جواهر التاريخ (2) - دراسة لشخصية أبي سفيان ومعاوية المؤسسين للأمبراطورية الأموية - طبعة قديمة

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 1 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
جواهر التاريخ
بقلم
علي الكوراني العاملي
المجلد الثاني
دراسة لشخصية أبي سفيان ومعاوية
المؤسسين للأمبراطورية الأموية
الطبعة الأولى 1426
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 2 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
جواهر التاريخ - المجلد الثاني
المؤلف : علي الكوراني العاملي
الناشر : دار الهدى
الطبعة : الأولى 1426
المطبعة : ظهور
العدد 2000 نسخة
ISBN : 964 - 497 - 025 - X
ISBN : 964 - 497 - 036 - 8
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 3 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على سيدنا ونبينا
محمد وآله الطيبين الطاهرين
بدأت بكتابة هذا المجلد ، وأنا أرجو أن أكمل فيه عرض العصر الأموي وقسم من العصر العباسي ، فأقدم صورة موجزة موثَّقة لخطط معاوية وفعالياته لإسقاط حكم أهل البيت النبوي ( عليهم السلام ) وتشويه صورتهم ، ثم إبادتهم !
ثم لعمل المنصور العباسي وتطويره لخطط معاوية ، وتأسيسه المذاهب ، واضطهاده الإمام جعفر الصادق ( عليه السلام ) وبقية الأئمة من أهل البيت ( عليهم السلام ) .
لكني رأيت أثناء العمل أن إظهار ما عَتَّمَتْ عليه الحكومات ورواتها ، يوجب التفصيل أحياناً لكشف الخطط الأموية وعمل الإمام الحسن وبقية الأئمة ( عليهم السلام ) في مواجهتها ، وتوثيق ذلك بالمصادر .
أهمية دراسة الشخصيات التي صنعت التاريخ
من المفاتيح الأساسية لفهم التاريخ ، دراسة الشخصيات المخططة لصناعة أحداثه وهندسة مساره ، وهي شخصيات معدودة ، أما الباقون فهم عادةً منفذون لخططها وأفكارها ، حرفياً ، أو بتعديلٍ غير كبير عادةً .
وإذا أردنا ذكر الشخصيات التي صنعت تاريخنا كله ، فلا بد أن نبدأ بنبينا ( صلى الله عليه وآله ) فهو أعظم شخصية أثَّرَتْ وما تزال في تاريخ العالم ، فقد استطاع ( صلى الله عليه وآله ) أن يرسي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 4 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
رسالةً وينشئ أمةً ودولة ، ويوجد مداً حضارياً متحفزاً ، في سنين قليلة وكلفة قليلة ، حيث لم يتجاوز قتلى كل حروبه من الطرفين ست مئة شخص !
وإذا كان مقياسنا بعده ( صلى الله عليه وآله ) سعة التأثير بقطع النظر عن صحته وعمقه ، فإن الشخصية الأكثر تأثيراً بعده هو عمر بن الخطاب ، الذي سلمته قريش الطلقاء قيادتها ، فأبعد عترة النبي ( صلى الله عليه وآله ) عن الحكم ، وهَنْدَسَ لمسار الخلافة ، وجعلها دُولةً بين قبائل قريش ، بقانون الغلبة والسيطرة !
ثم يأتي بعده دور أبي سفيان ومعاوية ، اللَّذيْن أخذا الخلافة من القبائل الصغيرة الضعيفة ، قبيلة أبي بكر وعمر ، وأعاداها إلى ( معدنها ) بزعمهما بني أمية !
فقد كان أبو سفيان يرى بمنطقه القبلي أن خلافة النبي ( صلى الله عليه وآله ) بعد وفاته حقٌّ شرعيٌّ لبني هاشم ، بقطع النظر عن نزاعهم مع أبناء عمومتهم بني أمية ، الذين يشتركون معهم في جدهم عبد مناف ، فلا يجوز برأيه أن تخرج خلافة محمد ( صلى الله عليه وآله ) عن بني عبد مناف إلى أرذل حيين في قريش : ( بني تيْمٍ وعديّ ) !
لذلك وقف ضد بيعة أبي بكر وعمر ، غاضباً منادياً : ( ما بال هذا الأمر في أقل حي من قريش ؟ ! والله لئن شئتَ لأملأنها عليه خيلاً ورجالاً . . . والله إني لأرى عجاجة لا يطفؤها إلا دم ! يا آل عبد مناف فيمَ أبو بكر من أموركم ؟ ! أين المستضعفان ، أين الأذلان عليٌّ والعباس ؟ ! وقال : يا أبا حسن ، أبسط يدك حتى أبايعك ، فأبى عليٌّ عليه ، فجعل يتمثل بشعر المتلمس :

ولن يقيم على خسف يراد به * إلا الأذلان عيرُ الحيِّ والوتدُ
هذا على الخسف معكوسٌ برمته * وذا يُشَجُّ فلا يبكي له أحدُ

قال فزجره عليٌّ وقال : إنك والله ما أردت بهذا إلا الفتنة ، وإنك والله طالما بغيت الإسلام شراً ، لا حاجة لنا في نصيحتك ) . ( تاريخ الطبري : 2 / 449 ، وغيره ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 5 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وسبب موقف علي ( عليه السلام ) : أن إعلانه الحرب على خلافة أبي بكر وعمر يعني المواجهة العسكرية مع قريش الطلقاء الذين ملؤوا المدينة ، ويعني دفْعَهم إلى إعلان الردة عن الإسلام ، وقولهم إن محمداً ( صلى الله عليه وآله ) لم يكن نبياً ، بل كان يؤسس ملكاً لأسرته بني هاشم ، فجعل خلافته لابن عمه وصهره ، ثم لأولاد بنته !
فعليٌّ ( عليه السلام ) لا يؤمن بمنطق أبي سفيان من أن معدن الحق والحكم هم بنو عبد مناف لأجل نسبهم ، بل معدنه أمر الله تعالى ونصُّ رسوله ( صلى الله عليه وآله ) بأمره على عترته !
لذلك كان رأيه أن حكم أبي بكر وعمر الذي يعترف بنبوة النبي ( صلى الله عليه وآله ) مهما كان ، لا يقاس بالمواجهة التي يدعو إليها أبو سفيان وتؤدي حتماً إلى ردة قريش عن الإسلام ، وقتل كل بني هاشم ، ومن يثبت معهم على الإسلام !
وسرعان ما ظهرت صحة رؤية علي ( عليه السلام ) ، فقد غيَّر أبو سفيان موقفه وأخذ ثمن بيعته مكاسب لأولاده ! ثم استطاع أن يرتب الخلافة بعد عمر لشخص من بني أمية هو عثمان بن عفان ، وهو مقبول فعلاً عنده ، وإن كان من فرع بني العاص وليس من فرعه بني حرب ، الذين هم بزعمه ( أصحاب الحق ) في بني عبد مناف !
دراسة العصرين الأموي والعباسي وشخصية معاوية وأبيه !
نعم ، يتوقف فهم هذين العصرين على فهم شخصية معاوية وأبي سفيان ، فقد أسس أبو سفيان ، ثم أسس معاوية وخطط ، واستطاع في أربعين عاماً أن يبني أمبراطورية أموية واسعة ، وأن يتعادل في الحرب مع الخليفة الشرعي وبطل الإسلام وفارس العرب ، علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ! ثم استطاع أن يجبر خليفته الشرعي سبط النبي ( صلى الله عليه وآله ) ومحبوب المسلمين الإمام الحسن ( عليه السلام ) على الصلح معه ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 6 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والتنازل له عن الخلافة !
ولا ينفي سعة تأثير معاوية أنه ورَّث أمبراطوريته إلى ابنه يزيد ، وأن يزيداً كان شاباً أهوج ، اصطدم بمقدسات المسلمين ، بقتله آل الرسول ( صلى الله عليه وآله ) في كربلاء ، واستباحته المدينة النبوية ، ثم استباحته الكعبة المشرفة ، فأنهى نفسه وآل أبي سفيان ، وقدم كل جهود أبيه وجده لقمةً سائغة إلى بني مروان !
فإن المروانيين كانوا مجرد منفذين لخطط أبي سفيان ومعاوية ، ونظريتهما في تفوق بني أمية ، وحقهم المزعوم في حكم العرب والمسلمين .
بل نجد المخططين من العباسيين كالمنصور والرشيد والمتوكل ، كانوا متأثرين بأفكار معاوية كثيراً ، فتبنَّوْا خططه وحاولوا تطويرها ، خاصة في مواجهة أهل البيت الطاهرين ( عليهم السلام ) وشيعتهم ، كما سترى إن شاء الله .
جواهر أهل البيت ( عليهم السلام ) تعرف أكثر بمعرفة ظلمات الحكومات
كما تُعرف نعمة النور بالظلمة ، تُعرف الأفكار المنيرة بما يقابلها من أفكار سوداوية ! والشخصيات المضيئة بما يحيط بها من شخصيات ظلامية !
من هنا كان ضرورياً لفهم عترة النبي الطاهرين ( عليهم السلام ) ومعالم مذهبهم ، وجواهر فكرهم ونُبْل سلوكهم ، أن نكشف ما واجههم من حكومات وخطط وفعاليات !
وقد اهتمَّ فقهاؤنا بفقه الحكومات ، لأن مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) فقهٌ تصحيحي لفقه الخلافة ، على حد تعبير المرجع الراحل السيد البروجردي ( قدس سره ) .
من هنا ، رأينا لزوم تسليط الضوء على شخصية أبي سفيان ومعاوية ومشروعهما لأنها تساعد في كشف موجة الاضطهاد الأموية ضد أهل البيت ( عليهم السلام ) وشيعتهم !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 7 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد بسطنا الكلام في بعض النقاط ، وأوجزنا بعضها ، لأن استيفاءها يحتاج إلى مجلدات ، وكثير من مفرداتها تشكل بحثاً مستقلاً ، بل إن قصص الذين قتلهم معاوية من الصحابة وزعماء الأمة وشخصياتها وأبناء الخلفاء ، لا يكفيها مجلد !
* *
في الختام ، نذكر القارئ المحترم بأن مصادر هذا البحث من كتب برنامج المعجم الذي توفقنا لإعداده ، وبرامج إسلامية ومصادر أخرى ، ذكرناها في محالها ، وذكرنا أحياناً المجلد والصفحة لأكثر من طبعة . والله ولي التوفيق والمثوبة .
كتبه : علي الكَوْراني العاملي
قم المشرفة ، غرة محرم الحرام 1426
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 8 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 9 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الأول : جذور الأمبراطورية الأموية

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 10 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

جذور الفتنة من قابيل وهابيل . . إلى أمية وهاشم

يظهر أن الصراع بين الخير والشر ، يعبر عن نفسه بقانون انقسام في الأسر إلى أولاد خيرين وشريرين ، وأنه قانونٌ ثابت من عهد آدم ( عليه السلام ) إلى آخر هذه الدنيا !
وعندما تأكدتُ من وجود هذا القانون ، وأنه شبيهٌ بقانون ( مندل ) الوراثي ، حاولت أن أدرسه في عوائل قريتنا بحكم معرفتي بجذور أكثرهم وفروعهم وسلوكهم ، فوصلتُ إلى نتائج ظنية غير قطعية ، لكن ظنية قواعد القانون لا تنافي قطعية وجوده ، فقد ازددت يقيناً بأنه موجود وفاعل في كل الأسر ، وهو أمر ينفعنا في فهم الناس والمجتمع .
لذا عندما أجد شخصاً شريراً لا دين له ولا ضمير ، ولا رادع له عن ظلمٍ أحد يتمكن من ظلمه ، ولا عن حرام تصل إليه يده . . أبحث عن نقيضه الذي يقابله في الخير ، فقد يكون أخاه ، أو أبناء عمومته ، القريبين ، أو البعيدين !
فكأن ( جينات ) الخير تسير في حركة تجمع وانقسام ، في الأبوين والأولاد ، فتظهر موزعة أو متمركزة في شخص أو أسرة ! و ( جينات ) الشر كذلك .
وهذا لا يعني الإجبار ، ولا يتنافى مع حرية اختيار الإنسان والشعوب .
وبنو هاشم وأمية حالةٌ لتراكم الخير والشر بعد انقسامهما في أبناء إسماعيل ( عليه السلام ) وهي فرعٌ من حالة الانقسام الكبير للخير والشر في ذرية إبراهيم ( عليه السلام ) .
وهذا هو السر في أن تاريخ العالم من يوم دخل فيه أبناء إبراهيم ( عليه السلام ) لم يهدأ من الصراع بين هذين الفرعين الخيِّر والشرير من ذريتهم .
وحتى في عصرنا الحاضر فإن الوضع السياسي والفكري في العالم ، إنما هو
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 11 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
صراعٌ بين هذين الفرعين ! فعندما ترى رئيس أكبر دولة في العالم يخاف رئيس وزراء دولة إسرائيل الصغيرة ، ويتقرب بإرضائه إلى ( اللوبي ) اليهودي في أمريكا ! تعرف أن الحاكم الحقيقي لأمريكا هم أبناء يعقوب وليس الشعب الأمريكي !
ثم تجد أبرز من يقابلهم في العالم أتباع محمد ( صلى الله عليه وآله ) من أبناء إسماعيل ( عليه السلام ) وإن كانت قوتهم ضعيفة ، ولم تتجمع إلى الآن في ( لوبي ) .

سنة الانقسام في أبناء إبراهيم وأبناء إسماعيل ( عليهما السلام ) واحدة !

كان اليهود عند بعثة خاتم الأنبياء ( صلى الله عليه وآله ) أقلية مشتتة ، ولكن القرآن حذر منهم بحجم تحذيره من دولة كبرى أو أمة كبرى ! وسببه أنه عز وجل يعلم أنهم يشكلون خطراً على المسلمين في الحاضر والمستقبل ! وأن صراع المسلمين سيكون معهم ومع نفيرهم ، فمعادلة الصراع مستمرة داخل أبناء إبراهيم ( عليه السلام ) بين الرسالة الإلهية والضلال البشري !
وكذلك الأمر في أبناء إسماعيل ( عليه السلام ) ، فقانون الانقسام نفسه جارٍ بين أسرة النبي المبعوث ( صلى الله عليه وآله ) وبين اليهود الجدد من أبناء إسماعيل ( عليه السلام ) !
فقد كانت قبائل قريش عند بعثة النبي ( صلى الله عليه وآله ) نحو عشرين قبيلة وعددها جميعاً نحو ثلاثين ألف نسمة ، لكنها تحكم مكة ، وتمد نفوذها على قبائل العرب في الحجاز ونجد ، وتتمتع باحترام في كل قبائل العرب في العالم ، لأنها عندهم ذرية إسماعيل بن إبراهيم ( عليهما السلام ) وسادة الكعبة المقدسة .
وكانت القبائل ذات النفوذ من قريش خمسة ، وهم الذين اتفقوا أن تأخذ بأطراف الثوب الذي وضعوا فيه الحجر الأسود وتضعه في مكانه عند بناء الكعبة قبيل بعثة النبي ( صلى الله عليه وآله ) : ( فكانوا عتبة بن ربيعة بن عبد شمس ، والأسود بن المطلب من بني أسد بن عبد العزى ، وأبو حذيفة بن المغيرة من بني مخزوم ، وقيس بن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 12 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عدي من بني سهم ، فرفعوه ووضعه النبي الهاشمي ( صلى الله عليه وآله ) ) . ( الكافي : 4 / 218 ) .
وفي كانت قيادة قريش محصورة بين بني هاشم ونقيضهم بني أمية ، أما بقية البطون فتدور في فلكهما وتتأثر بهما !
والدليل على ذلك أن أبا سفيان قاد قريشاً لأكثر من عشرين سنة في مواجهة النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، ثم اتهمته بموقفه اللين من النبي ( صلى الله عليه وآله ) بعد فتح مكة فجربت استبداله بسهيل بن عمرو ، لكن زعامة سهيل ، ثم خلافة أبي بكر وعمر ، لم تكن إلا فترة قصيرة لتجربة زعامة بطون قريش ، وصلت بعدها إلى نتيجة أنه لا يمكن لبطن قرشي أن يواجه بني هاشم إلا بنو أمية ، فسلموا إليهم قيادة قريش والأمة مجدداً ليواصلوا المواجهة إلى يومنا هذا !
لهذا السبب نلاحظ العجب في وضع قريش بعد النبي ( صلى الله عليه وآله ) !
فقد غاب بنو سهم أو جُمَح عن المسرح السياسي بعد أمية بن خلف وسهيل بن عمرو نهائياً !
وانتهى بنو تيْم بعد أبي بكر ، فقد برزت فيهم عائشة وطلحة وهزما ، فالتحق النشطون منهم بمعاوية ، عدا محمد بن أبي بكر الذي كان شيعياً متعصباً ! ثم ادعى بنو تيْم لموسى بن طلحة أنه المهدي الموعود ! لكنه لم يستطع تحقيق شئ .
( لما خرج المختار بالكوفة قدم علينا موسى بن طلحة وكانوا يرونه في زمانهم المهدي فغشيه الناس ) ( تاريخ دمشق : 60 / 431 ، وتهذيب الكمال : 29 / 85 ، وسير الذهبي : 4 / 365 ، وفتن ابن حماد : 1 / 158 ، وسنن الداني : 1 / 158 ) .
كما أن بني عدي انتهوا أيضاً بعد عمر ، والتحق أولاده بمعاوية ، وبقي ولده عبد الله قانعاً بما يعطيه إياه من غلب ، بل هو المنظِّر لقاعدة : الخلافة لمن غلب ( الأحكام السلطانية للفراء / 20 ، ومآثر الإنافة : 1 / 71 ) !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 13 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أما أبناء الزبير من بني أسد عبد العزى ، فقد سكتوا في عصر معاوية ، وثاروا على يزيد بعد شهادة الحسين ( عليه السلام ) ، وسيطروا على الحجاز واليمن لبضع سنوات ، ثم هزمهم الأمويون في العراق ، فانتهوا سياسياً ولم يعد لهم ذكر .
وهكذا ، لم يبق في الساحة السياسية إلا طرفان فقط هما : بنو هاشم ، ممثلين بعلي ( عليه السلام ) ، وبنو أمية ممثلين بمعاوية .
* *
قبل الإسلام كانت بطون قريش تعترف لبني هاشم بمكانة السيادة عليها لكن بشرط المحافظة على حصة بني عبد شمس ، وبني مخزوم ، وبني سهم ، وبني أسد بن عبد العزى ، وبقية البطون ، وقد رأينا ذلك في تاريخ عبد المطلب ، وفي حادثة الحجر الأسود ، حيث ارتضوا أن يضعه في مكانه حفيده محمد ( صلى الله عليه وآله ) .
وهذا هو نظام الحصص القبلية ، وهو نظام تجذر في نفوس بطون قريش ، لأنه يعني مكانة القبيلة ومصيرها ، والخط الأحمر الذي يستنفرون ضد من يتجاوزه !
وبهذا نفهم سبب مسارعة زعماء قريش إلى تكذيب النبي ( صلى الله عليه وآله ) بمجرد إعلان نبوته ، لأنه برأيهم يصادر حصص بطون قريش كلها ، ويجعلها لبني هاشم !
فالمسألة عند هؤلاء الزعماء ليست أن محمداً ( صلى الله عليه وآله ) صادقٌ أم لا ؟ ولا إيمانهم بأصنام اللات والعزى وهُبَل في مقابل الله الواحد الأحد عز وجل ! بل المسألة أن مشروع محمد بن عبد الله بن عبد المطلب الهاشمي ، يلغي حصص بطون قريش ويدعوها إلى طاعة بني هاشم !
وهذا هو النبأ العظيم الذي يستحق صاحبه القتل حتى لو كان صادقاً ! وتستحق عشيرته الحرب حتى لو كانت صادقة في إيمانها بنبوة ابنها ! وقد عبَّر أبو جهل المخزومي عن ذلك بصراحة فقال : ( كنَّا وبني هاشم كفرسي رهان ، نحمل إذا حملوا ، ونظعن إذا ظعنوا ، ونوقد إذا أوقدوا ، فلما استوى بنا وبهم الركب قال
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 14 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قائل منهم : منا نبي ! لا نرضى بذلك أن يكون في بني هاشم ولا يكون في بني مخزوم ) . ( الدر المنثور : 4 / 187 ، وتفسير القمي : 1 / 276 )
ومنطق أبي جهل هذا نفس منطق بني أمية وبقية البطون ، بل قد تعلمت قبائل العرب هذا المنطق من قريش فأعلنه المتنبؤون منها ، وقال طليحة الأسدي : ( والله لنبيٌّ من بني أسد أحب إلى من نبيٍّ من بني هاشم ، وقد مات محمد وهذا طليحة فاتبعوه ، فوافق قومه بنو فزارة على ذلك ) . ( النهاية : 6 / 350 ، وإمتاع الأسماع : 14 / 237 ) .
بل أمعن زعماء قريش في عناد الحق إلى غير المعقول فقالوا : اللهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ! وقائل ذلك أبو جهل ( البخاري : 5 / 200 ) . و روى الحاكم : 2 / 502 ، هذا القول عن النضر بن الحارث بن كلدة من بني عبد الدار ، وصححه على شرط الشيخين ، ولكنه لم يذكر أنه كان على أثر خطبة النبي ( صلى الله عليه وآله ) في غدير خم وإعلانه علياً ( عليه السلام ) خليفة من بعده ، كما أثبتناه في ( آيات الغدير ) في تفسير قوله تعالى : ( سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ) ، وهذا يدل على تجذر نظام الحصص القرشية في نفوس بطونها !
وفي المستطرف : 1 / 95 ، أن معاوية قال لرجل من اليمن : ما كان أجهل قومك حين ملَّكوا عليهم امرأة ! فقال : أجهل من قومي قومك الذين قالوا حين دعاهم رسول الله : اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ! ولم يقولوا : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه ) !
إن معادلة حصص البطون هي المحرك الحقيقي لصراع قريش مع النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، ثم لصراعها مع عترته ( عليهم السلام ) من بعده ، فهي أصل كل المعادلات الأخرى !
وهي نفس المعادلة اليهودية القائلة إن النبي الخاتم لا يجوز أن يكون من بني إسماعيل ، وإن اليهود لن يؤمنوا به حتى يكون من بني يعقوب !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 15 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد روى الطبري في تاريخه : 3 / 289 نقاشاً بين عمر بن الخطاب وابن عباس جاء فيه : ( يا ابن عباس : أتدري ما منع قومكم منكم بعد محمد ؟ فكرهت أن أجيبه ، فقلت : إن لم أكن أدري فأمير المؤمنين يدريني . فقال عمر : كرهوا أن يجمعوا لكم النبوة والخلافة ، فتبجحوا على قومكم بَجْحاً بجحاً ، فاختارت قريش لأنفسها فأصابتْ ووُفِّقت ! فقلت : يا أمير المؤمنين إن تأذن لي في كلام وتميط عني الغضب تكلمت ! فقال : تكلم يا ابن عباس ، فقلت : أما قولك يا أمير المؤمنين اختارت قريش لأنفسها فأصابت ووفقت ، فلو أن قريشاً اختارت لأنفسها حيث اختار الله عز وجل لها لكان الصواب بيدها غير مردود ولا محسود ! وأما قولك : إنهم كرهوا أن تكون لنا النبوة والخلافة ، فإن الله عز وجل وصف قوما بالكراهية فقال : ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ ! فقال عمر : هيهات والله يا ابن عباس قد كانت تبلغني عنك أشياء . . الخ . ) . انتهى .
فالمعادلة القرشية التي واجهت النبي ( صلى الله عليه وآله ) نفسها التي واجهت عترته ، ومع أنها متحدة في جوهرها مع معادلة أبناء يعقوب ، وهو الحسد لا غير ، لكن موقف الإسلام منهما جاء مختلفاً ! والسبب أن التجربة اليهودية قد أتمت دورتها ، وانتهت ، بينما التجربة القرشية ( أو الأموية ) ما زالت في طور الإثمار والنضج !
لذلك نجد القرآن اتخذ موقفاً حاسماً من اليهود وكشف كل أوراقهم ، بينما اكتفى في بني أمية بآية الشجرة الملعونة في القرآن ، فذكرهم بالأسرة والوصف وترك تسميتهم للنبي ( صلى الله عليه وآله ) وأراه زعماءهم على صور قرود تقفز على منبر خلافته فتضل الناس وترجعهم القهقرى من بعده !
وهذه الكناية والدبلوماسية القرآنية ، تعني أن وقت كشف بني أمية بشكل كامل لم يَحِنْ بعد ، وأنه يجب أن يعطوا دوراً للعمل داخل الأمة ، وأن يُدَّخر
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 16 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وصيُّ النبي ( صلى الله عليه وآله ) ليقاتلهم على التأويل بعد أن قاتلهم النبي ( صلى الله عليه وآله ) على التنزيل ، ليوضح معالم الخط النبوي ، لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ !
وهذا معنى عدم نضج التجربة الأموية بالمفهوم القرآني والسنن الإلهية لصراع الخير والشر ، فهو يعني أن الأمة الإسلامية يجب أن تمتحن ببني أمية ليظهر خيرها من شرها ، وليس معناه أن الحالة اليهودية الأموية أفضل من حالة اليهود اليعقوبية ! ويدل عليه موقف القرآن والنبي ( صلى الله عليه وآله ) وأهل البيت ( عليهم السلام ) من بني أمية !
قال الإمام الصادق ( عليه السلام ) : ( إنا وآل أبي سفيان أهل بيتين تعادينا في الله ، قلنا صدق الله وقالوا كذب الله . قاتل أبو سفيان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وقاتل معاوية علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، وقاتل يزيد بن معاوية الحسين بن علي ( عليه السلام ) ، والسفياني يقاتل القائم ( عليه السلام ) ) . ( معاني الأخبار / 346 ) .

أبو سفيان صاحب المشروع الأموي لمواجهة الإسلام !

الفرق بيننا وبين المغشوشين بالأمويين ، أنا نعتقد أن أبا سفيان ومعاوية وبقية زعماء قريش ، ما أسلموا ولكن استسلموا تحت السيف ! وظلوا معادين للإسلام يكيدون له باسمه ، حتى وجدوا أعواناً فأظهروا ما استطاعوا إظهاره ، وغرسوا في ثقافة الأمة باسم الإسلام كثيراً من مفاهيم المادية والكفر والجاهلية !
فإشهارهم للإسلام لا يترتب عليه أكثر من حفظ دمائهم وإجراء أحكام الإسلام العامة عليهم ! مع التأكيد على أنهم بحكم رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ليسوا من صلب أمته ، فأمته هم المهاجرون والأنصار وأبناؤهم ومن دخل في الإسلام إلى يوم القيامة ، أما طلقاء قريش وعتقاء ثقيف وذرياتهم فهم دائرة مستقلة ملحقة بالأمة الإسلامية إلحاقاً ! فقد قال ( صلى الله عليه وآله ) : ( المهاجرون والأنصار بعضهم أولياء بعض في
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 17 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الدنيا والآخرة ، والطلقاء من قريش والعتقاء من ثقيف ، بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة ) . وقد روته مصادر السنيين بأسانيد عديدة صحيحة وفيها على شرط الشيخين ! كما في مسند أحمد : 4 / 363 بروايتين ، ومجمع الزوائد : 10 / 15 ، كما سيأتي إن شاء الله .
والمسلم الغالب لهواه لا يحتاج إلى دراسات طويلة ، بل يكفيه أن يرى بعض أحاديث النبي ( صلى الله عليه وآله ) أو يتأمل مكونات شخصية أبي سفيان وابنه معاوية . أو ينظر في تاريخهم وأعمالهم العدائية للإسلام والقرآن والنبي ( صلى الله عليه وآله ) والعترة ( عليهم السلام ) . وقد ألف علماء الشيعة ومنصفون من علماء السنة كتباً في ذلك !

كان أبو سفيان قصيراً دميماً ملحداً !

كان أبو سفيان رجلاً ربعةً دحداحاً عظيم الهامة ، عميَ في آخر عمره ، ويكنى أيضاً أبا حنظلة ، بابنه الذي قتله علي ( عليه السلام ) في بدر . ( الآحاد والمثاني : 1 / 363 ) .
( وكان دميماً قصيراً أخفش العينين ) . ( سمط اللآلي / 332 )
( قالوا : كان أبو سفيان دميماً قصيراً وكان الصباح عسيفاً ( أجيراً ) لأبي سفيان شاباً وسيماً ، فدعته هند إلى نفسها . . . ) . ( ربيع الأبرار للزمخشري : 1 / 752 ) .
واشتكت عليه زوجته هند بأنه بخيل لا ينفق على أولاده ، فأجاز لها النبي ( صلى الله عليه وآله ) أن تأخذ نفقتهم من ماله ، ولو بدون علمه ! ( بخاري : 3 / 101 ) .
وكان أبو سفيان من زنادقة قريش ، أي ملحداً ! ( المحبَّر / 79 و 161 )

أبو سفيان قائد أئمة الكفر بنص القرآن

سارع أبو سفيان مع زعماء قريش إلى تكذيب دعوة النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وقاد أعمال العداء ضده في مكة مع عتاة قريش وأئمة الكفر ، وقاد قريشاً في كل حروبها مع النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، فهو إمام أئمة الكفر الذين أنزل الله فيهم : فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 18 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ . ( التوبة : 12 ) . ( عن مجاهد عن ابن عمر في قوله : فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ ، قال : أبو جهل بن هشام ، وأمية بن خلف ، وعتبة بن ربيعة ، وأبو سفيان بن حرب ، وسهيل بن عمرو ، وهم الذين نكثوا عهد الله وهموا بإخراج الرسول من مكة . ) . ( تفسير الطبري : 10 / 114 ، والحاكم : 2 / 332 وصححه على شرط الشيخين . ولم يخرجاه كما هي عادتهما في أمثاله ) !
وقد استطاع أبو سفيان أن ينجي قافلة قريش من قبضة المسلمين وكانت تضم ألفي بعير ، وأن يستنفر قبائل قريش إلى معركة بدر ، أول معركة مع النبي ( صلى الله عليه وآله ) وقد تلقت قريش فيها ضربة قوية حيث خسرت سبعين من فرسانها ، وسبعين أسيراً من شخصياتها ، فيهم ثمانية من بني عبد شمس منهم حنظلة بن أبي سفيان وعتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة خال معاوية وستة من حلفائهم وفي الأسرى سبعة من بني عبد شمس منهم عمرو بن أبي سفيان ) . ( ابن هشام 2 / 531 ) .
* *
لكن أبا سفيان استطاع أن يحشد في السنة التالية جيشاً أكبر لمعركة أحُد ، وقد انهزم في الجولة الأولى في أحُد ، لكنه تمكن أن يباغت المسلمين في الجولة الثانية ، ويقتل منهم سبعين شهيداً ، كان منهم حمزة عم النبي ( صلى الله عليه وآله ) !
وقد أظهر أبو سفيان وزوجته هند مدى حقدهما على النبي ( صلى الله عليه وآله ) وبني هاشم والمسلمين ، فوقف على جثمان حمزة وأخذ يدقُّ فمه بالرمح ويقول : ذقْ عُقَق ، أي ذق يا عاق قومه القرشيين ! ( سيرة ابن هشام : 3 / 608 ، تاريخ الطبري : 2 / 206 )
( وجاءت زوجته هند فشقت بطن حمزة ( رحمه الله ) وقطعت قطعة من كبده ولاكتها في فمها فلم تستطع أن تمضغها ، فسميت آكلة الأكباد ! وقطعت آرابه ومذاكيره فجعلتها حلياً لها ) ! ( النزاع والتخاصم ، لمعمر بن عقيل / 227 ) .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 19 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

علاقة أبي سفيان الوطيدة باليهود

كان أبو سفيان على صلة قوية باليهود حتى تحالف معهم للقضاء على الإسلام فعملوا معاً ضد النبي ( صلى الله عليه وآله ) ونشطوا على مدى سنتين يستنفرون قبائل العرب ويعقدون معهم التحالفات ، حتى حشدوا جيشاً كبيراً بلغ أكثر من أربعة آلاف مقاتل ( الصحيح من السيرة : 9 / 184 ) وغزوا به المدينة ليستأصلوا النبي ( صلى الله عليه وآله ) وأصحابه بزعمهم ، فكانت معركة الخندق التي تلقوا فيها هزيمة قوية غير منتظرة !
وقد تحدثت مصادر التاريخ والسيرة عن الزيارات المتبادلة بين أبي سفيان واليهود ، ونشاطهم المشترك في تحريك قبائل العرب ! فقد جاء قادة اليهود في وفد رسمي إلى مكة في أربعين راكباً أو أكثر برئاسة كعب بن الأشرف ، وعقدوا جلساتهم مع عدد من رؤساء بطون قريش ، وكان صاحب عقدهم وعهدهم الحاخام كعب بن أسد الذي كان وقع عهداً مع النبي ( صلى الله عليه وآله ) على قومه ! وكان حيي بن أخطب سيد بني النضير يقول لقريش : إن قومي بني قريظة معكم وهم أهل حلقة وافرة ، وهم سبع مئة مقاتل وخمسون مقاتلاً ) . ( الصحيح من السيرة : 8 / 41 ) .
( فطافوا على وجوه قريش ودعوهم إلى حرب النبي . . . فقالوا لقريش : نحن معكم حتى نستأصل محمداً . . . قال أبو سفيان : هذا الذي أقدمكم ونزعكم ؟ قالوا : نعم جئنا لنحالفكم على عداوة محمد وقتاله . قال أبو سفيان : مرحباً وأهلاً ، أحبُّ الناس إلينا من أعاننا على عداوة محمد . زاد في نص آخر قوله : ولكن لا نأمنكم إلا إن سجدتم لآلهتنا ، حتى نطمئن إليكم ! ففعلوا ! قال النفر : فأخْرِجْ خمسين رجلاً من بطون قريش كلها أنت فيهم ، وندخل نحن وأنت بين أستار الكعبة حتى نلصق أكبادنا بها ، ثم نحلف بالله جميعاً : لا يخذل بعضنا بعضاً ، ولتكونن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 20 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كلمتنا واحدة على هذا الرجل ما بقي منا رجل ففعلوا فتحالفوا على ذلك ، وتعاقدوا ، فاتَّعدوا لوقت وقَّتُوه . . . فقال أبو سفيان : يا معشر اليهود أنتم أهل الكتاب الأول والعلم ، أخبرونا عما أصبحنا فيه نحن ومحمد ، ديننا خير أم دين محمد ؟ فنحن عمار البيت ، وننحر الكُوم ( الناقة السمينة ) ونسقي الحجيج ، ونعبد الأصنام ؟ قالوا : اللهم أنتم أولى بالحق ، إنكم لتعظمون هذا البيت وتقومون على السقاية وتنحرون البُدْن ، وتعبدون ما كان عليه آباؤكم ، فأنتم أولى بالحق منه . فأنزل الله في ذلك : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نصيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً ) . ( النساء : 50 ) فلما قالوا ذلك لقريش نشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) . . . . فخرجت اليهود حتى أتت غطفان ، وقيس عيلان ، وأخذت قريش في الجهاز ، وسيرت في العرب تدعوهم إلى نصرها ، وألبوا أحابيشهم ومن تبعهم ، ثم خرجت اليهود حتى جاؤوا بني سليم ، فوعدوهم يخرجون معهم إذا سارت قريش ، ثم ساروا في غطفان فجعلوا لهم تمر خيبر سنة وينصرونهم ويسيرون مع قريش إلى محمد إذا ساروا ، فأنعمت بذلك غطفان ، ولم يكن أحد أسرع إلى ذلك من عيينة بن حصن ! قال ابن خلدون : وخرج بهم عيينة بن حصن على أشجع ( قبيلة ) ، وذكر البعض أن كنانة بن أبي الحقيق جعل نصف تمر خيبر لغطفان في كل عام ! ( الصحيح من السيرة : 9 / 25 )
وفي أسباب النزول للواحدي : 103 : ( خرج كعب بن الأشرف ( رئيس بني النضير وحاخامهم ) في سبعين راكباً من اليهود إلى مكة بعد وقعة أحد ، ليحالفوا قريشاً على غدر رسول الله ( ص ) وينقضوا العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله ( ص ) ، فنزل كعب على أبي سفيان ونزلت اليهود في دور قريش . . . . ثم قال كعب لأهل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 21 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مكة : ليجئ منكم ثلاثون ومنا ثلاثون ، فنلزق أكبادنا بالكعبة ، فنعاهد رب البيت لنجهدن على قتال محمد ففعلوا ذلك ) ! انتهى .
وعندما زحف أبو سفيان بجيش الأحزاب إلى المدينة وحاصرها ، تحرك معهم اليهود وكانت حصونهم قرب المدينة ، فقام كعب بنقض عهده مع النبي ( صلى الله عليه وآله ) ومزق الصحيفة التي كان فيها العقد ، وجمع رؤساء قومه وهم : الزبير بن باطا ، وشاس بن قيس ، وعزال بن ميمون ، وعقبة بن زيد ، وأعلمهم بما صنع من نقض العهد ! ( الصحيح من السيرة : 8 / 41 ) لكن اليهود جبنوا عن الخروج إلى ساحة المعركة فتصور أبو سفيان أنهم غدروا به ، وبرز بطلهم عمرو بن ودّ ورفقاؤه فعبر الخندق وطلب المبارزة فبرز له علي ( عليه السلام ) فقتله ثم برز له ابنه فقتله ! ففتَّ ذلك في عضد أبي سفيان والأحزاب فارتبك معسكرهم وسارعوا بالإنسحاب والهزيمة !
وبعد هزيمة الأحزاب غزا النبي ( صلى الله عليه وآله ) بني قريظة ، وأراح العاصمة من جوارهم !

دور الحاخامات في التخطيط لأبي سفيان !

وينبغي الإشارة إلى دور حاخامات اليهود في التخطيط لأبي سفيان وتوجيهه لسَوْق الأمر إلى بني أمية ، فقد كانت تربطه معهم في الجاهلية والإسلام علاقات صداقة وتحالف حميمة ، وعمل مخططوهم في المدينة وخيبر والجزيرة واليمن بفعالية ودهاء يهودي لكي يرث بنو أمية خلافة النبي ( صلى الله عليه وآله ) ! ودفعوا بالأحداث في هذا الاتجاه ، ومنها قتلُ أبي بكر بالسُّم ، ثم التخلي عن عثمان ، وبعضهم يرى أن قتل عمر من خططهم ! وكان عدد هؤلاء الحاخامات المخططين نحو خمسين شخصاً ، وهم جديرون بدراسة خاصة ! وقد تواصلت علاقتهم مع القرشيين عامة ومع بني عبد الدار وبني أمية خاصة .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 22 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وروى المؤرخون والمحدثون أن كعب الأحبار كان يبشر في خلافة عثمان بخلافة معاوية ، وهذا يدل على علاقة اليهود الخاصة بآل أبي سفيان ! فعندما تفاقمت شكوى الأمصار من ظلم الولاة دعا عثمان ولاته إلى اجتماع في موسم الحج لمعالجة ذلك ، فكان كعب الأحبار يقول مبشراً بخلافة معاوية : ( وهو يسير خلف عثمان : الأمير والله بعده صاحب البغلة ! وأشار إلى معاوية ! فبلغ ذلك معاوية فأتاه فقال يا أبا إسحاق تقول هذا وهاهنا عليٌّ والزبير وأصحاب محمد ( ص ) ؟ ! قال : أنت صاحبها ) ! ( الطبري في تاريخه : 3 / 379 ، وتاريخ دمشق : 39 / 123 و 176 و 305 ، وجواهر المطالب لابن الدمشقي : 2 / 183 ، وسنن الداني : 1 / 117 و 127 ، وابن أبي شيبة : 8 / 586 ، ونسخة وكيع / 91 ، وأنساب الأشراف للبلاذري / 1422 ، وسير أعلام النبلاء : 3 / 136 ، ونهاية ابن كثير : 8 / 136 ، والسنة للخلال : 1 / 281 و : 2 / 457 ، وصححه ، والتدوين في أخبار قزوين : 3 / 48 ، والخصائص للسيوطي : 1 / 55 ، وتاريخ الخلفاء 153 ، والنزاع والتخاصم للمقريزي / 82 ، وسبل الهدى للصالحي : 10 / 281 ، و : 11 / 283 ، والغدير : 9 / 222 ، وكامل ابن الأثير : 3 / 48 ، والصواعق لابن حجر : 2 / 629 ) .
ونص عدد من هذه المصادر على صحته ، وذكر بعضها أن الحادي كان يقول :

إن الأمير بعده عليُّ * وفي الزبير خلفٌ رضيُّ

فقال له كعب : كذبت ! بل هو صاحب البغلة الشهباء ، يعني معاوية ) .
وفي تاريخ دمشق : 50 / 169 عن روح بن زنباع قال : شهدت كعباً جاء إلى معاوية فقام على باب الفسطاط فناداه : يا معاوية يا معاوية يا معاوية ! فخرج إليه فأخذ بيده فانطلقا جميعاً ! فقلت لأمرٍ مّا جاء كعب يدعو معاوية ! فاتبعت آثارهما فلما كنت قريباً منهما حيث أسمع كلامهما ولا أحب أن يرياني ، سمعت كعباً يقول : يا معاوية والذي نفسي بيده إن في كتاب الله المنزل : محمد أحمد ، أبو بكر الصديق ، عمر الفاروق ، عثمان الأمين ! فالله الله يا معاوية في أمر هذه الأمة . ثم ناداه الثانية إن في كتاب الله المنزل ، ثم أعاد الثالثة ! ! ) . انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 23 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد عقد الشيخ الأزهري محمود أبو رية في كتابه أضواء على السنة المحمدية / 157 ، فصلاً بعنوان : ( من مكر وكيد كعب ) أورد فيه عدداً من فعالياته .
وروى نُعَيْم ابن حماد المتوفى سنة 227 وهو من الأئمة عندهم في كتابه ( الفتن ) / 64 وبعدها ، عدة روايات عن كعب بأن الخلافة بعد عثمان ستكون لمعاوية ! منها ما تقدم من الطبري ، ومنها : ( عن كعب قال : سألت يشوع عن ملوك هذه الأمة بعد نبيها ، وذلك قبل أن يستخلف عمر ، فقال : بعد عمر الأمين ، يعني عثمان ، ثم رأس الملوك يعني معاوية . . . . وعن العقيلي مؤذن عمر عن عمر أنه سأل أسقفاً من الأساقفة وأنا حاضر : مَن بعدَه ؟ فقال : رجل ليس به بأس يؤثر أقرباءه ! فقال عمر : رحم الله عثمان رحم الله عثمان ) ! ! انتهى .
* *
كما رووا أن معاوية طلب من عثمان أن ينقل عاصمة الخلافة إلى الشام ! ومعناه أن يكون ضيفاً لمعاوية ويرتب له الأمر بعده ، كما فعل أبو بكر لعمر !
وقد أشاع كعب أن عاصمة هذا النبي ( صلى الله عليه وآله ) في الشام لا في المدينة أو العراق ! ففي سنن الدارمي : 1 / 4 : ( عن أبي صالح قال قال كعب : نجده مكتوباً : محمد رسول الله ، لا فظ ولا غليظ ولا صخاب بالأسواق ، ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر . . . . ومولده بمكة ، ومهاجره بطيبة ، وملكه بالشام ) . انتهى .
وقوله : ( وملكه بالشام ) زيادة منه ، لم تروها مصادر الشيعة ، ولا بعض مصادر السنة كالبخاري ( 3 / 21 ) . قال في فتح الباري : 8 / 450 : ( زاد في رواية كعب : مولده بمكة ومهاجره طيبة وملكه بالشام ) . انتهى . فهي زيادة يهودية غرضها أن تكون الخلافة لأحبائهم بني أمية ! ويكون مركزها في منطقة يكثر فيه اليهود ! بعيداً عن الحجاز والعراق ، لأن أهلها لا يحبونهم كأهل الشام !
وذكر ابن قيم سبب هذه الزيادة متبجحاً بالشام فقال في هداية الحيارى / 94 :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 24 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
( وهذه بشارة بنبوة ابنه محمد ، الذي نصب فسطاطه وملك أمته في وسط بلاد بني إسرائيل وهي الشام ) ! وروت مصادرهم التي تثق بكعب هذه الزيادة وصححتها مع الأسف ! كما في : طبقات ابن سعد : 1 / 360 ، وحلية الأولياء : 5 / 387 ، وتفسير البغوي : 2 / 205 ، وخصائص السيوطي : 1 / 19 ، وفيض القدير : 3 / 768 ، ودلائل النبوة للأصبهاني : 4 / 1332 ، ونظم درر السمطين / 54 وتفسير الرازي : 3 / 38 ، وتفسير ابن كثير : 4 / 383 ، والدر المنثور : 3 / 132 ، وتاريخ دمشق : 1 / 186 ، و : 47 / 390 ، وتاريخ المدينة : 2 / 634 ، والنهاية : 2 / 96 ، و : 6 / 61 ، وهداية الحيارى / 90 ، والسيرة الحلبية : 1 / 351 ، وسبل الهدى : 1 / 101 ، وغيرها وغيرها ) . كما وجد رواة الخلافة يهودياً آخر اسمه جريجرة ! رووا عنه تأكيده لقول كعب بأن عاصمة ملك نبينا ( صلى الله عليه وآله ) في الشام ! ( المستدرك : 2 / 622 ، وتاريخ دمشق : 1 / 184 ، وخصائص السيوطي : 1 / 23 ، وكنز العمال : 12 / 407 ) .
وبذلك يتضح أن اليهود كانوا هم المخططين لحرب الأحزاب ، ولخلافة ابن أبي سفيان ، ونقل عاصمة الإسلام إلى الشام بدل الحجاز أو العراق !

أبو سفيان ينقض العهد مع النبي ( صلى الله عليه وآله ) ويأتي إلى المدينة لتجديده !

بعد معركة الأحزاب أو الخندق أخذ ميزان القوة يتغير لمصلحة المسلمين ، الأمر الذي مكن النبي ( صلى الله عليه وآله ) أن يباغت قريشاً في الحديبية قرب مكة قاصداً العمرة بألف وأربع مئة مسلم ، فهرعت قريش مستنفرة لتمنعه من دخول المسجد الحرام فرضي النبي ( صلى الله عليه وآله ) أن يوقع معهم صلحاً وهدنة عُرف بصلح الحديبية ، وكان النبي ( صلى الله عليه وآله ) فيه ليناً فقبل كل شروط قريش !
لكن أبا سفيان سرعان ما نقض العهد ! فقد استعان بنو بكر حلفاء قريش المشركة على بني خزاعة وهم حلفاء بني هاشم والنبي ( صلى الله عليه وآله ) فأمدهم أبو سفيان بالسلاح والرجال الملثمين فأغاروا على خزاعة ليلاً وقتلوا منهم عشرين شخصاً ! فشكت خزاعة للنبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وعندها أحسَّت قريش بخطر ما ارتكبته فجاء أبو سفيان إلى المدينة وكلم النبي ( صلى الله عليه وآله ) أن يعفو عن نقضهم لعهد الصلح ويمدد مدته
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 25 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فلم يرد عليه جواباً ، فذهب إلى بيت علي وفاطمة ( عليهما السلام ) وكلمهما أن يجيرا بين المسلمين وقريش فلم يقبلا ، فرجع خائباً وقد احتفظ النبي ( صلى الله عليه وآله ) بحقه في الرد على قريش ، وأخذ يتجهز لفتح مكة . قال ابن هشام السيرة النبوية : 4 / 855 : ( ثم خرج فدخل على علي بن أبي طالب رضوان الله عليه ، وعنده فاطمة بنت رسول الله ( ص ) ورضي عنها ، وعندها حسن بن علي غلام يدب بين يديها ، فقال : يا عليُّ إنك أمَسُّ القوم بي رحماً ، وإني قد جئت في حاجة فلا أرجعن كما جئت خائباً ، فاشفع لي إلى رسول الله ، فقال : ويحك يا أبا سفيان ! والله لقد عزم رسول الله على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه . فالتفت إلى فاطمة فقال : يا بنت محمد ، هل لك أن تأمري بنيك هذا فيجير بين الناس ، فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر ؟ قالت : والله ما بلغ ابني ذاك أن يجير بين الناس ، وما يجير أحد على رسول الله ! قال : يا أبا الحسن ، إني أرى الأمور قد اشتدت عليَّ فانصحني ! قال : والله ما أعلم لك شيئاً يغني عنك شيئاً ، ولكنك سيد بني كنانة ، فقم فأجر بين الناس ثم الحق بأرضك ، قال : أو ترى ذلك مغنياً عني شيئاً ؟ قال : لا والله ما أظنه ولكني لا أجد لك غير ذلك . فقام أبو سفيان في المسجد ، فقال : أيها الناس ، إني قد أجرت بين الناس ، ثم ركب بعيره فانطلق ) .
وفي الإرشاد للمفيد ( رحمه الله ) : 1 / 132 : ( قال لها : يا بنت محمد هل لك أن تأمري ابنيك أن يجيرا بين الناس فيكونا سيدي العرب إلى آخر الدهر . فقالت : ما بلغ ابناي أن يجيرا بين الناس ، وما يجير أحد على رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ) . انتهى .
ويفهم من مصنف ابن أبي شيبة : 7 / 694 ، أن أبا سفيان كلم الحسن والحسين ( عليهما السلام ) ليأخذ من أحدهما مجرد كلمة : ( أجَرْنا بين العرب ) !
وفي شرح النهج : 17 / 263 : ( قال : أجيري بين الناس ، فقالت : إنما أنا امرأة ، قال :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 26 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إن جوارك جائز ، وقد أجارت أختك أبا العاص بن الربيع ، فأجاز محمد ذلك . فقالت فاطمة : ذلك إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وأبت عليه ، فقال : مري أحد هذين ابنيك يجير بين الناس ، قالت : إنهما صبيان ، وليس يجير الصبي . فلما أبت عليه أتى علياً فقال : يا أبا حسن ، أجر بين الناس وكلم محمداً ليزيد في المدة ، فقال علي : ويحك يا أبا سفيان ! إن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قد عزم ألا يفعل ، وليس أحد يستطيع أن يكلمه في شئ يكرهه ) ! ( وسيرة ابن هشام : في طبعة أخرى : 5 / 50 ، وأخبار مكة للفاكهي : 5 / 208 وعيون الأثر : 2 / 184 ، وسيرة ابن كثير : 3 / 531 ، وسبل الهدى : 5 / 207 ، والروض الأنف : 4 / 148 ، ونهاية الإرب / 3685 ، وغيرها ) .
قال ابن عبد البر في الدرر / 213 : ( ثم ركب وانطلق راجعاً إلى مكة ، فلما قدمها أخبر قريشاً بما لقي وبما فعل ، فقالوا له : ما جئت بشئ ! وما زاد عليُّ بن أبي طالب على أن لعب بك ! ثم أعلن رسول الله ( ص ) المسير إلى مكة ، وأمر الناس بالجهاز لذلك ، ودعا الله تعالى في أن يأخذ عن قريش الأخبار ، ويستر عنهم خروجه ) . انتهى .

أبو سفيان أسير حرب ، غلاماً للنبي ( صلى الله عليه وآله ) !

لم تطل المدة حتى فاجأ النبي ( صلى الله عليه وآله ) في السنة الثامنة للهجرة أبا سفيان وقريشاً في عقر دارهم في مكة ! فما شعروا إلا وهم محاصرون بعشرة آلاف من جنود الإسلام ، والنبي ( صلى الله عليه وآله ) يطلب منهم خلع سلاحهم والتسليم ، أو الحرب !
فانخلعت أفئدة زعماء قريش وانهارت مقاومتهم ! وهرع أبو سفيان يسأل : أين العباس بن عبد المطلب ، ليأخذ له الأمان من النبي ( صلى الله عليه وآله ) قبل أن يدخل مكة !
وجاء العباس إلى النبي ( صلى الله عليه وآله ) وهو في مركز قيادته يجرُّ وراءه أبا سفيان كبير أئمة الكفر ! قال ابن هشام : 4 / 862 ، وصححه مجمع الزوائد : 6 / 166 : ( فقال رسول الله ( ص ) : إذهب به يا عباس إلى رحلك ، فإذا أصبحت فأتني به ! قال : فذهبت
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 27 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
به إلى رحلي فبات عندي ، فلما أصبح غدوت به إلى رسول الله ( ص ) فلما رآه رسول الله ( ص ) قال : ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أنه لا إله إلا الله ؟
قال : بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك ، والله لقد ظننت أن لو كان مع الله إله غيره لقد أغنى شيئاً بعد ! قال : ويحك يا أبا سفيان ! ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله ؟ قال : بأبي أنت وأمي ، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك ! أما هذه والله فإن في النفس منها حتى الآن شيئاً ! فقال له العباس : ويحك ! أسلم واشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، قبل أن تضرب عنقك . قال : فشهد شهادة الحق فأسلم ! قال العباس : قلت يا رسول الله ، إن أبا سفيان رجل يحب هذا الفخر ، فاجعل له شيئاً ، قال : نعم ، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن !
فلما ذهب لينصرف قال رسول الله ( ص ) : يا عباس إحبسه بمضيق الوادي عند خطم الجبل ، حتى تمرَّ به جنود الله فيراها . قال : فخرجت حتى حبسته بمضيق الوادي حيث أمرني رسول الله ( ص ) أن أحبسه ، قال : ومرت القبائل على راياتها ، كلما مرت قبيلة قال : يا عباس ، من هذه ؟ فأقول : سليم ، فيقول : مالي ولسليم ، ثم تمر القبيلة فيقول : يا عباس من هؤلاء ؟ فأقول : مزينة ، فيقول : مالي ولمزينة ، حتى نفدت القبائل ، ما تمر به قبيلة إلا يسألني عنها ، فإذا أخبرته بهم ، قال : مالي ولبني فلان ، حتى مر رسول الله ( ص ) في كتيبته الخضراء . . . فيها المهاجرون والأنصار ، لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد ، فقال : سبحان الله ! يا عباس من هؤلاء ؟ قال : قلت : هذا رسول الله ( ص ) في المهاجرين والأنصار ، قال : ما لأحد بهؤلاء قِبَلٌ ولا طاقة ، والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيماً ! قال قلت : يا أبا سفيان إنها النبوة . قال : فنعم إذن ( أي صحيح صحيح ) ! قال قلت : النجاء إلى قومك ، حتى إذا جاءهم صرخ بأعلى صوته :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 28 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يا معشر قريش ، هذا محمد قد جاءكم فيما لا قِبَلَ لكم به ، فمن دخل دار أبى سفيان فهو آمن ، فقامت إليه هند بنت عتبة فأخذت بشاربه فقالت : أقتلوا الحميت الدسم الأحمس ، قبَّحه من طليعة قوم ! ( أي الزق الأسود - الدسم ! وفي رواية : الأحمش أي الهزيل . لسان العرب : 2 / 26 ) قال : ويلكم لا تغرنكم هذه من أنفسكم ، فإنه قد جاءكم ما لا قبل لكم به ، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن . قالوا : قاتلك الله وما تغني عنا دارك ! قال : ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ، ومن دخل المسجد فهو آمن ، فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد ) . انتهى .
هنا تلمس انبهار أبي سفيان بالقوة المادية ! وعماه عن المعجزات النبوية ، كما ترى أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) قد أثَّر فيه بخلقه العظيم فجعله يفكر في نفسه : إن ملك محمد عظيم وهو من بني عمنا بني عبد مناف وقد عفا عني ، فإن أعطاني لي ولأولادي وبني أمية حصة جيدة فأنا حاضر لأن أجامله ، وأظهر إيماني بنبوته !
لكن زعماء قريش كان لهم تفكير آخر ، فقرروا بسبب ليونة أبي سفيان مع النبي ( صلى الله عليه وآله ) أن يستبدلوه برجل صلب ، هو سهيل بن عمرو السهمي .

النبي ( صلى الله عليه وآله ) يعفو عن أبي سفيان ويأخذه معه إلى حرب حنين !

ودخل النبي ( صلى الله عليه وآله ) مكة فاتحاً خاشعاً لربه ، ساجداً على قربوس فرسه ، وجمع أئمة الكفر وجنودهم في المسجد ، وأعلنهم أسرى حرب عبيداً له ، ومنَّ عليهم بالإطلاق لا بالعتق ! وعيَّن حاكماً على مكة من بني أمية ، مع مساعد أنصاري !
أعلن لهم النبي ( صلى الله عليه وآله ) أنهم ما داموا شهروا إسلامهم فقد صاروا جزء ملحقاً بأمته إلحاقاً ، لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم ، ودعاهم إلى التوجه معه إلى محاربة هوازن التي جمعت لحربه في وادي حنين عند الطائف ، فاضطر زعماء قريش وهم سكارى مما حصل ، أن يسيروا معه في ألفي مقاتل ، والنبي ( صلى الله عليه وآله ) في عشرة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 29 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
آلاف ! وفي هذه الغزوة ظهرت نوايا فراعنة قريش كما يسميهم القرآن ، فرتبوا عدة محاولات لاغتيال النبي ( صلى الله عليه وآله ) أفشلها الله تعالى !
وكان أول غدرهم أن تآمروا مع هوازن أن ينهزموا من أول مناوشة ليوقعوا الهزيمة بجيش النبي ( صلى الله عليه وآله ) ! وفعلوا ذلك أمام كمين لهوازن في منحدر وادي حنين ، فثبت النبي ( صلى الله عليه وآله ) وبنو هاشم ، وهرب زعماء قريش مع جنودهم من المعركة ، وجلسوا يسخرون من النبي ( صلى الله عليه وآله ) ويتباشرون بهزيمته ، أو قتله !
قال ابن هشام : 4 / 894 : ( فقال أبو سفيان بن حرب : لا تنتهى هزيمتهم دون البحر ! وإن الأزلام لمعه في كنانته ! وصرخ جبلة بن الحنبل . . . ألا بطل السحر اليوم ! فقال له صفوان : أسكت فض الله فاك ، فوالله لأن يَرُبَّني رجلٌ من قريش أحب إلى من أن يربني رجل من هوازن ) . انتهى .
ومعنى قوله : ( وإن الأزلام لمعه في كنانته ) أن أبا سفيان كان ما زال وثنياً يحمل أصنامه في جعبته التي ترافقه ! وأن سهيل بن عمرو زعيم قريش الجديد ، لم ينتقد وثنية أبي سفيان ، ولا جبلة الذي ردد مقولة قريش في أن محمداً ساحر ، وأن بني عبد المطلب بيت سحر ! لكنه مع ذلك يتمنى لهوازن انتصاراً محدوداً ، لا كاسحاً ، لأنه يفضل حكم قرشي ساحر ! على حكم بدوي نجدي من هوازن !
وبعد انتصار النبي ( صلى الله عليه وآله ) في حنين ، طبَّق مع زعماء قريش سياسة المؤلفة قلوبهم عسى أن يحسِّن المال تفكيرهم فيرون الحق ! فكانت حصة أبي سفيان وافرة : ( فأعطى أبا سفيان بن حرب مائة بعير ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 30 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأعطى ابنه معاوية مائة بعير ، وأعطى حكيم بن حزام مائة بعير ، وأعطى النضير بن الحارث بن كلدة بن علقمة أخا بني عبد الدار مائة بعير ، وأعطى العلاء بن حارثة الثقفي حليف بني زهرة مائة بعير ، وأعطى الحارث بن هشام مائة بعير ، وأعطى صفوان بن أمية مائة بعير ، وأعطى سهيل بن عمرو مائة بعير ، وأعطى حويطب بن عبد العزى بن أبي قيس مائة بعير ) . ( تاريخ الطبري : 2 / 358 ، ونحوه ابن هشام : 4 / 929 ، وتاريخ اليعقوبي ) .
ولعل تأثير ذلك على أبي سفيان أنه صار بعدها يخفي أزلامه وتماثيل أصنامه فلا يظهرها مراعاة للمسلمين ! وسيأتي ما يردُّ إضافة معاوية إلى أبيه في العطاء !

شخصية أبي سفيان مسكونة بالمادية !

أبو سفيان كزملائه أئمة المشركين ، قرَّر أن لا يؤمن بالنبي ( صلى الله عليه وآله ) مهما رأى من معجزاته ، لأن شخصيته مسكونة بالمادية والجاهلية القرشية ! فقد رأى دعاء النبي ( صلى الله عليه وآله ) على قريش : ( اللهم اشدد وطأتك على مضر ، وابعث عليهم سنين كسنيِّ يوسف ، فتتابعت عليهم الجدوبة والقحط سبع سنين حتى أكلوا القد والعظام والعلهز ) . ( تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة / 233 ) فجاء أبو سفيان إلى النبي ( صلى الله عليه وآله ) وطلب منه أن يدعو الله أن يرفع عنهم الجدب ! قال : ( يا محمد ننشدك الله والرحم لقد أكلنا العلهز يعني الوبر بالدم ، فأنزل الله تعالى : وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ ! ( أسباب النزول للواحدي / 211 ، والحاكم : 2 / 394 وابن حبان : 3 / 247 ) . ( جاء أبو سفيان إلى النبي ( صلى الله عليه وآله ) فقال : يا محمد جئتَ بصلة الرحم وقومك قد هلكوا جوعاً فادع الله لهم ، فدعا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لهم فكشف عنهم ! يقول الله عز وجل : إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَائِدُونَ ) . ( الصحيح من السيرة : 3 / 277 ) . ومع ذلك لم يؤمن أبو سفيان وواصل كفره وعدائه للإسلام ونبيه ( صلى الله عليه وآله ) !
* *
ثم بعد أن أسلم تحت السيف في فتح مكة ، ودخل النبي ( صلى الله عليه وآله ) وأمر بلالاً وقت الظهر أن يصعد على سطح الكعبة ويطلق الأذان ، فتنغص عيش أبي سفيان ورفقاؤه الذين ( أسلموا ) ! ( فقال خالد بن أسيد : الحمد لله الذي أكرم أبي فلم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 31 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يسمع بهذا اليوم ! وكان أسيد مات قبل الفتح بيوم ! وقال الحارث بن هشام : وا ثكلاه ليتني متُّ قبل أن أسمع بلالاً ينهق فوق الكعبة ! وقال الحكم بن أبي العاص : هذا والله الحدث الجلل أن يصبح عبد بني جمح ينهق على بُنَيَّة ( بناء الكعبة ) أبي طلحة ! وقال سهيل بن عمرو : إن كان هذا سخطاً لله فسيغيره الله ! وقال أبو سفيان بن حرب : أما أنا فلا أقول شيئاً ، لو قلت شيئاً لأخبرته هذه الحصاة ! فأتى جبريل ( عليه السلام ) رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فأخبره خبرهم فأقبل حتى وقف عليهم فقال : أما أنت يا فلان فقلت كذا ، وأما أنت يا فلان فقلت كذا ، وأما أنت يا فلان فقلت كذا ، فقال أبو سفيان : أما أنا يا رسول الله فما قلت شيئاً فضحك رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ) ! ( أخبار مكة للأزرقي : 1 / 142 ) . وفي تاريخ أبي الفداء : 1 / 181 : ( فقالت بنت أبي جهل : لقد أكرم الله أبي حين لم يشهد نهيق بلال فوق الكعبة ) !
وفي أسباب النزول للواحدي / 264 : ( وقال أبو سفيان : إني لا أقول شيئاً أخاف أن يخبر به رب السماء ) . انتهى . فأبو سفيان يشهد بأن النبي ( صلى الله عليه وآله ) يأتيه خبر الغيب ومع ذلك لم يؤمن ! لأن ماديته وزملاءه متأصلة كمادية اليهود من أبناء يعقوب وقد قرروا أن لا يؤمنوا بنبوة ابن عبد الله الهاشمي مهما كانت المعجزات !

عَزْلُ قريش أبا سفيان من قيادتها !

طيلة حرب قريش مع النبي ( صلى الله عليه وآله ) كان عِنَاجُ أمرها أي قيادتها العامة لأبي سفيان صخر بن حرب ، وكان عتبة بن ربيعة شريكه في القيادة حتى قتل في بدر فتفرد أبو سفيان بقيادتها ، لكن تصرفه في فتح مكة لم يعجب زعماء قريش ، لأنه برأيهم سارع إلى إعلان استسلام قريش وإلقائها السلاح ، ولم يفاوض محمداً بقوة ، ولم ينتزع لقريش منه امتيازات كما فعل سهيل بن عمرو في الحديبية !
وعندما عيَّن النبي ( صلى الله عليه وآله ) حاكماً أموياً لمكة مع مساعد أنصاري ، اعتبروا أن بني
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 32 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أمية مالوا مع بني عمهم بني هاشم ، فالجميع أبناء عبد مناف !
لذلك اختاروا سهيل بن عمر السهمي الجمحي رجل المفاوضات الصلب مع محمد في الحديبية ، زعيماً عاماً بدل أبي سفيان ، وجعلوا عِنَاجَ أمر قريش إليه فتحوَّل أسيْد بن عتَّاب الأموي حاكم مكة من قبل النبي ( صلى الله عليه وآله ) إلى حاكم شكلي وصار الحاكم الفعلي سهيل بن عمرو ، الذي ذهب إلى المدينة ليفاوض محمداً ( صلى الله عليه وآله ) باسم قريش ! فهددهم النبي ( صلى الله عليه وآله ) ! ( راجع آيات الغدير ) .
* *
وبعد أن خلعت قريش أبا سفيان لم تنسد الطرق أمامه ، فذهب إلى المدينة يلتمس من النبي ( صلى الله عليه وآله ) مناصب له ولبنيه ! فجعله النبي ( صلى الله عليه وآله ) والياً على جمع الزكوات ( ما بين رمع وزبيد إلى حد نجران ) . ( تاريخ الطبري : 2 / 532 ) . وفي أنساب الأشراف : 431 : ( وقوم يقولون : إن النبي ولى أبا سفيان صدقات خولان وبجيلة ، واستعمل يزيد بن أبي سفيان على نجران ) . انتهى .

أبو سفيان يقف مع العترة النبوية ضد أبي بكر وعمر !

كان أبو سفيان يتصور أن نظام الإسلام سيستمر بعد النبي ( صلى الله عليه وآله ) بقيادة عترته ( عليهم السلام ) وأنهم سيتبعون سياسة النبي ( صلى الله عليه وآله ) فيحافظون على بني أمية لقرابتهم منهم ، فيبقون بيدهم حكم مكة ويعطونهم مناصب أخرى !
ولم يطلعه سهيل بن عمر وزعماء قريش على خطتهم في عزل عترة النبي ( صلى الله عليه وآله ) وأخذ الحكم بعده ( صلى الله عليه وآله ) ! لذلك كانت ردة فعل أبي سفيان عنيفة عندما دخل المدينة يوم وفاة النبي ( صلى الله عليه وآله ) وتفاجأ بالسقيفة وخلافة أبي بكر !
( جاء إلى باب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وعلي والعباس متوفران على النظر في أمره فنادى :

بني هاشم لا تطمعوا الناس فيكم * ولا سيما تيم بن مرة أو عدي

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 33 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

فما الأمر إلا فيكم وإليكم * وليس لها إلا أبو حسن علي
أبا حسن فاشدد بها كفَّ حازم * فإنك بالأمر الذي يرتجى ملي

ثم نادى بأعلى صوته : يا بني هاشم ، يا بني عبد مناف ، أرضيتم أن يلي عليكم أبو فصيل الرذل بن الرذل ، أما والله لئن شئتم لأملأنها خيلاً ورجلاً !
فناداه أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : إرجع يا أبا سفيان ، فوالله ما تريد الله بما تقول ، وما زلت تكيد الإسلام وأهله ، ونحن مشاغيل برسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وعلى كل امرئ ما اكتسب ، وهو ولي ما احتقب ) ! ( الإرشاد : 1 / 190 ) .
وقد يتعجب الإنسان من هذا الموقف ( الشيعي المتشدد ) لأبي سفيان ! لكنه في واقعه موقف أموي لا إسلام فيه ولا تشيع ، فالوحي والإسلام ، وأمته ، والنص النبوي ، والوصية بالخلافة لعلي ( عليه السلام ) ، كلها لا تعني شيئاً عند أبي سفيان ، الذي لا يؤمن بالله تعالى ولا بنبي ولا بمعاد !
القضية عنده أن قيادة قريش إنما هي لبني عبد مناف فقط ، أي الجد الأعلى لبني هاشم وأمية ، فهما أصحاب الحق القبلي في قيادة قريش والعرب !
وهذا ( المبدأ القرشي الثابت عنده ) الذي لم يمس طوال صراع قريش مع بني هاشم حدث الآن عليه تآمرٌ ، ودخل على الخط ( أرذل حي في قريش ) فاستولى على سلطان محمد ! والواجب على بني عبد مناف أن لا يسمحوا بالتعدي عليهم !
لذلك صاح في بني هاشم لأن أمر النبي ( صلى الله عليه وآله ) أمرهم ! وعندما زجره عليٌّ ( عليه السلام ) أخذ يصرخ في أزقة المدينة ! ويقول كما في الطبري : 2 / 449 : ( ما بال هذا الأمر في أقل حي من قريش ؟ ! والله لئن شئت لأملأنها عليه خيلاً ورجالاً . . . والله إني لأرى عجاجة لا يطفؤها إلا دم ! يا آل عبد مناف فيمَ أبو بكر من أموركم ؟ ! أين المستضعفان ، أين الأذلان عليٌّ والعباس ؟ ! وقال : يا أبا حسن ، أبسط يدك حتى
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 34 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أبايعك ، فأبى عليٌّ عليه ، فجعل يتمثل بشعر المتلمس :
ولن يقيم على خسف يراد به إلا الأذلان عير الحي والوتدُ
هذا على الخسف معكوس برمته وذا يُشَجُّ فلا يبكى له أحدُ
قال فزجره عليٌّ وقال : إنك والله ما أردت بهذا إلا الفتنة ، وإنك والله طال ما بغيت الإسلام شراً ، لا حاجة لنا في نصيحتك ) . انتهى . ومعناه : أن الجمل ذليل لأنه يذبح و يعلق معكوساً ويقصب ، والوتد ذليل لأنه يدق فلا يبكي له أحد !
وقد روت ذلك مصادر عديدة ، مثل : ( أنساب الأشراف للبلاذري / 479 ، والسقيفة وفدك للجوهري / 40 ، وص 66 ، وشرح النهج : 2 / 45 ، , وكنز العمال : 5 / 653 ، و 657 ، و : 23 / 465 ، والاستيعاب : 3 / 974 وطبعة أخرى / 704 ، والرياض النضرة : 2 / 178 ، وطبعة أخرى / 151 ، والصواعق المحرقة : 1 / 181 ، ونهاية الإرب / 4031 ، وسمت النجوم العوالي / 635 ) .
وقد خفَّفَ الطبري وغيره من الرواية ! ففي الإرشاد للمفيد ( رحمه الله ) : 1 / 190 : ( جاء إلى باب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وعلي والعباس متوفران على النظر في أمره ، فنادى :

بني هاشم لا تطمعوا الناس فيكم * ولا سيما تيم بن مرة أو عدِي
فما الأمر إلا فيكم وإليكم * وليس لها إلا أبو حسن علي
أبا حسن فاشدد بها كفَّ حازم * فإنك بالأمر الذي يرتجى ملي

ثم نادى بأعلى صوته : يا بني هاشم ، يا بني عبد مناف ، أرضيتم أن يلي عليكم أبو فصيل الرذل بن الرذل ، أما والله لئن شئتم لأملأنها خيلاً ورجلاً ! فناداه أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : إرجع يا أبا سفيان ، فوالله ما تريد الله بما تقول ، وما زلت تكيد الإسلام وأهله ، ونحن مشاغيل برسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وعلى كل امرئ ما اكتسب وهو ولي ما احتقب ) ! انتهى . وقد كذب رواة الخلافة على علي ( عليه السلام ) وأضافوا في جوابه قوله : لقد ارتضينا أبا بكر ! وفي مصنف عبد الرزاق : 5 / 451 : ( إنا رأينا أبا بكر لها أهلاً ) وهو افتراء على علي ( عليه السلام ) !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 35 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وسرعان ما ظهر رأي علي ( عليه السلام ) وانكشفت نية أبي سفيان وأنه يريد دفع بني هاشم والأنصار إلى إعلان الحرب على قريش ويدفعوهم إلى إعلان الردة عن الإسلام ! ولا يقصد إلا دنياً ينالها هو وأولاده فقط ! ففي العقد الفريد : ص 1005 : ( فلما قدم المدينة جعل يطوف في أزقتها ويقول : بني هاشم . . إلى آخر الأبيات . . . فقال عمر لأبي بكر : إن هذا قد قدم وهو فاعل شراً ، وقد كان النبي ( ص ) يستألفه على الإسلام ، فدع له ما بيده من الصدقة ففعل ، فرضي أبو سفيان وبايعه ) . انتهى .
لكن أبا سفيان لم يكن ليقنع بهذه الجبنة الصغيرة ثمناً لسكوته وبيعته ، بل يريد تولية أولاده مناصب كبيرة في دولة بني تيم وعدي ! فعينوا ابنه عتبة والياً على الطائف ، وابنه يزيداً على فتح الشام ، وهو منصب مهم جعل أبا سفيان يقضي أكثر وقته في الشام !

أبو سفيان يستقوي بعمر على أبي بكر !

قال الطبري في تاريخه : 2 / 586 : ( فأول لواء عقده لواء خالد بن سعيد بن العاص ( وهو أموي شيعي ) ثم عزله قبل أن يسيَّره ، وولى يزيد بن أبي سفيان ، فكان أول الأمراء الذين خرجوا إلى الشام ) . انتهى .
أقول : خالد بن سعيد بن العاص الأموي من أوائل المسلمين ، والقادة الشجعان وحياته غنية تستحق دراسة خاصة . والسبب في عزله وتعيين ابن أبي سفيان بدله إصرار عمر على أبي بكر ، لأن خالداً وإخوته أباناً وعمرواً كانوا من أشد المخالفين للسقيفة ، وكان خالد أول الاثني عشر من شخصيات المهاجرين والأنصار الذين خطبوا في المسجد يوم الجمعة بعد وفاة النبي ( صلى الله عليه وآله ) وأدانوا عمل عمر والطلقاء في السقيفة ومخالفتهم لوصية النبي ( صلى الله عليه وآله ) لعلي ( عليه السلام ) ! وقد أجابه عمر فوبخه خالد وأسكته ! وحديثه طويل نأخذ منه قول خالد الذي رواه في الإحتجاج :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 36 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
1 / 97 ، قال : ( فأول من تكلم به خالد بن سعيد بن العاص ثم باقي المهاجرين ، ثم بعدهم الأنصار . . . . فقام إليه خالد بن سعيد بن العاص وقال : إتق الله يا أبا بكر فقد علمت أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قال ونحن محتوشوه يوم بني قريظة حين فتح الله له باب النصر ، وقد قتل علي بن أبي طالب يومئذ عدة من صناديد رجالهم وأولي البأس والنجدة منهم : يا معاشر المهاجرين والأنصار إني موصيكم بوصية فاحفظوها ، ومودعكم أمراً فاحفظوه : ألا إن علي بن أبي طالب أميركم بعدي وخليفتي فيكم بذلك أوصاني ربي . ألا وإنكم إن لم تحفظوا فيه وصيتي وتوازروه وتنصروه اختلفتم في أحكامكم واضطرب عليكم أمر دينكم ، ووليكم أشراركم ! ألا وإن أهل بيتي هم الوارثون لأمري ، والعالمون لأمر أمتي من بعدي اللهم من أطاعهم من أمتي وحفظ فيهم وصيتي فاحشرهم في زمرتي ، واجعل لهم نصيباً من مرافقتي يدركون به نور الآخرة . اللهم ومن أساء خلافتي في أهل بيتي فأحرمه الجنة التي عرضها كعرض السماء والأرض !
فقال له عمر بن الخطاب : أسكت يا خالد ، فلست من أهل المشورة ، ولا ممن يقتدى برأيه ! فقال له خالد : بل أسكت أنت يا ابن الخطاب ، فإنك تنطق على لسان غيرك ! وأيْمُ الله لقد علمتْ قريش أنك من ألأمها حسباً ، وأدناها منصباً ، وأخسها قدراً ، وأخملها ذكراً ، وأقلهم غناءاً عن الله ورسوله ، وإنك لجبانٌ في الحروب ، بخيلٌ بالمال ، لئيمُ العنصر ، مالك في قريش من فخر ، ولا في الحروب من ذكر ! وإنك في هذا الأمر بمنزلة الشيطان : إِذْ قَالَ لِلإنسان اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرئٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِين . فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ ! فأبلس عمر ! وجلس خالد ) . الخ .
وفي أسد الغابة : 2 / 83 : ( وبعثه رسول الله ( ص ) عاملاً على صدقات اليمن وقيل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 37 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
على صدقات مذحج وعلى صنعاء ، فتوفى النبي ( ص ) وهو عليها ، ولم يزل خالد وأخواه عمرو وأبان على أعمالهم التي استعملهم عليها رسول الله ( ص ) حتى توفي رسول الله ( ص ) فلما توفي رجعوا عن أعمالهم فقال لهم أبو بكر : ما لكم رجعتم ما أحدٌ أحق بالعمل من عمال رسول الله ، إرجعوا إلى أعمالكم . فقالوا : نحن بنو أبي أحيحة ( زعيم أموي غني ) لا نعمل لأحد بعد رسول الله ( ص ) أبداً وكان خالد على اليمن كما ذكرناه وأبان على البحرين وعمرو على تيماء وخيبر وقرى عربية ، وتأخر خالد وأخوه أبان عن بيعة أبي بكر فقال لبني هاشم : إنكم لطوال الشجر طيبوا الثمر ، ونحن تبعٌ لكم ! فلما بايع بنو هاشم أبا بكر بايعه خالد وأبان ، ثم استعمل أبو بكر خالداً على جيش من جيوش المسلمين حين بعثهم إلى الشام فقتل بمرج الصفر ) . انتهى . وفي الإستيعاب : 2 / 422 : ( ثم مضوا إلى الشام فقتلوا جميعاً ) . انتهى . وكان لهم أدوار قيادية مهمة في فتح الشام ، وقتلهم مشكوك ، كقتل معاذ وبلال وجماعته !
مهما يكن ، فقد أطاع أبو بكر عمر وعزل خالد بن سعيد عن القيادة العامة ، وأعطاها ليزيد بن أبي سفيان فاطمأن أبو سفيان إلى حصة بني أمية ومستقبلهم ، وتخلى عن الصراخ لظلامة بني عمه بني هاشم ، فلم تسمع له حرفاً في ذلك ! ولم يحرك ساكناً وهو يرى هجوم بني تيم وعدي على بيت علي وفاطمة ( عليهما السلام ) وإشعالهم في بابه الحطب وتهديدهم بإحراقه عليهم إن لم يبايعوا ! ذلك أن شعار ظلامة بني عبد مناف عند أبي سفيان شعارٌ للكسب الدنيوي ، وقد حصل !
لقد كان أبو سفيان في مكة أكثر غيرة منه اليوم ! فقد دفعته بقايا فطرته القبلية الإنسانية يوماً للثأر لفاطمة الزهراء ( عليها السلام ) ! لكنها خمدت أيام السقيفة !
قال البلاذري في أنساب الأشراف 1101 : ( ولطم أبو جهل فاطمة بنت رسول
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 38 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الله ( ص ) فرأت أبا سفيان فشكت إليه ، فرجع معها إليه وقال : أُلطميه قبحه الله فلطمته ! فقال : أدركتكم المنافية يا أبا سفيان ) ! انتهى .
وهكذا انسجم أبو سفيان مع خلافة أبي بكر وعمر لأنهما فتحا عليه باب الدنيا ، ونشط مع أولاده لتثبيت نفوذهم في المناصب التي بأيديهم ، وأعينهم طامحة إلى الخلافة ، فهي حقٌّ طبيعي لهم برأيهم بعد أن سُلبت من بني عمهم بني هاشم ، فيجب عليهم استعادتها من تيم وعدي ، أرذل حيين في قريش حسب تعبيره !

وأخيراً قرت عيون أبي سفيان بسيطرته على خلافة النبي ( صلى الله عليه وآله ) !

وعاش أبو سفيان حتى قرَّت عيناه العمياوان ! فقد رأى قيادة قريش وكل أمة محمد ( صلى الله عليه وآله ) تقع في يد بني أمية ! وبذلك انتهت برأيه فترة النشاز السوداء من زعامة القبائل الصغيرة الرذلة وهي ثلاث فترات : زعامة بني سهم بشخص سهيل بن عمرو في مكة ، وبني تيم وعدي بشخصي أبي بكر وعمر في المدينة !
أما زعامة بني هاشم بشخص النبي ( صلى الله عليه وآله ) فموقف أبي سفيان منها معروف ، لكنه يسكت عنها لأنها جاءت لقريش بدولة وفتوحات !
ولا بد أن نعرف ماذا أو مَن الذي استطاع أن يقنع عمر أن يوصي بالخلافة إلى بني أمية هل هي فكرة من عنده ، أم هو أبو سفيان ، أم حلفاؤه المحبون أحبار اليهود ، فقد عهد عمر بالخلافة شكلياً إلى ستة : علي ( عليه السلام ) من بني هاشم ، وعثمان من بني أمية ، وابن عوف وابن وقاص من بني زهرة ، وطلحة من بني عدي ، والزبير من بني أسد عبد العزى . لكنه أراد أن يضمنها لبني أمية مئة بالمئة ، فأعطى حق النقض لابن عوف ، وهو لا يتقدم على عثمان ، لأن عثمان أموي وهو زهري ، وعثمان أكبر منه سناً ، وهو صهر عثمان ، فزوجته أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط أخت عثمان من أمه !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 39 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد بلغ فرح أبي سفيان بخلافة عثمان حداً أفقده توازنه ! ولعله لم ينم ليلته تلك من شدة فرحه ، فقد صار عثمان الأموي رئيس دولة محمد الهاشمي ! وكثرت فلتات لسان أبي سفيان ! فما أن تمت البيعة لعثمان حتى دخل إلى بيته ودخل إليه بنو أمية ( حتى امتلأت بهم الدار ثم أغلقوها عليهم ، فقال أبو سفيان بن حرب : أعندكم أحد من غيركم ، قالوا : لا ، قال : يا بني أمية تلقفوها تلقف الكرة فوالذي يحلف به أبو سفيان ، ما من عذاب ولا حساب ولا جنة ولا نار ولا بعث ولا قيامة ! قال : فانتهره عثمان ، وساءه بما قال ، وأمر بإخراجه ! قال الشعبي : فدخل عبد الرحمن بن عوف على عثمان فقال له : ما صنعت ؟ ! فوالله ما وُفِّقت حيث تدخل رحلك قبل أن تصعد المنبر فتحمد الله وتثني عليه ، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتعد الناس خيراً . قال : فخرج عثمان ، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : هذا مقام لم نكن نقومه ، ولم نُعِدَّ له من الكلام الذي يقام به في مثله ، وسأهيئ ذلك إن شاء الله ، ولن آلو أمة محمدا خيراً ، والله المستعان ) . ( تاريخ أبي الفداء / 349 ) . وقال أبو الفرج في الأغاني : 6 / 371 : ( ولأبي سفيان أخبار من هذا الجنس ونحوه كثيرة يطول ذكرها ) . انتهى .
وتدلك هذه النصوص على أن أبا سفيان قال أكثر من هذا الكفر ، في بيت عثمان ، أو في دار الخلافة ، وربما في المسجد النبوي !
ومن الطبيعي لعثمان بحكم كونه خليفة النبي ( صلى الله عليه وآله ) أن يستنكر كفر أبي سفيان ، ويمنعه من التواجد في مجلسه خوفاً من فضيحة كلامه ! لكن أبا سفيان لا يهمه ذلك ، فهو يعتبر عثمان وخلافته له ! فانظر إلى موقفه اليهودي العجيب الذي نقله البلاذري في أنساب الأشراف / 1105 ، قال : ( وحجب عثمان أبا سفيان فقيل له : حجبك أمير المؤمنين فقال : لا عُدمت من قومي من إذا شاء حجب ) ! انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 40 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كما سجل المسعودي في مروج الذهب : 1 / 586 ، ردة فعل الصحابة المؤمنين على كفر أبي سفيان ، قال : ( وقد كان عمار حين بويع عثمان بلغه قول أبي سفيان صخر بن حرب في دار عثمان عقيب الوقت الذي بويع فيه عثمان ودخل داره ومعه بنو أمية فقال أبو سفيان : أفيكم أحد من غيركم . . . . ونُمَيَ هذا القول إلى المهاجرين والأنصار وغير ذلك الكلام ، فقام عمار في المسجد فقال : يا معشر قريش ، أمَّا إذ صرفتم هذا الأمر عن أهل بيت نبيكم ( صلى الله عليه وآله ) ها هنا مرة وها هنا مرة ! فما أنا بآمن من أن ينزعه الله منكم فيضعه في غيركم ، كما نزعتموه من أهله ووضعتموه في غير أهله ! وقام المقداد فقال : ما رأيت مثل ما أوذي به أهل هذا البيت بعد نبيهم ! فقال له عبد الرحمن بن عوف : وما أنت وذاك يا مقداد بن عمرو ؟ ! فقال : إني والله لأحبهم لحب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) إياهم ، وإن الحق معهم وفيهم ، يا عبد الرحمن أعجب من قريش وإنما تطوُّلُهم على الناس بفضل أهل هذا البيت ، قد اجتمعوا على نزع سلطان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بعده من أيديهم ! أما ولأيْمُ الله يا عبد الرحمن لو أجد على قريش أنصاراً لقاتلتهم كقتالي إياهم مع النبي يوم بدر ! وجرى بينهم من الكلام خطب طويل ، قد أتينا على ذكره في كتابنا أخبار الزمان في أخبار الشورى والدار ) . انتهى .

إذا امتلأ القلب بالكفر فاض على اللسان !

تواترت الروايات في مصادر السنة والشيعة أن قلب أبي سفيان كان ممتلئاً فكان يفقد السيطرة أحياناً فتخرج منه كلمات الكفر الخبيثة الكامنة في قلبه !
قال ابن عباس : ( والله ما كان إلا منافقاً ! قال : ولقد كنا في محفل فيه أبو سفيان وقد كف بصره ، وفينا علي ( عليه السلام ) ، فأذن المؤذن فلما قال : أشهد أن محمداً رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قال أبو سفيان : ها هنا من يحتشم ؟ قال واحد من القوم : لا فقال : لله درُّ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 41 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أخي بني هاشم أنظروا أين وضع اسمه ! فقال علي ( عليه السلام ) : أسخن الله عينيك يا أبا سفيان ، الله فعل ذلك بقوله عز من قائل : وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ . فقال أبو سفيان : أسخن الله عين من قال لي : ليس هاهنا من يحتشم ) . ( قصص الأنبياء للراوندي / 293 ) .
وفي جمهرة الأمثال / 423 والسقيفة / 39 : ( أن أبا سفيان قال لما بويع عثمان : كان هذا الأمر في تَيْم ، وأنَّى لتيم وهذا الأمر ، ثم صار إلى عُدَي فأبعِدْ وأبعدْ ، ثم رجعت إلى منازلها واستقر الأمر قراره ! فتلقفوها تلقف الكرة ) !
وفي الغدير : 8 / 278 : ( إن أبا سفيان دخل على عثمان حين صارت الخلافة إليه فقال : صارت إليك بعد تيم وعدي فأدرها كالكرة ، واجعل أوتادها بني أمية ، فإنما هو الملك ولا أدري ما جنة ولا نار ! فصاح به عثمان : قم عني فعل الله بك وفعل ) . ( الإستيعاب : 2 / 690 ) . وفي تاريخ الطبري : 11 / 357 : ( يا بني عبد مناف ! تلقفوها تلقف الكرة ، فوالذي يحلف به أبو سفيان ، ما زلت أرجوها لكم ولتصيرن إلى صبيانكم وراثة ) ! ( مروج الذهب : 1 / 440 ) . انتهى .
وفي تذكرة ابن حمدون / 2088 : ( وروي أن أبا سفيان دخل على عثمان . فقال : هل علينا من عين ؟ فقال له عثمان : لا ، فقال : يا عثمان إن الأمر أمر عالمية ؟ والملك ملك جاهلية ، فاجعل أوتاد الأرض بني أمية . وروي أنه دخل عليه فقال له : إن الخلافة صارت في تيم وعدي حتى طمعت فيها ، وقد صارت إليكم فتلقفوها تلقف الكرة ، فوالله ما من جنة ولا نار ، هذا أو نحوه . فصاح به عثمان : قم عني فعل الله بك وفعل ) . ( وروى الأول منه ابن عساكر : 6 / 407 ) .
هذا ، ولا يمكن لمحبي أبي سفيان وولده معاوية إنكار هذه المقولات الخبيثة المتواترة عنه بالمعنى ! ( راجع أيضاً : تاريخ الطبري : 8 / 185 ، وفائق الزمخشري : 2 / 88 ، وتاريخ أبي الفداء : 1 / 350 ، والسقيفة للجوهري / 87 ، والأغاني / 1508 ، وشرح النهج : 9 / 53 و : 15 / 175 ، وسبل الهدى : 10 / 91 ، ونفحات الأزهار : 3 / 13 ، وعين العبرة / 55 ، وخلاصة عبقات الأنوار : 3 / 13 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 42 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

أبو سفيان منتصراً . . ينفث كفره ويركل قبر حمزة ( رحمه الله ) برجله !

كانت معركة أُحد أكبر انتصار حققته قريش المشركة على النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وكان أهم إنجاز لها قتلها حمزة سيد الشهداء عم النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، في سبعين صحابياً .
لذلك بقيت لأحُد في نفس أبي سفيان وهند نكهة خاصة ، تثير فيهما زهو النصر وذكرياته ! كما بقي لها في نفس النبي وعترته ( صلى الله عليه وآله ) وقع الاستشهاد في سبيل الله ، والمأساة والدمعة ! وقد ركز النبي ( صلى الله عليه وآله ) الذي لا ينطق عن الهوى ، في عقيدة المسلمين ومشاعرهم مكانة حمزة ورفقائه شهداء أحد رضوان الله عليه وعليهم ، بصلاته الخاصة على حمزة ، وإقامة مجالس النوح والبكاء عليه لعدة أيام ، وحث المسلمين على زيارة قبره ، والتزام النبي وأهل بيته بها .
وقد سجل التاريخ ما فعله أبو سفيان في جثمان حمزة يوم أحد : ( فوقف على جثمان حمزة وأخذ يدقُّ فمه بالرمح ويقول : ذُقْ عُقَق ، ذُقْ عُقَق ) . أي ذق يا عاق قومه القرشيين باتباعه النبي ( صلى الله عليه وآله ) ! ( سيرة ابن هشام : 3 / 608 و : 4 / 42 ، وتاريخ الطبري : 2 / 206 ) .
وفي النهاية لابن الأثير : 2 / 172 : ( أي ذق طعم مخالفتك لنا وتركك دينك الذي كنت عليه يا عاق قومه ، جعل إسلامه عقوقاً ) . ( وغريب الحديث للحربي : 1 / 44 ، ولسان العرب : 10 / 257 ، والمستقصى في أمثال العرب للزمخشري : 2 / 84 ، والعين للخليل : 1 / 64 ، وفصل الحاكم لمعمر بن عقيل / 228 ، والأغاني : 15 / 194 ، وجمهرة الأمثال أبي الهلال العسكري : 1 / 124 ) .
وقد تقدم ما فعلته هند في جثمان حمزة وأنها شقت بطنه وكبده ولاكت قطعة منها ، وقطعت آرابه ومذاكيره فجعلتها حلياً لها ! ( معمر بن عقيل / 227 ) .
* *
أما بعد انتصار النبي ( صلى الله عليه وآله ) وإعلان أبي سفيان وهند ( دخولهما ) في الإسلام وسكناهما في المدينة كالمسلمين ، فلم يختلف الأمر في قلبيهما ، ولا في قولهما ولا في فعلهما ، إلا ما يفرضه عليهما الجو ، ويخشيان منه ردة فعل المسلمين !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 43 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولم يرووا ذهاب آكلة الأكباد إلى قبر حمزة للتشفي ، وما كانت تقوله وتفعله !
لكنهم رووا عن أبي سفيان في أواخر خلافة عثمان وكان عمره 93 ( أنساب الأشرف / 11105 ) مشهداً خبيثاً من مشاهد التشفي ! فقد طلب أن يقودوه إلى قبر حمزة حتى إذا لمسه بيده ، ركله برجله وقال : ( يا أبا عمارة ! إن الأمر الذي اجتلدنا عليه أمس صار في يد غلماننا يتلعَّبون به ) ! ( شرح النهج : 4 / 51 )
وفي النزاع والتخاصم لمعمر بن عقيل / 227 : ( ركل قبر حمزة برجله اقتداء بإبليس في ركله جسد آدم ( عليه السلام ) ، ونرى أن أبا سفيان أراد بمخاطبته حمزة بقوله : إن الأمر الذي كنت تقاتلنا عليه بالأمس قد ملكناه اليوم ، مقابلة خطاب رسول الله ( ص ) لأصحاب قليب بدر بقوله : هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقاً ، فإنا وجدنا ما وعد ربنا حقاً ) ! انتهى . فلا تستبعد أبداً أن يكون أبو سفيان وقف على قبر النبي ( صلى الله عليه وآله ) وقال له شبيهاً بقوله لحمزة ؟ ! !

حكم النبي ( صلى الله عليه وآله ) في أبي سفيان ومعاوية وبني أمية

في نفس الوقت الذي تعامل النبي ( صلى الله عليه وآله ) مع أبي سفيان بسمو أخلاقه ، وبالمداراة التي أمره بها ربه بها ، سجل موقفه الشرعي من عدوه العنيد ورئيس أئمة الكفر ، في عدة مناسبات ، منها أحاديثه في تفسير قوله تعالى : وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلا طُغْيَاناً كَبِيراً . ( الاسراء : 60 ) .
وآيات أخرى فسرها النبي ( صلى الله عليه وآله ) الذي لا ينطق عن الهوى بيهود هذه الأمة بني أمية وحذر منهم أمته ، في مناسبات عديدة !
ومن ذلك لعنه الصريح لأبي سفيان ! الذي رواه حتى المتعصبون كالبخاري ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 44 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم حاولوا إبطاله وتخطئة النبي ( صلى الله عليه وآله ) لأنه بزعمهم لعَن من لا يستحق اللعن ، وآذى من لا يستحق الأذى ! وفي هذا الموضوع حقائق عجيبة ، استوفينا بعضها في كتاب : تدوين القرآن ، وكتاب ألف سؤال وإشكال ، والعقائد الإسلامية .
وقد ثبت عند الجميع أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) أدخل أبا سفيان وأولاده وزعماء قريش في المؤلفة قلوبهم وكان يعطيهم من هذا السهم ، وهو دليل على أنهم لم يؤمنوا !
وسيأتي حكمه ( صلى الله عليه وآله ) بأن كل طلقاء قريش وعتقاء ثقيف دائرة وحَيِّزٌ ملحق بأمته إلحاقاً ، وليسوا من صلبها ، وحديثه صحيح عندهم !
ونختم بحديث رواه الراوندي في قصص الأنبياء / 293 عن الصدوق بإسناده عن ابن عباس قال : ( دخل أبو سفيان على النبي ( صلى الله عليه وآله ) يوماً فقال : يا رسول الله أريد أن أسألك عن شئ فقال ( صلى الله عليه وآله ) : إن شئت أخبرتك قبل أن تسألني ؟ قال : إفعل ، قال : أردت أن تسأل عن مبلغ عمري ؟ فقال : نعم يا رسول الله فقال : إني أعيش ثلاثاً وستين سنه ، فقال : أشهد أنك صادق . فقال ( صلى الله عليه وآله ) : بلسانك دون قلبك ) ! انتهى .
وهو حديث يدل على أن أبا سفيان كان يحسب ويخطط لما بعد النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، والمرجح عندي أن حاخامات اليهود كلفوه بهذا السؤال !

من تحذيرات الله ورسوله ( صلى الله عليه وآله ) من بني أمية !

تقدم في بحث السنن الإلهية في الهداية والضلال ، بعض أحاديث النبي ( صلى الله عليه وآله ) عن الشجرة الأموية الملعونة ( وخلفائها ) القردة المضلين !
وثبت في الصحيح أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) أخبر أن بني أمية سيحكمون ألف شهر ثم ينتهون بأشخاصهم ، لكن خطهم يبقى حاكماً وتبقى العترة النبوية مضطهدة ، حتى يخرج السفياني من الأمويين ، ويظهر الإمام المهدي ( عليه السلام ) !
كما ورد في تفسير قوله تعالى : إنَّا أعطيناك الكوثَرْ ، وقوله تعالى : إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 45 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لَيْلَةِ الْقَدْرِ ، وقوله تعالى : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ ، أحاديث حاسمة في ذم بني أمية ، والتحذير من شرهم :
ففي مسند أحمد : 2 / 385 ، عن أبي هريرة : ( سمعت رسول الله ( ص ) يقول : ليرتقين جبار من جبابرة بني أمية على منبري هذا ) .
وفي مجمع الزوائد : 5 / 243 : ( عن أبي هريرة أن رسول الله ( ص ) رأى في منامه كأن بني الحكم ينزون على منبره وينزلون ! فأصبح كالمتغيظ فقال : ما لي رأيت بني الحكَم ينزون على منبري نزو القردة ؟ ! قال : فما رؤي رسول الله مستجمعاً ضاحكاً بعد ذلك حتى مات ( ص ) ! رواه أبو يعلى ، ورجاله رجال الصحيح غير مصعب بن عبد الله بن الزبير وهو ثقة ) . انتهى .
وفي مجمع الزوائد : 5 / 240 : ( عن عبد الله بن عمرو قال كنا جلوساً عند النبي ( ص ) وقد ذهب عمرو بن العاص يلبس ثيابه ليلحقني ، فقال ونحن عنده : ليدخلن عليكم رجل لعين ! فوالله ما زلت وجلاً أتشوف خارجاً وداخلاً حتى دخل فلان يعني الحكم . رواه أحمد والبزار ، إلا أنه قال دخل الحكم بن أبي العاص ، والطبراني في الأوسط ، ورجال أحمد رجال الصحيح ) .
وفي معجم الطبراني الكبير : 3 / 90 عن الحسن بن علي رضي الله عنه لمن اعترض على صلحه مع معاوية : ( رحمك الله فإن رسول الله قد أريَ بني أمية يخطبون على منبره رجلاً فرجلاً فساءه ذلك ، فنزلت هذه الآية : إنَّا أعطيناك الكوثَرْ ، نهر في الجنة : ونزلت : إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ . وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ . لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ . تملكه بني أمية ! قال القاسم : فحسبنا ذلك فإذا هو ألفٌ ، لا يزيد ولا ينقص ) . انتهى . ( ورواه البيهقي في فضائل الأوقات / 211 ، والترمذي : 5 / 115 ، والحاكم في المستدرك : 3 / 170 ، وصححه ، وروى أحاديث أخرى في : 3 / 175 ، و 4 : / 74 ) !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 46 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي فتح الباري : 8 / 287 : ( عن ابن عباس أنه سأل عمر عن هذه الآية ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ ) ؟ فقال مَن هم ؟ قال : هم الأفجران من بني مخزوم وبني أمية ، أخوالي وأعمامك ! فأما أخوالي فاستأصلهم الله يوم بدر ، وأما أعمامك فأملى الله لهم إلى حين ) ! ثم أورد حديث علي ( عليه السلام ) وقال : ( وهو عند عبد الرزاق أيضاً ، والنسائي ، وصححه الحاكم ) . انتهى .
ويقصد عمر بقوله : ( فأما أخوالي فاستأصلهم الله يوم بدر ) بني مخزوم ورئيسهم أبا جهل ، وكانت حنتمة أم عمر تنسب إليهم ، وكان خالد بن الوليد لا يقبل ذلك .
ويشير عمر باستئصالهم إلى قوله تعالى : لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ . لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمر شَيء أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ . وَللهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرض يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) . ( آل عمران : 121 - 129 ) . لكن معنى الآية أن الإرادة الإلهية أن يُمهل بعض قبائل قريش ، ويقطع طرفاً منهم بقتل زعمائهم واستئصالهم سياسياً ، وإخراجهم من ساحة الصراع مع الإسلام ! لذلك لم نرَ لهم أيَّ دور مهم في التاريخ ! وهم : بنو عبد الدار ، الذين كانوا فرسان قريش وأصحاب حربها ، وقد قتل علي ( عليه السلام ) منهم في بدر وأحُد ، بضعة عشر فارساً كلهم أبطال حَمَلةُ راية قريش !
وبنو المغيرة ، العائلة المالكة في بني مخزوم ، وقد انطفؤوا بعد مقتل أبي جهل في بدر ، وبرز منهم عسكري واحد فقط هو خالد بن الوليد !
وقال في فتح الباري : 7 / 235 : ( وعند عبد بن حميد في التفسير من طريق أبي الطفيل ، قال : قال عبد الله بن الكواء لعلي رضي الله عنه : مَن الذين بدَّلوا نعمة الله كفراً ؟ قال : هم الأفجران من قريش : بنو أمية وبنو مخزوم ، قد كبَتَهم يوم بدر ! وأخرجه الطبراني من وجه آخر عن علي نحوه ، لكن فيه : فأما بنو مخزوم فقطع
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 47 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الله دابرهم يوم بدر ، وأما بنو أمية فمُتِّعُوا إلى حين ) .
* *
أما مصادرنا ، فروت تأكيد النبي وآله ( صلى الله عليه وآله ) على أن كل قريش مسؤولة عن تبديل نعمة الله كفراً ، وليس بني المغيرة المخزوميين وبني أمية فقط ! قال الإمام الصادق ( عليه السلام ) لأحدهم : ( ما تقولون في ذلك ؟ فقال : نقول : هما الأفجران من قريش بنو أمية وبنو المغيرة . فقال ( عليه السلام ) : بل هي قريش قاطبة ، إن الله خاطب نبيه فقال : إني قد فضلت قريشاً على العرب وأتممت عليهم نعمتي ، وبعثت إليهم رسولاً فبدلوا نعمتي ، وكذبوا رسولي ) . انتهى . ( تفسير العياشي : 2 / 229 ) .
وفي الكافي : 8 / 345 ، عن الإمام الباقر ( عليه السلام ) قال : أصبح رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يوماً كئيباً حزيناً ؟ فقال له : علي ( عليه السلام ) مالي أراك يا رسول الله كئيباً حزيناً ؟ فقال : وكيف لا أكون كذلك وقد رأيت في ليلتي هذه أن بني تيم وبني عدي وبني أمية يصعدون منبري هذا يردُّون الناس عن الإسلام القهقرى ، فقلت : يا رب في حياتي أو بعد موتي ؟ فقال : بعد موتك ) !
وفي الصحيفة السجادية / 13 : ( قال لي أبو عبد الله ( عليه السلام ) : يا متوكل كيف قال لك يحيى : ابن عمي محمد بن على وابنه جعفراً دعوا الناس إلى الحياة ودعوناهم إلى الموت ؟ ! قلت : نعم أصلحك الله قد قال لي ابن عمك يحيى ذلك . فقال : يرحم الله يحيى ، إن أبي حدثني عن أبيه عن جده عن علي ( عليه السلام ) أن رسول الله أخذته نعسة وهو على منبره ، فرأى في منامه رجالاً ينزون على منبره نزو القردة ، يردُّون الناس على أعقابهم القهقرى ، فاستوى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) جالساً والحزن يعرف في وجهه ، فأتاه جبريل ( عليه السلام ) بهذه الآية : وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلا طُغْيَانًا كَبِيرًا ! يعني بني أمية ! قال : يا جبريل على عهدي يكونون وفي زمني ؟ قال : لا ، ولكن تدور
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 48 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
رحى الإسلام من مهاجرك فتلبث بذلك عشراً ، ثم تدور رحى الإسلام على رأس خمسة وثلثين من مهاجرك فتلبث بذلك خمساً ، ثم لا بد من رحى ضلالة هي قائمة على قطبها ثم ملك الفراعنة ! قال : وأنزل الله تعالى في ذلك : إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ . وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ . لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ، يملكها بنو أمية فيها ليلة القدر . قال : فأطلع الله عز وجل نبيه ( عليه السلام ) أن بني أمية تملك سلطان هذه الأمة وملكها طول هذه المدة ، فلو طاولتهم الجبال لطالوا عليها ، حتى يأذن الله تعالى بزوال ملكهم ، وهم في ذلك يستشعرون عداوتنا أهل البيت بغضنا ، أخبر الله نبيه بما يلقى أهل بيت محمد ( عليهم السلام ) وأهل مودتهم وشيعتهم منهم في أيامهم وملكهم . قال : وأنزل الله تعالى فيهم : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ . جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ . ونعمة الله محمد وأهل بيته ( صلى الله عليه وآله ) حبهم إيمان يدخل الجنة ، وبغضهم كفر ونفاق يدخل النار ، فأسرَّ رسول الله ذلك إلى على وأهل بيته ) . انتهى .
* *
أما تحذيرات أمير المؤمنين ( عليه السلام ) من خطر بني أمية فقد تتابعت وكان يذكِّر بها الأمة ويقرع بها آذان معاصريه والأجيال ، شارحاً لهم آيات الله تعالى ، وأحاديث رسوله ( صلى الله عليه وآله ) ، وفيما يلي نماذج منها :
( 1 )
قال ( عليه السلام ) : ( والله لقد أخبرني رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وعرَّفني أنه رأى على منبره اثني عشر رجلاً أئمة ضلال من قريش يصعدون منبر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وينزلون على صورة القرود يردون أمته على أدبارهم عن الصراط المستقيم . قد خبَّرني بأسمائهم رجلاً رجلاً وكم يملك كل واحد منهم واحد بعد واحد . عشرة منهم من بني أمية ورجلان من حيين مختلفين من قريش . . . وسمعته يقول : إن بني أبي العاص إذا بلغوا ثلاثين رجلاً جعلوا كتاب الله دَخَلاً وعباد الله خَوَلاً ومال الله دِوَلاً ) . ( كتاب سليم بن قيس / 303 )
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 49 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
( 2 )
وقال ( عليه السلام ) : ( ألا إن أخوف الفتن عليكم من بعدي فتنة بني أمية ! إنها فتنة عمياءُ صمَّاءُ مطبقة مظلمة عمَّت فتنتها وخصَّت بليَّتُها . أصاب البلاء من أبصر فيها ، وأخطأ البلاء من عمي عنها . أهل باطلها ظاهرون على أهل حقها ، يملؤون الأرض بدعاً وظلماً وجوراً . وأول من يضع جبروتها ويكسر عمودها ، وينزع أوتادها الله رب العالمين وقاصم الجبارين .
ألا إنكم ستجدون بني أمية أرباب سوء بعدي ، كالناب الضروس تعضُّ بفيها وتخبط بيديها وتضرب برجليها وتمنع درها . وأيم الله ، لا تزال فتنتهم حتى لا تكون نصرة أحدكم لنفسه إلا كنصرة العبد السوء لسيده ، إذا غاب سبه وإذا حضر أطاعه .
وأيْمُ الله لو شردوكم تحت كل كوكب لجمعكم الله لشر يوم لهم .
فقال الرجل : فهل من جماعة يا أمير المؤمنين بعد ذلك ؟ قال ( عليه السلام ) : إنها ستكون جماعة شتى ، عطاؤكم وحجكم وأسفاركم واحد والقلوب مختلفة . قال واحد : كيف تختلف القلوب ؟ قال ( عليه السلام ) : هكذا ، وشبك بين أصابعه ، ثم قال : يقتل هذا هذا ، وهذا هذا هَرْجاً هرجاً ، ويبقى طغام جاهلية ليس فيها منار هدى ولا علم يرى . نحن أهل البيت منها بمنجاة ، ولسنا فيها بدعاة .
قال : فما أصنع في ذلك الزمان يا أمير المؤمنين ؟ قال ( عليه السلام ) : أنظروا أهل بيت نبيكم ، فإن لبدوا فالبدوا وإن استنصروكم فانصروهم تُنصروا وتُعذروا ، فإنهم لن يخرجوكم من هدى ولن يدعوكم إلى ردى ، ولا تسبقوهم بالتقدم فيصرعكم البلاء ، وتشمت بكم الأعداء . قال : فما يكون بعد ذلك يا أمير المؤمنين ؟ قال ( عليه السلام ) : يفرِّجُ الله البلاء برجل من بيتي كانفراج الأديم من بيته ، يسومهم خسفا ويسقيهم بكأس مصبَّرة ولا يعطيهم ولا يقبل منهم إلا السيف ، هرجاً هرجاً ، يحمل السيف على عاتقه ثمانية أشهر حتى تود قريش بالدنيا وما فيها أن يروني مقاماً واحداً فأعطيهم وآخذ منهم بعض ما قد منعوني ، وأقبل منهم بعض ما يرد عليهم حتى يقولوا : ما هذا من قريش ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 50 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لو كان هذا من قريش ومن ولد فاطمة لرحمنا ! يغريه الله ببني أمية فيجعلهم تحت قدميه ويطحنهم طحن الرحى . مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً . سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً ) . ( كتاب سليم بن قيس / 257 )
( 3 )
وقال ( عليه السلام ) في إحدى خطبه : ( أما بعد أيها الناس فأنا فقأت عين الفتنة ولم تكن ليجرأ عليها أحد غيري ، بعد أن ماج غيهبها واشتد كلبها ! فاسألوني قبل أن تفقدوني فوالذي نفسي بيده لا تسألوني عن شئ فيما بينكم وبين الساعة ، ولا عن فئة تهدي مائة وتضل مائة ، إلا أنبأتكم بناعقها وقائدها وسائقها ومناخ ركابها ومحط رحالها ، ومن يقتل من أهلها قتلاً ويموت منهم موتاً .
ولو قد فقدتموني ونزلت بكم كرائه الأمور وحوازب الخطوب ، لأطرق كثير من السائلين وفشل كثير من المسؤولين . وذلك إذا قلَصت حربكم وشمَّرت عن ساق ، وضاقت الدنيا عليكم ضيقاً تستطيلون معه أيام البلاء عليكم ، حتى يفتح الله لبقية الأبرار منكم . إن الفتن إذا أقبلت شبَّهَتْ ، وإذا أدبرت نبَّهت . يُنكرن مقبلات ويعرفن مدبرات . يَحُمْنَ حول الرياح يُصبنَ بلداً ويُخطئن بلداً . ألا إن أخوف الفتن عندي عليكم فتنة بني أمية ، فإنها فتنة عمياء مظلمة ، عمَّت خطتها ، وخصت بليتها ، وأصاب البلاء من أبصر فيها ، وأخطأ البلاء من عمي عنها . وأيمُ الله لتجدن بني أمية لكم أرباب سوء بعدي ، كالناب الضروس ، تَعْذِمُ بفيها وتخبط بيدها ، وتَزْبُن برجلها وتمنع درها . لا يزالون بكم حتى لا يتركوا منكم إلا نافعاً لهم ، أو غير ضائر بهم ! ولا يزال بلاؤهم حتى لا يكون انتصار أحدكم منهم إلا كانتصار العبد من ربه ، والصاحب من مستصحبه ) ! ( نهج البلاغة : 1 / 182 )
( 4 )
وقال ( عليه السلام ) : ( والله لا يزالون حتى لا يدعوا لله محرماً إلا استحلوه ولا عقداً إلا حلوه ! وحتى لا يبقى بيت مدر ولا وبر إلا دخله ظلمهم ونبا به سوء رَعْيهم ، وحتى يقوم الباكيان يبكيان باك يبكي لدينه وباك يبكي لدنياه . وحتى تكون نصرة أحدكم من
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 51 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أحدهم كنصرة العبد من سيده . إذا شهد أطاعه وإذا غاب اغتابه . وحتى يكون أعظمكم فيها غناء أحسنكم بالله ظناً . فإن أتاكم الله بعافية فاقبلوا ، وإن ابتليتم فاصبروا فإن العاقبة للمتقين ) . ( نهج البلاغة : 1 / 190 )
( 5 )
ومن جواب له ( عليه السلام ) إلى معاوية : ( أما بعد فقد أتاني كتابك تذكر فيه اصطفاء الله محمداً ( صلى الله عليه وآله ) لدينه وتأييده إياه بمن أيده من أصحابه ، فلقد خبَّأ لنا الدهر منك عجباً ، إذ طفقت تخبرنا ببلاء الله عندنا ونعمته علينا في نبينا ، فكنت في ذلك كناقل التمر إلى هجر ، أو داعي مسدده إلى النضال .
وزعمت أن أفضل الناس في الإسلام فلان وفلان ، فذكرت أمراً إن تمَّ اعتزلك كله وإن نقص لم تلحقك ثلمته ! وما أنت والفاضل والمفضول والسائس والمسوس ؟ ! وما للطلقاء وأبناء الطلقاء والتمييز بين المهاجرين الأولين وترتيب درجاتهم وتعريف طبقاتهم ! هيهات لقد حَنَّ قِدْح ليس منها ، وطفق يحكم فيها من عليه الحكم لها . ألا تربع أيها الإنسان على ظلعك وتعرف قصور ذرعك ؟ وتتأخر حيث أخرك القدر ، فما عليك غلبة المغلوب ، ولا لك ظفر الظافر ! وإنك لذهَّابٌ في التيه رواغٌ عن القصد ! ألا ترى غير مخبر لك ولكن بنعمة الله أحدث أن قوماً استشهدوا في سبيل الله من المهاجرين ولكل فضل ، حتى إذا استشهد شهيدنا قيل سيد الشهداء ، وخصه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بسبعين تكبيرة عند صلاته عليه ؟ أولا ترى أن قوماً قطعت أيديهم في سبيل الله ولكل فضل ، حتى إذا فعل بواحدنا ما فعل بواحدهم قيل الطيار في الجنة وذو الجناحين ؟ ولولا ما نهى الله عنه من تزكية المرء نفسه لذكر ذاكرٌ فضائل جمة تعرفها قلوب المؤمنين ولا تمجها آذان السامعين ، فدع عنك من مالت به الرَّمْيَة ، فإنا صنائع ربنا والناس بعد صنائع لنا ، لم يمنعنا قديم عزنا ولا عادي طولنا على قومك أن خلطناكم بأنفسنا فنكحنا وأنكحنا ، فعلَ الأكفاء ولستم هناك ! وأنى يكون ذلك كذلك ومنا النبي ( صلى الله عليه وآله ) ومنكم المكذب ، ومنا أسد الله ومنكم أسد الأحلاف ، ومنا سيدا شباب أهل الجنة ومنكم صبية النار ، ومنا خير نساء العالمين ومنكم حمالة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 52 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الحطب ، في كثير مما لنا وعليكم !
فإسلامنا قد سمع ، وجاهليتنا لا تدفع ، وكتاب الله يجمع لنا ما شذ عنا وهو قوله : وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ ، وقوله تعالى : إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ . فنحن مرة أولى بالقرابة ، وتارة أولى بالطاعة . ولما احتج المهاجرون على الأنصار يوم السقيفة برسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فَلَجوا عليهم ! فإن يكن الفلج به فالحق لنا دونكم وإن يكن بغيره فالأنصار على دعواهم !
وزعمت أني لكل الخلفاء حسدتُ وعلى كلهم بغيت ، فإن يكن ذلك كذلك فليس الجناية عليك فيكون العذر إليك ، وتلك شكاةٌ ظاهرٌ عنك عارها .
وقلت إني كنت أقاد كما يقاد الجمل المخشوش حتى أبايع ، ولعمر الله لقد أردت أن تذم فمدحت ، وأن تفضح فافتضحت ! وما على المسلم من غضاضة في أن يكون مظلوماً ما لم يكن شاكاً في دينه ولا مرتاباً بيقينه . وهذه حجتي إلى غيرك قصدها ، ولكني أطلقت لك منها بقدر ما سنح من ذكرها !
ثم ذكرت ما كان من أمري وأمر عثمان ، فلك أن تجاب عن هذه لرحمك منه فأينا كان أعدى له وأهدى إلى مقاتله ؟ أمن بذل له نصرته فاستقعده واستكفه ، أمن استنصره فتراخى عنه وبث المنون إليه حتى أتى قدره عليه . كلا والله لقد علم الله الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلا قَلِيلاً .
وما كنت لأعتذر من أني كنت أنقم عليه أحداثاً ، فإن كان الذنب إليه إرشادي وهدايتي له ، فرب ملوم لا ذنب له ، وقد يستفيد الظنة المتنصح . وما أردت إلا الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت .
وذكرت أنه ليس لي ولأصحابي إلا السيف ، فلقد أضحكت بعد استعبار ، متى ألفيتَ بني عبد المطلب عن الأعداء ناكلين ، وبالسيوف مخوَّفين ! لبِّث قليلا يلحق الهيجا حمل ، فسيطلبك من تطلب ، ويقرب منك ما تستبعد ، وأنا مرقل نحوك في
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 53 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
جحفل من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان ، شديد زحامهم ، ساطع قتامهم ، متسربلين سرابيل الموت ، أحب اللقاء إليهم لقاء ربهم ، قد صحبتهم ذرية بدرية وسيوف هاشمية ، قد عرفت مواقع نصالها في أخيك وخالك وجدك وأهلك ! وما هي من الظالمين ببعيد ) . ( نهج البلاغة : 3 / 30 ) "
( 6 )
وعن الإمام الصادق ( عليه السلام ) قال : ( خطب أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بالمدينة فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي وآله ، ثم قال : أما بعد ، فإن الله تبارك وتعالى لم يقصم جباري دهر إلا من بعد تمهيل ورخاء ، ولم يجبر كسر عظم من الأمم إلا بعد أزل وبلاء .
أيها الناس : في دون ما استقبلتم من عطب واستدبرتم من خطب معتبر ، وما كل ذي قلب بلبيب ، ولا كل ذي سمع بسميع ، ولا كل ذي ناظر عين ببصير ! فيا عجباً وما لي لا أعجب من خطأ هذه الفرق على اختلاف حججها في دينها ، لا يقتصون أثر نبي ولا يقتدون بعمل وصي ، ولا يؤمنون بغيب ولا يعفون عن عيب ، المعروف فيهم ما عرفوا ، والمنكر عندهم ما أنكروا ، وكل امرئ منهم إمام نفسه ، آخذٌ منها فيما يرى بعرى وثيقات وأسباب محكمات ، فلا يزالون بجور ولن يزدادوا إلا خطأ ، لا ينالون تقرباً ولن يزدادوا إلا بعداً من الله عز وجل . . . .
أيها الناس : إن المنتحلين للإمامة من غير أهلها كثير ، ولو لم تتخاذلوا عن مر الحق ولم تهنوا عن توهين الباطل ، لم يتشجع عليكم من ليس مثلكم ولم يقو من قوي عليكم وعلى هضم الطاعة وإزوائها عن أهلها ، لكن تهتم كما تاهت بنو إسرائيل على عهد موسى بن عمران ( عليه السلام ) ! ولعمري ليضاعَفَنَّ عليكم التيه من بعدي أضعاف ما تاهت بنو إسرائيل ! ولعمري أن لو قد استكملتم من بعدي مدة سلطان بني أمية لقد اجتمعتم على سلطان الداعي إلى الضلالة وأحييتم الباطل ، وخلفتم الحق وراء ظهوركم ، وقطعتم الأدنى من أهل بدر ، ووصلتم الأبعد من أبناء الحرب لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ! ولعمري أن لو قد ذاب ما في أيديهم ، لدنا التمحيص للجزاء ، وقرب
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 54 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الوعد وانقضت المدة ، وبدا لكم النجم ذو الذنب من قبل المشرق ، ولاح لكم القمر المنير ، فإذا كان ذلك فراجعوا التوبة ، واعلموا أنكم إن اتبعتم طالع المشرق سلك بكم مناهج الرسول ( صلى الله عليه وآله ) فتداويتم من العمى والصَّمَم والبَكَم ، وكفيتم مؤونة الطلب والتعسف ، ونبذتم الثقل الفادح عن الأعناق ، ولا يبعد الله إلا من أبى وظلم واعتسف وأخذ ما ليس له . وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ) . ( الكافي : 8 / 63 )
( 7 )
وختاماً ، في الكافي : 8 / 58 في خطبة لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) بسند صحيح قال : ( ألا إن أخوف ما أخاف عليكم خلتان : اتباع الهوى وطول الأمل ، أما اتباع الهوى فيصد عن الحق ، وأما طول الأمل فينسي الآخرة . ألا إن الدنيا قد ترحلت مدبرة ، وإن الآخرة قد ترحلت مقبلة ، ولكن واحدة بنون فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا ، فإن اليوم عملٌ ولا حساب ، وإن غداً حساب ولا عمل .
وإنما بدء وقوع الفتن من أهواء تتبع وأحكام تبتدع ، يخالف فيها حكم الله يتولى فيها رجالٌ رجالاً ! ألا إن الحق لو خلص لم يكن اختلاف ، ولو أن الباطل خلص لم يخف على ذي حجى ، لكنه يؤخذ من هذا ضغث ومن هذا ضغث فيمزجان فيجللان معاً ! فهنالك يستولي الشيطان على أوليائه ونجا الذين سبقت لهم من الله الحسنى . إني سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول : كيف أنتم إذا لبستم فتنة يربو فيها الصغير ويهرم فيها الكبير ، يجري الناس عليها ويتخذونها سنة ، فإذا غير منها شئ قيل : قد غيرت السنة ، وقد أتى الناس منكراً ! ثم تشتد البلية وتسبى الذرية ، وتدقهم الفتنة كما تدق النار الحطب ، وكما تدق الرحى بثفالها ، ويتفقهون لغير الله ويتعلمون لغير العمل ويطلبون الدنيا بأعمال الآخرة ) . انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 55 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الثاني : الهوية الشخصية لمعاوية

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 56 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 57 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

كان يأكل في اليوم سبع مرات ، ويُقعد بطنه على فخذيه !

قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : ( أما إنه سيظهر عليكم بعدي رجلٌ رحْبُ البلعوم ، مُنْدَحِق البطن ، يأكل ما يجد ، ويطلب ما لا يجد ، فاقتلوه ولن تقتلوه ! ألا وإنه سيأمركم بسبي والبراءة مني ، فأما السب فسبوني فإنه لي زكاة ولكم نجاة وأما البراءة فلا تتبرأوا مني ، فإني ولدتُ على الفطرة ، وسبقت إلى الإيمان والهجرة ) .
وقال ابن أبي الحديد في شرحه : 4 / 54 : ( والأشبه عندي أنه عنى معاوية لأنه كان موصوفاً بالنهم وكثرة الأكل ، وكان بطيناً يُقعد بطنه إذا جلس على فخذيه ، وكان معاوية جواداً بالمال والصلات وبخيلاً على الطعام . يقال إنه مازح أعرابياً على طعامه وقد قدم بين يديه خروف ، فأمعن الأعرابي في أكله فقال له : ما ذنبه إليك ، أنَطَحَك أبوه ؟ ! فقال الأعرابي : وما حُنُوُّك عليه ؟ أأرضعتك أمه ؟ !
كان معاوية يأكل فيكثر ثم يقول : إرفعوا فوالله ما شبعت ولكن مللت وتعبت ) !
وقال العلامة الحلي ( رحمه الله ) في نهج الحق / 307 : ( وروى مسلم في الصحيح عن ابن عباس قال : كنت ألعب مع الصبيان فجاء رسول الله فتواريت خلف باب قال : فحَطَأني حَطْأة وقال : إذهب فادع لي معاوية . قال : فجئت فقلت : هو يأكل ، ثم قال : إذهب فادع لي معاوية قال : فجئت فقلت هو يأكل ! فقال : لا أشبع الله بطنه !
قال ابن المثنى : قلت لأمية : ما حطأني ؟ قال : فقدني فقدة . فلو لم يكن عنده معاوية من أشد المنافقين لما دعا عليه ، لأنه كما وصفه الله تعالى : وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ، وقال في حقه : فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ، فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ . ومن يقارب قتل نفسه على الكفار كيف يدعو على مسلم عنده ؟
وقال الله تعالى : إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً ، فقال ( صلى الله عليه وآله ) والله لأزيدن على السبعين . وقد ورد في تفسير : وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ : أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) كلما آذاه الكفار من
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 58 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قومه قال : اللهم اغفر لقومي إنهم لا يعلمون ، فلو لم يكن عنده منافقاً لكان يدعو له ولا يدعو عليه ؟ ! وكيف جاز لمعاوية أن يعتذر بالأكل مع أنه ( صلى الله عليه وآله ) قال : لا يؤمن عبد حتى أكون أحب إليه من نفسه وأهله وماله وولده ) . انتهى .
أقول : جاء كلام العلامة ( رحمه الله ) على مبناهم في صحة الحديث ، وإلا فالصحيح هو قول أبي ذر ( رحمه الله ) لمعاوية : ( لعنك رسول الله ودعا عليك مرات أن لا تشبع ) . ( الغدير : 8 / 305 ، والانتصار : 8 / 191 ، وموسوعة شهادة المعصومين : 2 / 80 ، وشرح النهج : 8 / 257 ) .
هذا ، وقد صار نهم معاوية مثلاً عند الناس ذكرته مصادر اللغة والأدب !
ففي الأمثال للميداني : 1 / 76 : ( ويقولون : آلف من الحمى وآكل من معاوية ومن الرحى . وقال الشاعر :

وصاحب لي بطنه كالهاويه * كأن في أمعائه معاوية

وقال آخر :

كأنما في جوفها ابن صخر * ومعدة هاضمة للصخر

وفي التدوين في أخبار قزوين : 2 / 85 : ( اختار أبو تمام من شعر المتقدمين في الحماسة المشهورة ، فقال خلال الرسالة : كان بقزوين رجل يعرف بأبي محمد الضرير القزويني ، حضر طعاماً وإلى جنبه رجل أكول ، فأحس أبو محمد جودة أكله فقال : وصاحب لي بطنه كالهاويه كأن في أمعائه معاوية . ثم قال أبو الحسين : أنظر إلى وجازة هذا اللفظ وجودة وقوع الأمعاء إلى جنب معاوية ) !
وفي خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر للمحبي : 1 / 491 : ( وهذا البيت قد ذكره الثعالبي في اليتيمة واستجاده وجازه لفظه ، ووقوع الأمعاء إلى جنب معاوية مزية ثالثة وهي : كون الذي أنشد فيه من نسل معاوية ) ! انتهى .
وقد اتفقوا على أن شحم بطن معاوية تعاظم فلم يستطع القيام فكان يخطب قاعداً ( ابن أبي شيبة : 2 / 23 ، وفتح الباري : 2 / 333 وعون المعبود : 3 / 310 ، والأم : 1 / 229 ، وسبل السلام : 2 / 47 ) .

جعلوا دعاء النبي ( صلى الله عليه وآله ) عليه أن لا يشبع فضيلةً ومنقبة !

تَحَايَلَ أتباع معاوية ومنهم ابن كثير ، على دعاء النبي ( صلى الله عليه وآله ) على معاوية أن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 59 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لا يشبع الله بطنه كل عمره ، فجعلوه فضيلة ومنقبة ! قال ابن كثير في النهاية : 6 / 189 : ( قلت : وقد كان معاوية رضي الله عنه لا يشبع بعدها ، ووافقته هذه الدعوة في أيام إمارته ، فيقال : إنه كان يأكل في اليوم سبع مرات طعاماً بلحم ، وكان يقول : والله لا أشبع وإنما أعيا ) ! وقال في النهاية : 8 / 128 : ( فما شبع بعدها ، وقد انتفع معاوية بهذه الدعوة في دنياه وأخراه ، أما في دنياه فإنه لما صار إلى الشام أميراً كان يأكل في اليوم سبع مرات يجاء بقصعة فيها لحم كثير وبصل فيأكل منها ، ويأكل في اليوم سبع أكلات بلحم ، ومن الحلوى والفاكهة شيئاً كثيراً ، ويقول : والله ما أشبع وإنما أعيا ! وهذه نعمة ومعدة يرغب فيها كل الملوك ! !
وأما في الآخرة ، فقد أتبع مسلم هذا الحديث بالحديث الذي رواه البخاري وغيرهما من غير وجه ، عن جماعة من الصحابة أن رسول الله ( ص ) قال : اللهم إنما أنا بشر ، فأيُّما عبد سببته أو جلدته أو دعوت عليه وليس لذلك أهلاً ، فاجعل ذلك كفارة وقربة تقربه بها عندك يوم القيامة ! فركَّب مسلم من الحديث الأول وهذا الحديث فضيلة لمعاوية ، ولم يورد له غير ذلك ) . انتهى . وختم ابن كثير بقوله : 8 / 141 : ( أول من خطب جالساً معاوية حين كثر شحمه وعظم بطنه ) . انتهى .
أقول : وهذا أيضاً من تحايلهم لتخليص الملعونين على لسان النبي ( صلى الله عليه وآله ) وجعل اللعن فضيلة لهم ! حتى لو كان ثمن ذلك الطعن في النبي ( صلى الله عليه وآله ) الذي لا ينطق عن الهوى واتهامه بأنه كان يؤذي ويلعن من لا يستحقون ذلك ! وقد بحثنا ذلك في كتاب تدوين القرآن ، وكتاب ألف سؤال وإشكال .
ثم أورد ابن كثير أحاديث موضوعة في فضائل معاوية ، وانتقد بعضها ومال إلى تصحيح البعض ، مع أنه يعرف أن الحفاظ اتفقوا على أنه لم يصح حديث
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 60 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
نبوي في فضل معاوية ، إلا الدعاء عليه بعدم الشبع ، وأن كل ما عداه موضوع !
ثم ، ماذا يصنعون بالحديث الذي ينفي الإيمان عن هذا النوع المنهوم من الناس ؟ فقد روى البخاري : 6 / 201 ، عن ابن عمر أنه قال : ( إن رسول الله ( ص ) قال : إن الكافر يأكل في سبعة أمعاء ! فقال : فأنا أؤمن بالله ورسوله ) . وعن أبي هريرة أن رجلاً كان يأكل أكلاً كثيراً فأسلم فكان يأكل أكلاً قليلاً ، فذكر ذلك للنبي ( ص ) فقال : إن المؤمن يأكل في معي واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء ) . ( ونحوه مسلم : 6 / 133 ، والموطأ : 2 / 924 ، وأحمد : 2 / 318 . والكافي : 6 / 269 والخصال / 351 ) .

وكانت عجيزة معاوية كبطنه . . مضرب المثل !

من عجائب ما رواه المسلمون وأفلت من رقابة أتباع الخلافة ! الحديث الصحيح التالي الذي يكشف عن أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) أتم الحجة لربه على الأمة ، وأبلغ في العذر ! قال الطبراني في معجمه الكبير : 17 / 176 : ( عن نصر بن عاصم المؤذن ، عن أبيه قال : دخلت مسجد المدينة فإذا الناس يقولون نعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله ! قال قلت : ماذا ؟ ! قالوا : كان رسول الله يخطب على منبره فقام رجل فأخذ بيد ابنه فأخرجه من المسجد ، فقال رسول الله ( ص ) : لعن الله القائد والمقود ! ويل لهذه يوما لهذه الأمة من فلان ذي الإستاه ) . انتهى . وفلانٌ هنا هو معاوية كما نص عليه في الطبقات : 7 / 78 ( قلت ما هذا ؟ قالوا : معاوية مرَّ قُبَيْل أخذاً بيد أبيه ورسول الله ( ص ) على المنبر يخرجان من المسجد ، فقال رسول الله ( ص ) فيهما قولاً ) . انتهى . ومما يلفت أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) جمع كلمة ( إست ) وهي العجيزة ، للدلالة على كبر عجيزة معاوية ! ( ورواه في مجمع الزوائد : 5 / 242 : وقال : رواه الطبراني ورجاله ثقات . كما رواه المقدسي في المختارة : 8 / 179 ، والضحاك في الآحاد والمثاني : 2 / 192 ، ورواه في أسد الغابة : 3 / 76 ، وفيه : ويل لهذه الأمة من فلان ذي الإستاه أخرجه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 61 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الثلاثة . وشرح النهج : 4 / 79 وفيه : لعن الله التابع والمتبوع ! رُبَّ يوم لأمتي من معاوية ذي الإستاه ! قالوا : يعني الكبير العجز . وقال : روى العلاء بن حريز القشيري أن رسول الله ( ص ) قال لمعاوية : لتتخذن يا معاوية البدعة سنةً والقبح حسناً ! أكلك كثير وظلمك عظيم ) ! !
ورواه ابن عبد البر في الإستيعاب : 2 / 784 بلفظ : ( ويلٌ لهذه الأمة من ذي الأستاه وقال مرة أخرى ويل لأمتي من فلان ذي الأستاه . وقال أحمد ( بن أزهر ) : لا أدري أسمع عاصم هذا عن رسول الله ( ص ) أم لا ) انتهى . وهي محاولة للتشكيك في الحديث الشريف ! وقد نص ابن حجر في الإصابة : 3 / 465 ، على أن عاصماً صحابي ورد على رواية ابن عبد البر في الإصابة : 3 / 464 ، فقال : ( قال البغوي : ولا أدري له صحبة أم لا ؟ قلت قد أخرجه الطبراني من الوجه الذي أخرجه منه البغوي ، فزاد في أوله ما يدل على صحبته وهو قوله : دخلت المسجد مسجد المدينة وأصحاب رسول الله ( ص ) يقولون : نعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله ! قلت : ممَّ ذاك ؟ قالوا : كان يخطب آنفاً ، فقام رجل فأخذ بيد ابنه ثم خرجا فقال رسول الله ( ص ) : لعن الله القائد والمقود به ! ويلٌ لهذه الأمة من فلان ذي الأستاه ! ) . انتهى .
وقال في هامش البحار : 33 / 215 : ( ونصر هذا من رجال صحاح أهل السنة ، مترجم في كتاب تهذيب التهذيب : 10 / 427 . وأما أبو عاصم بن عمرو بن خالد الليثي فهو من الصحابة والصحابة كلهم عدول عند أهل السنة . قال ابن عبد البر في حرف العين من كتاب الإستيعاب بهامش الإصابة : 3 / 135 : عاصم بن عمرو بن خالد الليثي والد نصر بن عاصم ، روى عنه ابنه نصر بن عاصم . الخ . ثم هاجم أحمد [ بن زهير ] بقوله : ( أنظروا إلى هذا الأعور ! الصحابي العادل عنده يقول : قال رسول الله : ويل لهذه الأمة من ذي الأستاه ! ثم هو يبدي هواه وحبه لإمامه الذي أصمه عن الحق ويقول : لا أدري أسمع عاصم هذا عن رسول الله أم لا ؟ ! وذكره أيضاً الحافظ ابن حجر في ترجمة عاصم الرقم ( 4355 ) من الإصابة : 2 / 246 ) . انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 62 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم ذكر أن عاصماً هذا صاحب مسند في الطبراني الكبير .
أقول : يتعجب المرء من هؤلاء العلماء كيف يتشبثون بمعاوية الملعون على لسان نبيهم ( صلى الله عليه وآله ) بعد أن صح عندهم هذا الحديث ؟ !
ألا يرون أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) الذي لا ينطق عن الهوى ، قد تعمد أن يَجْبَهَ إمامهم معاوية وأباه باللعن ! وقلما يجبه أحداً . وتعمد أن يذكره بهذه السخرية التي لم يستعملها لأحد ، فجمع العجيزة عمداً على غير العادة ، ليكون كلامه ملفتاً ويبقى في الأذهان ، وتستوعبه القلوب من لهم قلوب !

وكان معاوية يشرب الخمر ويقدمها لضيوفه الصحابة !

في مسند أحمد : 5 / 347 : ( عن عبد الله بن بُرَيدة قال : دخلت أنا وأبي على معاوية فأجلسنا على الفرش ، ثم أُتينا بالطعام فأكلنا ، ثم أُتينا بالشراب فشرب معاوية ، ثم ناول أبي فقال : ما شربته منذ حرمه رسول الله ) . ( ورواه في تاريخ دمشق ( 27 / 127 ) .
وقال السقاف في موقع التنزيه : وحسنه شعيب الأرنؤوط في تعليق له على سير أعلام النبلاء ( 5 / 52 ) ، وقال : ناقشت بعض المتمسلفين في أمر معاوية ذات يوم وأوردت له هذا الحديث فقال : أكمل الحديث ؛ إن معاوية كان يشرب اللبن وأنت جعلته خمراً ! فقلت له : وهل اللبن مما حرمه رسول الله ( ص ) حتى يقول بريدة : ما شربته منذ حرمه رسول الله ( ص ) ؟ ! فقال لي مغالطاً : إن بريدة ظنه خمر وهو ليس بخمر إنما هو لبن ! فقلت له : كل هذه ظنون وخيالات ، وإلا لما قال ( فأُتيَ بالشراب ) ! ولما قال : ( ما شربته منذ حرمه رسول الله ) ! ! انتهى .
أقول : ومن تغطية الهيثمي على معاوية أنه جعل الحديث تحت عنوان : ( باب ما جاء في اللبن ! وقال : رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح وفي كلام معاوية شئ تركته ) . فجعل الخمر لبناً وترك شيئاً من كلام معاوية ( يتعلق باللبن طبعاً ) ! ( مجمع الزوائد : 5 / 42 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 63 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

وكان يصدِّر خمور الشام وفلسطين إلى العراق والجزيرة !

كان معاوية في عهد عمر ، الأمير البارز على الشام وفلسطين ، وفي عهد عثمان أميراً مطلقاً ، وكان شاباً مدللاً عند عمر ، فلم يضربه بسوطه ولا وبخه ، كما فعل مع أكثر عماله ، ولا صادر نصف أمواله ، كما فعل مع الذين أثْرَوْا بالحرام ، بل كان ينظر إليه فيعجبه ويقول : هذا كسرى العرب ! ( فتح الباري : 7 / 311 ) .
ولم تُشبع كِسْراهم واردات الدولة وكنوز الفتح ، فكان يتاجر بكل شئ تصل إليه يده حتى بتصدير خمور الشام ! وقد اعترض عليه اثنان من كبار الصحابة ، هما عبد الرحمن بن سهل الأنصاري ، وعُبادة بن الصامت ، وهو أحد نقباء الأنصار في بيعة العقبة وكان فارساً طويلاً جسيما جميلاً ، شارك في حروب النبي ( صلى الله عليه وآله ) كلها ، وولي قضاء الشام وفلسطين ( سير الذهبي : 2 / 10 ) وعندما رأى معاوية يتعامل بالربا ويشرب الخمر ويتاجر بها ، وقف في وجهه فشكاه معاوية إلى عثمان فعزله عن قضاء فلسطين ! لكن عُبادة بقي مصراً على رأيه ، معلناً أحاديث النبي ( صلى الله عليه وآله ) في معاوية وبني أمية ! وقد روى الجميع أخبار عبادة مع معاوية وعثمان واختصرها الذهبي في سيره : 2 / 9 ، ومنها في تاريخ دمشق : 26 / 197 عن رفاعة : ( أن عبادة بن الصامت مرت عليه قطارة وهو بالشام تحمل الخمر فقال : ما هذه أزيتٌ ؟ قيل : لا ، بل خمرٌ تباع لفلان ! فأخذ شفرة من السوق فقام إليها فلم يذر فيها راوية إلا بقرها ! وأبو هريرة إذ ذاك بالشام ، فأرسل فلان ( معاوية ) إلى أبي هريرة فقال : ألا تمسك عنا أخاك عبادة بن الصامت ، أما بالغدوات فيغدو إلى السوق فيفسد على أهل الذمة متاجرهم ، وأما بالعشي فيقعد بالمسجد ليس له عمل إلا شتم أعراضنا وعيبنا ، فأمسك عنا أخاك ! فأقبل أبو هريرة يمشي حتى دخل على عبادة فقال : يا عبادة ما لك ولمعاوية ذره وما حمل ، فإن الله يقول :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 64 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ . قال : يا أبو هريرة لم تكن معنا إذ بايعنا رسول الله ( ص ) ! بايعناه على السمع والطاعة في النشاط والكسل ، وعلى النفقة في العسر واليسر ، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وأن نقول في الله لا تأخذنا في الله لومة لائم ، وعلى أن ننصره إذا قدم علينا يثرب فنمنعه مما نمنع منه أنفسنا وأزواجنا وأهلنا ، ولنا الجنة ، ومن وفى وفى الله له الجنة مما بايع عليه رسول الله ومن نكث فإنما ينكث على نفسه ! فلم يكلمه أبو هريرة بشئ ! فكتب فلان ! إلى عثمان بالمدينة : إن عبادة بن الصامت قد أفسد عليَّ الشام وأهله ، فإما أن يكف عبادة ، وإما أن أخلي بينه وبين الشام ! فكتب عثمان إلى فلان أن أرحله إلى داره من المدينة ، فبعث به فلان حتى قدم المدينة ، فدخل على عثمان الدار وليس فيها إلا رجل من السابقين يعينه ، ومن التابعين الذين أدركوا القوم متوافرين ، فلم يَفُجَّ ( يحمل عليه ) عثمان به إلا وهو قاعدٌ في جانب الدار ، فالتفت إليه فقال : ما لنا ولك يا عبادة ؟ ! فقام عبادة قائماً وانتصب لهم في الدار فقال : إني سمعت رسول الله أبا القاسم يقول : سيلي أموركم بعدي رجال يعرفونكم ما تنكرون ، وينكرون عليكم ما تعرفون ، فلا طاعة لمن عصى ! فلا تعتَلُّوا بربكم فوالذي نفس عبادة بيده إن فلاناً لمن أولئك ! فما راجعه عثمان بحرف ) ! . ( وسير أعلام النبلاء : 2 / 10 ) .
وروت المصادر عدة مواقف لعبادة واجه بها معاوية ، ففي محصول الرازي : 4 / 319 : ( فقام عبادة بن الصامت فنهاهم فردوها ، فأتى الرجل معاوية فشكا إليه فقام معاوية خطيباً فقال : ما بال رجال يحدثون عن رسول الله أحاديث قد كنا نشهده ونصحبه فلم نسمعها منه ! فقام عبادة وأعاد القصة ثم قال : والله لنحدثن عن رسول الله وإن كره معاوية ، أو قال وإن رغم ! ما أبالي أن لا أصحبه في جنده
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 65 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ليلة سوداء ! فهذا يدل إما على كذب عبادة أو كذب معاوية ! ولو كذبنا معاوية لكذبنا أصحاب صفين كالمغيرة عنه وغيره ! وعلى أن معاوية لو كان كذاباً لما ولاه عمر وعثمان على الناس ) ! انتهى .
أقول : فانظر إلى تحيِّز الفخر الرازي وجرأته ! وحكمه بكذب عبادة بن الصامت الصحابي الجليل المجاهد نقيب بيعة العقبة ! من أجل معاوية الطليق الملعون بن الملعون ! إنهم يعرفون أن قضية عبادة وأجلاء الصحابة وأهل البيت ( عليهم السلام ) مع معاوية ليست تصديره للخمور فقط ، بل تشمل كل شخصية معاوية !
وفي تاريخ دمشق : 26 / 199 ، أن عُبادة خرج من المدينة حتى لا يشهد فتنة عثمان وأنه سكن في عسقلان ، وكان حاضراً عندما استُخلف معاوية فخطب في المدينة وجعل نفسه في مصاف الصحابة وأهل الجنة ! ( فقام عبادة بن الصامت فقال : أرأيت إن احترقت الجنة ؟ ! قال إذاً تخلص إليك النار ! قال : من ذلك أفرُّ . قال : فأمر به فأُخذ ، فأضرط بمعاوية ( أي نفخ استهزاء به ) ثم قال : ولأنت يا معاوية أصغر في عيني من أن أخافك في الله عز وجل ) ! وروى أنه عاد وأطلقه ، وذكر له موقفاً آخر مع معاوية في توزيع الغنائم في طرسوس .
أقول : كان كبار الصحابة يعترضون على معاوية فلا ينفع معه ، فيشكونه إلى عمر ، ومنهم أبو ذر وعبادة بن الصامت ، وكان عمر يدافع عنه دائماً ويداريهم إلى حد ما ! أما عثمان فكان يتمسك بمعاوية ويعاقب الشاكي ، حتى لو كان من كبار الصحابة ، أما غير الصحابة فكان معاوية يعاقبهم ، وقد تبلغ عقوبتهم القتل !

وكان معاوية شهوانياً خليعاً !

قال ابن كثير المحب لمعاوية في النهاية : 8 / 149 : ( خديج الخصي مولى معاوية قال : اشترى معاوية جارية بيضاء جميلة ، فأدخلتها عليه مجردة ! وبيده قضيب ، فجعل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 66 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يهوي به إلى متاعها - يعني فرجها - ويقول : هذا المتاع لو كان لي متاع ، إذهب بها إلى يزيد بن معاوية ) ! ( وتاريخ دمشق : 12 / 238 ، والإصابة : 4 / 197 ) .
وقد أورد ابن كثير هذه القصة ليقول إن معاوية فقيهٌ كبير ! لأنه انتبه فلم يرسل الجارية إلى يزيد ، بل وهبها لأحد رجاله ، لأنها حرمت على يزيد بسبب نظرة أبيه إليها بشهوة لقوله تعالى : ( وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ) ( النساء : 22 ) !
قال ابن كثير : ( وهذا من فقه معاوية وتحريه ، حيث كان نظر إليها بشهوة ، ولكنه استضعف نفسه عنها فتحرَّج أن يهبها من ولده يزيد . . . ) . انتهى .
أما بخاري فأشاد بفقاهة معاوية بدون قصة الجارية ! ( راجع صحيحه : 1 / 53 ) .
فاعرف إيمان معاوية وفقهه وأخلاقه وحياءه ! واعجب لمن أشربوه في قلوبهم كيف يرون قبائحه فضائل وتهتكه فقهاً ! ( راجع : تاريخ دمشق : 12 / 238 ، والإصابة : 4 / 196 ، وبهجة المجالس لابن عبد البر / 397 ، وتفسير ابن كثير : 1 / 479 ، وغيرها ) .

وكانت جواريه في قصره متبرجات !

رووا لمعاوية قصصاً مع جواري قصره ومجالس تهتكه ، منها أنه لحق جاريته بحضور ضيوفه ولحقته زوجته ، فأراد الأحنف بن قيس أن يخلصه فشتمته زوجة معاوية شتماً قبيحاً ! ففي تاريخ دمشق : 70 / 7 : عن عمر بن شبة قال : ( حدثت أن الأحنف بن قيس كان عند معاوية ليس عنده غيره ، فغنت جارية من جواري معاوية في جانب الدار فأقبل على الأحنف فقال : يا أبا بحر لا تَرُمْ حتى أعود إليك ، إني لأطلب خلوة هذه فما أكاد أقدر على ذلك ! ثم قام في أثرها فكأنما كانت لابنة قرظة امرأة معاوية عينٌ على معاوية فأقبلت به ملببته ( تجره برقبته ) ! فقلت لها : أكرمي أسراكم ! قالت : أسكت يا قَوَّاد ) . ( ونحوه في 19 / 448 ) .
وقال الجاحظ في رسائله / 214 ، بعد ذكر قصة جارية معاوية العارية : ( ولم يكن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 67 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يعدم الخليفة ومن بمنزلته في القدرة والتأتي ، أن تقف على رأسه جارية تذب عنه وتروحه ، وتعاطيه أخرى في مجلس عام بحضرة الرجال ) . انتهى .
وكان معاوية يوصي عماله أن يبعثوا له الذهب والفضة والجواري الجميلات ! ففي أنساب الأشراف / 2839 : ( أن الحكم بن عمرو غزا فأصاب غنائم ، فكتب إليه زياد : أن اصْطَفِ لأمير المؤمنين معاوية كل صفراء وبيضاء ، وكل جارية بارعة الجمال ) ! انتهى . ولا نطيل فيما روي عنه من تهتك ونقص غيرة ، فراجع إن شئت : ( أنساب الأشراف / 1121 ، والعقد الفريد / 1568 ، والمستطرف / 622 ، والجليس الصالح لابن طرار / 460 ، وربيع الأبرار / 579 ، وديوان الصبابة لابن أبي حجلة / 126 ، والبصائر لأبي حيان / 575 ، والمعرفة والتاريخ للبسوي / 466 ) !

وكانت جواري عمر في دار الخلافة متبرجات !

روى البيهقي في سننه : 2 / 227 ، عن أنس قال : ( كنَّ إماء عمر رضي الله عنه يخدمننا كاشفات عن شعورهن تضطرب ثديهن ) ! .
وقال السرخسي في المبسوط : 9 / 12 : ( حديث أنس رضي الله عنه : كنَّ جواري عمر رضي الله عنه يخدمن الضيفان كاشفات الرؤس مضطربات الثدي ) !
وقال الألباني في إرواء الغليل : 6 / 204 : ( كن إماء عمر رضي الله عنه يخدمننا كاشفات عن شعورهن ، تضطرب ثديهن . قلت : وإسناده جيد ، رجاله كلهم ثقات غير شيخ البيهقي أبي القاسم عبد الرحمن بن عبيد الله الحربي ، وهو صدوق كما قال الخطيب ( 10 / 303 ) . وقال البيهقي عقبه : والآثار عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في ذلك صحيحة ) ! ! انتهى .
وقد أعطى فقهاء السلطة حكم الشرعية لهذا التبرج ! فقال السرخسي : 10 / 1515 : ( وكان عمر إذا رأي أمة متقنعة علاها بالدرة وقال : ألقي عنك الخمار يا دفار ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 68 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال عمر : إن الأمة ألقت قرونها من وراء الجدار ، أي لا تتقنع . قال أنس : كنَّ جواري عمر يخدمن الضيفان كاشفات الرؤس مضطربات البدن ! ولأن الأمة تحتاج إلى الخروج لحوائج مولاها ، وإنما تخرج في ثياب مهنتها ، وحالها مع جميع الرجال في معنى البلوى بالنظر والمس كحال الرجل في ذوات محارمه ) !
فيظهر أن معاوية أخذ هذا الفقه من عمر !

هل جمع معاوية بين الأختين ؟ !

ثبت عن عثمان بن عفان أنه أفتى بجواز الجمع بين الأختين المملوكتين ! قال الشافعي في الأم : 5 / 3 : ( أن رجلاً سأل عثمان بن عفان عن الأختين من ملك اليمين هل يجمع بينهما ؟ فقال عثمان : أحلتهما آية وحرمتهما آية ، وأما أنا فلا أحب أن أصنع ذلك ! قال فخرج من عنده فلقي رجلاً من أصحاب النبي ( ص ) فقال : لو كان لي من الأمر شئ ، ثم وجدت أحداً فعل ذلك لجعلته نكالاً ) .
وفي مصنف ابن أبي شيبة : 3 / 307 : ( فلقي علياً بالباب فقال : عمن سألته فأخبره فقال : لكني أنهاك ، ولو كان لي عليك سبيل ثم فعلت ذلك لأوجعتك ) . ( ورواه الدارقطني : 3 / 196 ) . وفي الموطأ : 2 / 538 : ( قال ابن شهاب : أراه علي بن أبي طالب ) .
وقد أخذ بعض الناس بفتوى عثمان ! ففي تفسير القرطبي : 5 / 117 : ( شذ أهل الظاهر فقالوا : يجوز الجمع بين الأختين بملك اليمين في الوطأ ، كما يجوز الجمع بينهما في الملك . واحتجوا بما روي عن عثمان في الأختين من ملك اليمين . . . ولم يلتفت أحد من أئمة الفتوى إلى هذا القول ، لأنهم فهموا من تأويل كتاب الله خلافه . . . . فمن خالفهم فهو متعسفٌ في التأويل ) . انتهى . ويبدو أن معاوية من هؤلاء المتعسفين وأنه جمع بين الأختين ! قال في فتح الباري : 6 / 57 : ( بنت قرظة هي زوج معاوية ، واسمها فاختة وقيل كنود ، وكانت تحت عتبة بن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 69 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
سهل قبل معاوية . ويحتمل أن يكون معاوية تزوج الأختين واحدة بعد أخرى ) . وقول ابن حجر : ( ويحتمل ) ، يقابله احتمال أو ظن أو رواية بأنه تزوجهما معاً !
وقد اعترفت رواية السيوطي بأن معاوية أفتى بجواز الجمع بين الأختين ، ثم زعمت أنه النعمان بن بشير نبهه فتراجع ! ( الدر المنثور : 2 / 137 ) !

وكان يلبس الذهب والحرير ويحرِّف الحديث في ذلك !

أجمع المسلمون على أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) نهى عن لبس الذهب والحرير للرجال ، وعن الأكل والشرب في أواني الذهب والفضة ، وأفتوا به . ( الخلاف للطوسي : 2 / 90 ، والمعتبر للحلي : 1 / 455 ، وتذكرة الفقهاء : 2 / 225 ، ومجموع النووي : 1 / 246 ، والمحلى : 7 / 421 ) .
وقال ابن قدامة في المغني : 1 / 62 : ( ولا خلاف بين أصحابنا في أن استعمال آنية الذهب والفضة حرام ، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي ، ولا أعلم فيه خلافاً لأن النبي ( ص ) قال : لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافهما . . متفق عليهن فنهى والنهي يقتضي التحريم ، وذكر في ذلك وعيداً شديداً يقتضي التحريم ) . انتهى . ولعله لم يذكر رأي ابن حنبل لأنه راعى معاوية !
قال في شرح النهج : 5 / 130 : ( وأما أفعاله المجانبة للعدالة الظاهرة ، من لبسه الحرير ، وشربه في آنية الذهب والفضة ، حتى أنكر عليه ذلك أبو الدرداء فقال له : إني سمعت رسول الله ( ص ) يقول : إن الشارب فيها ليُجَرْجَر في جوفه نار جهنم ، فقال معاوية : أما أنا فلا أرى بذلك بأساً ! فقال أبو الدرداء : من عذيري من معاوية ! أنا أخبره عن الرسول ( ص ) وهو يخبرني عن رأيه ! لا أساكنك بأرض أبداً ! نقل هذا الخبر المحدثون والفقهاء في كتبهم في باب الإحتجاج على أن خبر الواحد معمول به في الشرع ، وهذا الخبر يقدح في عدالته كما يقدح أيضاً في عقيدته ، لأن من قال في مقابلة خبر قد روي عن رسول الله ( ص ) :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 70 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أما أنا فلا أرى بأساً فيما حرمه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، ليس بصحيح العقيدة ) . انتهى .
أقول : في هذا الموضوع ثلاث مسائل : لبس الذهب والحرير ، واستعمال أواني الذهب والفضة ، وبيع الذهب بالذهب بيعاً ربوياً .
ولمعاوية في ثلاثتها قصص وروايات متناقضة ، فقد حرص الرواة الأمويون على التغطية عليه ، ووضعوا على لسانه ضد ما اعترض عليه الصحابة ! مثلاً تجد أحاديث عن معاوية أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) نهى عن لبس الذهب للرجال ، وأحاديث عنه أيضاً أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) نهى عن لبس الذهب إلا ( الذهب المقطَّع ) ! بهذا التعبير المبهم البعيد عن تعبيرات النبي ( صلى الله عليه وآله ) ! ويظهر أن لبس معاوية للذهب واستعماله لأوانيه وتعامله بالربا ، صار واحدةً من الاعتراضات البارزة عند الصحابة ، خاصة الأنصار الذين سمعوا شكاية عبادة بن الصامت وأبي الدرداء وأبي ذر وغيرهم ، وطعنهم في معاوية ، لذلك لم يكرر معاوية قوله الكفري ( أما أنا فلا أرى فيه بأساً ) الذي قاله لعبادة وأبي الدرداء ! بل حاول أن يثبت أنه سمع من النبي ( صلى الله عليه وآله ) أنه استثنى الذهب المقطع ! تقول روايات سنن النسائي : 8 / 161 ، إن معاوية جمع في الحج نفراً أو رهطاً من أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) واستحلفهم عند الكعبة عن نهي النبي ( صلى الله عليه وآله ) عن الذهب ! والمرجح أنهم نهوه عن المنكر فناقشهم ! ونقل النسائي سبع روايات لاستحلافهم متهافتة ، بعضها استثنى الذهب المقطع وبعضها لم يستثنه ! وهذا نموذج منها : ( بينما نحن مع معاوية في بعض حجاته ، إذ جمع رهطاً من أصحاب محمد فقال لهم : ألستم تعلمون أن رسول الله نهى عن لبس الذهب إلا مقطعاً ؟ قالوا : اللهم نعم . خالفه يحيى بن أبي كثير على اختلاف بين أصحابه عليه . . . . أن معاوية عام حج جمع نفراً من أصحاب رسول الله في الكعبة ( وفي رواية : فدعا نفراً من الأنصار في الكعبة ) فقال لهم : أنشدكم الله أنَهى رسول الله
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 71 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عن لبس الذهب ؟ قالوا : نعم . قال : وأنا أشهد ) . انتهى .
ويكفيك هذا الاهتمام الكبير من معاوية ، وهذا التهافت في رواياتهم في حكم الذهب ، لتعرف أن القضية تبرير ! وأن تقرأ فتوى ابن حنبل وابن تيمية لتعرف تأثير معاوية على الفقه الحنبلي ! قال ابن تيمية في فتاواه : 21 / 87 : ( وفي يسير الذهب في باب اللباس عن أحمد أقوال : أحدها الرخصة مطلقاً لحديث معاوية : نهى عن الذهب إلا مقطعاً ، ولعل هذا القول أقوى من غيره ) .
* *
هذا كله في الحجاز وأمام الصحابة ، أما في الشام فلا يحتاج معاوية إلى حديث نبوي في تحليل الذهب ، بل يستطيع أن يعتذر لمن اعترض على تبرج مغنياته ، ولبس المغنين الذهب ، بأن ( الدنيا مالت بنا فملنا بها ) ! ففي مسند الحارث / 177 ( زوائد الهيثمي : 2 / 616 ) : ( عن عمرو بن الأسود ، قال : خطبنا معاوية فقال : ستٌّ نهاكم عنه رسول الله وأنا أبلغكم ذلك عنه : التبرج ، والتصاوير ، والذهب ، والحرير ، والنياحة ، والمغنية . قال : فلما كان الغد خرج جواري معاوية ملطخات بالذهب والحرير ، قال قلت : يا معاوية تنهانا عن الذهب والحرير ؟ قال : إنها والله مالت بنا فملنا ) ! انتهى . ولا بد أنه كان مع المغنيات معنين أيضاً يلبسون الحرير والذهب ، وإلا لما تعجب الراوي للتناقض بين خطبة معاوية وبين عمله . ومعنى قوله ( مالت بنا ) أنا سكرنا بها وغلبتنا كالذي تميل الخمر برأسه ! قال ابن عمرو العاص كما في شعب الإيمان : 7 / 387 : ( كنا مع رسول الله ( ص ) تهمنا الآخرة ولا تهمنا الدنيا ، وإنا اليوم قد مالت بنا الدنيا ) . ( وأسد الغابة : 3 / 234 ، وابن المبارك / 181 ) .

وكان معاوية في شبابه صعلوكاً لا مال له !

كان عُمْرُ معاوية عند وفاة النبي ( صلى الله عليه وآله ) نحو عشرين سنة ، والى ذلك الوقت كان
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 72 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
( صعلوكاً لا مال له ) بشهادة النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، فقد روى محبو معاوية أنه تقدم لخطبة فاطمة بنت قيس فاستشارت النبي ( صلى الله عليه وآله ) فقال لها : ( وأما معاوية فصُعْلُوكٌ لا مال له ) ( صحيح مسلم : 4 / 195 ) . وسبب فقره أن أبا سفيان كان بخيلاً لا ينفق على زوجته هند وأولادها الثلاثة معاوية وعتبة وأم الحكم ، فتضطر أن تأخذ من ماله خفيةً ! فقد روى البخاري : 6 / 193 : ( عن عائشة أن هند بنت عتبة قالت : يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح ( وفي رواية مَسِيك ) وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم ! فقال : خذي ما يكفيك ووُلدك بالمعروف ) . انتهى .
ويظهر أن معيشة هند كانت عادية فلم ترث ما يذكر من أبيها عتبة بن ربيعة ، مع أنه كان رئيس بني أمية هو وأبو سفيان ، حتى قتل في بدر !
وكان بقية أولاد أبي سفيان من أمهات شتى ( شرح النهج : 1 / 334 ) وأكبرهم يزيد بن أبي سفيان ، الذي كان يعطف على أخيه معاوية ، وقد أخذه معه إلى الشام عندما ولاه عمر على رُبع ما فُتح منها ! ولعله كان أخذه معه إلى تيماء منطقة أخوال يزيد ، عندما ولاه النبي ( صلى الله عليه وآله ) جمع زكواتها .
فأبو سفيان الذي لا يعطي لزوجته مصروف أولاده ، لا ينتظر منه أن يعطي ولده معاوية رأس مال ليتجر به ! وقد كانت خطبة معاوية لبنت قيس بعد أن طلقها زوجها المخزومي في سفره مع جيش علي ( عليه السلام ) لفتح اليمن ، أي في آخر سنة من حياة النبي ( صلى الله عليه وآله ) . قال ابن سعد : 8 / 275 : ( عن الشعبي قال : حدثتني فاطمة بنت قيس أنها كانت تحت فلان بن المغيرة أو المغيرة بن فلان ، من بني مخزوم ، وأنه أرسل إليها بطلاقها من الطريق من غزوة غزاها إلى اليمن ، فسألت أهله النفقة والسكنى فأبوا ) . ( ونحوه في تاريخ البخاري : 1 / 82 ) . وكان ذلك قُبيل حجة الوداع !
* *
وحديث الصعلوك صحيح عندهم ، وهو يكشف عن كذب الرواة في سيرة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 73 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ابن هشام والطبري وغيرهما ، بأن النبي ( صلى الله عليه وآله ) عدَّ معاوية يوم حنين من شخصيات قريش ، وأعطاه مئة بعير كأبيه ( تاريخ الطبري : 2 / 358 ) ! فلو كان يملك قبل سنتين مئة بعير ، لما قال عنه النبي ( صلى الله عليه وآله ) إنه صعلوك لا مال له ! ولكان أخوه يزيد أولى منه لأنه الأكبر ، وقيل إنه كان حامل راية في حرب حنين والطائف . ( الإفصاح / 154 ) . والظاهر أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) لما أعطى أبا سفيان قال له : ( ابني يزيد فقال ( صلى الله عليه وآله ) : أعطوه أربعين أوقية ومائة من الإبل ) ( مكاتيب الرسول للأحمدي : 1 / 170 ، عن الطبقات : 2 / ق 1 : 110 ومغازي الواقدي : 3 / 945 ) ، فأضاف الرواة معاوية إلى الرواية ، وبالغوا !
على أنا لا نقبل أصل وجود معاوية مع النبي ( صلى الله عليه وآله ) في حرب حنين ! فقد ورد في مناظرة الإمام الحسن ( عليه السلام ) أن معاوية عندما بلغه فتح النبي ( صلى الله عليه وآله ) مكة واستسلام أبي سفيان والمشركين وإعلانهم الإسلام ، أرسل إلى أبيه أبياتاً يستنكر إسلامه ! ومعناه أنه كان غائباً عن مكة ! ففي جمهرة خطب العرب : 2 / 22 ، وشرح النهج : 6 / 289 ، أن الإمام الحسن ( عليه السلام ) قال لمعاوية : ( وأنشدك الله يا معاوية أتذكر يوم جاء أبوك على جمل أحمر وأنت تسوقه ، وأخوك عتبة هذا يقوده ، فرآكم رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فقال : اللهم العن الراكب والقائد والسائق ! أتنسى يا معاوية الشعر الذي كتبته إلى أبيك لما همَّ أن يسلم ، تنهاه عن ذلك :

يا صخرُ لا تُسْلمَنْ يوماً فتفضحنا * بعد الذين ببدر أصبحوا مزقا
خالي وعمي وعم الأم ثالثهم * وحنظل الخير قد أهدى لنا الأرقا
لا تركننَّ إلى أمر تكلفنا * والراقصات به في مكة الخرقا
فالموت أهون من قول العداة لقد * حاد ابن حرب عن العزى إذا فرقا

والله لَمَا أخفيتَ من أمرك أكبر مما أبديت ) . انتهى .
وقال العلامة الحلي ( رحمه الله ) في منهاج الكرامة / 77 : ( وسموْه كاتب الوحي ولم يكتب
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 74 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
له كلمة واحدة من الوحي ، بل كان يكتب له رسائل . . . . مع أن معاوية لم يزل مشركاً مدة كون النبي ( صلى الله عليه وآله ) مبعوثاً يكذب بالوحي ويهزأ بالشرع ، وكان باليمن يوم الفتح يطعن على رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ويكتب إلى أبيه صخر بن حرب يعيره بإسلامه ، ويقول له : أصبوت إلى دين محمد ؟ ! وكتب إليه : يا صخر لا تسلمن . . . ( الأبيات ) . . والفتح كان في شهر رمضان لثمان سنين من قدوم النبي ( صلى الله عليه وآله ) المدينة ، ومعاوية حينئذ مقيم على الشرك ، هارب من النبي ( صلى الله عليه وآله ) لأنه قد هدر دمه فهرب إلى مكة فلما لم يجد له مأوى صار إلى النبي ( صلى الله عليه وآله ) مضطراً فأظهر الإسلام وكان إسلامه قبل موت النبي ( صلى الله عليه وآله ) بخمسة أشهر ) ! انتهى .
ويؤيد قول العلامة ( رحمه الله ) موقف هند العنيف من أبي سفيان يوم فتح مكة كما في ابن هشام : 4 / 862 وصححه الهيثمي : 6 / 166 ، وأنه عندما ذهب إلى مركز قيادة النبي ( صلى الله عليه وآله ) وهو يحاصر مكة وينذر أهلها ، فرجع أبو سفيان ينادي قريشاً للتسليم وعدم المقاومة ! ( فقامت إليه هند بنت عتبة ، فأخذت بشاربه فقالت : أقتلوا الحميتَ الدسم الأحمس ، قبحه من طليعة قوم ) ! ( وفي لسان العرب : 2 / 26 : أقتلوا الحميت الأسود . أي الزق الدسم . وفي رواية الأحمش ، أي الهزيل ) .
ويؤيده أيضاً أنك لا تجد مصدراً ذكر وجود معاوية في فتح مكة ، ولا في حنين إلا التخمين المحض من محب معاوية ابن حجر في فتح الباري ( 3 / 451 ) !
وهذا يكشف كذب الرواة أو كذب معاوية في زعمه أنه أسلم قبل فتح مكة ، كما زعم ابن تيمية في منهاجه : 4 / 439 !
والظاهر أن معاوية لم يخرج من صعلكته إلا بعد أن عزلت قريش أبا سفيان عن قيادتها بعد فتح مكة ، فجاء إلى المدينة وبعثه النبي ( صلى الله عليه وآله ) والياً على جمع صدقات نجران ، وأرسل ولده يزيد عاملاً على صدقات أخواله في تيماء ، ثم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 75 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عفا النبي ( صلى الله عليه وآله ) عن معاوية ، فالتحق بأبيه أو أخيه فتحسن وضعه المالي ، ثم ولَّى عمر أخاه يزيداً على رُبْع الشام فكان معه حتى مات أو قتل فحلَّ مكانه .

ضَبَطَهُ النبي ( صلى الله عليه وآله ) مع ابن العاص في مجلس كفر ، فلعنهما !

قال الحافظ محمد بن عقيل في كتابه : النصائح الكافية لمن يتولى معاوية / 123 :
( وأخرج الإمام أحمد في مسنده وأبو يعلى ، كلاهما عن أبي برزة قال : كنا مع النبي ( ص ) فسمع صوت غناء فقال : أنظروا ما هذا ؟ فصعدت فإذا معاوية وعمرو بن العاص يتغنيان ، فجئت فأخبرت النبي ( ص ) فقال : اللهم ارْكسْهما في الفتنة ركساً ، اللهم دُعَّهَما في النار دَعَّا ) . انتهى . وقد روت هذا الحديث مصادرهم وصححه بعض علمائهم ، وفي بعض رواياته أن عمرواً ومعاوية كانا يتغنيان بعد ( إسلامهما ) بهجاء شهيد الإسلام حمزة رضوان الله عليه ، وكان غناؤهما مطارحة أي يغني الواحد منهم بيتاً أو أكثر من القصيدة ، فيجيبه الآخر بنفس البيت أو بغيره ! وقد غطى ابن حنبل على اسميهما ، فقال في مسنده : 4 / 421 : ( كنا مع رسول الله ( ص ) في سفر فسمع رجلين يتغنيان وأحدهما يجيب الآخر ، وهو يقول :

تركت حَوَارياً تلوحُ عظامه زوى الحربَ عنه أن يُجَنَّ فيقبرا

فقال النبي ( ص ) : أنظروا من هما ؟ قال فقالوا : فلان وفلان ، قال فقال النبي ( ص ) : اللهم اركسهما في الفتنة ركساً ، ودُعَّهما إلى النار دعا ) . انتهى . كما روى أحمد بيت الشعر ملحوناً ، ونقلنا صحيحه من : جزء أحاديث الشعر لعبد الغني المقدسي / 113 ، ولا بد أن يكون جزءً من قصيدة لأحد شعراء قريش كضرار بن الخطاب في هجاء النبي ( صلى الله عليه وآله ) والشماتة بقتل عمه حمزة ( رحمه الله ) ! فالحَواري اسم لناصر الأنبياء أو الصديق الحميم ! ( القاموس المحيط : 2 / 15 ) . وقد نصت رواية على أنهما كانا في غرفة أو مرتفع يشربان الخمر ، وأن النبي ( صلى الله عليه وآله ) أرسل شخصاً فصعد إليهما ! وورد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 76 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
في جميع رواياته الدعاء عليهما بالركس في الفتنة ، والدعِّ في جهنم . ( ورواه الطبراني في المعجم الأوسط : 7 / 133 وذكر فيه المطارحة ، وفي الكبير : 11 / 32 ) !
وقد حاول أتباع معاوية وابن العاص تخليصهما من هذا الحديث ، فاحتالوا على سنده ومتنه بأنواع الحيل ، وحاولوا جعل وقته يوم أحد ! ولا يصح ذلك !
قال في مجمع الزوائد : 8 / 121 : ( رواه أحمد والبزار وقال : نظر إلى رجلين يوم أحُد يتمثلان بهذا الشعر في حجرة ، وأبو يعلي بنحوه ، وفيه يزيد بن أبي زياد والأكثر على تضعيفه . . . فنظروا فإذا رجل يطارح رجلاً الغناء ) . انتهى . ولا يصح لأن القصة لو كانت في أحُد قبلها أو بعدها لأخذوهما أسيرين .
وقد شط الذهبي في تعصبه فجعل لعن النبي ( صلى الله عليه وآله ) لمعاوية وعمرو منقبة عظيمة لهما ! قال ابن الصديق في فتح الملك العلي / 109 : ( فيقول الذهبي في حديث : اللهم اركسهما في الفتنة ركساً ودُعَّهما في النار دعّاً ، إنه من فضائل معاوية لقول النبي ( ص ) : اللهم من سببته أو لعنته فاجعل ذلك له زكاة ورحمة ، وقد راجت هذه الدسيسة على أكثر النقاد . . . الخ . ) . انتهى . وقد فند محاولاتهم السيد الميلاني في تشييد المراجعات : 1 / 264 ، ونفحات الأزهار : 20 / 143 ، وصحح الحديث على مبانيهم بشواهده ، والشيخ الأميني ( رحمه الله ) في الغدير : 10 / 140 . كما فندنا رواياتهم التي ترفع اللعن عمن لعنهم النبي ( صلى الله عليه وآله ) في تدوين القرآن و ( ألف سؤال وإشكال ) .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 77 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

أمُّ معاوية هند آكلة الأكباد !

قال الحافظ محمد بن عقيل في النصائح الكافية / 112 : ( كانت شديدة العداوة للنبي ( صلى الله عليه وآله ) بمكة ، ولما تجهز مشركوا قريش لغزوة أحد ، خرجت معهم تحرِّض المشركين على القتال ، ولما مرُّوا بالأبواء حيث قبر أم النبي ( صلى الله عليه وآله ) آمنة بنت وهب أشارت على المشركين بنبش قبرها ، وقالت : لو نجشتم قبر أم محمد ، فإن أُسر منكم أحدٌ فديتم كل إنسان بإرْب من آرابها ، أي جزء من أجزائها ، فقال بعض قريش : لا يفتح هذا الباب ) ! انتهى .
أقول : لم أقرأ عن أحد قبل هند أنه فكر في أخذ جثامين الأموات رهينة ! وبذلك تكون رائدة عصابات الخطف ، وأخذ الجثامين رهائن !
وقال المحامي أحمد حسين يعقوب في كتابه كربلاء / 74 : ( خذ على سبيل المثال : أم معاوية هند بنت عتبة ، وهي امرأة ، والمرأة على الغالب ترمز للرحمة ، وتجنح للموادعة ، لكن هنداً لم تكتف بأن يخرج زوجها وابناها لمعركة أحد ، بل أصرت على الخروج بنفسها ، وحملت نساء البطون على الخروج ، لتشهد العنف والدم على الطبيعة ! لقد تيقنت من قتل حمزة عم النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، لكنها لم تكتف بقتله ، بل سارت بخطى ثابتة حتى وقفت بجانب جثته ، وبأعصاب باردة شقت بطن حمزة وهو ميت واستخرجت كبده ، وحاولت أن تأكله ! ثم قطعت أذنيه وأنفه ومثلت به أشنع تمثيل !
فإذا كانت المرأة منهم تفعل بضحيتها هكذا ، فكيف يفعل أبو سفيان ومعاوية وذريتهم بضحاياهم ؟ ! هذه هي البيئة الدموية التي تربى فيها يزيد بن معاوية مهندس مذبحة كربلاء ! فأبوه معاوية ، وجده أبو سفيان ، وجدته هند ! لقد ورث العنف والتنكيل بخصومه ، كابراً عن كابر ) . انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 78 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي شرح النهج : 14 / 271 : ( كانت هند بنت عتبة أول من مثل بأصحاب النبي وأمرت النساء بالمُثْلة ، وبجدع الأنوف والآذان ، فلم تبق امرأة إلا عليها معضدان ومسكتان وخدمتان ) ! انتهى . والمِعْضد سِوار ونحوه يلبس في العضُد ، والمَسْكة سوار يلبس في ذراع اليد ، والخَدَمة الخلخال يلبس في الساق !
وفي شرح النهج : 15 / 12 : ( ثم قالت ( لوحشي ) : إذا جئت مكة فلك عشرة دنانير ، ثم قالت : أرني مصرعه فأريتها مصرعه فقطعت مذاكيره وجدعت أنفه ، وقطعت أذنيه ، ثم جعلت ذلك مسكتين ومعضدين وخدمتين ، حتى قدمت بذلك مكة وقدمت بكبده أيضاً معها ) ! !
أقول : أضف إلى عنفها وحقدها ، أنها كانت امرأة فاسدة ! فقد شهدت عائشة بأنها عاهرة ! ( ولما بلغ أم حبيبة أخت معاوية قتل محمد وتحريقه شوت كبشاً وبعثت به إلى عائشة تشفياً بقتل محمد بطلب دم عثمان ، فقالت عائشة : قاتل الله ابن العاهرة ! والله لا أكلت شواء أبداً ) ! ( أحاديث عائشة : 1 / 350 )
وفي المناقب والمثالب للقاضي النعمان / 243 : ( روى الكلبي عن أبي صالح ، والهيثم عن محمد بن إسحاق ، وغيره : أن معاوية كان لغير رَشْدة ، وأن أمه هند بنت عتبة كانت من العواهر المعلمات ( ذات العلم ) اللواتي كن يخترن على أعينهن ، وكان أحب الرجال إليها السود ، وكانت إذا علقت من أسود فولدت له قتلت ولدها منه ! . . . . قالوا : وكان معاوية يُعْزَى ( يُنسب ) إلى ثلاثة : إلى مسافر بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس ، وإلى عمارة بن الوليد بن المغيرة ، وإلى العباس بن عبد المطلب ، وكان أبو سفيان يصحبهم وينادمهم ، ولم يكن أحد يصحبه إلا رُمِيَ بهند ، لما كان يعلم من عهرها . . . وكان مسافر جميلاً ، وكانت هند تختار على أعينها فأعجبها فأرسلت إليه فوقع بها فحملت منه بمعاوية ، فجاء أشبه الناس به
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 79 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
جمالاً وتماماً وحسناً ، وكان أبو سفيان دميماً قصيراً أخفش العينين ، فكل من رأى معاوية ممن رأى مسافراً ذكره به ! فأما الصباح فكان شاباً من أهل اليمن ، أسود له جمال في السودان ، وكان عسيفاً ( أجيراً ) لأبي سفيان فوقع بها فجاءت منه بعتبة فلما قرب نفاسها خرجت إلى أجياد لتضعه هنالك وتقتله ، كما كانت تفعل بمن تحمل به من السودان ، فلما وضعته رأت البياض غلب عليه وأدركتها حِنَّةٌ فأبقته ولم تنبذه ، ولذلك يقول حسان بن ثابت :

لمن الصبيُّ بجانب البطحاء * ملقًى عليها غير ذي مَهْدِ
نَجَلت به بيضاءُ آنسةٌ * من عبد شمس صَلْتَةُ الخدِّ
غلبت على شَبَه الغلام وقد بدا * فيه السوادُ لحالك جعدِ )

وقد أورد السكاكي البيت الأول في كتابه مفتاح العلوم / 313 ، وهو يدل على أن عتبة ليس لأبي سفيان ! وقال في شرح النهج : 1 / 336 : ( وكانت هند تُذكر في مكة بفجور وعهر ! وقال الزمخشري في كتاب ربيع الأبرار ( ص 752 ) : كان معاوية يُعزى إلى أربعة : إلى مسافر بن أبي عمرو ، وإلى عمارة بن الوليد بن المغيرة ، وإلى العباس بن عبد المطلب ، وإلى الصباح ، مغنٍّ كان لعمارة بن الوليد . . . ) . ثم أورد نحو ما تقدم ، وأبيات حسان بن ثابت ! واتفق المؤرخون على أنها كانت متزوجة بالفاكه بن المغيرة المخزومي ، وهو عم خالد بن الوليد ، فوجد عندها رجلاً وطردها من بيته ، وشاعت قصتها ! وبعد طلاقه لها صارت ذات علم !
قال في الفتح : 7 / 107 : ( وكانت قبل أبي سفيان عند الفاكه بن المغيرة المخزومي ثم طلقها في قصة جرت ) ! وفي أسد الغابة : 5 / 563 : ( وقصتها معه مشهورة ) !
وخلاصتها : أن زوجها الفاكه تركها نائمةً ظهراً وخرج من البيت ، وعاد فرأى رجلاً يخرج من عندها ، ودخل فوجدها نائمة ، فركلها برجله وسألها فأنكرت
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 80 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فقال لها : إلحقي بأبيك ، فشاع الخبر في قريش ! وزعموا أن أباها أخذها إلى كاهن باليمن فحكم ببراءتها ! ( مجمع الزوائد 9 / 264 أو / 2707 ، والمستطرف / 514 ، والعقد الفريد : 6 / 68 أو / 620 ، وتاريخ دمشق : 70 / 168 ، والنهاية : 7 / 60 ، و : 8 / 124 ، والمحبر / 437 ، والمنمق في أخبار قريش / 43 ، والسيرة الحلبية : 3 / 44 ، والأغاني : 9 / 53 و 66 ، أو / 2001 ، وصبح الأعشى : 1 / 454 أو / 272 ، والمصباح المضي : 1 / 126 ، ونهاية الإرب / 642 ، وسمط اللآلي / 332 ، ومحاضرات الأدباء / 144 ، ونثر الدرر / 1100 ، وجمهرة خطب العرب : 1 / 81 ) .
وفي الأغاني : 9 / 62 : ( فأقبل إليها فضربها برجله وقال : من هذا الذي خرج من عندك ؟ ! قالت : ما رأيت أحداً ولا انتبهت حتى أنبهتني . فقال لها : إرجعي إلى أمك . وتكلم الناس فيها ) . انتهى . وصرح عدد من هذه المصادر كالمُحَبَّر ، بأن الفاكه بن المغيرة اتهمها بالزنى ، لكنها لم تنجب منه ، ولا عنده . ثم بقيت مدة ( ذات علم ) فكانت قصتها مع مسافر بن أبي عدي الأموي ! ( كان من فتيان قريش جمالاً وشعراً وسخاءً ، قالوا : فعشق هنداً بنت عتبة بن ربيعة وعشقته فاتهم بها وحملت منه . قال بعض الرواة : فقال معروف بن خربوذ : فلما بان حملها أو كاد قالت له : أخرج فخرج حتى أتى الحيرة ، فأتى عمرو بن هند فكان ينادمه . وأقبل أبو سفيان بن حرب إلى الحيرة في بعض ما كان يأتيها ، فلقي مسافراً فسأله عن حال قريش والناس فأخبره ، وقال له فيما يقول : وتزوجتُ هنداً بنت عتبة ! فدخله من ذلك ما اعتل معه حتى استسقى بطنه . . . ) . ( الأغاني / 1999 ) .
وفي تاريخ دمشق : 70 / 172 ، أن الأطباء عالجوه وسقوه دواء وكووه بالنار : ( فلم ينفعه ذلك شيئاً ، فخرج يريد مكة فأدركه الموت بهُبَالة فدفن بها ، ونعي إلى أهل مكة ) ! انتهى . وقد تقدم قول المؤرخين أن حملها من عشيقها مسافر كان معاوية : ( فجاء أشبه الناس به جمالاً وتماماً وحسناً ، وكان أبو سفيان دميماً قصيراً أخفش العينين ، فكل من رأى معاوية ممن رأى مسافراً ذكره به ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 81 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ويفهم من تاريخ دمشق : 70 / 172 ، أنها تزوجت أبا سفيان بعد سفر مسافر ! فيحتمل أن أبا سفيان الذي كان يتردد عليها أيضاً أعجبه الطفل ، فاتفق مع أبيها عتبة على نسبة الطفل إليه وقتل مسافر لينسى الناس أب الولد ولا يدعيه في المستقبل ! فقد كانت القاعدة عندهم أن ولد الزنا إذا كان شبيهاً كثيراً بالزاني ، وأراد الأهل أو الزوجة التخلص من العار ونسبته إلى زوج آخر ، فلا بد أن يقتلوا أباه ! وهذا ما حصل لمسافر بن أبي عدي !
ونفس الشئ حصل للصباح الحبشي الأجير ، الذي كان ولدها عتبة شبيهاً به ! فعندما أحست هند بالطلق ذهبت إلى جبال أجياد ( فلما وضعته رأت البياض غلب عليه وأدركتها حنة ، فأبقته ولم تنبذه ، ولذلك يقول حسان بن ثابت . . إلى آخر ما تقدم ) فلم تقتله هند فقررت أن تقتل أباه الصباح ، وتنسبه إلى أبي سفيان !
قال القاضي النعمان في المناقب والمثالب 246 : ( فلما فشا خبر الصباح ووقوعه بهند ، غاربَه ( من الغربة ) عمارة بن الوليد بن المغيرة ، وكان يأتيها ، فخرج بالصباح إلى سفر وأمر به فطبخ له قدراً فأتاه به في يوم حار فقال : طعام حار في يوم حار ! وأمر به فشُدَّ في شجرة ورماه بالنبل حتى قتله ، لما نقمه عليه من أمر هند ) !
أقول : ولعل لهند قصةً مشابهة في مولودها الثالث وهي ابنتها أم الحكم ، ولم أتتبع أمرها ! أعاذ الله المسلمين من هذا النوع القذر ! ولنعم ما قال عبد الرزاق شيخ البخاري الموثق : ( فذكر رجل معاوية فقال : لا تقذِّر مجلسنا بذكر وُلْد أبي سفيان ) ! ( تفسير عبد الرزاق : 1 / 20 ، وتاريخ دمشق : 36 / 187 ، وسير أعلام النبلاء : 9 / 570 ) .

رأي أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في نسب معاوية وبني أمية !

كتب ( عليه السلام ) لمعاوية : ( وأما استواؤنا في الحرب والرجال ، فلست بأمضى على الشك مني على اليقين ، وليس أهل الشام بأحرص على الدنيا من أهل العراق على الآخرة .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 82 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأما قولك إنا بنو عبد مناف ، فكذلك نحن ، ولكن ليس أمية كهاشم ، ولا حرب كعبد المطلب ، ولا أبو سفيان كأبي طالب ، ولا المهاجر كالطليق ، ولا الصريح كاللصيق ! ولا المحق كالمبطل ، ولا المؤمن كالمدغل . ولبئس الخلف خلف يتبع سلفاً هوى في نار جهنم ! وفي أيدينا بعدُ فضل النبوة ، التي أذللنا بها العزيز ، ونعشنا بها الذليل . ولمَّا أدخل الله العرب في دينه أفواجاً ، وأسلمت له هذه الأمة طوعاً وكرهاً ، كنتم ممن دخل في الدين إما رغبة وإما رهبة ، على حين فاز أهل السبق بسبقهم ، وذهب المهاجرون الأولون بفضلهم ! فلا تجعلن للشيطان فيك نصيباً ، ولا على نفسك سبيلاً ) ! ( نهج البلاغة : 3 / 16 ، ومناقب آل أبي طالب : 2 / 361 ، وربيع الأبرار / 729 ، وذكر له السيد مرتضى في الصحيح من السيرة : وقعة صفين لنصر بن مزاحم / 471 والفتوح لابن أعثم : 3 / 260 ، ونهج البلاغة الذي بهامشه شرح الشيخ محمد عبده : 3 / 18 الكتاب رقم 17 وشرح النهج للمعتزلي : 15 / 117 والإمامة والسياسة : 1 / 118 ، والغدير : 3 / 254 عنهم ، وعن : ربيع الأبرار للزمخشري باب 66 ، وعن مروج الذهب : 2 / 62 . وراجع أيضاً : الفتوح لابن أعثم : 3 / 260 ومناقب الخوارزمي الحنفي / 180 ) .
وهذه شهادةٌ خطيرة من أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بأن معاوية لصيقٌ ليس لأبيه : ( ولا أبو سفيان كأبي طالب ، ولا المهاجر كالطليق ، ولا الصريح كاللصيق ) !
وأمير المؤمنين ( عليه السلام ) أتقى الأتقياء بعد النبي ( صلى الله عليه وآله ) فلو لم يكن يعلم أن معاوية ليس ابن أبي سفيان لما شهد بها ، بل لم يتوقف في الشهادة له !
ولعل في كلامه ( عليه السلام ) إشارة إلى أن بني أمية بن عبد شمس بن عبد مناف ليسوا لأمية ، ويروى أن أمية كان عقيماً وأن أولاده من عبده الرومي ذكوان ! ولا يتسع المجال لبسط القول في ذلك ، فقد كان متفقاً على أن بني هاشم هم النسب الصافي من ذرية إسماعيل وإبراهيم ( عليهم السلام ) ، وكانوا يطعنون في نسب غيرهم !

صار فمُ معاوية تحت عينه وسقطت أسنانه . . فأخذ يبكي !

قال ابن كثير في النهاية : 8 / 149 : ( وروى ابن عساكر عن الفضيل بن عياض أنه كان يقول : معاوية من الصحابة ، من العلماء الكبار ، ولكن ابتلى بحب الدنيا . . . .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 83 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال الشعبي وغيره : أصابت معاوية في آخر عمره لَوْقة ) . انتهى .
وتدل رواياتهم على أن حالته كانت فاحشة فكان يلف وجهه بعمامة ! قال في هامشه : قال الجاحظ في البيان والتبيين : 3 / 134 : لما سقطت ثنيتا معاوية لفَّ وجهه بعمامة ثم خرج إلى الناس ) . وفي الطبراني في الكبير : 19 / 306 : ( ثم دعا بعمامة فلف بها رأسه وشِقَّ وجهه ثم خرج ) ( ونحو حديث ابن عساكر في حلية الأولياء : 9 / 154 ، ومجمع الزوائد : 9 / 355 ) .
والصحيح ( اللُّقْوة ) بالضم : ( داء يأخذ في الوجه يعوَجُّ منه الشِّدْق . ورجل ملقوٌّ قد لُقي ) ( العين : 5 / 212 ) . وفي التعاريف : 1 / 625 : ( اللقوة مرض ينجذب له شق الوجه إلى جهة غير طبيعية ، ولا يحسن التقاء الشفتين ولا تنطبق إحدى العينين ) .
وفي / 14 : ( لما أصاب معاوية اللقوة بكى ! فقال له مروان : ما يبكيك يا أمير المؤمنين ؟ فقال : راجعت عنه عزوفاً ، كبرت سني ورق عظمي ، وكثر الدمع في عيني ، ورميت في أحسني وما يبدو مني ! ولولا هواي في يزيد لأبصرت قصدي فخرج على الناس معصباً وجهه ) . ( ونحوه في تاريخ دمشق 59 / 61 ) .
وقال الذهبي في تاريخه : 4 / 315 ، وسيره : 3 / 155 : ( وكان يخرج إلى مصلاه ورداؤه يحمل من الكبر . ودخل عليه إنسان وهو يبكي فقال : ما يبكيك ؟ قال : هذا الذي كنتم تمَنَّوْنَ لي ) ! !

وأصابت اللُّقوة عدداً من منتقصي علي ( عليه السلام ) !

ففي معجم الشعراء للمرزباني / 31 ، أن عمرو الأشدق بن سعيد بن العاص الأموي أصابته اللقوة : ( سمي الأشدق لأنه صعد المنبر فبالغ في شتم علي رضي الله عنه فأصابته لقوة ، وقتله عبد الملك بيده لأنه دعا إلى نفسه ، لما استخلفه عبد الملك على دمشق ، عند توجهه لقتال مصعب بن الزبير ) !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 84 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي طبقات ابن سعد : 3 / 507 : ( عن ثابت عن أنس أن أبا طلحة اكتوى وكوى أنساً من اللقوة ) . وفي الإستذكار : 8 / 418 : ( وكوى أبو طلحة أنس بن مالك من اللقوة أيضاً ) . وفي : 4 / 157 : ( أن بن عمر رقي من العقرب ورقي ابن له ، واكتوى من اللقوة ، وكوى ابناً له من اللقوة ) . ( ونحوه في سنن البيهقي : 9 / 343 وعبد الرزاق : 11 / 18 ) .
وفي البرصان والعرجان للجاحظ / 103 : ( وممن أصابته اللقوة الحكم بن أبي العاص ، ذكر عبيد الله بن محمد قال : حدثنا عبد الواحد بن زياد ، عن صدقة بن جميع بن عمير ، أن ابن عمر قال : رأيت النبي ( ص ) جالساً والحكم بن أبي العاص خلفه ، فجعل يلوي شدقه يهزأ منه ! فقال رسول الله : اللهم الْوِ وجهه . . . وممن أصابته اللقوة عيينة بن حصن ، جحظت عينه وزال فكه ، فسميَ عيينة وكان اسمه حذيفة ! وإذا عظمت عين الإنسان لقبوه أبا عينية ) .
وفي مستدرك سفينة البحار : 10 / 482 : ( دعا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) على عشرين ، وأمير المؤمنين ( عليه السلام ) على عشرة منهم ، فابتلوا بالبرص والجذام والفلج واللقوة والعمى ) .

هل يصاب خليفة الله باللقوة ؟ !

كان معاوية في أوج عزه سنة ستين هجرية ، فالإمبراطورية الأموية المترامية طوْعُ بنانه ، وأوامره نافذة فيها من أدناها إلى أقصاها ، على الكبير فيها والصغير ، وخططه فيها ماضية إلى أهدافها ، وقد أخذ البيعة لابنه يزيد بقوة السيف من كل بلادها وكافة زعمائها ، ولي عهده وخليفته من بعده !
في هذا الجو سافر في فصل الربيع في موكبه المهيب ، إلى الحجاز في غير موسم الحج ، ليستطلع أوضاعه ويصرِّف أموره ، ويستعيد ذكرياته ومرابعه ، فكانت المفاجأة المصيرية كامنةً له عند الأبواء بين المدينة ومكة ، فقد أفاق صباحاً على حمَّى وصداع شديدين ، وقد اعْوجَّ وجهه وصار فمه تحت عينه !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 85 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ضاقت الدنيا في وجهه الملوي ! وأمر بالمسير إلى مكة فدخلها واحتجب عن الناس ثلاثة أيام ، ثم رأى أنه لا بد له من لقاء الناس والتعجيل بالعودة إلى الشام ! فماذا يقول للناس ، وهو الذي قال لهم : أنا أمير المؤمنين ، وخليفة الله في أرضه ؟ هل يقول لهم إن الله عاقب خليفته فعمل به هكذا ! ليسقطه من أعين الناس ؟ !
خرج إلى الناس في مكة وقد لفَّ وجهه ، وروت المصادر المختلفة خطبته فيهم وحذف أكثرهم منها ارتباك معاوية وتأسفه على ما تحمَّل في هواه لابنه يزيد ! وتخوفه أن يكون ما حل به عقوبة لأنه دفع علياً ( عليه السلام ) عن حقه ، وقتل حجراً وهو لا يعلم لماذا ! وأكمل نص وجدته لخطبته في فتوح ابن الأعثم : 4 / 344 ، جاء فيه : ( وأصابته اللقوة في وجهه فأصبح لما به ، فدخل عليه الناس يعزونه ويتوجعون له مما قد نزل به ، فقال : أيها الناس ! إن المؤمن ليصاب بالبلاء فإما معاقب بذنب وإما مبتلى ليؤجر ، وإن ابتليت فقد ابتلي الصالحون من قبلي وأنا أرجو أن أكون منهم ، وإن مرض مني عضو فذلك بأيام صحتي وما عوفيت أكثر ولئن أعطيت حكمي فما كان لي على ربي أكثر مما أعطاني ، لأني اليوم ابن بضع وسبعين ، فرحم الله عبداً نظر إليَّ فدعا لي بالعافية ، فإني وإن كنت غنياً عن خاصتكم لقد كنت فقيراً إلى عامتكم . قال : فدعا الناس له بخير وخرجوا من عنده . وجعل معاوية يبكي لما قد نزل به ، فقال له مروان بن الحكم : أجزعاً يا أمير المؤمنين ؟ فقال : لا يا مروان ! ولكني ذكرت ما كنت عنه عزوفاً ، ثم إني بليت في أحسني وما ظهر للناس مني ، فأخاف أن يكون عقوبةً عُجِّلت لي لما كان مني من دفعي بحق علي بن أبي طالب ، وما فعلت بحجر بن عدي وأصحابه ولولا هواي في يزيد لأبصرت رشدي وعرفت قصدي . . ) . انتهى . ورواها ابن عساكر في تاريخ دمشق : 59 / 215 و 59 / 214 ولم يذكر فيها دفع حق علي ( عليه السلام ) ولا قتل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 86 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
حجر ! وكذلك فعل غيره ، قالت روايته : ( وما آمن أن تكون عقوبة من ربي ، ولولا هواي في يزيد لأبصرت أمري . وذكر حديثاً طويلاً ) ! .
ورواها الذهبي في سيره : 3 / 156 ، وحذف منها كل ما يتعلق بيزيد ! بينما ذكره أبو نعيم في حلية الأولياء : 9 / 154 ، وكذلك البلاذري في أنساب الأشراف / 1113 ، وفيه : ( وقد ابتليت في أحسني ، وخفت أن يكون عقوبة من ربي ، لولا هواي في يزيد لأبصرت رشدي ) . وأورد أبو حيان في البصائر والذخائر / 7 ، في آخرها : ( فقال مروان : ما يبكيك يا أمير المؤمنين ؟ فقال : كبرت سني ، وكثر الدمع في عيني وخشيت أن تكون عقوبة من ربي ، ولولا يزيد لأبصرت قصدي ) . ( ونحوه الطبراني في الكبير : 19 / 306 ، وتاريخ دمشق : 59 / 215 ، ومجمع الزوائد : 9 / 355 ، وغيره ) .

وزعم الكذابون أن اللقوة داء الأنبياء ( عليهم السلام ) !

فمطلوبهم التخفيف عن معاوية حتى لو حرفوا مفاهيم الإسلام ومسُّوا بكرامة أنبياء الله ( عليهم السلام ) ! لذلك اخترعوا حديثاً يزعم أن اللقوة ليست عقوبة ، بل مرض يبتلى به الأنبياء ( عليهم السلام ) ! فلا غرابة إن ابتلي بها خليفة الله معاوية ! ففي المستطرف : 2 / 564 ، وفي طبعة / 805 : ( عن عبد الرحمن ( عبد الواحد ) بن قيس عن النبي ( ص ) أنه قال : داء الأنبياء الفالج واللقوة ) ! ( وربيع الأبرار / 849 ) . وقد شكك فيه الثعالبي في ثمار القلوب / 43 والجاحظ في البرصان والعرجان / 105 لأن في رواته كلاماً وقالوا إنه لا يعرف له سند إلا ما حدث به عباد بن كثير عن الحسن وذكوان عن عبد الواحد بن قيس ( الدمشقي عن أبي هريرة ) قال رسول الله : داءُ الأنبياء الفالج واللقوة ) !
أقول : إن تشكيكهم في الحديث بعد قرون ، لا ينفي أنه وُلد بعد لقْوَة معاوية ، وأدى دوره في الدفاع عنه ولو بالتنقيص من مقام الأنبياء ( عليهم السلام ) ! والدليل على كذبه أنه لا مصداقية له ، فلا يوجد نبي أصيب باللقوة ، ولا ببلاء يُنفِّر الناس منه !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 87 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولهم افتراء آخر على الأنبياء ( عليه السلام ) أسوأ من افتراء اللقوة ! وهو أن القَمْلَ ربما يكثر على أحدهم ( عليهم السلام ) حتى يقتله ! ولا ندري من الذي كان من أئمتهم مقمِّلاً فوضعوا له هذا الحديث ؟ ! رواه أحمد في مسنده : 3 / 94 ، قال : ( فقال النبي ( ص ) : إنا معشر الأنبياء يضاعف لنا البلاء كما يضاعف لنا الأجر ، إنْ كان النبيُّ من الأنبياء يبتلى بالقمل حتى يقتله ! وإنْ كان النبي من الأنبياء ليبتلى بالفقر حتى يأخذ العباءة فيخونها ) ! انتهى . أي يسرقها ! فهم يقولون لك إن النبي مقمِّل وحرامي فلا تعجب إن كان إمامهم مثله !
وقد تكرمت مصادرهم وحاولت التغطية على سرقة النبي للعباءة ، وليس على تقميله ! فجعله ابن ماجة : 2 / 1335 : ( حتى ما يجد أحدهم إلا العباءة يحويها ) وجعله الحاكم : 1 / 40 ، والبيهقي : 3 / 272 : ( حتى ما يجد إلا العباءة يلبسها ) وجعله بخاري في الأدب المفرد : 112 : ( العباءة يجوبها فيلبسها ) ! وعبد الرزاق في مصنفه : 11 / 310 : ( حتى تأخذه العباءة فيحولها ) وابن سعد في الطبقات : 2 / 208 : ( حتى ما يجد إلا العباءة يجوبها ) وعبد بن حميد في مسنده / 298 : ( حتى يأخذ العباءة فيحويها ) وأبو يعلى : 2 / 313 : ( حتى ما يجد إلا العباءة يحويها فيلبسها ) . . إلى آخره !
فسرقة الأنبياء للعباءات غير ثابت عندهم ، لكنهم اتفقوا على ابتلاء النبي بالقمل حتى يقتله ! كما اتفقوا على صحة الحديث وحسن سنده ، كما في هامش أبي يعلى ، ومصباح الزجاجة : 4 / 188 . وقال ابن الجوزي في الثبات عند الممات / 49 : ( إسناده صحيح رجاله ثقات ) . ونحوه في التخريج للحافظ العراقي : 4 / 63 ، وكشف الخفاء : 1 / 130 ) !
وحسبنا الله على من يفتري على أنبيائه ( عليهم السلام ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 88 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

وأصيب معاوية بالزمهريرة والبرديَّة فعجزوا عن تدفئته !

قال ابن كثير في النهاية : 8 / 150 : ( وذكروا أنه في آخر عمره اشتد به البرد فكان إذا لبس أو تغطي بشئ ثقيل يغمه ، فاتخذ له ثوباً من حواصل الطير ، ثم ثقل عليه بعد ذلك فقال : تباً لك من دار ، ملكتك أربعين سنة ، عشرين أميراً ، وعشرين خليفة ، ثم هذا حالي فيك ، ومصيري منك ، تباً للدنيا ولمحبيها ) !

وخرجت في ظهره قرحة عميقة واسترخى لحمه !

في تاريخ دمشق : 59 / 220 : ( لما كبر معاوية خرجت به قرحة في ظهره ، فكان إذا لبس دثاراً ثقيلاً والشام أرض باردة ، أثقله ذلك وغمَّه ! فقال : اصنعوا لي دثاراً خفيفاً دفيئاً من هذه السخال ، فصنع له فلما ألقي عليه تسارَّ إليه ساعة ثم غمه ، فقال : جافوه عني ، ثم لبسه ثم غمه فألقاه ، ففعل ذلك مراراً ) !
وكانت قرحته عميقة ، ففي تاريخ الطبري : 4 / 245 ، والطبقات : 4 / 112 ، وسير الذهبي : 2 / 401 : ( عن أبي بردة قال دخلت على معاوية بن أبي سفيان حين أصابته قرحة فقال : هلمَّ يا بن أخي تحول فانظر ! قال : فتحولت فنظرت فإذا هي قد سَبَرت يعني قرحته ، فقلت ليس عليك بأس يا أمير المؤمنين ) ! انتهى .
ومعنى سَبَرَتْ ، صارت ذات قعر تحتاج إلى معرفة عمقها بالمسبار . ( سبر الجرح بالمسبار : قاس مقدار قعره بالحديدة أو بغيرها ) . ( أساس البلاغة / 626 ) .
وفي تاريخ دمشق : 59 / 217 و 222 و 225 : ( قعد في عِلِّيَة له متفضلاً بملاءة له حمراء ، ثم نظر إلى عضديه قد استرخى لحمها ، فأنشأ يقول :
حكى حارث الجولان من فقد ربه وحوران منه موحش متماثل
قال معاوية وهو يُقَلَّب في مرضه وقد صار كأنه سعفة محترقة : أيَّ شيخ يُقلبون !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 89 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فجعل يقلب ذراعيه كأنهما عسيبا نخل وهو يقول : هل الدنيا إلا ما ذقنا وجربنا ) !

وأصيب بالنفاثات والهَلْوَسَة باسم علي ( عليه السلام ) وحِجْر وعمرو !

روى الطبري في تاريخه : 4 / 241 ، أن معاوية في مرضه ( كان به النفاثات ) .
وفي فيض القدير : 3 / 142 : ( النفاثات في العقد : النفوس أو الجماعات السواحر اللاتي يعقدن عقداً في خيوط وينفثن عليها ويرقين ، والنفث النفخ مع ريق ) .
وفي مجمع البيان : 10 / 493 : ( ومن شر النفاثات في العقد ، معناه : ومن شر النساء الساحرات اللاتي ينفثن في العقد ، عن الحسن وقتادة . وإنما أمر بالتعوذ من شر السحرة لإيهامهم أنهم يمرضون ويصحون ويفعلون شيئاً من النفع والضرر والخير والشر . وعامة الناس يصدقونهم ، فيعظم بذلك الضرر في الدين ، ولأنهم يوهمون أنهم يخدمون الجن ويعلمون الغيب ، وذلك فساد في الدين ظاهر . فلأجل هذا الضرر أمر بالتعوذ من شرهم ) . انتهى . فمعنى رواية الطبري أن معاوية أصيب بالهذيان فقالوا إنه من فعل السحر والنفاثات !
ورووا أن عقدة الذنب ظهرت في معاوية لغصبه حق علي ( عليه السلام ) ، وقتله حِجراً بلا سبب ، فكأنه كان يرى أرواحهم وأشباحهم تطارده !
ففي تاريخ دمشق : 12 / 231 ، أنه كان يقول : ( ما قتلت أحداً إلا وأنا أعلم فيمَ قتلته إلا حجر بن عدي ) . ( ورواه في بغية الطلب : 5 / 2127 ، وفيض القدير : 4 / 166 ) .
وقال ابن كثير في النهاية : 8 / 57 : ( وروى ابن جرير أن معاوية جعل يغرغر بالموت وهو يقول : إن يومي بك يا حجر بن عدي لطويل ، قالها ثلاثاً . فالله أعلم ) . انتهى .
ويقصد ما رواه ابن جرير الطبري في تاريخه : 4 / 191 : ( فلقيت عائشة أم المؤمنين معاوية ، قال مخلد أظنه بمكة ، فقالت : يا معاوية أين كان حلمك عن حجر ؟ فقال لها : يا أم المؤمنين لم يحضرني رشيد ! قال ابن سيرين : فبلغنا أنه لما حضرته
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 90 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الوفاة جعل يغرغر بالصوت ويقول : يومي منك يا حجر يوم طويل ) ! ( وابن الأثير : 3 / 338 ، ونهاية الإرب / 4459 ، وأخبار شعراء الشيعة / 51 ، وتاريخ الكوفة للبراقي / 320 ) .
وروى ابن الأعثم في الفتوح : 4 / 344 : ( وجعل معاوية يبكي لما قد نزل به . . . وكان في مرضه يرى أشياء لا تسره ! حتى كأنه ليهذي هذيان المدنف وهو يقول : إسقوني إسقوني فكان يشرب الماء الكثير فلا يروى ! وكان ربما غُشيَ عليه اليوم واليومين ، فإذا أفاق من غشوته ينادي بأعلى صوته : ما لي ومالك يا حجر بن عدي ! ما لي وما لك يا عمرو بن الحمق ! مالي ومالك يا ابن أبي طالب ) !
وفي الصراط المستقيم للبياضي : 3 / 50 : ( وروى سعيد بن حسان أنه كان في مرضه يقول : إسقوني ويغب ولا يروي ويقول : ما لي وما لك يا حجر ! ما لي وما لك يا ابن أبي طالب ، ويتململ على فراشه ويقول : لولا هواي في يزيد لأبصرت به رشدي ! ونحو ذلك في تاريخ النسوي ) . انتهى .

وقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) إن معاوية يموت على غير الإسلام !

كتب الحافظ السقاف في موقعه : التنزيه ( tanzih . org ) :
حديثٌ صحيحٌ صريحٌ في أن معاوية يموت على غير ملة الإسلام !
ثبت بالسند الصحيح عند البلاذري في التاريخ الكبير قال : حدثني إسحاق ، حدثنا عبد الرزاق ، أنبأنا معمر ، عن ابن طاووس ، عن أبيه ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : كنت جالساً عند النبي ( ص ) فقال : يطلع عليكم من هذا الفج رجل يموت يوم يموت على غير ملتي ! قال : وتركت أبي يلبس ثيابه فخشيت أن يطلع فطلع معاوية . وهذا إسناد صحيح في غاية من الصحة .
قال الحافظ السيد أحمد بن الصديق الغماري في جؤنة العطار ( 2 / 154 ) : وهذا حديث صحيح على شرط مسلم ، وهو يرفع كل غمة عن المؤمن ، المتحير في شأن هذا الطاغية قبحه الله ، ويقضي على كل ما يموِّه به المموهون في حقه !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 91 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ومن أعجب ما تسمعه أن هذا الحديث خرَّجه كثير من الحفاظ في مصنفاتهم ومعاجمهم المشهورة ، ولكنهم يقولون : فطلع رجل ولا يصرِّحون باسم اللعين معاوية ، ستراً عليه وعلى مذاهبهم الضلالية في النَّصْب ، وهضم حقوق آل البيت ولو برفع منار أعدائهم ، فالحمد لله الذي حفظ هذه الشريعة رغماً على دس الدساسين وتحريف المبطلين ) . أنظر مجمع الزوائد ( 5 / 243 ) فإنه ذكر هناك هذا الحديث من رواية الطبراني بلفظ ( فطلع رجل ) هكذا مبهماً ) ! انتهى .
أقول : وروت مصادرنا عن علي ( عليه السلام ) أن معاوية يموت نصرانياً ! ففي مدينة المعاجز للسيد هاشم البحراني ( رحمه الله ) : 2 / 184 : ( ابن شهرآشوب : عن المحاضرات للراغب أنه قال ( صلى الله عليه وآله ) : لا يموت ابن هند حتى يعلق الصليب في عنقه ! وقد رواه الأحنف بن قيس ، وابن شهاب الزهري ، والأعثم الكوفي ، وأبو حيان التوحيدي وابن الثلاج ، في جماعة ، فكان كما قال ( عليه السلام ) ) !
وصدق رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وصدق أمير المؤمنين ( عليه السلام )
فقد روى القاضي النعمان المغربي في شرح الأخبار : 2 / 153 ، المتوفى سنة 363 : ( عن سعيد بن المسيب قال : مرض معاوية مرضه الذي مات فيه ، فدخل عليه طبيب له نصراني فقال له : ويلك ما أراني أزداد مع علاجك إلا علة ومرضاً ! فقال له : والله ما أبقيت في علاجك شيئاً أرجو به صحتك إلا وقد عالجتك به ، غير واحد فإني أبرأت به جماعة ، فإن أنت ارتضيته وأمرتني بأن أعالجك به فعلت . قال : وما هو ؟ قال : صليب عندنا ما علق في عنق عليل إلا فاق ! فقال له معاوية : عليَّ به . فأتاه به فعلقه في عنقه فمات في ليلته تلك والصليب معلق في عنقه ) .
ورواه في المناقب والمثالب / 225 ، وفي الصراط المستقيم لابن يونس العاملي : 3 / 50 : ( سلمة بن كهيل : قال الأحنف : سمعت علياً يقول : ما يموت فرعون حتى يعلق
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 92 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الصليب في عنقه ، فدخلت عليه وعنده عمرو والأسقف ، فإذا في عنقه صليب من ذهب ! فقال : أمراني وقالا : إذا أعيا الداء الدواء تروحنا إلى الصليب فنجد له راحة ! الزهري : دخل عليه راهب وقال : مرضك من العين ، وعندنا صليب يذهب العين فعلقه في عنقه فأصبح ميتاً ، فنزع منه على مغتسله . وفي المحاضرات : لما علقه قال الطبيب : إنه ميت لا محالة ، فمات من ليلته ! ) .
وفي التعجب لأبي الفتح الكراجكي / 107 : ( واشتهر عنه لم يمت إلا وفي عنقه صليب ذهب ، وضعه له في مرضه أهون المتطبب ، وأشار إليه بتعليقه ، فأخذه من كنيسة يوحنا وعلقه في عنقه ) !
ونقل الشيخ محمود أبو رية في كتابه شيخ المضيرة / 185 ، عن أحد علماء الألمان قوله : ( ينبغي لنا أن نقيم تمثالاً من الذهب لمعاوية بن أبي سفيان في ميدان كذا من عاصمتنا " برلين " ! فقيل له : لماذا ؟ قال لأنه هو الذي حول نظام الحكم الإسلامي عن قاعدته الديمقراطية إلى عصبية ، ولولا ذلك لعم الإسلام العالم كله ، وإذن لكنا نحن الألمان وسائر شعوب أوروبا عربا مسلمين ) . ( الوحي المحمدي / 232 ) .

كم سنة عاش معاوية ؟

حكم معاوية الشام نحو عشرين سنة ، والأمة الإسلامية نحو عشرين سنة ! ومات في الثاني والعشرين من رجب سنة ستين وله اثنان وثمانون سنة سنة ، أو ثمان وسبعون سنة . ( تاريخ دمشق : 59 / 237 ) . وكان واحداً من بضعة أشخاص أثروا بعد النبي ( صلى الله عليه وآله ) في تاريخ الأمة وثقافتها وتركوا فيها بصماتهم إلى اليوم ! وما ذلك إلا لأنهم من كبار المخططين ، وقد كان معاوية أحد الطغاة الكبار ، وإمام الدعاة إلى النار ، بشهادة المصطفى المختار ، صلوات الله عليه وآله الأطهار .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 93 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الثالث : الطلقاء والعتقاء وذرياتهم . . مسلمون درجة ثانية !

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 94 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 95 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

فتوى عمر في الطلقاء بأن حكم الأمة محرمٌ عليهم !

روى ابن سعد في الطبقات : 3 / 342 ، عن عمر أنه قال : ( هذا الأمر في أهل بدر ما بقي منهم أحد ، ثم في أهل أحد ما بقي منهم أحد ، وفي كذا وكذا ، وليس فيها لطليق ، ولا لولد طليق ولا لمسلمة الفتح شئ ) . ( ورواه في تاريخ دمشق : 59 / 145 ، وأسد الغابة : 4 / 387 ، وكنز العمال : 5 / 735 ، و : 12 / 681 ، عن ابن سعد ، وتاريخ الخلفاء للسيوطي / 113 ، والغدير : 7 / 144 ، و 10 / 30 ، ونفحات الأزهار : 5 / 350 ) .
وفي الإصابة : 4 / 70 : ( ويقال إن عمر قال لأهل الشورى : لا تختلفوا فإنكم إن اختلفتم جاءكم معاوية من الشام وعبد الله بن أبي ربيعة من اليمن ، فلا يريان لكم فضلاً لسابقتكم ، وإن هذا الأمر لا يصلح للطلقاء ولا لأبناء الطلقاء ) . ( ورواه البلاذري في أنساب الأشراف / 2739 ، والسخاوي في التحفة اللطيفة / 552 )
وفي فتح الباري : 13 / 178 : ( وإنما خص الستة لأنه اجتمع في كل واحد منهم أمران : كونه معدوداً في أهل بدر ، ومات النبي ( ص ) وهو عنه راض ، وقد صرح بالثاني الحديث الماضي في مناقب عثمان ، وأما الأول فأخرجه ابن سعد من طريق عبد الرحمن بن أبزى عن عمر قال . . . وهذا مصيرٌ منه إلى اعتبار تقديم الأفضل في الخلافة ) . انتهى . فمن أين أتى عمر بهذا الحكم ؟ وقد زعموا أنهم لم يسألوا النبي ( صلى الله عليه وآله ) أبداً عن الخلافة من بعده ؟ وما هو موقف محبي بني أمية ؟ القائلين بأن معاوية صحابي كامل الصحبة وخليفة شرعي الخلافة ؟ !

حكم النبي ( صلى الله عليه وآله ) المغيَّب على الطلقاء والعتقاء بأنهم ليسوا من أمته !

يحرص أتباع بني أمية والخلافة القرشية ، على طمس حقائق كبيرة ، ومنها هذه الحقيقة الأساسية في فهم تركيبة الأمة الإسلامية وفئاتها ، كما حددها رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : فأول أمته هم عترته الطاهرة ( عليهم السلام ) الذين جعلهم الله تعالى عِدلَ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 96 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
القرآن ، وهم أئمة ربانيون ، مفروضة طاعتهم من الله تعالى ، ولا يقاس بهم أحد ! ويليهم أتباعهم من الصحابة الأبرار ، والتابعين لهم بإحسان . فهؤلاء حيِّزٌ وحِلْفٌ ودائرة بحكم الله تعالى ، وبقية الناس حلف وحيِّز ودائرة .
أما موقع معاوية وبني أمية وكل قريش المشركة ، أو مسلمة الفتح ( الطلقاء ) وكل ذرياتهم فهو خارج هذا الحلف ، بل جعلهم الله تعالى حلفاً مع عتقاء الطائف ! وهو حلفٌ لازمٌ بحكم الله تعالى للطلقاء والعتقاء ولأمة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) جميعاً مَن وُجد منهم في ذلك العصر ومن يولد من ذرياتهم إلى يوم القيامة ! وهذا هو مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) الذين صرحوا مراراً بأن الطلقاء والعتقاء ما أسلموا ولكن استسلموا حتى وجدوا لكفرهم أتباعاً !
( عن جابر بن عبد الله عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) قال : المهاجرون والأنصار بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة ، والطلقاء من قريش والعتقاء من ثقيف بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة ) ! وروته بلفظه أو بنحوه نحوه مصادر السنيين بأسانيد عديدة فيها الصحيح على شرط الشيخين ! ( مسند أحمد : 4 / 363 بروايتين ، ومجمع الزوائد : 10 / 15 ، بعدة روايات وقال في بعضها : ( رواه أحمد والطبراني بأسانيد وأحد أسانيد الطبراني رجاله رجال الصحيح ، وقد جوَّده فإنه رواه عن الأعمش عن موسى بن عبد الله ) . وأبو يعلى : 8 / 446 ، وابن حبان : 16 / 250 ، ومعجم الطبراني الكبير : 2 / 309 ، و 313 ،
و 214 ، و 316 ، و 343 ، و 347 ، و : 10 / 187 ، وموارد الظمآن : 7 / 271 ، والدر المنثور : 3 / 206 ، وفتح القدير : 2 / 330 ، وعلل الدارقطني : 5 / 102 ، وتاريخ بغداد : 13 / 46 ، وتعجيل المنفعة / 414 ، والأنساب للسمعاني : 4 / 152 ، وأخبار إصبهان : 1 / 146 ، وأمالي الطوسي / 268 ) .
فماذا تراهم يصنعون بهذا الحديث الصحيح ، الذي يحرِّم على الأمة أن يقودها هؤلاء لأنهم ليسوا منها ؟ ! وأين يقع بنو أمية وأتباعهم ومن يُنَظَّر لهم ؟ !
إن على محبي هؤلاء الطلقاء الذين يزعمون لهم الصحبة والفضائل والخلافة ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 97 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أن يثبتوا دخولهم في صلب أمة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وحيِّزها أصلاً ، بعد أن أخرجهم النبي ( صلى الله عليه وآله ) بهذا الحديث ، الذي تغضُّ بهم أوسع الحلاقيم !
إنها الضربة النبوية القاصمة لطلقائه وعتقائه ! فقد أبلغ حكم الله فيهم وأن إسلامهم تحت السيف لا يجعلهم من صلب الأمة ! بل سيبقون هم وذرياتهم طلقاء النبي ( صلى الله عليه وآله ) وأهل بيته ، إلا من صدر فيه استثناء فصار من المسلمين !
ويوضح ذلك ما كتبه أمير المؤمنين ( عليه السلام ) إلى معاوية : ( وزعمتَ أن أفضل الناس في الإسلام فلانٌ وفلان ، فذكرت أمراً إن تم اعتزلك كله ، وإن نقص لم تلحقك ثلمته ! وما أنت والفاضل والمفضول والسائس والمسوس ؟ وما للطلقاء وأبناء الطلقاء والتمييز بين المهاجرين الأولين وترتيب درجاتهم وتعريف طبقاتهم . هيهات لقد حَنَّ قدحٌ ليس منها ، وطفق يحكم فيها من عليه الحكم لها ! ألا تربع أيها الإنسان على ظَلعك وتعرف قصور ذرعك ؟ وتتأخر حيث أخرك القدر ، فما عليك غلبة المغلوب ولا لك ظفر الظافر ! وإنك لذهَّابٌ في التيه روَّاغٌ عن القصد ) . ( نهج البلاغة : 3 / 30 والاحتجاج : 1 / 259 ، وابن الأعثم : 2 / 560 ، وصبح الأعشى : 1 / 155 ) .
وقال صعصعة مع معاوية : ( أنَّى يكون الخليفة من ملك الناس قهراً ، ودانهم كبراً ، واستولى بأسباب الباطل كذباً ومكراً ؟ ! وإنما أنت طليق ابن طليق ، أطلقكما رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ! فأنى تصلح الخلافة لطليق ) ! ( مروج الذهب / 694 )
( ومن كلام لابن عباس يخاطب أبا موسى الأشعري : ليس في معاوية خلة يستحق بها الخلافة ! واعلم يا أبا موسى أن معاوية طليق الإسلام ، وأن أباه رأس الأحزاب ، وأنه يدعي الخلافة من غير مشورة ولا بيعة ) . ( شرح النهج : 2 / 246 ) .
ومن كتاب لابن عباس إلى معاوية : ( وإن الخلافة لا تصلح إلا لمن كان في الشورى ، فما أنت والخلافة ؟ وأنت طليق الإسلام ، وابن رأس الأحزاب ، وابن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 98 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
آكلة الأكباد من قتلى بدر ) . ( الإمامة والسياسة : 1 / 100 ) .
* *
أقول : ويجري عندنا حكم الطليق أيضاً على العباس عم النبي ( صلى الله عليه وآله ) وأولاده ، ففي عيون أخبار الرضا ( عليه السلام ) : 1 / 189 ، بسند صحيح : ( عن معمر بن خلاد وجماعة قالوا : دخلنا على الرضا ( عليه السلام ) فقال له بعضنا : جعلنا الله فداك ما لي أراك متغير الوجه ؟ فقال : إني بقيت ليلتي ساهراً متفكراً في قول مروان بن أبي حفصة :

أنى يكونُ وليسَ ذاك بكائنٍ * لبني البنات وراثةُ الأعمام

ثم نمت ، فإذا أنا بقائل قد أخذ بعضادة الباب ، وهو يقول :

أنى يكون وليس ذاك بكائنٍ * للمشركين دعائم الإسلام
لبني البنات نصيبهم من جدهم * والعمٌّ متروك بغير سهام
ما للطليق وللتراث وإنما * سجد الطليق مخافة الصمصام
قد كان أخبرك القُرَانُ بفضله * فمضى القضاء به من الحكام
أنَّ ابنَ فاطمةَ المنوَّهَ باسمه * حاز الوراثة عن بني الأعمام
وبقي ابنُ نثلة واقفاً متردداً * يبكي ويسعده ذووا الأرحام )

ورواه في الإحتجاج : 2 / 167 وفي هامشه : ( يريد بالطليق العباس بن عبد المطلب عم الرسول ( صلى الله عليه وآله ) حيث أسر يوم بدر ، أسره أبو يسر كعب بن عمرو الأنصاري وكان رجلاً صغير الجثة وكان العباس رجلاً عظيماً قوياً ، فقال النبي ( صلى الله عليه وآله ) لأبي اليسر كيف أسرته ؟ قال : أعانني رجل ما رأيته قبل ذلك ولا بعده ! فقال ( صلى الله عليه وآله ) : لقد أعانك عليه ملك كريم ، ولما أمسى القوم والأسارى محبوسون في الوثاق وفيهم العباس ، بات رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) تلك الليلة ساهراً فقال له بعض أصحابه : ما يسهرك يا رسول الله ؟ قال : سمعت أنين العباس ! فقام رجل من القوم فأرخى من وثاقه شيئاً . فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : ما لي لا أسمع أنين العباس ؟ فقال رجل : أرخيت من وثاقه شيئاً . قال ( صلى الله عليه وآله ) : إفعل ذلك بالأسارى كلهم ) . ( راجع الطبري : 2 / 288 )
وفي تقريب المعارف لأبي الصلاح الحلبي / 349 : ( فقال له المغيرة بن شعبة : فما
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 99 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يمنعك من ابنك عبد الله ؟ فقال له : ويلك والله ما أردت الله بذلك ، كيف أستخلف رجلاً لم يحسن أن يطلق امرأته ؟ ! فقيل له : فَألا أدخلت فيهم العباس ؟ فقال : العباس طليق ، وهذا أمر لا يصلح لطليق ) . انتهى .
الأمة الإسلامية مكونة من درجة أولى وثانية

الأمة الإسلامية مكونة من درجة أولى وثانية

نعم ، فدخول الطلقاء والعتقاء في الأمة ، هو مقتضى قبول النبي ( صلى الله عليه وآله ) إسلام من نطق بالشهادتين . وخروجهم من عضويتها الكاملة صريح النص النبوي الذي حدد حيَّز الأمة ودائرتها الأولى بالمهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان ، وأخرج منها طلقاء مكة وعتقاء ثقيف وذرياتهم ، فجعلهم درجة ثانية .
أما الأحكام المترتبة على ذلك ، ومنها ما أعلنه عمر بن الخطاب من تحريم حكمهم للأمة ! ومنها إعطاؤهم من ميزانية المؤلفة قلوبهم ، وحرمانهم من العطاءات الخاصة بأمة النبي ( صلى الله عليه وآله ) . وهما قراران سياسي واقتصادي تتفرع منهما أحكامٌ كثيرة ، لا يتسع المجال لبحثها .
ولا تسأل لماذا لم يعلن علماء الخلافة القرشية هذا الحديث الخطير ، ولم يدوِّن فقهاؤهم أحكامه ! فهل تتوقع من الذين بنوا حياتهم على شرعية حكومات وألفوا لها كتبهم ، أن يعترفوا بأن أساسها باطل عاطل ؟ !
نعم يمكنك أن تجد الجرأة في عصرنا عند البعض النادر كالدكتور حسن بن فرحان المالكي حيث اعترف بهذه الحقيقة في كتابه الصحبة والصحابة / 33 ، فقال في تفسير قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيء حَتَّى يُهَاجِرُوا . . . ( الأنفال : 72 ) . قال : ( هذه السورة فيها فوائد عظيمة : الأولى : إثبات ولاية المهاجرين مع الأنصار فقط وهذا ما يفسره الحديث
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 100 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الشريف عن رسول الله ( ص ) : المهاجرون والأنصار أولياء بعضهم لبعض والطلقاء من قريش والعتقاء من ثقيف بعضهم أولياء بعض إلى يوم القيامة . رواه أحمد بسند صحيح . والحديث فيه إخراج للطلقاء من المهاجرين والأنصار ، الذين هم أصحاب النبي ( ص ) فقط ، كما في حديث آخر : ( أنا وأصحابي حَيِّز والناس حَيِّز ) ، قالها النبي ( ص ) يوم الفتح ، وكلمة ( أصحابي ) في هذا الحديث الأخير كلمة مطلقة ، فسرها الحديث المتقدم وقيدها بأن المراد بها ( المهاجرين والأنصار ) فتأمل لهذا التوافق والترابط ، فإنك لن تجده في غير هذا المكان !
الفائدة الثانية : أن الذين أسلموا ولم يهاجروا لا يستحقون من المسلمين في عهد النبي ( ص ) الولاية ، التي تعني النصرة والولاء ! فإذا كان المسلمون قبل فتح مكة لا يستحقون النصرة ولا الولاء حتى يهاجروا فكيف بمن انتظر من ( الطلقاء ) حتى قال : لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية ! فهؤلاء لم يدركوا فضل من لا يستحق النصرة والولاية ، فضلاً عن إدراكهم لفضل السابقين من المهاجرين والأنصار .
الثالثة : أن المسلمين الذين لم يهاجروا ( لا يجوز ) أن ينصرهم المسلمون على الكفار المعاهدين ( الذين معهم ميثاق مع المهاجرين والأنصار ) وهذا الحكم يبين الفرق الواسع بين من هاجر ومن بقي مؤمناً في دياره ، فكيف بمن لم يؤمن إلا عند إلغاء الهجرة الشرعية من مكة وأسلم رغبة في الدنيا ورهبة من السيف ، حتى وإن حسن إسلامه فيما بعد ) !
وقال في / 44 : ( الدليل الحادي عشر : حديث أبي سعيد الخدري قال : لما نزلت هذه السورة ( إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ ) قال : قرأها رسول الله ( ص ) حتى ختمها وقال : الناس حيِّز وأنا وأصحابي حيِّز ، وقال : لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية ، فقال له مروان : كذبت ! وعنده رافع بن خديج وزيد بن ثابت وهما قاعدان معه على
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 101 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
السرير ، فقال أبو سعيد : لو شاء هذان لحدثاك ، ولكن هذا يخاف أن تنزعه عن عرافة قومه ، وهذا يخشى أن تنزعه عن الصدقة ! فسكتا ، فرفع مروان عليه الدرة ليضربه ، فلما رأيا ذلك قالوا : صدق . وقد أخرجه أحمد بسند صحيح . ( 4 / 45 ) فهذا الحديث فيه إخراج واضح للطلقاء الذين ( دخلوا في الإسلام ) من أصحاب النبي ( ص ) بأكثر من دلالة : الدلالة الأولى : تلاوته ( ص ) لسورة النصر التي فيها ذكر ( الناس ) الذين يدخلون في دين الله أفواجاً ، تلاها ( ص ) يوم فتح مكة ، فهؤلاء الناس المراد بهم الطلقاء ، ثم أخبرنا النبي بأن الناس حَيِّز وهو وأصحابه حَيِّزٌ آخر ! فماذا يعني هذا ؟ هذا بكل وضوح لا يعني إلا أن هؤلاء ( الناس ) لا يدخلون في الأصحاب ، الذين فازوا بتلك ( الصحبة الشرعية ) التي تستحق الثناء وتتنزل فيها كل الثناءات على الصحابة ! فإذا سمعنا بأي حديث يثني على أصحاب النبي أو أي أثر من الصحابة خاصة يثني على أصحاب النبي فلا تنزل تلك الأحاديث والآثار إلا على هؤلاء الأصحاب الذين فَصَلَهُم النبي عن سائر الناس من غيرهم ، وأولى الناس دخولاً في هؤلاء ( الناس ) هم الطلقاء الذين أسلموا يوم فتح مكة لارتباط المناسبة بهم ، ولا يجوز أن نجمع بين حيِّزين قد فرق بينهما النبي ( ص ) . ومن تأكد له هذا ثم أراد أن يجعل ( الحَيِزَين ) حيِّزاً واحداً فقد اتهم النبي ( ص ) بعدم الإنصاف ، مثلما اتهمه ذو الخويصرة يوم حنين ! ونعوذ بالله أن نردَّ حديث رسول الله ( ص ) أو نؤوله على غير مراده ( ص ) ، ذلك المراد الذي يظهر بوضوح من لفظ الحديث الصريح ) ! !
وفي هامشه : ( ويدخل في ( الناس ) الطلقاء ومن بعدهم جزماً ولا يدخلون في ( الأصحاب ) ومن علامات النواصب أنه لا يهمهم هؤلاء وإنما يعز عليهم خروج ( الطلقاء ) من الصحبة الشرعية ! ولذلك لا تجدهم يدافعون عن المسلمين في العهد المكي الذين لم يهاجروا ولا يبرؤونهم ، إنما تنصبُّ كتاباتهم في الدفاع عن الطلقاء ! مما يبين لنا بوضوح أن بعض
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 102 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأفكار عندنا تشكلت بداياتها في ظل السلطة الأموية ! لذا كانت هذه الأفكار تحمل بصمات السياسة الأموية ! وهناك بعض المعتقدات من وضع السياسة الأموية أو تشجيعها أو توفيرها لجو تلك المعتقدات ومنها مسألة : ( الإمساك عما شجر بين الصحابة ) و ( عدالة كل الصحابة ) وعقوبة ساب الصحابي بأنها أشد من عقوبة ساب الله عز وجل ! . . . ونحو هذا من المعتقدات التي لا يدافعون بها عن علي وعمار وابن عديس ، ضد من سبهم من بني أمية وأشياعهم من النواصب ! وإنما يدافعون بها عن معاوية والوليد وبسر والحكم ونحوهم ضد من سبهم أو ذم سيرتهم من الشيعة أو من أهل السنة أيضاً ، كعبيد الله بن موسى ، وابن عبد البر ، وعبد الرزاق الصنعاني ، وغيرهم من كبار علماء أهل السنة ) ! انتهى .
وقال في / 47 : ( الدليل الثاني عشر : قول النبي ( ص ) : ( المهاجرون والأنصار أولياء بعضهم لبعض والطلقاء من قريش والعتقاء من ثقيف بعضهم أولياء بعض إلى يوم القيامة ) . أقول : وهذا الحديث واضح في أن طلقاء قريش وعتقاء ثقيف ليسوا من المهاجرين ولا من الأنصار ! وعلى هذا فلا يستحقون الفضائل التي نزلت في فضل المهاجرين والأنصار ، وعلى هذا لا يجوز لنا أن نخلط الأمور ونقدم من أخره الله ورسوله ( ص ) ، أو نؤخر من قدمه الله ورسوله ) . انتهى .

واعترفوا بأن معاوية من المؤلفة قلوبهم وزعموا أنه إمام !

قال الله تعالى : إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( التوبة : 60 )
في هذه الآية أربع مسائل :
الأولى : في تعريف المؤلفة قلوبهم ، فقال ابن حجر في فتح الباري : 8 / 38 : ( فقيل كفار يعطون ترغيباً في الإسلام . وقيل مسلمون لهم أتباع كفار ليتألفوهم . وقيل مسلمون أول ما دخلوا في الإسلام ليتمكن الإسلام من قلوبهم ) .
وقال السرخسي في المبسوط : 3 / 9 : ( وأما المؤلفة قلوبهم فكانوا قوماً من رؤساء
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 103 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
العرب كأبي سفيان بن حرب وصفوان بن أمية وعيينة بن حصن والأقرع بن حابس ، وكان يعطيهم رسول الله ( ص ) بفرض الله ، سهماً من الصدقة يؤلفهم به على الإسلام . فقيل كانوا قد أسلموا وقيل كانوا وعدوا أن يسلموا ) .
وفصَّلهم فقهاؤنا أكثر فقال المحقق الحلي في المعتبر : 2 / 573 : ( والمؤلفة قلوبهم ، وهم الذين يستمالون إلى الجهاد بالإسهام في الصدقة وإن كانوا كفاراً . قال الشيخ في المبسوط : المؤلفة عندنا هم الكفار ، الذين يستمالون بشئ من الصدقات إلى الإسلام يتألفون ليستعان بهم على قتال المشركين ، ولا يعرف أصحابنا مؤلفة أهل الإسلام . وقال المفيد : المؤلفة قلوبهم ضربان مسلمون ومشركون ، وبه قال الشافعي . وقال المشركون : ضربان : ضرب لهم قوة وشوكة وآخر لهم شرف وقبول . والمسلمون أربعة : قوم لهم نظراء فإذا أعطوا رغب نظراؤهم ، وقوم في نياتهم ضعف فيعطون لتقوى نياتهم ، وقوم من الأعراب في طرف بلاد الإسلام وبإزائهم قوم من أهل الشرك فإذا أعطوا رغب الآخرون ، وقوم بإزائهم قوم آخرون من أصحاب الصدقات فإذا أعطوا جبوها وإن لم يعطوا احتاج الإمام إلى مؤنة في بعث من يجئ زكواتهم . . . . ولست أرى بهذا التفصيل بأساً ، فإن في ذلك مصلحة ونظر المصلحة موكول إلى الإمام ) . انتهى .
وقد ركز قدماء فقهائنا على تأليف قلوب من يستعان بهم للحرب ، فانتقد ذلك صاحب الحدائق الناضرة ( رحمه الله ) فقال في : 12 / 175 : ( والعجب منهم رضوان الله عليهم في هذا الخلاف والاضطراب وأخبار أهل البيت ( عليهم السلام ) بذلك مكشوفة النقاب مرفوعة الحجاب ، قد رواها ثقة الإسلام في الكافي وعنون لها باباً على حدة فقال : باب المؤلفة قلوبهم . وها أنا أسوق لك جملة أخباره ، ومنها ما رواه في الصحيح أو الحسن عن زرارة عن أبي جعفر ( عليه السلام ) قال : سألته عن قول الله عز وجل : وَالْمُؤَلَّفَةِ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 104 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قُلُوبُهُمْ ؟ قال : هم قوم وحدوا الله عز وجل وخلعوا عبادة من يعبد من دون الله ، وشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وهم في ذلك شُكَّاك في بعض ما جاء به محمد ( صلى الله عليه وآله ) فأمر الله نبيه أن يتألفهم بالمال والعطاء لكي يحسن اسلامهم ، ويثبتوا على دينهم الذي دخلوا فيه وأقروا به . وإن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يوم حنين تألف رؤساء العرب من قريش وسائر مضر : منهم أبو سفيان بن حرب وعيينة بن حصين الفزاري وأشباهم من الناس . . . الخ . فأورد عدة أحاديث ثم قال :
( وهذه الأخبار كلها كما ترى ظاهرة في أن المؤلفة قلوبهم قوم مسلمون قد أقروا بالإسلام ودخلوا فيه ، لكنه لم يستقر في قلوبهم ولم يثبت ثبوتاً راسخاً ، فأمر الله تعالى نبيه بتألفهم بالمال لكي تقوى عزائمهم وتشتد قلوبهم على البقاء على هذا الدين ، فالتأليف إنما هو لأجل البقاء على الدين والثبات عليه ، لا لما زعموه رضوان الله عليهم من الجهاد ، كفاراً كانوا أو مسلمين ، وأنهم يتألفون بهذا السهم لأجل الجهاد ) . انتهى .
أقول : انتقاده لفقهائنا رحمهم الله صحيح ، لأن أحاديث أهل البيت ( عليهم السلام ) ركزت على التعليل بضعف إسلامهم وتأليف قلوبهم لتقويته . لكن سبب إضافتهم وفقهاء المذاهب الأخرى تأليف قلوبهم للجهاد ثلاثة أمور :
أولها ، أن اسم المؤلفة قلوبهم في القرآن يتضمن التعليل وهو مطلق يشمل تأليف قلوبهم لأجل تقوية إسلامهم الضعيف ، ولأجل مساعدة للمسلمين في الجهاد ، أو في المواقف السياسية ، أو غيرها .
والثاني : أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) طبَّق المؤلفة قلوبهم على مشركي قريش الذين أعلنوا إسلامهم وسماهم الطلقاء ، بعد أن أخذهم معه لحرب هوازن في حنين !
والثالث : ألغى عمر سهم المؤلفة قلوبهم ، لأنه كان عاراً على زعماء قريش
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 105 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وشهادةً نبوية لهم بنقص إسلامهم ، فانتقده الصحابة ، فعلل ذلك بأن الإسلام قد قوي ، وأن الحاجة إليهم في الجهاد انتفت ! فأثر هذه التعليل في مذاهب السنة .
لكن هذا لا ينفي إطلاق وصفهم التعليلي في الآية ، ولذا أفتى فقهاؤنا المتأخرون بعموم تأليف القلوب لأغراض متعددة تخدم مصلحة المسلمين ويقدرها الإمام ( عليه السلام ) أو نائبه ، ومن أولها تقوية إسلام هذا النوع ، وهو الصحيح .
قال السيد الخوئي ( رحمه الله ) في منهاج الصالحين : 1 / 312 : ( وهم المسلمون الذين يضعف اعتقادهم بالمعارف الدينية ، فيعطون من الزكاة ليحسن إسلامهم ، ويثبتوا على دينهم ، أو الكفار الذين يوجب إعطاؤهم الزكاة ميلهم إلى الإسلام ، أو معاونة المسلمين في الدفاع أو جهاد الكفار ) . انتهى .
المسألة الثانية : أن حلال محمد ( صلى الله عليه وآله ) حلال إلى يوم القيامة ، وحرامه حرام إلى يوم القيامة ! وتشريع المؤلفة قلوبهم مستمر ومصاديقه موجودون في كل عصر ، لكن الذي حدث أن أصحاب هذا السهم طالبوا أبا بكر فبخل عليهم ، وتبعه عمر ثم أعلن إلغاءه بحجة عدم الحاجة إليهم في الجهاد ، ثم تبنى ذلك عثمان ومعاوية لرفع الوصمة عن زعماء قريش ! قال الشوكاني في نيل الأوطار : 4 / 234 : ( وقال الشافعي : لا نتألف كافراً ، فأما الفاسق فيعطى من سهم التأليف . وقال أبو حنيفة وأصحابه : قد سقط بانتشار الإسلام وغلبته ، واستدلوا على ذلك بامتناع أبي بكر من إعطاء أبي سفيان وعيينة والأقرع وعباس بن مرداس . والظاهر جواز التأليف عند الحاجة إليه ) . انتهى . وتفصيله خارج عن غرضنا .
المسألة الثالثة : أن جميع من حكم عليهم النبي ( صلى الله عليه وآله ) بأنهم من المؤلفة قلوبهم ، ومن الطلقاء ، محكوم بنقص إسلامهم ، وأنهم ليسوا من الأمة بل ملحقون بها إلحاقاً ، ومشتراةٌ قلوبهم بالمال ، فهم حِلْفٌ خارج دائرة المسلمين ، وذرياتهم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 106 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مثلهم إلى يوم القيامة ، كما نص الحديث الصحيح عندهم وعندنا !
فهؤلاء الذين هم أقل من أفراد عاديين في الأمة كيف يكونون من قادتها ؟ ! وماذا ينفع الطليق أن يشهد له ابن تيمية وكل الناس بأنه أسلم وحسن إسلامه ! بعد تصنيف النبي ( صلى الله عليه وآله ) له ولذريته بأنهم حلف خارج دائرة الأمة الأصلية !
المسألة الرابعة : أجمع المسلمون على أن القرشيين الطلقاء عموماً من المؤلفة قلوبهم وهم الذين أعطاهم النبي ( صلى الله عليه وآله ) غنائم حنين !
ففي البخاري : 5 / 104 : ( يوم حنين قسم في الناس في المؤلفة قلوبهم ولم يعط الأنصار ) . وفي / 205 : ( والمؤلفة قلوبهم قال مجاهد : يتألفهم بالعطية ) . ( ونحوه في مسلم : 3 / 108 ، والترمذي : 2 / 88 وسنن البيهقي : 6 / 339 ، ومجمع الزوائد : 6 / 189 ) .
وقال ابن حجر في فتح الباري : 8 / 38 : ( والمراد بالمؤلفة ناس من قريش أسلموا يوم الفتح إسلاماً ضعيفاً . وقيل كان فيهم من لم يسلم بعد كصفوان بن أمية ) .
وقد اتفق المحدثون والمؤرخون والفقهاء ومنهم مغالون في بني أمية ، على أن أبا سفيان ومعاوية منهم ! قال ابن تيمية في الفتاوى الكبرى : 4 / 34 : ( ولما كان عام حنين قسم غنائم حنين بين المؤلفة قلوبهم من أهل نجد والطلقاء من قريش كعيينة بن حصن ، والعباس بن مرداس ، والأقرع بن حابس وأمثالهم ، وبين سهيل بن عمرو ، وصفوان بن أمية ، وعكرمة بن أبي جهل ، وأبي سفيان بن حرب وابنه معاوية ، وأمثالهم من الطلقاء اللذين أطلقهم عام الفتح ) .
وقال في منهاجه : 4 / 378 : ( قال الرافضي ( يقصد العلامة الحلي ( رحمه الله ) في كتابه منهاج الكرامة ) : مع أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لعن معاوية الطليق بن الطليق اللعين بن اللعين وقال : إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه ! وكان من المؤلفة قلوبهم ، وقاتل علياً وهو عندهم رابع الخلفاء ، إمام حق ، وكل من حارب إمام حق فهو باغ ظالم . . . وسموه كاتب الوحي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 107 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولم يكتب له كلمة واحدة من الوحي بل كان يكتب له رسائل ، وقد كان بين يدي النبي ( صلى الله عليه وآله ) أربعة عشر نفساً يكتبون الوحي أولهم وأخصهم وأقربهم إليه علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ! مع أن معاوية لم يزل مشركاً بالله تعالى في مدة كون النبي ( صلى الله عليه وآله ) مبعوثاً يكذب بالوحي ويهزأ بالشرع .
ثم قال ابن تيمية : والجواب أن يقال أما ما ذكره من أن النبي ( ص ) لعن معاوية وأمر بقتله إذا رؤيَ على المنبر ، فهذا الحديث ليس في شئ من كتب الإسلام التي يرجع إليها في علم النقل ، وهو عند أهل المعرفة بالحديث كذب موضوع مختلق على النبي ( ص ) ، وهذا الرافضي الراوي لم يذكر له إسناداً حتى ينظر فيه ، وقد ذكره أبو الفرج بن الجوزي في الموضوعات . . . .
وأما قوله إنه الطليق ابن الطليق ، فهذا ليس نعت ذم ، فإن الطلقاء هم مسلمة الفتح الذين أسلموا عام فتح مكة وأطلقهم النبي ( ص ) وكانوا نحواً من ألفي رجل وفيهم من صار من خيار المسلمين كالحارث بن هشام ، وسهيل بن عمرو ، وصفوان بن أمية ، وعكرمة بن أبي جهل ، ويزيد بن أبي سفيان ، وحكيم بن حزام ، وأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ابن عم النبي ( ص ) الذي كان يهجره ثم حسن إسلامه ، وعتاب بن أسيد الذي ولاه النبي ( ص ) مكة لما فتحها ، وغير هؤلاء ممن حسن إسلامه . ومعاوية ممن حسن إسلامه باتفاق أهل العلم ، ولهذا ولاه عمر بن الخطاب موضع أخيه يزيد بن أبي سفيان لما مات . . . . . ثم إنه بقي في الشام عشرين سنة أميراً ، وعشرين سنة خليفة ، ورعيته من أشد الناس محبة له وموافقة له ، وهو من أعظم الناس إحساناً إليهم وتأليفاً لقلوبهم ، حتى أنهم قاتلوا معه عليَّ بن أبي طالب وصابروا عسكره ، حتى قاوموهم وغلبوهم ! وعليٌّ أفضل منه وأعلى درجة ، وهو أولى بالحق منه باتفاق الناس ، وعسكر معاوية يعلمون أن علياً أفضل منه وأحق بالأمر ، ولا ينكر ذلك منهم إلا معاند أو
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 108 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
من أعمى الهوى قلبه ، ولم يكن معاوية قبل تحكيم الحكمين يدعي الأمر لنفسه ولا يتسمى بأمير المؤمنين ، بل إنما ادعى ذلك بعد حكم الحكمين ، وكان غير واحد من عسكر معاوية يقول له لماذا تقاتل علياً وليس لك سابقته ولا فضله ولا صهره وهو أولى بالأمر منك ؟ فيعترف لهم معاوية بذلك ! لكن قاتلوا مع معاوية لظنهم أن عسكر على فيه ظلمة يعتدون عليهم كما اعتدوا على عثمان ، وأنهم يقاتلونهم دفعاً لصيالهم عليهم وقتال الصائل جائز ! . . . . وأما قوله كان معاوية من المؤلفة قلوبهم ، فنعم . وأكثر الطلقاء كلهم من المؤلفة قلوبهم ، كالحارث بن هشام ، وابن أخيه عكرمة بن أبي جهل ، وسهيل بن عمرو ، وصفوان بن أمية ، وحكيم بن حزام ، وهؤلاء من خيار المسلمين . والمؤلفة قلوبهم غالبهم حسن إسلامه ، وكان الرجل منهم يسلم أول النهار رغبة منه في الدنيا ، فلا يجئ آخر النهار إلا والإسلام أحب إليه مما طلعت عليه الشمس ) . انتهى .
أقول : في كلامه نقاط ضعف كثيرة ، خاصة تبريره خروج إمام الفئة الباغية معاوية على أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بما يخالف النص وإجماع المسلمين ، ومن أخبث كلامه تشبيهه علياً ( عليه السلام ) وجيشه بالحيوان الصائل وأنه لذلك يجوز لمعاوية دفعهم عنه بالقتال ! وسيأتي كشف كذبه في إنكاره الحديث النبوي : إذا رأيتم معاوية يخطب على منبري فاقتلوه ، وأنه حديث صحيح روته مصادرهم !
والذي يدخل في غرضنا هنا اعترافهم بأن معاوية من الطلقاء المؤلفة قلوبهم ، وبذلك تثبت له بيقين صفة الطلقاء وأنه مسلم بالشراء بالمال ، وخارج عن دائرة المسلمين إلى يوم القيامة ! ولا ينفعه ادعاء أنه حَسُنَ إسلامه فهو باق في حكم الطلقاء حتى يعلم خروجه منهم بقول معصوم ( عليه السلام ) !
وهذه مصادر أسماء الطلقاء والمؤلفة قلوبهم من زعماء بني أمية ، وبني عبد الدار وبني مخزوم ، وبني جمح ، وبني سهم عدي ، وبني عامر بن لؤي ، وبني عدي ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 109 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وسائر قبائل العرب : المحبر لابن حبيب / 236 ، . والدرر لابن عبد البر / 233 ، والمعارف لابن قتيبة : 1 / 184 ، ونيل الأوطار : 4 / 234 ، وقال : وقد عد ابن الجوزي أسماء شخصيات المؤلفة قلوبهم في جزء مفرد فبلغوا نحو الخمسين نفساً . وهذه مصادر لأحكامهم : المحلى : 6 / 145 ، وفيه : وادعى قوم أن سهم المؤلفة قلوبهم قد سقط . قال أبو محمد : وهذا باطل ، بل هم اليوم أكثر ما كانوا . ونيل الأوطار : 8 / 126 ، ومسند أحمد : 4 / 42 ، وفتح الباري : 8 / 38 ، وتحفة الأحوذي : 4 / 528 ، وتفسير القرطبي : 8 / 181 ، وأسد الغابة : 3 / 12 ، و الإستيعاب : 2 / 714 ، و : 3 / 1416 ، ووسيلة الإسلام لابن قنفذ القسنطيني / 84 ، والأوائل للعسكري : 1 / 39 ، والمنمق في أخبار قريش لابن حبيب : 1 / 203 ، وتاريخ أبي الفداء : 1 / 184 . ومن مصادرنا : شرح الأخبار : 1 / 318 ، وشرائع الإسلام : 1 / 121 ، وتحرير الأحكام : 1 / 404 ، وتذكرة الفقهاء : 5 / 250 ، وجواهر الكلام : 15 / 339 ) .
وقال القاضي المغربي في المناقب والمثالب / 184 و 221 : ( وهو وأبوه عند كافة أهل العلم بالأخبار والحديث من المؤلفة قلوبهم ، إلا أن بعضهم زعم أن معاوية بعد ذلك حسن إسلامه ، وكذب هذا القائل بل ازداد كفراً إلى كفره وفسقاً إلى فسقه بمحاربة وصي رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ) . انتهى . وكلامه على التنزل فإن حسن إسلام الطليق لا يكفي لنقله من الحيز الذي وضعه فيه النبي ( صلى الله عليه وآله ) بل لا بد من قول معصوم !

رفض أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أن يشهد بإسلام معاوية !

روى نصر بن مزاحم في صفين / 509 ، بسنده عن أبي إسحاق الشيباني قال : ( قرأت كتاب الصلح عند سعيد بن أبي بردة ، في صحيفة صفراء عليها خاتمان ، خاتم من أسفلها وخاتم من أعلاها . في خاتم علي : محمد رسول الله ، وفي خاتم معاوية : محمد رسول الله ! فقيل لعلي حين أراد أن يكتب الكتاب بينه وبين معاوية وأهل الشام : أتقر أنهم مؤمنون مسلمون ؟ فقال علي : ما أقرُّ لمعاوية ولا لأصحابه أنهم مؤمنون ولا مسلمون ، ولكن يكتب معاوية ما شاء ، ويقر بما شاء لنفسه وأصحابه ويسمي نفسه وأصحابه ما شاء ! فكتبوا : بسم الله الرحمن الرحيم . هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان . قاضى علي بن أبي طالب على أهل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 110 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
العراق ومن كان معه من شيعته من المؤمنين والمسلمين ، وقاضى معاوية بن أبي سفيان على أهل الشام ومن كان معه من شيعته من المؤمنين والمسلمين : إنا ننزل عند حكم الله . . . ) . انتهى .
وينبغي التنبيه على أن الحكم بعدم إسلام أتباع معاوية ، يتعلق بعاقبتهم ودخيلتهم ولا يعني معاملتهم معاملة الكفار فقد عاملهم علي ( عليه السلام ) معاملة المسلمين تسهيلاً على الأمة وإلزاماً لهم بما أعلنوه ، فهم من أمة النبي ( صلى الله عليه وآله ) تسهيلاً على الأمة ولهم ميزات على الكفار ، فلا يحل أسرهم ولا غنيمة أموالهم من غير معسكرهم . لكن في نفس الوقت امتنع أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أن يشهد بأن معاوية وحزبه مؤمنون أو مسلمون !

شهادة الإمام الحسن ( عليه السلام ) بأن معاوية ظالمٌ كافر

في الخرائج : 2 / 574 : ( لما مات عليٌّ جاء الناس إلى الحسن بن علي ( عليهما السلام ) فقالوا له : أنت خليفة أبيك ووصيه ونحن السامعون المطيعون لك فمرنا بأمرك . قال ( عليه السلام ) : كذبتم ! والله ما وفيتم لمن كان خيراً مني فكيف تفون لي ؟ ! . . . . مع أي إمام تقاتلون بعدي ؟ ! مع الكافر الظالم ، الذي لم يؤمن بالله ولا برسوله قط ، ولا أظهر الإسلام هو ولا بنو أمية إلا فرقاً من السيف ؟ ! ولو لم يبق لبني أمية إلا عجوز درداء ، لبغت دين الله عوجاً . وهكذا قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ! ) . انتهى .
أقول : أضف إلى ذلك مجموعة أحاديث صحيحة عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) في بني أمية عامة وفي معاوية خاصة ، وسيأتي بعضها في مواجهة الصحابة الأبرار له ، ومنها قول النبي ( صلى الله عليه وآله ) لمعاوية إنه فرعون هذه الأمة ، وهو صحيح السند كما سيأتي .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 111 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الرابع : غارة أتباع الأمويين على الأحاديث النبوية !

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 112 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 113 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

إمام الدعاة إلى النار صار إماماً شرعياً !

ما زال أتباعه يشيعون أن معاوية صحابي وخليفة شرعي ، ومجتهد في غصبه للخلافة وظلمه للأمة وقتله الألوف المؤلفة من المسلمين ، وله أجر ! مع أنهم رووا في أصح كتبهم عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) أنه : إمام الدعاة إلى النار ! ففي صحيح بخاري : 1 / 122 : قال رسول الله ( ص ) : ( ويح عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار ) . وقال ابن حجر في التلخيص : 4 / 5 : ( قال ابن عبد البر : تواترت الأخبار بذلك ، وهو من أصح الحديث ) . وقال في الفتح : 8 / 61 : ( وإشارته بهذا الكلام تطابق الحديث الذي أخرجه أحمد وأصحاب السنن وصححه ابن حبان وغيره ، من حديث سفينة : أن النبي ( ص ) قال : الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تصير ملكاً عضوضاً ) . وقال في : 1 / 543 : ( وغالب طرقها صحيحة أو حسنة وفيه عن جماعة آخرين يطول عددهم ) . وقال الذهبي في سيره : 1 / 421 : ( وهو متواتر عن النبي ) .
إنها واحدةٌ من ( حلِّهم ) للتناقض بقبوله ! فمعاوية عندهم أكْوَس عريض اللحية !
بل هي واحدةٌ من تحريفهم الإسلام وسنة نبيه ( صلى الله عليه وآله ) من أجل معاوية وبني أمية ! فالنبي ( صلى الله عليه وآله ) يحذَّر من معاوية لأنه إمامٌ يدعو إلى النار وهم يقولون إنه مسلم وخليفة شرعي ومجتهد ! فأي ردٍّ على رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أصرح من هذا ؟ !
وقد تفنن ابن تيمية في التحايل على هذا الحديث لإفراغه من محتواه ، فقال في فتاواه : 4 / 437 : ( وهذا يدل على صحة إمامة عليٍّ ووجوب طاعته ، وأن الداعي إلى طاعته داع إلى الجنة ، والداعي إلى مقاتلته داع إلى النار وإن كان متأولاً ، أو باغ بلا تأويل ، وهو أصح القولين لأصحابنا ) . انتهى .
لاحظ أن قول النبي ( صلى الله عليه وآله ) ( يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار ) مطلقٌ يشمل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 114 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كل الخط الفكري والعملي لعمار وأنه حقٌّ يؤدي إلى الجنة ، وكل الخط الفكري والعملي لمعاوية وأنه باطلٌ يؤدي إلى النار ! لكن ابن تيمية حصر قول النبي ( صلى الله عليه وآله ) ( ويدعونه إلى النار ) بدعوتهم عماراً إلى قتال علي ( عليه السلام ) ! مع أنهم لم يدعوه إلى قتال علي ( عليه السلام ) ! ولو صح حصر دعوتهم بذلك للزم حصر ( يدعوهم إلى الجنة ) بدعوة عمار لهم إلى قتال معاوية ! فيكون المعنى : أن من يدعو إلى قتال علي يدعو إلى النار ، ومن يدعو إلى قتال معاوية وقتله يدعو إلى الجنة ! فماذا يكون حال معاوية الذي جعل الله جنته لمن قاتله وقتله ؟ !
ثم أمعن ابن تيمية خطوة أخرى ليبطل معنى الحديث كلياً ! فزعم أنه يوجد للعلماء قولان فيمن دعا إلى قتال علي ( عليه السلام ) : أنه داع إلى النار ، وأنه باغ بلا تأويل ! وقال : ( وهو أصح القولين لأصحابنا ) ! يقصد أن بعض علماء السنة قالوا إن معاوية باغ بلا تأويل ، أما هو فيقول إن معاوية باغ بتأويل ، فهو عنده مجتهدٌ في الدعوة إلى قتال علي ( عليه السلام ) ، وله أجره على ذلك عند الله تعالى ! !
قال في منهاج سنته : 1 / 538 : ( وهؤلاء أيضاً يجعلون معاوية مجتهداً مصيباً في قتاله كما أن علياً مصيبٌ ، وهذا قول طائفة من الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم ، ذكره أبو عبد الله بن حامد ، ذكر لأصحاب أحمد في المقتتلين يوم الجمل وصفين ثلاثة أوجه أحدها : كلاهما مصيب ، والثاني المصيب واحد لا بعينه ، والثالث أن علياً هو المصيب ومن خالفه مخطئ . والمنصوص عن أحمد وأئمة السلف ، أنه لا يذم أحداً منهم ، وأن علياً أولى بالحق من غيره ) . انتهى .
وهكذا صار معنى قول النبي ( صلى الله عليه وآله ) إن معاوية يدعو إلى النار : أنه يدعو إليها بحسن نية ، فهو مجتهد مأجور في دعوته إلى جهنم ، وله ثوابٌ عليه ! !
فانظر إلى هذه الشيطنة ! كيف يدافعون عن شخص حكم عليه النبي ( صلى الله عليه وآله ) بأنه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 115 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إمام الدعاة إلى النار ، وصدقت فيه نبوءته ، فخرج على إمامه الشرعي وشق عصا المسلمين ، وسبب في معركة صفين وحدها قتل خمسة وسبعين ألفاً ! فجعلوه مجتهداً مثاباً في دعوة المسلمين إلى النار وسفكه لدمائهم !
وانظر إلى ابن حجر كيف يُمَيِّع الحديث ويطمس وصف النبي ( صلى الله عليه وآله ) لمعاوية وفئته بأنهم دعاة إلى النار ، فيقول في الفتح : 1 / 451 : ( فإن قيل : كان قتله ( عمار ) بصفين وهو مع علي والذين قتلوه مع معاوية وكان معه جماعة من الصحابة ، فكيف يجوز عليهم الدعاء إلى النار ؟ فالجواب : أنهم كانوا ظانين أنهم يدعون إلى الجنة وهم مجتهدون لا لومَ عليهم في اتباع ظنونهم ) . ثم يقول في : 6 / 456 : ( وفي قوله ( ص ) تقتل عماراً الفئة الباغية ، دلالة واضحة على أن علياً ومن معه كانوا على الحق ، وأن من قاتلهم كانوا مخطئين في تأويلهم . والله أعلم ) . ثم يقول في : 13 / 58 : ( وقد ثبت أن من قاتل علياً كانوا بغاة . وهؤلاء ( علماؤهم ) مع هذا التصويب متفقون على أنه لا يذم واحد من هؤلاء ، بل يقولون اجتهدوا فأخطأوا ) . انتهى .
إنهم يتلاعبون بالنص النبوي والقرآني ليجعلوا أئمة الدعاة إلى النار أصحاب نية حسنة ، ويجعلوا دعوتهم إلى جهنم وقتلهم خيار خلق الله تعالى ، قربةً تقربهم إلى الله تعالى ! فماذا يبقون من موازين الإسلام ، وأصول تفسير قرآنه وسنته ؟ !

صححوا حديث : الملك العضوض وقالوا : معاوية عضوض وخليفة !

كما صححوا أحاديث أن الخلافة في هذه الأمة ثلاثون سنة فقط ، وبعدها مُلْكٌ عَضُوض ! وهذا نصٌّ في عدم شرعية حكم معاوية ، وأنه حكمٌ جائرٌ يعضُّ المسلمين كالكلب ! لكنهم جعلوه حكماً إسلامياً عادلاً وخلافةً شرعية !
قال الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة : 1 / 742 ، عن حديث : ( خلافة النبوة ثلاثون سنة ثم يؤتي الله الملك من يشاء . . . ( رواه أحمد ، وأبو داود ، والترمذي ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 116 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والحاكم ، وهذا من دلائل صدق نبوة النبي ( ص ) فإن أبا بكر تولى عام 11 ه‍ ، وتنازل عنها الحسن بن علي عام 41 ه‍ . وهي ثلاثون عاماً كاملة ) .

صححوا حديث أن معاوية يحرِّف السنة وسموه إمام أهل السنة !

قال الألباني في صحيحته : 4 / 329 : ( أول من يُغير سنتي رجل من بني أمية ) ! ولعل المراد بالحديث تغيير نظام اختيار الخليفة وجعله وراثة ) . انتهى . لكنهم مع ذلك سموه إمام السنيين ! وتشبثوا بموالاته ! وهذا دليل على أنهم أشربوا حبه !
ومن طريف عمل الألباني في حديث سفينة ، أنه صحح عدة أحاديث في التحذير من الانحراف والأئمة المضلين ، الذين سيحكمون بعد النبي ( صلى الله عليه وآله ) ! منها حديث برقم 2982 : ( إن من أصحابي من لا يراني بعد أن أفارقه ! ) . وحديث برقم 2864 : ( إنه سيلي أموركم من بعدي رجال يطفؤون السنة ويحدثون بدعة ) .
وحديث برقم 2865 : ( إني ممسك بحجزتكم عن النار وتَقَاحمون فيها تقاحمَ الفراش والجنادب ويوشك أن أرسل حجزتكم . . . الخ ) . وحديث برقم 744 : ( إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين رجلاً اتخذوا دين الله دخلاً وعباد الله خولاً ومال الله دولاً ) . ومع كل ذلك ، ظلَّ مدافعاً عن الأمويين ، قال : ( فلا ينافي مجئ خلفاء آخرين من بعدهم لأنهم ليسوا خلفاء النبوة ! فهؤلاء هم المعنيون في الحديث لا غيرهم ! كما هو واضح ! ويزيده وضوحاً قول شيخ الإسلام في رسالته المذكورة : ويجوز تسمية مَن بعد الخلفاء الراشدين : خلفاء ، وإن كانوا ملوكاً ولم يكونوا خلفاء الأنبياء . . . إلخ ) . انتهى .
فإذا سألهم أحد : ما دام هؤلاء ليسوا خلفاء نبوة ، فخلفاء مَنْ ؟ وخلفاء ماذا ؟
ولماذا يتعمدون نسيان وصف النبي ( صلى الله عليه وآله ) لهم بأنهم يعضُّون الأمة عضّاً ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 117 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

حرموا التأويل ثم حملوا معاوله لخدمة بني أمية !

قال الحافظ السقاف في موقعه التنزيه بتلخيص : ( tanzih . org ) :
( جاءت في ذم معاوية ابن أبي سفيان أحاديث صحيحة وحسنة كثيرة ، ومع هذا أغار عليها ابن تيمية ومقلدوه بالتأويل والتضعيف والإنكار ! وتبعهم على ذلك بعض علماء أهل السنة تقليداً دون تحقيق ! !
ووضعت أحاديث مكذوبة في بيان فضل معاوية فسارع ابن تيمية وأتباعه إلى ترقيع أسانيدها وتصحيحها والاستدلال بها ! مع تصريح جهابذة من المحدثين كالنسائي وغيره بأنه لا يصح في فضل معاوية شئ ! وإليكم بعض ذلك :
1 - روى البخاري ( 447 ) و ( 2812 ) ومسلم ( 2916 ) بألفاظ عدة وهذا لفظ البخاري في الموضع الأول : [ عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار ( 2 ) ، ثم قال سيدنا عمار رضي الله عنه : أعوذ بالله من الفتن . وهذا حديث صريح يقرر فيه سيدنا محمد ( ص ) الأمور التالية :
أ - أن معاوية وطائفته طائفة باغية ، وقد أمرنا الله تعالى بقتال الفئة الباغية في قوله تعالى : فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِئَ إِلَى أَمْرِ اللهِ . ولم تفء بعد ! !
ب - أن معاوية وطائفته التي يقودها يدعون إلى النار ! فهل يجوز بعد هذا الدفاع عن إنسان يدعو هو وطائفته إلى النار ! ألا نستحي من سيدنا رسول الله ( ص ) الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ؟ !
ج - أن سيدنا علي وطائفته ومنهم سيدنا عمار يدعون إلى الجنة وإلى الله تعالى ! فالواجب شرعاً أن نكون مع سيدنا علي رضي الله عنه وسيدنا عمار وطائفتهم الداعين إلى الجنة ونكون ضد معاوية وطائفته الذين يدعون إلى النار ، بنص رسول الله ( ص ) الثابت في صحيح البخاري وغيره ! !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 118 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وكيف نقول بعد ذلك : إن معاوية أخطأ وله أجر واحد على خطئه والنبي ( ص ) يقول إنه يدعو إلى النار ؟ ! هل من يدعو إلى النار له أجر ؟ !
قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري ( 1 / 543 ) : [ وفي هذا الحديث علم من أعلام النبوة وفضيلة ظاهرة لعلي وعمار ، ورد على النواصب الزاعمين أن علياً لم يكن مصيباً في حروبه ] . قلتُ : الزاعم لهذا هو ابن تيمية الحراني الذي تُلَقِّبُهُ المجسمة والمشبهة بشيخ الإسلام ! مع كون هذا التلقيب حرام شرعاً وخصوصاً لهذا الرجل الذي صحح حديث الشاب الأمرد واعتقد بظاهره ، وقال إنها رؤيا عين أي ليست رؤيا منام ! تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً .
2 - ثبت في الصحاح والسنن أن معاوية كان يأمر الناس بسب سيدنا علي رضي الله عنه وأرضاه . الخ . وأثبت فيه أن معاوية ينطبق عليه قول النبي لعلي ( من سبك سبني ومن سبني فقد سب الله ) , وسيأتي . وأضاف السقاف :
3 - دعاء النبي على معاوية بقوله : ( لا أشبع الله بطنه ) ! وقد استجاب الله تعالى دعوة النبي ( ص ) فلم يشبع معاوية بعد ذلك ( 9 ) وقد شهد الذهبي بأن معاوية كان من الأكلة ( 10 ) ولذلك عظم بطنه فتشوَّه ولم يستطع أن يخطب إلا قاعداً وهو أول من خطب قاعداً في الإسلام ( 11 ) . روى مسلم في الصحيح ( 2604 ) عن سيدنا ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي ( ص ) قال له : ( إذهب وادع لي معاوية ) ؛ قال : فجئت فقلت : هو يأكل ، قال : ثم قال لي : ( إذهب فادع لي معاوية ) قال : فجئت فقلت : هو يأكل فقال : ( لا أشبع الله بطنه ) ! وقد قُتِل الإمام النَّسائي صاحب السنن لأنه حدَّث بهذا الحديث في الشأم ! فقد ذكر الذهبي في تذكرة الحفاظ ( 2 / 699 ) عن النسائي أنه قال : [ دخلت دمشق والمنحرف عن علي بها كثير
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 119 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فصنفت كتاب الخصائص رجوت أن يهديهم الله ] ( 2 ) . وذكر الذهبي في سير أعلام النبلاء ( 14 / 132 ) : [ أن النَّسائي خرج من مصر في آخر عمره إلى دمشق ؛ فسئل بها عن معاوية ؟ وما جاء في فضائله ؟ فقال : ألا يرضى رأساً برأس حتى يُفَضَّل ؟ ! قال : فما زالوا يدفعون في خصيتيه حتى أُخْرِجَ من المسجد ، . . . . قال الدارقطني : خرج حاجاً فامْتُحِنَ بدمشق وأدرك الشهادة ] . ومن بيان ما يدل على نصب الذهبي تلميذ ابن تيمية أنه عندما ذكر قول الإمام النسائي صاحب السنن ( رحمه الله ) تعالى في معاوية في سير أعلام النبلاء : 14 / 129 [ فقيل له - أي النسائي - : ألا تخرج فضائل معاوية . . فقال : أي شئ أخرج : اللهم لا تشبع بطنه ؟ ! فسكت السائل ! قلتُ ( الذهبي ) : لعل أن يقال هذه منقبة لمعاوية لقوله ( ص ) : ( اللهم من لعنته أو سببته فاجعل ذلك له زكاة ورحمة ] .
أقول : أضحكتني هذه ( لعل أن يقال ) ! وعلى كل حال فتأويل قوله ( ص ) في حق معاوية : ( لا أشبع الله بطنه ) الثابت في صحيح مسلم ( 2604 ) بأن في هذا منقبة لمعاوية لحديث ( اللهم من كنت لعنته أو سببته فاجعلها له رحمة ) تأويل باطل لوجهين : الأول : أن الذهبي اعترف بأن معاوية كان من الأَكَلَة ! وبالتالي أجيبت دعوة النبي ( ص ) فيه ! ولذلك كان عظيم البطن لم يستطع الخطبة إلا جالساً ، ويعني هذا أن دعوة النبي ( ص ) أصابته ( 14 ) ! وهذا ذمٌّ واضح !
وثانياً : أن الحديث مقيد وليس على إطلاقه ! فقد رواه مسلم ( 2603 ) من حديث أنس بن مالك بلفظ : ( فأيما أحد دعوت عليه من أمتي بدعوة ليس لها بأهل أن يجعلها له طهوراً وزكاة . . . ) ومعاوية كان أهلاً لما دعا عليه النبي ( ص ) ! بدليل أنه كان من الأَكَلَة ! فكان لا يشبع حتى عظم بطنه فكان لا يقدر على القيام في خطبة الجمعة وغيرها ! ولو كان غير أهل لما استجيبت دعوة النبي ( ص ) فيه ! وكيف لا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 120 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يكون أهلاً لدعوة ( لا أشبع الله بطنه ) وهو مفرِّق الأمة وإمام الفئة الباغية التي تدعو إلى النار ؟ ! وقد قال سيدنا رسول الله ( ص ) : ( عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار ) ( 15 ) رواه البخاري ( 447 ) . وقد زاد مجاهد ( 16 ) : ( وذلك دأب الأشقياء الفجار ) . هامش : ( 9 ) قال الذهبي في ( سير أعلام النبلاء : 3 / 123 إن الحاكم زاد في روايته لحديث ( لا أشبع الله بطنه ) قال : فما شبع بعدها . ( 10 ) قال الذهبي في ( سير أعلام النبلاء : 3 / 124 : ( وقد كان معاوية معدوداً من الأَكَلَة ) . ( 11 ) رواه ابن أبي شيبة في المصنف ( 7 / 247 ) وانظر الآحاد والمثاني : 1 / 380 وفتح الباري : 2 / 401 وسير أعلام النبلاء : 13 / 458 وسنة النبي ( ص ) أن يخطب قائماً . ( 12 ) وانظر تهذيب الكمال : 1 / 338 للمزي ، وتهذيب التهذيب : 1 / 33 للحافظ ابن حجر ، وكشف الظنون : 1 / 706 . ( 13 ) أي في الركة وكونه تأويلاً ركيكاً . ( 14 ) كما في سير أعلام النبلاء : 3 / 156 و 157 وفتح الباري : 2 / 401 ) ومصنف ابن أبي شيبة : 7 / 247 والآحاد والمثاني : 1 / 380 . وقد روى الخطيب في موضح أوهام الجمع والتفريق : 1 / 348 عن جابر بن سمرة أنه قال : رأيت رسول الله يخطب قائماً فمن حدثك أنه خطب جالساً فقد كذب . وهذا يثبت أن معاوية أو بعض حزبه كان يزعم أن النبي ( ص ) كان يخطب جالساً ليسوغ لمعاوية الخطبة جالساً . ( 15 ) وقد حاول ابن تيمية في منهاج السنة : 4 / 419 تأويل حديث سيدنا عمار هذا واللف والدوران فيه ! ولكن هيهات يا من تنكر أحاديث الصحيحين وتثبت الموضوعات في فضائل معاوية ! ( 16 ) في روايته له مرسلاً وهو أحد الرواة عن ابن عباس كما رواه عنه أحمد بن حنبل في فضائل الصحابة : 2 / 858 وابن أبي شيبة : 6 / 385 )

كل الصحابة عندهم يحتاجون إلى عباءة معاوية !

يتساءل المسلم عن سبب تشبث حزب بني أمية بمعاوية ، رغم أعماله السيئة والأحاديث الصحيحة المتعددة التي نصَّت على ذم النبي ( صلى الله عليه وآله ) له ؟ !
ولا جواب عندهم إلا قول شخص كما في تاريخ بغداد : 1 / 223 ، اسمه الربيع بن نافع ، قال : ( معاوية بن أبي سفيان ستر أصحاب رسول الله ( ص ) فإذا كشف الرجل الستر اجترأ على ما وراءه ) ! انتهى .
وقد أعجب هذا القول هوى محبي بني أمية فاتخذوه حجةً وشعاراً ودثاراً !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 121 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقالوا : معاوية سور الصحابة ، وستر الصحابة ، وباب الصحابة ! واحتجوا به أكثر مما يحتجون بآية أو حديث نبوي ، ونسجوا عليه أضعافه ! كما فعل ابن كثير في النهاية : 8 / 148 ، وابن عساكر في تاريخه : 59 / 209 ، وغيرهما .
أما الوهابيون فجعلوه أصلاً من أصول العقائد التي تردُّ بها الشبهات عن الدين !
قال الشيخ ناصر بن حمد الفهد في كتابه : كشف شبهات حسن المالكي / 20 : ( الفصل الرابع : في أصول تكشف شبهات المالكي في التاريخ والصحابة . . . وفي هذا الفصل سأذكر سبعة أصول تكشف شبهاته في هذا الباب إن شاء الله تعالى .
الأصل الأول : أن الصحابة كلهم عدول وإن اختلفوا في الفضل . . . .
الأصل الثاني : أن القول بعدالة الصحابة لا ينافي الوقوع في الخطأ . . . . .
الأصل الثالث : القول في بعض الصحابة كالقول في البعض الآخر . . . . .
الأصل الرابع : أن معاوية رضي الله عنه ستر أصحاب النبي ، فمن تكلم عليه اجترأ على ما وراءه . وهذه كلمة قالها بعض السلف رحمهم الله وقد صدق في ذلك ، فإنه ما من رجل يتجرأ ويطعن في معاوية رضي الله عنه ، إلا تجرأ على غيره من الصحابة رضوان الله عليهم ، وانظر هذا في أحوال الزيدية فإنهم طعنوا في معاوية رضي الله عنه ثم تجرأوا على عثمان رضي الله عنه ، ثم تكلموا في أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، حتى صرح بكفرهما بعض الزيدية ، وصدق من قال : جئني بزيدي صغير أخرج لك منه رافضياً كبيراً . والسبب في ذلك أنه إذا تجرأ على معاوية رضي الله عنه فإنه يكون قد أزال هيبة الصحابة من قلبه فيقع فيهم لأنه لا يعلل كلامه في معاوية بشئ إلا ويلزمه مثل هذا في غيره ) ! انتهى .
ومعنى كلامه أمران : الأول : أن الصحابة عدول وغير عدول ! فهم قد يرتكبون المعاصي الصغيرة والكبيرة ! لكنهم جميعاً لهم حصانة بدرجة واحدة ، إلا أهل بيت النبي ( صلى الله عليه وآله ) فهم صحابة وأهل بيت ، لكن ليس لهم حصانة ، لأنهم أقل درجة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 122 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
من أبي بكر وعمر وعثمان ومعاوية ! ولذلك يجب على المسلمين أن يسامحوا الصحابة لخروجهم على خلافة أهل البيت ( عليهم السلام ) وظلمهم لعلي ( عليه السلام ) ، ولعنه على المنابر ، وقتلهم لآله تحت نجوم السماء !
والثاني : أن معاوية ستر وسور للصحابة ، فيجب على المسلمين أن يقفلوا باب البحث العلمي والاجتهاد فيه ، ويقبلوه على علاته وسيئاته وبدعه في الدين !
لأن الذي يبحث في آيات القرآن وأحاديث النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، ونصوص التاريخ في معاوية : ( لا يعلل كلامه في معاوية بشئ إلا ويلزمه مثل هذا في غيره ) ! لأن نقاط الضعف في معاوية موجودة بعينها أو بمثلها في عثمان وأبي بكر وعمر !
وهنا ، ينبغي أن نشكر هذا الوهابي المحب لمعاوية ، لأنه قدم إلى المسلمين حقائق مهمة عن إمامه :
1 - فهو شخصيته ضعيفة لا تصمد أمام البحث العلمي والميزان الإسلامي ، وهذا هو السبب الذي جعلهم يحرِّمون البحث فيه !
2 - أن معاوية الشخصية المهلهلة الضعيفة ، عباءة ضرورية يحتاج إليها المسلمون لتغطية عثمان وعمر وأبي بكر ، فكشفها يوجب انهيارهم لأن أدلة الانهيار فيهم واحدة والباحث : ( لا يعلل كلامه في معاوية بشئ إلا ويلزمه مثل هذا في غيره ) ! فاعرفوا قدر معاوية أيها المسلمون ، وأنه حجر الزاوية في عقيدتكم ، وكل الصحابة ( غير العترة طبعاً ) يحتاجون إلى أن يتغطوا بعباءته ، وإلا لانكشفوا وانهاروا !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 123 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الخامس : خال المؤمنين وكاتب الوحي . . وكذبات أخرى !

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 124 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 125 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

لقَّب نفسَه ( خال المؤمنين ) فوبخه أمير المؤمنين ( عليه السلام ) !

اخترع هذا اللقب معاوية نفسه لنفسه ، وكتب إلى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) يفتخر به !
ففي تاريخ دمشق : 42 / 520 : ( عن أبي عبيدة قال : كتب معاوية إلى علي بن أبي طالب : يا أبا الحسن إن لي فضائل كثيرة ، كان أبي سيداً في الجاهلية ، وصرت ملكاً في الإسلام ، وأنا صهر رسول الله ( ص ) ، وخال المؤمنين وكاتب الوحي . فقال علي : أبِالفضائل يفخر عليَّ ابن آكلة الأكباد ؟ ثم قال : أكتب يا غلام :

محمدٌ النبيُّ أخي وصهري * وحمزةُ سيدُ الشهداء عمي
وجعفرٌ الذي يُمسي ويَضحى * يطير مع الملائكة ابنُ أمي
وبنتُ محمد سكني وعُرسي * مسوطٌ لحمها بدمي ولحمي
وسبطا أحمد ولدايَ منها * فأيكم له سهم كسهمي
سبقتكم إلى الإسلام طُراً * صغيراً ما بلغتُ أوان حلمي

فقال معاوية : أخفوا هذا الكتاب لا يقرؤه أهل الشام ، فيميلون إلى ابن أبي طالب ) . انتهى . وقال في هامشه : ( الخبر والشعر في البداية والنهاية : 8 / 9 . . . الأبيات في ديوان علي بن أبي طالب رضي الله عنه طبعة بيروت / 188 ، ومعجم الأدباء : 14 / 48 . ورواها ابن حجر في الصواعق المحرقة : 2 / 386 ، وسمط النجوم العوالي : 3 / 78 والوافي بالوفيات : 21 / 184 ، ومعجم الأدباء : 4 : 176 ، والحماسة المغربية : 1 / 576 ) .
أقول : أصل الأبيات ثمانية ، روى ابن عساكر منها خمسة ، وكذلك فعل غيره ، لأن فيها احتجاج أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ببيعة الغدير ، والأبيات الثلاثة هي :

وأوجب لي ولايته عليكم * رسول الله يومَ غدير خمِّ
وما إن زلت أضربهم بسيفي * إلى أن ذلَّ للاسلام قومي
فويلٌ ثمَّ ويلٌ ثم ويلٌ * لمن يلقى الإله غداً بظلمي

ورواها من مصادرنا : روضة الواعظين للفتال النيسابوري / 87 ، وشرح الأخبار : 2 / 109 ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 126 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والاحتجاج : 1 / 265 ، عن أبي عبيدة ، ومناقب آل أبي طالب : 2 / 19 ، عن المدائني ، وبحار الأنوار : 33 / 132 ، عن الإحتجاج ، وأورد لها الأميني في الغدير : 2 / 26 ، أحد عشر مصدراً من أصحابنا ، وستاً وعشرين مصدراً من السنيين ، منهم البيهقي رواها برمتها كما نقل عنه ابن حجر في الصواعق المحرقة وابن الشيخ في ألف باء : 1 / 439 ، والكندي في المجتنى / 39 ، عن ابن دريد ، والحموي في معجم الأدباء : 5 / 266 ، وابن طلحة الشافعي في مطالب السؤول / 11 ، وابن الجوزي في تذكرة الخواص / 62 ، والشنقيطي في كفاية الطالب / 36 ، وقد رواها برمتها . . الخ . ) .
ولم يكتف جماعة معاوية بإخفائه رسالة علي وفضائله ( عليه السلام ) ، بل أصروا على التمسك بأنه خال المؤمنين ، وعمل أئمتهم لحقن ذلك في أذهان المسلمين !
قال ابن راهويه في مسنده : 4 / 29 ، وهو من كبار أئمتهم : ( وقد كان لأم حبيبة حرمة وجلالة ، ولا سيما في دولة أخيها ، ولمكانته منها قيل له : خال المؤمنين ) . ( ومثله الذهبي في سيره : 2 / 222 ) ! !
وقال ابن عربي في الفتوحات المكية : 1 / 518 : ( وكذلك ما أحدثه معاوية كاتب رسول الله ( ص ) وصهره ، خال المؤمنين ، فالظن بهم جميل رضي الله عن جميعهم ولا سبيل إلى تجريحهم ، وإن تكلم بعضهم في بعض ، فلهم ذلك وليس لنا الخوض فيما شجر بينهم ، فإنهم أهل علم واجتهاد وحديثو عهد بنبوة ، وهم مأجورون في كل ما صدر منهم عن اجتهاد ، سواء أخطؤوا أم أصابوا ) .
وفال ابن عساكر في تاريخ دمشق : 59 / 55 : ( معاوية بن صخر أبي سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف أبو عبد الرحمن الأموي ، خال المؤمنين ، وكاتب وحي رب العالمين ) . ( ومثله ابن كثير في النهاية : 8 / 23 ، تحت عنوان : فضل معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه ) .
وقال ابن تيمية في منهاجه : 4 / 366 : ( قال الرافضي ( العلامة الحلي ( رحمه الله ) في منهاج الكرامة / 77 ) : ( وسمَّوْها أم المؤمنين ولم يُسَمُّوا غيرها بذلك ! ولم يسموا أخاها محمد بن أبي بكر مع عظم شأنه وقرب منزلته من أبيه وأخته عائشة ، فلم يسموه خال المؤمنين
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 127 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وسموا معاوية بن أبي سفيان خال المؤمنين لأن أخته أم حبيبة بنت أبي سفيان إحدى زوجات النبي ( صلى الله عليه وآله ) وأخت محمد بن أبي بكر وأبوه أعظم ( عندهم ) من أخت معاوية ومن أبيها ) . انتهى . وقد كتب ابن تيمية تحت عنوان ( والجواب ) صفحات لا علاقة لها بالموضوع ، إلا التحامل على المؤلف والشيعة وشتمهم !
ثم قال في / 371 : ( والذين أطلقوا على الواحد من أولئك أنه خال المؤمنين لم ينازعوا في هذه الأحكام ، ولكن قصدوا بذلك الإطلاق أن لأحدهم مصاهرة مع النبي ( ص ) واشتهر ذكرهم لذلك عن معاوية كما اشتهر أنه كاتب الوحي وقد كتب الوحي غيره . . . ومعاوية أيضاً لما كان له نصيب من الصحبة والاتصال برسول الله ( ص ) وصار أقوام يجعلونه كافراً أو فاسقاً ويستحلون لعنته ونحو ذلك ، احتاج أهل العلم أن يذكروا ما له من الاتصال برسول الله ( ص ) ليرعى بذلك حق المتصلين برسول الله ( ص ) بحسب درجاتهم ! وهذا القدر لو اجتهد فيه الرجل وأخطأ لكان خيراً ممن اجتهد في بغضهم وأخطأ ! فإن باب الإحسان إلى الناس والعفو عنهم مقدمٌ على باب الإساءة والانتقام ، كما في الحديث ادرؤوا الحدود بالشبهات ، فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة ) . انتهى .
فابن تيمية يقول إن معاوية مظلوم من الشيعة وغيرهم من المسلمين ! ولذلك ( احتاج أهل العلم أن يذكروا ما له من الاتصال برسول الله ( ص ) ليرعى بذلك حق المتصلين برسول الله ، وقولهم إنه خال المؤمنين دفاع عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ! فلهم أجر وإن أخطأوا لأن نيتهم مخلصة ! ومعاوية عندما كتب لعلي ( عليه السلام ) مفتخراً بأنه خال المؤمنين كان يدافع عن ظلامته من علي ( عليه السلام ) والمسلمين ، وله أجر كذلك !
هذا هو منطقهم ! فعندما يحشرهم الحق يتركون صريح النص وينقلون الكلام إلى النية ! وما دامت نية معاوية وأتباعه مخلصة ، فهم دائماً على حق !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 128 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد نظَّر لهذا المنطق أجدادهم مجسمة بغداد ، الذين وجدوا في المتوكل العباسي مؤسساً وممولاً لهم ، وفي أحمد بن حنبل في شيخوخته إماماً لهم .
قال الخلال في السنة : 2 / 434 : ( وجهنا رقعة إلى أبي عبد الله ( أحمد بن حنبل ) : ما تقول رحمك الله فيمن قال : لا أقول إن معاوية كاتب الوحي ، ولا أقول إنه خال المؤمنين ، فإنه أخذها بالسيف غصباً ؟ قال أبو عبد الله : هذا قول سوء ردئ ! يُجانَبُونَ هؤلاء القوم ولا يُجالسون ، ويُبين أمرهم للناس ! إسناده صحيح ) . انتهى .
بل استطاعوا أن يفرضوا كتابة اسم معاوية على أبواب بعض مساجد بغداد !
قال صاحبهم ابن العربي الأموي في العواصم من القواصم / 219 : ( وهذه مدينة السلام دار خلافة بني العباس وبينهم وبين بني أمية ما لا يخفى على الناس ، مكتوب على أبواب مساجدها : خير الناس بعد رسول الله ( ص ) أبو بكر ، ثم عمر ، ثم عثمان ، ثم علي ، ثم معاوية خال المؤمنين رضي الله عنهم ) . انتهى .
ولكنهم عجزوا عن فرض ذلك في مصر ، لأن الدولة الفاطمية منعتهم ! قال المقريزي في المواعظ والاعتبار / 1678 : ( ولما دخل جوهر القائد بعساكر المعز لدين الله إلى مصر وبنى القاهرة ، أظهر مذهب الشيعة وأذن في جميع المساجد الجامعة وغيرها بحيَّ على خير العمل ، وأعلن بتفضيل علي بن أبي طالب على غيره ، وجهر بالصلاة عليه وعلى الحسن والحسين وفاطمة الزهراء رضوان الله عليهم ، فشكا إليه جماعة من أهل المسجد الجامع أمر عجوز عمياء تنشد في الطريق ( فضائل أهل البيت ( عليهم السلام ) ) فأمر بها فحبست ، فسرَّ الرعية بذلك ونادوا بذكر الصحابة ونادوا : معاوية خال علي وخال المؤمنين ، فأرسل جوهر حين بلغه ذلك رجلاً إلى الجامع فنادى : أيها الناس أقلوا القول ودعوا الفضول ، فإنما حبسنا العجوز صيانةً لها فلا ينطقنَّ أحدٌ إلا حلَّت به العقوبة الموجعة . ثم أطلق العجوز ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 129 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

وضع المتعصبون لخالهم معاوية أثراً مكذوباً عن ابن عباس !

وضعوا رواية عن ابن عباس في تفسير آية ، تأييداً لقول معاوية ! فقد حرَّمت سورة الممتحنة ولاية المؤمنين للمشركين والميل إليهم ، حتى لو كانوا من أقاربهم أو عشيرتهم ، قال الله تعالى : قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ إِلا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ شَيء رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ . . . . لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ . عَسَى اللهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللهُ قَدِيرٌ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) . ( الممتحنة : 4 - 7 ) ، فزعموا أن ابن عباس قال إن الاستثناء والأمل بالمودة في الآية الأخيرة يعني زواج النبي ( صلى الله عليه وآله ) برملة أم حبيبة ! ( قال : كانت المودة التي جعل الله بينهم تزويج النبي أم حبيبة بنت أبي سفيان ، فصارت أم المؤمنين ، وصار معاوية خال المؤمنين ) ! ( الدر المنثور : 6 / 205 وفي طبعة : 8 / 130 ، وغيره ) .
لكن أكثرهم ردوا هذه الكذبة ! قال ابن جزي في التسهيل : 4 / 114 : ( وقيل المودة تزوج النبي أم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب سيد قريش ، ورد ابن عطية هذا القول بأن تزوج أم حبيبة كان قبل نزول هذه الآية ) . انتهى .
أقول : كانت رملة وتكنى أم حبيبة ، مسلمة قبل الهجرة وهاجرت مع زوجها عبد الله بن جحش إلى الحبشة ، فتنصَّر زوجها هناك ، وثبتت هي مع المهاجرين ، فأرسل النبي ( صلى الله عليه وآله ) إلى النجاشي فخطبها له وأعطى صداقها ، وعادت من الحبشة فتزوجها النبي ( صلى الله عليه وآله ) ! وأبو سفيان في كل ذلك قائد المشركين ، ومعاوية غلام ! ( راجع طبقات ابن سعد : 8 / 96 ) . ثم الجواب أنها ليست حديثاً ، بل قولٌ منسوب إلى
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 130 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ابن عباس ، ولا يصح ، لأنهم رووا ضده من مواقفه مع معاوية ! وحتى لو قلنا بصحته وأن نزول السورة قبل زواج النبي ( صلى الله عليه وآله ) برملة وأنها تشمل المودة بزواجه ( صلى الله عليه وآله ) ، فهذا لا يصحح وصف معاوية بخال المؤمنين ، للأدلة التي أوردها علماء السنة والشيعة !
قال المقريزي في إمتاع الأسماع : 10 / 263 : ( قال البيهقي : كذا في رواية الكلبي ، وذهب علماؤنا إلى أن هذا الحكم لا يتعدى أزواج النبي ( ص ) فهن أمهات المؤمنين في التحريم ، ولا يتعدى هذا التحريم إلى إخوتهن ولا إلى إخوانهن ولا إلى بناتهن . ومنع قوم من جواز تسمية معاوية خال المؤمنين ، بأن هذا أمر مبتدع لم يطلقه عليه إلا الغلاة في موالاته ، حتى أنهم زعموا أنه دعي بذلك في عهد النبي ( ص ) وبالغوا في الإفك حتى نسبوه إلى أنه من قول الرسول ( ص ) وليس لذلك أصل ولا عرف إطلاق ذلك في عصر الصحابة والتابعين ! فقد قَتَل محمد بن أبي بكر ولم يُشنع أعداء معاوية إذ ذاك بأنه قتل خال المؤمنين ، وثار عبد الله بن الزبير بمكة على سويد بن معاوية ، ولم يكترث بأنه ابن خالة المؤمنين ! ولا دعاه به أحد من الصحابة ، ولم يدع عبد الله بن عمر بخال المؤمنين ، ولا قيل قط لعبد الرحمن بن أبي بكر خال المؤمنين ! ولا يمتري عامة أهل العلم في أن منزلة عائشة وحفصة من رسول الله ( ص ) كانت أعظم من منزلة أم حبيبة بنت أبي سفيان ، ومع ذلك فلم يُدْعَ أحد من إخوتها بخال المؤمنين ، فكيف يطلق على معاوية بن أبي سفيان خال المؤمنين ومنزلته ومنزلة أبيه من رسول الله ( ص ) دون منزلة عبد الله بن عمر ؟ ومكانة عبد الله من العلم والورع والسابقة أعظم من مكانته وهذه عائشة تقول وقد قالت لها امرأة يا أمَّهْ : لست لك بأم إنما أنا أم رجالكم ، فعلمتنا بذلك معنى الأمومة تحريم نكاحهن ، وكذا لم ينقل أن أحداً قال لأسماء
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 131 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بنت أبي بكر خالة المؤمنين ! فقد قال الواحدي في تفسير قوله تعالى : ( وأزواجه أمهاتهم ) أي في حرمة نكاحهن وهذه الأمومة تعود إلى حرمة نكاحهن لا غير ! ألا ترى أنه لا يحل رؤيتهن ) .
وقد تكلم عدد من عقلائهم بنحو كلام البيهقي والشافعي والمقريزي . ( راجع : تاريخ دمشق : : 59 / 103 ، و 69 / 148 ، والنهاية : 4 / 163 ، وسيرة ابن كثير : 3 / 273 ، وذخيرة الحفاظ / 151 ، و تفسير الآلوسي : 28 / 74 ، والكامل لابن عدي : 3 / 54 ، و : 6 / 116 ، وقصيدة عبد الله الأشعث / 45 ، ولمعة الاعتقاد لابن قدامة / 33 ) .
أما ردود علمائنا فمن أقدمها ردُّ الشريف المرتضى ( رحمه الله ) في رسائله : 4 / 65 ، قال :
( ومن ذهب لأجل تسميته بأنهن أمهات المؤمنين إلى أن معاوية خال المؤمنين فقد ذهب مذهباً بعيداً ، وحاد عن رأي الصواب السديد ، لأن أخ الأم إنما يكون خالاً إذا كانت الأمومة من طريق النسب ، وأما إذا كانت على سبيل التشبيه والاستعارة فالقياس غير مطرد فيها ، ولهذا لا يسمى آباء أزواج النبي أجداداً لنا ، ولا أخواتهن لنا خالات ، ولا يجري القياس في هذا الموضع مجراه في النسب . وكيف اختص بالخؤولة معاوية دون كل إخوة أزواج النبي ؟ وهلاّ وُصف محمد بن أبي بكر وعبد الله بن عمر بالخؤولة إن كان القياس مطرداً ؟ ولكن العصبية تُعمي وتُصم ) ! ( وشبيه به الشيخ الطوسي ( رحمه الله ) في المبسوط : 4 / 159 ) .
وقال أبو الفتح الكراجكي في التعجب من أغلاط العامة / 104 : ( ومن عجيب أمر الحشوية ، ووقاحتهم في العناد والعصبية : أنهم يقولون : إن معاوية بن أبي سفيان خال المؤمنين ، ويقولون إنه استحق ذلك بسبب أن أخته أم حبيبة بنت أبي سفيان إحدى أزواج النبي ( صلى الله عليه وآله ) اللواتي هن بنص القرآن للمؤمنين أمهات ، ولا يُسمُّون محمد بن أبي بكر خال المؤمنين ، بل لا يذكرونه بذكر جميل ، وأخته عائشة أعظم أزواج النبي ( صلى الله عليه وآله ) عندهم قدراً ، وأجلُّ الأمهات في مذهبهم فضلاً
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 132 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وذكراً ، وليس تدانيها عندهم أم حبيبة ولا تقاربها ، ولا أبوها كأبيها ، فلمَ لا يسمون محمد بن أبي بكر خال المؤمنين ، ويكون أحق بذلك من معاوية بن أبي سفيان الفاسق اللعين الطليق ابن الطليق الذي لعنه رسول الله وقال : إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه ، وكان من المؤلفة قلوبهم ، ولم يحفظ قط حسنة يبسط معها في تفضيلهم له عذراً ، ولا ورد في الأثر عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) تسميته بخال المؤمنين فيصح قولهم ! وبأي وجه استحق معاوية هذا الإكرام دون محمد بن أبي بكر ؟ وكيف يجب أن تحفظ أم حبيبة في أخيها معاوية ، ولم يجب أن تحفظ عائشة في أخيها محمد ؟ !
كلا ، ليس يخفى على العاقل أن بغضهم لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) حملهم على تفضيل محاربيه وتبجيل أعاديه ومعانديه ، وإهمال ذكر أوليائه والمنسوبين إليه من أصفيائه ! وقد علم أن معاوية كان لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) عدواً وحرباً ، وأن محمد بن أبي بكر كان له ولياً وحزباً ، بذلك صار معاوية خالاً للمؤمنين دون محمد بن أبي بكر ، ربيب أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ! مع ما أنه على الحقيقة واليقين لا يصح أن يكون أحد من إخوة أزواج النبي خالاً للمؤمنين ، وذلك أن الله تعالى إنما جعل أزواج نبيه أمهات لهم ، ليحرم عليهم بعده العقد عليهن ، فلو كان معاوية عليه الهاوية أو غيره خالاً للناس لأجل أن أخته في حكم الأمهات ، لحرم عليه وطأ مؤمنة ، لأن الخال لا يحل أن يطأ بنت أخته . . الخ ) !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 133 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

كتب للنبي ( صلى الله عليه وآله ) رسالتين أو ثلاثاً فأشاع أنه كاتب الوحي !

قال العلامة الحلي ( رحمه الله ) في منهاج الكرامة / 77 ، وفي شرحه للسيد الميلاني : 1 / 475 :
( وسمَّوْه كاتب الوحي ، ولم يكتب له كلمة واحدة من الوحي ، بل كان يكتب له رسائل ، وقد كان بين يدي النبي ( صلى الله عليه وآله ) أربعة عشر نفساً يكتبون الوحي ، أولهم وأخصهم به وأقربهم إليه علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، مع أن معاوية لم يزل مشركاً مدة كون النبي ( صلى الله عليه وآله ) مبعوثاً ، يكذب بالوحي ويهزأ بالشرع . وكان باليمن يوم الفتح يطعن على رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ويكتب إلى أبيه صخر بن حرب يعيره بإسلامه ويقول : أصبوت إلى دين محمد ( صلى الله عليه وآله ) ؟ وكتب إليه : يا صخرُ لا تُسْلمَنْ . . الأبيات . والفتح كان في شهر رمضان لثمان سنين من قدوم النبي ( صلى الله عليه وآله ) المدينة ، ومعاوية حينئذ مقيمٌ على شركه ، هاربٌ من النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، لأنه كان قد أهدر دمه ، فهرب إلى مكة ، فلما لم يجد له مأوى صار إلى النبي ( صلى الله عليه وآله ) مضطراً فأظهر الإسلام وإن إسلامه قبل موت النبي ( صلى الله عليه وآله ) بخمسة أشهر ، وطرح نفسه على العباس فسأل فيه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فعفا عنه ، ثم شفع إليه أن يشرفه ويضيفه إلى جملة الكتاب ، فأجابه وجعله واحداً من أربعة عشر ، فكم كان يخصه من الكتابة في هذه المدة لو سلمنا أنه كان كاتب الوحي ، حتى استحق أن يوصف بذلك دون غيره ؟ ! على أن من جملة كتبة الوحي ابن أبي سرح ، وارتد مشركاً ! وفيه نزل : وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ . وقد روى عبد الله بن عمر قال : أتيت النبي ( صلى الله عليه وآله ) فسمعته يقول : يطلع عليكم رجل يموت على غير سنتي ، فطلع معاوية ! وقام النبي ( صلى الله عليه وآله ) يوماً يخطب ، فأخذ معاوية بيد ابنه يزيد وخرج ولم يسمع الخطبة ، فقال النبي ( صلى الله عليه وآله ) : لعن الله القائد والمقود ، أي يوم يكون
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 134 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لهذه الأمة من معاوية ذي الإستاه ؟ ! ( أي العجيزة ) . وبالغ في محاربة علي ( عليه السلام ) وقتل جمعاً كثير من خيار الصحابة ، ولعنه على المنابر واستمر سبه مدة ثمانين سنة إلى أن قطعه عمر بن عبد العزيز . وسمَّ الحسن ( عليه السلام ) وقتل ابنه يزيد مولانا الحسين ( عليه السلام ) ونهب نساءه . وكسر جده ثنية الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ، وأكلت أمه كبد حمزة ( عليه السلام ) ) . انتهى .
وقال القاضي النعمان المغربي في شرح الأخبار : 2 / 111 : ( وقالوا : كان معاوية كاتب الوحي وقد كتب الوحي لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وهو ما كان ينزل عليه من القرآن جماعة ممن كان يومئذ يحسن الكتابة ، وكانوا قليلاً كعلي ( عليه السلام ) وقد كان يكتب ذلك ، وكتب ذلك قبل معاوية عبد الله بن سعد بن أبي سرح ، ثم ارتد كافراً ولحق بمكة قبل الفتح وهدر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) دمه يوم فتح مكة . . . وقد ذكرنا فيما تقدم خبره واستنقاذ عثمان بن عفان إياه . وما علمنا أحداً جعل كتابة الوحي فضيلة يتوسل بها إلى أن يكون إماماً بذلك ، والناس يكتبون القرآن إلى اليوم ! والتماس مثل هذا لمن يراد تفضيله مما يبين تخلفه عن الفضائل ) .
وقال الباحث صائب عبد الحميد في منهج في الإنتماء المذهبي / 245 : ( وبعد ، فإن هذا الصحابي وكاتب الوحي ! هو الذي قتل الصحابيين : حجر بن عدي الكندي وعمرو بن الحمق الخزاعي صبراً ، لأنهما ردَّا على من سب علياً على منابر المسلمين ! وليتك تدري أن الذي سعى بهما وبأصحابهما إلى معاوية فكان سبباً في قتلهم جميعاً هو صحابي آخر ، وقد عمل لمعاوية على الكوفة بعد المغيرة ، وهو القائل لحجر بن عدي رضي الله عنه : أرأيت ما كنت عليه من المحبة والموالاة لعلي ؟ قال : نعم قال : فإن الله قد حول ذلك بغضة وعداوة . أورأيت ما كنت عليه من البغضة والعداوة لمعاوية ؟ قال : نعم . قال : فإن الله قد حول ذلك كله محبة وموالاة ، فلا أعلمنك ما ذكرت علياً بخير ، ولا أمير المؤمنين معاوية
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 135 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بشر ! إنه زياد بن أبيه ، وقد كتب فيهم إلى معاوية : إنهم خالفوا الجماعة في لعن أبي تراب ، وزروا على الولاة ، فخرجوا بذلك عن الطاعة ( 1 ) ! فأمر بقتلهم جميعاً وكانوا سبعة نفر بمرج عذراء من بلاد الشام . قيل : ودخل معاوية على عائشة فقالت له : يا معاوية ما حملك على قتل أهل عذراء ، حِجْراً وأصحابه ؟ ! فقال : يا أم المؤمنين إني رأيت في قتلهم إصلاحاً للأمة ، وفي بقائهم فساداً ! فقالت : سمعت رسول الله ( ص ) يقول : سيقتل بعذراء ناسٌ يغضب الله لهم وأهل السماء ! ( 2 ) هل عجبت من دين هؤلاء ؟ كلا ، فإن الأعجب من ذلك ما نسمعه من وجوب حفظ كرامتهم والترضي عليهم ) . هامش : ( 1 ) تاريخ اليعقوبي : 2 / 230 ، وقصة زياد ومعاوية مع حجر وأصحابه تجدها مفصلة في : الكامل في التاريخ : 3 / 472 ، وتهذيب تاريخ دمشق : 2 / 373 ، عند ترجمة أرقم الكندي . ( 2 ) دلائل النبوة : 6 / 457 ، البداية والنهاية : 6 / 231 ، الإصابة : 2 / 329 .
وقال الحافظ السقاف في شرح كتاب ابن الجوزي : دفع شبه التشبيه / 235 :
( ومن الغريب المضحك حقاً بعد هذا أن تجد ابن كثير يقول في باب عقده في تاريخه ( 8 / 20 ) في فضل معاوية ما نصه : هو معاوية بن أبي سفيان . . . . خال المؤمنين وكاتب وحي رب العالمين ، أسلم هو وأبوه وأمه هند يوم الفتح . ثم قال بعد ذلك : ( والمقصود أن معاوية كان يكتب الوحي لرسول ( ص ) مع غيره من كتاب الوحي ) . انتهى . قلتُ : كلا والله الذي لا إله إلا هو ، لم يصح كلامك يا ابن كثير ولاما اعتمدته وزعمته ! فأما قولك : ( خال المؤمنين ) فليس بصحيح البتة ، وذلك لأنه لم يرد ذلك في سنة صحيحة أو أثر ، وعلى قولك هذا في الخؤولة يكون حيي بن أخطب اليهودي جد المؤمنين ، لأنه والد السيدة صفية زوجة النبي ( ص ) ، وليس كذلك . ولم أرك تقول عن سيدنا أبي بكر أو عن سيدنا عمر إنه جد المؤمنين لأن بنتيهما زوجتا رسول الله ( ص ) ! ولا أريد الإسهاب في إبطال
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 136 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
هذه الخؤولة المزعومة إنما أذكرها في موضع آخر تختص به إن شاء الله تعالى .
وأما قولك ( وكاتب وحي رب العالمين ) فليس بصحيح أيضاً ، وذلك لأن معاوية أسلم عام الفتح ، وهو وأبوه من الطلقاء ، وقد أسلم في أوقات قد فرغ فيها نزول الوحي ، ووصل عند قوله تعالى : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً . فماذا سيكتب معاوية بعد هذا ؟ ! وقد ذكر الحافظ الذهبي في السير ( 3 / 123 ) عن أبي الحسن الكوفي قال : كان زيد بن ثابت كاتب الوحي ، وكان معاوية كاتباً فيما بين النبي وبين العرب . وكذا قال الحافظ ابن حجر في ترجمته في الإصابة : وليكن معلوماً أنه أيضاً ما كتب للنبي ( ص ) إلا ثلاث رسائل ) ! ثم ليعلم علماً أكيداً ، أن كتابة معاوية للوحي على فرض أنها صحيحة كما يزعم ابن كثير ، ليست عاصمة له مما وقع فيه مما قدمنا بعضه وسنذكر تمامه في بحث علمي مستقل إن شاء الله تعالى ، بدليل أن عبد الله بن أبي سرح الذي كان يكتب للنبي ( ص ) الوحي في مكة أول ما نزل الوحي ، ارتد وخرج من الإسلام بعد ذلك كما في ترجمته في كتب الحفاظ والمحدثين ومنها كتاب سير أعلام النبلاء ( 3 / 33 ) والإصابة لابن حجر وغير ذلك ، وروى أبو داود في سننه ( 4 / 128 برقم 4358 ) بسند حسن عن ابن عباس قال : كان عبد الله بن سعد بن أبي سرح يكتب لرسول الله ( ص ) فأزله الشيطان فلحق بالكفار ، فأمر به رسول الله ( ص ) أن يقتل يوم الفتح . . . . انتهى .
فهذه ثلاثة براهين تبطل قول ابن كثير في تفضيل معاوية بكتابة الوحي ، وتجتث هذه الفضيلة من جذورها ) . انتهى .
وقال الشهيد نور الله التستري في كتابه إحقاق الحق / 262 : ( إن ما ذكره من أن معاوية كان كاتب الوحي غير مسلَّم ، وإنما كان كاتب الصدقات ، كما حققه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 137 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
حافظ أبرو من الشافعية ، في تاريخه المشهور ) . انتهى .
أقول : إن عدم وجود دليل صحيح لا عندنا ولا عندهم على كتابة معاوية للوحي ، وكثرة المكذوبات في ذلك تجعلنا نشك في أنه كتب أي شئ للنبي ( صلى الله عليه وآله ) ! ونشك فيما جعلوه مناسبة للحديث النبوي الثابت ( لا أشبع الله بطنه ) فقالوا إن النبي ( صلى الله عليه وآله ) أرسل الصبي ابن عباس في إحضاره مرات ، وهو يقول إنه يأكل ، فدعا النبي ( صلى الله عليه وآله ) عليه ، فالذي أظنه أن مناسبة الحديث كانت شيئاً آخر فحرفوها ليجعلوها مناسبة استكتاب النبي ( صلى الله عليه وآله ) له !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 138 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

وضع المتعصبون حديثاً يزعم أن معاوية كاتب الوحي !

والرواية الوحيدة اليتيمة التي تشير إلى أن معاوية كتب شيئاً للنبي ( صلى الله عليه وآله ) ، رواها مسلم في صحيحه ، تقول إن أبا سفيان طلب من النبي ( صلى الله عليه وآله ) ثلاثة أشياء فأعطاه إياها : أن يكون صهره على ابنته رملة ، وأن يجعل معاوية كاتباً عنده ، وأن يجعله أميراً ليحارب الكفار كما حارب المسلمين ! وقد ضعفها علماؤهم وحكموا بأنها موضوعة ! ونصها كما في مسلم : 7 / 171 : ( باب من فضائل أبي سفيان ، عباس بن عبد العظيم العنبري وأحمد بن جعفر المعقري قالا : حدثنا النضر وهو ابن محمد اليمامي ، حدثنا عكرمة ، حدثنا أبو زميل ، حدثني ابن عباس : قال كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان ولا يقاعدونه ، فقال للنبي ( ص ) يا نبي الله ثلاث أعطنيهن . قال : نعم . قال : عندي أحسن العرب وأجمله أم حبيبة بنت أبي سفيان أزوجكها . قال : نعم . قال : ومعاوية تجعله كاتباً بين يديك . قال : نعم . قال وتؤمِّرني حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين . قال : نعم . قال أبو زميل : ولولا أنه طلب ذلك من النبي ( ص ) ما أعطاه ذلك ، لأنه لم يكن يُسأل شيئاً إلا قال : نعم ) . انتهى .
قال السيد شرف الدين ( رحمه الله ) في كتابه : أبو هريرة / 181 : ( اقتصر عليه مسلم في باب فضائل أبي سفيان ، إذ لم يجد والحمد لله سواه ! وهو باطلٌ بالاجماع ) .
أقول : هذا النص مع أنه مكذوبٌ يكشف حقيقة مهمة واجهت أبا سفيان بعد فتح مكة ، وبعد أن عزلته قريش عن رئاستها وجاء إلى المدينة ، فأعرض المسلمون عن مجالسته وحتى النظر إليه ، فقد شهدت الراية ( كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان ولا يقاعدونه ) ! وهذا موقف طبيعي تجاه إمام الكفر الذي لاقى منه النبي ( صلى الله عليه وآله ) والمؤمنون أشد صنوف العداء ! ولم يكن لأبي سفيان ملجأ إلا أبو بكر وعمر وعثمان ، والعباس بن عبد المطلب ، وقد روت المصادر أن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 139 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
المسلمين كانوا يتحرقون أسفاً على بقائه حياً !
قال في شرح النهج : 7 / 296 : ( وجاء في الأخبار الصحيحة أيضاً ، أن جماعة من أصحاب الصُّفَّة مرَّ بهم أبو سفيان بن حرب بعد إسلامه ، فعضُّوا أيديهم عليه وقالوا : وا أسفاه كيف لم تأخذ السيوف مأخذها من عنق عدو الله ! وكان معه أبو بكر فقال لهم : أتقولون هذا لسيد البطحاء ؟ ! فرفع قوله إلى رسول الله ( ص ) فأنكره وقال لأبي بكر : أنظر لا تكون أغضبتهم فتكون قد أغضبت ربك ! فجاء أبو بكر إليهم وترضَّاهم وسألهم أن يستغفروا له ، فقالوا : غفر الله لك ) . ( ورواه في شرح الأخبار : 2 / 534 ، والمقريزي في النزاع والتخاصم بين بني أمية وهاشم / 217 ) .
ورواه مسلم في صحيحه : 7 / 173 ، وفيه : ( أن أبا سفيان أتى على سلمان وصهيب وبلال في نفر ، فقالوا : والله ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها ، قال فقال أبو بكر أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم ؟ ! فأتى النبي ( ص ) فأخبره فقال : يا أبا بكر لعلك أغضبتهم ! لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك ! فأتاهم أبو بكر فقال : يا أخوتاه أغضبتكم ؟ قالوا لا يغفر الله لك ) . ( ومسند أحمد : 5 / 64 ، والنسائي في السنن الكبرى : 5 / 75 وفضائل الصحابة / 51 ، والقرطبي في تفسيره : 6 / 435 ، والذهبي في سيره : 1 / 540 والنووي في الأذكار / 356 ، وحلية الأولياء : 1 / 346 ، والترغيب والترهيب للمنذري : 4 / 67 ، ومسند الروياني : 2 / 34 ، وشرح النهج : 18 / 37 ، وغيرها ) .
وقد تبرع النووي في شرحه لمسلم : 16 / 66 ، فقال : ( وهذا الإتيان لأبي سفيان كان وهو كافر في الهدنة بعد صلح الحديبية ) ! انتهى . وهذا هوى عجيب من النووي لأن أبا سفيان جاء بعد الحديبية إلى المدينة ليوم أو يومين ، ورواية مسلم تتحدث عن شخص يقيم في المدينة بشكل دائم أو مدة معتداً بها ! ( كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان ولا يقاعدونه ) ، فلا دليل للنوي ولا نص إلا تبرعه في الدفاع عن والد معاوية ! بل نصت رواية شرح النهج على أن ذلك كان
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 140 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بعد إعلانه إسلامه ، بل هو مقتضى تحرقهم وتأسفهم على أن وقت قتل أبي سفيان قد فات ! فلو كان قبل إعلان إسلامه لكان تأسفهم بنحو آخر ! ولو كان قبل إعلان إسلامه لكان الإشكال على أبي بكر أشد ، لدفاعه عنه وإعطائه لقب ( سيد البطحاء وشيخ قريش وسيدهم ) ! وهذه ألقاب كانت لهاشم وعبد المطلب وأبي طالب رضي الله عنهم ، وقد صادرها زعماء قريش عندما حاربوا النبي ( صلى الله عليه وآله ) ! قال في السيرة الحلبية : 1 / 9 : ( واتفق أنه أصاب الناس سنة جدب شديد فخرج هاشم إلى الشام ، وقيل بلغه ذلك وهو بغزة من الشام ، فاشترى دقيقاً وكعكاً ، وقدم به مكة في الموسم ، فهشم الخبز والكعك ونحر الجُزُر ، وجعله ثريداً وأطعم الناس حتى أشبعهم ! فسمى بذلك هاشماً ، وكان يقال له أبو البطحاء وسيد البطحاء ) . ( وتاريخ الطبري : 2 / 8 ، وتاريخ اليعقوبي : 1 / 245 ) . كما وصفت المصادر دعاء عبد المطلب ( رحمه الله ) عندما أجدب أهل مكة لسنين فاستسقى بالنبي ( صلى الله عليه وآله ) ! قالت رقيقة بنت أبي صيفي بن هاشم : ( قام فاعتضد ابن ابنه محمداً فرفعه على عاتقه ، وهو يومئذ غلام قد أيفع أو كرب ، ثم قال : اللهم سادَّ الخَلَّة وكاشف الكرْبة ، أنت عالمٌ غير معلم ، ومسؤول غير مبخَّل ، وهذه عبداؤك وإماؤك بعذارات حرمك ، يشكو إليك سنتهم التي أذهبت الخف والظلف ، فاسمعن اللهم ، وأمطرن علينا غيثاً مغدقاً مريعاً سحاً طبقاً دراكاً . قالت : فورب الكعبة ما راموا حتى انفجرت السماء بمائها واكتظ الوادي بثجثجه ، وانصرف الناس ، فسمعت شيخان قريش وجلتها : عبد الله بن جدعان ، وحرب بن أمية ، وهشام بن المغيرة يقولون لعبد المطلب : هنيئاً لك سيد البطحاء ) ! ( وكتاب الدعاء للطبراني / 606 ، والمعجم الكبير : 24 / 260 ، ومجمع الزوائد : 2 / 214 ، و : 8 / 219 ، وشرح النهج : 7 / 271 ، وغيرها . ومعنى صفة النبي ( صلى الله عليه وآله ) بأنه ( قد أيفع أو كرب ) أي كان صبياً يافعاً قارب البلوغ . ولا بد أن المقصود أنه ( صلى الله عليه وآله ) كان يبدو للناظر كذلك وإن كان سنه أصغر من ذلك ، لأن عبد المطلب ( رحمه الله ) توفي وكان
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 141 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
سنه ( صلى الله عليه وآله ) دون العاشرة فكفله أبو طالب ( رحمه الله ) . ومعنى كرب كما في غريب النهج والأثر للبدري 946 : قَرُبَ من البلوغ ، وهي من الألفاظ المشتركة في اللغات القديمة ) .
وقد شهد معاوية بهذا اللقب لأبي طالب ( رحمه الله ) فقال كما في تاريخ الطبري : 4 / 115 عندما استشهد أمير المؤمنين ( عليه السلام ) :

نجوتُ وقد بلَّ المراديُّ سيفه * من ابن أبي شيخ الأباطح طالب ) . انتهى .

وعلى هذا ، فتسمية أبي بكر لأبي سفيان ( شيخ البطحاء وسيد قريش وسيد مكة ) لا وجه له إلا أن أبا بكر كان يعيش ضعف بني تيم ، أمام بني أمية ! بينما كان سلمان وجماعته يعيشون عزة الإسلام ، ويرون أبا سفيان ما زال كافراً رغم إعلانه الإسلام ! وقد أمضى النبي ( صلى الله عليه وآله ) رأيهم ، وحكم بأن إغضابهم إغضابٌ لله تعالى !
ويبدو أن اعتذار أبي بكر كان موقتاً ! فما أن تولى الخلافة حتى محى اسم أبي سفيان من المؤلفة قلوبهم ، ثم ألغى عمر سهم المؤلفة نهائياً ، لأنه علامة على جباه زعماء الطلقاء بأنهم لم يؤمنوا فهم يستمالون بالمال ! ( راجع : المدونة : 1 / 297 ، وابن شيبة : 3 / 279 ، وسنن البيهقي : 7 / 20 )

من الذي كذب حديث أبي سفيان الذي رواه مسلم ؟

المؤكد أن واضع الحديث ليس صحابياً ، لأن الصحابي يعرف أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) تزوج برملة بنت أبي سفيان قبل فتح مكة بدهر ، فلا يمكن أن يقول على لسان أبي سفيان للنبي ( صلى الله عليه وآله ) : ( عندي أحسن العرب وأجمله ، أم حبيبة بنت أبي سفيان أزوجكها . قال : نعم ) ! وهذا أهم إشكالاتهم على الحديث . قال النووي في شرح مسلم : 16 / 63 : ( واعلم أن هذا الحديث من الأحاديث المشهورة بالإشكال ، ووجه الإشكال أن أبا سفيان إنما أسلم يوم فتح مكة سنة ثمان من الهجرة ، وهذا مشهور لا خلاف فيه ، وكان النبي ( ص ) قد تزوج أم حبيبة قبل ذلك بزمان
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 142 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
طويل . . . ثم نقل النووي قول ابن حزم : قال موضوع ، والآفة فيه من عكرمة بن عمار ، الراوي عن أبي زميل ! وأنكر الشيخ أبو عمرو بن الصلاح هذا على ابن حزم وبالغ في الشناعة عليه قال : وهذا القول من جسارته فإنه كان هجوماً على تخطئة الأئمة الكبار وإطلاق اللسان فيهم . قال : ولا نعلم أحداً من أئمة الحديث نسب عكرمة بن عمار إلى وضع الحديث ، وقد وثقه وكيع ويحيى بن معين وغيرهما ، وكان مستجاب الدعوة ! قال : وما توهمه ابن حزم من منافاة هذا الحديث لتقدم زواجها غلط منه وغفلة ، لأنه يحتمل أنه سأله تجديد عقد النكاح تطييباً لقلبه . . . هذا كلام أبي عمرو ( رحمه الله ) وليس في الحديث أن النبي ( ص ) جدد العقد ، ولا قال لأبي سفيان إنه يحتاج إلى تجديده فلعله ( ص ) أراد بقوله نعم أن مقصودك يحصل وإن لم يكن بحقيقته عقد ) . انتهى .
أقول : هذا نموذج من دفاعهم عن أبي سفيان ومعاوية بالتمحل وغير المعقول ! فكيف تعقل أبو عمرو شيخ النووي أن أبا سفيان أراد بقوله للنبي ( صلى الله عليه وآله ) ( عندي أحسن العرب وأجمله أم حبيبة بنت أبي سفيان أزوجكها ) أن يجدد النبي ( صلى الله عليه وآله ) عقد زواجه على رملة فيكون زوجه إياها ؟ ! فلماذا يصفها له بأنها أجمل العرب وهي عند زوجها وهو أخبر منه بجمالها أو قبحها ؟ !
لقد أطال ( علماؤهم ) في تسويد صفحات طويلة لتصحيح معنى الحديث المكذوب أو سنده ، ولكنهم اعترفوا أخيراً بعدم إمكانية ذلك ! قال ابن قيم في جلاء الأفهام / 248 : ( قال أبو محمد بن حزم : هذا حديث موضوع لا شك في وضعه ، والآفة فيه من عكرمة بن عمار ، ولم يختلف في أن رسول الله ( ص ) تزوجها قبل الفتح بدهر ، وأبوها كافر . فإن قيل : لم ينفرد عكرمة بن عمار بهذا الحديث ، بل قد توبع عليه ، فقال الطبراني في معجمه : حدثنا علي بن سعيد الرازي ، حدثنا محمد بن حليف بن مرسال الخثعمي قال : حدثني عمي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 143 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إسماعيل بن مرسال ، عن أبي زميل الحنفي قال : حدثني ابن عباس قال : كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان ولا يفاتحونه ( يكلمونه ) فقال : يا رسول الله ، ثلاث أعطنيهن . . الحديث . فهذا إسماعيل بن مرسال قد رواه عن أبي زميل ، كما رواه عنه عكرمة بن عمار ، فبرئ عكرمة من عهدة التفرد .
قيل : هذه المتابعة لا تفيده قوة ، فإن هؤلاء مجاهيل لا يعرفون بنقل العلم ، ولا هم ممن يحتج بهم ، فضلاً عن أن تقدم روايتهم على النقل المستفيض المعلوم عند خاصة أهل العلم وعامتهم ، فهذه المتابعة إن لم تزده وهناً لم تزده قوة ) .
وقال السقاف في شرح دفع شبه التشبيه لابن الجوزي / 52 : ( قلت : هذا حديث موضوع وهو أحد الأحاديث الثلاثة الموضوعة التي في صحيح الإمام مسلم . ومن دلائل وضعه : أن رسول الله ( ص ) كان قد تزوج أم حبيبة بنت أبي سفيان قبل فتح مكة بدهر . . . قال الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء ( 7 / 137 ) عن هذا الحديث في ترجمة أحد رواته ( عكرمة بن عمار ) ما نصه : ( قلت : قد ساق له مسلم في الأصول حديثا منكراً ، وهو الذي يرويه عن سماك الحنفي عن ابن عباس ، في الأمور الثلاثة التي التمسها أبو سفيان من النبي ( ص ) . وقد نقل الإمام الحافظ النووي في شرح مسلم ( 16 / 63 ) عند شرح هذا الحديث أن ابن حزم حكم عليه بالوضع . قلتُ : وهو حكم صحيح لا غبار عليه . وقال الحافظ ابن الجوزي في هذا الحديث : هو وهم من بعض الرواة ، لا شك فيه ولا تردد ، وقد اتهموا به عكرمة بن عمار راوي الحديث . . ) . انتهى .
وقال السيد الميلاني في شرح منهاج الكرامة : 1 / 475 : ( قال ابن تيمية : فهذا قول بلا حجة ولا علم ، فما الدليل على أنه لم يكتب له كلمة واحدة من الوحي ، وإنما كان يكتب له رسائل ؟ ) . أقول : هذا من فرط جهل الرجل أو تعصبه ، إذْ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 144 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
على المدعي أن يقيم الدليل المقبول على مدعاه ، لا على المنكر فيما ينكره ، كما هو معلوم ! ثم إن الأصل في كتابة معاوية للنبي ( صلى الله عليه وآله ) هو ما أخرجه مسلم ! قال ابن حجر المكي في فضائل معاوية : ومنها : إنه أحد الكتاب لرسول الله ( ص ) كما في صحيح مسلم . وهو لو صح يفيد كونه كاتباً لا كاتباً للوحي ، لكنه باطل موضوع كما صرح كبار الأئمة كما ستعرف ) . ( راجع للتوسع نفحات الأزهار للسيد الميلاني : 6 / 223 ) .
* *
بقيت أربع ملاحظات في الموضوع ، الأولى :
روى الصدوق ( رحمه الله ) في معاني الأخبار / 346 ، بسند صحيح عن الإمام الباقر ( عليه السلام ) قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ومعاوية يكتب بين يديه وأهوى بيده إلى خاصرته بالسيف : من أدرك هذا يوماً أميراً فليبقر خاصرته بالسيف ! فرآه رجلٌ ممن سمع ذلك من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يوماً وهو يخطب بالشام على الناس ، فاخترط سيفه ثم مشى إليه فحال الناس بينه وبينه فقالوا : يا عبد الله مالك ؟ فقال : سمعت رسول الله ( عليه السلام ) يقول : من أدرك هذا يوماً أميراً فليبقر خاصرته بالسيف ! قال فقالوا : أتدري من استعمله ؟ قال : لا ، قالوا : أمير المؤمنين عمر . فقال الرجل : سمعاً وطاعةً لأمير المؤمنين ) !
أقول : يدل هذا الحديث على أن معاوية كان يكتب للنبي ( صلى الله عليه وآله ) شيئاً ، ولا يوجد دليل على أنه كان يكتب القرآن أو الوحي فقد يكون رسالة أو قائمة توزيع الصدقات أو جبايتها ، لأن أباه كان مسؤول جمع الصدقات في نجران ، وأخاه في تيماء كما مرَّ ، وقد كان النبي ( صلى الله عليه وآله ) يكتب الصدقات ويكتب من يبعثهم من الجند في بعوثه ، وذات مرة كتب أسماء كل المسلمين في المدينة .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 145 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال في شرح النهج : 1 / 338 : ( واختلف في كتابته له كيف كانت ؟ فالذي عليه المحققون من أهل السيرة أن الوحي كان يكتبه علي وزيد بن ثابت وزيد بن أرقم وأن حنظلة بن الربيع التيمي ومعاوية بن أبي سفيان كانا يكتبان له إلى الملوك وإلى رؤساء القبائل ، ويكتبان حوائجه ، ويكتبان ما يجبى من أموال الصدقات ، وما يقسم في أربابها ) . انتهى .
وقد أجاب الصدوق ( رحمه الله ) بأنه على فرض أنه كان يكتب الوحي ، فلا دلالة فيه على كرامة لمعاوية ولا مقام ، لأن الكتابة كانت قليلة في العرب وكان النبي ( صلى الله عليه وآله ) يستكتب من يجده ، وقد استكتب شخصاً وارتد وهرب إلى مكة !
قال الصدوق ( رحمه الله ) بعد إيراد حديث الإمام الباقر ( عليه السلام ) : ( إن الناس يُشَبَّهُ عليهم أمر معاوية بأن يقولوا كان كاتب الوحي ، وليس ذلك بموجب له فضيلة ، وذلك أنه قُرن في ذلك إلى عبد الله بن سعد بن أبي سرح فكانا يكتبان له الوحي وهو الذي قال : سأنزل مثل ما أنزل الله ! وكان النبي ( صلى الله عليه وآله ) يملي عليه : والله غفور رحيم فيكتب : والله عزيز حكيم ! ويملي عليه : والله عزيز حكيم ، فيكتب : والله عليم حكيم ! فيقول له النبي ( صلى الله عليه وآله ) : هو واحد هو واحد ، فقال عبد الله بن سعد : إن محمداً لا يدري ما يقول ! إنه يقول وأنا أقول غير ما يقول ، فيقول لي : هو واحد هو واحد ! وإن جاز هذا فإني سأنزل مثل ما أنزل الله ! فأنزل الله تبارك وتعالى فيه : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيء وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ . ( الأنعام : 93 ) فهرب وهجا النبي فقال النبي ( صلى الله عليه وآله ) : من وجد عبد الله بن سعد بن أبي سرح ولو كان متعلقاً بأستار الكعبة فليقتله . وإنما كان النبي ( صلى الله عليه وآله )
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 146 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يقول له فيما يغيره : هو واحد هو واحد لأنه لا ينكتب ما يريده عبد الله ، إنما كان ينكتب ما كان يمليه ( عليه السلام ) فقال : هو واحد غَيَّرْتَ أم لم تغيِّر لم ينكتبْ ما تكتبه ، بل ينكتب ما أمليه عن الوحي وجبرئيل يصلحه ! وفي ذلك دلالة للنبي ( صلى الله عليه وآله ) .
ووجه الحكمة في استكتاب النبي ( صلى الله عليه وآله ) الوحي معاوية وعبد الله بن سعد وهما عدوَّان ، هو أن المشركين قالوا إن محمداً يقول هذا القرآن من تلقاء نفسه ، ويأتي في كل حادثة بآية يزعم أنها أنزلت عليه ، وسبيل من يضع الكلام في حوادث تحدث في الأوقات أن يغير الألفاظ إذا استعيد ذلك الكلام ، ولا يأتي به في ثاني الأمر ، وبعد مرور الأوقات عليه إلا مغيراً عن حاله الأولى ، لفظاً ومعنى أو لفظاً دون معنى ، فاستعان في كتب ما ينزل عليه في الحوادث الواقعة بعدوُّين له في دينه ، عدلين عند أعدائه ، ليعلم الكفار والمشركون أن كلامه في ثاني الأمر كلامه في الأول ، غير مغير ولا مزال عن جهته ، فيكون أبلغ للحجة عليهم ، ولو استعان في ذلك بوليين مثل سلمان وأبي ذر وأشباههما لكان الأمر عند أعدائه غير واقع هذا الموقع ، وكان يتخيل فيه التواطؤ والتطابق . فهذا وجه الحكمة في استكتابهما واضح بين والحمد لله ) . انتهى .
أقول : لا بد أن يكون كلامه ( رحمه الله ) جواباً على استكتاب ابن أبي سرح ، وتنزُّلاً في معاوية حيث لا يوجد في الحديث ولا في غيره أن معاوية كتب شيئاً من الوحي !
الثانية
تقدم في كلام العلامة الحلي ( رحمه الله ) قوله : ( وقد كان بين يدي النبي ( صلى الله عليه وآله ) أربعة عشر نفساً يكتبون الوحي ) ولعله يقصد المشهورين بالكتابة له ( صلى الله عليه وآله ) أو الذين أحصاهم ، وإلا فالذين كتبوا للنبي ( صلى الله عليه وآله ) يزيد عددهم على خمسين ، وقد أحصى الشيخ الأحمدي في مكاتيب الرسول ( صلى الله عليه وآله ) : 1 / 123 ، نحو أربعين أولهم أمير المؤمنين ( عليه السلام )
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 147 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الذي كان يكتب الوحي من بدء نزوله وكتب القرآن كله بإملاء رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) . وأبيُّ بن كعب ، وخالد بن سعيد بن العاص ، وأخوه أبان ، وبريدة بن الحصيب ، وأبي بكر وعمر وعثمان وعمرو بن العاص ، وزيد بن ثابت ، وحنظلة بن الربيع ، والزبير بن العوام ، وغيرهم . ومنهم ابن أبي سرح الذي كفر وهرب إلى مكة .
وفي مسند أحمد : 3 / 222 ومنتخب عبد بن حميد / 381 : ( عن أنس قال : كان منا رجل من بني النجار قد قرأ البقرة وآل عمران وكان يكتب لرسول الله ( ص ) فانطلق هارباً حتى لحق بأهل الكتاب ، قال فرفعوه قالوا هذا كان يكتب لمحمد وأعجبوا به ، فما لبث أن قصم الله عنقه فيهم ! فحفروا له وواروه فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها ، ثم عادوا فحفروا له وواروه فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها فتركوه منبوذاً ) ! ( ومسلم : 8 / 124 ، والبيهقي في عذاب القبر / 56 ) .
الثالثة
تدرَّج معاوية في ادعائه من : كاتب شئ للنبي ( صلى الله عليه وآله ) ، إلى كاتب عند النبي ، إلى كاتب الوحي ، إلى مختار وحيد من الله من عترة النبي ( صلى الله عليه وآله ) لكتابة الوحي ! فكان طبيعياً لمحبيه وعُبَّاده أن يزيدوا عليه ، فقد فضله بعضهم على الأنبياء ( عليهم السلام ) ، ففي نثر الدرر / 1360 : ( حُدِّث أن ثلاثة من المشايخ حضروا الجامع ، فقال واحد لآخر : جعلت فداك أيهما أفضل : معاوية بن أبي سفيان أم عيسى بن مريم ؟ فقال : لا والله ما أدري ! فقال الثالث : يا كشخان ، تقيس كاتب الوحي إلى نبي النصارى ؟ ! ) .
بل وصل الأمر عند بعضهم أنهم جعلوا معاوية غير مخلوق ! لأن كلام الله تعالى غير مخلوق ومعاوية كاتبه فهو مثله ! ففي غرر الخصائص للوطواط / 213 : ( وسئل آخر وكان ناصبياً عن معاوية ؟ فقال : معاوية ليس بمخلوق لأنه كاتب الوحي والوحي ليس بمخلوق ، وكاتب الوحي من الوحي ) . انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 148 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي محاضرات الأدباء / 1277 : ( وقال بعض عوام الناصبة لمعاوية ليس بمخلوق ! فقيل كيف ؟ قال : لأنه كاتب الوحي والوحي ليس بمخلوق وكاتبه منه ) .
وينبغي أن نشير هنا إلى أن حملة المأمون العباسي على القائلين بعدم خلق القرآن كانت عملاً صحيحاً ، لأنهم كانوا مجسمة يزعمون أن الله تعالى جسم مادي له أبعاد ، والقرآن كلامه فهو جزء مادي منه ! كما كانوا نواصب فإن النصب والتجسيم توأمان دائماً !
ومن جميل ما رواه الذهبي وهو منهم : ( قيل لفيثون النصراني : ما تقول في المسيح ؟ قال : ما يقوله أهل سنتكم في القرآن ) ! ( سير الذهبي : 11 / 175 ) .
الرابعة
نشر النبي ( صلى الله عليه وآله ) القراءة والكتابة في المدينة ، وكتب عدد السكان ، والجنود ، وواردات بيت المال ومصارفه ، من أسماء دافعي الزكاة ومستحقيها ومبالغها .
كما أوصى الذين يكتبون له بتحسين الخط واختيار القلم والورق ، وحتى شكل الحروف ! وقد وثقنا ذلك في كتاب تدوين القرآن ، وواصل أمير المؤمنين ( عليه السلام ) اهتمام النبي ( صلى الله عليه وآله ) بذلك ، إذ رويت عنه عدة توجيهات للكتَّاب .
وجاء معاوية ورواته فأغاروا على هذه الأحاديث وجعلوها توجيهات من النبي ( صلى الله عليه وآله ) لمعاوية ، زاعمين أنه كاتب الوحي الوحيد الذي اختاره الله لهذه المهمة ! فهو عزيز النبي ( صلى الله عليه وآله ) ووزيره ووصيه وشريكه في الوحي !
وقد نبه علماء الجرح والتعديل على ضعفها ووضعها ، لكنها أخذت طريقها إلى عوام المسلمين ومصادرهم ؟ ! ومنها ما في مجمع الزوائد : 9 / 356 : ( عن عائشة قالت : لما كان يوم أم حبيبة من النبي ( ص ) دقَّ الباب داقٌّ فقال النبي ( ص ) : أنظروا من هذا ؟ قالوا : معاوية ، قال : إئذنوا له ، فدخل وعلى أذنه قلم يخطُّ به فقال : ما
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 149 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
هذا القلم على أذنك يا معاوية ؟ قال : قلم أعددته لله ولرسوله ! فقال : جزاك الله عنا خيراً ) ! وفي ميزان الاعتدال للذهبي : 4 / 482 : ( عن أنس : كان معاوية كاتب النبي فكان إذا رأى من النبي غفلة وضع القلم في فيه فقال : يا معاوية إذا كتبت كتاباً فضع القلم على أذنك فإنه أذكَرُ لك ) . ( ولسان الميزان : 6 / 333 والمجروحين : 3 / 141 ) .
وبعض هذه الروايات عن علي ( عليه السلام ) فجعلوها عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) لمعاوية ! كما في فتح الباري : 7 / 387 : ( وقوله لمعاوية : ألِق الدواة ، وحرف القلم وأقم الباء وفرق السين ، ولا تعوِّر الميم . وقوله : لا تمد بسم الله . . . . وأجاب الجمهور بضعف هذه الأحاديث )
وفي مكاتيب الرسول للأحمدي : 1 / 384 : ( قال علي ( عليه السلام ) لكاتبه عبيد الله بن أبي رافع : ألِقِ دواتك ، وأطل جلفة قلمك ، وفرِّج بين السطور ، وقرْمط بين الحروف فإن ذلك أجدر بصباحة الخط ) . وفي لفظ : عن عوانة بن الحكم قال : أطل جُلفة قلمك وأسمنها ، وأيمِن قطنتك ، وأسمن طنين النون ، وحوِّر الحاء ، وأسمن الصاد ، وعرج العين ، واشقق الكاف ، وعظِّم الفاء ورتِّل اللام ) .
وستعرف أن هدف معاوية النهائي من مقولة كاتب الوحي ، أن يعطي لنفسه الدور الأساسي في تلقي الوحي ويجعل دور النبي ( صلى الله عليه وآله ) هامشياً ! !

زرعوا مكذوباتهم في مصادر المسلمين وربوا عليها أطفالهم !

وها هي كتب التفسير ، والحديث ، والفقه ، وأصول الفقه ، والسيرة ، والتاريخ واللغة والأدب . . . الخ . ! ما زالت تغص بها ، وقد اهتم أتباع بني أمية قديماً وحديثاً بروايتها وتعليمها في المساجد والكتاتيب ، وتنشئة الأطفال الأبرياء عليها !
وها هم يستغلون موسم الحج لنشر كراريسهم وأشرطتهم ! وهي تزعم لمعاوية أنواعاً من الفضائل ، من خال المؤمنين ، إلى كاتب الوحي ، إلى خليفة النبي ( صلى الله عليه وآله ) وخليفة الله في أرضه ، الهادي المهدي . . الخ . ! وكلها مكشوفة لمن عرف
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 150 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
شخصية معاوية من القرآن وأحاديث النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وبعضها مكشوف لمن فكَّر قليلاً وتأمل في مناسباتها المصطنعة . لكن بعضها يغش العوام الذين ربَّوْهم على حب معاوية وسَقَوْهم إياه مع حليبهم ! وعبؤوهم ضد من يتبرأ منه ولا يتولاه ، فهؤلاء المعبئين يحتاجون إلى جهاد أنفسهم في الله تعالى ، حتى يعينهم على فهم هذا الشخص المنكوس والبراءة منه ! ( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ) .

غيبوا شهادة علمائهم بأن كل أحاديث فضائل معاوية مكذوبة !

نحمد الله تعالى أنه وجد في علماء السنيين وأئمتهم من يشهد بأن جميع ما روي في فضائل معاوية مكذوبٌ على النبي ( صلى الله عليه وآله ) ! وقد تحمل النسائي لذلك !
قال ابن حجر في الفتح : 7 / 81 : ( وأخرج ابن الجوزي أيضاً من طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل : سألت أبي ما تقول في علي ومعاوية ؟ فأطرق ، ثم قال : إعلم أن علياً كان كثير الأعداء ، ففتش أعداؤه له عيباً فلم يجدوا ، فعمدوا إلى رجل قد حاربه فأطروه ، كياداً منهم لعلي ! فأشار بهذا إلى ما اختلقوه لمعاوية من الفضائل مما لا أصل له ! وقد ورد في فضائل معاوية أحاديث كثيرة ، لكن ليس فيها ما يصح من طريق الإسناد . وبذلك جزم إسحاق بن راهويه والنسائي وغيرهما ) .
أقول : كلام ابن حنبل هذا قبل أن ينشئ المتوكل ( حزب أهل الحديث ) ويجعله إماماً لهم وينشر فيهم حب معاوية ! ولا يتسع المجال لعرض مكذوباتهم في معاوية وكشف كذابيها وحيلهم ، فذلك يحتاج إلى مجلدين كاملين !
وقد جمع الأميني ( رحمه الله ) منها في الغدير : 11 / 71 ، نحو أربعين فضيلة مكذوبة تحت عنوان : نظرة في مناقب ابن هند ! وهذه خلاصتها بتصرف :
( قال الحاكم : سمعت أبا العباس محمد بن يعقوب بن يوسف يقول : سمعت
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 151 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أبي يقول : سمعت إسحاق بن إبراهيم الحنظلي يقول : لا يصح في فضل معاوية حديث . ولما لم يجد البخاري حديثاً يصح من مناقب معاوية قال عند عدِّ مناقب الصحابة من صحيحه : باب ذكر معاوية رضي الله عنه ! فقال ابن حجر في فتح الباري : 7 / 83 : أشار بهذا إلى ما اختلقوه لمعاوية من الفضائل مما لا أصل له ، وقد ورد في فضائل معاوية أحاديث كثيرة لكن ليس فيها ما يصح من طريق الإسناد ، وبذلك جزم إسحاق بن راهويه ، والنسائي ، وغيرهما .
وأما مسلم وابن ماجة فلم يجدا حديثاً يعبأ به في فضائل معاوية فأضربا عن اسمه في الصحيح والسنن ! والترمذي لم يذكر له إلا حديث : ( اللهم اجعله هادياً مهدياً واهد به ) . ونحن أوقفناك على بطلانه في : 10 / 373 ! وحديث : اللهم اهد به وقد زيفه هو بنفسه ! فالصحاح والسنن خالية عما لفقه رواة السوء في فضل الرجل . ودخل الحافظ النسائي صاحب السنن إلى دمشق فسأله أهلها أن يحدثهم بشئ من فضائل معاوية فقال : أما يكفي معاوية أن يذهب رأساً برأس حتى يروى له فضائل ؟ فقاموا إليه فجعلوا يطعنون في خصيتيه حتى أخرج من المسجد الجامع ، فقال : أخرجوني إلى مكة ، فأخرجوه وهو عليل فتوفي بمكة مقتولاً شهيداً ! وقال ابن تيمية في منهاجه : 2 / 207 : طائفة وضعوا لمعاوية فضائل ورووا أحاديث عن النبي ( ص ) ذلك كلها كذب . وقال الفيروزآبادي في خاتمة كتابه سفر السعادة ، والعجلوني في كشف الخفاء / 420 : باب فضائل معاوية ، ليس فيه حديث صحيح ! وقال العيني في عمدة القاري : فإن قلت : قد ورد في فضله يعني معاوية أحاديث كثيرة ؟ قلت : نعم ، ولكن ليس فيها حديث صحيح يصح من طرق الإسناد ، نص عليه إسحاق بن راهويه والنسائي وغيرهما ، فلذلك قال يعني البخاري : ( باب ذكر معاوية ) ولم يقل : فضيلة ولا منقبة ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 152 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال الشوكاني في الفوائد المجموعة : اتفق الحفاظ على أنه لم يصح في فضل معاوية حديث . وقال ابن حجر في لسان الميزان : 1 / 374 : إسحاق بن محمد السوسي ذاك الجاهل الذي أتى بالموضوعات السمجة في فضائل معاوية رواها عبيد الله السقطي عنه ، فهو المتهم بها أو شيخه !
وهذه جملة من أكاذيب اختلقتها يد الوضع الأثيمة في مناقب معاوية !
عن واثلة مرفوعاً : إن الله ائتمن على وحيه جبريل وأنا ومعاوية ، وكاد أن يبعث معاوية نبياً من كثرة علمه وائتمانه على كلام ربي ، فغفر الله لمعاوية ذنوبه ، ووقاه حسابه ، وعلمه كتابه ، وجعله هادياً مهدياً ، وهدى به .
أخرج البخاري في تاريخه : 4 / 80 : ( عن وحشي بن حرب بن وحشي عن أبيه عن جده قال : كان معاوية ردف النبي ( ص ) فقال : يا معاوية ما يليني منك ؟ قال : بطني قال ( ص ) : اللهم املأه علما وحلماً . عن عبد الله بن عمر مرفوعاً : الآن يطلع عليكم رجل من أهل الجنة ، فطلع معاوية فقال : أنت يا معاوية مني وأنا منك ، لتزاحمني على باب الجنة كهاتين وأشار بإصبعيه . عن ابن عمر قال : كنت مع النبي ورجلان من أصحابه فقال : لو كان عندنا معاوية لشاورناه في بعض أمرنا ، فكأنهما دخلهما من ذلك شئ ، فقال : إنه أوحي إلي أن أشاور ابن أبي سفيان في بعض أمري .
عن جابر : إن رسول الله ( ص ) استشار جبريل في استكتاب معاوية فقال : استكتبه فإنه أمين ! عن أبي هريرة مرفوعا : الأمناء عند الله ثلاثة : أنا وجبريل ومعاوية !
عبد الرحمن بن أبي عميرة المزني أن النبي قال لمعاوية : اللهم علمه الكتاب والحساب وقه العذاب . وفي الترمذي : اللهم اجعله هادياً مهدياً واهد به .
عن عبد الرحمن بن أبي عميرة مرفوعاً : يكون في بيت المقدس بيعة هدى .
عن أنس مرفوعاً : أنا مدينة العلم وعلي بابها ، ومعاوية حلقتها !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 153 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عن أنس مرفوعاً : هبط عليَّ جبريل ومعه قلم من ذهب إبريز فقال : إن العلي الأعلى يقرؤك السلام ويقول لك : حبيبي قد أهديت هذا القلم من فوق عرشي إلى معاوية بن أبي سفيان ، فأوصله إليه ومره أن يكتب آية الكرسي بخطه بهذا القلم ويشكله ويعجمه ، ويعرضه عليك ، فإني قد كتبت له من الثواب بعدد كل من قرأ آية الكرسي من ساعة يكتبها إلى يوم القيامة ! فقال رسول الله : من يأتيني بأبي عبد الرحمن ؟ فقام أبو بكر ومضى حتى أخذ بيده وجاءا جميعاً . . . الخ ) . انتهى .
وفي النصائح الكافية / 199 : ( ونقل الحافظ بن حجر العسقلاني في شرحه على البخاري ، عن ابن الجوزي ، عن إسحاق بن راهويه أنه قال : لم يصح في فضل معاوية شئ ! . . . وقال خاتمة الحفاظ محمد بن علي الشوكاني في كتابه : الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة : اتفق الحفاظ على أنه لم يصح في فضائل معاوية حديث ) . ( للمزيد راجع : نفحات الأزهار للسيد الميلاني : 12 / 164 ) .

ولم يكتفوا بالكذب حتى قتلوا النسائي لأنه لم يكذب لهم !

زار الحافظ النسائي دمشق فرأى تعصب أهلها لمعاوية ونصبهم لعلي ( عليه السلام ) فألف بعد رجوعه إلى مصر كتاب ( خصائص علي بن أبي طالب ) ثم زار الشام في طريقه إلى مكة فلم يقبلوا منه الكتاب ، وأرادوا كتاباً في فضائل معاوية فقال لهم إنه لم يصح في فضائله شئ ! فهجموا عليه وضربوه وداسوا بطنه وخصييه ، وحمله أصحابه إلى مكة مريضاً مثقلاً ، فمات !
قال الذهبي في تذكرة الحفاظ : 2 / 699 : ( سمعت الوزير ابن خنزابة ، عن محمد بن موسى المأموني صاحب النسائي ، وقال فيه : سمعت قوماً ينكرون على أبى عبد الرحمن كتاب الخصائص لعلي رضي الله عنه ، وتركه تصنيف فضائل الشيخين ، فذكرت له ذلك فقال : دخلت دمشق والمنحرف عن علي بها كثير
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 154 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فصنفت كتاب الخصائص رجوت أن يهديهم الله ، ثم إنه صنف بعد ذلك فضائل الصحابة ، فقيل له وأنا أسمع : ألا تخرج فضائل معاوية ؟ فقال : أيَّ شئ أخرِّجُ ؟ حديث : اللهم لا تُشبع بطنه ؟ فسكت السائل . وتابع الذهبي : قلتُ : لعل هذه منقبة معاوية لقول النبي ( ص ) : اللهم من لعنته أو شتمته فاجعل ذلك له زكاة ورحمة ) . ( ونحوه في طبقات الشافعية للسبكي : 3 / 15 ) فلاحظ تحايل الذهبي على حديث النبي ( صلى الله عليه وآله ) في ذم معاوية ! ليساعد الذين داسوا بطن النسائي وهو شيخ كبير فقتلوه !
وفي معرفة علوم الحديث للحاكم / 83 : ( وخرج إلى دمشق فسئل بها عن معاوية بن أبي سفيان وما روي من فضائله ؟ فقال : ألا يرضى معاوية رأساً برأس حتى يفضل ؟ ! قال فما زالوا يدفعون في حضنيه ( خصييه ) حتى أخرج من المسجد ، ثم حمل إلى الرملة ومات بها سنة ثلاث وثلاث ماية ) . انتهى . راجع أيضاً : ( خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب للنسائي / 23 ، والأربعين البلدانية لابن عساكر : 5 / 282 ، وفيه : ( فقال الدارقطني فقال : إحملوني إلى مكة فحمل إليها وهو عليل فتوفي بها ، وهو مدفون بين الصفا والمروة ، وكانت وفاته في شعبان سنة 303 ) ، وتاريخ أبي الفداء / 365 ، وفيه : ( ثم عاد إلى دمشق فامتحن في معاوية وطُلب منه أن يروي شيئاً من فضائله فامتنع . . ) . ووفيات الأعيان : 1 / 77 ، وفيه : ( وفي رواية أخرى : ما أعرف له فضيلة إل : ا لا أشبع الله بطنك ) ! وسير أعلام النبلاء : 14 / 132 ، وتهذيب الكمال : 1 / 339 ، ومناقب الخوارزمي / 11 ، وبغية الطلب لابن العديم : 2 / 785 ، والمنتظم لابن الجوزي : 2 / 131 ، والنجوم الزاهرة : 3 / 188 ، وشذرات الذهب : 1 / 240 ، والتقييد لابن النقطة / 142 ، وأضواء على السنة المحمدية لمحمود أبو ريه / 319 ، ونفحات الأزهار : 12 / 166 ، و : 15 / 294 ، وأعيان الشيعة : 2 / 602 ) .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 155 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل السادس : مواجهة كبار الصحابة لمعاوية ودفاع عمر وعثمان عنه

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 156 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 157 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

معاوية لم يجالس النبي ( صلى الله عليه وآله ) ولا الصحابة !

عاش معاوية في مكة مع أمه هند وأخيه عتبة وأخته أم الحكم ، في ظل أبيهم أبي سفيان قائد المشركين . وعندما فتح النبي ( صلى الله عليه وآله ) مكة كان معاوية في أول شبابه ، وذكر العلامة الحلي ( رحمه الله ) أنه هرب إلى اليمن لأن النبي ( صلى الله عليه وآله ) كان هدر دمه ولعله لسوء لسانه ، وأنه جاء قبل وفاة النبي ( صلى الله عليه وآله ) بخمسة أشهر دخيلاً على العباس عم النبي ( صلى الله عليه وآله ) فأعلن إسلامه وعفا عنه النبي ( صلى الله عليه وآله ) وسكن المدينة كأبيه وعدد من الطلقاء ، ولم يُعهد عنه في هذه المدة القصيرة في المدينة أنه حسن إسلامه ، أو كان مهتماً بالتفقه ومجالسة النبي ( صلى الله عليه وآله ) والصحابة الراسخين في الإيمان . لذلك لم يرووا ولا حوله في المدينة إلا أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) استحضره ذات يوم مرات ليكتب له رسالة ، وكان يجيبه إنه يأكل ! فدعا عليه النبي ( صلى الله عليه وآله ) أن لا يشبع الله بطنه ! ورووا حوله حديثاً أنه كان يجرُّ أباه في المسجد فلعن النبي ( صلى الله عليه وآله ) الجار والمجرور ! وحديثاً آخر أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) ضبطه خارج المدينة مع صديقه الأكبر منه سناً ، عمرو بن العاص وهما يشربان الخمر ويغنيان بالتشفي بقتل حمزة على سنَّة أمه هند وأبي سفيان ! فدعا عليه النبي ( صلى الله عليه وآله ) وعلى عمرو : ( اللهم اركسهما في الفتنة ركساً ، اللهم دُعَّهَما في النار دَعَّا ) ! وقد كان ذلك قبل فتح مكة !
ومعنى ذلك أن معاوية لم يهتم فترة وجوده في المدينة بأن يتعلم معالم الدين ويعايش النبي ( صلى الله عليه وآله ) والصحابة الأبرار كما يهتم الشخص المسلم عن اعتقاد ! بل كان ابن قائد المشركين الذي اضطر أن يستسلم ، وكان همه أن يبحث عند نبي ( صلى الله عليه وآله ) هذا الدين عن منصب ، لاستعادة موقع أبيه الذي خسره بالإسلام !
وحديثهم عنه يدل على أنه شاب نَهِمٍ يفضل ملء بطنه على إجابة دعوة رسول
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 158 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الله ( صلى الله عليه وآله ) ليكتب له شيئاً رغم تكراره دعوته ! ومثل هذا لا ينتظر منه أن يهتم بتفهم معالم الدين ، أو يحب عبادة الله في المسجد أو مجالس النبي ( صلى الله عليه وآله ) وصحابته ؟ !
أما بعد وفاة النبي ( صلى الله عليه وآله ) فذهب إلى الشام معاوناً لأخيه يزيد ، وكان يعيش في جو أخيه الذي وصفه محبوه بقولهم : ( فغنموا وقسموا الغنائم ، فوقعت جارية في سهم رجل من المسلمين وكانت جميلة ، فذكرت ليزيد فانتزعها من الرجل ! وكان أبو ذر يومئذ بالشام ، فأتاه الرجل فشكا إليه واستعان به ليرد الجارية إليه ، فانطلق إليه معه وسأله ذلك فتلكأ عليه ) ! ( سير الذهبي : 1 / 329 ، وشرح الأخبار : 2 / 156 ، وتاريخ دمشق : 65 / 250 ، وفيه : ( فوقعت جارية نفيسة في سهم رجل فاغتصبها يزيد ) .
وستأتي محاولة بخاري وغيره من أتباع بني أمية التغطية عليه !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 159 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

كبار الصحابة الذين واجهوا معاوية !

حرص رواة الخلافة على طمس أخبار الصحابة الأجلاء الذين واجهوا معاوية وانتقدوا انحرافه العقيدي والعملي ، ومع ذلك بقيت بعض أخبارهم ! فبادر رواة الخلافة إلى تحريفها وتصوير هؤلاء الصحابة بأنهم متزمتون اعترضوا على أمور بسيطة كلبس معاوية الذهب أو بيعه ! وأن عمر وعثمان كانا ينصفان الذين يشكونه إليهم وينبهونه إليها ! بينما الواقع كانت اعتراضاتهم على انحراف معاوية وظلمه ، ولم يتخذ عمر ولا عثمان إجراء ضده ، بل كانا يقوِّيان مركزه باستمرار !
ويمكنك أن تقرأ ما أخفوه من مثل رواية الحاكم : 3 / 355 : ( أن عبادة بن الصامت أنكر على معاوية أشياء ، ثم قال له : لا أساكنك بأرض ! فرحل إلى المدينة ) !
وفي المجموع : 10 / 30 : ( فقال له أبو الدرداء سمعت رسول الله ينهى عن مثال هذا إلا مثلاً بمثل ، فقال له معاوية : ما أرى بهذا بأساً ، فقال أبو الدرداء : من يعذرني من معاوية ؟ ! أخبره عن رسول الله ويخبرني عن رأيه ! لا أساكنك بأرض أنت بها ) . ( ونحوه في موطأ مالك : 2 / 634 ) . وهذا يدا على أن اعتراض عبادة كانت أساسياً وكان مطلبه أن يعزل معاوية ، فلم يستجب له عمر ولا عثمان ! وأن أبا الدرداء اتهمه برد حديث النبي ( صلى الله عليه وآله ) ! وأنه لا يؤمن بالسنة ويجعل رأيه مقابلها ! وهجرهما له يدل على أنهما يستنكران انحرافه وتحريفه !
والصحابة الذين اعترضوا على معاوية كثيرون ، نذكر منهم :
1 - بلال وجماعته ، وقد ( ماتوا ) جميعاً في وقت متقارب في إمارة معاوية في عهد عمر ! وقال الرواة الرسميون إنهم ماتوا بدعوة عمر ، وإن سبب خلافهم معه ومع معاوية أنهم أرادوا تقسيم أراضي الشام على المقاتلين ، فرفض عمر ذلك
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 160 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وجَعَلها خراجية ! و ( دعا عليهم على المنبر فقال : اللهم اكفني بلالاً وأصحابه فما حال الحول وفيهم عين تطرف ! أي ماتوا جميعاً ) . ( مبسوط السرخسي : 10 / 16 ) وهو أمرٌ غير معقول يفتح الباب للبحث عن السم اليهودي في اغتيال المخالفين !
2 - ومنهم عبادة بن الصامت ، وهو ابن أخ أبي ذر ( رحمه الله ) ، وقد تقدمت مواجهته لمعاوية في تصديره الخمور ولبسه الذهب والحرير ، وأن السبب أعمق من ذلك !
وقد شكاه معاوية إلى عثمان فعزل عبادة عن قضاء فلسطين ولكنه لم يتراجع عن مقاومة معاوية ورواية أحاديث ذم بني أمية ، حتى بعد خلافة خليفة !
3 - ومنهم أبو أيوب الأنصاري ، عندما استهزأ معاوية بقول النبي ( صلى الله عليه وآله ) للأنصار : ستلقون بعدي أثرة ! كما سيأتي .
4 - ومنهم أبو الدرداء ، وقد تقدم إنكاره على معاوية أن يقول الحكم الشرعي لاستعمال أواني الذهب ، أو بيعها ، في مقابل قول النبي ( صلى الله عليه وآله ) !
5 - ومنهم عبد الله بن مسعود ، وقد كان أحد الولاة في الكوفة عندما اضطهد معاوية وعثمان أبا ذر ( رحمه الله ) فأعلن تضامنه معه في مواجهتهما ، فعزله عثمان واستحضره إلى المدينة وضربه وحبسه حتى مات !
قال الطبري في الرياض النضرة 363 : ( ذكر ما نقم على عثمان مفصلاً والاعتذار عنه بحسب الإمكان وذلك أمور . . . . ومنهم عبد الله ابن مسعود ، عزله عن الكوفة أيضاً وأشخصه إلى المدينة . . . . وأخرج ابن مسعود إلى الربذة فكان بها إلى أن مات . . . . وذلك أنه لما عزله عن الكوفة ، وأشخصه إلى المدينة هجره أربع سنين إلى أن مات مهجوراً . وسبب ذلك فيما زعموا أن ابن مسعود لما عزله عثمان من الكوفة وولى الوليد بن عقبة ورأى صنيع الوليد في جوره وظلمه ، فعاب ذلك
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 161 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وجمع الناس بمسجد الكوفة ، وذكر لهم أحداث عثمان ثم قال : أيها الناس ، لتأمرن بالمعروف ولتنهن عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم شراركم ، ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لكم ! وبلغه خبر نفي أبي ذر إلى الربذة فقال في خطبته بمحفل من أهل الكوفة : هل سمعتم قول الله تعالى : ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإثْمِ وَالْعُدْوَانِ . . وعرَّض بذلك بعثمان ! فكتب الوليد بذلك إلى عثمان فأشخصه من الكوفة ، فلما دخل مسجد النبي ( ص ) أمر عثمان غلاماً له أسود فدفع ابن مسعود ! وأخرجه من المسجد ورمى به الأرض ! وأمر بإحراق مصحفه ، وجعل منزله حبسه ومنع عطاءه أربع سنين إلى أن مات ! وأوصى الزبير بأن لا يترك عثمان يصلي عليه ) . انتهى .
6 - ومنهم عبد الرحمن بن سهل الأنصاري ( رحمه الله ) أحد قادة الفتوحات ، الذي حلف لينفذنَّ أمر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ويقتلنَّ معاوية إن رآه على منبره ! ففي تاريخ دمشق : 34 / 421 : ( غزا عبد الرحمن بن سهل الأنصاري في زمان عثمان ومعاوية أمير على الشام ، فمرت به روايا خمر تُحمل ، فقال إليها عبد الرحمن برمحه فبَقَرَ كل راوية منها ، فناوشه غلمانه ، حتى بلغ شأنه معاوية فقال : دعوه فإنه شيخ قد ذهب عقله ! فقال : كذب والله ما ذهب عقلي ، ولكن رسول الله ( ص ) نهانا أن ندخله بطوننا وأسقيتنا ، وأحلف بالله لئن أنا بقيت حتى أرى في معاوية ما سمعت من رسول الله ( ص ) لأبقرن بطنه أو لأموتن دونه ! ) . انتهى .
يقصد هذا الصحابي أنه إن بقي حياً حتى يرى معاوية على منبر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لينفذنَّ فيه أمر النبي ( صلى الله عليه وآله ) وليبقرنَّ بطنه ! وهو من الأدلة على صحة الحديث النبوي : إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه ، وفي لفظ آخر فابقروا بطنه ! وقد يكون ( صلى الله عليه وآله ) قالهما في مرتين وقد روي : ( إن هذا ، وأشار بيده إلى معاوية ، سيطلب
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 162 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الإمارة ، فإذا فعل فابقروا بطنه ) . ( شرح الأخبار للقاضي المغربي : 2 / 147 ) .
وقد تعسف بخاري في الدفاع عن معاوية في تاريخه الصغير : 1 / 162 ، واستعمل التدليس فاختار بعض طرق الحديث وطعن فيها بدون دليل وأعرض عن الباقي !
قال ، والترقيم منا : 1 - ( وروى حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أبي نضرة أن معاوية لما خطب على المنبر فقام رجل فقال : قال ( رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ) ورفعه : إذا رأيتموه ( معاوية ) على المنبر ( منبري ) فاقتلوه . وقال آخر : اكتبوا إلى عمر ، فكتبوا ، فإذا عمر قد قتل ! وهذا مرسل لم يشهد أبو نضرة تلك الأيام !
2 - وقال عبد الرزاق : عن ابن عيينة ، عن علي بن زيد ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد ، رفعه . وهذا مدخول لم يثبت !
3 - ورواه مجالد ، عن أبي الوداك ، عن أبي سعيد رفعه . وهذا واه !
4 - ويروى عن معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، عن رجل عن عبد الله بن عمرو ، رفعه في قصته . وهذا منقطع لا يعتمد عليه .
5 - وروى الأعمش ، عن سالم ، عن ثوبان ، رفعه في قصته . . وسالم لم يسمع من ثوبان ، والأعمش لا يدري سمع هذا من سالم ، أم لا ! وقد أدرك أصحاب النبي ( ص ) معاوية أميراً في زمان عمر ، وبعد ذلك عشر سنين ، فلم يقم إليه أحد فيقتله ! وهذا مما يدل على هذه الأحاديث أن ليس لها أصول ، ولا يثبت عن النبي ( ص ) خبره على هذا النحو في أحد من أصحاب النبي ( ص ) . إنما يقوله أهل الضعف بعضهم في بعض ، إلا ما يُذكر أنهم ذكروا في الجاهلية ، ثم أسلموا فمحى الإسلام ما كان قبله ) . انتهى .
أقول : في كلام بخاري إشكالات كثيرة ، فطرق الحديث أكثر مما ذكره ، وتضعيفه لبعض طرقه تحكم بلا دليل ، فهو صحيح على مبانيهم ومن علامات
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 163 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
نبوة نبينا ( صلى الله عليه وآله ) ، ولا يتسع المجال لبسط القول في نقد ما قالوه فيه وفي غيره من الأحاديث الصحيحة في ذم معاوية وتحذير الأمة منه فهي تستحق كتاباً مستقلاً ، وإليك عدداً من مصادر الحديث : ( تفسير عبد الرزاق : 1 / 24 ، وتاريخ دمشق : 59 / 155 ، ميزان الاعتدال : 1 / 571 ، و : 2 / 613 ، وسير أعلام النبلاء : 3 / 149 ، وتهذيب التهذيب : 2 / 368 ، ولسان الميزان : 2 / 247 ، وتاريخ الطبري : 8 / 179 ، والنهاية : 8 / 141 ، ووقعة صفين / 221 ، والعلل لابن حنبل : 2 / 414 ، وكتاب المجروحين : 1 / 157 ، و : 2 / 172 والعتب الجميل على أهل الجرح والتعديل / 66 ، والنصائح الكافية لمن يتولى معاوية / 58 ، و / 261 ، وتقوية الإيمان / 139 ، وثلاثتها للسيد محمد بن عقيل ، وشرح النهج : 15 / 176 ، والموضوعات لابن الجوزي : 2 / 25 ، والكامل لابن عدي : 2 / 146 ، و : 5 / 314 , ومناقب الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) لمحمد بن سليمان : 2 / 318 ، والتعجب من أغلاط العامة للكراجكي / 104 ، وخاتمة المستدرك : 1 / 53 ، وشرح منهاج الكرامة للسيد الميلاني : 1 / 469 ، ونفحات الأزهار له : 13 / 126 ، والمراجعات لشرف الدين / 143 ، وقال في تتمة المراجعات / 88 : ( 271 ) : " يوجد في : تاريخ الطبري : 10 / 58 ، وقعة صفين لنصر ابن مزاحم ص 216 و 221 ط 2 مطبعة المدني بمصر و / 111 و 113 ط إيران ، ميزان الإعتدال للذهبي : 1 / 572 و : 2 / 380 و 613 ، النصائح الكافية لمن يتولى معاوية / 45 ، مقتل الحسين للخوارزمي الحنفي : 1 / 185 ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 15 / 176 ط مصر بتحقيق محمد أبو الفضل ، تقوية الإيمان برد تزكية بن أبي سفيان / 90 ، تاريخ بغداد : 12 / 181 ، تهذيب التهذيب لابن حجر : 2 / 428 و : 5 / 110 ، كنوز الحقائق للمناوي بهامش الجامع الصغير للسيوطي : 1 / 16 ط . الميمنية ، تاريخ أبي الفداء : 2 / 61 ) .
قال الأميني ( رحمه الله ) في الغدير : 10 / 142 : ( أخرج نصر بن مزاحم في كتاب صفين ، وابن عدي ، والعقيلي ، والخطيب ، والمناوي من طريق أبي سعيد الخدري ، وعبد الله بن مسعود مرفوعاً : إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه . وفي لفظ : يخطب على منبري فاقتلوه . وفي لفظ : يخطب على منبري فاضربوا عنقه . . . . وقال الحسن ( البصري ) : فما فعلوا ولا أفلحوا . . . . وللقوم تجاه حديث : إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه ، تصويبٌ وتصعيدٌ وجلبةٌ ولغطٌ . . . . أخرج الخطيب عن الحسن بن محمد الخلال . . . : إذا رأيتم معاوية يخطب على منبري فاقبلوه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 164 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فإنه أمين مأمون ! قال الخطيب : لم أكتب هذا الحديث إلا من هذا الوجه ، ورجال إسناده ما بين محمد بن إسحاق وأبي الزبير كلهم مجهولون . . ) ! انتهى .
وحديثهم المكذوب هذا يكشف أزمتهم من حديث : ( فاقتلوه ، فابقروا بطنه ) !
7 - ومن الصحابة الذين واجهوا معاوية الزعماء التسعة ، الذين اعترضوا على حاكم العراق الأموي سعيد بن العاص عندما قال إن العراق بستانٌ لبني أمية ! فشكاهم إلى عثمان فنفاهم إلى الشام ، وكان لهم مع معاوية مواجهات صاخبة ، فضحوا فيها بني أمية وعثمان ومعاوية ، وطلبوا منه أن يعتزل عمل المسلمين لأن فيهم من هو خير منه ! وفي إحدى الجلسات معه أخذوا برأس معاوية ولحيته !
وخاف معاوية من تأثيرهم على المسلمين فكتب إلى عثمان ، فأمره بإعادتهم إلى الكوفة ، فضج منهم حاكمها الأموي سعيد مجدداً وكتب إلى عثمان ، فنفاهم عثمان إلى حمص ، وأمر حاكمها عبد الرحمن بن خالد أن يجعلهم في الدروب أي في طريق هجمات الروم لعلهم يُقتلون !
وأسماؤهم حسب رواية الطبري : ( مالك بن الحارث الأشتر ، وثابت بن قيس النخعي ، وكميل بن زياد النخعي ، وزيد بن صوحان العبدي ، وجندب بن زهير الغامدي ، وجندب بن كعب الأزدي ، وعروة بن الجعد ، وعمرو بن الحمق الخزاعي ) . وبقوا في منفى حمص مدة ، ثم عادوا إلى الكوفة ، وسنتعرض لهم في قتل معاوية لمالك الأشتر ( رحمه الله ) .
8 - ومنهم عشرات الصحابة الذين جاهدوا معاوية وقاتلوه ، إلى جانب أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) ، وهم جمهرة الصحابة وبقيتهم ، وقد رووا أنه كان مع علي ( عليه السلام ) سبع مئة صحابي ، فيهم أكثر من مئة من أهل بيعة الرضوان ، وثلاثون من
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 165 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
البدريين ، واستشهد معه في صفين خمسة وعشرون من الصحابة البدريين فقط ! بينما لم يكن مع معاوية أحد يذكر من الصحابة ! وقد ألف المؤرخ ابن السائب الكلبي : ( كتاب من شهد صفين مع علي من الصحابة ، كتاب من شهد صفين مع علي من الأنصار ، كتاب من شهد صفين مع علي من البدريين ) . ( الذريعة : 22 / 229 ) .
* *

مواجهة أبي ذر ( رحمه الله ) لمعاوية وبني أمية

9 - ومنهم أبو ذر الغفاري ، الذي اشتهرت مواجهته لعثمان ومعاوية وبني أمية .
وقد طمس تاريخ الحكومات الرسمي شخصية أبي ذر ( رحمه الله ) ودوره في الفتوحات ومواقفه في مواجهة معاوية وعثمان ، وصوروه كأنه بدوي ساذج متزمت سئ الخلق ! وكأنه صغير الجثة ضعيف البنية عن الجهاد !
بينما نطقت ثنايا مصادرهم بالحقائق ، وأنه كان رجلاً جسيماً طويلاً ، وقائداً شجاعاً ذكياً ! ( وكان أبو ذر طويلاً عظيماً رضي الله عنه وكان زاهداً متقللاً من الدنيا . . . وكان قوالاً بالحق ) . ( تهذيب الأسماء للنووي : 2 / 513 ) .
( وكان أبو ذر طويلاً عظيماً ) . ( أسد الغابة : 5 / 188 ، ومستدرك الحاكم : 3 / 51 ) .
( رجلاً طويلاً آدم أبيض الرأس واللحية ) . ( الطبقات : 4 / 230 ) .
( فجلس . . . فرجف به السرير ، وكان عظيماً طويلاً ) ( سير أعلام النبلاء للذهبي : 2 / 69 ) .
وكان له فرس أصيل يقال له : الأجدل . ( أنساب الخيل لابن الكلبي / 6 ، وأسماء خيل العرب وفرسانها لابن الأعرابي / 2 ) .
وقد شارك في فتح الشام من أوله ، وكان له احترام في نفوس الجنود ونفوذ على قادة جيش الفتح ، وهو ما تحرص مصادرهم على إخفائه !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 166 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال القاضي النعمان في شرح الأخبار : 2 / 156 : ( غزا يزيد بن أبي سفيان بالناس وهو أمير على الشام ، فغنموا وقسموا الغنائم ، فوقعت جارية في سهم رجل من المسلمين وكانت جميلة ، فذكرت ليزيد فانتزعها من الرجل ! وكان أبو ذر يومئذ بالشام ، فأتاه الرجل فشكا إليه واستعان به على يزيد ليرد الجارية إليه ، فانطلق إليه معه وسأله ذلك فتلكأ عليه ! فقال له أبو ذر : أما والله لئن فعلت ذلك ، لقد سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول : إن أول من يبدل سنتي رجل من بني أمية ، ثم قام ! فلحقه يزيد فقال له : أذكرك الله عز وجل أنا ذلك الرجل ؟ ! قال : لا . فرد عليه الجارية ) .
وفي سير أعلام النبلاء : 1 / 329 ، وتاريخ دمشق : 65 / 250 : ( فوقعت جارية نفيسة في سهم رجل فاغتصبها يزيد ) . انتهى . وروته أكثر مصادرهم ، وغطى أكثرها على آل أبي سفيان ، فلم يذكروا أن مناسبته غصب ابن أبي سفيان للجارية !
ومن المغطِّين الألباني حيث صححه دون أن يذكر مناسبته ! كما لم يذكروا شيئاً عن سلوك أخيه معاوية لكنه كان في جوه !
كما حاول بخاري تكذيب الرواية فقال في تاريخه : 1 / 45 : ( كان أبو ذر بالشام وعليها يزيد بن أبي سفيان فغزا الناس فغنموا . . . وبتر بخاري القصة وقال : ( والمعروف أن أبا ذر كان بالشام زمن عثمان وعليها معاوية ومات يزيد في زمن عمر ، ولا يعرف لأبي ذر قدوم الشام زمن عمر ) . انتهى .
وقد يكون بخاري غير مطلع ، لكن الأرجح أنه متعصب متعمد .
وروى ابن كثير في النهاية : 8 / 254 ، قصة الجارية وقال : ( وكذا رواه البخاري في التاريخ وأبو يعلى عن محمد بن المثنى ، عن عبد الوهاب ، ثم قال البخاري : والحديث معلول ولا نعرف أن أبا ذر قدم الشام زمن عمر بن الخطاب ) . انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 167 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أقول : وقد رأيت أن بخاري لم يروها كاملة ولا قال كما نقل عنه ابن كثير ! إلا أن تكون نسخته محرفة !
وقد نص الواقدي أيضاً على أن أبا ذر كان قائداً في معارك فتح الشام قال في فتوح الشام : 2 / 254 : ( ثم حمل من بعده العباس بن مرداس ، ثم من بعده أبو ذر الغفاري ، ثم تبادر المسلمون بالحملة ، فلما رأى الروم ذلك أيقظوا أنفسهم في عددهم وعديدهم وتظاهروا البيض والدرع ، ولم يزل القتال بينهم حتى توسطت الشمس في قبة الفلك ) . وقال أيضاً في : 2 / 583 : ( ثم استدعى من بعده أبا ذر الغفاري ، وأمَّره على خمسمائة فارس ، وسلمه الراية فتوجه وهو يقول :

سأمضي للعداة بلا اكتئاب * وقلبي للِّقا والحرب صابي
وإن صال الجميع بيوم حرب * لكان الكلُّ عندي كالكلاب
أذلهمُ بأبيض جوهريٍّ * طليقِ الحدِّ فيهم غيرُ آبي ) . انتهى .

بل تدل الروايات على أن أبا ذر ( رحمه الله ) سكن الشام من أول حكم عمر ، مشاركاً في الفتوحات ، وعاد منها في زمن عثمان ، ثم نفاه عثمان إلى الشام لمدة سنة ، ثم أعاده ونفاه إلى الربذة ، فبقي فيها سنتين أو أكثر حتى توفي غريباً سنة 32 هجرية . وهذا يعني أنه قضى نحو عشرين سنة في الشام .
* *
أما دور أبي ذر ( رحمه الله ) في فتح مصر فيدل عليه ما روته أكثر مصادر الحديث من أنه كان يمرِّغ فرسه ويروِّضه ، فسألوه عن حبه له فقال : ( ليس من ليلة إلا والفرس يدعو فيها ربه فيقول : رب إنك سخرتني لابن آدم وجعلت رزقي في يده ، اللهم فاجعلني أحب إليه من أهله وولده ، فمنها المستجاب ومنها غير المستجاب ، ولا أرى فرسي هذا إلا مستجاباً ) . رواه أحمد : 5 / 162 ، و 170 ، والنسائي : 6 / 223 ، وفي الكبرى : 3 / 36 وسنن البيهقي : 6 / 330 ، وعلل أحمد : 3 / 404 ، وعلل الدارقطني : 6 / 266 ، وسنن سعيد بن منصور : 2 /
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 168 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
204 ، والعظمة لأبي الشيخ : 5 / 1780 ، وحلية الأولياء : 8 / 387 ، والفردوس : 4 / 53 ، وتفسير ابن كثير : 2 / 334 ، والفروسية لابن قيم / 130 ، وكنز العمال : 6 / 321 . . . الخ . ولم تذكر هذه المصادر وغيرها مناسبته إلا ثلاثة منها كشفت عرضاً دوره في فتح مصر !
قال السيوطي في الدر المنثور : 3 / 197 : ( وأخرج أبو عبيدة في كتاب الخيل عن معاوية بن خديج ، أنه لما افتتحت مصر كان لكل قوم مراغة يمرِّغون فيها خيولهم ، فمر معاوية ( يقصد ابن حديج التميمي ) بأبي ذر رضي الله عنه وهو يمرِّغ فرساً له فسلم عليه ووقف ثم قال : يا أبا ذر ما هذا الفرس ؟ قال فرس لي ، لا أراه إلا مستجاباً ! قال : وهل تدعو الخيل وتجاب ؟ قال : نعم ، ليس من ليلة إلا والفرس يدعو فيها ربه فيقول : رب إنك سخرتني لابن آدم وجعلت رزقي في يده ، اللهم فاجعلني أحب إليه من أهله وولده ، فمنها المستجاب ومنها غير المستجاب ، ولا أرى فرسي هذا إلا مستجاباً ) . ( وحياة الحيوان للدميري / 930 ) .
وفي نهاية الإرب / 2036 : ( لما نزل المسلمون مصر كانت لهم مراغة للخيل ، فمر حديج بن صومي بأبي ذر رضي الله عنه وهو يمرغ فرسه الأجدل ، فقال . . . )
* *
وأما دور أبي ذر في فتح قبرص ، فقال البلاذري في فتوح البلدان : 1 / 182 : ( لما غُزيَت قبرس الغزوة الأولى . . . وغزا مع معاوية أبو أيوب خالد بن زيد بن كليب الأنصاري ، وأبو الدرداء ، وأبو ذر الغفاري ، وعبادة بن الصامت ، وفضالة بن عبيد الأنصاري ، وعمير بن سعد بن عبيد الأنصاري ، وواثلة بن الأسقع الكناني ، وعبد الله بن بشر المازني ، وشداد بن أوس بن ثابت ، وهو ابن أخي حسان بن ثابت ، والمقداد ، وكعب الحبر بن ماتع ، وجبير بن نفير الحضرمي ) . انتهى .
أقول : حشروا اسم كعب الأحبار معهم لإعطائه لقب المسلم المجاهد ! وحشروا اسم معاوية بعبارة مبهمة فيها تدليس ( وغزا مع معاوية ) ، مع أن تاريخ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 169 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كعب ومعاوية لم يسجل أنهما حملا سلاحاً وحاربا أو غزيا أبداً ! ولذا قال في الإستيعاب : 4 / 1931 : ( ويقال إن معاوية غزا تلك الغزاة بنفسه ، ومعه أيضاً امرأته فاختة بنت قرظة ) . انتهى . لكن النص التالي يشير إلى أن معاوية كان ينتظر الجيش في الساحل بطرسوس ! ففي مسند الشاميين للطبراني : 2 / 73 ، عن جبير بن نفير قال : ( أخرج معاوية غنائم قبرس إلى الطرسوس من ساحل حمص ، ثم جعلها هناك في كنيسة يقال لها كنيسة معاوية ، ثم قام في الناس فقال : إني قاسم غنائمكم على ثلاثة أسهم : سهم لكم ، وسهم للسفن ، وسهم للقبط ، فإنه لم يكن لكم قوة على غزو البحر إلا بالسفن والقبط . فقام أبو ذر فقال : بايعت رسول الله على أن لا تأخذني في الله لومة لائم : أتقسم يا معاوية للسفن سهماً وإنما هي فيؤنا ، وتقسم للقبط سهماً وإنما هم أجراؤنا ، فقسمها معاوية على قول أبي ذر ) . ( ونحوه في : 2 / 120 ، وتاريخ دمشق : 66 / 193 ، وحلية الأولياء : 5 / 134 ) .
أما بخاري فروى الحديث بدون ذكر أبي ذر وأبي أيوب وغيرهما من الصحابة ! لأن غرضه فقط أن يمدح معاوية بأنه أول من ركب البحر للغزو ! قال في صحيحه : 3 / 203 : ( بنت ملحان قالت : نام النبي ( ص ) يوماً قريباً مني ثم استيقظ يتبسم ، فقلت ما أضحكك ؟ قال أناس من أمتي عرضوا على يركبون هذا البحر الأخضر كالملوك على الأسرة ! قالت : فادع الله أن يجعلني منهم ، فدعا لها ، ثم نام الثانية ففعل مثلها ، فقالت مثل قولها فأجابها مثلها ، فقالت ادع الله أن يجعلني منهم فقال أنت من الأولين ! فخرجت مع زوجها عبادة بن الصامت غازياً أول ما ركب المسلمون البحر مع معاوية ، فلما انصرفوا من غزوهم قافلين فنزلوا الشام ، فقربت إليها دابة لتركبها ، فصرعتها فماتت ) . انتهى .
وقد صحح ابن حجر وغيره خطأ البخاري في روايته ولم يذكروا معاوية ! قال في
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 170 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
تهذيب التهذيب : 12 / 411 : ( والصحيح العكس ، فقد قال غير واحد وثبت غير واحد أنها خرجت مع زوجها عبادة في بعض غزوات البحر ، وماتت في غزاتها وَقَصَتْها بغلتها عندما نقلوا ، وذلك أول ما ركب المسلمون في البحر في زمن معاوية في خلافة عثمان . زاد أبو نعيم الأصبهاني وقبرت بقبرس . قلت : والإسماعيلي في مستخرجه عن الحسن بن سفيان عن هشام بن عمار قال : رأيت قبرها ووقفت عليها بقبرس ) . ( ونحوه في صحيح ابن حبان : 10 / 468 ، وطبقات ابن سعد : 8 / 435 ، ورجال البخاري للكلاباذي : 2 / 851 ، وتاريخ دمشق : 70 / 217 ، وتهذيب التهذيب : 12 / 82 ) .
أقول : بنت ملحان هي أم أنس ، ولا نصدق حديثها هذا وأمثاله بأن النبي ( صلى الله عليه وآله ) كان يزورها كأنها والدته أو خالته ، وينام في بيتها ويرى رؤيا تتعلق بها ! وأنها كانت تفلي رأسه كابنها أو أخيها وكأن رأس النبي ( صلى الله عليه وآله ) فيه قمل كرجالهم ! فهو حديث موضوع لمدح معاوية وأنه أول الغزاة في البحر ، وأن النبي ( صلى الله عليه وآله ) مدح غزاة البحر ، وهو كحديث أول من غزا القسطنطينية الذي وضعوه لمدح يزيد ! وسيأتي بحث ذلك في تلميع معاوية لشخصية يزيد وبيعته ، وأن عمر نهى المسلمين عن ركوب البحر فخالفه العلاء بن الحضرمي وغزا جنوب إيران من البحرين ، فوبخه عمر وعزله ، فلو كان الحديث صحيحاً لاحتجوا به على عمر !

أبو ذر ( رحمه الله ) . . يواجه جبرية معاوية وادعاءه العصمة !

لعل أول مواجهة لأبي ذر ( رحمه الله ) كانت عندما خطب معاوية فصادر حديثاً للنبي ( صلى الله عليه وآله ) ووظفه لنفسه ! قال ابن شهرآشوب في متشابه القرآن : 1 / 123 : ( أول من أظهر الجبر في هذه الأمة معاوية ! ذلك أنه خطب فقال : يا أهل الشام أنا خازن من خزان ربي ، أعطي من أعطاه الله وأمنع من منعه الله بالكتاب والسنة ، فقام أبو
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 171 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ذر ( رحمه الله ) وقال : كذبت ! والله إنك لتعطي من منعه الله بالكتاب والسنة ، وتمنع من أعطاه الله ! فقام عبادة بن الصامت ثم أبو الدرداء وقالا : صدق أبو ذر ، صدق أبو ذر ! فنزل معاوية عن المنبر ، وقال : فنعم إذاً ، فنعم إذاً .
وفي رواية : أنه خطب فقال : قال الله تعالى : وَإِنْ مِنْ شيء إِلا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ ، فلا نلام نحن ! فقام الأحنف فقال : إنا والله لا نلومك على ما في خزائن الله ، ولكن نلومك على ما أنزل الله علينا من خزائنه وأغلقت بابك علينا دونه ! وقال شاعر :

إذا أعطى يقتِّرُ حين يعطي * وإن لم يُعط قال أبى القضاءُ
يُبَخِّلُ ربَّهُ سَفَهاً وجهلاً ويَعذُرَ نفسه فيما يشاءُ ) . انتهى .

أقول : معنى قول معاوية بعد اعتراض أبي ذر ، وتأييد عبادة وأبي الدرداء له : ( فنعم إذاً ، فنعم إذاً ) أي صحيح صحيح ، سأقبل منكم . ولكنه واصل طوال عمره نشر مذهب الجبر ، ونسبة أفعاله إلى الله تعالى ، وزعم أنه خليفة الله في أرضه ، كما ستعرف ! وقد روى جواب الأحنف لمعاوية : السيوطي في الدر المنثور : 5 / 71 ، والمستطرف / 96 ، وفي طبعة : 1 / 134 ، ونهاية الأرب / 1807 ، ونسب ابن عبد البر البيتين في المجالس / 298 ، إلى محمود الوراق ، وأوردهما ابن شاكر الكتبي في فوات الوفيات / 912 ، وفي طبعة : 2 / 469 ، ورواه الراغب في محاضرات الأدباء / 644 ، وفي طبعة : 1 / 700 ، تحت عنوان : ذم من ينسب بخل نفسه إلى القدر : خطب معاوية ذات يوم فقال . . . ورواه الإتليدي في إعلام الناس / 23 وأبو حيان في البصائر والذخائر ص 966 ، وقال في آخره : ( فكأنما ألقمه حجراً ) .
أما بخاري فغطى على معاوية وروى الحديث مبتوراً ! قال في صحيحه : 1 / 25 : ( قال حميد بن عبد الرحمن : سمعت معاوية خطيباً يقول : سمعت النبي ( ص ) يقول : من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين ، وإنما أنا قاسم والله يعطي ، ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله ) . انتهى .
والحديث كما رأيت جزء من خطبة معاوية ، ولو روى بقيتها لظهر أن معاوية
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 172 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يقصد بالتفقه في الدين طاعته هو ، ويزعم أنه كالنبي ( صلى الله عليه وآله ) تحركه إرادة إلهية في تقسيم المال وإعطائه ومنعه ، فلا يجوز الاعتراض عليه ! ويزعم أن الفئة الثابتة على أمر الله هم أتباعه ، وأن من خالفه هم الفئة الباغية الضالة ! وسيأتي ذلك .
وربما كان أصل القضية أن معاوية سمع أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) قال : ( إنما أنا خازن الله تعالى ، والله يعطي وأنا أقسم ، فمن أخذ مني شيئاً بطيب النفس بورك له فيه ، ومن أخذ مني شيئاً وأنا له كاره فإنما يتأبطها ناراً ) . ( نوادر الأصول للترمذي : 3 / 76 ) فخطب معاوية في أهل الشام ووصف بيت المال بأنه مال الله تعالى وأنه هو خازن الله عليه ، فعندما يعطي ويمنع فالذي يعطي ويمنع هو الله تعالى ! فالواجب على المسلمين أن يقبلوا ولا يلوموه على عطائه ومنعه ! !
وهو كلام ظاهره الإيمان وباطنه الكفر ، لأن النبي ( صلى الله عليه وآله ) معصوم من ربه لا ينطق عن الهوى ولا يفعل عن الهوى . أما معاوية فكله هوى من رأسه إلى قدمه !
إن جبرية معاوية كلها تبدأ من هنا ! فقد كان همه كزعيم أموي أن يعطي نفسه صفات محمد بن عبد الله الهاشمي ( صلى الله عليه وآله ) ! وأن يكون خليفة الله المفروض الطاعة على العباد ، في مقابل رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) المفروض الطاعة من ربه !
وتجد جذور هذه الظاهرة في دفاعات عثمان ومن حوله عن تبذير بيت مال المسلمين ، فكان الخليفة يقيس نفسه بالنبي ( صلى الله عليه وآله ) ! بل تجدها قبل عثمان في تبرير تصرفات عمر وأبي بكر ! لكن معاوية تبناها بقوة ، وجعل ( خلافته ) قائمة عليها ونسب تصرفاته إلى الله تعالى ! ونشر ذلك بين المسلمين كعقيدة دينية !

معاوية يدعي أنه معصوم حتى في سفك الدماء وقتل الأطفال !

قال الثقفي في الغارات : 2 / 639 ، يصف غارة معاوية على الحجاز واليمن : ( فقدم على معاوية ( قائده بسر بن أرطاة ) فقال : يا أمير المؤمنين أحمد الله ، فإني سرت في
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 173 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
هذا الجيش أقتل عدوك ذاهباً وراجعاً ، لم ينكب رجل منهم نكبة ! فقال معاوية : اللهُ فعل ذلك لا أنت ! وكان الذي قتل بسر في وجهه ذاهباً وراجعاً ثلاثين ألفاً ، وحرَّق قوماً بالنار ) ! انتهى . وتقدم الكلام عن هذه الغارة التي اتفق المؤرخون والمحدثون على أن معاوية أمر قائدها بأن يقتل كل من كان على دين علي ( عليه السلام ) فأغار على أطراف العراق والحجاز واليمن ، وقتل ألوفاً كثيرة وخرَّب وحرَّق ، وذبح بيده على درج صنعاء طفلين لحاكم اليمن عبيد الله بن العباس . وسبى نساء مسلمات وباعهن في السوق ( نهاية الإرب / 4419 ) ! فمعاوية يقول له إن الذي قتل وحرَّق البيوت والناس والحقول هو الله تعالى لا أنت ! لأن معاوية خليفة الله فقوله وفعله قول الله وفعله ! تعالى الله عما يصفون !

الطبري يعترف بأنه سجل رأي السلطة وغيِّبَ رأيَ أبي ذر !

قال في تاريخه : 3 / 335 : ( وفي هذه السنة أعني سنة 30 ، كان ما ذكر من أمر أبي ذر ومعاوية ، وإشخاص معاوية إياه من الشام إلى المدينة ، وقد ذكر في سبب إشخاصه إياه منها إليها أمورٌ كثيرة ، كرهتُ ذكر أكثرها !
فأما العاذرون معاوية في ذلك ، فإنهم ذكروا في ذلك قصة ، كتب إلي بها إليَّ السري يذكر أن شعيباً حدثه عن سيف عن عطية عن يزيد الفقعسي قال : لما ورد ابن السوداء الشام لقي أبا ذر فقال يا أبا ذر ألا تعجب إلى معاوية يقول : المال مال الله ! ألا إن كان كل شئ لله كأنه يريد أن يحتجنه دون المسلمين ويمحو اسم المسلمين ، فأتاه أبو ذر فقال : ما يدعوك إلى أن تسمى مال المسلمين مال الله ؟ قال : يرحمك الله يا أبا ذر ، ألسنا عباد الله والمال ماله والخلق خلقه والأمر أمره ؟ ! قال : فلا تقله . قال : فإني لا أقول إنه ليس لله ، ولكن سأقول مال المسلمين ! قال وأتى ابن السوداء أبا الدرداء فقال له من أنت أظنك والله يهودياً
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 174 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فأتى عبادة بن الصامت فتعلق به فأتى به معاوية فقال هذا والله الذي بعث عليك أبا ذر . وقام أبو ذر بالشام وجعل يقول : يا معشر الأغنياء واسوا الفقراء . بشر الذين يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ ، بمكاوٍ من نار تكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم ! فما زال حتى ولع الفقراء بمثل ذلك ، وأوجبوه على الأغنياء ، وحتى شكا الأغنياء ما يلقون من الناس !
فكتب معاوية إلى عثمان إن أبا ذر قد أعضل بي ! وقد كان من أمره كيت وكيت ! فكتب إليه عثمان إن الفتنة قد أخرجت خطمها وعينيها ، فلم يبق إلا أن تثب فلا تنكأ القرح ، وجهز أبا ذر إلي وابعث معه دليلا وزوده وارفق به وكفكف الناس ونفسك ما استطعت ، فإنما تمسك ما استمسكت !
فبعث بأبي ذر ومعه دليل ، فلما قدم المدينة ورأى المجالس في أصل سلع قال : بشر أهل المدينة بغارة شعْواء وحرب مِذْكار ! ودخل على عثمان فقال : يا أبا ذر ما لأهل الشام يشكون ذَرْبَك ( لسانك ) ؟ فأخبره أنه لا ينبغي أن يقال مال الله ، ولا ينبغي للأغنياء أن يقتنوا مالاً ! فقال : يا أبا ذر عليَّ أن أقضي ما عليَّ ، وآخذ ما على الرعية ، ولا أجبرهم على الزهد ، وأن أدعوهم إلى الإجتهاد والاقتصاد . قال : فتأذن لي في الخروج ، فإن المدينة ليست لي بدار ! فقال : أوَ تستبدل بها إلا شراَ منها ؟ قال : أمرني رسول الله ( ص ) أن أخرج منها إذا بلغ البناء سلعاً . قال : فانفذ لما أمرك به . قال فخرج حتى نزل الربذة فخط بها مسجداً وأقطعه عثمان صرمة من الإبل وأعطاه مملوكين ، وأرسل إليه أن تعاهد المدينة حتى لا ترتد أعرابياً ، ففعل ) . انتهى . ثم سرد الطبري في صفحتين أسباب خلاف أبي ذر مع عثمان التي أوجبت نفيه إلى الشام ثم إلى الربذة ، وكلها تدور حول اسم ( مال الله ) وبعض إنفاقات عثمان ! وقال عن الرأي الآخر : ( وأما الآخرون فإنهم رووا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 175 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
في سبب ذلك أشياء كثيرة ، وأموراً شنيعة كرهتُ ذكرها ) . انتهى .
ونسجل هنا ملاحظات : الأولى
أن الطبري خاف من ذكر الرأي الآخر ، لأن معاوية كان له محبُّون شرسون في بغداد في عصر الطبري ( توفي 310 هجرية ) رغم أنه عصر عباسي ! لكن ينبغي أن نشكر الطبري لأنه نص على أن ما يذكره هو رأي محبي معاوية وعثمان ، وأن مخالفيهم أنصار أهل البيت ( عليهم السلام ) وأبي ذر ( رحمه الله ) لهم رأي آخر ، وعندهم أشياء كثيرة لا يستطيع ذكرها ، وأنهم رووا أموراً شنيعة ارتكبها عثمان ومعاوية مع أبي ذر ( رحمه الله ) .
الثانية
أشار الطبري بكلامه إلى أنه لا يثق بقصة محبي معاوية عن الشخص المزعوم ( ابن السوداء ) ونسبتهم إليه أنه كان المحرك لأبي ذر ( رحمه الله ) ! فقد وصف ذلك بأنه قصة قالها محبو معاوية ، وكتبها إليه مراسله : ( فأما العاذرون معاوية في ذلك ، فإنهم ذكروا في ذلك قصة ، كتب إلي بها إليَّ السري ) ! ومما يؤيد تشكيك الطبري أن راويها يزيد الفقعسي مجهول عند كافة علماء الجرح والتعديل !
ثم روى الطبري عن هذا الفقعسي ( 3 / 378 ) أن ابن السوداء هو مؤسس مذهب التشيع ومدعي وصية النبي ( صلى الله عليه وآله ) لعلي ( عليه السلام ) ! قال : ( فيما كتب به إليَّ السري عن شعيب ، عن سيف ، عن عطية ، عن يزيد الفقعسي قال : كان عبد الله بن سبأ يهودياً من أهل صنعاء ، أمه سوداء ، فأسلم زمان عثمان ، ثم تنقل في بلدان المسلمين يحاول ضلالتهم ، فبدأ بالحجاز ثم البصرة ثم الكوفة ثم الشام ، فلم يقدر على ما يريد عند أحد من أهل الشام ! فأخرجوه حتى أتى مصر فاعتمر فيهم فقال لهم فيما يقول : العجب ممن يزعم أن عيسى يرجع ويكذب بأن محمداً يرجع ، وقد قال الله عز وجل : إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ ، فمحمد أحق بالرجوع
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 176 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
من عيسى ، قال : فقبل ذلك عنه ، ووضع لهم الرجعة فتكلموا فيها . ثم قال لهم بعد ذلك : إنه كان ألف نبي ولكل نبي وصي وكان علي وصي محمد . ثم قال : محمد خاتم الأنبياء وعلي خاتم الأوصياء . ثم قال بعد ذلك : من أظلم ممن لم يُجِزْ وصية رسول الله ( ص ) ووثب على وصي رسول الله تناول أمر الأمة ) . انتهى .
ومن الواضح أن المعذرين لمعاوية وضعوا هذه الروايات على لسان الفقعسي وابن السوداء ، سواء كان لهما وجود أم لا ، ليقولوا إن أبا ذر إنسان بسيط ، وقد لعب عليه يهودي من صنعاء ، فحركه ضد معاوية وعثمان ! وأن ابن السوداء حاول نشر مذهبه في الحجاز والبصرة والكوفة والشام ، فلم يستطع إضلال المسلمين وإقناعهم بأن النبي ( صلى الله عليه وآله ) أوصى لعلي ( عليه السلام ) وأن بني أمية خالفوا وصية النبي ( صلى الله عليه وآله ) وغصبوا خلافته ! ويقصدون بابن السوداء عبد الله بن سبأ لعنه الله ، الذي روت مصادرنا أنه كان مغالياً في علي ( عليه السلام ) حتى ادعى له الألوهية ! فاستتابه علي ( عليه السلام ) فلم يتب ، فقتله . وقد نفى الكاتب العلماني المصري طه حسين أصل وجود ابن السوداء ، واعتبره أسطورة اخترعها بنو أمية لحاجتهم إلى طرف ثالث يتحمل مسؤولية تحريك الصحابة والمسلمين ضد بني أمية ، ودفعهم إلى قتل عثمان . وتبنى بعض العلماء كالسيد العسكري هذه النظرية وألف فيها كتاباً .
وحديث ابن السوداء هنا يدلنا على أن الأمويين كانوا يعتبرون المصريين الذين حاصروا عثمان بقيادة الصحابي عبد الرحمن بن عديس البلوي هم الذين قتلوه ! وبالفعل كان المصريون أشد عليه ممن شارك معهم في محاصرته وهم : جماعة البصرة ، وجماعة الكوفة ، ومن التحق بهم من أهل المدينة !
والسبب أن المصريين غضبوا غضباً شديداً لغدر عثمان بهم ، بعد أن اتفقوا معه على عزل الوالي الأموي لمصر وتولية محمد بن أبي بكر بدله ، وكتب عثمان
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 177 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
المرسوم الخلافي لمحمد بن أبي بكر ، وودعوه وساروا ، فتفاجؤوا في الطريق برسول من دار الخلافة يحمل رسالة سرية بختم عثمان إلى الوالي الأموي يأمره بالاستمرار في عمله ومعاقبة الوفد المصري ومحمد بن أبي بكر ! فعادوا إلى المدينة حانقين ، وحاصروا عثمان في دار الخلافة ، مطالبين أن يخلع نفسه !
ويدلنا حديث الطبري على أن التشيع وعقيدة وصية النبي ( صلى الله عليه وآله ) لعلي ( عليه السلام ) قد وصلت في زمن عثمان إلى مصر ، وتبناها عدد بارز من أهلها بقيادة بعض الصحابة ، وأن وفدهم مع ابن عديس البلوي ، كانوا في جو التشيع والوصية !
كما يدلنا على أن الأمويين استعملوا عقيدة رجعة النبي ( صلى الله عليه وآله ) التي يقول بها الشيعة مادةً للتشهير بأهل البيت ( عليهم السلام ) وشيعتهم ، لأنه لا مردود سياسياً بارزاً لها مثل عقيدة الوصية وغصب القرشيين للخلافة !
الثالثة
شوَّهت الرواية سبب الخلاف بين معاوية وأبي ذر ، وصورته كأنه خلاف على تسمية بيت المال ! فقد أقنع ابن السوداء أبا ذر بأن تسمية معاوية له بمال الله تحريف ، لأن اسمه بيت مال المسلمين ، وأن معاوية أفحم أبا ذر بأن الله مالك كل شئ ! وكأن التسمية هي المشكلة ! بينما المشكلة ادعاء معاوية أن اسم بيت مال المسلمين غلط لأنه ليس ملكهم ! بل هو بيت مال الله ومعاوية خازن مال الله وقاسمه من قبل الله ، فإعطاء معاوية ومنعه بإرادة إلهية ، فلا لوم عليه ولا حساب !
وكذلك قول الرواية إن أبا ذر حرك الفقراء على الأغنياء ، فقد أخفت أن أولئك الأغنياء هم معاوية ومن حوله من الأمويين ، وعثمان ومن حوله منهم ، وأن ثروتهم كانت بيت المال وغنائم المسلمين المليونية والمليارية ، في حين كان في المسلمين من يموت من الجوع والعري ! وقد تعرضنا لذلك في سبب
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 178 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثورة الصحابة على عثمان في المجلد الأول !
على أن الموضوع المالي لم يكن أصل الخلاف ، بل أصله بنو أمية وما كان يرويه أبو ذر عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) في ذمهم ، وتحذير الأمة منهم ، ودعوتها إلى مقاومتهم والثورة عليهم ! وقد نصت الروايات على ذلك ، ورأيت في أول الفصل ما رواه أبو ذر ( رحمه الله ) وواجه به يزيد بن أبي سفيان عندما سرق الجارية !
الرابعة
إن اعتراف الطبري بقوله : ( وأما الآخرون فإنهم رووا في سبب ذلك أشياء كثيرة وأموراً شنيعة ، كرهت ذكرها ) يدل على أمور ، أهمها أن إرهاب أتباع بني أمية كان موجوداً حتى في زمن العباسيين ! ومعناه أنا لا يصح أن نعتبر التاريخ المكتوب محايداً مهما كان كاتبه معتدلاً كالطبري ، لأنه صرح بأنه توجد مواد مهمة للرأي الآخر لا يمكنه أن يكتبها ! فهذه شهادة مؤرخ معتدل في قضية أبي ذر الواضحة الظلامة ! وزمن المؤرخ بعد قرنين من موت عثمان ومعاوية وزوال الحكم الأموي . . فما حال بقية القضايا ؟ ! فلا تعجب إذا قلنا إن تاريخنا مكتوب بحبر الحكام وهيمنة أتباعهم ، والرأي الآخر فيه مغيب مطموس ، أو يكاد !

أبو ذر يواجه معاوية بقول النبي ( صلى الله عليه وآله ) له إنه من فراعنة هذه الأمة !

في النهاية في غريب الحديث لابن الأثير : 1 / 88 : ( وفي حديث أبي ذر رضي الله عنه أنه قال لفلان : أشهد أن النبي ( ص ) قال : إني أو إياك فرعون هذه الأمة ! يريد أنك فرعون هذه الأمة ، ولكنه ألقاه إليه تعريضاً لا تصريحاً ، كقوله تعالى : وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ . وهذا كما تقول : أحدنا كاذب ، وأنت تعلم أنك صادق ولكنك تعرض به ) . انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 179 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي أخبار إصبهان : 2 / 113 : ( حدثنا محمد بن المظفر ، ثنا عبد الرحمن بن سعيد بن هارون ، ثنا أبو مسعود أحمد بن الفرات ، ثنا محمد بن يوسف ، ثنا سفيان ، عن الأعمش ، عن إبراهيم التيمي ، عن أبيه ، عن أبي ذر قال : قال رسول الله ( ص ) لرجلين : أحدهما فرعون هذه الأمة ! فقال الآخر : أما أنا فلا ) .
وفي غريب الحديث للخطابي : 2 / 250 : ( وقوله : فقد كفر أحدهما بالإسلام ، أراد به القائل دون المقول له . ومن مذهب العرب استعمال الكناية في كلامها وترك التصريح بالسوء ، وهو كقول بعض الصحابة لرجل : قد علمت أن رسول الله قال إن أحدنا فرعون هذه الأمة ، يعنيه بذلك ! وقد يقول الرجل لصاحبه وهو يكذبه : والله إن أحدنا لكاذب . وعلى هذا قوله سبحانه : وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) . وفي لسان العرب : 14 / 56 : ( وفي حديث أبي ذر أنه قال لفلان : أشهد أن النبي ( ص ) قال : إني أو إياك فرعون هذه الأمة ، يريد أنك فرعون هذه الأمة ، ولكنه ألقاه إليه تعريضاً لا تصريحاً ، وهذا كما تقول : أحدنا كاذب ، وأنت تعلم أنك صادق ، ولكنك تعرض به ) . وفي صحاح الجوهري : 6 / 2177 : ( وقد تفرعن ، وهو ذو فرعنة ، أي دهاء ونكر . وفي الحديث : أحدنا فرعون هذه الأمة ) .
وفي العمدة لابن البطريق / 339 : ( قال ابن قتيبة في حديث النبي ( ص ) : إن أبا ذر أتى فلاناً فتعاتبا فقال أبو ذر : أما أنا فأشهد أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) قال : إني أو إياك أو أحدنا فرعون هذه الأمة ! فقال الرجل : أما أنا فلا ! قال ابن قتيبة : قوله : إني أو إياك أو أحدنا ، يريد أنك أنت فرعون هذه الأمة ، ولكنه ألقى إليه تعريضاً ، فكان أحسن من التصريح به . ومثله في كتاب الله تعالى : وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) .
وفي العلل الواردة في الأحاديث النبوية للدارقطني : 6 / 271 : ( وسئل عن حديث
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 180 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يزيد بن شريك عن أبي ذر أنه قال لمعاوية : سمعت النبي ( ص ) يقول : أحدنا فرعون هذه الأمة ! فقال : هو حديث يرويه الأعمش عن إبراهيم التيمي ، عن أبيه عن أبي ذر ، واختلف عنه فرواه الثوري عن الأعمش كذلك ، ورواه أبو عوانة ومنصور بن أبي الأسود عن الأعمش ، عن حكيم بن جبير ، عن إبراهيم التيمي ، وحكيم بن جبير ضعيف الحديث ، وهو الصواب . فدل أن رواية الثوري ومن تابعه مرسل ! حدثنا أبو صالح الأصبهاني ، أنبأنا أبو مسعود ، أنبأ محمد بن يوسف ، عن سفيان ، عن الأعمش ، عن إبراهيم التيمي ، عن أبيه ، عن أبي ذر قال النبي ( ص ) لرجلين : أحدهما فرعون هذه الأمة ! فقال الآخر أما أنا فلا ! كذا حدث به أبو مسعود ) .
وفي علل الحديث لابن أبي حاتم : 2 / 406 : ( سألت أبي عن حديث رواه عبد الرزاق عن الثوري عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذر أنه قال لمعاوية : إني أو إياك فرعون هذه الأمة ! قال : أبي : هذا حديث باطل ، يروون أن الأعمش أخذه من حكيم بن جبير عن إبراهيم عن أبيه عن أبي ذر ، وحكيم هو نحو يونس بن خباب ، وهو ذاهب في الضعف ) . انتهى .
أقول : هذا من تضعيفاتهم دفعاً بالصدر وتبعاً للهوى ! فالدارقطني وابن أبي حاتم لم يجدا مجالاً للطعن في رجال السند ، لأنهم كلهم ثقات عندهم ، فزعما أن الأعمش لم يروه عن إبراهيم التيمي مباشرة ، بل بواسطة شخص هو حكيم بن جبير ، وحكيم هذا ضعيف ، فيكون السند ساقطاً من الأعمش فما فوق ، ومرسلاً من عند سفيان الثوري !
ولو قلت لهم : إن الموجود في سند الحديث كما في أخبار أصبهان : 2 / 113 ورواية الدارقطني نفسه : ( الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذر ) ! فمن أين
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 181 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
حكمتم بوجود حكيم بين الأعمش وإبراهيم ؟ ! فلا جواب عند ابن أبي حاتم الرازي المتوفى سنة 327 ، إلا قوله : ( يروون أن الأعمش أخذه من حكيم بن جبير ) ! فمن هؤلاء الذين يروون ذلك وأين روايتهم ؟ ! الجواب : لا وجود لها ! !
ولو سألت الدارقطني المتوفى سنة 385 : من الذي يروي الحديث عن الأعمش عن حكيم ؟ لأجابك : ( واختَلف عنه ( أي اختلفت رواية الحديث عن الأعمش ) فرواه الثوري عن الأعمش كذلك ، ورواه أبو عوانة ومنصور بن أبي الأسود عن الأعمش ، عن حكيم بن جبير ، عن إبراهيم التيمي ) . انتهى .
ولو سألته : أين رواه أبو عوانة ومنصور كما زعمت ؟ فلا جواب عنده ! لأنه لا وجود لروايتهما في كافة المصادر السنية المعروفة ونصف المعروفة ! فَزَعْمُ الدار قطني ليس إلا تعبيراً آخر عن قول أبي حاتم المتوفى قبله بنصف قرن : ( يروون أن الأعمش أخذه من حكيم بن جبير ) ! وهو حسب تتبعي الواسع في ألوف مؤلفة من مصادرهم ، كذبٌ لأجل رد الحديث بدون حجة ، دفعاً بالصدر حسب تعبيرهم ، بل عراكاً بالأيدي ، لخدمة الشجرة الملعونة في القرآن !
ثم لو سلمنا ، أن أبا منصور وعوانة روياه بواسطة بين الأعمش وإبراهيم ، ورواه سفيان الثوري بدون واسطة ، فكيف يحكمون بأن روايتهما هي الصحيحة ورواية سفيان هي الخطأ ! مع أن سفيان أكبر منهما سناً وأجلُّ مكانة عندهم ، ومتفق على وثاقته ، وأبو عوانة ومنصور مختلف فيهما ، ويوجد من يضعفهما ؟ !
على أن الأعمش قد يكون سمع الرواية من حكيم عن إبراهيم ورواها لهما ، ثم سمعها من إبراهيم مباشرة ورواها لسفيان ، فيكون سنده أعلى بدرجة !
وثانياً ، نص البخاري وغيره على سماع الأعمش من إبراهيم ( إرواء الغليل للألباني : 1 / 136 ) ، فلا يجوز أن نفترض روايته عنه بواسطة ، إلا إذا صرح هو بذلك !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 182 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بل إن هذا السند ( الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه ) موجود في كتاب الأم للشافعي في أكثر من عشرين مورداً ، وفي مسند أحمد في 114 مورداً ! وفي صحيح البخاري في نحو ستين مورداً ! أما سند الأعمش عن إبراهيم بواسطة حكيم بن جبير ، فلا يوجد إلا نادراً جداً ، لا يتجاوز بضعة موارد ! فحكمهم بوجود واسطة بين الأعمش وإبراهيم مع وجود رواية سفيان الصحيحة بدون واسطة ، يعني ابتداعهم بأن احتمال الواسطة عندكم حجة !
وهي مقولة تكلفهم تسقيط البخاري والكثير من مصادرهم ! إذ لا وجه لتخصيص حجية احتمالهم بحديث واحد يقول إن معاوية فرعون هذه الأمة ؟ !
ثالثاً ، أن حكيم بن جبير موثق عند بعض كبار أئمتهم ! قال الرازي في الجرح والتعديل : 3 / 201 : ( حدثنا عبد الرحمن نا على ابن الحسين قال سمعت أبا حفص يقول : كان عبد الرحمن لا يحدث عن حكيم بن جبير ، وكان يحيى يحدثنا عنه . . . . . حدثنا عبد الرحمن قال : سألت أبا زرعة عن حكيم بن جبير ؟ فقال : في رأيه شئ . قلت ما محله ؟ قال محله الصدق إن شاء الله ) . ( ونحوه في تهذيب التهذيب : 2 / 383 ، وتهذيب الكمال : 7 / 168 ، وقال : روى له الأربعة وقال في هامشه : وقال البخاري فيما سأله الترمذي : لنا فيه نظر ، ولم يعزم فيه على شئ ( الورقة 3 ) وقال البخاري في تاريخه : كان يحيى وعبد الرحمان يحدثان عنه ) . انتهى .
ومن الطريف أن ابن أبي حاتم شبَّه حكيم بن جبير بيونس بن خباب فقال : ( وحكيم هو نحو يونس بن خباب ، وهو ذاهب في الضعف ) . انتهى . ومعنى كلامه أنه شيعي ، فكأنه اكتشف جديداً ولم يعرف أن نحو مائة من رواة البخاري شيعة مثل يونس ! وأن الأعمش ( رحمه الله ) شيعي أكثر منه ! ومنصوراً وأبا عوانة أيضاً ! وأنهم لو تركوا الرواية عن الرواة الشيعة ، لذهب شطر عظيم من
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 183 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أحاديثهم ومصادرهم ، كما اعترف به الذهبي !
على أن الدارمي قال في يونس بن خباب : ( ثقة صدوق ) ، وقال أبو داود : وقد رأيت أحاديث شعبة عنه مستقيمة وليس الرافضة كذلك ! ) . ( تهذيب الكمال : 32 / 505 ) .
وينبغي أن ننبه هنا إلى لعبتهم في الجرح والتعديل ، وأنه يمكنك في أكثر الأحاديث أن تضعفها أو تصححها كما تحب وتهوى ! وذلك لأن أقوال علماء الجرح والتعديل في الرواة في الغالب مختلفة إلى حد التناقض ! فتجد هنا من يوثق يونس بن خباب ( رحمه الله ) فتصحح ما روي عنه ، كما تجد من يضعف من أردت من كبار رواتهم فتضعف ما تريد تضعيفه عنه ! !
وأخيراً ، بعد أن عرفت صحة سند حديث أن معاوية فرعون هذه الأمة ، يبقى السؤال عن قول معاوية لأبي ذر : ( أما أنا فلا ) ! فهو مؤشرٌ على صحة الحديث ، لأنه بادر إلى نفي الفرعنة عنه ولم يكذب الحديث ! كما أنه يدل على خبث معاوية لأن الفرعنة بنص الحديث دائرةٌ بينه وبين النبي ( صلى الله عليه وآله ) وقد نفاها عن نفسه فكأنه نسبها إلى النبي ( صلى الله عليه وآله ) معاذ الله ، أو إلى أبي ذر ( رحمه الله ) حسب إحدى تفاسيرهم !

أبو ذر يواجه بني أمية بأحاديث النبي ( صلى الله عليه وآله ) في التحذير منهم !

لعل أحاديث النبي ( صلى الله عليه وآله ) في تحذير الأمة من بني أمية تبلغ مئة حديث ، صدرت من فمه الشريف في مناسبات مختلفة . وعندما نرجع إلى أسانيدها نجد أن رواتها عددٌ من أهل البيت ( عليهم السلام ) وغيرهم من الصحابة كابن مسعود وحذيفة ، وعبادة بن الصامت ، وأبي هريرة ، وعائشة ، وأن سهم أبي ذر فيها وافر ، فقد نشر نصف هذه الأحاديث على الأقل وبلغها إلى المسلمين ، كما نشر كثيراً من أحاديث النبي ( صلى الله عليه وآله ) في فضل العترة الطاهرة ( عليهم السلام ) وإمامتهم الربانية .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 184 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وكان أبو ذر ( رحمه الله ) يستعمل أساليب الإعلام المؤثرة لتبليغ رسالة النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، فمرةً يقف أمام قصر معاوية في الشام ، أو يواجهه في مجلسه !
ومرةً يقف عند باب دار الخلافة في المدينة ، أو يواجه عثمان في مجلسه !
ومرةً يجلس في مسجد دمشق ، أو في المسجد النبوي ، أو يقوم آخذاً بحلقة باب الكعبة في موسم الحج ، وينادي في الناس ويخطب فيهم مبلغاً رسالة حبيبه المصطفى ( صلى الله عليه وآله ) في فضل عترته ووجوب اتباعهم ( عليهم السلام ) ، والتحذير من بني أمية .
في تاريخ اليعقوبي : 2 / 172 : ( فسيَّره إلى الشام إلى معاوية وكان يجلس في المسجد فيقول كما كان يقول ، ويجتمع إليه الناس ، حتى كثر من يجتمع إليه ويسمع منه ! وكان يقف على باب دمشق إذا صلى صلاة الصبح فيقول : جاءت القطار تحمل النار . لعن الله الآمرين بالمعروف التاركين له ، ولعن الله الناهين عن المنكر الآتين له . . . ) .
وفي الدرجات الرفيعة / 243 : ( روى أبو عثمان الجاحظ في كتاب السفيانية عن جلام بن جندب الغفاري قال : كنت عاملاً لمعاوية على قنسرين والعواصم في خلافة عثمان ، فجئت يوماً أسأله عن حال عملي ، إذ سمعت صارخاً على باب داره يقول : أتتكم القطار تحمل النار ، اللهم العن الأمرين بالمعروف التاركين له اللهم العن الناهين عن المنكر المرتكبين له !
فارتاب معاوية وتغير لونه وقال : يا جلام أتعرف الصارخ ؟ فقلت : اللهم لا . قال : من عذيري من جندب بن جنادة يأتينا كل يوم ، فيصرخ على باب قصرنا بما سمعت ! ثم قال أدخلوه عليَّ فجئ بأبي ذر بين قوم يقودونه حتى وقف بين يديه فقال له معاوية : يا عدوَّ الله وعدو رسوله ، تأتينا في كل يوم فتصنع ما تصنع ! أما
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 185 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أني لو كنت قاتل رجل من أصحاب محمد من غير إذن أمير المؤمنين عثمان لقتلتك ! ولكني أستأذنه فيك !
قال جلام : وكنت أحب أن أرى أبا ذر ، لأنه رجل من قومي ، فالتفت إليه فإذا رجل أسمر ضرب من الرجال خفيف العارضين في ظهره حناء ، فأقبل على معاوية وقال : ما أنا بعدوِّ الله ولا رسوله ( صلى الله عليه وآله ) بل أنت وأبوك عدوُّان لله ولرسوله ، أظهرتما الإسلام وأبطنتما الكفر ، ولقد لعنك رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ودعا عليك مرات أن لا تشبع ! سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول : إذا ولي الأمة الأعين الواسع البلعوم الذي يأكل ولا يشبع فلتأخذ الأمة حذرها منه . فقال معاوية : ما أنا ذلك الرجل ! قال أبو ذر : بل أنت ذلك الرجل ! أخبرني بذلك رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وسمعته يقول وقد مررتَ به : اللهم العنه ولا تشبعه إلا بالتراب ! وسمعته صلى الله عليه يقول : إست معاوية في النار ! فضحك معاوية وأمر بحبسه ، وكتب إلى عثمان فيه ، فكتب عثمان إلى معاوية أن احمل جندباً إليَّ على أغلظ مركب وأوعره ، فوجه به مع من سار به الليل والنهار ، وحمله على شارف ليس عليها قتب ، حتى قدم به إلى المدينة وقد سقط لحم فخذيه من الجهد ! فلما قدم بعث إليه عثمان أن الحق بأي أرض شئت ! قال : بمكة . قال : لا . قال : بيت المقدس . قال : لا . قال : بأحد المصرين . قال : لا ولكني مسيرك إلى الربذة فسيره إليها فلم يزل بها حتى مات ) ! ( وشرح النهج : 8 / 257 ، والغدير : 8 / 304 ، و : 10 : 142 ) .
وفي مروج الذهب / 584 : ( فكتب معاوية إلى عثمان : إن أبا ذر تجتمع إليه الجموع ولا آمن أن يفسدهم عليك ! فإن كان لك في القوم حاجة فاحمله إليك ، فكتب إليه عثمان بحمله ، فحمله على بعير عليه قتب يابس ، معه خمسة من الصقالبة يطيرون به ! ( أي يعنفون به السير ولا يرحموه ، والصقلبي الأصهب الشعر من منطقة بلغاريا - معجم البلدان : 3 / 416 ) حتى أتوا به المدينة وقد تسلخت بواطن أفخاذه ، وكاد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 186 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أن يتلف ! فقيل له : إنك تموت من ذلك ، فقال : هيهات لن أموت حتى أنفى ، وذكر جوامع ما ينزل به بعد ، ومن يتولى دفنه !
فأحسن إليه عثمان في داره أياماً ، ثم دخل إليه فجلس على ركبتيه وتكلم بأشياء ، وذكر الخبر في ولد أبي العاص إذا بلغوا ثلاثين رجلاً اتخذوا عباد الله خولاً . . . . قال : فإني مسيِّرُك إلى الربذة ، قال : الله كبر صدق رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قد أخبرني بكل ما أنا لاقٍ ! قال عثمان : وما قال لك ؟ قال : أخبرني بأني أمنع عن مكة والمدينة وأموت بالربذة ، ويتولى مواراتي نفر ممن يردون من العراق نحو الحجاز ) . ( ورواه في الرياض النضرة ص 364 ونحوه العسكري في الأوائل / 108 ، بتفاوت ، وفيه : ( قال عثمان : أجلس ، ألم يبلغني أنك تقول : ما أحب أن أكون في صلاح عمر بن الخطاب ؟ قال : وإن قلته فمهْ ؟ أسلمتُ كما أسلم وهاجرت كما هاجر ، وأنا على يقين من نفسي وشك من غيري . . . الخ . )
وفي تاريخ اليعقوبي : 2 / 172 : ( قال : أتخرجني من حرم رسول الله ؟ قال : نعم وأنفك راغم . قال : فإلى مكة ؟ قال : لا ! قال : فإلى البصرة قال : لا ! قال : فإلى الكوفة ؟ قال : لا ! ولكن إلى الربذة التي خرجت منها حتى تموت بها . يا مروان أخرجه ولا تدع أحداً يكلمه حتى يخرج ! فأخرجه على جمل ومعه امرأته وابنته فخرج وعلي والحسن والحسين وعبد الله بن جعفر وعمار بن ياسر ينظرون ، فلما رأى أبو ذر علياً قام إليه فقبل يده ثم بكى وقال : إني إذا رأيتك ورأيت ولدك ذكرت قول رسول الله فلم أصبر حتى أبكي . . . الخ . ) .
* *
إلى غير ذلك من الأحاديث التي رواها أبو ذر ( رحمه الله ) في تحذير النبي ( صلى الله عليه وآله ) لأمته من بني أمية ، منها : في تفسير قوله تعالى : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ . . . وأنهم بنو المغيرة وبنو أمية .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 187 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ومنها : حديث تفسير آية الشجرة الملعونة في القرآن ، وتسمية القردة الذين رآهم النبي ( صلى الله عليه وآله ) ينزون على منبره يضلون الناس !
وحديث : إذا بلغت بنو أمية ثلاثين رجلاً اتخذوا عباد الله خولاً . . .
وحديث : أول من يثلمه رجل من بني أمية . .
وحديث : أول من يبدل سنتي رجل من بني أمية .
وحديث : أكثر ما أتخوف على أمتي . . . . يد عي أنه أحق بهذا الأمر من غيره .
وحديث : إذا رأيتم معاوية وعمرو بن العاص مجتمعين ففرقوا بينهما . .
وحديث أن معاوية يحشر يوم القيامة أسود الوجه . الخ .

أبو ذر يَصْدَع بأحاديث النبي ( صلى الله عليه وآله ) في فضل العترة ( عليهم السلام ) وإمامتهم

أوردنا في المجلد الأول تحت عنوان : فهرس لأحداث أيام وفاة النبي : ( صلى الله عليه وآله ) أن اثني عشر صحابياً اعترضوا في المسجد النبوي يوم الجمعة التي تلت وفاة النبي ( صلى الله عليه وآله ) وأقاموا الحجة عليهم فتكلموا وبينوا وصية النبي ( صلى الله عليه وآله ) لعلي ( عليه السلام ) وأخذه البيعة له يوم الغدير ، وأدانوا مؤامرة السقيفة ! وهم من المهاجرين : خالد بن سعيد بن العاص ، وسلمان الفارسي ، وأبو ذر الغفاري ، والمقداد بن الأسود ، وعمار بن ياسر ، وبريدة الأسلمي . ومن الأنصار : أبو الهيثم بن التيهان ، وسهل وعثمان ابنا حنيف ، وخزيمة بن ثابت ذو الشهادتين ، وأبيُّ بن كعب ، وأبو أيوب الأنصاري . وتكلم كل منهم بمنطق قوي وحجة بالغة .
وقد أوردنا كلام خالد بن سعيد بن العاص ( رحمه الله ) وكان كلام أبي ذر ( رحمه الله ) أيضاً قوياً ، وكان يعيده عند مناسبته في الحجاز والشام ! قال في الإحتجاج : 1 / 100 : ( ثم قام أبو ذر الغفاري فقال : يا معشر قريش أصبتم قباحةً وتركتم قرابه ، والله ليرتدن جماعة من العرب ولتشكن في هذا الدين ، ولو جعلتم الأمر في أهل بيت نبيكم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 188 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ما اختلف عليكم سيفان ! والله لقد صارت لمن غلب ! ولتَطمحن إليها عين من ليس من أهلها ، ولتُسْفكن في طلبها دماء كثيرة ! ثم قال : لقد علمتم وعلم خياركم أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قال : الأمر بعدي لعلي ثم لابنيَّ الحسن والحسين ثم للطاهرين من ذريتي ، فاطَّرَحْتُم قول نبيكم ( صلى الله عليه وآله ) وتناسيتم ما عهد به إليكم ! فأطعتم الدنيا الفانية ، ونسيتم الآخرة الباقية ، التي لا يهرم شابها ولا يزول نعيمها ، ولا يحزن أهلها ولا يموت سكانها بالحقير التافه الفاني الزائل ! فكذلك الأمم من قبلكم ، كفرت بعد أنبيائها ونكصت على أعقابها ، وغَيَّرت وبدَّلت واختلفت ، فساويتموهم حَذْوَ النعل بالنعل والقُذَّة بالقذة ! وعما قليل تذوقون وبال أمركم وتجزون بما قدمت أيديكم وما الله بظلام للعبيد ! ) ( والخصال / 461 ) .

أبو ذر ينادي عند الكعبة ويخطب في المسلمين !

في أخبار مكة للفاكهي : 3 / 134 : ( ذكْرُ خطبة أبي ذر جندب بن جنادة الغفاري رضي الله عنه بمكة وقيامه بها . . . . عن حنش الكناني قال : رأيت أبا ذر رضي الله عنه آخذاً بباب الكعبة وهو يقول : يا أيها الناس من عرفني فأنا من عرفتم ، ومن أنكرني فأنا أبو ذر . سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول : مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها هلك . وزاد غيره في هذا الحديث أن أبا ذر أسند ظهره إلى الكعبة فقال : يا أيها الناس هلم إلى أخ ناصح شفيق ! قال فاكتنفه الناس ثم قال : أرأيتم لو أن أحدكم أراد سفراً ، أليس كان يأخذ من الزاد ما يصلحه ؟ السفر سفر الآخرة فتزودوا ما يصلحكم . فقام إليه رجل من أهل الكوفة فقال : وما الذي يصلحنا ؟ . . . الخ . ) .
وفي كتاب سليم بن قيس ( رحمه الله ) / 457 : ( قال سليم بن قيس : بينما أنا وحنش بن المعتمر بمكة ، إذ قام أبو ذر وأخذ بحلقة الباب ، ثم نادى بأعلى صوته في
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 189 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الموسم : أيها الناس : من عرفني فقد عرفني ، ومن جهلني فأنا جندب بن جنادة ، أنا أبو ذر . أيها الناس : إني سمعت نبيكم يقول : مثل أهل بيتي في أمتي كمثل سفينة نوح في قومه ، من ركبها نجا ومن تركها غرق ، ومثل باب حطة في بني إسرائيل . أيها الناس : إني سمعت نبيكم يقول : إني تركت فيكم أمرين ، لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وأهل بيتي . . . ) إلى آخر الحديث .
وفي كتاب كفاية الأثر في النص على الأئمة الاثني عشر ( عليهم السلام ) ص 69 : بسنده عن أنس بن مالك قال : ( كنت أنا وأبو ذر وسلمان وزيد بن ثابت وزيد بن أرقم عند النبي ( صلى الله عليه وآله ) ودخل الحسن والحسين فقبلهما رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وقام أبو ذر فانكبَّ عليهما وقبَّل أيديهما ثم رجع فقعد معنا فقلت له سراً : رأيتُ رجلاً شيخاً من أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقوم إلى صبيين من بني هاشم فينكبُّ عليهما ويُقَبِّل أيديهما ! فقال : نعم لو سمعتم ما سمعت فيهما من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لفعلتم بهما أكثر مما فعلت ! قلنا : وماذا سمعت يا أبا ذر ؟ قال : سمعته يقول لعلي ولهما : يا عليُّ ، والله لو أن رجلاً صلى وصام حتى يصير كالشن البالي ، إذاً ما نفعته صلاته وصومه إلا بحبكم . يا عليُّ من توسَّلَ إلى الله بحبكم فحقٌّ على الله أن لا يردَّه . يا عليُّ من أحبكم وتمسك بكم ، فقد تمسك بالعروة الوثقى . قال : ثم قام أبو ذر وخرج وتقدمنا إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فقلنا : يا رسول الله أخبرنا أبو ذر عنك بكيت وكيت ؟ قال : صدق أبو ذر صدق ، والله ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر . قال : ثم قال : خلقني الله تبارك وتعالى وأهل بيتي من نور واحد ، قبل أن يخلق آدم بسبعة آلاف عام ، ثم نقلنا إلى صلب آدم ثم نقلنا من صلبه في أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات . فقلت : يا رسول الله ، فأين كنتم وعلى أي مثال كنتم ؟ قال : كنا أشباحاً من نور تحت العرش ، نسبح الله تعالى ونمجده ، ثم قال : لما عرج بي إلى السماء وبلغت سدرة المنتهى ودعني جبرئيل فقلت : حبيبي جبرئيل أفي هذا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 190 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
المقام تفارقني ؟ فقال : يا محمد إني لا أجوز هذا الموضع فتحترق أجنحتي . ثم زُجَّ بي في النور ما شاء الله ، فأوحى الله إليَّ : يا محمد إني اطلعت إلى الأرض اطلاعةً فاخترتك منها فجعلتك نبياً ، ثم اطلعت ثانياً فاخترت منها علياً فجعلته وصيك ووارث علمك والإمام بعدك ، وأخرج من أصلابكما الذرية الطاهرة والأئمة المعصومين خزان علمي ، فلولاكم ما خلقت الدنيا ولا الآخرة ولا الجنة ولا النار . يا محمد أتحب أن تراهم ؟ قلت : نعم يا رب . . . الخ . ) .
وقد عقد الخزاز القمي ( رحمه الله ) باباً في ( كفاية الأثر في النصوص على الأئمة الاثني عشر ( عليهم السلام ) / 35 بعنوان : ما جاء عن أبي ذر الغفاري رحمة الله عليه ، روى فيه بأسانيده بضعة أحاديث منها : ( عن أنس بن مالك قال : صلى بنا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) صلاة الفجر ، ثم أقبل علينا فقال : معاشر أصحابي من أحب أهل بيتي حشر معنا ، ومن استمسك بأوصيائي من بعدي فقد استمسك بالعروة الوثقى . فقام إليه أبو ذر الغفاري فقال : يا رسول الله كم الأئمة بعدك ؟ قال : عدد نقباء بني إسرائيل فقال : كلهم من أهل بيتك ؟ قال : كلهم من أهل بيتي تسعة من صلب الحسين والمهدي منهم ) . ( راجع أيضاً : / 73 ، 147 ) .

تعاظم تأثير أبي ذر ( رحمه الله ) في بلاد الشام

اعترف معاوية بالتأثير الكبير لأبي ذر ( رحمه الله ) في جيوش الفتح وأهل الشام ، وكتب إلى عثمان طالباً منه يأخذ أبا ذر إلى المدينة ، لأن جيش الفتح يميلون إليه ، وأهل الشام يستفتونه ولا يقبلون بفتوى غيره ! وكان أبو ذر يتنقل في بلاد الشام ، حيث ورد ذكره في قبرص وطرسوس وبيروت وأنها كانت مكتباً للجند ، وقد زارها سلمان الفارسي أيضاً وغيره من الصحابة ، ولأبي ذر مسجد في الصرفند في ساحل جبل عامل ، وفي ميس الجبل أعالي جبل عامل ، والمعروف أنه هو الذي غرس بذرة التشيع لأهل البيت ( عليهم السلام ) في جبال عاملة .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 191 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال العيني في عمدة القاري : 4 / 291 : ( إنما كتب معاوية يشكو أبا ذر ، لأنه كان كثير الاعتراض عليه والمنازعة له ، وكان في جيشه ميلٌ إلى أبي ذر ، فأقدمه عثمان خشية الفتنة ، لأنه كان رجلاً لا يخاف في الله لومة لائم ) .
وفي بحار الأنوار : 31 / 274 : ( كتب معاوية إلى عثمان : إن أبا ذر قد حرَف قلوب أهل الشام وبغَّضك إليهم فما يستفتون غيره ، ولا يقضي بينهم إلا هو ، فكتب عثمان إلى معاوية : أن احمل أبا ذر على ناب صعبة ) . ( وتقريب المعارف لأبي الصلاح الحلبي / 266 ، والفوائد الرجالية للسيد بحر العلوم : 2 / 152 ، وغيرها ) .
وفي فتوح ابن الأعثم : 2 / 373 : ( فلما أدخل على عثمان ونظر إليه قال : لا أنعم الله بك عيناً يا جنيدب ! فقال أبو ذر : أنا جندب بن جنادة وسماني النبي ( صلى الله عليه وآله ) عبد الله ! فقال عثمان : أنت الذي تزعم بأننا نقول أن يد الله مغلولة وأن الله فقير ونحن أغنياء ؟ فقال أبو ذر : لو كنتم لا تقولون ذلك لأنفقتم مال الله على عباده المؤمنين ؟ إني لم أقل ذلك ، ولكني أشهد لقد سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وهو يقول : إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين رجلاً جعلوا مال الله دولاً ، وعباد الله خولاً ، ودين الله دخلاً ! ثم يريح الله العباد منهم . فقال عثمان لمن بحضرته من المسلمين : أسمعتم هذا الحديث من رسول الله ؟ ! فقالوا : ما سمعناه ، فقال عثمان : ويلك يا جندب أتكذب على رسول الله ؟ ! فقال أبو ذر لمن حضر : أتظنون أني كذبت ولم أصْدُق في هذا الحديث ؟ ! فقال عثمان : ادعوا لي علي بن أبي طالب ، فدعيَ له ، فلما جلس قال عثمان لأبي ذر : أقصص عليه حديثك في بني أبي العاص ، قال : فأعاد الحديث أبو ذر ، فقال عثمان : يا أبا الحسن هل سمعت هذا من رسول الله ؟ فقال علي رضي الله عنه : } لم أسمع هذا ولكن { قد صدق أبو ذر ! فقال عثمان : وبماذا صدَّقته ؟ فقال عليٌّ : بحديث النبي ( صلى الله عليه وآله ) قال : ما أظلَّت الخضراء
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 192 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولا أقلَّت الغبراء أحداً أصدق لهجة من أبي ذر ! فقال جميع من حضر من أصحاب رسول الله : صدق علي . وقال أبو ذر : أحدثكم أني سمعت هذا من رسول الله وتتهموني ! ما كنت أظن أني أعيش حتى أسمع هذا منكم ! فقال عثمان : كذبتَ ، أنت رجلٌ محب للفتنة . . . فقال أبو ذر : والله ما أعرف لي إليك ذنباً إلا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . قال : فاشتد غضب عثمان ثم قال : أشيروا عليَّ في أمر هذا الشيخ الكذاب فقد فرق جماعة المسلمين ! فقال علي رضي الله عنه : أما أنا فأشير عليك بما قال مؤمن آل فرعون : وَإِنْ يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ! فقال عثمان : التراب بفيك يا علي ! فقال علي : بل بفيك يا عثمان ! أتصنع هذا بأبي ذر وهو حبيب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في كتاب كتبه إليك معاوية ، من قد عرفت زَهَقَه وظلمه ! قال : فأمسك عثمان عن علي ، ثم أقبل على أبي ذر فقال : أخرج عنا من بلدنا ! فقال أبو ذر : ما أبغض إليَّ جوارك ، ولكن إلى أين أخرج ؟ فقال عثمان : إلى حيث شئت ! فقال : أرجع إلى الشام فإنها أرض الجهاد ، فقال عثمان : إني إنما جئت بك من الشام لما تفسد بها عليَّ ولا أحب أن أردك إليها !
قال أبو ذر : فأخرج إلى العراق ؟ قال عثمان : لا ، لأنهم قوم أهل شبهة وطعن على الأئمة ، فقال أبو ذر : فإني حيثُ كنتُ فلا بدَّ لي من قول الحق ، فإلى أين تحب أن أخرج ؟ فقال عثمان : أيُّ بلد هو أبغضُ إليك ؟ قال : الربذة ، قال : فأخرج إليها ، ولا تَعْدُها ) . انتهى . وقد وضعنا عبارة ( لم أسمع هذا ولكن ) بين قوسين لأنها عبارة مشكوكة ، فعليٌّ ( عليه السلام ) بنص القرآن عنده علم الكتاب ، وجعله الله شاهداً بعد نبيه على رسالته فقال تعالى : قُلْ كَفَى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ( الرعد : 43 ) وقد أمر الله نبيه ( صلى الله عليه وآله ) أن يقربه ويعلمه فكان أخص المسلمين به ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 193 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فلا بد أنه سمع منه هذا الحديث وغيره في بني أمية . فالمرجح أنه تعمد الإجابة بأن أبا ذر ( رحمه الله ) صادق بحديث النبي ( صلى الله عليه وآله ) ليلزمهم بكل ما يرويه أبو ذر !
وفي أمالي المفيد / 161 : ( لما أخرج عثمان أبا ذر الغفاري ( رحمه الله ) من المدينة إلى الشام كان يقوم في كل يوم فيعظ الناس ويأمرهم بالتمسك بطاعة الله ، ويحذرهم من ارتكاب معاصيه ، ويروي عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ما سمعه منه في فضائل أهل بيته عليه ( عليهم السلام ) ، ويحضهم على التمسك بعترته . فكتب معاوية إلى عثمان : أما بعد فإن أبا ذر يصبح إذا أصبح ويمسي إذا أمسى وجماعة من الناس كثيرة عنده فيقول كيت وكيت ، فإن كان لك حاجة في الناس قبلي فأقدم أبا ذر إليك ، فإني أخاف أن يفسد الناس عليك ، والسلام .
فكتب إليه عثمان : أما بعد فأشخص إليَّ أبا ذر حين تنظر في كتابي هذا ، والسلام . فبعث معاوية إلى أبي ذر فدعاه وأقرأه كتاب عثمان وقال له : النجا الساعة ! فخرج أبو ذر إلى راحلته ، فشدَّها بكورها وأنساعها ، فاجتمع إليه الناس فقالوا له : يا أبا ذر رحمك الله أين تريد ؟ قال : أخرجوني إليكم غضباً عليَّ ، وأخرجوني منكم إليهم الآن عبثاً بي ، ولا يزال هذا الأمر فيما أرى شأنهم فيما بيني وبينهم حتى يستريح بَرٌّ أو يُستراح من فاجر ، ومضى .
وسمع الناس بمخرجه فاتبعوه حتى خرج من دمشق ، فساروا معه حتى انتهى إلى دير مُرَّان ( خارج دمشق ) فنزل ونزل معه الناس فاستقدم فصلى بهم ، ثم قال : أيها الناس إني موصيكم بما ينفعكم ، وتارك الخطب والتشقيق ، أحمدوا الله عز وجل ، قالوا الحمد لله ، قال : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً عبده ورسوله ، فأجابوه بمثل ما قال ، فقال : أشهد أن البعث حق ، وأن الجنة حق ، وأن النار حق ، وأقرُّ بما جاء من عند الله ، فاشهدوا عليَّ بذلك ، قالوا : نحن على ذلك من الشاهدين .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 194 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال : ليبشر من مات منكم على هذه الخصال برحمة الله وكرامته ما لم يكن للمجرمين ظهيراً ، ولا لأعمال الظلمة مصلحاً ، ولا لهم معيناً ! أيها الناس ، إجمعوا مع صلاتكم وصومكم غضباً لله عز وجل إذا عُصِيَ في الأرض ، ولا تُرْضوا أئمتكم بسخط الله ، وإن أحدثوا ما لا تعرفون فجانبوهم وأزروا عليهم ، وإن عذبتم وحرمتم وسُيِّرْتم ( نفيتم ) حتى يرضى الله عز وجل فإن الله أعلا وأجل ! لا ينبغي أن يُسخط برضا المخلوقين . غفر الله لي ولكم أستودعكم الله وأقرأ عليكم السلام ورحمة الله .
فناداه الناس أن سلام الله عليك ورحمك يا أبا ذر ، يا صاحب رسول الله ، ألا نردك إن كان هؤلاء القوم أخرجوك ، ألا نمنعك ؟ ! فقال لهم : إرجعوا رحمكم الله فإني أصبر منكم على البلوى ، وإياكم والفرقة والاختلاف . فمضى حتى قدم على عثمان فلما دخل عليه قال له : لا قرَّب الله بعمرو عيناً ، فقال أبو ذر : والله ما سماني أبواي عمرواً ، ولكن لا قرَّب الله من عصاه وخالف أمره وارتكب هواه . فقام إليه كعب الأحبار فقال له : ألا تتقي الله يا شيخ تُجيب أمير المؤمنين بهذا الكلام ! فرفع أبو ذر عصاً كانت في يده فضرب بها رأس كعب ثم قال له : يا ابن اليهوديين ما كلامك مع المسلمين ؟ ! فوالله ما خرجت اليهودية من قلبك بعد !
فقال عثمان : والله لا جمعتني وإياك دار ، قد خرفت وذهب عقلك ! أخرجوه من بين يدي حتى تركبوه قتب ناقته بغير وطاء ، ثم أنخسوا به الناقة وتعتعوه حتى توصلوه الربذة فنزِّلوه بها من غير أنيس حتى يقضي الله فيه ما هو قاض فأخرجوه متعتعاً ملهوزاً بالعصا ! وتقدم أن لا يشيعه أحد من الناس فبلغ ذلك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) فبكى حتى بل لحيته بدموعه ثم قال : أهكذا يصنع بصاحب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) إنا لله وإنا إليه راجعون ! ثم نهض ومعه الحسن والحسين وعبد الله بن العباس والفضل وقثم وعبيد الله حتى لحقوا أبا ذر فشيعوه . فلما بصر بهم أبو ذر ( رحمه الله ) حنَّ إليهم وبكى عليهم وقال : بأبي وجوه إذا رأيتها ذكرت بها رسول
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 195 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الله ( صلى الله عليه وآله ) وشملتني البركة برؤيتها . ثم رفع يديه إلى السماء وقال : اللهم إني أحبهم ولو قطعت إرباً إرباً في محبتهم ما زلتُ عنها ، ابتغاء وجهك والدار الآخرة ، فارجعوا رحمكم الله ، والله أسأل أن يخلفني فيكم أحسن الخلافة . فودعه القوم ورجعوا وهم يبكون على فراقه ) . ( وأورده مختصراً في : 2 / 376 ) .
وفي مروج الذهب / 585 : ( فاعترض مروان فقال : يا علي إن أمير المؤمنين قد نهى الناس أن يصحبوا أبا ذر في مسيره ويشيعوه ، فإن كنت لم تدر بذلك فقد أعلمتك ، فحمل عليه علي بن أبي طالب بالسوط وضرب بين أذني راحلته ، وقال : تنحَّ نحَّاكَ الله إلى النار ومضى مع أبي ذر فشيعه ثم ودعه وانصرف ، فلما أراد عليٌّ الانصراف بكى أبو ذر وقال : رحمكم الله أهل البيت ، إذا رأيتك يا أبا الحسن وولدك ذكرتُ بكم رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) . فشكا مروان إلى عثمان ما فعل به علي بن أبي طالب ، فقال عثمان : يا معشر المسلمين من يعذرني من علي : رد رسولي عما وجهته له ، وفعل كذا ، والله لنعطينه حقه ، فلما رجع علي استقبله الناس فقالوا له : إن أمير المؤمنين عليك غضبان لتشييعك أبا ذر ، فقال علي ( عليه السلام ) : غَضَبُ الخَيْلِ على اللُّجُمْ ! فلما كان بالعشي جاء إلى عثمان ، فقال له : ما حملك على ما صنعت بمروان ولم اجترأت علي ورددت رسولي وأمري ؟ قال : أما مروان فإنه استقبلني يردني فرددته عن ردي ، وأما أمرك فلم أرده ، قال عثمان : ألم يبلغك أني قد نهيت الناس عن أبي ذر وعن تشييعه ؟ فقال علي : أوَكلُّما أمرتنا به من شئ نرى طاعة الله والحق في خلافه ، اتَّبعنا فيه أمرك ؟ ! بالله لا نفعل !
قال عثمان : أقِدْ مروان ، قال : وممَّ أقيدُه ؟ قال : ضربت بين أذني راحلته وشتمته فهو شاتمك وضارب بين أذني راحلتك ، قال علي : أما راحلتي فهي تلك فإن أراد أن يضربها كما ضربت راحلته فليفعل . وأما أنا فوالله لئن شتمني
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 196 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لأشتمنك أنت مثلها ، بما لا أكذب فيه ، ولا أقول إلا حقاً ! قال عثمان : ولمَ لا يشتمك إذا شتمته ، لله ما أنت عندي بأفضل منه ! فغضب علي بن أبي طالب وقال : ألي تقول هذا القول وبمروان تعدلني ؟ ! فأنا والله أفضل منك وأبي أفضل من أبيك وأمي أفضل من أمك ، وهذه نبلي قد نثلتها وهلمَّ فانثل بنبلك ! فغضب عثمان واحمرَّ وجهه ، فقام ودخل داره ، وانصرف عليٌّ فاجتمع إليه أهل بيته ورجال من المهاجرين والأنصار ! فلما كان من الغد واجتمع الناس إلى عثمان شكى إليهم علياً وقال : إنه يعيبني ويظاهر من يعيبني ، يريد بذلك أبا ذر وعمار بن ياسر وغيرهما ، فدخل الناس بينهما حتى اصطلحا وقال له علي : والله ما أردت بتشييع أبي ذر إلا الله تعالى ) .
وفي نهج البلاغة : 2 / 12 : ( ومن كلام له ( عليه السلام ) لأبي ذر ( رحمه الله ) لما خرج إلى الربذة : يا أبا ذر إنك غضبتَ لله فارجُ من غضبتَ له . إن القوم خافوك على دنياهم وخفتهم على دينك ، فاترك في أيديهم ما خافوك عليه ، واهرب منهم بما خفتهم عليه ! فما أحوجهم إلى ما منعتهم وما أغناك عما منعوك ، وستعلم من الرابح غداً والأكثر حُسَّداً . ولو أن السماوات والأرضين كانتا على عبد رتقاً ، ثم اتقى الله لجعل الله له منهما مخرجاً ، لا يؤنسنك إلا الحق ولا يوحشنك إلا الباطل فلو قبلت دنياهم لأحبوك ، ولو قرضتَ منها لأمنوك ) . ( ورواه في الكافي : 8 / 206 ، مع كلمات عدد من المودعين لأبي ذر ( رحمه الله ) ) .
وقال البلاذري في أنساب الأشراف / 1456 وفي طبعة أخرى : 5 / 55 : ( وقد روي أيضاً أنه لما بلغ عثمان موت أبي ذر بالربذة قال : ( رحمه الله ) ، فقال عمار بن ياسر : نعم فرحمه الله من كل أنفسنا ! فقال عثمان : يا . . . . . أتراني ندمت على تسييره ؟ وأمر فدفع في قفاه وقال : إلحق بمكانه ، فلما تهيأ للخروج جاءت بنو مخزوم إلى علي فسألوه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 197 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أن يكلم عثمان فيه فقال له علي : يا عثمان إتق الله فإنك سيَّرت رجلاً صالحاً من المسلمين فهلك في تسييرك ، ثم أنت الآن تريد أن تنفي نظيره ، وجرى بينهما كلام حتى قال عثمان : أنت أحق بالنفي منه ! فقال علي : رْم ذلك إن شئت ! واجتمع المهاجرون فقالوا : إن كنت كلما كلمك رجل سيرته ونفيته ، فإن هذا شيء لا يسوغ ، فكفَّ عن عمار ) . انتهى . وقد وضعنا نقاطاً بدل كلمة بذيئة جداً !

أبو ذر ( رحمه الله ) لم يستعمل القوة ، لكن لم يسكت عن بيان الحق !

التزم أبو ذر ( رحمه الله ) بوصية النبي ( صلى الله عليه وآله ) وتوجيهات علي ( عليه السلام ) فلم يستعمل القوة ولم يرض أن يستعملها أنصاره ومحبوه ، لكنه كان يوصي المسلمين ويحثهم على أن يتكلموا ويجاهروا بنقد بني أمية وكشف انحرافهم وتحريفهم للدين ! والحديث التالي الذي نقله أتباع بني أمية ، يدل على مكانة أبي ذر ( رحمه الله ) في نفوس المسلمين وإصراره على حقه في المقاومة السلمية ، وحرية التعبير عن الرأي !
فقد روى بخاري في صحيحه : 1 / 25 ، حديثاً عن أبي ذر وبتره ، قال : ( وقال أبو ذر لو وضعتم الصمصامة على هذه وأشار إلى قفاه ثم ظننت أني أنفذ كلمة سمعتها من رسول الله ( ص ) قبل أن تجيزوا علي لأنفذتها ) .
ورواه الدارمي في سننه كاملاً فقال : 1 / 136 عن كثير قال : ( أتيت أبا ذر وهو جالس عند الجمرة الوسطى وقد اجتمع الناس عليه يستفتونه ، فأتاه رجلٌ فوقف عليه ثم قال : ألَمْ تُنْهَ عن الفتيا ؟ ! فرفع رأسه إليه فقال : أرقيبٌ أنت عليَّ ؟ ! لو وضعتم الصمصامة على هذه ، وأشار إلى قفاه ، ثم ظننت أني أنفذ كلمة سمعتها من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قبل أن تجيزوا عليَّ لأنفذتها ! ) . ( والطبقات : 2 / 354 ، وسير أعلام النبلاء : 2 / 64 ، وأنساب الأشراف / 2841 ، ونهاية ابن الأثير / 810 ، وتذكرة الحفاظ : 1 / 9 ، وتاريخ دمشق : 66 / 194 ، وفتح الباري : 1 / 148 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 198 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي حلية الأولياء : 1 / 160 : ( عن أبيه عن أبي ذر أن رجلاً أتاه فقال : إن مصدقي عثمان ( موظفي الزكاة ) ازدادوا علينا ! أنغيِّبُ عنهم بقدر ما ازدادوا علينا ؟ فقال : لا ، قف مالك وقل : ما كان لكم من حق فخذوه ، وما كان باطلاً فذروه ، فما تعدَّوْا عليك جُعِل في ميزانك يوم القيامة ! وعلى رأسه فتى من قريش ، فقال : أما نهاك أمير المؤمنين عن الفتيا ؟ ! فقال : أرقيبٌ أنتَ عليَّ ! فوالذي نفسي بيده لو وضعتم الصمصامة ههنا ثم ظننتُ أني منفذٌ كلمة سمعتها من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قبل أن تحتزُّوا لأنفذتها ) . وفي تغليق التعليق لابن حجر : 1 / 79 ، وقال : ( وأخبرناه عالياً بأتمَّ عن مرثد أبو كثير عن أبيه عن أبي ذر ، أن رجلاً أتاه فقال إن مصدقي عثمان ازدادوا علينا . . ) . وفي فتح الباري : 1 / 148 : ( وفيه دليل على أن أبا ذر كان لا يرى طاعة الإمام إذا نهاه عن الفتيا ، لأنه كان يرى أن ذلك واجبٌ عليه لأمر النبي ( ص ) بالتبليغ عنه . . . . والصمصامة بمهملتين الأولى مفتوحة هو السيف الصارم الذي لا ينثني . . . . وفيه الحث على تعليم العلم واحتمال المشقة فيه ، والصبر على الأذى طلبا للثواب ) . ورواه في تاريخ دمشق : 66 / 194 ، وقال : ( إن المصدقين يعني جباة الصدقة ازدادوا علينا ) وحذف اسم عثمان !
ورواه الذهبي في تذكرة الحفاظ : 1 / 9 ، وقال : ( قلت : لقوة أبي ذر في الحق ، ولأخلاقه ، نُهيَ عن الفتيا فانقطع بالربذة سنوات حتى توفي ) ! فلاحظ كيف طعن الذهبي الشركسي الأموي ، في أخلاق أبي ذر ( رحمه الله ) ! وكيف برَّرَ نفي عثمان إياه ومنعه من الفتيا ومن التحديث عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) بأن أبا ذر قوي في الحق وسئ الخلق ! وكيف لم يرَ تعدِّي عمال عثمان على أصحاب المواشي ، وتعامى عن ظلم عثمان لأبي ذر إذ قال : ( فانقطع بالربذة سنوات حتى توفي ) ليغطي على كل ما رووه في نفي عثمان له ، ويوهم القارئ بأن سوء أخلاق أبي ذر مع الناس هي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 199 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
التي اضطرته إلى الانقطاع في الربذة ، ولا ذنب على عثمان في ذلك !
وأسوأ منه تزوير بخاري لنفي أبي ذر ( رحمه الله ) حيث روى في صحيحه : 2 / 111 ، عن زيد بن وهب ، قال : ( مررت بالربذة فإذا أنا بأبي ذر رضي الله عنه فقلت له : ما أنزلك منزلك هذا ؟ قال كنت بالشام فاختلفت أنا ومعاوية في : وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ ، قال معاوية : نزلت في أهل الكتاب فقلت : نزلت فينا وفيهم ، فكان بيني وبينه في ذلك ، وكتب إلى عثمان رضي الله عنه يشكوني فكتب إليَّ عثمان أن أقدم المدينة فقدمتها ، فكثر عليَّ الناس حتى كأنهم لم يروني قبل ذلك ، فذكرت ذلك لعثمان ، فقال لي إن شئت تنحيت فكنت قريباً ! فذاك الذي أنزلني هذا المنزل ، ولو أمَّروا عليَّ حبشياً لسمعت وأطعت ) . انتهى !
فقد لخص بخاري القضية بأنها : خلاف علمي برئ مع معاوية على تفسير آية ! وأن عثمان كتب إلى أبي ذر واستقدمه لينهي النقاش ! وأن المسلمين في المدينة أحاطوا بأبي ذر ، وكثرت زيارتهم له ، وصار بيته مركزاً لهم فسلبوا راحته ! فشكى إلى الخليفة العطوف أذى الناس له ، فاشفق عثمان على هذا الصحابي الجليل والقائد في جيش الفتح ، فنصحه بأن يتنحى عنهم فسكن في الربذة ! !
فإذا لم يكن هذا تزوير الحقائق بكامل نسبه وأوصافه ، فما هو التزوير ؟ !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 200 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

ولم يخضع أبو ذر ( رحمه الله ) للإغراء . . ولا التخويف !

في رجال الكشي : 1 / 118 ، عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) قال : ( أرسل عثمان إلى أبي ذر موليين له ومعهما مائتا دينار ، فقال لهما : انطلقا بها إلى أبي ذر فقولا له : إن عثمان يقرئك السلام وهو يقول لك : هذه مائتا دينار فاستعن بها على ما نابك ، فقال أبو ذر : هل أعطى أحداً من المسلمين مثل ما أعطاني ؟ قالا : لا . قال : فإنما أنا رجل من المسلمين يسعني ما يسع المسلمين . قالا له : إنه يقول هذا من صلب مالي ، وبالله الذي لا إله إلا هو ما خالطها حرام ولا بعثت بها إليك إلا من حلال . فقال : لا حاجة لي فيها وقد أصبحت يومي هذا وأنا من أغنى الناس . فقالا له عافاك الله وأصلحك ! ما نرى في بيتك قليلاً ولا كثيراً مما يستمتع به ؟ فقال : بلى تحت هذه الإكاف التي ترون رغيفا شعير قد أتى عليهما أيام ، فما أصنع بهذه الدنانير ! لا والله حتى يعلم الله أني لا أقدر على قليل ولا كثير ، ولقد أصبحت غنياً بولاية علي بن أبي طالب وعترته الهادين المهديين ، الراضين المرضيين ، الذين يهدون بالحق وبه يعدلون ، وكذلك سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فإنه لقبيح بالشيخ أن يكون كذاباً ! فرداها عليه وأعلماه أنه لا حاجة فيها ، ولا فيما عنده ، حتى ألقى الله ربي فيكون هو الحاكم فيما بيني وبينه ) .
وفي لآلي الأخبار : 1 / 51 : ( قال أبو ذر : جزى الله الدنيا عني مذمة ، بعد رغيفين من الشعير أتغدى بأحدهما وأتعشى بالآخر ، وبعد شملتي صوف أتزر بأحدهما وأتردى بالأخرى ) .
وفي تذكرة ابن حمدون / 576 : ( التقى عبد الرحمن بن عوف وأبو ذر ، فقبل عبد الرحمن ما بين عيني أبي ذر لكثرة سجوده . . . . بعث إليه عبد الرحمن ببدرة وقال لغلامه : إن قبلها منك فأنت حر ، فأبى أن يقبلها . فقال الغلام : إقبل رحمك الله
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 201 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فإن في قبولك عتقي ، فقال أبو ذر : إن كان عتقك فيه فإن فيه رقِّي ! وردَّها ) .
وفي كشكول البهائي / 143 أن الذي بعث إليه بالمال عثمان ، وكذا في أعيان الشيعة : 4 / 231 ، عن لباب الآداب .
وفي شعب الإيمان : 7 / 377 : ( بعث حبيب بن مسلمة ( معاون معاوية ) إلى أبي ذر وهو بالشام ثلاثمائة دينار فقال : إستعن بها على حاجتك . فقال أبو ذر : إرجع بها إليه ، ما أحدٌ أغنى بالله منا ، ما لنا إلا ظل نتوارى به ، وثلاثة من غنم تروح علينا ، ومولاةٌ لنا تصدقت علينا بخدمتها ، ثم إني لأتخوف الفضل ) . ( وتاريخ دمشق : 66 / 208 والزهد لابن أبي عاصم : 1 / 147 ونهج الحق للعلامة / 299 ، وفتن ابن حماد : 1 / 248 ) .
وروى الذهبي في سير أعلام النبلاء : 2 / 69 ، رواية تدل على أن أبا ذر كان يقبل أحياناً هدايا معاوية وينفقها ، وهذا ينسجم مع فقه أهل البيت ( عليهم السلام ) وسيرتهم فقد كانوا يقبلون هدايا الحكام أحياناً ليصرفوها على بعض المسلمين ، قال الذهبي :
( فأمره أن يرتحل إلى الشام فيلحق بمعاوية ، فكان يحدث بالشام فاستهوى قلوب الرجال ! وكان يقول : لا يبيتن عند أحدكم دينار ولا درهم ولا تبرٌ ولا فضة إلا شئ ينفقه في سبيل الله أو يعده لغريم ! وإن معاوية بعث إليه بألف دينار في جنح الليل فأنفقها ، فلما صلى معاوية الصبح دعا رسوله فقال : إذهب إلى أبي ذر فقل : أنقذ جسدي من عذاب معاوية ، فإني أخطأت ( أي لم تكن الألف دينار لك ) ! قال : يا بني ، قل له : يقول لك أبو ذر : والله ما أصبح عندنا منه دينار . ولكن أنظرنا ثلاثاً حتى نجمع لك دنانيرك ! فلما رأى معاوية أن قوله صدَّق فعله ، كتب إلى عثمان : أما بعد ، فإن كان لك بالشام حاجة أو بأهله ، فابعث إلى أبي ذر ، فإنه قد وغَّل صدور الناس ) . انتهى .
وهكذا لم يخضع أبو ذر ( رحمه الله ) لمحاولات بني أمية إغراءه بالمال ، ولا لتهديدهم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 202 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إياه بالقتل ، ولا لسياسة الإفقار التي اتبعوها معه ومع غيره ، بل كان يجيبهم بقوله المشهور : ( تَخْضِمون ونَقْضِم والموعدُ الله ) ! قال أبو ذر ( رحمه الله ) : ( إن بني أمية تهددني بالفقر والقتل ! ولبطن الأرض أحب إليَّ من ظهرها ، وللفقر أحب إليَّ من الغنى ! فقال له رجل : يا أبا ذر مالك إذا جلستَ إلى قوم قاموا وتركوك ؟ قال : إني أنهاهم ( السلطة ) عن الكنوز ) . ( حلية الأولياء : 1 / 162 ، والبخلاء للجاحظ / 69 ) . وفي أدب الكاتب لابن قتيبة / 171 : ( والخضم بالفم كله ، والقضم بأطراف الأسنان ، قال أبو ذر ( رحمه الله ) : تخضمون ونقضم والموعد الله ) . وقال السيوطي في المزهر : 1 / 42 : ( فاختاروا الخاء لرخاوتها للرطب ، والقاف لصلابتها لليابس ) .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 203 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل السابع : محاولتهم إثبات شرعية معاوية بصلح الإمام الحسن ( عليه السلام )

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 204 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 205 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

تمحَّلوا لإثبات شرعية بني أمية فعجزوا !

ما زال أتباع بني أمية قديماً وحديثاً ، يتعسفون ليثبتوا شرعية خلافة معاوية بشتى الطرق ، ومنها صلح الإمام الحسن ( عليه السلام ) معه وبيعته له ! وذلك على رغم أنهم رووا أن معاوية إمام الدعاة إلى النار ! وأن الخلافة ثلاثون سنة وبعدها ملك عضوض ! وأن عمر حرَّم الخلافة على الطلقاء وأبناء الطلقاء ! ورووا في معاوية وبني أمية أحاديث تنفي عنهم العدالة وصلاحيتهم للخلافة !
مع كل هذا ، يريدون أن يجعلوا من الطليق بن الطليق ، وإمام الفئة الباغية الداعية إلى النار ، والملعون على لسان الصادق الأمين ! خليفةً شرعياً للنبي ( صلى الله عليه وآله ) ! ويحوِّلوا جريمة خروجه على إمام زمانه ، وشقه لعصا الأمة وسفكه دماء عشرات الألوف من خيارها ، إلى اجتهاد مشروع وعمل صالح ! !
وقد جرت لنا معهم مناقشات ، نشرنا أهمها في المجلد الثامن من كتاب الإنتصار ، ومن ذلك قول أحدهم : ( أنتم تقولون إن الحسن معصوم ، وتعظمون أمر الإمامة والخلافة ، فكيف يسلمها لمعاوية ويبايعه على أنه أمير المؤمنين ؟ أيرضى الحسن أن يجعل معاوية خليفة للمسلمين حتى موت معاوية ؟ !
إن قلتم : نعم رضي فلماذا لا ترضون أنتم ؟ ! وإن قلتم : لا ، فنقول : كيف يرضى للمسلمين ما لا يرضى لنفسه ؟ ! وإذا كان هذا حكم الحسن فهل ترضون أنتم بذلك ؟ ! وهل تجوز البيعة لكافر خاصة من المعصوم ؟ ! فكيف تحكمون على معاوية بالكفر ، وأنه الشجرة الملعونة في القرآن ، فهل يجوز أن يبايعه معصومان ؟ !
وهذه خلاصة أجوبتنا لهم :
أولاً : إن بيعة الإمام الحسن ( عليه السلام ) لمعاوية لا تعطيه شرعية ، لأن سنَّة الله تعالى في
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 206 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أنبيائه وأوصيائه ( عليهم السلام ) وأتباعهم من آدم إلى الإمام المهدي ( عليهم السلام ) : أن أكثرهم كانوا مستضعفين مضطهدين ، مجبورين على الخضوع لطغاة زمانهم ، وقد أجاز الله لهم أن يبايعوهم ويتعايشوا معهم ، دون أن يعطيهم ذلك شرعية !
بل أجاز الله ذلك لحكمة بدون اضطرار كما في نبي الله يوسف ( عليه السلام ) مع فرعون . واضطرار أئمتنا ( عليهم السلام ) من هذا النوع ومنه صلح الإمام الحسن ( عليه السلام ) لمعاوية !
إن التقية لدفع الضرر جائزة بإجماع المسلمين ، وأنتم تستعملونها حتى مع المسلمين ! ومن أمثلتها أسماؤكم في شبكات النت في نقاشاتكم معنا ! فهي التقية التي تعيروننا بها ! مع أنه لا خطر على أحدكم من إعلان اسمه ، بقدر عُشْرَ الخطر والضرر الذي كان على الإمام الحسن ( عليه السلام ) وشيعته من عدم الصلح !
* *
ثانياً : هذا الإشكال لا يختص بالشيعة ، فإن أكثر علماء الأمة من أتباع المذاهب المختلفة أفتوا بفسق معاوية ، وبعضهم أفتى بكفره ، واستدلوا على جواز لعنه أو وجوبه ! ويكفي أن تقرأ كتاب ( النصائح الكافية لمن يتولى معاوية ) للحافظ محمد بن عقيل ، فهؤلاء العلماء مثلنا يرون أن صلح الإمام الحسن ( عليه السلام ) وبيعته له اضطرارٌ لا يعطي شرعية لمعاوية ، فضلاً عن وصفه بالخليفة !
* *
ثالثاً : إن حكم معاوية فاقدٌ للشرعية بالإجماع المركب منا ومنكم ، لأن الخلافة النبوية عندكم ثلاثون سنة ، وبعدها الملك العضوض بنص النبي ( صلى الله عليه وآله ) ! والملك العضوض الذي يعض الناس كالكلب ، محالٌ أن يكون شرعياً !
رابعاً : إن كل واحد من الأحاديث التي صححوها في ذمِّ معاوية وبني أمية وبني العاص ، يكفي دليلاً على صحة مذهبنا فيهم ! وقد صحح العديد منها
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 207 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
محدثوهم المتقدمون والمتأخرون ، ومنهم الألباني الذي يلقبه ابن باز مفتي الوهابية : أمير المؤمنين الحديث ! قال في سلسلة الأحاديث الصحيحة : 1 / 742 : ( خلافة النبوة ثلاثون سنة ثم يؤتي الله الملك من يشاء . . . رواه أحمد ، وأبو داود ، والترمذي والحاكم ، وهذا من دلائل صدق نبوة النبي ( ص ) ، فإن أبا بكر تولى عام 11 ه‍ ، وتنازل عنها الحسن بن علي عام 41 ه‍ . وهي ثلاثون عاماً كاملة ) .
وصحح حديث أن معاوية أول من يثلم الإسلام ويغيِّر السنة ! قال في أحاديثه الصحيحة : 4 / 329 : ( أول من يُغير سنتي رجل من بني أمية ! ولعل المراد بالحديث تغيير نظام اختيار الخليفة وجعله وراثة ) . انتهى . فكيف تجعلون من يعض حكمه الأمة ويثلم الدين ويحرفه خليفةً شرعياً ، وهل هذا إلا تناقض وتحريف ؟ !
* *
خامساً : إن الإمامة عندنا منصبٌ إلهي ، والخلافة منصبٌ دنيوي ، والإمام الحسن ( عليه السلام ) لم يتنازل عن الإمامة الإلهية ، لأنها لا تقبل التنازل ! فهو إمامٌ وسيدُ شباب أهل الجنة بنص جده المصطفى ( صلى الله عليه وآله ) سواء كان خليفة أو لم يكن ! وهذا هو معنى قوله ( صلى الله عليه وآله ) : ( الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا ) فهما إمامان سواء حاربا أو صالحا ، وسواء حكما الأمة أم لم يحكما ! فالإمام الحسن ( عليه السلام ) إمامٌ لمعاوية بالنص وطاعته مفترضة عليه وعلى الأمة بالنص ، والإمام بالنص لا يكون مأموماً ولو اضطر إلى الصلح ؟ والتابع بالنص لا يكون إماماً شرعياً ولو تغلب ؟ ! بل إن قوله ( صلى الله عليه وآله ) ( إمامان قاما أو قعدا ) إخبارٌ عن الظروف التي ستمر عليهما وأنهما قد ينهضان بأمر أمته أو يقعدان مضطرَّيْن ، لكن إمامتهما ثابتة في كل الأحوال ، وهذا من علامات نبوته ( صلى الله عليه وآله ) .
وقد احتج الإمام الحسن ( عليه السلام ) بذلك ففي علل الشرائع : 1 / 211 : ( عن أبي سعيد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 208 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عقيصا قال : قلت للحسن بن علي بن أبي طالب : يا ابن رسول الله ، لمَ داهنتَ معاوية وصالحته وقد علمت أن الحق لك دونه وأن معاوية ضالٌّ باغ ؟ فقال : يا أبا سعيد ألست حجة الله تعالى ذكره على خلقه وإماماً عليهم ؟ قلت : بلى . قال : ألستُ الذي قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لي ولأخي : الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا ؟ قلت : بلى . قال : فأنا إذن إمام لو قمت وأنا إمام لو قعدت . يا أبا سعيد علة مصالحتي لمعاوية علة مصالحة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لبني ضمرة وبني أشجع ولأهل مكة حين انصرف من الحديبية . أولئك كفارٌ بالتنزيل ومعاوية وأصحابه كفارٌ بالتأويل . يا أبا سعيد إذا كنت إماماً من قِبَلِ الله تعالى ذِكْرُه لمْ يجب أن يسفَّه رأيي فيما أتيته من مهادنة أو محاربة ، وإن كان وجه الحكمة فيما أتيته ملتبساً . ألا ترى الخضر ( عليه السلام ) لمَّا خرق السفينة وقتل الغلام وأقام الجدار سخط موسى ( عليه السلام ) فعله لاشتباه وجه الحكمة عليه حتى أخبره فرضيَ ، وهكذا أنا سخطتم عليَّ بجهلكم بوجه الحكمة فيه ، ولولا ما أتيت لما ترك من شيعتنا على وجه الأرض أحد إلا قتل ) . انتهى .
وقد روت حديث الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا مصادر متعددة مثل : كفاية الأثر / 117 ، ودعائم الإسلام : 1 / 37 , وكشف الغمة : 1 / 533 ، وروضة الواعظين / 156 ، والفصول المختارة للشريف المرتضى / 303 ، والإرشاد : 2 / 30 ، والمسائل الجارودية / 35 ، وفضائل أمير المؤمنين ( عليه السلام ) لابن عقدة / 168 ، والطرائف لابن طاووس / 196 ، ومجمع البيان : / 311 ومناقب آل أبي طالب : 3 / 163 ، وقال : أجمع عليه أهل القبلة . وقال السيد الميلاني في شرح منهاج الكرامة : 1 / 138 : ( وممن رواه من أهل السنة : الصفوري في نزهة المجالس : 2 / 184 ، والصديق القنوجي في السراج الوهاج في شرح صحيح مسلم في باب المناقب ، وفي الإتحاف بحب الأشراف : أنه ( صلى الله عليه وآله ) قال لهما : أنتما الإمامان ولأمكما الشفاعة ) . انتهى .
كما روت مصادر السنيين حديث أن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 209 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأبوهما خير منهما ، مثل : ابن ماجة : 1 / 44 ، عن ابن عمر قال قال رسول الله : الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة وأبوهما خير منهما . والمستدرك : 3 / 182 ، والطبراني في الكبير : 3 / 39 ، و : 19 / 292 ، والزوائد : 9 / 183 ، ومصباح الزجاجة : 1 / 20 ، ومرقاة المفاتيح : 11 / 314 ، وتاريخ بغداد : 1 / 140 ، وتاريخ دمشق : 13 / 209 ، وشرح مشكل الآثار : 12 / 519 ، وكشف الخفاء : 1 / 34 ، بلفظ : ابناي هذان الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة ، والصواعق المحرقة : 2 / 560 ، وذخائر العقبى : 1 / 129 ، ونهاية ابن كثير : 8 / 35 ، وغيرها كثير ) . وهو في أصله طويل ، ويبدو لي أن تعبير : إمامان قاما أو قعدا كان جزءً منه فحذفوه على عادتهم !
* *
سادساً : لو سلمنا أن بيعة الإمام الحسن ( عليه السلام ) شهادةٌ بإسلام معاوية وعدالته وشرعية خلافته ، فهي مشروطة بشروط عديدة لم يف بها معاوية ، بل أعلن منذ دخوله الكوفة نكثها وعدم وفائه بها ! وإذا فُقد الشرط فُقد المشروط .
* *
سابعاً : لو سلمنا أن معاوية صار خليفة شرعياً جامعاً لشروط الخلافة ، فقد نقض شروط الخلافة وفقد الصلاحية لها بأقواله وأعماله وتقتيله المسلمين . ويكفي إجباره المسلمين على بيعة ابنه يزيد وجعله الخلافة ملكاً عضاضاً !
* *
ثامناً : اعترف معاوية بأنه مَلِك وليس خليفة ، وسيأتي ذلك ، وقال كبار علمائهم إنه ملك ولا يصح تسميته خليفة ! والمتعصبون الذين يسمونه خليفة يعترفون بتدليسهم ! ويقولون إن خلافته ليست خلافة نبوة ، بل هو خليفة لمن سبقه ! مع أن كل حاكم حتى فرعون خليفة لمن سبقه ! ولكنهم يدلسون بتسمية معاوية خليفة ليدلسوا على المسلمين أنه خليفة النبي ( صلى الله عليه وآله ) ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 210 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
* *
إن مشكلة أتباع بني أمية أنهم أتباع هوى ، ولذلك لا يقبلون حجة ولا دليلاً ، ويتشبثون ببني أمية ويدافعون عنهم بالباطل ! وبإمكانك أن تنظر إلى التحريف
والتزوير الذي ملؤوا به كتبهم ومواقعهم لتلميع صورة معاوية المظلمة ! وذلك لأنهم أشربوا حبه بذنوبهم . ومن أكبر ذنوبهم إعراضهم عن عترة نبيهم ( صلى الله عليه وآله ) !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 211 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الثامن : خطط معاوية لتعظيم نفسه ومن يتصل به

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 212 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 213 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

1 - معاوية : نحن معدن الحق !

فمَنْ يكون عليٌّ وابن علي ، ومَنْ عمرُ وابن عمر ؟ !
في أول خطاب له في الكوفة ، أعلن معاوية انتهاء الدولة الإسلامية وقيام الدولة الأموية ، وتجرأ على الله ورسوله ( صلى الله عليه وآله ) وقال لأهل العراق أو لبني هاشم : ( قد قَتَلَ الله طاغيتكم وردَّ الأمر إلى معدنه ) ! ( كتاب سليم / 368 ، والاحتجاج : 2 / 6 ، والدر النظيم / 499 ، والعدد القوية للحلي / 49 ) . وقد ردَّ عليه الإمام الحسن ( عليه السلام ) لاحقاً بقوله : ( العجب منك يا معاوية ومن قلة حيائك وجرأتك على الله حين قلت : قد قتل الله طاغيتكم ورد الأمر إلى معدنه ! فأنت يا معاوية معدن الخلافة دوننا ؟ ! ) .
وفي تاريخ دمشق : 24 / 90 : ( عن زرارة بن أوفى أن معاوية خطب الناس فقال : يا أيها الناس إنا نحن أحق بهذا الأمر ! نحن شجرة رسول الله ( ص ) وبيضته التي انفلقت عنه ونحن ونحن ! فقال صعصعة : فأين بنو هاشم منكم ؟ قال نحن أسوس منهم ، وهم خير منا ) . انتهى . فهو بزعمه صاحب الحق في حكم قريش والعرب ، لأن معدن هذا الحق بنو أمية بزعامة أبي سفيان ، وهو الوارث الشرعي لهذا الحق ! فكأن الإسلام وحكم النبي ( صلى الله عليه وآله ) كان غصباً لحق بني أمية وقد استعاده معاوية ! لكنه يجاري المسلمين فيقول إن محمداً ( صلى الله عليه وآله ) ابن عمنا ونحن شجرته ، ونحن أحق منه وأحق به حتى من أهل بيته ، لأنا أسوس منهم !
وعملاً بهذا الغرور هاجم معاوية عمر بن الخطاب ، وحكم عليه بأنه غصب حق بني أمية وفرق الأمة وسفك دماءها ! وتحدى ابنه عبد الله بن عمر أن يرفع رأسه ويُطْلعَ قرْنه ويتكلم ! فخاف عبد الله ولم ينبس بكلمة !
ففي سير أعلام النبلاء : 3 / 225 : ( قال معاوية : من أحق بهذا الأمر منا ؟ وابن عمر
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 214 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
شاهد ، قال فأردت أن أقول أحق به منك من ضربك عليه وأباك ، فخفتُ الفساد ) .
وقد روى بخاري هذا الذل لآل عمر بلسان عبد الله نفسه ، قال في صحيحه : 5 / 48 : ( عن ابن عمر قال : دخلت على حفصة ونَسْواتها تَنْطُف ( النسوة الظفيرة وأصلها النوْسة وتقديم الحروف شائع عندهم ، والمعنى أن جدائلها كانت تقطر ماء بعد أن اغتسلت ) قلت : قد كان من أمر الناس ما ترين ( أي اتفاقهم على الحكميْن ) فلم يُجعل لي من الأمر شئ ( سهم في الخلافة ) ! فقالت : إلحق ( أي سارع إلى اجتماع الحكمين في دومة الجندل ) فإنهم ينتظرونك ، وأخشى أن يكون في احتباسك عنهم فرقة ، فلم تدَعْهُ حتى ذهب ! فلما تفرق الناس ( من التحكيم واختلفوا بعد لعبة ابن العاص ) خطب معاوية ( وكان حاضراً في دومة الجندل ) قال : من كان يريد أن يتكلم في هذا الأمر فليُطْلع لنا قرنه ، فلنحن أحق به منه ومن أبيه ! قال حبيب بن مسلمة : فهلا أجبته ؟ ! قال عبد الله : فحللتُ حَبْوتي ( عقدة ثوبه عن ساقيه ) وهممتُ أن أقول : أحق بهذا الأمر منك من قاتلك وأباك على الإسلام ( يقصد أصحاب النبي ( صلى الله عليه وآله ) الذين قاتلوا أباه في بدر وأحد وغلبوه في فتح مكة ) فخشيتُ أن أقول كلمة تفرق بين الجمع وتسفك الدم ، ويُحمل عني غير ذلك ، فذكرتُ ما أعدَّ الله في الجنان ! قال حبيب : حُفظتَ وعُصمت ) . انتهى . قال العلامة الحلي ( رحمه الله ) في نهج الحق / 309 : ( إن كان ما يقوله معاوية حقاً ، فقد ارتكب عمر الخطأ في أخذه الخلافة ! وإن كان باطلاً فكيف يجوز تقديمه على طوائف المسلمين ) ! انتهى . وقد تعمد بخاري أن يخفي مناسبة خطبة معاوية ، وذكر غيره أنها كانت عند تحكيم الحكمين في دومة الجندل ، وكان أبو موسى الأشعري له هوى في عبد الله بن عمر ! ( قال أبو موسى : أما والله لئن استطعت لأحيينَّ اسم عمر بن الخطاب ) . ( تاريخ الطبري : 4 / 48 ) . واتفق مع الداهية ابن العاص على أن يخلع هو علياً ( عليه السلام ) ويخلع ابن العاص معاوية ، ثم يعقدا البيعة لعبد الله بن عمر ! وعلى
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 215 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أساس هذا الأمل أصرَّت حفصة على أخيها عبد الله أن يحضر جلسة التحكيم ! لكن ابن العاص صعد المنبر بعد أبي موسى وخلع علياً ( عليه السلام ) وثبَّتَ معاوية !
وتكفي كلمة معاوية هذه لكشف غروره القديم وأن قتاله لعلي ( عليه السلام ) إنما كان لإعادة ( الحق إلى معدنه الأموي ) كما يزعم ! لا طلباً بدم عثمان ، ولا علاّن !
أما بعد شهادة علي ( عليه السلام ) ، وبعد صلحه مع الإمام الحسن ( عليه السلام ) ، فصار أكثر جرأة وتصريحاً بدخيلة نفسه ونفس ( أبيه ) أبي سفيان !
كما يدلنا حديث بخاري على ضعف ابن عمر أمام معاوية منذ عهد علي ( عليه السلام ) ! أما بعد سيطرة معاوية فكان أشد ضعفاً فلم يجرؤ حتى على التفكير بحل حبوته ! وقد كرر معاوية تهديده له في حضوره في المدينة لأجل البيعة ليزيد بالخلافة ! ففي سير أعلام النبلاء : 3 / 225 : ( قال معاوية : من أحق بهذا الأمر منا ؟ وابن عمر شاهد ! ) . انتهى . فغيب عبد الله نفسه إلى مكة .
وروى ابن خياط في تاريخه / 10 أن معاوية قال : ( والله ليبايعن أو لأقتلنه ! فخرج عبد الله بن عبد الله بن عمر إلى أبيه فأخبره ، وسار إلى مكة ثلاثاً ( أي ركض ابنه مسرعاً إلى مكة في ثلاثة أيام ، ليخبر أباه بتهديد معاوية ) ! فلما أخبره بكى ابن عمر ) ! وقال في هامشه : ( سنده صحيح ) ( والطبقات : 4 / 182 ) .
وهذا أسلوبٌ قبلي يهودي في القمع والتخويف لتركيع ابن عمر ! لكن معاوية لم يطمئن من ابن عمر ! ففي الطبقات : 4 / 164 وتاريخ دمشق : 31 / 186 : ( دس معاوية عمرو بن العاص وهو يريد أن يعلم ما في نفس بن عمر ، يريد القتال أم لا ؟ فقال : يا أبا عبد الرحمن ما يمنعك أن تخرج فنبايعك ، وأنت صاحب رسول الله ( ص ) وابن أمير المؤمنين ، وأنت أحق الناس بهذا الأمر ؟ قال : وقد اجتمع الناس كلهم على ما تقول ؟ قال : نعم ، إلا نفير يسير . قال : لو لم يبق إلا ثلاثة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 216 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أعلاج بهجر لم يكن لي فيها حاجة . قال : فعلم أنه لا يريد القتال ) ! انتهى .
وقد بادر ابن عمر إلى بيعة يزيد عند وصول معاوية إلى مكة ، فقد أورد في الطبقات : 4 / 182 نصوصاً عن بيعته ليزيد ، ثم بيعته لعبد الله بن الزبير ، ولعبد الملك بن مروان ، ومخالفته لأهل المدينة في ثورتهم على يزيد بعد كربلاء .
وروى في : 4 / 149 ، أنه كان يقول : ( لا أقاتل في الفتنة ، وأصلي وراء من غلب ) !
وروى في : 4 / 145 ، اعتراف ابن عمر بأنه فرَّ من الزحف مع النبي ( صلى الله عليه وآله ) ! قال : ( فقلنا كيف نصنع وقد فررنا من الزحف وبؤنا بالغضب ؟ فقلنا ندخل المدينة فنبيت بها ثم نذهب ، فلا يرانا أحد ) .
كما روى في : 4 / 187 ، ندم ابن عمر قبل موته على تخلفه عن مبايعة أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وعدم جهاد بني أمية معه ! فكان يقول : ( ما أجدني آسى على شئ من أمر الدنيا إلا أني لم أقاتل الفئة الباغية ) ! وفي السيرة الحلبية : 2 / 264 أنه كان يقول ذلك بعد مقتل عمار ! ولو كان جاداً لترك معاوية وانضم إلى علي ( عليه السلام ) !

2 - لا مستند حقوقياً لمعاوية في زعمه ؟

القاعدة العقلية والشرعية أن الإنسان حُرٌّ ، ولا ولاية لأحد على أحد إلا خالقه ومالكه عز وجل ، ومَنْ فوَّض إليه الولاية عليه . فكل ولاية على فرد أو جماعة لا تستند إلى تخويل من الخالق المالك سبحانه ، لا شرعية لها .
وإنما أعطى الله تعالى الولاية لنبيه ( صلى الله عليه وآله ) على المؤمنين فقال : النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ . ( الأحزاب : 6 ) لأن النبي ( صلى الله عليه وآله ) أعلم وأرحم بالمؤمنين من أنفسهم كما قال تعالى : لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ . ( التوبة : 128 ) لذلك لا ولاية شرعية عندنا لأحد بعد النبي ( صلى الله عليه وآله ) إلا من نصَّ عليهم الذي لا ينطق عن الهوى وهم عترته الطاهرة ( عليهم السلام ) ! ومن نصُّوا على ولايته !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 217 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وعليه ، فلا أصل لولاية أبي سفيان التي يدعي معاوية وراثتها ! لأنها قيادة محدودة أعطاها رؤساء قريش في الجاهلية لبني أمية ، ثم أعطاها المشركون لأبي سفيان في حربهم للنبي ( صلى الله عليه وآله ) بعد مقتل رئيسهم عتبة بن ربيعة في بدر ، وهو والد هند آكلة الأكباد . ( شرح النهج : 1 / 334 ، وإمتاع الأسماع : 6 / 185 ) . على أنهم عزلوا أبا سفيان بعد فتح مكة ، ونصبوا مكانه سهيل بن عمرو السهمي الجمحي !
فإن كان مصدر ولاية أبي سفيان اختيار مشركي قريش فقد انتهى بعزلهم إياه ! على أن الإسلام أبطل كل ولاية في الجاهلية بنص النبي ( صلى الله عليه وآله ) في خطبته في فتح مكة ! أضف إلى ذلك ما رواه عمر وغيره : إن الخلافة لا تصح للطلقاء وأبنائهم !
وبذلك يتضح أن معاوية لا يملك أساساً حقوقياً لتسلطه ، وأن منطقه في ذلك جاهلي لا يقبله كتاب ولا سنة ، ولا عمر ولا علي ( عليه السلام ) ، ولا سني ولا شيعي !

3 - معاوية : يصرِّح بأن عمر شقَّ عصا الأمة وسفك دماءها !

انسجاماً مع ادعائه بأن معدن الرئاسة وحكم العرب هم بنو عبد مناف ، وفرع بني أمية بالذات ! صرَّح معاوية بأن عمر قام بخرق دستوري تخريبي في قيادة العرب والمسلمين ، بتشكيله شورى فتحت باب سفك الدماء في الأمة !
ومع أن عمر حرص على نقل السلطة إلى بني أمية ، فأعطى حق النقض لعبد الرحمن بن عوف صهر عثمان ! لكن ( جريمته ) في رأي معاوية أنه أدخل في الشورى من غير بني أمية وبني مناف ، ففتح شهية القبائل الصغيرة أو الرذلة على حد تعبير أبي سفيان ، للخلافة وحكم العرب ! ( فهذا الذي سفك دماء هذه الأمة وشق عصاها وفرق ملأها ) ! قال معاوية هذا الكلام عندما جاءه زياد بن أبيه طامعاً في ولاية عهده بدل يزيد فأهانه معاوية ووبخه وهدده أن يخرجه من بني أمية ويرده إلى نسب عبيد زوج سمية !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 218 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال في تاريخ دمشق : 19 / 197 : ( وقام الناس حتى إذا كان الليل أرسل معاوية إلى حضين بن المنذر الذهلي فدعاه وأدناه حتى كان قريباً منه ، ثم أجلسه وألقيت تحته وسادة ، ثم قال له معاوية : بلغني أن لك عقلاً ورأياً وعلماً بالأمور ، فأخبرني ما فرَّقَ بين هذه الأمة ومن سفك دمائها وشق عصاها وفرق ملأها ؟ قال : قتل أمير المؤمنين عثمان . قال : ما صنعت شيئاً . قال : مسير علي إلى عائشة وطلحة والزبير ، ومسير علي إليك وقتالكم بصفين والذي كان بينكم من سفك الدماء والاختلاف ! قال : ما صنعت شيئاً ! قال : فأخبرني يا أمير المؤمنين ! فحمد الله معاوية ثم قال : إن الله أرسل رسوله بالهدى ودين الحق فدعا الناس إلى الإسلام فعمل رسول الله بكتاب الله عز وجل حتى قبضه الله وعصمه بالوحي ، ثم استخلف المسلمون أبا بكر فكان أفضل من تَعْلَمُ وتعلمون ، فعمل أبو بكر بكتاب الله وسنة رسوله حتى قبضه الله إليه ، ثم استخلف أبو بكر على المسلمين عمر ، فعمل بكتاب الله وسنة رسوله وسنة أبي بكر حتى أصاب عمر من قضاء الله ما أصابه ، فخيَّر بين ستة فجعلها شورى ولم يَجب إلا بجعلها بينهم ، وكانوا خير من تعلم على الأرض ، فلما جلسوا لها وتنازعوها دعا كل رجل منهم إلى نفسه ، فقال عبد الرحمن : أيكم يخرج منها ويَسْتَخْلِف ؟ فأبى القوم وكان أزهدهم فيها فقلدوها إياه فاستخلف عثمان ! فما زال كل رجل من أهل الشورى يطمع فيها ويطمع له فيها أحباؤهم حتى وثبوا على عثمان فقتلوه ، واختلفوا بينهم حتى قتل بعضهم بعضاً ! فهذا الذي سفك دماء هذه الأمة وشق عصاها وفرق ملأها ) ! انتهى . فاعجب لمعاوية كيف لا يقول لعمر شكراً على ترتيبك الأمر لنا بحكم الشام ثم بالشورى وحق النقض لمصلحتنا ! بل يراه مقصراً لأنه أشرك غيرهم شكلياً ، فسبَّب ذلك طمع أعضاء الشورى من غير بني أمية !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 219 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
واعجب لضعف عمر العدوي أمام أبي سفيان ومعاوية ، فقد نصب معاوية نفسه بعد موت أخيه بدون مراجعة عمر فوافق عمر عليه ! ولم يسمع لاعتراض الصحابة على تولية معاوية لحداثة سنه ! ( تاريخ دمشق : 59 / 86 ، وسير الذهبي : 3 / 126 ) .
ثم كان عمر يوبخ عماله ويعزلهم ويحاسبهم حتى أنه صارحهم بأنهم جمعوا المال الحرام وناصفهم أموالهم ! بينما لم يوبخ معاوية يوماً ولا حاسبه على شئ ولا قبل عليه شكاية ، بل كان يغرس في نفسه أنه كسرى العرب ! ( وكان عمر رضي الله عنه إذا رأى معاوية قال : هذا كسرى العرب ) . ( نثر الدرر للآبي / 255 ، ونحوه وأسد الغابة : 4 / 386 ، وفتح الباري : 7 / 311 ) . بل كان عمر يراه أعظم من كسرى ، فقال : ( تذكرون كسرى وقيصر ودهاءهما وعندكم معاوية ؟ ! ) . ( تاريخ الطبري : 4 / 244 ) !
بل هدد به أهل الشورى إن خالفوا ترتيبه ولم يرضوا بعثمان : ( قال عمر لأهل الشورى : إن اختلفتم دخل عليكم معاوية بن أبي سفيان من الشام ، وبعده عبد الله بن أبي ربيعة من اليمن ، فلا يريان لكم فضلاً لسابقتكم ) . ( تاريخ دمشق : 59 / 124 ، والإصابة : 4 / 70 ، والتحفة اللطيفة للسخاوي : 2 / 35 ) . أي أطيعوني وبايعوا من يختاره ابن عوف وإلا خسرتم الحكم كلياً ، وفرض بنو أمية عليكم عثمان أو معاوية بالقوة ، فهذه الشام بيدهم واليمن أيضاً ! ومع ذلك يراه معاوية مقصراً في حق بني أمية !

4 - معاوية : أنا خليفة الله بقانون الغلبة وعقيدة الجبرية !

كان الإعلان الأول لمعاوية في النخيلة أنه قال للمسلمين : ( ما قاتلتكم لتصلوا ولا لتصوموا ولا لتحجوا ولا لتزكوا ، وقد أعرف أنكم تفعلون ذلك ، ولكن إنما قاتلتكم لأتأمر عليكم ، وقد أعطاني الله ذلك وأنتم له كارهون ) . ( الذهبي في سيره : 3 / 146 ) .
ومعنى ذلك : أولاً ، أن هدفه الحقيقي من سفكه لدماء المسلمين ، ونيته وهدفه من أول الأمر هو : التسلط والتأمُّر على رقابهم ! لا دم عثمان ولا علتان .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 220 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثانياً ، أعلن أن القضية من جانبه صراعٌ على السلطة ، وادعى أنها كذلك من جانب بني هاشم ، وكأنه لا فرق بين محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ( صلى الله عليه وآله ) ، وعلي بن أبي طالب ! وما دام انتصر فلا يخاف أن يعلن ذلك !
فهذا اعترافٌ من معاوية على نفسه بأنه لا دين له ! ونحن نقبل شهادته في حق نفسه ، ولا نقبل تهمته لغيره ، لأنها نفس تهمة أبيه وزعماء قريش للنبي ( صلى الله عليه وآله ) بأنه يريد تأسيس ملك لبني هاشم كملك كسرى وقيصر ! وقد كذبهم الله تعالى وسمى أبا سفيان وزملاءه أئمة الكفر ، وأمر المسلمين بقتالهم ، فقال : فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ . ( التوبة : 12 ) .
ثالثاً ، أعلن معاوية شرعية قانون الغلبة ، فالذي يغلب يكون على حق ، ويكون الله تعالى أعطاه الولاية على الأمة ! والذي ينغلب يكون على باطل ، ويكون الله تعالى حرمه الولاية على الناس ! وهذه جبرية مادية لا يقبل بها عقلٌ ولا دين ، لأن الحق والباطل يتبعان دليلهما العقلي أو الشرعي ، لكن الوثنيين العرب كانوا يعتقدون بهذه المادية كاليهود ، ومنهم أبو سفيان وابنه معاوية !
ومن الإشكالات على هذه القدرية أنها تستلزم التناقض والهرطقة لأن الغالب قد يتحول إلى مغلوب والحق لا يتحول إلى باطل ! لكن معاوية يقبل هذه التناقض فيقول إن الله تعالى أعطى النصر لمحمد ( صلى الله عليه وآله ) على أبي سفيان فكان محمد ( صلى الله عليه وآله ) على حق ، ثم أعطى لمعاوية النصر على علي ( عليه السلام ) وارث محمد ( صلى الله عليه وآله ) فرجع الحق إلى معدنه ! وهذا هو منطق اليهود الذي يقول إن الحق تابعٌ للغلبة ! فإذا انتصر المغلوب صار على حق ، وإذا نغلب الغالب صار على باطل ! ويجعل الأنبياء والأوصياء ( عليهم السلام ) المغلوبين على باطل ! وهذه هي الهرطقة !
رابعاً ، أن معاوية كاليهود جادٌّ في ادعائه أن قانون الغلبة يجعله يستمد شرعيته
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 221 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مباشرة من الله تعالى ( وقد أعطاني الله ذلك ) ! فهي الشرعية الوحيدة التي ليس عنده غيرها ، ولذلك سمى معاوية نفسه ( خليفة الله ) وافتخر بها ! ففي مروج الذهب : 3 / 52 وفي طبعة 696 ، وجمهرة خطب العرب : 1 / 445 : ( الأرض لله وأنا خليفة الله فما أخذت من مال الله فهو لي ، وما تركت منه كان جائزاً لي ! فقال صعصعة :
تُمَنِّيكَ نفسُكَ ما لا يكون ، جهلاً معاويَ لا تأثمِ . . الخ . ) . انتهى .
وفي أنساب الأشراف للبلاذري / 1109 : ( قال معاوية : الأرض لله وأنا خليفة الله ، فما أخذت فلي ، وما تركته للناس فبالفضل مني ! فقال صعصعة بن صوحان : ما أنت وأقصى الأمة في ذلك إلا سواء ، ولكن من ملك استأثر ! فغضب معاوية وقال : لهممتُ ! قال صعصعة : ما كل من هَمَّ فعل ! قال : ومن يَحُولُ بيني وبين ذلك ؟ ! قال : الذي يحول بين المرء وقلبه ، وخرج وهو يقول بيت الشماخ :

وحذفةٍ كالشجا تحتُّ الوريد * أريدوني إرادتكم فإني . . ) . انتهى .

( وفي مروج الذهب / 696 ، وجمهرة خطب العرب : 1 / 445 ، وشبه به في أمالي الطوسي / 5 ) .
( وخطب معاوية يوماً بجامع دمشق وقال : إن الله أكرم خلفاءه فأوجب لهم الجنة وأنقذهم من النار ، ثم جعلني منهم ، وجعل أنصاري أهل الشام الذابين عن حرام الله ، المؤيدين بظفر الله ، المنصورين على أعداء الله ! وكان في الجامع من أهل العراق الأحنف وصعصعة ، فقال الأحنف لصعصعة : أتكفيني أم أقوم إليه ؟ فقال صعصعة : بل أكفيكه ثم قام ورد عليه ) ! ( مستدركات علم رجال الحديث : 1 / 521 ) . وقد سمى الأمويون عثمان بعد وفاته ( خليفة الله ) ! فقال شاعرهم ، ونسبوه إلى ليلى الأخيلية ! كما في الطبراني الكبير : 1 / 86 ، ومجمع الزائد : 9 / 99 :

أبعد عثمان ترجو الخير أمته * قد كان أفضل من يمشي على ساق
خليفة الله أعطاهم وخولهم * من كان من ذهب حلو وأوراق

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 222 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

فلا تكذِّب بوعد الله واتَّقِهِ * ولا تكوننَّ من شئ بإشفاق
ولا تقولنْ لشئ سوف أفعله * قد قدر الله ما كلُّ امرئ لاق ) انتهى .

بل زاد الوزراء الأمويون المقربون من معاوية ، ففضلوا معاوية ومن بعده ( خلفاء الله ) على محمد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ! لأن خليفة الرجل في أهله أفضل من رسوله في حاجته ! فالخليفة الأموي أفضل من الرسول الهاشمي ( صلى الله عليه وآله ) ! ولم يردهم معاوية ولا المروانيون بحرف ، وقد شكروهم عملياً ! ففي سنن أبي داود : 2 / 400 : ( عن الربيع بن خالد الضبي قال : سمعت الحجاج يخطب فقال في خطبته : رسول أحدكم في حاجته أكرم عليه أم خليفته في أهله ؟ فقلت في نفسي : لله عليَّ ألا أصلي خلفك صلاة أبداً ، وإن وجدت قوماً يجاهدونك لأجاهدنك معهم ) ! ( والنهاية : 9 / 151 ، وتاريخ دمشق : 12 / 158 ، والبلاذري . . . ) .
وقال في عون المعبود : 12 / 256 : ( والظاهر أن مقصود الحَجاج الظالم عن هذا الكلام الإستدلال على تفضيل عبد الملك بن مروان وغيره من أمراء بني أمية على الأنبياء ( عليهم السلام ) بأن الأنبياء إنما كانوا رسلاً من الله تعالى ومبلغين أحكامه فحسب ، وأما عبد الملك وغيره من أمراء بني أمية فهم خلفاء الله تعالى ، ورتبة الخلفاء تكون أعلى من الرسل ، فإن كان مراد الحجاج هذا كما هو الظاهر وليس إرادته هذا ببعيد منه كما لا يخفى على من اطلع على تفاصيل حالاته ، فهذه مغالطة منه شنيعة تكفره بلا مرية ! ألم يعلم الحجاج أن جميع الرسل خلفاء الله تعالى في الأرض ، ألم يعلم أن جميع الأنبياء أكرم عند الله من سائر الناس ، وأن سيد الأنبياء محمد ( ص ) سيد ولد آدم ( عليه السلام ) . ويلزم على كلامه هذا ما يلزم فنعوذ بالله من أمثال هذا الكلام ) . انتهى . وقد بحثنا تكبيرهم لملوكهم وتنقيصهم لشخصية النبي ( صلى الله عليه وآله ) في كتاب : ( ألف سؤال وإشكال على المخالفين : 2 / مسألة 162 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 223 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
خامساً ، أعلن معاوية بقوله : ( إنما قاتلتكم لأتأمر عليكم ) تخليه عن الدين في عقيدته وبرنامج حكمه ، لكنه في نفس الوقت لا يعطي على نفسه ممسكاً صريحاً على كفره بنبوة محمد ( صلى الله عليه وآله ) وقرآنه لأن الناس الذين غلبهم وتسلط عليهم يؤمنون به ( صلى الله عليه وآله ) ، ومن السياسة أن يداري عقائدهم ومشاعرهم ، في ظاهر الأمر !
سادساً ، عقيدة الجبرية وقانون الغلبة تسقطان حقوق الرعية بالكامل ! فلا معنى للحقوق بعد أن أعطى الله حق التأمر على عباده لمعاوية وبني أمية ! ( وقد أعطاني الله ذلك وأنتم له كارهون ) ! فالمسلمون لم يعطوه الحكم والتأمر عليهم حتى تكون لهم حقوق ، بل الله أعطاه إياهم ، فمن قتله منهم فهو جائز له ، ومن عفا عنه فهو جائز له ! فحالهم كحال الأرض التي ملكها الله لمعاوية فقال كما تقدم : ( الأرض لله وأنا خليفة الله . . . ) فيجب على الناس أن يبايعوا الخليفة الغالب طوعاً أو كرهاً ويخضعوا لسلطانه وأمره ونهيه ! ولهذا ختم معاوية خطبته في نخيلة الكوفة بأن : نادى بأعلى صوته بالموت لمن لم يبايع ، فالناس مخيرون فقط بين بيعة معاوية والموت !
قال البلاذري في أنساب الأشراف / 743 : ( ثم نادى بأعلى صوته : ألا إن ذمة الله بريئة ممن لم يخرج فيبايع . . . ألا وإنا قد أجلناكم ثلاثاً فمن لم يبايع فلا ذمة له ولا أمان له عندنا ! فأقبل الناس يبايعون من كل أوْب ) . انتهى .
وكذلك فعل في البصرة فخيَّر الناس بين بيعته والسيف ، وأسوأ منه في المدينة !
وكل ذلك حقٌّ لمعاوية حسب منطقه ودينه الذي يدين به ! أليس قد غلب ، أليس هو ابن أبي سفيان زعيم قريش ، والأحق من بني هاشم بملك العرب ؟ !
إنه منطق اليهود في مواجهة أنبيائهم ( عليهم السلام ) ! فالعطاء الإلهي عندهم ذو قيمة مادية فقط ! ولا قيمة لغير المادي الملموس ! والنبوات ما لم تكن ملكاً مادياً فلا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 224 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قيمة لها ، والاصطفاء الإلهي المعنوي بدون المادي لا معنى له في فهمهم ولا قيمة ! وما دام معاوية غلب عسكرياً ، فهو خليفة الله والبلاد والعباد ملكه ! يتصرف فيهم كما شاء ويؤسس إمبراطورية أموية يتوارثها أولاده جيلاً فجيلاً ، ويقتل كل من وقف في وجهه !
قال في فتح الباري : 13 / 60 : ( وأخرج الطبراني من طريق محمد بن سعيد بن رمانة ، أن معاوية لما حضره الموت قال ليزيد : قد وطأت لك البلاد ، ومهدت لك الناس ، ولست أخاف عليك إلا أهل الحجاز ، فإن رابك منهم ريب فوجه إليهم مسلم بن عقبة ، فإني قد جربته وعرفت نصيحته ! قال : فلما كان من خلافهم عليه ما كان ، دعاه فوجهه فأباحها ثلاثاً ، ثم دعاهم إلى بيعة يزيد وأنهم أعبدٌ له قِنٌّ في طاعة الله ومعصيته ) !
وفي شرح النهج : 15 / 242 : ( وكانت بنو أمية تختم في أعناق المسلمين كما توسم الخيل علامة لاستعبادهم ! وبايع مسلم بن عقبة أهل المدينة كافة ، وفيها بقايا الصحابة وأولادها وصلحاء التابعين على أن كلاً منهم عبدٌ قنٌّ لأمير المؤمنين يزيد بن معاوية إلا عليَّ بن الحسين ) . انتهى .
أقول : وهذا منسجم مع عقيدة الجبرية وأن خلافة الله لبني أمية ! أما استثناؤه
الإمام زين العابدين علي بن الحسين ( عليهما السلام ) من الختم على رقبته ، فلأنه كانت له يدٌ على بني أمية ، حيث حمى نساء مروان بن الحكم وأطفاله ، عندما ثار أهل المدينة على بني أمية ، وهرب منها رجالهم ، وقبل الإمام ( عليه السلام ) حماية عيالهم !
سابعاً ، قال ابن حجر في الفتح : 7 / 311 : ( وكان رأي معاوية في الخلافة تقديم الفاضل في القوة والرأي والمعرفة ، على الفاضل في السبق إلى الإسلام والدين والعبادة ، فلهذا أطلق أنه أحق ) . انتهى . وصدق رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) حيث قال : ( أكثر ما
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 225 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أتخوف على أمتي من بعدي ، رجل يتأول القرآن يضعه على غير مواضعه ، ورجل يرى أنه أحق بهذا الأمر من غيره ) . ( الطبراني في الأوسط : 2 / 242 ) وفسره المناوي بقوله : 2 / 102 : ( فإن فتنته شديدة ، لما يسفك بسببه من الدماء ، وينهب من الأموال ، ويستباح من الفروج والمحارم ) . وقال في النصائح الكافية / 141 : ( أول من ينطبق عليه هذا الوصف معاوية ! ) .
وقال أحمد حسين يعقوب في : الإعتقاد بالإمام المهدي / 18 : ( لأن الله تعالى قد خصص فئة معينة لفهم القرآن فهماً يقينياً وهم أهل البيت ( عليهم السلام ) . والمتأول يقفُو بما ليس له به علم ، ويتولى مهمة مخصصة لغيره ، ولأن هذا المتأول محكوم بهواه فسيضطر لترك النصوص الشرعية التي لا تتفق حتماً مع هواه ، واتباع آرائه الشخصية . . . أما الشق الآخر من الخطر المحدق الذي حذر منه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فهو رجل يرى أنه أحق بهذا الأمر من غيره ! لقد أعلن رسول الله بأمر من ربه حديث الثقلين ، وبين بأمر من ربه بأنه قد ترك هذين الثقلين خليفتين من بعده ، وبين أيضاً بأن القرآن لا يمسه إلا المطهرون ، والمطهرون الذين أذهب الله عنهم الرجس هم أهل البيت ، وهم أحد الثقلين . بمعنى أن النقاط موضوعة على الحروف ، وأن كل شئ مرتب ترتيباً إلهياً محكماً .
وأخطر ما حذر الرسول من الوقوع فيه بعد موته هو ادعاء عمرو أو زيد من الناس أنه أحق بالأمر أي بقيادة الأمة ومس القرآن من أهل بيت النبوة ، وأن مصلحة المسلمين تقتضي تقديم المفضول على الأفضل !
وهكذا وبجرة قلم ينقضون أعظم عروة من عرى الإسلام ، وهي نظام الحكم ويلغون كافة الترتيبات الإلهية المتعلقة بها ، وكافة النصوص الشرعية التي تعالجها ! مستندين إلى الرأي الشخصي والتأويلات الخاطئة ، وهكذا يَضلون ويُضلون الأمة ، ويدخلونها والعالم معهم في ليل طويل لا آخر له ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 226 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال سعيد أيوب في معالم الفتن : 1 / 206 : ( ورجل يرى أنه أحق بهذا الأمر من غيره . ومن العجيب أنهم يقولون إن الرسول ترك الأمر هكذا في الرياح ! كيف وهو كان يخاف أن يأتي من يرى أن أحق بهذا الأمر من غيره ؟ هل يترك القرآن ليتلعب به الناس ؟ هل يترك الأمر حتى يناله سفهاء قريش ، ويتسموا بأمراء المؤمنين وهم في بطون أمهاتهم ؟ كيفَ وهو الذي بلغ الرسالة ونصح الأمة ، وتركها على المحجة البيضاء ، نهارها وليلها سواء . وإذا كان الأمر هكذا ، فكيف يترك النبي ( صلى الله عليه وآله ) هؤلاء يزحفون إلى النار وهو المبعوث رحمة للعالمين ! لا بد أن يقيم عليهم الحجة أولاً ، ثم ليزحفوا وقتما شاؤوا ، ويوم القيامة لا يفيد الندم ولا يكون لهم على الله حجة ! وهذه الحقيقة تُرى في حديث أبي هريرة ، قال قال النبي ( صلى الله عليه وآله ) : يوشك رجل أن يتمنى أنه خرَّ من الثرايا ولم يل من أمر الناس شيئاً ) ! ( كنز العمال : 17 / 6 ، وقال : رواه الحاكم وأقره الذهبي ) .

5 - من أجل لقب " خليفة الله " اخترع الجبرية وألبسها ثوباً دينياً ؟

قال في مقدمة التحفة العسجدية للإمام الزيدي يحيى بن الحسين / 2 : ( وبعد : فإن شبهة الجبر وهو القول : بأن الله يجبر عباده على فعل المعاصي ، شبهة قديمة ، أول من قال بها إبليس لعنه الله ، قال تعالى حاكياً عنه : قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي . . فأضاف الاغواء إلى الله تعالى ، ثم تبعه في هذه الشبهة المشركون والكفار ، قال تعالى حاكياً عنهم : وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لا تَعْلَمُونَ . قال الحسن البصري : إن الله تعالى بعث محمداً ( صلى الله عليه وآله ) إلى العرب وهم قدرية مجبرة يحملون ذنوبهم على الله ! ذكره في الكشاف ( : 2 / 75 ) . ثم جدد هذه الشبهة معاوية ، فانتشرت وعمت أكثر المسلمين ، إلا من عصم الله وهم ( العدلية ) فقد روي أنه قال أي معاوية في بعض
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 227 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
خطبه : لو لم يرني الله أهلاً لهذا الأمر ما تركني وإياه ، ولو كره الله تعالى ما نحن فيه لغيره ! وكان يقول : أنا عامل من عمال الله أعطي من أعطاه الله وأمنع من منعه الله ، ولو كره الله أمراً لغيره ، فأنكر عليه عبادة بن الصامت وغيره ممن حضر من الصحابة ! ولم يزل ذلك في بني أمية حتى قال الحجاج وقد قَتل رجلاً لأجل إظهاره حب علي ( عليه السلام ) : اللهم أنت قتلته ، لو شئت منعتني منه ! ) . انتهى .
أقول : سبب تبني معاوية للجبرية هو التكبر والغطرسة : ( أَنْ آتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ ) ! فقد جعل الإرادة الإلهية التكوينية في قوانين الصراع والغلبة إرادةً تشريعية واستخلافاً إلهياً للغالب ! وساعده على ذلك إرث العرب الوثني ، وثقافة اليهود في تقديس الغلبة المادية والملك المادي !
وقد روى النسائي في السنن الكبرى : 4 / 420 ، قول معاوية : ( والله يعلم أني لم ألو عن الحق ولو كره الله شيئاً لغيَّره ) . ( وروى نحوه ابن أبي شيبة : 7 / 250 ) .
وقال الراغب في محاضرات الأدباء / 1293 : ( قال ابن عتيبة : هذا والله الاغترار ! ألم تكن مقاتلته علياً ، وقتله حجراً ، وبيعته ليزيد ، مما يكره الله تعالى ؟ ! ) .
وفي معارف ابن قتيبة / 242 : ( كان عطاء بن يسار قاصاً ويرى القدر ، وكان لسانه يلحن ، فكان يأتي الحسن هو ومعبد الجهني فيسألانه ويقولان : يا أبا سعيد إن هؤلاء الملوك يسفكون دماء المسلمين ويأخذون الأموال ويفعلون ويقولون : إنما تجري أعمالنا على قدر الله فقال : كذب أعداء الله ) ( وشذرات الذهب : 1 / 137 وضعفاء العقيلي : 3 / 403 ) .
وفي الكشاف : 2 / 75 : ( أي إذا فعلوها اعتذروا بأن آباءهم كانوا يفعلونها فاقتدوا بهم ، وبأن الله تعالى أمرهم بأن يفعلوها ، وكلاهما باطل من العذر ، لأن أحدهما تقليد والتقليد ليس بطريق للعلم ، والثاني افتراء على الله وإلحادٌ في صفاته ، كانوا يقولون : لو كره الله منا ما نفعله لنقلنا عنه ! وعن الحسن أن الله تعالى بعث
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 228 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
محمداً ( ص ) إلى العرب وهم قدرية مجبرة ، يَحْمِلون ذنوبهم على الله . وتصديقه قول الله تعالى : وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ ، لأن فعل القبيح مستحيل عليه لعدم الداعي ووجود الصارف ، فكيف يأمر بفعله . أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لا تَعْلَمُونَ . إنكار لإضافتهم القبيح إليه وشهادة على أن مبنى قولهم على الجهل المفرط ) . انتهى .
ولكن أهل البيت ( عليهم السلام ) لهم رأي آخر يتصل بموضوعنا : ففي الكافي : 1 / 373 : ( عن محمد بن منصور قال سألته ( الإمام الكاظم ( عليه السلام ) ) عن قول الله عز وجل : وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لا تَعْلَمُونَ . قال فقال : هل رأيت أحداً زعم أن الله أمر بالزنا وشرب الخمر أو شئ من هذه المحارم ؟ فقلت : لا ، فقال : ما هذه الفاحشة التي يدعون أن الله أمرهم بها ؟ قلت : الله أعلم ووليه ، قال : فإن هذا في أئمة الجور ، ادَّعوا أن الله أمرهم بالإئتمام بقوم لم يأمرهم الله بالإئتمام بهم ، فرد الله ذلك عليهم فأخبر أنهم قد قالوا عليه الكذب ، وسمى ذلك منهم فاحشة ) ! انتهى .
وفي رواية أخرى / 374 في تفسير قوله تعالى : قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ؟ قال ( عليه السلام ) : إن القرآن له ظهر وبطن ، فجميع ما حرم الله في القرآن هو الظاهر ، والباطن من ذلك أئمة الجور ، وجميع ما أحل الله تعالى في الكتاب هو الظاهر ، والباطن من ذلك أئمة الحق ) . انتهى .

6 - وتبنى معاوية عقيدة " الإرْجاء " تكميلاً للجبرية !

المُرْجِئَة هم الذين يقولون يكفي في الدين العقيدة ، مهما كان العمل !
قال النووي في شرح مسلم : 1 : 218 : ( قال القاضي عياض : اختلف الناس فيمن عصى الله من أهل الشهادتين فقالت المرجئة : لا تضره المعصية ، وقالت الخوارج :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 229 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
تضره ويكفر بها وقالت المعتزلة : يخلد في النار ، وقالت الأشعرية : بل هو مؤمن ) .
وفي شرح المواقف : 8 / 312 : ( فقالت المعتزلة : هو عفوٌّ عن الصغائر قبل التوبة ، وعن الكبائر بعدها . وقالت المرجئة : عفو عن الصغائر والكبائر مطلقاً ) !
وقال الدكتور حسن إبراهيم في تاريخ الإسلام : 1 / 416 : ( طائفة المرجئة التي ظهرت في دمشق حاضرة الأمويين بتأثير بعض العوامل المسيحية ، خلال النصف الثاني من القرن الأول الهجري . وقد سميت هذه الطائفة المرجئة من الإرجاء وهو التأخير ، لأنهم يرجئون الحكم على العصاة من المسلمين إلى يوم البعث . كما يتحرجون عن إدانة أي مسلم مهما كانت الذنوب التي اقترفها ! وهؤلاء هم في الحقيقة كتلة المسلمين التي رضيت حكم بني أمية ) ! انتهى .
* *
أقول : أصل الإرجاء من اليهود ، الذين أسقطوا المحرمات من دينهم ، بزعمهم أن العقاب مرفوع عنهم إلا أياماً قليلة : وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لا تَعْلَمُونَ . ( البقرة : 80 )
قال الإمام الباقر ( عليه السلام ) : ما الليل بالليل ولا النهار بالنهار أشبه من المرجئة باليهود ، ولا من القدرية بالنصرانية ) . ( ثواب الأعمال / 213 )
وقال الدكتور حسن إبراهيم في تاريخ الإسلام : 1 / 418 : ( ويقول فون كريمر : ومما يؤسف له كثيراً أنه ليس لدينا غير القليل من الأخبار الصحيحة عن هذه الطائفة ، فقد استمروا طوال ذلك العصر وذاقوا حلوه ومره ، وقد ضاعت جميع المصادر التاريخية العربية عن الأمويين ، حتى أن أقدم المصادر التاريخية التي وصلت إلينا إنما ترجع إلى عهد العباسيين ، ومن ثَمَّ كان لزوماً علينا أن نستقي معلوماتنا عن المرجئة من تلك الشذرات المبعثرة في مؤلفات كتاب العرب في ذلك العصر ) .
أقول : ليس غريباً أن يتأسف عليهم المستشرقون من اليهود والنصارى ! ما داموا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 230 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بتعبير الإمام الباقر ( عليه السلام ) : ( أشبه باليهود من الليل بالليل ) ! وذلك لجرأتهم على إسقاط قانون العقوبة الإلهي ، وقولهم إن المسلم مهما ارتكب ، فلن تمسه النار حتى أياماً معدودة ! وقد نشر مذهب الإرجاء كعب الأحبار وأخذه عنه بعض الصحابة ثم معاوية ! واستوفينا ذلك في المجلد الثالث من العقائد الإسلامية .

7 - ترسيخ معاوية والأمويين للجبرية والإرجاء كدين !

ركز معاوية عقيدة الجبرية والإرجاء في حياته ، واستمرت بعد وفاته على يد يزيد وبني مروان ! قال المفيد في الإرشاد : 2 / 116 : ( وعرض عليه ( ابن زياد ) علي بن الحسين ( عليهما السلام ) فقال له : من أنت ؟ فقال : أنا علي بن الحسين . فقال : أليس قد قتل الله علي بن الحسين ؟ فقال له علي : قد كان لي أخ يسمى علياً قتله الناس . فقال له ابن زياد : بل الله قتله . فقال علي بن الحسين : اللهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا . فغضب ابن زياد وقال : وبك جرأة لجوابي وفيك بقية للرد عليَّ ؟ ! إذهبوا به فاضربوا عنقه ! فتعلقت به زينب عمته وقالت : يا ابن زياد حسبك من دمائنا ، واعتنقته وقالت : والله لا أفارقه فإن قتلته فاقتلني معه ؟ فنظر ابن زياد إليها وإليه ساعة ، ثم قال : عجباً للرحم ! والله إني لأظنها ودَّت أني قتلتها معه ، دعوه فإني أراه لما به ) . ( ونحوه في الطبقات : 5 / 212 ، والنهاية : 8 / 210 ) .
وفي الكافي : 2 / 409 ، عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) قال : ( لعن الله القدرية لعن الله الخوارج لعن الله المرجئة ، لعن الله المرجئة ! قال قلت : لعنت هؤلاء مرة مرة ، ولعنت هؤلاء مرتين ؟ ! قال : إن هؤلاء يقولون : إن قتَلتَنا مؤمنون ! فدماؤنا متلطخةٌ بثيابهم إلى يوم القيامة ! إن الله حكى عن قوم في كتابه : قَالُوا إِنَّ اللهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ . . قال : كان بين القاتلين والقائلين خمسمائة عام
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 231 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فألزمهم الله القتل برضاهم ما فعلوا ) . انتهى .
أي أن المرجئة زعموا أن قتلة الإمام الحسين ( عليه السلام ) مؤمنون من أهل الجنة ولا يعاقبون على جريمتهم ! وبذلك صاروا شركاء لبني أمية في الجريمة ، لأن من رضي بعمل قوم فقد شركهم فيه !

8 - شكُّ عمر في نفسه . . خيرٌ من غرور معاوية !

من الطريف أن معاوية يجزم بأنه خليفة الله تعالى ويقولها كأنه مستيقن بها ! بينما يشك عمر في نفسه هل هو خليفة للنبي ( صلى الله عليه وآله ) أم ملكُ دنيوي لا علاقة لحكمه بخلافة الله ورسوله ( صلى الله عليه وآله ) ! ففي الطبقات : 3 / 306 : ( قال قال عمر بن الخطاب : والله ما أدري أخليفة أنا أم ملك ، فإن كنت ملكاً فهذا أمر عظيم ! قال قائل : يا أمير المؤمنين إن بينهما فرقاً . قال : ما هو ؟ قال : الخليفة لا يأخذ إلا حقاً ولا يضعه إلا في حق ، فأنت بحمد الله كذلك ، والملك يعسف الناس فيأخذ من هذا ويعطي هذا ! فسكت عمر ) ! انتهى .
ومعنى سكوته أنه لم يقتنع بأن ميزان الملك والخلافة هو أخذ المال وعطاؤه !
وقد روت شك عمر وحيرته مصادر عديدة بطرق عديدة ، وأنه كان يسأل الناس حوله : ( والله ما أدرى أخليفة أنا أم ملك ! فإن كنت ملكاً فقد ورطت في أمر عظيم ) . ( شرح النهج : 12 / 66 ) ويسأل طلحة والزبير وسلمان وأبا موسى الأشعري ! ( الدر المنثور : 5 / 306 ) ويطلب منهم الجواب ويحذرهم أن يكذبوا عليه : ( إني سائلكم عن شئ فإياكم أن تكذبوني فتهلكوني وتهلكوا أنفسكم ، أنشدكم بالله أخليفة أنا أم ملك ؟ ) . وكان يسأل كعباً خاصة ويستحلفه : ( أنشدك الله يا كعب أتجدني خليفة أم ملكاً ؟ قال قلت بل خليفة ، فاستحلفه ، فقال كعب : خليفة والله من خير الخلفاء وزمانك خير زمان ) . ( تاريخ الطبري : 3 / 279 ، وفتن ابن حماد / 56 ، وكنز العمال :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 232 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
12 / 574 ، 579 ) . أقول : بينما كان عمر يشك ويسأل هل هو خليفة شرعي لنبي ؟ نجد أن معاوية يزهم أنه خليفة الله في أرضه وهو يعرف كذبه ويكابر !

9 - أفتى علماؤهم بأن معاوية مَلِك وعمر خليفة !

قال الماحوزي في كتاب الأربعين / 387 : ( وقد صرح جمع من عظمائهم ، منهم العلامة النسفي في عقائده ، والتفتازاني في شرحها ، بأن معاوية ليس خليفة بل ملكاً ، وظاهر الناصب الخنجي في نقض كشف الحق ونهج الصدق ، أن هذا القول هو المشهور المنصور عندهم ! وذكر الفاضل الجليل نور الدين المالكي في الفصول المهمة أنه لما تم الصلح لمعاوية واجتمع عليه الناس ، دخل عليه سعد بن أبي وقاص وقال : السلام عليك أيها الملك ، فتبسم معاوية وقال : يا أبا إسحاق ما عليك لو قلت يا أمير المؤمنين ؟ ! فقال : والله أني لا أحب أني وليتها بما قد وليتها به ! روى ذلك صاحب تاريخ البديع ) . ( الفصول المهمة / 164 ) . انتهى .
وقال ابن تيمية في منهاجه : 7 / 452 : ( وضعفت خلافة النبوة ضعفاً أوجب أن تصير ملكاً ، فأقامها معاوية ملكاً برحمة وحلم ، كما في الحديث المأثور : تكون نبوة ورحمة ، ثم تكون خلافة نبوة ورحمة ، ثم يكون ملك ورحمة ، ثم يكون ملك . ولم يتول أحد من الملوك خيراً من معاوية فهو خير ملوك الإسلام . وسيرته خير من سيرة سائر الملوك بعده ) . ( ونحوه في : 6 / 232 ) فقد اضطر ابن تيمية إلى الاعتراف مرغماً بأن معاوية ملك وليس خليفة ، لكنه عوَّض له بحديث مكذوب يصف ملكه بالرحمة ، وأغدق عليه أوصاف الخلفاء والأنبياء ( عليهم السلام ) !
بل رووا اعتراف معاوية نفسه بأنه ملك وليس خليفة ! وبذلك يناقض نفسه فيكون خليفة الله وليس خليفة رسوله ( صلى الله عليه وآله ) ! قال ابن عساكر في تاريخ دمشق : 59 / 177 : ( عن ابن شوذب قال : كان معاوية يقول : أنا أول ملك وآخر خليفة ) . وعلق
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 233 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عليه ابن كثير في النهاية : 8 / 144 بقوله : ( قلت : والسنة أن يقال لمعاوية ملك ، ولا يقال له خليفة لحديث سفينة : الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكاً عضوضاً ) ( أخرجه الإمام أحمد 5 / 44 و 5 / 220 وأبو داود في السنة ح‍ ( 4646 ) بلفظ : خلافة النبوة ثلاثون سنة ثم يأتي الملك من يشاء . ومن طريق يعقوب بن سفيان عن سفينة : الخلافة في أمتي ثلاثون سنة ثم ملك بعد ملك ) . انتهى . وهو يدل على أن ابن كثير لم يقبل قول ابن تيمية !
وفي الفواكه الدواني : 1 / 104 : ( ما ذكره المصنف من الاقتصار في الخلفاء على الأربعة يفيد أن معاوية ليس بخليفة بل ملك ، وهو المطابق لقوله ( ص ) : الخلافة بعدي ثلاثون سنة . وقيل إنما تتم بمدة الحسن بن علي ، وذلك أن الناس بايعوه بعد أبيه في العشر الأخيرة من رمضان سنة أربعين من الهجرة ، ثم إن الحسن سلَّم الأمر إلى معاوية بن أبي سفيان في النصف من جمادي الأولى سنة إحدى وأربعين من الهجرة ، فتكون مدة خلافة الحسن سبعة أشهر ونصفاً وأياماً . . . . إنما سموا بالخلفاء لأنهم لم يخرجوا عما كان عليه الرسول ( ص ) فلما حافظوا على متابعته سموا خلفاء ، وأما الذين خالفوا سنته وبدلوا سيرته فهم ملوك ! وقول الرسول : ملكاً عضوضاً : الملك مثلث الميم والعضوض بفتح العين من عضَّ ومعناه أنهم يضرون الرعية ويتعسفون عليهم ، فكأنهم يعضونهم بالأسنان ) !
* *
أقول : لا يغرنك ما ثبت عندهم من تشكيك عمر في نفسه هل هو خليفة أو ملك ! ولا نفي أغلبية علمائهم صفة الخلافة عن معاوية وحكمهم بأنه ملك ! فكله كلامٌ نظري في بطون الكتب ، أما العقيدة السائدة في جمهورهم وقصورهم وأكواخهم فهي التعصب لعمر ومعاوية الخليفتين الراشدين وقياس الدين بهما ، وقياس الناس بهما ! فعلى ذلك يتولَّوْن الناس ويتبرؤون منهم ! فمن تولاهما فهو مسلم ، وإلا فهو كافر !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 234 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

10 - وقتل معاوية مَن لم يشهد له بإمرة المؤمنين !

لو أن علماءهم الذين أفتوا بأن معاوية ملك وليس أمير المؤمنين ، كانوا في زمن معاوية ، لكان نصيبهم أن يتعتعهم معاوية ويدفعهم في أقفيتهم ، كما فعل مع الصحابي أبي بكرة ووفده ، أو يقطع رقابهم كما فعل مع معين بن عبد الله !
ففي مسند الطيالسي / 116 : ( وفدنا إلى معاوية مع زياد ومعنا أبو بكرة ( أخ زياد بن أبيه ) فدخلنا عليه فقال له معاوية : حدثنا حديثاً سمعته من رسول الله عسى الله أن ينفعنا به قال : نعم ، كان نبي الله يعجبه الرؤيا الصالحة ويسأل عنها فقال ذات يوم : أيكم رأى رؤيا ؟ فقال رجل : أنا يا رسول الله إني رأيت رؤيا رأيت كأن ميزاناً دُلِّي من السماء فوُزنتَ أنت وأبو بكر فرجحتَ بأبي بكر ، ثم وُزن أبو بكر بعمر فرجحَ أبو بكر بعمر ، ثم وُزن عمر بعثمان فرجحَ عمر بعثمان ثم رفع الميزان ! فاستاء لها رسول الله ثم قال : خلافة نبوة ثم يؤتي الله الملك من يشاء ! فغضب معاوية فزخَّ في أقفائنا وأخرجَنا . فقال زياد لأبي بكرة : أما وجدت من حديث رسول الله حديثا تحدثه غير هذا ؟ ! قال : والله لا أحدثه إلا به حتى أفارقه ! قال : فلم يزل زياد يطلب الإذن حتى أذن لنا فأدخلنا فقال معاوية : يا أبا بكرة حدثنا بحديث عن رسول الله لعل الله أن ينفعنا ! به قال : فحدثه أيضاً بمثل حديثه الأول قال له معاوية : لا أباً لك تخبرنا أنَّا ملوك ، فقد رضينا أن نكون ملوكاً ) ! ( ورواه في مسند أحمد : 5 / 50 ، وتاريخ دمشق : 36 / 8 ، , وإمتاع الأسماع : 14 / 207 ) . وقال ابن قتيبة في غريب الحديث : 1 / 371 : ( وأصل الزَّخ الدفع يقال : زخَّ في قفا فلان حتى أخرج من الباب . . . ومنه حديث أبي بكرة حين حدث معه معاوية بقول رسول الله ( ص ) خلافة نبوة ثم يؤتي الله الملك من يشاء ، قال : فزخَّ في أقفائنا ) . انتهى .
وقد كان حظُّ أبي بكرة وجماعته جيداً لأن معاوية لم يقتلهم ! أما معين بن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 235 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عبد الله فكان محبوساً في الكوفة فكتب معاوية إلى المغيرة : ( إن شهد أني خليفة فخل سبيله ، فأحضره المغيرة وقال له : أتشهد أن معاوية خليفة وأنه أمير المؤمنين ؟ فقال : أشهد أن الله عز وجل حق ، وأن الساعة آتية لا ريب فيها ، وأن الله يبعث من في القبور ! فأمر به فقتل ) ! ( كامل ابن الأثير : 3 / 277 )
ويظهر أن حديث أبي بكرة في أبي بكر وعمر ، أثَّر في نفس معاوية ، فساءه أن يكون أحد أرجح منه حتى بحديث مكذوب ، فردَّ عليه يوماً فقال كما في أنساب الأشراف للبلاذري / 1111 : ( قال معاوية : لو وُزِنْتُ بالدنيا لرجحتُ بها ، ولكني وزنتُ بالآخرة فرجحت بي ) . وسيأتي تفضيله نفسه على أبي بكر وعمر !

11 - ونجح مشروع معاوية وصار الحاكم الأموي خليفة الله !

فقد واصل الأمويون مشروع معاوية بعده ، وتسمى كل واحد منهم بخليفة الله !
ففي تاريخ دمشق : 12 / 159 : ( سليمان الأعمش قال : جَمَّعت ( صليت الجمعة ) مع الحجاج ، قال فخطب فذكر نحو حديث أبي بكر بن عياش قال فيها ( الخطبة ) : إسمعوا وأطيعوا لخليفة الله وصفيه عبد الملك بن مروان ) !
وفي تفسير ابن كثير : 4 / 35 : ( أن الوليد بن عبد الملك قال له ( لأبي زرعة ) : أيحاسب الخليفة ؟ فإنك قد قرأت الكتاب الأول وقرأت القرآن وفقهت ؟ فقلت يا أمير المؤمنين ، أقول ؟ قال : قل في أمان الله . قلت : يا أمير المؤمنين أنت أكرم على الله أو داود عليه الصلاة والسلام ، إن الله تعالى جمع له النبوة والخلافة ثم توعده في كتابه فقال تعالى : يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرض فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ ) . انتهى .
وهو يدل على محاولة خلفاء بني أمية إسقاط الحساب عن الخليفة !
وأكتفي هنا بالإلفات إلى ما كتبه باحثان معاصران في الموضوع ، هما العلامة السيد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 236 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
جعفر مرتضى في الصحيح من السيرة : 1 / 29 قال : ( وكان من سياسات الأمويين تفضيل الخليفة الأموي على رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ! يقول الجاحظ : فأحسب أن تحويل القبلة كان غلطاً ، وهدم البيت كان تأويلاً ! وأحسب ما روي من كل وجه : أنهم كانوا يزعمون : أن خليفة المرء في أهله أرفع عنده من رسوله إليهم . . . ) الخ .
والثاني المحامي أحمد حسين يعقوب الأردني في كتابه : الخطط السياسية لتوحيد الأمة الإسلامية / 405 ، قال تحت عنوان : تقديس الخليفة الغالب :
1 - تميز وعلو شأن الخليفة الغالب : لما انتقل النبي إلى جوار ربه شغر منصبه وحل الفارس الغالب محله ، بعد أن تجاهل الناس الولي الشرعي المعين من قبل الله ورسوله ، فأخذ هذا الفارس الغالب يمارس سلطات النبي . . . .
2 - القائم مقام النبي : هذا الخليفة الغالب القائم مقام النبي والمحتل لمكانه ، والمتصدي لمهامه وصلاحياته ، لم يعينه الله ولم يعينه النبي ، ولم تختره الجماعة المسلمة ، وإنما هو فارس ذكي ، طمع بالسلطة فخطط ودبر . . . . .
3 - دور الأمة : يتصارع الفرسان المرشحون للفوز والغلبة ، والأمة تتفرج . . . . فإذا غلب أحد الفرسان واستقامت أموره ، يطلب هذا الفارس الغالب وحاشيته من الأمة أن تبايع ، أي أن توافق بأن يكون هذا الفارس الغالب ولي أمرها وإمامها وخليفة نبيها ، فمن بايع فقد أفلح وتولى سبيل المؤمنين . . . راجع الأحكام السلطانية لأبي يعلى ، والماوردي من 1 - 15 والقواعد التي وضعها علماء الدولة وجعلوها فضفاضة بحيث تتسع لكل حالة ، وتوثيقنا لما قاله إمام الحرمين الجويني ، وابن العربي ، وأبو المعالي ، وعضد الدين الإيجي ) .
4 - المتغلب غير المؤهل : عندما اختار الله تعالى نبيه للنبوة أهَّلَه وأعدَّه لذلك ، وعندما نصره وأقام دولته ، أهله وأعده لقيادة الدولة ، فلم يختر الله نبياً أو يعين
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 237 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
رئيس دولة دون تأهيل وإعداد . وقبل أن يعلن النبي ولاية علي أهَّله وأعده للولاية من بعده وصنعه على عينه ، فالأهلية الشرعية والإعداد للقيام بهذا العمل أو ذلك ، ضرورة من ضرورات النجاح ، فالهندسة والطب والفلاحة والنجارة وأي مهنة لا بد لها من أهلية وإعداد . . . .
5 - من كانت هذه مؤهلاته كيف يدير شؤون الدولة ؟ ! الغالب يُسَخِّر موارد الدولة وإمكانياتها لتثبيت غلبته ، فيعطي من أطاعه ويرفعه ، ويحرم من عصاه ويضعه ، ثم يسلط الذين أطاعوه على الذين عصوه ويذيق بعض الأمة بأس بعض حتى تلقي تماماً عصا المقاومة والمعارضة ، وينصرف كل إنسان إلى معاشه اليومي فلا يسأل الغالب عما يفعل ! . . .
6 - نماذج من اجتهادات الخلفاء : الفجاءة السلمي عينه أبو بكر أميراً وأمَّره ، فبلغت عنه لأبي بكر أنباء . . . فلما جاء الفجاءة كما في رواية الطبري ( فأوقد له أبو بكر ناراً في مصلى المدينة على حطب كثير ثمَّ رُمِيَ فيها مَقْمُوطاً ! وفي لفظ ابن كثير : فجمعت يداه إلى قفاه وألقي في النار فحرقه وهو مقموط ) ! راجع تاريخ الطبري : 3 / 234 و : 4 / 52 ، وابن الأثير : 2 / 146 ) .
7 - ندم المجتهد : وندم أبو بكر على فعله في مرض موته وقال : ثلاث فعلتهن وددت أني تركتهن ! وددت أني لم أكشف بيت فاطمة عن شئ ، وإن كانوا قد غلقوه على الحرب ! وودت أني لم أحرق الفجاءة السلمي وأني كنت قتلته تسريحاً أو خليته نجيحاً ! وودت أني يوم السقيفة كنت قد قذفت الأمر في عنق أحد الرجلين عمر وأبي عبيدة . راجع تاريخ الطبري : 2 / 52 ، حوادث سنة 13 .
8 - اجتهاد بمالك بن نويرة : مالك بن نويرة كان شاعراً وفارساً من فرسان بني يربوع في الجاهلية ، ومن أشرافهم ، فلما أسلم مالك عينه رسول الله أميراً على
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 238 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
صدقات قومه ، ومات الرسول وهو على إمارته ، فلما توفي النبي أمسك الصدقة ووزعها على قومه وقال :

فقلت خذوا أموالكم غير خائف * ولا ناظر في ما يجئ من الغد
فإن قام بالدين المخوف قائم * أطعنا وقلنا الدين دين محمد

فغزاه خالد بن الوليد ، وقال له ولقومه : ضعوا السلاح فوضعوا سلاحهم ، وقالوا لخالد نحن مسلمون . وفي وفيات الأعيان وفوات الوفيات وتاريخ أبي الفداء وابن شحنة : أن مالك قال لخالد : يا خالد إبعثنا لأبي بكر فيكون هو الذي يحكم بنا وفينا ، فإنك بعثت إليه غيرنا مَنْ جرمُه أكبر من جرمنا ! فقال خالد : لا أقالني الله إن لم أقتلك ! ثم أمر ضرار بن الأزور ليضرب عنقه ! فقال مالك : أنا على الإسلام ! فقال خالد : يا ضرار اضرب عنقه ! وتزوج خالد امرأة مالك بن نويرة بنفس الليلة ! وفي رواية الطبري عن عبد الرحمن بن أبي بكر : فلما بلغ عمر بن الخطاب تكلم فيه عند أبي بكر ، وقال عمر : ( عدو الله ، عدا على امرئ مسلم فقتله ثم نزا على امرأته ! فلما أقبل خالد قام إليه عمر فانتزع الأسهم من لأمته وحطمها ، ثم قال : أرياءً قتلت امرءا مسلماً ثم نزوت على امرأته ! والله لأرجمنك بأحجارك ! فدخل خالد فاعتذر لأبي بكر فقبل عذره ، واعتبر خالد مجتهداً ومأجوراً لأنه قتل صاحب رسول الله وأميره ! أما مالك فلا أجر له مع أنه صحابي لأن قاتله خالد بن الوليد من أهل الطاعة ! . . . قال ابن تيمية في منهاج السنة : 3 / 19 : وأكثر هذه الأمور لهم فيها معاذير تخرجها عن أن تكون ذنوباً وتجعلها من موارد الإجتهاد التي إن أصاب المجتهد فيها فله أجران وإن أخطأ فله أجر واحد !
وقال ابن حزم في المحلى وابن التركماني في الجوهر النقي : ( لا خلاف بين أحد من الأمة بأن عبد الرحمن بن ملجم لم يقتل علياً إلا متأولاً مجتهداً ، مقدراً أنه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 239 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
على صواب ) ! وهكذا فإن المقتول عليٌّ مثل القاتل عبد الرحمن بن ملجم ، وكلاهما مأجور لأن كليهما مجتهد ! والقاتل أبو لؤلؤة مثل المقتول عمر ، وكلاهما مأجور لأنه مجتهد !
9 - اجتهادات الخلفاء الغالبين : تراكمت وتكاثرت فأصبحت منظومة حقوقية كاملة ، اجتهد الخلفاء المتغلبون وأهل طاعتهم فيما لا يعرفونه من الشرع ، أو فيما لا يرغبون بتطبيقه ! وتراكمت الاجتهادات وتكاثرت حتى كونت منظومة حقوقية كاملة ، سارت على قدم المساواة مع المنظومة الحقوقية التي أنزلها الله ، بل وتقدمت عليها فطبقت كل اجتهادات الخلفاء المتغلبين وأهل طاعتهم ، وعطلت الشريعة فيما يتعارض . . . .
10 - الإجتهاد ثمرة طبيعية لعدم الإعداد والتأهيل : الخليفة المتغلب ، غير معد وغير مؤهل لقيادة الأمة . وإعداده الأوحد وأهليته العظمى وشهادته الكبرى هو أنه القوي المتغلب ! فمن الطبيعي أن لا يعرف الحكم الشرعي . . . .
11 - مكافأة الخليفة الغالب : علاوة على أن الغالب كالمنشار يأكل في الإتجاهين ويُؤجر في صوابه وخطئه ، فإن الجموع المسلمة تقديراً لعبقريته وجرأته واجتهاده . . . .
12 - هذا ليس خيالاً : وإليك الإثبات : روى مسلم في صحيحه : 6 / 20 : باب لزوم الجماعة أن الرسول قال : ( يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي ولا يستنون بسنتي ! وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس ! قال حذيفة قلت : كيف أصنع يا رسول الله ؟ قال : تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع ) . . أنت تلاحظ أن طاعة الأمير اختلطت مع وحدة الأمة !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 240 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فطاعة الغالب هي تعبير عن الولاء لوحدة الأمة ومعصية الغالب هي رمز الخروج على وحدة الأمة !
13 - النووي يضع النقاط على الحروف . . والبيهقي يؤيد ! قال النووي في شرحه لصحيح مسلم : 2 / 229 والبيهقي في سننه : 8 / 158 ما يلي وبالحرف : ( وقال جماهير أهل السنة من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين : لا ينعزل - أي الخليفة المتغلب - بالفسق والظلم وتعطيل الحدود ، ولا يُخلع ولا يجوز الخروج عليه بذلك بل يجب وعظه . وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين ) . . . !
14 - عجباً أليس الخليفة المتغلب هو القائم مقام رسول الله ! رسول الله نفسه الذي قال لأصحابه : ألا من جلدت له ظهراً فهذا ظهري فَلْيقْتَدْ منه ألا وإن الشحناء ليست من خلقي ، ألا وإن أحبكم إليَّ من كان له عندي حقاً فأخذه مني ، فلقيت الله وهو راض عني . . . . . !
15 - الخليفة المتغلب ليس خليفة رسول الله إنما هو صفي الله وخليفته ! روى أبو داود في سننه : 4 / 210 ح 4645 باب في الخلفاء عن سليمان بن الأعمش أنه قال : جمَّعتُ مع الحجاج فخطب . . . إلى أن قال : إسمعوا وأطيعوا لخليفة الله وصفيه عبد الملك بن مروان ! وقيل في مجلس الخليفة العباسي المهدي عن الخليفة الأموي الوليد إنه كان زنديقاً ، فقال المهدي : خلافة الله عنده أجل من أن يجعلها في زنديق ! ( راجع تاريخ ابن الأثير : 10 / 7 - 8 ) .
16 - قالوا إن الخليفة المتغلب أعظم عند الله من الرسول نفسه ! روى أبو داود في سننه : 4 / 209 والمسعودي في مروجه : ذكر طرف من أخبار الحجاج : 3 / 147 ، وابن عبد ربه في العقد الفريد : 5 / 52 ، عن الربيع بن خالد أنه قال : سمعت الحجاج يخطب فقال في خطبته : رسول أحدكم في حاجته أكرم عليه ، أم خليفته في أهله ؟ ) ! وخطب الحجاج يوماً على منبر الكوفة فذكر الذين يزورون قبر رسول
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 241 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الله ، فقال : تبّاً لهم يطوفون بأعواد ورمَّة بالية ! ! هلاّ طافوا بقصر أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان ! ألا يعلمون أن خليفة المرء خير من رسوله ! !
17 - الخليفة المتغلب أفضل من الملائكة المقربين والأنبياء المرسلين ! جاء في العقد الفريد : 5 / 51 ، أنه كتب إلى عبد الملك بن مروان يعظم فيه أمر الخلافة ويزعم أن السماوات والأرض ما قامتا إلا بها ، وأن الخليفة عند الله أفضل من الملائكة المقربين والأنبياء المرسلين . . . .
18 - وقالوا إن للخليفة عند الله كرامة أعظم من كرامة الأنبياء ! أمر الوليد بن عبد الملك خالد بن عبد الله والي مكة فحفر بئراً بمكة فجاءت عذبة الماء طيبة ، وكان يستسقي منها الناس فقال خالد في خطبته على منبر مكة : أيها الناس ، أيهما أعظم خليفة الرجل على أهله أم رسوله إليهم ؟ والله لو تعلمون فضل الخليفة ! ألا إن إبراهيم خليل الرحمن استسقى فسقاه الله ملحاً أجاجاً ، واستسقاه الخليفة فسقاه الله عذباً فراتاً ! . . .
19 - ثم تلطفوا فجعلوا الخليفة الغالب مساوياً لرسول الله ! قال الحجاج في خطبة له كما في سنن أبي داود والعقد الفريد ( إن مثل عثمان عند الله كمثل عيسى بن مريم ، ثم قرأ قوله تعالى : إِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ . ( راجع سنن أبي داود : 4 / 209 والعقد الفريد : 5 / 51 ) .
20 - من يتبع الخليفة ويطيعه فهو المؤمن ، ومن يعانده فهو الكافر !
في العقد الفريد وفي تاريخ الطبري : 5 / 61 حوادث سنه 89 ، وابن الأثير : 1 / 25 وابن كثير : 9 / 76 أن الحجاج بعد أن قارن بين عثمان بن عفان وبين عيسى بن مريم وعندما تلا قوله تعالى : وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ، أشار بيده إلى أهل العراق ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 242 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وعندما تلا : وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا ، أشار بيده إلى أهل الشام ! !
21 - طاعة الخليفة المتغلب من أعظم القرب عند الله ! هَدْمُ الكعبة المشرفة حرمة ، واتِّباعُ الخليفة طاعة ، فإذا تعارضت الحرمة مع الطاعة قدمت الطاعة على الحرمة ! فالخليفة يرغب بهدم الكعبة والكعبة حرمة ولكن تنفيذ أوامر الخليفة طاعة ، وهنا يتوجب حسب رأيهم أن تقدم الطاعة على الحرمة ، فتهدم الكعبة طاعة للخليفة ، وقد هدمت فعلاً ! ! قتْلُ أهل بيت النبوة وإبادتهم في كربلاء حرمة ، وأوامر الخليفة بإبادة أهل البيت طاعة ، عندئذ يضحَّى بالحرمة من أجل الطاعة ، ويباد أهل البيت تحقيقاً لواجب الطاعة ! ! ) . انتهى .

12 - تعظيم معاوية لأبي سفيان من أجل تعظيم نفسه !

روى الطبري : 2 / 637 ، وابن الأثير : 3 / 34 ، محاورة معاوية مع الصحابة والزعماء التسعة ، الذين نفاهم عثمان إلى الشام ، وجاء فيها قول معاوية : ( وقد عرفت قريش أن أبا سفيان كان أكرمها وابن أكرمها ، إلا ما جعل الله لنبيه نبي الرحمة ( فإنه انتخبه وأكرمه ) وإني لأظن أن أبا سفيان لو ولد الناس لم يلد إلا حازماً !
قال صعصعة : كذبت ! قد ولدهم خير من أبي سفيان ، مَن خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه ، وأمر الملائكة فسجدوا له ، فكان فيهم البر والفاجر والأحمق والكيس ) ! انتهى . وقد وضعنا عبارة ( فإنه انتخبه وأكرمه ) التي رواها في الكامل بين قوسين ، لأنا نشك في أن الرواة أضافوها ليخففوا من وقعها ! فرواياتهم لها متفاوتة حيث رواها في نهاية الإرب / 4257 وشرح النهج : 2 / 131 ، عن المدائني بلفظ ابن الأثير وفيه : ( لكانوا حلماء ) . وفي الطبري عبارة أطول : ( فإن الله انتخبه وأكرمه ، فلم يخلق في أحد من الأخلاق الصالحة شيئاً ، إلا أصفاه الله بأكرمها وأحسنها ، ولم يخلق من الأخلاق السيئة شيئاً في أحد إلا أكرمه الله عنها ونزهه ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 243 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وهذا التكريم في الاستثناء يزيد الشك ! فمعاوية يقول : إن أبا سفيان سيد قريش ، وقد قبلنا باستثناء محمد ! وأنا وارث أبي ، فأنا سيد قريش وأفضلها ، فمن يكون أبو بكر التيمي وعمر العدوي وعلي الهاشمي ، وعثمان من فرع العاص ؟ !
* *
ولا تنس إصرار معاوية على تنفيذ رغبة أبي سفيان في تبني زياد ! فقد رأى أبو سفيان زياداً يوماً يخطب في المدينة في دار الخلافة ، فأُعجب به وقال إنه ابنه لأنه بزعمه ولد من زناه بأمه سمية وكانت زوجة عبيد ، وبغيَّة ذات علم !
قال الثقفي في الغارات : 2 / 926 : ( وروى أحمد بن يحيى البلاذري قال : تكلم زياد وهو غلام حدث بحضرة عمر كلاماً أعجب الحاضرين ، فقال عمرو بن العاص : لله أبوه لو كان قرشياً لساق العرب بعصاه ! فقال أبو سفيان : أما والله إنه لقرشي ، ولو عرفته لعرفت أنه خيرٌ من أهلك ! فقال : ومن أبوه ؟ قال : أنا والله وضعته في رحم أمه ! فقال : فهلا تستلحقه ؟ قال : أخاف هذا العير الجالس أن يخرق عليَّ إهابي ( ( أي أخاف من هذا البعير ويقصد عمر أن يمزق جلدي ) !
وروى علي بن محمد المدائني قال : لما كان زمن علي ولى زياداً فارس أو بعض أعمال فارس فضبطها ضبطاً صالحاً وجبا خراجها وحماها ، وعرف ذلك معاوية فكتب إليه : أما بعد فإنه غرتك قلاع تأوي إليها ليلاً كما تأوي الطير إلى وكرها ، وأيم الله لولا انتظاري بك ما الله أعلم به ، لكان لك مني ما قال العبد الصالح : فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ ! وكتب في أسفل الكتاب شعراً من جملته :

تنسى أباك وقد شالت نعامته * إذ يخطب الناس والوالي لهم عمرُ

فلما ورد الكتاب على زياد قام فخطب الناس وقال : العجب من ابن آكلة الأكباد ورأس النفاق يهددني وبيني وبينه ابن عم رسول الله ، وزوج سيدة نساء
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 244 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
العالمين وأبو السبطين وصاحب الولاية والمنزلة والإخاء ، في مائة ألف من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان ! أما والله لو تخطى هؤلاء أجمعين إليَّ لوجدني أحمر ضراباً بالسيف ( أحمر فارسي لأنه أمه فارسية ) ثم كتب إلى علي وبعث بكتاب معاوية في كتابه ، فكتب إليه علي ( عليه السلام ) وبعث بكتابه : ( أما بعد فإني قد وليتك ما وليتك وأنا أراك لذلك أهلاً ، وإنه كانت من أبي سفيان فلتة في أيام عمر من أماني التيه وكذب النفس ، لم تستوجب بها ميراثاً ولم تستحق بها نسباً ، وإن معاوية كالشيطان الرجيم يأتي المرء من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ، فاحذره ثم احذره ثم احذره . والسلام ) . ( راجع أيضاً : المناقب والمثالب للقاضي النعمان / 204 ، وتاريخ اليعقوبي : 2 / 218 ، وأنساب الأشراف / 1219 و / 2341 ، وشرح النهج : 6 / 284 ، و : 16 / 181 ، وبحار الأنوار : 33 / 229 ، والغدير : 2 / 132 ، و : 10 / 219 ، وقال : لو كان معاوية استلحق زياداً بهذا الخبر لكان استلحاقه عمرو بن العاص أولى ! إذ ادعاه أبو سفيان يوم ولادته قائلاً : أما إني لا أشك أني وضعته في رحم أمه ) ! انتهى . وقول الأميني ( رحمه الله ) : صحيحٌ لأن أبا سفيان قال مثل ذلك في عمرو بن العاص ، لكن أمه النابغة اختارت أن يكون أباه العاص لأنه أسخى من أبي سفيان ! ففي الغدير : 2 / 120 : ( وقال الإمام السبط الحسن الزكي ( عليه السلام ) بمحضر معاوية وجمع آخر : أما أنت يا ابن العاص فإن أمرك مشترك ! وضعتك أمك مجهولاً من عهر وسفاح فتحاكم فيك أربعة من قريش فغلب عليك جزارها ، ألأمهم حسباً وأخبثهم منصباً ! ثم قام أبوك فقال : أنا شانئ محمد الأبتر فأنزل الله فيه ما أنزل ) . انتهى .
ولا يتسع المجال للإفاضة فيه ، وشاهدنا أن معاوية كان يقدس أبا سفيان ، ويعتبر كلامه كالوحي ولو كان مخالفاً للوحي ! ويظهر أن معاوية كان يوافق أبا سفيان على آرائه المختلفة العقيدية والسياسية ! فقد تحمل اعتراض الأمة كلها في استلحاق زياد من أجل كلمة قالها أبو سفيان ! واعترضت عليه عائشة فقال
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 245 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لها : ( يا أم المؤمنين . . . وأما زياد فإن أبي عهد إليَّ فيه ، وأما يزيد فإني رأيته أحق الناس بهذا الأمر فوليته ) . ( شرح الأخبار : 2 / 172 ) . وهذا يدل على أنه كان يشعر أنه ابن أبي سفيان ، وأنه تجاوز نفسياً بحكم نشأته نسبته إلى مسافر بن أبي عدي الأموي ، الذي ذكروا أنه شبيهه أو نسخة عنه !
ومهما يكن ، فقد كان يعظِّم أبا سفيان ويرفع من شأنه ، ويتبنى آراءه خاصة في ترتيب مكانة قبائل قريش وأن بيت ملكهم هم بنو عبد مناف ( بنو أمية وهاشم ) ! وكان مثله يرى أن العباس وعلياً ( عليه السلام ) أخطئا كل الخطأ عندما سمحا لأرذل بيتين في قريش تيم وعدي ، أن يسيطرا على سلطان محمد المَنافي ويعبدا أصحاب الحق بني عبد مناف من الأمويين والهاشميين !

13 - تعظيم معاوية لأبي بكر وعمر وعثمان لتعظيم نفسه !

كان أول عمل قام به معاوية بعد عودته من العراق منتصراً أنه خطب في أهل الشام قائلاً لهم : ( أيها الناس : إن رسول الله قال لي إنك ستلي الخلافة من بعدي فاختر الأرض المقدسة فإن فيها الأبدال ، وقد اخترتكم فالعنوا أبا تراب فلعنوه ) ! ( شرح النهج : 4 / 72 ) . وفي هذا كذبٌ على رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بإجماع المسلمين لأنه لم يبشر معاوية بالخلافة ، ولا أمره أن ينقل عاصمتها إلى بلاد الشام ! فلم يرو هذا الحديث أحدٌ غير معاوية ! وقد أجمع علماء الجرح والتعديل على أنه لم يصح فيه حديث إلا : ( لا أشبع الله بطنه أو اللهم لا تشبع بطنه ) ! كما تضمن حديث معاوية كذباً في مدح بلاد الشام ، وإن كانت بلادي وأحبها ، لكنك عندما ترى أن أكثر أحاديث بلاد الشام والأرض المقدسة والأبدال عن معاوية ، فلا بد لك أن تعيد النظر فيها لتميِّز أصلها عما نسجه معاوية ورواته عليها !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 246 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والغرض أن معاوية أعلن بعد عودته من العراق بداية مرحلة جديدة من تعظيم نفسه وما يتصل به ، ومن يتصل به ، وتسقيط بني هاشم وما يتصل بهم !
قال أحمد حسين يعقوب في كتابه الخطط السياسية لتوحيد الأمة / 107 :
خليفة المسلمين معاوية يرعى الرواية والرواة : قال ابن أبي الحديد في شرح النهج : 3 / 595 : روى أبو الحسن علي بن محمد بن أبي سيف المدائني في كتاب الأحداث قال : كتب معاوية نسخة واحدة إلى عماله بعد عام الجماعة : أن برئت الذمة ممن روى شيئاً من فضل أبي تراب ( يعني الإمام علي ) وأهل بيته ( يعني أهل بيت النبوة الكرام ) ! فقامت الخطباء في كل كورة وعلى كل منبر يلعنون علياً ، ويبرؤون منه ، ويقعون فيه ، وفي أهل بيته ، وكان أشد الناس بلاء حينئذ أهل الكوفة لكثرة من بها من شيعة علي ، فاستعمل عليهم زياد بن سمية وضم إليه البصرة ، فكان يتتبع الشيعة وهو بهم عارف لأنه كان منهم أيام علي ! فقتلهم تحت كل حجر ومدر ، وأخافهم ، وقطع الأيدي والأرجل ، وسمل العيون ، وصلبهم على جذوع النخل ، وطردهم وشردهم عن العراق ، فلم يبق بها معروف منهم .
مرسوم آخر لخليفة المسلمين معاوية : ويضيف المدائني بالحرف : وكتب معاوية إلى عماله في جميع الآفاق أن لا يجيزوا لأحد من شيعة علي وأهل بيته شهادة ! وكتب إليهم : أن انظروا من قبلكم من شيعة عثمان ، ومحبيه وأهل ولايته ، والذين يروون فضائله ومناقبه ، فأدنوا مجالسهم ، وقربوهم ، وأكرموهم ، واكتبوا لي بكل ما يروي كل رجل منهم واسمه واسم أبيه وعشيرته . ففعلوا ذلك حتى أكثروا من فضائل عثمان ومناقبه ، لما كان يبعثه إليهم معاوية من الصلات والكساء والحباء والقطائع ، ويفيضه في العرب منهم والموالي ، فكثر ذلك في كل مصر ، وتنافسوا في المنازل والدنيا ، فليس يجئ أحد من الناس عاملا من
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 247 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عمال معاوية فيروي في عثمان فضيلة أو منقبة إلا كتب اسمه وقربه وشفعه ، فلبثوا بذلك حيناً .
مرسوم ثالث لخليفة المسلمين معاوية : كتب معاوية إلى عماله : إن الحديث في عثمان قد كثر وفشا في كل مصر ، وفي كل وجه وناحية ، فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الأوليين ، ولا تتركوا خبراً يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلا وتأتوني بمناقض له في الصحابة ، فإن هذا أحب إلى وأقر لعيني ، وأدحض لحجة أبي تراب وشيعته ، وأشد عليهم من مناقب عثمان وفضله ! فقرئت كتبه على الناس ، فرويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها ، وجد الناس في رواية ما يجري هذا المجرى ، حتى أشاروا بذكر ذلك على المنابر ، وألقي إلى معلمي الكتاتيب ، فعلموا صبيانهم وغلمانهم من ذلك الكثير الواسع ، حتى رووه وتعلموه كما يتعلمون القرآن ، وحتى علموا بناتهم ، ونساءهم ، وخدمهم ، وحشمهم ، فلبثوا بذلك ما شاء الله ! . راجع المجلد : 3 / 595 من شرح النهج . . .
مرسوم رابع لخليفة المسلمين معاوية : ثم كتب معاوية نسخة واحدة إلى جميع البلدان : أنظروا من قامت عليه البينة أنه يحب علياً وأهل بيته فامحوه من الديوان وأسقطوا عطاءه ورزقه ! وشفع ذلك بنسخة أخرى : من اتهمتموه بموالاة هؤلاء القوم فنكلوا به واهدموا داره ! فلم يكن البلاء أشد ولا أكثر منه بالعراق ولا سيما الكوفة ، حتى أن الرجل من شيعة علي ليأتيه من يثق به فيدخل بيته ، فيلقي إليه سره ، ويخاف من خادمه ومملوكه ولا يحدثه حتى يأخذ عليه الإيمان الغليظة ليكتمن عليه ، فظهر حديث كثير موضوع ، وبهتان منتشر ، ومضى على ذلك الفقهاء والقضاة والولاة ، وكان أعظم الناس في ذلك بلية القراء المراءون
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 248 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والمستضعفون ، الذين يظهرون الخشوع والنسك ، فيفتعلون الأحاديث ليحظوا بذلك عند ولاتهم ويقربوا مجالسهم ، ويصيبوا به الأموال والضياع والمنازل ، حتى انتقلت تلك الأخبار ، والأحاديث إلى أيدي الديانين الذين لا يستحلون الكذب والبهتان فقبلوها ورووها وهم يظنون أنها حق ، ولو علموا أنها باطلة لما رووها ولا تدينوا بها . فلم يزل الأمر كذلك حتى مات الحسن بن علي ، فازداد البلاء والفتنة ، فلم يبق أحد من هذا القبيل إلا وهو خائف على دمه ، أو طريد في الأرض . . . هذا هو المناخ الذي جرت فيه رواية حديث رسول الله وكتابته ) ! ( راجع المجلد الثالث من شرح النهج لعلامة المعتزلة ابن أبي الحديد / 596 ) . انتهى . ( والاحتجاج : 2 / 215 ) .

14 - تعظيم معاوية للشيخين وعثمان . . وقتله أولادهم !

قال معاوية عن سبب تبنيه لنشر ( فضائل ) أبي بكر وعمر : ( فإن هذا أحب إليَّ وأقرُّ لعيني ، وأدحض لحجة أبي تراب وشيعته وأشدُّ عليهم من مناقب عثمان وفضله ) ! فالمسألة عنده ليست إيمانه بهما ! بل أن يحارب بهما أهل البيت ( عليهم السلام ) وشيعتهم ! وكيف يؤمنُ ابنُ سيد قريش بشخصين من أرذل بيتين في قريش ! أو أذلِّ حيين فيها ! كما قال صادقه الأمين أبو سفيان ؟ !
بل كيف يؤمن معاوية وهو من علياء أمية ، بعثمان الذي هو من فرع أموي عادي هو فرع العاص ؟ ! لذلك لم يتردد في إذلال ابن عمر وإهانة أبيه بحضوره ! عندما سمع أنه يفكر بالخلافة فقال : ( من كان يريد أن يتكلم في هذا الأمر فليُطْلع لنا قرنه ، فلنحن أحق به منه ومن أبيه ! ) . ( البخاري : 5 / 48 ) . وتقدم تهديده بالقتل !
لكن ليس كل أولاد الخلفاء الطامعين في الخلافة ، يمكن معالجتهم بالتهديد كابن عمر ! فهذا عبد الرحمن بن أبي بكر وقف مع أخته عائشة في وجه معاوية وطعن فيه وفي يزيد ! فأمر مروان بأخذه ، فهرب واختبأ في بيت عائشة !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 249 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولم يكن حظ عائشة من معاوية أفضل من حظ أخيها ، فإن الشبهة تركزت على معاوية بأنه قتلها ، بعد تشبيهها إياه بفرعون ، كما سيأتي !
وكذلك حظُّ سعيد بن عثمان بن عفان ، وكذلك سعد بن وقاص ، وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد ، والإمام الحسن بن علي ( عليهما السلام ) ، وكذلك كل من اعترض على مشروع بيعته لابنه يزيد ! فقد طرح معاوية بيعة يزيد قبل موته بأكثر من عشر سنوات وعمل لها كثيراً ، وأزاح من طريقها كل من استطاع إزالته بالقتل والاضطهاد ، من المعارضين أو الذين يقدِّر أن يعارضوه مستقبلاً !

15 - تعظيم معاوية لقريش . . إلا بني هاشم !

قال الآبي في نثر الدرر / 259 : ( وروي عن ابن عباس أنه قال : وقع بين علي وعثمان كلام فقال عثمان : ما أصنع بكم إن كانت قريش لا تحبكم وقد قتلتم منهم يوم بدر سبعين كأن وجوههم شُنُوف الذهب تشرب آنافهم قبل شفاههم ) ( وشرح النهج : 9 / 22 ، وتذكرة ابن حمدون / 1567 ) . ويقصد بالسبعين قتلى المشركين في بدر ! وهذا هو منطق قريش كلها الذي ساد بعد وفاة النبي ( صلى الله عليه وآله ) ! فقد نشره الطلقاء عندما جاؤوا ألوفاً مؤلفةً إلى المدينة ، وتبناه منهم العدد المحدود من المهاجرين القرشيين كما رأيت في عثمان ، وكان ذلك أحد أسباب التي بررت عنفهم في عزل بني هاشم وهجومهم على دار علي وفاطمة ( عليهما السلام ) لإجبارهم على البيعة للزعيم القرشي الذي اختاروه !
وقد رسخت الخلافة القرشية هذا المنطق ، وجاء معاوية فبلوره بأفكار أموية ، ورواة وأحاديث ، ومراسيم خلافية ، وقوانين صارمة تشمل كل البلاد والعباد ! وتدور كلها حول تعظيم قريش وقيادتها الأموية المتمثلة في أبي سفيان ومعاوية
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 250 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وذريته ، الذين هم معدن الحق والملك ! وقمع بني هاشم وشيعتهم الذين هم شر الناس ! أما النبي ( صلى الله عليه وآله ) الذي عفا عنها فهو ابن قريش قبل أن يكون هاشمياً ! ومَثَله في بني هاشم كنخلة نبتت في مزبلة ! فيجب فصله عنهم وإبعاده عنهم !
وهذه المقولة الخبيثة ليست من أفكار معاوية ، بل هي مقولة قريش بتوجيه حلفائها اليهود لتأخذ دولة النبي ( صلى الله عليه وآله ) من أهل بيته ، وتفرق بين النبي ( صلى الله عليه وآله ) ابن قريش وبين عترته والأنصار الذين كانت تسميهم ( عُبَّاد محمد ) ! وتطالبهم بثأر سبعين من فرسانها وزعمائها في بدر ( كأن وجوههم شنوف الذهب تشرب آنافهم قبل شفاههم ) بتعبير عثمان وعامة قريش !
وشنوف الذهب : أقراطه الجميلة ، أي كأن وجه أحدهم كأنه قُرْط ذهب ! لكمال أجسامهم وجمال أنوفهم وهو وصف لأبناء إبراهيم وإسماعيل ( عليهما السلام ) وصَفَ به النبي ( صلى الله عليه وآله ) ولده الإمام المهدي ( عليه السلام ) في حديث : أجلى الجبين أقنى العرنين أي في أنفه علو واحد يداب . والمتفق عليه بين المؤرخين أنها صفة لبني عبد المطلب ، لكن قريشاً أخذته لرجالها حتى لو كانوا دون ذلك تشبيهاً لهم ببني عبد المطلب ! قال ابن سعد في الطبقات : 1 / 94 : ( فلم يكن في العرب بنو أب مثل بني عبد المطلب أشرف منهم ، ولا أجسم ! شُمُّ العرانين تشرب أنوفهم قبل شفاههم ) . ( ومثله في تاريخ دمشق : 3 / 116 ، ونحوه في المنمق لابن حبيب / 35 ) .
وقد رووا أن خالة معاوية كانت تردد ذلك في وجه زوجها عقيل بن أبي طالب ( رحمه الله ) ! فكانت تقول له كما في غريب الحديث للحربي : 1 / 208 : ( لا يحبكم قلبي يا بني هاشم أبداً ! أين أخي ، أين عمي ، أين فلان أين فلان ! كأن أعناقهم أباريق الفضة ، ترد أنوفهم قبل شفاههم ؟ ! ) . قال القرطبي في تفسيره : 5 / 176 : ( فكان إذا دخل عليها تقول : يا بني هاشم ، والله لا يحبكم قلبي أبداً ! أين الذين
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 251 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أعناقهم كأباريق الفضة ترد أنوفهم قبل شفاههم ؟ أين عتبة بن ربيعة ، أين شيبة بن ربيعة ، فيسكت عنها ! حتى دخل عليها يوماً وهو برمٌ فقالت له : أين عتبة بن ربيعة ؟ فقال : على يسارك في النار إذا دخلت ! فنشرت عليها ثيابها فجاءت عثمان فذكرت له ذلك ، فأرسل ابن عباس ومعاوية ، فقال ابن عباس : لأفرقنَّ بينهما ، وقال معاوية : ما كنت لأفرق بين شيخين من بني عبد مناف . فأتياهما فوجداهما قد سدَّا عليهما أبوابهما ، وأصلحا أمرهما ) ! !
وقد وقف النبي ( صلى الله عليه وآله ) في وجه هذه المقولة الكافرة بشدة وحزم ، لكنهم طمسوا موقفه بعد وفاته وواصلوا خطتهم في فصله عن عترته وبني هاشم عامة !
وقد روى الجميع أن الأنصار وبني هاشم شكوْا إلى النبي ( صلى الله عليه وآله ) من عداوة قريش ضيوفهم الجدد في المدينة ومقولتهم الخبيثة هذه ! ومن أحاديثها : ( أتى ناس من الأنصار النبي ( ص ) فقالوا إنا نسمع من قومك ، حتى يقول القائل منهم : إنما مثل محمد نخلة نبتت في الكبا ( المزبلة ) فقال رسول الله ( ص ) : أيها الناس من أنا ؟ قالوا : أنت رسول الله . قال : أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ( قال فما سمعناه ينتمي قبلها ) ! ألا إن الله عز وجل خلق خلقه ثم فرقهم فرقتين فجعلني في خير الفريقين ، ثم جعلهم قبائل فجعلني في خيرهم قبيلة ، ثم جعلهم بيوتاً فجعلني في خيرهم بيتاً ، فأنا خيرهم بيتاً وخيرهم نفساً ) . قال في مجمع الزوائد : 8 / 215 : ( رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح ) .
وفي الدر المنثور : 2 / 335 : ( عن أبي هريرة قال : خرج رسول الله ( ص ) وهو غضبان محمارٌّ وجهه حتى جلس على المنبر فقام إليه رجل فقال : أين آبائي ؟ قال في النار ! فقام آخر فقال من أبي ؟ فقال : أبوك حذافة فقام عمر بن الخطاب فقال : رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً وبالقرآن إماماً ، إنا يا رسول الله
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 252 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
حديثُ عهد بجاهلية وشرك ، والله أعلم من آباؤنا ! فسكن غضبه ) . انتهى .
وقد أخفى الرواة الكثير والخطير من هذه الحادثة ! فقد نادى النبي ( صلى الله عليه وآله ) بالصلاة جامعة وأحضر الأنصار بالسلاح ، وحصر قريشاً في المسجد ، وخطب فيهم خطبة طويلة وكان معه جبرئيل ( عليه السلام ) وطعن في أنساب قريش وتحدى أصحاب المقولة أن يسألوه من آباؤهم ، وأصرَّ عليهم أن يقوم صاحب المقولة فيسأله ! وبيَّن مكانة عترته ( عليه السلام ) وأسرته عند الله تعالى !
وقد تعمد رواتهم تنتيف الموضوع كالبخاري ومسلم وأبي داود وغيرهم وطمس موقف النبي ( صلى الله عليه وآله ) القاصع ! وقد بحثناه في كتاب تدوين القرآن ( ومعجم أحاديث الإمام المهدي : 1 / 200 ، والعقائد الإسلامية : 3 / 275 . ومن مصادره : الحاكم : 3 / 247 ، وابن ماجة : 1 / 546 ، وأحمد : 3 / 162 وص 177 و : 4 / 166 و : 5 / 296 و 303 ، وسنن البيهقي : 4 / 286 ، وعبد الرزاق : 11 / 379 ، وابن أبي شيبة : 7 / 409 ، وتحفة الأحوذي : 10 / 54 ، و الآحاد والمثاني : 1 / 318 ، والسنة لابن أبي عاصم : 2 / 633 ، وطبعة أخرى / 618 ، والطبراني الكبير : 20 / 286 ، والدر المنثور : 4 / 309 ، وأنساب السمعاني : 1 / 26 ، وغريب الحديث لابن قتيبة : 1 / 88 ، والفردوس بمأثور الخطاب : 4 / 128 ، والمحاسن والمساوئ للبيهقي / 56 ، وكنز العمال : 4 / 443 ، و : 11 / 453 ، و : 13 / 453 ، وفضائل أمير المؤمنين ( عليه السلام ) لابن عقدة / 158 ، وكتاب سليم بن قيس / 379 ، وفيه نص النبي ( صلى الله عليه وآله ) على اختيار الله تعالى لاثني عشر إماماً من عترته بعده ( عليهم السلام ) ) .
والنتيجة : أن سياسة الطلقاء التي نفذها معاوية هي : تعظيم قريش لكن بشرط رفع بني أمية على الجميع ، وبشرط فصل محمد ( صلى الله عليه وآله ) عن بني هاشم !
تعصب معاوية لقريش في مقابل القحطانيين !
ما تقدم هو موقف معاوية عندما يتعلق الأمر بعترة النبي ( صلى الله عليه وآله ) أما إذا كان الأمر يتعلق بقريش كلها ، فمعاوية والقرشيين يقفون بضراوة في وجه القحطانيين إن أرادوا أن يمسوا بشعرة في قيادة قريش للعرب والعالم ! ولذلك تجد أن أقوى
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 253 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
حديث عندهم في حصر الخلافة والقيادة بقريش ، يرويه البخاري عن معاوية ! ! فقد روى غضبه على عبد الله بن العاص لأنه روى عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) أنه سيكون مَلِكٌ من قحطان ، وقحطان كل قبائل العرب ما عدا قريش ! لقد وبخه معاوية على المنبر ! ولا بد أنه وبخه في قصره أكثر ، واعتبره عديم الفهم والغيرة !
قال بخاري في صحيحه : 4 / 155 ، و : 8 / 105 : ( كان محمد بن جبير بن مطعم يحدث أنه بلغ معاوية وهو عنده في وفد من قريش ، أن عبد الله بن عمرو بن العاص يحدث أنه سيكون ملك من قحطان ، فغضب معاوية فقام ( خطيباً ) فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال : أما بعد فإنه بلغني أن رجالاً منكم يتحدثون أحاديث ليست في كتاب الله ولا تؤثر عن رسول الله ( ص ) فأولئك جهالكم ! فإياكم والأماني التي تضل أهلها ! فإني سمعت رسول الله ( ص ) يقول : إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا كبَّه الله على وجهه ما أقاموا الدين ) . انتهى !
ونكتفي هنا بملاحظات :
الأولى ، أن بخاري روى بعد هذا مباشرة عن عبد الله بن عمر أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) قال : لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان ) ! وقد اختلف الشراح في قول معاوية إن الأمر في قريش ( ما أقاموا الدين ) لأن مفهومه أنهم إن لم يقيموا الدين فليس الأمر لهم ! بينما مفهوم حديث ابن عمر أن الأمر لهم مطلقاً ما بقي منهم اثنان ! ورتبوا عليها مسألة فقدان الخليفة للشروط وجواز الخروج عليه ، ورووا فيها عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) الضد والنقيض ! ولا عجب لأن الأصل متناقض !
الثانية ، قال ابن حجر في شرح حديث بخاري : 13 / 102 : ( ومناسبة ذكر ذلك تحذير من يسمع من القحطانيين من التمسك بالخبر المذكور ، فتحدثه نفسه أن يكون هو القحطاني ، وقد تكون له قوة وعشيرة فيطمع في الملك ، ويستند إلى
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 254 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
هذا الحديث ، فيَضل ، لمخالفته الحكم الشرعي في أن الأئمة من قريش . . . .
وأخرج أحمد من طريق عبد الله بن أبي الهزيل قال : لما قدم معاوية الكوفة قال رجل من بكر بن وائل : لئن لم تنته قريش لنجعلن هذا الأمر في جمهور من جماهير العرب غيرهم ! فقال عمرو بن العاص : كذبت سمعت رسول الله ( ص ) يقول : قريش قادة الناس ) . انتهى .
الثالثة ، أن أحاديثهم في الحق الإلهي لقريش بقيادة العالم ، لا تعيِّن في أي بيت من قريش هو بل تتعمد أن تبعده عن بيت النبي ( صلى الله عليه وآله ) وعترته ( عليهم السلام ) وتجعله حقاً لكل قبائل قريش العشرين وتجعلهم فيه متكافئين ! فكل فرد منهم له الحق أن يكون رئيساً للعالم وخليفة للنبي ( صلى الله عليه وآله ) ! وهو تعويم لا نظير في تاريخ النبوات والملك لأمة من الأمم إلا ما يزعمه اليهود لجميع أبناء يعقوب ! ومحالٌ أن يعطي الله تعالى حقاً من هذا النوع لقبائل أو قبيلة ، ولا يحدد بيته وأشخاصه ، فيفتح بين القبائل باب الصراع عليه ! فالصحيح أنه حق خاص بالنبي وآله ( صلى الله عليه وآله ) الذين آتاهم الله علم الكتاب وقال عنهم : ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ، لكن قريشاً صادرته لقبائلها ! قال علي ( عليه السلام ) : أين الذين زعموا أنهم الراسخون في العلم دوننا كذباً وبغياً علينا أن رفعنا الله ووضعهم وأعطانا وحرمهم وأدخلنا وأخرجهم ! بنا يستعطى الهدى ويستجلى العمى . إن الأئمة من قريش غُرسوا في هذا البطن من هاشم لا تصلح على سواهم ولا تصلح الولاة من غيرهم ) . ( نهج البلاغة : 2 / 27 ) .
الرابعة ، أن عمر نفى هذا الحق الذي زعمه معاوية لقبائل قريش ، وقد اعترف بذلك شُرَّاح حديث البخاري هذا ، قال في فتح الباري : 13 / 106 : ( أخرج أحمد عن عمر بسند رجاله ثقات ، أنه قال إن أدركني أجلي وأبو عبيدة حي استخلفته ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 255 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فذكر الحديث وفيه : فإن أدركني أجلي وقد مات أبو عبيدة ، استخلفت معاذ بن جبل . . الحديث . ومعاذ بن جبل أنصاري ( قحطاني ) لا نسب له في قريش ! فيحتمل أن يقال لعل الإجماع انعقد بعد عمر على اشتراط أن يكون الخليفة قرشياً ، أو تغير اجتهاد عمر في ذلك . والله أعلم ) . انتهى .
واحتمالات ابن حجر واهية ، ومن تدليسه أنه أخفى قول عمر : لو كان سالم حياً لوليته ! وسالم غلام فارسي ، لا قرشي ولا عربي ! ( الموسوعة الفقهية الكويتية : 6 / 124 ، وفيها : وخالف في ذلك بعض العلماء منهم أبو بكر الباقلاني ، واحتجوا بقول عمر : لو كان سالم مولى أبي حذيفة حياً لوليته ) . وتاريخ ابن خلدون : 1 / 194 ، ومنهاج الكرامة / 106 ، ومحاضرات الأدباء / 365 ، والشورى في الإمامة للسيد الميلاني / 25 ، و أين سنة الرسول وماذا فعلوا بها ؟ لأحمد حسين يعقوب / 242 ) .
الخامسة ، أن حديث القحطاني الذي وبَّخ عليه معاوية ابن عمرو ، ضاع من مصادرهم فلم يرووه بكثرة ! وقد صح عندنا أن القحطاني اليماني يكون ناصر الإمام المهدي ( عليه السلام ) ووزيره . أما رواياتهم ففي بعضها أنه يحكم بعد المهدي ( عليه السلام ) وفي بعضها قبله ، وفي بعضها معه . ويظهر أن رواية القحطاني كانت معروفة في القرن الثاني وأن اسمه ثلاثة أحرف فقد قال البلاذري في التنبيه والأشراف / 272 عن ثورة عبد الرحمن بن الأشعث : ( وسار عبد الرحمن راجعاً لإخراج الحجاج من العراق ، ومساءلة عبد الملك إبدالهم به ، فلما عظمت جموعة ولحق به كثير من أهل العراق ورؤسائهم وقراؤهم ونساكهم عند قربه منها ، خلع عبد الملك ، وذلك بإصطخر فارس وخلعه الناس جميعاً ، وسمى نفسه ناصر المؤمنين ، وذكر له أنه القحطاني الذي ينتظره اليمانية ، وأنه يعيد الملك فيها ، فقيل له إن القحطاني على ثلاثة أحرف ! فقال اسمي عبد ، وأما الرحمن فليس من اسمي ) !
السادسة ، لم يبحث شراح بخاري النسبة بين هذا الحديث وحديث : ( الأئمة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 256 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
اثنا عشر كلهم من قريش ) الذي صح عندهم ، وكيف تستغرق مدة هؤلاء الاثني عشر كل الزمان إلى يوم القيامة ومن هم هؤلاء الربانيون ، ولماذا حصرهم النبي ( صلى الله عليه وآله ) باثني عشر . . ؟ ! إلى آخر الأسئلة . وقد بحثناه في كتاب آيات الغدير .

16 - تعظيم معاوية لجهازه الإداري وإعطائه الحصانة !

لا يتسع الكتاب لنعقد فصلاً لسياسة معاوية المالية ، وآخر لأسلوبه الإداري ، ونكتفي فيما يلي بذكر قاعدة أموية كلية تعطي لموظفيه وعماله حق الحصانة من المسلمين ، وتحرم الإقتصاص والقود منهم ! فقد روى الطبري في تاريخه : 4 / 222 ، أن والي معاوية على البصرة خطب في المسجد فاعترض عليه رجل من بني ضبة ورماه بحصى صغار علامة معارضته ، فأمر أن تقطع يده فقطعت ، فذهب الضّبيون إلى الشام واشتكوا إلى معاوية ( فقالوا يا أمير المؤمنين إنه قطع صاحبنا ظلماً وهذا كتابه إليك ، وقرأ الكتاب فقال : أما القَوَد من عمالي فلا يصح ولا سبيلَ إليه ! ولكن إن شئتم وَدَيْتُ صاحبكم ، قالوا فدِهْ ، فوداه من بيت المال ) . ( ونهاية ابن كثير : 8 / 77 ، والمنتظم : 5 / 278 وغيرها ) .
والمسألة سهلة عند فقهاء السلطة فإن معاوية اجتهد بأن القود من عماله يضعف الدولة ويذهب بهيبتها ، فحكم على عماله إن قتلوا أحداً من المسلمين أو قطعوا منه عضواً ، أن يعطوا الدية بدل القصاص منهم !
ثم انتبه هؤلاء الفقهاء إلى أن الأساس الذي قامت عليه حركة معاوية ، هو مطالبته بالقصاص والقود من قتلة عثمان ! فاخترعوا الحل لذلك ، فعثمان خليفة وله حق الحصانة عما ارتكبه هو وعماله ، فيجب القود من قاتليه ، وقد اجتهد معاوية بتقديم القود على البيعة لعلي ! قال ابن حزم في الفِصَل : 4 / 124 : ( ولم ينكر معاوية قط فضل علي واستحقاقه الخلافة ، لكن اجتهاده أداه إلى أن رأي تقديم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 257 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أخذ القود من قتلة عثمان على البيعة ، ورأى نفسه أحق بطلب دم عثمان والكلام فيه من ولد عثمان وولد الحكم ابن أبي العاص ، لسنه ولقوته على الطلب بذلك ) .
فالنتيجة : أن القود للحاكم وعماله من أوجب الواجبات ، ويصح من أجله الخروج على الدولة الشرعية وسفك دماء مئات الألوف ، لكن القود من عامة المسلمين حرام ، لأنه تضعيف للدولة وجهازها الإداري !

17 - تصريحات لمعاوية تكشف عن إفراطه في الغرور !

1 - زعم أنه خليفة الله في أرضه ، كما تقدم .
2 - وزعم أنه لو وزن بالدنيا كلِّها لرجح عليها ! ففي تاريخ دمشق : 59 / 219 : ( لما اشتكى معاوية شكاته التي هلك فيها أرسل إلى أناس من بني أمية فخص ولم يعم فقال : يا بني أمية إنه لما قرب ما لم يكن بعيداً ، وخفت أن يسبقكم الموت إليَّ ، سبقتُهُ بالموعظة إليكم ، لا لأرد قهراً ولكن لأبلغ عذراً . لو وُزنْتُ بالدنيا لرجحتُ بها ولكني وزنت بالآخرة فرجحتْ بي ! إن الذي أخلِّف لكم من الدنيا أمرٌ ستشاركون فيه أو تغلبون عليه ! والذي أخلف عليكم من رأي أمر مقصور عليكم نفعه إن فعلتموه ، مخوف عليكم ضرره إن ضيعتموه ، فاجعلوا مكافأتي قبول وصيتي ! إن قريشاً شاركتكم في نسبكم وبنتم منها بفعالكم فقدمكم ما تقدمتم فيه ، إذ أخر غيركم ما تأخروا له ، وبالله لقد جُهر لي فعلمت ، ونُغم لي ففهمت ، حتى كأني أنظر إلى أبنائكم بعدكم نظري إلى آبائهم قبلهم !
إن دولتكم ستطول ، وكل طويل مملول ، وكل مملول مخذول ، فإذا انقضت مدتكم كان أول تجادلكم فيما بينكم ، واجتماع المختلفين عليكم ، فيدبر الأمر بضد الحسن الذي أقبل به ، فلست أذكر عظيماً نركب منه ولا حرمة تنتهك إلا والذي أكف عن ذكره أعظم . . الخ ) . ( وأنساب الأشراف / 1111 ، والجليس الصالح / 414 )
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 258 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
3 - وزعم أعلم الناس بأمور الدين والدنيا : ففي تاريخ دمشق : 59 / 163 ، والنهاية : 8 / 143 : ( يونس بن حليس : سمعت معاوية بن أبي سفيان على هذا المنبر منبر دمشق يوم الجمعة يقول : يا أيها الناس اعقلوا قولي فلن تجدوا أعلم بأمور الدنيا والآخرة مني . . . إيايَ وقذف المحصنات وأن يقول الرجل سمعت وبلغني ! فلو قذف امرأة على عهد نوح لسئل عنها يوم القيامة ) . انتهى .
وفي كلامه تفضيل لنفسه على النبي ( صلى الله عليه وآله ) لأنهم طعنوا به ورووا عنه أنه أعلم بأمور الدين فقط ! وأنه كان يجهل تلقيح النخل فأمر أن لا يلقحوه ، فسبب خسارة أهل المدينة لموسهم ! بينما معاوية أعلم الناس بأمور الدنيا والآخرة ! ( راجع المجلد الثاني من ألف سؤال وإشكال ) . ويظهر من نهيه عن اتهام امرأة بالزنا حتى من عهد نوح ( عليه السلام ) ، أنه كان يوجد كلام يتهم أمه أو أم غيره من بني أمية !
4 - وزعم أنه هو وأبو سفيان صخر وأبوه حرب أكرم قريش ! قال معاوية في عهد عثمان : ( وقد عرفت قريش أن أبا سفيان كان أكرمها وابن أكرمها ، إلا ما جعل الله لنبيه نبي الرحمة ( فإنه انتخبه وأكرمه ) وإني لأظن أن أبا سفيان لو ولد الناس لم يلد إلا حازماً ) ! ( الطبري : 2 / 637 ، وابن الأثير : 3 / 34 ) .
وقال ابن العاص في معاوية : ( اتقوا أكرم قريش وابن كريمها ) . ( العقد الفريد : 1 / 11 )
5 - وزعم معاوية أنه وابنه يزيد أحق الناس بهذا الأمر ! ففي كامل ابن الأثير : 3 / 353 : ( وخطب معاوية بالمدينة فذكر يزيد فمدحه ، وقال : من أحق منه بالخلافة في فضله وعقله وموضعه ؟ ! وما أظن قوماً بمنتهين حتى تصيبهم بوائق تجتث أصولهم ! وقد أنذرت إن أغنت النذر ! ثم أنشد متمثلاً :

قد كنتُ حذرتُك آل المصطلقْ * وقلت يا عمرو أطعني وانطلقْ
إنك إن كلفتني ما لم أطق * ساءك ما سرك مني من خُلُقْ

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 259 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
دونك ما استسقيته فاحْسُ وذُقْ ) . انتهى .
على أن مصادرهم روت أن علياً ( عليه السلام ) احتج على معاوية بأن أبا سفيان جاءه ليبايعه بالخلافة بعد وفاة النبي ( صلى الله عليه وآله ) وشهد بأنه أحق الناس بهذا الأمر ! ففي ثقات ابن حبان : 2 / 287 ، وفتوح ابن الأعثم : 2 / 558 : ( فكتب إليه عليٌّ : بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان . أما بعد ، فإنه أتاني كتابك تذكر فيه حسدي للخلفاء ، وإبطائي عنهم والكره لأمرهم ، فلست أعتذر من ذلك إليك ولا إلى غيرك ، وذلك أنه لما قبض النبي ( صلى الله عليه وآله ) واختلفت الأمة قالت قريش : منا الأمير ، وقالت الأنصار : بل منا الأمير ، فقالت قريش : محمد منا ونحن أحق بالأمر منكم فسلمت الأنصار لقريش الولاية والسلطان ، فإنما تستحقها قريش بمحمد ( صلى الله عليه وآله ) دون الأنصار ، فنحن أهل البيت أحق بهذا الأمر من غيرنا . . . أما ما ذكرت من قتلة عثمان ، فإني قد نظرت في هذا الأمر فلم يسعني دفعهم إليك . وقد كان أبوك أبو سفيان جاءني في الوقت الذي بايع الناس فيه أبا بكر ، فقال لي : أنت أحق الناس بهذا الأمر من غيرك ، هات يدك حتى أبايعك ، وإن شئت لأملأن المدينة خيلاً ورجلاً على ابن أبي قحافة ، فلم أقبل ذلك ! والله يعلم أن أباك قد فعل ذلك ، فكنت أنا الذي أبيت عليه مخافة الفرقة بين أهل الإسلام ، فإن تعرف من حقي ما كان أبوك يعرفه لي ، فقد أصبت رشدك ، وإن لم تفعل فسيغني الله عنك . والسلام ! فلما قرأ معاوية الكتاب تهيأ هو ومن معه على المسير إلى علي ! ثم سار يريد العراق . وسار علي من العراق وصلى الظهر بين القنطرة والجسر ركعتين ، وبعث على مقدمته شريح بن هانئ وزياد بن النضر بن مالك ، أمر أحدهما أن يأخذ على شط دجلة ، والآخر على شط الفرات ) . انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 260 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
6 - وزعم معاوية أنه كان أجمل شباب قريش ! قاله عندما شرب الخمر وحاول أن يسقيها للصحابي بريدة الأسلمي ! ففي مسند أحمد : 5 / 347 : ( عن عبد الله بن بُرَيدة قال : دخلت أنا وأبي على معاوية فأجلسنا على الفرش ، ثم أُتينا بالطعام فأكلنا ، ثم أُتينا بالشراب فشرب معاوية ، ثم ناول أبي فقال : ما شربته منذ حرمه رسول الله ، ثم قال معاوية كنت أجمل شباب قريش وأجوده ثغراً . . ) . ( وتاريخ دمشق : 27 / 127 ، والإكمال / 27 ، وأعلام النبلاء : 5 / 52 ، ومجمع الزوائد : 5 / 42 ، وقال : رجاله رجال الصحيح ) .
لكن في المحلى : 10 / 326 ، وزاد المعاد : 5 / 481 أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) قضى أن تكون طفلة حمزة عند جعفر بن أبي طالب قال : ( وأما الجارية فأقضي بها لجعفر تكون مع خالتها وإنما الخالة أم . . . . لأن خالتها كانت مزوجة بجعفر وهو أجمل شاب في قريش وليس هو ذا رحم محرم ) . انتهى . وهذا غيض من ادعاءات معاوية ومناقبه !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 261 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل التاسع : حسد معاوية للنبي ( صلى الله عليه وآله ) وتنقيصه من مقامه

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 262 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 263 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

1 - لا والله . . إلا دفناً دفناً ! !

قال في شرح النهج : 5 / 129 : ( وقد طعن كثير من أصحابنا في دين معاوية ، ولم يقتصروا على تفسيقه ، وقالوا عنه إنه كان ملحداً لا يعتقد النبوة ، ونقلوا عنه في فلتات كلامه ، وسقطات ألفاظه ، ما يدل على ذلك .
وروى الزبير بن بكار في الموفقيات ، وهو غير متهم على معاوية ، ولا منسوب إلى اعتقاد الشيعة ، لما هو معلوم من حاله من مجانبة علي ( عليه السلام ) والانحراف عنه : قال المطرف بن المغيرة بن شعبة : دخلت مع أبي على معاوية فكان أبى يأتيه فيتحدث معه ثم ينصرف إليَّ فيذكر معاوية وعقله ويعجب بما يرى منه ، إذ جاء ذات ليلة فأمسك عن العشاء ، ورأيته مغتماً فانتظرته ساعة وظننت أنه لأمر حدث فينا ، فقلت : ما لي أراك مغتما منذ الليلة ؟ فقال : يا بني ، جئت من عند أكفر الناس وأخبثهم ! قلت : وما ذاك ؟ ! قال : قلت له وقد خلوت به : إنك قد بلغت سناً يا أمير المؤمنين فلو أظهرت عدلاً وبسطت خيراً ، فإنك قد كبرت . ولو نظرت إلى إخوتك من بني هاشم فوصلت أرحامهم ، فوالله ما عندهم اليوم شئ تخافه ، وإن ذلك مما يبقى لك ذكره وثوابه . فقال : هيهات هيهات ! أيُّ ذكر أرجو بقاءه ؟ ! مَلكَ أخو تيْمٍ فعدل وفعل ما فعل فما عدا أن هلك حتى هلك ذكره ، إلا أن يقول قائل : أبو بكر ! ثم ملك أخو عدي ، فاجتهد وشمر عشر سنين ، فما عدا أن هلك حتى هلك ذكره ، إلا أن يقول قائل : عمر . وإن ابن أبي كبشة ليُصاح به كل يوم خمس مرات : أشهد أن محمداً رسول الله ! فأي عمل لي يبقى ، وأي ذكر يدوم بعد هذا لا أباً لك ! لا والله إلا دفناً دفناً ) ! انتهى .
أقول : يكفي للاطمئنان بصحة هذا الحديث الخطير ، أنه ينسجم مع مجموع
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 264 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
تصرفات معاوية وأعماله ، وأن رواته غير متهمين بأن لهم غرضاً من وضعه ، فكلهم نواصب من محبي معاوية ! من ابن بكار الزبيري ، إلى مطرف وأبيه المغيرة بن شعبة ! هذا مضافاً إلى أن كثيراً من علماء المعتزلة بنوا حكمهم بالكفر على معاوية على هذا الحديث ، مما يدل على أنهم كانوا قاطعين بصحته !

2 - أنظروا أخي بني هاشم أين وضع اسمه ؟ !

تقدم قول أبيه عندما سمع اسم النبي ( صلى الله عليه وآله ) في الأذان : ( لله درُّ أخي بني هاشم ، أنظروا أين وضع اسمه ! فقال علي ( عليه السلام ) : أسخن الله عينيك يا أبا سفيان ! الله فعل ذلك بقوله عز من قائل : وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ) . ( قصص الأنبياء للراوندي / 293 ) .
وقال في شرح النهج : 10 / 101 : ( وروى أحمد بن أبي طاهر في كتاب أخبار الملوك أن معاوية سمع المؤذن يقول : أشهد أن لا إله إلا الله ، فقالها ثلاثاً ، فقال : أشهد أن محمداً رسول الله ! فقال : لله أبوك يا ابن عبد الله ! لقد كنت عالي الهمة ما رضيت لنفسك إلا أن يقرن اسمك باسم رب العالمين ) ! انتهى .
إنها عقدة الحسد والكفر عند أبي سفيان ومعاوية ، وقد ظهرت في جوابه لصديقه المغيرة بن شعبة ! وهي تدفعه إلى العمل لدفن ذكر أخي بني هاشم ( صلى الله عليه وآله ) ورفع ذكر بني أمية ، ما وجد إلى ذلك سبيلاً !
إن أبا سفيان ومعاوية من النوع الذي لا يفقه إلا تسلط بني أمية وتعظيم شخصياتهم ! فهما يُظهران الإيمان بالنبي ( صلى الله عليه وآله ) من أجل هذا الهدف فقط ، وفي نفس الوقت يعملان لتهيئة الجو لتنقيص شخصيته ( صلى الله عليه وآله ) والطعن فيها !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 265 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

3 - قال رسول الله . . وأنا أقول !

روى الصحابة هذه القصة عن معاوية ، وأنه ردَّ على رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فغضب لذلك الصحابيان عبادة بن الصامت وأبو الدرداء ، وحلفا أن لا يساكنا معاوية في الشام أبداً ! وقد تقدم في لبسه الذهب والحرير ما رواه الحاكم : 3 / 355 : ( أن عبادة بن الصامت أنكر على معاوية أشياء ، ثم قال له : لا أساكنك بأرض ) .
وتقدم من موطأ مالك : 2 / 634 ، والمجموع : 10 / 30 : ( فقال له معاوية : ما أرى بهذا بأساً ، فقال أبو الدرداء : من يعذرني من معاوية ! أخبره عن رسول الله ( ص ) ويخبرني عن رأيه ! لا أساكنك بأرض أنت بها ) . انتهى .
وفي الإستيعاب : 2 / 808 ، وأسد الغابة : 3 / 106 : ( فأغلظ له معاوية في القول ) ! وهذا يدل على أن معاوية لا يؤمن بالنبي ( صلى الله عليه وآله ) ولا يتعبد بكلامه كما يؤمن المسلمون ! فالمسلم العادي يعتقد أنه ( صلى الله عليه وآله ) كما قال الله تعالى : وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى . ( النجم : 3 - 4 ) ومعاوية يقول : هذا رأي محمد ، أما أنا فلا أرى به بأساً ! فإما أن يكون كافراً بنبوة النبي ( صلى الله عليه وآله ) أو معتقداً بها ويرى أن له الحق في مخالفة النبي ( صلى الله عليه وآله ) لأن محمداً رسول الله ومعاوية خليفة الله ! وكلاهما كفرٌ بواح !
وجاء المعذرون الأعجام ، وهم أكثر علماء المذاهب الأربعة ، فاعترفوا بصحة القصة ، حيث لا يمكنهم رد طرقها وأسانيدها ، فخففوا قول معاوية فيها وجعلوا قوله ( رد رواية ) وليس قولاً في مقابل قول النبي ( صلى الله عليه وآله ) ! فكان أول تدليسهم أنهم وضعوا قصة معاوية تحت عنوان : رد السنة بالرأي ! وتعمدوا إبهام معنى الرد فهل هو رد رواية السنة لعدم الثقة براويها فهو أمر عادي ، أم هو رد نفس السُّنَّة وتبني رأي في مقابلها ، وهذا الكفر بعينه ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 266 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وهل هذا الموقف العنيف الطويل الأمد من صحابي جليل كعبادة بن الصامت ، كان بسبب تخطئة معاوية له في نقل حديث نبوي ؟ ! فلماذا لم يطلب معاوية منه شاهداً على روايته كما هي عادة أي مسلم يشك في نقل حديث نبوي ؟ !
أنظر إلى ما قاله ابن عبد البر ، وتبناه الزرقاني : 3 / 357 ، والسيوطي في تنوير الحوالك / 490 ، وغيرهما : ( أنِفَ من رد السنة بالرأي ، وصدور العلماء تضيق عن مثل هذا وهو عندهم عظيم رد السنن بالرأي ) . وأضاف في التمهيد : 4 / 87 : ( وغير نكير أن يجهل معاوية ما قد علم أبو الدرداء وعبادة فإنهما جليلان من فقهاء الصحابة وكبارهم ) .
إنهم يؤكدون بذلك على أن خطأ معاوية كان فقط في عدم قبوله لرواية عبادة بن الصامت وأبي الدرداء ، وأن هذين الصحابيين لا يفهمان ولا يعقلان ! وعلى هذا المنوال ما تقرؤه في : اختلاف الحديث للشافعي / 480 ، ومسند الشافعي / 242 ، وسنن البيهقي : 5 / 280 ، والآحاد والمثاني للضحاك : 3 / 430 ، ومسند الشاميين للطبراني : 1 / 218 ، والمحصول للرازي : 4 / 375 ، والإحكام للآمدي : 2 / 66 ) ! ! لقد غطى هؤلاء جميعاً على معاوية ! وكان ضحيتهم كبار الصحابة الذين وقفوا في وجهه ، خاصة عبادة بن الصامت الصحابي المجمع على جلالته ووثاقته فهو أحد نقباء الأنصار في بيعة العقبة ، وأحد قادة فتوحات العراق والشام ! وقد رفع راية العداء لمعاوية وبني أمية بسبب ما رأى منهم وما سمع من النبي ( صلى الله عليه وآله ) فيهم ، وآلى على نفسه عندما ردَّ معاوية سنة النبي ( صلى الله عليه وآله ) أن لا يساكنه في بلد ! ولم تنحل مشكلته معه في عهد عمر ، ولا عهد عثمان ، بل عزله عثمان عن قضاء فلسطين إكراماً لمعاوية ! وعاد إلى المدينة فتضامن معه كبار الصحابة من الأنصار والمهاجرين ! وصمد على موقفه حتى صار معاوية ( خليفة ) ودخل المدينة فأمر معاوية بالقبض عليه ، فأخذوه وهو غير مكترث ينفخ استهزاء بمعاوية ويقول : ( ولأنت يا معاوية أصغر في عيني من أن أخافك في الله عز وجل ) ! ( تاريخ دمشق : 26 / 200 ) !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 267 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فالقضية ليست رد معاوية لرواية ، بل رد قول النبي ( صلى الله عليه وآله ) وتمردٌ على الإسلام ! ! والقضية هي أحاديث النبي ( صلى الله عليه وآله ) في معاوية وبني أمية التي سمعها الصحابة ومنهم عبادة ورووها عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ! وقد تقدم أن أحد قادة الفتح وهو عبد الرحمن بن سهل الأنصاري ( رحمه الله ) لمَّا رأى معاوية على المنبر ، سلَّ سيفه ليقتله تنفيذاً لأمر النبي ( صلى الله عليه وآله ) بقتله وبَقْرِ بطنه إن رأوه على منبره !

4 - استهزاء معاوية بقول النبي ( صلى الله عليه وآله ) للأنصار : ستلقون بعدي أثرة !

روى عبد الرزاق في مصنفه : 11 / 60 : ( أن معاوية لما قدم المدينة لقيه أبو قتادة الأنصاري ، فقال : تلقَّاني الناس كلهم غيركم يا معشر الأنصار ، فما منعكم أن تلقَّوْني ؟ ! قال : لم تكن لنا دواب ! قال معاوية : فأين النواضح ؟ ( وهذه إهانة للأنصار بأنهم عندهم جمال تسقي الزرع وليس عندهم خيول ) ! قال أبو قتادة : عقرناها في طلبك وطلب أبيك يوم بدر ! قال : ثم قال أبو قتادة : إن رسول الله ( ص ) قال لنا : إنا لنرى بعده أثرة ! قال معاوية : فما أمَرَكم ؟ قال : أمرَنا أن نصبر حتى نلقاه . قال : فاصبروا حتى تلقوه ! ! قال : فقال عبد الرحمن بن حسان حين بلغه ذلك :

ألا أبلغ معاوية بن حرب * أمير المؤمنين ثنا كلامي
فإنا صابرون ومُنْظروكم * إلى يوم التغابن والخصام )

( ورواه البيهقي في شعب الإيمان : 6 / 56 ، وابن عبد البر في الإستيعاب : 3 / 1421 ، والأزدي في الجامع : 2 / 60 ، وتاريخ دمشق : 26 / 201 ، و : 34 / 296 ، و : 67 / 151 ، والتحفة اللطيفة : 2 / 123 ) .
وقال ابن أبي الحديد في شرح النهج : 6 / 32 : ( ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تقدموا عليَّ الحوض ) ، وهذا الخبر هو الذي يكفِّر كثير من أصحابنا معاوية بالإستهزاء به ، وذلك أن النعمان بن بشير الأنصاري جاء في جماعة من الأنصار إلى معاوية فشكوا إليه فقرهم وقالوا لقد صدق رسول الله ( ص ) في قوله لنا :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 268 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ستلقون بعدي أثرة ، فقد لقيناها ! قال معاوية : فماذا قال لكم ؟ قالوا : قال لنا : فاصبروا حتى تردوا عليَّ الحوض . قال : فافعلوا ما أمركم به ، عساكم تلاقونه غداً عند الحوض كما أخبركم ! ! وحرمهم ولم يعطهم شيئاً ) . انتهى .
( ملاحظة : ذكر ابن أبي الحديد هنا شعراً لخالد بن سعيد بن العاص قاله رداً على ابن العاص في أحداث السقيفة ، ولا علاقة له بالموضوع ، مما يدل على أن في نسخته الموجودة سقطاً كثيراً ) .
ويظهر أن معاوية كان يردد كلامه الإستهزائي للأنصار في كل مناسبة يطلبون فيه عطاءهم ، أو إنصافهم ورفع الظلم عنهم ! ففي تاريخ اليعقوبي : 2 / 223 : ( ثم كلمه الأنصار ، فأغلظ لهم في القول . . . . قالوا : أوصانا بالصبر . قال : فاصبروا . ثم أدلج معاوية إلى الشأم ، ولم يقض لهم حاجة ) !
وفي مروج الذهب / 761 في ترجمة جابر بن عبد الله الأنصاري : ( وقد كان قدم إلى معاوية بدمشق فلم يأذن له أياماً ، فلما أذن له قال : يا معاوية أما سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول : من حجب ذا فاقة وحاجة حجبه الله يوم القيامة يوم فاقته وحاجته ! فغضب معاوية وقال له : سمعته يقول : إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تردوا عليَّ الحوض ، أفلا صبرتَ ؟ ! قال : ذكرتني ما نسيت ! وخرج فاستوى على راحلته ومضى فوجه إليه معاوية بستمائة دينار فردها وكتب إليه . . . أبياتاً ، وقال لرسوله : قل له وارِ يا ابن آكلة الأكباد ! لا وجدتَ في صحيفتك حسنةً أنا سببها أبداً ) ! وفي أنساب الأشراف / 898 : أن أبا أيوب الأنصاري قال لمعاوية : ( فإن رسول الله قال لنا : إنكم ستلقون بعدي أثرة يا معاشر الأنصار فاصبروا حتى تلقوني ، قال : فاصبر يا أبا أيوب ! قال أقِلْنِها يا معاوية ! والله لا أسألك بعدها شيئاً أبداً ) !
قال ابن عقيل في النصائح الكافية / 126 : ( يَشُمُّ من لم يُصبه زكام التعصب من كلام معاوية تهكمَّهُ بالنبي ( صلى الله عليه وآله ) واستخفافه بوصاياه بالأنصار ! نعوذ بالله من
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 269 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الخذلان ! وبُغض معاوية للأنصار ومعاكسته لمصالحهم أمر مشهور ، تشهد به كتب السير والتأريخ لا يحتاج إلى تجشم الإستدلال عليه ، وقد قال عليه وآله الصلاة والسلام : إستوصوا بالأنصار خيراً . وقال أيضاً : حب الأنصار إيمان وبغضهم نفاق ! وفي صحيح البخاري : لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق ) . انتهى .
أقول : من السهل أن تلمس عند معاوية ويزيد وبني أمية تجاه الأنصار ، نفس المشاعر العدائية التي كانت عند أبي سفيان ومشركي قريش تجاههم ! فقد اعتبروهم مسؤولين عن حماية النبي ( صلى الله عليه وآله ) ونصرته ، وتحقيق النصر له عليهم !
وأكثر ما غاض معاوية من الأنصار ، أنهم كانوا جميعاً مع علي ( عليه السلام ) ! وكانوا من أشد المجموعات القتالية عليه في صفين ، فحقدَها عليهم إلى آخر عمره ، ثم أوصى ابنه يزيد بالشدة معهم إن لم يبايعوه ، أو ثاروا عليه ، فبطش فيهم يزيد في وقعة الحرة ، بطش الجبارين الملحدين !
روى نصر ابن مزاحم في كتابه وقعة صفين / 445 : ( وإن معاوية دعا النعمان بن بشير بن سعد الأنصاري ، ومسلمة بن مخلد الأنصاري ، ولم يكن معه من الأنصار غيرهما فقال : يا هذان ، لقد غمني ما لقيت من الأوس والخزرج ، صاروا واضعي سيوفهم على عواتقهم يدعون إلى النزال ، حتى والله جبَّنُوا أصحابي الشجاع والجبان ، وحتى والله ما أسأل عن فارس من أهل الشام إلا قالوا قتلته الأنصار . أما والله لألقينهم بحدي وحديدي ، ولأعبين لكل فارس منهم فارساً ينشب في حلقه ، ثم لأرمينهم بأعدادهم من قريش ، رجالٌ لم يغذهم التمر والطفيشل ( طعام يعمل من الحبوب كالعدس والجلبان وما أشبه ذلك ) يقولون نحن الأنصار ! قد والله آووا ونصروا ولكن أفسدوا حقهم بباطلهم . فغضب النعمان فقال : يا معاوية لا تلومنَّ الأنصار بسرعتهم في الحرب فإنهم كذلك كانوا في الجاهلية .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 270 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فأما دعاؤهم الله فقد رأيتهم مع رسول الله ( ص ) يفعلون ذلك كثيراً . وأما لقاؤك إياهم في أعدادهم من قريش ، فقد علمت ما لقيت قريش منهم قديماً ، فإن أحببت أن ترى فيهم مثل ذلك آنفاً فافعل . وأما التمر والطفيشل فإن التمر كان لنا فلما أن ذقتموه شاركتمونا فيه ! وأما الطفيشل فكان لليهود ، فلما أكلناه غلبناهم عليه كما غلبت قريش على السخينة ! ( طعام من دقيق وسمن أو تمر ، كانت قريش تكثر من أكله فعيرت به ، حتى سموا قريشاً : سخينة ) . ثم تكلم مسلمة بن مخلد فقال : يا معاوية إن الأنصار لاتعاب أحسابها ولا نجداتها ، وأما غمهم إياك فقد والله غمونا ، ولو رضينا ما فارقونا وما فارقنا جماعتهم ، وإن في ذلك لما فيه من مباينة العشيرة ، ومباعدة الحجاز وحرب العراق ، ولكن حملنا ذلك لك ورجونا منك عوضه . وأما التمر والطفيشل فإنهما يجرَّان عليك نسب السخينة والخرنوب ! وانتهى ( وصل ) الكلام إلى الأنصار ، فجمع قيس بن سعد الأنصار ثم قام خطيباً فيهم فقال : إن معاوية قد قال ما بلغكم ، وأجاب عنكم صاحباكم ، فلعمري لئن غظتم معاوية اليوم لقد غظتموه بالأمس ، وإن وترتموه في الإسلام فقد وترتموه في الشرك ، وما لكم إليه من ذنب أعظم من نصر هذا الدين الذي أنتم عليه ، فجدوا اليوم جدا تنسونه به ما كان أمس ، وجدوا غداً جداً تنسونه به ما كان اليوم ، وأنتم مع هذا اللواء الذي كان يقاتل عن يمينه جبرائيل وعن يساره ميكائيل ، والقوم مع لواء أبي جهل والأحزاب . وأما التمر فإنا لم نغرسه ولكن غلبنا عليه من غرسه . وأما الطفيشل فلو كان طعامنا لسُمِّينا به إسماً كما سميت قريش السخينة . ثم قال قيس بن سعد في ذلك :

يا ابن هند دعِ التوثٌّب في الحرب إذا نحن في البلاد نأينا
نحن من قد رأيت فادنُ إذْ شئتَ بمن شئتَ في العجاج إلينا

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 271 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إلى آخر الأبيات ، وفيها تذكير لمعاوية ببدر وأحد والخندق وفتح مكة ) !
أقول : والرواية طويلة ، تكشف عن بصيرة الأنصار في قريش وبني أمية ! وقد تضمنت مفاوضاتهم مع معاوية ، وقد ركزوا في اليوم التالي على قتله ، ووصلوا في هجومهم إلى مركز قيادته وقتل قيس بن سعد شخصاً تصور أنه معاوية ! ولو أن الأنصار لم يضعفوا بعد وفاة النبي ( صلى الله عليه وآله ) ووفوْا ببيعتهم له في العقبة على أن يحموا أهل بيته ( عليهم السلام ) كما يحمون أنفسهم وذراريهم ولا ينازعوا الأمر أهله لتغير تاريخ الإسلام والعالم ! لكن كل إنسان ميسرٌ لما خلق له ولله أمر هو بالغه !

5 - سكوت معاوية عن حاخام اتهم النبي ( صلى الله عليه وآله ) بالغدر !

كان الحاخام كعب بن الأشرف رئيس يهود بني النضير عدواً لدوداً للنبي ( صلى الله عليه وآله ) وقد تحمل النبي ( صلى الله عليه وآله ) والمسلمون أذاه ، لأنه دخل في عهد المواطنة الذي عقده النبي ( صلى الله عليه وآله ) عند قدومه إلى المدينة بين أهل المدينة واليهود .
ولم يكتف كعب باتصالاته المستمرة مع أبي سفيان ، فكان يهجو النبي ( صلى الله عليه وآله ) بالشعر ! بل خطط لقتله ( صلى الله عليه وآله ) فدعاه إلى بيته فأخبر الله نبيه ( صلى الله عليه وآله ) بذلك وأنجاه !
ثم أمعن كعب في عدائه فذهب في وفد من أربعين راكباً أو أكثر من حاخامات اليهود ورؤسائهم إلى مكة ، ونزلوا في بيت صديقهم أبي سفيان ، وتحالفوا معه ومع رؤساء قريش على قتال النبي ( صلى الله عليه وآله ) في حملة الأحزاب ! وبذلك نقضوا عهدهم مع النبي ( صلى الله عليه وآله ) وأعلنوا عليه الحرب ! فبادر بعد هزيمة الأحزاب إلى تأديبهم ومحاصرة حصونهم فخافوا وطلبوا تجديد عهد المواطنة فجدده لهم !
قال المفيد ( رحمه الله ) في الإرشاد : 1 / 57 : ( لما توجه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) إلى بني النضير عمل على حصارهم ، فضرب قبته في أقصى بني حُطَمَة من البطحاء . فلما أقبل الليل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 272 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
رماه رجل من بني النضير بسهم فأصاب القبة ، فأمر النبي ( صلى الله عليه وآله ) أن تحول قبته إلى السفح وأحاط به المهاجرون والأنصار . فلما اختلط الظلام فقدوا أمير المؤمنين ( عليه السلام ) فقال الناس : يا رسول الله لا نرى علياً ؟ فقال : أراه في بعض ما يصلح شأنكم ، فلم يلبث أن جاء برأس اليهودي الذي رمى النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وكان يقال له عزورا ، فطرحه بين يدي النبي فقال له النبي ( صلى الله عليه وآله ) : كيف صنعت ؟ فقال : إني رأيت هذا الخبيث جريئاً شجاعاً ، فكمنت له وقلت ما أجرأه أن يخرج إذا اختلط الظلام يطلب منا غِرَّة ، فأقبل مصلتاً سيفه في تسعة نفر من أصحابه اليهود فشددت عليه فقتلته وأفلت أصحابه ولم يبرحوا قريباً ، فابعث معي نفراً فإني أرجو أن أظفر بهم فبعث رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) معه عشرة فيهم أبو دجانة سماك بن خرشة ، وسهل بن حنيف ، فأدركوهم قبل أن يلجوا الحصن فقتلوهم وجاؤوا برؤوسهم إلى النبي ( صلى الله عليه وآله ) فأمر أن تطرح في بعض آبار بني حطمة . وكان ذلك سبب فتح حصون بني النضير . وفي تلك الليلة قتل كعب بن الأشرف . وكانت غزاة الأحزاب بعد بني النضير ) . انتهى .
أقول : غرضنا هنا أن الحاخام اليهودي يامين بن يامين صديق كعب الأشرف وصديق أبي سفيان ، وهو رأس اليهود ( السيرة الحلبية : 2 / 327 ) وزعموا أنه : ( أسلم وأحرز ماله وحسن إسلامه وهو من كبار الصحابة ) . ( أسد الغابة : 5 / 99 ) ! كان يامين هذا في مجلس معاوية فجرى ذكر كعب فأقسم يامين أنه قتل غدراً ! ومعناه أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) معاذ الله ظالم غادر ! فثارت ثائرة محمد بن مسلمة الأنصاري الذي كان في المجموعة التي قتلته بأمر النبي ( صلى الله عليه وآله ) وطالب معاوية بمعاقبة يامين ، فلم يفعل معاوية ولم يحرك ساكناً ومعناه أنه أقرَّه ! فغضب ابن مسلمة ، وحلف أن لا يجالس معاوية وأن يقتل يامين إن قدر عليه !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 273 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد تكررت هذه القصة في مجلس مروان في المدينة ! واعترف بها ابن تيمية وابن قيم ! وسكتا عن فعل معاوية وإقراره افتراء يامين على رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) !
قال ابن قيم في أحكام أهل الذمة / 568 وفي طبعة : 3 / 1448 : ( قال شيخنا ( ابن تيمية ) : وقد عرض لبعض السفهاء شبهة في قتل ابن الأشرف فظن أن دم مثل هذا معصوم بذمة أو بظاهر الأمان . وذلك نظير الشبهة التي عرضت لبعض الفقهاء حين ظن أن العهد لا ينتقض بذاك ، فروى ابن وهب : أخبرني سفيان بن عيينة عن عمر بن سعيد أخي سفيان بن سعيد الثوري عن أبيه عن عباية قال : ذكر قتل ابن الأشرف عند معاوية فقال ابن يامين : كان قتله غدراً ! فقال محمد بن مسلمة : يا معاوية أيُغَدَّر عندك رسول الله ( أي يُتهم بالغدر ) ولا تُنكر ؟ ! والله لا يظلني وإياك سقف بيت أبداً ، ولا يخلو لي دم هذا إلا قتلته ! قال الواقدي : حدثني إبراهيم بن جعفر عن أبيه قال : قال مروان بن الحكم وهو على المدينة وعنده ابن يامين النضري : كيف كان قتل ابن الأشرف ؟ فقال ابن يامين : كان غدراً ! ومحمد بن مسلمة جالس وهو شيخ كبير فقال : يا مروان ، أيُغدَّرُ رسول الله عندك ؟ والله ما قتلناه إلا بأمر رسول الله ( ص ) والله لا يؤويني وإياك سقف بيت إلا المسجد ! وأما أنت يا بن يامين فلله عليَّ إن أفلتَّ وقدرتُ عليك وفي يدي سيف إلا ضربت به رأسك ، فكان ابن يامين لا ينزل من بني قريظة حتى يبعث رسولاً ينظر محمد بن مسلمة ، فإن كان في بعض ضياعه نزل فقضى حاجته ، وإلا لم ينزل . فبينما محمد في جنازة وابن يامين بالبقيع ، فرأى محمداً يغشي عليه جرائد يظنه لا يراه فعاجله فقام إليه الناس فقالوا : يا أبا عبد الرحمن ما تصنع نحن نكفيك ! فقام إليه فجعل يضربه بها جريدةً جريدة ، حتى كسر ذلك الجريد على وجهه ورأسه حتى لم يترك به مصحاً ، ثم أرسله ولا طِبَاخَ به ( لا قوة به ) ثم قال : والله لو قدرت
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 274 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
على السيف لضربتك به ) . ( والتفصيل في : دلائل النبوة للبيهقي : 3 / 193 ، وتاريخ دمشق : 55 / 275 ، وإمتاع الأسماع : 12 / 185 ، والواقدي : 1 / 192 ، وفي طبعة / 110 ، والصارم المسلول : 1 / 182 و 385 و : 2 / 798 ، والصحيح من السيرة : 6 / 46 عن مشكل الآثار : 1 / 77 ، وكنز العمال : 10 / 631 ، وغيرها ) .
لذلك ، ينبغي أن نبحث عن موت الصحابي محمد بن مسلمة ، هل مات طبيعياً أو بالسم الأموي اليهودي ! !
ملاحظات
1 - صحَّح عدد منهم رواية يامين ، وذكر بعضهم أنه أقسم بالله أن كعباً قتل ظلماً وغدراً ! وقد تكررت القصة بين ابن محمد بن مسلمة وشخص من بني حارثة قد يكون يهودياً قال : ( والله ما قُتل إلا غدراً ) ! وذكر وكيع في أخبار القضاة / 75 ، أن قاضي المدينة سعد بن إبراهيم أقام عليه حد الجلد . ( ورواه في تهذيب الكمال : 10 / 245 ، وسير أعلام النبلاء : 5 / 420 ، عن تاريخ البخاري الكبير : 4 / 51 ) .
2 - بحث ابن تيمية وابن قيم الحكم الشرعي لقتل كعب بن الأشرف ، ودافعا عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) بأن كعباً نقض الذمة لأنه كان يهجو النبي ( صلى الله عليه وآله ) ويحرض قريشاً على قتاله ، وحُكم سابِّ النبي ( صلى الله عليه وآله ) القتل ! لكن العجيب أنهما لم يذكرا الحكم الشرعي لقول يامين مع أنه افتراء وسبٌّ صريح ! ولا تعرضا لحكم معاوية ومروان اللذين سكتا ولم يردعاه ولم يقيما حد الله عليه ! وهذه عادة أتباع بني أمية أن غيرتهم تموت على النبي ( صلى الله عليه وآله ) إذا كان المنتقص له أموياً !
ج
3 - روت مصادرهم أن القصة نفسها وقعت في مجلس علي ( عليه السلام ) فأمر بقتل المفتري على النبي ( صلى الله عليه وآله ) لأن اتهامه للنبي بقتل أحدٍ ظلماً يعني كفره بنبوته !
ففي فقه الإرهاب للشيخ المُقَدَّسي / 10 : ( قال القرطبي في الجامع : 8 / 84 : وقد روي أن رجلاً قال في مجلس علي ( عليه السلام ) : ما قتل كعب بن الأشرف إلا غدراً ! فأمر علي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 275 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بضرب عنقه . قال علماؤنا هذا يقتل ولا يستتاب إن نسب الغدر للنبي ؛ لأن ذلك زندقة . وفي الشفا للقاضي عياض : من أضاف إلى نبينا تعمد الكذب فيما بلغه وأخبر به ، أو شك في صدقة ، أو سبه ، أو قال إنه لم يبلِّغ ، أو استخف به ، فهو كافر بالإجماع . ( الشفا للقاضي عياض / 582 و 608 ) .
وفي المحلى لابن حزم : 12 / 438 قال : إن كل من آذى رسول الله ( ص ) فهو كافر مرتد يقتل ولا بد . قال الخطابي : لا أعلم أحداً من المسلمين اختلف في وجوب قتله . وقال حنبل : سمعت أبا عبد الله ( أحمد بن حنبل ) يقول : من شتم النبي ( ص ) أو تنقصه ، مسلماً كان أو كافراً فعليه القتل وأرى أنه يقتل ولا يستتاب ) . انتهى .
وقال العيني في عمدة القاري : 13 / 71 : ( وقد قال رجل في مجلس علي رضي الله عنه : إنَّ قتله كان غدراً فأمر بقتله فضربت عنقه ، لأن الغدر إنما يتصور بعد أمان صحيح ، وقد كان كعب مناقضاً للعهد ) . انتهى .
4 - كان في يهود خيبر والمدينة وأم القرى ونجران واليمن والحيرة ، أكثر من مئة حاخام ، وكانت لهم مدارس متعددة ، وفي المدينة كان لهم مدرستان ، أكبرهما بيت المدراس أو بيت المدراش ، وكان يحضر فيها عمر بن الخطاب وبعض الصحابة ( تدوين القرآن / 415 ) وكان أكثر الحاخامات زعماء أقوامهم وكان بينهم تواصل ولهم صداقة خاصة مع أبي سفيان وبنيه ، فكان يزورهم في المدينة وخيبر وأم القرى واليمن والحيرة ، وربما زاروه في مكة ، وقد توطدت صلتهم معه في حروبه مع النبي ( صلى الله عليه وآله ) ووصلت إلى تحالف على قتال النبي ( صلى الله عليه وآله ) في هجوم موحد في غزوة الأحزاب ! ومعاوية وفيٌّ لأصدقاء أبي سفيان وتحالفاته ، ومن أعزهم عليه كعب بن الأشرف حاخام بني النضير وزعيمهم ، لكنه مضطر للسكوت وإن كان يرى الحق مع يامين صديقه وصديق كعب ! !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 276 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
5 - كتبت في نقد الفتاوى المتطرفة ما خلاصته : لاحَقَتْ فتاويهم ومعاولهم الآثار المباركة في المدينة المنورة ، حتى النخلات التي غرسها النبي ( صلى الله عليه وآله ) بيده ، والتي حرص المسلمون في أجيالهم أن يغرسوا مكانها من فِسْلانها كلما هرمت ، فبقيت أثراً مباركاً يستشفي المسلمون بتمرها ، وكانت إلى مدة قريبة في بستان سلمان الفارسي ( رحمه الله ) ، وقد أكلتُ من رطبها للتبرك قبل أكثر من عشرين سنة ، قبل أن يحرقها المتطرفون بنيرانهم ، ثم قلعوها وحرثوا أرضها بالماكنات ! ولا يتسع المجال لتعداد أفاعيلهم في آثار النبي وآله ( صلى الله عليه وآله ) وأصحابه التي نفَّرَت منهم العالم ! لكن من عجائب هؤلاء المشايخ أن معاولهم وألسنتهم خرست أمام حصن زعيم اليهود كعب بن الأشرف العدو اللدود للنبي ( صلى الله عليه وآله ) فها هو وآثاره في المدينة سليمةً معافاة ! كأنهم أفتوا بوجوب المحافظة عليها ؟ !
ففي كتاب تاريخ معالم المدينة المنورة قديماً وحديثاً ، لأحمد ياسين الخياري مع ( تعليق عبيد الله محمد أمين كردي ، إصدار نادي المدينة المنورة الأدبي ، طبع دار العلم في السعودية ) كتب مؤلفه / 22 : ( بقية حصن كعب بن الأشرف بأعلى بطحان وليس بالعوالي قبل سد العوالي للصاعد إليه من العوالي ، وترى آثاره على اليمين بعد حديقة البلدية بخس مأة متر تقريباً ، وعليها لافتة من إدارة الآثار تمنع تغيير المعالم ) ! واليك ما جاء في موقع : http : / / www . al - madinah . org / arabic / 137 . htm :
( فارع ، حصن كعب بن الأشرف : وهو قلعة صغيرة مبنية على هضبة صخرية في المنطقة الجنوبية الشرقية للمدينة ، يبلغ طول الحصن 33 متراً وعرضه 33 متراً ، وارتفاع ما بقي من جدرانه 4 أمتار وسمكها متر ، وله باب واحد من الجهة الغربية وثمانية أبراج ضخام مبنية من حجارة ضخمة ، طول بعضها 140 سم ، وعرضها 80 سم ، وسمكها 40 سم . وبوسطه رحبة واسعة مربعة تبلغ مساحتها ألف متر .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 277 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وبجوانب الحصن من الداخل 10 غرف ، وبداخله بئر ، وقد خرب هذا الحصن عندما أجلى الرسول ( ص ) بني النضير عن المدينة ، وسمح لهم بحمل ما يستطيعون حمله من أمتعة دون السلاح . وصاحب هذا الحصن كعب بن الأشرف وهو يهودي عربي من قبيلة نبهان ! أمه من بني النضير ، وكان يؤلب المشركين على حرب المسلمين بشعره ويؤذي المسلمين ، فأمر النبي ( ص ) بقتله ، فذهب بعض الصحابة واحتالوا عليه وأخرجوه من حصنه ليلاً ، وقتلوه سنة 2 للهجرة . للتوسع : آثار المدينة المنورة / عبد القدوس الأنصاري / 61 ) . انتهى .
لاحظ قولهم : ( وهو يهودي عربي من قبيلة نبهان ) ! فهي مقولة الحزب القرشي الذي كان يزعم أن رئيس بني قريظة عربي ! ليبرروا تحالفهم معه ضد الإسلام ونبيه ( صلى الله عليه وآله ) ! فمتى سمح اليهود لعربي أن يترأس فيهم ، خاصة بنو النضير أكثر اليهود تعصباً ؟ ! قال البيهقي في سننه : 9 / 183 : ( بعث رسول الله ( ص ) حين فرغ من بدر بشيرين إلى أهل المدينة ، زيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة ، فلما بلغ ذلك كعب بن الأشرف فقال : ويلك أحقٌّ هذا ؟ ! هؤلاء ملوك العرب وسادة الناس يعني قتلى قريش ، ثم خرج إلى مكة فجعل يبكى على قتلى قريش ويحرض على رسول الله ) ! وفي فتح الباري : 7 / 259 : ( باب قتل كعب بن الأشرف أي اليهودي ، قال ابن إسحاق وغيره . . . وكان طويلاً جسيماً ذا بطن وهامة ، وهجا المسلمين بعد وقعة بدر ، وخرج إلى مكة فنزل على بن وداعة السهمي . . . . كان شاعراً وكان يهجو رسول الله ( ص ) ويحرض عليه . . . . قدم على مشركي قريش فحالفهم عند أستار الكعبة على قتال المسلمين . . . صنع طعاماً وواطأ جماعة من اليهود أنه يدعو النبي ( ص ) إلى الوليمة فإذا حضر فتكوا به ، ثم دعاه فجاء ومعه بعض أصحابه فأعلمه جبريل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 278 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بما أضمروه بعد أن جالسه ، فقام فستره جبريل بجناحه فخرج فلما فقدوه تفرقوا ! فقال حينئذ : من ينتدب لقتل كعب ) . انتهى .
فليت مشايخهم عاملوا آثار النبي ( صلى الله عليه وآله ) وأهل بيته ( عليهم السلام ) كما عاملوا آثار حصن اليهود ! وهاهم هدموا مسجد السقيا وهو أحد المساجد السبعة المشهورة ، ومسجد ردِّ الشمس وجعلوه محل حدادة كما رأيته ! وأقفلوا مسجد الغمامة ، ومنعوا الزوار من الصلاة فيه ، ولعل ذلك مقدمة لهدمه !

6 - التنقيص من شخصية النبي ( صلى الله عليه وآله ) بتسمية معاوية رسول الله !

روى الطبري في تاريخه : 4 / 244 ، هذه القصة : ( أن عمرو بن العاص وفد إلى معاوية ومعه أهل مصر فقال لهم عمرو : أنظروا إذا دخلتم على ابن هند فلا تسلموا عليه بالخلافة ، فإنه أعظم لكم في عينه وصغِّروه ما استطعتم ، فلما قدموا عليه قال معاوية : لحجابه إني كأني أعرف ابن النابغة وقد صغَّرَ أمري عند القوم ، فانظروا إذا دخل الوفد فتعتعوهم أشد تعتعة تقدرون عليها ، فلا يبلغني رجل منهم إلا وقد همته نفسه بالتلف ! فكان أول من دخل عليه رجل من أهل مصر يقال له ابن الخياط : فدخل وقد تُعْتع فقال : السلام عليك يا رسول الله ! فتتابع القوم على ذلك ! فلما خرجوا قال لهم عمرو : لعنكم الله نهيتكم أن تسلموا عليه بالإمارة ، فسلمتم عليه بالنبوة ! ) . انتهى . ( والنهاية : 8 / 149 ) وسواء كان اللعب في القصة من معاوية أو من ابن العاص أو من كليهما ، فإنه يصدق عليها تعليق الحافظ محمد بن عقيل في النصائح الكافية قال في / 125 : ( فانظر كيف لم ينكر عليهم معاوية تسليمهم عليه بالرسالة ، وأقرهم على هذا الفعل الفظيع ! حباً في التعاظم واستخفافاً بالرسول ومقامه ! ومنه تعلم أن معاوية وعمراً لا دين لهما ، كما أخبر الصادق الخبير علي ( عليه السلام ) وأنهما غادران كما شهد النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، فقد أخرج الطبراني في الكبير وابن عساكر أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أنه قال : إذا رأيتم معاوية وعمرو بن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 279 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
العاص جميعاً ففرقوا بينهما فوالله ما اجتمعَا إلا على غدر ) !

7 - ألا فخمته كما فخمه الله تعالى ؟ !

روى ابن عساكر في تاريخه قصة المعمر اليماني مع معاوية : 9 / 220 ، عن أبي الفرج غيث بن علي الخطيب قال : ( قال معاوية : إني لأحب أن ألقى رجلاً قد أتت عليه سن وقد رأى الناس يخبرنا عما رأى ، فقال بعض جلسائه ذلك رجل بحضرموت ! فأرسل إليه فأتيَ به فقال له : ما اسمك ؟ قال أمَد . قال : ابن من ؟ قال : ابن أبَد ، قال : ما أتى عليك من السن ؟ قال : ستون وثلاثمائة . قال : كذبت ! قال : ثم إن معاوية تشاغل عنه ، ثم أقبل عليه فقال : ما اسمك ؟ قال أمَد ، قال : ابن من ؟ قال : ابن أبَد ، قال : كم أتى عليك من السن ؟ قال : ثلاثمائة وستون سنة . قال : فأخبرنا عن ما رأيت من الأزمان أين زماننا هذا من ذاك ؟ قال : وكيف تسأل من يكذب ؟ قال : إني ما كذبتك ولكني أحببت أن أعلم كيف عقلك ؟ قال قال : يوم شبيه بيوم وليلة شبيهة بليلة ، يموت ميت ويولد مولود ، فلولا من يموت لم تسعهم الأرض ، ولولا من يولد لم يبق أحد على وجه الأرض !
قال فأخبرني هل رأيت هاشماً ؟ قال : نعم رأيته رجلاً طوالاً حسن الوجه ، فقال : إن بين عينيه بركة أو غرة بركة . قال : فهل رأيت أمية ؟ قال : نعم رأيته رجلاً قصيراً أعمى ، يقال إن في وجهه لشراً أو شؤماً !
قال : فهل رأيت محمداً ؟ قال : مَن محمد ؟ قال : رسول الله ، قال : ويحك ألا فخمته كما فخمه الله فقلت : رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ؟ !
قال : فأخبرني ما كانت صناعتك ؟ قال : كنت رجلاً تاجراً . قال : فما بلغت تجارتك ؟ قال : كنت لا أشتري عيباً ، ولا أردُّ ربحاً .
قال له معاوية : سلني . قال : أسألك أن تدخلني الجنة ! قال : ليس ذاك بيدي ولا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 280 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أقدر عليه ! قال : أسألك أن ترد عليَّ شبابي ! قال : ليس ذاك بيدي ولا أقدر عليه ! قال : لا أرى بيديك شيئاً من أمر الدنيا ولا من أمر الآخرة ! قال فردني حيث جئت . قال : أما هذا فنعم ! ثم أقبل معاوية على أصحابه فقال : لقد أصبح هذا زاهداً فيما أنتم فيه راغبون . كذا جاء اسمه والله أعلم هل هو اسمه الذي سمي به أو هو اسم سمى به نفسه عند طول عمره ) . ( وكنز الفوائد / 260 ) . والمرجح أن هذا المعمر سمى نفسه ( أمَد بن أبَد ) وأنه صادق ومن أولياء الله تعالى .

8 - معاوية يجعل دَوْرَهُ في الوحي أساسياً كدور النبي ( صلى الله عليه وآله ) !

وهذا هو هدف معاوية النهائي من رفعه شعار ( كاتب الوحي ) ! فقد صوَّر لأهل الشام أن الله اختاره كاتباً للوحي شريكاً للنبي ( صلى الله عليه وآله ) وأميناً على وحيه ! فالنبي ( صلى الله عليه وآله ) كان لا يقرأ ولا يكتب ، فلا بد له من وزير أمين من أهل بيته يكتب الوحي فاختار الله معاوية وزيراً ! ولم يكن النبي ( صلى الله عليه وآله ) يعلم ما يكتبه معاوية ، فكان هو الأمين على الوحي الذي وصل من الله تعالى بواسطته إلى الناس !
قال الواقدي : ( إن معاوية لما عاد من العراق إلى الشام بعد بيعة الحسن واجتماع الناس إليه ، خطب فقال : أيها الناس ، إن رسول الله قال لي : إنك ستلي الخلافة من بعدي ، فاختر الأرض المقدسة فإن فيها الأبدال ! وقد اخترتكم فالعنوا أبا تراب . فلعنوه ! فلما كان من الغد كتب كتاباً ثم جمعهم فقرأه عليهم وفيه : هذا كتاب كتبه أمير المؤمنين معاوية ، صاحب وحي الله الذي بعث محمداً نبياً وكان أمياً لا يقرأ ولا يكتب ، فاصطفى له من أهله ! وزيراً كاتباً أميناً ، فكان الوحي ينزل على محمد وأنا أكتبه ، وهو لا يعلم ما أكتب ، فلم يكن بيني وبين الله أحد من خلقه ! فقال له الحاضرون كلهم : صدقت يا أمير المؤمنين ) ! ( شرح
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 281 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
النهج : 4 / 72 ، وأضواء على السنة المحمدية للشيخ محمود أبو ريه / 130 ، وقال : لم يكن معاوية في كتاب الوحي ، ولا خطَّ بقلمه لفظة واحدة من القرآن ) . انتهى .
فلاحظ كيف زُيِّن لمعاوية سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً ، وصوَّر له الشيطان أن يدعي الشراكة للنبي ( صلى الله عليه وآله ) ! وأنه يستطيع أن ينشر لعن علي ( عليه السلام ) ويمحوه من الإسلام !

9 - تعظيم معاوية لنفسه بادعائه أنه كان مقرباً من النبي ( صلى الله عليه وآله )

يعمل معاوية لتحقيق خيالاته بكل طريق ، فهو كما وصفه أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في رسالته لزياد بن أبيه : ( وإن معاوية كالشيطان الرجيم يأتي المرء من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ، فاحذره ثم احذره ثم احذره . والسلام ) . ( المناقب والمثالب : 204 ، وتاريخ اليعقوبي : 2 / 218 ، وأنساب الأشراف / 1219 ، وشرح النهج : 6 / 284 ) .
ولم يستفد زياد من هذه النصيحة ، فغرَّه معاوية وفضح أمه وألحقه بنسبه ، واستخدمه في قتل عشرات الألوف ، ثم طمع زياد في ولاية العهد فقتله معاوية !
وبتعبير عصرنا إن معاوية يلعب على كل الحبال ويصدق عليه مثل السياسي الذي سألوه : لماذا تلعب على حبلين ؟ فأجاب : لأنه لا يوجد ثلاثة حبال ! ففي الوقت الذي كان يعمل لدفن ذكر النبي ( صلى الله عليه وآله ) بالتنقيص من مقامه والتشكيك فيه ، ويلعن عترته المعصومين ( عليهم السلام ) على المنابر ، وينشر ادعائاته لنفسه في مقابل النبوة ، زاعماً أنه وأباه معدن الحق في قريش ، وأنه إن كان محمد رسول الله فمعاوية خليفة الله في أرضه . . في نفس الوقت تجده يُعَظّم نفسه بادعاء القرب من النبي ( صلى الله عليه وآله ) حتى كأنه وصيه وخليفته ! وقد ثبت أنه كذب على النبي ( صلى الله عليه وآله ) بأنه مدحه في أحاديث ، حيث شهد العلماء بأنها مكذوبة !

أ - بعد قتله الإمام الحسن ( عليه السلام ) أراد نقل منبر النبي ( صلى الله عليه وآله ) إلى الشام !

فمنبر النبي ( صلى الله عليه وآله ) رمز العلم والتوجيه وعصاه ( صلى الله عليه وآله ) رمز الحكم والقوة ، ويجب أن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 282 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
تكونا لمعاوية ، فيقول للناس : أنا وارث نبيكم محمداً ، وأنا كاتب وحيه ومبلغه إلى الناس ، وأنا وارث منبره ! ففي تاريخ الطبري : 4 / 177 : ( وفي هذه السنة ( خمسين هجرية ) أمر معاوية بمنبر رسول الله ( ص ) أن يحمل إلى الشام ، فحُرِّكَ فكسفت الشمس حتى رُئيت النجوم بادية يومئذ ، فأعظمَ الناس ذلك ) ! انتهى .
وفي النجوم الزاهرة : 1 / 138 : ( وفيها أراد معاوية نقل منبر النبي ( ص ) من المدينة وأن يُحمل إلى الشام ، وقال : لا يُترك هو وعصا النبي ( ص ) بالمدينة وهم قتلة عثمان ! فطلب العصا وهي عند سعد القرظ ، وحُرِّك المنبر فكسفت الشمس حتى رؤيت النجوم بادية ! فأعظم الناس ذلك فتركه ) .
وفي شرح السيوطي لسنن النسائي : 2 / 59 : ( بعث معاوية إلى مروان وهو عامله على المدينة أن يحمل المنبر إليه ، فقلع فأظلمت المدينة ! وفي رواية فكسفت الشمس حتى رأينا النجوم ! فخرج مروان فخطب فقال : إنما أمرني أمير المؤمنين أن أرفعه ! فدعا نجاراً وكان ثلاث درجات فزاد ست درجات ، وقال : إنما زدت فيه حين كثر الناس ) . ( والنجوم الزاهرة : 1 / 138 , والوجيز للواحدي : 1 / 130 ) .
ومعنى هذا أن محاولته كانت بعد شهادة الإمام الحسن ( عليه السلام ) ، غير أن مصادرنا روت أنها كانت في سنة إحدى وأربعين ، أي بعد الصلح مباشرة ، وأنه أراد أن يجعله على شكل منبره في الشام تماماً ، وأنه فعل ذلك رغم الآية الربانية !
ففي الكافي : 4 / 554 ، عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) قال : ( لما كان سنة إحدى وأربعين أراد معاوية الحج فأرسل نجاراً وأرسل بالآلة ، وكتب إلى صاحب المدينة أن يقلع منبر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ويجعلوه على قدر منبره بالشام ! فلما نهضوا ليقلعوه انكسفت الشمس وزلزلت الأرض ، فكفوا وكتبوا بذلك إلى معاوية ، فكتب عليهم يعزم عليهم لمَّا فعلوه ، ففعلوا ذلك ! ! فمنبر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) المدخل الذي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 283 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
رأيت ) . انتهى . ولعلهما كانتا محاولتين ، في الأولى غيَّر المنبر بحجة تجديده فجعله مثل منبره في الشام ، وفي الثانية أراد نقله .

ب - معاوية على منبر النبي ( صلى الله عليه وآله ) . . أجمل من ملكة جمال المدينة !

قال ابن قيم الجوزية في روضة المحبين / 224 : ( وكانت عائشة بنت طلحة من أجمل أهل زمانها أو من أجملهم ، فقال أنس بن مالك : والله ما رأيت أحسن منك إلا معاوية على منبر رسول الله ( ص ) ! فقالت : والله لأنا أحسن من النار في عين المقرور في الليلة القارَّة ! ودخل عليها أنس يوماً في حاجة فقال : إن القوم يريدون أن يدخلوا عليك فينظروا إلى جمالك ! قالت : أفلا قلتَ لي فألبس ثيابي ! ) . وفي العقد الفريد / 1637 : ( ونظر أبو هريرة إلى عائشة بنت طلحة فقال : سبحان الله ! ما أحسن ما غذاك أهلك ! والله ما رأيت وجهاً أحسن منك إلا وجه معاوية على منبر رسول الله ( ص ) ! وكان معاوية من أحسن الناس ) . ( وتاريخ دمشق : 69 / 250 و 251 ، والأغاني / 2528 ، وطبائع النساء : 1 / 59 ) .
أقول : إعجب لمن شئت من هؤلاء المشاركين في هذه المنقبة !
لابن القيم الحنبلي الذي رواها في كتاب روضة المحبين بالحلال !
أو لأنس بن مالك الذي ينظر إلى ملكة جمال المدينة ويتغزل بها ، ثم يأتي لها بصحابة أو غيرهم ليتفرجوا على جمالها !
أو لأبي هريرة الذي يسأل ملكة الجمال عن سبب جمالها ، ويقدِّر أنه الغذاء !
أو لمعاوية الذي يصعد على منبر النبي ( صلى الله عليه وآله ) الذي بناه له مروان وزاده ست درجات ، ويوجه الصحابيين أبا هريرة وأنساً ، ليصفا للمسلمين جماله !
أو لغرض معاوية من هذا التشبه بالنبي ( صلى الله عليه وآله ) وابتذال شخصيته ومنبره ! وغرض أنس وأبي هريرة من التقرب إلى معاوية ، وبنت طلحة !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 284 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

ج‍ - أراد أن يثبت لأهل المدينة أنه يعتقد بالنبي ( صلى الله عليه وآله ) وليس كما يقولون !

في صحيح بخاري : 1 / 98 و : 7 / 41 : ( عن عائشة أن النبي ( ص ) صلى في خميصة لها أعلام ( ثوب صيفي فيه خطوط ملونة ) فنظر إلى أعلامها نظرة ، فلما انصرف قال : إذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم ، وائتوني بأنبجانية أبي جهم ، فإنها ألهتني آنفاً عن صلاتي ) . ( والأنبجانية : ثوب منسوب إلى موضع اسمه إنبجان ، وهو ثوب شتوي من الصوف غير ملون له خمل - راجع تاج العروس ، والفائق / 205 ، والتمهيد : 22 / 314 ) .
وفي تاريخ دمشق : 59 / 153 : ( قدم معاوية بن أبي سفيان المدينة فأرسل إلى عائشة أن أرسلي إلي بأنبجانية رسول الله ( ص ) وشعره . فأرسلت به معي أحمله حتى دخلت به عليه ، فأخذ الأنبجانية فلبسها ، وأخذ شعره ، فدعا بماء فغسله فشربه وأفاض على جلده ) . ( والنهاية : 8 / 140 ، وسير النبلاء : 3 / 148 ، وسمت النجوم / 900 ) .
د - وزعموا أنه مات على الإيمان وأن النبي ( صلى الله عليه وآله ) أعطاه قميصاً لكفنه !
في تاريخ الطبري : 4 / 241 : ( أن معاوية قال في مرضه الذي مات فيه : إن رسول الله كساني قميصاً فرفعته ، وقلَّم أظفاره يوماً فأخذت قلامته فجعلتها في قارورة ، فإذا متُّ فألبسوني ذلك القميص ، وقطِّعوا تلك القلامة واسحقوها وذُرُّوها في عينيَّ وفي فيَّ ، فعسى الله أن يرحمني ببركتها ) . ( وكامل ابن الأثير : 3 / 369 ، ونحوه في فتوح ابن الأعثم : 4 / 351 ، ونهاية ابن كثير : 8 / 151 ، والتعازي والمراثي للمبرد / 102 ) .
أقول : لا يوجد في كلام معاوية ولا عمل مما يدل على اعتقاده بالنبي ( صلى الله عليه وآله ) والتبرك بآثاره ، وأنه يأمل بشفاعته وبركته ! فلا بد أن تكون هذه الرواية موضوعة بعد موته ! خاصة مع وجود رواية أنه مات وفي عنقه الصليب ليسكن وجعه !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 285 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل العاشر : دين معاوية التزوير والتحريف

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 286 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 287 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

نماذج من تزويرات معاوية وكذبه !

يحس من يقرأ معاوية أن شخصيته قائمة على التزوير ! وقد اتضح ذلك بما عرضناه من صفاته وأقواله وأفعاله ! ونورد هنا نماذج من كذبه وتزويره الصريح ليتضح لك أن التزوير منهجه ودينه ، وليس حالات مفردة !

1 - ابن قائد المشركين يدعي أنه أحق بخلافة النبي ( صلى الله عليه وآله ) !

فهو ابن أبي سفيان الذي عادى النبي ( صلى الله عليه وآله ) من أول بعثته حتى آخر نفس ، وقاد المشركين في حروبهم للنبي ( صلى الله عليه وآله ) إلى أن انهزم في فتح مكة ، فاستسلم وخلع سلاحه وصار أسيراً للنبي ( صلى الله عليه وآله ) مع مشركي مكة ! فمنَّ عليهم النبي ( صلى الله عليه وآله ) بالحياة ولم يقتلهم ، وأطلقهم ولم يُعتقهم فظلوا على ملكيته !
وها هو معاوية يعمل ليحكم دولة النبي ( صلى الله عليه وآله ) ! وكل مصدر حقه في خلافته ادعاؤه المطالبة بدم عثمان الأموي ! مع أن مشكلة عثمان طالت شهوراً وتفاقمت وطلب منه النصرة فلم يفعل ! وطال حصاره أكثر من شهر واستنصره فأرسل جيشاً من الشام وأمرهم أن يرابطوا قرب المدينة ولا يدخلوها وقال لقائدهم : ( إذا أتيت ذا خشب ( قرب المدينة ) فأقم بها ولا تقل الشاهد يرى ما لا يرى الغائب ، فأنا الشاهد وأنت الغائب ) ! ( تاريخ المدينة لعمر بن شبة : 2 / 1288 ) . وعندما قتل المحاصرون عثمان سحب جيشه وأعلن المطالبة بدمه ! وحارب بهذه الحجة الواهية إمامه الخليفة الشرعي للنبي ( صلى الله عليه وآله ) ! وعندما انتصر نسي دم عثمان ! وأعلن للمسلمين : ( ما قاتلتكم لتصلوا ولا لتصوموا وإنما قاتلتكم لأتأمر عليكم ) !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 288 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

2 - تزويره معنى قاتل عمار في حديث النبي ( صلى الله عليه وآله ) !

من الأحاديث المتواترة عند المسلمين أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) مدح عمار بن ياسر ( رحمه الله ) ، وأخبر بأنه ستقتله الفئة الباغية ، وروى بخاري : 1 / 122 قول النبي ( صلى الله عليه وآله ) : ( وَيْحُ عمار تقتله الفئة الباغية ، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار ) . وفي : 115 ، و : 3 / 207 ، عن أبي سعيد الخدري قال : ( كنا ننقل لبن المسجد لبنة لبنة وكان عمار ينقل لبنتين لبنتين فمر به النبي ( ص ) ومسح عن رأسه الغبار وقال : ويح عمار تقتله الفئة الباغية ، عمار يدعوهم إلى الله ويدعونه إلى النار ) . وقال العجلوني في كشف الخفاء : 2 / 346 : ( متفق عليه عن أبي سعيد ، ولفظ البخاري : يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار ) .
وفي شرح الأخبار : 1 / 410 : ( فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : إن الله قد ملأ قلب عمار وسمعه وبصره إيماناً ، لا يعرض عليه أمرٌ حق إلا قبله ، ولا أمرٌ باطل إلا رده ، تقتله الفئة الباغية ، آخر زاده من الدنيا ضِيَاحٌ من لبن ، وقاتلاه وسالباه في النار ) . انتهى .
وكان هذا الحديث مشهوراً بين المسلمين ، وكان عمرو بن العاص يرويه قبل صفين ويكرره ، فطالبه ذو الكلاع أحد قادة جيش معاوية في صفين قائلاً : هذا عمار مع علي ( عليه السلام ) ! فأجابه بأنه سوف يترك علياً ويكون معنا ! ثم أصر عليه وجمع بينه وبين عمار ، وكانت بينهما مناظرة ، أوردناها في المجلد الأول !
وعندما استشهد عمار ( رحمه الله ) أُفحم معاوية فسارع إلى القول : نحن لم نقتله إنما قتله
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 289 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عليٌّ لأنه جاء به وألقاه بين سيوفنا ! ففي مسند أحمد : 4 / 199 : ( فقام عمرو بن العاص فزعاً يرجع حتى دخل على معاوية ، فقال له معاوية : ما شأنك ؟ قال : قتل عمار ! فقال معاوية : قد قتل عمار فماذا ؟ قال عمرو : سمعت رسول الله يقول : تقتله الفئة الباغية ! فقال له معاوية : دَحَضْتَ في بولك أَوَ نَحْنُ قتلناه ؟ إنما قتله عليٌّ وأصحابُه ، جاؤوا به حتى ألقوه بين رماحنا . أو قال بين سيوفنا ) ! !
وفي مجمع الزوائد : 7 / 244 : ( عن عبد الله بن عمرو أن رجلين أتيا عمرو بن العاص يختصمان في دم عمار وسلبه فقال : خليا عنه فإني سمعت رسول الله يقول : إن قاتل عمار وسالبه في النار ! . . . . فقيل لعمرو فإنك هو ذا تقاتله ؟ ! قال : إنما قال قاتله وسالبه ! ! ورجال أحمد ثقات ) .
وقال الجصاص في أحكام القرآن : 3 / 531 : ( وقال النبي ( ص ) لعمار : " تقتلك الفئة الباغية " وهذا خبر مقبول من طريق التواتر حتى إن معاوية لم يقدر على جحده لما قال له عبد الله بن عمر ، فقال : إنما قتله من جاء به فطرحه بين أسنتنا ) .
وقال المناوي في فيض القدير : 6 / 474 : ( قال القرطبي : وهذا الحديث من أثبت الأحاديث وأصحها ، ولما لم يقدر معاوية على إنكاره قال إنما قتله من أخرجه ! فأجابه عليٌّ بأن رسول الله ( ص ) إذنْ قتل حمزة حين أخرجه ؟ ! قال ابن دحية : وهذا من علي إلزام مفحم لا جواب عنه ، وحجة لا اعتراض عليها . وقال الإمام عبد القاهر الجرجاني في كتاب الإمامة : أجمع فقهاء الحجاز والعراق من فريقي الحديث والرأي ، منهم مالك والشافعي وأبو حنيفة والأوزاعي والجمهور الأعظم من المتكلمين والمسلمين ، أن علياً مصيب في قتاله لأهل صفين كما هو مصيب في أهل الجمل ، وأن الذين قاتلوه بغاة ظالمون له ، لكن لا يكفَّرون ببغيهم ) .
( راجع في فضل عمار وتحريف معاوية : مسند أحمد : 2 / 164 و 206 ، و : 3 / 22 ، و 91 ، و : 4 / 197 ، و : 6 / 289 ، والحاكم : 2 / 149 ، و 155 ، و : 3 / 386 ، والزوائد : 7 / 244 ، و 247 . ومصنف عبد الرزاق : 11 / 240 , وابن أبي شيبة : 8 / 723 ، وسنن النسائي : 5 / 155 ، و 157 ، وخصائص أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) للنسائي / 132 بعدة أحاديث ، ومسند أبي يعلى : 11 / 403 ، و : 12 / 455 ، و : 13 / 123 ، و 331 ، وصحيح ابن حبان : 15 / 553 ، وأوسط الطبراني : 6 / 249 ، و : 8 / 44 ، وكبير الطبراني : 19 / 330 ، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 20 / 334 ، ومن مصادرنا : شرح الأخبار : 1 / 408 ، وأمالي الصدوق 489 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 290 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي الإحتجاج : 1 / 266 عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) قال : ( لما قتل عمار بن ياسر ( رحمه الله ) ارتعدت فرائص خلق كثير وقالوا : قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : عمار تقتله الفئة الباغية ، فدخل عمرو على معاوية وقال : يا أمير المؤمنين قد هاج الناس واضطربوا ، قال : لماذا ؟ قال : قتل عمار ! فقال : قتل عمار فماذا ؟ قال : أليس قال رسول الله ( ص ) : تقتله الفئة الباغية ؟ ! فقال معاوية : دحضت في بولك أنحن قتلناه ! إنما قتله علي بن أبي طالب لمَّا ألقاه بين رماحنا ! فاتصل ذلك بعلي ( عليه السلام ) قال : فإذن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) هو الذي قتل حمزة لمَّا ألقاه بين رماح المشركين ) ! !

3 - تزويره معنى " الفئة الباغية " في حديث النبي ( صلى الله عليه وآله ) !

قال الحافظ محمد بن عقيل في النصائح الكافية / 39 : ( وقد حاول معاوية التملص من هذا الحديث بالاحتيال لكيلا ينتقض عليه أحد من أصحابه ، حيث لم يقدر على إنكاره فقال : إنما قتله من أخرجه ! فأجابه الإمام علي بأن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يكون قاتل حمزة حيث أخرجه لقتال المشركين ! وهذا من الإفحام الذي لا جواب عنه . ثم رجع معاوية وتأوله بالطلب وقال : نحن الفئة الباغية أي الطالبة لدم عثمان . من البُغاء بضم الباء الموحدة والمد ، وهو الطلب !
ولا يخفى سقوط التأويلين وخطؤهما ، أما الأول فظاهر ، وأما الثاني فإن قول الرسول ( صلى الله عليه وآله ) يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار ، كالنص الصريح في أن الباغية من البغي المذموم المنهي عنه كما في قوله تعالى : وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ ، لا من البغاء الذي هو الطلب ) . انتهى .
وفي مقتل الشهيد عثمان للمالقي / 224 : ( وقال ابن عقيل في كتاب الإرشاد : إن الباغية هي الطالبة بدم عثمان . وحكاه عن أحمد ! ومنه قوله تعالى : قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي ، أي ما نطلب وقد سماهم الله مؤمنين ) . ( راجع للتوسع : نفحات الأزهار : 3 / 45 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 291 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

4 - تزويره في قتله مالك الأشتر !

دبَّرَ معاوية قتل مالك الأشتر ( رحمه الله ) على أبواب القاهرة كما سيأتي ! ولكنه استعمل الكذب والتزوير على أهل الشام ، فقال لهم كما في تاريخ دمشق : 56 / 376 : ( يا أهل الشام إنكم منصورون ومستجاب لكم الدعاء ، فادعوا الله على عدوكم ! فرفع أهل الشام أيديهم يدعون عليه ، فلما كانت الجمعة الأخرى خطب فقال : يا أهل الشام إن الله قد استجاب لكم وقتل عدوكم ! وإن لله جنوداً في العسل ، فرفع أهل الشام أيديهم حامدين الله على كفايتهم إياه ) . ( وتاريخ اليعقوبي : 2 / 179 ) .

5 - تزويره في قتله حجر بن عدي وأصحابه !

قال في الغدير : 9 / 119 : ( قاموا إليهم فقالوا : تبرؤون من هذا الرجل ( أي علي ( عليه السلام ) ) ! قالوا : بل نتولاه ونتبرأ ممن تبرأ منه . فأخذ كل رجل منهم رجلاً وأقبلوا يقتلونهم واحداً واحداً حتى قتلوا ستة ) . راجع الأغاني لأبي الفرج : 16 / 2 ، تاريخ الطبري : 6 / 141 ، تاريخ ابن عساكر : 2 / 370 ، الكامل لابن الأثير : 3 / 202 ، تاريخ ابن كثير : 7 / 49 ) . انتهى .
وقد اعترض على معاوية الإمام الحسين ( عليه السلام ) وعائشة وعامة الصحابة والأبرار .
قالت له عائشة : ( يا معاوية أما خشيت الله في قتل حجر وأصحابه ؟ قال : لست أنا قتلتهم ، إنما قتلهم من شهد عليهم ! ) . ( تاريخ الطبري : 4 / 208 ، والاستيعاب : 1 / 331 ، وفي طبعة 238 ، والسيرة الحلبية : 3 / 163 ، والروض الأنف : 3 / 366 ، وفي طبعة / 643 وفيه : ( فقال أوَ أنا ؟ ! إنما قتلهم من شهد عليهم ) ! ونحوه : أنساب الأشراف / 1265 ) . وفي الطبقات : 6 / 219 أن عائشة بعثت رسالة إلى معاوية ، واعتذروا لمعاوية بأنها وصلت بعد تنفيذه الإعدام !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 292 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

6 - تزويره رسالة من قيس بن سعد !

تقدم أن قيس بن سعد بن عبادة كان قائد اثني عشر ألفاً من جند الإمام الحسن ( عليه السلام ) وكان موقفه صلباً ضد معاوية ، وقد تواصلت مراسلات معاوية له واشتد الكلم بينهما فكتب إليه قيس : ( فإنما أنت وثن ابن وثن ، دخلت في الإسلام كرهاً وأقمت فيه فرقاً ، وخرجت منه طوعاً ، ولم يجعل الله لك فيه نصيباً ، لم يقدم إسلامك ، ولم يحدث نفاقك ، ولم تزل حرباً لله ولرسوله ، وحزباً من أحزاب المشركين ، وعدواً لله ولنبيه وللمؤمنين من عباده . وذكرت أبي ، فلعمري ما أوتر إلا قوسه ، ولا رمى إلا غرضه ، فشغب عليه من لا يشق غباره ، ولا يبلغ كعبه ! وزعمت أني يهودي ابن يهودي ، وقد علمت وعلم الناس أني وأبي أعداء الدين الذي خرجت منه ، وأنصار الدين الذي دخلت فيه وصرت إليه ) . ( شرح النهج : 16 / 33 ومقاتل الطالبيين / 41 ، وأنساب الأشراف / 738 ، والخرائج : 2 / 574 : وغيرها ) .
فزوَّر معاوية رسالة من قيس غشَّ بها أهل الشام ، وصفها الثقفي في الغارات فقال : 1 / 217 : ( لما أتى معاوية كتاب قيس بن سعد أيس منه وثقل مكانه عليه ، وكان أن يكون بالمكان الذي هو به غيره أعجب إليه ، واشتد على معاوية لما يعرف من بأسه ونجدته ، فأظهر للناس قبله أن قيساً قد بايعكم فادعوا الله له ! وقرأ عليهم كتابه الذي لان فيه وقاربه ، واختلق معاوية كتاباً فقرأه على أهل الشام : بسم الله الرحمن الرحيم ، إلى الأمير معاوية بن أبي سفيان من قيس بن سعد ، أما بعد فإن قتل عثمان كان حدثاً في الإسلام عظيماً ، وقد نظرت لنفسي وديني لم أر يسعني مظاهرة قوم قتلوا إمامهم مسلماً محرماً براً تقياً ، ونستغفر الله لذنوبنا ونسأله العصمة لديننا ، ألا وإني قد ألقيت إليك بالسلم وأجبتك إلى قتال قتلة إمام الهدى المظلوم فعول عليَّ فيما أحببت من الأموال والرجال أعجله إليك إن شاء الله تعالى . والسلام
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 293 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عليك ) ! انتهى . وهي جرأة عجيبة في التزوير على شخص موجود !
ويظهر أنه كان زور رسالة عن لسان قيس عندما كان والياً لعلي ( عليه السلام ) على مصر ، ففي سير أعلام النبلاء : 3 / 109 : ( ثم نادى معاوية : الصلاة جامعة ، فخطب وقال : يا أهل الشام ، إن الله ينصر خليفته المظلوم ويخذل عدوه . أبشروا هذا قيس بن سعد ناب العرب قد أبصر الأمر وعرفه على نفسه ، ورجع إلى الطلب بدم خليفتكم وكتب إليَّ ، فأمر بالكتاب فقرئ ، وقد أمر بحمل الطعام إليكم فادعوا الله لقيس وارفعوا أيديكم ، فعجُّوا وعجَّ معاوية ورفعوا أيديهم ساعة ) ! !

7 - كذبه على الإمام الحسن ( عليه السلام ) وهو حاضر في المجلس !

كذب معاوية على الإمام الحسن ( عليه السلام ) في حضوره فزعم أنه يراه أحق منه بالخلافة ! ( تكلم معاوية فقال : أيها الناس ، هذا الحسن بن علي وابن فاطمة ، رآنا للخلافة أهلاً ، ولم يرَ نفسه لها أهلاً ، وقد أتانا ليبايع طوعاً . ثم قال : قم يا حسن ! فقام الحسن ( عليه السلام ) فخطب فقال . . . وإن معاوية بن صخر زعم أني رأيته للخلافة أهلاً ولم أرَ نفسي لها أهلاً ، فكذب معاوية ! وأيمُ الله لأنا أولى الناس بالناس في كتاب الله وعلى لسان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، غير أنا لم نزل أهل البيت مُخَافين مظلومين مضطهدين منذ قبض رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فالله بيننا وبين من ظلمنا حقنا ونزل على رقابنا وحمل الناس على أكتافنا ) . ( أمالي الطوسي / 561 ) .

8 - قبوله شروط الإمام الحسن ( عليه السلام ) ثم إعلانه عدم الوفاء بها !

ومنها إعطاؤه الأماني بالأمان والرفاهية لأهل العراق في عهد الصلح ، وقد حلف عليه بأغلظ الإيمان والمواثيق ، ثم نكث ذلك وبطش بهم بطش جبار !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 294 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

9 - نقضه لتعهده بأن لا يسب أمير المؤمنين ( عليه السلام ) !

وقد نقض تعهده والتزامه بذلك ، وواصل سبه وشتمه ولعنه لعلي ( عليه السلام ) على المنابر ، وتعمُّد الكذب والافتراء عليه ، لطمس مناقبه وإطفاء نوره ، وتشويه صورته ! وقد أمر بذلك ولاته وشدد عليهم فيه ، وأعطى الجوائز لمن لعنه وشتمه ونشر الأحاديث الموضوعة في ذمه ! وكان لا يسميه إلا أبا تراب ، وأشاع أنه قاتل العرب ، وقاطع طريق ، وأنه لا يصلي ، وأنه أغضب النبي ( صلى الله عليه وآله ) حيث أراد أن يتزوج على ابنته ! كما عاقب من روى شيئاً من أحاديث النبي ( صلى الله عليه وآله ) في فضائله ومناقبه ! وشن حملة إبادة على كل من عرف بالتشيع له ! وحرم من بقي منهم من الحقوق المدنية ، في برنامج اضطهاد وإبادة قلَّ مثيله في التاريخ !

10 - كذبه على الله تعالى بنسبته أفعاله إليه !

حتى اخترع مذهب الجبرية الذي ينسب أفعاله إلى الله تعالى ويعطيه العصمة ! ومذهب الإرجاء ، الذي يزعم أن الإيمان الواجب قول بدون عمل ! وقد تقدم .

11 - تعظيمه لعمر ووصفه بأنه مفرقٌ الأمة وسافك دمائها !

ومن تزويره تعظيمه الظاهر لأبي بكر وعمر وعثمان ، وإهانته لأبنائهم ، واضطهاد العديد منهم وقتلهم . واتهامه الصريح لعمر بأنه شق عصا الأمة وسفك دماءها . وكذا تعظيمه ظاهرياً للنبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وانتقاصه وقتل عترته ( عليهم السلام ) !

12 - استلحاقه زياداً وجعله أخاه ، ثم قتله !

مع علمه بالقاعدة الإسلامية المجمع عليها : الولد للفراش وللعاهر الحجر . لكنه قدم رغبة أبي سفيان على قول النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وقال لعائشة ( وأما زياد فإن أبي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 295 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عهد إلي فيه ) . ( شرح الأخبار : 2 / 172 ) . ثم قضى بغيرها لموالي بني المغيرة ، ولما اعترضوا قال : ( قضاء رسول الله خير لكم من قضاء معاوية ) . ( تاريخ الطبري : 6 / 365 ) .
* *
وكذلك أقواله المتناقضة في إجبار المسلمين على البيعة لابنه يزيد ! فبينما هو يقول لعائشة : ( وأما يزيد فإني رأيته أحق الناس بهذا الأمر فوليته ) . ( شرح الأخبار : 2 / 172 ) . وإذا به يكرر ويبكي : ( ولولا هواي في يزيد لأبصرت رشدي ) ! ( تاريخ دمشق 59 / 61 ) . وسيأتي تزويره غزوة القسطنطينية لتلميع صورة يزيد !
ومن تزويراته منعه رواية السنة النبوية وكتابتها ، ووضعه الأحاديث في مدح نفسه وأهل الشام ! ( خطب فقال : أيها الناس إن رسول الله قال لي : إنك ستلي الخلافة من بعدي فاختر الأرض المقدسة . . . . ) ! ( شرح النهج : 4 / 72 ، عن الواقدي ) .
وكذلك تحريمه رواية الأحاديث التي تمدح أهل البيت ( عليهم السلام ) ! ففي الإحتجاج : 2 / 16 : ( ثم إن معاوية مر بحلقة من قريش ، فلما رأوه قاموا غير عبد الله بن عباس فقال له : يا ابن عباس ما منعك من القيام كما قام أصحابك ، إلا لموجدة أني قاتلتكم بصفين ؟ ! فلا تجد من ذلك يا ابن عباس فإن ابن عمي عثمان قد قتل مظلوماً ! قال ابن عباس : فعمر بن الخطاب قد قتل مظلوماً ، قال : إن عمر قتله كافر . قال ابن عباس : فمن قتل عثمان ؟ قال : قتله المسلمون . قال : فذلك أدحض لحجتك ! قال : فإنا قد كتبنا في الآفاق ننهى عن ذكر مناقب علي وأهل بيته ، فكف لسانك ! فقال : يا معاوية أتنهانا عن قراءة القرآن ؟ ! قال : لا .
قال : أتنهانا عن تأويله ؟ ! قال : نعم . قال : فنقرأه ولا نسأل عما عنى الله به ؟
ثم قال : فأيهما أوجب علينا قراءته أو العمل به ؟ قال : العمل به . قال : فكيف نعمل به ولا نعلم ما عنى الله ؟ ! قال : سل عن ذلك من يتأوله غير ما تتأوله أنت
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 296 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأهل بيتك ! قال : إنما أنزل القرآن على أهل بيتي فأسأل عنه آل أبي سفيان ؟ ! !
يا معاوية أتنهانا أن نعبد الله بالقرآن بما فيه من حلال وحرام ؟ ! فإن لم تسأل الأمة عن ذلك حتى تعلم تهلك وتختلف .
قال : اقرأوا القرآن وتأولوه ولا ترووا شيئاً مما أنزل الله فيكم وارووا ما سوى ذلك ! قال : فإن الله يقول في القرآن : يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ! قال : يا ابن عباس إرْبَعْ على نفسك وكفَّ لسانك ، وإن كنت لا بدَّ فاعلاً فليكن ذلك سراً لا يسمعه أحد علانية ! ثم رجع إلى بيته فبعث إليه بمائة ألف درهم ! ! ) . انتهى .
* *
هذا ، ولا يتسع المجال لاستقراء كذباته وتزويراته العديدة ، فلو تتبعنا منها موضوعاً واحداً منها كعمله لتشويه شخصية علي ( عليه السلام ) وطمس مناقبه ، وفي مقابلها اعترافه بأنه ظلمه ونازعه حقه . . لوجدنا العجائب !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 297 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الحادي عشر : الذين قتلهم معاوية

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 298 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 299 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

شعار معاوية : أجمل ما في الحياة قتل المعارضين !

شعار معاوية المعروف : ( إن لله جنوداً من عسل ) ! قاله عندما نجح في دسَّ السُّمَّ في العسل لمالك الأشتر حاكم مصر ( رحمه الله ) . كما في المستطرف / 352 ، وغيره ، ونسبه بعضهم خطأً إلى صاحبه عمرو بن العاص ، كما في تاريخ بخاري : 7 / 311 .
لكن الشعار الأكثر تعبيراً عن نفسيته هو : ( لا جدَّ إلا ما أقْعَصَ عنك من تكره ) ! ومعناه : لا يوجد في الدنيا حظٌّ تفرح به ، أو عمل جدِّي ، مثل أن تقتل عدوك وتخمده في مكانه ، فتزيحه من طريقك ! فذلك أجمل ما في الحياة !
ففي جمهرة الأمثال : 2 / 376 و 385 : ( لا جدَّ إلا ما أقعص عنك من تكره ) ! يقول : الجد ما قتل من تعاديه فاسترحت منه . والمثل لمعاوية رضي الله عنه ! أخبرنا أبو أحمد عن الجوهري ، عن أبي زيد ، عن عبد الله بن محمد بن حكيم ، عن خالد بن سعيد ، عن أبيه قال : لما أراد معاوية أن يعقد ليزيد قال لأهل الشام : إن أمير المؤمنين قد كبر ودنا من أجله فما ترون ، وقد أردتم أن أولِّي رجلاً بعدي ؟ فقالوا : عليك عبد الرحمن بن خالد فأضمرها ! واشتكى عبد الرحمن فأمر ابن أثال طبيباً كان له من عظماء الروم فسقاه شربة فمات ، فبلغ معاوية فقال : ما الجد إلا ما أقعص عنك من تكره . وبلغ حديثه ابن أخيه خالد بن المهاجر فورد دمشق مع مولى له يقال له نافع ، فقعد لابن أثال ، فلما طلع منصرفاً من عند معاوية شد عليه وضربه خالد ، فطلبهما معاوية فوجدهما فقال معاوية : قتلته لعنك الله قال : نعم قُتِل المأمور وبقي الآمر ) ! ( وفي طبعة لجمهرة الأمثال / 627 ، والمجالسة وجواهر العلم : 1 / 316 والأمثال للميداني : 1 / 630 ، وفي طبعة / 671 ، وفي طبعة : 2 / 252 ، والمستقصى في
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 300 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أمثال العرب للزمخشري / 334 ، وطبقات الأطباء لابن أبي أصيبعة : 1 / 154 : وفيه : فاشتكى عبد الرحمن فسقاه الطبيب شربة عسل فيها سم فأخرقته . ثم ذكر سمَّه للأشتر ( رحمه الله ) وللإمام الحسن ( عليه السلام ) بشئ من التفصيل . والمنمق في أخبار قريش لابن حبيب : 1 / 172 ، روى قصته بتفصيل وذكر أن المهاجر بن أخ خالد كان شيعياً شهد صفين مع علي ( عليه السلام ) والتذكرة الحمدونية / 1497 ، وذكر قوله عندما قتل الأشتر : لله جنود من عسل . والمستطرف / 154 ، روى عن أبي عبيد القاسم بن سلام : سمَّهُ لعبد الرحمن بن خالد ومالك الأشتر والمثَلَيْن . وتاريخ دمشق : 19 / 189 ) .
وفي مجمع الأمثال : 2 / 215 : ( يقال ضربه فأقعصه أي قتله مكانه . يقول : جدك الحقيقي ما دفع عنك المكروه ، وهو أن تقتل عدوك دونك ! قاله معاوية حين خاف أن يميل الناس إلى عبد الرحمن بن خالد بن الوليد فاشتكى عبد الرحمن فسقاه الطبيب شربة عسل فيها سم فأخرقته ، فعند ذلك قال معاوية هذا القول ) !
وفي محاضرات الأدباء للراغب : 1 / 531 وفي طبعة 472 : ( قال معاوية لما أتاه خبر موت أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه : لا جدَّ إلا ما أقعص عنك ) . انتهى .
وهذا يدل على أن لمعاوية يداً في قتل أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ولا غرابة في ذلك ، فإن عميله الأشعث بن قيس استضاف ابن ملجم نحو شهر وساعده على جريمته !

ثقافة القتل اليهودية الأموية !

بدأ التعقيد في اليهود بحالات شخصية ، ثم وصل إلى حالة تعقيد اجتماعي فصارت ثقافة المجتمع أن أول ما يفكر فيه أحدهم في شأن خصمه : أن يقتله ! ومن هنا نشأ تفنن اليهود في القتل وسفك الدماء ، وتنويعهم لأساليب الإغتيال المباشرة وغير المباشرة ! وقد وصفهم الله تعالى بأنهم قتلة الأنبياء ( عليهم السلام ) والأخيار : لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ . ( المائدة : 70 ) سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ . ( آل عمران : 181 ) قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ . ( البقرة : 91 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 301 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يأمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ . . . . ( آل عمران : 21 ) . قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأَعْدَاءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ . ( الأعراف : 150 ) .
ولو تأملتَ بني أمية في قريش لوجدتهم نسخةً عن هؤلاء اليهود القَتَلة ! فهم يحملون نفس التفكير المادي والنفعية ، والتلذذ بقتل الخصوم بالسُّم وغير السُّم !
لذلك لا عجب إذا وجدت لهم علاقة أخوية مع اليهود ، قبل الإسلام وبعده !
وأنها توطدت بعد بعثة النبي ( صلى الله عليه وآله ) حتى صارت تحالفاً ! وبعد الإسلام حتى صارت خدمات متبادلة ! وهذه الحقيقة الخطيرة تحتاج إلى دراسة لفعالية اليهود وبني أمية في محاولاتهم قتل النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، ثم في قتل أبي بكر بالسم ، ثم دورهم الذي يقال في قتل عمر ! ثم في قتل علي ( عليه السلام ) بدفع الخوارج إليه ! ( راجع في سُمِّ أبي بكر : الطبقات : 3 / 198 ، وتاريخ دمشق : 30 / 409 ، والإصابة : 4 / 149 ، والرياض النضرة : 2 / 243 ، ومسائل الإمام أحمد / 75 ، والصواعق المحرقة : 1 / 253 ، وتاريخ الخلفاء للسيوطي / 61 ) .
لذلك لا نستغرب إذا رأينا ثقافة القتل مركوزة في ذهن معاوية وأن قتل من يخالفه من أول ما يخطر بباله ! فقد روى ابن قتيبة في الإمامة والسياسة : 1 / 49 ، أنه جرى في دار الخلافة حديث انتقاد الصحابة والأمصار لعثمان وكان معاوية عنده : ( فقال عثمان لمعاوية : ما ترى فإن هؤلاء المهاجرين قد استعجلوا القدر ، ولا بد لهم مما في أنفسهم ؟ فقال معاوية : الرأي أن تأذن لي فأضرب أعناق هؤلاء القوم ! قال : مَن ؟ قال : عليٌّ وطلحة والزبير ! قال عثمان : سبحان الله ! أقتل أصحاب رسول الله بلا حدث أحدثوه ولا ذنب ركبوه ؟ ! قال معاوية : فإن لم تقتلهم فإنهم سيقتلونك ! قال عثمان : لا أكون أول من خلف رسول الله في أمته بإهراق الدماء ) . انتهى .
أقول : لن تجد احتراماً لحقوق الناس ودمائهم إلا عند النبي ( صلى الله عليه وآله ) وعترته ( عليهم السلام ) ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 302 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أما بنو أمية وبنو العباس وغيرهم ، فالناس عندهم عبيدٌ لهم ، وإراقة دمائهم ( حقٌّ شرعيٌّ ) لهم ولعله أسهل عليهم من إراقة الماء !
وقد أسرف معاوية في القتل حتى انتقد نفسه ! فكان يقول إنه لا يعرف لماذا قتل الصحابي القائد في الفتوحات حجر بن عدي ( رحمه الله ) وأصحابه الستة بشكل فجيع : ( ما قتلت أحداً إلا وأنا أعلم فيمَ قتلته إلا حجر بن عدي ) ! ( فيض القدير : 4 / 166 ) .
ويصف النص التالي تفكير زياد بن أبيه الدموي ، ولعل ذلك أحسن ما أعجب معاوية فيه فجعله أخاه ! ففي تاريخ دمشق : 19 / 171 : عن ( الهجيع بن قيس قال : كتب زياد إلى الحسن والحسين وعبد الله بن عباس يعتذر إليهم في شأن حجر وأصحابه ، فأما الحسن فقرأ كتابه وسكت ، وأما الحسين فأخذ كتابه ولم يقرأه ( بل مزقه كما في مختصر ابن منظور ) ، وأما ابن عباس فقرأ كتابه وجعل يقول كَذِبَ كَذِبْ ، ثم أنشأ يحدث قال : إني لما كنت بالبصرة كبَّر الناس بي تكبيرة ثم كبروا الثانية ثم كبروا الثالثة ، فدخل عليَّ زياد فقال : هل أنت مطيعي يستقم لك الناس ؟ فقلت : ماذا ؟ قال : أرسل إلى فلان وفلان وفلان ، ناس من الأشراف تضرب أعناقهم يستقم لك الناس ! فعلمت أنه إنما صنع بحجر وأصحابه مثل ما أشار به عليَّ ) ! ! انتهى .
وقد كان زياد كاتباً عند ابن عباس ثم حاكم البصرة وإيران من قبل علي ( عليه السلام ) ، ومعنى كبَّر الناس أنهم صاحوا بشعار الخوارج ضد علي ( عليه السلام ) ، وكان شعارهم ( لا حكم إلا لله الله أكبر ) لأنهم قالوا إنهم وعلياً ( عليه السلام ) كفروا بتحكيم حكمين ويجب أن يتوب علي ( عليه السلام ) من التحكيم ويقاتل معاوية !
فأشار زياد على ابن عباس أن يرسل شرطته فيحضر رؤساءهم ويقتلهم ليسكت الباقون ويطيعوه ! يقول ابن عباس هذا تفكير زياد ! فهو من النوع الذي يفكر أول ما يفكر بقتل معارضيه ! وهذا هو نفس تفكير معاوية !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 303 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

كم عدد الذين قتلهم معاوية ؟ !

كان معاوية حاكم الشام لمدة عشرين سنة ، ثم تسلط على الأمة عشرين سنة ! فكم عدد الذين قتلهم في الأربعين سنة ؟ ! وكم عدد الذين لم يصلنا خبرهم ؟ !

1 - بلغ عددهم في حرب صفين وحدها أكثر من سبعين ألفاً !

منهم نحو خمسين ألفاً من جيشه ، ونحو خمس وعشرين ألفاً من جيش أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وفيهم أكثر من مئة من الصحابة ، منهم خمس وعشرون بدرياً .
وقد صرح معاوية عن هدفه من قتاله بقوله : ( ما قاتلتكم لتصلوا ولا لتصوموا ولا لتحجوا ولا لتزكوا ، إنكم لتفعلون ذلك ولكني قاتلتكم لأتأمَّر عليكم وعلى رقابكم وقد أعطاني الله ذلك وأنتم له كارهون ! ألا وإني كنت منَّيت الحسن وأعطيته أشياء وجميعها تحت قدمي لا أفي بشئ منها له ) ! قال الأعمش ( رحمه الله ) : ( هل رأيتم رجلاً أقل حياء منه ؟ قتل سبعين ألفاً فيهم عمار ، وخزيمة ، وحجر ، وعمرو بن الحمق ، ومحمد بن أبي بكر ، والأشتر ، وأويس ، وابن صوحان ، وابن التيهان وعائشة ، وأبي حسان ، ثم يقول هذا ؟ ! ! ) ( الصراط المستقيم : 3 / 47 ) .

2 - ثلاثين ألفاً في غارة بُسر بن أرطاة على الحرمين واليمن !

أفظع غارات معاوية على بلاد المسلمين في عهد أمير المؤمنين ( عليه السلام ) غارة بُسر بن أرطاة على المدينة ومكة واليمن ، وقد تقدم أن معاوية قال له : ( سر حتى تمر بالمدينة فاطرد أهلها ، وأخِفْ من مررت به ، وانهب مال كل من أصبت له مالاً ممن لم يكن دخل في طاعتنا ، وأوهم أهل المدينة أنك تريد أنفسهم ، وأنه لا براءة لهم عندك ولا عذر ، وسر حتى تدخل مكة ولا تعرض فيها لأحد ، وأرهب الناس فيما بين مكة والمدينة ، واجعلهم شرادات ، ثم امض حتى تأتي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 304 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
صنعاء ، فإن لنا بها شيعة ، وقد جاءني كتابهم ! فخرج بسر ، فجعل لا يمر بحي من أحياء العرب إلا فعل ما أمره معاوية حتى قدم المدينة ) . ( تاريخ اليعقوبي : 2 / 197 ) .
ومن فظائعه في هذه الغارة أنه سبى النساء المسلمات ! ففي الإستيعاب : 1 / 161 : ( ثم أرسل معاوية بسر بن أرطاة إلى اليمن فسبى نساء مسلمات ، فأُقِمْنَ في السوق ) ! أي باعوهن ! ( والإكمال للخطيب / 28 ، ونهاية الإرب / 4419 ) .
وفي الغارات للثقفي / 640 : أن بسراً قال لمعاوية بعد عودته من مهمته الإجرامية :
( أحمد الله يا أمير المؤمنين أني سرت في هذا الجيش أقتل عدوك ذاهباً جائياً ، لم ينكب رجل منهم نكبة ، فقال معاوية : الله قد فعل ذلك لا أنت ! وكان الذي قتل بسر في وجهه ذلك ثلاثين ألفاً ، وحرق قوما بالنار ! فقال يزيد ابن مفرغ :

تعلق من أسماء ما قد تعلقا * ومثل الذي لاقى من الشوق أرقا
إلى حيث سار المرء بسر بجيشه * فقتل بسر ما استطاع وحرقا

ثم ذكر الثقفي أن علياً ( عليه السلام ) دعا على بسر بن أبي أرطاة فقال : ( اللهم إن بسراً باع دينه بدنياه وانتهك محارمك ، وكانت طاعة مخلوق فاجر آثرَ عنده مما عندك ! اللهم فلا تمته حتى تسلبه عقله ! اللهم العن معاوية وعمراً وبسراً أما يخاف هؤلاء المعاد ؟ ! فاختلط بسر بعد ذلك فكان يهذي ويدعو بالسيف ، فاتخذ له سيف من خشب ، فإذا دعا بالسيف أعطي السيف الخشب فيضرب به حتى يغشى عليه ، فإذا أفاق طلبه فيدفع إليه ، فيصنع به مثل ذلك ! حتى مات لا رحمه الله ) ! انتهى .

3 - قَتَلَ الألوف المؤلفة من أولياء الله ، وزعماء العرب وشخصياتهم !

وقد استعمل أساليب القتل العلني والسري ، المباشر وغير المباشر ، بالسيف والسم ، ووسائل أخرى ، وشملت أوامره بالقتل والتنكيل الأصناف التالية :
الذين لا يبايعونه ، أو يبايعونه ولا يشهدون أنه أمير المؤمنين .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 305 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الذين يَتَصوَّر أنهم قد يثورون عليه .
الذين لا يرضون أن يتبرؤوا من علي ( عليه السلام ) ويسبوه علناً ، حتى لو بايعوا معاوية .
الذين ارتبطت أسماؤهم بعلي ( عليه السلام ) ارتباطاً جعلهم جزءاً منه .
الذين بارزوا فرساناً في حرب صفين وقتلوهم ، أو كان لهم مواقف مميزة فيها .
الذين كان يشعر تجاههم بحقد خاص ، يدفعه إلى قتلهم على أي حال .
الذين يلتفُّون حول أولاد علي ( عليهم السلام ) ولا يقطعون ارتباطهم بهم .
الذين يعترضون على ولاته ، ويعكرون خضوع الأمة له .
الذين عارضوا أو يمكن أن يعارضوا توليته لابنه يزيد .
الذين يروون عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) أو غيره شيئاً في فضائل علي ( عليه السلام ) .
الذين يروون شيئاً في الطعن بأبي سفيان أو معاوية أو عثمان أو أبي بكر أو عمر .
وإذا أردنا أن نُقدِّر عدد من قتلهم من هذه الأصناف وأخذنا نموذجاً سمرة بن جندب واليه على البصرة ، وزياد بن أبيه في الكوفة ، فربما وصل العدد إلى مليون مسلم ! لأن سمرة قتل في البصرة في ستة أشهر فقط ثمانية آلاف وأكثر !
قال الطبري في تاريخه : 4 / 176 : ( حدثني محمد بن سليم قال : سألت أنس بن سيرين : هل كان سمرة قتل أحداً ؟ قال وهل يحصى من قتل سمرة بن جندب ؟ ! استخلفه زياد على البصرة وأتى الكوفة ، فجاء وقد قتل ثمانية آلاف من الناس فقال له : هل تخاف أن تكون قد قتلت أحداً بريئاً ؟ قال : لو قتلت إليهم مثلهم ما خشيت ! أو كما قال ! . . . عن أبي سوار العدوي قال : قتل سمرة من قومي في غداة سبعة وأربعين رجلاً ، قد جمع القرآن ! ) . انتهى .
وكان غياب زياد ستة أشهر ، ففي أنساب الأشراف للبلاذري / 1230 : ( وكان يقيم بالبصرة ستة أشهر وبالكوفة ستة أشهر ، وكان سمرة يحدث أحداثاً عظيمة من
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 306 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قتل الناس وظلمهم . . . . كنت واقفاً على رأس سمرة بن جندب فقدم إليه بضعة عشر رجلاً ، فكان يسأل الرجل منهم ما دينك ؟ فيقول الإسلام ديني ، ومحمد نبيي ! فيقول : قدماه فاضربا عنقه ، فإن يك صادقاً فهو خير له ! !
أقبل سمرة من المربد فخرج رجل من بعض الأزقة فتلقى الخيل ، فحمل عليه رجل من القوم فأوْجره الحَرْبة ، ثم مضت الخيل ، ومر به سمرة وهو يتشحط في دمائه ، فقال : ما هذا ؟ فقيل : رجل أصابته أوائل خيل الأمير ، فقال : إذا سمعتم بنا قد ركبنا فاتقوا أسنتنا ) ! ( وكامل ابن الأثير : 3 / 318 ، والعسكري في الأوائل 170 ، ونهاية الإرب / 4451 ، وابن خلدون : 3 / 10 ) .
أقول : ويعلم الله كم قتل سَمُرَة قبل أن يعزله معاوية عن ولاية البصرة ، ويصير بعد سنة نائباً لزياد في غيابه ! فقد قال سمرة لمَّا عزله معاوية : ( لعن الله معاوية ، والله لو أطعت الله كما أطعت معاوية لما عذبني أبداً ) ! ( تاريخ الطبري : 4 / 217 ) .
وسمرة هذا ، هو الذي حكم عليه النبي ( صلى الله عليه وآله ) بأنه مضارٌّ مؤذٍ ! ففي من لا يحضره الفقيه : 3 / 103 ، عن الإمام الباقر ( عليه السلام ) قال : ( كان لسمرة بن جندب نخلة في حائط بني فلان ، فكان إذا جاء إلى نخلته نظر إلى شئ من أهل الرجل يكرهه الرجل ، قال فذهب الرجل إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فشكاه فقال : يا رسول الله إن سمرة يدخل عليَّ بغير إذني ، فلو أرسلت إليه فأمرته أن يستأذن حتى تأخذ أهلي حذرها منه ! فأرسل إليه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فدعاه فقال : يا سمرة ما شأن فلان يشكوك ويقول : يدخل بغير إذني فترى من أهله ما يكره ذلك ، يا سمرة استأذن إذا أنت دخلت ثم قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : يسرك أن يكون لك عذق في الجنة بنخلتك ؟ قال : لا ، قال : لك ثلاثة ؟ قال : لا ، قال : ما أراك يا سمرة إلا مضاراً ، إذهب يا فلان فاقطعها واضرب بها وجهه ) . ورواه في الكافي : 5 / 292 ، وفيه : ( إن أردت الدخول
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 307 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فاستأذنْ ، فأبى ! فلما أبى ساومه حتى بلغ به من الثمن ما شاء الله ، فأبى أن يبيع ! فقال : لك بها عذق يُمَدُّ لك في الجنة ، فأبى أن يقبل ! فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) للأنصاري : إذهب فاقلعها وارم بها إليه ، فإنه لا ضرر ولا ضرار ) . انتهى .
وسمرة هذا هو ( الصحابي ) الذي اشترى معاوية دينه بأربع مئة ألف درهم ليكذب له على الله ورسوله ( صلى الله عليه وآله ) ويطعن في علي ( عليه السلام ) : ( قال أبو جعفر الإسكافي : وروي أن معاوية بذل لسمرة بن جندب مائة ألف درهم حتى يروي أن هذه الآية نزلت في علي : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ . وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأرض لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ . وأن الآية الثانية نزلت في ابن ملجم وهي : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ . فلم يقبل ، فبذل له مأتي ألف درهم فلم يقبل ، فبذل له ثلاثمائة ألف فلم يقبل ، فبذل أربعمائة فقبل ، وروى ذلك !
وقال : إن معاوية وضع قوماً من الصحابة وقوماً من التابعين على رواية أخبار قبيحة في علي ( عليه السلام ) ، فاختلقوا ما أرضاه ! منهم أبو هريرة ، وعمرو بن العاص ، والمغيرة بن شعبة ، ومن التابعين عروة بن الزبير ) . ( شرح النهج : 4 / 73 ، والغارات : 2 / 840 ) .
* *
أما عدد قتلى زياد في الكوفة فهم أكثر من قتلى سمرة ! ففي الإحتجاج : 2 / 17 : ( وكتب زياد بن أبيه إليه في حق الحضرميين : إنهم على دين عليٍّ وعلى رأيه ! فكتب إليه معاوية : أقتل كل من كان على دين عليٍّ ورأيه ! فقتَلهم ومَثَّل بهم ! وكتب كتاباً آخر : أنظروا من قبلكم من شيعة علي واتهموه بحبه فاقتلوه . وإن لم تقم عليه البينة فاقتلوه على التهمة والظنة والشبهة ! فقتلوهم تحت كل حجر حتى لو كان الرجل تسقط منه كلمة ضربت عنقه ، حتى لو كان الرجل يُرمى بالزندقة والكفر كان يكرم ويعظم ولا يتعرض له بمكروه ، والرجل من الشيعة لا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 308 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يأمن على نفسه في بلد من البلدان ، لا سيما الكوفة والبصرة ، حتى لو أن أحداً منهم أراد أن يلقي سراً إلى من يثق به لأتاه في بيته فيخاف خادمه ومملوكه ، فلا يحدثه إلا بعد أن يأخذ عليهم الإيمان المغلظة ليكتمنَّ عليه ، ثم لا يزداد الأمر إلا شدة حتى كثر وظهرت أحاديثهم الكاذبة ، ونشأ عليه الصبيان يتعلمون ذلك ) .
وقال محمد بن حبيب البغدادي في المحبر / 479 : ( وصلب زياد بن أبيه مسلم بن زيمر ، وعبد الله بن نجيّ الحضرميين على أبوابهما أياماً بالكوفة ، وكانا شيعيين وذلك بأمر معاوية ! وقد عدَّهما ( أي اعترض بسببهما ) الحسين بن علي رضي الله عنهما على معاوية ، في كتابه إليه : ألست صاحب حجر والحضرميين اللذين كتب إليك ابن سمية إنهما على دين عليٍّ ورأيه ، فكتبت إليه : من كان على دين على ورأيه فاقتله ومَثِّل به فقتلهما ومَثِّل بأمرك بهما ؟ ودينُ عليٍّ وابنُ عم عليٍّ الذي كان يضرب عليه أباك ويضربه عليه أبوك ، أجلسك مجلسك الذي أنت فيه ! ولولا ذلك كان أفضل شرفك وشرف أبيك تجشم الرحلتين اللتين بنا من الله عليك بوضعهما عنكم . . . . في كتاب طويل يوبخه فيه بادعائه زياداً ، وتوليته إياه العراقين ) . انتهى .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 309 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

النوعية في قتلى معاوية أخطر من الكمية !

ما دام أحد قتلى معاوية الإمام الحسن ( عليه السلام ) ، سبط النبي ( صلى الله عليه وآله ) وحبيبه ، وسيد شباب أهل الجنة ، فكل الدنيا لا تَعْدِلُه !
وقد كان معاوية يرى أن وجود الإمام الحسن والحسين ( عليهما السلام ) على قيد الحياة يشكل تهديداً لخلافته ، كما يشكل عقبة أمام أخذ البيعة بعده لابنه يزيد ، فقد شرط على نفسه في عقد الصلح أن تكون الخلافة بعده للإمام الحسن ( عليه السلام ) ! والأمة مهما خضعت لبني أمية بسبب كفاءته ودهائه ، لا تعدل بابني رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وسيدي شباب أهل الجنة ( عليهما السلام ) يزيداً أو أي شخص من بني أمية ! فلا يُؤْمَن إذن أن تحدث في المدينة أو الكوفة أو مصر حركة ضد بني أمية كما في زمن عثمان ، ويهتف المسلمون باسم الحسنين كما هتفوا باسم أبيهما من قبل !
والخطر الثاني في رأي معاوية أبناء الخلفاء السابقين ، الذين يطمحون للخلافة ، وهم : عبد الرحمن بن أبي بكر وتسانده أخته عائشة ، وعبد الله بن عمر وتسانده أخته حفصة ، وسعيد بن عثمان ، ويسانده آل العاص من بني أمية ! وعبد الله بن الزبير وتسانده أيضاً خالته عائشة . وقبل الجميع عبد الرحمن بن خالد بن الوليد صاحب الشعبية القوية في الشام ! فبدأ بهذا وقتلهم جميعاً !
والخطر الثالث ، من بقي من أعضاء الشورى ، فهؤلاء برأيه عيَّنهم عمر أعضاء في شورى شكلية لإرجاع الأمر إلى بني أمية ، ففتح شهيتهم على الخلافة ، وقد بقي منهم سعد بن أبي وقاص ، فقتله بالسُّم بعد قتله الإمام الحسن ( عليه السلام ) بأيام !
إن كل واحد من هؤلاء مشكلة برأيه أمام حفظ الأمبراطورية الأموية ! فلا بد من العمل والعلاج ، و ( لا جدَّ إلا ما أقعص عنك من تكره ) !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 310 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال ابن الأثير في الكامل : 3 / 353 : ( ثم دخل ( معاوية ) على عائشة وقد بلغها أنه ذكر الحسين وأصحابه فقال : لأقتلنهم إن لم يبايعوا ( ليزيد ) فشكاهم إليها فوعظته ) !
وقد قام معاوية بقتل هؤلاء جميعاً وأضعافهم معهم ، بعضهم نص المؤرخون والمحدثون على أنه قتله أو سَمَّه ، وبعضهم دلت عليه الأدلة أو المؤشرات .
* *

1 - قتْلُه الصحابي عبد الرحمن بن خالد بن الوليد !

ما أن تسلط معاوية على الأمة حتى بدأ بالتمهيد لأخذ البيعة لابنه يزيد ، وكان يزيد دون العشرين من عمره ، معروفاً بالتهتك وعدم الكفاءة ! لكن معاوية كان مصراً على استخلافه مهما كان الثمن ! وكان شرساً فيه لا يسمع لنصيحة أحد !
رووا أنه بدأ في طرح مشروعه سنة خمس وأربعين هجرية وربما قبلها ، واتفق المؤرخون والمحدثون على أنه : ( لما أراد معاوية أن يعقد ليزيد قال لأهل الشام : إن أمير المؤمنين قد كبر ودنا من أجله فما ترون ، وقد أردتم أن أولي رجلاً بعدي ؟ فقالوا : عليك عبد الرحمن بن خالد فأضمرها ! واشتكى عبد الرحمن فأمر ابن أثال طبيباً كان له من عظماء الروم ، فسقاه شربة فمات ) . ( الأوائل للعسكري / 132 ، وأنساب الأشراف / 1164 ، وتقدم من جمهرة الأمثال : 2 / 376 وغيره ) .
وقال في تاريخ دمشق : 16 / 163 : ( فأمر ابن أثال أن يحتال في قتله وضمن له إن هو فعل ذلك أن يضع عنه خراجه ما عاش ، وأن يوليه جباية خراج حمص ! فلما قدم عبد الرحمن حمص منصرفاً من بلاد الروم ، دسَّ ابن أثال شربة مسمومة مع بعض مماليكه فشربها ، فمات بحمص ، فوفى معاوية بما ضمن له ، وولاه خراج حمص ووضع عنه خراجه ) . انتهى .
وقال ابن حبيب في المنمق / 360 : ( فقال حين بلغه موته : لا جدَّ إلا من أقعص
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 311 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عنك من تكره ، فبلغ ابن أخيه خالد بن مهاجر بن خالد بن الوليد الخبر ، فقال لمولى له يقال له نافع وكان رومياً ، وكان من أشد الناس قلباً ، وخالد بن المهاجر يومئذ بمكة ، وكان سئ الرأي في عمه عبد الرحمن ، وذلك أن المهاجر كان مع علي كرم الله وجهه فقتل يوم صفين ، وكان خالد بن المهاجر مع بني هاشم في الشعب زمن ابن الزبير ، فقال لمولاه نافع : انطلق معي ، فخرجا حتى أتيا دمشق ليلاً وسألا عن أبن أثال ، فقيل هو عند معاوية ، وإنما يخرج في جوف الليل ، فجلسا له حتى خرج في جماعة ، فشد خالد فانفرجوا عنه فضربه بالسيف فقتله ، وانصرفا فاستخفيا ، فلما أصبح معاوية قصوا عليه القصة فقال : هذا والله خالد بن المهاجر ! وأمر بطلبه فطلبوه حتى وجدوه هو ونافع ، فلما أدخل على معاوية قال : أقتلته لا جزاك الله من زائر خيراً ! فقال خالد : قُتل المأمور وبقي الآمر ! فقال معاوية : والله لو كان تشهَّد مرة واحدة لقتلتك ( أي لو كان مسلماً لقتلتك به ) ! فقال خالد : أما والله لو كنا على السواء ! فقال معاوية : أما والله ! لو كنا على السواء كنتُ معاوية بن أبي سفيان بن حرب بن أمية ، وكنتَ خالد بن المهاجر بن خالد بن الوليد بن المغيرة ، وكانت داري بين المأزمين ينشق عنها الوادي ، وكانت دارك بأجياد أسفلها حجر وأعلاها مدر ! وأمر بنافع فضرب مائة سوط ولم يضرب خالداً ، ثم أمر بهما فأخرجا من دمشق وقضى في ابن أثال باثني عشر ألفاً فودتها بنو مخزوم ، فأخذ معاوية منها ستة آلاف فأدخلها بيت المال ) . ( ونحوه في الإستيعاب : 2 / 396 ، وأسد الغابة : 3 / 289 ، والأوائل للعسكري / 132 ، والأغاني / 3634 ، وخزانة الأدب / 457 ، والفرج بعد الشدة / 461 , ونهاية الإرب / 4465 ، والغدير : 10 / 233 . وابن أبي أصيبعة في طبقات الأطباء / 152 ، وأورد له ست أبيات قالها في السجن مخطوءة ، وكذلك أوردها في الأغاني / 3636 ، وفي خزانة الأدب 457 ، وصحيحها في أعيان الشيعة للسيد الأمين : 6 / 299 ) .
وفي تاريخ دمشق : 16 / 215 : ( وذكر الواقدي أن خالداً قتل ابن أثال بدمشق وأن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 312 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
معاوية ضربه مئتين أسواطاً وحبسه وأغرمه ديتين ألفي دينار ، فألقى ألفاً في بيت المال وأعطى ورثة ابن أثال ألفاً ، ولم يخرج خالد بن المهاجر من الحبس حتى مات معاوية ) . ويفهم من الأخبار الطوال / 172 ، أن المهاجر قتل ابن أثال في حمص كما أن عفو معاوية عنه وإطلاقه من السجن لا بد أن يكون بضغط بني مخزوم !
وهكذا أقعص معاوية عبد الرحمن بن خالد بن الوليد ، ولم يشفع له أنه كان القائد العام لقواته في صفين ، وأنه عرَّض نفسه لسيف علي ( عليه السلام ) ! ( ودفع اللواء الأعظم إلى عبد الرحمن بن خالد بن الوليد ) . ( الأخبار الطوال / 172 ) !
ولا شفع له أنه كان أول الداعين إلى بيعته بالخلافة : ( فلما قتل علي تداعى أهل الشام إلى بيعة معاوية فقال عبد الرحمن بن خالد بن الوليد : نحن المؤمنون ومعاوية أميرنا وهو أمير المؤمنين فبايع له أهل الشام ) . ( أنساب الأشراف / 489 ) .
ولا شفعت لعبد الرحمن شيطنته يوم التحكيم في دومة الجندل لمساعدة ابن العاص ! ( قال عبد الرحمن بن خالد بن الوليد : حضرت الحكومة ، فلما كان يوم الفصل جاء عبد الله بن عباس فقعد إلى جانب ابن أبي موسى وقد نشر أذنيه ، حتى كاد أن ينطق بهما ، فعلمت أن الأمر لا يتم لنا ما دام هناك ، وأنه سيفسد على عمرو حيلته ، فأعملت المكيدة في أمره ، فجئت حتى قعدت عنده ، وقد شرع عمرو وأبو موسى في الكلام ، فكلمت ابن عباس كلمة استطعمته جوابها فلم يجب ، فكلمته أخرى فلم يجب ، فكلمته ثالثه ، فقال : إني لفي شغل عن حوارك الآن ، فجبهته وقلت : يا بني هاشم ، لا تتركون بأوكم وكبركم أبداً ! أما والله لولا مكان النبوة لكان لي ولك شأن قال : فحمى وغضب واضطرب فكره ورأيه وأسمعني كلاماً يسوء سماعه فأعرضت عنه ، وقمت فقعدت إلى جانب عمرو بن العاص ، فقلت : قد كفيتك التقوالة ، إني قد شغلت باله بما دار بيني
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 313 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وبينه ، فأحكم أنت أمرك ، قال : فذهل والله ابن عباس عن الكلام الدائر بين الرجلين ، حتى قام أبو موسى ، فخلع علياً ) . ( شرح النهج : 2 / 261 ) .
* *

2 - قَتْله الصحابي عبد الرحمن بن أبي بكر !

قال بخاري : 6 / 42 : ( كان مروان على الحجاز استعمله معاوية فخطب فجعل يذكر يزيد بن معاوية لكي يبايع له بعد أبيه ، فقال له عبد الرحمن بن أبي بكر شيئاً ! فقال : خذوه ! فدخل بيت عائشة فلم يقدروا عليه ، فقال مروان : إن هذا الذي أنزل الله فيه : وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي فقالت عائشة من وراء الحجاب : ما أنزل الله فينا شيئاً من القرآن ، إلا أن الله أنزل عذري ) .
وقال ابن حجر في شرحه : 8 / 442 : ( قال بعض الشراح : وقد اختصره فأفسده ! والذي في رواية الإسماعيلي فقال عبد الرحمن : ما هي إلا هرقلية ! . . . فقال عبد الرحمن : سنَّةُ هرقلَ وقيصر ! ولابن المنذر من هذا الوجه : أجئتم بها هرقلية تبايعون لأبنائكم ؟ ! . . . . قوله : فقال خذوه ! فدخل بيت عائشة فلم يقدروا : أي امتنعوا من الدخول خلفه إعظاماً لعائشة . وفي رواية أبي يعلي : فنزل مروان عن المنبر حتى أتى باب عائشة ، فجعل يكلمها وتكلمه ثم انصرف ! . . . . في رواية أبي يعلى : فقال مروان : أسكتْ ، ألستَ الذي قال الله فيه ، فذكر الآية ، فقال عبد الرحمن : ألستَ ابن اللعين الذي لعنه رسول الله ؟ ! . . . فقالت عائشة : كذب والله ما نزلت فيه . . . . ولكن رسول الله ( ص ) لعن أبا مروان ومروان في صلبه ) ! انتهى .
وقد اختصر ابن حجر وغيره الرواية أيضاً وأفسدوها كما فعل بخاري ! فهي حدث صارخ يكشف موقف أولاد أبي بكر من معاوية ، وموقفه منهم !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 314 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ففي سنن النسائي : 6 / 459 أن عائشة قالت لمروان : ( فمروان فضضٌ من لعنة الله ) !
وقد روت تعبير عائشة هذا عامة مصادرهم !
وفي تاريخ ابن خياط / 160 وفي طبعة / 109 : ( عن الزهري عن ذكوان مولى عائشة قال : لما أجمع معاوية أن يبايع لابنه يزيد ، حج فقدم مكة في نحو من ألف رجل ، فلما دنا من المدينة خرج ابن عمر وابن الزبير وعبد الرحمن بن أبي بكر ! فلما قدم معاوية المدينة صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ، ثم ذكر ابنه يزيد فقال : من أحق بهذا الأمر منه ؟ ! ! ثم ارتحل فقدم مكة فقضى طوافه ودخل منزله فبعث إلى ابن عمر . . . وذكر ابن خياط تهديد معاوية له وخوفه . . ثم قال : ( وأرسل إلى عبد الرحمن بن أبي بكر ، فتشهد وأخذ في الكلام ، فقطع عليه كلامه فقال : إنك والله لوددت أنا وكلناك في أمر ابنك إلى الله ، وإنا والله لا نفعل ! والله لتَرُدَّنَّ هذا الأمر شورى في المسلمين ، أو لنعيدنَّها عليك جَذعة ! ( أي نقاتلك ) ثم وثب فقام ! فقال معاوية : اللهم اكفنيه بما شئت ، ثم قال : على رسلك أيها الرجل ، لا تُشْرِفَنَّ بأهل الشام فإني أخاف أن يسبقوني بنفسك حتى أخبرهم العشية أنك قد بايعت ! ثم كن بعد ذلك على ما بدا لك من أمرك ) ! ( والعواصم من القواصم / 224 ، وتاريخ الخلفاء للسيوطي : 1 / 154 ) .
ومعنى قول معاوية : ( لا تُشْرِفَنَّ بأهل الشام . . الخ . ) إحذر أن يراك أهل الشام الذين هم متعصبون لي فيقتلوك ! وسأسكتهم عنك مساء ، وأقول لهم إنه بايع !
وفي تاريخ الطبري : 4 / 225 : ( بايع الناس ليزيد بن معاوية غير الحسين بن علي ، وابن عمر ، وابن الزبير ، وعبد الرحمن بن أبي بكر ، وابن عباس . فلما قدم معاوية أرسل إلى الحسين بن علي فقال : يا ابن أخي قد استوثق الناس لهذا الأمر غير خمسة نفر من قريش أنت تقودهم ! يا ابن أخي فما إربك إلى الخلاف ؟
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 315 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال : أنا أقودهم ؟ ! قال : نعم أنت تقودهم ؟ ! قال فأرسل إليهم فإن بايعوا كنت رجلاً منهم ، وإلا لم تكن عجلت عليَّ بأمر . . . ! ثم أرسل بعده إلى ابن عمر فكلمه بكلام هو ألين من كلام صاحبه فقال : إني أرهب أن أدع أمة محمد بعدي كالضأن لا راعي لها ! وقد استوثق الناس لهذا الأمر غير خمسة نفر من قريش أنت تقودهم ! . . . . فأرسل إلى عبد الرحمن بن أبي بكر فقال : يا ابن أبي بكر بأية يد أو رجل تقدم على معصيتي ! قال : أرجو أن يكون ذلك خيراً لي ! فقال : والله لقد هممتُ أن أقتلك ! قال : لو فعلت لأتبعك الله به لعنة في الدنيا وأدخلك به في الآخرة النار ) .
وفي تاريخ بخاري : 1 / 129 : ( أن معاوية قدم المدينة حين أخبر أن ابن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر وعبد الله بن الزبير خرجوا عائذين بالكعبة من بيعة يزيد ! فلم يلبث ابن أبي بكر إلا يسيراً حتى توفي ، بعدما خرج معاوية من المدينة ) ! !
وفي أسد الغابة : 3 / 306 : ( وخرج إلى مكة فمات بها قبل أن تتم البيعة ليزيد ، وكان موته فجأة من نومة نامها بمكان اسمه حبشي ! على نحو عشرة أميال من مكة ) . انتهى ! والذي يَفْهم هذا الكلام وإشارات عائشة ، يعرف أن معاوية قتله !
* *

3 - هل قتلَ معاوية عائشة بنت أبي بكر ؟ !

توالت المصائب على عائشة من معاوية ، وكانت أول مصيبة قَتْلُهُ أخاها محمد بن أبي بكر ( رحمه الله ) الذي كان حاكم مصر من قبل علي ( عليه السلام ) . وكانت عائشة إلى آخر حرب الجمل تبغض أخاها محمداً ( رحمه الله ) لتشيعه ، لكن علياً ( عليه السلام ) أجبرها على أن تحبه ! فبعد هزيمتها في الحرب أمره أن يأخذها إلى أحسن بيت في البصرة ، ويتحمل سبها وشتمها وهمزها ولمزها ، ويخدمها ويوسع عليها ، ولا يمنعها إذا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 316 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أرادت تجميع الفارين والجرحى من أصحابها !
ثم أمره أن يرافقها ويوصلها المدينة ، وكانت لها قصص طريفة مع محمد ( رحمه الله ) وقد استطاع أن يستوعب توترها ، ويهدئ من غلوائها ! فوجدت عائشة فيه أخاً وفياً خدوماً يتحمل منها ، رغم أنه يوالي عدوها ويتبرأ منها ومن خطها العقائدي والسياسي ! ولذلك جزعت عليه عندما جاءها خبر قتله وأخذت تدعو على معاوية وابن العاص ! قال الثقفي في الغارات : 1 / 285 : ( فلما بلغ ذلك عائشة أم المؤمنين جزعت عليه جزعاً شديداً وقنتت في دبر كل صلاة تدعو على معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص ومعاوية بن حديج ! وقبضت عيال محمد أخيها وولده إليها ، فكان القاسم بن محمد بن أبي بكر في عيالها ) .
ثم وروى الثقفي عن أسماء بنت عميس أم محمد بن أبي بكر أن عائشة : ( لما أتاها نعي محمد بن أبي بكر وما صُنع به ، كظمت حزنها ، وقامت إلى مسجدها ، حتى تشخبت دماً ) . انتهى . وفي رواية تشخب ثدياها دماً ، وقد يفسر ذلك إن صحت روايته بارتفاع ضغط الجسم من الحزن !
وقد زاد في ارتفاع ضغط عائشة أن ضُرَّتها رملة بنت أبي سفيان ( أم حبيبة أم المؤمنين ) اخترعت للتعبير عن فرحتها بقتل معاوية معاوية لأخ ضرتها محمد بن أبي بكر بأسلوب عامي أموي خشن ! ( لما قتل ووصل خبره إلى المدينة مع مولاه سالم ومعه قميصه ، ودخل به داره اجتمع رجال ونساء ! فأمرت أم حبيبة بنت أبي سفيان زوج النبي ( صلى الله عليه وآله ) بكبش فَشُوِيَ وبعثت به إلى عائشة وقالت : هكذا قد شُوِيَ أخوك ! فلم تأكل عائشة بعد ذلك شواء حتى ماتت ) ! ( الغارات : 2 / 757 ، وحياة الحيوان للدميري : 1 / 404 ) . ( حلفت عائشة لا تأكل شواءً أبداً فما أكلت شواءا بعد مقتل محمد ( سنة 38 ) حتى لحقت بالله ( سنة 57 ) وما عثرت قط إلا قالت : تعس معاوية بن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 317 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أبي سفيان وعمرو بن العاص ومعاوية بن حديج ) . ( الغارات : 1 / 287 ، وأنساب الأشراف / 403 ) .
وفي سير الذهبي : 2 / 186 : ( إن معاوية لما حج قدم فدخل على عائشة ، فلم يشهد كلامها إلا ذكوان مولى عائشة فقالت لمعاوية : أأمنت أن أخبئ لك رجلاً يقتلك بأخي محمد ؟ ! قال : صدقت ! وفي رواية أخرى قال لها : ما كنت لتفعلي ) . ( ونحوه في الطبري : 4 / 205 ، والاستيعاب : 1 / 238 ، وشرح الأخبار : 2 / 171 ) . والصحيح أن معاوية لا يخاف منها لأن معه جيشه من الشام ، ولأنه يرضيها والمال ! بل عليها هي أن تحذر منه !
قال أحمد في مسنده : 4 / 92 : ( فقالت له : أما خفت أن أُقعد لك رجلاً فيقتلك ؟ فقال : ما كنت لتفعليه وأنا في بيت أمان ، وقد سمعتِ النبي ( ص ) يقول : الإيمان قيد الفتك . كيف أنا في الذي بيني وبينك ، حوائجك ؟ قالت : صالح . قال : فدعينا وإياهم حتى نلقى ربنا ) . ( والطبراني في المعجم الكبير : 19 / 319 ) . وقد روت المصادر عطاءات معاوية المليونية لعائشة ! لكنها كانت تعيش في جو المدينة وكله ضد معاوية وبني أمية ، وحولها أصحاب مشاريع للخلافة ، وهي نفسها صاحبة ثلاثة مشاريع : لأخيها عبد الرحمن ، ولابن أختها ابن الزبير ، ولابن عمها موسى بن طلحة الذي ادعى له آل تيم أنه المهدي الموعود ! ( تاريخ دمشق : 60 / 431 ) .
لذلك روت المصادر استنكارها لتسمية معاوية نفسه أمير المؤمنين وخليفة ، ثم معارضتها لأخذه البيعة لابنه يزيد ، ووقفت بقوة إلى جانب أخيها عبد الرحمن !
ففي كامل ابن الأثير : 3 / 351 : ( فقام مروان فيهم ( في المسجد النبوي ) وقال : إن أمير المؤمنين قد اختار لكم فلم يألُ ، وقد استخلف ابنه يزيد بعده . فقام عبد الرحمن بن أبي بكر فقال : كذبت والله يا مروان وكذب معاوية ! ما الخير أردتما لأمة محمد ولكنكم تريدون أن تجعلوها هرقلية ، كلما مات هرقل قام هرقل ! فقال مروان : هذا الذي أنزل الله فيه : وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا . . الآية ، فسمعت عائشة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 318 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مقالته فقامت من وراء الحجاب وقالت : يا مروان يا مروان ! فأنصت الناس وأقبل مروان بوجهه فقالت : أنت القائل لعبد الرحمن إنه نزل فيه القرآن ! كذبت والله ما هو ولكنه فلان بن فلان ، ولكنك أنت فضضٌ من لعنة نبي الله ) ! انتهى .
وبهذا فتحت عائشة الحرب على مصراعيها مع معاوية ، بعد سنوات المداراة ! وصدرت عنها فيه أقوال شديدة ، لم ينقل التاريخ إلا يسيراً منها !
قال البلاذري في أنساب الأشراف / 1159 : ( عن الهيثم بن عدي قال : دخل الحسن بن علي ( عليه السلام ) على معاوية ، فلما أخذ مجلسه قال معاوية : عجباً لعائشة تزعم أني في غير ما أنا أهله ، وأن الذي أصبحت فيه ليس لي بحق ، ما لها ولهذا يغفر الله لها ، إنما كان ينازعني في هذا الأمر أبوك ، وقد استأثر الله به ) .
وفي مصنف ابن أبي شيبة : 7 / 250 : ( عن الأسود قال قلت لعائشة : إن رجلاً من الطلقاء يبايع له يعني معاوية ! قالت : يا بني لا تعجب هو ملك الله يؤتيه من يشاء ) ! انتهى . ولم تقل خلافة ، بل روي أنها شبهته بفرعون فقالت : ( لا تعجب فإن فرعون قد ملك بني إسرائيل أربعمائة سنة والملك لله يعطيه البر والفاجر ) . ( شرح الأخبار : 2 / 159 ) .
* *
ولم تفصح مصادر الخلافة كيف توفيت عائشة ، لكن المؤشرات ورواية الأعمش وغيرها ، تذكر أن معاوية قتلها بعد قتل أخيها عبد الرحمن !
فقد نقل في الصراط المستقيم : 3 / 47 ، تعليق الأعمش على قول معاوية : ( ما قاتلتكم لتصلوا ولا لتصوموا ولا لتحجوا ولا لتزكوا ، إنكم لتفعلون ذلك ، ولكني قاتلتكم لأتأمَّر عليكم وعلى رقابكم ، وقد أعطاني الله ذلك وأنتم له كارهون ! ألا وإني كنت منَّيت الحسن وأعطيته أشياء وجميعها تحت قدمي لا أفي بشئ منها له !
قال الأعمش ( رحمه الله ) : ( هل رأيتم رجلاً أقل حياء منه ؟ قتل سبعين ألفاً فيهم عمار ، وخزيمة ، وحجر ، وعمرو بن الحمق ، ومحمد بن أبي بكر ، والأشتر ، وأويس ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 319 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وابن صوحان ، وابن التيهان وعائشة ، وأبي حسان ، ثم يقول هذا ؟ ! ) . انتهى . فهذا تصريح من الأعمش بأن معاوية قتل عائشة !
وقال الحاكم : 3 / 76 ، إنها قالت عند موتها : ( الحمد لله الذي يحيي ويميت . إن في هذه لعبرة لي في عبد الرحمن بن أبي بكر ! رقد في مقيل له قاله ، فذهبوا يوقظونه فوجدوه قد مات ! فدخل نفس عائشة تهمة أن يكون صنع به شر ، أو عجل عليه فدفن وهو حي ! فرأت أنه عبرة لها ) . ( وشعب الإيمان : 7 / 256 ، وتاريخ دمشق : 35 / 38 ) . وهذا يعطي ضوءاً على ظروف سَمِّ عبد الرحمن وظروف موت عائشة !
قال البياضي العاملي في الصراط المستقيم : 3 / 630 ، ونحوه في : 3 / 45 : ( وقال صاحب المصالت : كان ( معاوية ) على المنبر يأخذ البيعة ليزيد ( في المدينة ) فقالت عائشة : هل استدعى الشيوخ لبنيهم البيعة ؟ قال : لا . قالت : فبمن تقتدي ؟ فخجل ، وهيأ لها حفرة فوقعت فيها وماتت ) . انتهى . ومعنى خجل معاوية أنه أفحم !
على أن معاوية لا يحتاج لأن يحفر لها حفرة ويغطيها لتسقط فيها ، إلا أن يكون ذلك مساعداً لمجموعته المتخصصة في السم ، بإدارة طبيب يهودي !
كما لا نستبعد نقمة مروان الذي اصطدم بها وبأخيها عبد الرحمن بشدة وهددته بقولها : ( يا مروان أفينا تتأول القرآن وإلينا تسوق اللعن ! والله لأقومن يوم الجمعة بك مقاماً تود أني لم أقمه ) ! ( الأغاني : 17 / 375 ) . لكن عائشة ماتت قبل أن تقف وتخطب يوم الجمعة ، كما مات أبي بن كعب يوم الأربعاء قبل أن يقوم يوم الجمعة ويفضح أهل الصحيفة والعقدة !
وفي الطبقات : 8 / 78 : ( أن عبد الله بن الزبير دفن عائشة ليلاً ، قال محمد بن عمر : توفيت عائشة ليلة الثلاثاء لسبع عشرة مضت من شهر رمضان سنة ثمان وخمسين ودفنت من ليلتها بعد الوتر ، وهي يومئذ بنت ست وستين سنة . . . حمل معها جريدٌ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 320 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ألقوا عليها الخرق وغمسوها في زيت ، وأشعلوا فيها ناراً فحملوها معها ) . انتهى .
وإنما فعل ذلك ابن الزبير لأن والي المدينة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان ، ابن أخ معاوية ، كان مسافراً ( تاريخ خليفة بن خياط / 170 ) فأسرع في دفنها قبل أن يرجع الوليد فيصلي عليها ، ويستفيد من جنازتها لمعاوية !
بل لعل معاوية نفسه كان في المدينة وكان ذلك اليوم خارجها ! فقد رووا أنه استنكر على ابن عمر بكاءه عليها ! كما في وفيات الأعيان : 3 / 16 ، ونسخة نبيط / 4 : ( ولما ماتت بكى عليها ابن عمر فبلغ ذلك معاوية فقال له : أتبكي على امرأة ؟ فقال : إنما يبكي على أم المؤمنين بنوها ، وأما من ليس لها بابن فلا ) . انتهى . يقول له معاوية ، وما عائشة حتى تبكي عليها ؟ ! فيجيبه إنك يا معاوية من المنافقين ، ولست من المؤمنين لتبكي عليها ! ومهما يكن ، فالمتفق عليه عند الجميع أن عائشة ماتت وهي مغاضبة لمعاوية وليس لها إمام !

4 - قَتْلُهُ الصحابي سعد بن أبي وقاص !

في فضائل الصحابة لابن حنبل : 2 / 988 : ( دخل سعد بن مالك ( وهو أبو وقاص ) على معاوية فقال : السلام عليك أيها الملك ! فقال معاوية : أو غير ذلك ؟ أنتم المؤمنون وأنا أميركم ! فقال سعد : نعم إنْ كنا أمَّرناك ! فقال معاوية : لا يبلغني أن أحداً زعم أن سعداً ليس من قريش إلا فعلت به وفعلت ) ! ( ورواه الأزدي في الجامع : 10 / 390 ، وعبد الرزاق في المصنف : 10 / 391 ، وابن عساكر في تاريخ دمشق : 17 / 324 ، وأحمد في فضائل الصحابة : 2 / 988 ، واليعقوبي : 2 / 217 ، وابن الأثير في الكامل : 3 / 275 ) .
وهذا من خبث معاوية فقد كشف ما كان يقال سراً من الطعن في نسب سعد ، فقال له إنك لَسْتَ من قريش ! ولذلك قال الرواة بعد نقلهم كلام معاوية : ( فقال محمد بن علي : لعمري إن سعداً لوسط من قريش أو من وسط قريش ، ثابت
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 321 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
النسب ) . يردُّون بذلك على معاوية ! وفي نسب سعد وابنه عمر قاتل الحسين ( عليه السلام ) كلامٌ ، وهو خارج عن موضوعنا .
وفي أنساب الأشراف للبلاذري / 1111 والكامل لابن الأثير : 3 / 275 : ( فضحك معاوية وقال : ما كان عليك يا أبا إسحاق رحمك الله لو قلت : يا أمير المؤمنين ! فقال : أتقولها جذلان ضاحكاً ، والله ما أحب أني وليتها بما وليتها به ) ! انتهى .
يقصد سعد إنك دفعت ثمنها غالياً من دماء المسلمين ، وهذا ما لا أقبله لنفسي !
وفي تاريخ اليعقوبي : 2 / 217 : ( فغضب معاوية فقال : ألا قلت السلام عليك يا أمير المؤمنين ؟ قال : ذاك إن كنا أمرناك ، إنما أنت مُنْتَزٍ ) . أي قافزٌ غاصب للخلافة ! ورواية اليعقوبي أقرب إلى منطق القصة ، والى حرص معاوية على أن يعترفوا له بلقب ( أمير المؤمنين ) !
وفي مقاتل الطالبيين / 48 : ( وأراد معاوية البيعة لابنه يزيد ، فلم يكن شئ أثقل من أمر الحسن بن علي وسعد بن أبي وقاص ، فدسَّ إليهما سماً فماتا منه ) . ( ونحوه شرح النهج : 16 / 49 ) .
وفي البدء والتاريخ : 5 / 85 : ( وروى شعبة أن سعداً والحسن بن علي ماتا في يوم واحد قال : ويرون أن معاوية سمهم ) . ( ونحوه في أنساب الأشراف للبلاذري : 1 / 404 ) .
وفي الآحاد والمثاني للضحاك : 1 / 169 : ( ومات سعد بن أبي وقاص ( في قصره ) بالعقيق وحمل فدفن بالمدينة وهو ابن ثلاث وثمانين سنة ) .
وأعجب من الجميع رواية البيهقي في لباب الأنساب والألقاب والأعقاب / 40 : ( وأمروا والي المدينة سعيد بن العاص حتى سقاه السم مع سعد بن أبي وقاص وجماعة من المهاجرين ، فمات الحسن رضي الله عنه مسموماً بعد يومين ، وسعد بن أبي وقاص في يومه ) . انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 322 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فهي تدل على أن أوامر معاوية بالقتل بالسم شملت عدداً من المهاجرين ، ولم تشمل الأنصار مع أن عدائهم للنظام الأموي أشد من المهاجرين القرشيين ، وذلك لأن الذين يطمعون بالخلافة ويقفون ضد بيعة يزيد هم من قريش ، أما الأنصار فقد انقطع أملهم بالخلافة بعد قتل سعد بن عبادة !
والبيهقي المذكور هو علي بن زيد البيهقي الشافعي توفي سنة 565 ، وهو من العلماء المشهورين وله مصنفات عديدة أدبية وتاريخية وهندسية . ( راجع : إيضاح المكنون : 1 / 154 ، مجلة تراثنا عدد 58 / 128 ، والذريعة : 18 / 277 ) وهو غير البيهقي المشهور صاحب السنن ، واسمه علي بن الحسين البيهقي الشافعي المتوفى 483 .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 323 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

5 - هلك زياد بن أبيه بدعاء الإمام الحسين ( عليه السلام ) وسُمِّ معاوية !

اتفقت المصادر على أن زياداً بن أبيه مات وهو بكامل صحته عن ثلاث وخمسين سنة ، وذكر أكثرهم أن موته سنة ثلاث وخمسين هجرية ، أي بعد وفاة الإمام الحسن ( عليه السلام ) بأكثر من سنتين . قال في تاريخ دمشق : 19 / 207 : ( سنة ثلاث وخمسين فيها مات زياد بن أبي سفيان بالكوفة ، ومات زياد وهو ابن ثلاث وخمسين ) . وفي تاريخ دمشق : 19 / 166 : ( ولي العراق سنة ثمان وأربعين ومات سنة ثلاث وخمسين ، وكانت ولايته خمس سنين والياً على المصرين ) . انتهى .
كما اتفقوا على أنه كان معارضاً لبيعة يزيد بالخلافة ، وكان يأمل أن يكون هو لأنه صار أخ معاوية وابن أبي سفيان !
قال ابن كثير في النهاية : 8 / 86 وفي طبعة 79 : ( وكتب معاوية إلى زياد يستشيره في ذلك ، فكره زياد ذلك لما يعلم من لعب يزيد وإقباله على اللعب والصيد ، فبعث إليه من يثني رأيه عن ذلك ، وهو عبيد بن كعب بن النميري وكان صاحباً أكيداً لزياد ، فسار إلى دمشق فاجتمع بيزيد أولاً ، فكلمه عن زياد وأشار عليه بأن لا يطلب ذلك ، فإن تركه خير له من السعي فيه ، فانزجر يزيد عما يريد من ذلك واجتمع بأبيه واتفقا على ترك ذلك في هذا الوقت ، فلما مات زياد وكانت هذه السنة ، شرع معاوية في نظم ذلك والدعاء إليه ، وعقد البيعة لولده يزيد ، وكتب إلى الآفاق بذلك ) . انتهى .
وهذا النص الذي اختاره ابن كثير ، المحب لمعاوية ويزيد من أكثر النصوص تشذيباً وتهذيباً ، وابتعاداً عن الصراع الخفي بين معاوية و ( أخيه ) زياد !
وذكر ابن عساكر وغيره ، أن عبيد بن كعب النميري قام بمهمته على أحسن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 324 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وجه فأقنع يزيداً ومعاوية بتأخير الموضوع فعلاً ، وتحسين سلوك يزيد !
قال في تاريخ دمشق : 38 / 213 : ( وكفَّ يزيد عن كثير مما كان يصنع ، ثم قدم عبيد على زياد فأقطعه قطيعة ) . انتهى .
وفي الطبري : 4 / 225 أن زياداً قال لمبعوثه النميري : ( ويزيد صاحب رِسْلة وتهاون مع ما قد أولع به من الصيد ، فالق أمير المؤمنين مؤدياً عني فأخبره عن فعلات يزيد ! فقل له : رويدك بالأمر فأقمنُ أن يتم لك ما تريد ، ولا تعجل فإن دركاً في تأخير ، خير من تعجيل عاقبته الفوت . . . وكتب زياد إلى معاوية يأمره بالتؤدة وألا يعجل فقبل ذلك معاوية وكف يزيد عن كثير مما كان يصنع ، ثم قدم عبيد على زياد فأقطعه قطيعة ) ! انتهى .
أقول : هذه سذاجة من عبيد وزياد ومن الرواة ، لأن معاوية نمرود لا يتحمل مخالفة زياد له واتصاله من ورائه بيزيد لثنيه عن الموضوع بحجة سوء سيرته ! فهو يعتبر ذلك تدخلاُ في أخص أموره وأهمها عنده ! لذلك نقول إن معاوية أسرَّها في نفسه ، وقرر أن يحبط خطة زياد ولا يدعه يستغل شهادته فيه بأنه أكفأ أولاد أبي سفيان بعده ! فأهانه عندما وفد عليه وأصدر أمره إلى مجموعة الإغتيال بالتخلص منه ! ففي تاريخ دمشق : 19 / 197 : ( وفد زياد إلى معاوية ومعه أشراف أهل العراق فزجر به ابن حنيق العبادي ( أي تفاءل بهذه السفرة ) فقال :
قد علمت ضامرةُ الجيادْ أن الأمير بعده زيادْ
فلم يصل زياد إلى معاوية حتى أتاه الخبر وما قال ابن حنيق وإقرار زياد بذلك ومعاوية يُربِّص لابنه ما يُربِّص من الخلافة ، ثم أذن للناس فأخذوا مجالسهم ، ثم دخل زياد فلم يدعه إلى مجلس حتى قام له رجل من أهل العراق فجلس في مجلس ، فحمد الله معاوية وأثنى عليه ثم قال : هذه الخلافة أمر من أمور الله ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 325 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقضاء من قضاء الله ، وإنها لا تكون لمنافق ولا لمن صلى خلف إمام منافق ! يعرض بزياد حتى عرف زياد ) . انتهى . يقصد معاوية : أن زياداً لا يصلح للخلافة لأنه صلى خلف علي ( عليه السلام ) ! وقوله : ( هذه الخلافة أمر من أمور الله وقضاء من قضاء الله ) محاولةٌ لتركيز مذهبه الجبري الذي يجعل الخليفة الأموي خليفة الله تعالى في أرضه ، ويجعل فعله فعل الله تعالى ويرفع عنه الحساب والعقاب !
وتدل الرواية على أن زياداً جاء إلى الشام بوفد ( عراقي ) ليطرح موضوع ولايته للعهد بدل يزيد ! وأن جواسيس معاوية عليه أوصلوا أخباره قبل وصوله فعامله معاوية باستهانة ، وأجاب على أمنيته بالرد والتوبيخ !
ولا يبعد أن يكون مجئ زياد بعد رسالة معاوية إليه يستشيره في إعلان يزيد ولياً لعهده ، وهذا يجعل قتله واجباً حسب قوانين معاوية !
وقد روى اليعقوبي اندفاع زياد الذي كان فيه حتفه فقال في : 2 / 220 : ( وكتب معاوية إلى زياد وهو بالبصرة ، أن المغيرة قد دعا أهل الكوفة إلى البيعة ليزيد بولاية العهد بعدي ، وليس المغيرة بأحق بابن أخيك منك ، فإذا وصل إليك كتابي فادع الناس قبلك إلى مثل ما دعاهم إليه المغيرة وخذ عليهم البيعة ليزيد . فلما بلغ زياداً وقرأ الكتاب دعا برجل من أصحابه يثق بفضله وفهمه ، فقال : إني أريد أن أأتمنك على ما لم أأتمن عليه بطون الصحائف ، إيت معاوية فقل له : يا أمير المؤمنين إن كتابك ورد عليَّ بكذا ، فما يقول الناس إذا دعوناهم إلى بيعة يزيد وهو يلعب بالكلاب والقرود ، ويلبس المصبغ ، ويُدْمنُ الشراب ، ويمشي على الدفوف ، وبحضرتهم الحسين بن علي ، وعبد الله بن عباس ، وعبد الله بن الزبير ، وعبد الله بن عمر ! ولكن تأمره أن يتخلق بأخلاق هؤلاء حولا وحولين ، فعسانا أن نموه على الناس . فلما صار الرسول إلى معاوية وأدى إليه الرسالة قال :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 326 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ويلي على ابن عبيد ! لقد بلغني أن الحادي حدا له أن الأمير بعدي زياد ، والله لأردنه إلى أمه سمية ، وإلى أبيه عبيد ) . انتهى .
قال الطبري في تاريخه : 4 / 225 : ( لما مات زياد دعا معاوية بكتاب فقرأه على الناس باستخلاف يزيد ، إن حدث به حدث الموت فيزيد ولي عهد ، فاستوثق له الناس على البيعة ) . ( ومثله سمط النجوم : 3 / 148 ، والطبري : 3 / 247 ، ومنتظم ابن الجوزي : 5 / 285 ، وتاريخ خليفة / 165 ، وفي الكامل نحو رواية ابن كثير : 3 / 350 ) .
وقد اتفقت رواياتهم على أن زياداً أصيب بطاعون بدأ بإبهامه اليمنى فورمت وتآكل لحمها ، ثم انتشر بسرعة في كل يده ! قال الطبري في تاريخه : 4 / 215 : ( فخرجت طاعونة على إصبعه ، فأرسل إلى شريح وكان قاضيه . . . . يستشيره في قطع يده فقال : لا تفعل ، إنك إن عشت صرت أجذم ، وإن هلكت إياك جانياً على نفسك ! قال : أنام والطاعون في لحاف ؟ ! فعزم أن يفعل فلما نظر إلى النار والمكاوي جزع وترك ذلك ) . انتهى .
ولم يطل أمره حتى هلك ، وروي أن المرض انتشر في بدنه في أسبوع .
وفي تاريخ اليعقوبي : 2 / 235 : ( وروي أنه كان أحضر قوماً بلغه أنهم شيعة لعلي ليدعوهم إلى لعن علي والبراءة منه أو يضرب أعناقهم ، وكانوا سبعين رجلاً ، فصعد المنبر وجعل يتكلم بالوعيد والتهديد . . . . فبينا زياد يتكلم على المنبر إذ قبض على إصبعه ، ثم صاح : يدي ! وسقط عن المنبر مغشياً عليه فأدخل القصر وقد طعن في خنصره اليمنى ، فجعل لا يتغاذَّ ، فأحضر الطبيب فقال له : اقطع يدي ! قال : أيها الأمير ! أخبرني عن الوجع تجده في يدك ، أو في قلبك ؟ قال : والله إلا في قلبي . قال : فعش سوياً ) . انتهى . أي لا تقطع يدك فقد قرب أجلك !
أما دعوة الإمام الحسين ( عليه السلام ) على زياد ، فنقلتها مصادرنا ونسبَتْها إلى الإمام الحسن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 327 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
( عليه السلام ) ، ويظهر أن ذلك تصحيف في الاسم أو اشتباه ، لأن الإمام الحسن ( عليه السلام ) استشهد في سنة خمسين للهجرة ، باتفاق مصادرنا وأكثر مصادرهم ! بينما هلك زياد بن أبيه سنة ثلاث وخمسين .
قال في مناقب آل أبي طالب : 3 / 174 : ( واستغاث الناس من زياد إلى الحسن بن علي ( عليه السلام ) فرفع يده وقال : اللهم خذ لنا ولشيعتنا من زياد بن أبيه وأرنا فيه نكالاً عاجلاً إنك على كل شئ قدير . قال : فخرج خرَّاجٌ في إبهام يمينه يقال لها السلعة ، وورم إلى عنقه فمات ) . انتهى .
أما رواية مصادر الخلافة فنسبت هذه الكرامة إلى عبد الله بن عمر ، وقالت إنه دعا على زياد فأصيب بالطاعون ! قال في تاريخ دمشق : 19 / 203 : ( عن ابن شوذب قال : بلغ ابن عمر أن زياداً كتب إلى معاوية : إني قد ضبطت العراق بشمالي ويميني فارغة ، يسأله أن يوليه الحجاز والعروض يعني بالعروض اليمامة والبحرين ، فكره ابن عمر أن يكون في سلطانه فقال : اللهم إنك تجعل في القتل كفارة لمن شئت من خلقك ، فموتاً لابن سمية لا قتلاً . قال : فخرج في إبهامه طاعونة فما أتت عليه إلا جمعة حتى مات ، فبلغ ابن عمر موته فقال : إليك يا ابن سمية ، لا الدنيا بقيت لك ولا الآخرة أدركت ) ! ( ونحوه في تاريخ الطبري : 4 / 214 ، وأنساب الأشراف / 1228 ، وفوات الوفيات / 288 ، والنجوم الزاهرة : 1 / 219 ، وفيه : فقال ابن عمر لما بلغه ذلك اللهم أرحنا من يمين زياد وأرح أهل العراق من شماله فكان أول خبر جاءه موت زياد ) . والأوائل للعسكري / 172
وفي نهاية الأرب : 4460 : ( فقال : ادعوا الله عليه يكفيكموه فاستقبل القبلة واستقبلوها فدعوا ودعا ، وكان من دعائه أن قال : اللهم اكفنا يمين زياد ! فخرجت طاعونة على إصبع يمينه ، فمات منها ) . ( ونحوه في الطبري : 4 / 215 ، وكامل ابن الأثير : 3 / 2 ) . وفي التمهيد لابن عبد البر : 6 / 212 : ( فقال : مروا العجائز يدعون الله
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 328 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عليه ، ففعلن فخرج بإصبعه طاعون . . . ) . وفي البدء والتاريخ : 6 / 2 و 446 : ( فاجتمع أهل المدينة في مسجد رسول الله ( ص ) ودعوا عليه ، فخرجت في يده الآكلة فشغله عن ذلك . وكان ينال من علي رضي الله عنه فضربه النقاد ذو الرقبة يعني الفالج ، فقتله بالكوفة ) .
أما الذهبي فقد روى الروايتين ! قال في سيره : 3 / 496 : ( وقال ابن شوذب : بلغ ابن عمر أن زياداً كتب إلى معاوية : إني قد ضبطت العراق بيميني وشمالي فارغة ، وسأله أن يوليه الحجاز . فقال ابن عمر : اللهم إنك إن تجعل في القتل كفارة ، فموتاً لابن سمية لا قتلاً ، فخرج في إصبعه طاعون ، فمات .
قال الحسن البصري : بلغ الحسن بن علي أن زياداً يتتبع شيعة علي بالبصرة فيقتلهم فدعا عليه . وقيل : إنه جمع أهل الكوفة ليعرضهم على البراءة من أبي الحسن فأصابه حينئذ طاعون في سنة ثلاث وخمسين ) . انتهى .
وكلام الذهبي الأخير اعتراف بحشد زياد شخصيات الشيعة في الكوفة ليعرض عليهم البراءة من علي ( عليه السلام ) فمن لم يفعل قطع رأسه ! قال في تاريخ دمشق : 19 / 203 ونحوه 204 : عن ( عبد الرحمن بن السائب قال : جمع زياد أهل الكوفة فملأ منهم المسجد والرحبة والقصر ، ليعرضهم على البراءة من علي ! قال عبد الرحمن : فإني لمع نفر من الأنصار والناس في أمر عظيم فهوَّمتُ تهويمةً فرأيت شيئاً أقبل طويل العنق مثل عنق البعير أهدب أهدل فقلت : ما أنت ؟ قال : أنا النقَّاد ذو الرقبة بُعثتُ إلى صاحب هذا القصر ! فاستيقظت فزعاً فقلت لأصحابي : هل رأيتم ما رأيت ؟ قالوا : لا ، فأخبرتهم ! قال : ويخرج علينا خارج من القصر فقال : إن الأمير يقول لكم انصرفوا عني ، فإني عنكم مشغول ، وإذا الطاعون قد ضربه ! فأنشأ عبد الرحمن بن السائب يقول :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 329 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

ما كان منتهياً عما أراد بنا * حتى تناوله النَّقاد ذو الرقبهْ
فأثبت الشق منه ضربة ثبتت * كما تناول ظلماً صاحب الرَّحَبَهْ ) . انتهى .

وصاحب الرحبة علي ( عليه السلام ) بسكون الحاء وفتحه لضرورة الشعر . ورواه من مصادرهم : النهاية : 8 / 32 وفي طبعة 62 ، ونهاية ابن الأثير : 2 / 315 ، ولسان العرب : 2 / 291 ، , 469 ، والبدء والتاريخ : 6 / 3 ، وفي طبعة 446 ، والفائق : 4 / 120 ، والروض المعطار للحميري : 256 ، والمحاسن للبيهقي / 39 ، ومروج الذهب / 682 ، وأنساب الأشراف / 1271 ، وشرح النهج : 3 / 199 ، وجمهرة اللغة لابن دريد / 809 ، وفي طبعة : 2 / 677 ، وتاج العروس : 6 / 442 ، وتذكرة ابن حمدون / 2139 ، وسمط النجوم العوالي : 3 / 122 ، وفي طبعة / 871 ، وغريب الحديث للخطابي : 3 / 65 ، والمحتضرين / 102 ، و 103 ) .
ومن مصادرنا : الطوسي في الأمالي / 233 و 620 ، وكنز الفوائد / 61 ، والمناقب : 2 / 169 ، وتاريخ الكوفة للبراقي / 73 ، و 104 ، وغيرها ) .
ومعنى رؤيا عبد الرحمن السائب : أنه رأى حيواناً عنقه طويل كالبعير ، أهدب أي على رأسه وعينيه شعر ، وأهدل أي مدلى الشفتين ، وقال له إن اسمه ( النَّقَّاد ذو الرقبة ) أي الذي ينقد الشخص كنقد الديك ، وهو رمز للبلاء والموت .
* *
فتلخص أن سبب طاعون زياد وموته حسب الروايات هو : دعاء الإمام الحسن ( عليه السلام ) أو دعاء ابن عمر ، أو دعاء أهل المدينة ، أو دعاء أهل الكوفة ، أو سُمُّ معاوية ! والذي نرجحه أن يكون موته استجابة لدعاء الحسن والحسين ( عليهما السلام ) متقارناً مع سمِّ معاوية له ، وأن السم ظهر في يده وانتشر بعد أسبوع في جسمه فهلك .
وقد استبعدنا دعاء ابن عمر عليه ، لما ثبت من خوفه الشديد من معاوية ، فهو لا يجرؤ أن يدعو على ( أخيه ) زياد ! ولأن روايات دعاء ابن عمر متضاربة في نفسها ونص الدعاء فيها نصُّ دعاء الإمام الحسن ( عليه السلام ) ، ويبدو أنهم نسبوه إلى ابن عمر بعد موت زياد ومعاوية ! ففي تاريخ دمشق : 19 / 202 : ( بلغ الحسن بن علي أن زياداً يتتبع شيعة علي بالبصرة فيقتلهم ، فقال : اللهم لا تقتلنَّ زياداً ، وأمته حتف
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 330 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أنفه ، فإنه كان يقال إن في القتل كفارة . . . . عن ابن أبي مليكة قال : إني لأطوف مع الحسن بن علي فقيل له : قتل زياد ، فساءه ذلك ! فقلت : وما يسوءك ؟ قال : إن القتل كفارة لكل مؤمن . . . . عن أبي عبيدة بن الحكم عن الحسن بن علي قال أتاه قوم من الشيعة فجعلوا يذكرون ما لقي حجر وأصحابه وجعلوا يقولون : اللهم اجعل قتله بأيدينا ، فقال : الحسن : مَهْ لا تفعلوا فإن القتل كفارات ! ولكن أسألُ الله أن يميته على فراشه ) . وفي تذكرة ابن حمدون / 2139 : ( بلغ الحسن بن علي ما كان يصنع زياد بشيعة علي فقال : اللهم تفرد بموته ، فإن في القتل كفارة ) .
وقد رجحنا تصحيف اسم الحسين في الرواية إلى الحسن ( عليهما السلام ) ، لأن دعاء الإمام الحسن ورد بصيغة عامة ليس فيها تحديد وقت ، بينما المروي عنه في المناقب : 3 / 174 ، دعاء فوري معجل : ( اللهم خذ لنا ولشيعتنا من زياد بن أبيه وأرنا فيه نكالاً عاجلاً إنك على كل شئ قدير ) . ومثل هذا الدعاء من المعصوم ( عليه السلام ) لا يتأخر إلى سنوات . ولذا رجحنا أن يكون للإمام الحسين ( عليه السلام ) .
* *

6 - قَتْلُه ابن خاله الصحابي محمد بن أبي حذيفة !

لله في خلقه شؤون . . فقد كان أبو أحيحة سعيد بن العاص الأموي من كبار زعماء قريش وأثريائها ، ومن أئمة الشرك والعداء لله ورسوله ( صلى الله عليه وآله ) ، لكن ابنه خالداً هداه الله تعالى برؤيا رآها ، فذهب إلى النبي ( صلى الله عليه وآله ) وأسلم ، وتحمل من أبيه ما تحمل ، حتى اضطر للهجرة مع زوجته إلى الحبشة ، ثم كان قائداً مع النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وشيعياً مخلصاً لعلي ( عليه السلام ) ، وقائداً بطلاً في فتح الشام ! وهدى الله معه أخويه أباناً وعمرواً .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 331 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كما كان عتبة بن ربيعة الأموي والد هند آكلة الأكباد من شيوخ قريش ، ورئيس حربها للنبي ( صلى الله عليه وآله ) وقد قتل هو وابنه الوليد وأخوه شيبة في بدر ! لكن ابنه أبا حذيفة واسمه قيس ، هداه الله تعالى فذهب إلى النبي ( صلى الله عليه وآله ) وأسلم وتحمل من أبيه ما تحمل ، حتى اضطر للهجرة إلى الحبشة ، وولد له هناك ابنه محمد ، وقد استشهد أبو حذيفة في اليمامة ، وكان ابنه محمد كأبيه شيعياً .
وكان هو ومحمد بن أبي بكر من القادة في فتح مصر ، وفي معركة ذات الصواري البحرية الشهيرة مع الروم . ( أنساب الأشراف للبلاذري / 387 ) .
وشارك محمد بن أبي حذيفة ( رحمه الله ) في فتح الشام ، وصادف أن ركب سفينة مع كعب الأحبار الذي كان المستشار الثقافي والمفتي لعمر وعثمان ، وكان كعب يرافق جيش الفتح أحياناً إلى المناطق الآمنة ويزعم أنه يعرف المغيبات ويحدثهم بها ! فأخذ محمد بن أبي حذيفة ( رحمه الله ) يسخر منه ومن توراته المحرفة !
قال عمر ابن شبة في تاريخ المدينة : 3 / 1117 : ( عن محمد بن سيرين قال : ركب كعب الأحبار ومحمد بن أبي حذيفة في سفينة قِبَلَ الشام ، زمن عثمان في غزوة غزاها المسلمون ، فقال محمد لكعب : كيف تجد نعت سفينتنا هذه في التوراة تجري غداً في البحر ؟ ! فقال كعب : يا محمد لا تسخر بالتوراة ، فإن التوراة كتاب الله . قال : ثم قال له ( محمد ) ذاك ثلاث مرات ) ! !
وقد وصفه الذهبي في سيره : 3 / 479 بأنه متعلم من أهل القرآن : ( فخرج محمد بن أبي حذيفة فاستوى على المنبر فخطب وقرأ سورة ، وكان من أقرأ الناس ) . انتهى .
لكنك أكثر ما تجد في مصادرهم ذم محمد بن أبي حذيفة ( رحمه الله ) وتحليل دمه لمعاوية ، مع أنه صحابي ، أموي ، وذلك لأنه حرَّض أهل مصر على الذهاب إلى عثمان ، لمعالجة واليهم الأموي الفاسد ! وجاء مع وفدهم وكانوا خمس مائة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 332 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فارس بقيادة الصحابي عبد الرحمن بن عديس البلوي ، وانتهى أمرهم بلعب عثمان عليهم ومحاصرته مع وفد البصرة والكوفة . ( تاريخ دمشق : 39 / 423 ، والطبري : 3 / 341 ) .
أعطاه معاوية الأمان ثم حبسه ، ثم قتله !
قال الطبري في تاريخه : 3 / 548 : ( وفي هذه السنة أعني سنة 36 قتل محمد بن أبي حذيفة ، وكان سبب قتله أنه لما خرج المصريون إلى عثمان مع محمد بن أبي بكر أقام بمصر ، وأخرج عنها عبد الله بن سعد بن أبي سرح وضبطها ، فلم يزل بها مقيماً حتى قتل عثمان وبويع لعلي ، وأظهر معاوية الخلاف وبايعه على ذلك عمرو بن العاص ، فسار معاوية وعمرو إلى محمد بن أبي حذيفة ، قبل قدوم قيس بن سعد مصر فعالجا دخول مصر فلم يقدرا على ذلك ، فلم يزالا يخدعان محمد بن أبي حذيفة حتى خرج إلى عريش مصر في ألف رجل فتحصن بها ، وجاءه عمرو فنصب المنجنيق عليه حتى نزل في ثلاثين من أصحابه وأخذوا وقتلوا رحمهم الله ) !
وقال الطبري في : 4 / 80 : ( اختلف أهل السير في وقت مقتله فقال الواقدي : قتل في سنة 36 ، وذكر خبر تحصنه في العريش ثم قال : وأما هشام بن محمد الكلبي فإنه ذكر أن محمد بن أبي حذيفة إنما أخذ بعد أن قتل محمد بن أبي بكر ودخل عمرو بن العاص مصر وغلب عليها ، وزعم أن عمراً لما دخل هو وأصحابه مصر أصابوا محمد بن أبي حذيفة ، فبعثوا به إلى معاوية وهو بفلسطين فحبسه في سجن له ، فمكث فيه غير كثير ثم إنه هرب من السجن ، وكان ابن خال معاوية ) . انتهى . وهذا هو المرجح لأنهم رووا عنه عدة قصص في السجن .
فرَّ من السجن فلحقه مبعوث معاوية وقتله في فلسطين !
في تاريخ دمشق : 52 / 272 : ( كان رجال من أصحاب النبي ( ص ) يحدثون أن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 333 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
رسول الله ( ص ) قال : يقتل في جبل الجليل والقطران من أصحابي أو من أمتي ناس ، فكان أولئك النفر الذين قتلوا مع محمد بن أبي حذيفة وأصحابه بجبل الجليل والقطران هناك ) . وأضاف في الإصابة : 6 / 11 : ( وذكر خليفة بن خياط في تاريخه أن علياً لما ولي الخلافة أقرَّ محمد بن أبي حذيفة على إمرة مصر ، ثم ولاها محمد بن أبي بكر . واختلف في وفاته فقال بن قتيبة : قتله رشدين مولى معاوية ، وقال بن الكلبي : قتله مالك بن هبيرة السكوني ) .
وفي أنساب الأشراف / 408 أن معاوية أخذه أسيراً فحبسه : ( فرماه عمرو بالمنجنيق حتى أخذه أخذاً ، فبعث به عمرو إلى معاوية فسجنه عنده ، وكانت ابنة قرظة امرأة معاوية ابنة عمة محمد بن أبي حذيفة ، أمها فاطمة بنت عتبة بن ربيعة تصنع له طعاماً وترسل به إليه وهو في السجن ، فلما سار معاوية إلى صفين أرسلت ابنة قرظة بشئ فيه مساحل من حديد إلى ابن أبي حذيفة ، فقطع بها الحديد عنه ، ثم جاء فاختبأ في مغارة بجبل الذيب بفلسطين فدل نبطيٌّ عليه رشدين مولى أبي حذيفة أبيه ، وكان معاوية خلفه على فلسطين ، فأخذه فقال له محمد : أنشدك الله خليت سبيلي ! فقال له : أخلي سبيلك فتذهب إلى ابن أبي طالب وتقاتل معه ابن عمتك وابن عمك معاوية ، وقد كنت فيمن شايع علياً على قتل عثمان . فقدمه فضرب عنقه ) ! وقال البلاذري / 407 : ( وقوم يقولون : أن ابن أبي حذيفة حين أخذ لم يزل حبس معاوية إلى بعد مقتل حجر بن عدي ، ثم إنه هرب فطلبه مالك بن هبيرة بن خالد الكندي ثم السكوني ، ووضع الأرصاد عليه فلما ظفر به قتله غضباً لحجر ) . انتهى .
أقول : رووا أ ، مالك بن هبيرة الكندي توسط لحجر بن عدي الكندي ، فلم يقبل معاوية وساطته فغضب ، ثم أرضاه بالمال ! وهذه الرواية تدعي أنه قتل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 334 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
محمد بن أبي حذيفة ثأراً بحجر ! فلا بد أن تكون إشاعة من معاوية لإبعاد قتل ابن خاله عن نفسه اتقاءً لنقمة بني أمية ! لأن آل عتبة الذين منهم محمد ، وأولاد أبي أحيحة الذين منهم خالد بن سعيد ، أشرف فيهم من آل حرب .
وآل حرب الذين منهم معاوية أشرف فيهم من آل العاص الذين منهم عثمان !
* *

7 - قَتْلُه الصحابي سعيد بن عثمان بن عفان !

في تاريخ دمشق : 21 / 223 : ( كان أهل المدينة عبيدهم ونساؤهم يقولون :

والله لا ينالها يزيدُ * حتى ينالَ هامَه الحديدُ * إن الأمير بعدَهُ سعيدُ

يعنون لا ينال يزيد الخلافة ، والأمير بعد معاوية هو سعيد بن عثمان ، وكانت أمه أم عبد الله بن الوليد بن عبد شمس بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم . فقدم سعيد على معاوية فقال : يا ابن أخي ما شئ يقوله أهل المدينة ؟ قال : وما يقولون ؟ قال : قولهم : والله لا ينالها يزيد . . الخ . ! قال : ما تنكر من ذلك يا معاوية ؟ ! والله إن أبي لخير من أبي يزيد ، ولأمي خير خير من أم يزيد ، ولأنا خير منه ، وقد استعملناك فما عزلناك بعد ، ووصلناك فما قطعناك ، ثم صار في يديك ما قد ترى فحلأتنا عنه أجمع !
فقال له معاوية : يا بُنَيَّ أما قولك إن أبي خير من أبي يزيد فقد صدقت ، عثمان خير من معاوية . وأما قولك أمي خير من أم يزيد فقد صدقت ، امرأة من قريش خير من امرأة من كلب ، ولَحَسْبُ امرأة أن تكون من صالح نساء قومها . وأما قولك إني خير من يزيد فوالله ما يسرني أن حبلاً بيني وبين العراق ثم نُظم لي فيه أمثالك به ! ثم قال معاوية لسعيد بن عثمان : إلحق بعمك زياد بن أبي سفيان فإني قد أمرته أن يوليك خراسان ، وكتب إلى زياد أن وله ثغر خراسان ، وابعث على
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 335 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الخراج رجلاً جلداً حازماً ! فقدم عليه فولاه وتوجه سعيد إلى خراسان على ثغرها وبعث زياد أسلم بن زرعة الكلابي معه على الخراج !
ثم أورد ابن عساكر رواية جاء فيها : ( فوالله ما يسرني أن الغوطة ملئت رجالاً مثلك ! فقال يزيد : يا أمير المؤمنين إنه ابن من تعرف وحقه الحق الواجب الذي لا يدفع ، فانظر له وتعطف عليه وولِّهْ ! ) . ونحوه تاريخ الطبري : 4 / 220 ، والتذكرة الحمدونية / 1497 ، والنهاية : 8 / 87 ) .
أقول : يظهر أن سعيداً هذا كان قليل العقل ، مع أنهم يسمونه : ( شيطان قريش ولسانها ) ! ( الإمامة والسياسة : 1 / 164 ) فقد جاء مطالباً بولاية العهد ، فلعب عليه معاوية وأرضاه بمنصب شكلي وأرسله إلى منطقة عسكرية خطرة لم يستقر فتحها ، وجعله تحت إمرة زياد ، وجعل ميزانية منطقته بيد غيره : ( وكتب إلى زياد أن ولِّه ثغر خراسان ، وابعث على الخراج رجلاً جلداً حازماً ) ! ولا بد أنه رتب أمره مع ابن زياد ليجعله في معرض القتل !
وفي الإمامة والسياسة لابن قتيبة : 1 / 165 : ( فقال معاوية : لك خراسان . قال سعيد : وما خراسان ؟ قال : إنها لك طُعْمَة وصلة رحم ، فخرج راضياً ، وهو يقول :

ذكرت أمير المؤمنين وفضله * فقلت جزاه الله خيراً بما وصل ) . . . الخ . .

وفي تاريخ الطبري : 4 / 227 : ( وأما فضلك عليه ، فوالله ما أحب أن الغوطة دُحست بيزيد رجالاً مثلك ! فقال له يزيد : يا أمير المؤمنين ابن عمك وأنت أحق من نظر في أمره ، وقد عتب عليك لي ، فأعتبه ! قال : فولاه حرب خراسان ) ! !
وفي تاريخ دمشق : 8 / 231 : ( فولاه حرب خراسان وولى إسحاق بن طلحة خراجها ، وكان إسحاق ابن خالة معاوية ، أمه أم أبان ابنة عتبة بن ربيعة ، فلما صار بالريّ مات إسحاق بن طلحة فولي سعيد خراج خراسان وحربها ، وكان
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 336 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ذلك في سنة ست وخمسين على ما ذكر الطبري ) . ( ومنتظم ابن الجوزي : 5 / 287 )
وتجهز سعيد من البصرة فجهزه ابن زياد بسخاء ! وساعده أخوه أبو بكرة بأربع مئة ألف فتعجب سعيد من هذا السخاء ! قال ابن الأعثم في الفتوح : 4 / 308 : ( فعرض عليه أهل السجون والدُّعَّار ومن يصلح للحرب ، فانتخب سعيد بن عثمان منهم أربعة آلاف رجل ، كل رجل يعد برجال . . . . وقوَّاه زياد بأربعة آلاف ألف درهم ، فقبضها سعيد وفرقها في أصحابه ) .
وتوجه سعيد بجيشه وقيل في اثني عشر ألفاً ( تاريخ دمشق : 23 / 475 ) وعبر نهر بلخ وحاصر مدينة بخارى ( معجم البلدان : 1 / 355 ) أشهراً فلم يستطع فتحها !
وفي فتوح ابن الأعثم : 4 / 310 : ( وببخارا ملكة يقال لها يومئذ خيل خاتون . . . . فأرسلت إليه فصالحته على ثلاثمائة ألف درهم ، وعلى أنها تسهل له الطريق إلى سمرقند ! قال : فقبل سعيد ذلك منها وأخذ منها ما صالحته عليه وأخذ منها رهائن أيضاً عشرين غلاماً من أبناء ملوك بخارا كأن وجوههم الدنانير ، ثم بعثت إليه بالهدايا ووجهت معه الأدلاء يدلونه على طريق سمرقند . فسار سعيد بن عثمان من بخارا والأدلاء بن يديه يدلونه على الطريق الذي يوصله إلى سمرقند ، فنزل على سمرقند وبها يومئذ خلق كثير من السغد ) . انتهى .
والرهائن ضمانة لسعيد حتى لا يغدر بهم البخاريون !
وفي فتوح البلاذري : 3 / 508 : ( فنزل على باب سمرقند وحلف أن لا يبرح أو يفتحها ويرمى قهندزها ( أي قلعتها داخل الحصن . الأربعين البلدانية لابن عساكر / 419 ) فقاتل أهلها ثلاثة أيام ، وكان أشد قتالهم في اليوم الثالث . ففقئت عينه وعين المهلب بن أبي صفرة ) ! وفي تاريخ اليعقوبي : 2 / 237 : ( وسار إلى سمرقند فحاصرها فلم يكن له طاقة بها فظفر بحصن فيه أبناء الملوك ، فلما صاروا في يده طلب القوم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 337 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الصلح ، فحلف ألا يبرح حتى يدخل المدينة ، ففتح له باب المدينة فدخلها ، ورمى القهندز بحجر ! وكان معه قثم بن العباس بن عبد المطلب ، فتوفي بسمرقند ) . وفي فتوح ابن الأعثم : 4 / 312 : ( فأنشأ مالك ( بن الريب المازني ) وجعل يقول :

سعيد بن عثمان أمير مُرَوَّعٌ * تراه إذا ما عاين الحرب أخزرا
وما زال يوم السغد يرعد خائفاً * من الروع حتى خفت أن يتنصرا
فلولا بنو حرب لهدَّت عروشكم * بطون العظايا من كسير وأعورا
وما كان من عثمان شئ علمته * سوى نسله في عقبه حين أدبرا

قال : فبلغ ذلك سعيد بن عثمان فهمَّ بقتله ، ثم إنه راقب فيه عشيرته ، فأكرمه ووصله بصلة سنية واعتذر إليه ، فقبل مالك ذلك . أقام سعيد على سمرقند لا يفتر من حرب القوم ، وعلم أنه لا يقدر على فتحها بالسيف فعزم على صلحهم ، قال : وطلب أهل سمرقند أيضاً الصلح فصالحهم على خمسمائة ألف درهم وعلى أنهم يفتحون له باب المدينة ، فيدخل من باب ويخرج من باب ، ثم ينصرف عنهم فرضي القوم بذلك ! وأعطاه أخشيد ملك سمرقند ما صالحه عليه ، ثم فتح له باب المدينة فدخلها سعيد في ألف فارس ، وسار في شارع واحد حتى خرج من الباب الآخر ثم صار إلى عسكره ! ووافته هدايا أهل سمرقند فقبلها ، ثم وضع العطاء لأصحابه فأعطاهم ، وتزود القوم ورحل سعيد بن عثمان عن باب سمرقند إلى بخارا فأقام على بابها أياماً ، ثم بعثت إليه ملكة بخارا أنك قد صرت إلى حاجتك وقد وفيت لك بمال الصلح ، فرد عليَّ رهائني فإنهم غلمان من أبناء ملوك بخارا ، فأبى سعيد أن يردهم عليها ! ثم رحل حتى صار إلى نهر بلخ فنزل عليه ، وعقدت له الأطواف فعبر وعبر أصحابه وسار حتى صار إلى مرو فنزلها . . . . ونَفَلَ ( رجع ) سعيد بن عثمان من بلاد خراسان وقد ملأ يديه من الأموال ، حتى إذا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 338 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
صار إلى المدينة مدينة رسول الله ( ص ) كتب إلى معاوية يستعفيه من ولاية خراسان فعلم معاوية أنه استظهر بالأموال فأعفاه !
قال : وعمد سعيد إلى الرهائن الذين حملهم من بخارا فجعلهم فلاحين في نخل له وحرث بالمدينة ، فغضبوا لذلك واتفقوا وأجمعوا على قتل سعيد ، قال : وجاءهم سعيد يوماً لينظر إلى نخلة ، فوثبوا عليه فقتلوه بخناجر كانت معهم ، ثم هربوا فصاروا إلى جبل هناك فتحصنوا فيه ، وبلغ ذلك أهل المدينة وساروا إليهم وحاصروهم في ذلك الجبل حتى ماتوا فيه جوعاً وعطشاً ) . انتهى .
أقول : معنى قوله : وما كان من عثمان شئ علمتُهُ . . . . سوى نسله في عقبه حين أدبرا
أن عثمان لم يورث أبناءه إلا فراره يوم أحد ! قال ابن حجر في العجاب في بيان الأسباب / 772 : ( وكان ممن ولى دبره يومئذ عثمان بن عفان وسعد بن عثمان وعقبة بن عثمان ، أخوان من الأنصار من بني زريق ، حتى بلغوا الجلعب فرجعوا بعد ثلاثة أيام ، فقال لهم رسول الله : لقد ذهبتم بها عريضة ! قال الله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ) . انتهى . ( ورواه الإستيعاب : 3 / 1074 ، وغيره والجلعب مكان قرب الأعوص قيل يبعد عن المدينة بريدان - معجم ما استعجم : 2 / 389 ) .
واستعفاء سعيد غير صحيح ، فقد صرح المؤرخون بأن معاوية عزله بعد فراره من خراسان ! ففي تاريخ دمشق : 37 / 443 و : 21 / 223 : ( وفيها يعني سنة سبع وخمسين عزل معاوية سعيد بن عثمان عن خراسان ) . ( وتاريخ ابن خياط / 170 ، وغيرهما ) .
وهذه ملاحظات على روايات سعيد بن عثمان :
الأولى : لا تصدق عندما تقرأ بطولات شخصيات السلطة مثل سعيد وأنه حارب وفتح الفتوحات ! فرواة الخلافة يستحلون الكذب لمصلحة من يتولونهم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 339 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ويرونه ديناً يدينون به ! لاحظ قول الذهبي الشركسي ( الأموي ) في سير أعلام النبلاء : 3 / 442 : ( وسعيد بن عثمان بن عفان أبو عبد الرحمن الأموي ، غزا خراسان فورد نيسابور في عسكر منهم جماعة من الصحابة والتابعين ، ثم خرج منها إلى مرو ، ومنها إلى جيحون ، وفتح بخارى وسمرقند ) ! !
ولاحظ قول ابن عساكر في تاريخه : 21 / 222 : ( سعيد بن عثمان بن عفان القرشي المدني استعمله معاوية على خراسان فغزا سمرقند ، وفتح الله على يديه فتحاً عظيماً وأصيبت عينه بها ، وأخذ الرهون ) . انتهى . وقارن ما كتباه بما كتبه ابن الأعثم غير المتعصب لبني أمية قال في فتوحه : 4 / 312 : ( ذكر فتوح خراسان أيضاً بعد سعيد بن عثمان . قال : وبقيت خراسان ليس بها نائب ! فكتب معاوية إلى زياد بن أبيه بالبصرة يأمره أن يوجه إلى خراسان رجلاً يقوم بأمرها ) ! انتهى .
واقرأ قول الحموي في معجم البلدان : 1 / 355 ، عما حدث بعد سعيد بن عثمان : ( ثم لم يبلغني من خبرها شئ إلى سنة 87 في ولاية قتيبة بن مسلم خراسان ، فإنه عبر النهر إلى بخارى فحاصرها فاجتمعت الصغد وفرغانة والشاش وبخارى ، فأحدقوا به أربعة أشهر ثم هزمهم . . . وفتحها . . . ثم مضى منها إلى سمرقند ) . انتهى .
ومعناه أن حملة سعيد سنة 56 فشلت وسببت هزيمة للمسلمين وفراغاً سياسياً في خراسان ما وراء النهر ، التي تعني بخارى وسمرقند والشيشان ، وما إليها !
ثم ، لا تعجب إذا قرأت في روايات الحكومات عن بلد أنه فتح عشرين مرة ! وأن من أنواع الفتح البطولية للخلفاء وأمرائهم أن يدخل القائد ببعض جنوده من باب من المدينة ويخرج من باب آخر ! فيكون فتحها وشقها نصفين !
واعلم أن البطل في رواياتهم قد يكون هو المنهزم الجبان ! فعليك أن تبذل الجهد لتعرف الفاتح الحقيقي ، الذي قد يكون معارضاً طمسوا اسمه ! وهذا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 340 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يؤكد رأينا في أن الفتوحات الأساسية تحققت بجهود قادة الفتوح الشيعة ، بقيادة علي ( عليه السلام ) ، وأن قريشاً نسبتها إلى تدبير ولاتها ، على حد تعبيره ( عليه السلام ) .
الملاحظة الثانية : أن منطقة ما وراء النهر من خراسان ، استمرت مقاومة أهلها المجوس والوثنيين طيلة حكم بني أمية ، فكانت عند معاوية منفىً نموذجياً للمعارضين ، ولذلك تقرأ موت عدد كبير من الصحابة والشخصيات فيها ، باسم الجهاد والفتح ، سوى الذين عينوهم قادة وولاة ، وقتلوهم قبل أن يصلوا إليها !
ولا بد أن سعيد بن عثمان أدرك أن منصبه خطة لقتله ، فكان حذراً من السم وسارع في جمع ما أمكنه من ثروة بالصلح والغارة ، وعاد في أقل من سنة !
الملاحظة الثالثة : أن عزل سعيد بمجرد رجوعه إلى المدينة يعني أن معاوية خاف أن يستعمل ثروته التي جمعها للقيام بحركة ضده ، وقد صرح بذلك البلاذري فقال في فتوح البلدان : 3 / 509 : ( وكان معاوية قد خاف سعيداً على خلعه ، ولذلك عاجله بالعزل ! ثم ولى معاوية عبد الرحمن بن زياد خراسان ) . انتهى .
وهذا يلقي الضوء على زعمهم أن الغلمان البخاريين قتلوا سعيداً ، بل هو كمين معاوية ! وقد رافقه أحد عيونه ولم يدافع عن سعيد ! ثم قتلوا الغلمان كلهم !
قال في تاريخ دمشق : 21 / 227 : ( قدم سعيد بن عثمان المدينة فقتله غلمان جاء بهم من الصغد ، وكان معه عبد الرحمن بن أرطاة بن سيحان حليف بني حرب بن أمية . . . . فقال خالد بن عقبة بن أبي معيط يرثي سعيد بن عثمان بن عفان :

يا عين جودي بدمع منك تهتانا * وابكي سعيد بن عثمان بن عفانا
إن ابن زَيْنَةَ لم تصدق مودته * وفرَّ عنه ابن أرطأة بن سيحانا ) .

وابن أرطاة : ( له اختصاص بآل سفيان . . . ضُرب في الخمر وهو حليفُ بني حرب ) ( تاريخ دمشق : 34 / 178 ) و ( أكثر شعره في الشراب والغزل والفخر ) . ( الأعلام : 3 / 299 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 341 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي أنساب الأشراف / 1508 : ( قال : فبينا سعيد في حائط له وقد جعل أولئك السغد فيه يعملون بالمساحي ، إذا أغلقوا باب الحائط ووثبوا عليه فقتلوه ، فجاء مروان بن الحكم يطلب المدخل عليهم فلم يجده ! وقتل السغد أنفسهم ! وتسورت الرجال ففتحوا الباب وأخرجوا سعيداً ) ! انتهى .
فاعجب لكون مروان والي المدينة حضر عند وقوع الجريمة في بستان خارج البلد ، ولم يجد مفتاح باب البستان ولم يستطع الشرطة دخوله إليه ! أما ابن أرطاة فقالوا هرب ، لكنه كان مشغولاً مع أعوانه بتكميل مهمتهم بقتل الغلمان !
واعجب أكثر لإخفاء خيوط الجريمة فقد تقدم قولهم إن العشرين شاباً الذين قتلوا سعيداً فروا إلى جبل فحاصرهم أهل المدينة ، فماتوا عطشاً وجوعاً ! ثم قالوا إنهم قتلوا أنفسهم حتى لم يبق منهم أحد ! قال اليعقوبي : 2 / 237 : ( وصار سعيد إلى المدينة ومعه أسراء من أولاد ملوك السغد فوثبوا عليه وقتلوه ، وقتل بعضهم بعضاً حتى لم يبق منهم أحد ) ! انتهى . وهذا كقول بعضهم إنه رأى ذئبين أكلا بعضهما فلم يبق منهما إلا ذنباهما !
* *
واعجب أكثر ، لمحاولة المغفلين من آل عثمان أن يبعدوا التهمة عن معاوية ، ويقولوا إن الإمام الحسين ( عليه السلام ) أصاب سعيداً بالعين ، لأنه جمع ثروة وغلماناً !
روى ( المدائني عن سحيم بن حفص قال : لقي الحسين بن علي سعيداً وأبناء السغد معه ، فقال متمثلاً :

أبا عمارة أما كنتَ ذا نفر * فإن قومك لم تأكلهم الضبعُ .

وكان قوم من بني عثمان : يقولون : ما قتله إلا عين الحسين ) ! ( أنساب الأشراف / 1508 ) .
مع أن الإمام الحسين ( عليه السلام ) حذره من هؤلاء الغلمان وقال له : أين قومك ؟ أليس لك أحد من أقاربك تمشي معهم بدل هؤلاء ؟ ! ولعل سعيداً فهمها !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 342 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأصل البيت :

أبا خراشة أمَّا أنت ذا نفر * فإن قوميَ لم تأكلهم الضبعُ .

ولكن الإمام ( عليه السلام ) غيَّره من التفاخر إلى التعجب من مشي سعيد وحده مع غرباء مع أن قومه لم تأكلهم الضبع ، أي لم تفنهم السنين ! ( لسان العرب : 6 / 294 ، ومغني اللبيب لابن هشام : 1 / 35 ، وجمهرة الأمثال للعسكري : 2 / 105 ، ومجمع الأمثال للنيسابوري : 2 / 84 ) .
* *

8 - قَتْلُه محمد بن أبي بكر ( رحمه الله )

تربى محمد ( رحمه الله ) في حجر علي ( عليه السلام ) وكان من خاصة أصحابه ، لأن أمه أسماء بنت عميس كانت صحابية جليلة محبة لأهل البيت ( عليهم السلام ) ومن خواص الصديقة الزهراء ( عليها السلام ) فتزوجها علي ( عليه السلام ) بعد وفاة أبي بكر ، فمحمد ربيب أمير المؤمنين ( عليه السلام ) .
وكان أهل مصر يحبون محمداً لأنه شارك في فتح مصر ، وفي معركة ذات الصواري مع صديقه محمد بن أبي حذيفة .
وعندما جاء وفد مصر إلى عثمان يشكون واليهم ابن أبي سرح الأموي الذي هدر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) دمه ، ونزل فيه قوله تعالى : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيء وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللهُ ) ! ( الأنعام : 93 ) ( أسباب النزول للواحدي / 148 ) . طلبوا من عثمان أن يبعث بدله محمد بن أبي بكر والياً عليهم ، فكتب له عثمان مرسوماً بولاية مصر وأرسله معهم ، لكنهم تفاجؤوا في الطريق برسول عثمان إلى الوالي ابن سرح يأمره أن يعاقبهم ويستمر في عمله ! فأمسكوه ورجعوا وشاركوا في محاصرة عثمان !
* *
وكان علي ( عليه السلام ) بعث قيس بن سعد بن عبادة والياً على مصر ، فتجمع بقايا الأمويين في معسكر ضد علي ( عليه السلام ) مطالبين بدم عثمان ، وكانوا بقيادة معاوية بن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 343 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
حديج الكندي ، فأمدهم معاوية من الشام وشجعهم ، فأمر علي ( عليه السلام ) قيساً أن يناجزهم القتال قبل أن يتعاظم أمرهم فأبى قيس بحجة أنهم عاهدوه على عدم الخروج عليه ! فعزله الإمام ( عليه السلام ) وأرسل بدله محمد بن أبي بكر حاكماً على مصر ثم تفاقم أمر أتباع معاوية ووصل ابن العاص بجيش من ثلاث فرق من الشام والأردن وفلسطين ، ليحتل مصر وتكون طعمة له كل حياته ! فقاتلهم محمد فغلبوه ، وقتلوه قتلة فجيعة ( رحمه الله ) ، وسيطروا على مصر !
وفي أثناء هذه الأحداث أرسل أمير المؤمنين ( عليه السلام ) مالك الأشتر ( رحمه الله ) إلى مصر لكن معاوية دبر له السم وقتله على أبواب القاهرة قبل أن يتسلم عمله من محمد !
وفي تاريخ اليعقوبي : 2 / 193 : ( فلقيهم محمد بن أبي بكر بموضع يقال له المسناة فحاربهم محاربة شديدة ، وكان عمرو يقول : ما رأيت مثل يوم المسناة ، وقد كان محمد استذمَّ إلى اليمانية فمايل عمرو بن العاص اليمانية ، فخلفوا محمد بن أبي بكر وحده ! فجالد ساعة ثم مضى فدخل منزل قوم خرابة ، واتبعه ابن حديج الكندي فأخذه وقتله ، وأدخله جيفة حمار ، وحرقه بالنار في زقاق يعرف بزقاق الحوف ! وبلغ علياً ضعف محمد بن أبي بكر وممالأة اليمانية معاوية وعمرو بن العاص فقال : ما أوتي محمد من حرض ) ! انتهى . ومعناه : ما أتي من ضعف في دينه أو عقله أو بدنه ، ولكنها المقادير .
وقد تقدم شئ عن شهادته ( رحمه الله ) في المجلد الأول ، وفي موت أخته عائشة !
وهذا ملخص من رواية الطبري في تاريخه : 4 / 76 : غزا ابن العاص مصر بجيش من ثلاثة فرق واجتمعت إليه العثمانية في عريش مصر ، وأرسل إلى محمد بن أبي بكر رسالة معاوية يتهدده ويتهمه بالتحريك على عثمان ، فطوى محمد كتابيهما وبعثهما إلى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) يطلب منه الرأي والمدد ، فكتب له
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 344 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
( عليه السلام ) أن يثبت ويجاهد : ( وذكرتَ أنك قد رأيتَ في بعض ممن قبلك فشلاً فلا تفشل وإن فشلوا ، حصِّن قريتك واضمم إليك شيعتك ، واندب إلى القوم كنانة بن بشر المعروف بالنصيحة والنجدة والبأس فإني نادب إليك النابغي على الصعب والذلول فاصبر لعدوك وامض على بصيرتك وقاتلهم على نيتك وجاهدهم صابراً محتسباً . . . . فقام محمد في الناس فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله ( صلى الله عليه وآله ) ثم قال : أما بعد معاشر المسلمين والمؤمنين فإن القوم الذين كانوا ينتهكون الحرمة وينعشون الضلال ، ويشبون نار الفتنة ويتسلطون بالجبرية ، قد نصبوا لكم العداوة وساروا إليكم بالجنود . عبادَ الله فمن أراد الجنة والمغفرة فليخرج إلى هؤلاء القوم فليجاهدهم في الله . انتدبوا رحمكم الله مع كنانة بن بشر .
قال : فانتدب معه نحو من ألفي رجل وخرج محمد في ألفي رجل . واستقبل عمرو بن العاص كنانة وهو على مقدمة محمد ، فأقبل عمرو نحو كنانة ، فلما دنا سرح الكتائب كتيبة بعد كتيبة فجعل كنانة لا تأتيه كتيبة من كتائب أهل الشام إلا شد عليها بمن معه فيضربها حتى يقربها بعمرو بن العاص ، ففعل ذلك مراراً !
فلما رأى ذلك عمرو بعث إلى معاوية بن خديج السكوني فأتاه في مثل الدهم فأحاط بكنانة وأصحابه ، واجتمع أهل الشام عليهم من كل جانب ، فلما رأى ذلك كنانة بن بشر نزل عن فرسه ونزل أصحابه وكنانة يقول : وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلا بِإِذْنِ اللهِ كِتَاباً مُؤَجَّلاً وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ . فضاربهم بسيفه حتى استشهد ( رحمه الله ) .
وأقبل عمرو بن العاص نحو محمد بن أبي بكر وقد تفرق عنه أصحابه ، لما بلغهم قتل كنانة ، حتى بقي وما معه أحد ! فلما رأى ذلك خرج يمشى في الطريق حتى انتهى إلى خربة في ناحية الطريق فآوى إليها . . . . فاستخرجوه وقد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 345 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كاد يموت عطشاً ، فأقبلوا به نحو فسطاط مصر . قال ووثب أخوه عبد الرحمن بن أبي بكر إلى عمرو بن العاص وكان في جنده فقال : أتقتل أخي صبراً ؟ ! ابعث إلى معاوية بن خديج فانهه ، فبعث إليه عمرو بن العاص يأمره أن يأتيه بمحمد بن أبي بكر ! فقال معاوية : أكذاك قتلتم كنانة بن بشر ( وهو سكوني من قبيلته ) وأخلي أنا عن محمد بن أبي بكر هيهات ؟ ! أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ . فقال لهم محمد : أسقوني من الماء ، قال له معاوية بن حديج : لا سقاه الله إن سقاك قطرة أبداً ، إنكم منعتم عثمان أن يشرب الماء حتى قتلتموه صائماً محرماً ، فتلقاه الله بالرحيق المختوم ! أتدري ما أصنع بك ؟ أدخلك في جوف حمار ثم أحرقه عليك بالنار ! فقال له محمد : إن فعلتم بي ذلك فطالما فعل ذلك بأولياء الله ! فقدمه فقتله ثم ألقاه في جيفة حمار ثم أحرقه بالنار ! فلما بلغ ذلك عائشة جزعت عليه جزعاً شديداً وقنتت عليه في دبر الصلاة تدعو على معاوية وعمرو ) . وفي الغارات للثقفي : 2 / 756 : ( فدخلوا إليه وربطوه بالحبال وجروه على الأرض وأمر به أن يحرق بالنار في جيفة حمار ! ودفن في الموضع الذي قتل فيه فلما كان بعد سنة من دفنه أتى غلامه وحفر قبره فلم يجد فيه سوى الرأس ، فأخرجه ودفنه في المسجد تحت المنارة . . . ولما سمعت أمه أسماء بنت عميس بقتله كظمت الغيظ حتى شخبت ثدياها دماً . ووَجَدَ ( حزن ) عليه علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) وجْداً عظيماً وقال : كان لي ربيباً وكنت أعده ولداً ولبنيَّ أخاً ) . ثم ذكر الثقفي شماتة رملة والكبش الذي شوته وأرسلته هدية إلى عائشة !
وفي المواعظ والاعتبار للمقريزي / 1672 : ( فكانت ولاية محمد بن أبي بكر خمسة أشهر ومقتله لأربع عشرة خلت من صفر ، سنة ثمان وثلاثين ) . ( وكامل ابن الأثير : 3 / 229 ، والبدء والتاريخ : 5 / 226 ، ولآلي الأخبار : 1 / 169 ، وتاريخ دمشق : 49 / 426 ، وتهذيب
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 346 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الكمال : 24 / 542 ، والنهاية : 7 / 348 ، و : 8 / 109 ، والغدير : 11 / 66 : ، والأوائل / 165 ، والنجوم الزاهرة : 1 / 110 ، وتاريخ اليعقوبي : 2 / 194 ، وفيه : أن جيش معاوية كان ثلاث فرق من الشام وفلسطين والأردن . وأنه حرقه بالنار في زقاق يعرف بزقاق الحوف ) .
وفي تاريخ دمشق : 49 / 427 : ( وقدم عمرو بن العاص على معاوية بعد فتحه مصر فعمل معاوية طعاماً فبدأ بعمرو وأهل مصر فغداهم ، ثم خرج أهل مصر واحتبس عمرواً عنده ، ثم أدخل أهل الشام فتغدوا ، فلما فرغوا من الغداء قالوا : يا أبا عبد الله بايع ! قال : نعم ، على أن لي عُشْراً يعني مصر ! فبايعه على أن له ولاية مصر ما كان حياً . فبلغ ذلك علياً فقال ما قال ) . انتهى .
ويقصد بذلك قول أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : ( كرَّ على العاصي بن العاصي فاستماله فمال إليه ، ثم أقبل به بعد أن أطعمه مصر ! وحرامٌ عليه أن يأخذ من الفئ دون قَسْمه درهماً ) . ( الخصال : 378 ) أو قوله : ( إنه لم يبايع معاوية حتى شرط له أن يؤتيه أتيَّة ، ويرضخ له على ترك الدين رضيخة ) ! ( نهج البلاغة : 1 / 148 ) .
وفي تاريخ اليعقوبي : 2 / 221 : ( وكانت مصر والمغرب لعمرو بن العاص طعمةً شرطها له يوم بايع ! ونسخة الشرط : هذا ما أعطى معاوية بن أبي سفيان عمرو بن العاص مصرَ أعطاه أهلها فهم له حياته ولا تنقص طاعته شرطاً . فقال له وردان مولاه : فيه الشَّعْرُ من بدنك ، فجعل عمرو يقرأ الشرط ولا يقف على ما وقف عليه وردان ! فلما ختم الكتاب وشهد الشهود قال له وردان : وما عمرك أيها الشيخ إلا كظمإ حمار ( مثل لقصر المدة ) ! هلا شرطت لعقبك من بعدك ؟ فاستقال معاويةَ فلم يقله ، فكان عمرو لا يحمل إليه من مالها شيئاً ، يفرق الأعطية في الناس ، فما فضل من شئ أخذه لنفسه ) ! وفي تاريخ الطبري : 4 / 74 : ( بايعه على قتال علي بن أبي طالب على أن له مصر طعمةً ما بقي ) . انتهى .
أقول : ولم يتمتع ابن العاص بحكم مصر ووارداتها إلا سنتين وكسراً !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 347 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

9 - قَتْلُهُ الصحابي البطل مالك الأشتر ( رحمه الله )

( مالك الأشتر بن الحارث . . . بن سعد بن مالك بن النخع ) . ( معجم الشعراء : 1 / 172 ) .
( قدس الله روحه ورضي الله عنه ، جليل القدر عظيم المنزلة ، كان اختصاصه بعلي ( عليه السلام ) أظهر من أن يخفى ، وتأسف أمير المؤمنين ( عليه السلام ) لموته وقال : لقد كان لي كما كنت لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ) . ( الخلاصة للعلامة الحلي / 276 ) .
( ذُكر أنه لما نُعي الأشتر مالك بن الحارث النخعي إلى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) تأوه حزناً وقال : رحم الله مالكاً وما مالك ، عزَّ عليَّ به هالكاً ! لو كان صخراً لكان صلداً ، ولو كان جبلاً لكان فنداً ، وكأنه قٌدَّ مني قَدّاً ) . ( معجم رجال الحديث : 15 / 168 ) .
وكان مالك من شجعان العالم ، قويَّ الروح والبنية طويل القامة ، وكان هو وعَديُّ بن حاتم ( يركب الفرس الجسام فتخط إبهاماه في الأرض ) . ( المحبر : 113 ) .
لا يحبونه ، فحذفوه من الصحابة وعدُّوه في التابعين !
ألَّف بعض العلماء رسالة في إثبات صحبته للنبي ( صلى الله عليه وآله ) ( الذريعة : 7 / 37 ) وتدل عليه نصوص عديدة ، منها قوله ( رحمه الله ) في جواب بطل الروم الذي برز إليه في اليرموك : ( فقال له ماهان : أنت صاحب خالد بن الوليد ؟ قال : لا أنا مالك النخعي صاحب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ) ! ( فتوح الواقدي : 2 / 224 وابن الأعثم : 1 / 208 ) وقال السيد الخوئي في معجم رجال الحديث : 15 / 167 : ( وعده ابن شهرآشوب في المناقب من وجوه الصحابة وخيار التابعين ) انتهى . لكن أكثر رواة الخلافة عدُّوه في التابعين ولم يذكروه في وفادة النخع على النبي ( صلى الله عليه وآله ) ودعائه لهم . ( أسد الغابة : 1 / 61 ) !
طمسوا دوره في حرب مسيلمة !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 348 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ذكر له أسامة بن منقذ في كتاب الاعتبار / 26 ، دوراً حاسماً في قتال مسيلمة الكذاب والمرتدين معه من بني حنيفة ، حيث قتل فارسهم أبا مسيكة قال : ( فكان أبو مسيكه الأيادي مع بني حنيفة وكانوا أشد العرب شوكه ، وكان مالك الأشتر في جيش أبي بكر ، فلما تواقفوا برز مالك بين الصفين ، وصاح : يا أبا مسيكة ! فبرز له فقال : ويحك يا أبا مسيكة ! بعد الإسلام وقراءة القرآن ، رجعتَ إلى الكفر ؟ ! فقال : إياك عني يا مالك ! إنهم يحرمون الخمر ولا صبر لي عنها ! قال : هل لك في المبارزة ؟ قال : نعم . فالتقيا بالرماح والتقيا بالسيوف ، فضربه أبو مسيكة فشق رأسه وشَتَرَ عينه ، وبتلك الضربة سُمِّيَ الأشتر . فرجع وهو معتنق رقبه فرسه إلى رحله ، واجتمع له قوم من أهله وأصدقائه يبكون ، فقال لأحدهم : أدخل يدك في فمي ، فأدخل إصبعه في فمه فعضها مالك فالتوى الرجل من الوجع ! فقال مالك : لا بأس على صاحبكم ، يقال : إذا سلمت الأضراس سلم الرأس ! أحشوها يعني الضربة ، سياقاً ( نبات ) وشدوها بعمامة ، فلما حشوها وشدوها قال : هاتوا فرسي . قالوا : إلى أين قال إلى أبي مسيكة ! فبرز بين الصفين وصاح يا أبا مسيكة ! فخرج إليه مثل السهم ، فضربه مالك بالسيف على كتفه فشقها إلى سرجه فقتله ! ورجع مالك إلى رحله فبقي أربعين يوماً لا يستطيع الحراك ، ثم أبلَّ وعوفي من جرحه ) . انتهى .
أقول : لم يذكروا تأثير قتل بطلهم أبي مسيكة على المعركة ، لأنهم لا يريدون أن ينسبوا إلى مالك تحقيق النصر ! وقال ابن الكلبي في كتابه نسب معد واليمن / 52 : ( أبو مسيكة ، الذي شتر عين الأشتر النخعي يوم اليرموك ) . انتهى .
لكن المرجح عندي أن لقب ( الأشتر ) جاءه من اليرموك ، من ضربة بطلهم ماهان الذي كان كعمرو بن وُدّ في العرب ، فبرز إليه الأشتر فقتله أو هزمه ، فوقعت الهزيمة في الروم ، وستأتي روايته .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 349 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

طمسوا دوره في معركة القادسية واليرموك !

تدل النصوص المتناثرة في المصادر على دور مالك البطولي والقيادي في المعارك الفاصلة من تاريخنا ! ويظهر أنه ( رحمه الله ) كان يتحرى بطل العدو أو قائدهم فيبرز إليه ويجندله ، فتتغير المعادلة لصالح المسلمين وتقع في عدوهم الهزيمة ، وهذا ما فعله في معركة مسيلمة الكذاب ، وفي معركة اليرموك ، وغيرهما !
وأنه بعد مشاركته في حرب مسيلمة توجه إلى الشام وشارك في معارك الفتح ، ثم عاد إلى العراق وشارك في بعض معاركها ، وبعد فتح عين التمر وحاجة جبهة الشام إلى مدد ، بادر إلى معركة اليرموك وكان بطل النصر فيها ، وبعد اليرموك كان قائداً فعالاً ففتح عدة مدن وحصون في بلاد الشام ، ثم طارد الروم إلى جبال اللكام ، وعندما احتاجت إليه جبهة العراق بادر إلى معركة القادسية !
وقد ادعت رواية الطبري التالية : 2 / 597 ، أنه لم يحضر القادسية : ( عن أرطأة بن جهيش قال كان الأشتر قد شهد اليرموك ولم يشهد القادسية ، فخرج يومئذ رجل من الروم فقال من يبارز ؟ فخرج إليه الأشتر فاختلفا ضربتين فقال للرومي خذها وأنا الغلام الأيادي ! فقال الرومي : أكثر الله في قومي مثلك ، أما والله لولا أنك من قومي لآزَرْتِ الروم ، فأما الآن فلا أعينهم ) . ( وتاريخ دمشق : 56 / 379 ) .
أقول : معنى أن هذا البطل الرومي أيادي ، أنه من الغساسنة المتنصرين ، لأنهم يرجعون مع النخع إلى أياد ، وقد أعجب ذلك الفارس ببطولة ابن عمه مالك النخعي الأيادي وعاهده أن لا يقاتل مع الروم ضد المسلمين .
وأما قول الرواية إن مالكاً لم يشهد القادسية ، فيردُّه ما رواه الطبري نفسه ومصادر أخرى من أنه جاء من معركة اليرموك مدداً للمسلمين في القادسية
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 350 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وشهدها . فقد روى له أبو تمام في ديوان الحماسة : 1 / 39 شعراً قاله في القادسية ، قال : ( وتلقني يشتد بي أجردٌ مستقدم البَرْكة كالراكب . هو مالك بن الحارث أحد بني النخع والأشتر لقب له ، كان شاعراً يمانياً من شعراء الصحابة ، شهد حرب القادسية أيام عمر بن الخطاب التي كانت بين المسلمين والفرس ، وكان لعلي في حروبه مثل ما كان علي لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ) .
وفي طبقات ابن سعد : 6 / 405 : ( أخبرنا طلق بن غنام قال : شهد جدي مالك بن الحارث القادسية . . . ثم قال عن طلق بن غنام : وكان ثقة صدوقاً ) .
وفي الأغاني : 15 / 208 : ( قال أبو عبيدة في رواية أبي زيد عمر بن شبة : شهد عمرو بن معدي كرب القادسية وهو ابن مائة وست سنين ، وقال بعضهم : بل ابن مائة وعشر ، قال : ولما قتله العلج ( كان ) عَبَرَ نهر القادسية هو وقيس بن مكشوح المرادي ومالك بن الحارث الأشتر ) . ( ومعاهد التنصيص للعباسي : 2 / 244 ) .
وفي مصنف ابن أبي شيبة : 7 / 718 : ( عن الأعمش عن مالك بن الحارث أو غيره قال : كنت لا تشاء أن تسمع يوم القادسية : أنا الغلام النخعي ، إلا سمعته ) .
وفي ابن أبي شيبة : 8 / 14 ، ( فقال عمر : ما شأن النخع ، أصيبوا من بين سائر الناس أفرَّ الناس عنهم ؟ قالوا : لا ، بل وَلُوا أعظم الأمر وحدهم ) . ( ونحوه في الإصابة : 1 / 196 ) .
وذكر ابن أبي شيبة : 8 / 15 ، أن النخع كانوا في القادسية ألفين وأربع مئة ، أي ربع جيش المسلمين ، وأن ثقل المعركة كان عليهم !
وفي تاريخ الطبري : 3 / 82 ، أنهم هاجروا من اليمن مع عوائلهم ، وزوجوا سبع مائة بنت إلى المسلمين وخاصة الأنصار . ( ونحوه في تاريخ دمشق : 65 / 100 ) .
وتدل رواية الحافظ الأصبهاني في ذكر أخبار إصبهان : 2 / 318 ، على أن الأشتر وفرسان النخعيين توغلوا في فتح إيران وشاركوا في فتح أصفهان ، قال : ( مالك
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 351 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأشتر بن الحارث بن عبد يغوث بن مسلمة بن ربيعة بن الحارث بن خزيمة بن سعد بن مالك بن النخع ، كان بإصبهان أيام علي بن أبي طالب فيما ذكر عن عمير بن سعيد قال : دخلت على الأشتر بإصبهان في أناس من النخع نعوده ) .
ونحوها رواية السمعاني في الأنساب : 5 / 476 ، قال : ( ومات بالقلزم مسموماً سنة سبع وثلاثين من الهجرة ، سمه معاوية في العسل ، ولما بلغه الخبر قال : إن لله جنوداً من العسل ! قال عمير بن سعيد : دخلت على الأشتر بأصبهان في أناس من النخع نعوده ، فقال : هل في البيت إلا نخعي ؟ قلنا : لا ) .
فاتضح أن الروايات التي تنفي مشاركته في القادسية وفتح إيران ، وضعها رواة الخلافة المتعصبون ضده وضد قومه النخعيين ، بسبب تشيعهم !
* *
وقال الواقدي : 1 / 68 ، عن مشاركة مالك في فتوح الشام زمن أبي بكر : ( فما لبثوا حتى أقبل مالك بن الأشتر النخعي . . . وقد عزم على الخروج مع الناس إلى الشام . . واجتمع بالمدينة نحو تسعة آلاف ، فلما تم أمرهم كتب أبو بكر كتاباً إلى خالد بن الوليد . . . وقد تقدم إليك أبطال اليمن وأبطال مكة ، ويكفيك بن معد يكرب الزبيدي ، ومالك بن الأشتر ) .
وقال في 462 ، في فتح الموصل : ( والتقى مالك الأشتر بيورنيك الأرمني فلما عاين زيه علم أنه من ملوكهم ، فطعنه في صدره فأخرج السنان من ظهره ) .
وقال ابن الأعثم : 1 / 258 في فتح آمد وميافارقين في تركية : ( ثم أرسل عياض مالك الأشتر النخعي وأعطاه ألف فارس ، وأرسله إلى ناحية آمد وميافارقين ، وحين وصل مالك مع الجيش إلى آمد تبين له أن القلعة حصينة جداً فأخذ يفكر بالأمر وأن مقامه سيطول هناك ، ولما اقترب من آمد وعاين بنفسه قوة الحصن ، أمر الجيش بأن يكبروا معاً تكبيرة واحدة بأعلى صوت ! فخاف أهل آمد وتزلزلت
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 352 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أقدامهم وظنوا أن المسلمين يبلغون عشرة آلاف ، وأنهم لا قِبَلَ لهم بحربهم ، فأرسلوا شخصاً إلى الأشتر فأجابهم الأشتر إلى الصلح ، وتقرر أن يدفعوا خمسة آلاف دينار نقداً ، وعلى كل رجل أربعة دنانير جزية ، ورضي حاكم البلد بهذا الصلح وفتحوا الأبواب ودخلها المسلمون صباح يوم الجمعة ، فطافوا فيها ساعة ثم خرجوا ، وأقاموا على بوابة البلدة ) .

مالك الأشتر بطل معركة اليرموك

عندما بدأ الروم يحشدون جيوشهم لاسترجاع ما فتحه المسلمون من بلاد الشام كان مالك في العراق ، فحشدوا نحو مئة ألف مقاتل ، وكان عدد المسلمين مقابلهم أقل من ثلاثين ألفاً . ففي تاريخ دمشق : 2 / 143 : ( أن المسلمين كانوا أربعة وعشرين ألفاً وعليهم أبو عبيدة بن الجراح ، والروم عشرون ومائة ألف عليهم ماهان وسقلان يوم اليرموك ) . وفي فتوح ابن الأعثم : 1 / 173 : ( ثم جعل ماهان أميراً على جميع أجناده ، وأمر الوزراء والبطارقة والأساقفة أن لا يقطعوا أمراً دونه ) .
ومن النصوص التي تحدد تاريخ معركة اليرموك ، ما رواه في تاريخ دمشق : 2 / 162 قال : ( ثم بلغ ذلك هرقل فكتب إلى بطارقته أن اجتمعوا لهم وانزلوا بالروم منزلاً واسع العطن واسع المطرد ، ضيق المهرب . . . فنزلوا الواقوصة على ضفة اليرموك ، وصار الوادي خندقاً لهم وهو لهب لا يدرك ، وإنما أراد باهان وأصحابه أن يستفيق الروم . . . ومخرجهم صفر سنة ثلاث عشرة وشهري ربيع لا يقدرون من الروم على شئ ، ولا يخلصون إليهم واللهب وهو الواقوصة من ورائهم ، والخندق من ورائهم ، ولا يخرجون خرجة إلا أديل المسلمون منهم . . . وقد استمدوا أبا بكر وأعلموه الشأن في صفر ، فكتب إلى خالد ليلحق بهم وأمره أن يخلف على العراق المثنى ، فوافاهم في ربيع ) . انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 353 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أقول : وبعد وصول خالد إلى دمشق توفي أبو بكر وتولى الخلافة عمر ، فبادر إلى عزل خالد وتأمير أبي عبيدة مكانه ، وخاف عمر أن يؤثر عزل خالد على سير المعركة ، ولكن الله لطف على المسلمين ببطولة مالك الأشتر ( رحمه الله ) .
وفي تاريخ اليعقوبي : 2 / 141 : ( وجمع أبو عبيدة إليه المسلمين وعسكر باليرموك . . . وجعل أبو عبيدة خالد بن الوليد على مقدمته فواقع المشركين ، ولقي ماهان صاحب الروم . . . وكانت وقعة جليلة الخطب فقتل من الروم مقتلة عظيمة وفتح الله على المسلمين . . . وأوفد أبو عبيدة إلى عمر وفداً فيهم حذيفة بن اليمان وقد كان عمر أرِقَ عدة ليال واشتد تطلعه إلى الخبر ، فلما ورد عليه الخبر خرَّ ساجداً وقال : الحمد لله الذي فتح على أبي عبيدة ، فوالله لو لم يفتح لقال قائل : لو كان خالد بن الوليد ) .
خوف المسلمين وعمر من جيش الروم في اليرموك
نورد خلاصة بعبارة الواقدي وابن الأعثم ، قال الواقدي في : 1 / 163 : ( ثم إن الملك هرقل لما قلد أمر جيوشه ماهان ملك الأرمن ، وأمره بالنهوض إلى قتال المسلمين وركب الملك هرقل وركب الروم وضربوا بوق الرحيل ، وخرج الملك هرقل ليتبع عساكره . . . وسار ماهان في أثر القوم بجيوشه والرجال أمامه ينحتون له الأرض ويزيلون من طريقهم الحجارة ، وكانوا لا يمرون على بلد ولا مدينة إلا أضروا بأهلها ، ويطالبونهم بالعلوفة والإقامات ولا قدرة لهم بذلك فيدعون عليهم ويقولون : لا ردكم الله سالمين . قال وجَبْلَة بن الأيْهم ( رئيس غسان ومن معها ) في مقدمة ماهان ومعه العرب المتنصرة من غسان ولخم وجذام . . . . وجعل الجواسيس يسيرون حتى وصلوا إلى الجابية وحضروا بين يدي الأمير أبي عبيدة وأخبروه بما رأوه من عظم الجيوش والعساكر ، فلما سمع أبو عبيدة ذلك عظم عليه وكبر
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 354 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لديه وقال : لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، وبات قلقاً لم تغمض له عين خوفاً على المسلمين . . . . قال عطية بن عامر : فوالله ما شبهت عساكر اليرموك إلا كالجراد المنتشر إذْ سدَّ بكثرته الوادي ! قال : ونظرت إلى المسلمين قد ظهر منهم القلق وهم لا يفترون عن قول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، وأبو عبيدة يقول : ربنا أفرغ علينا صبراً وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين .
ثم ذكر / 178 رسالة أبي عبيدة إلى عمر فقال عمر : ( ما تشيرون به عليَّ رحمكم الله تعالى ؟ فقال له علي بن أبي طالب : أبشروا رحمكم الله تعالى ، فإن هذه الوقعة يكون فيها آية من آيات الله . . . . قال لعمر : يا أمير المؤمنين أكتب إلى عاملك أبي عبيدة كتاباً وأعلمه فيه أن نصر الله خير له من غوثنا ونجدتنا ) .
وقال ابن الأعثم في : 1 / 179 : ( وبلغ أبا عبيدة بأن ماهان وزير هرقل أقبل في عساكره حتى نزل مدينة حمص في مائة ألف ، فاغتم لذلك . . . قال ثم تكلم قيس بن هبيرة المرادي فقال : أيها الأمير هذا وقت رأيٌ نشير به عليك ، أترانا نرجع إلى بلادنا ومساقط رؤوسنا ، وتترك لهؤلاء الروم حصوناً ودياراً وأموالاً قد أفاءها الله علينا ونزعها من أيديهم فجعلها في أيدينا ، إذن لا ردنا الله إلى أهلنا أبداً إن تركنا هذه العيون المتفجرة والأنهار المطردة والزرع والنبات والكروم والأعناب والذهب والفضة والديباج والحرير ، والحنطة والشعير ! ونرجع إلى أكل الضب ولبوس العباءة ، ونحن نزعم أن قتيلنا في الجنة يصيب نعيماً مقيماً ، وقتيلهم في النار يلقى عذاباً أليما ! أُثبت أيها الأمير وشجع أصحابك وتوكل على الله ، وثق به ولا تيأس من النصر والظفر . قال فقال أبو عبيدة : أحسنت يا قيس ، ما الرأي إلا ما رأيت ، وأنا زعيم لك ، ولا أبرح هذه الأرض حتى يأذن الله لي ) . انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 355 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أقول : يدل هذا النص على أن خوف بعض المسلمين من الروم قد بلغ مداه ! وأن المعادلة الدنيوية كانت غالبة عليهم ، لكن بعضهم غلبت عليه الطمأنينة والمعادلة الدينية ، كما رأيت في اطمئنان علي ( عليه السلام ) بالوعد النبوي بهزيمة الروم .
وقال الواقدي عن نجدة مالك وخالد إلى اليرموك قال : 2 / 192 : ( فلما وصلوا إلى عين التمر استعجل للنصرة ، فترك الجيش وسار في سبعين فارساً ، وأتت بقية السبعمائة بعد ذلك ، وكان معه قيس بن عبد يغوث وقيس بن أبي حازم وسعيد بن نزار ومالك الأشتر النخعي ، فتقدم هاشم وقيس معه في السبعين ) .
* *
وقال الواقدي : 1 / 224 يصف المعركة ونصيحة البطاركة لبطلهم ماهان : ( أيها الملك لا تخرج إلى الحرب حتى نخرج نحن إلى القتال قبلك ، فإذا قُتلنا فافعل بعدنا ما شئت . قال : فحلف ماهان بالكنائس الأربع لا يبرز أحد قبله ! قال فلما حلف أمسكوا عنه وعن مراجعته ، ثم إنه دعا بابن له فدفع إليه الصليب وقال : قف مكاني ! وقُدِّم لماهان عُدَّة فأفرغت عليه ، قال الواقدي : وبلغنا أن عدته التي خرج بها إلى الحرب تقومت بستين ألف دينار ، لأن جميعها كان مرصعاً بالجوهر ، فلما عزم على الخروج تقدم له راهب من الرهبان فقال : أيها الملك ما أرى لك إلى البراز سبيلاً ولا أحبه لك . قال : ولم ذلك ؟ قال : لأني رأيت لك رؤيا فارجع ودع غيرك يبرز . فقال ماهان : لست أفعل والقتل أحب إليَّ من العار ! قال فبخروه وودعوه . وخرج ماهان إلى القتال وهو كأنه جبل ذهب يبرق ، وأقبل حتى وقف بين الصفين ودعا إلى البراز وخوَّف باسمه فكان أول من عرفه خالد بن الوليد فقال : هذا ماهان ، هذا صاحب القوم قد خرج ! ووالله ما عندهم شئ من الخير ! قال وماهان يُرَعِّب باسمه ، فخرج إليه غلام من الأوس وقال :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 356 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والله أنا مشتاق إلى الجنة وحمل ماهان وبيده عمود من ذهب كان تحت فخذه فضرب به الغلام فقتله وعجل الله بروحه إلى الجنة ! قال أبو هريرة : فنظرت إلى الغلام عندما سقط وهو يشير بإصبعه نحو السماء ولم يهله ما لحقه ، فعلمت أن ذلك لفرحه بما عاين من الحور العين . قال : فجال ماهان على مصرعه وقويَ قلبه ودعا إلى البراز فسارع المسلمون إليه فكل يقول اللهم اجعل قتله على يدي ( ! ) وكان أول من برز مالك النخعي الأشتر وساواه في الميدان فابتدر مالك ماهان بالكلام وقال له : أيها العلج لا تغتر بمن قتلته وإنما اشتاق صاحبنا إلى لقاء ربه ، وما منا إلا من هو مشتاق إلى الجنة ، فإن أردت مجاورتنا في جنات النعيم فانطق بكلمة الشهادة أو أداء الجزية وإلا فأنت هالك لا محالة ! فقال له ماهان : أنت صاحب خالد بن الوليد ؟ قال : لا أنا مالك النخعي صاحب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ! فقال ماهان : لا بد لي من الحرب ثم حمل على مالك وكان من أهل الشجاعة فاجتهدا في القتال ، فأخرج ماهان عموده وضرب به مالكاً على البيضة التي على رأسه فغاصت في جبهة مالك فشَتَرتْ عينه فمن ذلك اليوم سمي بالأشتر ، قال : فلما رأى مالك ما نزل به من ضربة ماهان عزم على الرجوع ، ثم فكر فيما عزم عليه فدبَّرَ نفسه وعلم أن الله ناصره ، قال والدم فائرٌ من جبهته وعدو الله يظن أنه قتل مالكاً ، وهو ينظره متى يقع عن ظهر فرسه ! وإذا بمالك قد حمل وأخذته أصوات المسلمين يا مالك إستعن بالله يعنك على قرينك ، قال مالك : فاستعنت بالله عليه وصليت على رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وضربته ضربة عظيمة فقطع سيفي فيه قطعاً غير موهن فعلمت أن الأجل حصين ، فلما أحس ماهان بالضربة ولَّى ودخل في عسكره ! قال الواقدي : ولما ولى ماهان بين يدي مالك الأشتر منهزماً صاح خالد بالمسلمين : يا أهل النصر والبأس احملوا على القوم ما داموا في دهشتهم ، ثم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 357 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
حمل خالد ومن معه من جيشه ، وحمل كل الأمراء بمن معهم ، وتبعهم المسلمون بالتهليل والتكبير فصبرت لهم الروم بعض الصبر ، حتى إذا غابت الشمس وأظلم الأفق انكشف الروم منهزمين بين أيديهم ، وتبعهم المسلمون يأسرون ويقتلون كيف شاءوا ) . انتهى .
أقول : يفهم من الرواية أن مالكاً ضرب قائدهم ماهان ففرَّ جريحاً ، فذهل الروم وتغيرت كفة المعركة لصالح المسلمين ! لكن المرجح أنه قتله فبرز إليه آخران فقتلهما ، ثم ثمانية من قادة جيش الروم ، أو بطاركتهم كما يسمونهم !
فقد روى الكلاعي في الاكتفاء : 3 / 273 ، واصفاً الأشتر : ( كان من جلداء الرجال وأشدائهم ، وأهل القوة والنجدة منهم ، وأنه قتل يوم اليرموك قبل أن ينهزموا أحد عشر رجلاً من بطارقتهم ، وقتل منهم ثلاثة مبارزة ) ! انتهى .
بل تشير رواية الطبري : 3 / 74 ، التالية إلى أن ماهان قُتل من ضربة الأشتر : ( عن عبد الله بن الزبير قال : كنت مع أبي الزبير عام اليرموك فلما تعبأ المسلمون . . . . . فهزمت الروم وجموع هرقل التي جمع فأصيب من الروم أهل أرمينية والمستعربة سبعون ألفاً وقتل الله الصقلار وباهان ، وقد كان هرقل قدمه مع الصقلار ) . انتهى .
وستعرف أن رواة السلطة يحرصون على طمس بطولات من لا يحبونهم أو سلبها منهم ونسبتها إلى أتباع السلطة ، وهذا هو السبب في نسبتهم قتل ماهان إلى مجهول ! أو قولهم إنه اختلف في الذي قتله ! وكذلك طمسهم مبارزات الأشتر الأخرى ، وأسماء قادة الروم الأحد عشر الذين قتلهم ( رحمه الله ) .

جهاد مالك الأشتر بعد اليرموك !

وصف ابن العديم في تاريخ حلب : 1 / 569 ، توغل الأشتر بعد اليرموك في أرض الروم فقال : ( وحدثني الحسن بن عبد الله أن الأشتر قال لأبي عبيد