جواهر التاريخ (1) - إضطهاد العترة بعد النبي (ص) - طبعة قديمة

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 1 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
جواهر التاريخ
علي الكوراني العاملي
المجلد الأول
الطبعة الأولى 1425 - 2004
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 2 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
جواهر التاريخ
المؤلف : علي الكوراني العاملي
الناشر : دار الهدى
الطبعة الأولى 1425 - 2004
المطبعة : شريعت
العدد : 2000 نسخة
ISBN : 964 - 8222 - 83 - 5
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 3 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على سيدنا ونبينا
محمد وآله الطيبين الطاهرين
فجائع . . على هامش عاشوراء
هزت وجدان العالم مشاهد مفجعة بثتها الفضائيات يوم عاشوراء ، من مدينتي كربلاء والكاظمية في العراق ، ومدينة كويته في باكستان ، وأثارت في القلوب ألواناً من مشاعر التعجب والحزن ! فقد رأى الناس حالة عدوان قام أصحابها بإلقاء متفجرات وسط ملايين المؤمنين الذين جاؤوا إلى كربلاء لزيارة قبر حفيد نبيهم ( صلى الله عليه آله ) ، وهم ما بين دموع الحزن وأناشيد الولاء !
لقد سمع الناس خبر شخص يلقي متفجرة في أماكن العبادة ، فيقتل العشرات عشوائياً ! لكن الجديد عليهم هذا الشخص العامي الذي عبأه مشايخه ( الأتقياء ) بالعدوان ، ودفعوه لأن يلف نفسه بمتفجرات ويفجر نفسه في وسط المحتشدين في مراسم دينية ، فيقتل معه عشرين أو خمسين منهم ، كباراً وصغاراً ، نساءً وأطفالاً ، لا ذنب لهم إلا أنهم جاؤوا للمشاركة في هذه المناسبة الدينية ! !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 4 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ومن جهة ثانية ، أثارت هذه المشاهد مشاعر التعجب والإكبار لنُبْل الشيعة وتصرفهم تجاهها ، فقد سجل مراسلو الفضائيات دهشتهم من أمرين :
الأول ، السرعة التي انتهى فيها ذعر الناس في مكان تفجيرات كربلاء ومناظرها المرعبة ، فقد بادر متطوعون منهم في مكان الحادث إلى نقل الجرحى وجمع الجثامين والأشلاء ، بينما واصل ملايينهم حتى الذين كانوا قرب المكان عملهم المقدس الأهم ، وهو أداء مراسمهم في عزاء الإمام الحسين ( عليه السلام ) ، في مواكبهم الذاهبة إلى حرمه المقدس أو العائدة منه ، بدموعها الحرَّى على سيد الشهداء ( عليه السلام ) ، ولطمها الحزين على الصدور ، أو ضربها المفجع للهامات وأناشيدها !
وقد حدثني شخص كان على بُعد أمتار من تفجيرات كربلاء قائلاً : لقد تعجبت من زوار الإمام الحسين ( عليه السلام ) ، فما هي إلا دقائق حتى واصلوا مواكبهم بهتافهم المشهور : أبدْ والله ما ننسى حسينا ، وبعضهم أضافوا إلى هتافهم : أبدْ والله بالتفجير ما ننسى حسينا . . واستمروا في مراسمهم وكأن شيئاً لم يحدث ! !
والثاني ، قرار الصبر والعض على الجراح ، الذي اتضح بسرعة ، وظهر منه أن الشيعة قد تبانوا عليه فيما بينهم ، واتخذوا موقفاً مسبقاً حازماً بعدم الإنجرار إلى الفتنة الطائفية ، بإجماع مراجعهم وزعمائهم ، وملايينهم الكربلائية !
جذور الظلامة
يبقى الأمر الأهم الذي أثارته هذه الفواجع : التأمل في سببها وجذورها الفكرية والتاريخية ، التي جعلت قتل المسلم الشيعي ( ديناً ) يربي المتطرفون عوامهم عليه ، ويقنعونهم بأن الشيعي مشركٌ مهدور الدم ، وأن عليهم أن يتقربوا إلى الله تعالى بإراقة دمه ، ونهب ماله ، وهتك عرضه !
فمتى بدأت هذه الحالة في تاريخنا الإسلامي ، وكيف تطورت ، والى أين
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 5 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وصلت في عصرنا الحاضر ؟ !
إن الموجة المعاصرة التي نشهدها ممن يكفروننا ويستحلون دماءنا ، تعود جذورها إلى المتوكل العباسي ! فهذا ( الخليفة ) هو الذي تبنى مذهب مجسمة الحنابلة المتعصبين ضد الشيعة ، وشكل ( ميليشيا ) في بغداد لمهاجمة مجالس عاشوراء ومنع الشيعة من إقامتها ! وسمى حزبه : أهل الحديث ، والمحدثين ، وأهل السنة ، وأهل السنة والجماعة ، بينما سماهم المسلمون : مجسمة الحنابلة ، والنواصب .
ومما يدل على ذلك أن الذهبي روى سخرية البغوي الإمام المعروف ، من هذه التسمية التي خص المتوكل بها حزبه ، فقال في سير أعلام النبلاء : 14 / 449 :
( اجتاز أبو القاسم البغوي بنهر طابق على باب مسجد ، فسمع صوت مُسْتَمْلٍ فقال : من هذا ؟ فقالوا : ابن صاعد . قال : ذاك الصبي ؟ ! قالوا : نعم . قال : والله لا أبرح حتى أملي هاهنا ، فصعد دكةً وجلس ، ورآه أصحاب الحديث فقاموا وتركوا ابن صاعد . ثم قال : حدثنا أحمد بن حنبل قبل أن يولد المحدثون ! وحدثنا طالوت قبل أن يولد المحدثون ! وحدثنا أبو نصر التمار . . فأملى ستة عشر حديثاً ، عن ستة عشر شيخاً ، ما بقي من يروي عنهم سواه ) ! ! انتهى .
ومعنى قول البغوي : ( ذاك الصبي . . حدثنا أحمد بن حنبل قبل أن يولد المحدثون ! ) أن هؤلاء الصبيان المتسمَّيْن بالمحدثين ، إنما هم أحداث جمعهم المتوكل حول أحمد بن حنبل ، وجعله إماماً لهم !
فالمتوكل هو الذي حَنْبَلهم ، أي اتخذ لهم أحمد بن حنبل المروي أو الرازي أي الطهراني ، مولى بني ذهل ، إماماً ، فصار اسمه : الإمام أحمد ، ودعاه إلى سامراء وأقام له مراسم احترام وتجليل ، وأشاع الإعتقاد في العوام بكراماته ! وذات مرة مرضت جارية المتوكل المفضلة عنده من بين أربعة آلاف جارية ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 6 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فأرسلها إلى بغداد ليقرأ عليها الإمام أحمد بن حنبل دعاءه فشفيت ببركته ! وانتشر الخبر بكرامة حصلت لجارية الخليفة ببركة إمام أهل الحديث !
والمتوكل هو الذي كتب مرسوماً بنشر أحاديث التجسيم والنصب ، وبالغ في احترام ( المحدثين ) الذين يروونها ويتحمسون لها ، وأغدق عليهم ، وأقام لهم المجالس الرسمية الكبيرة ، وحَشَدَ الناس لحضورها ، وحضرها بنفسه !
والمتوكل هو الذي بَخَّرهم ، أي جعل لهم محمد بن إسماعيل بن بَرد زبه ، الفارسي أو السلجوقي ، إماماً ، فصار اسمه الإمام البخاري ، وجعل كتابه : صحيح البخاري إمام مصادر السنة النبوية .
والمتوكل هو الذي شجع التجسيم وجاهر بالنصب ، وبغض علي وأهل البيت النبوي صلوات الله عليه وعليهم ، وكان يعقد مجالس في دار الخلافة بسامراء لإهانة علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) وسبه ! ويأتي بشخص ( كوميدي ) يمثل شخصية علي ( عليه السلام ) فيسخر منه ويضحك ، ويأمر المغنين والمغنيات أن يغنوا بسبه ، وهو يشرب الخمر على الغناء بشتم علي ( عليه السلام ) !
والمتوكل هو الذي اضطهد شيعة علي ( عليه السلام ) وتتبعهم أينما كانوا في دولته ، واضطهد الأئمة المعصومين من العترة النبوية الطاهرة ، ففرض على الإمام علي الهادي ( عليه السلام ) الإقامة الجبرية في سامراء ، ثم حبسه ، ثم قتله بالسم ، ثم حبس ولده الإمام الحسن العسكري ( عليه السلام ) ، وعمل بكل جهده لإطفاء نور أهل بيت النبوة ( عليهم السلام ) !
والمتوكل هو صاحب العُقدة من قبر الإمام الحسين ( عليه السلام ) ، ومن احتشاد المسلمين لزيارته في كربلاء ، فمنعهم واضطهد من يزوره بوحشية ! ولمَّا عجز عن منعهم بالكامل ، أرسل فرقة جيش بقيادة يهودي اسمه ( زيرج ) ، ومعه ( ميليشيا السلفيين ) لهدم قبر الحسين ( عليه السلام ) وحرث أرضه ! فهدموه وأجروْا عليه فرعاً من نهر الفرات ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 7 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فلما وصل الماء إلى القبر حارَ حوله ، وشكل دائرة سميت : الحائر الحسيني الشريف !
لقد هلك المتوكل ولقي جزاء عمله ، حيث ثار عليه بعض قادة جيشه من المحبين لأهل البيت الطاهرين ( عليهم السلام ) فقتلوه ومعهم ابنه المنتصر ، الذي اعترض عليه يوماً لإهانته علياً ( عليه السلام ) فأمر المتوكل المغنيات أن يغنين بسبِّ ولده وأمه !
قال ابن الأثير في تاريخه : 6 / 108 : ( في هذه السنة ( 236 هجرية ) أمر المتوكل بهدم قبر الحسين بن علي وهدم ما حوله من المنازل والدور ، وأن يبذر ويسقى موضع قبره ، وأن يمنع الناس من إتيانه ، فنادى بالناس في تلك الناحية من وجدناه عند قبره بعد ثلاثة حبسناه في المطبق ، فهرب الناس وتركوا زيارته ، وخُرب وزُرع !
وكان المتوكل شديد البغض لعلي بن أبي طالب ولأهل بيته ، وكان يقصد من يبلغه عنه أنه يتولى علياً وأهله بأخذ المال والدم ! وكان من جملة ندمائه عبادة المخنث وكان يشد على بطنه تحت ثيابه مخدة ويكشف رأسه وهو أصلع ويرقص بين يدي المتوكل ، والمغنون يغنون قد أقبل الأصلع البدين ، خليفة المسلمين ! يحكي بذلك علياً ، والمتوكل يشرب ويضحك ! ففعل ذلك يوماً والمنتصر حاضر فأومأ إلى عبادة يتهدده فسكت خوفاً منه فقال المتوكل ما حالك فقام وأخبره فقال المنتصر : يا أمير المؤمنين إن الذي يحكيه هذا الكلب ويضحك منه الناس هو ابن عمك وشيخ أهل بيتك وبه فخرك ! فكل أنت لحمه إذا شئت ، ولا تطعم هذا الكلب وأمثاله منه ! فقال المتوكل للمغنين : غنوا جميعاً :

غار الفتى لابن عمهْ * رأس الفتى في حر أمهْ

فكان هذا من الأسباب التي استحل بها المنتصر قتل المتوكل ) . انتهى .
وقال العصامي في سمت النجوم العوالي ص 1168 : ( وذكر ابن خلكان : كان المتوكل يبغض علياً فذكر يوماً عليٌّ عنده فغض منه ، فتمعَّر وجه ابنه المنتصر
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 8 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لذلك ، فشتمه أبوه المتوكل وأنشد مواجهاً له . . . الخ . )
وفي مآثر الإنافة للقلقشندي : 1 / 228 : ( العاشر من خلفاء بني العباس . . . وحظي في زمانه أهل الأدب إلا أنه كان شديد البغض لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه ولأهل بيته ، على خلاف ما كان عليه المأمون . . . ) وذكر القصة وغيرها .
أقول : مع أن المتوكل صاحب الخطة مات ، إلا أن خطته وحزبه بقيا بلاءً على الأمة ، وامتحاناً للمسلمين عامة وللشيعة خاصة ! وعُرفوا باسم مجسمة الحنابلة .
ومع أن الخلفاء العباسين بعد المتوكل لم يتبنَّوهم رسمياً ، لكنهم كانوا يستفيدون منهم كحزب عنيف في بغداد ، فيدفعونهم للحد من نفوذ الشيعة ، الذين كان لهم جمهورهم وثقلهم في بغداد والأقطار الإسلامية .
كانت حكومة بغداد تدفع مجسمة الحنابلة لضرب الشيعة وتساندهم ، فإذا زاد طغيان المجسمة بتقديرهم خلوا بينهم وبين الشيعة ، وربما ساعدوا الشيعة عليهم ! لذلك لم يعدم الطرفان أنصاراً في وزراء الخليفة ، بل في أمراء جيشه وقادته الأتراك ، الذين كانت لهم كلمة الفصل العسكري في قضايا الدولة .
* *
ثم جاءت ثورة البويهيين في مطلع القرن الرابع فكانت متنفساً للشيعة ، حيث توقف نزفهم المتواصل تقريباً من زمن المتوكل ، وضمَّدوا أكثر جراحهم .
فقد احتل البويهيون ، أو آل بُويَهْ ، وهم فرْس من شمال إيران ، احتلوا إيران وأطراف العراق ، ثم احتلوا بغداد ، وفرضوا أنفسهم على الخليفة بدل الأتراك ، وأجبروه أن يَرْسِم كبيرهم سلطاناً باسم وزير ، ويأمر الخطباء بالدعاء له بعد الخليفة ، فورثوا الأتراك في التسلط على مقدرات الدولة وكانوا هم الذين ينصبون الخليفة ، ويجرون له مرتباً شهرياً ، وقد يعزلونه بإهانة !
وفي عهدهم الذي استمر أكثر من قرن ( 334 - 447 هجرية ) ، ضعف مجسمة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 9 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الحنابلة لكنهم لم ينتهوا ، فالبويهيون قبل تشيعهم كانوا سياسيين همهم السلطة ، ولذا قلدوا الأتراك في تبني لعبة الموازنة بين الشيعة ومجسمة الحنابلة ، فربما اختاروا الحياد في نزاعاتهم ، وربما رجحوا كفة الشيعة ، أو كفة الحنابلة !
* *
واستمر الأمر على هذه الحال حتى جاءت ثورة السلاجقة الأتراك ، وهم بدوٌ من برِّ مدينة بخارى إلى جهة الصين ، فاحتلوا إيران والعراق ، وقضوا على بني بُويَه ، وسيطروا على الخلافة العباسية ( 447 - 581 هجرية ) وتبنوا مجسمة الحنابلة أو حزب المتوكل ، وشنوا على الشيعة موجة اضطهاد قاسية ، استباحوا فيها أحيائهم في بغداد قتلاً ونهباً وحرقاً ، خاصة منطقة الكرخ مركز ثقل الشيعة التاريخي ، وبدؤوا هجومهم بإحراق خزانة كتب الكرخ العالمية التي أسسها البويهيون ! وقتلوا الألوف المؤلفة من الشيعة ، فاضطر أكثرهم إلى الاختفاء أو الهجرة ، وكان ممن نجا منهم مرجع الشيعة الشيخ الطوسي ( قدّس سرّه ) الذي فرَّ إلى النجف الأشرف سنة 448 ، أي في السنة الثانية لاستيلاء السلاجقة ، وأسس الحوزة العلمية ورسخها ونماها ، حتى توفي سنة 460 هجرية ( رحمه الله ) .
* *
نشط مجسمة الحنابلة في عصر السلاجقة ، ووجدوا منهم التأييد والمساعدة في كثير من الأحيان ، لكنهم ظلوا فئة متطرفة تراوح مكانها في بغداد ، لم تستطع أن تمتد في العالم الإسلامي ، بسبب نفوذ الشيعة ، وقوة التيار السني المخالف لهم .
وأخيراً انحسر دعم الأمراء السلاجقة لهم بسبب سوء تصرفهم ، فكانت حكومة بغداد تضطر أحياناً إلى تأديبهم لإرضاء العامة الشاكين من عنفهم !
وبسقوط دولة قبيلة قزل ، آخر قبيلة سلجوقية حاكمة ، وملكهم بهلوان آخر سلاطين السلاجقة ، سنة 582 هجرية ( سير أعلام النبلاء : 21 / 45 ) ، سقط معهم نجم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 10 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مجسمة الحنابلة ، وغلب على بغداد جو الإعتدال السني والميل إلى التشيع ، ولم نعد نسمع بذكر علماء الحنابلة المتطرفين وجمهورهم العنيف ، لعدة قرون !
كما لم يظهر لهم في هذه القرون أي وجود في أي بلد من بلاد المسلمين ، حتى جاء القرن الثامن فظهروا في ظل المماليك الشراكسة ، كحزب صغير في الشام ، بزعامة شخص متوتر هو الشيخ أحمد عبد الحليم بن تيمية ، الذي رعاه بعض الأمراء الشراكسة ، وعينه لمدة قصيرة في منصب شيخ الإسلام في بلاد الشام ، ثم عزلوه وسجنوه وحاكموه ، نزولاً عند حكم علماء المذاهب الأربعة في مصر والشام ، وأبقوه في السجن حتى مات . وبموته تلاشى حزبه ، وغابت أفكاره التي هي نفس أفكار حزب المتوكل أو مجسمة الحنابلة ، فلم يذكر التاريخ لهم وجوداً في بلاد الشام أو غيرها ، إلا بعد خمسة قرون ، على يد الشيخ محمد عبد الوهاب النجدي !
كلمتان في منهج الدراسة
الكلمة الأولى : أنا لا نتوقع من التاريخ الذي كتب بحبر الحكام ، أن يكون منصفاً في بيان ظلامة المعارضة ! فالحكومات تؤرخ لنفسها وتعظِّم أشخاص الحكام ، وتجعلهم في مصاف المصلحين والأولياء وإن كانوا فاسدين مفسدين !
كما يتفنن المؤرخون الحكوميون في التعتيم على المعارضة ، فيصورون لك أنها لم تكن موجودة أصلاً ، وإن اضطروا للاعتراف بها تعمدوا تهميشها وتشويهها ! وهذا هو دأب كل الحكومات التي كتبت تاريخنا ، وأملت مصادر حديثنا وتفسيرنا وفقهنا ! لا فرق فيها بين الأموية والعباسية والشركسية والعثمانية والحديثة ، ولا بين مذاهبها .
لذلك كان لا بد لنا لفهم تأريخ الظلم والاضطهاد على أهل البيت الأطهار ( عليهم السلام )
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 11 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وشيعتهم الأبرار ، والتي كانت أطولَ ظلامة لأطول معارضة في التاريخ الإسلامي أن نسمع إلى كلام الشيعة أنفسهم ، ونقرأ ما كتبته مصادرهم .
وإني لأعجب من الباحث الذي يدعي الموضوعية ، ويريد أن يفهم حوادث التاريخ الإسلامي أو يفهمها للناس ، دون أن يسأل الذاكرة الشيعية ، وهو يعرف أن ذاكرة الضحية أدق ، وفهمها أعمق !
ورغم هذه الحقيقة ، تراني اعتمدت في البحث على نصوص من مصادر الحكومات وأتباعها المخالفين للشيعة لأنها أقوى في الحجة ، وإن اخترتها من ذاكرة التاريخ الشيعي أيدتها غالباً بنصوص من مصادر غيرهم !
والكلمة الثانية : أن تصور موجات الظلم على الشيعة لا يكتمل إلا بمعرفة سياقها التاريخي ، والأرضية التي كانت سبباً في نشوء كل موجة ، ثم بمعرفة ردة الفعل من العترة النبوية ( عليهم السلام ) وشيعتهم عليها . لكن استيفاء الأسباب والنتائج وردود الأفعال ، يعني أن نكتب تاريخاً جديداً من وجهة نظر المظلومين ، بدل التاريخ الذي كتبه الحكام ، وهو ما لا يتسع له كتابنا !
لهذا ، تراني اختصرت في عرض بعض الأحداث ، وتوسعت في بعضها ، من أجل تكميل السياق وتوضيح الصورة .
أسأل الله تعالى أن يصليَ على أهل بيت نبيه الأطهار المعصومين المظلومين ، وأن يتقبل هذا الكتاب في أعمال الدفاع عنهم . فهو ولي التوفيق والقبول .
حرره بقم المشرفة في الخامس عشر من محرم الحرام 1425
علي الكوراني العاملي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 12 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 13 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

تمهيد في القوانين والسنن الإلهية في الهداية والضلال

إن استيعاب الظلامة التي وقعت على أهل البيت النبوي ( عليهم السلام ) وشيعتهم بعد النبي ( صلى الله عليه آله ) ، على يد زعماء قريش ، يتوقف على فهم عدد من القوانين والسنن الإلهية في هداية البشر وضلالهم ، بيَّنها الله تعالى في كتابه ، وبيَّنها النبي ( صلى الله عليه آله ) للأمة في أحاديثه وخطبه وعمله ، وحذر الأمة منها . وفيما يلي موجزٌ لها ، وقد بحثناها في كتاب مستقل باسم : قوانين الهداية والضلال ، وهي :
1 - قانون تقارن كل نبوة مع مضلين !
2 - قانون الضلال .
3 - قانون الإضلال .
4 - قانون الإحباط .
5 - قانون الفتنة الفردية والاجتماعية .
6 - قانون الابتلاء والاختبار .
7 - سنة الله في اقتتال الأمم بعد رسلها !
8 - التحذير من انقلاب الأمة على أعقابها بعد رسولها !
9 - فتنة هذه الأمة بالأئمة المضلين على سنة من قبلها !
10 - فتنة هذه الأمة بالشجرة الملعونة في القرآن !
11 - ما اختلفت أمة بعد نبيها إلا غلب أهل باطلها على أهل حقها !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 14 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

1 - قانون : اقتران كل نبوة بأئمة مضلين !

ومنطق هذا القانون : أن المطلوب في حياة الإنسان على الأرض أن تبقى قدرته على الاهتداء وقدرته على الضلال متساويتين ، فبذلك وحده يتحقق اختياره للهداية بإرادته الحرة ، فيستحق الجزاء الإلهي والجنة ، ويتحقق اختياره للضلال بإرادته الحرة ، فيستحق النار .
وقد رتَّب الله تعالى تكوين الإنسان وظروف حياته على الأرض على هذا التساوي ، فألهمه الفجور ، وألهمه التقوى ، وهداه النجدين ، وجعل للشيطان منفذاً إلى نفسه ، وجعل سيئته بواحدة وحسنته بعشرة . . الخ .
ولما كانت النبوة دفعةَ هداية قوية ، كان لا بد أن يرافقها وجود مضلين مع النبي ، ليبقى التعادل ويحتاج المهتدون إلى بذل جهد فكري وعملي في مقاومة الفتنة ، والثبات على الهدى .
وقد نصت آيات كثيرة على هذا القانون بالعموم ونصت عليه آيتان بخصوصه :
فالآية الأولى ، قررت ضرورة وجود عوامل ضلال مع كل نبوة : ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عدواً شَيَاطِينَ الآنْسِ وَالْجِنِّ ) . ( الأنعام : 112 - 113 ) .
ومعناها أن فعالية شياطين الإنس والجن في الوسوسة عند هداية كل نبي ، إنما هي عوامل ضلال ضرورية يجب أن تبقى فاعلة !
والآية الثانية ، صورةٌ صارخةٌ لصحابيين للرسول ( صلى الله عليه آله ) ، أحدهما كافرٌ يخطط لإضلال الناس ، والثاني مطيعٌ له يدفعه صاحبه إلى معصية الرسول ( صلى الله عليه آله ) وهَجْر القرآن ، فيَضلاَّن ويُضلاَّن الناس ! ويوم القيامة يعضُّ الظالم الأصلي منهما يديه ندماً لإطاعته لصاحبه ! أما الآخر فمصيبته أعظم من أن يعضَّ على يديه ، لأنه لم يكن مع الرسول ( صلى الله عليه آله ) ولا لحظة ! بل كان مجرماً كامناً للإسلام ورسوله ( صلى الله عليه آله ) !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 15 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال تعالى : ( وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً . يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فلاناً خَلِيلاً . لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإنسان خَذُولاً . وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجوراً . وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عدواً مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا ) . ( الفرقان : 27 - 31 ) .
وقوله تعالى : ( وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا ) جوابٌ على سؤال مقدر يقول : ما دام القانون الإلهي أن الله تعالى يجعل عدواً مضلاً مع النبي العادي من مجموع المئة وأربع وعشرين ألف نبي ( عليهم السلام ) ، فقد يعني ذلك أن يكون مع نبينا ( صلى الله عليه آله ) عشرة أعداء مجرمين ! فكيف يهتدي الناس ، وكيف ينتصر الرسول ( صلى الله عليه آله ) ؟ !
فكان الجواب الإلهي : هذا ليس من شأنكم بل من شأن الله تعالى : وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا ، فالتعادل محفوظٌ مع وجود المضلين بقدر يحقق الهداية لقسم من الناس ، ويحقق النصر الآني أو المستقبلي للأنبياء ( عليهم السلام ) ، حسب الخطة الحكيمة !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 16 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

2 - قانون الضلال

ومنطق هذا القانون : أنه يوجد واقع موضوعي في كل القضايا النظرية والعملية ، وأن كل فعاليات الإنسان إما أن تصيب ذلك الواقع فتكون على حق ، أو تخطئه عمداً أو سهواً أو جهلاً ، فتكون على ضلال .
فالضلال عدم إصابة الأمر الصحيح في علم الله تعالى لأي سبب ، حتى لو كان لا إرادياً كالنسيان : ( أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى ) ( البقرة : 282 ) .
فمفهوم الضلال نسبي ، ولذا كانت استعمالاته وأنواعه في القرآن عديدة :
أولاً : أنواعه بحسب ذاته ، من الضلال المبين وغير المبين ، أي الشديد الوضوح والأقل وضوحاً ، حتى يصل إلى الضلال الخفي الذي لا يعلمه إلا القلة ، أو الذي لا يعلمه إلا الله تعالى . وقد ورد الضلال المبين في القرآن 19 مرة .
والضلال البعيد والأقل بعداً ، حتى يصل إلى الأقرب إلى الصراط المستقيم . وقد ورد الضلال البعيد في القرآن 10 مرات ، والكبير وغير الكبير مرة واحدة . الخ .
ثانياً : أنواع الضلال بحسب موضوعه ، من قضايا وأفكار وأعمال . وهو بهذا الاعتبار أنواعٌ ورد ذكرها بنحو وآخر في القرآن ، كالضلال العقلي ، والنفسي والسلوكي والعقائدي والسياسي والاقتصادي والاجتماعي والحضاري .
أو : الضلال عن الفطرة ، والضلال عن الدين ، أو عن التفكير المنطقي . الخ .
ثالثاً : أنواعه بحسب موضوعه من الأشخاص ، مثل : ضلال الظالمين ، وضلال المجرمين ، وضلال المسرفين المرتابين ، والفاسقين ، والكافرين . . الخ .
رابعاً : أنواعه بحسب لزومه وقابليته للزوال : فمن الضلال ما يصبح ثابتاً كالذين حقًّت عليهم الضلالة ( الأعراف : 30 و النحل : 36 ) ، أو الذين استحقوا أن يضلهم الله تعالى : وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ . ( الرعد : 33 ) ، وبمعناها آيات عديدة .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 17 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ومنه قابل للزوال بسرعة أو ببطء : ( وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ) . ( الأنعام : 125 )
خامساً : أنواعه بحسب علته وفاعله . فمنه ما يكون بفعل الشخص مباشرة باتباع الهوى : ( وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ ) ( سورة صاد : 26 ) . ومنه ما يكون بفعل الشيطان : ( كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ ) . ( الحج : 4 ) ، ومنه ما يكون بفعل الرؤساء والشخصيات : ( وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا ) . ( الأحزاب : 67 ) ، أو غيرهم من الناس : ( وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأرض يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ ) . ( الأنعام : 116 ) .
ومنه ما يكون بتأثير الأصنام والمجسمات المعبودة : ( رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاس ) . ( إبراهيم : 36 )
سادساً : أنواعه بحسب تأثيره على صاحبه وعلى المجتمع . وقد ذكر القرآن عدة تأثيرات لأنواع الضلال ، روحية وفكرية وعملية ، فردية ، واجتماعية . . الخ .
سابعاً : أنواعه بحسب الصراط المضلول عنه . كالضلال عن ( سبيل الله ) حيث ورد في القرآن ست مرات ، وورد ست مرات مضافاً إلى ضمير الغائب ( سبيله ) ومرة واحدة إلى ضمير المخاطب ( سبيلك ) . والضلال عن ( سواء السبيل ) ورد 5 مرات . والضلال عن السبيل ، 4 مرات . والضلال عن الذكر ، مرة واحدة . وضلال الأعمال عن الصراط المستقيم ، أو ضلالها وإضلالها عن الهدف منها . . الخ .
* *
ومن الواضح أن قانون الضلال بأصوله وفروعه ، بقيَ فعالاً في أمة النبي ( صلى الله عليه آله ) بعد وفاته ، فلم يرد نصٌّ واحد يدل على استثنائها منه ، إلا التأمين الذي عرضه رسول الله ( صلى الله عليه آله ) على أمته في مرض وفاته ، فرفضه الحزب القرشي !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 18 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ففي البخاري : 1 / 36 : ( عن ابن عباس قال : لما اشتد بالنبي ( ص ) وجعه قال : إئتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده . قال عمر : إن النبي ( ص ) غلبه الوجع وعندنا كتاب الله حسبنا ! فاختلفوا وكثر اللغط ! قال ( ص ) : قوموا عني ، ولا ينبغي عندي التنازع ! ! فخرج ابن عباس يقول : إن الرزيئة كل الرزيئة ، ما حال بين رسول الله ( ص ) وبين كتابه ) ! !
وقال البخاري : 5 / 137 : ( لما حضر رسول الله ( ص ) وفي البيت رجال فقال النبي ( ص ) : هلموا أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده . فقال بعضهم : إن رسول الله ( ص ) قد غلبه الوجع وعندكم القرآن ، حسبنا كتاب الله ! فاختلف أهل البيت واختصموا ، فمنهم من يقول : قربوا يكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده ومنهم من يقول غير ذلك ! فلما أكثروا اللغو والاختلاف قال رسول الله : قوموا ) .
وقال البخاري : 7 / 9 : ( باب قول المريض قوموا عني . . . عن ابن عباس قال : لما حُضِرَ رسول الله ( ص ) وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب . . . ورواه البخاري أيضاً : 8 / 160 . . .
وفي مسلم : 5 / 75 : ( عن ابن عباس أنه قال : يوم الخميس وما يوم الخميس ! ثم جعل تسيل دموعه حتى رأيت على خديه كأنها نظام اللؤلؤ ! قال قال رسول الله ( ص ) : إئتوني بالكتف والدواة أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً ، فقالوا : إن رسول الله ( ص ) يهجر ) ! ! ثم روى عن ابن عباس قال : لما حُضر رسول الله ( ص ) وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب فقال النبي ( ص ) : هلم أكتب لكم كتاباً لا تضلون بعده ! فقال عمر : إن رسول الله ( ص ) قد غلب عليه الوجع ، وعندكم القرآن ، حسبنا كتاب الله . . . الخ ) .
وفي مسند أحمد : 3 / 346 : ( عن جابر أن النبي ( ص ) دعا عند موته بصحيفة ليكتب فيها كتاباً لا يضلون بعده ، قال فخالف عليها عمر بن الخطاب حتى رفضها ) ! ( ورواه أحمد : 1 / 324 و 336 و 324 )
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 19 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي مجمع الزوائد : 9 / 33 : ( عن عمر بن الخطاب قال : لما مرض النبي ( ص ) قال : ادعوا لي بصحيفة ودواة أكتب كتاباً لا تضلون بعدي أبداً ، فكرهنا ذلك أشد الكراهة ! ! ثم قال : ادعوا لي بصحيفة أكتب لكم كتاباً لا تضلون بعده أبداً ! فقال النسوة من وراء الستر : ألا تسمعون ما يقول رسول الله ؟ ! فقلت : إنكن صواحبات يوسف إذا مرض رسول الله ( ص ) عصرتنَّ أعينكن ، وإذا صح ركبتنَّ رقبته . فقال رسول الله : دعوهنَّ فإنهنَّ خيرٌ منكم ) ! انتهى .
ومعنى هذا أن الأمة برفضها كتاب التأمين النبوي من الضلال ، قد وضعت نفسها في معرض أنواع الضلال ، بل دخلت في أول نوع منها !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 20 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

3 - قانون الإضلال

ومنطق هذا القانون : أنه يوجد نوع من الضالين يشكلون خطراً على السالكين في الطريق المستقيم ، وخطراً إضافياً على الضالين التائهين ، لذلك وضع الله قانوناً إضافياً يجزيهم بإضلالهم ، لمنع خطرهم أو الحد منه ، أو لمساعدة أهل الطريق المستقيم عليهم ، أو لامتحان الناس بهم . . وغيرها من الحكم التي يعلمها سبحانه .
وقانون الإضلال أيضاً أقسام ، فمنه قانون الإضلال العام ، ويشمل أعمال الكافرين والمنافقين . ومنه قوانين إضلال خاصة ببعض أعمالهم ، أو بأعمال بعض أصنافهم ، وقد نصت عليها آيات القرآن ، وخلاصتها ما يلي :
إضلال الكافرين وإضلال أعمالهم : ( سورة محمّد : 1 و 8 والفرقان : 44 ، والجاثية : 23 )
إضلال المنافقين : . ( النساء : 143 ، والنساء : 88 )
إضلال الظالمين : ( نوح : 24 ، وإبراهيم : 27 )
إضلال الفاسقين : ( البقرة : 26 )
إضلال المسرفين المرتابين : ( غافر : 32 - 34 )
الذين حقت عليهم الضلالة : ( النحل : 36 ، والأعراف : 30 ، ومريم : 75 - 76 )
إضلال أعمال الكافرين والمنافقين في الدنيا : ( الرعد : 33 - 34 ، والأنعام : 108 ، وآيات تزيين أعمال بعض الفئات الضالة من الكافرين والمنافقين والمجرمين ) .
إضلال أعمالهم عن بلوغ أهدافها النهائية : ( النور : 39 - 40 ، وإبراهيم : 18 )
لا هادي لمن أضله الله ولا ناصر : ( الإسراء : 97 ، والأعراف : 177 - 178 ، والزمر : 23 )
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 21 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

4 - قانون الإحباط

العمل المُحْبَط هو العمل الذي يتراكم فيفسد ولا يؤدي إلى نتيجته المطلوبة ويضرُّ بصاحبه . واسمه مأخوذٌ من ( الحَبَط ) وهو حالة تصيب الدابة التي تكثر الأكل فيفسد في معدتها وينتفخ بطنها وتصاب بالإمساك . وفي الحديث النبوي ( إن مما ينبت الربيع ما يقتل حَبَطاً أو يُلِمُّ ) . فالإضلال يأخذ العمل من زاوية سيره وضلاله عن إصابة الهدف ، والإحباط من زاوية تراكمه المفسد له ، والبطلان من زاوية نتيجته التي تتلاشى . وقد يجتمع الإضلال والإحباط والبطلان في عمل واحد ، وقد ينفرد بعضها . وهذه أهم أقسام الإحباط في القرآن :
إحباط عمل المرتدين : ( البقرة : 217 ) .
إحباط عمل قتلة الأنبياء والأوصياء ( عليهم السلام ) والأمرين بالقسط : ( آل عمران : 12 - 22 )
إحباط عمل المنافقين والمنافقات : ( التوبة : 68 - 69 ، والأحزاب : 18 - 19 ، ومحمّد : 27 - 28 )
إحباط عمل مرضى القلوب المرتبطين بالكفار : ( المائدة : 51 - 53 )
إحباط عمل أنواع من المتكبرين والكافرين والمشركين : ( الأعراف : 14 ، وهود : 15 - 16 ، ومحمّد : 31 - 33 ، والتوبة : 17 - 18 ، والكهف : 103 - 105 ، والأعراف : 146 - 147 ، المائدة : 5 )
تحذير الأنبياء من إحباط أعمالهم : الأنعام : 83 - 88 ، و ( الزمر : 65 )
البداوة في التعامل مع المعصومين تحبط العمل : ( الحجرات : 2 - 3 ) .
ومن الواضح أن قانون إحباط الأعمال بقي جارياً في الأمة بعد النبي ( صلى الله عليه آله ) ، وأن شرط كل أعمالهم التي مدحهم القرآن لأجلها أن لا يشملها قانون الإحباط !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 22 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

5 - قانون الفتنة الفردية والاجتماعية

منطق هذا القانون : أن الإنسان مخلوق لا يمكن أن يتكامل إلا بالصراع في داخل نفسه بين الخير والشر ، والفجور والتقوى . فعناصر الخير والشر ضرورة لحياته ، لأنها الجو الوحيد الذي يتم فيه صهر جوهر النفس البشرية لتتفق كوامنها وتخرج على حقيقتها ! وكلما كانت هذه العناصر أكثر وأقوى ، كان صَهْرها للنفس أشد ، وكانت الصفات الإنسانية التي تنتج عنها أعلى وأجود ! ولذلك قال الله تعالى : ( ألم . أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ . وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ) . ( العنكبوت : 2 - 3 ) .
وفي حديث الإمام الرضا ( عليه السلام ) في الكافي : 1 / 370 : عن معمر بن خلاد قال : سمعت أبا الحسن ( عليه السلام ) يقول : ألم . أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ، ثم قال لي : ما الفتنة ؟ قلت : جعلت فداك الذي عندنا الفتنة في الدين ، فقال : يُفتنون كما يُفتن الذهب ! ثم قال : يخلصون كما يخلص الذهب ) !
وفي لسان العرب : 13 / 317 : ( معنى الفتنة الابتلاء والامتحان والاختبار ، وأصلها مأخوذ من قولك فتنت الفضة والذهب إذا أذبتهما بالنار لتميز الردئ من الجيد ، وفي الصحاح : إذا أدخلته النار لتنظر ما جودَتْه ، ودينار مفتون . والفَتْن : الإحراق ، ومن هذا قوله عز وجل : يوم هم على النار يفتنون ، أي يحرقون بالنار . ويسمى الصائغ الفتان ، وكذلك الشيطان ، ومن هذا قيل للحجارة السود التي كأنها أحرقت بالنار : الفتين ) .
والفتنة في القرآن متنوعة ، سواءً في مادة الفتنة ، وفي المبتلَيْن بها ، وفي آثارها . . ونكتفي بإيراد الآيات في أهم أنواعها التي تتصل بالأمة :
لا بد من فتنة الأمة الإسلامية بعد نبيها ( صلى الله عليه آله ) : ( العنكبوت : 3 )
المنافقون أسرع الناس إلى الفتنة : ( الأحزاب : 13 - 14 ) .
فتنة الذين لا يطيعون النبي ( صلى الله عليه آله ) : . ( النور : 63 )
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 23 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
صهر شخصية نبي الله موسى ( عليه السلام ) بالفتنة : ( طَهَ : 40 ) .
فتنة الناس بأن الأنبياء والأوصياء ( عليهم السلام ) من نوعهم : ( الفرقان : 20 ) .
المتشابه في القرآن فتنة ، وأهل الزيغ يتبعون ما تشابه منه : ( آل عمران : 7 - 8 )
من المؤمنين فئة مرتبطة باليهود تستحق الإضلال والفتنة : ( المائدة : 41 - 42 )
تمييز المسلمين بين الكفار في الولاء فتنة : ( الأنفال : 27 - 73 )
الفتنة بجعل الناس فئات وطبقات : ( الأنعام : 52 - 53 )
تحذير المسلمين من الفتنة : ( الأنفال : 24 - 28 )
الفتنة السنوية للمنافقين والذين في قلوبهم مرض : ( التوبة : 124 - 126 )
مكانة المؤمنين الذين تعرضوا للفتنة : ( النحل : 110 )
بعض الأزواج والأولاد فتنة : ( التغابن : 14 - 15 )
النعم فتنة : ( الجن : 16 - 17 )
فتنة الأمة بعد نبيها بالشجرة الملعونة : ( الإسراء : 60 ) .
وسيأتي ذكرها مع الأئمة المضلين في الفتن الخاصة في الأمة .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 24 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

6 - قانون الابتلاء والاختبار

الابتلاء هو الاختبار ، وهو يعني جعل الله تعالى للإنسان تكويناً أو تشريعاً ، في وضع أو تكليف فيه نوعٌ من المشقة العملية أو النفسية ، الظاهرة أو الخفية .
وهو عرفاً ضد العافية والسلامة ، لكنهما قد يكونان منه . وهو أعم من الفتنة مطلقاً ، إذ قد يكون الابتلاء بالضراء والسراء : ( النمل : 40 ، والأعراف : 168 ) .
وهو أقسام كثيرة أيضاً ، فمنه الابتلاء بالمرض والفقر والموت والناس ، وبالحالات النفسية . ومنه ابتلاء فردي واجتماعي . . الخ . وبما أن الفتنة نوع منه ، فكل آيات الفتنة تعني الابتلاء والاختبار . وهذه أهم آيات ابتلاء الأمة :
الوعد الإلهي للأمة بالابتلاء والفتنة : ( البقرة : 155 ، وآل عمران : 186 ) .
ابتلاء الأمة بما آتاها الله تعالى : ( المائدة : 48 ) .
لا بد أن يبلوَ اللهُ المؤمنين ويَبْلُوَ أخبارهم : ( محمّد : 29 - 31 ) .
وهذه بعض أحاديث فتنة الأمة وابتلائها :
في الكافي : 2 / 52 ، عن فضيل بن يسار ، عن الإمام الباقر ( عليه السلام ) قال : أشد الناس بلاء الأنبياء ، ثم الأوصياء ، ثم الأماثل فالأماثل ) .
وفي حلية الأولياء : 5 / 119 ، بسنده عن أبي عبيدة بن الجراح ، عن عمر بن الخطاب قال : أخذ رسول الله ( ص ) بلحيتي وأنا أعرف الحزن في وجهه فقال : إنا لله وإنا إليه راجعون ! أتاني جبريل آنفاً فقال لي : إنا لله وإنا إليه راجعون ، فقلت : أجل إنا لله وإنا إليه راجعون ، فممَّ ذاك يا جبريل ؟ فقال : إن أمتك مفتتنة بعدك بقليل من دهر غير كثير ! فقلت فتنةَ كفر أو فتنةَ ضلالة ؟ فقال : كلٌّ سيكون ! فقلت : ومن أين وأنا تارك فيهم كتاب الله ؟ قال : فبكتاب الله يفتنون وذلك من قبل أمرائهم وقرائهم ، يمنع الناس الأمراء الحقوق فيظلمون حقوقهم ولا يعطونها فيقتتلون ويفتتنون ، ويتبع
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 25 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
القراء أهواء الأمراء فيمدونهم في الغي ثم لا يقصرون ! فقلت كيف يسلم من سلم منهم ؟ قال بالكف والصبر ، إن أعطوا الذي لهم أخذوه وإن منعوه تركوه ) . انتهى . ورواه الحكيم الترمذي ، والسيوطي في الدر المنثور : 3 / 55 ، وفي نصهما : أتاني رسول الله وأنا أعرف الحزن في وجهه ، فأخذ بلحيتي فقال إنا لله وإنا إليه راجعون . . الخ . ) . انتهى . وفيه دلالات بليغة ، ولا يتسع المجال لشرحه !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 26 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

7 - سنة الله في اقتتال الأمم بعد رسلها ( عليهم السلام )

( تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ، وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ، وَلَو شَاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ ، وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ ، وَلَو شَاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ) . ( البقرة : 253 ) والآية صريحة في أن السنة الإلهية جارية في اختلاف الأمم بعد الرسل ( عليهم السلام ) إلى عيسى ( عليه السلام ) والى نبينا ( صلى الله عليه آله ) وأن سببها بعض صحابة الرسول الذين يبغون على أهل الحق ويظلمونهم عن علم وعمد ، طمعاً في السلطة ، فتنقسم الأمة إلى مؤمن وكافر ، بالمعنى الأعم للإيمان والكفر !
في الكافي : 8 / 270 : ( عن عمرو بن أبي المقدام ، عن أبيه قال : قلت لأبي جعفر ( عليه السلام ) : إن العامة يزعمون أن بيعة أبي بكر حيث اجتمع الناس كانت رضاً لله جل ذكره ، وما كان الله ليفتن أمة محمد ( صلى الله عليه آله ) من بعده ؟
فقال أبو جعفر ( عليه السلام ) : أو ما يقرؤون كتاب الله أو ليس الله يقول : ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَو قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شيئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ ) ؟
قال : فقلت له : إنهم يفسرون على وجه آخر . فقال : أوليس قد أخبر الله عز وجل عن الذين من قبلهم من الأمم أنهم قد اختلفوا من بعدما جاءتهم البينات ، حيث قال : وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ، وَلَو شَاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ ، وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَر ، وَلَو شَاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ) .
وقال الكليني تعليقاً عليه : ( وفي هذا ما يستدل له على أن أصحاب محمد ( صلى الله عليه آله ) قد اختلفوا من بعده ، فمنهم من آمن ومنهم من كفر ) . انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 27 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وبهذا تستطيع أن تفسر الحديث الصحيح عن أهل البيت ( عليهم السلام ) : ( ارتدَّ الناس إلا ثلاثة ) ! ففي الكافي : 2 / 244 ، عن حمران بن أعين قال : قلت لأبي جعفر ( عليه السلام ) : جعلت فداك ما أقلَّنَا ، لو اجتمعنا على شاة ما أفنيناها ! فقال : ألا أحدثك بأعجب من ذلك ، المهاجرون والأنصار ذهبوا إلا - وأشار بيده - ثلاثة ! قال حمران : فقلت : جعلت فداك ما حال عمار ؟ قال : رحم الله عماراً أبا اليقظان ، بايع وقتل شهيداً ، فقلت : في نفسي ما شئ أفضل من الشهادة ! فنظر إليَّ فقال : لعلك ترى أنه مثل الثلاثة ! أيْهات أيْهات ! ) . انتهى .
والكفر هنا ليس بمعنى الحكم بخروجهم عن الملة ، لأن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) الذي استشهد بهذه الآية واستحل بها قتال البغاة ، عاملهم معاملة المسلمين .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 28 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

8 - آية انقلاب الأمة على أعقابها بعد رسولها ( صلى الله عليه آله ) !

قال الله تعالى في سورة آل عمران صلوات الله على نبينا وآله وعليهم : ( أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ . وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ .
وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَو قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شيئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ ) . ( آل عمران : 143 - 144 ) .
وهاتان آيتان من أربعين آية نزلت في معركة أحُد ( آل عمران 139 - 179 ) يوم افتضح الصحابة وهربوا ! بعضهم عدواً متسلقين جبلَ أحد ، وبعضهم ركضاً إلى المدينة ! تاركين النبي ( صلى الله عليه آله ) لسيوف قريش ورماحها ! ولم يثبت معه ( صلى الله عليه آله ) إلا عليٌّ ( عليه السلام ) وأبو دجانة الأنصاري ، ونسيبة بنت كعب ! ثم اشتد الوطيس فاستشهد أبو دجانة ( رحمه الله ) وجرحت نسيبة ، فلم يبق معه إلا علي ( عليه السلام ) وحده !
وفي ذلك الوقت العصيب جاءت فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) من المدينة راكضة إلى المعركة كالصقر المنقضّ ، تواسي رسول الله ( صلى الله عليه آله ) بنفسها ، وتضمد جراحه !
واغتنمت قريش فرصة فرار الصحابة ! فركزت حملاتها لقتل النبي ( صلى الله عليه آله ) ، وعليٌّ ( عليه السلام ) يردها الواحدة تلو الأخرى ! وقد قاتل النبي ( صلى الله عليه آله ) في أول الأمر قتالاً شديداً ، رمياً بالقوس وضرباً بالسيف وطعناً بالرمح ، ثم عمل بأمر ربه فانتهى ( إلى صخرة فاستتر بها ليتقي بها من السهام سهام المشركين ، فلم يلبث أبو دجانة إلا يسيراً حتى أثخن جراحة فتحامل حتى انتهى إلى رسول الله ( صلى الله عليه آله ) فجلس إلى جنبه وهو مثخن لا حراك به . وعليًّ لا يبارز فارساً ولا راجلاً إلا قتله الله على يديه حتى انقطع سيفه ) ( البحار : 20 / 104 ، عن تفسير فرات ) .
فأعطاه رسول الله ذا الفقار ، وكانت تأتي الحملة وأمامها فوج الرماح ، أو
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 29 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الفرسان ، فيحمل عليهم علي ( عليه السلام ) ويشق صفوفهم ويقتل قائدهم فينهزمون ، ثم تعود كتيبةٌ أخرى بقائد جديد وطمع جديد أن يقتلوا محمداً وعلياً !
كان جيش المسلمين في معركة أحُد نحو ألف مقاتل ، والمشركين نحو ثلاثة آلاف ، وقد انتصر المسلمون أولَ الأمر ، لكنهم عصوا النبي ( صلى الله عليه آله ) وتركوا مواضعهم وركضوا ليجمعوا الغنائم ، فاغتنم الفرصة خالد بن الوليد وباغت المسلمين فالتفَّ عليهم من خلفهم ، وحمل ابن قميئة على النبي ( صلى الله عليه آله ) ووصل إليه بضربة خفيفة فتخيل أنه قتله ، وصاح المشركون وإبليسهم : قتل محمد ! فانهزم الصحابة وصدَّقوا الخبر ! وظهر نفاق بعضهم فنادى : ألا إن محمداً قد قتل فارجعوا إلى دينكم الأول ! واجتمع الفارُّون على الجبل عند صخرة ، وقرروا أن يوسطوا رئيس المنافقين في المدينة ، فيأخذ لهم الأمان من أبي سفيان !
وقد حاول عليٌّ ( عليه السلام ) أن يردَّهم قبل صعودهم الجبل لكن دون فائدة ، فوبخهم ! قال أبو واثلة يصف توبيخ علي ( عليه السلام ) للفارين كما في تفسير القمي : 1 / 114 : ( فرأيت علياً كالليث يتقي الدر ، وإذ قد حمل كفاً من حصى فرمى به في وجوهنا ثم قال : شاهت الوجوه وقطَّت وبطَّت ولطَّت ، إلى أين تفرون إلى النار ؟ ! فلمْ نرجع ثم كرَّ علينا الثانية وبيده صفيحة يقطر منها الموت فقال : بايعتم ثم نكثتم ، فوالله لأنتم أولى بالقتل ممن قتل ( أقتُل ) ! فنظرت إلى عينيه كأنهما سليطان يتوقدان ناراً أو كالقدحين المملوين دماً ، فما ظننت إلا ويأتي علينا كلنا ، فبادرت أنا إليه من بين أصحابي فقلت : يا أبا الحسن ، اللهَ اللهَ ، فإن العرب تكر وتفر وإن الكرة تنفي الفرة ، فكأنه استحيا فولى بوجهه عني ، فما زلت أسكن روعة فؤادي ، فوالله ما خرج ذلك الرعب من قلبي حتى الساعة . ونظر رسول الله ( صلى الله عليه آله ) إلى رجل من كبار المهاجرين قد ألقى ترسه خلف ظهره وهو في الهزيمة ، فناداه : يا صاحب
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 30 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الترس ألق ترسك ومُرَّ إلى النار ! فرمى بترسه فقال رسول الله ( صلى الله عليه آله ) : يا نسيبة خذي الترس فأخذت الترس وكانت تقاتل المشركين ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه آله ) : لَمقام نسيبة أفضل من مقام فلان وفلان !
وسمعوا منادياً ينادي من السماء : لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي ، فنزل جبرئيل على رسول الله ( صلى الله عليه آله ) فقال : هذه والله المواساة يا محمد ! فقال رسول الله ( صلى الله عليه آله ) : لأني منه وهو مني . وقال جبرئيل : وأنا منكما ) . انتهى .
* *
ونلاحظ في أحاديث أحُد كثرة الكذب من رواة الخلافة ، للدفاع عمن يحبونهم من الهاربين ، وتعسفهم في إثبات مناقب مكذوبة لهم !
من ذلك : أنهم ادعوا أن عمر هو الذي أجاب أبا سفيان بعد المعركة ، عندما افتخر أبو سفيان بهزيمة المسلمين وقال : أُعلُ هبل ! مع أن المعركة جرت في وادي أحد ، وكان أبو سفيان في أدنى الجبل قرب المعركة ، أما عمر فكان باعترافه بعيداً يتسلق الجبل وينزو كالأروى أو الأروية ، أي العنزة الجبلية ! ( تاج العروس : 10 / 159 ) ! وقد وصفهم الله تعالى بقوله : إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ ، فاستعمل فعل أصعد الرباعي ، الذي يدل على الإبعاد في الصعود ! فكيف سمع عمر كلام أبي سفيان ، وصار ناطقاً باسم الإسلام والنبي ( صلى الله عليه آله ) ، وقد كان فاراً لا يلوي على شئ ، ولا يسمع كلام النبي ( صلى الله عليه آله ) وهو يناديه ويأمره بالرجوع ! وقد صحَّت عندهم الرواية أنه كان من المصدقين بقتل النبي ( صلى الله عليه آله ) ، وكان يتشاور مع طلحة وأبي بكر وغيرهم من القرشيين كيف يقنعون أبا سفيان بتوبتهم من الإسلام ورجوعهم إلى دينهم الأول !
أما الذي أجاب أبا سفيان فكان علياً ( عليه السلام ) وليس عمر : ( فقال أبو سفيان وهو على الجبل : أُعْلُ هُبَل ! فقال رسول الله ( صلى الله عليه آله ) لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) قل له : الله أعلى وأجل .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 31 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فقال : يا علي إنه قد أنعم علينا ! فقال علي ( عليه السلام ) : بل الله أنعم علينا . ثم قال أبو سفيان : يا علي أسألك باللات والعزى هل قتل محمد ؟ فقال له أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : لعنك الله ولعن الله اللات والعزى معك ! والله ما قتل محمد ( صلى الله عليه آله ) وهو يسمع كلامك ! فقال : أنت أصدق ، لعن الله ابن قميئة زعم أنه قتل محمداً ) ! ( تفسير علي بن إبراهيم : 1 / 117 ) .
ويرد روايتهم أيضاً ، ما رواه البخاري عن مداواة فاطمة ( عليها السلام ) لجرح النبي ( صلى الله عليه آله ) وأن عمر وحزبه كانوا غائبين عن مكان النبي ( صلى الله عليه آله ) !
* *
ومن ذلك : ما ادعته عائشة لابن عمها طلحة التيمي ، أنه ثبت مع النبي ( صلى الله عليه آله ) ودافع عنه ولم يهرب ، وأنه أصيب ببضعة وستين جراحة ، كما أصيب علي ( عليه السلام ) !
راجع ابن كثير في النهاية : 4 / 33 ! مع أن طلحة كان في الفارين ولم يرجع لا هو ولا أبو بكر ولا عمر لأنهم لم يحضروا صلاة النبي ( صلى الله عليه آله ) على شهداء أحد !
وقد بلغ بهم الغلو في الدفاع عن الفارين أنهم اتهموا رسول الله ( صلى الله عليه آله ) بأنه فرَّ معهم ! ففي صحيح ابن حبان : 15 / 436 : ( عن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال : خرجنا مع رسول الله ( ص ) مُصْعدين في أحد ، فذهب رسول الله ( ص ) على ظهره لينهض على صخرة فلم يستطع ، فبرك طلحة بن عبيد الله تحته فصعد رسول الله ( ص ) على ظهره حتى جلس على الصخرة ! قال الزبير فسمعت رسول الله ( ص ) يقول : أوجب طلحة ) . انتهى . أي استحق طلحة الجنة ، لأنه ساعد النبي ( صلى الله عليه آله ) في فراره معهم بزعمهم !
وفي رواية البخاري في تاريخه : 8 / 162 ( وتبطَّنَهُ طلحة يومئذ فحمله ) !
وذكر المقريزي في إمتاع الأسماع : 1 / 169 : أن النبي ( صلى الله عليه آله ) كان بديناً وقد لبس يومها درعين ! ( وقد حمله طلحة حين انتهى إلى الصخرة حتى ارتفع عليها ) ! !
وقال البخاري : 4 / 212 : ( رأيت يد طلحة التي وقى بها النبي ( ص ) قد شلت ) ! !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 32 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وبهذا اخترعت مصادر الخلافة قضية اسمها : أوجب طلحة الجنة ! ( راجع من باب المثال : مسند أحمد : 1 / 165 , والترمذي : 3 / 119 ، و : 5 / 307 ، والحاكم : 3 / 25 ) ! !
وكل ذلك مناقض لما رووه أنفسهم وصححوه عن أنس بن النضر أنه ( انتهى إلى عمر وطلحة في رجال من المهاجرين قد ألقوا بأيديهم ، فقال : ما يحبسكم . قالوا : قتل النبي ! قال : فما تصنعون بالحياة بعده ) ؟ ! ( النهاية : 4 / 39 ، وغيرها ) !
وما رووه في صمود النبي ( صلى الله عليه آله ) في ساحة المعركة ، كما في سيرة ابن هشام : 3 / 370 ، و 603 عن ابن عباس ( قال : إن رسول الله ( ص ) لم يبلغ الدرجة المبنية في الشعب ) . انتهى . والدرجة تقع في آخر الوادي للصاعد إلى الجبل ! !
فالنبي ( صلى الله عليه آله ) لم يترك موضعه في ساحة المعركة في وادي أحُد قرب المهراس ، ولا صعد على صخرة ولا شجرة ! والصحابة هم الذين فروا مصعدين في الجبل كما وصفهم الله تعالى ، أو هاربين إلى المدينة !
قال الإمام الصادق ( عليه السلام ) : ( فلما دنت فاطمة ( عليها السلام ) من رسول الله ( صلى الله عليه آله ) ورأته قد شُج في وجهه وأدميَ فوه إدماءً ، صاحت وجعلت تمسح الدم وتقول : اشتد غضب الله على من أدمى وجه رسول الله ! وكان رسول الله يتناول في يده ما يسيل من الدم فيرميه في الهواء فلا يتراجع منه شئ !
قال الصادق ( عليه السلام ) : والله لو سقط منه شئ على الأرض لنزل العذاب .
قال أبان بن عثمان : حدثني بذلك عنه الصباح بن سيابة ، قال قلت : كسرت رباعيته كما يقوله هؤلاء ؟ قال : لا والله ما قبضه الله إلا سليماً ، ولكنه شُجَّ في وجهه . قلتُ : فالغار في أحُد الذي يزعمون أن رسول الله ( صلى الله عليه آله ) صار إليه ؟ قال : والله ما برح مكانه ، وقيل له : ألا تدعو عليهم ؟ قال : اللهم اهد قومي ) . انتهى . ( إعلام الورى : 1 / 179 ، والبحار : 20 / 96 ) .
من جهة أخرى ، حاول رواة قريش طمس دور علي ( عليه السلام ) في أحد ، فلم يشيدوا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 33 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بمجئ فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) إلى المعركة ! ويظهر ذلك من تتبع نصوصهم ومقارنتها بما روته مصادر أهل البيت ( عليهم السلام ) . قال البخاري : 3 / 227 : ( لما كسرت بيضة النبي ( ص ) على رأسه ، وأدميَ وجهه وكسرت رباعيته ، كان عليٌّ يختلف بالماء في المجن ، وكانت فاطمة تغسله ، فلما رأت الدم يزيد على الماء كثرة عمدت إلى حصير فأحرقتها ، وألصقتها على جرحه ( يعني رمادها ) فرقأ الدم ) . انتهى .
فغاية ما ذكروه عن مجئ فاطمة ( عليها السلام ) كيف غسلت جرح النبي ( صلى الله عليه آله ) في وجهه وداوتْهُ ، لكن في حدود ما سمح به البخاري فقط !
قال القمي في تفسيره : 1 / 124 : ( وخرجت فاطمة بنت رسول الله ( صلى الله عليه آله ) تعدو على قدميها ، حتى وافت رسول الله ( صلى الله عليه آله ) وقعدت بين يديه ، فكان إذا بكى رسول الله ( صلى الله عليه آله ) بكت لبكائه وإذا انتحب انتحبت ، ونادى أبو سفيان موعدنا وموعدكم في عام قابل فتقبلُ ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه آله ) لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) قل : نعم ) . انتهى .
وينبغي الإشارة إلى أن بكاء النبي ( صلى الله عليه آله ) آنذاك كان حباً وشكراً لفاطمة ( عليها السلام ) وكان بكاؤها تأثراً لوحدة النبي ( صلى الله عليه آله ) وجراحه !
أما علي ( عليه السلام ) فقد غمطوه حقه ، بل لم يسلم من ذمهم ! فقد زعموا أنه أعطى سيفه إلى فاطمة ( عليهما السلام ) لتغسله من الدم مفتخراً بنفسه ، فوبخه النبي ( صلى الله عليه آله ) وقال له لست أحسن من غيرك ! وروى بعضهم أنه أعطاها سيفه في أحد فاعترف أن فاطمة كانت هناك ، وبعضهم زعم أنه أعطاها إياه عندما رجع إلى المدينة !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 34 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

ثلاث مسائل في تفسير آية الانقلاب

المسألة الأولى : في أقسام المسلمين في الآيات وأهم صفاتهم

القسم الأول : الطيبون ، المجاهدون ، المقاتلون ، الثابتون ، المحسنون ، الرِّبَّيون ، الذين هم الأعلون ، لا يهنون ولا يحزنون .
والقسم الثاني : المنافقون ، الذين تخلفوا عن المعركة بقيادة عبد الله بن سلول . ( الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَو أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا . . .
والقسم الثالث : المؤمنون أصحاب الذنوب ، الذين استزلهم الشيطان ببعض ذنوبهم فهربوا وتركوا النبي ( صلى الله عليه آله ) لسيوف قريش ! ( إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ) .
وهؤلاء قسمان : فطائفة منهم مؤمنون حقيقيون ، لكنهم ضعفوا وارتكبوا معصية الفرار بسبب ذنوبهم ، ثم وفق الله الكثير منهم للتوبة من فرارهم ، وهم الذين أصابهم الغم من عملهم ، وأنزل الله عليهم النعاس رحمةً بهم : ( إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْ لا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا مَا أَصَابَكُمْ وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ . ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ . وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ . . .
والقسم الرابع : طائفة الفارين المنافقين الذين لم يغتموا لفرارهم ، ولم ينزل الله عليهم النعاس : ( وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الأمر مِنْ شَيء قُلْ إِنَّ الأمر كُلَّهُ للهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَو كَانَ لَنَا مِنَ الأمر شَيء مَا قُتِلْنَا هَا هُنَا قُلْ لَو كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِي اللهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 35 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وَاللهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور ) . وهؤلاء هم المعنيون بآية الانقلاب ، وقد ذكر الله تعالى لهم خمس صفات وهي غير الصفات السلبية التي تفهم من مقارنتهم بالمؤمنين :
1 - أنهم طائفة مستقلة في مقابل طائفة المؤمنين ، وإن اشتركوا معهم في الفرار .
2 - أن ظنهم بالله تعالى ظنٌّ جاهلي ، لأن نظرتهم إلى الله تعالى وعقيدتهم به ما زالت جاهلية ، أو أقرب إلى الجاهلية منها إلى الإسلام ، فهم يتعاملون مع الله تعالى بمعادلات النفع الدنيوي ، كما يتعامل المشركون مع أصنامهم ، وكما يتعامل اليهود مع معبودهم ! ولا يعتقدون بهيمنته وقدرته وحكمته وإدارته لرسوله ( صلى الله عليه آله ) للوصول به إلى الهدف الصحيح كما يعتقد الرسول ( صلى الله عليه آله ) والمؤمنون !
3 - أنهم يرون أن قيادتهم هم أفضل من قيادة النبي ( صلى الله عليه آله ) وقيادة الله تعالى ، فبمجرد أن رأوا رجحان كفة المشركين في المعركة ، أنْحَوْا باللائمة على النبي ( صلى الله عليه آله ) وعلى ربه سبحانه ! ( يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الأمر مِنْ شَيء قُلْ إِنَّ الأمر كُلَّهُ للهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَو كَانَ لَنَا مِنَ الأمر شَيء مَا قُتِلْنَا هَا هُنَا )
4 - أنهم منافقون يظهرون للنبي ( صلى الله عليه آله ) أنهم مؤمنون بالله وبرسوله ( صلى الله عليه آله ) ، ولكنهم كذابون فهم لا يسلِّمون بالأمر لله ورسوله ، بل يريدون أن يكون الأمر لهم أو تكون لهم شراكة فيه ! يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَو كَانَ لَنَا مِنَ الأمر شَيء مَا قُتِلْنَا هَا هُنَا ! وقصدهم بقولهم : مَا قُتِلْنَا هَا هُنَا ، أي ما قتل مَن قتل من المسلمين في أحد ! فهم مع نفاقهم يتكلمون باسم المسلمين !
وكلامهم هذا قد يكون في الجبل أو في الطريق ، أو بعد رجوعهم إلى المدينة وفي غياب النبي ( صلى الله عليه آله ) ! وهو محاولة خبيثة لتحريك المسلمين ضد النبي ( صلى الله عليه آله ) وتحميله مسؤولية هزيمة أحُد وقتل من قتل فيها ، ومطلبهم أن يكون لهم من الأمر شئ ، فلا يتصرف النبي ( صلى الله عليه آله ) في المواجهات القادمة بمفرده ، بل تكون القيادة جماعية ! وهم في منطقهم هذا يتناغمون مع منطق ابن سلول وحزبه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 36 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الذين تخلفوا عن أحُد ، مما يشير إلى أن لهم علاقة معهم !
5 - أن مشكلتهم عبادة ذواتهم واهتمامهم بها ، وعدم الاهتمام بأمر الإسلام والمسلمين ! وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الْحَقِّ . . .
صدَّقوا شائعة قتل النبي ( صلى الله عليه آله ) واستعدوا لإعلان توبتهم لأبي سفيان !
ولا بد أن يكونوا هم الذين ذكرهم المحدثون والمؤرخون بأنهم انقلبوا على أعقابهم ، وقرروا أن يعلنوا توبتهم من الإسلام ويرجعوا إلى دينهم الأول ، وهو عبادة الأصنام ، ولكن الرواة غطوا عليهم فلم يسموهم !
قال الطبري في تفسيره : 4 / 151 : ( سمعت الضحاك يقول في قوله : ( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل . . الآية : ناسٌ من أهل الإرتياب والمرض والنفاق ، قالوا يوم فرَّ الناس عن نبي الله ( ص ) وشُجَّ فوق حاجبه وكسرت رباعيته : قُتل محمد فالحقوا بدينكم الأول ! فذلك قوله : أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ! قال ابن زيد . . . : ما بينكم وبين أن تَدَعُوا الإسلام وتنقلبوا على أعقابكم ، إلا أن يموت محمد أو يقتل ، فسوف يكون أحد هذين ، فسوف يموت أو يقتل ) ! !
وقال الرازي في تفسيره : 9 / 22 : ( المسألة الثالثة : قوله : انقلبتم على أعقابكم ، أي صرتم كفاراً بعد إيمانكم ، يقال لكل من عاد إلى ما كان عليه : رجع وراءه وانقلب على عقبه ، ونكص على عقبيه ، وذلك أن المنافقين قالوا لضعفة المسلمين : إن كان محمد قُتل فالحقوا بدينكم ، فقال بعض الأنصار : إن كان محمد قتل ، فإن رب محمد لم يقتل ، فقاتلوا على ما قاتل عليه محمد ) . انتهى .
لكن الرازي وغيره لم يبينوا متى صدر منهم هذا الكفر ، وأين ، ومن قاله ؟ !
ولا نجد لكلامهم وقتاً إلا بعد هزيمة المسلمين ، وقبل انسحاب أبي سفيان عن المدينة ، فلم ينقل أحدٌ هذا الكلام إلا عن هذه الطائفة الذين أهمتهم أنفسهم ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 37 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولم يشملهم النعاس ، بل آووا في الجبل إلى صخرة ، وتشاوروا فيمن يرسلون ليأخذ لهم الأمان من أبي سفيان !
قال الطبري في تاريخه : 2 / 201 : ( وفشا في الناس أن رسول الله ( ص ) قد قُتل ، فقال بعض أصحاب الصخرة : ليت لنا رسولاً إلى عبد الله بن أبيّ فيأخذ لنا أمنةً من أبي سفيان ! يا قوم إن محمداً قد قُتل فارجعوا إلى قومكم ، قبل أن يأتوكم فيقتلوكم ! قال أنس ابن النضر : يا قوم إن كان محمد قد قُتل فإن رب محمد لم يُقتل فقاتلوا على ما قاتل عليه محمد ! اللهم إني أعتذر إليك مما يقول هؤلاء وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء ! ثم شد بسيفه فقاتل حتى قتل ) . انتهى
صاحوا في أحُد داعين إلى الردة والاستسلام ! !
وتفاجؤك نصوصٌ خطيرة تنص على أن مجموعة صحابة ( مهاجرين ) قرشيين ، دعوا الناس إلى الردة والكفر علناً ، بمجرد أن شاعت شائعة قتل النبي ( صلى الله عليه آله ) ! وذلك بعد جولة القتال الأولى ، عندما التفَّ المشركون على المسلمين وفاجؤوهم من ورائهم وقتلوا منهم ، وأشاعوا أنهم قتلوا النبي ( صلى الله عليه آله ) !
وينص بعضها على أن أحدهم وقف على تل يدعو المنهزمين إلى الرجوع إلى دينهم الأول والتسليم لأبي سفيان قبل أن يأتي القرشيون ويقتلوهم ! وأنه عقَّبَ كلامه هذا بقوله : ( إنهم لَعشائرنا وإخواننا ) ! فمن يكون هذا المنادي إلا رئيس الطائفة الذين قال الله تعالى عنهم : ( وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الْحَقِّ ) والناطق الرسمي بإسمهم ! فمن هو هذا الصحابي القرشي الصارخ على التل بالدعوة إلى الكفر ؟ ! وهل لقصة أنس بن النضر وبراءته منهم علاقة بالموضوع ؟ !
طبيعي أنك لا تنتظر من رواة خلافة قريش أن يبينوا اسمه ! لكنك بالتأمل في نصوصهم تعرف من هم الصحابة أبطال هذه القصة الذين رووا أقوالهم بدون
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 38 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ذكر أسمائهم فقالوا : نادى منادٍ يوم أحد حين هزم أصحاب محمد : ألا إن محمداً قد قُتل ، فارجعوا إلى دينكم الأول . . وقالوا : لو أن محمداً كان حياً لم يهزم ، ولكنه قد قُتل ! وقال أناس منهم : لو كان نبياً ما قُتل ! ! قال أهل المرض والارتياب والنفاق حين فرَّ الناس عن النبي ( ص ) : قد قتل محمد ، فالحقوا بدينكم الأول !
قال السيوطي في الدر المنثور : 2 / 80 : ( وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال : نادى منادٍ يوم أحد حين هزم أصحاب محمد : ألا إن محمداً قد قتل ، فارجعوا إلى دينكم الأول ، فأنزل الله : وما محمد إلا رسول . . الآية . وأخرج ابن جرير من طريق العوفي ، عن ابن عباس أن رسول الله ( ص ) اعتزل هو وعصابة معه يومئذ على أكمة والناس يفرُّون ، ورجلٌ قائمٌ على الطريق يسألهم ما فعل رسول الله ؟ وجعل كلما مروا عليه يسألهم فيقولون : والله ما ندري ما فعل . فقال : والذي نفسي بيده لئن كان قتل النبي لنعطينهم بأيدينا ، إنهم لعشائرنا وإخواننا ! وقالوا : لو أن محمداً كان نبياً لم يهزم ولكنه قد قتل ! فترخصوا في الفرار حينئذ ! فأنزل الله : وما محمد إلا رسول . . الآية كلها .
وأخرج ابن جرير ، وابن أبي حاتم ، عن الربيع في الآية قال : ذلك يوم أحد حين أصابهم من القتل والقرح وتداعَوْا نبيَّ الله ، قالوا قد قتل ، وقال أناس منهم لو كان نبياً ما قتل ، وقال أناسٌ من علية أصحاب النبي ( ص ) : قاتلوا على ما قاتل عليه نبيكم حتى يفتح الله عليكم أو تلحقوا به . وذُكر لنا أن رجلاً من المهاجرين مرَّ على رجل من الأنصار وهو يتشحَّطُ في دمه فقال : يا فلان أشعرت أن محمداً قد قتل ؟ فقال الأنصاري : إن كان محمد قد قتل فقد بلَّغ ، فقاتلوا عن دينكم !
وأخرج ابن جرير ، عن ابن جريج قال : قال أهل المرض والارتياب والنفاق حين فر الناس عن النبي ( ص ) : قد قتل محمد ، فالحقوا بدينكم الأول ! فنزلت هذه الآية : وما محمد إلا رسول . . الآية . . . ) .
وفي سيرة ابن هشام : 3 / 600 : ( قال ابن إسحاق : وحدثني القاسم بن عبد الرحمن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 39 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بن رافع ، أخو بني عدي بن النجار قال : انتهى أنس بن النضر ، عم أنس بن مالك ، إلى عمر بن الخطاب ، وطلحة بن عبيد الله ، في رجال من المهاجرين والأنصار ، وقد ألقوا بأيديهم ، فقال : ما يجلسكم ؟ قالوا : قتل رسول الله ! قال : فماذا تصنعون بالحياة بعده ؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله ، ثم استقبل القوم ، فقاتل حتى قتل ) . ( ورواه ابن كثير في سيرته : 3 / 68 ، وكثيرون . راجع أيضاً : النهاية : 4 / 35 ، وعيون الأثر : 1 / 417 ) . وهي نصوص صارخة تكفي لمعرفة من هم الصحابة الذين نكصوا على أعقابهم ، وصرخ صارخهم يدعو المسلمين إلى الكفر ! ووصفهم ابن جريح بأنهم : ( أهل المرض والارتياب والنفاق ) !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 40 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة الثانية : الصحابة المنقلبون في معركة الخندق وحجة الوداع

نلاحظ أن صفات المنقلبين في أحُد في السنة الثانية للهجرة ، بقيت ثابتة لهم في معركة الأحزاب في السنة الخامسة للهجرة ، وكذلك في حجة الوداع في السنة العاشرة للهجرة ! ففي الآية العاشرة حتى السابعة عشرة من سورة الأحزاب تجد وحدة الخيوط وأقسام المسلمين ! فالثابتون المحسنون الربانيون قلة ، والضعفاء كثرة ، والمنافقون ناشطون ، ولا نقصد بهم حزب ابن سلول ، بل المنافقين المهاجرين المخلوطين بالمؤمنين ! فالذين قال الله عنهم في معركة أحُد : ( وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الأمر مِنْ شَيء ) ! هم أنفسهم الذين قال الله عنهم في معركة الأحزاب : ( وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا ) .
ومرضى القلوب في أحُد ، الذين فروا إلى الجبل وقالوا : ( لو كان نبياً ما قتل ) !
هم المنافقون الذين قال الله عنهم في سورة الأحزاب : ( وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُورًا ) .
والذين قال الله تعالى لهم في أحُد : ( وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ) .
هم الذين قال الله عنهم هنا : ( وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللهِ مَسْؤُولاً . أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يسيراً ) .
والذين ثبتوا في أحُد فقال الله عنهم : ( وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 41 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
هم الذين قال الله عنهم هنا : ( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً . لِيَجْزِىَ اللهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رحيماً ) .
ونفس الخيوط والخطوط والشخصيات تجدها في السنة العاشرة للهجرة ، في سورة المائدة ، سورة حجة الوداع ، وهي آخر سورة نزلت من القرآن !
وهذا يدلنا على أن مشكلة الإسلام هي هؤلاء المنافقون ، الذين يكمن فيهم الانقلاب على الأعقاب ، وينتظر أن يغمض الرسول ( صلى الله عليه آله ) عينيه !
إن سورة المائدة تتضمن خارطة للأخطار على الأمة ، وطريقة معالجتها ، ونكتفي منها بآيات تتعلق بآية الانقلاب :
المسارعون في الكفر هم المسارعون في الانقلاب ! ( المائدة : 41 )
أنهم عبَّاد أنفسهم وأهوائهم يطمعون بالتأثير على النبي ( صلى الله عليه آله ) : ( المائدة : 48 )
أن خطر ارتباطهم باليهود والنصارى سيستمر بعد النبي ( صلى الله عليه آله ) : ( المائدة : 52 ) .
أن خطر الانقلاب أو خطر الردة ما زال قائماً : ( المائدة : 54 - 56 )
أن عملية تمييز الخبيث من الطيب طويلة الأمد : ( المائدة : 99 - 100 )
أن عذاب الصحابة المنقلبين لا يشبهه عذاب أحد من العالمين : ( المائدة : 111 - 115 )
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 42 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المسألة الثالثة : هل أن آية الانقلاب تحذير أم إخبار بوقوعه ؟

تقول الآية : ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَو قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شيئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ ) ؟
وقد يقال : إن الآية ليست أكثر من استفهام إنكاري ، فهي جملة شرطية استفهامية ، لا تدل على وقوع شرطها وجزائها !
فيقال : نعم هي جملة فرضية ، لكن المتكلم هو الله تعالى والفرض منه له دلالة وهو يدل هنا على أن انقلابهم محتمل الوقوع ، أما وقوعه بالفعل فقد تكفلت به السنة والتاريخ ! على أن في الآية دلالةً أكثر من الشرطية في قوله تعالى : ( وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شيئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ ) ، حيث قسَّم الأمة بعد النبي ( صلى الله عليه آله ) إلى منقلبين على أعقابهم ، وشاكرين على ما أصابهم !
وقد يجاب : إن احتمال الوقوع احتمال عقلي مجرد كاحتمال أن يكفر الأنبياء والرسل ( عليهم السلام ) في قوله تعالى : ( وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) . ( الزمر : 65 ) ، فتحذيرات الأنبياء ( عليهم السلام ) لا تدل على وقوع الشرط منهم ، فكذلك تحذيرات المؤمنين من الردة .
والجواب : أن الدليل الخارجي دل على أن هذا الاحتمال في الأنبياء ( عليهم السلام ) لن يتحقق لنبوتهم وعصمتهم ، أما في حق غيرهم فيبقى احتمالاً عادياً ! ولذا لم يكتف بفرضية الانقلاب في الآية ، بل قسم الأمة إلى منقلبين على أعقابهم ، وشاكرين ، ووعد الشاكرين بجزاء جميل !
( وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شيئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ ) .
قد يقال : لو سلمنا أن بعض الصحابة قد انقلب على عقبيه في أحُد ودعا إلى
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 43 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الكفر ، فقد كانت فَلْتَة وقى الله المسلمين شرها ، والصحابة الذين انقلبوا أو كادوا ، تابوا ثم شاركوا في حروب النبي ( صلى الله عليه آله ) ، وقد يكونون فرَّوا من معارك أخرى وتابوا أيضاً ، ولم نسمع أن النبي ( صلى الله عليه آله ) عنَّفَهم ، فالملاك حسن العاقبة ، وأن النبي ( صلى الله عليه آله ) مات وهو عنهم راض ، ولم يخبر أنهم سينقلبون بعد موته ويكفرون !
والجواب : أن وقوع الانقلاب والردة في أحُد من بعض الصحابة معلومٌ برواية أتباعهم ، فضلاً عن رواياتنا ، أما توبتهم منه فلم يروها أحد .
ولا بد أن النبي ( صلى الله عليه آله ) وبَّخهم بعد أحدُ ، وقال لهم في أنفسهم قولاً بليغاً ، حيث لم يصل إلينا كل ما قاله وما فعله النبي ( صلى الله عليه آله ) ! والسنة التي سمحت الخلافة القرشية بتدوينها بعد قرن ونصف ، لا تغطي إلا القليل من سيرته وأقواله وأفعاله ( صلى الله عليه وآله ) !
على أنهم رووا طرفاً من توبيخه ( صلى الله عليه آله ) لبعضهم عندما اعترض عليه عمر في صلح الحديبية ، قال السيوطي في الدر المنثور : 6 / 68 : ( وأخرج البيهقي عن عروة قال : أقبل رسول الله ( ص ) من الحديبية راجعاً ، فقال رجل من أصحاب رسول الله : والله ما هذا بفتح ، لقد صُدِدنا عن البيت ، وصُدَّ هَدْيُنا ، وعكف رسول الله بالحديبية ، ورَدَّ رجلين من المسلمين خرجا ! فبلغ رسول الله ( ص ) قول رجال من أصحابه إن هذا ليس بفتح فقال : بئس الكلام هذا أعظم الفتح لقد رضي المشركون أن يدفعوكم بالراح عن بلادهم ويسألوكم القضية ، ويرغبون إليكم في الإياب ، وقد كرهوا منكم ما كرهوا وقد أظفركم الله عليهم وردكم سالمين غانمين مأجورين ، فهذا أعظم الفتح ! أنسيتم يوم أحُد ، إذ تصعدون ولا تلوون على أحد وأنا أدعوكم في أخراكم ! أنسيتم يوم الأحزاب ، إذ جاؤكم من فوقكم ومن أسفل منكم ، وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا ) . انتهى .
ولا شك أن هذا بعض أحداث الحديبية ، ومثله ما روي عن أحد والخندق !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 44 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأما القول بأن الملاك حسن العاقبة وأن النبي ( صلى الله عليه آله ) مات وهو راض عنهم .
فجوابه : إن أصح كتاب عند أتباع الصحابة بعد كتاب الله تعالى ، هو البخاري وقد روى عدة أحاديث ترسم مشهداً كارثياً للصحابة في الآخرة وأنهم يدخلون جهنم ، ويُمنعون حتى من مواجهة النبي ( صلى الله عليه آله ) ! وأنه ينكشف يومها للناس أنهم كانوا مجرمين كباراً انقلبوا على أعقابهم ، وأوقعوا الأمة في أعظم كارثة !
بل روى البخاري أنه لا ينجو منهم من جهنم إلا قلة قليلة ، مثل الغنم المنفردة عن القطيع ! فقطيع الصحابة هالك ، ولا يسلم إلا المعارضون المنفردون عنه !
قال البخاري : 7 / 208 : ( عن أبي هريرة عن النبي ( ص ) قال : بينا أنا قائمٌ فإذا زمرةٌ حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال : هلمَّ ، فقلت أين ؟ قال إلى النار والله ! قلت : وما شأنهم ؟ قال : إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى ! ثم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال : هلمَّ ! قلت : أين ؟ قال : إلى النار والله ! قلت : ما شأنهم ؟ قال : إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى ! فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم ) ! انتهى .
وقد صرحت الرواية الآتية للبخاري بأن هؤلاء المطرودين عن الحوض من الصحابة ، وفسرها شراحه بالصحابة ! فقد روى البخاري : 2 / 975 : ( يرد على الحوض رجالٌ من أصحابي فيحلؤون عنه فأقول يا رب أصحابي ! فيقول : فإنه لا علم لك بما أحدثوا بعدك ، إنهم ارتدوا على أعقابهم القهقرى ) ! وشبيهاً به في : 8 / 86 . و : 7 / 195 و 207 - 210 وص 84 و 87 و : 8 / 86 و 87 ، ونحوه مسلم : 1 / 150 و : 7 / 66 وابن ماجة : 2 / 1440 وأحمد : 2 / 25 و 408 و : 3 / 28 و : 5 / 21 و 24 و 50 و : 6 / 16 ، والبيهقي في سننه : 4 / 14 ، وغيرهم ، وفي بعضها تفاصيل مهمة ، ذكرنا بعضها في المسألة 69 من كتاب : ( ألف سؤال وإشكال على المخالفين ) .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 45 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

9 - فتنة هذه الأمة بالأئمة المضلين ، على سنن من قبلها !

شهدت عامة المصادر كالبخاري ومسلم أن النبي ( صلى الله عليه آله ) حذَّرَ المسلمين مراراً وتكراراً من الانحراف بعده ، وفي نفس الوقت أخبرهم بأن ذلك سيكون ، فقال : ( لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً شبراً وذراعاً بذراع ، حتى لو دخلوا جُحْرَ ضَبٍّ تبعتموهم ! قلنا : يا رسول الله ، اليهود والنصارى ؟ قال : فمن ؟ ! ) .
وقال لهم في مناسبة أخرى : ( والذي نفسي بيده لتتبعنَّ سننَ الذين من قبلكم ، شبراً بشبر ، وذراعاً بذراع ، وباعاً فباعاً ، حتى لو دخلوا جُحْرَ ضبٍّ لدخلتموه ! قالوا ومن هم يا رسول الله ، أهل الكتاب ؟ قال : فَمَهْ ؟ ! ) .
وقال في مناسبة أخرى : ( لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي مأخذ الأمم والقرون قبلها شبراً بشبر وذراعاً بذراع ، قالوا : يا رسول الله كما فعلت فارس والروم ؟ قال : وهل الناس إلا أولئك ؟ ! ) . ( روت ذلك عامة المصادر كالبخاري : 9 / 126 و : 8 / 151 ، ومسلم : 4 / 2054 عن أبي سعيد الخدري ، ونحوه ص 2055 ، وأحمد : 2 / 327 و 325 و 450 ، ونحوه ص 336 و 367 و 527 و : 3 / 84 و 9 و 94 و : 4 / 125 ، والروياني : ح‍ 1085 عن سهل بن سعد ، والبغوي في المصابيح : 3 / 458 ، من صحاحه ، عن أبي سعيد ، كما في رواية البخاري الثانية ، وجامع الأصول : 10 / 409 ح‍ 7472 ، و 7473 ، وجمع الجوامع : 1 / 902 ، والجامع الصغير : 2 / 401 ح‍ 7224 ، ومجمع الزوائد : 7 / 261 ، وفيض القدير : 5 / 261 ، ومسند ابن الجعد ص 491 ، والديباج على مسلم : 6 / 33 و 34 ، ومصنف عبد الرزاق : 11 / 369 ، وكنز العمال : 14 / 207 ) .
ورواه في الكنى والأسماء : 2 / 30 وفيه : عن ابن عباس أن رسول الله ( صلى الله عليه آله ) قال : ولتركبن سنن من كان قبلكم شبراً حتى لو أن أحدهم دخل جُحر ضَبٍّ دخلتم ، وحتى لو أن أحدهم ضاجع أمه بالطريق لفعلتم !
والحاكم : 1 / 37 و 4 / 455 وصححه وفيه : حتى لو أن أحدهم جامع امرأته بالطريق لفعلتموه .
ومصنف ابن أبي شيبة : 8 / 634 ، وفيه : ( أنتم أشبه الناس سمتاً وهدياً ببني إسرائيل لتسلكن طريقهم حذو القذة بالقذة والنعل بالنعل ) . قال عبد الله : إن من البيان سحراً .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 46 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال في هامشه : القُذَّة ريش السهم ، وللسهم ثلاث قذذ متقاربة الواحدة بجانب الأخرى ، ويقال حذو القذة بالقذة للشيئين يستويان ولا يتفاوتان ) .
وفي شرح النووي : 16 / 219 : ( السَّنَن بفتح السين والنون هو الطريق ، والمراد بالشبر والذراع وجحر الضب : التمثيل بشدة الموافقة لهم ) .
وفي فتح الباري : 13 / 255 : ( قال عياض : الشبر والذراع والطريق ودخول الجحر ، تمثيلٌ للاقتداء بهم في كل شئ مما نهى الشرع عنه وذمه . . . وقد أخرج الطبراني من حديث المستورد بن شداد رفعه : لا تترك هذه الأمة شيئاً من سننن الأولين حتى تأتيه . . . وحيث قيل اليهود والنصارى كان هناك قرينة تتعلق بأمور الديانات أصولها وفروعها . . . وأخرج ابن أبي خيثمة من طريق مكحول عن أنس ، قيل : يا رسول الله متى يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؟ قال : إذا ظهر فيكم ما ظهر في بني إسرائيل ، إذا ظهر الإدهان في خياركم ، والفحش في شراركم ، والملك في صغاركم ، والفقه في رذالكم ) . انتهى .
وفي مناسبة أخرى قال النبي ( صلى الله عليه آله ) : ( لتنقض عرى الإسلام عروة عروة ، كلما نقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها ، فأولهن نقضاً الحكم ، وآخرهن الصلاة ) .
( رواه من مصادرنا : الشيخ الطوسي ( رحمه الله ) وغيره ، قال في الأمالي ص 186 : أخبرنا محمد بن محمد قال : أخبرني أبو محمد الحسن بن محمد العطشي قال : حدثنا أبو علي محمد بن همام الإسكافي قال : حدثنا حمزة بن أبي جمة الجرجرائي الكاتب قال : حدثنا أبو الحارث شريح قال : حدثنا الوليد بن مسلم ، عن عبد العزيز بن سليمان ، عن سليمان بن حبيب ، عن أبي أمامة الباهلي عن النبي ( صلى الله عليه آله ) .
ورواه من مصادرهم : أحمد : 5 / 251 ، والبخاري في تاريخه : 8 / 333 ح‍ 3214 ، وابن حبان : 8 / 253 ح‍ 6680 ، عن أبي أمامة . والطبراني الكبير : 8 / 116 ، والجامع الصغير : 2 / 403 ح‍ 7232 ، وص 473 ، والحاكم : 4 / 92 ، وقال : والإسناد كله صحيح ولم يخرجاه . ومجمع الزوائد : 7 / 281 ، وقال : رواه أحمد والطبراني ، ورجالهما رجال الصحيح ) .
وفي هذه الأحاديث نقاط مهمة تعرضنا لها في ( ألف سؤال وإشكال ) خلاصتها :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 47 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أولاً ، أن معناها أن النبي ( صلى الله عليه آله ) نعى الأمة إلى نفسها ، وأنها ستنحرف بعده ، وهي حقيقة مرة وخطيرة لكنها قطعية !
ثانياً ، أن مقصوده ( صلى الله عليه آله ) انحراف غالبية الأمة ، وليس فئة صغيرة منها ، وإلا لقال : ليتبعن فئة من أمتي ، أو مارقة من أمتي سنن من كان قبلهم . ولم يصح أن يوجه خطابه إلى جميع الأمة فيقول ( صلى الله عليه آله ) : لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً شبراً . . . والذي نفسي بيده لتتبعنَّ سننَ الذين من قبلكم . . ولتركبن سنن من كان قبلكم . . .
ثالثاً ، أن الانحراف الموعود يشمل العقائد والشرائع والسياسة ، كما حدث في بني إسرائيل ، الذين شمل انحرافهم أصول عقيدتهم بالله تعالى ، وطعنهم بأنبيائهم ومخالفتهم لأوصيائهم ( عليهم السلام ) واتباعهم لغيرهم ! وقد نصَّت بعض صيغ الأحاديث على الشمول ، كقوله ( صلى الله عليه آله ) : لتنقض عرى الإسلام عروة عروة ، كلما نقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها ، فأولهن نقضاً الحكم ، وآخرهن الصلاة . وسواء أراد بالحكم الخلافة ، أو القضاء ، فهو يدل على انحراف السلطة الحاكمة .
رابعاً ، هذه الأحاديث النبوية تفسر آية الانقلاب على الأعقاب : ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَو قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شيئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ ) ( آل عمران : 144 ) ، وأن الشرطية والاستفهام فيها إنذارٌ واستنكار وإخبار ! وليس قضية فرضية لن تحدث !
خامساً ، أين هو هذا الانحراف في الأمة ، إن لم يكن ما تقوله الشيعة ؟ فلو سألت بعضهم : هل تحقق ما أخبر به النبي ( صلى الله عليه آله ) واتبعت الأمة سنن اليهود والنصارى ؟ ! لحاول أن ينفي ذلك ويثبت لك أن الأمة بعد نبيها ( صلى الله عليه آله ) مشت على طريق الهدى ، واتبعت خير أصحابه أبا بكر وعمر ، وأن الذين ارتدوا قبائل قليلة تم إخضاعهم ، وأن الذين انحرفوا هم فئة قليلة من أهل الأهواء والبدع ، وهم الرافضة الذين رفضوا خلافة أبي بكر وعمر ، وزعموا أن النبي ( صلى الله عليه آله ) أوصى لعلي والعترة ( عليهم السلام ) !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 48 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولو قلت له : لو كانت أغلبية الأمة مهتدية لما صح هذه الإطلاق والتعميم في كلام النبي ( صلى الله عليه آله ) ، ولكان اللازم أن يقول مثلاً : لتتبعن فئة من أمتي ، أو مارقة من أمتي سنن من كان قبلها ؟ !
إنه لا جواب عندهم على هذا التعميم المبين المتواتر في كلام النبي ( صلى الله عليه آله ) ، إلا أن يطعن أحدٌ في صدق النبي ( صلى الله عليه آله ) والعياذ بالله !
سادساً ، من أين يبدأ هذا الانحراف الخطير في الأمة ؟
والجواب : أن النبي ( صلى الله عليه آله ) حدد مصدر الانحراف وأساس الفتنة بأنه حكام قريش وأئمتهم المضلون وأغيلمة قريش ! ففي مجمع الزوائد : 5 / 239 : ( وعن ثوبان قال رسول الله ( ص ) : إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين . رواه أحمد ورجاله ثقات . . . وعن سداد بن أوس قال قال رسول الله ( ص ) : إني لا أخاف على أمتي إلا الأئمة المضلين . . . رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح . . . قال قال عمر لكعب : إني سائلك عن أمر فلا تكتمني . قال : والله ما أكتمك شيئاً أعلمه ، قال : ما أخوف ما تخاف على أمة محمد ( ص ) ؟ قال : أئمة مضلين ، قال عمر : صدقت قد أسرَّ إليَّ وأعلمنيه رسول الله ( ص ) . رواه أحمد ورجاله ثقات ) .
وروى أحمد : 5 / 145 ، عن أبي ذر قال : كنت أمشي مع رسول الله ( ص ) فقال : لغير الدجال أخوفني على أمتي . قالها ثلاثاً ! قال قلت يا رسول الله ، ما هذا الذي غير الدجال أخوفك على أمتك قال : أئمة مضلون ) ! ( ورواه أبو يعلى : 1 / 359 ح‍ 466 ، والفردوس : 3 / 131 ح‍ 4163 عن علي ) .
وفي سنن الترمذي : 3 / 342 : ( عن ثوبان قال قال رسول الله ( ص ) : إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين . لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله . هذا حديث صحيح ) . وقال في شرحه في تحفة الأحوذي : 6 / 401 :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 49 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
( باب ما جاء في الأئمة المضلين : قوله : إنما أخاف على أمتي أئمة مضلين ، أي داعين إلى البيع والفسق والفجور . . . قوله ( هذا حديث صحيح ) ، وأخرجه مسلم وابن ماجة بدون ذكر إنما أخاف على أمتي أئمة مضلين . وأخرجه أبو داود مطولاً ) . انتهى . وروى ابن أبي شيبة في المصنف : 15 / 142 : ( عن علي قال : كنا عند النبي ( ص ) جلوساً وهو نائم ، فذكرنا الدجال فاستيقظ محمراً وجهه فقال : غير الدجال أخوف عليكم عندي من الدجال : أئمة مضلون ) . انتهى .
* *
أما من طرق أهل البيت ( عليهم السلام ) فقد روى الطوسي في أماليه : 2 / 126 حديث ابن أبي شيبة بدون حذف فقال : ( عن عبد الله بن يحيى الحضرمي قال : سمعت علياً ( عليه السلام ) يقول : كنا جلوساً عند النبي ( صلى الله عليه آله ) وهو نائم ورأسه في حجري فتذاكرنا الدجال ، فاستيقظ النبي محمراً وجهه فقال : غير الدجال أخوف عليكم من الدجال ، الأئمة المضلون ، وسفك دماء عترتي من بعدي ، أنا حرب لمن حاربهم وسلم لمن سالمهم ) .
وفي كمال الدين للصدوق ص 281 : ( عن سعيد بن غزوان عن أبي بصير ، عن أبي عبد الله عن آبائه ( عليهم السلام ) قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه آله ) : إن الله عز وجل اختار من الأيام الجمعة ، ومن الشهور شهر رمضان ، ومن الليالي ليلة القدر ، واختارني على جميع الأنبياء ، واختار مني علياً وفضله على جميع الأوصياء ، واختار من علي الحسن والحسين ، واختار من الحسين الأوصياء من ولده ، ينفون عن التنزيل تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل المضلين ، تاسعهم قائمهم ) . انتهى .
ونختم بما رواه في الكافي : 1 / 62 ، وتفسير العياشي : 1 / 14 ، بسند صحيح عن سُلَيْم بن قيس الهلالي ، قال قلت لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) : إني سمعت من سلمان والمقداد وأبي ذر شيئاً من تفسير القرآن وأحاديث عن نبي الله ( صلى الله عليه آله ) غير ما في أيدي الناس ، ثم سمعت منك تصديق ما سمعت منهم ، ورأيت في أيدي الناس أشياء كثيرة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 50 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
من تفسير القرآن ومن الأحاديث عن نبي الله ( صلى الله عليه آله ) أنتم تخالفونهم فيها ، وتزعمون أن ذلك كله باطل ، أفترى الناس يكذبون على رسول الله ( صلى الله عليه آله ) متعمدين ؟ ويفسرون القرآن بآرائهم ؟ قال : فأقبل عليَّ فقال :
قد سألت فافهم الجواب . إن في أيدي الناس حقاً وباطلاً ، وصدقاً وكذباً ، وناسخاً ومنسوخاً ، وعاماً وخاصاً ، ومحكماً و متشابهاً ، وحفظاً ووهماً ، وقد كذب على رسول الله ( صلى الله عليه آله ) على عهده حتى قام خطيباً فقال : أيها الناس قد كثرت عليَّ الكذابة ، فمن كذب علي متعمداً فليتبوء مقعده من النار ! ثم كُذب عليه من بعده ! وإنما أتاكم الحديث من أربعة ليس لهم خامس : رجل منافق يظهر الإيمان ، متصنع بالإسلام لا يتأثم ولا يتحرج أن يكذب على رسول الله ( صلى الله عليه آله ) متعمداً ، فلو علم الناس أنه منافق كذاب لم يقبلوا منه ولم يصدقوه ، ولكنهم قالوا هذا قد صحب رسول الله ( صلى الله عليه آله ) ورآه وسمع منه ، وأخذوا عنه ، وهم لا يعرفون حاله ، وقد أخبر الله عن المنافقين بما أخبره ووصفهم بما وصفهم فقال عز وجل : وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ . ثم بقوا بعده فتقربوا إلى أئمة الضلالة والدعاة إلى النار بالزور والكذب والبهتان فولوهم الأعمال ، وحملوهم على رقاب الناس ، وأكلوا بهم الدنيا ! وإنما الناس مع الملوك والدنيا إلا من عصم الله ، فهذا أحد الأربعة .
ورجل سمع من رسول الله شيئاً لم يحمله على وجهه ووَهِمَ فيه ولم يتعمد كذباً فهو في يده يقول به ويعمل به ويرويه فيقول : أنا سمعته من رسول الله ( صلى الله عليه آله ) فلو علم المسلمون أنه وَهِمَ لم يقبلوه ، ولو علم هو أنه وهم لرفضه .
ورجل ثالث سمع من رسول الله ( صلى الله عليه آله ) شيئاً أمر به ثم نهى عنه وهو لا يعلم ، أو سمعه ينهى عن شئ ثم أمر به وهو لا يعلم ، فحفظ منسوخه ولم يحفظ الناسخ ، ولو علم أنه منسوخ لرفضه ، ولو علم المسلمون إذ سمعوه منه أنه منسوخ لرفضوه . وآخر رابع لم يكذب على رسول الله ( صلى الله عليه آله ) ، مبغض للكذب خوفاً من الله وتعظيماً لرسول الله ( صلى الله عليه آله ) ، لم ينسه بل حفظ ما سمع على وجهه فجاء به كما سمع لم يزد فيه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 51 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولم ينقص منه ، وعلم الناسخ من المنسوخ ، فعمل بالناسخ ورفض المنسوخ فإن أمر النبي ( صلى الله عليه آله ) مثل القرآن ناسخ ومنسوخ ومحكم ومتشابه ، قد كان يكون من رسول الله ( صلى الله عليه آله ) الكلام له وجهان : كلام عام وكلام خاص مثل القرآن ، وقال الله عز وجل في كتابه : وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا . فيشتبه على من لم يعرف ولم يدر ما عنى الله به ورسوله ( صلى الله عليه آله ) .
وليس كل أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه آله ) كان يسأله عن الشئ فيفهم ! وكان منهم من يسأله ولا يستفهمه حتى أن كانوا ليحبون أن يجيئ الأعرابي والطارئ فيسأل رسول الله ( صلى الله عليه آله ) حتى يسمعوا . وقد كنت أدخل على رسول الله ( صلى الله عليه آله ) كل يوم دخلة وكل ليلة دخلة فيخليني فيها أدور معه حيث دار ، وقد علم أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه آله ) أنه لم يصنع ذلك بأحد من الناس غيري ، فربما كان في بيتي يأتيني رسول الله ( صلى الله عليه آله ) أكثر ذلك في بيتي ، وكنت إذا دخلت عليه بعض منازله أخلاني وأقام عني نسائه ، فلا يبقى عنده غيري ، وإذا أتاني للخلوة معي في منزلي لم تقم عني فاطمة ، ولا أحد من بنيَّ ، وكنت إذا سألته أجابني ، وإذا سكت عنه وفنيت مسائلي ابتدأني ، فما نزلت على رسول الله ( صلى الله عليه آله ) آية من القرآن إلا أقرأنيها وأملاها عليَّ فكتبتها بخطي ، وعلمني تأويلها وتفسيرها ، وناسخها ومنسوخها ، ومحكمها ومتشابهها ، وخاصها وعامها ، ودعا الله أن يعطيني فهمها وحفظها ، فما نسيت آية من كتاب الله ولا علماً أملاه عليَّ وكتبته منذ دعا الله لي بما دعا ، وما ترك شيئاً علمه الله من حلال ولا حرام ولا أمر ولا نهي كان أو يكون ، ولا كتاب منزل على أحد قبله من طاعة أو معصية إلا علمنيه وحفظته ، فلم أنس حرفاً واحداً ، ثم وضع يده على صدري ودعا الله لي أن يملأ قلبي علماً وفهماً وحكماً ونوراً ، فقلت : يا نبي الله بأبي أنت وأمي منذ دعوت الله لي بما دعوت لم أنس شيئاً ولم يفتني شئ لم أكتبه ، أفتتخوف عليَّ النسيان فيما بعد ؟ فقال : لا ، لست أتخوف عليك النسيان والجهل . وقد أخبرني ربي أنه قد استجاب لي فيك وفي شركائك الذين يكونون من بعدك . فقلت : يا رسول الله ومن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 52 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
شركائي من بعدي ؟ قال : الذين قرنهم الله بنفسه وبي . فقال : الأوصياء مني إلى أن يردوا علي الحوض ، كلهم هاد مهتد لا يضرهم من خذلهم ، هم مع القرآن والقرآن معهم ، لا يفارقهم ولا يفارقونه ، بهم تنصر أمتي وبهم يمطرون ، وبهم يدفع عنهم ، وبهم استجاب دعاءهم . فقلت : يا رسول الله سمهم لي فقال : ابني هذا ، ووضع يده على رأس الحسن ، ثم ابني هذا ووضع يده على رأس الحسين ، ثم ابن له يقال له علي ، وسيولد في حياتك فاقرأه مني السلام ، ثم تكملة اثني عشر من ولد محمد . فقلت له : بأبي أنت وأمي فسمهم لي ، فسماهم رجلاً رجلاً فيهم والله يا أخا بني هلال مهدي أمة محمد ( صلى الله عليه آله ) الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً و ظلماً ، والله إني لأعرف من يبايعه بين الركن والمقام وأعرف أسماء آبائهم وقبائلهم ) . ( ورواه النعماني / 75 ، والطبري الشيعي في المسترشد / 29 ، والصدوق في كمال الدين : 1 / 284 ، والخصال : 1 / 255 ، والحراني في تحف العقول / 193 ، والطبرسي في الإحتجاج : 1 / 264 ، وابن ميثم البحراني في شرح النهج : 4 / 19 ، والحر العاملي في إثبات الهداة : 1 / 664 ، والمجلسي في البحار : 2 / 228 ، و : 36 / 273 و 276 ، و : 9 / 98 . ويوجد قسم منه في نهج البلاغة ، شرح صبحي الصالح ، خطبة 210 ، وشرح محمد عبده : / 214 . وروى ابن الجوزي قسماً منه في تذكرة الخواص ص 143 ، مرسلاً عن كميل بن زياد ) .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 53 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

10 - فتنة هذه الأمة بالشجرة الملعونة في القرآن

تكشف آية الشجرة الملعونة في القرآن وأحاديثها ، قوانين صعبة التعقل في إدارة الله تعالى للبشر ، وحقائق صعبة التحمل عن مستقبل الأمة الإسلامية !
قال الله تعالى : ( وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَو مُعَذِّبُوهَا عذاباً شديداً كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا . وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأَوَلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلا تَخْوِيفًا . وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا التي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلا طُغْيَانًا كَبِيرًا . وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ قَالَ اسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا . قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَىَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلا قليلاً . قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فإن جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا . وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلا غُرُورًا . إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلاً ) . ( الإسراء : 58 - 65 )
وخلاصة تفسيرها : أن سنة الله تعالى أنه سُيهلك الدول والحضارات التي يقيمها البشر على غير هداه أو يعذبها قبل يوم القيامة ، وذلك عندما يأتي الوقت لإقامة دولة العدل الإلهي . وسيمهل هذه الأمة الآخرة ولن يعاجلها بآيات العقوبة كبعض الأمم السابقة ، وأنها سوف تقيم دولاً وحضارة على غير هدى الله ، وقد أرى الله تعالى رسوله ( صلى الله عليه آله ) في منامه دولة الشجرة الملعونة التي ستتسلط على أمته وصوَّر له قادتها وهم ينزون نزو القرود على منبره ويضلون أمته !
ثم بيَّن أن مشكلة هؤلاء القرود حسدهم للنبي وآله ( صلى الله عليه آله ) فهي مشكلة أعداء الأنبياء ( عليهم السلام ) المزمنة بل مشكلة إبليس مع آدم ( عليه السلام ) !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 54 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد شرح ذلك أمير المؤمنين ( عليه السلام ) فقال : في نهج البلاغة : 1 / 82 : ( والله ما تنقم منا قريش إلا أن الله اختارنا عليهم ، فأدخلناهم في حيِّزنا ، فكانوا كما قال الأول :
أدمتَ لعمري شُرْبَك المحْضَ صابحاً وأكلك بالزبد المقشرةَ البُجْرا
ونحن وهبناك العلاءَ ولم تكنعلياً وحُطنا حولك الجُرْدَ والسُّمْرا ) .
وقال ( عليه السلام ) : ( أين الذين زعموا أنهم الراسخون في العلم دوننا ، كذباً وبغياً علينا أن رفعنا الله ووضعهم ، وأعطانا وحرمهم ، وأدخلنا وأخرجهم !
بنا يستعطى الهدى ، ويستجلى العمى . إن الأئمة من قريش ، غرسوا في هذا البطن من هاشم ، لا تصلح على سواهم ، ولا تصلح الولاة من غيرهم ) . ( نهج البلاغة : 2 / 27 ) .
وقال الإمام الباقر ( عليه السلام ) : في قوله تعالى : ( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً ) : نحن الناس المحسودون على ما آتانا الله من الإمامة دون خلق الله أجمعين . فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عظيماً ، يقول : جعلنا منهم الرسل والأنبياء والأئمة ، فكيف يقرون به في آل إبراهيم ( عليه السلام ) وينكرونه في آل محمد ( صلى الله عليه آله ) ؟ ! وقال الراوي بريد العجلي : قلت : وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً ؟ قال : الملك العظيم أن جعل فيهم أئمةً مَن أطاعهم أطاع الله ومن عصاهم عصى الله ، فهو الملك العظيم ) . ( الكافي : 1 / 205 )
وقد صحت الأحاديث النبوية في مصادر الجميع ، في أن الشجرة الملعونة في القرآن هم بنو أمية ! وأورد الأميني ( رحمه الله ) قسماً منها في الغدير : 8 / 248 قال : ( وأخرج الطبري والقرطبي وغيرهما من طريق سهل بن سعد قال : رأى رسول الله ( ص ) بني أمية ينزون على منبره نزو القردة فساءه ذلك ! فما استجمع ضاحكاً حتى مات ، وأنزل الله تعالى : وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا التي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلا طُغْيَاناً كَبِيراً . وروى القرطبي والنيسابوري عن ابن عباس : إن الشجرة الملعونة هم بنو أمية . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمرو أن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 55 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
النبي ( ص ) قال : رأيت ولد الحكم بن أبي العاص على المنابر كأنهم القردة فأنزل الله : وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا التي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ . يعني الحكم وولده . . . ) . الخ . راجع لزيادة المصادر فيما رويناه : تفسير الطبري 15 : 77 ، تاريخ الطبري 11 : 6 35 ، مستدرك الحاكم 4 : 48 ، تاريخ الخطيب 8 : 28 و ج 9 : 44 ، تفسير النيسابوري هامش الطبراني 15 : 55 ، تفسير القرطبي : 10 : 283 ، 286 ، النزاع والتخاصم للمقريزي ص 52 ، أسد الغابة : 3 / 14 من طريق الترمذي ، تطهير الجنان لا بن حجر هامش الصواعق ص 148 فقال : رجاله رجال الصحيح إلا واحداً فثقة . الخصايص الكبرى 2 : 118 ، الدر المنثور 4 : 191 ، كنز العمال 6 : 90 ، تفسير الخازن 3 : 177 ، تفسير الشوكاني 3 : 230 ، 231 ، تفسير الآلوسي 15 : 107 وقال : ومعنى جعل ذلك فتنة للناس جعله بلاء لهم ومختبراً ، وبذلك فسره ابن المسيب ، وكان هذا بالنسبة إلى خلفائهم الذين فعلوا ما فعلوا ، وعدلوا عن سنن الحق وما عدلوا وما بعده بالنسبة إلى ما عدا خلفاءهم منهم ممن كان عندهم عاملاً وللخبائث عاملاً ، أو ممن كان أعوانهم كيف ما كان . ويحتمل أن يكون المراد : ما جعلنا خلافتهم وما جعلنا أنفسهم إلا فتنة ، وفيه من المبالغة في ذمهم ما فيه ، وجعل ضمير نخوفهم على هذا لما كان له أولاداً أو شجرة باعتبار أن المراد بها بنو أمية ولعنهم لما صدر منهم من استباحة الدماء المعصومة ، والفروج المحصنة ، وأخذ الأموال من غير حلها ، ومنع الحقوق عن أهلها ، وتبديل الأحكام ، والحكم بغير ما أنزل الله تبارك وتعالى على نبيه عليه الصلاة والسلام ، إلى غير ذلك من القبايح العظام والمخازي الجسام التي لا تكاد تنسى ما دامت الليالي والأيام ، وجاء لعنهم في القرآن إما على الخصوص كما زعمته الشيعة ، أو على العموم كما نقول فقد قال سبحانه وتعالى : إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ . وقال عز وجل : فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ . أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ . . إلى آيات أخر . . .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 56 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقوله ( صلى الله عليه آله ) من طريق أبي ذر : إذا بلغت بنو أمية أربعين اتخذوا عباد الله خولاً ، ومال الله نحلاً ، وكتاب الله دغلاً . وقوله ( صلى الله عليه آله ) من طريق حمران بن جابر اليمامي : ويل لبني أمية ، ثلاثاً ! أخرجه ابن مندة كما في الإصابة 1 : 353 ، وحكاه عن ابن مندة وأبي نعيم السيوطي في الجامع الكبير ، كما في ترتيبه 6 : 39 ، 91 .
وقوله ( صلى الله عليه آله ) من طريق أبي ذر : إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين رجلاً اتخذوا مال الله دولاً ، وعباد الله خولاً ، ودين الله دغلاً . قال حلام بن جفال : فأنكر على أبي ذر فشهد علي بن أبي طالب رضي الله عنه : إني سمعت رسول الله يقول : ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر ، وأشهد أن رسول الله ( ص ) قاله . أخرجه الحاكم من عدة طرق وصححه هو والذهبي كما في المستدرك 4 : 480 ! وأخرجه أحمد ، وابن عساكر ، وأبو يعلى ، والطبراني والدار قطني ، من طريق أبي سعيد ، و أبي ذر ، وابن عباس ، ومعاوية ، وأبي هريرة ، كما في كنز العمال 6 / 39 ، 90 .
وذكر ابن حجر في تطهير الجنان هامش الصواعق 147 بسند حسن : أن مروان دخل على معاوية في حاجة وقال : إن مؤنتي عظيمة أصبحت أبا عشرة وأخا عشرة وعم عشرة ثم ذهب ، فقال معاوية لابن عباس وكان جالساً معه على سريره : أنشدك بالله يا بن عباس أما تعلم أن رسول الله ( ص ) قال : إذا بلغ بنو أبي الحكم ثلاثين رجلاً اتخذوا آيات الله بينهم دولاً ، وعباد الله خولاً ، وكتابه دخلاً فإذا بلغوا سبعة وأربعمائة كان هلاكهم أسرع من كذا ؟ قال : اللهم ، نعم ) . انتهى .
وقال ابن الأعثم في الفتوح : 7 / 85 ، يصف تجهيز عبد الملك بن مروان لحرب عبد الرحمن بن الأشعث لما خرج عليه من كرمان : ( ثم نزل عن المنبر ودخل إلى منزله فجعل يعطي الناس ويجهزهم إلى العراق ، وبعث إلى خالد بن يزيد بن معاوية فدعاه ، وكان خالد بن يزيد علامة بأيام الناس عارفاً بكتب الفتن ، فقال له : ويحك يا أبا هاشم ، هل تتخوف علينا من الرايات السود شيئاً ، فإنا نجد في
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 57 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الكتب أن ذهاب ملكنا على أيديهم ؟ قال له خالد : وما اسم بلد هذا الرجل الذي خرج عليك يا أمير المؤمنين ؟ قال : سجستان ، قال خالد : الله أكبر ، لا تخف يا أمير المؤمنين ما لم يأتك الأمر من قعر مرو ! قال وجعل عبد الملك بن مروان لا ينام الليل من الفكر والغم ، وربما هجع ثم يستيقظ كالفزع المرعوب وهو يقول : لقد تركني ابن الأشعث في هجوع ! ) . انتهى .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 58 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

11 - ما اختلفت أمة بعد نبيها إلا غلب أهل باطلها !

نقرأ في مصادر الشيعة قول النبي ( صلى الله عليه آله ) لعلي ( عليه السلام ) : ( يا علي ، ما بعث الله رسولاً إلا وأسلم معه قوم طوعاً وقوم آخرون كرهاً ، فسلط الله الذين أسلموا كرهاً على الذين أسلموا طوعاً فقتلوهم ليكون أعظم لأجورهم !
يا علي ، وإنه ما اختلفت أمة بعد نبيها إلا ظهر أهل باطلها على أهل حقها ، وإن الله قضى الفرقة والاختلاف على هذه الأمة ، ولو شاء الله لجعلهم على الهدى حتى لا يختلف اثنان من خلقه ولا يتنازع في شئ من أمره ، ولا يجحد المفضول ذا الفضل فضله . ولو شاء عجل النقمة فكان منه التغيير حتى يكذب الظالم ، ويعلم الحق أين مصيره . ولكن جعل الدنيا دار الأعمال ، وجعل الآخرة دار القرار ، لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى ) . ( كتاب سُليم ( رحمه الله ) ص 137 ) .
ورواه الطبراني في المعجم الأوسط : 7 / 370 : ( عن موسى بن عبيدة ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر قال قال رسول الله ( ص ) : ما اختلفت أمة بعد نبيها إلا ظهر أهل باطلها على أهل حقها . لم يرو هذا الحديث عن عبد الله بن دينار إلا موسى بن عبيدة ، ولا عن موسى إلا أبو بكر بن عياش ، تفرد به منصور بن أبي نويرة ) . ورواه السيوطي في الجامع الصغير : 2 / 481 ، والهندي في كنز العمال : 1 / 183 .
لكن الهيثمي ضعفه فقال في مجمع الزوائد : 1 / 157 : ( رواه الطبراني في الأوسط وفيه موسى بن عبيدة وهو ضعيف ) . انتهى .
وضعفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي ص 137 ، قال عن حديث آخر : ( هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث موسى بن عبيدة . وموسى بن عبيدة يضعف في الحديث من قبل حفظه وهو صدوق . وقد روى عنه شعبة والثوري ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 59 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال في إرواء الغليل : 5 / 222 : ( قلت : وعلته موسى بن عبيدة هذا فإنه ضعيف كما جزم الحافظ في التقريب . وقال الذهبي في الضعفاء والمتروكين : ضعفوه ، وقال أحمد : لا تحل الرواية عنه ) . انتهى .
ويبطل العجب عندما تعرف أن موسى بن عبيدة شيعي ، وأنهم اتهموه بالوهم وحرموا الرواية عنه ، مع شهادتهم بأنه صدوق ! قال في مستدركات علم رجال الحديث : 8 / 21 : ( موسى بن عبيدة أبو حسان العجلي الكوفي : من أصحاب الصادق ( عليه السلام ) ، عُدَّ مجهولاً ، وروى عنه صفوان الجمال . تقدم في علقمة بن محمد ما يدل على مدحه وجلالته . وما يفيد حسنه في كفاية الأثر باب 3 و 16 ، والإكمال باب 21 ) . انتهى .
ومما يكشف تعصبهم في تضعيفهم لموسى بن عبيدة ، أن الذهبي وغيره رووا هذا الحديث عن الشعبي وهو إمام عندهم ، ولا عذر لهم بأن الشعبي لم يرفعه ، لأنه لا يتكلم من عنده ، بل ينقل قاعدة وسنة من سنن التاريخ لا يعرفها إلا نبي !
قال الذهبي في سير أعلام النبلاء : 4 / 311 : ( روى عطاء بن السائب ، عن الشعبي قال : ما اختلفت أمة بعد نبيها إلا ظهر أهل باطلها على أهل حقها ) .
ورواه عن الشعبي أيضاً في تذكرة الحفاظ : 1 / 87 وذكر مصدره في هامشه : الحلية : 4 / 313 .
* *
ونظراً إلى خطر هذا الحديث الشريف عليهم لأنه يهدم أساس السقيفة القرشية وخلافتها ، فقد حاولوا أن يعارضوه بإثبات عصمة الأمة ، وأن الله تعالى ضمن لها أن يغلب فيها أهل الحق على أهل الباطل دائماً ، وسيأتي أن معاوية أقر بهذا الحديث لكنه استثنى منه أمة النبي ( صلى الله عليه آله ) ! ولا يتسع المجال لتفصيله هنا .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 60 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 61 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الأول: الموجة الأولى من اضطهاد عترة النبي ( صلى الله عليه آله ) وشيعتهم !

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 62 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 63 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

فهرس لموجات الظلم والاضطهاد على أهل البيت ( عليهم السلام ) وشيعتهم !

إن معرفة الجذور التاريخية للقضايا الفكرية والعقائدية ، تكشف لنا حقيقة الواقع المعاصر في مجتمعاتنا الإسلامية . لذلك نحتاج إلى فهرس لأهم موجات الظلم والاضطهاد التي تعرض لها أهل بيت النبي ( عليهم السلام ) وشيعتهم الأبرار .
لكن هل يمكن تلخيص تأريخ معارضة امتدت أربعة عشر قرناً في كتاب ؟ ! وكيف نضع يدنا على جذور ظلامة أئمة وطائفة على مدى قرون ، كان اضطهادهم برنامجاً ثابتاً لحكومات تفننت في تطويره والمبالغة فيه ؟ !
وكيف نُعدِّد موجات اضطهادهم الكبرى ، ونحدد الأصلية منها والفرعية ؟ والتاريخ ملئٌ بها طافح ، ناطقةٌ صفحاته بمآسيها وقيمها ونبلها ، حتى صار الشيعي يعني المعارضة والظلامة ، وصار الحسين وكربلاء مثلاً عالمياً في ضمير كل الشعوب لظلامة الإنسان !
* *
اخترت تقسيم تاريخ اضطهاد أهل البيت ( عليهم السلام ) وشيعتهم ، إلى الأقسام الخمسة عشر التالية ، لأنها أشد الموجات التي شنَّها علينا المخالفون ، ووصل إلينا قسم من تاريخها فيما سلم من مصادرنا ، وفيما تضمنته ثنايا مصادرهم .
الموجة الأولى : موجة السقيفة ، والهجوم القرشي على أهل بيت النبي ( صلى الله عليه آله ) !
الموجة الثانية : ثورة قريش على إسلام علي ( عليه السلام ) ، بقيادة عائشة وطلحة والزبير .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 64 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الموجة الثالثة : فتنة بني أمية ، وهي موجة قتل الإمام علي والإمام الحسن ( عليهما السلام ) وتسلط معاوية على أمة الرسول ( صلى الله عليه آله ) .
الموجة الرابعة : قتل الإمام الحسين ( عليه السلام ) ، وخطة الأمويين لاستئصال البيت النبوي وشيعتهم ، ثم قتل الإمام زين العابدين ، والإمام محمد الباقر ( عليهما السلام ) !
الموجة الخامسة : موجة المنصور العباسي ، أول خليفة عباسي تبنى خط بني أمية ونشر في العامة تقديس أبي بكر وعمر ، واضطهد شيعة علي وأبنائه ( عليهم السلام ) ، وأسس المذاهب ضدهم ، وقتَل الإمام جعفر الصادق ( عليه السلام ) .
الموجة السادسة : فعاليات هارون الرشيد العباسي ، الذي عمل لترسيخ مذهب المنصور ، وقتَل الإمام الكاظم ( عليه السلام ) ، وقتَل ابنُه المأمون الإمام الرضا ( عليه السلام ) .
الموجة السابعة : فعاليات المعتصم العباسي والد المتوكل ، الذي نقض قرارات أخيه المأمون المعادية لبني أمية ، واللينة مع أهل البيت ( عليهم السلام ) وشيعتهم ، وقتل الإمام محمد الجواد ( عليه السلام ) .
الموجة الثامنة : فعاليات المتوكل العباسي ، الذي تبنى التجسيم بني أمية ونصبهم بأشد منهم ، وخطط لإبادة التشيع والشيعة ، وقتل هو ومن بعده الإمام علي الهادي ( عليه السلام ) ، والإمام الحسن العسكري ( عليه السلام ) ، وحاولوا قتل الإمام المهدي ( عليه السلام ) .
الموجة التاسعة : فعاليات حزب المتوكل الذين عرفوا باسم حنابلة بغداد ، في تكفير الشيعة وهدر دمائهم ، ومهاجمة مراسمهم في عاشوراء ، وقد امتد ذلك من بعد المتوكل إلى حكم السلاجقة !
الموجة العاشرة : فعاليات السلاجقة ، في مناصرة مجسمة الحنابلة حزب المتوكل ، طيلة حكمهم الذي امتد نحو قرن ونصف .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 65 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الموجة الحادية عشرة : فعاليات صلاح الدين الأيوبي ، في القضاء على الدولة الفاطمية في مصر وبلاد الشام ، وعلى التشيع والشيعة عموماً .
الموجة الثانية عشرة : فعاليات المماليك الشراكسة ، في تكريس المذاهب الأربعة واضطهاد الشيعة .
الموجة الثالثة عشرة : فعاليات العثمانيين الأتراك ، في محاربة التشيع ، وإبادة الشيعة .
الموجة الرابعة عشرة : فعاليات الروس والإنكليز والغربيين ، ضد الشيعة خاصة .
الموجة الخامسة عشرة : فعاليات أتباع ابن تيمية الجدد ، الذين أحيوا حزب المتوكل ، ونشروا النصب والتجسيم في المسلمين ، وكفَّروا من خالفهم ، وهدروا دماءهم ، وخاصة الشيعة ، وتبنوا مهاجمة مراسمهم ومشاهد أئمتهم ( عليهم السلام ) !
* *
وبعض هذه الموجات طويلٌ يمتد قروناً ، أو قصيرٌ يمتد سنين ، لكني اعتبرت الميزان في وحدة الموجة أن تكون خطة واحدة يبدأ بها شخص أو دولة أو جهة ويتابعها الذين بعده ، حتى لو امتدت طويلاً ، ما لم تتغير خطتها .
وعلى هذا الأساس اعتبرت الموجة القرشية اثنتين : لأن أولاهما بدأت في عهد النبي ( صلى الله عليه آله ) وكان هدفها غصب الخلافة وعزل أهل بيت النبي ( صلى الله عليه آله ) . بينما كان هدف الثانية إسقاط حكم علي ( عليه السلام ) الذي جاءت به موجة غضب شعبي قادها الصحابة والتابعون ضد ظلم الخليفة القرشي الأموي عثمان .
واعتبرت الفتنة الأموية في حكم معاوية ويزيد وبني مروان ، موجتين أيضاً ، لأن الهدف العملي لمعاوية كان نفس الهدف القرشي ، وهو إسقاط حكم علي والعترة ( عليهم السلام ) ، بينما كان هدف ابنه يزيد اجتثاث البيت النبوي وإبادته شيعته
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 66 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بالكامل ! ثم لم يختلف هذا الهدف عند بني مروان إلا بقدر ما سمحت لهم به الظروف ، أو لم تسمح !
ثم اعتبرت أن موجة الظلم العباسي بدأت بالمنصور الدوانيقي ، لأن أخاه السفاح كان متسامحاً يحمل قدراً من الروح الهاشمية ، بينما كان المنصور سفاحاً مسرفاً في سفك الدماء ! وقد ساءه أن يرى المرجعية الفكرية للأمة متمركزة في الأئمة من ذرية الحسين ( عليه السلام ) فقرر تأسيس مذهب في مقابلهم وأمر مالك بن أنس أن يكتب له كتاباً موطأً ليلزم به المسلمين ، وحصر الفتوى بمالك ، ومنع أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) وفقهاء المدينة أن يفتوا ما دام مالك موجوداً ، حتى صار قراره مثلاً : ( لا يفتين أحد ومالك في المدينة ) ، وقام باضطهاد الإمام جعفر الصادق ( عليه السلام ) وقتله ، وقتل الكثير من شيعته ، وأمر المحدثين والفقهاء والولاة أن لا يرووا شيئاً في فضائل علي ( عليه السلام ) ، ولا شيئاً يطعن بأبي بكر وعمر ، وأن يفضلوهما على علي ( عليه السلام ) ! ثم ابتدع مدح أبي بكر وعمر في خطبة الجمعة وقال : ( والله لأرغمن أنفي وأنوفهم ، وأرفع عليهم بني تيم وعدي ) . ( منهاج الكرامة ص 69 ) .
وكان السبب في عمل المنصور هذا أن شركاءهم الحسنيين اتهموهم بسرقة الثورة وثاروا ضدهم وسيطروا على الحجاز واليمن والبصرة ، وكاد جيشهم أن يطيح بالمنصور في الكوفة ، فانتصر عليهم ونكَّل بهم وقتَّلهم وشردهم ! ثم اتخذ قراراته غيظاً من أبناء علي ( عليه السلام ) كلهم ، بتغيير الخط الفكري لثورة العباسيين ، وإعادة الاعتبار للخلفاء القرشيين ، بعد أن قامت الثورة الهاشمية على البراءة منهم ، ورفعت في مقابل الأمويين شعار : يا لثارات الحسين ( عليه السلام ) ، وفي مقابل قريش : الدعوة إلى الرضا من آل محمد . وقد استمرت خطة المنصور في أولاده خلفاء بني العباس ، لكن هارون الرشيد اتخذ إجراءات عملية واسعة في اضطهاد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 67 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) وشيعتهم وقام بهدم قبر الحسين ( عليه السلام ) ، وسجن الإمام الكاظم ( عليه السلام ) وقتله ، ونكَّل بالشيعة ، فجعلنا عهده موجة ظلم جديدة .
ثم جاء بعده المأمون فاتبع سياسة مركبة غريبة ، فكان في النظرية قريباً من مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، خاصة في التنزيه ومحاربة التشبيه والتجسيم ، ومحاربة النواصب لأهل البيت ( عليهم السلام ) المحبين لبني أمية ! أما في التطبيق فكان عدواً لدوداً لأهل البيت ( عليهم السلام ) ، فقد أجبر الإمام الرضا ( عليه السلام ) على أن يكون وليَّ عهده ، ليسكِّت بذلك ثورات العلويين ، ويغيض بني العباس الذين أيدوا أخاه الأمين في عزله عن ولاية العهد ! لكنه بعد انتصاره على أخيه الأمين وقتله ، تصالح مع العباسيين وأعاد العاصمة من طوس إلى بغداد وأقدم على سم الإمام الرضا ( عليه السلام ) !
لذلك اعتبرنا ظلم المأمون للعترة النبوية وشيعتهم امتداداً لسياسة أبيه الرشيد .
واعتبرنا أخاه المعتصم بداية موجة جديدة ، لأنه نقض قرارات أخيه المأمون وأعاد ظلم أبيه الرشيد ، واضطهد الشيعة وقتل الإمام الجواد ( عليه السلام ) !
واعتبرنا المتوكل بن المعتصم بداية موجة اضطهاد جديدة ، لأنه بالغ في نقض مقررات عمه المأمون ، وزاد على أبيه المعتصم وجده الرشيد فكوَّن ( ميليشيا ) عقائدية سياسية لمعاداة أهل البيت ( عليهم السلام ) وشيعتهم سماهم أهل الحديث ! وقتل الإمام علي الهادي ( عليه السلام ) ومنع زيارة الإمام الحسين ( عليه السلام ) وقام بهدم قبره !
إلى آخر المبررات الموضوعية ، التي قسمنا على أساسها اضطهاد أهل البيت الطاهرين ( عليهم السلام ) وشيعتهم الأبرار ، إلى مراحل أو موجات !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 68 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

تاريخ البشرية قام على ثقافة الغارة والحق لمن غلب !

لا بد من الاعتراف بأن تاريخ البشرية من عصر أبينا آدم ( عليه السلام ) إلى اليوم ، ملئٌ بنقض التعليمات الإلهية والقيم الإنسانية ، وأن الخط الحاكم فيه كان وما زال : ثقافة الغارة والقتل ، وقانون : الحق لمن غلب ! لا فرق في ذلك بين قديم وجديد ولا شرق وغرب ، ولا عرب وعجم ، وبدو وحضر !
نعم ، يوجد في تاريخ البشرية ظواهر وقيمٌ إنسانية رائعة ، تجسدت في شخصيات أو جماعات ، لكنها استثناءات لا عموم لها ، والعموم لضدها !
إن تاريخ الأنبياء والأوصياء ( عليهم السلام ) وكفاحهم المرير يتلخص فكرياً ، بأنه صراعٌ الهدى الإلهي مع الضلال البشري ، في النظرة إلى الكون والحياة والإنسان .
ويتلخص عملياً بأنه صراعٌ بين الهدى الإلهي الذي يريد احترام الإنسان وحقوقه ، وبين الطغيان البشري الذي يصرُّ على هدر إنسانيته ، والتشبث بثقافة الغارة والقتل وقانون الغلبة !
وفي تاريخنا الإسلامي تمكَّن نبينا ( صلى الله عليه آله ) في مدة حكمه القصيرة أن يوقف سلوكية القتل والغارة ، ويفرض بدلها ( حرمة دم الإنسان وماله وعرضه ، والمعتدي يعاقب ) ، وأن يوقف عملياً قانون الجاهلية العالمي ( الحق لمن غلب ) ويفرض بدله قانون : ( الحق لصاحب الحق ، والمعتدي يعاقب ) . وكان ما حققه ( صلى الله عليه آله ) إنجازاً وإعجازاً في مجتمعات قبلية جائعة ، تقوم حياتها على الغارة والقتل والغلبة !
ولم يقتصر الإعجاز النبوي في تطبيقه مبادئ حقوق الإنسان في قوله وفعله طوال حياته الشريفة ، بل في اهتمامه الشديد بتوعية المسلمين على احترام هذه المبادئ ، وترسيخ ثقافة القرآن والوحي في أصلها وحدودها وتطبيقها .
فنحن نلاحظ في سنته وسيرته ( صلى الله عليه آله ) تأكيداته المتواصلة على هذه المبادئ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 69 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وتوصياته بها ، خاصة في خطبه الست في حجة الوداع ، التي تضمنت درراً نبوية حول حقوق الإنسان ، نلخص عناوينها في الأسس التالية :
1 - أساس المساواة الإنسانية .
- مبدأ الوحدة الإنسانية بين البشر ، وإلغاء التمايز القومي .
- مبدأ حسن معاملة النساء ، وعدم ظلمهن .
2 - أساس وحدة الأمة الإسلامية .
- مبدأ إلغاء آثار الجاهلية ومآثرها وتشريعاتها المخالفة للإسلام .
- مبدأ الأخوة والتكافؤ بين المسلمين .
- مبدأ احترام حياة المسلم ، وتحريم دماء المسلمين على بعضهم .
- مبدأ احترام عرض المسلم وكرامته ، وتحريم أعراضهم على بعضهم .
- مبدأ احترام الملكية الشخصية ، وتحريم أموال المسلمين على بعضهم .
- مبدأ من قال لا إله إلا الله ، فقد عصم ماله ودمه .
- مبدأ ختام النبوة به ( صلى الله عليه آله ) ، وختام الأمم بأمته .
- مبدأ شهادة النبي ( صلى الله عليه آله ) على الأمة في الآخرة ، وموافاتها له على الحوض .
- مبدأ ضرورة الدقة والحذر من محقرات الأعمال التي تجر إلى الانحراف .
- مبدأ التحذير من الكذب على النبي ( صلى الله عليه آله ) ووجوب التحقق فيما ينقل عنه .
3 - أساس وحدة الشريعة ووحدة ثقافة المسلمين .
- مبدأ أداء الأمانة .
- قوانين الإرث .
- قوانين الديات والقصاص .
- تشريعات مناسك الحج ( خذوا عني مناسككم ) .
4 - مبادئ مسيرة الدولة والحكم بعد النبي ( صلى الله عليه آله ) .
- مبدأ البشارة بالأئمة الاثني عشر من عترته ( عليهم السلام ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 70 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- مبدأ التأكيد على الثقلين القرآن وأهل البيت ( عليهم السلام ) .
- مبدأ إعلان أن علياً ( عليه السلام ) ولي الأمة بعده والإمام الأول من الاثني عشر ( عليهم السلام ) .
- مبدأ أداء الفرائض ، وإطاعة ولاة الأمر .
- مبدأ تخليد تعاهد قريش وكنانة على حصار بني هاشم .
- مبدأ تحذير قريش من أن تطغى بعد وفاته ( صلى الله عليه آله ) .
- مبدأ تحذير الصحابة من الإرتداد بعده ( صلى الله عليه آله ) والصراع على السلطة .
5 - أساس عقوبة المخالفين للخط النبوي .
- مبدأ تحذير الصحابة من تسبيب انهيار الأمة بصراعهم على السلطة .
- مبدأ تحذيرهم من العقوبة الإلهية ، يوم يلاقون نبيهم ( صلى الله عليه آله ) على الحوض .
- مبدأ لعن من ادعى إلى غير أبيه ، أو تولى غير مواليه صلوات الله عليهم .
وفي كل واحد من هذه المبادئ آيات وأحاديث نبوية ، تشكل مع نصوص خطب الوداع منظومةً في الحقوق يكمل بعضها بعضاً ، في وحدة عقيدية وتشريعية فريدة ، من بناء صرح الإسلام الرباني .
وقد استوعبنا نصوص الخطب النبوية في حجة الوداع في ( آيات الغدير ) ، وغرضنا هنا أن نوضح أن أولى موجات الاضطهاد على أهل البيت النبوي ( عليهم السلام ) وشيعتهم ، بدأت بعودة ثقافة الغارة والقتل وقانون الغلبة !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 71 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الموجة الأولى : الهجوم القرشي على بيت النبي ( صلى الله عليه آله )

اتفق الرواة والمؤرخون أن الذي حصل في اليوم الثاني لوفاة النبي ( صلى الله عليه آله ) هو أن مجموعة من الصحابة جاؤوا إلى بيت علي وفاطمة ( عليهما السلام ) ، لا لكي يعزُّوهم بوفاة النبي ( صلى الله عليه آله ) ، بل كانوا حاملين سيوفهم وأكداساً من الحطب ومشعل نار ، ووضعوا الحطب على باب الدار ، وأنذروا المجتمعين فيه أن يخرجوا ويبايعوا أبا بكر ، وإلا أحرقوا الدار بمن فيه ! وكان في الدار فاطمةُ بنت رسول الله ( صلى الله عليه آله ) سيدة نساء أهل الجنة ، وعليٌّ عضد رسول الله وابن عمه وصهره ، والحسنُ والحسينُ سبطا رسول الله ، وسيدا شباب أهل الجنة ، وعدد من كبار الصحابة ، من المهاجرين والأنصار !
وكان جرمهم أنهم كانوا مشغولين بمراسم تجهيز النبي ( صلى الله عليه آله ) ودفنه ، فتفاجؤوا بأن عدداً من الصحابة الذين تركوا مراسم جنازة النبي ( صلى الله عليه آله ) وذهبوا خلسة عنهم واجتمعوا في سقيفة ، وتحاجٌّوا فيمن هو الأحق بوراثة سلطان محمد ، فبادر عمر وبايع صاحبه أبا بكر وبايعه بضعة أشخاص ، وتجمع معهم الطلقاء شاهرين سيوفهم يطلبون من المسلمين البيعة ( بكامل اختيارهم وإرادتهم الحرة ) !
فلما سمع علي ( عليه السلام ) والمشغولون بدفن النبي ( صلى الله عليه آله ) اجتمعوا يتداولون فيما يفعلون فاستحقوا المهاجمة والتهديد بالقتل وحرق الدار على من فيه إن لم يبايعوا ! !
معنى هذا : أنه بمجرد أن أغمض النبي ( صلى الله عليه آله ) عينيه عاد قانون : الحق لمن غلب وعادت ثقافة الغارة والقتل ، وأسلوب حرق البيوت على من فيها من أحياء !
ولم تقف المسألة عند عودة ثقافة الغارة والقتل وقانون الغلبة ! فالأفظع منها أن الحكومات القرشية ربَّت أجيال المسلمين على تقديس ذلك العنف والافتخار به !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 72 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فصرت تقرأ تمجيد حادثة الهجوم على بيت علي وفاطمة ( عليهما السلام ) لشاعر العرب حافظ إبراهيم ، في قصيدته العمرية المشهورة ، التي يقول فيها :
وقولةٌ لعلي قالها عمرٌ أكرم بسامعها أعظم بملقيها
حرَّقتُ دارك لا أبقي عليك بها إن لم تبايعْ وبنتُ المصطفى فيها
ما كان غير أبي حفص بقائلها أمام فارس عدنان وحاميها !
فكان ذلك تربية باسم الدين على شرعية ديكتاتورية الحاكم ، وشرعية اضطهاده للمعارضة ! بل زادت ثقافة الخلافة في الطنبور نغمة ، فجعلت قمع المعارضة مفخرة دينية يرتلها المسلمون شعراً ونثراً !
فلماذا نعجب إذا رأينا حكامنا لا يتحملون المعارضة ، ويقمعونها بوحشية ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 73 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الثاني: رفض قريش للعهد النبوي وترتيبها بيعة السقيفة

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 74 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 75 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الظلامات الهائلة في سقيفة قريش !

إن ما قام به الحزب القرشي في مرض النبي من منعه ( صلى الله عليه آله ) أن يكتب عهداً يؤمِّن به مستقبل أمته ، ويضمن هدايتها وتفوَّقها إلى يوم القيامة !
ثم ما قام به بمجرد أن أغمض النبي عينيه ( صلى الله عليه آله ) من إعلانه أبا بكر خليفة ، بدون مشورة المسلمين ، وتهديده آل الرسول ( صلى الله عليه آله ) بحرقهم أحياء إن لم يبايعوا !
كان عملاً تاريخياً هائلاً ! تمَّ فيه حَرْف سفينة الإسلام من مسارها الرباني النبوي المشرق ، إلى مسارٍ قبلي قرشي مظلم !
وقد اعتبرناهما عملاً واحداً ، لأن وقوفهم ضد كتابة العهد النبوي ومواجهتهم الخشنة للنبي ( صلى الله عليه آله ) يوم الخميس ، ليست إلا مقدمة لسقيفتهم يوم الاثنين ، بعد وفاة النبي ( صلى الله عليه آله ) بساعة واحدة ! وغرضنا هنا تسليط ضوء على ظلامة هذا العمل ، ظلامة الإسلام ، وأمته ، ونبيه ( صلى الله عليه آله ) ، وعترته الطاهرين ( عليهم السلام ) :

1 - أكبر الظلامات في السقيفة مصادرتهم لولاية الله تعالى

فالحزب القرشي عندما رفض الترتيب النبوي لوضع الأمة ، ومنع النبي ( صلى الله عليه آله ) من كتابة عهده لتأمين مستقبلها ، قد نصب نفسه ولياً على النبي ( صلى الله عليه آله ) !
فمن الذي أعطاه هذه الولاية على سيد الأنبياء والمرسلين ( صلى الله عليه آله ) ؟ !
إن إيمانهم بنبوته ( صلى الله عليه آله ) يعني إيمانهم بعصمته الشاملة ، كما قال الله تعالى : وَمَا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 76 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى ، وطلبه منهم أن يلتزموا بتنفيذ ما سيكتبه لهم ، إنما هو أمر الله تعالى ! فالتعارض في الحقيقة بين إرادتهم وإرادة الله تعالى ورفضهم للعرض النبوي رفضٌ لإرادة الله تعالى وفرضٌ لإرادتهم بدلها !
فمن الذي أعطاهم هذه الولاية على الأمة ونبيها ( صلى الله عليه آله ) وقرآنها مقابل الله تعالى ؟ بل من أعطاهم الولاية على رب العالمين عز وجل ؟ ! !
إن كل حجتهم على عملهم هي أن بني هاشم لا يصح أن يجمعوا بين النبوة والخلافة لأن ذلك ظلمٌ لقبائل قريش ! فهل النبوة قسمةُ قبائل ! ومن الذي أخبرهم أن كتابة النبي ( صلى الله عليه آله ) لعهده ظلم لقريش ، بينما سقيفتهم حقٌّ وعدل لقريش وللعالمين ؟ ! أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بعضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ) . ( الزخرف : 32 )
في تاريخ الطبري : 3 / 288 ، عن ابن عباس ، وفي شرح النهج : 6 / 50 ، عن عبد الله بن عمر ، ولفظهما متقارب ، قال : ( كنت عند أبي يوماً ، وعنده نفر من الناس ، فجرى ذكر الشعر ، فقال : من أشعر العرب ؟ فقالوا : فلان وفلان ، فطلع عبد الله بن عباس فسلم وجلس ، فقال عمر : قد جاءكم الخبير ، من أشعر الناس يا عبد الله ؟ قال : زهير بن أبي سلمى . قال : فأنشدني مما تستجيده له .
فقال : يا أمير المؤمنين ، إنه مدح قوماً من غطفان يقال لهم بنو سنان ، فقال :

لو كان يَقْعُد فوق الشمس من كرم * قومٌ بأولهم أو مجدهم قعدوا
قوم أبوهم سنان حين تنسبهم * طابوا وطاب من الأولاد ما ولدوا
إنسٌ إذا أمنوا ، جنٌّ إذا فزعوا * مرزَّؤون بها ليلاً إذا جهدوا
محسَّدون على ما كان من نعم * لا ينزع الله منهم ما لهُ حسدوا

فقال عمر : والله لقد أحسن ، وما أرى هذا المدح يصلح إلا لهذا البيت
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 77 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
من هاشم لقرابتهم من رسول الله ( ص ) . فقال ابن عباس : وفقك الله يا أمير المؤمنين ، فلم تزل موفقاً . فقال : يا بن عباس ، أتدري ما منع الناس منكم ؟ قال : لا ، يا أمير المؤمنين . قال : لكني أدري . قال : ما هو يا أمير المؤمنين ؟ قال : كرهت قريش أن تجتمع لكم النبوة والخلافة ، فتُجْخفوا جخفاً ( تتكبروا تكبراً ) ، فنظرت قريش لنفسها فاختارت ووفقت فأصابت ! فقال ابن عباس : أيميط أمير المؤمنين عني غضبه فيسمع ؟ قال : قل ما تشاء . قال : أما قول أمير المؤمنين : إن قريشاً كرهت ، فإن الله تعالى قال لقوم : ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ . وأما قولك : إنا كنا نجخف ، فلو جخفنا بالخلافة جخفنا بالقرابة ، ولكنا قومٌ أخلاقنا مشتقة من خلق رسول الله ( صلى الله عليه آله ) الذي قال الله تعالى : وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ، وقال له : وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ . وأما قولك : فإن قريشاً اختارت ، فإن الله تعالى يقول : وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ، وقد علمت يا أمير المؤمنين أن الله اختار من خلقه لذلك من اختار ، فلو نظرت قريش من حيث نظر الله لها لوفقت وأصابت قريش ! !
فقال عمر : على رسلك يا ابن عباس ، أبت قلوبكم يا بني هاشم إلا غشاً في أمر قريش لا يزول ، وحقداً عليها لا يحول ! فقال ابن عباس : مهلاً يا أمير المؤمنين ، لا تنسب هاشماً إلى الغش فإن قلوبهم من قلب رسول الله ( صلى الله عليه آله ) الذي طهره الله وزكاه ، وهم أهل البيت الذين قال الله تعالى لهم : إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً . وأما قولك : حقداً فكيف لا يحقد من غصب شيئه ويراه في يد غيره ! فقال عمر : أما أنت يا بن عباس فقد بلغني عنك كلام أكره أن أخبرك به فتزول منزلتك عندي . قال : وما هو يا أمير المؤمنين ؟ أخبرني به فإن يك باطلاً فمثلي أماط الباطل عن نفسه ، وإن يك حقاً فإن منزلتي لا تزول به . قال : بلغني أنك لا تزال تقول : أخذ هذا الأمر منكم حسداً وظلماً .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 78 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال : أما قولك يا أمير المؤمنين : حسداً ، فقد حسد إبليس آدم ، فأخرجه من الجنة ، فنحن بنو آدم المحسود . وأما قولك : ظلماً ، فأمير المؤمنين يعلم صاحب الحق من هو ! ثم قال : يا أمير المؤمنين ، ألم تحتج العرب على العجم بحق رسول الله ( صلى الله عليه آله ) ، واحتجت قريش على سائر العرب بحق رسول الله ! فنحن أحق برسول الله من سائر قريش ! فقال له عمر : قم الآن فارجع إلى منزلك ! فقام ، فلما ولى هتف به عمر : أيها المنصرف إني على ما كان منك لراع حقك ! فالتفت ابن عباس فقال : إن لي عليك يا أمير المؤمنين وعلى كل المسلمين حقاً برسول الله ( صلى الله عليه آله ) فمن حفظه فحق نفسه حفظ ، ومن أضاعه فحق نفسه أضاع ، ثم مضى ! فقال عمر لجلسائه : واهاً لا بن عباس ما رأيته لاحى أحداً قط إلا خصمه ) ! انتهى .
أقول : لابن عباس ( رحمه الله ) عدة محاورات مع عمر من نوع هذه المحاورة ، روتها المصادر ، وقد روى هذه المحاورة أو جزء منها : ( جمهرة الأمثال للعسكري : 1 / 339 ، والعقد الفريد ص 1378 ، ونثر الدرر للآبي ص 238 ، وجمهرة أشعار العرب للقرشي ص 29 ، ونضرة الإغريض في نصرة القريض للمظفر بن الفضل ص 105 . وفي هامش المراجعات للسيد شرف الدين ص 395 : ( نقلناه من التاريخ الكامل لابن الأثير بعين لفظه ، وقد أورده في آخر سيرة عمر من حوادث سنة 23 ص 24 من جزئه الثالث ، وأوردها علامة المعتزلة في سيرة عمر أيضا ص 107 من المجلد الثالث من شرح نهج البلاغة . وفي هامش مواقف الشيعة للأحمدي : 1 / 154 : ( ابن أبي الحديد : 12 / 52 ، والإيضاح ص 169 ، والبحار : 8 ط الكمباني ص 292 عن ابن الأثير وابن أبي الحديد . وفي هامش المناظرات في الإمامة ص 74 : شرح النهج لابن أبي الحديد : 12 / 52 ، تاريخ الطبري : 4 / 223 ، الكامل لابن الأثير : 3 / 62 ( في حوادث سنة 23 ) ، الإيضاح لابن شاذان ص 87 . وفي هامش مجلة تراثنا عدد 58 ص 88 : شرح نهج البلاغة : 12 / 5 ، قصص العرب : 2 / 6 ، الكامل في التاريخ : 6 / 288 ) .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 79 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

2 - ظلامة الإسلام في السقيفة

ونقصد بها الظلامة الفكرية للإسلام ! لأن الإسلام علمٌ بكل معنى الكلمة ، بل هو علم العلوم ، لأن وظيفته أن يدير حياة الإنسان بكل علومه ، ويوجهها إلى هدفها المعنوي والمادي الأسمى . لذلك يتوقف تحقيق أهدافه في مجتمعه والعالم على شخص متخصص فيه يطبقه بعلم ، ولا يكفي أن يقول شخص إني سمعت النبي ( صلى الله عليه آله ) يبلغ كتاب ربه ووحيه ، فأنا أستطيع أن أحكم بالإسلام وأطبقه ! بل يحتاج الخليفة أو الإمام إلى إعداد وإلهام إلهي ، ولذلك أعدَّ الله عترة نبيه ( صلى الله عليه آله ) لهداية الأمة بهذا العلم وأورثهم علم الكتاب الذي هو تبيان كل شئ فقال : ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا . ( فاطر : 32 ) . ثم أمر الصحابة والأجيال بطاعتهم لعصمتهم فقال : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمر مِنْكُمْ . ( النساء : 59 ) . فالذين يأمر الله الأمة بطاعتهم أناسٌ خاصون ، ومن المحال أن يأمر بطاعة كل من تغلب على الأمة وصار صاحب أمر !
وقد أجمع المسلمون على تميُّز علي ( عليه السلام ) في علمه ، ورووا أن الله تعالى كما أقْرَأَ الله رسوله فلا ينسى : سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى ( الأعلى : 6 ) ، فقد أمره أن يعدَّ علياً ( عليه السلام ) ويعلمه فلا ينسى ! قال السيوطي في الدر المنثور : 6 / 260 : ( وأخرج سعيد بن منصور ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه ، عن مكحول قال : لما نزلت : وتعيها أذن واعية ، قال رسول الله ( ص ) : سألت ربي أن يجعلها أذن عليّ . قال مكحول : فكان عليٌّ يقول : ما سمعت من رسول الله شيئاً فنسيته !
وأخرج ابن جرير ، وابن أبي حاتم ، والواحدي ، وابن مردويه ، وابن عساكر ، وابن النجاري ، عن بريدة قال : قال رسول الله ( ص ) لعلي : إن الله أمرني أن أدنيك
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 80 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولا أقصيك وأن أعلمك وأن تعي ، وحق لك أن تعي ، فنزلت هذه الآية : وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ) ( الحاقة : 12 ) . وأخرج أبو نعيم في الحلية عن علي قال : قال رسول الله ( ص ) : يا علي إن الله أمرني أن أدنيك وأعلمك لتعي ، فأنزلت هذه الآية : وتعيها أذن واعية ، فأنت أذن واعية لعلمي ) . انتهى .
وقد عرف الجميع علم علي ( عليه السلام ) الذي أبعدوه بالسقيفة ، وضآلة علم أبي بكر وعمر وعثمان ، الذين أتوا بهم من السقيفة ، ورووا أخطاءهم الفظيعة في تفسير أوليات القرآن ، وجهلهم بأوليات أحكام الشريعة ، كتفسير آية : وفاكهةً وأبًّا ، وآية الكلالة ، وآية الربا ، وآية التيمم ، وإرث الجدة ، وعشرات الأمثلة !
قال في فتح الباري : 9 / 323 : ( قوله : وقال عليٌّ : ألم تعلم أن القلم رفع عن ثلاثة عن المجنون حتى يفيق ، وعن الصبي حتى يدرك ، وعن النائم حتى يستيقظ . وصله البغوي في الجعديات عن علي بن الجعد ، عن شعبة ، عن الأعمش ، عن أبي ظبيان ، عن ابن عباس ، أن عمر أتيَ بمجنونة قد زنت وهي حبلى ، فأراد أن يرجمها ! فقال له علي : أما بلغك أن القلم قد وضع عن ثلاثة . . فذكره ، وتابعه بن نمير ، ووكيع وغير واحد ، عن الأعمش ، ورواه جرير بن حازم عن الأعمش فصرح فيه بالرفع . أخرجه أبو داود ، وابن حبان من طريقه ، وأخرجه النسائي من وجهين آخرين . . . وأخذ بمقتضى هذا الحديث الجمهور ) ! انتهى .
فالذي حدث في السقيفة : أن أول أئمة العترة ، الذي عنده علم الكتاب قد أقصيَ وأُجبر على البيعة لشخص لا يعرف حكم العاقل من المجنون ، ويأمر بقتل امرأة وجنينها بدون حق ، باسم الإسلام ! فأي ظلم لعلم وقانون تخصصي كالإسلام ، أكبر من أن تقوم بسجن الخبير المتخصص به ، وتأتي بمن يجهله ليطبقه ويحكم به ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 81 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الدولة العلمانية القرشية تؤسس فصل الدين عن الدولة

كان ما تقدم كان في ظلامة الإسلام في شخص الخليفة أو رئيس الدولة الإسلامية المكلف من الله بتطبيق أهداف الإسلام ، وأحكام شريعته الربانية .
لكن الأمر في السقيفة كان أبعد من شخص الخليفة وتطبيق الإسلام ! فقد جاء عملهم نسفاً لنظام الدولة الربانية ودولة النص الرسولي ، وتأسيساً لنظام دولة علمانية تدور بين قبائل قريش ، مقابلين بها جعل الله النبوة لبني هاشم !
إنه نظام حكم علماني بمنطق قبلي محض ، وفعلٌ بشريٌّ لا علاقة له بالوحي الإلهي والنص النبوي ، ولم يدَّع أحد من مؤسسيه استناده إلى نص النبي ( صلى الله عليه آله ) !
وتسميته خلافةً للنبي ( صلى الله عليه آله ) وتسمية رئيسه خليفة ، لا يغير منه شيئاً ولا يجعله نظاماً دينياً ! فالخليفة هنا لا تعني أكثر من البعدية الزمنية المحضة ، كما تصف شخصاً أو نظاماً بأنه خليفة لنظام سابق ، ولو كان مضاداً له !
وعليه ، فكل الحقوق التي افترضها القرشيون على المسلمين لخليفة نظامهم ، لا أساس لها في الإسلام ! وغاية ما يمكنهم أن يثبتوه له حق الحاكم الزمني على الرأي الفقهي القائل بوجوب طاعته في تنفيذ شريعة الإسلام ، وفي حدود ما سرط الناخبون عليه . هذا ، إذا انتخبوه بمحض إرادتهم بدون إجبار !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 82 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

3 - ظلامة الأمة في السقيفة

حيث تمَّ نقلها من المسار النبوي إلى المسار القبلي ! فقد أنشأ النبي ( صلى الله عليه آله ) هذه الأمة بعين ربه وتوجيهه ، ووضع سفينتها في بحر العالم ، وأطلق مدَّها الحضاري الإنساني في مسيرة البشرية ، في أقصر وقت وأقل كلفة ! فتمَّ له ذلك في عشر سنوات ، ولم يزد عدد القتلى في كل حروبه من المسلمين وأعدائهم على ست مئة شخص ! فكانت أمته خير أمة أخرجت للناس ، لأنها مُنشأة بوحي ربها العليم الحكيم سبحانه ، وإدارة رسوله المطيع الذي لا ينطق عن الهوى ( صلى الله عليه وآله ) .
وقد وضع الله تعالى لهذه الأمة برنامجاً لتبقى خير أمة ، بقيادة الأئمة من عترة نبيها ( صلى الله عليه آله ) ، فكان النبي ( صلى الله عليه آله ) يكرر على أسماع المسلمين في مناسبات عديدة : إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي ، وهو حديث متواتر عند الجميع .
ولكن قريشاً رفضت وصية نبيها بإمامة عترته ، لنفس السبب الذي رفضت نبوته ( صلى الله عليه آله ) ! واتهم منافقوها رسول الله ( صلى الله عليه آله ) بنفس ما اتهموه به على النبوة ! فكانوا يهمسون بينهم بأن محمداً يريد أن يؤسس ملكاً لبني هاشم كملك كسرى وقيصر ! فاليوم ابن عمه علي ابن الثلاث وثلاثين سنة ، وبعده أولاد ابنته فاطمة وهم الآن دون العاشرة ( عليهم السلام ) ! كانوا يقولون : إذا دخلت الخلافة في بني هاشم فلن تخرج منهم أبداً ، وسينتظر بها الحبالى ، ولن يصل إلى بقية القبائل شئ ! وهذا ظلم لقبائل قريش ما بعده ظلم ! !
نعم ، لقد تبنت قريش هذا المنطق القبلي البعيد عن الدين ، واتخذت قرارها بإجماع طلقائها ومن وافقهم من مهاجريها بأن بني هاشم تكفيهم النبوة ، أما الخلافة فيجب أن تكون لقبائل قريش الأخرى ! واتخذوا قراراً بأن على زعماء قريش بتأييد الطلقاء الذين حشدوهم في المدينة ، أن يبادروا بمجرد وفاة النبي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 83 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
( صلى الله عليه وآله ) ويأخذوا خلافته ، ويعزلوا عترته !
ولهذا السبب بادر الحزب القرشي بالرفض الخشن الشرس عندما جمعهم النبي ( صلى الله عليه آله ) في مرض وفاته ، وعرض عليهم أعظم عرض قدمه نبي لأمته ، أن يضمن لهم بقاءهم على الهدى ، وأن يكونوا سادة العالم إلى يوم القيامة ! بشرط أن يلتزموا بتنفيذ ما سيكتبه لهم بأمر ربه ، فتصدى له عمر نيابة عن قريش ورفض كتابة العهد بصلافة ! فأطاعوه وصاحوا : القول ما قاله عمر ! وهذا معناه أنا لا نريد أن تكتب لنا عهداً ، لأنك ستسمي فيه الأئمة من عترتك ! ولا نريد أمانك من الضلال ! وها نحن نعلن أنه غلب عليك الوجع ، فلا اعتبار لكلامك وكتابتك ! !
قال البخاري : 1 / 36 : ( عن ابن عباس قال : لما اشتد بالنبي ( ص ) وجعه قال : إئتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده . قال عمر : إن النبي غلبه الوجع وعندنا كتاب الله حسبنا ! فاختلفوا وكثر اللغط قال ( ص ) : قوموا عني ولا ينبغي عندي التنازع ! فخرج ابن عباس يقول : إن الرزيئة كل الرزيئة ، ما حال بين رسول الله ( ص ) وبين كتابه ) ! انتهى .
وفي مسند أحمد : 3 / 346 : ( عن جابر أن النبي ( ص ) دعا عند موته بصحيفة ليكتب فيها كتاباً لا يضلون بعده ، قال فخالف عليها عمر بن الخطاب حتى رفضها ) ! انتهى .
وقال لهم النبي ( صلى الله عليه آله ) كما في البخاري : 4 / 31 : ( دعوني ، فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه ) ! يعني أن ما أنا فيه من قرب لقاء ربي ، خيرٌ مما تريدون أن تجرُّوني إليه من إعلانكم الكفر ! لذلك أنهي النقاش معكم ، وآمركم بالخروج من بيتي !
وقوله ( صلى الله عليه آله ) : ( خير مما تدعوني إليه ) يدل على أن لهم هدفاً خطيراً يعملون له و ( يدعون ) النبي ( صلى الله عليه آله ) إليه وأن إصرار النبي ( صلى الله عليه آله ) على كتابة العهد سيحقق هدفهم الخطير ! وأن هذا الهدف أسوأ من ترك الأمة بدون ضمانة مستقبلها ! !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 84 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولا يمكن تفسير ذلك إلا أنهم أرادوا أن يصرَّ النبي ( صلى الله عليه آله ) على كتابة الكتاب وتسمية الأئمة من بعده ، فيصرُّون هم على أنه وحاشاه أخذ يهجر ويهذي ، ويريد فرض عترته على قريش والعرب ، ويعلنون الردة ! !
وقد مهدوا لذلك بقولهم إنه يهجر ! وخففها البخاري فقال : 4 / 66 : ( ماله أهَجَر ، استفهموه ) ! ولعل بعضهم قال إنه يهجر ، وقال بعضهم : استفهموه لتروا صحة كلامنا ! فأمر الله نبيه ( صلى الله عليه آله ) أن لا يضغط على قريش فتكفر ، وكان جبرئيل حاضراً عنده ، فأمره أن ينهي المجلس ويطردهم ! فإنما عليه البلاغ عن ربه ، وقد بلَّغ وأتم عليهم الحجة ! !
إنها قضية واضحة كوضوح الشمس فقد اضطر النبي ( صلى الله عليه آله ) أن يصرف النظر عن كتابة العهد ويتنازل عن تأمين مستقبل أمته ، لأن ذلك أفضل مما يدعونه إليه !
فكانت المعادلة عنده أن قبولهم بنبوته وقرآنه دون سنته وعترته ! خيرٌ من أن تعصف عاصفتهم بالإسلام من أصله ، فتعلن قريش ردتها وتطيعها بعض قبائل العرب ، وتشن الحرب على آل النبي ( صلى الله عليه آله ) ومن يبقى على الإسلام من الأنصار ، وتقضي عليهم !
أما الحزب القرشي ، فلم يهتم لطرد النبي ( صلى الله عليه آله ) لهم من بيته ! بل كانوا فرحين بأن النبي ( صلى الله عليه آله ) لم يتخذ إجراء عملياً ضدهم ، وبأنهم حققوا نتيجة هائلة من ذلك المجلس حيث تراجع النبي ( صلى الله عليه آله ) أمامهم فانتزعوا منه قيادة الأمة ووضعوها في يد زعيمهم الجديد عمر ! وأن عمر سيضعها في مسار قبلي يخضع لقانون الغلبة ، بدل المسار الرباني وقانون النص !
وقد أثمر قانون الغلبة آنياً ، أن حكم أبو بكر سنتين وشهرين ، ثم نص على عمر فحكم عشر سنين ، ونص عمر على عثمان فحكم اثنتي عشرة سنة !
وعندما تفاقم ظلم عثمان اضطر نفس الصحابة أن يثوروا عليه ويقتلوه ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 85 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ويختاروا علياً ( عليه السلام ) ليحكم خمس سنين ، ثم لتعيد قريش قانون الغلبة فيحكم الأمة ، ولا يفارقها إلى يومنا هذا !
لقد فتح قانون قريش صراعاً دموياً على السلطة ، لم تعرف أمةٌ بعد نبيها أسوأَ منه ، ولا خلافةٌ لنبي أكثر منه سفكاً للدماء منه ! فلو أحصينا حروب الأمة وصراعاتها على السلطة لبلغت المئات ، وبلغ قتلاها عشرات الملايين ! وخساراتها المادية والمعنوية فوق التصور !
وكانت آخر ثمار قانون الغلبة : أن خلافة قريش وصلت إلى غلمان بني أمية وبني العباس ، ثم إلى غلمان الشراكسة والعثامنة ، حتى ضعفت الأمة ثم انهارت بيد الغربيين ، فدفنوا خلافة قريش في استانبول ، بلا مراسم توديع ولا تشييع !
قد يقال : إن هذه النظرة إلى تاريخ أمتنا الإسلامية خاطئة ، لأنها ترى السلبيات وتنسى الإيجابيات ، فالأمة الإسلامية كانت وما زالت خير أمة أخرجت للناس ، وقد فتحت أكثر العالم ، وأقامت أقوى دولة ، ونشرت نور الإسلام وحضارته .
ويقال : إن الصراع على السلطة وبعض الظلم للناس كالذي حدث لأهل البيت النبوي ( عليهم السلام ) ، أمرٌ طبيعي في حياة الأمم وتاريخها ! كما أن ضعف الأمة وانهيارها سنة إلهية في الدول ونشوئها وزوالها ، والأمة الإسلامية ليست بدعاً من الدول ، فلا عجب أن تجري عليها سنن التاريخ !
والجواب : أنا قد نقبل هذا الكلام لو لم يقل الله تعالى : ( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ) . ( التوبة : 33 ) ولم يقل النبي ( صلى الله عليه آله ) لصحابته : إيتوني بدواة وقرطاس أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعدي أبداً !
أمَّا وقد قال لهم ذلك ورفضوه ! فإن مسار الأمة بدون ذلك العهد النبوي لم يعد طبيعياً ، بل هو المسار إلي وضعها فيه الرافضون للتأمين النبوي ، ومهما
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 86 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
تصورت أنهم ربحوا للأمة فهي الخاسرة !
إن مثل الأمة بعد النبي ( صلى الله عليه آله ) كسفينة قال لركابها رَبَّانهم الحكيم المأمون : أعطوني عهداً بالتنفيذ لأعطيكم خريطة توصلكم إلى بر النجاة والنصر ، فقال له أصحابه : لا نريد خريطتك ونحن نقودها إلى بر الأمان ! فقادوها من بعده واختلفوا في قيادتها واقتتلوا ، حتى وصلت إلى صخور شاهقة وأمواج عاتية !
فهل يصح أن يقال إنهم مصيبون ! وإن ركاب السفينة ربحوا ولم يخسروا !
إن المسلم المؤمن بنبوة نبيه ( صلى الله عليه آله ) وبأنه معصومٌ مؤيدٌ من ربه : ( وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى . إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى ) يرى نفسه ملزماً بالاعتقاد بأن قريشاً مهما حققت للأمة بعد نبيها ( صلى الله عليه آله ) ، فقد أوقعت بها أعظم خسارة منيت بها أمة في التاريخ ! وكيف يمكن لأحد أن يغفر لقريش أنها عصت نبيها ( صلى الله عليه آله ) عن سبق إصرار وصادرت منه قيادة أمته ، ووضعتها في مسار الغلبة والصراع القبلي !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 87 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

ذهول البراء بن عازب من انقلاب السقيفة

قال الجوهري في كتابه ( السقيفة ) ص 48 ، وهو من أقدم الكتب في هذا الموضوع : ( سمعت البراء بن عازب ، يقول : لم أزل لبني هاشم محباً ، فلما قبض رسول الله خفت أن تتمالأ قريش على إخراج هذا الأمر عنهم ، فأخذني ما يأخذ الوالهة العجول مع ما في نفسي من الحزن لوفاة رسول الله ! فكنت أتردد إلى بني هاشم وهم عند النبي في الحجرة وأتفقد وجوه قريش ، فإني كذلك إذ فقدت أبا بكر وعمر وعثمان ، وإذ قائل يقول : القوم في سقيفة بني ساعدة ، وإذ قائل آخر يقول : قد بويع أبو بكر ! فلم ألبث وإذا أنا بأبي بكر قد أقبل ومعه عمر وأبو عبيدة وجماعة من أصحاب السقيفة ، وهم محتجزون بالأزر الصنعانية لا يمرون بأحد إلا خبطوه وقدموه فمدوا يده فمسحوها على يد أبي بكر يبايعه شاء ذلك أو أبى !
فأنكرت عقلي ! ! وخرجت أشتد حتى انتهيت إلى بني هاشم والباب مغلق ، فضربت عليهم الباب ضرباً عنيفاً وقلت : قد بايع الناس لأبي بكر بن أبي قحافة ، فقال العباس : تربت أيديكم إلى آخر الدهر ، أما إني قد أمرتكم فعصيتموني !
( عندما أغمض النبي ( صلى الله عليه آله ) عينيه قال العباس لعلي : مد يدك أبايعك ليقال عم رسول الله بايع ابن أخيه ، فلم يقبل علي ( عليه السلام ) لأنه كان يعلم أن قريشاً جمعت الطلقاء في المدينة وهي حاضرة أن تعلن الردة ) !
فمكثت أكابد ما في نفسي ، ورأيت في الليل المقداد ، وسلمان ، وأبا ذر ، وعبادة بن الصامت ، وأبا الهيثم بن التيهان ، وحذيفة ، وعماراً ، وهم يريدون أن يعيدوا الأمر شورى بين المهاجرين ! فلما كان بليل ، خرجت إلى المسجد ، فلما صرت فيه تذكرت أني كنت أسمع همهمة رسول الله بالقرآن ، فامتنعت من مكاني فخرجت إلى الفضاء فضاء بني قضاعة ، وأجد نفراً يتناجون فلما دنوت منهم سكتوا فانصرفت عنهم ، فعرفوني وما أعرفهم ، فأتيتهم فأجد المقداد بن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 88 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأسود ، وعبادة بن الصامت ، وسلمان الفارسي ، وأبا ذر ، وحذيفة ، وأبا الهيثم بن التيهان ، وإذا حذيفة يقول لهم : والله ليكونن ما أخبرتكم به ، والله ما كذبت ولا كُذبت ، وإذ القوم يريدون أن يعيدوا الأمر شورى بين المهاجرين ! ثم قال : إئتوا أبي بن كعب فقد علم كما علمت ، قال فانطلقنا إلى أبي فضربنا عليه بابه حتى صار خلف الباب فقال : من أنتم ؟ فكلمه المقداد فقال : ما حاجتكم ؟ فقال له : ما أنا بفاتح بابي وقد عرفت ما جئتم له كأنكم أردتم النظر في هذا العقد ؟ فقلنا : نعم ، فقال : أفيكم حذيفة ؟ فقلنا : نعم ، قال : فالقول ما قال ! وبالله ما أفتح عني بابي حتى تجرى على ما هي جارية ، ولَمَا يكون بعدها شرٌّ منها ، والى الله المشتكى ! وبلغ الخبر أبا بكر وعمر ، فأرسلا إلى أبي عبيدة والمغيرة بن شعبة ، فسألاهما عن الرأي ، فقال المغيرة : الرأي أن تلقوا العباس فتجعلوا له هذا الأمر نصيباً فيكون له ولعقبه ، فتقطعوا به من ناحية علي ، ويكون لكم حجة عند الناس على علي إذا مال معكم العباس . فانطلق أبو بكر وعمر وأبو عبيدة والمغيرة ، حتى دخلوا على العباس ، وذلك في الليلة الثانية من وفاة رسول الله ، فحمد أبو بكر الله وأثنى عليه وقال : إن الله ابتعث لكم محمداً نبياً ، وللمؤمنين ولياً ، فمنَّ الله عليهم بكونه بين ظهرانيهم ، حتى اختار له ما عنده ، فخلى على الناس أمورهم ليختاروا لأنفسهم ، متفقين غير مختلفين فاختاروني عليهم والياً ولأمورهم راعياً ، فتوليت ذلك وما أخاف بعون الله وتسديده وهْناً ولا حيرة ولا جبناً ، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت واليه أنيب ، وما انفكَّ يبلغني عن طاعن يقول بخلاف قول عامة المسلمين ، يتخذ لكم لجأً فتكونوا حصنه المنيع وخطبه البديع ، فإما دخلتم فيما دخل فيه الناس ، أو صرفتموهم عما مالوا إليه ، فقد جئناك ونحن نريد أن نجعل لك في هذا الأمر نصيباً ولمن بعدك من عقبك ، إذ كنت عم رسول الله ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 89 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وإن كان المسلمون قد رأوا مكانك من رسول الله ومكان أهلك ، ثم عدلوا بهذا الأمر عنكم ، وعلى رسلكم بني هاشم ، فإن رسول الله منا ومنكم .
فاعترض كلامه عمر ، وخرج إلى مذهبه في الخشونة والوعيد وإتيان الأمر من أصعب جهاته فقال : إي والله وأخرى أنا لم نأتكم عن حاجة إليكم ، ولكن كرهنا أن يكون الطعن فيما اجتمع عليه المسلمون منكم ، فيتفاقم الخطب بكم وبهم فانظروا لأنفسكم وعامتهم ، ثم سكت ) . انتهى .
أقول : البراء بن عازب صحابي مجمع على جلالته وبطولته في معارك الإسلام قال الذهبي في سيره : 3 / 194 : ( البراء بن عازب بن الحارث ، الفقيه الكبير ، أبو عمارة الأنصاري الحارثي المدني ، نزيل الكوفة ، من أعيان الصحابة . روى حديثاً كثيراً ، وشهد غزوات كثيرة مع النبي ( ص ) ) . انتهى .
وتدل شهادة البراء على أمور كثيرة ، من أهمها أن خلافة أبي بكر كانت بعيدة كل البعد عن النص النبوي ، وعن مشورة الأمة وحريتها ، وأنها كانت متزلزلة أياماً ، حتى غلبت فيها تهديدات قريش الطلقاء وإرهابهم ، وتخاذل الأنصار !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 90 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

4 - ظلامة النبي ( صلى الله عليه آله ) برفضهم عهده لأمته !

وهي أعجب ظلامة في تاريخ الأنبياء جميعاً ( عليهم السلام ) وأسوأ تصرف من صحابتهم معهم !
فلو أن نبي الله موسى ( عليه السلام ) قال لليهود : ( إيتوني بدواة وقرطاس أكتب لكم كتاباً لا تضلون بعدي أبداً ، ولا تغلبكم أمة أبداً ، بل تحكمون العالم إلى يوم القيامة ) . فقال له أحدهم : كلا ، لا نريد عهدك ( حسبنا التوراة ) ! ورفضوا أن يكتب لهم نبيهم عهده وعهد ربه ، وفضلوا عليه شخصاً من صحابته فصاحوا : القول ما قال صاحبنا وليس قولك يا موسى ؟ ! فماذا نحكم عليهم ؟ !
لا بد أننا سنحكم عليهم بأشد الأحكام ، لأن عملهم من أسوأ الأعمال ! !
لكن المسلم المسكين ، المُشْرَب من طفولته حبَّ عمر بن الخطاب ، يخاف من محيطه أن يسأل نفسه : ما معنى رفض عمر لكتابة العهد النبوي والشعار الذي رفعه في وجه النبي ( صلى الله عليه آله ) : حسبنا كتاب الله ! ألا يعرف أن أمر النبي ( صلى الله عليه آله ) لهم بأن يقبلوا عهده لمستقبل الأمة ، واجبُ الإطاعة كالقرآن ؟ !
أو يسأل نفسه : كيف أيد أغلب ( الصحابة ) عمر عندما صادر حق النبي ( صلى الله عليه آله ) في رسم مستقبل أمته ، وصاحوا في وجه نبيهم : القول ما قاله عمر ؟ !
وكيف أيدوه عندما صادر حق النبي ( صلى الله عليه آله ) كمسلم في أن يوصي بما يريد ؟ !
وصادر حقه ( صلى الله عليه آله ) كصاحب بيت على فراش مرضه ، أن يتصرف كما يريد ؟ !
وصادر حقه ( صلى الله عليه آله ) في تفسير القرآن ، وبيان من هم أولوا الأمر ؟ !
روحي فداك يا رسول الله ، فما أعظم جهادك ، وما أعجب ظلامتك ؟ !
لقد جاهدت ثلاثاً وعشرين عاماً في أصعب الظروف وأخطرها ، وبَلَّغْتَ رسالة ربك على رغم قريش وعداوتها وحسدها ، لك ولأسرتك بني هاشم !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 91 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأنشأت خير أمة ، على رغم قريش واليهود وعداوتهم وحسدهم !
وبنيت دولة قوية ، على رغم قريش واليهود وحروبهم ومؤامراتهم !
وكنت رحيماً بالقريب والبعيد ، والعدو والصديق . .
حتى حان منك لقاء ربك وفراق أمتك ، وأردت وضعها في المسار الرباني بعدك ، واجهك طلقاؤك من قريش ، الذين مننت عليهم بالحياة قبل سنتين ، فقالوا لك بقيادة عمر : نقبل بنبوتك لكن بدون سنتك وعترتك ، فنحن قبائل قريش أولى من بني هاشم ، فالدولة لنا ، ومستقبل الأمة بيدنا ! فإن أبيت ذلك أعلنا الردة ، وأعلناها بعدك حرباً على عترتك كحرب بدر وأحد والخندق ، والنصر بعدك لنا !
فأمرك الله أن تقيم الحجة عليهم فقط ، فإنما عليك البلاغ وليفعلوا ما يشاؤون : لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ . ( الأنفال : 42 )
هل رأيتم ظلامةً لزارع يزرع شجرة وينميها بجهد جهيد ، ويدفع عنها الآفات والحيوانات والسراق ، حتى إذا كبرت وأثمرت ، وحضر زارعها الأجل ، جاءه شخص وقال له : هذه الشجرة لي وإلا قطعتها من جذورها ! ومعه جماعة يحملون فؤوساً ومعاول ويقولون : القول ما قال صاحبنا !
قال عمر ، وهو يروي جانباً من الجلسة الصاخبة يوم الخميس بطريقته الخاصة وهو يهون من فداحة الأمر : ( لما مرض النبي ( ص ) قال : ادعوا لي بصحيفة ودواة أكتب كتاباً لا تضلون بعدي أبداً ! فكرهنا ذلك أشد الكراهة ! ثم قال : ادعوا لي بصحيفة أكتب لكم كتاباً لا تضلون بعده أبداً ! فقال النسوة من وراء الستر : ألا تسمعون ما يقول رسول الله ( ص ) ؟ ! فقلت : إنكن صواحبات يوسف إذا مرض رسول الله ( ص ) عصرتنَّ أعينكن ، وإذا صح ركبتنَّ رقبته ! فقال رسول الله : دعوهنَّ فإنهنَّ خيرٌ منكم ) ! ! انتهى . ( مجمع الزوائد : 9 / 33 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 92 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
نعم والله إنهن خير منهم ، وخيرهنَّ أم سلمة صاحبة هذا القول رضي الله عنها .
وفي المقابل وصف الطبري عمر عند وفاة أبي بكر ، وبيده عصا من جريد النخل يسكِّت بها الناس ويقول إسمعوا وأطيعوا يريد أن يكتب لكم كتاباً !
قال الطبري في تاريخه : 2 / 618 : ( عن إسماعيل ، عن قيس قال : رأيت عمر بن الخطاب وهو يجلس والناس معه ، وبيده جريدة وهو يقول : أيها الناس إسمعوا وأطيعوا قول خليفة رسول الله ( ص ) إنه يقول إني لم آلكم نصحاً ! قال : ومعه مولى لأبي بكر يقال له شديد ، معه الصحيفة التي فيها استخلاف عمر !
قال أبو جعفر : وقال الواقدي : حدثني إبراهيم بن أبي النضر ، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث قال : دعا أبو بكر عثمان خالياً ، فقال له : أكتب : بسم الله الرحمن الرحيم . هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة إلى المسلمين . أما بعد ، قال ثم أغمي عليه . فذهب عنه فكتب عثمان : أما بعد فإني قد استخلفت عليكم عمر بن الخطاب ولم آلكم خيراً منه ! ثم أفاق أبو بكر فقال إقرأ عليَّ ، فقرأ عليه فكبَّر أبو بكر وقال : أراك خفت أن يختلف الناس أن افتلتت نفسي في غشيتي ؟ ! قال : نعم . قال : جزاك الله خيراً عن الإسلام وأهله . وأقرها أبو بكر من هذا الموضع ) .
لك الله يا رسول الله ، فقد صدقت إذْ قلت : ما أوذي نبي بمثل ما أوذيت ! !
( راجع كتاب ألف سؤال وإشكال ج 2 المسألة : 159 : انقلاب الأمة على النبي ( صلى الله عليه آله ) في حياته ) !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 93 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

5 - ظلامتهم للعترة النبوية ( عليهم السلام ) وأنصارهم

بدأت قريش ظلمها لآل الرسول في عهده ( صلى الله عليه آله ) ! وقد زاد نشاطها ضدهم بعد أن فتَح النبي ( صلى الله عليه آله ) مكة وأجبر قريشاً على خلع سلاحها ، وأعلن زعماءها وجنودهم أسرى حرب له ولأهل بيته ، وأعلن أنه أطلقهم وسماهم الطلقاء ، ولم يُعتقهم !
ثم كان الله يخبره بخطط قريش ورئيسها الجديد سهيل بن عمر ، ومن يتعاون معه من المنافقين في المدينة ، ويأمره أن يتابع تبليغه عن ربه ، ويبيِّن لأمته مقام عترته أهل بيته ( عليهم السلام ) ، وأن الله فرض عليهم مودتهم وطاعتهم .
وأخبره الله تعالى أنه لا بد لقضائه أن يمضي ، وأن قريشَ الطلقاء ستتغلب وتنحرف بالإسلام ، وتظلم أهل بيته الطاهرين ( عليهم السلام ) أفدح ظلامة !
وبلَّغ الرسول الأمين ( صلى الله عليه وآله ) رسالات ربه في عترته ، وأنهم كالقرآن أمانة الله وأمانة رسوله في الأمة : ( إني تارك فيكم الثقلين : كتاب الله وعترتي أهل بيتي ) .
وحدد مصطلح عترته وأهل بيته بأنهم : عليٌّ وفاطمة والحسن والحسين وتسعة من ذرية الحسين ، فهؤلاء دون سواهم آله وأهل بيته وعترته الذين طهرهم الله تطهيراً ، وأدار عليهم كساء للتأكيد ، فسألته أم سلمة هل هي منهم ، فقال : كلا !
وبلَّغ أمته أن الله أكرم عترته فحرَّم عليهم الزكاة ، وشرَّع لهم ميزانية خاصة في مالية الدولة الإسلامية ، هي الخمس !
وبلغ أمته ، أنهم أولو القربى ، الذين أمر الله الأمة بكتابه بحبهم ومودتهم .
وبلغها أنهم أولو الأمر ، الذين فرض الله في كتابه طاعتهم .
وأنهم مع الحق لا يحيدون عنه ، وإن حادت عنه الأمة !
وأن علياً أولهم ، وبه يعرف المؤمن من المنافق ، فلن يحبه إلا مؤمن ولن يبغضه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 94 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إلا منافق ! وأنه مع الحق والحق معه ، ومع القرآن والقرآن معه !
وفي حجة الوداع كان أكبر همِّ النبي ( صلى الله عليه آله ) أن يُركز في الأمة إمامة عترته أهل بيته ( عليهم السلام ) من بعده ، فقد خطب خمس خطب في مكة وعرفات ومنى ، وأكَّد في جميعها بصورة وأخرى على أن عترته هم الضمانة الوحيدة من بعده . وفي خطبته بعرفات بشَّر الأمة بأن الله اختار لها بعده اثني عشر إماماً ربانياً من عترته !
ثم خطب السادسة في طريق عودته إلى المدينة في غدير خم ، فأمر أن يعمل له منبر مرتفع من الأحجار وأحداج الإبل ، وأصعد علياً ( عليه السلام ) معه على المنبر ورفع بيده ، وبلَّغ الأمة أن الولاية التي جعلها الله له على الأمة جعلها لعلي بعده ! فقال : ( أيها الناس : ألست أولى بكم من أنفسكم ؟ قالوا : بلى يا رسول الله . فقال : من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله ) ! وجاء في رواية صحيحة روتها مصادرهم عن أبي هريرة : ( فقال عمر بن الخطاب : بخ بخ لك يا ابن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كل مسلم فأنزل الله عز وجل : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً ) . ( راجع تصحيح الحديث في كتاب آيات الغدير للمؤلف ) .
نعم ، هذا كلام عمر وهذه تهنئته لعلي يوم الغدير حيث أمر النبي ( صلى الله عليه آله ) بنصب خيمة لعلي ( عليه السلام ) وأمر المسلمين أن يبايعوه فبايعوه ، وأمر زوجاته فجئن إلى خيمة علي وبايعنه ، فغمس علي ( عليه السلام ) يده في سطل ماء ، ثم غمسن فيه أيديهن !
ويطول الكلام حتى لو أردنا الاكتفاء بفهرس لتبليغات النبي ( صلى الله عليه آله ) مكانة أهل بيته وحقهم على كافة الأمة ، وقد روت ذلك مصادر الجميع !
* *
في هذا الجو ، نقرأ في مصادر الطرفين أن النبي ( صلى الله عليه آله ) كان يبكي لمستقبل أهل بيته الطاهرين ، وظلامتهم الفادحة المأساوية أمته ! والتي ستطول حتى يبعث الله ولده
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 95 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
المهدي ( عليه السلام ) ، فينهي الظلم عن أهل البيت النبوي وعن أهل الأرض !
فقد بكى النبي ( صلى الله عليه آله ) لعلي ، وبكى لفاطمة ، وبكى للحسن ، وبكى للحسين ، وبكى لبقية العترة الطاهرة ، مرات عديدة ! لظلامتهم الفادحة التي أخبره بها جبرئيل عن ربه عز وجل ! ونقلت مصادر الشيعة والسنة على السواء أحاديثه في ذلك وصححتها ، فمنها : ما رواه ابن حماد في كتاب الفتن ص 84 ، عن عبد الله بن مسعود قال : ( بينما نحن عند رسول الله ( ص ) إذ جاء فتية من بني هاشم فتغير لونه ، قلنا : يا رسول الله ، ما نزال نرى في وجهك شيئاً نكرهه ! فقال : إنا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة لنا على الدنيا ، وإن أهل بيتي هؤلاء سيلقون بعدي بلاء وتطريداً وتشريداً حتى يأتي قوم من ها هنا من نحو المشرق ، أصحاب رايات سود ، يسألون الحق فلا يعطونه ، مرتين أو ثلاثاً ، فيقاتلون فينصرون ، فيعطون ما سألوا فلا يقبلوه ، حتى يدفعوها إلى رجل من أهل بيتي ، فيملؤها عدلاً كما ملؤوها ظلماً ، فمن أدرك ذلك منكم فليأتهم ولو حبواً على الثلج فإنه المهدي ) .
وفي رواية الحاكم : 4 / 464 : ( أتينا رسول الله ( صلى الله عليه آله ) فخرج إلينا مستبشراً يعرف السرور في وجهه ، فما سألناه عن شئ إلا أخبرنا به ، ولا سكتنا إلا ابتدأنا ، حتى مرت فتية من بني هاشم فيهم الحسن والحسين ، فلما رآهم التزمهم وانهملت عيناه فقلنا . . . الخ . ) .
وفي رواية دلائل الإمامة ص 233 : ( كنت عند النبي ( صلى الله عليه آله ) إذ مرَّ فتيةٌ من بني هاشم كأنَّ وجوههم المصابيح ، فبكى النبي ( صلى الله عليه آله ) ، قلت : ما يبكيك يا رسول الله ؟
قال : إنا أهل بيت قد اختار الله الآخرة على الدنيا ، وإنه سيصيب أهل بيتي قتلٌ وتطريدٌ وتشريدٌ في البلاد ، حتى يتيح الله لنا راية تجئ من المشرق ، من يهزها يهزّ ، ومن يشاقها يشاقّ ، ثم يخرج عليهم رجل من أهل بيتي اسمه كاسمي وخلقه كخلقي ، تؤوب إليه أمتي كما تؤوب الطير إلى أوكارها ، فيملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 96 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي تفسير فرات ص 164 ، عن أنس بن مالك : إن رسول الله ( صلى الله عليه آله ) أتى ذات يوم ويده في يد علي بن أبي طالب ولقيه رجل إذ قال له : يا فلان لا تسبوا علياً فإنه من سبه فقد سبني ومن سبني فقد سب الله ! إنه والله يا فلان لا يؤمن بما يكون من علي في آخر الزمان إلا ملك مقرب ، أو عبد قد امتحن الله قلبه للإيمان ! يا فلان إنه سيصيب ولد عبد المطلب بلاءٌ شديدٌ وإثرةٌ وقتلٌ وتشريدٌ ! فالله الله يا فلان في أصحابي وذريتي وذمتي ، فإن لله يوماً ينتصف فيه للمظلوم من الظالم ) ! !
( راجع مصادره العديدة في معجم أحاديث الإمام المهدي ( عليه السلام ) ج 1 ، رقم الحديث 245 ، وما بعده ) .
* *
هكذا كانت الإرادة الإلهية في هذه الأمة ، أن يعطيها الحرية في أن تضلَّ بعد نبيها إن شاءت ، وتهتدي إن شاءت ! وأخبر نبيه ( صلى الله عليه آله ) أنها ستختار الضلال وستظلم عترته ، لكن ما على الرسول إلا البلاغ ، وليس له من الأمر شئ !
في تفسير فرات ص 392 ، بسنده عن عطاء بن أبي رباح قال : قلت لفاطمة بنت الحسين : أخبريني جعلت فداك بحديث أحدث به ، وأحتج به على الناس . قالت : نعم ، أخبرني أبي أن النبي ( صلى الله عليه آله ) كان نازلاً بالمدينة ، وأن من أتاه من المهاجرين كانوا ينزلون عليه ، فأرادوا أن يفرضوا لرسول الله ( صلى الله عليه آله ) فريضة يستعين بها على من أتاه ، فأتوا رسول الله ( صلى الله عليه آله ) وقالوا : قد رأينا ما ينوبك من النوائب ، وإنا أتيناك لتفرض فريضة تستعين بها على من أتاك .
قال : فأطرق النبي طويلاً ، ثم رفع رأسه فقال : إني لم أؤمر أن آخذ منكم على ما جئت به شيئاً ، إنطلقوا فإني لم أؤمر بشئ ، وإن أمرت به أعلمتكم .
قال : فنزل جبرئيل ( عليه السلام ) فقال : يا محمد إن ربك قد سمع مقالة قومك وما عرضوا عليك ، وقد أنزل الله عليهم فريضة : قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى . . .
قال فخرجوا وهم يقولون : ما أراد رسول الله إلا أن تذل الأشياء وتخضع
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 97 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الرقاب ما دامت السماوات والأرض لبني عبد المطلب !
قال : فبعث رسول الله إلى علي بن أبي طالب أن أصعد المنبر وادع الناس إليك ثم قل : أيها الناس من انتقص أجيراً أجره فليتبوأ مقعده من النار ، ومن ادعى إلى غير مواليه فليتبوأ مقعده من النار ، ومن انتفى من والديه فليتبوأ مقعده من النار !
قال : فقام رجل وقال : يا أبا الحسن ما لهنَّ من تأويل ؟ فقال : الله ورسوله أعلم . فأتى رسول الله فأخبره فقال رسول الله : ويل لقريش من تأويلهن ! ثلاث مرات ! ثم قال : يا علي انطلق فأخبرهم أني أنا الأجير الذي أثبت الله مودته من السماء ، ثم أنا وأنت مولى المؤمنين ، وأنا وأنت أبَوَا المؤمنين ! ثم خرج رسول الله فقال : يا معشر قريش والمهاجرين والأنصار ، فلما اجتمعوا قال : يا أيها الناس ، إن علياً أولكم أيماناً بالله وأقومكم بأمر الله ، وأوفاكم بعهد الله ، وأعلمكم بالقضية ، وأقسمكم بالسوية ، وأرحمكم بالرعية ، وأفضلكم عند الله مزية .
ثم قال : إن الله مثَّل لي أمتي في الطين ، وعلمني أسماءهم كما علم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم فمرَّ بي أصحاب الرايات فاستغفرت لعلي وشيعته وسألت ربي أن تستقيم أمتي على علي من بعدي ، فأبى إلا أن يُضلَّ من يشاء ويهدي من يشاء ) !
* *
إنما هذا جزءٌ من أخبار رفض قريش للعهد النبوي ، ومسارعتهم إلى أي مكان غير مسجد النبي ( صلى الله عليه آله ) للصفق على يد أبي بكر وإعلانه خليفة ! ثم هجومهم ومعهم حَمَّالة الحطب والسيوف ، على أهل البيت النبوي لإجبارهم على البيعة !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 98 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 99 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الثالث : مأساة العترة النبوية ( عليهم السلام ) على يد قريش

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 100 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 101 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

شهادة فاطمة الزهراء ( عليها السلام )

كانت الخلافة هي الثأر الأول الذي أخذته قريش الطلقاء من رسول الله ( صلى الله عليه آله ) ! وقد رأوا أن ثأرهم لا يكتمل إلا بالهجوم على بيت عترة النبي ( صلى الله عليه آله ) وإجبارهم على بيعة أبي بكر ! فكان هجوماً قاسياً ، تكرر عدة مرات !
وفي مرة منها خرجت الزهراء ( عليها السلام ) إلى الدار ، وصاحت من وراء الباب : يا رسول الله ماذا لقينا من ابن أبي قحافة وابن الخطاب بعدك ؟ ! يا عمر جئت لتحرق علينا دارنا ؟ ! فدفعوا باب الدار بشدة وهي خلفه ، فكسروا بعض أضلاعها ، وسبَّبَوا إسقاط جنينها ، ثم مرضها وشهادتها ! صلوات الله عليها !
وطبيعي أن ينفي ذلك رواة الخلافة ويقولوا إنها مرضت بشكل طبيعي وتوفيت بُعَيْد وفاة أبيها ، مع أنها كانت سالمة في العشرينات من عمرها !
لكن أهل البيت ( عليهم السلام ) وشيعتهم يؤكدون أن مرضها وشهادتها كانا بسبب ضغط الباب عليها ، وهي بينه وبين الحائط ، ثم بسبب ضربها ! ولذا قال الإمام موسى بن جعفر ( عليه السلام ) : ( إن فاطمة ( عليها السلام ) صديقة شهيدة ) . ( الكافي : 1 / 458 ) .

الرواية الرسمية للخلافة لحادثة الهجوم على آل النبي ( صلى الله عليه آله ) !

اتفق رواة الخلافة على أن عمر حمل الحطب وقبس النار وهدد بحرق الدار بمن فيه ، إذا لم يخرجوا ويبايعوا ! وقد تقدم افتخار الشاعر حافظ إبراهيم بذلك !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 102 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم اختلفوا في وصف أحداث الهجوم ونتائجه ! فبعضهم توسع قليلاً ، وبعضهم قال كان الهجوم مختصراً ، واقتصر على كسر سيف الزبير وإجبار المعتصمين على البيعة ، إلا علي ( عليه السلام ) فقد عفا عنه أبو بكر عفواً موقتاً ما دامت فاطمة على قيد الحياة ! وقد تبنى البخاري أن أبا بكر أمرهم بعدم إجبار علي ( عليه السلام ) على بيعته حتى تموت فاطمة ! وكأنه كان يعرف قرب موتها وهي شابة !
ويمكننا اعتبار رواية ابن قتيبة التالية رواية الخلافة الرسمية ، قال في كتابه الإمامة والسياسة : 1 / 30 : ( إن أبا بكر تفقد قوماً تخلفوا عن بيعته عند علي ، فبعث إليهم عمر ، فجاء فناداهم وهم في دار علي فأبوا أن يخرجوا ، فدعا بالحطب وقال : والذي نفس عمر بيده لتخرجن أو لأحرقنها على من فيها ! فقيل له : يا أبا حفص إن فيها فاطمة ! فقال : وإنْ ! ! فخرجوا فبايعوا إلا علياً ، فوقفت فاطمة على بابها فقالت : لا عهد لي بقوم حضروا أسوأ محضر منكم ، تركتم رسول الله جنازة بين أيدينا ، وقطعتم أمركم بينكم ، لم تستأمرونا ولم تروا لنا حقاً ! فأتى عمر أبا بكر فقال له : ألا تأخذ هذا المتخلف عنك بالبيعة ؟ فقال أبو بكر لقنفذ وهو مولى له : إذهب فادع لي علياً ، قال فذهب إلى علي فقال له : ما حاجتك ؟ فقال : يدعوك خليفة رسول الله ، فقال علي : لسريع ما كذبتم على رسول الله ، لا أعلم لرسول الله خليفة غيري ! فرجع فأبلغ الرسالة قال : فبكى أبو بكر طويلاً . فقال عمر الثانية : لا تمهل هذا المتخلف عنك بالبيعة ، فقال أبو بكر لقنفذ : عد إليه فقل له : خليفة رسول الله يدعوك لتبايع ، فجاءه قنفد فأدى ما أمر به ، فرفع عليٌّ صوته فقال : سبحان الله ! لقد ادعى ما ليس له ! فرجع قنفذ فأبلغ الرسالة فبكى أبو بكر طويلاً !
ثم قام عمر فمشى معه جماعة حتى أتوا باب فاطمة فدقوا الباب ، فلما سمعت أصواتهم نادت بأعلى صوتها : يا أبت يا رسول الله ، ماذا لقينا بعدك من ابن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 103 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الخطاب وابن أبي قحافة ! فلما سمع القوم صوتها وبكاءها ، انصرفوا باكين وكادت قلوبهم تنصدع وأكبادهم تنفطر ! وبقي عمر ومعه قوم فأخرجوا علياً ، فمضوا به إلى أبي بكر ، فقالوا له : بايع ، فقال : إن أنا لم أفعل فمه ؟ قالوا : إذاً والله الذي لا إله إلا هو نضرب عنقك ، قال : إذن تقتلون عبد الله وأخا رسوله ! قال عمر : أما عبد الله فنعم ، وأما أخو رسوله فلا ، وأبو بكر ساكت لا يتكلم ! فقال له عمر : ألا تأمر فيه بأمرك ، فقال : لا أكرهه على شئ ما كانت فاطمة إلى جنبه ، فلحق علي بقبر رسول الله يصيح ويبكي وينادي : ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي ! فقال عمر لأبي بكر : انطلق بنا إلى فاطمة ، فإنا قد أغضبناها ، فانطلقا جميعاً فاستأذنا على فاطمة فلم تأذن لهما ، فأتيا علياً فكلماه فأدخلهما عليها ، فلما قعدا عندها حولت وجهها إلى الحائط ، فسلما عليها فلم ترد عليهما السلام ! فتكلم أبو بكر فقال : يا حبيبة رسول الله ! والله إن قرابة رسول الله أحب إلي من قرابتي ، وإنك لأحب إلي من عائشة ابنتي ، ولوددت يوم مات أبوك أني متُّ ولا أبقى بعده ، أفتراني أعرفك وأعرف فضلك وشرفك وأمنعك حقك وميراثك من رسول الله ، إلا أني سمعت أباك رسول الله يقول : لا نورث ، ما تركنا فهو صدقة . فقالت : أرأيتكما إن حدثتكما حديثاً عن رسول الله ( صلى الله عليه آله ) تعرفانه وتفعلان به ؟ قالا : نعم . فقالت : نشدتكما الله ألم تسمعا رسول الله يقول : رضا فاطمة من رضاي ، وسخط فاطمة من سخطي ، فمن أحب فاطمة ابنتي فقد أحبني ، ومن أرضى فاطمة فقد أرضاني ، ومن أسخط فاطمة فقد أسخطني ؟ قالا : نعم سمعناه من رسول الله ( ص ) ! قالت : فإني أشهد الله وملائكته أنكما أسخطتماني وما أرضيتماني ، ولئن لقيت النبي لأشكونكما إليه !
فقال أبو بكر : أنا عائذ بالله تعالى من سخطه وسخطك يا فاطمة ، ثم انتحب أبو بكر يبكي حتى كادت نفسه أن تزهق ، وهي تقول : والله لأدعون الله عليك في كل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 104 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
صلاة أصليها ! ثم خرج باكياً فاجتمع إليه الناس فقال لهم : يبيت كل رجل منكم معانقاً حليلته مسروراً بأهله ، وتركتموني وما أنا فيه ! لا حاجة لي في بيعتكم أقيلوني بيعتي ! قالوا : يا خليفة رسول الله ، إن هذا الأمر لا يستقيم ، وأنت أعلمنا بذلك ، إنه إن كان هذا لم يقم لله دين . فقال : والله لولا ذلك وما أخافه من رخاوة هذه العروة ما بت ليلة ولي في عنق مسلم بيعة ، بعدما سمعت ورأيت من فاطمة ! قال : فلم يبايع علي كرم الله وجهه حتى ماتت فاطمة رضي الله عنهما ، ولم تمكث بعد أبيها إلا خمساً وسبعين ليلة ) . انتهى .

رواية أهل البيت ( عليهم السلام ) لحادثة الهجوم على العترة !

وقد رووا أحداثاً عديدة ، لأكثر من هجوم :
منها : ما رواه سُليم بن قيس الهلالي العامري المتوفى 76 هجرية ، في كتابه المعروف ب‍ ( كتاب سُلَيْم ) قال ص 147 : ( وقال عمر لأبي بكر : أرسل إلى علي فليبايع ، فإنا لسنا في شئ حتى يبايع ولو قد بايع أمناه . فأرسل إليه أبو بكر : أجب خليفة رسول الله ، فأتاه الرسول فقال له ذلك . فقال له علي : سبحان الله ما أسرع ما كذبتم على رسول الله ، إنه ليعلم ويعلم الذين حوله أن الله ورسوله لم يستخلفا غيري ! وذهب الرسول فأخبره بما قال له . قال : إذهب فقل له : أجب أمير المؤمنين أبا بكر ، فأتاه فأخبره بما قال . فقال له علي : سبحان الله ما والله طال العهد فينسى ! فوالله إنه ليعلم أن هذا الاسم لا يصلح إلا لي ، ولقد أمره رسول الله وهو سابع سبعة فسلموا علي بإمرة المؤمنين ! فاستفهم هو وصاحبه عمر من بين السبعة فقالا : أحقٌّ من الله ورسوله ؟ فقال لهما رسول الله ( صلى الله عليه آله ) : نعم ، حقاً حقاً من الله ورسوله ، إنه أمير المؤمنين وسيد المسلمين وصاحب لواء الغر المحجلين ، يقعده الله عز وجل يوم القيامة على الصراط فيدخل أوليائه الجنة وأعداءه النار !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 105 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فانطلق الرسول فأخبره بما قال . قال : فسكتوا عنه يومهم ذلك !
فلما كان الليل حمل علي فاطمة على حمار وأخذ بيدي ابنيه الحسن والحسين فلم يدع أحداً من أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه آله ) إلا أتاه في منزله ، فناشدهم الله حقه ودعاهم إلى نصرته ، فما استجاب منهم رجل غيرنا الأربعة ، فإنا حلقنا رؤوسنا وبذلنا له نصرتنا ، وكان الزبير أشدنا بصيرة في نصرته ! فلما رآى علي خذلان الناس إياه وتركهم نصرته واجتماع كلمتهم مع أبي بكر وطاعتهم له وتعظيمهم إياه لزم بيته ، فقال عمر لأبي بكر : ما يمنعك أن تبعث إليه فيبايع ، فإنه لم يبق أحد إلا وقد بايع غيره وغير هؤلاء الأربعة !
وكان أبو بكر أرق الرجلين وأرفقهما وأدهاهما وأبعدهما غوراً ، والآخر أفظهما وأغلظهما وأجفاهما ، فقال أبو بكر : من نرسل إليه ؟ فقال عمر : نرسل إليه قنفذاً ، وهو رجل فظ غليظ جاف من الطلقاء أحد بني عدي بن كعب ! فأرسله إليه وأرسل معه أعواناً وانطلق فاستأذن على علي فأبى أن يأذن لهم ! فرجع أصحاب قنفذ إلى أبي بكر وعمر وهما جالسان في المسجد والناس حولهما ، فقالوا : لم يؤذن لنا . فقال عمر : إذهبوا ، فإن أذن لكم وإلا فأدخلوا عليه بغير إذن ! فانطلقوا فاستأذنوا فقالت فاطمة ( عليها السلام ) : أحرِّج عليكم أن تدخلوا على بيتي بغير إذن ! فرجعوا وثبت قنفذ فقالوا : إن فاطمة قالت كذا وكذا فتحرَّجْنا أن ندخل بيتها بغير إذن ! فغضب عمر وقال : ما لنا وللنساء ! ثم أمر أناساً حوله أن يحملوا الحطب فحملوا الحطب وحمل معهم عمر ، فجعلوه حول منزل علي وفاطمة وابنيهما ! ثم نادى عمر حتى أسمع علياً وفاطمة : والله لتخرجن يا علي ولتبايعن خليفة رسول الله وإلا أضرمت عليك بيتك النار ! فقالت فاطمة : يا عمر ، ما لنا ولك ؟ فقال : إفتحي الباب وإلا أحرقنا عليكم بيتكم ! فقالت : يا عمر أما تتقي الله
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 106 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
تدخل عليَّ بيتي ! فأبى أن ينصرف ، ودعا عمر بالنار فأضرمها في الباب ، ثم دفعه فدخل فاستقبلته فاطمة وصاحت : يا أبتاه يا رسول الله ! فرفع عمر السيف وهو في غمده فوجأ به جنبها فصرخت : يا أبتاه ! فرفع السوط فضرب به ذراعها فنادت : يا رسول الله ، لبئس ما خلفك أبو بكر وعمر ! فوثب عليٌ فأخذ بتلابيبه ثم نتره فصرعه ووجأ أنفه ورقبته وهم بقتله ، فذكر قول رسول الله ( صلى الله عليه آله ) وما أوصاه به ، فقال : والذي كرَّم محمداً بالنبوة يا بن صهاك لولا كتاب من الله سبق وعهدٌ عهده إليَّ رسول الله لعلمت إنك لا تدخل بيتي . فأرسل عمر يستغيث ، فأقبل الناس حتى دخلوا الدار وثار علي إلى سيفه ، فرجع قنفذ إلى أبي بكر وهو يتخوف أن يخرج علي إليه بسيفه ، لما قد عرف من بأسه وشدته ، فقال أبو بكر لقنفذ : إرجع فإن خرج وإلا فاقتحم عليه بيته فإن امتنع فاضرم عليهم بيتهم النار ! فانطلق قنفذ فاقتحم هو وأصحابه بغير إذن ، وثار علي إلى سيفه فسبقوه إليه وكاثروه وهم كثيرون ، فتناول بعضهم سيوفهم فكاثروه وضبطوه ، فألقوا في عنقه حبلاً وحالت بينهم وبينه فاطمة ( عليها السلام ) عند باب البيت فضربها قنفذ بالسوط ! فماتت حين ماتت وإن في عضدها كمثل الدملج من ضربته ، ثم انطلقوا بعلي يُعتل عَتْلاً حتى انتهيَ به إلى أبي بكر ، وعمر قائم بالسيف على رأسه ، وخالد بن الوليد وأبو عبيدة بن الجراح وسالم مولى أبي حذيفة ومعاذ بن جبل والمغيرة بن شعبة وأسيد بن حضير وبشير بن سعيد وسائر الناس ، جلوسٌ حول أبي بكر عليهم السلاح !
قال قلت لسلمان : أدَخلوا على فاطمة بغير إذن ؟ قال : إي والله ، وما عليها من خمار فنادت : وا أبتاه ، وا رسول الله ، يا أبتاه فلبئس ما خلفك أبو بكر وعمر . . . قال فانتهوا بعلي إلى أبي بكر وهو يقول : أما والله لو وقع سيفي في يدي لعلمتم أنكم لن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 107 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
تصلوا إليَّ هذا أبداً . أما والله ما ألوم نفسي في جهادكم ، ولو كنت استمكنت من الأربعين رجلاً لفرقت جماعتكم ، ولكن لعن الله أقواماً بايعوني ثم خذلوني .
ولما أن بصر به أبو بكر صاح : خلوا سبيله ! فقال علي : يا أبا بكر ما أسرع ما توثبتم على رسول الله ! بأي حق وبأي منزلة دعوت الناس إلى بيعتك ؟ ألم تبايعني بالأمس بأمر الله وأمر رسول الله ؟ !
وقد كان قنفذ لعنه الله ضرب فاطمة ( عليها السلام ) بالسوط حين حالت بينه وبين زوجها ، وأرسل إليه عمر : إن حالت بينك وبينه فاطمة فاضربها ، فألجأها قنفذ لعنه الله إلى عضادة باب بيتها ودفعها فكسر ضلعها من جنبها فألقت جنيناً من بطنها ! فلم تزل صاحبة فراش حتى ماتت صلى الله عليها من ذلك شهيدة .
قال : ولما انتهى بعلي إلى أبي بكر انتهره عمر وقال له : بايع ودع عنك هذه الأباطيل ، فقال له : فإن لم أفعل فما أنتم صانعون ؟ قالوا : نقتلك ذلا وصغاراً ! فقال : إذاً تقتلون عبد الله وأخَ رسوله . فقال أبو بكر : أما عبد الله فنعم ، وأما أخو رسول الله فما نقر بهذا ! قال : أتجحدون أن رسول الله آخى بيني وبينه ؟ ! قال : نعم ! فأعاد ذلك عليهم ثلاث مرات . ثم أقبل عليهم علي ( عليه السلام ) فقال : يا معشر المسلمين والمهاجرين والأنصار ، أنشدكم الله أسمعتم رسول الله يقول يوم غدير خم كذا وكذا ، وفي غزوة تبوك كذا وكذا ؟ فلم يدع شيئاً قاله فيه رسول الله علانية للعامة إلا ذكرهم إياه . قالوا : اللهم نعم !
فلما تخوف أبو بكر أن ينصره الناس وأن يمنعوه ، بادرهم فقال له : كل ما قلت حق قد سمعناه بآذاننا وعرفناه ووعته قلوبنا ، ولكن قد سمعتُ رسول الله يقول بعد هذا : إنا أهل بيت اصطفانا الله وأكرمنا واختار لنا الآخرة على الدنيا ، وإن الله لم يكن ليجمع لنا أهل البيت النبوة والخلافة ! فقال علي : هل أحد من أصحاب رسول الله شهد هذا معك ؟ ! فقال عمر : صدق خليفة رسول الله ، قد سمعته منه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 108 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كما قال . وقال أبو عبيدة وسالم مولى أبي حذيفة ومعاذ بن جبل : صدق ، قد سمعنا ذلك من رسول الله ! فقال لهم علي : لقد وفيتم بصحيفتكم الملعونة التي تعاقدتم عليها في الكعبة : إن قتل الله محمداً أو مات لتَزْوُنَّ هذا الأمر عنا أهل البيت ! فقال أبو بكر : فما علمك بذلك ؟ ما أطلعناك عليها ؟ فقال : أنت يا زبير ، وأنت يا سلمان ، وأنت يا أبا ذر ، وأنت يا مقداد ، أسألكم بالله وبالإسلام أما سمعتم رسول الله يقول ذلك وأنتم تسمعون : إن فلاناً وفلاناً حتى عد هؤلاء الخمسة قد كتبوا بينهم كتاباً وتعاهدوا فيه وتعاقدوا أيماناً على ما صنعوا إن قتلت أو مت ؟ ! فقالوا : اللهم نعم ، قد سمعنا رسول الله يقول ذلك لك : إنهم قد تعاهدوا وتعاقدوا على ما صنعوا ، وكتبوا بينهم كتاباً إن قتلت أو مت أن يتظاهروا عليك وأن يزووا عنك هذا يا علي . قلت : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ، فما تأمرني إذا كان ذلك أن أفعل ؟ فقال لك : إن وجدت عليهم أعواناً فجاهدهم ونابذهم ، وإن أنت لم تجد أعواناً فبايع واحقن دمك . فقال علي : أما والله لو أن أولئك الأربعين رجلاً الذين بايعوني وفوا لي لجاهدتكم في الله ، ولكن أما والله لا ينالها أحد من عقبكما إلى يوم القيامة . وفيما يكذب قولكم على رسول الله قوله تعالى : أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عظيماً ، فالكتاب النبوة ، والحكمة السنة ، والملك الخلافة ، ونحن آل إبراهيم .
فقام المقداد فقال : يا عليُّ بمَ تأمرني ؟ والله إن أمرتني لأضربن بسيفي وإن أمرتني كففتُ . فقال عليٌّ : كفَّ يا مقداد واذكر عهد رسول الله وما أوصاك به . فقمت وقلت : والذي نفسي بيده ، لو أني أعلم أني أدفع ضيماً وأعز لله ديناً لوضعت سيفي على عنقي ثم ضربت به قدماً قدماً ! أتثبون على أخي رسول الله ووصيه وخليفته في أمته وأبي ولده ! فأبشروا بالبلاء وأقنطوا من الرخاء !
وقام أبو ذر فقال : أيتها الأمة المتحيرة بعد نبيها المخذولة بعصيانها ، إن الله
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 109 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يقول : إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ . ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ . وآل محمد الأخلاف من نوح وآل إبراهيم من إبراهيم والصفوة والسلالة من إسماعيل . وعترة محمد أهل بيت النبوة وموضع الرسالة ومختلف الملائكة ، وهم كالسماء المرفوعة والجبال المنصوبة والكعبة المستورة والعين الصافية ، والنجوم الهادية ، والشجرة المباركة ، أضاء نورها وبورك زيتها . محمد خاتم الأنبياء وسيد ولد آدم ، وعلي وصي الأوصياء وإمام المتقين ، وقائد الغر المحجلين ، وهو الصديق الأكبر ، والفاروق الأعظم ، ووصي محمد ووارث علمه ، وأولى الناس بالمؤمنين من أنفسهم كما قال الله : النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ . فقدِّموا من قدم الله ، وأخِّروا من أخر الله ، واجعلوا الولاية والوراثة لمن جعل الله . . . الخ ) . انتهى .
ومنها : ما رواه العياشي : 2 / 66 ، والاختصاص للمفيد ص 185 : ( عن عمرو بن أبي المقدام ، عن أبيه ، عن جده قال : ما أتى على علي ( عليه السلام ) يوم قط أعظم من يومين أتياه ، فأما أول يوم فاليوم الذي قبض فيه رسول الله ( صلى الله عليه آله ) ، وأما اليوم الثاني فوالله إني لجالس في سقيفة بني ساعدة عن يمين أبي بكر والناس يبايعونه ، إذ قال له عمر : يا هذا ليس في يديك شئ ما لم يبايعك علي ! فابعث إليه حتى يأتيك يبايعك ، فإنما هؤلاء رعاع ، فبعث إليه قنفذ فقال له : إذهب فقل لعلي : أجب خليفة رسول الله ( صلى الله عليه آله ) ، فذهب قنفذ فما لبث أن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 110 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
رجع فقال لأبي بكر : قال لك ما خلف رسول الله أحداً غيري ! قال : ارجع إليه فقل : أجب ، فإن الناس قد أجمعوا على بيعتهم إياه ، وهؤلاء المهاجرون والأنصار يبايعونه وقريش ، وإنما أنت رجل من المسلمين لك ما لهم وعليك ما عليهم ، فذهب إليه قنفذ ، فما لبث أن رجع فقال قال لك : إن رسول الله ( صلى الله عليه آله ) قال لي وأوصاني إذا واريته في حفرته لا أخرج من بيتي حتى أؤلف كتاب الله ، فإنه في جرايد النخل وفي أكتاف الإبل . قال عمر : قوموا بنا إليه ، فقام أبو بكر ، وعمر ، وعثمان وخالد بن الوليد ، والمغيرة بن شعبة ، وأبو عبيدة بن الجراح ، وسالم مولى أبي حذيفة ، وقنفذ ، وقمت معهم فلما انتهينا إلى الباب فرأتهم فاطمة ( عليها السلام ) فأغلقت الباب في وجوههم ، وهي لا تشك أن لا يدخل عليها إلا بإذنها ، فضرب عمر الباب برجله فكسره وكان من سعف ، ثم دخلوا فأخرجوا علياً ملبباً ! فخرجت فاطمة فقالت : يا أبا بكر أتريد أن ترمِّلني من زوجي ، والله لئن لم تكفَّ عنه لأنشرن شعري ولأشقنَّ جيبي ولآتين قبر أبي ولأصيحنَّ إلى ربي ، فأخذت بيد الحسن والحسين وخرجت تريد قبر النبي ( صلى الله عليه آله ) فقال علي لسلمان : أدرك ابنة محمد ( صلى الله عليه آله ) فإني أرى جنبتي المدينة تكفيان ، والله إن نشرت شعرها وشقت جيبها وأتت قبر أبيها وصاحت إلى ربها ، لا يناظر بالمدينة أن يخسف بها وبمن فيها ، فأدركها سلمان فقال : يا بنت محمد إن الله إنما بعث أباك رحمة فارجعي ، فقالت : يا سلمان يريدون قتل علي ! ما على عليٍّ صبر ، فدعني حتى آتى قبر أبي فأنشر شعري وأشق جيبي وأصيح إلى ربي ! فقال سلمان : إني أخاف أن يخسف بالمدينة ، وعليٌّ بعثني إليك ويأمرك أن ترجعي إلى بيتك وتنصرفي ، فقالت : إذاً أرجع وأصبر ، وأسمع له وأطيع .
قال : فأخرجوه من منزله ملبباً ومروا به على قبر النبي عليه وآله السلام قال : فسمعته يقول : يا ( ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي ) إلى آخر الآية . وجلس أبو بكر في سقيفة بني ساعدة وقَدِم عليٌّ فقال له عمر : بايع ! فقال له علي : فإن أنا لم أفعل فمَهْ ؟ فقال له عمر : إذا أضرب والله عنقك ! فقال له علي : إذاً والله أكون عبد الله المقتول وأخا رسول الله . فقال عمر : أما عبد الله المقتول فنعم ، وأما
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 111 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أخو رسول الله فلا ، حتى قالها ثلاثاً ! فبلغ ذلك العباس بن عبد المطلب فأقبل مسرعاً يهرول فسمعته يقول : إرفقوا بابن أخي ولكم عليَّ أن يبايعكم ، فأقبل العباس وأخذ بيد علي فمسحها على يد أبي بكر ، ثم خلوه مغضباً فسمعته يقول : ورفع رأسه إلى السماء : اللهم إنك تعلم أن النبي ( صلى الله عليه آله ) قد قال لي : إن تموا عشرين فجاهدهم ، وهو قولك في كتابك : إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ . قال : وسمعته يقول : اللهم وإنهم لم يتموا عشرين ، حتى قالها ثلاثاً ، ثم انصرف ) . انتهى .
ومنها : ما رواه في الإختصاص ص 184 ، من حديث فدك : ( فقال علي ( عليه السلام ) لها : إئت أبا بكر وحده فإنه أرق من الآخر وقولي له : ادعيت مجلس أبي وأنك خليفته وجلست مجلسه ولو كانت فدك لك ثم استوهبتها منك لوجب ردها عليَّ ! فلما أتته وقالت له ذلك قال : صدقت قال : فدعا بكتاب فكتبه لها برد فدك ، فقال : فخرجت والكتاب معها ، فلقيها عمر فقال : يا بنت محمد ما هذا الكتاب الذي معك ، فقالت : كتاب كتب لي أبو بكر برد فدك ، فقال : هلميه إلي ، فأبت أن تدفعه إليه فرفسها برجله ! وكانت حاملة بابن اسمه المحسن فأسقطت المحسن من بطنها ثم لطمها ! فكأني أنظر إلى قرط في أذنها حين نقفت ! ثم أخذ الكتاب فخرقه ، فمضت ومكثت خمسة وسبعين يوماً مريضة مما ضربها عمر ، ثم قبضت ) . انتهى . ( راجع كتاب : مأساة الزهراء ( عليها السلام ) ، للعلامة السيد جعفر مرتضى ) .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 112 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

عشرة مواقف لفاطمة الزهراء ( عليها السلام )

يكفي الواحد منها لمن كان له قلب !

1 - يوم بكت وأبكت أباها رسول الله ( صلى الله عليه آله ) !

كان ذلك أكثر من مرة ، في مجالس شهدها الصحابة ونطق فيها النبي ( صلى الله عليه آله ) بالغيب ، فكانت نوراً نبوياً تلقاه رواة أهل البيت ( عليهم السلام ) ونقلوه بأمانة .
روى الخزاز في كفاية الأثر ص 124 عن عمار قال : ( لما حضرت رسول الله ( صلى الله عليه آله ) الوفاة دعا بعلي ( عليه السلام ) فسارَّه طويلاً ، ثم قال : يا علي أنت وصيي ووارثي قد أعطاك الله علمي وفهمي ، فإذا متُّ ظهرت لك ضغائن في صدور قوم وغصب على حقد ! فبكت فاطمة وبكى الحسن والحسين فقال لفاطمة : يا سيدة النسوان مم بكاؤك ؟ قالت : يا أبة أخشى الضيعة بعدك ! قال : أبشري يا فاطمة فإنك أول من يلحقني من أهل بيتي ، ولا تبكي ولا تحزني فإنك سيدة نساء أهل الجنة ، وأباك سيد الأنبياء ، وابن عمك خير الأوصياء ، وابناك سيدا شباب أهل الجنة ، ومن صلب الحسين يخرج الله الأئمة التسعة ، مطهرون معصومون ، ومنا مهدي هذه الأمة ) .
وروى الصدوق في كمال الدين ص 662 ، عن سلمان قال : ( كنت جالساً بين يدي رسول الله ( صلى الله عليه آله ) في مرضته التي قبض فيها فدخلت فاطمة ( عليها السلام ) فلما رأت ما بأبيها من الضعف بكت حتى جرت دموعها على خديها ، فقال لها رسول الله ( صلى الله عليه آله ) : ما يبكيك يا فاطمة ؟ قالت : يا رسول الله أخشى على نفسي وولدي الضيعة بعدك ! فاغرورقت عينا رسول الله بالبكاء ثم قال : يا فاطمة أما علمت أنا أهل بيت اختار الله عز وجل لنا الآخرة على الدنيا ، وأنه حتم الفناء على جميع خلقه ، وأن الله تبارك وتعالى اطَّلع إلى الأرض إطلاعة فاختارني من خلقه فجعلني نبياً ، ثم اطلع إلى الأرض إطلاعة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 113 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثانية فاختار منها زوجك ، وأوحى إليَّ أن أزوجك إياه ، وأتخذه ولياً ووزيراً ، وأن أجعله خليفتي في أمتي . فأبوك خير أنبياء الله ورسله ، وبعلك خير الأوصياء ، وأنت أول من يلحق بي من أهلي .
ثم اطَّلع إلى الأرض إطلاعة ثالثة فاختارك وولديك ، فأنت سيدة نساء أهل الجنة وابناك حسن وحسين سيدا شباب أهل الجنة ، وأبناء بعلك أوصيائي إلى يوم القيامة كلهم هادون مهديون ، وأول الأوصياء بعدي أخي علي ، ثم حسن ، ثم حسين ، ثم تسعة من ولد الحسين في درجتي ، وليس في الجنة درجة أقرب إلى الله من درجتي ودرجة أبي إبراهيم ! أما تعلمين يا بنية أن من كرامة الله إياك أن زوجك خير أمتي ، وخير أهل بيتي ، أقدمهم سلماً وأعظمهم حلماً ، وأكثرهم علماً . فاستبشرت فاطمة ( عليها السلام ) وفرحت بما قال لها رسول الله ( صلى الله عليه آله ) . . . الحديث وهو طويل ) . انتهى .
( ورواه القاضي النعمان في شرح الأخبار : 1 / 122 ، عن أبي سعيد الخدري ، والطبري الشيعي في المسترشد ص 613 ، بتفصيلات أخرى . . الخ . ) .
يا رسول الله أخشى على نفسي وولدي الضيعة بعدك !
ممن ؟ من هؤلاء الجالسين حول أبيها ، الذين حدثها بما هم فاعلون !
فاغرورقت عينا رسول الله بالبكاء ! ممن ؟ من زعماء قريش الجالسين حوله ! الذين أخبره ربه أن عاصفتهم بالباب ، تنتظر أن يغمض عينيه لتعصف بالإسلام وبالترتيبات الربانية له ! وأن بيت فاطمة ( عليها السلام ) سيكون أول هدفهم فيهددونهم بإحراق البيت على من فيه ، إن لم يعترفوا بشرعية إمام بطون قبائل قريش ! !
لقد أعد النبي ( صلى الله عليه آله ) أهل بيته فاطمة وعلياً والحسنين ( عليهم السلام ) لمرحلة ما بعده . . فلا تنقصهم المعلومات ولا التوجيهات ، ولا اليقين بما سيكون ، فقد حكاه الله لنبيه مفصلاً فحكاه لهم ، فآمنوا به على مستوى الحس لا الحدس ، وأخذ عليهم النبي العهد والميثاق أن يصبروا ويعملوا لإنقاذ ما يمكن ، وأعطوه العهد على ذلك عن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 114 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إيمان ورضا ، ووطنوا أنفسهم على العطاء لله من حقهم وكرامتهم حتى يرضى !
لكن هذا اليقين لا يمنع فاطمة ( عليها السلام ) أن تستشرف صور الفتنة ، وعواصفها المزمجرة ، كلما اقتربت أيام وصولها ، فتبكي لأبيها العطوف الحنون ، لكي يشاركها بدمعة قبل أن يرحل ! ويقول لهؤلاء في أنفسهم قولاً بليغاً ، فيسمع موقفه من أصحابه من لم يسمعه ، لعل ذلك يخفف من موج العاصفة !
أخبرها النبي ( صلى الله عليه آله ) أن الله تعالى قضى على هذه الأمة كما قضى على الأمم السابقة ، أن يعطيها الحرية لاختيار الضلال إن شاءت ، ما دامت لم ترتفع إلى مستوى من التقوى فتفرق عملياً بين القيادة المعينة من الله تعالى ، والمعينة من القبائل المتغلبة ! وأن امتحان العترة قريب ! وأن عاصفة قريش الطلقاء لا تبعد أكثر من ساعة عن وفاته حتى تزمجر ! فقد ذهبا إلى السقيفة يتعاديان ليصفق عمر على يد أبي بكر ويعلنه خليفة ، بعد أن ناقشا لنصف ساعة أو أقل سعد بن عبادة المريض وبضعة نفر حوله ! ثم جاء دور ألوف الطلقاء الذين حشدوهم في المدينة لثبيت السلطة الجديدة ، وتنفيذ اضطهاد آل محمد ( صلى الله عليه آله ) !
أخبرها أنهم سيفتحون عليهم باب الاضطهاد حتى يضج منه التاريخ ! فيعيشون وشيعتهم مظلومين مقهورين ، ما بين مقتول ومسموم ومسجون ومشرد وخائف على دمه ، حتى يظهر مهديهم الموعود .
بكى النبي لبكاء فاطمة ، وقال لها نعم سيكون ما تخشيْن ، لكن ربنا عز وجل أكرمنا وفضلنا ، وعلينا أن ندفع ضريبة العبودية الكاملة له ، وهي ضريبة لأيام قليلة تعقبها راحة طويلة . إن عمر الدنيا القصير يسهل الأمر ، يا بنية !
كانت فاطمة ترى الأمور تسير نحو الكارثة على الاسلام وعترة نبيه ( صلى الله عليه آله ) بمجرد أن يغمض النبي ( صلى الله عليه آله ) عينيه ويلاقي ربه !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 115 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فأيدها النبي ( صلى الله عليه آله ) وبكى لها ، وهدَّأها ، طمأنها بأن ذلك ضريبة عبودية هذه الأسرة المصطفاة لربها عز وجل ، ففرحت الحزينة ! تقول في فرحها لنعم الله : سمعاً وطاعة يا أبتاه . . تدمع العين ويحزن القلب ، ولا نقول إلا ما يرضي الرب فرضا الله رضانا أهل البيت ، وليقترف الناس ما هم مقترفون !
* *
أما رواة الحكومات ، فرووا من هذا المشهد النبوي البليغ نتفاً مبتورة وصححوا بعضها ! ورووا منه فقرات طويلة ولم يضعفها أحد غير الذهبي تحكماً وتعصباً فاتبعوه وغطوا عليه ! رواه الطبراني في الكبير : 3 / 57 ، والصغير : 1 / 67 ، وابن عساكر : 42 / 130 ، والطبري في ذخائر العقبى ص 135 ، وابن الأثير في أسد الغابة : 4 / 42 ، والهيثمي في مجمع الزوائد : 8 / 253 ، وقال : ( وهو بتمامه في فضل أهل البيت ، رواه الطبراني في الأوسط والكبير وفيه الهيثم بن حبيب ، وقد اتهم بهذا الحديث ! ورواه في : 9 / 164 ، وقال : رواه الطبراني في الكبير والأوسط ، وفيه الهيثم بن حبيب ، قال أبو حاتم منكر الحديث وهو متهم بهذا الحديث ) !
ولا يتسع المجال لتفصيل تهافتهم وتعصبهم في هذا الحديث ، فيكفي أن تعرف أن الهيثمي نفسه قال في الزوائد : 3 / 190 : وأما الهيثم بن حبيب فلم أر من تكلم فيه غير الذهبي ( القرن الثامن ) اتهمه بخبر رواه ، وقد وثقه ابن حبان ) . انتهى .
وهو يقصد قول الذهبي في ميزان الإعتدال : 4 / 320 : ( الهيثم بن حبيب عن سفيان بن عيينة بخبر باطل في المهدي ، هو المتهم به . رواه أبو نعيم ، عن الطبراني ، عن محمد بن رزيق بن جامع عنه ) . انتهى .
وواضح أن اتهام الذهبي لهذا الراوي بالوضع ، لا حجة له إلا أن الحديث لم يعجب الذهبي المتعصب ، لأنه يكشف سقيفة قريش ، وينص على إمامة علي والحسنين وبقية العترة إلى المهدي ( عليهم السلام ) ! ولا بد أن الذهبي رأى أن الهيثم من أصحاب الإمام الصادق ( عليه السلام ) الموثقين عندنا وعندهم ! فازداد غيظاً !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 116 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أما قول الهيثمي : ( قال أبو حاتم منكر الحديث ) فهو خطأ أو كذب ! لأن أبا حاتم وثق ابن حبيب بنص الذهبي في ميزان الإعتدال : 4 / 320 قال : ( فوثقه أبو حاتم ) . وفي تهذيب التهذيب : 11 / 81 : أن أبا عوانة وثقه وقال : ( قال لي شعبة : إلزم الهيثم الصيرفي . وقال الأثرم : أثنى عليه أحمد وقال : ما أحسن أحاديثه وأسد استقامتها ، ليس كما يروي عنه أصحاب الرأي . وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين : الهيثم بن حبيب الصراف ثقة . وقال أبو زرعة وأبو حاتم : ثقة في الحديث صدوق ، وذكره ابن حبان في الثقات ) . انتهى . وكذا في تهذيب الكمال : 30 / 369 ، وفي سؤالات الآجري لأبي داود : 1 / 191 : سألت أبا داود عن الهيثم بن حبيب ، قلت : يتقدم عبد الملك بن حبيب ؟ قال : نعم . وقد روى شعبة عنهما . وفي شرح مسند أبي حنيفة للقاري ص 398 : الهيثم بن حبيب الصرفي أحد التابعين الأجلاء ) .
لكن لا تعجب من هرب إمامهم الذهبي الشركسي من هذا الحديث وهجومه عليه وارتكابه الكذب من أجله ، ولا من حذوهم حذوه وتغطيتهم عليه ! لأن نص الحديث ثقيلٌ على أعصابهم وأعصاب بطون قريش ، مع أنهم حذفوا منه ذكر بقية الأئمة الاثني عشر ( عليهم السلام ) ! وهذا نصه من مجمع الزوائد :
( عن علي بن علي الهلالي عن أبيه قال دخلت على رسول الله ( ص ) في شكاته التي قبض فيها فإذا فاطمة رضي الله عنها عند رأسه ، قال فبكت حتى ارتفع صوتها فرفع رسول الله ( ص ) طرفه إليها فقال : حبيبتي فاطمة ما الذي يبكيك ؟ فقالت أخشى الضيعة بعدك ! فقال : يا حبيبتي أما علمت أن الله عز وجل اطَّلع إلى الأرض اطلاعةً فاختار منها أباك فبعثه برسالته ، ثم اطَّلع إلى الأرض اطلاعةً فاختار منها بعلك وأوحى إلى أن أنكحك إياه ! يا فاطمة ونحن أهل بيت قد أعطانا الله سبع خصال لم تعط لأحد قبلنا ولا تعطى أحداً بعدنا : أنا خاتم النبيين وأكرم النبيين على الله ، وأحب المخلوقين إلى الله عز وجل وأنا أبوك ، ووصيي خير الأوصياء وأحبهم إلى الله وهو بعلك ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 117 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وشهيدنا خير الشهداء وأحبهم إلى الله وهو عمك حمزة بن عبد المطلب وعم بعلك ، ومنا من له جناحان أخضران يطير مع الملائكة في الجنة حيث شاء وهو ابن عم أبيك وأخو بعلك ، ومنا سبطا هذه الأمة وهما ابناك الحسن والحسين وهما سيدا شباب أهل الجنة وأبوهما والذي بعثني بالحق خير منهما .
يا فاطمة والذي بعثني بالحق إن منهما مهدي هذه الأمة ، إذا صارت الدنيا هرجاً ومرجاً ، وتظاهرت الفتن ، وتقطعت السبل ، وأغار بعضهم على بعض ، فلا كبير يرحم صغيرا ولا صغير يوقر كبيراً ، فيبعث الله عز وجل عند ذلك منهما من يفتح حصون الضلالة وقلوباً غلفاً ! يقوم بالدين آخر الزمان كما قمت به في أول الزمان ، ويملأ الدنيا عدلاً كما ملئت جوراً .
يا فاطمة لا تحزني ولا تبكي ، فإن الله عز وجل أرحم بك وأرأف عليك مني وذلك لمكانك من قلبي ، وزوجك الله زوجاً وهو أشرف أهل بيتك حسباً وأكرمهم منصباً ، وأرحمهم بالرعية وأعدلهم بالسوية وأبصرهم بالقضية ، وقد سألت ربي عز وجل أن تكوني أول من يلحقني من أهل بيتي !
قال علي رضي الله عنه : فلما قبض النبي ( ص ) لم تبق فاطمة رضي الله عنها بعده إلا خمسة وسبعين يوماً ، حتى ألحقها الله عز وجل به ( ص ) . انتهى .
إنها واحدة من الحجج النبوية التي أفلتت من سيطرة رواة قريش ! فلا ينفعهم أن الذهبي في القرن الثامن غضب منها ، وسعى في خرابها !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 118 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

2 - يوم بكى أبوها ( صلى الله عليه وآله ) لظلامتها . . وبكت لفقده !

في أمالي الشيخ الطوسي ص 188 : ( عن عبد الله بن العباس قال : لما حضرت رسول الله ( صلى الله عليه آله ) الوفاة بكى حتى بلَّتْ دموعه لحيته فقيل له : يا رسول الله ما يبكيك ؟ فقال : أبكي لذريتي ، وما تصنع بهم شرار أمتي من بعدي ! كأني بفاطمة ابنتي وقد ظلمت بعدي وهي تنادي يا أبتاه يا أبتاه ، فلا يعينها أحد من أمتي ! فسمعت ذلك فاطمة فبكت فقال لها رسول الله ( صلى الله عليه آله ) : لم تبكين يا بنية ؟ فقالت : لست أبكي لما يصنع بي من بعدك ، ولكن أبكي لفراقك يا رسول الله ! فقال لها : أبشري يا بنت محمد بسرعة اللحاق بي ، فإنك أول من يلحق بي من أهل بيتي ) .
* *
من بعد حجة الوداع ، لم يكن أحدٌ يعاني كما عانت فاطمة وعليٌّ والحسنان ( عليهم السلام ) . كان وداع النبي بالنسبة لهم وداعاً لعالم أعلى فيه كل شئ ، واستعداداً للدخول في عالم ملئ بالآلام والأحزان ، ومقارعة العواصف والأفاعي !
كانوا يدركون أن كل تأكيدات النبي ( صلى الله عليه آله ) واحتياطاته لم تؤثر في قريش التي ركبت رأسها وأصرت على مؤامرتها ، وهيأت الأجواء في قبائلها وقبائل العرب وحتى في بعض أوساط الأنصار ، لمقولتها أن بني هاشم تكفيهم النبوة ، وليس من العدل أن يجمعوا بين النبوة والخلافة ، ويحرموا منها بطون قريش ! !
لقد شاهدت فاطمة ( عليها السلام ) في حجة الوداع صوراً من الصراع بين الهدى النبوي والضلال القرشي ، ورأت أن النبي ( صلى الله عليه آله ) خطب خمس خطب ، وأوضح للأمة مراراً موقع عترته وأهل بيته من بعده ، بأساليبه المبتكرة وبلاغته النبوية ، وأنه كلما وصل إلى تعيين الولاة بعده ، وأن الله غرسهم في هذا البيت من بني هاشم ، لغطت قريش وشوش أتباعها المبثوثون في مجلسه ، وصاحوا وقاموا وقعدوا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 119 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وكبروا ! ثم قالوا : إن النبي قال : الأئمة من قريش ، كل قريش ، كل قريش ! !
لقد أقام النبي ( صلى الله عليه آله ) الحجة لربه بينةً صريحةً في مكة وعرفات ومنى ، ثم لم يُبْقِ يوم الغدير لأحد عذراً ، على حد تعبير فاطمة ( عليها السلام ) !
لكن قريشاً كانت صماء ، وكأن حجة النبي ( صلى الله عليه آله ) لا تعنيها بشئ ! فهذا سهيل بن عمر يمسك بزعامتها في مكة ويتصرف كأنه رئيس دولة مقابل النبي ( صلى الله عليه آله ) ويقول نحن ، ومحمد ! ويرسل جابر بن النضر العبدري ليعترض على النبي ( صلى الله عليه آله ) ، لأنه بزعمه لم يكتف بما فرضه على الناس من صلاة وصوم وزكاة وحج ، حتى أخذ بضبع ابن عمه قائلاً : من كنت مولاه فعلي مولاه !
وهؤلاء طلقاء النبي من قريش صاروا ألوفاً في المدينة ، وهم ملتفون حول أبي بكر وعمر ، وعائشة وحفصة تواصلان تظاهرهما على رسول الله ( صلى الله عليه آله ) وتفشيان لهم سره ! وكلما علَّمَ جبرئيل النبي خطةً لترتيب الوضع لوصيه وعترته من بعده ، عملت قريش في إبطالها وتخريبها ! !
ومن أواخر ما خربوه أن النبي ( صلى الله عليه آله ) عرض عليهم ما لم يعرضه نبي على أمته قط وطلب منهم أن يلتزموا له بعهد يكتبه ليؤمِّن الأمة من الضلال إلى يوم القيامة ، ويجعلها سيدة العالم إلى يوم القيامة ! فبادروا إلى رفضه ، ودفعوا عمر لمواجهة النبي بكل صلافة : لا حاجة لنا بكتابك ، ومنعوه من كتابته ! !
ثم أراد النبي ( صلى الله عليه آله ) أن تفرغ المدينة من دعاة الفتنة وأرسلهم جميعاً في جيش أسامة إلى فلسطين ، وفيهم سبع مئة رجل من قريش ! وأمره بالتحرك ، ولعن من تخلف عن جيش أسامة ! فافتعلوا المشاكل والأعذار حتى سوفوا الوقت وأفشلوا برنامج أسامة ، وتسللوا من معسكره من الجرف لواذاً عائدين إلى المدينة !
كانت فاطمة ( عليها السلام ) تشاهد ذلك ، وتسمع كلام أبيها ( صلى الله عليه وآله ) عن عاصفة قريش التي تنتظر عترته ، وترى دموعه الغزار من أجلهم ، ومن أجلها خاصة ! لكنها كانت اليوم تبكي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 120 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لأعظم من كل ذلك ، لفراق أبيها !
بعين الله ما سألقاه بعدك يا أبتي ! يُغصب زوجي حقه ، ويَهجمون علينا ويُضرمون النار في دارنا ، وأُهانُ أنا وأضربُ ويُسقطُ جنيني ، ويُقاد زوجي بحمائل سيفه ! رضاً برضا الله ورضاك يا رسول الله ، فكل هذه المصائب دون مصيبة فراقك يا خير الرسل وخير الآباء !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 121 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

3 - يوم واجهت المهاجمين لدارها !

فخاطبتهم من وراء باب الدار كما تقدم في رواية ابن قتيبة : ( لا عهد لي بقوم حضروا أسوأ محضر منكم ! تركتم رسول الله جنازة بين أيدينا ، وقطعتم أمركم بينكم لم تستأمرونا ولم تردوا لنا حقاً ) ! ولما كرروا تهديدهم بإحراق الدار صاحت : ( يا رسول الله ماذا لقينا من ابن أبي قحافة وابن الخطاب بعدك ! يا عمر جئت لتحرق علينا دارنا ! ) . ثم تفاقم الأمر وأشعلوا النار بالباب ، ودفعوه والزهراء ( عليها السلام ) خلفه ! !
قال السيد جعفر مرتضى في كتاب مأساة الزهراء ( عليها السلام ) : 2 / 96 : ( نقل جماعة سيأتي في الموضع المذكور ذكر أساميهم ، والكتب التي نقلوا فيها ، منهم الطبري ، والجوهري ، والقتيبي ، والسيوطي ، وابن عبد ربه ، والواقدي ، وغيرهم خلق كثير : أن عمر بن الخطاب وجماعة معه ، منهم خالد بن الوليد ، أتوا بأمر أبي بكر إلى بيت فاطمة ، وفيه علي والزبير ، وغيرهما ، فدقوا الباب ، وناداهم عمر ، فأبوا أن يخرجوا . فلما سمعت فاطمة أصواتهم نادت بأعلى صوتها باكية : يا أبتاه ، يا رسول الله ، ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب ، وابن أبي قحافة .
وفي رواية القتيبي وجمع غيره : أنهم لما أبوا أن يخرجوا دعا عمر بالحطب ، وقال : والذي نفس عمر بيده لتخرجن ، أو لأحرقنها عليكم على ما فيها . فقيل له : إن فيها فاطمة ؟ ! فقال : وإن ! ! وفي رواية ابن عبد ربه : أن فاطمة قالت له : يا ابن الخطاب أجئتنا لتحرق دارنا ؟ قال : نعم . وفي رواية زيد بن أسلم : أنها قالت : تحرق عليَّ وعلى ولدي ؟ قال : إي والله ، أو ليخرجن وليبايعن .
ثم إن القوم الذين كانوا مع عمر لما سمعوا صوتها وبكاءها انصرف أكثرهم باكين ، وبقي عمر وقوم معه فأخرجوا علياً . حتى في رواية أكثرهم : أن عمر دخل البيت وأخرج الزبير ثم علياً . واجتمع الناس ينظرون ، وصرخت فاطمة - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 122 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وولولت ، حتى خرجت إلى باب حجرتها ، وقالت : ما أسرع ما أغرتم على أهل بيت نبيكم . وقد ذكر الشهرستاني في كتاب الملل والنحل : أن النظام نقل أن عمر ضرب بطن فاطمة ذلك اليوم حتى ألقت المحسن من بطنها وكان يصيح : أحرقوها بمن فيها . وفي روايات أهل البيت ( عليهم السلام ) : أن عمر دفع باب البيت ليدخل وكانت فاطمة وراء الباب ، فأصابت بطنها ، فأسقطت من ذلك جنينها المسمى بالمحسن ، وماتت بذلك الوجع . وفي بعض رواياته : أنه ضربها بالسوط على ظهرها . وفي رواية : أن قنفذ ضربها بأمره . . الخ ) . انتهى .
وفي كتاب مظلومية الزهراء للسيد الميلاني ص 62 : ( في العقد الفريد لابن عبد ربه المتوفى سنة 328 : وأما علي والعباس والزبير ، فقعدوا في بيت فاطمة حتى بعث إليهم أبو بكر ( ولم يكن عمر هو الذي بادر ) بعث أبو بكر عمر بن الخطاب ليخرجوا من بيت فاطمة وقال له : إن أبوا فقاتلهم ، فأقبل بقبس من نار على أن يضرم عليهم الدار فلقيته فاطمة فقالت : يا ابن الخطاب أجئت لتحرق دارنا ؟ ! قال : نعم أو تدخلوا ما دخلت فيه الأمة ) ! . ( الإستيعاب : 3 / 975 وهو في العقد الفريد : 5 / 12 ) .
ونقل الميلاني عبارة البلاذري في الأنساب : 1 / 586 : ( فجاء عمر ومعه فتيلة ، فتلقته فاطمة على الباب فقالت فاطمة : يا بن الخطاب أتراك محرقاً علي بابي ؟ ! الخ . ) .
وفي تاريخ أبي الفداء : 1 / 197 : ( وكذلك تخلف عن بيعة أبي بكر أبو سفيان من بني أمية ، ثم إن أبا بكر بعث عمر بن الخطاب إلى علي ومن معه ليخرجهم من بيت فاطمة رضي الله عنها وقال : إن أبوا عليك فقاتلهم ! ! فأقبل عمر بشيء من نار على أن يضرم الدار ! فلقيته فاطمة رضي الله عنها وقالت : إلى أين يا ابن الخطاب أجئت لتحرق دارنا ؟ ! قال : نعم أو تدخلوا فيما دخل فيه الأمة ! فخرج عليٌّ حتى أتى أبا بكر فبايعه ، كذا نقله القاضي جمال الدين بن واصل وأسنده إلى ابن عبد ربه المغربي . وروى الزهري عن عائشة قالت : لم يبايع علي أبا بكر حتى ماتت فاطمة ، وذلك بعد ستة أشهر لموت أبيها ) . انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 123 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

4 - يوم أخذوا علياً ( عليه السلام ) فخرجت خلفه لتمنعهم من قتله !

في الكافي : 8 / 237 : ( عن أبي هاشم قال : لما أُخرج بعلي ( عليه السلام ) خرجت فاطمة ( عليها السلام ) واضعة قميص رسول الله ( صلى الله عليه آله ) على رأسها ، آخذة بيدي إبنيها فقالت : مالي ومالك يا أبا بكر ، تريد أن تؤتم ابني وترملني من زوجي ، والله لولا أن تكون سيئة لنشرت شعري ولصرخت إلى ربي ! فقال رجل من القوم : ما نريد إلى هذا ، ثم أخذت بيده فانطلقت به ) ! انتهى .
وفي الإختصاص ص 186 : ( فخرجت فاطمة ( عليها السلام ) فقالت : يا أبا بكر وعمر تريدان أن ترمِّلاني من زوجي ! والله لئن لم تكفَّا عنه لأنشرن شعري ولأشقَّن جيبي ، ولآتين قبر أبي ولأصيحن إلى ربي ! فخرجت وأخذت بيد الحسن والحسين متوجهة إلى القبر ! فقال علي لسلمان : يا سلمان أدرك ابنة محمد . . الخ . ) .
وفي الإحتجاج : 1 / 113 : عن الإمام جعفر الصادق ( عليه السلام ) أنه قال : ( لما استُخرج أمير المؤمنين ( عليه السلام ) من منزله خرجت فاطمة صلوات الله عليها خلفه ، فما بقيت امرأة هاشمية إلا خرجت معها ، حتى انتهت قريباً من القبر فقالت لهم : خلوا عن ابن عمي فوالذي بعث محمداً أبي بالحق إن لم تخلوا عنه لأنشرنَّ شعري ولأضعن قميص رسول الله على رأسي ، ولأصرخن إلى الله تبارك وتعالى ، فما صالحٌ بأكرمَ على الله من أبي ، ولا الناقةُ بأكرم مني ، ولا الفصيلُ بأكرم على الله من ولديَّ !
قال سلمان رضي الله عنه : كنت قريباً منها ، فرأيت والله أساس حيطان مسجد رسول الله تقلعت من أسفلها ، حتى لو أراد رجل أن ينفذ من تحتها لنفذ ، فدنوت منها فقلت : يا سيدتي ومولاتي إن الله تبارك وتعالى بعث أباك رحمةً فلا تكوني نقمة ، فرجعت ورجعت الحيطان حتى سطعت الغبرة من أسفلها ، فدخلت في خياشيمنا ) . انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 124 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي مثالب النواصب ص 141 : ( عن عدي بن حاتم وعمرو بن حريث ، قال واحد منهما : ما رحمت أحداً كرحمي علي بن أبي طالب ، رأيته حين أتي به إلى بيعة الأول ، فلما نظر إلى القبر قال : يا ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني ! فقال بايع ، فقال : إن لم أفعل ؟ قال إذاً نقتلك ! قال : إذا تقتلون عبد الله وأخا رسول الله ! فبايع وأصابعه مضمومة ) !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 125 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

5 - يوم دارت مع علي ( عليهما السلام ) على زعماء الأنصار وأقامت عليهم الحجة

في كتاب سُليم ص 216 ، من جواب أمير المؤمنين ( عليه السلام ) للأشعث بن قيس ، قال : ( ثم حملتُ فاطمة وأخذت بيد ابني الحسن والحسين ، فلم أدَع أحداً من أهل بدر وأهل السابقة من المهاجرين والأنصار إلا ناشدتهم الله في حقي ودعوتهم إلى نصرتي . فلم يستجب لي من جميع الناس إلا أربعة رهط : سلمان وأبو ذر والمقداد والزبير ، ولم يكن معي أحد من أهل بيتي أصول به ولا أقوى به ، فقلت كما قال هارون لأخيه : ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي ! فلي بهارون أسوة حسنة ولي بعهد رسول الله ( صلى الله عليه آله ) حجة قوية . . . الخ . ) .
وفي الإختصاص ص 183 ، من حديث فدك : ( ثم خرجَتْ وحَمَلها عليٌّ على أتان عليه كساء له خمل ، فدار بها ( أربعين صباحاً ) في بيوت المهاجرين والأنصار والحسن والحسين معها وهي تقول : يا معشر المهاجرين والأنصار انصروا الله فإني ابنة نبيكم ، وقد بايعتم رسول الله يوم بايعتموه أن تمنعوه وذريته مما تمنعون منه أنفسكم وذراريكم ، ففوا لرسول الله ببيعتكم ! قال : فما أعانها أحد ولا أجابها ولا نصرها ! قال : فانتهت إلى معاذ بن جبل فقالت : يا معاذ بن جبل إني قد جئتك مستنصرة وقد بايعت رسول الله ( صلى الله عليه آله ) على أن تنصره وذريته وتمنعه مما تمنع منه نفسك وذريتك ، وأن أبا بكر قد غصبني على فدك وأخرج وكيلي منها ! قال : فمعي غيري ؟ قالت : لا ، ما أجابني أحد . قال : فأين أبلغ أنا من نصرتك ؟ قال : فخرجت من عنده ودخل ابنه فقال : ما جاء بابنة محمد إليك ؟ قال : جاءت تطلب نصرتي على أبي بكر فإنه أخذ منها فدكاً ، قال : فما أجبتها به ؟ قال قلت : وما يبلغ من نصرتي أنا وحدي ؟ قال : فأبيتَ أن تنصرها ! قال : نعم ، قال : فأيُّ شئ قالت لك ؟ قال : قالت لي : والله لأنازعنك الفصيح من رأسي حتى أرد على
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 126 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
رسول الله ، قال فقال : أنا والله لانازعتك الفصيح من رأسي حتى أرد على رسول الله إذ لم تجب ابنة محمد ( صلى الله عليه آله ) ! قال وخرجت فاطمة من عنده وهي تقول : والله لا أكلمك كلمة حتى أجتمع أنا وأنت عند رسول الله ( صلى الله عليه آله ) ، ثم انصرفت ) !
أقول : قولها ( عليها السلام ) لا نازعتك الفصيح من رأسي : معناه لا كلمتك كل عمري .
ولعل معاذاً كان يراجع حسابه في خذلانه لأهل بيت النبي ( صلى الله عليه آله ) في هذه الرواية التي روتها مصادرهم وصححوها ، وهي أن عمر رآه عند قبر النبي يبكي فقال له : ( ما يبكيك يا معاذ ؟ قال : يبكيني شئ سمعته من صاحب هذا القبر ! قال : وما سمعته ؟ قال : سمعته يقول : إن اليسير من الرياء شرك ، وإن من عادى ولي الله فقد بارز الله تعالى بالمحاربة ، وإن الله يحب الأتقياء الأخفياء الذين إن غابوا لم يفتقدوا وإن حضروا لم يعدوا ولم يعرفوا ، قلوبهم مصابيح الهدى ، يخرجون من كل غبراء مظلمة ) . ( الحاكم : 4 / 328 ، وصححه ، والكبير للطبراني : 20 / 154 ، ومسند الشهاب : 2 / 148 ، و 252 ) .
وقال ابن قتيبة في الإمامة والسياسة : 1 / 29 : ( وخرج علي كرم الله وجهه يحمل فاطمة بنت رسول الله ( ص ) على دابة ليلاً في مجالس الأنصار تسألهم النصرة ، فكانوا يقولون : يا بنت رسول الله قد مضت بيعتنا لهذا الرجل ولو أن زوجك وابن عمك سبق إلينا قبل أبي بكر ما عدلنا به ، فيقول علي كرم الله وجهه : أفكنت أدع رسول الله ( ص ) في بيته لم أدفنه ، وأخرج أنازع الناس سلطانه ؟ ! فقالت فاطمة : ما صنع أبو الحسن إلا ما كان ينبغي له ، ولقد صنعوا ما الله حسيبهم وطالبهم ) .
وفي الخصال للصدوق ص 173 : ( قالت سيدة النسوان فاطمة ( عليها السلام ) لما مُنعت فدك وخاطبت الأنصار فقالوا : يا بنت محمد لو سمعنا هذا الكلام منك قبل بيعتنا لأبي بكر ما عدلنا بعلي أحداً ، فقالت : وهل ترك أبي يوم غدير خم لأحد عذراً ) !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 127 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

6 - يوم أقامت مجالس العزاء والبكاء على النبي ( صلى الله عليه آله ) وأصرت عليها !

روت مصادر الجميع أن فاطمة ( عليها السلام ) كانت تندب أباها ( صلى الله عليه وآله ) وتبكيه ، وروت فقرات مؤثرة من نوحها عليه ، وأبيات شعر بليغة .
قال البخاري : 5 / 144 : ( عن أنس قال لما ثقل النبي ( ص ) جعل يتغشاه فقالت فاطمة : واكرب أباه ! فقال لها : ليس على أبيك كربٌ بعد اليوم ! فلما مات قالت : يا أبتاه أجاب رباً دعاه . يا أبتاه من جنة الفردوس مأواه . يا أبتاه إلى جبريل ننعاه . فلما دفن قالت فاطمة ( عليها السلام ) : يا أنس أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله التراب ! ) . انتهى .
وروت مصادر الحديث والسيرة أحاديث أخرى تهزُّ قلب الإنسان ، من ذلك ( أنها أخذت قبضة من تراب النبي ( ص ) فوضعتها على عينيها ثم قالت :

ماذا على من شمَّ تربة أحمدٍ * أن لا يشمَّ مدى الزمان غواليا
صُبَّتْ عَليَّ مصائبٌ لو أنها * صُبَّتْ على الأيام عُدْنَ لياليا

( مسند أحمد : 2 / 489 )
أين كانت تقيم فاطمة ( عليها السلام ) مجالس عزائها على أبيها ( صلى الله عليه وآله ) ؟
تدل الروايات على أنها كانت تقيمها عند قبر النبي ( صلى الله عليه آله ) وفي بيتها وفي البقيع ، وكانت تذهب إلى قبر عمها حمزة ( رحمه الله ) كل يوم خميس واثنين . واستمر برنامجها هذا طوال مدتها بعد النبي ( صلى الله عليه آله ) ، وهي كما في رواياتنا نحو ثلاثة أشهر وفي رواية البخاري ستة أشهر ، وفيما يلي بعض الضوء على هذه المجالس :
من الطبيعي أن تكون نساء الأنصار والمهاجرين قد أقمنَ مجالس ندب على النبي ( صلى الله عليه آله ) في أحيائهن كما فعلن يوم شهادة حمزة ( رحمه الله ) وغيره وأن يحضر غالبهن مجلس فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) فيعزينها ويندبن معها رسول الله ( صلى الله عليه آله ) !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 128 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وطبيعي أن يكون لهذه المجالس دورٌ اجتماعي وسياسي في ذلك الظرف الحساس ، الذي حدثت فيه بيعة السقيفة ، وخالفها بنو هاشم وغيرهم ، وهاجم الطلقاء بيت فاطمة وعلي ( عليهما السلام ) لإجبار من فيه على البيعة .
والسؤال الذي يفرض نفسه : ما بال رواة السلطة لم يرووا أخبار هذه المجالس ؟
والجواب : أن الوضع لم يكن طبيعياً لا في المسجد ولا في بيت علي وفاطمة ! فالحزب القرشي بعد بيعة أبي بكر جعلوا السقيفة مركز نشاطهم ، بعد أن أهانوا سعد بن عبادة المريض ، فحمله أولاده إلى بيته ، وتركوا لهم السقيفة !
لكنهم بعد الهجوم على بيت علي وفاطمة ( عليهما السلام ) جعلوا مسجد النبي ( صلى الله عليه آله ) مركزهم ! واتخذوا إجراءات مشددة في المسجد وحول القبر النبوي الشريف ، شبيهاً بالأحكام العرفية ، ومنعوا إقامة مجالس العزاء ، ومطلق التجمع عند قبر النبي ( صلى الله عليه آله ) ، فقد كان خوف السلطة القرشية الجديدة من أمرين :
الأول ، مجالس الندب التي تقيمها فاطمة ( عليها السلام ) ، أن توظفها لتأليب الأنصار وبعض المهاجرين ضد بيعة أبي بكر .
والثاني ، أن تستجير فاطمة وعلي بقبر النبي ( صلى الله عليه آله ) كما هي عادة العرب ، معلنين أنهم أهل الوصية والخلافة ، مطالبين بالوفاء لهم بالبيعة ورد بيعة أبي بكر !
فكان الحل عند القرشيين أن أطلقوا نصاً دينياً يمنع التجمع عند قبر النبي ( صلى الله عليه آله ) حتى للصلاة ! وقالوا إن ذلك آخر ما قاله النبي ( صلى الله عليه آله ) في آخر لحظات حياته ، وأنه لعن اليهود والنصارى لأنهم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ، أي صلوا عندها ! وفرضوا تنفيذ هذه ( الوصية النبوية ) بالقوة !
قالت عائشة : ( لما نزل برسول الله ( ص ) طفق يطرح خميصة له على وجهه فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه فقال وهو كذلك : لعنة الله على اليهود والنصارى
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 129 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ، يحذر ما صنعوا . البخاري : 1 / 422 ، 6 / 386 ، 8 / 116 ، ومسلم : 2 / 67 ، والنسائي : 1 / 115 ، والدارمي : 1 / 326 ، والبيهقي : 4 / 80 ، وأحمد : 1 / 218 ، 6 / 34 ، 229 ، 275 ) . ( الألباني في أحكام الجنائز ص 216 )
وقالت عائشة : ( قال رسول الله ( ص ) في مرضه الذي لم يقم منه : لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد . قالت : فلولا ذاك أُبْرِزَ قبرُه ، غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً ) . البخاري : 3 / 156 ، 198 ، 8 / 114 ، وأبو عوانة : 2 / 399 ، وأحمد : 6 / 80 ، 121 ، 255 ) . ( الألباني في أحكام الجنائز ص 216 ) .
وقال السرخسي في المبسوط : 1 / 206 : ( ورأى عمر رجلاً يصلي بالليل إلى قبر فناداه : القبر القبر ، فظن الرجل أنه يقول القمر ، فجعل ينظر إلى السماء ، فما زال به حتى بينه ) . انتهى .
والى يومنا هذا لم يستطع عالم من أتباع الخلافة القرشية أن يثبت أن اليهود والنصارى اتخذوا قبراً لنبي من أنبيائهم مسجداً ! اللهم إلا المؤمنون الذين مدحهم الله بأنهم اتخذوا مسجداً على قبور أهل الكهف فقال تعالى : وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا ) . ( الكهف : 21 ) .
فقد غفل واضعوا الحديث فكذبوا على تاريخ اليهود والنصارى ، كما غفلوا عن هذه الآية التي تكذب زعمهم ! لأن همهم كان منع مجالس فاطمة ( عليها السلام ) !

الأحكام العرفية في مسجد النبي ( صلى الله عليه آله ) وعند قبره !

ثم اخترع القرشيون حديثاً للتأكيد على تحريم التجمع عند قبر النبي ( صلى الله عليه آله ) ومنع استجارة بني هاشم به فقالوا إن النبي نفسه نهى أن يجعل قبره صنماً ومجمعاً ولو للعبادة فقال : ( لا تتخذوا قبري عيداً أو وثناً ) ! وفسروه بالنهي عن قصد قبره ( صلى الله عليه آله )
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 130 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
في أوقات معينة ، أو مطلقاً للتعبد عنده أو لغير ذلك ! ( أحكام الجنائز للألباني ص 219 ) !
وبذلك ضمنوا ( التبرير الشرعي ) لمنع علي ( عليه السلام ) إن أراد أن يستجير بقبر النبي ( صلى الله عليه آله ) ويطالب بالخلافة ! لأن الإستجارة بالقبر عند العرب تفرض الاستجابة لمطلب المستجير ، وإلا لحق العار بذوي صاحب القبر ومن يعز عليهم !
ولكنهم لم يكونوا يعرفون أن حرمة قبر رسول الله ( صلى الله عليه آله ) عند علي وفاطمة ( عليهما السلام ) أعظم من الخلافة ، وأنهما ليسا حاضرين لكسر حرمته ( صلى الله عليه آله ) بأي ثمن !
قد يقال : إن عادة الإستجارة بالقبر قد نسخها الإسلام .
وجوابه : أن التاريخ يثبت أن العرب ما زالوا في الجاهلية والإسلام يستجيرون بقبور عظمائهم فينصبون خيمة ويقيمون عند القبر حتى يلبى طلبهم ! وقد روت المصادر استجارة جماعة بقبر غالب جد الفرزذق ، وهو بكاظمة قرب الكويت ، قال في المستطرف : 217 : ( وكان الفرزدق يجير من عاذ بقبر أبيه غالب بن صعصعة فمن استجار بقبر أبيه أجاره ، وإن امرأة من بني جعفر بن كلاب خافت لما هجا الفرزدق بني جعفر أن يسميها وينسبها ، فعاذت بقبر أبيه ، فلم يذكر لها إسماً ولا نسباً ، ولكن قال : فلا والذي عاذت به لا أضيرها . . . عجوزٌ تصلي الخمسَ عاذت بغالبِ
( راجع أنساب الأشراف للبلاذري : 2 / 3037 ، الإشتقاق لابن دريد ص 147 ، والتذكرة الحمدونية ص 317 ، والأعلام : 5 / 114 ، وغيرها ) .
كما رووا استجارة الكميت بقبر معاوية بن هشام ، بعد أن قبض عليه الأمويون وأرادوا قتله فأجاره عبد الملك بن مروان : ( فقال مسلمة للكميت : يا أبا المستهل ؟ إن أمير المؤمنين قد أمرني بإحضارك ! قال أتسلمني يا أبا شاكر ؟ قال : كلا ولكني أحتال لك . ثم قال له : إن معاوية بن هشام مات قريباً وقد جزع عليه جزعاً شديداً ، فإذا كان من الليل فاضرب رواقك على قبره ، وأنا أبعث إليك بنيه يكونون معك في الرواق ، فإذا دعا بك تقدمت عليهم أن يربطوا ثيابهم بثيابك
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 131 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ويقولون : هذا استجار بقبر أبينا ونحن أحق بإجارته ! فأصبح هشام على عادته متطلعاً من قصره إلى القبر فقال : ما هذا ؟ فقالوا : لعله مستجير بالقبر ! فقال : يجار من كان إلا الكميت فإنه لا جوار له . فقيل : فإنه الكميت . فقال : يحضر أعنف إحضار ! فلما دعى به ربط الصبيان ثيابهم بثيابه ، فلما نظر هشام إليهم اغرورقت عيناه واستعبر وهم يقولون : يا أمير المؤمنين استجار بقبر أبينا وقد مات وما حظه من الدنيا ، فاجعله هبة له ولنا ، ولا تفضحنا فيمن استجار به ! فبكى هشام حتى انتحب ثم أقبل على الكميت فقال له . . . ) ( الغدير : 2 / 207 ) وذكر عتابه للكميت على قصائده المدوية في ذم بني أمية ، واعتذار الكميت ، وعفوه عنه .
ورووا قصة استجارة عجرد الشاعر بقبر سليمان بن علي العباسي وعفو المنصور عنه ، ذكر ذلك الصولي في ( أشعار أولاد الخلفاء وأخبارهم ص 2 ) . إلى آخر قصص الإستجارة بالقبر في الجاهلية والإسلام .

إجراء جديد لمنع مجلس فاطمة ( عليها السلام )

رغم كل هذه الإجراءات ، بقي مجلس فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) مصدر قلق للحكومة الجديدة ، فعملت لمنعه بحديث روته عن النبي ( صلى الله عليه آله ) ينهى عن أصل البكاء على الميت ، لأن الله يعذبه ببكاء أهله عليه ! قال البخاري : 2 / 85 : ( وإن الميت يعذب ببكاء أهله عليه . وكان عمر يضرب فيه بالعصا ويرمي بالحجارة ويحثي بالتراب ) !
لكن حديث عمر وتشدده في تطبيقه لم ينفع في إيقاف مجالس فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) ! خاصة أن نساء الأنصار كنَّ ينحن في عهد النبي ( صلى الله عليه آله ) فلم ينههنَّ بل أقمنَ مجلس نياحة على حمزة عند باب المسجد يعزين بذلك النبي ( صلى الله عليه آله ) في عمه حمزة ( رحمه الله ) ! فقد روى أحمد في مسنده : 2 / 40 ، عن ابن عمر أن رسول الله لما رجع من أحد فجعلت نساء الأنصار يبكين على من قتل من أزواجهن ، قال فقال
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 132 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
رسول الله ( ص ) : ولكن حمزة لا بواكي له ! قال ثم نام فاستنبه وهنَّ يبكين ، قال : فهنَّ اليوم إذا يبكين يندبن بحمزة ) . انتهى .
وفي مسند ابن راهويه : 2 / 599 : ( فقال رسول الله ( ص ) : لكن حمزة لا بواكي له ! قال فأمر سعد بن معاذ نساء بني ساعدة أن يبكين عند باب المسجد على حمزة ، فجعلت عائشة تبكي معهن ، فنام رسول الله ( ص ) فاستيقظ عند المغرب ، فصلى المغرب ثم نام ونحن نبكي ، فاستيقظ رسول الله ( ص ) العشاء الآخرة فصلى العشاء ، ثم نام ونحن نبكي ، فاستيقظ رسول الله ونحن نبكي ، فقال : ألا أراهن يبكين حتى الآن ؟ مروهن فليرجعن ، ثم دعا لهنَّ ولأزواجهن ولأولادهن ) . انتهى .
لكن رواة السلطة حرفوا هذا الحديث ووضعوا فيه أن النبي ( صلى الله عليه آله ) عاملَ نساء الأنصار بفظاظة وسوء خلق ! مع أنهنَّ جئن من أجله ، وأقمن مجلس النياحة على عمه أمام باب داره ومسجده ! ففي مسند أحمد : 2 / 84 ، عن عبد الله بن عمر أيضاً ! ( أن رسول الله ( ص ) لما رجع من أحد سمع نساء الأنصار يبكين على أزواجهن فقال : لكن حمزة لا بواكي له ، فبلغ ذلك نساء الأنصار فجئن يبكين على حمزة ، قال فانتبه رسول الله ( ص ) من الليل فسمعهن وهن يبكين فقال : ويحهن لم يزلن يبكين بعد منذ الليلة ؟ ! مروهن فليرجعن ولا يبكين على هالك بعد اليوم ) ! انتهى .
ولا يمكن لعاقل أن يقبل أنه ( صلى الله عليه آله ) خرَّب مجلسهن أو أنهاه بهذه الفظاظة ، فوبخهنَّ على تطويل النياحة ، ثم نهاهن عن البكاء على أي ميت ! !
والخلاصة ، أن هذا الحديث العُمري لم ينفع في منع مجلس فاطمة ( عليها السلام ) ، لكن يبدو أنها نقلته بعد المسجد إلى دارها !
وربما كان مجلسها في الفترة الأولى لوفاة النبي ( صلى الله عليه آله ) صباحاً ومساءاً ، وبعد انتهاء المجالس في أحياء الأنصار ، كان هو المجلس الوحيد الذي تقصده نساء
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 133 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأنصار وبعض نساء المهاجرين ، وربما بعض نساء الطلقاء !
هنا يأتي دور ما ذكرته مصادرنا من أن ( بعض أهل المدينة ) شَكوْا من استمرار مجالس فاطمة ( عليها السلام ) ليلاً ونهاراً ! قال الإمام الصادق ( عليه السلام ) : ( البكاؤون خمسة : آدم ، ويعقوب ، ويوسف ، وفاطمة بنت محمد ، وعلي بن الحسين ( عليهم السلام ) .
فأما آدم فبكى على الجنة حتى صار في خديه أمثال الأودية !
وأما يعقوب فبكى على يوسف حتى ذهب بصره ، وحتى قيل له : تَاللهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ .
وأما يوسف فبكى على يعقوب حتى تأذى به أهل السجن فقالوا له : إما أن تبكي الليل وتسكت بالنهار ، وإما أن تبكي النهار وتسكت بالليل ، فصالحهم على واحد منهما .
وأما فاطمة فبكت على رسول الله ( صلى الله عليه آله ) حتى تأذى بها أهل المدينة فقالوا لها : قد آذيتنا بكثرة بكائك ! فكانت تخرج إلى المقابر فتبكي حتى تقضي حاجتها ثم تنصرف .
وأما علي بن الحسين فبكى على الحسين ( عليه السلام ) عشرين سنة ما وضع بين يديه طعام إلا بكى حتى قال له مولى له : جعلت فداك يا ابن رسول الله إني أخاف عليك أن تكون من الهالكين ، قال : إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون ، إني ما أذكر مصرع بني فاطمة إلا خنقتني لذلك عبرة ) . انتهى . ( الخصال للصدوق ص 272 ورواه أيضاً في الأمالي ص 204 ، والنيسابوري في روضة الواعظين ص 451 ، وابن شهرآشوب في المناقب : 3 / 104 ) .
وقال المجلسي في بحار الأنوار : 43 / 177 : ( واجتمع شيوخ أهل المدينة وأقبلوا إلى أمير المؤمنين فقالوا له : يا أبا الحسن إن فاطمة تبكي الليل والنهار فلا أحد منا يتهنأ بالنوم في الليل على فرشنا ، ولا بالنهار لنا قرار على أشغالنا وطلب معايشنا ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 134 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وإنا نخبرك أن تسألها إما أن تبكي ليلاً أو نهاراً ، فقال : حباً وكرامة ، فأقبل أمير المؤمنين ( عليه السلام ) حتى دخل على فاطمة وهي لا تفيق من البكاء ولا ينفع فيها العزاء ، فلما رأته سكنت هنيئة له ، فقال لها : يا بنت رسول الله إن شيوخ المدينة يسألوني أن أسألك إما أن تبكين أباك ليلاً وإما نهاراً . فقالت : يا أبا الحسن ما أقل مكثي بينهم وما أقرب مغيبي من بين أظهرهم ، فوالله لا أسكت ليلاً ولا نهاراً ، أو ألحق بأبي رسول الله ! فقال لها علي : إفعلي يا بنت رسول الله ما بدا لك . ثم إنه بني لها بيتاً في البقيع نازحاً عن المدينة يسمى بيت الأحزان ، وكانت إذا أصبحت ( عليها السلام ) قدمت الحسن والحسين أمامها ، وخرجت إلى البقيع باكية ، فلا تزال بين القبور باكية ، فإذا جاء الليل أقبل أمير المؤمنين ( عليه السلام ) إليها وساقها بين يديه إلى منزلها ) !
أقول : ينبغي الإلفات إلى أن تأذي بعض أهل المدينة أو جماعة السلطة ، لا يمكن أن يكون من مجرد بكاء فاطمة ( عليها السلام ) وذويها في بيتها أو في البقيع ، بل من مجلسها الذي كان يحضره نساء الأنصار فيأخذ قسماً من النهار وجزءاً من الليل ، وتندب فيه النادبات ، ويقرأنَ فيه القرآن والشعر ، وربما تحدثت فيه فاطمة ! ثم تنعكس أخباره وأجواؤه على مدينة النبي ( صلى الله عليه آله ) وحكومتها الجديدة !

أراكة الأحزان . . وبيت الأحزان !

يقع مشهد الأئمة من أهل البيت ( عليهم السلام ) في أعلى نقطة في البقيع على يمين الداخل ، وقد هدمه الوهابيون في سنة 1348 هجرية ، وما زال قسم من جداره الشرقي موجوداً . وموضع بيت الأحزان في البقيع خلف هذا المشهد الشريف من جهة الشرق ، وقد شمله الهدم ، ففي الذريعة : 7 / 52 : ( ولكن انهدم بيت الأحزان في بقيع الغرقد لمجاورته مراقد أئمة الشيعة ( عليهم السلام ) ، وذلك لأجل أنه قد يؤخذ الجار بجرم الجار ) . انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 135 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال السيد شرف الدين في النص والاجتهاد ص 301 : ( وهنا نلفت أولي الألباب إلى البحث عن السبب في تنحي الزهراء ( عليها السلام ) عن البلد في نياحتها على أبيها ( صلى الله عليه وآله ) وخروجها بولديها في لُمَّة من نسائها إلى البقيع يندبن رسول الله ( صلى الله عليه آله ) ، في ظل أراكة كانت هناك ، فلما قطعت بني لها علي ( عليه السلام ) بيتاً في البقيع كانت تأوى إليه للنياحة يدعى بيت الأحزان ، وكان هذا البيت يزار في كل خلف من هذه الأمة ، كما تزار المشاهد المقدسة ، حتى هدم في هذه الأيام بأمر الملك عبد العزيز بن سعود النجدي ، لما استولى على الحجاز وهدم المقدسات في البقيع ، عملاً بما يقتضيه مذهبه الوهابي ، وذلك سنة 1344 للهجرة . وكنا سنة 1339 تشرفنا بزيارة هذا البيت بيت الأحزان ، إذ منَّ الله علينا في تلك السنة بحج بيته وزيارة نبيه ، ومشاهد أهل بيته الطيبين الطاهرين ( عليهم السلام ) في البقيع ) .
وقال صاحب الذريعة : 7 / 52 : ( أقول : إن دار تميم الداري معروفة بالمدينة وهو مشهد يزار حتى اليوم ، وكذا دار أبي بكر وعثمان ، ولكن انهدم بيت الأحزان في بقيع الغرقد لمجاورته مراقد أئمة الشيعة ( عليهم السلام ) ، وذلك لأجل أنه : قد يؤخذ الجار بجرم الجار ) ! انتهى .
ورحم الله صاحب الذريعة على حسن ظنه ، فقد تصور أن غرضهم هدم المشهد فقط ، وأن بيت الأحزان لم يكن مقصودهم بالأصل بل بالعرض !
لكن الذي يعرف تفكيرهم أكثر يجزم بأن بيت الأحزان كان مقصوداً لهم بالأصل كالمشهد وضريحه وقبته ، إن لم يكن مقصوداً بالكره أكثر منه !
لقد أصدر عمر الحكم بإعدام أراكة البقيع أو سدرته فقطعوها ، ولم يكن ذنبها إلا أن الزهراء ( عليها السلام ) ونساء الأنصار استظللنَ بها وندبنَ النبي ( صلى الله عليه آله ) تحتها . أما بيت الأحزان الذي بناه علي ( عليه السلام ) لهذا الغرض فيظهر أنهم لم يستطيعوا هدمه يومذاك ، ثم توارث المسلمون تجديده ، مَعْلَماً وشاهداً !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 136 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولئن كان بيت الأحزان وسدرة البقيع ، اختصت شهرتهما بالشيعة ، وناقش في أصل قصتهما مخالفوهم ، فإن شجرة الرضوان عمَّ خبرها ورواه حتى رواة الحكومة ! واعترفوا بأن حكم الإعدام صدر في حق الشجرة ومن يصلي تحتها !
قال السيد شرف الدين ( رحمه الله ) في النص والاجتهاد ص 368 :
( المورد 65 قطعة شجر الحديبية : شجرة الحديبية هذه بويع رسول الله ( صلى الله عليه آله ) بيعة الرضوان تحتها ، فكان من عواقب تلك البيعة أن فتح الله لعبده ورسوله فتحاً مبيناً ونصره نصراً عزيزاً ، وكان بعض المسلمين يصلون تحتها تبركاً بها ، وشكراً لله تعالى على ما بلغهم من أمانيهم في تلك البيعة المباركة . فبلغ عمر ما كان من صلاتهم تحتها فأمر بقطعها ! وقال ( 1 ) : ألا لا أوتى منذ اليوم بأحد عاد إلى الصلاة عندها إلا قتلته بالسيف ، كما يقتل المرتد ! ( 519 ) .
سبحان الله وبحمده والله أكبر ! يأمره بالأمس رسول الله بقتل ذي الخويصرة وهو رأس المارقة ، فيمتنع عن قتله احتراماً لصلاته ثم يستلُّ اليوم سيفه لقتل من يصلي من أهل الإيمان تحت الشجرة شجرة الرضوان ؟ !
وَيْ ، ويْ ! ما الذي أرخص له دماء المصلين من المخلصين لله تعالى في صلاتهم ؟ إن هذه لبذرة أجذرت وآتت أكلها في نجد ( حيث يطلع قرن الشيطان ) !
وقال في هامشه : ( 1 ) كما في السطر الأخير من ص 59 من المجلد الأول من شرح النهج الحميدي ( منه قدس ) . ( 519 ) الغدير للأميني : 6 / 146 ، شرح النهج الحديدي : 3 / 122 ، سيرة عمر لابن الجوزي ص 107 ، الطبقات الكبرى لابن سعد ، السيرة الحلبية ج 3 / 29 ، فتح الباري : 7 / 361 وقد صححه ، إرشاد الساري : 6 / 337 ، شرح المواهب للزرقاني : 2 / 207 ، الدر المنثور : 6 / 73 ، عمدة القاري : 8 / 284 وقال : إسناد صحيح . . إلى آخر ما ذكره من مصادر .
ورحم الله الشاعر الحلي الكواز حيث قال ، كما في بيت الأحزان للقمي ص 128 :

الواثبين لظلم آل ومحمد * ومحمد ملقىً بلا تكفينِ
والقائلين لفاطم آذيتنا * في طول نوح دائمٍ وحنينِ

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 137 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

والقاطعين أراكةً كيما تقيلَ * بظلِّ أوراقٍ لها وغصون
ومُجمِّعي حطبٍ على البيت الذي * لم يجتمع لولاه شملُ الدين
والهاجمين على البتولة ببيتها * والمسقطين لها أعزَّ جنين
والقائدين إمامهم بنجاده * والطهر تدعو خلفه برنين
خلوا ابن عمي أو لأكشف في الدعا * رأسي وأشكو للإله شجوني
ما كان ناقة صالح وفصيلها * بالفضل عند الله إلا دوني
ورنَت إلى القبر الشريف بمقلة * عبرى وقلبٍ مُكمَد محزون
قالت وأظفار المصاب بقلبها * غوثاه قلَّ على العداة معيني
أبتاه هذا السامري وعجله * تُبعا ومال الناس عن هارون
أيَّ الرزايا أتقي بتجلدي * هو في النوائب مُذْ حييت قريني
فقدي أبي أم غصب بعلي حقه * أم كسر ضلعي أم سقوط جنيني
أم أخذهم إرثي وفاضل نحلتي * أم جهلهم حقي وقد عرفوني
قهروا يتيميك الحسين وصنوه * وسألتهم حقي وقد نهروني

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 138 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

مواظبة فاطمة ( عليها السلام ) على زيارة قبر عمها حمزة ( رحمه الله )

كان برنامج الصديقة الزهراء ( عليها السلام ) بعد وفاة أبيها خاصاً ، أبرز ما فيه التوديع والتأكيد ! توديعها لعليٍّ والحسن والحسين وزينب وأم كلثوم وأبرار الأمة ، وتأكيدها قولاً وعملاً على ثوابت الإسلام أن تُغيَّر وتُبَدَّل ! خاصة الترتيب الرباني لنظام الحكم الذي نقضته قريش ، وإجراءاتهم التحريفية حول قبر النبي ( صلى الله عليه آله ) !
لقد أصرت على مجالسها في النوح والندب على أبيها ( صلى الله عليه وآله ) ، في مسجده عند قبره ، وفي بيتها ، وفي والبقيع ، وفي أحُد ! فآتت المجالس ثمارها .
وكانت تزور قبر أبيها الحبيب ( صلى الله عليه وآله ) باستمرار وتبكي عنده ، ثم تقيم مجلس عزائه وندبه في البقيع ، وتزور عمها حمزة ( رحمه الله ) والشهداء في أحُد كل اثنين وخميس ، فهذان اليومان عزيزان عليها ، كان يصومهما أبوها ( صلى الله عليه وآله ) وتصومهما معه ، وفيهما تُعرض الأعمال على رسول الله ( صلى الله عليه آله ) ، وفيهما تفتح أبواب الجنة . ( منتهى المطلب للعلامة الحلي : 2 / 614 ، ومجموع النووي : 6 / 386 عن الترمذي وحسنه ) .
قال الإمام الصادق ( عليه السلام ) : ( عاشت فاطمة بعد أبيها خمسة وسبعين يوماً لم تُرَ كاشرةً ولا ضاحكة ، تأتي قبور الشهداء في كل جمعة مرتين الاثنين والخميس فتقول : هاهنا كان رسول الله ( صلى الله عليه آله ) هاهنا كان المشركون . وفي رواية : كانت تصلي هناك وتدعو حتى ماتت ( عليها السلام ) ) . انتهى . ( الكافي : 3 / 228 ) .
تقول بذلك صلوات الله عليها : من هاهنا وبهذه الدماء الطاهرة ، وأغلاها دماء بني هاشم ، وبهذه الجهود المتواصلة وأغلاها جهود بني هاشم ، جاء هذا الفتح ، وبُنِيَ هذا المجد ، الذي صادرته قريش ، واستحلت حرق بيوتنا علينا ، طمعاً فيه !
فهذا هو أبي رسول الله ( صلى الله عليه آله ) المؤسس لهذه الأمة ، والشاهد على أعمالها .
وهذا هو حمزة عمي ( رحمه الله ) ، وزير النبي وناصره ، يثوي هنا شاهداً .
وذاك هو عليٌّ زوجي ( عليه السلام ) وزير النبي ووصيه ، الذي قام الإسلام على أكتافه ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 139 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يتجرع الغصص من قريش إلى اليوم ، يقولون له بايع وإلا قتلناك !
وذاك أخوه ابن عمي جعفر ( رحمه الله ) يثوي شهيداً وشاهداً في مؤتة ، على مشارف القدس ، داخل مملكة الروم ! فأين كانت قريش وطلقاؤها ؟ !
* *
أرادت فاطمة ( عليها السلام ) أن تُفهم الأمة أن ارتباطها برسول الله وعترته ( صلى الله عليه آله ) ، والعيش في أجوائهم ، ضرورة لإيمانها ، وإلا انحرفت بعيداً !
وأن حقهم عليها أمواتاً كحقهم أحياء ، وأن الانتقاص من حقهم والمنع من زيارة قبورهم للرجال والنساء ، بداية طريق قرشية ، لإبعاد الأمة عنهم !
في كشف الإرتياب للسيد الأمين ص 339 : ( كانت تزور قبر عمها حمزة في كل جمعة فتصلي وتبكي عنده . . . وابن تيمية يقول لم يذكر أحد من أئمة السلف أن الصلاة عند القبور وفي مشاهدها مستحبة ) ! !
وفي كشف الإرتياب ص 379 : ( ويظهر أن الوهابية بعدما أباحوا للنساء زيارة القبور في العام الماضي منعوهن منها في هذا العام ! فقد أخبرنا الحجاج أن النساء منعت من الدخول إلى البقيع في هذا العام بدون استثناء ، وكأنهم بنوا على هذا الاحتمال الضعيف الذي ذكره السندي وقال به صاحب المهذب والبيان من بقائهن تحت النهي ، فظهرت لهم صحته هذا العام بعدما خفيت عنهم في العام الأول " يمحو الوهابية ما يشاؤن ويثبتون وعندهم أم الكتاب " .
لسنا نعارضهم في اجتهادهم أخطأوا فيه أم أصابوا ، ولكننا نسألهم ما الذي سوغ لهم حمل المسلمين على اتباع اجتهادهم المحتمل الخطأ والصواب ، بل هو إلى الخطأ أقرب لمخالفته لما قطع به الجمهور ولم يقل به إلا الشاذ كما سمعت ! والأمور الاجتهادية لا يجوز المعارضة فيها كما بيناه في المقدمات !
وما بالهم يسلبون المسلمين حرية مذاهبهم في الأمور الاجتهادية ، ويحملونهم على اتباع معتقداتهم فيها بالسوط والسيف .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 140 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كما زادوا في طنبور تعنتهم هذه السنة نغمات ، فعاقبوا الناس على البكاء عند زيارة قبر النبي ( صلى الله عليه وآله ) أو أحد القبور ومنعوهم منه ! والبكاء أمر قهري اضطراري لا يعاقب الله عليه ، ولا يتعلق به تكليف لاشتراط التكليف بالقدرة عقلاً ونقلاً ومنعوا من القراءة في كتاب حال الزيارة ، ومن إطالة الوقوف ! فمن رأوا في يده كتاب زيارة أخذوه منه ومزقوه أو أحرقوه وضربوا صاحبه وأهانوه ! ومن أطال الوقوف طردوه وضربوه !
حدثني بعض الحجاج الثقات أنه تحيَّل لقراءة الزيارة من الكتاب بأن فصل أوراقاً منه وجعلها في القرآن وجلس يظهر قراءة القرآن ويزور ، فاتفق أنه أشار غفلة بالسلام نحو قبر النبي ( صلى الله عليه آله ) فدفعوه حتى أخرجوه من المسجد ، وأخذوا تلك الأوراق ومزقوها ! وأمثال هذا مما صدر منهم في حق الحجاج في مسجديْ مكة والمدينة ومسجد الخيف والبقيع وغيرها ، مما سمعناه متواتراً من الحجاج ، كثيرٌ يطول الكلام بنقله ) ! ! انتهى .
وقد أورد السيد مهدي الروحاني في كتابه في أحاديث أهل البيت ( عليهم السلام ) : 1 / 548 ، تحت عنوان : باب زيارة فاطمة ( عليها السلام ) قبر عمها حمزة ( رحمه الله ) مجموعة مصادر سنية روت ذلك ، منها مصنف عبد الرزاق : 3 / 572 وص 574 ، وفيه : ( كانت تأتي قبر حمزة وكانت قد وضعت عليه علماً ) وطبقات ابن سعد : 3 / 19 ، وتاريخ المدينة : 1 / 132 ، وفيهما : ( ترمه وتصلحه ) . ونوادر الترمذي ص 24 ، وفيه ( في كل عام فترمه وتصلحه ) ( وفي نسختنا : 1 / 126 ) ، والحاكم : 3 / 28 ، وفيه ( في الأيام فتصلي وتبكي عنده . هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ) . وإحياء الغزالي : 4 / 474 ( وفي نسختنا : 4 / 490 ) ، وسنن البيهقي : 4 / 78 ، وفيه : ( كل جمعة فتصلي وتبكي عنده ) . انتهى .
راجع أيضاً : التمهيد لابن عبد البر : 3 / 234 : وفيه : ( كل جمعة وعلمته بصخرة ) . وشرح الزرقاني : 3 / 101 ، ودراري الشوكاني ص 197 ، وحاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ص 412 ، وأنساب الأشراف للبلاذري ص 1080 . ومن مصادرنا : دعائم الإسلام : 1 / 239 ، وكفاية الأثر ص 198 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 141 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

سُبحة الزهراء ( عليها السلام ) من تربة حمزة ( رحمه الله )

ابتكرت الزهراء المهدية من ربها ، المعصومة بلطفه ( عليها السلام ) ، عملاً بسيطاً ، لكنه بليغ لربط الأمة بالنبي وآله ( صلى الله عليه آله ) ، فاتخذت من تربة قبر حمزة سبحة من أربع وثلاثين حبة ، لكي تَعُدَّ بها تسبيحها لربها بعد كل صلاة !
تقول بذلك للأمة لقد علمكم رسول الله ( صلى الله عليه آله ) كيف تذكرون الله تعالى ذكراً كثيراً بعد صلواتكم ، فتكبروا الله أربعاً وثلاثين مرة ، وتحمدوه ثلاثاً وثلاثين ، ويسبحوه ثلاثاً وثلاثين ، وسمى هذا التسبيح باسمي تسبيح فاطمة ، لكي تذكروني ولا تنسوني ، كما سمى صلاة جعفر باسمه لكي تذكروه ولا تنسوه ، وها أنا أتخذ سبحة من تربة قبر عمي حمزة ( رحمه الله ) ، لكي تذكروه فلا تنسوه ، حتى يستشهد ولدي الحسين ، فتتخذوا سبحة من تربته ولا تنسوه !
في مستدرك الوسائل : 5 / 56 : عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) قال ( وتكون السبحة بخيوط زرق ، أربعاً وثلاثين خرزة ، وهي سبحة مولاتنا فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) لما قتل حمزة عملت من طين قبره سبحة ، تسبح بها بعد كل صلاة ) . انتهى .
وفي كتاب المزار للمفيد ص 150 : ( عن الصادق جعفر بن محمد ( عليهما السلام ) أن فاطمة ( عليها السلام ) كانت مسبحتها من خيط من صوف مفتَّل ، معقود عليه عدد التكبيرات ، فكانت بيدها تديرها تكبِّر وتسبِّح ، إلى أن قتل حمزة بن عبد المطلب فاستعملت تربته وعملت التسابيح فاستعملها الناس . فلما قتل الحسين ( عليه السلام ) عُدل بالأمر عليه فاستعملوا تربته لما فيها من الفضل والمزية ) . ( ورواه في جامع أحاديث الشيعة : 5 م 268 ، عن مكارم الأخلاق ص 147 ، والحدائق الناضرة : 7 / 261 ، و وسائل الشيعة ( آل البيت ) : 6 / 455
وقصده بالمزية لتربة الحسين ( عليه السلام ) ما تواتر عند المسلمين من أحاديث رسول الله ( صلى الله عليه آله ) في فضل تربة كربلاء ، وأن جبرئيل أخبره بأن سبطه الحسين ( عليه السلام ) سيقتل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 142 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فيها ، وجاء له بقبضة من ترابها ، فأودعها النبي ( صلى الله عليه آله ) عند أم سلمة فوضعتها في زجاجة ، وأخبرها أنه حين يقتل ستظهر لله فيها آية وتتحول إلى دم صاف !
( راجع : مسند أحمد : 6 / 294 روى عدة أحاديث بعضها رجاله رجال الصحيح ، والحاكم : 3 / 177 و : 4 / 398 ، روى أحاديث على شرط الشيخين ، ومجمع الزوائد : 9 / 185 ، باب مناقب الحسين بن علي ) .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 143 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

7 - يوم جاء أبو بكر وعمر لزيارتها ليعتذرا منها !

اتفقت رواياتهم على أن موقف فاطمة ( عليها السلام ) في إدانة السقيفة واتهام أبي بكر وعمر ، كان أشدَّ من مواقف الجميع حتى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) !
وروت مصادرنا ، ومصادرهم كابن قتيبة ، أنها ( عليها السلام ) أدانتهما بالقول والفعل ، وعندما طلب أبو بكر المجئ إلى بيتها للاعتذار منها لهجومهم على بيتها ، لم تقبل دخولهما بيتها ، فتوسط لهما علي ( عليه السلام ) ودخلا فلم تردَّ عليهما السلام وأدارت وجهها إلى الحائط ، وناشدتهما وهي غاضبة ، ما سمعا من النبي ( صلى الله عليه آله ) في من أغضبها فشهدا بذلك ، فأعلنت غضبها عليهما ومقاطعتها لهما ، وأنها ستشكوهما إلى الله ورسوله ( صلى الله عليه آله ) ، وتدعو عليهما بعد كل صلاة !
في كتاب سُليم ص 391 : ( فدخلا وسلَّما وقالا : إرضيْ عنا رضي الله عنك . فقالت : ما دعاكما إلى هذا ؟ فقالا : اعترفنا بالإساءة ، ورجونا أن تعفي عنا وتخرجي سخيمتك . فقالت : فإن كنتما صادقين فأخبراني عما أسألكما عنه فإني لا أسألكما عن أمر إلا وأنا عارفة بأنكما تعلمانه ، فإن صدقتما علمت أنكما صادقان في مجيئكما . قالا : سلي عما بدا لك . قالت : نشدتكما بالله هل سمعتما رسول الله ( صلى الله عليه آله ) يقول : فاطمة بضعة مني فمن آذاها فقد آذاني ؟ قالا : نعم . فرفعت يدها إلى السماء فقالت : اللهم إنهما قد آذياني فأنا أشكوهما إليك وإلى رسولك . لا والله لا أرضى عنكما أبداً حتى ألقى أبي رسول الله وأخبره بما صنعتما فيكون هو الحاكم فيكما ! قال : فعند ذلك دعا أبو بكر بالويل والثبور وجزع جزعاً شديداً . فقال عمر : تجزع يا خليفة رسول الله من قول امرأة ) . انتهى .
وفي رواية علل الشرائع : 1 / 187 : ( قالا نعم . قالت : الحمد لله ، ثم قالت : اللهم إني أشهدك فاشهدوا يا من حضرني أنهما قد آذياني في حياتي وعند موتي ! والله لا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 144 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أكلمكما من رأسي كلمة حتى ألقى ربي فأشكوكما بما صنعتما بي وارتكبتما مني ! فدعا أبو بكر بالويل والثبور وقال : ليت أمي لم تلدني ! فقال عمر : عجباً للناس كيف ولوك أمورهم وأنت شيخ قد خرفت ! تجزع لغضب امرأة وتفرح برضاها وما لمن أغضب امرأة ! وقاما وخرجا ) !
وفي الغدير : 7 / 228 ، عن الإمامة والسياسة : 1 / 14 ، وأعلام النساء للجاحظ : 3 / 1214 : ( قالت : فإني أشهد الله وملائكته إنكما أسخطتماني وما أرضيتماني ، ولئن لقيت النبي لأشكونكما إليه . فقال أبو بكر : أنا عائذ بالله تعالى من سخطه وسخطك يا فاطمة ! ثم انتحب أبو بكر يبكي حتى كادت نفسه أن تزهق ، وهي تقول : والله لأدعون عليك في كل صلاة أصليها . ثم خرج باكياً فاجتمع الناس إليه فقال لهم : يبيت كل رجل معانقاً حليلته مسروراً بأهله وتركتموني وما أنا فيه لا حاجة لي في بيعتكم ، أقيلوني بيعتي . . . ) . انتهى .
وفي البخاري : 4 / 210 ، قال النبي ( صلى الله عليه آله ) : ( فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني ) !
وفي البخاري : 4 / 41 ، عن عائشة : ( فغضبت فاطمة بنت رسول الله فهجرت أبا بكر فلم تزل مهاجرته حتى توفيت . وعاشت بعد رسول الله ( ص ) ستة أشهر ) .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 145 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

8 - يوم خطبت في المسجد النبوي فهزَّت حتى الجماد !

بلغت مواقف فاطمة ( عليها السلام ) أوجها ، عندما خرجت خلف عليٍّ ( عليه السلام ) وهددتهم بالدعاء بالعذاب عليهم ، إن قتلوه ، وهم يعلمون أن دعاءها لا يُرد !
وعندما جاءا إلى بيتها ليعتذرا ويقولا للناس إنا اعتذرنا من فاطمة فرضيت عنا وتركت دعاءها علينا ، فسلما عليها فلم ترد عليهما السلام ، وأدارت وجهها إلى الحائط ! وسألتهما فشهدا بأنهما سمعا من النبي ( صلى الله عليه آله ) أن من أغضب فاطمة فقد أغضبه ، ومن أغضبه فقد أغضب رب العلمين ، فشهدا بذلك !
فأعلنت وأشهدت المسلمين إلى يوم الدين أنها غاضبة عليهما ، وأنها ستدعو عليهما بعد كل صلاة تصليها حتى تلقى ربها وأباها ، فتشكوهما أمرَّ شكوى وأشدها ( صلى الله عليه وآله ) ، وتخاصمهما عند الله ورسوله !
على أن أوج مواقفها ( عليها السلام ) التي وصلت إلينا كلاماً مكتوباً شاملاً ، خطبتها في المسجد النبوي في حشد المهاجرين والأنصار ! وقد أعدَّت بنت أبيها لهذا الموقف واستعدت ، فأبلغت بالخطاب ، وأتمت الحجة ، وهزت حتى الجماد !
وهي خطبة مشهورة ، روتها المصادر المختلفة ، وشرحها العلماء والمؤرخون في رسائل خاصة ، وقد أدانت فيها الزهراء ( عليها السلام ) نظام السقيفة القرشي ، وصرحت بأنه مؤامرة على الإسلام ، ودعت الأنصار إلى مقاومته بالسلاح !
كما أدانت قرارات أبي بكر الاقتصادية لإضعاف أهل البيت ( عليهم السلام ) ، ومنها منع الخمس عنهم ، ومصادرة أوقاف النبي ( صلى الله عليه آله ) وهي سبعة بساتين ، ومصادرة مزرعة فدك التي منحها النبي لفاطمة ، ومنعه إياها من إرث أبيها !
في مواقف الشيعة للأحمدي : 1 / 458 : ( روى عبد الله بن الحسن بإسناده ، عن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 146 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
آبائه ( عليهم السلام ) أنه لما أجمع أبو بكر وعمر على منع فاطمة ( عليها السلام ) فدكاً وبلغها ذلك ، لاثت خمارها على رأسها واشتملت بجلبابها ، وأقبلت في لُمَّة من حفدتها ونساء قومها ، تطأ ذيولها ، ما تخرم مشيتها مشية رسول الله ( صلى الله عليه آله ) ، حتى دخلت على أبي بكر وهو في حشد من المهاجرين والأنصار وغيرهم ، فنيطت دونها ملاءة ، فجلست ثم أنت أنَّةً أجهش القوم لها بالبكاء ، فارتجَّ المجلس ! ثم أمهلت هنيئة حتى إذا سكن نشيج القوم وهدأت فورتهم ، افتتحت الكلام بحمد الله والثناء عليه والصلاة على رسوله ( صلى الله عليه آله ) فعاد القوم في بكائهم ، فلما أمسكوا عادت في كلامها ، فقالت ( عليها السلام ) :
الحمد لله على ما أنعم ، وله الشكر على ما ألهم ، والثناء بما قدم ، من عموم نعم ابتدأها ، وسبوغ آلاء أسداها ، وتمام منن أولاها ، جم عن الإحصاء عددها ، ونأى عن الجزاء أمدها ، وتفاوت عن الإدراك أبدها ، وندبهم لاستزادتها بالشكر لاتصالها واستحمد إلى الخلائق بإجزالها ، وثنى بالندب إلى أمثالها . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، كلمة جعل الإخلاص تأويلها ، وضمن القلوب موصولها ، وأنار في التفكر معقولها ، الممتنع من الأبصار رؤيته ، ومن الألسن صفته ، ومن الأوهام كيفيته ، ابتدع الأشياء لا من شئ كان قبلها ، وأنشأها بلا احتذاء أمثلة امتثلها . كونها بقدرته ، وذرأها بمشيته ، من غير حاجة منه إلى تكوينها ، ولا فائدة له في تصويرها ، إلا تثبيتاً لحكمته وتنبيهاً على طاعته ، وإظهاراً لقدرته ، تعبداً لبريته ، وإعزازاً لدعوته ، ثم جعل الثواب على طاعته ، ووضع العقاب على معصيته ، ذيادةً لعباده من نقمته ، وحياشة لهم إلى جنته .
وأشهد أن أبي محمداً ( صلى الله عليه وآله ) عبده ورسوله ، اختاره قبل أن أرسله ، وسماه قبل أن اجتباه ، واصطفاه قبل أن ابتعثه ، إذ الخلائق بالغيب مكنونة ، وبستر الأهاويل مصونة ، وبنهاية العدم مقرونة ، علماً من الله تعالى بمآيل الأمور ، وإحاطة بحوادث الدهور ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 147 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ومعرفة بمواقع الأمور .
ابتعثه الله إتماما لأمره ، وعزيمة على إمضاء حكمه ، وإنفاذا لمقادير رحمته ، فرأى الأمم فرقاً في أديانها ، عكفاً على نيرانها ، عابدةً لأوثانها ، منكرةً لله مع عرفانها ، فأنار الله بأبي محمداً ( صلى الله عليه وآله ) ظُلمها ، وكشف عن القلوب بُهمها ، وجلى عن الأبصار عماها ، وقام في الناس بالهداية ، فأنقذهم من الغواية ، وبصرهم من العماية ، وهداهم إلى الدين القويم ودعاهم إلى الطريق المستقيم .
ثم قبضه الله إليه قبض رأفة واختيار ، ورغبة وإيثار ، فمحمد ( صلى الله عليه آله ) من تعب هذه الدار في راحة ، قد حُفَّ بالملائكة الأبرار ، ورضوان الرب الغفار ، ومجاورة الملك الجبار ، صلى الله على أبي نبيه وأمينه وخيرته من الخلق وصفيه ، والسلام عليه ورحمة الله وبركاته .
ثم التفتت إلى أهل المجلس وقالت : أنتم عباد الله ! نصب أمره ونهيه ، وحملة دينه ووحيه ، وأمناء الله على أنفسكم وبلغاؤه إلى الأمم ، زعيم حق له فيكم ، وعهد قدمه إليكم ، وبقية استخلفها عليكم : كتاب الله الناطق ، والقرآن الصادق ، والنور الساطع ، والضياء اللامع ، بينة بصائره ، منكشفة سرائره ، منجلية ظواهره ، مغتبطة به أشياعه ، قائد إلى الرضوان اتباعه ، مؤد إلى النجاة استماعه ، به تنال حجج الله المنورة ، وعزائمه المفسرة ، ومحارمه المحذرة ، وبيناته الجالية ، وبراهينه الكافية ، وفضائله المندوبة ، ورخصه الموهوبة ، وشرائعه المكتوبة .
فجعل الله الإيمان تطهيراً لكم من الشرك ، والصلاة تنزيهاً لكم عن الكبر ، والزكاة تزكيةً للنفس ونماء في الرزق ، والصيام تثبيتاً للإخلاص ، والحج تشييداً للدين ، والعدل تنسيقاً للقلوب ، وطاعتنا نظاماً للملة ، وإمامتنا أماناً للفرقة ، والجهاد عزاً للإسلام ، والصبر معونة على استيجاب الأجر ، والأمر بالمعروف مصلحة للعامة ، وبر الوالدين وقاية من السخط ، وصلة الأرحام منسأةً في العمر ومنماةً للعدد ، والقصاص حقناً للدماء ، والوفاء بالنذر تعريضاً للمغفرة ، وتوفية المكائيل والموازين تغييراً
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 148 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
للبخس ، والنهي عن شرب الخمر تنزيهاً عن الرجس ، واجتناب القذف حجاباً عن اللعنة ، ترك السرقة إيجاباً للعفة ، وحرم الله الشرك إخلاصاً له بالربوبية فاتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ، وأطيعوا الله فيما أمركم به ونهاكم عنه فإنه إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ .
ثم قالت : أيها الناس إعلموا أني فاطمة وأبي محمداً ، أقول عوداً وبدواً ، ولا أقول ما أقول غلطاً ، ولا أفعل شططاً لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ ، فإن تعزوه وتعرفوه تجدوه أبي دون نسائكم وأخا ابن عمي دون رجالكم ، ولنعم المعزي إليه ( صلى الله عليه آله ) فبلغ الرسالة صادعاً بالنذارة ، مائلاً عن مدرجة المشركين ، ضارباً ثبجهم ، آخذاً بأكظامهم ، داعياً إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة ، يجف الأصنام ، وينكث الهام ، حتى انهزم الجمع وولوا الدبر ، حتى تفرى الليل عن صبحه ، وأسفر الحق عن محضه ، ونطق زعيم الدين ، وخرست شقاشق الشياطين ، وطاح وشيظ النفاق ، وانحلت عقد الكفر والشقاق ، وفهتم بكلمة الإخلاص في نفر من البيض الخماصر ، وكنتم على شفا حفرة من النار ، مُذقةَ الشارب ، ونهزةَ الطامع ، وقبسةَ العجلان ، وموطئ الأقدام ، تشربون الطرَق ، وتقتاتون القِدّ ، أذلة خاسئين ، تخافون أن يتخطفكم الناس من حولكم ، فأنقذكم الله تبارك وتعالى بمحمد بعد اللتيا والتي ، وبعد أن مُني ببُهم الرجال وذؤبان العرب ومردة أهل الكتاب ، كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ ، أو نجم قرن الشيطان أو فغرت فاغرة من المشركين ، قذف أخاه في لهواتها ، فلا ينكفئ حتى يطأ صماخها بأخمصه ، ويخمد لهبها بسيفه ، مكدوداً في ذات الله ، مجتهداً في أمر الله ، قريباً من رسول الله ، سيداً في أولياء الله ، مشمراً ناصحاً ، مجداً كادحاً ، لا تأخذه في الله لومة لائم ، وأنتم في رفاهية من العيش وادعون فاكهون آمنون ، تتربصون بنا الدوائر ، وتتوكفون الأخبار ، وتنكصون عند النزال ، وتفرون من القتال ! !
فلما اختار الله لنبيه دار أنبيائه ومأوى أصفيائه ، ظهرت فيكم حسيكة النفاق ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 149 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وسمل جلباب الدين ، ونطق كاظم الغاوين ، ونبغ خامل الأقلين ، وهدر فنيق المبطلين ، فخطر في عرصاتكم ، وأطلع الشيطان رأسه من مغرزه هاتفاً بكم ، فألفاكم لدعوته مستجيبين ، وللغرة فيه ملاحظين ، ثم استنهضكم فوجدكم خفافاً ، وأحمشكم فألفاكم غضاباً ، فوسمتم غير إبلكم ، ووردتم غير شربكم .
هذا ، والعهد قريب ، والكلم رحيب ، والجرح لما يندمل ، والرسول لما يُقبر ، ابتداراً زعمتم خوف الفتنة ! أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ . فهيهات منكم ، وكيف بكم ، وأنى تؤفكون ! وكتاب الله بين أظهركم ، أموره ظاهرة ، وأحكامه زاهرة ، وأعلامه باهرة ، وزواجره لائحة ، وأوامره واضحة ، وقد خلفتموه وراء ظهوركم ، أرغبة عنه تريدون ، أم بغيره تحكمون ؟ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً ! وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ !
ثم لم تلبثوا إلا ريث أن تسكن نفرتها ، ويسلس قيادها ، ثم أخذتم تورون وقدتها ، وتهيجون جمرتها ، وتستجيبون لهتاف الشيطان الغوي ، وإطفاء أنوار الدين الجلي ، وإهمال سنن النبي الصفي ، تشربون حسواً في ارتغاء ، وتمشون لأهله وولده في الخمرة والضراء ، ويصبر منكم على مثل حز المدى ووخز السنان في الحشا . وأنتم الآن تزعمون أن لا إرث لنا ! أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ ( تبغون ) وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ؟ !
أفلا تعلمون ؟ ! بلى ، قد تجلى لكم كالشمس الضاحية إني ابنته أيها المسلمون ! أأغلب على إرثي يا ابن أبي قحافة ! أفي كتاب الله أن ترث أباك ولا أرث أبي ؟ لقد جئت شيئاً فرياً ! أفعلى عمد تركتم كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم إذ يقول وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ ، وقال فيما اقتص من خبر يحيى بن زكريا ( عليهما السلام ) إذ قال : فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ، وقال : وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ ، وقال : يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ ، وقال : إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حقاً عَلَى الْمُتَّقِينَ .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 150 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وزعمتم أن لا حظوة لي ولا إرث من أبي ولا رحم بيننا ، أفخصكم الله بآية أخرج منها أبي ! أم تقولون أهل ملتين لا يتوارثان ! أو لست أنا وأبي من أهل ملة واحدة ؟ ! أم أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمي ؟ !
فدونكها مخطومة مرحولة ، تلقاك يوم حشرك ! فنعم الحكم الله ، والزعيم محمد ، والموعد القيامة ، وعند الساعة يخسر المبطلون ! ولا ينفعكم إذ تندمون ، لِكُلِّ نَبَأٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ . فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ .
ثم رمت بطرفها نحو الأنصار فقالت : يا معشر الفتية ، وأعضاد الملة ، وحضنة الإسلام ! ما هذه الغميزة في حقي والسنة عن ظلامتي ! أما كان رسول الله ( صلى الله عليه آله ) أبي يقول : المرء يحفظ في ولده ؟ ! سرعان ما أحدثتم ! وعجلان ذا إهالة ! ولكم طاقة بما أحاول ، وقوة على ما أطلب وأزاول ، أتقولون مات محمد ؟ فخطبٌ جليل استوسع وهنه ، واستنهر فتقه ، وانفتق رتقه ، وأظلمت الأرض لغيبته ، واكتأبت خيرة الله لمصيبته ، وكسفت الشمس والقمر ، وانتثرت النجوم لمصيبته ، وأحدت الآمال ، وخشعت الجبال ، وأضيع الحريم ، وأزيلت الحرمة عند مماته ، فتلك والله النازلة الكبرى والمصيبة العظمى لا مثلها نازلة ، ولا بائقة عاجلة ، أعلن بها كتاب الله جل ثناؤه يهتف في أفنيتكم في ممساكم ومصبحكم ، هتافاً وصراخاً وتلاوة وألحاناً ! ولقبله ما حلت بأنبياء الله ورسله ، حكم فصل وقضاء حتم ، وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شيئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ .
إيهاً بني قَيْلة ! أأهضم تراث أبي وأنتم بمرأى مني ومسمع ومنتدى ومجمع ، تلبسكم الدعوة وتشملكم الخبرة ، وأنتم ذووا العدد والعدة والأداة والقوة ، وعندكم السلاح والجنة ، توافيكم الدعوة فلا تجيبون ، وتأتيكم الصرخة فلا تغيثون ، وأنتم موصوفون بالكفاح ، معروفون بالخير والصلاح ، والنخبة التي انتخبت ، والخيرة التي اختيرت لنا أهل البيت ! قاتلتم العرب ، وتحملتم الكد والتعب ، وناطحتم الأمم ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 151 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وكافحتم البهم ، لا نبرح أو تبرحون نأمركم فتأتمرون ، حتى إذا دارت بنا رحى الإسلام ، ودر حلب الأيام ، وخضعت ثغرة الشرك ، وسكنت فورة الإفك ، وخمدت نيران الكفر ، وهدأت دعوة الهرج ، واستوسق نظام الدين ، فأنى حزتم بعد البيان ، وأسررتم بعد الإعلان ، ونكصتم بعد الإقدام ، وأشركتم بعد الإيمان ؟ !
بؤساً لقوم نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَأُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ !
ألا قد أرى أن قد أخلدتم إلى الخفض ، وأبعدتم من هو أحق بالبسط والقبض ، وخلوتم بالدعة ، ونجوتم بالضيق من السعة ، فمججتم ما وعيتم ، ودسعتم الذي تسوغتم ! فإن تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جميعاً فَإِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ ! وقد قلت ما قلت هذا على معرفة مني بالجذلة التي خامرتكم ، والغدرة التي استشعرتها قلوبكم ، ولكنها فيضة النفس ، ونفثة الغيظ ، وخور القناة ، وبثة الصدر ، وتقدمة الحجة ، فدونكموها ! فاحتقبوها دبرة الظهر ، نقبة الخف ، باقية العار ، موسومة بغضب الله وشنار الأبد ، موصولة بنار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة ! فبعين الله ما تفعلون وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ !
أنا ابنة نذير لكم بين يدي عذاب شديد فاعملوا إِنَّا عَامِلُونَ ، وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ !
فأجابها أبو بكر وقال : يا ابنة رسول الله ! لقد كان أبوك بالمؤمنين عطوفاً كريماً رؤوفاً رحيماً ، وعلى الكافرين عذاباً أليماً وعقاباً عظيماً ، إن عزوناه وجدناه أباك دون النساء ، وأخا إلفك دون الأخلاء ، آثره على كل حميم ، وساعده في كل أمر جسيم ، لا يحبكم إلا سعيد ولا يبغضكم إلا شقي بعيد ، فأنتم عترة رسول الله الطيبون الخيرة المنتجبون ، على الخير أدلتنا وإلى الجنة مسالكنا ، وأنت يا خيرة النساء وابنة خير الأنبياء صادقة في قولك ، سابقة في وفور عقلك ، غير مردودة عن حقك ، ولا مصدودة عن صدقك ، والله ما عدوت رأي رسول الله
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 152 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولا عملت إلا بإذنه ، وإن الرائد لا يكذب أهله ، فإني أشهد الله وكفى به شهيداً أني سمعت رسول الله يقول : نحن معاشر الأنبياء لا نورث ذهباً ولا فضة ولا داراً ولا عقاراً ، وإنما نورث الكتاب والحكمة والعلم والنبوة ، وما كان لنا من طعمة فلوليِّ الأمر بعدنا أن يحكم فيه بحكمه . وقد جعلنا ما حاولته في الكراع والسلاح يقاتل بها المسلمون ويجاهدون الكفار ويجالدون المردة الفجار ، وذلك بإجماع من المسلمين لم أنفرد به وحدي ، ولم أستبد بما كان الرأي فيه عندي ، وهذه حالي ومالي هي لك وبين يديك لا نزوي عنك ولا ندخر دونك ، وإنك وأنت سيدة أمة أبيك ، والشجرة الطيبة لبنيك ، لا يُدفع مالك من فضلك ، ولا يُوضع في فرعك وأصلك ، وحكمك نافذ فيما ملكت يداي ، فهل ترين أن أخالف في ذلك أباك ؟ !
فقالت ( عليها السلام ) : سبحان الله ! ما كان أبي رسول الله ( صلى الله عليه آله ) عن كتاب الله صادفاً ، ولا لأحكامه مخالفاً ، بل كان يتبع أثره ، ويقفو سوره ، أفتجمعون إلى الغدر اعتلالاً عليه بالزور ! وهذا بعد وفاته شبيهٌ بما بُغي له من الغوائل في حياته ! ! هذا كتاب الله حكماً عدلاً وناطقاً فصلاً يقول : يرثني ويرث من آل يعقوب ، ويقول : وورث سليمان داود ، فبين عز وجل فيما وزع من الأقساط ، وشرع من الفرائض والميراث ، وأباح من حظ الذكران والإناث ، ما أزاح به علة المبطلين ، وأزال التظني والشبهات في الغابرين !
كلا ! بل سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ !
فقال أبو بكر : صدق الله ورسوله وصدقت ابنته ! أنت معدن الحكمة وموطن الهدى والرحمة ، وركن الدين ، وعين الحجة ، لا أبعد صوابك ، ولا أنكر خطابك ، هؤلاء المسلمون بيني وبينك قلدوني ما تقلدت ، وباتفاق منهم أخذت ما أخذت ، غير مكابر ولا مستبد ولا مستأثر ، وهم بذلك شهود !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 153 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فالتفتت فاطمة ( عليها السلام ) إلى الناس وقالت : معاشر الناس المسرعة إلى قيل الباطل ، والمغضية على الفعل القبيح الخاسر ! أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ؟ كلا بل ران على قلوبكم ما أسأتم من أعمالكم ، فأخذ بسمعكم وأبصاركم ولبئس ما تأولتم ، وساء ما به أشرتم ، وشر ما منه اغتصبتم ، لتجدن والله محمله ثقيلاً وغبه وبيلاً ، إذا كشف لكم الغطاء وبان ما وراءه الضراء ، وبدا لكم من ربكم ما لم تكونوا تحتسبون ، وخسر هنالك المبطلون . ثم عطفت على قبر النبي ( صلى الله عليه آله ) وقالت :

قد كان بعدك أنباءٌ وهنبثةٌ * لو كنت شاهدها لم تكثر الخطبُ
أبدت رجالٌ لنا نجوى صدورهم * لما مضيتَ وحالت دونك التربُ
تجهمتنا رجال واستخف بنا * لما فُقدتَ وكل الأرض مغتصبُ
وكنت بدراً ونوراً يستضاء به * عليك ينزل من ذي العزة الكتبُ
وكان جبرئيل بالآيات يؤنسنا * فقد فُقدتَ وكل الخير محتجبُ
فليت قبلك كان الموتُ صادفنا * لما مضيت وحالت دونك الكثبُ

ثم انكفأت وأمير المؤمنين يتوقع رجوعها إليه ويتطلع طلوعها عليه ، فلما استقرت بها الدار قالت لأمير المؤمنين : يا ابن أبي طالب ! اشتملت شملة الجنين ، وقعدت حجرة الظنين ، نقضت قادمة الأجدل ، فخانك ريش الأعزل ، هذا ابن أبي قحافة يبتزني نحلة أبي وبلغة ابني ، لقد أجهد في خصامي ، وألفيته ألدَّ في كلامي ، حتى حبستني قيْلةُ نصرها ، والمهاجرة وصلها ، وغضت الجماعة دوني طرفها ، فلا دافع ولا مانع ، خرجْتُ كاظمة وعُدْتُ راغمة ! أضرعتَ خدك يوم أضعت حدك ، افترست الذئاب وافترشت التراب ، ما كففتَ قائلاً ولا أغنيتَ طائلا ، ولا خيارَ لي ! ليتني متُّ قبل هنيئتي ودون ذلتي ، عذيري الله منه عادياً ومنك حامياً ، ويلايّ في كل شارق ! ويلاي في كل غارب ! مات العمد ووهن العضد ، شكوايَ إلى أبي وعدوايَ إلى ربي ! اللهم إنك أشد منهم قوةً وحولاً ، وأشد بأساً وتنكيلا .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 154 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فقال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : لا ويلَ لك ، بل الويلُ لشانئك ، ثم نهنهي عن وجدك يا ابنة الصفوة ، وبقية النبوة ، فما ونيتُ عن ديني ، ولا أخطأتُ مقدوري ، فإن كنت تريدين البلغة فرزقك مضمون وكفيلك مأمون ، وما أعد لك أفضل مما قطع عنك ، فاحتسبي الله . فقالت : حسبي الله ، وأمسكت ) . انتهى .
وقال في شرح النهج : 16 / 252 : ( فما رأينا يوماً أكثر باكياً أو باكية من ذلك اليوم ) .
ولهذه الخطبة وأجزائها مصادر عديدة نكتفي منها بما ذكرنا وبالإحتجاج : 1 / 131 .

تأثير خطبة الزهراء ( عليها السلام ) على السلطة القرشية !

من الثابت أن وضع السلطة القرشية كان ضعيفاً في الأسابيع الأولى ، وقد اعترف عمر بأن عامة الأنصار كانوا معارضين لهم ، فقال كما في البخاري : 8 / 26 : ( إنه قد كان من خبرنا حين توفي الله نبيه أن الأنصار خالفونا واجتمعوا بأسرهم في سقيفة بني ساعدة ، وخالف عنا علي والزبير ومن معهما ) . انتهى .
وعدَّ المؤرخون عشرات الصحابة من الأنصار والمهاجرين ، أدانوا السقيفة ، أو امتنعوا عن البيعة ، وإنما كان المعتصمون في بيت علي وفاطمة ( عليهما السلام ) بعضهم !
وقد هزَّت هذه الخطبة الفاطمية وضع السلطة القرشية الجديدة ، وذكر الرواة أن البكاء عمَّ الناس ذلك اليوم ، وأن بعض الأنصار هتفوا باسم علي ( عليه السلام ) للخلافة فخاف أبو بكر وعمر أن يتحرك الأنصار لنصرة عترة النبي ( صلى الله عليه آله ) والإطاحة بهم ! ولذلك بادر أبو بكر وخطب فنال من علي ( عليه السلام ) بدون أن يسميه ، وهدد الأنصار بطلقاء قريش المتكاثرين في المدينة ! ولا بد أنهم قاموا بأعمال أخرى حتى استطاعوا أن يهدؤوا الوضع ، ويسكتوا أنصار فاطمة والعترة النبوية !
قال الجوهري في السقيفة ص 104 : ( فلما سمع أبو بكر خطبتها شق عليه مقالتها فصعد المنبر وقال : أيها الناس ما هذه الرعة إلى كل قالة ، أين كانت هذه الأماني في عهد رسول الله ، ألا من سمع فليقل ، ومن شهد فليتكلم ، إنما هو ثعالة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 155 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
شهيده ذنبه ، مُرِبُّ لكل فتنة ، هو الذي يقول كرُّوها جذعة بعد ما هرمت ، يستعينون بالضعفه ، ويستنصرون بالنساء ، كأم طحال أحب أهلها إليها البغي ، ألا إني لو أشاء أن أقول لقلتُ ، ولو قلتُ لبُحْتُ ، إني ساكت ما تركت .
ثم التفت إلى الأنصار فقال : قد بلغني يا معشر الأنصار مقالة سفهائكم ، وأحق من لزم عهد رسول الله أنتم ، فقد جاءكم فآويتم ونصرتم ، ألا إني لست باسطاً يداً ولا لساناً على من لم يستحق ذلك منا . ثم نزل ! ) . انتهى .
وقال في شرح النهج : 16 / 214 ، بعد نقل كلام أبي بكر هذا برواية الجوهري :
( قلت : قرأت هذا الكلام على النقيب أبي يحيى جعفر بن يحيى بن أبي زيد البصري وقلت له : بمن يعرِّض ؟ فقال : بل يصرح . قلت : لو صرح لم أسألك ! فضحك وقال : بعلي بن أبي طالب . قلت : هذا الكلام كله لعلي يقوله ! قال : نعم ، إنه الملك يا بنيَّ ، قلت : فما مقالة الأنصار ؟ قال : هتفوا بذكر عليٍّ فخاف من اضطراب الأمر عليهم ، فنهاهم .
فسألته عن غريبه ، فقال : أما الرِّعة بالتخفيف ، أي الاستماع والإصغاء ، والقالة : القول ، وثعالة : اسم الثعلب علم غير مصروف ، ومثل ذؤاله للذئب ، وشهيده ذنبه أي لا شاهد له على ما يدعى إلا بعضه وجزء منه ، وأصله مثلٌ ، قالوا : إن الثعلب أراد أن يغري الأسد بالذئب ، فقال : إنه قد أكل الشاة التي كنت قد أعددتها لنفسك وكنتُ حاضراً ، قال : فمن يشهد لك بذلك ؟ فرفع ذنبه وعليه دم ، وكان الأسد قد افتقد الشاة . فقبل شهادته وقتل الذئب . ومُرب : ملازم ، أربَّ بالمكان .
وكرُّوها جذعة : أعيدوها إلى الحال الأولى ، يعني الفتنة والهرج . وأم طحال : امرأة بغيٌّ في الجاهلية ويضرب بها المثل فيقال : أزنى من أم طحال ) . انتهى .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 156 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

9 - يوم اشتد مرضها فجاءت نساء الأنصار والمهاجرين لعيادتها

في معاني الأخبار للصدوق ص 354 : عن فاطمة بنت الحسين ( عليه السلام ) قالت : ( لما اشتدت علة فاطمة بنت رسول الله صلوات الله عليها ، اجمتع عندها نساء المهاجرين والأنصار فقلن لها : يا بنت رسول الله كيف أصبحت من علتك ؟ فقالت :
أصبحت والله عائفة لدنياكم قالية لرجالكم ! لفظتهم قبل أن عجمتهم ، وشنأتهم بعد أن سبرتهم ، فقبحاً لفلول الحد وخور القناة ، وخطل الرأي ، وبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون !
لا جرم لقد قلَّدَتْهم ربقتها وشنَّنَت عليهم عارها ، فجدعاً وعَقراً وسُحقاً للقوم الظالمين ! ويحهم أنى زحزحوها عن رواسي الرسالة وقواعد النبوة ومهبط الوحي الأمين ، والطبين بأمر الدنيا والدين ، ألا ذلك هو الخسران المبين ، وما نقموا من أبي حسن ؟ ! نقموا والله منه نكير سيفه ، وشدة وطأته ، ونكال وقعته ، وتنمره في ذات الله عز وجل ! والله لو تكافُّوا عن زمام نبذه رسول الله ( صلى الله عليه آله ) لاعتلقه ، ولسار بهم سيراً سُجحاً ، لا يُكلم خشاشه ولا يُتعتع راكبه ، ولأوردهم منهلاً نميراً فضفاضاً تطفح ضفتاه ولأصدرهم بطاناً قد تخيَّر لهم الريَّ غير متحل منه بطائل إلا بغمر الماء وردعة سورة الساغب ولفتحت عليهم بركات السماء والأرض ، وسيأخذهم الله بما كانوا يكسبون !
ألا هلمَّ فاسمع وما عشت أراك الدهر العجب وإن تعجب وقد أعجبك الحادث ، إلى أي سناد استندوا ؟ وبأية عروة تمسكوا ؟ استبدلوا الذنابى والله بالقوادم ، والعجز بالكاهل ، فرغماً لمعاطس قوم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً ! أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ . . أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ !
أما لعمري والله لقد لقحت ، فنظرةً ريثما تنتجوا ، ثم احتلبوا طلاع القعب دماً عبيطاً وزعافاً ممقراً ، هنالك يخسر المبطلون ويعرف التالون غِبَّ ما أسس الأولون !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 157 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم طيبوا عن أنفسكم نفساً ، واطمأنوا للفتنة جأشاً ، وأبشروا بسيف صارم ، وهرج شامل واستبداد من الظالمين ، يدع فيئكم زهيداً ، وزرعكم حصيداً ! فيا حسرتي لكم ، وأنى بكم وقد عُمِّيَت عليكم ، أنلزمكموها وأنتم لها كارهون ) ! ( ورواه الطوسي في الأمالي ص 374 ، والجوهري في السقيفة ص 120 ) .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 158 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

10 - يوم أوصت علياً أن يدفنها ليلاً سراً ولا يأذن لهما بالصلاة عليها

في معاني الأخبار ص 356 ، عن علي ( عليه السلام ) قال : لما حضرت فاطمة الوفاة دعتني فقالت : أمنفذٌ أنت وصيتي وعهدي ؟ قال قلت : بلى أنفذها فأوصت إليَّ وقالت : إذا أنا متُّ فادفني ليلاً ، ولا تؤذننَّ رجلين ، ذكرتهما ) .
وفي كتاب سليم بن قيس ص 392 : ( قال ابن عباس : فقبضت فاطمة من يومها فارتجَّت المدينة بالبكاء من الرجال والنساء ، ودهش الناس كيوم قبض فيه رسول الله ( صلى الله عليه آله ) . فأقبل أبو بكر وعمر يعزيان علياً ويقولان له : يا أبا الحسن لا تسبقنا بالصلاة على ابنة رسول الله . . . فلما كان في الليل دعا علي العباس والفضل والمقداد وسلمان وأبا ذر وعماراً ، فقدم العباس فصلى عليها ودفنوها . فلما أصبح الناس أقبل أبو بكر وعمر والناس يريدون الصلاة على فاطمة ( عليها السلام ) فقال المقداد : قد دفنا فاطمة البارحة . فالتفت عمر إلى أبي بكر فقال : ألم أقل لك إنهم سيفعلون ؟ ! قال العباس : إنها أوصت أن لا تصليا عليها ! فقال عمر : والله لا تتركون يا بني هاشم حسدكم القديم لنا أبداً ! إن هذه الضغائن التي في صدوركم لن تذهب والله لقد هممت أن أنبشها فأصلي عليها ! فقال علي : والله لو رمت ذلك يا بن صهاك لا رجعتْ إليك يمينك ! والله لئن سللت سيفي لا أغمدته دون إزهاق نفسك ، فَرُمْ ذلك ! فانكسر عمر وسكت ، وعلم أن علياً إذا حلف صدق ) . انتهى .
وفي أمالي المفيد ص 281 : عن الحسين ( عليه السلام ) قال : ( فلما حضرتها الوفاة أوصت أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أن يتولى أمرها ويدفنها ليلاً ويعفي قبرها ! فتولى ذلك أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ودفنها وعفى موضع قبرها ، فلما نفض يده من تراب القبر هاج به الحزن ، فأرسل دموعه على خديه ، وحول وجهه إلى قبر رسول الله ( صلى الله عليه آله ) فقال :
السلام عليك يا رسول الله مني ، والسلام عليك من ابنتك وحبيبتك وقرة عينك وزائرتك ، والبائتة في الثرى ببقعتك ، والمختار لها الله سرعة اللحاق بك .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 159 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قلَّ يا رسول الله عن صفيتك صبري ، وضعف عن سيدة النساء تجلدي ، إلا أن في التأسي لي بسنتك والحزن الذي حل بي بفراقك ، موضع التعزي ، فلقد وسدتك في ملحود قبرك ، بعد أن فاضت نفسك على صدري ، وغمضتك بيدي ، وتوليت أمرك بنفسي . نعم وفي كتاب الله أنعم القبول : إنا لله وإنا إليه راجعون . لقد استرجعت الوديعة ، وأخذت الرهينة ، واختلست الزهراء ، فما أقبح الخضراء والغبراء .
يا رسول الله ! أما حزني فسرمد ، وأما ليلي فمسهد ، لا يبرح الحزن من قلبي ، أو يختار الله لي دارك التي أنت فيها مقيم . كَمَدٌ مُقيح ، وهَمٌّ مُهيج ، سرعان ما فرق بيننا وإلى الله أشكو ! وستنبئك ابنتك بتضافر أمتك عليَّ ، وعلى هضمها حقها ، فاستخبرها الحال ، فكم من غليل معتلج بصدرها لم تجد إلى بثه سبيلاً ! وستقولُ ويحكم الله ، وهو خير الحاكمين .
سلام عليك يا رسول الله سلام مودع ، لا سئم ولا قالٍ ، فإن أنصرف فلا عن ملالة وإن أقم فلا عن سوء ظن بما وعد الله الصابرين ، والصبر أيمن وأجمل ، ولولا غلبة المستولين علينا لجعلت المقام عند قبرك لزاماً ، واللبث عنده معكوفاً ، ولأعولت إعوال الثكلى على جليل الرزية ! فبعين الله تدفن ابنتك سراً ، وتهتضم حقها قهراً ، وتمنع إرثها جهراً ، ولم يطل العهد ولم يخل منك الذكر ! فإلى الله يا رسول الله المشتكى ، وفيك أجمل العزاء . وصلوات الله عليك وعليها ، ورحمة الله وبركاته ) .
وفي رواية روضة الواعظين للنيسابوري ص 151 : ( فقالت : يا ابن عم إنه قد نعيت إلى نفسي لأرى ما بي لا أشك ، إلا أنني لاحقة بأبي ساعة بعد ساعة ، وأنا أوصيك بأشياء في قلبي . قال لها علي : أوصني بما أحببت يا بنت رسول الله . . .
ثم قالت : جزاك الله عني خير الجزاء ، يا ابن عم أوصيك أولاً أن تتزوج بعدي بابنة أختي أمامة ، فإنها تكون لولدي مثلي ، فإن الرجال لا بد لهم من النساء . . .
ثم قالت : أوصيك أن لا يشهد أحد جنازتي من هؤلاء الذين ظلموني وأخذوا حقي فإنهم أعدائي وأعداء رسول الله ، وأن لا يصلي عليَّ أحد منهم ولا من أتباعهم ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 160 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وادفني في الليل إذا هدأت العيون ونامت الأبصار . ثم توفيت صلوات الله عليها وعلى أبيها وبعلها وبنيها ، فصاحت أهل المدينة صيحة واحدة واجتمعت نساء بني هاشم في دارها ، فصرخن صرخة واحدة كادت المدينة أن تزعزع من صراخهن وهن يقلن : يا سيدتاه يا بنت رسول الله ! وأقبل الناس مثل عُرْف الفرس إلى علي وهو جالس والحسن والحسين بين يديه يبكيان ، فبكى الناس لبكائهما ، وخرجت أم كلثوم وعليها برقعة وتجر ذيلها متجللة برداء عليها تسحبه وهي تقول : يا أبتاه يا رسول الله ، الآن حقاً فقدناك فقداً لا لقاء بعده ، واجتمع الناس فجلسوا وهم يرجون وينظرون أن تخرج الجنازة فيصلون عليها .
وخرج أبو ذر فقال : انصرفوا فإن ابنة رسول الله قد أخر إخراجها في هذه العشية فقام الناس وانصرفوا ، فلما أن هدأت العيون ومضى من الليل أخرجها علي والحسن والحسين وعمار والمقداد وعقيل والزبير وأبو ذر وسلمان وبريدة ، ونفر من بني هاشم وخواصهم صلوا عليها ودفنوها في جوف الليل ، وسوَّى عليٌّ حواليها قبوراً مزورة مقدار سبعة ، حتى لا يعرف قبرها ) . انتهى .

أين هو قبر فاطمة ؟

لا أعرف أحداً استثمر موته وجنازته وموضع قبره في معارضة السلطة ، كما استثمرت ذلك فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) !
تقول بذلك للأجيال : إفهموا وفكروا لماذا غضبت فاطمة عليهم ، فقاطعتهم ولم تكلمهم حتى لقيت ربها وأباها ؟
ولماذا أوصت أن تدفن سراً حتى لا يحضروا جنازتها ولا يصلوا عليها ؟ !
ولماذا أوصت أن يعفَّى قبرها ولا يعرف مكانه ؟
ولماذا عمل الأئمة من أولادها بوصيتها ، فلم يحددوا قبرها ولم يبنوه ؟
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 161 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فاطمة الزهراء . . أعطاها الله ورسوله مقاماً عظيماً : سيدة نساء العالمين ، وسيدة نساء أهل الجنة ، واعترف به القريب والبعيد ، وأثبتت بسمو شخصيتها وتميز سلوكها ، أنها أهلٌ لهذا المقام ، وأنها حقاً أمَةُ الله الطيبة الطاهرة المباركة ، التي بشرت بها التوراة والإنجيل ، وأن ذرية النبي الخاتم ستكون منها !
فما لها وقفت أشدَّ موقف من السلطة القرشية بعد وفاة أبيها ؟ وركزت غضبها على زعامة قريش الجديدة أبي بكر وعمر وصاحبهم في مكة سهيل بن عمرو ؟ ! فاتهمتهما بأشد التهم ، ولم تقبل لهما عذراً ، ولا ردَّت عليهما السلام عندما جاءاها معتذرين لها من الهجوم على دارها ، ومصادرة أوقاف النبي ( صلى الله عليه آله ) وفدك ومنعها من إرث أبيها ( صلى الله عليه وآله ) ! مع أن ردُّ سلام المسلم واجبٌ ، وقبول عذره لازم !
ولا نظنها كانت ستقبل لهم عذراً حتى لو أرجعوا لها الأوقاف وفدك ، فقضيتها معهم ليست أوقاف أبيها ولا مزرعة فدك ! فماذا تصنع فاطمة بفدك والأوقاف ، وهي من هي زهداً وعبادة ، وقد أخبرها أبوها أنها ستلتحق به عن قريب ؟ !
فقضيتها أن تثبت للمسلمين أن الذي جلس مكان رسول الله ( صلى الله عليه آله ) لا يؤتمن على الدين والأمة ، لأنه سرق مزرعة من بنت النبي ( صلى الله عليه آله ) فأرسل مسلحين أخرجوا منها وكيلها ووضعوا وكيله بدله ! فيا ويل بنات المسلمين ، ويا ويل الأمة !
قضيتها أنها تراهم غاصبين للخلافة التي هي حقٌّ من الله لزوجها وولديها الحسن والحسين ، وبعدهما للأئمة من ذريتها الموعودين على لسان أبيها !
ترى سقيفتهم مؤامرةٌ وردَّةٌ قرشية عن الإسلام ! ( فلما اختار الله لنبيه دار أنبيائه ومأوى أصفيائه ، ظهرت فيكم حسيكة النفاق . . . هذا والعهد قريب ، والكلْم رحيب ، والجرح لما يندمل ، والرسول لما يُقبر ، ابتداراً زعمتم خوف الفتنة ! أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ ! . . . ثم أخذتم تورون وقدتها ، وتهيجون جمرتها ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 162 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وتستجيبون لهتاف الشيطان الغوي ، وإطفاء أنوار الدين الجلي ، وإهمال سنن النبي الصفي ، تشربون حسواً في ارتغاء ، وتمشون لأهله وولده في الخمرة والضراء ) ! !
وترى الخسارات العظمى التي أوقعوها بالإسلام والأمة والعالم ، بإبعادهم علياً عن الخلافة : ( والله لو تكافُّوا عن زمام نبذه رسول الله ( صلى الله عليه آله ) لاعتلقه ، ولسار بهم سيراً سُجحاً ، لا يكلم خشاشه ، ولا يتعتع راكبه ، ولأوردهم منهلاً نميراً فضفاضاً تطفح ضفتاه ، ولأصدرهم بطاناً قد تخير لهم الريَّ غير متحل منه بطائل ، إلا بغمر الماء وردعة سورة الساغب ، ولفتحت عليهم بركات السماء والأرض ، وسيأخذهم الله بما كانوا يكسبون ) !
وقد سخرت الزهراء ( عليها السلام ) من منطقهم القبلي الذي برروا فيه اختيارهم لأبي بكر فقالت : ( ألا هلمَّ فاسمع وما عشت أراك الدهر العجب . . . إلى أيِّ سِنَادٍ استندوا ، وبأية عروة تمسكوا ، استبدلوا الذُّنابى والله بالقوادم ، والعجزَ بالكاهل ، فرغماً لمعاطس قوم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً ! أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ . . أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلا أَنْ يُهْدَى فَمَالَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ
وقد بلغت قضيتها المدى ، عندما دعت الأنصار علناً في خطبتها القاصعة إلى نصرتها ومقاومة سقيفة قريش وخليفتها بقوة السلاح ، وإلا فهم ناكثون لبيعتهم لرسول الله ( صلى الله عليه آله ) أن يحموه ويحموا عترته ، ولا ينازعوا الأمر أهله الشرعيين ! فقد قالت لهم صراحةً :
( إيهاً بني قَيْلة ! أأهضم تراث أبي وأنتم بمرأى مني ومسمع ، ومنتدى ومجمع ، تلبسكم الدعوة وتشملكم الخبرة ، وأنتم ذووا العدد والعدة ، والأداة والقوة ، وعندكم السلاح والجنة ، توافيكم الدعوة فلا تجيبون ، وتأتيكم الصرخة فلا تغيثون . . . ) ! !
ثم عرفتهم فداحة ما حدث ، وأنذرتهم غبَّ ما عملوا فقالت : ( أما لعمري والله لقد لقحت ، فنظرةً ريثما ننتجوا ، ثم احتلبوا طلاع القعب دماً عبيطاً ، وزعافاً ممقراً ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 163 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
هنالك يخسر المبطلون ! ويعرف التالون غِبَّ ما أسس الأولون . . . ! أنا ابنة نذير لكم بين يدي عذاب شديد فاعملوا إِنَّا عَامِلُونَ ، وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ ! ) .
إن وصية فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) في تجهيزها ودفنها وقبرها ، كانت عملاً من سلسلة أعمالها المقصودة في خدمة قضيتها مع قريش الطلقاء ، أرادت أن تثير به السؤال في الأجيال لعلها تفهم ما أسسه الأولون وتردد مع الشاعر :

ولأي الأمور تدفن سراً * بضعة المصطفى ويعفى ثراها
بنتُ مَنْ أمُّ مَنْ حليلةُ مَنْ * ويلٌ لمن سنَّ ظلمَها وأذاها

* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 164 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 165 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الرابع : الأحداث التي غطتها الحكومة أيام وفاة النبي ( صلى الله عليه آله )

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 166 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 167 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

فهرس لأحداث أيام وفاة النبي ( صلى الله عليه آله ) !

حاولتُ أن أضع تقويماً زمنياً لمراسم تغسيل النبي ( صلى الله عليه آله ) وتكفينه والصلاة عليه ودفنه ، يضم الأحداث الخطيرة التي وقعت أثناء ذلك وبعده ، إلى أسبوعين من وفاته ( صلى الله عليه آله ) ، فوجدت ذلك مهمة صعبة ، لأن رواة الخلافة القرشية حرصوا على التعتيم عليها وتشويشها ! فجاءت نصوصها متضاربة ، ينفي بعضها الآخر !
وتذكرت ما جرى للشيخ متولي شعراوي عندما قرأ في محاضرته في التلفزيون المصري كلام علي في وداع فاطمة بعد دفنها ( عليهما السلام ) ، وعلَّق عليه الشعراوي بأنه يدل على وجود أحداث خطيرة بعد وفاة النبي ( صلى الله عليه آله ) ينبغي أن نكشفها !
والكلام الذي قرأه الشعراوي هو كلام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) الذي تقدم بعد دفنه فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) : ( السلام عليك يا رسول الله ، عني وعن ابنتك النازلة في جوارك . . .
وستنبئك ابنتك بتضافر أمتك على هضمها ، فأحفها السؤال واستخبرها الحال ! هذا ولم يطل العهد ، ولم يخل منك الذكر . . . الخ . ) . ( وهو في نهج البلاغة : 2 / 182 ، وغيره ) .
وفي اليوم الثاني لكلام الشعراوي خرجت صحيفة مصرية تتساءل : هل تشيع الشعراوي ؟ ! وبذلك أسكتوه عن البحث في تلك الأحداث ، بل عن ذكرها !
فإذا كانت هذه حال عالم سني معروف كالشعراوي ، وبعد ألف وأربع مئة سنة من الحادثة ، وفي مصر التي يحب شعبها أهل البيت وفاطمة الزهراء ( عليها السلام ) خاصة ! فما بال من يحاول كشف تلك الأحداث في عصور حكم الخلافة القرشية ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 168 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إن العجيب حقاً هو ما وصل إلينا ، وليس العجيب ما أخفوه ولم يصل !
وهذا تقويم تقريبي لتلك الأحداث ، وهو قابل للإتساع :
1 - يوم الأحد لَدَّتْ عائشة وحفصة النبي ( صلى الله عليه آله ) أي سقتاه ( دواء ) في حال إغمائه رغم نهيه المشدد عن ذلك كما في البخاري ! فلما أفاق من إغمائه غضب من فعلهما ، وأمر أن يسقى كل من كان موجوداً غير بني هاشم من ذلك الدواء ! وتدهورت حالة النبي ( صلى الله عليه آله ) بعد ذلك حتى توفي في ظهر يوم الاثنين ! ( راجع صحيح البخاري : 5 / 143 و 7 / 17 ، وغيره ) .
2 - كان عدد الطلقاء الذين أرسلهم النبي ( صلى الله عليه آله ) في جيش أسامة سبع مئة نفر وأرسل أبا بكر وعمر وغيرهم ، وقد تباطأ قسم منهم عن الالتحاق بمعسكر أسامة في الجرف ، ثم ترك المعسكر من التحق منهم يوم الأحد ، وعادوا إلى المدينة !
قال في فتح الباري : 8 / 116 : ( وعند الواقدي أيضاً أن عدة ذلك الجيش ( جيش أسامة ) كانت ثلاثة آلاف ، فيهم سبعمائة من قريش ) . انتهى .
3 - باشر علي ( عليه السلام ) بمراسم تجهيز النبي ( صلى الله عليه آله ) بعد ظهر الاثنين إلى صباح الثلاثاء وأذن للمسلمين أن يصلوا على جنازته فرادى ، من ضحى ذلك اليوم إلى العصر ، ثم أخذ يواجه ضغط أبي بكر وعمر ومبعوثيهما ، ثم مجيئهما إلى بيته يطالبونه ومن معه بالبيعة لهم ، ويهددونه بالهجوم على بيته إن لم يبايع ! !
4 - دبَّر الحزب القرشي بيعة أبي بكر في السقيفة بعد وفاة النبي ( صلى الله عليه آله ) بساعة أو ساعتين فقط ! وساعدهم بعض الأوس حسداً لسعد بن عبادة رئيس الخزرج أن يصير هو الخليفة ! ولم يثبت أن سعداً أو أحداً من الأنصار دعا إلى اجتماع في السقيفة لبحث خلافة النبي ( صلى الله عليه آله ) ، بل كانت السقيفة محل ضيافة سعد ، وهي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 169 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فسحة من الشارع مسقوفة سميت باسم جيرانها بني ساعدة الخزرجيين ، وكان سعد مريضاً نائماً فيها يزوره الناس ، فاختارها الحزب القرشي مكاناً للصفق على يد أبي بكر لوجود سعد وبعض الأنصار حوله ، فتركا جنازة النبي ( صلى الله عليه آله ) وأسرعا إلى السقيفة ، وفتحا الموضوع وناقشا سعداً ومن حضر ، فقال بعض الأنصار لا نبايع إلا علياً ، وقال بعضهم إن لم تريدوا علياً فالأنصار وسعد أولى منكم ، فبادر أبو بكر إلى القول إني رضيت لكم أحد الرجلين عمر أو أبا عبيدة فبايعوا أحدهما ! فقال عمر لا نتقدم عليك ، وأخذ يده وصفق عليها هو ثم أبو عبيدة ، ثم بايعه ثلاثة أشخاص من الأوس المضادين لسعد ! ولم يعيروا بالاً لاعتراض سعد بن عبادة زعيم الأنصار ! وهكذا أعلنوا بيعة أبي بكر التي بحيلة من غير مشورة ، وساندهم كل القرشيين الطلقاء وكانوا ألوفاً في المدينة !
وقد سمع عمر في أواخر خلافته أن بعضهم سيبادر بعد وفاته إلى الصفق على يد أحد وبيعته بالخلافة كما فعل هو في السقيفة ، فخطب ووصف بيعة أبي بكر بأنها كانت فلتة ونجحت ، وأصدر أمراً بقتل من بادر إلى مثلها ! ( البخاري : 8 / 25 ) !
5 - اعترض سعد بن عبادة زعيم الأنصار وصاح رغم شدة مرضه ، وأدان تصرفهم ، لكن الحزب القرشي تغلبوا عليه وشتموه وداسوا بطنه ، فحمله أولاده إلى بيته ! فاستولوا على السقيفة وجعلوها مقراً لبيعة أبي بكر ، ومركزاً لجلوسهم وعملياتهم !
6 - ترك أبو بكر وعمر وكافة القرشيين الطلقاء جنازة النبي ( صلى الله عليه آله ) لعترته ، وعشيرته بني هاشم ! حتى أن مسجد النبي ( صلى الله عليه آله ) ومحيطه كان بعد وفاته ( صلى الله عليه آله ) شبه خال ! وانشغل الصحابة إلا المنقطعون إلى أهل البيت ( عليهم السلام ) بتأييد بيعة أبي بكر أو معارضتها ، وانشغلت فعاليات الحزب القرشي وهم : أبو بكر ، وعمر ، وعائشة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 170 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وحفصة ، وأبو عبيدة ، وسالم مولى حذيفة ، ومعهم بعض الأوس ، بمعالجة موقف الأنصار ، وكانوا يزورون زعماءهم في أحيائهم لإقناعهم ببيعة أبي بكر ، ومنع تأثير سعد وعلي ( عليه السلام ) عليهم !
7 - في اليوم الثاني جاء أنصار أبي بكر وعمر من الطلقاء إلى مسجد النبي ( صلى الله عليه آله ) مشمِّرين أزرهم يزفون أبا بكر زفةً مسلحة ، ويأخذون له البيعة بقوة السلاح ويهددون من لم يبايع بالقتل ! وأصعد عمر أبا بكر على منبر النبي ( صلى الله عليه آله ) وبايعه بعض الناس ، وصلى بهم المغرب ثم عاد إلى السقيفة ، ولم يزوروا بيت النبي ( صلى الله عليه آله ) ، ولم يصلوا على جنازته !
8 - مساء الثلاثاء ليلة الأربعاء قام عليٌّ ( عليه السلام ) بدفن جنازة النبي ( صلى الله عليه آله ) بعد منتصف الليل ، وحضر مراسم الدفن بنو هاشم وبعض الأنصار ، ولم يحضرها أحد من قادة الحزب القرشي وجمهوره الطلقاء !
9 - في ليلة الخميس قام أمير المؤمنين ومعه فاطمة والحسنان ( عليهم السلام ) بجولة على بيوت الأنصار وطالبوهم بالوفاء ببيعتهم للنبي ( صلى الله عليه آله ) وشرطه عليهم النصرة وأن يمنعوه وأهل بيته وذريته ( صلى الله عليه آله ) مما يمنعون منه أنفسهم وذراريهم . . فاستجاب له منهم أربعة وأربعون رجلاً ، فطلب منهم أن يأتوه غداً محلقين رؤوسهم مستعدين للموت ، فلم يأته إلا أربعة !
ثم أعاد جولته على الأنصار وبعض المهاجرين ليلة الجمعة ثم ليلة السبت ! فلم يأته غير أولئك الأربعة : المقداد ، وعمار ، وأبو ذر ، وسلمان !
10 - في هذه المدة أرسل الحزب القرشي إلى أسامة وهو في معسكره بالجرف خارج المدينة ، أن يغلق المعسكر ويأتي ومن بقي معه إلى المدينة ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 171 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ويبايعوا أبا بكر لأن المسلمين بايعوه ، فاحتج عليهم أسامة بأن النبي ( صلى الله عليه آله ) توفي وأنا أمير على أبي بكر ، فأبو بكر ما زال جندياً تحت إمرتي !
قال الطبرسي في إعلام الورى : 1 / 269 : ( فما كان بين خروج أسامة ورجوعه إلى المدينة إلا نحو من أربعين يوماً ، فلما قدم المدينة قام على باب المسجد ثم صاح : يا معشر المسلمين ، عجباً لرجل استعملني عليه رسول الله ( صلى الله عليه آله ) فتأمَّر عليَّ وعزلني ) ! انتهى .
11 - تخوف الحزب القرشي من علي ( عليه السلام ) أن يجد أنصاراً وينهض ضدهم ، لذا تتابعت إليه رسل أبي بكر بالحضور إلى السقيفة ليبايعه ، فكان يتعلل بأنه مشغول بمراسم دفن النبي ( صلى الله عليه آله ) ، ثم بجمع القرآن . لكنهم واصلوا الضغط عليه ، وصعَّدوا تهديدهم ، وجاؤوا مسلحين في جمع من الطلقاء إلى باب داره مرات ، فتلاسن معهم بعض أنصاره ، لكنهم تغلبوا عليهم واقتحموا البيت بالقوة ، وأخذوا علياً مقيداً إلى السقيفة ، فحاججهم بقوة ، فسكتوا عنه ذلك اليوم .
وهذه الحادثة هي الهجوم الأول على بيت علي وفاطمة ( عليهما السلام ) ، وقد يكون وقتها يوم الأربعاء أو الخميس !
12 - اتفق اثنا عشر صحابياً من المهاجرين والأنصار على أن يخطبوا في المسجد النبوي في يوم الجمعة التي تلت وفاة النبي ( صلى الله عليه آله ) ، ويقيموا الحجة على أبي بكر وعمر ، فتكلموا جميعاً وبينوا وصية النبي ( صلى الله عليه آله ) لعلي ( عليه السلام ) وبيعة المسلمين له يوم الغدير ، وأدانوا مؤامرة السقيفة ! ففي الإحتجاج للطبرسي : 1 / 97 : ( عن أبان بن تغلب قال : قلت لأبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق ( عليهما السلام ) : جعلت فداك هل كان أحد في أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه آله ) أنكر على أبي بكر فعله وجلوسه مجلس رسول ( صلى الله عليه آله ) ؟ قال : نعم كان الذي أنكر على أبي بكر اثنا عشر رجلاً : من
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 172 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
المهاجرين خالد بن سعيد بن العاص ، وكان من بني أمية ، وسلمان الفارسي ، وأبو ذر الغفاري ، والمقداد بن الأسود ، وعمار بن ياسر ، وبريدة الأسلمي .
ومن الأنصار : أبو الهيثم بن التيهان ، وسهل وعثمان ابنا حنيف ، وخزيمة بن ثابت ذو الشهادتين ، وأبي بن كعب ، وأبو أيوب الأنصاري .
قال : فلما صعد أبو بكر المنبر تشاوروا بينهم فقال بعضهم لبعض : والله لنأتينه ولننزلنه عن منبر رسول الله ( صلى الله عليه آله ) ! وقال آخرون منهم : والله لئن فعلتم ذلك إذاً أعنتم على أنفسكم ، فقد قال الله عز وجل : وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ، فانطلقوا بنا إلى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) لنستشيره ونستطلع رأيه ، فانطلق القوم إلى أمير المؤمنين بأجمعهم فقالوا : يا أمير المؤمنين تركت حقاً أنت أحق به وأولى به من غيرك ، لأنا سمعنا رسول الله يقول : علي مع الحق والحق مع علي يميل مع الحق كيفما مال . ولقد هممنا أن نصير إليه فننزله عن منبر رسول الله ( صلى الله عليه آله ) ، فجئناك لنستشيرك ونستطلع رأيك فما تأمرنا ؟ فقال أمير المؤمنين : وأيم الله لو فعلتم ذلك لما كنتم لهم إلا حرباً ، ولكنكم كالملح في الزاد وكالكحل في العين . . .
فانطلقوا بأجمعكم إلى الرجل فعرفوه ما سمعتم من قول نبيكم ( صلى الله عليه وآله ) ، ليكون ذلك أوكد للحجة وأبلغ للعذر ، وأبعد لهم من رسول الله ( صلى الله عليه آله ) إذا وردوا عليه .
فسار القوم حتى أحدقوا بمنبر رسول الله ( صلى الله عليه آله ) وكان يوم الجمعة ، فلما صعد أبو بكر المنبر قال المهاجرون للأنصار : تقدموا وتكلموا ، فقال الأنصار للمهاجرين : بل تكلموا وتقدموا أنتم ، فإن الله عز وجل بدأ بكم في الكتاب . . .
فأول من تكلم به خالد بن سعيد بن العاص ، ثم باقي المهاجرين ، ثم بعدهم الأنصار . . . فقام إليه خالد بن سعيد بن العاص ( ابن العاص الأموي ) وقال :
إتق الله يا أبا بكر ، فقد علمت أن رسول الله ( صلى الله عليه آله ) قال ونحن محتوشوه يوم بني قريظة حين فتح الله له باب النصر ، وقد قتل علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) يومئذ عدة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 173 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
من صناديد رجالهم وأولي البأس والنجدة منهم : يا معاشر المهاجرين والأنصار إني موصيكم بوصية فاحفظوها ومودعكم أمراً فاحفظوه : ألا إن علي بن أبي طالب أميركم بعدي وخليفتي فيكم بذلك أوصاني ربي . ألا وإنكم إن لم تحفظوا فيه وصيتي وتوازروه وتنصروه ، اختلفتم في أحكامكم واضطرب عليكم أمر دينكم ، ووليكم أشراركم ! ألا وإن أهل بيتي هم الوارثون لأمري والعالمون لأمر أمتي من بعدي . اللهم من أطاعهم من أمتي وحفظ فيهم وصيتي فاحشرهم في زمرتي ، واجعل لهم نصيباً من مرافقتي يدركون به نور الآخرة . اللهم ومن أساء خلافتي في أهل بيتي فأحرمه الجنة التي عرضها كعرض السماء والأرض ! فقال له عمر بن الخطاب : أسكت يا خالد ، فلست من أهل المشورة ، ولا ممن يقتدى برأيه ! فقال له خالد : بل أسكت أنت يا ابن الخطاب ، فإنك تنطق على لسان غيرك ! وأيم الله لقد علمت قريش أنك من ألأمها حسباً ، وأدناها منصباً ، وأخسها قدراً ، وأخملها ذكراً ، وأقلهم غناءاً عن الله ورسوله ، وإنك لجبان في الحروب ، بخيل بالمال ، لئيم العنصر ، مالك في قريش من فخر ، ولا في الحروب من ذكر ، وإنك في هذا الأمر بمنزلة الشيطان : إِذْ قَالَ لِلإنسان اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرئٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِين . فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ ! ! فأبلس عمر ! وجلس خالد بن سعيد . . . ) . الخ .
13 - من المرجح أن الهجوم الثاني وقع بعد احتجاج وجهاء الصحابة يوم الجمعة في المسجد ، وهو الهجوم الذي أشعلوا فيه النار حول البيت ، ثم دفعوا الباب على الزهراء ( عليها السلام ) ، وضربوها وأسقطوا جنينها ، ثم أخذوا علياً ( عليه السلام ) ثانيةً إلى السقيفة وهددوه بالقتل إن لم يبايع أبا بكر !
14 - كان تأثير احتجاج الصحابة الاثني عشر في المسجد قوياً ، فقد أحدث
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 174 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
موجة ضد مؤامرة السقيفة ، وضعف أبو بكر وانكسر أمام خطبهم ، ولزم بيته ثلاثة أيام ، وأخذ يلوم عمر على توريطه في الأمر ، حتى أنه وآخرون من الحزب القرشي فكروا أن يعيدوا الخلافة شورى بين المسلمين ! لكن عمر وبخهم ودبَّر موجة لمصلحة الحزب القرشي ، فاتفق مع جماعة من البدو القريبين أن يدخلوا المدينة ويبايعوا أبا بكر ! قال الطبري في تاريخه : 2 / 458 : ( حدثني أبو بكر بن محمد الخزاعي أن أسلمَ أقبلت بجماعتها حتى تضايقت بهم السكك فبايعوا أبا بكر ، فكان عمر يقول : ما هو إلا أن رأيت أسلم فأيقنت بالنصر ) !
15 - في يوم الجمعة الثانية لوفاة النبي ( صلى الله عليه آله ) خطب علي ( عليه السلام ) في مسجد النبي خطبته البليغة القوية المعروفة ب‍ ( خطبة الوسيلة ) ! وكانت تأكيداً لإقامة الحجة على أهل السقيفة وغيرهم ، بيَّن فيها مقام النبي ( صلى الله عليه آله ) وأهل بيته ( عليهم السلام ) عند الله ، ويوم القيامة ، وواجب الأمة تجاههم . وجاء في مقدمتها قول الإمام الباقر ( عليه السلام ) لجابر بن يزيد الجعفي ( رحمه الله ) : إسمع وع وبلغ حيث انتهت بك راحلتك إن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) خطب الناس بالمدينة بعد سبعة أيام من وفاة رسول الله ( صلى الله عليه آله ) ، وذلك حين فرغ من جمع القرآن وتأليفه ، فقال : الحمد لله الذي منع الأوهام أن تنال إلا وجوده ، وحجب العقول أن تتخيل ذاته ، لامتناعها من الشبه والتشاكل ، بل هو الذي لا يتفاوت في ذاته ولا يتبعض بتجزئة العدد في كماله . . . ) الخ . وهي طويلة بليغة . ( الكافي : 8 / 18 ) .
16 أما مجئ الصديقة الزهراء ( عليها السلام ) إلى المسجد ، وخطبتها القوية المشهورة ، فوقتها بعد أحداث السقيفة وهجومهم على بيتها وضربها وإسقاط جنينها ! وبعد أن أجبروهم على البيعة ، وشنوا عليهم حرباً اقتصادية لإفقارهم ، فحرموهم الخمس الذي لهم ، وصادروا منهم أوقاف النبي ( صلى الله عليه آله ) وهي سبعة بساتين وكانت بيدهم ، وصادروا منهم مزرعة فدك التي أعطاها النبي ( صلى الله عليه آله ) للزهراء ( عليها السلام ) عندما نزل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 175 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قوله تعالى ( وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ ) ، ومنعوها أن ترث من أبيها ( صلى الله عليه وآله ) أي شئ ، فرأت الصديقة الزهراء ( عليها السلام ) في ذلك مناسبةً لأن تخطب في المسجد ، وتؤكد إقامة الحجة عليهم ، وتفضح مؤامرتهم ، وقد تقدم ذلك !
17 - يبدو أن حادثة ضرب عمر للصديقة الزهراء ( عليها السلام ) كانت في الطريق بعد يوم أو أكثر من خطبتها في المسجد النبوي ، فقد ذهبت إلى أبي بكر وكان وحده واحتجت عليه ، فكتب لها كتاباً بإرجاع فدك إليها ، فبلغ ذلك عمر ، فلحقها في الطريق وضربها وأخذ منها الكتاب ومزقه !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 176 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

أهل البيت ( عليهم السلام ) ارتفعوا على جراحهم

تعامل أهل البيت ( عليهم السلام ) مع مقاطع هذه الموجة بنبل رسالي ، ونفذوا ما أمرهم به حبيبهم النبي ( صلى الله عليه آله ) ، وسجلوا صبراً لا نظير له ، فكظموا غيظهم وصبَّروا أنصارهم .
ثم ارتفعوا على جراحهم ، فعملوا مخلصين في تسيير سفينة الإسلام وفتوحاته !
قال عليٌّ ( عليه السلام ) في كتابه إلى أهل مصر مع مالك الأشتر لما ولاه إمارتها : ( أما بعد فإن الله سبحانه بعث محمداً ( صلى الله عليه وآله ) وآله نذيراً للعالمين ، ومهيمناً على المرسلين ، فلما مضى تنازع المسلمون الأمر من بعده ، فوالله ما كان يلقى في روعي ولا يخطر ببالي أن العرب تزعج هذا الأمر من بعده ( صلى الله عليه آله ) عن أهل بيته ولا أنهم مُنَحُّوهُ عني من بعده ، ( يقصد ( عليه السلام ) أن هذا كان أمراً غير معقول لا يتصور ) فما راعني إلا انثيال الناس على فلان يبايعونه ، فأمسكت يدي حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام ، يدعون إلى محق دين محمد ( صلى الله عليه آله ) ! فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلماً أو هدماً ، تكون المصيبة به عليَّ أعظم من فوت ولايتكم ، التي إنما هي متاع أيام قلائل ، يزول منها ما كان كما يزول السراب ، أو كما يتقشع السحاب ، فنهضت في تلك الأحداث ، حتى زاح الباطل وزهق ، واطمأن الدين وتَنَهْنَهْ ) . ( نهج البلاغة : 3 / 118 ) .
وقال ( عليه السلام ) : ( اللهم إني أستعديك على قريش ، فإنهم قد قطعوا رحمي ، وأكفؤوا إنائي ، وأجمعوا على منازعتي حقاً كنت أولى به من غيري ، وقالوا ألا إن في الحق أن تأخذه وفي الحق أن تُمنعه ، فاصبر مغموماً أو مت متأسفاً ، فنظرت فإذا ليس لي رافد ولا ذابٌّ ولا مساعد إلا أهل بيتي ، فضننت بهم عن المنية ، فأغضيت على القذى ، وجرعت ريقي على الشجى ، وصبرت من كظم الغيظ على أمَرِّ من العلقم ، وآلمِ للقلب من حزِّ الشفار ) . ( نهج البلاغة : 2 / 202 )
وقال ( عليه السلام ) : ( اللهم إنك تعلم أنه لم يكن الذي كان منا منافسة في سلطان ، ولا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 177 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
التماس شئ من فضول الحطام ، ولكن لنردَّ المعالم من دينك ، ونُظهر الإصلاح في بلادك ، فيأمن المظلومون من عبادك ، وتقام المعطلة من حدودك . اللهم إني أول من أناب وسمع وأجاب ، لم يسبقني إلا رسول الله ( صلى الله عليه آله ) بالصلاة .
وقد علمتم أنه لا ينبغي أن يكون الوالي على الفروج والدماء والمغانم والأحكام وإمامة المسلمين البخيل ، فتكون في أموالهم نهمته ، ولا الجاهل فيضلهم بجهله ، ولا الجافي فيقطعهم بجفائه ، ولا الحائف للدول فيتخذ قوماً دون قوم ، ولا المرتشي في الحكم فيذهب بالحقوق ويقف بها دون المقاطع ، ولا المعطل للسنة فيهلك الأمة ) . ( نهج البلاغة : 2 / 13 ) .
وقال ( عليه السلام ) : ( ما رأيت منذ بعث الله محمداً ( صلى الله عليه وآله ) رخاءً فالحمد لله ، والله لقد خفت صغيراً ، وجاهدت كبيراً ، أقاتل المشركين وأعادي المنافقين ، حتى قبض الله نبيه ( صلى الله عليه آله ) فكانت الطامة الكبرى ! فلم أزل حذراً وجلاً أخاف أن يكون ما لا يسعني معه المقام ، فلم أرَ بحمد الله إلا خيراً . والله ما زلت أضرب بسيفي صبياً حتى صرت شيخاً . وإنه ليصبِّرني على ما أنا فيه ، أن ذلك كله في الله ورسوله ، وأنا أرجو أن يكون الروح عاجلاً قريباً ، فقد رأيت أسبابه ! قالوا : فما بقي بعد هذه المقالة إلا يسيراً حتى أصيب ( عليه السلام ) ) . انتهى . ( الإرشاد : 1 / 284 وأضاف له في المناقب : 1 / 387 : كنت أحسب صبياً أن الأمراء يظلمون الناس ، فإذا الناس يظلمون الأمراء ) ! !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 178 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

يصلون على آل محمد في صلاتهم ، ويهدرون دماءهم

كانت أول نتائج هذه الموجة : أن عترة النبي ( صلى الله عليه آله ) الذين نزلت فيهم آيات الوحي ورووا في أصح كتبهم أن النبي ( صلى الله عليه آله ) علمهم أن يقرنوهم به فيصلوا عليهم معه في صلاتهم فقال : ( قولوا اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ) ! ( البخاري : 6 / 345 ، و : 4 / 118 ) .
ورووا احتفاءه ( صلى الله عليه آله ) بنزول آية التطهير فيهم وأنه حددهم بأشخاصهم فأدار عليهم كساء وقال : ( اللهم إن هؤلاء آل محمد فاجعل صلواتك وبركاتك على محمد وعلى آل محمد إنك حميد مجيد . قالت أم سلمة : فرفعت الكساء لأدخل معهم فجذبه من يدي وقال : إنك على خير ) . ( مسند أحمد : 6 / 292 و 298 ) .
هؤلاء العترة النبوية العظماء صلوات الله عليهم ، الذين كانت الأمة وما زالت تصلي عليهم في صلواتها ، كان نصيبهم الهجوم على دارهم والتهديد بالقتل إن لم يبايعوا ! في غارة مبكرة ، افتتح بها القرشيون تاريخ الإسلام بعد النبي ( صلى الله عليه آله ) !
ثم كان نصيبهم جميعاً القتل تحت نجوم السماء ، فلم يمت منهم واحدٌ موتة طبيعية ! ثم كان نصيب شيعتهم التكفير والتقتيل والاضطهاد ، إلى يومنا هذا !
والبادئ في ذلك هو تحالف بطون قريش الذي هدر دم آل الرسول ( صلى الله عليه آله ) قبل أن تدفن جنازته ! وكان مستعداً لأن يحرق الدار عليهم ثمناً لبيعة رئيس عشيرة تيم ، بيعةً بلا نص ولا مشورة ، سماها عمر فلتة ، ودبرتها قريش خلسةً ، واختاروا لها وقت ذهول المسلمين بموت نبيهم ( صلى الله عليه آله ) وذهول أهل بيته ( عليهم السلام ) وانشغالهم بمراسم جنازته ( صلى الله عليه آله ) !
وأعجب من ذلك : أن علياً والزهراء ( عليهما السلام ) ، نفَّذا ما عاهدا عليه رسول الله ( صلى الله عليه آله ) ، فاكتفيا بتسجيل ظلامتهما وحُجَّتهما ، فلم تَدْعُ الزهراء ( عليها السلام ) عليهم بالعذاب ، وهي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 179 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
المستجابة الدعاء ! ولم يستجر بنو هاشم بقبر النبي ( صلى الله عليه آله ) طالبين رفع ظلامتهم ، وهو من عادات العرب التي يحسبون لها حساباً !
ولم يجرِّد عليٌّ ( عليه السلام ) ذا الفقار ، بل رأينا بطلَ بدرٍ وأحُدٍ والخندق وفاتح خيبر ، انقاد لأشخاص لا هم فرسان ولا شجعان ، يجرُّونه إلى السقيفة بحمائل سيفه ، ولم يدفعهم عن نفسه بيده ولا سيفه ! ولو فعل لفرُّوا منه كالبغاث ! لكنه وفى بما التزم به لحبيبه المصطفى ( صلى الله عليه وآله ) ، أن لا يدع التاريخ يجري بما هو أكثر سوءاً !
علي ( عليه السلام ) يصف عهود أبي بكر وعمر وعثمان !
وصف ( عليه السلام ) فترة الثلاثين سنة التي تحمَّل فيها أهل البيت النبوي وشيعتهم أقسى مأساة جرت على عترة بعد نبيها ، فقال في خطبته المعروفة بالشقشقية :
( أما والله لقد تقمصها ابن أبي قحافة وإنه ليعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى ، ينحدر عني السيل ولا يرقى إلي الطير ، فسدلت دونها ثوباً وطويت عنها كشحاً ، وطفقت أرتئي بين أن أصول بيد جذاء ، أو أصبر على طخية عمياء ، يهرم فيها الكبير ، ويشيب فيها الصغير ، ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربه !
فرأيت أن الصبر على هاتا أحجى ، فصبرت وفي العين قذى ، وفي الحلق شجى ، أرى تراثي نهباً ! حتى مضى الأول لسبيله فأدلى بها إلى ابن الخطاب بعده ! ثم تمثل بقول الأعشى : شتانَ ما يومي على كورها ويومِ حيانَ أخي جابرٍ
فيا عجباً بينا هو يستقيلها في حياته ، إذ عقدها لآخر بعد وفاته ! لشد ما تشطَّرا ضرعيها ! فصيرها في حوزة خشناء يغلظ كلامها ويخشن مسها ، ويكثر العثار فيها ، والاعتذار منها ، فصاحبها كراكب الصعبة إن أشنق لها خَرَم ، وإن أسلس لها تقحَّم ، فمني الناس لعمر الله بخبط وشماس وتلون واعتراض ، فصبرت على طول المدة وشدة المحنة . حتى إذا مضى لسبيله ، جعلها في جماعة زعم أني أحدهم ! فيا لله وللشورى متى اعترض الريب في مع الأول منهم حتى صرت أقرن إلى هذه النظائر !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 180 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لكني أسففت إذ أسفوا وطرت إذ طاروا ، فصغى رجل منهم لضغنه ، ومال الآخر لصهره ، مع هَنٍ وهن !
إلى أن قام ثالث القوم نافجاً حضنيه ، بين نثيله ومعتلفه ، وقام معه بنو أبيه يخضمون مال الله خضمة الإبل نبتة الربيع ! إلى أن انتكث فتله ، وأجهز عليه عمله ، وكبت به بطنته ، فما راعني إلا والناس كعرف الضبع إليَّ ، ينثالون علي من كل جانب ، حتى لقد وطئ الحسنان وشُقَّ عطفاي ، مجتمعين حولي كربيضة الغنم ، فلما نهضت بالأمر نكثت طائفة ومرقت أخرى وقسط آخرون ، كأنهم لم يسمعوا كلام الله حيث يقول : تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأرض وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ . بلى والله لقد سمعوها ووعوها ، ولكنهم حليت الدنيا في أعينهم ، وراقهم زبرجها !
أما والذي فلق الحبة ، وبرأ النسمة ، لولا حضور الحاضر ، وقيام الحجة بوجود الناصر ، وما أخذ الله على العلماء أن لا يقارُّوا على كِظَّة ظالم ولا سَغَب مظلوم ، لألقيت حبلها على غاربها ، ولسقيت آخرها بكأس أولها ، ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز ) ! انتهى .
وقام إليه رجل من أهل السواد عند بلوغه إلى هذا الموضع من خطبته فناوله كتاباً فأقبل ينظر فيه . قال له ابن عباس : يا أمير المؤمنين لو اطَّرَدْتَ خطبتك من حيث أفضيت ؟ فقال : هيهات يا ابن عباس ، تلك شقشقة هدرت ثم قرت ! قال ابن عباس : فوالله ما أسفت على كلام قط كأسفي على هذا الكلام أن لا يكون أمير المؤمنين بلغ منه حيث أراد ) ! ! ( نهج البلاغة : 1 / 31 ) .
هذه خلاصة موجزة لموجة الظلم والاضطهاد الأولى على أهل البيت النبوي ( عليهم السلام ) وأنصارهم ! امتدت ثلاثين سنة ، حتى جاءت الخلافة إلى علي ( عليه السلام ) خاضعة ، واضطرت قريش أن تبايعه طائعة ، فكيف جرت الأحداث ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 181 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الخامس : الموجة الثانية من عداوة قريش للعترة شن الحروب ضد علي ( عليه السلام )

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 182 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 183 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الصحابة يثورون على عثمان لتسليطه قبيلته بني أمية على مقدرات المسلمين !

عانت الأمة في كل أقاليمها من تسليط عثمان لأقاربه وقبيلته بني أمية على أموال المسلمين وأبدانهم ، فقد كوَّنَ من مقربيه طبقة ( قوارين ) استأثرت بأموال الدولة والفتوحات ، حتى كان بعضهم يكسر الذهب بالفؤوس ! في حين كان عامة المسلمين يعيشون الفاقة ، وبعضهم يعانون جوعاً حقيقياً وعرياً حقيقياً ! حتى كان أبرار الأمة كأويس القرني ( رحمه الله ) يعتذرون إلى الله تعالى من موت من يموت من المسلمين من الجوع والعري !
وقد استنكر الصحابة في المدينة هذا الوضع ، وجاؤوا من الأمصار معترضين ! ونصحوا عثمان نصحاً ، ثم وبخوه توبيخاً ! ولما رأوا أن ذلك لا ينفع ثاروا عليه وحاصروه في دار الخلافة لأكثر من شهر ، طالبين منه أن يتوب ويصحح الأوضاع أو يخلع نفسه ، فلم يفعل فقتلوه ومنعوا دفنه في مقابر المسلمين ! وخرجوا متظاهرين مطالبين علياً ( عليه السلام ) أن يتولى الخلافة .
قال عليٌّ ( عليه السلام ) واصفاً هتاف المسلمين ومجيئهم إلى بيته بعد مقتل عثمان :
( فأقبلتم إليَّ إقبال العوذ المطافيل على أولادها تقولون البيعة البيعة . قبضت كفي فبسطتموها ، ونازعتكم يدي فجاذبتموها ) . ( نهج البلاغة : 2 / 20 ) .
ومعنى العوذ المطافيل : الأمهات من الظباء والإبل وغيرها ذوات الأطفال ، التي تهرع من أجل أطفالها ، أو عند فقدها !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 184 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

صور من الظلم في عهد عثمان :

صحابة يكسرون الذهب بالفؤوس ، وناس يموتون من الجوع !

روى المحدثون والمؤرخون السنيون كثيراً من أعمال عثمان في تسليط بني أمية على المسلمين ، وقصصاً من توزيعه أموال الدولة على المقربين إليه من بني أمية وغيرهم كصهره عبد الرحمن بن عوف ، الذي اختاره للخلافة !
قال ابن سعد في الطبقات : 3 / 136 : ( إن عبد الرحمن بن عوف توفي وكان فيما ترك ذهبٌ قطع بالفؤوس ، حتى مَجَلت أيدي الرجال منه ) . انتهى .
وجاء في هامش بحار الأنوار : 31 / 222 : ( قال الحلبي في سيرته : 2 / 87 : وكان من جملة ما انتقم به على عثمان أنه أعطى ابن عمه مروان بن الحكم مائة ألف ، وخمسين أوقية . وروى البلاذري في الأنساب : 5 / 25 ، وابن سعد في الطبقات : 3 / 44 : أن عثمان كتب لمروان بخمس مصر ، وأعطى أقرباءه المال ، وتأول في ذلك الصلة التي أمر الله بها ، واتخذ الأموال ( المزارع والعقارات ) واستسلف من بيت المال ) .
وقال ابن الأثير في الكامل : 3 / 38 : ( وظهر بهذا أن عثمان أعطى عبد الله بن سعد خمس الغزوة الأولى ، وأعطى مروان خمس الغزوة الثانية ، التي افتتحت فيها جميع إفريقية ) .
وفي رواية الواقدي وابن كثير في تاريخه : 7 / 152 : ( صالح عثمان خمس إفريقية بطريقها على ألفي ألف دينار ، فأطلقها كلها عثمان في يوم واحد لآل الحكم ، ويقال : لآل مروان ) .
وفي تاريخ الطبري : 5 / 50 : ( كان الذي صالحهم عليه ألفي ألف دينار وخمسمائة ألف دينار وعشرين ألف دينار . . . إلى أن قال : كان الذي صالحهم عبد الله بن سعد على ثلاثمائة قنطار ذهب ، فأمر بها عثمان لآل الحكم ، قلت : أو لمروان ؟
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 185 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال : لا أدري . . . ) . وقال اليعقوبي في تاريخه : 2 / 145 : زوج عثمان ابنته من عبد الله بن خالد بن أسيد وأمر له بستمائة ألف درهم ، وكتب إلى عبد الله بن عامر أن يدفعها إليه من بيت مال البصرة ! وجاء في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 1 / 67 : أن عثمان أعطى أبا سفيان بن حرب مائتي ألف من بيت المال في اليوم الذي أمر لمروان بن الحكم بمائة ألف من بيت المال . وأورد فيه أيضاً أنه أعطى عبد الله بن أبي سرح جميع ما أفاء الله عليه في فتح إفريقية بالمغرب ، وهي من طرابلس الغرب إلى طنجة ، من غير أن يشركه فيه أحد من المسلمين !
وأورد البلاذري في الأنساب : 5 / 49 وابن كثير في تاريخه : 7 / 157 وغيرهما : أنه بعث عثمان إلى ابن أبي حذيفة بثلاثين ألف درهم وبجمل عليه كسوة ، فأمر فوضع في المسجد وقال : يا معشر المسلمين ألا ترون إلى عثمان يخادعني عن ديني ويرشوني عليه ! كما وقد ذكره شيخنا الأميني في غديره : 9 / 144 ، وأدرج في : 8 / 286 قائمة بجملة من هباته مع مصادرها ، ( فقد أعطى لمروان 500000 دينار ذهب ، و 100000 درهم فضة ، ولابن أبي سرح 100000 دينار ، ولطلحة ضعفه مع ثلاثين مليون درهم مرة ، ومليونين ومئتين ألف درهم فضة ، ولعبد الرحمن 2560000 دينار ، وليعلي بن أمية نصف مليون دينار ، ولزيد بن ثابت مائة ألف دينار . . وهكذا دواليك للحَكَم وآل الحَكَم ، والحارث ، وسعيد ، والوليد ، وعبد الله ، وأبي سفيان ، والزبير وابن أبي الوقاص ، وغيرهم من حزبه وأعوانه يطول علينا درجها فضلا من إحصائها ) . انتهى .
أقول : لا مانع شرعاً أن يملك الصحابي ويتاجر فيكون من كبار الأثرياء ، لكن يجب أن يكون مصدر ماله من حلال ، وأن يراعي حالة الفقر الشديدة التي كان المسلمون يعيشونها في عصر النبي ( صلى الله عليه آله ) وبعده ! فقد كان الفقر عاماً في عصر النبي ( صلى الله عليه آله ) إلى حد أن بعضهم لم يكن يملك ثوباً ستراً مناسباً ! روى الصدوق في
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 186 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مصادقة الإخوان ص 36 بسنده قال : ( أبطأ على رسول الله ( صلى الله عليه آله ) رجلٌ فقال : ما أبطأ بك ؟ فقال : العُرْيُ يا رسول الله ! فقال : أما كان لك جار له ثوبان فيعيرك أحدهما ؟ فقال بلى يا رسول الله ، فقال : ما هذا لك بأخ ) . انتهى .
لكن هل تغير الحال بعد النبي ( صلى الله عليه آله ) على عامة الناس بالرغم من ملايين الفتوحات وصناديق ذهبها في عصر أبي بكر وعمر وعثمان ، وتحول الدولة الإسلامية إلى دولة كبرى ؟ !
تقول الشواهد التاريخية الكثيرة إن حالة الغنى واليسر كانت محصورة بالخليفة وبطانته ، وقادة الفتوحات وبطانتهم التي حولهم .
ونكتفي من الأمثلة بأويس القرني الذي كان معاصراً لأبي بكر وعمر وعثمان ، والذي بشر به رسول الله ( صلى الله عليه آله ) قبل أن يراه المسلمون ، وأوصاهم أن يبلغوه سلامه وأن يحرص أحدهم على أن يحصل منه على كلمة دعاء : ( غفر الله لك ) ! وقد دعا لبعض الصحابة ، ولم يدع لبعضهم ، فقد سجل الرواة مجتمع الكوفة في عصره كان شديد الفقر ، ونصوصهم في ذلك كثيرة وصحيحة ، وقد استعرضنا سيرته في أول المجلد الرابع من العقائد الإسلامية .
( كان إذا أمسى تصدق بما في بيته من الفضل من الطعام والشراب ثم قال : اللهم من مات جوعاً فلا تؤاخذني به ، ومن مات عرياً فلا تؤاخذني به ) . ( حلية الأولياء : 2 / 87 ) .
( إن كان أويس القرني ليتصدق بثيابه ، حتى يجلس عرياناً لا يجد ما يروح فيه إلى الجمعة ) . ( سير أعلام النبلاء : 4 / 29 وحلية الأولياء : 2 / 83 ) .
( اللهم إني أعتذر إليك من كل كبد جائعة وجسد عار ، وليس لي إلا ما على ظهري ، وفي بطني ) . ( مستدرك الحاكم : 3 / 406 : والبيهقي في شعب الإيمان : 1 / 524 ) .
وفي لسان الميزان : 1 / 280 وسير أعلام النبلاء : 33 / 294 : ( كان أويس يجالس رجلاً من فقهاء الكوفة يقال له يسير ففقده ، فإذا هو في خُص له قد انقطع من العري ) !
ولذلك قال النبي ( صلى الله عليه آله ) : إن من أمتي من لا يستطيع أن يأتي مسجده أو مصلاه من
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 187 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
العري ، يحجزه إيمانه أن يسأل الناس ، منهم أويس القرني ) . ( أعلام النبلاء : 4 / 29 )
وهذا يدل على أن ثروة الدولة والفتوحات كانت دُولةً بين فئة قليلة ! أما عامة الناس ، خاصةً الذين لا يداهنون الخليفة ورجاله كأويس القرني ، فكانوا في فقر مدقع ، وقد يعاني بعضهم من العري ، وقد يموت من الجوع !
* *
والأخطر من الجوع والعري أن المسلم لم يكن له أمن على حياته ودمه من السلطة ، فقد يقتل الصحابي أو التابعي بتلفيق شكاية عليه بأنه طعن في الخليفة !
وإذا كانت السلطة لا تعرف حرمةً للدم والكرامة فكيف تعرف حرمةً للمال ؟ !
قال الحاكم في المستدرك : 3 / 405 : ( جاء رجل من مراد إلى أويس القرني فقال : السلام عليكم ، قال : وعليكم . قال : كيف أنتم يا أويس ؟ قال : الحمد لله . قال : كيف الزمان عليكم ؟ قال : لا تسأل ! الرجل إذا أمسى لم ير أنه يصبح ، وإذا أصبح لم ير أنه يمسي ! يا أخا مراد ، إن الموت لم يبق لمؤمن فرحاً .
يا أخا مراد ، إن عرفان المؤمن بحقوق الله لم تبق له فضة ولا ذهباً .
يا أخا مراد ، إن قيام المؤمن بأمر الله لم يبق له صديقاً ! والله إنا لنأمرهم بالمعروف وننهاهم عن المنكر فيتخذوننا أعداء ، ويجدون على ذلك من الفاسقين أعواناً ، حتى والله لقد يقذفوننا بالعظائم ، ووالله لا يمنعني ذلك أن أقول بالحق ) ! . انتهى . وقال ابن حبان في المجروحين : 3 / 151 : ( وكان ابن عم له يلزم السلطان تولع به ، فإن رآه مع قوم أغنياء قال ما هو إلا يشاكلهم ! وإن رآه مع قوم فقراء ، قال ما هو إلا يخدعهم ! وأويس لا يقول في ابن عمه إلا خيراً ) ! . انتهى .
وقد تسأل لماذا قال أويس ( رحمه الله ) : اللهم من مات جوعاً فلا تؤاخذني به ، ومن مات عرياً فلا تؤاخذني به ! فهل يموت أحدٌ من العري ؟ !
والجواب : أن العريَ والجوع متلازمان ، وقد يجرُّ العريَ إلى الجوع ، فيكون هو السبب الأساس للموت !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 188 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

صورة من محاصرة الصحابة لعثمان وقتلهم إياه !

قال ابن سعد في الطبقات : 3 / 71 : ( كان المصريون الذين حصروا عثمان ستمائة ، رأسهم الصحابي عبد الرحمن بن عديس البلوي ، وكنانة بن بشر بن عتاب الكندي ، وعمرو بن الحمق الخزاعي .
والذين قدموا من الكوفة مائتين ، رأسهم مالك الأشتر النخعي . والذين قدموا من البصرة مائة رجل ، رأسهم حكيم بن جبلة العبدي ) .
وقال ابن عبد البر في الإستيعاب : 2 / 411 : ( عبد الرحمن بن عديس البلوي ، مصري شهد الحديبية . . . ممن بايع تحت الشجرة رسول الله ( ص ) قال أبو عمر : هو كان الأمير على الجيش الذين حصروا عثمان وقتلوه ) . انتهى .
وفي مجمع الزوائد : 9 / 95 : ( عن مالك يعني ابن أنس قال : قتل عثمان فأقام مطروحاً على كناسة بني فلان ثلاثاً ، وأتاه اثنا عشر رجلاً منهم جدِّي مالك بن أبي عامر ، وحويطب بن عبد العزى ، وحكيم بن حزام ، وعبد الله بن الزبير وعائشة بنت عثمان ، معهم مصباح في حُق ، فحملوه على باب وإن رأسه تقول على الباب طَقْ طَقْ ، حتى أتوا البقيع فاختلفوا في الصلاة عليه فصلى عليه حكيم بن حزام أو حويطب بن عبد العزى ، شك عبد الرحمن . ثم أرادوا دفنه فقام رجل من بني مازن فقال : لئن دفنتموه مع المسلمين لأخبرن الناس غداً ! ! فحملوه حتى أتوا به حِشَّ كوكب ، فلما دلوْه في قبره صاحت عائشة بنت عثمان فقال لها ابن الزبير : أسكتي فوالله لئن عدت لأضربن الذي فيه عينك ، فلما دفنوه وسووا عليه التراب ، قال لها ابن الزبير : صيحي ما بدا لك أن تصيحي ) . انتهى . وقال : ( رواه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 189 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الطبراني وقال الحش البستان ، ورجاله ثقات ) . ( راجع المعجم الكبير للطبراني : 1 / 78 ، وتاريخ دمشق : 39 / 532 ، وتهذيب الكمال : 19 / 457 ، وتلخيص الحبير لابن حجر : 5 / 275 ) .
وهذا النص الموثق ، يدل على مدى ما وصلت إليه نقمة الصحابة على عثمان ، حيث تركوا جنازته مرمية ثلاثة أيام في مكان غير مناسب ، وحرَّموا الصلاة عليها ودفنها ! حتى تجرأ بضعة أشخاص في الليلة الثالثة فأخذوا جنازته ليلاً سراً عن المسلمين ليدفنوه في البقيع ، وكانوا على عجلة وخوف أن يشعر بهم المسلمون ، فرآهم شخص وهددهم بأنهم إن صلوا عليه أو دفنوه في مقابر المسلمين فسيخبر الصحابة والتابعين غداً ! فخافوا وهربوا بجنازته إلى خارج البقيع ، وكسروا جدار بستان نخل ليهودي ( حش كوكب ) ودفنوه فيه طمّاً بلا لحد ولا لبن ، ولم يسمح ابن الزبير لابنة عثمان أن تبكي أباها حتى لا يسمع المسلمون بكاءها ، فيحضروا ويأخذوا الجنازة منهم ويرمونها !
وينبغي التحفظ في أسماء الذين حضروا دفنه ، لأنهم كانوا يزعمون ذلك فيما بعد تقرباً إلى معاوية ! وكذلك عدم ذكرهم حماية علي ( عليه السلام ) للذين دفنوه !
وفي رواية ابن قتيبة في الإمامة والسياسة : 1 / 64 : ( فاحتملوه على باب وإن رأسه ليقول : طق طق ، فوضعوه في موضع الجنائز ، فقام إليهم رجال من الأنصار فقالوا لهم : لا والله لا تصلون عليه . . . فاحتملوه ثم انطلقوا مسرعين . . . فدفنوه ولم يلحدوه بلبن ، وحَثَوْا عليه التراب حثواً ) . انتهى .
قال الأميني ( رحمه الله ) في الغدير : 9 / 93 : ( روى المدائني في كتاب مقتل عثمان : أن طلحة منع من دفنه ثلاثة أيام ، وإن علياً لم يبايع الناس إلا بعد قتل عثمان بخمسة أيام ، وأن حكيم بن حزام أحد بني أسد بن عبد العزى ، وجبير بن مطعم بن الحرث بن نوفل استنجدا بعلي على دفنه ، فأقعد طلحة لهم في الطريق ناساً بالحجارة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 190 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فخرج به نفر يسير من أهله وهم يريدون به حائطاً بالمدينة يعرف بحش كوكب كانت اليهود تدفن فيه موتاهم ، فلما صار هناك رجم سريره وهموا بطرحه ، فأرسل علي إلى الناس يعزم عليهم ليكفوا عنه ، فكفوا فانطلقوا به حتى دفنوه في حش كوكب . وأخرج المدائني في الكتاب قال : دفن عثمان بين المغرب والعتمة ، ولم يشهد جنازته إلا مروان بن الحكم وابنة عثمان وثلاثة من مواليه ، فرفعت ابنته صوتها تندبه وقد جعل طلحة ناساً هناك أكمنهم كميناً فأخذتهم الحجارة وصاحوا : نعثل نعثل ! فقالوا : الحائط الحائط ، فدفن في حائط هناك !
أخرج الواقدي قال : لما قتل عثمان تكلموا في دفنه فقال طلحة : يدفن بدير سلع . يعني مقابر اليهود . ورواه الطبري في تاريخه : 5 / 143 غير أن فيه مكان طلحة : رجل ) . انتهى .
أقول : المرجح عندي رواية المدائني ، وقد رواها الطبري في تاريخه : 3 / 439 ، وجاء في رواية أخرى له : ( حتى انتهوا إلى نخلات عليها حائط ، فدقوا الجدار ثم قبروه في تلك النخلات . . . فذهبت نائلة تريد أن تتكلم فزبرها القوم وقالوا أنا نخاف عليه من هؤلاء الغوغاء أن ينبشوه ، فرجعت نائلة إلى منزلها ) . انتهى .
وفي تاريخ الطبري : 3 / 440 ، عن أبي عامر قال : ( كنت أحد حملة عثمان حين قتل حملناه على باب ، وإن رأسه لتقرع الباب لإسراعنا به ، وإن بنا من الخوف لأمراً عظيماً حتى واريناه في قبره في حش كوكب ) . انتهى .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 191 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

من نبل علي ( عليه السلام ) في محاصرة المسلمين لعثمان !

قال ابن قتيبة في الإمامة والسياسية : 1 / 34 : ( أقام أهل الكوفة وأهل مصر بباب عثمان ليلاً ونهاراً ، وطلحة يحرض الفريقين جميعاً على عثمان . ثم إن طلحة قال لهم : إن عثمان لا يبالي ما حصرتموه ، وهو يدخل إليه الطعام والشراب ، فامنعوه الماء أن يدخل عليه ) !
وفي شرح الأخبار للقاضي النعمان المغربي : 1 / 344 : ( عن الزبير أنه قيل له ( أي لطلحة ) إن عثمان محصور وإنه قد منع الماء ! فقال : وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ ) !
وفي أمالي الطوسي ص 714 : ( وقيل لعلي : إن عثمان قد منع الماء ، فأمر بالروايا فعُكمَت ، وجاء للناس عليٌّ فصاح بهم صيحةً فانفرجوا ، فدخلت الروايا ، فلما رأى علي اجتماع الناس ووجوههم ، دخل على طلحة بن عبيد الله وهو متكئ على وسائد ، فقال : إن هذا الرجل مقتول فامنعوه . فقال : أما والله ، دون أن تعطي بنو أمية الحق من أنفسها ) !
* *
أرسل عثمان وهو محاصر رسالة مع عبد الله بن عباس إلى علي ( عليه السلام ) ، يسأله فيها الخروج إلى أرضه بينبع ليقلَّ هَتْفُ الناس باسمه للخلافة ، بعد أن كان سأله مثل ذلك من قبل ، فقال ( عليه السلام ) : يا ابن عباس ما يريد عثمان إلا أن يجعلني جملاً ناضحاً بالغرب ، أقبل وأدبر ! بعث إليَّ أن أخرج ، ثم بعث إليَّ أن أقدم ، ثم هو الآن يبعث إليَّ أن أخرج ! والله لقد دفعت عنه حتى خشيت أن أكون آثماً ) . ( نهج البلاغة : 2 / 233 ) .
وقال الشيخ محمد عبده في هامشه : ( كان الناس يهتفون باسم أمير المؤمنين
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 192 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
للخلافة ، أي ينادون به وعثمان محصور ، فأرسل إليه عثمان يأمره أن يخرج إلى ينبع ، وكان فيها رزق لأمير المؤمنين فخرج ، ثم استدعاه لينصره فحضر ، ثم عاود الأمر بالخروج مرة ثانية ) ! انتهى .
أقول : وقد نصح أمير المؤمنين ( عليه السلام ) عثمان مرات ، نصيحة مشفق على المسلمين وعليه ، كما توسط مرات بينه وبين الصحابة والتابعين الشاكين ، وكان ( عليه السلام ) يعطي الرأي الشرعي في حل المشكلة ، ولكن حاشية عثمان خاصة مروان بن الحكم ، كانوا يخربون ما يصلحه علي ( عليه السلام ) ! وكانت آخر وساطات علي ( عليه السلام ) بين عثمان والوفد المصري الواسع الذي جاء شاكياً تعسف الوالي الأموي مطالباً بتغييره ، فخضع عثمان لمطلبهم ، وكتب مرسوماً بتعيين محمد بن أبي بكر حاكماً على مصر ، وسافر الوالي الجديد مع الوفد ، لكنهم بعد مسافة قصيرة قبضوا على مبعوث من عثمان يحمل رسالة إلى الوالي الأموي في مصر ، يأمره فيها بضرب أعناق الوفد المصري ومحمد بن أبي بكر ! فرجع المصريون إلى المدينة غاضبين وانضم إليهم الناقمون من الصحابة وأهل الكوفة ، وحاصروا دار الخلافة مطالبين باستقالة عثمان !
ويظهر أن طلب عثمان الثاني من علي ( عليه السلام ) أن يخرج من المدينة ، كان في أواخر حصاره ، وأن علياً ( عليه السلام ) أطاعه ، فخرج إلى بستان أنشأه خارج المدينة .
ففي أنساب الأشراف للبلاذري : ص 206 ، ( عن أبي المتوكل ، قال : قتل عثمان وعلي بأرض له يقال لها البغيبغة ، فوق المدينة بأربعة فراسخ ، فأقبل عليٌّ فقال له عمار بن ياسر : لتنصبنَّ لنا نفسك أو لنبدأن بك ، فنصب لهم نفسه فبايعوه ) . انتهى .
وما نقله عن عمار قد يكون كلام غيره ، فعمار ( رحمه الله ) أجلُّ من ذلك .
وفي كمال الدين للصدوق ص 546 ، عن أبي الدنيا : ( لما حوصر عثمان بن عفان
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 193 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
في داره دعاني فدفع إلي كتاباً ونجيباً وأمرني بالخروج إلى علي بن أبي طالب وكان غائباً بينبع في ضياعه وأمواله ، فأخذت الكتاب وسرت حتى إذا كنت بموضع يقال له : جدار أبي عباية فسمعت قرآناً فإذا أنا بعلي بن أبي طالب يسير مقبلاً من ينبع وهو يقول : أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ ، فلما نظر إلي قال : يا أبا الدنيا ما وراءك ؟ قلت : هذا كتاب أمير المؤمنين عثمان ، فأخذه فقرأه فإذا فيه : فإن كنتُ مأكولاً فكن أنت آكلي . . . وإلا فأدركني ولما أمزَّقِ
فإذ قرأه قال : برَّ سرَّ ، فدخل إلى المدينة ساعة قتل عثمان بن عفان فمال إلى حديقة بني النجار ، وعلم الناس بمكانه فجاؤوا إليه ركضاً وقد كانوا عازمين على أن يبايعوا طلحة بن عبيد الله ، فلما نظروا إليه ارفضُّوا إليه ارفضاض الغنم يشد عليها السبع ، فبايعه طلحة ثم الزبير ، ثم بايع المهاجرون والأنصار ) . انتهى .
وفي الأنساب للبلاذري : 5 / 81 : عن ابن سيرين : لم يكن من أصحاب النبي ( ص ) أشد على عثمان من طلحة ) !
وفي شرح نهج البلاغة : 9 / 35 : ( روى أن عثمان قال : ويلي على ابن الحضرمية يعني طلحة ، أعطيته كذا وكذا بهاراً ذهباً ، وهو يروم دمي يحرض على نفسي ! اللهم لا تمتعه به ولقه عواقب بغيه ) . انتهى .
والبهار جلد ثور ، يوضع فيه الذهب غير المسكوك ، وقد يصل إلى 300 كيلو .
* *
قال الأميني في الغدير : 9 / 96 : ( أخرج البلاذري من طريق يحيى بن سعيد قال : كان طلحة قد استولى على أمر الناس في الحصار ، فبعث عثمان عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب ، إلى علي بهذا البيت :
وإن كنتُ مأكولاً فكن أنت آكلي وإلا فأدركني ولمَّا أمَزَّقِ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 194 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال أبو مخنف : صلى علي بالناس يوم النحر وعثمان محصور فبعث إليه عثمان ببيت الممزق ، وكان رسوله به عبد الله بن الحارث ، ففرق علي الناس عن طلحة ، فلما رأى ذلك طلحة دخل على عثمان فاعتذر ، فقال له عثمان : يا ابن الحضرمية ! ألَّبْتَ عليَّ الناس ودعوتهم إلى قتلي ، حتى إذا فاتك ما تريد جئت معتذراً ، لا قبل الله ممن قبل عذرك . الأنساب : 5 / 77 ) . انتهى .
وفي كتاب الجمل للمفيد ص 232 : ( وروى محمد بن إسحاق عن أبي جعفر الأسدي ، عن أبيه عن عبد الله بن جعفر ، قال : كنت مع عثمان وهو محصور ، فلما عرف أنه مقتول بعثني وعبد الرحمن بن أزهر إلى علي ( عليه السلام ) وقد استولى طلحة على الأمر وقال : انطلقا وقولا له : إنك أولى بالأمر من ابن الحضرمية ، فلا يغلبنك على أمر ابن عمك ) . انتهى .

علي ( عليه السلام ) يستجيب لإصرار الصحابة والتابعين على بيعته !

بعد خمسة أيام أو ثمانية أيام من مقتل عثمان ، وإصرار الصحابة على علي ( عليه السلام ) أن يقبل البيعة وينهض لإصلاح الأمور أجابهم ( عليه السلام ) وبايعه في المسجد الذين بايعوا أبا بكر ، وخطب فقال ( عليه السلام ) :
( ذمتي بما أقول رهينة وأنا به زعيم ، إن من صرحت له العبر عما بين يديه من المثلات ، حجزته التقوى عن تقحم الشبهات . ألا وإن بليتكم قد عادت كهيئتها يوم بعث الله نبيكم ( صلى الله عليه وآله ) ! والذي بعثه بالحق لتبلبلن بلبلة ، ولتغربلن غربلة ، ولتساطن سوط القدر ، حتى يعود أسفلكم أعلاكم وأعلاكم أسفلكم ، وليسبقن سابقون كانوا قصروا ، وليقصرن سباقون كانوا سبقوا ! والله ما كتمت وشمة ، ولا كذبت كذبة ، ولقد نبئت بهذا المقام وهذا اليوم ! ألا وإن الخطايا خيل شمس حمل عليها أهلها وخلعت لجمها فتقحمت بهم في النار . ألا وإن التقوى مطايا ذلل حمل عليها أهلها وأعطوا أزمتها فأوردتهم الجنة . حقٌّ وباطلٌ ولكل أهل ، فلئن أمر الباطل لقديماً فعل ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 195 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولئن قل الحق فلربما ولعل ، ولقلما أدبر شئ فأقبل ) . ( نهج البلاغة : 1 / 46 ) .
وروى في كنز العمال : 5 / 747 ، عن اللالكائي عن محمد بن الحنيفة قال : لما قتل عثمان استخفى عليٌّ في دار لأبي عمرو بن حصين الأنصاري فاجتمع الناس فدخلوا عليه الدار ، فتداكُّوا على يده ليبايعوه تداكك الإبل البُهْم على حياضها . . . وقالوا إن هذا الرجل قد قُتل ولا بد للناس من إمام ، ولا نجد لهذا الأمر أحق منك ولا أقدم سابقة ، ولا أقرب برسول الله برحم منك . قال : لا تفعلوا فإني وزيراً لكم خيراً لكم مني أميراً ، قالوا : والله ما نحن بفاعلين أبداً حتى نبايعك ! وتداكُّوا على يده ، فلما رأى ذلك قال : إن بيعتي لا تكون في خلوة إلا في المسجد ظاهراً ، وأمر منادياً فنادى المسجد ، فخرج وخرج الناس معه فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : حق وباطل ولكل أهل ، ولئن كثر الباطل لقديماً فعل . . . الخ . فهي أول خطبة خطبها بعد ما استخلف ) . انتهى .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 196 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

علي ( عليه السلام ) يعيد العهد النبوي في احترام حقوق الإنسان !

لا إجبار عند عليٍّ على بيعة ، ولا حطبٌ عنده ، ولا حرقُ بيوت !
فواجبه الأول هو إعادة الإرادة الحرة للإنسان المسلم ، التي صادرها زعماء قريش بمجرد أن أغمض النبي ( صلى الله عليه آله ) عينيه !
وكيف يجبر عليٌّ أحداً على بيعته ، وهو الإنسان الصافي الإنسانية ، أباً عن جد من أبي طالب إلى إبراهيم ، والى آدم ( عليهم السلام ) ، والمؤمن بمحمد ( صلى الله عليه آله ) وما أنزل عليه والمستوعب لقضية الإنسان وحقوقه المقدسة في شريعة الإسلام .
كيف يجبر أحداً على بيعته وهو التقي الذي يخاف من معصية ربه في نملة يسلبها جلب شعير ، فكيف بالتعدي على حق إنسان له كرامته وحرمته عند الله ؟ !
وهو الصادق عندما قصَّ للمسلمين على المنبر قصة الأشعث زعيم كندة ، الذي أراد أن يرشيه ليوليه على منطقة من مناطق المسلمين ، فوسط له الوسطاء ، وتملق إليه بالكلام ، وجاءه بطبق حلوى !
قال ( عليه السلام ) : ( وأعجب من ذلك طارق طرقنا بملفوفة في وعائها ، ومعجونة شنئتها ، كأنما عجنت بريق حية أوقيئها ( يقصد قطر السكَّر فيها ) ، فقلت أصلةٌ أم زكاةٌ أم صدقة ، فذلك محرم علينا أهل البيت . فقال : لا ذا ولا ذاك ولكنها هدية . فقلت : هبلتك الهبول ، أعن دين الله أتيتني لتخدعني ، أمختبط أنت أم ذو جنة أم تهجر ! والله لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلت ، وإن دنياكم عندي لأهون من ورقة في فم جرادة تقضمها ! ما لعليٍّ ولنعيم يفنى ولذة لا تبقى ) ! ( نهج البلاغة : 2 / 18 )
لقد كان علي ( عليه السلام ) الخليفة الوحيد الذي لم يجبر أحداً على بيعته ، ففضح بذلك اضطهاد مَن قبله ومَن بعده للمسلمين ، ومصادرتهم لحرياتهم !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 197 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قالوا له : إن عبد الله بن عمر وسعد بن وقاص وأسامة بن زيد تخلفوا عن بيعته ، واستأذنه عمار بن ياسر أن يأتي بهم ليجبرهم على البيعة كما جرت سنة قريش ! فقال له : ( دع عنك هؤلاء الرهط الثلاثة ، أما ابن عمر فضعيف في دينه ، وأما سعد بن أبي وقاص فحسود ، وأما محمد بن مسلمة فذنبي إليه أني قتلت قاتل أخيه ، مرحباً يوم خيبر ) . ( المعيار والموازنة للإسكافي ص 108 ) .
* *
وكان علي ( عليه السلام ) الخليفة الوحيد ، الذي أعطى الحرية لمعارضيه وناقديه والعاملين ضده ، ولم ينقص من حقوقهم من بيت المال ولا غيره شيئاً ، حتى لو دعوا إلى الخروج عليه والثورة ، ما لم يباشروا في ذلك !
( كان ( عليه السلام ) جالساً في أصحابه ، فمرت بهم امرأة جميلة فرمقها القوم بأبصارهم ! فقال ( عليه السلام ) : إن أبصار هذه الفحول طوامح ، وإن ذلك سبب هُبابها ، فإذا نظر أحدكم إلى امرأة تعجبه فليلامس أهله ، فإنما هي امرأة كامرأة !
فقال رجل من الخوارج : قاتله الله كافراً ما أفقهه ! فوثب القوم ليقتلوه ، فقال ( عليه السلام ) : رويداً ، إنما هو سبٌّ بسب ، أو عفوٌ عن ذنب ) . ( نهج البلاغة : 4 / 98 )
وبهذه الحرية التي أعطاها أمير المؤمنين ( عليه السلام ) لخصومه ، فضح القرشيين الذين بطشوا بالناس للتهمة والظنة ، وقتلوهم على الكلمة ، وجعلوا رئيس الدولة أعظم حرمةً من الله تعالى ورسله !
* *
وكان علي ( عليه السلام ) الخليفة الوحيد الذي لم يجبر أحداً من المسلمين على الحرب معه ، بل ندب المسلمين إلى نصرته ، وأوضح لهم حقه وباطل أعدائه ، فاستجاب له من أراد ، وتخلف عنه من أراد ! ولم يُنقص من حقوقهم شيئاً !
ففضح بذلك سياسة إجبار الناس على القتال ، التي وجدت قبل حكمه ، ثم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 198 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
تفاقمت بعده ، حتى وصلت إلى أن : ( بشر بن مروان بن الحكم كان إذا ضرب البعث على أحد من جنده ثم وجده قد أخل بمركزه ، أقامه على كرسي ثم سمَّر يديه في الحائط ثم انتزع الكرسي من تحت رجليه ، فلا يزال يتشحط حتى يموت ! وإنه ضرب البعث على رجل حديث عهد بعرس ابنة عمه ، فلما صار في مركزه كتب إلى ابنة عمه كتاباً ، ثم كتب في أسفله :

لولا خلافةُ بشرٍ أو عقوبتُه * وأن يرى حاسدٌ كفي بمسمار
إذاً لعطلت ثغري ثم زرتكم * إن المحب إذا ما اشتاق زوَّار ) .

( تاريخ دمشق : 10 / 256 )
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 199 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

علي ( عليه السلام ) يلغي تمييز عمر بين المسلمين في العطاء

وعلي ( عليه السلام ) هو الخليفة الوحيد الذي أعاد العدالة النبوية في التسوية بين المسلمين في العطاء ، بعد أن ميزوا بينهم بعناوين ألبسوها ثوباً دينياً وشرفاً قبلياً ! فمن كلام له ( عليه السلام ) في أواخر خلافته لما عوتب على التسوية في العطاء : ( أتأمروني أن أطلب النصر بالجور فيمن وليت عليه ، والله ما أطُورُ به ما سمَر سمير ، وما أمَّ نجمٌ في السماء نجماً . لو كان المال لي لسويت بينهم ، فكيف وإنما المال مال الله . ألا وإن إعطاء المال في غير حقه تبذير وإسراف ، وهو يرفع صاحبه في الدنيا ويضعه في الآخرة ، ويكرمه في الناس ويهينه عند الله ! ولم يضع امرؤ ماله في غير حقه ولا عند غير أهله إلا حرمه الله شكرهم ، وكان لغيره ودهم ، فإن زلت به النعل يوماً فاحتاج إلى معونتهم ، فشرُّ خدين وألامُ خليل ! ) . ( نهج البلاغة : 2 / 6 ) .
ولم يميز نفسه ولا عشيرته بني هاشم عن فقراء المسلمين
وعلي ( عليه السلام ) هو الخليفة الوحيد ، الذي لم يميز نفسه وقبيلته عن عامة المسلمين بدرهم واحد ، وكان بعضهم في حاجة ماسة ! فمن كلام له ( عليه السلام ) :
( والله لأن أبيت على حسك السعدان مسهداً ، وأجرًّ في الأغلال مصفداً ، أحبُّ إلي من أن ألقى الله ورسوله يوم القيامة ظالماً لبعض العباد ، أو غاصباً لشئ من الحطام . وكيف أظلم أحداً لنفس يسرع إلى البلى قفولها ، ويطول في الثرى حلولها ! والله لقد رأيت عقيلاً وقد أملق ، حتى استماحني من بركم صاعاً ، ورأيت صبيانه شعث الشعور غُبر الألوان من فقرهم ، كأنما سُوِّدت وجوههم بالعِظْلم ، وعاودني مؤكداً وكرر علي القول مردداً ، فأصغيت إليه سمعي فظن أني أبيعه ديني وأتبع قياده مفارقاً طريقتي ، فأحميت له حديدة ثم أدنيتها من جسمه ليعتبر بها ، فضج ضجيج ذي دنف من ألمها وكاد أن يحترق من ميسمها ! فقلت له : ثكلتك الثواكل يا عقيل أتئن من
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 200 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
حديدة أحماها إنسانها للعبه ، وتجرني إلى نار سجرها جبارها لغضبه ! أتئن من الأذى ولا أئن من لظى ) . ( نهج البلاغة : 2 / 216 ) .
وفي تاريخ اليعقوبي : 2 / 183 : ( وأعطى الناس بالسوية لم يفضل أحداً على أحد ، وأعطى الموالي كما أعطى الصلبية ، وقيل له في ذلك فقال : قرأت ما بين الدفتين فلم أجد لولد إسماعيل على ولد إسحاق فضل هذا ، وأخذ عوداً من الأرض ، فوضعه بين إصبعيه ) . انتهى .
وروى في دعائم الإسلام : 1 / 384 : أن علياً ( عليه السلام ) أمر عمار بن ياسر ، وعبيد الله بن أبي رافع ، وأبا الهيثم بن التيهان ، أن يقسموا فيئاً بين المسلمين ، وقال لهم : إعدلوا فيه ولا تفضلوا أحد على أحداً . فحسبوا فوجدوا الذي يصيب كل رجل من المسلمين ثلاثة دنانير ، فأعطوا الناس . فأقبل إليهم طلحة والزبير ومع كل واحد منهما ابنه ، فدفعوا إلى كل واحد منهم ثلاثة دنانير ، فقال طلحة والزبير : ليس هكذا كان يعطينا عمر ، فهذا منكم أو عن أمر صاحبكم ؟ قالوا : بل هكذا أمرنا أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، فمضيا إليه فوجداه في بعض أمواله قائماً في الشمس على أجير له يعمل بين يديه ، فقالا : ترى أن ترتفع معنا إلى الظل ؟ قال : نعم ، فقالا له : إنا أتينا إلى عمالك على قسمة هذا الفئ ، فأعطوا كل واحد منا مثل ما أعطوا سائر الناس ، قال : وما تريدان ؟ قالا : ليس كذلك كان يعطينا عمر . قال : فما كان رسول الله ( صلى الله عليه آله ) يعطيكما ؟ فسكتا ، فقال : أليس كان ( صلى الله عليه وآله ) يقسم بالسوية بين المسلمين من غير زيادة ؟ قالا : نعم . قال : أفسنة رسول الله ( صلى الله عليه آله ) أولى بالاتباع عندكما أم سنة عمر ؟ قالا : سنة رسول الله ( صلى الله عليه آله ) ، ولكن يا أمير المؤمنين لنا سابقة وغَنَاء وقرابة ، فإن رأيت أن لا تسوينا بالناس فافعل ، قال : سابقتكما أسبق أم سابقتي ؟ قالا : سابقتك ، قال : فقرابتكما أقرب أم قرابتي ؟ قالا : قرابتك ، قال :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 201 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فغَنَاؤكما أعظم أم غَنَائي ؟ قالا : بل أنت أعظم غَنَاء ، قال : فوالله ما أنا وأجيري هذا في هذا المال إلا بمنزلة واحدة ، وأومى بيده إلى الأجير الذي بين يديه !
قالا : جئنا لهذا وغيره ، قال : وما غيره ؟
قالا : أردنا العمرة فأذن لنا ، قال : انطلقا فما العمرة تريدان ! ولقد أُنبئت بأمركما وأُريت مضاجعكما ! فمضيا ، وهو يتلو وهما يسمعان : فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عظيماً ) !
وفي نهج البلاغة : 2 / 185 ، في كلام له ( عليه السلام ) مع طلحة والزبير : ( وأما ما ذكرتما من أمر الأسوة ، فإن ذلك أمرٌ لم أحكم أنا فيه برأيي ، ولا وليته هوى مني ، بل وجدت أنا وأنتما ما جاء به رسول الله ( صلى الله عليه آله ) قد فُرغ منه ، فلم أحتج إليكما فيما فرغ الله من قسمه وأمضى فيه حكمه ، فليس لكما والله عندي ولا لغير كما في هذا عتبى . أخذ الله بقلوبنا وقلوبكم إلى الحق ، وألهمنا وإياكم الصبر ) . انتهى .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 202 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

وكان عمر ميَّز بين المسلمين بالعطاء تمييزاً فاحشاً !

وقد أدى ذلك إلى فساد الصحابة حكام الولايات الذين اختارهم هو ، فحكم عليهم بالخيانة وصادر نصف أموالهم ، لأنهم بتعبيره أكثروا من السرقة !
قال في أسد الغابة : 4 / 330 : ( محمد بن مسلمة . . . وهو كان صاحب العمال أيام عمر كان عمر ، إذا شكي إليه عامل أرسل محمداً يكشف الحال ، وهو الذي أرسله عمر إلى عماله ليأخذ شطر أموالهم ) .
وقال اليعقوبي في تاريخه : 2 / 15 : ( وشاطر عمر جماعة من عماله أموالهم . قيل إن فيهم سعد بن أبي وقاص عامله على الكوفة ، وعمرو بن العاص عامله على مصر ، وأبا هريرة عامله على البحرين ، والنعمان بن عدي بن حرثان عامله على ميسان ، ونافع بن عمرو الخزاعي عامله على مكة ، ويعلي بن منيه عامله على اليمن . وامتنع أبو بكرة من المشاطرة وقال : والله لئن كان هذا المال لله ، فما يحل لك أن تأخذ بعضاً وتترك بعضاً ، وإن كان لنا فما لك أخذه ) !
وفي تاريخ دمشق : 55 / 278 ، وتاريخ ابن خياط ص 81 وغيرهما : ( بعث عمر بن الخطاب محمد بن مسلمة إلى عمرو بن العاص وكتب إليه : أما بعد فإنكم معشر العمال تقدمتم على عيون الأموال ، فجبيتم الحرام ، وأكلتم الحرام ، وأورثتم الحرام ! وقد بعثت إليك محمد بن مسلمة الأنصاري فيقاسمك مالك ، فأحضره مالك . والسلام ) .
وقال ابن كثير في النهاية : 7 / 23 : ( وكتب عمر إلى أبي عبيدة : إن أكذبَ خالد نفسه فهو أمير على ما كان عليه ، وإن لم يكذب نفسه فهو معزول ، فانزع عمامته عن رأسه وقاسمه ماله نصفين ! . . . فقاسمه أبو عبيدة حتى أخذ إحدى نعليه وترك له الأخرى ) ! ! انتهى . ومعنى أكذب نفسه أي تراجع عن الطعن في حسب عمر !
وقال عمر لأبي هريرة : ( يا عدو الله وعدو الإسلام خنت مال الله ! قال قلت : لست عدو الله ولا عدو الإسلام ، ولكني عدو من عاداهما ولم أخن مال الله
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 203 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولكنها أثمان إبلي وسهام اجتمعت . قال فأعادها عليَّ ، وأعدت عليه هذا الكلام ! قال فغرَّمني اثني عشر ألفاً ) ! ! ( مستدرك الحاكم : 2 / 347 ) .
وفي العقد الفريد : 1 / 45 ، أن عمر عزل أبا موسى الأشعري عن البصرة وشاطره ماله ، وعزل الحارث بن وهب وشاطره ماله ، وكتب إلى عمرو بن العاص : بلغني أنه قد فشت لك فاشية من خيل وإبل وبقر وعبيد ، فمن أين لك هذا ؟ فكتب : إني أعالج من الزراعة ما لا يعالجه الناس ، فشاطره ماله حتى أخذ إحدى نعليه ، فغضب ابن العاص وقال : قبح الله زماناً عمل فيه ابن العاص لابن الخطاب ، والله إني لأعرف الخطاب يحمل على رأسه حزمة من حطب ، وعلى ابنه مثلها ) .
وفي كنز العمال : 5 / 851 : ( كان سبب مقاسمة عمر بن الخطاب مال العمال أن خالد بن الصعق قال شعراً ، كتب به إلى عمر بن الخطاب :

أبلغ أمير المؤمنينَ رسالةً * فأنت وليُّ اللهِ في المالِ والأمر
فلا تدعن أهل الرَّساتيقِ والجزا * يشيعون مالَ اللهِ في الأدم الوفرِ
فأرسِل إلى النعمانِ فاعلم حسابَهُ * وأرسِل إلى جزءٍ وأرسِل إلى بشرِ
ولا تنسَيَنَّ النافقين كليهما * وصهرَ بني غزوان عندك ذو وفرِ
ولا تدعوني للشَّهادةِ إنَّني * أغيبُ ولكنِّي أرى عجبَ الدهرِ
من الخيل كالغزلان والبيض والدمى * وما ليس ينسى من قرام ومن سترِ
ومِن ريطةٍ مطوية في صوانها * ومِن طيِّ أستارٍ معصفرةٍ حمرِ
إذا التَّاجرُ الهنديُّ جاءَ بفأرةٍ * من المسكِ راحت في مفارقِهم تجري
نبيعُ إذا باعوا ونغز وإذا غزوا * فأنَّى لهم مال ولسنا بذي وفرِ
فقاسمهم نفسي فداؤك إنَّهم * سيرضونَ إن قاسمتَهم منك بالشَّطرِ

فقاسمهم عمر نصف أموالهم ، وفي رواية فقال : فإنا قد أعفيناه من الشهادة ونأخذ منهم النصف ) ! ! انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 204 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والى الآن لم يستطع قانوني ولا فقيه أن يبين الوجه الشرعي لعمل عمر هذا !
* *
أما الذين كان يثق عمر بأمانتهم من قادة الفتوحات وعمال الأمصار ، فهم شيعة علي ( عليه السلام ) ! كعمار ، وسلمان ، وحذيفة ، وخالد بن سعيد بن العاص الأموي وأخيه أبان ، وعثمان بن حنيف ، وهاشم المرقال ، وعمرو بن الحمق ، والأشتر ، وغيرهم من القادة الفرسان ، فهؤلاء فوق التهمة وليس عندهم ما يقاسمهم إياه !
نعم ، ذكرت المصادر اثنين من الحكام خصهما عمر بالإعفاء من مصادرة نصف أموالهما ، هما معاوية الأموي وقنفذ العدوي ! أما معاوية فكان الوحيد من بين أصدقائه وأولاده ، الذي لم يوبخه عمر يوماً على أعماله ولم يحاسبه على أمواله ! وكان يعجبه بذخه ويقول هذا كسرى العرب ! ( أسد الغابة : 4 / 386 )
وأما قنفذ العدوي ، فلم يحاسبه عمر لأنه كلفه بمهمة خاصة جداً لا يجسر عليها أحد من المسلمين ، فنفذها ، وكان معروفاً بالقسوة ! ( فقال العباس لعلي : ما ترى عمر منعه من أن يغرم قنفذاً كما أغرم جميع عماله ؟ فنظر عليٌّ إلى من حوله ثم اغرورقت عيناه بالدموع ثم قال : شكر له ضربةً ضربها فاطمة بالسوط ، فماتت وفي عضدها أثره كأنه الدملج ! ثم قال ( عليه السلام ) : العجب مما أشربت قلوب هذه الأمة من حب هذا الرجل وصاحبه من قبله ، والتسليم له في كل شئ أحدثه ! لئن كان عماله خونة وكان هذا المال في أيديهم خيانة ما كان حل له تركه ، وكان له أن يأخذه كله فإنه فيئ المسلمين ، فما له يأخذ نصفه ويترك نصفه ؟ ! ولئن كانوا غير خونة فما حل له أن يأخذ أموالهم ولا شيئاً منهم قليلاً ولا كثيراً ، وإنما أخذ أنصافها . ولو كانت في أيديهم خيانة ثم لم يقروا بها ولم تقم عليهم البينة ما حل له أن يأخذ منهم قليلاً ولا
كثيراً ! وأعجب من ذلك إعادته إياهم إلى أعمالهم ! لئن كانوا خونة ما حل له أن يستعملهم ، ولئن كانوا غير خونة ما حلت له أموالهم ) . ( كتاب سليم ص 223 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 205 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

وعلي ( عليه السلام ) هو الخليفة الوحيد الذي لم تشتك رعيته من ظلمه

بل كان هو يشكو هو من ظلم رعيته له ويقول :
( أما والذي نفسي بيده ليظهرن هؤلاء القوم عليكم ، ليس لأنهم أولى بالحق منكم ولكن لإسراعهم إلى باطل صاحبهم وإبطائكم عن حقي !
ولقد أصبحت الأمم تخاف ظلم رعاتها ، وأصبحت أخاف ظلم رعيتي !
إستنفرتكم للجهاد فلم تنفروا ، وأسمعتكم فلم تسمعوا ، ودعوتكم سراً وجهراً فلم تستجيبوا ، ونصحت لكم فلم تقبلوا . أشهودٌ كغياب ، وعبيدٌ كأرباب ! أتلو عليكم الحِكَم فتنفرون منها ، وأعظكم بالموعظة البالغة فتتفرقون عنها ! وأحثكم على جهاد أهل البغي فما آتي على آخر القول حتى أراكم متفرقين أيادي سبا ، ترجعون إلى مجالسكم وتتخادعون عن مواعظكم ! أقوِّمكم غَدْوةً وترجعون إليَّ عشية كظهر الحية عجز المقوِّم وأعضل المقوَّم ! أيها الشاهدة أبدانهم ، الغائبة عقولهم ، المختلفة أهواؤهم ، المبتلى بهم أمراؤهم ! صاحبكم يطيع الله وأنتم تعصونه ! وصاحب أهل الشام يعصي الله وهم يطيعونه ! لوددتُ والله أن معاوية صارفني بكم صرف الدينار بالدرهم ، فأخذ مني عشرة منكم وأعطاني رجلاً منهم ) . ( نهج البلاغة : 1 / 187 ) .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 206 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الموجة الثانية ضد العترة وشيعتهم

حروب قريش على إسلام علي ( عليه السلام )
قاد الفئة التي خرجت على علي ( عليه السلام ) في خلافته : عائشة بنت أبي بكر ، وابن عمها طلحة التيمي ، وزوج أختها الزبير بن العوام من بني أسد عبد العزى ، ومعاوية الأموي وارث أبيه أبي سفيان ، ووالي الشام لعمر وعثمان . ثم الخوارج . ودبروا له ثلاثة حروب هي : حرب الجمل ، وحرب صفين ، وحرب النهروان !

كانت عائشة تريد الخلافة لبني تيم !

نقمت عائشة على عثمان حتى حرضت المسلمين عليه بفتواها المشهورة : ( أقتلوا نعثلاً فقد كفر ) ! وكان هدفها أن تتفاقم النقمة عليه فيقتله الصحابة والناقمون من الأمصار ، ويبايع المسلمون قرابتها طلحة التيمي ، ثم يعهد طلحة بالخلافة إلى أحد إخوتها من أبناء أبي بكر !
وكان حسابها في ذلك مبنياً على مكانة أبي بكر ، وأن طلحة من كبار الصحابة وصاحب ثروة خيالية ، فهو يستطيع بمساعدة ابنة عمه أم المؤمنين ، أن يطرح نفسه عند مقتل عثمان ، ويقنع الصحابة ببيعته !
وقد استعانت عائشة لهدفها بكل وسيلة ، ومنها حديث تفردت بروايته ، قالت فيه : ( قال لي رسول الله ( ص ) في مرضه : أدعي لي أبا بكر أباك وأخاك حتى أكتب كتاباً ، فإني أخاف أن يتمنى متمنٍّ ويقول قائل : أنا أولى ) ! ( مسلم : 7 / 110 ) .
ولا بد أن يكون كلامها هذا بعد وفاة عمر ، لأن أبا بكر وعمر لم يحتجَّا بالنص أبداً ، وإنما احتجَّا بأن محمداً من قريش وهما يمثلان قبائل قريش فهما أولى بسلطانه ، قال عمر : ( ولنا بذلك على من أبي من العرب الحجة الظاهرة والسلطان
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 207 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
المبين . من ذا ينازعنا سلطان محمد وإمارته ، ونحن أولياؤه وعشيرته ، إلا مدلٍ بباطل أو متجانفٌ لإثم أو متورطٌ في هلكة ) . ( تاريخ الطبري : 2 / 457 ) .
ومع أن حديث عائشة في صحيح مسلم ، فلو كان صحيحاً لكان أكبر حجة لأبي بكر وعمر ! ولأحتج به طلحة على أبي بكر عندما اعترض عليه كيف أخرج الخلافة من بني تيم وأوصى بها إلى عمر !
قال السيد ناصر حسين الهندي في إفحام الأعداء والخصوم ص 100 :
( قال ابن تيمية ، في منهاج السنة ، في ضمن كلام له يذكر فيه عمر ما لفظه : ولهذا لما استخلفه أبو بكر كره خلافته طائفة ، حتى قال له طلحة : ماذا تقول لربك إذا وليت علينا فظاً غليظاً ؟ ! فقال : أبا لله تخوفوني ، أقول : وليت عليهم خير أهلك ) . ( منهاج السنة 2 : 170 ط بولاق ) .
بل كان عمر إلى آخر حياته يؤكد أن النبي ( صلى الله عليه آله ) لم يوص ولم يستخلف أبداً !
قال البخاري : 8 / 126 : ( قيل لعمر : ألا تستخلف ؟ قال : إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني أبو بكر ، وإن أترك فقد ترك من هو خير مني رسول الله ) .
ولكن عائشة رأت أن الخلافة ذهبت بعيداً عن عشيرتها بني تيم ، مع أن منها أبو بكر وابنته أم المؤمنين عائشة ، وإخوتها أولاد أبي بكر ، وابن عمها طلحة بن عبيد الله ! فنقمت على عثمان ثم على علي ( عليه السلام ) ، وأيدت هدفها بهذا الحديث ، تضاهي فيه حديث الدواة المتواتر حيث أمرهم النبي ( صلى الله عليه آله ) أن يلتزموا له بالتنفيذ ليكتب لهم كتاباً بخلافة علي والعترة الطاهرة من ذريته ( عليهم السلام ) فلا يضلوا بعده أبداً !

أفتت عائشة بقتل عثمان . . ثم طالبت بثأره !

يظهر أن طلحة هو الذي كان ينفق على عائشة ، بعد أن قطع عثمان ميزانيتها الشخصية الكبيرة التي ميزها بها عمر ، فقد روى الطبري ( الشيعي ) في المسترشد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 208 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ص 507 : ( أن عائشة وحفصة أتتا عثمان بن عفان تطلبان منه ما كان أبواهما يعطيانهما ، فقال لهما : لا والله ولا كرامة ، ما زاد لكما عندي ! فألحَّتا ، وكان متكئاً فجلس وقال : ستعلم فاطمة أيُّ ابن عم لها أنا اليوم ! ثم قال لهما : ألستما اللتين شهدتما عند أبويكما ولفقتما معكما أعرابياً يتطهر ببوله ، مالك بن أوس بن الحدثان ، فشهدتما معه أن النبي ( ص ) قال : لا نورث ما تركناه صدقة ؟ ! فمرةً تشهدون أن ما تركه رسول الله صدقة ، ومرةً تطالبون ميراثه ) ! انتهى .
وفي أمالي المفيد ص 125 : ( فقال لها : لا أجد لك موضعاً في الكتاب ولا في السنة ، وإنما كان أبوك وعمر بن الخطاب يعطيانك بطيبة من أنفسهما ، وأنا لا أفعل . قالت له : فأعطني ميراثي من رسول الله ( ص ) فقال لها : أولم تجيئي أنت ومالك بن أوس النصري فشهدتما أن رسول الله ( ص ) لا يورث ، حتى منعتما فاطمة ميراثها وأبطلتما حقها ، فكيف تطلبين اليوم ميراثاً من النبي ( ص ) ؟ !
فتركته وانصرفت ! وكان عثمان إذا خرج إلى الصلاة أخذت قميص رسول الله ( ص ) على قصبة فرفعته عليها ثم قالت : إن عثمان قد خالف صاحب هذا القميص ، وترك سنته ! ! ) . انتهى .
وقال الرازي في المحصول : 4 / 343 : ( الحكاية الثانية أن عثمان عنه أخر عن عائشة بعض أرزاقها فغضبت ثم قالت : يا عثمان أكلت أمانتك وضيعت الرعية وسلطت عليهم الأشرار من أهل بيتك ! والله لولا الصلوات الخمس لمشى إليك أقوام ذووا بصائر يذبحونك كما يذبح الجمل !
فقال عثمان : ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللهِ شيئاً وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ . فكانت عائشة تحرض عليه جهدها وطاقتها وتقول : أيها الناس هذا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 209 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قميص رسول الله ( ص ) لم يَبْلَ وقد بليت سنته ! اقتلوا نعثلاً قتل الله نعثلاً .
ثم إن عائشة ذهبت إلى مكة ، فلما قضت حجها وقربت من المدينة أخبرت بقتل عثمان فقالت : ثم ماذا ؟ فقالوا : بايع الناس علي بن أبي طالب ، فقالت عائشة : قتل عثمان والله مظلوماً وأنا طالبة بدمه ، والله ليومٌ من عثمان خير من علي الدهر كله ! ! فقال لها عبيد بن أم كلاب : ولمَ تقولين ذلك ، فوالله ما أظن أن بين السماء والأرض أحداً في هذا اليوم أكرم على الله من علي بن أبي طالب ، فلمَ تكرهين ولايته ؟ ألم تكوني تحرضين الناس على قتله فقلت : اقتلوا النعثل فقد كفر ؟ !
فقالت عائشة : لقد قلت ذلك ، ثم رجعت عما قلت ! وذلك أنكم أسلمتموه حتى إذا جعلتموه في القبضة قتلتموه ، والله لأطلبن بدمه !
فقال عبيد بن أم كلاب : هذا والله تخليط يا أم المؤمنين ) . انتهى .
وينبغي الإشارة إلى أن الفخر الرازي من ذرية أبي بكر ، فعائشة عمته !
وفي شرح النهج : 6 / 215 : ( وروى المدائني في كتاب الجمل ، قال : لما قتل عثمان كانت عائشة بمكة وبلغ قتله إليها وهي بسراف ، فلم تشك في أن طلحة هو صاحب الأمر ، وقالت : بعداً لنعثل وسحقاً ! إيهٍ ذا الإصبع ! إيهٍ أبا شبل ! إيهٍ يا ابن عم ! لكأني أنظر إلى إصبعه وهو يبايع له : حُثُّوا الإبل ودعدعوها .
قال : وقد كان طلحة حين قتل عثمان أخذ مفاتيح بيت المال ، وأخذ نجائب كانت لعثمان في داره ، ثم فسد أمره فدفعها إلى علي بن أبي طالب !
وقال أبو مخنف لوط بن يحيى الأزدي في كتابه : إن عائشة لما بلغها قتل عثمان وهي بمكة أقبلت مسرعة وهي تقول : إيهٍ ذا الإصبع لله أبوك ! أما إنهم وجدوا طلحة لها كفواً . فلما انتهت إلى سراف استقبلها عبيد بن أبي سلمة الليثي ، فقالت له : ما عندك ؟ قال : قتل عثمان ، قالت : ثم ماذا ؟ قال : ثم حارت بهم الأمور إلى خير محار ، بايعوا علياً ، فقالت : لوددت أن السماء انطبقت على الأرض إن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 210 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
تم هذا ! ويحك ! أنظر ما تقول ؟ ! قال : هوما قلت لك يا أم المؤمنين ، فولولت ! فقال لها : ما شأنك يا أم المؤمنين ! والله ما أعرف بين لابَّتيها أحداً أولى بها منه ولا أحق ، ولا أرى له نظيراً في جميع حالاته ، فلماذا تكرهين ولايته ؟ قال : فما ردت عليه جواباً ! قال : وقد روى من طرق مختلفه أن عائشة لما بلغها قتل عثمان وهي بمكة ، قالت : أبعده الله ! ذلك بما قدمت يداه ، وما الله بظلام للعبيد .
قال : وقد روى قيس بن أبي حازم أنه حج في العام الذي قتل فيه عثمان وكان مع عائشة لما بلغها قتله ، فتُحْمَلُ إلى المدينة ، قال : فسمعها تقول في بعض الطريق : إيهٍ ذا الإصبع ! وإذا ذكرت عثمان قالت : أبعده الله ! حتى أتاها خبر بيعة علي فقالت : لوددت أن هذه وقعت على هذه ! ثم أمرت برد ركائبها إلى مكة فردت معها ، ورأيتها في سيرها إلى مكة تخاطب نفسها ، كأنها تخاطب أحداً : قتلوا ابن عفان مظلوماً ! فقلت لها : يا أم المؤمنين ، ألم أسمعك آنفاً تقولين : أبعده الله ، وقد رأيتك قبل أشد الناس عليه وأقبحهم فيه قولاً !
فقالت : لقد كان ذلك ، ولكني نظرت في أمره ، فرأيتهم استتابوه حتى إذا تركوه كالفضة البيضاء ، أتوه صائماً محرماً في شهر حرام فقتلوه !
قال : وروى من طرق أخرى أنها قالت لما بلغها قتله : أبعده الله ، قتله ذنبه ، وأقاده الله بعمله ! يا معشر قريش لا يسومنكم قتل عثمان ، كما سام أحيمر ثمود قومه ! إن أحق الناس بهذا الأمر ذو الإصبع ( تقصد طلحة ، وكانت إصبعه مشلولة ) فلما جاءت الأخبار ببيعة علي قالت : تَعِسُوا تَعِسُوا ! لا يردُّون الأمر في تَيْمٍ أبداً ! !
وكتب طلحة والزبير إلى عائشة وهي بمكة كتاباً : أن خذِّلي الناس عن بيعة علي وأظهري الطلب بدم عثمان ، وحملا الكتاب مع ابن أختها عبد الله بن الزبير فلما قرأت الكتاب كاشفت وأظهرت الطلب بدم عثمان ! ! ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 211 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأكد الطبري رواية المدائني ، فقال في تاريخه : 3 / 476 : ( إن عائشة لما انتهت إلى سرف راجعة في طريقها إلى مكة ، لقيها عبد بن أم كلاب وهو عبد بن أبي سلمة ينسب إلى أمه فقالت له : مهيم ؟ قال : قتلوا عثمان فمكثوا ثمانياً . قالت : ثم صنعوا ماذا ؟ قال : أخذها أهل المدينة بالاجتماع فجازت بهم الأمور إلى خير مجاز ، اجتمعوا على علي بن أبي طالب ! فقالت : والله ليت أن هذه انطبقت على هذه إن تمَّ الأمر لصاحبك ! ردوني ردوني ! فانصرفت إلى مكة وهي تقول : قتل والله عثمان مظلوماً والله لأطلبن بدمه ! فقال لها ابن أم كلاب : ولمَ ، فوالله إن أول من أمال حرفه لأنت ، ولقد كنت تقولين : أقتلوا نعثلاً فقد كفر !
قالت : إنهم استتابوه ثم قتلوه ، وقد قلت وقالوا ، وقولي الأخير خير من قولي الأول ! فقال لها ابن أم كلاب :

فمنك البداءُ ومنك الغِيَرْ * ومنك الرياح ومنك المطرْ
وأنت أمرت بقتل الإمام * وقلت لنا إنه قد كفر
فهبنا أطعناك في قتله * وقاتله عندنا من أمر
فلم يسقط السقف من فوقنا * ولم تنكسف شمسنا والقمر
وقد بايع الناس ذا تَدْرُإٍ * يزيلُ الشبا ويقيم الصَّعَرْ
ويلبس للحرب أثوابها * وما من وفي مثل من قد غدر

فانصرفت إلى مكة فنزلت على باب المسجد ، فقصدت للحِجْر فسُترت ، واجتمع إليها الناس فقالت : يا أيها الناس إن عثمان قتل مظلوماً ووالله لأطلبن بدمه ) ! .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 212 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

طلحة ويعلى يموِّلان حرب الجمل ضد علي ( عليه السلام ) !

تحدث الرواة عن ثروة عثمان ، وطلحة ، والزبير ، وابن عوف ، وبقية الصحابة أركان حكم أبي بكر وعمر وعثمان ، فقال ابن خلدون في تاريخه : 1 / 204 : ( في أيام عثمان اقتنى الصحابة الضياع والمال ، فكان له يوم قتل عند خازنه خمسون ومائة ألف دينار ، وألف ألف درهم ، وقيمة ضياعه بوادي القرى وحنين وغيرهما مائتا ألف دينار ، وخلف إبلاً وخيلاً كثيرة .
وبلغ الثمن الواحد من متروك الزبير بعد وفاته خمسين ألف دينار ، وخلَّف ألف فرس وألف أمة . وكانت غلة طلحة من العراق ألف دينار كل يوم ، ومن ناحية السراة أكثر من ذلك . وكان على مربط عبد الرحمن بن عوف ألف فرس وله ألف بعير ، وعشرة آلاف من الغنم ) . انتهى .
وقال ابن سعد في الطبقات : 3 / 222 : ( كانت قيمة ما ترك طلحة بن عبيد الله من العقار والأموال وما ترك من الناض ثلاثين ألف ألف درهم ، ترك من العين ألفي ألف ومائتي ألف درهم ، ومائتي ألف دينار ، والباقي عروض . . . قال عمرو بن العاص : حدثت أن طلحة بن عبيد الله ترك مائة بهار ، في كل بهار ثلاث قناطر ذهب ، وسمعت أن البهار جلد ثور ) . انتهى .
أقول : ينبغي الالتفات إلى أن هذه الثروة تركها طلحة بعد أن أنفق ملايين منها على حرب الجمل ، التي قتل قبل بدايتها ! ويتعجب الإنسان من حرصه حيث استقرض أربعين ألف دينار من أحد ولاة عثمان الأمويين ، الذين جاؤوا بأموال المسلمين التي كانت بأيديهم ، لمساعدة الخارجين على أمير المؤمنين ( عليه السلام ) !
قال ابن حبان في الثقات : 2 / 279 : ( وقدم يعلى بن أمية من اليمن وقد كان عاملاً عليها ، بأربعمائة من الإبل فدعاهم إلى الحِملان ( أن ينقل الجنود إلى البصرة مجاناً ) ، فقال له الزبير : دعنا من إبلك هذه ، ولكن أقرضنا من هذا المال ! فأعطاه ستين
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 213 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ألف دينار وأعطى طلحة أربعين ألف دينار ، فتجهزوا وأعطوا من خفَّ معهم ) !
ويعلى ابن أمية ويقال له ابن منية وهي أمه ، وهو تميمي حليف لبني أمية ، كان عاملاً لعمر وعثمان على اليمن ، وهو من رجال البخاري ) ( التاريخ الكبير : 8 / 255 ) ويظهر أن تمويله لحرب الجمل كان أساسياً ، وقد يكون كله عن طريق طلحة !
فقد قال علي ( عليه السلام ) في العهد الذي كتبه ليقرأ على المسلمين كل جمعة : ( وأعانهم عليَّ يعلى بن منية بأصوع الدنانير ، والله لئن استقام أمري لأجعلن ماله فيئاً للمسلمين ) ! ( نهج السعادة : 5 / 194 )
وينبغي أن تعرف أن القوة الشرائية للدرهم أن الشاة كانت في عصر النبي ( صلى الله عليه آله ) بخمسة دراهم ، فالأربعون شاة في الزكاة تقابل مئتي درهم . ( تذكرة الفقهاء : 2 / 208 ، ومبسوط السرخسي : 2 / 150 ) . وفي أعلام النبلاء : 2 / 320 : ( أن عمر وجه عثمان بن حنيف على خراج السواد ، ورزقه كل يوم ربع شاة وخمسة دراهم ) . فراتب الوالي على خراج العراق ألف وخمس مئة درهم ، مع ربع ذبيحة يومياً لعائلته وضيوفه .
وقد استمرت هذه القوة الشرائية إلى القرن الثالث ، فقد جاء في الطبري : 8 / 166 في قصة هجوم الخليفة العباسي على بني شيبان في الموصل : ( فأوقع بهم فقتل منهم مقتلة عظيمة وغرق منهم خلق كثير في الزابين ، وأخذ النساء والذراري ، وغنم أهل العسكر من أموالهم ما أعجزهم حمله ، وأخذ من غنمهم وإبلهم ما كثر في أيدي الناس ، حتى بيعت الشاة بدرهم ، والجمل بخمسة دراهم ! ) . انتهى .
يقصد أن هذا السعر غير العادي كان بسبب كثرة الغنائم ، وإلا فمعدل ثمن الشاة خمسة دراهم ، والجمل مئة درهم ، فهو معدل ثابت من زمن النبي ( صلى الله عليه آله ) ، وقد ينقص الثمن عنه أو يزيد تبعاً لجودة السلعة ، ورغبة المشتري ، والظرف الطارئ . ( راجع البخاري : 3 / 15 ، وفتح الباري : 5 / 234 ، وكنز العمال : 6 / 573 ) .
أما ثمن جمل عائشة فكان استثنائياً أكثر من ألف درهم ، كما سيأتي !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 214 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

طلحة والزبير . . إلى العمرة . . أم الغدرة ؟ !

كل شئ صار جاهزاً ! فقد أعلنت عائشة الثورة على علي ( عليه السلام ) بشعار المطالبة بدم الخليفة الشهيد المظلوم عثمان ! والتحق بها بعض ولاة عثمان الذين عزلهم علي ( عليه السلام ) أو عرفوا أنه سيعزلون ، فتركوا ولاياتهم وجاؤوا بملايينهم !
وأخذت عائشة وطلحة والزبير يجمعون الرجال ، ويشترون السلاح والجمال ، ويتجمع الثائرون في مكة حول أم المؤمنين التي نصبت خيمة في حجر إسماعيل ولم يبق إلا أن يحضر القائدان الآخران طلحة والزبير من المدينة ، التي لا فائدة فيها للخارجين على علي ( عليه السلام ) لأن أهلها معه !
في خصائص الأئمة للشريف الرضي ص 61 : عن الإمام الباقر ( عليه السلام ) قال : ( لما قدم عبد الله بن عامر بن كريز المدينة لقي طلحة والزبير فقال لهما : بايعتما علي بن أبي طالب ! فقال : أما والله لا يزال ينتظر بها الحبالى من بني هاشم ، ومتى تصير إليكما ؟ ! ( أي سوف لا تخرج الخلافة من بني هاشم بل سيُنتظر بها المولود أن يولد ) !
أما والله على ذلك ( شهيد ) ما جئت حتى ضربت على أيدي أربعة آلاف من أهل البصرة كلهم يطلبون بدم عثمان ، فدونكما فاستقبلا أمركما ! فأتَيَا علياً فقالا له : إئذن لنا في العمرة ، فقال : والله إنكما تريدان العمرة وما تريدان نكثاً ولا فراقاً لأمتكما ، وعليكما بذلك أشد ما أخذ الله على النبيين من ميثاق ؟ قالا : اللهم نعم . قال : اللهم اشهد ، إذهبا وانطلقا ، والله لا أراكما إلا في فئة تقاتلني ) .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 215 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

صاحبة الجمل الأدبب . . تنبحها كلاب الحوأب !

قال ابن حجر في فتح الباري : 13 / 45 : ( عن ابن عباس أن رسول الله ( ص ) قال لنسائه : أيتكن صاحبة الجمل الأدبب ( بهمزة مفتوحة ودال ساكنة ثم موحدتين الأولى مفتوحة ) تخرج حتى تنبحها كلاب الحوأب ، يقتل عن يمينها وعن شمالها قتلى كثيرة ، وتنجو من بعد ما كادت . وهذا رواه البزار ورجاله ثقات . . . محمد بن قيس قال ذكر لعائشة يوم الجمل ، قالت : والناس يقولون يوم الجمل ؟ ! قالوا : نعم ، قالت : وددت أني جلست كما جلس غيري ، فكان أحب إليَّ من أن أكون ولدت من رسول الله ( ص ) عشرة ) . انتهى . وقد حذفوا من الحديث قوله ( صلى الله عليه آله ) : ( كلهم في النار ) !
وفي تاريخ اليعقوبي : 2 / 180 : ( أتاه طلحة والزبير فقالا : أنا نريد العمرة ، فأذن لنا في الخروج . وروى بعضهم أن علياً قال لهما ، أو لبعض أصحابه : والله ما أرادا العمرة ، ولكنهما أرادا الغدرة ! فلحقاً عائشة بمكة فحرضاها على الخروج ، فأتت أم سلمة بنت أبي أمية زوج رسول الله ( ص ) فقالت : إن ابن عمي وزوج أختي أعلماني أن عثمان قتل مظلوماً ، وأن أكثر الناس لم يرض ببيعة علي ، وأن جماعة ممن بالبصرة قد خالفوا ، فلو خرجت بنا لعل الله أن يصلح أمر أمة محمد على أيدينا ؟ فقالت لها أم سلمة : إن عماد الدين لا يقام بالنساء ، حماديات النساء غضُّ الأبصار وخفض الأطراف وجر الذيول . إن الله وضع عني وعنك هذا ، ما أنت قائلة لو أن رسول الله ( صلى الله عليه آله ) عارضك بأطراف الفلوات قد هتكت حجاباً قد ضربه عليك ! فنادى مناديها : ألا إن أم المؤمنين مقيمة ، فأقيموا .
وأتاها طلحة والزبير وأزالاها عن رأيها ، وحملاها على الخروج ، فسارت إلى البصرة مخالفة على علي ، ومعها طلحة والزبير في خلق عظيم ، وقدم يعلى بن منية بمال من مال اليمن قيل : إن مبلغه أربعمائة ألف دينار ، فأخذه منه طلحة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 216 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والزبير فاستعانا به وسارا نحو البصرة . ومرَّ القوم في الليل بماء يقال له : مُرُّ الحوأب فنبحتهم كلابه فقالت عائشة : ما هذا الماء ؟ قال بعضهم : ماء الحوأب . قالت : إنا لله وأنا إليه راجعون ! ردوني ردوني ! هذا الماء الذي قال لي رسول الله : لا تكوني التي تنبحك كلاب الحوأب . فأتاها القوم بأربعين رجلاً فأقسموا بالله أنه ليس بماء الحوأب ) ! انتهى .
وفي تاريخ الطبري : 3 / 475 : ( عن العرني صاحب الجمل ( الذي باعه لعائشة ) قال : بينما أنا أسير على جمل إذ عرض لي راكب فقال : يا صاحب الجمل تبيع جملك ؟ قلت : نعم ، قال : بكم ؟ قلت : بألف درهم ! قال : مجنونٌ أنت ! جملٌ يباع بألف درهم ؟ ! قال قلت : نعم ، جملي هذا ! قال : وممَّ ذلك ؟ قلت : ما طلبت عليه أحداً قط إلا أدركته ولا طلبني وأنا عليه أحد قط إلا فُتُّه . قال : لو تعلم لمن نريده لأحسنت بيعنا . قال قلت : ولمن تريده ؟ قال : لأمك . قلت : لقد تركت أمي في بيتها قاعدة ما تريد براحاً ! قال : إنما أريده لأم المؤمنين عائشة . قلت : فهو لك فخذه بغير ثمن ! قال : لا ، ولكن إرجع معنا إلى الرحل فلنعطك ناقة مهرية ونزيدك دراهم . قال : فرجعت فأعطوني ناقة لها مهرية ، وزادوني أربعمائة أو ستمائة درهم . فقال لي : يا أخا عرينة ، هل لك دلالة بالطريق ؟ قال قلت : نعم ، أنا من أدرك الناس . قال : فسر معنا فسرت معهم ، فلا أمرُّ على واد ولا ماء إلا سألوني عنه ، حتى طرقنا ماء الحوأب فنبحتنا كلابها ! قالوا : أي ماء هذا ؟ قلت : ماء الحوأب ! قال : فصرخت عائشة بأعلى صوتها ، ثم ضربت عضد بعيرها فأناخته ، ثم قالت : أنا والله صاحبة كلاب الحوأب ، طروقاً ردوني ! تقول ذلك ثلاثاً ! فأناخت وأناخوا حولها ، وهم على ذلك وهي تأبى حتى كانت الساعة التي أناخوا فيها من الغد ، فجاءها ابن الزبير فقال : النجاء النجاء ، فقد أدرككم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 217 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والله علي بن أبي طالب ! قال فارتحلوا وشتموني ، فانصرفت فما سرت إلا قليلاً وإذا أنا بعلي وركب معه نحو من ثلاثمائة ، فقال لي علي : يا أيها الراكب ، فأتيته ، فقال : أين أتيت الظعينة ؟ قلت في مكان كذا وكذا وهذه ناقتها وبعتهم جملي . قال : وقد ركبته ؟ قلت : نعم وسرت معهم حتى أتينا ماء الحوأب فنبحت عليها كلابها فقالت كذا وكذا ! فلما رأيت اختلاط أمرهم انفلتُّ وارتحلوا ) ! انتهى .
وفي الكافئة في رد توبة الخاطئة ص 18 : ( كتبت أم الفضل بنت الحارث مع عطاء مولى ابن عباس إلى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بنفير طلحة والزبير وعائشة من مكة بمن نفر معهم من الناس ، فلما وقف أمير المؤمنين ( عليه السلام ) على الكتاب قال محمد بن أبي بكر : ما للذين أوردوا ثم أصدروا ، غداة الحساب من نجاة ولا عذر .
ثم نودي من مسجد رسول الله ( صلى الله عليه آله ) الصلاة جامعة ، فخرج الناس وخرج أمير المؤمنين ( عليه السلام ) فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أما بعد ، فإن الله تبارك وتعالى لما قبض نبيه ( صلى الله عليه آله ) قلنا : نحن أهل بيته وعصبته وورثته وأوليائه وأحق الخلق به ، لا ننازع حقه وسلطانه ، فبينما نحن كذلك إذ نفر المنافقون وانتزعوا سلطان نبينا منا وولوه غيرنا . فبكت والله لذلك العيون والقلوب منا جميعاً معاً ، وخشنت له الصدور ، وجزعت النفوس منا جزعاً أرغم . وأيم الله لولا مخافتي الفرقة بين المسلمين ، وأن يعود أكثرهم إلى الكفر ويُعَوَّر الدين ، لكنا قد غيرنا ذلك ما استطعنا .
وقد بايعتموني الآن وبايعني هذان الرجلان طلحة والزبير على الطوع منهما ومنكم والإيثار ، ثم نهضا يريدان البصرة ليفرقا جماعتكم ويلقيا بأسكم بينكم ، اللهم فخذهما لغشهما لهذه الأمة ، وسوء نظرهما للعامة . ثم قال : انفروا رحمكم الله في طلب هذين الناكثين القاسطين الباغيين ، قبل أن يفوت تدارك ما جنياه ) .
وفي الكافئة : ص 19 : ( لما اتصل بأمير المؤمنين صلوات الله عليه مسير عائشة وطلحة والزبير من مكة إلى البصرة ، حمد الله وأثنى عليه ثم قال : قد سارت
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 218 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عائشة وطلحة والزبير كل منهما يدعي الخلافة دون صاحبه ! ولا يدعي طلحة الخلافة إلا أنه ابن عم عائشة ، ولا يدعيها الزبير إلا أنه صهر أبيها ! والله لئن ظفرا بما يريدان ليضربن الزبير عنق طلحة ، وليضربن طلحة عنق الزبير ، ينازع هذا على الملك هذا ! ولقد علمت والله أن الراكبة الجمل لا تحل عقدة ولا تسير عقبة ولا تنزل منزلة إلا إلى معصية الله حتى تورد نفسها ومن معها مورداً يقتل ثلثهم ويهرب ثلثهم ويرجع ثلثهم ! والله إن طلحة والزبير ليعلمان أنهما مخطئان وما يجهلان ، ولرب عالم قتله جهله وعلمه معه لا ينفعه . والله لتنبحنها كلاب الحوأب ! فهل يعتبر معتبر ويتفكر متفكر ، لقد قامت الفئة الباغية فأين المحسنون ؟ مالي و لقريش ! أما والله لأقتلنهم كافرين ، ولأقتلنهم مفتونين ، وإني لصاحبهم بالأمس ومالنا إليها من ذنب غير أنا خُيِّرنا عليها فأدخلنا هم في خيرنا ! أما والله لا أترك الباطل حتى أخرج الحق من خاصرته إن شاء الله ، فلتضجَّ مني قريش ضجيجاً ) !
وفي مناقب آل أبي طالب : 2 / 336 : ( ذكر ابن الأعثم في الفتوح ، والماوردي في أعلام النبوة ، وشيرويه في الفردوس ، وأبو يعلى في المسند ، وابن مردويه في فضايل أمير المؤمنين ، والموفق في الأربعين ، وشعبة ، والشعبي ، وسالم بن أبي الجعد في أحاديثهم ، والبلاذري والطبري في تاريخهما : أن عائشة لما سمعت نباح الكلاب قالت أي ماء هذا ؟ فقالوا الحوأب ، قالت إنا لله وإنا إليه راجعون ، إني لهيَهْ ! قد سمعت رسول الله ( ص ) وعنده نساؤه يقول : ليت شعري أيتكن تنبحها كلاب الحوأب ؟ وفي رواية الماوردي : أيتكن صاحبة الجمل الأدبب تخرج فتنبحها كلاب الحوأب ، يقتل من يمينها ويسارها قتلى كثير ، وتنجو بعد ما كاد تقتل ؟ !
فلما نزلت الخريبة قصدهم عثمان بن حنيف ( حاكم البصرة من قبل علي ( عليه السلام ) ) وحاربهم ، فتداعوا إلى الصلح ، فكتبوا بينهم كتاباً أن لعثمان دار الإمارة وبيت المال والمسجد إلى أن يصل إليهم علي . فقال طلحة لأصحابه في السر : والله لئن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 219 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قدم علي البصرة لنؤخذن بأعناقنا ، فأتوا على عثمان بياتاً في ليلة ظلماء وهو يصلي بالناس العشاء الآخرة ، وقتلوا منهم خمسين رجلاً واستأسروه ونتفوا شعره وحلقوا رأسه وحبسوه ، فبلغ ذلك سهل بن حنيف فكتب إليهما : أعطي الله عهداً لئن لم تخلوا سبيله لأبلغن من أقرب الناس إليكما ! فأطلقوه .
ثم بعثا عبد الله بن الزبير في جماعة إلى بيت المال فقتل أبا سلمة الزطي في خمسين رجلاً ، وبعثت عائشة إلى الأحنف تدعوه فأبى واعتزل بالجلحاء من البصرة في فرسخين ، وهو في ستة آلاف ) . انتهى .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 220 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

انتصرت عائشة جزئياً في البصرة

فاختلف طلحة والزبير على إمامة الصلاة !

قال اليعقوبي في تاريخه : 2 / 181 : ( وقدم القوم البصرة ، وعامل علي عثمان بن حنيف ، فمنعها ومن معها من الدخول فقالا : لم نأت لحرب وإنما جئنا لصلح ، فكتبوا بينهم وبينه كتاباً أنهم لا يحدثون حدثاً إلى قدوم علي ، وأن كل فريق منهم آمن من صاحبه . ثم افترقوا ، فوضع عثمان بن حنيف السلاح ، فنتفوا لحيته وشاربه وأشفار عينيه وحاجبيه ، وانتهبوا بيت المال وأخذوا ما فيه ، فلما حضر وقت الصلاة تنازع طلحة والزبير ، وجذب كل واحد منهما صاحبه ، حتى فات وقت الصلاة ، وصاح الناس : الصلاة الصلاة يا أصحاب محمد ! فقالت عائشة : يصلي محمد بن طلحة يوماً وعبد الله بن الزبير يوماً ، فاصطلحوا على ذلك ! !
فلما أتى علياً الخبر سار إلى البصرة ، واستخلف على المدينة أبا حسن بن عبد عمرو أحد بني النجار ، وخرج من المدينة ومعه أربعمائة راكب من أصحاب رسول الله ، فلما صاروا إلى أرض أسد وطئ تبعه منهم ستمائة ، ثم صار إلى ذي قار ، ووجه الحسن وعمار بن ياسر ، فاستنفر أهل الكوفة ، وعامله يومئذ على الكوفة أبو موسى الأشعري فخذَّل الناس عنه ، فوافاه منهم ستة آلاف رجل ، ولقيه عثمان بن حنيف فقال : يا أمير المؤمنين ، وجهتني ذا لحية فأتيتك أمرد ! وقص عليه القصة ) . انتهى .
وفي نهج السعادة للمحمودي : 1 / 266 : ( ومن كلام له ( عليه السلام ) قاله لما قدم عليه بذي قار ، عامله على البصرة عثمان بن حنيف الأنصاري رحمه الله ، وقد نكل به طلحة والزبير ونتفوا جميع ما في وجهه من الشعر ، فنزل على أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وهو باك فقال له : يا عثمان بعثتك شيخاً فرددت إلي أمرد ! اللهم إنك تعلم أنهم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 221 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
اجترؤا عليك واستحلوا حرماتك . اللهم اقتلهم بمن قتلوا من شيعتي ، وعجل لهم النقمة بما صنعوا بخليفتي ) . ( كتاب الجمل ص 154 وقريب منه في تاريخ الطبري ) . انتهى .

نتيجة معركة الجمل الأولى !

وقعة الجمل الصغرى ، أو الجمل الأصغر ، غسم للأحداث التي وقعت في البصرة منذ وصول أصحاب الجمل إليها ، إلى وصول أمير المؤمنين ( عليه السلام ) . فقد كان لأصحاب الجمل أنصار في البصرة ، فنزلوا في ضاحيتها والتحق بهم أنصارهم ، وجرت محادثات بينهم وبين والي البصرة الصحابي الجليل عثمان بن حنيف ، واتفقوا معه على الهدنة ، وتجنب الحرب حتى يصل علي ( عليه السلام ) ، وكتبوا بينهم عهداً بذلك ! لكن طلحة أشار عليهم بالغدر ونقض العهد والغارة ليلاً على الوالي وبيت المال ! فهاجموهم وهم يصلون في المسجد ! وقتلوا منهم أربعين رجلاً وأخذوا بيت المال ، وأخذوا الوالي أسيراً ، ثم واصلوا الحرب في اليوم الثاني ، وقابلهم حكيم بن جبلة رئيس بني عبد القيس ومعه جماعة من ربيعة ، فقتلوه وابنه الأشرف وأخاه رعل في سبعين رجلاً ، وأرادوا قتل الوالي عثمان بن حنيف الأنصاري فهددهم بأن أخاه سهل بن حنيف والي المدينة سيثأر له من ذويهم هناك ! فاكتفوا بضربه ونتفوا شعر لحيته ورأسه وشاربيه وحاجبيه ، وطردوه من البصرة !
وفي الكافئة ص 17 : ( رووا أنه ( عليه السلام ) لما بلغه وهو بالربذة خبر طلحة والزبير وقتلهما حكيم بن جبلة ورجالاً من الشيعة ، وضربهما عثمان بن حنيف وقتلهما السبابجة ( حراس بيت المال ) قام على الغرائر ( أكياس الحنطة المحمولة معهم للخبز ) فقال : إنه أتاني خبر متفظع ونبأ جليل ، أن طلحة والزبير وردا البصرة فوثبا على عاملي فضرباه ضرباً مبرحاً وتُرك لا يدرى أحي هو أم ميت ! وقتلا العبد الصالح حكيم بن جبلة في
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 222 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عدة من رجال المسلمين الصالحين ، لقوا الله موفين ببيعتهم ماضين على حقهم ! وقتلوا السبابجة خزان بيت المال الذي للمسلمين ، قتلوهم صبراً ، وقتلوهم غدراً ! فبكى الناس بكاء شديداً ورفع أمير المؤمنين ( عليه السلام ) يديه يدعو ويقول : اللهم اجْزِ طلحة وزبيراً جزاء الظالم الفاجر ، والخفور الغادر ) . انتهى .

كتبت عائشة إلى حفصة تبشرها بالنصر فاحتفلت حفصة !

في الكافئة في إبطال توبة الخاطئة ص 16 : ( ولما بلغ عائشة نزول أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بذي قار كتبت إلى حفصة بنت عمر : أما بعد ، فإنا نزلنا البصرة ونزل علي بذي قار ، والله دُقَّ عنقه كدق البيضة على الصفا ، إنه بذي قار بمنزلة الأشقر ، إن تقدم نحر ، وإن تأخر عقر ! فلما وصل الكتاب إلى حفصة استبشرت بذلك ، ودعت صبيان بني تيم وعدي وأعطت جواريها دفوفاً ، وأمرتهن أن يضربن بالدفوف ويقلن : ما الخبر ما الخبر ! عليٌّ كالأشقر ! إن تقدم نُحر ، وإن تأخر عُقر !
فبلغ أم سلمة رضي الله عنها اجتماع النسوة على ما اجتمعن عليه من سب أمير المؤمنين ( عليه السلام ) والمسرة بالكتاب الوارد عليهن من عائشة ، فبكت وقالت : أعطوني ثيأبي حتى أخرج إليهن وأقع بهن ! فقالت أم كلثوم بنت أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : أنا أنوب عنك فإنني أعرف منك ، فلبست ثيابها وتنكرت وتخفرت ، واستصحبت جواريها متخفرات ، وجاءت حتى دخلت عليهن كأنها من النظارة ، فلما رأت ما هن فيه من العبث والسفه ، كشفت نقابها وأبرزت لهن وجهها ، ثم قالت لحفصة : إن تظاهرت أنت وأختك على أمير المؤمنين ( عليه السلام ) فقد تظاهرتما على أخيه رسول الله ( صلى الله عليه آله ) من قبل ، فأنزل الله عز وجل فيكما ما أنزل ! والله من وراء حربكما ! فانكسرت حفصة وأظهرت خجلاً وقالت : إنهن فعلن هذا بجهل ، وفرقتهن في
الحال ، فانصرفن من المكان ) !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 223 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

مسير أمير المؤمنين ( عليه السلام ) إلى البصرة !

في كفاية الأثر في النص على الأئمة الاثني عشر ص 114 ، في حديث طويل عن حرب الجمل : ( ونزل أبو أيوب في بعض دور الهاشمين ، فجمعنا إليه ثلاثين نفساً من شيوخ أهل البصرة فدخلنا إليه وسلمنا عليه وقلنا : إنك قاتلت مع رسول الله ( صلى الله عليه آله ) ببدر وأحد المشركين ، والآن جئت تقاتل المسلمين ! فقال : والله لقد سمعت من رسول الله ( صلى الله عليه آله ) يقول لي : إنك تقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين ، مع علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ! قلنا : آلله إنك سمعت من رسول الله ( صلى الله عليه آله ) في علي ؟ قال : سمعته يقول : علي مع الحق والحق معه ، وهو الإمام والخليفة بعدي ، يقاتل على التأويل كما قاتلت على التنزيل ، وابناه الحسن والحسين سبطاي من هذه الأمة ، إمامان إن قاما أو قعدا ، وأبوهما خير منهما ، والأئمة بعد الحسين تسعة من صلبه ، ومنهم القائم الذي يقوم في آخر الزمان كما قمت في أوله ، ويفتح حصون الضلالة . . . والحديث طويل فيه معراج النبي ( صلى الله عليه آله ) وذكر الأئمة الاثني عشر ( عليهم السلام ) ، جاء في آخره : قلنا : فما لبني هاشم ؟ قال : سمعته يقول لهم : أنتم المستضعفون من بعدي . قلنا : فمن القاسطين والناكثين والمارقين ؟ قال : الناكثين الذين قاتلناهم ، وسوف نقاتل القاسطين والمارقين ، فإني والله لا أعرفهم غير أني سمعت رسول الله ( صلى الله عليه آله ) يقول : في الطرقات بالنهروانات ! قلنا : فحدثنا بأحسن ما سمعته من رسول الله ( صلى الله عليه آله ) ، قال : سمعته يقول : مثل مؤمن عند الله عز وجل مثل ملك مقرب ، فإن المؤمن عند الله تعالى أعظم من ذلك ، وليس شئ أحب إلى الله عز وجل من مؤمن تائب أو مؤمنة تائبة . قلنا : زدنا يرحمك الله . قال : نعم سمعته يقول : من قال لا إله إلا الله مخلصاً فله الجنة . قلنا : زدنا يرحمك الله . قال : نعم سمعته ( صلى الله عليه آله ) يقول : من كان مسلماً فلا يمكر ولا يخدع ، فإني سمعت جبرئيل ( عليه السلام ) يقول : المكر والخديعة في النار . قلنا : جزاك الله عن نبيك وعن الإسلام خيراً ) . انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 224 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي نهج البلاغة : 3 / 2 : ( ومن كتاب له ( عليه السلام ) إلى أهل الكوفة عند مسيره إلى البصرة : من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى أهل الكوفة ، جبهة الأنصار ، وسنام العرب ، أما بعد : فإني أخبركم عن أمر عثمان حتى يكون سمعه كعيانه : إن الناس طعنوا عليه ، فكنت رجلاً من المهاجرين أكثر استعتابه وأقل عتابه ، وكان طلحة والزبير أهون سيرهما فيه الوجيف ، وأرفق حدائهما العنيف ، وكان من عائشة فيه فلتة غضب ، فأتيح له قوم فقتلوه ، وبايعني الناس غير مستكرهين ولا مجبرين بل طائعين مخيرين . واعلموا أن دار الهجرة قد قلعت بأهلها وقلعوا بها ، وجاشت جيش المرجل ، وقامت الفتنة على القطب ، فأسرعوا إلى أميركم وبادروا جهاد عدوكم ، إن شاء الله ) .
وفي مناقب آل أبي طالب : 2 / 336 : ( فأمَّر علي ( عليه السلام ) سهل بن حنيف على المدينة وقثم بن العباس على مكة ، وخرج في ستة آلاف إلى الربذة ، ومنها إلى ذي قار . وأرسل الحسن وعمار إلى الكوفة وكتب : من عبد الله ووليه علي أمير المؤمنين إلى أهل الكوفة جبهة الأنصار وسنام العرب ، ثم ذكر فيه قتل عثمان وفعل طلحة والزبير وعائشة . . . فلما بلغا الكوفة قال أبو موسى الأشعري : يا أهل الكوفة اتقوا الله ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً ، ومن يقتل مؤمناً متعمداً . . الآية . فسكَّته عمار ، فقال أبو موسى : هذا كتاب عائشة تأمرني أن تكف أهل الكوفة ، فلا تكونن لنا ولا علينا ، ليصل إليهم صلاحهم . فقال عمار : إن الله تعالى أمرها بالجلوس فقامت ! وأمرنا بالقيام لندفع الفتنة فنجلس ؟ !
فقام زيد بن صوحان ومالك الأشتر في أصحابهما وتهددوه . . . فخرج قعقاع بن عمرو ، وهند بن عمر ، وهيثم بن شهاب ، وزيد بن صوحان ، والمسيب بن نجبة ويزيد بن قيس ، وحجر بن عدي ، وابن مخدوج ، والأشتر ، اليوم الثالث في تسعة آلاف ، فاستقبلهم علي ( عليه السلام ) على فرسخ وقال مرحباً بكم أهل الكوفة وفئة الإسلام ، ومركز الدين . في كلام له . . .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 225 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وخرج إلى علي ( عليه السلام ) من شيعته من أهل البصرة من ربيعة ثلاثة آلاف رجل . وبعث الأحنف إليه إن شئت أتيتك في مائتي فارس فكنت معك ، وإن شئت اعتزلت ببني سعد فكففت عنك ستة آلاف سيف ، فاختار عليٌّ اعتزاله ) .

أمير المؤمنين ( عليه السلام ) يؤكد الحجة قبل الحرب !

في نهج البلاغة : 3 / 111 : ( ومن كتاب له ( عليه السلام ) إلى طلحة والزبير : أما بعد فقد علمتما وإن كتمتما أني لم أرد الناس حتى أرادوني ، ولم أبايعهم حتى بايعوني ، وإنكما ممن أرادني وبايعني ، وإن العامة لم تبايعني لسلطان غالب ولا لعرض حاضر ، فإن كنتما بايعتماني طائعين فارجعا وتوبا إلى الله من قريب ، وإن كنتما بايعتماني كارهيْن فقد جعلتما لي عليكما السبيل بإظهاركما الطاعة وإسراركما المعصية ، ولعمري ما كنتما بأحق المهاجرين بالتقية والكتمان ، وإن دفعكما هذا الأمر من قبل أن تدخلا فيه كان أوسع عليكما من خروجكما منه بعد إقراركما به .
وقد زعمتما أني قتلت عثمان ، فبيني وبينكما من تخلف عني وعنكما من أهل المدينة ، ثم يلزم كل امرئ بقدر ما احتمل . فارجعا أيها الشيخان عن رأيكما ، فإن الآن أعظم أمركما العار ، من قبل أن يجتمع العار والنار . والسلام ) .
وفي كشف الغمة في معرفة الأئمة للإربلي : 1 / 240 : ( وكتب علي ( عليه السلام ) إلى عايشة : أما بعد فإنك خرجت من بيتك عاصية لله تعالى ولرسوله ( صلى الله عليه آله ) تطلبين أمراً كان عنك موضوعاً ، ثم تزعمين أنك تريدين الإصلاح بين الناس فخبريني ما للنساء وقَوْدُ العساكر ! وزعمت أنك طالبة بدم عثمان ، وعثمان رجل من بني أمية وأنت امرأة من بني تيم بن مرة ! ولعمري إن الذي عرضك للبلاء وحملك على المعصية لأعظم إليك ذنباً من قتله عثمان ، وما غضبت حتى أغضبت ، ولا هجت حتى هيجت فاتقي الله يا عايشة وارجعي إلى منزلك ، واسبلي عليك سترك . والسلام .
فجاء الجواب إليه ( عليه السلام ) : يا ابن أبي طالب جل الأمر عن العتاب ، ولن ندخل في طاعتك أبداً ، فاقض ما أنت قاض . والسلام .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 226 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم تراءى الجمعان وتقاربا ، ورأى علي ( عليه السلام ) تصميم القوم على قتاله ، فجمع أصحابه وخطبهم خطبة بليغة قال ( عليه السلام ) فيها : واعلموا أيها الناس أني قد تأنيت هؤلاء القوم ، وراقبتهم وناشدتهم كيما يرجعوا ويرتدعوا ، فلم يفعلوا ولم يستجيبوا ، وقد بعثوا إليَّ أن أبرز إلى الطعان وأثبت للجلاد ! وقد كنت وما أهدد بالحرب ولا أدعى إليها ، وقد أنصف القارة من راماها ، منها : فأنا أبو الحسن الذي فللت حدهم وفرقت جماعتهم ، فبذلك القلب ألقى عدوي ، وأنا على بينة من ربي ، لما وعدني من النصر والظفر ، وإني لعلى غير شبهة من أمري . ألا وإن الموت لا يفوته المقيم ولا يعجزه الهارب ، ومن لم يقتل يمت فإن أفضل الموت القتل . والذي نفس علي بيده لألفُ ضربة بالسيف أهون عليَّ من ميتة على الفراش . ثم رفع يده إلى السماء وقال : اللهم إن طلحة بن عبيد الله أعطاني صفقة يمينه طائعاً ثم نكث بيعتي ، اللهم فعاجله ولا تمهله . وإن زبير بن العوام قطع قرابتي ونكث عهدي وظاهر عدوي ونصب الحرب لي ، وهو يعلم أنه ظالم لي ! اللهم فاكفنيه كيف شئت .
ثم تقاربوا وتعبَّوْا لابسي سلاحهم ودروعهم متأهبين للحرب ، كل ذلك وعلي ( عليه السلام ) بين الصفين عليه قميص ورداء وعلى رأسه عمامة سوداء ، وهو راكب على بغلة ، فلما رأى أنه لم يبق إلا مصافحة الصفاح والمطاعنة بالرماح صاح بأعلى صوته : أين الزبير بن العوام فليخرج إليَّ ؟ فقال الناس : يا أمير المؤمنين أتخرج إلى الزبير وأنت حاسر وهو مدجج في الحديد ؟ فقال ( عليه السلام ) : ليس عليَّ منه بأس ، ثم نادى ثانية : فخرج إليه ودنا منه حتى واقفه فقال له علي ( عليه السلام ) : يا أبا عبد الله ما حملك على ما صنعت ؟ فقال : الطلب بدم عثمان ، فقال ( عليه السلام ) : أنت وأصحابك قتلتموه فيجب عليك أن تقيد من نفسك ! ولكن أنشدك الله الذي لا إله إلا هو الذي أنزل الفرقان على نبيه محمد ( صلى الله عليه آله ) : أما تذكر يوماً قال لك رسول الله ( صلى الله عليه آله ) : يا زبير أتحب علياً ؟ فقلت : وما يمنعني من حبه وهو ابن خالي ، فقال لك : أما إنك ستخرج عليه يوماً
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 227 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأنت له ظالم ؟ ! فقال الزبير : اللهم بلى فقد كان ذلك ! فقال علي ( عليه السلام ) : فأنشدك الله الذي أنزل الفرقان على نبيه محمد ( صلى الله عليه آله ) : أما تذكر يوماً جاء رسول الله ( صلى الله عليه آله ) من عند ابن عوف وأنت معه وهو آخذ بيدك ، فاستقبلته أنا فسلمت عليه فضحك في وجهي وضحكت أنا إليه ، فقلت أنت : لا يدع ابن أبي طالب زهوه أبداً ! فقال لك النبي ( صلى الله عليه آله ) : مهلاً يا زبير فليس به زهو ، ولتخرجن عليه يوماً وأنت ظالم له ؟ !
فقال الزبير : اللهم بلى ، ولكن أنسيت ! فأما إذْ ذكرتني ذلك فلأنصرفن عنك ، ولو ذكرت ذلك لما خرجت عليك ! ثم رجع إلى عايشة فقالت : ما وراءك يا أبا عبد الله ؟ فقال الزبير : والله ورائي أني ما وقفت موقفاً في شرك ولا إسلام إلا ولي فيه بصيرة ، وأنا اليوم على شك من أمري ، وما أكاد أبصر موضع قدمي ! ثم شق الصفوف وخرج من بينهم ونزل على قوم من بني تميم ، فقام إليه عمرو بن جرموز المجاشعي فقتله حين نام ، وكان في ضيافته ، فنفذت دعوة علي ( عليه السلام ) فيه .
وأما طلحة فجاءه سهم وهو قائم للقتال فقتله ، ثم التحم القتال .
وقال علي ( عليه السلام ) يوم الجمل : ( وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ ، ثم حلف حين قرأها أنه ما قوتل عليها منذ نزلت حتى اليوم ) ! انتهى .
وفي الإحتجاج : 1 / 237 : ( عن سليم بن قيس الهلالي قال : لما التقى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أهل البصرة يوم الجمل ، نادى الزبيرَ يا أبا عبد الله أخرج إليَّ : فخرج الزبير ومعه طلحة . فقال لهما : والله إنكما لتعلمان وأولوا العلم من آل محمد وعائشة بنت أبي بكر : أن كل أصحاب الجمل ملعونون على لسان محمد ( صلى الله عليه وآله ) وقد خاب من افترى ! قالا : كيف نكون ملعونين ونحن أصحاب بدر وأهل الجنة ! فقال ( عليه السلام ) : لو علمت أنكم من أهل الجنة لما استحللت قتالكم ، فقال له الزبير : أما سمعت حديث سعيد بن عمرو بن نفيل وهو يروي أنه سمع رسول الله يقول : عشرة من
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 228 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قريش في الجنة ؟ قال علي ( عليه السلام ) : سمعته يحدث بذلك عثمان في خلافته ! فقال الزبير : أفتراه كذب على رسول الله ( ص ) ؟ ! فقال له علي ( عليه السلام ) : لستُ أخبرك بشئ حتى تسميهم ؟ قال الزبير : أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وطلحة ، والزبير ، وعبد الرحمن بن عوف ، وسعد بن أبي وقاص ، وأبو عبيدة بن الجراح ، وسعيد بن عمرو بن نفيل . فقال له علي ( عليه السلام ) : عددتَ تسعة فمن العاشر ؟ قال له : أنت ! قال علي ( عليه السلام ) : قد أقررتَ أني من أهل الجنة ، وأما ما ادعيت لنفسك وأصحابك فأنا به من الجاحدين الكافرين ! قال له : أفتراه كذب على رسول الله ؟ ! قال ( عليه السلام ) : ما أراه كذب ، ولكنه والله اليقين ! فقال علي ( عليه السلام ) : والله إن بعض من سميته لفي تابوت في شعب في جب في أسفل درك من جهنم ، على ذلك الجب صخرة إذا أراد الله أن يسعر جهنم رفع تلك الصخرة ، سمعت ذلك من رسول الله ( صلى الله عليه آله ) وإلا أظفرك الله بي وسفك دمي على يديك ، وإلا أظفرني الله عليك وعلى أصحابك وسفك دمائكم على يدي ، وعجل أرواحكم إلى النار ! فرجع الزبير إلى أصحابه وهو يبكي ) ! ! انتهى .
وقد أورد نحوه في كفاية الأثر ص 114 ، ثم قال : فرجع الزبير وهو يقول :

نادى عليٌّ بصوت لست أجهله * قد كان عمرُ أبيك الحق من حين
فقلت حسبُك من لومي أبا حسنٍ * فبعضُ ما قلته ذا اليوم يكفيني
فاخترتُ عاراً على نارٍ مؤججة * أنَّى يقوم لها خلو من الطين
فاليوم أرجع من غيٍّ إلى رشَد * ومن مغالطة البَغْضا إلى اللين

ثم حمل علي ( عليه السلام ) على بني ضبة ، فما رأيتهم إلا كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف ، ثم أُخذت المرأة فحُملت إلى قصر بني خلف ) .
وفي قرب الإسناد للحميري ص 96 : عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) قال : ( دخل عليَّ أناس من أهل البصرة فسألوني عن طلحة والزبير ، فقلت لهم : كانا من أئمة الكفر ، إن علياً ( عليه السلام ) يوم البصرة لما صف الخيول ، قال لأصحابه : لا تعجلوا على القوم حتى
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 229 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أُعذر فيما بيني وبين الله عز وجل وبينهم ! فقام إليهم فقال : يا أهل البصرة هل تجدون علي جوراً في حكم ؟ قالوا : لا . قال : فحيفاً في قسم ؟ قالوا : لا . قال : فرغبةً في دنيا أخذتها لي ولأهل بيتي دونكم فنقمتم علي فنكثتم بيعتي ؟ قالوا : لا . قال : فأقمت فيكم الحدود وعطلتها عن غيركم ؟ قالوا : لا . قال : فما بال بيعتي تنكث وبيعة غيري لا تنكث ! إني ضربت الأمر أنفه وعينه فلم أجد إلا الكفر أو السيف . . . ؟ ! ) .
وفي شرح الأخبار : 1 / 394 : ( عن أبي البختري ، قال : لما انتهى علي صلوات الله عليه إلى البصرة خرج إليه أهلها مع طلحة والزبير وعائشة ، فعبأ علي صلوات الله عليه أصحابه . ثم أخذ المصحف وبدأ بالصف الأول ، فقال : أيكم يتقدم إلى هؤلاء ويدعوهم إلى ما فيه ، وهو مقتول ؟ فخرج إليه شاب يقال له : مسلم فقال : أنا يا أمير المؤمنين . فتركه ، ومال إلى الصف الثاني ، فقال : من منكم يأخذ هذا المصحف ويمضي إلى هؤلاء القوم ويدعوهم إلى ما فيه ، وهو مقتول ؟ فلم يجبه أحد ! وجاءه مسلم فقال : أنا أخرج إليهم به يا أمير المؤمنين . فأعرض عنه . وتقدم إلى الصف الثالث ، وقال لهم مثل ذلك . فلم يخرج الله منهم أحد ، وعرض له مسلم ، فقال : أنا يا أمير المؤمنين ! فلما رأى أنه لم يخرج إليه أحد دفع إليه المصحف فمضى نحو القوم ، فلما رأوه رشقوه بالنبل ، وقرأه عليهم ودعاهم إلى ما فيه ، ثم خرج إليه رجل منهم فضربه بالسيف على حبل عاتقه من يده اليمنى التي فيها المصحف فأخذ المصحف بيده اليسرى فضربه الرجل حتى قتله ! ) . انتهى . وفي هامشه عن كتاب الجمل ص 182 : وكانت أمه حاضرة وحملته وجاءت به إلى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وهي تبكي وتقول :

يا رب إن مسلماً دعاهم * يتلو كتاب الله لا يخشاهم
فخضبوا من دمه فناهم * وأمهم قائمة تراهم
تأمرهم بالقتل لا تنهاهم !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 230 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ورموا أصحاب علي صلوات الله عليه بالنبل . قالوا : يا أمير المؤمنين أما ترى النبل فينا كالقطر ، وقد قتلوا مسلماً . فقال لهم علي صلوات الله عليه : قاتلوهم ، فقد طاب لكم القتال ) . انتهى .

الزبير ينسحب من المعركة ، ويُقتل في الطريق !

قال ابن قتيبة في الإمامة والسياسة : 1 / 91 : ( فخرج طلحة والزبير وعائشة ، وهي على جمل عليه هودج ، قد ضرب عليه صفائح الحديد ، فبرزوا حتى خرجوا من الدور ومن أفنية البصرة ، فلما تواقفوا للقتال ، أمر عليٌّ منادياً ينادي من أصحابه : لا يرمين أحد سهماً ولا حجراً ، ولا يطعن برمح ، حتى أعذر إلى القوم فأتخذُ عليهم الحجة . قال : فكلم علي طلحة والزبير قبل القتال ، فقال لهما : إستحلفا عائشة بحق الله وبحق رسوله على أربع خصال ، أن تصدِّق فيها : هل تعلم رجلاً من قريش أولى مني بالله ورسوله ، وإسلامي قبل كافة الناس أجمعين ، وكفايتي رسول الله كفار العرب بسيفي ورمحي ، وعلى براءتي من دم عثمان ، وعلى أني لم أستكره أحداً ، وعلى أني لم أكن أحسن قولاً في عثمان منكما .
فأجابه طلحة جواباً غليظاً ورقَّ له الزبير . . الخ . قال : وذكروا أن الزبير دخل على عائشة فقال : يا أماه ما شهدت موطناً قط في الشرك ولا في الإسلام إلا ولي فيه رأي وبصيرة ، غير هذا الموطن فإنه لا رأي لي فيه ولا بصيرة ، وإني لعلى باطل ! قالت عائشة : يا أبا عبد الله ، خفت سيوف بني عبد المطلب ! فقال : أما والله إن سيوف بني عبد المطلب طوال حداد ، يحملها فتية أنجاد ! ثم قال لابنه عبد الله : عليك بحزبك ، أما أنا فراجع إلى بيتي ! فقال له ابنه عبد الله : الآن حين التقت حلقتا البطان واجتمعت الفئتان ؟ ! والله لا نغسل رؤوسنا منها ! فقال الزبير لابنه : لا تعد هذا مني جبناً ، فوالله ما فارقت أحداً في جاهلية ولا إسلام ، قال : فما يردك ؟
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 231 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال : يردني ما إن علمته كسَرك ! فقام بأمر الناس عبد الله بن الزبير ) ! انتهى .
وقال ابن حجر في مقدمة فتح الباري ص 290 : ( وقاتل الزبير في يوم الجمل هو عمرو بن جرموز التميمي ، قتله غدراً وهو نائم ، وكان قتل الزبير في شهر رجب سنة ست وثلاثين انصرف من وقعة الجمل تاركاً للقتال ، فقتله عمرو بن جرموز بضم الجيم والميم بينهما راء ساكنة وآخره زاي ، التميمي ، غيلة ، وجاء إلى علي متقرباً إليه بذلك ، فبشره بالنار ! أخرجه أحمد والترمذي وغيرهما ، وصححه الحاكم من طرق بعضها مرفوع ) . انتهى . ( الحاكم : 3 / 360 ، وأحمد : 1 / 89 ) .
وفي الكافئة ص 40 : ( وأما قول علي : بشر قاتل ابن صفية بالنار . لقول رسول الله ( صلى الله عليه آله ) : بشر قاتل ابن صفية بالنار ، وكان ممن خرج يوم النهروان ، ولم يقتله أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بالبصرة ، لأنه علم أنه يقتل في فتنة النهروان ) .

مروان الأموي يغتال طلحة التيمي قبل بدء المعركة !

ترك الزبير المعركة بعد اصطفاف الصفوف للحرب ، لكنه كان وفياً لعائشة أخت زوجته وخالة ابنه عبد الله ! فبعد لقائه المؤثر مع علي ( عليه السلام ) اكتفى بالقول لعائشة إنه يشك ولا يرى نفسه على الحق ، وإنه قرر الانسحاب والعودة إلى المدينة ! ولما سأله ابنه عبد الله كما تقدم عن ابن قتيبة : ( قال : فما يردُّك ؟ قال : يردني ما إن علمته كَسَرَك ) ! فقد أراد من ابنه وخالته وشريكه طلحة ، أن يواصلوا المعركة ضد علي ( عليه السلام ) ! ولذا لم يخبرهم بحديث النبي ( صلى الله عليه آله ) الذي ذكَّره به علي ( عليه السلام ) ولا طلب منهم تجنب إراقة دماء المسلمين والصلح مع علي ( عليه السلام ) !
وقد حاولت عائشة وابنه عبد الله أن يثيروا نخوته فاتهموه بالجبن أمام سيوف بني عبد المطلب ! لكنه لم يخضع لذلك ، وأجابهم أني سأثبت لكم الآن أني
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 232 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لست جباناً وركب فرسه وأغار على جيش علي ( عليه السلام ) فعرف علي ( عليه السلام ) أنه هجوم لإثبات الشجاعة ! فأمر الجيش أن يفتحوا له الطريق ولا يقاتلوه ، فشق الزبير الجيش وأكمل طريقه عائداً إلى المدينة ! وخسرت عائشة به ركناً من أركانها ، ولكنها تعزت بولده عبد الله ، فهو أشد بغضاً لعلي وبني هاشم !
وفي صباح نفس اليوم وقبل نشوب المعركة انهدَّ الركن الثاني لعائشة ، حيث بادر مروان إلى تنفيذ خطته في قتل طلحة ! قال ابن سعد في الطبقات : 3 / 223 : ( عن محمد بن سيرين أن مروان اعترض طلحة لما جال الناس بسهم فأصابه فقتله . . . عن عبد الملك بن مروان يقول : لولا أن أمير المؤمنين مروان أخبرني أنه هو الذي قتل طلحة ما تركت من ولد طلحة أحداً إلا قتلته بعثمان بن عفان ) !
وفي أحاديث عائشة للعسكري : 1 / 228 : ( وروى ابن أعثم تفصيل قتل طلحة هكذا قال : قال مروان لغلامه : إني لأعجب من طلحة فإنه لم يكن أشد منه على عثمان ، فقد كان يحرض أعداءه ويسعى حثيثاً في إراقة دمه ، واليوم جاء يطلب ثاره ! أريد أن أرميه وأريح المسلمين من شره ، فلو تقدمت أمامي وحجبتني كي لا أرى فيعلم أني رميته ، فأنت حرٌّ ، ففعل ، فأخرج مروان سهماً مسموماً من كنانته فرماه فشك قدمه إلى ركابه . فقال طلحة لغلامه : فخذني إلى الظل فقال : لا أرى ها هنا ظلاً ، فقال طلحة : سبحان الله ! لا أرى في قريش اليوم أضيع دماً مني ) !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 233 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

عائشة قادت معركة الجمل وحدها لسبعة أيام !

قال الطبري في تاريخه : 3 / 530 : ( عن أبي البختري الطائي قال أطافت ضبة والأزد بعائشة يوم الجمل ، وإذا رجال من الأزد يأخذون بعر الجمل فيفتونه ويشمونه ويقولون : بعرُ جمل أمنا ريحه ريح المسك ) !
وقال ابن كثير في النهاية : 7 / 272 : ( وأحدق أهل النجدات والشجاعة بعائشة ، فكان لا يأخذ الراية ولا بخطام الجمل إلا شجاع معروف ، فيَقْتل من قصده ثم يُقتل بعد ذلك ، وقد فقأ بعضهم عين عدي بن حاتم ذلك اليوم ، ثم تقدم عبد الله بن الزبير فأخذ بخطام الجمل وهو لا يتكلم ، فقيل لعائشة إنه ابنك ابن أختك فقالت : واثكل أسماء ! وجاءه مالك بن الحارث الأشتر النخعي فاقتتلا فضربه الأشتر على رأسه فجرحه جرحاً شديداً ، وضربه عبد الله ضربة خفيفة ثم اعتنقا وسقطا إلى الأرض يعتركان ، فجعل عبد الله بن الزبير يقول : اقتلوني ومالكاً واقتلوا مالكاً معي ! فجعل الناس لا يعرفون مالكاً من هو ، وإنما هو معروف بالأشتر ، فحمل أصحاب علي وعائشة فخلصوهما ، وقد جرح عبد الله بن الزبير يوم الجمل بهذه الجراحة سبعاً وثلاثين جراحة ) . انتهى .
أقول : يبدو أن ابن الزبير أخذ بزمام الجمل بعد أن اشتدت حملات أصحاب علي ( عليه السلام ) وقلَّ الآخذون بزمامه من ضبة وتركوه ملقى ، قال الطبري : 3 / 533 : ( وانتهى إلى الجمل الأشتر وعدي بن حاتم ، فخرج عبد الله بن حكيم بن حزام إلى الأشتر فمشى إليه الأشتر ، فاختلفا ضربتين فقتله الأشتر ، ومشى إليه عبد الله بن الزبير فضربه الأشتر على رأسه فجرحه جرحاً شديداً ، وضرب عبد الله الأشتر ضربة خفيفة ، واعتنق كل واحد منهما صاحبه وخرَّا إلى الأرض يعتركان ، فقال
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 234 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عبد الله بن الزبير : اقتلوني ومالكاً ) . انتهى ، وهو يدل على أن الأشتر ( رحمه الله ) وصل إلى مركز القيادة وقتل القري صاحب الخطام ، فبقي الخطام ملقى فجاء ابن الزبير !
وفي مواقف الشيعة للأحمدي : 1 / 266 : ( دخل عمار بن ياسر ، ومالك بن الحارث الأشتر على عائشة بعد انقضاء أمر الجمل . فقالت عائشة : يا عمار من معك ؟ قال : الأشتر . فقالت : يا مالك ! أنت الذي صنعت بابن أختي ما صنعت ؟
قال : نعم ، ولولا أنني كنت طاوياً ثلاثة لأرحت أمة محمد منه ! فقالت : أما علمت أن رسول الله قال : لا يحل دم مسلم إلا بإحدى أمور ثلاث : كفر بعد إيمان أو زنا بعد إحصان ، أو قتل نفس بغير حق ؟ فقال الأشتر : على بعض هذه الثلاثة قاتلناه يا أم المؤمنين ! وأيم الله ما خانني سيفي قبلها ، ولقد أقسمت ألا يصحبني بعدها ! قال أبو مخنف : ففي ذلك يقول الأشتر من جملة هذا الشعر الذي ذكرناه :

أعائش لولا أنني كنت طاوياً * ثلاثاً لألفيت ابن أختك هالكا
غداة ينادى والرجال تحوزه * بأضعف صوت أقتلوني ومالكا
فلم يعرفوه إذ دعاهم وغمه * خدب عليه في العجاجة باركا
فنجاه مني أكله وشبابه * وأنيَ شيخ لم أكن متماسكا
وقالت على أيِّ الخصال صرعته * بقتل أتى أم ردة لا أبا لكا
أم المحصن الزاني الذي حل قتله * فقلت لها لا بد من بعض ذلكا . انتهى .

( راجع الغدير : 11 / 64 . وشرح ابن أبي الحديد : 6 / 83 ) .
ومعنى قوله : ( لولا أنني كنت طاوياً ثلاثاً ) ، أنه كان صائماً ثلاثة أيام ، فلم يُرد الأشتر ( رحمه الله ) أن يذكر صيامه فذكر أنه كان جائعاً . وأصل الطاوي صفة للظبي عندما يشبع فيطوي عنقه وينام ( لسان العرب : 15 / 18 ) واستعملوه في الجائع من باب التفاؤل ، كتسميتهم الصحراء الصعبة مفازة ، واسمها في الأصل مَهْلكة .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 235 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ومن طرائف ما قرأته في قيادة عائشة للمعركة : أن مشايخ المملكة العربية السعودية أفتوا بحرمة قيادة المرأة للسيارة ، فعلق أحدهم قائلاً : أم المؤمنين عائشة قادت حرباً ، وهؤلاء يحرمون قيادة المرأة للسيارة !

عائشة تتلقى في اليوم السابع هزيمة مرة !

وصف ابن قتيبة في الإمامة والسياسة : 1 / 96 ، أيام حرب الجمل فقال : ( وأقبل علي وعمار والأشتر والأنصار معهم يريدون الجمل فاقتتل القوم حوله ، حتى حال بينهم الليل ! وكانوا كذلك يروحون ويغدون على القتال سبعة أيام ، وإن علياً خرج إليهم بعد سبعة أيام فهزمهم ) .
ووصف حملة علي ( عليه السلام ) في اليوم السابع من الحرب فقال : ( ثم تقدم عليٌّ فنظر إلى أصحابه يهزمون ويقتلون ، فلما نظر إلى ذلك صاح بابنه محمد ومعه الراية أن اقتحم ، فأبطأ وثبت ، فأتى عليٌّ من خلفه فضربه بين كتفيه ، وأخذ الراية من يده ثم حمل فدخل عسكرهم ، وإن الميمنتين والميسرتين تضطربان ، في إحداهما عمار ، وفي الأخرى عبد الله بن عباس ومحمد بن أبي بكر ، قال : فشق عليٌّ في عسكر القوم يطعن ويقتل ، ثم خرج وهو يقول : الماء الماء ، فأتاه رجل بإداوة فيها عسل فقال له : يا أمير المؤمنين أما الماء فإنه لا يصلح لك في هذا المقام ، ولكن أذوقك هذا العسل فقال : هات ، فحسا منه حسوة ، ثم قال : إن عسلك لطائفي ، قال الرجل : لعجباً منك والله يا أمير المؤمنين لمعرفتك الطائفي من غيره في هذا اليوم ، وقد بلغت القلوب الحناجر ! فقال له علي : إنه والله يا بن أخي ما ملأ صدر عمك شئ قط ولا هابه شئ ! ثم أعطى الراية لابنه وقال : هكذا فاصنع ، فتقدم محمد بالراية ومعه الأنصار حتى انتهى إلى الجمل والهودج وهزم ما يليه ، فاقتتل الناس ذلك اليوم قتالاً شديداً حتى كانت الواقعة والضرب على الركب ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 236 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي كتاب الجمل للمفيد ص 196 : ( وروى محمد بن عبد الله بن عمر بن دينار قال قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) لابنه محمد خذ الراية وامض ، وعلي ( عليه السلام ) خلفه فناداه يا أبا القاسم ؟ فقال لبيك يا أبهْ ، فقال : يا بني لا يستفزنك ما ترى ، قد حملت الراية وأنا أصغر منك فما استفزني عدوُّي ، وذلك أني لم أبارز أحداً إلا حدثتني نفسي بقتله ، فحدث نفسك بعون الله تعالى بظهورك عليهم ، ولا يخذلك ضعف النفس من اليقين ، فإن ذلك أشد الخذلان . قال : قلت يا أبَهْ ، أرجو أن أكون كما تحب إن شاء الله . قال فالزم رأيتك فإن اختلفت الصفوف قف في مكانك وبين أصحابك ، فإن لم تبين من أصحابك فاعلم أنهم سيرونك .
قال : والله إني لفي وسط أصحابي فصاروا كلهم خلفي وما بيني وبين القوم أحد يردهم عني ، وأنا أريد أن أتقدم في وجوه القوم ، فما شعرت إلا بأبي خلفي قد جرد سيفه وهو يقول لا تَقَدَّمْ حتى أكونَ أمامك ، فتقدم بين يديَّ يهرول ومعه طائفة من أصحابه ، فضرب الذين في وجهه حتى نهضوهم ، ولحقتهم بالراية فوقفوا وقفة ، واختلط الناس وكدَّت السيوف ساعة ، فنظرت إلى أبي يفرج الناس يميناً وشمالاً ويسوقهم أمامه ، فأردت أن أجول فكرهت خلافه ووصيته لي : لا تفارق الراية ، حتى انتهى إلى الجمل وحوله أربعة آلاف مقاتل من بني ضبة والأزد وتميم وغيرهم ، وصاح إقطعوا البطان ، فأسرع محمد بن أبي بكر فقطعه وأطلع الهودج ! فقالت عائشة من أنت ؟ قال أبغض أهلك إليك ! قالت ابن الخثعمية ؟ قال نعم ، ولم تكن دون أمهاتك ! . . .
ونادى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) محمد بن أبي بكر فقال : سلها هل وصل إليها شئ من الرماح والسهام ؟ فسألها قالت : نعم وصل إلى سهم خدش رأسي ، وسلمت من غيره . الله بيني وبينكم . فقال محمد : والله ليحكمن عليك يوم القيامة ما كان بينك وبين أمير المؤمنين حتى تخرجي عليه وتؤلبين الناس على قتاله ، وتنبذي كتاب
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 237 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الله وراء ظهرك ؟ ! فقالت : دعنا يا محمد وقل لصاحبك يحرسني ، وكان الهودج كالقنفذ من النبل ! فرجعتُ إلى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وأخبرته بما جرى بيني وبينها وما قلت وما قالت ، فقال ( عليه السلام ) : هي امرأة والنساء ضعاف العقول ، فتول أمرها واحملها إلى دار عبد الله بن خلف ، حتى ننظر في أمرها . فحملتها إلى الموضع وإن لسانها لا يفتر من السب لي ولعلي ( عليه السلام ) والترحم على أصحاب الجمل ) ! !
وفي الأخبار الطوال ص 150 : ( قالوا : ولما رأى علي لوثَ أهل البصرة بالجمل ، وأنهم كلما كشفوا عنه عادوا فلاثوا به ، قال لعمار وسعيد بن قيس وقيس بن سعد بن عبادة والأشتر وابن بديل ومحمد بن أبي بكر ، وأشباههم من حماة أصحابه : إن هؤلاء لا يزالون يقاتلون ما دام هذا الجمل نصب أعينهم ، ولو قد عقر فسقط لم تثبت لهم ثابتة ، فقصدوا بذوي الجد من أصحابه قصد الجمل حتى كشفوا أهل البصرة عنه ، وأفضى إليه رجل من مراد الكوفة ، يقال له أعين بن ضبيعة فكشف عرقوبه بالسيف ، فسقط وله رغاء ، فغرق في القتلى ، ومال الهودج بعائشة ، فقال علي لمحمد بن أبي بكر : تقدم إلى أختك ، فدنا محمد ، فأدخل يده في الهودج ، فنالت يده ثياب عائشة ، فقالت : إنا لله ، من أنت ثكلتك أمك ، فقال : أنا أخوك محمد !
ونادى علي رضي الله عنه في أصحابه : لا تتبعوا مولياً ، ولا تجهزوا على جريح ، ولا تنتهبوا مالا ، ومن ألقى سلاحه فهو آمن ، ومن أغلق بابه فهو آمن . قال : فجعلوا يمرون بالذهب والفضة في معسكرهم والمتاع ، فلا يعرض له أحد إلا ما كان من السلاح الذي قاتلوا به ، و الدواب التي حاربوا عليها ، فقال له بعض أصحابه : يا أمير المؤمنين ، كيف حلَّ لنا قتالهم ولم يحلَّ لنا سبيهم وأموالهم ؟ ! قال علي رضي الله عنه : ليس على الموحدين سبي ، ولا يغنم من أموالهم إلا ما قاتلوا به وعليه ، فدعوا مالا تعرفون ، والزموا ما تؤمرون ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 238 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي تاريخ الطبري : 3 / 538 : ( أن محمد بن أبي بكر وعمار بن ياسر أتيا عائشة وقد عقر الجمل فقطعا غرضة الرحل ، واحتملا الهودج فنحياه حتى أمرهما علي فيه أمره بعد . قال : أدخلاها البصرة ، فأدخلاها دار عبد الله بن خلف الخزاعي ) .
وفي الكافئة ص 34 : ( عن الأصبغ بن نباته قال : لما عقر الجمل وقف علي ( عليه السلام ) على عائشة فقال : ما حملك على ما صنعت ؟ قالت : ذَيْتَ وذيت ! فقال : أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لقد ملأت أذنيك من رسول الله ( صلى الله عليه آله ) وهو يلعن أصحاب الجمل وأصحاب النهروان ! أما أحياؤهم فيقتلون في الفتنة ، وأما أمواتهم ففي النار على ملة اليهود ) ! وفي الكافئة ص 36 : ( قال أبو رافع : سأحدثكم بحديث سمعته أذناي لا أحدثكم عن غيري : سمعت رسول الله ( صلى الله عليه آله ) يقول لعلي : قاتل الله من قاتلك وعادى الله من عاداك . فقالت عائشة : يا رسول الله من يقاتله ومن يعاديه ؟ قال : أنتِ ومن معك ، أنتِ ومن معك ) .
وفي الكافئة ص 29 : ( عن حبة العرني أن أمير المؤمنين صلوات الله عليه بعث إلى عائشة محمداً أخاها رحمة الله عليه ، وعمار بن ياسر رضوان الله عليه : أن ارتحلي والحقي ببيتك الذي تركك فيه رسول الله ( صلى الله عليه آله ) وأخبراه بقولها ، فغضب ثم ردهما إليها وبعث معهما الأشتر ، فقال : والله لتخرجن أو لتُحْمَلنَّ احتمالاً .
ثم قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه : يا معشر عبد القيس أندبوا إليَّ الحرة الخيرة من نسائكم ، فإن هذه المرأة من نسائكم ، فإنها قد أبت أن تخرج ، لتحملوها احتمالاً . فلما علمت بذلك قالت لهم : قولوا فليجهزني ! فأتوا أمير المؤمنين صلوات الله عليه فذكروا له ذلك ، فجهزها وبعث معها بالنساء . . .
عن محصن بن زياد الضبي قال : سمعت الأحنف بن قيس يقول : فقالت : لا أفعل ! فقال لها : لئن لم تفعلي لأرسلن إليك نسوة من بكر بن وائل بشفار حداد يأخذنك بها . قال : فخرجت حينئذ ) !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 239 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي تاريخ اليعقوبي : 2 / 183 : ( وأتاها علي ، وهي في دار عبد الله بن خلف الخزاعي وابنه المعروف بطلحة الطلحات ، فقال : إيهاً يا حميراء ! ألم تُنْهَيْ عن هذا المسير ! فقالت : يا ابن أبي طالب قدرتَ فاسجحْ ! فقال : أخرجي إلى المدينة وارجعي إلى بيتك الذي أمرك رسول الله ( صلى الله عليه آله ) أن تقري فيه . قالت : أفعل . فوجه معها سبعين امرأة من عبد القيس في ثياب الرجال ، حتى وافوا بها المدينة ) .

في رقبة مَن . . قتلى حرب الجمل ؟ !

في تاريخ الطبري : 3 / 543 : ( كان قتلى الجمل حول الجمل عشرة آلاف ، نصفهم من أصحاب علي ونصفهم من أصحاب عائشة ) . انتهى .
ووصلت بهم الروايات إلى خمسة وعشرين ألفاً ! ففي تاريخ خليفة بن خياط ص 139 ، عن جدة المعلى أبي حاتم قالت : ( خرجنا إلى قتلى الجمل فعددناهم بالقصب عشرين ألفاً . . . عن خالد بن العاص عن أبيه قال : قتل ثلاثة عشر ألفاً ، من أصحاب علي ما بين الأربع مائة إلى الخمس مائة ) . انتهى .
وفي مستدرك الوسائل : 11 / 59 : في حديث عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، قال فيه : ( ومسيرها من مكة إلى البصرة ، وإشعالها حرباً قتل فيه طلحة والزبير وخمسة وعشرون ألفاً من المسلمين ، وقد علمتم أن الله عز وجل يقول : وَمَنْ يَقْتُلْ مؤمناً متعمداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عذاباً عَظِيماً ) .
وفي كشف الغمة : 1 / 243 : ( وكان عدة من قتل من جند الجمل ستة عشر ألفاً وسبعمائة وتسعين إنساناً ، وكانوا ثلاثين ألفاً ، فأتى القتل على أكثر من نصفهم ، وقتل من أصحاب علي ( عليه السلام ) ألف وسبعون رجلاً ، وكانوا عشرين ألفاً ) . انتهى .
أقول : المرجح عندي ما رواه في الكافئة : ص 19 عن علي ( عليه السلام ) قال : ( ولقد علمت والله أن الراكبة الجمل لا تحل عقدة ولا تسير عقبة ولا تنزل منزلة إلا إلى معصية الله ، حتى
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 240 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
تورد نفسها ومن معها مورداً يقتل ثلثهم ويهرب ثلثهم ويرجع ثلثهم ) . انتهى .
وقد رووا أن جنود فتنة عائشة كانوا ثلاثين ألفاً ، فيكون قتلاهم نحو عشرة آلاف جزاهم الله بسوء فعالهم ، وقد وصف علي ( عليه السلام ) قتلهم بأنه فقٌ لعين الفتنة ، ففي كشف الغمة : 1 / 244 : ( عن زر أنه سمع علياً ( عليه السلام ) يقول : أنا فقأت عين الفتنة ، ولولا أنا ما قتل أهل النهروان وأهل الجمل ، ولولا أنني أخشى أن تتركوا العمل لأنبأتكم بالذي قضى الله على لسان نبيكم ( صلى الله عليه وآله ) لمن قاتلهم مستبصراً ضلالهم ، عارفاً للهدي الذي نحن عليه ) . انتهى .
أما الشهداء من جنود علي ( عليه السلام ) فكانوا نحو ألفين ، رضوان الله عليهم .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 241 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

من نبل علي ( عليه السلام ) وعدالته في حرب الجمل

في تاريخ الطبري : 3 / 543 : ( ودخل علي البصرة يوم الاثنين فانتهى إلى المسجد فصلى فيه ثم دخل البصرة فأتاه الناس ، ثم راح إلى عائشة على بغلته فلما انتهى إلى دار عبد الله بن خلف وهي أعظم دار بالبصرة ، وجد النساء يبكين على عبد الله وعثمان ابني خلف مع عائشة ، وصفية ابنة الحارث مختمرة تبكي ، فلما رأته قالت : يا علي يا قاتل الأحبة يا مفرق الجمع ، أيتم الله بنيك منك كما أيتمت وُلد عبد الله منه ! فلم يردَّ عليها شيئاً ، ولم يزل على حاله حتى دخل على عائشة فسلم عليها وقعد عندها ، وقال لها جَبَهتنا صفية ، أما إني لم أرها منذ كانت جارية حتى اليوم ! فلما خرج علي أقبلت عليه فأعادت عليه الكلام ، فكف بغلته وقال : أما لهممت - وأشار إلى الأبواب من الدار - أن أفتح هذا الباب وأقتل من فيه ، ثم هذا فأقتل من فيه ، ثم هذا فأقتل من فيه ! وكان أناس من الجرحى قد لجؤوا إلى عائشة فأخبر عليٌّ بمكانهم عندها فتغافل عنهم ، فسكتت !
فخرج علي فقال رجل من الأزد : والله لا تفلتنا هذه المرأة ! فغضب وقال : صه ، لا تهتكنَّ ستراً ، ولا تدخلنَّ داراً ، ولا تَهيجنَّ امرأة بأذى ، وإن شَتَمْنَ أعراضكم وسفَّهْنَ أمراءكم وصلحاءكم ، فإنهن ضعاف ! ولقد كنا نؤمر بالكف عنهن وإنهن لمشركات ، وإن الرجل ليكافئ المرأة ويتناولها بالضرب فيعير بها عقبه من بعده ، فلا يبلغني عن أحد عرض لامرأة ، فأنكِّلُ به شرار الناس ) ! انتهى .
أقول : صفية هذه ، معروفة بأم طلحة الطلحات ، هي بنت الحارث بن طلحة بن أبي طلحة من بني عبد الدار ( تهذيب التهذيب : 12 / 380 ) ، ولذلك أجابها أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، عندما أعادت دعاءها عليه كما في مناقب آل أبي طالب : 2 / 98 : ( إني
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 242 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لا ألومك أن تبغضيني يا صفية وقد قتلت جدك يوم بدر وعمك يوم أحد ، وزوجك الآن ، ولو كنت قاتل الأحبة لقتلت من في هذه البيوت ) ! !
وروى الإربلي في كشف الغمة : / 242 ، قصة قتل علي ( عليه السلام ) لزوجها ابن خلف في حرب الجمل ، وأن ابن خلف كان البادئ حيث تحدى علياً ( عليه السلام ) وأراد قتله ، قال :
( خرج رجل مدجج يظهر بأساً ، ويعرِّض بذكر علي ( عليه السلام ) حتى قال :
أضربكم ولو أرى عليَّا عمَّمتُه أبيض مشرفيَّا
فخرج إليه عليٌّ ( عليه السلام ) متنكراً وضربه على وجهه فرمى بنصف قحف رأسه ! فسمع صائحاً من ورائه فالتفت فرأى ابن أبي خلف الخزاعي من أصحاب الجمل فقال : هل لك في المبارزة يا عليّ ؟ فقال عليّ ( عليه السلام ) : ما أكره ذلك ، ولكن ويحك يا ابن أبي خلف ، ما راحتك في القتل وقد علمت من أنا ؟ فقال : ذرني يا ابن أبي طالب من بذخك بنفسك ، وادنُ مني لترى أيُّنا يقتل صاحبه ! فثنى عليٌّ ( عليه السلام ) عنان فرسه إليه فبدره ابن خلف بضربة فأخذها علي في جحفته ، ثم عطف عليه بضربة أطار بها يمينه ، ثم ثنى بأخرى أطار بها قحف رأسه ) !
وذكر القاضي المغربي في دعائم الإسلام : 1 / 394 ، أن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) قال لإحدى النساء ( عائشة ) : ( ألا تبعدين هؤلاء الكلبات عني ! يزعمن أني قاتل الأحبة ، ولو قتلت الأحبة لقتلت من في هذه الحجرة ، ومن في هذه الحجرة ، وأومى إلى ثلاث حجرات ، فما بقي في الدار صائحة إلا سكتت ، ولا قائمة إلا جلست !
قال الأصبغ : وهو صاحب الحديث : وكان في إحدى الحجر عائشة ومن معها من خاصتها ، وفي الأخرى مروان بن حكم وشباب من قريش ، وفي الأخرى عبد الله بن الزبير وأهله . فقيل له : فهلا بسطتم أيديكم على هؤلاء فقتلتموهم ؟ أليس هؤلاء كانوا أصحاب القرحة ، فلمَ استبقاهم ؟ قال الأصبغ : قد ضربنا والله بأيدينا على قوائم السيوف ، وحددنا أبصارنا نحوه لكي يأمرنا فيهم بأمر ، فما
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 243 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فعل ووسعهم عفوه ! وذكر باقي الحديث بطوله ) . انتهى .
وفي تاريخ الطبري : 3 / 541 : ( وأوى عبد الله بن الزبير إلى دار رجل من الأزد يدعى وزيراً وقال : إئت أم المؤمنين فأعلمها بمكاني ، وإياك أن يطلع على هذا محمد بن أبي بكر ! فأتى عائشة فأخبرها فقالت عليَّ بمحمد ، فقال : يا أم المؤمنين إنه قد نهاني أن يعلم به محمد ، فأرسلت إليه فقالت : إذهب مع هذا الرجل حتى تجيئني بابن أختك ، فانطلق معه فدخل الأزدي على ابن الزبير قال : جئتك والله بما كرهت وأبت أم المؤمنين إلا ذلك ! فخرج عبد الله ومحمد وهما يتشاتمان ! فذكر محمد عثمان فشتمه ، وشتم عبد الله محمداً ، حتى انتهى إلى عائشة في دار عبد الله بن خلف ! وأرسلت عائشة في طلب من كان جريحاً فضمت منهم ناساً ، وضمت مروان فيمن ضمت فكانوا في بيوت الدار ) . انتهى .
أقول : هذا يدل على أن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أمر محمد بن أبي بكر أن يكون مع أخته عائشة ويتحمل سبها وشتمها ، ويطيعها في خدماتها ويعفو عن أنصارها !
وفي تاريخ الطبري : 3 / 547 : ( وجهز عليٌّ عائشة بكل شئ ينبغي لها من مركب أو زاد أو متاع ، وأخرج معها كل من نجا ممن خرج معها ، إلا من أحب المقام . واختار لها أربعين امرأة من نساء أهل البصرة المعروفات ، وقال : تجهز يا محمد فبلَّغها ، فلما كان اليوم الذي ترتحل فيه جاءها حتى وقف لها ، وحضر الناس فخرجت على الناس وودعوها وودعتهم وقالت :
يا بَنِيَّ ، تَعتُّبُ بعضنا على بعض استبطاءٌ واستزادة ، فلا يَعْتَدَّنَّ أحد منكم على أحد بشئ بلغه من ذلك ، إنه والله ما كان بيني وبين عليٍّ في القديم إلا ما يكون بين المرأة وأحمائها ، وإنه عندي على معتبتي من الأخيار ) ! انتهى .
ومعنى كلامها : يا أولادي ، نحن الصحابة قد يعتب بعضنا على بعض ، لأنه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 244 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يستبطئ منه ما يراه لازماً ، أو لأنه يريد منه المزيد من الخير الذي فعله ، فإن بلغكم من بعضنا غضب على بعض فلا تجعلوه سبباً للنزاع والحرب ! وأنا رغم عتبي على علي فهو عندي من الأخيار ، ولم يكن بيني وبينه إلا ما يكون بين الزوجة وأقارب زوجها من أمور صغيرة ! !
فهذا اعتراف عائشة بأن علياً رجل صالح وأن حربها له وألوف القتلى كانت بسبب حساسية الزوجة من أقارب زوجها ! أما علي ( عليه السلام ) فله فيها رأي آخر ! !
وفي تاريخ الطبري : 3 / 545 : ( عن محمد بن راشد عن أبيه قال : كان من سيرة علي : أن لا يقتل مدبراً ، ولا يدفف على جريح ، ولا يكشف ستراً ، ولا يأخذ مالاً ، فقال قوم يومئذ : ما يحلل لنا دماءهم ويحرم علينا أموالهم ؟ ! فقال علي : القوم أمثالكم ، من صفح عنا فهو منا ونحن منه ، ومن لجَّ حتى يصاب فقتاله مني على الصدر والنحر ، وإن لكم في خمسه لغنى . فيومئذ تكلمت الخوارج ) ! انتهى .
ومعنى قوله : ( فيومئذ تكلمت الخوارج ) : أنهم تشكلوا في ذلك اليوم كفئة لها متكلمون باسمهم ، وكان أول اعتراضهم على أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أنه أحلَّ قتال البغاة وحرَّم سبيهم وغنائمهم ، إلا ما حوى معسكرهم !
وفي الإحتجاج : 1 / 246 : عن عبد الله بن الحسن قال : ( كان أمير المؤمنين ( عليه السلام ) يخطب بالبصرة بعد دخوله بأيام فقام إليه رجل فقال : يا أمير المؤمنين أخبرني مَنْ أهل الجماعة ، ومَن أهل الفرقة ، ومَن أهل البدعة ومَن أهل السنة ؟ فقال : ويحك أما إذا سألتني فافهم عني ، ولا عليك أن تسأل عنها أحداً بعدي :
أما أهل الجماعة فأنا ومن اتبعني وإن قلوا ، وذلك الحق عن أمر الله تعالى وعن أمر رسوله ( صلى الله عليه آله ) . وأهل الفرقة المخالفون لي ولمن اتبعني وإن كثروا . وأما أهل السنة فالمتمسكون بما سنه الله لهم ورسوله وإن قلوا . وأما أهل البدعة فالمخالفون لأمر الله ولكتابه ولرسوله ، العاملون برأيهم وأهوائهم ، وإن كثروا ، وقد مضى منهم الفوج
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 245 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأول وبقيت أفواج ، وعلى الله قبضها واستيصالها عن جدد الأرض .
فقام إليه عمار فقال : يا أمير المؤمنين إن الناس يذكرون الفيئ ويزعمون أن من قاتلنا فهو وماله وولده فيئٌ لنا . فقام إليه رجل من بكر بن وائل يدعى عباد بن قيس ، وكان ذا عارضة ولسان شديد ، فقال : يا أمير المؤمنين والله ما قسمت بالسوية ، ولا عدلت بالرعية . فقال : ولمَ ويحك ؟ ! قال لأنك قسمت ما في العسكر وتركت الأموال والنساء والذرية . فقال : أيها الناس من كانت به جراحة فليداوها بالسمن ! فقال عباد : جئنا نطلب غنائمنا فجاءنا بالترهات !
فقال له أمير المؤمنين ( عليه السلام ) إن كنت كاذباً فلا أماتك الله حتى يدركك غلام ثقيف ( يقصد الحجاج ) ! قيل : ومن غلام ثقيف ؟ فقال : رجل لا يدع لله حرمة إلا انتهكها ! فقيل : أفيموت أو يقتل ؟ فقال : يقصمه قاصم الجبارين بموت فاحش يحترق منه دبره لكثرة ما يجرى من بطنه ! يا أخا بكر أنت أمرؤ ضعيف الرأي ، أوَما علمت أنا لا نأخذ الصغير بذنب الكبير ، وأن الأموال كانت لهم قبل الفرقة ، وتزوجوا على رشدة ، وولدوا على فطرة ، وإنما لكم ما حوى عسكرهم ، وما كان في دورهم فهو ميراث ، فإن عدا أحد منهم أخذناه بذنبه وإن كف عنا لم نحمل عليه ذنب غيره ! يا أخا بكر لقد حكمت فيهم بحكم رسول الله ( صلى الله عليه آله ) في أهل مكة ، فقسم ما حوى العسكر ، ولم يتعرض لما سوى ذلك ، وإنما اتبعت أثره حذو النعل بالنعل !
يا أخا بكر أما علمت أن دار الحرب يحل ما فيها ، وأن دار الهجرة يحرم ما فيها إلا بالحق فمهلاً مهلاً رحمكم الله . فإن لم تصدقوني وأكثرتم عليَّ - وذلك أنه تكلم في هذا غير واحد - فأيكم يأخذ عائشة بسهمه ؟ ! فقالوا : يا أمير المؤمنين أصبت وأخطأنا ، وعلمت وجهلنا ، فنحن نستغفر الله تعالى ! ونادى الناس من كل جانب : أصبت يا أمير المؤمنين ، أصاب الله بك الرشاد والسداد ، فقام عمار فقال :
أيها الناس إنكم والله لو اتبعتموه وأطعتموه لن يضل بكم عن منهل نبيكم ( صلى الله عليه وآله )
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 246 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
حتى قيْسَ شعرة ، وكيف لا يكون ذلك وقد استودعه رسول الله ( صلى الله عليه آله ) علم المنايا والقضايا وفصل الخطاب على منهاج هارون ، وقال له : أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ، فضلاً خصه الله به وإكراماً منه لنبيه ( صلى الله عليه آله ) حيث أعطاه ما لم يعط أحداً من خلقه . . .
ثم قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : أنظروا رحمكم الله ما تؤمرون فامضوا له . . . وأما عائشة فأدركها رأي النساء ، ولها بعد ذلك حرمتها الأولى والحساب على الله ، يعفو عمن يشاء ويعذب من يشاء ) . انتهى .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 247 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

أمير المؤمنين ( عليه السلام ) يرتب وضع البصرة ويواصل فتح إيران والهند

في تاريخ اليعقوبي : 2 / 183 : ( ولما فرغ من حرب أصحاب الجمل ، وجه جعدة بن هبيرة بن أبي وهب المخزومي إلى خراسان ) .
وفي شرح نهج البلاغة : 18 / 308 : ( هبيرة بن أبي وهب ، كان من الفرسان المذكورين ، وابنه جعدة بن هبيرة ، وهو ابن أخت علي بن أبي طالب ، أمه أم هاني بنت أبي طالب ، وابنه عبد الله بن جعدة بن هبيرة ، هو الذي فتح القهندر وكثيراً من خراسان ، فقال فيه الشاعر :

لولا ابن جعدةَ لم تُفتح قهندر كم * ولا خراسانُ حتى ينفخ الصور . انتهى .

أقول : في معجم البلدان : 4 / 419 ، وصحاح الجوهري : 1 / 433 : قهندز بالزاي .
وقال الطبري في تاريخه : 4 / 46 : ( فانتهى إلى أبر شهر وقد كفروا وامتنعوا فقدم على علي فبعث خليد بن قرة اليربوعي فحاصر أهل نيسابور حتى صالحوه وصالحه أهل مرو ، وأصاب جاريتين من أبناء الملوك نزلتا بأمان فبعث بهما إلى علي فعرض عليهما الإسلام وأن يزوجهما ، قالتا زوجنا ابنيك فأبى ، فقال له بعض الدهاقين إدفعهما إليَّ فإنه كرامة تكرمني بها ، فدفعهما إليه فكانتا عنده يفرش لهما الديباج ويطعمهما في آنية الذهب ، ثم رجعتا إلى خراسان ) . انتهى .
وقد وضعنا عنوان مواصلة علي ( عليه السلام ) للفتوحات عن قصد ، لإثبات أنه ( عليه السلام ) رغم أن أعداءه شغلوه بثلاث حروب داخلية ، فقد واصل اهتمامه بالفتوحات ، وفتح ولاته مناطق كثيرة من خراسان والهند وإفريقيا .
قال خليفة بن خياط في تاريخه ص 143 ، في حوادث سنة 36 : ( وفيها ندب الحارث بن مرة العبدي ( من البحرين ) الناس إلى غزو الهند ، فجاوز مكران إلى
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 248 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بلاد قندابيل ووغل في جبال الفيقان . . . ) .
وفي فتوح البلدان للبلاذري : 3 / 531 : ( فلما كان آخر سنة ثمان وثلاثين وأول سنة تسع وثلاثين في خلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، توجه إلى ذلك الثغر الحارث بن مرة العبدي متطوعاً بإذن علي ، فظفر وأصاب مغنماً وسبياً ، وقسم في يوم واحد ألف رأس ) . انتهى .
إن من ظلامات قريش لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) أنهم نسبوا الفتوحات لأبي بكر وعمر وعثمان ، وأخفوا دوره ودور تلاميذه وشيعته الفرسان أمثال : خالد بن سعيد بن العاص وإخوته أبان وعمرو ، وبريدة الأسلمي ، وعمار ، وحذيفة ، وسلمان ، والمقداد ، وحجر بن عدي ، والأشتر ، وهاشم المرقال ، وأبي ذر ، وعبادة بن الصامت ، والبراء بن عازب ، وأبي أيوب الأنصاري ، وبلال ، وعبد الله بن خليفة البجلي ، وعدي بن حاتم الطائي ، وبديل بن ورقاء الخزاعي ، وأبو عبيدة بن مسعود الثقفي . . . وغيرهم وغيرهم ، من القادة الميدانيين الذين قامت الفتوحات على قيادتهم وجهودهم وبطولاتهم .
فقد حدث أن انهزم المسلمون في معركة الجسر في أوائل فتح العراق ، وأرسل حذيفة إلى عمر إن الفرس جمعوا مئة وخمسين ألف جندي وهم قاصدون إلى المدينة فخاف عمر فنهض علي ( عليه السلام ) وطمأنه ، فأطلق عمر يده في إدارة الفتوحات إلى حد ، فأخذ يرسل القادة ويوجههم ، حتى أزال الأخطار وحقق الانتصارات ، لكن قريشاً كانت تنسب الفتوح إلى عمر وعثمان والمقربين إليهم !
وقد حدث أن جمعت الروم أكثر من مئة ألف مقاتل لمعركة فاصلة مع المسلمين في الشام ، وكان القادة الفرسان الذين حققوا النصر للمسلمين عليهم تلاميذ علي ( عليه السلام ) مثل خالد بن سعيد ، ومالك الأشتر ، وهاشم المرقال . . الخ .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 249 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : 20 / 298 : ( قال له قائل : يا أمير المؤمنين أرأيت لو كان رسول الله ( صلى الله عليه آله ) ترك ولداً ذكراً قد بلغ الحلم ، وآنس منه الرشد ، أكانت العرب تسلم إليه أمرها ؟ قال : لا ، بل كانت تقتله إن لم يفعل ما فعلت ، ولولا أن قريشاً جعلت اسمه ذريعة إلى الرياسة ، وسلماً إلى العز والأمرة ، لما عبدت الله بعد موته يوماً واحداً ، ولارتدت في حافرتها ، وعاد قارحها جذعاً ، وبازلها بكرًا ، ثم فتح الله عليها الفتوح فأثْرت بعد الفاقة ، وتمولت بعد الجَهد والمخمصة ، فحسن في عيونها من الإسلام ما كان سمجاً ، وثبت في قلوب كثير منها من الدين ما كان مضطرباً ، وقالت : لولا أنه حق لما كان كذا ، ثم نسبت تلك الفتوح إلى آراء ولاتها وحسن تدبير الأمراء القائمين بها ، فتأكد عند الناس نباهة قوم وخمول آخرين ، فكنا نحن ممن خمل ذكره ، وخبت ناره ، وانقطع صوته وصيته ، حتى أكل الدهر علينا وشرب ، ومضت السنون والأحقاب بما فيها ، ومات كثير ممن يعرف ، ونشأ كثير ممن لا يعرف .
وما عسى أن يكون الولد لو كان ! إن رسول الله ( صلى الله عليه آله ) لم يقربني بما تعلمونه من القُرْب للنسب واللحمة ، بل للجهاد والنصيحة ، أفتراه لو كان له ولد هل كان يفعل ما فعلت ! وكذاك لم يكن يَقْرُب ما قَرُبْتُ ، ثم لم يكن عند قريش والعرب سبباً للحظوة والمنزلة ، بل للحرمان والجفوة .
اللهم إنك تعلم أني لم أرد الأمرة ، ولا علو الملك والرياسة ، وإنما أردت القيام بحدودك ، والأداء لشرعك ، ووضع الأمور في مواضعها ، وتوفير الحقوق على أهلها والمضي على منهاج نبيك ، وإرشاد الضال إلى أنوار هدايتك ) . انتهى .
وقد أشرنا إلى موضوع المفتوحات استطراداً ، وهو يحتاج إلى دراسة خاصة ،
كما ينبغي التنبيه على أن إمضاء أمير المؤمنين ( عليه السلام ) للفتوحات لا يعني قبوله ( عليه السلام ) لأخطاءها الكثيرة ، ومنها أخطاء فادحة على مستوى الإسلام والتاريخ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 250 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

كيف استجابت الأمة لعلي ( عليه السلام ) وقاتلت معه قريشاً !

يتعجب الإنسان كيف تخلَّت أمة النبي ( صلى الله عليه آله ) عن أهل بيت النبي ( صلى الله عليه آله ) أيام وفاته فلم تَقُمْ بردة فعل على هجوم الحزب القرشي على بيت علي وفاطمة ( عليهما السلام ) حتى فعلوا ما فعلوا ، وأجبروا أهل البيت ( عليهم السلام ) على بيعة أبي بكر ! ثم كيف لم يستجب الأنصار لعلي ( عليه السلام ) حين استعمل معهم أقوى وسائل التحريك وهي ( الجاهة ) التي يحسب لها العرب كل حساب ! فقد حَمَل عليٌّ فاطمة الزهراء على دابة بعد الهجوم على دارها ، وكانت مريضة ، وأخذ معه ولديه الحسن والحسين ( عليهم السلام ) ، وطرق أبواب زعماء الأنصار واحداً واحداً ، وذكَّرهم هو وفاطمة ( عليهما السلام ) ببيعتهم له يوم الغدير وبيعتهم للنبي ( صلى الله عليه آله ) قبل عشر سنوات بيعة العقبة ، يوم قالوا للنبي ( صلى الله عليه آله ) : يا رسول الله أشرُطْ لنفسك ولربك ما شئت ، فأمر النبي ( صلى الله عليه آله ) علياً فأخذ عليهم البيعة على أن يحموا النبي ( صلى الله عليه آله ) حتى يبلغ رسالة ربه مما يحمون منه أنفسهم ، ويحموا أهل بيته مما يحمون منه أهليهم وذراريهم ، ولا ينازعوا الأمر أهله ! !
فلم تؤثر فيهم هذه الجاهة أكثر من وعدهم لعلي ( عليه السلام ) أن يوافوه غداً لدفع الظلم عنه والطلب بحقه ، فلم يحضروا ! !
يتعجب ، عندما يرى هؤلاء أنفسهم أو أولادهم ، يهتفون في زمن عثمان باسم عليّ ( عليه السلام ) للخلافة ، ويحتشدون بعد مقتل عثمان راجين أن يقبل بيعتهم بالخلافة !
وعندما خرجت عليه عائشة وطلحة والزبير استجابوا لدعوته إلى قتالهم !
وعندما خرج عليه معاوية ومعه كل قبائل قريش ، استجابوا له وقاتلوا معه قريشاً كلها في صفين ؟ !
فما الذي تغير في هذه الثلاثين سنة ، حتى صار قتال قريش سائغاً عند الأمة ؟ !
الذي حدث ، أولاً : أن قبائل قريش حكمت في عهد أبي بكر وعمر اثنتي عشرة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 251 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
سنة ، ثم سلَّمت الخلافة إلى بني أمية فاستأثروا وظلموا ، فضجَّت الأمة من ظلم قريش ! وصار مطلب عامتها في المدينة والولايات ، إصلاح ما أفسدته قريش ، ولا يوجد شخص عادل قوي يستطيع إصلاحه مثل علي ( عليه السلام ) .
والذي حدث ثانياً : أن جمهور الطلقاء الذي حشدتهم قريش في المدينة عند وفاة النبي ( صلى الله عليه آله ) وعلموهم أن يصيحوا : القول ما قاله عمر ، لا يوجدون الآن !
وحتى لو كانوا موجودين فصياحهم اليوم لا ينفع ، لغياب قادة قريش المحنكين المخططين وهم : سهيل بن عمرو ، وأبو بكر بن أبي قحافة ، وعمر بن الخطاب ، وأبو عبيدة بن الجراح ، وسالم الفارسي مولى حذيفة الأموي !
والذي حدث ثالثاً : أن شعور الأمة بتأنيب الضمير لظلامتها لأهل بيت نبيها ( عليهم السلام ) قد نما فيها ، فأرادت أن تكفر عن ذلك ببيعتها لعلي ( عليه السلام ) !
فهذه العوامل الثلاثة كانت أسباباً في استجابة الأمة لعلي ( عليه السلام ) ، لكن العامل الأساسي الذي يعادلها جميعاً هو شخصية عليٍّ الفريدة ، في تجسيده للنبي ( صلى الله عليه آله ) ، وتاريخ جهاده العظيم ، وشجاعته ، وبلاغته ، وعدله ( عليه السلام ) !
ويعادل كل هذه العوامل والصفات : المعجزات التي رأتها الأمة من علي ( عليه السلام ) فخشعت لها قلوب المؤمنين ، وخضعت لها أعناق المنافقين ! فقد كان ( عليه السلام ) يخبرهم بما سيكون من أحداث ، ويريهم آيات الله تعالى وآيات رسوله ( صلى الله عليه آله ) ، وقد بلغت معجزاته التي رأتها الأمة في خلافته أكثر من خمس مئة ! !
ومن خصائص شخصية علي ( عليه السلام ) التي كانت تعجب الأمة ، قوة قلبه وبصيرته ، بحيث استطاع أن يخوض الحرب مع الناكثين والقاسطين والمارقين ، بإمكانات بسيطة بالقياس إلى إمكانات طلحة والزبير وعائشة ومعاوية ! فقد تقدم أن طلحة وحده كان يمكنه أن يموِّل ثلاث حروب كحرب الجمل ، مضافاً إلى أن بيوت
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 252 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أموال المسلمين في الأمصار كانت في يد الولاة الأمويين فجاء بعضهم بها إلى عائشة وطلحة والزبير ، كيعلى بن أمية والي اليمن ! ( ثقات ابن حبان : 2 / 279 ) .
لقد استطاعت عائشة وشركاؤها بهذه الثروات أن يجندوا مئة وعشرين ألفاً !
وقد تقدم في رواية الأخبار الطوال ص 150 : ( ونادى علي رضي الله عنه في أصحابه : لا تتبعوا مولياً ، ولا تجهزوا على جريح ، ولا تنتهبوا مالاً ، ومن ألقى سلاحه فهو آمن ، ومن أغلق بابه فهو آمن . قال : فجعلوا يمرون بالذهب والفضة في معسكرهم والمتاع ، فلا يعرض له أحد . . . ) . انتهى .
فهذا حال معسكرهم بعد الهزيمة ! في حين كان بيت مال المسلمين في عاصمة الخلافة فارغاً ليس فيه ما يجهز جيشاً ، فاستعان علي ( عليه السلام ) ببعض الصحابة ( ثعلبة بن عمير بدري ، وهو الذي أعطى علياً يوم الجمل مائة ألف درهم أعانه بها ، قتل يوم صفين ) . ( شرح الأخبار : 2 / 21 ) .
كما أن سياسته ( عليه السلام ) في احترام الإنسان المسلم وعدم إجباره على القتال معه ، قللت من عدد جيشه ، فلم يزد في حرب الجمل على اثني عشر ألفاً !
أما في حرب صفين فقد كانت ثروة معاوية وحدها كافية لتمويل عدة جيوش ! فقد كان الحاكم المدلل الذي أطلق عمر ثم عثمان يده في بيت مال بلاد الشام ولم يحاسباه أبداً ، وكان مع ذلك يتاجر حتى في الخمور ! وقصة الصحابيين عبادة بن الصامت وعبد الله بن سهل مع قوافل معاوية المحملة بالخمر ، مشهورة !
وقد بالغ معاوية في تجهيز جيشه لحرب علي ( عليه السلام ) في صفين عدداً وعُدةً ، فبلغ مئة وعشرين ألفاً ، بينما بلغ جيش علي ( عليه السلام ) تسعين ألفاً . ( التنبيه والإشراف ص 255 ) .
وقد وردت هذه الحقائق عن لسان أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، في جوابه للأشعث بن قيس عندما سأله ما دمت وصي النبي ( صلى الله عليه آله ) وصاحب الحق ، فلماذا لم تقاتل أبا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 253 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بكر وعمر ؟ فقال ( عليه السلام ) : ( أخبرني رسول الله ( صلى الله عليه آله ) بما الأمة صانعة بي بعده ! فلم أك بما صنعوا حين عاينته بأعلم مني ولا أشد يقيناً مني به قبل ذلك ، بل أنا بقول رسول الله ( صلى الله عليه آله ) أشد يقيناً مني بما عاينت وشهدت . فقلت : يا رسول الله فما تعهد إليَّ إذا كان ذلك ؟ قال : إن وجدتَ أعواناً فانبذ إليهم وجاهدهم ، وإن لم تجد أعواناً فاكفف يدك واحقن دمك ، حتى تجد على إقامة الدين وكتاب الله وسنتي أعواناً . . .
ويلك يا ابن قيس ، كيف رأيتني صنعت حين قتل عثمان إذ وجدت أعواناً ؟ ! هل رأيت مني فشلاً أو تأخراً أو جبناً أو تقصيراً في وقعتي يوم البصرة ، وهم حول جملهم ، الملعون من معه ، الملعون من قتل حوله ، الملعون من رجع بعده لا تائباً ولا مستغفراً ، فإنهم قتلوا أنصاري ونكثوا بيعتي ومثلوا بعاملي وبغوا عليَّ !
فسرت إليهم في اثني عشر ألفاً وهم نيفٌ على عشرين ومائة ألف ! فنصرني الله عليهم ، وقتلهم بأيدينا وشفى صدور قوم مؤمنين .
وكيف رأيت يا ابن قيس وقعتنا بصفين ، وما قتل الله منهم بأيدينا خمسين ألفاً في صعيد واحد إلى النار !
وكيف رأيتنا يوم النهروان ، إذ لقيتُ المارقين وهم مستمسكون يومئذ بدين الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ؟ فقتلهم الله بأيدينا في صعيد واحد إلى النار ، لم يبق منهم عشرة ، ولم يقتلوا من المؤمنين عشرة !
ويلك يا ابن قيس ، هل رأيت لي لواءً رُدَّ ، أو راية رُدَّت ؟ ! إيايَ تعير يا ابن قيس ؟ وأنا صاحب رسول الله ( صلى الله عليه آله ) في جميع مواطنه ومشاهده ، والمتقدم إلى الشدائد بين يديه ، لا أفر ولا أزول ، ولا أعيا ولا أنحاز ، ولا أمنح العدو دبري ، لأنه لا ينبغي للنبي ولا للوصي إذا لبس لأمته وقصد لعدوه أن يرجع أو ينثني حتى يقتل أو يفتح الله له . . .
يا ابن قيس ، أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ، إني لو وجدت يوم بويع أخو تيم الذي عيرتني بدخولي في بيعته ، أربعين رجلاً كلهم على مثل بصيرة الأربعة الذين قد وجدت ، لما كففت يدي ولناهضت القوم ، ولكن لم أجد خامساً فأمسكت ) ! ( كتاب سليم بن قيس ص 215 )
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 254 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

لماذا كان الأمر يدور بين القتال أو الكفر

استفاض الحديث عن علي ( عليه السلام ) بأنه كان يقول إن قتاله للناكثين والقاسطين والمارقين فريضةٌ مشددة ، وتنفيذٌ للعهد النبوي إليه ، وأن أمره يدور بين تنفيذ هذا العهد ، وبين أن يعصي الرسول ( صلى الله عليه آله ) ، ويكفر بما أنزله الله تعالى عليه !
ففي علل الشرائع : 1 / 222 : ( إني قلَّبت أمري وأمرهم ظهراً لبطن ، فما وجدت إلا قتالهم أو الكفر بما جاء به محمد ( صلى الله عليه آله ) ) !
وفي تاريخ دمشق : 42 / 439 : ( فوالله ما وجدت إلا السيف أو الكفر بما أنزل على محمد ) . وفي : 42 / 474 : ( ما وجدت إلا القتال أو الكفر بما أنزل على محمد ) . ونحوه في أسد الغابة : 4 / 31 ، وأنساب الأشراف ص 236 .
وجاء في صفين لابن مزاحم ص 474 ، وفي المعيار والموازنة للإسكافي 145 ، والأخبار الطوال للدينوري ص 187 ، واللفظ له : ( وبرز رجل من أهل الشام مقنعاً بالحديد ، ونادى : يا أبا الحسن ، أدن مني أكلمك ، فدنا منه عليٌّ حتى اختلفت أعناق فرسيهما بين الصفين ، فقال : إن لك قدماً في الإسلام ليس لأحد ، وهجرة مع رسول الله ( ص ) وجهاداً ، فهل لك أن تحقن هذه الدماء ، وتؤخر هذه الحرب برجوعك إلى عراقك ، ونرجع إلى شامنا إلى أن تنظر وننظر في أمرنا ؟ . فقال علي : يا هذا ، إني قد ضربت أنف هذا الأمر وعينيه ، فلم أجده يسعني إلا القتال أو الكفر بما أنزل الله على محمد ، إن الله لا يرضى من أوليائه أن يعصى في الأرض وهم سكوت لا يأمرون بمعروف ولا ينهون عن منكر ، فوجدت القتال أهون من معالجة الأغلال في جهنم . قال : فانصرف الشامي وهو يسترجع ) . انتهى .
وهكذا كان عليٌّ ( عليه السلام ) مأموراً من رسول الله ( صلى الله عليه آله ) بما فعل ، كما كان النبي ( صلى الله عليه آله ) مأموراً من الله تعالى ! فلماذا ؟
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 255 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لا تفسير لذلك إلا أن الله تعالى علم بعلمه المطلق أن قريشاً على رغم فتح عاصمتها مكة وإخضاعها عسكرياً ، ما تزال تشكل في المستقبل القريب خطراً على أصل الإسلام ، وأن بني أمية أقدر القبائل على قيادة قريش ، وأن تسليم قبائل قريش قيادتها إلى سهيل بن عمرو السهمي ، وأبي بكر التيمي ، وعمر العدوي ، ليس إلا حالة طارئة قصيرة تعود بعدها قيادتها إلى أمية !
وأن نقمة الصحابة والأمة على عثمان ليست إلا مقطعاً قصيراً أيضاً ، بإمكان بني أمية أن يحتووه ، أما طلحة والزبير وعائشة فلو نجحوا في إسقاط حكم علي ( عليه السلام ) وأخذوا الخلافة ، فهم متناقضون عجولون ، ليست لهم القدرة على قيادة قريش ، وسرعان ما ينتهون ولا يكونون إلا كالزوج المحلِّل لرجوع الخلافة إلى بني أمية ، كما كان حال سهيل وأبي بكر وعمر !
لذلك كانت وصية النبي ( صلى الله عليه آله ) لعلي ( عليه السلام ) أن يستثمر نقمة الأمة على عثمان ويقاتل بني أمية على التأويل كما قاتلهم مع النبي ( صلى الله عليه آله ) على التنزيل ، وبذلك يتمُّ بعثُ العهد النبوي مجدداً ليبقى ماثلاً في تاريخ الأمة وضميرها ، حتى لو لم يتحقق لعلي ( عليه السلام ) النصر الكامل على قريش وأمية !
وهذا يفسر لنا تأكيدات أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وأبرار الصحابة على أن بني أمية ما أسلموا ولكن استسلموا ! وأنهم أصحاب مشروع خفي لتشويه شخصية النبي ( صلى الله عليه آله ) وضرب أصل الإسلام ! فقد كان عمار بن ياسر ( رحمه الله ) ينادي : ( أيها الناس والله ما أسلموا ، ولكنهم استسلموا وأسروا الكفر ! فلما وجدوا أعواناً أظهروه ) ! ( صفين لابن مزاحم ص 243 ، وشرح الأخبار : 2 / 157 ، وعلل الشرائع : 1 / 222 ) .
وقد أخذ عمار ذلك من إمامه أمير المؤمنين ( عليه السلام ) الذي أخذ من النبي ( صلى الله عليه آله ) ، ففي نهج البلاغة : 3 / 16 : ( وكان ( عليه السلام ) يقول لأصحابه عند الحرب : لا تشتدن عليكم فرَّةٌ بعدها كرة ، ولا جولة بعدها حملة وأعطوا السيوف حقوقها ، ووطئوا للجنوب مصارعها ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 256 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
واذمروا أنفسكم على الطعن الدعسي والضرب الطلحفي ، وأميتوا الأصوات فإنه أطرد للفشل . فوالذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما أسلموا ولكن استسلموا وأسروا الكفر ، فلما وجدوا أعواناً عليه أظهروه ) !
وقال نصر بن مزاحم ص 215 : ( كنا مع علي بصفين ، فرفع عمرو بن العاص شقة خميصة سوداء في رأس رمح فقال ناس : هذا لواء عقده له رسول الله ( صلى الله عليه آله ) فلم يزالوا كذلك حتى بلغ علياً ، فقال : هل تدرون ما أمر هذا اللواء ؟ إن عدو الله عمرو بن العاص أخرج له رسول الله هذه الشقة فقال : من يأخذها بما فيها ؟ فقال عمرو : وما فيها يا رسول الله ؟ قال : فيها أن لا تقاتل به مسلماً ، ولا تفر به من كافر ! فأخذها ، فقد والله فرًّ به من المشركين ، وقاتل به اليوم المسلمين ! ! والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما أسلموا ولكن استسلموا وأسروا الكفر ، فلما وجدوا أعواناً رجعوا إلى عدواتهم لنا إلا أنهم لم يدعوا الصلاة ) . انتهى .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 257 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

عهدٌ معهودٌ من النبي ( صلى الله عليه آله ) لتقاتلنَّ بعدي على تأويل القرآن الناكثين والقاسطين والمارقين

روى المسلمون أحاديث صحيحة أن النبي ( صلى الله عليه آله ) أخبر قريشاً بأنهم يحتاجون إلى من يقاتلهم بعده على تأويل القرآن ، كما قاتلهم هو على تنزيله !
ففي مستدرك الحاكم : 2 / 138 : ( لما افتتح رسول الله ( صلى الله عليه آله ) مكة أتاه ناس من قريش فقالوا : يا محمد إنا حلفاؤك وقومك ، وإنه لحق بك أرقاؤنا ليس لهم رغبة في الإسلام ، وإنما فروا من العمل فارددهم علينا ! فشاور أبا بكر في أمرهم فقال : صدقوا يا رسول الله ! فقال لعمر : ما ترى ؟ فقال مثل قول أبي بكر !
فقال رسول الله ( صلى الله عليه آله ) : يا معشر قريش ليبعثن الله عليكم رجلاً منكم امتحن الله قلبه للإيمان ، فيضرب رقابكم على الدين ! فقال أبو بكر : أنا هو يا رسول الله ؟ قال : لا . قال عمر : أنا هو يا رسول الله ؟ قال : لا ، ولكنه خاصف النعل في المسجد ! وقد كان ألقى نعله إلى علي يخصفها . هذا حديث صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرجاه ) .
وفي مجمع الزوائد : 7 / 238 : ( عن علي قال عهد إليَّ رسول الله ( ص ) في قتال الناكثين والقاسطين والمارقين . رواه البزار والطبراني في الأوسط وأحد إسنادي البزار رجاله رجال الصحيح غير الربيع بن سعيد ووثقه ابن حبان ) .
وفي أمالي الصدوق 463 ، عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) قال : بلغ أم سلمة زوجة النبي ( صلى الله عليه آله ) أن مولى لها يتنقص علياً ( عليه السلام ) ويتناوله فأرسلت إليه ، فلما أن صار إليها قالت له : يا بنيَّ بلغني أنك تتنقص علياً وتتناوله ! قال لها : نعم يا أماه . قالت : أقعد ثكلتك أمك حتى أحدثك بحديث سمعته من رسول الله ( صلى الله عليه آله ) ثم اختر لنفسك . . . إلى أن قالت : فدخلتُ وعليٌّ جاثٍ بين يديه ، وهو يقول : فداك أبي وأمي يا رسول الله ، إذا كان كذا وكذا ، فما تأمرني ؟ قال : آمرك بالصبر . ثم أعاد عليه القول الثانية ، فأمره بالصبر ، فأعاد عليه القول الثالثة ، فقال له : يا علي يا أخي ، إذا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 258 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كان ذاك منهم فسُلَّ سيفك وضعه على عاتقك واضرب به قُدُماً قدماً ، حتى تلقاني وسيفك شاهر يقطر من دمائهم ! ثم التفت ( عليه السلام ) إليَّ فقال لي : ما هذه الكآبة يا أم سلمة ؟ قلت : للذي كان من ردك لي يا رسول الله . فقال لي : والله ما رددتك من مَوْجَدة وإنك لعلى خير من الله ورسوله لكن أتيتني وجبرئيل عن يميني وعليٌّ عن يساري ، وجبرئيل يخبرني بالأحداث التي تكون من بعدي ، وأمرني أن أوصي بذلك علياً ! يا أم سلمة إسمعي واشهدي : هذا علي بن أبي طالب ، أخي في الدنيا وأخي في الآخرة . يا أم سلمة إسمعي واشهدي ، هذا علي بن أبي طالب ، وزيري في الدنيا ووزيري في الآخرة . يا أم سلمة إسمعي واشهدي ، هذا علي بن أبي طالب ، حامل لوائي في الدنيا وحامل لوائي غداً في القيامة . يا أم سلمة إسمعي واشهدي ، هذا علي بن أبي طالب وصيي وخليفتي من بعدي ، وقاضي عداتي ، والذائد عن حوضي . يا أم سلمة إسمعي واشهدي ، هذا علي بن أبي طالب ، سيد المسلمين ، وإمام المتقين ، وقائد الغر المحجلين ، وقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين . قلت : يا رسول الله من الناكثون ؟ قال : الذين يبايعونه بالمدينة وينكثون بالبصرة . قلت : من القاسطون ؟ قال : معاوية وأصحابه من أهل الشام . قلت : من المارقون ؟ قال : أصحاب النهروان . فقال مولى أم سلمة : فرجت عني فرج الله عنك ، والله لا سببت علياً أبداً ) .
وفي من لا يحضره الفقيه : 4 / 419 : ( عن الأصبغ بن نباتة قال : قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في بعض خطبه : أيها الناس إسمعوا قولي واعقلوه عني فإن الفراق قريب : أنا إمام البرية ووصى خير الخليقة ، وزوج سيدة نساء الأمة ، وأبو العترة الطاهرة والأئمة الهادية . أنا أخو رسول الله ( صلى الله عليه آله ) ووصيه ووليه ، ووزيره وصاحبه وصفيه ، وحبيبه وخليله أنا أمير المؤمنين وقائد الغر المحجلين وسيد الوصيين ، حربي حرب الله ، وسلمى سلم الله ، وطاعتي طاعة الله وولايتي ولاية الله ، وشيعتي أولياء الله ، وأنصاري أنصار الله . والذي خلقني ولم أك شيئاً لقد علم المستحفظون من أصحاب محمد ( صلى الله عليه وآله ) أن الناكثين والقاسطين والمارقين ملعونون على لسان النبي الأمي وقد خاب من افترى ) .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 259 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
علي ( عليه السلام ) يعيد العهد النبوي ويضمِّد جراح العهد العثماني
عمل أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في خلافته على جبهات متعددة ، بفعالية عجيبة !
فعلى صعيد نقل عاصمة الخلافة إلى الكوفة : اتخذ إجراءات في تخطيط الكوفة وتنظيم مجتمعها ، وتعيين مسؤولين على أرباعها ، وكان يعقد الجلسات مع فقهائها وزعمائها ، ويتجول في مناطقها ، ويتفقد أسواقها ويوجه العاملين فيها .
وعلى صعيد الحريات العامة : أعاد حريات المسلمين المصادرة بعد النبي ( صلى الله عليه آله ) وفي أولها حرية الرأي والتعبير ، والامتناع عن البيعة ، وحرية نقد الحكومة ونظام الحكم ورئيسه ، بل أعطى الحرية لمعارضيه الخوارج أن يتسلحوا ويتجمعوا في معسكرات ، وأعلن أنه لا يَنقص أحداً منهم من حقه في بيت المال ، ولا يتعرض لهم ، إلا إذا بدؤوا باعتداء ، أو قتال !
وعلى صعيد تقسيم الثروة : طبَّق ( عليه السلام ) عدالة العهد النبوي ، فساوى بين المسلمين في العطاء وفرص العمل ، وساوى بين نفسه وخادمه ، فكان يشتري قميصين ويعطي قنبراً أحسنهما ، لأنه شابٌّ والشاب يحب الزينة ! ( المناقب : 2 / 97 ) .
وكان يقسم الغنائم ، وما في بيت المال حتى يفرِّغه ، ثم يصلي ركعتين ويقول : الحمد لله الذي أخرجني منه كما دخلته . ( المناقب : 1 / 364 ) .
وعلى صعيد العمال والضمان الاجتماعي : طبق العدالة النبوية ، فشرع الضمان الاجتماعي من بيت المال ، وحكم به للمواطنين حتى اليهود والنصارى ، فقد رأى شيخاً كبيراً يستعطي فقال : ما هذا ؟ فقالوا : يا أمير المؤمنين نصراني . فقال ( عليه السلام ) : استعملتموه حتى إذا كبر وعجز منعتموه ! أنفقوا عليه من بيت المال ) . ( التهذيب : 6 / 293 ، ونلاحظ أنه هذه البادرة من أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في الضمان الاجتماعي سرقها الرواة ونسبوها لعمر ! ) .
وعلى صعيد تعيين ولاة الأمصار : قام باستبدال ولاة عثمان الأمويين ، وأصدر
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 260 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مراسيم عيَّن بموجبها حكاماً لآذربيجان ، ومصر ، واليمن ، والمدينة ، ومكة ، والبصرة ، وفتوح خراسان ، والبحرين ، وفتوح الهند ، ومناطق أخرى من بلاد الدولة الإسلامية ، فلم يكن خارجاً عن سلطته إلا منطقة الشام .
وعلى صعيد منع الفساد الإداري ورقابة حكام الولايات : كان يتابع عماله ويراسلهم باستمرار ، وأسس جهاز المراقبين ، وطبَّقه بحزم على العمال ، وعزل بعضهم كالأشعث بن قيس عن آذربيجان ، وعاقب حاكم الأهواز وفضحه !
وأمر مالك الأشتر عندما ولاه مصر أن يشكل هذا الجهاز لمراقبة حكام المحافظات ، فكتب له : ( ثم انظر في أمور عمالك فاستعملهم اختباراً ، ولا تولهم محاباة وأثرة ، فإنهما جماع من شعب الجور والخيانة ، وتوخَّ منهم أهل التجربة والحياء من أهل البيوتات الصالحة ، والقدم في الإسلام المتقدمة ، فإنهم أكرم أخلاقاً وأصح أعراضاً ، وأقل في المطامع إشرافاً ، وأبلغ في عواقب الأمور نظراً .
ثم أسبغ عليهم الأرزاق ، فإن ذلك قوة لهم على استصلاح أنفسهم ، وغنى لهم عن تناول ما تحت أيديهم ، وحجة عليهم إن خالفوا أمرك أو ثلموا أمانتك . ثم تفقد أعمالهم ، وابعث العيون من أهل الصدق والوفاء عليهم ، فإن تعاهدك في السر لأمورهم حدوة لهم على استعمال الأمانة والرفق بالرعية .
وتحفَّظ من الأعوان ، فإن أحدٌ منهم بسط يده إلى خيانة اجتمعت بها عليه عندك أخبار عيونك ، اكتفيت بذلك شاهداً ، فبسطت عليه العقوبة في بدنه ، وأخذته بما أصاب من عمله ، ثم نصبته بمقام المذلة ، ووسمته بالخيانة وقلدته عار التهمة ) . ( نهج البلاغة : 3 / 95 ) .
ووضع لنفسه ولحكام ولاياته برنامج سلوك ، كشفت عنه رسالته إلى حاكم البصرة عثمان بن حنيف ، عندما بلغه أنه دُعِيَ إلى وليمة رجل ثري فأجاب ، فكتب إليه : ( أما بعد يا ابن حنيف ، فقد بلغني أن رجلاً من فتية أهل البصرة دعاك
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 261 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إلى مأدبة فأسرعت إليها ، تُستطابُ لك الألوان ، وتنقل إليك الجفان ! وما ظننت أنك تجيب إلى طعام قوم عائلهم مجفوّ ، وغنيهم مدعوٌ ، فانظر إلى ما تقضمه من هذا المقضم ، فما اشتبه عليك علمه فالفظه ، وما أيقنت بطيب وجهه فنل منه .
ألا وإن لكل مأموم إماما يقتدي به ويستضئ بنور علمه . ألا وإن إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه ، ومن طعمه بقرصيه . ألا وإنكم لا تقدرون على ذلك ، ولكن أعينوني بورع واجتهاد ، وعفة وسداد ، فوالله ما كنزت من دنياكم تبرا ، ولا ادخرت من غنائمها وفرا ، ولا أعددت لبالي ثوبي طمراً ، ولا حزت من أرضها شبراً ، ولا أخذت منه إلا كقوت أتان دبرة ، ولهي في عيني أوهى من عفصة مَقِرة !
إلى أن قال ( عليه السلام ) : ولو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفى هذا العسل ، ولباب هذا القمح ، ونسائج هذا القز ، ولكن هيهات أن يغلبني هواي ، ويقودني جشعي إلى تخير الأطعمة ، ولعل بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص ولا عهد له بالشبع أوَ أبيتُ مبطاناً وحولي بطون غرثى وأكباد حرى ؟ أو أكون كما قال القائل :

وحسبك داءً أن تبيتَ ببطنةٍ * وحولك أكبادٌ تحنُّ إلى القِدِّ

أأقنع من نفسي بأن يقال أمير المؤمنين ولا أشاركهم في مكاره الدهر ، أو أكون أسوة لهم في جشوبة العيش ! فما خُلقت ليشغلني أكل الطيبات كالبهيمة المربوطة همها علفها ، أو المرسلة شغلها تقمُّمُها ، تكترش من أعلافها وتلهو عما يراد بها . أوَ أتركُ سدى أو أهمل عابثاً ، أو أجرُّ حبل الضلالة ، أو أعتسف طريق المتاهة .
وكأني بقائلكم يقول : إذا كان هذا قوت ابن أبي طالب فقد قعد به الضعف عن قتال الأقران ومنازلة الشجعان ! ألا وإن الشجرة البرية أصلب عوداً ، والروائع الخضرة أرق جلوداً ، والنباتات البدوية أقوى وقوداً وأبطأ خمودا ، وأنا من رسول الله كالصنو من الصنو والذراع من العضد . والله لو تظاهرت العرب على قتالي لما وليت عنها ، ولو أمكنت الفرص من رقابها لسارعت إليها ، وسأجهد في أن أطهر الأرض من هذا الشخص المعكوس والجسم المركوس ، حتى تخرج المدرة من بين حب الحصيد .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 262 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إليك عني يا دنيا فحبلك على غاربك ، قد انسللتُ من مخالبك ، وأفلتُّ من حبائلك ، واجتنبت الذهاب في مداحضك . أين القرون الذين غررتهم بمداعبك ؟ أين الأمم الذين فتنتهم بزخارفك ؟ ها هم رهائن القبور ومضامين اللحود . والله لو كنت شخصا مرئياً وقالباً حسياً لأقمت عليك حدود الله في عباد غررتهم بالأماني ، وأمم ألقيتهم في المهاوي ، وملوك أسلمتهم إلى التلف ، وأوردتهم موارد البلاء ، إذ لا ورد ولا صدر . هيهات من وطأ دحْضك زلق ، ومن ركب لججك غرق ، ومن ازْوَرَّ عن حبائلك وُفق ، والسالم منك لا يبالي إن ضاق به مناخه ، والدنيا عنده كيوم حان انسلاخه . أُعْزُبي عني ، فوالله لا أذلُّ لك فتستذليني ، ولا أسلس لك فتقوديني . وأيم الله يميناً أستثني فيها بمشيئة الله ، لأروضن نفسي رياضة تهش معها إلى القرص إذا قدرت عليه مطعوماً ، وتقنع بالملح مأدوما ، ولأدَعَنَّ مقلتيَّ كعين ماء نضب معينها ، مستفرغة دموعها ! أتمتلئ السائمة من رعيها فتبرك ، وتشبع الربيضة من عشبها فتربض ، ويأكل عليٌّ من زاده فيهجع ! قرَّتْ إذاً عينه إذا اقتدى بعد السنين المتطاولة بالبهيمة الهاملة والسائمة المرعية .
طوبى لنفس أدت إلى ربها فرضها ، وعركت بجنبها بؤسها . وهجرت في الليل غمضها ، حتى إذا غلب الكرى عليها افترشت أرضها وتوسدت كفها ، في معشر أسهر عيونهم خوف معادهم ، وتجافت عن مضاجعهم جنوبهم ، وهمهمت بذكر ربهم شفاههم ، وتقشعت بطول استغفارهم ذنوبهم : أُولَئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ . فاتق الله يا ابن حنيف ، ولتكفك أقراصك ليكون من النار خلاصك ) . ( نهج البلاغة : 3 / 72 )
وعلى صعيد الثقافة : ألغى علي ( عليه السلام ) حظر تدوين السنة الذي فرضه أبو بكر وعمر وعثمان ، وأمر برواية السنة النبوية وتدوينها ، وشجع عليه . وأطلق ( عليه السلام ) للعلماء والطلبة البحث في تفسير القرآن ، وألغى المنع الذي فرضه عمر .
كما أبعد عن المسلمين مصادر الكذب والتخريب الثقافي ، من الحاخامات
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 263 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والقساوسة وتلاميذهم ، الذين قربهم عمر وعثمان وولاتهم ، وأطلقوا أيديهم في تشويه ثقافة الإسلام ، ونشر ثقافة اليهود والنصارى !
* *
إن تفصيل الكلام في أعماله ( عليه السلام ) وتوثيق مصادره يحتاج إلى أكثر من كتاب ، فقد تنفَّسَ المسلمون في عهده ( عليه السلام ) وتنسَّموا نسيم رسول الله ( صلى الله عليه آله ) وعدله ، وصار حكم عليٍّ ، وأحكام عليّ ، وطريقة عمل عليّ ، وكلمات عليّ ، ومناقب عليّ وصفاته المميزة ، صلوات الله عليه ، مثلاً حياً للمسلمين ، ونموذجاً طالب به كل الذين عانوا من ظلم بني أمية فيما بعدُ وثاروا عليه !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 264 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 265 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل السادس : استعدادات قريش لحرب صفين بعد حرب الجمل

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 266 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 267 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

تجمعت قريش الطلقاء تحت قيادة معاوية لحرب علي ( عليه السلام ) !

لا يمكن لباحث أن يفهم تاريخ الإسلام ، سواءً في عصر النبوة أو بعده ، حتى يفهم التركيبة القبلية لقريش ، وقوة تأثير الإنتماء القبلي على سلوك أشخاصها ومواقفهم السياسية إلا من عصم الله ! فعندما بُعث النبي ( صلى الله عليه آله ) كانت قريش أكثر من عشرين قبيلة صغيرة وكبيرة ، وكان عدد نفوسها جميعاً لا يزيد عن ثلاثين ألفاً ، وبعض القبائل صغيرة لا يزيد عددها عن مئتي نسمة أو ثلاث مئة ، كبني تيم وعدي ، قبيلتي أبي بكر وعمر .
فالقبائل المؤثرة معدودة ، والباقون تابعون لها ، فعندما بَنَتْ قريش الكعبة واختلفت مَن يضع الحجر الأسود في مكانه ، مثلتها كلها خمس قبائل ورضي الجميع بها . ففي الكافي : 4 / 218 : ( فلما بلغ البناء إلى موضع الحجر الأسود تشاجرت قريش في موضعه ، فقال كل قبيلة نحن أولى به نحن نضعه ، فلما كثر بينهم تراضوا بقضاء من يدخل من باب بني شيبة ، فطلع رسول الله ( صلى الله عليه آله ) فقالوا : هذا الأمين قد جاء فحكموه ، فبسط رداءه ، وقال بعضهم كساء طاروني كان له ( يعني كساء خز ) ووضع الحجر فيه ثم قال : يأتي من كل ربع من قريش رجل ، فكانوا عتبة بن ربيعة بن عبد شمس ، والأسود بن المطلب من بني أسد بن عبد العزى ، وأبو حذيفة بن المغيرة من بني مخزوم ، وقيس بن عدي من بني سهم ، فرفعوه ووضعه النبي ( صلى الله عليه آله ) في موضعه ) . انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 268 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وذكر المؤرخون والمحدثون ترتيب أهم قبائل قريش حسب ما رآه عمر ، من أجل عطاءات الدولة وتحمل الدية كالتالي : 1 - بني هاشم وبني المطلب . 2 - بني عبد شمس وبني نوفل . 3 - بني أسد بن عبد العزى . 4 - بني عبد الدار . 5 - بني زهرة . 6 - بني مخزوم ، وألحق بهم بني تيم عشيرة أبي بكر . 7 - بني سهم ولم يقبلوا بإلحاق بني عدي بهم . 8 - بني جمح . 9 - بني عامر بن لؤي أو بني فهر . 10 - بني عدي . ( الشافعي في كتابه الأم : 4 / 166 ) .
وكانت قبائل العرب تحترم قريشاً ، لمكانة الكعبة عندها ، وكان لها نفوذ فيها وتحالفات مع بعضها ، من أبرزها تحالف بني هاشم مع خزاعة ، وتحالف بني عبد الدار وعبد شمس مع كنانة . وتكشف رواية ابن سعد التالية عن نفوذ قبائل قريش المعادية للنبي ( صلى الله عليه آله ) في قبائل العرب ، حيث شاركت معها في معركة الأحزاب أو الخندق ، قال في الطبقات : 2 / 66 : ( وتجهزت قريش وجمعوا أحابيشهم ومن تبعهم من العرب فكانوا أربعة آلاف ، وعقدوا اللواء في دار الندوة ، وحمله عثمان بن طلحة بن أبي طلحة ، وقادوا معهم ثلاثمائة فرس ، وكان معهم ألف وخمسمائة بعير ، وخرجوا يقودهم أبو سفيان بن حرب بن أمية ووافتهم بنو سليم بمَرِّ الظهران وهم سبعمائة يقودهم سفيان بن عبد شمس حليف حرب بن أمية ، وهو أبو أبي الأعور السلمي الذي كان مع معاوية بصفين ، وخرجت معهم بنو أسد يقودهم طلحة بن خويلد الأسدي ، وخرجت فزارة فأوعبت وهم ألف بعير يقودهم عيينة بن حصن ، وخرجت أشجع وهم أربعمائة يقودهم مسعود بن رخيلة ، وخرجت بنو مُرَّة وهم أربعمائة يقودهم الحارث بن عوف ، وخرج معهم غيرهم . . . فكان جميع القوم الذين وافوا الخندق ممن ذكر من القبائل عشرة آلاف ، وهم الأحزاب ، وكانوا ثلاثة عساكر . وعِنَاجُ الأمر ( القيادة والإدارة العامة ) إلى أبي سفيان بن حرب ) . انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 269 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
هذه هي كل قريش ، التي واجهت النبي ( صلى الله عليه آله ) ووصفها الله تعالى في قرآنه بأنهم الفراعنة وجنودهم ، وأئمة الكفر وأتباعهم ! وأخبر بأن أكثرهم حق عليهم القول فلن يؤمنوا في المستقبل أبداً ! ( لِتُنْذِرَ قوماً مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ . لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ) . ( سورة يس : 6 - 7 )
وهذه هي قريش ، التي حاربت النبي ( صلى الله عليه آله ) وعترته وأنصاره بكل ما استطاعت ، حتى انتصر عليها ودخل مكة فاتحاً ، فدخلت في الإسلام مرغمة ، ثم سيطرت على دولته بعد نبيه ( صلى الله عليه آله ) وعزلت عترته ( عليهم السلام ) واضطهدتهم وشيعتهم إلى يومنا هذا !
وهذه هي قريش ، التي صنعت تاريخ الإسلام الرسمي وأسست مذاهبه ودوَّنت فقهه ، وجعلت ولاية زعمائها جزءً منه ربَّتْ عليه أجيال المسلمين إلى يومنا هذا !
* *

قريش المشركة نزحت كلها إلى ابن أبي سفيان في الشام !

تجمَّعت عند معاوية بن أبي سفيان كل قبائل الطلقاء ، وهم نفس قبائل قريش المشركة المعادية تاريخياً للنبي ( صلى الله عليه آله ) وبني هاشم ، وفيهم عدد هم نفس الزعماء المشركين والطلقاء السابقين ، والباقون أولادهم وجنودهم ! وقد نزحوا من مكة والمدينة بنسائهم وعيالهم إلى معاوية ابن قائدهم بالأمس أبي سفيان ، ووزيره يومذاك ، وخليفته اليوم !
قال التستري في الصوارم المهرقة ص 74 : ( في الفتوح وغيره أنه في حرب صفين كان من قريش مع علي ( عليه السلام ) خمسة نفر وهم . . . وكان مع معاوية ثلاث عشر قبيلة من قريش ، مع أهلهم وعيالهم ) . انتهى .
وفي اختيار معرفة الرجال : 1 / 281 : عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) قال : ( كان مع أمير
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 270 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
المؤمنين ( عليه السلام ) من قريش خمسة نفر ، وكانت ثلاثة عشر قبيلة مع معاوية ! فأما الخمسة فمحمد بن أبي بكر رحمة الله عليه ، أتته النجابة من قبل أمه أسماء بنت عميس ، وكان معه هاشم بن عتبة بن أبي وقاص المرقال ، وكان معه جعدة بن هبيرة المخزومي ، وكان أمير المؤمنين ( عليه السلام ) خاله وهو الذي قال له عتبة بن أبي سفيان : إنما لك هذه الشدة في الحرب من قبل خالك ! فقال له جعدة : لو كان خالك مثل خالي لنسيت أباك ! ومحمد بن أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة ، والخامس سلف أمير المؤمنين ابن أبي العاص بن ربيعة ، وهو صهر النبي ( صلى الله عليه آله ) أبو الربيع ) . انتهى .
والثلاث عشرة قبيلة هي كل قريش ، فلا ثقل ولا عدد في قبائلها الباقية ! وتجمُّعها ضد علي ( عليه السلام ) وبني هاشم ، هو نفس تجمعها ضد النبي ( صلى الله عليه آله ) ! فقد كان القرشيون يفكرون أنهم فوجؤوا بنتائج ثورة الصحابة على عثمان ووصول الخلافة إلى بني هاشم ، وأن هذا خطأ تاريخي يجب على قريش أن تصححه !
كانوا يرون أن سهيل بن عمرو وأبا بكر وعمر وزعماءهم في زمن النبي ( صلى الله عليه آله ) كانوا أكثر يقظة حيث منعوا النبي ( صلى الله عليه آله ) من كتابة عهده بالخلافة لأهل بيته بني هاشم ، وبذلك ضمنوا الخلافة لقريش ، وعزلوا بني هاشم . لكن طلحة والزبير كانا غبيين إذ سمحا ببيعة الصحابة لعلي ( عليه السلام ) بعد عثمان ، بل كانا أول المبايعين !
ولهذا سارعت قريش لإجابة دعوة عائشة وطلحة والزبير لحرب علي ( عليه السلام ) وإسقاط حكمه ، وخاضوا ضده حرب الجمل الشرسة لسبعة أيام متوالية !
ولئن انهزموا في حرب الجمل ، فيجب أن يخوضوا حرباً جديدة بقيادة معاوية وينتصروا ، ويجب أن تكون قيادة قريش لبني أمية ، فهم قادة قريش التاريخيون وهم خير من بني هاشم ، أما ما يقوله المسلمون عن عثمان فهو كذب ، فعثمان
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 271 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
خليفة شرعي بنص عمر بن الخطاب ، وقد قتل مظلوماً وشاركت هاشم في قتله !
* *
وفي المقابل تجمَّعَ مع علي ( عليه السلام ) الصحابة البدريون ، وكل الأنصار وبني هاشم ! وبذلك عاد بنو هاشم وبنو أمية وحدهما قطبي صراع الخير والشر ، والهدى والضلال . . إلى يومنا هذا ، والى ظهور الإمام المهدي الموعود ( عليه السلام ) !
فمن عجائب التاريخ أن الجهود الضخمة التي بذلها سهيل بن عمرو وأبو بكر وعمر وبقية زعماء قريش ، لنزع الخلافة من بني هاشم ، وجعلها تدور بين قبائل قريش حسب تصورهم ، لم تكن نتيجتها إلا نقل الخلافة من بني هاشم غنيمة باردة إلى بني أمية ! ولم يكن سهم القبائل الأخرى منها إلا سهم أبي بكر سنتين وسهم عمر عشر سنوات ! شبيهاً بسهم المحلل للزوجة المطلقة ثلاثاً ! فقد عادت
قيادة الصراع بقيادة بني أمية وبني هاشم ! وعاد عِنَاجُ أمر قريش إلى أمية !
وصدق الله تعالى ورسوله ( صلى الله عليه آله ) حيث أخبر الأمة وحذَّرها من أن قريشاً ستسيطر على دولة الإسلام وتنحرف بها ، إلى أن تضعف وتنهار ! وأن عترته ستلاقي منها الظلم ! وأن الطرف المقابل لهم في المستقبل إنما هم بنو أمية !
* *
كانت خلافة علي ( عليه السلام ) خمس سنين ، واجهوه فيها بثلاث حروب ! انتصر في اثنتين منها ، وتعادل في الثالثة ، وكان يستعد لمعاودتها ، فاستشهد ( عليه السلام ) !
واستطاع صلوات الله عليه أن يحقق في خلافته وحروبه ، وما بينها ، نموذجاً في السلم والحرب ، ومثلاً في العدل ، سمَّته الأمة : حكم علي ، وبقي حياً في ضميرها ، يطالب به عقلاؤها ، ويرفع شعاره ثوارها ، تطلعاً إلى العهد النبوي !
لو سألنا القرشيين : لماذا ثلاثة حروب كبيرة على خليفة بايعوه هم بحريتهم ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 272 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فالجواب : أن الصحابة اختاروه في موجة غضبهم على عثمان ، واضطرت قريش أن ترضى به وتبايعه ، لكنها الآن ندمت وأفاقت ! !
نعم ، أفاقت قريش على أنها هزمت أربع مرات :
أولها عندما نَقَم الصحابة والتابعون على خلافة عثمان بن عفان ، فثاروا عليه وقتلوه ، وبذلك هزموا نظام حكم قبائل قريش المتحالفة ضد العترة النبوية !
ثم هُزمت زعامة قريش ثانيةً ببيعتهم لعلي ( عليه السلام ) وإعراضهم عن طلحة والزبير !
ثم هزمهم عليٌّ ( عليه السلام ) ثالثةً ، بانتصاره الكاسح على جيش الجمل القرشي !
ثم هزمهم علي ( عليه السلام ) رابعةً عندما أخذ يعمل جاداً لإعادة عهد النبي وعترته ( صلى الله عليه آله ) ، ويستبعد الحكام القرشيين الفاسدين ، ويعيِّن بدلهم صحابة صالحين من الأنصار والمهاجرين ، ويلغي امتيازات أبناء بطون قريش في الفتوحات والتجارات ، ويساوي بينهم وبين كافة المسلمين أحمرهم وأسودهم !
فهل تسكت قريش وتهدأ ؟ ! وهل هدأت على رسول الله ( صلى الله عليه آله ) بعد فتح مكة ، حتى تهدأ على ابن عمه ووصيه علي ( عليه السلام ) ؟ !
وكيف تهدأ ، والشام بيدها ، وابنها معاوية خاتلٌ في كمينه فيها يرقب الأحداث ، منذ الحصار الأول لعثمان ، إلى حصاره الثاني ، إلى خروج عائشة وطلحة والزبير للحرب ، ولم يتدخل رغم استغاثة عثمان به وهو محاصر !
قال الحافظ محمد عقيل في النصائح الكافية لمن يتولى معاوية ص 40 : ( ذكر أهل السير ، واللفظ للبلاذري ، أن معاوية لما استصرخه عثمان تثاقل عنه ، وهو في ذلك يعده ، حتى إذا اشتد به الحصار ، بعث إليه يزيد بن أسد القسري وقال له : إذا أتيت ذا خشب فأقم بها ، ولا تقل الشاهد يرى ما لا يرى الغائب ، فأنا الشاهد وأنت الغائب ! قالوا : فأقام بذي خشب حتى قتل عثمان ، فاستقدمه حينئذ معاوية
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 273 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فعاد إلى الشام بالجيش الذي كان معه ! فكان في الظاهر نصرةً لعثمان ببعث الجيش وهو في الحقيقة خذلان له لحبسه الجيش كي يقتل عثمان فيدعو إلى نفسه كما وقع بالفعل ) ! ! انتهى .
وفي تاريخ المدينة لابن شبة : 4 / 1288 ، بسنده عن جويرية : ( أرسل عثمان إلى معاوية يستمده ، فبعث معاوية يزيد بن أسد جد خالد القسري وقال له : إذا أتيت ذا خشب فأقم بها ولا تتجاوزها ، ولا تقل الشاهد يرى ما لا يرى الغائب قال : أنا الشاهد وأنت الغائب . فأقام بذي خشب حتى قتل عثمان ! فقلت لجويرية : لم صنع هذا ؟ قال : صنعه عمداً ليقتل عثمان فيدعو إلى نفسه ) ! ! انتهى .
ولم يكن حظ عائشة من استنصار معاوية بأحسن من حظ عثمان ، وإن كانت أقل حاجة إلى جيشه من عثمان ! فقد قال لها عمرو بن العاص بعد هزيمتها : ( لوددت أنك قتلت يوم الجمل ! قالت : ولمَ لا أباً لك ! قال : كنت تموتين بأجلك وتدخلين الجنة ونجعلك أكبر التشنيع على علي بن أبي طالب ) ! ( شرح النهج : 6 / 322 ) .
أما بعد حرب الجمل ، فقد أجمعت قريش الطلقاء على تسليم عِناج أمرها إلى معاوية ، فما عليه إلا أن يستعدَّ لحرب علي ( عليه السلام ) ، وهذه أفلاذ أكبادها من كل القبائل غير بني هاشم ، أخذت تتوافد عليه وتنضم إلى معسكره !
وفي المقابل كان بقية الصحابة الأبرار من المهاجرين والأنصار ، يقفون إلى جنب علي ( عليه السلام ) ويتوافدون إلى معسكره .
وقد سأل معاوية عقيل بن أبي طالب عن رأيه في معسكره بصفين ومعسكر أخيه علي ( عليه السلام ) ؟ فقال عقيل ( رحمه الله ) : ( مررت على عسكر عليٍّ فإذا ليل كليل النبي ونهار كنهار النبي إلا أن رسول الله ( صلى الله عليه آله ) ليس فيهم ! ومررت على عسكرك فإذا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 274 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أول من استقبلني أبو الأعور وطائفة من المنافقين والمنفرين برسول الله ( صلى الله عليه آله ) إلا أن أبا سفيان ليس فيهم ) ! ( الغارات للثقفي : 2 / 936 ، وأمالي الطوسي ص 724 ) .
ومعنى قول عقيل : ( المنافقين المنفِّرين برسول الله ( صلى الله عليه آله ) ) : القرشيين الذين تآمروا على قتل النبي ( صلى الله عليه آله ) ليلة العقبة ، عندما كان عائداً بجيشه من غزوة تبوك ، وعرفوا أن الجيش سَيَمُرُّ من طريق حول الجبل ، وأن النبي ( صلى الله عليه آله ) سيمرُّ من طريق مختصر في الجبل ، فدبروا مؤامرة اغتياله وكانوا سبعة عشر منافقاً ، وصعدوا ليلاً إلى الجبل وكمنوا في مكان مشرف على طريق العقبة ولما وصل النبي ( صلى الله عليه آله ) دحرجوا الصخور الضخمة عليه فجفلت ناقته وأنجاه الله من شرهم ، وأضاء الجبل وكشفهم ، فعرَّفهم النبي ( صلى الله عليه آله ) لحذيفة وعمار اللذين كانا معه ، فهربوا وغيبوا أنفسهم في الجيش ! وكتم النبي ( صلى الله عليه آله ) أسماءهم حتى لا تأخذ قريش العزة بالإثم وتعلن ردتها عن الإسلام !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 275 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل السابع : خلاصة حرب صفين

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 276 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 277 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

سعة حرب صفين وكثرة أخبارها

دوَّن المحدثون والمؤرخون القدماء والجدد ، مؤلفات خاصة بكل من حرب الجمل وصفين والنهروان ، كما قام الباحث السيد جعفر مرتضى أخيراً بدراسة الخوارج في مجلدين ، باسم ( علي ( عليه السلام ) والخوارج ) .
وغرضنا هنا أن نسجل عنها صورةً تبين معالم نبل أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وبقية العترة الطاهرة ( عليهم السلام ) وشيعتهم الأبرار ، وظلامتهم على يد قريش الطلقاء وأتباعهم !
وقد رأينا كيف سارعت قريش إلى نقض بيعتها لعلي ( عليه السلام ) وأعلنت خروجها عليه ، لا لسبب إلا لأنه علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم !
وكيف استطاع طلحة زعيم تيم ، والزبير زعيم عبد العزى ، أن يقنعا عائشة ، أو استطاعت هي أن تقنعهما ، بوجوب حرب علي ( عليه السلام ) قبل أن يثبِّت نظام حكمه !
وانهزم أصحاب الجمل وانتهت قيادتهم لكن قريشاً لم تقبل بخلافة علي ( عليه السلام ) ! فسرعان ما جمعت فلولها عند معاوية ، وشجعته على فتح حرب جديدة أكبر وأطول ضد خلافة بني هاشم ! فكانت حرب صفين الكبرى ، التي وقعت قرب الحدود السورية العراقية ، وكادت أن تختم بنصر علي ( عليه السلام ) وهزيمة معاوية ، لولا أن قسماً من جيش علي ( عليه السلام ) ، هم الخوارج فيما بعد ، أصروا عليه أن يقبل الهدنة وتحكيم حكمين ، عندما رفع معاوية المصاحف طالباً إيقاف القتال !
ثم سرعان ما ندم الخوارج وقالوا لقد كفرنا بقبولنا تحكيم الرجال في دين الله ! وخرجوا على علي ( عليه السلام ) مطالبين أن يعترف بأنه كفر لقبوله رأيهم في التحكيم ! !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 278 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

حرية الناس أصل عند أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وإن أساؤوا استغلالها !

كان عمرو بن حريث شاباً قرشياً مترفاً ، في الثلاثينات من عمره ، فقد كان ابن ست سنين عند فتح مكة ، وهو مخزومي من قبيلة أبي جهل وخالد بن الوليد ، وكان من رجال دولة بني أمية في الكوفة .
ولم يجبره أمير المؤمنين ( عليه السلام ) على بيعته ، بل بايعه مختاراً كغيره من كبار موظفي عثمان . ولم يجبره على القتال معه في حرب الجمل أو صفين ، لكنه تهيأ مع المستنفرين إلى صفين ، وكان له ( شلة ) أصدقاء من نوعه كالأشعث بن قيس وشبث بن ربعي ، وحجر بن حجر ، وجرير بن عبد الله النخعي ، فقالوا لبعضهم إن الناس يسيرون يوم الأحد ونحن على خيولنا ، فلنتأخر عنهم أياماً ، ثم نلتحق بهم في المدائن قبل صلاة الجمعة !
فخرجوا للنزهة والصيد وشرب الخمر في شاطئ الفرات بالحيرة ، وكان مركزهم في قصر الخورنق قرب النجف ، قصر الأشعث بن قيس رئيس كندة .
( عن الأصبغ بن نباتة قال : أمرنا أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بالمسير إلى المدائن من الكوفة فسرنا يوم الأحد ، وتخلف عمرو بن حريث في سبعة نفر فخرجوا إلى مكان بالحيرة يسمى الخورنق فقالوا : نتنزه فإذا كان يوم الأربعاء خرجنا فلحقنا علياً قبل أن يُجَمِّع ، فبينما هم يتغذون إذ خرج عليهم ضبٌّ فصادوه ، فأخذه عمرو بن حريث فنصب كفه وقال : بايعوا هذا أمير المؤمنين فبايعه السبعة وعمرو ثامنهم ، وارتحلوا ليلة الأربعاء فقدموا المدائن يوم الجمعة وأمير المؤمنين ( عليه السلام ) يخطب ، ولم يفارق بعضهم بعضاً وكانوا جميعاً حتى نزلوا على باب المسجد ، فلما دخلوا نظر إليهم أمير المؤمنين ( عليه السلام ) فقال : يا أيها الناس إن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 279 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
رسول الله ( صلى الله عليه آله ) أسرَّ إليَّ ألف حديث في كل حديث ألف باب لكل باب ألف مفتاح ، وإني سمعت الله جل جلاله يقول : يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ، وإني أقسم لكم بالله ليبعثن يوم القيامة ثمانية نفر يدعون بإمامهم وهو ضبٌّ ولو شئت أن أسميهم لفعلت ! قال : فلقد رأيت عمرو بن حريث قد سقط كما تسقط السعفة حياءً ولوماً ) ! ( الخصال ص 644 ، وبصائر الدرجات ص 326 ) .
وفي الهداية الكبرى للخصيبي ص 134 : ( وخرج القوم إلى الخندق وذهبوا ومعهم سُفرة وبسطوا في الموضع وجلسوا يشربون الخمر ، فمر بهم ضبٌّ فأمروا غلمانهم فصادوه لهم وأتوهم به ، فخلعوا أمير المؤمنين وبايعوا الضب وبسطوا يده ، وقالوا له : أنت والله إمامنا ما بيعتنا لك ولعلي بن أبي طالب إلا واحدة ، وإنك لأحب إلينا منه ) ! انتهى .
أقول : يظهر أولاً ، أن هذه الصيغة لحديث الألف باب من العلم ، من أدقِّ الصيغ فالأحاديث التي علمه إياها النبي ( صلى الله عليه آله ) أو الموضوعات : ألف حديث ، وفي كل حديث منها ألف باب ، ولكل باب ألف مفتاح ! وكلها سرٌّ لا يمكن للإنسان العادي أن يستوعبها ، أو يؤتمن عليها ولا يسئ استعمالها ! فهذا المستوى من القدرة على الإستيعاب ، والأمانة والتحمل ، لا يتحقق إلا في أناس نادرين ، يصير أحدهم أهلاً لأن يصطفيه الله تعالى ، فيطوِّر قدراته العقلية والنفسية ، ويضع في شخصيته جنبة ملائكية يتلقى بها هذه العلوم !
وعندما يعطيه هذه العلوم يجعل معه ملائكة يحفظونها ويحفظونه ، ليعيش حياته الطبيعية بالعلم الظاهري ، ويستعمل طرفاً من العلم اللدني في وقته المناسب ! وهذا هو معنى قوله تعالى : عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً . إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً . ( الجن : 26 - 27 )
ويظهر ثانياً ، مقام النبي ( صلى الله عليه آله ) وما أعطاه ربه عز وجل ، وأنه فوق تصور أذهاننا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 280 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وإدراك عقولنا ! فقد استطاع أن يلقن تلك العلوم لعلي ( عليه السلام ) في جلسة واحدة ، لم تزد على ساعة أو ساعتين ، فقد روى المسلمون أن هذا الحديث كانت في مرض وفاته ( صلى الله عليه آله ) ، وأنه دعا علياً ( عليه السلام ) وناجاه بمفرده طويلاً ، وكان المسلمون ينتظرونه خارج الغرفة ! وهذا مقام يشبه مقام جبرئيل ( عليه السلام ) في تلقينه النبي ( صلى الله عليه آله ) ! !
ويظهر ثالثاً ، من نصوص الألف باب أن جزءً منها علم المنايا والبلايا وفصل الخطاب ، فهي إذن أعظم من ذلك .
ويظهر أن هذه المعجزة التي أظهرها علي ( عليه السلام ) في ابن حريث وأصحابه ، أنها إحدى ثمرات الألف باب ، وأن باستطاعته ( عليه السلام ) وهو يخطب على منبر المدائن أن يوجه نفسه الشريفة لمعرفة حال عمرو بن حريث وحزبه ، الذين وصلوا لتوهم من الكوفة ، فيريه الله تعالى سبب تأخرهم ، ومشهدهم عندما أخذ ابن حريث يد الضب وأعلن خلع علي ( عليه السلام ) وبيعة الضب أميراً لهم ، وطلب منهم أن يبايعوه بإمرة المؤمنين ، فبايعوه كلهم سخرية بأمير المؤمنين والدين !
ثم يريه الله تعالى مشهد هؤلاء في المحشر يوم يدعو كل أناس بإمامهم ، وأنهم يدعون وإمامهم الضب الذي بايعوه ! !
ويظهر رابعاً ، أن تأثير هذه المعجزة وأمثالها من أمير المؤمنين ( عليه السلام ) كان بليغاً في إفحام المنافقين وخشوع المؤمنين ! ولكن المنافقين كانوا مع ذلك يتمادون في عنادهم ! وهذه سنة الله تعالى ، فقد واجهت قريش معجزات النبي ( صلى الله عليه آله ) بالقول إنها سحر ، وإن بني عبد المطلب كلهم سَحَرَة ! ! وكذلك واجه أبناؤهم وأتباعهم عترة النبي ( صلى الله عليه آله ) ! فكان الأشعث بن قيس يقول لمعاوية إن علياً ساحر كذاب !
* *
ويلاحظ أخيراً وأولاً ، أن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) لم يتخذ أي إجراء ضد ابن حريث وجماعته ! ولعله اعتبر عملهم من ناحية حقوقية عملاً استسرَّوا به ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 281 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فعقوبتهم عليه كشفهم فقط ! أما مقاضاتهم فلا تصح إلا على ما أعلنوه ، أو أضروا به الآخرين ! ( راجع أحاديث الألف باب من العلم في : بصائر الدرجات ص 325 ، و 333 ، و 334 ، و 411 ، والكافي : 1 / 96 ، و 792 ، والخصال للصدوق ص 643 ، و نفحات الأزهار : 14 / 249 وما بعدها ، ومواقف الشيعة : 3 / 116 . ومن مصادر غيرنا : كنز العمال : 13 / 114 ، وفتح الملك العلي ص 48 ، وتاريخ دمشق : 42 / 385 ، وقد حاولوا تضعيف الحديث فلم يجدوا إلا تضعيف بعضهم لابن لهيعة بدون حجة إلا تهمته بالتشيع ! مع أن العديد منهم وثقوه ورووا عنه . كما روت صحاحهم أصل هذا الحديث مبتوراً وبقي منه فيها أن النبي ( صلى الله عليه آله ) قال ادعوا لي علياً ( عليه السلام ) فدعت عائشة أباها ودعت حفصة أباها ! فنظر إليهما وأعرض عنها . . إلى آخره : كما في مسند أحمد : 1 / 356 ، وابن ماجة : 1 / 391 ، وغيرهما ) .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 282 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

السماحة وبذل الماء والطعام في بني هاشم والضد في بني أمية وقريش !

قال نبي الله إبراهيم ( عليه السلام ) : رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ . ( إبراهيم : 37 ) ، فأعطاهم الله سقيا زمزم في مكة ، وجبل الطائف !
وبعد ثلاثة آلاف سنة ، كانت زمزم غارت وضاعت ، فأعطاها الله ثانيةً هديةً لوارث إبراهيم ( عليه السلام ) ، عبد المطلب رضي الله عنه ، مقدمةً لبعثة سيد الرسل ( صلى الله عليه وآله ) !
فقد أراه الله بئر زمزم في المنام ، فحفرها عبد المطلب مع أولاده ، وأهل مكة يسخرون من عملهم ! حتى إذا انفجر نبعها طمعت فيها قريش فنازعوه فيها فغلبهم عبد المطلب ، لكنه بذل ماءها للناس ! وصار بنو عبد المطلب سُقاة قريش والحجيج ! كما كانوا من زمن هاشم أهل الرفادة وإطعام الحجيج !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 283 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وعندما حاصر المسلمون عثمان لأكثر من شهر ، ومنعوا عنه الماء بأمر طلحة التيمي ! أرسل عليٌّ ولديه الحسن والحسين ( عليهم السلام ) بقِرَب الماء إلى دار الخلافة ، ففكوا الحصار وسقوا عثمان ومن معه ! ( تاريخ الطبري : 3 / 416 ، وغيره ) .
وفي أمالي الطوسي ص 715 : ( وقيل لعلي ( عليه السلام ) إن عثمان قد منع الماء ، فأمر بالروايا فعُكمت ، وجاء للناس علي ( عليه السلام ) فصاح بهم صيحة فانفرجوا ، فدخلت الروايا ، فلما رأى علي ( عليه السلام ) اجتماع الناس ووجوههم ، دخل على طلحة بن عبيد الله وهو متكئ على وسائد فقال له : إن هذا الرجل مقتول فامنعوه . فقال : أما والله دون أن تعطي بنو أمية الحق من أنفسها ) ! !
* *
وعندما ثار أهل المدينة على يزيد بعد مجزرة كربلاء ، وأرادوا قتل الوالي ورجال الدولة من بني أمية ، أخذ رجالهم بالهرب من المدينة ، وبحثوا عمن يأوي نساءهم وأطفالهم ، فآواهم الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) وأطعمهم وسقاهم كعائلته ، وحماهم حتى بلَّغهم مأمنهم ! قال الطبري في تاريخه : 4 / 372 : ( وقد كان علي بن الحسين لما خرج بنو أمية نحو الشام ( أي هربوا بسبب ثورة أهل المدينة عليهم ) آوى إليه ثقل مروان بن الحكم وامرأته عائشة بنت عثمان بن عفان ، وهي أم أبان بن مروان ! وقد حدثت عن محمد بن سعد عن محمد بن عمر قال : لما أخرج أهل المدينة عثمان بن محمد من المدينة كلم مروان بن الحكم ابن عمر أن يغيِّب أهله عنده فأبى ابن عمر أن يفعل ! وكلم علي بن الحسين وقال : يا أبا الحسن إن لي رحماً وحرمي تكون مع حرمك فقال : أفعلُ ، فبعث بحرمه إلى علي بن الحسين ، فخرج بحرمه وحرم مروان حتى وضعهم بينبع ) . انتهى .
فالسماحة والبذل والنبل والشهامة وأخواتها من الصفات الإنسانية ، خلقٌ ودينٌ في بني هاشم . والصفات المضادة للقيم الإنسانية طبعٌ في بني أمية وقريش ! وقد جسدت كربلاء أعلى الدرجات في هؤلاء ، وأحطَّ الدركات في أولئك !
* *
وقبل كربلاء أيضاً ، كانت هذه الحادثة بين علي ( عليه السلام ) ومعاوية في صِفِّين . فقد وصل جيش معاوية إليها قبل جيش علي ( عليه السلام ) ، وماء الفرات في أرض صفين سهل التناول ، بينما يصعب الإستقاء من غيرها لعمق مجرى النهر أو وعورته . ولذا بادر معاوية فحمى أماكن الورود ليمنع علياً ( عليه السلام ) وأنصاره منه ، ليموتوا عطشاً بظنه ! وجرت بينهم مداولات فأصرَّ معاوية على منعهم ، فحمل جيش علي ( عليه السلام ) وحرروا الفرات ، لكن علياً ( عليه السلام ) بذله لهم لأن الناس في الماء والكلأ والنار سواء !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 284 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
في نهج السعادة : 2 / 149 : ( فوافى صفين قبل مجئ علي ( عليه السلام ) فعسكر في موضع سهل على شريعة ، لم يكن على الفرات في ذلك الموضع أسهل منها للورود على الماء ، وما عداها أخراق عالية ومواضع إلى الماء وعرة ، ووكل أبا الأعور السلمي بالشريعة مع أربعين ألفاً . . . وأخذوا الشريعة فهي في أيديهم ، وقد صفَّ أبو الأعور عليها الخيل والرجالة وقدم المرامية ومعهم أصحاب الرماح والدرق ، وعلى رؤوسهم البيض ، وقد أجمعوا أن يمنعونا الماء ، ففزعنا إلى أمير المؤمنين فأخبرناه بذلك فدعا صعصعة بن صوحان فقال : إئت معاوية فقل إنا سرنا مسيرنا هذا ، وأنا أكره قتالكم قبل الأعذار إليكم ، وإنك قد قدمت بخيلك فقاتلتنا قبل أن نقاتلك وبدأتنا بالقتال ، ونحن من رأينا الكف حتى ندعوك ونحتج عليك ، وهذه أخرى قد فعلتموها حتى حُلتم بين الناس وبين الماء ، فخلِّ بينهم وبينه حتى ننظر فيما بيننا وبينكم ، وفيما قدمنا له وقدمتم . وإن كان أحب إليك أن ندع ما جئنا له وندع الناس يقتتلون على الماء حتى يكون الغالب هو الشارب ، فعلنا . فأجابه معاوية : لا سقاني الله ولا سقى أبا سفيان إن شربتم منه أبداً حتى تقتلوا بأجمعكم عليه ! ! قال نصر . . . : فبقي أصحاب علي يوماً وليلة بلا ماء . . . قالٍ : خطب علي ( عليه السلام ) يوم الماء فقال : أما بعد فإن القوم قد بدؤوكم بالظلم ، وفاتحوكم بالبغي واستقبلوكم بالعدوان ، وقد استطعموكم القتال حيث منعوكم الماء ، فأقروا على مذلة وتأخير محلة ، أو رووا السيوف من الدماء تُرووا من الماء ، فالموت في حياتكم مقهورين والحياة في موتكم قاهرين . ألا وإن معاوية قاد لُمَّةً من الغواة ، وعَمَّس عليهم الخبر ، حتى جعلوا نحورهم أغراض المنية ) . انتهى .
وفي البحار : 32 / 439 ، عن نسخة نصر بن مزاحم الصحيحة عنده : ( قال عبد الله بن عوف : فوالله ما راعنا إلا تسوية الرجال والصفوف والخيل ، فأرسل إلى أبي الأعور إمنعهم الماء ، فازدلفنا والله إليهم فارتمينا واطَّعنا بالرماح واضطربنا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 285 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بالسيوف فطال ذلك بيننا وبينهم حتى صار الماء في أيدينا فقلنا : لا والله لا نسقيهم ! فأرسل علي أن خذوا من الماء حاجتكم وارجعوا معسكركم ، وخلوا بينهم وبين الماء ، فإن الله قد نصركم عليهم ببغيهم وظلمهم . . .
قال : ولما غلب أهل الشام على الفرات فرحوا بالغلبة وقال معاوية : يا أهل الشام هذا والله أول الظفر لا سقاني الله ولا أبا سفيان إن شربوا منه أبداً حتى يقتلوا بأجمعهم عليه ، وتباشر أهل الشام . فقام إلى معاوية رجل من أهل الشام همداني ناسك يقال له المعري بن الأقبل فقال : يا معاوية سبحان الله ألأن سبقتم القوم إلى الفرات تمنعونهم الماء ؟ أما والله لو سبقوكم إليه لسقوكم منه ، أليس أعظم ما تنالون من القوم أن تمنعونهم فرضةً من الفرات فينزلون على فرضة أخرى فيجازونكم بما صنعتم ! أما تعلمون أن فيهم العبد والأمة والأجير والضعيف ومن لا ذنب له ؟ هذا والله أول الجهل ! فأغلظ له معاوية ! قال نصر : ثم سار الرجل الهمداني في سواد الليل حتى لحق بعلي ، ومكث أصحاب علي بغير ماء واغتمَّ ( عليه السلام ) بما فيه أهل العراق من العطش فأتى الأشعث علياً فقال : يا أمير المؤمنين أيمنعنا القوم ماء الفرات وأنت فينا والسيوف في أيدينا ! خلِّ عنا وعن القوم ، فوالله لا نرجع حتى نرده أو نموت ، ومُر الأشتر يعلو بخيله ويقف حيث تأمر . فقال علي : ذاك إليكم . فنادى الأشعث في الناس من كان يريد الماء أو الموت فميعاده موضع كذا فإني ناهض ، فأتاه إثنا عشر ألفاً من كندة وأفناء قحطان واضعي سيوفهم على عواتقهم ، فشد عليه سلاحه ونهض بهم حتى كاد أن يخالط أهل الشام ، وجعل يلقي رمحه ويقول لأصحابه : بأبي وأمي وأنتم تقدموا إليهم قاب رمحي هذا ، فلم يزل ذلك دأبه حتى خالط القوم وحسر عن رأسه ونادى : أنا الأشعث بن قيس خلوا عن الماء ! فنادى أبو الأعور : أما والله حتى
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 286 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
تأخذنا وإياكم السيوف ، فقال الأشعث : قد والله أظنها دنت منا ومنكم .
وكان الأشتر قد تعالى بخيله حيث أمره علي فبعث إليه الأشعث : أقحم الخيل فأقحمها حتى وضعت بسنابكها في الفرات وأخذت أهل الشام السيوف فولوا مدبرين . . . قال نصر : فروى لنا عمر بن سعد أن علياً قال ذاك اليوم : هذا يوم نصرتم فيه بالحمية ) . انتهى .
وفي شرح النهج : 1 / 23 : ( وحمل على عساكر معاوية حملات كثيفة ، حتى أزالهم . . . وصار أصحاب معاوية في الفلاة لا ماء لهم ، فقال له أصحابه وشيعته : أمنعهم الماء يا أمير المؤمنين كما منعوك ولا تسقهم منه قطرة ، واقتلهم بسيوف العطش ، وخذهم قبضاً بالأيدي فلا حاجه لك إلى الحرب ، فقال : لا والله لا أكافئهم بمثل فعلهم ، إفسحوا لهم عن بعض الشريعة ، ففي حد السيف ما يغني عن ذلك . فهذه إن نسبتها إلى الحلم والصفح فناهيك بها جمالاً وحسناً ، وإن نسبتها إلى الدين والورع فأخلق بمثلها أن تصدر عن مثله ( عليه السلام ) ) .
وكانت أخلاق علي ( عليه السلام ) معروفة لأعدائه ، فقد روى نصر بن مزاحم ص 185 ، أن ابن العاص قال : يا معاوية ما ظنك بالقوم إن منعوك الماء اليوم كما منعتهم أمس ، أتراك تضاربهم عليه كما ضاربوك عليه ؟ قال : دع عنك ما مضى منه ما ظنك بعلي ؟ قال : ظني أنه لا يستحل منك ما استحللت منه وأن الذي جاء له غير الماء ) !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 287 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

سياسة أمير المؤمنين في إتمام الحجة على أعدائه

ربما زادت الرسائل المتبادلة بين علي ( عليه السلام ) ومعاوية على عشرين رسالة ، مع أن المدة الفاصلة بين بيعته بالخلافة وبين حرب صفين كانت نحو سنة ! وقد اشتهر اسم جرير بن عبد الله البجلي ، الصحابي الذي كان مبعوثه إلى معاوية .
ومن المفيد أن يقوم أحد بجمع نصوص الرسائل والمحادثات ، التي جرت بين علي ( عليه السلام ) وأعدائه : معاوية ، والخوارج ، وطلحة والزبير وعائشة ، وفي المصادر كثير منها ، فيدرسها من حيث العدد والتوقيت والمضامين ، لتوضيح وحدة وجه الحق عند علي ( عليه السلام ) والنبي ( صلى الله عليه آله ) ، ووحدة سياستهما في إتمام الحجة !
فالقضية عند النبي ( صلى الله عليه آله ) وأمير المؤمنين ( عليه السلام ) ليست خصومةً ، ولا قتالاً من أجل الغلبة والسلطة ، بل قضية دقيقة ومسؤولية شرعية أمام الله تعالى ، لا بد فيها من الإعذار في دعوة الخصم إلى الحق وإتمام الحجة عليه ، كما لا بد من توجيه المقاتلين لأن تكون دوافعهم ونياتهم لنصرة الله تعالى ، وليس للحمية والغلبة والتعصب لقائدهم وقبيلتهم وبلدهم .
وقد تقدم آنفاً قول أمير المؤمنين ( عليه السلام ) لجيشه عندما قاتلوا جيش معاوية على الماء : ( هذا يوم نصرتم فيه بالحمية ) فالقضية عنده ( عليه السلام ) ليست من يشرب من الفرات بل مَن يشرب من الكوثر ، وهو الذي يقاتل لله تعالى لا لشخصه وقومه !
وكذلك قوله ( عليه السلام ) لصعصعة عندما بعثه إلى معاوية : ( إئت معاوية فقل إنا سرنا مسيرنا هذا ، وأنا أكره قتالكم قبل الإعذار إليكم ، وإنك قد قدمت بخيلك فقاتلتنا قبل أن نقاتلك وبدأتنا بالقتال ، ونحن من رأينا الكف حتى ندعوك ونحتج عليك ) .
ومما نلاحظه أن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وقَّت وصول جيشه إلى صفين قرب شهر محرم الحرام ، الذي هو هدنة إجبارية لحرمة القتال فيه ، وذلك من أجل إتمام
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 288 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الحجة على معاوية وأهل الشام ، ورفع مستوى أصحابه ليكون قتالهم لهم خالصاً لله تعالى ، بعيداً عن التعصب للعراق والشام وشخص علي ومعاوية .
وهذا الأسلوب المتأني من أمير المؤمنين ( عليه السلام ) لم يعجب كثيرين من جيشه فاشتكوا من تأخير القتال ، بل تجرأ الخشنون منهم وكانوا كثرة ، فأشاعوا أن علياً يكره الموت ! وأنه يشك في مشروعية قتال أهل الشام !
ففي نهج البلاغة : 1 / 104 : ( ومن كلام له ( عليه السلام ) وقد استبطأ أصحابه إذنه لهم في القتال بصفين : أما قولكم أكلُّ ذلك كراهية الموت ؟ فوالله ما أبالي أدخلت إلى الموت أو خرج الموت إليَّ . وأما قولكم شكاً في أهل الشام ، فوالله ما دفعت الحرب يوماً إلا وأنا أطمع أن تلحق بي طائفة فتهتدي بي وتعشو إلى ضوئي ، وذلك أحبُّ إليَّ من أن أقتلها على ضلالها وإن كانت تبوء بآثامها ) .
* *
وقد استعمل عليٌّ ( عليه السلام ) أسلوبه الخاص في إتمام الحجة ، ليثبت لمن كان له قلب أن معاوية على الباطل ، وأنه نفسه يعرف ذلك ! فدعا معاوية مراراً أن يجنب المسلمين المعركة ، وأن يبارزه شخصياً ، لتكون المبارزة مباهلةً أمام الله تعالى لينصر المحق ويقتل المبطل منهما ! فقد كتب إليه ذلك في رسائله ، وبعث إليه مع مبعوثيه ، ونادى به في مقاطع من الحرب في صفين !
كتب له كما في نهج البلاغة : 3 / 11 : ( وقد دعوت إلى الحرب ، فدع الناس جانباً واخرج إليَّ وأعف الفريقين من القتال ، ليُعلم أيُّنا المَرينُ على قلبه ، والمغطى على بصره ! فأنا أبو حسن قاتل جدك وخالك وأخيك شدخاً يوم بدر ، وذلك السيف معي ، وبذلك القلب ألقى عدوي ، ما استبدلت ديناً ، ولا استحدثت نبياً ، وإني لعلى المنهاج الذي تركتموه طائعين ودخلتم فيه مكرهين ) . انتهى .
وقد كرر ( عليه السلام ) دعوته هذه لمعاوية في صفين حتى صارت فضيحة روى المؤرخون لها قصصاً بين معاوية وابن العاص وبقية الطلقاء وشخصيات الشام !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 289 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

أرقام من حرب صفين

كثرت المؤلفات في حرب صفين من زمن وقوعها ، كما تجد في تراجم الرواة ، والكتب المختصة ، كفهرست ابن النديم ، والذريعة للطهراني .
قال ابن النديم ص 105 ، وبعدها : ( وكان مخنف بن سليم من أصحاب علي ، وروى عن النبي وصحبه . . . وله من الكتب كتاب الردة . كتاب فتوح الشام . كتاب فتوح العراق . كتاب الجمل . كتاب صفين . كتاب أهل النهروان والخوارج . . .
أبو الفضل نصر بن مزاحم من طبقة أبي مخنف ، من بني منقر . . . وله من الكتب كتاب الغارات . كتاب صفين . كتاب الجمل . كتاب مقتل حجر بن عدي . كتاب مقتل الحسين بن علي . . . إسحاق بن بشر من أصحاب السير والأحداث . وله من الكتب ، كتاب المبتدأ . كتاب الردة . كتاب الجمل . . . كتاب صفين . . .
وقال عن الواقدي : وله من الكتب . . . كتاب الجمل . . . كتاب صفين .
وقال في ص 122 : ( محمد بن زكريا بن دينار الغلأبي ، أحد الرواة للسير والأحداث والمغازي وغير ذلك . وكان ثقة صادقاً ، وله من الكتب : كتاب مقتل الحسين بن علي . كتاب وقعة صفين . كتاب الجمل . كتاب الحَرَّة . . .
أبو إسحاق إسماعيل بن عيسى العطار ، من أهل بغداد . . . وله من الكتب : كتاب المبتدأ . كتاب حفر زمزم . . . كتاب الجمل . كتاب صفين ) . انتهى .
وذكر النجاشي في رجاله ص 11 : كتاب أبان بن تغلب في صفين ، وكتاب إبراهيم بن هلال الثقفي ص 16 ، وكتاب عبد العزيز الجلودي ص 240 .
وأورد في الذريعة : 5 / 141 ، نحو عشرين كتاباً لمؤلفين قدماء ، منهم إبراهيم بن ديزيل الهمداني الذي ينقل عنه ابن مزاحم . وعدَّ في : 22 / 229 : ثلاثة كتب لابن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 290 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
السائب الكلبي : كتاب من شهد صفين مع علي من الصحابة ، كتاب من شهد صفين مع علي من الأنصار ، كتاب من شهد صفين مع علي من البدريين ) . انتهى .
* *
كان جيش علي ( عليه السلام ) تسعين ألفاً ، فيهم عامة الصحابة من المهاجرين والأنصار وروي أنه كان معه ( عليه السلام ) سبع مئة صحابي فيهم أكثر من مئة من أهل بيعة الرضوان وثلاثون من البدريين . وقد استشهد معه ( عليه السلام ) في صفين خمسة وعشرون بدرياً . وكان جمهور جيشه من قبائل العراق والحجاز واليمن .
وكان جيش معاوية مئة وعشرين ألفاً ، وعمدتهم من أهل اليمن والشام ، وفيهم طلقاء قريش كلهم لكن القادة فيهم أكثر من الجنود ! ولم يكن معه من الصحابة أحدٌ إلا من سموه صحابياً وهو طليقٌ أسلم تحت السيف ، ولا من الأنصار إلا شخصان : النعمان بن بشير ومسلمة بن مخلد ! قال ابن الأعثم في الفتوح : 2 / 110 : ( ولم يكن معه من الأنصار غيرهما ) ! !
وقد اشتشهد من أصحاب علي ( عليه السلام ) خمسة وعشرون ألفاً ، وقتل من أصحاب معاوية نحو خمسين ألفاً ، وسبب هذه الكثرة أن قادة جيش معاوية كان همهم نجاة أنفسهم ، فإذا حمي الوطيس فرُّوا وتركوا جنودهم ، فتكثر فيهم القتلى !
قال ابن الأعثم في الفتوح : 3 / 132 ( وأقبل إلى معاوية رجل من أجلاء أهل الشام حتى وقف بين يديه فقال : يا معاوية إنه قتل منا في هذا اليوم سبع مئة رجل ، ولم يقتل من أصحاب علي إلا أقل من ذلك ، وأنت الذي تفعل بنا ذلك ! لأنك تولي علينا من لا يقاتل معنا ، مثل عمرو بن العاص ، وبسر بن أرطاة ، وعبد الرحمن بن خالد ، وعتبة بن أبي سفيان ، وكل واحد من هؤلاء إنما يقاتل ساعة ثم يخرج من الغبار ) ! !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 291 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

ليلة الهرير ويوم الهرير

ذكر بعض الرواة أن مدة إقامة الجيشين في صفين مئة وعشرة أيام ، وأن الوقائع كانت تسعين وقعة ، لكن ذلك مبالغة ، فهو لا يستقيم إلا بأن يقصدوا مجموع سفرهم من أول مقدمة الجيش التي أرسلها علي ( عليه السلام ) .
والظاهر أن الحرب استمرت اثني عشر يوماً فقط ، من يوم الأربعاء أول شهر صفر سنة 37 ، إلى ليلة الهرير ليلة الجمعة الثاني عشر من صفر ، وفي صبيحتها رفع معاوية المصاحف داعياً إلى وقف القتال وتحكيم حكمين !
فقد كانت بيعة أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بالخلافة يوم الثلاثاء الرابع والعشرين من ذي الحجة سنة 35 هجرية ، وكان الزمن صيفاً في شهر حزيران . ( اليعقوبي : 2 / 176 ) .
وكان ذلك بعد مقتل عثمان بستة أيام ، حيث قتل في الثامن عشر من ذي الحجة سنة 35 هجرية ( الطبري : 3 / 411 ) . بعد أن حاصره الصحابة والتابعون في دار الخلافة نحو شهرين ، طالبين من أن يخلع نفسه فلم يفعل .
وبعد خمسة أشهر من بيعتهم لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) أشعلوا ضده حرب الجمل في البصرة ، واستمرت سبعة أيام ، كان أولها يوم الخميس العاشر من جمادى الآخرة سنة 36 . ( التنبيه والإشراف ص 255 ) .
وبعد معركة الجمل قرر أمير المؤمنين ( عليه السلام ) نقل العاصمة الإسلامية من المدينة إلى الكوفة ، فسار إليها من البصرة في يوم الاثنين 12 رجب سنة 36 ، ووصل إلى الكوفة يوم الاثنين 22 رجب ، واستقر بها شهوراً ، ثم توجه مع من استجاب له إلى صفين ، فوصلها في أواخر ذي الحجة ، ولم يقاتل في محرم لحرمته .
أما في ذي الحجة فقد تكون حصلت مناوشات وقتال جزئي بين مقدمات
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 292 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الجيشين ، والذي أرجحه أنه لم يكن بينهم قبل صفر معركة إلا على الماء ، وأن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) تعمد تأخير المعركة ليقوم بعمله في إتمام الحجة على معاوية وأهل الشام ، وتوعية أصحابه ورفع مستواهم ، وأن أول أيام المعركة كان يوم الأربعاء أول شهر صفر سنة 37 . ويدل على ذلك أن جيش الإمام ( عليه السلام ) ضجروا وشكوْا له طول المقام وعدم إذنه ( عليه السلام ) لهم ببدء الحرب كما تقدم .
وفي شرح النهج : 4 / 13 : ( لما ملك أمير المؤمنين ( عليه السلام ) الماء بصفين ثم سمح لأهل الشام بالمشاركة فيه والمساهمة رجاء أن يعطفوا إليه ، واستمالة لقلوبهم وإظهاراً للمَعْدلة وحسن السيرة فيهم ، مكث أياماً لا يرسل إلى معاوية ، ولا يأتيه من عند معاوية أحد ، واستبطأ أهل العراق إذنه لهم في القتال ، وقالوا : يا أمير المؤمنين خلفنا ذرارينا ونساءنا بالكوفة ، وجئنا إلى أطراف الشام لنتخذها وطناً ! إئذن لنا في القتال فإن الناس قد قالوا ! قال لهم ( عليه السلام ) : ما قالوا ؟ فقال منهم قائل : إن الناس يظنون أنك تكره الحرب كراهيةً للموت ، وإن من الناس من يظن أنك في شك من قتال أهل الشام ! فقال ( عليه السلام ) : ومتى كنتُ كارها للحرب قط ! إن من العجب حبي لها غلاماً ويفعاً ، وكراهيتي لها شيخاً بعد نفاد العمر وقرب الوقت ! وأما شكِّي في القوم ، فلو شككت فيهم لشككت في أهل البصرة ! والله لقد ضربت هذا الأمر ظهراً وبطناً ، فما وجدت يسعني إلا القتال أو أن أعصي الله ورسوله ، ولكني أستأني بالقوم عسى أن يهتدوا أو تهتدي منهم طائفة ، فإن رسول الله ( صلى الله عليه آله ) قال لي يوم خيبر : لأن يهديَ الله بك رجلاً واحداً خير لك مما طلعت عليه الشمس ) .
ويؤيد ذلك أن الرويات التي ذكرت قتالاً في ذي الحجة لم تذكر غير القتال على الماء ، وقد تكون أحداثه وحربه استغرقت بضعة أيام .
ولعل أصل الروايات التي تذكر أن شهر ذي الحجة كان كله قتالاً ، قول نصر ص 196 في سياق الحرب على الماء : ( فاقتتل الناس ذا الحجة كله ، فلما مضى ذو
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 293 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الحجة تداعى الناس أن يكف بعضهم عن بعض إلى أن ينقضي المحرم ، لعل الله أن يجري صلحاً واجتماعاً . فكف الناس بعضهم عن بعض ) . انتهى .
لكن قوله : ( ذا الحجة كله ) لا يعني أكثر من أن حرب الماء امتدت إلى نهايته .
* *
كانت طريقة الحرب بأن يعبؤوا الجيش بعد صلاة الفجر ويتقدموا إلى مواجهة بعضهم ، فربما تقدم فارس يطلب المبارزة فيبرز إليه فارس من الطرف الآخر فيقف الناس يتفرجون عليهما ، وربما حملت مجموعة على من يقابلها ، وربما كانت الحرب زحفاً من الجيش جله أو كله . لكن القتال كان ينتهي عند الغروب فيحجز بينهم الليل ، ويدفنون قتلاهم ، ويعود كلٌّ إلى معسكره .
وقد اشتدت الحرب في الأيام الثلاثة الأخيرة ، كما ذكر ابن سعد في الطبقات : 3 / 261 : ( وكان القتال الشديد ثلاثة أيام ولياليهن ، آخرهن ليلة الهرير ) .
وقال البلاذري في أنساب الأشراف ص 318 : ( وقال الواقدي في إسناده : كان القتال الشديد بصفين ثلاثة أيام ولياليهن ، آخرهن ليلة الهرير ) . انتهى .
وسميت ليلة الهرير لكثرة أصوات المقاتلين وهمهمتهم وهرَّهم على بعضهم ، وفيها استشهد عمار بن ياسر ( رحمه الله ) بيد الفئة الباغية كما أخبر النبي ( صلى الله عليه آله ) ، واتصلت فيها الحرب طول الليل تقريباً ، وفي صبيحتها رفع معاوية المصاحف ، وكان على اتفاق في ذلك مع أحد قادة جيش علي ( عليه السلام ) وهو الأشعث بن قيس رئيس قبيلة كندة اليمانية الكبيرة ، وصاحب النفوذ في عدد من قبائل اليمن !
قال في فتح الباري : 11 / 104 : ( وقتل بين الفريقين تلك الليلة عدة آلاف وأصبحوا وقد أشرف عليٌّ وأصحابه على النصر ، فرفع معاوية وأصحابه المصاحف فكان ما كان من الاتفاق على التحكيم ، وانصراف كل منهم إلى بلاده ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 294 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال ابن كثير في النهاية : 7 / 301 : ( وتوجه النصر لأهل العراق على أهل الشام ، وذلك أن الأشتر النخعي صارت إليه إمرة الميمنة ، فجعل بمن فيها على أهل الشام وتبعه عليٌّ فتنقضت غالب صفوفهم وكادوا ينهزمون ، فعند ذلك رفع أهل الشام المصاحف فوق الرماح وقالوا : هذا بيننا وبينكم قد فني الناس فمن للثغور ؟ ومن لجهاد المشركين والكفار ) .
وفي تاريخ اليعقوبي : 2 / 188 : ( وزحف أصحاب عليٍّ وظهروا على أصحاب معاوية ظهوراً شديداً حتى لصقوا به ، فدعا معاوية بفرسه لينجو عليه ، فقال له عمرو بن العاص : إلى أين ؟ قال : قد نزل ما ترى ، فما عندك ؟ قال : لم يبق إلا حيلة واحدة أن ترفع المصاحف فتدعوهم إلى ما فيها ، فتستكفَهم وتكسر من حدهم وتَفُتَّ في أعضادهم . قال معاوية : فشأنك ! فرفعوا المصاحف ودعوهم إلى التحكم بما فيما ، وقالوا : ندعوكم إلى كتاب الله ! فقال علي : إنها مكيدة ، وليسوا بأصحاب قرآن ! فاعترض الأشعث بن قيس الكندي ، وقد كان معاوية استماله وكتب إليه ودعاه إلى نفسه ، فقال : قد دعا القوم إلى الحق ! فقال علي : إنهم إنما كادوكم وأرادوا صرفكم عنهم . فقال الأشعث : والله لئن لم تجبهم انصرفت عنك . ومالت اليمانية مع الأشعث ، فقال الأشعث : والله لتجيبنهم إلى ما دعوا إليه ، أو لندفعنك إليهم برُمَّتك ! فتنازع الأشتر والأشعث في هذا كلاماً عظيماً حتى كاد أن يكون الحرب بينهم ، وحتى خاف عليٌ أن يفترق عنه أصحابه !
فلما رأى ما هو فيه أجابهم إلى الحكومة ، وقال عليٌّ : أرى أن أوجه بعبد الله بن عباس . فقال الأشعث : إن معاوية يوجه بعمرو بن العاص ، ولا يحكم فينا مضريان ، ولكن توجه أبا موسى الأشعري ، فإنه لم يدخل في شئ من الحرب . وقال علي : إن أبا موسى عدوٌّ وقد خذَّل الناس عني بالكوفة ونهاهم أن يخرجوا معي ! قالوا : لا نرضى بغيره ) ! انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 295 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد جرت أحداث عديدة يوم الجمعة صبيحة ليلة الهرير ، وفي الأيام الخمسة التي تلتها ، غلب فيها الذين أرادوا إيقاف الحرب بزعامة الأشعث وزعماء الخوارج فيما بعد ، وهددوا الأشتر وأمير المؤمنين ( عليه السلام ) بالقتال إن لم يقبلوا !
وتم توقيع كتاب الهدنة بعد خمسة أيام ، في يوم الأربعاء لثلاث عشرة ( بقيت ) من صفر سنة سبع وثلاثين ، كما روى ابن مزاحم ص 511 : ( وكتب عميرة يوم الأربعاء لثلاث عشرة بقيت من صفر سنة سبع وثلاثين ) ، وكذا في الأخبار الطوال ص 154 ، وشرح الأخبار : 2 / 138 ، فتكون كلمة : ( خلت ) في رواية بعضهم وقعت اشتباهاً بدل : بقيت ، ولعل هذا السبب في تردد الطبري في تاريخه : 4 / 40 قال : ( فكتب كتاب القضية بين علي ومعاوية فيما قيل يوم الأربعاء لثلاث عشرة يوم الأربعاء لثلاث عشرة خلت من صفر ، سنة سبع وثلاثين من الهجرة ، على أن يوافي علي موضع الحكمين بدومة الجندل في شهر رمضان ، ومعاوية ومع كل واحد منهما أربعمأة من أصحابه وأتباعه ) . انتهى .
ومهما فرضنا يوم كتابة وثيقة الصلح فقد انتهى القتال يوم الهرير ، وكانت بعده المفاوضات ، وكتابة الوثيقة وإعلان انتهاء الحرب .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 296 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

عمار وأويس . . من أعلام الهدى التي وضعها النبي ( صلى الله عليه آله ) لأمته

حاشا لرسول الله ( صلى الله عليه آله ) أن يدع أمته دون أن يبين لها طريق الهدى بعده ! فقد بيَّنه لها وأكد عليها أن طريق أمنها من الضلال منحصرٌ في اتباع عترته أهل بيته ( عليهم السلام ) ، وأكد وصيته لها بالثقلين القرآن والعترة ، في مواطن عديدة وأحاديث كثيرة ، وبشرها في حجة الوداع بأن الله حلَّ مشكلة القيادة فيها ، كما حلها في الأمم بعد إبراهيم ( عليه السلام ) فاختار من عترته ( صلى الله عليه آله ) اثني عشر إماماً ربانياً ، وخطب يوم الغدير ثم دعا علياً ( عليه السلام ) وأصعده معه على المنبر ورفع بيده ونصبه خليفةً من بعده ، وأعلن أن الولاية التي جعلها الله له هي لعلي ما عدا النبوة ! ( من كنت مولاه فعلي مولاه ) .
وأخبر أمته بأنها ستنحرف من بعده ، وتغدر بأهل بيته وتظلمهم وتقتلهم وتشردهم في البلاد ! وأن ذلك سيطول حتى تضعف الأمة فتتداعى عليها الأمم وتتغلب عليها ، حتى يبعث الله المهدي المنتظر من عترته فيعيد الحق إلى نصابه ، وينهي الظلم على الأرض بإذن ربه ، ويظهر الله به دينه على الدين كله ، فتمتد دولة العدل الإلهي إلى يوم القيامة !
ومضافاً إلى هذه الأعلام الصريحة التي نصبها النبي ( صلى الله عليه آله ) بأمر ربه ، وضع لأمته أعلاماً خاصة كثيرة ، اهتدى بها من كتب الله لهم الهداية من أجيالها . وكان من هذه الأعلام : عمار بن ياسر ، وأويس القرني ، رحمهما الله ، فقد روى الجميع أن النبي ( صلى الله عليه آله ) شهد بأنهما مع الحق ومن خالفهما مع الباطل والضلال !
* *
أما أويس القرني فقد روى في الطبقات : 6 / 161 : ( قال رسول الله ( ص ) : خليلي من هذه الأمة أويس القرني . . . أن عمر قال لأويس : استغفر لي . قال : كيف أستغفر لك وأنت صاحب رسول الله ( ص ) ؟ قال : سمعت رسول الله ( ص ) : إن خير التابعين رجل يقال له أويس ) !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 297 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي حلية الأولياء : 2 / 86 : ( نادى رجل من أهل الشام يوم صفين : أفيكم أويس القرني ؟ قال قلنا : نعم ، وما تريده منه ؟ قال : إني سمعت رسول الله ( ص ) يقول : أويس القرني خير التابعين بإحسان . وعطف دابته فدخل مع أصحاب علي رضي الله تعالى عنهم ) . ورواه الحاكم في : 3 / 402 وأحمد : 3 / 480 نحوه ، وقال في مجمع الزوائد : 10 / 22 : رواه أحمد وإسناده جيد .
وفي مستدرك الحاكم : 2 / 365 : ( فنادى عليٌّ يا خيل الله اركبي وأبشري . قال : فصفَّ الثلثين لهم ، فانتضى صاحب القطيفة أويس سيفه حتى كسر جفنه فألقاه ، ثم جعل يقول : يا أيها الناس : تِمُّوا تِمُّوا ، لتُتِمَّنَّ وجوهٌ ثم لا تنصرف حتى ترى الجنة . يا أيها الناس تِمُّوا تِمُّوا ، جعل يقول ذلك ويمشي إذ جاءته رمية فأصابت فؤاده فبرد مكانه ، كأنما مات منذ دهر . . . هذا حديث صحيح على شرط مسلم ) . انتهى .
وفي ميزان الإعتدال : 1 / 281 : ( ثم عاد في أيام علي فقاتل بين يديه فاستشهد بصفين ، فنظروا فإذا عليه نيفٌ وأربعون جراحة ) . انتهى .
وفي خصائص الأئمة ( عليهم السلام ) للشريف الرضي ( رحمه الله ) 53 : ( عن الأصبغ بن نباتة قال : كنت مع أمير المؤمنين بصفين فبايعه تسعة وتسعون رجلاً ، ثم قال : أين تمام المائة ؟ فقد عهد إلي رسول الله ( صلى الله عليه آله ) أنه يبايعني في هذا اليوم مائة رجل ! قال فجاء رجل عليه قباء صوف متقلد سيفين فقال : هلم يدك أبايعك . فقال : على مَ تبايعني ؟ قال : على بذل مهجة نفسي دونك ! قال : ومن أنت ؟ قال : أويس القرني ، فبايعه فلم يزل يقاتل بين يديه حتى قتل ، فوجد في الرجالة مقتولاً ) .
ونحوه في اختيار معرفة الرجال : 1 / 315 ، وقال : ( وفي رواية أخرى قال له أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : كن أويساً . قال : أنا أويس . قال : كن قرنياً ، قال : أنا أويس القرني ) .
وفي البحار : 29 / 583 : ( وأتى أويس القرني متقلداً بسيفين ويقال : كان معه مرماة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 298 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ومخلاة من الحصى ، فسلم على أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وودعه ، وبرز مع رجالة ربيعة فقتل من يومه ، فصلى عليه أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ودفنه ) . انتهى .
وفي المناقب / 249 : ( وفي رواية : قتل من أصحاب أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في ذلك اليوم والليلة ألفاً رجل وسبعون رجلاً ، وفيهم أويس القرني زاهد زمانه ، وخزيمة بن ثابت الأنصاري ذو الشهادتين ، وقتل من أصحاب معاوية في ذلك اليوم سبعة آلاف رجل ) . انتهى .
وتدل النصوص على أن أويساً ( رحمه الله ) ملهمٌ من الله تعالى حيث قال في بيعته لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) يوم الجمل : ( على السمع والطاعة والقتال بين يديك حتى أموت أو يفتح الله عليك ) فكان الفتح . بينما قال يوم صفين : ( على بذل مهجة نفسي دونك ) ولم يذكر الفتح ، فاستشهد ! وتدل على مقادير الله تعالى لأويس ، أن يكون تمام الألف في حرب الجمل ، ثم تمام المئة في صفين ، مبايعاً على الموت في سبيل الله تعالى . ( راجع سيرة أويس القرني ( رحمه الله ) في أول المجلد الرابع من كتابنا العقائد الإسلامية ) .
* *
وأما عمار ( رحمه الله ) فقد أجمعت الأمة على أن النبي ( صلى الله عليه آله ) أخبر أنه ستقتله الفئة الباغية الذين يدعون إلى النار . وتقدم من البخاري : 1 / 122 قوله ( صلى الله عليه آله ) : ( ويح عمار تقتله الفئة الباغية ، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار ) . انتهى .
قال السيد الميلاني في نفحات الأزهار : 3 / 50 : ( وقال في شرح الشفاء في فصل الإخبار بالغيوب : وإن عماراً وهو ابن ياسر تقتله الفئة الباغية . رواه الشيخان ، ولفظ مسلم : قال النبي ( ص ) لعمار : تقتلك الفئة الباغية . وزاد : وقاتله في النار . فقتله أي عماراً ، أصحاب معاوية أي بصفين ، ودفنه علي رضي الله تعالى عنه في ثيابه وقد نيَّف على سبعين سنة ، فكانوا هم البغاة على علي بدلالة هذا الحديث ونحوه ، وقد ورد : إذا اختلف الناس كان ابن سمية مع الحق ، وقد كان مع علي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 299 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
رضي الله تعالى عنهما . وأما تأويل معاوية أو ابن العاص بأن الباغي عليٌّ وهو قتله حيث حمله على ما أدى إلى قتله ، فجوابه : ما نقل عن علي كرم الله وجهه أنه يلزم منه أن النبي ( ص ) قاتل حمزة عمه ) . انتهى .
وقد اشتهر هذا الحديث النبوي لأن عمرو بن العاص كان يرويه قبل صفين ويكرره ، فطالبه به عددٌ من أصحاب معاوية في صفين ، وأنه هو الذي رواه لهم وهذا عمار مع علي ( عليه السلام ) ! فأجابهم ابن العاص بأنه سوف يكون معنا ! !
وقد روى نصر بن مزاحم في كتاب وقعة صفين ، وابن الأعثم في الفتوح ، مناظرة عمار في صفين مع ابن العاص ، وأنها استغرقت يوماً تقريباً من المعركة !
قال في الفتوح : 3 / 71 : ( ذكر ما جرى من المناظرة بين أبي نوح وذي الكلاع الحميري :
فأصبح القوم فدنا بعضهم من بعض ومع علي بن أبي طالب رضي الله عنه يومئذ رجل من حمير يكنى بأبي نوح وكان مفوهاً متكلماً ، وكان له فضل وقدر وطاعة في الناس ، فقال لعلي : يا أمير المؤمنين أتأذن لي في كلام ذي الكلاع فإنه رجل من قومي وهو سيدٌ عند أهل الشام ، فلعلي أشككه فيما هو فيه ؟
فقال له علي : يا أبا نوح إن ردَّ مثل ذي الكلاع شديدٌ عند أهل الشام ، فإن أحببت لقاءه فالقه بالجميل ، وإياك والكتب ! قال : فبعث أبو نوح إلى ذي الكلاع : إني أريد لقاءك فأخرج إليَّ أكلمك . قال : فجاء ذو الكلاع إلى معاوية فقال : إن أبا نوح يريد كلامي ولست مكلمه إلا بإذنك ، فما ترى في كلامه أكلمه أم لا ؟ فقال معاوية : وما تريد إلى كلامه ؟ فوالله ما نشك في هداك ، ولا في ضلالته ، ولا في حقك ولا في باطله !
فقال ذو الكلاع : على ذلك إئذن لي في كلامه ، فقال معاوية : ذاك إليك . . .
وأقبل أبو نوح حتى وقف بين الجمعين ، وخرج ذو الكلاع حتى وقف قبالته ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 300 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فقال أبو نوح : يا ذا الكلاع ! إنه ليس في هذين الجمعين أحد أولى بنصيحتك مني ، إن معاوية بن أبي سفيان أخطأ وأخطأتم معه في خصال كثيرة ، لخطأة واحدة إنه من الطلقاء الذين لا تحل لهم الخلافة ، فأخطأ بادعائه إياها وأخطأتم باتباعه . وأخطأ في الطلب بدم عثمان وأخطأتم معه ، لأن غيره أولى بطلب دم عثمان منه . وأخطأ أنه رمى علياً بدم عثمان وأخطأتم بتصديقكم إياه ونصركم له وهذا أمر قد شهدناه وغبتم عنه ، فاتق الله ويحك يا ذا الكلاع ، فإن عثمان بن عفان أتيح له قوم فقتلوه بدعوى ادعوا عليه ، والله الحاكم في ذلك يوم القيامة ، وقد بايعت الناس علياً برضاء منه ومنهم ، لأنه لم يك للناس بدٌّ من إمام يقوم بأمرهم ، وليس لأهل الشام مع المهاجرين والأنصار أمر . فإن قلت : إن علياً ليس بخير من معاوية ولا بأحق منه بهذا الأمر ، فهات رجلاً من قريش ممن ترضى دينه حتى يعدل بينهم في شئ من الدين والشرف والسابقة في الإسلام .
فقال له ذو الكلاع : إنني قد سمعت كلامك أبا نوح ولم يخف علي منه شئ ، ولكن هل فيكم عمار بن ياسر ؟ فقال أبو نوح : نعم هو فينا ، قال : فهل يتهيأ لك أن تجمع بينه وبين عمرو بن العاص فيتكلمان وأنا أسمع ؟
فقال أبو نوح : نعم ، ثم ولى إلى عسكره ، فصار إلى عمار وطلب إليه وسأله أن يلقى عمرو بن العاص . قال : فخرج عمار في ثلاثين رجلاً من المهاجرين والأنصار ليس فيهم رجل إلا وقد شهد بدراً مع رسول الله ( ص ) غير رجلين : عمرو بن الحمق الخزاعي ، ومالك بن الحارث الأشتر . ( وهذا دليل على أن الأشتر صحابي ) .
قال : وقام الصباح الحميري إلى معاوية ، فقال له : إني أرى لك أن لا تأذن لذي الكلاع أن يلقى أبا نوح فإنه قد طمع فيه ، وأخاف أن يشككه في دينه ! فقال معاوية : إني قد نهيته فلم ينته عن ذلك ، وهو رجل من سادات حمير ، وأنا أرجو
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 301 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أن لا يخدع . قال : فأقبل ذو الكلاع إلى عمرو بن العاص إذ هو واقف يحرض الناس على القتال فقال له : أبا عبد الله ، هل لك في رجل ناصح صادق لبيب شفيق يخبرك عن عمار بن ياسر بالحق ؟ فقال له عمرو : ومن هذا معك ؟ فقال : هذا ابن عم لي من أهل العراق غير أنه جاء معي بالعهد والميثاق على أنه لا يؤذى ولا يهاج حتى يرجع إلى عسكره .
فقال عمرو : إنا لنرى عليه سيماء أبي تراب ! فقال أبو نوح : بل سيماء محمد ( صلى الله عليه وآله ) وأصحابه عليَّ ، وعليك سيماء جهل بن أبي جهل وسيماء فرعون ذي الأوتاد ! قال : فوثب أبو الأعور السلمي فسلَّ سيفه ثم قال : أرى هذا الكذاب الأثيم يشاتمنا وهو بين أظهرنا ، وعليه سيماء أبي تراب !
فقال ذو الكلاع : مهلاً يا أبا الأعور ! لأقسم بالله لو بسطت يدك إليه لأخطمن أنفك بالسيف ! ابن عمي وجاري قد عقدت له ذمتي وجئت به إليكم ليخبركم عما تماريتم فيه ، فتسل عليه السيف ؟ !
قال : فسكت أبو الأعور وتكلم عمرو بن العاص ، فقال : ألست أبا نوح ؟ فقال : بلى أنا أبو نوح ! قال عمرو : فأنا أذكرك الله أبا نوح إلا صدقتنا ولم تكذبنا ، أفيكم عمار بن ياسر ؟ قال أبو نوح : ما أنا بمخبرك حتى تخبرني لم تسألني عنه ، فإن معنا من أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه آله ) وكلهم جادٌّ في قتالكم ، فقال عمرو : لأني سمعت رسول الله وهو يقول لعمار : تقتلك الفئة الباغية ، وإنه : ليس ينبغي لعمار بن ياسر أن يفارق الحق ولا تأكل النار منه شيئاً !
فقال أبو نوح : لا إله إلا الله والله أكبر ! إن عماراً معنا وإنه لجاد في قتالكم ، فقال عمرو : إنه والله لجاد على قتالنا ؟ ! فقال أبو نوح : والله لقد حدثني يوم الجمل إننا سنظهر عليهم ، فكان كما قال : ولقد حدثني بالأمس أن لو هزمتمونا حتى
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 302 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
تبلغونا إلى سعفات هجر لعلمنا بأننا على حق وأنكم على باطل ، وأن قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار ! فقال عمرو : فهل تستطيع أن تجمع بيني وبينه ؟
قال أبو نوح : نعم وها هو واقف في ثلاثين رجلاً من أصحاب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب . فأقبل عمرو بن العاص حتى وقف قريباً من أصحاب علي ، ومعه نفر من أصحاب معاوية . قال ونظر إليهم عمار ، فأرسل إليهم برجل من عبد القيس يقال له عوف بن بشر ، فأقبل حتى إذا كان قريباً منهم نادى بأعلى صوته : أين عمرو بن العاص ؟ فقال عمرو : ها أنا فهات ما عندك ، فقال : هذا عمار قد حضر ، فإن شئت فتقدم إليه . قال عمرو : فسر إلينا حتى نكلمك ، فقال : أنا أخاف غدراتك . قال عمرو : فما الذي جرأك وأنت على هذه الحالة ؟ فقال له عوف بن بشر : الله جرأني عليك وبصرني فيك وفي أصحابك ، فإن شئت نابذتك وإن شئت التقيت أنت وخصماؤك !
فقال له عمرو : من أنت يا أخي ؟ قال : أنا عوف بن بشر الشني رجل من عبد القيس . قال عمرو : فهل لك أن أبعث لك بفارس يوافقك ؟ فقال له عوف : ما أنا بمستوحش من ذلك ، فابعث إلي أشقى أصحابك . فقال عمرو لأصحابه : أيكم يخرج إليه فيكلمه ؟ فقال أبو الأعور : أنا إليه أسير ، ثم أقبل إليه أبو الأعور حتى واقفه فقال له عوف : إني لأرى رجلاً لا أشك أنه من أهل النار إن كان مصراً على ما أرى ، فقال له أبو الأعور : لقد أعطيت لساناً حديداً ، أكبك الله في نار جهنم ! فقال عوف : كلا والله إني لا أتكلم إلا بالحق ولا أنطق إلا بالصدق ، وإني أدعو إلى الهدى ، وأقاتل أهل الضلال وأفر من النار ، وأنت رجل تشتري العقاب بالمغفرة والضلالة بالهدى ، فانظر إلى وجوهنا ووجوهكم وسيمانا وسيماكم ، واسمع إلى دعوانا ودعواكم ، فليس منا أحد إلا وهو أولى بمحمد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 303 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
( صلى الله عليه وآله ) وأقرب إليه منكم . فقال أبو الأعور : أكثرت الكلام وذهب النهار ، فاذهب وادع أصحابك وأدعو أصحابي وأنا جار لك حتى تأتي موقفك هذا الذي أنت فيه ، ولست أبدأك بغدر حتى تأتي أنت وأصحابك .
قال : فرجع عوف بن بشر إلى عمار بن ياسر ومن معه ، فأخبرهم بذلك ، وأقبل عمار ومعه الأجلاء من أهل عسكره ، وتقدم عمرو بن العاص في أجلاء عسكره حتى اختلفت أعناق الخيل ، فنزلوا هؤلاء وهؤلاء عن خيولهم واحتبوا بحمائل سيوفهم ، وذهب عمرو يتكلم التشهد ، فقال عمار : أسكت ! وقد تركتها في حياة محمد ( صلى الله عليه آله ) وبعد موته ، ونحن أحق بها منك ، فاخطب بخطبة الجاهلية ، وقل قول من كان في الإسلام دنيَّاً ذليلاً وفي الضلال رأساً محارباً ، فإنك ممن قاتل النبي ( صلى الله عليه آله ) في حياته وبعد موته ، وفَتَنَ أمته من بعده ، وأنت الأبتر بن الأبتر شانئ محمد ( صلى الله عليه آله ) وشانئ أهل بيته ! !
قال : فغضب عمرو ثم قال : أما إن فيك لهنات ! ولو شئت أن أقول لقلت . فقال عمار : وما عسى أن تقول : إني كنت ضالاً فهداني الله ووضيعاً فرفعني الله ، وذليلاً فأعزني الله ، فإن كنت تزعم هذا فقد صدقت ، وإن كنت تزعم أني خنت الله ورسوله يوماً واحداً ، أو تولينا غير الله يوماً واحداً فقد كذبت ! ولكن هلمَّ إلى ما نحن فيه الآن ، فإن شئت كانت خصومة فيدفع حقنا باطلك ، وإن شئت كانت خطباً فنحن أعلم بفصل الخطاب منك ، وإن شئت أخبرتك بكلمة تفصل بيننا وبينك ، وتكَفِّرُك قبل القيام من مجلسك ، وتشهدُ بها على نفسك ، ولا تستطيع أن تكذبني : هل تعلم أن عثمان بن عفان كان عليه الناس بين خاذل له ومحرض عليه وما هم فيه من نصره بيده ولا نهى عنه بلسانه ؟ وقد حصر أربعين يوماً في جوف داره ليس له جمعة ولا جماعة ، وتظن ما كان فيه قبل أن يقتل ما كان من
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 304 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
طلحة والزبير وعائشة بنت أبي بكر حين منعها أرزاقها ، فقالت فيه ما قالت وحرضت على قتله ، فلما قتل خرجت فطلبت بدمه بغير حق ولا حكم من الله تعالى في يدها ؟ ! ثم إن صاحبك هذا معاوية قد طلب إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أن يترك له ما في يده ، فأبى عليٌّ ذلك ، فانظر في هذا ، ثم سلط الحق على نفسك فاحكم لك وعليك .
قال : فقال عمرو : صدقت أبا اليقظان ، قد كان ذلك كما ذكرت في أمر عائشة وطلحة والزبير . وأما معاوية فله أن يطلب بدم عثمان ، لأنه رجل من بني أمية وعثمان من بني أمية وليس لهذا جئت إذا رَسَّلَ هذا الأمر الذي قد شجر بيننا وبينكم ، لأني رأيتك أطوع هذا العسكر ، فاذكرك الله إلا كففت سلاحهم وحقنت دماءهم وحرضت على ذلك ، ويحك أبا اليقظان على ماذا تقاتلنا ! ألسنا نعبد الله واحداً ؟ ألسنا نصلي إلى قبلتكم وندعو بدعوتكم ونقرأ كتابكم ونؤمن بنبيكم ؟ !
فقال عمار : الحمد لله الذي أخرجها من فيك ! القبلة والله لي ولأصحابي ، ولنا الدين والقرآن وعبادة الرحمن ، ولنا النبي والكتاب من دونك ودون أصحابك ، وإن الله تبارك وتعالى ، قد جعلك ضالاً مضلا ، وأنت لا تعلم أهاد أنت أم ضال ، ولقد أمرني رسول الله ( صلى الله عليه آله ) أن أقاتل الناكثين فقد فعلت ، وأمرني أن أقاتل القاسطين فأنتم هم ، وأما المارقون فلا أدري أدركهم أم لا .
أيها الأبتر ! ألست تعلم أن النبي ( صلى الله عليه آله ) قال : من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ، وانصر من نصره واخذل من خذله ؟ فأنا مولى لله ولرسوله وعليٌّ مولاي من بعده ، وأنت فلا مولى لك . فقال عمرو بن العاص : ويحك أبا اليقظان ! لم تشتمني ولست أشتمك ؟ فقال عمرو : فما ترى في قتل عثمان ؟
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 305 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فقال عمار : قد أخبرتك كيف قتل عثمان . فقال عمرو : فعليٌّ قتله ، فقال عمار : بل الله قتله . قال عمرو : فهل كنت فيمن قتله ؟ قال عمار : أنا مع من قتله وأنا اليوم أقاتل لمن قتله ، لأنه أراد أن يقتل الدين فقتل !
فقال عمرو : يا أهل الشام إنه قد اعترف بقتل عثمان أمامكم ! فقال عمار : قد قالها فرعون لقومه : ( ألا تسمعون ) ! أخبرني يا ابن النابغة ! هل أقررت أني أنا الذي قتلت عثمان حتى تُشهد عليَّ أهل الشام ؟ ! فقال عمرو يا هذا : إنه كان من أمر عثمان ما كان ، وأنتم الذين وضعتم سيوفكم على عواتقكم وتحربتم علينا مثل لهب النيران حتى ظننا أن صاحبكم لا بقية عنده ، فإن تنصفونا من أنفسكم فادفعوا إلينا قتلة صاحبنا وارجعوا من حيث جئتم ، ودعوا لنا ما في أيدينا ، وإن أبيتم ذلك فإن دون ما تطلبون منا والله خرط القتاد !
قال : ثم تبسم عمار ثم قال : ليس أول كلامك هذا يا ابن النابغة ، يا دعيُّ يا ابن الدعي ! يا ابن حرار قريش ! يا من ضرب على خمسة بسهامهم كل يدعيك حتى قاربك شرهم ! أفي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب تغتمز ؟ أما والله لقد علمت قريش قاطبة أن علياً لا يجلس له علا ، ولا يقعقع له بالشنان ، ولا يغمز غمز التين ! قال : فقام أهل الشام فركبوا خيولهم ولهم زَجَلٌ فصاروا إلى معاوية ، فقال له معاوية : ما وراءكم ؟ فقالوا : وراءنا والله إننا قد سمعنا من عمار بن ياسر كلاماً يقطر الدم ! ووالله لقد أخرس عمرو بن العاص حتى ما قدر له على الجواب !
فقال معاوية : هلكت العرب بعد هذا ورب الكعبة !
قال : ورجع عمار في أصحابه إلى علي بن أبي طالب فأخبره بالذي دار بينه وبين عمرو بن العاص ، فأنشأ رجل من أصحاب علي يقول :

ما زلت يا عمرو قبل اليوم مبتدراً * تبغي الخصومة جهراً غير سَرَّارِ

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 306 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

حتى رأيت أبا اليقظان منتصباً * لله درُّ أبي اليقظان عمار
ما زال يقرعُ منك العظم منتقياً * مخَّ العظام بحق غير إنكار
حتى رمى بك في بحر له لججٌ * يرمي بك الموج في لجٍّ من النار

قال : وقد كان مع معاوية رجل من حمير يقال له : الحصين بن مالك ، وكان يكاتب علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، ويدله على عورات معاوية ، وكان له صديق من أصحاب معاوية يقال له الحارث بن عوف السكسكي ، فلما كان ذلك اليوم قال الحصين بن مالك للحارث بن عوف : يا حارث إنه قد آتاك الله ما أردت ، هذا عمرو وعمار وأبو نوح وذو الكلاع قد التقوا ، فهل لك أن تسمع من كلامهم ؟ فقال الحارث بن عوف : إنما هو حق وباطل ، وفي يدي من الله هدى ، فسر بنا يا حصين . قال : فجاء الحصين والحارث حتى سمعا كلام عمرو وعمار ، فلما سمع الحارث بن عوف كلام عمار وتظاهر الحجة على عمرو بقي متحيراً ، فقال له الحصين : ما عندك الآن يا حارث ؟ فقال الحارث : ما عندي وقعة والله بين العار والنار ، ووالله لا أقاتل مع معاوية بعد هذا اليوم أبداً ! فقال له : ولا أنا أقاتل علياً بعد هذا اليوم أبداً . قال : ثم هربا من عسكر معاوية جميعاً فصار أحدهم إلى حمص وأظهر التوبة ، وصار الحارث بن عوف إلى مصر تائباً من قتال علي رضي الله عنه ، وأنشأ يقول :

قال الحصينُ ولم أعلم بنيته * يا حارِ هل لك في عمرو وعمارِ
يا حارِ هل لك في أمر له نبأٌ * فيه شريكان من عوف وإنكار
فاسمع وتسمع ما يأتي العيان به * إن العيان شفاء النفس يا حار
لما رأيت لجاج الأمر قلت له * قولاً ضعيفاً نعم والكره إضماري
سرنا إلى ذلك المرأين مع نفر * شم كرام وجدنا زندهم واري
لما تشهد عمرو قال صاحبه * أسكت فإنك من ثوب الهدى عاري

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 307 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

فارتد عمرو على عقبيه منكسراً * كالهر يرقب ختلاً عازم الفار
ما زال يرميه عمارٌ بحجته * حتى أقر له من غير إكثار
قال الحصين لما أبصرت حجته * غراء مثل بياض الصبح للساري
ما بعد هذين من عيب لمنتظر * فاختر فدى لك بين العار والنار
قلت الحياة فراق القوم معترفاً * بالذنب حقاً وليس العار كالنار ]

قال : وأقبل نفر من أصحاب معاوية إلى عمرو بن العاص ، فقال له بعضهم : أبا عبد الله ، ألست الذي رويت لنا أن النبي ( صلى الله عليه آله ) قال : يدور الحق مع عمار حيث ما دار ؟ فقال عمرو : بلى قد رويت ذلك ولكنه يصير إلينا ويكون معنا . فقال له ذو الكلاع : هذا والله محال من الكلام ! والله لقد أفحمك عمار حيث بقيت وأنت لا تقدر على إجابته ! قال عمرو : صدقت وربما كان كلام ليس له جواب . . .
قال : فأنشأ رجل من بني قيس يقول في ذلك :

والراقصات بركب عامدين له * إن الذي كان في عمرو لمأثور
قد كنت أسمع والأنباء شائعة * هذا الحديث فقلت الكذب والزور
حتى تلقيته عن أهل محنته * فاليوم أرجع والمغرور مغرور
واليوم أبرأ من عمرو وشيعته * ومن معاوية المحذو به العير
لا لا أقاتل عماراً على طمع * بعد الرواية حتى ينفخ الصور
تركت عمرواً وأشياعاً له نكراً * إني بتركهم يا صاح معذور
يا ذا الكلاع فدع لي معشراً كفروا * أو لا فديتك دين فيه تعزير
ما في مقال رسول الله في رجل * شك ولا في مقال الرسل تحيير

قال : ثم هرب صاحب هذا الشعر حتى لحق بعلي بن أبي طالب فصار معه .
قال : فدعا معاوية عمرو بن العاص ، فقال : يا هذا إنك أفسدت أهل الشام عليَّ ، أكلَّ ما سمعت من رسول الله تقوله وترويه ؟ ! ما أكثر ما سمعنا منه فلم نروه !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 308 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فقال عمرو : يا هذا والله لقد رويت هذا الحديث وأنا لا أظن أن صفين تكون ، ولست أعلم الغيب ! ولقد رويت أنت أيضاً في عمار مثل الذي رويت أنا ) ! انتهى .
* *
وفي كفاية الأثر في النص على الأئمة الاثني عشر ص 120 عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار عن أبيه عن جده عمار ( رحمه الله ) قال : ( كنت مع رسول الله ( صلى الله عليه آله ) في بعض غزواته وقتل علي ( عليه السلام ) أصحاب الألوية وفرق جمعهم ، وقتل عمرواً بن عبد الله الجمجمي ، وقتل شيبة بن نافع ، أتيت رسول الله ( صلى الله عليه آله ) فقلت له : يا رسول الله ، صلى الله عليك إن علياً قد جاهد في الله حق جهاده . فقال : لأنه مني وأنا منه ، وهو وارث علمي وقاضي ديني ومنجز وعدي والخليفة بعدي ، ولولاه لم يعرف المؤمن المحض . حربه حربي وحربي حرب الله ، وسلمه سلمي وسلمي سلم الله ، ألا إنه أبو سبطيَّ والأئمة من صلبه يخرج الله تعالى منه الأئمة الراشدين ، ومنهم مهديُّ هذه الأمة . فقلت : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ، ما هذا المهدي ؟ قال : يا عمار إن الله تبارك وتعالى عهد إليَّ أنه يخرج من صلب الحسين تسعة والتاسع من ولده يغيب عنهم ، وذلك قوله عز وجل : قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ ، يكون له غيبة طويلة يرجع عنها قوم ويثبت عليها آخرون ، فإذا كان في آخر الزمان يخرج فيملأ الدنيا قسطاً وعدلاً ، ويقاتل على التأويل كما قاتلت على التنزيل ، وهو سميي ، وأشبه الناس بي .
يا عمار ستكون بعدي فتنة ، فإذا كان ذلك فاتبع علياً وحزبه ، فإنه مع الحق والحق معه . يا عمار إنك ستقاتل بعدي مع علي صنفين : الناكثين والقاسطين ، ثم تقتلك الفئة الباغية . قلت : يا رسول الله أليس ذلك على رضا الله ورضاك ؟ قال : نعم على رضا الله ورضاي ، ويكون آخر زادك من الدنيا شربة من لبن تشربه .
فلما كان يوم صفين خرج عمار بن ياسر إلى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) فقال له : يا أخا رسول الله ، أتأذن لي في القتال ؟ قال : مهلاً رحمك الله ، فلما كان بعد ساعة أعاد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 309 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عليه الكلام فأجابه بمثله فأعاد عليه ثالثاً ، فبكى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وقال : إنه اليوم الذي وصفه لي رسول الله ( صلى الله عليه آله ) فنزل أمير المؤمنين ( عليه السلام ) عن بغلته وعانق عماراً وودعه ، ثم قال : يا أبا اليقظان جزاك الله عن نبيك خيراً ، فنعم الأخ كنت ، ونعم الصاحب كنت ! ثم بكى ( عليه السلام ) وبكى عمار ثم قال : والله يا أمير المؤمنين ما تبعتك إلا ببصيرة ، فإني سمعت رسول الله ( صلى الله عليه آله ) يقول يوم خيبر : يا عمار ستكون بعدي فتنة ، فإذا كان ذاك فاتبع علياً وحزبه فإنه مع الحق والحق معه ، وستقاتل الناكثين والقاسطين ، فجزاك الله يا أمير المؤمنين عن الإسلام أفضل الجزاء ، فلقد أديت وأبلغت ونصحت . ثم ركب وركب أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ثم برز إلى القتال ثم دعا بشربة من ماء ، فقيل له : ما معنا ماء ، فقام إليه رجل من الأنصار فأسقاه شربة من لبن ، فشربه ثم قال : هكذا عهد إليَّ رسول الله ( صلى الله عليه آله ) أن يكون آخر زادي من الدنيا شربة من لبن . ثم حمل على القوم فقتل ثمانية عشر نفساً ، فخرج إليه رجلان من أهل الشام فطعناه وقتل ( رحمه الله ) .
فلما كان في الليل طاف أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في القتلى ، فوجد عماراً ملقى بين القتلى ، فجعل رأسه على فخذه ثم بكى ( عليه السلام ) وأنشأ يقول :

ألا أيها الموت الذي لست تاركي * أرحني فقد أفنيت كلَّ خليل
أراك بصيراً بالذين أحبهم * كأنك تمضي نحوهم بدليل ) . انتهى .

أقول : صدق الله تعالى حيث قال في الأنبياء والأوصياء وأنصارهم الربانيين : ( لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حديثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيء وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) . ( يوسف : 111 )
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 310 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الراهب شمعون . . شاهدٌ من أهل الكتاب في حرب صفين

روى في الخرائج والجرائح : 1 / 222 : ( عن أبي سعيد عقيصا قال : خرجنا مع علي ( عليه السلام ) نريد صفين ، فمررنا بكربلاء فقال : هذا موضع الحسين ( عليه السلام ) وأصحابه .
ثم سرنا حتى انتهينا إلى راهب في صومعة ، وتقطع الناس من العطش وشكوا إلى علي ( عليه السلام ) ذلك ، وأنه قد أخذ بهم طريقاً لا ماء فيه من البر ، وترك طريق الفرات فدنا من الراهب ، فهتف به وأشرف إليه فقال : أقُرْبَ صومعتك ماء ؟ قال : لا . فثنى رأس بغلته فنزل في موضع فيه رمل ، وأمر الناس أن يحفروا هذا الرمل فحفروا فأصابوا تحته صخرة بيضاء ، فاجتمع ثلاثمائة رجل فلم يحركوها . فقال ( عليه السلام ) : تنحوا فإني صاحبها ، ثم أدخل يده اليمنى تحت الصخرة فقلعها من موضعها حتى رآها الناس على كفه فوضعها ناحية ، فإذا تحتها عين ماء أرق من الزلال وأعذب من الفرات ، فشرب الناس وسقوا واستقوا وتزودوا ، ثم رد الصخرة إلى موضعها وجعل الرمل كما كان ! وجاء الراهب فأسلم وقال : إن أبي أخبرني عن جده وكان من حواري عيسى : إن تحت هذا الرمل عين ماء ، وإنه لا يستنبطها إلا نبي أو وصي نبي ! وقال لعلي ( عليه السلام ) : أتأذن لي أن أصحبك في وجهك هذا ؟ قال ( عليه السلام ) : إلزمني ودعا له ، ففعل فلما كان ليلة الهرير قتل الراهب فدفنه ( عليه السلام ) بيده وقال : لكأني أنظر إليه وإلى منزله في الجنة ودرجته التي أكرمه الله بها ) . ( البحار : 42 / 1 ، ومدينة المعاجز ص 200 ) .
وفي المناقب لمحمد بن سليمان : 1 / 144 : ( عن حبة العرني قال : لما أن خرجنا مع علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) في مسيره إلى صفين حتى نزلنا ب - " البليخ " وكان فيه دير فيه راهب يقال له شمعون ، فنزل إلى علي فقال : يا أمير المؤمنين إنه كان عند آبائي كتاب كتبه لهم أصحاب عيسى بن مريم فإن شئت تلوته عليك ؟ قال : قد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 311 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
شئت قال شمعون : وهذا نصه : بسم الله الرحمن الرحيم الذي قضى فيما قضى وصدر فيما كتب أنه باعث في الأميين رسولاً يتلو عليهم آياته ويدلهم على سبيل الجنة لا فظٌّ ولا غليظٌ ولا صخابٌ في الأسواق ، لا يجزي بالسيئة سيئة ، ولكن يعفو ويصفح . أمته الحامدون يحمدون الله على كل حال ، تذل ألسنتهم بالتهليل والتكبير ، تنصر نبيهم على كل من ناواه ، فإذا توفي ذلك النبي اختلفت أمته ، ثم اجتمعت ، ثم اختلفت ، فيمر رجل من أمته يجر الجيش بشاطئ هذا الوادي وهو أولى الناس بذلك النبي الأمي في الدين والقرابة ، يقضي بالحق ولا يرتشي في الحكم ، يخاف الله في السر وينصحه في العلانية ، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، لا تأخذه في الله لومة لائم الدنيا ، أهون عليه من رماد عصفت به الريح والموت ، أهون عليه في جنب الله من شربة الماء العذب على الظمآن . فمن أدرك ذلك النبي فليؤمن به ، ومن أدرك ذلك العبد الصالح فليتبعه ، فإن القتل معه شهادة .
ثم قال : فلما سمعت بالنبي آمنت به ولم أره ، ولما مررت بي أنت الآن يا أمير المؤمنين نزلت إليك وأنت صاحبي ولست أفارقك حتى يصيبني ما أصابك ! قال : فبكى علي ( عليه السلام ) طويلاً وبكى أصحابه لبكائه ثم قال : الحمد لله الذي لم يجعلني عنده نسياً منسياً ، الحمد لله الذي ذكرني في كتاب الأبرار .
قال حبة العرني : كان شمعون رفيقي وكان عليٌّ إذا تعشى أو تغدى أرسل إليه فلما كان يوم الهرير أصبح الناس يطلبون قتلاهم ، قال عليٌّ : أطلبوا لي شمعون . فطلبوه فوجدوه مقتولاً بين القتلى ، فصلى عليه ودفنه ، ثم التفت إلينا فقال : هذا منا أهل البيت ) . ( راجع أيضاً : شرح الأخبار : 2 / 369 والهداية للحضيني ص 148 )
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 312 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

معاوية والروم في حرب صفين !

كان النبي ( صلى الله عليه آله ) يدعو الناس في مكة إلى الإسلام ويخبرهم بأن الله تعالى وعده أن يورِّث أمته ملك كسرى وقيصر ! فكل من قرأ سيرته ( صلى الله عليه آله ) يجد أن فتح فارس والروم كانا وعداً نبوياً من أول إعلان الدعوة ، وكان المشركون يسخرون من ذلك ! واستمر هذا الوعد عنصراً ثابتاً في مراحل دعوته ( صلى الله عليه آله ) ، فكان برنامجاً إلزامياً للسلطة الجديدة بعد وفاته ( صلى الله عليه آله ) ، أيّاً كانت تلك السلطة .
* *
وفي رأيي أن السلطة بعد النبي ( صلى الله عليه آله ) خافت من حرب مسيلمة التي يسمونها حروب الردة ، كما خافت من التوجه إلى فتح بلاد فارس والشام ، وأن الفضل في دفعها إلى الفتوحات يعود إلى علي ( عليه السلام ) وتلاميذه الفرسان ، الذين لم تعطهم السلطة مناصب قيادية ، لكنهم كانوا القادة الميدانيين الذين حققوا الانتصارات !
وكان بقية هؤلاء القادة مع علي ( عليه السلام ) في صفين ، وهم كثرٌ منهم الأشتر بطل معركة اليرموك الذي برز إلى فارس الروم وقتله ، فغيَّر ميزان المعركة ! وهاشم المرقال الذي أبلى فيها بلاء مميزاً . . . الخ . ! وأشرنا إلى ذلك في آخر الفصل الثاني .
* *
وفي السنة السابعة والثلاثين للهجرة وهي سنة صفين ، كان الفُرْس قد يئسوا من العراق وقسم من إيران ، وكان المسلمون يواصلون فتح بقية إيران وما وراءها في حالة كرٍّ وفرٍّ مع الفرس . فوجَّه عليٌّ ( عليه السلام ) بعد حرب البصرة ابن أخته جعدة بن هبيرة ، وكان فارساً بطلاً ، وقد تقدم ذكر فتحه لبقية خراسان وما وراءها .
كما كانت الشام وفلسطين ومصر استقرت في حكم المسلمين ، وقد يئس منها الروم ، لكن عاصمتهم القسطنطينية ( استانبول ) كانت قوية ، وكان أكثر تركيا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 313 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الحالية في حكمهم ، والمسلمون يغزونهم ، وربما غزا الروم المسلمين .
وعندما تفاقمت نقمة الصحابة على عثمان وحاصروه ، كانت خطة معاوية أن لا يدخل في معركة مع الصحابة من أجل عثمان ، بل يصبر حتى يقتلوه ، فيطالب بدمه ! ويكون قتل الخليفة الأموي حجةً له لادعاء الخلافة ! فقد تقدم أن عثمان استصرخه فلم ينصره على قرب المسافة بينهما ، بل أرسل جيشاً إلى ذي خُشب ، وهو على مسيرة ساعات من المدينة ! ( معجم البلدان : 2 / 372 ) . وحرَّم على قائده أن يدخل المدينة مهما كان السبب ! قال ابن شبة في تاريخ المدينة : 4 / 1288 : ( أرسل عثمان إلى معاوية يستمده ، فبعث معاوية يزيد بن أسد جد خالد القسري وقال له : إذا أتيت ذا خُشب فأقم بها ولا تتجاوزها ، ولا تقل الشاهد يرى ما لا يرى الغائب قال : أنا الشاهد وأنت الغائب ! فأقام بذي خشب حتى قتل عثمان ! فقلت لجويرية : لم صنع هذا ؟ قال : صنعه عمداً ليقتل عثمان فيدعو إلى نفسه ) ! ! انتهى .
* *
وعندما أشعلت عائشة وطلحة والزبير حرب الجمل على علي ( عليه السلام ) تعمَّد معاوية الانتظار أيضاً ، وقد ساءه انتصار علي ( عليه السلام ) ، لكن وزيره ابن العاص كان يصرح بأنهما كانا يتمنيان أن يقتل علي ( عليه السلام ) عائشة ليستفيدا من ذلك ! فقد بلغت وقاحة ابن العاص أن قال لعائشة : ( لوددت أنك قتلت يوم الجمل ! قالت : ولمَ لا أباً لك ! قال : كنت تموتين بأجلك وتدخلين الجنة ، ونجعلك أكبر التشنيع على علي بن أبي طالب ) . ( شرح النهج : 6 / 322 ، وعن الكامل للمبرد ص 151 ) .
* *
فقد كانت سياسة معاوية إذن ، إعداد قوته وتوفيرها استعداداً لمعركة الخلافة مع علي ( عليه السلام ) ! فمن الطبيعي أن يعقد اتفاقية هدنة مع الروم ، بل من الطبيعي أن نقرأ أنها كانت أكثر من هدنة ووصلت إلى شبه اتفاقية بينه وبينهم أنه إذا انهزم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 314 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
في معركته مع علي ( عليه السلام ) يتدخل الروم إلى جانبه في حربه لعلي ( عليه السلام ) !
فقد نقل ابن الأعثم شهادة علي ( عليه السلام ) بذلك ! قال في الفتوح : 2 / 539 : ( فنادى عليٌّ في الناس فجمعهم : أيها الناس إن معاوية بن أبي سفيان قد وادع ملك الروم ، وسار إلى صفين عازماً على حربكم ، فإن غلبتموهم استعانوا عليكم بالروم ! وإن غلبوكم فلا عراق حجاز ولا عراق ) . انتهى .
ويؤيد مضمون هذا النص مؤشران :
أولهما : أن بيت معاوية كان على صلة بالروم وكان أبو سفيان لا يخفي إعجابه بهم ! وعندما أرسل النبي ( صلى الله عليه آله ) رسالة إلى هرقل يدعوه فيها إلى الإسلام ، كان أبو سفيان في الشام ، فأحضره هرقل يسأله عن النبي ( صلى الله عليه آله ) فتنقص أبو سفيان من النبي ( صلى الله عليه آله ) ليحرك هرقل عليه ، فرد عليه زميله علقمة بن عُلاثة العامري !
قال ابن الأثير في النهاية : 2 / 478 : ( لما بلغه ( ص ) هجاء الأعشى علقمة بن علاثة العامري نهى أصحابه أن يرووا هجاءه وقال : إن أبا سفيان شعث مني عند قيصر فرد عليه علقمة وكذَّب أبا سفيان . يقال شعثت من فلان إذا غضضت منه وتنقصته ) .
( ونحوه في تاريخ دمشق : 41 / 148 ، ولسان العرب : 2 / 161 )
وقال البخاري : 1 / 6 : ( قال أبو سفيان فلما قال ( هرقل ) ما قال ، وفرغ من قراءة الكتاب كثر عنده الصخب وارتفعت الأصوات وأُخرجنا ، فقلت لأصحابي حين أخرجنا : لقد أمرَ أمرُ ابن أبي كبشة ! إنه يخافه ملك بني الأصفر ) . انتهى .
وأبو كبشة مولى للنبي ( صلى الله عليه آله ) كان كفار قريش لعنهم الله ، ينبزونه به !
وقال ابن عقيل في النصائح الكافية ص 109 : ( كان أبو سفيان في الجاهلية أشد قريش عداوة للنبي ( صلى الله عليه آله ) وأعظمهم حرصاً على إطفاء نور الله ، وهو ممن أنزل الله فيهم قوله تعالى : فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ . ولم يزل ذلك دأبه وديدنه إلى أن أرغم الله أنفه بفتح مكة ودخل في الإسلام مكرهاً هو وبنوه وزوجته ، ثم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 315 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
حضر مع المؤلفة غزوة حنين وكانت الأزلام في كنانته ! ولما انهزم المسلمون قال : لا تنتهي هزيمتهم دون البحر ، والله قد غلبت هوازن ! ! فقال له صفوان : بفيك الكثكث ، أي الحجارة والتراب .
قال ابن عبد البر في الإستيعاب : وقد اختلف في حسن إسلامه ، فطائفة ترى أنه لما أسلم حسن إسلامه . . . قال : ونقل عن سعيد بن المسيب . وطائفة ترى أنه كان كهفاً للمنافقين منذ أسلم ، وكان في الجاهلية زنديقاً .
ثم قال : وفي خبر ابن الزبير أنه رآه يوم اليرموك قال : فكانت الروم إذا ظهرت قال : أبو سفيان إيه بني الأصفر ! وإذا كشفهم المسلمون قال أبو سفيان :

وبنو الأصفر الملوك ملوكُ * الروم لم يبق منهم مذكورُ

فحدث به ابن الزبير أباه لما فتح الله على المسلمين ، فقال الزبير : قاتله الله يأبى إلا نفاقاً ، أولسنا خيراً له من بني الأصفر ؟ ! ) . انتهى .
لهذه الأسباب وغيرها ، من الطبيعي أن يفضل الروم بيت أبي سفيان الذي قاد الحرب على النبي ( صلى الله عليه آله ) إلى آخر نفس ، على آل النبي ( صلى الله عليه آله ) ! ويفضلوا معاوية على علي ( عليه السلام ) لأنه كان محباً لليهود والنصارى أليفاً لهم ، فقد تزوج منهم وأعطاهم مناصب مهمة في دولته !
والمؤشر الثاني : أن كعب الأحبار وقف إلى جانب معاوية وجاء إلى صفين !
قال ابن الأعثم في الفتوح : 3 / 138 : ( وأصبح القوم وقدم كعب على معاوية من حمص ، فقرَّبه معاوية وأدناه وكساه ، فجعل كعب يحدث معاوية بالرخص ، ولا ينكر ما هو فيه من قتاله علياً ) . انتهى . وكعب الأحبار صاحب ثقافة يهودية يعمل لها ، فهو متعاطف بطبعه مع الروم !
ومن هنا نعرف كم هو التزوير في خطة معاوية والأشعث بن قيس لوقف القتال
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 316 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
في صفين عندما لاحت الهزيمة لمعاوية ، فقد خطب الأشعث ليلة الهرير أو قبلها بليلة في جيش علي ( عليه السلام ) وطالب بوقف القتال بحجة الخوف من الروم والفرس !
قال نصر بن مزاحم ص 481 : ( قال صعصعة : فانطلقت عيون معاوية إليه بخطبة الأشعث فقال : أصاب ورب الكعبة ، لئن نحن التقينا غداً لتميلن الروم على ذرارينا ونسائنا ، ولتميلن أهل فارس على نساء أهل العراق وذراريهم . وإنما يبصر هذا ذووا الأحلام والنهي . إربطوا المصاحف على أطراف القنا ) ! !
يقول ذلك معاوية وقد عقد هدنة مع الروم ، بل عقد اتفاقية معهم أنه إذا انهزم في صفين ، تدخلوا وفتحوا جبهة إلى جانبه ضد علي ( عليه السلام ) !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 317 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

من نبل أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وفروسيته في صفين

في مناقب آل الرسول لابن طلحة ص 223 : ( خرج العباس بن ربيعة بن الحارث ( بن عبد المطلب ) فأبلى ، وخرج إليه من أصحاب معاوية فارس معروف يقال له غرار بن أدهم فقال : يا عباس هل لك في المبارزة ؟ فقال له العباس : هل لك في النزول فإنه أيسر من القفول ؟ فقال : نعم ، فرمى بنفسه عن فرسه وسلم فرسه إلى غلام له فأخذه ، ورمى غرار بن أدهم بنفسه عن فرسه ، ثم تلاقيا وكفَّ أهل الجيشين أعنة خيولهم ينظرون إلى الرجلين ! ثم تضاربا بسيفيهما فما قدر أحدهما على صاحبه لكمال لأمته وعليٌّ يراهما . ونظر العباس إلى وهن في درع الشامي فضربه العباس على ذلك الوهن فقدَّهُ باثنين ! فكبر جيش علي ( عليه السلام ) وجيش معاوية ثم عطف العباس فركب فرسه . فقال معاوية لأصحابه : من خرج منكم إلى هذا فقتله فله عندي من المال كذا وكذا ، فوثب رجلان من بني لخم من اليمن فقالا نحن نخرج إليه . فقال : أخرجا فأيكما سبق إلى قتله فله من المال ما بذلت له ، وللآخر مثل ذلك ! فخرجا جميعاً ووقفا في مقر المبارزة ، ثم صاحا بالعباس ودعواه . فقال : أستأذن صاحبي وأبرز إليكما . وجاء إلي علي ليستأذنه فقال له علي ( عليه السلام ) : ودَّ معاوية أنه لا يبقي من بني هاشم نافخ ضرمة . ثم قال : إلى هاهنا ، أدنُ مني ، فلما دنا منه أخذ منه سلاحه وأخذ فرسه ، وخلع عليٌّ ( عليه السلام ) لباسه ولبس سلاح العباس وما كان عليه ، وركب فرس العباس وخرج إلى بين الصفين كأنه العباس ، فقال له اللخميان : استأذنت فأذن لك مولاك ؟ فتحرَّج علي ( عليه السلام ) من الكذب فقرأ : أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِير !
فتقدم إليه أحد الرجلين فالتقيا بضربتين فضربه علي على مراق بطنه فقطعه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 318 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
باثنتين ، فظن الناس بأنه أخطأه فلما تحرك الفرس سقط الرجل قطعتين ، وعاد فرسه وصار إلى عسكر علي ( عليه السلام ) ! فتقدم الآخر فضربه عليٌّ فألحقه بصاحبه ، ثم جال ( عليه السلام ) جولة ثم رجع إلى موضعه !
وعلم معاوية أنه عليٌّ فقال : قبَّح الله اللجاج إنه لقُعُودٌ ما ركبته إلا خُذلت . فقال له عمرو بن العاص : المخذول والله اللخميان لا أنت . فقال له معاوية : أسكت أيها الإنسان ليس هذه الساعة من ساعاتك . قال عمرو : فإن لم تكن من ساعاتي فرحم الله اللخميان ، ولا أظنه يفعل ) . انتهى . ( راجع تفصله في ابن الأعثم : 3 / 140 )
* *
وفي وقعة صفين لابن مزاحم ص 315 : ( عن صعصعة بن صوحان أن علي بن أبي طالب صافَّ أهل الشام حتى برز رجل من حمير من آل ذي يزن ، اسمه كريب بن الصباح ، ليس في أهل الشام يومئذ رجل أشهر شدةً بالبأس منه ، ثم نادى : من يبارز ؟ فبرز إليه المرتفع بن الوضاح الزبيدي ، فقَتَلَ المرتفع . ثم نادى : من يبارز ؟ فبرز إليه الحارث بن الجلاح فقتله ؟ ثم نادى : من يبارز ؟ فبرز إليه عائذ بن مسروق الهمداني فقتل عائذاً ، ثم رمى بأجسادهم بعضها فوق بعض ، ثم قام عليها بغياً واعتداء ثم نادى : هل بقي من مبارز ؟ ! فبرز إليه علي ( عليه السلام ) ثم ناداه : ويحك يا كريب ، إني أحذرك الله وبأسه ونقمته وأدعوك إلى سنة الله وسنة رسوله ، ويحك لا يدخلنك ابن آكلة الأكباد النار ! فكان جوابه أن قال : ما أكثر ما قد سمعنا هذه المقالة منك فلا حاجة لنا فيها ، أقدم إذا شئت . من يشتري سيفي وهذا أثره ؟ فقال عليه ( عليه السلام ) : لا حول ولا قوة إلا بالله . ثم مشى إليه فلم يمهله أن ضربه ضربة خرَّ منها قتيلاً يتشحط في دمه . ثم نادى ( عليه السلام ) : من يبارز ؟ فبرز إليه الحارث بن وداعة الحميري فقَتَلَ الحارث . ثم نادى : من يبارز ؟ فبرز إليه المطاع بن المطلب القيني فقتل مطاعاً ، ثم نادى : من يبارز ؟ فلم يبرز إليه أحد !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 319 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم إن علياً نادى : يا معشر المسلمين : الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ . ويحك يا معاوية هلمَّ إليَّ فبارزني ولا يُقتلنَّ الناس فيما بيننا !
فقال عمرو : إغتنمه منتهزاً قد قتل ثلاثة من أبطال العرب ، وإني أطمع أن يظفرك الله به . فقال معاوية : ويحك يا عمرو ، والله إن تريد إلا أن أقتل فتصيب الخلافة بعدي ! إذهب إليك ، فليس مثلي يخدع ) !
* *
وفي وقعة صفين ص 457 : ( أن أبرهة بن الصباح بن أبرهة الحميري قام فقال : ويلكم يا معشر أهل اليمن ، والله إني لأظن أن قد أذن بفنائكم ، ويحكم خلوا بين هذين الرجلين فليقتتلا ، فأيهما قتل صاحبه مِلنا معه جميعاً . وكان أبرهة من رؤساء أصحاب معاوية . فبلغ ذلك علياً فقال : صدق أبرهة بن الصباح ، والله ما سمعت بخطبة منذ وردت الشام أنا بها أشد سروراً مني بهذه .
وبلغ معاوية كلام أبرهة فتأخر آخر الصفوف وقال لمن حوله : إني لأظن أبرهة مصاباً في عقله . فأقبل أهل الشام يقولون : والله إن أبرهة لأفضلنا ديناً ورأياً وبأساً ولكن معاوية كره مبارزة علي . فقال أبرهة في ذلك . . . ) انتهى .
ثم أورد أبياتاً لأبرهة يظهر منها أنه ترك معاوية ، ولو بقي معه لقتله !
* *
قال ابن أبي الحديد : ( وأما العبادة ، فكان أعبد الناس ، وأكثرهم صلاة وصوماً ، ومنه تعلم الناس صلاة الليل وملازمة الأوراد وقيام النافلة ! وما ظنك برجل يبلغ من محافظته على ورده أن يبسط له نطع بين الصفين ليلة الهرير فيصلي عليه ورده والسهام تقع بين يديه ، وتمر على صماخيه يميناً وشمالاً فلا يرتاع لذلك ، ولا يقوم حتى يفرغ من وظيفته ! وما ظنك برجل كانت جبهته كثفنة البعير لطول
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 320 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
سجوده ! وأنت إذا تأملت دعواته ومناجاته ووقفت على ما فيها من تعظيم الله سبحانه وإجلاله ، وما تتضمنه من الخضوع لهيبته والخشوع لعزته و الإستخذاء له عرفت ما ينطوي عليه من الإخلاص ، وفهمت من أي قلب خرجت ، وعلى أي لسان جرت ! ) . ( شرح النهج : 1 / 27 )
وفي كشف الغمة لابن أبي الفتح الإربلي : 1 / 254 : ( وأمير المؤمنين فارس ذلك الجمع وأسده ، وإمامه ومولاه وسيده ، وهادي من اتبعه ومرشده ، يهدر كالفحل ويزأر كالأسد ، ويفرقهم ويجمعهم كفعله بالنقد ، لا يعترضه في إقامة الحق وإدحاض الباطل فتور ، ولا يلمُّ به في إعلاء كلمة الله وخزي أعدائه قصور ، يختطف النفوس ويقتطف الرؤوس ، ويلقى بطلاقة وجهه اليوم العبوس ، ويذل بسطوة بأسه الأسود السود ، والفرسان الشؤوس ، ويخجل بأنواره في ليل القتام الأقمار والشموس ، فما لقي شجاعاً إلا وأراق دمه ، ولا بطلاً إلا وزلزل قدمه ، ولا مريداً إلا أعدمه ، ولا قاسطاً إلا قصر عمره وأطال ندمه ، ولا جمع نفاق إلا فرقه ، ولا بناء ضلال إلا هدمه ، وكان كلما قتل فارساً أعلن بالتكبير فأحصيت تكبيراته ليلة الهرير فكانت خمسمائة وثلاثاً وعشرين تكبيرة ، بخمسمائة وثلاث وعشرين قتيلاً من أصحاب السعير ! وقيل : إنه في تلك الليلة فتق نَيْفَقَ درعه ، لثقل ما كان يسيل من الدم على ذراعه ! وقيل : إن قتلاه عرفوا في النهار ، فإن ضرباته كانت على وتيرة واحدة ، إن ضرب طولاً قد ! أو عرضاً قطّ ! وكانت كأنها مكواة بالنار ) !
وقال العلامة الحلي في كشف اليقين ص 158 : ( وفي ليلة الهرير باشر الحرب بنفسه خاصة ، وكان كلما قتل قتيلاً كبَّرَ ، فعُدَّ تكبيره فبلغ خمسمائة وثلاثاً وعشرين تكبيرة ، وعد قتلى الفريقين في صبيحة تلك الليلة ، فبلغت ستة وثلاثين
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 321 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ألف قتيل . واستظهر حينئذ أصحاب أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وزحف مالك الأشتر حتى ألجأهم إلى معسكرهم . فلما رأى عمرو بن العاص الحال قال لمعاوية : نرفع المصاحف وندعوهم إلى كتاب الله . فقال معاوية : أصبتَ . ورفعوها فرجع القراء عن القتال . فقال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : إنها خديعة عمرو العاص ، ليسوا من رجال القرآن ! فلم يقبلوا وقالوا : لا بد أن تردَّ الأشتر وإلا قتلناك أو سلمناك إليهم ! ! فأنفذ يطلب الأشتر فقال : قد أشرفت على الفتح وليس وقت طلبي ! فعرَّفه اختلال أصحابه وأنه إن لم يرجع قتلوه أو سلموه إلى معاوية ! فرجع وعنَّف القراء وضرب وجه دوابهم فلم يرجعوا ! فوضعت الحرب أوزارها . . . !
فعين معاوية عمرو بن العاص ، وعيَّن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) عبد الله بن العباس ، فلم يوافقوا قال : فأبو الأسود ، فأبوا واختاروا أبا موسى الأشعري . فقال ( عليه السلام ) : أبو موسى مستضعف وهواه مع غيرنا . فقالوا : لا بد منه ، وحكَّموه ، فخدع عمرو بن العاص أبا موسى وحمله على خلع أمير المؤمنين وأنه يخلع معاوية ، وأمره بالتقدم حيث هو أكبر سناً ففعل أبو موسى ذلك ، ثم قال : يا عمرو قم فافعل كذلك . فقام وأقرها في معاوية ، فشتمه أبو موسى وتلاعنا ) !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 322 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

من خساسة أعداء أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في صفين

يعرف القرشيون جيداً السموَّ الأخلاقي الذي يتصف به بنو هاشم ، ولذلك ابتكر فرسان قريش أسلوباً في الدفاع عن أنفسهم عند مبارزتهم لبني هاشم .
روى ابن كثير في السيرة : 3 / 39 ، ناقلاً عن ابن هشام : ( لما اشتد القتال يوم أحد ، جلس رسول الله ( ص ) تحت راية الأنصار ، وأرسل إلى عليٍّ أن قدِّم الراية ، فقدم عليٌّ وهو يقول : أنا أبو القضم ، فناداه أبو سعد بن أبي طلحة ، وهو صاحب لواء المشركين : هل لك يا أبا القضم في البراز من حاجة ؟ قال : نعم . فبرزا بين الصفين فاختلفا ضربتين ، فضربه عليٌّ فصرعه ثم انصرف ولم يجهز عليه ! فقال له بعض أصحابه : أفلا أجهزت عليه ؟ فقال : إنه استقبلني بعورته فعطفتني عليه الرحم ، وعرفت أن الله قد قتله ! وقد فعل ذلك علي رضي الله عنه يوم صفين مع بُسر بن أبي أرطاة ، لما حمل عليه ليقتله أبدى له عورته ، فرجع عنه .
وكذلك فعل عمرو بن العاص حين حمل عليه علي في بعض أيام صفين ، أبدى عن عورته ، فرجع علي أيضاً . ففي ذلك يقول الحارث بن النضر :

أفي كل يوم فارسٌ غير منته * ٍوعورته وسط العجاجة باديهْ
يكفُّ لها عنه عليٌّ سنانه * ويضحك منها في الخلاء معاويهْ ! !

انتهى كلام ابن كثير ، لكنه لم يورد بقية أبيات الحارث بن النضر ، وهي :

بدت أمس من عمرو فقنع رأسه * وعورة بسر مثلها حذو حاذيه
فقولا لعمرو وابن أرطاة أبصرا * سبيلكما لا تلقيا الليث ثانيه
ولا تحمدا إلا الحيا وخصاكما * هما كانتا والله للنفس واقيه
فلولا هما لم تنجوا من سنانه * وتلك بما فيها عن العود ناهيه
متى تلقيا الخيل المشيحة صبحةً * وفيها عليٌّ فاتركا الخيل ناحية

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 323 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

وكونا بعيداً حيث لا يبلغ القنا * وحمَّى الوغى إن التجارب كافيه
وإن كان منه بعد في النفس حاجة * فعودا إلى ما شئتما هي ماهية

فكان بسر بعد ذلك إذا لقى الخيل التي فيها علي تنحى ناحية ) . انتهى .
وقد روى هذه التكملة نصر بن مزاحم ص 462 وجاء في القصة : ( فغدا عليٌّ منقطعاً من خيله ومعه الأشتر ، وهو يريد التل . . . فاستقبله بسر قريباً من التل وهو مقنع في الحديد لا يُعرف ، فناداه : أبرز إليَّ أبا حسن ، فانحدر إليه عليٌّ على تؤدةً غير مكترث ، حتى إذا قاربه طعنه وهو دارع فألقاه على الأرض ، ومنع الدرع السنان أن يصل إليه ، فاتقاه بسر بعورته وقصد أن يكشفها يستدفع بأسه ، فانصرف عنه علي مستدبراً له ، فعرفه الأشتر حين سقط فقال : يا أمير المؤمنين ، هذا بسر بن أرطاة ، عدو الله وعدوك . فقال : دعه عليه لعنة الله ، أبَعْدَ أن فعلها ؟ !
. . . وقام بسر من طعنة علي مولياً وولت خيله وناداه على : يا بسر ، معاوية كان أحق بهذا منك . فرجع بسر إلى معاوية فقال له معاوية : إرفع طرفك قد أدال الله عمراً منك . فقال في ذلك النضر بن الحارث . . . الخ . ) .
أما قصة ابن العاص فقد أوردها العلامة الحلي ( رحمه الله ) في كشف اليقين ، قال 157 : ( وخرج أمير المؤمنين ( عليه السلام ) يوماً آخر متنكراً وطلب البراز ، فخرج إليه عمرو بن العاص وهو لا يعلم أنه علي ، وعرفه علي ( عليه السلام ) فاطَّرد بين يديه ليبعده عن عسكره فتبعه عمرو ، ثم عرفه فولى ركضاً ! فلحقه علي ( عليه السلام ) فطعنه فوقع الرمح في فضول درعه فسقط وخشي أن يقتله ، فرفع رجليه فبدت سوءته ! فصرف أمير المؤمنين ( عليه السلام ) عنه وجهه ، وانصرف إلى عسكره ! وجاء عمرو إلى معاوية فضحك منه . قال : ممَّ تضحك ؟ والله لو بدا لعلي من صفحتك ما بدا له من صفحتي إذاً لأوجع قذالك ، وأيتم عيالك ، وانتهب مالك ) ! انتهى .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 324 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

نجاح الأشعث والمنافقين في إجبار أمير المؤمنين ( عليه السلام ) على إيقاف الحرب !

قال البلاذري في أنساب الأشراف ص 337 : ( عن علقمة بن قيس قال : قلت لعلي : أتُقاضي معاوية على أن يَحْكمَ حكمان ! فقال : ما أصنع ؟ أنا مضطهد ! ) .
وفي تاريخ دمشق : 32 / 94 ، عن ابن عباس : ( قلت لعلي يوم الحكمين : لا تحكِّم الأشعري . . . قال : يا ابن عباس ما أصنع ؟ ! إنما أوتى من أصحابي ، قد شَعَفَت نيتهم وكَلُّوا في الحرب . هذا الأشعث يقول : لا يكون فيها مضريان أبداً حتى يكون أحدهما يمان ! قال ابن عباس : فعذرته وعرفت أنه مضطهد ، وأن أصحابه لا نية لهم في الحرب ) . انتهى . ( ونسبه الذهبي في سيره : 2 / 216 إلى ابن سعد ، ولم نجده في الطبقات ) .
وقال ابن مزاحم ص 509 : ( فكتبت : هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو ، فقال . لو شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك . قال علي : فغضبت فقلت : بلى والله إنه لرسول الله وإن رغم أنفك . فقال رسول الله ( صلى الله عليه آله ) : أكتب ما يأمرك ، إن لك مثلها ، ستعطيها وأنت مضطهد ) .
وقال ابن مزاحم ص 478 : عن تميم بن حذيم قال ( لما أصبحنا من ليلة الهرير نظرنا فإذا أشباه الرايات أمام صف أهل الشام وسط الفيلق ، من حيال موقف معاوية ، فلما أسفرنا إذا هي المصاحف قد ربطت على أطراف الرماح . . . ! !
فقال عليٌّ : اللهم إنك تعلم أنهم ما الكتاب يريدون ، فاحكم بيننا وبينهم ، إنك أنت الحكم الحق المبين ) . انتهى .
وفي تاريخ الطبري : 4 / 35 : عن جندب الأزدي ( أن علياً قال : عبادَ الله أمضوا على حقكم وصدقكم قتال عدوكم ، فإن معاوية وعمرو بن العاص وابن أبي معيط وحبيب
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 325 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بن مسلمة وابن أبي سرح والضحاك بن قيس ، ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن ! أنا أعرف بهم منكم ، قد صحبتهم أطفالاً وصحبتهم رجالاً ، فكانوا شر أطفال وشر رجال ، ويحكم إنهم رفعوها ولا يعلمون بما فيها ، وما رفعوها لكم إلا خديعة ودهناً ومكيدة ! فقالوا له : ما يسعنا أن ندعى إلى كتاب الله عز وجل فنأبى أن نقبله ! فقال لهم : فإني إنما قاتلتهم ليدينوا بحكم هذا الكتاب ، فإنهم قد عصوا الله عز وجل فيما أمرهم ، ونسوا عهده ونبذوا كتابه ! فقال له مسعر بن فدكي التميمي وزيد بن حصين الطائي ثم السنبسي في عصابة معهما من القراء الذين صاروا خوارج بعد ذلك : يا علي أجب إلى كتاب الله عز وجل إذ دعيت إليه وإلا ندفعك برمتك إلى القوم ، أو نفعل كما فعلنا بابن عفان ! إنه علينا أن نعمل بما في كتاب الله عز وجل فقبلناه ، والله لتفعلنها أو لنفعلنها بك ! ! قال قال : فاحفظوا عني نهيي إياكم واحفظوا مقالتكم لي ! أما أنا فإن تطيعوني تقاتلوا وإن تعصوني فاصنعوا ما بدا لكم ! قالوا له : أما لا ، فابعث إلى الأشتر فليأتك . . . قال فأرسل عليٌّ إلى الأشتر يزيد بن هانئ السبيعي أن ائتني فأتاه فبلَّغه فقال : قل له ليس هذه الساعة التي ينبغي لك أن تزيلني فيها عن موقفي ، إني قد رجوت أن يفتح لي فلا تعجلني ! فرجع يزيد بن هانئ إلى علي فأخبره ، فما هو إلا أن انتهى إلينا ، فارتفع الرهج وعلت الأصوات من قبل الأشتر ! فقال له القوم : والله ما نراك إلا أمرته أن يقاتل ! قال : من أين ينبغي أن تروا ذلك رأيتموني ساررته أليس إنما كلمته على رؤوسكم علانية وأنتم تسمعوني ! قالوا : فابعث إليه فليأتك وإلا والله اعتزلناك ! قال له : ويحك يا يزيد قل له أقبل إليَّ فإن الفتنة قد وقعت ! فأبلغه ذلك فقال له : لرفع المصاحف ؟ ! قال نعم . قال : أما والله لقد ظننت حين رفعت أنها ستوقع اختلافاً وفرقة ، إنها مشورة ابن العاهرة ! ألا ترى ما صنع الله لنا ، أينبغي أن أدع هؤلاء وأنصرف عنهم ! وقال يزيد بن هانئ : فقلت له أتحب أنك ظفرت هاهنا ، وأن أمير المؤمنين بمكانه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 326 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الذي هو به يفرج عنه أو يُسْلَم ؟ ! قال : لا والله ، سبحان الله ! قال : فإنهم قد قالوا لترسلن إلى الأشتر فليأتينك أو لنقتلنك كما قتلنا ابن عفان ! ! فأقبل حتى انتهى إليهم فقال : يا أهل العراق يا أهل الذل والوهن ! حين علوتم القوم ظهراً وظنوا أنكم لهم قاهرون ، رفعوا المصاحف يدعونكم إلى ما فيها ، وقد والله تركوا ما أمر الله عز وجل به فيها ، وسنة من أنزلت عليه ( صلى الله عليه آله ) فلا تجيبوهم ! أمهلوني عَدْوَ الفرس ، فإني قد طمعت في النصر ! قالوا : إذاً ندخل معك في خطيئتك ! قال فحدثوني عنكم وقد قتل أماثلكم وبقى أراذلكم : متى كنتم محقين أحين كنتم تقاتلون وخياركم يقتلون ، فأنتم الآن إذ أمسكتم عن القتال مبطلون ، أم الآن أنتم محقون فقتلاكم الذين لا تنكرون فضلهم فكانوا خيراً منكم في النار إذاً ؟ ! ! قالوا : دعنا منك يا أشتر قاتلناهم في الله عز وجل وندع قتالهم لله سبحانه ، إنا لسنا مطيعيك ولا مطيعي صاحبك فاجتنبنا !
فقال : خدعتم والله فانخدعتم ودعيتم إلى وضع الحرب فأجبتم ! يا أصحاب الجباه السود ! كنا نظن صلواتكم زهادةً في الدنيا وشوقاً إلى لقاء الله عز وجل ، فلا أرى فراركم إلا إلى الدنيا من الموت ! ألا قبحاً يا أشباه النيب الجلالة ! وما أنتم برائين بعدها عزاً أبداً ! فأبعدوا كما بعد القوم الظالمون ! فسبوه فسبهم ، فضربوا وجه دابته بسياطهم ، وأقبل يضرب بسوطه وجوه دوابهم ! وصاح بهم علي فكفُّوا ، وقال للناس : قد قبلنا أن تجعل القرآن بيننا وبينهم حكماً .
فجاء الأشعث بن قيس إلى علي فقال له : ما أرى الناس إلا قد رضوا وسرهم أن يجيبوا القوم إلى ما دعوهم إليه من حكم القرآن ، فإن شئت أتيتُ معاوية فسألته ما يريد فنظرتَ ما يسأل ! ! قال : إئته إن شئت فسله ! فأتاه فقال يا معاوية لأي شئ رفعتم هذه المصاحف ؟ قال لنرجع نحن وأنتم إلى ما أمر الله عز وجل به في
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 327 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كتابه ، تبعثون منكم رجلاً ترضون به ونبعث منا رجلاً ، ثم نأخذ عليهما أن يعملا بما في كتاب الله لا يَعْدوانه ، ثم نتبع ما اتفقا عليه !
فقال له الأشعث بن قيس : هذا الحق ، فانصرف إلى علي فأخبره بالذي قال معاوية ، فقال الناس : فإنا قد رضينا وقبلنا . فقال أهل الشام : فإنا قد اخترنا عمرو بن العاص ، فقال الأشعث وأولئك القوم الذين صاروا خوارج بعد : فإنا قد رضينا بأبي موسى الأشعري . قال علي : فإنكم قد عصيتموني في أول الأمر فلا تعصوني الآن ! إني لا أرى أن أولي أبا موسى ! فقال الأشعث وزيد بن حصين الطائي ومسعر بن فدكي : لا نرضى إلا به فإنه ما كان يحذرنا وقعنا فيه . قال علي : فإنه ليس لي بثقة قد فارقني وخذل الناس عنى ثم هرب مني حتى آمنته بعد أشهر ، ولكن هذا ابن عباس نوليه ذلك . قالوا : ما نبالي أنت كنت أم ابن عباس ، لا نريد إلا رجلاً هو منك ومن معاوية سواء ، ليس إلى واحد منكم بأدنى منه إلى الآخر !
فقال علي : فإني أجعل الأشتر ، قال أبو محنف حدثني أبو جناب الكلبي أن الأشعث قال : وهل سعَّر الأرض غير الأشتر ! قال أبو محنف عن عبد الرحمن بن جندب عن أبيه أن الأشعث قال : وهل نحن إلا في حكم الأشتر ؟ قال علي : وما حكمه ؟ قال : حكمه أن يضرب بعضنا بعضاً بالسيوف حتى يكون ما أردت وما أراد ! قال : فقد أبيتم إلا أبا موسى ؟ ! قالوا : نعم ، قال : فاصنعوا ما أردتم ) ! !
وفي الطبري : 4 / 40 : ( أن علياً قال للناس يوم صفين : لقد فعلتم فعلةً ضَعْضَعَتْ قوة ، وأسقطت مِنَّة ، وأوهنت وأورثت وهناً وذلة ، ولمَّا كنتم الأعلين وخاف عدوكم الاجتياح ، واستحرَّ بهم القتل ووجدوا ألم الجراح ، رفعوا المصاحف ودعوكم إلى ما فيها ليفتؤوكم عنهم ، ويقطعوا الحرب فيما بينكم وبينهم ، ويتربصوا ريب المنون خديعة ومكيدة ، فأعطيتموهم ما سألوا ، وأبيتم إلا أن تدهنوا وتجوزوا ! وأيم الله ما أظنكم بعدها توافقون رشداً ، ولا تصيبون باب حزم ) ! !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 328 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي نهج البلاغة : 2 / 186 : ( ومن كلام له ( عليه السلام ) قاله لما اضطرب عليه أصحابه في أمر الحكومة : أيها الناس ، إنه لم يزل أمري معكم على ما أحب حتى نهكتكم الحرب ، وقد والله أخذت منكم وتركت ، وهي لعدوكم أنهك . لقد كنت أمس أميراً فأصبحت اليوم مأموراً ! وكنت أمس ناهياً فأصبحت اليوم منهياً ! وقد أحببتم البقاء وليس لي أن أحملكم على ما تكرهون ) !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 329 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

نص وثيقة التحكيم في صفين

في تاريخ الطبري : 4 / 37 : ( فبعثوا إليه ( يعني أبا موسى الأشعري ) وقد اعتزل القتال وهو يعرض ، فأتاه مولى له فقال إن الناس قد اصطلحوا ، فقال : الحمد لله رب العالمين ، قال : قد جعلوك حكماً ، قال : إنا لله وإنا إليه راجعون . وجاء أبو موسى حتى دخل العسكر ، وجاء الأشتر حتى أتى علياً فقال : لُزَّني بعمرو بن العاص ، فوالله الذي لا إله إلا هو لئن ملأت عيني منه لأقتلنه !
وجاء الأحنف فقال : يا أمير المؤمنين إنك قد رميتَ بحجر الأرض وبمن حارب الله ورسوله أنفَ الإسلام ، وإني قد عجمتُ هذا الرجل وحلبتُ أشطره فوجدته كليل الشفرة قريب القعر ، وإنه لا يصح لهؤلاء القوم إلا رجل يدنو منهم حتى يصير في أكفهم ، ويبعد حتى يصير بمنزلة النجم منهم ، فإن أبيتَ أن تجعلني حكماً فاجعلني ثانياً أو ثالثاً ، فإنه لن يعقد عقدة إلا حللتها ولن يحل عقدة أعقدها إلا عقدت لك أخرى أحكم منها ! فأبى الناس إلا أبا موسى والرضى بالكتاب ، فقال الأحنف : فإن أبيتم إلا أبا موسى فأدفئوا ظهره بالرجال . . .
فكتبوا : بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا ما تقاضى عليه علي أمير المؤمنين ، فقال عمرو : أكتب اسمه واسم أبيه ، هو أميركم ، فأما أميرنا فلا . وقال له الأحنف : لا تمح اسم إمارة المؤمنين ، فإني أتخوف إن محوتها ألا ترجع إليك أبداً ، لا تمحها وإن قتل الناس بعضهم بعضاً ، فأبى ذلك عليٌّ ملياً من النهار ، ثم إن الأشعث بن قيس قال : أمحُ هذا الاسم ترَّحهُ الله ! فقال علي : الله أكبر سنةٌ بسنة ، ومَثَلٌ بمثل ! والله إني لكاتب بين يدي رسول الله ( صلى الله عليه آله ) يوم الحديبية إذ قالوا لست رسول الله ولا نشهد لك به ، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك فكتبه ، فقال عمرو بن العاص : سبحان الله ومثلٌ هذا أن نُشَبَّهَ بالكفار ونحن مؤمنون ! فقال علي : يا ابن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 330 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
النابغة ومتى لم تكن للفاسقين ولياً وللمسلمين عدواً ، وهل تشبه إلا أمك التي وضعت بك ! فقام فقال : لا يجمع بيني وبينك مجلس أبداً بعد هذا اليوم ! فقال له علي : وإني لأرجو أن يطهر الله عز وجل مجلسي منك ومن أشباهك ) !
وفي صفين لابن مزاحم ص 509 : أن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) قال : ( إني والله لأنا كتبت الكتاب بيدي يوم الحديبية ، وكتبت : بسم الله الرحمن الرحيم ، فقال سهيل : لا أرضى أكتب : باسمك اللهم ، فكتبت : هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو ، فقال . لو شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك . قال علي : فغضبت فقلت : بلى والله إنه لرسول الله وإن رغم أنفك . فقال رسول الله ( صلى الله عليه آله ) : أكتب ما يأمرك ، وإن لك مثلها ستعطيها وأنت مضطهد ) !
وفي تاريخ الطبري : 4 / 38 : ( وكُتب الكتاب : بسم الله الرحمن الرحيم . هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان ، قاضى عليٌّ على أهل الكوفة ومن معهم من شيعتهم من المؤمنين والمسلمين ، وقاضى معاوية على أهل الشأم ومن كان معهم من المؤمنين والمسلمين : أنَّا ننزل عند حكم الله عز وجل وكتابه ، ولا يجمع بيننا غيره ، وأن كتاب الله عز وجل بيننا من فاتحته إلى خاتمته ، نحيي ما أحيا ونميت ما أمات ، فما وجد الحكمان في كتاب الله عز وجل وهما أبو موسى الأشعري عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص القرشي عملا به ، وما لم يجدا في كتاب الله عز وجل فالسنة العادلة الجامعة غير المفرقة .
وأخذ الحكمان من على ومعاوية ومن الجندين من العهود والميثاق والثقة من الناس ، أنهما آمنان على أنفسهما وأهلهما ، والأمة لهما أنصار على الذي يتقاضيان عليه ، وعلى المؤمنين والمسلمين من الطائفتين كلتيهما عهد الله وميثاقه أنا على ما في هذه الصحيفة ، وأن قد وجبت قضيتهما على المؤمنين ، فإن الأمن والاستقامة ووضع السلاح بينهم أينما ساروا ، على أنفسهم وأهليهم وأموالهم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 331 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وشاهدهم وغائبهم . وعلى عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص عهد الله وميثاقه أن يحكما بين هذه الأمة ، ولا يرداها في حرب ولا فرقة ، حتى يعصيا . وأجَلُ القضاء إلى رمضان وإن أحبا أن يؤخرا ذلك أخراه على تراض منهما ، وإن توفى أحد الحكمين فإن أمير الشيعة يختار مكانه ولا يألو من أهل المعدلة والقسط ، وإن مكان قضيتهما الذي يقضيان فيه مكان عدل بين أهل الكوفة وأهل الشأم . وإن رضيا وأحبا فلا يحضرهما فيه إلا من أرادا ، ويأخذ الحكمان من أرادا من الشهود ، ثم يكتبان شهادتهما على ما في هذه الصحيفة ، وهم أنصار على من ترك ما في هذه الصحيفة ، وأراد فيه إلحاداً وظلماً .
اللهم إنا نستنصرك على من ترك ما في هذه الصحيفة . شهد من أصحاب علي : الأشعث بن قيس الكندي ، وعبد الله بن عباس ، وسعيد بن قيس الهمداني ، وورقاء بن سمى البجلي ، وعبد الله بن محل العجلي ، وحجر بن عدي الكندي ، وعبد الله بن الطفيل العامري ، وعقبة بن زياد الحضرمي ويزيد بن حجية التيمي ، ومالك بن كعب الهمداني . ومن أصحاب معاوية : أبو الأعور السلمي عمرو بن سفيان ، وحبيب بن مسلمة الفهري ، والمخارق بن الحارث الزبيدي ، وزمل بن عمرو العذري ، وحمزة بن مالك الهمداني ، وعبد الرحمن بن خالد المخزومي ، وسبيع بن يزيد الأنصاري ، وعلقمة بن يزيد الأنصاري ، وعتبة بن أبي سفيان ، ويزيد بن الحر العبسي ) . انتهى .
ملاحظة : تقدم من فتوح ابن الأعثم : 2 / 110 : أن بقية الصحابة غير الطلقاء والأنصار كلهم كانوا مع علي ( عليه السلام ) في صفين ، وأنه لم يكن مع معاوية من الأنصار إلا النعمان بن بشير ومسلمة بن مخلد . بينما وصفت رواية الطبري المتقدمة سبيع بن يزيد وعلقمة بن يزيد بالأنصاريين ، وهو وصف غير دقيق أو
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 332 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مكذوب ، فقد نص البلاذري في أنساب الأشراف ص 335 ، على أنهما أخوان وحضرميان ، قال : ( ومن أهل الشام أبو الأعور عمرو بن سفيان السلمي . . . وسبيع بن يزيد الحضرمي وعلقمة بن يزيد أخو سبيع هذا ) . انتهى .
وكذا وصفهما ابن عساكر في تاريخه : 2 / 140 ، و 41 / 201 ، بالحضرمييْن وأنهما من وجوه أصحاب معاوية . ووصف ابن مزاحم ص 507 سبيعاً بالهمداني وعلقمة بالجرمي . وورد في الغارات ص 275 اسم سبيع الحضرمي وأنه مولى لمعاوية !
فلا تصح نسبتهما إلى الأنصار !
* *
وقال نصر بن مزاحم ص 512 ، والطبري : 4 / 84 : ( لما كتبت الصحيفة دُعي لها الأشتر فقال : لا صحبتني يميني ولا نفعتني بعدها الشمال ، إن كُتب لي خطٌّ في هذه الصحيفة إسمٌ على صلح ولا موادعة ! أوَلستُ على بينة من ربي ، ويقينٍ من ضلالة عدوي ؟ ! أو لستم قد رأيتم الظفر إن لم تجمعوا على الخوَر ؟ !
فقال له الأشعث بن قيس : إنك والله رأيت ظفراً ولا خوراً ، هلمَّ فاشهد على نفسك ، وأقرر بما كُتب في هذه الصحيفة ، فإنه لا رغبة بك عن الناس . قال : بلى والله ، إن بي لرغبة عنك في الدنيا للدنيا وفي الآخرة للآخرة . ولقد سفك الله بسيفي هذا دماء رجال ما أنت بخير منهم عندي ولا أحرم دماً . فقال عمار بن ربيعة : فنظرت إلى الأشعث وكأنما قُصِعَ على أنفه الحمم ! ثم قال ( الأشتر ) : ولكن قد رضيت بما صنع عليٌّ أمير المؤمنين ، ودخلت فيما دخل فيه ، وخرجت مما خرج منه ، فإنه لا يدخل إلا في هدى وصواب ) ! انتهى .
ومعنى قوله : ( وكأنما قُصِعَ على أنفه الحمم ) : كأنما فُرِك أنف الأشعث بالفحم !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 333 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

زار عليٌّ كربلاء ومعه الحسين ( عليهما السلام ) في ذهابهم إلى صفين وإيابهم منها !

روت ذلك مصادرهم ومصادرنا ، ففي مسند أحمد بن حنبل : 1 / 85 : ( عن عبد الله بن نجي عن أبيه ، إنه سار مع علي كرم الله وجهه وكان صاحب مطهرته ، فلما حاذى نينوى وهو منطلق إلى صفين فنادى علي : إصبر أبا عبد الله ! إصبر أبا عبد الله بشط الفرات ! قلت وماذا ؟ قال : دخلت على النبي ( ص ) ذات يوم وعيناه تفيضان قلت : يا نبي الله ، أغضبك أحد ؟ ما شأن عينيك تفيضان ؟ قال : بل قام عندي جبريل فحدثني أن الحسين يقتل بشط الفرات . قال فقال : هل لك أن أشمك من تربته ؟ قال قلت : نعم . فمد يده فقبض قبضة من تراب فأعطانيها فلم أملك عينيَّ أن فاضتا ) . ( ورواه ابن أبي شيبة : 15 / 98 ) .
وروى ابن أبي شيبة : 15 / 98 : ( عن أبي هرثمة قال : بَعَرت شاة له فقال لجارية له : يا جرداء لقد أذكرني في هذا البعر حديثاً سمعته من أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وكنت معه كربلاء فمر بشجرة تحتها بعر غزلان ، فأخذ منه قبضة فشمها ثم قال : يحشرون من هذا الظهر سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ) . ( قال في الزوائد : 9 / 191 : رواه الطبراني ورجاله ثقات ) .
وروى ابن أبي شيبة أيضاً : 5 / 97 : ( عن هانئ بن هانئ ، عن علي كرم الله وجهه قال : ليقتلن الحسين ( عليه السلام ) قتلاً ، وإني لأعرف تربة الأرض التي بها يقتل يقتل قريباً من النهرين وليقتلن الحسين ظلماً ) . ( وثق رجاله الزوائد : 9 / 190 وكذا الآتي عن الطبراني ) .
وروى الطبراني في المعجم الكبير : 3 / 110 : ( عن علي كرم الله وجهه قال : ليقتلن الحسين وإني لأعرف التربة التي يقتل فيها قريباً من النهرين ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 334 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وروته مصادرناً مفصلاً ، ففي إرشاد المفيد : 1 / 332 : ( عن جويرية بن مسهر العبدي قال : لما توجهنا مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) إلى صفين فبلغنا طفوف كربلاء وقف ( عليه السلام ) ناحية من العسكر ، ثم نظر يميناً وشمالاً واستعبر ، ثم قال : هذا والله مناخ ركابهم وموضع منيتهم ! فقيل له : يا أمير المؤمنين ما هذا الموضع ؟ قال : هذا كربلاء ، يقتل فيه قوم يدخلون الجنة بغير حساب ! ثم سار . فكان الناس لا يعرفون تأويل ما قال حتى كان من أمر أبي عبد الله الحسين بن علي ( عليهما السلام ) وأصحابه بالطف ما كان ، فعرف حينئذ من سمع مقاله مصداق الخبر فيما أنبأهم به ( عليه السلام ) ) .
وفي كامل الزيارات ص 453 ، عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) قال : ( مرَّ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بكربلاء في أناس من أصحابه ، فلما مر بها اغرورقت عيناه بالبكاء ، ثم قال : هذا مناخ ركابهم وهذا ملقى رحالهم ، وهنا تهرق دماؤهم ، طوبى لك من تربة عليك تهرق دماء الأحبة ) . ( ورواه في قرب الاسناد ص 26 ، وخصائص الأئمة ص 47 )
وفي أمالي الصدوق ص 199 : ( عن جرداء بنت سمين ، عن زوجها هرثمة بن أبي مسلم قال : غزونا مع علي بن أبي طالب صفين ، فلما انصرفنا نزل كربلاء فصلى بها الغداة ، ثم رفع إليه من تربتها فشمها ، ثم قال : واها لك أيتها التربة ، ليحشرن منك أقوام يدخلون الجنة بغير حساب . فرجع هرثمة إلى زوجته ، وكانت شيعة لعلي فقال : ألا أحدثك عن وليك أبي الحسن ؟ نزل بكربلا فصلى ثم رفع إليه من تربتها وقال : واهاً لك أيتها التربة ، ليحشرن منك أقوام يدخلون الجنة بغير حساب ! قالت : أيها الرجل ، فإن أمير المؤمنين لم يقل إلا حقاً . فلما قدم الحسين ( عليه السلام ) قال هرثمة : كنت في البعث الذين بعثهم عبيد الله ابن زياد ، فلما رأيت المنزل والشجر ذكرت الحديث ، فجلست على بعيري ، ثم صرت إلى الحسين ( عليه السلام ) ، فسلمت عليه وأخبرته بما سمعت من أبيه في ذلك المنزل الذي نزل به الحسين ( عليه السلام ) فقال : معنا أنت أم علينا ؟ فقلت : لا معك ولا عليك ، خلفت صبية أخاف
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 335 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عليهم عبيد الله بن زياد . قال : فامض حيث لا ترى لنا مقتلاً ، ولا تسمع لنا صوتاً ، فوالذي نفس الحسين بيده ، لا يسمع اليوم واعيتنا أحد فلا يعيننا ، إلا كبه الله لوجهه في جهنم ) . انتهى . ( راجع أيضاً : كامل الزيارات : 108 / 3 ، وشرح الأخبار : 3 / 141 ، والبحار : 44 : 255 ، 257 ، 284 ، والمناقب لمحمد بن سليمان : 2 / 26 ، وشرح الأخبار : 3 / 141 ) .
ورواه ابن مزاحم في وقعة صفين ص 140 ، ثم روى ( عن أبي جحيفة قال جاء عروة البارقي إلى سعيد بن وهب فسأله وأنا أسمع فقال : حديث حدثتنيه عن علي بن أبي طالب ؟ قال : نعم ، بعثني مخنف بن سليم إلى علي فأتيته بكربلاء : فوجدته يشير بيده ويقول : هاهنا هاهنا . فقال له رجل : وما ذلك يا أمير المؤمنين ؟ قال : ثقل لآل محمد ينزل هاهنا فويلٌ لهم منكم ، وويلٌ لكم منهم . فقال له الرجل : ما معنى هذا الكلام يا أمير المؤمنين ؟ قال : ويلٌ لهم منكم : تقتلونهم ! وويلٌ لكم منهم : يدخلكم الله بقتلهم إلى النار . . . عن الحسن بن كثير عن أبيه : أن علياً أتى كربلاء فوقف بها ، فقيل يا أمير المؤمنين هذه كربلاء . قال : ذات كرب وبلاء . ثم أومأ بيده إلى مكان فقال : هاهنا موضع رحالهم ، ومناخ ركابهم ، وأومأ بيده إلى موضع آخر فقال : هاهنا مهراق دمائهم ) ! !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 336 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

محكمة لاهاي القرشية في دومة الجندل !

الدومة : واحة الشجر الضخام . ( النهاية لابن الأثير : 2 / 141 ) ، والجندل : الصخر .
وفي معجم البلدان : 2 / 487 : ( دومة الجندل . . . وحصنها مارد ، وسميت دومة الجندل لأن حصنها مبني بالجندل ، وقال أبو عبيد السكوني : دومة الجندل حصن وقرى بين الشام والمدينة ، قرب جبلي طئ ) . انتهى .
وفي التنبيه والإشراف ص 255 : ( وبين وقعة صفين والتقاء الحكمين أبي موسى الأشعري وعمرو بن العاص بدومة الجندل في شهر رمضان سنة 38 ، سنةٌ وخمسة أشهر وأربعة وعشرون يوماً . وبين التقائهما وخروج علي إلى الخوارج بالنهروان وقتله إياهم ، سنة وشهران ) .
وفي تاريخ اليعقوبي : 2 / 190 ، عن عبد الرحمن بن حصين بن سويد ، قال : إني لأساير أبا موسى الأشعري على شاطئ الفرات ، وهو إذ ذاك عامل لعمر ، فجعل يحدثني ، فقال : إن بني إسرائيل لم تزل الفتن ترفعهم وتخفضهم أرضاً بعد أرض حتى حكموا ضالَّيْن أضلا من اتبعهما . قلت : فإن كنت يا أبا موسى أحد الحكمين ، قال فقال لي : إذاً لا ترك الله لي في السماء مصعداً ولا في الأرض مهرباً إن كنت أنا هو . فقال سويد : لربما كان البلاء موكلاً بالمنطق ! ولقيته بعد التحكيم ، فقلت : إن الله إذا قضى أمراً لم يغالب ! ) . انتهى .
وروى نحوه في المناقب : 2 / 363 ، قال : ( وروى ابن مردويه بأسانيده ، عن سويد بن غفلة أنه قال : كنت مع أبي موسى على شاطئ الفرات فقال سمعت رسول الله ( صلى الله عليه آله ) يقول : إن بني إسرائيل اختلفوا فلم يزل الاختلاف بينهم حتى بعثوا حكمين ضالين ضلَّ من اتبعهما ، ولا تنفك أموركم تختلف حتى تبعثوا حكمين يضلان ويضل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 337 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
من تبعهما ! فقلت أعيذك بالله أن تكون أحدهما قال : فخلع قميصه فقال : برأني الله من ذلك كما برأني من قميصي ) : ( ونحوه في شرح النهج : 13 / 507 ) .
وفي تاريخ خليفة بن خياط ص 144 : ( فبعث عليٌّ ابن عباس ولم يحضره ، وحضر معاوية . فلم يتفق الحكمان على شئ ، وافترق الناس وبايع أهل الشام لمعاوية بالخلافة في ذي القعدة سنة سبع وثلاثين ) . انتهى . والصحيح أنه عام 38 .
وفي تاريخ اليعقوبي : 2 / 188 : ( ووجه عليٌّ بعبد الله بن عباس في أربعمائة من أصحابه ، ونفذ معاوية أربعمائة من أصحابه ، واجتمعوا بدومة الجندل في شهر ربيع الأول سنة 38 . فخدع عمرو بن العاص أبا موسى ، وذكر له معاوية فقال : هو وليُّ ثأر عثمان وله شرف في قريش ، فلم يجد عنده ما يحب ، قال : فابني عبد الله ؟ قال : ليس بموضع لذلك . قال : فعبد الله بن عمر ؟ قال : إذاً نحيي سنة عمر الآن حيث به . فقال : فاخلع علياً وأخلع أنا معاوية ، ويختار المسلمون .
وقدم عمرو أبا موسى إلى المنبر فلما رآه عبد الله بن عباس قام إلى عبد الله بن قيس فدنا منه فقال : إن كان عمرو فارقك على شئ ، فقدمه قبلك فإنه غُدُر . فقال : لا ، قد اتفقنا على أمر ، فصعد المنبر ، فخلع علياً ، ثم صعد عمرو بن العاص فقال : قد ثبتُّ معاوية كما ثبتُّ خاتمي هذا في يدي . فصاح به أبو موسى : غدرت يا منافق ، إنما مثلك مثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث !
قال عمرو : إنك مثلك مثل الحمار يحمل أسفاراً ! ! وتنادى الناس : حكم والله الحكمان بغير ما في الكتاب ، والشرط عليهما غير هذا ! وتضارب القوم بالسياط وأخذ قوم بشعور بعض ! وافترق الناس ونادت الخوارج : كفر الحكمان ، لا حكم إلا لله . وقيل : أول من نادى بذلك عروة بن أدية التميمي قبل أن يجتمع الحكمان وكانت الحكومة في شهر رمضان سنة 38 ) . انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 338 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وروت شبيهاً بما تقدم كل مصادر التاريخ والحديث ، بتفصيلات عديدة ، كالطبري : 4 / 48 ، وجاء فيه : ( قال وشهد جماعتهم تلك عبد الله بن عمر ، وعبد الله بن الزبير ، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي ، وعبد الرحمن بن عبد يغوث الزهري ، وأبو جهم بن حذيفة العدوي ، والمغيرة بن شعبة الثقفي . . .
قال أبو موسى : أما والله لئن استطعت لأحيين اسم عمر بن الخطاب ، فقال له عمرو : إن كنت تحب بيعة ابن عمر فما يمنعك من ابني وأنت تعرف فضله وصلاحه ؟ ! فقال إن ابنك رجل صدق ، ولكنك قد غمسته في هذه الفتنة ) !
وقال الطبري : 4 / 52 : ( أخذ عمرو يقدم أبا موسى في الكلام يقول : إنك صاحب رسول الله ، وأنت أسن مني فتكلم وأتكلم ! فكان عمرو قد عوَّد أبا موسى أن يقدمه في كل شئ ، اغتره بذلك كله أن يقدمه فيبدأ بخلع علي !
قال فنظر في أمرهما وما اجتمعا عليه فأراده عمرو على معاوية فأبى ، وأراده على ابنه فأبى ، وأراد أبو موسى عمرواً على عبد الله بن عمر فأبى عليه ، فقال له عمرو : خبرني ما رأيك ؟ قال رأيي أن نخلع هذين الرجلين ونجعل الأمر شورى بين المسلمين فيختار المسلمون لأنفسهم من أحبوا ، فقال له عمرو : فإن الرأي ما رأيت . . . ! ! فتقدم أبو موسى ليتكلم فقال له ابن عباس : ويحك والله إني لأظنه قد خدعك ، إن كنتما قد اتفقتما على أمر فقدمه فليتكلم بذلك الأمر قبلك ، ثم تكلم أنت بعده ، فإن عمراً رجل غادر ، ولا آمن أن يكون قد أعطاك الرضا فيما بينك وبينه ، فإذا قمت في الناس خالفك ! وكان أبو موسى مغفلاً ، فقال له إنا قد اتفقنا ! فتقدم أبو موسى فحمد الله عز وجل وأثنى عليه ثم قال : يا أيها الناس إنا قد نظرنا في أمر هذه الأمة فلم نر أصلح لأمرها ولا ألمَّ لشعثها من أمر قد جمع رأيي ورأي عمرو عليه ، وهو أن نخلع علياً ومعاوية وتستقبل هذه الأمة هذا الأمر
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 339 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فيولوا منهم من أحبوا عليهم ، وإني قد خلعت علياً ومعاوية ، فاستقبلوا أمركم وولوا عليكم من رأيتموه لهذا الأمر أهلاً ! ثم تنحى .
وأقبل عمرو بن العاص فقام مقامه فحمد الله وأثنى عليه وقال : إن هذا قد قال ما سمعتم وخلع صاحبه ، وأنا أخلع صاحبه كما خلعه ، وأثبت صاحبي معاوية ! فإنه وليُّ عثمان بن عفان والطالب بدمه ، وأحق الناس بمقامه .
فقال أبو موسى : مالك لا وفقك الله غدرتَ وفجرتَ ؟ ! إنما مثلك كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ! قال عمرو : إنما مثلك كمثل الحمار يحمل أسفاراً ! وحمل شريح بن هانئ على عمرو فقنعه بالسوط ! وحمل على شريح ابن عمرو فضربه بالسوط ! وقام الناس فحجزوا بينهم ، وكان شريح بعد ذلك يقول ما ندمت على شئ ندامتي على ضرب عمرو بالسوط ، ألا أكون ضربته بالسيف آتياً به الدهر ما أتى ) . انتهى .
* *
ومن الطبيعي أن أحداً من المسلمين لم يقبل نتيجة هذه المهزلة التي دبرها معاوية وابن العاص في دومة الجندل ، فكانت نتيجتها أن المسلمون تمسكوا بخلافة علي ( عليه السلام ) ، لكن معاوية اعتبر ا لنتيجة شرعية وأن الحكمين حكما بكتاب الله تعالى ، وبدأ بأخذ البيعة لنفسه بالخلافة وإمرة المؤمنين من أهل الشام !
* *
أما انعكاس محكمة دومة الجندل في أصحاب أمير المؤمنين ( عليه السلام ) فكان إدانةً غاضبةً لأبي موسى وعمرو العاص ، وتمسكاً بخلافة أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وتجديداً لبيعته ، وقد اسثمر ذلك ( عليه السلام ) في دعوتهم إلى الاستعداد لحرب معاوية ، وتحرك بالفعل إلى معسكر الكوفة بالنخيلة ، وبدأت استجابة الناس وتجمعهم في النخيلة .
قال ( عليه السلام ) في خطبته بعد التحكيم : كما في نهج البلاغة : 1 / 84 :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 340 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
( الحمد لله وإن أتى الدهر بالخطب الفادح والحدث الجليل ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ليس معه إله غيره وأن محمداً عبده ورسوله ( صلى الله عليه آله ) .
أما بعد فإن معصية الناصح الشفيق العالم المجرب تورث الحسرة ، وتعقب الندامة . وقد كنت أمرتكم في هذه الحكومة أمري ، ونخلت لكم مخزون رأيي ، لو كان يطاع لقصير أمر ، فأبيتم عليَّ إباء المخالفين الجفاة والمنابذين العصاة ! حتى ارتاب الناصح بنصحه ، وضن الزند بقدحه ، فكنت وإياكم كما قال أخو هوازن :
أمرتكم أمري بمُنْعَرج اللِّوى فلم تستبينوا النصح إلا ضحى الغد ) ! !
وقال ( عليه السلام ) كما في نهج البلاغة : 2 / 96 : ( فأجمع رأي ملئكم على أن اختاروا رجلين ، فأخذنا عليهما أن يجعجعا عند القرآن ولا يجاوزاه ، وتكون ألسنتهما معه وقلوبهما تبعه . فتاها عنه وتركا الحق وهما يبصرانه ، وكان الجور هواهما ، والاعوجاج دأبهما ، وقد سبق استثناؤنا عليهما في الحكم بالعدل والعمل بالحق سوء رأيهما وجور حكمهما ، والثقة في أيدينا لأنفسنا حين خالفا سبيل الحق ، وأتيا بما لا يعرف من معكوس الحكم ) . انتهى .
لكن المشكلة في العراق كانت استفحال أمر الخوارج ، الذين رأوا في لعبة ابن العاص وغباء أبي موسى الأشعري دليلاً على صحة موقفهم في تكفير الذين قبلوا بالتحكيم وأولهم هم ، ولم ينفع معهم حث الإمام لهم على التوجه معه إلى حرب معاوية ، بل أخذوا يتجمعون في معسكرات مطالبين علياً ( عليه السلام ) بأن يشهد على نفسه بالكفر ويتوب مثلهم لكي يبايعوه ويتوجهوا معه إلى حرب معاوية !
ففي نهج البلاغة : 1 / 233 : ( من كلامه ( عليه السلام ) وقد قام إليه رجل فقال : نهيتنا عن الحكومة ثم أمرتنا بها ، فما ندري أيُّ الأمرين أرشد ! فصفق ( عليه السلام ) إحدى يديه على الأخرى ثم قال : هذا جزاء من ترك العقدة ! أما والله لو أني حين أمرتكم بما أمرتكم به حملتكم على المكروه الذي يجعل الله فيه خيراً ، فإن استقمتم هديتكم ، وإن اعوججتم قومتكم ، وإن أبيتم تداركتكم ، لكانت الوثقى ، ولكن بمن وإلى من ؟ أريد أن أداوي بكم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 341 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأنتم دائي ، كناقش الشوكة بالشوكة وهو يعلم أن ضَلَعَها معها . اللهم قد ملَّت أطباء هذا الداء الدويّ ، وكلَّت النزعة بأشطان الركيّ .
أين القوم الذين دعوا إلى الإسلام فقبلوه ، وقرأوا القرآن فأحكموه ، وهيجوا إلى القتال فولهوا وَلَهَ اللقاح إلى أولادها ، وسلبوا السيوف أغمادها ، وأخذوا بأطراف الأرض زحفاً زحفاً وصفّاً صفّاً . بعضٌ هلك وبعضٌ نجا ، لا يبشرون بالأحياء ، ولا يعزون عن الموتى ! مُرْهُ العيون من البكاء ، خُمصُ البطون من الصيام ، ذُبْلُ الشفاه من الدعاء ، صُفْرُ الألوان من السهر ! على وجوههم غُبْرةُ الخاشعين . أولئك إخواني الذاهبون ، فحقٌّ لنا أن نظمأ إليهم ، ونعض الأيدي على فراقهم ! إن الشيطان يُسْني لكم طرقه ، ويريد أن يحل دينكم عقدة عقدة ، ويعطيكم بالجماعة الفرقة ، فاصدفوا عن نزغاته ونفثاته ، واقبلوا النصيحة ممن أهداها إليكم ، واعقلوها على أنفسكم ) .
وفي نهج البلاغة : 1 / 56 : من كلامه ( عليه السلام ) للأشعث بن قيس عندما اعترض عليه في خطبته المتقدمة فقال له : ( يا أمير المؤمنين هذه عليك لا لك ! فخفض ( عليه السلام ) إليه بصره فقال : ما يدريك ما عليَّ مما لي ؟ ! عليك لعنة الله ولعنة اللاعنين ! حائك بن حائك منافق بن كافر ! والله لقد أسرك الكفر مرة والإسلام أخرى ، فما فداك من واحدة منهما مالك ولا حسبك ! وإن امرأً دلَّ على قومه السيف ، وساق إليهم الحتف لحريٌّ أن يمقته الأقرب ، ولا يأمنه الأبعد ) .
وفي شرح النهج : 1 / 296 : ( فصفق ( عليه السلام ) بإحدى يديه على الأخرى ، وقال : هذا جزاء من ترك العقدة . وكان مراده ( عليه السلام ) هذا جزاؤكم إذ تركتم الرأي والحزم وأصررتم على إجابة القوم إلى التحكيم ، فظن الأشعث أنه أراد : هذا جزائي حيث تركت الرأي والحزم وحكَّمت . . . فلما قال له : هذه عليك لا لك ، قال له : وما يدريك ما عليَّ مما لي ، عليك لعنة الله ولعنة اللاعنين ) !
وقال الشيخ محمد عبده في شرحه : ( كان الأشعث في أصحاب علي كعبد الله
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 342 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بن أبي بن سلول في أصحاب رسول الله ( ص ) كلٌّ منهما رأس النفاق في زمنه ! أسر مرتين مرة وهو كافر في بعض حروب الجاهلية وذلك أن قبيلة مراد قتلت قيساً الأشج أبا الأشعث فخرج الأشعث طالباً بثأر أبيه فخرجت كندة متساندين إلى ثلاثة ألوية على أحدها كبش بن هانئ ، وعلى أحدها القشعم بن الأرقم وعلى أحدها الأشعث فأخطأوا مراداً ، ووقعوا على بني الحارث بن كعب ، فقتل كبش والقشعم ، وأسر الأشعث وفدي بثلاثة آلاف بعير ! لم يفد بها عربي قبله ولا بعده ، فمعنى قول أمير المؤمنين : فما فداك لم يمنعك من الأسر .
وأما أسر الإسلام له ، فذلك أن بني وليعة لما ارتدوا بعد موت النبي ( ص ) وقاتلهم زياد بن لبيد البياضي الأنصاري لجؤوا إلى الأشعث مستنصرين به فقال : لا أنصركم حتى تملِّكوني ، فتوجوه كما يتوج الملك من قحطان ! فخرج معهم مرتداً يقاتل المسلمين ! وأمد أبو بكر زياداً بالمهاجرين أبي أمية ، فالتقوا بالأشعث فتحصن منهم فحاصروه أياماً ، ثم نزل إليهم على أن يؤمنوه وعشرة من أقاربه حتى يأتي أبا بكر فيرى فيه رأيه ، وفتح لهم الحصن فقتلوا كل من فيه من قوم الأشعث إلا العشرة الذين عزلهم ، وكان المقتولون ثمانمائة ! ثم حملوه أسيراً مغلولاً إلى أبي بكر فعفا عنه وعمن كان معه ، وزوجه أخته أم فروة بنت أبي قحافة ! . . . وكان نساء قومه يسمينه : عُرْف النار ، وهو اسم للغادر عندهم ) !
وفي تاريخ الطبري : 2 / 548 : ( وبعث به إلى أبي بكر مع السبي فكان معهم يلعنه المسلمون ويلعنه سبايا قومه ! وسماه نساء قومه عُرْف النار كلام يمانٍ يسمون به الغادر . . . فقدم القوم على أبي بكر . . . فتجافى له عن دمه وقبل منه . . . فزوجه أم فروة ابنة أبي قحافة ) . انتهى . وفي تاريخ دمشق : 9 / 128 ، تفصيلات عن ردته !
وقال ابن أبي الحديد في شرح النهج : 2 / 279 : ( كل فساد كان في خلافة علي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 343 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وكل اضطراب حدث فأصله الأشعث ، ولولا محاقته أمير المؤمنين في معنى الحكومة في هذه المرة لم تكن حرب النهروان ، ولكان أمير المؤمنين ينهض بهم إلى معاوية ، ويملك الشام فإنه حاول أن يسلك معهم مسلك التعريض والمواربة ، وفي المثل النبوي صلوات الله على قائله : الحرب خدعة ، وذاك أنهم قالوا له : تب إلى الله مما فعلت كما تبنا ننهض معك إلى حرب أهل الشام ، فقال لهم كلمة مجملة مرسلة قالها الأنبياء والمعصومون ، وهي قوله : أستغفر الله من كل ذنب ، فرضوا بها وعدوها إجابة لهم إلى سؤلهم ، وصفت له نياتهم ، واستخلص بها ضمائرهم ، من غير أن تتضمن تلك الكلمة اعترافاً بكفر أو ذنب ،
فلم يتركه الأشعث ، وجاء إليه مستفسراً وكاشفاً عن الحال ) . انتهى .
وفي تاريخ اليعقوبي : 2 / 137 : قال أبو بكر في مرضه الذي توفي فيه وهو يتحسَّر على أشياء ليته لم يفعلها منها هجومه على بيت فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) ، وأشياء ليته لم يفعلها منها قتل الأشعث قال : ( فليتني قدمت الأشعث بن قيس تضرب عنقه ، فإنه يخيل إليّ أنه لا يري شيئاً من الشر إلا أعان عليه ! ) . انتهى
وتاريخ الأشعث ملئٌ بالغدر والنفاق ، فقد جاء في وفد كندة إلى النبي في سنة وفاته ( صلى الله عليه آله ) ، ثم أعلن ارتداده مع قبيلة بني وليعة في حضرموت كما رأيت ، ثم استطاع بدهائه أن ينال عفو أبي بكر ويتزوج أخته أم فروة !
وكان علي ( عليه السلام ) يعرف نفاقه وعمله مع معاوية ، لكنه كان مجبوراً على مداراته بسبب قبيلته ، وكان يقول له في نفسه قولاً بليغاً !
وقد تآمر الأشعث مع معاوية في صفين على علي ( عليه السلام ) ، ثم تآمر مع الخوارج وربما مع معاوية على قتل أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ! ففي الكافي : 8 / 167 : عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) قال : ( إن الأشعث بن قيس شَرِكَ في دم أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وابنته جعدة سمَّت الحسن ( عليه السلام ) ، ومحمد ابنه شرك في دم الحسين ( عليه السلام ) ) ! !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 344 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 345 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الثامن : خلاصة حرب النهروان

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 346 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 347 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

بذرة الخوارج وغرستهم وشجرتهم

اتفق الجميع على أن بذرة الخوارج هو حرقوص بن زهير التميمي ، الذي اعترض على النبي ( صلى الله عليه آله ) في حنين ! وروى الجميع قصته ، وعرف باسم المخدَّج ، وذي الخُوَيْصرة ، وذي الثَّدِية ، لأن إحدى يديه كانت كثدي المرأة !
روى البخاري : 4 / 179 ، عن أبي سعيد الخدري قال : ( بينما نحن عند رسول الله ( ص ) وهو يقسم قسماً إذ أتاه ذو الخويصرة ، وهو رجل من بني تميم فقال : يا رسول الله ( يا محمد ) إعدل ! فقال : ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل ! قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل ! فقال عمر : يا رسول الله إئذن لي فيه فأضرب عنقه ، فقال : دعه فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم ، يقرؤن القرآن لا يجاوز تراقيهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شئ ، ثم ينظر إلى رصافه فلا يوجد فيه شئ ، ثم ينظر إلى نضيه وهو قدحه فلا يوجد فيه شئ ، ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجد فيه شئ ، قد سبق الفرث والدم . آيتهم رجل أسود غحدى عضديه مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة تدردر ، ويخرجون على حين فرقة من الناس ! قال أبو سعيد : فأشهد أني سمعت هذا الحديث من رسول الله ( ص ) وأشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه ، فأمر بذلك الرجل فالتمس فأتى به حتى نظرت إليه على نعت النبي ( ص ) الذي نعته ) !
ورواه البخاري بنحوه في مواضع متعددة ، ورواه غيره من رواتهم ورواتنا بتفاصيل أكثر ومديح عظيم لمن يقتلهم ، ففي مجمع الزوائد : 6 / 228 : ( عن شريك
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 348 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بن شهاب قال كنت أتمنى أن ألقى رجلاً من أصحاب رسول الله ( ص ) يحدثني عن الخوارج فلقيت أبا برزة في يوم عرفة في نفر من أصحابه ، فقلت يا أبا برزة حدثنا بشئ سمعته من رسول الله ( ص ) يقوله في الخوارج . قال : أحدثك بما سمعت أذنايَ ورأت عيناي : أُتِيَ رسول الله ( ص ) بدنانير فكان يقسمها وعنده رجل أسود مطموم الشعر عليه ثوبان أبيضان بين عينيه أثر السجود ، فتعرض لرسول الله ( ص ) فأتاه من قبل وجهه فلم يعطه شيئاً ، فأتاه من قبل يمينه فلم يعطه شيئاً ، ثم أتاه من خلفه فلم يعطه شيئاً ، فقال : والله يا محمد ما عدلت في القسمة منذ اليوم ! فغضب رسول الله ( ص ) غضباً شديداً ثم قال : والله لا تجدون بعدي أحداً أعدل عليكم مني قالها ثلاثاً ! ثم قال : يخرج من قبل المشرق رجال كأن هذا منهم هديهم هكذا ، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، لا يرجعون إليه ووضع يده على صدره ، سيماهم التحليق لا يزالون يخرجون حتى يخرج آخرهم ، فإذا رأيتموهم فاقتلوهم ! قالها ثلاثاً ، شر الخلق والخليقة ، قالها ثلاثاً . وقال حماد لا يرجعون فيه ، وفي رواية لا يزالون يخرجون حتى يخرج آخرهم مع الدجال . رواه أحمد والأزرق بن قيس وثقة ابن حبان ، وبقية رجاله رجال الصحيح ) . انتهى . ( راجع فتح الباري : 12 / 253 ) .
وفي الإرشاد : 1 / 148 : ( ولما قسم رسول الله ( صلى الله عليه آله ) غنائم حنين أقبل رجل طوال آدم أجنأ ، بين عينيه أثر السجود ، فسلم ولم يخص النبي ( صلى الله عليه آله ) ثم قال : قد رأيتك وما صنعت في هذه الغنائم . قال : وكيف رأيت ؟ قال : لم أرك عدلت ! فغضب رسول الله ( صلى الله عليه آله ) وقال : ويلك ! إذا لم يكن العدل عندي فعند من يكون ؟ ! فقال المسلمون : ألا نقتله ؟ فقال : دعوه سيكون له أتباعٌ يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، يقتلهم الله على يد أحب الخلق إليه من بعدي . فقتله أمير المؤمنين
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 349 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) في من قتل يوم النهروان من الخوارج ) .
ويظهر أن حرقوصاً أجاد العمل في البصرة والأهواز وكرمان ، فصار له حزب وأتباع ، فقد ظهروا في حرب الجمل عندما نادى منادي أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بعد النصر : ( أن لا يُقتل مدبرٌ ، ولا يُدفَّف على جريح ، ولا يُكشف سترٌ ، ولا يُؤخذ مالٌ ، فقال قوم يومئذ : ما يُحلل لنا دماءهم ويحرم علينا أموالهم ؟ ! فيومئذ تكلمت الخوارج ! وكان متكلمهم رجل اسمه عباد بن قيس ، قال : يا أمير المؤمنين والله ما قسمتَ بالسوية ، ولا عدلتَ بالرعية ! فقال : ولمَ ويحك ؟ ! قال : لأنك قسمت ما في العسكر وتركت الأموال والنساء والذرية . فقال : أيها الناس من كانت به جراحة فليداوها بالسمن ! ( أي أعرض عنه ، وعلَّم المسلمين مداواة الجراحة ) فقال عباد : جئنا نطلب غنائمنا فجاءنا بالترهات ! فقال له أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : إن كنت كاذباً فلا أماتك الله حتى يدركك غلام ثقيف . . . يا أخا بكر أنت أمرؤ ضعيف الرأي ، أوَما علمت أنا لا نأخذ الصغير بذنب الكبير ، وأن الأموال كانت لهم قبل الفرقة ، وتزوجوا على رشدة ، وولدوا على فطرة ، وإنما لكم ما حوى عسكرهم ، وما كان في دورهم فهو ميراث ، فإن عدا أحد منهم أخذناه بذنبه ، وإن كف عنا لم نحمل عليه ذنب غيره . . . فمهلاً مهلاً رحمكم الله ، فإن لم تصدقوني وأكثرتم عليَّ ، وذلك أنه تكلم في هذا غير واحد ، فأيكم يأخذ عائشة بسهمه ؟ فقالوا : يا أمير المؤمنين أصبت وأخطأنا وعلمت وجهلنا ، فنحن نستغفر الله تعالى ) ! انتهى .
لكن حرقوصاً ، وعبَّاداً ، ومسعر بن فدكي ، وعبد الله بن وهب الراسبي ، وغيرهم من قيادات الخوارج ، لم يقتنعوا ! وواصلوا عملهم في نشر أفكارهم ووجدوا أتباعاً على شاكلتهم ، وكثروا في البصرة والكوفة والأهواز ومناطق أخرى ، يحملون أفكارهم العنيفة التي تُكفِّر من خالفهم ، ثم وصلوا إلى تكفير
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 350 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أنفسهم ! وكانت صفين فرصة لهم لإعلان وجودهم كطائفة لها قادتها وجنودها ومنطقها الخشن ، وميلها الدائم إلى القتال وإثبات الذات ! وكانوا الجمهور الذين لعب بعقولهم الأشعث في صفين ودفعهم إلى مواجهة علي ( عليه السلام ) فطالبوه أن يوقف القتال وقبول التحكيم والحكمين ، وإلا قتلوه أو سلموه إلى معاوية !
لكنهم بعد توقيع وثيقة التحكيم التي أجبروا علياً ( عليه السلام ) عليها ، قلبوا موقفهم رأساً على عقب ، وقالوا إنهم كفروا بقبولهم تحكيم الرجال في دين الله ، وإنهم تابوا ورجعوا إلى الإسلام ، وطلبوا من علي ( عليه السلام ) وشيعته أن يعترفوا مثلهم على أنفسهم بالكفر ، ويتوبوا ليصيروا مسلمين ! وتدل الرواية التالية على أن تغيير موقفهم حدث بعد توقيع الوثيقة مباشرة ، وأنهم واجهوا به صاحبهم وعرابهم الأشعث !
قال الطبري في تاريخه : 4 / 38 : ( خرج الأشعث بذلك الكتاب يقرؤه على الناس ويعرضه عليهم فيقرؤنه ، حتى مرَّ به على طائفة من بني تميم فيهم عروة بن أدية وهو أخو أبي بلال ، فقرأه عليهم ، فقال عروة بن أدية : تحكِّمون في أمر الله عز وجل الرجال ! لا حُكْمَ إلا لله ، ثم شدَّ بسيفه فضرب به عجز دابته ضربةً خفيفة ، واندفعت الدابة وصاح به أصحابه : أن املك يدك ، فرجع فغضب للأشعث قومه وناسٌ كثير من أهل اليمن ، فمشى الأحنف بن قيس السعدي ، ومعقل بن قيس الرياحي ، ومسعر بن فدكي ، وناس كثير من بني تميم ، فتنصلوا إليه واعتذروا فقبل وصفح ) ! انتهى .
ويمكن أن نفسر هذا التغير الحاد في موقفهم ، بعد إصرارهم الحاد على إيقاف الحرب والقبول بالتحكيم ، بأن ( ماكنة ) أذهانهم تعمل بشكل غير متناسق ، فقد توصلت أذهانهم بعد خطبة الأشعث وتوجيه بعض رؤسائهم إلى وجوب التحكيم ، ثم توصلت بتوجيه بعض رؤسائهم إلى أن التحكيم كفرٌ محض !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 351 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كما يمكن أن نفسره بأن معاوية أرسل أموالاً إلى الأشعث فوزع منها على بعض رؤسائهم فوقفوا معه ، ثم غلب على جوهم الرؤساء الذين لم يقبضوا ، وكان أكثرهم حماساً عروة بن أدية التميمي الذي صاح بشعار ( لا حكم إلا لله ) ونهض إلى الأشعث ليقتله ! وهذا الذي أرجحه !
وقد وصف نصر بن مزاحم في صفين ص 517 ، سرعة تغير موقفهم بعد إمضاء وثيقة الهدنة ، فقال : ( فنادت الخوارج أيضاً في كل ناحية : لا حكم إلا الله ، لا نرضى بأن نحكم الرجال في دين الله ، قد أمضى الله حكمه في معاوية وأصحابه أن يقتلوا أو يدخلوا معنا في حكمنا عليهم ، وقد كانت منا خطيئة وزلة حين رضينا بالحكمين ، وقد تبنا إلى ربنا ورجعنا عن ذلك ، فارجع كما رجعنا وإلا فنحن منك براء . فقال علي ( عليه السلام ) : ويحكم أبعد الرضا والعهد والميثاق أرجع ؟ ! أو ليس الله يقول : وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الإيمان بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ . قال : فبرئوا من علي وشهدوا عليه بالشرك ، وبرئ علي منهم ) ! ( راجع أيضاً كتاب صفين ص 514 و 518 ) .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 352 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

أهم صفات الخوارج وأفكارهم

يسهل على المسلم المعاصر أن يفهم أفكار الخوارج ، لأنه شاهد ورثتهم المتطرفين السلفيين ! ورأى أن دينهم وسلوكهم يقوم على ( العيون الأربعة ) : العجب ، والعنف ، والعامية ، والعشوائية في انتقاء أدلتهم المزعومة !
1 - فعاميتهم تظهر لك في أنهم جميعاً مجتهدون ! فهم يتكلمون في المسائل ويفتون ، ويَحْطِبُ أحدهم من الكتاب والسنة وأقوال الرواة ما يتصور أنه يسند رأيه المتطرف ، فيفرح بذلك ويردده ، دون أن يتعمق وينظر إلى مجموع الآيات والأحاديث ، وآراء أهل العلم في المسألة !
فباب الإجتهاد عندهم مفتوح لكل أحد ! وحتى نساؤهم تجتهد وتفتي في الفقه والعقائد ، وتحكم بالكفر ، وتهدر الدماء ، وتبيح الأعراض !
وقد كان هذا الإفراط والتطرف هو السبب لما وقع بينهم من اختلاف وانشقاق وتكفير بعضهم لبعض وتكاثر فرقهم باستمرار ! حتى زادت على المئة !
ونلاحظ أنها زادت في زمن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) على العشرين ، شبيهاً بتكاثر فرقهم في عصرنا إلى أكثر من عشرين طائفة وحزب ومجموعة !
2 - ويتمثل العنف عندهم في تكفيرهم لكل من خالفهم من المسلمين ، وهدرهم دمائهم ، وإباحتهم أعراضهم !
وأسباب التكفير عندهم سهلة وكثيرة ! فيكفي أن تخالفهم في تفسير آية ، أو في رأيهم بشخص ، حتى يكفروك ويهدروا دمك !
قال الطبري : 4 / 60 : ( فخرجت عصابة منهم فإذا هم برجل يسوق بامرأة على حمار ، فعبروا إليه فدعوه فتهددوه وأفزعوه ، وقالوا له : من أنت ؟ قال : أنا عبد الله
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 353 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ابن خباب صاحب رسول الله ( ص ) ثم أهوى إلى ثوبه يتناوله من الأرض وكان سقط عنه لما أفزعوه ، فقالوا له : أفزعناك ؟ قال : نعم ، قالوا : له لا روع عليك فحدثنا عن أبيك بحديث سمعه من النبي ( ص ) لعل الله ينفعنا به . قال : حدثني أبي عن رسول الله ( ص ) أن فتنة تكون يموت فيها قلب الرجل كما يموت فيها بدنه يمسي فيها مؤمناً ويصبح فيها كافراً ، ويصبح فيها كافراً ويمسي فيها مؤمناً . فقالوا : لهذا الحديث سألناك ، فما تقول في أبي بكر وعمر ؟ فأثنى عليهما خيراً قالوا : ما تقول في عثمان في أول خلافته وفي آخرها قال : إنه كان محقاً في أولها وفي آخرها . قالوا : فما تقول في علي قبل التحكيم وبعده ؟ قال : إنه أعلم بالله منكم وأشد توقياً على دينه وأنفذ بصيرة . فقالوا : إنك تتبع الهوى وتوالي الرجال على أسمائها لا على أفعالها ! والله لنقتلنك قتلةً ما قتلناها أحداً ! فأخذوه فكتفوه ثم أقبلوا به وبامرأته وهي حبلى متمّ حتى نزلوا تحت نخل مواقر فسقطت منه رطبة فأخذها أحدهم فقذف بها في فمه ، فقال أحدهم : بغير حلها وبغير ثمن ! فلفظها وألقاها من فمه ! ثم أخذ سيفه فأخذ يمينه ، فمر به خنزير لأهل الذمة فضربه بسيفه ، فقالوا : هذا فساد في الأرض ! فأتى صاحب الخنزير فأرضاه من خنزيره ! فلما رأى ذلك منهم ابن خباب قال : لئن كنتم صادقين فيما أرى فما عليَّ منكم بأس ، إني لمسلم ما أحدثت في الإسلام حدثاً ، ولقد آمنتموني قلتم لا روع عليك ! فجاءوا به فأضجعوه فذبحوه وسال دمه في الماء ! وأقبلوا إلى المرأة فقالت إني إنما أنا امرأة ألا تتقون الله ! فبقروا بطنها !
وقتلوا ثلاث نسوة من طيئ وقتلوا أم سنان الصيداوية ! فبلغ ذلك علياً ومن معه من المسلمين من قتلهم عبد الله بن خباب واعتراضهم الناس ، فبعث إليهم الحارث بن مرة العبدي ليأتيهم فينظر فيما بلغه عنهم ، ويكتب به إليه على وجهه ولا يكتمه ، فخرج حتى انتهى إلى النهر ليسائلهم فخرج القوم إليه فقتلوه ! وأتى
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 354 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الخبر أمير المؤمنين والناس فقام إليه الناس فقالوا : يا أمير المؤمنين علامَ تدع هؤلاء وراءنا يخلفوننا في أموالنا وعيالنا ، سر بنا إلى القوم فإذا فرغنا مما بيننا وبينهم سرنا إلى عدونا من أهل الشأم . . .
ثم جاء مقبلاً إليهم ووافاه قيس وسعد بن مسعود الثقفي بالنهر ، وبعث إلى أهل النهر : ادفعوا إلينا قتلة إخواننا منكم نقتلهم بهم ، ثم أنا تارككم وكاف عنكم حتى ألقى أهل الشأم ، فلعل الله يقلب قلوبكم ويردكم إلى خير مما أنتم عليه من أمركم ، فبعثوا إليه فقالوا : كلنا قتلتُهم ، وكلنا نستحل دماءهم ودماءكم ) ! ! انتهى .
فقد رأينا أنهم لم يستوعبوا في حرب الجمل التفريق بين جواز قتال البغاة ، وتحريم أموالهم إلا ما حواه معسكرهم ، فطالبوا أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بإباحة أموال أنصار عائشة ونساءهم ، لأن جواز قتالهم حسب فهمهم يستوجب إباحة نسائهم !
ورأينا أنهم كفَّروا الصحابي عبد الله بن خباب ( رحمه الله ) لأنه خالف رأيهم في علي ( عليه السلام ) ولم يتبرأ منه ! ثم قتلوا امرأته وجنينها من شدة تقواهم !
ثم رأينا استحلالهم لدم علي ( عليه السلام ) ودماء المسلمين الذين خالفوهم جميعاً .
وفي نفس الوقت رأيناهم يحرمون على أنفسهم التمرة الساقطة من النخلة ! ويحكمون على صاحبهم بأنه مفسدٌ في الأرض لأنه قتل خنزيراً اعترضه !
أما لماذا صار التكفير عندهم سهلاً محبباً إلى قلوبهم كالماء البارد في الصحراء القاحلة ؟ ! فجوابه : أن الجماعة لشدة تقواهم يعيشون شوقاً قوياً إلى ( الجهاد في سبيل الله تعالى ) والرواح إلى الجنة ! وجهاد من خالفهم يتوقف على تكفيرهم واستحلال قتلهم ! فهم مضطرون إلى ترتيب مواد ( شرعية ) متعددة ، إذا انطبقت واحدة منها على المسلم يصير كافراً واجب القتل شرعاً ، ويكون قتاله جهاداً ! !
وهذا نفس منهج خوارج عصرنا ، لا فرق فيه إلا في تغيير بعض مواد التكفير !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 355 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
3 - وتظهر لك عشوائيتهم ، من انتقائهم لعقائدهم وفتاواهم وأفكارهم ، فهم يبحثون عن أي شئ يوافق أمزجتهم المتطرفة ، في أي مصدر من حديث أو فقه أو تفسير ، أو كلام شخص مهما كان ، فيأخذونه علماً ويزينونه لأنفسهم !
ويكفيك لذلك أن الأصل الذي قامت عليه دعوتهم كلها ( لا حكم إلا لله ) والذي صار شعارهم أخذوه من قوله تعالى : قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلا للهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ ) ( الأنعام : 57 ) .
وقوله تعالى : ( مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلا للهِ أَمَرَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) ( يوسف : 40 ) . وقوله تعالى : ( وَقَالَ يَا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيء إِنِ الْحُكْمُ إِلا للهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ) . ( يوسف : 67 ) .
ففهموا من هذه الآيات أن تحكيم رجلين في الحرب بين المسلمين كفرٌ ، ويجب على المسلمين قتال من يفعله ! مع أن الله تعالى أمر بتحكيم شخصين بين الزوجين فقال : ( وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً ) . ( النساء : 35 ) .
وأمر بتحكيم شخصين في تقدير كفارة صيد المحرم فقال : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ متعمداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ ) ( المائدة : 95 ) ولكنهم كانوا وما زالوا عندما يصطدمون بآيات وأحاديث وأدلة تخالف آراءهم ، يعرضون عن نصها الصريح ويؤولونها ، ويتشبثون بمتشابهات تؤيد آراءهم في العنف والتكفير والقتل والقتال !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 356 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
4 - أما عجبهم بأنفسهم فهو الداءُ الدويُّ حسب تعبير أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وهو أصل بلائهم وأبرز ( جينات ) شخصياتهم ! فهم من أبرز من قال الله تعالى فيهم : ( إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) . ( غافر : 56 ) .
ويكفي دليلاً على ذلك أن حرقوصاً مؤسس مذهبهم واجه النبي ( صلى الله عليه آله ) في حنين بمقولته المتكبرة : إعدل يا محمد ! أو : لم تعدل يا محمد ! وفي رواية البخاري : 4 / 179 : يا رسول الله إعدل ! ومعناها أنك لست عادلاً وأنا أعدل منك وآمرك أن تعدل ! وقد عرف الله تعالى رسوله ( صلى الله عليه آله ) بأن مصيبة حرقوص هذا من عجبه بنفسه حتى أنه ليرى أنه أفضل من رسول الله ( صلى الله عليه آله ) والناس أجمعين !
ففي مسند أبي يعلى : 1 / 90 : ( فبينما نحن نذكره إذ طلع الرجل قلنا : ها هو ذا ! قال ( ص ) : إنكم لتخبروني عن رجل إن على وجهه سفعة من الشيطان ، فأقبل حتى وقف عليهم ولم يسلم ! فقال له رسول الله : أنشدتك بالله هل قلت حين وقفت على المجلس : ما في القوم أحد أفضل مني أو أخير مني ؟ قال : اللهم نعم ! !
ثم دخل يصلي ! فقال رسول الله : من يقتل الرجل ؟ فقال أبو بكر أنا ، فدخل عليه فوجده قائماً يصلي فقال : سبحان الله أقتل رجلاً يصلي وقد نهى رسول الله عن قتل المصلين ! فخرج ! فقال رسول الله : ما فعلت ؟ قال : كرهت أن أقتله وهو يصلي وقد نهيت عن قتل المصلين ! قال عمر : أنا ، فدخل فوجده واضعاً وجهه فقال عمر : أبو بكر أفضل مني فخرج ! فقال رسول الله : مَهْ ؟ قال وجدته واضعاً وجهه فكرهت أن أقتله ! فقال : من يقتل الرجل ؟ فقال علي : أنا ، قال : أنت إن أدركته . قال فدخل عليٌّ فوجده قد خرج فرجع إلى رسول الله ، فقال : مه ؟ قال
وجدته قد خرج ! قال : لو قتل ما اختلف في أمتي رجلان ، كان أولهم آخرهم .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 357 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال موسى سمعت محمد بن كعب يقول : هو الذي قتله علي ذا الثدية ) ! انتهى . ( وهو حديث موثق على موازينهم رواه الدارقطني : 2 / 41 ، ومجمع الزوائد : 6 / 226 ، وغيرهما ) .
فالذي يزايد على رسول الله ( صلى الله عليه آله ) في التدين ، ويرى أنه أعدل منه وأفضل منه ! إنما هو صاحب مشروع دنيوي ، لا يعرف رباً ولا نبياً إلا نفسه ! مهما ظهر تقياً !
ولذلك كان أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ينصحهم بأن لا يقاتلوا من أجل الدنيا !
قال الطبري في تاريخه : 4 / 52 : ( أتاه رجلان من الخوارج زرعة بن البرج الطائي وحرقوص بن زهير السعدي فدخلا عليه فقالا له : لا حكم إلا لله ! فقال علي : لا حكم إلا لله . فقال له حرقوص : تُبْ من خطيئتك وارجع عن قضيتك واخرج بنا إلى عدونا نقاتلهم حتى نلقى ربنا . فقال لهم علي : قد أردتكم على ذلك فعصيتموني وقد كتبنا بيننا وبينهم كتاباً وشرطنا شروطاً وأعطينا عليها عهودنا ومواثيقنا وقد قال الله عز وجل : وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الإيمان بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ .
فقال له حرقوص : ذلك ذنب ينبغي أن تتوب منه ! فقال علي : ما هو ذنب ولكنه عجز من الرأي وضعف من الفعل ، وقد تقدمت إليكم فيما كان منه ونهيتكم عنه . فقال له زرعة بن البرج : أما والله يا عليُّ لئن لم تدع تحكيم الرجال في كتاب الله عز وجل قاتلتك أطلب بذلك وجه الله ورضوانه ! فقال له علي : بؤساً لك ما أشقاك كأني بك قتيلاً تسفي عليك الريح ! قال : وددت أن قد كان ذلك !
فقال له علي : لو كنت محقاً كان في الموت على الحق تعزيةً عن الدنيا ! إن الشيطان قد استهواكم فاتقوا الله عز وجل ، إنه لا خير لكم في دنياً تقاتلون عليها ! فخرجا من عنده يحكِّمان ) . انتهى .
وللإمام الصادق ( عليه السلام ) تعليل عميق لشجاعتهم ودعوتهم إلى المبارزة ، فقد سأله
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 358 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
جميل بن دراج هل يرى أنهم شكاكٌ لا يقين لهم ؟ فقال نعم . فقال بعض أصحابه : كيف وهم يدعون إلى البراز ؟ قال : ذلك مما يجدون في أنفسهم ) . ( تهذيب الأحكام : 6 / 145 ) . يقصد ( عليه السلام ) أن ادعاءهم وتصورهم الخيالي عن أنفسهم ، وكبْرَهم الذي ما هم ببالغيه ، يولِّد فيهم مركب نقص يدفعهم لإثبات أنهم على يقين ! وقد ظهر ذلك في رئيسهم ابن وهب الراسبي ، عندما دعا أصحابه إلى بدء القتال ونادوا : ( روحوا بنا رَوْحةً إلى الجنة . فقال عبد الله بن وهب الراسبي : لعلها رَوْحةٌ إلى النار ! قالوا : شككت ! قال : أتألون على الله ؟ فاعتزل منهم فروة بن نوفل الأشجعي بألف رجل ! فقال لهم أصحابهم : أشككتم ؟ أما لو أن تبقى منا عصابة من بعدنا يدعون إلى أمرنا لبدأنا بكم ) . ( شرح الأخبار : 2 / 55 ) .
إنها عقدة إثبات الذات بالمزايدة في الدين حتى على رسول الله ( صلى الله عليه آله ) ! ولا يختلف المعاصرون منهم عن أسلافهم إلا بأن رسول الله ( صلى الله عليه آله ) ليس حاضراً ليقف ضدهم ، فتظهر عند ذلك أضغانهم !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 359 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

تحركات الخوارج إلى معركة النهروان !

ظهر رئيسهم حرقوص في عهد النبي ( صلى الله عليه آله ) في حنين قرب الطائف ، ثم في المدينة ، ثم سكن البصرة ، ثم كان من وفد البصرة المعترضين على عثمان والمحاصرين له ، وبعد قتل عثمان عاد إلى البصرة ، وعندما وصلت عائشة وطلحة والزبير إلى البصرة حاربهم مع حكيم بن جبلة دفاعاً عن البصرة !
وذلك فيما سمي معركة الجمل الصغرى ، قبل وصول أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، فقتل جيش عائشة كل المدافعين ما عدا حرقوص ، الذي هرب إلى عشيرته بني سعد !
قال الطبري في تاريخه : 3 / 487 : ( فكان حكيم بحيال طلحة ، وذريح بحيال الزبير وابن المحرش بحيال عبد الرحمن بن عتاب ، وحرقوص بن زهير بحيال عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، فزحف طلحة لحكيم وهو في ثلاثمائة رجل . . .
وقتل ذريح ومن معه ، وأفلت حرقوص بن زهير في نفر من أصحابه ، فلجأوا إلى قومهم ، ونادى منادى الزبير وطلحة بالبصرة : ألا من كان فيهم من قبائلكم أحد ممن غزا المدينة فليأتنا بهم ، فجئ بهم كما يجاء بالكلاب فقتلوا ، فما أفلت منهم من أهل البصرة جميعاً إلا حرقوص بن زهير ، فإن بني سعد منعوه ! وكان من بني سعد فمسهم في ذلك أمر شديد ، وضربوا لهم فيه أجلاً ، وخشنوا صدور بني سعد ، وإنهم لعثمانية حتى قالوا : نعتزل ! ) . انتهى .
أي أن بني سعد حموْا حرقوصاً مع أنهم عثمانيون مع عائشة وطلحة ، وهددوا إن أصروا على تسليمه وقتله كالباقين أن لا يشاركوا في الحرب مع عائشة !
وعندما وصل علي ( عليه السلام ) إلى البصرة لم يحارب حرقوص في حرب الجمل مع بني سعد الذين حموه ! بل شارك ضدهم مع علي ( عليه السلام ) ! ثم كان مع علي ( عليه السلام ) في
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 360 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
حرب صفين ، ثم كان من قادة الخوارج الذين هددوا أمير المؤمنين ( عليه السلام ) على قبول التحكيم ، ثم غيروا رأيهم بعد توقيع كتاب الهدنة !
وعندما رجعوا من صفين إلى الكوفة مع أمير المؤمنين ( عليه السلام ) اختلفوا هل يدخلون إلى الكوفة أم يبقون في معسكر خارجها ! فبقي بعضهم في النخيلة وهي المعسكر العام لأهل الكوفة ، ونشطوا لأكثر من سنة في تشكيل أنفسهم والدعوة إلى مذهبهم ، وعملوا بكل وسيلة لإبطال الهدنة قبل موعد التحكيم ، لكنهم اصطدموا بإصرار أمير المؤمنين ( عليه السلام ) على احترام عهده ، ولما أرسل أبا موسى إلى التحكيم في دومة الجندل ذهب بعضهم معه ، ورفضوا حيلة عمرو بن العاص في التحكيم كغيرهم من المسلمين .
وكان المفترض فيهم أن يتفقوا مع أمير المؤمنين ( عليه السلام ) لأنه رفض مثلهم نتيجة التحكيم ودعا إلى مواصلة قتال معاوية ، لكن ذلك لم يُرض ( حضراتهم ) حتى يشهد علي ( عليه السلام ) والمسلمون على أنفسهم بالكفر ويتوبوا مثلهم ! !
وفي تلك الفترة اختارت طائفة منهم أن يتجمعوا في قرية حروراء قرب الكوفة فسموا الحرورية ، وخرجت طائفة أخرى من الكوفة راكبة رأسها تخبط الأرض ! كما وصفها أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في حديثه لليهودي عندما سأله عما امتحنه الله به في حياة النبي ( صلى الله عليه آله ) وبعد وفاته ، وهو في الخصال ص 381 ، وسنورده إن شاء الله .
قال الطبري : 4 / 46 : ( فنزل بها ( حروراء ) منهم اثنا عشر ألفاً ، ونادى مناديهم إن أمير القتال شبث بن ربعي التميمي وأمير الصلاة عبد الله بن الكواء اليشكري ، والأمر شورى بعد الفتح ، والبيعة لله عز وجل ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ) .
* *
وقد أرسل إليهم أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ابن عباس وذهب هو إليهم واحتج عليهم ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 361 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ونورد فيما يلي بعض احتجاجه ( عليه السلام ) من نهج البلاغة : 2 / 7 : ( فإن أبيتم إلا أن تزعموا أني أخطأت وضللت ! فلم تضللون عامة أمة محمد ( صلى الله عليه آله ) بضلالي وتأخذونهم بخطئي وتكفرونهم بذنوبي ؟ ! سيوفكم على عواتقكم تضعونها مواضع البرء والسقم ، وتخلطون من أذنب بمن لم يذنب ! وقد علمتم أن رسول الله ( صلى الله عليه آله ) رجم الزاني المحصن ثم صلى عليه ثم ورثه أهله ، وقتل القاتل وورث ميراثه أهله ، وقطع السارق وجلد الزاني غير المحصن ، ثم قسم عليهما من الفئ ونكحا المسلمات ، فأخذهم رسول الله ( صلى الله عليه آله ) بذنوبهم وأقام حق الله فيهم ، ولم يمنعهم سهمهم من الإسلام ولم يخرج أسماءهم من بين أهله . . .
وإنما حكم الحكمان ليحييا ما أحيا القرآن ويميتا ما أمات القرآن ، وإحياؤه الاجتماع عليه ، وإماتته الافتراق عنه ، فإن جرَّنا القرآن إليهم اتبعناهم ، وإن جرَّهم إلينا اتبعونا ! فلم آت لا أباً لكم بَجْراً ، ولا ختلتكم عن أمركم ولا لبَّسته عليكم ، إنما اجتمع رأي ملئكم على اختيار رجلين أخذنا عليهما أن لا يتعديا القرآن فتاها عنه ، وتركا الحق وهما يبصرانه ، وكان الجور هواهما فمضيا عليه ! وقد سبق استثناؤنا عليهما في الحكومة بالعدل ، والصمْد للحق ) .
وقد تقدمت خطبته له ( عليه السلام ) بعد التحكيم من نهج البلاغة : 1 / 84 التي قال فيها : ( أما بعد فإن معصية الناصح الشفيق العالم المجرب تورث الحسرة ، وتعقب الندامة . وقد كنت أمرتكم في هذه الحكومة أمري ، ونخلت لكم مخزون رأيي ، لو كان يطاع لقصير أمر ، فأبيتم عليَّ إباء المخالفين الجفاة والمنابذين العصاة ! حتى ارتاب الناصح بنصحه ، وضن الزند بقدحه ، فكنت وإياكم كما قال أخو هوازن :
أمرتكم أمري بمُنْعَرج اللِّوى فلم تستبينوا النصح إلا ضحى الغد ) ! !
وفي نهج البلاغة : 1 / 235 : ( ومن كلام له ( عليه السلام ) قاله للخوارج وقد خرج إلى معسكرهم وهم مقيمون على إنكار الحكومة ، فقال ( عليه السلام ) : أكلُّكم شهد معنا صفين ؟ فقالوا : منا من شهد ومنا من لم يشهد . قال : فامتازوا فرقتين ، فليكن من شهد صفين فرقة ، ومن لم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 362 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يشهدها فرقة حتى أكلم كلاً بكلامه . ونادى الناس فقال : أمسكوا عن الكلام وأنصتوا لقولي وأقبلوا بأفئدتكم إليَّ ، فمن نشدناه شهادة فليقل بعلمه فيها .
ثم كلمهم ( عليه السلام ) بكلام طويل ، منه : ألم تقولوا عند رفعهم المصاحف حيلة وغيلة ، ومكراً وخديعة : إخواننا وأهل دعوتنا ، استقالونا واستراحوا إلى كتاب الله سبحانه ، فالرأي القبول منهم والتنفيس عنهم ، فقلت لكم : هذا أمر ظاهره إيمان وباطنه عدوان وأوله رحمة وآخره ندامة ، فأقيموا على شأنكم ، والزموا طريقتكم ، وعضوا على الجهاد بنواجذكم ، ولا تلتفتوا إلى ناعق نعق : إن أجيب أضل ، وإن ترك ذل .
وقد كانت هذه الفعلة وقد رأيتكم أعطيتموها ! والله لئن أبيتها ما وجبت علي فريضتها ولا حملني الله ذنبها ، ووالله إن جئتها إني للمحق الذي يتبع ، وإن الكتاب لمعي ما فارقته مذ صحبته ! فلقد كنا مع رسول الله ( صلى الله عليه آله ) وإن القتل ليدور على الآباء والأبناء والإخوان والقرابات ، فما نزداد على كل مصيبة وشدة إلا إيماناً ومضياً على الحق ، وتسليماً للأمر ، وصبراً على مضض الجراح .
ولكنا إنما أصبحنا نقاتل إخواننا في الإسلام على ما دخل فيه من الزيغ والاعوجاج والشبهة والتأويل . فإذا طمعنا في خصلة يلمُّ الله بها شعثنا ونتدانى بها إلى البقية فيما بيننا ، رغبنا فيها وأمسكنا عما سواها ) . انتهى .
* *
وفيما يلي فقرات من تاريخ الطبري : 4 / 54 ، في تحركاتهم إلى معركة النهروان :
( لما بعث أبا موسى لإنفاد الحكومة لقيت الخوارج بعضها بعضاً فاجتمعوا في منزل عبد الله بن وهب الراسبي ، فحمد الله عبد الله بن وهب وأثنى عليه ، ثم قال : أما بعد فوالله ما ينبغي لقوم يؤمنون بالرحمن وينيبون إلى حكم القرآن ، أن يكون هذه الدنيا التي الرضا بها والركون بها والإيثار إياها عناء وتبار ، آثر عندهم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقول بالحق . وإن من وضَرَ فإنه في يُمْن ويُضَرُّ في هذه الدنيا ، فإن ثوابه يوم القيامة رضوان الله عز وجل والخلود
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 363 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
في جناته . فأخرجوا بنا إخواننا من هذه القرية الظالم أهلها إلى بعض كور الجبال أو إلى بعض هذه المدائن ، منكرين لهذه البدع المضلة !
فقال له حرقوص بن زهير : إن المتاع بهذه الدنيا قليل ، وإن الفراق لها وشيك ، فلا تدعونكم زينتها وبهجتها إلى المقام بها ، ولا تلفتنكم عن طلب الحق وإنكار الظلم ، فإن اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ .
فقال حمزة بن سنان الأسدي : يا قوم إن الرأي ما رأيتم ، فولوا أمركم رجلاً منكم فإنه لا بد لكم من عماد وسناد ، وراية تحفون بها وترجعون إليها .
فعرضوها على زيد بن حصين الطائي فأبى ، وعرضوها على حرقوص بن زهير فأبى ، وعلى حمزة بن سنان وشريح بن أوفى العبسي فأبيا ، وعرضوها على عبد الله بن وهب فقال : هاتوها أما والله لا آخذها رغبة في الدنيا ، ولا أدعها فرقاً من الموت ! فبايعوه لعشر خلون من شوال ، وكان يقال له ذو الثفنات !
ثم اجتمعوا في منزل شريح بن أوفى العبسي فقال ابن وهب : إشخصوا بنا إلى بلدة نجتمع فيها لإنفاد حكم الله ، فإنكم أهل الحق . قال شريح نخرج إلى المدائن فننزلها ونأخذ بأبوابها ونُخرج منها سكانها ، ونبعث إلى إخواننا من أهل البصرة فيقدمون علينا . فقال زيد بن حصين : إنكم إن خرجتم مجتمعين اتُّبِعتم ، ولكن أخرجوا وحداناً مستَخْفِين ، فأما المدائن فإن بها من يمنعكم ، ولكن سيروا حتى تنزلوا جسر النهروان ، وتكاتبوا إخوانكم من أهل البصرة . قالوا : هذا الرأي ، وكتب عبد الله بن وهب إلى من بالبصرة منهم يعلمهم ما اجتمعوا عليه ويحثهم على اللحاق بهم ، وسيَّر الكتاب إليهم فأجابوه أنهم على اللحاق به !
فلما عزموا على المسير تعبدوا ليلتهم وكانت ليلة الجمعة ويوم الجمعة ، وساروا يوم السبت ، فخرج شريح بن أوفى العبسي وهو يتلو قول الله تعالى :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 364 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ . وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ . . .
وسار جماعة من أهل الكوفة يريدون الخوارج ليكونوا معهم فردَّهم أهلوهم كرهاً ، منهم القعقاع بن قيس الطائي عم الطرماح بن حكيم ، وعبد الله بن حكيم بن عبد الرحمن البكائي ، وبلغ علياً أن سالم بن ربيعة العبسي يريد الخروج فأحضره عنده ونهاه ، فانتهى .
ولما خرجت الخوارج من الكوفة أتى علياً أصحابه وشيعته فبايعوه وقالوا : نحن أولياء من واليت وأعداء من عاديت ، فشرط لهم فيه سنة رسول الله ( ص ) فجاءه ربيعة بن أبي شداد الخثعمي ، وكان شهد معه الجمل وصفين ومعه راية خثعم ، فقال له : بايع على كتاب الله وسنة رسول الله ( صلى الله عليه آله ) فقال ربيعة : على سنة أبي بكر وعمر ! قال له عليٌّ : ويلك لو أن أبا بكر وعمر عملا بغير كتاب الله وسنة رسول الله ( صلى الله عليه آله ) لم يكونا على شئ من الحق ! فبايعه ، فنظر إليه عليٌّ وقال : أما والله لكأني بك وقد نفرت مع هذه الخوارج فقتلت ، وكأني بك وقد وطئتك الخيل بحوافرها ! فقتل يوم النهر مع خوارج البصرة ! وأما خوارج البصرة فإنهم اجتمعوا في خمسمائة رجل وجعلوا عليهم مسعر بن فدكي التميمي ، فعلم بهم ابن عباس فأتبعهم أبا الأسود الدؤلي فلحقهم بالجسر الأكبر فتواقفوا حتى حجز بينهم الليل وأدلج مسعر بأصحابه وأقبل يعترض الناس وعلى مقدمته الأشرس بن عوف الشيباني ، وسار حتى لحق بعبد الله بن وهب بالنهر .
لما خرجت الخوارج وهرب أبو موسى إلى مكة ( بعد التحكيم وخوفه من غضب الناس عليه ) قام ( علي ( عليه السلام ) ) في الكوفة فخطبهم فقال : الحمد لله وإن أتى الدهر بالخطب الفادح والحدثان الجليل . . . وقد تقدم بعضها من نهج البلاغة ، وزاد الطبري فيها :
ألا إن هذين الرجلين اللذين اخترتموها حكمين قد نبذا حكم القرآن وراء ظهورهما
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 365 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأحييا ما أمات القرآن ، واتبع كل واحد منهما هواه بغير هدى من الله ، فحكما بغير حجة بينة ولا سنة ماضية ، واختلفا في حكمهما وكلاهما لم يرشد ، فبرئ الله منهما ورسوله وصالح المؤمنين . استعدوا وتأهبوا للسير إلى الشام ، وأصبحوا في معسكركم إن شاء الله يوم الاثنين . ثم نزل وكتب إلى الخوارج بالنهر :
بسم الله الرحمن الرحيم . من عبد الله على أمير المؤمنين إلى زيد بن حصين وعبد الله بن وهب ومن معهما من الناس . أما بعد ، فإن هذين الرجلين اللذين ارتضينا حكمهما قد خالفا كتاب الله واتبعا أهواءهما بغير هدى من الله ، فلم يعملا بالسنة ولم ينفذا للقرآن حكماً ، فبرئ الله ورسوله منهما والمؤمنون . فإذا بلغكم كتابي هذا فأقبلوا فإنا سائرون إلى عدونا وعدوكم ، ونحن على الأمر الأول الذي كنا عليه والسلام .
وكتبوا إليه : أما بعد فإنك لم تغضب لربك إنما غضبت لنفسك ، فإن شهدت على نفسك بالكفر واستقبلت التوبة ، نظرنا فيما بيننا وبينك ، وإلا فقد نابذناك على سواء إن الله لا يحب الخائنين ! فلما قرأ كتابهم أيس منهم ، فرأى أن يدعهم ويمضي بالناس إلى أهل الشأم حتى يلقاهم فيناجزهم . . .
ثم روى الطبري تباطأ أهل البصرة وأنه لم يلتحق منهم بمعسكر علي ( عليه السلام ) في النخيلة إلا ثلاثة آلاف ومئتا نفر ، مع أن واليه ابن عباس حثهم !
ثم قال الطبري : ( وبلغ علياً أن الناس يقولون لو سار بنا إلى هذه الحرورية فبدأنا بهم فإذا فرغنا منهم وجهنا من وجهنا ذلك إلى المحلين ، فقام في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أما بعد ، فإنه قد بلغني قولكم لو أن أمير المؤمنين سار بنا إلى هذه الخارجة التي خرجت عليه فبدأنا بهم فإذا فرغنا منهم وجهنا إلى المحلين ، وإن غير هذه الخارجة أهم إلينا منهم ، فدعوا ذكرهم وسيروا إلى قوم يقاتلونكم كيما يكونوا جبارين ملوكاً ويتخذوا عباد الله خولا . . .
فبلغ ذلك علياً ومن معه من المسلمين من قتلهم عبد الله بن خباب واعتراضهم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 366 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الناس ، فبعث إليهم الحارث بن مرة العبدي ليأتيهم فينظر فيما بلغه عنهم ، ويكتب به إليه على وجهه ولا يكتمه ، فخرج حتى انتهى إلى النهر ليسائلهم فخرج القوم إليه فقتلوه ! وأتى الخبر أمير المؤمنين والناس ، فقام إليه الناس فقالوا : يا أمير المؤمنين علامَ تدع هؤلاء وراءنا يخلفوننا في أموالنا وعيالنا ؟ ! سرْ بنا إلى القوم فإذا فرغنا مما بيننا وبينهم سرنا إلى عدونا من أهل الشام ، وقام إليه الأشعث بن قيس الكندي فكلمه بمثل ذلك . . .
فنادى بالرحيل ، وخرج فعبر الجسر فصلى ركعتين بالقنطرة ، ثم نزل دير عبد الرحمن ، ثم دير أبي موسى ، ثم أخذ على قرية شاهي ، ثم على دباها ، ثم على شاطئ الفرات . . . وبعث إلى أهل النهر : ادفعوا إلينا قتلة إخواننا منكم نقتلهم بهم ، ثم أنا تارككم وكافٌّ عنكم حتى ألقى أهل الشام ، فلعل الله يقلب قلوبكم ويردكم إلى خير مما أنتم عليه من أمركم . فبعثوا إليه فقالوا : كلنا قتلتهم ، وكلنا نستحل دماءهم ودماءكم ! ! . . . قيس بن سعد بن عبادة قال لهم : عباد الله أخرجوا إلينا طلبتنا منكم وادخلوا في هذا الأمر الذي منه خرجتم ، وعودوا بنا إلى قتال عدونا وعدوكم ، فإنكم ركبتم عظيماً من الأمر : تشهدون علينا بالشرك والشرك ظلم عظيم ، وتسفكون دماء المسلمين ، وتعدُّونهم مشركين ! ! فقال عبد الله بن شجرة السلمي : إن الحق قد أضاء لنا ، فلسنا نتابعكم أو تأتونا بمثل عمر ! فقال : ما نعلمه فينا غير صاحبنا فهل تعلمونه فيكم ؟ ! وقال : نشدتكم بالله في أنفسكم أن تهلكوها فإني لأرى الفتنة قد غلبت عليكم ! وخطبهم أبو أيوب خالد بن زيد الأنصاري فقال : عباد الله إنا وإياكم على الحال الأولى التي كنا عليها ، ليست بيننا وبينكم فرقة ، فعلامَ تقاتلوننا ؟ فقالوا : إنا لو بايعناكم اليوم حكَّمتم غداً ! قال : فإني أنشدكم الله أن تعجلوا فتنة العام مخافة ما يأتي في قابل ! !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 367 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

معركة النهروان !

قال الطبري : 4 / 62 : عن زيد بن وهب أن علياً أتى أهل النهر ، فوقف عليهم فقال : أيتها العصابة التي أخرجها عداوة المراء واللجاجة ، وصدها عن الحق الهوى وطمح بها النزق ، وأصبحت في اللبس والخطب العظيم ، إني نذيرٌ لكم أن تصبحوا تُلفيكم الأمة غداً صرعى بأثناء هذا النهر ، وبأهضام هذا الغائط ، بغير بينة من ربكم ، ولا برهان بيِّن ! ألم تعلموا أني نهيتكم عن الحكومة ، وأخبرتكم أن طلب القوم إياها منكم دهن ومكيدة لكم ، ونبأتكم أن القوم ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن ، وأني أعرف بهم منكم ، عرفتهم أطفالاً ورجالاً ، فهم أهل المكر والغدر ، وأنكم إن فارقتم رأيي جانبتم الحزم ، فعصيتموني ! حتى إذا أقررتُ بأن حكَّمت ، فلما فعلت شرطت واستوثقت ، فأخذت على الحكمين أن يحييا ما أحيا القرآن ، وأن يميتا ما أمات القرآن ، فاختلفا وخالفا حكم الكتاب والسنة ، فنبذنا أمرهما ونحن على أمرنا الأول ، فما الذي بكم ومن أين أتيتم ؟ !
قالوا : إنا حكَّمنا فلما حكمنا وأثمنا وكنا بذلك كافرين ! وقد تُبنا فإن تُبت كما تبنا فنحن منك ومعك ، وإن أبيت فاعتزلنا فإنا منابذوك على سواء ، إن الله لا يحب الخائنين ! فقال عليٌّ : أصابكم حاصب ، ولا بقيَ منكم وابر ، أبعد إيماني برسول الله ( صلى الله عليه آله ) وهجرتي معه وجهادي في سبيل الله ، أشهد على نفسي بالكفر ، لقد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين . ثم انصرف عنهم . . .
. . . أن علياً قال لأهل النهر : يا هؤلاء إن أنفسكم قد سولت لكم فراق هذه الحكومة التي أنتم ابتدأتموها وسألتموها وأنا لها كاره ، وأنبأتكم أن القوم سألوكموها مكيدة ودَهَناً ، فأبيتم عليَّ إباء المخالفين ، وعدلتم عني عدول النكداء العاصين ، حتى صرفت رأيي إلى رأيكم ، وأنتم والله معاشرُ أخفَّاءُ الهام سفهاء الأحلام ، فلم آت لا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 368 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أباً لكم حراماً . والله ما خبَلتكم عن أموركم ولا أخفيت شيئاً من هذا الأمر عنكم ، ولا أوطأتكم عشوة ، ولا دنَّيت لكم الضراء ، وإن كان أمرنا لأمر المسلمين ظاهراً فأجمع رأي ملئكم على أن اختاروا رجلين ، فأخذنا عليهما أن يحكما بما في القرآن ولا يعدواه ، فتاها وتركا الحق وهما يبصرانه ، وكان الجور هواهما ، وقد سبق استيثاقنا عليهما في الحكم بالعدل والصَّمْد للحق ، بسوء رأيهما وجور حكمهما والثقة في أيدينا لأنفسنا حين خالفا سبيل الحق وأتيا بما لا يعرف ، فبينوا لنا بماذا تستحلون قتالنا والخروج من جماعتنا إن اختار الناس رجلين أن تضعوا أسيافكم على عواتقكم ثم تستعرضوا الناس تضربون رقابهم وتسفكون دماءهم ؟ ! إن هذا لهو الخسران المبين ! والله لو قتلتم على هذا دجاجة لعظم عند الله قتلها ، فكيف بالنفس التي قتلها عند الله حرام ؟ !
فتنادوا : لا تخاطبوهم ولا تكلموهم ، وتهيؤا للقاء الرب ! الرواح الرواح إلى الجنة ! فخرج عليٌّ فعبأ الناس ، فجعل على ميمنته حجر بن عدي ، وعلى ميسرته شبث بن ربعي أو معقل بن قيس الرياحي ، وعلى الخيل أبا أيوب الأنصاري ، وعلى الرجالة أبا قتادة الأنصاري ، وعلى أهل المدينة وهم سبعمائة أو ثمانمائة رجل ، قيس بن سعد بن عبادة . قال : وعبأت الخوارج فجعلوا على ميمنتهم زيد بن حصين الطائي ، وعلى الميسرة شريح بن أوفى العبسي ، وعلى خيلهم حمزة بن سنان الأسدي ، وعلى الرجالة حرقوص بن زهير السعدي .
قال : وبعث عليٌّ الأسود بن يزيد المرادي في ألفي فارس حتى أتى حمزة بن سنان وهو في ثلاثمائة فارس من خيلهم . ورفع عليٌّ راية أمان مع أبي أيوب فناداهم أبو أيوب : من جاء هذه الراية منكم ممن لم يَقتل ولم يَستعرض ، فهو آمن ، ومن انصرف منكم إلى الكوفة أو إلى المدائن وخرج من هذه الجماعة فهو آمن ، إنه لا حاجة لنا بعد أن نصيب قتلة إخواننا منكم في سفك دمائكم !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 369 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فقال فروة بن نوفل الأشجعي : والله ما أدرى على أي شئ نقاتل علياً ؟ ! لا أرى إلا أن أنصرف حتى تنفذ لي بصيرتي في قتاله أو اتباعه ! وانصرف في خمسمائة فارس حتى نزل البندنيجين والدسكرة . وخرجت طائفة أخرى متفرقين فنزلت الكوفة . وخرج إلى علي منهم نحو من مائة ، وكانوا أربعة آلاف .
فكان الذين بقوا مع عبد الله بن وهب منهم ألفين وثمانمائة ، وزحفوا إلى علي وقدم على الخيل دون الرجال ، وصفَّ الناس وراء الخيل صفين ، وصفَّ المرامية أمام الصف الأول وقال لأصحابه : كفوا عنهم حتى يبدؤوكم ، فإنهم لو قد شدوا عليكم وجلهم رجال لم ينتهوا إليكم إلا لا غبين ، وأنتم رادون حامون .
وأقبلت الخوارج . . . ثم تنادوا الرواح الرواح إلى الجنة ، فشدوا على الناس والخيل أمام الرجال ، فلم تثبت خيل المسلمين لشدتهم ، وافترقت الخيل فرقتين فرقة نحو الميمنة وأخرى نحو الميسرة ، وأقبلوا نحو الرجال ، فاستقبلت المرامية وجوههم بالنبل ، وعطفت عليهم الخيل من الميمنة والميسرة ، ونهض إليهم الرجال بالرماح والسيوف ، فوالله ما لبثوهم أن أناموهم .
ثم إن حمزة بن سنان صاحب خيلهم لما رأى الهلاك نادى أصحابه أن أنزلوا فذهبوا لينزلوا ، فلم يتقارُّوا حتى حمل عليهم الأسود بن قيس المرادي ، وجاءتهم الخيل من نحو علي ، فأهمدوا في الساعة . . .
حدثني عبد الملك بن أبي حرة أن علياً خرج في طلب ذي الثدية ، ومعه سليمان بن ثمامة الحنفي أبو جبرة ، والريان بن صبرة بن هوذة ، فوجده الريان بن صبرة بن هوذة في حفرة على شاطئ النهر في أربعين أو خمسين قتيلاً . قال فلما استخرج نظر إلى عضده فإذا لحم مجتمع على منكبه كثدي المرأة له حلمة عليها شعرات سود ، فإذا مدت امتدت حتى تحاذى طول يده الأخرى ، ثم تترك
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 370 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فتعود إلى منكبه كثدي المرأة ، فلما استخرج قال علي : الله أكبر ، والله ما كَذبت ولا كُذِّبت ! أما والله لولا أن تنكلوا عن العمل لأخبرتكم بما قضى الله على لسان نبيه ( صلى الله عليه آله ) لمن قاتلهم مستبصراً في قتالهم ، عارفاً للحق الذي نحن عليه !
قال : ثم مرًّ وهم صرعى فقال : بؤساً لكم لقد ضركم من غركم ! فقالوا يا أمير المؤمنين من غرهم ؟ قال : الشيطان وأنفسٌ بالسوء أمارة غرتهم بالأماني ، وزينت لهم المعاصي ، ونبأتهم أنهم ظاهرون ! . . .
قال : وطلب من به رمق منهم فوجدناهم أربعمائة رجل ، فأمر بهم عليٌّ فدفعوا إلى عشائرهم وقال : إحملوهم معكم فداووهم فإذا برئوا فوافوا بهم الكوفة ، وخذوا ما في عسكرهم من شئ ، قال : وأما السلاح والدواب وما شهدوا به عليه الحرب فقسَّمه بين المسلمين ، وأما المتاع والعبيد والإماء ، فإنه حين قدم رده على أهله !
وطلب عدي بن حاتم ابنه طرفة فوجده فدفنه ، ثم قال : الحمد لله الذي ابتلاني بيومك على حاجتي إليك ) . انتهى .
وقد اختصر الطبري المعركة ، واختصرناها منه ، وقد روت المصادر نقاطاً مهمة ومفيدة ، وهذه نماذج منها :
تهيَّب المسلمون أن يقاتلوا الخوارج بسبب مظهرهم الخادع ، وقداستهم المزيفة ! فظاهرهم الصلاح وأنهم عُبَّادٌ وقرَّاء قرآن ، وأهل تديُّن وتنسُّك ! فلم يكن باستطاعة أحد أن يسفك دم هذه القداسة المزيفة إلا صاحب القداسة الحقيقية علي ( عليه السلام ) ، المشهود له من رسول الله ( صلى الله عليه آله ) بمعجزاته التي رآها منه المسلمون في فتنة الخوارج وغيرها ، فخشعوا لها وكبروا ، ومنها هذا النموذج :
في مجمع الزوائد : 6 / 241 : ( عن جندب قال : لما فارقَتِ الخوارج علياً خرج في طلبهم وخرجنا معه ، فانتهينا إلى عسكر القوم وإذا لهم دويٌّ كدوي النحل من
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 371 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قراءة القرآن ، وإذا فيهم أصحاب الثفنات وأصحاب البرانس ، فلما رأيتهم دخلني من ذلك شدة ، فتنحيت فركزت رمحي ونزلت عن فرسي ووضعت برنسي فنثرت عليه درعي ، وأخذت بمقود فرسي فقمت أصلى إلى رمحي ، وأنا أقول في صلاتي : اللهم إن كان قتال هؤلاء القوم لك طاعة فائذن لي فيه ، وإن كان معصية فأرني براءتك ! قال : فأنا كذلك إذ أقبل علي بن أبي طالب على بغلة رسول الله ( ص ) فلما حاذاني قال : تعوَّذ بالله ، تعوَّذ بالله يا جندب من شر الشك ! فجئت أسعى إليه ونزل فقام يصلي ، إذ أقبل رجل على برذون يقرب به ، فقال يا أمير المؤمنين ؟ قال : ما شأنك ؟ قال ألك حاجة في القوم ؟ قال : وما ذاك ؟ قال : قد قطعوا النهر . قال : ما قطعوه ! قلت : سبحان الله !
ثم جاء آخر أرفع منه في الجري فقال يا أمير المؤمنين ؟ قال : ما تشاء ؟ قال ألك حاجة في القوم ؟ قال : وما ذاك ؟ قال : قد قطعوا النهر فذهبوا . قلت : الله أكبر . قال عليٌّ : ما قطعوه ، ثم جاء آخر يستحضر بفرسه فقال يا أمير المؤمنين ؟ قال : ما تشاء ؟ قال ألك حاجة في القوم قال : وما ذاك ؟ قال : قد قطعوا النهر . قال : ما قطعوه ولا يقطعونه وليقتلن دونه ، عهدٌ من الله ورسوله ! قلت : الله أكبر ، ثم قمت فأمسكت له بالركاب فركب فرسه ، ثم رجعت إلى درعي فلبستها ، والى قوسي فعلقتها وخرجت أسايره ، فقال لي : يا جندب ، قلت لبيك يا أمير المؤمنين قال : أما أنا فأبعث إليهم رجلاً يقرأ المصحف يدعو إلى كتاب الله ربهم وسنة نبيهم فلا يقبل علينا بوجهه حتى يرشقوه بالنبل ! يا جندب أما إنه لا يقتل منا عشرة ولا ينجو منهم عشرة ! فانتهينا إلى القوم وهم في معسكرهم الذي كانوا فيه لم يبرحوا ! فنادى علي في أصحابه فصفَّهم ، ثم أتى الصف من رأسه ذا إلى رأسه ذا مرتين وهو يقول : من يأخذ هذا المصحف فيمشي به إلى هؤلاء القوم فيدعوهم إلى كتاب
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 372 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الله ربهم وسنة نبيهم وهو مقتول وله الجنة ؟ فلم يجبه إلا شاب من بني عامر بن صعصعة ، فلما رأى على حداثة سنه قال له : إرجع إلى موقفك ، ثم نادى الثانية فلم يخرج إليه إلا ذلك الشاب ، ثم نادى الثالثة فلم يخرج إليه إلا ذلك الشاب ، فقال له عليٌّ : خذ ، فأخذ المصحف فقال له : أما إنك مقتولٌ ولست مقبلاً علينا بوجهك حتى يرشقوك بالنبل ! فخرج الشاب بالمصحف إلى القوم فلما دنا منهم حيث يسمعون ، قاموا ونشبوا الفتى قبل أن يرجع ! قال : فرماه إنسان فأقبل علينا بوجهه فقعد فقال عليٌّ : دونكم القوم ! قال جندب فقتلت بكفي هذه بعد ما دخلني ما كان دخلني ثمانية قبل أن أصلي الظهر ، وما قتل منا عشرة ولا نجا منهم عشرة كما قال ! رواه الطبراني في الأوسط من طريق أبي السابغة عن جندب ، ولم أعرف أبا السابغة ، وبقية رجاله ثقات ) . انتهى .
* *
في تاريخ بغداد : 14 / 368 : ( فقال علي لأصحابه : لا تبدؤوهم . قال فبدأ الخوارج فرموا فقيل يا أمير المؤمنين قد رموا ، قال فأذن لهم بالقتال . قال : فحملت الخوارج على الناس حملة حتى بلغوا منهم شدة ، ثم حملوا عليهم الثانية فبلغوا من الناس أشد من الأولى ، ثم حملوا الثالثة حتى ظن الناس أنها الهزيمة . قال : فقال عليٌّ : والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لا يقتلون منكم عشرة ولا يبقى منهم عشرة . قال : فلما سمع الناس ذلك حملوا عليهم ) .
* *
في مناقب آل أبي طالب : 2 / 371 : ( فلما أتاهم أمير المؤمنين ( عليه السلام ) فاستعطفهم فأبوا إلا قتاله ، وتنادوا أن دعوا مخاطبة علي ( عليه السلام ) وأصحابه وبادروا الجنة ، وصاحوا الرواح الرواح إلى الجنة ، وأمير المؤمنين يعبئ أصحابه ، ونهاهم أن يتقدم إليهم أحد ، فكان أول من خرج أخنس بن العيزار الطائي فقتله أمير المؤمنين ( عليه السلام ) . . .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 373 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وخرج إلى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) الوضاح بن الوضاح من جانب وابن عمه حرقوص من جانب ، فقتلَ الوضاح ، وضرب ضربةً على رأس الحرقوص فقطعه ، ووقع رأس سيفه على الفرس فشرد ورجله في الركاب ، حتى أوقعه في دولاب ) .
* *
وفي شرح النهج : 2 / 276 : ( قال عليٌّ : نقتل اليوم أربعة آلاف من الخوارج ، أحدهم ذو الثدية ، فلما طُحن القوم ورام استخراج ذا الثدية ، أمرني أن أقطع له أربعة آلاف قصبة ، وركب بغلة رسول الله ( صلى الله عليه آله ) وقال : إطرح على كل قتيل منهم قصبة فلم أزل كذلك وأنا بين يديه وهو راكب خلفي ، والناس يتبعونه حتى بقيت في يدي واحدة ، فنظرت إليه وإذا وجهه ارْبَدَّ وإذا هو يقول : والله ما كذبتُ ولا كُذِّبت ، فإذا خرير ماء عند موضع دالية فقال : فتش هذا ، ففتشته فإذا قتيل قد صار في الماء ، وإذا رجله في يدي فجذبتها وقلت : هذه رجل إنسان ، فنزل عن البغلة مسرعاً ، فجذب الرجل الأخرى وجررناه ، حتى صار على التراب ، فإذا هو المخدج ! فكبر عليٌّ بأعلى صوته ثم سجد ، فكبَّر الناس كلهم ) .
* *
قال اليعقوبي : 2 / 193 : ( فرجع يومئذ من الخوارج ألفان وأقام أربعة آلاف ، والتحمت الحرب بينهم مع زوال الشمس فأقامت مقدار ساعتين من النهار ، فقتلوا من عند آخرهم وقتل ذو الثدية ، ولم يفلت من القوم إلا أقل من عشرة ، ولم يقتل من أصحاب علي إلا أقل من عشرة . وكانت وقعة النهروان سنة 39 ) .
وقال اليعقوبي في تاريخه : 2 / 193 : ( ولما قدم علي الكوفة ( بعد النهروان ) قام خطيباً فقال بعد حمد الله والثناء عليه والتذكير لنعمه والصلاة على محمد وذكره بما فضله الله به : أما بعد أيها الناس فأنا فقأت عين الفتنة ولم يكن ليجترئ عليها أحد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 374 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
غيري ، ولو لم أكن فيكم ما قوتل الناكثون ولا القاسطون ولا المارقون ، ثم قال : سلوني قبل أن تفقدوني فإني عن قليل مقتول فما يحبس أشقاها أن يخضبها بدم أعلاها ! فوالذي فلق البحر وبرأ النسمة لا تسألوني عن شئ فيما بينكم وبين الساعة ، ولا عن فتنة تضل مائة أو تهدي مائة ، إلا أنبأتكم بناعقها وقائدها وسائقها إلى يوم القيامة ) .
* *
في كتاب علي والخوارج : 1 / 200 : ( يقال إن هؤلاء الذين أفلتوا من القتل كانوا تسعة ، وقد أصبحوا بذرات أخرى للخوارج في مناطق عديدة فيما بعد . . فقد سار منهم رجلان إلى سجستان ، ورجلان إلى عمان ، ورجلان إلى اليمن ، ورجلان إلى ناحية الجزيرة ، ورجل إلى تل مورون في اليمن ، فالخوارج في هذه البلاد من أتباع هؤلاء . ( راجع : الملل والنحل : 1 / 117 والفرق ص 80 و 81 والفتوح لابن أعثم : 4 / 132 ) . . .
فاختلط القوم ، فلم تكن إلا ساعة حتى قتلوا بأجمعهم وكانوا أربعة آلاف ، فما فلت منهم إلا تسعة نفر . فهرب منهم رجلان إلى خراسان إلى أرض سجستان وفيها نسلهما إلى الساعة ، ورجلان صارا إلى بلاد الجزيرة إلى موضع يقال له سوق التوريخ ، وإلى شاطئ الفرات ، فهناك نسلهما إلى الساعة . وصار رجل إلى تلّ يقال له : تل موزن ) . ( الفتوح لابن أعثم : 4 / 132 ) .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 375 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

عائشة تروي أن علياً ( عليه السلام ) أفضل الأمة !

فرح المسلمون بالآيات والمعجزات التي رأوها من أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في أمر الخوارج ، وخاصة بمقتل حرقوص بن زهير ، أو المخدج ، أو ذي الخويصرة ، أو ذي الثدية ، أو ذي الثندوة ، أو سفعة الشيطان ، أو شيطان الردهة ، أو شيطان الوهدة ، وكلها أسماء لحرقوص الذي كانوا رووا حديثه عن النبي ( صلى الله عليه آله ) وأنه وحزبه ( شرُّ الخلق والخليقة ) ! لكن بقي النصف الآخر من الحديث وأنه ( يقتلهم خير الخلق بعدي ، أو خير الخلق والخليقة وأقربهم إلى الله وسيلة ) ! فقد غصَّ به رواة الخلافة القرشية وتحيروا به ؟ ! فكيف يعترفون لعلي ( عليه السلام ) بأنه خير الخلق بعد رسول الله ( صلى الله عليه آله ) فيُدينون السقيفة وما تعبت قريش على إشاعته من أن أبا بكر وعمر وعثمان خير الخلق بعد النبي ( صلى الله عليه آله ) ؟ ! لكنهم في نفس الوقت يحتاجون إلى هذا الحديث في شرعية قتال الخوارج ، ليكون حجة لمعاوية ومن بعده في قتالهم إياهم ! لهذا السبب ، صرتَ تجد العجائب في مصادرهم !
فبعضهم يروي الحديث ، ويحذف نصفه الأخير !
وبعضهم يستبدل آخره بأن النبي ( صلى الله عليه آله ) قال : ( طوبى لمن قتلهم ) !
وبعضهم يستبدله بأن النبي ( صلى الله عليه آله ) قال : ( تقتلهم أقرب الطائفتين إلى الحق ) !
وبعضهم يبدل كلمة : خير الخلق بخيار الخلق ، حتى لا تختص بعلي ( عليه السلام ) !
وبعضهم يروي أن النبي ( صلى الله عليه آله ) وصف عبد الله بن مسعود بأنه أقرب الخلق وسيلة إلى الله ! فليس هذا الوصف لعلي ( عليه السلام ) ، أو ليس مختصاً به !
أما مَن يرويه كاملاً ، فتراه يُعْمِلُ معوله في تأويله ليفرغه من معناه !
وقد شاء الله تعالى أن تروي عائشة هذا الحديث كاملاً ! وأن يكون السبب أن عمرو بن العاص كذب عليها فكتب لها أنه هو قتل ذا الثدية بمصر وليس علياً ! ففي شرح النهج : 2 / 268 : ( وفي كتاب صفين أيضاً للمدائني عن مسروق ، أن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 376 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عائشة قالت له لما عرفت أن علياً قتل ذا الثدية : لعن الله عمرو بن العاص ، فإنه كتب إليَّ يخبرني أنه قتله بالإسكندرية ! ألا أنه ليس يمنعني ما في نفسي أن أقول ما سمعته من رسول الله ( ص ) يقول : يقتله خير أمتي من بعدي ) .
وفي فتح الباري : 12 / 253 : ( وعند البزار من طريق الشعبي عن مسروق عن عائشة قالت : ذكر رسول الله ( ص ) الخوارج فقال هم شرار أمتي يقتلهم خيار أمتي وسنده حسن . وعند الطبراني من هذا الوجه مرفوعاً هم شر الخلق والخليقة يقتلهم خير الخلق والخليقة . وفي حديث أبي سعيد عند أحمد : هم شر البلية ! ) .
وقد نقل في شرح النهج : 2 / 267 ، عن مسند أحمد ، أي عن نسخة أحمد في القرن السابع ، عن مسروق قال قالت لي عائشة : إنك من وُلدي ومن أحبهم إليَّ فهل عندك علم من المخدج ؟ فقلت : نعم قتله علي بن أبي طالب على نهر يقال لأعلاه تامرا ولأسفله النهروان ، بين لخافيق وطرفاء ، قالت : أبغني على ذلك بينة ، فأقمت رجالاً شهدوا عندها بذلك ، قال : فقلت لها : سألتك بصاحب القبر ما الذي سمعت من رسول الله ( ص ) فيهم ؟ فقالت : نعم سمعته يقول : إنهم شر الخلق والخليقة ، يقتلهم خير الخلق والخليقة ، وأقربهم عند الله وسيلة ) . انتهى .
ولا وجود له في نسخة أحمد في عصرنا ! فربما حذفوه منها ! ولعل أحمد رواه في غير المسند . ( ورواه القاضي النعمان في شرح الاخبار : 1 / 141 ، عن مسروق عن عائشة ، ومحمد بن سليمان في المناقب : 2 / 534 ، والشريف المرتضى في تنزيه الأنبياء ( عليهم السلام ) ص 202 ) .
وقال الصدوق في علل الشرائع : 1 / 222 : ( وهذا سعد بن أبي وقاص لما أنهيَ إليه أن علياً صلوات الله عليه قتل ذا الثدية ، أخذه ما قدم وما أخر ، وقلِق ونزِق ، وقال : والله لو علمت أن ذلك كذلك لمشيت إليه ولو حبواً ) . انتهى .
( راجع كتاب علي ( عليه السلام ) والخوارج للسيد جعفر مرتضى : 1 / 241 ، فصل : موقف عا