جواهر التاريخ (4) - سيرة الإمام زين العابدين (ع) ومواجهته لخطط التحريف الأموي - طبعة قديمة

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 1 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
جواهر التاريخ
بقلم
علي الكوراني العاملي
المجلد الرابع
سيرة الإمام زين العابدين « عليه السلام » ومواجهته لخطط التحريف الأموي
الناشر دار الهدى
الطبعة الأولى - 1427
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 2 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الكتاب : جواهر التاريخ - المجلد الرابع
المؤلف : علي الكوراني العاملي
الناشر : دار الهدى
الطبعة : الأولى - 1427
المطبعة : ظهور
العدد : 3000 نسخة
ISBN : 964 - 497 - 025 - x
ISBN : 964 - 497 - 135 - 3
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 3 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، وأفضلُ الصلاة وأتمُّ السلام
على سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين .
يبحث هذا المجلد في سيرة الإمام زين العابدين « عليه السلام » وعصره ، حيث واصلت الدولة المروانية تنفيذ خطط أبي سفيان ومعاوية في تحريف الإسلام ، وثار الشيعة في العراق مطالبين بدم الإمام الحسين « عليه السلام » ، بعد ثورة أهل المدينة ، وابن الزبير ، على بني أمية .
وهي فترة خطيرة من تاريخنا الإسلامي ، مهَّدت لنشوء المذاهب والاتجاهات المواجهة لأهل البيت النبوي « عليهم السلام » وأعطت ( الشرعية ) للتحريفات والإسرائيليات ، وأدخلتها في مصادر ثقافة الأمة ومذاهبها .
وقد نهض الإمام زين العابدين « عليه السلام » في مواجهة ذلك ، فردَّ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 4 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
التحريفات ، وكَشَفَ الإسرائيليات ، واتصلت جهوده بجهود أئمة أهل البيت « عليهم السلام » في حفظ الإسلام والأمة ، فلولاها لما وجدتَ اليوم في مصادر المسلمين إلا التحريف القرشي والأموي والعباسي !
ونذكِّر القارئ المحترم بأن مصادر البحث هي كتب برنامج ( مكتبة أهل البيت « عليه السلام » ) الذي توفقنا لإعداده ، ومصادر أخرى ذكرناها في محالها ، وذكرنا أحياناً المجلد والصفحة لأكثر من طبعة . والله ولي التوفيق والمثوبة .
كتبه : علي الكَوْراني العاملي
قم المشرفة ، منتصف رجب الخير 1427
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 5 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الأول : معالم شخصية الإمام زين العابدين « عليه السلام »

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 6 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 7 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

1 - خطأ التَّصَوُّر السائد عن عمل الإمام « عليه السلام »

كتبتُ في المجلد الثالث نحو عشرين صفحة عن الإمام زين العابدين « عليه السلام » ، ثم لمست الحاجة إلى التفصيل في سيرته المباركة « عليه السلام » لغنى دوره التأسيسي في الإمامة ، وفي أحداث عصره وما بعده .
وأول ما تلاحظه وأنت تقرأ الإمام « عليه السلام » عدم صحة التصور السائد عنه بأنه لم يستطع عمل الكثير ، فاتَّجَهَ إلى ترسيخ الدين والأخلاق عن طريق الدعاء والعبادة فقط ! فقد كانت العقيدة والعبادة أول ما جسده « عليه السلام » بأسلوبه الجديد الفياض ، لكنه قدم معهما الكثير في أبعاد الحياة الأخرى .
كما تجد أن من الخطأ تصور أن حياته « عليه السلام » كانت طوال عمره مهددة ، فقد انحصر الخطر على حياته « عليه السلام » بعد كربلاء بفترتين قصيرتين : في وقعة الحَرَّة ، وفي فترة تسلط ابن الزبير على المدينة ، ثم ارتفع الخطر عنه في خلافة عبد الملك بن مروان ، وكانت مدةً طويلة ، أرسى فيها عبد الملك دولة المراونيين ، وبَلْوَرَ فيها الإمام « عليه السلام » قوة أهل البيت « عليهم السلام » ووقف في وجه التحريف الأموي للإسلام ، وقدم الإسلام الأصيل للأمة ، مقابل الإسلام الأموي المشوه !
وقد تأثر بشعاع الإمام « عليه السلام » فئات واسعة من الأمة ، ثارت على الأمويين باسم زعمائها ، أو باسم أهل البيت الطاهرين « عليهم السلام » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 8 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

2 - سماهُ رَبُّهُ : زين العابدين وسيد العابدين !

قال أهل البيت « عليهم السلام » إن الذي سماه ( زين العابدين ) جده رسول الله « صلى الله عليه وآله » ، حيث أخبر أنه سيولد للحسين ولدٌ يسميه علياً ، ينادى يوم القيامة بزين العابدين فقد كان الزهري : ( إذا حدث عن علي بن الحسين قال : حدثني زين العابدين علي بن الحسين ، فقال له سفيان بن عيينة : ولمَ تقول له زين العابدين ؟ قال : لأني سمعت سعيد بن المسيب يحدث عن ابن عباس أن رسول الله « صلى الله عليه وآله » قال : إذا كان يوم القيامة ينادي مناد أين زين العابدين فكأني أنظر إلى ولدي علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب يخطرُ بين الصفوف ) . ( علل الشرائع : 1 / 229 ) .
لكن رواة بني أمية غَصُّوا بهذا الحديث وإعجازه النبوي ! فتجاهلوه وقالوا : ( سمي زين العابدين لفرط عبادته ) . ( تهذيب التهذيب : 7 / 306 ) . وحرَّفه بعضهم وقالوا : إن الشيطان ظهر لعلي بن الحسين وأراد أن يلهيه عن صلاته فلم يستجب له ولعنه فسماه زين العابدين ، أو سمع الناس هاتفاً سماه به ! وقد تسرب ذلك إلى مصادرنا ، ونقله علماؤنا عنهم بعبارة ( قيل ) . ( كشف الغمة : 2 / 260 ، والبحار : 46 / 5 ) .
إنه واحدٌ من أساليبهم العديدة في التنقيص من مكانة أهل البيت « عليهم السلام » حيث أعرضوا عن الحديث النبوي وجَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ عن شهادة النبي « صلى الله عليه وآله » مع أن هذا السند عندهم أصح أو من أصح الأسانيد على الإطلاق !
قال ابن الصلاح / 18 : ( وروينا عن أبي بكر بن أبي شيبة قال : أصح الأسانيد كلها : الزهري ، عن علي بن الحسين ، عن أبيه ، عن علي ) . وسير الذهبي : 4 / 391 ، وسلسلة الذهب لابن حجر / 9 ، وغيرها .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 9 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

3 - كنيته وألقابه وصفاته البدنية « عليه السلام »

( كنيته أبو محمد ، ويكنى بأبي الحسن أيضاً ، وبأبي القاسم . ولقبه : سيد العابدين ، وزين العابدين ، والسجاد ، وذو الثفنات ) . ( إعلام الورى : 1 / 480 ) .
( أشهرها : زين العابدين ، وسيد العابدين ، والزكي ، والأمين ، وذو الثفنات . . . قال أبو نعيم : وقيل علي يكنَّى أبا الحسن ، كنَّاه محمد بن إسحاق بن الحارث . وفي كتاب مواليد أهل البيت لابن الخشاب : كنيته أبو محمد ، وأبو الحسن ، وأبو بكر ، ولقبه الزكي ، وزين العابدين ، وذو الثفنات ، والأمين ) . ( البحار : 46 / 5 ) .
( زين العابدين ، سيد الساجدين ، سيد العابدين ، ذو الثفنات ) ( تثبيت الإمامة للبرسي / 69 ) .
( زين العابدين ، سيد الساجدين ، السجاد ، ذو الثفنات ، الزكي ، الأمين ، الخاشع ، الزاهد ، البكَّاء ، أبو الأئمة . كُنَاه : أبو الحسن ، أبو محمد ، أبو القاسم ، أبو بكر ) . ( مجلة تراثنا : 58 / 210 ) .
ومعنى ذي الثفنات : أن السجود قد أثر في جبهته « عليه السلام » فصارت خشنةً ، فشبهوها بثفنة البعير ، وهي بفتح الثاء وكسر الفاء : ما يقع على الأرض من صدر البعير . ( لسان العرب : 13 / 78 ) ، وكان « عليه السلام » يقطع كل سنة من جبهته خمس ثفنات . ( المناقب : 3 / 304 ) .
وسمي السَّجَّاد لأنه : ( ما ذكر لله نعمة عليه إلا سَجَدَ ، ولا قرأ آية من كتاب الله فيها سجدة إلا سجد ، ولا دفع الله عنه شراً يخشاه أو كيد كائد إلا سجد ، ولا فرغ من صلاته مفروضة إلا سجد ، ولا وفق لإصلاح بين اثنين إلا سجد ، وكان كثير السجود في جميع مواضع سجوده فَسُمِّيَ السَّجَّاد لذلك ) ( المناقب : 3 / 304 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 10 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وورد في زيارته « عليه السلام » : ( السلام على النور الساطع ، والبرق اللامع ، والعالم البارع ، سليل النبوة ، وفطيم الوصية ، خدن التأويل ، والزناد الأقدح ، والفناء الأفيح ، والمتجر الأربح ، برج البروج ، ذي الثفنات ، راهب العرب ، السجاد ، زين العابدين البكاء ، علي بن الحسين ) . ( مزار محمد بن المشهدي / 105 ) .
وقال العصامي في سمط النجوم : / 1377 : ( كنيته أبو الحسن ، وقيل أبو محمد ، وقيل أبو بكر . ألقابه : زين العابدين ، والزكي ، والأمين ، وذو الثفنات ، وزين العابدين أشهرها . صفته : أسمر قصير رقيق ) . والفصول المهمة لابن الصباغ المالكي / 189 .
أقول : وصفهم للإمام « عليه السلام » بأنه قصير رقيق الجسم ، من تنقيصهم لشخصيته ، ففي دلائل الإمامة لمحمد بن جرير الطبري ( الشيعي ) / 199 : ( عن الأعمش ، عن قدامة بن عاصم قال : كان علي بن الحسين « صلى الله عليه وآله » رجلاً أسمر ضخماً من الرجال ، وكان ينظر إلى صريمة فيها ظباء ( قطيع ) فيسبق أوائلها ، ويردُّها على أواخرها ) . وإثبات الهداة : 5 / 255 ، ومدينة المعاجز : 4 / 257 . فقوله ضخم من الرجال ، وأسرع من الغزلان ، يدلان على قوة بنية جسمه ، وهذا ينافي وصفه برقة الجسم والقصر . وكذا أشك في قولهم أسمر ، إلا أن يقصدوا أنه حنطي اللون فمن أين جاءته السمرة وأبواه وأجداده « عليهم السلام » بيضٌ مشربون بحمرة .
ويؤيد ذلك ما رووه في قصيدة الفرزدق « رحمه الله » ، كما في طبقات السبكي : 1 / 290 : ( إذ أقبل علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم ، وكان من أحسن الناس وجهاً ) . وقال ابن كثير في النهاية : 9 / 126 : ( تنحى عنه الناس إجلالاً له وهيبةً واحتراماً وهو في بزة حسنة وشكل مليح ) . وفي تاريخ دمشق : 41 / 401 ، وغيره : ( فقال : من هذا الشاب الذي تَبْرُقُ أسِرَّةُ وجهه كأنه مرآةٌ ) .
وفي موسوعة شهادة المعصومين « عليهم السلام » : 3 / 39 : ( قال عبد الله بن المبارك : حججت
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 11 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
في بعض السنين ، فبينما أنا أسير في عرض الحاج إذا أنا بشاب وسيم الوجه ، يسير ناحية عن الحاج ، بلا زاد ولا راحلة ، فتقدمت إليه وسلمت عليه . . . ) .
وفي الكافي : 6 / 63 : ( كنت في المسجد فدخل علي بن الحسين ولم أثبته ، وعليه عمامة سوداء قد أرسل طرفيها بين كتفيه ، فقلت لرجل قريب المجلس مني : من هذا الشيخ . . . لم أر أحداً دخل المسجد أحسن هيئة في عيني من هذا الشيخ . . قال : فإنه علي بن الحسين « عليه السلام » ) . انتهى .
وقد وردت له ألقاب أخرى « عليه السلام » مثل : راهب العرب ، وابن الخيرتين ، وسيد الساجدين ، وهذا اللقب الأخير أثار أعصابهم ، لأن فيه كلمة ( سيد ) وعندهم حساسية منها ، لأنها تدل على تفضيل أهل البيت « عليهم السلام » على الصحابة !
حسد المخالفين للقب سيد العابدين وسيد الساجدين !
قال ابن حجر في الصواعق : 2 / 586 : ( وكفاه شرفاً أن ابن المديني روى عن جابر أنه قال له وهو صغير : رسول الله يسلم عليك ! فقيل له : وكيف ذاك ؟ قال : كنت جالساً عنده والحسين في حجره وهو يداعبه فقال : يا جابر يولد له مولود اسمه علي ، إذا كان يوم القيامة نادى مناد ليقم سيد العابدين ، فيقوم ولده ، ثم يولد له ولد اسمه محمد فإن أدركته يا جابر فأقرئه مني السلام ) . انتهى .
وروى هذا الحديث الناصبي ابن كثير في النهاية : 9 / 124 ، واستغربه ، لكنه لم يضعفه لما ستعرف ! قال : ( وقال أبو بكر بن محمد بن يحيى الصولي : ثنا العلاء ثنا إبراهيم بن بشار ، عن سفيان بن عيينة ، عن أبي الزبير قال : كنا عند جابر بن عبد الله فدخل عليه علي بن الحسين فقال : كنت عند رسول الله ( ص ) فدخل عليه الحسين بن علي فضمه إليه وقبله وأقعده إلى جنبه ، ثم قال : يولد لابني هذا ابنٌ يقال له عليٌّ ، إذا كان يوم القيامة نادى مناد من بطنان العرش : ليقم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 12 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
سيد العابدين فيقوم هو ! هذا حديث غريب جداً ، أورده ابن عساكر ) .
ورواه ابن الصباغ في الفصول المهمة : 2 / 894 ، وفيه : ( وإن لاقيته فاعلم أن بقاءك بعد رؤيته يسير . فلم يعش جابر بعد ذلك إلا قليلاً ) .
ورووا أن الزهري وابن المسيب كانا يسميان الإمام « عليه السلام » سيد العابدين ، وهو يدل على أن الحديث النبوي كان معروفاً للتابعين .
قال ابن الصباغ في الفصول المهمة : 2 / 862 : ( وجلس إلى سعيد بن المسيب فتى من قريش فطلع علي بن الحسين فقال القرشي لابن المسيب : من هذا يا أبا محمد ؟ فقال هذا سيد العابدين علي بن الحسين ) ! وشرح الأخبار : 3 / 273 .
وفي تاريخ دمشق : 41 / 404 ، عن الزهري قال : ( سمعت علي بن الحسين سيد العابدين يحتسب نفسه ويناجي ربه ويقول : يا نفس حتامَ إلى الدنيا غرورك . . ) .
وقال ابن حبان في الثقات : 5 / 160 : ( وكان يقال بالمدينة إن علي بن الحسين سيد العابدين في ذلك الزمان ) ! انتهى .
أما عندنا فقد صحت روايته واستفاضت ، ففي الكافي : 1 / 528 ، في حديث اللوح القدسي الذي جاء به جبرئيل « عليه السلام » : ( فهو أفضل من استشهد وأرفع الشهداء درجة ، جعلت كلمتي التامة معه وحجتي البالغة عنده ، بعترته أثيب وأعاقب ، أولهم علي سيد العابدين وزين أوليائي الماضين ) . والفضائل لابن شاذان / 113 ) .
كما وصفه بذلك الإمام الرضا « عليه السلام » في حديث سلسلة الذهب المشهور ، الذي حدث به العلماء والحفاظ في نيشابور ، قال « عليه السلام » : ( حدثني أبي العدل الصالح موسى بن جعفر قال موسى حدثني أبي الصادق جعفر بن محمد حدثني أبي أبو جعفر باقر العلم ، علم الأنبياء قال أبو جعفر حدثني أبي علي بن الحسين سيد العابدين حدثني أبي سيد أهل الجنة الحسين حدثني أبي سيد العرب علي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 13 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بن أبي طالب رضوان الله عليهم قال سألت رسول الله « صلى الله عليه وآله » ما الإيمان قال . . ) . ( ذكر إصبهان : 1 / 138 ، وقال : وقال أبو علي قال لي أحمد بن حنبل : إن قرأت هذا الإسناد على مجنون برئ من جنونه . وما عيب هذا الحديث إلا جودة إسناده ) . راجع قصة الحديث وعظمة سنده ، واستشفاء بعضهم به ، نفحات الأزهار للسيد الميلاني : 10 / 68 .
لكن مع كل ذلك ، وجد أتباع الخلافة هذا الحديث مذنباً ، لأنه يفضل أحد أئمة أهل البيت « عليهم السلام » على الصحابة ، فصار واجبهم مهاجمته !
فمن طرق الهجوم عندهم أنهم تعمدوا التدليس ، فأخذوا طريقاً للحديث فيه راو ضعيف عندهم فهاجموه بسببه ، وأخفوا بقية الطرق كأنها لا وجود لها !
قال الذهبي في ميزان الإعتدال : 3 / 550 ، وابن حجر في لسان الميزان : 5 / 168 : ( محمد بن زكريا الغلابي البصري الأخباري أبو جعفر ، عن عبد الله بن رجاء الغداني وأبي الوليد والطبقة . وعنه أبو القاسم الطبراني وطائفة . وهو ضعيف وقد ذكره ابن حبان في كتاب الثقات وقال : يعتبر بحديثه إذا روى عن ثقة . وقال ابن مندة : تكلم فيه . وقال الدارقطني : يضع الحديث .
الصولي ، حدثنا الغلابي ، حدثنا إبراهيم بن بشار عن سفيان عن أبي الزبير قال : كنا عند جابر فدخل علي بن الحسين فقال جابر : دخل الحسين فضمه النبي . . الحديث ، ثم قال الذهبي : فهذا كذب من الغلابي ) ! انتهى .
هكذا شهد الذهبي رجماً بالغيب أن محمد بن زكريا الغلابي وضعه ، لأن الدارقطني اتهمه بالوضع ، مع أن ابن معين وهو إمام عندهم ، وثقه !
قال المناوي في فيض القدير : 1 / 654 : ( أورده الذهبي في الضعفاء أيضاً وقال : وثقه ابن معين ، وقال أحمد ليس بقوي ، والنسائي والطبراني والدارقطني : ضعيف ، وأبو الجوزاء : قال البخاري فيه نظر ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 14 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال ابن الجوزي في الموضوعات : 2 / 44 : ( هذا حديث موضوع بلا شك ، والمتهم به الغلابي . قال الدارقطني : كان يضع الحديث ) .
أقول : إنما ضعفوه واتهموه بالوضع ، لأنه من وجوه علماء الشيعة في البصرة ( معالم العلماء / 152 ، ومعجم رجال الحديث للسيد الخوئي : 17 / 94 ) ، وطبيعي أن تكون بعض أحاديثه ثقيلة عليهم كهذا الحديث ! لكنهم اتقائيون في التضعيف والتصحيح ، فلو أرادوا تصحيح حديث الغلابي لاحتجَّوا بتوثيق إمامهم ابن معين وغيره له .
على أن الذهبي ارتكب ما هو أسوأ فدلَّس وصوَّر كأن الحديث محصور بطريق الغلابي ، وتبعه غيره ! وهنا تعرف لماذا لم يجرؤ ابن كثير على تضعيفه فقد رواه عن ابن عساكر بطريق آخر ليس فيه الغلابي ! وطريقه هو : ( الصولي : ثنا العلاء ، ثنا إبراهيم بن بشار ، عن سفيان بن عيينة ، عن أبي الزبير ) . والعلاء هذا هو العلاء بن عبد الله بن الضحاك ، أو محمد بن العلاء السجزي ، اللذين يروي عنهما الصولي . ( بدائع البداية لابن ظافر / 26 ، وديوان المعاني لأبي هلال العسكري / 434 ) .
ولهم محاولة أخرى لتخريب الحديث وتسمية النبي « صلى الله عليه وآله » حفيده « عليه السلام » بسيد الساجدين : أنهم وجدوا صوفياً فارسياً يتمنى أن يعيش في سرداب ، عاش بعد الإمام سيد العابدين « عليه السلام » بنصف قرن وأكثر ، فزعموا أن رابعة العدوية الصوفية سمته ( سيد العابدين ) ! ففرحوا بذلك وشكروا لله تعالى ، ورووه في مدحه ! قال كبير حفاظهم أبو نعيم في حلية الأولياء : 6 / 245 : ( قيل لعبد العزيز الراسبي وكانت رابعة تسميه سيد العابدين : ما بقي مما تلذ به ؟ قال : سرداب أخلو به فيه ) . ومثله تماماً الذهبي في تاريخه : 11 / 247 ، وكرره في : 15 / 268 ، وصفة الصفوة : 3 / 379 ، والمنتظم : 8 / 126 ، وتاريخ دمشق : 36 / 334 ، والزهد للبيهقي / 102 , والنجوم الزاهرة : 2 / 15 ، وغيرها . . !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 15 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولهم محاولة ثالثة لتخريب الحديث ، بطلها السخاوي ! قال في التحفة اللطيفة : 2 / 276 : ( من أفاضل بني هاشم وفقهاء أهل المدينة وعبادهم ، بل كان يقال بالمدينة إنه في ذلك الزمان سيد العابدين ) . انتهى .
فقد تبرع بحصر اللقب في ذلك العصر لئلا يشمل ما قبله وما بعده . مع أن الحديث النبوي نص على أنه لقب تكريم من الله تعالى ، ونداء للإمام علي بن الحسين « عليه السلام » يوم القيامة ، وكأن السخاوي رأى أن هذا التكريم كثير فقلل منه !
ولهم محاولة رابعة لتخريب الحديث ، بطلها ابن تيمية !
فقد أفرط كعادته وكذَّب أصل وجود الحديث النبوي ! قال في منهاجه : 4 / 50 : رداً على قول العلامة الحلي « قدس سره » : ( وسماه رسول الله « صلى الله عليه وآله » سيد العابدين ) ، فقال : ( ما ذكر من تسمية رسول الله ( ص ) له سيد العابدين ، هو شئ لا أصل له ، ولم يروه أحد من أهل العلم والدين ) !
ورد عليه آية الله الميلاني في شرح منهاج الكرامة : 1 / 147 ، فقال : ( وأما تسمية الرسول « صلى الله عليه وآله » إياه سيد العابدين فذاك مروي عن رسول الله « صلى الله عليه وآله » في كتب الفريقين ، وممن رواه من العامة الحافظ سبط ابن الجوزي عن المدائني عن جابر بن عبد الله وذكر الحديث ثم قال : وقال ابن حجر المكي بترجمة ولده الإمام الباقر عليه السلام : وكفاه شرفاً الخ . ورواه أبو عمر الزاهد في كتابه اليواقيت عن الزهري ولقد جاء وصفه « عليه السلام » بسيد العابدين أو زين العابدين في سائر الكتب المذكورة فيها أحواله وترجمته مثل : وفيات الأعيان : 2 / 429 ، حلية الأولياء : 3 / 133 ، طبقات ابن سعد : 5 / 156 ، تذكرة الحفاظ : 1 / 74 ، تهذيب التهذيب : 7 / 304 ، طبقات الحفاظ : 1 / 37 ، طبقات القراء : 1 / 534 . فهل يكفي هذا القدر لبيان كذب الرجل ) ! انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 16 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولهم محاولات دون ذلك كما فعل الشاطبي ! فوصف أويس القرني « رحمه الله » بأنه سيد العابدين بعد الصحابة ! قال في الإعتصام : 1 / 30 : ( نُقل عن سيد العابدين بعد الصحابة أويس القرني أنه قال : إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لم يدعا للمؤمن صديقاً ، نأمرهم بالمعروف فيشتمون أعراضنا ! ويجدون على ذلك أعواناً من الفاسقين ) ! انتهى .
فقد وصف الشاطبي أويس القرني « رحمه الله » بأنه سيد العابدين بعد الصحابة ، لكن فاته أن هؤلاء الحكام وأعوانهم الفسقة الذين كان يشكو منهم أويس ، ولا يتحملون النهي عن المنكر ؟ ! إنما هم نفس الصحابة الذين قال إن أويساً سيد العابدين بعدهم !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 17 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

4 - ابن سيد العرب وسيدة الفرس

وجهٌ نَوْرَانِيٌّ هادئْ ، يحمل سماتٍ من نور الله ، وملامح ضاربةٌ في العراقة من أبيه الحسين إلى جده إبراهيم « عليهم السلام » ، ومن أمه شهزنان بنت يزدجرد إلى أعلى أعراق الفرس ، فقد اتفق المحدثون والنسابون على أن أم الإمام « عليه السلام » من ذرية كسرى قال في الكافي : 1 / 467 : ( وكان يقال لعلي بن الحسين « صلى الله عليه وآله » : ابنُ الخِيرتَيْن ، فخِيرة الله من العرب هاشم ، ومن العجم فارس . وروي أن أبا الأسود الدؤلي قال فيه :
وإن وليداً بين كسرى وهاشمٍ لأكرمُ من نِيطَتْ عليه التمائمُ ) .
( الكافي : 1 / 467 ، ومناقب آل أبي طالب : 3 / 304 ، ونسبه في الأغاني : 2 / 256 إلى ابن ميادة ) .
وفي إعلام الورى : 1 / 480 : ( اسم أمه شاه زنان وقيل شهربانويه ، وكان أمير المؤمنين « عليه السلام » ولَّى حريث بن جابر الحنفي جانباً من المشرق فبعث إليه ببنتي يزدجرد بن شهريار ، فنحل ابنه الحسين « عليه السلام » إحداهما فأولدها زين العابدين « عليه السلام » ونحل الأخرى محمد بن أبي بكر فولدت له القاسم بن محمد بن أبي بكر ، فهما ابنا خالة ) . انتهى . وقد ذكر خؤولته من عائلة كسرى كل من أرخ له « عليه السلام » من السنة والشيعة ! ورووا أن النبي « صلى الله عليه وآله » رغَّب بني هاشم في هذه العراقة العالية فقال : ( يا بني هاشم عليكم بنساء الأعاجم فالتمسوا أولادهن ، فإن في أرحامهن البركة ) . ( مغني ابن قدامة : 7 / 468 ، والكافي : 5 / 474 ) .
لكن يواجهك مرض الرواة في التنقيص من أهل البيت « عليهم السلام » ! مرةً بالتشكيك في أصل ذلك ، ومرة بإثباته وجعله نقصاً !
فقد كانت الخؤولة الفارسية عندهم فخراً في زمن تأسيس الفرس للمذاهب
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 18 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وتأليفهم مصادرها بأمر المنصور العباسي ومَن بعده ! فقد كان مؤسسوها من الفُرْس ، وقد وضعوا أحاديث في مدح قومهم ! وبعضهم ( مَدَح ) الإمام زين العابدين « عليه السلام » بانتسابه من جهة أمه إلى ملوك الفرس ، لكن بعضهم حسده وأنكر أن يكون الإمام « عليه السلام » ابن بنت ملكهم وسيدهم !
أما في عصرنا فصار هذا الانتساب نقصاً لأن النواصب قاموا بحملة ضد مذهب أهل البيت « عليهم السلام » ، وزعموا أن الفرس المجوس هم الذين أسسوا التشيع وادعوا وراثتهم للنبي « صلى الله عليه وآله » عن طريق بنت كسرى أم الإمام زين العابدين « عليه السلام » ! فصار هذا الانتساب طعناً في التشيع وأئمته « عليهم السلام » ، ونصرةً للتسنن والعروبة !
أما عند الغربيين ومقلديهم من الحداثويين مثل علي شريعتي ، فصار انتساب الإمام « عليه السلام » بأمه إلى ملوك الفرس ، أسطورة أراد الفرس أن يخلطوا فيها الدم والنسب بالدين ! وبنى عليها المستشرقون وأتباعهم النواصب ، نظريات ملفقة للطعن في الصفويين والتشيع والإسلام !
ونعم ما قاله ابن عنبة في عمدة الطالب / 192 : ( وقد أغنى الله تعالى علي بن الحسين « عليه السلام » بما حصل له من ولادة رسول الله « صلى الله عليه وآله » ، عن ولادة يزدجرد ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 19 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

5 - شاعر الله !

أبرز ما يُعرف به الإمام زين العابدين « عليه السلام » : تَأَلُّهُهُ وتَعَبُّدُهُ وحُبُّهُ لله تعالى ، حتى سميَ : ( شاعر الله ) وسميت صحيفة أدعيته : ( زبور آل محمد « صلى الله عليه وآله » ) ، مقابل : ( زبور آل داود « عليه السلام » ) الذي أنزله الله عليه ، وكان فيه مناجاة وأدعية !
فالإمام « عليه السلام » متألهٌ . . كل حبه لربه ، وكل فكره وذكره وخشوعه ودموعه ، في يومه وليله ، وحله وترحاله . . وهو مع ربه عز وجل في غاية الأدب ، ينتقي في تصرفاته الحركة والسكون ، لأنه يعيش في محضر ربه عز وجل .
وهو شاعر الله . . لربه كل مدائحه وقصائده ، فهو ينتقي للحديث عنه أحسن الكلام . أما حديثه معه فيخصه بأبلغ المعاني وأعلى الكلام !
إلى الآن لم أرَ دراسةً في تألُّه الإمام « عليه السلام » وغيره من المعصومين « عليهم السلام » ، تكشف أبعاد حضور الله تعالى في فكرهم وشعورهم وعملهم ، ونوع جديتهم وصدقهم وعمقهم في تعاملهم مع ربهم عز وجل . ومن أغنى المواد لهذه الدراسة أدعية الإمام زين العابدين « عليه السلام » ، بشفافيتها الخاصة ونسيمها السماوي !
وقد أفاض الرواة السنة والشيعة في وصف ميزات شخصيته وروحيته « عليه السلام » . منها خشوعه في صلاته وأنه : ( كان إذا توضأ للصلاة اصفرَّ لونه فيقول له أهله : ما هذا الذي يغشاك ؟ فيقول : أتدرون من أتأهب للقيام بين يديه ) . ( الإرشاد / 255 ، والمناقب : 3 / 289 ، وتهذيب الكمال : 20 / 382 ، وسير الذهبي : 4 / 386 ، وغالب من ترجم له « عليه السلام » .
وفي نهاية ابن كثير : 9 / 123 : ( إذا قام إلى الصلاة ارتعد من الفَرق ، فقيل له في ذلك فقال : ألا تدرون بين يدي مَنْ أقوم ولمن أناجي ؟ ! ) .
وفي الكافي : 3 / 300 ، أنه إذا شرع فيها : ( قام كأنه ساق شجرة ، لا يتحرك منه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 20 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
شئ إلا ما حركته الريح منه ) .
ورروا له قصصاً وهو يصلي ، منها أنه وقع حريق في بيته وهو ساجد ، فجعلوا يقولون له : يا ابن رسول الله النار ! يا ابن رسول الله النار ! فما رفع رأسه ! ( فقيل له : ما الذي ألهاك عنها ؟ ! ( شغلك عنها ) قال : ألهاني عنها النار الأخرى ) . ( تاريخ دمشق : 41 / 377 ، ونهاية ابن كثير : 9 / 123 ) .
وسقط طفله في البئر وهو يصلي فلم يقطع صلاته ولا اهتم بصراخ النساء ، ولما فرغ من صلاته جاء إلى فم البئر فارتفع الماء والطفل على وجه الماء ! فتناوله وقال لأمه : ( خذيه يا ضعيفة اليقين ) . ( الثاقب في المناقب / 149 ) .
ورووا عن خشوعه عند التلبية : ( سفيان بن عيينة قال : حج زين العابدين فلما أحرم واستوت به راحلته اصفرَّ لونه وقعت عليه الرعدة ولم يستطع أن يلبي ! فقيل ألا تلبي ؟ فقال : أخشى أن يقول لي : لا لبيك ولا سعديك . فلما لبى خرَّ مغشياً عليه وسقط عن راحلته ) . ( عوالي اللئالي : 4 / 35 ، وتاريخ دمشق : 41 / 378 ) .
وفي أمالي الطوسي / 636 : ( بسنده عن الإمام الصادق « عليه السلام » قال : إن فاطمة بنت علي بن أبي طالب « عليه السلام » لما نظرت إلى ما فعله ابن أخيها علي بن الحسين « عليه السلام » بنفسه من الدأب في العبادة ، أتت جابر بن عبد الله الأنصاري فقالت له : يا صاحب رسول الله ! إن لنا عليكم حقوقاً ، وإن من حقنا عليكم إذا رأيتم أحدنا يهلك نفسه اجتهاداً أن تذكروه الله وتدعوه إلى البقيا على نفسه ، وهذا علي بن الحسين بقية أبيه الحسين ، قد انخرم أنفه وثفنت جبهته وركبتاه وراحتاه إدآباً ( إتعاباً ) منه لنفسه في العبادة ! فأتى جابر بن عبد الله باب علي بن الحسين . . . فدخل عليه فوجده في محرابه قد أنضته ( أضعفته ) العبادة فنهض عليٌّ « عليه السلام » وسأله عن حاله سؤالاً حثيثاً ثم أجلسه بجنبه ، فأقبل جابر عليه يقول له : يا بن رسول
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 21 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الله أما علمتَ أن الله إنما خلق الجنة لكم ولمن أحبكم ، وخلق النار لمن أبغضكم وعاداكم ، فما هذا الجهد الذي كلفته نفسك ؟ !
فقال له علي بن الحسين « عليه السلام » : يا صاحب رسول الله أما علمت أن جدي رسول الله « صلى الله عليه وآله » قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ولم يدع الإجتهاد ! وقد تعبد بأبي هو وأمي حتى انتفخ الساق وورم القدم ، فقيل له : أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ فقال : أفلا أكون عبداً شكوراً !
فلما نظر جابر إلى علي بن الحسين وأنه ليس يغني قول من يستميله من الجهد والتعب إلى القصد ، قال له : يا بن رسول الله ، البُقْيَا على نفسك فإنك من أسرة بهم يستدفع البلاء وتكشف اللأواء وبهم تستمطر السماء .
فقال : يا جابر ، لا أزال على منهاج آبائي حتى ألقاه !
فأقبل جابر على من حضر وقال : والله ما رؤي من أولاد الأنبياء « عليهم السلام » مثل علي بن الحسين إلا يوسف بن يعقوب ! والله لَذُرِّية علي بن الحسين أفضل من ذرية يوسف بن يعقوب ! إن منه لمن يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً ) . ومناقب آل أبي طالب : 3 / 289 ، وبشارة المصطفى / 113 .
كما سجلوا من روائع أخلاق الإمام « عليه السلام » مع الله تعالى ، فقد كان مريضاً وسأله أبوه : ما تشتهي ؟ فقال : أشتهي أن أكون ممن لا أقترح على الله ربي ما يدبره لي ! فقال له : أحسنت ، ضاهيت إبراهيم الخليل « عليه السلام » حيث قال له جبرئيل : هل من حاجة ؟ فقال : لا أقترح على ربي ، بل حسبي الله ونعم الوكيل ) . ( الدعوات / 168 ) .
وأنه كان يجلُّ ربه تعالى أن يحلف به ، ولذا أفتى فقهاؤنا بكراهة اليمين الصادقة ، قال في جواهر الكلام : 35 / 341 : ( بل يستحب عدم الحلف على العظيم من المال أيضاً بقصد الإجلال والتعظيم لقول النبي « صلى الله عليه وآله » : مَنْ أجَلَّ اللهَ أن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 22 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يحلف به ، أعطاه خيراً مما ذهب منه ! ودفع زين العابدين « عليه السلام » إلى امرأته التي ادعت عليه صداقها أربعمائة دينار ، وقال : أجللت الله عز وجل أن أحلف به يمين بِرّ . . . وعلى كل حال فاليمين الصادقة مكروهة ) .
ومن رقة أدبه « عليه السلام » أنه ربما لبس ثوب الخز في الشتاء ثم يبيعه ويتصدق به ويقول : ( إني لأستحيي من ربي أن آكل ثمن ثوب قد عبدته فيه ) . ( تذكرة الفقهاء : 2 / 510 ) .
وكان يقول لخادمه : ( إذا أردت أن تشتري لي من حوائج الحج شيئاً فاشتر ولا تماكس ) . ( الفقيه : 3 / 197 ) . فكأنه يستحي من ربه أن يدقق فيما يشتريه لزيارة بيته !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 23 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

6 - صاحب فلسفة جمالية

الفلسفة الجمالية حقيقةٌ كامنة في عمق الدين ، فإن الكون الذي خلقه ويديره العليم الحكيم الرحيم بالمطلق ، عز وجل ، لا بد أن يكون جميلاً .
وكون الإنسان يعيش في كون له ربٌّ رحيم يَرُبُّه ، أمرٌ كله جميل ، وإن وجد ما يبدو غير جميل فهو طارئ ، ومن فعل غير الله تعالى ، ولا بد أن ينتهي ويستقر الآتي الجميل . وقد كان النبي « صلى الله عليه وآله » وأهل بيته الأطهار « عليهم السلام » يعيشون هذا الجمال العميق ، والرضا الكامل عن الله تعالى ومقاديره ، مهما كانت !
يأخذك العجب عندما ترى جمال الدنيا في عيني الإمام زين العابدين « عليه السلام » وتحسها في مشاعره وأفكاره . فهي أوسع من الإحساس الجمالي والروح الجمالية ، لأنها إيمانٌ بجمال الكون وكل أفعال الله تعالى ومقاديره فيه ، وهذه ( فلسفة جمالية ) ترى النصف الفارغ من الكأس جميلاً كالمملوء ، بل قد يكون ما تفقده في مرضك أجمل مما يبقى لك من صحتك ! إستمع إليه « عليه السلام » كيف يتكلم مع ربه في حال مرضه : ( اللهم لك الحمد على ما لم أزل أتصرف فيه من سلامة بدني ، ولك الحمد على ما أحدثتَ بي من علة في جسدي ! فما أدري يا إلهي أيَّ الحالين أحقُّ بالشكر لك ، وأيَّ الوقتين أولى بالحمد لك . . الخ . ) . ( الدعاء الخامس عشر من الصحيفة السجادية ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 24 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الصحيفة السجادية زبور آل محمد « صلى الله عليه وآله »
الصحيفة السجادية . . كتابٌ لم يعرفه الناس ، تَبْهُرُك فيه قدرة معماره على بناء العبارة العربية ، فهو أقدر من المؤلف البليغ الممسك باللغة وتراكيبها !
تجد مفردات العربية تدور فيه كالنجوم أفعالاً وأسماءً وحروفاً وَصِغَ تعبير ، تعرض نفسها على أنامل فكر الإمام « عليه السلام » ليجعلها آجرَّةً في أحد صروحه ، أو لُحمةً في إحدى لوحاته .
الكلمة عند الإمام « عليه السلام » موجود حيويٌّ . . بنفسها ، ينتقيها من أسفاط اللغة ، كما ينتقي الخبير جواهره ، فيصوغها ويصوغ بها .
وموجود حيويٌّ بمحيطها ، الذي يضعها فيه الإمام فتُحْييه ويُحْييها ، وبخيوط ارتباطها التي يبتكرها الإمام في حروف التعدية فيشد بها الأفعال والأسماء والحروف . فتتقابل الكلمات والفقرات وتتناغم وتضئ ، في جدلية خاصة غنية .
والفكرة عنده « عليه السلام » روحٌ تنبض في الكلمة وتنبض بها ، تجئ قادمةً من أفق أعلى ، غنيٍّ غزير ، ينساب في الروح ، ويلذُّ للعقل ، ويناغي أوتار النفس .
من أفقٌ جمالي عالٍ ، ينحدر كلام الإمام « عليه السلام » ، أروعَ من عقد الجوهر ، وأجمل من نظيم الورد ، معانيَ ونسيماً ، جائيةً من معدن أعلى ومنبع أغنى .
جمالٌ تُفيضه روحٌ عُلْوية لا ترى في الوجود إلا جميلاً ! لأن له رباَ جميلاً لا يصدر عنه إلا الجميل ، فالإمام يرى الأشياء من جماله وكماله ، ولا يرى ما يعكر ذلك حتى خطايا الإنسان ، وحتى القوانين والمقادير .
صفاءٌ في الذهن ، ونقاءٌ في الفكر ، وشفافيةٌ في الروح . . كوَّنت شخصية الإمام زين العابدين « عليه السلام » وعاش بها بصدقٍ ، فاتَّحَدَ في شخصيته نمط السلوك
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 25 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بفكر العقيدة ، برفرفات الروح ، فلا فاصلة بين النظرية والتطبيق والقول والعمل !
أنظر إلى جدلية الكلمات في عالم فكره حيث يقول في دعائه عند الصباح والمساء : الحمد لله الذي خلق الليل والنهار بقوته ، وميَّز بينهما بقدرته ، وجعل لكل واحد منهما حداً محدوداً ، وأمداً ممدوداً ، يولج كل واحد منهما في صاحبه ، ويولج صاحبه فيه ، بتقدير منه للعباد فيما يغذوهم به وينشؤهم عليه ، فخلق لهم الليل ليسكنوا فيه من حركات التعب ونهضات النصب ، وجعله لباساً ليلبسوا من راحته ومنامه ، فيكون ذلك لهم جماماً وقوة ، ولينالوا به لذة وشهوة ، وخلق لهم النهار مبصراً ليبتغوا فيه من فضله ، وليتسببوا إلى رزقه ويسرحوا في أرضه ، طلباً لما فيه نيل العاجل من دنياهم ، ودرك الآجل في أخراهم ، بكل ذلك يصلح شانهم ، ويبلو أخبارهم ، وينظر كيف هم في أوقات طاعته ومنازل فروضه ومواقع أحكامه ، لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى ) . ( الصحيفة السجادية / الدعاء السادس )
أرأيت الخلق بالقوة ، والتمييز بالقدرة ، والحدَّ والأمد ، وتناوب التمدد بين الليل والنهار ، والفرق بين التغذية والتنشئة ، وبين الحركات والنهضات ، والتعب والنصب . . والريشة التي تفتح أبواب فكرك على الوجود ، وروحك على الخالق وتملأ حياتك بالحياة ، فيما لا يتسع المجال لدراسة فقرة منه ؟ !
وانظر إلى إظهاره المساحة الكامنة بين الكلمات كما بين الغربة والوحشة ، حيث يقول : ( فقد الأحبة غربة ) . ( تاريخ دمشق : 41 / 409 ) . ويقول : ( لو مات من بين المشرق والمغرب ما استوحشت بعد أن يكون القرآن معي ) . ( الكافي : 2 / 602 ) .
ومسؤولية الكلمة عند الإمام « عليه السلام » كبيرة كجمالها : ( لا يزال العبد المؤمن يكتب محسناً ما دام ساكتاً ، فإذا تكلم كتب محسناً أو مسيئاً ) . ( ثواب الأعمال / 164 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 26 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ويردد حديث جده المصطفى « صلى الله عليه وآله » : ( إن لسان ابن آدم يشرف كل يوم على جوارحه فيقول : كيف أصبحتم ؟ فيقولون : بخير إن تركتنا ! ويقولون : الله الله فينا ، ويناشدونه ويقولون : إنما نثابُ بك ونعاقبُ بك ) ! ( الخصال / 6 ) .
ومنها مسؤولية الفكرة التي تجول في ذهنك فتسمح لها أن تسكن ، فتكون مرآةً تظهر خيرك وشرك ! ( عن عمر بن علي بن الحسين قال سمعت علي بن الحسين يقول : الفكرة مرآة تري المؤمن ، حسناته وسيئاته ) . ( تاريخ دمشق : 41 / 408 ) .
ولم تمنعه أشواق الروح من عمق العقل . . فالمروي عنه في ذلك كثير ، منه أنه سئل عن التوحيد فقال : ( إن الله عز وجل علم أنه يكون في آخر الزمان أقوامٌ متعمقون فأنزل : قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ، اللهُ الصَّمَد ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ، والآيات من سورة الحديد : سَبَّحَ للهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ . لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يُحْيِى وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءِ قَدِيرٌ . هُوَ الأَوَلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيءِ عَلِيمٌ . هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأرض وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَاكُنْتُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ . لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الآمُورُ . يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ . فمن رام ما وراء هنالك هلك ) . ( التوحيد للصدوق / 283 ) .
وروى عن أبيه الحسين عن أمير المؤمنين « عليهم السلام » أنه قال : ( من الدليل على أن الأجسام محدثة : أن الأجسام لاتخلو من أن تكون مجتمعة أو مفترقة ومتحركة أو ساكنة ، والإجتماع والإفتراق والحركة والسكون محدثة ، فعلمنا أن الجسم محدث لحدوث ما لا ينفك منه ولا يتقدمه . . ) . وهو حديث طويل في دليل العقل على حدوث العالم ، وتموين الخالق عز وجل له بالحياة . ( التوحيد للصدوق / 300 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 27 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

7 - عبوديةٌ واعية وإنسانيةً راقية

نتج عن هذه العبودية الواعية : إنسانيةٌ راقيةٌ في حبه للناس وتعامله معهم ، فكان يكره المجادلة ، وله قصص مع من أساء إليه : ( وكان زين العابدين عظيم التجاوز والعفو والصفح ، حتى إنه سبَّهُ رجل فتغافل عنه فقال له : إياك أعني ! فقال : وعنك أعرض ) . ( الصواعق : 2 / 585 ، والنهاية : 9 / 124 ، وتاريخ دمشق : 41 / 395 ، وفيه : فقال له علي : وعنك أغضي ) .
وله نوع لطيف من الصدقة ! ( كان إذا خرج من بيته قال : اللهم إني أتصدق اليوم أو أهب عرضي اليوم لمن استحله ) . ( تاريخ دمشق : 41 / 396 ) .
وكان رحيماً بالصغار ، يحدثهم ويجمعهم ويصلي بهم . ( مصباح المتهجد / 853 ) .
ويحبُّ أرحامه فيعفو عن مسيئهم ويحسن إليهم . ( مناقب آل أبي طالب : 3 / 296 ) .
ويحبُّ الفقراء ، ويقبِّل يدَ الفقير التي يتناول بها عطاءه لأنها يدٌ يباركها الله ، أو يقبِّل يده هو التي يعطي بها . ( وسائل الشيعة - آل البيت : 9 / 433 ) وكان يتصدق بالسر على مئة عائلة في المدينة كما سيأتي . وفي رواية على أربع مئة بيت . ( البحار : 83 / 361 ) .
وفي سير الذهبي : 4 / 394 : ( كان يحمل الخبز بالليل على ظهره يتبع به المساكين في الظلمة ويقول : إن الصدقة في سواد الليل تطفئ غضب الرب . . . لما مات علي وجدوه يعول مئة أهل بيت . . وقال بعضهم : ما فقدنا صدقة السر حتى توفي ) .
وقال الأموي الآخر ابن كثير في النهاية : 9 / 124 : ( قيل له : من أعظم الناس خطراً ؟ فقال : من لم ير الدنيا لنفسه قدراً . . وذكروا أنه كان كثير الصدقة بالليل وكان يقول : صدقة الليل تطفئ غضب الرب وتنوِّر القلب والقبر وتكشف عن العبد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 28 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ظلمة يوم القيامة . . وقال محمد بن إسحاق : كان ناسٌ بالمدينة يعيشون لا يدرون من أين يعيشون ومن يعطيهم ؟ فلما مات علي بن الحسين فقدوا ذلك فعرفوا أنه هو الذي كان يأتيهم في الليل بما يأتيهم به . ولما مات وجدوا في ظهره وأكتافه أثر حمل الجراب إلى بيوت الأرامل والمساكين في الليل . وقيل إنه كان يعول مائة أهل بيت بالمدينة ) . وفي الخصال / 518 : ( كان يعول مائة أهل بيت من فقراء المدينة ) . وتاريخ دمشق : 41 / 384 .
وهذا يعني أنه كان في المدينة النبوية على صغرها فقراء معدمون ! ولعل أكثر من يعولهم الإمام « عليه السلام » كانوا من غير شيعته ، لأنه « عليه السلام » يقول : ( ما بمكة والمدينة عشرون رجلاً يحبنا ) . ( شرح النهج : 4 / 104 ، والغارات : 2 / 573 ) .
وكان يطعم من أضحيته في الحج ، الخوارج وهو يعلم أنهم يُكِّفرون جده أمير المؤمنين « عليه السلام » ! ( الدروس : 1 / 442 ) وكان « عليه السلام » يقول : ( من بات شبعاناً وبحضرته مؤمن طاو قال الله تبارك وتعالى : ملائكتي أشهدكم على هذا العبد أني أمرته فعصاني وأطاع غيري ، فوكلته إلى عمله ، وعزتي وجلالي لا غفرت له أبداً ) ( المحاسن : 1 / 97 ) .
وسئل « عليه السلام » : لمَ فَرَضَ الله عز وجل الصوم ؟ فقال : ( ليجدَ الغنيُّ مَسَّ الجوع فيحِنَّ على الفقير ) . ( أمالي الصدوق / 97 ) .
وقال ابنه الإمام الباقر « صلى الله عليه وآله » : ( لمَّا حضرت علي بن الحسين الوفاة ، ضمَّني إلى صدره ثم قال : يا بنيَّ أوصيك بما أوصاني به أبي حين حضرته الوفاة ، وبما ذكر أن أباه أوصاه به فقال : يا بنيَّ إياك وظلم من لا يجدُ عليك ناصراً إلا الله ) . ( أمالي الصدوق / 249 ) .
وقال الإمام الكاظم « عليه السلام » : ( أخذ أبي بيدي ثم قال : يا بنيَّ إن أبي محمد بن علي أخذ بيدي كما أخذت بيدك وقال : إن أبي علي بن الحسين أخذ بيدي وقال : يا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 29 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بني إفعل الخير إلى كل من طلبه منك ، فإن كان من أهله فقد أصبت موضعه ، وإن لم يكن من أهله كنت أنت من أهله . وإن شتمك رجل عن يمينك ، ثم تحول إلى يسارك فاعتذر إليك ، فاقبل عذره ) . ( مسائل علي بن جعفر / 342 ) .
وكان « عليه السلام » يداري حتى عدوه ، قال سفيان بن عيينة : ( قلت للزهري : لقيت علي بن الحسين ؟ قال : نعم لقيته وما لقيت أحداً أفضل منه والله ! ما علمت له صديقاً في السر ولا عدواً في العلانية ! فقيل له : وكيف ذلك ؟ قال : لأني لم أر أحداً وإن كان يحبه إلا وهو لشدة معرفته بفضله يحسده ، ولا رأيت أحداً وإن كان يبغضه إلا وهو لشدة مداراته له يداريه ) . ( علل الشرائع : 1 / 230 ، ووسائل الشيعة : 8 / 548 ) .
وقد جعل « عليه السلام » حسن التعامل مع الناس من شروط نيل رضا الله تعالى ، قال : ( أربعٌ من كنَّ فيه كمل إيمانه ومُحِّصَتْ عنه ذنوبه ولقيَ ربه وهو عنه راض : من وفى لله بما يجعل على نفسه للناس ، وصدَق لسانه مع الناس ، واستحيا من كل قبيح عند الله وعند الناس ، ويُحَسِّن خلقه مع أهله ) . ( المحاسن : 1 / 8 ) .
وله حديث عن جده « صلى الله عليه وآله » يجعل الصدق مع الناس والأمانة على حقوقهم شرطاً لصلاة الإنسان وصومه وعبادته ! رواه الصدوق في أماليه / 379 ، عنه « عليه السلام » : ( عن سيد شباب أهل الجنة الحسين ، عن سيد الأوصياء علي « عليه السلام » عن سيد الأنبياء محمد « صلى الله عليه وآله » قال : لا تنظروا إلى كثرة صلاتهم وصومهم وكثرة الحج والمعروف ، وطنطنتهم بالليل ! أنظروا إلى : صدق الحديث وأداء الأمانة ) . والعيون : 1 / 55 .
وقد تعلَّم « عليه السلام » العفو عن الناس من قوله تعالى : فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ ، ففسره بأنه : العفو من غير عتاب ! ( أمالي الصدوق / 416 ) .
ووصف الطبري : 5 / 217 ، دهشة والي المدينة المعزول هشام بن إسماعيل المخزومي الذي كان يؤذي الإمام « عليه السلام » أذى شديداً ، فغضب عليه الوليد بن عبد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 30 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الملك وعزله وأراد الانتقام منه ، فأمر أن يوقف للناس ليقتصوا منه ! ( فقال : ما أخاف إلا من علي بن الحسين ! فمرَّ به عليٌّ وقد وقف عند دار مروان ، وكان عليُّ قد تقدم إلى خاصته أن لا يعرض له أحد منهم بكلمة ! فلما مرَّ ناداه هشام بن إسماعيل : اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ) . ( واليعقوبي : 2 / 283 ) .
وكان « عليه السلام » رفيقاً بالإنسان والحيوان ، وله قصص مع ظباء في الصحراء ، وذئب ، وكان يزرع الزرع ويقول : ( ما أزرع الزرع لطلب الفضل فيه ، وما أزرعه إلا ليناله المعتر وذو الحاجة ، ولتنال منه القبَّرة خاصة من الطير ) . ( الكافي : 6 / 225 ) .
وكان « عليه السلام » يفسر قوله تعالى : ( وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأرض وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ، فيقول : ما بهمت البهائم عنه ، فلم تبهم عن أربعة : معرفتها بالرب تبارك وتعالى ، ومعرفتها بالموت ، ومعرفتها بالأنثى من الذكر ، ومعرفتها بالمرعى الخصب ) . ( الخصال / 260 ) .
واشتهر رفقه بناقته ، فقد حج عليها اثنين وعشرين سنة ولم يضربها أبداً ،
وأوصى بها ولده الإمام الباقر « عليه السلام » فقال له : ( فإذا نَفَقَتْ فادفنها لا يأكل لحمها السباع ، فإن رسول الله « صلى الله عليه وآله » قال : ما من بعير يوقف عليه موقف عرفة سبع حجج إلا جعله الله من نعم الجنة وبارك في نسله ، فلما نفقت حفر لها أبو جعفر « عليه السلام » ودفنها ) . ( ثواب الأعمال / 50 ) . قال الإمام الباقر « عليه السلام » ( فجاءت بعد موته وما شعرنا بها إلا وقد جاءني بعض خدمنا أو بعض الموالي فقال : إن الناقة قد خرجت فأتت قبر علي بن الحسين فانبركت عليه ، فدلكت بجرانها القبر وهى ترغو ! فقلت : أدركوها أدركوها وجيئوني بها قبل أن يعلموا بها أو يروها ، قال : وما كانت رأت القبر قط ) ! ( الكافي : 1 / 467 ، والاختصاص / 301 )
وفي المناقب : 3 / 282 : ( فأتاها فقال : مَهْ قومي الآن بارك الله فيك ، فثارت حتى
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 31 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
دخلت موضعها ، ثم لم تلبث أن خرجت حتى أتت القبر فضربت بجرانها القبر ورغت وهملت عيناها ! فأتى محمد بن علي « عليه السلام » فقيل له : إن الناقة قد خرجت إلى القبر ، فأتاها فقال مه الآن قومي بارك الله فيك ، فلم تفعل ! فقال : دعوها فإنها مودعة ! فلم تلبث إلا ثلاثة أيام حتى نفقت ) وفي رواية : فأمر أبو جعفر فحفر لها ودفنت . ( دلائل الإمامة : 193 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 32 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

8 - صاحب رسالة حقوق الإنسان وواجباته

وهي رسالة من عشرين صفحة تقريباً ، في حقوق الإنسان وواجباته ، وهي برنامجٌ عملي للمسلم ، في تعامله مع ربه ، ومع نفسه ، ومع الناس .
كما أن عهد أمير المؤمنين « عليه السلام » إلى مالك الأشتر « رحمه الله » واليه على مصر ، بيانٌ يشرح أهداف الحكومة ، وبرنامجٌ عملي للحاكم في سياسته وحياته الشخصية .
وقد اهتم بعض العلماء بهذين النصَّيْن العظيمين ، لكنهما ما زالا مظلومين لم يأخذا حقهما من البحث في المجامع الدولية ، والمعاهد الحقوقية العالمية . وقد شرحهما علماؤنا رضوان الله عليهم شروحاً علمية ، أو وعظية ، وبقيت الحاجة إلى الشروح القانونية ، والدراسات المقارنة بالتشريعات المعاصرة .
وتشمل رسالة الحقوق للإمام « عليه السلام » خمسين حقاً على الإنسان ، ابتداءً من حقوق الله تعالى ، إلى حق نفسه ومحيطه ومجتمعه ودولته ، وحقوق أهل الأديان الأخرى . وتبدأ بإجمال كالفهرس ، ثم تفصل الحقوق واحداً واحداً .
قال « عليه السلام » : ( إعلم رحمك الله أن لله عليك حقوقاً محيطةً بك في كل حركة تحركتها ، أو سكنة سكنتها ، أو حال حُلتها ، أو منزلة نزلتها ، أو جارحة قلَّبتها أو آلة تصرَّفتَ بها . بعضها أكبر من بعض .
وأكبر حقوق الله عليك ما أوجبه عليك لنفسك من قرنك إلى قدمك ، على اختلاف جوارحك ، فجعل لبصرك عليك حقاً ولسمعك عليك حقاً وللسانك عليك حقاً وليدك عليك حقاً ولرجلك عليك حقاً ولبطنك عليك حقاً ولفرجك عليك حقاً ، فهذه الجوارح السبع التي بها تكون الأفعال .
ثم جعل لأفعالك عليك حقوقاً : لصلاتك عليك حقاً ، ولصومك عليك حقاً
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 33 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولصدقتك ولهديك عليك حقاً ، ولأفعالك عليك حقاً .
ثم تخرج الحقوق منك إلى غيرك من ذوي الحقوق الواجبة عليك ، وأوجبها عليك حق أئمتك ، ثم حقوق رعيتك ، ثم حقوق رحمك ، فهذه حقوق يتشعب منها حقوق . . . فحقوق أئمتك ثلاثة ، أوجبها عليك ، وحق رعيتك بالسلطان ، ثم حق رعيتك بالعلم فإن الجاهل رعية العالم ، وحق رعيتك بالملك من الأزواج وما ملكت الإيمان ، وحقوق رحمك كثيرة متصلة بقدر اتصال الرحم في القرابة ، فأوجبها عليك حق أمك ثم حق أبيك ثم حق ولدك ثم حق أخيك ، ثم الأقرب فالأقرب والأولى فالأولى ، ثم حق مولاك المنعم عليك ، ثم حق مولاك الجارية نعمتك عليه ، ثم حق ذي المعروف لديك ، ثم حق مؤذنك بالصلاة ، ثم حق إمامك في صلاتك ، ثم حق جليسك ثم حق جارك ، ثم حق صاحبك ، ثم حق شريكك ، ثم حق مالك ، ثم حق غريمك الذي تطالبه ، ثم غريمك الذي يطالبك ، ثم خليطك ، ثم حق خصمك المدعي عليك ، ثم حق خصمك الذي تدعي عليه ، ثم حق مستشيرك ثم المشير عليك ، ثم مستنصحك ثم الناصح لك ، ثم حق من هو أكبر منك ثم من هو أصغر منك ، ثم حق سائلك ثم حق من سألته ، ثم حق من جرى لك على يديه مساءة بقول أو فعل ، أو مسرة بقول أو فعل ، عن تعمد منه أو غير تعمد ، ثم حق أهل ملتك عامة .
ثم حق أهل الذمة ، ثم الحقوق الجارية بقدر علل الأحوال وتصرف الأسباب . فطوبى لمن أعانه الله على قضاء ما أوجب عليه من حقوقه ووفقه وسدده . فأما حق الله الأكبر عليك . . . ) . ( رجال النجاشي / 116 ، وتحف العقول لابن شعبة الحراني / 255 ، ومعجم رجال الحديث للسيد الخوئي : 4 / 293 ، ومستدرك الوسائل : 11 / 154 ، والبحار : 71 / 10 ، ونهج السعادة : 7 / 211 ، وأعيان الشيعة : 1 / 638 ، ومجلة تراثنا : 61 / 140 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 34 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد صحح روايتها علماؤنا ، وبحث أسانيدها العلامة الجلالي في كتابه جهاد الإمام السجاد « عليه السلام » / 269 ، وشرحها علماء ، منهم السيد حسن القبانجي « رحمه الله » باسم ( شرح رسالة الحقوق للإمام علي بن الحسين زين العابدين « عليه السلام » ) .
وقد ذكر شروحها وترجماتها صاحب الذريعة « رحمه الله » : 7 / 42 ، ومعجم المطبوعات النجفية / 220 ، وموسوعة مؤلفي الإمامية : 1 / 233 .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 35 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

9 - مولد الإمام « عليه السلام » وشهادته مسموماً بيد ابن عبد الملك

قال المفيد في المقنعة / 472 : ( ولد بالمدينة سنة ثمان وثلاثين من الهجرة . وقبض « عليه السلام » بالمدينة سنة خمس وتسعين ، وله يومئذ سبع وخمسون سنة . وأمه شاه زنان بنت شيرويه بن كسرى أبرويز ، وقبره ببقيع المدينة ) .
وقال العلامة في تذكرة الفقهاء : 6 / 198 : ( يستحب صوم النصف من جمادى الأولى ، ففي ذلك اليوم من سنة 36 كان فتح البصرة لأمير المؤمنين « عليه السلام » ، وفي ليلته من هذه السنة بعينها كان مولد مولانا أبي محمد علي بن الحسين زين العابدين « عليه السلام » ) . ( كان لزين العابدين يوم الطف ثلاث وعشرون سنة ، ومحمد ولده الباقر حيٌّ له ثلاث سنين وأشهر ) .
( (
في شهادة المعصومين « عليهم السلام » / 60 : ( عن جابر الجعفي قال : لما جَرِّدَ مولاي محمد الباقر مولاي علي بن الحسين ثيابه ووضعه على المغتسل ، وكان قد ضرب دونه حجاباً ، سمعته ينشج ويبكي حتى أطال ذلك فأمهلته عن السؤال حتى إذا فرغ من غسله ودفنه ، فأتيت إليه وسلمت عليه وقلت له : جعلت فداك مم كان بكاؤك وأنت تغسل أباك ، ذلك حزنا عليه ؟ قال : لا يا جابر ، لكن لما جردت أبي ثيابه ووضعته على المغتسل ، رأيت آثار الجامعة في عنقه ، وآثار جرح القيد في ساقيه وفخذيه ، فأخذتني الرقة لذلك وبكيت ) .
( الزهري : لما مات زين العابدين فغسلوه وجدوا على ظهره مَجَلاً ( مكان خشن ) فبلغني أنه كان يستقي لضعفة جيرانه بالليل ) . ( مناقب آل أبي طالب : 3 / 294 ) .
وتقدم أنه دخل على الإمام « عليه السلام » في مرضه وسأله عن عدد الأئمة بعده .
( عن أبي جعفر أن على بن حسين أوصى أن لا يؤذنوا به أحداً وأن يُسرع به
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 36 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
المشي ، وأن يكفن في قطن ، وأن لا يجعل في حنوطه مسك ) . ( الطبقات : 5 / 221 ) .
عن ولده حسين قال : ( مات أبي على بن حسين سنة أربع وتسعين ، وصلينا عليه بالبقيع ) . ( الطبقات : 5 / 221 ) .
( قبره بالبقيع بمدينة رسول الله « صلى الله عليه وآله » ، في القبر الذي فيه عمه الحسن ، في القبة التي فيها العباس بن عبد المطلب ) . ( وفيات الأعيان : 3 / 269 ) .
وفي النهاية : 9 / 132 : ( وقد اختلف أهل التاريخ في السنة التي توفي فيها علي بن الحسين زين العابدين ، فالمشهور عن الجمهور أنه توفي في هذه السنة أعني سنة أربع وتسعين في أولها عن ثمان وخمسين سنة ، وصُلِّيَ عليه بالبقيع ودفن به . . . وقال بعضهم : توفي سنة ثنتين أو ثلاث وتسعين ، وأغرب المدائني في قوله : إنه توفي سنة تسع وتسعين ) .
( عن أبي عبد الله « عليه السلام » قال : لما قبض رسول الله « صلى الله عليه وآله » هبط جبرئيل ومعه الملائكة والروح الذين كانوا يهبطون في ليلة القدر ، قال ففتح لأمير المؤمنين « عليه السلام » بصره فرآهم في منتهى السماوات إلى الأرض يغسلون النبي « صلى الله عليه وآله » معه ويصلون معه عليه ويحفرون له ، والله ما حفر له غيرهم ، حتى إذا وضع في قبره نزلوا مع من نزل فوضعوه ، فتكلم وفتح لأمير المؤمنين « عليه السلام » سمعه فسمعه يوصيهم به ، فبكى وسمعهم يقولون : لا نألوه جهداً وإنما هو صاحبنا بعدك إلا إنه ليس يعايننا ببصره بعد مرتنا هذه . . . حتى إذا مات علي بن الحسين « عليه السلام » رأى محمد بن علي « عليه السلام » مثل ذلك ورأى النبي « صلى الله عليه وآله » وعلياً والحسن والحسين « عليهم السلام » يعينون الملائكة ) . ( البصائر / 245 ) .
عن الإمام الصادق « عليه السلام » قال : ( لما كان في الليلة التي وعد فيها علي بن الحسين قال لمحمد « صلى الله عليه وآله » : يا بني إبغني وضوءً ، قال : فقمت فجئته بوضوء ، قال :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 37 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لا أبغي هذا فإن فيه شيئاً ميتاً ! قال : فخرجت فجئت بالمصباح فإذا فيه فأرة ميتة ، فجئته بوضوء غيره ، فقال : يا بني هذه الليلة التي وُعدتها ) . ( المناقب : 3 / 283 ) .
( لما حضرته الوفاة أغمي عليه ثم فتح عينيه وقرأ : إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ ، وإِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً ، وقال : الْحَمْدُ للهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأرض نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ، ثم قبض من ساعته ) . ( الكافي : 1 / 468 ) .
وعن الإمام الصادق « عليه السلام » أنه : ( أتى أبا جعفر بليلة قبض وهو يناجي فأومأ إليه بيده أن تأخر ، فتأخر حتى فرغ من المناجاة ، ثم أتاه فقال : يا بني إن هذه الليلة التي أقبض فيها وهي الليلة التي قبض فيها رسول الله « صلى الله عليه وآله » . قال : وحدثني أن أباه على بن الحسين أتاه بشراب في الليلة التي قبض فيها ، وقال : إشرب هذا ؟ فقال : يا بني إن هذه الليلة التي وعدت أن أقبض فيها ، فقبض فيها ) . ( البصائر / 502 ) .
كما روى ابن عساكر عن قيس بن النعمان أنه رأى الإمام الباقر « عليه السلام » يبكي على قبر والده زين العابدين « عليه السلام » ، وينشد شعراً ، فتأثر بذلك . ( تاريخ دمشق : 54 / 282 ) .
وقال ابن حجر في الصواعق : 2 / 585 : ( توفي وعمره سبع وخمسون ، منها سنتان مع جده علي ، ثم عشر مع عمه الحسن ، ثم إحدى عشرة مع أبيه الحسين . وقيل سمه الوليد بن عبد الملك . ودفن بالبقيع عند عمه الحسن عن أحد عشر ذكراً وأربع إناث . وارثه منهم عبادةً وعلماً وزهادة : أبو جعفر محمد الباقر ) .
وقال الصدوق « رحمه الله » في الاعتقادات / 98 : ( وعلي بن الحسين سيد العابدين « عليه السلام » سمَّهُ الوليد بن عبد الملك فقتله ) . وقال السيد المقرم « رحمه الله » : ( وقبض « عليه السلام » مظلوماً مضطهداً شهيداً بسُمٍّ أوعز به الوليد بن عبد الملك إلى أخيه هشام ) .
( (
( مرض علي بن الحسين « عليه السلام » مرضه الذي توفي فيه فجمع أولاده : محمداً والحسن وعبد الله وعمر وزيد والحسين ، وأوصى إلى ابنه محمد وكنَّاه بالباقر
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 38 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وجعل أمرهم إليه ، وكان فيما وعظه في وصيته أن قال : يا بُنيَّ إن العقل رائد الروح ، والعلم رائد العقل ، والعقل ترجمان العلم ، واعلم أن العلم أتقى ، واللسان أكثر هذراً . واعلم يا بني أن صلاح شأن الدنيا بحذافيرها في كلمتين : إصلاح شأن المعاش ملءُ مكيال ثلثاه فطنة وثلثه تغافل ، لأن الإنسان لا يتغافل عن شئ إلا قد عرفه ففطن فيه . واعلم أن الساعات تذهب غمك ، وأنك لا تنال نعمة إلا بفراق أخرى ، فإياك والأمل الطويل ، فكم من مؤمل أملاً لا يبلغه ، وجامع مال لا يأكله ، ومانع مال سوف يتركه ، ولعله من باطل جمعه ومن حق منعه ، أصابه حراماً وورثه عدواً ، احتمل إصره وباء بوزره ، ذلك هو الخسران المبين ) . ( كفاية الأثر / 240 ) .
( أخرج سفطاً أو صندوقاً عنده فقال : يا محمد إحمل هذا الصندوق ، قال فحُمل بين أربعة . فلما توفي جاء إخوته يدَّعون ما في الصندوق فقالوا : أعطنا نصيبنا من الصندوق فقال : والله ما لكم فيه شئ ، ولو كان لكم فيه شئ ما دفعه إليَّ . وكان في الصندوق سلاح رسول الله « صلى الله عليه وآله » وكتبه ) . ( الكافي : 1 / 305 ، وإعلام الورى / 500 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 39 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

10 - عاش الإمام خمساً وثلاثين سنة بعد أبيه الحسين « صلى الله عليه وآله »

كانت إقامته في المدينة ، وكان يسافر للحج ويَنْبُع ، والنجف والكوفة ، وكربلاء . وكان برنامجه اليومي في المدينة زيارة قبر جده المصطفى « صلى الله عليه وآله » والصلاة في مسجده ، وتحديث الناس بأحاديث النبي « صلى الله عليه وآله » وأهل بيته « عليهم السلام » ، وكان يلقي على الناس موعظة يوم الجمعة .
وكان هذا البرنامج تحدياً للسلطة لأن سياستها فرض لعن علي « عليه السلام » ، ومنع التحديث عن النبي « صلى الله عليه وآله » ، ومنع الخطابة لغير الوالي والقصاصين الموظفين لنشر قصص أهل الكتاب اليهود والنصارى !
لكن السلطة كانت مجبرة على التحمل ، بسبب احترام الخليفة للإمام « عليه السلام » ولأن أهل المدينة قويت عينهم على السلطة بعد مجزرة وقعة الحرة ، وفي هذا الجو كان الإمام « عليه السلام » ينفذ برنامجه ويصدع بالحق .
كان من برنامجه « عليه السلام » السفر للحج كل سنة تقريباً ، وكان يذهب أحياناً إلى ينبع ، فلهم هناك بيوت في بساتين الوقف التي أنشأها جده أمير المؤمنين « عليه السلام » وكان يتولاها ، وقيل إنه سافر إلى الشام بدعوة عبد الملك لحل مشكلة النقد والطراز مع الروم ، وسيأتي أن المرجح أنه أرسل ولده الإمام الباقر « عليه السلام » .
سكن فترةً في بادية الحجاز من جهة العراق
كانت أشد الظروف التي مرت على الإمام « عليه السلام » : كربلاء ، والأسر ، وأيام وقعة الحرة ، وفترة سيطرة ابن الزبير على المدينة بعد هلاك يزيد !
ولعل هذه الأخيرة كانت أشد الجميع لقسوة ابن الزبير وبغضه لعلي وعترة النبي « صلى الله عليه وآله » أكثر من بغض بني أمية وقسوتهم ، حتى أن ابن الزبير ترك ذكر
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 40 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
النبي « صلى الله عليه وآله » في الصلاة كلياً ، لئلا يشمخ أهل بيته « عليهم السلام » ويفتخرون به !
أمام هذه الظروف الضاغطة المعقدة ، ومعها ضغوط أهل الكوفة على الإمام « عليه السلام » ليؤيد حركة المختار ، وبسبب أن الإمام « عليه السلام » يريد أن يزور قبر أبيه الحسين وقبر جده أمير المؤمنين « صلى الله عليه وآله » بحريته دون أن يعرفه الناس ، فقد ابتكر أن يسكن في بادية العراق من جهة المدينة ، فاتخذ فيها بيت شعر !
وكان « عليه السلام » يبتعد عن المدينة أو يتواجد فيها حسب الظرف ! وقد ثبت أنه « عليه السلام » زار كربلاء والنجف والكوفة أكثر من مرة ، ورآه في بعضها أبو حمزة الثمالي « رحمه الله » في مسجد الكوفة ، وروى ولده الباقر « صلى الله عليه وآله » أنه زار مع أبيه وحدهما قبر أمير المؤمنين « عليه السلام » ، وعلَّم الشيعة نص زيارة أبيه له ودعاءه عنده ، وهي الزيارة المعروفة باسم ( زيارة أمين الله ) لأن أولها ( السلام عليك يا أمين الله في أرضه ) . وقد روتها مصادرنا ككامل الزيارات / 92 ، ومصباح المتهجد / 738 ، والغارات : 2 / 847 ، ورواها السيد ابن طاووس « رحمه الله » بعدة أسانيد في فرحة الغري / 72 ، والإقبال : 2 / 273 و 275 .
قال الإمام الباقر « عليه السلام » : ( كان أبي علي بن الحسين قد اتخذ منزله من بعد قتل أبيه الحسين بن علي « صلى الله عليه وآله » بيتاً من الشعر وأقام بالبادية ، فلبث بها عدة سنين كراهية الناس وملابستهم . وكان يصير من البادية بمقامه بها إلى العراق ، زائراً لأبيه وجده « صلى الله عليه وآله » ، ولا يُشْعر بذلك من فعْله ، فخرج متوجهاً إلى العراق لزيارة أمير المؤمنين « عليه السلام » وأنا معه وليس معنا ذو روح إلا الناقتين ، فلما انتهى إلى النجف من بلاد الكوفة وصار إلى مكان منه ، فبكى حتى اخضلَّتْ لحيته من دموعه ثم قال :
السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته . السلام عليك يا أمين الله في أرضه وحجته على عباده ، أشهد أنك جاهدت يا أمير المؤمنين في الله حق
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 41 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
جهاده ، وعملت بكتابه ، واتبعت سنن نبيه « صلى الله عليه وآله » حتى دعاك الله إلى جواره فقبضك إليه باختياره ، لك كريم ثوابه ، وألزم أعداءك الحجة مع مالك من الحجج البالغة على جميع خلقه .
اللهم صل على محمد وآله ، واجعل نفسي مطمئنة بقدرك ، راضية بقضائك ، مولعة بذكرك ودعائك ، محبة لصفوة أوليائك ، محبوبة في أرضك وسمائك ، صابرة عند نزول بلائك ، شاكرة لفواضل نعمائك ، ذاكرة لسوابغ آلائك ، مشتاقة إلى فرحة لقائك ، متزودة التقوى ليوم جزائك ، مستنة بسنن أوليائك ، مشغولة عن الدنيا بحمدك وثنائك .
ثم وضع خده على القبر وقال : اللهم إن قلوب المخبتين إليك والهة ، وسبل الراغبين إليك شارعة ، وأعلام القاصدين إليك واضحة . . . . الخ .
قال جابر : قال لي الباقر « عليه السلام » : ما قال هذا الكلام ولا دعا به أحد من شيعتنا عند قبر أمير المؤمنين أو عند قبر أحد من الأئمة « عليهم السلام » إلا رفع دعاؤه في درج من نور وطبع عليه بخاتم محمد « صلى الله عليه وآله » ، وكان محفوظاً كذلك حتى يسلَّمَ إلى قائم آل محمد « عليهم السلام » ، فيلقى صاحبه بالبشرى والتحية والكرامة إن شاء الله ) . انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 42 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

11 - أزال النواصب مشهد الإمام زين العابدين « عليه السلام » في دمشق

لأهل البيت « عليهم السلام » في الشام عدة أماكن تشرفت بحضورهم ، منها أربعة أماكن تخص الإمامين الحسين وزين العابدين « صلى الله عليه وآله » ، وهي المكان الذي وضع فيه رأس الحسين « عليه السلام » ، ومكان سجن الإمام زين العابدين « عليه السلام » والأسرى ، والمكان الذي أسكنهم فيه يزيد بعد ذلك ، والبستان الذي أمر يزيد أن يقتلوا فيه الإمام زين العابدين « عليه السلام » ، فوقعت فيه المعجزة وهلك الجلواز الموكل بقتله ، فغطوا على القضية ! وقد تقدمت روايته عن المدائني . ( مناقب آل أبي طالب : 3 / 309 ) .
والظاهر أن مكان وضع الرأس الشريف هو المكان الموجود اليوم داخل صحن المسجد الأموي ، وأن مشهد السيدة رقية بنت الحسين « عليه السلام » هو البيت الذي أنزلهم فيه يزيد ، بعد السجن .
كما لا يبعد أن يكون المكان الذي اشتهر تاريخياً بمشهد زين العابدين « عليه السلام » حتى أزاله العثمانيون ، هو مكان البستان الذي أمر يزيد أن يقتل فيه الإمام « عليه السلام » ويدفن ، فظهرت فيه الآية وشهد بها خالد بن يزيد ! ولا بد أن الخبر انتشر داخل العائلة المالكة ، خاصة أن ولي العهد معاوية الثاني بن يزيد ، كان موالياً للإمام زين العابدين وأئمة العترة النبوية « عليهم السلام » . فيبدو أن الشيعة بعد معاوية الثاني توارثوا كرامة هذا المكان ، حتى وجدوا فرصة فبنوه وسموه مشهداً . وقد شهد المدائني ( 135 - 225 ) أنه كان في عصره في القرن الثاني مسجداً .
قال هاشم عثمان في كتابه : مشاهد ومزارات آل البيت « عليهم السلام » في الشام / 19 : ( مشهد زين العابدين « عليه السلام » المشهد الشرقي البراني ، مشهد المحيا . هو أحد مشاهد الجامع الأموي في جهته الشرقية ، شمل باب جيرون مقابل باحة المسجد . ولذا دعي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 43 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بالمشهد الشرقي البراني ، وسمي مشهد زين العابدين ، لأن يزيد بن معاوية سجن به زين العابدين « عليه السلام » حين قدم أسيراً مع أهله إليه . ( بل يظهر أنه البستان ) .
أهمل هذا المشهد مدة طويلة واستولى عليه الخراب ، كما اتخذه بعض الناس ملجأ ، ودام ذلك إلى عام 668 ، حيث جدده الملك الظاهر ، وطرد من كانوا يتخذونه ملجأ ، إلا واحداً منهم رأى فيه الصلاح والعبادة . ( الجامع الأموي في دمشق / الطنطاوي / 24 ) . بقي هذا المشهد يسمى مشهد زين العابدين « عليه السلام » إلى شهر محرم من العام 971 ، فصار يدعى بمشهد المحيا ، عندما أقام به عبد القادر محمد بن سوار العاتكي ، شيخ المحيا بدمشق ، المحيا بأمر من الشيخ أحمد الغازي الذي قال له : إعمل المحيا في الجامع الأموي بالمشهد المعروف بزين العابدين ، فامتثل الشيخ عبد القادر وقوى قلبه به . ( النعيمي / الدارس في تاريخ المدارس : 1 / 22 )
حاول ناصر الدين بن عبد السلام ناظر الجامع الأموي محاكاة مشهد علي زين العابدين « عليه السلام » فجدد مشهد عثمان وأضاف إليه مقصورة الخدام من شماليه ، وجعل له إماماً وراتباً وفتحه يوم السبت حادي عشر شوال سنة 698 ( الوفيات : 1 / 154 ) .
أمَّ بمشهد زين العابدين « عليه السلام » ودرَّس به عددٌ كبير من العلماء والأئمة والمدرسون ، عرفنا منهم : 1 - عبد الرحمن بن أحمد بن الحسين ، أبو محمد النيسابوري الواعظ الذي قدم دمشق حاجا في سنة 459 ، بمشهد زين العابدين « عليه السلام » . ( عبد الرحمن بك سامي - القول الحق في بيروت ودمشق / 96 ) . . . الخ . ) . انتهى .
أقول : نص النويري في نهاية الإرب / 4532 ، على أن مشهد زين العابدين « عليه السلام » غير مكان وضع الرأس الشريف ، لأنه كان يعرف بمسجد الرأس ، قال : ( أرسل ابن زياد به إلى دمشق فنصبه يزيد بن معاوية فيها ثلاثة أيام ، ووضع في مسجد عند باب المسجد الجامع يعرف بمسجد الرأس ، وهو تجاه باب الساعات ، كان
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 44 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بابه هناك ثم سد وفتح من مشهد زين العابدين في سنة ثلاثين وستمائة ) .
وقال ابن شهرآشوب في المناقب : 3 / 309 : ( وموضع حبس زين العابدين « عليه السلام » هو اليوم مسجد ) . انتهى .
فهذا مسجدٌ وليس مشهداً ، ولذا رجحنا أن يكون المشهد هو البستان الذي ظهرت فيه المعجزة . على أن مكان سجن الأسرى كان صغيراً ، وقد يكون ملاصقاً لذلك البستان ، ودخل فيه السجن عندما بنوه مشهداً فيه قبة وصحن .
قال ابن ابن بطوطة : 1 / 104 : ( والقبة الثانية من شرقي الصحن على هيئة الأخرى إلا أنها أصغر منها ، قائمة على ثمان من سواري الرخام ، وتسمى قبة زين العابدين . . . وفي الجانب الشرقي من الصحن باب يفضي إلى مسجد بديع الوضع ، يسمى مشهد علي بن أبي طالب رضي الله عنه ) .
أقول : يظهر أنه اشتباه من ابن بطوطة ، فهو مشهد علي بن الحسين « عليه السلام » .
وقال الذهبي في تاريخه : 6 / 432 : ( وحضر مصرع والده الشهيد بكربلاء ، وقدم إلى دمشق ، ومسجده بها معروف بالجامع ) . انتهى . واسم الجامع يدل على كبره ، والذهبي يتعمد أن يسمي المشهد مسجداً !
وقال الصفدي في الوافي : 10 / 213 : ( وجدد مشهد زين العابدين بجامع دمشق ، وأمر بغسل الأساطين ودهان رؤوسها ، ورخَّم الحائط الشمالي ) .
وترجم ابن عساكر في تاريخه : 52 / 41 ، لمحمد بن أبي إسحاق البسطامي ، المتوفى سنة 544 ، فقال : ( وكان يسكن دار السميساطي ويقرأ بالألحان في الأعزية ثم سكن دار حمد ، وكان يصلي بالناس في مسجد زين العابدين ) . انتهى .
وقراءة الأعزية بالألحان من مختصات الشيعة ، فهو يدل على أن مشهد الإمام زين العابدين « عليه السلام » ، كان مركزاً لهم .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 45 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال ابن العماد في الشذرات : 3 / 18 : ( سنة ست وستمائة : فيها جلس سبط ابن الجوزي بجامع دمشق ، ووعظ وحث على الغزاة ، وكان الناس من باب الساعات إلى مشهد زين العابدين . . . وفي تاريخ الذهبي : 43 / 304 : ( فكان الناس من مشهد زين العابدين إلى باب الناطفيين ، وكان القيام في الصحن أكثر ، وحزروا بثلاثين ألفاً . . ) . انتهى . وهذا يدل على سعة المشهد والساحة أمامه .
وكشف ابن كثير في النهاية : 9 / 122 ، حساسيته أو حساسية أهل عصره من مشهد الإمام « عليه السلام » فقال : ( ومسجده بدمشق المنسوب إليه معروف . قلت : وهو مشهد علي بالناحية الشرقية من جامع دمشق ) . وابن كثير كالذهبي يتعمد التعبير عن المشهد بالمسجد ، وقد نص على أن اسمه المشهد ، وهو أول من عبَّر بقوله ( المنسوب إليه ) ليشكك فيه !
كما كشف في النهاية : 14 / 5 ، حساسية بعض الشاميين من مشهد الإمام زين العابدين « عليه السلام » في القرن السابع ، قال : ( في سنة ثمان وتسعين وستمائة وفي يوم السبت حادي عشر شوال ، فتح مشهد عثمان الذي جدده ناصر الدين بن عبد السلام ناظر الجامع ، وأضاف إليه مقصورة الخدم من شماليه ، وجعل له إماماً راتباً ، وحاكى به مشهد علي بن الحسين زين العابدين ) . والدارس للنعيمي : 2 / 306 .
وذكر المحبي في خلاصة الأثر / 62 ، أن ( إبراهيم أغا متولي جامع بني أمية بدمشق . . . من مماليك سلاطين زماننا آل عثمان . . . وكانت خدمته هناك إقراء المماليك الصغار . . . ولما ورد إلى دمشق وصل إليها في سنة ألف . . . وأخذ بالعمارة إجازة من بعض قضاة الشام ، فلم يزل يتوسع في تعميرها حتى صارت من ألطف الأبنية . . . وكان شاع بين الناس أنه يري أن يجعل هناك مستراحاً فخمنوا موضع المستراح فوجدوه يقع تحت المحراب المنسوب إلى
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 46 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
حضرة الإمام زين العابدين بن الحسين رضي الله عنهما ، فغضب لذلك نقيب الأشراف بدمشق وهو زين العابدين بن حسين بن كمال الدين بن حمزة ، وذهب مستشيطاً بالغيظ إلى الوزير السيد محمد الأصفهاني أمير الأمراء بدمشق واشتكى من قاضي القضاة المولى عبد الرحمن . . ) . وهذا يدلك على رغبة النواصب في إزالة هذا المشهد ، واعتراض نقيب الأشراف على ذلك !
وفي خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر / 1766 : ( محمد الشهير بالمشهدي الرومي . . . سمي المشهدي لأنه كان مجاوراً بالمشهد الشرقي البراني من جامع بني أمية ، المعروف بمشهد زين العابدين قديماً ، والآن بمشهد المحيا ) .
وهذا يعني نجاح النواصب في تغيير اسم المشهد كلياً للقضاء عليه !
وختاماً ، فللإمام زين العابدين « عليه السلام » مسجد في مكة في التنعيم ، تجد ذكره في مصادر التاريخ ، وأنه كان موجوداً عدة قرون ، لكن النواصب أزالوه ، كبقية آثار النبي وآله « صلى الله عليه وآله » ، وسموا التنعيم كله اليوم باسم : مسجد عائشة !
كما أن للإمام زين العابدين « عليه السلام » مصلى في المدينة في الموضع الذي كان معروفاً ببستان سلمان الفارسي « رحمه الله » ، وهو البستان الذي غرس المسلمون نخله لتحرير سلمان « رحمه الله » وغرس منها النبي « صلى الله عليه وآله » بيده الشريفة ثلاث نخلات ، وكان المسلمون يتبركون بها ويغرسون مكانها من فسلانها كلما هرمت ، فبقيت أثراً مباركاً ، وقد أكلتُ من رطبها للتبرك قبل أكثر من ثلاثين سنة ، وكان يوجد في البستان مصلى الإمام زين العابدين « عليه السلام » فصلينا فيه ، وكان البستان عامراً بسواقيه ونخله ، حتى أفتى المتطرفون بإحراقه ، ثم قلعوا نخله وحرثوا أرضه بالماكنات !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 47 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الثاني : معجزات الإمام زين العابدين « عليه السلام »

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 48 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 49 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

اعترفوا بأنه وليٌّ يملك الاسم الأعظم

شهد المخالفون بمعجزات الإمام زين العابدين « عليه السلام » وفسروها بأن عنده اسم الله الأعظم ، وادَّعوا أن عدداً من شخصياتهم كان عندهم الاسم الأعظم !
فقد بحث ابن حجر أقوال علمائهم العديدة في معنى اسم الله الأعظم ، وبحثه بتفصيل أكثر المناوي في فيض القدير : 1 / 652 .
قال في فتح الباري : 11 / 191 : ( ونقل معنى هذا عن جعفر الصادق وعن الجنيد وعن غيرهما . . نقل الفخر الرازي عن زين العابدين أنه سأل الله أن يعلمه الاسم الأعظم فرأى في النوم : هو الله الله الله ، الذي لا إله إلا هو رب العرش العظيم ) .
وغرضنا من ذكر زعمهم كيفية امتلاك الإمام « عليه السلام » لاسم الله الأعظم ، أن نسجل اعترافهم به لأنهم لم يمكنهم إنكار ما شاهدون من معجزاته « عليه السلام » كالذي حصل عندما ألحَّ الحجاج على عبد الملك أن يأذن له بقتله ، لأنه برأيه المرجع الروحي للثائرين ، فأمر عبد الملك بالقبض عليه وتقييده بالحديد وإرساله إليه !
فقد رووا بسند صحيح عن الزهري قال : ( شهدت علي بن الحسين يوم حمله عبد الملك بن مروان من المدينة إلى الشام ، فأثقله حديداً ووكَّل به حُفَّاظاً في عِدَّة وجَمْع ، فاستأذنتهم في التسليم عليه والتوديع له فأذنوا لي فدخلت عليه وهو في قبة ( هودج كالقفص ) والأقياد في رجليه والغل في يديه ، فبكيت وقلت : وددتُ أني في مكانك وأنت سالم ! فقال لي : يا زهري أوَتَظُنُّ هذا مما ترى عليَّ وفي عنقي مما يكربني ؟ أما لو شئتُ ما كان ، وإنه إن بلغ بك وبأمثالك غمرٌ ليذكر عذاب الله ، ثم أخرج يده من الغل ورجليه من القيد ثم قال : يا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 50 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
زهري لا جُزْتُ معهم ذا منزلتين من المدينة ( مكان في طريق الشام ) ! قال : فما لبثنا إلا أربع ليال حتى قدم الموكلون به يطلبونه من المدينة فما وجدوه ! فكنت فيمن سألهم عنه فقال لي بعضهم : إنا نراه متبوعاً ( أي معه جني ! ) إنه لنازلٌ ونحن حوله لا ننام نرصده ، إذ أصبحنا فما وجدنا بين محمله إلا حديدهُ ! قال الزهري : فقدمت بعد ذلك على عبد الملك بن مروان فسألني عن علي بن الحسين فأخبرته فقال لي : إنه جاءني في يوم فَقَدَهُ الأعوان فدخل عليَّ فقال : ما أنا وأنت ؟ ! فقلت : أقم عندي فقال : لا أحب ثم خرج ، فوالله لقد امتلأ ثوبي منه خيفة . قال الزهري : فقلت : يا أمير المؤمنين ليس علي بن الحسين حيث تظن ، إنه مشغول بربه . ( أي لا يريد الثورة عليك واخذ الحكم كما تتصور ) فقال : حبذا شغلٌ مثلُه ، فنعم ما شغل به ! قال وكان الزهري إذا ذكر علي بن الحسين يبكي ويقول : زين العابدين ! ) . ( تاريخ دمشق : 41 / 372 وحلية الأولياء : 3 / 135 ، والمناقب : 3 / 275 ، وغيرها ) .
أقول : أمام هذه المعجزة المتواترة ، وأمثالها ، قال علماء المذاهب الأخرى بصدور المعجزات من الأولياء ، وزعموا أن الاسم الأعظم الذي لا تردُّ به دعوة لم يكن محصوراً بأهل البيت « عليهم السلام » بل كان عند بعض رجالهم وأن النبي « صلى الله عليه وآله » علمه لبعض الصحابة غير أهل بيته الطاهرين « عليهم السلام » . قال المناوي في فيض القدير : 1 / 653 ، إن أبيَّ بن كعب طلب من النبي « صلى الله عليه وآله » أن يعلمه الاسم الأعظم فأرشده إلى مطلع آية الكرسي . وقال في : 1 / 524 : ( ابتليَ بعض عظماء الأولياء بالجذام وكان يحفظ الاسم الأعظم فقيل له : ألا تدعو ؟ فقال : ما كنت لأطلب الإقالة من أمر اختاره لي ) . وقال ابن حجر في الإصابة : 5 / 491 : ( إن كرزاً سأل الله تعالى أن يعلمه الاسم الأعظم على أن لا يسأل به شيئاً من الدنيا ، فأعطاه ، فسأل الله أن يقويه على تلاوة القرآن ، فكان يختمه في اليوم والليلة ثلاث مرات ) !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 51 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي إعانة الطالبين : 1 / 16 ، أن عبد القادر الجيلاني كان عنده الاسم الأعظم !
وقال الذهبي في سيره : 7 / 388 ، في ترجمة إبراهيم بن أدهم : ( ورأى في البادية رجلاً علمه الاسم الأعظم فدعا به ، فرأى الخضر وقال : إنما علمك أخي داود . رواها علي بن محمد المصري الواعظ ) .
وقال في : 13 / 86 ، في ترجمة أبي يزيد البسطامي : ( وقيل له : علمنا الاسم الأعظم قال : ليس له حدٌّ إنما هو فراغ قلبك لوحدانيته ، فإذا كنت كذلك فارفع له أي اسم شئت من أسمائه إليه ) .
وقال في : 13 / 266 : ( إن أبا حاتم كان يعرف الاسم الأعظم فمرض ابنه فاجتهد أن لا يدعو به فإنه لا ينال به الدنيا ، فلما اشتدت العلة حزن ودعا به فعوفي ، فرأى أبو حاتم في نومه : استجبتُ لك ولكن لا يعقب ابنك . فكان عبد الرحمن مع زوجته سبعين سنة فلم يرزق ولداً ، وقيل : إنه ما مسَّها ) !
وقال في ترجمة السلمي : 14 / 249 : ( قلت : هو صاحب حكاية الفأرة مع ذي النون لما سأله الاسم الأعظم ) . ( وسير الذهبي : 14 / 251 ، و : 16 / 511 ، وميزان الإعتدال : 1 / 398 ، و : 2 / 36 ) .
( (
أما عندنا فأمر الإمامة ومقام الأئمة المعصومين صلوات الله عليهم ، أوسع من الاسم الأعظم على عظمته ، فبعض مواليهم كان عندهم الاسم الأعظم !
( عن أبي بصير قال سمعت أبا عبد الله « عليه السلام » يقول : سلمان عُلِّمَ الاسم الأعظم ) . ( اختيار معرفة الرجال : 1 / 56 ) . بينما لم يعلِّمْه الإمام الباقر « عليه السلام » لعمر بن حنظلة لأنه لا يطيقه ! ( قال : قلت لأبي جعفر « عليه السلام » : إني أظن أن لي عندك منزلة ؟ قال : أجل ، قال قلت : فإن لي إليك حاجة ، قال : وما هي ؟ قال قلت تعلمني الاسم الأعظم ! قال : وتُطيقهُ ؟ قلت : نعم قال : فادخل البيت ( الغرفة ) ، قال فدخل البيت فوضع أبو
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 52 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
جعفر يده على الأرض فأظلم البيت فأرعدت فرايص عمر ! فقال : ما تقول ، أعلِّمك ؟ فقال : لا . قال : فرفع يده فرجع البيت كما كان ) . ( بصائر الدرجات / 230 ) .
وقد تعرضنا في هذا الكتاب إلى علم أمير المؤمنين « عليه السلام » بأجَله ، وعلم الإمام الحسن « عليه السلام » بأجَله ، وأن الله خصَّ نبينا وعترته المعصومين « عليهم السلام » بالكثير الكثير ، فعندهم « عليهم السلام » علم الظاهر والباطن . وأن من يعطيه الله سبحانه هذه العلوم يجعل معه ملائكةً يحفظونه ، ليعيش حياته الطبيعية بالعلم الظاهري ، ويستعمل طرفاً من العلم اللدني في وقته ، قال عز وجل : عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً . إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً . لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيءِ عَدَداً . ( سورة الجن : 26 - 27 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 53 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الأئمة « عليهم السلام » لا يطلبون من ربهم المعجزة إلا أن يأذن لهم

فقد صرح بذلك الإمام زين العابدين « عليه السلام » عندما جاءه رجل مهموم وشكى له ديْنه الذي أثقله ، فلم يكن عنده ما يعطيه ، ربما لأنهم صادروا منه صدقات النبي وآله « صلى الله عليه وآله » فأعطاه قوت يومه قرصيْن ، وأمره أن يذهب إلى السوق ويشتري بهما شيئاً ، فوجد سمكتين غير مرغوبتين فاشتراهما فوجد في جوفها لؤلؤتين ثمينتين : ( وباع الرجل اللؤلؤتين بمال عظيم قضى منه دينه وحسنت بعد ذلك حاله ، فقال بعض المخالفين : ما أشد هذا التفاوت ! بينا علي بن الحسين لا يقدر أن يسد منه فاقة ، إذ أغناه هذا الغناء العظيم ! كيف يكون هذا وكيف يعجز عن سد الفاقة من يقدر على هذا الغناء العظيم ؟ ! فقال علي بن الحسين « عليه السلام » : هكذا قالت قريش للنبي « صلى الله عليه وآله » : كيف يمضي إلى بيت المقدس ويشاهد ما فيه من آثار الأنبياء « عليهم السلام » من مكة ويرجع إليها في ليلة واحدة ، من لا يقدر أن يبلغ من مكة إلى المدينة إلا في اثني عشر يوماً ؟ ! وذلك حين هاجر منها . ثم قال « عليه السلام » : جهلوا والله أمر الله وأمر أوليائه معه ! إن المراتب الرفيعة لا تنال إلا بالتسليم لله جل ثناؤه وترك الاقتراح عليه ، والرضا بما يدبرهم به . إن أولياء الله صبروا على المحن والمكاره صبراً لمَّا يساوهم فيه غيرهم ، فجازاهم الله عز وجل عن ذلك بأن أوجب لهم نجح جميع طلباتهم ، لكنهم مع ذلك لا يريدون منه إلا ما يريده لهم ) ! ( أمالي الصدوق / 539 ) .
وفي هذا الموضوع بحوث مهمة ، نشير منها إلى أن قوله « عليه السلام » : ( أوجب لهم نجح جميع طلباتهم ، لكنهم مع ذلك لا يريدون منه إلا ما يريده لهم ) : فهو يدل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 54 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
على أن المعصوم « عليه السلام » لا يطلب المعجزة ولا يستعمل ولايته ومنها اسم الله الأعظم إلا بإذن أو أمرٍ من الله تعالى ! فالأصل عنده أن يعمل ويعيش بالأسباب العادية إلا إذا أبلغه الله تعالى بهاتف أو إلهام أو أي طريق ، أن يعمل شيئاً أو يدعوه بشئ ! وهذا معنى تفوُّق النبي « صلى الله عليه وآله » وعترته على غيرهم ، بأنهم لم يقترحوا على ربهم عز وجل شيئاً ، بل كانوا في قمة العبودية والتسليم لربهم عز وجل .
وتبلغ معجزات الإمام زين العابدين « عليه السلام » أكثر من مئة معجزة ، روتها مصادرنا وروت نحو نصفها مصادر أتباع الخلافة !
وقد أوردنا فيما تقدم بعضها ، ومنها أن عبد الملك كان يطوف فرأى الإمام « عليه السلام » وعتب عليه لماذا لا يزوره لينال من دنياه ، فبسط الإمام رداءه ودعا الله أن يريه كرامة أوليائه ، فملأ الله رداءه جواهر . ( الثاقب / 365 ، والخرائج : 1 / 255 ) .
ومعجزته عندما كان يصلي فوقع طفله في البئر وصاحت النساء فلم يلتفت حتى أكمل صلاته فتقدم إلى البئر فارتفع الماء والصبي عليه فتناوله !
وسيأتي في علاقته « عليه السلام » مع العُبَّاد والمتصوفة أن أهل مكة استسقوا بهم فلم يستجب الله دعاءهم ، واستسقى الإمام « عليه السلام » فأنزل الله المطر !
ويطول الكلام لو أردنا استقصاء ما روي من معجزاته وكراماته « عليه السلام » . وقد عقد لها المجلسي « رحمه الله » باباً خاصاً : 46 / 20 ، وعَنْوَنَ لها في الدر النطيم / 588 ، وروى عدداً منها في الصراط المستقيم : 2 / 180 ، ورواها غيرهم في سيرته العطرة « عليه السلام » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 55 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الثالث : الإمام زين العابدين « عليه السلام » في كربلاء

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 56 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 57 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

1 - بقية السيف أنمى عدداً

هو بقيةُ السيف . . و ( بقية السيف أنمى عدداً وأكثر ولدا ) . ( نهج البلاغة : 4 / 19 ) . شاءه الله أن يكون شاهداً على كربلاء ، ومعه طفله محمد الباقر « صلى الله عليه وآله » ، فحضر كل مراحل المعركة ، وفصول الأسر والترحال . وهيأ له الله من يحافظ على حياته في كربلاء : ( لما قتل الحسين كان علي بن الحسين « صلى الله عليه وآله » نائماً فجعل رجل منهم يدافع عنه كل من أراد به سوءاً ) ! ( مدينة المعاجز : 4 / 382 ) .
قال الزهري : ( كان علي بن الحسين مع أبيه يوم قتل ، وهو ابن ثلاث وعشرين سنة ) . ( تهذيب الكمال : 20 / 402 ، وروى عن محمد بن عقيل بأن عمر الإمام « عليه السلام » كان خمساً وعشرين ) .

2 - يوم غادر المدينة مع أبيه الحسين « صلى الله عليه وآله »

في رجب سنة ستين للهجرة ، وصل خبر هلاك معاوية إلى والي المدينة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان ، ومعه أمرٌ مشدد من ابن أخيه يزيد أن يأخذ له البيعة من الحسين « عليه السلام » وعبد الله بن الزبير ، فإن امتنعا فليقتلهما ويبعث إليه برأسيهما ! فاستدعاهما إلى دار الإمارة ليلاً ، فذهب ابن الزبير إلى الحسين « عليه السلام » وسأله : ( ما تظن فيما بعث إلينا ؟ فقال الحسين : أظن طاغيتهم قد هلك ، وقد بعث هذا إلينا ليأخذنا بالبيعة قبل أن يفشوا الخبر ! قال : وأنا ما أظن غيره ، ما تريد أن تصنع ؟ قال : أجمع فتياني الساعة ثم أسير إليه فإذا بلغت الباب احتبستهم . قال : فإني أخافه عليك إذا دخلت ! قال : لا آتيه إلا وأنا على امتناع . قال فجمع مواليه وأهل بيته ثم قام يمشي حتى انتهى إلى باب الوليد وقال
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 58 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لأصحابه : أنا داخل فإن دعوتكم أو سمعتم صوتي قد علا فاقتحموا عليَّ بأجمعكم ، وإلا فلا تبرحوا حتى أخرج ! فدخل وعنده مروان فسلم عليه بالأمرة وجلس فأقرأه الوليد الكتاب ونعى إليه ودعاه إلى البيعة فقال الحسين . . . مثلي لا يعطي بيعته سراً ولا تجتزئ مني سراً دون أن تظهرها على رؤوس الناس علانيةً قال : أجل . قال فإذا خرجت الناس فدعوتهم إلى البيعة دعوتنا مع الناس فكان أمراً واحداً ! فقال له الوليد وكان يحب العافية : فانصرف على اسم الله حتى تأتينا مع جماعة الناس . فقال له مروان : إن فارقك الساعة ولم يبايع لا قدرت منه على مثلها أبداً حتى تكثر القتلى وبينه ، إحبس الرجل ولا يخرج من عندك حتى يبايع أو تضرب عنقه ! فوثب الحسين عند ذلك فقال : يا ابن الزرقاء أنت تقتلني أو هو ؟ كذبت والله ، ثم خرج ! فقال مروان والله لا يمكِّنك من مثلها من نفسه ! فقال الوليد : والله ما أحب أن لي ما طلعت عليه الشمس وغربت وأني قتلت حسيناً . . وتشاغلوا عن الحسين ذلك اليوم فخرج من الليل ببنيه وأخوته وبني أخيه وأهل بيته إلى مكة لليلتين من رجب ، فدخلها ليلة الجمعة لثلاث مضين من شعبان ) . ( المنتظم لابن الجوزي : 5 / 323 ) .
في ذلك الموكب النبوي كان الإمام زين العابدين « عليه السلام » مع أبيه الحبيب « عليه السلام » ، وأمضى معه شهوراً في مكة ، ثم في طريقه إلى كربلاء ، وكان فيها مريضاً ولكنه حضر أيام الله العظيمة ، واختزن مشاهدها وآياتها ، وختامها مشهد أبيه وسبعة عشر نجماً من آل الرسول « صلى الله عليه وآله » صرعى على وجه الثرى !
وفي كربلاء أعطاه أعداؤه لقب كبير أسرى البيت النبوي وراعي سباياهم من نساء وأطفال ! وبدأ رحلته إلى الكوفة ، ثم إلى الشام ، مواصلاً رسالة أبيه الشهيد « صلى الله عليه وآله » ، مقيماً مأتمه في قصور أعدائه ، يشعُّ بنوره في ظلماتهم !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 59 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

3 - روى مشهد ليلة عاشوراء

قال « عليه السلام » : ( كنت مع أبي الليلة التي قتل صبيحتها ، فقال لأصحابه : هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً فإن القوم إنما يريدونني ولو قتلوني لم يلتفتوا إلى غيري ، وأنتم في حل وسعة . فقالوا : لا والله ، لا يكون هذا أبداً . قال : فإنكم إن أصبحتم معي قتلتم كلكم لا يفلت منكم رجل ! قالوا : الحمد الله الذي شرفنا بالقتل معك ، لا نخذلك ولا نختار العيش بعدك ! ثم دعا وقال لهم : إرفعوا رؤوسكم وانظروا ، فجعلوا ينظرون إلى مواضعهم ومنازلهم من الجنة وهو يقول لهم : هذا منزلك يا فلان ، وهذا قصرك يا فلان ، وهذه درجتك يا فلان . فكان الرجل يستقبل الرماح والسيوف بصدره ووجهه ليصل إلى منزله من الجنة ) . ( الخرائج : 1 / 254 ، و : 2 / 847 ) . وينبغي التذكير أن روايات هذا الفصل جزءٌ من مقتل الحسين « عليه السلام » متفقٌ على أصولها وأكثر تفاصيلها في المصادر المختلفة التي روت المقتل ، الشيعية منها والسنية كالطبري وابن كثير وابن الأثير ، وغيرهم .
قال ابن كثير في النهاية : 8 / 191 : ( وأوصى الحسين في هذه الليلة إلى أهله ، وخطب أصحابه في أول الليل فحمد الله تعالى وأثنى عليه وصلى على رسوله بعبارة فصيحة بليغة ، وقال لأصحابه : من أحب أن ينصرف إلى أهله في ليلته هذه فقد أذنت له ، فإن القوم إنما يريدونني . . هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً وليأخذ كل منكم بيد رجل من أهل بيتي ، ثم اذهبوا في بسيط الأرض في سواد هذا الليل إلى بلادكم ومدائنكم ، فإن القوم إنما يريدونني ، فلو قد أصابوني لذهلوا عن طلب غيري . . وذكر ابن كثير رفض أصحابه مفارقته وقال : ( عن علي بن الحسين زين العابدين قال : إني لجالس تلك العشية التي قتل أبي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 60 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
في صبيحتها وعمتي زينب تمرضني ، إذ اعتزل أبي في خبائه ومعه أصحابه وعنده حَوِيّ مولى أبي ذر الغفاري وهو يعالج سيفه ويصلحه ، وأبي يقول :

يا دهرُ أفٍّ لك من خليلِ * كم لك بالإشراقِ والأصيلِ
من صاحبٍ أو طالبٍ قتيلِ * والدهرُ لا يقنعُ بالبديل
وإنما الأمر إلى الجليل * وكلُّ حيٍّ سالكٌ سبيلي

فأعادها مرتين أو ثلاثاً حتى حفظتها وفهمت ما أراد ، فخنقتني العبرة فردَّدتها ولزمت السكوت ، وعلمت أن البلاء قد نزل !
وأما عمتي فقامت حاسرة حتى انتهت إليه فقالت : واثكلاه ! ليت الموت أعدمني الحياة ! اليوم ماتت أمي فاطمة وعلي أبي وحسن أخي ، يا خليفة الماضي وثمال الباقي ! فنظر إليها وقال : يا أخيَّهْ لا يذهبنَّ بحلمك الشيطان ، فقالت : بأبي أنت وأمي يا أبا عبد الله ، استقتلت ؟ ولطمت وجهها وشقت جيبها وخرت مغشياً عليها ، فقام إليها فصب على وجهها الماء وقال يا أخية : إتق الله واصبري ، وتعزِّي بعزاء الله ، واعلمي أن أهل الأرض يموتون ، وأن أهل السماء لا يبقون ، وأن كل شئ هالك إلا وجه الله الذي خلق الخلق بقدرته ، ويميتهم بقهره وعزته ، ويعيدهم وحده ، وهو فرد وحده . واعلمي أن أبي خير مني ، وأمي خير مني ، وأخي خير مني ، ولي ولهم ولكل مسلم برسول الله أسوة حسنة . ثم حرَّجَ عليها أن لا تفعل شيئاً من هذا بعد مهلكه ، ثم أخذ بيدها فردها إلى عندي . ثم خرج إلى أصحابه فأمرهم أن يدنوا بيوتهم بعضاً من بعض حتى تدخل الأطناب بعضها في بعض ، وأن لا يجعلوا للعدو مَخْلَصاً إليهم إلا من جهة واحدة وتكون البيوت عن أيمانهم وعن شمائلهم ومن ورائهم . وبات الحسين « عليه السلام » وأصحابه طول ليلهم يصلون ويستغفرون ويدعون
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 61 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ويتضرعون ، وخيول حرس عدوهم تدور من ورائهم ، عليها عزرة بن قيس الأحمسي والحسين يقرأ : وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِين . . مَا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ . . ) . ( وسبل الهدى للصالحي : 11 / 77 ) .
ونحوه روضة الواعظين للفتال النيسابوري / 183 ، وفيه : ( فجمع الحسين « عليه السلام » أصحابه عند قرب المساء . قال علي بن الحسين زين العابدين « عليه السلام » : فدنوت منهم لأسمع ما يقول لهم وأنا إذ ذاك مريض ، فسمعت أبي يقول لأصحابه : أثني على الله أحسن الثناء وأحمده على السراء والضراء ، اللهم إني أحمدك على أن أكرمتنا بالنبوة وعلمتنا القرآن وفقهتنا في الدين ، وجعلت لنا أسماعاً وأبصاراً وأفئدة ، فاجعلنا من الشاكرين . أما بعد : فإني لا أعلم أصحابا ولا أهل بيت أبر ولا أوصل من أصحابي وأهل بيتي ، فجزاكم الله عنى خير الجزاء . ألا وإني لأظن يومنا من هؤلاء غداً ، ألا وقد أذنت لكم فانطلقوا جميعاً في حل ليس عليكم مني ذمام ، هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً ) .
وفي مدينة المعاجز : 2 / 215 ، عن الإمام زين العابدين « عليه السلام » أنه عندما رأى رفضهم مفارقته وقرارهم القتال دونه ، قال لهم : ( يا قوم إني في غد أقتل وتقتلون كلكم معي ، ولا يبقى منكم واحد ! فقالوا : الحمد لله الذي أكرمنا بنصرك وشرفنا بالقتل معك ، أوَ لا نرضى أن نكون معك في درجتك يا ابن رسول الله ؟ فقال جزاكم الله خيراً ، ودعا لهم بخير ، فأصبح وقتل وقتلوا معه أجمعون . فقال له القاسم بن الحسن : وأنا فيمن يقتل ؟ فأشفق عليه فقال له : يا بني كيف الموت عندك ؟ ! قال : يا عم أحلى من العسل . فقال : أي والله فداك عمك ، إنك لأحد من يقتل من الرجال معي بعد أن تبلو ببلاء عظيم ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 62 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

4 - روى دعاء أبيه « صلى الله عليه وآله » وخطبته صبيحة عاشوراء

قال المفيد « رحمه الله » في الإرشاد : 2 / 96 : ( فروي عن علي بن الحسين زين العابدين « عليه السلام » أنه قال : لما صبَّحت الخيل الحسين رفع يديه وقال : اللهم أنت ثقتي في كل كرب ، ورجائي في كل شدة ، وأنت لي في كل أمر نزل بي ثقة وعدة ، كم من هم يضعف فيه الفؤاد ، وتقل فيه الحيلة ، ويخذل فيه الصديق ، ويشمت فيه العدو ، أنزلته بك وشكوته إليك ، رغبة مني إليك عمن سواك ، ففرجته وكشفته . فأنت ولي كل نعمة وصاحب كل حسنة ، ومنتهى كل رغبة . قال : وأقبل القوم يجولون حول بيوت الحسين « عليه السلام » فيرون الخندق في ظهورهم والنار تضطرم في الحطب والقصب الذي كان ألقي فيه ، فنادى شمر بن ذي الجوشن عليه اللعنة بأعلى صوته : يا حسين أتعجلت النار قبل يوم القيامة ؟ فقال الحسين « عليه السلام » : من هذا ، كأنه شمر بن ذي الجوشن ؟ فقالوا له : نعم فقال له : يا ابن راعية المعزى ، أنت أولى بها صلياً . ورام مسلم بن عوسجة أن يرميه بسهم فمنعه الحسين من ذلك فقال له : دعني حتى أرميه فإن الفاسق من عظماء الجبارين وقد أمكن الله منه . فقال له الحسين « عليه السلام » : لا ترمه فإني أكره أن أبدأهم . ثم دعا الحسين براحلته فركبها ونادى بأعلى صوته :
يا أهل العراق وجلهم يسمعون ، فقال : أيها الناس إسمعوا قولي ولا تعجلوا حتى أعظكم بما يحق لكم عليَّ ، وحتى أعذر إليكم ، فإن أعطيتموني النصف كنتم بذلك أسعد ، وإن لم تعطوني النصف من أنفسكم فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ . إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ ! ثم حمد الله وأثنى عليه وذكر الله
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 63 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بما هو أهله ، وصلى على النبي « صلى الله عليه وآله » وعلى ملائكة الله وأنبيائه فلم يسمع متكلم قي قبله ولا بعده أبلغ في منطق منه ، ثم قال : أما بعد : فانسبوني فانظروا من أنا ثم ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها ، فانظروا هل يصلح لكم قتلي وانتهاك حرمتي ؟ ألست ابن بنت نبيكم ، وابن وصيه وابن عمه وأول المؤمنين المصدق لرسول الله « صلى الله عليه وآله » بما جاء به من عند ربه ، أوليس حمزة سيد الشهداء عمي ، أوليس جعفر الطيار في الجنة بجناحين عمي ، أو لم يبلغكم ما قال رسول الله لي ولأخي : هذان سيدا شباب أهل الجنة ؟ ! فإن صدقتموني بما أقول وهو الحق والله ما تعمدت كذباً منذ علمت أن الله يمقت عليه أهله ، وإن كذبتموني فإن فيكم من لو سألتموه عن ذلك أخبركم ، سلوا جابر بن عبد الله الأنصاري وأبا سعيد الخدري وسهل بن سعد الساعدي وزيد بن أرقم وأنس بن مالك ، يخبروكم أنهم سمعوا هذه المقالة من رسول الله « صلى الله عليه وآله » لي ولأخي ! أما في هذا حاجز لكم عن سفك دمي ؟ !
فقال له شمر بن ذي الجوشن : هو يعبد الله على حرف إن كان يدري ما يقول ! فقال له حبيب بن مظاهر : والله إني لأراك تعبد الله على سبعين حرفاً ، وأنا أشهد أنك صادقٌ ما تدري ما يقول ، قد طبع الله على قلبك ! ثم قال لهم الحسين « عليه السلام » : فإن كنتم في شك من هذا ، أفتشكون أني ابن بنت نبيكم ! فوالله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري فيكم ولا في غيركم ! ويحكم أتطلبوني بقتيل منكم قتلته ، أو مال لكم استهلكته ، أو بقصاص جراحة ؟ !
فأخذوا لا يكلمونه ، فنادى : يا شبث بن ربعي ، يا حجار بن أبجر ، يا قيس بن الأشعث ، يا يزيد بن الحارث ، ألم تكتبوا إلي أن قد أينعت الثمار واخْضَرَّ الجناب ، وإنما تقدم على جند لك مجند ؟ ! فقال له قيس بن الأشعث : ما ندري
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 64 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ما تقول ولكن إنزل على حكم بني عمك فإنهم لن يروك إلا ما تحب ! فقال له الحسين : لا والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل ولا أفر فرار العبيد . ثم نادى : يا عباد الله ، إني عذت بربي وربكم أن ترجمون ، أعوذ بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب . ثم إنه أناخ راحلته وأمر عقبة بن سمعان فعقلها ، وأقبلوا يزحفون نحوه ) . ونحوه في نهاية ابن كثير : 8 / 193 ، وفيه : ( وركب ابنه علي بن الحسين ، وكان ضعيفاً مريضاً ، فرساً يقال له لاحق ونادى الحسين : أيها الناس : إسمعوا مني نصيحة أقولها لكم ، فأنصت الناس كلهم . . ) . وهو اشتباه من ابن كثير فالذي كان معه ابنه هو علي الأكبر ، ولم يكن الإمام علي بن الحسين زين العابدين « عليه السلام » يستطيع الركوب . وكان للحسين « عليه السلام » عدة أولاد باسم علي « عليه السلام » !

5 - ضَمَّني أبي إلى صدره يوم قُتل والدماءُ تَغْلي !

في الدعوات للراوندي / 54 : ( روي عن زين العابدين قال : ضمني والدي « عليه السلام » إلى صدره يوم قتل والدماء تغلي وهو يقول : يا بنيَّ إحفظ عني دعاء علمتنيه فاطمة « عليها السلام » ، وعلمها رسول الله « صلى الله عليه وآله » ، وعلمه جبرئيل « عليه السلام » ، في الحاجة والهم والغم ، والنازلة إذا نزلت ، والأمر العظيم الفادح . أدع : بحق يس والقرآن الحكيم ، وبحق طه والقرآن العظيم ، يا من يقدر على حوائج السائلين ، يا من يعلم ما في الضمير ، يا منفس عن المكروبين ، يا مفرج عن المغمومين ، يا راحم الشيخ الكبير ، يا رازق الطفل الصغير ، يا من لا يحتاج إلى التفسير ، صل على محمد وآل محمد ، وافعل بي كذا وكذا ) .

6 - حاول الإمام زين العابدين « عليه السلام » النزول إلى المعركة

( ثم التفت الحسين « عليه السلام » عن يمينه فلم ير أحداً من الرجال ، والتفت عن يساره
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 65 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فلم ير أحداً ، فخرج علي بن الحسين زين العابدين « عليه السلام » وكان مريضاً لا يقدر أن يُقلَّ سيفه ، وأم كلثوم تنادي خلفه : يا بنيَّ إرجع ! فقال : يا عمتاه ! ذريني أقاتل بين يدي ابن رسول الله . فقال الحسين « عليه السلام » : يا أم كلثوم ! خذيه لئلا تبقى الأرض خالية من نسل آل محمد « صلى الله عليه وآله » ) . ( العوالم / 288 ) .

7 - هيَّأ الله له من يحميه في كربلاء

( وكان على بن حسين الأصغر مريضاً نائماً على فراش ، فقال شمر بن ذي الجوشن الملعون : أقتلوا هذا ! فقال له رجل من أصحابه : سبحان الله أتقتل فتى حدثا مريضا لم يقاتل ! وجاء عمر بن سعد فقال : لا تعرضوا لهؤلاء النسوة ولا لهذا المريض . قال علي بن حسين : فغيبني رجل منهم وأكرم نزلي واحتضنني وجعل يبكي كلما خرج ودخل ، حتى كنت أقول : إن يكن عند أحد من الناس وفاءٌ فعند هذا ! إلى أن نادى منادى ابن زياد : ألا من وجد علي بن حسين فليأت به فقد جعلنا فيه ثلاثمائة درهم ! قال : فدخل والله عليَّ وهو يبكى وجعل يربط يدي إلى عنقي ! وهو يقول : أخاف ! فأخرجني والله إليهم مربوطاً حتى دفعني إليهم وأخذ ثلاثمائة درهم وأنا أنظر إليها . فأخذت ، فأدخلت على ابن زياد ، فقال : ما اسمك ؟ فقلت : علي بن حسين ، قال : أو لم يقتل الله علياً ؟ قال : قلت كان لي أخ يقال له عليٌّ أكبر مني قتله الناس ، قال : بل الله قتله ، قلت : اللهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا ، فأمر بقتله ، فصاحت زينب بنت على بابن زياد : حسبك من دمائنا ، أسألك بالله إن قتلته إلا قتلتني معه ، فتركه ) . ( الطبقات ترجمة الإمام الحسين « عليه السلام » / 78 )
وفي الكامل : 4 / 77 : ( وأما سويد بن المطاع فكان قد صرع فوقع بين القتلى مثخناً بالجراحات ، فسمعهم يقولون : قتل الحسين فوجد خفةً فوثب ومعه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 66 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
سكين وكان سيفه قد أخذ ، فقاتلهم بسكينة ساعة ثم قتل ، وقتله عروة بن بطان الثعلبي وزيد بن رقاد الجنبي ، وكان آخر من قتل أصحاب الحسين . ثم انتهوا إلى علي بن الحسين زين العابدين فأراد شمر قتله ، فقال له حميد بن مسلم : سبحان الله أتقتل الصبيان ! وكان مريضاً ! وجاء عمر بن سعد فقال : لا يدخلن بيت هذه النسوة أحد ولا يعرضن لهذا الغلام المريض ، ومن أخذ من متاعهم شيئا فليرده . فلم يرد أحد شيئاً !
فقال الناس لسنان بن أنس النخعي : قتلت الحسين بن علي وابن فاطمة بنت رسول الله ؟ ! قتلت أعظم العرب خطراً ، وأراد أن يزيل ملك هؤلاء ، فأت أمراءك فاطلب ثوابك منهم فإنهم لو أعطوك بيوت أموالهم في قتله كان قليلاً !
فأقبل على فرسه ، وكان شجاعاً شاعراً به لوثة حتى وقف على باب فسطاط عمر بن سعد ، ثم نادى بأعلى صوته :

أوقرْ ركابي فضةً وذهبا * إني قتلتُ السيد المحجبا
قتلتُ خيرَ الناس أماً وأبا * وخيرهم إذ ينسبون نسبا

فقال عمر بن سعد : أشهد أنك مجنون ، أدخلوه عليَّ فلما دخل حذفه بالقضيب وقال : يا مجنون أتتكلم بهذا الكلام ؟ والله لو سمعك ابن زياد لضرب عنقك ) !
( (
8 - لما نظر إلى أبيه « عليه السلام » وأصحابه صرعى !
( عن قدامة بن زايدة عن أبيه قال : قال لي علي بن الحسين « عليه السلام » : بلغني يا زايدة أنك تزور قبر أبي عبد الله « عليه السلام » أحياناً ؟ فقلت : إن ذلك لكما بلغك ، فقال لي : فلما ذا تفعل ذلك ولك مكان عند سلطانك الذي لا يحتمل أحداً على محبتنا وتفضيلنا وذكر فضائلنا ، والواجب على هذه الأمة من حقنا ؟
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 67 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فقلت : والله ما أريد بذلك إلا الله ورسوله « صلى الله عليه وآله » ولا أحفل بسخط من سخط ، ولا يكبر في صدري مكروه ينالني بسببه !
فقال : والله إن ذلك لكذلك ، يقولها ثلاثاً وأقولها ثلاثاً ، فقال : أبشر ثم أبشر ثم أبشر ، فلأخبرنك بخبر كان عندي في النخب المخزونة : إنه لما أصابنا بالطف ما أصابنا ، وقتل أبي « عليه السلام » وقتل من كان معه من ولده وإخوته وساير أهله ، وحُملت حرمه ونساؤه على الأقتاب يراد بنا الكوفة ، فجعلت أنظر إليهم صرعى لم يواروا ، فعظم ذلك في صدري واشتد لما أرى منهم قلقي ، فكادت نفسي تخرج ، وتبينت ذلك مني عمتي زينب الكبرى بنت علي فقالت : ما لي أراك تجود بنفسك يا بقية جدي وأبي وإخوتي ؟ فقلت : وكيف لا أجزع وأهلع وقد أرى سيدي وإخوتي وعمومتي وولد عمي وأهلي مُضَرَّجين بدمائهم مُرَمَّلين بالعرا مسلبين ، لا يكفنون ولا يُوارون ، ولا يَعرج عليهم أحد ، ولا يقربهم بشر ، كأنهم أهل بيت من الديلم والخزر ؟ !
فقالت : لا يجزعنك ما ترى فوالله إن ذلك لعهد من رسول الله « صلى الله عليه وآله » إلى جدك وأبيك وعمك ، ولقد أخذ الله ميثاق أناس من هذه الأمة لا تعرفهم فراعنة هذه الأمة ، وهم معروفون في أهل السماوات ، أنهم يجمعون هذه الأعضاء المتفرقة فيوارونها ، وهذه الجسوم المضرجة ، وينصبون لهذا الطف علماً لقبر أبيك سيد الشهداء ، لا يُدرس أثره ولا يعفو رسمه ، على كرور الليالي والأيام ، وليجتهدن أئمة الكفر وأشياع الضلالة في محوه وطمسه فلا يزداد أثره إلا ظهوراً ، وأمره إلا علواً ) . ( كامل الزيارات / 444 ) ، من حديث طويل ذكر فيه دعوة فاطمة الزهراء لأبيها « صلى الله عليه وآله » إلى طعام ، وأنه أخبرهم بما سيجري عليهم وبكى ، ومما جاء فيه « صلى الله عليه وآله » : ( قال لي جبرئيل : يا محمد إن أخاك مضطهد بعدك ، مغلوب
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 68 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
على أمتك ، متعوب من أعدائك ، ثم مقتول بعدك ، يقتله أشر الخلق والخليقة وأشقى البرية ، يكون نظير عاقر الناقة ، ببلد تكون إليه هجرته ، وهو مغرس شيعته وشيعة ولده ، وفيه على كل حال يكثر بلواهم ويعظم مصابهم ، وإن سبطك هذا وأومى بيده إلى الحسين مقتول في عصابة من ذريتك وأهل بيتك وأخيار من أمتك بضفة الفرات بأرض يقال لها كربلاء ) . وذكر فيه فضل كربلاء وفضل زيارة الحسين « عليه السلام » ) .
قال الطبري : 4 / 348 : ( عن قرة بن قيس التميمي قال : نظرت إلى تلك النسوة لما مررنَ بحسين وأهله وولده صحنَ ولطمنَ وجوههن ! قال : فاعترضتهن على فرس فما رأيت منظراً من نسوة قط كان أحسن من منظر رأيته منهن ! ذلك والله لهنَّ أحسن من مهى يبرين ( غزلان يمشين ) ! قال : فما نسيت من الأشياء لا أنسى قول زينب ابنة فاطمة حين مرت بأخيها الحسين صريعاً وهي تقول : يا محمداه يا محمداه صلى عليك ملائكة السماء ، هذا الحسين بالعرا ، مُرّمَّلٌ بالدما ، مُقَطَّعُ الأعضا ، يا محمداه وبناتك سبايا ، وذريتك مقتَّلة ، تسفى عليها الصبا ! قال فأبكت والله كل عدو وصديق ! قال : وقطف رؤوس الباقين فسرح باثنين وسبعين رأساً مع شمر بن ذي الجوشن وقيس بن الأشعث وعمر بن الحجاج وعزرة بن قيس ، فأقبلوا حتى قدموا بها على عبيد الله بن زياد ) .

9 - مع الرؤوس الطاهرة والسبايا والأسرى إلى الكوفة !

قال المفيد « قدس سره » في الإرشاد : 2 / 113 : ( وسرَّحَ عمر بن سعد من يومه ذلك وهو يوم عاشوراء ، برأس الحسين « عليه السلام » مع خولِّي بن يزيد الأصبحي وحميد بن مسلم الأزدي إلى عبيد الله بن زياد ، وأمر برؤوس الباقين من أصحابه وأهل بيته
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 69 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فنظفت ، وكانت اثنين وسبعين رأساً ، وسرح بها مع شمر بن ذي الجوشن وقيس بن الأشعث وعمرو بن الحجاج ، فأقبلوا حتى قدموا بها على ابن زياد . وأقام بقية يومه واليوم الثاني إلى زوال الشمس ، ثم نادى في الناس بالرحيل وتوجه إلى الكوفة ومعه بنات الحسين وأخواته ، ومن كان معه من النساء والصبيان ، وعلي بن الحسين فيهم ، وهو مريض بالذرب وقد أشفى ( على الموت ) ) .
وقال الطبري : 4 / 348 : ( فلما أصبح غدا بالرأس إلى عبيد الله بن زياد ، وأقام عمر بن سعد يومه ذلك والغد ، ثم أمر حميد بن بكير الأحمري فأذن في الناس بالرحيل إلى الكوفة ، وحمل معه بنات الحسين وأخواته ومن كان معه من الصبيان ، وعلي بن الحسين مريض ) .
وقال الطبري : 4 / 358 : ( ولما قتل الحسين بن علي جئ برؤوس من قتله معه من أهل بيته وشيعته وأنصاره إلى عبيد الله بن زياد ، فجاءت كندة بثلاثة عشر رأساً وصاحبهم قيس بن الأشعث ، وجاءت هوازن بعشرين رأساً وصاحبهم شمر بن ذي الجوشن ، وجاءت تميم بسبعة عشر رأساً ، وجاءت بنو أسد بستة أرؤس ، وجاءت مذحج بسبعة أرؤس ، وجاء سائر الجيش بسبعة أرؤس ، فذلك سبعون رأساً ) !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 70 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

10 - خطبة الإمام زين العابدين « عليه السلام » والسيدة زينب في الكوفة !

( عن حذيم بن شريك الأسدي قال : لما أتى علي بن الحسين زين العابدين بالنسوة من كربلاء وكان مريضاً ، وإذا نساء أهل الكوفة ينتدبن مشققات الجيوب ، والرجال معهن يبكون ! واجتمع الناس للنظر إلى سبي آل الرسول ! فأشرفت امرأة من الكوفة وقالت : من أي الأسارى أنتنَّ ؟ فقلن : نحن أسارى محمد « صلى الله عليه وآله » فنزلت وجمعت ملاءً وأزراً ومقانع وأعطتهن فتغطين ، وعلي بن الحسين معهن والحسن بن الحسن المثنى ، وكان قد نقل من المعركة وبه رمق ، ومعهم زيد وعمر ولدا الحسن « عليه السلام » ، فجعل أهل الكوفة يبكون ، فقال زين العابدين « عليه السلام » بصوت ضئيل وقد نهكته العلة : إن هؤلاء يبكون علينا ، فمن قتلنا غيرهم ؟ ! فأومت زينب بنت علي بن أبي طالب إلى الناس بالسكوت ، فلم أر خَفِرة أنطق منها ، كأنما تُفرغ عن لسان أبيها ! فأومأت إلى الناس أن اسكتوا فسكنت الأنفاس ، وهدأت الأجراس فقالت :
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد خاتم المرسلين . أما بعد يا أهل الخَتْل والخَذْل ، أتبكون فلا رقأت العَبْرة ولا هدأت الرنَّة ، إنما مثلكم كمثل نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ . . وإنْ فيكم إلا الصلف النطف ، وذل العبد الشنف ، وملق الإماء وغمز الأعداء ، أو كمرعى على دمنة ، أو كفضة على ملحودة ! ألا ساء ما تزرون .
ألا بئس ما قدمت لكم أنفسكم أن سخط الله عليكم وفي العذاب أنتم خالدون ! أتبكون أخي ! أجل والله فابكوا فإنكم أحرى بالبكاء فابكوا كثيراً واضحكوا قليلاً ، فقد ذهبتم بعارها ، ومُنيتم بشنارها ، ولن ترحضوها أبداً !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 71 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأنَّى ترحضون قتل سليل خاتم النبوة ، ومعدن الرسالة ، وسيد شباب أهل الجنة ، وملاذ حربكم ، ومعاذ حزبكم ، ومقر سلمكم ، وأسى كلْمكم ، ومفزع نازلتكم ، والمرجع إليه عند مقاتلتكم ، ومدرة حججكم ، ومنار محجتكم .
ألا ساء ما قدمت لكم أنفسكم ، وساء ما تزرون ليوم بعثكم ! فتعساً تعساً ، ونكساً نكساً ! لقد خاب السعي وتبَّت الأيدي ، وخسرت الصفة ، وبؤتم بغضب من الله ، وضربت عليكم الذلة والمسكنة !
أتدرون ويلكم أي كبد لمحمد « صلى الله عليه وآله » فريتم ! وأي عهد نكثتم ! وأي كريمة له أبرزتم ! وأي حرمة له هتكتم ! وأي دم له سفكتم ! لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً ، تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأرض وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّا ! لقد جئتم بها شوهاء صلعاء عنقاء سوداء فقماء خرقاء ، كطلاع الأرض أو ملء السماء !
أفعجبتم أن تمطر السماء دماً ، وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ ، فلا يستخفنكم المَهَل ، فإنه عز وجل لا يحفزه البدار ، ولا يخشى عليه فوت الثار ، كلا إن ربك لنا ولهم لبالمرصاد ، ثم أنشأت تقول :

ماذا تقولون إن قال النبي لكم * ماذا صنعتم وأنتم آخر الأممِ
بأهل بيتي وأولادي وتَكْرِمَتي * منهم أسارى ومنهم ضُرِّجُوا بدمِ
ما كان ذاك جزائي إذ نصحتُ لكم * أن تخلفوني بسوءٍ في ذوي رحمي
إني لأخشى عليكم أن يَحِلَّ بكم * مثلُ العذاب الذي أوْدى على إرَم

ثم ولت عنهم . قال حذيم : فرأيت الناس حيارى قد ردوا أيديهم في أفواههم ! فالتفتُّ إلي شيخ في جانبي يبكي وقد اخضلَّت لحيته بالبكاء ، ويده مرفوعة إلى السماء ، وهو يقول : بأبي وأمي كهولهم خير كهول ، ونساؤهم خير نساء وشبابهم خير شباب ، ونسلهم نسل كريم وفضلهم فضل عظيم ، ثم أنشد :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 72 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

كهولكمُ خيرُ الكهول ونسلكمْ * إذا عُدَّ نسلٌ لا يبور ولا يَخزى

فقال علي بن الحسين « عليه السلام » : يا عمة أسكتي ففي الباقي من الماضي اعتبار ، وأنت بحمد الله عالمةٌ غير معلَّمة ، فَهِمَةٌ غير مفهمة . ثم نزل « عليه السلام » وضرب فسطاطه وأنزل نسائه ، ودخل الفسطاط .
قال حذيم بن شريك الأسدي : خرج زين العابدين « عليه السلام » إلى الناس وأومأ إليهم أن اسكتوا فسكتوا وهو قائم ، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه ، ثم قال : أيها الناس من عرفني فقد عرفني ! ومن لم يعرفني فأنا علي بن الحسين ، المذبوح بشط الفرات من غير ذحل ولا ترات ، أنا ابن من انتهك حريمه وسلب نعيمه ، وانتهب ماله وسبي عياله ، أنا ابن من قتل صبراً فكفى بذلك فخراً . أيها الناس : ناشدتكم بالله هل تعلمون أنكم كتبتم إلى أبي وخدعتموه ، وأعطيتموه من أنفسكم العهد والميثاق والبيعة ؟ ثم قاتلتموه وخذلتموه !
فتباً لكم ما قدمتم لأنفسكم ، وسوء رأيكم ! بأيِّ عين تنظرون إلى رسول الله « صلى الله عليه وآله » يقول لكم : قتلتم عترتي وانتهكتم حرمتي ، فلستم من أمتي !
قال : فارتفعت أصوات الناس بالبكاء ، ويدعو بعضهم بعضاً : هلكتم وما تعلمون ! فقال علي بن الحسين « عليه السلام » : رحم الله امرءً قبل نصيحتي وحفظ وصيتي في الله وفي رسوله « صلى الله عليه وآله » وفي أهل بيته ، فإن لنا في رسول الله أسوة حسنة . فقالوا بأجمعهم : نحن كلنا يا بن رسول الله سامعون مطيعون حافظون لذمامك ، غير زاهدين فيك ولا راغبين عنك ، فمرنا بأمرك رحمك الله ، فإنا حربٌ لحربك سلم لسلمك ، لنأخذن ترتك وترتنا ممن ظلمك وظلمنا .
فقال علي بن الحسين « عليه السلام » : هيهات هيهات ! أيها الغدرة المكرة ، حيل بينكم وبين شهوات أنفسكم ، أتريدون أن تأتوا إلي كما أتيتم إلى آبائي من قبل !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 73 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كلا ورب الراقصات ( النوق ) إلى منى ، فإن الجرح لما يندمل ! قتل أبي بالأمس وأهل بيته معه ، فلم ينسني ثكل رسول الله « صلى الله عليه وآله » وثكل أبي وبني أبي و جدي ، شق لهازمي ( يقصد فمي ) ومرارته بين حناجري وحلقي ، وغصة تجري في فراش صدري . ومسألتي أن لا تكونوا لنا ولا علينا ) ! ( الإحتجاج : 2 / 29 ، ومثير الأحزان / 69 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 74 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

11 - خطبة فاطمة بنت الحسين « عليه السلام » في الكوفة

( عن زيد بن موسى بن جعفر عن أبيه عن آبائه « عليهم السلام » قال : خطبت فاطمة الصغرى بعد أن وردت من كربلا ، فقالت : الحمد لله عدد الرمل والحصى ، وزنة العرش إلى الثرى ، أحمده وأومن به وأتوكل عليه ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمداً عبده ورسوله ، وأن أولاده ذبحوا بشط الفرات من غير ذِحل ولا تِرات ، اللهم إني أعوذ بك أن أفتري عليك الكذب وأن أقول خلاف ما أنزلت عليه من أخذ العهود لوصيه علي بن أبي طالب « عليه السلام » المسلوب حقه المقتول من غير ذنب ، كما قتل ولده بالأمس في بيت من بيوت الله ، وبها معشرٌ مسلمةٌ بألسنتهم ، تعساً لرؤوسهم ، ما دفعت عنه ضيماً في حياته ولا عند مماته ، حتى قبضته إليك محمود النقيبة طيب الضريبة ، معروف المناقب مشهور المذاهب ، لم تأخذه فيك لومة لائم ولا عذل عاذل ، هديته يا رب للإسلام صغيراً وحمدت مناقبه كبيراً ، ولم يزل ناصحاً لك ولرسولك صلواتك عليه وآله حتى قبضته إليك زاهداً في الدنيا غير حريص عليها ، راغباً في الآخرة مجاهداً لك في سبيلك ، رضيته فاخترته وهديته إلى طريق مستقيم .
أما بعد يا أهل الكوفة ، يا أهل المكر والغدر والخيلاء ، إنا أهل بيت ابتلانا الله بكم وابتلاكم بنا ، فجعل بلاءنا حسناً وجعل علمه عندنا وفهمه لدينا ، فنحن عيبة علمه ووعاء فهمه وحكمه ، وحجته في الأرض في بلاده لعباده ، أكرمنا الله بكرامته ، وفضلنا بنبيه « صلى الله عليه وآله » على كثير من خلقه تفضيلاً ، فكذبتمونا وكفرتمونا ، ورأيتم قتالنا حلالاً وأموالنا نهباً ، كأنا أولاد الترك أو كابل ! كما قتلتم جدنا بالأمس ، وسيوفكم تقطر من دمائنا أهل البيت لحقد متقدم ! قرَّت بذلك عيونكم وفرحت به قلوبكم ، اجتراءً منكم على الله ، ومكراً مكرتم ، والله
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 75 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
خير الماكرين ، فلا تدعونكم أنفسكم إلى الجذل بما أصبتم من دمائنا ونالت أيديكم من أموالنا ، فإن ما أصابنا من المصائب الجليلة ، والرزايا العظيمة في كتاب مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ . لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ .
تباً لكم ! فانتظروا اللعنة والعذاب فكأن قد حل بكم ، وتواترت من السماء نقمات فيُسْحتكم بما كسبتم ويذيق بعضكم بأس بعض ، ثم تخلدون في العذاب الأليم يوم القيامة بما ظلمتمونا ، ألا لعنة الله على الظالمين .
ويلكم أتدرون أية يد طاعنتنا منكم ، أو أية نفس نزعت إلى قتالنا ، أم بأية رجل مشيتم إلينا تبغون محاربتنا ؟ قست قلوبكم وغلظت أكبادكم ، وطبع على أفئدتكم ، وختم على سمعكم وبصركم ، وسوَّل لكم الشيطان وأملى لكم وجعل على بصركم غشاوة فأنتم لا تهتدون .
تبّاً لكم يا أهل الكوفة ! كم تراث لرسول الله « صلى الله عليه وآله » قبلكم وذحل له لديكم ، ثم غدرتم بأخيه علي بن أبي طالب جدي وبنيه عترة النبي الطيبين الأخيار ، وافتخر بذلك مفتخر فقال :

نحن قتلنا علياً وبني علي * بسيوف هندية ورماح
وسبينا نساءهم سبي ترك * ونطحناهم فأي نطاح

بفيك أيها القائل الكثكث ولك الإثلب ! افتخرت بقتل قوم زكاهم الله وطهرهم وأذهب عنهم الرجس ، فاكظم واقع كما أقعى أبوك وإنما لكل امرئ ما قدمت يداه ! حسدتمونا ، ويلاً لكم ، على ما فضلنا الله :

فما ذنبنا أن جاش دهر بحورنا * وبحرك ساجٍ لا يواري الدعامصا

ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ . . وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ !
قال : فارتفعت الأصوات بالبكاء وقالوا : حسبك يا بنت الطيبين ، فقد أحرقت قلوبنا وأنضجت نحورنا وأضرمت أجوافنا ! فسكتت ) . ( الإحتجاج : 2 / 27 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 76 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

12 - في قصر ابن زياد بالكوفة

قال الطبري : 4 / 349 : ( عن حميد بن مسلم قال : دعاني عمر بن سعد فسرحني إلى أهله لأبشرهم بفتح الله عليه وبعافيته ، فأقبلت حتى أتيت أهله فأعلمتهم ذلك ، ثم أقبلت حتى أدخل فأجد ابن زياد قد جلس للناس ، وأجد الوفد قد قدموا عليه فأدخلهم وأذن للناس ، فدخلت فيمن دخل ، فإذا رأس الحسين موضوع بين يديه ، وإذا هو ينكت بقضيب بين ثنيتيه ساعة ، فلما رآه زيد بن أرقم لا ينجم عن نكته بالقضيب قال له : أعْلُ بهذا القضيب عن هاتين الثنيتين ! فوالذي لا إله غيره لقد رأيت شفتي رسول الله ( ص ) على هاتين الشفتين يقبلهما ثم انفضخ الشيخ يبكي ، فقال له ابن زياد : أبكى الله عينيك ، فوالله لولا أنك شيخ قد خرفت وذهب عقلك لضربت عنقك ! قال فنهض فخرج فلما خرج سمعت الناس يقولون : والله لقد قال زيد بن أرقم قولاً لو سمعه ابن زياد لقتله ! قال فقلت ما قال ؟ قالوا : مر بنا وهو يقول ملك عبد عبداً فاتخذهم تلداً ! أنتم يا معشر العرب العبيد بعد اليوم ! قتلتم ابن فاطمة وأمرتم ابن مرجانة ، فهو يقتل خياركم ويستعبد شراركم ، فرضيتم بالذل فبعداً لمن رضي بالذل !
قال فلما دخل برأس حسين وصبيانه وأخواته ونسائه ، على عبيد الله بن زياد وقد لبست زينب ابنة فاطمة أرذل ثيابها وتنكرت وحف بها إماؤها ، فلما دخلت جلست فقال عبيد الله ابن زياد : من هذه الجالسة ؟ فلم تكلمه ، فقال ذلك ثلاثاً ، كل ذلك لا تكلمه ! فقال بعض إمائها : هذه زينب ابنة فاطمة ! قال فقال لها عبيد الله : الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم وأكذب أحدوثتكم ! فقالت : الحمد لله الذي أكرمنا بمحمد وطهرنا تطهيراً ، لا كما تقول أنت ، إنما يفتضح
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 77 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الفاسق ويكذب الفاجر وهو غيرنا والحمد لله !
قال : فكيف رأيت صنع الله بأهل بيتك ؟ قالت : كُتب عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم ، وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاجون إليه وتخاصمون عنده !
قال : فغضب ابن زياد واستشاط ! قال فقال له عمرو بن حريث : أصلح الله الأمير ، إنما هي امرأة ، وهل تؤاخذ المرأة بشئ من منطقها ، إنها لا تؤاخذ بقول ولا تلام على خطل ! فقال لها ابن زياد : قد أشفى الله نفسي من طاغيتك والعصاة المردة من أهل بيتك ! قال فبكت ثم قالت : لعمري لقد قتلت كهلي وأبرت أهلي وقطعت فرعي واجثثت أصلي ، فان يُشفك هذا فقد اشتفيت ! فقال عبيد الله : هذه سجَّاعة ، قد لعمري كان أبوك شاعراً سجَّاعاً ! قالت : ما للمرأة والسَّجَاعة ، إن لي عن السجاعة لشغلاً ، ولكن صدري نفث بما قلت ) .
قال الطبري : 4 / 350 : ( عن حميد بن مسلم قال : إني لقائم عند ابن زياد حين عرض عليه علي بن الحسين فقال له : ما اسمك ؟ قال : أنا علي بن الحسين ، قال أولم يقتل الله علي بن الحسين ؟ فسكت ، فقال له ابن زياد : مالك لا تتكلم ؟ قال : قد كان لي أخ يقال له أيضاً عليٌّ فقتله الناس . قال : إن الله قد قتله ! قال فسكت علي فقال له : مالك لا تتكلم ؟ ! قال : اللهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا . . وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلا بِإِذْنِ اللهِ . قال أنت والله منهم ! ويحك أنظروا هل أدركَ ، والله إني لأحسبه رجلاً ، قال فكشف عنه مري بن معاذ الأحمري فقال نعم قد أدرك ، فقال : أقتله ، فقال علي بن الحسين : من توكل بهؤلاء النسوة ؟ وتعلقت به زينب عمته فقالت : يا ابن زياد حسبك منا ، أما رُويتَ من دمائنا ، وهل أبقيت منا أحداً ! ؟ قال فاعتنقته فقالت : أسألك بالله إن كنت مؤمناً إن قتلته لما قتلتني معه ! قال : وناداه عليٌّ فقال : يا ابن زياد إن كانت بينك وبينهم قرابة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 78 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فابعث معهن رجل تقياً يصحبهن بصحبة الإسلام . قال فنظر إليها ساعة ، ثم نظر إلى القوم فقال : عجباً للرحم ! والله إني لأظنها ودَّت لو أني قتلته أني قتلتها معه ! دعوا الغلام ( فإني أراه لما به ) انطلق مع نسائك ) .
قال الطبري : 4 / 350 : ( لما دخل عبيد الله القصر ودخل الناس ، نودي الصلاة جامعة فاجتمع الناس في المسجد الأعظم ، فصعد المنبر ابن زياد فقال : الحمد لله الذي أظهر الحق وأهله ، ونصر أمير المؤمنين يزيد بن معاوية وحزبه ، وقتل الكذاب ابن الكذاب الحسين بن علي وشيعته ! فلم يفرغ ابن زياد من مقالته حتى وثب إليه عبد الله بن عفيف الأزدي ثم الغامدي ثم أحد بني والبة ، وكان من شيعة علي كرم الله وجهه ، وكانت عينه اليسرى ذهبت يوم الجمل مع علي فلما كان يوم صفين ضرب على رأسه صربة وأخرى على حاجبه فذهبت عينه الأخرى ، فكان لا يكاد يفارق المسجد الأعظم يصلي فيه إلى الليل ثم ينصرف قال : فلما سمع مقالة ابن زياد قال : يا ابن مرجانة إن الكذاب ابن الكذاب أنت وأبوك ، والذي ولاك وأبوه ! يا ابن مرجانة أتقتلون أبناء النبيين وتتكلمون بكلام الصديقين ؟ ! فقال ابن زياد : عليَّ به . قال فوثبت عليه الجلاوزة فأخذوه ، قال فنادى بشعار الأزد يا مبرور ! قال وعبد الرحمن بن مخنف الأزدي جالس فقال : ويح غيرك ، أهلكت نفسك وأهلكت قومك ! قال وحاضر الكوفة يومئذ من الأزد سبعمائة مقاتل ، قال فوثب إليه فتية من الأزد فانتزعوه ، فأتوا به أهله فأرسل إليه من أتاه به فقتله ! وأمر بصلبه في السبخة فصلب هنالك ) !
وقال الطبري : 4 / 351 : ( ثم إن عبيد الله بن زياد نصب رأس الحسين بالكوفة فجعل يُدار به في الكوفة ! ثم دعا زحر بن قيس فسرح معه برأس الحسين ورؤس أصحابه إلى يزيد بن معاوية ، وكان مع زحر أبو بردة بن عوف الأزدي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 79 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وطارق بن أبي ظبيان الأزدي ) . وفي : 4 / 352 : ( ثم إن عبيد الله أمر بنساء الحسين وصبيانه فجُهِّزْنَ ، وأمر بعلي بن الحسين فغُلَّ بغل إلى عنقه ، ثم سُرِّحَ بهم مع مخفر بن ثعلبة العائذي عائذة قريش ، ومع شمر بن ذي الجوشن ، فانطلقا بهم حتى قدموا على يزيد ، فلم يكن علي بن الحسين يكلم أحداً منهما في الطريق كلمة ، حتى بلغوا ) . ونحوه ابن كثير في النهاية : 8 / 210 .

13 - رجوع الإمام « عليه السلام » إلى كربلاء بمعجزة لدفن الأجساد الطاهرة

في الثالث عشر من محرم تمَّ دفن الأجساد الطاهرة للحسين وأصحابه « عليهم السلام » فقد كان قوم من بني أسد يسكنون بالغاضرية ، ولما أطمأنوا برحيل جيش يزيد جاؤوا لدفن الحسين وأصحابه ، ففاجأهم فارسٌ ملثم وهو الإمام زين العابدين جاء من الكوفة بطريق المعجزة ليتولى معهم مراسم دفن أبيه « صلى الله عليه وآله » .
وقد تعجب بعضهم كيف حضر إلى كربلاء وهو أسير في قيوده في الكوفة ! ولكنهم صدقوا أنه خرج من قيوده وذهب إلى عبد الملك في الشام ! فقد نقل الزهري عن الموكلين به الذين أخذوه إلى عبد الملك : ( إنه لنازلٌ ونحن حوله لا ننام نرصده ، إذ أصبحنا فما وجدنا بين محمله إلا حديدهُ ! قال الزهري : فقدمت بعد ذلك على عبد الملك بن مروان فسألني عن علي بن الحسين فأخبرته فقال لي : إنه جاءني في يوم فَقَدَهُ الأعوان ، فدخل عليَّ فقال : ما أنا وأنت ؟ ! فقلت : أقم عندي فقال : لا أحب ، ثم خرج ، فوالله لقد امتلأ ثوبي منه خيفة ) . ( تاريخ دمشق : 41 / 372 وحلية الأولياء : 3 / 135 ، ومناقب آل أبي طالب : 3 / 275 ) .
قال المسعودي في إثبات الوصية / 173 : ( أقبل زين العابدين في اليوم الثالث عشر من المحرم لدفن أبيه ، لأن الإمام لا يلي أمره إلا إمام مثله ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 80 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

14 - الأسرى والسبايا والرؤوس من الكوفة إلى الشام !

قال المفيد « قدس سره » في الإرشاد : 2 / 214 : ( ولما أصبح عبيد الله بن زياد بعث برأس الحسين « عليه السلام » فدير به في سكك الكوفة كلها وقبائلها ! فروي عن زيد بن أرقم أنه قال : مرَّ به علي وهو على رمح وأنا في غرفة ، فلما حاذاني سمعته يقرأ : أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً . فقفَّ والله شعري وناديت : رأسك والله يا ابن رسول الله أعجب وأعجب . . . ) . وفي الإرشاد : 2 / 216 : ( ولما فرغ القوم من التطواف به ( برأس الحسين « عليه السلام » ) بالكوفة ردوه إلى باب القصر ، فدفعه ابن زياد إلى زحر بن قيس ، ودفع إليه رؤوس أصحابه وسرحه إلى يزيد بن معاوية ، وأنفذ معه أبا بردة بن عوف الأزدي وطارق بن أبي ظبيان في جماعة من أهل الكوفة ، حتى وردوا بها على يزيد بدمشق ) .
وقال الطبري : 4 / 353 : ( قال هشام : وأما عوانة بن الحكم الكلبي فإنه قال : لما قتل الحسين وجئ بالأثقال والأسارى حتى وردوا بهم الكوفة إلى عبيد الله ، فبينا القوم محتبسون إذ وقع حجر في السجن معه كتاب مربوط وفي الكتاب خرج البريد بأمركم في يوم كذا وكذا إلى يزيد بن معاوية ، وهو سائر كذا وكذا يوماً ، وراجع في كذا وكذا ، فإن سمعتم التكبير فأيقنوا بالقتل ، وإن لم تسمعوا تكبيرا فهو الأمان إن شاء الله . قال فلما كان قبل قدوم البريد بيومين أو ثلاثة إذا حجرٌ قد ألقى في السجن ومعه كتاب مربوط وموسى ، وفي الكتاب : أوصوا واعهدوا فإنما ينتظر البريد يوم كذا وكذا ! فجاء البريد ولم يسمع التكبير وجاء كتاب ( من يزيد ) بأن سرِّح الأسارى إليَّ .
قال فدعا عبيد الله بن زياد محفز بن ثعلبة وشمر بن ذي الجوشن فقال :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 81 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إنطلقوا بالثقل والرأس إلى أمير المؤمنين يزيد بن معاوية ) .
في الإقبال : 3 / 89 ، عن الإمام زين العابدين أنه قال عن يزيد : ( حملني على بعير يظلع بغير وطاء ، ورأس الحسين « عليه السلام » على علم ، ونسوتنا خلفي على بغال بأكُفٍ ، والفارطة خلفنا وحولنا بالرماح ، إن دمعت من أحدنا عين قُرع رأسه بالرمح ، حتى إذا دخلنا دمشق صاح صائح : يا أهل الشام هؤلاء سبايا أهل البيت الملعون ) !

15 - خط سير قافلة الأسرى من أهل البيت « عليهم السلام »

أمر يزيد أن يطوفوا بقافلة الأسارى والرؤوس الطاهرة ، على المدن والقرى الواقعة في الطريق النهري بين العراق والشام ، ليعلن بذلك فرحة انتصاره على آل الرسول « صلى الله عليه وآله » ، ويُرهب الناس إن لم يبايعوه أو خرجوا عليه !
وما زالت الآثار المباركة لرأس الحسين وأصحابه ، وللإمام زين العابدين وزينب الكبرى « عليهم السلام » في كثير من نقاط هذا الطريق ، على شكل مزارات ومشاهد يقصدها الناس ويتوسلون فيها إلى الله تعالى بأهل البيت « عليهم السلام » فيستجيب دعاءهم ويقضي حاجاتهم !
فقد سلكوا بهم على نهر الفرات ، من الكوفة إلى الفلوجة وحديثة ، ثم في الأراضي السورية من تل أبيض أو البيضاء ، إلى الرقة ، ثم مسكنة وفيها مشهد لهم ، ثم إلى حلب وفيها مشهد النقطة ومقام السقط ، ثم شيزر ، ثم طيبة وفيها مزار يسمى جدار الشهداء في محلة خان شيخون ، ثم إلى طيبة الإمام وجبل زين العابدين ومصلاه « عليه السلام » قرب حماه ، ثم حمص ، ثم جبل الحسين « عليه السلام » قبل بعلبك ، ثم محلة الحسينية في وادي نهر برده ، ثم سبينة قرب دمشق وفيها مقام
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 82 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لهم « عليهم السلام » ، ثم دخلوا دمشق من باب توما ، وأنزلوهم في سجن قرب قصر يزيد .
كما ذكر لهم التاريخ أحاديث مع أهل البلاد والأديرة التي مروا عليها !
وروى في مدينة المعاجز : 4 / 129 ، قصة مرورهم على دير وسؤال صاحب الدير عن صاحب الرأس ، فظهرت معجزة للحسين « عليه السلام » وتكلم رأسه الشريف ، فضج صاحب الدير والقساوسة بالبكاء ، وأسلموا على يد الإمام زين العابدين « عليه السلام » .

16 - عاصمة ( خلافة النبي « صلى الله عليه وآله » ) تستقبل رؤوس آل النبي « صلى الله عليه وآله » !

في مقتل الحسين للخوارزمي : 2 / 60 : ( عن سهل بن سعد قال : خرجت إلى بيت المقدس حتى توسطت الشام ، فإذا أنا بمدينة مطردة الأنهار كثيرة الأشجار قد علقوا الستور والحجب والديباج ، وهم فرحون مستبشرون ، وعندهم نساء يلعبن بالدفوف والطبول ، فقلت في نفسي : لعل لأهل الشام عيداً لا نعرفه نحن فرأيت قوماً يتحدثون ، فقلت : يا هؤلاء ألكم بالشام عيدٌ لا نعرفه نحن ؟ قالوا : يا شيخ نراك غريباٌ ! فقلت : أنا سهل بن سعد قد رأيت رسول الله « صلى الله عليه وآله » وحملت حديثه ، فقالوا : يا سهل ما أعجبك السماء لا تمطر دماً والأرض لا تخسف بأهلها ! قلت : ولم ذاك ؟ فقالوا هذا رأس الحسين عترة رسول الله ( ص ) يُهدى من أرض العراق إلى الشام ، وسيأتي الآن ! قلت : واعجباً أيهدى رأس الحسين والناس يفرحون ! فمن أي باب يدخل ؟ فأشاروا إلى باب يقال له : باب الساعات ، فسرت نحو الباب ، فبينما أنا هنالك إذ جاءت الرايات يتلو بعضها بعضاً ، وإذا أنا بفارس بيده رمح منزوع السنان ، وعليه رأس من أشبه الناس وجهاً برسول الله ، وإذا بنسوة من ورائه على جمال بغير وطاء ! قال سهل : فدنوت من إحداهن فقلت : يا جارية من أنت ؟ فقالت : سكينة بنت الحسين .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 83 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فقلت لها : ألك حاجة إلي ؟ فأنا سهل بن سعد ممن رأى جدك وسمع حديثه . قالت : يا سهل قل لصاحب الرأس : أن يتقدم بالرأس أمامنا حتى يشتغل الناس بالنظر إليه ، فلا ينظرون إلينا ، فنحن حرم رسول الله « صلى الله عليه وآله » ! قال : فدنوت من صاحب الرأس وقلت له : هل لك أن تقضي حاجتي وتأخذ مني أربعمائة دينار قال : وما هي ؟ قلت : تقدم الرأس أمام الحرم ، ففعل ذلك ودفعت له ما وعدته ) .

17 - برنامج يزيد للإمام زين العابدين « عليه السلام » والأسرى في الشام

كان برنامج ( الخلافة ) لموكب رأس الحسين « عليه السلام » وأصحابه وأسرى آل الرسول « صلى الله عليه وآله » : أن يمروا بهم في أهم شارع في دمشق بعد أن أعدوه بالزينة ، ودعوا الناس إلى الحضور للفرحة بالنصر والتفرج على الرؤوس والأسرى !
ثم أوقفوهم في الساحة عند مدخل المسجد الأموي ، المعروف بدرج دمشق ، ثم أنزلوهم في سجن أعدوه لهم وهو خربة ليس لها سقف ، ثم جلس يزيد قبل الظهر في قاعة قصره ، وقد دعا كل شخصيات الشام فجلسوا حوله ، ثم أتوا برأس الحسين « عليه السلام » في طشت من ذهب فوضعوه أمام يزيد ، ثم أدخلوا بقية رؤوس الشهداء من عترة الحسين « عليه السلام » وأصحابه محمولةً على رؤوس الرماح ، ثم أتوا بالسبايا من آل الرسول « صلى الله عليه وآله » مربَّطين إلى بعضهنَّ بالحبال ، ثم الأسرى الفتيان والرجال وكانوا اثني عشر رجلاً يتقدمهم زين العابدين « عليه السلام » .
كان ذلك المجلس حافلاً وتاريخياً ، فقد أخذ يزيد ينكت بخيزرانته على شفتي الإمام الحسين « عليه السلام » متمثلاً بشعر مشركي قريش ضد النبي « صلى الله عليه وآله » ! فانتفضت زينب وكان بينها وبين يزيد سجال حاد انتهى بتراجع يزيد ، وقالوا كأنه استحى ! ثم صعد خطيب الخلافة فأشاد بخليفة الله يزيد وبني أمية ، وذم أهل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 84 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
البيت النبوي « عليهم السلام » ، لأنهم بزعمه كفار خوارج ! فأجابه الإمام زين العابدين « عليه السلام » .
ولا يبعد أن يكون المجلس انتقل في ذلك اليوم من القصر إلى المسجد الملاصق ، فتكون خطبة الخطيب وجواب الإمام « عليه السلام » له في المسجد الأموي !
وعندما رأى يزيد أن الإمام « عليه السلام » سيطر بكلامه على الناس وارتفع بكاؤهم وضجيجهم ، خشي من عواقب ذلك فأمر المؤذن أن يؤذن للصلاة ليقطع خطبة الإمام « عليه السلام » ويغيِّر الجوّ ، وربما كان ذلك قبل دخول وقت الصلاة !
فتابع الإمام زين العابدين « عليه السلام » خطبته بالتعليق على فصول الأذان ، ولما وصل المؤذن إلى ( أشهد أن محمداً رسول الله ) خاطب الإمام يزيداً بصوت مؤثر : يا يزيد ، محمدٌ هذا جدك أم جدي . . الخ . فكان سجالاً قوياً انخذل فيه يزيد !
وكانت النتيجة أن يزيد رأى نفسه مضطراً لأن يكذب ويقول إن ابن زياد تصرف من عنده وأنه لم يأمره بقتل الحسين « عليه السلام » ! ووسع على الأسرى والسبايا وأنزلهم في مكان أفضل ، يبدو أنه جانب من قصره ، فبقوا في الشام أياماً ، وقالوا إن يزيداً كان يزيد لا يتغدى إلا مع علي بن الحسين « عليه السلام » .
وذكرت الروايات اتصالهم بأهل القصر وأن زوجة يزيد هنداً بنت عبد الله بن عامر بن كريز الأموية ، التي قيل إنها كانت قبله زوجةً للحسين « عليه السلام » ، صاحت واعترضت على يزيد ، فهدأها وسمح لها أن تقيم مجلس عزاء على الحسين « عليه السلام » ، ولا بد أنها أقامته في القصر ، وحضرته نساء قادة النظام الأموي وشخصيات الشام ، والتقينَ بزينب ونساء أهل البيت « عليهم السلام » .
كما ورد ذكر خالد بن يزيد وأنه كان غلاماً ، فقال يزيد لعمرو بن الحسن بن علي « عليه السلام » ويقال إن عمره إحدى عشرة سنة ( أتصارع هذا يعنى ابنه خالداً ؟ فقال له عمرو : لا ، ولكن أعطني سكيناً وأعطه سكيناً ، ثم أقاتله ، فقال يزيد :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 85 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
شنشة أعرفها من أخزم ! هل تلد الحية إلا الحية ) ! ( الطبري : 4 / 354 ، واللهوف / 112 ) .
ولا بد أن أم خالد كانت موجودة يومها ، فقد تزوجها يزيد بعد أختها أم حبيب والدة ولي عهده معاوية الثاني : ( وكانت أم حبيب عند يزيد بن معاوية فولدت له معاوية وعبد الله ثم خلف على أختها أم خالد بنت أبي هاشم فولدت له خالد بن يزيد بن معاوية ) . ( تاريخ دمشق : 59 / 299 ، و : 70 / 209 ، وأنساب الأشراف / 1327 ) .
أما معاوية الثاني بن يزيد ، فلم أجد له ذكراً في فترة وجود أسرى أهل البيت « عليهم السلام » في الشام ، وكذلك أمه التي كانت توفيت فتزوج يزيد بأختها .
ولا يبعد أن يكون معاوية الثاني وكان عمره عشرين سنة قد التقى بالإمام « عليه السلام » مراراً في تلك الأيام لكن بشكل سري للغاية ، فقد كان شيعياً من نشأته ، وكان معجباً بمؤدبه الشيعي عمر المقصوص ، الذي اتهموه بأنه شيَّعه فقال إنه مجبولٌ على حب علي وأولاده « عليهم السلام » ، فدفنوه حياً ، كما تقدم في المجلد الثالث .
كما ذكرت الروايات أن الإمام زين العابدين « عليه السلام » خرج من القصر ، وتجول في أسواق دمشق ، والتقى بأشخاص رووا عنه ، منهم المنهال بن عمرو .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 86 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

18 - دخول أسرى أهل البيت « عليهم السلام » إلى دمشق

في الإحتجاج : 2 / 34 : ( عن ديلم بن عمر قال : كنت بالشام حين أتيَ بسبايا آل محمد « صلى الله عليه وآله » فأقيموا على باب المسجد حيث تقام السبايا وفيهم علي بن الحسين فأتاهم شيخ من أشياخ أهل الشام فقال : الحمد لله الذي قتلكم وأهلككم وقطع قرون الفتنة ، فلم يأل عن سبهم وشتمهم ! فلما انقضى كلامه قال له علي بن الحسين « عليه السلام » : إني قد أنصتُّ لك حتى فرغت من منطقك ، وأظهرتَ ما في نفسك من العداوة والبغضاء ، فأنصت لي كما أنصتُّ لك . فقال له : هات . قال علي « عليه السلام » : أما قرأت كتاب الله عز وجل ؟ قال : نعم . فقال « عليه السلام » له : أما قرأت هذه الآية : قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى . قال : بلى . فقال « عليه السلام » : نحن أولئك ! فهل تجد لنا في سورة بني إسرائيل حقاً خاصة دون المسلمين ؟ فقال : لا . فقال : أما قرأت هذه الآية ؟ وآتِ ذا القُرْبَى حَقَّهُ ؟ قال : نعم . قال علي « عليه السلام » : فنحن أولئك الذين أمر الله نبيه أن يؤتيهم حقهم ! فقال الشامي : إنكم لأنتم هم ؟ فقال علي « عليه السلام » : نعم . فهل قرأت هذه الآية : وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيءِ فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى ؟ فقال له الشامي : بلى ، فقال علي « عليه السلام » : فنحن ذو القربى ! فهل تجد لنا في سورة الأحزاب حقاً خاصة دون المسلمين ؟ فقال : لا . قال علي بن الحسين « عليه السلام » : أما قرأت هذه الآية : إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ؟ قال : فرفع الشامي يده إلى السماء ثم قال : اللهم إني أتوب إليك ! ثلاث مرات ، اللهم إني أتوب إليك من عداوة آل محمد ، وأبرأ إليك ممن قتل أهل بيت محمد ! ولقد قرأت القرآن منذ دهر فما شعرت بها قبل اليوم ) . والبيهقي في لباب الأنساب / 23 ، مختصراً ، وصواعق ابن حجر : 2 / 488 .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 87 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال في : 2 / 651 : ( ويؤيد ما مرَّ من تفسير ابن جبير أن الآية في الآل ، ما جاء عن علي كرم الله وجهه قال : فينا في آل حم آية ، لا يحفظ مودتنا إلا كل مؤمن ، ثم قرأ الآية . . وجاء ذلك عن زين العابدين أيضاً ، فإنه لما قتل أبوه الحسين رضي الله عنه جيئ به أسيراً فأقيم على درج دمشق فقال رجل من أهل الشام : الحمد لله الذي قتلكم واستأصلكم وقطع قرن الفتنة ! فقال له زين العابدين : أقرأت القرآن ؟ قال : نعم فبين له أن الآية فيهم وأنهم القربى فيها ، فقال : وإنكم لأنتم هم ؟ قال نعم ! أخرجه الطبراني ) . وقال في / 656 : ( وقال زين العابدين لبعض أهل الشام : أما قرأت في الأحزاب : إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ؟ قال : ولأنتم هم ؟ قال : نعم ) .
وقال ابن الأعثم في الفتوح : 5 / 126 : ( ثم دعا ابن زياد زُحَر بن قيس الجعفي فسلم إليه رأس الحسين بن علي رضي الله عنهما ورؤوس إخوته ورأس علي بن الحسين ورؤوس أهل بيته وشيعته رضي الله عنهم أجمعين . ودعا علي بن الحسين أيضاً فحمَله وحمل أخَواته وعماته وجميع نسائهم إلى يزيد بن معاوية . قال فسار القوم بحرم رسول الله ( ص ) من الكوفة إلى بلاد الشام على محامل بغير وطاء ، من بلد إلى بلد ومن منزل إلى منزل ، كما تساق أسارى الترك والديلم . . . وأتي بحرم رسول الله ( ص ) حتى أدخلوا مدينة دمشق من باب يقال له باب توما ، ثم أتيَ بهم حتى وقفوا على درج باب المسجد حيث يقام السبي . وإذا بشيخ قد أقبل حتى دنا منهم وقال : الحمد لله الذي قتلكم . . الخ . ) .
وفي أمالي الصدوق / 231 : ( عن فاطمة بنت علي « عليه السلام » قالت : ثم إن يزيد لعنه الله أمر بنساء الحسين فحبسن مع علي بن الحسين في محبس لا يُكنهم من حَرٍّ ولا قَرّ حتى تقشَّرت وجوههم ) . وروضة الواعظين / 192 ، وهامش شرح الأخبار : 3 / 158 .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 88 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال الطبري : 4 / 355 : ( عن القاسم بن بخيت قال : لما أقبل وفد أهل الكوفة برأس الحسين دخلوا مسجد دمشق فقال لهم مروان بن الحكم : كيف صنعتم ؟ قالوا : ورد علينا منهم ثمانية عشر رجلاً فأتينا والله على آخرهم ، وهذه الرؤوس والسبايا ، فوثب مروان فانصرف . وأتاهم أخوه يحيى بن الحكم فقال : ما صنعتم ؟ فأعادوا عليه الكلام فقال : حجبتم عن محمد يوم القيامة ! لن أجامعكم على أمر أبداً ، ثم قام فانصرف ، ودخلوا على يزيد فوضعوا الرأس بين يديه ، وحدثوه الحديث قال : فَسَمِعَتْ دَوْرَ الحديث هند بنت عبد الله بن عامر بن كريز ، وكانت تحت يزيد بن معاوية فتقنعت بثوبها وخرجت فقالت : يا أمير المؤمنين أرأس الحسين بن فاطمة بنت رسول الله ؟ ! قال : نعم ، فأعْوِلي عليه وحُدِّي على ابن بنت رسول الله وصريحة قريش ، عجَّلَ عليه ابن زياد فقتله ، قتله الله ! ثم أذن للناس فدخلوا والرأس بين يديه ، ومع يزيد قضيب فهو ينكت به في ثغره ! ثم قال : إن هذا وإيانا كما قال الحصين بن الحمام المري :

يُفَلَّقْنَ هاماً من رجالٍ أحبةٍ * إلينا وهم كانوا أعَقَّ وأظلمَا

قال فقال رجل من أصحاب رسول الله ( ص ) يقال له أبو برزة الأسلمي : أتنكتُ بقضيبك في ثغر الحسين ؟ ! أما لقد أخذ قضيبك من ثغره مأخذاً ، لربما رأيتُ رسول الله ( ص ) يَرْشفُه ! أما إنك يا يزيد تجئ يوم القيامة وابن زياد شفيعك ويجئ هذا يوم القيامة ومحمد ( ص ) شفيعه ! ثم قام فولى ) !
وفي الطبري : 4 / 352 : ( عن أبي عمارة العبسي قال : فقال يحيى بن الحكم أخو مروان بن الحكم . ( وكان شاعراً ظريفاً جريئاً ) :

لهامٌ بجنب الطف أدنى قرابةً * من ابن زياد العبد ذي الحسب الوغل
سُمَيَّةُ أمسى نسلها عدد الحصى * وليس لآل المصطفى اليوم من نسل

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 89 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال : فضرب يزيد بن معاوية في صدر يحيى بن الحكم وقال : أسكت !
قال : ولما جلس يزيد بن معاوية دعا أشراف أهل الشأم فأجلسهم حوله ، ثم دعا بعلي بن الحسين وصبيان الحسين ونسائه ، فأدخلوا عليه والناس ينظرون ، فقال يزيد لعلي : يا علي أبوك الذي قطع رحمي وجهل حقي ونازعني سلطاني ، فصنع الله به ما قد رأيت ! فقال علي : مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأرض وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا ، فقال يزيد لابنه خالد : أردُدْ عليه ! قال : فما درى خالد ما يرد عليه ، فقال له يزيد : قل : وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ، ثم سكت عنه . قال ثم دعا بالنساء والصبيان فأجلسوا بين يديه فرأى هيئة قبيحة فقال : قبح الله ابن مرجانة ! لو كانت بينه وبينكم رحم أو قرابة ما فعل هذا بكم ، ولا بعث بكم هكذا !
عن فاطمة بنت علي قالت : لما أُجلسنا بين يدي يزيد بن معاوية ، رقَّ لنا وأمر لنا بشئ وألطفنا . قالت : ثم إن رجلاً من أهل الشأم أحمر قام إلى يزيد فقال : يا أمير المؤمنين هب لي هذه ، يعنيني وكنت جارية وضيئة ، فأرعدتُ وفرقتُ وظننتُ أن ذلك جائز لهم ( في دينهم ) وأخذت بثياب أختي زينب ! قالت : وكانت أختي زينب أكبر مني وأعقل وكانت تعلم أن ذلك لا يكون فقالت : كذبتَ والله ولؤمت ، ما ذلك لك وله ! فغضب يزيد فقال : كذبت والله إن ذلك لي ولو شئت أن أفعله لفعلت ! قالت : كلا والله ما جعل الله ذلك لك إلا أن تخرج من ملتنا وتدين بغير ديننا ! قالت : فغضب يزيد واستطار ثم قال : إياي تستقبلين بهذا ؟ ! إنما خرج من الدين أبوك وأخوك ! فقالت زينب : بدين الله ودين أبي ودين أخي وجدي اهتديت ، أنت وأبوك وجدك !
قال : كذبت يا عدوة الله ! قالت : أنت أميرٌ مسلط تشتم ظالماً وتقهر بسلطانك .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 90 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قالت : فوالله لكأنه استحيا فسكت ! ثم عاد الشامي فقال : يا أمير المؤمنين هب لي هذه الجارية ! قال : أعزب وهب الله لك حتفاً قاضياً !
قالت : ثم قال يزيد بن معاوية : يا نعمان بن بشير جهزهم بما يصلحهم ، وابعث معهم رجلاً من أهل الشأم أميناً صالحاً ، وابعث معه خيلاً وأعواناً فيسير بهم إلى المدينة ، ثم أمر بالنسوة أن ينزلن في دار على حدة معهن ما يصلحهن وأخوهن معهن علي بن الحسين في الدار التي هن فيها .
قال فخرجن حتى دخلن دار يزيد فلم تبق من آل معاوية امرأة الا استقبلتهن تبكي وتنوح على الحسين ، فأقاموا عليه المناحة ثلاثاً ، وكان يزيد لا يتغدى ولا يتعشى إلا دعا علي بن الحسين إليه ! قال فدعاه ذات يوم ودعا عمرو بن الحسن بن علي وهو غلام صغير فقال لعمرو بن الحسن : أتقاتل هذا الفتى يعنى خالداً ابنه ؟ قال : لا ولكن أعطني سكيناً وأعطه سكيناً ثم أقاتله ! فقال له يزيد وأخذه فضمه إليه ثم قال : شنشنة أعرفها من أخزم ، هل تلد الحية إلا حية !
قال : ولما أرادوا أن يخرجوا دعا يزيد علي بن الحسين ثم قال : لعن الله ابن مرجانة ! أما والله لو أني صاحبه ما سألني خصلة أبداً الا أعطيتها إياه ، ولدفعت الحتف عنه بكل ما استطعت ولو بهلاك بعض ولدي ! ولكن الله قضى ما رأيت كاتبني وأنْهِ كل حاجة تكون لك ) .
وفي مثير الأحزان لابن نما الحلي / 77 : ( قال علي بن الحسين « عليه السلام » : أدخلنا على يزيد ونحن اثنا عشر رجلاً مغللون ، فلما وقفنا بين يديه قلت : أنشدك الله يا يزيد ما ظنك برسول الله لو رآنا على هذه الحال ؟ ! قال : يا أهل الشام ما ترون في هؤلاء ؟ قال رجل : لا تتخذن من كلب سوء جرواً ! فقال له النعمان بن بشير : إصنع ما كان رسول الله يصنع بهم لو رآهم بهذه الخيبة ! فقالت فاطمة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 91 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بنت الحسين : يا يزيد بنات رسول الله سبايا ؟ ! فبكى الناس وبكى أهل داره حتى علت الأصوات ! فقال علي بن الحسين « عليه السلام » : وأنا مغلول فقلت أتأذن لي في الكلام ؟ فقال : قل ولا تقل هجراً . قلت : لقد وقفت موقفاً لا ينبغي لمثلي أن يقول الهجر : ما ظنك برسول الله لو رآني في غل ؟ فقال لمن حوله : حلوه ! ثم وضع رأس الحسين « عليه السلام » بين يديه والنساء من خلفه لئلا ينظرن إليه ) !
وفي جواهر المطالب لابن الدمشقي : 2 / 294 : ( ثم أمر بعلي بن الحسين زين العابدين فأدخل عليه مغلولاً فقال : يا يزيد لو رآنا رسول الله مغلولين لفك أغلالنا . قال : صدقت ، وأمر بفك قيده . ثم أدخل عليه نساء الحسين « عليه السلام » والرأس بين يديه فجعلت فاطمة وسكينة يتطاولان لينظرا الرأس ، وجعل يزيد يستره عنهما ، فلما رأينه صحن وولولن فقالت فاطمة بنت الحسين : أبنات رسول الله يا يزيد هكذا أسرى سبايا ؟ ! فقال : يا ابنة أخي لقد كنت أكره ذلك ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 92 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

19 - خطبة السيدة زينب أمام الطاغية يزيد !

في الإحتجاج : 2 / 34 ، واللهوف / 214 : ( قالوا : فلما رأت زينب ذلك فأهوت إلى جيبها فشقته ثم نادت بصوت حزين يقرع القلوب : يا حسيناه ! يا حبيب رسول الله ! يا ابن مكة ومنى ! يا ابن فاطمة الزهراء سيدة النساء ! يا ابن محمد المصطفى . قال : فأبكت والله كل من كان ، ويزيد ساكت !
ثم قامت على قدميها وأشرفت على المجلس . . وقالت : الحمد لله رب العالمين والصلاة على جدي سيد المرسلين ، صدق الله سبحانه كذلك يقول : ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ ! أظننت يا يزيد حين أخذت علينا أقطار الأرض وضيَّقت علينا آفاق السماء ، فأصبحنا لك في إسار ، نساق إليك سوقاً في قطار ، وأنت علينا ذو اقتدار ، أن بنا من الله هواناً وعليك منه كرامة وامتناناً ، وأن ذلك لعظم خطرك وجلالة قدرك ، فشمخت بأنفك ونظرت في عطفك ، تضرب أصدريك فرحاً وتنقض مذرويك مرحاً ، حين رأيت الدنيا لك مستوسقة والأمور لديك متسقة ، وحين صفا لك ملكنا وخلص لك سلطاننا ؟ !
فمهلاً مهلاً لا تطش جهلاً ! أنسيت قول الله عز وجل : وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِين .
أمن العدل يا ابن الطلقاء تخديرك حرائرك وإمائك ، وسوْقك بنات رسول الله سبايا ! قد هتكت ستورهن وأبديت وجوههن ، تحدو بهن الأعداء من بلد إلى بلد ، ويستشرفهن أهل المناهل والمناقل ، ويتصفح وجوههن القريب والبعيد والدنى والشريف ، ليس معهن من رجالهن ولي ، ولا من حماتهن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 93 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
حمي ! وكيف يرتجى مراقبة من لفظ فوه أكباد الأزكياء ، ونبت لحمه من دماء الشهداء ! وكيف يستبطأ في بغضنا أهل البيت من نظر إلينا بالشنف والشنان والإحن والأضغان ، ثم تقول غير متأثم ولا مستعظم : لأهلُّوا واستهلُّوا فرحاً ثم قالوا يا يزيد لا تُشل ! منتحياً على ثنايا أبي عبد الله سيد شباب أهل الجنة تنكتها بمخصرتك ! وكيف لا تقول ذلك وقد نكأت القرحة واستأصلت الشأفة بإراقتك دماء ذرية محمد « صلى الله عليه وآله » ، ونجوم الأرض من آل عبد المطلب ! تهتف بأشياخك ! زعمت إنك تناديهم فلتردن وشيكاً موردهم ! ولتودَّن أنك شُلِلْتَ وبَكُمْتَ ولم تكن قلت ما قلت وفعلت ما فعلت . اللهم خذ لنا بحقنا وانتقم ممن ظلمنا ، واحلل غضبك بمن سفك دمائنا وقتل حماتنا ! فوالله ما فَرَيْتَ إلا جلدك ولاحَزَزْتَ إلا لحمك ، ولتردنَّ على رسول الله « صلى الله عليه وآله » بما تحملت من سفك دماء ذريته ، وانتهكت من حرمته في عترته ولحمته ، وحيث يجمع الله شملهم ، ويلم شعثهم ، ويأخذ بحقهم ، وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ . فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ ، وحسبك بالله حاكماً وبمحمد خصيماً ، وبجبرائيل ظهيراً ، وسيعلم من سوَّل لك ومكنك من رقاب المسلمين ، أيكم شر مكاناً وأضعف جنداً .
ولئن جرَّتْ علي الدواهي مخاطبتك ، إني لأستصغر قدرك وأستعظم تقريعك وأستكثر توبيخك ، لكن العيون عبرى والصدور حرَّى .
ألا فالعجب كل العجب ، لقتل حزب الله النجباء بحزب الشيطان الطلقاء ، فهذه الأيدي تنطف من دمائنا ، والأفواه تتحلب من لحومنا ، تلك الجثث الطواهر الزواكي تتناهبها العواسل وتعفرها أمهات الفراعل !
ولئن اتخذتنا مغنماً ، لتجدنا وشيكاً مغرما ، حين لا تجد إلا ما قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 94 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
اللهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيد . فإلى الله المشتكى وعليه المعول ، فكد كيدك واسع سعيك ، وناصب جهدك ، فوالله لا تمحو ذكرنا ، ولا تميت وحينا ولا تدرك أمدنا ولا ترحض عنك عارها ! وهل رأيك إلا فَنَد ، وأيامك إلا عدد ، وجمعك إلا بَدَد ، يوم ينادي المنادي ألا لعنة الله على الظالمين ، فالحمد لله رب العالمين الذي ختم لأولنا بالسعادة والمغفرة ، ولآخرنا بالشهادة والرحمة ، ونسأل الله أن يكمل لهم الثواب ويوجب لهم المزيد ويُحْسن علينا الخلافة ، إنه رحيم ودود وحسبنا الله ونعم الوكيل . فقال يزيد مجيباً لها :

يا صيحةً تُحمدُ من صوائحِ * ما أهون الموت على النوائحِ ) .

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 95 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

20 - خطبة الإمام زين العابدين « عليه السلام » أمام يزيد

في الفتوح لابن الأعثم : 5 / 132 : ( قال : ثم دعا يزيد بالخاطب ، وأمر بالمنبر فأحضر ثم أمر الخاطب فقال : إصعد المنبر فخبِّر الناس بمساوئ الحسين وعلي وما فعلا ! قال : فصعد الخاطب المنبر فحمد الله وأثنى عليه ، ثم أكثر الوقيعة في علي والحسين ، وأطنب في تقريظ معاوية ويزيد ، فذكرهما بكل جميل .
قال : فصاح علي بن الحسين : ويلك أيها الخاطب ، اشتريت مرضاة المخلوق بسخط الخالق ، فانظر مقعدك من النار !
ثم قال علي بن الحسين : يا يزيد أتأذن لي أن أصعد هذه الأعواد فأتكلم بكلام فيه رضا الله ورضا هؤلاء الجلساء ، وأجر وثواب ؟
قال : فأبى يزيد ذلك ، فقال الناس : يا أمير المؤمنين إئذن له ليصعد المنبر لعلنا نسمع منه شيئاً ! فقال : إنه إن صعد المنبر لم ينزل إلا بفضيحتي وفضيحة آل أبي سفيان ! قيل له : يا أمير المؤمنين وما قدر ما يحسن هذا ؟ قال : إنه من نسل قوم قد زُقُّوا العلم زقاً .
قال : فلم يزالوا به حتى صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم خطب خطبة أبكى منها العيون ، وأوجل منها القلوب ، ثم قال :
أيها الناس ، من عرفني فقد عرفني ، ومن لم يعرفني أنبأته بحسبي ونسبي ، أيها الناس ، أنا ابن مكة ومنى وزمزم والصفا ، أنا ابن خير من حج وطاف وسعى ولبى ، أنا ابن خير من حمل البراق ، أنا ابن من أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، أنا ابن من بلغ به جبريل إلى سدرة المنتهى ، أنا ابن من دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى ، أنا ابن من صلى بملائكة السما
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 96 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أنا ابن فاطمة الزهرا ، أنا ابن سيدة النسا ! قال : فلم يزل يعدد ذلك حتى ضج الناس بالبكاء والنحيب . قال : وخشي يزيد أن تكون فتنة فأمر المؤذن فقال : اقطع عنا هذا الكلام ! قال : فلما سمع المؤذن قال : الله أكبر ! قال : لا شئَ أكبر من الله ، فلما قال : أشهد أن لا إله إلا الله ! قال : يشهد بها شعري وبشري ولحمي ودمي ، فلما قال المؤذن : أشهد أن محمداً رسول الله ، التفت علي بن الحسين من فوق المنبر إلى يزيد فقال : محمدٌ هذا جدي أم جدك ؟ فإن زعمت أنه جدك فقد كذبت ، وإن زعمت أنه جدي فلم قتلت عترته ؟ !
قال : فلما فرغ المؤذن من الأذان والإقامة تقدم يزيد يصلي بالناس صلاة الظهر ، فلما فرغ من صلاته أمر بعلي بن الحسين وأخواته وعماته رضوان الله عليهم ، ففرِّغ لهم دارٌ فنزلوها ، وأقاموا أياماً يبكون وينوحون على الحسين رضي الله عنه ) . ونحوه مناقب آل أبي طالب : 3 / 304 ، بتفاوت ، والاحتجاج : 2 / 38 ، ولواعج الأشجان / 234 ، وفيه : ( أيها الناس أعطينا ستاً وفضلنا بسبع : أعطينا العلم والحلم والسماحة والفصاحة والشجاعة والمحبة في قلوب المؤمنين ، وفضلنا بأن منا النبي المختار محمد « صلى الله عليه وآله » ومنا الصديق ومنا الطيار ومنا أسد الله وأسد رسوله ، ومنا سبطا هذه الأمة . . من عرفني فقد عرفني . . . حتى ضج الناس بالبكاء والنحيب وخشي يزيد أن يكون فتنة فأمر المؤذن فقطع عليه الكلام . . . ) .

21 - رسول ملك الروم وحَبْر يهودي يستنكران على يزيد !

في ترجمة الإمام الحسين « عليه السلام » من طبقات ابن سعد / 87 ، بسنده : ( عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمان قال : لقيني رأس الجالوت فقال : والله إن بيني وبين داود لسبعين أباً ، وإن اليهود لتلقاني فتعظمني ، وأنتم ليس بينكم وبين نبيكم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 97 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إلا أب واحد قتلتم ولده ) ! وتذكرة الخواص / 263 ، واللهوف / 110 .
وفي فتوح ابن أعثم : 5 / 132 ، و اللهوف / 110 : ( عن زين العابدين « عليه السلام » قال : لما أتيّ برأس الحسين إلى يزيد كان يتخذ مجالس الشرب ويأتي برأس الحسين ويضعه بين يديه ويشرف عليه ! فحضر ذات يوم في مجلسه رسول ملك الروم وكان من أشراف الروم وعظمائهم فقال : يا ملك العرب هذا رأس من ؟ فقال له يزيد : مالك ولهذا الرأس ! فقال إني إذا رجعت إلى ملكنا يسألني عن كل شئ رأيته فأحببت أن أخبره بقصة هذا الرأس وصاحبه ، حتى يشاركك في الفرح والسرور ، فقال يزيد : هذا رأس الحسين بن علي بن أبي طالب ، فقال الرومي : ومن أمه ؟ فقال : فاطمة بنت رسول الله . فقال النصراني : أف لك ولدينك ! لي دين أحسن من دينكم ! إن أبي من حوافد داود « عليه السلام » وبيني وبينه آباء كثيرة والنصارى يعظموني ويأخذون من تراب قدمي تبركاً بأني من حوافد داود ! وأنتم تقتلون ابن بنت رسول الله وما بينه وبين نبيكم إلا أم واحدة ، فأي دين دينكم ) ! ونحوه ابن الأعثم : 5 / 132 ، وفيه : ( وأنتم إنما فارقكم نبيكم بالأمس فوثبتم على ابن نبيكم فقتلتموه ! سَوْءَةً لكم من أمة ! قال : فأمر يزيد به فوجئ في حلقه ( كأن يضرب بكعب الرمح في حلقه ثلاثاً ) ! فقال الحبر : إن شئتم فاضربوني أو فاقتلوني أو قرروني فإني أجد في التوراة أنه من قتل ذرية نبي لا يزال مغلوباً أبداً ما بقي ! فإذا مات يصليه الله نار جهنم ) . ومقتل للخوارزمي / 69 .

22 - شهادة المدائني بأن يزيداً أمر بقتل الإمام زين العابدين « عليه السلام » !

في مناقب آل أبي طالب : 3 / 309 : ( قال المدائني : لما انتسب السجاد إلى النبي ( ص ) قال يزيد لجلوازه : أدخله في هذا البستان واقتله وادفنه فيه ! فدخل به إلى
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 98 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
البستان وجعل يحفر والسجاد يصلي ، فلما هم بقتله ضربته يد من الهواء ، فخرَّ لوجهه وشهق ودهش ! فرآه خالد بن يزيد وليس لوجهه بقية ، فانقلب إلى أبيه وقص عليه ، فأمر بدفن الجلواز في الحفرة وإطلاقه . وموضع حبس زين العابدين هو اليوم مسجد ) . والبحار : 45 / 175 ، والعوالم / 411 .

23 - عندما مرَّ الإمام زين العابدين « عليه السلام » في أسواق دمشق

في مناقب آل أبي طالب : 3 / 304 ، ومثير الأحزان / 84 : ( وخرج يوماً زين العابدين يمشى في أسواق دمشق ، فلقيه المنهال بن عمرو فقال : كيف أمسيت يا ابن رسول الله ؟ قال : أمسينا كمثل بني إسرائيل في آل فرعون ! يذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم ! يا منهال ، أمست العرب تفتخر على العجم بأن محمداً منها وأمست قريش تفتخر على سائر العرب بأن محمداً منها ، وأمسينا معشر أهل بيته ونحن مقتولون مشردون ! فإنا لله وإنا إليه راجعون مما أمسينا فيه يا منهال !
وسأل مكحول الصحابي الإمام زين العابدين « عليه السلام » : ( كيف أمسيت يا بن رسول الله ؟ فقال : ويحك كيف أمسيت ! أمسينا فيكم كهيئة بني إسرائيل في آل فرعون يذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم ، وأمست العرب تفتخر على العجم بأن محمدا منها ، وأمسى آل محمد مقهورين مخذولين فإلى الله نشكو كثرة عدونا ، وتفرق ذات بيننا ، وتظاهر الأعداء علينا ) !

24 - عودة الأسرى والسبايا من الشام باتجاه المدينة

في العوالم / 445 : ( ثم دعا بعلي بن الحسين « صلى الله عليه وآله » فقال له : لعن الله ابن مرجانة ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 99 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أما والله لو كنت صاحبه ما سألني خلة إلا أعطيتها إياه ، ولدفعت عنه الحتف بكل ما قدرت عليه ، ولو بهلاك بعض ولدي ، ولكن قضى الله ما رأيت ، فكاتبني وانْهِ إليَّ كل حاجة تكون لك )
وفي لواعج الأشجان / 239 : ( وفي رواية أن يزيد قال لعلي بن الحسين « صلى الله عليه وآله » : إن شئت أقمت عندنا فبررناك ، وإن شئت رددناك إلى المدينة ، فقال : لا أريد إلا المدينة . ثم إن يزيداً أمر برد السبايا والأسارى إلى المدينة ، وأرسل معهم النعمان بن بشير الأنصاري في جماعة ، فلما بلغوا إلى العراق قالوا للدليل : مُرَّ بنا على طريق كربلا ، فلما وصلوا إلى موضع المصرع ، وجدوا جابر بن عبد الله الأنصاري وجماعة من بني هاشم ، ورجالاً وردوا لزيارة قبر الحسين « عليه السلام » فتوافوا في وقت واحد وتلاقوا بالبكاء والحزن واللطم وأقاموا المأتم ، واجتمع عليهم أهل ذلك السواد . وأقاموا على ذلك أياماً ) .

25 - قافلة أهل البيت « عليهم السلام » في كربلاء في زيارة الأربعين

في تنبيه الغافلين لابن كرامة / 90 ، وبشارة المصطفى للطبري الشيعي / 124 ، بسنده إلى الأعمش « رحمه الله » عن عطية العوفي قال : خرجت مع جابر بن عبد الله الأنصاري « رحمه الله » زائرين قبر الحسين بن علي بن أبي طالب ، فلما وردنا كربلا دنا جابر من شاطئ الفرات فاغتسل ثم اتزر بإزار وارتدى بآخر ، ثم فتح صرَّةً فيها سعدٌ ( كالريحان اليابس ) فنثرها على بدنه ، ثم لم يخط خطوة إلا ذكر الله تعالى ، حتى إذا دنا من القبر قال : أَلْمسْنِيهْ ، فألمسته ، فخرَّ على القبر مغشياً عليه فرششت عليه شيئاً من الماء فلما أفاق قال : يا حسين ثلاثاً ! ثم قال : حبيب لا يجيب حبيبه !
ثم قال : وأنى لك بالجواب وقد شحطت أوداجك على أثباجك ، وفرق بين
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 100 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بدنك ورأسك ! فأشهد أنك ابن خاتم النبيين وابن سيد المؤمنين ، وابن حليف التقوى وسليل الهدى ، وخامس أصحاب الكسا ، وابن سيد النقباء ، وابن فاطمة سيدة النساء ، ومالك لا تكون هكذا وقد غَذَتْك كفُّ سيد المرسلين وربيت في حجر المتقين ، ورضعت من ثدي الإيمان ، وفطمت بالإسلام ، فطبتَ حياً وطبت ميتاً ، غير أن قلوب المؤمنين غير طيبة لفراقك ، ولا شاكة في الخيرة لك ، فعليك سلام الله ورضوانه . وأشهد أنك مضيت على ما مضى عليه أخوك يحيى بن زكريا . ثم جال ببصره حول القبر وقال : السلام عليكم أيتها الأرواح التي حلت بفناء الحسين وأناخت برحله ، أشهد أنكم أقمتم الصلاة ، وآتيتم الزكاة ، وأمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر ، وجاهدتم الملحدين ، وعبدتم الله حتى أتاكم اليقين . والذي بعث محمداً بالحق نبياً لقد شاركناكم فيما دخلتم فيه ! قال عطية : فقلت له : يا جابر كيف ولم نهبط وادياً ولم نعل جبلاً ولم نضرب بسيف ، والقوم قد فرق بين رؤوسهم وأبدانهم ، وأوتمت أولادهم ، وأرملت أزواجهم ؟ ! فقال لي : يا عطية سمعت حبيبي رسول الله « صلى الله عليه وآله » يقول : من أحب قوماً حشر معهم ، ومن أحب عمل قوم أشرك في عملهم ، والذي بعث محمداً بالحق نبياً إن نيتي ونية أصحابي على ما مضى عليه الحسين وأصحابه .
خذني نحو أبيات كوفان . فلما صرنا في بعض الطريق قال لي : يا عطية هل أوصيك وما أظن أني بعد هذه السفرة ملاقيك : أحبب محب آل محمد « عليهم السلام » ما أحبهم ، وأبغض مبغض آل محمد ما أبغضهم ، وإن كان صواماً قواماً ، وارفق بمحب محمد وآل محمد ، فإنه إن تزل له قدم بكثرة ذنوبه ثبتت له أخرى بمحبتهم ، فإن محبهم يعود إلى الجنة ، ومبغضهم يعود إلى النار ) .
وفي مسارّ الشيعة للمفيد / 46 ، ومصباح المتهجد للطوسي / 787 : ( وفي اليوم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 101 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
العشرين منه ( صفر ) كان رجوع حرم سيدنا أبي عبد الله الحسين بن علي بن أبي طالب « عليه السلام » من الشام إلى مدينة الرسول « صلى الله عليه وآله » وهو اليوم الذي ورد فيه جابر بن عبد الله بن حرام الأنصاري صاحب رسول الله « صلى الله عليه وآله » من المدينة إلى كربلاء لزيارة قبر أبي عبد الله « عليه السلام » ، فكان أول من زاره من الناس ) .
وفي اللهوف / 112 : ( وقال ( يزيد ) لعلي بن الحسين : أذكر حاجاتك الثلاث اللاتي وعدتك بقضائهن . . . ثم أمر برد الأسارى وسبايا الحسين إلى أوطانهن بمدينة الرسول « صلى الله عليه وآله » ، فأما رأس الحسين « عليه السلام » فروي إنه أعيد فدفن بكربلاء مع جسده الشريف « عليه السلام » ، وكان عمل الطائفة على هذا المعنى . . . قال الراوي : لما رجع نساء الحسين « عليه السلام » وعياله من الشام وبلغوا العراق قالوا للدليل : مُرَّ بنا على طريق كربلاء . . . إلى آخر ما تقدم . . . فأقاموا على ذلك أياماً . ثم انفصلوا من كربلاء طالبين المدينة ) . وأعيان الشيعة : 1 / 617 .

26 - عودة الإمام « عليه السلام » إلى مدينة جده « صلى الله عليه وآله »

عاد الإمام زين العابدين « عليه السلام » بعوائل أهل البيت إلى المدينة ، فكان دخوله لوحةً انطبعت في أفق المدينة إلى اليوم ، وأمضى فيها خمساً وثلاثين سنة ، حفلت منه بآيات الإمامة ، ومن الحكام بالأحداث المريرة والاضطهاد والدماء !
( قال بشير بن حذلم : فلما قربنا منها نزل علي بن الحسين « عليه السلام » فحطَّ رحله وضرب فسطاطه وأنزل نسائه ، وقال : يا بشر رحم الله أباك لقد كان شاعراً ، فهل تقدر على شئ منه ؟ فقلت : بلى يا ابن رسول الله إني شاعر . فقال : أدخل المدينة وانْعَ أبا عبد الله « عليه السلام » ! قال بشير : فركبت فرسي وركضت حتى دخلت المدينة ، فلما بلغت مسجد النبي « صلى الله عليه وآله » رفعت صوتي بالبكاء ، وأنشأت أقول :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 102 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

يا أهلَ يثربَ لا مُقَام لكم بها * قتل الحسينُ فأدمعي مدْرَارُ
الجسمُ منهُ بكربلاءَ مضرَّجٌ * والرأسُ منهُ على القناة يُدارُ

قال ثم قلت : هذا علي بن الحسين مع عماته وأخواته ، قد حلوا بساحتكم ونزلوا بفنائكم ، وأنا رسوله إليكم أعرفكم مكانه ! قال : فما بقيت في المدينة مخدرة ولا محجبة إلا برزن من خدورهن ، مكشوفة شعورهن مخمشة وجوههن ضاربات خدودهن ، يدعون بالويل والثبور ! فلم أرَ باكياً أكثر من ذلك اليوم ، ولا يوماً أمرَّ على المسلمين منه ! وسمعت جارية تنوح على الحسين « عليه السلام » فتقول :

نعى سيدي ناعٍ نعاهُ فأوجعا * وأمرضني ناعٍ نعاه فأفجعا
فعينيَّ جودا بالدموع واسكبا * وجُودا بدمعٍ بعد دمعكما معا
على ابنِ نبيِّ اللهِ وابنِ وصيِّهِ * وإن كان عنا شاحطَ الدار أشْسَعَا

ثم قالت : أيها الناعي جددت حزننا بأبي عبد الله « عليه السلام » وخدشت منا قروحاً لمَّا تندمل ، فمن أنت رحمك الله ؟ فقلت : أنا بشير بن حذلم وجَّهني مولاي علي بن الحسين « عليه السلام » وهو نازلٌ في موضع كذا وكذا مع عيال أبي عبد الله الحسين ونسائه ! قال فتركوني مكاني وبادروني ( سبقوني ) فضربت فرسي حتى رجعت إليهم فوجدت الناس قد أخذوا الطرق والمواضع ، فنزلت عن فرسي وتخطيت رقاب الناس حتى قربت من باب الفسطاط وكان علي بن الحسين « عليه السلام » داخلاً ، فخرج ومعه خرقة يمسح بها دموعه ، وخلفه خادم معه كرسي فوضعه له وجلس عليه وهو لا يتمالك عن العبرة ، وارتفعت أصوات الناس بالبكاء وحنين النسوان والجواري ، والناس يعزونه من كل ناحية ، فضجت تلك البقعة ضجة شديدة ، فأومأ بيده أن اسكتوا فسكنت فوْرَتهم فقال :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 103 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الحمد لله رب العالمين ، مالك يوم الدين ، بارئ الخلائق أجمعين ، الذي بَعُدَ فارتفع في السماوات العلى ، وقَرُبَ فشهد النجوى ، نحمده على عظائم الأمور وفجائع الدهور ، وألم الفجائع ومضاضة اللواذع ، وجليل الرزء وعظيم المصائب الفاظعة ، الكاظة الفادحة الجائحة .
أيها القوم : إن الله وله الحمد ابتلانا بمصائب جليلة ، وثلمة في الإسلام عظيمة ، قُتِلَ أبو عبد الله الحسين « عليه السلام » وعترته ، وسبي نسائه وصبيته ، وداروا برأسه في البلدان من فوق عامل السنان ، وهذه الرزية التي لا مثلها رزية !
أيها الناس : فأيُّ رجالات منكم يُسَرُّونَ بعد قتله ، أم أي فؤاد لا يحزن من أجله ، أم أيَّةُ عين منكم تحبس دمعها وتضن عن انْهِمَالها ! فلقد بكت السبع الشداد لقتله ، وبكت البحار بأمواجها ، والأرض بأرجائها ، والملائكة المقربون وأهل السماوات أجمعون .
يا أيها الناس : أيُّ قلب لا ينصدع لقتله ، أم أي فؤاد لا يحنُّ إليه ، أم أي سمع لا يسمع هذه الثلمة التي ثلمت في الإسلام ولا يُصَمّ !
أيها الناس : أصبحنا مطرودين مشردين ، مذودين شاسعين عن الأمصار ! كأنا أولاد ترك وكابل ! من غير جرم اجترمناه ولا مكروه ارتكبناه ، ولا ثلمة في الإسلام ثلمناها ! ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين ، إن هذا إلا اختلاق !
والله لو أن النبي « صلى الله عليه وآله » تقدم إليهم في قتالنا كما تقدم إليهم في الوصاية بنا ، لما زادوا على ما فعلوا بنا ! فإنا لله وإنا إليه راجعون ، من مصيبة ما أعظمها وأوجعها وأفجعها وأكظها وأمرها وأفدحها ! فعند الله نحتسب ما أصابنا وأبلغ بنا ، فإنه عزيز ذو انتقام . . . ) . ( ينابيع المودة : 3 / 93 ، والعوالم / 446 ، ولواعج الأشجان / 242 ، وشهادة المعصومين « عليهم السلام » : 2 / 394 ، وبحار الأنوار : 45 / 147 ، واللهوف / 115 ، وفيه : ثم انفصلوا من كربلاء
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 104 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
طالبين المدينة . . . قال بشير بن جذلم : فلما قربنا منها أنزل علي بن الحسين « عليه السلام » فحط رحله وضرب فسطاطه وأنزل نسائه وقال : يا بشر رحم الله أباك لقد كان شاعراً . . . الخ .
أقول : لاحظ أن الإمام زين العابدين « عليه السلام » ركز على الجانب العاطفي ، لأن المطلوب تحريك عاطفة الناس وغيرتهم على دينهم وعترة نبيهم « صلى الله عليه وآله » ، وتخليد ظلامة الإمام الحسين « عليه السلام » وأصحابه ، في تاريخ الأمة وضميرها .

27 - تسلم الإمام وصية والده « صلى الله عليه وآله » من أم سلمة

أوصى الإمام الحسين « عليه السلام » بوصيتين لولده الإمام زين العابدين « عليه السلام » ، ويظهر أن أولاهما كانت مجموعة مواريث الأنبياء « عليهم السلام » التي أتى بها جبرئيل للنبي « صلى الله عليه وآله » ودفعها إلى علي ثم إلى الحسن والحسين « عليهم السلام » ، فقد ورد وصفها بأنها كتب . روى في بصائر الدرجات / 182 ، عن الإمام الصادق « عليه السلام » قال : ( إن الكتب كانت عند علي « عليه السلام » فلما سار إلى العراق استودع الكتب أم سلمة ، فلما مضى عليٌّ كانت عند الحسن ، فلما مضى الحسن كانت عند الحسين ، فلما مضى الحسين كانت عند علي بن الحسين ، ثم كانت عند أبي ) . ونحوه / 187 ، ومناقب آل أبي طالب : 3 / 308 ، والكافي : 1 / 298 ، بروايتين وفيهما : استودع أم سلمة كتبه والوصية فلما رجع الحسن دفعتها إليه ) .
أما الوصية الثانية فكانت كالطومار ، وقد دفعها الإمام الحسين « عليه السلام » في كربلاء لابنته فاطمة لتعطيها للإمام زين العابدين « عليه السلام » عندما يزول عنه الخطر .
ففي بصائر الدرجات / 168 ، عن الإمام الباقر « عليه السلام » قال : ( إن الحسين « عليه السلام » لما حضره الذي حضره دعا ابنته الكبرى فاطمة فدفع إليها كتاباً ملفوفاً ، ووصية ظاهرة ووصية باطنة ، وكان علي بن الحسين « عليه السلام » مبطوناً لا يرون إلا أنه لما به ، فدفعت فاطمة الكتاب إلى علي بن الحسين « عليه السلام » ، ثم صار ذلك إلينا . فقلت فما في
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 105 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ذلك ؟ فقال : فيه والله جميع ما يحتاج إليه ولد آدم إلى أن تفنى الدنيا ) . انتهى .
ولعلها كانت تتضمن الألف باب التي علمها النبي « صلى الله عليه وآله » لعلي « عليه السلام » قبل وفاته ، وهي أشبه بالمعادلات الرياضية ينفتح من كل باب منها ألف باب ، يستخرج منها المعصوم « عليه السلام » ما يحتاج إليه . ونحوه بصائر الدرجات / 183 ، والإمامة والتبصرة / 64 ، والكافي : 1 / 303 ، ومناقب آل أبي طالب : 3 / 308 .

28 - الإمام زين العابدين « عليه السلام » يُخَلِّد شهادة أبيه في ضمير الأمة

مضافاً إلى عناصر القوة الذاتية التي أوجبت بقاء ثورة الإمام الحسين « عليه السلام » حيويةً فاعلةً في ضمير أجيال الأمة ، فقد كان من اللازم لتخليدها دور الإمام زين العابدين « عليه السلام » ودور السيدة زينب « عليها السلام » . وقد أدى الإمام « عليه السلام » دوره في تخليد كربلاء على أحسن وجه ، كصلاته وصيامه ، لأنه كان يعيش إمامة أبيه ونهضته « صلى الله عليه وآله » عبادةً لربه كبقية عباداته ! فمن الأساليب التي استعملها الإمام « عليه السلام » :
1 - كان كل عمره يعيش حزن كربلاء : ( عن الصادق « عليه السلام » أنه قال : إن زين العابدين « عليه السلام » بكى على أبيه أربعين سنة صائماً نهاره وقائماً ليلة ، فإذا حضر الإفطار وجاء غلامه بطعامه وشرابه فيضعه بين يديه فيقول كل يا مولاي ، فيقول قتل ابن رسول الله جائعاً ! قتل ابن رسول الله عطشاناً ! فلا يزال يكرر ذلك ويبكي حتى يبتلَّ طعامه من دموعه ، ثم يمزج شرابه بدموعه ! فلم يزل كذلك حتى لحق بالله عز وجل !
وحدَّث مولىً له : أنه برز يوماً إلى الصحراء ، قال فتبعته فوجدته قد سجد على حجارة خشنة ، فوقفت وأنا أسمع شهيقه وبكاءه ، وأحصيت عليه ألف
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 106 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مرة يقول : لا إله إلا الله حقاً حقاً ، لا إله إلا تعبداً ورقاً ، لا إله إلا الله إيماناً وتصديقاً وصدقاً . ثم رفع رأسه من سجوده وإنَّ لحيته ووجهه قد غُمرا بالماء من دموع عينيه ، فقلت : يا سيدي أما آن لحزنك أن ينقضي ولبكائك أن يقل ؟ فقال لي : ويحك إن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم كان نبياً ابن نبي ، له اثنا عشر ابناً فغيَّبَ الله واحداً منهم ، فشابَ رأسه من الحزن واحدَوْدَبَ ظهره من الغمِّ ، وذهب بصره من البكاء ، وابنه حيٌّ في دار الدنيا . وأنا رأيت أبي وأخي وسبعة عشر من أهل بيتي صرعى مقتولين ، فكيف ينقضي حزني ويقل بكائي ) !
( اللهوف / 115 ، وينابيع المودة : 3 / 93 ، والعوالم / 446 ، ولواعج الأشجان / 242 ، وبحار الأنوار : 45 / 147 ) .
وفي تاريخ دمشق : 41 / 386 : ( سئل علي بن الحسين عن كثرة بكائه ؟ فقال : لا تلوموني فإن يعقوب « عليه السلام » فَقَدَ سبطاً من ولده فبكى حتى ابيضت عيناه من الحزن ولم يعلم أنه مات ، وقد نظرت إلى أربعة عشر رجلاً من أهل بيتي يذبحون في غداة واحدة ، فترون حزنهم يذهب من قلبي ؟ أبداً ) !
2 - تبنى الإمام مجالس العزاء على أبيه الحسين « صلى الله عليه وآله » : ففي المحاسن : 2 / 420 ، عن عمر بن علي بن الحسين قال : لما قتل الحسين بن علي « عليه السلام » لبسن نساء بني هاشم السواد والمسوح وكن لا يشتكين من حر ولا برد ، وكان علي بن الحسين « عليه السلام » يعمل لهن الطعام للمأتم ) . والوسائل : 3 / 238 .
3 - وكان يشرح ظلامة أهل البيت « عليهم السلام » كلما رأى مناسبة : فقد رأيت خطبه في الكوفة والشام ، وحديثه مع الصحابي سهل بن ساعدة وغيره .
وعن المنهال بن عمرو قال : ( دخلت على علي بن حسين فقلت : كيف أصبحت أصلحك الله ؟ فقال : ما كنت أرى شيخاً من أهل المصر مثلك لا يدري كيف أصبحنا ! فأما إذ لم تدر أو تعلم فأنا أخبرك : أصبحنا في قومنا بمنزلة بني
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 107 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إسرائيل في آل فرعون ، إذ كانوا يذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم ! وأصبح شيخنا وسيدنا يتقرب إلى عدونا بشتمه وبسبه على المنابر ! وأصبحت قريش تعدُّ أن لها الفضل على العرب لأن محمداً منها ، لا يُعَدُّ لها فضل إلا به وأصبحت العرب مقرةٌ لهم بذلك ، وأصحبت العرب تَعُدُّ لها الفضل على العجم لأن محمداً منها ، لا يعدُّ لها فضل إلا به ، وأصبحت العجم مقرةٌ لهم بذلك ! فلئن كانت العرب صدقت أن لها الفضل على العجم ، وصدقت أن لها الفضل على العرب لأن محمداً منها ، إنَّ لنا أهل البيت الفضل على قريش لأن محمداً منا ، فأصبحوا يأخذون بحقنا ولا يعرفون لنا حقاً ! فهكذا أصبحنا إذا لم تعلم كيف أصبحنا ) ! ( تاريخ دمشق : 41 / 396 ) .
وسيأتي المزيد من أعماله لتخليد ذكر الحسين « عليه السلام » في تشييده لصرح التشيع .
4 - وكان يشيد بأصحاب الحسين « عليه السلام » لتخليد ذكراهم : ففي أمالي الصدوق / 547 : ( عن ثابت بن أبي صفية قال : نظر سيد العابدين علي بن الحسين إلى عبيد الله بن العباس بن علي بن أبي طالب « عليه السلام » فاستعبر ثم قال : ما من يوم أشد على رسول الله « صلى الله عليه وآله » من يوم أحد ، قتل فيه عمه حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله « صلى الله عليه وآله » ، وبعده يوم مؤتة قتل فيه ابن عمه جعفر بن أبي طالب .
ثم قال « عليه السلام » : ولا يوم كيوم الحسين ! ازدلف إليه ثلاثون ألف رجل يزعمون أنهم من هذه الأمة كل يتقرب إلى الله عز وجل بدمه ، وهو بالله يذكرهم فلا يتعظون حتى قتلوه بغياً وظلماً وعدواناً ! ثم قال « عليه السلام » : رحم الله العباس فلقد آثر وأبلى وفدى أخاه بنفسه حتى قطعت يداه ، فأبدله الله عز وجل بهما جناحين يطير بهما مع الملائكة في الجنة كما جعل لجعفر بن أبي طالب . وإن للعباس عند الله تبارك وتعالى منزلة يغبطه بها جميع الشهداء يوم القيامة ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 108 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي كامل الزيارات / 213 : ( كان علي بن الحسين « عليه السلام » ميل إلى ولد عقيل ، فقيل له : ما بالك تميل إلى بني عمك هؤلاء دون آل جعفر ؟ فقال : إني أذكر يومهم مع أبي عبد الله الحسين بن علي فأرق لهم ) .
5 - وكان يزور قبر الحسين « عليه السلام » في كربلاء ويدعو إلى زيارته : وقد تقدم أنه « عليه السلام » جعل طريق قافلة الأسرى على كربلاء في عودته من الشام ، وزاروا قبر الحسين « عليه السلام » وأقاموا عنده المأتم في زيارة الأربعين .
وعندما ترجع إلى كتاب كامل الزيارات ، وهو من أقدم الكتب في موضوعه وأوثقها ، تجد عدداً من الروايات عن الإمام زين العابدين « عليه السلام » يؤكد فيها « عليه السلام » على زيارة قبر النبي « صلى الله عليه وآله » وأمير المؤمنين « عليه السلام » ، ويوجه المسلمين إلى إقامة العزاء على الإمام الحسين « عليه السلام » والبكاء عليه ، وزيارة قبره ، ويشرح لهم فضل أرض كربلاء والفرات . ففي / 213 ، عن الإمام الصادق « عليه السلام » قال : ( بكى علي بن الحسين على أبيه حسين بن علي « صلى الله عليه وآله » عشرين سنة أو أربعين سنة ، وما وضع بين يديه طعاماً إلا بكى على الحسين حتى قال له مولى له : جعلت فداك يا ابن رسول الله إني أخاف عليك أن تكون من الهالكين ! قال : إنما أشكو بثي وحزني إلى الله واعلم من الله مالا تعلمون ، إني لم أذكر مصرع بني فاطمة إلا خنقتني العبرة لذلك . . .
أشرف مولى لعلي بن الحسين وهو في سقيفة له ساجد يبكي فقال له : يا مولاي يا علي بن الحسين أما آن لحزنك أن ينقضي ؟ فرفع رأسه إليه وقال : ويلك ، شكى يعقوب إلى ربه في أقل مما رأيت حتى قال : يا أسفا على يوسف ! إنه فقد ابناً واحداً وأنا رأيت أبي وجماعة أهل بيتي يذبحون حولي ) !
وفي / 47 : قال الإمام زين العابدين « عليه السلام » : ( قال رسول الله « صلى الله عليه وآله » : من زار قبري بعد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 109 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
موتي كان كمن هاجر إليَّ في حياتي ، فإن لم تستطيعوا فابعثوا إلي السلام ، فإنه يبلغني ) . وفي / 201 : ( أيما مؤمن دمعت عيناه لقتل الحسين بن علي « صلى الله عليه وآله » دمعة حتى تسيل على خده ، بوأه الله بها في الجنة غرفاً يسكنها أحقاباً ) .
وفي / 234 ، قال « عليه السلام » : ( من أحب أن يصافحه مائة ألف نبي وأربعة وعشرون ألف نبي فليزر قبر أبي عبد الله الحسين بن علي في النصف من شعبان ، فإن أرواح النبيين « عليهم السلام » يستأذنون الله في زيارته فيؤذن لهم ، منهم خمسة أولوا العزم من الرسل ، قلنا : من هم ، قال : نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد « صلى الله عليه وآله » . قلنا له : ما معنى أولي العزم ، قال : بعثوا إلى شرق الأرض وغربها ، جنها وإنسها ) .
وفي / 444 : قال « عليه السلام » لزائدة أبي قدامة : ( بلغني يا زائدة أنك تزور قبر أبي عبد الله الحسين أحياناً . . . الحديث . . ) وقد تقدم .
وفي / 184 ، عنه « عليه السلام » في بكاء الأرض على يحيا بن زكريا والحسين بن علي « صلى الله عليه وآله » .
وفي / 108 ، عن بركة نهر الفرات وأن فيه ثلاثة مثاقيل مسك من مسك الجنة .
وفي / 451 ، أن الله اتخذ أرض كربلاء حرماً آمنا مباركاً قبل أن يخلق أرض الكعبة ويتخذها حرماً ، وأنها عندما تزلزل الأرض زلزالها ، ترفع وتجعل في أفضل روضة من رياض الجنة .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 110 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

29 - من تزويرات ابن تيمية والذهبي ضد الإمام وأهل البيت « عليهم السلام »

لا يتسع المجال لاستيفاء تحريفات المخالفين وتزويرهم لسيرة الإمام زين العابدين « عليه السلام » ، فهي كثيرة ، وغرضها العام التخفيف من ظلم قريش عامة وبني أمية خاصة ، والتنقيص من مقام علي وأهل البيت « عليهم السلام » والطعن فيهم .
ومن أمثلتها المفضوحة أن المؤرخين اتفقوا على أن عمر بن سعد بعد أن قتل الحسين « عليه السلام » وأهل بيته وأصحابه ، أسر الإمام زين والعابدين « عليه السلام » ومن بقي منهم مع نسائهم وأطفالهم وبعث بهم مع الرؤوس الطاهرة إلى ابن زياد في الكوفة ، وأن ابن زياد راسل يزيداً فأمره أن يرسلهم إليه فأرسلهم إلى الشام .
لكن إذا أردت إنكار ذلك ؟ فيدلك ابن تيمية على طريقة بسيطة استعملها في رده على العلامة الحلي « قدس سره » ! وهي أن تضم شيئاً لم يقع إلى الجريمة ، ثم تنفيه بعبارة ملتوية تشملهما ! فهو يقول لك إذا قتل من تحبه شخصاً فبإمكانك أن تقول : زعموا أنه قتله وشرب دمه وهذا والله كذب . وأنت تقصد شربه من دمه ، وأنت صادق ! قال ابن تيمية في منهاجه : 8 / 104 : ( ومثل هذا الكذب الظاهر قول بعض الكذابين إنه لما سبيَ بعض أهل البيت حملوا على الجمال عرايا فنبتت لهم سنامات من يومئذ وهي البخاتي ! وأهل البيت لم يُسْبَ أحد منهم في الإسلام ، ولا حمل أحد من نسائهم مكشوف العورة ) . انتهى .
أقول : علم الله أني لم أقرأ طول عمري ولم أسمع ، مع أني من بلاد الشام التي عاش فيها ابن تيمية ، أن أحداً من الشيعة أو السنة قال إن البخاتي نبت لها سنام ثانٍ من ركوب سبايا أهل البيت « عليه السلام » عليها ، ولا سمعت أحداً قال إنهنَّ سبينَ عرايا ! حتى قرأت ذلك من ابن تيمية !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 111 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولاتٍسأل من أين جاء بهذا القول ! فقد يكون أحد نقله له عن عامي أبله ، وقد يكون اخترعه من عنده ليقول : ( وأهل البيت لم يُسْبَ أحد منهم في الإسلام ) ! فينفي سبي يزيد لنساء أهل البيت « عليهم السلام » ليوهم نفي أسرهم أو يخففه ، ويقول أنا صادق لأن يزيداً أسرهم وعفا عنهم ولم يسبهم ، فالسبي عنده أن يتملكهم عبيداً وإماءً ، ويزيد لم يفعل ذلك فاستحق الشكر عند ابن تيمية !
فمن أجل تبرئة إمامه يزيد حرَّف ابن تيمية معنى السبي وجعله التملك وليس الأسر ! مع أن العرب يقولون سباهم ثم أطلقهم ولم يتملكهم .
أما الناصبي الآخر الذهبي فقد استعمل طريقة أخرى فأغمض عيونه كلها عن أعمال يزيد وعماله ، وركز على ( إكرامه ) للإمام زين العابدين « عليه السلام » وجعل أسْر يزيد له ولأسرى أهل البيت « عليهم السلام » من كربلاء إلى الكوفة ثم إلى الشام ، وتقييد الإمام « عليه السلام » بأغلال في يديه ورجليه وصلت إلى عنقه ، جعل ذلك إحضاراً لهم لإكرامهم ! قال في سيره : 4 / 386 : ( وحدَّث عن أبيه الحسين الشهيد ، وكان معه يوم كائنة كربلاء وله ثلاث وعشرون سنة ، وكان يومئذ موعوكاً فلم يقاتل ولا تعرضوا له ، بل أحضروه مع آله إلى دمشق ، فأكرمه يزيد ورده مع آله إلى المدينة . . . ) . وقال في سيره : 3 / 320 : ( وكان ابنه علي زين العابدين مريضاً فَسَلِمَ ، وكان يزيد يكرمه ويرعاه ) . انتهى .
فهل فهمت رسالة هذا الشركسي الأموي ، عندما قال لك : كان زين العابدين مريضاً فلم يقاتل فلم يتعرضوا له ، لأنهم أتقياء لا يتعرضون إلا للمقاتلين ! وقد سلمَ من القتل ولم يكن خطرٌ على حياته في كربلاء ، ولا في الكوفة ولا في الشام ، وإنما أحضره يزيد إليه لكي يكرمه ، وكان يرعاه كما يرعى أولاده !
أما تقييد الإمام زين العابدين « عليه السلام » ورفقاؤه بالحديد ، ورفع رأس الحسين « عليه السلام »
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 112 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ورؤوس أصحابه على الرماح ، وتزيين الشام وإعلان يوم وصولهم يوم عيد ، وعَقْد يزيد مجلساً في قصره ودعوته وجهاء الشام ليشهدوا دخول رأس الحسين « عليه السلام » عليه وتشفيه به وضربه شفتيه بعود خيزران ، ثم دخول الإمام زين العابدين « عليه السلام » في اثني عشر أسيراً مكبلين ، ونساؤه وأطفاله مربَّطون بالحبال ، وكل الإذلال والإهانات . . فهي أعمال من أجل إكرام يزيد للإمام زين العابدين وأهل البيت « عليهم السلام » !
إنها نماذج بسيطة من تحريف علماء بني أمية وتزويرهم للتاريخ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 113 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الرابع : تلاميذ الإمام زين العابدين « عليه السلام » وأصحابه

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 114 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 115 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

1 - تلاميذه « عليه السلام » والرواة عنه

قال ابن عساكر في تاريخ دمشق : 41 / 360 : ( علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف ، أبو الحسن ، ويقال أبو الحسين ، ويقال أبو محمد ، ويقال أبو عبد الله . زين العابدين . روى عن أبيه وعمه ، وعبد الله بن عباس ، وجابر بن عبد الله ، والمسور بن مخرمة ومروان بن الحكم ، وأم سلمة وصفية بنت حيي ، زوجتي النبي ( ص ) وسعيد بن المسيب ، وسعيد بن مرجانة ، وعمرو بن عثمان بن عفان .
روى عنه : الزهري ، وزيد بن أسلم ، ويحيى بن سعيد الأنصاري وحكيم بن جبير ، وعبد الله بن مسلم بن هرمز ، وابنه أبو جعفر محمد بن علي . وقدم دمشق بعد قتل أبيه الحسين بن علي ، ومسجده المنسوب إليه فيها معروف ، واستقدمه عبد الملك بن مروان في خلافته ، يستشيره في جواب ملك الروم عن بعض ما كتب إليه فيه من أمر السكة وطراز القراطيس ) . وسيأتي أنه « عليه السلام » وجَّه عبد الملك لحل أزمة الطراز والعملة مع الروم .
وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء : 4 / 386 : ( حدث عنه أولاده : أبو جعفر محمد ، وعمر ، وزيد المقتول ، وعبد الله ، والزهري ، وعمرو بن دينار ، والحكم بن عتيبة ، وزيد بن أسلم ، ويحيى بن سعيد ، وأبو الزناد ، وعلي بن جدعان ، ومسلم البطين ، وحبيب بن أبي ثابت ، وعاصم بن عبيد الله ، وعاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان ، وأبوه عمر ، والقعقاع بن حكيم ، وأبو الأسود
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 116 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يتيم عروة وهشام بن عروة ، وأبو الزبير المكي ، وأبو حازم الأعرج ، وعبد الله بن مسلم بن هرمز ، ومحمد بن الفرات التميمي ، والمنهال بن عمرو ، وخلق سواهم . وقد حدث عنه أبو سلمة ، وطاووس وهما من طبقته . قال ابن سعد : هو علي الأصغر ، وأما أخوه علي الأكبر فقتل مع أبيه بكربلاء . وكان علي بن الحسين ثقةً مأموناً كثير الحديث عالياً رفيعاً ورعاً . روى ابن عيينة عن الزهري قال : ما رأيت قرشياً أفضل من علي بن الحسين . . الخ . ) .
وذكر نحوه الذهبي في تاريخه : 6 / 432 ، وترجم له الذهبي في عشر صفحات . ومع أن الذهبي ناصبي فهو معجبٌ بالإمام « عليه السلام » وصنَّف فيه كتاباً لم يصل إلينا !
قال في شرح الأزهار : 1 / 24 : ( وقد صنف الذهبي في مناقب زين العابدين كتاباً ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 117 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

2 - تلميذه محمد بن شهاب الزهري

الزهري كبير علماء بني أمية ، وكبير الرواة في صحاح المذاهب ، فله في صحيح بخاري وحده أكثر من 1200 رواية ! وكان تلميذاً للإمام « عليه السلام » يذوب فيه ويبكي لذكراه ، وهو مدينٌ له في توجيهه إلى مصلحة دنياه وآخرته لو صدق وأطاع . ( كان الزهري يقول : علي بن الحسين أعظم الناس عليَّ منَّةً ) . ( الطبقات : 5 / 214 ، وتاريخ دمشق : 41 / 398 ، والنهاية : 9 / 126 ، وذيل المذيل / 119 )
والظاهر أنه يقصد أن الإمام « عليه السلام » أنجاه من اليأس الذي أصابه عندما كان والياً لبني أمية وقتل شخصاً فاستولى عليه تأنيب الضمير والوسوسة ، قال ابن حجر في الصواعق : 2 / 683 : ( وقارف الزهري ذنباً فهام على وجهه ! فقال له زين العابدين : قنوطك من رحمة الله التي وسعت كل شئ أعظم عليك من ذنبك ! فقال الزهري : الله أعلم حيث يجعل رسالته ، فرجع إلى أهله وماله ) . وتاريخ دمشق : 41 / 398 ، وفيه : ( وضرب فسطاطاً وقال لا يُظلني سقف بيت ، فمرَّ به علي بن حسين فقال . . . فكان الزهري يقول : علي بن حسين أعظم الناس عليَّ مِنَّةً )
وكان الزهري يحدث عن علم الإمام « عليه السلام » ومناقبه ، وما رأى منه من كرامات ومعجزات ، حتى كان بعض أمراء بني أمية إذا رأوه يقولون له : ( يا زهري ما فعل نبيك ) ؟ ! ( مناقب آل أبي طالب : 3 / 298 ) .
وقد خصه الإمام « عليه السلام » بحديث في أقسام الصوم ، ما زال أصل الأبحاث الفقهية في أنواع الصوم وأحكامها ، وقد ألف فيه أحد العلماء الحقوقيين الدكتور نصر الله إبراهيمي ، رسالة خاصة وافية .
قال الصدوق « رحمه الله » في الهداية / 198 : ( عن الزهري أنه قال : دخلت على علي بن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 118 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الحسين فقال : يا زهري من أين جئت ؟ فقلت : من المسجد ، فقال : فيم كنتم ؟ قلت : تذاكرنا أمر الصوم فاجتمع رأيي ورأي أصحابي على أنه ليس شئ من الصوم واجب إلا صوم شهر رمضان . فقال « عليه السلام » : يا زهري ليس كما قلتم ، إن الصوم على أربعين وجهاً : فعشرة أوجه منها واجبة كوجوب شهر رمضان ، وعشرة أوجه منها صيامهن حرام ، وأربعة عشر وجهاً منها صاحبها فيها بالخيار إن شاء صام وإن شاء أفطر ، وصوم الإذن على ثلاثة أوجه ، وصوم التأديب ، وصوم الإباحة ، وصوم السفر ، وصوم المرض .
فقلت : فَسِّرْهُنَّ لي ، فقال « عليه السلام » : أما الواجب : فصيام شهر رمضان ، وصيام شهرين متتابعين لمن أفطر يوماً من شهر رمضان عامداً متعمداً ، وصيام شهرين متتابعين في قتل الخطأ لمن لم يجد العتق ، قال الله تبارك وتعالى : وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللهِ . .
وصيام شهرين متتابعين في كفارة الظهار لمن لم يجد العتق ، قال الله تبارك وتعالى : فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ، وصيام ثلاثة أيام في كفارة اليمين واجب لمن لم يجد الإطعام ، قال الله تبارك وتعالى : فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ . . كل ذلك متتابع وليس بمتفرق . . . إلى آخر الحديث ) .
وعندما جعل عبد الملك الزهري مفتياً ومدوناً للسنة ، وسكن الشام ، أرسل إليه الإمام « عليه السلام » رسالة ينصحه فيها أن ينتبه إلى آخرته ، ولا يجعل نفسه جسراً
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 119 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لبني أمية ! وهي موعظة بليغة لعلماء السلاطين في كل عصر ! وهي طويلة جاء فيها : ( كفانا الله وإياك من الفتن ، ورحمك من النار ، فقد أصبحت بحال ينبغي لمن عرفك أن يرحمك . . فقد أثقلتك نعم الله بما أصح من بدنك وأطال من عمرك ، وقامت عليك حجج الله بما حملك من كتابه ، وفقهك فيه من دينه وعرفك فيه من سنة نبيه ، فانظر أي رجل تكون غداً إذا وقفت بين يدي الله فسألك عن نعمه عليك كيف رعيتها ، ولا تحسبن الله قابلاً منك بالتعذير ، ولا راضياً منك بالتقصير ، هيهات هيهات ، ليس كذلك ! أخذ على العلماء في كتابه إذ قال : لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ .
واعلم أن أدنى ما كتمتَ وأخفَّ ما احتملتَ أن آنستَ وحشة الظالم ، وسهَّلت له طريق الغيِّ بدُنُوِّك منه حين دنوت ، وإجابتك له حين دُعيت . . فما أخوفني بإثمك غداً مع الخونة ، وأن تسأل عما أخذت بإعانتك على ظلم الظلمة ، إنك أخذت ما ليس لك ممن أعطاك ، ودنوت ممن لم يردَّ على أحد حقاً ، ولم تردَّ باطلاً حين أدناك ، وأحببت من حاد الله !
أو ليس بدعائه إياك حين دعاك جعلوك قطباً أداروا بك رحى مظالمهم ، وجسراً يعبرون عليك إلى بلاياهم ، وسُلَّماً إلى ضلالهم وداعياً إلى غيهم ، وسالكاً سبيلهم ، يُدخلون بك الشك على العلماء ، ويقتادون بك قلوب الجهال إليهم ، فما أقل ما أعطوك في قدر ما أخذوا منك ، وما أيسر ما عمروا لك فكيف ما خربوا عليك . . فانظر لنفسك فإنه لا ينظر إليها غيرك وحاسبها حساب رجل مسؤول . وانظر كيف شكرك لمن غذاك في نعمه صغيراً وكبيراً . . .
ولا تحسب أني أردت توبيخك وتعنيفك وتعييرك ، لكني أردت أن ينعش الله ما قد فات من رأيك ويرد إليك ما عزب من دينك ، وذكرت قول الله تعالى
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 120 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
في كتابه : وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ . . . فنحمد الله الذي عافانا مما ابتلاك به والسلام ) . ( تحف العقول لابن شعبة الحراني / 274 ) .
وقال الغزالي في الإحياء : 2 / 143 : ( ولما خالط الزهري السلطان كتب أخ له في الدين إليه : عافانا الله وإياك أبا بكر من الفتن . . . الخ . ) . وعنه شرح النهج : 17 / 43 ، والكشاف : 2 / 296 ، وتفسير الآلوسي : 12 / 154 ، والنزاع والتخاصم / 225 ، ومثله فيض القدير : 2 / 515 ، و بدائع السلك / لابن الأزرق / 338 ، والسيوطي في : ما رواه الأساطين في عدم المجئ إلى السلاطين / 14 ، والمحجة البيضاء : 3 / 260 .
لكن أبا نعيم رواه بسنده في حلية الأولياء : 3 / 246 ، قال : ( كتب أبو حازم الأعرج إلى الزهري : عافانا الله وإياك أبا بكر من الفتن . . . ونسخته أطول مما رواه الغزالي وغيره ، وكذا ابن عساكر في تاريخه : 22 / 41 ، وابن الجوزي في صفة الصفوة : 2 / 160 .
وأبو حازم هذا هو سلمة بن دينار ، من أصحاب الإمام زين العابدين والإمام الباقر والصادق « عليهم السلام » ( مستدركات رجال الحديث : 8 / 355 ) وهو إمامٌ عند أتباع المذاهب ، وقد أفاضوا في مدحه ورووا عنه أنه كان يقول : ( ما رأيت هاشمياً أفضل من علي بن الحسين ) . ( تذكرة الحفاظ : 1 / 75 ، وتاريخ الذهبي : 6 / 433 ) .
ومن البعيد أن تكون الرسالة له ، لأن الزهري أكبر منه سناً فقد ولد سنة بضع وخمسين وتوفي سنة مئة وبضع وعشرين ( تاريخ دمشق : 22 / 16 ) فيحتمل أن يكون أبو حازم حمل رسالة الإمام « عليه السلام » أو أمره أن يرسلها باسمه لئلا يغضب منه الخليفة !
قال السيد الميلاني في نفحات الأزهار : 12 / 213 : ( الصحيح أن الكاتب هو الإمام علي بن الحسين السجاد عليه الصلاة والسلام كما في كتاب ( تحف العقول عن آل الرسول ) لكن في المتن الوارد في كتب القوم زيادات على المتن الوارد في الكتاب المذكور . فلأمر ما كتموا اسم الكاتب أو نسبوه إلى غيره وزادوا فيه ) !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 121 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الزهري ناصبي مبغض لعلي « عليه السلام » محب لحفيده !
كان الزهري ناصبياً يبغض أمير المؤمنين « عليه السلام » ، ومع ذلك كان يذوب في حفيده الإمام زين العابدين « عليه السلام » ! قال في شرح النهج : 4 / 102 ، والغارات : 2 / 577 : ( وكان الزهري من المنحرفين عنه « عليه السلام » روى جرير بن عبد الحميد ، عن محمد بن شيبة قال : شهدت مسجد المدينة فإذا الزهري وعروة بن الزبير جالسان يذكران علياً فنالا منه ! فبلغ ذلك على بن الحسين فجاء حتى وقف عليهما فقال : أما أنت يا عروة فإن أبي حاكم أباك إلى الله فحكم لأبي على أبيك ! وأما أنت يا زهري فلو كنت بمكة لأريتك كير أبيك ! ) . انتهى .
وهو نص يدل على وقاحة الزهري وأن حبه وتقديسه للإمام « عليه السلام » لم يمنعه من الطعن في جده أمير المؤمنين « عليه السلام » ! كما أن علاقة الإمام « عليه السلام » مع الزهري لم تمنعه من الرد القاصم عليه والطعن في نسبه ونفيه عن قريش ! فمعنى : ( لأريتك كير أبيك ) أي مَنْفَخ الحدادة الذي كان يعمل به أبو الزهري ، وقريش لم يكن فيهم حدادٌ أو قيْن ، لأنهم يحتقرون الحدادة والحياكة وغيرها ، ومعناه أن أبا الزهري لم يكن قرشياً بل ملصقاً بقريش ! وقد يكون يهودياً لأن مهنة الحدادة كانت لليهود والنصارى وبعض اليمانيين ! ففي المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام : / 3236 : ( والحدادة وهي صناعة يإنف منها العرب ويزدرونها ويرونها من الحرف الممقوتة الحقيرة ) . وفي / 1718 : ( اختلف أهل الطائف عن غيرهم من أهل الحجاز في ميلهم إلى الحرف اليدوية مثل الدباغه والتجارة والحدادة وهي حرف مستهجنة في نظر العربي يأنف من الاشتغال بها ، ولكن أهل الطائف
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 122 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
احترفوها ) . وفي / 1831 : ( وقد عيب على أهل اليمن اشتغالهم بالحِرَف كالحدادة والحياكة والصياغة وما شاكل ذلك من حرف ) .
وفي تهذيب الكمال : 7 / 190 ، وجمهرة نسب قريش وأخبارها للزبير بن بكار / 137 : ( عن نافع مولى عبد الله بن عمر قال : مر حكيم بن حزام بعدما أسنَّ بشابين فقال أحدهما لصاحبه : إذهب بنا نتخرف بهذا الشيخ ! فقال له صاحبه : وما تريد إلى شيخ قريش وسيدها ؟ فعصاه فقال له : ما بقي أبعد عقلك ؟ قال : بقي أبعد عقلي أني رأيت أباك قيناً يضرب الحديد بمكة ! قال : فرجع إلى صاحبه وقد تغير وجهه فقال له : قد نهيتك ! قال قال نافع : وكان حكيم لا يتهم على ما قال ) . انتهى .
ومعناه أنه نفاه من قريش لأن القرشي لا يكون حداداً ، وشهادته في النسب مقبولة لأنه غير متهم .
وقد ورد في تفسير قوله تعالى : وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ : ( كان رسول الله ( ص ) يعلم قيناً بمكة وكان أعجمي اللسان وكان اسمه بلعام فكان المشركون يرون رسول الله ( ص ) يدخل عليه ويخرج من عنده فقالوا إنما يعلمه بلعام ! فأنزل الله هذه الآية ) . ( تفسير الطبري : 14 / 232 ، ومناقب آل أبي طالب : 1 / 46 ) .
ويلاحظ أن الزهري سكت ومسحها بشاربيه ، مما يثبت أنه لصيق بقريش ! ويؤيده اعتراف الزهري الآتي بأنه كان فقيراً لا يأخذ عطاء ، لأنه غير مسجل في ديوان الدولة ، مع أنه لا يوجد قرشي غير مسجل !
ومن طريف ما رواه عبد الرزاق عن الزهري : 7 / 424 : ( سئل ابن شهاب عن رجل قيل له : يا بن القين ولم يكن أبوه قيناً ؟ قال : نرى أن يجلد الحد ) ! فقد أفتى بأن مهنة الحدادة شتمٌ ، لأن الحد على التهمة وليس على الكذب !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 123 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
هذا ، ويحتمل أنَّ الزهري كان يروي حديثي عروة عن عائشة في الطعن بعلي « عليه السلام » ! ( قال عروة : حدثتني عائشة قالت : كنت عند رسول الله ( ص ) إذ أقبل العباس وعلي فقال : يا عائشة إن هذين يموتان على غير ملتي ! ) .
والثاني : قالت عائشة : ( كنت عند النبي ( ص ) إذ أقبل العباس وعلي فقال : يا عائشة إن سرك أن تنظري إلى رجلين من أهل النار فانظري إلى هذين قد طلعا ! فنظرت فإذا العباس وعلي بن أبي طالب ) .
وقد يكون امتنع من روايتهما بعد غضب الإمام زين العابدين « عليه السلام » ! فقد روى عبد الرزاق عن معمر قال : ( كان عند الزهري حديثان عن عروة عن عائشة في علي فسألته عنهما يوماً فقال : ما نصنع بهما وبحديثهما ، والله أعلم بهما ! إني لأتهمهما في بني هاشم ) ! ( شرح النهج : 4 / 64 ، والفصول المهمة لابن الصباغ : 1 / 53 ) .
وقد ترجم آية الله الميلاني للزهري في نفحات الأزهار : 12 / 213 ، وذكر بعض قوادحه وأولها أنه من المنحرفين عن أمير المؤمنين « عليه السلام » واستشهد برواية الغارات وشرح النهج . وثانيها ، روايته عن عمر بن سعد قاتل الحسين « عليه السلام » كما ذكروا في ترجمته . . . قال ابن معين : كيف يكون من قتل الحسين ثقة ؟ !
وثالثها ، مجالسته لبني أمية وعمله لهم ، وحكم من خالط الظالمين وجالسهم وعمل لهم وأخذ جوائزهم واضح . . . وذكر السيد الميلاني أنه وفد على عبد الملك في حدود سنة 80 ، فأعجب بعلمه ووصله وقضى دينه . . . واستشهد بكلمات علمائهم في حكم من أعان الجائر .
ورابعها ، أنه كان مدلساً ، فلا يوثق بقوله عن فلان ، ولا بحديثه ، وقد استشهد بأقوال علماء الجرح والتعديل كالذهبي وقدامة السرخسي وغيرهما .
كما ذكر السيد الميلاني أن الزهري معرقٌ في نُصبه لأهل البيت « عليهم السلام » ، لأن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 124 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
جده كان مع المشركين في بدر ، وكان أحد الذين تعاقدوا على قتل النبي « صلى الله عليه وآله » ! وأن أباه كان مع مصعب بن الزبير .
هذا ، وقد اعترف الزهري بأنه يكتم أحاديث النبي « صلى الله عليه وآله » في فضائل علي « عليه السلام » ! فقد روى أسد الغابة : 1 / 307 ، عن الزهري عن أبي جنيدة الأنصاري قال : ( فلما نزل غدير خم قام في الناس خطيباً وأخذ بيد علي وقال : من كنت وليه فهذا وليه . اللهم وال من والاه وعاد من عاداه . قال عبيد الله فقلت للزهري : لا تحدث بهذا بالشام وأنت تسمع ملء أذنيك سب علي ! فقال : والله إن عندي من فضائل علي ما لو تحدثت به لقتلت ! أخرجه الثلاثة ) !
وروى أحمد في فضائل الصحابة : 2 / 591 ، والطبري في الرياض النضرة / 420 ، بسند صحيح عن معمر قال : ( سألت الزهري : من كان كاتب الكتاب يوم الحديبية ؟ فضحك وقال هو علي ، ولو سألت هؤلاء يعني بي أمية قالوا : عثمان ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 125 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الحجة تامةٌ على الزهري في الإمامة « عليهم السلام » !
كان الزهري يعرف جيداً إمامة المعصومين من العترة « عليهم السلام » ، فالحجة عليه تامة فيهم ، حيث روى في كفاية الأثر / 241 : ( عن عاصم بن حميد ، عن معمر ، عن الزهري قال : دخلت على علي بن الحسين في المرض الذي توفي فيه ، إذ قُدِّم إليه طبق فيه الخبز والهندباء فقال لي : كله . فقلت : قد أكلت يا ابن رسول الله . قال : إنه الهندبا . قلت : وما فضل الهندبا ؟ قال : ما من ورقة من الهندبا إلا وعليها قطرة من ماء الجنة ، فيها شفاء من كل داء . قال : ثم رفع الطعام وأوتي بالدهن فقال : إدهن يا أبا عبد الله . قلت : قد ادَّهنت . قال : إنه هو البنفسج . قلت : وما فضل البنفسج على سائر الأدهان ؟ قال : كفضل الإسلام على سائر الأديان . ثم دخل عليه محمد ابنه فحدثه طويلاً بالسر فسمعته يقول فيما يقول : عليك بحسن الخلق . قلت : يا ابن رسول الله إن كان من الأمر ما لا بد لنا منه ، ووقع في نفسي أنه قد نعي نفسه ، فإلى من نختلف بعدك ؟ قال : يا أبا عبد الله إلى ابني هذا وأشار إلى محمد ابنه ، إنه وصي ووارثي وعيبة علمي ومعدن العلم وباقر العلم . قلت : يا ابن رسول الله ما معنى باقر العلم ؟ قال : سوف يختلف إليه خلاص شيعتي ويبقر العلم عليهم بقراً .
قال : ثم أرسل محمداً ابنه في حاجة له إلى السوق ، فلما جاء محمد قلت : يا ابن رسول الله هذا الذي أوصيت إليه أكبر أولادك ؟ فقال : يا أبا عبد الله ليست الإمامة بالصغر والكبر ، هكذا عَهِدَ إلينا رسول الله « صلى الله عليه وآله » ، وهكذا وجدنا مكتوباً في اللوح والصحيفة . قلت : يا ابن رسول الله ، فكم عهد إليكم نبيكم أن تكون
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 126 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأوصياء من بعده ؟ قال : وجدنا في الصحيفة واللوح اثني عشر أسامي مكتوبة بإمامتهم وأسامي آبائهم وأمهاتهم ، ثم قال : يخرج من صلب محمد ابني سبعة من الأوصياء فيهم المهدي ) . انتهى .
كما روى ابن حمزة في الثاقب في المناقب : 362 ، عن الزهري قوله : ( كان لي أخ في الله تعالى ، وكنت شديد المحبة له ، فمات في جهات الروم فاغتبطت به وفرحت أن استشهد وتمنيت أني كنت استشهدت معه ، فنمت ذات ليلة فرأيته في منامي فقلت له : ما فعل بك ربك ؟ فقال : غفر الله لي بجهادي وحبي محمداً وآل محمد . . . وزادني بشفاعة علي بن الحسين . . . فلما انتبهت قلت : لعله أضغاث أحلام فعاودني النوم فرأيت ذلك الرجل يقول : أشككت ؟ لا تشك فإن الشك كفر ولا تخبر بما رأيت أحداً ، فإن علي بن الحسين يخبرك بمنامك هذا كما أخبر رسول الله « صلى الله عليه وآله » أبا بكر بمنامه في طريقه من الشام . فانتبهت وصليت فإذا رسول علي بن الحسين صلوات الله عليه فصرت إليه فقال : يا زهري ، رأيت البارحة كذا وكذا . . المنامين جميعاً على وجههما ) . انتهى .
لكن الزهري لم يكن أهلاً للتوفيق ، فصار كبير علماء البلاط الأموي ، ومن يومها لم يحدث عن أستاذه الإمام « عليه السلام » ولا عن أهل البيت « عليهم السلام » إرضاءً لبني أمية ! فإذا عوتب على ذلك ، كذَبَ وقال إن الإمام زين العابدين « عليه السلام » قليل الحديث !
( عن معمر قال : قلت للزهري : مالك لا تكثر الرواية عن علي بن حسين ؟ فقال : كنت أكثر مجالسته ولكنه كان قليل الحديث ) . ( تاريخ دمشق : 41 / 376 ) .
( ابن عيينة عن الزهري قال : كان أكثر مجالستي مع علي بن الحسين ، وما رأيت أحداً كان أفقه منه ، ولكنه كان قليل الحديث ) . ( سير الذهبي : 4 / 389 ، وتهذيب الكمال : 20 / 382 ، وتاريخ الإسلام : 6 / 435 ، والنهاية : 9 / 124 ، وعامة من ترجم له من السنيين ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 127 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد كذب الزهري نفسه فكيف يكون أفقه من رآه ، والفقه مبني على الكتاب وسنة النبي « صلى الله عليه وآله » ، ثم يكون قليل التحديث بالسنة ؟ بل سمع منه وكتب عنه الزهري كثيراً ، لكنه أخفاه ولم يحدث منه ، خوفاً من أسياده !
( قال الزهري : كان عروة يتألف الناس على حديثه ) . أي يستعمل أساليب الإغراء لترويج حديثه ، فلا بد أن الزهري الفقير استفاد منه . ( سير الذهبي : 4 / 431 ) .
أما علي بن الحسين « عليه السلام » فلم يكن يتألف على حديثه ، وأحاديثه ليست من البضاعة المطلوبة التي يكتبها الزهري للبلاط ، فيرسلها الخليفة إلى بلاد المسلمين لينشروها ! ( قال علي بن المديني : له ( الزهري ) نحوٌ من ألفي حديث . وقال أبو داود : حديثه ألفان ومئتا حديث ) . ( سير الذهبي : 5 / 328 ) .
الزهري قلم السلطة الأموية لكتابة السنة !
أوضحنا في كتاب : ( ألف سؤال وإشكال : 2 / مسألة 124 ) ، أن عمر بن الخطاب منع الأمة من كتابة حديث النبي « صلى الله عليه وآله » بل من مجرد التحديث عنه في المسجد ! واستبدلها بإسرائيليات تميم الداري التي كان يلقيها في المسجد النبوي يومين أسبوعياً ! ثم زاده عثمان يوماً آخر ، ثم أضاف معه كعب الأحبار وأعطاه يومين في الأسبوع !
واستمر منع تدوين الحديث أكثر من قرن ، حتى كلف عمر بن عبد العزيز علماء السلطة إلى كتابة حديث النبي « صلى الله عليه وآله » وحديث عمر بن الخطاب معاً ! قال الدارمي : 1 / 126 : ( كتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، أن أكتب إلى بما ثبت عندك من الحديث عن رسول الله وبحديث عمر ، فإني قد خشيت درس العلم وذهابه ) . والطبقات : 8 / 480 .
ومات ابن حزم فتولى المهمة ابن شهاب الزهري ، قال في جامع بيان العلم : 1 / 76 :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 128 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
( سمعت ابن شهاب يحدث سعد بن إبراهيم : أمرنا عمر بن عبد العزيز بجمع السنن فكتبناها دفتراً دفتراً ، فبعث إلى كل أرض له عليها سلطان دفتراً ) .
وفي طبقات ابن سعد : 2 / 388 ، وسير الذهبي : 4 / 389 : ( صالح بن كيسان إنه قال : اجتمعت أنا والزهري ونحن نطلب العلم ؟ فقلنا : نكتب السنن فكتبنا ما جاء عن النبي ( ص ) قال : ثم قال الزهري : نكتب ما جاء عن أصحابه فإنه سنة ! قال : فقلت أنا لا ، ليس بسنة لا نكتبه ، فكتب ولم أكتب فأنجح وضيعت ) .
يقصد أبو الزناد أن بضاعة الزهري راجت أكثر من بضاعته !
لكن أبا الزناد روَّج بضاعته بعد ذلك ، فصار مثل الزهري وأسوأ ، وصار اسمه عندهم الإمام أبو الزناد عبد الله بن ذكوان ، وهو أخ أبي لؤلؤة قاتل عمر !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 129 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الزهري . . من فقير صغير إلى مُترف كبير !
كان الزهري فقيراً معدماً ، فقد حدث عن نفسه فقال : ( نشأت وأنا غلام لا مال لي ، ولا أنا في ديوان ) . ( سير الذهبي : 5 / 328 ) وقوله إنه كان غلاماً فقيراً غير مسجل في ديوان ، يدل على أنه مولى لقريش وليس قرشياً ، فما من قرشي يومها إلا وكان مسجلاً في الديوان وله راتب ! وهو يؤكد أنه أباه قَيْنٌ ، ولعله يهودي !
ثم يقول الزهري : ( وفدت إلى مروان ، وأنا محتلم ) . ( سير الذهبي : 5 / 326 ) .
ويظهر أنه لم يستفد من مروان ، فعاود الكرة إلى عبد الملك قال : ( فرحلت إلى الشام ، فدخلت مسجد دمشق في السحر وأممتُ حلقة وِجَاهَ المقصورة عظيمة ، فجلست فيها فنسبني القوم فقلت : رجل من قريش ، قالوا : هل لك علم بالحكم في أمهات الأولاد ؟ فأخبرتهم بقول عمر بن الخطاب فقالوا : هذا مجلس قبيصة بن ذؤيب وهو حاميك ، وقد سأله أمير المؤمنين وقد سألنا فلم يجد عندنا في ذلك علماً فجاء قبيصة فأخبروه الخبر فنسبني فانتسبت وسألني عن سعيد بن المسيب ونظرائه فأخبرته . قال فقال : أنا أدخلك على أمير المؤمنين فصلى الصبح ثم انصرف فتبعته ، فدخل على عبد الملك وجلست على الباب ساعة حتى ارتفعت الشمس ثم خرج الآذن فقال : أين هذا المديني القرشي ؟ قلت : ها أنا ذا ، فدخلت معه على أمير المؤمنين فأجد بين يديه المصحف قد أطبقه وأمر به فرفع وليس عنده غير قبيصة جالساً فسلمت عليه بالخلافة ، فقال : من أنت ؟ قلت : محمد بن مسلم ، وساق آباءه إلى زهرة فقال : أوه قوم نَعَّارون في الفتن ! قال : وكان مسلم بن عبيد الله مع ابن الزبير ، ثم قال : ما عندك في أمهات الأولاد ؟ فأخبرته عن سعيد فقال : كيف سعيد وكيف حاله ؟ فأخبرته ، ثم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 130 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قلت : وأخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فسأل عنه ، ثم حدثته الحديث في أمهات الأولاد عن عمر . فالتفت إلى قبيصة فقال : هذا يكتب به إلى الآفاق . فقلت : لا أجده أخلى منه الساعة ولعلي لا أدخل بعدها فقلت : إن رأى أمير المؤمنين أن يصل رحمي ، وأن يفرض لي فعل قال : إيهاً الآن ! إنهض لشأنك ، فخرجت والله مؤيساً من كل شئ خرجت له ، وأنا يومئذ مُقِلٌّ مُرْمِل ، ثم خرج قبيصة فأقبل علي لائماً لي وقال : ما حملك على ما صنعت من غير أمري ؟ قلت : ظننت والله أني لا أعود إليه ، قال : إئتني في المنزل فمشيت خلف دابته والناس يكلمونه ، حتى دخل منزله فقلما لبث حتى خرج إليَّ خادم بمئة دينار ، وأمر لي ببغلة وغلام وعشرة أثواب ، ثم غدوت إليه من الغد على البغلة ) . ( سير الذهبي : 5 / 331 ) .
ثم تطورت أحوال الزهري فصار يأتي إلى الخليفة في الشام فيعطيه المبالغ الكبيرة ، قال في العقد الفريد / 1093 : ( فأعطاني مالاً كثيراً ، قال فاستأذنته في الخروج إلى المدينة فأذن لي ومعي غلام لي ومعي مال كثير في عيبة ففقدت العيبة فاتهمت الغلام فوعدته وتواعدته فلم يقر لي بشئ . قال : فصرعته وقعدت على صدره ووضعت مرفقي على وجهه وغمزته غمزة وأنا لا أريد قتله فمات تحتي وسقط في يدي ! وقدمت المدينة فسألت سعيد بن المسيب وأبا عبد الرحمن وعروة بن الزبير والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله فكلهم قال : لا نعلم لك توبة . فبلغ ذلك علي بن الحسين فقال : عليَّ به ، فأتيته فقصصت عليه القصة فقال : إن لذنبك توبة : صم شهرين متتابعين وأعتق رقبة مؤمنة وأطعم ستين مسكيناً ، ففعلت . ثم خرجت أريد عبد الملك وقد بلغه أني أتلفت المال ، فأقمت ببابه أياماً لا يؤذن لي بالدخول ، فجلست إلى معلم لولده وقد حذق ابنٌ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 131 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لعبد الملك عنده وهو يعلمه ما يتكلم به بين يدي أمير المؤمنين ( أي أكمل تعليمه وأراد أن يدخل على أبيه ليعطيه جائزة ) إذا دخل عليه ( الطفل ) فقلت لمؤدبه : ما تأمل من أمير المؤمنين أن يصلك به فلك عندي ذلك ، على أن تكلم الصبي إذا دخل على أمير المؤمنين فإذا قال له : سل حاجتك يقول له : حاجتي أن ترضى عن الزهري ! ففعل فضحك عبد الملك وقال : أين هو قال : بالباب . فأذن لي ) . انتهى .
وفي تاريخ دمشق : 58 / 67 ، أن عبد الملك : ( أمر الزهري أن يسير معه إلى مكة ، ووضع عن الزهري من ديوان مال الله سبعة عشر ألف دينار ) .
وفي تاريخ دمشق : 6 / 102 ، و : 36 / 141 ، أن الزهري كان على سفرة عبد الملك فأراد أن يقوم فأجلسه عبد الملك ، ثم قُدمت المائدة فلما فرغوا من الأكل قدموا البطيخ فروى له الزهري عن النبي ( ص ) أنه قال : ( البطيخ قبل الطعام يغسل البطن غسلاً ويذهب بالداء أصلاً ) . فأعطاه مائة ألف درهم .
وفي سير الذهبي : 5 / 340 : ( قضى هشام عن الزهري سبعة آلاف دينار وقال : لا تعد لمثلها . . . قيل للزهري : إنهم يعيبون عليك كثرة الدَّيْن ، قال : وكم ديني ؟ قيل : عشرون ألف دينار ، قال : ليس كثيراً وأنا ملئ ، لي خمسة أعين كل عين منها ثمن أربعين ألف دينار ) . والكشف الحثيث / 61 .
وفي تاريخ الذهبي : 8 / 234 : ( أن الزهري قال لهشام : إقض ديني . قال : وكم هو ؟ قال : ثمانية عشر ألف دينار ، قال : إني أخاف إن قضيتها عنك أن تعود ! فقال : قال رسول الله ( ص ) : لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين ! فقضاها عنه . قال سعيد : فما مات الزهري حتى استدان مثلها ، فبُعث ببعث كذا فقضى دينه ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 132 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أمروه بتدوين السنة إلا عن أهل البيت « عليهم السلام » !
ثم سكن الزهري في الشام وصار كبير علماء البلاط ، ومسؤول تدوين السنة فكان يكتب الدفاتر ويرسلها الخليفة إلى البلاد آمراً بنشرها والعمل بها ، دون غيرها ! وأقبلت الدنيا على الزهري بألوانها ، قال : ( سعيد بن عبد العزيز : كنا نأتي الزهري بالراهب ، وهي محلة قِبْلِيّ دمشق ، فيقدم لنا كذا وكذا لوناً . . قال محمد بن إشكيب : كان الزهري جندياً . قلت ( الذهبي ) : كان في رتبة أمير ) . ( سير الذهبي : 5 / 341 ) .
وقال الذهبي في تاريخ الإسلام : 8 / 234 : ( وفي لفظ للإمام أحمد : ثنا عبد الرزاق سمعت معمراً يقول : كنا نرى أنا قد أكثرنا عن الزهري حتى قتل الوليد ، فإذا الدفاتر قد حملت على الدواب من خزائنه ، يعني من علم الزهري . قلت : يعني الكتب التي كتبت عنه لآل مروان ) . وسير الذهبي : 5 / 334 ، وتذكرة الحفاظ : 1 / 112 ، والطبقات : 2 / 389 ، وتاريخ دمشق : 55 / 334 ، و : 59 / 400 ، ونهاية ابن كثير : 9 / 377 ، وجامع بيان العلم : 2 / 177 .
وفي كاشف الذهبي : 1 / 486 : ( شعيب بن أبي حمزة . . . مولى بني أمية . . . فعنده عن الزهري ألف وسبعمائة حديث ، وكان بديع الخط . قال ابن معين : كتب عن الزهري إملاءً للسلطان ، مات 163 ) .
الزهري يزيِّن للناس الحج إلى القدس بدل مكة !
تقدم في المجلد الثالث أن عبد الملك بن مروان حوَّل الحج إلى بيت المقدس ، وأن الإمام زين العابدين « عليه السلام » واجه هذا التحريف الأموي لأركان الإسلام ! ويظهر أن رسالة الإمام « عليه السلام » للزهري كانت في تلك الفترة ، لأن الزهري كان يضع الأحاديث ويزين للمسلمين فعل عبد الملك !
قال ابن واضح اليعقوبي في تاريخه : 2 / 261 ، وهو من أكثر المؤرخين دقة وتثبتاً :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 133 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
( ومنع عبد الملك أهل الشام من الحج وذلك أن ابن الزبير كان يأخذهم إذا حجوا بالبيعة ، فلما رأى عبد الملك ذلك منعهم من الخروج إلى مكة فضج الناس وقالوا : تمنعنا من حج بيت الله الحرام وهو فرض من الله علينا ! فقال لهم : هذا ابن شهاب الزهري يحدثكم أن رسول الله قال : لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : المسجد الحرام ، ومسجدي ، ومسجد بيت المقدس . وهو يقوم لكم مقام المسجد الحرام . وهذه الصخرة التي يروى أن رسول الله وضع قدمه عليها لما صعد إلى السماء تقوم لكم مقام الكعبة ! فبنى على الصخرة قبة وعلق عليها ستور الديباج وأقام لها سدنة ، وأخذ الناس بأن يطوفوا حولها كما يطوفون حول الكعبة ، وأقام بذلك أيام بني أمية ) . انتهى .
أقول : هذا النص يوجب الشك في أصل حديث ( لا تشد الرحال ) ! أما من يراه حديثاً صحيحاً فلا بد أن يعترف بتوظيف الأمويين له ، وأن الزهري كان يطيعهم حتى في هدم ركن من أركان الإسلام !
ختاماً ، هذا هو الزهري الإمام عند مذاهب الخلافة ، الذي يدعي أنه يحب الإمام زين العابدين « عليه السلام » ويبكي لذكراه ! فينتهي حبه له عند فتات بني أمية !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 134 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

3 - مذهب الزهري وأشباهه في حب أهل البيت « عليهم السلام » !

إذا تأملت في شخصية الزهري والذهبي وابن كثير وأمثالهم من علماء بني أمية المثقفين ، يأخذك العجب من موقفهم ، فهم يشهدون على أنفسهم بأن الحجة عليهم تامة في الإمام زين العابدين « عليه السلام » وبقية العترة الطاهرة !
فهو باعترافهم صاحب معجزات ، وعنده الاسم الأعظم . وهو باعترافهم أتقى أهل زمانه وأفقههم وأفضلهم ، وصاحب الشخصية الربانية المميزة الجذابة ، ووريث النبي « صلى الله عليه وآله » ، وابن الحسين السبط ، سيد شباب أهل الجنة .
وهم يحبونه ، وبعضهم يزعم أنه يذوب فيه كالزهري ، وبعضهم يقول إنه أولى بالخلافة ويؤلف عنه كتاباً كالذهبي ، وبعضهم يروي معجزاته الباهرة كابن كثير !
ومع ذلك يتناسون أنه « عليه السلام » يجهر بأحقية أهل البيت « عليهم السلام » وظلامتهم ، ويُتم حجتهم عليهم ! وعندما يجئ دور التلقي منه والحديث عنه ، يقول الزهري عالم البلاط الأموي : نعم إنه أفقه الجميع ، لكن أحاديثه قليلة مع الأسف ، لذلك لا أروي فقه الإسلام وعقائده عنه ، بل عن مخالفيه وأعدائه !
ويقول الذهبي : نعم هو أفضل من الجميع ، لذلك كان يكرمه سيده ومولاه يزيد بن معاوية ! قال في سيره : 4 / 398 : ( وكان له جلالة عجيبة وحقَّ له والله ذلك ، فقد كان أهلاً للإمامة العظمى لشرفه وسؤدده وعلمه وتألهه وكمال عقله . وقد اشتهرت قصيدة الفرزدق وهي سماعنا أن هشام بن عبد الملك حج قبيل ولايته الخلافة . . . الخ . ) . وقال في سيره : 3 / 321 : ( وكان ابنه علي زين العابدين مريضاً فَسَلِم . وكان يزيد يكرمه ويرعاه ) !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 135 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ومعنى ذلك أن حبهم للإمام زين العابدين « عليه السلام » ينتهي عندما يصل الأمر إلى بني أمية ! ثم لا يتركون الإمام « عليه السلام » وشأنه ، بل يريدون إخضاعه لأسيادهم ! فمَثَلَهُم كشخص يقول لك : إني أحبك كثيراً كثيراً ، لكني أخضع حبي لك لحبي لخصومك وأعدائك ! وأنت أيضاً يجب أن تخضع لهم ! إن هذا الشخص في الحقيقة مبغضٌ ، وإن زعم أنه يحبك ويذرف عليك الدموع !
إن هذا ( الحب ) ليس ولاءً ولا حباً ، لأنه مشروط بشرطين :
الأول : أن لا يعارضه حب بني أمية ومن شاكلهم .
والثاني : أن يخضع أهل البيت « عليهم السلام » لبني أمية ! وأمثلة ذلك في ترجماتهم للإمام زين العابدين « عليه السلام » كثيرة ، نأخذ منها نماذج من تذكرة حفاظ الذهبي : 1 / 74 :
1 - سعيهم الدائب لتبرير جرائم قتلة أهل البيت « عليهم السلام » !
قال الذهبي : ( زين العابدين أبو الحسين الهاشمي المدني رضي الله عنه ، حضر كربلاء مريضاً فقال عمر بن سعد : لا تعرضوا لهذا ، وكان يومئذ ابن نيف وعشرين سنة ) . ( يعني أن ابن سعد منَّ عليه بالحياة ! وكأنه كان يستحق القتل ) !
روى عن أبيه وعمه الحسن وعائشة وأبي هريرة وابن عباس والمسور وابن عمر وعدة . ( أي هو تلميذ لهؤلاء في العلوم الدينية وهم شيوخه ) !
قال الزهري : ما رأيت أحداً كان أفقه من علي بن الحسين لكنه قليل الحديث وكان من أفضل أهل بيته وأحسنهم طاعة وأحبهم إلى عبد الملك .
( وبذلك يبرر الزهري لنفسه لماذا يذكر الإمام بخير أحياناً ، بأنه كان مطيعاً لعبد الملك ! فيقول هو أكثر بني هاشم اعتدالاً والخليفة يحبه ! ( كان أقصد أهل بيته وأحسنهم طاعة وأحبهم إلى مروان بن الحكم وعبد الملك بن مروان ) . ( الطبقات : 5 / 215 ، وتاريخ بخاري الصغير : 1 / 246 ، , والتعديل والتجريح : 3 / 1079 ، وتاريخ دمشق : 41 / 371 ، وتهذيب
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 136 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الكمال : 20 / 386 ، وسير الذهبي : 4 / 389 ، وتاريخ أبي زرعة / 103 ) .
ثم قال الذهبي : وقال أبو حازم الأعرج : ما رأيت هاشمياً أفضل منه . ( ولم يقل قرشياً حتى لا يفضله على بني أمية ! بينما في تقريب التهذيب : 1 / 692 : وسير الذهبي أيضاً : ما رأيت قرشياً أفضل منه ) !
ثم روى الذهبي عن أبي حازم : وكان يسمى زين العابدين لعبادته . ( وهذا تدليس من أبي حازم والذهبي حيث أغمضا عن تسمية النبي « صلى الله عليه وآله » له بزين العابدين ، وحديثه عندهما في أعلى درجات الصحة ، لأنه عن الزهري ، عن ابن المسيب ، عن ابن عباس عن النبي « صلى الله عليه وآله » ) !
وقال الذهبي في سيره : 4 / 386 : ( وكان يومئذ ( يوم كربلاء ) موعوكاً فلم يقاتل ، ولا تعرضوا له ، بل أحضروه مع آله إلى دمشق فأكرمه يزيد ، ورده مع آله إلى المدينة . ( وهذا تدليس وتزوير من الذهبي ، حيث لم يذكر ما لقيه الإمام وسبايا العترة النبوية الطاهرة « عليه السلام » في كربلاء والكوفة والطريق ودمشق وقصر يزيد ، بل مدح يزيداً بأنه منَّ عليهم وأكرمهم ) !
2 - وأن يثبتوا أن علم الأئمة « عليهم السلام » ليس ربانياً بل تعلموا عند غيرهم !
قال الذهبي : ( ابن وهب عن مالك ، قال : كان عبيد الله بن عبد الله ( بن أبي رافع ) من العلماء ، وكان إذا دخل في صلاته فقعد إليه إنسان لم يقبل عليه حتى يفرغ ، وإن علي بن الحسين كان من أهل الفضل وكان يأتيه فيجلس إليه ، فيطوِّل عبيد الله في صلاته ولا يلتفت إليه ، فقيل له : عليٌّ وهو ممن هو منه ! فقال : لا بد لمن طلب هذا الأمر أن يعنى به ) . ( وهذا توهين للإمام « عليه السلام » أياً كان عبد الله هذا ، فلا توجد رواية للإمام « عليه السلام » عنه ، وآل أبي رافع من خاصة الشيعة ) !
وكان يجالس زيد بن أسلم مولى عمر فقيل له : تدع قريشاً وتجالس عبد بني
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 137 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عدي ! فقال : إنما يجلس الرجل حيث ينتفع . . . كان علي بن الحسين يدخل المسجد فيشق الناس حتى يجلس في حلقة زيد بن أسلم ، فقال له نافع بن جبير : غفر الله لك ، أنت سيد الناس تأتي تتخطى حتى تجلس مع هذا العبد ! فقال علي بن الحسين : العلم يبتغى ويؤتى ويطلب من حيث كان .
عن مسعود بن مالك ، قال لي علي بن الحسين : تستطيع أن تجمع بيني وبين سعيد بن جبير ؟ قلت : ما حاجتك إليه ؟ قال : أشياء أريد أن أسأله عنها ، إن الناس يأتوننا بما ليس عندنا ) .
وفي تذكرة الحفاظ : 1 / 133 : ( قال البخاري : كان علي بن الحسين يجلس إلى زيد بن أسلم ، فكُلِّم في ذلك فقال : إنما يجلس الرجل إلى من ينفعه في دينه ) .
أقول : أما سعيد بن جبير « رحمه الله » فقد قتله الحجاج لأنه من أصحاب علي بن الحسين « عليه السلام » ، وأما زيد بن أسلم مولى عمر فلم يرو أحدٌ للإمام « عليه السلام » عنه ! بل ذكروا في ترجمة ابن أسلم أنه هو يروي عن علي بن الحسين « عليه السلام » كما نص عليه الذهبي نفسه في تذكرة الحفاظ : 1 / 132 ، وكذا الإكمال / 195 !
وقال الذهبي في سيره : 5 / 316 : ( زيد بن أسلم ، الإمام الحجة القدوة ، أبو عبد الله العدوي العمري المدني الفقيه ، حدث عن والده أسلم مولى عمر ، وعن عبد الله بن عمر ، وجابر بن عبد الله ، وسلمة بن الأكوع ، وأنس بن مالك ، وعن عطاء بن يسار ، وعلي بن الحسين ، وابن المسيب ، وخلق ) . انتهى .
وفي نشر طيِّ التعريف / 168 : ( وكان زيد بن أسلم مولى ، وكان زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم يتخطى مجالس قومه حتى يأتيه فيجلس عنده ! فقيل له : يغفر الله لك أنت سيد الناس وأفضلهم تذهب إلى هذا العبد فتجلس معه ! فقال : إنه ينبغي للعلم أن يتبع حيث ما كان !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 138 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
رواه الحافظ أبو نعيم في حليته بإسناده ، ونحوه ذكر الإمام النواوي في تهذيبه حكاية عن تاريخ البخاري ، وفيه : فقيل له تتخطى مجالس قومك إلى عبد عمر بن الخطاب ؟ فقال إنما يجلس المرء إلى من ينفعه في دينه ) . انتهى .
فالمهم عندهم أن ينتقصوا من مقام الأئمة « عليهم السلام » ولو بالكذب الصريح ، ويرفعوا من مقام ابن مولى عمر الذي مات سنة 136 ( تذكرة الحفظ : 1 / 132 ) ويقولوا إن الإمام زين العابدين « عليه السلام » كان تلميذ ابن عبد عمر ، الذي يصغره بأربعين سنة ! فكان يتعلم منه رواية الحديث ، أو يتعلم منه التقوى !
وقد رووا كثيراً عن زيد بن أسلم هذا ، ومن طريف ما رووه عنه سنة عمر في تكبير الشوارب مقابل سنة النبي « صلى الله عليه وآله » في حفِّها !
قال في الإكمال / 121 : ( رأيت مالك بن أنس وافر الشارب فسألته عن ذلك ؟ فقال : حدثني زيد بن أسلم عن عامر بن عبد الله بن الزبير أن عمر بن الخطاب كان إذا غضب فتل شاربه ونفخ ) !
وقال في مجمع الزوائد : 5 / 166 ، عن الطبراني ووثقه ، والطبراني الكبير : 1 / 66 ، وكنز العمال : 3 / 921 ، عن أبي عبيد ، وغيرها . وفي فتح الباري : 6 / 123 ، والمجموع : 15 / 234 : ( أتى أعرابي من أهل نجد عمر فقال : يا أمير المؤمنين بلادنا قاتلنا عليها في الجاهلية وأسلمنا عليها في الإسلام فعلامَ تحميها ! فأطرق عمر وجعل ينفخ ويفتل شاربه وكان إذا كره أمراً فتل شاربه ونفخ ) . ومثله مغني ابن قدامه : 6 / 167 ، وغيره .
أما في مصادرنا فزيد بن أسلم : ( مولى عمر بن الخطاب كان يجالسه كثيراً . . . تابعي ، فيه نظر ، من أصحاب علي بن الحسين ) . ( نقد الرجال : 2 / 282 ) .
3 - أن يَزعموا أن الأئمة « عليهم السلام » كانوا يتولون أبا بكر وعمر !
قال الذهبي في سيره : 4 / 394 : ( قال أبو حازم المدني : ما رأيت هاشمياً أفقه من
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 139 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
علي بن الحسين ، سمعته وقد سئل : كيف كانت منزلة أبي بكر وعمر عند رسول الله ( ص ) ؟ فأشار بيده إلى القبر ثم قال : بمنزلتهما منه الساعة . .
جاء رجل فقال : أخبرني عن أبي بكر ؟ قال : عن الصديق تسأل ؟ ! قال : وتسميه الصديق ؟ ! قال : ثكلتك أمك قد سماه صديقاً من هو خير مني ، رسول الله ( ص ) والمهاجرون والأنصار ، فمن لم يسمه صديقاً فلا صدق الله قوله ! إذهب فأحب أبا بكر وعمر وتولهما ، فما كان من أمر ففي عنقي . .
قدم قوم من العراق فجلسوا إليَّ فذكروا أبا بكر وعمر فسبوهما ، ثم ابتركوا في عثمان ابتراكاً ، فشتمتهم ) . انتهى .
وهذا مثالٌ لسعيهم الحثيث لنشر تولي أبي بكر وعمر عن لسان الإمام « عليه السلام » ، متناسين ما صح عنه « عليه السلام » من موقف شديد منهما !
4 - أن يَنْفُوا شفاعة عليٍّ والأئمة وعصمتهم « عليهم السلام » :
من ذلك قول الذهبي في سيره : 4 / 396 : ( عن القاسم بن عوف قال : قال علي بن الحسين : جاءني رجل فقال : جئتك في حاجة وما جئت حاجاً ولا معتمراً ! قلت : وما هي ؟ قال : جئت لأسألك متى يبعث علي ؟ فقلت : يبعث والله يوم القيامة ، ثم تهمه نفسه ) . فهم يريدون بذلك ردَّ الأحاديث التي تقول إن علياً « عليه السلام » يبعث بظهور ولده المهدي « عليه السلام » ، أو في الرجعة ، ويقولوا إنه لا يبعث إلا في القيامة ، ويكون مشغولاً بنفسه فكيف يشفع لغيره !
ثم قال الذهبي عن الإمام زين العابدين « عليه السلام » : ( وهو أحد الأئمة الاثني عشر الذين تبجلهم الشيعة الإمامية ، وتقول بعصمتهم وبمعرفتهم بجميع الدين . فلا عصمة إلا للملائكة والنبيين ) . انتهى .
لاحظ أن الذهبي لم يناقش عقيدة الشيعة بعلم الأئمة « عليه السلام » بجميع الدين ، لأنه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 140 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لا يجد مثالاً على جهل إمام ولو بمسألة واحدة ، بينما ذلك متواتر في أئمته !
لذلك هرب من علم الأئمة « عليهم السلام » وانتقد قول الشيعة بعصمتهم « عليهم السلام » ونفاها بحجة أن العصمة محصورة بالملائكة والنبيين « عليهم السلام » !
لكن الذهبي نفسه عندما تحدث عن أبي بكر وعمر نسي قوله هذا ، ولم يحصر العصمة بالملائكة والنبيين « عليهم السلام » بل قال في كتابه : الموقظة في علم مصطلح الحديث / 84 : ( والعصمة للأنبياء « عليهم السلام » ، والصديقين ، وحكام القسط ) ! انتهى .
فهو يقصد بالصديقين أبا بكر فقط ، وبحكام القسط عمر فقط ، لأنه لا يقول بعصمة كل صدِّيق ولا عصمة كل حاكم عادل ! فقد وصف هو وغيره كسرى بالملك العادل ، وأعطوا وصف الملك العادل لعدة سلاطين تراكمة وشراكسة وفيهم رافضي قوي الرفض على حد قوله هو طلائع بن رزيك سلطان مصر !
فلا بد أنه وسَّع العصمة هنا لتشمل الشيخين فقط ، وضيقها هناك لينفيها عن أهل البيت « عليهم السلام » فقط ! ( راجع نفحات الأزهار : 4 / 247 للسيد الميلاني ) .
5 - وبيت قصيدهم من هذا الكذب الكثير !
أن يقولوا إن زين العابدين « عليه السلام » على مقامه الرباني كان تلميذاً لأحد عبيد عمر وإنه كان يتولى أبا بكر وعمر ! قال الذهبي في سيره : 5 / 316 : ( عن يحيى بن سعيد : سمعت علي بن الحسين وكان أفضل هاشمي أدركته يقول : يا أيها الناس أحبونا حب الإسلام ، فما برح بنا حبكم حتى صار علينا عاراً . . . يا أهل العراق أحبونا حب الإسلام ولا تحبونا حب الأصنام ، فما زال بنا حبكم حتى صار علينا شيناً ) . انتهى . وهو يقصد أن أهل البيت « عليهم السلام » نهوا عن حبهم الذي يكون معه براءة ممن ظلمهم ، بل كانوا يتولون ظالميهم ويأمرون شيعتهم بذلك !
وقد صرح بذلك ابن حجر في الصواعق : 1 / 166 ، فقال : ( وصرحوا ( أئمة أهل البيت « عليهم السلام » )
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 141 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بتكذيب من نقل عنهم خلافه ( أي خلاف تقديس أبي بكر وعمر ) ومع ذلك يرى أن ينسب إليهم ما تبرؤا منه ورأوه ذماً في حقهم ، حتى قال زين العابدين علي بن الحسين : أيها الناس أحبونا حب الإسلام فوالله ما برح بنا حبكم حتى صار علينا عاراً وفي رواية حتى نقصتمونا إلى الناس ، أي بسبب ما نسبوه إليهم مما هم برءاء منه . فلعن الله من كذب على هؤلاء الأئمة ورماهم بالزور والبهتان ) .
ونحن نقول : آمين . اللهم العن من كذب عليهم ومن ظلمهم ، وبرر ظلمهم ! اللهم العن أول ظالم لآل محمد وآخر تابع له على ذلك .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 142 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

4 - تلاميذه وحواريوه الشيعة

لم يترجم أتباع الخلافة لأصحاب الإمام « عليه السلام » وتلاميذه الشيعة ، إلا لأفراد منهم وبشكل مختصر أو مشوَّه ، مع أنهم كثيرون وفيهم شخصيات كبيرة !
وقد أورد الشيخ الطوسي « رحمه الله » منهم في كتابه الرجال / 107 ، مئة وسبعين راوياً ، ابتداءً من إبراهيم بن عبد الله بن معبد بن العباس بن عبد المطلب برقم 1058 ، إلى حبابة الوالبية أو أم البراء ، برقم 1228 . وأورد غيره أكثر من هذا العدد .
ولا يتسع المجال لذكرهم جميعاً وفيهم شخصيات علمية واجتماعية مهمة ، يحتاج الواحد منهم إلى كتاب مستقل ، مثل يحيى بن أم الطويل أخ الإمام « عليه السلام » من الرضاعة ، وحكيم بن جبير بن مطعم ، وسعيد بن المسيب بن حَزَن المخزومي ، وسعيد بن جبير الوالبي مولاهم ، وأبو خالد الكابلي ، وجابر بن عبد الله الأنصاري ، وأبو حمزة الثمالي ، وآل زرارة .
وسنذكر أبرز الحواريين منهم ، الذين بنى بهم الإمام « عليه السلام » المجتمع الشيعي ، في فصل مواجهته لانحرافات بني أمية ، وإعلائه لصرح التشيع .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 143 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الخامس : علاقاته مع شخصيات المجتمع ورجال الدولة

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 144 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 145 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

1 - علاقته مع العُبَّاد والمتصوفين

كان للإمام « عليه السلام » علاقات وثيقة بعدد كبير من علماء السلطة وشيوخ المتصوفة على اختلاف مشاربهم ومساربهم ، كالشبلي ، وابن المبارك ، ومالك بن دينار ، وثابت البناني ، وصالح المري ، وعتبة الغلام ، وحبيب الفارسي ، وصالح الأعمى ، ورابعة العدوية ، وسعدانة ، وجعفر بن سليمان ، والحسن البصري وغيرهم . . وله معهم قصص ومواعظ بليغة .
وله حديث مشهور في معيار الصدق والزيف في طالب العلم والعابد أوله : ( إذا رأيتم الرجل قد حَسَّنَ سَمْتَهُ وهَدْيَهُ ، وتَمَاوتَ في منطقه ، وتَخَاضع في حركاته ، فرويداً لا يغرنَّكم ، فما أكثر من يُعجزه تناول الدنيا وركوب الحرام منها لضعف نيته ومهانته وجُبْن قلبه ، فنصب الدين فَخّاً لها ) ! ( الإحتجاج : 2 / 53 ) .
وكان هؤلاء المتصوفة يفتخرون بصداقته « عليه السلام » والرواية عنه ، بل بمجرد رؤيتهم له ، وينقلون مواعظه وأدعيته ومعجزاته .
وكان بعضهم يناقشه لكنه يقتنع بكلامه : ( لقيه عباد البصري في طريق مكة فقال : تركت الجهاد وصعوبته وأقبلت على الحاج ولينه و : إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ . . الآية . فقال « عليه السلام » : إقرأ ما بعدها : التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمرونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ . . الآية . ثم قال : إذا ظهر هؤلاء لم نؤثر على الجهاد شيئاً ) ! ( مناقب آل أبي طالب : 3 / 298 ) . على أن الجهاد في مفهوم الإمام « عليه السلام » أعم من الفتوحات والقتال ، ففي التهذيب : 6 / 167 ، أن شخصاً قال : ( ما كنت أرى أن الشهيد إلا من قتل في سبيل الله . فقال علي بن الحسين « عليه السلام » : إن الشهداء إذن لقليل ! ثم قرأ هذه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 146 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الآية : وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ . ثم قال : هذه لنا ولشيعتنا ) . انتهى . مضافاً إلى أن الجهاد الذي يدعوه إليه هذا الصوفي كان المرابطة فقط ، فقد أوقف عبد الملك حركة الفتوحات وكان يعطي الجزية للروم كل يوم ألف دينار ! ( عمدة القاري : 15 / 97 ) .
كما كان الإمام « عليه السلام » حريصاً على إعطاء قيمة للعبادة والتعبد لله تعالى ، حتى لو كان من متصوفين ، فقد ( مرَّ برجل وهو قاعد على باب رجل فقال له : ما يقعدك على باب هذا المترف الجبار ؟ فقال : البلاء . قال : قم فأرشدك إلى باب خير من بابه وإلى رب خير لك منه ! فأخذ بيده حتى انتهى به إلى مسجد رسول الله « صلى الله عليه وآله » ثم قال : استقبل القبلة وصل ركعتين ، ثم ارفع يديك إلى الله عز وجل فأثن عليه وصل على رسوله « صلى الله عليه وآله » ثم ادع بآخر الحشر ، وست آيات من أول الحديد ، وبالآيتين في آل عمران ، ثم سل الله سبحانه ، فإنك لا تسأل شيئاً إلا أعطاك ) . ( دعوات الراوندي / 54 ) .
أقول : من المؤكد أن الله تعالى يستجيب دعاء العبد في حالة اضطراره وانقطاعه ، يضاف إليه خصوصية الدعاء الذي علَّمَه إياه الإمام « عليه السلام » ، بل المرجح عندي أن سر الاستجابة أن الإمام « عليه السلام » أمره بذلك الدعاء .
قال الذهبي في سيره : 4 / 393 : ( عن طاووس : سمعت علي بن الحسين وهو ساجد في الحجر يقول : عُبَيْدُك بفنائك ، مسكينك بفنائك ، سائلك بفنائك ، فقيرك بفنائك . قال : فوالله ما دعوتُ بها في كرب قطُّ إلا كُشف عني ) . انتهى .
وله « عليه السلام » حديث مع الشبلي فيما ينبغي أن يكون عليه الحاج ، جاء فيه : ( استقبله الشبلي فقال « عليه السلام » : حججت يا شبلي ؟ قال : نعم يا ابن رسول الله ، فقال « عليه السلام » : أنزلت الميقات وتجردت عن مخيط الثياب واغتسلت ؟ قال : نعم ، قال « عليه السلام » :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 147 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فحين نزلت الميقات نويت أنك خلعت ثوب المعصية ولبست ثوب الطاعة ؟ قال : لا ، قال « عليه السلام » : فحين تجردت عن مخيط ثيابك نويت أنك تجردت من الرياء والنفاق والدخول في الشبهات ؟ قال : لا ، قال « عليه السلام » : فحين اغتسلت نويت أنك اغتسلت من الخطايا والذنوب ؟ قال : لا ، قال « عليه السلام » : فما نزلت الميقات ولا تجردت عن مخيط الثياب ولا اغتسلت !
ثم قال « عليه السلام » : تنظفتَ وأحرمتَ وعقدتَ بالحج ؟ قال : نعم ، قال « عليه السلام » : فحين تنظفت وأحرمت وعقدت الحج نويت أنك تنظفت بنورة التوبة الخالصة لله تعالى ؟ قال : لا ، قال « عليه السلام » : فحين أحرمت نويت أنك حرمت على نفسك كل محرم حرمه الله عز وجل ؟ قال : لا ، قال « عليه السلام » : فحين عقدت الحج نويت أنك قد حللت كل عقد لغير الله ؟ قال : لا ، قال له « عليه السلام » : ما تنظفت ولا أحرمت ولا عقدت الحج ! ثم قال له « عليه السلام » : أدخلت الميقات وصليت ركعتي الإحرام ولبيت . . . الخ . ) . ( التحفة السنية للجزائري ( مخطوط ) / 184 ) .

2 - علاقته مع عبد الله بن عمر

لم أجد الكثير في علاقته « عليه السلام » مع عبد الله بن عمر ، إلا ما رواه في تهذيب الكمال : 20 / 389 : ( وقال عبد الله بن عمر ، عن الزهري : حدثتُ علي بن حسين بحديث فلما فرغت قال : أحسنت بارك الله فيك هكذا حدثناه . قلت : ما أراني إلا حدثتك بحديث أنت أعلم به مني . قال : لا تقل ذاك ، فليس من العلم ما لا يعرف ، إنما العلم ما عرف وتواطأت عليه الألسن ) . وتاريخ دمشق : 41 / 376 ، وتهذيب الكمال : 20 / 388 ، والسيوطي في تدريب الراوي : 2 / 182 .
وهو يدل على إعجاب عبد الله بن عمر بقول الإمام « عليه السلام » وتعريفه للعلم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 148 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بالحديث بأنه ما اشتهر وعُرف واتفقت ألسن عدد من الرواة على نقله ، ولا عبرة برواية الراوي التي لا يتابعه عليها أحدٌ . وهو يكشف عن وجود رواة شاذين ينشرون أحاديث مكذوبة ، وأكثرهم موظفون عند السلطة .
كما روى ابن عمر عن الإمام زين العابدين « عليه السلام » بعض الأحاديث بواسطة الزهري ، منها ما في شعب الإيمان : 7 / 415 ، بسنده عن : ( عبد الله بن عمر العمري عن ابن شهاب عن علي بن الحسين عن أبيه عن علي أن رسول الله ( ص ) قال : من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ) . ومسند أحمد : 6 / 391 ، عن عبيد الله بن عمر ، والطبراني الصغير : 2 / 111 ، وفي علل الدارقطني : 3 / 108 ، تفاوت الاسم بين عبد الله وعبيد الله والعمري .
وروى في مناقب آل أبي طالب : 3 / 281 ، أن عبد الله بن عمر دخل على زين العابدين « عليه السلام » وقال : يا ابن الحسين أنت الذي تقول إن يونس بن متى إنما لقي من الحوت ما لقي لأنه عرضت عليه ولاية جدي فتوقف عندها ؟ قال : بلى . . . وذكر أنه طلب منه آية ، فأخذه بطريق المعجزة إلى البحر وكلمه الحوت ثم قال له الإمام « عليه السلام » إرجع أيها الحوت إلى وكرك ، واستوى الماء ) . ونوادر المعجزات / 117 .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 149 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

3 - علاقته مع يزيد بن معاوية

كان الخليفة الأموي دائماً يحرص على التظاهر بحب أهل البيت « عليهم السلام » ويقول إنه وبني هاشم أبناء عم ، لأنهم جميعاً من بني عبد مناف ، وكان الإمام زين العابدين « عليه السلام » يحفظ معهم هذا الظاهر ، بعكس علاقته عبد الله بن الزبير !
وأوصى يزيد مسلم بن عقبة قائد حملته على مدينة الرسول « صلى الله عليه وآله » أن يأخذ البيعة من الأنصار على أنهم عبيد أرقاء ليزيد يبيعهم إن شاء ! إلا علي بن الحسين « عليه السلام » فيأخذ منه البيعة على أنه أخو يزيد وابن عمه ! وقد تقدم دور الإمام « عليه السلام » في مواجهة الطاغية يزيد .

4 - علاقته مع معاوية بن يزيد

أما علاقة الإمام « عليه السلام » بمعاوية الثاني بن يزيد « رحمه الله » فلم أجد فيها نصاً ، وقد ورد ذكر أخيه الأصغر خالد بن يزيد لما أمر يزيد جلوازه أن يقتل الإمام « عليه السلام » فشاهد خالد معجزة هلاك الجلواز ، فأمره يزيد بكتمان ما حدث !
كذلك ورد ذكر خالد في مجلس يزيد عندما دعا الإمام « عليه السلام » إلى الغداء وكان معه عمرو بن الإمام الحسن « عليه السلام » فطلب منه يزيد أن يصارع ولده خالداً .
لكن لم أجد ذكراً لمعاوية الثاني مع الإمام « عليه السلام » ، مع أنه كان في العشرين من عمره ، وكان شيعياً مؤمناً بإمامة العترة « عليهم السلام » ، فعندما قتله بنو أمية وقبضوا على أستاذه عمر المقصوص قالوا له : ( أنت علمته هذا ولقنته إياه وصددته عن الخلافة وزينت له حب علي وأولاده وحملته على ما وسمَنا به من الظلم . . فقال : والله ما فعلته ولكنه مجبولٌ ومطبوعٌ على حب عليّ ) ( جواهر المطالب : 2 / 261 ) .
وتقدم أن معاوية الثاني « رحمه الله » عمل كل ما بوسعه وضحى بملكه ودمه « رحمه الله » من أجل أن يخوِّله بنو أمية بإعطاء الخلافة إلى صاحبها الشرعي ، وكان يقصد الإمام زين العابدين « عليه السلام » ، فلا يبعد أن تكون علاقته بالإمام « عليه السلام » من أيام أسره في دمشق ، وبواسطة أستاذه عمر المقصوص « رحمه الله » الذي هو من تلاميذ أبي ذر « رحمه الله » ، لكنها كانت علاقة في غاية السرية ، خوفاً من بطش يزيد !

5 - علاقته مع مروان بن الحكم

تقدمت جوانب عن علاقة الإمام « عليه السلام » بمروان وابنه عبد الملك ، ومواجهته لطغيانهما وخططهما ضد الإسلام ، وأن عبد الملك قد تَحَيُّر في قتل الإمام « عليه السلام » خوفاً على سلطانه ! وقد كانت علاقتهما مع الإمام « عليه السلام » إيجابية أحياناً فكانا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 150 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يمدحانه ويظهران مودته ، بل يتقربان إليه !
1 - كان مروان يحدثه عن دفاع جده علي « عليه السلام » عن عثمان ، فقد رووا بسند صحيح أنه قال له : ( ما كان في القوم أحدٌ أدفع عن صاحبنا من صاحبكم يعني علياً عن عثمان ! قال قلت : فما لكم تسبونه على المنبر ؟ ! قال : لا يستقيم الأمر إلا بذلك ) ! ( تاريخ الذهبي : 3 / 460 ، وتاريخ دمشق : 42 / 438 ، 8 ، وأنساب الأشراف / 184 ، والصواعق المحرقة : 1 / 163 ، وشرح النهج : 13 / 220 ، وعثمانية الجاحظ / 283 ، وسمط النجوم / 737 ، وقالوا إسناده قوي ) .
وفسر عبد العزيز بن مروان قول أبيه إن الأمويين لا يستقيم لهم أمرٌ إلا بسب علي « عليه السلام » ولعنه على المنابر ! فروى عنه ابنه عمركما في أنساب الأشراف / 2063 : ( نشأتُ على بغض عليٍّ لا أعرف غيره ، وكان أبي يخطب فإذا ذكر علياً نال منه تلجلج ! فقلت : يا أبهْ إنك تمضي في خطبتك فإذا أتيت ذكر عليٍّ عرفت منك تقصيراً ! قال : أفطنت لذلك ؟ قلت : نعم . قال : يا بني إن الذين من حولنا لو نُعْلِمُهُمْ من حال علي ما نعلم ، تفرقوا عنا ) .
2 - وكان يحدثه أن جيش عائشة مدينون بحياتهم لعفو علي « عليه السلام » : قال مروان للإمام « عليه السلام » : ( ما رأيت أحداً أكرم غَلَبَةً من أبيك ! ما هو إلا أن وليَنا يوم الجمل فنادى مناديه : لا يُقتل مُدْبرٌ ولا يُذفَّفْ على جريح ) . ( الأم للشافعي : 4 / 229 ، ومجموع النووي : 19 / 202 ، وسنن البيهقي : 8 / 181 ) .
وفي رواية البلاذري في أنساب الأشراف / 262 : ( انهزموا فقام صائح لعلي فقال : لا يقتل مدبر ولا يُدفَّفُ على جريح ، ومن أغلق بابه فهو آمن ، ومن طرح السلاح فهو آمن . قال : فدخلت داراً ثم أرسلت إلى حسن وحسين وابن جعفر وابن عباس فكلموه ، فقال : هو آمن فليتوجه حيثما شاء . فقلت : لا تطيب نفسي حتى أبايعه ، قال : فبايعته ثم قال : إذهب حيث شئت ) . لكنه ذكر في هامشه من
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 151 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
نهج البلاغة أن مروان استشفع بالحسنين « صلى الله عليه وآله » فكلماه فعفا عنه فقالا له : ( يبايعك يا أمير المؤمنين . قال : أو لم يبايعني بعد قتل عثمان ؟ لا حاجة لي في بيعته ، إنها كف يهودية ! لو بايعني بيده لغدر بسبته ! أما إن له إمرةً كلعقة الكلب أنفه وهو أبو الأكبش الأربعة ، وستلقى الأمة منه ومن ولده يوما أحمر . . . يحمل راية ضلالة بعد ما يشيب صدغاه ، وإن له إمرةً كلعقة الكلب أنفه . . الخ . ) .
3 - كما اعترف للإمام زين العابدين « عليه السلام » بأنه قتل طلحة في حرب الجمل !
قال الإمام زين العابدين « عليه السلام » : ( قال لي مروان بن الحكم : لما رأيت الناس يوم الجمل قد كُشفوا قلت والله لأدركن ثاري ولأفوزن منه الآن ! فرميت طلحة فأصبت نَسَاه فجعل الدم ينزف فرميته ثانية فجاءت به ، فأخذوه حتى وضعوه تحت شجرة فبقي تحتها ينزف منه الدم حتى مات ) . ( كتاب الجمل للمفيد / 204 ) .
4 - روى له تحريض عائشة على قتل عثمان طمعاً بالخلافة لابن عمها !
ففي شرح الأخبار : 1 / 342 ، عن الإمام الباقر « عليه السلام » قال : ( أرسل إليَّ سعيد بن عبد الملك بن مروان ، فأتيته فأقبل يسألني فرأيته رجلاً قد لقي أهل العلم وحادثهم ، فإذا هو ليس في يده شئ من أمر عثمان إلا أنه يقول : خرجت عائشة تطلب بدمه . فقلت له : أي رجل كان فيكم مروان بن الحكم ؟ فقال : ذاك سيدنا وأفضلنا . قلت : فأيُّ رجل ترون علي بن الحسين ؟ قال : صدوقاً مرضياً . قلت : فإني أشهد على علي بن الحسين أنه حدثني أنه سمع مروان بن الحكم يقول : انطلقت أنا وعبد الرحمان بن عوف إلى عائشة وهي تريد الحج وعثمان قد حصر ، فقلت لها : قد ترين أن هذا الرجل قد حُصر ، فلو أقمت فنظرت في شأنه وأصلحت أمره ! فقالت : قد غرَّبت غرايري وأدنيت ركائبي وفرضت الحج على نفسي فلست بالتي أقيم ، فجهدنا عليها فأبت !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 152 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فقمت من عندها وأنا أقول ، وذكر بيتاً من شعر تمثل به ، فقال : فقالت : أيها الرجل المتمثل بالشعر إرجع ، فرجعت فقالت : لعلك ترى أني إنما قلت هذا الذي قلت وأنا أشك في عثمان ! وددت والله أنه مخيط عليه في بعض غرايري هذه ، حتى أكون التي أقذفه في اليمّ !
ثم ارتحلت حتى نزلت ماء يقال له : الصلصل ، وبعث الناس عبد الله بن العباس على الموسم وعثمان محصور ، فمضى حتى نزل ذلك الماء فقيل لها : هذا ابن عباس قد بعث به الناس على الموسم ، فأرسلت إليه فقالت : يا ابن عباس إن الله عز وجل أعطاك لساناً وعلماً ، فأناشدك الله أن تخذل الناس عن قتل هذا الطاغية عثمان غداً ! ثم انطلقت إلى مكة ، فلما أن قضت منسكها وانقضى أمر الموسم بلغها أن عثمان قد قتل وأن طلحة بن عبيد الله بويع ، قالت : إيهاً ذا الإصبع ، فلما بلغها بعد ذلك أن علياً بويع قالت : وددت أن هذه تعني السماء وأشارت إليها وقعت على هذه وأشارت إلى الأرض !
قال أبو جعفر صلوات الله عليه : فهذا حديث مروان وسماعي إياه من علي بن الحسين ! قال : فما خرجت من البيت حتى ترك سعيد بن عبد الملك ما كان في يديه من أمر عثمان ) . انتهى .
أقول : سعيد بن عبد الملك بن مروان ، وفي بعض المصادر سعد ، هداه الله على يد الإمام الباقر « عليه السلام » فكان من شيعته الخلَّص ، وقد ورد مدحه في مصادر الطرفين ، قال ابن حبان في ثقاته : 6 / 369 : ( روى عنه هشام بن عروة وأهل المدينة وكان يقال له سعيد الخير لم يسلك مسلك إخوته فيما كانوا فيه ) .
وفي تاريخ دمشق : 21 / 213 : ( وكان سعيد متألهاً ووليَ الغزو في خلافة أخيه هشام بن عبد الملك ، وولي فلسطين للوليد بن يزيد ، وكان حسن السيرة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 153 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وكانت له بدمشق أملاك منها محلة الراهب . . . بلغني أن سعيداً بقي إلى حين دعا يزيد بن الوليد الناقص إلى نفسه في سنة ست وعشرين ومائة ) .
وفي تاريخ الذهبي : 8 / 114 : ( وكان ديِّناً متألهاً ، ولي الغزو زمن أخيه هشام ، وله بالموصل مسجد ودار ، مات في حدود سنة ست وعشرين ومائة ) . ونحوه وافي الصفدي : 15 / 150 ، والنجوم الزاهرة : 1 / 322 ، والتحفة اللطيفة : 1 / 402 .
وفي الإختصاص للمفيد / 85 : ( عن أبي حمزة قال : دخل سعد بن عبد الملك وكان أبو جعفر « عليه السلام » يسميه سعد الخير ، وهو من ولد عبد العزيز بن مروان على أبي جعفر « عليه السلام » فبينا ينشج كما تنشج النساء قال : فقال له أبو جعفر « عليه السلام » : ما يبكيك يا سعد ؟ قال وكيف لا أبكي وأنا من الشجرة الملعونة في القرآن ؟ ! فقال له : لست منهم أنت أموي منا أهل البيت ، أما سمعت قول الله عز وجل يحكي عن إبراهيم : فمن تبعني فإنه مني ) . وذكر من مصادره في هامشه : الكشي / 365 ، والعيون والخرائج ، وكشف الغمة ، عن دلائل الحميري .
وروى في الكافي : 8 / 52 ، رسائل بليغة متبادلة بينه وبين الإمام الباقر « عليه السلام » تدل على إيمانه ومقامه ، سنوردها إن شاء الله في سيرة الإمام الباقر « عليه السلام » ، لأنه اتضمن موقفه « عليه السلام » من الانحراف الكبير بالإسلام ، الذي ارتكبه أهل السقيفة .
5 - وكان مروان يحدث الإمام عن جرأة جده علي « صلى الله عليه وآله » على عثمان ! ففي النسائي : 2 / 345 : ( سمعت علي بن الحسين يحدث عن مروان أن عثمان نهى عن المتعة وأن يجمع الرجل بين الحج والعمرة ، فقال علي : لبيك بحجة وعمرة معاً ، فقال عثمان : أتفعلهما وأنا أنهى عنهما ؟ فقال علي : لم أكن لأدع سنة رسول الله ( ص ) لقول أحد من الناس ) . والنسائي : 2 / 345 ، وأبي يعلى : 1 / 453 ، والإستذكار : 4 / 65 ، وابن شبة : 3 / 1043 ، وتذكرة الذهبي : 3 / 786 ، ونحوه في سيره : 14 / 294 ، وتاريخه : 26 / 445 ، وقال : إسناده صحيح وهو شئ غريب ، إذ فيه رواية علي بن الحسين عن مروان ، وفيه تصويب مروان
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 154 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
اجتهاد علي على اجتهاد عثمان مع كون مروان عثمانياً . وعنه طبقات الشافعية : 3 / 68 .
5 - بعد شهادة الإمام الحسين « عليه السلام » وعودة الإمام زين العابدين « عليه السلام » إلى المدينة عرض عليه مروان ستة آلاف دينار قرضاً ذكر إن أباه الحسين « عليه السلام » أرادها منه : ( عن جعفر بن محمد قال : لما شَخَص حسين إلى مكة سأل مروان ستة آلاف دينار فلم يسلفه ، فلم يزل في نفس مروان ، فلما قتل حسين ورجع علي بن حسين إلى المدينة لقيه مروان فقال : إن أبا عبد الله رحمه الله كان سألني سَلَف ستة آلاف دينار فمنعته ولم يزل في نفسي ، وقد قدمت منكوباً ولك حوائج فخذها فاستعن بها صلةً أوسلفاً ! قال : ما لي بها حاجة . قال : أقسمت عليك . قال : آخذها سلفاً ، فبعث بها إليه مروان فقال علي : أخذتها لأعمِّر بها دور بني عقيل ، وكانت دور آل أبي طالب حُرقت بمَزْيَد العُلَى ( محلةٌ في المدينة ) فلم يحركها وبقي المال في خرائطه ( الخريطة كالعلبة الجلدية ) فلما قام عبد الملك سأل علياً عن المال فقال : عندنا ، فقال عبد الملك : إن أبا عبد الملك عهد إليَّ أن لا أقبض منك المال فهو لك . قال : لا أريده وإنه لفي خرائطه . فقال بل هو صلةٌ مني فأخذه علي ) . ( تاريخ دمشق : 57 / 247 ) .
أقول : ذكر المحدثون والمؤرخون أنه لما وصل خبر قتل الحسين « عليه السلام » ضجَّ أهل المدينة ضجَّةً واحدة غضباً على يزيد وحزناً ، لكن والي المدينة الأموي سعيد بن العاص بادر فأحرق بعض دور آل أبي طالب في منطقة مَزْيَد العُلى . فقبل الإمام « عليه السلام » القرض من مروان ليبني تلك الدور .
قال البلاذري في أنساب الأشراف / 819 : ( ولما بلغ أهل المدينة مقتل الحسين كثر النواضح والصوارخ عليه ، واشتدت الواعية في دور بني هاشم ، فقال عمرو بن سعيد الأشدق : واعية بواعية عثمان ، وقال مروان حين سمع ذلك :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 155 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

عجَّتْ نساءُ بني زَبيد عجةً * كعجيج نسوتنا غَدَاةَ الأرْنبِ

وقال عمرو بن سعيد : وددت والله أن أمير المؤمنين لم يبعث إلينا برأسه . فقال مروان : بئس ما قلت هاته : يا حبذا بَرْدُكَ في اليدينِ ولونُك الأحمر في الخدَّيْن ) ! انتهى . وروي أن مروان أنشد :

( ضربتْ دَوْسرُ فيهم ضربةً * أثبتت أوتاد ملك فاستقر ) .

( نهاية الإرب / 4534 ) .
( بعد خروج الحسين أمر عمرو بن سعيد بن العاص صاحب شرطته على المدينة ، أن يهدم دور بني هاشم ، وبلغ منهم كل مبلغ ) . ( الأغاني : 4 / 155 ) .
( وولَّى عمرو بن سعيد شرطته عمرو بن الزبير بن العوام ، وأمره بهدم دور بني هاشم وآل الزبير ، ففعل ) ! ( الأغاني : 5 / 82 ) .
7 - وعندما طرد أهل المدينة مروان وبني أمية ، قبل الإمام « عليه السلام » أن يحمي عائلة مروان فجعلهم مع عائلته في ينبع . قال الطبري : 4 / 372 : ( عن محمد بن عمر قال : لما أخرج أهل المدينة عثمان بن محمد من المدينة كلم مروان بن الحكم ابن عمر أن يُغَيِّبَ أهله عنده فأبى ابن عمر أن يفعل ! وكلم علي بن الحسين وقال : يا أبا الحسن إن لي رحماً وحرمي تكون مع حرمك ، فقال : أفعل فبعث بحرمه إلى علي بن الحسين فخرج بحرمه وحرم مروان حتى وضعهم بينبع ، وكان مروان شاكراً لعلي بن الحسين مع صداقة كانت بينهما قديمة ) .
8 - وبعد اجتياح جيش يزيد المدينة كافأ مروان الإمام « عليه السلام » فحرَّض على قتله !
عندما تقرأ أن مرواناً دخل مع الإمام « عليه السلام » على قائد جيش يزيد بعد احتلاله المدينة ، تتصور أن مرواناً قدَّر جميل الإمام زين العابدين « عليه السلام » لأنه حمى له عائلته عندما طرده أهل المدينة ، وأن موقفه كان لمصلحة الإمام « عليه السلام » ، حتى تتفاجأ أنه كان في غاية الخسة ! فكان يحرض الطاغية على قتل الإمام « عليه السلام » ! ولما
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 156 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
رأى أنه احترمه وأخبره أن يزيداً أوصاه به ، غيَّر كلامه وأخذ يمدح الإمام « عليه السلام » !
قال القاضي النعمان المغربي في شرح الأخبار : 3 / 274 : ( فلما قدم مسرف إلى المدينة أرسل إلى علي بن الحسين وعنده مروان بن الحكم ، وقد علم ما ذكره من وعيده فجعل يغريه به فلما دخل عليه قام إليه فاعتنقه وقبل رأسه وأجلسه إلى جانبه وأقبل عليه بوجهه ليسأله عن حاله وأحوال أهله ، فلما رأى ذلك مروان جعل يثني على علي بن الحسين ويذكر فضله ! فقال مسرف : دعني عن كلامك ! فإني إنما فعلت ما فعلت من بره وإكرامه وقضاء حوائجه لما قد أمرني به أمير المؤمنين . ثم قال لعلي بن الحسين : إنما جعلت الاجتماع معك لما سبق إليك عني لئلا تستوحش مني ، وأنا أحب الاجتماع معك والأنس بك والتبرك بقربك والنظر فيما تحب من صلتك وبرك ، وأنا على ذلك ، لكني أخاف أن يستوحش أهلك إن طال عندي مقامك ، فانصرف إليهم ليسكنوا ويعلموا ويعلم الناس مالك عند أمير المؤمنين وعندي من الجميل . ثم قال : قدموا دابته . قالوا : ماله دابة ! قال مسرف : قدموا له دابتي . فقدموها له بين يديه وعزم عليه أن يركبها فركب وانصرف إلى أهله ، وهم والناس ينظرون ما يكون منه فيه ) .
9 - وقد استغل الأمويون وأتباعهم العلاقة الحسنة للإمام « عليه السلام » مع مروان ، فزعم ابن كثير في النهاية : 8 / 283 ، و : 9 / 122 ، أن الإمام « عليه السلام » كان فقيراً فأعطاه مروان مالاً وشجعه على تكثير نسله ، لأنه لم يبق غيره من ذرية الحسين « عليه السلام » ، وأقرضه مئة ألف درهم ليشتري جواري فيرزق منهن أولاداً ، وأوصى ابنه أن لا يأخذها منه بعد موته ، فتزوج الإمام « عليه السلام » وولد له أولاد ، فكل أولاده من أموال مروان !
لاحظ قوله في : 9 / 122 : ( فقال له مروان بن الحكم : لو اتخذت السراري يكثر
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 157 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أولادك ، فقال : ليس لي ما أتسرى به ، فأقرضه مائة ألف فاشترى له السراري فولدت له وكثر نسله ، ثم لما مرض مروان أوصى أن لا يؤخذ من علي بن الحسين شئ مما كان أقرضه ، فجميع الحسينيين من نسله رحمه الله ) . ونحوه تاريخ الذهبي : 6 / 435 ، وتاريخ دمشق : 41 / 374 ، وتهذيب الكمال : 20 / 388 .
يقولون لك بهذا الكذب : إن السادة الحسينيين كلهم من أموال مروان ! فهم مدينون بوجودهم لأسيادهم بني أمية العظماء !

6 - علاقته مع عبد الملك بن مروان

كان عبد الملك بن مروان معجباً بالإمام زين العابدين « عليه السلام » مغرماً به ، يعتقد فيه أنه ولي الله وحجته ، فقد رأى منه معجزات ، وطلب منه أن يسكن عنده في الشام أو يكثر زيارته فأبى ( الخرائج : 1 / 255 ) وأراد أن يناسبه ويتزوج ابنته أو أخته فأبى ( مناقب آل أبي طالب : 2 / 42 ) وعندما كان يأتيه الزهري من المدينة يسأله عبد الملك عن علي بن الحسين ) ؟ ( تاريخ دمشق : 41 / 372 ) .
قال الزهري : ( دخلت مع علي بن الحسين على عبد الملك بن مروان ، قال فاستعظم عبد الملك ما رأى من أثر السجود بين عيني علي بن الحسين فقال : يا أبا محمد لقد بان عليك الإجتهاد ولقد سبق لك من الله الحسنى وأنت بضعة من رسول الله ( ص ) وقريب النسب وكيد السبب ، وإنك لذو فضل عظيم على أهل بيتك وذوي عصرك ، ولقد أوتيت من العلم والفضل والورع ما لم يؤته أحد مثلك ولا قبلك إلا من مضى من سلفك ، وأقبل يثني عليه ويطريه . قال فقال علي بن الحسين : كلُّ ما ذكرته ووصفته من فضل الله وتأييده وتوفيقه فأين شكره على ما أنعم ؟ إلى أن قال : والله لو تقطعت أعضائي وسالت مقلتايَ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 158 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
على صدري لن أقوم لله جل جلاله بشكر عشر العشير من نعمة واحدة من جميع نعمه ، التي لا يحصيها العادُّون ، ولا يبلغ حد نعمة منها عليَّ جميع حمد الحامدين ، لا والله أو يراني الله لا يشغلني شئ عن شكره وذكره في ليل ولا نهار ولا سر ولا علانية . لولا أن لأهلي علي حقاً ولسائر الناس من خاصهم علي حقوقاً لا يسعني إلا القيام بها حسب الوسع والطاقة حتى أؤديها إليهم ، لرميتُ بطرفي إلى السماء وبقلبي إلى الله ، ثم لم أردَّهما حتى يقضي الله على نفسي وهو خير الحاكمين ! وبكى ، وبكى عبد الملك ) . ( فتح الأبواب لابن طاووس / 169 ) .
فأي معرفة هذه ؟ وأي حبٍّ لله هذا الذي يمكِّن صاحبه أن يرمي بطرفه إلى السماء ، ويرمي بقلبه إلى الله طول حياته ، فيكون عمره تسبيحةً واحدةً ؟ !
إنها قمة المعرفة والعبادة ، لا ما يدعيه المدعون ويُلقلقون به ألسنتهم !
ومع كل ذلك ، فقد طلب الحجاج حاكم العراق والحجاز من عبد الملك أن يأذن له بقتل الإمام « عليه السلام » لأنه الأب الروحي للحركات المناهضة للأمويين ، فأجابه مروان بأنه لا يريد أن يسلبه الله ملكه كما فعل ببني سفيان بقتلهم أباه الحسين « صلى الله عليه وآله » ! وهو يدل على نفوذ الإمام « عليه السلام » على الناس في العراق وغيره .
طلب عبد الملك من الإمام درع النبي « صلى الله عليه وآله » وسيفه
طلب منه عبد الملك سيف رسول الله « صلى الله عليه وآله » ودرعه ، وسلط عليه الحجاج فهدد الإمام « عليه السلام » بالقتل فأعطاه درعاً وسيفاً ، وعندما جاء عبد الملك للحج اشتكى له غلظة الحجاج وظلمه ، وأخذ منه ثمن السيف ، وشهادة بأنه وارث رسول الله « صلى الله عليه وآله » دون غيره . ( الثاقب في المناقب / 363 ) .
وتدل رواية المناقب : 3 / 302 ، على أن عبد الملك كتب أولاً للإمام « عليه السلام » مباشرة ، فرفض : ( بلغ عبد الملك أن سيف رسول الله « صلى الله عليه وآله » عند زين العابدين ، فبعث
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 159 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يستوهبه منه ويسأله الحاجة فأبى عليه ، فكتب إليه عبد الملك يهدده وأنه يقطع رزقه من بيت المال فأجابه « عليه السلام » : أما بعد فإن الله ضمن للمتقين المخرج من حيث يكرهون والرزق من حيث لا يحتسبون ، وقال جل ذكره : إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ . فانظر أينا أولى بهذه الآية ؟ ! ) . انتهى .
أقول : لاحظ أن الإمام « عليه السلام » لم يذكر أول الآية : إِنَّ اللهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ، لأنه يشعر بمدحه لنفسه في رسالته للطاغية . أما سيف النبي « صلى الله عليه وآله » ودرعه وقميصه الذي عليه دمه في أحُد ، وبقية مواريث الأنباء « عليهم السلام » ، فقد ثبت عندنا أن الله جمعها لنبيه « صلى الله عليه وآله » ومنها جميع الكتب والصحف المنزلة ، وورَّثَها النبي بأمر ربه لعترته الطاهرة « صلى الله عليه وآله » ، فهي عندهم علامة الإمامة الربانية .
فيظهر أن عبد الملك سمع بذلك فأراد أن يستولي على سيف النبي « صلى الله عليه وآله » ودرعه ، فكتب إلى الإمام « عليه السلام » ولما رفض أن يعطيه سلط عليه الحجاج ، فأعطاه الإمام « عليه السلام » سيفاً ودرعاً آخر . وسيأتي ذكره في سيرة الإمام الباقر « عليه السلام » إن شاء الله وادعاء الحسنيين أنه عندهم .
اعترض عبد الملك على الإمام « عليه السلام » لأنه أعتق أمته وتزوجها
و ( كان لعبد الملك بن مروان عينٌ بالمدينة ( جاسوس ) يكتب إليه بأخبار ما يحدث فيها ، وإن علي بن الحسين « صلى الله عليه وآله » أعتق جارية ثم تزوجها فكتب العيْن إلى عبد الملك ، فكتب عبد الملك إلى علي بن الحسين : أما بعد فقد بلغني تزويجك مولاتك وقد علمت أنه كان في أكفائك من قريش من تمجد به في الصهر وتستنجبه في الولد ، فلا لنفسك نظرت ولا على ولدك أبقيت ، والسلام .
فكتب إليه علي بن الحسين « عليه السلام » : أما بعد فقد بلغني كتابك تعنفني بتزوجي مولاتي ، وتزعم أنه كان في نساء قريش من أتمجد به في الصهر وأستنجبه في
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 160 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الولد ، وإنه ليس فوق رسول الله « صلى الله عليه وآله » مرتقىً في مجد ولا مستزادٌ في كرم ، وإنما كانت ملك يميني خرجتْ عن يدي بأمر التمست فيه ثواب الله تعالى ، ثم ارتجعتها على سنة نبيه « صلى الله عليه وآله » ، ومن كان زكياً في دين الله فليس يخلُّ به شئ من أمره ، وقد رفع الله بالإسلام الخسيسة وتمم به النقيصة وأذهب اللؤم ، فلا لؤم على امرء مسلم ، إنما اللؤم لؤم الجاهلية والسلام .
فلما قرأ الكتاب رمى به إلى ابنه سليمان فقرأه فقال : يا أمير المؤمنين لشد ما فَخَرَ عليك علي بن الحسين ! فقال : يا بنيَّ لا تقل ذلك فإنها ألسُنُ بني هاشم التي تَفْلُقُ الصَّخر وتَغْرِفُ من بحر ! إن علي بن الحسين يا بني يرتفع من حيث يتضع الناس ) . ( الكافي : 5 / 344 ، وصححنا فيه عبارة على نسخة أعيان الشيعة : 1 / 538 ، وكتاب زهر الآداب للقيرواني / 44 ، ومناقب آل أبي طالب : 3 / 300 ) .
عبد الملك يأمر واليه في المدينة بإذلال بني هاشم !
من طغيان عبد الملك بن مروان أنه أراد إهانة آل علي وآل الزبير ، وترسيخ العداوة بينهما ، فبعث إلى واليه في المدينة أن يجبرهم على شتم أنفسهم ، أو شتم بعضهم بعضاً عند منبر النبي « صلى الله عليه وآله » !
قال في تاريخ دمشق : 13 / 68 : ( وكان عبد الملك بن مروان قد غضب غضبةً له فكتب إلى هشام بن إسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة ، وهو عامله على المدينة ، وكانت بنت هشام بن إسماعيل زوجة عبد الملك وأم ابنه هشام ، فكتب إليه أن أقم آل علي يشتمون علي بن أبي طالب ! وأقم آل عبد الله بن الزبير يشتمون عبد الله بن الزبير !
فقدم كتابه على هشام فأبى آل علي وآل عبد الله بن الزبير وكتبوا وصاياهم فركبت أخت لهشام إليه وكانت جزلة عاقلة فقالت : يا هشام أتراك الذي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 161 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يهلك عشيرته على يده ! راجع أمير المؤمنين . قال : ما أنا بفاعل !
قالت : فإن كان لا بد من أمر فمر آل علي يشتمون آل الزبير ومر آل الزبير يشتمون آل علي ! قال : هذه أفعلها ، فاستبشر الناس بذلك وكانت أهون عليهم ! وكان أول من أقيم إلى جانب المرمر الحسن بن الحسن ، وكان رجلاً رقيق البشرة عليه يومئذ قميص كتان رقيقة ، فقال له هشام : تكلم بسب آل الزبير فقال : إن لآل الزبير رحماً أبلها ببلالها وأربها بربابها ، يا قوم مالي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار ؟ ! فقال هشام لحرسي عنده : إضربه فضربه سوطاً واحداً من فوق قميصه فخلص إلى جلده فشرخه حتى سال دمه تحت قدمه في المرمر ! ( أي في مسجد النبي « صلى الله عليه وآله » عند المنبر الشريف ) !
فقام أبو هاشم عبد الله بن محمد بن علي فقال : أنا دونه أكفيك أيها الأمير ! فقال في آل الزبير وشتمهم !
ولم يحضر علي بن الحسين كان مريضاً أو تمارض . ولم يحضر عامر بن عبد الله بن الزبير ، فهمَّ هشام أن يرسل إليه فقيل له إنه لا يفعل أفتقتله ، فأمسك عنه ! وحضر من آل الزبير من كفاه ! وكان عامر يقول : إن الله لم يرفع شيئاً فاستطاع الناس خفضه ! أنظروا إلى ما يصنع بنو أمية ، يخفضون علياً ويغرون بشتمه ، وما يزيده الله بذلك إلا رفعة ) .
وروى القصة في بغية الطلب : 5 / 2321 ، وسمط النجوم / 1368 ، ونسب قريش / 30 ، وفيه : ( فمشى القوم بعضهم إلى بعض آل علي إلى آل الزبير ، وآل الزبير إلى آل علي فقالوا : إن هؤلاء يقيموننا غداً فيسب بعضنا بعضاً فيشتفون بذلك فالله والرحم ! فقال آل الزبير لآل علي : أنتم تُقامون قبلنا فما قلتم قلنا مثله . فكان أول من أقيم حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب . . . فقام في المرمر وهشام
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 162 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بن إسماعيل المخزومي على المنبر والٍ لعبد الملك بن مروان ، فقال : سُبَّ آل الزبير ، فأبى . . الخ . ) . انتهى .
أقول : مع أن عبد الملك أعقل بني مروان ، فقد غلبه حقده وقدرته ، وقد قال أمير المؤمنين « عليه السلام » : ( أصناف السكر أربعة : سكر الشباب ، وسكر المال وسكر النوم ، وسكر الملك ) . ( تحف العقول / 124 ) .
كان عبد الملك يلجأ إلى الإمام « عليه السلام » في أمور الدولة المهمة
فقد أرسل هرقل الروم إلى عبد الملك مهدداً الرسالة التالية : ( أكلتُ لحم الجمل الذي هرب عليه أبوك من المدينة ! ولأغزونك بجنود مائة ألف ومائة ألف ومائة ألف ، أو تؤدي الجزية ! فكتب عبد الملك إلى الحجاج أن يبعث إلى زين العابدين يتوعده ! ويكتب إليه ما يقول ففعل ، فقال علي بن الحسين : إن لله لوحاً محفوظاً يلحظه في كل يوم ثلاثمائة لحظة ليس منها لحظة إلا يحيي فيها ويميت ويعز ويذل ويفعل ما بشاء ، وإني لأرجو أن يكفيك منها لحظة واحدة ! فكتب بها الحجاج إلى عبد الملك ، فكتب عبد الملك بذلك إلى ملك الروم ، فلما قرأه قال : ما خرج هذا منك ولا أنت كتبت به ! ما خرج إلا من بيت نبوة ) ! ( مناقب : 3 / 299 ، وتاريخ دمشق : 54 / 332 ، والنهاية : 9 / 48 ، والحلية : 3 / 176 ، وصفة الصفوة : 2 / 78 ، وربيع الأبرار / 227 ، والوافي بالوفيات : 4 / 76 ، وكنز العمال : 14 / 29 ) .
وفي تاريخ اليعقوبي : 2 / 304 : ( وكتب ملك الروم إلى عبد الملك يتوعده ، فضاق عليه الجواب ، وكتب إلى الحجاج ، وهو إذ ذاك على الحجاز : أن ابعث إلى علي بن الحسين فتوعده وتهدده وأغلظ له ثم انظر ماذا يجيبك فاكتب به إلي ! ففعل الحجاج ذلك فقال له علي بن الحسين : إن لله في كل يوم ثلاثمائة وستين لحظة ، وأرجو أن يكفينك في أول لحظة من لحظاته . وكتب بذلك
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 163 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إلى عبد الملك ، فكتب به إلى صاحب الروم كتاباً فلما قرأه قال : ليس هذا من كلامه ، هذا من كلام عترة نبوته ) . انتهى .
أقول : من دهاء عبد الملك أنه أراد حفظ علاقته مع الإمام « عليه السلام » فكتب إلى جلوازه الحجاج أن يهدده ، ليستفيد من جوابه ، فيكتب به إلى ملك الروم !
وقد نسب الحُسَّاد القصة تارة إلى محمد بن الحنفية كما في رواية ثانية في تاريخ دمشق : 54 / 332 ، وتارة إلى عبد الله بن الحسن ، كما في رواية العقد الفريد / 293 ، مع أنه رواها عنه في البحار : 46 / 132 ، عن الإمام زين العابدين « عليه السلام » .
ولعل القصة التالية التي نسبوها إلى خالد بن يزيد بن معاوية ، كانت أيضاً مع الإمام زين العابدين « عليه السلام » ، فعندما خرج عبد الرحمن بن الأشعث في إيران على عبد الملك ، تخوف أن يكون هو صاحب رايات خراسان التي أخبر النبي « صلى الله عليه وآله » أن زوال ملك الأمويين يكون على يدهم ! قال الطبري : 6 / 78 : ( أرسل عبد الملك إلى خالد بن يزيد فأخبره فقال : أما إذا كان الفتق من سجستان فليس عليك بأس ، إنما كنا نتخوف لو كان من خراسان ) ! انتهى . وإنما قلنا ذلك لأنه لم يعهد عن خالد بن يزيد خبرته بالأحاديث وأخبار المهدي الموعود « عليه السلام » .
الإمام « عليه السلام » يحل مشكلة النقد والعلامة الصناعية
والمشكلة الأهم التي وقعت لعبد الملك وتقدمت الإشارة إليها في قول ابن عساكر : 41 / 360 : ( واستقدمه عبد الملك بن مروان في خلافته يستشيره في جواب ملك الروم عن بعض ما كتب إليه فيه من أمر السكة وطراز القراطيس ) .
فقد هدد ملك الروم عبد الملك بسبب حذفه الطراز الرومي وهو كالختم أو ( الماركة المسجلة ) يطبع على الورق في صناعته وعلى بعض البضائع المهمة . وكان مكتوباً فيه اسم الآب والابن والروح القدس ، فكتب عبد الملك بدله
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 164 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
سورة التوحيد ، فغضب ملك الروم وكتب إليه يهدده إن لم يرجع الطراز كما كان ، وكتب له يهدده بأن ينقش على الدينار الرومي شتم النبي « صلى الله عليه وآله » ، وكانت معاملة المسلمين ما زالت بالدينار الرومي !
وملك الروم هو ملك القسطنطينية ، وهو لاوي بن فلنط الذي كان معاصراً لعبد الملك ، كما في مروج الذهب / 746 ، وتاريخ دمشق : 20 / 145 ، وغيرهما .
قال ابن عبد البر في التمهيد : 22 / 170 : ( وفيها يعني سنة ست وسبعين أمر عبد الملك بن مروان أن تنقش الدنانير والدراهم . . . وزن الدنانير قبل أن تضرب كانت اثنين وعشرين قيراطاً إلا حبة وكانت العشرة وزن سبعة .
وقال غير الواقدي : كانت الدنانير في الجاهلية وأول الإسلام بالشام وعند عرب الحجاز كلها رومية تضرب ببلاد الروم عليها صورة الملك واسم الذي ضربت في أيامه مكتوب بالرومية ، ووزن كل دينار منها مثقال كمثقالنا هذا ، وهو وزن درهم ودانقين ونصف وخمسة أسباع حبة . وكانت الدراهم بالعراق وأرض المشرق كلها كسروية عليها صورة كسرى واسمه فيها مكتوب بالفارسية ، ووزن كل درهم منها مثقال ، فكتب ملك الروم واسمه لاوي بن فلفط إلى عبد الملك . . ) .
وقال البلاذري في فتوح البلدان : 1 / 283 : ( وكانت الأقباط تذكر المسيح في رؤوس الطوامير وتنسبه إلى الربوبية تعالى الله علواً كبيراً ، وتجعل الصليب مكان بسم الله الرحمن الرحيم . فلذلك كره ملك الروم ما كره واشتد عليه تغيير عبد الملك ما غيره ) . انتهى .
وقال الشهيد في الذكرى : ( المعتبر في الدنانير المثقال ، وهو لم يختلف في الإسلام ولا قبله ، وفي الدرهم ما استقر عليه في زمن بنى أمية ، بإشارة زين
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 165 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
العابدين « عليه السلام » بضم الدرهم البغلي إلى الطبري وقسمتهما نصفين ، فصار الدرهم ستة دوانيق ، وكل عشره سبعة مثاقيل ، ولا عبرة بالعدد في ذلك ) . ( وسائل الشيعة : 9 / 149 ، ونحوه البيان / 185 ) .
ومعناه أن الإمام « عليه السلام » أمر عبد الملك أن لا يهتم بتهديد هرقل وأن يُصدر ديناراً ودراهم وطنية ، ويلزم المسلمين بالتعامل بها ، ويبطل التعامل بالدينار الرومي كلياً . ويوحد الدراهم ليحل بذلك مشكلة اختلاف وزنها في نفس الوقت .
وقد نسبت بعض روايات مصادر السنيين ذلك إلى الإمام محمد الباقر « عليه السلام » ، لكن المتفق عليه أن الحادثة وقعت في سنة ست وسبعين كما نص عليه ابن عبد البر وغيره ، ومعناه أنها كانت في زمن الإمام زين العابدين « عليه السلام » لأنه توفي سنة بضع وتسعين ، ومات عبد الملك قبله في سنة ست وثمانين .
والظاهر أن الإمام زين العابدين « عليه السلام » أرسل إلى عبد الملك ولده الإمام محمد الباقر « عليه السلام » لمعالجة المشكلة والإشراف على مواصفات الدينار الإسلامي ، وتوحيد الدرهم وطريقة السبك الدقيقة ، فنسب الرواة الموقف إليه .
ولذلك شبيه عندما طلب ابن عبد الملك من الإمام الباقر « عليه السلام » أن يحضر إلى الشام لمناظرة قدري أعياهم ، فاعتذر عن السفر وأرسل له ولده الإمام الصادق « عليه السلام » فناظره وخصمه بقوله تعالى : وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ . ( تفسير العياشي : 1 / 23 ) .
وأشهر النصوص لمسألة العملة والطراز في مصادر التاريخ ، ما رواه البيهقي في المحاسن المساوئ / 348 ، عن الكسائي النحوي ، قال : ( دخلت على الرشيد ذات يوم وهو في إيوانه ، وبين يديه مال كثير قد شق عنه البدر شقاً ، وأمر بتفريقه في خدم الخاصة ، وبيده درهم تلوح كتابته وهو يتأمله وكان كثيراً ما يحدثني فقال : هل علمت من أول من سنَّ هذه الكتابة في الذهب والفضة ؟
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 166 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قلت : يا سيدي هذا عبد الملك بن مروان . قال : فما كان السبب في ذلك ؟ قلت : لا علم لي ، غير أنه أول من أحدث هذه الكتابة . فقال : سأخبرك ، كانت القراطيس للروم ، وكان أكثر من بمصر نصرانياً على دين الملك ملك الروم ، وكانت تطرز بالرومية وكان طرازها ( أباً وإبناً وروحاً قديشا ) فلم يزل كذلك صدر الإسلام كله يمضي على ما كان عليه ، إلى أن ملك عبد الملك فتنبه عليه وكان فطناً ، فبينا هو ذات يوم إذ مر به قرطاس فنظر إلى طرازه ، فأمر أن يترجم بالعربية ففعل ذلك فأنكره وقال : ما أغلظ هذا في أمر الدين والإسلام أن يكون طراز القراطيس وهي تحمل في الأواني والثياب وهما تعملان بمصر وغير ذلك مما يطرز من ستور وغيرها ، من عمل هذا البلد على سعته وكثرة ماله وأهله تخرج منه هذه القراطيس ، فتدور في الآفاق والبلاد وقد طرزت بشرك مثبت عليها ! فأمر بالكتاب إلى عبد العزيز بن مروان وكان عامله بمصر بإبطال ذلك الطراز على ما كان يطرز به من ثوب وقرطاس وستر وغير ذلك وأن يأخذ صُنَّاع القراطيس بتطريزها بصورة التوحيد ، وشهد الله أنه لا إله إلا هو . وهذا طراز القراطيس خاصة إلى هذا الوقت لم ينقص ولم يزد ولم يتغير .
وكتب إلى عمال الآفاق جميعاً بإبطال ما في أعمالهم من القراطيس المطرزة بطراز الروم ومعاقبة من خالف ، فلما أثبتت القراطيس بالطراز المحدث بالتوحيد وحمل إلى بلاد الروم منها ، انتشر خبرها ووصل إلى ملكهم فترجم له ذلك الطراز فأنكره وغلظ عليه فاستشاط غضباً ، وكتب إلى عبد الملك : إن عمل القراطيس بمصر وسائر ما يطرز هناك ، للروم ، ولم يزل يطرز بطراز الروم إلى أن أبطلته ، فإن كان من تقدمك من الخلفاء قد أصاب فقد أخطأت وإن كنت قد أصبت فقد أخطأوا ، فاختر من هاتين الخلتين أيتهما شئت
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 167 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأحببت ، وقد بعثت إليك بهدية تشبه محلك وأحببت أن تجعل رد ذلك الطراز إلى ما كان عليه في جميع ما كان يطرز من أصناف الأعلاق حاجة أشكرك عليها ، وتأمر بقبض الهدية ، وكانت عظيمة القدر .
فلما قرأ عبد الملك كتابه رد الرسول وأعلمه أن لا جواب له ولم يقبل الهدية ، فانصرف بها إلى صاحبه ، فلما وافاه أضعف الهدية ورد الرسول إلى عبد الملك وقال : إني ظننتك استقللت الهدية فلم تقبلها ولم تجبني عن كتابي فأضعفت لك الهدية ، وأنا أرغب إليك في مثل ما رغبت فيه من رد هذا الطراز إلى ما كان عليه أولاً . فقرأ عبد الملك الكتاب ولم يجبه ورد الهدية .
فكتب إليه ملك الروم يقتضي أجوبة كتبه ويقول : إنك قد استخففت بجوابي وهديتي ولم تسعفني بحاجتي ، فتوهمتك استقللت الهدية فأضعفتها فجريت على سبيلك الأول ، وقد أضعفتها ثالثة وأنا أحلف بالمسيح لتأمرن برد الطراز إلى ما كان عليه أو لآمرن بنقش الدنانير والدراهم ، فإنك تعلم أنه لا ينقش شئ منها إلا ما ينقش في بلادي ، ولم تكن الدراهم والدنانير نقشت في الإسلام ، فينقش عليها من شتم نبيك ما إذا قرأته ارفضَّ جبينك له عرقاً ! فأحب أن تقبل هديتي وترد الطراز إلى ما كان عليه وتجعل ذلك هدية بررتني بها ، وتبقي على الحال بيني وبينك .
فلما قرأ عبد الملك الكتاب غلظ عليه وضاقت به الأرض وقال : أحسبني أشأم مولود ولد في الإسلام ، لأني جنيت على رسول الله ( ص ) من شتم هذا الكافر ما يبقى غابر الدهر ، ولا يمكن محوه من جميع مملكة العرب ! إذ كانت المعاملات تدور بين الناس بدنانير الروم ودراهمهم . وجَمَعَ أهل الإسلام واستشارهم فلم يجد عند أحد منهم رأياً يعمل به ، فقال له روح بن زنباع ( وهو
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 168 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
نديم عبد الملك ) : إنك لتعلم الرأي والمخرج من هذا الأمر ولكنك تتعمد تركه ! فقال : ويحك من ؟ قال : الباقر من أهل بيت النبي ( ص ) ! قال : صدقت ولكنه أرتج عليَّ الرأي فيه ، فكتب إلى عامله بالمدينة : أن أشخص إلي محمد بن علي بن الحسين مكرماً ومتعه بمائتي ألف درهم لجهازه وبثلاثمائة ألف درهم لنفقته وأزح علته في جهازه وجهاز من يخرج معه من أصحابه ، واحتبس الرسول قبله إلى موافاته عليَّ .
فلما وافى أخبره الخبر ، فقال له عليٌّ ( هكذا ولعل أصله محمد بن علي ) : لا يعظمنَّ هذا عليك فإنه ليس بشئ من جهتين : إحداهما أن الله جل وعز لم يكن ليطلق ما يهددك به صاحب الروم في رسول الله ( ص ) . والأخرى وجود الحيلة فيه . قال : وما هي ؟ قال : تدعو في هذه الساعة بصناع يضربون بين يديك سككاً للدراهم والدنانير وتجعل النقش عليها سورة التوحيد وذكر رسول الله ( ص ) أحدهما في وجه الدرهم والدينار والآخر في الوجه الثاني ، وتجعل في مدار الدرهم والدينار ذكر البلد الذي يضرب فيه ، والسنة التي تضرب فيها تلك الدراهم والدنانير ، وتعمد إلى وزن ثلاثين درهماً عدداً من الثلاثة الأصناف التي العشرة منها عشرة مثاقيل وعشرة منها وزن ستة مثاقيل وعشرة منها وزن خمسة مثاقيل فتكون أوزانها جميعاً واحداً وعشرين مثقالاً ، فتجزئها من الثلاثين فتصير العدة من الجميع وزن سبعة مثاقيل ، وتصبُّ سنجات من قوارير لا تستحيل إلى زيادة ولا نقصان ، فتضرب الدراهم على وزن عشرة ، والدنانير على وزن سبعة مثاقيل . وكانت الدراهم في ذلك الوقت إنما هي الكسروية التي يقال لها اليوم البغلية لأن رأس البغل ضربها لعمر بن الخطاب بسكة كسروية في الإسلام مكتوب عليها صورة الملك وتحت الكرسي مكتوب بالفارسية : نوش خر . أي كل هنيئاً .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 169 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وكان وزن الدرهم منها قبل الإسلام مثقالاً ، والدراهم التي كان وزن العشرة منها وزن ستة مثاقيل والعشرة وزن خمسة .
ففعل عبد الملك ذلك ، وأمره محمد بن علي بن الحسين أن يكتب السكك في جميع بلدان الإسلام ، وأن يتقدم إلى الناس في التعامل بها ، وأن يتهددوا بقتل من يتعامل بغير هذه السكك من الدراهم والدنانير وغيرها ، وأن تبطل وترد إلى موضع العمل ، حتى تعاد على السكك الإسلامية .
ففعل عبد الملك ذلك ، ورد رسول ملك الروم إليه يعلمه بذلك ويقول : إن الله جل وعز مانعك مما قدرت أن تفعله ، وقد تقدمت إلى عمالي في أقطار الأرض بكذا وكذا ، وبإبطال السكك والطراز الرومية .
فقيل لملك الروم : إفعل ما كنت تهددت به ملك العرب . فقال : إنما أردت أن أغيظه بما كتبت به إليه لأني كنت قادراً عليه والمال وغيره برسوم الروم ، فأما الآن فلا أفعل لأن ذلك لا يتعامل به أهل الإسلام ! وامتنع من الذي قال وثبت ما أشار به محمد بن علي بن الحسين إلى اليوم ) . وقد فصَّل الموضوع السيد الأمين في أعيان الشيعة : 1 / 99 ، والدميري في حياة الحيوان / 101 ، والإتليدي في إعلام الناس بما وقع للبرامكة / 282 ، ورواه مختصراً ابن الفرا في رسل الملوك / 78 ، وغيرهم .
كان عند عبد الملك هامش حرية استفاد منه الإمام « عليه السلام » والشيعة
رووا أن الشاعر كُثَيِّر عزة « رحمه الله » الذي كان صديقاً لعبد الملك ، استفاد من هذا الهامش . قال في الدرجات الرفيعة / 586 : ( حدث ابن قتيبة قال : بلغني أن كثيراً دخل على عبد الملك بن مروان فسأله عن شئ فأخبره به ، فقال بحق علي بن أبي طالب إنه كما ذكرت ؟ فقال : يا أمير المؤمنين لو سألتني بحقك لصدقتك ! قال : لا أسألك إلا بحق أبى تراب ! فحلف له به فرضي . . ولما عزم عبد الملك
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 170 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
على الخروج إلى حرب الزبير أنشدته زوجته عاتكة بنت يزيد بن معاوية أن لا يخرج بنفسه ويبعث غيره فأبى ، فلم تزل تلح عليه في المسألة وهو يمتنع من الإجابة ، فلما يئست منه بكت وبكى من حولها من جواريها وحواشيها ، فقال عبد الملك : قاتل الله كُثَيِّراً كأنه رأى موقفنا هذا حين قال :

إذا ما أراد الغزو لم يَثْنِ همَّهُ * فتاةٌ عليها نظم در يزينها
نهته فلما لم تر النهيَ عاقهُ * بكت فبكى مما شجاها قطينها

ثم عزم عليها أن تقصر فأقصرت وخرج لقصده ، فنظر إلى كُثَيِّر في ناحية عسكره يسير مطرقاً فدعا به . . فقال : ذكرتُ الساعة بيتين من شعرك فإن أصبتَ ما هما فلك حكمك ! فقال : نعم أردت الخروج فبكت عاتكة وبكى حشمها فذكرت قولي : إذا ما أراد العزم . . الخ . فقال : أصبت فاحتكم فأعطاه ما أراد .
ثم نظر إليه عبد الملك يسير في عرض الموكب متفكراً فقال : عليَّ يا ابن أبي جمعة فقال : إن عرفتك في أي شئ كنت تفكر فلي حكمي ! فقال : نعم . قال : كنت تقول أنا في شر حال ، خرجت في جيش من أهل النار ليس على ملتي ولا مذهبي ، يسير إلى رجل من أهل النار ليس على ملتي ولا على مذهبي يلتقي الخيلان فتصيبني سهم غرب فأتلف ، فما هذا ؟ !
فقال : والله يا أمير المؤمنين ما أخطأتَ ما كان في نفسي فاحتكم ! قال : حكمي أن أصلك في عشرة آلاف درهم وأردك إلى منزلك فأمر له بذلك ) . والأغاني : 9 / 29 .

7 - علاقة الإمام « عليه السلام » مع الحجاج بن يوسف الثقفي

تقدم في المجلد الثالث شهادة عبد الملك في الجحاج ، وقول الجصاص وهو من أكابر علمائهم : ( لم يكن في العرب ولا آل مروان أظلم ولا أكفر ولا أفجر من عبد الملك ، ولم يكن في عماله أكفر ولا أظلم ولا أفجر من الحجاج ! )
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 171 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
( أحكام القرآن : 1 / 86 ) . وروى الآبي في نثر الدرر / 385 : ( قال عبد الملك : لقد كنت أمشي في الزرع فأتقي الجندب أن أقتله ، وإن الحجاج ليكتب إليَّ في قتل فئام ( جماعات ) من الناس ، فما أحفل بذلك ) ! انتهى .
فالحجاج جزار الخليفة وأداة طغيانه ! ومع أن اسمه الحجاج فقد كان يحضر الحج ولا يحج ! ففي الطبري : 5 / 21 : ( حج بالناس الحجاج فرأيته واقفاً بالهضبات من عرفة على فرس وعليه الدرع والمغفر ، ثم صدر فرأيته عدل إلى بئر ميمون ولم يطف بالبيت ! وأصحابه متسلحون ، ورأيت الطعام عندهم كثيراً ، ورأيت العير تأتي من الشام تحمل الطعام الكعك والسويق والدقيق فرأيت أصحابه مخاصيب ! ولقد ابتعنا من بعضهم كعكاً بدرهم فكفانا إلى أن بلغنا الجحفة ، وإنا لثلاثة نفر ) . انتهى .
وكان يتجاهر أحياناً بكفره ، لكنه محميٌّ من الخليفة ! وبلغ من استهتار الحجاج أنه كان يستهزئ بالمسلمين لزيارتهم قبر النبي « صلى الله عليه وآله » قال : ( تباً لهم ! إنما يطوفون بأعواد ورمة بالية ! هلا طافوا بقصر أمير المؤمنين عبد الملك ! ألا يعلمون أن خليفة المرء خير من رسوله ) ! ( شرح النهج : 15 / 242 ) .
وعندما كان يحاصر الكعبة ويضربها بالمنجنيق ( جاءت صاعقة فوقعت بالمنجنيق ، فامتنع أصحابه من الرمي ! فقال الحجاج : إن هذه نار القربان دلت على أن فعلكم متقبل ) ! ( محاضرات الأدباء / 1433 ) .
وفي مروج الذهب : 1 / 787 : ( عن الصلت بن دينار ، قال : سمعت الحجاج يقول : قال الله تعالى : فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ . فهذه لله وفيها مثوية . وقال : وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا ( التغابن : 16 ) وهذه لعبد الله وخليفة الله ونجيب الله عبد الملك ، أما والله لو أمر الناس أن يدخلوا في هذا الشعب فدخلوا في غيره ، لكانت
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 172 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
دماؤهم لي حلالاً !
عذيري من أهل هذه الحمراء ، يلقي أحدهم الحجر إلى الأرض ويقول : إلى أن يبلغها يكون فرج الله ، لأجعلنهم كالرسم الداثر وكالأمس الغابر !
عذيري من عبد هذيل يقرأ القرآن كأنه رجز الأعراب ، أما والله لو أدركته لضربت عنقه ! يعني عبد الله بن مسعود !
من عذيرى من سليمان بن داود يقول لربه : رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي ، كان والله فيما علمت عبداً حسوداً بخيلاً ) . انتهى .
أقول : لم يفهم الحجاج الغليظ الذهن عصمة الأنبياء « عليهم السلام » وأن الله تعالى كان أخبر سليمان عن ملك خاص ، يجعله نموذجاً للناس قبل حكم الإمام المهدي « عليه السلام » ولا يتكرر ، فدعا أن يكون هو صاحبه !
وقصص كفر الحجاج وطغيانه كثيرة ! ففي نفس المصدر : قال الحجاج يوماً لعبد الله بن هانئ ، وهو رجل من أوَد حي من اليمن . . . شهد معه تحريق البيت وكان من أنصاره وشيعته : والله ما كافأناك بعد . . . ثم روى إجبار الحجاج رئيس قبيلة فزارة ورئيس قبيلة همدان أن يزوجاه بنتيهما ، ثم قال له : ( قد زوجتك بنت سيد بني فزارة وابنة سيد همدان وعظيم كهلان وما أوَد هنالك ! فقال : لا تقل أصلح الله الأمير ذلك فإن لنا مناقب ما هي لأحد من العرب ! قال : وما هي هذه المناقب ؟ قال : ما سُبَّ أمير المؤمنين عثمان في ناد لنا قط ، قال : هذه والله منقبة ! قال : وشهد منا صفين مع أمير المؤمنين معاوية سبعون رجلاً ، وما شهدها مع أبي تراب منا إلا رجل واحد وكان والله ما علمته امرأ سوء ! قال : وهذه والله منقبة ! قال : وما منا أحد تزوج امرأة تحب أبا تراب ولا تتولاه ، قال : وهذه والله منقبة ! قال : وما منا امرأة إلا نذرت إن قتل الحسين أن تنحر عشر جزائر لها
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 173 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ففعلت ، قال : وهذه والله منقبة ! قال : وما منا رجل عرض عليه شتم أبي تراب ولعنه إلا فعل وقال وأزيدكم ابنيه الحسن والحسين وأمهما فاطمة ! قال : وهذه والله منقبة ! قال : وما أحد من العرب له من الملاحة والصباحة ما لنا ، وضحك ! وكان دميماً شديد الأدمة ، مجدراً في رأسه ، أعجر ، مائل الشدق ، أحول ، قبيح الوجه ، وحش المنظر ) . انتهى . وعقاب الله لهذا الناصبي أشد وأخزى !
وقد زاد الحجاج في بغض أهل البيت « عليهم السلام » على أسياده بني أمية ، فكان ملكياً أكثر من مَلِكه عبد الملك ! وقد كتب له يستأذنه أن يقتل الإمام « عليه السلام » فلم يقبل خوفاً على ملكه ! فقتل الحجاج خواص أصحاب الإمام « عليه السلام » كيحيى بن أم الطويل ( الكافي : 2 / 380 ) وسعيد بن جبير ، وعدداً من الأخيار وسيأتي ذكر بعضهم !
وفي تاريخ اليعقوبي : 2 / 272 : ( وختم ( الحجاج ) أعناق قوم من أصحاب رسول الله « صلى الله عليه وآله » ليذلهم بذلك ، منهم جابر بن عبد الله ، وأنس بن مالك ، وسهل بن سعد الساعدي ، وجماعة معهم . وكانت الخواتيم رصاصاً ) .
وفي الطبري : 5 / 35 : ( واستخف بأصحاب رسول الله ( ص ) فختم في أعناقهم ) .
( (
ومع كفر الحجاج وبغضه لأهل البيت « عليهم السلام » ، فقد فقد حدثت له آية اضطر معها إلى أن يطلب من الإمام زين العابدين « عليه السلام » أن يضع الحجر الأسود في محله ، وذلك عندما أعاد بناء الكعبة سنة أربع وسبعين ( أبو الفداء / 251 ) ، بعد أن قَتَل عبد الله بن الزبير وتهدمت الكعبة من ضرب جيشه وقبله جيش يزيد .
ففي الكافي : 4 / 222 ، بسند صحيح عن أبان بن تغلب قال : ( لما هدم الحجاج الكعبة فرَّق الناس ترابها ، فلما صاروا إلى بنائها فأرادوا أن يبنوها خرجت عليهم حيَّةٌ فمنعت الناس البناء حتى هربوا ، فأتوا الحجاج فأخبروه فخاف أن يكون قد مُنع بناءها ، فصعد المنبر ثم نشد الناس وقال : أنشد الله عبداً عنده مما ابتلينا به
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 174 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
علم لما أخبرنا به ، قال : فقام إليه شيخ فقال : إن يكن عند أحد علم فعند رجل رأيته جاء إلى الكعبة فأخذ مقدارها ثم مضى ! فقال الحجاج : من هو ؟ قال : علي بن الحسين ! فقال : معدن ذلك ! فبعث إلى علي بن الحسين فأتاه فأخبره ما كان من منع الله إياه البناء ، فقال له علي بن الحسين : يا حجاج عمدت إلى بناء إبراهيم وإسماعيل فألقيته في الطريق وانتهبته ، كأنك ترى أنه تراث لك ! إصعد المنبر وأنشد الناس أن لا يبقى أحد منهم أخذ منه شيئاً إلا رده . قال : ففعل فأنشد الناس أن لا يبقى منهم أحد عنده شئ إلا رده ، قال : فردوه فلما رأى جمع التراب أتى علي بن الحسين فوضع الأساس وأمرهم أن يحفروا . قال : فتغيبت عنهم الحية ، وحفروا حتى انتهوا إلى موضع القواعد ، قال لهم علي بن الحسين : تنحوا فتنحوا فدنا منها فغطاها بثوبه ثم بكى ، ثم غطاها بالتراب بيد نفسه ، ثم دعا الفعلة فقال : ضعوا بناءكم ، فوضعوا البناء فلما ارتفعت حيطانها أمر بالتراب فقلب فألقى في جوفها ، فلذلك صار البيت مرتفعاً يصعد إليه بالدرج ) . والفقيه : 2 / 193 ، والعلل : 2 / 448 ، والمناقب : 3 / 281 .
وفي الخرائج : 1 / 268 ، ( أن الحجاج بن يوسف لما خرب الكعبة بسبب مقاتلة عبد الله بن الزبير ثم عمروها ، فلما أعيد البيت وأرادوا أن ينصبوا الحجر الأسود ، فكلما نصبه عالم من علمائهم أو قاض من قضاتهم أو زاهد من زهادهم يتزلزل ويقع ويضطرب ولا يستقر الحجر في مكانه . فجاءه علي بن الحسين « عليه السلام » وأخذه من أيديهم وسمى الله ثم نصبه فاستقر في مكانه ، وكبَّر الناس ) . وفي الفقيه : 2 / 247 ، أن الحجاج لما فرغ من بناء الكعبة سأل علي بن الحسين أن يضع الحجر في موضعه ، فأخذه ووضعه في موضعه ) .
وفي كامل الزيارات / 18 ، في قصة سرقة القرامطة للحجر الأسود وإرجاعه ونصب
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 175 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الإمام المهدي « عليه السلام » له في مكانه ، قال : ( ينصبه في مكانه الحجة في الزمان « عليه السلام » كما في زمان الحجاج وضعه زين العابدين « عليه السلام » في مكانه فاستقر . . . ) . انتهى .
أقول : إقرأ جيداً قول ذلك الشيخ المكي في رواية الكافي الصحيحة : ( إن يكن عند أحد علم فعند رجل رأيته جاء إلى الكعبة فأخذ مقدارها ثم مضى ! فقال الحجاج : من هو ؟ قال : علي بن الحسين ! فقال : معدن ذلك ) ، فهو يدل على أن الإمام « عليه السلام » كان معنياً ببناء الكعبة وأنها جاء وقاس أساسها . كما يدل على أسرار أودعها الله تعالى في الكعبة وبقعتها والحجر الأسود ، وبعض أحكامها ، وارتباط أمرها بأهل بيت الله تعالى وبيت النبي « صلى الله عليه وآله » .
وأخيراً ، فقد قال عمر بن عبد العزيز : ( لو جاءت كل أمة بخبيثها وجئنا بالحجاج ، لزدنا عليهم ) ! ( نثر الدرر للآبي / 286 ) . ونسي عمر أن الحجاج عبدٌ مأمورٌ لجده عبد الملك ، فخبثه فرعٌ من خبثه !

8 - علاقته « عليه السلام » مع الناصبي المتطرف ابن الزبير

تزوج العوَّام بن خويلد الزهري ، بصفيَّة بنت عبد المطلب عمة النبي « صلى الله عليه وآله » ، وولدت له الزبير والسائب وعبد الكعبة ، وقتل أبوهم في حرب الفجار قبل الإسلام ، فَرَبَّتْهُمْ أمهم في كنَف أبيها وإخوتها أعمام النبي « صلى الله عليه وآله » ، وكان لها ابنة من زوجها السابق المتوفى الحارث بن حرب بن أمية .
وأسلمت صفية وأولادها وهاجروا إلى المدينة ، واستشهد ابنها السائب في حرب اليمامة ، واشتهر الزبير وتزوج بأسماء بنت أبي بكر . وكان في جوِّ أخواله بني هاشم ، واعتبر السقيفة مؤامرة على وصية النبي « صلى الله عليه وآله » بالخلافة لعلي والعترة « عليهم السلام » ، وكان موقفه شديداً ضد أبي بكر وعمر ، وشهر سيفه في وجه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 176 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الذين جاؤوا إلى بيت علي « عليه السلام » لأخذ البيعة ، ومنهم عمر وخالد وغيرهما . ( سير الذهبي : 2 / 271 ، والطبقات : 4 / 119 ، والمحبر / 189 ، والوافي : 15 / 64 ، وراجع شرح الأخبار : 3 / 220 ، والبحار : 22 / 262 ، وقاموس الرجال : 12 / 289 ) .
لكن الزبير تغير رأساً على عقب ، عندما استطاعت زوجته أسماء وابنه عبد الله ، أن يؤثرا عليه ويحولاه إلى صديق للسلطة والحزب القرشي ، فأخذ يبتعد عن أخواله بني هاشم إلى أن صار عدواً لهم ! ( فكان عليٌّ يقول : ما زال الزبير منا أهل البيت حتى نشأ له عبد الله ) . ( أسد الغابة : 3 / 162 ) . وفي الخصال / 157 : ( حتى أدرك فرخه فنهاه عن رأيه ) . وفي الإمامة والسياسة : 1 / 14 : ( حتى نشأ بنوه فصرفوه عنا ) . وفي الأصول الستة عشر / 23 ، ( ولقد حلق رأسه وهو يقول لا نبايع إلا علياً ) . أي كان مستميتاً أيام السقيفة ، قبل أن يتحول إلى العكس !
وكانت عاقبته أنه بايع علياً « عليه السلام » ثم نكث بيعته وخرج مع طلحة وعائشة إلى البصرة لحربه ، فطلبه علي « عليه السلام » قبل أن يلتحم القتال وذكَّره بحديث النبي « صلى الله عليه وآله » فانسحب عائداً إلى المدينة ، ورافقه شخص يدعى ابن جرموز وقتله !
فكان كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثاً . أعاذنا الله من سوء العاقبة !
أما ابنه عبد الله بن الزبير فكان تابعاً لأمه أسماء وخالته عائشة ، ولم ينسحب من معركة الجمل مع أبيه ، بل واصلها مع خالته بحماس ، ونجا بأعجوبة من سيف مالك الأشتر « رحمه الله » وجرح جرحاً بليغاً في رأسه ، وعندما انتصر عليهم أمير المؤمنين « عليه السلام » عفا عنهم جميعاً . قال في شرح النهج : 4 / 79 : ( وعبد الله هو الذي حمل الزبير على الحرب وهو الذي زيَّن لعائشة مسيرها إلى البصرة ، وكان سباباً فاحشاً يبغض بني هاشم ويلعن ويسب علي بن أبي طالب ) . انتهى .
وعندما خرج ابن الزبير على يزيد وتحصن في الكعبة ، كان شديداً على
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 177 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بني هاشم أكثر من شدته على بني أمية ! حتى أنه هدد من كان منهم في مكة بالحرق إن لم يبايعوه ! وكان بينه وبين ابن عباس سجالات ، منها قول ابن عباس في خطبة له : ( وا عجباً كل العجب لابن الزبير ! يعيب بني هاشم وإنما شَرُفَ هو وأبوه وجده بمصاهرتهم ، أما والله إنه لمسلوبُ قريش ! ومتى كان العوام بن خويلد يطمع في صفية بنت عبد المطلب ؟ ! قيل للبغل : من أبوك يا بغل ؟ فقال : خالي الفَرَس . ثم نزل ) . ( شرح النهج : 20 / 129 ) .
وتقدم أنه سجن بني هاشم ومنهم ابن عباس في مكة وهددهم بحرق السجن عليهم إن لم يبايعوه ! وأنه ترك ذكر النبي « صلى الله عليه وآله » كلياً في خطبه وصلاته ! وأجاب من استنكر عليه : ( إن له أُهَيْلَ سوء إذا ذكر استطالوا ومدوا أعناقهم لذكره ) ! ( الصحيح من السيرة : 2 / 153 ، عن العقد الفريد : 4 / 413 ، وأنساب الأشراف : 4 / 28 ، وغيرهما ) .
وفي تاريخ اليعقوبي : 2 / 261 : ( وتحامل عبد الله بن الزبير على بني هاشم تحاملاً شديداً ، وأظهر لهم العداوة والبغضاء ، حتى بلغ ذلك منه أن ترك الصلاة على محمد في خطبته ! فقيل له : لم تركت الصلاة على النبي ؟ ! فقال : إن له أهل سوء يشرئبون لذكره ويرفعون رؤوسهم إذا سمعوا به ) .
وقال لابن عباس : ( لقد كتمت بغضك وبغض أهل بيتك مذ أربعين سنة ! فقال ابن عباس : ذلك والله أبلغ إلى جاعريتك ! بُغضي والله أضرك وآثمك إذ دعاك إلى ترك الصلاة على النبي « صلى الله عليه وآله » في خطبك ، فإذا عوتبتَ على ذلك قلت إن له أهيل سوء فإذا صليتُ عليه تطاولت أعناقهم وسمت رؤوسهم ! فقال ابن الزبير : أخرج عني فلا تقربني ! قال : أنا أزهد فيك من أن أقربك ولأخرجن عنك خروج من يذمك ويقليك ، فلحق بالطائف فلم يلبث يسيراً حتى توفي ) . ( أنساب الأشراف / 857 ) . ومعنى جاعريتك : أنه لا يشبه خؤولته بني هاشم فهو كجعرور التمر ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 178 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الإمام « عليه السلام » يتجنب شَرَّ ابن الزبير ويتخوف منه
في حلية الأولياء : 3 / 134 : ( عن أبي حمزة الثمالي قال : أتيت باب علي بن الحسين فكرهت أن أضرب ، فقعدت حتى خرج فسلمت عليه ودعوت له فرد عليَّ السلام ودعا لي ، ثم انتهى إلى حائط له فقال : يا أبا حمزة ترى هذا الحائط ؟ قلت : بلى يا ابن رسول الله . قال : فإني اتكأت عليه يوماً وأنا حزين فإذا رجل حسن الوجه حسن الثياب ينظر في تجاه وجهي ثم قال : يا علي بن الحسين مالي أراك كئيباً حزيناً ، أعلى الدنيا فهو رزق حاضر يأكل منها البر والفاجر ؟ فقلت : ما عليها أحزن لأنه كما تقول ، فقال : أعلى الآخرة هو وعد صادق يحكم فيها ملك قاهر ؟ قلت : ما على هذا أحزن لأنه كما تقول ، فقال : وما حزنك يا علي بن الحسين ؟ قلت : ما أتخوف من فتنة ابن الزبير ! فقال لي : يا علي هل رأيت أحداً سأل الله فلم يعطه ؟ قلت : لا ، ثم قال : فخاف الله فلم يكفه ؟ قلت : لا . ثم غاب عني ، فقيل لي يا علي هذا الخضر « عليه السلام » ناجاك ) . وكشف الغمة : 2 / 289 ، والكافي : 2 / 63 ، والإرشاد : 2 / 148 ، وأمالي المفيد / 204 ، وكنز الفوائد / 214 ، والخرائج : 1 / 269 ، ودعوات الراوندي / 131 ، وتاريخ دمشق : 41 / 383 ، والتذكرة الحمدونية / 37 ، ورواه عدد من مصادرهم ونسبه إلى رجل في بستان في مصر ! كمصنف ابن شيبة : 8 / 206 ، والهواتف / 88 ، والإصابة : 2 / 272 .
وسبب تخوف الإمام « عليه السلام » أن ابن الزبير كان أكثر قسوة من طغاة الأمويين ، وأشد بغضاً لأهل البيت « عليه السلام » ! وكانت أيامه مليئة بالبطش والتصرفات غير المنطقية ، في كل المناطق التي حكمها في اليمن والحجاز والعراق .
قال مطرف بن عبد الله : ( لبثتُ في فتنة بن الزبير تسعاً ما أُخْبِرْتُ فيها بخير ، ولا استخبرت فيها عن خير ) . ( الطبقات : 7 / 142 ) . وقال في تاريخ دمشق : 28 / 245 : ( فكانت فتنة ابن الزبير من لدن موت يزيد بن معاوية إلى أن قتل تسع سنين وثلاثة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 179 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أشهر وعشر ليال ، وكان ابن الزبير آدم نحيفاً ليس بالطويل ولا بالقصير ) . انتهى .
وكان الإمام « عليه السلام » يتجنب الاحتكاك بابن الزبير ، فلم يسكن أيام ثورة أهل المدينة على يزيد في مكة كما فعل ابن عمر وابن عباس وابن الحنفية وغيرهم ، ممن لم يشارك أهل المدينة في ثورتهم . ويظهر أن الإمام « عليه السلام » كان في تلك الفترة يوزع وقته بين المدينة وينبع والبادية ، حسب ما يقتضي الوضع ، وقد حرص في أيام دخول جيش يزيد إلى المدينة أن يكون فيها .
ونلاحظ أن بعض آل الزبير يروي عن الإمام « عليه السلام » كخالد بن الزبير وأولاده ، ففي شعب البيهقي : 2 / 74 ، عن ( خالد بن الزبير عن علي بن الحسين عن أبيه عن علي بن أبي طالب قال قال رسول الله ( ص ) : إنما تكون الصنيعة إلى ذي دين أو حسب . وجهاد الضعفاء الحج . وجهاد المرأة حسن التبعل لزوجها . والتودد نصف الدين . وما عال امرؤ اقتصد . واستنزلوا الرزق بالصدقة . وأبى الله أن يجعل أرزاق عباده المؤمنين من حيث يحتسبون . وقال مرة أخرى : وما عال امرؤ قط على اقتصاد ) . والمقاصد الحسنة للسخاوي / 58 وغيره .
وفي تاريخ الذهبي : 6 / 437 : ( وقال الزبير بن بكار : ثنا عمي ومحمد بن الضحاك ومن لا أحصي ، أن علي بن الحسين قال : ما أودُّ أن لي بنصيبي من الذل حُمْرَ النعم ) . انتهى . وترجموا لابن الزبير هذا وضعفوه ! قال الذهبي في سيره : 1 / 640 : ( خالد بن محمد من آل الزبير ، عن علي بن الحسين . قال البخاري منكر الحديث . وقال أبو حاتم : مجهول ) . . الخ .
أقول : يدل هذا النص وغيره على أن بعض آل الزبير كانت لهم صلات مع أهل البيت « عليهم السلام » وبعضهم شخصيات كعامر بن عبد الله بن الزبير ، لكن أكثرهم كانوا على مذهب عبد الله بن الزبير ومذهب أبيه الذي مات عليه .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 180 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لكن آية الله الميلاني مد ظله لم يستثن من آل الزبير أحداً فحكم في رسالته فيرد خطبة علي « عليه السلام » لبنت أبي جهل بأن كل أولاد الزبير كانوا معادين لأهل البيت « عليهم السلام » . وأن قصة خطبة أمير المؤمنين « عليه السلام » لبنت أبي جهل المزعومة من وضعهم ! وأنهم جميعاً في النصب سواء ، وإن اشتهر من بينهم عبد الله وظهر بغضه وعداؤه لأهل البيت « عليهم السلام » أكثر من إخوته !
( (
وكان الإمام « عليه السلام » يتحمل أذى آل الزبير ، ففي تذكرة ابن حمدون / 303 : ( قال رجل لرجل من آل الزبير كلاماً أقذع فيه ، فأعرض الزبيري عنه ، ثم دار كلام فسبَّ الزبيري علي بن الحسين فلم يجبه ، فقال له الزبيري : ما يمنعك من جوابي ؟ فقال علي : ما منعك من جواب الرجل ) !
وقال له رجل سبه فلم يلتفت إليه : إياك أعني ، فقال له : وعنك أعرض ! ( كشف الغمة : 2 / 319 ، ونثر الدرر / 156 ، والبحار : 46 / 101 ) .
( (
ومع كل مساوئ ابن الزبير ترى كثيراً من علماء المذاهب ، خاصة الحنابلة ، حكموا بأنه خليفة شرعي ، وبأن مروان بن الحكم كان باغياً خارجاً عليه ! ولذا لا تصح عندهم خلافة مروان ولا ابنه عبد الملك قبل أن يقتل ابن الزبير ! فهو عندهم خارج باغ واجب القتل إلى اللحظة التي قتل فيها ابن الزبير عند الكعبة فأكرمه الله فجعله خليفة لخاتم أنبيائه « صلى الله عليه وآله » !
قال الذهبي في تاريخه : 6 / 132 : ( عبد العزيز بن مروان أبو الأصبغ الأموي ، أمير مصر وولي عهد المؤمنين بعد أخيه عبد الملك بعهد من مروان ، إن صححنا خلافة مروان ، فإنه خارج على ابن الزبير باغ ، فلا يصح عهده إلى ولديه ، إنما تصح إمامة عبد الملك من يوم قتل ابن الزبير ) !
وقال في عون المعبود : 11 / 246 : ( فالتحقيق في هذه المسألة أن يُعْتَبَروا ( أي أن يعد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 181 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأئمة الإثنا عشر ) بمعاوية وعبد الملك وبنيه الأربع وعمر بن عبد العزيز ووليد بن يزيد بن عبد الملك بعد الخلفاء الأربعة الراشدين . وقد نقل عن الإمام مالك أن عبد الله بن الزبير أحق بالخلافة من مخالفيه ، ولنا فيه نظر ، فإن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان قد ذكرا عن النبي ( ص ) ما يدل على أن تسلط ابن الزبير واستحلال الحرم به مصيبة من مصائب الأمة ! أخرج حديثهما أحمد عن قيس بن أبي حازم قال : جاء ابن الزبير إلى عمر بن الخطاب يستأذنه في الغزو فقال عمر : أجلس في بيتك فقد غزوت مع رسول الله ( ص ) ، قال فرد ذلك عليه فقال له عمر في الثالثة أو التي تليها : أقعد في بيتك ، والله إني لأجد بطرف المدينة منك ومن أصحابك أن تخرجوا فتفسدوا على أصحاب محمد ( ص ) أخرجه الحاكم . فمن لفظه بطرف المدينة يُفهم أن واقعة الجمل غير مرادة هاهنا ، بل المراد خروجه للخلافة . . . ولم ينتظم أمر الخلافة عليه ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 182 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

9 - مع الشاب المترف عمر بن عبد العزيز

في بصائر الدرجات / 190 : ( عن عبد الله بن عطاء التميمي قال : كنت مع علي بن الحسين في المسجد فمرَّ عمر بن عبد العزيز ، عليه شراكا فضة ، وكان من أحسن الناس وهو شاب ، فنظر إليه علي بن الحسين فقال : يا عبد الله بن عطاء ترى هذا المترف ؟ إنه لن يموت حتى يلي الناس ! قال قلت : هذا الفاسق ؟ قال : نعم ، لا يلبث فيهم إلا يسيراً حتى يموت ، فإذا مات لعنه أهل السماء واستغفر له أهل الأرض ! ) . ودلائل الإمامة / 204 ، والثاقب في المناقب / 360 ، والخرائج والجرائح : 2 / 584 ، ومناقب آل أبي طالب : 3 / 284 .
وتقدم في علاقته « عليه السلام » مع المتصوفة قوله لأحدهم وقد قعد على باب الوالي ولعله عمر بن عبد العزيز عندما كان والياً على المدينة ( ابن ماجة : 1 / 220 ) قال له الإمام « عليه السلام » : ( ما يقعدك على باب هذا المترف الجبار ؟ فقال : البلاء . قال : قم فأرشدك إلى باب خير من بابه وإلى رب خير لك منه ! فأخذ بيده حتى انتهى به إلى مسجد رسول الله « صلى الله عليه وآله » . . ) . ثم علمه صلاة الحاجة ودعاءها . ( دعوات الراوندي / 54 ، والبحار : 88 / 375 ) .
هذا رأي الإمام « عليه السلام » في ابن عبد العزيز ، أما رأيه هو في الإمام « عليه السلام » فكان يراه أفضل الناس في عصره على الإطلاق ! قال في محاضرات الأدباء : 1 / 344 ، وطبعة / 360 : ( قال عمر بن عبد العزيز يوماً وقد قام من عنده علي بن الحسين ( لعله عندما كان والي المدينة ) : مَنْ أشرفُ الناس ؟ فقالوا : أنتم . فقال : كلا ، أشرف الناس هذا القائم من عندي آنفاً ، من أحب الناس أن يكونوا منه ولم يحب أن يكون من أحد ) . ونثر الدرر للآبي / 286 ، والمناقب : 3 / 304 ، وشرح إحقاق الحق : 12 / 136 .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 183 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والحجة تامة على ابن عبد العزيز في ولاية العترة « عليهم السلام »
في مجموعة ورام : 2 / 159 : ( لما وليَ عمر بن عبد العزيز ، استعمل ميمون بن مهران على الجزيرة ، واستعمل ميمون بن مهران على قرقيسا رجلاً يقال له علاثة ، قال : فتنازع رجلان فقال أحدهما : معاوية أفضل من علي وأحق ، وقال الآخر : علي أولى بالأمر من معاوية . فكتب عامل قرقيسا إلى ميمون بن مهران بذلك ، فكتب ميمون بن مهران إلى عمر بن عبد العزيز ، فكتب عمر بن عبد العزيز إلى ميمون بن مهران : أن اكتب إلى عامل قرقيسا أن أقم الرجل الذي قدم معاوية على علي ، بباب مسجد الجامع فاضربه مائة سوط وانْفه عن البلد الذي هو به ! قال طلق فأخبرني من رآه و قد ضرب مائة سوط وأخرج ملبباً حتى أخرج من باب ، يقال له باب الدين ) . انتهى .
وفي الصواعق المحرقة : 2 / 682 : ( دخلت فاطمة بنت علي على عمر بن عبد العزيز وهو أمير المدينة فبالغ في إكرامها وقال : والله ما على ظهر الأرض أهل بيت أحب إلي منكم ، ولأنتم أحبُّ إليَّ من أهلي ) .
أقول : كان عمر بن عبد العزيز يعتقد أن بني هاشم أشرف الناس كما تقدم ، وأن علياً « عليه السلام » أفضل الأمة وأزهدها بعد النبي « صلى الله عليه وآله » وهذا بحد ذاته حجة عليه أن يعمل لإعادة الحق إلى أصحابه ، ولكنه لم يفعل ! قد روى عنه في مناقب آل أبي طالب : 1 / 364 ، قال : ( ما علمنا أحداً كان في هذه الأمة أزهد من علي بن أبي طالب بعد النبي ) . وكامل ابن الأثير : 3 / 401 .
وقد روى فيه العامة نوعاً من المدح عن الإمام الباقر « عليه السلام » ، قال في تاريخ دمشق : 45 / 146 : ( عن عمرو بن قيس الملائي قال : سئل محمد بن علي بن الحسين عن عمر بن عبد العزيز ، فقال : أما علمت أن لكل قوم نجيبة وأن نجيبة بني
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 184 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أمية عمر بن عبد العزيز ، وإنه يبعث يوم القيامة أمة وحده ) . وتهذيب الكمال : 21 / 439 ، وتذكرة الحفاظ : 1 / 119 ، وسير الذهبي : 5 / 120 ، وحلية الأولياء : 5 / 254 ، وأكثر من ترجم له .
لكن التقييم الصحيح له ما تقدم أنه مترف فاسق ، يستغفر له أهل الأرض ويلعنه أهل السماء ، وقد جرى ذكره بعد موته عند الشريف الرضي « رحمه الله » فقال :

ديرَ سمعانَ لا عَدَتْكِ العَوادي
فخيرُ مَيْتٍ من آل مروانَ مَيْتُكْ
ديرَ سمعان فيك مأوى أبي
حفص فوُدِّي لو أنَّني آويتُكْ
يا بنَ عبد العزيز لو بكت
العينُ فتىً من أمية لبكيتُك
غير أني أقول إنك قد طبتُ
وإن لم يطبْ ولم يَزْكُ بيتُك
أنتَ نزِّهتنا عن السَّبِّ واللع‍
ن فلو أمكن الجزاءُ جزيتك
وعجيبٌ أني قليت بني م‍
روان طرّاً وأنني ما قليتُك
ولوَ إني رأيت قبرَك لاستح‍
ييتُ من أن أُرَى وما حييتك )

( النصائح الكافية لمن يتولى معاوية / 107 ، ودير سمعان مكان قرب حمص فيه قبره ) .
وقد أكثروا من مدح عمر بن العزيز بأنه كان عادلاً ، وبأنه أصدر مرسوماً ألغى مرسوم معاوية بوجوب لعن علي « عليه السلام » في صلوات الجمعة وغيرها ، لكن لعن الأمويين وأتباعهم بقي بعد ابن عبد العزيز ، في كثير المناطق !
ومهما بلغ عمر بن عبد العزيز فليس هو أفضل من المأمون الذي كان متخصصاً في الإمامة ، منظراً لها ، مناظراً فيها ! ومع ذلك ارتكب قتل الإمام الرضا « عليه السلام » خوفاً من تعلق الناس به ، وانقلابهم على بني العباس !
وقد روى له المؤرخون والمحدثون مناظرات علمية مفصلة مع كبار فقهاء المذاهب ، وقد جمعهم لذلك وأفحمهم واحتج عليهم بالقرآن والسنة ، لإثبات مكانة العترة النبوية ، وإثبات نص القرآن والنبي « صلى الله عليه وآله » على خلافة علي « عليه السلام » !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 185 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

10 - علاقة الإمام « عليه السلام » مع الخوارج

في مروج الذهب : 2 / 418 ، أن علياً « عليه السلام » عندما انتصر على الخوارج قال له بعض أصحابه : ( قد قطع الله دابرهم إلى آخر الدهر ، فقال : كلا والذي نفسي بيده وإنهم لفي أصلاب الرجال وأرحام النساء ، لا تخرج خارجة إلا خرجت بعدها مثلها ، حتى تخرج خارجة بين الفرات ودجلة مع رجل يقال له الأشمط ، يخرج إليه رجل منا أهل البيت فيقتله ، ولا تخرج بعدها خارجة إلى يوم القيامة ) . انتهى . وقد حددت روايات أخرى مكان آخر خارجة قرب بعقوبة من العراق ، وقد بحثنا ذلك في معجم أحاديث الإمام المهدي « عليه السلام » : 3 / 116 .
وفي زمن الإمام زين العابدين « عليه السلام » كان زعيم الخوارج البارز نافع بن الأزرق ثم انشق عليه نجدة بن عامر بن المعروف بنجدة الحروري ، وسيطر على نجد والبحرين وعمان وقسم من اليمن ، لمدة ثلاث سنوات من 65 إلى 69 هجرية .
ففي العبر للذهبي : 1 / 74 : ( وفيها ( سنة 66 ) قويت شوكة الخوارج واستولى نجدة الحروري على اليمامة والبحرين ) . وشذرات الذهب : 1 / 74 .
وفي مسند الشافعي ترتيب السندي : 2 / 85 : ( نجدة الحروري رئيس النجدية والحرورية خرج من جبال عمان ، فقتل الأطفال وسبى النساء ، وأهرق الدماء واستحل الفروج والأموال ، وكان يُكَفِّرُ السلف والخلف ، ويتولى ويتبرأ ، وكان ردياً مُردياً يأخذ بالقرآن ، ولا يقول بالسنة أصلاً ) . انتهى .
وأكثر ما اشتهر عن نجدة رسالته إلى ابن عباس وجوابها ، روتها عامة كتب الحديث والفقه ، كالصدوق في الخصال / 235 ، بسنده عن الإمام الصادق « عليه السلام » قال : ( إن نجدة الحروري كتب إلى ابن عباس يسأله عن أربعة أشياء هل كان
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 186 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
رسول الله « صلى الله عليه وآله » يغزو بالنساء وهل كان يقسم لهن شيئاً ؟ وعن موضع الخمس ؟ وعن اليتيم متى ينقطع يتمه ؟ وعن قتل الذراري ؟ فكتب إليه ابن عباس : أما قولك في النساء فإن رسول الله « صلى الله عليه وآله » كان يُحذيهن ولا يقسم لهن شيئاً ، وأما الخمس فإنا نزعم أنه لنا وزعم قوم أنه ليس لنا فصبرنا ، فأما اليتيم فانقطاع يتمه أشده وهو الاحتلام إلا أن لا تؤنس منه رشداً فيكون عندك سفيهاً أو ضعيفاً فيمسك عليه وليه . وأما الذراري فلم يكن النبي « صلى الله عليه وآله » يقتلها ، وكان الخضر يقتل كافرهم ويترك مؤمنهم ، فان كنت تعلم منهم ما يعلم الخضر فأنت أعلم ) . وفي سنن النسائي : 3 / 44 : ( عن الزهري ، عن يزيد بن هرمز أن نجدة الحروري حين خرج من فتنة بن الزبير أرسل إلى بن عباس يسأله عن سهم ذي القربى لمن هو ؟ فقال : لنا لقرب رسول الله ( ص ) قسمه رسول الله ( ص ) لنا وقد كان عمر عرض علينا شيئاً رأيناه دون حقنا ، فأبينا أن نقبله ! وكان الذي عرض عليهم أن يعين ويقضي عن غارمهم ويعطي فقيرهم ، وأبى أن يزيدهم على ذلك ) . ونيل الأوطار : 8 / 230 ، وأحمد : 1 / 320 ، وأبو داود : 2 / 26 ، وشرح مسلم للنووي : 12 / 192 ، وراجع في نجدة : تاريخ الذهبي : 5 / 49 ، و : 5 / 68 ، والنهاية : 8 / 349 .
كما اشتهر أن عكرمة غلام ابن عباس ذهب إلى نجدة وبقي عنده تسعة أشهر ، وتبنى أفكاره في بغض علي « عليه السلام » وتكفير كل من خالفهم من المسلمين !
( مقدمة فتح الباري / 425 ، وفيه أن ابن عباس قال عنه لما رجع : جاء الخبيث ! والطبقات : 5 / 103 ، وفي سير الذهبي : 5 / 21 : قال علي بن المديني : كان عكرمة يرى رأي نجدة الحروري . وذكر ذلك من ترجم لعكرمة ، كميزان الإعتدال : 3 / 96 ، وتاريخ دمشق : 41 / 120 ، والإستذكار : 2 / 501 . فاعجب لمن اتخذوا عكرمة إماماً وملؤوا تفاسيرهم وفقههم بآرائه !
ولم أجد رواية عن احتكاك بين نجدة والإمام زين العابدين « عليه السلام » ، ومعناه أن الإمام « عليه السلام » كان يتوقى ذلك ، وكان نجدة مشغولاً عنه في مناطق حكمه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 187 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وحروبه ، وقد هاجم مكة سنة 67 ، وحارب ابن الزبير ، وحج سنة 68 ، وله مناظرات مع إمامه السابق نافع بن الأزرق ، ومع ابن الزبير .
وروى الطبري : 4 / 595 ، والطبقات : 5 / 103 ، أن موسم حجَّ سنة 68 ، كان فيه أربعة أمراء وأن الناس طالبوهم أن يكفوا عن بعضهم حتى يحج الناس ، قال : ( وفي هذه السنة وافت عرفات أربعة ألوية . . . ثم تقدم ابن الحنفية بأصحابه حتى وقفوا حذاء ابن الزبير ونجدة الحروري خلفهما ولواء بني أمية عن يسارهما ) .
وقال الذهبي في تاريخه : 5 / 43 : ( وأما نجدة الحروري فإنه قدم في العام الماضي في جموعه من الحرورية على ابن الزبير وقاتلوا معه ) . انتهى .
وفي تاريخ اليعقوبي : 2 / 268 : ( وأقام الحج للناس في هذه السنين في سنة 63 عبد الله بن الزبير ، وفي سنة 64 ابن الزبير ، وقيل يحيى بن صفوان الجمحي ، وفي سنة 65 وسنة 66 وسنة 67 ابن الزبير ، وفي سنة 68 وقفت أربعة ألوية بعرفات : لواء مع محمد بن الحنفية وأصحابه ، ولواء مع ابن الزبير ، ولواء مع نجدة بن عامر الحروري ، ولواء مع بني أمية ، وفي سنة 69 وسنة 70 وسنة 71 ابن الزبير ) . انتهى .
ولعل الإمام « عليه السلام » لم يحج في السنوات الصعبة أو حج مستخفياً ، حيث لم أجد شيئاً عن لقائه أو احتكاكه أو مناظرته مع نجدة أو ابن الزبير أو الأمويين ، لكن وجدت له حديثاً مع شخص من خوارج البصرة رواها في الإحتجاج : 2 / 40 : ( جاء رجل من أهل البصرة إلى علي بن الحسين « عليه السلام » فقال : يا علي بن الحسين إن جدك علي بن أبي طالب قتل المؤمنين ! فهملت عينا علي بن الحسين دموعاً حتى امتلأت كفه منها ، ثم ضرب بها على الحصى ، ثم قال : يا أخا أهل البصرة ، لا والله ما قتل علي مؤمناً ولا قتل مسلماً ، وما أسلم القوم ولكن استسلموا وكتموا الكفر وأظهروا الإسلام ، فلما وجدوا على الكفر أعواناً
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 188 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أظهروه ! وقد علمت صاحبة الجمل والمستحفظون من آل محمد « صلى الله عليه وآله » أن أصحاب الجمل وأصحاب صفين وأصحاب النهروان ، لعنوا على لسان النبي الأمي « صلى الله عليه وآله » وقد خاب من افترى ! فقال شيخ من أهل الكوفة : يا علي بن الحسين إن جدك كان يقول : إخواننا بغوا علينا ! فقال علي بن الحسين « عليه السلام » : أما تقرأ كتاب الله : وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً . فهم مثلهم ، أنجى الله عز وجل هوداً والذين معه ، وأهلك عاداً بالريح العقيم ) . انتهى .
أقول : اتفق فقهاؤنا وعامة فقهاء المسلمين ، على تكفير الغلاة الذين يؤلهون أهل البيت « عليهم السلام » ، ومثلهم النواصب الذين يعادون أهل البيت « عليهم السلام » . لكن ابن تيمية خالف الإجماع وخص الحكم بالغلاة دون النواصب والخوارج ! واحتج بصلاة ابن عمر خلف نجدة الحروري ! ( منهاج السنة : 5 / 11 ) . وهذا من أدلة نصبه !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 189 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل السادس : مكانة الإمام زين العابدين « عليه السلام » في الأمة

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 190 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 191 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

1 - الإمام زين العابدين « عليه السلام » محبوب الجماهير

أحدث قتلُ الحسين « عليه السلام » زلزالاً في الأمة ! فنقمت على يزيد وبني أمية ، واتجهت بعواطفها نحو أهل البيت النبوي « عليهم السلام » فرأت في علي بن الحسين « عليه السلام » شخصيةً مميزة في عبادته وزهده وعلمه ، فاحترمته وأحبته ، خاصةً أنه سلك طريق العبادة والموعظة لتثبيت أصول الدين ولم يتجه إلى الثورة على السلطة .
وقد ظهرت محبة الناس له في موسم الحج عندما أراد ولي العهد الأموي أن يستلم الحجر الأسود فلم يستطع من زحام الناس ، ولما جاء زين العابدين « عليه السلام » انفسح له الناس احتراماً وهيبة ! فكان هذا المشهد استفتاء للناس على حبهم للإمام « عليه السلام » ، وعدم إفساحهم لهشام استفتاء على عدم حبهم للأمويين !
وعبَّر الفرزدق عن ضميرهم بقصيدته العصماء التي ارتجلها يومذاك ، فغضب عليه هشام وأراد قتله لكنه حبسه ، حتى دعا له الإمام « عليه السلام » فأطلقوه !
وقد روى هذه الحادثة عامة مؤلفي السير والتاريخ وعدد من المحدثين ، وأضاف بعضهم ملاحظات مفيدة كالذهبي في سيره : 4 / 398 ، قال : ( وكان له جلالة عجيبة وَحَقَّ له والله ذلك ، فقد كان أهلاً للإمامة العظمى لشرفه وسؤدده وعلمه وتألهه وكمال عقله . قد اشتهرت قصيدة الفرزدق وهي سماعنا ، أن هشام بن عبد الملك حج قبيل ولايته الخلافة ، فكان إذا أراد استلام الحجر زوحم عليه وإذا دنا علي بن الحسين من الحجر تفرقوا عنه إجلالاً له ، فوجم لها هشام وقال : من هذا ؟ فما أعرفه ! فأنشأ الفرزدق يقول :
هذا الذي تعرفُ البطحاءُ وطأتَه * والبيتُ يعرفهُ والحلُّ والحرمُ
ثم أورد أبياتاً من مطلعها ، وقال : فأمر هشام بحبس الفرزدق فحبس بعسفان ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 192 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وبعث إليه علي بن الحسين باثني عشر ألف درهم وقال : أعْذُرْ أبا فراس ، فردَّها وقال : ما قلت ذلك إلا غضباً لله ولرسوله « صلى الله عليه وآله » ، فردها إليه وقال : بحقي عليك لمَّا قبلتها ، فقد علم الله نيتك ورأى مكانك ، فقبلها ) .
كما أوردها في تاريخه : 6 / 438 ، وقال : ( وليس للحسين رضي الله عنه عقب إلا من زين العابدين ، وأمه أمَة ، وهي سلافة بنت يزدجرد آخر ملوك فارس . . . قال أبو جعفر الباقر : عاش أبي ثمانٍ وخمسين سنة . وقال الواقدي : حدثني حسين بن علي بن الحسن أن أباه مات سنة أربع وتسعين ، وكذا قال البخاري ، وأبو عبيد ، والفلاس ، وروي عن جعفر بن محمد ) .
وقال في النهاية : 9 / 126 : ( وقد رويَ من طرق ذكرها الصولي والجريري وغير واحد ، أن هشام بن عبد الملك حج في خلافة أبيه وأخيه الوليد ، فطاف بالبيت فلما أراد أن يستلم الحجر لم يتمكن حتى نصب له منبر فاستلم وجلس عليه ، وقام أهل الشام حوله ، فبينما هو كذلك إذ أقبل علي بن الحسين ، فلما دنا من الحجر ليستلمه تنحى عنه الناس إجلالاً له وهيبةً واحتراماً ، وهو في بزة حسنة وشكل مليح ، فقال أهل الشام لهشام : من هذا ؟ فقال لا أعرفه ، استنقاصاً به واحتقاراً ، لئلا يرغب فيه أهل الشام ! فقال الفرزدق وكان حاضراً أنا أعرفه ، فقالوا : ومن هو ؟ فأشار الفرزدق يقول . . ) . وأورد منها 27 بيتاً .
ورواها السبكي في طبقات الشافعية : 1 / 290 ، بسنده عن ابن عائشة ، وفيه : ( فطاف بالبيت فجهد أن يصل إلى الحجر فيستلمه فلم يقدر عليه ، فنصب له منبر وجلس عليه ينظر إلى الناس ومعه أهل الشام ، إذ أقبل علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم ، وكان من أحسن الناس وجهاً وأطيبهم أرجاً ، فطاف بالبيت فلما بلغ الحجر تنحى له الناس حتى يستلمه ! فقال رجل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 193 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
من أهل الشام : من هذا الذي قد هابه الناس هذه الهيبة ؟ ! فقال هشام : لا أعرفه مخافة أن يرغب فيه أهل الشام ! وكان الفرزدق حاضراً فقال الفرزدق : لكني أعرفه ! قال الشامي : من هو يا أبا فراس ؟ فقال الفرزدق ) . وأورد السبكي 29 بيتاً . ومثله الإختصاص للمفيد : 191 . واختيار معرفة الرجال : 1 / 343 .
وفي أبجد العلوم للقنوجي : 3 / 76 : ( منها قصيدته في مدح الإمام زين العابدين ، التي سارت بها الركبان ، وشرحها جمع جم من الأعيان . . . )
وفي شذرات الذهب : 1 / 142 : ( عن أبي عمرو بن العلاء قال : شهدت الفرزدق وهو يجود بنفسه ، فما رأيت أحسن ثقة بالله منه ! وتُرجى له الزلفى والفائدة وعظيم العائدة بحميته في أهل بيت رسول الله ( ص ) لزين العابدين ، لما أراد استلام الحجز في زحمة الناس فانفرجوا عنه هيبة ومحبة ، ولم تنفرج لهشام بن عبد الملك ، فقال شامي من هذا ؟ فقال هشام : لا أعرفه خاف أن يرغب عنه أهل الشام ! فقال الفرزدق : أنا أعرفه ! فقال الشامي : من هو يا أبا فراس ؟ فقال : هذا سليل حسين وابن فاطمة بنت الرسول من انجابت به الظلم . . . . ) . انتهى .
وأتم رواياتها في المناقب : 3 / 306 ، قال : ( الحلية ، والأغاني ، وغيرهما : حج هشام بن عبد الملك فلم يقدر على الاستلام من الزحام فنصب له منبر وجلس عليه وأطاف به أهل الشام ، فبينما هو كذلك إذ أقبل علي بن الحسين وعليه إزار ورداء ، من أحسن الناس وجهاً وأطيبهم رائحة ، بين عينيه سجادة كأنها ركبة عنز ، فجعل يطوف فإذا بلغ موضع الحجر تنحى الناس حتى يستلمه هيبة له ، فقال شامي : مَن هذا يا أمير ؟ فقال : لا أعرفه ، لئلا يرغب فيه أهل الشام ، فقال الفرزدق وكان حاضراً : لكني أنا أعرفه ، فقال الشامي : من هو يا أبا فراس ؟ فأنشأ قصيدة ذكر بعضها في الأغاني والحلية والحماسة ، والقصيدة بتمامها :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 194 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

يا سائلي أينَ حلَّ الجودُ والكرمُ * عندي بيانٌ إذا طلابُهُ قدموا
هذا الذي تعرفُ البطحاءُ وطأتَهُ * والبيتُ يعرفُهُ والحلُّ والحَرَمُ
هذا ابنُ خَيْرِ عبادِ الله كلِّهِمُ * هذا التّقيُّ النقيُّ الطاهرُ العَلَمُ
هذا الذي أحمدُ المختارُ والدُه * صلى عليه إلهي ما جرى القلمُ
لو يعلمُ الركنُ من قد جاء يلثِمُهُ * لَخَرَّ يَلْثِمُ منهُ ما وطى القَدَمُ
هذا عليٌّ رسولُ الله والدُه * أمست بنور هداه تهتدي الأمم
هذا الذي عمُّه الطيارُ جعفرُ والمَق * ْتولُ حمزةُ ليثٌ حُبُّهُ قَسَمُ
هذا ابنُ سيدة النسوانِ فاطمةٌ * وابنُ الوصيِّ الذي في سيفه نِقَمُ
إذا رأتهُ قريشٌ قال قائلُها * إلى مكارم هذا ينتهي الكرم
يكادُ يُمْسكُهُ عرفانُ راحتِهِ * ركنُ الحطيم إذا ما جاءُ يَستلم
وليسَ قولُك من هذا بِضَائِرِهِ * العُرْبُ تعرفُ من أنكرتَ والعجم
يُنْمَى إلى ذِرْوَةِ العزِّ التي قَصُرَتْ * عن نيلها عربُ الإسلام والعجم
يُغْضي حَيَاءً ويُغْضى من مَهَابَتِهِ * فما يُكَلَّمُ إلا حينَ يَبْتَسٍمُ
يِنْجَابُ نُورُ الدُّجى عن نور غُرَّتِه * كالشمس يَنْجَابُ عن إشراقها الظلم
بكفِّهِ خَيْزَرَانٌ ريحُهُ عَبِقٌ * من كفِّ أورعَ في عِرْنِينِهِ شَمَمُ
ما قال لا قطُّ إلا في تشهدِه * لولا التشهدُ كانت لاءهُ نَعَمُ
مُشْتُقَّةٌ من رسولِ الله نَبْعَتُهُ * طابتْ عناصرُه والخِيمُ والشِّيَمُ
حَمَّالُ أثقالِ أقوامٍ إذا فُدِحُوا * حُلْوُ الشمائل تحلو عنده نعم
إن قال قالُ بما يهوى جميعُهُمُ * وإن تكلمَ يوماً زانَهُ الكَلِمُ
هذا ابنُ فاطمةٍ إن كنتَ جاهلَهُ * بجدِّه أنبياءُ الله قد خُتموا
اللهُ فضَّلَهُ قِدْماً وشرَّفَهُ * جرى بذاك له في لَوْحِهِ القلم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 195 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
من جَدِّهِ دانَ فضلُ الأنبياءِ لهُ * وفضلُ أمته دانت لهُ الأمم
عمَّ البريةَ بالإحسان وانقشعتْ * عنها العِمَايَةُ والإملاقُ والظلم
كلتا يديْه غياثٌ عمَّ نفعهُمَا * تَسْتَوْكِفَانٍ ولا يَعْرُوهما عَدَم
سهلُ الخليقة لا تُخشى بوادرُهُ * يَزينُهُ خِصلتانِ الحلمُ والكرمُ
لا يُخلفُ الوعدَ ميموناً نقيبتُهُ * رحبُ الفَنَاءِ أريمٌ حينَ يَعْتَرِمُ
من معشرٍ حبُّهُمْ دينٌ وبُغْضُهمُ * كفرٌ وقُرْبُهُمُ مَنْجىً ومُعْتَصَمُ
يُسْتَدْفَعُ السوءُ والبلوى بحبَّهِمُ * ويُستزادُ به الإحسانُ والنِّعَم
مُقَدَّمٌ بعدَ ذكر الله ذكرُهُمُ * في كلِّ فرضٍ ومختومٌ به الكلِم
إن عُدَّ أهلُ التُّقَى كانوا أئمتَهُمْ * أو قيلَ من خيرُ أهلِ الأرضِ قيلَ هم
لا يَستطيعَ جوادٌ بعدَ غايتِهِمْ * ولا يدانيهمَ قومٌ وإن كَرُمُوا
همُ الغيوثُ إذا ما أزمةٌ أزمتْ * والأسْدُ أسُدُ الشَّرى والبأسُ مُحْتَدم
يأبى لهم أن يحلَّ الذمُّ ساحتَهُمْ * خِيمٌ كريمٌ وأيدٍ بالنَّدى هُضُمُ
لا يُقبض العسرُ بسطاً من أكفِّهِمُ * سَيَّانَ ذلك إن أثروْا وإن عُدموا
إنَّ القبائلَ ليست في رقابهم * لأوَّليِّة هذا أو لهُ نعم
منْ يعرفْ اللهَ يعرفْ أوَّلِيَّةَ ذَا * فالدينُ من بيت هذا نالهُ الأمم
بيوتُهُمْ في قريش يُستضاءُ بها * في النائبات وعند الحِلم إن حلموا
فجدُّه من قريش في أزمَّتِها * محمدٌ وعليٌّ بعدَه عَلَمُ
بدرٌ له شاهدٌ والشِّعبُ من أحُدٍ * والخندقان ويومَ الفتحِ قد عَلموا
وخَيْبَرٌ وحُنَيْنٌ يَشهدانِ له * وفي قُريْظةَ يومٌ صَيْلَمٌ قَتَمُ
مواطنٌ قد عَلَتْ في كلِّ نائبة * على الصحابة لم أكْتُمْ كمَا كَتَمُوا

فغضب هشام ومنع جائزته ، وقال : ألا قلت فينا مثلها ؟ قال : هات جداً كجده وأباً
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 196 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كأبيه وأماً كأمه حتى أقول فيكم مثلها ! فحبسه بعسفان بين مكة والمدينة ، فبلغ ذلك علي بن الحسين « صلى الله عليه وآله » فبعث إليه باثني عشر ألف درهم وقال : أعذرنا يا أبا فراس فلو كان عندنا أكثر من هذا لوصلناك به ، فردها وقال : يا ابن رسول الله ما قلت هذا الذي قلت إلا غضباً لله ولرسوله « صلى الله عليه وآله » ! وما كنت لأرزأ عليه شيئاً ! فردها إليه وقال : بحقي عليك لمَّا قبلتها فقد رأى الله مكانك وعلم نيتك فقبلها ، فجعل الفرزدق يهجو هشاماً وهو في الحبس ، فكان مما هجاه به قوله :

أيحبسني بين المدينة والتي * إليها قلوب الناس تهوى منيبها
يقلب رأساً لم يكن رأسَ سيِّدٍ * وعيناً له حَوْلاءَ بادٍ عُيُوبها

فأخبر هشام بذلك فأطلقه ، وفي رواية أبي بكر العلاف أنه أخرجه إلى البصرة ) . والخرائج : 1 / 267 ، وفيه : ( فردها وقال : ما قلت ذلك إلا ديانةً . فبعث بها إليه أيضاً وقال : شكر الله لك ذلك . فلما طال الحبس عليه وكان يوعده بالقتل ! شكى إلى علي بن الحسين « صلى الله عليه وآله » فدعا له فخلصه الله فجاء إليه وقال : يا بن رسول الله إنه محا اسمي من الديوان . فقال : كم كان عطاؤك ؟ قال : كذا . فأعطاه لأربعين سنة وقال « عليه السلام » : لو علمت أنك تحتاج إلى أكثر من هذا لأعطيتك . فمات الفرزدق بعد أن مضى أربعون سنة ) ! ونحوه الصراط المستقيم : 2 / 181 .
وابن خلكان : 6 / 95 ، وفيه : ( وتنسب إليه مكرمة يرجى له بها الجنة ، وهي أنه لما حج هشام بن عبد الملك في أيام أبيه ، فطاف وجهد أن يصل إلى الحجر ليستلمه فلم يقدر عليه لكثرة الزحام . . . الخ . ) . وينابيع المودة : 3 / 107 ، وفيه : ( وأخرج أبو نعيم الحافظ في حلية الأولياء والطبراني في الكبير ، والحافظ السلفي وغير واحد من أهل السير والتواريخ . . . قال شيخ الحرمين أبو عبد الله القرظي : لو لم يكن لأبي فراس عند الله عز وجل عمل إلا هذا دخل الجنة به لأنها كلمة حق عند سلطان جائر ) .
وشرح ديوان الحماسة / 875 ، وثمرات الأوراق / 155 ، عن أبي الفرج ، وفيه : ( فلما طاف بالبيت وبلغ الحجر تنحَّى الناس كلهم إجلالاً له ، فاستلم الحجر وحده ، فغاظ ذلك هشاماً ، وبلغ منه ! فقال رجل من أهل الشام لهشام : من هذا أصلح الله الأمير ؟ قال لا أعرفه وكان عارفاً ولكن خاف من رغبة أهل الشام . . ) . والأغاني : 10 / 378 ، وفيه : ( عن الشعبي قال : حج الفرزدق بعد ما كبر وقد أتت له سبعون سنة ، وكان هشام
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 197 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بن عبد الملك قد حج في ذلك العام فرأى علي بن الحسين في غمار الناس في الطواف فقال : من هذا الشاب الذي تبرق أسرة وجهه كأنه مرآة صينية تتراءى فيها عذارى الحي وجوهها ؟ فقالوا هذا علي بن الحسين . . . ) . وتاريخ دمشق : 41 / 401 ، وأورد منها 26 بيتاً . وكذا تهذيب الكمال : 20 / 400 . وفصل روايتها وتخميسها في أعيان الشيعة : 1 / 634 ، و : 10 / 268 ، و : 6 / 396 ، ومستدركاته : 3 / 301 .
إن مشهد روحانية الإمام « عليه السلام » الذي رسمه الفرزدق بريشته ، ما زال شاهداً على أن جماهير الأمة كانت تتأجج حباً وعاطفة لأهل البيت « عليهم السلام » ، وأن قلوبها كانت معهم ، وإن كانت سيوفها مع الحكام ! وقد اغتاظ هشام بن عبد الملك حسداً للإمام زين العابدين « عليه السلام » ! ثم اغتاظ أتباعه من أن القصيدة سَرَتْ في الأمة كالنسيم في الهجير والنور في الظلمة ، وتناقلها الناس وأعجبوا بها وما زالوا إلى يومنا هذا ! لذلك قام الحساد الكذابون بإسقاط ذكر هشام منها ، وقالوا إن الفرزدق رأى زين العابدين « عليه السلام » فأنشد فيه ! تاريخ دمشق : 41 / 400 ، ومجمع الزوائد : 9 / 200 ، عن الطبراني ، والمرتضى في أماليه : 1 / 48 ، عن المرزباني ، لكن في أخبار شعراء الشيعة / 64 ، فيه ذكر هشام .
وبعضهم أنكر الحادثة من أصلها ، وزعم أن الأبيات لداود بن سلم أو لخالد بن يزيد في قثم بن العباس ! وأصل هذه الكذبة من الزبير بن بكار الزبيري ، وقد ردَّ عليه ابن عبد البر في الإستيعاب / 935 ، وطبعة : 3 / 1305 ، قال : ( وقال الزبير في الشعر الذي أوله : هذا الذي تعرف البطحاء وطأته . . والبيت يعرفه والحل والحرم . . إنه قاله بعض شعراء المدينة في قثم بن العباس . . . وقد ذكرنا في بهجة المجالس . . . ولمن هو ، والاختلاف فيه ، ولا يصح أنه قثم بن العباس ، وذلك شعر آخر على عروضه وقافيته وما قاله الزبير فغير صحيح ) . كما رد عليهم الشيخ محمد أبو زهرة في كتابه الإمام الصادق / 22 ، فقال : ( لقد روت كتب التاريخ والسير والأدب هذه القصيدة منسوبة إلى الفرزدق الشاعر ، ولم يتشكك الرواة والمؤرخون في نسبتها إليه ، وأكثر كتب الأدب لم تثر عجاجة شك حولها ) . انتهى . ومعناه أنهم حوروا الحادثة والقصيدة حسداً ، ليجعلوها في بني الزبير أو بني العباس أو بني أمية ! وهذه عادتهم عندما تصل فضائل أهل البيت « عليهم السلام » إلى الناس ولا يستطيعون إنكارها ! وهذا وقد استغرب ابن كثير في النهاية : 8 / 226 ، رواية الطبراني للأبيات في مدح الإمام الحسين « عليه السلام » لأن الفرزدق التقى به « عليه السلام » وهو متجهٌ إلى كربلاء ولم يلتق به في الحج . لكن قد يكون التقى بالحسين في سنة سابقة وقال بعض أبياتها فيه ، ثم أكملها في ولده زين العابدين « صلى الله عليه وآله » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 198 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

2 - الإمام زين العابدين « عليه السلام » قدِّيس الأمة

روى أبو نعيم في حلية الأولياء : 3 / 139 ، وابن الجوزي في صفة الصفوة : 2 / 98 ، قصيدة الفرزدق المتقدمة في مدح الإمام زين العابدين « عليه السلام » وقال بعدها : ( عن صالح بن حسان قال : قال رجل لسعيد بن المسيب : ما رأيتُ أحداً أورع من فلان ، قال : هل رأيت علي بن الحسين ؟ قال : لا ، قال ما رأيتُ أحداً أورع منه !
وقال الزهري : لم أر هاشمياً أفضل من علي بن الحسين ، وما رأيت أحداً كان أفقه منه . وعن طاوس قال : رأيت علي بن الحسين ساجداً في الحجر فقلت رجل صالح من أهل بيت طيب لأسمعن ما يقول ، فأصغيت إليه فسمعته يقول : عُبَيْدُكَ بفنائك ، مسكينك بفنائك ، سائلك بفنائك ، فقيرك بفنائك ! فوالله ما دعوتُ الله بها في كرب إلا كشف الله عني !
وعن أبي جعفر قال : كان علي بن الحسين « رحمه الله » يصلي في كل يوم وليلة ألف ركعة ، وتهيجُ الريح فيسقط مغشياً عليه . وعن عبد الغفار بن القاسم قال : كان علي بن الحسين خارجاً من المسجد فلقيه رجل فسبه ، فثارت إليه العبيد والموالي ، فقال علي بن الحسين : مهلاً عن الرجل ، ثم أقبل على الرجل فقال : ما ستر عنك من أمرنا أكثر ، ألك حاجة نعنيك عليها ؟ فاستحيا الرجل فألقى عليه خميصة كانت عليه وأمر له بألف درهم ، فكان الرجل بعد ذلك يقول أشهد أنك من أولاد الرسول ) . انتهى .
والنصوص عديدة في حب الأمة وتقديسها للإمام زين العابدين « عليه السلام » ، وقد تقدم في المجلد الثالث ، الفصل الرابع عشر ، أن عبد الملك بن مروان والزهري وبعض النواصب الآخرين كالذهبي وابن حجر ، شهدوا بمعجزات الإمام زين
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 199 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
العابدين « عليه السلام » ، وأنه كان يملك الاسم الأعظم !
قال ثابت البناني : ( كنت حاجاً وجماعة عباد البصرة مثل أيوب السجستاني وصالح المري وعتبة الغلام وحبيب الفارسي ومالك بن دينار ، فلما أن دخلنا مكة رأينا الماء ضيقاً ، وقد اشتد بالناس العطش لقلة الغيث ، ففزع إلينا أهل مكة والحجاج يسألوننا أن نستسقي لهم ، فأتينا الكعبة وطفنا بها ، ثم سألنا الله خاضعين متضرعين بها ، فمُنعنا الإجابة !
فبينما نحن كذلك إذْ نحن بفتى قد أقبل وقد أكربته أحزانه وأقلقته أشجانه ، فطاف بالكعبة أشواطاً ثم أقبل علينا فقال : يا مالك بن دينار ، ويا ثابت البناني ويا صالح المري ، ويا عتبة الغلام ، ويا حبيب الفارسي ، ويا سعد ، ويا عمر ويا صالح الأعمى ، ويا رابعة ، ويا سعدانة ، ويا جعفر بن سليمان ! فقلنا : لبيك وسعديك يا فتى . فقال : أما فيكم أحد يُحبه الرحمن ؟ فقلنا : يا فتى علينا الدعاء وعليه الإجابة ، فقال : أبعدوا عن الكعبة ، فلو كان فيكم أحد يحبه الرحمن لأجابه ! ثم أتى الكعبة فخر ساجداً ، فسمعته يقول في سجوده : سيدي بحبك لي إلا سقيتهم الغيث ! قال : فما استتم الكلام حتى أتاهم الغيث كأفواه القرب ! فقلت : يا فتى من أين علمت أنه يحبك ؟ قال : لو لم يحبني لم يستزرني ، فلما استزارني علمت أنه يحبني فسألته بحبه لي فأجابني . ثم ولى عنا وأنشأ يقول :

من عرف الرب فلم تُغْنِهِ * معرفةُ الرب فذاك الشقِي
ما ضر ذو الطاعة ما ناله * في طاعة الله وماذا لقِي
ما يصنع العبدُ بغير التقى * والعزُّ كلُّ العزِّ للمتقِي

فقلت يا أهل مكة من هذا الفتى ؟ قالوا : علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ) . ( الإحتجاج : 2 / 48 ، والصحيفة السجادية : 2 / 108 ، ومستدرك الوسائل : 6 / 209 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 200 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

3 - لماذا لم يستفد الإمام « عليه السلام » من شعبيته لإقامة الدولة الإسلامية ؟

الناظر في الوضع السياسي للأمة الإسلامية بعد شهادة الإمام الحسين « عليه السلام » بقليل ، يرى أن يزيد بن معاوية هدم بسياسته الحمقاء كل ما بناه له أبوه ، وأثار عليه نقمة المسلمين وعلى أسرته ، بل مسَّح الأرض بسمعة بني أمية !
فبعد قتْله الإمام الحسين « عليه السلام » ارتكبَ مجزرة المدينة واستباحها ، ثم هاجم ابن الزبير في مكة وضرب الكعبة بالمنجنيق وأحرقها ! وما لبث أن مات وهو سكران يلهو فشَرَدَ به فرسه ولم يجدوا جثته ، أو انفجر دماغه من كثرة الخمر !
لذلك برز نجم ابن الزبير وانتشرت البيعة له ، واستقوى الخوارج ، وتحرك المسلمون في العراق لأخذ ثار الحسين « عليه السلام » من النظام الأموي .
في تلك المرحلة كانت الظروف مهيأةً بامتياز للإمام زين العابدين « عليه السلام » ليقود الثورة على بني أمية للأخذ بثأر أبيه « صلى الله عليه وآله » ، وإنقاذ الأمة من الظلم والاضطهاد ، وإقامة خلافة علوية عادلة يرضى بها الجميع . لكنه لم يفعل !
بل كان من اليسير عليه بعد أن نجح المختار وإبراهيم بن الأشتر في تحرير العراق وإقامة دولة لأهل البيت « عليهم السلام » تطالب بثارهم ، أن يذهب إلى الكوفة ويدير هذه الدولة ويُوَسِّعَها ، ولكنه لم يفعل !
هنا يتحرَّق البعض : لماذا لم يتجه الإمام زين العابدين « عليه السلام » لقيادة الجماهير ، أليس هو أشجع الناس ؟ أليس بنو هاشم أشجع البشر ؟ ! ولماذا رفض أن يتسلم دولةً جاهزةً متحفزةً ، يطالبه بذلك قادتها ؟ !
ألا يجب عليه أن يأخذ بثار أبيه « صلى الله عليه وآله » ممن شاركوا في سفك دمه ؟
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 201 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ألا يجب عليه أن يقيم الدولة الإسلامية التي تطبق أحكام الإسلام ؟
ألا يجب عليه أن ينهض لإنصاف المظلومين ، ووضع حدٍّ لاستعباد بني أمية للمسلمين ، فيعيد إليهم حقوقهم المسلوبة ، وثرواتهم المنهوبة ؟
فلماذا لم يتحرك الإمام « عليه السلام » وكذلك غيره من الأئمة « عليه السلام » الذين كانت ظروفهم مساعدة ، فيقودوا الجماهير عملياً ويقيموا الدولة ، أو يقودوا الدولة الموجودة ؟
لعل الإمام زين العابدين « عليه السلام » أوضح مثل بين الأئمة « عليهم السلام » في سعة شعبيته وضعف القوى المعادية له ، لذا كان أول ما يخطر في ذهنك وأنت تقرأ مكانته وشعبيته في الأمة : لماذا لم يستفد منها لإقامة الدولة الإسلامية ؟
كنا يوماً نتحدث مع السيد الشهيد الصدر « قدس سره » عن وجوب العمل السياسي لإقامة دولة إسلامية ، وتقصير الفقهاء في بحث ذلك حسب خيالنا ، فقال الشهيد محمد هادي السبيتي : لو لم يكن العمل لإقامة دولة إسلامية واجباً شرعاً لعملت لذلك ، فكيف أتحمل أن أرى هذا الواقع السياسي للأمة وتسلط المستعمرين عليها ، ولا أعمل لإنقاذها ؟ فأيده بعضهم .
وفي بعض العصور ومنها عصرنا ، زاد التحفز للعمل السياسي والثورة ، ومطالبة المراجع والعلماء أن ينزلوا إلى الشارع حتى صار من شروط المرجع عند هؤلاء المتحفزين أن ينزل أمامهم إلى الشارع لمقاومة المستعمر أو النظام !
بل هم مستعدون لأن يضطهدوا المرجع إن كان غير مقتنع برأيهم ولم يفتِ لهم على رغبتهم ، وكم اتهموا المراجع بالخوف والجبن ونحوه من التُّهم !
وهكذا صادر العوام المتحفزون هذه المسألة الفقهية التخصصية ، فاجتهدوا فيها وعملوا لفرض رأيهم على الفقهاء !
وهذه الظاهرة الجديدة قديمة في الواقع ! فهي المسألة التي سبَّبَتْ الاختلاف
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 202 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والانقسام في الأمة من صدر الإسلام إلى يومنا !
وبسببها تكوَّن الخوارج ، لأنهم أرادوا قتال معاوية قبل التحكيم ، فلم يستجب لهم أمير المؤمنين « عليه السلام » لأنه وقَّع معه هدنة بضغط الخوارج أنفسهم !
وبسببها تكوَّنت حركة التوابين وحركة المختار ، وتكوَّن المذهب الزيدي ، وقامت حركة الحسنيين والعباسيين . . الخ .
وبسببها انقسم الناس في عصرنا إلى حركات وأحزاب ، وتقليديين وثوريين وموالين ومعارضين ، ووصفوا بعضهم بعضاً بالواعين وغير الواعين .
لكن رأي الإمام زين العابدين وبقية الأئمة « عليه السلام » شئ آخر ! فلا مهمة الإمام « عليه السلام » الأكثر أهمية هي السعي إلى السلطة ! ولا تلك الشعبية في المستوى المطلوب . أما وجه موقفه وعمله « عليه السلام » فإن فهمناه فبها ، وإن لم نفهمه فلا عجب في ذلك ، لأنا نعتقد بعصمة الإمام الربانية وتسديد الله تعالى لتصرفاته .
ونحن إلى الآن ما فهمنا ظاهر شخصية المعصوم « عليه السلام » فضلاً عن عالمه الداخلي ، وكيف ينظر إلى الأمور وكيف يفكر ويعمل ؟ !
نعم إن الإمام « عليه السلام » يشترك معنا في التكاليف العامة ، لكن لا يصح أن تسقط عليه تكليفنا وواجبنا عليه ، أو ما نفهم أنه واجبنا !
تتكوَّن القضية بالنسبة إلينا في عصر الغيبة من مسائل :
أولها ، هل الدعوة إلى الإسلام عملٌ تخصصي ، محصور بفئة خاصة من المسلمين ، أم مفتوحٌ لكل الناس ؟ وبتعبير آخر : هل أن إقامة الحكم الإسلامي فريضة على كل الناس ، أم واجبٌ وحقٌّ لفئة منهم ، دون غيرهم ؟
وثانيها ، ما هو الفرق بين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وبين الدعوة إلى الله تعالى ؟ وما الفرق بين المخاطبين بهاتين الفريضتين ، وأحكامهما ؟
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 203 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وثالثها ، هل أن وجوب جهاد المستعمر والجائر ، فريضة عامة مفتوحة لكل من تصدى لها ودعا الناس إليها ، فقيهاً كان أم غير فقيه ؟ بحجة أنها جهادٌ دفاعيٌّ لا يحتاج إلى إذن أحد ؟ أم هو فريضة لا تصح ولا تجوز إلا بقيادة جامعة الشروط تأخذ شرعيتها من فقيه مرجع ، وتحتاج إلى رأي خبراء في السياسة والقتال عدول يقدرون إمكانية الجهاد الدفاعي وفائدته لأهل المنطقة ولعامة المسلمين ، ويقودونه ويحفظونه من الانحراف والإضرار بالناس ، ومن استغلال الفئات المتربصة التي تصادر جهاد المسلمين وتحوله إلى مصلحتها ؟
ورابعها ، من الذي يملك الشرعية في قيادة المسلمين من الحركات والزعامات فيكون المخالف له باغياً يجب نهيه وقتاله ؟ وهل تتحقق الشرعية بالسبق بالعمل كقاعدة ( الوقف لمن سبق ) فيكون المنافس للحركة الأقدم باغياً ؟ أم بتعيين المرجع الجامع للشروط ، أم بانتخاب الأمة ، أم بانتخاب أهل الحل والعقد ، أم بالغلبة وفرض الأمر الواقع ؟
وخامسها ، من هم أهل الحل والعقد ، ومن يُعينهم ، وما هي صلاحياتهم ؟
وسادسها ، ما هي آلية النظام الإسلامي ، هل هو مجلس يعينه رئيس الحركة صاحبة الشرعية ، أو مجلس منتخبٌ من المسلمين ، وحكومة معينة منه . . الخ .
إنها مسائل مهمة وخطيرة ، لم تتفق بشأنها فئات الأمة فيما مضى ولا اليوم ، ولا تريد أن تتفق ! بل لا يريد أكثرهم البحث فيها ، لأنها تكشف عدم شرعية عمله أو حركته أو حزبه ، وهو يريد أن يتصدى للعمل ويدعي الشرعية !
اللهم إلا قلة قليلة يهتمون بالفقه والفكر ، وبتبرئة ذمتهم عند ربهم في عملهم للإسلام وبذل جهدهم ودمهم في سبيل الله تعالى ، فهؤلاء فقط يهتمون ببحث شرعية العمل الإسلامي ، ويلتزمون بنتيجتها !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 204 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

4 - أهداف المعصومين « عليهم السلام » عاليةٌ وبعيدة النظر

أما بالنسبة إلى المعصومين ، النبي « صلى الله عليه وآله » والأئمة « عليهم السلام » ، فالأمر فيهم يختلف ، لأنهم يعملون بفقه أعمق ، وحسب خريطة ربانية ، وبرنامجهم يتفق مع أحكام الشريعة كما نفهمها نحن ، لكنه أحياناً يختلف عما نفهم !
في عمل النبي « صلى الله عليه وآله » والمعصوم « عليه السلام » لا بد أن نعرف مقاصد الله تعالى وخطته لمستقبل الإسلام والبشرية ، وقد قال تعالى : أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ، فعلم الله رسوله « صلى الله عليه وآله » تكوين الأمة شبيهاً بإنشاء سفينة ، وإطلاقها في بحر شعوب العالم ومجرى التاريخ .
وقد أمره ربه أن يبلِّغ الناس أن رُبَّان هذه السفينة بعده هم أهل بيته « عليهم السلام » الذين اصطفاهم ربهم وطهرهم وأورثهم الكتاب ، لكن إن لم يقبلوا بهم فلا يجبرهم ، فليكن الربان من يكون حتى يبلغ الله أمره ، ويبعث للناس مهدي الموعود « عج الله تعالي فرجه الشريف » !
إن المعصوم « عليه السلام » يفهم وجه الحُكم بأوسع وأعمق مما نفهمه نحن ، فكيف يصح أن نحكم على عمله وهدفه بفهمنا الناقص ؟ ! مع أن عمله موجَّهٌ من ربه ، فهو من نوع عمل صاحب مشروعه عز وجل ، وهو عملٌ بلغ أقصى درجات الإعجاز والإتقان كما نرى في هذا الكون الوسيع !
فإذا كان من الغباء أن نُبَسِّط عمل الله في الطبيعة ونسَطِّح فيزياءه وقوانينه ، فمن الغباء الأكبر أن نسطح أعمال الأنبياء والأئمة « عليهم السلام » ، وهو بقوانين أعمق من قوانين الطبيعة بكثير ، وإن لم نفهما بعدُ !
مثلاً : في الثلاث عشرة سنة التي قضاها النبي « صلى الله عليه وآله » في مكة ، مرَّت عليه فُرَصٌ ذهبية ، كان بإمكانه فيها أن يقاتل المشركين ويرفع الظلم عنه وعن المؤمنين ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 205 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أو يقتل بعض الجبابرة الطغاة ! لكنه لم يفعل ، بل رفض ذلك ! فما السبب ؟
السبب أن الخطة الربانية للنبي « صلى الله عليه وآله » أعلى من فهمنا ، وأنها لا تخضع لتحميس المتحمسين ولا لتثبيط المثبطين ! وقد كشف لنا الله تعالى أولئك الذين كانوا يتحمسن للقتال في مكة فيهم ( قوم ) منافقون ! فعندما دعاهم النبي « صلى الله عليه وآله » إلى مواجهة قريش في بدر نكصوا فنزل فيهم قوله تعالى : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً ) . ( النساء : 77 ) . قال الطبري في تفسيره : 5 / 233 : ( نزلت في قوم من أصحاب رسول الله ( ص ) كانوا قد آمنوا به وصدقوه قبل أن يفرض عليهم الجهاد . . . فلما فرض عليهم القتال شقَّ عليهم ) !
وفي برهان الزركشي : 1 / 422 : ( فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً ! هذه الإشارة للفريق الذين نافقوا من القوم الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ ) .
وفي أسباب النزول لابن حجر : 2 / 918 : ( وقال مقاتل بن سليمان : نزلت في عبد الرحمن بن عوف ، وسعد بن أبي وقاص وهما من بني زهرة ، وقدامة بن مظعون ، والمقداد بن الأسود ، وذلك أنهم استأذنوا في قتال كفار مكة لما يلقون منهم من الأذى فقال : لم أؤمر بالقتال ، فلما هاجر إلى المدينة وأذن بالقتال ، كره بعضهم ذلك ) .
وفي تفسير الرازي : 10 / 184 : ( هذه الآية صفة للمؤمنين أو المنافقين ؟ فيه قولان : الأول ، أن الآية نزلت في المؤمنين ، قال الكلبي : نزلت في عبد الرحمن بن عوف والمقداد وقدامة بن مظعون وسعد بن أبي وقاص ، كانوا مع النبي ( ص )
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 206 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قبل أن يهاجروا إلى المدينة ، ويلقون من المشركين أذى شديداً فيشكون ذلك إلى رسول الله ( ص ) ويقولون : إئذن لنا في قتالهم ، ويقول لهم رسول الله ( ص ) : كفُّوا أيديكم فإني لم أؤمر بقتالهم ، واشتغلوا بإقامة دينكم من الصلاة والزكاة ، فلما هاجر رسول الله إلى المدينة وأمروا بقتالهم في وقعة بدر كرهه بعضهم ، فأنزل الله هذه الآية . . . الثاني : أن الآية نازلة في حق المنافقين ، واحتج الذاهبون إلى هذا القول بأن الآية مشتملة على أمور تدل على أنها مختصة بالمنافقين . . . والأولى حمل الآية على المنافقين ، لأنه تعالى ذكر بعد هذه الآية قوله : وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ . ( النساء : 78 ) . ولا شك أن من هذا كلام المنافقين . . . فالمعطوف في المنافقين وجب أن يكون المعطوف عليهم فيهم أيضاً ) . انتهى .
وقد روى الحاكم : 2 / 66 ، تفسيرها بابن عوف وأصحاب له ، وصححه على شرط بخاري . وكذا النسائي : 6 / 3 ، والبيهقي : 9 / 11 .
أقول : عندما فاتت المسلمين قافلة أبي سفيان التجارية ، وبلغ النبي « صلى الله عليه وآله » أن قريشاً جاءت لحربه ، استشار أصحابه هل يواصل الطريق لمواجهة قريش ؟ فأشار عدد منهم بالرجوع لأن قريشاً بزعمهم ما ذلَّت منذ عزَّت ! ولم يكن المقداد « رحمه الله » من هؤلاء ، فقد نقل بخاري قوله للنبي « صلى الله عليه وآله » : ( يا رسول الله إنا لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى : فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ، ولكن امض ونحن معك ! فكأنه سُرِّيَ عن رسول الله ) . ( بخاري : 5 / 187 ) . ومعناه أن النبي « صلى الله عليه وآله » كان غاضباً من غيره ، وهم المنافقون أهل آية : كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ !
شاهدنا من ذلك أن النبي « صلى الله عليه وآله » يعمل بخطة ربه فيأمر بكف اليد في موضعه ولا يخضع للمتحفزين ، ويأمر بالقتال في موضعه ولا يخضع للمثبطين ، وكذا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 207 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أوصياؤه الأئمة المعصومون « عليهم السلام » ، ولذلك طبق الأئمة « عليهم السلام » الآية على أصحابهم فقالوا إن أصحاب الحسن « عليه السلام » قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ ، وأصحاب الحسين « عليه السلام » كتب عليهم القتال . ( الأصول الستة عشر / 122 ، والكافي : 8 / 330 ) وطبقها الإمام الصادق « عليه السلام » على الشيعة في عصره . ( الكافي : 8 / 289 ) .
وقد تقدم جواب الإمام زين العابدين « عليه السلام » لمن أشكلوا عليه كيف أغْنَى شخصاً عندما أرشده فاشترى سمكتين في جوفهما لولؤتان ، ولم يُغْن نفسه ؟ ! فقال « عليه السلام » : ( جهلوا والله أمر الله وأمر أوليائه معه ، إن المراتب الرفيعة لا تنال إلا بالتسليم لله جل ثناؤه وترك الاقتراح عليه والرضا بما يدبرهم به ، إن أولياء الله صبروا على المحن والمكاره صبراً لمَّا يساوهم فيه غيرهم ، فجازاهم الله عز وجل عن ذلك بأن أوجب لهم نجح جميع طلباتهم ، لكنهم مع ذلك لا يريدون منه إلا ما يريده لهم ) . ( أمالي الصدوق / 539 ) .
لاحظ قوله « عليه السلام » : ( لا يريدون منه إلا ما يريده لهم ) الذي يدل على أن الله عز وجل يبلغهم ما يدبرهم به وما يريده منهم « عليهم السلام » ! وقد أراد الله تعالى منه « عليه السلام » أن يغني ذلك المؤمن ففعل ، ولم يُرد منه أن يغني نفسه فلم يفعل ! وكذلك لم يرد منه أن يقوم بثورة على بني أمية ، ولا أن يدير دولة الثائرين المطالبين بثأر الحسين « عليه السلام » ، فلم يفعل !
أما كيف يبلِّغُ اللهُ الإمام المعصومَ « عليه السلام » ما يدبره به ويريده منه ، فما أوسع الطرق عليه تعالى ، وَلله جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً .
ومثال آخر : يرى بعضهم أن الإمام الحسن « عليه السلام » بصلحه مع معاوية وتنازله عن السلطة ، خضع لبني أمية ، وأذلَّ المؤمنين وعرَّضهم للإبادة !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 208 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بينما صرَّح « عليه السلام » أنه بقبوله الصلح أبقى على الشيعة كطائفة في الأمة وأنقذهم من إبادة محققة ! ( قال ثقيف البكَّاء : رأيت الحسن بن علي « عليه السلام » عند منصرفه من معاوية وقد دخل عليه حجر بن عدي فقال : السلام عليك يا مذلَّ المؤمنين . فقال له : ما كنت مذلهم ، بل أنا معزُّ المؤمنين ، وإنما أردت البقيا عليهم . ثم ضرب برجله في فسطاطه فأرانا في ظهر الكوفة وقد خرج إلى دمشق ، ومضى حتى رأينا عمرو بن العاص بمصر ومعاوية بدمشق ، فقال : لو شئت لنزعتهما ولكن هاه هاه ! مضى محمد « صلى الله عليه وآله » على منهاج وعلي « صلى الله عليه وآله » على منهاج ، وأنا أخالفهما ! لا يكون ذلك مني ) . ( الدر النظيم لابن أبي حاتم العاملي / 502 .
وفي ذخائر العقبى / 139 : لم أذل المؤمنين ولكن كرهت أن أقتلهم في طلب الملك .
وفي البحار : 75 / 287 : ما أنا بمذل المؤمنين ولكني معز المؤمنين ، إني لما رأيتكم ليس بكم عليهم قوة سلمت الأمر لأبقى أنا وأنتم بين أظهرهم كما عاب العالم السفينة لتبقى لأصحابها .
وفي الأخبار الطوال / 221 : لست مذل المؤمنين ، ولكني معزهم ، ما أردت بمصالحتي معاوية إلا أن أدفع عنكم القتل عند ما رأيت من تباطؤ أصحابي عن الحرب ونكولهم عن القتال .
وفي مستدرك الحاكم : 3 / 175 : لم أذل المؤمنين ولكني كرهت أن اقتلهم في طلب الملك . ومصنف ابن أبي شيبة : 8 / 631 ، والاستيعاب : 1 / 387 ، ونحوه تاريخ بغداد : 10 / 305 .
وفي : رجال الكشي : 1 / 327 : قال : ( سمعت أبي يقول قال رسول الله « صلى الله عليه وآله » لن تذهب الأيام والليالي حتى يلي أمر هذه الأمة رجل واسع البلعوم رحب الصدر يأكل ولا يشبع وهو معاوية فلذلك فعلت ) . انتهى .
فالإمام الحسن كأبيه وأخيه وابن أخيه زين العابدين « عليهم السلام » ، يستطيعون بطريق
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 209 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
المعجزة أن يقضوا على خصومهم ، لكن منهاجهم جميعاً أنهم : ( لا يريدون منه عز وجل إلا ما يريده لهم ) وقد أراد الله من الإمام الحسن « عليه السلام » أن يري هؤلاء المعترضين نموذج قدرته على المعجزة فقط ، ولم يرد منه أن يستعملها ، وقد أراد منه عندما كان طفلاً أن يدعو الطير فتجيبه وأمر الطير أن تظلله ! قال أبو سعيد الخدري « رحمه الله » : ( رأيت الحسن بن علي « عليه السلام » وهو طفل والطير تظلله ، ورأيته يدعو الطير فتجيبه ) . ( دلائل الإمامة للطبري الشيعي / 166 ، ونوادر المعجزات / 100 ، والدر النظيم / 502 ) .
( (
ومثال آخر : أن الإمام الصادق « عليه السلام » صرَّح بأنه من أجل الإبقاء على الشيعة كطائفة في مجرى حياة الأمة ، تعمد أن يوقع الاختلاف بينهم ليكونوا فئتين فلا يشملهم غضب السلطة وخطر الإبادة ! قال في جواهر الكلام : 7 / 63 : ( ويومي إليه قوله « عليه السلام » : أنا أوقعت الاختلاف بينكم كي لا تُعرفوا فتؤخذوا ) . والفوائد الحائرية / 356 .
كما وجه « عليه السلام » الشيعة في بعض المناطق أن يصلُّوا الظهر والعصر في وقتين مختلفين عمداً ، ليكون بينهم اختلاف ، فلا يكشفهم أعداؤهم فيأخذوهم !
ففي الكافي : 3 / 276 : ( سأله إنسانٌ وأنا حاضر فقال : ربما دخلتُ المسجد وبعض أصحابنا يصلون العصر وبعضهم يصلون الظهر ! فقال : أنا أمرتهم بهذا ! لو صلوا على وقت واحد عرفوا فأخذ برقابهم ) . والاستبصار : 1 / 257 ، والوسائل : 4 / 137 ) .
( (
إن ما تقدم هو ما يمكن للنبي « صلى الله عليه وآله » والإمام « عليه السلام » قوله للناس لرفع مستوى وعيهم لكنهم كما نصَّت أحاديث صحيحة لا يستطيعون أن يقولوا لهم كل شئ !
قال الإمام الرضا « عليه السلام » : ( لا يقدر العالم أن يخبر بما يعلم فإنه سر الله أسره إلى جبرئيل ، وأسره جبرئيل إلى محمد « صلى الله عليه وآله » وأسره محمد « صلى الله عليه وآله » إلى من شاء الله ) . ( بصائر الدرجات / 398 ) . وفي الكافي : 1 / 256 ، سأله رجل : أتعلمون الغيب ؟ فقال : قال أبو
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 210 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
جعفر « عليه السلام » : يُبْسَطُ لنا العلم فنعلم ويقبض عنا فلا نعلم ، وقال : سرُّ الله عز وجل أسرَّه إلى جبرئيل « عليه السلام » وأسره جبرئيل إلى محمد « صلى الله عليه وآله » وأسره محمد « صلى الله عليه وآله » إلى من شاء الله ) . ونحوه في تحف العقول / 310 .
فواجبنا أن نتلقى منهم « عليهم السلام » لا أن نفرض عليهم تحفزنا وتخوفنا ومعادلاتنا ! أو نؤرخ لهم كأنهم مثلنا أصحاب حزب ، هدفهم الوصول إلى الحكم !
إنهم مشروع رباني ومنظومةٌ يديرها الحكيم الخبير عز وجل ، بعلمه وحكمته المطلقين ! والجانب الذاتي فيهم موجودٌ ، لكن الأمور التي يسمح المعصوم لنفسه أن يجتهد فيها جزءٌ قليلٌ من مساحة عمله الواسع الكبير !
ألم يقل النبي « صلى الله عليه وآله » لعلي « عليه السلام » : ( ولا رأيَ في الدين ، إنما هو أمرٌ من الربِّ ونهي ) . ( الإحتجاج : 1 / 290 ) ، وهذا بعدٌ لقاعدة : لا يقاس بمحمد وآل محمد أحد !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 211 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

5 - هل أجاز الإمام الصادق « عليه السلام » ثورة زيد « رحمه الله »

أجمع علماؤنا على مدح زيد بن علي « رحمه الله » . قال المفيد « قدس سره » في الإرشاد : 2 / 171 : ( وكان زيد بن علي بن الحسين عين إخوته بعد أبي جعفر « عليه السلام » وأفضلهم ، وكان عابداً ورعاً فقيهاً سخياً شجاعاً ، وظهر بالسيف يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، ويطلب بثارات الحسين « عليه السلام » ) .
وأورد السيد الخوئي « قدس سره » في معجم رجال الحديث : 8 / 360 ، روايات مدحه ، وقال : ( وإن استفاضة الروايات أغنتنا عن النظر في إسنادها . . ثم قال : ( بقي الكلام في الروايات التي تدل على عدم رضا الصادق « عليه السلام » بخروج زيد ، أو على منقصة فيه وهي ما يلي . . . ) ثم أورد تسع روايات ، وردَّها سنداً ، أو دلالةً .
والمسألة المهمة هنا : هل أجاز الإمام الصادق « عليه السلام » لعمه زيد أن يثور على بني أمية ، أم تصرَّف زيد من عند نفسه ، وتضامن معه الإمام « عليه السلام » ومدحه وترحم عليه لأنه اجتهد وخرج على حاكم جائر ، ولم يدعُ إلى نفسه ، ولو ظَفَرَ لوَفَى وسَلَّمَ الأمر إلى أهله ، على حد تعبير الإمام الصادق « عليه السلام » ؟ !
وقد رُويت روايات عديدة عن الإمام زين العابدين « عليه السلام » أنه أعدَّ ولده زيداً « رحمه الله » للثورة ، وكذلك عن الإمام الباقر « عليه السلام » والصادق « صلى الله عليه وآله » ، لكن لا يوجد في مصادرنا رواية صحيحة صريحة في إجازتهم لزيد « رحمه الله » ، وغاية ما يمكن الإستدلال به رواية عيون أخبار الرضا « عليه السلام » : 2 / 225 : ( عن أبي عبدون قال : لما حمل زيد بن موسى بن جعفر إلى المأمون ، وقد كان خرج بالبصرة وأحرق دور ولد العباس ، وهب المأمون جرمه لأخيه علي بن موسى الرضا « عليه السلام » وقال له : يا أبا الحسن لئن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 212 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
خرج أخوك وفعل ما فعل ، لقد خرج قبله زيد بن علي فقُتل ، ولولا مكانك مني لقتلته ، فليس ما أتاه بصغير ! فقال الرضا « عليه السلام » : يا أمير المؤمنين لا تقس أخي زيداً إلى زيد بن علي ، فإنه كان من علماء آل محمد ، غضب لله عز وجل فجاهد أعداءه حتى قتل في سبيله ، ولقد حدثني أبي موسى بن جعفر « صلى الله عليه وآله » أنه سمع أباه جعفر بن محمد بن علي « عليهم السلام » يقول : رحم الله عمي زيداً إنه دعا إلى الرضا من آل محمد ولو ظفر لوفَى بما دعا إليه ، ولقد استشارني في خروجه فقلت له : يا عم إن رضيت أن تكون المقتول المصلوب بالكناسة فشأنك ! فلما ولَّى قال جعفر بن محمد « عليه السلام » : ويلٌ لمن سمع واعيته فلم يجبه ! فقال المأمون : يا أبا الحسن أليس قد جاء فيمن ادعى الإمامة بغير حقها ما جاء ؟ فقال الرضا « عليه السلام » : إن زيد بن علي لم يدَّع ما ليس له بحق ، وإنه كان أتقى لله من ذلك ! إنه قال : أدعوكم إلى الرضا من آل محمد « عليهم السلام » ، وإنما جاء ما جاء فيمن يدعى أن الله تعالى نص عليه ثم يدعو إلى غير دين الله ، ويضل عن سبيله بغير علم . وكان زيد والله ممن خوطب بهذه الآية : وَجَاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ ) . انتهى .
فقول الإمام الصادق « عليه السلام » : ( ولقد استشارني في خروجه فقلت له : يا عم إن رضيت أن تكون المقتول المصلوب بالكناسة فشأنك ! فلما ولى قال جعفر بن محمد « عليه السلام » : ويل لمن سمع واعيته فلم يجبه ) . يدل على أن الإمام « عليه السلام » أجازه لكنه أخبره بأن ثورته ستفشل ويقتل ويصلب ، وقد رضي زيد « رحمه الله » بهذه التضحية .
بل يدل قوله « عليه السلام » : ( ويل لمن سمع واعيته فلم يجبه ) على وجوب نصرته على من سمع بخروجه ، أو كان قريباً من الكوفة وأمكنه نصره !
ويؤكد ذلك قول الإمام الرضا « عليه السلام » : ( وكان زيد والله ممن خوطب بهذه الآية :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 213 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وَجَاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ ) ، فقد طبق الإمام « عليه السلام » الجهاد على خروج زيد « رحمه الله » ، وهو يدل على وجوبه عليه وهو أكثر من الإجازة .
لكن في الرواية مناقشة في دلالتها وسندها ، كما أن غيرها مما يصلح للاستدلال لا يخلو من مناقشة في سنده أو دلالته .
وظاهر كلام السيد الخوئي « قدس سره » المتقدم أنه استفاد من الروايات أن الإمام الصادق « عليه السلام » قد أجازه زيداً « رحمه الله » بالخروج ، لكن الشهيد الأول « قدس سره » صرح به فقال في القواعد والفوائد : 2 / 205 : ( لو أدى الإنكار إلى قتل المنكر حرم ارتكابه لما سلف . وجوَّزه كثير من العامة لقوله تعالى : وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ مدحهم بأنهم قتلوا بسبب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . وهذا مسلَّمٌ إذا كان على وجه الجهاد . قالوا : قتل يحيى بن زكريا « صلى الله عليه وآله » لنهيه عن تزويج الربيبة . قلنا : وظيفة الأنبياء غير وظائفنا . قالوا : قال رسول الله « صلى الله عليه وآله » أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر ، وفي هذا تعريض لنفسه بالقتل ولم يفرق بين الكلمات أهي نص في الأصول أو الفروع ، من الكبائر أو الصغائر . قلنا : محمول على الإمام أو نائبه أو بإذنه ، أو على من لا يظن القتل . قالوا : خرج مع ابن الأشعث جمع عظيم من التابعين في قتال الحجاج لإزالة ظلمه وظلم الخليفة ( ابن ) عبد الملك ، ولم ينكر ذلك عليهم أحد من العلماء . قلنا : لم يكونوا كل الأمة ولا علمنا أنهم ظنوا القتل ، بل جوزوا التأثير ورفع المنكر ، أو جاز أن يكون خروجهم بإذن إمام واجب الطاعة ، كخروج زيد بن علي ، وغيره من بني علي « عليهم السلام » ) . ونضد القواعد للمقداد السيوري / 268 .
وهذا نصٌّ في أن الأئمة « عليهم السلام » أجازوا ثورة زيد وغيره ، والظاهر أنه يقصد بغيره الحسين صاحب فخ « رحمه الله » ، وهو الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن « عليه السلام » ، وقد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 214 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثار على موسى بن المهدي العباسي ، وورد فيه مدح عن الأئمة « عليهم السلام » .
أقول : الأصل في المسألة عند الشك في إجازة المعصوم بعمل ، هو العدم فلا يجوز نسبته إليه حتى يثبت ، يضاف إليه أنه ثبت بالأحاديث الصحيحة أن الخط العام العملي للأئمة « عليه السلام » هو عدم الإجازة . كما تدل عليه صححية العيص بن القاسم الشمهورة في رسالة الإمام الصادق « عليه السلام » لشيعته ونصها :
( عليكم بتقوى الله وحده لاشريك له ، وانظروا لأنفسكم ، فوالله إن الرجل ليكون له الغنم فيها الراعي فإذا وجد رجلاً هو أعلم بغنمه من الذي هو فيها يخرجه ويجيئ بذلك الرجل الذي هو أعلم بغنمه من الذي كان فيها !
والله لو كانت لأحدكم نفسان يقاتل بواحدة يجرب بها ، ثم كانت الأخرى باقية ، فعمل على ما قد استبان لها ! ولكن له نفس واحدة إذا ذهبت فقد والله ذهبت التوبة ! فأنتم أحق أن تختاروا لأنفسكم !
إن أتاكم آت منا فانظروا على أي شئ تخرجون ولا تقولوا خرج زيد ، فإن زيداً كان عالماً وكان صدوقاً ولم يَدْعُكُمْ إلى نفسه إنما دعاكم إلى الرضا من آل محمد « عليهم السلام » ، ولو ظهر لوفى بما دعاكم إليه . إنما خرج إلى سلطان مجتمع لينقضه ! فالخارج منا اليوم إلى أي شئ يدعوكم ؟ إلى الرضا من آل محمد ؟ فنحن نشهدكم أنا لسنا نرضى به ! وهو يعصينا اليوم وليس معه أحد وهو إذا كانت الرايات والألوية أجدر أن لا يسمع منا . إلا مع من اجتمعت بنو فاطمة معه فوالله ما صاحبكم إلا من اجتمعوا عليه ! إذا كان رجب فأقبلوا على اسم الله عز وجل ، وإن أحببتم أن تتأخروا إلى شعبان فلا ضير ، وإن أحببتم أن تصوموا في أهاليكم فلعل ذلك أن يكون أقوى لكم ، وكفاكم بالسفياني علامة ) . ( الكافي : 8 / 263 ) .
وقد كنت أميل الى قول الشهيد الأول « قدس سره » وظاهر قول السيد الخوئي « قدس سره » في
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 215 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
دلالة تلك الروايات على إجازة الإمام الصادق « عليه السلام » لزيد « رحمه الله » ، لكني وجدتها قابلة للنقاش في دلالتها وصلاحيتها لرفع اليد عن الأصل ونسبة ذلك إلى الإمام « عليه السلام » .
وأياً كان ، فعلى تقدير إجازة الأئمة « عليهم السلام » لثورة زيد « رحمه الله » وثورة الحسين بن علي صاحب فخ « رحمه الله » فقد كانت إجازة محدودة لتحقيق هدف عبَّرَ عنه الإمام الصادق « عليه السلام » بقوله : ( إنما خرج إلى سلطان مجتمع لينقضه ) أي ليفتح باب الثورة على الأمويين بعد أن شددوا قبضتهم على الأمة ، فلم تشهد البلاد ثورة من بعد ثورة المختار قبل أكثر من خمسين سنة ! فزيد « رحمه الله » فاتح الباب لكل الثورات التي جاءت بعده ومنها ثورة العباسيين التي نجحت بعد ثورته ببضع عشرة سنة .
وبذلك انفتح الباب لشباب الشيعة المتحفزين للثورة ، وكانوا شريحة واسعة يصعب عليهم أن يصبروا ويحبسوا أنفسهم على برنامج المعصوم « عليه السلام » !
وقد وجد هؤلاء في أولاد زيد « رحمه الله » منفذاً للثورة ، ونشأت بهم الحركة الزيدية والمذهب الزيدي ، الذي تبنى في فقهه أن من شروط الإمام أن يقوم بالسيف ويثور على الظالمين ويعمل لتسلم السلطة .
وعلى القول بإجاز ثورة زيد « رحمه الله » يكون ذلك استثناءً من خط الأئمة « عليهم السلام » العام ، لغرض تحقيق أهداف في تلك المرحلة التأسيسية من حياة الأمة . فقد جاءت ثورة زيد « رحمه الله » في سنة 120 هجرية ، بعد أمجاد أبيه زين العابدين وأخيه الباقر « صلى الله عليه وآله » ، وفي إمامة عمه الإمام الصادق « عليه السلام » . وبعد أن سيطر عبد الملك بن مروان على الدولة الإسلامية ، وانتصر على ثورة التوابين والمختار في العراق ، وعلى ابن الزبير في العراق والحجاز ، وَوَرَّثَ الدولة لأولاده ، فأعادوا بسط الظلم الأموي بأشد من زمن معاوية ، وبدأت بوادر حركات الحسنيين والعباسيين . . في مثل هذا الجو أجاز الأئمة « عليهم السلام » لزيد أن يثور ، ثم لم يجيزوا لأحد من بعده إلا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 216 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
للحسين صاحب فخ « رحمه الله » إن صح ذلك ! بل كانوا يشددون على المتحفزين من شباب الشيعة أن لا يكونوا حمقى ، وينهونهم أن ينضموا إلى الأحزاب السياسية التي تعمل بحجة الخروج على الحاكم الجائر .
هذا ، ولا يتسع المجال لبسط القول في هذه المسألة الفقهية التاريخية .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 217 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل السابع : الإمام « عليه السلام » يواجه خطط التحريف الأموي

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 218 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 219 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

1 - حيوية يحيى « عليه السلام » وحيوية أهل البيت « عليهم السلام »

يتضمن هذا الفصل نوعين من نشاط الإمام « عليه السلام » : مواجهته للتحريف الأموي للإسلام ، وبناؤه الإسلام الصحيح . وتتعجب وأنت تقرأ سيرته « عليه السلام » كيف جمع بين هذه الأنشطة الكثيرة ، وهو العابد المتأله ، المستغرق مع ربه ؟ !
لقد وهب الله لنبيه زكريا ولده ( يحيا ) « صلى الله عليه وآله » وقال له : يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيّاً ، أي أكثر الناس حيوية إلى زمانه ، فكان حيوي العقل والشعور في إيمانه ومعايشته لربه وخشيته منه ، وكان يُغشى عليه إذا سمع أباه يذكِّر الناس ويخوِّفهم بالعذاب والنار .
أما زين العابدين وأئمة العترة الطاهرة « عليه السلام » فحيويتهم أرقى من حيوية يحيى وأشمل ، فإن قوله تعالى ( لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيّاً ) يدل على أنه لم يوجد قبله بهذه الحيوية لكنه سيكون بعده ! وليس هؤلاء الموعودين بعده إلا محمداً وآله « صلى الله عليه وآله » ! وقد أقسم جابر بن عبد الله الأنصاري « رحمه الله » فقال : ( والله لذرية علي بن الحسين أفضل من ذرية يوسف بن يعقوب ! إن منه لمن يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً ) . ( مناقب آل أبي طالب : 3 / 289 ) .
ثم ، قال تعالى عن نبيه داود « عليه السلام » : ( وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلاً يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ ) . ( سبأ : 10 ) فكان داود يقرأ أدعية الزبور وأذكاره ، فتردد معه الجبال والطيور . وقد شهد الزهري وابن المسيب وغيرهما فقالوا : ( كان القُرَّاء لا يخرجون إلى مكة حتى يخرج علي بن الحسين سيد العابدين ، فخرج وخرجتُ معه فنزل في بعض المنازل فصلى ركعتين فسبح في سجوده ، فلم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 220 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يبق شَجَرٌ ولا مَدَرٌ إلا سبحوا معه ففزعنا ! فرفع رأسه فقال : يا سعيد أفزعت ؟ قلت : نعم يا ابن رسول الله ، فقال : هذا التسبيح الأعظم ، حدثني أبي عن جدي عن رسول الله « صلى الله عليه وآله » أنه قال : لا يبقى الذنوب مع هذا التسبيح ، فقلت : علمنا ) . ( رجال الكشي : 1 / 333 ) . وقد علَّمَهم إياه الإمام « عليه السلام » وهو : ( سبحانك اللهم وحنانيك ، سبحانك اللهم وتعاليت ، سبحانك اللهم والعز إزارك ، سبحانك اللهم والعظمة رداؤك ، سبحانك اللهم والكبرياء سلطانك ، سبحانك من عظيم ما أعظمك ، سبحانك سبحت في الملأ الأعلى ، سبحانك تسمع وترى ما تحت الثرى ، سبحانك أنت شاهد كل نجوى ، سبحانك موضع كل شكوى . . . الخ . ) .
لقد علمهم الإمام « عليه السلام » هذا الدعاء وعلموه للناس ، لكن أنَّى لهم بقلب تنطلق منه هذه التسبيحات كقلبه « عليه السلام » ؟ فإن الجبال والشجر والمدر إنما تتجاوب مع القلوب لا الألفاظ ! راجع : روضة الواعظين / 290 ، والثاقب في المناقب / 165 ، ومناقب آل أبي طالب : 3 / 279 ، والصراط المستقيم : 3 / 246 ، ومعجم رجال الحديث : 9 / 142 ، والصحيفة السجادية جمع الأبطحي / 23 .
( (
حاولت أن أتعرف على البرنامج اليومي للإمام زين العابدين « عليه السلام » لأعرف كيف استطاع أن يغطي بنشاطه كل تلك الجوانب ، فوجدت أن نومه كان هجوعاً ، فقد كان ينام مبكراً في غير شهر رمضان : ( كان ينام وعنده الميضأة فإذا هدأت العيون قام ، فيسمع له دويٌّ كدوي النحل ) . ( أمالي الشجري / 289 ) .
وكان قبل أن ينام يحمل ما تيسر له من دراهم ومواد طعام إلى بيوت الفقراء ويقول : إن الصدقة في سواد الليل تطفئ غضب الرب ) . ( ثواب الأعمال / 143 ، تاريخ دمشق : 41 / 383 ، وتهذيب الكمال : 20 / 392 ) .
( وكان يقضي ما فاته من صلاة النهار بالليل . . . لا يدع صلاة الليل في الحضر والسفر ) . ( صفة الصفوة : 2 / 95 ، والمنتظم : 6 / 4 ، والخلاف : 1 / 524 ، والوسائل : 4 / 276 )
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 221 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
( كان إذا صلى من الليل دعا فقال : إلهي غارت نجوم سماواتك ، ونامت عيون خلقك ، وهدأت أصوات عبادك ) . ( دعائم الإسلام : 1 / 212 ) .
( كان أبي يصلي الليل حتى يزحف إلى فراشه ) . ( كشف الغمة : 2 / 304 ) .
( كان ينتبه للسحر ويقوم في الليلة مراراً ) . ( أمالي الشجري / 289 ) .
( كان أبي يصلي من الليل ، فإذا أصبح خفق خفقة ، ثم يدعو بالسواك ، ثم يتوضأ ، ثم يدعو بالغداء فيصيب منه قبل أن يخرج ) . أمالي الشجري / 224 ) .
ولا ينام بين الطلوعين : ( روي عنه « عليه السلام » أنه كان يقول : إن بين الليل والنهار روضة يرتعي في رياضها الأبرار ، ويتنعم في حدائقها المتقون ) . ( الدر النظيم / 586 ) .
وقال المختار لمبعوثه : ( إنه يصلي من الليل ، وإذا أصبح وصلى صلاة الغداة هجع ، ثم يقوم فيستاك ويؤتى بغدائه . فإذا أتيت بابه فاسأل عنه فإذا قيل لك إن المائدة بين يديه فاستأذن عليه ، وضع الرأسين على مائدته وقل له : المختار يقرأ عليك السلام ويقول لك : يا ابن رسول الله قد بلغك الله ثأرك ، ففعل الرسول ذلك ، فلما رأى زين العابدين الرأسين على مائدته خر ساجداً وقال : الحمد لله الذي أجاب دعوتي وبلغني ثأري من قتلة أبي ، ودعا للمختار وجزَّاه خيراً ) . مناقب آل أبي طالب : 3 / 285
أما في شهر رمضان فكان الإمام « عليه السلام » ( يصلي عامة الليل في شهر رمضان ، فإذا كان السحر دعا بهذا الدعاء . . إلهي لا تؤدبني بعقوبتك . . ) . ( مصباح المتهجد / 582 ) .
( ليلة سبع وعشرين من شهر رمضان يقول من أول الليل إلى آخره : اللهم ارزقني التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود ، والاستعداد للموت قبل حلول الفوت ) . ( إقبال الأعمال : 1 / 402 ) .
وكان في مكة يحيي ليله بالعبادة : ( رأيت علي بن الحسين في فناء الكعبة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 222 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
في الليل وهو يصلي فأطال القيام حتى جعل يتوكأ مرة على رجله اليمنى ومرة أخرى على رجله اليسرى ) . ( الحدائق : 8 / 63 ) .
وكان يجمع أولاده وخدمه ليلة النصف من شعبان : ( يجمعنا جميعاً ليلة النصف من شعبان ، ثم يجزئ الليل أجزاء ثلاثاً فيصلي بنا جزء ، ثم يدعو ونؤمن على دعائه ، ثم يستغفر الله ونستغفره ونسأله ) . ( مصباح المتهجد / 853 ) .
ويروي حديث جده « صلى الله عليه وآله » : ( من أراد شيئاً من قيام الليل فأخذه مضجعه فليقل : اللهم لا تؤمني مكرك ولا تنسني ذكرك ولا تجعلني من الغافلين ، أقومُ إن شاء الله ساعة كذا وكذا ، وكَّل الله عز وجل به ملكاً ينبهه تلك الساعة ) . ( الجعفريات / 15 ) .
ومن برنامجه « عليه السلام » المداومة على زيارة قبر جده ويدعو عنده ( الكافي : 4 / 551 ) . ويجلس في المسجد ، فهو مزاره ومعبده ومنبره ، فقد كان يحدث فيه ، ويخطب ويعظ الناس كل يوم جمعة ، فعن سعيد بن المسيب قال : ( كان علي بن الحسين يعظ الناس ويزهدهم في الدنيا ويرغبهم في أعمال الآخرة بهذا الكلام في كل جمعة في مسجد رسول الله « صلى الله عليه وآله » ، وحفظ عنه وكتب . . . ) . ( الكافي : 8 / 72 ، وأمالي الصدوق / 593 ) .
وربما كان يصلي الجمعة مع الحاكم لكنه لا يأتم به : ( كان يشهد الجمعة مع أئمة الجور ولا يَعْتَدُّ بها ، ويصلي الظهر لنفسه ) . ( دعائم الإسلام : 1 / 182 ) .
وكان يشهد الجنائز ، ويزور البقيع ، وشهداء أحد ، ويذهب كل سنة إلى الحج ، ويذهب إلى زيارة قبر جده أمير المؤمنين « عليه السلام » في النجف ، وقبر أبيه الحسين « عليه السلام » في كربلاء ، ويزور مسجد الكوفة ويصلي فيه . وأحياناً يذهب إلى ينبع وغيرها . . ومع هذا البرنامج كله ، كان الإمام « عليه السلام » يقوم بنشاطه الواسع ، في مراقبة وضع السلطة ووضع الأمة الفكري والاجتماعي ، وعمل ما يجب تجاهه !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 223 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

2 - من مواجهات الإمام « عليه السلام » للتحريف الأموي

كان المشروع الأموي يهدد وجود الإسلام كدين ، لأنه يتبنى في عمقه مادية يهودية ، كما يتبنى سياسة إبادة أهل البيت النبوي « عليهم السلام » وشيعتهم !
لهذا كان للإمام « عليهم السلام » هدفان : أولهما ، تثبيت الإسلام وترسيخه كدين في نفوس المسلمين وشعوب البلاد المفتوحة ، فكانت حياته « عليه السلام » كلها ثورة فكرية وروحية على الفكر المادي الجاهلي ، وعلى روحية الطاغوت الأموي !
كان هدفه « عليه السلام » أن يُثَبِّتُ أصول الإسلام وعقائده بالله تعالى وعلمه وقدرته وعدله المطلق ، وبقية أسمائه وصفاته الحسنى ، وبنبوة نبينا « صلى الله عليه وآله » ومقامه عند ربه ، والاعتقاد بالآخرة ، وجزائها وعدلها ونعيمها ، إلى أركان الإسلام العملية من الصلاة والصيام والحج والزكاة . . فجميع ذلك كان في معرض الضعف بموجة التحريف الأموي وتأثير الثقافة اليهودية !
والهدف الثاني ، نشر ظلامة أبيه الحسين وأهل البيت « عليهم السلام » وربط الأمة بهم ، ومقاومة خطة معاوية في تربية أجيال الأمة على لعن علي بن أبي طالب « عليه السلام » وتصويره أنه قتَّال العرب ، وسفاك دماء صناديد قريش ، وأن النبي « صلى الله عليه وآله » كان يكرهه لأنه كان ضده ! وأنه قد عصى النبي « صلى الله عليه وآله » وكفر به ، فيجب فصله عن النبي « صلى الله عليه وآله » ولعنه على المنابر ، هو وأبناؤه حتى لا يطمع أحد منهم في الحكم !
وفي نفس الوقت طمأنَ الإمام « عليه السلام » الأمويين بأنه لا يريد الثورة عليهم ، فكان يفصل حسابه عن الثائرين عليهم ، لكنه لم يقف ضد من خرج على الدولة طلباً بثأر الإمام الحسين « عليه السلام » ، وبسبب ذلك كان الخليفة الأموي متحيراً فيه ، فلا هو ثائر يعطي على نفسه الحجة لقتله ، ولا هو مطيع للسلطة كعلماء البلاط !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 224 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد تقدم أن الحجاج كتب إلى عبد الملك بن مروان : ( إن أردت أن يثبت ملكك فاقتل علي بن الحسين ) ! لأنه يراه المرجع الروحي لكل تحركات الهاشميين والشيعة ضد بني أمية ، ومنها حركة التوابين والمختار ، وأنه ما دام حياً فستنشأ حركات بشعار ثارات الحسين « عليه السلام » بتبريكه مع سلب مسؤوليته عنها !
ويدل جواب عبد الملك : ( جنبني دماء آل أبي طالب فإني رأيت بني حرب لما قتلوا الحسين نزع الله ملكهم ) . ( محاسن البيهقي / 39 ) على أنه يوافق الحجاج على رأيه ، لكنه قرر أن لا يقتله خوفاً على ملكه !
وقد استفاد الإمام زين العابدين « عليه السلام » من هذا الهامش ، فنشط في نشر سلوك التأله والتعبد وتعميقه في المسلمين ، كما نشط في مواجهة خطط السلطة ضد علي وأهل البيت « عليهم السلام » ، وتوعية الأمة على مكانتهم في الإسلام . ومع ذلك استعمل الديبلوماسية مع النظام الأموي .
ومفردات الواحد من هذه الخطوط كثيرة في سيرته « عليه السلام » ، ونكتفي منها بنقاط :
1 - ارتاع لما سمع قوماً يشبهون الله بخلقه :
فالرواية التالية تدل على أن التجسيم والتشبيه الأموي انتشر في عقائد المسلمين ودخل في بحثهم في المسجد النبوي ! وقد يكون الإمام « عليه السلام » تعمد أن يجلس في حلقة أحد علماء السلطة فسمعه يتكلم بالتشبيه والتجسيم ، فانتفض ونهض إلى قبر النبي « صلى الله عليه وآله » وخاطب ربه منزهاً معلماً المسلمين عقيدتهم الصافية !
قال المفيد « رحمه الله » في الإرشاد : 2 / 152 : ( كان في مسجد رسول الله « صلى الله عليه وآله » ذات يوم إذ سمع قوماً يشبهون الله تعالى بخلقه ففزع لذلك وارتاع له ، ونهض حتى أتى قبر رسول الله « صلى الله عليه وآله » فوقف عنده ورفع صوته يناجي ربه ، فقال في مناجاته له :
إلهي بدت قدرتك ولم تبد هيئةً فجهلوك ، وقدروك بالتقدير على غير ما به
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 225 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أنت فشبهوك ، وأنا برئ يا إلهي من الذين بالتشبيه طلبوك ، ليس كمثلك شئ إلهي ولم يدركوك ، وظاهر ما بهم من نعمة دليلهم عليك لو عرفوك ، وفي خلقك يا إلهي مندوحة أن يناولوك ، بل ساووك بخلقك فمن ثم لم يعرفوك ، واتخذوا بعض آياتك رباً فبذلك وصفوك ، فتعاليت يا إلهي عما به نعتوك ) . انتهى .
والظاهر أن الراوي لم يحفظ جيداً ما قاله الإمام « عليه السلام » فنقل ما حفظه ، لكن أهم ما في الحديث قوله إن الإمام « عليه السلام » فزع لما سمعه ارتاع ونهض ولم يدخل في بحث مع هؤلاء المجسمة من أتباع السلطة ، بل ذهب إلى قبر رسول الله « صلى الله عليه وآله » يشكو إليه والى الله تعالى هذا الباطل ، ويبرأ إليهما منه ! وهي حركة ابتكارية تُبعد الإمام « عليه السلام » عن المواجهة المباشرة مع علماء السلطة ، وتؤثر في المسلمين لما فيها من استنكار للباطل ، وبيان العقيدة الصحيحة .
2 - وقف « عليه السلام » في وجه أحاديث رؤية الله تعالى التي نشرها كعب :
قال أبو حمزة الثمالي : ( سألت زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب « عليهم السلام » عن الله جل جلاله : هل يوصف بمكان ؟ فقال : تعالى الله عن ذلك ! قلت : فلمَ أسرى بنبيه محمد « صلى الله عليه وآله » إلى السماء ؟ قال : ليريه ملكوت السماوات وما فيها من عجائب صنعه وبدائع خلقه . قلت : فقول الله عز وجل : ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى ، فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى ؟ قال : ذلك رسول الله « صلى الله عليه وآله » دنا من حجب النور فرأى ملكوت السماوات ، ثم تدلى فنظر من تحته إلى ملكوت الأرض حتى ظن أنه في القرب من الأرض كقاب قوسين أو أدنى ) . ( أمالي الصدوق / 213 ، وعلل الشرائع : 1 / 131 ) .
3 - واجه بدعة المجسمة بأن القرآن جزءٌ من ذات الله تعالى !
روى أبو نعيم في الحلية : 3 / 188 : ( عن عبد الله بن محمد بن علي قال : سأل علي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 226 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بن الحسين عن القرآن فقال : ليس بخالق ولا مخلوق ، وهو كلام الخالق عز وجل ) . انتهى . ورويَ هذا المعنى عن أمير المؤمنين وعن عدد من الأئمة « عليهم السلام » .
لكن علماء التشبيه والتجسيم الأموي المروجين لقدم القرآن ، حاولوا تحريف كلامهم « عليهم السلام » أو جعله يؤيد مذهب السلطة ! ولعل أول هؤلاء الزهري ، حيث روى الحكمي في معارج القبول : 1 / 276 ، رواية أبي نعيم ثم قال : ( وقال الزهري : سألت علي بن الحسين عن القرآن ؟ فقال : كتاب الله وكلامه ) . انتهى . فلم يرو الزهري نفي الإمام « عليه السلام » أن يكون القرآن خالقاً !
وكذلك أخذ المشبهة قول الإمام « عليه السلام » وكأنه يؤيد مذهبهم ! فرواه عبد الله بن أحمد بن حنبل في كتاب السنة : 1 / 152 ، واللالكائي في اعتقاد أهل السنة : 2 / 236 . راجع تفسير السمعاني : 4 / 468 ، والإنصاف للكوثري / 21 ، والأبعاد الخفية لمصطلح الحشوية والمشبهة والوهابية للشرقاوي / 15
4 - وَقَف « عليه السلام » في وجه الإرجاء الأموي : وأصل الإرجاء من اليهود حيث زعموا أن الله تعالى اختار العنصر اليهودي : وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّاماً مَعْدُودَةً . . وزعموا أن الإعتقاد بالله تعالى يكفيهم ولو كان بدون عمل ! فأخذ ذلك خلفاء قريش وابتدعوا سعة الشفاعة ومذهب الإرجاء الذي يكتفي من الإنسان بالتوحيد لدخول الجنة ! وقد شرحنا ذلك في العقائد الإسلامية : 3 / 341 .
5 - واجه أفكار الفلسفة المادية الفارسية واليونانية ، وكان يروي مناظرة جده رسول الله « صلى الله عليه وآله » مع أهل الأديان : اليهود ، والنصارى ، والدهرية ، والثنوية ، ومشركي العرب . ( توحيد الصدوق / 398 ، والبحار : 9 / 257 ) .
ويروي قصة اليوناني المدعي للفلسفة والطب مع أمير المؤمنين « عليه السلام » . ( توحيد الصدوق / 397 ، والاحتجاج : 1 / 342 ، والبحار : 10 / 70 ) .
6 - أدان إخفاءهم البسملة ثم إنكار أنها من القرآن : ( عن أبي حمزة قال
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 227 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال علي بن الحسين : يا ثمالي إن الصلاة إذا أقيمت جاء الشيطان إلى قرين الإمام فيقول هل ذكر ربه ؟ فإن قال نعم ذهب ، وإن قال لا ، ركب على كتفيه فكان إمام القوم حتى ينصرفوا ! قال : فقلت جعلت فداك أليس يقرؤن القرآن ؟ ! قال : بلى ليس حيث تذهب يا ثمالي ، إنما هو الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ) . ( تهذيب الأحكام : 2 / 289 ) .
7 - واجه الإمام « عليه السلام » منع تدوين السنة والتحديث عن النبي « صلى الله عليه وآله » : فقد كان قانون الشيخين بمنع تدوين الحديث والتحديث عن النبي « صلى الله عليه وآله » ، سارياً من زمن عمر ، وأكد عليه معاوية ومروان وعبد الملك وأولاده ، ولم يبدأ رفع الحظر إلا بعد وفاة الإمام « عليه السلام » في حكومة عمر بن عبد العزيز ، عندما كلف الزهري أن يكتب سنة النبي « صلى الله عليه وآله » وسنة عمر ، وكان يبعث ما يكتبه إلى الأمصار !
لكن الإمام « عليه السلام » كان كأجداده من أهل البيت « عليهم السلام » يحدث ويحثُّ الناس على التحديث وكتابة السنة ويتحدى مرسوم السلطة . وكان يروي حديث جده « صلى الله عليه وآله » : ( من حفظ على أمتي أربعين حديثاً ينتفعون بها بعثه الله يوم القيامة فقيهاً عالماً ) . ( الأربعون حديثاً للشهيد الأول / 19 ) . وكان الإمام « عليه السلام » يصحح ما يكتبه تلاميذه ، قال الثمالي : ( قرأت صحيفة فيها كلام زهد من كلام علي بن الحسين « عليه السلام » وكتبت ما فيها ، ثم أتيت علي بن الحسين فعرضت ما فيها عليه فعرفه وصححه . . ) . ( الصحيفة السجادية للأبطحي / 602 ) .
8 - واجه الإمام « عليه السلام » الحسن البصري وهو من علماء السلطة : ووالد الحسن البصري يسار غلامٌ لزيد بن ثابت من سبي مَيْسان , وهي مدينة العمارة الفعلية قرب البصرة ، وفيها قبر نبي الله العزير « عليه السلام » وفيها يهود . وأمه أمَةٌ لأم المؤمنين أم سلمة . ولد الحسن البصري في أواخر خلافة عمر وكان ذكياً موصوفاً
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 228 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بالجمال ، قالوا كانت أم سلمة تبعث أمه في الحاجة فيبكي وهو طفل فتسكته أم سلمة بثديها فيدرُّ له لبن . وقد نشأ في أم القرى قرب تيماء ثم سكن البصرة بعد حرب الجمل فعرف بالبصري . ( سير الذهبي : 4 / 564 ، والإكمال / 184 ) .
ولعل البصري كان شيعياً بحكم نشأته ، ثم انحرف باتجاه الأمويين ، ثم صار من علماء السلطة ! وكان موقف الأئمة « رحمه الله » منه حازماً لأنه كان يتقرب إلى بني أمية ويكذب لهم ضد أهل البيت « عليهم السلام » ! فقد قال عن أمير المؤمنين « عليه السلام » : ( لو كان علي يأكل من حشف المدينة لكان خيراً له مما صنع ) . ولمَّا عوتب على ذلك قال : ( كلمة باطل حقنت بها دماً ، والله لقد فقدوه سهماً من مرامز طيب ، والله ليس بسروقة لمال الله ، ولا بنؤمة عن أمر الله ، أعطى القرآن عزائمه فيما عليه وله ، أحل حلاله وحرم حرامه ، حتى أورده ذلك على حياض غدقة ورياض مونقة ) ( حلية الأولياء : 1 / 84 ) .
وكان موقف أم سلمة منه سلبياً ، قال صاحبه أبو مسلم : ( خرجت مع الحسن البصري وأنس بن مالك حتى أتينا باب أم سلمة رضي الله عنها فقعد أنس على الباب ، ودخلت مع الحسن البصري فسمعت الحسن وهو يقول : السلام عليك يا أماه ورحمة الله وبركاته . فقالت له : وعليك السلام ، من أنت يا بني ؟ فقال : أنا الحسن البصري . فقالت : فيما جئت يا حسن ؟ فقال لها : جئت لتحدثيني بحديث سمعته من رسول الله « صلى الله عليه وآله » في علي بن أبي طالب . فقالت أم سلمة : والله لأحدثنك بحديث سمعته أذناي من رسول الله « صلى الله عليه وآله » وإلا فصمتا ، ورأته عيناي وإلا فعميتا ، ووعاه قلبي وإلا فطبع الله عليه ، وأخرس لساني إن لم أكن سمعت رسول الله « صلى الله عليه وآله » يقول لعلي بن أبي طالب : يا علي ، ما من عبد لقي الله يوم يلقاه جاحداً لولايتك إلا لقي الله بعبادة صنم أو وثن ! قال فسمعت
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 229 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الحسن البصري وهو يقول : الله أكبر ، أشهد أن علياً مولاي ومولى المؤمنين ! فلما خرج قال له أنس بن مالك : ما لي أراك تكبر ؟ قال : سألت أمنا أم سلمة أن تحدثني بحديث سمعته من رسول الله في علي فقالت لي كذا وكذا ، فقلت : الله أكبر ، أشهد أن علياً مولاي ومولى كل مؤمن ! قال : فسمعت عند ذلك أنس بن مالك وهو يقول : أشهد على رسول الله ( ص ) أنه قال هذه المقالة . ثلاث مرات أو أربع مرات ) . ( أمالي الصدوق / 392 ) .
ويلاحظ ان الحديث يشبِّه من جحد ولاية علي « عليه السلام » مع معرفته بها ، بأنه عابد صنم أو عابد وثن ، ويدل على التفريق بينهما ، حسب حالة الشخص .
ورووا أن البصري قال : ( بئس الشئ الولد إن عاش كدَّني ، وإن مات مَدَّني ! فبلغ ذلك زين العابدين « عليه السلام » فقال : كذب ، والله نعم الشئ الولد ، إن عاش فدعاء حاضر ، وإن مات فشفيع سابق ) . ( الدعوات للراوندي / 285 ) .
وكان الإمام « عليه السلام » يخاف من البصري أن ينتقص من مقام النبي « صلى الله عليه وآله » إرضاءً لبني أمية : قال في الدر المنثور : 5 / 203 : ( أخرج الحكيم الترمذي ، وابن جرير وابن أبي حاتم ، والبيهقي في الدلائل ، عن علي بن زيد بن جدعان قال : قال لي علي بن الحسين : ما يقول الحسن في قوله : وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ ؟ فقلت له فقال : لا ولكن اللهَ أعلمَ نبيه ( ص ) أن زينب ستكون من أزواجه قبل أن يتزوجها ، فلما أتاه زيد يشكو إليه قال : أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللهَ . . فقال قد أخبرتك أني مزوجكها وتخفي في نفسك ما الله مبديه ) . انتهى .
وتفسير الثعلبي : 8 / 48 ، وقال : ( وهذا التأويل مطابق للتلاوة . . . فلو كان أضمر رسول الله محبتها أو أراد طلاقها ، لكان لا يجوز على الله تعالى كتمانه مع وعده أن يظهره ، فدل ذلك على أنه إنما عوتب على قوله : أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 230 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
اللهَ ، مع علمه بأنها ستكون زوجته ، وكتمانه ما أخبره الله سبحانه به حيث استحيى أن يقول لزيد : إن التي تحتك ستكون امرأتي ) . والبغوي : 3 / 531 ، وقال : ( وهذا هو الأولى والأليق بحال الأنبياء وهو مطابق للتلاوة ) . وابن كثير : 3 / 499 .
وأشد موقف للإمام « عليه السلام » من الحسن البصري : عندما خرَّب عليه مجلسه الذي عقدته له السلطة الأموية عند الكعبة ، ليخطب في الحُجَّاج ويوجههم إلى بني أمية ، فجاء الإمام « عليه السلام » ووقف قباله وسأله أسئلة اضطر على أثرها أن ينزل عن منبره ويترك الناس يطوفون حول بيت ربهم عز وجل !
قال في مناقب آل أبي طالب : 3 / 297 : ( ورأى الحسن البصري عند الحجر الأسود يقص فقال « عليه السلام » : يا هناه ( معناه يا هذا ، وفي رواية : يا حسن ) أترضى لنفسك الموت ؟ قال : لا ، قال : فعلمك الحساب ؟ ( هل تعرف نتيجة حسابك ) قال : لا ، قال : فثَمَّ دارٌ للعمل ؟ ( غير دار الدنيا ) قال : لا ، قال : فلله في الأرض معاذٌ غير هذا البيت ؟ قال : لا قال : فلمَ تشغل الناس عن الطواف ؟ ثم مضى ! قال الحسن : ما دخل مسامعي مثل هذه الكلمات من أحد قط ! أتعرفون هذا الرجل ؟ ( وهو يعرفه جيداً ! ) قالوا : هذا زين العابدين ، فقال الحسن : ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ ) ! انتهى .
والرواية مختصرة ولا بد أنها هزت الناس في الموسم ، وتناقل الحجاج أن زين العابدين « عليه السلام » نهى الحسن البصري عن الخطابة والقصص ، لأن عمله يمنع الناس عن الطواف والصلاة عند بيت ربهم ، ولم تستطع السلطة عمل شئ !
ورووا القصة بروايات أخرى كالاحتجاج : 2 / 41 ، وفيها أن الحسن البصري قال : ( أهل بيت علم . . فما رأي الحسن البصري بعد ذلك يعظ الناس ) . انتهى
9 - وبَّخَ الإمام « عليه السلام » الزهري وعروة بن الزبير لكذبهما على النبي « صلى الله عليه وآله » ! فقد كان الإمام « عليه السلام » يشيد بالصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء « عليها السلام » ويروي في مقامها
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 231 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
حديث النبي « صلى الله عليه وآله » : ( إذا كان يوم القيامة نادى مناد : يا معشر الخلائق غضوا أبصاركم ونكسوا رؤوسكم حتى تمر فاطمة بنت محمد ، فتكون أول من يكسى ، وتستقبلها من الفردوس إثنا عشر ألف حوراء ، وخمسون ألف ملك على نجائب من الياقوت . . الخ . ) . ( مسائل علي بن جعفر / 345 ) .
وفي تلخيص الحبير لابن حجر : 5 / 248 : ( وللحاكم من حديث علي بن الحسين عن علي أن فاطمة بنت النبي ( ص ) كانت تزور قبر عمها حمزة كل جمعة فتصلى وتبكي عنده ) . انتهى .
وكانت السلطة تحاول الحط من مقام فاطمة الزهراء صلوات الله عليها , وأن تُفضل عليها غيرها من بنات النبي « صلى الله عليه وآله » أو نسائه ! وتدل الرواية التالية على أن الإمام زين العابدين « عليه السلام » كان يراقب نشاط المخالفين ويتدخل بقوة عندما يستطيع ، فقد بلغه أن الزهري يطعن في أمير المؤمنين « عليه السلام » وأن عروة بن الزبير يحدث عن عائشة أن النبي « صلى الله عليه وآله » قال عن ابنته زينب : ( هي أفضل بناتي ) ! فجاء إلى المسجد النبوي وكذبهما ووبخهما ، فتراجع عروة واعتذر !
روى ذلك الحاكم : 4 / 44 و 2 / 201 ، بسند صحيح على شرط الشيخين ، قال : ( عن عروة بن الزبير عن عائشة زوج النبي أن رسول الله « صلى الله عليه وآله » لما قدم المدينة خرجت ابنته زينب من مكة مع كنانة أو ابن كنانة ، فخرجوا في أثرها فأدركها هبَّار بن الأسود فلم يزل يطعن بعيرها برمحه حتى صرعها ، وألقت ما في بطنها وأهريقت دماً ! فاشتجر فيها بنو هاشم وبنو أمية فقالت بنو أمية نحن أحق بها ، وكان تحت ابن عمهم أبي العاص ، فكانت عند هند بنت عتبة بن ربيعة فكانت تقول لها هند : بسبب أبيك ! فقال رسول الله ( ص ) لزيد بن حارثة : ألا تنطلق تجيؤني بزينب ؟ قال : بلى يا رسول الله ، قال : فخذ خاتمي فأعطاه إياه فانطلق زيد وبرك
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 232 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بعيره ، فلم يزل يتلطف حتى لقي راعياً فقال : لمن ترعى ؟ فقال لأبي العاص ، فقال : فلمن هذه الأغنام ؟ قال لزينب بنت محمد ! فسار معه شيئاً ثم قال له : هل لك أن أعطيك شيئاً تعطيه إياها ولا تذكره لأحد ؟ قال : نعم فأعطاه الخاتم ، فانطلق الراعي فأدخل غنمه وأعطاها الخاتم فعرفته فقالت : من أعطاك هذا ؟ قال : رجل ، قالت : فأين تركته ؟ قال بمكان كذا وكذا ، قال فسكتت حتى إذا كان الليل خرجت إليه فلما جاءته قال لها : إركبي بين يديه على بعيره ، قالت : لا ولكن إركب أنت بين يدي فركب ، وركبت وراءه حتى أتت فكان رسول الله ( ص ) يقول : هي أفضل بناتي أصيبت فيَّ ! فبلغ ذلك علي بن الحسين ، فانطلق إلى عروة فقال : ما حديثٌ بلغني عنك تحدثه تنتقص فيه حق فاطمة « عليها السلام » ؟ فقال : والله ما أحب أن لي ما بين المشرق والمغرب وأني أنتقص فاطمة « عليها السلام » حقاً هو لها ! وأما بعد فلك أن لا أحدث به أبداً . قال عروة : وإنما كان هذا قبل نزول آية : أدْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ ! هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ) . ومجمع الزوائد : 9 / 213 ، وقال : رواه الطبراني في الكبير والأوسط بعضه ، ورواه البزار ورجاله رجال الصحيح . والطبراني في الأوسط : 5 / 80 ، وتاريخ دمشق : 3 / 148 ، وتاريخ الذهبي : 2 / 122 ، والنهاية لابن كثير : 3 / 400 ، وفي سيرته : 2 / 518 ، وسمط النجوم / 295 ، وذخائر العقبى / 158 ، عن الفضائلي ) .
وفي هذا الحديث فوائد مهمة :
أولها ، رقابة الإمام « عليه السلام » على حديث عروة وعائشة ، وحكمه بأن عروة كذب على رسول الله « صلى الله عليه وآله » !
وثانيها ، أحبط الإمام « عليه السلام » محاولتهم تفضيل غير الزهراء « عليها السلام » عليها ، حيث نسبت عائشة إلى النبي « صلى الله عليه وآله » قوله عن زينب : ( هي أفضل بناتي ، أصيبت فيَّ ) ! أي أنها أفضل من فاطمة « عليها السلام » وأنها هاجرت وأسقطت جنينها بسببي ! وهذه الحركة واحدة من أعمال قامت بها عائشة في تضخيم نفسها وشخصيات نسائية
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 233 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
في مقابل الزهراء وأمها خديجة « صلى الله عليه وآله » ، كما ضخموا شخصيات قرشية من رجالهم بحجة أنهم صحابة ورفعوهم في مقابل شخصيات عترة النبي وآله « صلى الله عليه وآله » .
ومما يوجب الشك في مدح النبي « صلى الله عليه وآله » المزعوم لشخصيات السلطة من النساء والرجال أنه لم يروه إلا نفس الممدوحين ، بينما روى الجميع المديح النبوي للصديقة الزهراء والعترة « عليهم السلام » ، وأن النبي « صلى الله عليه وآله » جعلهم وصيته الملزمة للأمة كالقرآن حرفاً بحرف ! وهو موضوع مهم لا يتسع المجال للإفاضة فيه .
وثالثها ، أن هبَّار بن الأسود الذي أرعب بنت النبي « صلى الله عليه وآله » فأسقطت جنينها ومنعها من الهجرة , قد هدر النبي « صلى الله عليه وآله » دمه ولو كان متعلقاً بأستار الكعبة ! فمن باب أولى أن يثبت هذا الحكم لمن أرعب فاطمة « عليها السلام » فأسقطت جنينها !
ورابعها ، أن عروة وقع في التناقض والاضطراب ! فقد أظهر تعظيمه للصديقة الطاهرة الزهراء « عليها السلام » لأن مقامها الرباني العظيم مجمعٌ عليه عند المسلمين ، ومن ينكره فهو مكذبٌ للنبي « صلى الله عليه وآله » أي كافر !
ومن جهة ثانية عاهد الإمام « عليه السلام » على أن لا يروي هذا الحديث بعدها أبداً !
ومن جهة ثالثة لم يكذب الحديث لأنه يعني تكذيب خالته عائشة ! بل اعتذر عنها بأن النبي « صلى الله عليه وآله » عبَّر عن زينب بأنها ابنته قبل نزول آية تحريم التبني ووجوب نسبة الولد إلى أبيه دون متبنيه ! قال عروة : ( وإنما كان هذا قبل نزول آية : أدْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ ) !
ومعناه أنه بعد نزول الآية فإن النبي « صلى الله عليه وآله » لم ينسب زينب إليه بعد ذلك ، ولم يقل ابنتي أبداً ! وهذا نصٌّ من عروة على أن زينب ربيبة النبي « صلى الله عليه وآله » وليست ابنته وهو يؤيد أنها كانت ابنة أخت خديجة « عليها السلام » رباها النبي « صلى الله عليه وآله » وتبناها كما روي .
وذهب الباحث السيد جعفر مرتضى إلى أن زينب وأخواتها ربائب للنبي « صلى الله عليه وآله »
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 234 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأن بنته الوحيدة فاطمة « عليها السلام » ، وألف في ذلك كتابه : ( بنات النبي « صلى الله عليه وآله » أم ربائبه ؟ ) .
وخامسها ، إن اعتذار عروة بهذا العذر يعني أن خالته عائشة صادقة ، وأن النبي إنما عبر عن زينب بابنته قبل تحريم بآية : أدْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ ! لكنه عذر لا ينفي تفضيل زينب على فاطمة « عليها السلام » حتى لو كانت ربيبته !
وقد بحث السيد جعفر مرتضى في الصحيح من السيرة : 5 / 241 ، حديث عروة وعائشة ، ورد محاولات الطحاوي وغيره لتوجيهه .
هذا ، وقد روي عن الإمام زين العابدين « عليه السلام » مسائل كثيرة من فقه أهل البيت « عليهم السلام » تخالف فقه السلطة كتحريم النبي « صلى الله عليه وآله » الصيام في السفر وتسمية صاموا ( العصاة ) ! ( المحلى : 6 / 253 ) . وأن النبي « صلى الله عليه وآله » كان يكبر في صلاته كلما خفض ورفع . ( الخلاف : 1 / 346 ) . وسترى عدداً من مواجهاته « عليه السلام » لتحريف الأمويين ، في العنوان الآتي ، لأن مفرداتهما متداخلة ، وهي كثيرة تستحق دراسة خاصة !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 235 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الثامن : الإمام « عليه السلام » يُشَيِّد صَرْحَ التشيع

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 236 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 237 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

1 - استأنف الإمام « عليه السلام » بناء المجتمع الشيعي من جديد

يرى مذهب أهل البيت « عليهم السلام » أن الانهيار العقائدي وقع في الأمة بعد وفاة النبي « صلى الله عليه وآله » ، وأن الذين ثبتوا على الحق الصراح بأعلى درجات الثبات ، هم عترة النبي « صلى الله عليه وآله » ، وأفراد قلائل معهم ، ثم تكاثروا شيئاً فشيئاً !
ويؤيد ذلك ما رواه أتباع الخلافة بأعلى درجات الصحة من أن النبي « صلى الله عليه وآله » أخبر أنه سيقع الانحراف في أصحابه بعده ولا ينجو منهم إلا مثل هَمَل النَّعَم ، أي الغنم المنفردة عن القطيع ، ومعناه أن قطيع الصحابة هالك ، ولا يسلم إلا المعارضون المنفردون عنه ! روى بخاري في صحيحه : 7 / 208 : ( عن أبي هريرة عن النبي ( ص ) قال : بينا أنا قائمٌ فإذا زمرةٌ حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال : هلمَّ ، فقلت أين ؟ قال إلى النار والله ! قلت : وما شأنهم ؟ قال : إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى ! ثم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال : هلمَّ ! قلت : أين ؟ قال : إلى النار والله ! قلت : ما شأنهم ؟ قال : إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى ! فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم ) ! انتهى . وصرحت رواية أخرى للبخاري بأن هؤلاء المطرودين عن الحوض هم الصحابة وكذلك فسرها شراحه ! فروى في : 2 / 975 : ( يرد على الحوض رجالٌ من أصحابي فيحلؤون عنه فأقول يا رب أصحابي ! فيقول : فإنه لا علم لك بما أحدثوا بعدك ! إنهم ارتدوا على أعقابهم القهقرى ) ! وشبيهاً به في : 8 / 86 . و : 7 / 195 و 207 - 210 و 84 و 87 و : 8 / 86 و 87 ، ونحوه مسلم : 1 / 150 و : 7 / 66 ، وابن ماجة : 2 / 1440 ، وأحمد : 2 / 25 و 408 و : 3 / 28 و : 5 / 21 و 24 و 50 و : 6 / 16 ، والبيهقي : 4 / 14 ، وغيرهم ، وبعضها مفصل . راجع المسألة 69 من : ( ألف سؤال وإشكال ) .
وهي حقيقة خطيرة تصيب الإنسان بالدهشة ، لكن الله تعالى أخبرنا أنها ظاهرة طبيعية ، وأن من القوانين الاجتماعية بعد الرسل أن تتآمر أممهم على أوصيائهم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 238 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الشرعيين وتغصب الحكم منهم وتعزلهم وتضطهدهم ! قال تعالى : ( وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ ، وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ ، وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ) . ( سورة البقرة : 253 ) .
ومع ملاحظة هذه الحقيقة المرة لا يصح التهويل على الشيعة بحديث الإمام الباقر « عليه السلام » : ( ارتد الناس بعد النبي « صلى الله عليه وآله » إلا ثلاثة نفر : المقداد بن الأسود ، وأبو ذر الغفاري وسلمان الفارسي ، ثم إن الناس عرفوا ولحقوا بعد ) ( الإختصاص للمفيد / 6 ) .
فهو نفس مضمون رواية بخاري ( هَمَلُ النَّعَم ) غاية الأمر أن روايتنا فيها تحديد لعدد همل النعم ، ورواية بخاري فيها تقليل كثير بدون تحديد !
أما تعبير الإمامين الباقر والصادق « صلى الله عليه وآله » بالارتداد ، فالوجه في تفسيره بغير الكفر واسع ، وأنه يعني النزول عن مستوى الإيمان العالي !
وحتى لو ضاق عن التفسير فهو لا يزيد عن الآية التي نصت على أن الناس يعودون بوفاة الرسل إلى الصفر ، ومنهم من يؤمن ومنهم من يكفر !
وبذلك تعرف خطأ اعتذار بعضهم عن الحديث أو محاولة تضعيفه مع أن سنده في أعلى درجات الصحة ، ومضمونه مستفيض ، حيث رواه الكشي : 1 / 38 : ( محمد بن إسماعيل ، قال حدثني الفضل بن شاذان ، عن ابن أبي عمير ، عن وهيب بن حفص ، عن أبي بصير ، عن أبي جعفر « عليه السلام » قال : جاء المهاجرون والأنصار وغيرهم بعد ذلك إلى علي « عليه السلام » فقالوا له : أنت والله أمير المؤمنين وأنت والله أحق الناس وأولاهم بالنبي « صلى الله عليه وآله » ، هلمَّ يدك نبايعك ، فوالله لنموتن قدامك ! فقال علي « عليه السلام » : إن كنتم صادقين فاغدوا غداً عليَّ مُحَلِّقين ، فحلق عليٌّ وحلق سلمان وحلق مقداد وحلق أبو ذر ، ولم يحلق غيرهم ) . انتهى .
وهذا سند صحيح باتفاق علمائنا ، وقد نص على صحة الحديث وغيره
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 239 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
في الباب : السيد الخوئي « قدس سره » في معجم رجال الحديث : 19 / 341 .
وروى نحوه في الإختصاص / 6 : ( سمعت أبا عبد الله « عليه السلام » يقول : إن النبي « صلى الله عليه وآله » لما قبض ارتد الناس على أعقابهم كفاراً إلا ثلاثة : سلمان والمقداد وأبو ذر الغفاري ، إنه لما قبض رسول الله « صلى الله عليه وآله » جاء أربعون رجلاً إلى علي بن أبي طالب « عليه السلام » فقالوا : لا والله لا نعطي أحداً طاعة بعدك أبداً ، قال : ولمَ ؟ قالوا : إنا سمعنا من رسول الله « صلى الله عليه وآله » فيك يوم غدير خم . قال : وتفعلون ؟ قالوا : نعم . قال : فأتوني غداً مُحَلِّقين . قال فما أتاه إلا هؤلاء الثلاثة ! قال : وجاءه عمار بن ياسر بعد الظهر فضرب يده على صدره ثم قال له : مالك أن تستيقظ من نومة الغفلة ! إرجعوا فلا حاجة لي فيكم ، أنتم لم تطيعوني في حلق الرأس ، فكيف تطيعوني في قتال جبال الحديد ، إرجعوا فلا حاجة لي فيكم ) . انتهى .
وبذلك تعرف ما في قول آية الله الشيخ السبحاني في كتابه أضواء على عقائد الشيعة الإمامية / 521 ، قال : ( ومن سوء الحظ أن شرذمة قليلة من الصحابة زلت أقدامهم وانحرفوا عن الطريق ، فلا تمس دراسة أحوال هؤلاء القليلين وتبيين مواقفهم وانحرافهم عن الطريق المستقيم بكرامة الباقين ، ولعل عدد المنحرفين غير المنافقين لا يتجاوز العشرة إلا بقليل ، أفيسوغ في ميزان العدل رمي الشيعة بأنهم يكفرون الصحابة ويفسقونهم . . . ثم قال : بقيت هنا كلمة وهي إذا كان موقف الشيعة وأئمتهم من الصحابة ما ذكر آنفاً ، فما معنى ما رواه أبو عمرو الكشي من أنه ارتد الناس بعد رسول الله « صلى الله عليه وآله » إلا ثلاثة ؟ إذ لو صح ما ذكر ، وجب الالتزام بأن النبي الأكرم لم ينجح في دعوته ، ولم يتخرج من مدرسته إلا قلائل لا يعتد بهم في مقابل ما ضحى به من النفس والنفيس ! والإجابة على هذا السؤال واضحة لمن تفحص عنها سنداً ومتناً ، فإن ما رواه لا يتجاوز
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 240 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
السبع روايات وهي بين ضعيف لا يعول عليه ، وموثق حسب اصطلاح علماء الإمامية في تصنيف الأحاديث وصحيح قابليْن للتأويل ولا يدلان على الإرتداد عن الدين والخروج عن الإسلام بل يرميان إلى أمر آخر . . . ) . انتهى .
أقول : الجواب على إشكالهم بأن القول بانحراف أكثر الصحابة يعني عدم نجاح النبي « صلى الله عليه وآله » في دعوته ، بالقول : إن الاستجابة ليست ميزان نجاج الأنبياء « عليهم السلام » وإلا يلزم القول إن الله تعالى لم ينجح في خلقه ! لأنه قال : وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ) ( يوسف : 106 ) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ) ( الشعراء : 67 ) فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ ) ( الروم : 42 ) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ) ( يّس : 7 ) وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ) ( سبأ : 13 )
فالصحيح أن الإشكال لا يرد حتى لو لم يستجب للنبي « صلى الله عليه وآله » إلا شخص واحد لصريح آية انحراف الأمم بعد الرسل « عليهم السلام » وأحاديث انحراف أكثرية الصحابة الصحيحة عند الطرفين وأنه لا ينجو منهم إلا مثل همل النعم ، فلا يصح القول : ( شرذمة قليلة من الصحابة زلت أقدامهم وانحرفوا . . . ولعل عدد المنحرفين غير المنافقين لا يتجاوز العشرة إلا بقليل ) !
وغرضنا هنا : أن نفس الحالة أصابت الأمة بعد قتل الحسين « عليه السلام » ، فأخذتها موجة الخوف والإستخذاء والسكوت ، ولم يبق منها إلا أفراد بدأ بهم الإمام زين العابدين « عليه السلام » بتكوين المجتمع الشيعي ، ثم التحق بهم الناس وتكاثروا .
ولذا استعمل الإمام الصادق « عليه السلام » نفس التعبير عن حالة الأمة بعد النبي « صلى الله عليه وآله » وبعد الحسين « عليه السلام » فقال : ( ارتد الناس بعد الحسين « عليه السلام » إلا ثلاثة : أبو خالد الكابلي ويحيى بن أم الطويل وجبير بن مطعم ، ثم إن الناس لحقوا وكثروا وكان يحيى بن أم الطويل يدخل مسجد رسول الله « صلى الله عليه وآله » ويقول : كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 241 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ ) . ( الإختصاص / 64 ، والكشي : 1 / 44 و 338 ، وفي رواية : وجابر بن عبد الله ) .
وهذا يعني أن موجة طغيان يزيد وخوف الناس بلغت ذروتها في الأمة ، فتأثر بها بعض الناس وسكت الباقون خوفاً ، كما حدث في موجة الخوف من الطلقاء بعد وفاة النبي « صلى الله عليه وآله » ! وهذا يعني أن الإمام زين العابدين « عليه السلام » بدأ من قريب الصفر في بناء المجتمع الشيعي ، كما فعل جده علي « عليه السلام » .
قد يقال : كيف ينسجم هذا مع القول بأن قتل الحسين « عليه السلام » أحدث زلزالاً في الأمة ، وأن موجته وصلت إلى البلاط الأموي حتى أن معاوية بن يزيد عمل لإرجاع الخلافة إلى أهل البيت « عليهم السلام » ؟ !
والجواب : أن النص يتحدث عن ارتداد الناس في الفترة بعد شهادة الإمام الحسين « عليه السلام » مباشرةً ، وسبي عوائل العترة النبوية هدية إلى يزيد ! ولعل حالة الذعر استمرت سنة أو نحوها ، كانت الأمة فيها تتقرب إلى يزيد بسبِّ علي وأهل البيت « عليهم السلام » ، ثم بدأت تفيق من غفلتها وتقصيرها !
إن حصر النماذج العليا الثابتة على خط أهل البيت « عليهم السلام » بثلاثة لا يمنع أن يكون في الأمة مخزون من الدين ، أوجب إفاقتها بالتدريج .
قد تسأل : كيف ينسجم ذلك مع ما ورد من أن الإمام الباقر « عليه السلام » هو المؤسس للمجتمع الشيعي والفرقة الناجية ؟
والجواب : أن عمل النبي « صلى الله عليه وآله » والأئمة « عليهم السلام » في بناء الفئة الواعية في الأمة أو الطائفة المحقة ، التي عرفت باسم شيعة علي « عليه السلام » ، يمكن وصف مراحله بعدة أساليب ومن عدة زوايا ، كأن نقول : إن النبي « صلى الله عليه وآله » بلَّغ عن ربه عز وجل مَن هي هذه الفئة الثابتة بعده وحددها بأنها المتبعة لعلي وبقية العترة المعصومة « عليهم السلام » ، وشكَّل « صلى الله عليه وآله » مجتمعها الأول وسماهم شيعة علي « عليه السلام » ، كما روى السنة والشيعة .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 242 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم جاءت موجة الطلقاء بعد وفاة النبي « صلى الله عليه وآله » فارتد الناس إلا القلة الذين ثبتوا مع أمير المؤمنين « عليه السلام » ، ثم التحق الناس بهم وتسع وجودهم .
وعندما تفاقم وضع الظلم في زمن عثمان وثار عليه الصحابة والأمة ، أجمعوا على بيعة أمير المؤمنين « عليه السلام » فعمل لإعادة العهد النبوي فاتسعت القاعدة الواعية ، وجاهدت معه وقدمت الشهداء ، حتى ضعفت الأمة في أواخر عهده « عليه السلام » وانهارت مرة أخرى في عهد الإمام الحسن « عليه السلام » !
وبعد صلح الإمام الحسن « عليه السلام » كان الشيعة شريحة واسعة نسبياً في مختلف البلدان ، ولكن أصحاب المستوى العالي فيهم كانوا قلة ، كما هو الحال في كل أتباع الأنبياء والأوصياء « عليهم السلام » ! وقد استطاع معاوية في عشرين سنة من حكمه أن يقتل أكثر شخصيات هذه الطائفة ، ويجعل الجو معادياً لكل من يذكر علياً وأهل البيت « عليهم السلام » بخير ، فلم يبق ثابتاً على التشيع إلا الفذ من الناس ! وقد اختار الله تعالى لخيار هؤلاء أعظم كرامته ، فجمعهم مع الإمام الحسين « عليه السلام » في كربلاء ليكونوا شهداء على المسلمين والأمم إلى يوم القيامة .
وبعد الحسين « عليه السلام » لم يبق من هؤلاء العظماء إلا تلك القلة القليلة الذين بدأ بهم الإمام زين العابدين « عليه السلام » بناء المجتمع الشيعي ! فهو المؤسس للطائفة من جديد بعد شهادة أبيه الحسين « صلى الله عليه وآله » !
أما الإمام الباقر « عليه السلام » فقد وسع هذه القاعدة وأرسى خطها العقائدي والفكري والسياسي ، حتى صارت واضحة المعالم مميزة بالكامل عن غيرها .
ثم أكمل ذلك الإمام الصادق « عليه السلام » فوسع الطائفة المحقة ، وأغناها بالفكر والفقه وبلور خطها السياسي ، فتكاملت على يده وصارت وجوداً قوياً راسخاً في الأمة . وقد عرف الشيعة في عهده وبعده « عليه السلام » باسم ( الجعفرية ) نسبة إليه « عليه السلام » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 243 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد سار الأئمة بعد الصادق « عليهم السلام » على خطه ، فكانوا يرعون هذا الوجود المتكامل ، كلٌّ بما يقتضيه عصره ، لكنَّ عملهم سقيٌ لنفس البستان ، وتأصيل لنفس الخط والأهداف ، حتى يأتي الإمام المهدي ببرنامجه « عج الله تعالي فرجه الشريف » الرباني .

2 - رغم الظروف كان الإمام « عليه السلام » يجهَر بالتشيع ويُعْلي صرحه !

الإمام زين العابدين « عليه السلام » بقية السيف من موجة الإبادة الأموية لأهل البيت « عليه السلام » ، وما تلاها من طغيان واضطهاد لهم وشيعتهم ، حتى جعلوا شتم علي « عليه السلام » ولعنه فريضة على منابر المسلمين !
ومع أنه « عليه السلام » كان يستعمل معهم المداراة والتقية وكانت له معهم علاقات واسعة ، لكنه استطاع بأسلوبه أن يجهر بالحق كله ، ويُعْلي صَرْحَ التشيع !
أ - كان ملتزماً بالأذان بحيَّ على خير العمل ، ولعله هو الذي أقنع عبد الله بن عمر فكان يؤذن بها ويقول هو الأذان الأول ! وقد صححوه عنه . ( نيل الأوطار : 2 / 19 ) .
ب - وكان يصلي على تربة كربلاء : ( كان له خريطة فيها تربة الحسين « عليه السلام » وكان لا يسجد إلا على التراب ) . ( مناقب آل أبي طالب : 3 / 290 ، عن المصباح ، وفيه عن الصادق « عليه السلام » ، والسجود على تربة كربلاء مروي عن عدد من الأئمة « عليهم السلام » .
ج - وكان يجهر بأن أهل البيت النبوي أفضل من آل إبراهيم « عليهم السلام » ، وأن ولايتهم والبراءة من أعدائهم فريضة لا يقبل الله عملاً إلا بها ! فقد سأله رجل عن الصلاة : ما سبب قبولها ؟ قال : ( ولايتنا والبراءة من أعدائنا ) . ( الإحتجاج : 3 / 274 ) .
ويروي للناس قول النبي « صلى الله عليه وآله » : ( ما بال أقوام إذا ذ كر عندهم آل إبراهيم فرحوا واستبشروا ، وإذا ذكر عندهم آل محمد اشمأزت قلوبهم ؟ ! والذي نفس محمد بيده لو أن عبداً جاء يوم القيامة بعمل سبعين نبياً ، ما قبل الله ذلك منه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 244 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
حتى يلقاه بولايتي وولاية أهل بيتي ) . ( أمالي الطوسي / 140 ) .
( عن أبي حمزة قال : قال لنا علي بن الحسين : أي البقاع أفضل ؟ فقلت : الله ورسوله وابن رسوله أعلم ، فقال : إن أفضل البقاع ما بين الركن والمقام ، ولو أن رجلا عمر ما عمر نوح في قومه ، ألف سنة إلا خمسين عاماً ، يصوم النهار ويقوم الليل في ذلك المكان ولقي الله بغير ولايتنا لم ينفعه شيئاً ) . ( المحاسن : 1 / 91 ) .
( أخرج الحافظ الجعابي أن الإمام زين العابدين رضي الله عنه قال : نحن الفلك الجارية في اللجج الغامرة ، يأمن من ركبها ويغرق من تركها ، وإن الله تبارك وتعالى أخذ ميثاق من يحبنا وهم في أصلاب آبائهم فلا يقدرون على ترك ولايتنا ، لأن الله عز وجل جعل جبلتهم على ذلك ) . ( خلاصة العبقات : 4 / 202 ) .
ويبين أنهم الشهداء على الناس مع النبي « صلى الله عليه وآله » : ( عن زين العابدين « عليه السلام » في قوله تعالى : لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ؟ قال : نحن هم ) . ( تفسير نور الثقلين : 3 / 526 ) .
وله دعاء خاص في الصلاة عليهم « عليهم السلام » : ( رب صل على أطائب أهل بيته الذين اخترتهم لأمرك ، وجعلتهم خَزَنَةَ علمك ، وحَفَظة دينك ، وخلفاءك في أرضك ، وحججك على عبادك ، وطهرتهم من الرجس والدنس تطهيراً بإرادتك وجعلتهم الوسيلة إليك ، والمسلك إلى جنتك .
ربِّ صلَّ على محمد وآله ، صلاةً تجزل لهم بها من نحلك وكرامتك ، وتكمل لهم الأشياء من عطاياك ونوافلك ، وتوفر عليهم الحظ من عوائدك وفوائدك . رب صلِّ عليه وعليهم ، صلاةً لا أمد في أولها ، ولا غاية لأمدها ، ولا نهاية لآخرها ، رب صل عليهم زنة عرشك وما دونه ، وملءَ سمواتك وما فوقهن ، وعدد أرضيك . . . ) . ( الصحيفة السجادية / 253 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 245 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

3 - روى أحاديث جده « صلى الله عليه وآله » في الأئمة الاثني عشر « عليه السلام »

منها : لمَّا أسلم عبد الله بن سلام اليهودي ، وسأل النبي « صلى الله عليه وآله » عن مسائل عديدة ومنها عن الذين يخلفون النبي « صلى الله عليه وآله » بعده ؟ ( تفسير الإمام العسكري / 460 ، وهو حديث طويل ) .
ومنها : ما رواه أبو خالد الكابلي قال : ( دخلت على زين العابدين فقلت : أخبرني بالذين فرض الله طاعتهم والاقتداء بهم بعد رسول الله « صلى الله عليه وآله » ؟ قال : يا كنكر أمير المؤمنين ثم الحسن ثم الحسين ثم انتهى الأمر إلينا ثم سكت . فقلت : يا سيدي رويَ لنا عن أمير المؤمنين « عليه السلام » أن الأرض لا تخلو من حجة لله على عباده ، فمن الحجة والإمام بعدك ؟ فقال : ابني محمد واسمه في التوراة الباقر يبقر العلم بقراً ، ومن بعده ابنه جعفر واسمه عند أهل السماء الصادق . قلت : وكيف صار اسمه الصادق وكلكم صادقون ؟ فقال : حدثني أبي عن أبيه ان رسول الله « صلى الله عليه وآله » قال : إذا ولد ابني جعفر بن محمد بن علي بن الحسين فسموه الصادق ، فإن الخامس من ولده الذي اسمه جعفر يدعي الإمامة افتراءً على الله ، فهو عند الله جعفر الكذاب ) . ( ألقاب الرسول وعترته / 60 ) .
ومنها : شهادته بصدق سُلَيْم بن قيس في حديثه أن النبي « صلى الله عليه وآله » قال لعلي « عليه السلام » : أكتب لك ولشركائك من بعدك ، وسمى له الأئمة « عليهم السلام » وفيه : ( قال سليم بن قيس : ثم لقيت علي بن الحسين وعنده ابنه محمد بن علي الباقر أبو جعفر ، فحدثته بما سمعت من أبيه وما سمعته من أمير المؤمنين ، فقال علي بن الحسين : ( قد أقرأني أمير المؤمنين من رسول الله « صلى الله عليه وآله » وهو مريض وأنا صبي ، ثم قال أبو جعفر : وأقرأني جدي من رسول الله وأنا صبي . قال أبان بن أبي عياش : فحدثت علي بن الحسين بهذا كله عن سليم بن قيس الهلالي ، فقال : صَدَقَ ، وقد جاء جابر بن عبد الله الأنصاري إلى ابني محمد وهو يختلف إلى كتَّاب ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 246 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فقبله واقرأه السلام من رسول الله . . . قلت : من هم يا رسول الله ؟ قال : الذين قال الله تعالى فيهم : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمر مِنْكُمْ . . قلت : يا نبي الله مَن هم ؟ قال : هم الأوصياء بعدي ، لا يتفرقون حتى يردوا عليَّ الحوض ، هادين مهديين لا يضرهم كيد من كادهم ، ولا خذلان من خذلهم ، هم مع القرآن والقرآن معهم لا يفارقونه ولا يفارقهم ، بهم تنتصر أمتي وبهم يمطرون وبهم يدفع البلاء وبهم يستجاب لهم الدعاء . قلت : يا رسول الله سمِّهم لي . قال : أنت يا علي ثم ابني هذا ووضع يده على رأس الحسن ، ثم ابني هذا ووضع يده على رأس الحسين ، ثم ابنه سميك . . ) . ( الإعتقادات للصدوق / 122 ونحوه العيون : 2 / 66 ) .
ومنها : قوله « عليه السلام » مبيناً مفتخراً : ( نحن أئمة المسلمين ، وحجج الله على العالمين وسادة المؤمنين ، وقادة الغر المحجلين ، وموالي المؤمنين ، ونحن أمانٌ لأهل الأرض كما أن النجوم أمان لأهل السماء ، ونحن الذين بنا يمسك الله السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه ، وبنا يمسك الأرض أن تميد بأهلها ، وبنا ينزل الغيث وتنشر الرحمة ، ويُخرج بركات الأرض ، ولولا ما في الأرض منا لساخت بأهلها ، ثم قال : ولم تخل الأرض منذ خلق الله آدم من حجة الله فيها ظاهر مشهور أو غائب مستور ، ولا تخلو إلى أن تقوم الساعة من حجة الله فيها ولولا ذلك لم يعبد الله ) . ( كمال الدين : 1 / 207 ) .

4 - وكان ينتقد الأنصار لأنهم نكثوا بيعتهم لرسول الله « صلى الله عليه وآله »

روى الطبراني في المعجم الأوسط : 2 / 207 ، بسنده عن زين العابدين عن أبيه عن جده « عليهم السلام » قال : ( جاءت الأنصار تبايع رسول الله على العقبة فقال : قم يا علي فبايعهم ، فقال علي : ما أبايعهم يا رسول الله ؟ قال : على أن يطاع الله ولا يعصي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 247 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وعلى أن تمنعوا رسول الله وأهل بيته وذريته ، مما تمنعون منه أنفسكم وذراريكم ) . انتهى . ولم يرو الطبري الشرط الآخر : ( أن لا ينازعوا الأمر أهله ) ،
وفي هذا الموضوع أحاديث صحيحة وحجة دامغة على الأنصار ، وأن حماية النبي وعترته وذريته « عليهم السلام » وعدم منازعتهم الأمر كان بنداً في بيعتهم للنبي « صلى الله عليه وآله » .

5 - وكان يبشر بالمهدي « عليه السلام » وأنه من ولده بوعد الله ورسوله « صلى الله عليه وآله »

فيقول في تفسير قوله تعالى : وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرض كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً : ( هم شيعتنا أهل البيت يفعل الله ذلك بهم على يدي رجل منا وهو مهدي هذه الأمة ، وهو الذي قال رسول الله « صلى الله عليه وآله » : لو لم يبق من الدنيا إلا يومٌ واحد لطوَّلَ الله ذلك اليوم حتى يلي رجل من عترتي ، اسمه اسمي ، يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً ) . ( مجمع البيان : 7 / 152 ، وتأويل الآيات : 1 / 369 ) .
وقال « عليه السلام » : ( فينا نزلت هذه الآية : وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ . وفينا نزلت هذه الآية : وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ . والإمامة في عقب الحسين بن علي بن أبي طالب إلى يوم القيامة . وإن للقائم منا غيبتين إحداهما أطول من الأخرى ) . ( كمال الدين : 1 / 323 ، واستوفينا أحاديثه في معجم الإمام المهدي « عج الله تعالي فرجه الشريف » ) . كما كان يتحدث عن دولة أهل البيت الموعودة على يد المهدي ، ويصف أصحابه وعدله ودولته « عج الله تعالي فرجه الشريف » .

6 - وردَّ حديثهم الموضوع : خير القرون قرني ثم الذي يليه . . !

فقد كان عمر بن الخطاب يثق بكعب الأحبار ، وقد أقنعه كعب أن الخط البياني للإسلام يسير نزولاً ، فأخذ عمر يشبِّه الإسلام بالبعير الذي لا بد أن يهرم ويموت فيقول : ( إن الإسلام بدأ جذعاً ثم ثنياً ثم رباعياً ثم سديسياً ثم بازلاً ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 248 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فما بعد البزول إلا النقصان ( مسند أحمد : 3 / 463 ) ويقول : ( سيخرج أهل مكة ثم لا يعبر بها إلا قليل ، ثم تمتلئ وتبنى ثم يخرجون منها فلا يعودون فيها أبداً ) ! ( مسند أحمد : 1 / 23 ، وحسنه مجمع الزوائد : 3 / 298 ، ورواه بخاري وعقد له باباً في : 2 / 159 ، بعنوان : باب هدم الكعبة ! ومسلم : 8 / 183 . . الخ . راجع ألف سؤال وإشكال : 1 / مسألة 108 ) .
ومن هنا نشأت أحاديث أن خير القرون قرن النبي « صلى الله عليه وآله » ثم الذي يليه ، ثم تنحدر الأمة حتى تهلك وتنتهي ! وغرضهم منها مدح خلفاء قريش وأنهم أفضل الناس بعد النبي « صلى الله عليه وآله » ! وقد رد أهل البيت « عليهم السلام » هذه المقولة ، ومنهم الإمام زين العابدين « عليه السلام » فكان يروي عن النبي « صلى الله عليه وآله » أن مَثَلَ أمته كحديقة أطعم منها فوج عاماً وفوج عاماً ، فلعل الفوج الأخير أفضل من الأول .
وقد اشتبه الدكتور عبد العظيم البستوي أو دلَّس في موسوعته ( أحاديث المهدي الضعيفة والموضوعة ) فقال تحت الرقم : 41 - / 87 : ( عن زين العابدين علي بن الحسين مرسلاً قال : قال رسول الله ( ص ) : أبشروا ، أبشروا ، إنما مثل أمتي مثل الغيث لا يدرى آخره خير أم أوله ، أو كحديقة أطعم منها فوج عاماً ثم أطعم منها فوج عاماً ، ثم أطعم منها فوج عاماً ، لعل آخرها فوجاً أن يكون أعرضها عرضاً وأعمقها عمقاً وأحسنها حسناً . كيف تهلك أمة أنا أولها والمهدي وسطها والمسيح آخرها . ولكن بين ذلك فيجٌ أعوج ، ليسوا مني ولا أنا منهم ) .
ثم حكم البستوي على الحديث بأنه مرسل ، والمرسل من أنواع الضعيف ، لأن الإمام زين العابدين « عليه السلام » رواه مباشرة عن النبي « صلى الله عليه وآله » ولم يدركه ! بينما الحديث مشهور روته مصادر الطرفين مستفيضاً عن الإمام زين العابدين « عليه السلام » مسنداً عن أبيه الحسين عن أبيه أمير المؤمنين « عليهم السلام » عن النبي « صلى الله عليه وآله » بعدة أسانيد ، قال السلمي في عقد الدرر / 71 : ( وعن أبي جعفر محمد بن علي ، عن أبيه ، عن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 249 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
جده ، أن رسول الله ( ص ) قال : أبشروا أبشروا ، إنما أمتي كالغيث . . . أخرجه الإمام أبو عبد الرحمن النسائي في سننه ) . وأسنده الصدوق في كمال الدين / 269 ، وعيون أخبار الرضا « عليه السلام » : 2 / 56 ، عن علي « عليه السلام » . وكذا مختصر بصائر الدرجات / 203 ، وفي كفاية الأثر / 230 ، عن أبي يحيى بن جعدة بن هيبرة ، عن الحسين بن علي « عليه السلام » . . وفي العمدة لابن البطريق / 432 : ( ومن الجمع بين الصحاح الستة أيضاً لرزين العبدري في الجزء الثالث من أجزاء ثلاثة على حد ربعه الأخير . . . من صحيح النسائي . . ) .
وقد استوفينا مصادره وطرقه في معجم أحاديث الإمام المهدي : 1 / 512 ، ومنها الطيالسي / 270 وأحمد : 3 / 130 ، و 143 ، و : 4 / 319 ، وتأويل مختلف الحديث / 115 ، والترمذي : 5 / 152 . . الخ .
وفي ألفاظه تفاوت ، وسببه طول الحديث وأنه النبي « صلى الله عليه وآله » ذكر فيه الأئمة من بعده « عليهم السلام » وانحراف الأمة عنهم حتى يظهر خاتمهم المهدي « عج الله تعالي فرجه الشريف » .
ولا بد أن الإمام زين العابدين « عليه السلام » كان يرويه كاملاً لإثبات أن الخط البياني في الأمة نزول وصعود ، وليس نزولاً فقط كما يتبنى الأمويون !

7 - وكان يصرِّح بأن الله فرض الخمس لأهل بيت نبيه « صلى الله عليه وآله »

قال في فتح الباري : 6 / 167 : ( الثالث قول زين العابدين الخمس كله لذوي القربى والمراد باليتامى يتامى ذوي القربى وكذلك المساكين وابن السبيل ) . انتهى .
وقد تواترت الأحاديث عن النبي « صلى الله عليه وآله » أنه عيَّن الصحابي محمية بن جزء مسؤولاً عن الخمس بعد معركة بدر ، وخصه ببني هاشم ، وفصَل مالية أهل البيت « عليه السلام » عن الصدقات وبيت المال لعامة المسلمين ! ( راجع : نور الثقلين : 2 / 157 ) .

8 - وكان « عليه السلام » يجهر بأن الصلاة على آل محمد « عليهم السلام » فريضة

وأن الله تعالى فرضها على المسلمين في صلاتهم ، وأنها وسيلة لقبول صلاتهم ودعائهم ، ولذا جعل الإمام « عليه السلام » الصلاة على محمد وآل محمد « صلى الله عليه وآله »
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 250 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مطلعاً ومُفتتحاً لكل فقرات أدعيته في صحيفته السجادية .
ولهذا توقف العلماء في نسبة المناجاة الخمسة عشر إليه « عليه السلام » لأنه ليس فيها الصلاة على النبي وآله « صلى الله عليه وآله » . ويحتمل أن تكون هذه المناجيات بالأصل له « عليه السلام » فأخذها بعض الصوفية ووصلتنا من طريقهم ، وحذفوا منها الصلاة على النبي وآله « صلى الله عليه وآله » ، وأضافوا إليها فقرات من تعابيرهم لم تعهد في أدعية الإمام « عليه السلام » ولا في أدعية أهل البيت « عليهم السلام » .
وله دعاء في الصلاة على الإمام من أهل البيت « عليهم السلام » وأتباعه في كل عصر :
( اللهم إنك أيَّدتَ دينك في كل أوانٍ بإمام أقمته علَماً لعبادك ، ومناراً في بلادك ، بعد أن وصلتَ حبله بحبلك ، وجعلته الذريعة إلى رضوانك ، وافترضتَ طاعته ، وحذرتَ معصيته ، وأمرتَ بامتثال أمره ، والانتهاء عند نهيه ، وألا يتقدمه متقدم ولا يتأخر عنه متأخر ، فهو عصمة اللائذين ، وكهف المؤمنين وعروة المتمسكين ، وبهاء العالمين .
اللهم فأوزع لوليك شكر ما أنعمت به عليه ، وأوزعنا مثله فيه ، وآته من لدنك سلطاناً نصيراً ، وافتح له فتحاً يسيراً ، وأعنه بركنك الأعز ، واشدد أزره ، وقوِّ عضده ، وراعِهِ بعينك ، واحْمِه بحفظك ، وانصره بملائكتك ، وامدُدهُ بجُندك الأغلب ، وأقم به كتابك وحدودك وشرائعك وسنن رسولك صلواتك اللهم عليه وآله ، وأحيِ به ما أماته الظالمون من معالم دينك ، واجْلُ به صَدَأَ الجوْر عن طريقتك ، وأبِنْ به الضراء من سبيلك ، وأزلْ به الناكبين عن صراطك ، وامحق به بغاة قصدك عِوجاً ، وألِنْ جانبه لأوليائك وابسط يده على أعدائك ، وهب لنا رأفته ورحمته وتعطَّفَهُ وتحنَّنه ، واجعلنا له سامعين مطيعين وفي رضاه ساعين ، وإلى نصرته والمدافعة عنه مكنفين ، وإليك وإلى رسولك صلواتك اللهم عليه وآله بذلك متقربين .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 251 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
اللهم وصلِّ على أوليائهم المعترفين بمقامهم ، المتبعين منهجهم ، المقتفين آثارهم ، المستمسكين بعروتهم ، المتمسكين بولايتهم ، المؤتمِّين بإمامتهم ، المسلِّمين لأمرهم ، المجتهدين في طاعتهم ، المنتظرين أيامهم ، المادين إليهم أعينهم ، الصلوات المباركات الزاكيات الناميات الغاديات الرائحات ، وسلم عليهم وعلى أرواحهم ، واجمع على التقوى أمرهم ، وأصلح لهم شؤنهم ، وتب عليهم إنك أنت التواب الرحيم وخير الغافرين ، واجعلنا معهم في دار السلام برحمتك يا أرحم الرحمين ) . ( الصحيفة السجادية / 255 ) .

9 - وكان يبشر شيعة أهل البيت « عليهم السلام » رغم الاضطهاد الذي يعيشون فيه

( كان علي بن الحسين « عليه السلام » يقول : إن أحقَّ الناس بالورع والاجتهاد فيما يحب الله ويرضى : الأوصياء وأتباعهم ، أما ترضون أنه لو كانت فزعة من السماء ، فزع كل قوم إلى مأمنهم ، وفزعتم إلينا وفزعنا إلى نبينا ! إن نبينا آخذ بحَجْزة ربه ، ونحن آخذون بحَجْزة نبينا ، وشيعتنا آخذون بحجزتنا ) . ( المحاسن : 1 / 182 ) .
وروى عنه « عليه السلام » في مناقب آل أبي طالب : 3 / 298 : ( إنا لنعرف الرجل إذا رأيناه بحقيقة الإيمان وبحقيقة النفاق وإن شيعتنا لمكتوبون بأسمائهم وأسماء آبائهم ) .
وقد أصدر تعليماته للشيعة فقال لهم بصراحة : ( إذا كنتم في أئمة جور فاقضوا في أحكامهم ، ولا تَشهروا أنفسكم فتقتلوا ، وإن تعاملتم بأحكامنا كان خيراً لكم ) . ( تذكرة الفقهاء : 9 / 448 )

10 - كذبوا على لسانه « عليه السلام » حديث : أحبونا حبَّ الإسلام لا حب الأصنام !

كان المخالفون لأهل البيت « عليه السلام » وما زالوا يتضايقون من اعتقاد الشيعة الراسخ بإمامة أهل البيت « عليهم السلام » الربانية ، وبسلوكهم معهم وتقديسهم لهم ! لذلك وضعوا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 252 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
على لسانهم أحاديث تنتقد حب المسلمين لهم ، وأحاديث تمدح الصحابة من زعماء قريش ! ومن هذه الأحاديث ما روجه المخالفون قديماً وحديثاً أن الإمام زين العابدين « عليه السلام » قال : ( يا أهل العراق أحبونا حب الإسلام ولا تحبونا حب الأصنام ! فما زال بنا حبكم حتى صار علينا شيناً ) ! ( تاريخ دمشق : 41 / 392 ) .
وفي رواية أخرى : ( أحبونا حب الإسلام فما برح بنا حبكم حتى صار علينا عاراً ) . ( 41 / 391 ) . وفي أخرى : ( حدثني مولى لعلي بن حسين أن قوماً دخلوا عليه فأثنوا عليه فقال : ويلكم ما أكذبكم وأجرأكم على الله ! لسنا كما تقولون لنا ولكنا قوم من صالحي قومنا ، وكفانا أن نكون من صالحيهم ) . ( 41 / 34 ) .
وفي رواية أخرى : ( يا أهل العراق أحبونا بحب الإسلام فوالله ما زال حبكم بنا حتى صار سُبَّة ) . ( 41 / 391 ) . وفي أخرى / 392 : عن عمر بن علي : أنه سأل عمه جعفر بن محمد قال قلت : هل فيكم أهل البيت أحد مفترضة طاعته تعرفون له ذلك ، ومن لم يعرف له ذلك فمات ، مات ميتة جاهلية ؟ فقال : لا والله ما هذا فينا ! من قال هذا فينا فهو كذاب ! قال فقلت لعمر بن علي : رحمك الله إن هذه منزلة ! إنهم يزعمون أن النبي ( ص ) أوصى إلى علي وأن علياً أوصى إلى الحسن وأن الحسن أوصى إلى الحسين ، وأن الحسين أوصى إلى ابنه علي بن الحسين وأن علي بن الحسين أوصى إلى ابنه محمد بن علي ؟ قال : والله لقد مات أبي فما أوصى بحرفين ! ما لهم قاتلهم الله والله إن هؤلاء إلا متأكلين بنا ) !

11 - وكان يجهر بفضائل أمير المؤمنين « عليه السلام » في مواجهة سياسة الأمويين

فيروي عن النبي « صلى الله عليه وآله » أن الله تعالى ( خلق محمداً وعلياً وأحد عشر من ولده من نور عظمته ، فأقامهم أشباحاً في ضياء نوره يعبدونه ، قبل خلق الخلق يسبحون الله ويقدسونه ) . ( الأصول الستة عشر / 15 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 253 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ويروي عن النبي « صلى الله عليه وآله » أنه سئل بأي لغة خاطبك ربك ليلة المعراج ؟ قال : خاطبني بلسان علي « عليه السلام » ) . ( خاتمة المستدرك : 1 / 244 ) .
ويروي عن أبيه الحسين حديث جده النبي « صلى الله عليه وآله » في ولاية علي والأئمة « عليهم السلام » : ( قال : سمعت جدي رسول الله « صلى الله عليه وآله » يقول : من أحب أن يحيا حياتي ويموت ميتتي ، ويدخل الجنة التي وعدني ربي ، فَلْيَتَولَّ عليَّ بن أبي طالب وذريته الطاهرين ، أئمة الهدى ومصابيح الدجى من بعده ، فإنهم لن يخرجوكم من باب هدى إلى باب ضلالة ) . ( البحار : 23 / 143 ) .
ويروي عن النبي « صلى الله عليه وآله » أن المخاطَبَيْن بقوله تعالى : أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ ، هما محمد وعلي « صلى الله عليه وآله » . ( تفسير القمي : 2 / 324 ) . وسألوه : لم أبغضت قريش علياً ؟ فقال : لأنه أورد أولهم النار ، وقلد آخرهم العار ! ) . ( مكاتيب الرسول : 3 / 732 ) .
ويروي منقبة علي « عليه السلام » في غزوة تبوك بتفصيل لم يروه المخالفون ! ( الإحتجاج : 2 / 66 ) .
ويروي أن النبي « صلى الله عليه وآله » شبَّه علياً « عليه السلام » بيوسف في جماله وإبراهيم في سخائه وسليمان في قوته . ( أمالي الصدوق / 757 ) .
ويروي الكثير البليغ في مقام أمير المؤمنين « عليه السلام » وبطولته ، وما خصه به الله ، ومؤامرة قريش ( وابتزازهم ) خلافته ، ومخالفتهم وصية النبي « صلى الله عليه وآله » فيه .

12 - وكان يمدح الصحابة المخلصين ويعرِّض بالمنحرفين

( وكان من دعائه « عليه السلام » في الصلاة على أتباع الرسل ومصدقيهم : اللهم وأتباعُ الرسل ومصدقوهم من أهل الأرض بالغيب ، عند معارضة المعاندين لهم بالتكذيب ، والإشتياق إلى المرسلين بحقائق الإيمان ، في كل دهر وزمان أرسلت فيه رسولاً ، وأقمت لأهله دليلاً ، من لدن آدم إلى محمد « صلى الله عليه وآله » ، من أئمة الهدى وقادة أهل التقى ، على جميعهم السلام ، فاذكرهم منك بمغفرة ورضوان .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 254 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
اللهم وأصحابُ محمد خاصة ، الذين أحسنوا الصحبة ، والذين أبلوا البلاء الحسن في نصره ، وكانفوه وأسرعوا إلى وفادته ، وسابقوا إلى دعوته ، واستجابوا له حيث أسمعهم حجة رسالاته ، وفارقوا الأزواج والأولاد في إظهار كلمته ، وقاتلوا الآباء والأبناء في تثبيت نبوته ، ومن كانوا منطوين على محبته ، يرجون تجارة لن تبور في مودته ، والذين هجرتهم العشائر إذ تعلقوا بعروته ، وانتفت منهم القرابات إذ سكنوا في ظل قرابته .
فلا تنس لهم اللهم ما تركوا لك وفيك ، وأرضهم من رضوانك ، وبما حاشوا الخلق عليك ، وكانوا مع رسولك دعاة لك إليك ، واشكرهم على هجرهم فيك ديار قومهم ، وخروجهم من سعة المعاش إلى ضيقه .
اللهم وأوصل إلى التابعين لهم بإحسان الذين يقولون : رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمان ، خير جزائك ، الذين قصدوا سمتهم وتحروا وجهتهم ومضوا على شاكلتهم ، لم يثنهم ريب في بصيرتهم ، ولم يختلجهم شك في قفو آثارهم ، والإيتمام بهداية منارهم ، مكانفين وموازرين لهم ، يدينون بدينهم ويهتدون بهديهم ) . ( الصحيفة السجادية / 38 - الدعاء الرابع ) .

13 - ويكشف المكذوبات لتفضيل أبي بكر !

قيل لسيد العابدين علي بن الحسين « عليه السلام » : إن الناس يقولون : إن خير الناس بعد رسول الله « صلى الله عليه وآله » وسلم أبو بكر ، ثم عمر ، ثم عثمان ، ثم علي « عليه السلام » ؟
قال : فما يصنعون بخبر رواه سعيد بن المسيب ، عن سعد بن أبي وقاص ، عن النبي « صلى الله عليه وآله » أنه قال لعلي « عليه السلام » : أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ؟ فمن كان في زمن موسى مثل هارون ؟ ) . ( الهداية / 162 ، ومعاني الأخبار / 74 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 255 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

14 - كذبوا على لسانه « عليه السلام » أحاديث في مدح أبي بكر وعمر !

أشرنا إلى أن المخالفين لأهل البيت « عليه السلام » كانوا وما زالوا يتضايقون من اعتقاد الشيعة الراسخ بالإمامة الربانية لأهل البيت « عليهم السلام » ، وباقتدائهم بهم وتقديسهم لهم في حياتهم وبعد مماتهم ! وهي حالة ترجع إلى عهد النبي « صلى الله عليه وآله » حيث كانوا يسمون الذين يلتفون حول النبي وآله « صلى الله عليه وآله » ويتعبدون حرفياً بأقواله وأفعاله : عُبَّاد محمد ! وقد سماهم به أبو بكر وسهيل بن عمرو في خطبتيهما في اليوم الثاني لوفاة النبي « صلى الله عليه وآله » فقالا : ( من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ) .
ثم سموهم شيعة علي « عليه السلام » ، واتهموهم بالغلو ، لقولهم بإمامته من الله تعالى !
لذلك فإن كل ما تراه من أحاديث تنهى عن الغلو في النبي « صلى الله عليه وآله » والصلاة والتجمع عند قبره ، وأن ذلك بمثابة اتخاذه صنماً ، وأحاديث تنهى عن التوسل والاستشفاع بالميت ، وأحاديث تنفي أن النبي « صلى الله عليه وآله » قد خص أهل بيته « عليهم السلام » بشئ من العلم ، أو الحقوق على الأمة ، وأحاديث ترفع من الصحابة في مقابل أهل البيت « عليهم السلام » وتمدحهم وتغالي فيهم ، حتى لتفسر آيات ذمهم بالمدح ! وأحاديث على لسان أهل البيت « عليهم السلام » في مدح الصحابة من زعماء قريش ، الذين صاروا حكاماً وتفضيلهم على أنفسهم ، وأحاديث زعموا فيها أن أهل البيت « عليهم السلام » أقسموا أن النبي « صلى الله عليه وآله » لم يورثهم شيئاً ولم يخصهم بشئ . . فضعها كلها تحت المجهر لترى فيها العجائب ، وتصل إلى تناقضها وكذبها !
ومنها ما وضعوه على لسان أمير المؤمنين والحسنين وزين العابدين « عليهم السلام » ، كالذي رواه في تاريخ دمشق : 41 / 389 ، عن الإمام محمد الباقر « عليه السلام » قال : ( جاء رجل إلى أبي ، يعني علي بن الحسين فقال : أخبرني عن أبي بكر ؟ قال : عن الصديق تسأل ! قال قلت : يرحمك الله وتسميه الصديق ؟ ! قال : ثكلتك أمك
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 256 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قد سماه صديقاً من هو خير مني ومنك : رسول الله ( ص ) والمهاجرون والأنصار ، فمن لم يسمه صديقاً فلا صدق الله قوله في الدار الآخرة ! إذهب فأحب أبا بكر وعمر وتولهما ، فما كان من إثم ففي عنقي ) .
ومن علائم وضعه أن الإمام « عليه السلام » غضب وسبَّ من سأله ، على غير عادته ! ولم يذكر الحديث الذي سمى فيه النبي أبا بكر بالصديق بسند صحيح !
وكالذي رواه في تاريخ دمشق : 41 / 389 : ( عن علي بن الحسين قال : جلس اليَّ قوم من أهل العراق فذكروا أبا بكر وعمر فمسوا منهما ، ثم ابتدأوا في عثمان فقلت لهم . . . قوموا عني لا بارك الله فيكم ولا قرَّب دوركم ! أنتم مستهزئون بالإسلام ولستم من أهله ) . لاحظ أن غضب الإمام « صلى الله عليه وآله » وصل به إلى الغلو في أبي بكر وعمر وعثمان ، وتكفير من مسَّ بهم وإخراجه من الإسلام !
وروى في تاريخ دمشق : 41 / 388 ، عدة أحاديث في أن الإمام زين العابدين « عليه السلام » سئل : ( كيف كانت منزلة أبي بكر وعمر من رسول الله ( ص ) ؟ فقال : منزلتهما منه منزلتهما اليوم ) . وفي رواية أنه أشار إلى القبر ، وفي أخرى : ( فقال كمنزلتهما اليوم هما ضجيعاه ) ، وفي رواية : ( فقال منزلتهما الساعة ) . انتهى . وبعض صيغ هذا الحديث محتملة ، فقد يكون الإمام « عليه السلام » استعمل التورية في ظرف ما ، وأجاب إن منزلتهما منه في حياته وفي الآخرة واحدة ، وترك للسائل أن يفهم ما يريد !

15 - وكذبوا على لسانه بأنه طعن في جده علي « عليه السلام » !

ففي تاريخ دمشق : 41 / 390 ، عنه « عليه السلام » أنه قال : ( جاءني رجل من أهل البصرة فقال : جئتك في حاجة من البصرة ، وما جئتك حاجاً ولا معتمراً ! قال قلت له : وما حاجتك ؟ قال : جئت لأسألك متى يبعث علي بن أبي طالب ؟ قال فقلت له : يبعث والله عليٌّ يوم القيامة ، ثم تهمه نفسه ) . انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 257 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أقول : بيت قصيدهم من هذا الحديث المكذوب سؤال واضع الحديث : متى يحشر علي « عليه السلام » وكيف ؟ وسببه وجود حديث صحيح في فضله « عليه السلام » أرادوا تكذيبه على لسان حفيده الإمام زين العابدين « عليه السلام » ! وكلما رأيت حديثاً يطعن في علي « عليه السلام » فابحث حديث صحيح في مناقبه « عليه السلام » وضعوا حديثاً مقابله !
فقد رووا وروينا أن أول من يبعث يوم القيامة النبي « صلى الله عليه وآله » ثم علي « عليه السلام » وأنه أول من يكسى بعد النبي « صلى الله عليه وآله » من خلع الجنة ، وأنه حامل لوائه وصاحب شفاعته ، وآمر السقاية على حوضه . . فأرادوا تكذيب ذلك وقالوا إن علياً يحشر كبقية الناس ويكون مشغولاً بنجاة نفسه ، وليس له مكانة خاصة !
والحديث الصحيح ما رواه الصدوق في الأمالي / 656 ، من قول النبي « صلى الله عليه وآله » : ( يا علي ، أنت وشيعتك القائمون بالقسط وخيرة الله من خلقه . يا علي أنا أول من ينفض التراب عن رأسه وأنت معي ، ثم سائر الخلق ) . ومناقب آل أبي طالب : 2 / 306 ، وتفسير فرات / 266 ، وبشارة المصطفى / 201 .
ورواه ابن حجر في الإصابة : 7 / 221 ، وضعفه ! قال : ( عن عباد عن أبي عبد الرحمن حاضن عائشة ، قال قلنا له : ألا تذكر لنا من فضائل علي بن أبي طالب ؟ قال : هي أكثر من أن تحصر ! قلنا فاذكر لنا بعضها قال : أفعل : استأذن علي على النبي ( ص ) وأنا في البيت فسمعته يقول : إنك لأول من ينفض التراب عن رأسه يوم القيامة ) . انتهى .
لكن يؤيده ما رواه الطبراني في الأوائل / 40 : ( قال رسول الله ( ص ) : نحن أول من يبعث وأول من يحاسب ) . وما رواه في الأوسط : 5 / 203 : ( أنا سيد ولد آدم ولا فخر وأول من تنشق عنه الأرض ولا فخر ، وأول من ينفض التراب عن رأسه ولا فخر ، وأول من ينظر إلى الجنة ولا فخر . ما بال أقوام يزعمون أن رحمي لا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 258 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
تنفع ، ليس كما زعموا ) . انتهى .
لاحظ أن النبي « صلى الله عليه وآله » كان يردُّ على نفس هؤلاء الذين زعموا أن شفاعته لا تنال أهل بيته وعشيرته ! ولم يذكر فيه مكانة علي « عليه السلام » معه ، لكن الحديث التالي ذكره ، وهو ما رواه الدارقطني في العلل والهندي في كنز العمال : 13 / 156 : ( عن علي قال : قال رسول الله ( ص ) : إن أول خلق الله يكسى يوم القيامة أبي إبراهيم فيكسى ثوبين أبيضين ، ثم يقام عن يمين العرش ، ثم أدعى فأكسى ثوبين أخضرين ثم أقام عن يسار العرش ، ثم تدعى أنت يا علي فتكسى ثوبين أخضرين ثم تقام عن يميني . أفما ترضى أن تدعى إذا دعيت وتكسى إذا كسيت وأن تشفع إذا شفعت . الدارقطني في العلل ، وأورده ابن الجوزي في الموضوعات وقال : تفرد به ميسرة بن حبيب النهدي والحكم بن ظهير عنه ، والحكم كذاب . قلت : الحكم روى له الترمذي ، وقال فيه البخاري : منكر الحديث ، وروى عنه القدماء سفيان الثوري ومالك فصحح له ، وقد تابع ميسرة عن المنهال عمران بن ميثم ، وهو الحديث الذي قبله ) . انتهى .
فقد رد المتقي الهندي على ابن الجوزي ووثق الراويين اللذين تعلل بهما لتضعيفه . راجع شواهد التنزيل للحسكاني : 1 / 31 ، وتفصيله في العقائد الإسلامية : 4 / 222 .
ويؤيده ما رووا وروينا أن أول ملف يفتح في محكمة القيامة ملف علي « عليه السلام » فهو أول من يجثو للمحاكمة مع خصومه ! رواه بخاري : 5 / 6 ، وابن أبي شيبة : 6 / 437 .
ولم يكتف الكذابون بتضعيفهم للحديث ووضعهم ضده على لسان الإمام زين العابدين « عليه السلام » ، بل وضعوا حديثاً يقول إن الشخص الثاني الذي يبعث مع النبي « صلى الله عليه وآله » هو أبو بكر ! ففي تاريخ دمشق : 59 / 275 : ( عن أبي هريرة إن رسول الله ( ص ) قال : أنا أول من تنشق عنه الأرض فأكون أول من يبعث ، فأخرج أنا وأبو
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 259 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بكر إلى أهل البقيع ، فيبعثون ثم يبعث أهل مكة ، فأحشر بين الحرمين ) . ويكفي لرده ما تضمنه من تصور بدوي للمحشر !
وروى الطبري في الرياض النضرة / 32 : ( عن أبي أمامة قال : سمعت أبا بكر الصديق يقول للنبي : من أول من يحاسب ؟ قال : أنت يا أبا بكر ! قال : ثم من ؟ قال : عمر ، قال : ثم من ؟ قال : علي . قال : فعثمان ؟ قال : سألت ربي أن يهب لي حسابه فلا يحاسبه فوهبه لي ) . ثم استشكل الطبري بوجود حديث يقول إن أبا بكر لا يحاسب أبداً ، وحل الإشكال بأنه يحضر الحساب كمراقب ولا يحاسب !
ثم دخل معاوية على الخط فجعل نفسه أفضل من نبي بني هاشم ! قال : ( بلغني أنه أول من يبعث جبرائيل فأحببت أن أكون الثاني ) . ( تاريخ دمشق : 11 / 150 ) .
إنها أحاديث تناديك بأنها موضوعة ، حسداً للحديث الصحيح في علي « عليه السلام » !
كما وضعوا حديثاً آخر يطعن في علي وفاطمة « صلى الله عليه وآله » على لسان الإمام زين العابدين « عليه السلام » مفاده أن النبي « صلى الله عليه وآله » كان يوقظهما لصلاة الليل فيجاد لأنه فقرأ فيهما آية : وَكَانَ الأِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيءِ جَدَلاً !
وغرضهم أن يطعنوا في علي « عليه السلام » وينفوا حديث أنه « عليه السلام » كان أول من تهجد مع النبي « صلى الله عليه وآله » في سنوات حصارهم في شعب أبي طالب ، وقبله ! ويطعنوا في فاطمة « عليها السلام » وينفوا أن مطلع سورة طه يشملها حيث أن النبي « صلى الله عليه وآله » كان يقف في محرابه ويصلي ليله حتى ورمت قدماه ، وكذلك فاطمة « عليها السلام » ، فنزل جبرئيل بقوله تعالى : طَهَ . مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى .
ففي مقابل ذلك روى بخاري في صحيحه : 2 / 43 ، عن الزهري قال : ( أخبرني علي بن حسين أن حسين بن علي أخبره أن علي بن أبي طالب أخبره أن رسول الله ( ص ) طرقه وفاطمة بنت النبي ليلةً فقال : ألا تصليان ؟ فقلت : يا رسول الله أنفسنا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 260 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بيد الله فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا ! فانصرف حين قلنا ذلك ولم يرجع إليَّ شيئاً ، ثم سمعته وهو مُوَلٍّ يضرب فخذه وهو يقول : وَكَانَ الأِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيءِ جَدَلاً ! وكرره بخاري بعناين مختلفة بنفس صيغته وغيرها في : 5 / 229 ، و : 8 / 155 ، ومسلم : 2 / 187 ، وغيره .
وفي صحيح ابن حبان : 6 / 305 : ( ثم سمعته وهو يضرب بيده ويقول : وَكَانَ الأِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً ) . تهى . فهم يقولون لك نحن لا نطعن في علي وفاطمة ، بل يطعن فيهما حفيدهما ويقول كانا يتكاسلان عن قيام الليل ويجادلان النبي « صلى الله عليه وآله » !
وقد تقدم كذبهم على النبي « صلى الله عليه وآله » بأن ابنته زينب أفضل من فاطمة « عليها السلام » !

16 - وكَذَبَ عليه بخاري أو شراحه بأنه جوَّز أكثر من أربعة نساء !

قال بخاري في صحيحه : 6 / 124 : ( باب لا يتزوج أكثر من أربع ، لقوله تعالى مثنى وثلاث ورباع . وقال علي بن الحسين : يعني مثنى أو ثلاث أو رباع ) . انتهى .
وقال في فتح الباري : 9 / 119 : ( قوله : وقال علي بن الحسين أي ابن علي بن أبي طالب : يعني مثنى أو ثلاث أو رباع ، أراد أن الواو بمعنى أو فهي للتنويع ، أو هي عاطفة على العامل والتقدير فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى ، وانكحوا ما طاب من النساء ثلاث . . الخ . وهذا من أحسن الأدلة في الرد على الرافضة لكونه من تفسير زين العابدين وهو من أئمتهم الذين يرجعون إلى قولهم ويعتقدون عصمتهم ) ! ونحوه عمدة القاري : 20 / 91 ، وتغليق التعليق : 4 / 398 .
ولم يذكر بخاري سنداً ولا مستنداً لنسبته ذلك إلى الإمام « عليه السلام » ! ولا ذكر ابن حجر ولا غيره مستنداً لتفسيرهم قول الإمام « عليه السلام » بزعم البخاري بما فسروه ! وقد طبَّل بذلك ابن تيمية وأتباعه ليثبتوا خطأ الإمام زين العابدين « عليه السلام » وعدم عصمته !
ورد عليهم السيد الميلاني في نفحات الأزهار : 4 / 248 ، بأن تفسير الواو في الآية بأو هو مذهب المفسرين ، لأن المقصود التخيير وليس الجمع ، كما ترى في
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 261 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أحكام القرآن للجصاص : 2 / 69 ، وتفسير السمرقندي : 1 / 306 ، وتفسير الرازي : 9 / 175 . فأهل البيت « عليهم السلام » حصروا الزواح الدائم بالأربع باستثناء النبي « صلى الله عليه وآله » ، وجوزوا الأكثر من أربع بالمتعة . ورد عليهم السيد الميلاني بأن فقهاءهم المخالفين لأهل البيت « عليه السلام » هم الذين جوزوا الأكثر من أربع دواماً ! كالقاسم بن إبراهيم والنخعي وابن أبي ليلى ، وحكي ذلك عن ابن الصباغ والعمراني . ومنهم من قال بجواز التزوج بأي عدد شاء ، كما ذكر نظام الدين الأعرج المفسر النيسابوري . . . الخ . فتهمتهم للإمام زين العابدين « عليه السلام » ينطبق عليها المثل : رمتني بدائها وانسلت !

17 - وكذبوا على النبي « صلى الله عليه وآله » حديث ذم الأفارقة ونسبوه روايته إلى الإمام « عليه السلام » !

صحَّ عند أئمة المذاهب السنية حديث : ( إنما الأسود لبطنه وفرجه ) !
قال العجلوني في كشف الخفاء : 1 / 226 : ( وعند الطبراني في الكبير ، عن أم أيمن قالت : سمعت رسول الله ( ص ) يقول : إنما الأسود لبطنه وفرجه . وعنده أيضاً عن ابن عباس بلفظ : ذكر السودان عند النبي ( ص ) فقال : دعوني من السودان فإن الأسود لبطنه وفرجه ، وبعضها يؤكد بعضاً ، بل سند البزار حسن . ولأبي نعيم فيما أسنده الديلمي من طريقه عن أبي رافع رفعه : شر الرقيق الزنج إن شبعوا زنوا . وقد اعتمد الحديث إمامنا الشافعي فروى في مناقبه البيهقي عن المزني أنه قال : كنت مع الشافعي في الجامع إذ دخل رجل يدور على النيام . فقال الشافعي للربيع : قم فقل : لك عبد أسود مصاب بإحدى عينيه . قال الربيع : فقمت إليه فقلت له فقال : نعم . فقلت : تعاله ! فجاء إلى الشافعي ، فقال : أين عبدي ؟ قال : مرَّ تجده في الحبس . فذهب الرجل فوجده في الحبس . قال المزني : فقلت له : أخبرنا فقد حيرتنا . فقال : نعم رأيت رجلاً دخل من باب المسجد يدور بين النيام فقلت يطلب هاربا . ورأيته يجئ إلى
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 262 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
السودان دون البيض ، فقلت هرب له عبد أسود . ورأيته يجئ إلى ما يلي العين اليسرى ، فقلت مصاب بإحدى عينيه . قلنا : فما يدريك أنه في الحبس ؟ فقال : ذكرت الحديث في العبيد : إن جاعوا سرقوا وإن شبعوا زنوا ، فتأولت أنه فعل أحدهما ، فكان كذلك ) . ومجمع الزوائد : 4 / 235 ، وفيض القدير : 3 / 711 ، وكذلك حسنه السخاوي في المقاصد الحسنة / 92 ، وابن حمزة في البيان والتعريف : 2 / 49 .
ثم نسبوا هذا الحديث إلى الإمام زين العابدين « عليه السلام » وأنه رواه عن أم أيمن ، كما في الآحاد والمثاني للضحاك : 6 / 36 ، بسنده عن محمد من آل الزبير قال : خرجنا نتلقى الوليد بن عبد الملك مع علي بن الحسين ، حتى إذا كنا ببعض الطريق عرض حبشي لركابنا فقال علي بن الحسين : حدثتني أم أيمن أو قال سمعت أم أيمن تقول سمعت رسول الله ( ص ) يقول : إنما الأسود لبطنه وفرجه ) .
وقال ابن أبي حاتم في علل الحديث : 2 / 292 : ( سألت أبي عن حديث رواه محمد بن خالد الوهبي عن خالد بن محمد من آل الزبير عن أبيه قال : خرجنا نتلقى الوليد بن عبد الملك مع على بن حسين . . . ؟ قال أبي : هذا حديث منكر وخالد مجهول ) . وقال العقيلي في الضعفاء : 2 / 14 : ( وفي هذا المتن رواية أخرى من وجه أيضاً ليِّن لا يثبت ) . وقال ابن الجوزي في الموضوعات : 2 / 232 : ( خالد بن محمد : قال العقيلي : لا يتابع على حديثه . وقال البخاري : هو منكر الحديث . وقال أبو حاتم الرازي : هو مجهول ) . ونقل ابن حجر في لسان الميزان : 2 / 386 : ( قال البخاري منكر الحديث . وقال أبو حاتم مجهول . وذكره ابن حبان في الثقات ) .
أما نحن فلم يصح عندنا حديث في ذم السودان ، بل روينا في سيرة أئمتنا « عليهم السلام » عن الإمام الرضا « عليه السلام » كما في الكافي : 8 / 230 ، أن البلخي كان معه في سفر : ( فدعا يوماً بمائدة له فجمع عليها مواليه من السودان وغيرهم ، فقلت : جعلت فداك لو عزلت لهؤلاء مائدة ؟ فقال : مه ، إن الرب تبارك وتعالى واحد ، والأم واحدة ، والأب واحد ، والجزاء بالأعمال ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 263 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

أصحاب الإمام الخاصون الذين شيَّد بهم المجتمع الشيعي

وهم كثيرون وفيهم علماء وشخصيات ، يحتاج الواحد منها إلى كتاب خاص لدراسة شخصيته وفعالياته ! مثل يحيى بن أم الطويل ، وحكيم بن جبير بن مطعم ، وكلاهما من بني نوفل بن عبد مناف ، وسعيد بن المسيب بن حَزَن المخزومي ، وسعيد بن جبير الوالبي ، وكميل بن زياد النخعي ، وأبو خالد الكابلي ، وأبو حمزة الثمالي ، وجابر بن عبد الله الأنصاري ، وآل زرارة .
روى المفيد « قدس سره » في الإختصاص / 61 ، بسنده عن الإمام موسى الكاظم « عليه السلام » قال : ( إذا كان يوم القيامة نادى مناد : أين حواري محمد بن عبد الله رسول الله « صلى الله عليه وآله » الذين لم ينقضوا العهد ومضوا عليه ؟ فيقوم سلمان ، والمقداد ، وأبو ذر .
قال ثم ينادي : أين حواري علي بن أبي طالب وصي محمد بن عبد الله رسول الله ؟ فيقوم عمرو بن الحمق الخزاعي ، ومحمد بن أبي بكر ، وميثم بن يحيى التمار مولى بني أسد ، وأويس القرني . قال : ثم ينادي المنادي : أين حواري الحسين بن علي وابن فاطمة بنت محمد رسول الله ؟ فيقوم سفيان بن أبي ليلى الهمداني ، وحذيفة بن أسيد الغفاري . قال : ثم ينادي : أين حواري الحسين بن علي ؟ فيقوم كل من استشهد معه ولم يتخلف عنه .
قال : ثم ينادي : أين حواري علي بن الحسين ؟ فيقوم ( حكيم بن ) جبير بن مطعم ، ويحيى بن أم الطويل ، وأبو خالد الكابلي ، وسعيد بن المسيب .
ثم ينادي : أين حواري محمد بن علي وحواري جعفر بن محمد ؟ فيقوم عبد الله بن شريك العامري ، وزرارة بن أعين ، وبريد بن معاوية العجلي ، ومحمد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 264 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بن مسلم الثقفي ، وليث بن البختري المرادي ، وعبد الله بن أبي يعفور ، وعامر بن عبد الله بن جذاعة ، وحجر بن زائدة ، وحمران بن أعين .
ثم ينادي سائر الشيعة مع سائر الأئمة صلوات الله عليهم يوم القيامة ، فهؤلاء أول الشيعة الذين يدخلون الفردوس ، وهؤلاء أول السابقين ، وأول المقربين وأول المتحورة من التابعين ) . ورجال الكشي : 1 / 43 .
( قال الفضل بن شاذان : ولم يكن في زمن علي بن الحسين « عليه السلام » في أول أمره إلا خمسة أنفس : سعيد بن جبير ، وسعيد بن المسيب ، ومحمد بن جبير بن مطعم ، ويحيى بن أم الطويل ، وأبو خالد الكابلي واسمه وردان ولقبه كنكر ، سعيد بن المسيب رباه أمير المؤمنين « عليه السلام » وكان حَزَن جدُّ سعيد أوصى لأمير المؤمنين « عليه السلام » ) . ( رجال الكشي : 1 / 332 ) .
وعن الصادق « عليه السلام » قال : ( ارتد الناس بعد قتل الحسين « عليه السلام » إلا ثلاثة أبو خالد الكابلي ، ويحيى بن أم الطويل ، وجبير بن مطعم ، ثم إن الناس لحقوا وكثروا .
وروى يونس عن حمزة بن محمد الطيار مثله ، وزاد فيه وجابر بن عبد الله الأنصاري . . . عن أبي جعفر الأول « عليه السلام » قال : أما يحيى بن أم الطويل فكان يظهر الفتوة ، وكان إذا مشى في الطريق وضع الخَلوق على رأسه ، ويمضغ اللبَّان ويطوِّل ذيله ! وطلبه الحجاج فقال : تلعن أبا تراب ! وأمر بقطع يديه ورجليه وقتله ! وأما سعيد بن المسيب فنجى ، وذلك أنه كان يفتي بقول العامة ، وكان آخر أصحاب رسول الله « صلى الله عليه وآله » فنجى . وأما أبو خالد الكابلي فهرب إلى مكة وأخفى نفسه فنجى . وأما عامر بن واثلة : فكانت له يدٌ عند عبد الملك بن مروان ، فلُهيّ عنه . وأما جابر بن عبد الله الأنصاري فكان رجلاً من أصحاب رسول الله « صلى الله عليه وآله » فلم يتعرض له وكان شيخاً قد أسن .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 265 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأما أبو حمزة الثمالي وفرات بن أحنف ، فبقوا إلى أيام أبي عبد الله « عليه السلام » وبقي أبو حمزة إلى أيام أبي الحسن موسى بن جعفر « صلى الله عليه وآله » ) . ( رجال الكشي : 1 / 338 ) .
أقول : تقدم أن معناه أنهم النماذج العليا الثابتة على خط أهل البيت « عليهم السلام » ، بعد موجة الإبادة الأموية وشهادة الإمام الحسين « عليه السلام » ، ولا ينافي ذلك أن يكون في الأمة مخزون من الدين والوعي ، أوجب إفاقتها بالتدريج .
ونكتفي بترجمة موجزة لبعض هؤلاء العظماء ، رضوان الله عليهم :

أ - يحيى بن أم الطويل المطعمي

اسم أم الطويل وَشِيكَة ، وهي مُربية الإمام زين العابدين « عليه السلام » ، لأن أمه شهربانويه توفيت وهو طفل ، فحضنته أم يحيى المشهورة بأم الطويل ، وكان يدعوها أمي ( رجال ابن داود / 202 ) وقد عرف يحيى باسم ابن أم الطويل ، وبلقبه المطعمي ، فقد وصفه به المفيد في الإختصاص / 8 ، قال : ( أصحاب علي بن الحسين « صلى الله عليه وآله » : أبو خالد الكابلي كنكر ويقال اسمه وردان ، ويحيى بن أم الطويل المطعمي ) . والطوسي في رجاله / 120 ، قال : ( يحيي بن أم الطويل المطعمي ) ، وابن شهرآشوب في المناقب : 3 / 311 ، قال : ( وكان بابه يحيى بن أم الطويل المطعمي ) . وتبعهم السيد الخوئي « قدس سره » في معجم رجال الحديث : 21 / 37 .
لكن التستري استظهر في قاموس الرجال : 11 / 30 ، أن يكون ثمالياً ، قال : ( وفي رجال الشيخ : يحيى بن أم الطويل المطعمي ومثله الإختصاص . والظاهر كونه تحريفاً وأنه لما عَدَّت كتب الرجال في أصحاب علي بن الحسين « صلى الله عليه وآله » حكيم بن جبير المطعمي ويحيى بن أم الطويل متصلين كما في رجال البرقي ، كان المطعمي جزء حكيم بن جبير ، فإنه حكيم بن جبير بن مطعم ، فخلط بهذا . - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 266 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والمفهوم من خبر رواه الكراجكي في كنزه في خطبة همام عن أبي حمزة الثمالي ، عن رجل من قومه يعني يحيى بن أم الطويل أنه أخبره عن نوف البكالي . . . الخبر ، كونه ثمالياً من قوم أبي حمزة ) . انتهى .
وكلام التستري موافق للبخاري حيث وصفه بالثمالي وقال في تاريخه الكبير : 4 / 63 : ( يحيى بن أم الطويل الثمالي عن عبد الله بن مليل : قال علي قال النبي ( ص ) : أربعة عشر نجباء ) . انتهى . والثمالي نسبة إلى ثمال بطن من قبيلة الأزد اليمانية ( أنساب السمعاني : 5 / 150 ) والمطعمي نسبة إلى جبير بن مطعم من بني عبد مناف .
لكن وصفه بالمطعمي في مصادرنا تصريح بنسبه ، ولا يصح رفع اليد عنه بظنون الاشتباه التي ذكرها التستري « رحمه الله » .
وكذلك مفهوم قول أبي حمزة عن ( رجل من قومنا ) وتفسير الراوي له بابن أم الطويل فكلاهما ظن لا يرد به التصريح ، والمفيد والطوسي وأمثالهم من علمائنا أعرف بيحيى من بخاري ، فلعله التبس عليه بأبي حمزة الثمالي « رحمه الله » المعاصر للمطعمي والمشهور مثله بصحبته للإمام زين العابدين « عليه السلام » .
وينبغي الإشارة إلى أن بخاري روى عنه هذا الحديث النبوي هكذا بثلاث كلمات ( أربعة عشر نجباء ) ! وأصله عندهم : ( إنه لم يكن قبلي نبي إلا وقد أعطي سبعة رفقاء ووزراء وأنا أعطيت أربعة عشر نجباء ) . أحمد : 1 / 88 ، و 142 و 148 ، والترمذي : 5 / 329 ، والآحاد والمثاني : 1 / 190 ، والطبراني الكبير : 6 / 215 و 216 ، والتراتيب الإدارية : 1 / 19 .
ومع أنهم قالوا ( ومنهم أبو بكر وعمر ) وعدوا البقية علياً وفاطمة والحسنين « عليهم السلام » وحمزة وجعفر وابن مسعود وبلال وعمار وأبو ذر وسلمان والمقداد ) . لكنهم ضعفوا الحديث ، كما في علل الدارقطني : 3 / 263 ، والعلل المتناهية / 30 ، لأن الشيعة رووا صيغته عن النبي « صلى الله عليه وآله » بلفظ : ( ليس في جنة عدن منزل أشرف ولا أفضل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 267 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولا أقرب إلى عرش ربي من منزلي ، نحن فيه أربعة عشر إنساناً : أنا وأخي علي وهو خيرهم وأحبهم إلي ، وفاطمة وهي سيدة نساء أهل الجنة ، والحسن والحسين ، وتسعة أئمة من ولد الحسين ) . ( كتاب سليم بن قيس / 364 ) .
وفي كمال الدين / 335 ، عن الإمام الصادق « عليه السلام » : ( فقيل له : يا ابن رسول الله ومن الأربعة عشر ؟ فقال : محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والأئمة من ولد الحسين ، آخرهم القائم الذي يقوم بعد غيبته فيقتل الدجال ، ويطهر الأرض من كل جور وظلم ) . والمحتضر / 228 .
( (
وكان يحيى « رحمه الله » من شيعة الإمام زين العابدين « عليه السلام » المقربين ، بحكم كونه أخ الإمام من الرضاعة أو الحضانة ، فهو صاحبه من نشأته ، ثم صار تلميذه الخاص وبوابه . وهو الذي دل أبا خالد الكابلي على الإمام « عليه السلام » فرأى منه معجزة واعتقد بإمامته ، بعد أن كان منقطعاً إلى محمد بن الحنفية سبع سنين . ( الهداية / 125 ) .
قال أبو خالد : ( لقيني يحيى ابن أم الطويل وهو ابن داية زين العابدين « عليه السلام » فأخذ بيدي وصرت معه إليه ، فرأيته جالساً في بيت مفروش بالمعصفر ، مكلس الحيطان . . . ) ( عيون المعجزات / 64 ) .
وهنا يأتي السؤال : لماذا لم يحضر يحيى مع الإمام « عليه السلام » في كربلاء ، وقد حضر من هو أصغر منه سناً ؟ والجواب : لعله ممن استثناهم الإمام الحسين « عليه السلام » وأمرهم بالبقاء في أماكنهم ، لأن دورهم سيكون بعد شهادته « عليه السلام » .
( (
ويظهر أن يحيى كان مراقباً من السلطة والناس ، وكانت له أدوار مهمة في المدينة وخارجها ، فكان يظهر بمظهر الشاب غير المتدين ! كما نص عليه الكشي ( فكان يظهر الفتوة وكان إذا مشى في الطريق وضع الخَلوق على رأسه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 268 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ويمضغ الَّلبان ويُطوِّل ذيله ) ! وهو يدل على أن يحيى كان من أصحاب المهمات الخاصة عند الأئمة « عليهم السلام » من أجل تحقيق أهداف كبيرة !
ومن مهماته الجهر بالحق في وجه علماء السلطة ! فكان يدخل إلى المسجد النبوي ويواجه السلطة وعلماءها بأنهم على الباطل ، ويعلن من عند قبر النبي « صلى الله عليه وآله » براءته منهم ! قال الإمام الصادق « عليه السلام » : ( وكان يحيى بن أم الطويل يدخل مسجد رسول الله « صلى الله عليه وآله » ويقول : إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ ) ! ( الإختصاص / 64 ) .
ولا يقوم يحيى بهذا العمل بدون أمر الإمام « عليه السلام » ، فقد كان بواب الإمام الإمام « عليه السلام » وهو ملتزم بتوجيهه تماماً . ولا يأمره الإمام « عليه السلام » به إلا أن يكون مستعداً للموت ! وتعبير الإمام الصادق « عليه السلام » ( وكان يحيى يدخل ويقول . . ) يدل على تكرار إطلاقه لذلك الشعار ، ولا بد أنه أوجب ضجة من أول مرة وواجهه علماء السلطة في المسجد وغيرهم ، وأن السلطة حمَّلت الإمام « عليه السلام » مسؤولية ذلك فأعلن يحيى أنه هو المسؤول عن عمله وليس الإمام « عليه السلام » !
ولا بد أنهم أرادوا اعتقاله فغيَّبَ نفسه ، وقد يكون ذهب بعدها إلى العراق ليقوم بمهمة أكبر في تحريك المسلمين ، فيتحدي الحجاج طاغية بني أمية ويخطب في ساحة عاصمته الكوفة ! فقد روى الكليني « رحمه الله » : 2 / 379 ، عن اليمان بن عبيد الله قال : رأيت يحيى بن أم الطويل وقف بالكناسة ( ساحة الكوفة ) ثم نادى بأعلى صوته : معشر أولياء الله ! إنا برآء مما تسمعون ، من سب علياً فعليه لعنة الله ! ونحن براء من آل مروان وما يعبدون من دون الله ! ثم يخفض صوته فيقول : من سب أولياء الله فلا تقاعدوه ، ومن شك فيما نحن عليه فلا تفاتحوه !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 269 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ومن احتاج إلى مسألتكم من إخوانكم فقد خنتموه ! ثم يقرأ : وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً ) ! انتهى .
وهذا غاية التحدي للحجاج في عاصمته ! وقد تضمنت الفقرة التي نقلها الراوي من خطبته أموراً أساسية ، منها الإصرار على ولاية أمير المؤمنين « عليه السلام » ولعن لاعنيه ، وإعلان البراءة من آل مروان ومعبودهم من دون الله ، وهو خليفتهم وهواهم ! ومنها توجيه الشيعة إلى مقاطعة من يلعن علياً « عليه السلام » ، والى وجوب أن يكونوا طائفة متعاونة متآخية في الإيمان ، فيتفقدوا بعضهم ويتكفلوا حاجة المحتاج ، فإن لم يفعلوا واحتاج أخوهم إلى استعطائهم ، فمعناه أنهم خانوا أخوته وقصروا في حقه !
ولا تذكر الروايات ردة فعل السلطة ، ولا كيف أفلت يحيى من قبضة الحجاج في الكوفة ، وكم بقي فيها ؟ لكنها تذكر أنه ذهب إلى عاصمة الحجاج الجديدة واسط ، وهناك ألقى الحجاج القبض عليه ، وأحضره وطلب منه أن يلعن علياً « عليه السلام » فأبى فأمر بقطع يديه ورجليه ثم قتله ، رضوان الله عليه .
قال محمد بن جرير الطبري الشيعي في دلائل الإمامة / 193 : ( وبوابه « عليه السلام » يحيى بن أم الطويل المدفون بواسط ، قتله الحجاج ) .
أقول : وقبره وقبر سعيد بن جبير الآن مزار في مدينة الواسط أو الكوت .
ويظهر أن فعاليات يحيى وأحداث حياته « رحمه الله » كانت كثيرة حتى ألَّفَ فيه أحد كبار العلماء الرواة كتاباً أورده في الذريعة : 1 / 353 ، قال : ( أخبار يحيى بن أم الطويل ، لأبي عبد الله الدبيلي محمد بن وهبان من مشايخ التلعكبري الذي توفي سنة 385 ، ذكره النجاشي ، ويحيى هذا هو الذي طلبه الحجاج وأمر بقطع
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 270 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يديه ورجليه ، ثم قتله ) .

ب - سعيد بن المسيب بن حَزَن بن أبي وهب المخزومي

قال الكشي « رحمه الله » : 1 / 332 : ( قال الفضل بن شاذان : ولم يكن في زمن علي بن الحسين « عليه السلام » في أول أمره إلا خمسة أنفس : سعيد بن جبير ، وسعيد بن المسيب ومحمد ( حكيم ) بن جبير بن مطعم ، ويحيى بن أم الطويل ، وأبو خالد الكابلي واسمه وردان ولقبه كنكر . سعيد بن المسيب رباه أمير المؤمنين « عليه السلام » وكان حَزَن جد سعيد أوصى لأمير المؤمنين « عليه السلام » ) . ونحوه المناقب : 3 / 311 ، وأضاف : ( قال زين العابدين « عليه السلام » : سعيد بن المسيب أعلم الناس بما تقدم من الآثار ، أي في زمانه ) .
وقال الذهبي في تذكرته : 1 / 54 : ( سعيد بن المسيب ، الإمام ، شيخ الإسلام ، فقيه المدينة ، أبو محمد المخزومي ، أجَلُّ التابعين ، ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر وسمع من عمر شيئاً وهو يخطب ، وسمع من عثمان وزيد بن ثابت وعائشة وسعد وأبي هريرة ، وخلق ، وكان واسع العلم وافر الحرمة متين الديانة قَوَّالاً بالحق . . . وقال أحمد بن حنبل وغيره : مراسلات سعيد صحاح ، وقال قتادة ما رأيت أحداً أعلم من سعيد بن المسيب ، وكذا قال الزهري ومكحول وغير واحد ، وصدقوا ) . وفي سيره : 4 / 217 : ( الإمام العلم . . وسيد التابعين في زمانه ) . انتهى .
فابن المسيب « رحمه الله » عند علماء المذاهب السنية إمام في الحديث ، وإمام صاحب مذهب في الفقه ، ومصادرهم مليئة بفتاواه وأحاديثه .
أما علماؤنا فقد اتفقوا على أنه كان شيعياً ووثقه بعضهم ، وطعن فيه بعضهم وتوقف آخرون ! قال السيد الخوئي « قدس سره » في معجم رجال الحديث : 9 / 138 : ( سعيد بن المسيب بن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 271 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
حَزَن أبو محمد المخزومي ، سمع منه علي بن الحسين « عليه السلام » وروى عنه « عليه السلام » وهو من الصدر الأول ( رجال الشيخ في أصحاب السجاد « عليه السلام » ) وعده البرقي أيضاً في أصحاب السجاد « عليه السلام » . . وذكر السيد الخوئي قول الفضل بن شاذان الذي رواه الكشي ، ثم أورد بضعة روايات في مدح سعيد وضعَّفَها ما عدا رواية : ( قُرب الإسناد : ج 3 ح 25 ، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر قال : وذكر عند الرضا « عليه السلام » القاسم بن محمد خال أبيه وسعيد بن المسيب فقال « عليه السلام » : كانا على هذا الأمر . أقول : هذه الرواية لا تدل على حسن الرجل فضلاً عن وثاقته ، بل تدل على أنه كان شيعياً موالياً لأهل البيت « عليهم السلام » . . . هذه هي عمدة ما ورد في مدح سعيد بن المسيب وقد عرفت أنها غير تامة ، وما قال له الفضل بن شاذان لو اعتمدنا عليه لا دلالة فيه على وثاقة سعيد ، والله العالم . .
ثم ردَّ السيد الخوئي « رحمه الله » روايات الطعن فيه ، كالرواية التي ذكر فيها ابن المسيب أنه لما اجتمع الناس على جنازة الإمام « عليه السلام » وفرغ المسجد النبوي طمع أن يصلي فيه ركعتين بخشوع كما علمه الإمام زين العابدين « عليه السلام » ، لكن ظهرت معجزة وكرامة للإمام « عليه السلام » فسمع تكبيراً من السماء والأرض ، قال : ( ووثبت لأصلي فجاء تكبير من السماء فأجابه تكبير من الأرض فأجابه تكبير من السماء فأجابه تكبير من الأرض ، ففزعت وسقطت على وجهي فكبر من في السماء سبعاً وكبر من في الأرض سبعاً ، وصلى على علي بن الحسين ، ودخل الناس المسجد فلم أدرك الركعتين ولا الصلاة على علي بن الحسين فقلت : يا سعيد لو كنت أنا لم أختر إلا الصلاة على علي بن الحسين إن هذا هو الخسران المبين ! قال : فبكى سعيد ثم قال : ما أردت إلا الخير ، ليتني كنت صليت عليه فإنه ما رؤيَ مثله ) . وقال السيد الخوئي « قدس سره » ( هذه الرواية أيضاً مرسلة ، ويزيد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 272 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
على ذلك أن جميع رواتها بين مهمل ومجهول ، على أنه قد ذكر غير واحد أن سعيد بن المسيب مات سنة 94 أو قبل ذلك ، فهو قد مات قبل وفاة السجاد « عليه السلام » فإنه سلام الله عليه توفي سنة 95 ) .
ثم ردَّ السيد الخوئي « قدس سره » أيضاً طعن بعضهم فيه بأنه كان يفتي بقول العامة ، وأنه إن صح ذلك فقد يكون تقية ، ثم ذكر أن العلامة وابن داود ترجما ابن المسيب في قسم المعتمدين ، وأن الشهيد الثاني تعجب من ذلك لأن سيرته ومذهبه في الأحكام الشرعية مخالفة لطريقة أهل البيت « عليهم السلام » وأشبه بطريقة أبي هريرة ، ونقل عن المفيد في كتاب الأركان أن سعيداً كان ناصبياً لرفضه الصلاة على جنازة الإمام زين العابدين « عليه السلام » !
وردَّ ذلك بأن عداءه لأهل البيت « عليهم السلام » لم يثبت ، ولم يثبت عن المفيد ما نقل عن كتاب الأركان ، فالكتاب لم يصل إلينا ولا صح طريق الشهيد الثاني إليه .
ثم ختم السيد الخوئي « قدس سره » بقوله : ( فتلخص مما ذكرناه أن الصحيح هو التوقف في أمر الرجل لعدم تمامية سند المدح والقدح . ولقد أجاد المجلسي حيث اقتصر على نقل الخلاف في حال الرجل من دون ترجيح ) . انتهى .
هذا ، لكن المتأمل في سيرة ابن المسيب « رحمه الله » الواسعة في مصادر الطرفين ، يجد أن الروايات المادحة له توجب القول بوثاقته لأنها كثيرة مستفيضة يعضد بعضها بعضاً ، ولا يضر فيها أن كل واحدة منها بمفردها ضعيفة ، هذا لو سلمنا أنها كذلك . والإستفاضة والتظافر على معنى يجبران ضعف السند على مبنى السيد الخوئي نفسه « قدس سره » فقد قال في كتاب الخمس : 1 / 308 : ( وفيه أن الروايات الدالة على أن المراد به الإمام « عليه السلام » كثيرة جداً وإن كانت ضعيفة السند بأجمعها فهي نصوص مستفيضة متظافرة ) . وقال في معجمه : 14 / 100 ، في توثيق عمرو بن الحمق :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 273 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
( إن ما تقدم من الروايات وإن كانت كلها ضعيفة السند ، إلا أنها مستفيضة ) بل اكتفى فيه بشهادة البرقي « رحمه الله » فقال : ( مضافاً إلى أن شهادة البرقي على أنه كان من شرطة الخميس فيها كفاية ) . ومن الواضح أن توثيق ابن المسيب لا يعني قبول ما خالف مذهب أهل البيت « عليهم السلام » للتقية ، من فقهه وروايته « رحمه الله » .
( (
وإذا نظرنا إلى مسند ابن المسيب « رحمه الله » نجد أنه روى أصول مذهب التشيع ، وكثير من رواياته صحيح السند وبعضها في مصادر السنيين . وهذه نماذج منها :
نلاحظ فيها اعتقاد ابن المسيب بالإمام زين العابدين « عليه السلام » واحترامه له ، رغم أنه أكبر منه سناً بخمس وعشرين سنة ! ففي الهداية / 207 : ( عن سعيد بن المسيب قال : لما استشهد أبو عبد الله الحسين وحج الناس من قابل ، دخلت على سيدي علي بن الحسين فقلت له يا مولاي قد قرب الحج فماذا تأمرني ؟ قال : إمض على نيتك فحججت ، فبينما أنا أطوف بالكعبة فإذا نحن برجل مقطوع اليدين ووجهه كقطع الليل المظلم متعلقاً بأستار الكعبة وهو يقول : اللهم رب هذا البيت الحرام اغفر لي وما أحسبك تغفر لي ، ولو شفع لي سكان سماواتك وجميع من خلقت لعظم جرمي ! وذكر قصته وأنه شارك في سلب الإمام الحسين « عليه السلام » و سرق تكة سراويله !
وفي مناقب آل أبي طالب : 3 / 284 : ( سأل ليث الخزاعي سعيد بن المسيب عن إنهاب المدينة ؟ قال : نعم شدوا الخيل إلى أساطين مسجد رسول الله ورأيت الخيل حول القبر ، وانتُهب المدينة ثلاثاً ، فكنت أنا وعلي بن الحسين نأتي قبر النبي « صلى الله عليه وآله » فيتكلم علي بن الحسين بكلام لم أقف عليه ، فيحال ما بيننا وبين القوم ونصلي ، ونرى القوم وهم لا يروننا ) !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 274 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي الكافي : 8 / 244 ، بسند صحيح : ( عن سعيد بن المسيب قال : سمعت علي بن الحسين يقول : إن رجلاً جاء إلى أمير المؤمنين فقال : أخبرني إن كنت عالماً عن الناس وعن أشباه الناس وعن النسناس ؟ فقال أمير المؤمنين « عليه السلام » : يا حسين أجب الرجل . فقال الحسين : أما قولك : أخبرني عن الناس ، فنحن الناس ولذلك قال الله تعالى ذكره في كتابه : ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس ، فرسول الله « صلى الله عليه وآله » الذي أفاض بالناس . وأما قولك أشباه الناس ، فهم شيعتنا وهم موالينا وهم منا ، ولذلك قال إبراهيم « عليه السلام » : فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي . وأما قولك : النسناس ، فهم السواد الأعظم ، وأشار بيده إلى جماعة الناس ، ثم قال : إِنْ هُمْ إِلا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً ) .
وفي الكافي : 9 / 338 ، من حديث مفصل فيه مناقب لأمير المؤمنين « عليه السلام » : ( سألت علي بن الحسين : ابنَ كم كان علي بن أبي طالب يوم أسلم ؟ فقال : أوَ كانَ كافراَ قط ؟ ! إنما كان لعلي حيث بعث الله عز وجل رسوله « صلى الله عليه وآله » عشر سنين ولم يكن يومئذ كافراً ، ولقد آمن بالله تبارك وتعالى وبرسوله « صلى الله عليه وآله » . . . فقال سعيد بن المسيب لعلي بن الحسين : جعلت فداك كان أبو بكر مع رسول الله حين أقبل إلى المدينة فأين فارقه ؟ فقال : إن أبا بكر لما قدم رسول الله « صلى الله عليه وآله » إلى قبا فنزل بهم ينتظر قدوم علي « عليه السلام » ، فقال له أبو بكر : إنهض بنا إلى المدينة فإن القوم قد فرحوا بقدومك وهم يستريثون إقبالك إليهم ، فانطلق بنا ولا تقم هاهنا تنتظر علياً ، فما أظنه يقدم عليك إلى شهر ! فقال له رسول الله « صلى الله عليه وآله » : كلا ما أسرعه ولست أريم حتى يقدم ابن عمي وأخي في الله عز وجل وأحب أهل بيتي إليَّ فقد وقاني بنفسه من المشركين . قال : فغضب عند ذلك أبو بكر واشمأز وداخله من ذلك حسد لعلي ، وكان ذلك أول عداوة بدت منه لرسول الله في علي ، وأول خلاف
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 275 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
على رسول الله ! فانطلق حتى دخل المدينة وتخلَّف رسول الله « صلى الله عليه وآله » ) . ورواه في مختصر البصائر / 129 ، بسند صحيح .
وفي كمال الدين / 256 : ( عن سعيد بن المسيب ، عن عبد الرحمن بن سمرة قال : قال رسول الله « صلى الله عليه وآله » : لُعِنَ المجادلون في دين الله على لسان سبعين نبياً . . . قال عبد الرحمن بن سمرة : فقلت : يا رسول الله أرشدني إلى النجاة ، فقال : يا ابن سمرة إذا اختلف الأهواء وتفرقت الآراء ، فعليك بعلي بن أبي طالب ، فإنه إمام أمتي وخليفتي عليهم من بعدي ، وهو الفاروق الذي يميز به بين الحق والباطل ، من سأله أجابه ومن استرشده أرشده ، ومن طلب الحق عنده وجده ، ومن التمس الهدى لديه صادفه ، ومن لجأ إليه أمنه ، ومن استمسك به نجاه ، ومن اقتدى به هداه . يا ابن سمرة ، سلم منكم من سلَّم له ووالاه ، وهلك من رد عليه وعاداه . يا ابن سمرة إن علياً مني روحه من روحي وطينته من طينتي ، وهو أخي وأنا أخوه ، وهو زوج ابنتي فاطمة سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين ، وإن منه إماميْ أمتي وسيدي شباب أهل الجنة الحسن والحسين ، وتسعة من ولد الحسين تاسعهم قائم أمتي ، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً ) . والأمالي / 78 .
وفي أمالي الصدوق / 284 : ( عن سعيد بن المسيب ، عن أبي الحمراء قال رسول الله « صلى الله عليه وآله » : رأيت ليلة الإسراء مكتوباً على قائمة من قوائم العرش : أنا الله لا إله إلا أنا ، خلقت جنة عدن بيدي ، محمد صفوتي من خلقي ، أيدته بعلي ، ونصرته بعلي ) .
وفي كفاية الأثر / 31 : ( عن سعيد بن المسيب ، عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله « صلى الله عليه وآله » : الأئمة بعدي اثنا عشر ، تسعة من صلب الحسين ، والتاسع
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 276 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قائمهم . ثم قال : لا يبغضنا إلا منافق ) .
وفي كفاية الأثر / 33 : ( عن سعيد بن المسيب ، عن أبي سعيد الخدري قال : صلى بنا رسول الله « صلى الله عليه وآله » الصلاة الأولى ، ثم أقبل بوجهه الكريم علينا فقال : معاشر أصحابي ، إن مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح وباب حطة في بني إسرائيل ، فتمسكوا بأهل بيتي بعدي والأئمة الراشدين من ذريتي ، فإنكم لن تضلوا أبداً . فقيل يا رسول الله كم الأئمة بعدك ؟ فقال : اثنا عشر من أهل بيتي ) .
وفي / 38 : عن سعيد بن المسيب ، عن أبي ذر الغفاري قال : قال رسول الله « صلى الله عليه وآله » الأئمة بعدي اثنا عشر تسعة من صلب الحسين ، تاسعهم قائمهم ، ألا إن مثلهم فيكم مثل سفينة نوح ، من ركبها نجى ومن تخلف عنها هلك ، ومثل باب حطة في بني إسرائيل ) .
وفي كفاية الأثر / 93 : ( عن سعيد بن المسيب ، عن عمر بن عثمان بن عفان قال : قال لي أبي : سمعت رسول الله يقول : الأئمة بعدي اثنا عشر تسعة من صلب الحسين ، ومنا مهدي هذه الأمة ، من تمسك من بعدي بهم فقد استمسك بحبل الله ، ومن تخلى منهم فقد تخلى من الله ) .
وفي كفاية الأثر / 134 : ( عن سعيد بن المسيب ، عن سعد بن مالك أن النبي « صلى الله عليه وآله » قال : يا علي أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ، تقضي ديني وتنجز عداتي وتقاتل بعدي على التأويل كما قاتلت على التنزيل .
يا علي حبك إيمان وبغضك نفاق ، ولقد نبأني اللطيف الخبير أنه يخرج من صلب الحسين تسعة من الأئمة معصومون مطهرون ، ومنهم مهدي هذه الأمة الذي يقوم بالدين في آخر الزمان كما قمت في أوله ) .
وفي كفاية الأثر / 38 : عن سعيد بن المسيب ، عن أبي ذر الغفاري قال : لا يزال
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 277 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الدعاء محجوباً حتى يصلَّى عليَّ وعلى أهل بيتي )
وفي الإرشاد : 1 / 88 ، عنه « رحمه الله » قال : ( لو رأيت مقام علي يوم أحد لوجدته قائماً على ميمنة رسول الله « صلى الله عليه وآله » يذب عنه بالسيف ، وقد ولى غيره الأدبار ) .
وفي أمالي المفيد / 91 : ( عن سعيد بن المسيب قال : لما قبض النبي « صلى الله عليه وآله » ارتجَّت مكة بنعيه ، فقال أبو قحافة : ما هذا ؟ قالوا : قبض رسول الله قال : فمن وليَ الناس بعده ؟ قالوا : ابنك ، قال : فهل رضيت بنو عبد شمس وبنو المغيرة ؟ قالوا : نعم ، قال : لا مانع لما أعطى الله ولا معطي لما منع الله ، ما أعجب هذا الأمر تنازعون النبوة وتسلمون الخلافة ! إن هذا لشئ يراد ) .
وفي أمالي المفيد / 152 : ( عن سعيد بن المسيب قال : سمعت يحيى بن أم الطويل يقول : سمعت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب « عليه السلام » يقول : ما بين لوحي المصحف من آية إلا وقد علمت فيمن نزلت وأين نزلت في سهل أو جبل ، وإن بين جوانحي لعلماً جماً فسلوني قبل أن تفقدوني ، فإنكم إن فقدتموني لم تجدوا من يحدثكم مثل حديثي ) .
وفي جامع بيان العلم لابن عبد البر / 114 وغيره ، عن سعيد بن المسيب قال : ( ما كان أحد من الناس يقول سلوني غير علي بن أبي طالب ) . انتهى .
ولا يبعد أن أصله : ما كان لأحد أن يقول سلوني ، فوقع فيه تصحيف .
وفي أمالي المفيد / 235 : ( عن سعيد بن المسيب قال : سمعت رجلاً يسأل ابن عباس عن علي بن أبي طالب ، فقال له ابن عباس : إن علي بن أبي طالب صلى القبلتين وبايع البيعتين ، ولم يعبد صنماً ولا وثناً ، ولم يضرب على رأسه بزَلَمٍ ولا قَدَح ، ولد على الفطرة ، ولم يشرك بالله طرفة عين .
فقال الرجل : إني لم أسألك عن هذا ، وإنما سألتك عن حمله سيفه على
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 278 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عاتقه يختال به حتى أتى البصرة فقتل بها أربعين ألفاً ، ثم سار إلى الشام فلقي حواجب العرب فضرب بعضهم ببعض حتى قتلهم ، ثم أتى النهروان وهم مسلمون فقتلهم عن آخرهم !
فقال له ابن عباس : أعليٌّ أعلم عندك أم أنا ؟ فقال : لو كان علي أعلم عندي منك لما سألتك ! قال : فغضب ابن عباس حتى اشتد غضبه ثم قال : ثكلتك أمك علي علَّمني ! كان علمه من رسول الله « صلى الله عليه وآله » ورسول الله علمه الله من فوق عرشه فعلم النبي « صلى الله عليه وآله » من الله ، وعلم علي من النبي ، وعلمي من علم علي ، وعلم أصحاب محمد كلهم في علم علي كالقطرة الواحدة في سبعة أبحر ) .
واستشهد الإمام زين العابدين « عليه السلام » بحديث المنزلة الذي رواه سعيد ، عندما قيل له : ( إن الناس يقولون : إن خير الناس بعد رسول الله « صلى الله عليه وآله » أبو بكر ، ثم عمر ثم عثمان ثم علي ، قال : فما يصنعون بخبر رواه سعيد بن المسيب ، عن سعد بن أبي وقاص ، عن النبي « صلى الله عليه وآله » أنه قال لعلي : أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ؟ فمن كان في زمن موسى مثل هارون ) ! ( معاني الأخبار / 74 ، والهداية / 162 ) .
وفي تاريخ دمشق : 49 / 165 : ( حدثنا الزبير بن بكار ، حدثني بعض أصحابنا قال : وقال ابن أبي عتيق للقاسم يوماً : يا ابن قاتل عثمان ! فقال له سعيد بن المسيب : أتقول هذا ؟ ! فوالله إن القاسم لخيركم ، وإن أباه محمداً لخيركم ، فهو خيركم وابن خيركم ) !
وفي تذكرة الحفاظ : 1 / 55 و 56 : ( عن المطلب بن السائب قال : كنت جالساً مع سعيد بن المسيب بالسوق ، فمرَّ بريد لبني مروان ، فقال له سعيد : من رُسُل بني مروان أنت ؟ قال : نعم ، قال : كيف تركت بني مروان ؟ قال : بخير ، قال : تركتهم يجيعون الناس ويشبعون الكلاب ! فاشرأبَّ الرسول ! فقمت إليه فلم أزل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 279 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أزجيه حتى انطلق ، فقلت لسعيد : يغفر الله لك تُشيط بدمك ؟ فقال : أسكت يا أحيمق فوالله ليسلمني الله ما أخذت بحقوقه . . . قال أبو يونس القوي : دخلت المسجد فإذا سعيد بن المسيب جالسٌ وحده ، قلت : ما شأنه ؟ قالوا نُهيَ أن يجالسه أحد ! قلت : قد أفردت سيرة سعيد في مؤلف ، وقد اختلفوا في وفاته على أقوال ، أقواها سنة أربع وتسعين ، أرخها الهيثم بن عدي ) .
وفي سير الذهبي : 4 / 226 ، أنه امتنع أن يأخذ عطاءه من من بني مروان وقال : لا حاجة لي فيها حتى يحكم الله بيني وبين بني مروان ) !
وفي / 229 ، أن والي المدينة طلب منه أن يبايع لولديْ عبد الملك فامتنع فضربه ستين سوطاً ، وطاف به في تَبَّان من شعر ، فكتب إليه عبد الملك يلومه فيما صنع به ويقول : سعيد كان والله أحوج إلى أن تصل رحمه من أن تضربه ، وإنا لنعلم ما عنده خلاف . . . كما روى أن والي المدينة عامل ابن الزبير دعاه إلى البيعة فقال : لا حتى يجتمع الناس . فضربه ستين سوطاً فبلغ ذلك ابن الزبير فكتب إلى جابر يلومه ويقول : مالنا ولسعيد ، دعه .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 280 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

ج - القاسم بن محمد بن أبي بكر « رحمه الله »

كان محمد بن أبي بكر « رحمه الله » حاكم مصر من قبل أمير المؤمنين « عليه السلام » فغزا معاوية وعمرو بن العاص مصر ، وساعدهم أتباع عثمان هناك ، وانتصروا على المصريين وقتلوا أميرهم محمد بن أبي بكر « رحمه الله » وأحرقوا جثته !
( فلما بلغ ذلك عائشة أم المؤمنين جزعت عليه جزعاً شديداً ، وقنتت في دبر كل صلاة تدعو على معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص ومعاوية بن حديج ! وقبضت عيال محمد أخيها وولده إليها ، فكان القاسم بن محمد بن أبي بكر في عيالها ) . رواه الثقفي في الغارات : 1 / 285 ، ثم روى عن أسماء بنت عميس أم محمد بن أبي بكر : ( لما أتاها نعي محمد بن أبي بكر وما صُنع به كظمت حزنها وقامت إلى مسجدها حتى تشخَّبَتْ دماً ) . انتهى .
وفي رواية تشخَّب ثدياها دماً ، وقد يفسر ذلك إن صح ، بارتفاع ضغط الجسم من الحزن ! لكن الذي زاد ارتفاع ضغط عائشة أن ضُرَّتها رملة بنت أبي سفيان ، المعروفة بأم حبيبة أم المؤمنين ، عبَّرت لها بطريقتها عن فرحتها بقتل أخيها معاوية لأخيها محمد ! ( لما قتل ووصل خبره إلى المدينة مع مولاه سالم ومعه قميصه ، ودخل به داره اجتمع رجال ونساء ! فأمرت أم حبيبة بنت أبي سفيان زوج النبي « صلى الله عليه وآله » بكبش فَشُوِيَ ، وبعثت به إلى عائشة وقالت : هكذا قد شُوِيَ أخوك ! فلم تأكل عائشة بعد ذلك شواء حتى ماتت . . . حلفت عائشة لا تأكل شواءً أبداً ، فما أكلت شواءً بعد مقتل محمد ( سنة 38 ) حتى لحقت بالله ( سنة 57 ) وما عثرت قط إلا قالت : تَعِسَ معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص ومعاوية بن حديج ) . ( الغارات : 1 / 287 ، و : 2 / 757 ، وأنساب الأشراف / 403 ، وحياة الحيوان للدميري : 1 / 404 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 281 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي سير الذهبي : 2 / 186 : ( إن معاوية لما حج قدم فدخل على عائشة فلم يشهد كلامها إلا ذكوان مولى عائشة فقالت لمعاوية : أأمنت أن أخبئ لك رجلاً يقتلك بأخي محمد ؟ ! قال : صدقت ! وفي رواية قال لها : ما كنت لتفعلي ) . ( ونحوه في الطبري : 4 / 205 ، والاستيعاب : 1 / 238 ، وشرح الأخبار : 2 / 171 . راجع جواهر التاريخ : 2 / 148 ) .
وقد أجمعت المصادر السنية على مدحه ووثيقه ووصفته بالفقاهة والإمامة .
قال ابن سعد في الطبقات : 5 / 187 : ( كان القاسم بن محمد يحدث بالحديث على حروفه . . . كان يتحدث بعد العشاء الآخرة هو وأصحابه . . سمعت مالك بن أنس يقول : قال عمر بن عبد العزيز : لو أن القاسم لها يعني الخلافة . . . كان يأتي من بيته إلى المسجد فيصلي ويقعد للناس ويقعدون إليه بكرة . . . حدثني خالد بن أبي بكر قال : رأيت على القاسم بن محمد عمامة بيضاء ، وقد سدل خلفه منها أكثر من شبر . . . لم أر القاسم بن محمد يخضب . . . مات القاسم سنة ثمان ومائة وكان ذهب بصره وهو ابن سبعين أو اثنتين وسبعين سنة ، وكان ثقة ، وكان رفيعا عالياً فقيهاً إماماً ، كثير الحديث ، ورعاً . وكان يكنى أبا محمد ) .
وفي تاريخ بخاري الكبير : 7 / 157 : ( روى عنه الزهري ونافع وابنه عبد الرحمن ، وقال علي ( المديني ) عن ابن عيينة : كان من أفضل أهل زمانه . . . ما رأيت أحداً أعلم بالسنة من القاسم ، وما كان الرجل يعد رجلاً حتى يعرف السنة ) .
وفي تذكرة الحفاظ : 1 / 96 : ( قال يحيى بن سعيد الأنصاري : ما أدركنا بالمدينة أحداً نفضله على القاسم . وعن أبي الزياد قال : ما رأيت فقيهاً أعلم من القاسم وما رأيت أحداً أعلم بالسنة منه . . . وعن عمر بن عبد العزيز قال : لو كان لي من الأمر شئ لاستخلفت أعيمش بني تيم يعني القاسم ، وصدق فإن الخلافة من بعده كانت معهودة إلى يزيد بن عبد الملك من سليمان ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 282 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي تقريب التهذيب : 2 / 23 : ( ثقةٌ ، أحد الفقهاء بالمدينة ، قال أيوب : ما رأيت أفضل منه من كبار الثالثة . مات سنة ست ومائة على الصحيح ) .
وقال ابن حجر في تهذيب التهذيب : 8 / 2991 : ( وقال الزبير : ما رأيت أبا بكر ولد ولداً أشبه به من هذا الفتى . . . عن يحيى بن سعيد : ما أدركنا بالمدينة أحداً نفضله على القاسم . . . وقال ابن حبان في ثقات التابعين : كان من سادات التابعين من أفضل أهل زمانه علماً وأدباً وفقهاً ، وكان صموتاً ، فلما ولي عمر بن عبد العزيز قال أهل المدينة : اليوم تنطق العذراء ! أرادوا القاسم ) .
مع أن القاسم بن محمد بن أبي بكر « رحمه الله » نحو عشرين سنة مع عمته عائشة ، وروى عنها ، لكنه بقي كأبيه محمد وفياً لعلي والعترة الطاهرة « عليهم السلام » ، وكان يتحمل الإحراج من السلطة الأموية ومؤيديها لأن أباه محمداً شارك في قتل عثمان بن عفان ، ولم يكن يُدين عمله ! وتقدم أن سعيد بن المسيب « رحمه الله » تدخَّلَ عندما قال ابن أبي عتيق للقاسم : يا ابن قاتل عثمان ! فقال له سعيد بن المسيب : أتقول هذا ؟ ! فوالله إن القاسم لخيركم وإن أباه محمداً لخيركم ، فهو خيركم وابن خيركم ) ! ( تاريخ دمشق : 49 / 165 ) . يقول له نعم إن أباه قاتل عثمان وهو مع ذلك خيركم يا بني تيم ، وابنه القاسم خيركم أيضاً !
ومن طريف مواقف القاسم « رحمه الله » عندما ركبت عمته عائشة على بغلة وجاءت لتمنع دفن الإمام الحسن « عليه السلام » عند قبر جده « صلى الله عليه وآله » : ( فأتاها القاسم بن محمد بن أبي بكر ، فقال لها : يا عمة ! ما غسلنا رؤوسنا من يوم الجمل الأحمر ، أتريدين أن يقال يوم البغلة الشهباء ) ! ( تاريخ اليعقوبي : 2 / 225 ) . وفي علل الشرائع : 1 / 225 : قال الإمام الصادق « عليه السلام » : ( أول امرأة ركبت البغل بعد رسول الله « صلى الله عليه وآله » عائشة ! جاءت إلى المسجد فمنعت أن يدفن الحسن بن علي مع رسول الله « صلى الله عليه وآله » ) . انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 283 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وكان القاسم بن محمد بن أبي بكر « رحمه الله » ابن خالة الإمام زين العابدين « عليه السلام » فقد كان ابن جابر الحنفي والياً من قبل علي « عليه السلام » على إيران وأرسل إليه بنتي يزدجرد ، فنحل إحداهما للحسين « عليه السلام » وهي أم زين العابدين « عليه السلام » ونحل الثانية لمحمد بن أبي بكر « رحمه الله » فولدت له القاسم . ( الإرشاد : 2 / 137 ، وروضة الواعظين / 201 ) .
ومع أنهما متقاربان سناً لكن القاسم كان يعتقدُّ بإمامة علي بن الحسين وأنه أحد منظومة الإمامة من العترة الطاهرة « عليهم السلام » . وكان هو وسعيد بن المسيب وأبا خالد الكابلي من ثقاته كما ورد عن الإمام الصادق « عليه السلام » . ( الكافي : 1 / 472 ) .
وقد تقدم تصحيح السيد الخوئي « قدس سره » : 9 / 138 ، للرواية عن الإمام الرضا « عليه السلام » أن القاسم وسعيد بن المسيب : ( كانا على هذا الأمر ) .
وقد خص الله القاسم بن محمد بن أبي بكر « رحمه الله » بكرامة عظيمة ، فكانت ابنته أم فروة زوجة الإمام الباقر وأم الإمام الصادق « صلى الله عليه وآله » . ومن هنا تعلق المخالفون بأن أبا بكر جد الإمام الصادق « عليه السلام » !
ففي العيون : 2 / 47 ، في حديث اللوح الذي أهداه الله إلى فاطمة « عليها السلام » : ( أبو محمد علي بن الحسين العدل أمه شهربانو بنت يزدجرد . أبو جعفر محمد بن علي الباقر أمه أم عبد الله بنت الحسن بن علي بن أبي طالب . أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق ، وأمه أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 284 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

د - حكيم بن جبير بن مطعم

قال السيد الخوئي « قدس سره » في معجم الرجال : 7 / 195 : ( حكيم بن جبير بن مطعم بن عدي بن عبد مناف ، القرشي ، المدني ، من أصحاب السجاد « عليه السلام » ( رجال الشيخ ) وعده البرقي مع توصيفه بالمطعمي في أصحاب السجاد « عليه السلام » ) . انتهى .
وعندما ترجع إلى مرويات حكيم بن جبير بن مطعم « رحمه الله » في مصادرنا تجدها أحاديث نارية في ولاية أهل البيت « عليهم السلام » والبراءة من أعدائهم ! وهي صفة لأكثر مرويات هؤلاء الأصحاب الخاصين للإمام زين العابدين « عليه السلام » .
وهذا السبب في أن رواة السلطة لم يرووا عن حكيم ، بل لم يترجموه ، مع أنهم ترجموا بالتفصيل لأبناء جبير بن مطعم : محمد ونافع وأبو سليمان . بل حاولوا أن ينفوا حكيم بن جبير عن المطعميين ، فجعلوه أسدياً تارةً ، وزعموا تارةً أن ابنه قال إن أباه غلام لبني أمية تارة ، وبعضهم جعله غلاماً لثقيف !
وبما أنه ويحيى ابن أم الطويل مطعميان أو نوفليان ، فينبغي الإشارة إلى جدهما مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف ، الذي كان من أعقل مشركي قريش إن كان فيهم عاقل ! ويعرف أولاده ببني نوفل في مقابل بني هاشم ، وبني المطلب ، وبني عبد شمس أي الأمويين .
قال ابنه جبير بن مطعم : ( لما كان يوم خيبر وضع رسول الله « صلى الله عليه وآله » سهم ذي القربى في بني هاشم وبني المطلب ، وترك بني نوفل وبني عبد شمس ، فانطلقت أنا وعثمان بن عفان حتى أتينا النبي « صلى الله عليه وآله » فقلنا : يا رسول الله هؤلاء بنو هاشم لا ننكر فضلهم للموضع الذي وضعك الله به منهم ، فما بال إخواننا بني المطلب أعطيتهم وتركتنا وقرابتنا واحدة ؟ فقال رسول الله « صلى الله عليه وآله » : إنا وبني
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 285 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
المطلب لا نفترق وفي رواية النسائي : إن بني المطلب لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام ، وإنما نحن وهم شئ واحد وشبَّك بين أصابعة ) . ( الصحيح من السيرة : 5 / 213 ) .
ولمَّا ات كل قبائل قريش ومعهم بنو كنانة على مقاطعة بني هاشم ومحاصرتهم حتى يسلموهم محمداً ليقتلوه ، قدوا مؤتمرهم في منى ، قعوا صحيفة المقاطعة ! أبى مطعم أن يوقعها وقال : هذا ظلم . ( إعلام الورى : 1 / 125 ) .
وعندما توفي أبو طالب طمعت قريش بقتل النبي « صلى الله عليه وآله » فذهب إلى الطائف يعرض عليهم أن يحموه وينصروه حتى يبلغ رسالة ربه فلم يستجيبوا ، ولما رجع ( وأشرف على مكة وهو معتمر كره أن يدخل مكة وليس له فيها مجير ، فنظر إلى رجل من قريش قد كان أسلم سراً فقال له . . . إذهب إلى مطعم بن عدي فسله أن يجيرني حتى أطوف وأسعى ، فجاء إليه وأخبره فقال : أين محمد ؟ فكره أن يخبره بموضعه فقال : هو قريب ، فقال : إئته فقل له : إني قد أجرتك فتعال وطف واسع ما شئت . فأقبل رسول الله « صلى الله عليه وآله » وقال مطعم لولده ‹ وأختانه وأخيه طعيمة بن عدي : خذوا سلاحكم فإني قد أجرت محمداً وكونوا حول الكعبة حتى يطوف ويسعى ، وكانوا عشرة فأخذوا السلاح . وأقبل رسول الله « صلى الله عليه وآله » حتى دخل المسجد ورآه أبو جهل فقال : يا معشر قريش هذا محمد وحده وقد مات ناصره فشأنكم به . فقال له طعيمة بن عدي : يا عم لا تتكلم فإن أبا وهب قد أجار محمداً ! فوقف أبو جهل على مطعم بن عدي فقال : أبا وهب أمجير أم صابئ ؟ قال بل مجير . قال : إذاً لا يخفر جوارك ) . ( إعلام الورى : 1 / 135 ) .
( ومكث فيها سنة وستة أشهر في جوار مطعم بن عدي وكان يدعو القبائل في المواسم ) . ( الدر النظيم / 111 ) .
ومات مطعم على الشرك ، وخلفه ولده جبير وكان أبوه خيراً منه ، فقد شجع
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 286 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
غلامه وحشياً على قتل النبي « صلى الله عليه وآله » أو علي « عليه السلام » أو حمزة « رحمه الله » ، ووعده بجائزة مع جائزة هند أم معاوية ! ولم يُسلم إلا تحت السيف عند فتح مكة ، وكان من المؤلفة قلوبهم ، ومات سنة تسع وخمسين . ( معارف ابن قتيبة / 285 ) .
فالمطعميون أو النوفليون من بني عبد مناف ، فهم أبناء عم بني هاشم وبني أمية ، وكان منهم شخصيات مع الأمويين ، ونبغ عدد منهم فكانوا مع أهل البيت « عليهم السلام » منهم يحيى وحكيم .
وهذه نماذج من مرويات حكيم « رحمه الله » وهي تكشف عن تشيعه وجرأته :
( عن حكيم بن جبير قال : قال علي بن الحسين : يا حكيم بلغني أنكم تحدثون بالكوفة أن علياً « عليه السلام » فضل أبا بكر وعمر على نفسه ؟ ! قال قلت : أجل . قال : فهذا سعيد بن المسيب حدثني أنه سمع سعد بن أبي وقاص وهو يقول : سمعت رسول الله « صلى الله عليه وآله » يقول لعلي : أنت مني بمنزلة هارون من موسى ، فهل كان في بني إسرائيل بعد موسى مثل هارون ؟ فأين يذهب بك يا حكيم !
وفي رواية : ثم قال : فمن هذا الذي هو من رسول الله « صلى الله عليه وآله » بمنزلة هارون من موسى ؟ ) . ( مناقب أمير المؤمنين : 1 / 521 و 522 ) .
( عن حكيم بن جبير ، عن علي بن زيد بن جذعان ، عن سعيد بن المسيب ، عن سعد بن مالك أن النبي « صلى الله عليه وآله » قال : يا علي أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ، تقضي ديني وتنجز عداتي وتقاتل بعدي على التأويل كما قاتلت على التنزيل . يا علي حبك إيمان وبغضك نفاق ، ولقد نبأني اللطيف الخبير أنه يخرج من صلب الحسين تسعة من الأئمة معصومون مطهرون ، ومنهم مهدي هذه الأمة الذي يقوم بالدين في آخر الزمان كما قمت
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 287 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
في أوله ) . ( كفاية الأثر / 134 ) .
( عن حكيم بن جبير ، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة ، عن زيد بن ثابت قال : سمعت رسول الله « صلى الله عليه وآله » يقول : علي بن أبي طالب قائد البررة وقاتل الفجرة ، منصور من نصره مخذول من خذله ، الشاك في علي هو الشاك في الإسلام ، وخير من أخلف بعدي وخير أصحابي علي ، لحمه لحمي ودمه دمي وأبو سبطي ، ومن صلب الحسين تخرج الأئمة التسعة ، ومنهم مهدي هذه الأمة ) .
( كفاية الأثر / 97 ) .
( عن حكيم بن جبير ، عن مجاهد . . . عن ابن عباس قال : كانت لعلي ثماني عشرة منقبة لو لم يكن له إلا واحدة لنجا ، ولقد كانت له ثماني عشرة منقبة لم تكن لأحد من هذه الأمة ) . ( الخصال / 509 ، والمعجم الأوسط : 8 / 212 ، وشواهد التنزيل : 1 / 23 ) .
( عن حكيم بن جبير ، عن اليمان مولى مصعب بن الزبير قال : قال عمر بن الخطاب : من ترون أنهم يولون الأمر غداً ؟ قالوا : عثمان بن عفان . قال : فأين هم عن علي بن أبي طالب يحملهم على الطريق المستقيم ) . ( شواهد التنزيل : 1 / 84 ) .
أقول : أراد حكيم أن يقول إن خلافة عثمان كانت مرتبة والشورى شكلية ما دام عمر اعطى حق النقض فيها لعبد الرحمن بن عوف صهر عثمان !
وفي الإستذكار لابن عبد البر : 8 / 305 : ( حكيم بن جبير عن خيثمة . . . وعن عيينة بن عبد الرحمن عن أبيه قال كان لأبي بكر مطرف خز سداؤه حرير فكان يلبسه ) .
( عبد الله بن حكيم بن جبير . . . عن علي « عليه السلام » أنه قال لرسول الله « صلى الله عليه وآله » : يا رسول الله هل نقدر على رؤيتك في الجنة كلما أردنا ؟ فقال رسول الله « صلى الله عليه وآله » : إن لكل نبي رفيقا وهو أول من يؤمن به من أمته . وأنت أول من آمن بي ، فأنت لي رفيقي في الجنة . فأنزل الله عز وجل : أولئك مع الذين أنعم الله عليهم من
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 288 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا . فقال رسول الله « صلى الله عليه وآله » لعلي « عليه السلام » : يا علي قد أنزل الله عز وجل جواب ما سألت عنه وجعلك رفيقي في الجنة وأنت الصديق الأكبر ، لأنك أول من أسلم ) . ( شرح الأخبار : 2 / 349 ) .
( عن حكيم بن جبير ، عن علي بن الحسين « عليه السلام » في قول الله عز وجل : وَأَذَانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ . . قال : الأذان علي « عليه السلام » ) . ( معاني الأخبار / 298 ، ونقله في تفسير الميزان : 9 / 179 ، عن الدر المنثور لكن جعله عن حكيم بن حميد ) .
( عن حكيم بن جبير عن أبي الطفيل عن زيد بن أرقم قال : نزل النبي « صلى الله عليه وآله » الجحفة فأمر بدوح فنظف ما تحتهن ثم أقبل على الناس فقام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أني لا أجد لنبي إلا نصف عمر الذي قبله فإني أوشك أن أدعى فأجيب فما أنتم قائلون ؟ قالوا : نقول إنك قد بلغته ونصحت فجزاك الله خيراً كما قدر كل انسان أن يقول قال : أليس تشهدون ألا إله إلا الله وأني عبد الله ورسوله قالوا : بلى . قال : أتشهدون أن الجنة حق وأن النار حق والبعث حق بعد الموت فقالوا : بلى . قال : فرفع رسول الله « صلى الله عليه وآله » يده فوضعها على صدره ثم قال : وأنا أشهد معكم . ثم قال : هل تسمعون قالوا : نعم . قال : فإني فرطكم وأنكم واردون علي الحوض وأن عرضه أبعد ما بين بصرى وصنعاء فيه عدد الكواكب أقداح من فضة فانظروا كيف تخلفوني في الثقلين فنادى مناد يا رسول الله وما الثقلان قال الأكبر كتاب الله طرفه بأيديكم وطرفه بيد الله فاستمسكوا به لا تزلوا ولا تضلوا . والأصغر عترتي فإن اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض ، وسألت لهما ذلك ربي فلا تقدموهم فتهلكوا ولا تقصروا عنهم فتهلكوا ، ولا تعلموهم فهم أعلم منكم ؟ ثم قال : هل تسمعون ؟ فقالوا نعم فقال : أليس تشهدون بأني أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 289 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قالوا : بلى . قال : فأخذ بيد علي فرفعها ثم قال : من كنت مولاه أولى به من نفسه فعلي وليه . ثم أرسل لعلي ثم قال : اللهم وال من والاه وعاد من عاداه . ثم قال زيد بن أرقم حين فرغ من حديث : والله الذي لا إله إلا هو ما بقي تحت الدوح أحد مسمع ومبصر إلا سمع ذلك من رسول الله بأذنه ورآه بعينه ) . ( مناقب أمير المؤمنين : 2 / 375 ) .
( حكيم بن جبير وجماعة قالوا : شهدنا علياً « عليه السلام » على المنبر وهو يقول : أنا عبد الله وأخو رسول الله « صلى الله عليه وآله » ورثت نبي الرحمة ، ونكحت سيدة نساء أهل الجنة وأنا سيد الوصيين وآخر أوصياء النبيين ، لا يدعي ذلك غيري إلا أصابه الله بسوء . فقال رجل من عبس كان جالساً بين القوم : من لا يحسن أن يقول هذا : أنا عبد الله وأخو رسول الله ؟ ! فلم يبرح مكانه حتى تخبطه الشيطان ، فجُرَّ برجله إلى باب المسجد ! فسألنا قومه عنه فقلنا : تعرفون منه عرضاً قبل هذا ؟ قالوا : اللهم ، لا ) . ( الخرائج : 1 / 209 ) .
( حدثني حكيم بن جبير ، عن أبيه ، عن الشعبي ، عن أبي ححيفة وهب السواني عن حذيفة بن أسيد قال : سمعت رسول الله « صلى الله عليه وآله » يقول على المنبر وسألوه عن الأئمة إلا أنه لم يذكر سلمان فقال : الأئمة بعدي بعدد نقباء بني إسرائيل ، ألا إنهم مع الحق والحق معهم ) . ( كفاية الأثر / 130 ) .
( حكيم بن جبير ، عن إبراهيم النخعي ، عن علقمة بن قيس قال : خطبنا أمير المؤمنين « عليه السلام » على منبر الكوفة خطبته اللؤلؤة فقال فيما قال في آخرها : ألا وإني ظاعن عن قريب ومنطلق إلى المغيب ، فارتقبوا الفتنة الأموية والمملكة الكسروية وإماتة ما أحياه الله وإحياء ما أماته الله ، واتخذوا صوامعكم في بيوتكم ، وغضوا على مثل جمر الغضا ، واذكروا الله ذكراً كثيراً فذكره أكبر لو
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 290 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كنتم تعلمون . ثم قال : وتبنى مدينة يقال لها زورا بين دجلة ودجيل والفرات ، فلو رأيتموها مشيدة بالجص والآجر مزخرفة بالذهب والفضة واللازورد المستسقا والمرموم والرخام وأبواب العاج والأبنوس والخيم والقباب والشارات وقد عليت بالساج والعرعر والسنوبر والمشبث وشيدت بالقصور وتوالت ملك بني الشيبصان أربعة وعشرون ملكاً . . . .
فقام إليه رجل يقال له عامر بن كثير فقال : يا أمير المؤمنين لقد أخبرتنا عن أئمة الكفر وخلفاء الباطل فأخبرنا عن أئمة الحق وألسنة الصدق بعدك . قال : نعم إنه بعهد عهده إلي رسول الله « صلى الله عليه وآله » أن هذا الأمر يملكها اثنا عشر إماماً تسعة من صلب الحسين ، ولقد قال النبي « صلى الله عليه وآله » : لما عرج بي إلى السماء نظرت إلى ساق العرش فإذا فيه مكتوب : لا إله إلا الله محمد رسول الله أيدته بعلي ونصرته بعلي ، ورأيت أثني عشر نوراً فقلت : يا رب أنوار من هذه ؟ فنوديت : يا محمد هذه أنوار الأئمة من ذريتك . قلت : يا رسول الله أفلا تسميهم لي ؟ قال : نعم أنت الإمام والخليفة بعدي تقضي ديني وتنجز عداتي ، وبعدك ابناك الحسن والحسين ، بعد الحسين ابنه علي زين العابدين ، وبعده ابنه محمد يدعى بالباقر ، وبعد محمد ابنه جعفر يدعى بالصادق ، وبعد جعفر ابنه موسى يدعى بالكاظم ، وبعد موسى ابنه علي يدعى بالرضا ، وبعد علي ابنه محمد يدعى بالزكي ، وبعد محمد ابنه علي يدعى بالنقي ، وبعد علي ابنه الحسن يدعى بالأمين ، والقائم من ولد الحسن سميي وأشبه الناس بي ، يملأها قسطا وعدلا كما ملئت جوراً وظلماً . قال الرجل : يا أمير المؤمنين فما بال قوم وعوا ذلك من رسول الله « صلى الله عليه وآله » ثم دفعوكم عن هذا الأمر وأنتم الأعلون نسبا نوطاً بالنبي وفهماً بالكتاب والسنة ؟ ! . . . . ) . ( كفاية الأثر / 213 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 291 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
( عن حكيم بن جبير عن إبراهيم عن علقمة قال : قال علي « عليه السلام » : أمرت بقتال ثلاثة الناكثين والقاسطين والمارقين ، فأما الناكثون فأهل الجمل ، وأما المارقون فالخوارج ، وأما القاسطون فأهل الشام ) . ( مناقب أمير المؤمنين : 2 / 544 ) .
( حكيم بن جبير ، عن جميع بن عمير ، عن ابن عمر قال : آخا رسول الله بين أصحابه فخرج علي تذرف عيناه ويقول : يا رسول الله آخيت بين أصحابك ولم تواخ بيني وبين أحد ؟ فقال له النبي « صلى الله عليه وآله » : أنت أخي في الدنيا والآخرة ) . ( مناقب أمير المؤمنين : 1 / 343 ) .
( عن حكيم بن جبير ، عن علي بن الحسين في قول الله عز وجل : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ . قال : نزلت في علي « عليه السلام » حين بات على فراش رسول الله « صلى الله عليه وآله » ) . ( أمالي الطوسي / 446 ، ومفصلاً في شواهد التنزيل : 1 / 130 ) .
الحاكم : 3 / 4 : ( حكيم بن جبير عن علي بن الحسين قال : إن أول من شرى نفسه ابتغاء رضوان الله علي بن أبي طالب . وقال عليٌّ عند مبيته على فراش رسول الله :
وقيتُ بنفسي خيرَ من وطأ الحصى ومن طافَ بالبيت العتيق وبالحِجْرِ
رسول إلاهٍ خافَ أن يمكروا به فنجَّاه ذو الطوْل الإلهُ من المكر
وبات رسول الله في الغار آمناً مُوَقَّىً وفي حفظ الإله وفي ستر
وبتُّ أراعيهم ولم يتَّهمونني وقد وطَّنْتُ نفسي على القتل والأسر ) .
وفي تفسير الطبري : 2 / 197 ، و : 27 / 265 : ( عن حكيم بن جبير ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : أنزل القرآن في ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء جملة واحدة ، ثم فرق في السنين بعد قال : وتلا ابن عباس هذه الآية : فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ، قال : نزل مفرقاً ) .
وفي مصنف ابن أبي شيبة : 1 / 237 : ( عن حكيم بن جبير عن عمران بن أبي الجعد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 292 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عن الأسود بن يزيد أنه سمع مؤذناً يقول في الفجر الصلاة خير من النوم فقال : لا يزيدون في الأذان ما ليس منه ) !
وفي تفسير مجاهد : 2 / 651 ، عن حكيم بن جبير : ( بمواقع النجوم : نجوم القرآن ) .
وفي تفسير الطبري : 1 / 403 و 16 / 254 ، عن حكيم ، عن ابن عباس : ( كان السامري رجلاً من أهل الإسلام في بني إسرائيل . فلما فضل هارون في بني إسرائيل وفصل موسى إلى ربه ، قال لهم هارون : أنتم قد حملتم أوزاراً من زينة القوم آل فرعون ، وأمتعة وحلياً فتطهروا منها . . . لما قذفت بنو إسرائيل ما كان معهم من زينة آل فرعون في النار وتكسرت ، ورأى السامري أثر فرس جبرئيل ، فأخذ تراباً من أثر حافره ، ثم أقبل إلى النار فقذفه فيها ، وقال : كن عجلاً جسداً له خوار ، فكان ، للبلاء والفتنة ) .
وفي شواهد التنزيل : 1 / 392 : ( عن حكيم بن جبير ، عن أبي برزة الأسلمي قال : دعا رسول الله « صلى الله عليه وآله » بالطهور وعنده علي بن أبي طالب فأخذ رسول الله بيد علي بعد ما تطهر فألزقها بصدره ، فقال : إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ . ثم قال : إنك منارة الأنام وغاية الهدى وأمير القراء ، أشهد على ذلك أنك كذلك ) .
أمام هذه الأحاديث الصريحة التي يرويها حكيم « رحمه الله » وله أشدُّ منها في الولاية والبراءة ! لا ننتظر أن يكون موقف رواة السلطة منه إيجابياً ! فقد رووا عنه أحاديث عديدة وضعفوها ، منها حديث الغدير ( مجمع الزوائد : 9 / 164 ) .
وروى حديث فرار أبي بكر وعمر يوم خيبر ( مجمع الزوائد : 9 / 124 ) .
وقد تحير الذهبي في تذكرته : 3 / 995 ، في حديث : يا علي إن الأمة ستغدر بك من بعدي ! ونقل عن الدارقطني قوله : ولم نكتبه إلا عن شيخنا ، وكان ثقة !
وقال في ميزان الإعتدال : 2 / 411 : ( عبد الله بن حكيم بن جبير الأسدي الكوفي .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 293 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عن أبيه ، رافضي ، غال كأبيه ) . وفي شرح النووي : 1 / 122 : ( وقال أحمد : ضعيف منكر الحديث . وقال النسائي : ليس بالقوي . وقال الدارقطني : متروك . وقال الحافظ : ضعيف رُمِيَ بالتشيع . ( تحفة الأحوذي : 3 / 253 ) وقال الرازي : غال في التشيع !
وفاقهم جميعاً ابن حنبل في انتقامه من حكيم ، فجعله مولى لبني أمية !
قال ابنه في علله : 1 / 396 : ( حدثني أبي قال : حدثنا وكيع قال : زعم ابن حكيم بن جبير أن أباه مولى لبني أمية ) ! وسرعان ما صدق أحمد هذا الزعم ، فقال ابنه : 2 / 600 : ( سألت أبي فقال : حكيم بن جبير مولى لبني أمية ) .
وخالفه بخاري فقال في تاريخه الصغير : 2 / 20 : ( قال أحمد . . . وقال غيره هو أسدي كوفي ، كان شعبة يتكلم فيه ، وكان يحيى وابن مهدي لا يحدثان عنه ) .
وقال في تاريخه الكبير : 3 / 16 : ( حكيم بن جبير الأسدي الكوفي . . . روى عنه الثوري كان شعبة يتكلم فيه ) . ثم ذكر زعم أحمد أنه مولى لبني أمية .
وزاد ابن حجر على أحمد فقال في تقريب التهذيب : 1 / 234 : ( حكيم بن جبير الأسدي ، وقيل مولى ثقيف ، الكوفي ، ضعيف ، رميَ بالتشيع ) .
أما الألباني فقد تناقض في حكيم فصحح حديثه مرة وضعفه مرة !
راجع : إرواء الغليل : 8 / 236 ، وتناقضات الألباني الواضحات للسقاف : 2 / 318 .
بينما وثقه عدد من علمائهم : قال الرازي الجرح والتعديل : 3 / 201 : ( سألت أبي عن حكيم بن جبير فقال : ما أقربه من يونس بن خباب في الرأي والضعف ، وهو ضعيف الحديث منكر الحديث ، له رأي غير محمود ( يقصد في أبي بكر وعمر ) . . .
حدثنا عبد الرحمن قال قلت لأبي : حكيم بن جبير أحب إليك أو ثوير ؟ قال ما فيهما إلا ضعيف غال في التشيع ، وهما متقاربان . حدثنا عبد الرحمن قال سألت أبا زرعة عن حكيم بن جبير فقال : في رأيه شئ . قلت ما محله ؟ قال : محله الصدق إن شاء الله ) . وقال أبو حاتم أيضاً :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 294 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
( محله الصدق إن شاء الله ) . ( مجمع الزوائد : 5 / 320 ) .
وفي تحفة الأحوذي : 1 / 411 و 412 : ( قد حسَّنَ الترمذي هذا الحديث ، وفيه حكيم بن جبير ، وهو متكلم فيه ، فالظاهر أنه لم يرَ بحديثه بأساً ، وهو من أئمة الفن . وروى له سفيان وزائدة ، أي رويا عن حكيم بن جبير ولم ير يحيى بحديثه بأساً ) . ( ومناقب الخوارزمي / 127 ، وشواهد التنزيل : 1 / 131 ، وينابيع المودة : 1 / 273 ، وحلية الأبرار : 2 / 115 ) .
وقال الحاكم : 1 / 560 ، في حديث : ( سورة البقرة فيها آية سيدُ آي القرآن ، لا تُقرأ في بيت وفيه شيطان إلا خرج منه : آية الكرسي . هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، والشيخان لم يخرجا عن حكيم بن جبير لا لوهن في رواياته ، إنما تركاه لغلوه في التشيع ) . انتهى .
في الختام : يبقى أمر لا يؤثر على وثاقة حكيم « رحمه الله » وهو أن البرقي من علمائنا والطوسي والخوئي نسبوه بالمطعمي ، فيكون نوفلياً من بني عبد مناف ، بينما نسبته عدد من مصادرنا ومصادرهم بالأسدي ، والتعدد لا يصح فيه لوحدة مروياته ، فلعله مطعميٌّ وخؤولته من أسد فنسب إليهم ، أو سكن بينهم في الكوفة وتحالف معهم ، والله العالم .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 295 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

ه - كميل بن زياد النخعي

اشتهر كميل بن زياد « رحمه الله » عند الشيعة بالدعاء الذي علمه إياه أمير المؤمنين « عليه السلام » فواظب عليه الشيعة ، خاصة ليالي الجمعة ، وعرف باسم ( دعاء كميل ) .
كما عرف بحديث أمير المؤمنين « عليه السلام » عندما أخذه معه إلى زيارة وادي السلام بظهر الكوفة ، قال كما في تذكرة الحفاظ : 1 / 11 : ( أخذ علي « عليه السلام » بيدي فأخرجني إلى ناحية الجَبَّان ، فلما أصحرنا جلس ثم تنفس فقال : يا كميل ، القلوبُ أوعيةٌ فخيرُها أوعاها ، إحفظ عني ما أقول لك . الناس ثلاثة : فعالم رباني ، وعالم متعلم على سبيل نجاة ، وهمج رعاع أتباع كل ناعق ، يميلون مع كل ريح ، لم يستضيؤوا بنور العلم ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق . العلم خير من المال ، العلم يحرسك وأنت تحرس المال . . الخ ) . وتاريخ دمشق : 50 / 251 . وقد وثقه رواة الخلافة رغم أنه شارك في محاصرة عثمان ، فقالوا في ترجمته : ( تابعي ثقة ) . ( ثقات العجلي : 2 / 229 ) .
وذكرت مصادرهم ومصادرنا أن الحجاج قتله في أول ولايته على الكوفة ، قال في الطبقات : 6 / 179 : ( وكان شريفاً مطاعاً في قومه ، فلما قدم الحجاج بن يوسف الكوفة ، دعا به فقتله ) . وتاريخ الذهبي : 5 / 319 .
وفي تاريخ دمشق : 50 / 257 : ( سنة اثنتين وثمانين قتل الحجاج كميل بن زياد النخعي . . . قال المدائني . . وهو ابن سبعين سنة ) .
وفي تاريخ دمشق : 50 / 256 : ( طلب الحجاج كميل بن زياد النخعي طلباً شديداً فلم يقدر عليه ، فقيل له إن أردته فامنع قومه العطاء ، قال فمنع النخع وقال : لا أعطيكم حتى تأتوني به ! فبلغ ذلك كميل بن زياد في موضعه الذي هو مستتر فيه فأرسل إلى قومه : أنا أظهر له فلا تمنعون عطاءكم . . . فقدمه وأمر أبا الجهم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 296 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بن كنانة فضرب عنقه ) .
وفي معجم السيد الخوئي : 15 / 132 : ( قال ابن داود : كميل بن زياد النخعي من خواصهما ( أي أمير المؤمنين والحسن « صلى الله عليه وآله » ) قال الشيخ المفيد : ومن ذلك ما رواه جرير عن المغيرة قال : لما وليَ الحجاج طلب كميل بن زياد فهرب منه ، فحرم قومه عطاءهم ، فلما رأى كميل ذلك قال : أنا شيخ كبير وقد نفد عمري ولا ينبغي أن أحرم قومي عطاءهم ، فخرج فدفع بيده إلى الحجاج ، فلما رآه قال له : لقد كنت أحب أن أجد عليك سبيلاً ، فقال له كميل : لا تصرف عليَّ أنيابك ولا تهدم عليَّ ، فوالله ما بقي من عمري إلا مثل كواسر الغبار ، فاقض ما أنت قاض فإن الموعد الله وبعد القتل الحساب ، وقد خبرني أمير المؤمنين « عليه السلام » أنك قاتلي ، قال : فقال له الحجاج : الحجة عليك إذاً ، فقال له كميل : ذاك إذا كان القضاء إليك ! قال : بلى ، قد كنت فيمن قتل عثمان بن عفان ، اضربوا عنقه فضربت عنقه ! وهذا أيضاً خبر رواه نقلة العامة عن ثقاتهم وشاركهم في نقله الخاصة ) .
أقول : لم أجد نصاً يدل على دور كميل بن زياد « رحمه الله » في عصر الإمام زين العابدين « عليه السلام » مع أنه عاصره لأكثر من عشرين سنة ، وقد يكون السبب ظروفه الحرجة حيث كان رئيس قبيلة النخع المعروفة بتشيعها ، أو كبر سنه .
وروى الطبري : 5 / 157 ، أن كميلاً كان مع القراء في ثورة ابن الأشعث ، وكان في كتيبة القراء ، ولكن ذلك بعيد جداً ، فقد كان « عليها السلام » ابن سبعين سنة ، وكانت شهادته كما رووا سنة 82 ، ومعركة دير الجماجم سنة 83 .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 297 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

و - سعيد بن جبير الأسدي

وهو من الأصحاب الخاصين للإمام زين العابدين « عليه السلام » ، روى الطوسي في رجاله : 1 / 335 ، بسند صحيح عن الإمام الصادق « عليه السلام » قال : ( إن سعيد بن جبير كان يأتمُّ بعلي بن الحسين « عليه السلام » وكان علي « عليه السلام » يثني عليه ، وما كان سبب قتل الحجاج له إلا على هذا الأمر ، وكان مستقيماً . وذكر أنه لما دخل على الحجاج بن يوسف قال : أنت شقيُّ بن كُسَيْر ؟ قال : أمي كانت أعرف باسمي سمتني سعيد بن جبير . قال : ما تقول في أبي بكر وعمر هما في الجنة أو في النار ؟ قال : لو دخلت الجنة ورأيت أهلها لعلمت من فيها ! ولو دخلت النار ورأيت أهلها لعلمت من فيها ! قال : فما قولك في الخلفاء ؟ قال : لست عليهم بوكيل . قال : أيهم أحب إليك ؟ قال : أرضاهم لخالقه . قال : فأيهم أرضى للخالق ؟ قال : علم ذلك عند الذي يعلم سرهم ونجواهم . قال : أبَيْتَ أن تَصْدُقَني ! قال : بل لم أحبَّ أن أكْذبك ) .
وفي منتخب مذيل الطبري / 118 : ( قال يحيى بن معين : هو سعيد بن جبير ، وجبير يكنى أبا عمران . وقال بعضهم : هو سعيد بن عمران ، وكان من الشيعة ) .
وقال السيد الخوئي في معجمه : 9 / 120 : ( سعيد بن جبير . . أصله من الكوفة ، نزل مكة ، تابعي من أصحاب السجاد « عليه السلام » . . . قال الفضل بن شاذان : ولم يكن في زمن علي بن الحسين « عليه السلام » في أول أمره إلا خمسة أنفس : سعيد بن جبير ، وسعيد بن المسيب ، ومحمد بن جبير بن مطعم ، ويحيى بن أم الطويل ، وأبو خالد الكابلي . وقال في ترجمته : سعيد بن جبير . . . عن أبي عبد الله « عليه السلام » قال : إن سعيد بن جبير كان يأتمُّ بعلي بن الحسين « عليه السلام » . . الخ . ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 298 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أما عند أئمة المذاهب الأربعة ، فسعيد إمام وجهبذ العلماء ، وصحاحهم من البخاري وغيره مملوءة من أحاديثه ، وكتبهم الفقهية من فتاواه . وقد وصفوه بالشهيد ، ونقموا على الحجاج لقتله إياه .
جَهْبَذُ العلماء
قال في تذكرة الحفاظ : 1 / 76 : ( كان يقال لسعيد بن جبير جهبذ العلماء . . . لما أتيَ بسعيد بن جبير إلى الحجاج قال : أنت شقيُّ بن كُسير قال : أنا سعيد بن جبير ، قال : لأقتلنك ، قال : أنا إذن كما سمتني أمي ، وقال : دعوني أصلي ركعتين ، قال : وجِّهوه إلى قبلة النصارى ، قال : فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ . . . قال ميمون بن مهران : مات سعيد بن جبير وما على ظهر الأرض رجل إلا وهو يحتاج إلى علمه . وقال فطر بن خليفة : رأيت سعيد بن جبير أبيض الرأس واللحية ) .
وفي علل أحمد : 2 / 195 : ( قال إبراهيم : ما ترك بعده مثله ، يعني سعيد بن جبير ) .
وفي ثقات العجلي : 1 / 395 : ( ما كان يفتي الناس بالكوفة قبل الجماجم إلا سعيد بن جبير ) . وفي : 2 / 103 : ( وسمع عبد الملك من سعيد بن جبير ، وكان ألثغ ) .
وقال الذهبي في سيره : 4 / 321 : ( الإمام الحافظ المقرئ ، المفسر الشهيد . . . روى عن ابن عباس فأكثر وجوَّد . . . فأُدخل عليه فقال ( الحجاج ) : ما اسمك ؟ قال : سعيد بن جبير ، قال : أنت شقي بن كسير . قال : بل أمي كانت أعلم باسمي منك . قال : شقيت أنت وشقيَتْ أمك . قال : الغيب يعلمه غيرك . قال : لأبدلنك بالدنيا ناراً تلظى . قال : لو علمت أن ذلك بيدك لاتخذتك إلهاً ! قال : فما قولك في محمد ؟ قال : نبي الرحمة إمام الهدى . قال : فما قولك في علي في الجنة هو أم في النار ؟ قال : لو دخلتها فرأيت أهلها عرفت . قال : فما قولك في الخلفاء ؟ قال : لست عليهم بوكيل . قال : فأيهم أعجب إليك ؟ قال : أرضاهم لخالقه . قال : فأيهم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 299 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أرضى للخالق ؟ قال : علم ذلك عنده . قال : أبيت أن تصدقني . قال : إني لم أحب أن أكذبك ) . وفي علل أحمد : 3 / 428 : ( حدثني ابن منقذ صاحب الحجاج قال : لما قتل الحجاج سعيد بن جبير كان ثلاث ليال لا ينام ، يقول : ما لي ولسعيد بن جبير . . . سأل رجل ابن عمر عن فريضة فقال : إئت سعيد بن جبير فإنه أعلم بالحساب مني وهو يفرض فيها ما أفرض . . . قال سعيد بن جبير : ما مضت عليَّ ليلتان منذ قتل الحسين إلا أقرأ فيهما القرآن ، إلا مريضاً أو مسافراً ) .
أفضل تلاميذ ابن عباس
قال الذهبي في سيره : 4 / 341 : ( علي بن المديني ، قال : ليس في أصحاب ابن عباس مثل سعيد بن جبير . قيل : ولا طاووس ؟ قال : ولا طاووس ولا أحد . وكان قتله في شعبان سنة خمس وتسعين . . . مولده في خلافة أبي الحسن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ) .
أقول : حاول بعضهم أن يفضل عليه عكرمة غلام ابن عباس ، لأن عطرمة ناصبي وكذبوا على سعيد أنه أقر بذلك ! قال في تذكرة الحفاظ : 1 / 96 : ( روى مغيرة عن سعيد بن جبير وقيل له : تعلم أحداً أعلم منك ؟ قال : نعم عكرمة ) !
والصحيح ما رواه الذهبي في سيره : 5 / 24 : ( فمر به عكرمة ومعه ناس ، فقال لنا سعيد : قوموا إليه واسألوه واحفظوا ما تسألون عنه وما يجيبكم ، فقمنا وسألناه فأجابنا ثم أتينا سعيداً فأخبرناه ، فقال : كذب ) !
سعيد من أصحاب المهمات الخاصة عند الأئمة « عليهم السلام »
إن مراجعة أحاديث سعيد بن جبير تكشف عن تشيعه القوي « رحمه الله » ، وكان ذلك معروفاً عنه « رحمه الله » ، وهو يؤيد شهادة الإمام الصادق « عليه السلام » بأنه قتل من أجل تشيعه وقوله بإمامة زين العابدين « عليه السلام » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 300 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وهنا يأتي السؤال : كيف صار من تلاميذ ابن عباس الخاصين ، وصار يفتي بفقهه ، وابن عباس عند الأئمة « عليهم السلام » أحدٌ من فقهاء العامة الذي يفتون برأيهم ؟ ثم كيف صار سعيد بن جبير كاتباً لقاضي الكوفة ؟ !
والجواب ما قاله والد المجلسي « رحمه الله » في مرآة العقول : ( هؤلاء الأجلاء من خواص أصحاب الأئمة « عليهم السلام » كانوا مأذونين من قبل الأئمة بترك التقية لمصلحة خاصة خفية ، أو أنهم كانوا يعلمون أنه لا ينفعهم التقية ، وأنهم يقتلون على كل حال بإخبار المعصوم أو غيره ، والتقية إنما تجب إذا نفعت . مع أنه يظهر من بعض الأخبار أن التقية إنما تجب إبقاء للدين وأهله ، فإذا بلغت الضلالة حداً توجب اضمحلال الدين بالكلية فلا تقية حينئذ وإن أوجبت القتل . كما أن الحسين « عليه السلام » لما رأى انطماس آثار الحق رأساً ترك التقية والمسالمة ) . ( هامش الكافي : 2 / 380 ) .
قال الذهبي في سيره : 4 / 238 : ( قال سليمان التيمي : كان الشعبي يرى التقية ، وكان ابن جبير لا يرى التقية ) . انتهى . وقصده أنه اختار مواجهة السلطان .
ونقلوا عن سعيد أنه كان يواجه المرجئة فينهى عن مجالسة من يقول بمذهب الإرجاء الأموي ، الذي يزعم بكفاية التشهد بالقول بدون العمل !
قال بخاري في تاريخه الصغير : 1 / 260 : ( ما رأيت أحداً أعبد من طلق بن حبيب فرآني سعيد بن جبير معه فقال : لا تجالس طلقاً ! وكان يرى الإرجاء ) .
سعيد بن جبير والقراء في ثورة ابن الأشعث
كان سعيد بن جبير المسؤول المالي في جيش عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث ، الذي أرسله الحجاج سنة 81 لقتال رتبيل ملك أفغانستان وتوابعها ، وقد حشد الحجاج فيه عدداً كبيراً من شخصيات العراق وعلمائهم ، حتى كان للقراء لواء خاص بهم لكثرتهم ! ولما وصلوا إلى جنوب إيران استصعب عبد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 301 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الرحمن التوغل في أفغانستان ، بل تكلم هو وبعض من معه على الحجاج بأنه إنما أرسلهم إلى تلك الجبال الوعرة المنقطعة ليتخلص منهم ! فأعلن ابن الأشعث من هناك ثورته على الحجاج وخلع عبد الملك بن مروان ، وأخذ البيعة لنفسه من جيشه باسم ناصر المؤمنين ، ورجع إلى البصرة فسيطر عليها ، وتوجه إلى الكوفة ليقاتل الحجاج فاستنجد الحجاج بمدد من الشام ، وكانت بينهم معركة كبيرة في دير الجماجم قرب الكوفة سنة 83 ، وانتصر الحجاج وهرب ابن الأشعث إلى رتبيل في كابل ، وبقي عنده أكثر من سنتين ، حتى راسله الحجاج وطمعه فقتله وبعث إليه برأسه سنة 85 . ( راجع تاريخ الطبري : 5 / 154 ) .
وفي أحكام القرآن للجصاص : 1 / 86 : ( وخرج عليه من القراء أربعة آلاف رجل هم خيار التابعين وفقهاؤهم ، فقاتلوه مع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بالأهواز ، ثم بالبصرة ، ثم بدير الجماجم من ناحية الفرات بقرب الكوفة ، وهم خالعون لعبد الملك بن مروان ، لاعنون لهم متبرئون منهم ) !
ووصف الطبري : 5 / 163 ، تحميس علماء الكوفة وقرائها للمقاتلين ضد الحجاج فقال : ( فلما حمل عليه أهل الشام مرة بعد مرة ، نادانا عبد الرحمن بن أبي ليلى الفقيه فقال : يا معشر القراء ، إن الفرار ليس بأحد من الناس بأقبح منه بكم ، إني سمعت علياً رفع الله درجته في الصالحين وأثابه أحسن ثواب الشهداء والصديقين يقول يوم لقينا أهل الشام : أيها المؤمنون إنه من رأى عدواناً يعمل به ، ومنكراً يدعى إليه فأنكره بقلبه فقد سلم وبرئ ، ومن أنكر بلسانه فقد أجر وهو أفضل من صاحبه ، ومن أنكر بالسيف لتكون كلمة الله العليا ، وكلمة الظالمين السفلى ، فذلك الذي أصاب سبيل الهدى ونوَّر قلبه باليقين . فقاتلوا هؤلاء المحلين المحدثين المبتدعين ، الذين قد جهلوا الحق فلا يعرفونه ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 302 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وعملوا بالعدوان فليس ينكرونه .
وقال أبو البختري : أيها الناس ، قاتلوهم على دينكم ودنياكم ، فوالله لئن ظهروا عليكم ليفسدن عليكم دينكم ، وليغلبن على دنياكم .
وقال الشعبي : يا أهل الإسلام قاتلوهم ولا يأخذكم حرج من قتالهم ، فوالله ما أعلم قوماً على بسيط الأرض أعمل بظلم ولا أجور منهم في الحكم ، فليكن بهم البدار . وقال سعيد بن جبير : قاتلوهم ولا تأثموا من قتالهم بنية ويقين ، على آثامهم قاتلوهم ، وعلى جورهم في الحكم ، وتجبرهم في الدين ، واستذلالهم الضعفاء ، وإماتتهم الصلاة ) . انتهى .
وفي تاريخ الطبري : 5 / 157 : ( لما اجتمعوا بالجماجم سمعت عبد الرحمن بن محمد وهو يقول : ألا إن بني مروان يُعَيَّرُونَ بالزرقاء ، والله مالهم نسب أصح منه ، ألا أن بني أبي العاص أعلاج من أهل صفورية ! فإن يكن هذا الأمر في قريش فإني فقأت بيضة قريش ، وإن يك في العرب فأنا ابن الأشعث بن قيس ومد بها صوته يسمع الناس ، وبرزوا للقتال . . . ثم إنهم أخذوا يتزاحفون في كل يوم ويقتتلون ، وأهل العراق تأتيهم موادهم من الكوفة ومن سوادها ، فيما شاؤوا من خصبهم ، وإخوانهم من أهل البصرة وأهل الشام في ضيق شديد قد غلت عليهم الأسعار وقلَّ عندهم الطعام ، وفقدوا اللحم ، وكانوا كأنهم في حصار ، وهم على ذلك يغادون أهل العراق ويراوحونهم ، فيقتتلون أشد القتال . . . فعبأ الحجاج أصحابه ثم زحف في صفوفه ، وخرج ابن محمد في سبعة صفوف بعضها على أثر بعض ، وعبأ الحجاج لكتيبة القراء التي مع جبلة بن زحر ثلاث كتائب ) . انتهى .
وذكر بعضهم أن جيش ابن الأشعث كان ستين ألفاً ، وذكر اليعقوبي : 2 / 277 ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 303 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أنه كان عشرة آلاف منتخبين ، ووصف معركته مع الحجاج فقال : ( فنزل دير الجماجم ، وجعلت خيلهما تروح وتغدو للقتال وأهل الكوفة يستعلون على خيل الحجاج ويهزمونهم في كل يوم ، فاشتد على الحجاج ما رأى من ذلك وكتب إلى عبد الملك كتاباً بعث به بأحث سير : أما بعد فيا غوثاه ، ثم يا غوثاه ! فلما قرأ عبد الملك الكتاب كتب إليه : أما بعد فيا لبيك ثم يا لبيك ثم يا لبيك ! ثم وجه بجيش بعد جيش ، وكانت وقائعهم كثيرة شديدة ، أخراهن وقعة مسكن هزمه فيها الحجاج فمضى منهزماً لا يلوي على شئ حتى صار إلى سجستان . . . وكان مع عبد الرحمن جماعة من قراء العراق منهم الحسن البصري ، وعامر بن شراحيل الشعبي ، وسعيد بن جبير ، وإبراهيم النخعي ، وجماعة من هذه الطبقة . . . فكانت هزيمته في سنة 83 ، وجعل الحجاج يتلقط أصحابه ويضرب أعناقهم ، حتى قتل خلقاً كثير وعفا عن جماعة ، منهم الشعبي وإبراهيم ) . انتهى .
ونقلوا عن عبد الله بن عمر أنه ندم عند موته لأنه لم يقاتل بني أمية مع أمير المؤمنين « عليه السلام » ، ولم يقاتل الحجاج مع ابن الأشعث والقُرَّاء ، فقد نقل عنه الذهبي في سيره : 3 / 231 : ( ما آسى على شئ إلا أني لم أقاتل الفئة الباغية . . . لما احتضر ابن عمر قال : ما آسى على شئ من الدنيا إلا على ثلاث : ظمأ الهواجر ومكابدة الليل ، وأني لم أقاتل الفئة الباغية التي نزلت بنا ، يعني الحجاج ) .
( وعن فاطمة بنت علي أنها قالت : ما مات عبد الله بن عمر حتى تاب عن تخلفه عن علي « عليه السلام » ) . ( شرح الأخبار : 2 / 72 ) .
وكان سعيد بن جبير « رحمه الله » محترماً حتى عند من خالفه وصانَعَ بني أمية ، قال الذهبي في سيره : 4 / 525 : ( قيل لإبراهيم : قَتَلَ الحجاج سعيد بن جبير ! قال : يرحمه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 304 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الله ، ما ترك بعده خلف ( يعني وارثه في العلم ) ! قال : فسمع بذلك الشعبي فقال : هو بالأمس يعيبه بخروجه على الحجاج ، ويقول اليوم هذا ) !
ملاحظات على ثورة ابن الأشعث
1 - عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث من عائلة ملعونة ، قال الإمام الصادق « عليه السلام » : ( إن الأشعث بن قيس شَرِكَ في دم أمير المؤمنين ، وابنته جعدة سمَّت الحسن ، ومحمد ابنه شرك في دم الحسين « عليهم السلام » ) ! ( الكافي : 8 / 167 ) .
وهلك الأشعث ( بعد مقتل علي « عليه السلام » بأربعين ليلة ) . ( تاريخ دمشق : 9 / 144 ) .
واشترك حفيده عبد الرحمن في دم مسلم بن عقيل « رحمه الله » حيث كان أبوه من قادة ابن زياد ، ولما تفرق أهل الكوفة عن مسلم « رحمه الله » لجأ إلى بيت العجوز طوْعَة وكان ابنها خبيثاً : ( فغدا إلى عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث فأخبره بمكان مسلم بن عقيل عند أمه ! فأقبل عبد الرحمن حتى أتى أباه وهو عند ابن زياد فسارَّهُ ) . ( الإرشاد : 2 / 57 ، وأنساب البلاذري / 81 ، والأخبار الطوال / 240 ، والطبري : 4 / 260 ) . فأرسله ابن زياد إلى قتال مسلم « رحمه الله » حتى أثخنوه بالجراح وأخذوه ، ولم يكتف ابن الأشعث بدم مسلم ، فشرك في دم الحسين « عليه السلام » وقاد أربعة آلاف في كربلاء !
ويدل قول الإمام الباقر « عليه السلام » الآتي على أن النبي « صلى الله عليه وآله » لعن الأشعث بن قيس لعنةً تَسْري في ذريته ! ففي الكافي : 5 / 569 : ( عن سدير قال : قال لي أبو جعفر « عليه السلام » : يا سدير بلغني عن نساء أهل الكوفة جمال وحسن تبعل فابتغ لي امرأة ذات جمال في موضع ، فقلت : قد أصبتها جعلت فداك ، فلانة بنت فلان بن محمد بن الأشعث بن قيس . فقال لي : يا سدير إن رسول الله « صلى الله عليه وآله » لعن قوماً فجرت اللعنة في أعقابهم إلى يوم القيامة ! وأنا أكره أن يصيب جسدي جسد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 305 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أحد من أهل النار ) . انتهى .
2 - كانت قبائل كندة في العراق ثقلاً كبيراً في جيوش الفتوحات ، وفي كل الحروب التي كانت الكوفة فيها طرفاً ، وكانت بشكل عام مطيعة لرئيسها العام الأشعث ، ومن بعده لابنه محمد وأولاده ، وكان هؤلاء الأشاعثة من الذين قال الله تعالى فيهم : وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِم !
3 - كان الحجاج يكره عبد الرحمن ابن الأشعث ويعتبره متكبراً ، وكان عبد الرحمن يحتقر الحجاج لشدة بطشه ، ولأنه لا وزن له قبلياً ! ( الأخبار الطوال / 316 ) فيحتمل أن يكون هدف الحجاج إبعاده وغيره من الشخصيات من الكوفة وتعريضهم للقتل في جبال أفغانستان !
4 - تدل سرعة استجابة جيش عبد الرحمن له على نفوذه القبلي ، وتدل سرعة استجابة القراء الكبار في العراق والحجاز ، على تفاقم ظلم الحجاج بعد أكثر من عشر سنوات من حكمه . ويلاحظ أنهم استعملوا شعارات أمير المؤمنين والإمام الحسين « صلى الله عليه وآله » لتحريك الناس لإصلاح الأمة ، وقتال بني أمية !
كما تدل سرعة هزيمتهم على أن قائد ثورتهم ابن الأشعث كان طالب دنيا ، فهو كجده الأشعث المشهور بالنفاق والغدر والفرار ، وقد رسم لنفسه طريق الفرار باتفاق عقده مع رتبيل ملك الأفغان قبل أن يبدأ ثورته ! ( اليعقوبي : 2 / 277 ) .
5 - حاول ابن الأشعث أن يجعل نفسه اليماني الموعود المنتظر ، الذي بشر النبي « صلى الله عليه وآله » بأنه سينصر الإمام المهدي « عليه السلام » ، قال البلاذري في التنبيه والأشراف / 272 : ( فلما عظمت جموعه ولحق به كثير من أهل العراق ورؤسائهم وقراؤهم ونساكهم عند قربه منها ، خلع عبد الملك ، وذلك بإصطخر فارس وخلعه الناس جميعاً ، وسمى نفسه ناصر المؤمنين ، وذكر له أنه القحطاني الذي ينتظره
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 306 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
اليمانية ، وأنه يعيد الملك فيها ، فقيل له إن القحطاني على ثلاثة أحرف ! فقال اسمي عبد وأما الرحمن فليس من اسمي ) ! انتهى .
ولا يبعد أن يكون ابن الأشعث حاول أن يقنع الإمام زين العابدين « عليه السلام » بأن يدعو له بالخلافة فرفض . وروي أنه أقنع الحسن المثنى بأن يدعو إلى خلافته وأنه وافق على ذلك ، قال ابن عنبة في عمدة الطالب / 100 : ( وكان الحسن بن الحسن شهد الطف مع عمه الحسين « عليه السلام » وأثخن بالجراح فلما أرادوا أخد الرؤوس وجدوا به رمقاً فقال أسماء بن خارجة بن عيينة بن خضر بن حذيفة بن بدر الفزاري : دعوه لي فإن وهبة الأمير عبيد الله بن زياد لي وإلا رأى رأيه فيه . فتركوه له فحمله إلى الكوفة ، وحكوا ذلك لعبيد الله بن زياد . فقال : دعوا لأبي حسان بن أخته . وعالجه أسماء حتى برئ ثم لحق بالمدينة . وكان عبد الرحمان بن الأشعث قد دعا إليه وبايعه ، فلما قتل عبد الرحمن توارى الحسن حتى دس إليه الوليد بن عبد الملك من سقاه سماً فمات وعمره إذ ذاك خمس وثلاثون سنة ، وكان يشبه برسول الله « صلى الله عليه وآله » ) .
لكن المفيد « رحمه الله » نفى ذلك في الإرشاد : 2 / 26 : ( ومضى الحسن بن الحسن ولم يدع الإمامة ، ولا ادعاها له مدع ، كما وصفناه من حال أخيه زيد ) .
6 - كان الوقت متسعاً لأن يتصل سعيد بن جبير بالإمام زين العابدين « عليه السلام » ويسأله عن مشاركته في ثورته ، أو يذهب شخصياً من البصرة إلى المدينة ، وقد روى عنه الحسن البصري أنه دخل عليه في البصرة وطرح معه الموضوع قال : ( ألا تعجب من سعيد بن جبير ، دخل عليَّ فسألني عن قتال الحجاج ومعه بعض الرؤساء ، يعني أصحاب ابن الأشعث ) . ( ابن أبي شيبة : 7 / 250 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 307 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولم نجد أن سعيداً « رحمه الله » سأل الإمام « عليه السلام » فأجازه ، لكن شهادة الإمام الصادق « عليه السلام » بإيمانه وطاعته للإمام زين العابدين « عليه السلام » ترجح أنه كان مجازاً بالمشاركة ، ولعل الإمام « عليه السلام » أخبره أيضاً بفشل الثورة وبأن الحجاج سيقتله في النهاية . فقد روى أحمد في العلل : 1 / 138 ، عن ( هشيم عن أبي بشر قال : قال سعيد بن جبير ليقتلَنِّي الحجاج ! قال قلت : كيف علمت ذاك ؟ قال : رؤيا رأيتها ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 308 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
سعيد في سنوات التشريد والمطاردة
قال الطبري : 5 / 260 : ( فلما خلع عبد الرحمن الحجاج كان سعيد فيمن خلعه معه ، فلما هزم عبد الرحمن وهرب إلى بلاد رتبيل هرب سعيد . . . أظن لما هرب من الحجاج ذهب إلى أصبهان فكتب إليه أن سعيداً عندك فخذه ، فجاء الأمر إلى رجل تحرَّجَ ، فأرسل إلى سعيد تحول عني فتنحى عنه ، فأتى آذربيجان فلم يزل بآذربيجان فطال عليه السنون واعتمر ( تقدم به العمر ) . . . فخرج إلى مكة فأقام بها فكان أناس من ضربه يستخفون فلا يخبرون بأسمائهم ( وهم عطاء ومجاهد وعمرو بن دينار ) . . . كتب الحجاج إلى الوليد : إن أهل النفاق والشقاق قد لجؤوا إلى مكة ، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي فيهم . . . فكتب الوليد ( ابن عبد الملك ) إلى خالد بن عبد الله القسري ، فأخذ عطاء وسعيد بن جبير ومجاهد وطلق بن حبيب وعمرو بن دينار . . . حدثنا يزيد بن أبي زياد مولى بني هاشم قال : دخلت عليه في دار سعيد هذه جئ به مقيداً ، فدخل عليه قراء أهل الكوفة ، قلت : يا أبا عبد الله فحدثكم ؟ قال : إي والله ويضحك وهو يحدثنا وبنية له في حجره . . . فقتله فلم يلبث بعده إلا نحواً من أربعين يوماً ! فكان إذا نام يراه في منامه يأخذ بمجامع ثوبه فيقول يا عدو الله فيمَ قتلتني ؟ فيقول : مالي ولسعيد بن جبير ؟ مالي ولسعيد بن جبير ! ) !
وقال الذهبي في سيره : 4 / 237 : ( طال اختفاؤه ، فإن قيام القراء على الحجاج كان في سنة اثنتين وثمانين ، وما ظفروا بسعيد إلى سنة خمس وتسعين ، السنة التي قلع الله فيها الحجاج ) . انتهى . وقد اختار سعيد أخيراً مكة لأنها لم تكن في سلطان الحجاج ، وكان واليها خالد القسري ، فقد روى الحاكم : 3 / 137 : ( عن مالك
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 309 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بن دينار قال : سألت سعيد بن جبير فقلت : يا أبا عبد الله من كان حامل راية النبي « صلى الله عليه وآله » قال : فنظر إليَّ وقال : كأنك رضيُّ البال ! فغضبت وشكوته إلى إخوانه من القراء فقلت : ألا تعجبون من سعيد سألته من كان حامل راية النبي « صلى الله عليه وآله » ؟ ! قالوا : إنك سألته وهو خائف من الحجاج ، وقد لاذ بالبيت ! فسألته فقال : كان يحملها علي بن أبي طالب ، هكذا سمعته من عبد الله بن عباس . وهو حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ) .
وروى زميله الزهري أنه جاءه في الحج ، قال : ( حج عمر بن عبد العزيز وأنا معه ، فجاءني سعيد بن جبير ليلاً وهو في خوفه فدخل منزلي فقال هل تخاف عليَّ صاحبك فقلت لا بل إئمن ) . ( علل أحمد : 1 / 186 ، وفي تاريخ بخاري : 1 / 254 ، أنه أتاه في منى ) .
ويقوي هذا الاحتمال ما رواه ابن خلكان : 2 / 373 ، والدميري أن سعيداً « رحمه الله » قال يوم أخذوه : ( وَشَى بي واشٍ وأنا في بلد الله الحرام ، أكلُهُ إلى الله ) !
وروى الأزدي في مؤلفه الطريف كتاب المتوارين / 56 ، إعجاب سفيان الثوري بيقين سعيد ، قال : ( سمعت سفيان الثوري : ذكر سعيد بن جبير فقال : ما أعدل به من التابعين أحداً ، ما زال على بصيرة من أمره حتى قتل ! ما أشبِّهُهُ إلا بعَمَّار ) . انتهى .
ولعل سعيداً عندما خاطر وذهب إلى الزهري في الليل فلم يساعده ! كشف نفسه للزهري فوشى عليه ! فقد كان الزهري من علماء البلاط ، وكان مرافقاً للأمير عمر بن عبد العزيز ووالي الحجاز القسري !
ثم روى في كتاب المتوارين استنكار الناس إلقاء القبض على سعيد ، قال : ( عن أبي شوذب قال : أعْظَمَ الناسُ أخْذَ سعيد بن جبير بمكة ، وكان القسري أخذه فصعد المنبر وهو في جانب الكعبة فقال : لو أن أمير المؤمنين كتب إليَّ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 310 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أن أنقض هذا حجراً حجراً ووضع يده على الكعبة لنقضته حتى أدعه غديراً ترده الإبل ) ! وهذا يدل على بني أمية وولاتهم جعلوا طاعة الخليفة فوق الدين !
قال الدينوري في الأخبار الطوال / 328 : ( وفي السنة الخامسة من خلافة الوليد مات الحجاج بواسط ، وله أربع وخمسون سنة ، وكانت إمرته على العراق عشرين سنة ، منها في خلافة عبد الملك خمس عشرة سنة وفي خلافة الوليد خمس سنين ، وقد كان قتل سعيد بن جبير قبل موته بأربعين يوماً ، قالوا : وكان يقول في طول مرضه إذا هجر : ما لي ولك يا ابن جبير ) !
وفي الإكمال / 198 ، أنه تشهد ثم دعا وقال : ( اللهم لا تسلطه على أحد بعدي ! فذبح على النطع . قيل : عاش الحجاج بعده خمس عشرة ليلة ، ووقعت الأكلة في بطنه . . . وكان ينادي بقية حياته : ما لي وسعيد بن جبير ! كلما أردت النوم أخذ برجلي ! ودفن سعيد بظاهر واسط العراق ، قبره بها يزار يتبرك به ) .
وقال الدميري في حياة الحيوان / 1097 : ( ولما بلغ الحسن البصري قَتْل سعيد بن جبير قال : اللهم أنت على فاسق ثقيف رقيب ، والله لو أن أهل المشرق والمغرب اشتركوا في قتله لأكبهم الله تعالى في النار ، والله لقد مات وأهل الأرض من المشرق إلى المغرب محتاجون إلى علمه . . . وروي أن الحجاج . . . في مرضه كلما نام رأى سعيد بن جبير آخذاً بثوبه وهو يقول : يا عدو الله فيم قتلتني ؟ ! فيستيقظ مذعوراً ) ! هذا ، وفي مصادرهم كثير من مدح سعيد وكراماته .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 311 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ترك رواة الخلافة أهم أحاديث سعيد بن جبير !
إذا قارنت ما رووه عن سعيد مع ما تركوه من حديثه ، تجد أنهم تركوا أحاديثه في أهل البيت « عليهم السلام » ومكانتهم المميزة وإمامتهم الربانية ، وأنهم ركنٌ في الإسلام أنزله الله على رسوله « صلى الله عليه وآله » ، لا يقبل الله عملاً إلا بولايتهم « عليهم السلام » ! وكذلك ما رواه من طعن النبي « صلى الله عليه وآله » في بعض صحابته !
وهذه سياستهم مع كبار الرواة ، ينتقون من حديثهم ما يتوافق مع سياسة الأمويين أو لا يثيرهم ! أو يحرفون نصوص أحاديثهم حتى تخضع لسياستهم ! ومع ذلك يفلت منها كثير يفضح أمرهم !
نماذج من حديثه في مصادرنا
في أمالي الصدوق / 191 : ( عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : قال عليٌّ لرسول الله « صلى الله عليه وآله » : يا رسول الله إنك لتحب عقيلاً ؟ قال : إي والله إني لأحبه حبين حباً له وحباً لحب أبي طالب له ، وإن ولده لمقتول في محبة ولدك فتدمع عليه عيون المؤمنين ، وتصلي عليه الملائكة المقربون . ثم بكى رسول الله « صلى الله عليه وآله » حتى جرت دموعه على صدره ، ثم قال : إلى الله أشكو ما تلقى عترتي من بعدي ) .
وفي / 93 : ( عن سعيد بن جبير ، عن عائشة قالت : كنت عند رسول الله ( ص ) فأقبل علي بن أبي طالب فقال : هذا سيد العرب ، فقلت : يا رسول الله ألست سيد العرب ؟ قال : أنا سيد ولد آدم وعلي سيد العرب ، فقلت : وما السيد ؟ قال : من افترضت طاعته كما افترضت طاعتي ) . ومثله : معاني الأخبار / 103 .
وفي / 342 ، عن سعيد ، عن ابن عباس : ( قال رسول الله « صلى الله عليه وآله » لعلي بن أبي طالب : يا علي ، أنا مدينة الحكمة وأنت بابها ولن تؤتى المدينة إلا من قبل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 312 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الباب ، وكذب من زعم أنه يحبني ويبغضك لأنك مني وأنا منك . . . مَثَلك ومثل الأئمة من ولدك بعدي مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق ، ومَثَلكم مَثَل النجوم كلما غاب نجم طلع نجم ، إلى يوم القيامة ) .
وروى عنه في كمال الدين / 280 : ( قال : قال رسول الله « صلى الله عليه وآله » : إن خلفائي وأوصيائي وحجج الله على الخلق بعدي اثنا عشر : أولهم أخي وآخرهم ولدي ، قيل : يا رسول الله ومن أخوك ؟ قال : علي بن أبي طالب ، قيل : فمن ولدك ؟ قال : المهدي الذي يملؤها قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً ، والذي بعثني بالحق نبياً لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يخرج فيه ولدي المهدي ، فينزل روح الله عيسى بن مريم فيصلي خلفه ، وتشرق الأرض بنوره ، ويبلغ سلطانه المشرق والمغرب ) .
وروى عنه في كفاية الأثر / 10 : ( قال : قال رسول الله « صلى الله عليه وآله » : إن الله تبارك وتعالى اطلع إلى الأرض اطلاعة فاختارني منها فجعلني نبياً ، ثم اطلع الثانية فاختار منها علياً فجعله إماماً ، ثم أمرني أن أتخذه أخاً ووصياً وخليفةً ووزيراً ، فعليٌّ مني وأنا من علي ، وهو زوج ابنتي وأبو سبطيَّ الحسن والحسين ، ألا وإن الله تبارك وتعالى جعلني وإياهم حججاً على عباده ، وجعل من صلب الحسين أئمةً يوصون بأمري ويحفظون وصيتي ، التاسع منهم قائم أهل بيتي ومهدي أمتي ، أشبه الناس بي في شمائله وأقواله وأفعاله ، ليظهر بعد غيبة طويلة وحيرة مضلة فيعلن أمر الله ويظهر دين الحق ، ويؤيد بنصر الله وينصر بملائكة الله ، فيملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً ) .
وفي أمالي الصدوق / 61 ، قال رسول الله « صلى الله عليه وآله » : ( المخالف على علي بن أبي طالب بعدي كافر ، والمشرك به مشرك . . . عليٌّ أمير المؤمنين ، وقائد الغُرِّ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 313 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
المُحَجَّلين ، وإمام المسلمين ، لا يقبل الله الإيمان إلا بولايته وطاعته ) .
وفي / 66 : قال رسول الله « صلى الله عليه وآله » لعلي : ( يا علي ، شيعتك هم الفائزون يوم القيامة . . . وأولياؤك أولياء الله وحزبك حزب الله . . . لك كنز في الجنة ، وأنت ذو قرنيها ) .
وعنه في / 83 : ( قال رسول الله « صلى الله عليه وآله » : معاشر الناس ، إن ربكم جل جلاله أمرني أن أقيم لكم علياً علماً وإماماً وخليفةً ووصياً ، وأن أتخذه أخاً ووزيراً . . . إن علياً صدِّيق هذه الأمة وفاروقها ومحدَّثُها . . . ) .
وروى عنه في / 85 : ( قال رسول الله « صلى الله عليه وآله » : ولاية علي بن أبي طالب ولاية الله ، وحبه عبادة الله ، واتِّباعه فريضة الله ، وأوليائه أولياء الله ، وأعداؤه أعداء الله . . . ) .
وروى عنه في / 111 : ( قال النبي « صلى الله عليه وآله » إن علياً وصيي وخليفتي ، وزوجته فاطمة سيدة نساء العالمين ابنتي ، والحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة ولداي ، من والاهم فقد والاني ، ومن عاداهم فقد عاداني . . . )
وروى عنه في / 134 ، أن الكلمات التي تلقاها آدم من ربه فتاب عليه هي : بحق محمد وآله « صلى الله عليه وآله » . وفي / 175 ، أن النبي « صلى الله عليه وآله » اخبر علياً وفاطمة والحسنين « عليهم السلام » بما سيجري عليهم ، وفيه : ( ثم لا يزال الأمر به ( علي « عليه السلام » ) حتى يضرب على قرنه ضربة تخضب منها لحيته في أفضل الشهور . . . وأما ابنتي فاطمة ، فإنها سيدة نساء العالمين . . . وإني كلما رأيتها ذكرت ما يصنع بها بعدي ! كأني بها وقد دخل الذل بيتها ، وانتهكت حرمتها ، وغصبت حقها ، ومنعت إرثها ، وكسر جنبها وأسقطت جنينها ، وهي تنادي : يا محمداه ، فلا تجاب ، وتستغيث فلا تغاث . . . فتكون أول من يلحقني من أهل بيتي ، فتقدم عليَّ محزونةً مكروبةً مغمومة . . ) .
وفي / 195 ، عن سعيد بن جبير قال يزيد بن قعنب : كنت جالساً مع العباس بن عبد المطلب . . . وذكر مجئ فاطمة بنت أسد ودعاءها عند الكعبة وكيف انشق
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 314 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الجدار فدخلت وولدت علياً « عليه السلام » في الكعبة .
وروى عنه في الأصول الستة عشر / 18 ، أن أبا بكر أمر خالداً بقتل علي « عليه السلام » ثم تراجع ! وروى عنه في فهرست منتجب الدين / 351 ، قصة ابن عباس البليغة مع قرشيين كانوا يسبون علياً ، وحديث : ( من سب علياً فقد سبني ، ومن سبني فقد سب الله ، ومن سب الله فقد كفر ) .
نماذج من حديثه في مصادرهم
في صحيح بخاري : 4 / 65 ، وخمس مواضع أخرى عن ( سعيد بن جبير سمع ابن عباس يقول : يوم الخميس وما يوم الخميس ! ثم بكى حتى بل دمعه الحصى ! قلت : يا ابن عباس ما يوم الخميس ؟ قال اشتد برسول الله « صلى الله عليه وآله » وجعه فقال : إئتوني بكتف أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده أبداً ، فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع ! فقالوا : ماله أهجر ؟ استفهموه ! فقال : ذروني فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه ) . وفي : 5 / 192 ، روى عنه في الصحابة الذين يؤخذ بهم إلى النار .
وفي : 5 / 242 ، روى عنه في الذين يعبدون الله على حرف ، فكان أحدهم يسلم فإذا لم تلد امرأته غلاماً ولم تنتج خيله قال : هذا دين سوء وارتد عن الإسلام !
ورووا عنه حديث بريدة ، وما أدراك ما بريدة الأسلمي ! فقد كان مع جيش خالد بن الوليد الذي أرسله النبي « صلى الله عليه وآله » إلى اليمن وبقي خالد ستة أشهر ولم يستطع فتح شئ ، فأرسل النبي « صلى الله عليه وآله » علياً وكتب إلى خالد أن يكون مع جيشه بإمرته ، ففتح علي « عليه السلام » اليمن وأقام مدة يرتب أمرها ، فكتب خالد رسالة إلى النبي « صلى الله عليه وآله » يشكو فيها علياً وأنه خان الله ورسوله وأخذ من الغنائم جارية ، وبعث الرسالة مع بريدة ومعه ثلاثة يبغضون علياً « عليه السلام » وعندما وصلوا إلى المدينة فرح بهم مبغضوا علي « عليه السلام » وأمروهم أن يتكلموا أربعتهم ويشهدوا للنبي « صلى الله عليه وآله »
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 315 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ضد علي « عليه السلام » ليسقط في نظره ويعلن أنه خان أموال المسلمين ، وتزوج على ابنة النبي « صلى الله عليه وآله » ! فكان سعيد بن جبير « رحمه الله » يروي حديث بريدة عن ابن عباس ، ويروي غضب النبي « صلى الله عليه وآله » على بريدة وأصحابه وقواصفه على مبغضي علي « عليه السلام » ، وأنه بيَّن لهم أن علياً بأمر الله تعالى خليفة النبي « صلى الله عليه وآله » ووليهم من بعده ، وأنه لا يتصرف من عند نفسه فهو إما مأمور من النبي « صلى الله عليه وآله » أو ملهم من ربه ، وأنه من العترة أصحاب الخمس وحقه منه أكثر من جارية . وأن زواجه أو تسريه لا يغضب فاطمة « عليها السلام » خاصة عندما يكون في سفر ، لأن ذلك شرع الله تعالى .
وأشد ما في حديث بريدة حكم النبي « صلى الله عليه وآله » بأن مبغضي علي « عليه السلام » منافقون أو كفار وعليهم أن يتوبوا ويجددوا إسلامهم ! وبالفعل جدَّد بريدة إسلامه وتاب من بغض علي « عليه السلام » وأخذ يحبه ! ( راجع العقائد الإسلامية : 4 / 91 ، وفيه عن الحاكم : 2 / 129 و : 3 / 110 ، و / 130 ، وتاريخ بخاري : 2 / 141 ، و : 9 / 31 ، والترمذي : 5 / 299 ، والزوائد : 9 / 108 ، وفي / 127 : باب منه جامع فيمن يحبه ومن يبغضه ، وقصة بريدة فيها أحاديث صحيحة حاسمة في ولاية أمير المؤمنين « عليه السلام » ) .
وروى عنه في تذكرة الحفاظ : 3 / 837 : ( عن ابن عباس قال : تمتع رسول الله « صلى الله عليه وآله » ( أي حج حج التمتع ) فقال عروة : نهى أبو بكر وعمر عن المتعة ! فقال ابن عباس : ما تقول يا عُرَيَّة ؟ قال : نهى أبو بكر وعمر عن المتعة ! فقال : أراهم سيهلكون ! أقول قال رسول الله « صلى الله عليه وآله » ، ويقولون : قال أبو بكر وعمر ) !
وعنه « رحمه الله » في تذكرة الحفاظ : 5 / 214 ، أن النبي « صلى الله عليه وآله » جمع بين الظهرين والمغربين .
وعنه في تذكرة الحفاظ : 1 / 76 : ( عن ابن عباس قال : أوحى الله إلى محمد « صلى الله عليه وآله » إني قتلت يحيى بن سبعين ألفاً ، وإني قاتل بابن ابنتك سبعين ألفاً ، وسبعين ألفاً . غريب ، وعبد الله خرج له مسلم ) .
وروى عنه الخطيب في الإكمال / 148 ، أن ابن الزبير كان يعيب على ابن عباس
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 316 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
تجويزه للمتعة ، فقال ابن عباس سلوا أمه أسماء كيف أتت به ؟ فسألوها فقالت : صدق ابن عباس ، قد كان ذلك ) !
وفي / 198 ، أن النبي « صلى الله عليه وآله » سئل عن القرابة الذين أوجب الله مودتهم ، فقال : عليٌّ وفاطمة وابناهما ، والحديث في الطبراني الكبير : 3 / 39 ، و : 11 / 351 .
وروى عنه في تاريخ خليفة / 138 : ( كان مع علي يوم الجمل ثماني مائة من الأنصار ، وأربع مائة ممن شهد بيعة الرضوان ) .
وروى عنه الذهبي في سيره : 3 / 415 ، وقوى إسناده وتحير فيه ، أن الوليد بن عقبة افتخر على علي « عليه السلام » فأجابه : ( أسكت فإنما أنت فاسق فنزلتٍ : أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لا يَسْتَوُونَ ) . انتهى . ولعل هذا هو السبب فيما كذبوه من أن عمر كان يتكلم فينزل كلامه قرآناً ، وعدَّوا آيات تكلم بها عمر فنزولت كما نطقها !
وروى عنه في تاريخ المدينة : 2 / 706 ، قول عمر : أقضانا علي ، وأقرؤنا أبي . وفي : 1 / 182 ، أن عمر صادر منحة النبي « صلى الله عليه وآله » لبني هاشم من أرض خيبر !
* *
هذا ، ولا يتسع المجال لإيراد بقية أحاديث سعيد « رحمه الله » ، ولا لترجمة بقية كبار تلاميذ الإمام زين العابدين « عليه السلام » الذين كانت لهم أدوار فكرية واجتماعية كبيرة ، كأبي خالد الكابلي ، وأبي حمزة الثمالي ، وصوحان بن صعصعة ، وآل زرارة والصحابيين عامر بن واثلة بن الأسقع الكناني ، وجابر بن عبد الله الأنصاري ، رضوان الله عليهم ، فهؤلاء بُناة المجتمع الشيعي مع الإمام « عليه السلام » ، بعد حملة الإبادة الأموية في كربلاء وبعد كربلاء !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 317 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل التاسع : عاصر الإمام « عليه السلام » ثلاث ثورات ولم يخضع لضغوطها

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 318 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 319 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

1 - ثورة أهل المدينة ووقعة الحّرَّة

أهل المدينة يقررون الثورة والإمام « عليه السلام » يقف على الحياد
تقدم أن سبب وقعة الحرة أن الأنصار أرسلوا وفداً ليكشف لهم حال يزيد وما اشتهر عنه من الفسوق والفجور ، فعاد الوفد بتصديق ذلك ، فأجمع الأنصار على خلعه وأمَّروا عليهم عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة ، وأمَّر المهاجرون عليهم عبد الله بن مطيع العدوي ( فتح الباري : 8 / 499 ) وطردوا والي المدينة وكل بني أمية ، واستعدوا للقتال !
وقد ذكرنا شيئاً من جرائم جيش يزيد الذي استحل المدينة النبوية ، ونسلط الضوء هنا على موقف الإمام « عليه السلام » على الحياد فيها ، فمن الغريب أن الأنصار مع احترامهم الكبير لأهل البيت « عليهم السلام » واستشهاد بعضهم مع الإمام الحسين « عليه السلام » واستنكارهم قتله وإقامتهم العزاء عليه ، واستقبالهم المؤثر للإمام زين العابدين « عليه السلام » والسبايا . . لكنهم لم يستشيروه في خلع يزيد ، ولا جعلوا ثورتهم بسبب قتل الحسين وآل الرسول « عليهم السلام » ، مع أن ابن الزبير الموصوف بعدائه لعلي « عليه السلام » دعا الناس إلى نفسه وأظهر الطلب بدم الحسين « عليه السلام » . ( الأخذ بالثار للسيد الأمين / 10 ) .
فكان الأحرى بالأنصار أن ينهضوا ثأراً لأهل بيته « عليهم السلام » لأنه ثأرٌ للنبي « صلى الله عليه وآله » يجب على المسلمين كافة القيام به ، ويجب عليهم خاصة لتحالفهم مع النبي « صلى الله عليه وآله » وبيعتهم له قبل هجرته ، على حمايته مما يحمون منه أنفسهم وحماية أهل بيته وذريته « عليهم السلام » مما يحمون منه ذراريهم ! ( الطبراني الأوسط : 2 / 207 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 320 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لكنهم لم يفعلوا ذلك ، بل جعلوا سبب ثورتهم فساد يزيد وفقده الشرعية لأنه فاسقٌ فاجر ، وكأن أباه معاوية كانت له شرعية ولم يكن فاسقاً فاجراً !
قال أميرهم عبد الله بن حنظلة : ( فوالله ما خرجنا على يزيد حتى خفنا أن نُرمى بالحجارة من السماء ! إن رجلاً ينكح الأمهات والبنات والأخوات ، ويشرب الخمر ، ويدع الصلاة ، والله لو لم يكن معي أحدٌ من الناس لأبليت الله فيه بلاء حسناً ) . ( الطبقات : 5 / 47 ) . فمطلبه إذن استبدال يزيد بآخر غير فاسق ، وهذا من بساطته السياسية ، ونقص فقاهته !
ومن أسلوبه الخاطئ « رحمه الله » : أنه طرد بني أمية من المدينة حتى النساء والأطفال فلم يجد مروان أحداً يحفظ له نساءه وأطفاله ! وقد خاف عبد الله بن عمر أن يأخذهم معه إلى مكة ! ( قال : لا آمن أن يدخل على حريمي من أجل مكانكم ! فكلم مروان علي بن الحسين فقال : نعم فضمهم عليٌّ إليه وبعث بهم مع عياله . قال : ثم ارتحل القوم من ذي خشب على أقبح إخراج ) . ( الإمامة والسياسة : 1 / 229 ) .
ومن ذلك : أنه « رحمه الله » خرَّبَ العيون والآبار بين المدينة والشام ليعطش الجيش الأموي الذي يقصد المدينة ، لكن الوقت كان شتاء فلم يحتج الجيش الأموي إلى العيون ! قال الطبري : 4 / 380 : ( بعث أهل المدينة إلى كل ماء بينهم وبين أهل الشام فصبوا فيه زقاً من قطران وعوَّروه ، فأرسل الله عليهم السماء فلم يستقوا بدلو حتى وردوا المدينة ) ! وابن خياط / 182 ، وتاريخ دمشق : 58 / 104 .
أمام هذه الحركة المخلصة التي تفتقر إلى الفكر والأسلوب وفرصة النجاح ، كان موقف الإمام « عليه السلام » الحياد ، فقالوا إنه ترك المدينة إلى ينبع . ( الطبري : 4 / 372 ) . وستعرف ما يدل على أنه « عليه السلام » كان يومها في المدينة ، لكن خارج داره !
وكان ذلك موقف عامة بني عبد المطلب ( سير الذهبي : 3 / 325 ) . ( لما وجَّه يزيد بن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 321 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
معاوية عسكره لاستباحة أهل المدينة ، ضمَّ علي بن الحسين إلى نفسه أربعمائة مُنَافِيَّة يعولهن ، إلى أن انقرض جيش مسلم بن عقبة ، فقالت امرأة منهن : ما عشت والله بين أبوي بمثل ذلك التشريف ) . ( التذكرة الحمدونية / 383 ، والبحار : 46 / 101 ) .
لكن ذكر المؤرخون ثلاثة من بني عبد المطلب قُتلوا في وقعة الحرة ، هم
الفضل بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب ، وأبو بكر بن عبد الله بن عباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب ، وأبو بكر بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ، كما يأتي من الإستيعاب ، ولعلهم لم يكونوا مقاتلين بل هاجم الجنود بيوتهم وأعراضهم ، فدافعوا عنها فقتلوا كما حدث لغيرهم !
وقد توسط عبد الله بن جعفر « رحمه الله » عند يزيد للأنصار فقال له : ( إنما تقتل بهم نفسك ! فقال : أجل ، أقتل بهم نفسي ، وأشفي نفسي ) ! ( تاريخ دمشق : 58 / 105 ) !
ورواه الذهبي في سيره : 3 / 322 ، وذكر أن يزيداً أوصى قائد جيشه بأن ينهب المدينة ثلاثاً ، ولا يتعرض لعلي بن الحسين « عليه السلام » .
صحابي بإجماع المسلمين سفاكٌ غَشوم
أجمع المسلمون على ذم يزيد لاستباحته مدينة النبي « صلى الله عليه وآله » في وقعة الحرة ، وحتى النواصب الذين يبحثون له عن معاذير في قتله الحسين « عليه السلام » ، ذموه على قتله الصحابة والأنصار والتابعين في وقعة الحرة ! لكنهم غَطَّوْاَ على ( بطلين ) مع يزيد ، هما أبوه الذي أمره بذلك ، وقائد جيشه مسلم بن عقبة المري الغطفاني . مع أنهم رووا أمر معاوية ليزيد بأن يرمي أهل المدينة بابن عقبة وصححوه ! ففي مجمع الزوائد : 7 / 249 : ( لما حضره الموت قال ليزيد بن معاوية : قد وطَّأتُ لك البلاد وفرشتُ لك الناس ، ولستُ أخاف عليكم إلا أهل الحجاز ، فإن رأيك منهم ريب فوجه إليهم مسلم بن عقبة المري فإني قد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 322 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
جربته غير مرة فلم أجد له مثيلاً لطاعته ونصيحته . . . دعا مسلم بن عقبة المري . . . فورد المدينة فأباحها ثلاثاً ثم دعاهم إلى بيعة يزيد إنهم أعبدٌ له قِنٌّ في طاعة الله ومعصيته ) ! ( وفتح الباري : 13 / 60 ، وابن خياط / 182 ، وسير الذهبي : 3 / 323 ، وفيه : ( فقال له النعمان بن بشير : وجِّهني أكْفِكْ . قال : لا . ليس لهم إلا هذا الغَشْمة ) .
وتجرَّأ النادر منهم كابن حجر ، فحمَّل جريمة يزيد في الحرة لأبيه معاوية ! قال في فتح الباري : 13 / 60 : ( وأخرج أبو بكر بن أبي خيثمة بسند صحيح إلى جويرية بن أسماء : سمعت أشياخ أهل المدينة يتحدثون أن معاوية لما احتضر دعا يزيد فقال له : إن لك من أهل المدينة يوماً ، فإن فعلوا فارمهم بمسلم بن عقبة ، فإني عرفت نصيحته ! ثم ذكر ابن حجر الوقعة وهزيمة أهل المدينة وقال : ( وبايع مسلم الناس على أنهم خَوَلٌ ليزيد ، يحكم في دمائهم وأموالهم وأهلهم بما شاء ! ثم نقل قول الطبري : ( فأباحها ثلاثاً ثم دعاهم إلى بيعة يزيد وأنهم أعْبُدٌ له قِنٌّ في طاعة الله ومعصيته ) ! ثم ذكر بيعة ابن عمر ليزيد وندمه !
وأما مسلم بن عقبة فيُغَطُّونَ كونه صحابياً لئلا يقال : صحابيٌّ عادلٌ قتل كثيراً من الصحابة العدول ، وألوفاً من التابعين ! حتى سماه الناس ( مسرف بن عقبة ) ! لكنه عندهم صحابي أدرك النبي « صلى الله عليه وآله » ( تاريخ دمشق : 58 / 102 ، والإصابة : 6 / 232 ) وكان عمره بضعاً وتسعين سنة عندما استباح المدينة ! ( تاريخ دمشق : 58 / 105 ) ومعناه أنه كان في زمن النبي « صلى الله عليه وآله » كهلاً ! لكنهم لم يؤرخوا له في الصحابة تغطيةً عليهم !
وقد رووا أن النبي « صلى الله عليه وآله » قال : ( المدينة حرم ما بين عائر إلى كذا من أحدث فيها حدثاً أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، لا يقبل منه صَرْفٌ ولا عَدْلٌ . وقال : ذمة المسلمين واحدة فمن أخفر مسلماً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل ) . ( بخاري : 2 / 221 و : 4 / 69 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 323 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بينما قال مقابله صحابيهم العادل مسلم بن عقبة لطاغيته يزيد : ابعثني إلى المدينة لأقلبها على رؤوسهم ! ( فقال : يا أمير المؤمنين وجهني إليهم فوالله لأدعنَّ أسفلها أعلاها ، يعني مدينة الرسول ( ص ) فوجهه في خمسة آلاف إلى المدينة ، فأوقع بأهلها وقعة الحرة ، فقاتله أهل المدينة قتالاً شديداً وخندقوا على المدينة ، فرام ناحية من نواحي الخندق فتعذر ذلك عليه ، فخدع مروانُ بعضَهم فدخل ومعه مائة فارس فأتبعته الخيل حتى دخلت المدينة ، فلم يُبق بها كثير أحد إلا قتل ، وأباح حرم رسول الله « صلى الله عليه وآله » حتى ولدت الأبكار لا يعرف من أولدهن ، ثم أخذ الناس على أن يبايعوا على أنهم عبيدُ يزيد بن معاوية ) . ( اليعقوبي : 2 / 250 ) . وفي الإمامة والسياسة : 1 / 179 : ( وجاء يزيد بن معاوية يعوده وأراد أن يستبدله بآخر فقال له مسلم : ناشدتك الله أن لا تحرمني أجراً ساقه الله إليَّ ) !

خطر جيش يزيد على حياة الإمام « عليه السلام »

استمرت مفاوضات جيش يزيد وأهل المدينة أياماً من أواخر ذي الحجة سنة 63 ( الطبري : 4 / 374 ) وفي هذه المدة غادر كثير من أهل المدينة ، وبعضهم خرجوا منها قبل وصول الجيش الأموي ، وأرسل الإمام زين العابدين « عليه السلام » عياله ومن حماهم في تلك الفترة إلى ينبع . ( الخرائج : 1 / 290 ) . وبقي بعض عياله في المدينة كما يأتي .
وروت المصادر أن الإمام « عليه السلام » كان يتخوف من وحشية جيش يزيد أن يطغى عليه ، وهذا طبيعي حتى وإن كان الإمام « عليه السلام » يعرف أنه سينجو من القتل لأنه قد يلاقي غير القتل ، ولأنه يؤمن بالبداء . وحتى لو بلغه « عليه السلام » أن يزيداً أوصى قائده بعدم التعرض له ، فإن ابن عقبة طاغية سفاكٌ للدماء ، مبغض لأهل البيت « عليهم السلام » ، ولا يحترم مروان بن الحكم ولا غيره سوى شخص يزيد ! فمن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 324 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الممكن أن يرتكب أي حماقة ثم يغفر له يزيد لتاريخه في خدمة بني أمية !
فالصحيح أن خطر إقدامه على قتل الإمام « عليه السلام » كان قائماً حتى مع وصية يزيد ! وقد رووا كيف عامل ابن عثمان وهو ابن خليفة أموي لمجرد أنه وقف على الحياد ! قال الطبري : 4 / 379 : ( أتيَ به يومئذ إلى مسلم بن عقبة فقال : يا أهل الشام تعرفون هذا ؟ قالوا : لا . قال : هذا الخبيث بن الطيب ، هذا عمرو بن عثمان بن عفان أمير المؤمنين . هِي يا عمرو ! إذا ظهر أهل المدينة قلت أنا رجل منكم ، وإن ظهر أهل الشام قلت أنا ابن أمير المؤمنين عثمان بن عفان ! فأمر به فنتفت لحيته ، ثم قال : يا أهل الشام ، إن أم هذا كانت تدخل الجُعَل في فيها وتقول : يا أمير المؤمنين حاجَيْتُك ما في فمي ! وفي فمها ما ساءها وناءها ! فخلى سبيله ، وكانت أمه من دوس ) . انتهى .
وقد يكون أراد قتله ، ففي الأخبار الطوال / 265 : ( فنتفت لحيته حتى ما تركت فيها شعرة ! فقام إليه عبد الملك بن مروان فاستوهبه ، فوهبه له ) !
أما صديقه الصحابي معقل بن سنان فقد قتله لأنه سمع منه قبل سنوات ذم يزيد ! قال في تاريخ دمشق : 59 / 364 : ( وكان له مصافياً . . . فقال له مسلم : مرحباً بأبي محمد . . أظنك ظمآناً وأظن هؤلاء قد أتعبوك ! قال : أجل ، قال : شُوبُوا له عسلاً بثلج من العسل الذي حملتموه لنا من حوارين . . . ففعلوا وسقوه فقال : سقاك الله أيها الأمير من شراب الجنة . قال : لا جَرَمَ والله لا تشرب بعدها لا أمَّ لك شراباً ، حتى تشرب من حميم جهنم ! قال : أنشدك الله والرحم . . . وأمر به فقتل ) . ونحوه الحاكم : 3 / 522 . ولعل ابن عقبة كان يرى أن ثورة أهل المدينة من تأثير بني هاشم وكربلاء ، ولذلك : ( كان يقال : لا يريد غير علي بن الحسين ) . ( الإرشاد : 2 / 151 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 325 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وتفاوتت الروايات في مجئ الإمام « عليه السلام » إلى الطاغية ابن عقبة ، فأشار بعضها إلى أن الإمام « عليه السلام » كان غائباً عن المدينة ، وأنه أخَّر مجيئه حتى كان الطاغية ابن عقبة يسأل عنه ويتهدده ويتوعده .
قال القاضي النعمان في شرح الأخبار : 3 / 273 : ( انتهى إلى علي بن الحسين أن مسرفاً استعمل ( نصب والياً ) على المدينة ، وأنه يتواعده بسوء ، وكان يقول : لم أرَ مثل التقدم في الدعاء له ، لأن العبد ليس يحضره الإجابة في كل وقت فجعل يكثر من الدعاء لما اتصل به عن مسرف ، وكان من دعائه : ربِّ كم من نعمة أنعمت بها عليَّ قل لك عندها شكري ، وكم من بلية ابتليتني بها قل لك عندها صبري ، وكم من معصية أتيتها فسترتها عليَّ ولم تفضحني . يا من قلَّ له عند نعمته شكري فلم يحرمني ، ويا من قلَّ له عند بليته صبري فلم يخذلني ، ويا من رآني على المعاصي فلم يفضحني . يا ذا المعروف الذي لا ينقطع أبداً ، ويا ذا النعم التي لا تحصى عددا ، صلِّ على محمد وعلى آل محمد ، وبك أدفع نحره ، وبك أستعيذ من شره ) . انتهى .
فقوله : ( استعمل على المدينة وأنه يتواعده بسوء ) يدل على أن الإمام « عليه السلام » تأخر في ينبع مثلاً حتى أكمل جيش يزيد مجزرته وتدميره ، وعيَّن قائده حاكماً عليها وأراد أن يتحرك نحو مكة ! فكان يسأل عن الإمام « عليه السلام » ويتوعده !
لكن لا يمكن قبول هذا التفسير لأن غيرها دل على أن مجيئه « عليه السلام » كان في أوائل إحضار أهل المدينة للبيعة ليزيد ، وقد بدأ ذلك في اليوم الرابع بعد استباحة المدينة ثلاثة أيام ، كما نص عليه غير واحد من المصادر .
قال في الأخبار الطوال / 265 : ( واستباح أهل الشام المدينة ثلاثة أيام بلياليها ، فلما كان اليوم الرابع جلس مسلم بن عقبة فدعاهم إلى البيعة ، فكان أول من
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 326 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أتاه يزيد بن عبد الله بن ربيعة بن الأسود ، وجدته أم سلمة زوج النبي ( ص ) فقال له مسلم : بايعني ، قال : أبايعك على كتاب الله وسنة نبيه ( ص ) فقال مسلم : بل بايعْ على أنكم فَيْئٌ لأمير المؤمنين يفعل في أموالكم وذراريكم ما يشاء ! فأبى أن يبايع على ذلك ، فأمر به فضربت عنقه ) .
لذلك نرى أن رواية المسعودي التالية أقرب إلى الصحة ، قال في مروج الذهب / 719 : ( ونظر الناس إلى علي بن الحسين السجاد وقد لاذ بالقبر وهو يدعو ، فأُتِيَ به إلى مسرف وهو مغتاظ عليه ، فتبرأ منه ومن آبائه ، فلما رآه وقد أشرف عليه ارتعد وقام له وأقعده إلى جانبه ، وقال له : سلني حوائجك ، فلم يسأله في أحد ممن قُدِّم إلى السيف إلا شفَّعَه فيه ثم انصرف عنه ، فقيل لعلي : رأيناك تحرك شفتيك فما الذي قلت ؟ قال : قلت : اللهم رب السماوات السبع وما أظللن والأرضين السبع وما أقللن ، رب العرش العظيم ، رب محمد وآله الطاهرين ، أعوذ بك من شره وأدرأ بك في نحره ، أسألك أن تؤتيني خيره وتكفيني شره .
وقيل لمسلم : رأيناك تسب هذا الغلام وسلفه ، فلما أُتيّ به إليك رفعت منزلته ! فقال : ما كان ذلك لرأي مني ، لقد ملئ قلبي منه رعباً ) . والروض المعطار / 322 .
وأصرح منها رواية المناقب : 3 / 284 : ( سأل ليث الخزاعي سعيد بن المسيب عن إنهاب المدينة ؟ قال : نعم شدوا الخيل إلى أساطين مسجد رسول الله ورأيت الخيل حول القبر وانتهب المدينة ثلاثاً ، فكنت أنا وعلي بن الحسين نأتي قبر النبي « صلى الله عليه وآله » فيتكلم علي بن الحسين بكلام لم أقف عليه فيحال ما بيننا وبين القوم ونصلي ، ونرى القوم وهم لا يروننا ) !
وتؤيدها رواية المفيد « قدس سره » في الإرشاد : 2 / 152 : ( وجاء الحديث من غير وجه : أن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 327 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مسرف بن عقبة لما قدم المدينة أرسل إلى علي بن الحسين « عليه السلام » فأتاه ، فلما صار إليه قربه وأكرمه وقال له : وصَّاني أمير المؤمنين ببرِّك وتمييزك من غيرك فجزَّاه خيراً ، ثم قال : أسرجوا له بغلتي ، وقال له انصرف إلى أهلك فإني أرى أن قد أفزعناهم وأتعبناك بمشيك إلينا ، ولو كان بأيدينا ما نقوى به على صلتك بقدر حقك لوصلناك ، فقال له علي بن الحسين « عليه السلام » : ما أعذرني للأمير وركب ، فقال لجلسائه : هذا الخيِّر لا شر فيه ، مع موضعه من رسول الله ومكانه منه ) . وكشف الغمة : 2 / 300 ، والبحار : 46 / 122 .
ورواية شرح الأخبار : 3 / 273 : ( فلما قدم مسرف إلى المدينة أرسل إلى علي بن الحسين « عليه السلام » وعنده مروان بن الحكم ، وقد علم ما ذكره من وعيده فجعل يُغْريه به ! فلما دخل عليه قام إليه فاعتنقه وقبَّل رأسه وأجلسه إلى جانبه وأقبل عليه بوجهه يسأله عن حاله وأحوال أهله ، فلما رأى ذلك مروان جعل يثني على علي بن الحسين « عليه السلام » ويذكر فضله ! فقال مسرف : دعني من كلامك فإني إنما فعلت ما فعلت من بره وإكرامه وقضاء حوائجه ما قد أمرني به أمير المؤمنين . ثم قال لعلي بن الحسين : إنما جعلت الاجتماع معك لما سبق إليك عني لئلا تستوحش مني ، وأنا أحب الاجتماع معك والأنس بك ، والتبرك بقربك ، والنظر فيما تحب من صلتك وبرك ، وأنا على ذلك لكني أخاف أن يستوحش أهلك إن طال عندي مقامك ، فانصرف إليهم ليسكنوا ويعلموا ويعلم الناس مالك عند أمير المؤمنين وعندي من الجميل . ثم قال : قدموا دابته قالوا : ماله دابة . قال مسرف : قدموا له دابتي ، فقدموها له بين يديه وعزم عليه أن يركبها ، فركب وانصرف إلى أهله وهم والناس ينظرون ما يكون منه فيه ) . والأخبار الطوال / 266 .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 328 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وكذا رواية ابن البطريق في العمدة / 321 : ( فأنفذ يزيد إليها ( المدينة ) عشرين ألفاً مع مسلم بن عقبة المري ، فقتل منها ثمانية آلاف من أولاد المهاجرين والأنصار وغيرهم وأباحها ثلاثاً ، فلم يبق بها دارٌ إلا انتهبت سوى دار علي بن الحسين فإنه حماها رجلٌ من أهل الشام تلك الثلاثة الأيام ، فلما كان بعد الثلاثة الأيام أخرج له علي بن الحسين ملاءة قد جمع بها حلياً وثياباً من نسائه وقال له : خذ هذا من بنات رسول الله « صلى الله عليه وآله » ، فقال له : لم أفعل ذلك لسبب بل أرجو الجنة ، فقال : خذه ولك ما طلبت ) . انتهى .
أقول : هذه الروايات تدل على أن الإمام « عليه السلام » كان في تلك الأيام في المدينة مع بعض عياله ، ومضمونها متناسب مع شخصية الإمام « عليه السلام » وما ثبت عنه من تصرفاته في لقاءاته مع طغاة بني أمية ، كيزيد ومروان عبد الملك .
وفيها دلالات مهمة ، منها أن الإمام « عليه السلام » كان حريصاً في ذلك الظرف الخطر على زيارة قبر النبي « صلى الله عليه وآله » والصلاة والدعاء في مسجده ، بعد أن أهان حرمة المسجد والقبر الشريف وحوش أهل الشام ، وربطوا خيولهم في أعمدته !
وتدل على أنه يوجد في جيش الشام أفراد شيعة يعرفون مقام أهل البيت « عليهم السلام » كالذي حمى بيت الإمام « عليه السلام » من النهب والعدوان ، ولا بد أن يكون معه آخر أو آخرون ، لهم نفوذٌ مّا في جيش يزيد !
كما أنها تكشف الموقف الحقيقي للوزغ بن الوزغ مروان بن الحكم ، فعندما أحضر ابن عقبة الإمام « عليها السلام » وأخذ يشتم العترة النبوية « عليهم السلام » أخذ مروان يؤمِّن على شتمه ويحرِّضُهُ على قتله ، حتى إذا دخل عليه الإمام « عليه السلام » وألقى الله على الطاغية هيبته والرعب منه ، غَيَّر مروان كلامه فأخذ يمدح الإمام « عليه السلام » !
لذلك لا يمكن قبول رواية أن مروان ردَّ الجميل للإمام « عليه السلام » وأنه أتى به إلى
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 329 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مسلم بن عقبة وتوسط له ! قال الطبري : 4 / 379 : ( قال عوانة : ثم إن مروان أتى بعلي بن الحسين وقد كان علي بن الحسين حين أُخرجت بنو أمية منع ثقل مروان وامرأته وآواها ، ثم خرجت إلى الطائف فهي أم أبان ابنة عثمان بن عفان ، فبعت ابنه عبد الله معها فشكر ذلك له مروان ، وأقبل علي بن الحسين يمشى بين مروان وعبد الملك يلتمس بهما عند مسلم الأمان ، فجاء حتى جلس عنده بينهما ، فدعا مروان بشراب ليتحرم بذلك من مسلم ، فأتى له بشراب فشرب منه مروان شيئاً يسيراً ثم ناوله علياً ، فلما وقع في يده قال له مسلم : لا تشرب من شرابنا ! فأرعدت كفه ولم يأمنه على نفسه وأمسك القدح بكفه لا يشربه ولا يضعه ! فقال : إنك إنما جئت تمشي بين هؤلاء لتأمن عندي ! والله لو كان هذا الأمر إليهما لقتلتك ولكن أمير المؤمنين أوصاني بك وأخبرني أنك كاتبته ، فذلك نافعك عندي ، فإن شئت فاشرب شرابك الذي في يدك وإن شئت دعونا بغيره ، فقال : هذه التي في كفي أريد ، قال : إشربها فشربها ثم قال : إلى هاهنا فأجلسه معه ) . وفي شرح النهج : 3 / 259 : ( ولولا ذلك لقتلته ، فإن أهل هذا البيت أجدر بالقتل ) !
وقد شرح الطبري : 4 / 372 ، حماية الإمام « عليه السلام » لعائلة مروان عندما طردهم أهل المدينة قال : ( لما أخرج أهل المدينة عثمان بن محمد من المدينة كلَّم مروان بن الحكم بن عمر أن يغيب أهله عنده فأبى ابن عمر أن يفعل ! وكلم علي بن الحسين وقال : يا أبا الحسن إن لي رحماً وحرمي تكون مع حرمك ؟ فقال : أفعل ، فبعث بحرمه إلى علي بن الحسين ، فخرج بحرمه وحرم مروان حتى وضعهم بينبع ، وكان مروان شاكراً لعلي بن الحسين مع صداقة كانت بينهما قديمة ) . وروى الطبري في نفس الموضع : ( لما أتيَ بعلي بن الحسين إلى مسلم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 330 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال : من هذا ؟ قالوا : هذا علي بن الحسين ، قال : مرحباً وأهلاً ، ثم أجلسه معه على السرير والطنفسة ثم قال : إن أمير المؤمنين أوصاني بك قبلاً وهو يقول إن هؤلاء الخبثاء شغلوني عنك وعن وصلتك ، ثم قال لعلي : لعل أهلك فزعوا ! قال : إي والله ، فأمر بدابته فأسرجت ثم حمله فرده عليها ) . انتهى .
أقول : ما ذكروه من نُبْل الإمام « عليه السلام » وحمايته لعائلة مروان صحيحٌ متواتر ، لكن مروان كما تقدم كان يحرِّض السفاك ابن عقبة على قتل الإمام « عليه السلام » ، وكان ابن عقبة مثله لولا وصية يزيد ! ذلك أن مروان لا يستطيع أن يفي بجميل أو تعهد ، فهو كما قال أمير المؤمنين « عليه السلام » عندما عفا عنه في حرب الجمل فأراد أن يبايعه : ( لا حاجة لي في بيعته ، إنها كف يهودية ، لو بايعني بيده لغدر بسُبَّته ) ! ( أنساب الأشراف / 262 ) .
* *
هذا وقد تفرد اليعقوبي في تاريخه : 2 / 250 ، برواية قال فيها : ( ثم أخذ الناس على أن يبايعوا على أنهم عبيد يزيد بن معاوية ، فكان الرجل من قريش يؤتى به ، فيقال بايع آية أنك عبد قن ليزيد ، فيقول : لا ، فيضرب عنقه ! فأتاه علي بن الحسين فقال : علامَ يريد يزيد أن أبايعك ؟ قال : على أنك أخ وابن عم . فقال : وإن أردتَ أن أبايعك على أني عبدٌ قنٌّ فعلتُ ! فقال : ما أجَشِّمُكَ هذا ، فلما أن رأى الناس إجابة علي بن الحسين قالوا : هذا ابن رسول الله ، بايعه على ما يريد ، فبايعوه على ما أراد ) . انتهى .
وللوهلة الأولى تثير هذه الرواية التعجب ، لأنا نعرف أن الإمام زين العابدين بين جنبيه روح أبيه وجده « عليهم السلام » ، فكيف يعرض على مسرف أن يبايعه على أنه عبدٌ قنٌّ لطاغيته يزيد ، خاصة بعد أن أخبره مسرف أنه يريد منه أن يبايع ليزيد على أنه أخ له وابن عم ؟ ! لكني لا أستبعد أن يكون الإمام « عليه السلام » قال
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 331 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ذلك تقرباً إلى الله تعالى ، لأنه يعلم أنه كلام شكلي وفيه إنقاذ حياة كثيرين من الصحابة والتابعين من أهل المدينة ، رآهم يقدمون إلى السيف كما رأيت في نص المسعودي لامتناعهم عن هذه البيعة المذلة ، فبيَّن لهم أن الحكم الشرعي يُجيز لهم ذلك ولا حرج على المضطر فيه ! وليفهمهم أن واجب الإمام الحسين « عليه السلام » في رفض بيعة يزيد غير واجبهم ، ولذلك قالت الرواية : ( فلما أن رأى الناس إجابة علي بن الحسين قالوا : هذا ابن رسول الله بايعه على ما يريد ، فبايعوه على ما أراد ) . فأنقذ الإمام « عليه السلام » حياتهم مضافاً إلى من توسط لهم عند مسرف ، ممن أراد قتلهم ، وقبل وساطته فيهم .
وقد كان الموقف الشرعي من بيعة الذل الأموية ، مطروحاً عند الصحابة والتابعين ، فقد روى ابن عبد البر في التمهيد : 16 / 354 ، أن جابر بن عبد الله الأنصاري « رحمه الله » كان متحيراً ، ولعله لم يستطع الوصول إلى الإمام « عليه السلام » ، فسأل أم سلمة رحمها الله ؟ ( فقالت : والله إني لأراها بيعة ضلالة ، ولكن قد أمرتُ أخي عبد الله بن أبي أمية أن يأتيه فيبايعه ، كأنها أرادت أن تحقن دمه . قال جابر : فأتيته فبايعته ) . انتهى . ولعل الذين قُتلوا ، لو عرفوا الحكم الشرعي لنَجَوْا !
قال في الإستيعاب : 3 / 1431 : ( قال أبو عمرو : وممن قُتل يوم الحرة صبراً فيما ذكر ابن إسحاق والواقدي ووثيمة وغيرهم : الفضل بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب ، وأبو بكر بن عبد الله بن عباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب ، وأبو بكر ابن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ، وأبو بكر بن عبيد الله بن عمر بن الخطاب ، ويعقوب بن طلحة بن عبيد الله ، وعبد الله بن زيد بن عاصم ، ومعقل بن سنان ، ومحمد بن أبي الجهم وابنا زينب بنت أبي سلمة ربيبة رسول الله ( ص ) ويزيد بن عبد الله بن زمعة ، كل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 332 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
هؤلاء ضربت عنق كل واحد منهم صبراً بأمر مسلم بن عقبة ! وانتهى القتل يومئذ فيما ذكروا نيفاً على ثلاثمائة كلهم من أبناء المهاجرين والأنصار ، وفيهم جماعة ممن صحب رسول الله ( ص ) وبلغ قتلى قريش يومئذ نحواً من مائة ، وقتلى الأنصار والحلفاء والموالي نحواً من المائتين ، ونجَّى الله أبا سعيد وجابراً وسهل بن سعد ) . انتهى .
هذا ، وتصلح رواية اليعقوبي لتفسير الرواية المشكلة في الكافي : 8 / 234 ، عن الإمام الباقر « عليه السلام » قال : ( إن يزيد بن معاوية دخل المدينة وهو يريد الحج فبعث إلى رجل من قريش فأتاه فقال له يزيد : أتقرُّ لي أنك عبد لي إن شئت بعتك وإن شئت استرقيتك ؟ ! فقال له الرجل : والله يا يزيد ما أنت بأكرم مني في قريش حسباً ، ولا كان أبوك أفضل من أبي في الجاهلية والإسلام ، وما أنت بأفضل مني في الدين ولا بخير مني ، فكيف أقر لك بما سألت ؟ ! فقال له يزيد : إن لم تقرَّ لي والله قتلتك ! فقال له الرجل : ليس قتلك إياي بأعظم من قتلك الحسين بن علي « عليه السلام » بن رسول الله « صلى الله عليه وآله » ، فأمر به فقتل !
ثم أرسل إلى علي بن الحسين « عليه السلام » فقال له مثل مقالته للقرشي ، فقال له علي بن الحسين : أرأيت إن لم أقرَّ لك أليس تقتلني كما قتلت الرجل بالأمس ؟ فقال له يزيد : بلى ، فقال له علي بن الحسين : قد أقررت لك بما سألت أنا عبدٌ مكره ، فإن شئت فأمسك وإن شئت فبع ! فقال له يزيد : أولى لك ، حقنتَ دمك ، ولم يُنقصك ذلك من شرفك ) . انتهى .
وأورد في هامشه تعليقة صاحب مرآة العقول بأن يزيداً لم يدخل المدينة بعد قتل الحسين « عليه السلام » ، فتكون الحادثة مع قائد جيشه ابن عقبة كما روى اليعقوبي . وكلامه « قدس سره » محتمل ، والأقوى عندي وجود خلل في نسخة الكافي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 333 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
غيرت المعنى ، فقد شكى الشهيد الثاني « قدس سره » من اشتباهات النساخ وذكر أنه رأى الكليني « قدس سره » في المنام : ( فطلبنا من الشيخ أبي جعفر الكليني المذكور نسخة الأصل لكتابه الكافي لننسخه ، فدخل البيت وأخرج لنا الجزء الأول منه في قالب نصف الورق الشامي ففتحه فإذا هو بخط حسن معرب مصحح ورموزه مكتوبة بالذهب ، فجعلنا نتعجب من كون نسخة الأصل بهذه الصفة ، فسررنا بذلك كثيراً لما كنا قبل ذلك قد ابتلينا به من رداءة النسخ ، فطلبت منه بقية الأجزاء فجعل يتألم من تقصير الناس في نسخ الكتاب وتصحيحه ) . ( مقدمة مسالك الأفهام : 1 / 21 ) .

فرحة أطفال بني هاشم والأنصار بهلاك طاغيتين

قال الحافظ محمد بن عقيل في كتابه النصائح الكافية لمن يتولى معاوية / 62 : ( قال المحدث الفقيه ابن قتيبة « رحمه الله » في كتاب الإمامة والسياسة ، والبيهقي في المحاسن والمساوي ، واللفظ للأول : قال أبو معشر : دخل رجل من أهل الشام على امرأة نفساء من نساء الأنصار ومعها صبي لها فقال لها : هل من مال ؟ قالت : لا والله ما تركوا لي شيئاً ! فقال : والله لتخرجن إلي شيئاً أو لأقتلنك وصبيك هذا ! فقالت له : ويحك إنه ولد أبي كبشة الأنصاري صاحب رسول الله ص ) ولقد بايعت رسول الله معه يوم بيعة الشجرة على أن لا أسرق ولا أزني ولا أقتل ولدي ولا آتي ببهتان أفتريه ، فما أتيت شيئاً ، فاتق الله . ثم قالت : لا يا بُنيَّ ، والله لو كان عندي شئ لافتديك به ! قال : فأخذ برجل الصبي والثدي في فمه فجذبه من حجرها ، فضرب به الحائط فانتشر دماغه في الأرض ! قال فلم يخرج من البيت حتى اسودَّ نصف وجهه وصار مثلاً !
وأمثال هذه من أهل الشام ومن مسلم نفسه كثيرة ، فمسلم في هذا كله
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 334 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
منفذ لأمر يزيد ، ويزيد منفذ لأمر معاوية ، فكل هذه الدماء وكل هذه المنكرات الموبقات ودم الحسين ومن معه في عنق معاوية أولاً ، ثم في عنق يزيد ثانياً ، ثم في عنق مسلم وابن زياد ثالثاً !
ولقد صدق من قال : أبقى لنا معاوية في كل عصر فئة باغية فهاهم أشياعه وأنصاره إلى يومنا هذا يقلبون الحقائق ويلبسون الحق بالباطل ! وَمَنْ يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئاً ! أخرج مسلم في صحيحه : من أخاف أهل المدينة ظلما أخافه الله وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ) . انتهى .
وفي الطبقات : 5 / 255 : ( فما تركوا في المنازل من أثاث ولا حلي على امرأة ولا ثياب ولا فراش إلا نقض صوفه ، ولا دجاجة إلا ذبحت ولا حمام إلا ذبح ، ثم يسمطون الدجاج والحمام خلف أحدهم ، ثم نخرج من هذا البيت إلى هذا البيت فلقد مكثنا على ذلك ثلاثاً ! وإن مسرفا بالعقيق والناس في هذا من الأمر حتى رأينا هلال المحرم ) ! انتهى .
وغادر جيش يزيد بعد أن : ( أباح المدينة ثلاثاً واستعرض أهلها بالسيف ، جزراً كما يجزر القصاب الغنم ، حتى ساخت الأقدام في الدم ، وقتل أبناء المهاجرين والأنصار وذرية أهل بدر ، وأخذ البيعة ليزيد بن معاوية على كل من استبقاه من الصحابة والتابعين ، على أنه عبدٌ قِنٌّ لأمير المؤمنين يزيد بن معاوية ، هكذا كانت صورة المبايعة يوم الحرة ) . ( شرح النهج : 3 / 259 ) .
أقول : لكن بعد أيام قليلة وصل خبرٌ سارٌ إلى أطفال المدينة المظلومين ، بأن الطاغية مسلم بن عقبة هلك قبل وصوله بجيشه إلى مكة !
ففي تاريخ دمشق : 58 / 111 ، والمستدرك : 3 / 550 : ( فلما كان ببعض الطريق حضرته الوفاة ، فدعا الحصين بن نمير فقال : يا برذعة الحمار ! إذا قدمت مكة فاحذر
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 335 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أن تمكن قريشاً من أذنك فتبول فيها . . . قد دعوتك وما أدري أستخلفك على الجيش أو أقدمك فأضرب عنقك ! فقال : أصلحك الله إجعلني سهماً فارم بي حيث شئت ! قال : إنك أعرابيٌّ جلفٌ جافٍ ، وإن هذا الحي من قريش لم يمكنهم رجل قط من أذنيه إلا غلبوه على رأيه ، فسر بهذا الجيش فإذا لقيت القوم فإياك أن تمكنهم من أذنيك ! لا يكون إلا الوقاف ثم الثقاف ثم الانصراف ( أي القتال بدون مفاوضة ) فمضى حُصَيْن بجيشه ذلك ، فلم يزل جيشه محاصراً أهل مكة ) . انتهى . ( فناوش ابن الزبير الحرب في الحرم ، ورماه بالنيران حتى أحرق الكعبة . وكان عبد الله بن عمير الليثي قاضي ابن الزبير إذا تواقف الفريقان قام على الكعبة فنادى بأعلى صوته : يا أهل الشأم ، هذا حرم الله الذي كان مأمناً في الجاهلية يأمن فيه الطير والصيد فاتقوا الله يا أهل الشأم ! فيصيح الشاميون : الطاعةَ الطاعة ، الكرَّةَ الكرة ، الرواحَ قبل المساء ! فلم يزل على ذلك حتى أحرقت الكعبة ! فقال أصحاب ابن الزبير : نطفئ النار فمنعهم وأراد أن يغضب الناس للكعبة ! فقال بعض أهل الشأم : إن الحرمة والطاعة اجتمعتا فغلبت الطاعة الحرمة . وكان حريق الكعبة في سنة 63 ) . ( اليعقوبي : 2 / 251 ) .
وبعد أيام أخرى وصلت إليهم بشرى أكبر ، بأن الطاغية الأكبر يزيد بن معاوية قد هلك إلى الهاوية . فتبسمت مدينة الرسول الجريحة !
ففي تاريخ الطبري : 4 / 385 ، وبعضه اليعقوبي : 2 / 253 : ( بينا حصين بن نمير يقاتل ابن الزبير ، إذ جاء موت يزيد فصاح بهم ابن الزبير فقال : إن طاغيتكم قد هلك ! فمن شاء منكم أن يدخل فيما دخل فيه الناس فليفعل ، فمن كره فليلحق بشأمه . . . فبعث الحصين بن نمير على عبد الله بن الزبير فقال : موعد ما بيننا وبينك الليلة الأبطح ، فالتقيا فقال له الحصين : إن يك هذا الرجل قد هلك ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 336 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فأنت أحق الناس بهذا الأمر ، هلمَّ فلنبايعك ثم اخرج معي إلى الشام ، فإن هذا الجند الذين معي هم وجوه أهل الشام وفرسانهم ، فوالله لا يختلف عليك اثنان وتؤمِّن الناس وتهدر هذه الدماء التي كانت بيننا وبينك ، والتي كانت بيننا وبين أهل الحرة . . . وأخذ الحصين يكلمه سراً وهو يجهر جهراً ، وأخذ يقول : لا والله لا أفعل ! فقال له الحصين بن نمير : قبح الله من يَعُدُّك بعد هذه داهياً قطُّ أو أديباً ! قد كنت أظنُّ أن لك رأياً ، ألا أراني أكلمك سراً وتكلمني جهراً ، وأدعوك إلى الخلافة ، وتعدني القتل والهلكة ! ثم قام فخرج وصاح في الناس فأقبل فيهم نحو المدينة ، وندم ابن الزبير على الذي صنع فأرسل إليه : أما أن أسير إلى الشأم فلست فاعلاً ، وأكره الخروج من مكة ، ولكن بايعوا لي هنالك فإني مؤمِّنكم وعادلٌ فيكم ، فقال له الحصين : أرأيت إن لم تقدم بنفسك ووجدتُ هنالك أناساً كثيراً من أهل هذا البيت يطلبونها يجيبهم الناس ، ما أنا صانع ؟ ! فأقبل بأصحابه ومن معه نحو المدينة . . . واجترأ أهل المدينة وأهل الحجاز على أهل الشأم فذلوا حتى كان لا ينفرد منهم رجل إلا أُخذ بلجام دابته ثم نُكِّس عنها ! فكانوا يجتمعون في معسكرهم فلا يفترقون ! وقالت لهم بنو أمية لا تبرحوا حتى تحملونا معكم إلى الشام ففعلوا ) . انتهى .
أقول : من لطف الله تعالى بالأمة أن ابن الزبير لم يقبل عرض الحصين بن نمير قائد الجيش الأموي ! وإلا لتَمَّتْ له البيعة في الشام وفلسطين ومصر بسهولة بالغة ، وتبعها العراق وإيران وبقية أجزاء الدولة الإسلامية !
ذلك أن ابن الزبير أكثر قسوة من بني أمية مجتمعين ! وأشد منهم على أهل البيت « عليهم السلام » بألف مرة ! فقد بلغ به الحقد عليهم أنه ترك ذكر جدهم النبي « صلى الله عليه وآله » في خطبه وحتى في تشهد صلاته ، وقال : ( إن له أُهَيْلَ سوء إذا ذكر استطالوا ومدوا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 337 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أعناقهم لذكره ) ! ( العقد الفريد : 4 / 413 ، وأنساب الأشراف : 4 / 28 ، وأخبار مكة للأزرقي / 104 ) .

2 - ثورة التوابين

بنى التوابون حركتهم على اجتهاد خاطئ !
قامت حركة التوابين على محور فكري واحد هو : التوبة بالقتال حتى الموت من ذنبهم في عدم نصرة الإمام الحسين « عليه السلام » ، وكان بعضهم بايع سفيره مسلم بن عقيل « رحمه الله » ، وكتب إلى الإمام الحسين « عليه السلام » طالبين مجيئه إلى الكوفة !
وصاحب الفكرة سليمان بن صُرَد الخزاعي « رحمه الله » ( 93 سنة ) فهو رئيسهم بلا منازع ، وقد سيطرت على ذهنه فكرة التوبة بهذه الطريقة تطبيقاً لقوله تعالى : وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) ! ( سورة البقرة : 54 ) .
والآية تتحدث عن نبي الله موسى « عليه السلام » لما رجع من الطور ، ووبَّخ قومه لأنهم عبدوا العجل فاعترف عدد منهم بخطئهم وتابوا ، وأنكر آخرون أنهم عبدوا العجل ، فأمر بعض هؤلاء بقتال بعض أولئك ، ولما بدؤوا بالقتال رفع الله عنهم هذا الامتحان . ( تفسير الإمام العسكري « عليه السلام » / 254 ، والتبيان : 1 / 246 ) فهي حكمٌ خاصٌّ ببني إسرائيل ، وتنفيذه تمَّ تحت نظر نبي معصوم « عليه السلام » ، لكن ابن صُرَد « رحمه الله » طبقه على نفسه وعصره وأقنع به جماعته ، فكان يقول : ( ألا لا تهابوا الموت ، فوالله ما هابه امرؤ قط إلا ذل . كونوا كالأولى من بني إسرائيل إذ قال لهم نبيهم : يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ ، فما فعل القوم ؟ جثوا على الركب والله ومدوا الأعناق ورضوا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 338 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بالقضاء ، حين علموا أنه لا ينجيهم من عظيم الذنب إلا الصبر على القتل ! فكيف بكم لو قد دعيتم إلى مثل ما دعي القوم إليه ! إشحذوا السيوف وركبوا الأسنة ، وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ ، حتى تُدْعَوْا حين تُدعوا وتُسْتَنْفَرُوا ! ( أي يأتيكم أمري ) ! قال فقام خالد بن سعد بن نفيل فقال : أما أنا فوالله لو أعلم أن قتلي نفسي يخرجني من ذنبي ويرضي عني ربي لقتلتها ، ولكن هذا أمر به قوم كانوا قبلنا ونهينا عنه ، فأشهد الله ومن حضر من المسلمين أن كلما أصبحت أملكه سوى سلاحي الذي أقاتل به عدوي صدقة على المسلمين أقويهم به على قتال القاسطين .
وقام أبو المعتمر حنش بن ربيعة الكناني فقال : وأنا أشهدكم على مثل ذلك ، فقال سليمان بن صرد : حسبكم ، من أراد من هذا شيئاً فليأت بماله عبد الله بن وال التيمي تيم بكر بن وائل ، فإذا اجتمع عنده كلما تريدون إخراجه من أموالكم جهزنا به ذوي الخلة والمسكنة من أشياعكم ) . ( الطبري : 4 / 426 ) .
فقد اجتهد هذا الشيخ الصحابي « رحمه الله » في تطبيق الآية على نفسه ومن أطاعه ، دون أن يرجع إلى الإمام زين العابدين « عليه السلام » ولا بد أنه كان يعرف أن الإمام « عليه السلام » لا يتبنى حركتهم ولا يعطيها الشرعية ، لا بصفته إماماً من الله تعالى ولا بصفته ولي دم أبيه الحسين « صلى الله عليه وآله » ! فأفتى ابن صرد لنفسه ، كما أنه لم يتحقق من ادعاء المختار أنه أخذ ( الشرعية ) من محمد بن الحنفية « رحمه الله » !
وينبغي أن نذكر هنا أن سليمان بن صرد « رحمه الله » كان تخلَّفَ عن حرب الجمل مع أمير المؤمنين « عليه السلام » وأنه كان والمسيب بن نجبة يطالبان الإمام الحسن « عليه السلام » أن يعلن بطلان عهد الصلح مع معاوية لنقضه الشروط ! ومعناه أنهما كانا يجتهدان مقابل الإمام المعصوم المفترض الطاعة ، فهما شيعيان بالمعنى العام لا الخاص .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 339 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال الطبري : 4 / 430 : ( ودخل المختار الكوفة وقد اجتمعت رؤوس الشيعة ووجوهها مع سليمان بن صرد فليس يعدلونه به ، فكان المختار إذا دعاهم إلى نفسه وإلى الطلب بدم الحسين قالت له الشيعة : هذا سليمان بن صرد شيخ الشيعة قد انقادوا له واجتمعوا عليه فأخذ يقول للشيعة : إني قد جئتكم من قبل المهدي محمد بن علي بن الحنفية ، مؤتمناً مأموناً منتجباً ووزيراً ، فوالله ما زال بالشيعة حتى انشعبت إليه طائفة تعظمه وتجيبه وتنتظر أمره . وعِظَمُ الشيعة مع سليمان بن صرد ، فسليمان أثقل خلق الله على المختار ! وكان المختار يقول لأصحابه : أتدرون ما يريد هذا يعنى سليمان بن صرد ؟ إنما يريد أن يخرج فيقتل نفسه ويقتلكم ! ليس له بصر بالحروب ، ولا له علم بها ) !
وقال اليعقوبي : 2 / : 258 : ( فلما صار ( المختار ) إلى الكوفة اجتمعت إليه الشيعة ، فقال لهم : إن محمد بن علي بن أبي طالب بعثني إليكم أميراً ، وأمرني بقتل المحلين ، وأطلب بدماء أهل بيته المظلومين ، وإني والله قاتل ابن مرجانة والمنتقم لآل رسول الله « صلى الله عليه وآله » ممن ظلمهم . فصدقه طائفة من الشيعة وقالت طائفة : نخرج إلى محمد بن علي فنسأله ، فخرجوا إليه فسألوه فقال : ما أحب إلينا ممن طلب بثأرنا وأخذ لنا بحقنا وقتل عدونا ، فانصرفوا إلى المختار فبايعوه وعاقدوه ) . انتهى .
على أيٍّ ، فقد أطاع ألوف الناس سليمان بن صُرد « رحمه الله » ، وفيهم شخصيات ورؤساء قبائل ، ولم تصدر من الإمام زين العابدين « عليه السلام » في حقهم كلمة تأييد واحدة ، لكن لم تصلنا كلمة انتقاد أيضاً ، لذلك نترحم عليهم وعلى كل من خرج طالباً ثأر الإمام الحسين « عليه السلام » ، لأنهم أرادوا أداء واجب فأخطأوا طريقه . ووجه الخطأ عندهم أنه لا يوجد في الإسلام توبة بقتل النفس إلا في القصاص
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 340 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فلا بد أنهم تأثروا ببعض الأفكار من خارج الإسلام !
وقد حكى ابن الجوزي أن بعض الصوفية استعمل هذه الطريقة ! قال : ( كان ببلاد فارس صوفي كبير فابتلي بحدَث ( غلام ) فلم يملك نفسه أن دعته إلى الفجور ! فراقب الله تعالى ثم ندم على هذه الهمة وكان منزله على مكان عال ووراء منزله بحر من الماء ، فلما أخذته الندامة صعد على السطح ورمى بنفسه إلى الماء وتلا : فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ! فغرق في الماء ) ! ( ذم الهوى / 578 ، وتلبيس إبليس / 333 ) . فقَتْلُهُ لنفسه معصيةٌ تضاف إلى معصيته ، ولا تكفرها !
* *
كان عدد التوابين الذين خرجوا ثائرين بدم الحسين « عليه السلام » ثلاثة آلاف ومئة رجل ، وعرفوا باسم التوابين لأن قائدهم الصحابي سليمان بن صرد الخزاعي « رحمه الله » جعل هدفه شيئاً واحداً هو : قتال قَتَلَة الحسين « عليه السلام » حتى الموت ، ليكون ذلك كفارة لتقصيرهم في نصرته ! واعتقد أن ذلك تطبيقٌ لقوله تعالى : فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ! ( البقرة : 54 ) .
ولذلك لم يقبل الانضمام إلى المختار للسيطرة على الكوفة والعراق ، كما لم يقبل أن يتتبَّع قَتَلة الإمام الحسين « عليه السلام » في العراق ، بل قرر مع أصحابه التوجه إلى قتال بني أمية وجيشهم بقيادة ابن زياد ، أبرز قَتَلة الحسين « عليه السلام » بعد يزيد !
( وقام سليمان بن صُرَد الخزاعي والمسيب بن نجبة الفزاري ، وخرجا في جماعة معهما من الشيعة بالعراق ، بموضع يقال له عين الوردة ، يطلبون بدم الحسين بن علي ويعملون بما أمر الله به بني إسرائيل إذ قال : فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ، واتبعهم خلق من الناس ، فوجه إليهم مروان عبيدَ الله بن زياد وقال : إن غلبت على العراق فأنت أميرها ، فلقي سليمان بن صرد فلم يزل يحاربه حتى قتله ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 341 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
( تاريخ اليعقوبي : 2 / 257 ) .
وروى الطبري : 4 / 451 ، أنهم خرجوا من الكوفة أول ربيع الثاني سنة 65 : ( فخرج ( ابن صُرد ) حتى أتى عسكره فدار في الناس ووجوه أصحابه فلم يعجبه عدة الناس ، فبعث حكيم بن منقذ الكندي في خيل ، وبعث الوليد بن غضين الكناني في خيل وقال : إذهبا حتى تدخلا الكوفة فناديا : يا لثارات الحسين وابْلغا المسجد الأعظم فناديا بذلك ، فخرجا وكانا أول خلق الله دعوا : يا لثارات الحسين ! قال فأقبل حكيم بن منقذ الكندي في خيل ، والوليد بن غضين في خيل حتى مرَّا ببني كثير وإن رجلاً من بني كثير من الأزد يقال له عبد الله بن خازم مع امرأته سهلة بنت سبرة بن عمرو من بني كثير ، وكانت من أجمل الناس وأحبهم إليه ، سمع الصوت يا لثارات الحسين ، وما هو ممن كان يأتيهم ولا استجاب لهم ، فوثب إلى ثيابه فلبسها ودعا بسلاحه وأمر بإسراج فرسه ، فقالت له امرأته : ويحك أجننتَ ؟ قال : لا والله ولكني سمعت داعيَ الله فأنا مجيبه ، أنا طالب بدم هذا الرجل حتى أموت أو يقضي الله من أمري ما هو أحب إليه ! فقالت له : إلى من تَدَعُ بُنَيَّك هذا ؟ قال : إلى الله وحده لا شريك له ، اللهم إني أستودعك أهلي وولدي ، اللهم احفظني فيهم . . .
وطافت تلك الليلة الخيل بالكوفة حتى جاؤوا المسجد بعد العتمة وفيه ناس كثير يصلون ، فنادوا : يا لثارات الحسين وفيهم أبو عزة القابضي وكرب بن نمران يصلي فقال : يا لثارات الحسين ! أين جماعة القوم ؟ قيل بالنخيلة فخرج حتى أتى أهله فأخذ سلاحه ودعا بفرسه ليركبه ، فجاءته ابنته الرواع وكانت تحت ثبيت بن مرثد القابضي فقالت : يا أبت مالي أراك قد تقلدت سيفك ولبست سلاحك ؟ فقال لها : يا بنية إن أباك يفر من ذنبه إلى ربه ! فأخذت
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 342 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
تنتحب وتبكي ، وجاءه أصهاره وبنو عمه ، فودعهم ثم خرج فلحق بالقوم .
فلم يصبح سليمان بن صرد حتى أتاه نحوُ من كان في عسكره حين دخله . قال ثم دعا بديوانه لينظر فيه إلى عدة من بايعه حين أصبح ، فوجدهم ستة عشر ألفاً فقال : سبحان الله ما وافانا إلا أربعة آلاف من ستة عشر ألفاً . . .
فقام سليمان بن صرد في الناس متوكئاً على قوس له عربية فقال : أيها الناس من كان إنما أخرجته إرادة وجه الله وثواب الآخرة ، فذلك منا ونحن منه فرحمة الله عليه حياً وميتاً . ومن كان إنما يريد الدنيا وحرثها ، فوالله ما نأتي فيئاً نستفيؤه ولا غنيمة نغنمها ما خلا رضوان الله رب العالمين ، وما معنا من ذهب ولا فضة ولا خز ولا حرير ، وما هو إلا سيوفنا في عواتقنا ورماحنا في أكفنا ، وزاد قدر البلغة إلى لقاء عدونا ، فمن كان غير هذا ينوي فلا يصحبنا !
فقام صخير بن حذيفة بن هلال بن مالك المزني فقال : آتاك الله رشدك ولقاك حجتك ، والله الذي لا إله غيره مالنا خير في صحبة من الدنيا همته ونيته .
أيها الناس : إنما أخرجتنا التوبة من ذنبنا والطلب بدم ابن ابنة نبينا ( ص ) ، ليس معنا دينار ولا درهم ، إنما نقدم على حد السيوف وأطراف الرماح ! فتنادى الناس من كل جانب : إنا لا نطلب الدنيا وليس لها خرجنا ) . انتهى .
وجعل التوابون طريقهم على قبر الإمام الحسين « عليه السلام » فزاروه وأقاموا عنده يومين في ملحمة عاطفية روحية ، نورد خلاصتها من رواية الطبري : 4 / 456 ، قال :
( لما انتهى سليمان بن صرد وأصحابه إلى قبر الحسين نادوا صيحة واحدة : يا رب ، إنا قد خذلنا ابن بنت نبينا فاغفر لنا ما مضى منا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم ، وارحم حسيناً وأصحابه الشهداء الصديقين . وإنا نشهدك يا رب أنا على مثل ما قتلوا عليه ، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 343 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال : فأقاموا عنده يوماً وليلة يصلون عليه ويبكون ويتضرعون ، فما انفكَّ الناس من يومهم ذلك يترحمون عليه وعلى أصحابه حتى صلوا الغداة من الغد عند قبره وزادهم ذلك حَنَقاً ، ثم ركبوا ، فأمر سليمان الناس بالمسير فجعل الرجل لا يمضي حتى يأتي قبر الحسين فيقوم عليه فيترحم عليه ويستغفر له قال : فوالله لرأيتهم ازدحموا على قبره أكثر من ازدحام الناس على الحجر الأسود ! قال : ووقف سليمان عند قبره فكلما دعا له قوم وترحموا عليه قال لهم المسيب بن نجبة وسليمان بن صرد : إلحقوا بإخوانكم رحمكم الله . فما زال كذلك حتى بقي نحو من ثلاثين من أصحابه ، فأحاط سليمان بالقبر هو وأصحابه فقال سليمان : الحمد لله الذي لو شاء أكرمنا بالشهادة مع الحسين ، اللهم إذ حرمتناها معه ، فلا تحرمناها فيه بعده . وقال عبد الله بن وال : أما والله إني لأظن حسيناً وأباه وأخاه أفضل أمة محمد « صلى الله عليه وآله » وسيلة عند الله يوم القيامة ، أفما عجبتم لما ابتليت به هذه الأمة بهم أنهم قتلوا اثنين وأشفوا بالثالث على القتل !
وقال المسيب بن نجبة : فأنا ممن قَتَلتهم ومَن كان على رأيهم برئ ، إياهم أعادي وأقاتل . قال فأحسن الرؤوس كلهم المنطق ) . انتهى .

التوابون قادة ٌوشخصيات وفرسان مميزون !

لا يتسع المجال لترجمة قادة التوابين والمعروفين من أتباعهم ، فهم شخصيات اجتماعية ، وفرسانٌ ممتازون ، وقد كان لعدد منهم أدوارٌ هامة في فتوحات بلاد فارس والشام ومصر .
وقد ألف المؤرخون والمحدثون كتباً خاصة في حركة التوابين ، أو معركة عين الوردة ، سجلوا فيها الكثير من تفاصيل حركتهم ، ومنهم كتَّاب معاصرون كالدكتور لبيب بيضون ( التوابون ) و ( الشيعة والخوارج ) للدكتور عبد الرحمن بدوي .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 344 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لكن أكثر مصادر الخلافة تجاهلت التوابين أو ذكرتهم باقتضاب مع أن فيهم صحابة كباراً ، وفرساناً من قادة الفتوحات ، وزعماء قبائل وقراء ! فتراهم لا يروون عن سليمان بن صرد مثلاً إلا قليلاً ويترجمون له بسطرين ، كما فعل ابن حنبل في العلل : 3 / 231 ، وبخاري في تاريخه الكبير : 4 / 1 ، مع أنه روى عنه الستة !
أو يترجمه بصفحة كالذهبي في سيره : 3 / 394 ، قال : ( سليمان بن صرد ، الأمير أبو مطرف الخزاعي الكوفي الصحابي ، له رواية يسيرة . . . كان ديِّناً عابداً ، خرج في جيش تابوا إلى الله من خذلانهم الحسين الشهيد ، وساروا للطلب بدمه وسُمُّوا جيش التوابين . وكان هو الذي بارز يوم صفين حوشباً ذا ظليم فقتله . حضَّ سليمان على الجهاد وسار في ألوف لحرب عبيد الله بن زياد وقال : إن قتلت فأميركم المسيب بن نجبة . والتقى الجمعان وكان عبيد الله في جيش عظيم فالتحم القتال ثلاثة أيام ، وقتل خلق من الفريقين ، واستحرَّ القتل بالتوابين شيعة الحسين وقتل أمراؤهم الأربعة : سليمان ، والمسيب ، وعبد الله بن سعد ، وعبد الله بن والي ، وذلك بعين الوردة التي تدعى رأس العين سنة خمس وستين ، وتحيز بمن بقي منهم رفاعة بن شداد إلى الكوفة ) .
وفي تاريخ بغداد : 1 / 215 : ( وكان اسمه يساراً فلما أسلم سماه رسول الله سليمان وكانت له سن عالية وشرف في قومه . . . وحمل رأسه ورأس المسيب بن نجية إلى مروان بن الحكم ، وكان سليمان يوم قتل ابن ثلاث وتسعين سنة ) .
قال الطبري : 4 / 426 : ( ففزعوا بالكوفة إلى خمسة نفر من رؤس الشيعة إلى سليمان بن صرد الخزاعي ، وكانت له صحبة مع النبي « صلى الله عليه وآله » ، وإلى المسيب بن نجبة الفزاري ، وكان من أصحاب علي وخيارهم ، وإلى عبد الله بن سعد بن نفيل الأزدي ، وإلى عبد الله بن وال التيمي ، وإلى رفاعة بن شداد البجلي .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 345 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم إن هؤلاء النفر الخمسة اجتمعوا في منزل سليمان بن صرد ، وكانوا من خيار أصحاب علي ، ومعهم أناس من الشيعة وخيارهم ووجوههم . . الخ . ) . انتهى .

معركة عين الوردة

واصل التوابون مسيرهم نحو الشام حتى وصلوا إلى عين الوردة قرب الرقة ، فالتقوا بجيش ابن زياد وهو ثلاثون ألفاً ، وخاضوا معه معارك شديدة لثلاثة أيام وقيل لسبعة أيام ، فقتل أكثرهم ، ورجع من بقي منهم إلى الكوفة .
قال الطبري : 4 / 465 : ( فاقتتلنا اليوم الثالث يوم الجمعة قتالاً شديداً إلى ارتفاع الضحى ، ثم إن أهل الشام كثرونا وتعطفوا علينا من كل جانب ، ورأى سليمان بن صرد ما لقي أصحابه فنزل فنادى : عباد الله من أراد البكور إلى ربه والتوبة من ذنبه والوفاء بعهده فإليَّ ! ثم كسر جفن سيفه ونزل معه ناسٌ كثير فكسروا جفون سيوفهم ومشوا معه ، وانزوت خيلهم حتى اختلطت مع الرجال فقاتلوهم حتى نزلت الرجال تشتد مصلتة بالسيوف وقد كسروا الجفون ، فحمل الفرسان على الخيل ولا يثبتون فقاتلوهم وقتلوا من أهل الشام مقتلة عظيمة ، وجرحوا فيهم فأكثروا الجراح !
فلما رأى الحصين بن نمير صبر القوم وبأسهم بعث الرجال ترميهم بالنبل واكتنفتهم الخيل والرجال ، فقتل سليمان بن صرد « رحمه الله » ، رماه يزيد بن الحصين بسهم فوقع ، ثم وثب ثم وقع ! قال فلما قتل سليمان بن صرد أخذ الراية المسيب بن نجبة وقال لسليمان بن صرد : رحمك الله يا أخي فقد صدقت ووفيت بما عليك وبقي ما علينا ! ثم أخذ الراية فشد بها فقاتل ساعة ، ثم رجع ثم شد بها فقاتل ثم رجع ، ففعل ذلك مراراً يشد ثم يرجع ، ثم قتل ) . انتهى .
وفي تاريخ الطبري : 4 / 465 : ( حدثنا هذا الشيخ عن المسيب بن نجبة قال : والله ما
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 346 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
رأيت أشجع منه إنساناً قط ، ولا من العصابة التي كان فيهم ! ولقد رأيته يوم عين الوردة يقاتل قتالاً شديداً ما ظننت أن رجلاً واحداً يقدر أن يبلي مثل ما أبلى ، ولا يَنْكَأ في عدوه مثل ما نكأ ! لقد قتل رجالاً وسمعته يقول قبل أن يقتل وهو يقاتلهم :

قد علمتْ مَيَّالةُ الذوائب * واضحةَ اللبَّات والترائبِ * أني غداة الروع والتغاُلب * أشجعُ من ذي لبد مُواثب * قطَّاعُ أقرانٍ مخوفُ الجانب * ) .

وفي تاريخ الطبري : 4 / 367 : ( قال لنا ابن وال : من أراد الحياة التي ليس بعدها موت والراحة التي ليس بعدها نصب ، والسرور الذي ليس بعده حزن ، فليتقرب إلى ربه بجهاد هؤلاء المحلين والرواح إلى الجنة رحمكم الله ، وذلك عند العصر ، فشد عليهم وشددنا معه فأصبنا والله منهم رجالاً وكشفناهم طويلاً ثم إنهم بعد ذلك تعطفوا علينا من كل جانب . . .
وخرج عبد الله بن عزيز الكندي ومعه ابنه محمد غلام صغير فقال : يا أهل الشأم هل فيكم أحد من كندة ؟ فخرج إليهم منهم رجال فقالوا : نعم ، نحن هؤلاء ، فقال لهم : دونكم ابن أخيكم فابعثوا به إلى قومكم بالكوفة ، فأنا عبد الله بن عزيز الكندي . فقالوا له أنت ابن عمنا فإنك آمن ، فقال لهم : والله لا أرغب عن مصارع إخواني الذين كانوا للبلاد نوراً والأرض أوتاداً ، وبمثلهم كان الله يذكر ! قال : فأخذ ابنه يبكى في إثر أبيه ، فقال : يا بنيَّ لو أن شيئاً كان آثر عندي من طاعة ربي إذاً لكنتَ أنت ! وناشده قومه الشاميون لما رأوا من جزع ابنه وبكاءه في أثره ، وأروا الشاميون له ولابنه رقة شديدة حتى جزعوا وبكوا ! ثم اعتزل الجانب الذي خرج إليه منه قومه ، فشد على صفهم عند المساء فقاتل حتى قتل . . .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 347 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
حدثني مسلم بن زحر الخولاني أن كريب بن زيد الحميري مشى إليهم عند المساء ، ومعه راية بلْقاء ، في جماعة قلما تنقص من مائة رجل إن نقصت ، وقد كانوا تحدثوا بما يريد رفاعة أن يصنع إذا أمسى ، فقال لهم الحميري : وجمع إليه رجالاً من حمير وهمدان فقال : عباد الله روحوا إلى ربكم ، والله ما في شئ من الدنيا خلف من رضاء الله والتوبة إليه ! إني قد بلغني أن طائفة منكم يريدون أن يرجعوا إلى ما خرجوا منه إلى دنياهم ، وإن هم ركنوا إلى دنياهم رجعوا إلى خطاياهم ! فأما أنا فوالله لا أولى هذا العدو ظهري حتى أرد موارد إخواني ! فأجابوه وقالوا : رأينا مثل رأيك ، ومضى برايته حتى دنا من القوم فقال ابن ذي الكلاع : والله إني لأرى هذه الراية حميرية أو همدانية ، فدنا منهم فسألهم فأخبروه فقال لهم : إنكم آمنون ، فقال له صاحبهم : إنا قد كنا آمنين في الدنيا ، وإنما خرجنا نطلب أمان الآخرة ! فقاتلوا القوم حتى قتلوا ) .
وفي تاريخ الطبري : 4 / 471 : ( أعجب ما رأيت يوم عين الوردة بعد هلاك القوم أن رجلاً أقبل حتى شد عليَّ بسيفه فخرجنا نحوه قال فأنتهي إليه وقد عقر به وهو يقول :
إني من الله إلى الله أفرّ * رضوانك اللهم أُبدي وأُسرّ .

قال فقلنا له : ممن أنت ؟ قال : من بني آدم ! قال فقلنا : ممن ؟ قال : لا أحب أن أعرفكم ولا أن تعرفوني يا مخربي البيت الحرام . . . وشد الناس عليه من كل جانب فقتلوه قال فوالله ما رأيت واحداً قط هو أشد منه ) .

بقية التوابين الذين انسحبوا

تاريخ الطبري : 4 / 370 : ( فلما أمسى الناس ورجع أهل الشام إلى معسكرهم ، نظر رفاعة ( قائدهم ) إلى كل رجل قد عقر به ، والى كل جريح لا يعين على نفسه فدفعه إلى قومه ، ثم سار بالناس ليلته كلها حتى أصبح بالتنينير فعبر
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 348 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الخابور وقطع المعابر ( حتى لا يتبعوهم ) ثم مضى لا يمر بمعبر إلا قطعه ، وأصبح الحصين بن نمير فبعث فوجدهم قد ذهبوا فلم يبعث في آثارهم أحداً ، وسار بالناس فأسرع وخلف رفاعة وراءهم أبا الجويرية العبدي في سبعين فارساً يسترون الناس فإذا مروا برجل قد سقط حمله أو بمتاع قد سقط قبضه حتى يعرفه ، فإن طُلب أو ابْتغي بعث إليه فأعلمه ، فلم يزالوا كذلك حتى مروا بقرقيسيا من جانب البر فبعث إليهم زفر من الطعام والعلف مثل ما كان بعث إليهم في المرة الأولى ، وأرسل إليهم الأطباء وقال : أقيموا عندنا ما أحببتم فإن لكم الكرامة والمواساة ، فأقاموا ثلاثاً ، ثم زود كل امرئ منهم ما أحب من الطعام والعلف .
قال : وجاء سعد بن حذيفة بن اليمان حتى انتهى إلى هيت فاستقبله الأعراب فأخبروه بما لقي الناس ! فانصرف فتلقى المثنى بن مخرمة العبدي بصندوداء فأخبروه ، فأقاموا حتى جاءهم الخبر أن رفاعة قد أظلكم ، فخرجوا حين دنا من القرية فاستقبلوه فسلم الناس بعضهم على بعض وبكى بعضهم لبعض وتناعوا إخوانهم فأقاموا بها يوماً وليلة فانصرف أهل المدائن إلى المدائن وأهل البصرة إلى البصرة وأقبل أهل الكوفة إلى الكوفة فإذا المختار محبوس ) .
وفي مشاهير علماء الأمصار لابن حبان / 172 : ( رفاعة بن شداد الفتياني ، وفتيان بطن من بجيلة من اليمن أبو عاصم كان ممن انفلت من عين الوردة ) .
وفي الثقات : 4 / 240 : ( يروي عن عمرو بن الحمق الخزاعي روى عنه السدي ) .

فرحة عبد الملك بانتصاره على التوابين

وصفوا فرحة عبد الملك بن مروان بالنصر على التوابين بقولهم : ( أُتِيَ عبد الملك بن مروان ببشارة الفتح ، قال فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 349 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أما بعد فإن الله قد أهلك من رؤوس أهل العراق مُلقح فتنةٍ ورأسَ ضلالة سليمان بن صرد ، ألا وإن السيوف تركت رأس المسيب بن نجبة خذاريف ! ألا وقد قتل الله من رؤوسهم رأسين عظيمين ضالين مضلين عبد الله بن سعد أخا الأزد ، وعبد الله بن وال أخا بكر بن وائل ، فلم يبق بعد هؤلاء أحد عنده دفاع ولا امتناع ) . ( الطبري : 4 / 470 ، وتاريخ دمشق : 7 / 466 ) .
ثم فرح عبد الملك فرحةً أكبر بموت أبيه وبيعته بالخلافة ، لكنه واجه حركة التوابين الجُدد بقيادة المختار ، والتي سرعان ما سيطرت على العراق !
قال في البدء والتاريخ : 6 / 19 : ( فالتقوا برأس عين فقتلوا سليمان بن صرد وتفرق أصحابه ، فمالت الشيعة إلى المختار بن أبي عبيد وقوي أمره ، فأظهر الدعوة إلى محمد بن الحنفية والطلب بدم الحسين ، ومات مروان بدمشق ، وكانت ولايته سبعة أشهر وأياماً ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 350 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

3 - ثورة المختار بن أبي عبيد الثقفي

ثورة المختار وإبراهيم بن مالك الأشتر « رحمه الله »

اتفق أتباع الخلافة على ذم المختار « رحمه الله » لأنه خرج على أسيادهم بني أمية ، وسيد بعضهم عبد الله بن الزبير ! وكذبوا على المختار كثيراً واجتهدوا لتشويه صورته ، وسترى بعض مكذوباتهم .
أما عندنا : فقد ورد فيه روايات مدح ولم تثبت روايات ذمه ، وسترى أن الأئمة « عليه السلام » مدحوه وترحموا عليه ، وإن تحفظوا عن تأييد شخصه وثورته سياسياً .

بداية حركة المختار « رحمه الله »

قال اليعقوبي : 2 / 258 : ( وكان المختار بن أبي عبيد الثقفي أقبل في جماعة عليهم السلاح يريدون نصر الحسين بن علي ، فأخذه عبيد الله بن زياد فحبسه وضربه بالقضيب حتى شَتَرَ عينه ، فكتب فيه عبد الله بن عمر إلى يزيد بن معاوية وكتب يزيد إلى عبيد الله : أن خلِّ سبيله فخلى سبيله ونفاه ، فخرج المختار إلى الحجاز فكان مع ابن الزبير فلما لم ير ابن الزبير يستعمله ، شَخَصَ إلى العراق فوافى وقد خرج سليمان بن صرد الخزاعي يطلب بدم الحسين ، فلما صار إلى الكوفة اجتمعت إليه الشيعة فقال لهم : إن محمد بن علي بن أبي طالب بعثني إليكم أميراً وأمرني بقتل المحلين وأطلب بدماء أهل بيته المظلومين ، وإني
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 351 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والله قاتل ابن مرجانة ، والمنتقم لآل رسول الله ممن ظلمهم ! فصدقه طائفة من الشيعة وقالت طائفة : نخرج إلى محمد بن علي فنسأله فخرجوا إليه فسألوه فقال : ما أحب إلينا ممن طلب بثأرنا وأخذ لنا بحقنا ، وقتل عدونا ، فانصرفوا إلى المختار فبايعوه وعاقدوه ) . انتهى .
وذكر الطبري : 4 / 241 ، أن ابن زياد بعد قتل مسلم بن عقيل مبعوث الحسين « عليه السلام » قبض على المختار بن أبي عبيد الثقفي ، واتهمه بأنه ناصر مسلماً « رحمه الله » فضربه وشَتَرَ عينه وحبسه ، فبلغ الخبر أخته صفية زوجة عبد الله بن عمر ، فكتب ابن عمر إلى يزيد فأطلق المختار ، وذلك بعد شهادة الإمام الحسين « عليه السلام » .
أقول : تدل هذه النصوص وغيرها على أن طموحات المختار كانت مبكرة ، وأنه كان مهتماً بالجو الشيعي في الكوفة لأنها ثقل العالم الإسلامي بعد الشام .
ويفهم من رواية اليعقوبي وغيره أنه أراد نصرة مسلم بن عقيل مبعوث الإمام الحسين « عليه السلام » فحبسه ابن زياد فلم يستطع الذهاب إلى كربلاء ، لكن أصحاب الحسين من نوعيات أرقى من المختار ، وأرقى من محمد بن الحنفية فقد ( عُنِّفَ ابن عباس على تركه الحسين « عليه السلام » فقال : إن أصحاب الحسين لم ينقصوا رجلاً ولم يزيدوا رجلاً ، نعرفهم بأسمائهم من قبل شهودهم . وقال محمد بن الحنفية : وإن أصحابه عندنا لمكتوبون بأسمائهم وأسماء آبائهم ) . ( مناقب آل أبي طالب : 3 / 211 ، والطبري : 4 / 443 ، وأصدق الأخبار / 32 ) .
فالصحيح أن المختار كان يفكر بعد هلاك معاوية بالعمل مع أهل البيت « عليهم السلام » فرأى الأمور تجري ضدهم ، ثم رأى موجة الأخذ بثأر الحسين « عليه السلام » قوية في الكوفة ، ولم يكن الجو ناضجاً ليرفع شعارها ، ولم يكن يفكر بالدعوة إلى نفسه كما فعل ابن الزبير ، فابن الزبير قرشي والمختار ثقفي وثقيف ما زالت
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 352 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عندهم عقيدة احترام قريش وشعور النقص تجاهها ، فلحق بابن الزبير فلم يعطه ولاية ترضيه ، فرجع إلى الكوفة وقد اشتدت موجة الأخذ بثأر الحسين « عليه السلام » والعترة النبوية ، فرفع شعارها .
وقد حاول أن يأخذ الشرعية من الإمام زين العابدين « عليه السلام » فلم يعطه ، وحاول مع محمد بن الحنفية « رحمه الله » فوجد منه ليناً ، فرفع اسمه ، وزوَّر عليه كتاباً إلى إبراهيم بن مالك الأشتر « رحمه الله » ، يطلب منه نصرته !

بايع المختار ابن الزبير وقاتل معه !

حسب روايات الطبري : 4 / 445 ، أمضى المختار أكثر من سنة في الحجاز ، فقد رآه أحدهم في مكة ثم رآه بعد سنة ، ولعله كان في المدينة يحاول إقناع الإمام زين العابدين « عليه السلام » بإرساله إلى العراق أو الإذن له فلم يستطع ، ثم حاول في مكة إقناع محمد بن الحنفية الذي كان حبسه ابن الزبير في سبعة عشر من بني هاشم لامتناعهم عن بيعته ، فرأى منه ليناً ولم يكتب له إذناً ! فذهب إلى ابن الزبير وقال له : ( إني قد جئتك لأبايعك على ألا تقضي الأمور دوني وعلى أن أكون في أول من تأذن له ، وإذا ظهرت استعنت بي على أفضل عملك ) . فبايعه وقاتل معه جيش الشام مرتين : ( فلما قتل المنذر بن الزبير والمسور بن مخرمة ومصعب بن عبد الرحمن بن عوف الزهري نادى المختار : يا أهل الإسلام إليَّ إليَّ أنا ابن أبي عبيد بن مسعود ، وأنا ابن الكرار لا الفرار ، أنا ابن المقدمين غير المحجمين ، إليَّ يا أهل الحفاظ وحماة الأوتار ، فحميَ الناس يومئذ وأبلى وقاتل قتالاً حسناً ، ثم أقام مع ابن الزبير في ذلك الحصار ، حتى كان يوم أحرق البيت فإنه أحرق يوم السبت لثلاث مضين من شهر ربيع الأول سنة 64 ، فقاتل المختار يومئذ في عصابة معه نحو من ثلاثمائة أحسن قتال ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 353 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم ترك المختار ابن الزبير وعاد إلى الكوفة . فقد روى ابن نما في ذوب النضار / 78 ، عن المدائني قال : ( لما قدم على عبد الله بن الزبير لم ير عنده ما يريد . . . فخرج المختار من مكة متوجهاً إلى الكوفة فلقيه هانئ بن أبي حية الوداعي فسأله عن أهلها ، فقال : لو كان لهم رجل يجمعهم على شي واحد لأكل الأرض بهم . فقال المختار : أنا والله أجمعهم على الحق وألقى بهم ركبان الباطل وأقتل بهم كل جبار عنيد إن شاء الله . . . ثم وجه إلى وجوه الشيعة وعرفهم أنه جاء من محمد بن الحنفية للطلب بدماء أهل البيت « عليهم السلام » ، وهذا أمر لكم فيه الشفاء وقتل الأعداء ) . ونحوه في البدء والتاريخ : 6 / 16 .

إبراهيم بن الأشتر « رحمه الله » القائد الأساسي في ثورة المختار

كان إبراهيم بن مالك الأشتر « رحمه الله » عماد حركة المختار ، فهو فارسٌ شجاعٌ مطاع ، ورئيس قبائل همدان ، بل يصح عدُّه صاحب الثورة الحقيقي لأهمية دوره فيها . وقد روت مصادر الخلافة أن المختار زوَّر له كتاباً من محمد بن الحنفية ، ولكنهم رووا أن عداً من أئمتهم الموثوقين شهدوا بصحة الكتاب ! قال ابن سعد : 5 / 99 ، وابن عساكر : 54 / 342 : ( وكتب المختار كتاباً على لسان محمد بن الحنفية إلى إبراهيم بن الأشتر ، وجاء فاستأذن عليه ، وقيل المختار أمين آل محمد ورسوله ( ص ) ، فأذن له وحياه ورحب به وأجلسه معه على فراشه ، فتكلم المختار وكان مفوهاً ، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي ( ص ) قال : إنكم أهل بيت قد أكرمكم الله بنصرة آل محمد ، وقد رُكب منهم ما قد علمت وحُرموا ومُنعوا حقهم ، وصاروا إلى ما رأيت ، وقد كتب إليك المهدي كتاباً وهؤلاء الشهود عليه . فقال يزيد بن أنس الأسدي ، وأحمر بن شميط البجلي وعبد الله بن كامل الشاكري ، وأبو عمرة كيسان مولى بجيلة : نشهد أن هذا كتابه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 354 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قد شهدناه حين دفعه إليه ، فقبضه إبراهيم وقرأه ثم قال : أنا أول من يجيب ، قد أمرنا بطاعتك ومؤازرتك ، فقل ما بدا لك وادع إلى من شئت ) .
وفي نهاية الإرب / 4575 ، وغيره ، أنه شهد على صحة كتاب ابن الحنفية : عبد الرحمن بن شريح ، وابن النفية ، والشعبي ، وأبوه ، وبضعة عشر من أصحابه ، ثم قال : ( فلما فرغ من قراءته تأخر ( إبراهيم ) عن صدر الفراش وأجلس المختار عليه وبايعه ، وصار يختلف إلى المختار كل عشية ، يدبرون أمورهم . . ) .
ومثله الذهبي في سيره : 4 / 121 ، بينما قال في : 3 / 541 : ( وقال إن جبريل ينزل عليَّ بالوحي ! واختلق كتاباً عن ابن الحنفية إليه يأمره بنصر الشيعة . وثار إبراهيم بن الأشتر في عشيرته فقَتَلَ صاحب الشرطة وسُرَّ به المختار وقوي ، وعسكروا بدير هند ، فحاربهم نائب ابن الزبير ثم ضعف واختفى ! وأخذ المختار في العدل وحسن السيرة ) . انتهى .
أقول : هذا اعترافٌ منهم بصحة كتاب ابن الحنفية وبعدل المختار في الحكم ! ولا قيمة لزعمهم بأنه ادعى النبوة ، فلو صح ذلك لاشتهر عنه ، واعترض عليه الناس ، وفشلت حركته !
وروى ابن الأثير : 4 / 214 ، وغيره ، أن عبد الرحمن بن شريح ، وسعيد بن منقذ الثوري ، وسعر بن أبي الحنفي ، والأسود بن جراد الكندي ، وقدامة بن مالك الجشمي ، وهم من رؤساء قبائل اليمن في الكوفة ، شكُّوا في إذن ابن الحنفية للمختار فذهبوا إلى المدينة فسألوه هل أرسله وأذن له ؟ فقال لهم : ( وأما ما ذكرتم ممن دعاكم إلى الطلب بدمائنا ، فوالله لوددت أن الله انتصر لنا من عدونا بمن شاء من خلقه . . . ) فعادوا وبشروا الشيعة والمختار وقالوا : ( لو كره لقال لا تفعلوا ) وقالوا للمختار : ( فإن أجابنا إلى أمرنا إبراهيم بن الأشتر رجونا القوة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 355 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
على عدونا فإنه فتى رئيس ، وابن رجل شريف له عشيرة ذات عز وعدد ) .
ثم ذكر أنهم طلبوا من إبراهيم بن الأشتر أن يقوم معهم ، فشرط عليهم أن يولوه أمرهم ، فقالوا : ( إن ابن الحنفية أمرنا بطاعة المختار ، فسكت إبراهيم ولم يجبهم ، فانصرفوا عنه ، فأخبروا المختار فمكث ثلاثاً ثم سار في بضعة عشر من أصحابه والشعبي وأبوه فيهم ، إلى إبراهيم فدخلوا عليه فألقى لهم الوسائد فجلسوا عليها وجلس المختار معه على فراشه فقال له المختار : هذا كتاب من المهدي محمد بن علي أمير المؤمنين وهو خير أهل الأرض اليوم وابن خير أهلها قبل اليوم بعد أنبياء الله ورسله « عليهم السلام » ، وهو يسألك أن تنصرنا وتوازرنا .
قال الشعبي : وكان الكتاب معي ، فلما قضى كلامه قال لي : إدفع الكتاب إليه فدفعه إليه الشعبي فقرأه فإذا فيه : من محمد المهدي إلى إبراهيم بن مالك الأشتر . سلام عليك ، فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو . أما بعد فإني قد بعثت إليكم وزيري وأميني الذي ارتضيته لنفسي وأمرته بقتال عدوي والطلب بدماء أهل بيتي ، فانهض معهم بنفسك وعشيرتك ومن أطاعك فإنك إن نصرتني وأجبت دعوتي كانت لك بذلك عندي فضيلة ، ولك أعنة الخيل وكل جيش غاز وكل مصر ومنبر وثغر ظهرت عليه ، فيما بين الكوفة وأقصى بلاد الشام . فلما فرغ من قراءة الكتاب قال : قد كتب إليَّ ابن الحنيفة قبل اليوم وكتبتُ ، فلم يكتب إليَّ إلا بإسمه واسم أبيه ! قال المختار : إن ذلك زمان وهذا زمان ! قال : فمن يعلم أن هذا كتابه إليَّ ؟ فشهد جماعة ممن معه منهم زيد بن أنس وأحمر بن شميط وعبد الله بن كامل وجماعتهم إلا الشعبي ! فلما شهدوا تأخر إبراهيم عن صدر الفراش وأجلس المختار عليه وبايعه . . . وأقبل يختلف إلى المختار كل عشية عند المساء يدبرون أمورهم ، واجتمع رأيهم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 356 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
على أن يخرجوا ليلة الخميس لأربع عشرة من ربيع الأول سنة ست وستين ) .
وروى في الطبري : 4 / 495 : ( قال الشعبي : أخذ بيدي فقال : انصرف بنا يا شعبي ، قال فانصرفت معه ومضى بي حتى دخل بي رحله فقال : يا شعبي إني قد حفظت أنك لم تشهد أنت ولا أبوك ! أفترى هؤلاء شهدوا على حق ؟ قال قلت له : قد شهدوا على ما رأيت ، وهم سادة القراء ومشيخة المصر وفرسان العرب ولا أرى مثل هؤلاء يقولون إلا حقاً . قال فقلت له هذه المقالة وأنا والله لهم على شهادتهم متهم ، غير أني يعجبني الخروج ، وأنا أرى رأي القوم وأحب تمام ذلك الأمر ، فلم أطلعه على ما في نفسي من ذلك ، فقال لي ابن الأشتر : أكتب لي أسماءهم فإني ليس كلهم أعرف ، ودعا بصحيفة ودواة وكتب فيها : بسم الله الرحمن الرحيم : هذا ما شهد عليه السائب بن مالك الأشعري ، ويزيد بن أنس الأسدي ، وأحمر بن شميط الأحمسي ، ومالك بن عمرو النهدي ، حتى أتى على أسماء القوم ، ثم كتب شهدوا أن محمد بن علي كتب إلى إبراهيم بن الأشتر يأمره بموازرة المختار ومظاهرته على قتال المحلين والطلب بدماء أهل البيت ، وشهد على هؤلاء النفر الذين شهدوا على هذه الشهادة ، شراحيل بن عبد ، وهو أبو عامر الشعبي الفقيه ، وعبد الرحمن بن عبد الله النخعي ، وعامر بن شراحيل الشعبي . فقلت له : ما تصنع بهذا رحمك الله ؟ فقال : دعه يكون . قال ودعا إبراهيم عشيرته ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 357 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إبراهيم بن الأشتر والمختار يسيطران على الكوفة
في نهاية الإرب / 4575 ، وغيره ، أن والي الكوفة ورئيس شرطته أحسوا بحركة المختار فعبؤوا الجنود وأمَّروا عليهم الأمراء ، ثم قال : ( خرج إبراهيم بن الأشتر ليلة الثلاثاء يريد المختار ، وقد بلغه أن الجبابين قد ملئت رجالاً ، وأن إياس بن مضارب في الشرطة قد أحاط بالسوق والقصر ، فأخذ معه من أصحابه نحو مائة دارع ، وقد لبسوا عليهم الأقبية ، فقال له أصحابه : تجنب الطريق فقال : والله لأمُرَّنَّ وسط السوق بجنب القصر ، ولأرعبن عدونا ولأرينهم هوانهم علينا ! فسار على باب الفيل فلقيهم إياس في الشرط مظهرين السلاح فقال : من أنتم ؟ فقال : أنا إبراهيم بن الأشتر . فقال إياس : ما هذا الجمع الذي معك وإلى أين تريد ؟ ولست بتاركك حتى آتي بك الأمير ، فقال إبراهيم : خل سبيلنا ! قال لا أفعل ، وكان مع إياس رجل من همدان يقال له أبو قطن وكان يكرمه ، وكان صديقاً لابن الأشتر ، فقال له ابن الأشتر : أدن مني يا أبا قطن فدنا منه وهو يظن أن إبراهيم يستشفع به عند إياس ، فلما دنا منه أخذ رمحاً كان معه فطعن به إياس في ثغره فصرعه ، وأمر رجلاً من أصحابه فقطع رأسه ، وتفرق أصحاب إياس . . . ففرح المختار بقتل إياس وقال : هذا أول الفتح إن شاء الله . ثم قال لسعيد بن منقذ : قم فأشعل النيران وارفعها ، وسر أنت يا عبد الله بن شداد فناد : يا منصور أمت ، وأنت يا سفيان بن ليلى ، وأنت يا قدامة بن مالك : نادِ يا لثارات الحسين ! ثم لبس سلاحه وكانت الحرب بين أصحابه وبين الذين ندبهم ابن مطيع لحفظ الجبابين في تلك الليلة ، فكان الظفر لأصحاب المختار . . . جمع ابن مطيع أهل الطاعة إليه فبعث شبث بن ربعي في ثلاثة آلاف وراشد بن إياس
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 358 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
في أربعة آلاف من الشرط لقتال المختار ومن معه ، وأردفهم بالعساكر ، واقتتلوا فكان الظفر لأصحاب المختار ومن معه ، وكان الذي صَلِيَ الحرب ودبَّر الأمر إبراهيم بن الأشتر ، فلما رأى بن مطيع أمر المختار وأصحابه قد قوي خرج بنفسه إليهم فوقف بالكنائس واستخلف شبث بن ربعي على القصر فبرز إبراهيم بن الأشتر لابن مطيع في أصحابه وحمل عليه ، فلم يلبث ابن مطيع أن انهزم أصحابه يركب بعضهم بعضاً على أفواه السكك ، وابن الأشتر في آثارهم حتى بلغ المسجد ، وحصر ابن مطيع ومن معه في أشراف الكوفة في القصر ثلاثاً . . . وترك القصر ( واختفى ) ففتح أصحابه الباب وقالوا : يا ابن الأشتر آمنون نحن ؟ فقال : أنتم آمنون فخرجوا فبايعوا المختار . . . ودخل أشراف الكوفة فبايعوه على كتاب الله وسنة رسوله ( ص ) والطلب بدماء أهل البيت ، وجهاد المحلين والدفع عن الضعفاء ) . انتهى . ومعنى ذلك أن نجاح الثورة في الكوفة كان سهلاً نسبياً ، لأن موجة أخذ الثأر لأهل البيت « عليهم السلام » كانت قوية عارمة !

أتباع الخلافة يَكْذِبُونَ لتشويه شخصية المختار « رحمه الله »

ثار المختار « رحمه الله » على ابن الزبير والأمويين معاً فانتصر عليهم ، وتتبع قتلة الإمام الحسين « عليه السلام » وقتل أكثرهم ، واكتسح وزيره ابن الأشتر جيشاً كثيفاً لعبد الملك في الموصل ، وقتل قائده عبيد الله بن زياد ، وحكم العراق والمناطق التابعة له في إيران وأرمينية نحو سنتين ، إلى سنة ثمان وستين هجرية ، ثم انتصر عليه مصعب ابن الزبير ، فقتله .
فماذا ننتظر من مصادر الخلافة أن تكتب عنه وهي أموية الهوى أو زبيرية ؟ ! لذلك لا تعجب إذا رأيت تأريخهم له مشحوناً بالكذب عليه ، فقد زعموا أنه ادعى علم الغيب والنبوة ، وأنه ادعى المهدوية لابن الحنفية ، وقد أخذوا ذلك
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 359 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
من الدعاية الأموية والزبيرية ضده ، لكن أفلتت منهم شهادات عظيمة له « رحمه الله » بأنه كان عادلاً في سيرته وكان صاحب أخلاق وقيم في عصر كادت تفقد القيم !
فقد قال الطبري : 4 / 508 ، عن سياسة المختار المالية في عصر كثرت فيه السرقات والخيانات : ( وأصاب المختار تسعة آلاف ألف في بيت مال الكوفة ، فأعطى أصحابه الذين قاتل بهم حين حصر ابن مطيع في القصر ، وهم ثلاثة آلاف وثمانمائة رجل ، كل رجل خمسمائة درهم خمسمائة درهم ، وأعطى ستة آلاف من أصحابه أتوه بعد ما أحاط بالقصر ، فأقاموا معه تلك الليلة وتلك الثلاثة الأيام حتى دخل القصر مائتين مائتين ، واستقبل الناس بخير ومنَّاهم العدل وحسن السيرة ، وأدنى الأشراف فكانوا جلساءه وحُدَّاثه ) .
ثم ذكر الطبري إرسال المختار عماله وتوجيهاته لهم ، فقال : ( أول رجل عقد له المختار رايةً عبد الله بن الحارث أخو الأشتر ، عقد له على أرمينية ، وبعث محمد بن عمير بن عطارد على آذربيجان ، وبعث عبد الرحمن بن سعيد بن قيس على الموصل ، وبعث إسحاق بن مسعود على المدائن وأرض جوخى ، وبعث قدامة بن أبي عيسى بن ربيعة النصري وهو حليف لثقيف على بهقباذ الأعلى ، وبعث محمد بن كعب بن قرظة على بهقباذ الأوسط ، وبعث حبيب بن منقذ الثوري على بهقباذ الأسفل ، وبعث سعد بن حذيفة بن اليمان على حلوان ، وكان مع سعد بن حذيفة ألفاً فارس بحلوان ، قال ورزقه ألف درهم في كل شهر ، وأمره بقتال الأكراد وبإقامة الطرق . وكتب إلى عماله على الجبال يأمرهم أن يحملوا أموال كورهم إلى سعد بن حذيفة بحلوان ) . الخ .
والبِهْقَبِاذات الأعلى والأوسط والأسفل : المناطق المتدة من الحلة إلى قرب البصرة منسوبة إلى قباذ ابن فيروز والد أنوشروان بن قباذ ) . ( معجم البلدان : 1 / 516 ، والمسالك والممالك / 4 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 360 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وتقدمت شهادة الذهبي في سيره : 3 / 541 : ( وأخذ المختار في العدل وحسن السيرة ) . كما سجل الطبري وغيره شهادتهم في معاملة المختار لخصمه المهزوم حاكم الكوفة ، الذي قاتله أياماً وقتل من رجال المختار مئات ، ثم هرب ليلاً من القصر إلى بيت أبي موسى الأشعري . قال الطبري : 4 / 508 : ( وجاءه ابن كامل فقال للمختار : أعلمتَ أن ابن مطيع في دار أبي موسى ؟ فلم يجبه بشئ ، فأعادها عليه ثلاث مرات فلم يجبه ، ثم أعادها فلم يجبه ! فظن ابن كامل أن ذلك لا يوافقه ! وكان ابن مطيع قَبْلُ للمختار صديقاً ، فلما أمسى بعث إلى ابن مطيع بمائة ألف درهم فقال له : تجهز بهذه واخرج ، فإني قد شعرت بمكانك وقد ظننت أنه لم يمنعك من الخروج إلا أنه ليس في يديك ما يقويك على الخروج ) . ( وابن الأثير : 4 / 36 ، وابن خلدون : 3 / 23 ، والنهاية : 8 / 294 ، ونهاية الإرب / 4578 ، وغيرها ) . وهي مناقبية تعلمها المختار من ارتباطه إلى أهل البيت « عليهم السلام » .
المختار يرسل ابن أنس الأسدي لمواجهة جيش عبد الملك
ما أن نجحت ثورة المختار في الكوفة حتى اشتد غضب عبد الملك وسارع في تجهيز جيش كبير بقيادة عبيد الله بن زياد ، قصد العراق عن طريق الموصل فسارع المختار إلى تشكيل جيش بإمرة يزيد بن أنس الأسدي ، أرسله المختار وقال له ، كما في الطبري : 4 / 514 : ( أخرج إلى الموصل حتى تنزل أدانيها ، فإني ممدك بالرجال بعد الرجال . فقال له يزيد بن أنس : سرَّح معي ثلاثة آلاف فارس أنتخبهم وخلني والفرج الذي توجهنا إليه ، فإن احتجت إلى الرجال فسأكتب إليك . قال له المختار : فأخرج فانتخب على اسم الله من أحببت ، فخرج فانتخب ثلاثة آلاف فارس . . ) .
فأرسل ابن زياد جيشاً بقيادة ربيعة بن المخارق واشتبكوا مع جيش المختار
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 361 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأدار المعركة قائدهم الأسدي وهو مريض فانتصر عليهم ، ومات بعد أن نصب مكانه ورقاء بن عازب الأسدي ، وكان ضعيفاً فبلغه خبر تحرك جيش ابن زياد في ثمانين ألفاً فأمرهم بالرجوع : ( قالوا فإنك نعمَّا رأيت ، انصرف رحمك الله فانصرف ، فبلغ منصرفهم ذلك المختار وأهل الكوفة فأوجف الناس . . . أن يزيد بن أنس هلك ، وأن الناس هزموا . . . فدعا المختار إبراهيم بن الأشتر فعقد له على سبعة آلاف رجل ، ثم قال له : سر حتى إذا أنت لقيت جيش ابن أنس فارددهم معك ، ثم سر حتى تلقى عدوك فتناجزهم ، فخرج إبراهيم ، فوضع عسكره بحمام أعين ) .
ابن الأشتر يرجع من طريقه لمعالجة وضع الكوفة
توجه إبراهيم نحو الموصل ، لكن بقايا النظام الأموي أشاعوا أن يزيد بن أنس مات ، وجيش المختار انهزم بسوء تدبير المختار ! فاجتمع أشراف الكوفة حسب تعبيرهم بقيادة قَتَلَة الحسين « عليه السلام » وأتباع بني أمية !
قال الطبري : 4 / 518 : ( جاء شبث بن ربعي وشمر بن ذي الجوشن ومحمد بن الأشعث وعبد الرحمن بن سعيد بن قيس ، حتى دخلوا على كعب بن أبي كعب الخثعمي ، فتكلم شبث فحمد الله وأثنى عليه ، ثم أخبره باجتماع رأيهم على قتال المختار ، وسأله أن يجيبهم إلى ذلك وقال : فيما يعتب المختار ! إنه تأمَّر علينا بغير رضى منا . . . وزعم أن ابن الحنفية بعثه إلينا وقد علمنا أن ابن الحنفية لم يفعل ، وأطعم موالينا فيأنا وأخذ عبيدنا فحَرَبَ بهم يتامانا وأراملنا ، وأظهر هو وسبأيته البراءة من أسلافنا الصالحين . . . وقالوا انتظروا حتى يذهب عنه إبراهيم بن الأشتر ! قال : فأمْهَلوا حتى إذا بلغ ابن الأشتر ساباط وثبوا بالمختار ! قال فخرج عبد الرحمن بن سعيد بن قيس الهمداني في همدان في
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 362 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
جبانة السبيع ، وخرج زحر بن قيس الجعفي وإسحاق بن محمد بن الأشعث في جبانة كندة . . . قال وبعث المختار رسولاً من يومه يقال له عمرو بن توبة بالركض إلى إبراهيم بن الأشتر وهو بساباط : أن لا تضع كتابي من يدك حتى تقبل بجميع من معك إليَّ ! قال وبعث إليهم المختار في ذلك اليوم : أخبروني ما تريدون فإني صانع كل ما أحببتم ! قالوا : فإنا نريد أن تعتزلنا ، فإنك زعمت أن ابن الحنفية بعثك ولم يبعثك ) . انتهى .
لقد فاوضهم المختار بسياسة ليكسب الوقت حتى يصل ابن الأشتر ، الذي قطع الطريق إلى الكوفة في يومين ، بينما وصلت استعدادات المعادين إلى أشدها ، فتولى إبراهيم حرب المضريين والمختار حرب اليمانيين : ( وجاءت البشرى إلى المختار من قبل إبراهيم بهزيمة مضر ، فبعث المختار البشرى من قبله إلى أحمر بن شميط ، وإلى ابن كامل ، فالناس على أحوالهم كل أهل سكة ، منهم قد أغنت ما يليها ) . ( الطبري : 4 / 533 ) .
أقول : غلب على معركة المختار الأولى للسيطرة على الكوفة طابع المعركة لإسقاط النظام ، بينما كانت معركته الثانية خاصة ضد قتلة الحسين « عليه السلام » من أتباع بني أمية والمغالين فيهم ، وكان شعاره : ( يا لثارات الحسين « عليه السلام » ) .
وقد حدث في قبيلة شبام من ربيعة وكانت مع الأمويين ، أن رئيسهم رفاعة بن شداد كانت عقيدته مع المختار فكان يسير بهم يقدم رجلاً ويؤخر أخرى ! فصاح أحدهم بشعار ( يا لثارات عثمان ) في مقابل شعار أنصار المختار ( يا لثارات الحسين ) ! فانتفض رفاعة « رحمه الله » وخالف عشيرته حتى قاتلهم وقتل بسيوفهم !
قال الطبري : 4 / 523 : ( ودخل الناس الجبانة في آثارهم وهم ينادون يا لثارات الحسين ، فأجابهم أصحاب ابن شميط يا لثارات الحسين ، فسمعها يزيد بن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 363 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عمير بن ذي مران من همدان فقال : يا لثارات عثمان ! فقال لهم رفاعة بن شداد : مالنا ولعثمان ؟ ! لا أقاتل مع قوم يبغون دم عثمان ! فقال له أناس من قومه : جئت بنا وأطعناك حتى إذا رأينا قومنا تأخذهم السيوف قلت انصرفوا ودعوهم ! فعطف عليهم وهو يقول :

أنا ابنُ شدَّاد على دين علي * لستُ لعثمانَ بن أروى بولي
لأصْلَيَنَّ اليوم فيمن يَصْطَلي * بِحَرِّ نار الحرب غيرَ مؤتلي

فقاتل حتى قتل « رحمه الله » ) .

المختار يقتل مئات ممن شركوا في دم الحسين « عليه السلام »

في تاريخ الطبري : 4 / 525 : ( فقال له المختار : أعرضوهم عليّ ، وانظروا كل من شهد منهم قتل الحسين فأعلموني به ، فأخذوا لا يمر عليه برجل قد شهد قتل الحسين إلا قيل له هذا ممن شهد قتله ، فيقدمه فيضرب عنقه ، حتى قتل منهم قبل أن يخرج مائتين وثمانية وأربعين قتيلاً . . . ونادى منادي المختار : إنه من أغلق بابه فهو آمن ، إلا رجلاً شرك في دم آل محمد « صلى الله عليه وآله » . . .
فقال لهم المختار يا أعداء الله وأعداء كتابه وأعداء رسوله وآل رسوله : أين الحسين بن علي أدوا إليَّ الحسينَ ؟ ! قتلتم من أمرتم بالصلاة عليه في الصلاة ؟ ! فقالوا : رحمك الله بُعثنا ونحن كارهون فامنن علينا واستبقنا . قال المختار : فهلا مننتم على الحسين بن بنت نبيكم واستبقيتموه وسقيتموه ؟ ! ثم قال المختار : للبدائي : أنت صاحب برنسه ؟ فقال له عبد الله بن كامل : نعم هو هو ! فقال المختار : إقطعوا يدي هذا ورجليه ودعوه فليضطرب حتى يموت ، ففعل ذلك به وترك فلم يزل ينزف الدم حتى مات ! وأمر بالآخريْن فقدما فقتل عبد الله بن كامل عبد الله الجهني ، وقتل سعر بن أبي سعر حمل بن مالك المحاربي . . .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 364 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وخرج عمرو بن الحجاج الزبيدي ، وكان ممن شهد قتل الحسين ، فركب راحلته ثم ذهب عليها فأخذ طريق شراف وواقصة ، فلم يُرَ حتى الساعة ، ولا يدرى أرض بخسته ، أم سماء حصبته . . .
بعث المختار عبد الله بن كامل إلى عثمان بن خالد بن أسير الدهماني من جهينة ، وإلى أبي أسماء بشر بن سوط القابضي ، وكانا ممن شهدا قتل الحسين وكانا اشتركا في دم عبد الرحمن بن عقيل بن أبي طالب وفي سلبه ، فأحاط عبد الله بن كامل عند العصر بمسجد بني دهمان ، ثم قال : عليَّ مثل خطايا بني دهمان منذ يوم خلقوا إلى يوم يبعثون ، إن لم أوت بعثمان بن خالد بن أسير إن لم أضرب أعناقكم من عند آخركم ! فقلنا له : أمهلنا نطلبه فخرجوا معه الخيل في طلبه فوجدوهما جالسيْن في الجبانة ، وكانا يريدان أن يخرجا إلى الجزيرة ، فأتى بهما . . .
وبعث أبا عمرة صاحب حرسه فساروا حتى أحاطوا بدار خَوَلي بن يزيد الأصبحي وهو صاحب رأس الحسين الذي جاء به ، فاختبأ في مخرجه فأمر معاذ أبا عمرة أن يطلبه في الدار فخرجت امرأته إليهم فقالوا لها : أين زوجك ؟ فقالت لا أدرى أين هو ، وأشارت بيدها إلى المخرج ! فدخلوا فوجدوه قد وضع على رأسه قوصرة فأخرجوه . . . وكانت امرأته من حضر موت يقال لها العيوف بنت مالك بن نهار بن عقرب ، وكانت نصبت له العداوة حين جاء برأس الحسين « عليه السلام » . . .
وحدثني موسى بن عامر أبو الأشعر أن المختار قال ذات يوم وهو يحدث جلساءه : لأقتلن غداً رجلاً عظيم القدمين غائر العينين مشرف الحاجبين ، يسرُّ مقتله المؤمنين والملائكة المقربين ! قال وكان الهيثم بن الأسود النخعي عند
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 365 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
المختار حين سمع هذه المقالة فوقع في نفسه أن الذي يريد عمر بن سعد بن أبي وقاص ، فلما رجع إلى منزله دعا ابنه العريان فقال إلق ابن سعد الليلة فخبره بكذا وكذا وقل له خذ حذرك فإنه لا يريد غيرك ! قال : فأتاه فاستخلاه ثم حدثه الحديث فقال له عمر بن سعد : جزى الله أباك والإخاء خيراً كيف يريد هذا بي بعد الذي أعطاني من العهود والمواثيق ، وكان المختار أول ما ظهر أحسن شئ سيرة وتألفاً للناس ، وكان عبد الله بن جعدة بن هبيرة أكرم خلق الله على المختار لقرابته بعلي ، فكلم عمر بن سعد عبد الله بن جعدة وقال له : إني لا آمن هذا الرجل يعني المختار فخذ لي منه أماناً ففعل ، قال : فأنا رأيت أمانه وقرأته : بسم الله الرحمن الرحيم هذا أمان من المختار بن أبي عبيد لعمر بن سعد بن أبي وقاص : إنك آمن بأمان الله على نفسك ومالك وأهلك وأهل بيتك وولدك ، لا تؤاخذ بحدث كان منك قديماً ، ما سمعت وأطعت ولزمت رحلك وأهلك ومصرك . فمن لقي عمر بن سعد من شرطة الله وشيعة آل محمد ومن غيرهم من الناس ، فلا يعرض له إلا بخير .
شهد السائب بن مالك ، وأحمر بن شميط ، وعبد الله بن شداد ، وعبد الله بن كامل ، وجعل المختار على نفسه عهد الله وميثاقه ليفين لعمر بن سعد بما أعطاه من الأمان إلا أن يحدث حدثاً ، وأشهد الله على نفسه وكفى بالله شهيداً ، قال فكان أبو جعفر محمد بن علي يقول : أما أمان المختار لعمر بن سعد إلا أن يحدث حدثاً ، فإنه كان يريد به إذا دخل الخلاء فأحدث . . . !
وأصبح المختار فبعث إليه أبا عمرة وأمره أن يأتيه به ، فجاءه حتى دخل عليه ، فقال أجب الأمير ، فقام عمر فعثر في جبة له ، ويضربه أبو عمرة بسيفه فقتله ، وجاء برأسه في أسفل قبائه حتى وضعه بين يدي المختار ، فقال
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 366 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
المختار لابنه حفص بن عمر بن سعد وهو جالس عنده : أتعرف هذا الرجل ؟ فاسترجع وقال : نعم ، ولا خير في العيش بعده ! قال له المختار : صدقت فإنك لا تعيش بعده ، فأمر به فقتل ، وإذا رأسه مع رأس أبيه ! ثم إن المختار قال : هذا بحسين وهذا بعلى بن حسين ولا سواء ، والله لو قتلت به ثلاثة أرباع قريش ما وفوا أنملة من أنامله ) .
ولا يتسع المجال لتفصي تتبع المختار « رحمه الله » لمن شَرِكَ في قتل الحسين وأهل بيته « عليهم السلام » ، وفي الموضوع كتب خاصة منها ذوب النضار لابن نما الحلي ، وأصدق الأخبار للسيد الأمين ، وغيرهما .
إبراهيم بن الأشتر يعود لمواجهة جيش عبد الملك
كان جيش عبد الملك في هذه المعركة ستين ألف مقاتل ، وفي بعض الروايات ثلاثةً وثمانين ألفاً ، بقيادة عبيد الله بن زياد ، وقد تلقى هزيمة ساحقة على يد إبراهيم بن مالك الأشتر « رحمه الله » وجيشه المكوَّن من بضعة آلاف ، فسحقهم ابن الأشتر « رحمه الله » وقتل أكثرهم ، وغرق كثير منهم في نهر الخازر عندما هربوا ولم ينجُ منهم إلا فلول !
قال الدكتور إبراهيم بيضون في كتابه ( التوابون ) / 181 : ( وعند نهر الخازر اشتبك الجيشان في ملحمة عظيمة بذل فيها الشيعة جهوداً عظيمة للسيطرة على زمام الموقف ، وقامت فرقة انتحارية منهم باختراق صفوف العدو مستهدفة عبيد الله بن زياد فتمكنت من الوصول إليه وقتله . ثم قتل غيره من القواد الكبار الأمر الذي أحدث بلبلة وفوضى وأدى إلى هزيمة ساحقة للجيش الأموي ) .
وفي تاريخ دمشق : 58 / 235 ، ونحوه في : 14 / 389 : ( فتراشقوا بالنبل ساعة ، وتشاولوا بالرماح ، ثم صاروا إلى السيف فاقتتلوا أشد القتال ، إلى أن ذهب ثلث الليل ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 367 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقُتل أهل الشام تحت كل حجر ، وهرب من هرب منهم ، وقُتل عبيد الله بن زياد والحصين بن نمير في المعركة ، وبعث بالرؤوس إلى المختار ، فبعث المختار برأس عبيد الله بن زياد وبرأس الحصين بن نمير وستة نفر من رؤوسائهم مع خلاد بن السائب الخزرجي ، فقدم بها المدينة فنصبت يوماً إلى الليل ، ثم خرج بها إلى ابن الزبير فنصبها على ثنية الحجون ) .
وفي نهاية ابن كثير : 8 / 315 : ( ثم اتفق خروج ابن الأشتر إليه في سبعة آلاف ، وكان مع ابن زياد أضعاف ذلك ، ولكن ظفر به ابن الأشتر فقتله شرَّ قتلة ، على شاطئ نهر الخازر قريباً من الموصل بخمس مراحل . قال أبو أحمد الحاكم : وكان ذلك يوم عاشوراء . قلت : وهو اليوم الذي قتل فيه الحسين ) .
وفي أصدق الأخبار في قصة الأخذ بالثار للسيد الأمين / 81 : ( فسار إبراهيم حتى وصل إلى أرض الموصل وجعل لا يسير إلا على تعبية ، حتى وصل إلى نهر الخازر ، فنزل قرية يقال لها باربيثا بينها وبين الموصل خمسة فراسخ ، وجاء ابن زياد حتى نزل قريباً منهم على شاطئ نهر الخازر . . . ودعا ابن الأشتر بفرس له فركبه ، ثم مر بأصحاب الرايات كلها فكلما مر على راية وقف عليها ثم قال : يا أنصار الدين وشيعة الحق ، هذا عبيد الله بن مرجانة قاتل الحسين بن علي بن فاطمة بنت رسول الله « صلى الله عليه وآله » حال بينه وبين بناته ونسائه وشيعته وبين ماء الفرات أن يشربوا منه ، وهم ينظرون إليه ، ومنعه الذهاب في الأرض العريضة حتى قتله وقتل أهل بيته ! فوالله ما عمل فرعون بنجباء بني إسرائيل ما عمل ابن مرجانة بأهل بيت رسول الله ، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً ، فوالله إني لأرجو أن يشفي الله صدوركم بسفك دمه على أيديكم ، فقد علم الله أنكم خرجتم غضباً لأهل بيت نبيكم « صلى الله عليه وآله » ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 368 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي كامل ابن الأثير : 4 / 62 : ( وكان إبراهيم يقول لصاحب رايته : انغمس برايتك فيهم ! فيقول : ليس لي مُتقدم ! فيقول : بلى ، فإذا تقدم شد إبراهيم بسيفه فلا يضرب رجلاً إلا صرعه ، وكرَّ إبراهيم والرجالة بين يديه كأنهم الحِمْلان ، وحمل أصحابه حملة رجل واحد ، واشتد القتال فانهزم أصحاب ابن زياد . . .
فلما انهزموا قال إبراهيم : إني قد قتلت رجلاً تحت راية منفردة على شاطئ نهر الخازر ، فالتمسوه فإني شممت منه رائحة المسك ، شرَّقَتْ يداه وغَرَّبَتْ رجلاه ! فالتمسوه فإذا هو ابن زياد قتيلاً بضربة إبراهيم ، قد قدَّته بنصفين وسقط ) ! وفي أمالي الطوسي / 240 : ( فخرج إبراهيم يوم السبت لسبع خلون من المحرم سنة سبع وستين ، في ألفين من مذحج وأسد ، وألفين من تميم وهمدان ، وألف وخمس مائة من قبائل المدينة ، وألف وخمس مائة من كندة وربيعة ، وألفين من الحمراء . . . فلما نزل ابن الأشتر نهر الخازر بالموصل أقبل ابن زياد في الجموع ، ونزل على أربعة فراسخ من عسكر ابن الأشتر ، ثم التقوا فحضَّ ابن الأشتر أصحابه وقال : يا أهل الحق وأنصار الدين : هذا ابن زياد قاتل الحسين بن علي وأهل بيته « عليهم السلام » قد أتاكم الله به وبحزبه حزب الشيطان ، فقاتلوهم بنية وصبر ، لعل الله يقتله بأيديكم ويشفي صدوركم . وتزاحفوا ونادى أهل العراق : يا لثارات الحسين ! فجال أصحاب ابن الأشتر جولة فناداهم : يا شرطة الله الصبر الصبر . . . ثم حمل ابن الأشتر عشياً فخالط القلب ، وكسرهم أهل العراق فركبوهم يقتلونهم ، فانجلت الغمة وقد قتل عبيد الله بن زياد ، وحصين بن نمير ، وشرحبيل بن ذي الكلاع ، وابن حوشب ، وغالب الباهلي ، وعبد الله بن إياس السلمي ، وأبو الأشرس ، الذي كان على خراسان وأعيان أصحابه . فقال ابن الأشتر : إني رأيت بعدما انكشفت الناس طائفة منهم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 369 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قد صبرت تقاتل ، فأقدمت عليهم وأقبل رجل آخر في كبكبة كأنه بغل أقمر يفري الناس ، لا يدنو منه أحد إلا صرعه ، فدنا مني فضربت يده فأبنتها ، وسقط على شاطئ النهر فشرقت يداه وغربت رجلاه ، فقتلته ووجدت منه ريح المسك وأظنه ابن زياد فاطلبوه ! فجاء رجل فنزع خفيه وتأمله فإذا هو ابن زياد لعنه الله ، على ما وصف ابن الأشتر . . .
وخرج المختار إلى الكوفة وبعث برأس ابن زياد ورأس حصين بن نمير ورأس شرحبيل بن ذي الكلاع ، مع عبد الرحمن بن أبي عمير الثقفي وعبد الله بن شداد الجشمي والسائب بن مالك الأشعري ، إلى محمد بن الحنفية بمكة وعلي بن الحسين « عليه السلام » يومئذ بمكة ، وكتب إليه معهم : أما بعد فإني بعثت أنصارك وشيعتك إلى عدوك يطلبونه بدم أخيك المظلوم الشهيد ، فخرجوا محتسبين محنقين آسفين ، فلقوهم دون نصيبين فقتلهم رب العباد ، والحمد لله رب العالمين . . . وقدموا بالكتاب والرؤوس عليه فبعث برأس ابن زياد إلى علي بن الحسين ، فأدخل عليه وهو يتغدى ، فقال علي بن الحسين « عليه السلام » : أُدخلتُ على ابن زياد وهو يتغذى ورأس أبي « عليه السلام » بين يديه فقلت : اللهم لا تُمتني حتى تريني رأس ابن زياد وأنا أتغدى ، فالحمد لله الذي أجاب دعوتي . ثم أمر فرمي به ، فحمل إلى ابن الزبير فوضعه ابن الزبير على قصبة فحركتها الريح فسقط فخرجت حية من تحت الستار فأخذت بأنفه . . . فأمر ابن الزبير فألقي في بعض شعاب مكة ) . وقال الذهبي في سيره : 4 / 121 ، وهو أموي الهوى : ( وجعل أمر المختار يغلظ ( يَقْوَى ) وتَتَبَّعَ قتلة الحسين فقتلهم ، وجهز ابن الأشتر في عشرين ألفاً إلى عبيد الله بن زياد فظفر به ابن الأشتر ، وبعث برأسه إلى المختار فبعث به إلى ابن الحنفية وعلي بن الحسين ، فدعت بنو هاشم للمختار ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 370 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي النجوم الزاهرة : 1 / 179 : ( ودخل ابن الأشتر الموصل ، واستعمل عليها وعلى نصيبين وسنجار العمال ، ثم بعث برؤوس عبيد الله بن زياد والحصين وشرحبيل بن ذي الكلاع إلى المختار ) .

المختار يُخَلِّص بني هاشم من أظافر ابن الزبير !

في سنة 66 هجرية تمَّت سيطرة المختار على العراق ما عدا البصرة ، وساءت علاقته مع عبد الله بن الزبير ، لأنه دعا إلى بيعة محمد بن الحنفية « رحمه الله » ، فقام عبد الله بن الزبير بسجن ابن الحنفية وعبد الله بن عباس وغيرهم من بني هاشم في مكة ، وهددهم بإحراق السجن عليهم إن لم يبايعوه وحدد لهم مهلة ! فكتبوا إلى المختار ، فأرسل لهم قوة حماية وأموالاً فوصلتهم قبل انتهاء المهلة بيومين !
قال في الطبقات : 5 / 101 : ( ومعهما النساء والذرية فأساء جوارهم وحصرهم وآذاهم ، وقصد لمحمد بن الحنفية فأظهر شتمه وعيبه ، وأمره وبني هاشم أن يلزموا شعبهم بمكة وجعل عليهم الرقباء ، وقال لهم فيما يقول : والله لتبايعن أو لأحرقنكم بالنار ! فخافوا على أنفسهم . . . فقطع المختار بعثاً إلى مكة فانتدب منهم أربعة آلاف ، فعقد لأبي عبد الله الجدلي عليهم وقال له : سر ، فإن وجدت بني هاشم في الحياة فكن لهم أنت ومن معك عضداً ، وانفذ لما أمروك به ، وإن وجدت بن الزبير قد قتلهم فاعترض أهل مكة حتى تصل إلى ابن الزبير ثم لا تدع من آل الزبير شفراً ولا ظفراً ، وقال : يا شرطة الله لقد أكرمكم الله بهذا المسير ولكم بهذا الوجه عشر حجج وعشر عمر ، فسار القوم ومعهم السلاح حتى أشرفوا على مكة ، فجاء المستغيث إعجلوا فما أراكم تدركونهم ! فقال الناس : لو أن أهل القوة عجلوا فانتدب منهم ثمانمائة ، رأسهم عطية بن سعد بن جنادة العوفي حتى دخلوا مكة فكبروا تكبيرة سمعها بن الزبير ، فانطلق
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 371 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
هارباً حتى دخل دار الندوة
ويقال : بل تعلق بأستار الكعبة وقال : أنا عائذ الله ! قال عطية : ثم ملنا إلى ابن عباس وابن الحنفية وأصحابهما في دور ، قد جمع لهم الحطب فأحيط بهم حتى بلغ رؤوس الجدر ، لو أن ناراً تقع فيه ما رئي منهم أحد حتى تقوم الساعة ! فأخرناه عن الأبواب وعجل علي بن عبد الله بن عباس وهو يومئذ رجل فأسرع في الحطب يريد الخروج فأدمى ساقيه . . . الخ . ) .
وقد فصَّل ابن سعد أحداث مكة يومذاك ، وجاء فيه : ( وحج عامئذ محمد بن الحنفية في الخشبية معه ، وهم أربعة آلاف نزلوا في الشعب الأيسر من منى . . . فكان ابن عباس يذكر المختار فيقول : أدرك ثأرنا وقضى ديوننا وأنفق علينا ، قال : وكان محمد بن الحنفية لا يقول فيه خيراً ولا شراً ) .
وذكر ابن سعد أن محمد بن الحنفية أراد السفر إلى الكوفة فاستثقل ذلك المختار ، وأن ابن الزبير عاود الضغط عليه ليبايعه بعد مقتل المختار ، فأقنع عروة بن الزبير أخاه بتركه ، وأن عبد الملك بن مروان بعث إلى ابن الحنفية أن يبايعه ويقاتل معه ابن الزبير ، فرفض .
( الخشبية ) منقبةٌ للمختار حولوها إلى طعن وسخرية !
تفضح مصادر الخلافة القرشية نفسها فتكشف كذب رواة السلطة على المختار « رحمه الله » ! فقد شنَّعوا على أنصاره وسموهم الخشبية ، واتهموهم بأنهم يقولون بنبوة المختار ومهدية ابن الحنفية ، وجعلوا الخشبية مذهباً وفرقة جهمية ( الكشف الحثيث / 153 ) . وطائفة من الرافضة ( أنساب السمعاني : 2 / 368 ) وطائفة من الشيعة ( لب الألباب للسيوطي / 93 ) . وجعلوهم : ( من الجهمية يقولون إن الله تعالى لا يتكلم وإن القرآن مخلوق ) . ( تاج العروس : 1 / 234 ) .
وتحيَّر فقهاؤهم في صلاة عبد الله بن عمر مقتدياً بهم في مكة : ( كان ابن عمر
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 372 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يصلي مع الخشبية والخوارج زمن ابن لزبير وهم يقتتلون ، فقيل له أتصلي مع هؤلاء ومع هؤلاء وبعضهم يقتل بعضاً ؟ فقال من قال حي على الصلاة أجبته ) ( مغني ابن قدامه : 2 / 22 ، والطبقات : 4 / 169 ) . ثم حرفوا النص وجعلوه : ( كان ابن عمر يسلم على الخشبية والخوارج وهم يقتتلون . . الخ . ) ! ( تاريخ دمشق : 31 / 191 ، وسنن البيهقي : 3 / 122 ) .
وتمنى بعض كبار أئمتهم قتالهم : ( عن أبي معشر عن إبراهيم قال : لو كنت مستحلاً قتال أحد من أهل القبلة لاستحللت قتال هؤلاء الخشبية ) . ( الطبقات : 6 / 279 ) . وسبب حبهم لسفك دماء الخشبية : أنهم لا يتولون أبا بكر وعمر ، وهذا كل ما في الأمر ! ففي تاريخ دمشق : 30 / 376 : ( كان عند إبراهيم رجل من هؤلاء الخشبية قال فقال له إبراهيم ومالك : لا تُفْرِطْ ! أما صعد عليٌّ على هذا المنبر فقال : إن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر ولو شئت لأنبأتكم بالثالث ) . انتهى .
ولم يذكر جواب ذلك ( الخشبي ) وقد يكون قال له : حديثك من مكذوباتكم على علي « عليه السلام » ! كما كذبتم على النبي « صلى الله عليه وآله » فوضعتم على لسانه حديث : ( إن مجوس أمتي القدرية ونصاراهم الخشبية ) . ( أوسط الطبراني : 9 / 93 ) .
وتحير الحربي في غريبه : 2 / 545 ، فقال : ( الخشبية ضرب من الرافضة ، وقيل الذين يرون الخروج على من خالفهم بالخشب . . . وسمعت أبا نصر يقول : الخشبية أصحاب المختار بن أبي عبيد ) . انتهى .
( الخشبية ) هم الشيعة الذين حفظوا حرمة الكعبة !
اعترف الذهبي بأن الخشبية هم الشيعة لا أقل ولا أكثر ! قال : ( قلت : الخشبية هم الشيعة ) . ( سير أعلام النبلاء : 5 / 408 ) .
ويظهر أن أبواق الأمويين أكثرت من التشنيع على الشيعة باسم الخشبية ! حتى أن أحد كبار أئمة المذاهب وهو المنصور بن المعتمر ( الكاشف : 2 / 297 ) صار في
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 373 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
نفسه ردة فعل من تطبيلهم ، فقال : ( إن كان من يحب علي بن أبي طالب يقال له الخشبي ، فاشهدوا أني ساجة ) ! ( السمعاني : 2 / 368 )
وتأخذك الدهشة عندما تعرف سبب نبزهم لنا بهذا الاسم ! فأصله منقبة للمختار ، طمسوها وحولوها إلى لقب للسخرية ! فقد أوصى المختار الجيش الذي أرسله إلى مكة أن يحافظوا على حرمة البيت الحرام ولا يدخلوا مكة بالسلاح ، فدخلوها لتخليص بني هاشم وهم يهتفون : يا لثارات الحسين « عليه السلام » وهم يحملون هراوات وهي عصيٌّ خشبية ، فسماهم ابن الزبير ( الخشبية ) ! قال : ( العجب كل العجب من هؤلاء الخشبية السبئية الذين اغتروني يبغون حسيناً ، كأني أنا قاتل الحسين ، والله لوددت أني قدرت على قتلة الحسين فقتلتهم ) . ( أخبار الدولة العباسية / 104 ) ( وحج ابن الحنفية في الخشبية ) . ( سير الذهبي : 4 / 120 ) .
وقد وصف الطبري : 4 / 544 ، وغيره تصرفهم الإسلامي الأخلاقي ومفاوضتهم لابن الزبير . وقال الأصفهاني في القول الصراح / 205 : ( وجاء أبو عبد الله الجدلي حتى نزل ذات عرق في سبعين راكباً ، فأقام بها حتى أتاه عمير ويونس في ثمانين راكباً فبلغوا مأة وخمسين رجلاً ، فسار بهم حتى دخلوا المسجد الحرام ومعهم الكافر كوبات ( لفظ فارسي بمعنى الهراوات ) وهم ينادون : يا لثارات الحسين ، حتى انتهوا إلى زمزم وقد أعد ابن الزبير الحطب ليحرقهم ! وكان قد بقي من الأجل يومان ، فطردوا الحرس وكسروا أعواد زمزم ، ودخلوا على ابن الحنفية فقالوا : خل بيننا وبين عدو الله ابن الزبير ! فقال لهم : إني لا أستحل القتال في حرم الله ، فقال ابن الزبير : واعجباً لهذه الخشبية ينعون حسيناً كأني قتلته ! والله لو قدرت على قَتَلَته لقتلتهم ، وإنما قيل لهم خشبية لأنهم وصلوا إلى مكة وبأيديهم الخشب كراهة إشهار السيوف في الحرم ، وقيل لأنهم أخذوا الحطب
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 374 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الذي أعده ابن الزبير . وقال ابن الزبير : أيحسبون أني أخلي سبيلهم دون أن أبايع ويبايعون ) !
وفي أخبار الدولة العباسية / 104 : ( تحسبون أني مخلٍّ سبيل هذا المذمم يعني ابن الحنفية دون أن يبايع ويبايعوا ) ! فقال أبو عبد الله الجدلي : إي ورب الكعبة والمقام ورب الحل والحرام ، لتخلِّ سبيلهم أو لنجادلنك بأسيافنا جدالاً يرتاب فيه المبطلون ! فقال ابن الزبير : هل أنتم والله الا أكلة رأس لو أذنت لأصحابي ما مضت ساعة حتى تعطف رؤسهم ! فقال له قيس بن مالك : أما والله إني لأرجو إذا رُمت ذلك أن يُرسَل إليك قبل أن ترى ما تحب ! فكف ابن الحنفية أصحابه وحذرهم الفتنة ، ثم قدم أبو المعتمر في مائة وهاني بن قيس في مائة وظبيان ابن عمارة في مائتين ، ومعه المال حتى دخلوا المسجد الحرام فكبروا وقالوا : يا لثارات الحسين ! فلما رآهم ابن الزبير خافهم ! فخرج محمد بن الحنفية ومن معه إلى شعب علي ، وهم يسبون ابن الزبير ويستأذنون ابن الحنفية فيه فيأبى عليهم ! واجتمع مع محمد في الشعب أربعة آلاف رجل فقسم بينهم ذلك المال ) . ( وأخبار الدولة العباسية / 104 )
وفي تاريخ دمشق : 54 / 339 : ( فقلنا لابن عباس وابن الحنيفة : ذرونا نُرِحِ الناس من ابن الزبير ! فقالا : هذا بلد حرمه الله ما أحله لأحد إلا للنبي « صلى الله عليه وآله » ساعة ما أحله لأحد قبله ولا يحله لأحد بعده ، فامنعونا وأجيرونا ) . ( والطبقات : 5 / 102 ، وأسد الغابة : 3 / 195 ، وسير الذهبي : 4 / 109 ) .
وفي الطبقات : 5 / 102 ، عن أبي عون قال : ( قال وقفت في هذه السنة أربعة ألوية بعرفة : محمد بن الحنفية في أصحابه على لواء قام عند جبل المشاة . وحج ابن الزبير في أصحابه معه لواء فقام مقام الإمام اليوم ، ثم تقدم محمد بن الحنفية
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 375 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بأصحابه حتى وقف حذاء بن الزبير ، ووافى نجدة الحروري في أصحابه ومعه لواء فوقف خلفهما ، ووافت بنو أمية ومعهم لواء فوقفوا عن يسارهما ) . انتهى .
ثم وصف ابن سعد وغيره توسط جبير بن مطعم أحد شخصيات مكة ، بين قادة القوات الأربعة للمحافظة على الهدوء والأمن في موسم الحج ، فقال : ( خفتُ الفتنة فمشيتُ إليهم جميعاً ، فجئت محمد بن علي في الشعب فقلت : يا أبا القاسم ، إتق الله فإنا في مشعر حرام وبلد حرام ، والناس وفد الله إلى هذا البيت فلا تفسد عليهم حجهم ! فقال : والله ما أريد ذلك وما أحول بين أحد وبين هذا البيت ، ولا يؤتى أحد من الحاج من قبلي ، ولكني رجل أدفع عن نفسي من ابن الزبير ! وما يريد مني ؟ وما أطلب هذا الأمر إلا أن لا يختلف عليَّ اثنان ! ولكن إئت بن الزبير فكلمه ، وعليك بنجدة فكلمه . قال محمد بن جبير : فجئت بن الزبير فكلمته بنحو مما كلمت به بن الحنفية فقال : أنا رجل قد اجتمع عليَّ وبايعني الناس ، وهؤلاء أهل خلاف ! فقلت : إنَّ خيراً لك الكفّ ، فقال : أفعل . ثم جئت نجدة الحروري فأجده في أصحابه وأجد عكرمة غلام ابن عباس عنده فقلت : استأذن لي على صاحبك ، قال فدخل فلم ينشب أن أذن لي فدخلت فعظَّمت عليه وكلمته بما كلمت به الرجلين ، فقال : أما أن أبتدئ أحداً بقتال فلا ، ولكن من بدأنا بقتال قاتلناه ! قلت : فإني رأيت الرجلين لا يريدان قتالك . ثم جئت شيعة بني أمية فكلمتهم بنحو مما كلمت به القوم فقالوا : نحن على لوائنا لا نقاتل أحداً إلا أن يقاتلنا ، فلم أر في تلك الألوية أسكن ولا أسلم دفعة من أصحاب بن الحنفية ) ! ( وتاريخ دمشق : 54 / 341 ، والطبري : 4 / 595 ، وسير الذهبي : 4 / 120 ) . وفي أخبار الدولة العباسية / 107 : ( فأقام معه أبو عبد الله الجدلي في الشعب مع أصحابه حتى قتل المختار ، فلما بلغه قتله سار حتى نزل أيلة ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 376 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أقول : أرأيت كيف صار الذين حافظوا على حرمة الحرم كفاراً ، وسموهم خشبية ، لأنهم دخلوا الحرم بعصي بدون سلاح ! وصار الذين استحلوا الحرم وتحصنوا فيه ، والذين رموا الكعبة بالمنجنيق فهدموها ، مسلمين أتقياء !
فهل يختلف أسلوب الإعلام الزبيري الأموي ، عن أسلوب اليهود ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 377 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

تحفُّظ أهل البيت « عليهم السلام » من المختار ومدحهم له وترحُّمُهم عليه « رحمه الله »

أيَّد الإمام زين العابدين « عليه السلام » عمل المختار « رحمه الله » في الأخذ بثار أبيه الحسين « عليه السلام » وتحفَّظَ عن التأييد السياسي لمشروع المختار ، وأن محمد الحنفية « رحمه الله » استشار الإمام « عليه السلام » وعمل برأيه فلم يكتب تأييداً للمختار ! ولكنه أخذ وثَّق علاقته بالمختار ، نظراً إلى أنه كان محاصراً في مكة من ابن الزبير .
كذلك من الثابت أن وفداً من أهل الكوفة ذهبوا إلى المدينة واستشاروا الإمام زين العابدين « عليه السلام » ومحمد بن الحنفية « رحمه الله » في القيام مع المختار ، وسألوهما هل أنه مأذون في ثورته وعمله ؟ فأجابهم الإمام « عليه السلام » بموقفه الثابت وهو تأييد كل عمل للأخذ بثأر أبيه وأهل بيته « عليهم السلام » ، وعدم تأييد أشخاص الزعماء الذين يدعون الناس إلى ذلك كسليمان بن صرد والمختار وغيرهما ، وأجابهم عمه ابن الحنفية « رحمه الله » بنحو جوابه ، ولم يكتب تأييداً ولا تخويلاً للمختار أو غيره .
وخاف المختار أن يرجع الوفد بجواب سلبي فيؤثر على حركته وينكمش الناس عنه : ( وكان المختار علم بخروج من خرج إلى المدينة فشق ذلك عليه خوفاً من أن لا يجيبهم ابن الحنفية بما يحب فيتفرق عنه الناس ، فكان يريد النهوض بأصحابه قبل قدومهم من المدينة فلم يتيسر له ذلك ) . ( أصدق الأخبار / 40 ) .
وروى ابن نما في ذوب النضار / 97 ، أن ابن الحنفية قال للوفد : ( قوموا بنا إلى إمامي وإمامكم علي بن الحسين ، فلما دخل ودخلوا عليه خبَّره بخبرهم الذي جاءوا لأجله ، فقال : يا عم ، لو أن عبداً زنجياً تعصب لنا أهل البيت لوجب على الناس مؤازرته ، وقد وليتك هذا الأمر فاصنع ما شئت ، فخرجوا وقد سمعوا كلامه وهم يقولون : أذن لنا زين العابدين « عليه السلام » ومحمد بن الحنفية ) . انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 378 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد فهم السيد الخوئي « قدس سره » من الروايات أن الإمام زين العابدين « عليه السلام » أذن للمختار « رحمه الله » في الطلب بالثار ، قال في معجمه : 19 / 109 : ( الأمر الثاني : أن خروج المختار وطلبه بثار الحسين « عليه السلام » وقتلة لقتلة الحسين « عليه السلام » ، لا شك في أنه كان مرضياً عند الله وعند رسوله « صلى الله عليه وآله » والأئمة الطاهرين « عليهم السلام » ، وقد أخبره ميثم وهما في حبس عبيد الله بن زياد بأنه يفلت ويخرج ثائراً بدم الحسين « عليه السلام » . . . ويظهر من بعض الروايات أن هذا كان بإذن خاص من السجاد « عليه السلام » ) . انتهى .
ويبدو أن السيد الخوئي « قدس سره » ف