدينة فجعل يسأل عن متشابه القرآن فأرسل إليه عمر وقد أعد له عراجين
النخل فقال : من أنت ؟ قال أنا عبد الله صبيغ ، فأخذ عمر عرجونا من تلك العراجين
فضربه وقال : أنا عبد الله عمر ، فجعل له ضربا حتى دمي رأسه ، فقال يا أمير المؤمنين
حسبك قد ذهب الذي كنت أجد في رأسي !
2 - . . . عن نافع مولى عبد الله أن صبيغ العراقي جعل يسأل عن أشياء من القرآن
في أجناد المسلمين حتى قدم مصر ، فبعث به عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب فلما
أتاه الرسول بالكتاب فقرأه فقال : أين الرجل ؟ فقال في الرحل ، قال عمر أبصر أن
يكون ذهب فتصيبك مني به العقوبة الموجعة ! فأتاه به فقال عمر تسأل محدثة ! ! فأرسل
عمر إلى رطائب من جريد فضربه بها حتى ترك ظهره دبرة ثم تركه حتى برأ ، ثم عاد
له ! ثم تركه حتى برأ ، فدعا به ليعود له ! ! قال فقال صبيغ : إن كنت تريد قتلي
فاقتلني قتلا جميلا ، وإن كنت تريد أن تداويني فقد والله برئت ! ! فأذن له إلى أرضه
وكتب إلى أبي موسى الأشعري أن لا يجالسه أحد من المسلمين ! فاشتد ذلك على
الرجل فكتب أبو موسى إلى عمر أن قد حسنت توبته ، فكتب عمر أن يأذن للناس
بمجالسته ! ! ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 210 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
3 - ورواه في كنز العمال ج 2 ص 331 وقال ( الدارمي ، وابن عبد الحكم ،
كر ) ورواه بروايات أخرى مختلفة ، منها ( عن السائب بن يزيد قال : أتي عمر بن
الخطاب فقيل : يا أمير المؤمنين إنا لقينا رجلا يسأل عن تأويل مشكل القرآن ، فقال
عمر : اللهم أمكني منه ، فبينما عمر ذات يوم جالس يغدي الناس إذ جاء وعليه ثياب
وعمامة صفراء ، حتى إذا فرغ قال يا أمير المؤمنين ( والذاريات ذروا فالحاملات وقرا )
فقال عمر أنت هو ، فقام إليه وحسر عن ذراعيه فلم يزل يجلده حتى سقطت عمامته ،
فقال : والذي نفس عمر بيده لو وجدتك محلوقا لضربت رأسك ، ألبسوه ثيابا واحملوه
على قتب ، وأخرجوه حتى تقدموا به بلاده ، ثم ليقم خطيب ، ثم يقول : إن صبيغا
ابتغى العلم فأخطأه ، فلم يزل وضيعا في قومه حتى هلك ، وكان سيد قومه - ابن
الأنباري في المصاحف ، ونصر المقدسي في الحجة ، واللالكائي ، كر ) . ورواه عن
سليمان بن يسار كرواية الدارمي الأولى ، وقال ( الدارمي ونصر والأصبهاني معا في
الحجة وابن الأنباري واللالكائي كر ) .
4 - عن أبي العديس قال : كنا عند عمر بن الخطاب فأتاه رجل ، فقال يا أمير
المؤمنين ( ما الجوار الكنس ) فطعن عمر بمخصرة معه في عمامة الرجل ، فألقاها عن
رأسه ، فقال عمر : أحروري ؟ والذي نفس عمر بن الخطاب بيده لو وجدتك محلوقا
لأنحيت القمل عن رأسك - الحاكم في الكنى ) .
5 - عن أبي عثمان النهدي عن صبيغ أنه سأل عمر بن الخطاب عن المرسلات
والذاريات والنازعات ، فقال له عمر : ألق ما على رأسك فإذا له ضفيرتان ، فقال له :
لو وجدتك محلوقا لضربت الذي فيه عيناك ، ثم كتب إلى أهل البصرة أن لا تجالسوا
صبيغا ! قال أبو عثمان : فلو جاء ونحن مائة لتفرقنا عنه - نصر المقدسي في الحجة كر ) .
6 - عن محمد بن سيرين قال : كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري أن
لا تجالسوا صبيغا ، وأن يحرم عطاءه ورزقه . ابن الأنباري في المصاحف كر ) .
7 - عن إسحاق بن بشر القريشي قال أخبرنا ابن إسحاق قال جاء رجل إلى عمر
بن الخطاب فقال يا أمير المؤمنين ما النازعات غرقا ، فقال عمر من أنت ؟ قال امرؤ من
أهل البصرة من بني تميم ثم أحد بني سعد ، قال من قوم جفاة ، أما إنك لتحملن إلى
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 211 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عاملك ما يسوءك ، ولهزه حتى فرت قلنسوته ، فإذا هو وافر الشعر ، فقال أما إني لو
وجدتك محلوقا ما سألت عنك ، ثم كتب إلى أبي موسى ، أما بعد فإن الأصبغ بن عليم
التميمي تكلف ما كفي وضيع ما ولي ، فإذا جاءك كتابي هذا فلا تبايعوه ، وإن مرض
فلا تعودوه ، وإن مات فلا تشهدوه . ثم التفت إلى القوم فقال : إن الله عز وجل
خلقكم وهو أعلم بضعفكم فبعث إليكم رسولا من أنفسكم وأنزل عليكم كتابا ، وحد
لكم فيه حدودا أمركم أن لا تعتدوها ، وفرض عليكم فرائض أمركم أن تتبعوها ،
وحرم حرما نهاكم أن تنتهكوها . وترك أشياء لم يدعها نسيانا ، فلا تكلفوها وإنما
تركها رحمة لكم !
قال فكان الأصبغ بن عليم يقول قدمت البصرة فأقمت بها خمسة وعشرين يوما ،
وما من غائب أحب إلي أن ألقاه من الموت ، ثم إن الله ألهمه التوبة وقذفها في قلبه
فأتيت أبا موسى وهو على المنبر ، فسلمت عليه فأعرض عني فقلت أيها المعرض إنه قد
قبل التوبة من هو خير منك ومن عمر ، إني أتوب إلى الله عز وجل مما أسخط أمير
المؤمنين وعامة المسلمين ، فكتب بذلك إلى عمر ، فقال صدق ، إقبلوا من أخيكم ! !
8 - وروى في كنز العمال ج 2 ص 510 ( عن سعيد بن المسيب قال : جاء صبيغ
التميمي إلى عمر بن الخطاب فقال يا أمير المؤمنين : أخبرني عن الذاريات ذروا ، فقال :
هي الرياح ولولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله ما قلته ، قال :
فأخبرني عن الحاملات وقرا ، قال : هي السحاب ولولا أني سمعت رسول الله صلى
الله عليه وسلم يقوله ما قلته ، قال : فأخبرني عن الجاريات يسرا قال : هي السفن
ولولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله ما قلته ، قال فأخبرني عن
المقسمات أمرا ، قال : هي الملائكة ولولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقوله ما قلته . ثم أمر به فضرب مائة وجعل في بيت فلما برأ دعاه فضربه مائة أخرى ،
وحمله على قتب ، وكتب إلى أبي موسى الأشعري : إمنع الناس من مجالسته ، فلم يزالوا
كذلك حتى أتى أبا موسى فحلف له بالأيمان المغلظة ما يجد في نفسه مما كان يجد شيئا ،
فكتب في ذلك إلى عمر ، فكتب عمر ما إخاله إلا قد صدق فخل بينه وبين مجالسة
الناس - البزار قط في الإفراد وابن مردويه - كر ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 212 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
9 - وفي كنز العمال ج 11 ص 296 ( مسند عمر ، عن صبيغ بن عسل قال :
جئت عمر بن الخطاب زمان الهدنة وعلي غديرتان وقلنسوة فقال عمر : إني سمعت
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : يخرج من المشرق حلقان الرؤوس يقرأون
القرآن لا يجاوز حناجرهم ، طوبى لمن قتلوه وطوبى لمن قتلهم ! ثم أمر عمر أن لا
أداوى ولا أجالس - كر ) .
10 - وفي الدر المنثور ج 2 ص 7 ( وأخرج الدارمي في مسنده ونصر المقدسي في
الحجة عن سليمان بن يسار أن رجلا يقال له صبيغ قدم المدينة فجعل يسأل عن متشابه
القرآن ، فأرسل إليه عمر وقد أعد له عراجين النخل . . . - وأخرج الدارمي عن نافع
أن صبيغا العراقي . . . الخ .
11 - وأخرج ابن عساكر في تاريخه عن أنس أن عمر بن الخطاب جلد صبيغا
الكوفي في مسألة عن حرف من القرآن حتى اطردت الدماء في ظهره .
12 - وأخرج ابن الأنباري في المصاحف ونصر المقدسي في الحجة وابن عساكر ،
عن السائب بن يزيد أن رجلا قال قال لعمر إني مررت برجل يسأل عن تفسير
مشكل القرآن ! فقال عمر : اللهم أمكني منه ، فدخل الرجل يوما على عمر فسأله ،
فقام عمر فحسر عن ذراعيه وجعل يجلده ثم قال ألبسوه تبانا واحملوه على قتب وأبلغوا
به حيه ، ثم ليقم خطيب فليقل إن صبيغا طلب العلم فأخطأه ، فلم يزل وضيعا في قومه
بعد أن كان سيدا فيهم .
13 - وأخرج نصر المقدسي في الحجة وابن عساكر عن أبي عثمان النهدي أن عمر
كتب إلى أهل البصرة أن لا يجالسوا صبيغا ، قال فلو جاء ونحن مائة لتفرقنا .
14 - وأخرج ابن عساكر عن محمد بن سيرين قال : كتب عمر بن الخطاب إلى
أبي موسى الأشعري أن لا يجالس صبيغا ، وأن يحرمه عطاءه ورزقه .
15 - وأخرج نصر في الحجة وابن عساكر عن زرعة قال : رأيت صبيغ بن عسل
بالبصرة كأنه بعير أجرب يجئ إلى الحلقة ويجلس وهم لا يعرفونه ، فتناديهم الحلقة
الأخرى عزمة أمير المؤمنين عمر ، فيقومون ويدعونه .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 213 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
16 - وأخرج نصر في الحجة عن أبي إسحق أن عمر كتب إلى أبي موسى
الأشعري : أما بعد فإن الأصبغ تكلف ما خفي وضيع ما ولي ، فإذا جاءك كتابي هذا
فلا تبايعوه ، وإن مرض فلا تعودوه ، وإن مات فلا تشهدوه .
17 - وأخرج الهروي في ذم الكلام عن الأم للشافعي رضي الله عنه قال : حكمي
في أهل الكلام حكم عمر في صبيغ أن يضربوا بالجريد ويحملوا على الإبل ويطاف بهم
في العشائر والقبائل ، وينادى عليهم : هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة ، وأقبل على
علم الكلام ! !
18 - وفي الدر المنثور ج 3 ص 161 ( وأخرج مالك وابن أبي شيبة وأبو عبيد
وعبد بن حميد وابن جرير والنحاس وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه
عن القاسم بن محمد قال : سمعت رجلا يسأل ابن عباس عن الأنفال فقال الفرس من
النفل والسلب من النفل ، فأعاد المسألة فقال ابن عباس ذلك أيضا ، قال الرجل الأنفال
التي قال الله في كتابه ما هي ؟ فلم يزل يسأله حتى كاد يحرجه ، فقال ابن عباس : هذا
مثل صبيغ الذي ضربه عمر ، وفي لفظ فقال : ما أحوجك إلى من يضربك كما فعل
عمر بصبيغ العراقي ، وكان عمر ضربه حتى سالت الدماء على عقبيه ! ) .
19 - وفي الدر المنثور ج 6 ص 111 ( وأخرج البزار والدارقطني في الإفراد وابن
مردويه وابن عساكر عن سعيد بن المسيب قال : جاء صبيغ التميمي إلى عمر بن
الخطاب رضي الله عنه فقال أخبرني عن الذاريات ذروا . . . الخ .
20 - وأخرج الفريابي عن الحسن قال سأل صبيغ التميمي عمر بن الخطاب رضي
الله عنه عن الذاريات ذروا وعن المرسلات عرفا وعن النازعات غرقا ؟ فقال عمر رضي
الله عنها : إكشف رأسك فإذا له ضفيرتان ، فقال : والله لو وجدتك محلوقا لضربت
عنقك ! ثم كتب إلى أبي موسى الأشعري أن لا يجالسه مسلم ولا يكلمه ! ) .
21 - وفي إكمال الكمال ج 5 ص 221 ( وأما صبيغ بالصاد المهملة وغين معجمة
فهو صبيغ بن عسل الذي كان يسأل عمر عن غريب القرآن .
22 - وفي إكمال الكمال ج 6 ص 206 ( وعسل بن عبد الله بن عسل التميمي
، حدث عن عمه صبيغ بن عسل قال : جئت عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 214 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وهو الذي كان يتتبع مشكل القرآن فأمر عمر رضي الله تعالى عنه أن لا يجالس ، وقال
يحيى بن معين : هو صبيغ ابن شريك من بني عمرو بن يربوع ، روى خالد بن نزار عن
عمر بن قيس عن عسل . وقال في هامشه : في الأصل ( كتب ، وفي الإصابة ) روى
الخطيب من طريق عسل بن عبد الله بن عسيل ( كذا ) التميمي عن عطاء بن أبي رباح
عن عمه صبيغ بن عسل قال جئت عمر فذكر قصة ثم قال : الضمير في قوله عن عمه
يعود على عسل . وربيعة بن عسل أحد بني عمرو بن يربوع بن حنظلة - ذكره ابن
الكلبي في جمهرة بني تميم . وأما عسل بفتح العين والسين فهو عسل بن ذكوان ،
أخباري ) انتهى . والأخباري في ذلك الوقت هو المؤرخ في عصرنا .
23 - وفي معجم البلدان ج 4 ص 124 ( عسل : بكسر أوله ، وسكون ثانيه ،
وآخره لام ، يقال : رجل عسل مال كقولك ذو مال ، وهذا عسل هذا وعسنه أي
مثله ، وقصر عسل : بالبصرة بقرب خطة بني ضبة ، وعسل : هو رجل من بني تميم من
ولده صبيغ بن عسل الذي كان يتتبع مشكلات القرآن فضربه عمر بن الخطاب ، رضي
الله عنه ، وأمر أن لا يجالس ) .

الصيغة القضائية لقضية صبيغ

المتهم : صبيغ التميمي رئيس عشيرة صغيرة من مراد من تميم تسكن في البصرة ،
وكان يقرأ ويكتب وعنده بعض الكتب ، أي كان متعلما أو مثقفا ، وكان جده أو
أبوه مؤرخا .
التهمة : ثبت عند الخليفة أن المتهم سأل عن أمور محدثة ، يعني أسئلة دينية جديدة لم
يسأل أحد عنها سابقا ، كما في الوثيقة رقم 2 ، أو عن متشابه القرآن أو مشكل
القرآن أو غريب القرآن ، كما في الوثيقة رقم 1 و 3 و 12 و 22 و 23 أو عن حرف
من القرآن كما في الوثيقة رقم 11 أو عن معنى الذاريات كما في الوثيقة رقم 3 و 5
و 8 و 19 أو عن معنى النازعات كما في الوثيقة رقم 5 و 7 و 20 أو عن معنى الجواري
الكنس كما في الوثيقة رقم 4 . . وقد ذكرت المصادر أنه طرح هذه الأسئلة على بعض
الناس عندما كان مجندا في مصر كما في الوثيقة رقم 2 وأنه جاء إلى عاصمة الخلافة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 215 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ليسأل الخليفة عن ذلك كما في الوثيقة رقم 1 و 7 و 8 و 9 و 19 و 22 ، ولم تذكر أنه
طرح أي أفكار مخالفة للعقيدة أو أنه أثر على أحد من الناس .
الحكم : حيث أن المتهم سأل عن أمور محدثة سكت عنها القرآن ، كما في الوثيقة
رقم 2 ، وقد ثبت ذلك عليه جهارا نهارا في محضر الخليفة وتحت سمعه وبصره ! وحيث
أنه بذلك اعتدى على الخليفة وعلى حدود الله تعالى ، وتكلف البحث فيما تركه الله
وما خفي من أمور الدين !
وحيث أنه بذلك ضيع ما ولي وما وجب عليه من أداء واجباته الدينية كما في الوثيقة
رقم 3 و 7 و 12 و 16 !
لذلك حكم عليه الخليفة بما هو آت :
أولا : القبض على المتهم صبيغ التميمي بكل وسيلة وإحضاره إلى العاصمة ، وإن
هرب من يد الرسول الذي أحضره فعليه العقوبة لتقصيره في تسليمه ، كما في الوثيقة
رقم 2 .
ثانيا : تعد له حزمة من عراجين النخل الرطبة قبل حضوره كما في الوثيقة رقم 1
و 2 و 10 و 12 ، فيضرب بها على رأسه المكشوف وبدنه حتى يسيل الدم على رأسه
كما في الوثيقة رقم 1 وحتى يجري دمه على ظهره كما في الوثيقة رقم 2 و 11 ويسيل
على عقبيه كما في الوثيقة رقم 18 وحتى يصير ظهره مثخنا بجراح العراجين كما في
الوثيقة رقم 2 ، ثم يرسل إلى السجن حتى تبرأ جراحه ، ثم يعاد ضربه بنفس الطريقة مرة
ثانية ، كما في الوثيقة رقم 2 و 8 . .
ثالثا : وحيث أن المتهم قد يسبب بعمله أن يفتح في الإسلام باب الأسئلة المحرمة ،
ولكي تكون العقوبة رادعة لأمثاله من المجرمين . . فقد أصدر الخليفة عليه حكمه بأن
يلبس تبانا ( لباس مثل الكيس ) ويحمل على جمل إلى عشيرته ويطاف به فيها وفي
القبائل الأخرى ويشهر به وينادى عليه كما في الوثيقة رقم 3 و 12 ثم يقوم خطيب
ويقول إن صبيغا ابتغى العلم فأخطأه كما في الوثيقة رقم 3 و 12 وتكلف ما كفي وما
خفي رقم 7 و 16 وأن يحرم رزقه وعطاءه من بيت المال كما في الوثيقة رقم 6 و 14
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 216 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأن لا يجالسه أحد ، كما في أكثر الوثائق ، وأن لا يبايعه ، أحد وإن مرض فلا يعوده
أحد وإن مات فلا يشهد أحد جنازته ، كما في الوثيقة رقم 16 وغيرها .
رابعا : أما إذا تاب صبيغ وأناب ، فينتظر به سنة كما ذكر الفقهاء المدافعون عن
الخليفة ، حتى يطمأن بأن توبته صادقة وأنه ترك الأسئلة المحرمة ، فإن ثبت للخليفة
حسن توبته ، يطلب من المسلمين الذين أساء إليهم المجرم صبيغ بأسئلته ، أن يعفوا عنه
ويقبلوا من أخيهم توبته كما في الوثيقة رقم 7 ! !

تحليل قضية صبيغ

إن قصة صبيغ التميمي تثير التعجب والتساؤل عن ذنب الرجل ؟ وهل السؤال عن
معنى آيات القرآن حرام ؟ وإذا كان حراما ، فهل جزاؤه الشرعي هذا الجزاء القاسي ؟ !
أم أن في الأمر شيئا آخر ؟
حاولت أن أجد في حيثيات الحكم الذي أصدره الخليفة ما يبرره . . فلم أجد !
وبحثت عن وجود تهمة غير السؤال على صبيغ ، فقد يكون زنديقا ، أو جاسوسا ، أو
مبتدعا في الدين له شخص واحد يتبعه . . فما وجدت إلا أنه كان يتساءل عن
مشكلات القرآن ، حتى أتى إلى الخليفة يسأله ! !
ظاهر المسألة أنها دينية صرفة وأن صبيغا من أهل البحث والجدل ، فأراد الخليفة أن
يسد باب البحث والجدل ويحذر المسلمين من ذلك ، فقد كان يتبنى خط تحريم البحث
في معاني القرآن وموضوعاته ، وحتى في تفسير ألفاظه ومفرداته ، كما نرى في روايات
أخرى !
وحسب الأصول القضائية والشرعية لا بد أن نبقى متمسكين بدلالة ظاهر النص حتى
نجد قرائن توجب الاطمئنان بخلافه . وقد فهم الإمام الشافعي قضية صبيغ على ظاهرها
هذا كما رأيت في الوثيقة رقم 17 ، وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء ج 10 ص 29 :
( الزعفراني وغيره : سمعنا الشافعي يقول : حكمي في أهل الكلام أن يضربوا
بالجريد ، ويحملوا على الإبل ، ويطاف بهم في العشائر ، ينادى عليهم : هذا جزاء من
ترك الكتاب والسنة ، وأقبل على الكلام .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 217 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال أبو عبد الرحمن الأشعري صاحب الشافعي : قال الشافعي : مذهبي في أهل
الكلام تقنيع رؤوسهم بالسياط ، وتشريدهم في البلاد . قلت : لعل هذا متواتر عن
الإمام ) انتهى .
ولكن كيف يحكم الشافعي على صبيغ بأنه ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام ؟ !
فأسئلته لا تدل على ذلك ؟ وحيثيات حكم الخليفة لا تتضمن شيئا من ذلك ؟ ! على أن
الشافعي دافع عن ضرب الخليفة لصبيغ فقط ، لكن تبقى فتوى الخليفة بقتله لو كان
حلق رأسه ، وفتواه بعدم قبول توبته إلا بعد سنة . . وستعرف أن الشافعي خالف فيهما
الخليفة ، فلا يجوز قتال الخوارج عنده ما لم يشهروا السلاح ضد الدولة ، كما أن التوبة
تقبل عنده رأسا !

محاولة جعل صبيغ من الخوارج

حاول محبوا الخليفة في بعض مصادر الفقه والتراجم أن يتهموا صبيغا بأنه كان
خارجيا ، ولكن الخوارج بدأ وجودهم في زمن الإمام علي عليه السلام بعد زمان
الخليفة عمر وعثمان ، فكيف يكون صبيغ خارجيا قبل الخوارج ؟ ! وحتى لو كان
للخوارج وجود فكري في ذلك الوقت فهو بدايات أفكار ومفاهيم تكونت لديهم بحكم
أنهم قراء للقرآن لم تزد عن كونها أسئلة ، ولنفرض أن أسئلة صبيغ منها ، وأن أسئلة
الوفد المصري منها . . فهل يستحقون هذه العقوبة . . وهل معالجة ظاهرتهم تكون بما
فعله الخليفة ؟ !
قال ابن حجر في لسان الميزان ج 3 ص 439 ( قال أبو سعيد بن يونس في تاريخ
مصر : عبد الرحمن بن ملجم المرادي أحد بني مدرك ، أي حي من مراد ، شهد فتح
مصر واختط بها - بني بها دارا - يقال إن عمرو بن العاص أمره بالنزول بالقرب منه
لأنه كان من قراء القرآن وكان فارس قومه المعدود فيهم بمصر ، وكان قرأ على معاذ
بن جبل وكان من العباد . ويقال إنه كان أرسل صبيغ بن عسل إلى عمر يسأل عن
مشكل القرآن . وقيل إن عمر كتب إلى عمرو أن قرب دار عبد الرحمن بن ملجم من
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 218 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
المسجد ليعلم الناس القرآن والفقه ، فوسع له فكان داره إلى جنب دار ابن عديس .
وهو الذي قتل علي بن أبي طالب رضي الله عنه ) .
وقال السمعاني في الأنساب ج 1 ص 451 ( التدؤلي : بفتح التاء المنقوطة باثنتين
من فوقها وسكون الدال المهملة وهمزة الواو المضمومة في آخرها اللام ، هذه النسبة إلى
تدؤل وهو بطن من مراد من جملتهم عبد الرحمن بن ملجم المرادي التدؤلي أحد بني
تدؤل شهد فتح مصر واختط بها وخطته بالراية مع الأشراف ، وله خطة أيضا مع قومه
بمراد ، وله مسجد هنالك معروف ، يقال إن عمرو بن العاص أمره بالنزول بالقرب منه
لأنه كان من قراء القرآن وأهل الفقه ، وكان فارس تدؤل المعدود فيهم بمصر وكان قرأ
القرآن على معاذ بن جبل ، وكان من العباد ، ويقال هو الذي كان أرسل صبيغ بن
عسل التميمي إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فسأله عما سأله من معجم القرآن ،
وقيل إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى عمرو بن العاص أن قرب دار
عبد الرحمن بن ملجم من المسجد ليعلم الناس القرآن والفقه فوسع له مكان داره التي في
الراية في الزيارتين إلى جانب دار ابن عديس البلوي قاتل عثمان رضي الله عنه ،
وعبد الرحمن بن ملجم هو الذي قتل علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وقتل ابن ملجم
لعنه الله بالكوفة سنة أربعين وكان من شيعة علي رضي الله عنه ، وخرج إليه إلى
الكوفة ليبايعه ويكون معه وشهد صفين معه ، وروي أن علي بن أبي طالب رضي الله
عنه دعا الناس إلى البيعة فجاء ابن ملجم فرده ، ثم جاء فرده ، ثم جاء فبايعه ، ثم قال
علي رضي الله عنه : ما يحبس أشقاها ؟ ما يحبس أشقاها ؟ أما والذي نفسي بيده
لتخضبن هذه وأخذ بلحيته من هذا وأخذ برأسه ثم تمثل :
أشدد حيازيمك للموت فإن الموت آتيكا
ولا تجزع من الموت إذا حل بواديكا ) انتهى .
وهذان الخبران لا يفيدان تهمة لصبيغ ولا يثبتان غرضا سياسيا لأسئلته حتى لو كان
قاصدا من مصر لطرحها على الخليفة . بل لو كان أرسله عبد الرحمن بن ملجم لكان
احترمه الخليفة وما هجم عليه هذه الهجمة المنكرة ، لأن ابن ملجم يومذاك كان مقربا
عند الخليفة وقد أمر عمرا بن العاص أن يجعله معلما ومفقها للمسلمين في مصر . .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 219 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولعل هذا السبب في أن السمعاني روى دعوى إرسال ابن ملجم لصبيغ بلفظ
( قيل ) وكذلك ابن حجر .
ثم لو كان صبيغ خارجيا لانضم إليهم عندما ظهروا ، ولما روى عن الخليفة ذم
الخوارج ووجوب قتلهم كما في الوثيقة رقم 10 .
ومع ذلك فهناك مؤشرات تفتح باب الاحتمال لأن تكون قضية صبيغ شخصية أو
سياسية . فبعض روايات الحادثة تذكر أن الخليفة عرف صبيغا من سؤاله عن الذاريات
كما في الوثيقة رقم 3 ( حتى إذا فرغ قال يا أمير المؤمنين والذاريات ذروا فالحاملات وقرا
فقال عمر أنت هو ، فقام إليه وحسر عن ذراعيه فلم يزل يجلده حتى سقطت عمامته ،
فقال : والذي نفس عمر بيده لو وجدتك محلوقا لضربت رأسك ، ألبسوه ثيابا ( تبانا )
واحملوه على قتب . . . ) وأنه كان أعد له العراجين أي عروق سعف النخل مسبقا كما
في الوثيقة 1 و 11 ، فقد يكون صبيغ جاء إلى المدينة سابقا وسأل الخليفة عن الذاريات
فلم يعرف الخليفة جوابها ، فذهب إلى مصر يشهر بالخليفة بأنه لا يفهم القرآن ، فكتب
له ابن العاص بالخبر وأن جماعة من قراء القرآن في مصر يغتابون الخليفة ويتهمونه بأنه
لا يعرف تفسير القرآن ، ولا يطبق كثيرا من آياته ! فأمر ابن العاص أن يحضره وعرفه
من سؤاله . .
ويؤيد هذا الاحتمال ما رواه السيوطي في الدر المنثور ج 2 ص 145 والهندي في
كنز العمال ج 2 ص 330 ( عن الحسن أن ناسا لقوا عبد الله بن عمرو بمصر ، فقالوا
نرى أشياء من كتاب الله أمر أن يعمل بها لا يعمل بها ، فأردنا أن نلقى أمير المؤمنين
في ذلك فقدم وقدموا معه فلقي عمر ، فقال : يا أمير المؤمنين أن ناسا لقوني بمصر ،
فقالوا إنا نرى أشياء من كتاب الله أمر أن يعمل بها لا يعمل بها ، فأحبوا أن يلقوك في
ذلك ، فقال أجمعهم لي فجمعهم له ، فأخذ أدناهم رجلا فقال : أنشدك بالله وبحق
الإسلام عليك أقرأت القرآن كله ؟ فقال : نعم : قال فهل أحصيته في نفسك ؟ قال لا ،
قال فهل أحصيته في بصرك ؟ قال لا ، قال فهل أحصيته في لفظك ؟ هل أحصيته في
أثرك ؟ ثم تتبعهم حتى أتى على آخرهم ، قال : ثكلت عمر أمه ، أتكلفونه أن يقيم
الناس على كتاب الله ؟ قد علم ربنا أنه سيكون لنا سيئات وتلا إن تجتنبوا كبائر ما تنهون
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 220 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما ) هل علم أهل المدينة فيم قدمتم ؟ قالوا لا .
قال لو علموا لوعظت بكم ! ! - ابن جرير ) .
وقال في هامشه : لوعظت بكم أي خفقهم بالدرة أو غيرها حيث أن سؤالهم يترتب عليه بعض الشبهات
في العقيدة الإيمانية ) انتهى .
فهذه القصة تشبه قصة صبيغ في أن هؤلاء المصريين جاؤوا من مصر ليسألوا الخليفة
عن آيات من القرآن فيها أوامر إلهية لا يرون تطبيقها في دولة الخليفة . . فكانت
أسئلتهم إدارية سياسية ، وقد أجابهم الخليفة بأن القرآن بحر لا يمكن إحصاؤه كله في
الحفظ أو الفهم أو النظر إلى صفحات كتابه في آن واحد ! فكيف يمكن لخليفة مثلي
تطبيقه كله ! فارضوا بما ترون من تطبيقي وتطبيق عمالي منه ولا تثيروا علينا المشاكل ،
ولا تذكروا إشكالاتكم هذه أمام أحد ، وإلا فالدرة وعراجين النخل حاضرة !
فقد أمر الخليفة بإغلاق باب البحث والسؤال عن تطبيق الدولة للقرآن تحت تهديد
العقوبة . . وقول المعلق على كتاب كنز العمال إن أسئلة المصريين تستحق الضرب لأنها
يترتب عليها بعض الشبهات في العقيدة الإيمانية ، قول لا دليل عليه إلا التبرع بالدفاع عن
عمر !
على أي حال ، من المحتمل أن يكون صبيغا التميمي من نوع هؤلاء المصريين ،
ولكن لو صح هذا الاحتمال فهل يستحق تلك العقوبة ؟ ألم يكن تهديد الخليفة كافيا له
كزملائه ؟ ! أم أن ذنب صبيغ أنه ليس مصريا ، ولو كان مصريا لنجا بجلده ؟ !
ومن المحتمل أيضا أن السؤال عن الذاريات كانت له قصة في ذلك الوقت وكان
مرتبطا بأسئلة أخرى ، قال الصديق المغربي في كتابه فتح الملك العلي ص 75 ( قال
الحاكم في المستدرك . . . ثنا أبو الطفيل قال : رأيت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب
رضي الله عنه قام على المنبر فقال : سلوني قبل أن تفقدوني ولن تسألوا بعدي مثلي ،
قال فقام ابن الكوا فقال : يا أمير المؤمنين ما الذاريات ذروا ؟ قال : الرياح ، قال : فما
الحاملات ؟ وقرا ، قال : السحاب ، قال : فما الجاريات يسرا ؟ قال : السفن ، قال :
فما المقسمات أمرا ؟ قال : الملائكة ، قال : فمن الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا
قومهم دار البوار جهنم ؟ قال : منافقوا قريش ، صححه الحاكم ) انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 221 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولكن لو صح هذا الاحتمال أيضا وكان مع أسئلتهم عن الذاريات أسئلة أخرى
محرجة عن انحراف الأمة . . فهي لا تستحق العقوبة التي نزلت بصبيغ ! !

تحير الفقهاء في عقوبة صبيغ

وقد تحير الفقهاء في توجيه حكم الخليفة على صبيغ ، فحاولوا أن يثبتوا لسؤاله بعدا
عقائديا سياسيا ، قال ابن قدامة في المغني ج 1 ص 73 :
( فصل : واختلفت الرواية عن أحمد في حلق الرأس فعنه أنه مكروه لما روي عن
النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في الخوارج ( سيماهم التحليق ) فجعله علامة لهم
وقال عمر لصبيغ : لو وجدتك محلوقا لضربت الذي فيه عيناك بالسيف ) انتهى .
وقال في ج 10 ص 58 ( فصل ، وإذا أظهر قوم رأي الخوارج مثل تكفير من
ارتكب كبيرة وترك الجماعة واستحلال دماء المسلمين وأموالهم إلا أنهم لم يخرجوا عن
قبضة الإمام ولم يسفكوا الدم الحرام ، فحكي القاضي عن أبي بكر أنه لا يحل بذلك
قتلهم ولا قتالهم ، وهذا قول أبي حنيفة والشافعي وجمهور أهل الفقه . . . وأما من رأى
تكفيرهم فمقتضى قوله أنهم يستتابون فإن تابوا وإلا قتلوا لكفرهم كما يقتل المرتد ،
وحجتهم قول النبي صلى الله عليه وسلم ( فأينما لقيتموهم فاقتلوهم ) . . . وقول عمر
لصبيغ لو وجدتك محلوقا لضربت الذي فيه عيناك بالسيف ، يعني لقتلتك ، وإنما يقتله
لكونه من الخوارج ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال سيماهم التسبيد يعني حلق
رؤوسهم ) انتهى .
يقصد ابن قدامة أن الخليفة كان يفتي بقتل من حلق رأسه لأن ذلك شعار الخوارج !
وهو توجيه غريب لحكم الخليفة على صبيغ ، فأين كان الخوارج في زمن الخليفة عمر ؟
ومن روى هذا الحديث ؟ ومن صححه ؟ وكيف يمكن توجيه ما قاله وما فعله الخليفة
عمر بحدث تاريخي بدأ بعد وفاته بربع قرن ! .
وينبغي الالتفات هنا إلى أن من عادة العرب عند العزم على شئ والإستماتة في سبيله
أن يحلقوا رؤوسهم علامة على ذلك . . وقد ورد أن جماعة من الأنصار والمهاجرين
جاؤوا إلى علي عليه السلام بعد فراغه من مراسم جنازة النبي صلى الله عليه وآله
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 222 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
واعترضوا بشدة على عدم دعوته إلى السقيفة وبيعة أبي بكر ، وقالوا للإمام نحن معك
وفي عنقنا لك بيعة أخذها النبي من الجميع يوم غدير خم ، فقال لهم الإمام : إن كنتم
صادقين فاغدوا إلي محلقين . . فجاءه منهم في الغد سبعة فقط أو ثلاثة ، فأخبرهم أن
النبي صلى الله عليه وآله أوصاه أن لا يتحرك إلا إذا اجتمع له أربعون رجلا !
فالخوارج لم ينشؤوا عادة حلق الرؤوس من عندهم ، بل استفادوا من عرف عربي
موجود استفاد منه قبلهم علي عليه السلام ، فقد يكون الخليفة مثلا أراد أن يعرف هل
أن صبيغا عضو في حركة حلقوا رؤوسهم وتعاهدوا على معارضة الخليفة ، فيكون ذلك
مؤشرا احتماليا آخر على أن قضية صبيغ سياسية .
وهناك مؤشر ثالث وهو أن الشاكي صاحب التقرير على صبيغ هو عمرو بن العاص
الذي كان فكره وعمله الأمور السياسية والتخطيط ضد هذا وذاك ، ولم يعهد عنه
اهتمام بالأمور الفكرية والعقائدية كالسؤال عن القرآن ! بل قد يكون هو الذي أرسل
المصريين المعترضين إلى الخليفة مع ولده عبد الله ليلاقوا جزاءهم !
هذا ، ولكنها تبقى احتمالات ، ويبقى الحكم على قضية صبيغ حسب ظاهرها
كما فهمها الفقهاء وأنها قضية بحث وجدل في القرآن ، أو قضية شخصية ، أقوى من الحكم عليها بأنها
سياسية ، خاصة عندما نرى حياة صبيغ العادية غير السياسية . . فقد عاش بعد الخليفة
ولم يظهر منه شئ مخالف لخط الخليفة !

وتحير الفقهاء في توبة صبيغ

عن أي شئ كانت توبة صبيغ التميمي ؟ الظاهر أنها توبة عن السؤال فقط وفقط ! !
وقد تاب وهو تحت عراجين النخل وقال للخليفة : اعفني ، سامحني ، فقد كان
في رأسي أسئلة أو تساؤلات ، وذهب الذي كان في رأسي ، وإني تائب إلى الله
وإليك . . ولكن الخليفة لم يعفه ولم يقبل توبته إلا بعد أن دمر شخصيته وجعله ميتا في
الأحياء ! فلماذا اشترط الخليفة مضي سنة من إعلان توبة صبيغ حتى يثبت صدقها ، مع
أن التوبة إما أن لا تقبل ، وإما تقبل رأسا ؟ ! هذا ما حير فقهاء المذاهب الأربعة !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 223 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال ابن قدامة في المغني ج 12 ص 80 :
( فصل : ظاهر كلام أحمد والخرقي أنه لا يعتبر في ثبوت أحكام التوبة من قبول
الشهادة وصحة ولايته في النكاح إصلاح العمل ، وهو أحد القولين للشافعي ، وفي
القول الآخر يعتبر إصلاح العمل . . . ولأن عمر رضي الله عنه لما ضرب صبيغا أمر
بهجرانه حتى بلغته توبته ، فأمر أن لا يكلم إلا بعد سنة . ولنا : قوله عليه السلام :
التوبة تجب ما قبلها ، وقوله : التائب من الذنب كمن لا ذنب له ، ولأن المغفرة تحصل
بمجرد التوبة فكذلك الأحكام ، ولأن التوبة من الشرك بالإسلام لا تحتاج إلى اعتبار ما
بعده وهو أعظم الذنوب كلها ، فما دونه أولى ! فأما الآية فيحتمل أن يكون الإصلاح
هو التوبة وعطفه عليها لاختلاف اللفظين ، ودليل ذلك قول عمر لأبي بكرة : تب أقبل
شهادتك ، ولم يعتبر أمرا آخر ، ولأن من كان غاصبا فرد ما في يديه أو مانعا الزكاة
فأداها وتاب إلى الله تعالى قد حصل منه الإصلاح ، وعلم نزوعه من معصيته بأداء ما
عليه ، ولو لم يرد التوبة ما أدى ما في يديه . ولأن تقييده بالسنة تحكم لم يرد الشرع
به ، والتقدير إنما يثبت بالتوقيف ) انتهى .
إلى هنا تلاحظ أن كلام ابن قدامة كلام فقهي قوي . . ثم أخذ ينقض مبانيه التي
أثبتها للتوبة فقال :
( وما ورد عن عمر في حق صبيغ إنما كان لأنه تائب من بدعة وكانت توبته بسبب
الضرب والهجران فيحتمل أنه أظهر التوبة تسترا بخلاف مسألتنا . وقد ذكر القاضي أن
التائب من البدعة يعتبر له مضي سنة لحديث صبيغ رواه أحمد في الورع قال : ومن
علامة توبته أن يجتنب من كان يواليه من أهل البدع ، ويوالي من كان يعاديه من أهل
السنة . والصحيح أن التوبة من البدعة كغيرها إلا أن تكون التوبة بفعل يشبه الإكراه
كتوبة صبيغ فيعتبر له مدة تظهر أن توبته عن إخلاص لا عن إكراه . وللحاكم أن يقول
للمتظاهر بالمعصية تب أقبل شهادتك قال مالك لا أعرف هذا ، قال الشافعي وكيف لا
يعرفه وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتوبة ، وقاله عمر لأبي بكرة ! ! ) انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 224 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وهكذا طبق الفقهاء على صبيغ أنه لا بد أن تمضي عليه سنة ليعرف أنه ( اجتنب من
كان يواليه من أهل البدع ويوالي من كان يعاديه من أهل السنة ) ولكن صبيغا لم يكن
له فئة غير أهل السنة ، وإن كان له فئة فكيف يعرف أنه اجتنبهم وهو ممنوع المجالسة
والمكالمة الخ . .

النتيجة

والنتيجة أن صبيغا دفع في حياته ثمن أسئلته غاليا ، ثم دفعها على يد الفقهاء من
سمعته لأجل تبرير عمل الخليفة ، فصار صاحب بدعة ، وصار خارجيا مستحقا للعقوبة
قبل ظهور الخوارج وتسميتهم خوارج بربع قرن أو أكثر . . كل ذلك بدون دليل عند
أحد من هؤلاء الفقهاء إلا عمل الخليفة . . ويمكن أن يصير صبيغ بعد مدة رافضيا خبيثا ،
مع أني لم أجد له إشارة مدح واحدة في مصادر الشيعة !
ولكن لا يختلف الحال في غرض بحثنا ، فسواء اعتبرنا قضية صبيغ قضية علمية أو
عقائدية أو شخصية أو سياسية . . فإنها قضية تخدم تحريم البحث العلمي في القرآن
والسؤال عن غوامضه وحتى عن معاني ألفاظه ومفرداته ، كما نرى في نهي الخليفة عن
البحث في معنى : وفاكهة وأبا . . وغيرها ، وغيرها !
وإذا أردنا تطبيق أحكام الخليفة على صبيغ في عصرنا فيجب على الحاكم المسلم أن
يجمع كتب التفسير ويحرقها ، ثم يقيم الحد الشرعي على المفسرين وطلبة العلوم
القرآنية ، فيجلدهم حتى تسيل دماؤهم على رؤوسهم وظهورهم وأعقابهم ، والأحوط
أن يكون ذلك بجريد النخل الرطب ، ثم يسجنهم حتى يبرؤوا ، ثم يضربهم مرة ثانية
وثالثة . . ثم يلبسهم تبابين ويركبهم في شاحنات ويطوفهم في مدنهم وقراهم . . ويحذر
الناس من شرهم . . إلى آخر أحكام الخليفة .
هذا إذا كانت أسئلتهم بمقدار أسئلة صبيغ ، أما إذا كانت أسئلتهم أكثر مثل طلبة
المعاهد والجامعات الدينية في عصرنا ، فيجب أن يحكم عليهم بالإعدام حتى يخلص الأمة
من شرهم ! !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 225 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

وفاكهة وأبا ؟ !

روى الحاكم في المستدرك ج 2 ص 290 ( . . عن أنس رضي الله عنه قال قرأ عمر
بن الخطاب رضي الله عنه : وفاكهة وأبا ، فقال بعضهم هكذا ، وقال بعضهم هكذا . .
فقال عمر : دعونا من هذا آمنا به كل من عند ربنا . هذا حديث صحيح الإسناد على
شرط الشيخين ولم يخرجاه ) .
وروى في نفس المجلد ص 514 ( . . . عن ابن شهاب أن أنس بن مالك رضي الله
عنه أخبره أنه سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول : فأنبتنا فيها حبا ، وعنبا
وقضبا ، وزيتونا ونخلا ، وحدائق غلبا ، وفاكهة وأبا ، قال : فكل هذا قد عرفناه فما
الأب ؟ ثم نفض عصا كانت في يده فقال : هذا لعمر الله التكلف ، اتبعوا ما تبين لكم
من هذا الكتاب ! هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ) انتهى .
وروى السيوطي في الدر المنثور ج 6 ص 317 أن هذه القصة حدثت وكان الخليفة
على المنبر ، وأن رجلا سأل الخليفة عن معنى الأب ، قال ( وأخرج سعيد بن منصور
وابن جرير وابن سعد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان
والخطيب والحاكم وصححه عن أنس أن عمر قرأ على المنبر فأنبتنا فيها حبا ، وعنبا وقضبا
إلى قوله وأبا قال : كل هذا قد عرفناه فما الأب ؟ ثم نفض عصا كانت في يده فقال :
هذا لعمر الله هو التكلف فما عليك أن لا ندري ما الأب . اتبعوا ما بين لكم هداه من
الكتاب فاعملوا به وما لم تعرفوه فكلوه إلى ربه .
وأخرج عبد بن حميد عن عبد الرحمن بن يزيد أن رجلا سأل عمر عن قوله وأبا ،
فلما رآهم يقولون أقبل عليهم بالدرة !
وأخرج عبد بن حميد وابن الأنباري في المصاحف عن أنس قال قرأ عمر وفاكهة وأبا
فقال هذه الفاكة قد عرفناها فما الأب ؟ ثم قال : نهينا عن التكلف !
وأخرج ابن المنذر عن أبي وائل أن عمر سئل عن قوله وأبا ما الأب ؟ ثم قال : ما
كلفنا هذا أو ما أمرنا بهذا ! ) انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 226 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وروى في كنز العمال ج 2 ص 328 ( عن أنس قال قرأ عمر وفاكهة وأبا ، فقال :
هذه الفاكهة قد عرفناها فما الأب ؟ ثم قال : مه نهينا عن التكلف ، وفي لفظ : ثم قال
إن هذا لهو التكلف ، يا عمر فما عليك ألا تدري ما الأب ، اتبعوا ما بين لكم من هذا
الكتاب واعملوا به وما لم تعرفوه فكلوه إلى عالمه - ص ، ش ، وأبو عبيد في فضائله
، وابن سعد وعبد بن حميد وابن المنذر ، وابن الأنباري في المصاحف ، ك ، هب ، وابن
مردويه ) انتهى .
قد يأخذ بعضهم على الخليفة من هذه الروايات أنه لا يعرف معنى بعض كلمات
القرآن ، ولكن هذا إنما يكون إشكالا على الذين يقولون بوجوب عصمة الإمام
والخليفة ويشترطون أن يكون أعلم أهل زمانه ، كما نعتقد نحن الشيعة في الأئمة من أهل بيت
النبي صلى الله عليه وآله ، فلو أن هذه الحادثة كانت مع أحد منهم لكانت دليلا على
عدم سعة علمه باللغة العربية وأضرت بعصمته . . ولكن إخواننا السنة لا يشترطون في
الخليفة العصمة ولا الأعلمية على أهل زمانه ، ويروون شهادات الخليفة عمر بأن عليا
أقضى الصحابة أو أعلمهم .
ولكن غرضنا من هذه النصوص أن نعرف موقف الخليفة عمر من البحث في
القرآن ؟ فقد وردت فيه عبارات ( هذا لعمر الله التكلف ، اتبعوا ما تبين لكم من هذا
الكتاب . . ثم قال : نهينا عن التكلف . . أن رجلا سأل عمر عن قوله وأبا ، فلما رآهم
يقولون أقبل عليهم بالدرة ! ) فهل السؤال عن معنى كلمة قرآنية تكلف منهي عنه في
الشريعة ؟ وهل يجوز للحاكم المسلم إذا رأى الصحابة أو العلماء يتناقشون في معنى
كلمة أن يقبل عليهم ضربا بالسوط ؟ ! فهذه الحادثة التي اختصرنا من مصادرها ، تدل
على أن الخليفة كان يفتي بحرمة البحث العلمي في القرآن ، ويعاقب عليه !
لكن روى البيهقي في سننه ج 4 ص 313 ( عن ابن عباس قال كنت عند عمر
وعنده أصحابه فسألهم فقال : أرأيتم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة القدر
التمسوها في العشر الأواخر وترا ، أي ليلة ترونها ؟ فقال بعضهم ليلة إحدى ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 227 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال بعضهم ليلة ثلاث ، وقال بعضهم ليلة خمس ، وقال بعضهم ليلة سبع ، فقالوا وأنا
ساكت ، فقال : ما لك لا تكلم ؟ فقلت إنك أمرتني أن لا أتكلم حتى يتكلموا ،
فقال : ما أرسلت إليك إلا لتكلم ، فقلت : إني سمعت يذكر السبع فذكر سبع سماوات
ومن الأرض مثلهن وخلق الإنسان من سبع ونبت الأرض سبع . فقال عمر رضي الله
عنه : هذا أخبرتني ما أعلم ، أرأيت ما لم أعلم قولك نبت الأرض سبع ؟ قال قال عز
وجل ( إنا شققنا الأرض شقا ، فأنبتنا فيها حبا ، وعنبا وقضبا ، وزيتونا ونخلا ، وحدائق غلبا )
قال فالحدائق الغلب الحيطان من النخل والشجر . وفاكهة وأبا ؟ قال فالأب ما أنبتت
الأرض مما تأكله الدواب والأنعام ولا يأكله الناس . قال فقال عمر رضي الله عنه
لأصحابه : أعجزتم أن تقولوا كما قال هذا الغلام الذي لم تجتمع شؤون رأسه ؟ ! والله
إني لأرى القول كما قلت ) انتهى .
فهذا الحديث يدل على أن الفتوى بتحريم التكلف وتفسير ألفاظ القرآن مختصة
بالذين كانوا حول عمر ، الذين يتكلمون رجما بالغيب ، وأن ضربه لهم بالدرة كان بسبب ذلك ، ولكنه في
نفس الوقت أرسل إلى ابن عباس وأحضره وسأله عن تفسيرها وقبله منه ووبخ أصحابه
الذين لم يعرف أحد منهم معنى وأبا ! ! فيكون المأخذ على الخليفة في أسلوبه ، وأنه
كان الأولى أن يقول أنا وأنتم لا نعرف معنى وأبا ، فينبغي أن نسأل من يعرف ، ولا
يحتاج الأمر إلى النهي عن التكلف ولا إلى . . الغضب والضرب بالدرة ! على أن ابن
عباس إذا صحت عنه الرواية تكلف أيضا ، وأفتى استحسانا بدون دليل !

نهي الخليفة عن السؤال عما لم يكن !

روى الدارمي في سننه ج 1 ص 50 ( عن عمرو عن طاووس قال قال عمر على
المنبر : أحرج بالله على رجل سأل عما لم يكن ، فإن الله قد بين ما هو كائن ) انتهى ،
وبمقتضى فتوى الخليفة يجب أن يصبر الحاكم والقضاة والناس حتى تقع الحوادث
فيسألون أو يبحثون عن حكمها ، ولا يجوز افتراض حادثة لم تقع وبحث حكمها
الشرعي ! !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 228 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

فضربه بالدرة وقال : مالك نقبت عنها ؟ !

قال السيوطي في الدر المنثور ج 2 ص 227 ( وأخرج ابن راهويه في مسنده عن
محمد بن المنتشر قال قال رجل لعمر بن الخطاب إني لأعرف أشد آية في كتاب الله ،
فأهوى عمر فضربه بالدرة وقال : مالك نقبت عنها ؟ ! فانصرف حتى كان الغد قال له
عمر الآية التي ذكرت بالأمس فقال من يعمل سوء يجز به فما منا أحد يعمل سوء إلا
جزى به ، فقال عمر : لبثنا حين نزلت ما ينفعنا طعام ولا شراب ، حتى أنزل الله بعد
ذلك ورخص وقال : من يعمل سوء أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفور
رحيما ) انتهى . ولكن الخليفة لم يتراجع عن ضربه الرجل بالأمس بل أراد التأكيد على
منهجه في تطمين الناس بالمغفرة والجنة مهما عملوا ، ومنع تخويفهم بالعقاب ، وقد هيأ
للرجل الجواب في اليوم الثاني فجعل الآية 110 من سورة المائدة ترخيصا ونسخا للآية
123 منها ، مع أن موضوعهما مختلف ، ويلزم منه جعل المتقدم ناسخا للمتأخر . . إلى
آخر البحث وسيأتي في فصل الثقافة اليهودية ما ينفع في ذلك .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 229 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الثامن : قصة الأحرف السبعة وجمع القرآن

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 230 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 231 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

هل كان يوجد شئ اسمه مشكلة جمع القرآن ؟ !

حاولت أكثر روايات جمع القرآن ، أن تثبت أنه لم يكن مجموعا كله في كتاب
واحد ( مصحف ) من عهد النبي صلى الله عليه وآله ، وأنه كان موزعا سورا وآيات
مكتوبة عند هذا وذاك على ( العسب والرقاع واللخاف وصدور الرجال ) كما يقول
زيد بن ثابت في رواية البخاري ج 8 ص 119 .
غير أن المتتبع في مصادر الحديث والتاريخ يجزم بأن القرآن كان مجموعا في مصحف
من عهد النبي صلى الله عليه وآله ، وأن نسخه كانت موجودة في بيت النبي ، وفي
مسجده ، وعند كثيرين . . كما كان محفوظا في صدور العديد من الصحابة من أهل
بيت النبي وغيرهم ! ! وأن المشكلة كانت مشكلة الدولة التي خافت من اعتماد نسخة
من القرآن مكتوبة ، لتكون النسخة الرسمية لجميع المسلمين . .
فالدولة ، والدولة هنا تعني الخليفة عمر ، رفضت نسخة القرآن التي جاءها بها علي
بن أبي طالب عليه السلام . . كما نهت الأنصار أن يقدموا نسخة قرآن على أنها
النسخة المعتمدة ، لأن ذلك برأيه من حق الدولة وحدها . .
ومن جهة ثانية ، لم تقم بنسخ القرآن المتداول في أيدي الناس بعدة نسخ وإرسالها إلى
الأمصار ، لأنها لا تريد أن تعتمد نسخة معينة . .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 232 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ومن جهة ثالثة ، قامت بتشكيل لجنة لجمع القرآن ، مكونة من الخليفة عمر وزيد بن
ثابت . . وطال عمل هذه اللجنة ولم تقدم إلى المسلمين نسخة القرآن ، بل بقيت
النسخة التي جمعتها بيد الخليفة عمر . .
لذلك بقيت الدولة الإسلامية بلا نسخة رسمية للقرآن طوال عهد أبي بكر وعمر ،
وكانت تجيب على اختلاف الناس في قراءة نص القرآن برواية الأحرف السبعة . .
حتى تفاقمت المشكلة وكادت تنفجر . . فنهض بالأمر الخليفة عثمان وكتب نسخة
القرآن الفعلية في سنة 25 هجرية ! !
والأدلة على أن القرآن كان مجموعا من عهد النبي صلى الله عليه وآله كثيرة . .
نذكر منها أولا الأدلة التمهيدية التي تثبت أن الكتابة كانت ميسرة في عهد النبي صلى
الله عليه وآله بل وقبله ، خاصة في المدن . . وترد ادعاء الباقلاني وغيره الذين برروا
عمل السلطة بأن الكتابة لم تكن متيسرة في عهد النبي صلى الله عليه وآله وعهد
الخليفتين أبي بكر وعمر ، ثم تيسرت في عهد الخليفة عثمان . . ! فإن عشرات النصوص
بل مئاتها في المصادر ، ترد هذا الادعاء .
فمن ذلك : آية الدين أطول آية في كتاب الله تعالى ، التي أمر تعالى فيها مجتمع المدينة
وعموم المسلمين بكتابة الديون حتى اليومية منها ، فقال تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم
بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه ، وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه
الله فليكتب وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا ، فإن كان الذي عليه
الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو ، فليملل وليه بالعدل . . إلى آخر الآية الكريمة .
ومن ذلك : أن النبي صلى الله عليه وآله أول من دون الدواوين ، وليس الخليفة عمر
كما يذكر بعضهم ، فقد كان عند النبي ديوان فيه أسماء كل المسلمين ، وديوان فيه
أسماء المجاهدين . . قال البخاري في صحيحه ج 4 ص 33 :
( . . . عن الأعمش عن أبي وائل عن حذيفة رضي الله عنه قال قال النبي صلى
الله عليه وسلم : أكتبوا لي من تلفظ بالإسلام من الناس ، فكتبنا له ألفا وخمسمائة رجل ،
فقلنا نخاف ونحن ألف وخمسمائة ؟ ! فلقد رأيتنا ابتلينا حتى أن الرجل ليصلي وحده
وهو خائف !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 233 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
. . . عن الأعمش فوجدناهم خمسمائة قال أبو معاوية ما بين ستمائة إلى سبعمائة .
. . . عن أبي معبد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال جاء رجل إلى النبي صلى الله
عليه وسلم فقال يا رسول الله إني كتبت في غزوة كذا وكذا وامرأتي حاجة قال :
إرجع فحج مع امرأتك ! )
وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ج 10 ص 48 :
( عن طارق بن شهاب قال : قدم وفد بجيلة على رسول الله صلى الله عليه وسلم
فقال رسول الله : أكتبوا البجليين وابدؤوا بالأحمسيين ) .
ورواه أحمد في ج 4 ص 315 لكن فيه ( اكسوا ) بدل ( اكتبوا ) ولا بد أن يكون
أحدهما تصحيفا .
ومن ذلك : أن أشخاصا كانوا يكتبون حديث النبي صلى الله عليه وآله ، منهم عبد
الله بن عمرو بن العاص . . ففي صحيح البخاري ج 1 ص 36 :
( . . . وهب بن منبه عن أخيه قال سمعت أبا هريرة يقول : ما من أصحاب النبي
صلى الله عليه وسلم أحد أكثر حديثا عنه مني إلا ما كان من عبد الله ابن عمرو فإنه
كان يكتب ولا أكتب ) .
وفي مسند أحمد ج 2 ص 171 :
( . . . عبد الرحمن الحبلي حدثه قال أخرج لنا عبد الله بن عمرو قرطاسا وقال كان
رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا يقول : اللهم فاطر السماوات والأرض عالم
الغيب والشهادة أنت رب كل شئ وإله كل شئ ، أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا
شريك لك وأن محمدا عبدك ورسولك والملائكة يشهدون ، أعوذ بك من الشيطان
وشركه وأعوذ بك أن اقترف على نفسي إثما أو أجره على مسلم . قال أبو عبد الرحمن
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمه عبد الله بن عمرو أن يقول ذلك حين يريد
أن ينام ) .
ومن ذلك : أن البدوي كان يطلب كتابة خطبة النبي صلى الله عليه وآله فيكتبونها
له . . ففي صحيح البخاري ج 1 ص 36 و ج 3 ص 95 :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 234 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
( . . . فجاء رجل من أهل اليمن فقال أكتب لي يا رسول الله ، فقال : اكتبوا لأبي
فلان ) .
ومن ذلك : أن تعليم الصبيان الكتابة كان متعارفا ، ففي صحيح البخاري ج 3
ص 209 :
( . . . حدثنا عبد الملك بن عمير قال سمعت عمرو بن ميمون الأودي قال كان سعد
يعلم بنيه هؤلاء الكلمات كما يعلم المعلم الغلمان الكتابة ) .
ومن ذلك : أن الكتابة وطلب التعلم كان في الأنصار قبل الإسلام . . فقد روى
مسلم في صحيحه ج 8 ص 231 :
( . . . عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت قال خرجت أنا وأبي نطلب العلم
في هذا الحي من الأنصار قبل أن يهلكوا ، فكان أول من لقينا أبا اليسر صاحب رسول
الله صلى الله عليه وسلم ومعه غلام له معه ضمامة من صحف . . . ) .
ورواه الحاكم في مستدركه ج 2 ص 28 فقال :
( عن عبادة بن الصامت قال خرجت أنا وأبي نطلب العلم في هذا الحي من الأنصار
قبل أن يهلكوا ، فكان أول من لقينا أبو اليسر صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله
ومعه غلام له وعليه برد معافري وعلى غلامه برد معافري ومعه ضبارة صحف . . ) .
ومن ذلك : أنهم كانوا يشبهون الوجه الحسن الحيوي بورقة المصحف . . قال
البخاري في صحيحه ج 1 ص 165 :
( حتى إذا كان يوم الاثنين وهم صفوف في الصلاة فكشف النبي صلى الله عليه
وسلم ستر الحجرة ينظر إلينا وهو قائم كأن وجهه ورقة مصحف ، ثم تبسم يضحك
فهممنا أن نفتتن من الفرح برؤية النبي صلى الله عليه وسلم ) .
ورواه مسلم في صحيحه ج 2 ص 24 وأحمد في مسنده ج 3 ص 110 و ص 196 . . وغيره . .
وجاء في مستدرك الحاكم ج 3 ص 640 قول صهر معاوية الذي طلق ابنته
( . . . فنظرت فإذا أنا شيخ وهي شابة لا أزيدها مالا إلى مالها ولا شرفا إلى شرفها ،
فرأيت أن أردها إليك لتزوجها فتى من فتيانك كأن وجهه ورقة مصحف ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 235 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ومن ذلك : أن دباغة الجلد للكتابة عليه كانت أمرا معروفا عاديا ، فقد اشترى عمر
جلدا وكتب عليه التوراة . . قال السيوطي في الدر المنثور ج 5 ص 148 :
( وأخرج عبد الرزاق والبيهقي عن أبي قلابة أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مر
برجل يقرأ كتابا فاستمعه ساعة فاستحسنه ، فقال للرجل أكتب لي من هذا الكتاب .
قال نعم ، فاشترى أديما فهيأه ثم جاء به إليه فنسخ له في ظهره وبطنه ، ثم أتى النبي
صلى الله عليه وسلم فجعل يقرؤه عليه وجعل وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم
يتلون ، فضرب رجل من الأنصار بيده الكتاب وقال : ثكلتك أمك يا بن الخطاب ! أما
ترى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ اليوم ، وأنت تقرأ عليه هذا الكتاب ؟ !
فقال النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك إنما بعثت فاتحا وخاتما وأعطيت جوامع الكلم
وفواتحه واختصر لي الحديث اختصارا ، فلا يهلكنكم المتهوكون ) .
ومن ذلك : أن عادة وضع القلم وراء الأذن كانت من ذلك الزمان . . قال أحمد في
مسنده ج 5 ص 193 :
( . . . عن زيد بن خالد الجهني قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لولا أن أشق
على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة ، قال فكان زيد يروح إلى المسجد وسواكه على
أذنه بموضع قلم الكاتب ، ما تقام صلاة إلا استاك قبل أن يصلي ) .
وروى الهيثمي في مجمع الزوائد ج 9 ص 356 رواية لا يصححها علماء الشيعة ولا
السنة ، ولكنها تدل على المقصود ، قال :
( عن عائشة قالت لما كان يوم أم حبيبة من النبي صلى الله عليه وسلم دق الباب
داق فقال النبي صلى الله عليه وسلم أنظروا من هذا قالوا معاوية قال ائذنوا ودخل
وعلى أذنه قلم يخط به ، فقال ما هذا القلم على أذنك يا معاوية ، قال قلم أعددته لله
ولرسوله فقال جزاك الله عنا خيرا . . . ) .
ومن ذلك : أن بعضهم كان يكتب أسئلته ويرسلها يستفتي بها . . فقد روى البيهقي
في سننه ج 9 ص 241 :
( . . . عبد الله بن أبي الهذيل قال أمرني ناس من أهلي أن أسأل لهم عبد الله بن عباس
رضي الله عنهما عن أشياء فكتبتها في صحيفة فأتيته لأسأله فإذا عنده ناس يسألونه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 236 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فسألوه حتى سألوه عن جميع ما في صحيفتي وما سألته عن شئ ، فسأله رجل أعرابي
فقال إني مملوك أكون في إبل أهلي فيأتيني الرجل يستسقيني فأسقيه . . ؟ )
ومن ذلك : أن نظام الكمبيالات أول ما ظهر في العالم في المدينة المنورة في زمن
عثمان . . فقد روى مالك في الموطأ ج 2 ص 641 :
( وحدثني عن مالك ، أنه بلغه أن صكوكا خرجت للناس في زمان مروان بن الحكم
من طعام الجار فتبايع الناس تلك الصكوك بينهم ، قبل أن يستوفوها فدخل زيد بن
ثابت ورجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، على مروان بن الحكم
فقالا : أتحل بيع الربا يا مروان ؟ فقال أعوذ بالله وما ذاك ؟ فقالا هذه الصكوك تبايعها
الناس ثم باعوها قبل أن يستوفوها . فبعث مروان الحرس يتبعونها ينزعونها من أيدي
الناس ويردونها إلى أهلها ) .
كل ذلك يدل على أن الكتابة في زمن النبي صلى الله عليه وآله كانت أمرا شائعا ،
وكان الناس عامة مدركين لفائدتها وضرورتها خاصة في الأمور المهمة ، فكيف جوز
هؤلاء الرواة والباحثون على النبي صلى الله عليه وآله ، مع إيمانهم ببعد نظره وعمق
تفكيره وتسديده بوحي الله تعالى ، أن لا يهتم بكتابة القرآن ونشر نسخه في
مصاحف ، والقرآن هو كتاب الدعوة الإلهية ومعجزتها ، والذي بواسطته كان النبي
والمسلمون يدعون الناس إلى الإسلام . . ؟ ! !
بلى . . إن الأحاديث الكثيرة تشهد بأن نسخ القرآن كانت موجودة من عهده صلى
الله عليه وآله ومنتشرة في أيدي الرجال والنساء ، في المدينة وفي بقية بلاد الجزيرة . .
وأنهم كانوا يضيفون إلى نسخهم السور والآيات الجديدة عندما تنزل . . ولا مجال
لادعاء الزركشي وغيره بأن النبي والمسلمين لم يكتبوا القرآن في عهده صلى الله عليه
وآله بحجة أنهم كانوا ينتظرون اكتمال نزوله ! !
قال في البرهان ج 1 ص 262 ( وإنما لم يكتب في عهد النبي صلى الله عليه وسلم
مصحف لئلا يفضي إلى تغييره في كل وقت ، فلهذا تأخرت كتابته إلى أن كمل نزول
القرآن بموته صلى الله عليه وسلم ) فهذا المؤلف يتكلم عن التغيير في القرآن كأنه كتاب
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 237 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
تحت التأليف لأمثاله ، ينتظر الناشرون اكتماله لينشروا نسخته ! ولكن السورة الواحدة
من القرآن كانت حدثا عقائديا وفكريا وسياسيا ، وكان المسلمون يستقبلون نزولها
بأرواحهم قبل ألسنتهم ، ويكتبونها لأنفسهم ولدعوة الناس بها إلى الإسلام ! ثم إذا
نزلت آية أو سورة جديدة كتبوها أيضا !
ومما يدل على ذلك : ما رواه الترمذي في سننه ج 4 ص 140 :
( . . . عن أبي الدرداء قال كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فشخص ببصره إلى
السماء ، ثم قال : هذا أوان يختلس العلم من الناس حتى لا يقدروا منه على شئ . فقال
زياد بن لبيد الأنصاري : كيف يختلس منا ، وقد قرأنا القرآن فوالله لنقرأنه ولنقرئنه
نساءنا وأبناءنا ! قال : ثكلتك أمك يا زياد إن كنت لأعدك من فقهاء أهل المدينة !
هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى ، فماذا تغني عنهم ؟ ! ) .
ورواه أحمد في مسنده ج 5 ص 266 وفيه تصريح أوضح بوجود المصاحف ، قال :
( . . . عن أبي إمامة الباهلي قال لما كان في حجة الوداع قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم وهو يومئذ مردف الفضل بن عباس على جمل آدم فقال : يا أيها الناس
خذوا من العلم قبل أن يقبض العلم وقبل أن يرفع العلم وقد كان أنزل الله عز وجل :
يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد
لكم ، عفا الله عنها والله غفور حليم . قال فكنا نذكرها كثيرا من مسألته واتقينا ذلك
حين أنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم ، قال فأتينا أعرابيا فرشوناه برداء قال
فاعتم به حتى رأيت حاشية البرد خارجة من حاجبه الأيمن ، قال ثم قلنا له سل النبي
صلى الله عليه وسلم ، قال فقال له : يا نبي الله كيف يرفع العلم منا وبين أظهرنا
المصاحف ، وقد تعلمنا ما فيها وعلمناها نساءنا وذرارينا وخدمنا ؟ ! قال فرفع النبي
صلى الله عليه وسلم رأسه وقد علت وجهه حمرة من الغضب قال فقال : أي ثكلتك
أمك ، وهذه اليهود والنصارى بين أظهرهم المصاحف لم يصبحوا يتعلقوا بحرف مما
جاءتهم به أنبياؤهم ! ألا وإن من ذهاب العلم أن يذهب حملته ، ثلاث مرار ! ) .
ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد ج 1 ص 199 ، وروى عدة روايات بمعناه .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 238 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ويدل عليه أيضا :
أن الرجل المسلم كان يأتي بالورق إلى النبي صلى الله عليه وآله فيأمر النبي الصحابة
فينسخوا له القرآن . . فقد روى البيهقي في سننه ج 6 ص 16 :
( . . . ثنا جعفر بن محمد بن علي عن أبيه عن علي بن الحسين عن ابن عباس قال
كانت المصاحف لا تباع ، كان الرجل يأتي بورقه عند النبي صلى الله عليه وسلم فيقوم
الرجل فيحتسب فيكتب ، ثم يقوم آخر فيكتب ، حتى يفرغ من المصحف ! ) .
فقد كان الورق موجودا إذن . . فأين ما تصوره الروايات من انعدام الورق ، وأن
وسائل الكتابة كانت على الأحجار الرقاق والعظام والخشب . . ؟ !
ويدل عليه أيضا :
ما روته مصادرنا عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام وأيدته مصادر إخواننا . .
فقد روى الكليني في الكافي ج 5 ص 121 :
( . . . عن غالب بن عثمان ، عن روح بن عبد الرحيم ، عن أبي عبد الله عليه
السلام قال : سألته عن شراء المصاحف وبيعها فقال : إنما كان يوضع الورق عند المنبر
وكان ما بين المنبر والحائط قدر ما تمر الشاة أو رجل منحرف قال : فكان الرجل يأتي
ويكتب من ذلك . ثم إنهم اشتروا بعد ذلك . قلت : فما ترى في ذلك ؟ قال لي :
أشتري أحب إلي من أن أبيعه ، قلت : فما ترى أن أعطي على كتابته أجرا ؟ قال : لا
بأس ولكن هكذا كانوا يصنعون ) .
ورواه الشيخ الطوسي في تهذيب الأحكام ج 6 ص 366 :
( . . . عن عاصم بن حميد عن أبي بصير قال سألت أبا عبد الله عن بيع المصاحف
وشرائها فقال : إنما كان يوضع عند القامة والمنبر قال : وكان بين الحائط والمنبر قيد ممر
شاة ورجل وهو منحرف ، فكان الرجل يأتي فيكتب البقرة ويجئ آخر فيكتب السورة
وكذلك كانوا ، ثم إنهم اشتروا بعد ذلك . فقلت فما ترى في ذلك ؟ فقال : أشتريه
أحب إلى من أن أبيعه ) .
وروى مسلم في صحيحه أنه كان يوجد مكان في مسجد النبي صلى الله عليه وآله
يسمى ( مكان المصحف ) وهو مؤيد لما تقدم عن الإمام الصادق عليه السلام . . قال
مسلم في ج 2 ص 59 :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 239 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
( . . . عن يزيد يعني ابن أبي عبيد عن سلمة وهو ابن الأكوع أنه كان يتحرى
موضع مكان المصحف يسبح فيه ، وذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان
يتحرى ذلك المكان ، وكان بين المنبر والقبلة قدر ممر الشاة ) .
ورواه البخاري ، ولكن جعل المكان عند الأسطوانة ولم يذكر مكان المصحف ، قال في
صحيحه ج 1 ص 127 :
( حدثنا يزيد بن أبي عبيد قال كنت آتي مع سلمة بن الأكوع فيصلي عند
الأسطوانة التي عند المصحف ، فقلت يا أبا مسلم أراك تتحرى الصلاة عند هذه
الأسطوانة ؟ قال فإني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتحرى الصلاة عندها ) .
ورواه ابن ماجة في ج 1 ص 459 وفيه ( أنه كان يأتي إلى سبحة الضحى فيعمد
إلى الأسطوانة دون المصحف ، فيصلي قريبا منها ) .
وروى أحمد في مسنده في ج 4 ص 49 رواية البخاري . وروى في ج 4 ص 54 رواية مسلم .
وروى البيهقي في سننه ج 2 ص 271 و ج 5 ص 247 رواية البخاري .
ويدل عليه أيضا :
ما روي من أن الكتاب كانوا يرتبون الآيات والسور في مصاحفهم بأمر النبي صلى
الله عليه وآله . . فقد روى أحمد في مسنده ج 5 ص 185
( . . . عبد الرحمن بن شماسة أخبره أن زيد بن ثابت قال : بينا نحن عند رسول الله
صلى الله عليه وسلم نؤلف القرآن من الرقاع إذ قال طوبى للشام ، قيل ولم ذلك يا
رسول الله ؟ قال إن ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها عليه ) .
ورواه الحاكم في المستدرك ج 2 ص 229 ، فقال :
( . . . عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال كنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله
نؤلف القرآن من الرقاع إذ قال رسول الله صلى الله عليه وآله طوبى للشام ، فقلنا
لأي شئ ذاك ؟ فقال لأن ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها عليهم . هذا حديث صحيح
على شرط الشيخين ولم يخرجاه ، وفيه البيان الواضح أن جمع القرآن لم يكن مرة
واحدة ، فقد جمع بعضه بحضرة رسول الله صلى الله عليه وآله ثم جمع بعضه بحضرة أبي
بكر الصديق ، والجمع الثالث هو في ترتيب السور كان في خلافة أمير المؤمنين عثمان
بن عفان رضي الله عنهم أجمعين ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 240 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ورواه في ج 2 ص 611 بدون الإضافة عن الشام ، قال :
( . . . عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال كنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله
نؤلف القرآن من الرقاع . هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ، وفيه
الدليل الواضح أن القرآن إنما جمع في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ) .
ويدل عليه أيضا :
أن الإعجاب بالقرآن كان يجعل الشبان يقبلون على قراءته والتأمل فيه ، وكانت
نسخه عندهم . . فقد روى أحمد في مسنده ج 2 ص 173 :
( . . . عن عبد الله بن عمرو أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم بابن له فقال :
يا رسول الله أن ابني هذا يقرأ المصحف بالنهار ويبيت بالليل ! فقال رسول الله صلى
الله عليه وسلم : ما تنقم أن ابنك ، يظل ذاكرا ، ويبيت سالما )
ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد ج 2 ص 270
ويدل عليه أيضا :
ما ورد من استحباب كتابة المصحف وتوريثه لتكون نسخته صدقة جارية . . قال
الهيثمي في مجمع الزوائد ج 1 ص 67 :
( عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعة يجري للعبد أجرهن من
بعد موته وهو في قبره : من علم علما أو كرى نهرا أو حفر بئرا أو غرس نخلا أو بنى مسجدا
أو ورث مصحفا أو ترك ولدا يستغفر له بعد موته ) .
ويدل عليه أيضا :
أن النبي صلى الله عليه وآله نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو ، لأنهم قد
يهينونه . . ففي سنن أبي داود ج 1 ص 587 :
( باب في المصحف يسافر به إلى أرض العدو . . . عن نافع ، أن عبد الله بن عمر
قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو ، قال
مالك : أراه مخافة أن يناله العدو ) .
ويدل عليه أيضا :
الحكم الشرعي بعدم جواز مس المصحف لغير المتطهر ، وقد روته مصادر الشيعة
والسنة عن النبي صلى الله عليه وآله ، كالذي رواه البيهقي في سننه ج 1 ص 309 :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 241 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
( عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض والسنن والديات وبعث به مع
عمرو بن حزم . . فذكر الحديث وفيه قال : ولا يمس القرآن إلا طاهر ) .
وفي هذا الحديث دلالة على اهتمام النبي صلى الله عليه وآله بتدوين الأحكام
وإرسالها إلى الأمصار . . ومن باب أولى أن يرسل لهم نسخة القرآن . . بل يدل الحديث
على وجود نسخة المصحف في اليمن ، أو أن النبي أرسلها مع كتاب الفرائض والسنن
والديات المذكور . . وإلا لما صح أن يذكر لهم حرمة مسه لغير المتوضئ . وفيه دلالة
أيضا على أن القرآن يستعمل في حديث النبي صلى الله عليه وآله بمعنى المصحف كما
تقدم ويأتي .
ويدل عليه أيضا :
الحكم الشرعي باستحباب قراءة القرآن في المصحف حتى لمن يحفظه ، قال البخاري
في صحيحه ج 1 ص 170 :
( باب إمامة العبد والمولى وكانت عائشة يؤمها عبدها ذكوان من المصحف ، وولد
البغي والأعرابي والغلام الذي لم يحتلم ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : يؤمهم
أقرؤهم لكتاب الله ولا يمنع العبد من الجماعة بغير علة ) .
وقال مالك في المدونة الكبرى ج 1 ص 224 :
( عن ابن شهاب قال كان خيارنا يقرؤن في المصاحف في رمضان وأن ذكوان غلام
عائشة كان يؤمها في المصحف في رمضان . وقال مالك والليث مثله ) .
وقال ابن قدامة في المغني ج 1 ص 613 :
( وقال أبو حنيفة تبطل الصلاة به إذا لم يكن حافظا لأنه عمل طويل ، وقد روى
أبو بكر بن أبي داود في كتاب المصاحف بإسناده عن ابن عباس قال نهانا أمير المؤمنين
أن نؤم الناس في المصاحف وأن يؤمنا إلا محتلم . وروي عن ابن المسيب والحسن ومجاهد
وإبراهيم وسليمان بن حنظلة والربيع كراهة ذلك ، وعن سعيد والحسن قالا تردد ما
معك من القرآن ولا تقرأ في المصحف ، والدليل على جوازه ما روى أبو بكر الأثرم
وابن أبي داود بإسنادهما عن عائشة أنها كانت يؤمها عبد لها في المصحف ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 242 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وسئل الزهري عن رجل يقرأ في رمضان في المصحف فقال كان خيارنا يقرؤون في
المصاحف ! ) .
وعقد الهيثمي في مجمع الزوائد ج 7 ص 165 بابا بعنوان :
( باب القراءة في المصحف وغيره . عن عثمان بن عبد الله بن أوس الثقفي عن جده
قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قراءة الرجل في غير المصحف ألف درجة
وقراءته في المصحف تضاعف على ذلك ألفي درجة . رواه الطبراني وفيه أبو سعيد بن
عون وثقه ابن معبد في رواية وضعفه في أخرى ، وبقية رجاله ثقات .
وعن عبد الله بن مسعود قال : أديموا النظر في المصحف . رواه الطبراني عن شيخه
عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم وهو ضعيف ) .
وقال ابن أبي شيبة في المصنف ج 7 ص 180 :
( . . . عن علقمة قال : أمسكت على عبد الله في المصحف فقال كيف رأيت ؟ قلت
قرأتها كما هي في المصحف إلا حرف كذا قرأته كذا وكذا ) .
وقال في ص 191 : ( حدثنا معتمر عن ليث قال : رأيت طلحة يقرأ في المصحف ) .
ويدل عليه أيضا :
ما ورد في كراهة بيع المصاحف ، ومعناه أن نسخها كان رائجا في زمن النبي صلى
الله عليه وآله وبعده إلى حد أن بعضهم اتخذ ذلك تجارة . . قال ابن قدامة في المغني
ج 4 ص 277 :
( والصحابة أباحوا شراء المصاحف وكرهوا بيعها ، وإن أعطى صاحب العمل هدية
أو أكرمه من غير إجارة جاز ، وبه قال الشافعي لما روي عن أنس عن النبي صلى الله
عليه وسلم أنه قال : إذا كان إكراما فلا بأس ) !
وقال ابن شبة في تاريخ المدينة ج 2 ص 710 :
( . . . حدثني عطية بن قيس : أن رجلا من أهل الشام خرج إلى المدينة لكتب
مصحف وخرج معه بطعام وإدام ، في خلافة عمر رضي الله عنه ، فكان يطعم الذين
يكتبون ، وكان أبي يختلف إليهم يمل عليهم ، فقال له عمر رضي الله عنه : كيف
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 243 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وجدت طعام الشامي ؟ قال : إني لأوشك إذا ما نشبت في أمر القوس ، ما طعمت له
طعاما ولا إداما ) .
وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ج 1 ص 293 :
( وعن واصل قال أدركت رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقال له
ناجية الطفاوي وهو يكتب المصاحف فأتته امرأة فقالت جئت أسالك عن الصلاة . . . ) .
وقال البيهقي في سننه ج 6 ص 17 :
( . . . ثنا يونس عن الحسن أنه كان لا يرى بأسا ببيع المصاحف واشترائها .
. . . عن الشعبي أنه سئل عن ذلك فقال إنما يبتغي ثمن ورقه وأجر
كتابه .
. . . ثنا مالك بن دينار قال دخل على جابر بن زيد وأنا أكتب فقلت كيف ترى
صنعتي هذه يا أبا الشعثاء ؟ قال ما أحسن صنعتك تنقل كتاب الله عز وجل ورقة إلى
ورقة وآية إلى آية وكلمة إلى كلمة ، هذا الحلال لا بأس به .
. . . ثنا مالك بن دينار أن عكرمة باع مصحفا له ، وأن الحسن كان لا يرى به
بأسا ) .
وقال في كنز العمال ج 2 ص 330 :
( عن عبادة بن نسي أن عمر كان يقول : لا تبيعوا المصاحف ولا تشتروها - ابن
أبي داود ) .
وقال النووي في المجموع ج 9 ص 252 :
( وعن عمر أنه كان يمر بأصحاب المصاحف فيقول بئس التجارة . وبإسناد صحيح
عن عبد الله بن شقيق التابعي المجمع على جلالته وتوثيقه قال : كان أصحاب رسول الله
صلى الله عليه وسلم يكرهون بيع المصاحف . قال البيهقي وهذه الكراهة على وجه
التنزيه تعظيما للمصحف عن أن يبتذل بالبيع أو يجعل متجرا . قال وروي عن ابن
مسعود الترخيص فيه وإسناده ضعيف . قال وقول ابن عباس اشتر المصحف ولا تبعه ،
إن صح عنه يدل على جواز بيعه مع الكراهة ، والله سبحانه وتعالى أعلم ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 244 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ويدل عليه أيضا :
أحاديث ضبط جبرئيل القرآن على النبي صلى الله عليه وآله مرتين عام وفاته . . فلا
معنى لهذا العمل إلا أن الله تعالى أمر نبيه أن يضبط نسخة القرآن على أحد من الأمة . .
على شخص يشمله قول الله تعالى لنبيه سنقرؤك فلا تنسى أو على نسخ من القرآن
مكتوبة . . وقد كانت العرضة الأخيرة بعد اكتمال نزول القرآن ، فلم ينزل بعدها شئ
حتى توفي صلى الله عليه وآله . .
قال البخاري في صحيحه ج 6 ص 101 :
( باب كان جبريل يعرض القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم . وقال مسروق
عن عائشة رضي الله عنها عن فاطمة رضي الله عنها : أسر إلى النبي صلى الله عليه
وسلم أن جبريل يعارضني بالقرآن كل سنة وأنه عارضني العام مرتين ، ولا أراه إلا
حضر أجلي !
. . . عن ابن عباس رضي الله عنهما قال كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس
بالخير وأجود ما يكون في شهر رمضان ، لأن جبريل كان يلقاه في كل ليلة في شهر
رمضان حتى ينسلخ ، يعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن ، فإذا لقيه
جبريل كان أجود بالخير من الريح المرسلة !
. . . عن أبي هريرة قال كان يعرض على النبي صلى الله عليه وسلم القرآن كل عام
مرة فعرض عليه مرتين في العام الذي قبض ، وكان يعتكف كل عام عشرا فاعتكف
عشرين في العام الذي قبض ! ) .
ويدل عليه أيضا :
أن اقتناء نسخة من القرآن كان متعارفا عند الصحابة وغيرهم بكتابتها أو
استكتابها . . مما يشعر بأن عملهم كان استمرارا للوضع الطبيعي الذي جروا عليه من
عهد النبي صلى الله عليه وآله . . فقد روى مسلم في صحيحه ج 2 ص 112 :
( . . . عن أبي يونس مولى عائشة أنه قال أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفا وقالت
إذا بلغت هذه الآية فآذني حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى فلما بلغتها آذنتها
فأملت علي حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر وقوموا لله قانتين )
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 245 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ورواه النسائي في سننه ج 1 ص 236 وأبو داود في سننه ج 1 ص 102 والترمذي في سننه ج 4 ص 285 وأحمد
في مسنده ج 6 ص 73 و ص 178 والبيهقي في سننه ج 1 ص 462 ورواه في نفس الصفحة والتي
بعدها أيضا عن حفصة !
والطريف أن الهيثمي رواه في موضعين ووثقه ، وفيه أن الكاتب هو غلام عمر
والمكتوب له بنته . . فأي قرآن كان غير مجموع ويحتاج أن يجمعه زيد أو عمرو ؟ !
قال في مجمع الزوائد ج 6 ص 320 و ج 7 ص 154 :
( . . . عن عمرو بن رافع مولى عمر بن الخطاب حدث أنه كان يكتب المصاحف في
عهد أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قال فاستكتبتني حفصة مصحفا وقالت إذا بلغت
هذه الآية من سورة البقرة فلا تكتبها حتى تأتيني بها فأملها عليك كما حفظتها من
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فلما بلغتها جئتها بالورقة التي أكتبها فيها فقالت
أكتب حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر وقوموا لله قانتين . رواه
أبو يعلى ورجاله ثقات ) انتهى .
فلم تكن كتابة نسخة من القرآن تحتاج إلى أكثر من تكليف كاتب لينسخها عن
نسخته هو ، أو عن إحدى النسخ الكثيرة الموجودة في أيدي الناس . . وليس في هذه
الروايات الموثقات والصحيحات ذكر للعسب والرقاق واللخاف وصدور الرجال ! ولا ذكر للجلوس على
باب المسجد وسؤال الناس عن آيات القرآن لجمعها ونسخها في مصحف ! بل ليس
في هذه الرواية ذكر لنسخة القرآن التي جمعها الخليفة وأودعها عند بنته حفصة ! فإن كان
استكتاب حفصة المذكور بعد جمع أبيها للقرآن ، فلماذا أعرضت عن نسخة أبيها
واستكتبت نسخة من المصحف المتداول ؟ ! وهل أن نسخة أبيها تختلف عن المصحف
الرائج ؟ ! وإن كان ذلك قبل جمع أبيها للقرآن . . فما معنى قولهم إن القرآن كان
موزعا متفرقا وأن جمعه كان عملا كبيرا صعبا ؟ !
ويدل عليه أيضا :
كثرة الأحاديث التي ورد فيها ذكر نسخ الصحابة ومصاحفهم ، مما يدل على أن
نسخه كانت في أيديهم وأيدي الناس قبل ما سموه ( جمع القرآن ) . .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 246 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال أحمد في مسنده ج 5 ص 183 :
( . . . عن كثير بن الصلت قال كان ابن العاص وزيد بن ثابت يكتبان المصاحف
فمروا على هذه الآية فقال زيد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الشيخ
والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة فقال عمر لما أنزلت هذه أتيت رسول الله صلى الله
عليه وسلم فقلت أكتبنيها قال شعبة فكأنه كره ذلك فقال عمر ألا ترى أن الشيخ إذا
لم يحصن جلد وإن الشاب إذا زنى وقد أحصن رجم ) .
وقال الحاكم في المستدرك ج 4 ص 360 :
( . . . عن كثير بن الصلت قال كان ابن العاص وزيد بن ثابت يكتبان المصاحف
فمرا على هذه الآية فقال زيد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول الشيخ
والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة فقال عمرو لما نزلت أتيت النبي صلى الله عليه وآله
فقلت أكتبها فكأنه كره ذلك . . . هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ) .
وقال البيهقي في سننه ج 7 ص 69 :
( عن عمرو عن بجالة أو غيره قال : مر عمر بن الخطاب رضي الله عنه بغلام وهو
يقرأ في المصحف : النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم . . . ) الخ .
وقال ابن أبي شيبة في مصنفه ج 7 ص 180 :
( حدثنا وكيع عن إسرائيل عن جابر عن عامر قال : كتب رجل مصحفا ، وكتب
عند كل آية تفسيرها ، فدعا به عمر فقرضه بالمقراضين ) .
وقال الحاكم في المستدرك ج 2 ص 447 :
( . . . عن سعيد بن جبير قال قلت لابن عباس رضي الله عنهما وجعلوا الملائكة
الذين هم عبد الرحمن أو عباد الرحمن ؟ فقال عباد الرحمن . قلت هو في مصحفي
عبد الرحمن . قال فامحها واكتب عباد الرحمن . هذا حديث صحيح على شرط الشيخين
ولم يخرجاه ) .
وفي كنز العمال ج 2 ص 332 :
عن أبي الأسود أن عمر بن الخطاب وجد مع رجل مصحفا قد كتبه بقلم دقيق ،
فقال : ما هذا ؟ فقال : القرآن كله ! فكره ذلك وضربه وقال : عظموا كتاب الله ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 247 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال الحاكم في المستدرك ج 3 ص 243 :
( عن أيوب عن أبي مليكة قال كان عكرمة بن أبي جهل يأخذ المصحف فيضعه
على وجهه ويبكي ويقول : كلام ربي . . كتاب ربي ) .
وقال في ج 3 ص 408 :
( حدثنا أبو مكين قال رأيت امرأة في مسجد أويس القرني قالت : كان يجتمع هو
وأصحاب له في مسجدهم هذا يصلون ويقرؤون في مصاحفهم ، فآتي غداءهم
وعشاءهم هاهنا حتى يصلوا الصلوات ، قالت وكان ذلك دأبهم ما شهدوا ، حتى غزوا
فاستشهد أويس وجماعة من أصحابه في الرجالة بين يدي علي بن أبي طالب رضي الله
عنهم أجمعين ) .
وقال البخاري في صحيحه ج 5 ص 146 :
( باب ما جاء في فاتحة الكتاب . وسميت أم الكتاب لأنه يبدأ بكتابتها في المصاحف ،
ويبدأ بقراءتها في الصلاة ! ) .
انتهى ، وقد كان اسم الفاتحة أم الكتاب من عهد النبي صلى الله عليه وآله !
ويدل عليه أيضا :
أن عبد الله بن مسعود كان يملي المصاحف على الناس في الكوفة ويكتبونها عنه . .
فقد روى أحمد في مسنده ج 1 ص 25 :
( . . . عن علقمة قال جاء رجل إلى عمر رضي الله عنه وهو بعرفة قال معاوية
وحدثنا الأعمش عن خيثمة عن قيس بن مروان أنه أتى عمر رضي الله عنه فقال جئت
يا أمير المؤمنين من الكوفة وتركت بها رجلا يملي المصاحف عن ظهر قلبه فغضب وانتفخ حتى
كاد يملأ ما بين شعبتي الرجل ! فقال ومن هو ويحك ؟ قال عبد الله بن مسعود فما زال
يطفأ ويسرى عنه الغضب حتى عاد إلى حاله التي كان عليها ، ثم قال : ويحك والله ما
أعلمه بقي من الناس أحد هو أحق بذلك منه ، وسأحدثك عن ذلك كان رسول الله
صلى الله عليه وسلم لا يزال يسمر عند أبي بكر رضي الله عنه الليلة كذاك في الأمر
من أمر المسلمين وأنه سمر عنده ذات ليلة وأنا معه ، فخرج رسول الله صلى الله عليه
وسلم وخرجنا معه فإذا رجل قائم يصلي في المسجد فقام رسول الله صلى الله عليه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 248 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وسلم يستمع قراءته فلما كدنا أن نعرفه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من : سره
أن يقرأ القرآن رطبا كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد ، قال ثم جلس الرجل
يدعو فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له : سل تعطه ، سل تعطه . قال
عمر رضي الله عنه : قلت والله لأغدون إليه فلأبشرنه ، قال فغدوت إليه لأبشره
فوجدت أبا بكر رضي الله عنه قد سبقني إليه فبشره . ولا والله ما سابقته إلى خير قط
إلا وسبقني إليه ) .
ورواه الحاكم في المستدرك ج 2 ص 227 ، والبيهقي في سننه ج 1 ص 452
أما في زمن علي عليه السلام فصار في الكوفة دور لكتابة القرآن . . قال ابن أبي شيبة في مصنفه ج 7 ص 196 :
( حدثنا وكيع عن علي بن مبارك عن أبي حكيمة العبدي قال : كنا نكتب المصاحف بالكوفة فيمر علينا
علي فينظر ويعجبه خطنا ويقول : هكذا نوروا ما نور الله ) .
ويدل عليه أيضا :
أن النساء كان منهن قارئات وعندهن مصاحف . . فقد روى أحمد في مسنده ج 1
ص 415 :
( عن مسروق أن امرأة جاءت إلى ابن مسعود فقالت أنبئت أنك تنهى عن الواصلة ؟
قال نعم ، فقالت : أشئ تجده في كتاب الله أم سمعته عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم ؟ فقال أجده في كتاب الله وعن رسول الله ، فقالت والله لقد تصفحت ما بين
دفتي المصحف فما وجدت فيه الذي تقول ؟ ! قال : فهل وجدت فيه ما آتاكم الرسول
فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا قالت : نعم ) .
ورواه مسلم في صحيحه ج 6 ص 167 وفيه ( فقالت المرأة لقد قرأت ما بين
لوحي المصحف فما وجدته ! فقال لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه قال الله عز وجل وما
آتاكم الرسول فخذوه وما نهيكم عنه فانتهوا ) . ومثله في سنن أبي داود ج 2 ص 283 وفي سنن
البيهقي ج 7 ص 312
ويدل عليه أيضا :
الروايات التي تذكر عددا كبيرا من الصحابة جمعوا القرآن في عهد النبي صلى الله
عليه وآله . . وقد حاول أكثر علماء إخواننا أن يفسروا جمعهم للقرآن بحفظهم له دون
كتابته ويحصروه بذلك ، ولكن جمع القرآن تعبير يطلق على من حفظه فيكون معناه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 249 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
جمعه في صدره ، كما يطلق على من كتبه ودونه فيكون معناه جمعه في مصحف أو
كتاب . . وعندما يرد تعبير جمع القرآن ويوجد معه قرينة تدل على نوع الجمع المقصود
فهي المتبعة ، وإن لم توجد قرينة فينبغي أن يحمل الجمع على المعنى الأقرب والأكثر
شيوعا وهو جمع القرآن بكتابته ، وإن أبيت فيبقى معناه مجملا يحتمل المعنيين ، لأن
ترجيح أحدهما على الآخر بلا مرجح !
وسترى أنه يوجد في عدد من أحاديث الجمع قرائن تدل على أن المقصود به جمع
الكتابة ، كقول أبي بن كعب جمع القرآن فلان ابن عمنا وتوفي ونحن ورثناه . . فإنه
يقصد ورثنا مصحفه لا ورثنا حفظه للقرآن ، خاصة وأن أبيا قد يكون حفظه قبله ! !
قال البخاري في صحيحه ج 4 ص 228 :
( باب مناقب زيد بن ثابت . . . عن أنس رضي الله عنه : جمع القرآن على عهد
رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة كلهم من الأنصار : أبي ، ومعاذ بن جبل ، وأبو
زيد ، وزيد ابن ثابت . قلت لأنس من أبو زيد ؟ قال أحد عمومتي ) .
وروى البخاري في ج 6 ص 103 :
( . . . حدثنا قتادة قال سألت أنس ابن مالك رضي الله عنه من جمع القرآن على
عهد النبي صلى الله عليه وسلم قال أربعة كلهم من الأنصار أبي بن كعب ومعاذ بن
جبل وزيد بن ثابت وأبو زيد . تابعه الفضل . . . عن أنس قال : مات النبي صلى الله
عليه وسلم ولم يجمع القرآن غير أربعة : أبو الدرداء : ومعاذ بن جبل : وزيد بن ثابت :
وأبو زيد ، قال ونحن ورثناه ) .
وروى الأول مسلم في ج 7 ص 149 و ص 150 والترمذي في ج 5 ص 331 وأحمد في ج 3
ص 233 و ص 277 والبيهقي في سننه ج 6 ص 211 ورواه أحمد في مسنده ج 3 ص 233 و 277
وغيرها وابن الأثير في أسد الغابة ج 3 ص 106 والمزي في تهذيب الكمال ج 14 ص 186 والهندي
في كنز العمال ج 2 ص 576 والذهبي في سير أعلام النبلاء ج 2 ص 6 . . وغيرهم .
وقال ابن الأثير في أسد الغابة ج 4 ص 216 :
( قال أبو عمر إنما أراد أنس بهذا الحديث الأنصار . وقد جمع القرآن من المهاجرين
جماعة منهم علي وعثمان وابن مسعود وعبد الله بن عمرو بن العاص وسالم مولى أبي
حذيفة أخرجه الثلاثة ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 250 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال الدكتور صبحي الصالح في كتابه مباحث في علوم القرآن ص 66 :
( والسيوطي في الإتقان يذكر بعض هؤلاء القراء بأسمائهم التي وردت في كتاب
القراءات المنسوب إلى أبي عبيد ، فيفهم منه أن أبا عبيد ( عد من المهاجرين الخلفاء
الأربعة ، وطلحة ، وسعدا ، وابن مسعود ، وحذيفة ، وسالما ، وأبا هريرة ، وعبد الله
بن السائب ، والعبادلة ، وعائشة ، وحفصة ، وأم سلمة ، ومن الأنصار عبادة بن
الصامت ، ومعاذا الذي يكنى أبا حليمة ، ومجمع بن جارية ، وفضالة بن عبيد ،
ومسلمة بن مخلد . وقد صرح بأن بعضهم إنما كمله بعد النبي صلى الله عليه وسلم .
وهؤلاء الذين عدهم القاسم بن سلام من المهاجرين والأنصار وأمهات المؤمنين
ليسوا إلا طائفة من الأصحاب الذين جمعوا كتاب الله في صدورهم ( . . . ) وتيسر لهم
أن يعرضوه على النبي صلى الله عليه وسلم ، فكانوا بذلك تلامذة له وكان شيخا لهم .
لكن الذين حفظوا القرآن من الصحابة من غير أن يعرضوه على الرسول لا يحصون
عددا ، ولا سيما إذا أدخلنا في عدادهم من لم يكمل له الجمع إلا بعد وفاة النبي صلى
الله عليه وسلم . وفي مقدمة ( طبقات القراء ) للحافظ الذهبي ما يبين ذلك ، وأن هذا
العدد هم الذين عرضوه على النبي صلى الله عليه وسلم واتصلت بنا أسانيدهم ، وأما
من جمعه منهم ولم يتصل بنا سندهم فكثير ) انتهى .
ونحن نكتفي بذكر نماذج من هؤلاء الذين جمعوا القرآن وكتبوه ، والذين يصر بعض
علماء إخواننا السنة على تسميتهم بالحفاظ فقط ، حتى تبقى فضيلة كتابة القرآن
لغيرهم . . ونلفت إلى أن الحافظ لكتاب يحتاج إلى نسخته ليحفظ منها ، ومن النادر أن
يحفظ شخص كتابا من 400 صفحة بدون تكرار قراءة نسخته ! ولو كان حفظ هؤلاء
الحفاظ عن طريق تكرار السماع من حافظ آخر لورد ذكر للحافظ الذي حفظ فلانا أو
فلانا بتكرار القرآن عليه حتى حفظه ! مع أنه لم يرد شئ من ذلك !
قال الهيثمي في مجمع الزوائد ج 9 ص 312 :
( وعن عامر الشعبي قال جمع القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة
من الأنصار زيد بن ثابت وأبو زيد ومعاذ بن جبل وأبو الدرداء وسعد بن عبادة وأبي بن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 251 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كعب وكان جارية بن مجمع قد قرأه إلا سورة أو سورتين . رواه الطبراني مرسلا وفيه
إبراهيم بن محمد بن عثمان الحضرمي ولم أعرفه ، وبقية رجاله رجال الصحيح ) .
ونحوه في كنز العمال ج 2 ص 589 وأسد الغابة ج 1 ص 263 و ج 4 ص 303 وتهذيب
التهذيب ج 10 ص 43 .
وقال في مجمع الزوائد ج 9 ص 402 :
( عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال : كان سعد بن عبيد يسمى على عهد رسول
الله صلى الله عليه وسلم القاري . رواه الطبراني مرسلا ورجاله رجال الصحيح ) .
وقال الطبري في تاريخه ج 2 ص 408 :
( قال الواقدي : في هذه السنة قدم جرير بن عبد الله البجلي على رسول الله صلى
الله عليه وسلم مسلما في رمضان فبعثه رسول الله إلى ذي الخلصة فهدمها . قال وفيها
قدم وبر بن يحنس على الأبناء باليمن يدعوهم إلى الإسلام فنزل علي بنات النعمان بن
بزرج فأسلمن ، وبعث إلى فيروز الديلمي فأسلم ، وإلى مركبود وعطاء ابنه ووهب بن
منبه وكان أول من جمع القرآن بصنعاء ابنه عطاء بن مركبود ووهب بن منبه . قال
وفيها أسلم باذان وبعث إلى النبي صلى الله عليه وسلم بإسلامه ) .
وقال البلاذري في فتوح البلدان ص 210 :
( قال ابن الكلبي : عمير بن سعد عامل عمر هو عمير بن سعد بن شهيد بن عمرو
أحد الأوس . وقال الواقدي : هو عمير بن سعد بن عبيد ، وقتل أبوه سعد يوم
القادسية . وسعد هذا هو الذي يروي الكوفيون أنه أحد من جمع القرآن على عهد
رسول الله صلى عليه وسلم ) .
وقال ابن الأثير في أسد الغابة ج 3 ص 333 :
( عبد الواحد غير منسوب أخرجه الباطرقاني في طبقات المقرئين روى ابن وهب
عن خلاد بن سليمان ، قال وكان ممن جمع القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه
وسلم هو وعبد الله بن مسعود . . . قال أبو زرعة : عبد الواحد لم ينسب ، وخلاد
مصري ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 252 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال ابن كثير في البداية والنهاية ج 7 ص 72 :
( عمرو بن زيد بن عوف الأنصاري المازني شهد العقبة وبدرا ، وكان أحد أمراء
الكراديس يوم اليرموك ، وقتل يومئذ ، وله حديث قال : قلت يا رسول الله في كم أقرأ
القرآن ؟ قال : في خمس عشرة الحديث ، قال شيخنا أبو عبد الله الذهبي : ففيه دليل
على أنه ممن جمع القرآن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ) .
وقال في كنز العمال ج 13 ص 628 :
( عن الوليد بن عبد الله بن جميع قال حدثتني جدتي عن أم ورقة بنت عبد الله بن
الحارث الأنصاري وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزورها ويسميها الشهيدة
وكانت قد جمعت القرآن ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين غزا بدرا قالت له :
أتأذن لي فأخرج معك أداوي جرحاكم وأمرض مرضاكم لعل الله يهدي لي شهادة ؟
قال : إن الله مهد لك شهادة ، فكان يسميها الشهيدة وكان النبي صلى الله عليه وسلم
قد أمرها أن تؤم أهل دارها وكان لها مؤذن . . . - ابن سعد وابن راهويه ، حل ، ق
، وروى د بعضه ) .
وقال السمعاني في الأنساب ج 2 ص 134 :
( الجهني : بضم الجيم وفتح الهاء وكسر النون في آخرها ، هذه النسبة إلى جهينة
وهي قبيلة من قضاعة . . . ومنهم . . . عقبة بن عامر بن عبس بن عمرو بن عدي بن
عمرو بن رفاعة بن مودوعة بن عدي بن غنم بن الربعة بن رشدان بن قيس بن جهينة
الجهني ، شهد فتح مصر واختط بها وولي الجند بمصر . . . توفي بمصر سنة ثمان وخمسين ،
وقبر في مقبرتها بالمقطم ، وكان يخضب بالسواد ، وكان عقبة قارئا عالما بالفرائض
والفقه ، وكان فصيح اللسان شاعرا ، وكان له السابقة والهجرة ، وكان كاتبا ، وكان
أحد من جمع القرآن ومصحفه بمصر إلى الآن بخطه ، رأيته عند علي بن الحسن بن قديد
على غير التأليف الذي في مصحف عثمان ، وكان في آخره : وكتب عقبة بن عامر
بيده ، ورأيت له خطا جيدا ، ولم أزل أسمع شيوخنا يقولون إنه مصحف عقبة لا
يشكون فيه ، وروى عن رسول الله حديثا كثيرا ) . ونحوه في تهذيب التهذيب ج 7 ص 216
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 253 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال في تعجيل المنفعة ص 140 :
( زهير بن قيس البلوى عن علقمة بن رمثة البلوي وعنه سويد ابن قيس . . . وشهد
فتح مصر وقتل ببرقة سنة ست وسبعين شهيدا . قال وكان سبب قتله أن الروم نزلوا
ببرقة فأمره عبد العزيز بن مروان أن ينهض إليهم وكان عبد العزيز عليه واجدا لأنه كان
عامل أيلة فقاتل عبد العزيز لما دخل أبوه مصر ، فدار بينهما كلام فقال له عبد العزيز
إنك جلف جاف ! فقال له زهير : يا بن ليلى أتقول لرجل جمع القرآن قبل أن يجتمع
أبواك ؟ ! وهو ذا أمر لا ردني الله إليك ومضى معه على البريد فالتقى بالروم واستشهد
هو ومن معه كلهم . وذكره ابن أبي حاتم ومن قبله البخاري ولم يذكرا فيه جرحا ) .
وقال ابن حجر في تهذيب التهذيب ج 5 ص 98 :
( عبادة بن الصامت بن قيس . . . أحد النقباء ليلة العقبة . شهد بدرا فما بعدها . . .
وقال محمد بن كعب القرظي هو أحد من جمع القرآن في زمن النبي صلى الله عليه
وسلم رواه البخاري في تاريخه الصغير . قال وأرسله عمر إلى فلسطين ليعلم أهلها
القرآن فأقام بها إلى أن مات . وقال ابن سعد عن الواقدي عن يعقوب بن مجاهد عن
عبادة عن أبيه مات بالرملة سنة أربع وثلاثين وهو ابن 72 سنة ) انتهى .
هذه الأدلة التي يمكن أن يضاف إليها غيرها حتى تبلغ خمسين دليلا . . يكفي بعضها
لإثبات أنه لم تكن توجد مشكلة عند المسلمين اسمها جمع القرآن ! !
ولكن الباحثين في أمور القرآن وعلومه من إخواننا السنة يريدون منا أن نغمض
عيوننا عن أدلة وجود نسخ القرآن وانتشارها في عهد النبي صلى الله عليه وآله وعهد
أبي بكر وعمر . . مع أن الإسلام بلغ مناطق واسعة من الشرق والغرب ، وأقبلت
الشعوب من ورثة الحضارة الفارسية والرومانية على قراءة القرآن ودراسته . . وكان في
كل مدينة وربما في كل قرية من يقرأ ويكتب ويريد نسخة من القرآن المنزل على النبي
الجديد . . بل كانت الرغبة والتعطش لسماع القرآن وتعلمه وقراءته موجة عارمة في
شعوب كل البلاد المفتوحة ، حتى أولئك الذين لا يعرفون العربية ! !
يريدون منا أن نغمض عيوننا عن هذا الواقع وأن نقبل بدله نصوصا قالت إن نسخة
القرآن كانت تواجه خطر الضياع ، لأنها كانت مكتوبة بشكل بدائي ساذج على . .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 254 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
العظام وصفائح الحجارة وسعف النخل . . الخ . وأن الدولة شمرت عزيمتها ونهضت
لإنقاذ كتاب الله من الضياع والاندثار . . وشكلت لجنة تاريخية ، بذلت جهودا مضنية
في جمع القرآن . . حتى أنها استعطت آياته وسوره من الناس استعطاء على باب المسجد !
لا بأس أن نمدح الصحابة وجهودهم لخدمة الدين والقرآن . . لكن بالمعقول ،
فالمدح غير المعقول ابن عم الذم ! !
ولا بأس أن نمدح الصحابة وجهودهم لخدمة الدين والقرآن . . لكن بشرط أن لا
نوهن الدين والقرآن والرسول صلى الله عليه وآله !
والنتيجة : أن العقل والنصوص تقول لنا : لم تكن مشكلة في نسخ القرآن ونشره ،
بل كانت نسخه ميسرة والمصاحف منتشرة . .
ونصوص أخرى تقول : بل كانت توجد مشكلة . . وقد نهض الخلفاء أبو بكر
وعمر لحلها .
حسنا . . لننظر ماذا كانت المشكلة . . ؟ !

وصية النبي التي يرويها السنة بشأن القرآن

صح عند إخواننا السنة أن النبي صلى الله عليه وآله شهد لعدة أشخاص من صحابته
بأنهم حفاظ القرآن ، وأمر المسلمين بأن يأخذوا القرآن منهم !
فقد روى البخاري في صحيحه ج 6 ص 102 ( عن مسروق ذكر عبد الله بن عمر
وعبد الله بن مسعود فقال لا أزال أحبه ، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول :
خذوا القرآن من أربعة : من عبد الله بن مسعود ، وسالم ، ومعاذ ، وأبي بن كعب )
وفي ج 4 ص 228 ( عن مسروق قال ذكر عبد الله بن مسعود عند عبد الله بن
عمرو فقال ذاك رجل لا أزال أحبه سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول خذوا
القرآن من أربعة : من عبد الله بن مسعود فبدأ به وسالم مولى أبي حذيفة ومعاذ بن جبل
وأبي بن كعب ) . ورواها مسلم في صحيحه ج 7 ص 148 و 149 وجعل سالما الرابع .
ورواها أحمد في مسنده ج 2 ص 163 و ص 190 و ص 191 وجعل سالما الرابع .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 255 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وروى الأولى الترمذي في سننه ج 5 ص 338 وقال ( هذا حديث حسن صحيح ) .
ورواها أحمد في مسنده ج 2 ص 191 والحاكم في مستدركه ج 3 ص 225 و 227 بصيغة
أخرى وقال ( صحيح الإسناد ولم يخرجاه ) والهندي في كنز العمال ج 2 ص 49
والهيثمي في مجمع الزوائد ج 9 ص 311 . . وروى في ج 9 ص 52 :
( وعن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : خذوا القرآن من أربعة من ابن أم عبد
ومعاذ وأبي وسالم ، ولقد هممت أن أبعثهم في الأمم كما بعث عيسى بن مريم الحواريين في بني إسرائيل ) انتهى .

وصية النبي التي يرويها السنة والشيعة بشأن القرآن

وصح عند الشيعة والسنة أن النبي صلى الله عليه وآله أوصى أمته بأن تتمسك بعده
بالقرآن والعترة ، وتأخذ منهم معالم دينها . . وذلك في حديث الثقلين الذي أكده النبي
مرارا ، والذي صحت روايته عند الطرفين . . وهو برأينا حاكم على كل وصية أخرى . .
فمن نصوصه ما رواه أحمد في مسنده ج 3 ص 17 ( عن أبي سعيد الخدري عن
النبي صلى الله عليه وسلم قال : إني أوشك أن أدعى فأجيب وإني تارك فيكم الثقلين كتاب
الله عز وجل وعترتي . كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض ، وعترتي أهل بيتي ، وإن
اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض ، فانظروا بم تخلفوني فيهما ؟ ! ) .
وقد بلغت مصادر هذا الحديث من الكثرة وتعدد الطرق في المصادر ، أن أحد علماء
الهند ألف في جمع أسانيده كتاب ( عبقات الأنوار ) من عدة مجلدات .
وبموجب هذه الوصية كان على المسلمين بعد فقد نبيهم صلى الله عليه وآله أن
يأخذوا القرآن والسنة من آل النبي وعترته الذين عينهم ونص عليهم بأسمائهم ، وقد
صحت أحاديث تسميتهم عند الطرفين أيضا . . فقد روى مسلم في صحيحه ج 7 ص 120 :
( . . . عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال أمر معاوية بن أبي سفيان سعدا فقال ما منعك أن
تسب أبا التراب ؟ فقال أما ما ذكرت ثلاثا قالهن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فلن أسبه ، لأن تكون لي
واحدة منهن أحب إلى من حمر النعم ! سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له وقد خلفه في بعض
مغازيه فقال له علي يا رسول الله خلفتني مع النساء والصبيان فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما
ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبوة بعدي وسمعته يقول يوم خيبر لأعطين الراية رجلا يحب
الله ورسوله ويحبه الله ورسوله قال فتطاولنا لها فقال ادعوا لي عليا فأتي به أرمد فبصق في عينه ودفع الراية إليه
ففتح الله عليه . ولما نزلت هذه الآية فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا
وفاطمة وحسنا وحسينا فقال اللهم هؤلاء أهلي ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 256 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ورواه أحمد في مسنده ج 1 ص 185 وروى الترمذي القسم الأخير منه ج 4 ص 293 . . وقال مسلم في
ج 7 ص 130 :
( . . . عن مصعب بن شيبة عن صفية بنت شبية قالت قالت عائشة خرج النبي صلى الله عليه وسلم غداة
وعليه مرط مرجل من شعر أسود فجاء الحسن بن علي فأدخله ثم جاء الحسين فدخل معه ثم جاءت فاطمة
فأدخلها ثم جاء علي فأدخله ثم قال : إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) .
ورواه الترمذي في ج 5 ص 30 و ص 328 في قصة أخرى قال :
( . . . عن عمر بن أبي سلمة ربيب النبي صلى الله عليه وسلم قال لما نزلت هذه الآية على النبي صلى الله
عليه وسلم إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويظهركم تطهيرا ، في بيت أم سلمة فدعا فاطمة
وحسنا وحسينا فجللهم بكساء وعلي خلف ظهره فجلله بكساء ثم قال : اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم
الرجس وطهرهم تطهيرا . قالت أم سلمة : وأنا معهم يا نبي الله ، قال أنت على مكانك وأنت على خير . هذا
حديث غريب من هذا الوجه من حديث عطاء عن عمر بن أبي سلمة )
ورواه الحاكم في مستدركه ج 2 ص 416 وقال ( هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه )
ورواه في ج 3 ص 108 وقال ( هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذه السياقة ) .
ورواه في ج 3 ص 147 وما بعدها ، بعدة روايات وأكثر من مناسبة ، وقال فيها : ( هذا حديث صحيح
على شرط البخاري ولم يخرجاه . . هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ! ) ورواه أحمد في
مسنده ج 6 ص 292 و ص 304
وأما بناء على الوصية التي تفرد بروايتها إخواننا السنة ، فقد كان الواجب بعد وفاة
النبي أن ترجع الدولة إلى الأربعة الذين عينهم النبي صلى الله عليه وآله وهم ابن كعب
وابن مسعود وابن معاذ وسالم غلام أبي حذيفة . . وتأخذ القرآن من أي واحد منهم . .

بأي الوصيتين أخذ الخليفة عمر ؟

لا نريد هنا مناقشة مواقف إخواننا السنة وخلفائهم من وصية النبي صلى الله عليه
وآله بعترته وأهل بيته عليهم السلام . . فكلنا نعرف أن العترة الطاهرة قد واجهت في
يوم وفاة النبي صلى الله عليه وآله ، التهديد بحرق بيت فاطمة بمن فيه . . ! ! ومع ذلك
فقد قام علي عليه السلام بواجبه نحو الأمة وقدم لهم نسخة القرآن بأمر النبي صلى الله
عليه وآله وخط علي ، ولكنهم رأوا ( المصلحة ) في عدم جعلها نسخة القرآن الرسمية . .
ورووا أن النبي أمر أن يؤخذ القرآن من هؤلاء القراء الأربعة . . فكان على الخليفة أن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 257 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يكتب القرآن من إملاء أي واحد من هؤلاء الأربعة ، أو يجمعهم ليتداولوا فيما قد
يكون بينهم من اختلاف في النص ، ثم يتفقوا على نسخة القرآن ، ويعممها الخليفة
على بلاد المسلمين . .
على هذا . . لم يكن هناك شئ اسمه مشكلة في أخذ القرآن . . أو القراءات ، لأن
النبي صلى الله عليه وآله عين للأمة مصدر القرآن سواء بالرواية المشتركة ، أو بالرواية
التي تفرد بها إخواننا السنة .
ولكن المشكلة نشأت لأن الخليفة لم يأخذ القرآن من أحد . . ! فقد كان له
حساباته الخاصة التي أوجبت برأيه أن تبقى الدولة طيلة عهد أبي بكر وطيلة عهده بلا
نسخة قرآن رسمية . . كما أبقاها بلا نسخة مدونة من الحديث النبوي ، بل منع حتى
رواية الحديث . .
فمن هذا الفراغ القرآني المتعمد . . نشأت مشكلة القراءات والمصاحف ! !
أما لماذا اختار الخليفة عمر هذا الفراغ ؟ !
فالجواب : يعلم ذلك عمر ، ورب عمر !
وأما كيف سكت المسلمون ، ولم يطلبوا من الخليفة تعميم مصحف أهل البيت أو
أحد مصاحف هؤلاء الأربعة ؟ ! !
فالجواب : لقد طلب المسلمون من الخليفة ، وطالبوه ، وحاولوا أن يقوموا هم بجمع
القرآن . . ولكن عمر منعهم وقال لا أسمح أن يقوم أحد بذلك ، أنا أقوم بجمع القرآن ! !
قال عمر بن شبة في تاريخ المدينة ج 2 ص 705 :
( حدثنا هارون بن عمر الدمشقي قال ، حدثنا ضمرة بن ربيعة ، عن إسماعيل بن
عياش ، عن عمر بن محمد ، عن أبيه قال : جاءت الأنصار إلى عمر رضي الله عنه
فقالوا : نجمع القرآن في مصحف واحد ، فقال : إنكم أقوام في ألسنتكم لحن ، وإني
أكره أن تحدثوا في القرآن لحنا فأبى عليهم .
حدثنا يعقوب بن إسحاق الحضرمي قال ، حدثنا جرير ابن حازم ، عن عبد الملك
بن عمير ، عن عبد الله بن معقل بن معاوية قال : قال عمر رضي الله عنه : لا يملينا في
مصاحفنا إلا فتيان قريش وثقيف ) ! !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 258 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال ابن أبي شيبة في مصنفه ج 7 ص 151 :
( حدثنا أبو أسامة عن عمر بن حمة قال أخبرني سالم أن زيد بن ثابت استشار عمر
في جمع القرآن فأبى عليه فقال : أنتم قوم تلحنون ، واستشار عثمان فأذن له ) .
وقال في كنز العمال ج 2 ص 578 :
( حدثنا إسماعيل بن عياش عن عمر بن محمد بن زيد عن أبيه أن الأنصار جاؤوا إلى
عمر بن الخطاب فقالوا : يا أمير المؤمنين نجمع القرآن في مصحف واحد ؟ فقال : إنكم
أقوام في ألسنتكم لحن وأنا أكره أن تحدثوا في القرآن لحنا وأبى عليهم !
. . . عن جابر بن سمرة قال : سمعت عمر بن الخطاب يقول : لا يملين في مصاحفنا
هذه إلا غلمان قريش أو غلمان ثقيف - أبو عبيد في فضائله وابن أبي داود ) انتهى .
يعني هذا القرار : أن الخليفة عمر رفض اعتماد مصحف علي الذي وجهه النبي صلى
الله عليه وآله لتأليفه !
ثم رفض اعتماد مصحف واحد من الأربعة المشهود لهم من النبي صلى الله عليه
وآله
!
ثم رفض قبول أي مصحف تجمعه الأنصار . . وبذلك أسقط اثنين من الأربعة الذين
عينهم النبي لأنهما أنصاريان ، وهما : معاذ بن جبل وأبي بن كعب ! ! وأراد قرآنا يمليه
فتيان قريش وثقيف ، فأسقط بذلك عبد الله بن مسعود المكي لأنه هذلي ليس من قريش
ولا ثقيف ! !
ولم يبق من الأربعة إلا سالم الفارسي غلام أبي حذيفة الأموي . . ! فهل اعتبره
الخليفة قرشيا وأخذ منه القرآن . . ؟ !
كلا . . ما أخذ القرآن من سالم ، ولا من غيره ! حتى قتل سالم في حرب اليمامة في
أواخر خلافة أبي بكر . . مع أن عمر صرح قبل وفاته بأن سالما لو كان حيا لجعله
خليفة على المسلمين من بعده ! ! قال ابن شبة في تاريخ المدينة ج 3 ص 922 :
( حدثنا موسى بن إسماعيل قال ، حدثنا أبو هلال قال ، حدثنا الحسن ، وعبد الله بن
بريدة قالا : لما طعن عمر رضي الله عنه قيل له : لو استخلفت ؟ قال : لو شهدني أحد
رجلين استخلفته - إني قد اجتهدت ولم أتم - أو وضعتها موضعها ، أبو عبيدة بن
الجراح وسالم مولى أبي حذيفة ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 259 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي نفس المصدر ج 3 ص 881 ( يا بن عباس . . . لو كان فيكم مثل سالم مولى
أبي حذيفة لم أشكك في استخلافه ، لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول سالم مولى أبي حذيفة آمن وأحب الله فأحبه ) انتهى .
- فكيف يقولون جمع الخليفة عمر القرآن ، الجمع الأول أو الجمع الثاني . . ثم جمعه
عثمان الجمع الثالث . . وما قصة هذه الجموع ؟ !
الجواب : الجمع لا يكون جمعا إلا إذا كانت له ثمرة . . فالجمع بلا مجموع اسم بلا
مسمى . . وهكذا كان جمع الخليفة عمر للقرآن في عهد أبي بكر ثم في عهده ، كان
اسم جمع واسم لجنة بلا نتيجة ! !
- ولماذا قام الخليفة عمر بهذا العمل الشكلي ؟ !
الجواب : لأن أهل البيت جاؤوا بمصحفهم فرده عمر عليهم . . وأراد الأنصار جمع
القرآن فنهاهم عمر . . وقد يكون آخرون طالبوا بجمع القرآن أو أرادوا جمعه . .
فنهاهم ، وقد يكون هددهم أو ضربهم ! بعد ذلك أعلن الخليفة أنه قام بتشكيل ( لجنة )
برئاسة شاب أنصاري ويقال يهودي هو زيد بن ثابت ، وجمع زيد أو عمر القرآن لكن
بقيت نسخته عند عمر لا يراها إلا هو ، ولم تصل نسخة القرآن إلى المؤمنين مع
تشوقهم إليها ، وكأن المؤمنين أطفال اشترى لهم أبوهم عمر شيئا عزيزا ، لكن خبأه لهم
عند أمهم حفصة ! !
بل حتى الخليفة عمر لم يرو عنه أنه رجع يوما ولا أرجع أحدا إلى النسخة الأم التي
عند الأم . . وحتى أم المؤمنين حفصة لم تستفد من هذه النسخة ، فقد تقدم أنها
استكتبت نسخة لها !
من هنا بدأت مشكلة تفاوت القراءات والمصاحف . . ثم أخذت تتراكم ، حتى
تحولت إلى أزمة وانفجرت في خلافة عثمان ، فكتب عثمان نسخة المصحف الرسمي
ونشرها والحمد لله ! !
ويظهر من سياسة الخليفة عمر أنه كان يميل إلى إبقاء نص القرآن مفتوحا
لاجتهاداته ، بحجة أنه أساسا نزل مفتوحا لسبعة أحرف وأكثر ، ولا يريد فعلا حصره
في نسخة واحدة ! ولعله كان ناويا أن يكتب نسخة القرآن بالقراءة والمواصفات التي
يثق بها ، ولكن الأجل لم يمهله !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 260 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وهكذا تحول موقف الخليفة عمر الغريب وغير المبرر ، إلى فضيلة لعمر وخدمة
للقرآن ، وتحول قرآن علي وغيره من الصحابة ، إلى تهمة بالخروج عن إجماع الأمة . .
وكأن الأمة تعني عمر ، حتى لو كان الذين خالفوه كل الأمة ومعهم وصية نبيهم صلى
الله عليه وآله ! !

موقف الخليفة عمر من حملة القرآن

أولا : مع كبير القراء أبي بن كعب الأنصاري

شهادة عظيمة لأبي بن كعب رووها وخالفوها ! !

روى إخواننا السنة في صحاحهم أن الله جلت عظمته قد أمر رسوله صلى الله عليه
وآله أن يعلم القرآن لأبي بن كعب . . وبذلك فقد وجب على جميع المسلمين بمن فيهم
أبو بكر وعمر وعثمان أن يأخذوا القرآن من أبي بن كعب . . ! !
قال البخاري في صحيحه ج 6 ص 90 :
( . . . عن قتادة عن أنس بن مالك أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بن
كعب : إن الله أمرني أن أقرئك القرآن قال آلله سماني لك ؟ ! قال نعم . قال وقد
ذكرت عند رب العالمين ؟ ! قال نعم . فذرفت عيناه ! ! ) .
وقال مسلم في ج 2 ص 195 :
( . . . حدثنا شعبة قال سمعت قتادة يحدث عن أنس قال قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم لأبي بن كعب أن الله أمرني أن أقرأ عليك : لم يكن الذين كفروا ، قال
وسماني لك ؟ قال نعم ، قال فبكى ) انتهى . ورواه مسلم في ج 7 ص 150 ، ورواه البخاري في
ج 4 ص 228 ، وروى قريبا من معناه ابن ماجة في سننه ج 1 ص 54 - وأحمد في مسنده ج 3 ص 281
ولعل الخليفة عمر وجه المسلمين في أول خلافته إلى أبي بن كعب ليأخذوا عنه
القرآن ، ثم تراجع ونهاهم . . فقد روى البيهقي في سننه ج 6 ص 210 :
( . . . حدثني موسى بن علي عن أبيه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطب
الناس بالجابية فقال من أراد أن يسأل عن القرآن فليأت أبي بن كعب ، ومن أراد أن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 261 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يسأل عن الفرائض فليأت زيد بن ثابت ، ومن أراد أن يسأل عن الفقه فليأت معاذ بن
جبل ، ومن أراد أن يسأل عن المال فليأتني ، فإن الله تعالى جعلني له خازنا وقاسما ) .
ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد ج 1 ص 135 ، والذهبي في سير أعلام النبلاء ج 1 ص 394 وتذكرة الحفاظ
ج 1 ص 20 .
وروى البخاري في صحيحه ج 2 ص 252 أن الخليفة عمر عندما ابتدع صلاة
التراويح جعل إمامتها لأبي بن كعب ( . . . فقال عمر إني أرى لو جمعت هؤلاء على
قارئ واحد لكان أمثل ، ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب ثم خرجت معه ليلة
أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم قال عمر : نعم البدعة ) .
ولعل أحاديث المدح والاحترام التي رويت عن عمر في حق أبي بن كعب
صدرت في تلك الفترة من العلاقة الجيدة بينهما ، فقد روى المزي في تهذيب الكمال
ج 2 ص 269 :
( عن أبي نضرة العبدي : قال رجل منا يقال له : جابر أو جويبر طلبت حاجة إلى
عمر في خلافته فانتهيت إلى المدينة ليلا ، فغدوت عليه وقد أعطيت فطنة ولسانا أو قال
منطقا فأخذت في الدنيا فصغرتها ، فتركتها لا تسوى شيئا ، وإلى جنبه رجل أبيض
الشعر أبيض الثياب ، فقال لما فرغت : كل قولك كان مقاربا إلا وقوعك في الدنيا ،
وهل تدري ما الدنيا ؟ إن الدنيا فيها بلاغنا ، أو قال : زادنا إلى الآخرة ، وفيها أعمالنا
التي نجزى بها في الآخرة ، قال : فأخذ في الدنيا رجل هو أعلم بها مني . فقلت يا أمير
المؤمنين من هذا الرجل الذي إلى جنبك ؟ قال سيد المسلمين أبي بن كعب ! ! ) انتهى .
ولكن على رغم هذه الشهادات الضخمة بحق أبي ، وعلاقته المميزة مع الخليفة . .
فإن الخليفة لم يأخذ عنه القرآن ، ولم يعتمد مصحفه مصحفا رسميا للدولة مع شدة
حاجة المسلمين إلى ذلك . .
بل تروي الصحاح اختلافات كثيرة بينهما بسبب أن عمر أراد أن يفرض رأيه على
أبي في آيات القرآن ، بينما كان أبي يرفض ذلك ويقف في وجه الخليفة . . ! كما تروي
الصحاح أن العلاقة بينهما قد ساءت إلى حد أن عمر أهان أبيا وضربه بالسوط عند
خروجه من المسجد على مرأى جماعته ومسمعهم . . !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 262 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الصراع بين عمر وأبي على قراءة القرآن

روت مصادر إخواننا نماذج متعددة من هذا الخلاف ، وقد تفاوتت مواقف الخليفة
إلى حد التناقض . . ففي بعضها كان يخضع لقول أبي ويعتذر إليه . . وفي بعضها كانا
يفترقان بدون نتيجة عملية . . وفي بعضها كان الخليفة يصر على رأيه ويأمر المسلمين
بكتابة المصحف على ما يقوله هو ومحو ما يقوله أبي . . ! الخ . وقد عرضنا في فصل
القراءات الشخصية ومحاولات التحريف ، نماذج من روايات اختلافه معه . . ونذكر هنا
ما رواه الحاكم في المستدرك ج 2 ص 225 :
( . . . عن ابن عباس رضي الله عنهما قال بينما أنا أقرأ آية من كتاب الله عز وجل
وأنا أمشي في طريق من طرق المدينة فإذا أنا برجل يناديني من بعدي : اتبع ابن عباس ،
فإذا هو أمير المؤمنين عمر ، فقلت أتبعك على أبي بن كعب فقال : أهو أقرأكها كما
سمعتك تقرأ ؟ قلت نعم ، قال فأرسل معي رسولا قال إذهب معه إلى أبي بن كعب
فانظر يقرأ أبي كذلك ، قال فانطلقت أنا ورسوله إلى أبي بن كعب قال فقلت يا أبي
قرأت آية من كتاب الله فناداني من بعدي عمر بن الخطاب اتبع ابن عباس فقلت أتبعك
على أبي بن كعب فأرسل معي رسوله أفأنت أقرأتنيها كما قرأت ؟ قال أبي نعم . قال
فرجع الرسول إليه فانطلقت أنا إلى حاجتي قال فراح عمر إلى أبي فوجده قد فرغ من
غسل رأسه ووليدته تدري لحيته بمدراها ، فقال أبي : مرحبا يا أمير المؤمنين أزائرا جئت
أم طالب حاجة ؟ فقال عمر بل طالب حاجة ، قال فجلس ومعه موليان له حتى فرغ
من لحيته وأدرت جانبه الأيمن من لمته ثم ولاها جانبه الأيسر ، حتى إذا فرغ أقبل إلى
عمر بوجهه فقال : ما حاجة أمير المؤمنين ؟ فقال عمر : يا أبي على ما تقنط الناس ؟
فقال أبي : يا أمير المؤمنين إني تلقيت القرآن من تلقاء جبريل وهو رطب ، فقال عمر :
تالله ما أنت بمنته وما أنا بصابر ، ثلاث مرات ، ثم قام فانطلق ! هذا حديث صحيح
الإسناد ولم يخرجاه ) انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 263 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ومن ذلك : ما رواه في كنز العمال ج 13 ص 261 :
( عن الحسن أن عمر بن الخطاب رد على أبي بن كعب قراءة آية فقال أبي : لقد
سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت يلهيك يا عمر الصفق بالبقيع ! فقال
عمر : صدقت ! إنما أردت أن أجربكم هل منكم من يقول الحق ، فلا خير في أمير لا
يقال عنده الحق ولا يقوله ! - ابن راهويه .
. . . عن أبي إدريس الخولاني أن أبي بن كعب قال لعمر : والله يا عمر ! إنك
لتعلم أني كنت أحضر وتغيبون وأدنى وتحجبون ويصنع بي ويصنع بي والله لئن أحببت
لألزمن بيتي فلا أحدث شيئا ولا أقرئ أحدا حتى أموت ، فقال عمر بن الخطاب اللهم
غفرا ، إنا لنعلم أن الله قد جعل عندك علما فعلم الناس ما علمت - ابن أبي داود في
المصاحف ، كر ) . . .
ومن ذلك : ما رواه السيوطي في الدر المنثور ج 2 ص 344 :
( وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن عدي عن أبي مجلز أن أبي بن كعب قرأ من
الذين استحق عليهم الأوليان قال عمر كذبت ! قال أنت أكذب ! فقال رجل : تكذب
أمير المؤمنين ؟ قال أنا أشد تعظيما لحق أمير المؤمنين منك ، ولكن كذبته في تصديق
كتاب الله ولم أصدق أمير المؤمنين في تكذيب كتاب الله ! ! فقال عمر : صدق ) .
ومن ذلك : موقف غريب للخليفة رواه البخاري في صحيحه ج 5 ص 149 :
( . . . عن حبيب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال قال عمر رضي الله عنه :
أقرؤنا أبي ، وأقضانا علي ، وإنا لندع من قول أبي ، وذاك أن أبيا يقول لا أدع شيئا
سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قال الله تعالى ما ننسخ من آية أو
ننسؤها ) انتهى .
ورواه بتفاوت يسير في ج 6 ص 103 ، ورواه أحمد ج 5 ص 113 بثلاث روايات . ورواه في كنز
العمال ج 2 ص 592 وقال في مصادره ( خ ، ن ، وابن الأنباري في المصاحف ، قط في الإفراد ، ك ، وأبو
نعيم في المعرفة ، ق ، الدلائل ) ورواه الذهبي في سير أعلام النبلاء ج 1 ص 391 و ص 394 وتذكرة الحفاظ
ج 1 ص 20 وفي كثير من رواياته : ( وإنا لندع من لحن أبي ، وفي بعضها : كثيرا من لحن أبي ! !
ومعنى ذلك أن الخليفة يشهد بأن أبيا أقرأ الصحابة للقرآن ، ولكنه ليس أقرأهم ! !
والسبب أن أبيا يلحن ويغلط في نص القرآن ، وأنه لا يعلم المنسوخ من القراءات ، فهو
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 264 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يقرأ آيات نسخها النبي صلى الله عليه وآله ولم يعرف أبي ذلك . . بينما عمر لا يلحن
ويعرف المنسوخ ، فيحق له أن يقبل قراءة أبي أو يرفضها ، ويأمر المسلمين باتباع رأيه
وترك رأي أبي . . ! !

الخليفة عمر يضع حدا لصراعه مع أبي بن كعب ! !

ولم يقف سوء العلاقة بينهما عند هذا الحد . . بل تطور حتى وصل إلى نهايته
المعلومة مع الخليفة عمر ، وهي السوط على رأس ووجه أكبر شيبة في الأنصار ، وأكبر
حفظة القرآن بشهادة الخليفة ! وذلك عندما خرج أبي بن كعب من مسجد النبي أو
كان داخل المسجد ، على مرأى جماعته ومسمعهم . . ! وبذلك نفذ خليفة النبي وصية
النبي معكوسة تماما ، كما نفذ وصية النبي بآله وعترته صلى الله عليه وآله ! !
وقد أغفلت الصحاح الستة قصة ضرب عمر لكعب ، لكن روتها مصادر أخرى
موثوقة عند إخواننا السنة ، ولكنها تفاوتت في ذكر السبب . . والذي يظهر من رواية
الراغب في محاضرات الأدباء ج 1 ص 133 أن السبب هو مشي عدد من التلاميذ
والمحبين لأبي خلفه في الطريق ! قال الراغب ( . . . ونظر عمر رضي الله عنه إلى أبي بن
كعب وقد تبعه قوم ، فعلاه بالدرة وقال : إنها فتنة للمتبوع ومذلة للتابع ) .
ولكن الدارمي وعمر بن شبة صرحا بأن السبب أن أبيا خالف أمر الخليفة بعدم
تحديث الناس عن النبي صلى الله عليه وآله ! ! قال الدارمي في سننه ج 1 ص 132 :
( . . . عن سليمان بن حنظلة قال أتينا أبي بن كعب لنحدث إليه فلما قام قمنا ونحن
نمشي خلفه ، فرهقنا عمر فتبعه فضربه عمر بالدرة قال فاتقاه بذراعيه فقال يا أمير
المؤمنين ما تصنع ؟ ! ! قال : أو ما ترى ؟ فتنة للمتبوع مذلة للتابع ! ) انتهى .
وقال ابن شبة في تاريخ المدينة ج 2 ص 691 :
( . . . حدثني أبو عمرو الجملي ، عن زاذان : أن عمر رضي الله عنه خرج من
المسجد فإذا جمع على رجل فسأل : ما هذا ؟ قالوا : هذا أبي بن كعب ، كان يحدث
الناس في المسجد فخرج الناس يسألونه ، فأقبل عمر رضي الله عنه حردا فجعل يعلوه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 265 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بالدرة خفقا ، فقال : يا أمير المؤمنين أنظر ما تصنع ، قال : فإني على عمد أصنع ، أما
تعلم أن هذا الذي تصنع فتنة للمتبوع مذلة للتابع ! ! )
ويمكن أن نضيف إلى السببين المصرح بهما سببين آخرين قد يكونا أعظم منهما في
رأي عمر وهما : وقوف أبي في مواجهة عمر في جملة من مسائل القرآن ، خاصة عندما
حاول تحريف آية الأنصار . . وأن عمر ما زال يضطغن على أبي بن كعب أنه كان مع
سعد بن عبادة وكثير من الأنصار معارضين لفرضه بيعة أبي بكر . . فقد كان أبي بن كعب
مع الذين اعتصموا في بيت فاطمة وهاجمهم عمر وأشعل الحطب في باب البيت وهددهم
بإحراقه على من فيه ! ! فبقيت في نفس عمر حتى وجد لها مناسبة !
قال ابن واضح اليعقوبي في تاريخه ج 2 ص 124 :
( وتخلف عن بيعة أبي بكر قوم من المهاجرين والأنصار ، ومالوا مع علي بن أبي
طالب ، منهم : العباس بن عبد المطلب والفضل بن العباس والزبير بن العوام بن العاص ،
وخالد بن سعيد ، والمقداد بن عمرو ، وسلمان الفارسي ، وأبو ذر الغفاري ، وعمار بن
ياسر ، والبراء بن عازب ، وأبي بن كعب ، فأرسل أبو بكر إلى عمر بن الخطاب وأبي
عبيدة بن الجراح والمغيرة بن شعبة ، فقال : ما الرأي ؟ قالوا : الرأي أن تلقى العباس بن
عبد المطلب ، فتجعل له في هذا الأمر نصيبا يكون له ولعقبه من بعده ، فتقطعون به
ناحية علي بن أبي طالب حجة لكم على علي ، إذا مال معكم ، فانطلق أبو بكر وعمر
وأبو عبيدة بن الجراح والمغيرة حتى دخلوا على العباس ليلا . . .
واجتمع جماعة إلى علي بن أبي طالب يدعونه إلى البيعة له ، فقال لهم : أغدوا علي
غدا محلقين الرؤوس . فلم يغد عليه إلا ثلاثة نفر . وبلغ أبا بكر وعمر أن جماعة من
المهاجرين والأنصار قد اجتمعوا مع علي بن أبي طالب في منزل فاطمة بنت رسول الله ،
فأتوا في جماعة حتى هجموا الدار . . . ) انتهى .
على أي حال ، فإن من يقرأ ما روته الصحاح عن علم أبي بن كعب بالقرآن
وحفظه له ، ثم يقرأ ما فعله الخليفة عمر معه . . يجد نفسه ملزما بالحكم على الخليفة
بأنه لم ينفذ وصية النبي صلى الله عليه وآله في حق أبي ، بل عمل بعكسها تماما ! !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 266 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

مع ثاني القراء عبد الله بن مسعود الهذلي

شهادة عظيمة لابن مسعود روتها مصادر السنة أيضا

روى أحمد في مسنده ج : 1 ص 38 :
( . . . عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال مر رسول الله صلى الله عليه وسلم
وأنا معه وأبو بكر رضي الله عنه على عبد الله بن مسعود وهو يقرأ فقام فسمع قراءته ،
ثم ركع عبد الله وسجد قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : سل تعطه ، سل
تعطه . قال ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : من سره أن يقرأ القرآن
غضا كما أنزل فليقرأه من ابن أم عبد ، قال فأدلجت إلى عبد الله بن مسعود لأبشره بما
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فلما ضربت الباب أو قال لما سمع صوتي قال
ما جاء بك هذه الساعة ؟ قلت جئت لأبشرك بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
قال قد سبقك أبو بكر رضي الله عنه ، قلت إن يفعل فإنه سباق بالخيرات ، ما استبقنا
خيرا قط إلا سبقنا إليها أبو بكر ) انتهى . ورواه أحمد أيضا في ج 1 ص 454 و ج 4 ص 278 ،
وابن ماجة في سننه ج 1 ص 49 ، والحاكم في المستدرك ج 2 ص 227 وصححه على شرط الشيخين .
ورواه في ج 3 ص 317 وقال ( هذا حديث
صحيح الإسناد ولم يخرجاه ) وفي ص 318 وقال ( هذا حديث
صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ) . ورواه البيهقي في سننه ج 1 ص 452 و ج 2 ص 153 والهيثمي
في مجمع الزوائد ج 9 ص 287 و ص 288
ورواه في كنز العمال ج 2 ص 51 وفي ج 11 ص 710 و ج 13 ص 460 وقال في مصدره ( البزار
وصححه ) . ورواه في ج 11 ص 710 ، وروى في ج 13 ص 461 أن الخليفة عمر أكد مكانة ابن مسعود
عندما جعله واليا على بيت مال الكوفة فكتب إلى أهل الكوفة ( يا أهل الكوفة ، أنتم رأس العرب وجمجمتها ،
وسهمي الذي أرمي به إن أتاني شئ من ههنا وههنا ، وإني بعثت إليكم عبد الله بن مسعود واخترته لكم
وآثرتكم به على نفسي أثرة - ابن سعد ، ص ) انتهى .
ولكن مع كل هذا التأكيد النبوي ، والاحترام العمري ، فإن الخليفة عمر لم يأخذ
القرآن من عبد الله بن مسعود ولم يعتمد مصحفه مصحفا رسميا للدولة ! بل عندما سمع
عنه وهو في الكوفة أنه قرأ الآية الفلانية قراءة لم تعجب الخليفة أرسل إليه رسالة إلى
الكوفة يتهمه فيها بأنه لا يقرأ القرآن كما أنزل ، فقد أنزل القرآن بلغة قريش بينما ابن
مسعود يحرفه ويقرؤه بلغة قبيلته هذيل ! !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 267 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال عمر ابن شبة في تاريخ المدينة ج 3 ص 1010 :
( . . . عن عبد الرحمن بن عبد الله - يعني أبي بن كعب بن عجرة - عن أبيه ، عن
جده قال : كنت عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فقرأ رجل من سورة يوسف
( عتا حين ) فقال عمر رضي الله عنه : من أقرأك هكذا ؟ قال : ابن مسعود ، فكتب
عمر رضي الله عنه إلى ابن مسعود : أما بعد ، فإن الله أنزل هذا القرآن بلسان
قريش ، وجعله بلسان عربي مبين ، فأقرئ الناس بلغة قريش ، ولا تقرئهم بلغة هذيل
والسلام ! ) .
وقال السيوطي في الدر المنثور ج 4 ص 18 :
( وأخرج ابن الأنباري في كتاب الوقف والابتداء والخطيب في تاريخه عن عبد الرحمن
بن كعب بن مالك رضي الله عنه عن أبيه قال سمع عمر رضي الله عنه رجلا يقرأ هذا
الحرف ليسجننه عتى حين فقال له عمر رضي الله عنه من أقرأك هذا الحرف ؟ قال ابن
مسعود رضي الله عنه ، فقال عمر رضي الله عنه ليسجننه حتى حين ، ثم كتب إلى ابن
مسعود رضي الله عنه سلام عليك أما بعد فإن الله أنزل القرآن فجعله قرآنا عربيا مبينا
وأنزله بلغة هذا الحي من قريش ، فإذا أتاك كتابي هذا فأقرئ الناس بلغة قريش ولا
تقرئهم بلغة هذيل ! ! ) . ورواه في كنز العمال ج 2 ص 593
وهذا الموقف غريب من الخليفة ، فهو الذي روى شهادة النبي صلى الله عليه وآله
بأن ابن مسعود يقرؤه غضا طريا كما أنزله الله تعالى . . وروى أن النبي حث المسلمين
على القراءة بقراءة ابن أم عبد . . وهو الذي توسع في قراءات القرآن إلى سبعة أحرف
وأكثر . . وهو الذي توسع في نص القرآن حتى جوز قراءته بالمعنى كما قدمنا . . ومع
كل ذلك ضاق صدره عن قراءة ابن مسعود لآية واحدة ! !
الواقع أن المسألة ليست قراءة آية ، خاصة أن عمر لم يذكر الآية . . بل هي أن
الخليفة عمر يريد حصر مصدر القرآن وقراءاته به . . فليس من حق أحد أن يقرأ إلا
كما يقرأ عمر ، حتى لو كان قارئه شهد له النبي بأن قراءته صحيحة دقيقة كما نزل
بها جبرئيل عليه السلام ! !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 268 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
هذا هو لب القضية . . ونظريات التوسع والتوسعة كلها للخليفة وحده ، ولمن أجاز
له القراءة بها وحده ! !
وقد فصل عمرو بن العاص شهادته على ما أراده عمر فقال ، كما في كنز العمال
ج 12 ص 593 :
( عن عمرو بن العاص قال : أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :
ما أقرأكم عمر فاقرؤوا ، وما أمركم به فائتمروا ! - كر ) . ورووا شهادة مماثلة عن
جابر بن عبد الله الأنصاري ! قال ابن أبي شيبة في مصنفه ج 7 ص 183 :
( حدثنا حسين بن علي عن زائدة عن عبد الملك بن عمير عن قبيصة عن جابر قال :
ما رأيت أحدا كان أقرأ لكتاب الله ولا أفقه في دين الله ولا أعلم بالله من عمر ) !
بل رووا شهادة عن لسان عبد الله بن مسعود أسقط فيها نفسه من شهادة النبي صلى
الله عليه وآله وأعطاها لعمر ! !
قال الحاكم في مستدركه ج 3 ص 86 :
( . . . عن زيد بن وهب عن ابن مسعود رضي الله عنه : كان عمر أتقانا للرب ،
وأقرأنا لكتاب الله ! ! ) انتهى ، ولكن هل يعقل في حق ابن مسعود الذي ائتمنه النبي
على نص وقال للناس خذوه منه . . أن يقول لهم : بل خذوه من فلان ؟ ! بل لو صح
ذلك عنه لجرح بعدالته !
وقد حاول ابن عبد البر أن يبرر نهي عمر لابن مسعود ، وغاية ما وصل إليه أنه ليس
نهيا حقيقيا . . فكأن الخليفة عمر كان يمزح في رسالته الصريحة من المدينة إلى الكوفة ! !
قال محمد طاهر الكردي في تاريخ القرآن الكريم ص 39 :
( وأخرج أبو داود من طريق كعب الأنصاري أن عمر كتب إلى ابن مسعود أن
القرآن نزل بلسان قريش فاقرئ الناس بلغة قريش لا بلغة هذيل ، قال ابن عبد البر :
يحتمل أن يكون هذا من عمر على سبيل الاختيار لا أن الذي قرأ به ابن مسعود لا
يجوز . قال وإذا أبيحت قراءته على سبعة أوجه أنزلت جاز الاختيار فيما أنزل . انتهى ،
من فتح الباري على صحيح البخاري ) انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 269 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
من جهة أخرى ، من قال إن هذيلا يقلبون الحاء عينا ويلفظون ( حتى ) ( عتى )
فقد كانت هذيل تعيش مع قريش وتتصف بفصاحتها ، حتى أن الخليفة عثمان تمنى أن
يكون مملي القرآن من هذيل لأن لغته لغة قريش ، وأن يكون الكاتب من ثقيف لقربهم
منهم وإجادتهم الكتابة . . روى في كنز العمال ج 2 ص 586 و ص 587 :
( عن أبي المليح قال قال عثمان بن عفان حين أراد أن يكتب المصحف تملي
هذيل . . . عن عكرمة قال لما أتي عثمان بالمصحف رأى فيه شيئا من لحن فقال لو كان
المملي من هذيل والكاتب من ثقيف لم يوجد فيه هذا - ابن الأنباري وابن أبي داود ) .
ويبدو من النص الذي تقدم في أدلة جمع القرآن في زمن النبي صلى الله عليه وآله ،
أن الخليفة عمر كان متسامحا مع ابن مسعود في أول الأمر ، فتركه يملي المصاحف على
الناس . . ثم تغيرت سياسته معه .
والنتيجة : أن عبد الله بن مسعود كان محترما عند الخليفة عمر ، وقد تحمل الكثير
حتى حافظ على مكانته عنده . . ولكن ذلك لم يشفع له لينفذ عمر فيه وصية النبي صلى الله
عليه وآله ويأخذ القرآن منه . . بل حدث عكس ذلك ووقع ابن مسعود تحت
تأثير الخليفة عمر في الأحرف السبعة وغيرها ، حتى وقف في عهد عثمان ضد توحيد
نسخة القرآن . . الأمر الذي يوجب برأينا إعادة النظر في أصل رواية وصية النبي صلى
الله عليه وآله بأخذ القرآن من ابن مسعود . . لكن الرواية عند إخواننا ثابتة وصحيحة !

قارئا الخليفة المفضلان

الأول : عبد الرحمن بن أبزى

ذكر الحموي في معجم البلدان ج 1 ص 411 معنى كلمة أبزى ، فقال ( البزواء
بالفتح والمد والبزا : خروج الصدر ودخول الظهر ، يقال : رجل أبزى وامرأة بزواء )
انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 270 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وعبد الرحمن بن أبزى شاب حبشي كان في زمن الخليفة عمر صغير السن لأنه توفي
نحو سنة 72 هجرية كما ذكر الذهبي ، وهو غلام لنافع بن عبد الحارث بن حبالة
الملكاني حليف خزاعة ، ونافع هذا من أهل مكة ومسلمة الفتح . . قال ابن الأثير في
أسد الغابة ج 5 ص 7 :
( نافع بن عبد الحارث بن حبالة بن عمير بن غبشان ، واسمه الحارث بن عبد عمرو
بن لؤي ابن ملكان بن أقصى الخزاعي ، نسبه كلهم إلى خزاعة وساقوا نسبه إلى ملكان
وهو أخو خزاعة وأخو أسلم ، ويقال لبعض ولده خزاعي لقلة بني ملكان فنسبوا إلى
خزاعة ! ولنافع صحبة ورواية واستعمله عمر بن الخطاب رضي الله عنه على مكة
والطائف وفيهما سادة قريش وثقيف . وخرج إلى عمر واستخلف على مكة مولاه
عبد الرحمن بن أبزى فقال له عمر استخلفت على آل الله مولاك فعزله واستعمل خالد
ابن العاص بن هشام ، وكان نافع من فضلاء الصحابة وكبارهم ( . . . ) وقيل أسلم يوم
الفتح وأقام بمكة ولم يهاجر ! روى عنه أبو سلمة وحميد وأبو الطفيل ) انتهى !
ولكن الظاهر أن الخليفة عمر لم يعزل ابن أبزى بل أعجبه وأقره نائبا لواليه على
مكة والطائف ، ثم استقدمه إلى المدينة فكان من خاصته وولاته ، وادعى ابن الأثير أن
عليا عليه السلام ولاه على خراسان ، ولم يؤيده الآخرون . .
وقد ترجم البخاري لابن أبزى في تاريخه ج 5 ص 245 فقال :
( عبد الرحمن بن أبزى مولى خزاعة الكوفي ، له صحبة . قال عمرو بن محمد حدثنا
يعقوب حدثنا أبي عن ابن إسحاق حدثني سلمة بن كهيل الحضرمي : عن عبد الله بن
عبد الرحمن بن أبزى من قدماء موالي أهل مكة ) .
وروى له البخاري في صحيحه في ج 1 ص 87 و 88 فتوى الخليفة عمر بعدم التيمم وعدم الصلاة لمن لم
يجد ماء ! ! وفي ج 3 ص 44 و 45 و 46 في شراء السلف . وفي ج 4 ص 239 و ج 6 ص 15 في التوبة على قاتل
النفس المحترمة . وروى له مسلم في ج 1 ص 193 و ج 8 ص 242 .
وروى في ج 2 ص 201 :
( . . . عن عامر بن واثلة أن نافع بن عبد الحارث لقى عمر بعسفان وكان عمر
يستعمله على مكة فقال من استعملت على أهل الوادي ؟ فقال ابن أبزى قال ومن ابن .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 271 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أبزى ؟ قال مولى من موالينا قال فاستخلفت عليهم مولى ؟ قال إنه قارئ لكتاب الله عز
وجل وإنه عالم بالفرائض ، قال عمر : أما إن نبيكم صلى الله عليه وسلم قد قال إن
الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين ) وهذا يؤيد أن عمر لم يعزله ، خاصة وأنه
عالم بالفرائض ، أي تقسيم الإرث وحساب الماليات ، كما سنرى في زيد بن ثابت .
وفي كنز العمال ج 13 ص 560 :
( عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال : خرجت مع عمر ابن الخطاب إلى مكة فاستقبلنا
أمير مكة نافع بن الحرث فقال : من استخلفت على أهل مكة ؟ قال : عبد الرحمن بن
أبزى ، قال : عمدت إلى رجل من الموالي فاستخلفته على من بها من قريش وأصحاب
محمد صلى الله عليه وسلم ! قال : نعم وجدته أقرأهم لكتاب الله . ومكة أرض
محتضرة فأحببت أن يسمعوا كتاب الله من رجل حسن القراءة . قال نعم ما رأيت إن
عبد الرحمن بن أبزى ممن يرفعه الله بالقرآن - ع ) انتهى .
وروى النسائي لابن أبزى في ج 1 ص 165 و 168 و 169 و ج 3 ص 235 و 244 و 245 و 247
و 250 و ج 7 ص 289 و ج 8 ص 62 .
وروى له في ج 8 ص 335 رواية تدل على أنه كان يشرب الخمر ولا يكتفي بالنبيذ ، قال النسائي :
( عن سفيان عن سلمة بن كهيل عن ذر بن عبد الله عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه قال سألت
أبي بن كعب عن النبيذ فقال : إشرب الماء ، واشرب العسل ، واشرب السويق ، واشرب اللبن الذي نجعت به ،
فعاودته فقال : الخمر تريد ، الخمر تريد ! ! ) .
وفي كنز العمال ج 5 ص 523 :
( عن ابن أبزى عن أبيه قال : سألت أبي بن كعب عن النبيذ فقال : إشرب الماء ، واشرب السويق
، واشرب اللبن الذي نجعت به ، قلت لا توافقني هذه الأشربة ، قال : فالخمر إذا تريد ! - عب ) .
وروى ولايته بالنيابة على مكة ابن ماجة ج 1 ص 79 وروى له في ج 1 ص 188 و 370 و 374
و ج 2 ص 766 ورواها الدارمي ج 2 ص 443 وروى له في ج 1 ص
190 ورواها أحمد في مسنده ج 1 ص
35 وروى له في ج 1 ص 8 و 64 و ج 3 ص 406 و ج 4 ص 263 و 265 و 319 و 320 و ج 5 ص 122
وروت له بقية الصحاح وغيرها . .
ولعل أهم ما رووا له أن الخليفة عمر كان يقنت بالسورتين الخلع والحفد اللتين
زعموا أنهما من القرآن ، فقد روى ذلك البيهقي في سننه ج 2 ص 211 والهندي في
كنز العمال ج 8 ص 74 و 75 :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 272 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
( عن عبد الرحمن بن أبزى أن عمر قنت في صلاة الغداة قبل الركوع بالسورتين :
اللهم إنا نستعينك ، واللهم إياك نعبد - الطحاوي ) .
وترجم له الذهبي في سير أعلام النبلاء ج 3 ص 201 ، فقال :
( عبد الرحمن بن أبزى الخزاعي له صحبة ورواية وفقه وعلم . وهو مولى نافع بن
عبد الحارث ، كان نافع مولاه استنابه على مكة حين تلقى عمر بن الخطاب إلى عسفان ،
فقال له : من استخلفت على أهل الوادي يعني مكة ؟ قال : ابن أبزى ، قال ومن ابن
أبزى ؟ قال : إنه عالم بالفرائض ، قارئ لكتاب الله . قال : أما إن نبيكم صلى الله
عليه وسلم قال إن هذا القرآن يرفع الله به أقواما ، ويضع به آخرين . وحدث
عبد الرحمن أيضا عن أبي بكر ، وعمر ، وأبي بن كعب ، وعمار بن ياسر .
حدث عنه : ابناه ، عبد الله وسعيد ، والشعبي ، وعلقمة بن مرثد ، وأبو إسحاق
السبيعي ، وآخرون .
سكن الكوفة ، ونقل ابن الأثير في تاريخه : أن عليا رضي الله عنه استعمل
عبد الرحمن بن أبزى على خراسان .
ويروى عن عمر بن الخطاب أنه قال : ابن أبزى ممن رفعه الله بالقرآن . قلت :
عاش إلى سنة نيف وسبعين فيما يظهر لي ) .
وقال ابن الأثير في أسد الغابة ج 3 ص 278 :
( عبد الرحمن بن أبزى الخزاعي مولى نافع بن عبد الحارث سكن الكوفة . . . وقال فيه
عمر بن الخطاب عبد الرحمن بن أبزى ممن رفعه الله بالقرآن )
وقال في ج 1 ص 45 :
( . . . عن مقاتل بن حيان عن علقمة بن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه عن
جده قال خطب رسول الله وذكر الحديث . . . ولم يصح لابن أبزى عن النبي رواية ولا
رؤية ، هذا كلام أبي نعيم ، ولقد أحسن فيما قال وأصاب الصواب رحمة الله تعالى
عليه ، وأما أبو عمر فلم يذكر أبزى وإنما ذكر عبد الرحمن لأنه لم تصح عنده صحبة
أبزى ، والله أعلم ) انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 273 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الثاني : زيد بن ثابت بن . . . ؟

مسؤول جمع القرآن شاب صغير السن ، وأصله . . . ؟

هذا الغلام المحظوظ بصوته الحسن - وقد يكون مغنيا - وقدرته على الجمع
والضرب ، صار برضا الخليفة عمر عنه وتقريبه إياه ، ومن شخصيات التاريخ
الإسلامي وصار هو وأبوه وأولاده من العلماء والرواة . وقد توقف بعض الفقهاء في
قبول روايته ورواية أبيه عن النبي صلى الله عليه وآله ، لأنهما ليسا من الصحابة
كما تقدم ، وقال في
الجوهر النقي ج 2 ص 347 تعليقا على رواية ابن أبزى التي ادعى
فيها أن النبي صلى الله عليه وآله سهى في صلاته ! ( قلت : في هذا الحديث علتان ،
إحداهما أن عبد الرحمن بن أبزى مختلف في صحبته . والثانية أن عبد الحق ذكر هذا
الحديث في أحكامه ثم قال الحسن بن عمران شيخ ليس بالقوي ) انتهى .
ولكن يبقى الأساس عند إخواننا أن البخاري وثقه وقال إنه له صحبة ما . . لذلك
قال في كنز العمال ج 9 ص 58 :
( قال ابن السكن : ما له غيره وإسناده صالح لكن رواه محمد بن إسحاق بن راهويه
عن أبيه فقال : في إسناده عن علقمة بن سعيد بن أبزى عن أبيه عن جده رواه طب في
ترجمة عبد الرحمن ، ورجح أبو نعيم هذه الرواية وقال لا يصح لأبزى رواية ولا رؤية ،
وكذا قال ابن منده . وقال ابن حجر في الإصابة : كلام ابن السكن يرد عليهما ،
والعمدة في ذلك على البخاري فإليه المنتهى في ذلك ) ! وإلى الله المشتكى في ذلك !
الثاني : زيد بن ثابت بن . . . ؟
مسؤول جمع القرآن شاب صغير السن ، وأصله . . . ؟
لم يكن زيد بن ثابت ( الأنصاري ) من الصحابة المعروفين ، ولعل أول ما ورد
اسمه في التاريخ في مسألة جمع القرآن . . فقد أمره الخليفة أبو بكر وعمر بجمع القرآن . .
ثم كان أحد الذين أمرهم الخليفة عثمان بجمع القرآن ، فشارك في كتابة المصحف
الأم أو المصحف الإمام . . والذي هو المصحف الوحيد للمسلمين من ذلك التاريخ
والحمد لله .
فمن هو زيد بن ثابت ؟ ولماذا اعتمد عليه الخليفة أبو بكر وعمر وعثمان ؟
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 274 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم ماذا كان عمل زيد بالضبط ، وهل جمع القرآن في مصحف في عهد أبي بكر
وعمر ، أم كتبه مسودة في صحف ، وكان الخليفة يجري عليها ( تنقيحات ) حتى
تكتمل فتكون مصحفا كاملا . . ؟ وهل يحتاج جمع نسخة القرآن إلى هذه المدة الطويلة ؟ !
روى النسائي في سننه ج 8 ص 134 :
( عن أبي وائل قال خطبنا ابن مسعود فقال : كيف تأمروني أقرأ على قراءة زيد بن
ثابت بعد ما قرأت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعا وسبعين سورة وإن
زيدا مع الغلمان له ذؤابتان ؟ ! ) .
وروى أحمد في مسنده ج 1 ص 389 و ص 405 و ص 442 :
( عن خمير بن مالك قال قال عبد الله قرأت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين سورة وزيد بن
ثابت له ذؤابة في الكتاب ) .
ورواه في ج 1 ص 405 و ص 442 ، وروى في ج 1 ص 411 رواية النسائي وفيها ( غلام له ذؤابتان
يلعب مع الغلمان ) .
وروى ابن شبة في تاريخ المدينة ج 3 ص 1006 :
( . . . عن خمير بن مالك قال : لما أمر بالمصاحف أن تغير ساء ذلك عبد الله بن
مسعود رضي الله عنه فقال : من استطاع منكم أن يغل مصحفا فليفعل ، فإن من غل
شيئا جاء بما غل يوم القيامة ، ثم قال : لقد قرأت القرآن من في رسول الله سبعين
سورة وزيد صبي ، أفأترك ما أخذت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ !
. . . عن حمزة بن عبد الله قال : بلغني أنه قيل لعبد الله بن مسعود رضي الله عنه :
مالك لا تقرأ على قراءة فلان ؟ فقال : لقد قرأت على رسول الله صلى الله عليه وسلم
سبعين سورة فقال لي لقد أحسنت ، وإن الذي يسألون أن أقرأ على قراءته في صلب
رجل كافر !
عن ابن إسحاق ، عن أبي الأسود - أو غيره - قال : قيل لعبد الله ألا تقرأ
على قراءة زيد ؟ قال : مالي ولزيد ولقراءة زيد ، لقد أخذت من في رسول الله صلى
الله عليه وسلم سبعين سورة ، وإن زيد بن ثابت ليهودي له ذؤابتان .
حدثنا الحماني قال حدثنا شريك ، عن ابن إسحاق ، عن أبي الأسود - أو غيره -
قال : قيل لعبد الله ألا تقرأ على قراءة زيد ؟ قال مالي ولزيد ولقراءة زيد ، لقد أخذت
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 275 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
من في رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين سورة ، وإن زيد بن ثابت ليهودي له
ذؤابتان ! ! ) انتهى .
وروى الحاكم في المستدرك ج 2 ص 228 :
( . . . حدثني إسماعيل بن سالم بن أبي سعيد الأسدي قال سمعت عبد الله بن مسعود
رضي الله عنه يقول أقرأني رسول الله صلى الله عليه وآله سبعين سورة أحكمتها قبل
أن يسلم زيد بن ثابت ! ! ) انتهى .
وروى المزي في تهذيب الكمال ج 33 ص 351 :
( عن أبي سعيد الأزدي ، عن عبد الله ابن مسعود : أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين سورة
أحكمتها قبل أن يسلم زيد بن ثابت . فلا أدري هو هذا أو غيره ) انتهى .
ولكن البخاري وآخرين خففوا قول ابن مسعود في زيد ، وغيروا كلمة غلام في
رواية جمع القرآن إلى ( رجل ) . . قال البخاري في تاريخه ج 3 ص 227 :
( . . . عن خمير ابن مالك عن ابن مسعود يقول : أخذت من في رسول الله صلى الله
عليه وسلم سبعين سورة وإن زيد بن ثابت صبي من الصبيان ! )
وقال أحمد في مسنده ج 5 ص 188 :
( . . . عن زيد بن ثابت قال أرسل إلى أبو بكر مقتل أهل اليمامة فإذا عمر عنده
جالس وقال أبو بكر يا زيد بن ثابت إنك غلام شاب عاقل لا نتهمك ، قد كنت تكتب
الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتتبع القرآن فاجمعه ) .
وقال ابن الأثير في أسد الغابة ج 1 ص 80 مؤكدا حداثة من زيد :
( . . . قلت هذا إسماعيل بن زيد بن ثابت يروي عن أبيه وهو تابعي ولا اعتبار
بإرساله هذا الحديث ، فإن التابعين لم يزالوا يروون المراسيل . ومما يقوى أنه لم تكن له
صحبة أن أباه زيد بن ثابت استصغر يوم أحد وكانت سنة ثلاث من الهجرة فمن يكون
عمره كذا كيف يقول ولده خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ! وهذا إنما
يقوله رجل ، وقد صح عن ابن مسعود أنه قال لما كتب زيد المصحف لقد أسلمت وإنه
في صلب رجل كافر ، وهذا أيضا يدل على حداثة سنه عند وفاة النبي صلى الله عليه
وسلم . أخرجه أبو موسى ! ) .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 276 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولكن المشكلة في شخصية زيد ليست صغر سنه ، بل اتهامه بأن أصله يهودي . .
وعلى لسان صحابي كبير من وزن عبد الله بن مسعود !
والمؤكد أن زيدا كان ضمن صبيان اليهود ، وأنه كان يعرف العبرية . . فقد قال
الفضل بن شاذان في الإيضاح ص 519 :
( فأما سب بعضهم بعضا وقدح بعضهم في بعض في المسائل الفقهية ، فأكثر من أن
يحصى مثل قول ابن عباس وهو يرد على زيد مذهبه العول في الفرائض : إن شاء ، أو
قال من شاء ، باهلته ، إن الذي أحصى رمل عالج عددا أعدل من أن يجعل في مال
نصفا ونصفا وثلثا ، هذان النصفان قد ذهبا بالمال فأين موضع الثلث ؟ ! ومثل قول أبي
بن كعب في القرآن : لقد قرأت القرآن وزيد هذا غلام ذو ذؤابتين يلعب بين صبيان
اليهود في المكتب ) انتهى . ورواه في الدرجات الرفيعة ص 22
وحسب هذه الشهادة وحدها يمكن تبرئة زيد من تهمة اليهودية ، والقول بأنه كان
أنصاريا قتل أبوه في حرب بعاث ، وأدخلته أمه النوار بنت مالك الخزرجية في ( بيت
المدراس ) عند اليهود ليتعلم القراءة والكتابة ، كما يضع بعض الناس أبناءهم في عصرنا
في مدارس مسيحية أو يهودية . . لكن تبقى مسألة أن اليهود كانوا مجتمعا مغلقا لا
يقبلون في مدرستهم أبناء العرب ، ولم أجد رواية عن أي عربي أنه تعلم القراءة
والكتابة مع أبناء اليهود .
وتبقى أيضا شهادات ابن مسعود الصريحة التي تقول ( قيل لعبد الله ألا تقرأ على قراءة
زيد ؟ قال ما لي ولزيد ولقراءة زيد ، لقد أخذت من في رسول الله صلى الله عليه
وسلم سبعين سورة ، وإن زيد بن ثابت ليهودي له ذؤابتان ! ! )
وإذا أخذنا بإجماع أئمة الجرح والتعديل من إخواننا على توثيق ابن مسعود وتقواه . .
فلا بد أن نقول إن والد زيد يهودي ، وأمه أنصارية ، وقد نسب إلى الأنصار من جهة
أمه وأخواله ! وهذا يفتح باب الشك في ادعاء زيد أن أباه قتل يوم بعاث لأن اليهود لم
يشاركوا فيه !
وعندما نرجع إلى ترجمة زيد في كتب التراجم نجدهم يذكرون أن أمه هي
النوار بنت مالك ولا يذكرون فيها خلافا . . قال ابن الأثير في أسد الغابة ج 5 ص 557 :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 277 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
( النوار بنت مالك بن صرمة من بني عدي بن النجار وهي أم زيد بن ثابت
الأنصاري الفقيه الفرضي كاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، روت عن النبي
صلى الله عليه وسلم ، روت عنها أم سعد بنت أسعد بن زرارة . أخرجها الثلاثة )
انتهى .
ولكن مصادر السيرة والتاريخ والرجال المعروفة خالية عن اسم أبيها مالك بن
صرمة ، ولا عن اسمه الآخر الذي ذكره ابن الأثير ( مالك بن معاوية ) كما لا توجد روايات عن حياتها ، وهل أنها تزوجت بعد ثابت أم لا ؟
لكن المشكلة الصعبة في ترجمة زيد معرفة الاسم الحقيقي لأبيه وجده وأعمامه
ونسبه ! فقد ذكرت المصادر لجده عدة أسماء ، منها الضحاك بن خليفة ، وله ابن اسمه
ثابت ، ومنها الضحاك بن أمية بن ثعلبة بن جشم وله ابن اسمه ثابت ، ومنها الضحاك
بن الصامت ، ومنها الضحاك بن زيد بن لوذان بن عمرو بن عبد عوف . . لكن
يصعب أن تنطبق ترجمة أي واحد منهم على زيد . . ! وهكذا إذا صعدت مع نسبه
جدا فجدا ، مضافا إلى أن بعض هؤلاء الأجداد المفترضين لزيد من الأوس ، وبعضهم
من الخزرج ! !

ثابت بن الضحاك بن خليفة الأشهلي ؟

قال السمعاني في الأنساب ج 1 ص 172 :
( . . . وأبو عبد الرحمن محمد بن عبد الرحمن بن عثمان بن عبد الرحمن بن زيد بن ثابت
بن الضحاك بن خليفة الأشهلي المديني ، وخليفة صاحب رسول الله صلى الله عليه
وسلم ) انتهى . ووصف السمعاني له بالأشهلي يعني أنه من الأوس ، قال ابن حجر في
تهذيب التهذيب ج 2 ص 8 ( ثابت بن الضحاك بن خليفة الأشهلي الأوسي أبو زيد
المدني . وقال في هامشه : الأشهلي بمفتوحة وإعجام شين وفتح هاء منسوب إلى عبد
الأشهل بن جشم كذا في المغني ا ه‍ ) انتهى .
ومن البعيد جدا أن يكون مقصوده بهذا النسب زيد بن ثابت وأن جد جده كان
من صحابة النبي صلى الله عليه وآله ! !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 278 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد ترجم ابن هشام للضحاك بن خليفة بأنه كان منافقا ومثبطا للمسلمين في غزوة
تبوك . . قال في السيرة ج 4 ص 96 :
( قال ابن هشام : وحدثني الثقة عمن حدثه ، عن محمد بن طلحة بن عبد الرحمن ،
عن إسحاق بن إبراهيم بن عبد الله بن حارثة ، عن أبيه ، عن جده ، قال : بلغ رسول
الله صلى الله عليه وسلم ، أن ناسا من المنافقين يجتمعون في بيت سويلم اليهودي ،
وكان بيته عند جاسوم ، يثبطون الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة
تبوك ، فبعث إليهم النبي صلى الله عليه وسلم طلحة بن عبيد الله في نفر من أصحابه ،
وأمره أن يحرق عليهم بيت سويلم ، ففعل طلحة ، فاقتحم الضحاك بن خليفة من ظهر
البيت ، فانكسرت رجله ، واقتحم أصحابه فأفلتوا ، فقال الضحاك في ذلك :
كادت وبيت الله نار محمد * يشيط بها الضحاك وابن أبيرق
وظلت وقد طبقت كبس سويلم * أنوء على رجلي كسيرا ومرفقي
سلام عليكم لا أعود لمثلها * أخاف ومن تشمل به النار يحرق
قال ابن إسحاق : ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جد في سفره ، وأمر الناس
بالجهاز والانكماش ، وحض أهل الغنى على النفقة والحملان في سبيل الله . . . ) انتهى .
وروى الطبري عن الضحاك هذا في تاريخه ج 2 ص 459 رواية قد تدل على أنه
حضر السقيفة ! قال الطبري :
( حدثنا عبيد الله بن سعيد قال حدثنا عمي قال أخبرنا سيف بن عمر عن سهل
وأبي عثمان عن الضحاك بن خليفة قال : لما قام الحباب بن المنذر انتضى سيفه وقال أنا
جذيلها المحكك وعذيقها المرجب أنا أبو شبل في عرينة الأسد يعزى إلى الأسد ، فحامله
عمر فضرب يده فندر السيف ، فأخذه ثم وثب على سعد ، ووثبوا على سعد وتتابع
القوم على البيعة وبايع سعد ، وكانت فلتة كفلتات الجاهلية قام أبو بكر دونها ! وقال
قائل حين أوطئ سعدا : قتلتم سعدا ! فقال عمر قتله الله إنه منافق ! واعترض عمر
بالسيف صخرة فقطعه ) انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 279 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وللضحاك هذا ولد اسمه ثابت بن الضحاك بن خليفة ، ترجم له البخاري في تاريخه
ج 2 ص 165 فقال : ( ثابت بن الضحاك الأنصاري ، وقال بعضهم الكلابي ، له
صحبة وأخوه أبو جبيرة بن الضحاك ) انتهى .
ولكن الرازي نفى في الجرح والتعديل ج 2 ص 453 أن يكون ثابت هذا والد زيد
بن ثابت . . قال :
( ثابت بن الضحاك بن خليفة الأنصاري له صحبة روى عنه عبد الله بن معقل وأبو
قلابة سمعت أبي يقول ذلك . سمعت أبي يقول : بلغني عن ابن نمير أنه قال : هو والد
زيد بن ثابت . فإن كان قاله فقد غلط وذلك أن أبا قلابة لم يدرك زيد بن ثابت فكيف
يدرك أباه ؟ وهو يقول حدثني ثابت بن الضحاك الأنصاري ! ) انتهى .
وترجم ابن الأثير لثابت هذا فقال في أسد الغابة ج 1 ص 226 :
( ثابت بن الضحاك بن خليفة بن ثعلبة بن عدي بن كعب بن عبد الأشهل كذا نسبه
أبو عمر . وأما ابن منده وأبو نعيم فلم يجاوزا في نسبه خليفة وقالا إنه أخو أبي جبيرة
بن الضحاك شهد الحديبية ، وقال ابن منده قال البخاري أنه شهد بدرا مع النبي صلى
الله عليه وسلم . وقال أبو نعيم : هذا وهم وإنما ذكر البخاري في الجامع أنه من أهل
الحديبية واستشهد بحديث أبي قلابة عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم الذي أخبرنا به
أبو الفرج يحيى بن محمود . . . أن أبا قلابة حدثه أن ثابت بن الضحاك حدثه أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم قال من حلف على يمين بملة غير الإسلام كاذبا فهو كما قال ،
وليس على رجل نذر في ما لا يملك . . .
وقال ابن منده توفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثماني سنين وقيل توفي سنة
خمس وأربعين ، وقيل توفي في فتنة ابن الزبير أخرجه الثلاثة . وأخرجه أبو موسى
مستدركا على ابن مندة فقال : ثابت بن الضحاك بن ثعلبة الأنصاري أبو جبيرة هكذا
أورده أبو عثمان ، وقال بعضهم هو أخو ثابت بن الضحاك بن خليفة . وقال حماد بن
سلمة : هو الضحاك بن أبي جبيرة أورده في غير باب الثاء . انتهى كلام أبي موسى . فأما
قوله في نسبه الضحاك بن ثعلبة فهو وهم أسقط منه خليفة وما لإخراجه عليه وجه
، فإن بعض الرواة قد أسقط الجد الذي هو خليفة . وقد أخرجه ابن منده على الصواب )
انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 280 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وللضحاك هذا أولاد آخرون معروفون مثل أبي جبيرة واسمه قيس وقد ترجم له
البخاري في تاريخه ج 9 ص 20 برقم 157 وابن الأثير في أسد الغابة ج 4 ص 218 و ج 5 ص 156 .
وله بنت اسمها ثبيتة أو نبيتة ترجم لها في أسد الغابة ج 5 ص 413 وإكمال الكمال
ج 1 ص 185 وقال عن ثابت ( وهو أخو جبيرة بن الضحاك ، وثبيتة بنت الضحاك ،
التي كان محمد بن مسلمة يطاردها ببصره ليتزوجها ) . . الخ .
ولو كان هؤلاء أعمام زيد وأقاربه لعرفوا ، أو ذكر ذلك أحد في ترجمته أو
ترجماتهم . . مضافا إلى أن زيدا كان يقول إن والده توفي وعمره ست سنوات كما
روت عنه المصادر مثل سير أعلام النبلاء وأسد الغابة وتهذيب الكمال . . وغيرها .

ثابت بن الضحاك بن زيد

نسب ابن الأثير وأكثر كتب الرجال زيدا إلى الخزرج فقال في أسد الغابة ج 2
ص 221 :
( زيد بن ثابت بن الضحاك بن زيد بن لوذان بن عمرو بن عبد بن عوف بن غنم
بن مالك بن النجار الأنصاري الخزرجي ثم النجاري ، أمه النوار بنت مالك بن معاوية
بن عدي بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار . . . ) انتهى .
ومن المشكل قبول ذلك ، لأن زيد بن لوذان المذكور هو جد بني حزم المعروفين من
نقباء الأنصار ، ولو كان زيد منهم لظهر ذلك في ترجماته أو ترجماتهم ، فمنهم النقيب
المعروف عمارة ، وإخوته عمرو ومعمر وأولادهم . . قال ابن هشام في السيرة ج 2
ص 520 في تعديد النقباء ( قال ابن إسحاق : ومن بني عمرو بن عبد عوف بن غنم .
عمارة بن حزم بن زيد بن لوذان بن عمرو ) .
وقال في ج 2 ص 313 :
( قال ابن هشام : وعمارة بن حزم بن زيد بن لوذان بن عمرو بن عبد عوف بن
غنم بن مالك بن النجار . شهد بدرا وأحدا والخندق والمشاهد كلها ، قتل يوم
اليمامة ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 281 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال ابن الأثير في أسد الغابة ج 4 ص 48 ( عمارة بن حزم بن زيد بن لوذان بن
عمرو بن عبد بن عوف بن غنم بن مالك بن النجار الأنصاري الخزرجي ثم من بني
النجار أخو عمرو بن حزم وأمه خالدة بنت أنس . . . )
وقال في أسد الغابة ج 4 ص 400 :
( معمر بن حزم بن زيد بن لوذان بن عمر وبن عبد بن عوف بن غنم بن مالك بن
النجار الأنصاري الخزرجي النجاري جد أبي طوالة وهو أخو عمرو بن حزم قاله محمد
بن سعد كاتب الواقدي ، شهد بيعة الرضوان وما بعدها وهو أحد العشرة الذين بعثهم
عمر بن الخطاب مع أبي موسى إلى البصرة أخرجه أبو نعيم وأبو موسى ) انتهى . فلو
كان النسب الذي ذكروه لزيد صحيحا لكان عمارة وإخوته أبناء حزم ، أولاد عم أبيه
ثابت ، ولظهر شئ من هذا النسب الرفيع في ترجمته أو تراجمهم . . مع أنه لا ذكر لشئ
من ذلك !

زيد بن ثابت بن الصامت

ذكر الرازي في الجرح والتعديل ج 9 ص 255 أن اسم جده الصامت ، فقال :
( يزيد بن ثابت بن الصامت أخو زيد بن ثابت الأنصاري له رؤية للنبي صلى الله عليه
وسلم ، رمي باليمامة ومات في الطريق ، روى عنه خارجة بن زيد بن ثابت سمعت أبي
يقول ذلك ) انتهى .
ولم أجد لثابت بن الصامت ذكرا في شئ مصادر التاريخ والسيرة والحديث
المعروفة . . ولا للصامت بن زيد بن لوذان ، وقد تفرد بذكره الرازي ، ومن المحتمل أن
يكون تصحيف الضحاك ، ولكنه أيضا لا يصح !

أعمامه أبو أيوب ورفاعة بن رافع

روى أحمد في مسنده ج 5 ص 115 :
( عن عبيد بن رفاعة بن رافع عن أبيه قال زهير في حديثه رفاعة بن رافع وكان
عقبيا بدريا ، قال كنت عند عمر فقيل له إن زيد بن ثابت يفتي الناس في المسجد قال
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 282 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
زهير في حديثه الناس برأيه في الذي يجامع ولا ينزل ، فقال أعجل به فأتي به فقال : يا
عدو نفسه أو قد بلغت أن تفتي الناس في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم
برأيك ؟ ! قال ما فعلت ، ولكن حدثني عمومتي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال أي عمومتك ؟ ! قال أبي بن كعب قال زهير وأبو أيوب ورفاعة بن رافع ! فالتفت
إلى : ما يقول هذا الفتى ؟ ! وقال زهير ما يقول هذا الغلام ؟ ! فقلت كنا نفعله في عهد
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال فسألتم عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
قال كنا نفعله على عهده فلم نغتسل ! قال فجمع الناس واتفق الناس على أن الماء لا
يكون إلا من الماء إلا رجلين علي بن أبي طالب ومعاذ بن جبل قالا : إذا جاوز الختان الختان
فقد وجب الغسل ) انتهى .
ولا بد أن نحمل العمومة في كلام زيد في هذه الرواية على معناها المجازي ، لأن أيا
من هؤلاء الثلاثة المذكورين لا يمكن أن يكون عما حقيقيا لزيد ! فأبي بن كعب هو
كما في أسد الغابة ج 1 ص 49 ( أبي بن كعب بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية
بن عمرو بن مالك ابن النجار واسمه تيم اللات وقيل تيم الله بن ثعلبة بن عمرو بن
الخزرج الأكبر الأنصاري الخزرجي ) .
وأبو أيوب هو كما في أسد الغابة ج 5 ص 143 ( أبو أيوب الأنصاري واسمه خالد
بن زيد بن كليب بن ثعلبة بن عبد عوف بن غنم ابن مالك بن النجار الأنصاري
الخزرجي النجاري شهد العقبة وبدرا وأحدا والخندق وسائر المشاهد مع رسول الله
صلى الله عليه وسلم وكان مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه ومن خاصته قال ابن
الكلبي وابن إسحاق وغيرهما شهد أبو أيوب مع علي الجمل وصفين وكان على مقدمته
يوم النهروان ) . وكذا في مستدرك الحاكم ج 3 ص 463 وفي سيرة ابن هشام ج 2 ص 49
ورفاعة بن رافع هو كما في مستدرك الحاكم ج 3 ص 233 ( . . . ثنا عروة في
تسمية من شهد العقبة من الأنصار من بني زريق رفاعة بن رافع بن مالك بن العجلان بن
زريق وهو نقيب وذكره أيضا في تسمية من شهد بدرا ) وكذا في سيرة ابن هشام ج 2 ص 255
بل قد يفهم من سؤال عمر الشديد لزيد : أي عمومتك ؟ ! أنه لا أعمام لزيد من
أصحاب النبي صلى الله عليه وآله ! !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 283 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مهما يكن . . فإن زيد بن ثابت من الذين يحتاج الباحث أن يبحث طويلا عن اسم جده لأمه وعن اسم أبيه
وجده وأعمامه وأسرته ، لأن الأنساب التي ذكروها له تزيد الباحث شكا ، واستيفاء
ذلك خارج عن غرض هذا الكتاب . . والذي يهون الخطب أن دور زيد في جمع القرآن
دور تنفيذي لا أكثر كما سترى . . وإن حاول هو أن يعطيه صفة أخرى ! !

مناصب زيد في عهود الخلفاء الثلاثة

كان زيد من أنصار السلطة الجديدة بعد النبي صلى الله عليه وآله من أول
ساعاتها . . فبعد ولادة خلافة أبي بكر في السقيفة ببيعة أفراد محدودين ، ومعارضة سعد
بن عبادة زعيم الخزرج . . كان المشروع بحاجة في اليوم الثاني إلى بيعة الأنصار الذين
هم أهل المدينة ، وكان الصوت المؤيد من الأنصار ذا قيمة عند أبي بكر وعمر حتى لو
كان لشاب صغير السن محسوب على الأنصار ، مثل زيد بن ثابت . .
روى أحمد في مسنده ج 5 ص 185 :
( عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم
قام خطباء الأنصار فجعل منهم من يقول يا معشر المهاجرين إن رسول الله صلى الله
عليه وسلم كان إذا استعمل رجلا منكم قرن معه رجلا منا فنرى أن يلي هذا الأمر
رجلان أحدهما منكم والآخر منا ، قال فتتابعت خطباء الأنصار على ذلك قال فقام
زيد بن ثابت فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان من المهاجرين وإنما الإمام
يكون من المهاجرين ونحن أنصاره ، كما كنا أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم !
فقام أبو بكر فقال جزاكم الله خيرا من حي يا معشر الأنصار وثبت قائلكم ، ثم قال
والله لو فعلتم غير ذلك لما صالحناكم ) انتهى .
وروى ابن كثير في السيرة النبوية ج 4 ص 494 ( . . . أن زيد بن ثابت أخذ بيد
أبي بكر فقال : هذا صاحبكم فبايعوه . . . ) انتهى .
ومن ذلك اليوم أخذ زيد موقعه في الدولة الجديدة وصار كاتب دار الخلافة ، ثم
مقسم مواريث المسلمين . . ثم مسؤول جمع القرآن !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 284 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال النووي في المجموع ج 16 ص 68 :
( . . . دليلنا ما روى عن زيد بن ثابت أنه قال : ولاني أبو بكر مواريث قتلى اليمامة
فكنت أورث الأحياء من الموتى ولا أورث الموتى من الموتى ) .
وقد أعطى لمنصبه هذا لونا من الشرعية أنه كان أحيانا يكتب للنبي صلى الله عليه
وآله . . قال ابن الأثير في أسد الغابة ج 1 ص 50 :
( . . . عن الشعبي عن مسروق قال كان أصحاب القضاء من أصحاب رسول الله
ستة عمر وعلي وعبد الله وأبي وزيد وأبو موسى . قال أبو عمر قال محمد بن سعد عن
الواقدي : أول من كتب لرسول الله مقدمه المدينة أبي بن كعب وهو أول من كتب في
آخر الكتاب وكتب فلان بن فلان ، فإذا لم يحضر أبي كتب زيد بن ثابت ، وأول من
كتب من قريش عبد الله بن سعد بن أبي سرح ثم ارتد ورجع إلى مكة فنزل فيه ومن
أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شئ وكان من المواظبين على
كتاب الرسائل عبد الله بن الأرقم الزهري .
وكان الكاتب لعهوده صلى الله عليه وسلم إذا عاهد وصلحه إذا صالح علي بن
أبي طالب .
وممن كتب لرسول الله أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان والزبير
بن العوام وخالد وأبان ابنا سعيد بن العاص وحنظلة الأسيدي والعلاء بن الحضرمي
وخالد بن الوليد وعبد الله بن رواحة ومحمد بن مسلمة وعبد الله بن عبد الله بن أبي ابن
سلول والمغيرة بن شعبة وعمر وابن العاص ومعاوية بن أبي سفيان وجهم بن الصلت
ومعيقيب بن أبي فاطمة وشرحبيل بن حسنة ) انتهى .
أما في عهد عمر فصار زيد الكاتب الرسمي لدار الخلافة ، ونائب الخليفة على ولاية
المدينة . . قال ابن شبة في تاريخ المدينة ج 2 ص 693 :
( . . . عن نافع : أن عمر رضي الله عنه استعمل زيدا على القضاء ، وفرض له
رزقا . . . عن خارجة بن زيد قال : كان عمر رضي الله عنه كثيرا ما يستخلف زيد بن
ثابت إذا خرج إلى شئ من الأسفار ، وقلما رجع من سفر إلا أقطع زيدا حديقة من
نخل ! . . . عن السائب بن يزيد ، عن أبيه : أن عمر رضي الله عنه قال : أكفني صغار
الأمور ، فكان يقضي في الدرهم ونحوه ) انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 285 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء ج 2 ص 438 :
( وعن يعقوب بن عتبة : أن عمر استخلف زيدا ، وكتب إليه من الشام : إلى زيد
بن ثابت ، من عمر ) . يقصد الذهبي أن عمر قدم اسم زيد على اسمه فخالف أعراف
العرب والخلافة ، بسبب حبه لزيد !
ثم قال الذهبي :
( . . . عن خارجة بن زيد ، قال : كان عمر بن الخطاب كثيرا ما يستخلف زيد بن
ثابت إذا خرج إلى شئ من الأسفار ، وقلما رجع من سفر إلا أقطع زيد بن ثابت
حديقة من نخل . ورجاله ثقات .
وعن سليمان بن يسار ، قال : ما كان عمر وعثمان يقدمان على زيد أحدا في
الفرائض والفتوى والقراءة والقضاء ) انتهى .
أما في عهد عثمان فصار زيد والي بيت المال ووالي الصدقات . . قال البخاري تاريخه ج 8
ص 373 ( . . . عن يوسف بن سعد كان زيد بن ثابت عامل عثمان على بيت المال ) .
وروى أحمد في مسنده ج 3 ص 22 وفي ج 5 ص 187 :
( . . . عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى عليه وسلم أنه قال لما نزلت هذه
السورة إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس قال قرأها رسول الله صلى عليه وسلم حتى
ختمها وقال : الناس حيز وأنا وأصحابي حيز ، وقال لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد
ونية . فقال له مروان كذبت ، وعنده رافع بن خديج وزيد بن ثابت وهما قاعدان معه
على السرير ، فقال أبو سعيد لو شاء هذان لحدثاك ، ولكن هذا يخاف أن تنزعه عن
عرافة قومه ، وهذا يخشى أن تنزعه عن الصدقة فسكتا ، فرفع مروان عليه الدرة
ليضربه ، فلما رأيا ذلك قالوا صدق ! ) انتهى .
وروى الذهبي أن زيدا كان والي القضاء والإفتاء والقراءة والمحاسبة ، طيلة عهد أبي
بكر وعمر وعثمان وعلي . . قال في سير أعلام النبلاء ج 4 ص 424 :
( ويروى عن الزهري ، عن قبيصة بن ذؤيب ، قال : كنا في خلافة معاوية ، وإلى
آخرها ، نجتمع في حلقة بالمسجد بالليل ، أنا ، ومصعب وعروة ابنا الزبير ، وأبو بكر بن
عبد الرحمن ، وعبد الملك بن مروان ، وعبد الرحمن المسور ، وإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 286 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، وكنا نتفرق بالنهار ، فكنت أنا أجالس زيد بن ثابت
وهو مترئس بالمدينة في القضاء ، والفتوى ، والقراءة ، والفرائض ، في عهد عمر
، وعثمان ، وعلي . ثم كنت أنا وأبو بكر بن عبد الرحمن نجالس أبا هريرة ، وكان عروة
يغلبنا بدخوله على عائشة ) انتهى . لكن زيدا لم يكن مع علي عليه السلام بل مع
معاوية . والظاهر أن الميزة الأساسية في شخصية زيد التي جعلته مرغوبا فيه عند الخلفاء
الثلاثة مضافا إلى سيره في خطهم السياسي ، كفاءته في الكتابة والحسابات وأنه موظف
مطيع ، فهذه المهنة كانت عزيزة في الجزيرة لا يجيدها إلا القلة . . وكان الكاتب يساوي
في عصرنا السكرتير الخاص ووزير المالية . . وقد ورث هذه المهنة عن زيد ولده خارجة
بن زيد ، قال ابن حجر في تهذيب التهذيب ج 5 ص 18 :
( . . . وقال ابن أبي خيثمة كان هو وخارجة بن زيد بن ثابت في زمانهما يستفتيان
وينتهي الناس إلى قولهما ويقسمان المواريث ويكتبان الوثائق ) انتهى .
وقال في المدونة الكبرى ج 4 ص 423 ( قال مالك : وقد كان خارجة بن زيد بن
ثابت ومجاهد يقسمان مع القضاة ويحسبان ولا يأخذان لذلك جعلا ) انتهى .
على أن أعظم منصب ديني تحمله زيد بن ثابت في حياته هو منصب كتابة القرآن ،
حتى لو كان دوره فيه مجرد كاتب مأمور !

كان زيد يتقن اللغة العبرية

قال البخاري في صحيحه ج 8 ص 120 ( قال خارجة بن زيد بن ثابت عن زيد
بن ثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يتعلم كتاب اليهود حتى كتبت للنبي
صلى الله عليه وسلم كتبه وأقرأته كتبهم إذا كتبوا إليه ) .
وقال أحمد في مسنده ج 5 ص 182 :
( عن عبيد قال قال زيد بن ثابت قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم :
تحسن السريانية ، إنها تأتيني كتب . قال قلت لا ، قال فتعلمها ، فتعلمتها في سبعة
عشر يوما ! ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 287 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال السرخسي في المبسوط ج 16 ص 89 :
( وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن ثابت رضي الله عنه أن يتعلم
العبرانية وكان يترجم لرسول الله صلى الله عليه وسلم عمن كان يتكلم بين يديه بتلك
اللغة ) انتهى .
وهكذا نسج الآخرون على منوال البخاري وأحمد ورووا أن النبي صلى الله عليه
وآله أمر زيدا أن يتعلم العبرية فتعلمها قراءة وكتابة في أسبوعين ، وفسر المحللون ذلك
بمعجزة للنبي صلى الله عليه وآله أو بكرامة لزيد ، وذكائه المفرط !
وقد تقدمت شهادة ابن مسعود وأبي بن كعب بأن زيدا كان يهوديا ، وأنه درس من صغره عند
كتاتيب اليهود . . ثم إن النبي صلى الله عليه وآله لم يكن يحتاج إلى كاتب بالعبرية ،
فاليهود الذين في الجزيرة كانوا يكتبون رسائلهم للعرب بالعربية ! فلا بد أن يكون
هدف زيد من هذه الرواية تبرير معرفته باللغة العبرية وإجادته الكتابة بها ، بأن
ذلك كان بأمر النبي ومن أجله صلى الله عليه وآله ! وهو أمر يوجب المزيد من الشك
في أصله !
هذا بناء على عقيدة إخواننا السنة بالنبي صلى الله عليه وآله ، أما نحن الشيعة فنعتقد
أن النبي ، أي نبي ، وكذا الإمام ، حجة الله تعالى على خلقه . . ومن أول شروط
الحجة أن يعرف لغة المحتج عليه . . وبذلك صرحت أحاديثنا الصحيحة عن النبي وآله
صلى الله عليه وآله بأن نبينا وأوصياءه يعرفون كل ما يحتاجون إليه من لغات الناس في
عصرهم ، ولا حاجة لهم إلى زيد وعمرو ليترجموا لهم !

الأحاديث التي رووها في فضل زيد وعلمه

وعلى عادة المؤرخين لشخصيات السلطة ، حاولوا أن يجدوا تاريخا جهاديا لزيد مع
النبي صلى الله عليه وآله ، فقالوا إنه أراد أن يشترك في بدر فاستصغر النبي سنه ، ثم
صار في الخندق غلاما ينقل التراب . . وقالوا إن النبي أعطاه راية بني النجار في تبوك
التي لم يكن فيها حرب ، ولعلهم جعلوه بدل زيد بن حارثة ، كما جعلوا أباه بدل
أحد الصحابة . .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 288 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال ابن الأثير في أسد الغابة ج 2 ص 221 :
( زيد بن ثابت . . . وكان عمره لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة إحدى
عشرة سنة وكان يوم بعاث ابن ست سنين وفيها قتل أبوه ، واستصغره رسول الله
صلى الله عليه وسلم يوم بدر فرده وشهد أحدا وقيل لم يشهدها وإنما شهد الخندق أول
مشاهده وكان ينقل التراب مع المسلمين ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه
نعم الغلام وكانت راية بني مالك بن النجار يوم تبوك مع عمارة بن حزم فأخذها
رسول الله صلى الله عليه وسلم ودفعها إلى زيد بن ثابت فقال عمارة يا رسول الله
بلغك عني شئ قال لا ولكن القرآن مقدم وزيد أكثر أخذا للقرآن منك ! ! ) انتهى .
أما الشهادات بعلمه فكثيرة . . روى أحمد وغيره شهادة من النبي صلى الله عليه وآله
لزيد بأنه أعلم الأمة بالرياضيات . . قال في مسنده ج 3 ص 281 :
( عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أرحم أمتي بأمتي أبو بكر ،
وأشدهم في دين الله عمر . وقال عفان مرة : في أمر الله عمر ، وأصدقهم حياء
عثمان ، وأفرضهم زيد بن ثابت ، وأقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب ، وأعلمهم
بالحلال والحرام معاذ بن جبل . ألا وإن لكل أمة أمينا وإن أمين هذه الأمة أبو عبيدة
بن الجراح ، رضي الله عنهم أجمعين ) . ورواه في كنز العمال ج 11 ص 641 وقال
في مصادره ( حم ، ت ، ن ه‍ ، حب ، ك ، هق - عن أنس ) انتهى .
وينبغي أن نسجل هنا أن عرب الحجاز لم يكونوا يجيدون الرياضيات والحساب ،
بمن فيهم أكثر الصحابة . . فقد روت مصادر الحديث تحير الصحابة والخليفة عمر في
مسائل الإرث وحساب سهام الورثة وارتباكه في إرث الكلالة . . لذلك كان يوجه
الناس إلى تعلم الفرائض أي حساب سهام الإرث في الصور المختلفة ، وينهاهم
عن البحث في المسائل العقائدية والمسائل المستحدثة . . فقد روى الحاكم في المستدرك
ج 4 ص 333 :
( . . . عن قتادة عن سعيد بن المسيب قال كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى
أبي موسى الأشعري : إذا لهوتم فالهو بالرمي ، وإذا تحدثتم فتحدثوا بالفرائض . هذا وإن
كان موقوفا فإنه صحيح الإسناد ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 289 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وروى البيهقي في سننه ج 6 ص 209 :
( . . . عن إبراهيم قال قال عمر رضي الله عنه : تعلموا الفرائض فإنها من دينكم
( قال وثنا ) يحيى بن يحيى أنا وكيع عن أبي هلال عن قتادة قال كتب عمر : إذا لهوتم
فالهو بالرمي وإذا تحدثتم فتحدثوا بالفرائض ) انتهى .
وفي جو كهذا يبرز أصحاب الذهن الرياضي ويتميزون ، وكان زيدا أحد هؤلاء ،
ولذلك صار كاتب دار الخلافة ومقسم الفرائض الرسمي ، كما صار عبد الرحمن بن أبزى
غلام نافع بن عبد الحارث بن حبالة ، كاتب والي مكة والطائف ونائبه ، كما تقدم .
روى الحاكم في المستدرك ج 3 ص 272 :
( . . . أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطب الناس فقال : من أراد أن يسأل عن
القرآن فليأت أبي بن كعب ، ومن أراد أن يسأل عن الحلال والحرام فليأت معاذ بن
جبل ، ومن أراد أن يسأل عن الفرائض فليأت زيد بن ثابت ، ومن أراد أن يسأل عن
المال فليأتني فإني له خازن . صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ) .
وقال الدارمي ج 2 ص 341 عن عهد عثمان :
( . . . قال ابن شهاب لو هلك عثمان وزيد في بعض الزمان لهلك علم الفرائض ،
لقد أتى على الناس زمان وما يعلمها غيرهما ! ) ورواه البيهقي في سننه ج 6 ص 211

أعلم الأمة بالرياضيات يقع في مشكلات

قام منهج زيد بن ثابت في تقسيم الإرث على ثلاثة أسس :
الأول : آيات القرآن حسب ما يفهمها الصحابي العادي بدون سؤال عنها ، ودون
بحث وتعمق .
الثاني : العمل بظنه واحتماله واستنسابه ، فيما لا علم له فيه !
الثالث : ترجيح جانب الدولة ، وتحويل ما أمكن من المواريث إلى بيت المال !
ولذلك وقع في مشكلات شرعية كبيرة توجب الشك في الشهادة التي رووها
في حقه عن النبي صلى الله عليه وآله ، وترجح أنها كانت شهادة من الخليفة عمر ثم
نسبت إلى النبي صلى الله عليه وآله !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 290 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفيما يلي نماذج من أحكام زيد ، يتضح منها ذلك :
قال الترمذي في سننه ج 3 ص 285 :
( واختلف فيه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فورث بعضهم الخال والخالة
والعمة . وإلى هذا الحديث ذهب أكثر أهل العلم في توريث ذوي الأرحام ، وأما زيد
بن ثابت فلم يورثهم وجعل الميراث في بيت المال ! ) .
وقال الدارمي في سننه ج 2 ص 361 و 362 :
( عن خارجة بن زيد عن زيد بن ثابت أن أتي في ابنة أو أخت ، فأعطاها النصف
وجعل ما بقي في بيت المال ! . . . وقال زيد بن ثابت للجدة السدس وللإخوة للأم
الثلث ، وما بقي فلبيت المال ) .
وقال السرخسي في المبسوط ج 30 ص 2 :
( حكي أن المعتضد سأل أبا حازم القاضي عن هذه المسألة فقال : أجمع أصحاب
رسول الله صلى الله عليه وسلم غير زيد بن ثابت على توريث ذوي الأرحام ولا يعتد
بقوله بمقابلة إجماعهم . وقال المعتضد أليس أنه يروي ذلك عن أبي بكر وعمر وعثمان ؟
فقال كلا ! وقد كذب من روى ذلك عنهم ! ! وأمر المعتضد برد ما كان في بيت المال
مما أخذ من تركة من كان وارثه من ذوي الأرحام . وقد صدق أبو حازم فيما قال ! )
انتهى .
وقال في المدونة الكبرى ج 3 ص 380 :
( . . . عن محمد بن سيرين قال مات مولى لعمر بن الخطاب فسأل ابن عمر زيد بن
ثابت فقال أيعطى بنات عمر شيئا ؟ فقال : ما أرى لهن شيئا وإن شئت أعطيتهن )
وكذا في سنن الدارمي ج 2 ص 397
وقال السرخسي في المبسوط ج 29 ص 181 :
( والمروي عن زيد ابن ثابت أنه شبه الأخوين بواد تشعب منه نهران ، والجد مع
النافلة بواد تشعب منه نهر ثم تشعب من النهر جدول ، فالقرب بين النهرين يكون
أظهر منه بين الجدول وأصل الوادي . وهذا يوجب تقديم الأخوة على الجد إلا أن في
جانب الجد معنى الأولاد وبه يسمى أبا ، ولكنه أبعد من الأب الأول بدرجة ! ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 291 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء ج 2 ص 434 :
( . . . عن الشعبي : أن مروان دعا زيد بن ثابت ، وأجلس له قوما خلف ستر ،
فأخذ يسأله وهم يكتبون ففطن زيد ، فقال يا مروان أغدرا ، إنما أقول برأيي . رواه
إبراهيم بن حميد الرؤاسي ، عن ابن أبي خالد ، نحوه ، وزاد : فمحوه ) انتهى .
ويدل هذا على أن زيدا كان يفتي بظنونه واحتمالاته ، وكانت تلك مدرسة الفتوى
بالرأي والاحتمالات التي أشاعها الخليفة عمر بن الخطاب ، وسيأتي تصريح زيد بذلك أيضا !

وفقهاء المذاهب قلدوا زيدا

جاء في مجموع النووي ج 6 ص 210 :
( باب ترجيح قول زيد بن ثابت على قول غيره من الصحابة رضي الله عنهم في
الفرائض . . . قلت : ذكر الإمام تاج الدين الفزاري أن المشهور عند الفقهاء أن الشافعي
لم يقلد زيدا وإنما وافق رأيه رأيه فإن المجتهد لا يقلد المجتهد . وظاهر كلام البيهقي يدل
على أنه قلده ، وفيه مخالفة للمشهور عندهم ، وتقليد المجتهد المجتهد . ويقال للشافعي
هلا قلدت معاذا في تحليله وتحريمه بعين ما ذكرتم ؟ وهلا قلدت عليا في جميع قضائه لقوله
عليه السلام : أقضاكم علي الحديث . . وإن كان لم يقلد زيدا كما هو المشهور عندهم
ففيه أيضا نظر من وجهين : أحدهما ، أن الشافعي لم يضع في الفرائض كتابا ولولا
تقليد زيد لوضع كتابا ليظهر لمتبعيه طريق اجتهاده التي بها وافق زيدا كما فعل في سائر
الأبواب . الثاني ، أنه لم يخالف ولا في مسألة ، ويبعد اتفاق رأيين في كتاب من العلم
من أوله إلى آخره ! ) .
وقال ابن قدامة في المغني ج 7 ص 46 :
( وذهب زيد بن ثابت إلى أن الفاضل عن ذوي الفروض لبيت المال ولا يرد على
أحد فوق فرضه ، وبه قال مالك والأوزاعي والشافعي رضي الله عنهم ) انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 292 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

رأي ابن عباس في علم زيد

قال الدارمي في سننه ج 2 ص 346 :
( . . . عن عكرمة قال أرسل ابن عباس إلى زيد بن ثابت : أتجد في في كتاب الله
للأم ثلث ما بقي ؟ فقال زيد إنما أنت رجل تقول برأيك ، وأنا رجل أقول برأيي ! ! )
وقال السرخسي في المبسوط ج 29 ص 182 :
( فأما أبو حنيفة احتج بما نقل عن ابن عباس أنه كان يقول : ألا يتق الله زيد بن
ثابت يجعل ابن الابن ابنا ولا يجعل أب الأب أبا ؟ ! ومعنى هذا الكلام أن الاتصال
بالقرب من الجانبين يكون بصفة واحدة لا يتصور التفاوت بينهما بمنزلة المماثلة بين
مثلين ) انتهى .
وعلى رغم انتقادات ابن عباس لزيد ، فقد روى محبوا زيد احترام ابن عباس له إلى
حد التقديس . . والسبب في ذلك أن خط زيد السياسي صار أمويا وكان ابن عباس في
المعارضة !
قال الذهبي في سير أعلام النبلاء ج 2 ص 426 :
( . . . عن ابن عباس ، قال : لقد علم المستحفظون من أصحاب محمد صلى الله
عليه وسلم أن زيد بن ثابت ، من الراسخين في العلم . . .
. . . عن أبي سلمة أن ابن عباس قام إلى زيد بن ثابت فأخذ له بركابه ! فقال : تنح
يا بن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ! فقال إنا هكذا نفعل بعلمائنا وكبرائنا ! ) .
قال ابن حجر في تهذيب التهذيب ج 3 ص 345 :
( قال علي بن زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيب شهدت جنازة زيد بن ثابت ،
فلما دلي في قبره قال ابن عباس : من سره أن يعلم كيف ذهاب العلم فهكذا ذهاب
العلم ، والله قد دفن اليوم علم كثير . قلت : وقال أبو هريرة يوم مات زيد : مات
اليوم حبر الأمة وعسى الله أن يجعل في ابن عباس منه خلفا ) انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 293 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بل جعلوه أستاذ بن عباس ومعلمه القرآن ! قال الذهبي في سير أعلام النبلاء ج 2
ص 426 :
( . . . حدث عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وعن صاحبيه وقرأ عليه القرآن بعضه
أو كله ، ومناقبه جمة . حدث عنه أبو هريرة وابن عباس وقرآ عليه . . ! ) انتهى .
والمتتبع لشخصية ابن عباس وزيد يدرك أن أمثال هذه الأحاديث من مغالاة أتباع
الدولة بزيد ، فالذي لا يحترمه ابن مسعود ويتكلم في نسبه بذلك الكلام الغليظ . .
كيف يحترمه ابن عباس إلى حد الإجلال والتقديس ؟ ! خاصة أن زيدا لم يكن معروفا
بالتقوى ، بل ورد في ترجمته أنه كان عنده عبد مغن ، وربما مغنيات !

رأي الأئمة من أهل بيت النبي في علم زيد

روى الكليني في الكافي ج 7 ص 407 :
( عن أبي بصير ، عن أبي جعفر عليه السلام قال : الحكم حكمان حكم الله
وحكم الجاهلية ، وقد قال الله عز وجل : ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون .
واشهدوا على زيد بن ثابت لقد حكم في الفرائض بحكم الجاهلية ! ) .
وقال الحر العاملي في وسائل الشيعة ج 18 ص 405 :
( روت العامة والخاصة أن مكاتبة زنت على عهد عثمان قد عتق منها ثلاثة أرباع ،
فسأل عثمان أمير المؤمنين عليه السلام فقال : يجلد منها بحساب الحرية ، ويجلد منها
بحساب الرق ، وسأل زيد بن ثابت فقال : يجلد منها بحساب الرق ، فقال أمير المؤمنين
عليه السلام : كيف يجلد بحساب الرق وقد أعتق ثلاثة أرباعها ؟ وهلا جلدتها بحساب
الحرية فإنها أكثر ؟ فقال زيد : لو كان ذلك كذلك لوجب توريثها بحساب الحرية
فقال له أمير المؤمنين عليه السلام : أجل ذلك واجب ، فأفحم زيد ، وخالف عثمان
أمير المؤمنين عليه السلام ) انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 294 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

كان زيد مع السلطة دائما إلا مع علي

قال الذهبي في سير أعلام النبلاء ج 2 ص 435 :
( . . . الواقدي : حدثنا ابن أبي الزناد ، عن أبيه ، وآخر ، قالا : لما حصر عثمان ،
أتاه زيد بن ثابت ، فدخل عليه الدار . فقال له عثمان : أنت خارج الدار أنفع لي منك
ها هنا فذب عني . فخرج ، فكان يذب الناس ويقول لهم فيه حتى رجع أناس من
الأنصار . وجعل يقول للأنصار كونوا أنصارا لله مرتين أنصروه ، والله إن دمه لحرام ،
فجاء أبو حية المازني مع ناس من الأنصار فقال : ما يصلح معك أمر ! فكان بينهما
كلام وأخذ بتلبيب زيد هو وأناس معه فمر به ناس من الأنصار ، فلما رأوهم
أرسلوه ، وقال رجل منهم لأبي حية : أتصنع هذا برجل لو مات الليلة ما دريت ما
ميراثك من أبيك ! ) انتهى .
ومع ذلك قال زيد لعثمان إن الأنصار أطاعوا زيدا ولكن عثمان أمرهم بالرجوع !
قال في تاريخ المدينة ج 4 ص 1209 :
( حدثنا قريش بن أنس قال ، حدثنا هشام ، عن محمد قال : دخل زيد بن ثابت
على عثمان رضي الله عنه فقال : هؤلاء الأنصار يقولون دعنا نكن أنصار الله مرتين .
قال : عزمت عليكم لما رجعتم . قال فرجعوا ) انتهى .
وبعد عثمان كان زيد مع المعتزلة الذين لم يبايعوا عليا . . ! قال النوري في مستدرك
الوسائل ج 12 ص 323 :
( . . . ويمكن أن يكون مراده عليه السلام من المعتزلة الذين اعتزلوا عن بيعته عليه
السلام ، ولم يلحقوا بمعاوية ، كسعد بن وقاص وعبد الله بن عمر وزيد بن ثابت
وأشباههم ، وكانوا معروفين بلقب الاعتزال ، والله العالم ) انتهى .
وسرعان ما خرج زيد من اعتزاله وانضم إلى صف معاوية ، ورويت عنه
الروايات الموضوعة في مدح معاوية ومدح أهل الشام ! قال الذهبي في سير أعلام النبلاء
ج 3 ص 129 :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 295 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
( عن زيد بن ثابت : دخل النبي عليه السلام على أم حبيبة ، ومعاوية نائم على
فخذها ، فقال : أتحبينه ؟ قالت : نعم . قال : لله أشد حبا له منك له ، كأني أراه على
رفارف الجنة ! ! ) .
وروى عنه أحمد في مسنده ج 5 ص 184 :
( . . . عن ابن شماسة عن زيد بن ثابت قال بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه
وسلم يوما حين قال طوبى للشام طوبى للشام . قلت ما بال الشام ؟ قال الملائكة باسطوا
أجنحتها على الشام ! ) انتهى .

لكنه كان في زمن النبي شيعيا

كان زيد في زمن النبي صلى الله عليه وآله غلاما عاديا يدور حول النبي وأهل بيته ،
ويروي عن النبي فضائل علي وفاطمة والحسن والحسين صلى الله عليه وعليهم . . وقد
بقيت بعض مروياته مدونة في مصادر الحديث . . وروى بعضها أحمد في مسنده ، قال
في ج 5 ص 181 ونحوه ص 189 :
( . . . عن القاسم بن حسان عن زيد بن ثابت قال : قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم إني تارك فيكم خليفتين كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والأرض أو ما بين السماء إلى
الأرض ، وعترتي أهل بيتي ، وإنهما لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض ) .
وروى عنه الصدوق في علل الشرائع ج 1 ص 144 حديثا في وجوب حب علي
عليه السلام ، قال :
( حدثنا أبو حاتم قال : حدثنا أحمد بن عبدة قال : حدثنا أبو الربيع الأعرج قال :
حدثنا عبد الله بن عمران ، عن علي بن زيد بن جدعان ، عن سعيد بن المسيب عن زيد
بن ثابت قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : من أحب عليا في حياتي وبعد موتي
كتب الله له الأمن والإيمان ما طلعت الشمس أو غربت . ومن أبغضه في حياتي وبعد موتي مات
ميتة جاهلية وحوسب بما عمل ) انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 296 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

من شؤون زيد الشخصية

اهتم الرواة والمترجمون بحياة زيد ، فرووا روايات عن شؤونه الشخصية
منها أنه كان ناعما يغطي وجهه في طريق الحج ، مع أن المحرم لا يغطي وجهه !
وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء ج 2 ص 426 :
( . . . وروى الأعمش ، عن ثابت بن عبيد ، قال : كان زيد بن ثابت من أفكه
الناس في أهله وأزمته عند القوم ) .
قال النووي في المجموع ج 2 ص 85 :
( أما حكم المسألة فقال أصحابنا يكره البول قائما بلا عذر كراهة تنزيه ولا يكره
للعذر وهذا مذهبنا . وقال ابن المنذر اختلفوا في البول قائما فثبت عن عمر بن الخطاب
وزيد بن ثابت وابن عمر وسهل بن سعد أنهم بالوا قياما . . . ) .
وقال السرخسي في المبسوط ج 17 ص 99 :
( روي عن عمر رضي الله عنه أنه كان له جارية وكان يطأها فجاءت بولد ونفاه
وقال اللهم لا يلحق بآل عمر من لا يشبههم ، فأقرت أنه من فلان الراعي . وعن زيد
بن ثابت رضي الله عنه أنه كان يطأ جاريته فجاءت بولد فنفاه فقال كنت أطأها ولا
أبغي ولدها أي أعزل عنها ) . ورواه الشافعي في كتاب الأم ج 7 ص 242
وذكروا من شؤون زيد الشخصية كثرة حديثه عن نفسه . . فقد روت مصادر
إخواننا كثيرا من ذلك كالذي رواه البخاري عنه بأنه كان مقربا من النبي صلى الله
عليه وآله حتى أن النبي كان يتكئ على فخذ زيد ثم يوحى إليه فيثقل بدنه . . . مما لا
يناسب مقام النبوة ولا صفة الوحي ! قال البخاري في صحيحه ج 1 ص 97 :
( وقال زيد بن ثابت : أنزل الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفخذه على
فخذي فثقلت علي حتى خفت أن ترض فخذي ) !
وقال في ج 3 ص 211 :
( عن ابن شهاب عن سهل بن سعد الساعدي أنه قال رأيت مروان بن الحكم
جالسا في المسجد فأقبلت حتى جلست إلى جنبه فأخبرنا أن زيد بن ثابت أخبره أن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 297 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
رسول الله صلى الله عليه وسلم أملى عليه لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في
سبيل الله قال فجاءه ابن أم مكتوم وهو يملها علي فقال يا رسول الله لو أستطيع الجهاد
لجاهدت ، وكان رجلا أعمى فأنزل الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم وفخذه
على فخذي فثقلت علي حتى خفت أن ترض فخذي ثم سري عنه فأنزل الله عز وجل
( غير أولى الضرر ) ! ! ورواه أيضا في ج 5 ص 182 ، وأحمد في مسنده ج 5 ص 191 ، وأبو داود
في سننه ج 1 ص 563 ورواه مسلم في صحيحه ج 6 ص 43 عن البراء وعن زيد ، وليس فيه
وصف الوحي واتكاء النبي على زيد !
وروى النوري في مستدرك الوسائل ج 4 ص 371 :
( . . . زيد بن ثابت أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إذا كتبت بسم
الله الرحمن الرحيم فبين السين فيه ) وهو مروي عن علي عليه السلام ، ولعل زيدا نسبه
إلى النبي صلى الله عليه وآله
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 298 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

مشروع جمع القرآن في عهد أبي بكر وعمر

زيد بن ثابت يدعي أنه بطل جمع القرآن ، جمعه أربع مرات في ربع قرن ! !

نلاحظ في روايات جمع القرآن الأساسية أن راويها زيد بن ثابت ، وأنه صور المسألة
على أن الخليفة أبا بكر وعمر كلفاه بجمع القرآن فامتنع من ذلك لتقواه ! ولكنهما
أصرا عليه مرارا حتى قبل هذه المسؤولية الثقيلة احتسابا لخدمة الدين والقرآن . .
ولكن الواقع أن زيدا لم يكن أكثر من كاتب ، وكان القرار في هذا الموضوع حتى
في خلافة أبي بكر للخليفة عمر ، ثم كان القرار في خلافة عثمان للخليفة عثمان
ولمملي القرآن سعيد بن العاص . . وكان زيد كاتبا مأمورا فقط كما سيأتي !
والأهم من ذلك أن القرآن كان مجموعا من عهد النبي صلى الله عليه وآله . .
فما معنى تكليف زيد بجمعه بعد النبي ؟ وخوف زيد من الله تعالى ؟ !
وما معنى أن يجمعه زيد عدة مرات ، مرة له ، وثلاث مرات للخلفاء ؟ !
وهل ضاعت نسخة زيد الأولى ، والثانية ، والثالثة ؟ !
وما هو الفرق بين هذه النسخ ؟ ! . . . إلى آخر الأسئلة التي ستعرف أجوبتها !

كان أبي بن كعب يملي القرآن ولا وجود لمشكلة

قال أحمد في مسنده ج 5 ص 134 :
( عن أبي العالية عن أبي بن كعب أنهم جمعوا القرآن في مصاحف في خلافة أبي
بكر رضي الله عنه فكان رجال يكتبون ويملي عليهم أبي بن كعب فلما انتهوا إلى هذه
الآية من سورة براءة ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون ، فظنوا أن هذا
آخر ما أنزل من القرآن ، فقال لهم أبي بن كعب إن رسول الله صلى الله عليه وسلم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 299 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أقرأني بعدها آيتين لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين
رؤوف رحيم إلى وهو رب العرش العظيم ثم قال هذا آخر ما أنزل من القرآن ، قال فختم
بما فتح به بالله الذي لا إله إلا هو وهو قول الله تبارك وتعالى وما أرسلنا قبلك من رسول
إلا يوحى إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ) انتهى .
هذه الرواية طبيعية ومنسجمة مع ما ثبت من وجود نسخ القرآن من عهد النبي
صلى الله عليه وآله وتوفرها عند كثيرين . . ومنسجمة مع اعتراف المسلمين بحفظ أبي
بن كعب للقرآن وخبرته بنصه . . فالمسألة لا تحتاج إلى أكثر من كاتب وممل موثوق ،
ومع وجود أبي بن كعب فلا حاجة لأمثال زيد بن ثابت ولا دور له في الإملاء .
كذلك هي منسجمة مع حاجة المسلمين في المناطق المختلفة لنسخ القرآن وقيام
الصحابة في المدينة بدل الدولة بكتابة نسخ عديدة وإرسالها إليهم ، وإن لم تعتمد الدولة
نسخة رسمية منها !

ثم بقدرة قادر ولدت المشكلة وطرح عمر وأبو بكر مشروعا لحلها

يقول زيد بن ثابت : ولدت المشكلة من اللامشكلة ، وضاعت نسخ المصحف كلها
. . وغاب أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود وغيرهم من الحفاظ المشهود لهم . . ولم
يبق إلا زيد بن ثابت ومكتوبات القرآن المشتتة ، ومحفوظاته الموزعة . . فنهض زيد بعد
تردد وخوف من الله تعالى ، وبعد تكليف رسمي والتماس متكرر من الخليفتين أبي بكر
وعمر . . وتحمل زيد صعوبات جمة وبذل جهودا كبيرة متنوعة . . حتى أكمل جمع
القرآن في سنتين وأكثر والحمد لله ! ولكن نسخته لم تر النور ! !
روى البخاري في صحيحه ج 5 ص 210 عن زيد :
( . . . أخبرني ابن السباق أن زيد بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه وكان ممن
يكتب الوحي قال : أرسل إلى أبو بكر مقتل أهل اليمامة وعنده عمر فقال أبو بكر : إن
عمر
أتاني فقال إن القتل قد استحر يوم اليمامة بالناس وإني أخشى أن يستحر القتل
بالقراء في المواطن فيذهب كثير من القرآن إلا أن تجمعوه ، وإني لأرى أن تجمع القرآن .
قال أبو بكر قلت لعمر كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 300 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فقال عمر هو والله خير فلم يزل عمر يراجعني فيه حتى شرح الله لذلك صدري ،
ورأيت الذي رأى عمر . قال زيد بن ثابت وعمر عنده جالس لا يتكلم ، فقال أبو بكر
إنك رجل ( . . . ) شاب عاقل ولا نتهمك كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله
عليه وسلم ، فتتبع القرآن فاجمعه . فوالله لو كلفني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل
علي مما أمرني به من جمع القرآن ! قلت كيف تفعلان شيئا لم يفعله النبي صلى الله عليه
وسلم ؟ فقال أبو بكر هو والله خير ، فلم أزل أراجعه ( . . . ) حتى شرح الله صدري
للذي شرح الله له صدر أبي بكر وعمر ، فقمت فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع
والأكتاف والعسب وصدور الرجال حتى وجدت من سورة التوبة آيتين مع خزيمة
الأنصاري لم أجدهما مع أحد غيره ، لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم
حريص عليكم إلى آخرها ) . وروى البخاري في ج 6 ص 98 عن زيد أيضا :
( . . . عن عبيد بن السباق أن زيدا بن ثابت رضي الله عنه قال : أرسل إلى أبو بكر
مقتل أهل اليمامة فإذا عمر بن الخطاب عنده قال أبو بكر رضي الله عنه أن عمر أتاني
فقال إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء
بالمواطن فيذهب كثير من القرآن وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن ، قلت لعمر كيف
تفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال عمر هذا والله خير ، فلم
يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك ورأيت في ذلك الذي رأى عمر ، قال
زيد : قال أبو بكر إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك وقد كنت تكتب الوحي لرسول
الله صلى الله عليه وسلم فتتبع القرآن فاجمعه ، فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال
ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن ، قلت كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول
الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال هو والله خير ، فلم يزل أبو بكر يراجعني ( . . . ) حتى
شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، فتتبعت
القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال حتى وجدت آخر سورة التوبة مع
أبي ( . . . ) خزيمة الأنصاري لم أجدها مع أحد غيره لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما
عنتم حتى خاتمة براءة ، فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله ثم عند عمر
حياته ثم عند حفصة بنت عمر رضي الله عنه .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 301 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
. . . باب كاتب النبي صلى الله عليه وسلم حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث عن
يونس عن ابن شهاب أن ابن السباق قال : إن زيد بن ثابت قال : أرسل إلى أبو بكر
رضي الله عنه قال إنك كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فاتبع
القرآن فتتبعت حتى وجدت آخر سورة التوبة آيتين مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدهما
مع أحد غيره لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم إلى آخرها ) وروى نحوه عن
زيد أيضا في ج 8 ص 118 ، انتهى .
هذا ما رواه زيد عن جمعه الثاني للقرآن في زمن الخليفة أبي بكر . . ولم يقل شيئا
عن نسخته التي كتبها من زمن النبي صلى الله عليه وآله ! ولا عن دور غيره من القراء
والحفاظ ، ولو بقدر رأس إبرة . . ثم قلد البخاري أكثر المؤلفين ورووا قصة جمع
القرآن عن زيد . . ورووا متفرقاتها عن غيره !
قال السيوطي في الدر المنثور ج 3 ص 296
( وأخرج ابن سعد ، وأحمد ، والبخاري ، والترمذي ، والنسائي ، وابن جرير ،
وابن أبي داود في المصاحف ، وابن حبان ، وابن المنذر ، والطبراني ، والبيهقي في سننه
عن زيد بن ثابت قال : أرسل إلى أبو بكر مقتل أهل اليمامة وعنده عمر فقال . . الخ ) .
وقال في كنز العمال ج 2 ص 571 :
جمع القرآن - من مسند الصديق رضي الله عنه ، عن زيد بن ثابت قال : أرسل
إلى أبو بكر مقتل أهل اليمامة فإذا عنده عمر بن الخطاب فقال . . . ( ط ، وابن سعد ،
حم ، خ ، والعدني ت ن ، وابن جرير ، وابن أبي داود في المصاحف ، وابن المنذر ،
حب طب ق ) انتهى .

إستعطاء آيات القرآن على باب المسجد

من أجل إثبات فضيلة لزيد ، وبيان الصعوبات التي تحملتها الدولة في جمع القرآن ،
وأن المشروع كان يحتاج إلى وقت طويل وكان على المسلمين أن ينتظروا ولا يستعجلوا
. . ارتكب الرواة إهانة للمسلمين واتهموهم بأنهم لم يهتموا بكتاب ربهم وضيعوه ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 302 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
حتى اضطر نائب الخليفة عمر ورئيس اللجنة وعضوها الوحيد زيد بن ثابت أن يجلسا على باب المسجد
ويعلنا للمصلين : رحم الله من كان من عنده آية فليقلها حتى نكتبها في المصحف ! !
روى في كنز العمال ج 2 ص 573 :
( عن هشام بن عروة قال : لما استحر القتل بالقراء فرق أبو بكر على القرآن أن
يضيع ، فقال لعمر بن الخطاب ، ولزيد بن ثابت : أقعدا على باب المسجد ، فمن
جاءكما بشاهدين على شئ من كتاب الله فاكتباه - ابن أبي داود في المصاحف .
. . . عن هشام بن عروة عن أبيه قال : لما قتل أهل اليمامة أمر أبو بكر الصديق عمر
بن الخطاب وزيد بن ثابت فقال : أجلسا على باب المسجد فلا يأتينكما أحد بشئ من
القرآن تنكرانه يشهد عليه رجلان إلا أثبتماه ، وذلك لأنه قتل باليمامة ناس من
أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جمعوا القرآن ! - ابن سعد ك ) انتهى .
وفي عصرنا الواعي كما في عصور سابقة ، صارت هذه الرواية موثقة وصارت منقبة
للدولة ولزيد في ورعه واحتياطه . . قال الدكتور صبحي الصالح في كتابه
( مباحث في علوم القرآن ) ص 75 - 76 :
( . . . ولكنه ( زيد ) أراد - ورعا منه واحتياطا - أن يشفع الحفظ بالكتابة ، وظل
ناهجا هذا النهج في سائر القرآن الذي تتبعه فجمعه بأمر أبي بكر : فكان لا بد لقبول
آية أو آيات من شاهدين هما الحفظ والكتابة ، وبهذا فسر ابن حجر المراد من
الشاهدين في قول أبي بكر لعمر وزيد : أقعدا على باب المسجد ، فمن جاءكما
بشاهدين على شئ من كتاب الله فاكتباه - الإتقان 1 - 100 ) ! !
وينبغي أن نتوقف طويلا عن قول أبي بكر ( فلا يأتينكما أحد بشئ من القرآن
تنكرانه يشهد عليه رجلان إلا أثبتماه ) ففي هذا الكلام علم كثير ، فهو يدل على أن
القرآن الذي ( يحفظه ) أبو بكر وعمر وزيد وغيرهم من الحفاظ المعروفين ، ناقص ! !
وأن بقيته مبثوثة عند الناس ، لذلك تعلن الخلافة أن أي نص يشهد عليه رجلان أنه من
القرآن فهي تلتزم به وتثبته في القرآن ، ونائب الخليفة وكاتبه مأموران أن يدخلا ذلك
النص في القرآن حتى لو لم يشهدا به ، بل حتى لو استغرباه وأنكراه ( تنكرانه . . إلا
أثبتماه ) !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 303 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إن هذه الحركة منسجمة تماما مع الأحاديث الصحيحة الواردة عن الخليفة عمر بأن
القرآن الذي نزل أضعاف الموجود ، لذلك فهو يحاول جمع ما ضاع منه بأقل إثبات
شرعي وهو شاهدان عاديان ! ولعل تأخر الخليفة عمر بنشر نسخته كان لهذا
السبب . . والله يعلم ماذا جمع في نسخته من أمثال سورتي ( الخلع والحفد ) والآيات
التي تقدمت ! !
ونلاحظ في الرواية التالية مزيدا من المبالغة في فقدان نسخ القرآن . . فقد ( مات )
كل حفاظه ، حتى أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود وغيرهم . . وغيرهم ! قال في
كنز العمال ج 2 ص 584 :
( عن ابن شهاب قال : بلغنا أنه كان أنزل قرآن كثير فقتل علماؤه يوم اليمامة
الذين كانوا قد وعوه ولم يعلم بعدهم ولم يكتب ! ! فلما جمع أبو بكر وعمر وعثمان
القرآن ولم يوجد مع أحد بعدهم ، وذلك فيما بلغنا ( . . . ) حملهم على أن تتبعوا القرآن ،
فجمعوه في الصحف في خلافة أبي بكر ، خشية أن يقتل رجال من المسلمين في
المواطن ، معهم كثير من القرآن فيذهبوا بما معهم من القرآن ، فلا يوجد عند أحد
بعدهم ، فوفق الله عثمان فنسخ ذلك المصحف في المصاحف ، فبعث بها إلى الأمصار
وبثها في المسلمين - ابن أبي داود ) انتهى .

نتيجة عمل لجنة أبي بكر لتدوين القرآن

استغرق عمل اللجنة التي عينها الخليفة أبو بكر باقتراح عمر بن الخطاب وعضوية
زيد بن ثابت . . شطرا من عهد أبي بكر ، ثم استمر عملها طوال عهد
الخليفة عمر ، ولكن نتيجتها لم تر النور ولم تصل إلى أيدي المسلمين ! بل كانت
صحائف عند الخليفة عمر ، وبقيت بيده وعند ابنته حفصة . . حتى وفاته ! قال البخاري
في صحيحه ج 5 ص 211 و ج 6 ص 98 ج 8 ص 119 وكل رواياته عن زيد :
( وكانت الصحف التي جمع فيها القرآن عند أبي بكر حتى توفاه الله ، ثم عند عمر
حتى توفاه الله ، ثم عند حفصة بنت عمر ) انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 304 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ونستبعد أن يكون الخليفة أبا بكر احتفظ بالصحف في بيته ، فقد كان المشروع مشروع
عمر ، وكان هو المتصدي له حتى في عهد أبي بكر ، وكان زيد منفذا لأمر عمر فقط !
كما أن لحفظ الصحف عند حفصة لا في بيت عمر ولا عند زيد ، معنى المحافظة التامة
عليها وعدم نشرها ، فقد كانت حفصة أقرب أهل بيت عمر إليه ، ووصيه الشرعي
وموضع أسراره ! قال السرخسي في المبسوط ج 12 ص 36 :
( واستدل محمد رحمه الله في الكتاب بحديث عمر رضي الله عنه فإنه جعل وقفه في
يد ابنته حفصة رضي الله عنها وإنما فعل ذلك ليتم الوقف ، ولكن أبو يوسف رحمه الله
يقول فعل ذلك لكثرة اشتغاله وخاف التقصير منه في أوانه ، أو ليكون في يدها بعد موته ) انتهى .
لكن لماذا لم ينشر عمر النسخة ؟ ولماذا لم تسلمها حفصة إلى الخليفة عثمان ؟
ثم لماذا أصر عثمان ثم مروان على مصادرتها من حفصة وإحراقها ؟ !
ثم السؤال الأكبر والعجب من الباحثين المعاصرين ، كيف يصدرون حكمهم بأن القرآن الذي في
أيدينا هو مصحف أبي بكر أو مصحف عمر ؟ !
قال الدكتور صبحي الصالح في كتابه ( مباحث في علوم القرآن ) ص 77 :
( وقد تم لأبي بكر جمع القرآن كله خلال سنة واحدة تقريبا ، لأن أمره زيدا بجمعه
كان بعد واقعة اليمامة ، وقد حصل الجمع بين هذه الواقعة ووفاة أبي بكر . وحين
نتذكر كيف جمع هذا القرآن من الرقاع والعسب واللخاف والأقتاب والجلود في هذه
المدة القصيرة ، لا يسعنا إلا أن نكبر عزيمة الصحابة الذين بذلوا أنفسهم لله ، ولا يسعنا
إلا أن نقول مع علي بن أبي طالب : رحم الله أبا بكر ، هو أول من جمع كتاب الله
بين اللوحين . البرهان 1 - 239 ، المصاحف لابن أبي داوود ص 5 . .
أما عمر فقد سجل له التاريخ أنه صاحب الفكرة ، كما سجل لزيد أنه وضعها
موضع التنفيذ . وختام النص الذي رواه البخاري عن زيد ينبئنا بأن الصحف التي جمع
فيها القرآن كانت عند أبي بكر حتى توفاه الله ، ثم صارت إلى عمر وظللت عنده
حتى توفاه الله ، ثم صارت إلى حفصة بنت عمر لا إلى الخليفة الجديد عثمان . وقد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 305 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أثارت ( دائرة المعارف الإسلامية ) شبهة حول هذا الموضوع ، فتساءلت : ألم يكن
عثمان أجدر أن تودع هذه الصحف عنده ؟ ( أنظر II Islam Encyclopedia , P 1130 )
ونجيب : بل حفصة أولى بذلك وأجدر ، لأن عمر أوصى بأن تكون الصحف
مودعة لديها ، وهي زوجة رسول الله أم المؤمنين ، فضلا على حفظها القرآن كله
في صدرها وتمكنها من القراءة والكتابة ، وكان عمر قد جعل أمر الخلافة شورى من
بعده ، فكيف يسلم إلى عثمان هاتيك الصحف قبل أن يفكر أحد في اختياره للخلافة )
انتهى .
لكن هل غاب عن الدكتور المؤلف وأمثاله من الباحثين المعاصرين أن من حق الباحث الغربي أن يتساءل : إن
نسخة القرآن هي النص الرسمي السماوي لدستور دين المسلمين ، وقد جمعها خليفة
النبي وكانت عنده ولم ينشرها . . وقد اهتم بمسألة الحكم بعد وفاته وأوصى بالشورى
وألزم أعضاءها أن يصلوا إلى نتيجة خلال ثلاثة أيام . . فكان من الطبيعي كما أوصى
بالخلافة أن يوصي بنسخة القرآن للخليفة المنتخب ؟ !
ثم إذا كانت تلك النسخة لا تختلف عن النسخة الفعلية التي نشرها عثمان ، فلماذا
وجد اللغط حولها فطلبتها السلطة فاستعصت بها حفصة إلى آخر عمرها ؟ حتى
صادرتها الدولة مباشرة بعد دفن حفصة و . . أحرقتها ؟ ! !
هذه نماذج مما رووه وقالوه عن جمع الخليفة أبي بكر وعمر للقرآن . . وقد رأيت أنه
لا يمكن لباحث أن يقبل مسألة لجنة زيد ومصحف عمر على ظاهرها ، بل لا بد أن
يفسرها بأنها من أعمال السلطة لتسكيت الناس عن المطالبة باعتماد نسخة رسمية . . أو
هي محاولة لجمع نسخة رسمية للقرآن حسب قناعات الخليفة عمر . . وإلا فإن القرآن
الكريم كان مجموعا مكتوبا في مصاحف عديدة من عهد النبي صلى الله عليه وآله . .
وكانت المصاحف تكتب في حياة النبي وبعده في عهد الخليفة أبي بكر وبعده ، في
المدينة وخارجها ، بإملاء الصحابة وخطهم ، ويتلقفها المسلمون المتعطشون إليها ، بل
حتى أعداء المسلمين !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 306 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

لماذا نسبوا جمع القرآن إلى عمر ؟ !

أثار توحيد نسخة القرآن الذي قام به الخليفة عثمان اعتراضات متعددة غير شرعية
وغير منطقية . . وكان عثمان وأنصاره يدافعون عن جمع القرآن بأي وجه ، ومن ذلك
أنهم نسبوا هذا العمل إلى الخليفة عمر ليثبتوا للمعترضين أن توحيد القرآن ليس بدعة
من عثمان بل كان مشروعه من عهد عمر ، وأن عثمان إنما نفذ مشروع عمر لا أكثر ،
وكان عمله فقط أنه نسخ الصحف التي جمعها
عمر عند حفصة بعدة نسخ وأرسلها إلى
الأمصار !
قال ابن شبة في تاريخ المدينة ج 3 ص 1136 :
( حدثنا علي بن محمد ، عن يزيد بن عياض ، عن الوليد ابن سعيد ، عن عروة بن
الزبير قال : قدم المصريون فلقوا عثمان رضي الله عنه فقال : ما الذي تنقمون ؟ قالوا :
تمزيق المصاحف . قال : إن الناس لما اختلفوا في القراءة خشي عمر رضي الله عنه الفتنة
فقال : من أعرب الناس ؟ فقالوا : سعيد بن العاص . قال : فمن أخطهم ؟ قالوا : زيد
بن ثابت . فأمر بمصحف فكتب بإعراب سعيد وخط زيد ، فجمع الناس ثم قرأه عليهم
بالموسم ! فلما كان حديثا كتب إلى حذيفة : إن الرجل يلقى الرجل فيقول قرآني
أفضل من قرآنك حتى يكاد أحدهما يكفر صاحبه ، فلما رأيت ذلك أمرت الناس
بقراءة المصحف الذي كتبه عمر رضي الله عنه وهو هذا المصحف ، وأمرتهم بترك ما
سواه ، وما صنع الله بكم خير مما أردتم لأنفسكم ) انتهى .
فقد دافع عثمان عن نفسه بأن نسب عمله إلى عمر . . . !
لكن سرعان ما ماتت الاعتراضات وفهم الناس أن خطوة عثمان كانت حكيمة بل
ضرورية للدين ووحدة المسلمين . . فصار عمل عثمان فضيلة عظيمة يتنافس الرواة في
نسبتها إلى زيد وعمرو ! فنسبها بعض الرواة إلى الخليفة عمر وقالوا إنه هو الذي جمع القرآن
وبعث نسخه إلى الأمصار !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 307 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال في كنز العمال ج 2 ص 574 :
( . . . عن الحسن أن عمر بن الخطاب سأل عن آية من كتاب الله فقيل كانت مع
فلان وقتل يوم اليمامة ، فقال إنا لله ، وأمر بالقرآن فجمع ، فكان أول من جمعه في
المصحف - ابن أبي داود في المصاحف .
. . . عن عبد الله بن فضالة ، قال لما أراد عمر أن يكتب الإمام أقعد له نفرا من
أصحابه فقال إذا اختلفتم في اللغة فاكتبوها بلغة مضر فإن القرآن نزل على رجل من
مضر - ابن أبي داود ) .
وقال في ص 578 ( . . . عن أبي إسحاق عن بعض أصحابه قال : لما جمع عمر بن
الخطاب المصحف سأل عمر من أعرب الناس ؟ قيل سعيد بن العاص ، فقال : من
أكتب الناس ؟ فقيل زيد بن ثابت ، قال : فليمل سعيد وليكتب زيد ، فكتبوا مصاحف
أربعة ، فانفذ مصحفا منها إلى الكوفة ومصحفا إلى البصرة ومصحفا إلى الشام
ومصحفا إلى الحجاز - ابن الأنباري في المصاحف ) انتهى . وروى نحوه في تاريخ المدينة
ج 3 ص 991
وقال اليعقوبي في تاريخه ج 2 ص 135 :
( وقال عمر بن الخطاب لأبي بكر : يا خليفة رسول الله ، إن حملة القرآن قد قتل
أكثرهم يوم اليمامة ، فلو جمعت القرآن ، فإني أخاف عليه أن يذهب حملته . فقال
أبو بكر : أفعل ما لم يفعله رسول الله ؟ فلم يزل به عمر حتى جمعه وكتبه في صحف .
وكان مفترقا في الجريد وغيرها ، وأجلس خمسة وعشرين رجلا من قريش ، وخمسين
رجلا من الأنصار ، وقال : أكتبوا القرآن ، واعرضوا على سعيد بن العاص ، فإنه رجل
فصيح ) انتهى .
ولكن بقيت الحقيقة تشع من بين الروايات شاهدة بأن الخليفة عمر لم يجمع القرآن ،
بل كان عنده مشروع خاص لجمعه ، ولم يمهله الأجل كما قدمنا . . قال في كنز العمال
ج 2 ص 574 :
( مسند عمر رضي الله عنه . عن محمد بن سيرين قال : قتل عمر ولم يجمع القرآن
- ابن سعد ) انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 308 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الأحرف السبعة تنفجر في عهد الخليفة عثمان

مشكلة الفراغ القرآني تتفاقم

لم تتحدث روايات جمع القرآن عن المشكلة العظيمة التي حدثت في الأمة بعد النبي
صلى الله عليه وآله بسبب أن الخليفة عمر أبقى الدولة الإسلامية بدون قرآن رسمي
طيلة عهد أبي بكر ، وعهده ، وشطرا من عهد عثمان . . ! فهذه نقطة ضعف كبيرة . .
والرواة يريدون تدوين فضائل الخليفة عمر ومناقبه ، وإبعاد الأنظار عن نقاط ضعفه . .
فهل تريد منهم أن يرووا أن الخليفة عمر باجتهاده الخاطئ قصر بحق أعظم وثيقتين
تملكهما أمة من الأمم ، وهما القرآن والسنة ، وذلك عندما رفض ما دونه علي عليه
السلام بأمر النبي صلى الله عليه وآله ! ثم منع الأنصار وآخرين من تدوين القرآن
والسنة ، ووعد الأمة بأنه سيقوم هو بتدوين القرآن ولم يفعل . . ! وأعلن على المنبر أنه فكر
في اقتراح الصحابة بتدوين السنة شهرا كاملا حتى ( اختار له الله ) . . عدم تدوينها ! !
لكن مع كل التعتيم على هذه الأزمة التي شملت طول البلاد الإسلامية وعرضها ،
فإنه لم يمكن إخفاؤها . . وبقيت في المصادر روايات صريحة بأنه كانت توجد مشكلة
عقائدية وسياسية عميقة وخطيرة ، ولدت من الفراغ القرآني طوال خمس عشرة سنة
فكثر القراء والمجتهدون في قراءات القرآن ، أو في حروف القرآن كما كانوا يسمونها . .
وانقسم الناس أحزابا يتعصبون للقراء والقراءات ويكفرون بعضهم بعضا بسبب ذلك . .
ولم يبق إلا أن يقتتلوا بالسلاح . . ! ! وفيما يلي عدد من هذه النصوص :
روى أحمد في مسنده ج 1 ص 445 :
( . . . عن عثمان بن حسان عن فلفلة الجعفي قال : فزعت فيمن فزع إلى عبد الله في
المصاحف فدخلنا عليه فقال رجل من القوم : إنا لم نأتك زائرين ولكن جئناك حين راعنا
هذا الخبر ! فقال : إن القرآن نزل على نبيكم صلى الله عليه وسلم من سبعة أبواب
على سبعة أحرف أو قال حروف وإن الكتاب قبله كان ينزل من باب واحد على
حرف واحد ) انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 309 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولعل هذه الرواية تتحدث عن فزع عقلاء المسلمين من ظاهرة تعدد القراءات في
عهد الخليفة عمر واختلاف الناس بسببها ، لذا التجؤوا إلى ابن مسعود الوالي في الكوفة
ومقرئ أهل العراق لحل المشكلة ، فأجابهم ابن مسعود بما كان يجيبهم الخليفة عمر
بالأحرف السبعة ، ولكن هذا الجواب كان صالحا لتسكين المشكلة في أول الأمر
بمساعدة سوط عمر ، أما بعده فانكشف أنه لم يسمن ولم يغن من جوع . . بل أعطى
الشرعية لكل القراءات وأجج الاختلافات ! !
وقال في كنز العمال ج 2 ص 582 :
( عن أبي قلابة قال : لما كان في خلافة عثمان جعل المعلم يعلم قراءة الرجل ،
والمعلم يعلم قراءة الرجل ، فجعل الغلمان يتلقون فيختلفون حتى ارتفع ذلك إلى
المعلمين ، حتى كفر بعضهم بقراءة بعض ، فبلغ ذلك عثمان ، فقام خطيبا فقال : أنتم
عندي تختلفون وتلحنون ، فمن نأى عني من الأمصار أشد اختلافا وأشد لحنا !
فاجتمعوا يا أصحاب محمد فاكتبوا للناس إماما ) انتهى .
وأكثر مؤرخ ومحدث تعرض لروايات المشكلة هو عمر بن شبة ، قال في تاريخ
المدينة ج 3 ص 991 :
( . . . عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قدم
على عثمان رضي الله عنه ، وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل
العراق وأفزع باختلافهم في القراءة ، فقال حذيفة لعثمان رضي الله عنه : يا أمير
المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في القرآن اختلاف اليهود والنصارى ، فأرسل
عثمان رضي الله عنه إلى حفصة أن أرسلي إلينا الصحف ننسخها في المصاحف ثم
نردها إليك فأرسلت بها حفصة إلى عثمان ، فأمر عثمان زيد بن ثابت وعبد الله بن
الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف .
وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة : إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شئ من القرآن
فاكتبوه بلسان قريش ، فإنما أنزل بلسانهم ، ففعلوا ذلك ، حتى إذا نسخ المصحف رد
عثمان الصحف إلى حفصة ، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا ، وأمر بما سواه
من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 310 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
. . . عن ابن شهاب قال حدثني أنس بن مالك رضي الله عنه أنه اجتمع لغزوة
أرمينية وأذربيجان أهل الشام وأهل العراق ، فتذاكروا القرآن فاختلفوا فيه حتى كاد
يكون بينهم فتنة ، فركب حذيفة بن اليمان إلى عثمان لما رأى من اختلافهم في القرآن ،
فقال : إن الناس قد اختلفوا في القرآن حتى - والله - إني لأخشى أن يصيبهم ما
أصاب اليهود والنصارى من الاختلاف ، ففزع لذلك عثمان رضي الله عنه فزعا
شديدا ، فأرسل إلى حفصة فاستخرج المصاحف التي كان أبو بكر رضي الله عنه أمر
بجمعها زيدا ، فنسخ منها مصاحف بعث بها إلى الآفاق .
. . . عن ابن شهاب الزهري ، عن خارجة بن زيد ، عن زيد بن ثابت أن حذيفة بن
اليمان رضي الله عنه قدم من غزوة غزاها بفرج أرمينية فحضرها أهل العراق وأهل
الشام ، فإذا أهل العراق يقرؤون بقراءة عبد الله بن مسعود ويأتون بما لم يسمع أهل
الشام ، ويقرأ أهل الشام بقراءة أبي بن كعب ويأتون بما لم يسمع أهل العراق ،
فيكفرهم أهل العراق ! ! قال : فأمرني عثمان رضي الله عنه أن أكتب له مصحفا
فكتبته ، فلما فرغت منه عرضه .
. . . حدثنا عبد الله بن وهب قال حدثني عمرو بن الحارث أن بكيرا حدث : أن ناسا
كانوا بالعراق يسأل أحدهم عن الآية فإذا قرأها قال فإني أكفر بهذه ! ! ففشا ذلك في
الناس واختلفوا في القراءة ، فكلم عثمان بن عفان رضي الله عنه في ذلك ، فأمر بجمع
المصاحف فأحرقها ، وكتب مصاحف ثم بثها في الأجناد ) انتهى .
وقال البخاري في صحيحه ج 6 ص 99 :
( . . . حدثنا ابن شهاب أن أنس بن مالك حدثه أن حذيفة بن اليمان قدم على
عثمان وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وآذربيجان مع أهل العراق ، فأفزع
حذيفة اختلافهم في القراءة فقال حذيفة لعثمان : يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن
يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى ! ! فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي
إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك ، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان
فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحرث بن
هشام فنسخوها في المصاحف . وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة : إذا اختلفتم أنتم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 311 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وزيد بن ثابت في شئ من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم ، ففعلوا حتى
إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة ، فأرسل إلى كل أفق
بمصحف مما نسخوا وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق )
انتهى .
وقال في كنز العمال ج 2 ص 581 :
( عن الزهري عن أنس بن مالك أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان وكان يغازي
أهل الشام في فتح أرمينية وآذربيجان مع أهل العراق ، فرأى حذيفة اختلافهم في
القرآن ، فقال لعثمان يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب كما
اختلف اليهود والنصارى ! فأرسل إلى حفصة أن أرسلي إلي بالصحف ننسخها في
المصاحف ثم نردها عليك ، فأرسلت حفصة إلى عثمان بالصحف فأرسل عثمان إلى
زيد بن ثابت وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام وعبد الله بن الزبير
أن انسخوا الصحف في المصاحف ، وقال للرهط القرشيين الثلاثة : ما اختلفتم أنتم
وزيد بن ثابت فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانها ، حتى إذا نسخوا المصحف في
المصاحف بعث عثمان إلى كل أفق بمصحف من تلك المصاحف التي نسخوا ، وأمر
بسوى ذلك في صحيفة أو مصحف أن يحرق ( ابن سعد ، خ ، ت ، ن ، وابن أبي
داود ، وابن الأنباري معا في المصاحف ، حب ، ق ) انتهى .
فقد كانت مشكلة وأزمة إذن . . شملت التلاميذ ومعلميهم في مكاتب القرآن ،
والمصلين في المساجد ، وحكام الأمصار والمجاهدين في جيوش الفتح . . وسببها الوحيد
فتوى الخليفة عمر بالأحرف السبعة . . وكان علاجها الوحيد تدوين القرآن على حرف
واحد وجمع المسلمين عليه ، وتخليص الناس من مصيبة الأحرف السبعة !

حذيفة بن اليمان يحمل لواء توحيد القرآن

الثابت عند الجميع أن الذي قام بدور ( يا للقرآن . . يا للمسلمين ) هو حذيفة بن
اليمان الذي كان حاكما على المدائن عاصمة كسرى ، وقائدا لجيش الفتح العراقي في
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 312 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
آذربيجان وأرمينية . . وقد جاء خصيصا مع وفد من جيش الفتح مستغيثا شاكيا إلى
الخليفة عثمان . . فاستجاب الخليفة بعد أن كانت المسألة نصف ناضجة في ذهنه ، ولأن
مطلب حذيفة حل مشكلة خطيرة داخل جيوش الفتح . . وأصدر الخليفة مرسومه
التاريخي بتوحيد نسخة القرآن . . وبقي حذيفة في المدينة يواكب تدوين القرآن ، ثم قام
بتنفيذ المرسوم عمليا بأمر الخليفة ونفوذ حذيفة الأدبي باعتباره شيخا كبير السن من
خاصة أصحاب النبي صلى الله عليه وآله ، يحترمه الجميع . .
روى البخاري أن حذيفة بن اليمان موضع سر النبي صلى الله عليه وآله ، فقال في
ج 4 ص 215 و ج 7 ص 139 :
( . . . عن إبراهيم قال ذهب علقمة إلى الشام فلما دخل المسجد قال : اللهم يسر لي
جليسا صالحا فجلس إلى أبي الدرداء ، فقال أبو الدرداء : ممن أنت ؟ قال من أهل
الكوفة ، قال : أليس فيكم أو منكم صاحب السر الذي لا يعلمه غيره ؟ يعني حذيفة ،
قال قلت : بلى ، قال : أليس فيكم أو منكم الذي أجاره الله على لسان نبيه صلى الله
عليه وسلم يعني من الشيطان يعني عمارا ؟ قلت : بلى . . . ) .
وروى عنه وصف نفوذ المنافقين بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله ، فقال في ج 8
ص 100 :
( . . . عن أبي وائل عن حذيفة بن اليمان قال : إن المنافقين اليوم شر منهم على
عهد النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يومئذ يسرون واليوم يجهرون .
. . . عن أبي الشعثاء عن حذيفة قال إنما كان النفاق على عهد النبي صلى الله عليه
وسلم فأما اليوم فإنما هو الكفر بعد الإيمان ! ! ) انتهى .
وأكثر ما تجد أحاديث الفتن التي حذر منها النبي صلى الله عليه وآله مروية عن
حذيفة حتى ليمكن أن نسميه ( الصحابي المتخصص بأخبار المنافقين والفتن ) وكان
بعض المنافقين المخفيين يخافون منه ويظهرون له الاحترام ، لأنه خبير بهم ، ومنهم الذين
حاولوا اغتيال النبي صلى الله عليه وآله في رجوعه من حجة الوداع أو تبوك ،
فصعدوا الجبل ليلا في الظلام ، وعندما صعد النبي العقبة ألقوا عليه الصخور ليقتلوه
فجاء جبرئيل كشفهم له فرآهم ورآهم حذيفة وعمار . . إلخ .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 313 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال أحمد في مسنده ج 5 ص 390 :
( . . . ثنا أبو الطفيل قال كان بين حذيفة وبين رجل من أهل العقبة ما يكون بين الناس
فقال : أنشدك الله كم كان أصحاب العقبة ؟ فقال له القوم : أخبره إذ سألك ، قال :
إن كنا نخبر أنهم أربعة عشر . وقال أبو نعيم فقال الرجل كنا نخبر أنهم أربعة عشر قال
فإن كنت منهم - وقال أبو نعيم فيهم - فقد كان القوم خمسة عشر . وأشهد بالله أن
اثني عشر منهم حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ! ) انتهى .
وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء ج 2 ص 361 :
( حذيفة بن اليمان . من نجباء أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، وهو صاحب
السر . . . حليف الأنصار ، من أعيان المهاجرين . . . عن ابن سيرين أن عمر كتب في
عهد حذيفة على المدائن اسمعوا له وأطيعوا ، وأعطوه ما سألكم . . . ولي حذيفة إمرة
المدائن لعمر ، فبقي عليها إلى بعد مقتل عثمان ، وتوفي بعد عثمان بأربعين ليلة . . .
وحذيفة هو الذي ندبه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الأحزاب ليجس له خبر
العدو . وعلى يده فتح الدينور عنوة . ومناقبه تطول ، رضي الله عنه .
. . . خالد عن أبي قلابة عن حذيفة قال : إني لأشتري ديني بعضه ببعض مخافة أن
يذهب كله . . . أبو نعيم : حدثنا سعد بن أوس ، عن بلال بن يحيى قال : بلغني أن
حذيفة كان يقول : ما أدرك هذا الأمر أحد من الصحابة إلا قد اشترى بعض دينه
ببعض . قالوا : وأنت ؟ قال : وأنا والله ! ) انتهى .
وكما كان حذيفة من حواريي النبي صلى الله عليه وآله وموضع سره ، صار بعده
من خاصة شيعة علي وموضع سره ، وكان لا يقوم بعمل مهم إلا بأمر علي عليه
السلام . . وهذا مما يقوي الظن بأن عليا كان وراء حركة توحيد نسخة القرآن . . !
روى في كنز العمال ج 13 ص 532 :
( عن حذيفة أنه قيل له : إن عثمان قد قتل فما تأمرنا ؟ قال إلزموا عمارا ، قيل :
إن عمارا لا يفارق عليا ! قال إن الحسد أهلك الجسد ، وإنما ينفركم من عمار قربه من
علي ! فوالله لعلي أفضل من عمار أبعد ما بين التراب والسحاب ، وإن عمارا من
الأخيار - كر ) انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 314 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأرانا هنا بحاجة إلى دراسة فقرات من النص التالي عن عبد الله بن الزبير لأنه يعطي
ضوءا هاما على الشخص المحرك لحذيفة ، ويبين سعي علي عليه السلام لتوحيد نسخة
القرآن من زمن الخليفة عمر . . قال عمر بن شبة في تاريخ المدينة ج 3 ص 990 :
( حدثنا الحسن بن عثمان قال ، حدثنا الربيع بن بدر ، عن سوار بن شبيب قال :
دخلت على ابن الزبير رضي الله عنه في نفر فسألته عن عثمان ، لم شقق المصاحف ،
ولم حمى الحمى ؟ فقال قوموا فإنكم حرورية ، قلنا : لا والله ما نحن حرورية . قال :
قام إلى أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه رجل فيه كذب وولع ، فقال : يا أمير المؤمنين
إن الناس قد اختلفوا في القراءة ، فكان عمر رضي الله عنه قد هم أن يجمع المصاحف
فيجعلها على قراءة واحدة ، فطعن طعنته التي مات فيها ، فلما كان في خلافة عثمان
رضي الله عنه قام ذلك الرجل فذكر له ، فجمع عثمان رضي الله عنه المصاحف ، ثم
بعثني إلى عائشة رضي الله عنها فجئت بالصحف التي كتب فيها رسول الله صلى الله
عليه وسلم القرآن ، فعرضناها عليها حتى قومناها ، ثم أمر بسائرها فشققت ) انتهى .
فقد اعترض سوار بن شبيب ورفقاؤه على عثمان : لماذا اعتمد نسخة واحدة من
القرآن ومزق الباقي ؟ ! وذلك لأن الناس تعودوا على الاختلاف ، وتعلموا من روايات
الخليفة عمر أن القرآن أنزل على سبعة أحرف ، وأنها جميعا نسخ وقراءات صحيحة
منزلة من عند الله تعالى ! ولذلك كان عثمان بتوحيده نسخة القرآن مخالفا للخليفة
عمر ومنحرفا عن الإسلام ! !
وعندما سمع عبد الله بن الزبير اعتراضهم أحس بهدفهم السياسي ضد عثمان ،
وعرف أنهم فقدوا بتوحيد نسخة القرآن موقعهم كقراء خبراء في القرآن لهم أتباع من
العوام . . فقال لهم : قوموا عني فأنتم خوارج ( حرورية ) أي تقولون بكفر عثمان ! !
فأكدوا له : لا والله ما نحن حرورية . . فحكى لهم قصة توحيد عثمان لنسخة القرآن ،
وقال لهم ما معناه :
إن المسألة فيها فتوى من الخليفة عمر فلا تعترضوا على عثمان ، لقد نوى عمر أخيرا
أن يوحد نسخة القرآن ، ويترك مسألة الأحرف السبعة ، ولكنه قتل قبل أن ينفذ ذلك .
ثم قال ابن الزبير : أنا لا أعترض على عمل عثمان لأن فيه فتوى من عمر ، وإن كنت
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 315 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أتحفظ على هذا العمل لأن الذي جعل الخليفة عمر يتخذ هذا القرار هو شخص سئ ،
بالغ له في ضرر اختلاف الناس في القراءات ( قام إلى أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه
رجل فيه كذب وولع ، فقال : يا أمير المؤمنين إن الناس قد اختلفوا في القراءة ، فكان
عمر رضي الله عنه قد هم أن يجمع المصاحف فيجعلها على قراءة واحدة ، فطعن طعنته
التي مات فيها . فلما كان في خلافة عثمان رضي الله عنه قام ذلك الرجل فذكر له ،
فجمع عثمان رضي الله عنه المصاحف . . . )
هذا النص يدل على أن ذلك الشخص الذي يكرهه عبد الله بن الزبير ويصفه بأنه
( فيه ولع وكذب ) كان يسعى إلى توحيد المصاحف وكان من زمن عمر يشكو لعمر
ظاهرة اختلاف المسلمين في قراءة قرآنهم بسبب عدم وجود نسخة رسمية للدولة ، وأن
اللازم على الدولة أن تقوم بهذه المهمة وتسد هذا الفراغ ، وقد وافق عمر مبدئيا على
رأي هذا الرجل السئ ولكنه قتل قبل أن ينفذه . . !
ثم يتابع عبد الله بن الزبير : ولكن هذا الشخص السئ نفسه واصل مسعاه مع
الخليفة عثمان ونجح في هدفه . . !
فمن هو هذا الشخص الحكيم الحريص على قرآن المسلمين ، الذي حاول مع الخليفة
عمر حتى أقنعه بخطورة ظاهرة الاختلاف في القراءات وأن تبرير ذلك بنظرية الأحرف
السبعة لم يحل المشكلة ولم يمنع نموها ؟ ! ثم واصل مسعاه مع الخليفة عثمان محذرا من
تفاقم مشكلة اختلاف الناس في نصوص القرآن ، وأن حلها فقط بتدوين القرآن على
حرف واحد ؟ !
الذي يعرف عبد الله بن الزبير ، يعرف أنه يقصد عليا عليه السلام ، لأن ابن الزبير
كان يكره عليا وشيعته حتى العظم ، بل روي عنه أنه ترك الصلاة على النبي صلى الله
عليه وآله حتى لا يشمخ علي وآل محمد بأنوفهم على حد تعبير ابن الزبير ! !
فالشخص الذي كان وراء توحيد نسخة القرآن إذن هو علي بن أبي طالب عليه
السلام . . ومجئ حذيفة وأصحابه من قادة الفتح من أرمينية إلى المدينة كان أوج هذه
الحركة لقطف ثمرتها المباركة !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 316 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

متابعة حذيفة لتوحيد نسخة القرآن

أما قول ابن الزبير عن المصحف الذي كتبوا عنه نسخة المصحف الإمام بأنه كانت
مصحف خالته عائشة . . فسيأتي الكلام فيه إن شاء الله .
متابعة حذيفة لتوحيد نسخة القرآن
مما يدل على وعي حذيفة بن اليمان تلميذ علي عليه السلام . . أنه تابع اقتراحه على
الخليفة عثمان ، حتى نجح وأصدر الخليفة أمرا بكتابة المصحف الموحد أو المصحف
الإمام . . وساعد حذيفة في تنفيذ أمر الخليفة في المدينة حتى اكتمل نسخ المصاحف . .
ثم ساعد في إصدار الخليفة قرارا بتوحيد جميع نسخ القرآن على المصحف الإمام ، وأن
على كل من عنده نسخة مصحف أو صحف فيها قرآن أن يسلمها إلى الخليفة أو إلى
عماله . . وإن لم يفعل يجري عليه حكم الغلول الذي يخفي شيئا من غنائم الحرب ويثبت
عليه إثمه وعقوبته .
على أن أهم النسخ التي تختلف عن المصحف الإمام كانت أربعا :
1 - نسخة حفصة التي هي نسخة الخليفة عمر . . ولا بد أن الفروق المروية عن
الخليفة عمر في آيات القرآن وسوره وربما غيرها ، كانت مدونة فيها .
2 - نسخة أبي بن كعب ، وكانت عند ورثته في المدينة ، وقد نسخت عنها نسخ
بلاد الشام وفلسطين ومصر .
3 - نسخة عبد الله بن مسعود وقد نسخت عنها نسخ أهل الكوفة وقسم كبير من
بلاد إيران والبلاد الشرقية التي كانت تدار من الكوفة .
4 - نسخة أبي موسى الأشعري الذي كان حاكم البصرة من عهد عمر ، وقد
نسخ عنه أهل اليمن والبصرة وبلاد فارس وخراسان وما وراء النهر التي كانت تدار من البصرة . .
ويحكى عن هذه النسخة أن فيها زيادات كثيرة عن القرآن المتداول بسبب اجتهادات
أبي موسى .
فكان لا بد لحذيفة من تكميل العمل وإلزام أصحاب هذه النسخ بأن يسلموها إليه
أو يصححوها على نسخة المصحف الإمام ، فتابع ذلك . .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 317 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ويظهر أنهم أخذوا نسخة أبي بن كعب من ورثته بدون مشكلة . فقد روى في كنز
العمال ج 2 ص 585 :
( عن محمد بن أبي بن كعب أن ناسا من أهل العراق قدموا عليه فقالوا ، إنا تحملنا
إليك من العراق ، فأخرج لنا مصحف أبي ، فقال محمد قد قبضه عثمان قالوا : سبحان
الله أخرجه ، قال : قد قبضه عثمان - أبو عبيد في الفضائل وابن أبي داود ) .
وتدل الروايات أن حذيفة أخذ من الخليفة عثمان أمرا بمعالجة أمر نسخة أبي موسى
الأشعري ونسخة ابن مسعود . . قال ابن شبة في تاريخ المدينة ج 3 ص 998 :
( . . . حدثنا عمرو بن مرة الجملي قال : استأذن رجل على ابن مسعود رضي الله
عنه فقال الآذن : إن القوم والأشعري ، وإذا حذيفة يقول لهم : أما إنكما إن شئتما
أقمتما هذا الكتاب على حرف واحد ، فإني قد خشيت أن يتهون الناس فيه تهون أهل
الكتاب ، أما أنت يا أبو ( كذا ) موسى فيطيعك أهل اليمن ، وأما أنت يا ابن مسعود فيطيعك
الناس . قال ابن مسعود : لو أني أعلم أن أحدا من الناس أحفظ مني لشددت رحلي
براحلتي حتى أنيخ عليه ، قال : فكان الناس يرون أن حذيفة رضي الله عنه ممن عمل
فيه حتى أتى على حرف واحد !
. . . حدثنا عبد الأعلى بن الحكم الكلابي قال : أتيت دار أبي موسى الأشعري فإذا
حذيفة بن اليمان وعبد الله بن مسعود وأبو موسى الأشعري فوق إجار ، فقلت : هؤلاء
والله الذين أريد ، فأخذت أرتقي لهم فإذا غلام على الدرجة فمنعني أن أرتقي إليهم
فنازعته حتى التفت إلى بعضهم فأتيتهم حتى جلست إليهم ، فإذا عندهم مصحف
أرسل به عثمان رضي الله عنه فأمرهم أن يقيموا مصاحفهم عليه ، فقال أبو موسى : ما
وجدتم في مصحفي هذا من زيادة فلا تنقصوها ، وما وجدتم من نقصان فاكتبوه فيه !
فقال حذيفة رضي الله عنه : فكيف بما صنعنا ، والله ما أحد من أهل هذا البلد يرغب
عن قراءة هذا الشيخ يعني ابن مسعود ، ولا أحد من أهل اليمن يرغب عن قراءة هذا
الآخر يعني أبا موسى . وكان حذيفة هو الذي أشار على عثمان رضي الله عنه أن
يجمع المصاحف على مصحف واحد ! ) انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 318 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والظاهر أن محل هذه الحادثة البصرة مركز ولاية أبي موسى الأشعري وأن عبد الله
ابن مسعود كان زائرا ، لقول حذيفة في الرواية ( من أهل هذا البلد ) و هو يدل على أن
أهل البصرة غير اليمانيين كانوا يقرؤون بقراءة ابن مسعود ، و اليمانيين بقراءة أبي
موسى ! ولو كانت الحادثة في المدينة لما صح ذلك لأن أهلها كانوا يقرؤون بقراءة أبي !
مهما يكن ، فقد كان حذيفة رسولا من الخليفة مع نسخة من المصحف الإمام
ليصحح النسخ عليه . . وقد امتنع ابن مسعود من تسليم نسخته بحجة أنه أعلم من زيد
الذي كتب نسخة المصحف الإمام . . وأوصى ابن مسعود الذين نسخوا عنه أن لا
يسلموا نسخهم إلى حذيفة ويغلوها إذا استطاعوا ، ويقاوموا أمر الخليفة ! ! قال ابن شبة
في تاريخ المدينة ج 3 ص 1005 :
( . . . عن توبة بن أبي فاختة ، عن أبيه قال بعث عثمان رضي الله عنه إلى عبد الله
أن يدفع المصحف إليه قال : ولم ؟ قال : لأنه كتب القرآن على حرف زيد ! قال : أما
أن أعطيكم المصحف فلن أعطيكموه ، ومن استطاع أن يغل شيئا فليفعل ، والله لقد
قرأت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين سورة ، وإن زيدا لذو ذؤابتين
يلعب بالمدينة ! ) .
وقال في ج 3 ص 1006 :
( . . . عن خمير بن مالك قال : لما أمر بالمصاحف أن تغير ساء ذلك عبد الله بن
مسعود رضي الله عنه فقال : من استطاع منكم أن يغل مصحفا فليفعل ، فإن من غل
شيئا جاء بما غل يوم القيامة ، ثم قال : لقد قرأت القرآن من في رسول الله سبعين
سورة ، وزيد صبي ، أفأترك ما أخذت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ! ) .
وقال الترمذي في سننه ج 4 ص 348 :
( قال الزهري : فأخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن عبد الله ابن مسعود كره
لزيد بن ثابت نسخ المصاحف ، وقال : يا معشر المسلمين أعزل عن نسخ كتابة
المصاحف ويتولاها رجل ، والله لقد أسلمت وإنه لفي صلب رجل كافر ! يريد زيد بن
ثابت ، ولذلك قال عبد الله بن مسعود : يا أهل العراق اكتموا المصاحف التي عندكم
وغلوها ، فإن الله يقول ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة فالقوا الله بالمصاحف . قال
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 319 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الزهري فبلغني أنه كره ذلك من مقالة ابن مسعود رجال من أفاضل أصحاب رسول
الله صلى الله عليه وسلم . هذا حديث حسن صحيح ، وهو حديث الزهري ، ولا
نعرفه إلا من حديثه ) انتهى .
والظاهر أنهم تركوا مصحف ابن مسعود له ، مراعاة لمكانته وكبر سنه ، بعد أن
منعوه من إملائه على أحد ، وصححوا تفاوت نسخ أهل الكوفة وغيرهم من أتباع
قراءته على نسخة المصحف الإمام . قال الذهبي في سير أعلام النبلاء ج 2 ص 426 :
( الواقدي : حدثنا الضحاك بن عثمان ، عن الزهري ، قال : قال ثعلبة ابن أبي مالك :
سمعت عثمان يقول : من يعذرني من ابن مسعود ؟ غضب إذ لم أوله نسخ المصاحف !
هلا غضب على أبي بكر وعمر إذ عزلاه عن ذلك ووليا زيدا ، فاتبعت فعلهما ! ) انتهى
.
وأما أبو موسى الأشعري فسلم مصحفه إلى حذيفة ومن معه من مبعوثي الخليفة
ليصححوه ، لكنه كان يترجاهم أن يبقوا فيه إضافاته العزيزة على قلبه ! ويكتبوا فيه
فقط ما ربما كان محذوفا ! ! ولكنهم لا بد أنهم نفذوا القرار كاملا فصححوه على
المصحف الإمام وحذفوا منه زيادات أبي موسى ! وكملوا نواقصه . . أو أنهم أخذوه
وأتلفوا نسخته ، جزاهم الله خيرا .
كما يظهر من رواية ابن شبة الثانية أن الراوي كان مخالفا لتوحيد نسخة القرآن ،
وأنه يريد أن يسجل على حذيفة تحيره بما صنع من جمع القرآن ، لأن كل منطقة من
المسلمين يريدون القراءة على حرف قارئهم ، ويثقل عليهم القراءة بحرف المصحف
الإمام ! لكن ما لبث المسلمون على رغم هذا الراوي أن فهموا أهمية مصحف الخليفة
وعمل علي وحذيفة وقداسته !

أعضاء لجنة تدوين المصحف الإمام

ذكرت أكثر الروايات أن أعضاء لجنة التدوين الذين عينهم الخليفة عثمان أربعة :
1 - زيد بن ثابت ، كاتب .
2 - سعيد بن العاص ، مملي .
3 - عبد الله بن الزبير ، عضو .
4 - عبد الرحمن بن الحرث بن هشام ، عضو .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 320 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال البخاري في صحيحه ج 4 ص 156 :
( باب نزل القرآن بلسان قريش . . . عن ابن شهاب عن أنس أن عثمان دعا زيد بن
ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحرث ابن هشام فنسخوها
في المصاحف وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في
شئ من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم ففعلوا ذلك ) .
وقال في ج 6 ص 97 :
( باب نزل القرآن بلسان قريش والعرب ، قرآنا عربيا ، بلسان عربي مبين . . . أنس
بن مالك قال فأمر عثمان زيد بن ثابت وسعيد ابن العاص وعبد الله بن الزبير وعبد
الرحمن بن الحرث بن هشام أن ينسخوها في المصاحف وقال لهم إذا اختلفتم أنتم وزيد
بن ثابت في عربية من عربية القرآن فاكتبوها بلسان قريش فإن القرآن أنزل بلسانهم
ففعلوا ) انتهى .
وذكرت روايات غير البخاري أعضاء آخرين . . قال ابن شبة في تاريخ المدينة ج 3
ص 993 ( . . . حدثنا هشام ، عن محمد قال : كان الرجل يقرأ فيقول له صاحبه :
كفرت بما تقول ، فرفع ذلك إلى ابن عفان فتعاظم في نفسه ، فجمع اثني عشر رجلا
من قريش والأنصار ، منهم : أبي بن كعب ، وزيد بن ثابت ، وأرسل إلى الرقعة التي
كانت في بيت عمر رضي الله عنه فيها القرآن ، قال وكان يتعاهدهم . قال فحدثني
كثير بن أفلح أنه كان فيمن يكتب لهم ، فكانوا كلما اختلفوا في شئ أخروه . قلت لم
أخروه ؟ قال لا أدري . قال محمد : فظننت أنا فيه ظنا ولا تجعلوه أنتم يقينا ، ظننت
أنهم كانوا إذا اختلفوا في الشئ أخروه حتى ينظروا آخرهم عهدا بالعرضة الأخيرة
فكتبوه على قوله . حدثنا وهب بن جرير قال حدثنا هشام بنحوه ، وزاد : قال محمد
فأرجو أن تكون قراءتنا هذه آخرتها عهدا بالعرضة الأخيرة ) .
وقال المزي في تهذيب الكمال ج 2 ص 272 :
( قال محمد بن سعد : وأخبرنا عارم بن الفضل ، قال : حدثنا حماد بن زيد ، عن
أيوب وهشام ، عن محمد بن سيرين : أن عثمان بن عفان جمع اثني عشر رجلا من
قريش والأنصار ، فيهم أبي بن كعب ، وزيد بن ثابت في جمع القرآن ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 321 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وجاء في رسالة عثمان إلى الأمصار أسماء ثلاثة كتاب وإشارة إلى آخرين . . قال في
تاريخ المدينة ج 3 ص 997 :
( . . . عن أبي محمد القرشي : أن عثمان بن عفان رضي الله عنه كتب إلى الأمصار :
أما بعد فإن نفرا من أهل الأمصار اجتمعوا عندي فتدارسوا القرآن ، فاختلفوا اختلافا
شديدا ، فقال بعضهم قرأت على حرف أبي الدرداء ، وقال بعضهم قرأت على حرف
عبد الله بن مسعود ، وقال بعضهم قرأت على حرف عبد الله بن قيس ، فلما سمعت
اختلافهم في القرآن - والعهد برسول الله صلى الله عليه وسلم حديث - ورأيت أمرا
منكرا ، فأشفقت على هذه الأمة من اختلافهم في القرآن ، وخشيت أن يختلفوا في
دينهم بعد ذهاب من بقي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين قرأوا
القرآن على عهده وسمعوه من فيه ، كما اختلفت النصارى في الإنجيل بعد ذهاب عيسى
بن مريم ، وأحببت أن نتدارك من ذلك ، فأرسلت إلى عائشة أم المؤمنين أن ترسل إلى
بالأدم الذي فيه القرآن الذي كتب عن فم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أوحاه
الله إلى جبريل ، وأوحاه جبريل إلى محمد وأنزله عليه ، وإذا القرآن غض ، فأمرت زيد
بن ثابت أن يقوم على ذلك ، ولم أفرغ لذلك من أجل أمور الناس والقضاء بين الناس ،
وكان زيد بن ثابت أحفظنا للقرآن ، ثم دعوت نفرا من كتاب أهل المدينة وذوي
عقولهم ، منهم نافع بن طريف ، وعبد الله بن الوليد الخزاعي ، وعبد الرحمن بن أبي
لبابة ، فأمرتهم أن ينسخوا من ذلك الأدم أربعة مصاحف وأن يتحفظوا ) .
وقال في كنز العمال ج 2 ص 587 :
( عن قتادة عن نصر بن عاصم الليثي عن عبد الله بن فطيمة عن يحيى بن يعمر قال
قال عثمان : إن في القرآن لحنا وستقيمه العرب بألسنتها - ابن أبي داود . وقال
عبد الله بن فطيمة هذا ، أحد كتاب المصاحف ) .
وقال ابن شبة في تاريخ المدينة ج 3 ص 993 :
( . . قال فحدثني كثير بن أفلح أنه كان فيمن يكتب لهم ، فكانوا كلما اختلفوا في
شئ أخروه انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 322 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

دور زيد بن ثابت في لجنة تدوين المصحف الإمام

وعلى هذه الروايات لا بد من القول إن الأعضاء الإستشاريين كانوا كثيرين ، ولا بد
أن يكون حذيفة منهم بل في طليعتهم . . وأن الأعضاء الكتاب والنساخين كانوا كثيرين أيضا ، وكان أبرزهم زيد بن
ثابت . . والظاهر أن اسم أبي بن كعب جاء في هذه الرواية وغيرها بدل اسم ابنه محمد
بن أبي بن كعب ، لأن أبيا توفي في زمن عمر ، وقد ورد اسم ولده محمد بأنه سلم
مصحف أبيه كعب إلى الخليفة عثمان . وقد أشكل المستشرقون على ذكر أبي بن
كعب في لجنة جمع القرآن وضخموا ذلك ، وأرادوا أن يطعنوا بسببه في نسخة القرآن ، على عادتهم !
دور زيد بن ثابت في لجنة تدوين المصحف الإمام
من مجموع روايات تدوين المصحف الإمام ، نعرف أن دور زيد بن ثابت فيه كان
دورا تنفيذيا فقط . . فهو كاتب لا يملك القرار ، ولا حتى ترجيح كلمة واحدة ، لأن
المملي الرسمي صاحب القرار هو سعيد بن العاص ! وقد اختلف هو وزيد في كلمة
التابوت فقال زيد : التابوه بالهاء ، ولعل ذلك من تأثره بدراسته عند اليهود ، وقال
سعيد بالتاء ، فأمر الخليفة زيدا أن يكتبها كما قال سعيد . . قال ابن شبة في تاريخ
المدينة ج 3 ص 1002 ( . . . وقال سعيد بن العاص إنما هو التابوت . فقال عثمان
رضي الله عنه : اكتبوه كما قال سعيد ، فكتبوا التابوت ) انتهى .
وقال البخاري في صحيحه ج 4 ص 156 ( وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة
إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شئ من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل
بلسانهم ففعلوا ذلك ) .
وقال ابن شبة في تاريخ المدينة ج 3 ص 995 ( قال فليكتب سعيد وليمل زيد ،
قال فكانت مصاحف بعث بها إلى الأمصار ) .
فالظاهر أنه وقع فيها تبديل اسم باسم . وقال في كنز العمال ج 2 ص 585 ( قال عثمان فليمل سعيد وليكتب زيد ،
فكتب زيد وكتب معه مصاحف ففرقها في الناس ، فسمعت بعض أصحاب محمد
يقولون قد أحسن - ابن أبي داود كر ) .
على أن الروايات ذكرت كتابا آخرين مع زيد ، وهم : كثير بن أفلح ، ونافع بن
طريف ، وعبد الله بن الوليد الخزاعي ، وعبد الرحمن بن أبي لبابة ، وعبد الله بن
فطيمة ، وقد صرحت رسالة عثمان بأن عددهم كان أكثر من هؤلاء . .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 323 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مهما يكن ، فمن الطبيعي أن يكون كتاب كثيرون شاركوا في الكتابة الأولى في
جلسات المذاكرات والمسودات ، ثم في نسخ النسخ الأربع أو الست . . لذلك لا يمكن
القول إن نسخ المصحف الإمام كلها كانت بخط زيد بن ثابت ، نعم يمكن أن تكون
إحداها بخطه !

آيات خزيمة ضاعت مرات ووجدها زيد . . ! !

ذكر زيد بن ثابت لنفسه دورا بارزا في جمع المصحف الإمام . . وهو أنه وجد آية
خزيمة ، أو آيات خزيمة وأبي خزيمة ! فقد ضاعت هذه الآيات المسكينة في الجمع الأول
قبل بضع عشرة سنة ووجدها زيد . . ثم ضاعت ثانية ووجدها زيد . . ولم تكن
موجودة عند أحد من الناس إلا عند آل خزيمة . . فقبل زيد شهادة خزيمة وحده ولم
يطلب شاهدين ، لأن النبي صلى الله عليه وآله سماه ( ذو الشهادتين ) .
وفي رواية عن زيد أنه وجدها عند ابن خزيمة وليس عند خزيمة ، وفي رواية أنه
وجدها عند أبي خزيمة لا ابنه ولا حفيده ! وفي رواية أنه وجدها عند ( خزيمة آخر )
فأجرى عليهم جميعا حكم خزيمة ذي الشهادتين لمجرد اسم خزيمة . . ! ( فالتمستها
فوجدتها مع خزيمة بن ثابت أو ابن خزيمة . . . وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة
الأنصاري لم أجدها مع أحد غيره . . . فلم أجدهما مع أحد منهم حتى وجدتهما مع
رجل آخر يدعي خزيمة أيضا ) ! !
وأكثرت المصادر من رواية آيات خزيمة ، وفي بعضها أن الذي وجدها هو الخليفة
عمر أو عثمان ، وفي بعضها أن الذي وجدها صاحبها خزيمة ! ! روى البخاري في
صحيحه ج 8 ص 177 :
( . . . عن ابن السباق أن زيد بن ثابت حدثه قال : أرسل إلى أبو بكر فتتبعت القرآن
حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع أحد غيره ! لقد
جاءكم رسول من أنفسكم ، حتى خاتمة براءة ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 324 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال في كنز العمال ج 2 ص 576 :
( عن خزيمة بن ثابت قال : جئت بهذه الآية لقد جاءكم رسول من أنفسكم إلى عمر
بن الخطاب وإلى زيد بن ثابت ؟ فقال زيد من يشهد معك ؟ قلت لا والله ما أدري ،
فقال عمر : أنا أشهد معه على ذلك - ابن سعد .
. . . عن يحيى بن جعدة قال : كان عمر لا يقبل آية من كتاب الله حتى يشهد
عليها شاهدان ، فجاء رجل من الأنصار بآيتين ، فقال عمر : لا أسألك عليها شاهدا
غيرك لقد جاءكم رسول من أنفسكم . . إلى آخر السورة - ك ) .
وقال في كنز العمال ج 2 ص 574 :
( عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال : أراد عمر بن الخطاب أن يجمع القرآن ،
فقام في الناس ، فقال : من كان تلقى من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا من
القرآن فليأتنا به ، وكانوا كتبوا ذلك في الصحف والألواح والعسب ، وكان لا يقبل
من أحد شيئا حتى يشهد شاهدان فقتل وهو يجمع ذلك ، فقام عثمان فقال من كان
عنده من كتاب الله شئ فليأتنا به ، وكان لا يقبل من ذلك شيئا حتى يشهد عليه
شاهدان فجاء خزيمة بن ثابت فقال : قد رأيتكم تركتم آيتين لم تكتبوهما ، قالوا ما
هما ؟ قال : تلقيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد جاءكم رسول من أنفسكم
عزيز عليه ما عنتم إلى آخر السورة ، فقال عثمان : وأنا أشهد أنهما من عند الله فأين
ترى أن نجعلهما ؟ قال : إختم بهما آخر ما نزل من القرآن فختم بهما براءة - ابن أبي
داود كر ) انتهى .
ثم رووا أن آية أخرى من سورة الأحزاب ضاعت أيضا فوجدها زيد عند الخزيميين
أيضا ! قال البخاري في صحيحه ج 5 ص 31 :
( . . . أنه سمع زيد بن ثابت رضي الله عنه يقول فقدت آية من الأحزاب حين
نسخنا المصحف كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها فالتمسناها
فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم
من قضى نحبه ومنهم من ينتظر فألحقناها في سورتها في المصحف ) .
ورواه في ج 6 ص 22 و ص 98
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 325 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ورواه في ج 3 ص 206 وفيه ( فلم أجدها إلا مع خزيمة ابن ثابت الأنصاري الذي جعل رسول الله صلى
الله عليه وسلم شهادته شهادة رجلين . . ) .
ورواه أحمد في مسنده ج 5 ص 188 ، والترمذي في سننه ج 4 ص 347 ، وكنز العمال ج 2 ص 581
وروى ابن شبة ادعاء زيد أنه كان صاحب قرار في تدوين المصحف الإمام ،
وكأنه لم يكن يوجد أحد غيره . . وأنه كان يتصرف برأيه ! فقد تذكر آية وبحث عنها
فلم يجدها عند أحد من المهاجرين ولا الأنصار ، بل عند رجل آخر يدعي خزيمة
فأخذها ، واختار لها مكانا في آخر سورة براءة ، ولو كانت ثلاث آيات لجعلها
سورة مستقلة ولصار قرآننا 115 سورة ! ! وربما كان اسم السورة الأخيرة ( سورة زيد
بن ثابت ) ! ! قال في تاريخ المدينة ج 3 ص 1001 :
( . . . عن خارجة بن زيد ، عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال : عرضت
المصحف فلم أجد فيه هذه الآية من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من
قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا . قال : فاستعرضت المهاجرين أسألهم عنها فلم
أجدها مع أحد منهم ، ثم استعرضت الأنصار أسألهم عنها فلم أجدها مع أحد منهم !
حتى وجدتها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري فكتبتها ، ثم عرضته مرة أخرى فلم أجد
فيه هاتين الآيتين لقد جاءكم رسول من أنفسكم إلى آخر السورة ، قال : فاستعرضت
المهاجرين أسألهم عنها فلم أجدهما مع أحد منهم ، ثم استعرضت الأنصار أسألهم
عنهما فلم أجدهما مع أحد منهم ! حتى وجدتهما مع رجل آخر يدعي خزيمة أيضا من
الأنصار فأثبتهما في آخر ( براءة ) قال زيد : ولو تمت ثلاث آيات لجعلتها سورة
واحدة ، ثم عرضته عرضة أخرى فلم أجد فيه شيئا . فأرسل عثمان رضي الله عنه إلى
حفصة رضي الله عنها يسألها أن تعطيه الصحيفة ، وجعل لها عهد الله ليردها إليها ،
فأعطته إياها ، فعرضت الصحف عليها فلم تخالفها في شئ فرددتها إليه ، وطابت نفسه
فأمر الناس أن يكتبوا المصاحف ) انتهى .
وقد أطال الرواة والباحثون والفقهاء والمستشرقون في أمر آيات آل خزيمة ، لأنها
تثير في الذهن عدة أسئلة . . منها ، كيف ضاعت فلم يعلمها أحد غير خزيمة ! فأين
حفاظ القرآن ؟ وأين حفظ زيد نفسه ؟ ! وأجاب محبوا زيد بأنه كان يحفظها ولكن من
تقواه أراد أن يكتب في المصحف الآيات المكتوبة فقط . . إلى آخر الأسئلة القوية وأجوبتها
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 326 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد عرفت أن نسخ القرآن كانت كثيرة وميسرة ، وأن زيدا ليس بعيدا عن المبالغة
في دوره في جمع القرآن ، وغير جمع القرآن ! وقد فتحت مبالغات زيد وأمثاله عن
القرآن والوحي والنبي صلى الله عليه وآله . . بابا دخل منه المستشرقون وأعداء الإسلام ،
ووجهوا إشكالاتهم وسهامهم إلى الإسلام والمسلمين ، ولا يتسع المجال لسرد ذلك !

سعيد بن العاص ودوره في تدوين المصحف الإمام

سعيد بن العاص على اسم جده المعروف بأبي أحيحة وهو سعيد بن العاص بن أمية
بن عبد شمس . وأبو أحيحة من زعماء قريش وأثريائها وطغاتها ، كان شديد العداوة
لرسول الله صلى الله عليه وآله . . ولكن أغلب أولاده صالحون ! وأولاده خالد وأبان
وعمرو ، وحفيده سعيد هذا من نجباء بني أمية . .
وكان أبو أحيحة يعذب ابنه خالدا وغيره على الإسلام ، وهو أحد المستهزئين الذين
كفى الله رسوله شرهم فأهلكه قبل وقعة بدر فلم يشارك فيها ، وشارك بدله ابنه
العاص وقتل كافرا وهو والد سعيد هذا ، قتله علي عليه السلام . . وكان سعيد ابنه
صغيرا فلما كبر أسلم . . وكان في حياة عمه خالد مع علي عليه السلام كليا ، ثم كان
مع علي نسبيا . . قال ابن الأثير في أسد الغابة ج 2 ص 82 :
( وكان أبوه ( أبو أحيحة ) شديدا على المسلمين وكان أعز من بمكة فمرض فقال
لئن الله رفعني من مرضي هذا لا يعبد إله ابن أبي كبشة بمكة ! فقال ابنه خالد عند
ذلك : اللهم لا ترفعه . فتوفي في مرضه ذلك ) انتهى . وقال في ج 2 ص 309 :
( سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص ابن أمية بن عبد شمس بن بن عبد مناف
القرشي الأموي ، وجده هو المعروف بأبي أحيحة وكان أشرف قريش . وأم سعيد أم
كلثوم بنت عمرو بن عبد الله بن أبي قيس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حر بن عامر
بن لؤي العامرية ، ولد عام الهجرة وقيل بل ولد سنة إحدى ، وقتل أبوه العاص يوم
بدر كافرا قتله علي بن أبي طالب . . . وكان جده أبو أحيحة إذا اعتم بمكة لا يعتم أحد
بلون عمامته إعظاما له وكان يقال له ذو التاج . وكان هذا سعيد من أشراف قريش
وأجوادهم وفصحائهم وهو أحد الذين كتبوا المصحف لعثمان بن عفان . واستعمله
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 327 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عثمان على الكوفة بعد الوليد بن عقبة بن أبي معيط وغزا طبرستان فافتتحها ، وغزا
جرجان فافتتحها سنة تسع وعشرين أو سنة ثلاثين ، وانتقضت أذربيجان فغزاها
فافتتحها . . . وانقطع عقب أبي أحيحة إلا من سعيد هذا ، وقد قيل إن خالد بن سعيد
أعقب أيضا ) . وترجم له البخاري في تاريخه ج 3 ص 502 ، والرازي في الجرح والتعديل ج 4 ص 48
. ومن الطريف أن ابنه عمرو بن سعيد هذا كان أحد المعارضين لبني أمية ، وهو عمرو بن سعيد الأشدق الذي
قتله عبد الملك بن مروان !
وروى ابن الأثير أن عمه أبان كان في لجنة جمع القرآن أيضا . . قال في أسد الغابة
ج 1 ص 37 ( وقال الزهري إن أبان بن سعيد بن العاص أملى مصحف عثمان على
زيد بن ثابت بأمر عثمان ) لكن روي أنه توفي قبل هذا التاريخ .
وقال في ترجمة عمه خالد ج 2 ص 82 :
( خالد بن سعيد بن العاص ابن أمية بن عبد شمس . . . قالت أم خالد بنت خالد بن
سعيد بن العاص كان أبي خامسا في الإسلام . قلت من تقدمه ؟ قالت علي بن أبي
طالب وأبو بكر وزيد بن حارثة وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهم . وكان سبب
إسلامه أنه رأى في النوم أنه وقف على شفير النار فذكر من سعتها ما الله أعلم به ،
وكان أباه يدفعه فيها ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم آخذا بحقويه لا يقع فيها ،
ففزع وقال أحلف أنها لرؤيا حق . . .
وعلم أبوه إسلامه فأرسل في طلبه من بقي من ولده ولم يكونوا أسلموا فوجدوه
فأتوا به أباه أبا أحيحة سعيدا فسبه وبكته وضربه بعصا في يده حتى كسرها على رأسه
وقال : اتبعت محمدا وأنت ترى خلافه قومه وما جاء به من عيب آلهتهم وعيب من
مضى من آبائهم ؟ ! ! قال : قد والله تبعته على ما جاء به ! فغضب أبوه ونال منه وقال :
إذهب يا لكع حيث شئت والله لأمنعنك القوت ، فقال خالد : إن منعتني فإن الله
يرزقني ما أعيش به ! فأخرجه وقال لبنيه لا يكلمه أحد منكم إلا صنعت به ما صنعت
بخالد ، فانصرف خالد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يلزمه ويعيش معه . . .
وهاجر خالد إلى الحبشة ومعه امرأته أميمة بنت خالد الخزاعية وولد له بها ابنه سعيد بن
خالد وابنته أم خالد واسمها أمة ، وهاجر معه إلى أرض الحبشة أخوه عمرو بن سعيد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 328 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقدما على النبي صلى الله عليه وسلم بخيبر مع جعفر بن أبي طالب في السفينتين ،
فكلم النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين فأسهموا لهم .
وشهد مع النبي صلى الله عليه وسلم القضية ، وفتح مكة ، وحنينا ، والطائف ،
وتبوك . وبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم عاملا على صدقات اليمن وقيل على
صدقات مذحج وعلى صنعاء فتوفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو عليها ، ولم يزل
خالد وأخواه عمرو وأبان على أعمالهم التي استعملهم عليها رسول الله صلى الله عليه
وسلم حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما توفي رجعوا عن أعمالهم فقال
لهم أبو بكر : ما لكم رجعتم ما أحد أحق بالعمل من عمال رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، إرجعوا إلى أعمالكم فقالوا : نحن بنو أبي أحيحة لا نعمل لأحد بعد رسول الله
صلى الله عليه وسلم أبدا ! ! وكان خالد على اليمن كما ذكرناه وأبان على البحرين
وعمرو على تيماء وخيبر وقرى عربية ، وتأخر خالد وأخوه أبان عن بيعة أبي بكر
رضي الله عنه فقال لبني هاشم : إنكم لطوال الشجر طيبوا الثمر ، ونحن تبع لكم .
فلما بايع بنو هاشم أبا بكر بايعه خالد وأبان ) !
وقال في ج 3 ص 222 :
( وكان عمر بن الخطاب أول من بايعه ، وكانت بيعته في السقيفة يوم وفاة رسول
الله صلى الله عليه وسلم ، ثم كانت بيعة العامة من الغد ، وتخلف عن بيعته علي وبنو
هاشم والزيبر ابن العوام وخالد بن سعيد بن العاص وسعد بن عبادة الأنصاري . ثم إن
الجميع بايعوا بعد موت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إلا سعد بن
عبادة فإنه لم يبايع أحدا إلى أن مات ، وكانت بيعتهم بعد ستة أشهر على القول
الصحيح ، وقيل غير ذلك ) .
وقال اليعقوبي في تاريخه ج 2 ص 124 :
( وتخلف عن بيعة أبي بكر قوم من المهاجرين والأنصار ، ومالوا مع علي بن أبي
طالب ، منهم : العباس بن عبد المطلب والفضل بن العباس والزبير بن العوام بن العاص ،
وخالد بن سعيد والمقداد بن عمرو وسلمان الفارسي وأبو ذر الغفاري ، وعمار بن ياسر
والبراء بن عازب وأبي بن كعب ، فأرسل أبو بكر إلى عمر بن الخطاب وأبي عبيدة بن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 329 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الجراح والمغيرة بن شعبة ، فقال : ما الرأي ؟ قالوا : الرأي أن تلقى العباس بن عبد
المطلب فتجعل له في هذا الأمر نصيبا يكون له ولعقبه من بعده ، فتقطعون به ناحية
علي بن أبي طالب حجة لكم على علي ، إذا مال معكم . . . ) . وذكره ابن هشام في السيرة
ج 3 ص 240 ، وترجم له الذهبي في سير أعلام النبلاء ج 1 ص 259 ، انتهى .
وغرضنا من التعرف على شخصية سعيد بن العاص وأسرته أن نسجل أن مملي
القرآن الذي بأيدينا كان من نجباء بني أمية . . ومما يدل على عقله وتدينه أن عليا عليه
السلام قتل أباه العاص يوم بدر ، ولكنه لم يكن في نفسه ضغينة على علي ، مع أن
بعضهم حاول تحريكه على قاتل أبيه . . بل نراه وقف مع أعمامه بعد النبي صلى الله
عليه وآله إلى جانب علي ولم يبايعوا حتى بايع . . جاء في سيرة ابن هشام ج 2
ص 200 و ص 264 :
( قال ابن هشام : وحدثني أبو عبيدة وغيره من أهل العلم بالمغازي ، أن عمر بن
الخطاب قال لسعيد بن العاص ومر به : إني أراك كأن في نفسك شيئا ؟ ! أراك تظن
أني قتلت أباك ؟ ! إني لو قتلته لم أعتذر إليك من قتله ، ولكني قتلت خالي العاص بن
هشام بن المغيرة ، فأما أبوك فإني مررت به وهو يبحث بحث الثور بروقه فحدت عنه ،
وقصد له ابن عمه علي فقتله ) . وكان العاص بن هشام أسيرا يوم بدر فقتله عمر !
وذكر ابن الأثير جواب سعيد لعمر ، قال في أسد الغابة ج 2 ص 309 ( فقال له
سعيد بن العاص : ولو قتلته لكنت على الحق وكان على الباطل ! فتعجب عمر من
قوله ! ) انتهى .
بقي أن نشير إلى رواية ذكرت ممليا آخر مع سعيد هو مالك بن أنس جد مالك بن
أنس . . قال في كنز العمال ج 2 ص 582 :
( فقال أبو قلابة : فحدثني مالك بن أنس قال أبو بكر بن داود هذا مالك بن أنس
جد مالك بن أنس ، قال : كنت فيمن أملى عليهم فربما اختلفوا في الآية ، فيذكرون
الرجل قد تلقاها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولعله أن يكون غائبا أو في بعض
البوادي ، فيكتبون ما قبلها وما بعدها ويدعون موضعها حتى يجئ أو يرسل إليه ، فلما
فرغ من المصحف ، كتب إلى أهل الأمصار : إني قد صنعت كذا وصنعت كذا ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 330 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ومحوت ما عندي فامحوا ما عندكم - ابن أبي داود وابن الأنباري ، ورواه خط في المتفق
عن أبي قلابة عن رجل من بني عامر يقال له أنس بن مالك القشيري بدل مالك بن
أنس ) انتهى .
فإن صحت هذه الرواية يكون أنس هذا شاهدا على آية أو سورة يحفظها ، فطلبوا
منه إملاءها عليهم في مسودات اللجنة وتجميعها الأولي مثلا . . أما المملي الرسمي لصيغة
القرآن التي بأيدينا ، فهو سعيد بن العاص ، وربما كان معه عمه أبان !

النسخة الأم التي دونوا عنها المصحف الإمام

توجد أربعة احتمالات للنسخة الأم التي أملى منها سعيد بن العاص المصحف على
زيد بن ثابت وغيره من الكتاب :
الاحتمال الأول : أن تكون صحف حفصة أي نسخة الخليفة عمر التي جمعها هو
وزيد في عهد أبي بكر ثم في عهده . . كما ذكرت أكثر الروايات
الاحتمال الثاني : أن تكون نسخة عائشة ، كما ذكرت بعض الروايات .
الاحتمال الثالث : أن تكون نسخة علي عليه السلام ، كما يفهم من صفات النسخة .
الاحتمال الرابع : أن يكون سعيد أو هو وبقية أعضاء اللجنة رأوا عدة نسخ
وقايسوا بينها وناقشوا فروقاتها واستمعوا إلى شهودها ، ثم راجعوا الخليفة عثمان وعليا
عليه السلام وغيرهما من الصحابة الخبيرين بالقرآن ، واختاروا الكلمة أو الصيغة الأكثر وثوقا
عندهم . كما يفهم من بعض الروايات . . وفيما يلي نفحص ما يملكه كل واحد من
هذه الاحتمالات .

لم يكتبوا المصحف الإمام عن صحف حفصة أو نسخة عمر

ينبغي الالتفات إلى أن توحيد الخليفة عثمان لنسخة القرآن كان عملية جراحية
لمرض في الأمة هو اختلاف المسلمين في قراءات القرآن ، وانقسامهم إلى أحزاب دينية
متعارضة ! !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 331 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد كان عدد كبير من الأشخاص يعيشون على هذه الاختلافات والتعصبات ، فلما
قام عثمان بجمع القرآن سحب البساط من تحت أقدامهم بضربة فنية ، فأسقط في
أيديهم ، وفقدوا مكانتهم وجمهورهم !
لقد صارت قراءتهم مثل غيرها وصاروا هم مثل غيرهم . . وانتهى عهد الأحرف
السبعة الذي بدأه الخليفة عمر ، وصار على الجميع أن يقرؤوا بحرف واحد هو حرف
الخليفة عثمان في المصحف الإمام ! !
لهذا ارتفعت اعتراضات زعماء الأحرف السبعة أو الأحرف العشرين وجمهورهم ،
وكان سلاحهم ضد الخليفة عثمان وضد حذيفة ، هو الأحرف السبعة التي سلحهم بها
عمر ! !
وكان الجواب المنطقي للدولة أن تقول لهم : إن الخليفة عمر أخطأ في طرح الأحرف
السبعة ، فهذا الواقع الخطير الذي نعانيه إنما هو ثمرتها ، ولو تركناه بلا معالجة جذرية
لاختلفت الأمة في كتابها إلى فرق ومذاهب متناحرة إلى يوم القيامة ! ولكن الناس
بسياسة الخليفة عمر ، وقد سجلوا نقاط ضعف على سياسة الخليفة عثمان . . لم تسمح له بتخطئة
عمر ، بل كان يرى نفسه محتاجا لإثبات ( الشرعية ) لأعماله بالاحتجاج بأعمال عمر
وأقواله ! !
لهذا نراه يحتج على المعترضين ، أو لا : بأن عمر كان ينوي توحيد
القرآن . وثانيا ، بأنه كتب مصحفه الإمام عن نسخة الخليفة عمر أو الصحف التي عند
بنته حفصة !
لذلك يجب أن ننظر إلى جميع الروايات التي تقول إنهم نسخوا المصحف
الإمام عن صحف حفصة بأنها كلام سياسي للدفاع عن الخليفة عثمان ، وليس
بالضرورة أن يكون هو الذي حصل ! وكذلك كثير من دفاعات الخليفة عثمان عن
نفسه فيما خالف فيه عمر ، كما يظهر للمتتبع !
قال ابن شبة في تاريخ المدينة ج 3 ص 1136 :
( حدثنا علي بن محمد ، عن يزيد بن عياض ، عن الوليد ابن سعيد ، عن عروة بن
الزبير قال : قدم المصريون فلقوا عثمان رضي الله عنه فقال : ما الذي تنقمون ؟ قالوا :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 332 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
تمزيق المصاحف . قال : إن الناس لما اختلفوا في القراءة خشي عمر رضي الله عنه الفتنة
فقال : من أعرب الناس ؟ فقالوا : سعيد بن العاص . قال : فمن أخطهم ؟ قالوا : زيد
بن ثابت . فأمر بمصحف فكتب بإعراب سعيد وخط زيد ، فجمع الناس ثم قرأه عليهم
بالموسم فلما كان حديثا كتب إلى حذيفة : إن الرجل يلقى الرجل فيقول قرآني أفضل
من قرآنك حتى يكاد أحدهما يكفر صاحبه ، فلما رأيت ذلك أمرت الناس بقراءة
المصحف الذي كتبه عمر رضي الله عنه وهو هذا المصحف ، وأمرتهم بترك ما سواه ،
وما صنع الله بكم خير مما أردتم لأنفسكم ) انتهى .
والجميع يعرفون أن الخليفة عمر لم يقم بهذا العمل ، ولم يقرأ على المسلمين قرآنا في
موسم الحج ! ! وقال ابن شبة في ج 3 ص 1005 :
( . . . عن توبة بن أبي فاختة ، عن أبيه قال بعث عثمان رضي الله عنه إلى عبد الله
أن يدفع المصحف إليه ، قال ولم ؟ قال لأنه كتب القرآن على حرف زيد . قال : أما
أن أعطيه المصحف فلن أعطيكموه ومن استطاع أن يغل شيئا فليفعل ، والله لقد قرأت
من في رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين سورة ، وإن زيدا لذو ذؤابتين يلعب
بالمدينة ! ) انتهى . ولم يدع أحد غير عثمان وخصم زيد ابن مسعود بأن قرآن عثمان كتب
على حرف زيد ، ولكن غرض ابن مسعود من ادعاء ذلك أن يبرر تمسكه بقراءته
، وغرض عثمان من ذلك إن كان قاله ، أن يسكت المعترضين لعمر ، لأنهم يعرفون ثقة عمر بزيد ! !
وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء ج 2 ص 426 :
( الواقدي : حدثنا الضحاك بن عثمان ، عن الزهري ، قال : قال ثعلبة ابن أبي
مالك : سمعت عثمان يقول : من يعذرني من ابن مسعود ؟ غضب إذ لم أوله نسخ
المصاحف ! هلا غضب على أبي بكر وعمر إذ عزلاه عن ذلك ووليا زيدا ، فاتبعت
فعلهما ! ) انتهى .
والجميع يعرف أن أبا بكر وعمر لم يوليا ابن مسعود على نسخ المصاحف حتى
يعزلاه ، ولا وليا زيدا إلا على جمع القرآن مع الخليفة عمر وبرأيه ، ولكن الخليفة عثمان
يريد الدفاع عن نفسه وإثبات أن سياسته نفس سياسة الشيخين التي يريدها الناس !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 333 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
هذا هو الدليل الأول . . . والدليل الثاني ، أن قراءات عمر التي كانت في نسخته التي
عند حفصة لا توجد في المصحف الإمام . . ويكفي أن ترجع إلى ما قدمنا من قراءاته
المروية عنه بأحاديث صحيحة ، والتي كان يأمر بإثباتها في المصاحف ومحو ما عداها ،
مثل قراءة ( وامضوا إلى ذكر الله ) وغيرها وغيرها . . فإنك لا تجد لها أثرا في قرآننا
الفعلي الذي هو المصحف الإمام ، والحمد لله .
والدليل الثالث : إصرار الدولة على مصادرة مصحف حفصة وإحراقه ، ولا يمكن أن
يكون سبب ذلك إلا أن حفصة أو غيرها أشاعوا أن مصحف عثمان فيه نقص أو
خلل . . الأمر الذي جعل الدولة تلح على أخذ النسخة ، ولكن حفصة وقفت في وجه
الدولة وقاومت إلى أن توفيت . . لكن الدولة ما أن فرغت من تشييع جنازة حفصة
حتى وضعت يدها على النسخة و . . أحرقتها ! ! فلو كان المصحف الإمام نسخة عن
مصحف عمر ، لما استطاعت حفصة أو غيرها أن تتكلم بكلمة ، ولما كان معنى
لإصرار الدولة وافتعالها أزمة طالت أكثر من عشرين سنة مع أم المؤمنين وبنت عمر ! !
قال في كنز العمال ج 2 ص 573 :
( عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله وخارجة أن أبا بكر الصديق كان جمع القرآن
في قراطيس ، وكان قد سأل زيد بن ثابت النظر في ذلك ، فأبى حتى استعان عليه بعمر
ففعل ، فكانت الكتب عند أبي بكر حتى توفي ، ثم عند عمر حتى توفي ، ثم كانت
عند حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل إليها عثمان فأبت أن تدفعها ، حتى
عاهدها ليردنها إليها فبعثت بها إليه ، فنسخها عثمان هذه المصاحف ، ثم ردها إليها
فلم تزل عندها ، قال الزهري : أخبرني سالم بن عبد الله أن مروان كان يرسل إلى
حفصة يسألها الصحف التي كتب فيها القرآن ، فتأبى حفصة أن تعطيه إياها ، فلما
توفيت حفصة ورجعنا من دفنها أرسل مروان بالعزيمة إلى عبد الله بن عمر ليرسل إليه
بتلك الصحف ، فأرسل بها إليه عبد الله بن عمر ، فأمر بها مروان فشققت ، وقال
مروان إنما فعلت هذا لأن ما فيها قد كتب وحفظ بالصحف ، فخشيت إن طال بالناس
زمان أن يرتاب في شأن هذا المصحف مرتاب ، أو يقول إنه قد كان فيها شئ لم يكتب
- ابن أبي داود ) انتهى . والمتأمل في هذه الرواية يطمئن بأن مصحف عمر كان فيه
زيادة عن مصحفنا ، كما صرح أبو موسى الأشعري عن مصحفه !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 334 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال عمر بن شبة في تاريخ المدينة ج 3 ص 1003 :
( . . . عن ابن شهاب قال ، حدثني أنس رضي الله عنه قال ، لما كان مروان أمير
المدينة أرسل إلى حفصة يسألها عن المصاحف ليمزقها وخشي أن يخالف الكتاب بعضه
بعضا - فمنعتها إياه .
. . . عن ابن شهاب ، عن خارجة بن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال : لما ماتت
حفصة أرسل مروان إلى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما بعزيمة ، فأعطاه إياها ،
فغسلها غسلا .
قال الزهري : فحدثني سالم قال ، لما توفيت حفصة أرسل مروان إلى ابن عمر رضي
الله عنهما بعزيمة ليرسلن بها ، فساعة رجعوا من جنازة حفصة أرسل بها ابن عمر
رضي الله عنهما ، فشققها ومزقها مخافة أن يكون في شئ من ذلك خلاف لما نسخ
عثمان رضي الله عنه ! ! ) .
وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ج 7 ص 156 :
( باب ما جاء في المصحف ) عن سالم بن مروان كان يرسل إلى حفصة يسألها عن
المصحف الذي نسخ منه القرآن فتأبى حفصة أن تعطيه إياه ، فلما دفنا حفصة أرسل
مروان إلى ابن عمر أرسل إلى بذلك المصحف فأرسله إليه ! رواه الطبراني ورجاله
رجال الصحيح ) انتهى .
بل إن أزمة الدولة مع حفصة وإصرار حفصة الشديد تجعلنا نشك في أنها أعطتهم
النسخة أول الأمر ، وإن كانت أعطتهم فلا بد أنهم رفضوا الكتابة منها لاختلافها عن
القرآن المتداول ! ولذلك شاع في المدينة أن مصحف عثمان لم يكتبوه عن مصحف
عمر ،
الدليل الرابع : ما تقدم في أدلة جمع القرآن من عهد النبي صلى الله عليه وآله ، من
أن حفصة نفسها لم تكن تقرأ بمصحف أبيها الذي هو عندها أو عنده لا فرق ، بل
استك تبت لنفسها مصحفا متداولا ! فقد روى مسلم في صحيحه ج 2 ص 112 :
( . . . عن أبي يونس مولى عائشة أنه قال أمرتني حفصة أن أكتب لها مصحفا وقالت
إذا بلغت هذه الآية فآذني حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى فلما بلغتها آذنتها
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 335 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فأملت علي حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين )
انتهى .
إن كل المؤشرات بل والأدلة تدلنا على أن مصحف عمر كان مشروع مصحف
يحمل اجتهادات الخليفة عمر المتجددة ، وكان ينتظر أن يكتمل عمله فينشره . . ولكن
الأجل عاجله ، ثم عاجل مروان نسخته فأحرقها !

ولم يكتبوا المصحف الإمام عن مصحف عائشة

تفاجؤنا في روايات جمع القرآن وثيقة تاريخية مهمة وسارة ، يقول فيها الخليفة
عثمان إن لجنة جمع القرآن كتبت المصحف الإمام عن مصحف كتبه النبي صلى الله
عليه وآله ! ! وقد أعلن الخليفة عثمان ذلك في رسالته إلى الأمصار التي أرسلها مع
المصاحف ! وأكد على ذلك عبد الله بن الزبير الذي كان عضوا في لجنة جمع القرآن !
قال عمر بن شبة في تاريخ المدينة ج 3 ص 997 :
( . . . عن أبي محمد القرشي : أن عثمان بن عفان رضي الله عنه كتب إلى الأمصار :
أما بعد فإن نفرا من أهل الأمصار اجتمعوا