جواهر التاريخ (5) - سيرة الإمامين محمد الباقر وجعفر الصادق (ع) في مواجهة خطط التحريف - طبعة قديمة

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 1 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
جواهر التاريخ
بقلم
علي الكوراني العاملي
المجلد الخامس
سيرة الإمامين محمد الباقر وجعفر الصادق « صلى الله عليه وآله » في مواجهة خطط التحريف
الطبعة الأولى 1428
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 2 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الكتاب : جواهر التاريخ - المجلد الخامس
المؤلف : علي الكوراني العاملي
الناشر : دار الهدى
الطبعة : الأولى - 1428
المطبعة : ظهور
العدد : 2000 نسخة
ISBN : 964 - 497 - 025 - x
ISBN : 964 - 497 - 135 - 3
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 3 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

مقدمة

بسْمِ الله الرَّحْمَن الرَّحيم
الحمدُ لله ربِّ العالمين ، وأفضلُ الصلاة وأتمُّ السلام
على سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين .
يبحث هذا المجلد سيرة الإمامين محمد الباقر وجعفر الصادق « صلى الله عليه وآله » والتحولات الكبيرة التي حدثت في عصرهما ، حيث نشأت الحركة الحسنية لإسقاط الدولة الأموية بقيادة عبد الله بن الحسن المثنى ، وانضمَّ إليها أبناء محمد بن علي بن عبد الله بن العباس ، وبايعوا ابنه محمداً وسموه المهدي . ( قال عمير بن الفضل الخثعمي : رأيت أبا جعفر المنصور يوماً وقد خرج محمد بن عبد الله بن الحسن من دار ابنه ، وله فرس واقف على الباب مع عبد له أسود ، وأبو جعفر ينتظره ، فلما خرج وثب أبو جعفر فأخذ بردائه حتى ركب ، ثم سوى ثيابه على السرج ومضى محمد . فقلت وكنت حينئذ أعرفه ولا أعرف محمداُ : من هذا الذي أعظمته هذا الإعظام حتى أخذت بركابه ، وسويت عليه ثيابه ؟ قال : أوما تعرفه ؟ قلت : لا . قال : هذا محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن ، مهدينا أهل البيت ) . ( مقاتل الطالبيين / 161 ) .
كان هذا سنة 126 عندما اختلف الأمويون بينهم على الخلافة ، ولم تطل المدة حتى انقلب عليهم العباسيون وأقنعوا بكير بن ماهان مهندس الثورة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 4 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الإيرانية ضد الأمويين وبعده صهره أبا سلمة الخلال وغلامه أبا مسلم ، بأن يبايعوهم ، فاستشاط الحسنيون غضباً وثاروا عليهم بقيادة مهديهم بن عبد الله بن الحسن ، الذي كتب للمنصور : ( فإن الحق حقنا ، وإنما ادعيتم هذا الأمر بنا ، وخرجتم له بشيعتنا وحظيتم بفضلنا وإن أبانا علياً كان الوصي وكان الإمام ، فكيف ورثتم ولايته ووُلده أحياء ! ثم قد علمت أنه لم يطلب هذا الأمر أحد له مثل نسبنا وشرفنا وحالنا وشرف آبائنا . لسنا من أبناء اللعناء ولا الطرداء ولا الطلقاء ! وليس يمت أحد من بني هاشم بمثل الذي نمتُّ به من القرابة والسابقة والفضل ) . ( الطبري : 1 / 196 ) .
ويقصد باللعناء آل أبي سفيان ، وبالطرداء آل مروان ، وبالطلقاء آل العباس ، لأن النبي « صلى الله عليه وآله » أسر العباس في بدر وأطلقه بفدية ، وكان معروفاً عند المسلمين أن الخلافة لا تحل للطلقاء ولا لأولادهم ! فقد روى في الطبقات : 3 / 342 ، عن عمر قال : ( هذا الأمر في أهل بدر ما بقي منهم أحد ، ثم في أهل أحد ما بقي منهم أحد ، وليس فيها لطليق ولا لولد طليق ولا لمسلمة الفتح شئ ) . وابن حجر في فتح الباري : 13 / 178 ، وتاريخ دمشق : 59 / 145 ، وأسد الغابة : 4 / 387 ، وتاريخ الخلفاء للسيوطي / 113 ، وكنز العمال : 5 / 735 ، و : 12 / 681 ، عن ابن سعد ، والغدير : 7 / 144 ، و : 10 / 30 ، ونفحات الأزهار : 5 / 350 .
وقد أفتى أغلب فقهاء المدينة ومنهم أبو حنيفة ومالك بن أنس بالخروج مع محمد بن عبد الله بن الحسن ضد المنصور العباسي ، وسيطر محمد على المدينة ومكة ، وحارب جيش المنصور العباسي حتى قُتل وانتصر عليه المنصور .
وبعد قتله ، ثار أخوه إبراهيم بن عبد الله بن الحسن في البصرة وسيطر عليها وعلى فارس وواسط ، وهاجم الكوفة بسبعين ألف مقاتل ، وكاد ينتصر لولا أن سهماً طائشاً أصابه فقتله وانكسر جيشه ، وانتصر عليه المنصور العباسي ، وأفرط بعد انتصاره في البطش بالحسنيين والعلويين ، حتى قتل من ذرية على وفاطمة « صلى الله عليه وآله » أكثر من ألف ، واضطهد الإمام الصادق « عليه السلام » وضيق عليه حتى قتله بالسم !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 5 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ومن جهة أخرى تمكن المنصور أن يقتل أبا مسلم الخراساني ، الذي قاد الثورة وقتل فيها من المسلمين أكثر من ست مائة ألف مسلم ! ( الطبري : 6 / 137 ) .
كان المنصور ، كما وصفه الإمام الباقر « عليه السلام » ، جبار بني عباس ! ولم يقتصر تجبره على القتل وسفك الدماء ، بل كان مهندس دولة العباسيين ، ومؤسس مذاهبها ، وراسم خط سيرها إلى يومنا هذا ! قال البياضي في الصراط المستقيم : 3 / 204 : ( لمَّا وقع بينه وبين العلوية خلاف قال : والله لأرغمن أنفي وأنوفهم ، ولأرفعن عليهم بني تيم وعدي ، وذكر الصحابة في خطبته ، واستمرت البدعة إلى الآن ) .
لقد قرر المنصور إبعاد المسلمين عن مرجعية أهل البيت « عليهم السلام » الفقهية والعقائدية ، فأسس مقابلهم مذهب مالك ومذهب أبي حنيفة ، ثم نشأ منهما مذهبان لتلميذيهما الشافعي والحنبلي ! فقد استحضر المنصور مالك بن أنس واسترضاه ، بعدما جلده واليه في المدينة وحبسه لأنه أفتى بالخروج مع مهدي الحسنيين ، وقال له المنصور : ( يا أبا عبد الله إنه لم يبق على وجه الأرض أعلم مني ومنك ، وإني قد شغلتني الخلافة فضع أنت للناس كتاباً ينتفعون به ، تجنب فيه رخص ابن عباس ، وشدائد ابن عمر ، ووطئه للناس توطئة . قال مالك : فوالله لقد علمني التصنيف يومئذ ) ! ( مقدمة ابن خلدون / 18 ، وتاريخه : 1 / 17 ، وسير الذهبي : 8 / 111 ) . قال مالك : ( فقلت له : إن أهل العراق لا يرضون علمنا ! فقال أبو جعفر : يُضربُ عليه عامَّتُهم بالسيف وتقطع عليه ظهورهم بالسياط ) ! ( ترتيب المدارك لعياض / 124 ) . ( وشرط عليه أن لا يروي في كتابه عن علي ) ! ( مستدرك الوسائل : 1 / 20 ) . فلا تجد في الموطأ أي رواية عن علي « عليه السلام » !
في تلك الفترة كان الإمامان الباقر والصادق « صلى الله عليه وآله » يقاومان تحريف بني أمية للإسلام ، ويؤسسان لمقاومة التحريف القادم من الثوار ( الهاشميين ) !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 6 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وكانت للإمامين « صلى الله عليه وآله » مكانة محترمة في الأمة ساعدتهما على مقاومة التحريف ، فهما الوارثان لأمجاد أهل البيت النبوي ، علي ، والحسن ، والحسين ، وزين العابدين « عليهم السلام » ، ولهم موقعٌ خاصٌّ في نفوس الحسنيين والعباسيين ، فهم بنو عمهم الذين كان آباؤهم أتباعاً لآبائهم الأئمة « عليهم السلام » الذين أسسوا الثورة على الأمويين . وزيد بن زين العابدين « عليه السلام » هو الذي فتح باب الثورة المسلحة على الدولة الأموية الهرمة فثار في الكوفة واستشهد سنة 122 . وكان زيد « رحمه الله » في عُمْر عبد الله بن الحسن الذي ثار بأولاده ، وفي عُمْر محمد بن علي بن عبد الله بن عباس ، والد المنصور وإخوته . وكان الحسنيون والعباسيون عند شهادته « رحمه الله » في بداية التفكير في الحركة ، ولذا جعلوا شعارهم الأخذ بثار الحسين « عليه السلام » وثار حفيده زيد « رحمه الله » .
من هنا لم يستطع الحسنيون أن يزايدوا على الأئمة من بني الحسين « عليهم السلام » في مكانتهم ، ولا في الثورة على بني أمية ، لأن الحسينيين أصلها وفرعها .
أما العباسيون فبايعوا الحسنيين وكانوا تبعاً لهم ، ثم ادعوا بعد ذلك أنهم ورثوا الإمامة والخلافة بوصية أبي هاشم بن محمد بن الحنفية لأبيهم محمد بن علي بن عبد الله بن عباس ! وزعموا أن ابن الحنفية خليفة شرعي لأنه تبنى ثورة المختار ، أو لأنه وصي أبيه علي « عليه السلام » !
قال في وفيات الأعيان : 4 / 186 : ( وكان سبب انتقال الأمر إليه أن محمد بن الحنفية كانت الشيعة تعتقد إمامته بعد أخيه الحسين ، فلما توفي محمد بن الحنفية انتقل الأمر إلى ولده أبي هاشم ، وكان عظيم القدر وكانت الشيعة تتوالاه ، فحضرته الوفاة بالشام في سنة ثمان وتسعين للهجرة ولا عقب له ، فأوصى إلى محمد بن علي المذكور وقال له : أنت صاحب هذا الأمر وهو في ولدك ، ودفع إليه كتبه وصرف الشيعة نحوه .
ولما حضرت محمداً المذكور الوفاة بالشام أوصى إلى ولده إبراهيم المعروف بالإمام . . . وحبسه مروان بن محمد آخر ملوك بني أمية بمدينة حران ، فتحقق أن مروان يقتله ، فأوصى إلى أخيه السفاح وهو أول من ولي الخلافة من أولاد العباس ) . وتهذيب الكمال : 26 / 153
وروى في شرح النهج : 7 / 148 ، عن المبرد في الكامل ( الكامل / 360 ، طبع أوروبا ) أنه لما ولد لعبد الله بن عباس ولد سماه أمير المؤمنين « عليه السلام » باسمه علياً وكناه أبا الحسن ، وقال له : خذ إليك أبا الأملاك . . . صحت الرواية عندنا عن أسلافنا وعن غيرهم من أرباب
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 7 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الحديث أن علياً لما قُبض ، أتى محمد ابنه أخويه حسناً وحسيناً فقال لهما : أعطياني ميراثي من أبي . . . ميراث العلم . . فدفعا إليه صحيفة لو أطلعاه على أكثر منها لهلك ، فيها ذكر دولة بني العباس ! حدثني عيسى بن علي بن عبد الله بن العباس قال : لما أردنا الهرب من مروان بن محمد ، لما قبض على إبراهيم الإمام جعلنا نسخة الصحيفة التي دفعها أبو هاشم بن محمد بن الحنفية إلى محمد بن علي بن عبد الله بن العباس ، وهي التي كان آباؤنا يسمونها صحيفة الدولة ، في صندوق من نحاس صغير ، ثم دفناه تحت زيتونات بالشراة ( قرب معان بالأردن ) لم يكن بالشراة من الزيتون غيرهن ، فلما أفضى السلطان إلينا وملكنا الأمر ، أرسلنا إلى ذلك الموضع فبُحث وحُفر ، فلم يوجد فيه شئ ! فأمرنا بحفر جريب من الأرض في ذلك الموضع حتى بلغ الحفر الماء ، ولم نجد شيئاً . . . ولم يكن أمير المؤمنين « عليه السلام » قد فصَّلَ لعبد الله بن العباس الأمر ، وإنما أخبره به مجملاً ) . انتهى .
لكن عندما حكم المنصور قرر أن يستغني عن الاستناد في شرعية خلافته إلى وصية أبي هاشم لأبيه محمد ، لأن شرعية أبي هاشم تستند إلى أبيه ابن الحنفية ثم إلى علي « عليه السلام » ، ومعناه الاعتراف بوصية النبي « صلى الله عليه وآله » لعلي « عليه السلام » ، وهذا ما لا يريده المنصور ! لذلك زعم أن جده العباس هو الوارث والمورث الوحيد للنبي « صلى الله عليه وآله » وأنكر وصية علي « عليه السلام » ، ونصب له العداوة ! وفسر وصية أبي هاشم لأبيه بأنها إخبار غيبي من علي « عليه السلام » عن ملكهم ، فهو يفتخر به وبإخبار الإمام الباقر والصادق « صلى الله عليه وآله » له بأنه سيحكم !
إخبار الإمامين الباقر والصادق « عليهما السلام » بحكم العباسيين !
مضافاً إلى احترام شخصيات بني العباس وبني الحسن للإمامين الصادقين « صلى الله عليه وآله » فقد عزَّزَ مكانتهما في قلوب العباسيين أنهما أخبراهم بما سيكون ، فتحقق ما قالاه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 8 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
حرفاً بحرف ! روى في الكافي : 8 / 210 ، بسند صحيح عن أبي بصير « رحمه الله » قال : ( كنت مع أبي جعفر « عليه السلام » جالساً في المسجد إذ أقبل داود بن علي وسليمان بن خالد وأبو جعفر عبد الله بن محمد أبو الدوانيق ، فقعدوا ناحية من المسجد فقيل لهم : هذا محمد بن علي جالس ، فقام إليه داود بن علي وسليمان بن خالد ، وقعد أبو الدوانيق مكانه حتى سلموا على أبي جعفر فقال لهم أبو جعفر : ما منع جباركم من أن يأتيني ؟ فعذَّروه عنده ، فقال : أما والله لا تذهب الليالي والأيام حتى يملك ما بين قطريها ، ثم ليطأنَّ الرجال عقبه ، ثم لتذلن له رقاب الرجال ، ثم ليملكن ملكاً شديداً ! فقال له داود بن علي : وإن ملكنا قبل ملككم ؟ قال : نعم يا داود إن ملككم قبل ملكنا وسلطانكم قبل سلطاننا . فقال له داود : أصلحك الله ، فهل له من مدة ؟ فقال : نعم يا داود والله لا يملك بنو أمية يوماً إلا ملكتم مثليه ، ولا سنة إلا ملكتم مثليها ، وليتلقفها الصبيان منكم كما تلقفُ الصبيان الكرة ! فقام داود بن علي من عند أبي جعفر فرحاً ، يريد أن يخبر أبا الدوانيق بذلك ، فلما نهضا جميعاً هو وسليمان بن خالد ، ناداه أبو جعفر من خلفه : يا سليمان بن خالد : لا يزال القوم في فسحة من ملكهم ما لم يصيبوا منا دماً حراماً ، وأومأ بيده إلى صدره ، فإذا أصابوا ذلك الدم فبطن الأرض خير لهم من ظهرها ، فيومئذ لا يكون لهم في الأرض ناصر ولا في السماء عاذر ، ثم انطلق سليمان بن خالد فأخبر أبا الدوانيق فجاء أبو الدوانيق إلى أبي جعفر فسلم عليه ، ثم أخبره بما قال له داود بن علي وسليمان بن خالد ، فقال له : نعم يا أبا جعفر دولتكم قبل دولتنا وسلطانكم قبل سلطاننا ، سلطانكم شديد عسر لا يسر فيه ، وله مدة طويلة والله لا يملك بنو أمية يوماً إلا ملكتم مثليه ولا سنة إلا ملكتم مثليها ، ليتلقفها صبيان منكم فضلاً عن رجالكم كما يتلقف الصبيان الكرة ! أفهمت ؟ ! ثم قال « عليه السلام » : لا تزالون في عنفوان الملك
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 9 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ترغدون فيه ما لم تصيبوا منا دماً حراماً ، فإذا أصبتم ذلك الدم غضب الله عز وجل عليكم فذهب بملككم وسلطانكم وذهب بريحكم ) !
وفي منهاج الكرامة للعلامة الحلي « رحمه الله » / 56 : ( وكان عبد الله بن الحسن جمع أكابر العلويين للبيعة لولده ، فقال له الصادق « عليه السلام » : إن هذا الأمر لا يتم ! فاغتاظ من ذلك فقال « عليه السلام » : إنه لصاحب القباء الأصفر ، وأشار بذلك إلى المنصور ! فلما سمع المنصور بذلك فرح لعلمه بوقوع ما يُخبر به ، وعلم أن الأمر يصل إليه . ولما هرب المنصور ( من جيش إبراهيم بن عبد الله بن الحسن ) كان يقول : أين قول صادقهم ) !
لذلك كان المنصور يذكر الإمام الباقر « عليه السلام » بإجلال ، ليقينه بأن ما يقوله « عليه السلام » من علم النبوة الذي خصهم الله به ! فقد روى في الكافي : 8 / 209 ، عن سيف بن عميرة قال : كنت عند أبي الدوانيق فسمعته يقول ابتداء من نفسه : يا سيف بن عميرة : لا بد من مناد ينادي باسم رجل من ولد أبي طالب ! قلت : يرويه أحد من الناس ؟ قال : والذي نفسي بيده لسمعتْ أذني منه يقول : لا بد من مناد ينادي باسم رجل . قلت : يا أمير المؤمنين إن هذا الحديث ما سمعت بمثله قط ! فقال لي : يا سيف إذا كان ذلك فنحن أول من يجيبه ، أما إنه أحد بني عمنا ! قلت : أي بني عمكم ؟ قال : رجل من ولد فاطمة « عليها السلام » . ثم قال : يا سيف لولا أني سمعت أبا جعفر محمد بن علي يقوله ثم حدثني به أهل الأرض ما قبلته منهم ، ولكنه محمد بن علي ) ! !
موضوعات هذا المجلد
1 - معالم سيرة الإمام محمد الباقر « عليه السلام » ودوره في شق علم النبوة ،
ومواجهة التحريف الأموي ، وتجديد حياة الأمة ، وتشييد صرح التشيع .
2 - معالم سيرة الإمام جعفر الصادق « عليه السلام » ونشره علوم الإسلام ، ودوره في
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 10 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مواجهة التحريف الأموي ، ومشاريع الجبابرة الجدد من الحسنيين والعباسيين .
3 - ثورة زيد « رحمه الله » على النظام الأموي ، ثم حركة الحسنيين وثورتهم ، وثورة الإيرانيين لإسقاط النظام الأموي وتقديمهم الثورة إلى العباسيين .
4 - سيطرة أبي جعفر المنصور على البلاد الإسلامية ، وقتله قادة الثورة الإيرانيين وانتصاره على الحسنيين ، ثم قتله الإمام جعفر الصادق « عليه السلام » ، وتأسيسه عقيدة الأشاعرة ومذاهبها .
إن كل واحد من هذه الموضوعات يستحق دراسة خاصة ، لكن بسبب ترابطها وتداخل أحداثها ، رأينا تقديمها في مجلد واحد ، ولو احتاجت إلى جهد أكبر ، لكي نقدم معالم سيرة الإمامين « صلى الله عليه وآله » ومعها أهم أحداث الحركات في عصرهما ، في تسلسل علمي نصل فيه إلى صياغة المنصور العباسي لعقائد المذاهب وفقهها .
ختاماً ، نذكِّر القارئ الكريم بأن مصادر البحث هي كتب برنامج ( مكتبة أهل البيت « عليه السلام » ) الذي توفقنا لإنتاجه ، ومصادر أخرى ذكرناها في محالها ، وذكرنا أحياناً المجلد والصفحة لأكثر من طبعة . والله ولي التوفيق والمثوبة .
كتبه : علي الكَوْراني العاملي
بقم المشرفة ، غرة رجب رجب الخير 1428
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 11 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الأول : عمل الأئمة « عليهم السلام » ككل ودور الإمام الباقر « عليه السلام »

1 - الأئمة الإثنا عشر « عليهم السلام » وحدةٌ في الهدف وتعدُّدٌ في الأدوار

يمكن تقسيم عمل الأنبياء والرسل « عليهم السلام » ككل إلى مراحل ، بسبب التدرج في تنزيل الرسالة الإلهية ، ويدل على ذلك تسمية الأنبياء الخمسة « عليهم السلام » في القرآن بأولي العزم ، وكذا قول النبي « صلى الله عليه وآله » : ( إنما مثلي ومثل الأنبياء كرجل بنى داراً فأكملها وأحسنها إلا موضع لبنة ، فجعل الناس يدخلونها ويعجبون بها ويقولون هلا وضعت هذه اللبنة ؟ فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين ) . ( المناقب 1 / 198 ، ونحوه بخاري : 4 / 162 ) .
فهو يدل على تدرج الخطة الإلهية لأنبيائه « عليهم السلام » ، وأنها بلغت أوْجَها في نبينا الخاتم « صلى الله عليه وآله » ورسالته الخاتمة ، التي هي الصيغة النهائية للدين الإلهي .
أما عمل الأئمة الاثني عشر « عليهم السلام » الذين امتد حضورهم بعد النبي « صلى الله عليه وآله » نحو قرنين ونصف إلى غيبة الإمام المهدي « عليه السلام » ، فإن الأحاديث نصت على أنهم منظومة اختارهم الله تعالى لقيادة الأمة بعد نبيها « صلى الله عليه وآله » ، وأخبر أن الأمة سوف لا تقبلهم ، وأنهم لا يضرهم تكذيب من كذبهم ، وسيقومون بأدوارهم ويُقتلون ، ويمدُّ الله في عمر آخرهم « عليه السلام » وتكون له غيبة طويلة ، ثم يظهر ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً ويُنهي الله به الظلم ويقيم به دولة العدل الإلهي ، التي تمتد إلى يوم القيامة .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 12 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وهذه الأحاديث تدل على التدرج في الخطة الإلهية في عملهم كما في عمل الأنبياء « عليهم السلام » ، وأن مشروعهم يبلغ أوْجَهُ بخاتمهم « عليه السلام » في إنهاء الظلم عن وجه الأرض ، وإقامة دولة العدل الإلهي . أما تقسيم عملهم « عليهم السلام » إلى مراحل متميزة عن بعضها ، فلا تنص عليه الأحاديث ، ولهذا يمكننا أن نفترض أكثر من تقسيم لعملهم « عليهم السلام » ، بشرط أن ينطبق على سيرتهم « عليهم السلام » .
من هذه التقسيمات ما تبناه أستاذنا « رحمه الله » من أن عملهم « عليهم السلام » ثلاث مراحل
في الأولى منها : كان الأئمة « عليهم السلام » يرسخون عقائد الإسلام ووجوده في الأمة .
وفي المرحلة الثانية : عملوا لتكوين الأمة الواعية ، وتقوية وجودها .
وفي المرحلة الثالثة : عملوا لتسلم السلطة وتطبيق الإسلام كاملاً .
وبتعبير آخر : كان عمل الأئمة إلى الإمام زين العابدين « عليهم السلام » ترسيخ الإسلام كدين ، ثم كان عملهم إلى الإمام الرضا « عليه السلام » بناء الأمة الواعية والفرقة الناجية ، ثم من الإمام الرضا إلى الإمام المهدي « صلى الله عليه وآله » في الإعداد لإقامة الدولة .
لكن الإشكالات على هذا التقسيم كثيرة ، منها : أن الأئمة « عليهم السلام » لو عملوا لتسلم السلطة لتسلموها ، فالذين هم أقل منهم وصلوا إلى السلطة بمدة قليلة ، وهم « عليهم السلام » أعرف بطرق الوصول إلى السلطة من الأمويين والعباسيين وغيرهم ، ومعهم قوة منطق القرآن والنبوة ، ومجد انتسابهم إلى رسول الله « صلى الله عليه وآله » ، فهل يعقل أنهم عملوا لتسلم السلطة أكثر من قرنين فلم يستطيعوا ؟ !
ثم لو كانوا يريدون السلطة فلماذا رفضوا استلامها عندما عرضت عليهم ، فقد عرض المختار وإبراهيم بن الأشتر على الإمام زين العابدين « عليه السلام » أن يتسلم دولتهما التي كانت تضم العراق وإيران وغيرهما ، وكان الجو العام فيها ملائماً لأنها قامت
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 13 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
على أخذ الثأر للإمام الحسين « عليه السلام » ، لكنه رفض ذلك !
كما عرض أبو مسلم الخراساني وأبو سلمة الخلال قائدا الثورة الإيرانية على الإمام الصادق « عليه السلام » أن يأخذا له البيعة فلم يقبل كما يأتي !
فهذه المواقف وغيرها للأئمة « عليهم السلام » وتصريحاتهم ، تدل على أن مشروعهم كان عدم تسلم السلطة بعد أمير المؤمنين والإمام الحسن « صلى الله عليه وآله » ، وعدم الثورة بعد الحسين « عليه السلام » ، حتى ظهور المهدي « عج الله تعالي فرجه الشريف » ، بل لم يجيزوا العمل باسمهم لتسلم السلطة ، حتى مع سلب المسؤولية عنهم .
ومن هذه التقسيمات جعل عملهم « عليهم السلام » من خمس مراحل
أولاها ، مرحلة إعادة نموذج الحكم النبوي وجهاد الأمة على تأويل القرآن ، استكمالاً لجهاد النبي « صلى الله عليه وآله » على تنزيله .
وثانيها ، مرحلة انسحاب الإمام الحسن « عليه السلام » من مسرح الحكم وتعليمه الأمة كيف تتعايش مع حكامها الظالمين عندما تضطر إلى الصلح معهم , وكيف تَثبت على عقيدتها ، وتُكوِّن المعارضة وتنهض بها .
وثالثها ، مرحلة ثورة الإمام الحسين « عليه السلام » التي هي مرحلة جديدة في مسيرة الأنبياء والأوصياء جميعاً « عليهم السلام » ، لأنه « عليه السلام » تجسيدٌ لظلامات الأنبياء والأوصياء « عليهم السلام » وثأر الله في الأرض ، الذي ينبغي للأمة أن تخلِّده وتجعله شعاراً ، حتى يتحقق تطهير الأرض من الظلم .
ورابعها : مرحلة تقوية التشيع في الأمة ، وتشييد معالمه العقدية والفقهية والبشرية ليكونوا الطائفة الثابتة على الحق التي لا يضرها تكذيب من كذبها ، امتداداً للفئة الناجية التي كانت حول النبي « صلى الله عليه وآله » ثم حول الأئمة « عليهم السلام » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 14 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وخامسها ، مرحلة ظهور الإمام المهدي « عليه السلام » الذي يعيد الحق إلى نصابه ، ويستثمر جهود الأنبياء والأوصياء « عليهم السلام » ويحقق هدفهم في دولة العدل الإلهي . وهي مرحلة نوعية في مسيرة الأنبياء والأئمةً « عليهم السلام » ، بل هي طوْرٌ جديد للحياة البشرية على وجه الأرض ، حيث تُطهَّر من الظلم وتبنى فيها أرقى حياة .
ومن هذه التقسيمات أن نقول : إن أدوارهم « عليهم السلام » متنوعة وهدفها أمران :
الأول ، المحافظة على الإسلام نظرياً ، وعلى ما يمكن من تطبيقه عملياً .
والثاني ، ترسيخ وجود أمة واعية داخل الأمة ، ثابتة على الحق حتى يظهر إمامهم « عليه السلام » . . إلى آخر ما يمكن من تقسيمات . والصحيح منها ما يستند إلى مسار عملهم ، والأهداف المنصوصة في مشروعهم « عليهم السلام » .
ولا بد أن نذكِّر هنا ، بأن الأئمة المعصومين « عليهم السلام » مشروعٌ ربانيٌّ متقن ، فهم يعملون بتوجيه الحكيم الخبير عز وجل ، ولا يصح أن نحصر دورهم في عصر دون عصر ، أو نلخصه في العمل لتسلم سلطة ، أو نختصره في بيان بعض العلوم وبناء بعض الأوضاع ، فقضيتهم « عليهم السلام » أعمق من ذلك وأوسع ، وصاحب مشروعهم العليم الحكيم عز وجل الذي أتقن كل شئ في هذا الكون الوسيع بأعلى درجات الإتقان والإعجاز ، فكما لا يصح أن نُسَطِّح عمله في الطبيعة ، لا يصح أن نُسَطِّح مشروعه في النبي والأئمة « عليهم السلام » ، لأن الإنسان أعظم عنده من الطبيعة !
وقد تواترت الأحاديث في النص على ذلك ، ففي الإحتجاج : 2 / 48 ، أن أبا خالد الكابلي قال للإمام زين العابدين « عليه السلام » : ( يا ابن رسول الله ، أخبرني بالذين فرض الله طاعتهم ومودتهم ، وأوجب على خلقه الاقتداء بهم بعد رسول الله « صلى الله عليه وآله » ؟ فقال لي : يا أبا كنكر ! إن أولي الأمر الذين جعلهم الله أئمة الناس وأوجب عليهم طاعتهم :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 15 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، ثم انتهى الأمر إلينا ، ثم سكت . فقلت له : يا سيدي رويَ لنا عن أمير المؤمنين « عليه السلام » أنه قال : لا تخلو الأرض من حجة لله على عباده ، فمَن الحجة والإمام بعدك ؟ قال : ابني محمد واسمه في التوراة باقر ، يبقر العلم بقراً ، هو الحجة والإمام بعدي ، ومن بعد محمد ، ابنُه جعفر ) .
وتقدم أن الزهري سأل زين العابدين « عليه السلام » : ( يا ابن رسول الله هذا الذي أوصيت إليه أكبر أولادك ؟ فقال : يا أبا عبد الله ليست الإمامة بالصغر والكبر ، هكذا عَهِدَ إلينا رسول الله « صلى الله عليه وآله » ، وهكذا وجدنا مكتوباً في اللوح والصحيفة . قلت : يا ابن رسول الله فكم عهد إليكم نبيكم أن تكون الأوصياء من بعده ؟ قال : وجدنا في الصحيفة واللوح اثني عشر أسامي مكتوبة ، بإمامتهم وأسامي آبائهم وأمهاتهم ، ثم قال : يخرج من صلب محمد ابني سبعة من الأوصياء فيهم المهدي ) . ( كفاية الأثر / 241 ) .
فما هو اللوح ، وما هي الصحيفة ؟
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 16 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

2 - دور الإمام الباقر « عليه السلام » في اللوح المقدس

جاء جبرئيل « عليه السلام » إلى النبي « صلى الله عليه وآله » بلوح مقدس ، هدية من الله تعالى إلى ابنته فاطمة الزهراء « عليها السلام » ، فيه أسماء الأئمة الربانيين من أبنائها « عليهم السلام » ، وقد رآه الصحابي جابر بن عبد الله الأنصاري « رحمه الله » واستنسخه ، وروى عنه في الكافي : 1 / 528 ، نص اللوح وهو : ( بسم الله الرحمن الرحيم . هذا كتاب من الله العزيز الحكيم لمحمد نبيه ونوره وسفيره وحجابه ودليله ، نزل به الروح الأمين من عند رب العالمين ، عظِّمْ يا محمد أسمائي ، واشكر نعمائي ، ولا تجحد آلائي ، إني أنا الله لا إله إلا أنا ، قاصم الجبارين ، ومديل المظلومين ، وديان الدين ، إني أنا الله لا إله إلا أنا ، فمن رجا غير فضلي أو خاف غير عدلي ، عذبته عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين ، فإياي فاعبد ، وعليَّ فتوكل . إني لم أبعث نبياً فأكملت أيامه وانقضت مدته ، إلا جعلت له وصياً ، وإني فضلتك على الأنبياء ، وفضلت وصيك على الأوصياء ، وأكرمتك بشبليك وسبطيك حسن وحسين ، فجعلت حسناً معدن علمي بعد انقضاء مدة أبيه وجعلت حسيناً خازن وحيي وأكرمته بالشهادة وختمت له بالسعادة ، فهو أفضل من استشهد وأرفع الشهداء درجة . جعلت كلمتي التامة معه وحجتي البالغة عنده ، بعترته أثيب وأعاقب ، أولهم علي سيد العابدين وزين أوليائي الماضين ، وابنه شبه جده المحمود محمد الباقر علمي ، ومعدن حكمتي . سيهلك المرتابون في جعفر ، الراد عليه كالراد عليَّ ، حق القول مني لأكرمنَّ مثوى جعفر ولأسرنه في أشياعه وأنصاره وأوليائه . أتيحت بعده موسى فتنة عمياء حندس لأن خيط فرضي لا ينقطع وحجتي لا تخفى ، وأن أوليائي يسقون بالكأس الأوفى . من جحد واحداً منهم فقد جحد نعمتي ، ومن غيَّر آيةً من كتابي ، فقد افترى عليَّ .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 17 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ويلٌ للمفترين الجاحدين عند انقضاء مدة موسى ، عبدي وحبيبي . وخيرتي في عليٍّ وليِّي وناصري ، ومن أضع عليه أعباء النبوة وأمتحنه بالإضطلاع بها ، يقتله عفريتٌ مستكبر ، يدفن في المدينة التي بناها العبد الصالح إلى جنب شر خلقي . حقَّ القولُ مني لأسرَّنَّهُ بمحمد ابنه وخليفته من بعده ووارث علمه ، فهو معدن علمي وموضع سري ، وحجتي على خلقي ، لا يؤمن عبد به إلا جعلت الجنة مثواه وشفعته في سبعين من أهل بيته كلهم قد استوجبوا النار .
وأختمُ بالسعادة لابنه علي وليي وناصري ، والشاهد في خلقي ، وأميني على وحيي ، أخرج منه الداعي إلى سبيلي والخازن لعلمي الحسن ، وأكمل ذلك بابنه محمد رحمة للعالمين ، عليه كمال موسى ، وبهاء عيسى ، وصبر أيوب ، فيذل أوليائي في زمانه وتتهادى رؤوسهم كما تتهادى رؤوس الترك والديلم فيقتلون ويحرقون ، ويكونون خائفين مرعوبين وجلين ، تصبغ الأرض بدمائهم ، ويفشو الويل والزنا في نسائهم ، أولئك أوليائي حقاً ، بهم أدفع كل فتنة عمياء حندس وبهم أكشف الزلازل ، وأدفع الآصار والأغلال ، أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون .
قال عبد الرحمن بن سالم : قال أبو بصير : لو لم تسمع في دهرك إلا هذا الحديث لكفاك ، فصنه إلا عن أهله ) . والفضائل لابن شاذان / 113 ، والإمامة والتبصرة / 103 ، والعيون : 2 / 50 ، والاختصاص / 210 ، وكمال الدين / 310 ، وغيبة النعماني / 71 ، وأمالي الطوسي / 292 ، والاحتجاج : 1 / 85 ، ومناقب آل أبي طالب : 1 / 255 ، وبشارة المصطفى / 284 ، وإعلام الورى : 2 / 176 . والجواهر السنية / 207 .
ونحوه مصادر أخرى مثل كفاية الأثر / 74 ، عن أنس بن مالك من حديث معراج النبي « صلى الله عليه وآله » ، وأنه رأى أسماءهم مكتوبة على ساق العرش : ( اثني عشر اسماً مكتوباً بالنور فيهم علي بن أبي طالب وسبطيَّ ، وبعدهما تسعة أسماء علياً علياً ثلاث مرات ، ومحمداً محمداً مرتين ، وجعفر وموسى والحسن ، والحجة يتلألأ من بينهم ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 18 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

3 - صحيفة الوصية التي نزل بها جبرئيل « عليه السلام »

نزلت هذه الصحيفة على النبي « صلى الله عليه وآله » في مرض وفاته ، وفيها رسالة له من الله تعالى يأمره أن يورِّث العلم لعترته ، ويأخذ الميثاق من عترته بعده ، ومعها صحيفة لكل إمام تتضمن برنامج عمله العام .
وقد عقد في الكافي : 1 / 279 ، باباً بعنوان : ( باب أن الأئمة « عليهم السلام » لم يفعلوا شيئاً ولا يفعلون ، إلا بعهد من الله عز وجل وأمر منه لا يتجاوزونه ، روى فيه عدة أحاديث منها :
( عن معاذ بن كثير ، عن أبي عبد الله « عليه السلام » قال : إن الوصية نزلت من السماء على محمد « صلى الله عليه وآله » كتاباً ، لم ينزل على محمد « صلى الله عليه وآله » كتاب مختوم إلا الوصية ، فقال جبرئيل « عليه السلام » : يا محمد هذه وصيتك في أمتك عند أهل بيتك ، فقال رسول الله « صلى الله عليه وآله » : أيُّ أهل بيتي يا جبرئيل ؟ قال : نجيب الله وذريته ، ليرثك علم النبوة كما ورَّثه إبراهيم « عليه السلام » ، وميراثك لعلي « عليه السلام » وذريتك من صلبه ، قال : وكان عليها خواتيم قال : ففتح علي « عليه السلام » الخاتم الأول ومضى لما أمر به فيها ، ثم فتح الحسن « عليه السلام » الخاتم الثاني ومضى لما أمر به فيها ، فلما توفي الحسن ومضى فتح الحسين « عليه السلام » الخاتم الثالث فوجد فيها أن قاتل فاقتل وتقتل ، واخرج بأقوام للشهادة لا شهادة لهم إلا معك ، قال : ففعل « عليه السلام » ، فلما مضى دفعها إلى علي بن الحسين « عليه السلام » قبل ذلك ففتح الخاتم الرابع فوجد فيها أن اصمت وأطرق لمَّا حجب العلم ، فلما توفي ومضى دفعها إلى محمد بن علي « صلى الله عليه وآله » ففتح الخاتم الخامس فوجد فيها أن فسر كتاب الله تعالى ، وصدق أباك ، وورث ابنك ، واصطنع الأمة وقم ، بحق الله عز وجل ، وقل الحق في الخوف والأمن ، ولا تخش إلا الله ، ففعل ، ثم دفعها إلى الذي يليه ، قال : قلت له : جعلت فداك فأنت هو ؟ قال فقال : ما بي إلا أن تذهب يا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 19 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
معاذ فتروي عليَّ ! قال فقلت : أسأل الله الذي رزقك من آبائك هذه المنزلة أن يرزقك من عقبك مثلها قبل الممات قال ؟ قد فعل الله ذلك يا معاذ ، قال : فقلت : فمن هو جعلت فداك ؟ قال : هذا الراقد وأشار بيده إلى العبد الصالح وهو راقد ) . يقصد ابنه الإمام موسى بن جعفر « عليه السلام » .
وروى حديثاً عن الإمام الباقر « عليه السلام » جاء فيه : ( ثم دفعه إلى ابنه محمد بن علي ففك خاتماً فوجد فيه : حدث الناس وأفتهم ولا تخافن إلا الله عز وجل ، فإنه لا سبيل لأحد عليك ، ففعل ، ثم دفعه إلى ابنه جعفر ففك خاتماً فوجد فيه : حدث الناس وأفتهم وانشر علوم أهل بيتك ، وصدق آبائك الصالحين ، ولا تخافن إلا الله عز وجل ، وأنت في حرز وأمان ، ففعل . . .
وروى عن ضريس الكناسي عن أبي جعفر « عليه السلام » قال : ( قال له حمران : جعلت فداك أرأيت ما كان من أمر علي والحسن والحسين « عليهم السلام » ، وخروجهم وقيامهم بدين الله عز وجل ، وما أصيبوا من قتل الطواغيت إياهم والظفر بهم ، حتى قتلوا وغلبوا ؟ ! فقال أبو جعفر « عليه السلام » : يا حمران إن الله تبارك وتعالى كان قدَّر ذلك عليهم وقضاه وأمضاه وحتمه ، ثم أجراه . فبتقدم علم ذلك إليهم من رسول الله « صلى الله عليه وآله » ، قام علي والحسن والحسين « عليهم السلام » ، وبعلمٍ صمت من صمت منا ) .
كما روى حديثاً عن الإمام الصادق « عليه السلام » قال : ( حين نزل برسول الله « صلى الله عليه وآله » الأمر نزلت الوصية من عند الله كتاباً مسجلاً ، نزل به جبرئيل مع أمناء الله تبارك وتعالى من الملائكة ، فقال جبرئيل : يا محمد مُرْ بإخراج من عندك إلا وصيك ، ليقبضها منا وتُشهدنا بدفعك إياها إليه ، ضامناً لها يعني عليا « عليه السلام » ، فأمر النبي « صلى الله عليه وآله » بإخراج من كان في البيت ما خلا عليا « عليه السلام » وفاطمة « عليها السلام » فيما بين الستر والباب ، فقال جبرئيل : يا محمد ربك يقرؤك السلام ويقول : هذا كتاب ما كنت عهدت إليك وشرطت
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 20 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عليك وشهدت به عليك وأشهدت به عليك ملائكتي ، وكفى بي يا محمد شهيداً . قال : فارتعدت مفاصل النبي « صلى الله عليه وآله » فقال : يا جبرئيل ربي هو السلام ومنه السلام وإليه يعود السلام ، صدق عز وجل وبر ، هات الكتاب ، فدفعه إليه وأمره بدفعه إلى أمير المؤمنين « عليه السلام » ، فقال له : إقرأه ، فقرأه حرفاً حرفاً فقال : يا علي هذا عهد ربي تبارك وتعالى إليَّ وشرطه عليَّ وأمانته ، وقد بلغت ونصحت وأديت ، فقال علي « عليه السلام » : وأنا أشهد لك بأبي وأمي أنت بالبلاغ والنصيحة والتصديق على ما قلت ، ويشهد لك به سمعي وبصري ولحمي ودمي ! فقال : جبرئيل « عليه السلام » : وأنا لكما على ذلك من الشاهدين ، فقال رسول الله « صلى الله عليه وآله » : يا علي أخذتَ وصيتي وعرفتَها وضمنتَ لله ولي الوفاء بما فيها ؟ فقال علي « عليه السلام » : نعم بأبي أنت وأمي ، عليَّ ضمانها وعلى الله عوني وتوفيقي على أدائها . فقال رسول الله « صلى الله عليه وآله » : يا علي إني أريد أن أشْهِدَ عليك بموافاتي بها يوم القيامة . فقال علي « عليه السلام » نعم أشْهِدْ ، فقال النبي « صلى الله عليه وآله » : إن جبرئيل وميكائيل فيما بيني وبينك الآن وهما حاضران ، معهما الملائكة المقربون لأشهدهم عليك ! فقال : نعم ليشهدوا وأنا بأبي أنت وأمي أشهدهم ، فأشهدهم رسول الله « صلى الله عليه وآله » ، وكان فيما اشترط عليه النبي « صلى الله عليه وآله » بأمر جبرئيل « عليه السلام » فيما أمر الله عز وجل أن قال له : يا علي تفي بما فيها من موالاة من والى الله ورسوله والبراءة والعداوة لمن عادى الله ورسوله ، والبراءة منهم على الصبر منك وكظم الغيظ ، وعلى ذهاب حقك وغصب خمسك ، وانتهاك حرمتك ؟ فقال : نعم يا رسول الله . فقال أمير المؤمنين « عليه السلام » : والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لقد سمعت جبرئيل يقول للنبي : يا محمد عرِّفْهُ أنه تنتهك الحرمة وهي حرمة الله وحرمة رسول الله « صلى الله عليه وآله » ، وعلى أن تُخضب لحيته من رأسه بدم عبيط . قال أمير المؤمنين « عليه السلام » : فصعقت حين فهمت الكلمة من الأمين جبرئيل حتى سقطت على وجهي وقلت : نعم قبلت
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 21 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ورضيت وإن انتهكت الحرمة وعطلت السنن ومزق الكتاب وهُدمت الكعبة ، وخُضبت لحيتي من رأسي بدم عبيط ، صابراً محتسباً أبداً ، حتى أقدم عليك !
ثم دعا رسول الله « صلى الله عليه وآله » فاطمة والحسن والحسين ، وأعلمهم مثل ما أعلم أمير المؤمنين « عليه السلام » ، فقالوا مثل قوله ! فختمت الوصية بخواتيم من ذهب لم تمسه النار ، ودفعت إلى أمير المؤمنين « عليه السلام » !
فقلت لأبي الحسن « عليه السلام » : بأبي أنت وأمي ألا تذكر ما كان في الوصية ؟ فقال : سنن الله وسنن رسوله ، فقلت : أكان في الوصية توثبهم وخلافهم على أمير المؤمنين « عليه السلام » ؟ فقال : نعم والله شيئاً شيئاً وحرفاً حرفاً ، أما سمعت قول الله عز وجل : إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ ؟ والله لقد قال رسول الله « صلى الله عليه وآله » لأمير المؤمنين وفاطمة « صلى الله عليه وآله » : أليس قد فهمتما ما تقدمت به إليكما وقبلتماه ؟ فقالا : بلى وصبرنا على ما ساءنا وغاظنا .
وفي نسخة الصفواني زيادة . . . عن حريز قال : قلت لأبي عبد الله « عليه السلام » : جعلت فداك ما أقلَّ بقاءكم أهل البيت وأقرب آجالكم بعضها من بعض ، مع حاجة الناس إليكم ؟ ! فقال : إن لكل واحد منا صحيفة فيها ما يحتاج إليه أن يعمل به في مدته ، فإذا انقضى ما فيها مما أمر به عَرَفَ أن أجله قد حضر ، فأتاه النبي « صلى الله عليه وآله » ينعى إليه نفسه وأخبره بما له عند الله . وإن الحسين « عليه السلام » قرأ صحيفته التي أعطيها ، وفسر له ما يأتي بنعي ، وبقي فيها أشياء لم تقض فخرج للقتال ، وكانت تلك الأمور التي بقيت ، وإن الملائكة سألت الله في نصرته فأذن لها ، ومكثت تستعد للقتال وتتأهب لذلك حتى قتل ، فنزلت وقد انقطعت مدته وقتل « عليه السلام » ، فقالت الملائكة : يا ربِّ أذنت لنا في الإنحدار ، وأذنت لنا في نصرته فانحدرنا وقد قبضته ! فأوحى الله إليهم : أن الزموا قبره حتى تروه وقد خرج فانصروه ، وابكوا عليه وعلى ما فاتكم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 22 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
من نصرته . . . ) . ونحوه النعماني / 60 ، وروضة الواعظين / 210 ، وبصائر الدرجات / 166 و 170 ، والإرشاد : 2 / 189 ، وقال : والأخبار في هذا المعنى كثيرة .
وعن أمير المؤمنين « عليه السلام » : ( دعاني رسول الله عنده موته وأخرج من كان عنده في البيت غيري ، والبيت فيه جبرئيل والملائكة « عليهم السلام » أسمع الحس ولا أرى شيئاً ، فأخذ رسول الله « صلى الله عليه وآله » كتاب الوصية من يد جبرئيل « عليه السلام » مختومة فدفعها إليَّ وأمرني أن أفضها ففعلت ، وأمرني أن أقرأها فقرأتها ، فقال : إن جبرئيل عندي أتاني بها الساعة من عند ربي ، فقرأتها فإذا فيها كل ما كان رسول الله « صلى الله عليه وآله » يوصي به شيئاً شيئاً ما تغادر حرفاً . . . ) . ( البحار : 22 / 478 ، عن الطرائف لابن طاووس ، ولم نجده فيه ولعله عن الطرف ) .

4 - صحيفة الولاية والبراءة في قراب سيف النبي « صلى الله عليه وآله »

وهناك صحيفة ثانية كتبها النبي « صلى الله عليه وآله » ، وجعلها في قراب سيفه وورَّثها مع سيفه لعلي والعترة « عليهم السلام » ، ففي قرب الإسناد / 103 ، عن الإمام الباقر « عليه السلام » قال : ( وُجد في غمد سيف رسول الله « صلى الله عليه وآله » صحيفة مختومة ففتحوها فوجدوا فيها : إن أعتى الناس على الله القاتل غير قاتله والضارب غير ضاربه . ومن أحدث حدثاً أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً . ومن تولى غير مواليه فقد كفر بما أنزل على محمد ) .
وفي تفسير فرات / 394 : ( عن الأصبغ بن نباتة قال : كنت جالساً عند أمير المؤمنين علي بن أبي طالب « عليه السلام » في مسجد الكوفة ، فأتاه رجل من بجيلة يكنى أبا خديجة ومعه ستون رجلاً من بجيلة ، فسلم وسلموا ، ثم جلس وجلسوا ، ثم إن أبا خديجة قال : يا أمير المؤمنين أعندك سرٌّ من أسرار رسول الله « صلى الله عليه وآله » تحدثنا به ؟ قال : نعم يا قنبر إئتني بالكتابة ففضها فإذا في أسفلها سليفة مثل ذنَب الفارة مكتوب فيها : بسم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 23 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الله الرحمن الرحيم . إن لعنة الله وملائكته والناس أجمعين على من انتمى إلى غير مواليه ، ولعنة الله وملائكته والناس أجمعين على من أحدث في الإسلام أو آوى محدثاً ، ولعنة الله على من ظلم أجيراً أجره ، ولعنة الله على من سرق منار الأرض وحدودها . يكلف يوم القيامة أن يجئ بذلك من سبع سماوات وسبع أرضين .
ثم التفت إلى الناس فقال : والله لو كلفت هذا دواب الأرض ما أطاقته . فقال له أبو خديجة : ولكن أهل البيت موالي كل مسلم فمن تولى غير مواليه ؟ فقال : لست حيث ذهبت يا أبا خديجة ، ولكنا أهل البيت موالي كل مسلم ، فمن تولى غيرنا فعليه مثل ذلك ! يا أبا خديجة والأجير ليس بالدينار ولا بالدينارين ولا بالدرهم ولا بالدرهمين ، بل من ظلم رسول الله « صلى الله عليه وآله » وسلم أجره في قرابته قال الله تعالى : قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ، فمن ظلم رسول الله « صلى الله عليه وآله » أجره في قرابته فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ) .

5 - صحيفة رموز العلوم في قراب سيف علي « عليه السلام »

وصحيفة أخرى فيها رموز الألف باب التي علمها النبي « صلى الله عليه وآله » في مرض وفاته لعلي « عليه السلام » . ففي بصائر الدرجات / 327 ، عن الإمام الصادق « عليه السلام » : ( كان في ذؤابة سيف علي « عليه السلام » صحيفة صغيرة وإن علياً « عليه السلام » دعا ابنه الحسن « عليه السلام » فدفعها إليه ودفع إليه سكيناً ، وقال له : إفتحها فلم يستطع أن يفتحها ! ففتحها له ثم قال له : إقرأ ، فقرأ الحسن الألف والباء والسين واللام ، وحرفاً بعد حرف ، ثم طواها فدفعها إلى ابنه الحسين « عليه السلام » فلم يقدر على أن يفتحها ، ففتحها له ثم قال له : إقرأ يا بنى فقرأها كما قرأ الحسن ، ثم طواها ، فدفعها إلى ابنه ابن الحنفية فلم يقدر على أن يفتحها ففتحها له فقال له : إقرأ فلم يستخرج منها شيئاً ، فأخذها علي « عليه السلام » وطواها ثم علقها من
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 24 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ذؤابة السيف . قال قلت لأبي عبد الله « عليه السلام » : وأي شئ كان في تلك الصحيفة ؟ قال : هي الأحرف التي يفتح كل حرف ألف حرف . قال أبو بصير قال أبو عبد الله « عليه السلام » : فما خرج منها إلا حرفان إلى الساعة ) . والكافي : 1 / 296 والخصال / 649 .
وهناك صحف أخرى تتعلق بأهل البيت « عليهم السلام » ، منها الصحيفة الجامعة بإملاء النبي « صلى الله عليه وآله » وخط علي « عليه السلام » فيها ما يحتاج إليه الناس ، وصحيفتا قريش : الصحيفة الملعونة الأولى التي كتبها زعماء قريش ضد النبي « صلى الله عليه وآله » وبني هاشم وعلقوها في الكعبة ، وقاطعوهم بموجبها وحاصروهم نحو خمس سنوات في شعب أبي طالب « رحمه الله » ، والملعونة الثانية التي كتبوها في حجة الوداع وتعاهدوا على إبعاد العترة عن خلافة النبي « صلى الله عليه وآله » . وصحيفة ثالثة تتعلق بنفيل جد عمر بن الخطاب عندما زنى بصهاك أمَة عبد المطلب فحملت وكتبوا حملها غلاماً لعبد المطلب . . وبحث هذه الصحف خارج عن غرضنا .

6 - ملاحظات على حديث اللوح وصحف الوصية

1 - روت مصادرنا حديث اللوح وصحيفة الوصية بعدة طرق ، كما روت تفسير صحيفة القراب ، كالذي رواه في الكافي : 1 / 238 : ( عن أبي بصير قال : دخلت على أبي عبد الله « عليه السلام » فقلت له جعلت فداك إني أسألك عن مسألة ، هاهنا أحد يسمع كلامي ؟ قال فرفع أبو عبد الله « عليه السلام » ستراً بينه وبين بيت آخر فاطلع فيه ثم قال : يا أبا محمد سل عما بدا لك . قال قلت : جعلت فداك إن شيعتك يتحدثون أن رسول الله « صلى الله عليه وآله » علم عليا « عليه السلام » باباً يفتح له منه ألف باب ؟ قال فقال : يا أبا محمد علم رسول الله « صلى الله عليه وآله » علياً « عليه السلام » ألف باب يفتح من كل باب ألف باب ! قال قلت : هذا والله العلم . قال فنكت ساعة في الأرض ، ثم قال : إنه لعلم وما هو بذاك . قال ثم قال : يا أبا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 25 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
محمد وإن عندنا الجامعة وما يدريهم ما الجامعة ؟ قال قلت : جعلت فداك وما الجامعة ؟ قال : صحيفة طولها سبعون ذراعاً بذراع رسول الله « صلى الله عليه وآله » وإملائه من فَلْق فيه وخط علي بيمينه ، فيها كل حلال وحرام ، وكل شئ يحتاج الناس إليه حتى الأرش في الخدش . . . ) .
وفي الكافي : 1 / 241 : ( عن بكر بن كرب الصيرفي قال : سمعت أبا عبد الله « عليه السلام » يقول : إن عندنا ما لا نحتاج معه إلى الناس وإن الناس ليحتاجون إلينا ، وإن عندنا كتاباً إملاء رسول الله « صلى الله عليه وآله » وخط علي « عليه السلام » ، صحيفة فيها كل حلال وحرام . . . وإنكم لتأتونا بالأمر فنعرف إذا أخذتم به ، ونعرف إذا تركتموه ) .
وفي الكافي : 1 / 296 ، عن الإمام الصادق « عليه السلام » : ( كان في ذؤابة سيف رسول الله « صلى الله عليه وآله » صحيفة صغيرة ، فقلت لأبي عبد الله « عليه السلام » : أي شئ كان في تلك الصحيفة ؟ قال : هي الأحرف التي يفتح كل حرف ألف حرف ) . انتهى .
وفي أمالي المفيد / 351 : ( عن الأصبغ بن نباتة العبدي قال : لما ضرب ابن ملجم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب « عليه السلام » غدونا عليه نفر من أصحابنا أنا والحارث وسويد بن غفلة ، وجماعة معنا فقعدنا على الباب ، فسمعنا البكاء فبكينا فخرج إلينا الحسن بن علي فقال : يقول لكم أمير المؤمنين : انصرفوا إلى منازلكم ، فانصرف القوم غيري ، واشتد البكاء من منزله فبكيت ، فخرج الحسن « عليه السلام » فقال : ألم أقل لكم انصرفوا ؟ ! فقلت : لا والله يا ابن رسول الله ما تتابعني نفسي ولا تحملني رجلي أن أنصرف حتى أرى أمير المؤمنين صلوات الله عليه . قال : فتلبث فدخل ولم يلبث أن خرج فقال لي : ادخل ، فدخلت على أمير المؤمنين « عليه السلام » فإذا هو مستند معصوب الرأس بعمامة صفراء ، قد نزف واصفر وجهه ، ما أدري وجهه أصفر أو العمامة ، فأكببت عليه فقبلته وبكيت ، فقال لي : لا تبك يا أصبغ فإنها
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 26 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والله الجنة ، فقلت له : جعلت فداك إني أعلم والله أنك تصير إلى الجنة ، وإنما أبكي لفقداني إياك يا أمير المؤمنين ، جعلت فداك حدثني بحديث سمعته من رسول الله « صلى الله عليه وآله » فإني أراني لا أسمع منك حديثاً بعد يومي هذا أبداً ! فقال : نعم يا أصبغ ، دعاني رسول الله « صلى الله عليه وآله » يوماً فقال لي : يا علي انطلق حتى تأتي مسجدي ثم تصعد على منبري ثم تدعو الناس إليك فتحمد الله عز وجل وتثني عليه وتصلي علي صلاة كثيرة ، ثم تقول : أيها الناس إني رسول الله إليكم وهو يقول لكم : ألا إن لعنة الله ولعنة ملائكته المقربين وأنبيائه المرسلين ولعنتي على من انتمى إلى غير أبيه أو ادعى إلى غير مواليه ، أو ظلم أجيراً أجره ! فأتيت مسجده وصعدت منبره ، فلما رأتني قريش ومن كان في المسجد أقبلوا نحوي فحمدت الله وأثنيت عليه وصليت على رسول الله « صلى الله عليه وآله » صلاة كثيرة ثم قلت : أيها الناس إني رسول رسول الله إليكم ، وهو يقول لكم : ألا إن لعنة الله ولعنة ملائكته المقربين وأنبيائه المرسلين ولعنتي على من انتمى إلى غير أبيه ، أو ادعى إلى غير مواليه ، أو ظلم أجيراً أجره . قال : فلم يتكلم أحد من القوم إلا عمر بن الخطاب فإنه قال : قد أبلغت يا أبا الحسن ولكنك جئت بكلام غير مفسر ، فقلت : أُبلغ ذلك رسول الله « صلى الله عليه وآله » فرجعت إلى النبي « صلى الله عليه وآله » وسلم فأخبرته الخبر فقال : إرجع إلى مسجدي حتى تصعد منبري فاحمد الله واثن عليه وصل عليَّ ثم قل : أيها الناس ما كنا لنجيئكم بشئ إلا وعندنا تأويله وتفسيره ، ألا وإني أنا أبوكم ، ألا وإني أنا مولاكم ، ألا وإني أنا أجيركم ) . وأمالي الطوسي / 122 .
أما مصادر أتباع الخلافة فطبيعي أن تتجنب أحاديث الوصية وتنكرها ما استطاعت ، لكنهم رووا منها حديث وصية يوم الغدير وغيره ، وروى بخاري حديث الصحيفة في قراب سيف النبي « صلى الله عليه وآله » ثمان مرات ، وتعمد روايتها عن علي وأولاده « عليهم السلام »
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 27 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ليقول إن النبي « صلى الله عليه وآله » لم يورثهم غيرها ! قال في صحيحه : 2 / 221 : ( عن علي قال : ما عندنا شئ إلا كتاب الله وهذه الصحيفة عن النبي ( ص ) : المدينة حَرَمٌ ما بين عائر إلى كذا ، من أحدث فيها حدثاً أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، لا يقبل منه صرف ولا عدل ، وقال : ذمة المسلمين واحدة ، فمن أخفر مسلماً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل . ومن تولى قوماً بغير إذن مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، لا يقبل منه صرف ولا عدل ) . ونحوه : 4 / 30 ، و 4 / 67 و / 69 و : 8 / 10 و / 45 و / 47 و / 144 ، بصيغ متضاربة ومسلم : 4 / 115 و / 217 و : 6 / 85 ، وأبو داود : 1 / 168 و : 2 / 177 ، وأحمد بعشر روايات . . الخ .
ويلاحظ أن رواتهم غيَّروا الفقرة المتعلقة بولاية العترة « عليهم السلام » ، لكن الشافعي روى شيئاً منها في مسنده / 198 ، قال : ( عن محمد بن إسحق قال : قلت لأبي جعفر محمد بن علي : ما كان في الصحيفة التي كانت في قراب سيف رسول الله ؟ فقال كان فيها : لعن الله القاتل غير قاتله والضارب غير ضاربه . ومن تولى غير ولي نعمته فقد كفر بما أنزل الله على محمد ( ص ) ) . انتهى .
2 - نصت الأحاديث على أن دور كل إمام محددٌ من الله تعالى : ( لكل واحد منا صحيفة فيها ما يحتاج إليه أن يعمل به في مدته ، فإذا انقضى ما فيها مما أُمِرَ به عَرَفَ أن أجله قد حضر ، فأتاه النبي « صلى الله عليه وآله » ينعى إليه نفسه ) . لكنها لا تدل على تقسيم حياتهم « عليهم السلام » إلى مراحل ، ولا تذكر أن في مهمتهم العمل لتسلم السلطة !
3 - استدل أستاذنا « قدس سره » على أن الإمام زين العابدين « عليه السلام » كان هدفه الأساسي ترسيخ الإسلام كدين في نفوس الناس ، فكان يعول بمئة بيت أو أربع مئة بيت من أهل المدينة ، مع أنه كان يقول ليس في المدينة عشرون بيتاً يحبوننا !
وأن هدف الإمام الباقر « عليه السلام » كان بناء الكتلة الواعية أو الأمة داخل الأمة ، فكان
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 28 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ينفق على خاصة أصحابه ، ويتصدق كل جمعة في المسجد بدينار .
لكن عمل الإمام زين العابدين « عليه السلام » كان كذلك أيضاً ، فكلاهما قام بترسيخ قِيَم الدين ككل واصطناع الأمة داخل الأمة ، والفرق بين عملهما « صلى الله عليه وآله » في الدرجة وليس في النوع ، ويفهم ذلك من نص صحيفة الوصية : ( فلما مضى دفعها إلى علي بن الحسين « عليه السلام » قبل ذلك ، ففتح الخاتم الرابع فوجد فيها أن اصمت وأطرق لمَّا حُجِبَ العلم . فلما توفي ومضى دفعها إلى محمد بن علي « صلى الله عليه وآله » ففتح الخاتم الخامس فوجد فيها أن فسر كتاب الله تعالى وصدِّق أباك وورث ابنك واصطنع الأمة ، وقم بحق الله عز وجل ، وقل الحق في الخوف والأمن ، ولا تخش إلا الله ) .
فعبارة : وصدِّق أباك . . للباقر « عليه السلام » تدل على أن : أصمت وأطرق . . لأبيه « عليه السلام » ، هي أحد مضامين الصحيفة وليست كل ما فيها عن دوره ، فقد جهر بالحق واصطنع الأمة ، ثم صدقه الإمام الباقر « عليه السلام » وبدأ بمرحلة جديدة في اصطناع الأمة ، حيث أمره الله تعالى أن يبقر علم النبوة ويفجر ينابيعه ، فقام بإعلاء صرح التشيع الذي شيده والده « عليه السلام » وأرسى معالمه . كما رسَّخ قيم الإسلام في الأمة ، ورفعت عنه التقية في كل ذلك .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 29 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الثاني : سماه جده « صلى الله عليه وآله » باقر علم النبوة وبشر به الأمة

1 - اشتهر « عليه السلام » بهذا الاسم ورواه المؤالف والمخالف

أشهر ألقابه « عليه السلام » الباقر ، وباقر العلم . قال في القاموس : ( والباقر : محمد بن علي بن الحسين رضي الله تعالى عنهم ، لتبحره في العلم ) .
وقال الزبيدي : 6 / 105 : ( وفي اللسان : لأنه بقر العلم وعرف أصله واستنبط فرعه . قلت : وقد ورد في بعض الآثار عن جابر بن عبد الله الأنصاري أن النبي ( ص ) قال له : يوشك أن تبقى حتى تلقى ولداً لي من الحسين يقال له محمد يبقر العلم بقراً ، فإذا لقيته فاقرأه مني السلام . خرَّجه أئمة النسب ) . انتهى .
أقول : يقصد الزبيدي حديث النبي « صلى الله عليه وآله » الذي بَشَّر فيه بحفيده الباقر « عليه السلام » وبعث إليه سلامه مع جابر بن عبد الله الأنصاري « رحمه الله » ! ففي الكافي : 1 / 469 ، عن الصادق « عليه السلام » بسند صحيح قال : ( إن رسول الله قال ذات يوم لجابر بن عبد الله الأنصاري : يا جابر إنك ستبقى حتى تلقى وَلَدي محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، المعروف في التوراة بالباقر ، فإذا لقيته فاقرأه مني السلام ، فدخل جابر إلى علي بن الحسين « صلى الله عليه وآله » فوجد محمد بن علي عنده غلاماً فقال له : يا غلام أقبل فأقبل ، ثم قال : أدبر فأدبر ، فقال جابر : شمائل رسول الله « صلى الله عليه وآله » ورب الكعبة ، ثم أقبل علي بن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 30 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الحسين فقال له : من هذا ؟ قال : هذا ابني وصاحب الأمر بعدي محمد الباقر ، فقام جابر فوقع على قدميه يقبلهما ويقول : نفسي لنفسك الفداء يا ابن رسول الله ، إقبل سلام أبيك . إن رسول الله يقرأ عليك السلام . قال : فدمعت عينا أبي جعفر ثم قال : يا جابر على أبي رسول الله السلام ما دامت السماوات والأرض ، وعليك السلام يا جابر بما بلغت ) .
وقال في مناقب آل أبي طالب : 3 / 328 : ( وحديث جابر مشهور معروف ، رواه فقهاء المدينة والعراق كلهم . . بطرق كثيرة عن سعيد بن المسيب ، وسليمان الأعمش ، وأبان بن تغلب ، ومحمد بن مسلم ، وزرارة بن أعين ، وأبي خالد الكابلي . . ) . وقال المفيد في الإرشاد : 2 / 159 : ( وسماه رسول الله « صلى الله عليه وآله » وعرفه بباقر العلم على ما رواه أصحاب الآثار ، وبما روي عن جابر بن عبد الله في حديث مجرد أنه قال : قال لي رسول الله « صلى الله عليه وآله » : يوشك أن تبقى حتى تلقى ولداً لي من الحسين ، يقال له محمد ، يبقر علم الدين بقراً ، فإذا لقيته فاقرئه مني السلام ) . والمستجاد / 170 .
وفي مناقب أمير المؤمنين لمحمد بن سليمان : 2 / 275 : ( تلقى رجلاً من ولدي يقال له محمد بن علي بن الحسين ، يهب الله له النور والحكمة ، فإذا لقيته فاقرأه مني السلام ) .
وفي تاريخ اليعقوبي : 2 / 320 : ( وكان يسمى أبا جعفر الباقر لأنه بقر العلم . قال جابر بن عبد الله الأنصاري : قال لي رسول الله « صلى الله عليه وآله » : إنك ستبقى حتى ترى رجلاً من ولدي أشبه الناس بي اسمه على اسمي ، إذا رأيته لم يخف عليك ، فاقرئه مني السلام ! فلما كبرت سنُّ جابر وخاف الموت جعل يقول : يا باقر يا باقر أين أنت ؟ حتى رآه فوقع عليه يقبل يديه ورجليه ، وهو يقول : بأبي وأمي ، شبيه أبيه رسول الله ! إن أباك يقرؤك السلام ) .
وأوردناه في معجم أحاديث الإمام المهدي : 3 / 326 ، عن أمالي الطوسي : 2 / 249 ، وغيره
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 31 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بلفظ آخر وفيه : ( فأتى جابر بن عبد الله باب علي بن الحسين « عليهما السلام » وبالباب أبو جعفر محمد بن علي ، في أغيلمة من بني هاشم قد اجتمعوا هناك ، فنظر جابر إليه مقبلاً فقال : هذه مشية رسول الله وسجيته ، فمن أنت يا غلام ؟ قال : فقال : أنا محمد بن علي بن الحسين ، فبكى جابر بن عبد الله ثم قال : أنت والله الباقر عن العلم حقاً ، أدن مني بأبي أنت وأمي ، فدنا منه فحل جابر إزاره ووضع يده على صدره فقبله وجعل عليه خده ووجهه وقال له : أقرؤك عن جدك رسول الله السلام . . . وفي آخره : فأقبل جابر على من حضر وقال : والله ما رؤي في أولاد الأنبياء مثل علي بن الحسين إلا يوسف بن يعقوب « صلى الله عليه وآله » ، والله لذرية علي بن الحسين أفضل من ذرية يوسف بن يعقوب ، إن منهم لمن يملأ الأرض عدلا كما ملئت جوراً ) . أيضاً : أمالي الصدوق / 434 والعلل : 1 / 233 ، وإعلام الورى : 1 / 505 والثاقب / 104 ، والخرائج : 2 / 892 ، وعمدة الطالب / 194 ، وروضة الواعظين / 202 ، والهداية الكبرى / 241 ، بسند صحيح في عدد منها .
وروت مصادرنا أحاديث تسمية النبي « صلى الله عليه وآله » له بالباقر « عليه السلام » ، منها في معجم أحاديث الإمام المهدي « عليه السلام » : 3 / 194 ، عن الإمام زين العابدين « عليه السلام » ، وفيه : ( واسمه في صحف الأولين باقر ، يبقر العلم بقراً ) . ومنها في كفاية الأثر / 81 ، عن أبي هريرة قال : ( كنت عند النبي وأبو بكر وعمر والفضل بن العباس وزيد بن حارثة وعبد الله بن مسعود ، إذ دخل الحسين بن علي . . . . وفيه : يخرج من صلبه ولد مبارك سميُّ جده علي يسمى العابد ونور الزهاد ، ويخرج من صلب علي ولد اسمه اسمي وأشبه الناس بي ، يبقر العلم بقراً ، وينطق بالحق ويأمر بالصواب ، ويخرج الله من صلبه كلمة الحق ولسان الصدق . فقال له ابن مسعود : فما اسمه يا نبي الله ؟ قال : فقال له : جعفر ، صادق في قوله وفعاله ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 32 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

2 - وروى علماء السنة حديث بشارة النبي « صلى الله عليه وآله » بالباقر « عليه السلام »

فقد رواه أبو نصر البخاري من حديث جابر في سر السلسلة العلوية / 32 ، ونصه : ( يا جابر ، إنك ستعيش حتى تدرك رجلاً من أولادي اسمه اسمي ، يبقر العلم بقراً ، فإذا رأيته فاقرأه مني السلام ، ففعل ذلك جابر « رحمه الله » ) .
ورواه محمد بن طلحة الشافعي في مطالب السؤول / 81 وطبعة 425 ، فقال : ( الإمام محمد الباقر : هو باقر العلم وجامعه ، وشاهر علمه ورافعه ، ومتفوق دره وواضعه ، ومنمق دره وراضعه ، صفا قلبه وزكا عمله ، وطهرت نفسه ، وشرفت أخلاقه ، وعمرت بطاعة الله أوقاته ، ورسخت في مقام التقوى قدمه ، وظهرت عليه سمات الإزدلاف ، وطهارة الاجتباء ، فالمناقب تسبق إليه ، والصفات تشرف به . . ثم روى حديث جابر في / 431 : ( كنت مع رسول الله « صلى الله عليه وآله » والحسين في حجره وهو يلاعبه ، فقال : يا جابر يولد لابني الحسين ابن يقال له علي ، إذا كان يوم القيامة نادى مناد : ليقم سيد العابدين . فيقوم علي بن الحسين ، ويولد لعلي ابن يقال له محمد ، يا جابر إن رأيته فاقرءه مني السلام ، واعلم أن بقاءك بعد رؤيته يسير . فلم يعش جابر بعد ذلك إلا قليلا ) .
ورواه ابن قتيبة في عيون الأخبار : 2 / 91 ، وفيه : ( يا جابر إنك ستعيش بعدي حتى يولد لي مولود اسمه كاسمي يبقر العلم بقراً فإذا لقيته فاقرئه مني السلام ) .
ورواه العاصمي في سمط النجوم : 4 / 141 ، و : 2 / 348 ، وحكم بصحته فقال : ( يكنى أبا جعفر . . والهادي ، وأشهرها الباقر لقول النبي ( ص ) لجابر بن عبد الله الأنصاري إنك ستعيش حتى ترى رجلاً من أولادي اسمه اسمي يبقر العلم بقراً ، فإذا لقيته فأقره مني السلام فلقيه جابر وأقرأه السلام من رسول الله ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 33 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ورواه مرسلاً وصححه ، ابنُ أبي الحديد المعتزلي في شرح النهج : 15 / 277 ، قال : ( وهو سيد فقهاء الحجاز ، ومنه ومن ابنه جعفر تعلم الناس الفقه ، وهو الملقب بالباقر باقر العلم ، لقبه به رسول الله ( ص ) ولم يُخلق بعد ، وبشر به ووعد جابر بن عبد الله برؤيته ، وقال : ستراه طفلاً ، فإذا رأيته فأبلغه عني السلام ! فعاش جابر حتى رآه ، وقال له ما وُصِّيَ به ) . ورواه ابن الصباغ المالكي في الفصول المهمة : 2 / 882 ، وفيه : ( يبقر العلم بقراً ، أي يفجره تفجيراً ، فإذا رأيته فاقرأه عني السلام ) .
ورواه الزرندي الشافعي في معارج الوصول إلى معرفة فضل آل الرسول / 122 ، قال : ( سماه رسول الله الباقر ، وأهدى إليه سلامه على لسان جابر بن عبد الله فقال : يا جابر إنك تعيش حتى تدرك رجلاً من أولادي اسمه اسمي يبقر العلم بقراً ، فإذا رأيته فاقرأه مني السلام . فأدركه جابر بن عبد الله الأنصاري وهو صبي في الكتاب فأقرأه عن رسول الله ( ص ) السلام المستطاب ، وقال : هكذا أمرني رسول الله ( ص ) . وهذه منقبة لم يشركه فيها أحد من الآل والأصحاب ) .
ورواه ابن حجر الهيتمي في الصواعق : 2 / 585 ، قال : ( أبو جعفر محمد الباقر سمي بذلك من بَقَرَ الأرض أي شقها وأثار مخبئاتها ومكامنها ، فكذلك هو أظهر من مخبئات كنوز المعارف وحقائق الأحكام والحكم واللطائف ما لا يخفى إلا على منطمس البصيرة أو فاسد الطوية والسريرة ، ومن ثَم قيل فيه : هو باقر العلم وجامعه وشاهر علمه ، عمرت أوقاته بطاعة الله وله من الرسوخ في مقامات العارفين ما تكل عنه ألسنة الواصفين ، وله كلمات كثيرة في السلوك والمعارف لا تحتملها هذه العجالة وكفاه شرفاً أن ابن المديني روى عن جابر أنه قال له وهو صغير : رسول الله يسلم عليك ، فقيل له وكيف ذاك ؟ قال : كنت جالساً عنده والحسين في حجره وهو يداعبه فقال : يا جابر يولد له مولود اسمه علي إذا كان يوم القيامة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 34 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
نادى مناد ليقم سيد العابدين ، فيقوم ولده . ثم يولد له ولد اسمه محمد الباقر ، فإن أدركته يا جابر فاقرئه مني السلام ) .
وفي شرح إحقاق الحق : 28 / 234 ، رواه في سبائك الذهب في معرفة قبائل العرب / 329 ط دار الكتب العلمية بيروت ، وفيه : ( يا جابر يوشك أن تلحق بولد من ولد الحسين اسمه كاسمي يبقر العلم بقراً أي يفجره تفجيراً ) .
وذكر في هامش نهج الحق / 257 ، أن الخطيب في تاريخ بغداد : 2 / 204 ، روى قول النبي « صلى الله عليه وآله » لجابر : ( أنت تدرك ولدي محمد الباقر ، إنه يبقر العلم بقراً فإذا رأيته ، فاقرأه عني السلام ) . ولم أجده هناك ، ولعل يد المحرفين حذفته من المطبوع !
وسترى أن الذهبي رواه بسند صحيح !
وروى أبو نصر البخاري في السلسلة العلوية / 32 : ( وفد زيد بن علي على هشام ( الأحول ) بن عبد الملك فقال له هشام : ما فعل أخوك البقرة ، يعني الباقر ؟ ! فقال زيد : لَشَدَّ ما خالفت رسول الله ( ص ) ! سماه رسول الله الباقر وتسميه البقرة ! لتُخَالفنَّه في يوم القيامة فيدخل الجنة وتدخل النار ! . . القصة بطولها . . وهو أول من اجتمعت له ولادة الحسن والحسين ، أبوه علي بن الحسين ، وأمه أم عبد الله بنت الحسن ، وفيه يقول القرظي :

يا باقر العلم لأهل التقى * وخير من لبَّى على الأجْبُلِ

وفيه يقول مالك بن أعين الجهني :

إذا طلب الناس علم القران * كانت قريشٌ عليه عيالا
وإن قيل هذا ابن بنت النبي * نال بذاك فروعاً طوالا
نجومٌ تهلل للمُدْلجين * جبالٌ تورث علماٌ جبالا ) .

انتهى .
ولحديث زيد « رحمه الله » مع هشام مصادر عديدة تاريخية وحديثية ستأتي ، وهو كاف لتصحيح حديث جابر « رحمه الله » ، حتى عند المتشددين في الجرح .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 35 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

3 - قبل المتعصبون لقب الباقر وغيَّبوا حديث جابر !

في شرح مسلم للنووي : 6 / 137 : ( ومنه سميَ محمد الباقر رضي الله عنه ، لأنه بقر العلم ودخل فيه مدخلاً بليغاً ووصل منه غاية مرضية ) .
وفي عمدة القاري بشرح البخاري للعيني : 3 / 52 : ( أما محمد بن علي فهو : محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، رضي الله تعالى عنهم أجمعين ، الهاشمي المدني ، أبو جعفر المعروف بالباقر ، سمي به لأنه بقر العلم أي شقه بحيث عرف حقائقه ، وهو أحد الأعلام التابعين الأجلاء ) .
وفي تفسير القرطبي : 1 / 446 : ( ومنه الباقر لأبي جعفر محمد بن علي زين العابدين ، لأنه بقر العلم وعرف أصله ، أي شقه ) .
وفي تذكرة حفاظ الذهبي : 1 / 124 : ( أبو جعفر الباقر محمد بن علي بن الحسين الإمام الثبت الهاشمي العلوي المدني . . . وكان سيد بني هاشم في زمانه . اشتهر بالباقر من قولهم بقر العلم ، يعني شقه فعلم أصله وخفيه ) .
وبنحو هذا فسر لقب ( الباقر ) عامة من ترجم للإمام « عليه السلام » من علمائهم .

4 - شهد مخالفوا الإمام « عليه السلام » وأعداؤه بعلمه وقداسته !

قال سبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص / 347 : ( عن عطاء المكي قال : ما رأيت العلماء عند أحد أصغر منهم عند أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين ! ولقد رأيت الحكم بن عيينة مع جلالته في القوم بين يديه كأنه صبي بين يدي معلمه ! وكان جابر بن يزيد الجعفي إذا روى عن محمد بن علي شيئاً قال : حدثني وصيُّ الأوصياء ، ووارث علم الأنبياء : محمد بن علي بن الحسين ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 36 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال ابن حجر في تهذيب التهذيب : 9 / 313 : ( قال الزبير ابن بكار : كان يقال لمحمد باقر العلم . وقال محمد بن المنكدر : ما رأيت أحداً يفضل على علي بن الحسين حتى رأيت ابنه محمداً ، أردت يوماً أن أعظه فوعظني ) .
وقال محمد بن طلحة الشافعي في مطالب السؤول / 436 : ( نقل عنه الحديث واستفاد منه العلم جماعة من الأئمة وأعلامهم ، مثل يحيى بن سعيد الأنصاري ، وابن جريح ، ومالك بن أنس ، والثوري ، وابن عيينة ، وشعبة ، وأيوب السجستاني وغيرهم ، وعدوا أخذهم عنه منقبة شرفوا بها وفضيلة اكتسبوها ) .
وقال الحافظ أبو نعيم : ( ومنهم الإمام الحاضر الذاكر الخاشع الصابر ، أبو جعفر محمد بن علي الباقر ، وكان من سلالة النبوة ، وجمع حسب الدين والأبوة ، تكلم في العوارض والخطرات ، وسفح الدموع والعبرات ، ونهى عن المراء والخصومات ) . ( كشف الغمة : 2 / 344 ) .
وقال ابن عساكر في تاريخ دمشق : 54 / 268 : ( محمد بن علي بن الحسين . . باقر العلم من أهل المدينة ، أوفده عمر بن عبد العزيز عليه ( أي طلب أن يفد إليه ) حين ولي الخلافة يستشيره في بعض أموره . . . لما وليَ بعث إلى الفقهاء فقربهم ، وكانوا أخص الناس به ، بعث إلى محمد بن علي بن حسين أبي جعفر ، وبعث إلى عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود وكان من عباد أهل الكوفة وفقهائهم ، فقدم عليه وبعث إلى محمد بن كعب القرظي ، وكان من أهل المدينة من أفاضلهم وفقهائهم ، فلما قدم أبو جعفر محمد بن علي على عمر بن عبد العزيز وأراد الانصراف إلى المدينة قال : بينما هو جالس في الناس ينتظرون الدخول على عمر إذ أقبل ابن حاجب عمر وكان أبوه مريضاً فقال : أين أبو جعفر ليدخل ! فأشفق محمد بن علي أن يقوم فلا يكون هو الذي دعا به ، فنادى ثلاث مرات ، قال : لم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 37 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يحضر يا أمير المؤمنين ! قال بلى قد حضر حدثني بذلك الغلام ، قال : فقد ناديته ثلاث مرات ، قال : كيف قلت ؟ قال قلت : أين أبو جعفر ؟ ! قال : ويحك أخرج فقل : أين محمد بن علي ، فخرج ، فقام فدخل فحدثه ساعة وقال إني : أريد الوداع يا أمير المؤمنين ، قال عمر فأوصني يا أبا جعفر ، قال : أوصيك بتقوى الله واتخذ الكبير أباً والصغير ولداً والرجل أخاً ، فقال : رحمك الله جمعت لنا والله ما إن أخذنا به وأماتنا الله عليه استقام لنا الخير إن شاء الله . ثم خرج ، فلما انصرف إلى رحله أرسل إليه عمر : إني أريد أن آتيك فاجلس في إزار ورداء ، فبعث إليه : لا بل أنا آتيك ، فأقسم عليه عمر فأتاه عمر فالتزمه ووضع صدره على صدره وأقبل يبكي ثم جلس بين يديه ، ثم قام وليس لأبي جعفر حاجة سأله إياها إلا قضاها له ، وانصرف فلم يلتقيا حتى ماتا جميعاً ) .
ونقل الطبري في تاريخه : 6 / 197 ، رسالة المنصور العباسي إلى محمد بن عبد الله بن الحسن الذي خرج عليه ، جاء فيها : ( وزعمت أنك أوسط بني هاشم نسباً وأصرحهم أماً وأباً . . . وما ولد فيكم بعد وفاة رسول الله ( ص ) أفضل من علي بن حسين وهو لأم ولد ، ولهو خير من جدك حسن بن حسن ، وما كان فيكم بعده مثل ابنه محمد بن علي ، وجدته أم ولد ولهو خير من أبيك ، ولا مثل ابنه جعفر وجدته أم ولد ، ولهو خير منك ) . وتاريخ الذهبي : 9 / 23 .
وقال ابن سعد في الطبقات : 5 / 320 : ( أبو جعفر محمد بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب ، وأمه أم عبد الله بنت حسن بن علي . . . معاوية بن عبد الكريم قال : رأيت على محمد بن علي أبي جعفر جبة خز ومطرف خز . . . عن جابر عن محمد بن علي قال : إنا آل محمد نلبس الخز واليمنة والمعصفرات والممصرات . . عن عبد الأعلى أنه رأى محمد بن علي يرسل عمامته خلفه . . .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 38 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
حكيم بن عباد بن حنيف قال : رأيت أبا جعفر متكئاً على طيلسان مطوي في المسجد ، قال محمد بن عمر : ولم يزل ذلك من فعل الأشراف وأهل المروءة عندنا ، الذين يلزمون المسجد يتكئون على طيالسة مطوية سوى طيلسانه وردائه الذي عليه . . عن عبد الأعلى قال : سألت محمد بن علي عن الوسمة فقال : هو خضابنا أهل البيت . . عبد الله بن قشير الجعفي قال : قال لي أبو جعفر إخضب بالوسمة . . . المعيصي قال : رأيت محمد بن علي على جبهته وأنفه أثر السجود ليس بالكثير . . . أوصى أن يكفن في قميصه الذي كان يصلي فيه . . . سألت جعفراً : في أي شئ كفنت أباك ؟ قال : أوصاني في قميصه وأن أقطع أزراره ، وفي ردائه الذي كان يلبس ، وأن أشتري برداً يمانياً ، فإن النبي « صلى الله عليه وآله » كُفِّن في ثلاثة أثواب أحدها برد يمان . . . وقال أبو نعيم الفضل بن دكين : توفي بالمدينة سنة أربع عشرة ومائة ، وكان ثقة كثير العلم والحديث ) .
وقال ابن كثير في النهاية : 9 / 339 : ( وسمي الباقر لبقره العلوم واستنباطه الحكم ، كان ذاكراً خاشعاً صابراً ، وكان من سلالة النبوة رفيع النسب عالي الحسب ، وكان عارفاً بالخطرات كثير البكاء والعبرات معرضاً عن الجدال والخصومات . . . عن زيد بن خيثمة عن أبي جعفر قال : الصواعق تصيب المؤمن وغير المؤمن ولا تصيب الذاكر . . . وقال جابر الجعفي : قال لي محمد بن علي : يا جابر إني لمحزون وإني لمشتغل القلب ! قلت : وما حزنك وشغل قلبك ؟ قال : يا جابر إنه من دخل قلبه صافي دين الله عز وجل شغله عما سواه ، يا جابر ما الدنيا وما عسى أن تكون ؟ هل هي إلا مركباً ركبته ، أو ثوباً لبسته ، أو امرأةً أصبتها ؟ ! يا جابر ، إن المؤمنين لم يطمئنوا إلى الدنيا لبقاء فيها . . فأنزلوا الدنيا حيث أنزلها مليكهم كمنزل نزلوه ثم ارتحلوا عنه وتركوه ، وكماء أصبته في منامك ، فلما استيقظت إذا ليس في يدك منه شئ ، فاحفظ الله فيما استرعاك من دينه وحكمته . . ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 39 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

5 - ملاحظات على بشارة النبي « صلى الله عليه وآله » به وتسميته بالباقر « عليه السلام »

1 - اتضح بما تقدم صحة بشارة النبي « صلى الله عليه وآله » بحفيده الباقر « صلى الله عليه وآله » وتسميته بباقر العلم فلماذا لم تنعكس هذه البشارة بحجمها على عامة المسلمين وأجيالهم ؟ !
فلو أن نبياً آخر بَشَّرَ أمته بأنه سيكون من عترته بعد نصف قرن من يبقر لها علم النبوة ، لعظَّمَته أمته ، والتفَّتْ حوله ودَوَّنَتْ علومه .
لكن هذه الحقيقة كغيرها من الحقائق المرتبطة بأهل البيت « عليهم السلام » ، رأت الخلافة أن من مصلحتها تغييبها وعدم نشرها في المسلمين ! أما إذا عرفوها من رواة ساذجين أو غير منضبطين ، فعلى علماء السلطة أن يهوِّنوا من أمرها !
لكن لو كان الذي بشر النبي « صلى الله عليه وآله » بأنه سيبقر علم النبوة شخصاً من بني أمية ، أو من بني تيم وعدي ، لرأيت تطبيلهم وتزميرهم ، وتعظيمهم لباقر علم النبوة « عليهم السلام » !
2 - يتبادر إلى ذهن المسلم سؤال إلى نبيه « صلى الله عليه وآله » : ألست أنت يا رسول الله باقر العلم ؟ علم الكتاب والحكمة وبقية الوحي الذي أنزله الله عليك ، فبقرته للناس وبينته ؟ فكيف صار حفيدك باقر العلم ، وأعطاه الله هذا الاسم في التوراة ؟
ولا جواب على هذا السؤال إلا بالقول إن النبي « صلى الله عليه وآله » شق العلم وبينه للناس ، ولكن الحكومات المنحرفة بعده ستغيبه وتخفيه ، وستحتاج الأمة بعد عقود قليلة إلى من يشقه من جديد ، وهو ولده الباقر « عليه السلام » ! لذلك لا تعجب إن أخفوا هذه البشارة النبوية ، بل أعجب لمن رواها منهم وفيها إدانة لحكوماتهم وثقافتهم !
3 - والسؤال الأشد عليهم : هل صدق رسول الله « صلى الله عليه وآله » في بشارته بحفيده أم لا ؟ فإن صدق « صلى الله عليه وآله » فأين علم النبوة الذي شقه حفيده الباقر « عليه السلام » ، وبيَّنه للأمة ؟ !
أما الخليفة الأموي هشام الأحول فقد : كذَّب النبي « صلى الله عليه وآله » ! فعندما دخل عليه زيد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 40 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أخ الإمام الباقر « عليه السلام » أهانه وقال له : ما فعل أخوك البقرة ؟ ! فأجابه زيد « رحمه الله » : سماه رسول الله باقر العلم وأنت تسميه بقرة ؟ لشدَّ ما اختلفتما إذن ، ولتخالفنّه في الآخرة كما خالفته في الدّنيا فيرد الجنّة وترد النّار ! فقال هشام : خذوا بيد هذا الأحمق المائق ! فأخرجوه . . ومعه نفر يسير حتى طردوه عن حدود الشام ) . ( رواها ابن قتيبة في عيون الأخبار : 1 / 212 ، وآخرون بصيغ متعددة كالطبقات : 5 / 325 ، وتاريخ دمشق : 19 / 468 ، وتاريخ الطبري : 5 / 486 ، وذيل تاريخ الطبري / 130 ، والوافي : 15 / 21 والكامل : 4 / 445 ، وسير الذهبي : 5 / 447 ، والعقد الفريد / 837 ، ومواعظ المقريزي / 1872 ، ومناقب آل أبي طالب : 3 / 328 ، وعمدة الطالب / 194 ، والفرق والمذاهب / 46 ، وسر السلسلة العلوية / 33 ، وشرح النهج : 3 / 285 ، وأنساب الأشراف / 825 ، ووفيات الأعيان : 3 / 317 وسمط النجوم / 848 . وجاء في بعضها : ( أذن له بعد حبس طويل وهشام في عليَّة له فرقى زيد إليها ، وقد أمر هشام خادماً له أنً يتبعه حيث لا يراه زيد ويسمع ما يقول ، فصعد زيد وكان بادناً فوقف في بعض الدرجة ، فسمعه الخادم وهو يقول : ما أحبَّ الحياة إلا من ذَل ، فأخبر الخادم هشاماً بذلك ، فلما قعد زيد بين يدي هشام وحدثه حلف له على شئ فقال هشام : لا أصدقك . فقال زيد : إن الله لا يرفع أحداً عن أن يرضى بالله ، ولم يضع أحداً عن أن يرضى بذلك منه . قال له هشام : إنه بلغني أنك تذكر الخلافة وتتمناها ولست هناك لأنك ابن أمة ! فقال زيد : إن لك جواباً ! قال : تكلم قال : إنه ليس أحد أولى بالله ولا أرفع درجة عنده من نبي ابتعثه وهو إسماعيل بن إبراهيم وهو ابن أمة قد اختاره الله لنبوته وأخرج منه خير البشر . فقال هشام : فما يصنع أخوك البقرة ؟ ! فغضب زيد حتى كاد يخرج من إهابه ، ثم قال : سماه رسول الله « صلى الله عليه وآله » الباقر ، وتسميه أنت البقرة ! لشدَّ ما اختلفتما ، لتخالفنه في الآخرة كما خالفته في الدنيا ، فيرد الجنة وترد النار ) .
ويقصد هشام أنك إذا كنت أنت تصلح للخلافة ، فما هو دور أخيك الباقر ؟
وفي طبقات الشعراء لابن المعتز / 262 : ( قال زيد بن علي لرجل سبَّه عند هشام بن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 41 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عبد الملك : إني والله ما أنا بالوشيظة المستلحقة ، ولا الحقيبة المستردفة ، ولا أنت بعبدي فأضربك ، ولا بكُفْئي فأسبُّك ) !
أقول : الوشيظ الوشيظة : الملحق بالقبيلة . والحقيب والحقيبة : الكيس أو الشخص الذي يحتقبه الراكب خلفه ، فهو ملحق أيضاً . ( لسان العرب : 7 / 466 ، و : 1 / 325 ) .
ويتضح لك من كلام هشام أن الحكام الأمويين لم يكونوا يخجلون من تكذيب النبي « صلى الله عليه وآله » والسخرية بكلامه ! أما علماؤهم فيختلفون عنهم بالشكل دون الجوهر ! وسترى أن الذهبي وهو من كبار أئمتهم يزعم عدم صدق النبي « صلى الله عليه وآله » في بشارته بحفيده الباقر « عليه السلام » ، لأنه فضَّل عليه ابن كثير وغيره !
4 - أما السؤال الأكثر إحراجاً لأتباع الحكومات القرشية ، فهو عن العلم الذي كان مغيباً مغطى من عقيدة الإسلام وشريعته ، فبقره الإمام « عليه السلام » وبينه للأمة ؟ !
وجوابنا : أن الحكومات المتعاقبة قامت بتغييب علم النبوة في الألوهية ، فأخذت بمتشابه القرآن بدل محكماته ، وبأساطير اليهود بدل أحاديث النبي « صلى الله عليه وآله » ، وتعمدت أن تنشر عقيدة التجسيم لله تعالى ، واللامنطقية في أفعاله !
كما غيبت عصمة النبي « صلى الله عليه وآله » الكاملة الشاملة ، في منطقه وفعله ، واستبدلته بنبي يشك في نبوته فيقرر أن يلقي بنفسه من شاهق وينتحر ، حتى يطمئنه قسيس هو ورقة بن نوفل ( أول حديث في صحيح بخاري ) ! أو نبي مسحور يتخيل أنه فعل الشئ ولم يفعله ! أو نبي يخطئ فيصحح له أخطاءه عمر بن الخطاب ، فينزل الوحي مؤيداً لعمر موبخاً للنبي « صلى الله عليه وآله » ! أو نبي عصبي المزاج يظلم قادة قريش ويلعنهم بغير حق ثم يندم فيطلب أن يجعل الله لعنته عليهم رحمة وبركة وزكاة ومغفرة !
كما غيبت مكانة أهل البيت النبوي « عليهم السلام » التي أعطاها لهم الله في إمامة الأمة وحفظ الدين ، واستبدلتها بقيادة اللعناء والطرداء والطلقاء ، الذين حذر النبي « صلى الله عليه وآله »
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 42 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأمة من شرهم فلم تطعه ! فوقعت في فتنتهم وذاقت الويلات من تسلطهم !
أقول : إن هذه الحقائق بعض دلالات هذه البشارة النبوية الإعجازية ، التي توجب علينا الاعتراف بانحراف الوضع الثقافي في عصر الإمام الباقر « عليه السلام » ، وبأن ما قدمه « عليه السلام » كان بقراً للعلم النبوي ، وإخراجاً لجواهره خاصة في العقيدة والفقه !
فهذه هي النظرة الصحيحة إلى أحاديث الإمام الباقر « عليه السلام » ، لا كما يزعم الذهبي الناصبي فيفضل عليه وعلى علمه أصحاب الاحتمالات والظنون والآراء الهوائية !

6 - لماذا غصَّ الذهبي وابن تيمية بحديث جابر ؟ !

قال الذهبي في سيره : 4 / 401 ، في ترجمة الإمام الباقر « عليه السلام » : ( هو السيد الإمام ، أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي ، العلوي الفاطمي ، المدني ، وَلَد زين العابدين ، وُلد سنة ست وخمسين في حياة عائشة وأبي هريرة . أرخ ذلك أحمد بن البرقي . روى عن جديه النبي وعلي مرسلاً ، وعن جديه الحسن والحسين مرسلاً أيضاً . . وليس هو بالمكثر ، هو في الرواية كأبيه وابنه جعفر ، ثلاثتهم لا يبلغ حديث كل واحد منهم جزءاَ ضخماَ ، ولكن لهم مسائلُ وفتاوى . . .
وكان أحد من جمع بين العلم والعمل والسؤدد والشرف والثقة والرزانة ، وكان أهلا للخلافة . وهو أحد الأئمة الاثني عشر الذين تبجلهم الشيعة الإمامية وتقول بعصمتهم وبمعرفتهم بجميع الدين ، فلا عصمة إلا للملائكة والنبيين ، وكل أحد يصيب ويخطئ ، ويؤخذ من قوله ويُترك ، سوى النبي ( ص ) فإنه معصوم ، مؤيد بالوحي . وشُهر أبو جعفر بالباقر ، من بقر العلم ، أي شقه فعرف أصله وخفيَّه . ولقد كان أبو جعفر إماماً مجتهداً ، تالياً لكتاب الله ، كبير الشأن ، ولكن لا يبلغ في القرآن درجة ابن كثير ونحوه ، ولا في الفقه درجه أبي الزناد وربيعة ، ولا في الحفظ ومعرفة السنن درجة قتادة وابن شهاب ، فلا نحابيه ولا نحيف عليه ، ونحبه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 43 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
في الله لما تجمع فيه من صفات الكمال ) . انتهى .
هذه خلاصة كلام الذهبي ورأيه في الإمام الباقر « عليه السلام » ، وهو يقدم لك نفسه على أنه كاتبٌ موضوعي برئ ، وأنه ترجم لإمام من أهل البيت « عليهم السلام » وأنصفه . مع أنه ارتكب التعتيم والبتر والتزوير جميعاً !
1 - تعمد التعتيم ، عندما روى في نفس الترجمة ، عن الزبير بن بكار بيت القرظي : يا باقر العلم لأهل التقى وخير من لبَّى على الأجْبُلِ . . ثم أبيات الجهني : إذا طلب الناس علم القُرَان . . . الخ . ثم تعامى عن قصة زيد « رحمه الله » مع هشام بن عبد الملك التي فيها حديث النبي « صلى الله عليه وآله » ، مع أن المؤلفين قبله رووه مع الأبيات .
2 - تعمد تغييب حديث البشارة النبوية ، عندما روى حديثاً بسند صحيح ، قال : ( ابن عقدة : حدثنا محمد بن عبد الله بن أبي نجيح ، حدثنا علي بن حسان القرشي ، عن عمه عبد الرحمن بن كثير ، عن جعفر بن محمد ، قال : قال أبي : أجلسني جدي الحسين في حجره وقال لي : رسول الله يقرؤك السلام ) . انتهى .
ولم يسأل نفسه : لماذا أرسل النبي « صلى الله عليه وآله » سلامه إلى حفيده الباقر « عليه السلام » ، ولم يورد البشارة النبوية مع أن مصادرنا روتها ، ورواها غيرنا من علمائهم ؟ !
3 - ارتكب الإنتقاء الكيفي الذي لا يخلو من خباثة ، حيث روى في نفس الترجمة / 404 ، صيغةً مستهجنةً لحديث جابر « رحمه الله » للطعن فيه وفي الإمام « عليه السلام » ! قال : ( عن أبان بن تغلب ، عن محمد بن علي قال : أتاني جابر بن عبد الله وأنا في الكتَّاب فقال لي : إكشف عن بطنك ، فكشفت ، فألصق بطنه ببطني ثم قال : أمرني رسول الله أن أقرئك منه السلام . قال ابن عدي : لا أعلم رواه عن أبان غير المفضل بن صالح أبي جميلة النحاس ) . والمعقول فيه ما رواه اليعقوبي : 2 / 320 : ( حتى رآه فوقع عليه يقبل يديه ورجليه ، ويقول : بأبي وأمي شبيه أبيه « صلى الله عليه وآله » ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 44 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ومع أن الذهبي ضعَّف هذه الصيغة من الحديث كغيره ، لكنه أغمض عينيه عن أصله الصحيح المروي في كتب العلماء قبله ، كبشارة المصطفى لمحمد بن علي الطبري / 113 ، وهو من علماء القرن الرابع ، والذهبي من القرن الثامن ! وجاء فيه : ( فأتى جابر بن عبد الله باب علي بن الحسين ، وبالباب أبو جعفر محمد بن علي في أغيلمة من بني هاشم قد اجتمعوا هناك ، فنظر جابر بن عبد الله إليه مقبلاً فقال : هذه مشية رسول الله « صلى الله عليه وآله » وسمته ، فمن أنت يا غلام ؟ قال : أنا محمد بن علي بن الحسين ، فبكى جابر وقال : أنت والله الباقر عن العلم حقاً ، أدنُ مني بأبي أنت ، فدنا منه فحل جابر أزراره ثم وضع يده على صدره فقبله وجعل عليه خده ووجهه ، وقال : أقرؤك عن جدك رسول الله السلام ، وقد أمرني أن أفعل بك ما فعلت ، وقال لي : يوشك أن تعيش وتبقى حتى تلقى من ولدي من اسمه محمد بن علي ، يبقر العلم بقراً ) . انتهى .
وما نسبه حديث الذهبي إلى جابر ، محرَّفٌ عن حديث مشابه لأبي هريرة رواه الحاكم : 3 / 168 ، وصححه ، وأحمد : 2 / 427 ، أن ( أبا هريرة لقي الحسن فقال له إكشف عن بطنك حتى أقبل حيث رأيت رسول الله ( ص ) يقبِّل منه . قال : فكشف عن بطنه فقبَّله ) . وتاريخ دمشق : 13 / 220 ، وقال في الزوائد : 9 / 177 : رواه أحمد والطبراني . . ورجالهما رجال الصحيح ، غير عمير بن إسحاق وهو ثقة ) .
ثم إن الحديث الذي رووه وضعفوه بالمفضل النحاس أو النخاس ، مروي بواسطة آخرين عن أبان بن تغلب « رحمه الله » وهو من كبار القراء والمحدثين ومروياته معروفة لأمثال الذهبي ، وقد ترجمت له المصادر الرجالية الشيعية والسنية وترجم له الذهبي في الكاشف : 1 / 205 ، وقال : ثقة ، شيعي . وقال عنه سيره : 6 / 308 : ( أبان بن تغلب الإمام المقرئ أبو سعد . . . وهو صدوق في نفسه ، عالم كبير وبدعته خفيفة ، لا يتعرض للكبار ، وحديثه يكون نحو المئة ، لم يخرج له البخاري ، توفي في سنة إحدى وأربعين ومئة ) . وقال عنه في ميزان الإعتدال : 1 / 5 : ( شيعي جلد ، لكنه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 45 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
صدوق فلنا صدقه وعليه بدعته . وقد وثقه أحمد بن حنبل وابن معين وأبو حاتم . وأورده ابن عدي وقال : كان غالياً في التشيع . وقال السعدي : زائغ مجاهر . فلقائل أن يقول : كيف ساغ توثيق مبتدع وحد الثقة العدالة والإتقان ؟ فكيف يكون عدلاً من هو صاحب بدعة ؟ ! وجوابه أن البدعة على ضربين : فبدعة صغرى كغلو التشيع أو كالتشيع بلا غلو ولا تحرف ، فهذا كثير في التابعين وتابعيهم مع الدين والورع والصدق . فلو رُدَّ حديث هؤلاء لذهبت جملة من الآثار النبوية ، وهذه مفسدة بينة . ثم بدعة كبرى كالرفض الكامل والغلو فيه ، والحط على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما والدعاء إلى ذلك ، فهذا النوع لا يحتج بهم ولا كرامة ) . راجع رواية أبان في تسمية النبي « صلى الله عليه وآله » للإمام بالباقر « عليه السلام » في الكافي : 1 / 469 ، وفي ترجمته في رجال الطوسي : 1 / 217 ، وقد نقل الذهبي عن هذا الكتاب في مؤلفاته كثيراً .
4 - ولم يكتف الذهبي بما فعله ، حتى انتقص من الإمام الباقر « عليه السلام » وطعن فيه ، بل طعن في قول النبي « صلى الله عليه وآله » وتسميته إياه باقر العلم ! فكأن الذهبي يقول : نعم أرسل النبي سلامه إلى حفيده الباقر ، وقد يكون سماه باقر العلم لكن قوله « صلى الله عليه وآله » لم يتحقق فلم يبقر محمد بن علي علم الأنبياء « عليهم السلام » ولاشق علوم القرآن لأن الإمام ابن كثير زميل الذهبي في التفسير أفضل من محمد الباقر « عليه السلام » ! كما أن الباقر لم يشق علم الفقه والشريعة لأن ربيعة الرأي وأبا الزناد أعلم منه في الفقه ! وإمامه أبو الزناد هو الذي يطعن فيه مالك وهو ابن أخ أبي لؤلؤة قاتل عمر . ( كاشف الذهبي : 1 / 549 ) .
5 - ثم أفاض الذهبي في موقف الإمام الباقر وابنه الإمام الصادق « صلى الله عليه وآله » من أبي بكر وعمر ، وروى مكذوبات عليهما في مديحهما ، ليبرر بذلك بعض مدحه له !

7 - ابن تيمية فهم لقب الباقر « عليه السلام » أكثر من الذهبي !

فهم ابن تيمية معنى تسمية النبي « صلى الله عليه وآله » لحفيده بالباقر « عليه السلام » ولوازمها ، أكثر من
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 46 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الذهبي ، ولذلك بادر إلى تكذيب الحديث بدون أن يراجعه !
قال السيد الميلاني في دراسات في منهاج السنة / 367 ، ما خلاصته : ( ذكرنا طرفاً من كلمات أعلام أهل السنة المتقدمين منهم والمتأخرين في مدح الأئمة « عليهم السلام » والاعتراف بفضائلهم ومناقبهم . . . إلا أنك تجد في المقابل من يتجاسر على أهل البيت « عليهم السلام » ويحط من شأنهم ويكذب عليهم . . حتى أن قائلاً منهم قال إن الحسين قتل بسيف جده ! وبعضهم قدح في وثاقة بعض الأئمة الأطهار وقال إن في نفسه منه شيئاً ! ولعل أشهر هؤلاء ابن تيمية ، فقد أطلق في كتابه لسانه البذئ عليهم ، فحاول سلبهم فضائلهم كلها ، وجعلهم كأناس عاديين لا يجوز تفضيلهم بعلم ولا زهد ، بل كذب عليهم وافترى ! وردَّ أن أبا حنيفة درس عند الإمام الصادق « عليه السلام » ، وادعى أن الإمام السجاد « عليه السلام » تعلم من مروان بن الحكم ! وتراه يعظم الجنيد وسهلاً التستري وأمثالهما ويصفهم بالزهد ، بينما ينفي أن يكون الحسن والحسين « صلى الله عليه وآله » أزهد الناس في عصرهما !
ثم يُكذِّب أن النبي « صلى الله عليه وآله » لقب أحدهم " زين العابدين " وأحدهم " الباقر " وينفي حتى توبة " بشر الحافي " بواسطة أحدهم ، وأن معروفاً الكرخي كان خادماً لأحدهم ! فحتى مثل هذه الأمور لم يتحملها ابن تيمية !
ثم ذكر نفيه حديث تسمية النبي « صلى الله عليه وآله » للإمام بالباقر ، قال في منهاج سنته : 4 / 51 : ( لا أصل له عند أهل العلم ، بل هو من الأحاديث الموضوعة ، وكذلك حديث تبليغ جابر له السلام ، هو من الموضوعات عند أهل العلم بالحديث ) . ورد عليه برواية ابن قتيبة في احتجاج زيد « عليه السلام » على هشام وبقول ابن شهرآشوب : ( حديث جابر مشهور معروف ، رواه فقهاء المدينة والعراق كلهم ) .
ثم ذكر استدلال ابن تيمية على أن الأئمة « عليهم السلام » تعلموا من علماء زمانهم بقوله :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 47 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
( ومن المعلوم أن علي بن الحسين وأبا جعفر محمد بن علي وابنه جعفر بن محمد ، كانوا هم العلماء الفضلاء ، وأن من بعدهم من الاثني عشر لم يعرف عنه من العلم ما عرف من هؤلاء . ومع هذا فكانوا يتعلمون من علماء زمانهم ويرجعون إليهم ، حتى قال أبو عمران بن الأسس القاضي البغدادي : أخبرنا أصحابنا أنه ذكر ربيعة بن أبي عبد الرحمن جعفر بن محمد وأنه تعلم العلوم ، فقال ربيعة : إنه اشترى حائطاً من حيطان المدينة ، فبعث إلي حتى أكتب له شرطاً في ابتياعه . نقله عنه محمد بن حاتم ابن ريحوته البخاري ، في كتاب إثبات إمامة الصديق ) ! انتهى .
لكن إلى الآن لم يعرف أحد من هو أبو عمران الأسس ، ولا من هو ابن ريحوتة البخاري اللذين جعلهما ابن تيميمة أستاذين للأئمة « عليهم السلام » ! ولا من روى طلب الإمام الصادق « عليه السلام » من ربيعة أن يكتب له وثيقة شراء بستان !
ولعل ابن تيمية شعر بأنه أفرط في ركة استدلاله وتحامله على أئمة أهل البيت « عليهم السلام » فقال في منهاجه : 4 / 110 ، كالمعتذر عن عدم روايتهم عنهم ، وتفضيل نكرات عليهم : ( لكن المنقول الثابت عن بعض هؤلاء من الحديث والفتيا قد يكون أكثر من المنقول الثابت عن الآخر ، فتكون شهرته لكثرة علمه أو لقوة حجته أو نحو ذلك . وإلا فلا يقول أهل السنة إن يحيى بن سعيد وهشام بن عروة وأبا الزناد أولى بالاتباع من جعفر بن محمد ، ولا يقولون إن الزهري ويحيى بن أبي كثير وحماد بن أبي سليمان ومنصور بن المعتمر أولى بالاتباع من أبيه أبي جعفر الباقر ، ولا يقولون إن القاسم بن محمد وعروة بن الزبير وسالم بن عبد الله أولى بالاتباع من على بن الحسين ، بل كل واحد من هؤلاء ثقة فيما ينقله مصدق في ذلك . ) . انتهى . لكن كلامه هذا لا يجبر انتقاصه من مقامهم « عليهم السلام » وهو كثير حتى حكم عليه بعض علماء المذاهب بأنه ناصبي مبغض لعلي « عليه السلام » ) ! انتهى كلام الميلاني .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 48 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أقول : وللذهبي كلام من نوع كلام ابن تيمية هذا ، يحاول فيه جبر انتقاصه لحقهم « عليهم السلام » ! قال في سيره : 13 / 120 : ( فسبطا رسول الله ( ص ) وسيدا شباب أهل الجنة لو استخلفا لكانا أهلاً لذلك . وزين العابدين كبير القدر من سادة العلماء العاملين يصلح للإمامة ، وله نظراء ، وغيره أكثر فتوى منه ، وأكثر رواية . وكذلك ابنه أبو جعفر الباقر : سيدٌ ، إمام ، فقيه ، يصلح للخلافة . وكذا ولده جعفر الصادق : كبير الشأن من أئمة العلم ، كان أولى بالأمر من أبي جعفر المنصور . وكان ولده موسى كبير القدر جيد العلم ، أولى بالخلافة من هارون ، وله نظراء في الشرف والفضل .
وابنه علي بن موسى الرضا كبير الشأن له علم وبيان ووقع في النفوس ، صيره المأمون ولي عهده لجلالته فتوفي سنة ثلاث ومئتين . وابنه محمد الجواد من سادة قومه ، لم يبلغ رتبة آبائه في العلم والفقه . وكذلك ولده الملقب بالهادي شريف جليل . وكذلك ابنه الحسن بن علي العسكري . رحمهم الله تعالى ) .
لكن ملاحظة ما ارتكبه الذهبي وابن تيمية من تحريف وتزوير لانتقاص حقوق أئمة العترة النبوية « عليهم السلام » ، يكشف عن أن مدحهما لهم للتغطية لا أكثر ، حتى لا يتهمان بالنصب والنفاق !

8 - أهم المجالات التي فجَّر فيها الإمام « عليه السلام » علم النبوة للأمة

1 - تجديد علم التوحيد ، وتعليم الأمة تنزيه الله تعالى وتحصينها من التشبيه .
2 - توضيح مقام النبوة ورد التهم والشبهات حول شخصية النبي « صلى الله عليه وآله » ، وكشف تحريفات سنته وسيرته من قبل الحكومات ورواتها .
3 - بيان عقيدة الإمامة وأصالتها في نسيج الإسلام ، وتحديد الفئة الناجية ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 49 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وإرساء معالم عقائدها ، وتعليم الأمة البراءة من مدعي الإمامة .
4 - بيان معالم الفقه الإسلامي ووضع أصول الفقه ، في مواجهة الفقه الظني والكيفي ، الذي تبنته الحكومات وعلماؤها ، وأصول الحديث في مواجهة الإسرائيليات والمكذوبات عند رواة الخلافة .
5 - فتح نافذة على الأمة من الغيب النبوي ، وإخبارها عن بعض الأحداث في مستقبلها القريب والبعيد حتى يتحقق الوعد الإلهي بظهور مهديها الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد ما ملئت ظلماً وجوراً « عج الله تعالي فرجه الشريف » .
قال المفيد « رحمه الله » في الإرشاد : 2 / 157 : ( كان الباقر محمد بن علي بن الحسين « عليهم السلام » من بين إخوته خليفة أبيه علي بن الحسين ووصيه والقائم بالإمامة من بعده ، وبرز على جماعتهم بالفضل في العلم والزهد والسؤدد ، وكان أنبههم ذكراً وأجلهم في العامة والخاصة ، وأعظمهم قدراً ، ولم يظهر عن أحد من ولد الحسن والحسين « عليهم السلام » من علم الدين والآثار والسنة وعلم القرآن والسيرة وفنون الآداب ما ظهر عن أبي جعفر « عليه السلام » ، وروى عنه معالم الدين بقايا الصحابة ووجوه التابعين ورؤساء فقهاء المسلمين ، وصار بالفضل به عَلَماً لأهله ، تضرب به الأمثال وتسير بوصفه الآثار والأشعار ، وفيه يقول القرظي :
يا باقر العلم لأهل التقى وخير من لبَّى على الأجْبُلِ . . . ) .
وقال السيد الأمين في أعيان الشيعة : 1 / 99 : ( وجاء بعده ولده محمد الملقب بالباقر لقب بذلك لأنه بقر العلم وعرف أصله واستنبط فرعه وتوسع فيه . . . وعاصر من ملوك بني أمية خمسة أو ثمانية : الوليد وسليمان ويزيد وهشام أولاد عبد الملك بينهم عمر بن عبد العزيز ، وأخذ عنه عظماء المسلمين من الصحابة والتابعين والفقهاء والمصنفين والعلماء ، من جميع نحل الإسلام ، واقتدوا به واتبعوا أقواله ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 50 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
واستفادوا من فقهه وحججه البينات ، في التوحيد والفقه والكلام ، وغيرها . وفي مناقب ابن شهرآشوب : يقال لم يظهر على أحد من ولد الحسن والحسين « صلى الله عليه وآله » من العلوم ما ظهر منه من التفسير والكلام والفتيا والأحكام والحلال والحرام ) . انتهى .

9 - نماذج من علم الإمام « عليه السلام » في المجالات المتقدمة

1 - في علم التوحيد : قال « عليه السلام » لجابر بن يزيد الجعفي : ( يا جابر ما أعظم فرية أهل الشام على الله عز وجل ! يزعمون أن الله تبارك وتعالى حيث صعد إلى السماء وضع قدمه على صخرة بيت المقدس ! ولقد وضع عبد من عباد الله قدمه على حجرٍ فأمرنا الله تبارك وتعالى أن نتخذه مصلى . يا جابر ، إن الله تبارك وتعالى لا نظير له ولا شبيه ، تعالى عن صفة الواصفين وجل عن أوهام المتوهمين واحتجب عن أعين الناظرين ، لا يزول مع الزائلين ولا يأفل مع الآفلين . لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) . ( توحيد الصدوق / 179 ) . ويقصد « عليه السلام » بأهل الشام السلطة الأموية وعلماءها الذين ينشرون عقيدة كعب الأحبار في التشبيه والتجسيم !
وقال « عليه السلام » : ( من عبد المعنى دون الاسم فإنه يخبر عن غائب ، ومن عبد الاسم دون المعنى فإنه يعبد المسمى ، ومن عبد الاسم والمعنى فإنه يعبد إلاهين ، ومن عبد المعنى بتقريب الاسم إلى حقيقة المعرفة ، فهو موحد ) .
وقال « عليه السلام » : ( أذكروا من عظمة الله ما شئتم ، ولا تذكرون منه شيئاً إلا وهو أعظم منه ! واذكروا من النار ما شئتم ولا تذكرون منها شيئاً إلا وهي أشد منه ! واذكروا من الجنة ما شئتم ولا تذكرون منها شيئاً إلا وهي أفضل منه ) !
وسأله داود بن القاسم الجعفري : جعلت فداك ما الصمد ؟ قال : ( السيد المصمود إليه في القليل والكثير ) . ( توحيد الصدوق / 179 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 51 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي توحيد الصدوق / 92 : أنه قدم على الإمام الباقر « عليه السلام » وفد من فلسطين يسألونه عن مسائل فأجابهم ، ثم سألوه عن الصمد ، فقال : تفسير الصمد فيه خمسة أحرف ، فالألف دليل على إنيته ، وهو قوله : شهد الله أنه لا إله إلا هو ، وذلك تنبيه وإشارة إلى الغائب عن درك الحواس ، واللام دليل على إلهيته بأنه هو الله ، والألف واللام مدغمان لا يظهران على اللسان ولا يقعان في السمع ، ويظهران في الكتابة دليلان على أن إلهيته خافية لا تدرك بالحواس ولا تقع في لسان واصف ولا أذن سامع ، لأن تفسير الإله هو الذي أله الخلق عن درك مائيته وكيفيته بحس أو بوهم ، لا بل هو مبدع الأوهام وخالق الحواس . . . الخ . ) .
2 - في مقام النبوة : اهتم الإمام « عليه السلام » بمواجهة التحريف الأموي لسيرة النبي « صلى الله عليه وآله » والتنقيص من مقامه ، فحدَّث تلاميذه والمسلمين بسيرته ومعجزاته ومقامه وصفته وشمائله « صلى الله عليه وآله » ، وقد رسمت أحاديثه وأحاديث ولده الصادق « صلى الله عليه وآله » أهم معالم السيرة النبوية . ففي مسند أحمد : 1 / 101 : ( عن محمد بن علي رضي الله عنه عن أبيه قال : كان رسول الله « صلى الله عليه وآله » ضخم الرأس ، عظيم العينين ، هدب الأشفار قال حسن الشفار مشرب العينين بحمرة ، كث اللحية ، أزهر اللون ، شثن الكفين والقدمين ، إذا مشى كأنما يمشي في صعد ( وفي رواية تكفَّأ ) وإذا التفت التفت جميعاً ) .
وروى عنه عبد الرزاق في المصنف : 2 / 217 قول النبي « صلى الله عليه وآله » : ( من الجفاء أن أذكر عند الرجل فلا يصلي عليَّ ) . وروى عنه الحاكم : 3 / 2 ، أن النبي « صلى الله عليه وآله » أمضى في مكة بعد البعثة ، ثلاث عشرة سنة وروت مصادرهم عنه عن جابر وصف حج النبي « صلى الله عليه وآله » ، قال النووي في المجموع : 7 / 216 : ( وهو حديث عظيم الفوائد فيه مناسك ومعظمها ذكر فيه كل ما فعله ( ص ) من حين خروجه إلى فراغه ، رواه مسلم وأبو داود وغيرهما بطوله ولم يروه البخاري بطوله ) . والطيالسي / 232 ، والمغني : 3 / 237 .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 52 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
3 - في مقام الإمامة : كان الإمام « عليه السلام » يجهر بإمامة أهل البيت « عليهم السلام » ومقامهم الذي خصهم الله تعالى به ، قال « عليه السلام » : ( لما أتى أبو بكر وعمر إلى منزل أمير المؤمنين وخاطباه في أمر البيعة وخرجا من عنده ، خرج أمير المؤمنين « عليه السلام » إلى المسجد ، فحمد الله وأثنى عليه بما اصطنع عندهم أهل البيت إذ بعث فيهم رسولاً منهم ، وأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً ، ثم قال : إن فلاناً وفلاناً أتياني وطالباني بالبيعة لمن سبيله أن يبايعني ! أنا ابن عم النبي وأبو ابنيه ، والصديق الأكبر ، وأخو رسول الله « صلى الله عليه وآله » لا يقولها أحد غيري إلا كاذب ! أسلمت وصليت قبل كل أحد ، وأنا وصيه وزوج ابنته سيدة نساء العالمين فاطمة بنت محمد ، وأبو حسن وحسين سبطي رسول الله « صلى الله عليه وآله » . ونحن أهل بيت الرحمة ، بنا هداكم الله ، وبنا استنقذكم الله من الضلالة ، وأنا صاحب يوم الدوح ، وفيَّ نزلت سور من القرآن . . .
ثم قال الإمام الباقر « عليه السلام » : يا عبد الله ما أكثر ظلم هذه الأمة لعلي بن أبي طالب ، وأقل انتصارهم ، ثم يمنعون علياً ما يعطونه ساير الصحابة وعلي أفضلهم ، فكيف يمنع منزلة يعطونها غيره ، قيل : وكيف ذاك يا ابن رسول الله ؟ قال : لأنكم تتولون محبي أبي بكر بن أبي قحافة وتتبرؤون من أعدائه كائناً من كان ، وكذلك تتولون عمر بن الخطاب وتتبرؤون من أعدائه كائناً من كان ، وتتولون عثمان بن عفان وتتبرؤون من أعدائه كائناً من كان ، حتى إذا صار إلى علي بن أبي طالب قالوا : نتولى محبيه ولا نتبرأ من أعدائه بل نحبهم ! فكيف يجوز هذا لهم ورسول الله « صلى الله عليه وآله » يقول في علي : اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه ، وانصر من نصره واخذل من خذله ! أفترونه لا يعادي من عاداه ، ولا يخذل من خذله ؟ ! ليس هذا بإنصاف ) ! ( الإحتجاج : 2 / 67 ، وتفسير العسكري « عليه السلام » / 562 ، من حديث طويل ) .
وقال « عليه السلام » : ( قال رسول الله « صلى الله عليه وآله » : خلق الله عز وجل مائة ألف نبي وأربعة وعشرين
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 53 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ألف نبي ، أنا أكرمهم على الله ، ولا فخر ، وخلق الله عز وجل مائة ألف وصي وأربعة وعشرين ألف وصي ، فعلي أكرمهم على الله وأفضلهم ) . ( الخصال / 641 ، وأمالي الصدوق / 307 ) .
وقال « عليه السلام » في تفسير قوله تعالى : فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا : ( هو لا إله إلا الله محمد رسول الله ، علي أمير المؤمنين ولي الله . إلى هاهنا التوحيد ) . ( القمي : 2 / 155 ) .
وقال صاحب الميزان « رحمه الله » : 16 / 186 : ( ورويَ هذا المعنى في بصائر الدرجات عن أبي عبد الله « عليه السلام » ، ورواه في التوحيد عن عبد الرحمن مولى أبي جعفر عنه « عليه السلام » . ومعنى كون الفطرة هي الشهادات الثلاث أن الإنسان مفطور على الاعتراف بالله لا شريك له بما يجد من الحاجة إلى الأسباب المحتاجة إلى ما وراءها وهو التوحيد ، وبما يجد من النقص المحوج إلى دين يدين به ليكمله وهو النبوة ، وبما يجد من الحاجة إلى الدخول في ولاية الله بتنظيم العمل بالدين وهو الولاية والفاتح لها في الإسلام هو علي « عليه السلام » . وليس معناه أن كل إنسان حتى الإنسان الأوَّلي يدين بفطرته بخصوص الشهادات الثلاث ) . انتهى .
أقول : مضافاً إلى ما ذكره « رحمه الله » من أن الإمامة الربانية نظمٌ لأمر الدين ، فإنها طريق التصديق العملي بالنبوة والتوحيد ، بل هي من صلب التوحيد لأن التوحيد الصحيح لا يتحقق مع نصب أئمة مقابل من جعلهم الله أئمة وفرض طاعتهم !
ويدل عليه ما رواه عنه أبو حمزة الثمالي في تفسيره / 237 ، في قوله تعالى : فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلا كُفُوراً ، أنه يقصد الكفر العملي المنافي للتوحيد ، قال « عليه السلام » : ( يعني بولاية علي « عليه السلام » يوم أقامه رسول الله « صلى الله عليه وآله » ) .
4 - تأصيله الفقه والحديث الإسلامي : قال « عليه السلام » : ( قرأت في كتاب لعلي « عليه السلام » أن رسول الله « صلى الله عليه وآله » قال : إنه سيكذب عليَّ كاذب كما كُذب على من كان قبلي ، فما جاءكم عني من حديث وافق كتاب الله فهو حديثي ، وما خالف كتاب الله فليس
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 54 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
من حديثي ) ( قرب الإسناد / 92 ) . وقال « عليه السلام » : ( كل شئ خالف كتاب الله عز وجل رُدَّ إلى كتاب الله عز وجل والسنة . . . كل من تعدى السنة رُدَّ إلى السنة ) . ( الكافي : 6 / 58 و : 1 / 71 ) .
وفي الحدائق الناضرة في فقه العترة الطاهرة : 1 / 93 ، عن زرارة بن أعين قال : ( سألت الباقر « عليه السلام » فقلت : جعلت فداك يأتي عنكم الخبران والحديثان المتعارضان فبأيهما أخذ ؟ فقال : يا زرارة خذ بما اشتهر بين أصحابك ودع الشاذ النادر . فقلت يا سيدي إنهما معا مشهوران مرويان مأثوران عنكم ؟ فقال « عليه السلام » : خذ بما يقول أعدلهما عندك وأوثقهما في نفسك . فقلت إنهما معاً عدلان مرضيان موثقان ؟ فقال : أنظر ما وافق منهما العامة فاتركه ، وخذ ما خالفه فإن الحق فيما خالفهم .
فقلت : ربما كانا موافقين لهم أو مخالفين ، فكيف أصنع ؟ فقال : إذن فخذ ما فيها الحائطة لدينك واترك الآخر . فقلت : إنهما معاً موافقان للاحتياط أو مخالفان له ، فكيف أصنع ؟ فقال إذن تتخير أحدهما فتأخذ به وتدع الآخر ) .
5 - واجه الإمام « عليه السلام » استعمال القياس في الدين ، ففي مناقب أبي حنيفة / 208 ، عن عبد الله بن المبارك أن أبا حنيفة لقي الإمام الباقر « عليه السلام » في المدينة فقال له : أنت الذي خالفت أحاديث جدي « عليه السلام » بالقياس ؟ ! فقال : معاذ الله عن ذلك ، أجلس فإن لك حرمة كحرمة جدك « عليه السلام » على أصحابه ، فجلس ثم جثى أبو حنيفة بين يديه . . . ) .
ورويت هذه القصة لأبي حنيفة مع الإمام الصادق « عليه السلام » .
6 - قاعدة لا ضرر ولا ضرار في الإسلام : قال الباقر « عليه السلام » : ( إن سمرة بن جندب كان له عذق وكان طريقه إليه في جوف منزل رجل من الأنصار ، فكان يجئ ويدخل إلى عذقه بغير إذن من الأنصاري فقال الأنصاري : يا سمرة ، لا تزال تفجأنا على حال لا نحب أن تفجأنا عليه ، فإذا دخلت فاستأذن . فقال : لا أستأذن في طريق هو طريقي إلى عذقي . قال : فشكاه الأنصاري إلى رسول الله « صلى الله عليه وآله » فأرسل إليه رسول
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 55 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الله فأتاه فقال : إن فلاناً قد شكاك وزعم أنك تمر عليه وعلى أهله بغير إذنه فاستأذن عليه إذا أردت ان تدخل . فقال يا رسول الله أستأذن في طريقي إلى عذقي ؟ فقال له رسول الله « صلى الله عليه وآله » : خل عنه ولك مكانه عذق في مكان كذا وكذا ، فقال : لا ، قال : فلك اثنان قال : لا أريد ، فلم يزل يزيده حتى بلغ عشرة أعذاق فقال : لا ! قال فلك عشرة في مكان كذا وكذا . فأبى ، فقال : خل عنه ولك مكانه عذق في الجنة قال : لا أريد ! فقال له رسول الله « صلى الله عليه وآله » : إنك رجل مضار ولا ضرر ولا ضرار على مؤمن . قال ثم أمر بها رسول الله « صلى الله عليه وآله » فقلعت ورميَ بها إليه ، وقال له رسول الله « صلى الله عليه وآله » : انطلق فاغرسها حيث شئت ) . ( الكافي : 5 / 294 ) .
7 - قاعدة لا تقية في الدماء : قال « عليه السلام » : ( إنما جعل التقية ليحقن بها الدم ، فإذا بلغ الدم فليس تقية ) . ( الكافي : 2 / 220 ) .
8 - قاعدة كل شئ حلال حتى تعلم أنه حرام : ( عبد الله بن سليمان قال : سألت أبا جعفر « عليه السلام » عن الجبن فقال : لقد سألتني عن طعام يعجبني ، ثم أعطى الغلام دراهم فقال : يا غلام ابتع لي جبناً ودعا بالغداء فتغدينا معه ، وأتى بالجبن فقال : كلْ ، فلما فرغ من الغداء قلت : ما تقول في الجبن ؟ قال : أولم ترني أكلت ؟ قلت : بلى ولكني أحب أن أسمعه منك ، فقال : سأخبرك عن الجبن وغيره : كل ما يكون فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه ) . ( المحاسن : 2 / 495 ) .
وقد فصلها الإمام الصادق « عليه السلام » فقال : ( كل شئ هو لك حلال حتى تعلم أنه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك ، وذلك مثل الثوب يكون قد اشتريته وهو سرقة أو المملوك عندك ولعله حر قد باع نفسه أو خدع فبيع أو قهر ، أو امرأة تحتك وهي أختك أو رضيعتك . والأشياء كلها على هذا ، حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البينة ) . ( الكافي : 5 / 313 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 56 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
9 - قاعدة عرض الحديث على كتاب الله تعالى ، قال « عليه السلام » : ( إذا ورد عليكم حديث فوجدتم له شاهداً من كتاب الله أو من قول رسول الله « صلى الله عليه وآله » ، وإلا فالذي جاء كم به أولى به . . قال رسول الله « صلى الله عليه وآله » : إن على كل حق حقيقةً وعلى كل صواب نوراً ، فما وافق كتاب الله فخذوه وما خالف كتاب الله فدعوه ) . ( الكافي : 1 / 69 ) .
10 - قاعدة لارضاع بعد فطام ولا يتم بعد احتلام . : قال « عليه السلام » : ( قال رسول الله « صلى الله عليه وآله » : لا رضاع بعد فطام ، ولا وصال في صيام ، ولا يتم بعد احتلام ، ولا صمت يوماً إلى الليل ، ولا تعرب بعد الهجرة ، ولا هجرة بعد الفتح ، ولا طلاق قبل نكاح ، ولا عتق قبل ملك ، ولا يمين لولد مع والده ، ولا لمملوك مع مولاه ، ولا للمرأة مع زوجها ، ولا نذر في معصية ، ولا يمين في قطيعة ) . ( الفقيه : 3 / 359 ) .
11 - قاعدة لا تنقض اليقين بالشك أبداً ولكن تنقضه بيقين آخر . ( الكافي : 3 / 351 ) .
12 - قاعدة ( لا تعاد الصلاة ) ، قال « عليه السلام » : ( لا تعاد الصلاة إلا من خمس : الطهور ، والوقت ، والقبلة ، والركوع ، والسجود ثم قال « عليه السلام » : القراءة سنة والتشهد سنة ، ولا تنقض السنة الفريضة ) . ( الفقيه : 1 / 339 ) .
13 - التأكيد على الجهر بالبسملة ، التي كان الطلقاء في مكة يخافون منها ثم عملوا بعد إسلامهم على حذفها ! قال النووي في المجموع : 3 / 342 : ( وقال أبو جعفر محمد بن علي : لا ينبغي الصلاة خلف من لا يجهر ) . راجع تفصيل الموضوع في ألف سؤال وإشكال : 1 / 405 ، مسألة 98 .
14 - إخباره « عليه السلام » بمغيبات مما علمه جده « صلى الله عليه وآله » وربه سبحانه وتعالى : نقلها المخالف والمؤالف ، وشاع إخباره بأن أخاه زيداً « رحمه الله » سيخرج على الأمويين ويستشهد ويصلب ، وأن الحسنيين سيثورون على العباسيين ولا ينجحون ، وأن العباسيين سيقتلونهم ويحكمون ، وذلك قبل هذه الأحداث بسنين طويلة ! ففي مناقب آل أبي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 57 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
طالب : 3 / 320 : ( الثعلبي في نزهة القلوب : روي عن الباقر أنه قال : أشخصني هشام بن عبد الملك فدخلت عليه وبنو أمية حوله فقال لي : أدن يا ترابي ! فقلت : من التراب خلقنا واليه نصير ، فلم يزل يدنيني حتى أجلسني معه ثم قال : أنت أبو جعفر الذي تقتل بني أمية ؟ فقلت : لا ، قال : فمن ذاك ؟ فقلت : ابن عمنا أبو العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس ، فنظر إليَّ وقال : والله ما جربت عليك كذباً ، ثم قال : ومتى ذاك ؟ قل : عن سنيَّاتٍ والله ما هي ببعيدة ، الخبر ) !
ومنها ، قول الإمام الباقر « عليه السلام » للعباسيين : ( نعم يا داود ، والله لا يملك بنو أمية يوماً إلا ملكتم مثليه ، ولا سنة إلا ملكتم مثليها ، وليتلقفها الصبيان منكم كما تلقف الصبيان الكرة . . هذا ما عهده إلي أبي ! فلما ملك الدوانيقي تعجب من قول الباقر « عليه السلام » ) . ( الكافي : 8 / 210 ، والخرائج : 1 / 273 ، والدر النظيم / 613 ) .
ولذا كان المنصور يعتقد بالإمام الباقر « عليه السلام » ويحدث عن حتمية النداء السماوي باسم المهدي « عليه السلام » ويقول : لولا أني سمعت أبا جعفر محمد بن علي يقوله ثم حدثني به أهل الأرض ما قبلته منهم ، ولكنه محمد بن علي ) ! ( الكافي : 8 / 209 ) .
ومنها ، أنه « عليه السلام » كان جالساً يوماً : ( إذ أطرق رأسه إلى الأرض فمكث فيها ملياً ، ثم رفع رأسه فقال : يا قوم كيف أنتم إذا جاءكم رجل يدخل عليكم مدينتكم هذه في أربعة آلاف حتى يستعرضكم بالسيف ثلاثة أيام فيقتل مقاتلتكم ، وتلقون منه بلاء لا تقدرون أن تدفعوه ، وذلك من قابل فخذوا حذركم ، واعلموا أن الذي قلت لكم كائن لا بد منه ! فلم يلتفت أهل المدينة إلى كلامه وقالوا : لا يكون هذا أبداً ! ولم يأخذوا حذرهم إلا نفر يسير وبنو هاشم خاصة ، وذلك أنهم علموا أن كلامه هو الحق . فلما كان من قابل تحمَّل أبو جعفر بعياله وبنو هاشم فخرجوا من المدينة ، وجاء نافع بن الأزرق حتى كبس المدينة فقتل مقاتلتهم وفضح نساءهم !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 58 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فقال أهل المدينة : لا نردُّ على أبي جعفر شيئاً نسمعه منه أبداً بعدما سمعنا ورأينا ! فإنهم أهل بيت النبوة وينطقون بالحق ) . ( الخرائج : 1 / 289 ) .
ومنها ، ( أن ناصبياً شامياً كان يختلف إلى مجلس أبي جعفر « عليه السلام » ويقول له : طاعة الله في بغضكم ولكني أراك رجلاً فصيحاً ! فكان أبو جعفر يقول : لن تخفى على الله خافية ، فمرض الشامي فلما ثقل قال لوليه : إذا أنت مددت عليَّ الثوب فأئت محمد بن علي وسله أن يصلي عليَّ ، قال : فلما أن كان في بعض الليل ظنوا أنه بَرَد ( أي مات ) وسجَّوْه ، فلما أن أصبح الناس خرج وليه إلى أبي جعفر وحكى له ذلك ، فقال أبو جعفر « عليه السلام » : كلا إن بلاد الشام صَرْدٌ والحجاز بلاد حر ولحمها شديد ، فانطلق فلا تعجلن على صاحبكم حتى آتيكم ! قال : ثم قام من مجلسه فجدد وضوءاً ثم عاد فصلى ركعتين ثم مد يده تلقاء وجهه ما شاء الله ثم خر ساجداً حتى طلعت الشمس ، ثم نهض فانتهى إلى مجلس الشامي فدخل عليه فدعاه فأجابه ، ثم أجلسه فدعا له بسويق فسقاه ، وقال : إملأوا جوفه وبردوا صدره بالطعام البارد ، ثم انصرف ، وتبعه الشامي فقال : أشهد أنك حجة الله على خلقه ، قال : وما بدا لك ؟ قال : أشهد أني عمدت بروحي وعاينت بعيني فلم يتفاجأني إلا ومناد ينادي ردوا إليه روحه فقد كان سألنا ذلك محمد بن علي ! فقال أبو جعفر : أما علمت أن الله يحب العبد ويبغض عمله ، ويبغض العبد ويحب عمله ، قال : فذلك من أصحاب أبي جعفر ) . ( مناقب آل أبي طالب : 3 / 320 ) .
ومنها ، إخباره بخلافة عمر بن عبد العزيز قبلها بسنة ونصف : ( قال أبو بصير : كنت مع الباقر « عليه السلام » في المسجد إذ دخل عمر بن عبد العزيز ، عليه ثوبان ممصران متكئاً على مولى له فقال « عليه السلام » : ليلينَّ هذا الغلام فيظهر العدل ويعيش أربع سنين ، ثم يموت فيبكي عليه أهل الأرض ويلعنه أهل السماء ! فقلنا : يا بن رسول الله أليس
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 59 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ذكرت عدله وإنصافه ؟ قال : يجلس في مجلسنا ولا حق له فيه ) . ( الخرائج : 1 / 276 ) .
ومنها : إخباره عن أجله « عليه السلام » ، قال الإمام الصادق « عليه السلام » : ( إن أبي قال ذات يوم : إنما بقي من أجلي خمس سنين ، فحسبت فما زاد ولا نقص ) . ( مناقب آل أبي طالب : 3 / 320 )
ومنها ، أنه ( قال « عليه السلام » لرجل من أهل خراسان : كيف أبوك ؟ قال : صالح . قال : قد مات أبوك بعدما خرجت حيث سرت إلى جرجان . ثم قال : كيف أخوك ؟ قال : تركته صالحاً . قال : قد قتله جار له يقال له صالح في يوم كذا في ساعة كذا ! فبكى الرجل وقال : إنا لله وإنا إليه راجعون فيما أصبتُ . قال أبو جعفر : أسكت فقد صارا إلى الجنة والجنة خير لهما مما كانا فيه . فقال له الرجل : إني خلفت ابني وجعاً شديد الوجع ولم تسألني عنه . قال : قد برأ وقد زوجه عمه ابنته ، وأنت تقدم عليه وقد ولد له غلام واسمه علي وهو لنا شيعة وأما ابنك فليس لنا شيعة ! بل هو لنا عدو . فقال له الرجل : هل من حيلة ؟ قال : إنه لنا عدو . فقام الرجل من عنده وهو وقيذ ( محزون ) . قلت : من هذا ؟ قال : هو رجل من أهل خراسان ، وهو لنا شيعة ، وهو مؤمن ) . ( الثاقب في المناقب / 383 ، والدر النظيم / 611 ) .
ومنها ، إخباره كثير النوا أنه يموت تائهاً لا يعتقد بشئ ، ( قال جابر « رحمه الله » : كنا عند الباقر « عليه السلام » نحو من خمسين رجلاً ، إذ دخل عليه كثير النواء ، وكان من المغيرية فسلم وجلس ثم قال : إن المغيرة بن عمران عندنا بالكوفة يزعم أن معك ملكاً يعرفك الكافر من المؤمن وشيعتك من أعدائك ؟ قال : ما حرفتك ؟ قال : أبيع الحنطة ، قال : كذبت . قال : وربما أبيع الشعير ، قال : ليس كما قلت ، بل تبيع النوا . قال : من أخبرك بهذا ؟ قال الملك الرباني يعرفني شيعتي من عدوي ، ولست تموت إلا تائهاً ! قال جابر الجعفي : فلما انصرفنا إلى الكوفة ذهبت في جماعة نسأل عن كثير فدللنا على عجوز فقالت : مات تائهاً منذ ثلاثة أيام ) ! ( الخرائج : 1 / 275 ، وكشف الغمة : 2 / 356 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 60 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ومنها ، قال جابر الجعفي « رحمه الله » : ( خرجت مع أبي جعفر « عليه السلام » إلى الحج . . فأصبحنا دون قريات ونخل ، فعمد أبو جعفر « عليه السلام » إلى نخلة يابسة فيها ، فدنا منها وقال : أيتها النخلة أطعمينا مما خلق الله فيك . فلقد رأيت النخلة تنحني حتى جعلنا نتناول من ثمرها ونأكل ! وإذا أعرابي يقول : ما رأيت ساحراً كاليوم ! فقال أبو جعفر « عليه السلام » : يا أعرابي لا تكذبن علينا أهل البيت فإنه ليس منا ساحر ولا كاهن ، ولكنا عُلِّمنا أسماء من أسماء الله تعالى نسأل بها فنعطي وندعو فنجاب ) . ( الدر النظيم / 612 ) .
إلى عشرات الموارد أخبر فيها « عليه السلام » بالمغيبات مما علمه ربه عز وجل ، وجده « صلى الله عليه وآله » .
15 - اشتهرت معجزات الإمام الباقر والصادق « عليه السلام » فاستغلها بعض المشعوذين !
وهذه ظاهرة في الأنبياء والأوصياء « عليهم السلام » حيث تؤثر شخصياتهم ومعجزاتهم في قلوب الناس وعقولهم ، فيظهر كذابون ومشعوذون يغالون فيهم ويدعون لهم الحلول أو الألوهية ، ويدعون لأنفسهم شيئاً من ذلك !
وعدَّهم الإمام الصادق « عليه السلام » في عصره وعصر أبيه « صلى الله عليه وآله » سبعة ، وطبق عليهم قوله تعالى : هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ . تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ . قال « عليه السلام » : ( قال : هم سبعة : المغيرة بن سعيد ، وبيان ، وصائد النهدي ، والحارث الشامي ، وعبد الله بن الحارث ، وحمزة بن عمارة البربري ، وأبو الخطاب ) . ( رجال الكشي : 2 / 577 ) .
وأشهرهم المغيرة بن سعيد مولى قبيلة بجيلة ، وقد أسس فرقة سميت المغيرية قال الذهبي في ميزان الإعتدال : 4 / 160 : ( وكان لعنه الله يقول : إن معبوده على صورة رجل على رأسه تاج ، وإن أعضاءه على عدد حروف الهجاء . وإنه لما أراد أن يخلق تكلم باسمه فطار فوقع على تاجه ثم كتب بأصبعه أعمال العباد . فلما رأى المعاصي ارفض عرقاً فاجتمع من عرقه بحران ملح وعذب وخلق الكفار من البحر الملح . تعالى الله عما يقول . . وقال جرير بن عبد الحميد : كان المغيرة بن سعيد كذاباً ساحراً . . .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 61 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال الجوزجاني : قتل المغيرة على ادعاء النبوة كان أشعل النيران بالكوفة على التمويه والشعبذة حتى أجابه خلق . عن الأعمش قال : أول من سمعته يتنقص أبا بكر وعمر المغيرة المصلوب . كثير النواء قال : سمعت أبا جعفر يقول : برئ الله ورسوله من المغيرة بن سعيد ، وبنان بن سمعان فإنهما كذبا علينا أهل البيت ) .
أقول : ومع ذلك فقد نسبه الذهبي إلينا فقال في أول ترجمته : ( المغيرة بن سعيد البجلي ، أبو عبد الله الكوفي الرافضي الكذاب ! وقال الذهبي في ترجمته : قال أبو بكر بن عياش : رأيت خالد بن عبد الله القسري حين أتى بالمغيرة بن سعيد وأتباعه ، فقتل منهم رجلاً ثم قال للمغيرة : أحيه ! وكان يريهم أنه يحيي الموتى فقال : والله ما أحيي الموتى ، فأمر خالد بطَنٍّ قصب فأضرم ناراً ، ثم قال للمغيرة إعتنقه ! فأبى ، فعدا رجل من أصحابه فاعتنقه والنار تأكله . فقال خالد : هذا والله أحق منك بالرياسة ثم قتله وقتل أصحابه . قلت : وقتل في حدود العشرين ومائة ) . وقال الطبري : 5 / 456 : ( في هذه السنة ( 119 ) خرج المغيرة بن سعيد وبيان في نفر فأخذهم خالد فقتلهم ) . وفي الوافي : 24 / 277 ، خرجوا في الكوفة وهم ينادون : ( لبيك جعفر لبيك جعفر ودخلوا عليه ( الوالي ) وهو على المنبر فدهش ) ! ثم أحرقهم بالنار .
وأفاضت مصادرنا في رواية مواقف الأئمة الغاضبة القاطعة من هؤلاء الدجالين الغلاة ، فعن الإمام الصادق « عليه السلام » قال : ( لعن الله المغيرة بن سعيد إنه كان يكذب على أبي فأذاقه الله حر الحديد ، لعن الله من قال فينا ما لا نقوله في أنفسنا ولعن الله من أزالنا عن العبودية لله الذي خلقنا واليه مآبنا ومعادنا وبيده نواصينا . . . لعن الله المغيرة بن سعيد ولعن يهودية كان يختلف إليها يتعلم منها السحر والشعبذة والمخاريق . إن المغيرة كذب على أبي « عليه السلام » فسلبه الله الايمان ، وإن قوماً كذبوا علي مالهم أذاقهم الله حر الحديد . . . الخ ) . ( رجال الكشي : 2 / 489 ، ولا يتسع المجال للتفصيل فراجع : معجم السيد الخوئي : 4 / 204 ، و : 15 / 256 ، والكافي : 3 / 69 ، و 105 ، والغارات : 2 / 762 ، والمسائل الجارودية / 10 ، والخرائج : 2 / 710 ، وشرح النهج : 8 / 121 ، والطبقات : 5 / 321 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 62 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال الصدوق « رحمه الله » في الإعتقادات / 98 : ( كان الرضا « عليه السلام » يقول في دعائه : اللهم إني أبرأ إليك من الحول والقوة ، فلا حول ولا قوة إلا بك . اللهم إني أبرأ إليك من الذين ادعوا لنا ما ليس لنا بحق . اللهم إني أبرأ إليك من الذين قالوا فينا ما لم نقله في أنفسنا . اللهم لك الخلق ومنك الأمر ، وإياك نعبد وإياك نستعين . اللهم أنت خالقنا وخالق آبائنا الأولين وآبائنا الآخرين . اللهم لا تليق الربوبية إلا بك ولا تصلح الإلهية إلا لك فالعن النصارى الذين صغروا عظمتك ، والعن المضاهين لقولهم من بريتك . اللهم إنا عبيدك وأبناء عبيدك ، لا نملك لأنفسنا ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياة ولا نشورا . اللهم من زعم أننا أرباب فنحن إليك منه براء ، ومن زعم أن إلينا الخلق وعلينا الرزق فنحن إليك منه براء كبراءة عيسى « عليه السلام » من النصارى . اللهم إنا لم ندعهم إلى ما يزعمون فلا تؤاخذنا بما يقولون ، واغفر لنا ما يزعمون ) .
15 - كل ما تقدم كان في المجال الفكري للأمة ، أما في المجال العملي فقد شق الإمام الباقر « عليه السلام » طريق التغيير والثورة على الباطل ، وستجد أن وضع الأمة كله قد تغير بجهوده وجهاده « عليه السلام » ، فصار بعد الإمام الباقر « عليه السلام » غيره قبله !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 63 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الثالث : شخصية الإمام الباقر « عليه السلام » وعصره

1 - ولادة الإمام الباقر « عليه السلام » وصفته البدنية

ولد « عليه السلام » في الأول من رجب سنة سبع وخمسين ، وقبض في سابع ذي الحجة سنة أربع عشرة ومئة ، فكان عمره الشريف سبعاً وخمسين سنة . وأمه أم عبد الله بنت الحسن بن علي ، فهو حفيدٌ للحسن والحسين « صلى الله عليه وآله » ، قال الصادق « عليه السلام » : ( كانت أمه صديقة لم يدرك في آل الحسن مثلها ) . ( الدعوات / 69 ، والدر النظيم / 603 ) .
وجاء في وصفه « عليه السلام » أنه شبيه جده النبي « صلى الله عليه وآله » في ملامح وجهه ، حنطي اللون ، له خال على خده ، ضامر الكشح أي ليس بطيناً مع أنه بدين ، حسن الصوت ، مطرق الرأس . ( مناقب آل أبي طالب : 3 / 339 ) .
وتميز الإمام الباقر من بين الأئمة « عليهم السلام » بأنه أكثرهم بدانةً وجسامةً . فعن سدير قال : ( قلت لأبي جعفر « عليه السلام » : أتصلي النوافل وأنت قاعد ؟ فقال : ما أصليها إلا وأنا قاعد منذ حملت هذا اللحم ، وبلغت هذا السن ) . ( الكافي : 3 / 410 ) .
وفي فقه الرضا / 183 ، عن الإمام الصادق « عليه السلام » : ( وكتب أبي في وصيته : أن أكفنه في ثلاث أثواب ، أحدها رداء له حبرة كان يصلي فيه يوم الجمعة ، وثوب آخر وقميص . . . وشققنا له القبر شقاً من أجل أنه كان رجلاً بديناً ، وأمرني أن أجعل ارتفاع قبره أربعة أصابع مفرجات ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 64 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

2 - أدرك الإمام الباقر جده الإمام الحسين « صلى الله عليه وآله »

كان الإمام الباقر مع أبيه زين العابدين في سفره مع جده الحسين « عليهم السلام » إلى كربلاء وكان عمره أربع سنوات . وروى حادثة عن جده الحسين « صلى الله عليه وآله » في مكة ربما كان عمره فيها ثلاث سنوات ، ففي الكافي : 4 / 223 ، أن زرارة سأله : ( أدركتَ الحسين « عليه السلام » ؟ قال « عليه السلام » : نعم أذكر وأنا معه في المسجد الحرام ، وقد دخل فيه السيل والناس يقومون على المقام يخرج الخارج يقول : قد ذهب به السيل ! ويخرج منه الخارج فيقول : هو مكانه . قال : فقال « عليه السلام » : يا فلان ما صنع هؤلاء ؟ فقال : أصلحك الله يخافون أن يكون السيل قد ذهب بالمقام ، فقال : ناد أن الله تعالى قد جعله علماً لم يكن ليذهب به ! فاستقَرُّوا . وكان موضع المقام الذي وضعه إبراهيم « عليه السلام » عند جدار البيت فلم يزل هناك حتى حوَّله أهل الجاهلية إلى المكان الذي هو فيه اليوم . فلما فتح النبي « صلى الله عليه وآله » مكة رده إلى الموضع الذي وضعه إبراهيم « عليه السلام » فلم يزل هناك إلى أن وليَ عمر بن الخطاب ، فسأل الناس من منكم يعرف المكان الذي كان فيه المقام ؟ ! فقال رجل : أنا قد كنت أخذت مقداره بنسع ( حزام للبعير وغيره ) فهو عندي فقال : إئتني به فأتاه به فقاسه ، ثم رده إلى ذلك المكان ) ! وقال اليعقوبي في تاريخه : 2 / 320 : ( قال أبو جعفر « عليه السلام » : قتل جدي الحسين ولي أربع سنين ، وإني لأذكر مقتله ، وما نالنا في ذلك الوقت ) . انتهى .
ومعنى عبارته الأخيرة « عليه السلام » أنه عايش جيداً أحداث كربلاء ومأساتها ، والأسْر إلى الكوفة فالشام ، لكن لم يصلنا من روايته « عليه السلام » إلا قليل ! فمن ذلك أنه عندما رفع الحسين « عليه السلام » رضيعه ، وطالب أعدائه أن لا يمنعوا عنهم الماء ، ورماه حرملة بسهم فأصابه في نحره : ( تلقى الحسين « عليه السلام » الدم بكفيه فلما امتلأتا رمى بالدم نحو السماء ثم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 65 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال : هَوَّنَ عليَّ ما نزل بي أنه بعين الله . قال الباقر « عليه السلام » : فلم يسقط من ذلك الدم قطرة إلى الأرض ) . ( اللهوف / 69 ) . وقال الباقر « عليه السلام » : ( أصيب الحسين بن علي ووجد به ثلاثمائة وبضعة وعشرين طعنة برمح أو ضربة بسيف أو رمية بسهم ) . ( روضة الواعظين / 189 ) .
وفي شرح الأخبار : 3 / 54 : ( كانت كلها في صدره ووجهه « عليه السلام » لأن كان لا يولي ) .
وقال الباقر « عليه السلام » : ( إن الحسين لما حضره الذي حضره ، دعا ابنته الكبرى فاطمة فدفع إليها كتاباً ملفوفاً ووصيةً ظاهرةً ، ووصية باطنة . وكان علي بن الحسين مبطوناً لا يرون إلا أنه لِمَا به ، فدفعت فاطمة الكتاب إلى علي بن الحسين ، ثم صار ذلك إلينا . فقلت : فما في ذلك الكتاب ؟ فقال : فيه والله جميع ما يحتاج إليه ولد آدم إلى أن تفنى الدنيا ) . ( بصائر الدرجات / 168 ، وإعلام الورى : 1 / 482 ) .
أقول : أودع الإمام الحسين « عليه السلام » مواريث النبي « صلى الله عليه وآله » عند أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها ، وأوصاها أن تسلمها إلى من يعطيها علامة ، فسلمتها إلى الإمام زين العابدين « عليه السلام » لما رجع من الشام وأعطاها العلامة . أما هذا الكتاب الذي كان معه « عليه السلام » في كربلاء ، فهو وصيته « عليه السلام » .

3 - وكان عضد أبيه الإمام زين العابدين « صلى الله عليه وآله »

رافق الإمام الباقر والده « صلى الله عليه وآله » في مراحل حياته وكان وزيره وعضده . وعندما توفي والده سنة أربع وتسعين ، كان الباقر « عليه السلام » في الثامنة والثلاثين من عمره ، وكان وارث أمجاد أبيه وخليفته بلا منازع . قال الذهبي يصف زين العابدين « عليه السلام » : ( وكان له جلالة عجيبة ! وحقَّ له والله ذلك ، فقد كان أهلاً للإمامة العظمى ، لشرفه وسؤدده وعلمه وتألهه ، وكمال عقله ) . ( سير الذهبي : 4 / 398 ) .
وتقدم أن الزهري سأل زين العابدين « عليه السلام » : ( يا ابن رسول الله هذا الذي أوصيت إليه أكبر أولادك ؟ فقال : يا أبا عبد الله ليست الإمامة بالصغر والكبر ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 66 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
هكذا عَهِدَ إلينا رسول الله « صلى الله عليه وآله » ، وهكذا وجدنا مكتوباً في اللوح والصحيفة . قلت : يا ابن رسول الله فكم عهد إليكم نبيكم أن تكون الأوصياء من بعده ؟ قال : وجدنا في الصحيفة واللوح اثني عشر أسامي مكتوبة بأسماء آبائهم وأمهاتهم ، ثم قال : يخرج من صلب محمد ابني سبعة من الأوصياء فيهم المهدي ) . ( كفاية الأثر / 241 ) .
وقد أعطاه أبوه في حياته مواريث الأنبياء « عليهم السلام » : ( أخرج سفطاً أو صندوقاً عنده فقال : يا محمد إحمل هذا الصندوق ، قال فحُمل بين أربعة . فلما توفي جاء إخوته يدَّعون ما في الصندوق فقالوا : أعطنا نصيبنا من الصندوق فقال : والله ما لكم فيه شئ ، ولو كان لكم فيه شئ ما دفعه إليَّ . وكان في الصندوق سلاح رسول الله « صلى الله عليه وآله » وكتبه ) . ( الكافي : 1 / 305 ، وإعلام الورى / 500 ) .
وكان إلى جنب أبيه « صلى الله عليه وآله » في المراحل الصعبة . . في ثورة أهل المدينة وحملة يزيد الوحشية عليهم في وقعة الحرة . وما تبعها من حملة يزيد على ابن الزبير واستباحته الكعبة . ثم هلاك يزيد واضطراب خلافة بني أمية ، ثم قتلهم معاوية بن يزيد « رحمه الله » . ثم سيطرة مروان بن الوزغ وأولاده على العرش الأموي ، ثم موت مروان بعد شهور وسيطرة ابنه عبد الملك ، وحربه مع المختار ثم في حربه مع ابن الزبير ، التي امتدت أكثر من عشر سنين . وفي أثنائها بنى عبد الملك ( كعبة ) على صخرة بيت المقدس وأحجَّ المسلمين إليها بدل مكة !
كما عايش الإمام صمود أبيه « صلى الله عليه وآله » ، ورفضه ضغوط الثائرين باسم الحسين « عليه السلام » ، من التوابين والمختار وابن الأشتر ، وتأييده في نفس الوقت كل من يأخذ بثأر الحسين « عليه السلام » ، ومدحه المختار « رحمه الله » لأنه قتل عدداً من قتلة الحسين « عليه السلام » .
كما عاصر سيطرة ابن الزبير على الحجاز بعد هلاك يزيد ، وحكم المختار للعراق وما تبعه أكثر من سنتين ، ثم حرب مصعب بن الزبير له وانتصاره عليه .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 67 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وعاصر علاقات أبيه « صلى الله عليه وآله » المتفاوتة في توترها وهدوئها ، مع يزيد بن معاوية ، ومروان ، وعبد الملك ، والحجاج ، وابن الزبير ، والخوارج ، وعرف في المدينة الشاب المترف عمر بن عبد العزيز ، المحب لأبيه الإمام زين العابدين « عليه السلام » .
كما حضر مجالس أبيه « عليه السلام » وسمع جواهر علومه ، وعرف تلاميذه ، من محمد بن شهاب الزهري ، إلى العُبَّاد والمتصوفة ، إلى تلاميذه الخاصين كيحيى بن أم الطويل ، وسعيد بن المسيب ، والقاسم بن محمد بن أبي بكر ، وحكيم بن جبير بن مطعم ، وكميل بن زياد ، وسعيد بن جبير .
كما شاهد الباقر « عليه السلام » تقديس الأمة لأبيه زين العابدين « صلى الله عليه وآله » ، فقد كان معه في مكة عندما انفسح له الناس ليستلم الحجر ، فحسده هشام بن عبد الملك وتجاهله ، فارتجل الفرزدق « رحمه الله » قصيدته الخالدة : هذا الذي تعرف البطحاء وطأته . . فحبس الفرزدق فهجاه بقوله : يقلب رأساً لم يكن رأس سيد . . وعيناً له حولاء بادٍ عيوبها !
كما عاصر الإمام الباقر أباه « صلى الله عليه وآله » في صموده في وجه العداء الأموي وتحريف الإسلام ، فقد شاركه في حملات دفاعه القوية ضد التحريف والعداء وفي كشف مؤامرة قريش على الأئمة من العترة النبوية « عليهم السلام » ، وفي عمله النبوي في تشييد صرح التشيع وبناء الفئة الثابتة من الأمة .
كان مع أبيه « صلى الله عليه وآله » في المدينة وفي سفر الحج ، وفي اعتزاله سنين في البادية ، وسفراته المتخفية لزيارة قبر جده أمير المؤمنين والحسين « عليهم السلام » ومسجد الكوفة .
ورأى إعجاب عبد الملك بأبيه زين العابدين « عليه السلام » ومكائده له في نفس الوقت ، وكان مبعوث أبيه إليه ليعالج مشكلة النقد والطراز مع الروم ، كما بينا في سيرة أبيه « صلى الله عليه وآله » . ثم عاصر الإمام « عليه السلام » بعد هلاك عبد الملك ، عهد ابنه الوليد ، صاحب الشخصية المعقدة والجرائم المنكرة ، وأعظمها قتله للإمام زين العابدين « عليه السلام » !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 68 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

4 - لمحة عن عبادة الإمام « عليه السلام » وأخلاقه

تقدم عن محمد بن طلحة الشافعي في مطالب السؤول / 424 : ( صفا قلبه وزكى عمله ، وطهرت نفسه وشرفت أخلاقه ، وعمرت بطاعة الله أوقاته ، ورسخت في مقام التقوى قدمه ، وظهرت عليه سمات الإزدلاف ، وطهارة الاجتباء ) .
وفي الصواعق المحرقة / 201 : ( وارثه منهم عبادةً وعلماً وزهادة : أبو جعفر محمد الباقر . . أظهر من مخبآت كنوز المعارف ، وحقائق الأحكام والحكم واللطائف ، ما لا يخفى إلا على منطمس البصيرة أو فاسد الطوية والسريرة . . صفى قلبه وزكى علمه وعمله ، وطهرت نفسه وشرف خلقه ، وعمرت أوقاته بطاعة الله ، وله من الرسوم في مقامات العارفين ما تكل عنه ألسنة الواصفين ) .
وقال الذهبي في سيره : 4 / 403 : ( وبلغنا أن أبا جعفر كان يصلي في اليوم والليل مئة وخمسين ركعة ) . وفي معارج الوصول للزرندي الشافعي / 121 : ( كان الباقر محمد بن علي من العلم والزهد ولسان الحكمة بمحل عظيم ، وله في معاني الزهد ودقائق العلوم في التوحيد كلام جم جسيم ) .
وقال ابن العماد في شذرات الذهب : 1 / 149 : ( قال عبد الله بن عطاء : ما رأيت العلماء عند أحد أصغر منهم علماً عنده ، وله كلام نافع في الحكم والمواعظ منه : أهل التقوى أيسر أله الدنيا مؤونة وأكثرهم معونة ، إن نسيت ذكروك ، وإن ذكرت أعانوك ، قوالين بحق الله ، قوامين بأمر الله ) . انتهى . هذا ، وقد ذكرنا نماج من إخباراته بالمغيبات « عليه السلام » ، في فصل بشارة النبي « صلى الله عليه وآله » به وتسميته باقر علم النبوة .

5 - الجبارون ومشاريع الجبارين الذين عاصرهم الإمام « عليه السلام »

عاصر الإمام « عليه السلام » سنوات حكم يزيد بن معاوية ، ومروان بن الحكم ، وعبد الملك الذي توفي سنة 86 ، وأبناء عبد الملك : الوليد قاتل الإمام زين
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 69 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
العابدين « عليه السلام » سنة 94 ، وتوفي الوليد سنة 96 ، ثم سليمان ، وتوفي سنة 99 ، ثم عمر بن عبد العزيز وتوفي سنة 101 ، ثم يزيد بن عبد الملك وتوفي 105 .
كما أدرك الإمام الباقر « عليه السلام » تسع سنين من حكم الطاغية هشام بن عبد الملك ، الذي ارتكب جريمة قتل الإمام « عليه السلام » سنة 114 ، ثم هلك هشام سنة 125 ، وبعد سبع سنوات من هلاكه انهار النظام الأموي بثورة العباسيين .
ونقصد بمشاريع الجبابرة : الشخصيات التي كانت تعمل للثورة على بني أمية وأخذ السلطة ، وتتبنى نفس منهج بني أمية في قتل من خالفها واضطهاده ، وظلم المسلمين والإستئثار بثرواتهم ! فقد كان شعار يا لثارات الحسين « عليه السلام » واحترام النص النبوي ، أو احترام إرادة الأمة في اختيار حكامها ، واحترام دمائها وكرامتها وملكيتها وحقوقها الفردية والعامة ورد ظلامات المسلمين إلى أهلها ، أموراً غائبةً عن منهج هؤلاء الثوار ، حتى لو رفعوها شعارات لجذب الجمهور المرهق المسكين ! فحكمهم نفس الحكم الجبري الأموي ، وقائدهم طاغ جبار وإن تسمى بخليفة النبي « صلى الله عليه وآله » وانتسب بالقرابة إلى النبي « صلى الله عليه وآله » !
هذه نظرة الإمام الباقر « عليه السلام » إلى مشاريع الثورة على بني أمية ، التي أخذت في عصره تتشكل في حركات سرية ، لكن أخبارها علنية !
كان الإمام « عليه السلام » ينظر إلى الفقهاء بأنهم مرتزقة غير صادقين فكيف بالسياسيين ! فقد سأله رجل عن مسألة فأجابه الإمام « عليه السلام » ، فقال الرجل : ( إن الفقهاء لا يقولون هذا ، فقال : يا ويحك وهل رأيت فقيهاً قط ؟ ! إن الفقيه حق الفقيه : الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة ، المتمسك بسنة النبي « صلى الله عليه وآله » ) . ( الكافي : 1 / 70 ) .
وقد تقدمت تسمية الإمام « عليه السلام » لأبي جعفر المنصور بالجبار عندما دخل بعض آل العباس إلى المسجد فقال لهم « عليه السلام » : ما منع جباركم من أن يأتيني ؟ ! فعذَّروه عنده فقال :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 70 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أما والله لا تذهب الليالي والأيام حتى يملك ما بين قطريها ) ! ( الكافي : 8 / 210 ) .
وفي دلائل الإمامة للطبري / 219 ، بسند صحيح عن الأعمش « رحمه الله » قال : ( قال لي المنصور : كنت هارباً من بني أمية أنا وأخي أبو العباس ، فمررنا بمسجد المدينة ومحمد بن علي الباقر جالس ، فقال لرجل إلى جانبه : كأني بهذا الأمر وقد صار إلى هذين ! فأتى الرجل فبشرنا به فملنا إليه وقلنا : يا بن رسول الله ما الذي قلت ؟ فقال : هذا الأمر صائر إليكم عن قريب ولكنكم تسيئون إلى ذريتي وعترتي فالويل لكم عن قريب ! فما مضت الأيام حتى ملك أخي وملكتها ) .
أقول : كان المنصور عند وفاة الإمام الباقر « عليه السلام » في العشرينات من عمره . وكان كغيره من العباسيين تابعين للحسنيين بقيادة كبيرهم عبد الله بن الحسن المثنى ، الذي ادعى أن ابنه محمداً هو المهدي ، وأخذ له البيعة منهم بالإمامة والخلافة ! ( قال عمير بن الفضل الخثعمي : رأيت أبا جعفر المنصور يوماً وقد خرج محمد بن عبد الله بن الحسن من دار ابنه ، وله فرس واقف على الباب مع عبد له أسود وأبو جعفر ينتظره ، فلما خرج وثب أبو جعفر فأخذ بردائه حتى ركب ، ثم سوى ثيابه على السرج ومضى محمد . فقلت وكنت حينئذ أعرفه ولا أعرف محمداُ : من هذا الذي أعظمته هذا الإعظام حتى أخذت بركابه وسويت عليه ثيابه ؟ قال : أوما تعرفه ؟ قلت : لا . قال : هذا محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن ، مهدينا أهل البيت ) . ( مقاتل الطالبيين / 161 ) .

6 - الجبارون في عصر الإمام الباقر « عليه السلام » كالجبارين في عصر هود « عليه السلام »

كان الإمام الباقر « عليه السلام » أبرز شخصيات بني هاشم ، مُهاباً من الدولة محترماً من أصحاب مشاريع الثورة ، يقوم بثورته على طريقته ، فيرسخ معالم الإسلام كما نزل من عند الله تعالى على جده « صلى الله عليه وآله » ، ويفضح التحريف الحكومي ومؤامرة قريش على أئمة العترة النبوية ، الذين اختارهم الله ورسوله لإمامة الأمة .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 71 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لذلك كان منطقه « عليه السلام » هادراً قوياً كمنطق نبي الله هود « عليه السلام » ، لأن معاصريهما جبابرة أشداء ، فوجب أن يكون منطقهما « صلى الله عليه وآله » كاسحاً لأفكارهم الباطلة وغرورهم !
وقوم هود « عليه السلام » هم عاد الأولى والثانية ، أصحاب حضارة بعد قوم نوح « عليه السلام » وعاصمتهم الأحقاف في اليمن والجزيرة ، وكانوا جبارين ذوي ثروة ، وأجسام ضخمة ، وكان لا بد لمنطق نبيهم « عليه السلام » أن يتناسب مع حالتهم في القوة والشدة !
قال الله تعالى في سورة الأعراف : قَالَ الْمَلأ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ . قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ . أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ . أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ . قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَاتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ . قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ . فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِين .
وقال تعالى في سورة فُصِّلَتْ : فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ . إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلا تَعْبُدُوا إِلا اللهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لا نْزَلَ مَلائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ . فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأرض بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ . فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ .
وقال في سورة الحاقة : وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ . سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 72 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والآيات فيهم كثيرة ، وأسوأ منهم الجبارون المعاصرون للنبي « صلى الله عليه وآله » وأهل بيته « عليهم السلام » ، فهم فراعنة كما قال الله تعالى لهم : إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً . ( المزمل : 15 ) ، وقال فيهم النبي « صلى الله عليه وآله » بعد أن اضطروا لخلع سلاحهم وإعلان إسلامهم : ( يا معشر قريش لتنتهن أو ليبعثن الله عليكم من يضرب رقابكم بالسيف على الدين ! قد امتحن الله قلبه على الإيمان ! قالوا : من هو يا رسول الله ؟ فقال له أبو بكر : من هو يا رسول الله ؟ وقال عمر : من هو يا رسول الله ؟ قال هو خاصف النعل ، وكان أعطى علياً نعله يخصفها ) . ( الترمذي : 5 / 298 ، وصححه ، ونحوه أبو داود : 1 / 611 . راجع صراع قريش مع النبي « صلى الله عليه وآله » للمؤلف / 50 ) .
وهم أنفسهم الذي جاهدهم علي والأئمة من أبنائه « عليهم السلام » ! لذلك نرى أن منطق الإمام الباقر « عليه السلام » كان معهم قوياً كاسحاً قاصعاً ، كمنطق نبي الله هود « عليه السلام » ، وأن أحاديثه تميز بجرأتها وصراحتها في كشف مؤامرة قريش وشرح فريضة ولاية أهل البيت النبوي « عليهم السلام » والبراءة من ظالميهم وأعدائهم . ولتسميته بالباقر علاقة بذلك ، حيث لبَّد المحرفون سماء ثقافة الأمة بغيوم الجاهلية الأموية واليهودية ، فاحتاجت إلى من يبقر العلم ويفجر النور ويبدد غيوم التحريف .

7 - الإمام يصف حالة أهل البيت « عليهم السلام » وشيعتهم في زمن بني أمية

وصف الإمام الباقر « عليه السلام » اضطهاد بني أمية لأهل البيت « عليهم السلام » وشيعتهم ، فقال لبعض أصحابه كما في شرح النهج : 11 / 43 : ( يا فلان ما لقينا من ظلم قريش إيانا وتظاهرهم علينا ؟ ! وما لقي شيعتنا ومحبونا من الناس ؟ ! إن رسول الله « صلى الله عليه وآله » قبض وقد أخبر أنا أولى الناس بالناس ، فتمالأت علينا قريش حتى أخرجت الأمر عن معدنه ، واحتجَّت على الأنصار بحقنا وحجتنا ! ثم تداولتها قريش واحد بعد واحد ، حتى رجعت إلينا ، فنكثت بيعتنا ونصبت الحرب لنا ، ولم يزل صاحب الأمر في صعود
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 73 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كؤود حتى قتل ، فبويع الحسن ابنه وعوهد ، ثم غُدر به وأُسلم ، ووثب عليه أهل العراق حتى طعن بخنجر في جنبه ، ونهبت عسكره وعولجت خلاليل أمهات أولاده ! فوادع معاوية وحقن دمه ودماء أهل بيته وهم قليل حق قليل !
ثم بايع الحسين « عليه السلام » من أهل العراق عشرون ألفاً ثم غدروا به وخرجوا عليه وبيعته في أعناقهم ، وقتلوه ! ثم لم نزل أهل البيت نستذل ونستضام ، ونقصى ونمتهن ، ونحرم ونقتل ونخوف ! ولا نأمن على دمائنا ودماء أوليائنا !
ووجد الكاذبون الجاحدون لكذبهم وجحودهم موضعاً يتقربون به إلى أوليائهم وقضاة السوء وعمال السوء في كل بلدة ، فحدثوهم بالأحاديث الموضوعة المكذوبة ، ورووا عنا ما لم نقله وما لم نفعله ليبغضونا إلى الناس ! وكان عِظَمُ ذلك وكِبْرُه زمن معاوية بعد موت الحسن « عليه السلام » ، فقتلت شيعتنا بكل بلدة ، وقطعت الأيدي والأرجل على الظنة ، وكان من يذكر بحبنا والانقطاع إلينا سجن أو نهب ماله ، أو هدمت داره ! ثم لم يزل البلاء يشتد ويزداد إلى زمان عبيد الله بن زياد قاتل الحسين « عليه السلام » . ثم جاء الحجاج فقتلهم كل قتلة ، وأخذهم بكل ظنة وتهمة ، حتى إن الرجل ليقال له زنديق أو كافر ، أحب إليه من أن يقال شيعة علي « عليه السلام » ! وحتى صار الرجل الذي يذكر بالخير ولعله يكون ورعاً صدوقاً ، يحدث بأحاديث عظيمة عجيبة من تفضيل بعض من قد سلف من الولاة ، ولم يخلق الله تعالى شيئاً منها ولا كانت ولا وقعت ! وهو يحسب أنها حق ، لكثرة من قد رواها ممن لم يعرف بكذب ولا بقلة ورع ) ! انتهى .
كما وصف الإمام الجواد « عليه السلام » اضطهاد تلاميذ الإمام زين العابدين « عليه السلام » الخاصين قال : ( أما يحيى بن أم الطويل فكان يظهر الفتوة ، وكان إذا مشى في الطريق وضع الخلوق على رأسه ويمضغ اللبان ويطول ذيله ، وطلبه الحجاج فقال تلعن أبا تراب
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 74 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأمر بقطع يديه ورجليه وقتله . وأما سعيد بن المسيب فنجا وذلك أنه كان يفتي بقول العامة وكان آخر أصحاب رسول الله « صلى الله عليه وآله » فنجا . وأما أبو خالد الكابلي فهرب إلى مكة واخفى نفسه فنجا . وأما عامر بن واثلة فكانت له يد عند عبد الملك بن مروان فلهى عنه . وأما جابر بن عبد الله الأنصاري فكان رجلاً من أصحاب رسول الله « صلى الله عليه وآله » فلم يتعرض له وكان شيخاً قد أسن . وأما أبو حمزة الثمالي وفرات بن أحنف ، فبقوا إلى أيام أبي عبد الله ، وبقي أبو حمزة إلى أيام أبي الحسن موسى بن جعفر « صلى الله عليه وآله » ) . ( رجال الطوسي : 1 / 338 ) . هذا ، وتبلغ مفردات الاضطهاد والظلم التي ذكرها الإمام « عليه السلام » أو لم يذكرها مجلدات ، لأنها تغطي قرناً كاملاً ، ابتداء من وفاة النبي « صلى الله عليه وآله » .

8 - صَمَتَ الإمام الباقر سبعَ سنين بعد أبيه « صلى الله عليه وآله »

بعد سبع سنوات من شهادة الإمام زين العابدين « عليه السلام » حدثت فُسحةٌ على عامة المسلمين ، وعلى أهل البيت « عليهم السلام » وشيعتهم خاصة ، وذلك بهلاك الطاغية سليمان بن عبد الملك ، الذي لم يكن له ولد يصلح للخلافة ، ورأى ضعف الدولة الأموية يتفاقم بسبب نقمة المسلمين وظلم الأجهزة وفسادها ! ورأى أن الناس يميلون إلى ابن عمه عمر بن عبد العزيز ، ويلهجون باسمه للخلافة لما عرف به من استقامة ، فأوصى له وبعده لأخيه يزيد بن عبد الملك . فكان عمر بن عبد العزيز نشازاً بين الملوك الأمويين لأنه ( عادل ) بين جبابرة ، أي أعور بين عميان !
وقد روى محبوه أن الإمام الباقر « عليه السلام » سئل عنه فقال : ( أما علمت أن لكل قوم نجيبة وأن نجيبة بني أمية عمر بن عبد العزيز ، وإنه يبعث يوم القيامة أمة وحده ) . ( سير الذهبي : 5 م 120 ، وتاريخ دمشق : 45 / 147 ، وتهذيب الكمال : 21 / 439 ) . وقد تكون الرواية صحيحة لكنها لا تدل على نجاته , بل على تميزه على ملوك قومه .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 75 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وكان عصر ابن عبد العزيز الفرصة الموعودة في مقادير الله تعالى للإمام الباقر « عليه السلام » ، قال الشيخ الطوسي « قدس سره » في رجاله : 1 / 339 : ( عن القاسم بن عوف قال : كنت أتردد بين علي بن الحسين وبين محمد بن الحنفية وكنت آتي هذا مرة وهذا مرة . قال : ولقيت علي بن الحسين « عليه السلام » فقال لي : يا هذا إياك إن تأتي أهل العراق فتخبرهم أنا استودعناك علماً ، فإنا والله ما فعلنا ذلك ! وإياك أن تترايس بنا فيضعك الله ، وإياك أن تستأكل بنا فيزيدك الله فقراً ، واعلم أنك إن تكن ذنباً في الخير خير لك من أن تكون رأساً في الشر . واعلم أنه من يحدث عنا بحديث سألنَاه يوماً ، فإن حدث صدقاً كتبه الله صديقاً ، وإن حدث وكذب كتبه الله كذاباً !
وإياك أن تشد راحلة تُرَحِّلُها ، فإنما هاهنا يطلب العلم ، حتى يمضي لكم بعد موتي سبع حجج ، ثم يبعث الله لكم غلاماً من ولد فاطمة « عليها السلام » ، تنبتُ الحكمة في صدره كما ينبت الطَّلُّ الزرع ! قال : فلما مضى علي بن الحسين حسبنا الأيام والجمع والشهور والسنين ، فما زادت يوماً ولا نقصت حتى تكلم محمد بن علي بن الحسين باقر العلم ، صلوات الله عليهم ) . انتهى .
ويدل ذلك على أن ظرف الإمام زين العابدين « عليه السلام » وإن سمح بقدر من مقاومة التحريف ، إلا أنه لم يسمح بطرح خط أهل البيت « عليهم السلام » إسلاماً ربانياً مقابل إسلام السلطة الأموية ، وعقيدةً صحيحة مقابل عقيدتها الرسمية ، وخطاً سياسياً مقابل خط السلطة . وأن هذا الظرف سيستمر سبع سنين بعد وفاته « عليه السلام » هي بقية حكم الوليد بن عبد الملك وأخيه سليمان وشطر من حكم عمر بن عبد العزيز ، فالحجات السبع تبدأ من وفاته « عليه السلام » سنة 94 ، فيكون آخرها سنة 100 هجرية في خلافة عمر بن العزيز ، حيث بدأت في صفر سنة 99 ، وانتهت بموته مسموماً سنة 101 هجرية .
ومعنى قول الإمام زين العابدين « عليه السلام » : ( وإياك أن تشد راحلة تُرَحِّلها . . . أي لا تتعب نفسك في طلب العلم الحقيقي ، فلا يوجد عند علماء السلطة ، ولا قبل سبع سنين
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 76 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
حيث سيبدأ الباقر « عليه السلام » بطرح مذهب أهل البيت « عليهم السلام » إسلاماً متكاملاً مقابل إسلام السلطة .

9 - كان عهد عمر بن عبد العزيز منطلقاً للإمام الباقر « عليه السلام »

( كانت ولاية عمر ثلاثين شهراً . . . وتوفي لست بقين من رجب سنة 101 ، وهو ابن تسع وثلاثين سنة ، وكان أسمر ، رقيق الوجه حسن اللحية ، غائر العينين بجبهته أثر ، وعهد إلى يزيد بن عبد الملك ) . ( اليعقوبي : 2 / 308 ، والطبري : 5 / 318 ) .
وكان في وجهه أثر جرح من رفسة فرس ويسمى أشجَّ بني أمية . ( فتن ابن حماد / 75 ) .
وكان عهده على قصر مدته متنفساً للمسلمين من اضطهاد قومه بني أمية ! وسبب استخلافه أن سلفه سليمان بن عبد الملك كان ظلوماً عسوفاً أكولاً لا يكاد يشبع ! لكن كانت لعمر بن عبد العزيز يدٌ عليه حيث وقف معه لما أراد أخوه أن ينتزع الخلافة منه ، فحفظها له سليمان وكتب له عهده عندما عاجله الموت وهو شاب ، ونصه : ( هذا كتاب من عبد الله سليمان أمير المؤمنين لعمر بن عبد العزيز : إني قد وليتك الخلافة من بعدي ، ومن بعدك يزيد بن عبد الملك ، فاسمعوا له وأطيعوا واتقوا الله ، ولا تختلفوا فيطمع فيكم ) . ( تاريخ الطبري : 5 / 306 ) . وأمر أولاده وهو يحتضر أن يبايعوه : ( ونزل عمر بن عبد العزيز قبره وثلاثة من ولده ، فلما تناولوه تحرك على أيديهم فقال ولد سليمان : عاش أبونا ورب الكعبة ! فقال عمر : بل عوجل أبوكم ورب الكعبة ! وكان بعض من يطعن على عمر يقول دَفَنَ سليمان حياً . وكانت ولاية سليمان بن عبد الملك سنتين وثمانية أشهر ، وخلف من الولد الذكور عشرة ) . ( اليعقوبي : 2 / 299 ) .
أقول : أراد الله تعالى في مطلع القرن الثاني للهجرة ، أن يفتح باب رحمة على أمة نبيه « صلى الله عليه وآله » وباب عذاب على بني أمية ! وقد شعر بنو أمية خطر خلافة ابن عبد العزيز عندما أعلن إدانة الخلفاء قبله بظلمهم للمسلمين ومصادرتهم حرياتهم واستباحتهم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 77 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أموالهم ، وأعلن أنه سيحقق العدالة ويرد ظلامة كل مظلوم ! وباشر بإعادة الحريات وأصدر المراسيم بتغيير الولاة ورد الظلامات ، فاستنفر بنو أمية ضده وكانوا قبيلة كثيرة بيدهم مفاصل الدولة ، وقتلوه بعد سنتين بالسم ، وأعادوا الظلم كما كان ، ونصبوا بعده يزيد بن عبد الملك ، ثم الطاغية هشام بن عبد الملك الذي ارتكب جريمة قتل الإمام الباقر « عليه السلام » بالسم على يد والي المدينة أو غيره من المقربين إليه .
والنص التالي يكشف الفرق في نظر الإمام الباقر « عليه السلام » بين سليمان بن عبد الملك وخليفته عمر بن عبد العزيز : فقد روى اليعقوبي في تاريخه : 2 / 306 ، أن عمر بن عبد العزيز ذكر الإمام زين العابدين « عليه السلام » يوماً فقال : ( ذهب سراج الدنيا وجمال الإسلام وزين العابدين ! فقيل له : إن ابنه أبا جعفر محمد بن علي فيه بقية ، فكتب عمر يختبره ، فكتب إليه محمد كتاباً يعظه ويخوفه ! فقال عمر : أخرجوا كتابه إلى سليمان فأخرج كتابه فوجده يقرظه ويمدحه ، فأنفذ إلى عامل المدينة وقال له : أحضر محمداً وقل له : هذا كتابك إلى سليمان تقرظه ، وهذا كتابك إليَّ مع ما أظهرت من العدل والإحسان ! فأحضره عامل المدينة وعرفه ما كتب به عمر فقال : إن سليمان كان جباراً كتبت إليه بما يكتب إلى الجبارين ، وإن صاحبك أظهر أمراً فكتبت إليه بما شاكله ! وكتب عامل عمر إليه بذلك فقال عمر : إن أهل هذا البيت لا يخليهم الله من فضل ) ! انتهى .
ومعناه أن سليمان برأي الإمام « عليه السلام » جبارٌ لا يتحمل أن يطرح الإمام مذهب أهل البيت « عليهم السلام » ، فكان يداريه كما دارى الأنبياء « عليهم السلام » فراعنة عصورهم . أما ابن عبد العزيز فأعلن أنه يريد تحقيق العدل ويتحمل النصيحة ، فكتب له الإمام « عليه السلام » بما كتب . فأعجب ذلك عمر .
لقد كان عهده فرصة للإمام « عليه السلام » ليبدأ مشروعه في الجهر بالحق ، وينشط تلاميذه في البلاد لنشر الإسلام ! فبَقَرَ الإمام الباقر « عليه السلام » علوم جده « صلى الله عليه وآله » وفجَّرها ، كما بَقَرَ طريق الثورة على الأمويين ، وشقها أمام فئات الهاشميين !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 78 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

10 - نقاط إيجابية من عصر ابن عبد العزيز

1 - عندما تولى الخلافة دعا الإمام الباقر « عليه السلام » إلى الشام ، ليسشتيره في أمور الخلافة : ( فدخل فحدثه ساعة وقال إني : أريد الوداع يا أمير المؤمنين ، قال عمر فأوصني يا أبا جعفر ، قال : أوصيك بتقوى الله ، واتخذ الكبير أباً ، والصغير ولداً ، والرجل أخاً ، فقال : رحمك الله جمعت لنا والله ما إن أخذنا به وأماتنا الله عليه ، استقام لنا الخير إن شاء الله ) . ( تاريخ دمشق : 54 / 268 ، وأمالي القالي / 495 ) .
2 - ( قال أبو بكر بن أبي سبرة : لما رد عمر بن عبد العزيز المظالم قال : إنه لينبغي أن لا أبدأ بأول إلا من نفسي ، فنظر إلى ما في يديه من أرض أو متاع فخرج منه حتى نظر إلى فص خاتم فقال : هذا مما أعطانيه الوليد بن عبد الملك مما جاءه من أرض المغرب ، فخرج منه ) . ( الطبقات : 5 / 341 ) .
( لما استخلف قال : يا أيها الناس ، إني قد رددت عليكم مظالمكم ، وأول ما أرد منها ما كان في يدي ، وقد رددت فدك على ولد رسول الله ( ص ) وولد علي بن أبي طالب ، فكان أول من ردها ) . ( بحار الأنوار : 29 / 208 ) .
( ونكث عمر أعمال أهل بيته وسماها مظالم ، وكتب إلى عماله جميعاً : أما بعد فإن الناس قد أصابهم بلاء وشدة وجور في أحكام الله ، وسنن سيئة سنتها عليهم عمال السوء ، قلما قصدوا قصد الحق والرفق والإحسان ، ومن أراد الحج فعجلوا عليه عطاءه حتى يتجهز منه ، ولا تحدثوا حدثاً في قطع وصلب حتى تؤامروني . .
وأعطى بني هاشم الخمس ، ورد فدكاً وكان معاوية أقطعها مروان فوهبها لابنه عبد العزيز فورثها عمر منه ، فردها على ولد فاطمة ، فلم تزل في أيديهم حتى
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 79 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولي يزيد بن عبد الملك ، فقبضها . ورد عمر هدايا النيروز والمهرجان ، ورد السُّخَر ( الإجبار على العمل مجاناً ) ، ورد العطاء على قدر ما استحق الرجل من السنة ، وورث العيالات على ما جرت به السنة ، غير أنه أقر القطائع التي أقطعها أهل بيته والعطاء في الشرف لم ينقصه ولم يزد فيه ، وزاد أهل الشأم في أعطياتهم عشرة دنانير ، ولم يفعل ذلك في أهل العراق ) . ( تاريخ اليعقوبي : 2 / 305 ، ونحوه الطبري : 5 / 321 ) .
3 - ( لما ولي عمر بن عبد العزيز ، فردَّ فدك على ولد فاطمة « عليها السلام » وكتب إلى واليه على المدينة أبي بكر بن عمر بن حزم يأمره بذلك ، فكتب إليه : إن فاطمة قد ولدت في آل عثمان وآل فلان وآل فلان ! فكتب إليه : أما بعد فإني لو كنت كتبت إليك آمرك أن تذبح شاة لسألتني جمَّاء أو قرناء ! أو كتبت إليك أن تذبح بقرة لسألتني ما لونها ! فإذا ورد عليك كتابي هذا فاقسمها بين ولد فاطمة من علي والسلام ! قال أبو المقدام : فنقمت بنو أمية ذلك على عمر بن عبد العزيز وعاتبوه فيه وقالوا له : هجّنْت فعل الشيخين ! وخرج إليه عمرو بن عبس في جماعة من أهل الكوفة ، فلما عاتبوه على فعله قال : إنكم جهلتم وعلمت ونسيتم وذكرت ، إن أبا بكر محمد بن عمرو بن حزم حدثني عن أبيه عن جده ، أن رسول الله قال : فاطمة بضعة مني يسخطني ما يسخطها ويرضيني ما يرضيها ، وإن فدك كانت صافية على عهد أبي بكر وعمر ، ثم صار أمرها إلى مروان فوهبها لأبي عبد العزيز ، فورثتها أنا وإخواني فسألتهم أن يبيعوني حصتهم منها فمنهم من باعني ، ومنهم من وهب لي ، حتى استجمعتها فرأيت أن أردها على ولد فاطمة ! فقالوا : إن أبيت إلا هذا فأمسك الأصل واقسم الغلة ، ففعل ) ! ( الشافي : 4 / 102 ، وشرح النهج : 16 / 278 ) .
( فسلمها إلى محمد بن علي الباقر « عليه السلام » وعبد الله بن الحسن ، فلم تزل في أيديهم إلى أن مات عمر بن عبد العزيز ) . ( كشف الغمة : 2 / 117 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 80 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
( فقيل له : طعَنْتَ على الشيخين ! فقال : هما طعنا على أنفسهما ! وذلك لما صار إليه محمد بن علي « عليه السلام » ) . ( المسترشد لمحمد بن جرير الطبري ( الشيعي ) / 503 ) .
( لما دخل المدينة عمر بن عبد العزيز نادى مناديه : من كانت له مظلمة وظلامة فليحضر : ( فدخل إليه مولاه مزاحم فقال : إن محمد بن علي بالباب ، فقال له : أدخله يا مزاحم قال : فدخل وعمر يمسح عينيه من الدموع ، فقال له محمد بن علي : ما أبكاك يا عمر ؟ فقال هشام : أبكاه كذا وكذا يا ابن رسول الله ، فقال محمد بن علي ) فلما رآه استقبله وأقعده مقعده فقال « عليه السلام » : إنما الدنيا سوق من الأسواق يبتاع فيها الناس ما ينفعهم وما يضرهم ، وكم قوم ابتاعوا ما ضرهم فلم يصبحوا حتى أتاهم الموت ، فخرجوا من الدنيا ملومين لمَّا لم يأخذوا ما ينفعهم في الآخرة فقسم ما جمعوا لمن لم يحمدهم ، وصاروا إلى من لا يعذرهم . فنحن والله حقيقون أن ننظر إلى تلك الأعمال التي نتخوف عليهم منها ، فكف عنها واتق الله ، واجعل في نفسك اثنتين : إلى ما تحب أن يكون معك إذا قدمت على ربك فقدمه بين يديك ، وانظر إلى ما تكره أن يكون معك إذا قدمت على ربك فارمه ورائك . ولا ترغبن في سلعة بارت على من كان قبلك فترجو أن يجوز عنك ، وافتح الأبواب وسهل الحجاب ، وأنصف المظلوم ورد الظالم . ثلاثة من كن فيه استكمل الإيمان بالله ( فجثا عمر على ركبتيه ، ثم قال : إيه أهل بيت النبوة ، قال : نعم يا عمر ، من إذا رضي لم يدخله رضاه في باطل ، ومن إذا غضب لم يخرجه غضبه من الحق ، ومن إذا قدر لم يتناول ما ليس له . فدعا عمر بدواة وبياض وكتب : بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما رد عمر بن عبد العزيز ، ظلامة محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم بفدك ) . ( الخصال / 105 ، والمناقب : 3 / 337 ، والمسترشد / 504 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 81 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أقول : ذكرت بعض الروايات أنه رد غلة فدك دون أصلها ، وبعضها أنه سلمها إلى الإمام الباقر « عليه السلام » ليقسمها بين أولاد فاطمة « عليها السلام » ، وبعضها أنه سلمها له ولعبد الله بن الحسن المثنى . واتفق الرواة على أن يزيد بن عبد الملك الذي حكم بعده ، أعادها إلى بني أمية ! لكن يبقى ردها عملاً مهماً لأنه اعتراف من خليفة أموي بظلامة فاطمة « عليها السلام » وظلامة أبنائها ، وتخطئة لسياسات الحكام نحوهم بعد وفاة النبي « صلى الله عليه وآله » .
وفي تاريخ دمشق : 70 / 255 : ( لما رد عمر بن عبد العزيز مظالم أهل بيته وأخذهم بالحق قال مولى لآل مروان بربري : وأنتم أيضاً فتزوجوا بنات عمر بن الخطاب ) !
يقصد أن عمر بن الخطاب أنفق أيضاً من أموال المسلمين فبناته إماء لهم !
وفي الطرائف / 252 : ( فردها عليهم السفاح ، ثم قبضت فردها عليهم المهدي ، ثم قبضت فردها عليهم المأمون . . . قبضت منهم بعد المأمون فردها عليهم الواثق ، ثم قبضت فردها عليهم المستعين ، ثم قبضت فردها عليهم المعتمد ، ثم قبضت فردها المعتضد ، ثم قبضت فردها عليهم الراضي ) .
وفي المناقب : 2 / 52 : ( وردها عليهم المأمون ، والمعتصم والواثق وقالا : كان المأمون أعلم منا به ، فنحن نمضي على ما مضى هو عليه ، فلما ولي المتوكل قبضها . . . وردها المعتضد وحازها المكتفي ، وقيل إن المقتدر ردها عليهم ) .
4 - ( وروي أنه لما صارت الخلافة إلى عمر بن عبد العزيز ، رد عليهم سهام الخمس سهم رسول الله « صلى الله عليه وآله » وسهم ذي القربى وهما من أربعة أسهم ، رده على جميع بني هاشم ، وسلم ذلك إلى محمد بن علي الباقر وعبد الله بن الحسن . وقيل إنه جعل من بيت ماله سبعين حملاً من الورق والعين من مال الخمس ، فرد عليهم ذلك ، وكذلك كلما كان لبني فاطمة وبني هاشم مما حازه أبو بكر وعمر وبعدهما عثمان ومعاوية ويزيد وعبد الملك ، رده عليهم ! واستغنى بنو هاشم في تلك
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 82 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
السنين وحسنت أحوالهم ) . ( المناقب : 2 / 52 ، وكشف الغمة : 2 / 117 ، ويؤيده ما في الطبقات : 5 / 391 ) .
وروى في سمط النجوم / 1043 ، عن الإمام الصادق « عليه السلام » أن عمر بن عبد العزيز كان يهدي إليهم الدراهم والدنانير في زقاق العسل ، خوفاً من أهل بيته !
5 - ألغى عمر بن عبد العزيز مرسوم معاوية بلعن أمير المؤمنين « عليه السلام » في صلاة الجمعة ، قال اليعقوبي : 2 / 305 : ( وترك لعن علي بن أبي طالب على المنبر ، وكتب بذلك إلى الآفاق . . . وأعطى بني هاشم الخمس ، ورد فدكاً وكان معاوية أقطعها مروان فوهبها لابنه عبد العزيز فورثها عمر منه فردها على ولد فاطمة . فلم تزل في أيديهم حتى ولي يزيد بن عبد الملك فقبضها ) .
وقال في شرح النهج : 4 / 58 : ( فأما عمر بن عبد العزيز فإنه قال : كنت غلاماً أقرأ القرآن على بعض ولد عتبة بن مسعود ، فمر بي يوماً وأنا ألعب مع الصبيان ونحن نلعن علياً ، فكره ذلك ودخل المسجد ، فتركت الصبيان وجئت إليه لأدرس عليه وردي ، فلما رآني قام فصلى وأطال في الصلاة شبه المعرض عني حتى أحسست منه بذلك ، فلما انفتل من صلاته كلح في وجهي فقلت له : ما بال الشيخ ؟ فقال لي : يا بنيَّ أنت اللاعن علياً منذ اليوم ؟ قلت : نعم ، قال : فمتى علمت أن الله سخط على أهل بدر بعد أن رضي عنهم ! فقلت : يا أبت وهل كان علي من أهل بدر ! فقال : ويحك ! وهل كانت بدر كلها إلا له ! فقلت : لا أعود ، فقال : آلله إنك لا تعود ! قلت : نعم فلم ألعنه بعدها .
ثم كنت أحضر تحت منبر المدينة وأبي يخطب يوم الجمعة وهو حينئذ أمير المدينة ، فكنت أسمع أبي يمر في خطبه تهدر شقاشقه حتى يأتي إلى لعن علي « عليه السلام » فيجمجم ويعرض له من الفهاهة والحصر ما الله عالم به ، فكنت أعجب من ذلك ، فقلت له يوماً : يا أبت أنت أفصح الناس وأخطبهم ، فما بالي أراك
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 83 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أفصح خطيب يوم حفلك حتى إذا مررت بلعن هذا الرجل ، صرت ألكن عيِياً ! فقال : يا بني ، إن من ترى تحت منبرنا من أهل الشام وغيرهم لو علموا من فضل هذا الرجل ما يعلمه أبوك ، لم يتبعنا منهم أحد ! فوقرت كلمته في صدري مع ما كان قاله لي معلمي أيام صغري ، فأعطيت الله عهداً لئن كان لي في هذا الأمر نصيبٌ لأغيرنه ! فلما من الله عليَّ بالخلافة أسقطت ذلك وجعلت مكانه : إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ، وكتب به إلى الآفاق فصار سنة ) .
ومدحه لذلك الشعراء ، فقال كُثيِّر عزة :

ولِيتَ فلم تشتمْ علياً ولم تُخفْ * بَرِيَاً ولم تقبل إساءة مجرم
وكفَّرتَ بالعفو الذنوب مع الذي * أتيت فأضحى راضياً كل مسلم
ألا إنما يكفي الفتى بعد زيغه * من الأود البادي ثقاف المقوم

وعبَّر الشريف الرضي في رثائه له عن عقيدة الشيعة فيه فقال « رحمه الله » :

يا ابن عبد العزيز لو بكت ال‍ * عيْنُ فتًى من أميةٍ لبكيتكْ
أنت نزهتنا عن السب والشتْم * فلو أمكن الجزاءُ جزيتُك
دير سمعان لا أغبك غيث * خيرُ ميْت من آل مروان ميتُك
فلوَ اني ملكتُ دفعاُ لما نا * بَكَ من طارق الردى لفديتك

( شرح النهج : 4 / 58 ، ومختصر أخبار شعراء الشيعة / 69 ، والحماسة / 150 )
وفي الطبقات : 5 / 393 : ( كان الولاة من بني أمية قبل عمر بن عبد العزيز يشتمون علياً رحمه الله فلما ولي عمر أمسك عن ذلك فقال كثير عزة الخزاعي . . . ) .
وفي سير الذهبي : 5 / 147 : ( كان الولاة من بني أمية قبل عمر بن عبد العزيز يشتمون رجلاً ! رضي الله عنه ، فلما ولي هو أمسك عن ذلك فقال كثير عزة . . )
أقول : ما أن قتل بنو أمية عمر بن عبد العزيز حتى أعادوا سب أمير المؤمنين « عليه السلام »
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 84 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
على المنابر وغيرها ، كما أثبتناه في أواخر المجلد الثالث .
6 - وقتله بنو أمية بالسُّم وأعادوا ظلم الناس كما كان : ( وعزل يزيد عمال عمر بن عبد العزيز جميعاً ) . ( اليعقوبي : 2 / 308 ) لكن الأمر كُتب عليهم فقد فضحهم ابن عبد العزيز وجرَّأ المسلمين عليهم ، وفتح لبني هاشم باب الثورة ، فثار زيد بن علي « رحمه الله » بعد عشرين سنة ، والعباسيون بعد ثلاثين سنة .
قال الوليد بن هشام : ( لقيني يهودي فأعلمني أن عمر بن عبد العزيز سيلي هذا الأمر وسيعدل فيه ، ثم لقيني بعد فقال لي : إن صاحبك قد سقي فمُرْهُ فليتدارك نفسه ! فلقيته فذكرته له فقال لي : قاتله الله ما أعلمه ! لقد علمت الساعة التي سقيت فيها ، ولو كان شفائي أن أمس شحمة أذني ما فعلت ، أو أوتى بطيب فأرفعه إلى أنفي فأشمه ، ما فعلت ) ! ( الفتن لنعيم بن حماد / 68 ) .
يشير النص إلى أن اليهود كانوا وراء سمه ، وقد كانت صلاتهم وثيقة بالأمويين ! كما يشير إلى مبالغات الناس في إيمان عمر بن عبد العزيز وتقواه ، وأنه كان مسلِّماً لقضاء الله وقدره ، إلى حد أنه لا يعالج نفسه من السُّم !
7 - تقدم في سيرة الإمام زين العابدين « عليه السلام » ( 4 / 182 ) ، أن ابن عبد العزيز كان يعرف مقام علي والأئمة من العترة « عليهم السلام » ، وأن الإمام « عليه السلام » كان يصفه بالمترف الفاسق ، ورأيت أن الجاحظ يصفه بالفاسق أيضاً ، وهذا يشير إلى سلوكه الأخلاقي ، لكن حكمنا عليه لأنه يعلم أن بني أمية غصبوا الخلافة من أهل البيت « عليهم السلام » ولم يُرجعها إلى أصحابها !
( قال أبو بصير : كنت مع الباقر « عليه السلام » في المسجد ، إذ دخل عليه عمر بن عبد العزيز ، عليه ثوبان ممصران متكئاً على مولى له ، فقال « عليه السلام » : لَيَلِيَنَّ هذا الغلام فيظهر العدل ويعيش أربع سنين ، ثم يموت فيبكي عليه أهل الأرض ويلعنه أهل السماء . فقلنا : يا بن رسول الله أليس ذكرت عدله وإنصافه ؟ قال : يجلس في
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 85 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مجلسنا ولا حق له فيه ) ! ( الخرائج : 1 / 276 ) .
وتقدم أن روايتهم عن الإمام الباقر « عليه السلام » أنه : ( نجيب بني أمية ويبعث يوم القيامة أمة وحده ) يدل على تميزه عن غيره من خلفائهم ، ولا يدل على نجاته .
8 - روى ابن عساكر : 69 / 160 ، أن يزيد بن معاوية صَلَبَ رأس الحسين « عليه السلام » في دمشق ثلاثة أيام ، ثم وضعه : ( في خزائن السلاح . . فلما ولي عمر بن عبد العزيز بعث إلى الخازن خازن بيت السلاح : وجِّه إليَّ رأس الحسين بن علي ، فكتب إليه أن سليمان أخذه وجعله في سفط وصلى عليه ودفنه ، فصح ذلك عنده . فلما دخلت المسودة سألوا عن موضع الرأس فنبشوه وأخذوه ، والله أعلم ما صُنع به ) .
أقول : هذه الرواية من تصوراتهم ، والمعتمد عند المصريين أنه بقي في خزائن بني أمية ودفنوه في عسقلان ثم في القاهرة ، والمعتمد عندنا أن الإمام زين العابدين « عليه السلام » أخذه من يزيد وأعاده إلى كربلاء ، ودفنه مع الجسد الشريف .
9 - روى ابن عساكر : 30 / 297 ، وغيره ، أن عمر بن العزيز أرسل محمد بن الزبير إلى الحسن البصري يقول له : ( إشفني فيما اختلف فيه الناس : هل كان رسول الله ( ص ) استخلف أبا بكر ؟ فاستوى الحسن قاعداً فقال : أوَفي شك هو لا أباً لك ! إي والله الذي لا إله إلا هو لقد استخلفه ) . وعلق عليه الأميني « رحمه الله » في الغدير : 5 / 345 ، بقوله : ( أنظر إلى هذا المتقشف المتزهد الجامد ، كيف يحلف كذباً بالله تعالى على ما لا تعترف به الأمة جمعاء ، حتى نفس أبي بكر وعمر ) !
أقول : يدل ذلك على أن ابن عبد العزيز والناس في عصره يرون أن الخلافة لا تكون إلا بالنص ، وأن بني أمية أو غيرهم ادعوا النص على أبي بكر ، وكان الخليفة متحيراً ، فأراد أن ( يُشفي ) شكه بسؤال الحسن البصري ! وقد يكون ذلك في مرحلة من حياته ، ثم وصل إلى تفضيل أهل البيت « عليهم السلام » على نفسه وجميع الناس ، فقد قضى في رجل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 86 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فضَّل معاوية على علي « عليه السلام » بالتعزيز والنفي ، وكان يقول : ( ما علمنا أحداً كان في هذه الأمة أزهد من علي بن أبي طالب بعد النبي ) . ( الكامل : 3 / 401 ، راجع جواهر التاريخ : 4 / 183 ) .
وقضى بأن علياً « عليه السلام » أفضل من أبي بكر وعمر وعثمان ، فقد روى ابن الكلبي أن عامل عمر بن العزيز رفع إليه مسألة رجل حلف أن علياً خير هذه الأمة وأولاها برسول الله « صلى الله عليه وآله » وإلا فامرأته طالق ثلاثاً ، فقال له أبوها طَلُقَتْ منك ، واختلفا : ( فجمع عمر بن عبد العزيز بني هاشم وبني أمية . . . ما تقولون في يمين هذا الرجل ؟ . . . وكتب عمر إلى عامله ابن مهران . . : قد صدَّق الله يمين الزوج وأبرَّ قسمه ، وأثبته على نكاحه ، فاستيقن ذلك واعمل عليه ) . ( شرح النهج : 20 / 222 ، وملاحم ابن طاووس / 385 ) .
10 - في هذا الجو السياسي الذي هيأه الله للإمام الباقر « عليه السلام » انطلق في جهده النبوي على مدى أربع عشرة سنة ، يجهر بالحق ، ويواجه تآمر قريش وتحريفها للإسلام ، ويفضح سياسات الحكام ، ويعلي الصرح الفكري والاجتماعي للفئة الثابتة في زمن الانحراف ! وقد نشأت ثورة الحسنيين والعباسيين من هذه الأرضية بفضل الموجة التي أحدثها الإمام « عليه السلام » ، ثم استمدت دفعها من ثورة أخيه زيد « رحمه الله » أبكر ثورة هاشمية بعد كربلاء . وعندما مات عمر بن عبد العزيز ، وتولى بعده يزيد بن عبد الملك أربع سنين ثم هشام بن عبد الملك عشر سنين ، لم يستطيعا إيقاف الموجة الفكرية والاجتماعية والسياسية التي أحدثها الإمام « عليه السلام » ، لأنها كَوَّنَتْ واقعاً جديداً في الأمة ، جريئاً على بني أمية وطغيانهم . وساعد عليه عدم الاستقرار السياسي للنظام الأموي ، وأن الخليفة كان مشغولاً بالصراع مع ولاته ومع الطامعين بالخلافة حوله ، وقد انفتح هذا الباب في زمن ابن عبد العزيز عندما عزل حاكم البصرة وبلاد فارس ابن المهلب ، وحبسه في الشام ، فهرب من سجنه وعاد إلى موطنه وأعلن الحرب على بني أمية ! وكذلك اضطربت ولاية خراسان وشمال إيران ، واستفحل الخوارج في العراق . . الخ .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 87 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الرابع : تصعيد الإمام الباقر « عليه السلام » مواجهته للنظام الأموي

1 - الإمام الباقر « عليه السلام » يُعلي صَرْحَ التشيع

حددت صحيفة الوصية البليغة التي تقدمت في الفصل الأول ، البرنامج الرباني للإمام الباقر « عليه السلام » : ( فسِّرْ كتاب الله تعالى ، وصدِّقْ أباك ، وورِّثْ ابنك ، واصطنع الأمة وقم بحق الله عز وجل ، وقل الحق في الخوف والأمن ، ولا تخش إلا الله ) .
ولكل فقرة منها دلالات ، وغرضنا منها الفقرة الأخيرة التي ترفع التقية عن الإمام « عليه السلام » ليجهر بالحق في الخوف والأمن ، ويكشف التحريف .
كما حدد حديث أبيه زين العابدين « صلى الله عليه وآله » أنه سيبدأ انطلاقته في بَقْر علم النبوة وتفجير ينابيعه ، حيث قال « عليه السلام » للقاسم بن عوف « رحمه الله » : ( وإياك أن تشد راحلة ترحلها فما ها هنا مطلب العلم حتى يمضي لكم بعد موتي سبع حجج ، ثم يبعث الله لكم غلاماً من ولد فاطمة يُنبت الحكمة في صدره كما يُنبت الطَّلُّ الزرع ) .
وبعد سبع سنين تولى الخلافة عمر بن عبد العزيز ، الشاب المترف الذي عاش في المدينة ثم صار واليها ، وكان محباً لبني هاشم عترة النبي « صلى الله عليه وآله » ، معجباً بالإمام
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 88 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
زين العابدين « عليه السلام » أيما إعجاب كما تقدم في سيرته ، وظل يذكره بإيمان ولهفة ويقول : ( ذهب سراج وجمال الإسلام وزين العابدين ) ( تاريخ اليعقوبي : 2 / 306 ) . وقد انتقل إعجابه إلى ولده محمد الباقر « عليه السلام » فانفتح الباب لانطلاقة الإمام « عليه السلام » طوال أربع عشرة سنة من عمره الشريف ، منها خمس سنوات في عهد ابن عبد العزيز وخلفه يزيد بن عبد الملك ، ثم واصل جهاده في عهد الطاغية هشام بن عبد الملك حتى استشهد بيده بعد تسع سنين !
في هذه المدة جهر الإمام « عليه السلام » بالحق في حديثه ومواقفه ، فبيَّنَ معالم الإسلام النبوي ومركزية ولاية أهل البيت « عليهم السلام » فيه ، وبَلْوَرَ معالم فقه الإسلام وشريعته ، ورسَّخَ أسس التشيع التي أرساها آباؤه « عليهم السلام » ، وفضح عمل قريش وتآمرها .
وربى على ذلك جيلاً من العلماء والرواة ، كما تقدم في فصله ، ونشر مذهب أهل البيت « عليهم السلام » في العراق وخراسان والشام والحجاز ، وغيرها من مناطق الدولة .
ولو تتبعنا مفردة واحدة من نشاطه العلمي تطبيقاً لأمر الله تعالى : ( فسر كتاب الله ) لرأينا العمق واليقين في تفسير القرآن ، في عصر ساد فيه التفسير السطحي بالإسرائيليات من علماء الدولة كعكرمة وقتادة ومجاهد والحسن البصري !
وصدِّقْ أباك . . أي : رسِّخ ما بناه أبوك زين العابدين « عليه السلام » من عقائد الإسلام وأخلاقيته وروحانيته ، وظلامة العترة الطاهرة .
وورِّثْ ابنك . . أي قم بما يتعلق بك من إعداد جعفر الصادق « عليه السلام » وتعريفه للأمة ، والوصية له ، وتوريثه جهدك ومجدك ومواريث الأنبياء « عليهم السلام » .
ومعنى ذلك : ركز مكانة آبائك وابنك واربط الأمة بهم ، وعلمها أن توالي هذه الأسرة الربانية المختارة وتقتدي بهم ، حتى لا ينصب لها المنحرفون أنداداً وأئمة من دون الله تعالى ، ويخدعوها بولاية الطغاة المقنعين ، وعلمائهم المضلين !
واصطنع الأمة . . أي قم ببناء الفئة الواعية الناجية داخل الأمة ، فاختر علماءها
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 89 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وعناصرها ، وتألفهم بالتربية والرعاية والإدارة . وهذا ما قام به الإمام « عليه السلام » فكان ينمي الكتلة الموالية لأهل البيت « عليهم السلام » ويرعاهم ويوجه إليهم الرسائل والمبلغين .
ويكفي لمعرفة تأثيره « عليه السلام » في بناء المجتمع الشيعي قول الخليفة هشام عنه : ( هذا نبي أهل الكوفة ) . ( الكافي : 8 / 120 ) . ( المفتون به أهل العراق ) . ( سير أعلام : 4 / 405 ) .
وقم بحق الله عز وجل . . في نفسك وأسرتك وعشيرتك ومجتمعك ، ومع السلطة الأموية ، ولاتها ورأسها ، ومع مشاريع الجبابرة الجدد الذين يعملون لوراثتها .
وقل الحق في الخوف والأمن ، ولا تخش إلا الله . . وهذا أمرٌ للإمام « عليه السلام » بالجهر بالحق بدون تقية ، فكان يجهر به ويعلمه لتلاميذه وأتباعه ، ويواجه به شخصيات المجتمع ، وعلماء السلطة ، وأتباعهم ، ويواجه به الوالي والخليفة ، سواء كان ليناً محباً كعمر بن عبد العزيز ، أو معادياً طاغية كالحاكميْن اللذين عاصرهما بعده : يزيد بن عبد الملك الذي عمل لإعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل ابن عبد العزيز والطاغية الجبار المريض نفسياً هشام بن عبد الملك ، الذي جاهده الإمام وعانى منه تسع سنين ، حتى كتب الله له الشهادة بيده .
ويظهر لك من تاريخ عصره « عليه السلام » أنه أوجد تياراً في الأمة موالياً لأهل بيت النبوة « عليهم السلام » وكان يجاهر في ذلك ولا يخاف إلا الله تعالى : روى الصدوق « رحمه الله » في فضائل الشيعة / 8 ، عن الإمام الصادق « عليه السلام » قال : ( خرجت أنا وأبي ذات يوم إلى المسجد فإذا هو بأناس من أصحابه بين القبر والمنبر ، قال فدنى منهم وسلم عليهم وقال :
إني والله لأحب ريحكم وأرواحكم فأعينوا على ذلك بورع واجتهاد ، واعلموا أن ولايتنا إلا بالورع والاجتهاد ، من أئتم منكم بقوم فليعمل بعلمهم . أنتم شيعة الله وأنتم أنصار الله ، وأنتم السابقون الأولون ، والسابقون الآخرون ، والسابقون في الدنيا إلى محبتنا ، والسابقون في الآخرة إلى الجنة . ضمنت لكم الجنة بضمان الله
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 90 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عز وجل وضمان النبي « صلى الله عليه وآله » !
أنتم الطيبون ، ونساؤكم الطيبات ، كل مؤمنة حوراء وكل مؤمن صديق . بكم من مَرَّةٍ قال أمير المؤمنين « عليه السلام » لقنبر : أبشروا وبشروا ، فوالله مات رسول الله « صلى الله عليه وآله » وهو ساخط على أمته إلا الشيعة ! ألا وإن لكل شئ شرفاً ، وشرف الدين الشيعة . ألا وإن لكل شي إماماً وإمام الأرض أرض تسكنها الشيعة . ألا وإن لكل شئ سيداً وسيد المجالس مجالس الشيعة . ألا وإن لكل شئ شهوة ، وإن شهوة الدنيا سكنى شيعتنا فيها . والله لولا ما في الأرض منكم ما استكمل أهل خلافكم طيباتهم في الدنيا ، وما لهم في الآخرة من نصيب . كل ناصب وإن تعبد واجتهد ، منسوب إلى هذه الآية : عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً . من دعا منكم دعوة فله مئة ، ومن طلب منكم إلى الله تبارك وتعالى اسمه حاجة فله مائة . ومن دعا دعوة فله مائة ، ومن عمل حسنة فلا يحصى تضاعيفها ، ومن أساء سيئة فمحمد رسول الله « صلى الله عليه وآله » حجته على تبعتها . والله إن صائمكم ليرتع في رياض الجنة تدعو له الملائكة بالفوز حتى يفطر ، وإن حاجكم ومعتمركم لخاصة الله عز وجل . وإنكم جميعاً لأهل دعوة الله وأهل ولايته ، لا خوف عليكم ولا حزن ، كلكم في الجنة ، فتنافسوا الصالحات . والله ما أحد أقرب من عرش الله عز وجل بعدنا من شيعتنا . ما أحسن صنع الله إليهم ! لولا أن تفشلوا ويشمت به عدوكم ويُعظم الناس ذلك ، لسلَّمَتْ عليكم الملائكة قبيلاً ! قال أمير المؤمنين « عليه السلام » : ٍيخرج أهل ولايتنا من قبورهم يخاف الناس وهم لا يخافون ، ويحزن الناس وهم لا يحزنون ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 91 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

2 - أهم فعاليات الإمام « عليه السلام » لإعلاء صرح الإسلام ورد التحريف

ذكرنا في الفصل الثاني نماذج من علم الإمام « عليه السلام » ، وكلها مفرداتٌ في إعلائه لصرح التشيع ، الذي هو الإسلام النبوي في مقابل الإسلام الأموي .
ومراعاةً لمنهج الكتاب في الاختصار ، نكتفي بالقول : إن الإسلام النبوي الذي قدمه الإمام « عليه السلام » يقوم على التمسك بالقرآن والعترة ، ومن أركانه فريضة ولاية أئمة العترة النبوية « عليهم السلام » التي أوحاها الله تعالى وبلغها رسوله « صلى الله عليه وآله » ، ويوازيها ركن آخر هو فريضة البراءة من أعدائهم وظالميهم وغاصبي حقوقهم ، أياً كانوا ! وهذا ما تجده صريحاً قوياً في أحاديث الإمام « عليه السلام » ومواقفه ! ويكفي أن تقرأ فهرس أحاديثه في أبواب الكافي : 1 / 174 ، مثلاً :
باب طبقات الأنبياء والرسل والأئمة « عليهم السلام » .
باب الفرق بين الرسول والنبي والمحدث « عليهم السلام » .
باب أن الأرض لا تخلو من حجة .
باب أن الأئمة خلفاء الله عز وجل في أرضه وأبوابه التي منها يؤتي .
باب أن الأئمة ولاة الأمر وهم الناس المحسودون الذين ذكرهم الله عز وجل .
باب أن أهل الذكر الذين أمر الله الخلق بسؤالهم هم الأئمة « عليهم السلام » .
باب أن الراسخين في العلم هم الأئمة « عليهم السلام » .
باب في أن من اصطفاه الله من عباده وأورثهم كتابه هم الأئمة « عليهم السلام » .
باب أن الأئمة معدن العلم وشجرة النبوة ومختلف الملائكة .
باب أن الأئمة ورثوا علم النبي وجميع الأنبياء والأوصياء الذين من قبلهم « عليهم السلام » .
باب أن الأئمة « عليهم السلام » إذا شاؤوا أن يعلموا علموا .
باب أن الأئمة « عليهم السلام » محدثون مفهمون .
باب وقت ما يعلم الإمام جميع علم الإمام الذي كان قبله .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 92 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
باب ثبات الإمامة في الأعقاب وأنها لا تعود في أخ ولا عم ولا غيرهما .
باب ما يفصل به بين دعوى المحق والمبطل في أمر الإمامة .
ففي هذه الأبواب وأمثالها تجد أحاديثه وأحاديث ابنه الصادق « صلى الله عليه وآله » وافرةً هادرة ، في بيان أصول ولاية أهل البيت « عليهم السلام » وتفاصيلها ، وأصول البراءة من مخالفيهم وتفاصيلها . يبدأ فيها الإمام « عليه السلام » بآيات كتاب الله تعالى ، ويؤيدها بسيرة جده النبي « صلى الله عليه وآله » وأحاديثه من أول بعثته ، ومراحل جهاده في مكة ثم في المدينة ، وبمواقفه الحاسمة وأحاديثه الصريحة التي لا تقبل التعلل ، وتنص على أن الله تعالى بعثه « صلى الله عليه وآله » أولاً رسولاً إلى بني هاشم ثم إلى قريش والعالم ، وأنه « صلى الله عليه وآله » بلغ رسالة ربه فأنذر عشيرته الأقربين ، واختار منهم بأمر ربه علياً « عليه السلام » وزيره ووصيه !
ولا يتحرج الإمام « عليه السلام » في أن يذم قريشاً ويسمي رؤساء بطونها وشخصياتها ، الذين كذبوا رسول الله « صلى الله عليه وآله » وتآمروا عليه ، ثم تعاونوا مع اليهود في تجييش العرب لحربه ثم اضطروا إلى خلع سلاحهم والخضوع له في فتح مكة ، لكنهم واصلوا التآمر عليه وكتبوا صحيفتهم الملعونة الثانية لأخذ خلافته ، وإبعاد أهل بيته عنها !
ثم تجد أن عقيدة الإمامة عند الإمام الباقر والصادق « صلى الله عليه وآله » ليست منفصله عن عقيدة النبوة والألوهية بحال فقريش انتقصت من عقيدة النبوة ومن شخصية النبي « صلى الله عليه وآله » لتتناسب صورته التي قدمتها للناس مع قولها إنه ترك أمته سدى وانتهى مشروعه بموته دون أن يعهد به إلى عترته الذين وعد الله أن يظهر بهم دينه على الدين كله .
كما انتقصت قريش من توحيد الله عز وجل في ذاته وصفاته ، وأفعاله وحكمته ودونت في مصادر المسلمين تصورها لله تعالى تصوراً يهودياً لا إسلامياً !
لذا كان من فعاليات الإمام الباقر « عليه السلام » تصحيح التوحيد وتصحيح فهم المسلمين لله تعالى وأفعاله ، فواصل المعركة التي خاضها أهل البيت « عليهم السلام » لإعادة التوحيد النبوي ومقاومة التحريف القرشي اليهودي ، الذي قدم ذات الله شخصاً شبيهاً بالإنسان يسكن في السماء وينزل إلى الدنيا ويصعد ! متبعين للمتشابه لزيغهم ، ومخالفين للآيات
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 93 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
المحكمة بأنه عز وجل لا تدركه الأبصار وليس كمثله شئ ! وما زال أتباعهم إلى يومنا هذا يصرون على فريتهم وينشرونها في المسلمين !
ويكفي أن ترجع إلى كتاب التوحيد للصدوق « رحمه الله » لتجد أن الإمام الباقر « عليه السلام » شق طريق التوحيد ، وهاجم التحريف في معرفة الله تعالى وعبادته .
كما تلاحظ وفرة ما روي عنه « عليه السلام » في سيرة النبي « صلى الله عليه وآله » ومقامه الشامخ ، وأنه أسس لسيرة نبوية أصيلة ، أثبت فيها ما أنقصه الأمويون ، وبرأها مما ألصقوه !
كما تجد من فعالياته « عليه السلام » تركيز مكانة أمير المؤمنين « عليه السلام » في الأمة لأنه « عليه السلام » محور التشيع وأول أئمته ، وأول مظلوم يفتح ملفه يوم الحساب كما روى أصح كتب مخالفيه : ( أول من يجثو للخصومة بين يدي الرحمان يوم القيامة ) ! ( صحيح بخاري : 5 / 6 ) .
وتجد من فعالياته « عليه السلام » : تعليم المسلمين التدين الفقاهتي في مقابل التدين السياسي للخليفة وموظفي الدولة ، والتدين البدوي الشكلي لأتبعهم .
ومن فعالياته « عليه السلام » : إرساء أصول الفقه وقواعده ، ومحاربته المنهج الظني والكيفي :
ومن فعالياته « عليه السلام » : نفي قداسة الأئمة الذين نصبتهم قريش مقابل أهل البيت « عليهم السلام » . :
وفي كل واحد من هذه الموضوعات مفردات وبحوث ، لا يتسع لها المجال ، نعم ينبغي التنبيه على أمرين : أولهما ، أنك تجد في أحاديث الإمام الباقر « عليه السلام » عدداً وافراً من أحاديث أهل البيت « عليهم السلام » الصريحة جداً والجريئة جداً ، في إدانة ما فعلته قريش مع النبي « صلى الله عليه وآله » في حياته وبعد وفاته ، وفي وصف أئمتها بأوصاف شديدة !
والثاني ، أن السلطة الأموية والعباسية ورواتهما وجدوا أنفسهم محرجين أمام شقاشق الإمام الباقر « عليه السلام » الهادرة في بيان حق أهل البيت « عليهم السلام » وذم مخالفيهم ، لذلك وضعوا على لسانه أحاديث في مدح أئمتهم وسلفهم خاصة أبي بكر وعمر ، وردوا الأحاديث المخالفة لها ، واتهموا رواتها !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 94 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

3 - الإمام الباقر « عليه السلام » يتبنى الشاعرين كُثَيِّر عَزَّة والكُمَيْت

كان تأثير الشاعر في تلك العصور كتأثير الإذاعة في عصرنا ، ومن هنا اهتم النبي « صلى الله عليه وآله » والأئمة « عليهم السلام » بالشعر لإسناد الحق ودحض الباطل . وذكر المحدثون عدة شعراء كانوا في خط الإمام الباقر « عليه السلام » : الفرزدق ، وكُثيِّر عزة ، وابنه ، والكميت ، وأخوه الورد ، وابنه المستهل . وتقدمت مواجهة الفرزدق لهشام بن عبد الملك يوم كان أميراً ، وقصيدته الخالدة في مدح الإمام زين العابدين « عليه السلام » : هذا الذي تعرف البطحاء وطأته . . وقد بقي الفرزدق على صلة بالإمام الباقر « عليه السلام » ، لكن لم أجد له شعراً في مدحه ، ولا في ذم بني أمية بعد قصيدته تلك !
كُثَيِّر عزة « رحمه الله »
( كُثَيِّر بن عبد الرحمن . . الخزاعي الحجازي الشاعر ، المعروف بابن أبي جمعة وهو كُثَيِّر عَزَّة . . وكان من فحول الشعراء ) . ( تاريخ دمشق : 50 / 76 ) .
سمع به عبد الملك بن مروان فاستحضره ، ولما دخل عليه رآه قصيراً تزدريه العين فقال : تسمع بالمعيدي لا أن تراه ! فقال : ( مهلاً يا أمير المؤمنين فإنما المرء بأصغريه : قلبه ولسانه ، إن ضرب ضرب بجنان ، وإن نطق نطق ببيان !

ترى الرجل النحيف فتزدريه * وفي أثوابه أسد هصورُ
ويعجبك الطرير فتختبره * فيخلف ظنك الرجل الطريرُ
وقد عظم البعير بغير لبٍّ * فلم يستغن بالعِظَم البعير
فيُركب ثم يُضرب بالهراوي * فلا عرفٌ لديه ولا نكير . .

فاعتذر إليه عبد الملك ورفع مجلسه ) . ( تاريخ دمشق : 50 / 86 ) . ومن يومها صار كثيِّر
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 95 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مقرباً عند عبد الملك رغم تشيعه ! قال الصفدي في وفيات الأعيان : 4 / 106 : ( أحد عشاق العرب المشهورين . . . وهو صاحب عزة بنت جميل . . . وله معها حكايات ونوادر وأمور مشهورة ، وأكثر شعره فيها ، وكان يدخل على عبد الملك بن مروان وينشده ، وكان رافضياً شديد التعصب لآل أبي طالب ، حكى ابن قتيبة في طبقات الشعراء أن كثيراً دخل يوماً على عبد الملك فقال له عبد الملك : بحق علي بن أبي طالب هل رأيت أحداً أعشق منك ؟ قال : يا أمير المؤمنين لو نشدتني بحقك أخبرتك ) . وحدثه عن شاب بدوي نصب حُبَالة ليصيد ما يسد به جوعه وجوع والديه ، فصاد غزالة ، فلما نظر إلى عينيها أطلقها لأنها تشبه حبيبته !
ولما عزم عبد الملك على حرب مصعب بن الزبير في العراق ، ناشدته زوجته عاتكة بنت يزيد بن معاوية أن لا يخرج بنفسه وأن يستنيب غيره . . . فقال : قاتلَ الله ابن أبي جمعة يعني كثيِّراً كأنه رأى موقفنا هذا حين قال :

إذا ما أراد الغزو لم يثن عزمه * حصان عليها نظم در يزينها
نهته فلما لم ترَ النهي عاقه * بكت فبكى مما شجاها قطينها ) .
وذهب عبد الملك إلى المعسكر ، فقال لكثير : ( يا ابن أبي جمعة ، ذكرتك بشئ من شعرك الساعة ، فإن أصبته فلك حكمك ! قال : نعم يا أمير المؤمنين ، أردت الخروج فبكت عاتكة بنت يزيد وحشمها ، يعني امرأته فذكرت قولي : إذا ما أراد الغزو لم يثن همه . . قال : أصبت والله ، إحتكم . قال مائة ناقة من نوقك المختارة . قال : هي لك . فلما كان الغد نظر عبد الملك إلى كثيِّر يسير في عرض الناس ضارباً بذقنه على صدره يفكر فقال : ( أرأيت إن أخبرتك بما كنت تفكر به تعطيني حكمي ؟ قال : نعم . قال له عبد الملك إنك تقول في نفسك : هذا رجل ليس هو على مذهبي ، وهو ذاهب إلى قتال رجل ليس هو على مذهبي ، فإن أصابني سهم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 96 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
غرب من بينهما خسرت الدنيا والآخرة ! فقال : إي والله يا أمير المؤمنين فاحتكمْ . قال : حكمي أن أردك إلى أهلك وأحسن جائزتك ، فأعطاه مالاً وأذن له بالانصراف ) . ( تاريخ دمشق : 50 / 86 ، والنهاية : 9 / 279 ) .
وروى في مناقب آل أبي طالب : 3 / 337 ، أن الإمام الباقر « عليه السلام » سأل كثير عزة يوماً : ( امتدحت عبد الملك ؟ فقال : ما قلت له يا إمام الهدى ، وإنما قلت : يا أسد والأسد كلب ، ويا شمس ، والشمس جماد ، ويا بحر ، والبحر موات ، ويا حية ، والحية دويبة منتنة ، ويا جبل وإنما هو حجر أصم . قال : فتبسم « عليه السلام » ) . وأمالي المرتضى : 1 / 207 .
وبعد عبد الملك ضعفت علاقة كثيِّر بأبنائه ، حتى استخلف عمر بن عبد العزيز وأصدر مرسومه بمنع سب علي « عليه السلام » في خطب الجمعة ، فقال كثير يمدحه :

( وَليتَ فلم تشتم عليا ولم تُخف * برياً ولم تقبل إشارة مُجرمِ
وصدَّقت بالفعل المقال مع الذي * أتيت فأمسى راضياً كل مسلم
فما بين شرق الأرض والغرب كلها * مناد ينادي من فصيح وأعجم
يقول أمير المؤمنين ظلمتني * بأخذك ديناري ولا أخذ درهم
ولا بسط كف لامرئ غير مجرم * ولا السفك منه ظالما ملء محجم
ولو يستطيع المسلمون لقسموا * لك الشطر من أعمارهم غير ندم
فعشت بها ما حج لله راكب * مغذ مطيف بالمقام وزمزم

( تاريخ دمشق : 50 / 92 ، ومناقب آل أبي طالب : 3 / 22 ) .
أما أقوى مواقف كثيِّر « رحمه الله » فكانت عندما : ( كتب هشام إلى والي المدينة أن يأخذ الناس بسب علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه ، فقال كثيِّر :

لعن الله من يسبُّ علياً * وبنيه ، من سَوْقَة وإمام
ورمى الله من يسبُّ علياً * بصدامٍ وأولقٍ وجذام
طبْتَ بيتاً وطاب أهلك أهلاً * أهل بيت النبي والإسلام

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 97 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

رحمةُ الله والسلامُ عليكم * كلما قام قائمٌ بسلام
يأمنُ الطيرُ والظباء ولا * يأمن رهط النبي عند المقام

قال فحبسه الوالي وكتب إلى هشام بما فعل ، فكتب إليه هشام يأمره بإطلاقه وأمر له بعطاء ) ! ( مجمع الأمثال للنيسابوري : 1 / 309 ، والبيان والتبيين : 3 / 359 ، والمرزباني / 348 ، والأغاني : 7 / 246 ) .
أقول : يدل إطلاق الخليفة لكثيِّر على قوة الجو العام ضد بني أمية ، وأكثره من تأثير الإمام الباقر « عليه السلام » ! كما يدل على أن مرسوم ابن عبد العزيز في منع سب أمير المؤمنين « عليه السلام » انحصر في مدة حكمه القصيرة ثم أعاده خلفاء بني أمية كما كان ! بل لعل مرسوم ابن عبد العزيز لم يطبق إلا في حياته ، وبشكل جزئي !
وروى ابن الشجري في أماليه / 211 ، أن كثيراً قال وهو في حبس والي المدينة :

إنَّ امْرَءاً كانَت مَساوِيهِ * حُبُّ النَبِيِّ لغَيْرُ ذي عُتْبِ
وبَنِي أبي حَسَن ووالِدِهِم * مَنْ طابَ في الأرحام والصُّلبِ
أيَرَونَ ذَنْباً أنْ أُحِبَّهُمُ * بَل حُبُّهُم كَفّارَةُ الذَّنْبِ
فكتب فيه إبراهيم إلى هشام ، فكتب إليه هشام أن أقمه على المنبر حتى يلعن علياً وزيداً ، فإن فعل وإلا فاضربه مائة سوط على مائة ، فأمره أن يلعن علياً فصعد المنبر فقال : لعن الله من يسب علياً . . . وبنيه من سوقة وإمام ) .
أقول : تكرر هذا الموقف من كثيِّر « رحمه الله » في مكة فقد روى في المنتظم : 7 / 103 : ( وكان بمكة وقد ورد على الأمراء الأمر بلعن علي رضي الله عنه ، فرقى المنبر وأخذ بأستار الكعبة ، وقال . . ) . ونحوه ابن المغازلي في المناقب / 309 .
وهذا يدل على تأثير عمل الإمام « عليه السلام » في الرأي العام وجرأة الناس على بني أمية !
وسيأتي شعره عند احتضاره في البراءة من بني تيم وعدي وأمية ! واحتشاد المسلمين على جنازته وإعراضهم عن جنازة عكرمة !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 98 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الكميت بن زيد الأسدي « رحمه الله »
ترجم له الذهبي وهو المبغض للشيعة ، فقال في سيره : 5 / 388 : ( الكميت بن زيد الأسدي الكوفي ، مقدم شعراء وقته ، قيل بلغ شعره خمسة آلاف بيت ، روى عن الفرزدق وأبي جعفر الباقر . وعنه : والبة بن الحباب ، وأبان بن تغلب ، وحفص القارئ . . . قال أبو عبيدة : لو لم يكن لبني أسد منقبة غير الكميت لكفاهم حببهم إلى الناس وأبقى لهم ذكراً . وقال أبو عكرمة الضبي : لولا شعر الكميت لم يكن للغة ترجمان . . . وكان الكميت شيعياً مدح علي بن الحسين فأعطاه من عنده ومن بني هاشم أربع مئة ألف وقال : خذ هذه يا أبا المستهل ، فقال : لو وصلتني بدانق لكان شرفاً ، ولكن أحسن إليَّ بثوب يلي جسدك أتبرك به ، فنزع ثيابه كلها فدفعها إليه ودعا له . فكان الكميت يقول : ما زلت أعرف بركة دعائه . . . قال ابن عساكر : ولد سنة ستين ، ومات سنة ست وعشرين ومئة ) . انتهى .
وقال ابن عساكر في تاريخ دمشق : 50 / 232 : ( كان في الكميت عشر خصال ، لم تكن في شاعر : كان خطيب بني أسد ، وفقيه الشيعة ، وحافظ القرآن ، وثبت الجنان ، وكان كاتباً حسن الخط ، وكان نسابة وكان جدلاً ، وكان أول من ناظر في التشيع ، وكان رامياً لم يكن في أسد أرمى منه بنبل ، وكان فارساً ، وكان شجاعاً ، وكان سخياً ديناً ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 99 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كان الكميت متديناً لا يقبل الجائزة الدنيوية على شعره
فقد أنشد لثلاثة من الأئمة : زين العابدين والباقر والصادق « عليهم السلام » ولم يقبل جائزة مادية ، بل طلب منهم الدعاء والتبرك بثيابهم ليجعلها في كفنه ، قال :
( والله ما أحببتكم للدنيا ، ولو أردتها لأتيت من هو في يديه ، ولكنني أحببتكم للآخرة ، فأما الثياب التي أصابت أجسادكم فإني أقبلها لبركتها ، وأما المال فلا أقبله ) . ( خزانة الأدب : 1 / 155 ) .
وقال للإمام زين العابدين « عليه السلام » : إني قد مدحتك لأن يكون لي وسيلة عند رسول الله « صلى الله عليه وآله » . وقال للباقر « عليه السلام » : والله ما أحبكم لعرض الدنيا وما أردت بذلك إلا صلة رسول الله « صلى الله عليه وآله » وما أوجب الله علي من الحق . وقال مرة : ألا والله لا يعلم أحد أني أخذ منها حتى يكون الله عز وجل الذي يكافيني . وقال مرة : والله ما قلت فيكم إلا لله وما كنت لأخذ على شئ جعلته لله مالاً ولا ثمناً . وقال : ما أردت بمدحي إياكم إلا الله ورسوله « صلى الله عليه وآله » ولم أك لأخذ لكم ثمناً من الدنيا ) . ( الغدير : 2 / 198 ) .
القصائد الهاشميات : رددها المسلمون وغنَّتْ بها المغنيات
ج أحب المسلمون الكميت وأحصوا شعره : ( قال محمد بن مسلمة : كان مبلغ شعر الكميت حين مات خمسة آلاف ومائتين وتسعاً وثمانين بيتاً ، وكانت ولادته أيام مقتل الحسين بن علي سنة ستين ، وتوفي شهيداً سنة ست وعشرين ومائة في خلافة مروان بن محمد ) . ( معاهد التنصيص / 555 ) .
وعلموا شعره لأولادهم ، ففي تاريخ دمشق : 50 / 238 : ( سمعت مشايخ أهل البيت
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 100 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يقولون : خذوا أولادكم بتعليم الهاشميات ، فإنها تُنبت الولاية في قلوبهم . . .
قال جعفر بن محمد : الكميت سيف آل محمد ، في كل قلب معاند مغمد ) !
وفي : 50 / 247 ، عن أبي عبد الله المفجع ، قال : ( رأيت أمير المؤمنين في النوم فقلت : أشتهي أقول الشعر في أهل البيت ، فقال : عليك بالكميت فاقتف أثره ، فإنه إمام شعرائنا أهل البيت ، وبيده لواؤهم يوم القيامة حتى يقودهم إلينا ) .
وقد أحدث شعر الكميت موجة شعبية ضد بني أمية ، فأراد والي العراق خالد بن عبد الله القسري أن يقتله ، لكنه خاف من عشيرته بني أسد ، فاحتال ليحصل على مرسوم من الخليفة هشام ، فاختار جوارٍ مغنيات وحفَّظهنَّ هاشميات الكميت وأرسلهن إلى هشام ، فطلب هشام من إحداهن أن تغنيه فغنت بشعر الكميت في مدح بني هاشم وذم بني أمية ! فغضب وطلب من الثانية أن تغني فغنت بشعر الكميت أيضاً ! فكتب إلى خالد : ( أن ابعث إليَّ برأس الكميت ! فأخذه خالد وحبسه ، فوجه الكميت إلى امرأته ولبس ثيابها وتركها في موضعه وهرب من الحبس ، فلما علم خالد أراد أن ينكل بالمرأة ، فاجتمعت بنو أسد إليه وقالوا : ما سبيلك على امرأة لنا خدعت ؟ ! فخافهم وخلى سبيلها ) . ( خزانة الأدب : 1 / 87 ) .
وفي تاريخ دمشق : 50 / 239 : ( قال الجاحظ : ما فتح للشيعة الحجاج إلا الكميت بقوله :

فإن هيَ لم تصلحْ لحيٍّ سواهمُ * فإن ذوي القربى أحقُّ وأوجبُ
يقولون لم يورثْ ولولا تراثُه * لقد شركتْ فيها بكيلٌ وأرحبُ

وأجابه المفيد « رحمه الله » الفصول : 2 / 85 : ( إنما نظم الكميت معنى كلام أمير المؤمنين « عليه السلام » في منثور كلامه في الحجة على معاوية ، فلم يزل آل محمد « عليهم السلام » بعد أمير المؤمنين « عليه السلام » يحتجون بذلك ، ومتكلموا الشيعة قبل الكميت وفي زمانه وبعده ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 101 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لكن قصد الجاحظ أن شعر الكميت انتشر بين الناس إلى عصره وتعلموا منه .
هذا ، وقد شرح العلماء والأدباء هاشميات الكميت « رحمه الله » ، وأقدم شرح وصلنا : ( شرح هاشميات الكميت لأبي رياش أحمد بن إبراهيم القيسي أو الشيباني ، المتوفى سنة 339 . . وهي سبع قصائد . . ومجموعها خمسمائة وبضعة وسبعون بيتاً . . ولعبد المتعال الصعيدي كتاب : الكميت بن زيد شاعر العصر المرواني ، طبع بالقاهرة ، ولصلاح الدين نجا : الكميت بن زيد الأسدي شاعر الشيعة السياسي ، طبع في بيروت . . يوجد شرح الهاشميات في دار الكتب المصرية ، وطبع في ليدن سنة 1904 م مع مقدمة وتصحيحات بالألمانية ليوسف هوروفتس . وطبع بالقاهرة في مطبعة شركة التمدن الصناعية سنة 1912 م مع مقدمة لمحمد محمود الرافعي في ترجمة الكميت ومختارات من شعره . وطبع في بيروت بتحقيق الدكتور داود سلوم والدكتور نوري القيسي ) . ( مجلة تراثنا : 14 / 49 ) . ثم ذكر شرحين مطبوعين لمعاصرين هما : لمحمد شاكر الخياط ، ومحمد محمود الرافعي . راجع : الغدير : 2 / 180 ، والأعلام : 1 / 85 ، ومعجم المطبوعات العربية : 1 / 311 ، و 925 .
ولا يتسع المجال هنا إلا لنماذج من هاشمياته « رحمه الله » :

1 - قال « رحمه الله » :
ألا هل عمٍ في رأيه متأملُ * وهل مدبرٌ بعد الإساءة مقبلُ
وهل أمة مستيقظون لرشدهم * فيكشف عنه النعسة المتزمل
وعطلت الأحكام حتى كأننا * على ملة غير التي نتنحل
كلام النبيين الهداة كلامنا * وأفعال أهل الجاهلية نفعل
فيا ساسةً هاتوا لنا من حديثكم * ففيكم لعمري ذو أفانينَ مقول
أأهل كتاب نحن فيه وأنتم * على الحق نقضي بالكتاب ونعدل
فكيف ومن أنى وإذ نحن خلفة * فريقان شتى : تسمنون ونهزل ؟

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 102 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

فتلك ملوك السوء قد طال ملكهم * فحتى م حتى م العناء المطول
لهم كل عام بدعة يحدثونها * أزلوا بها أتباعهم ثم أوجلوا
تحل دماء المسلمين لديهم * ويحرم طلع النخلة المتهدل
فيا رب هل إلا بك النصر يرتجى * عليهم وهل إلا عليك المعول
وغاب نبي الله عنهم وفقده * على الناس رزء ما هناك مجلل
فلم أر مخذولاً أجلَّ مصيبةً * وأوجب منه نصرةً حين يُخذل
يصيب به الرامون عن قوس غيرهم * فيا آخراً أسدى له الغيَّ أول
تهافت ذبان المطامع حوله * فريقان شتى ذو سلاح وأعزل
2 - وقال « رحمه الله » :
طربت وماشوقاً إلى البيض أطربُ * ولا لعباً مني وذو الشوق يلعبُ
ولم يُلهني دار ولا رسم منزل * ولم يتطرَّبْني بنانٌ مخضب
ولكن إلى أهل الفضائل والنهى * وخير بني حواء والخير يطلب
إلى النفر البيض الذين بحبهم * إلى الله فيما نالني أتقرب
بني هاشم رهط النبي فإنني * بهم ولهم أرضى مراراً وأغضب
بأي كتاب أم بأيَّة سنةٍ * ترى حبهم عاراً علي وتحسب
فطائفة قد كفرتني بحبكم * وطائفة قالوا مسئٌ ومذنب
فما ساءني تكفير هاتيك منهم * ولا عيب هاتيك التي هي أعيب
وقالوا ترابيٌّ هواه ورأيُهُ * بذلك أدعى فيهمُ وألقب
بحقكم أمست قريش تقودنا * وبالفذ منها والرديفين نُركب
إذا اتضعونا كارهين لبيعة * أناخوا لأخرى والأزمة تجذبُ

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 103 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

وقالوا ورثناها أبانا وأمنا * وما ورَّثتهم ذاك أمٌّ ولا أبُ
ولكن مواريث ابن آمنة الذي * به دان شرقيٌّ لكم ومُغَرِّب
فدىً لك موروثاً أبي وأبو أبي * ونفسي ونفسي بعدُ بالناس أطيب
بك اجتمعت أنسابنا بعد فرقة * فنحن بنو الإسلام ندعى وننسب
لقد غيبوا براً وصدقاً ونائلاً * عشية واراك الصفيح المنصب
يقولون لم يورث ولولا تراثه * لقد شركت فيه بكيلٌ وأرْحَبُ
وعِكٌّ ولَخْمٌ والسَّكونُ وحِمْيرٌ * وكِندةُ والحيَّانِ بكْرٌ وتَغْلبُ
فيا لك أمراً قد أشتَّتْ أموره * ودنياً أرى أسبابها تتقضب
فيا موقداً ناراً لغيرك ضوؤها * ويا حاطباً في غير حبلك تحطب
3 - وقال « رحمه الله » :

من لقلب متيم مستهام * غير ما صبوة ولا أحلام
بل هواي الذي أجن وأبدي * لبني هاشم فروع الأنام
للقريبين من ندى والبعيد * ين من الجور في عرى الأحكام
والمصيبين باب ما أخطأ الن‍ * اس ومرسي قواعد الاسلام
ساسةٌ لا كمن يرَّعي الناس * سواءً ورعية الأنعام
لا كعبد المليك أو كوليد * أو كسليمان بعد أو كهشام
ما أبالي إذا حفظت أبا الق‍ * اسم فيهم ملامة اللوام
فهم شيعتي وقسمي من الأ * مة حسبي من سائر الأقسام
إن أمت لا أمت ونفسي نفسا * ن من الشك في عمىً أو تعامي
أخلص الله لي هوايَ فما * أغرق نزعاً ولا تطيش سهامي
وروي أن الإمام الصادق « عليه السلام » قال له : ( لا تقل هكذا ولكن قل : فقد أغرق نزعاً وما
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 104 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
تطيش سهامي . فقال الكميت : يا مولاي أنت أشعر مني ) . ( الكافي : 8 / 215 ، والمناقب : 3 / 337 )
4 - وقال « رحمه الله » :

أنى ومن أين آبك الطرب * من حيث لا صبوةٌ ولا رِيَبُ
وقيل أفرطت بل قصدت ولو * عنفني القائلون أو ثلبوا
إليك يا خير من تضمنت ال‍ * أرض وإن عاب قولي العيب
لجَّ بتفضيلك اللسان ولو * أكثر فيك الضجاج واللجب
أنت المصفى المهذب المحض في النسبة * إن نص قومك النسب
أكرم عيداننا وأطيبها * عودك عود النضار لا الغرب
ما بين حواء إن نسبت إلى * آمنة اعتم نبتك الهدب
قرن فقرن تناسخوك لك ال‍ * فضة منها بيضاء والذهب
حتى علا بيتك المهذب من * خندف علياء تحتها العرب

5 - وقال « رحمه الله » :

نفى عن عينك الأرقُ الهجوعا * وهمٌّ يمتري منها الدموعا
ويوم الدوحِ دوحِ غديرِ خمٍّ * أبانَ له الولايةَ لو أطيعا
ولكنَّ الرجال تبايعوها * فلم أر مثلها خطراَ مبيعا
فلم أبلغ بهم لعناً ولكن * أساء بذاك أولهم صنيعا
فصار بذاك أقربهم لعدل * إلى جور وأحفظهم مضيعا
فقل لبني أمية حيث حلوا * وإن خفت المهندَ والقطيعا
ألا أف لدهر كنت فيه * هداناً طائعاً لكم مطيعا
أجاع الله من أشبعتموه * وأشبع من بجوركم أجيعا

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 105 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
6 - وقال « رحمه الله » :

علي أمير المؤمنين وحقه * من الله مفروض على كل مسلم
وزوجته صديقة لم يكن لها * معادلة غير البتولة مريم
وردَّم أبوابَ الذين بنى لهم * بيوتاً سوى أبوابه لم يُردم
7 - وقال « رحمه الله » :

أهوى علياً أمير المؤمنين ولا * ألوم يوماً أبا بكر ولا عمرا
ولا أقول وإن لم يعطيا فدكاً * بنت النبي ولا ميراثه كفرا
الله يعلم ماذا يأتيان به * يوم القيامة من عذر إذا اعتذرا
إن الرسول رسول الله قال لنا * إن الإمام علي غير ما هجرا
في موقف أوقف الله الرسول به * لم يعطه قبله من خلقه بشرا
من كان يرغمه رغماً فدام له * حتى يرى أنفه بالترب منعفرا
( شرح القصائد الهاشميات / 81 ) .
8 - وله « رحمه الله » نشيد :

بأبي أنت وأمي * يا أمير المؤمنينا
وفدتك النفس مني * يا إمام المتقينا
وأمين الله والوارث * علم الأولينا
ووصي المصطفى * أحمد خير المرسلينا
وولي الحوض والذائد * عنه المحدثينا .

طاردت السلطة الكميت سنوات عديدة فلم تظفر به !
قال في العقد الفريد : 3 / 183 ، وفي طبعة / 281 : ( كان الكميت بن زيد يمدح بني هاشم ويعرِّض ببني أمية ، فطلبه هشام فهرب منه عشرين سنة ، لا يستقر به القرار من خوف هشام ) . وتقصد الرواية كل خلافة هشام من سنة ( 115 - 120 ) وفيها مبالغة ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 106 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لكن الكميت أمضى سنوات عديدة كان يتحرك فيها مع أخيه الورد ومجموعة فرسان من فتيانه ، في أحياء بني أسد وبوادي العراق والحجاز والأهواز ، وكانت السلطة تطارده للقبض عليه فلم تستطع ! ورووا له كرامات في تشرده بدعاء الإمام الباقر « عليه السلام » ، منها أنه خرج في ظلمة الليل هارباً وقد أقعدوا على كل طريق جماعة ليأخذوه فأراد أن يسلك طريقاً فجاء أسد فمنعه من أن يسير فيها ، فسلك أخرى فمنعه منها أيضاً ، وكأنه أشار إلى الكميت أن يسلك خلفه فمضى خلف الأسد إلى أن أمن وتخلص ! ( الخرائج : 2 / 941 ) .
وطال به التشريد فاستأذن الإمام الباقر « عليه السلام » ، أن ينهي تشرده ويمدح الخليفة بقصيدة فأجازه . قال أخوه الورد : ( أرسلني الكميت إلى أبي جعفر « عليه السلام » فقلت له : إن الكميت أرسلني إليك وقد صنع بنفسه ما صنع ، فتأذن له أن يمدح بني أمية ؟ قال : نعم هو في حل فليقل ما شاء . فنظم قصيدته الرائية التي يقول فيها . فالآن صرت إلى أمية . . . والأمور إلى مصائر . . ) . ( الأغاني : 15 / 126 ) . فتوسط له مسلمة بن عبد الملك عند أخيه الخليفة هشام فعفا عنه ومدحه بقصيدته المذكورة فأعطاه جائزة .
وعاش الكميت « رحمه الله » بعد هشام ، حتى كتب الله الشهادة كما دعا له الإمام زين العابدين « عليه السلام » عندما أنشده قصيدته : من لقلب متيم مستهام . . . ( خزانة الأدب : 1 / 69 ) .
وقد رووا في سبب وفاته أنه كان ينشد عند والي الكوفة ، فهاجمه حراسه الثمانية وكانوا من اليمانية المتعصبين عليه لأنه مضري ( الوافي بالوفيات : 24 / 277 ) ولا نثق بمثل هذه الرواية ، بل المرجح أنه قتل بسبب الثأر الأموي المزمن عليه .
وربما كان من عوامل قتله طعنه بأبي بكر وعمر . فقد روي أنه كان على مذهب السيد الحميري وكثير عزة في ذلك ، ففي أخبار السيد الحميري للمرزباني / 178 ، أنه رأى الكميت في الحج فقال له : أنت القائل :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 107 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

ولا أقول إذا لم يعطيا فدكاً * بنت الرسول ولا ميراثه كفَرا

قال : نعم قلته تقية من بني أمية ، وفي مضمون قولي شهادة عليهما إنهما أخذا ما كان في يدها . فقال السيد : لولا إقامة الحجة لوسعني السكوت : لقد ضعفت يا هذا عن الحق يقول رسول الله « صلى الله عليه وآله » : فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها وإن الله يغضب لغضبها ويرضى لرضاها ، فخالفت ! رسولُ الله « صلى الله عليه وآله » وهب لها فدكاً بأمر الله له وشهد لها أمير المؤمنين والحسن والحسين وأم أيمن بأن رسول الله « صلى الله عليه وآله » أقطع فاطمة فدكاً فلم يحكما لها بذلك ، والله تعالى يقول : يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ويقول : وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ . . وهم يجعلون سبب مصير الخلافة إليهم الصلاة بشهادة المرأة لأبيها إنه « صلى الله عليه وآله » قال : مروا فلاناً بالصلاة بالناس . . . الخ . فقال الكميت : أنا تائب إلى الله مما قلت ، وأنت أبا هاشم أعلم وأفقه منا ) . ورووا أنه أنشد الباقر « عليه السلام » :

إنّ المُصَرَّيْنِ على ذنبيهما * والمخفيا الفتنة في قلبيهما
والخالعا العقدة من عنقيهما * والحاملا الوزر على ظهريهما
كالجبت والطاغوت في مثليهما * الخ . ( العقد النضيد / 165 ) .

كما رووا أنه سأل الإمام الباقر والصادق « صلى الله عليه وآله » عن أبي بكر وعمر ، فأجاباه بالنفي فقال : الله أكبر الله أكبر ، حسبي حسبي ! ( الكافي : 8 / 102 ، والبحار : 30 / 240 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 108 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

4 - الإمام الباقر « عليه السلام » يتحدى الخليفة هشام الأحول

تقدم في سيرة الإمام زين العابدين قول الذهبي عنه « عليه السلام » : ( وكان له جلالة عجيبة وَحَقَّ له والله ذلك ، فقد كان أهلاً للإمامة العظمى لشرفه وسؤدده وعلمه وتألهه وكمال عقله . قد اشتهرت قصيدة الفرزدق وهي سماعنا ، أن هشام بن عبد الملك حج قبيل ولايته الخلافة ، فكان إذا أراد استلام الحجر زوحم عليه ، وإذا دنا علي بن الحسين من الحجر تفرقوا عنه إجلالاً له ، فوجم لها هشام وقال : من هذا فما أعرفه ! فأنشأ الفرزدق يقول : هذا الذي تعرفُ البطحاءُ وطأتَه . . الخ . ( سير الذهبي : 4 / 398 ) .
فحبس هشام الفرزدق فهجاه بأبيات منها :
يقلب رأساً لم يكن رأسَ سيِّدٍ . . . وعيناً له حَوْلاءَ بادٍ عُيُوبها . ( المناقب : 3 / 306 ) .
وقد أججت هذه الحادثة نار الحقد في نفس الأمير المريضة ، ولم يستطع أن يقنع أباه عبد الملك بقتله ، وقد يكون هو الذي أقنع أخاه الوليد بسمه فيما بعد ! ثم وجه نار حسده إلى ولده الباقر « عليه السلام » وأظهره في قوله لزيد « رحمه الله » : ( ما يفعل أخوك البقرة ، يعني الباقر « عليه السلام » ؟ ! فأجابه زيد : لَشَدَّ ما خالفت رسول الله ! سماه رسول الله الباقر وتسميه البقرة ؟ ! ) . ( أبو نصر البخاري / 22 ) .
ودخل عليه زيد « رحمه الله » يوماً فقال : ( السلام عليك يا أمير المؤمنين فلم يرد عليه فقال : السلام عليك يا أحول فإنك ترى نفسك أهلاً لهذا الاسم ) ! ( تاريخ الكوفة / 381 ) .
وقد كان بالفعل يرى نفسه أهلاً لاسم الأحول ! ففي نثر الدرر / 1173 ، أنه قال يوماً : ( من يسبني ولا يفحش وله هذا المطرف له ! فقال له أعرابي حضر : ألقه يا أحول . فقال هشام : خذه قاتلك الله ) !
وقالت له أخته يوماً وهو خليفة : ( يا أحول مشؤوماً ، أما تخاف أن تكون الأحوال الذي على يديه هلاك قريش ؟ ) . ( نسب
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 109 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قريش / 31 ) .
وقالت له سكينة بنت الحسين « عليه السلام » : ( يا أحول ، لقد أصبحت تتهكم بنا ) ! ( لسان العرب : 12 / 617 ، وتاريخ دمشق : 70 / 21 ) .
وعندما جاءت وصية أخيه الوليد لعمر بن عبد العزيز وبعده لأخيه يزيد ، قال قال له رجاء : ( يا أحول ما أنت والكلام ) ! ( الوصايا لأبي حاتم / 54 ) .
ولم يكن بنو أمية يرونه أهلاً للخلافة فجاءته سنة 115 على غير حسبان ، وشاهد نجم الإمام الباقر « عليه السلام » يعلو ويسطع ، ورأى حب المسلمين له وتقديسهم ، فكان يسميه نبي أهل العراق !
كانت هذه الجرأة الجديدة للناس على النظام الأموي وشخص الخليفة ، نتيجة لمخزون مواقف أهل البيت « عليهم السلام » وجهادهم في الناس ، التي استثمرها الإمام الباقر « عليه السلام » وصعَّد موقف التحدي مع الخليفة وواليه على المدينة بشكل لا سابقة له !
فعندما كان هشام في الحج وقعت له مع الإمام الباقر « عليه السلام » حادثة شبيهةً بحادثته مع أبيه زين العابدين « صلى الله عليه وآله » ، لكن كان الفعل هذه المرة من الإمام الباقر « عليه السلام » .
روى في الكافي : 8 / 120 : ( عن أبي الربيع قال : حججنا مع أبي جعفر « عليه السلام » في السنة التي كان حج فيها هشام بن عبد الملك ، وكان معه نافع مولى عبد الله بن عمر بن الخطاب ، فنظر نافع إلى أبي جعفر في ركن البيت وقد اجتمع عليه الناس فقال نافع : يا أمير المؤمنين من هذا الذي قد تَدَاكَّ عليه الناس ؟ فقال : هذا نبي أهل الكوفة ، هذا محمد بن علي ! فقال : أشهد لآتينه فلأسألنه عن مسائل لا يجيبني فيها إلا نبي أو ابن نبي أو وصي نبي ! قال : فاذهب إليه وسله لعلك تُخجله ! فجاء نافع حتى اتكأ على الناس ، ثم أشرف على أبي جعفر « عليه السلام » فقال : يا محمد بن علي إني
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 110 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قرأت التوراة والإنجيل والزبور والفرقان ، وقد عرفت حلالها وحرامها ، وقد جئت أسألك عن مسائل لا يجيب فيها إلا نبي أو وصي نبي أو ابن نبي !
قال : فرفع أبو جعفر رأسه فقال : سل عما بدا لك ، فقال : أخبرني كم بين عيسى وبين محمد من سنة ؟ قال : أخبرك بقولي أو بقولك ؟ قال : أخبرني بالقولين جميعاً .
قال : أما في قولي فخمس مائة سنة ، وأما في قولك فست مائة سنة . قال : فأخبرني عن قول الله لنبيه : وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ . من الذي سأل محمد وكان بينه وبين عيسى خمس مائة سنة ؟ قال : فتلا أبو جعفر هذه الآية : سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا . . فكان من الآيات التي أراها الله تبارك وتعالى محمداً « صلى الله عليه وآله » حيث أسرى به إلى بيت المقدس ، أن حشر الله عز ذكره الأولين والآخرين من النبيين والمرسلين ، ثم أمر جبرئيل فأذن شفعاً وأقام شفعاً وقال في أذانه : حي على خير العمل ، ثم تقدم محمد « صلى الله عليه وآله » فصلى بالقوم فلما انصرف قال لهم : على ما تشهدون وما كنتم تعبدون ؟ قالوا : نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنك رسول الله ، أخذ على ذلك عهودنا ومواثيقنا . فقال نافع : صدقت يا أبا جعفر ، فأخبرني عن قول الله عز وجل : أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأرض كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا ؟ قال : إن الله تبارك وتعالى لما أهبط آدم إلى الأرض وكانت السماوات رتقاً لا تمطر شيئاً ، وكانت الأرض رتقاً لا تنبت شيئاً ، فلما أن تاب الله عز وجل على آدم أمر السماء فتقطرت بالغمام ، ثم أمرها فأرخت عَزَاليها ، ثم أمر الأرض فأنبتت الأشجار وأثمرت الثمار وتفهقت بالأنهار ، فكان ذلك رتقها وهذا فتقها .
قال نافع : صدقت يا ابن رسول الله ، فأخبرني عن قول الله عز وجل : يَوْمَ تُبَدَّلُ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 111 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأرض غَيْرَ الأرض وَالسَّمَاوَاتُ ، أي أرض تبدل يومئذ ؟
فقال أبو جعفر : أرض تبقى خبزة يأكلون منها حتى يفرغ الله عز وجل من الحساب . فقال نافع : إنهم عن الأكل لمشغولون ؟ ! فقال أبو جعفر : أهم يومئذ أشغل أم إذ هم في النار ؟ فقال نافع : بل إذ هم في النار . قال : فوالله ما شغلهم إذ دعوا بالطعام فأطعموا الزقوم ، ودعوا بالشراب فسقوا الحميم .
قال : صدقت يا ابن رسول الله ولقد بقيت مسألة واحدة ، قال : وما هي ؟ قال : أخبرني عن الله تبارك وتعالى متى كان ؟ قال : ويلك متى لم يكن حتى أخبرك متى كان ! سبحان من لم يزل ولا يزال فرداً صمداً ، لم يتخذ صاحبة ولا ولداً .
ثم قال : يا نافع أخبرني عما أسألك عنه ، قال : وما هو ؟ قال : ما تقول في أصحاب النهروان ؟ فإن قلت : إن أمير المؤمنين قتلهم بحق فقد ارتددت ، وإن قلت : إنه قتلهم باطلاً فقد كفرت ! قال : فولى من عنده وهو يقول : أنت والله أعلم الناس حقاً حقاً ! فأتى هشاماً فقال له : ما صنعت ؟ قال : دعني من كلامك هذا ، والله أعلم الناس حقاً حقاً ، وهو ابن رسول الله حقاً ، ويحق لأصحابه أن يتخذوه نبياً ) ! انتهى .
ونلاحظ في هذه الحادثة :
1 - كان نافع مرجعاً دينياً عند الدولة الأموية ، وهو يعرف الإمام الباقر « عليه السلام » جيداً ، وقوله للخليفة : ( دعني من كلامك هذا ، والله أعلم الناس حقاً حقاً ) يدل على أن الخليفة هوَّن له أمر الإمام الباقر « عليه السلام » وأرسله إليه ليتحداه ! بل ذكرت بعض الروايات أنه هو بعثه لمناظرة الإمام « عليه السلام » : ( قال إذهب إليه فقل له : يقول لك أمير المؤمنين : ما الذي يأكل الناس ويشربون إلى أن يفصل بينهم يوم القيامة ؟ فقال أبو جعفر « عليه السلام » : يحشر الناس على مثل قرصة البر النقي ، فيها أنهار متفجرة يأكلون ويشربون حتى يفرغ من الحساب . قال : فرأى هشام أنه قد ظفر به ، فقال : الله أكبر
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 112 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
اذهب إليه فقل له : ما أشغلهم عن الأكل والشرب يومئذ ؟ ! فقال له أبو جعفر « عليه السلام » : فهم في النار أشغل ، ولم يشغلوا عن أن قالوا : أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ ! فسكت هشام لا يرجع كلاماً ) . ( الإحتجاج : 2 / 57 ) .
2 - نافع عندهم إمام كبير وإن ضعفه بعضهم ، قال في مقدمة موطأ الإمام مالك : 1 / 21 : ( روى مالك عن نافع مولى عبد الله بن عمر المتوفى سنة 120 ، ونافع هو الذي بعثه عمر بن عبد العزيز إلى مصر ليعلمهم القرآن والسنة ، وكان يلقب بفقيه المدينة ، لزمه مالك وهو غلام نصف النهار ( أي كان مالك خادماً له ) وكان مالك يقول : كنت إذا سمعت حديث نافع عن ابن عمر لا أبالي ألا أسمعه من أحد غيره ! وأهل الحديث يقولون رواية مالك عن نافع عن ابن عمر : سلسلة الذهب ، لجلالة كل واحد من هؤلاء الرواة ) !
أما عندنا فنافع كذابٌ ناصبي يميل إلى رأي الخوارج ! فقد وى في الكافي : 6 / 61 ، عن زرارة أنَ الإمام الباقر « عليه السلام » قال له : ( أنت الذي تزعم أن ابن عمر طلق امرأته واحدة وهي حائض فأمر رسول الله « صلى الله عليه وآله » عمر أن يأمره أن يراجعها ؟ قال : نعم . فقال له : كذبتَ والله الذي لا إله إلا هو على ابن عمر ! أنا سمعت ابن عمر يقول : طلقتها على عهد رسول الله ثلاثاً فردها رسول الله « صلى الله عليه وآله » عليَّ وأمسكتها بعد الطلاق ! فاتق الله يا نافع ولا ترو على ابن عمر الباطل ) . تهذيب الكمال : 29 / 298 ، والتمهيد : 13 / 236 .
3 - رويت مناظرة نافع مع الإمام الباقر « عليه السلام » بألفاظ متعددة وفي بعضها زيادة ، ففي تفسير القمي : 2 / 284 : ( قال نافع : صدقت يا بن رسول الله يا أبا جعفر ، أنتم والله أوصياء رسول الله وخلفاؤه في التوراة ، وأسماؤكم في الإنجيل وفي الزبور وفي القرآن ، وأنتم أحق بالأمر من غيركم ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 113 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
4 - روت بعض مصادرنا أن هشاماً الأحول أرسل الأبرش الكلبي أيضاً ليناظر الإمام « عليه السلام » ، كما في تفسير القمي : 2 / 69 ، والمناقب : 3 / 329 . وفي أسد الغابة : 4 / 93 ، أن الأبرش صاحب هشام ، وفي تاريخ ابن خلدون : 3 / 114 ، أنه وزيره ، وفي الوافي : 15 / 69 ، كان نديمه قبل الخلافة : ( وكان غالباً عليه ، وطعن قوم في نسب الأبرش الكلبي ) . وفي اليعقوبي : 2 / 328 : ( وكان هشام من أحزم بني أمية وأرجلهم ، وكان بخيلاً حسوداً ، فظاً غليظاً ظلوماً ، شديد القسوة بعيد الرحمة طويل اللسان ، وفشا الطاعون في أيامه حتى هلك عامة الناس وذهبت الدواب والبقر ، وكان الغالب عليه الأبرش بن الوليد الكلبي ) !
5 - في حج ذلك الموسم تطوَّرَ حسد هشام الأحول وغيظه من الإمام « عليه السلام » حتى أمر بإحضاره إلى دمشق ، بسبب خطبة الإمام الصادق بأمر أبيه « صلى الله عليه وآله » في موسم الحج لأن هشاماً لم يحج في غيرها وهي سنة 106 ، أي قبل شهادة الإمام « عليه السلام » بثمان سنوات ، فقد عدد اليعقوبي ( 2 / 328 ) من أقام الحج في حكم هشام ، وليس فيهم هشام إلا في سنة 106 . قال ابن عساكر في تاريخ دمشق : 48 / 199 : ( حج هشام بن عبد الملك وهو خليفة سنة ست ومائة ، فصار في سنة سبع ومائة في المحرم وهو بالمدينة ، ومعه غيلان يفتي الناس ويحدثهم ! وكان محمد بن كعب يجئ كل جمعه من قرية على ميلين من المدينة . . قالوا يا يا أبا حمزة جاءنا رجل يشككنا في ديننا فنأتيك به ؟ قال لا حاجة لي به ! قلنا : أصلحك الله نسمع منه ونسمع منك ! قال : فأتوني به إن شئتم غداً يوم السبت ، وحضر الناس معه . . . ) .
أقول : لاحظ هذين ( العالميْن ) المقرَّبَيْن من الخليفة اللذين يفتيان الناس : غيلان القدري الذي ينفي مسؤولية الإنسان عن أفعاله وينسب جرائمه إلى الله تعالى !
ونافع مولى ابن عمر الذي كان نصرانياً ثم قيل إنه أسلم وصار ناصبياً خارجياً !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 114 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

5 - الإمام الباقر « عليه السلام » يأمر ابنه جعفر « عليه السلام » أن يصدع بولاية العترة في الحج !

في ذلك الموسم أمر الإمام الباقر ولده الصادق « صلى الله عليه وآله » أن يخطب في الحجيج ويجهر بولاية أهل البيت النبوي « عليهم السلام » ويبين موقعهم في صلب الإسلام ، متحدياً بذلك النظام ، والحركات الهاشمية الناشئة من الحسنيين وأتباعهم العباسيين . وبذلك صعَّدَ الإمام « عليه السلام » عمله فأعلن وجود معارضة علنية للخلافة الأموية ، واختار لذلك موسم الحج وحضور الخليفة هشام ! ففي المناقب ( 3 / 329 ) أن الأبرش الكلبي قال لهشام مشيراً إلى الباقر « عليه السلام » : من هذا الذي احتوشته أهل العراق يسألونه ؟ قال : هذا نبي الكوفة ، وهو يزعم أنه ابن رسول الله ، وباقر العلم ومفسر القرآن ، فاسأله مسألة لا يعرفها ) !
فالجو الشعبي للإمام « عليه السلام » في العراق يسمح له بمصارحة المسلمين وتوعيتهم على مقام أهل البيت « عليهم السلام » ، ولا حجة للسلطة عليه ، لأنه يطرح النظرية ويبين خط الإسلام العقائدي فقط ، ولم يدع الناس إلى الثورة على بني أمية !
قال محمد بن جرير الطبري في دلائل الإمامة / 233 : ( حج هشام بن عبد الملك بن مروان سنة من السنين ، وكان حج في تلك السنة محمد بن علي الباقر ، وابنه جعفر « صلى الله عليه وآله » ، فقال جعفر في بعض كلامه : الحمد لله الذي بعث بالحق محمداً نبياً وأكرمنا به ، فنحن صفوة الله على خلقه وخيرته من عباده ، فالسعيد من اتبعنا والشقي من خالفنا ، ومن الناس من يقول : إنه يتولانا وهو يتولى أعداءنا ومن يليهم من جلسائهم وأصحابهم ، فهو لم يسمع كلام ربنا ولم يعمل به .
قال أبو عبد الله جعفر بن محمد « عليه السلام » : فأخبر مسلمة بن عبد الملك أخاه ، فلم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 115 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يعرض لنا حتى انصرف إلى دمشق وانصرفنا إلى المدينة ، فأنفذ بريداً إلى عامل المدينة بإشخاص أبي وإشخاصي معه ، فأشخصنا إليه فلما وردنا دمشق حجبنا ثلاثة أيام ثم أذن لنا في اليوم الرابع ، فإذا هو قد قعد على سرير الملك وجنده وخاصته وقوف على أرجلهم سماطين متسلحين ، وقد نصب البرجاس ( هدف الرمي ) حذاءه وأشياخ قومه يرمون . فلما دخل أبي وأنا خلفه ، ما زال يستدنينا منه حتى حاذيناه وجلسنا قليلاً فقال لأبي : يا أبا جعفر لو رميت مع أشياخ قومك الغرض ؟ وإنما أراد أن يضحك بأبي ظناً منه أنه يقصر فلا يصيب الغرض لكبر سنه فيشتفي منه ! فاعتذر أبي وقال : إني قد كبرت فإن رأيتَ أن تعفيني ، فلم يقبل وقال : لا والذي أعزنا بدينه ونبيه ، ثم أومأ إلى شيخ من بني أمية أن أعطه قوسك ، فتناولها منه أبي وتناول منه الكنانة فوضع سهماً في كبد القوس فرمى وسط الغرض فأثبته فيه ثم رمى الثاني فشق فوق السهم الأول إلى نصله ، ثم تابع حتى شق تسعة أسهم ، فصار بعضها في جوف بعض ، وهشام يضطرب في مجلسه ، فلم يتمالك أن قال : أجدت يا أبا جعفر فأنت أرمى العرب والعجم ! زعمت أنك قد كبرت ، كلا ! ثم ندم على مقالته وتكنيته له ، وكان من تكبره لا يكني أحداً في خلافته ! فأطرق إطراقة يرتئي فيه رأياً ، وأبي واقف إزاءه ومواجهة له وأنا وراء أبي ، فلما طال الوقوف غضب أبي وكان إذا نظر السماء نظر غضبان يتبين الغضب في وجهه ! فلما نظر هشام ذلك من أبي قال : إصعد يا محمد فصعد أبي السرير وصعدت ، فلما دنا من هشام قام إليه واعتنقه وأقعده عن يمينه ، ثم اعتنقني وأقعدني عن يمين أبي ، وأقبل على أبي بوجهه وقال : يا محمد لا تزال العرب والعجم تسودها قريش ما دام فيهم مثلك ولله درك ، من علمك هذا الرمي وفي كم تعلمته ؟ ! فقال أبي : قد علمتَ أن أهل المدينة يتعاطونه فتعاطيته أيام حداثتي ثم تركته ، فلما أراد أمير
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 116 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
المؤمنين مني ذلك عدت إليه ، فقال : ما رأيت مثل هذا الرمي قط مذ عقلت ، وما ظننت أن أحداً في أهل الأرض يرمي مثل هذا ! فأين رمي جعفر من رميك ؟
فقال : إنا نتوارث الكمال والتمام والدين اللذين أنزل الله تعالى على نبيه « صلى الله عليه وآله » في قوله : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً . والأرض لا تخلو ممن يُكَمِّل دينَه من هذه الأمور التي يقصر عنها غيرنا ، فكان ذلك علامة ! فلما سمع ذلك انقلبت عينه اليمنى فاحْوَلَّتْ واحْمَرَّ وجهه ، وكان ذلك علامة غضبه إذا غضب ، ثم أطرق هنيهة ورفع رأسه إلى أبي وقال : ألسنا بني عبد مناف نسبنا ونسبكم واحد ؟
فقال أبي : نحن كذلك ولكن الله جل ثناؤه اختصنا بمكنون سره وخالص علمه ما لم يختص أحداً غيرنا .
فقال : أليس الله بعث محمداً من شجرة عبد مناف إلى الناس كافة أبيضها وأسودها وأحمرها ، فمن أين ورثتم ما ليس لغيركم ورسول الله مبعوث إلى الناس كافة ؟ ومن أين أورثتم هذا العلم وليس بعد محمد نبي ، وما أنتم أنبياء ؟ !
فقال أبي : من قوله تعالى : لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ، فالذي أبداه فهو للناس كافة ، والذي لم يحرك به لسانه أمر الله تعالى أن يخصنا به دون غيرنا ، فلذلك كان يناجي به أخاه علياً دون أصحابه ، وأنزل الله تعالى قرآنا ، فقال : وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ، فقال له رسول الله « صلى الله عليه وآله » : بين أصحابه سألت الله أن يجعلها أذنك يا علي ولذلك قال علي بالكوفة : علمني رسول الله ألف باب من العلم ، ينفتح من كل باب ألف باب ! خصه رسول الله من مكنون علمه ما خصه الله به ، فصار إلينا وتوارثناه من دون قومنا .
فقال له هشام : إن علياً كان يدعي علم الغيب ، والله لم يطلع على غيبه أحداً ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 117 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فكيف ادعى ذلك ومن أين ؟ فقال أبي : إن الله أنزل على نبيه كتاباً بين فيه ما كان وما يكون إلى يوم القيامة في قوله تعالى : وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْء وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِين . وفي قوله تعالى : وَكُلَّ شَيءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِين وفي قوله : مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيءٍ ، وفي قوله : وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالأرض إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ . وأوحى إلى نبيه أن لا يبقي في غيبه وسره ومكنون علمه شيئاً إلا ناجاه به ، وأمر أن يؤلف القرآن من بعده ، ويتولى غسله وتحنيطه وتكفينه من دون قومه ، وقال لأهله وأصحابه : حرام أن تنظروا إلى عورتي غير أخي علي فهو مني وأنا منه ، له ما لي وعليه ما عليَّ ، وهو قاضي ديني ومنجز وعدي . وقال لأصحابه : عليٌّ يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله . ولم يكن عند أحد تأويل القرآن بكماله وتمامه إلا عند علي ، ولذلك قال لأصحابه : أقضاكم علي . وقال عمر بن الخطاب : لو لا علي لهلك عمر ! أفيشهد له عمر ، ويجحد غيره ؟ ! فأطرق هشام ثم رفع رأسه وقال : سل حاجتك .
فقال : خلفت أهلي وعيالي مستوحشين لخروجي ! فقال : قد آمن الله وحشتهم برجوعك إليهم ، فلا تقم أكثر من يومك ، فاعتنقه أبي وودعه وفعلت فعله ، ونهض ونهضت .
وخرجنا إلى بابه فإذا على بابه ميدان وفيه أناس قعود في آخره فسأله عنهم أبي فقال الحُجَّاب : هؤلاء القسيسون والرهبان ، وهذا عالم لهم يقعد لهم في كل سنة يوماً واحداً ، يستفتونه فيفتيهم . فلفَّ أبي رأسه بفاضل رداءه وفعلت فعله وأقبل حتى قعد عندهم ، وقعدت وراء أبي ، فرفع الخبر إلى هشام فأمر بعض غلمانه أن يحضره وينظر ما يصنع ! فأتى ومعه عدداً من المسلمين فأحاطوا بنا ، وأقبل عالم النصارى وقد شد حاجبيه بعصابة صفراء فتوسطنا ، وقام إليه جميع الحاضرين
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 118 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مسلِّمين ، فتوسط صدر المجلس وقعد فيه وأحاطوا به وأبي وأنا بينهم ، فأدار نظره فيهم فقال لأبي : أمنا أم من هذه الأمة المرحومة ؟ فقال أبي : بل من هذه الأمة المرحومة . فقال : أمن علمائها أم من جهالها ؟ فقال أبي : لست من جهالها . فاضطرب وقال : أسألك فقال : سل . قال : من أين ادعيتم أن أهل الجنة يأكلون ويشربون ولا يحدثون ولا يبولون وما الدليل ، وهل من شاهد لا يجهل ؟ قال أبي : الدليل الذي لا ينكر مشاهدة الجنين في بطن أمه يطعم ولا يحدث ، فاضطرب اضطراباً شديداً وقال : كلا زعمت أنك لست من علمائها ؟ فقال أبي : قلت لست من جهالها . قال : فأسألك عن مسألة أخرى ؟ قال : سل . قال : من أين ادعيتم أن فاكهة الجنة أبداً غضة طرية وما الدليل من المشاهدات ؟ قال : إن الفرات غض طري موجود غير معدوم لا ينقطع . فاضطرب اضطراباً شديداً وقال : كلا زعمت أنك لست من علمائها ؟ فقال أبي : قلت لست من جهالها .
فقال أسألك عن مسألة أخرى . قال : سل قال : أسألك عن ساعة من ساعات الدنيا ليست من الليل ولا من النهار ؟ قال أبي : هي الساعة التي بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ، يهدأ فيها المبتلى ، ويرقد فيها الساهر ، ويفيق فيها المغمى عليه ، جعلها الله في الدنيا رغبة للراغبين ، وفي الآخرة للعاملين لها ، وجعلها دليلاً واضحاً وحجة بالغة على الجاحدين والتاركين ! فصاح صيحة ثم قال : بقيت مسألة واحدة لأسألنك عنها ولا تهتدي إلى الجواب عنها أبداً ، قال أبي : فسل إنك حانث في قولك . فقال : أخبرني عن مولودين ولدا في يوم واحد وماتا في يوم واحد عمر أحدهما مائة وخمسين سنة والآخر خمسين سنة في الدنيا ؟ فقال أبي : ذلك عزير وعزرة ولدا في يوم واحد ، ولما بلغا مبلغ الرجال خمسة وعشرين عاماً مر عزير على حماره بقرية في أنطاكية وهي خاوية على عروشها : قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللهُ بَعْدَ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 119 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مَوْتِهَا ؟ وكان الله قد اصطفاه وهداه ، فلما قال ذلك غضب الله عليه وأماته مائة عام ثم بعثه على طعامه وحماره وشرابه ، وعاد إلى داره وأخوه عزرة لا يعرفه فاستضافه وبعث إلى أولاده وأحفاده وقد شاخوا ، وعزير شاب في سن خمس وعشرين وهو يذكر عزرة بنفسه فيقول له : ما رأيت شاباً أعلم بعزير منك فمن أهل السماء أنت أم من أهل الأرض ؟ فقال عزير لأخيه : أنا عزير ، سخط الله تعالى عليَّ بقول قلته فأماتني مائة سنة ، ثم بعثني ليزدادوا بذلك يقيناً أن الله على كل شيء قدير ، وهذا حماري وطعامي وشرابي الذي خرجت به من عندكم أعاده لي كما كان بقدرته فأعاشه الله بينهم تمام الخمسين وقبضه الله وأخاه في يوم واحد .
فنهض عند ذلك عالم النصارى وقاموا معه فقال : جئتموني بأعلم مني فأقعدتموه بينكم ليفضحني ، ويعلم المسلمون بأن لهم من يحيط بعلومنا ، وعنده ما لا نحيط به ! فلا والله لا كلمتكم ولا قعدت لكم إن عشت سنة ! فتفرقوا وأبي قاعد مكانه .
ورفع ذلك الرجل الخبر إلى هشام فإذا رسوله بالجائزة والأمر بانصرافنا إلى المدينة من وقتنا فلا نبقى ، لأن أهل الشام ماجوا وهاجوا فيما جرى بين أبي وعالم النصارى ! فركبنا دوابنا منصرفين ، وقد سبقنا بريد هشام إلى عامل مَدْيَن في طريقنا إلى المدينة ، يذكر له أن ابن أبي تراب الساحر محمد بن علي وابنه جعفر الكذابين - بل هو الكذاب لعنه الله - فيما يظهران من الإسلام قد وردا عليَّ فلما صرفتهما إلى المدينة مالا إلى القسيسين والرهبان وتقرباً إليهم بالنصرانية ، فكرهت النكال بهما لقرابتهما ! فإذا مرَّا بانصرافهما عليكم فليناد في الناس برئت الذمة ممن بايعهما وشاراهما وصافحهما وسلم عليهما ، ورأى أمير المؤمنين قتلهما ودوابهما وغلمانهما لارتدادهما !
فلما ورد البريد إلى مدين وشارفناها بعده ، قدم أبي غلمانه ليشتروا لدوابنا علفاً
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 120 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولنا طعاماً فلما قربوا من المدينة أغلق أهلها الباب في وجوههم وشتموهم وذكروا بالشتم علياً « عليه السلام » ، وقالوا لهم : لا نزول لكم عندنا ولا بيع ولا شراء ، فأنتم كفار مشركون ! فوقف غلماننا إلى الباب حتى انتهينا إليهم فكلمهم أبي وليَّن لهم القول قال : اتقوا الله فلسنا كما بلغكم ! فأجابوه بمثل ما أجابوا الغلمان ، فقال لهم أبي : هبونا كما قلتم فافتحوا الباب وبايعونا كما تبايعون اليهود والنصارى والمجوس . فقالوا : أنتم أشر منهم ، لأن هؤلاء يؤدون الجزية وأنتم لا تؤدون . فقال لهم أبي : إفتحوا الباب وخذوا منا الجزية كما تأخذونها منهم . فقالوا : لا نفتح ولا كرامة حتى تموتوا على ظهور دوابكم جياعاً وتموت دوابكم تحتكم !
فوعظهم أبي فازدادوا عتوا فثنى أبي رجله عن سرجه وقال لي : مكانك يا جعفر لا تبرح ! فصعد الجبل المطل على مدينة مدين وهم ينظرون ما يصنع ، فلما صار في أعلاه استقبل بوجهه المدينة ووضع إصبعيه في أذنيه ونادى : وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ . . . إلى قوله : بَقِيَّةُ اللهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ . نحن والله بقية الله في أرضه !
فأمر الله تعالى ريحاً سوداء مظلمة فهبت واحتملت صوته فألقته في أسماع الرجال والنساء والصبيان والإماء ، فما بقي أحد من أهل مدين إلا صعد السطح من الفزع ! وفيمن صعد شيخ كبير السن ، فلما نظر الجبل صرخ بأعلى صوته : اتقوا الله يا أهل مدين ، فإنه قد وقف الموقف الذي وقف فيه شعيب حين دعا على قومه ! فإن لم تفتحوا له الباب نزل بكم العذاب ، وقد أعذر من أنذر !
ففتحوا لنا الباب وأنزلونا وكتب العامل بجميع ذلك إلى هشام ، فارتحلنا من مدين إلى المدينة في اليوم الثاني ، وكتب هشام إلى عامله بأن يأخذوا الشيخ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 121 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ويدفنوه في حفيرة ففعلوا ! وكتب أيضاً إلى عامله بالمدينة أن يحتالوا في سم أبي بطعام أو شراب ، فمضى هشام ولم يتهيأ له في أبي شئ من ذلك ) ! انتهى .
والأمان من أخطار الأسفار للسيد ابن طاووس / 66 ، والدر النظيم لابن حاتم / 604 . ومدينة المعاجز : 5 / 66 ، والبحار : 46 / 313 ، ومستدرك الوسائل : 14 / 77 .
وفي الكافي : 1 / 471 : ( عن أبي بكر الحضرمي قال : لما حمل أبو جعفر « عليه السلام » إلى الشام إلى هشام بن عبد الملك وصار ببابه ، قال لأصحابه ومن كان بحضرته من بني أمية : إذا رأيتموني قد وبخت محمد بن علي ثم رأيتموني قد سكت فليقبل عليه كل رجل منكم فليوبخه ! ثم أمر أن يؤذن له فلما دخل عليه أبو جعفر « عليه السلام » قال بيده : السلام عليكم فعمهم جميعاً بالسلام ثم جلس ، فازداد هشام عليه حنقاً بتركه السلام عليه بالخلافة وجلوسه بغير إذن ، فأقبل يوبخه ويقول فيما يقول له : يا محمد بن علي لا يزال الرجل منكم قد شق عصا المسلمين ودعا إلى نفسه وزعم أنه الإمام سفهاً وقلة علم ! ووبخه بما أراد أن يوبخه ! فلما سكت أقبل عليه القوم رجل بعد رجل يوبخه حتى انقضى آخرهم ، فلما سكت القوم نهض « عليه السلام » قائماً ثم قال : أيها الناس أين تذهبون وأين يراد بكم ، بنا هدى الله أولكم وبنا يختم آخركم ، فإن يكن لكم ملك معجل فإن لنا ملكاً مؤجلاً وليس بعد ملكنا ملك ، لأنا أهل العاقبة يقول الله عز وجل : والعاقبة للمتقين !
فأمر به إلى الحبس ، فلما صار إلى الحبس تكلم فلم يبق في الحبس رجل إلا ترشفه وحن إليه ، فجاء صاحب الحبس إلى هشام فقال : يا أمير المؤمنين إني خائف عليك من أهل الشام أن يحولوا بينك وبين مجلسك هذا ثم أخبره بخبره !
فأمر به فحمل على البريد هو وأصحابه ليردوا إلى المدينة وأمر أن لا يخرج لهم الأسواق وحال بينهم وبين الطعام والشراب ، فساروا ثلاثاً لا يجدون طعاماً ولا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 122 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
شراباً حتى انتهوا إلى مدين ، فأغلق باب المدينة دونهم ، فشكا أصحابه الجوع والعطش قال : فصعد جبلاً ليشرف عليهم فقال بأعلى صوته : يا أهل المدينة الظالم أهلها أنا بقية الله ، يقول الله : بَقِيَّتُ اللهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ . قال : وكان فيهم شيخ كبير فأتاهم فقال لهم : يا قوم هذه والله دعوة شعيب النبي ! والله لئن لم تخرجوا إلى هذا الرجل بالأسواق لتؤخذن من فوقكم ومن تحت أرجلكم فصدقوني في هذه المرة وأطيعوني وكذبوني فيما تستأنفون ، فإني لكم ناصح ، قال : فبادروا فأخرجوا إلى محمد بن علي وأصحابه بالأسواق ، فبلغ هشام بن عبد الملك خبر الشيخ ، فبعث إليه فحمله فلم يدر ما صنع به ) . انتهى .
وهذه بعض الملاحظات على الحادثة
1 - لم يصلنا من خطبة الإمام الصادق « عليه السلام » في الحج إلا هذه الفقرة اليتيمة : ( الحمد لله الذي بعث بالحق محمداً نبياً وأكرمنا به « صلى الله عليه وآله » ، فنحن صفوة الله على خلقه وخيرته من عباده ، فالسعيد من اتبعنا والشقي من خالفنا ، ومن الناس من يقول إنه يتولانا وهو يتولى أعداءنا ومن يليهم من جلسائهم وأصحابهم ، فهو لم يسمع كلام ربنا ولم يعمل به ) ! لكنها بليغة تنص على أن فريضة ولاية أهل البيت « عليهم السلام » والبراءة من أعدائهم من صلب الإسلام ، وأن ذمة المسلم لا تبرأ ولا يكون عاملاً بكلام الله تعالى حتى يتولاهم ويتبرأ من كل من خالفهم !
ويشبه هذه الفقرة ما قاله الإمام الباقر « عليه السلام » لهشام الأحول في قصره بالشام ، وبما رواه في بصائر الدرجات / 83 ، عن الإمام الباقر « عليه السلام » : ( نحن جنب الله ونحن صفوته ونحن خيرته ، ونحن مستودع مواريث الأنبياء « عليهم السلام » ، ونحن أمناء الله ونحن حجة الله ، ونحن أركان الايمان ونحن دعائم الإسلام ، ونحن من رحمة الله على خلقه ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 123 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ونحن الذين بنا يفتح الله وبنا يختم ، ونحن أئمة الهدى ونحن مصابيح الدجى ونحن منار الهدى ، ونحن السابقون ونحن الآخرون ، ونحن العلم المرفوع للخلق من تمسك بنا لحق ومن تخلف عنا غرق ، ونحن قادة الغر المحجلين ، ونحن خيرة الله ونحن الطريق وصراط الله المستقيم إلى الله ، ونحن من نعمة الله على خلقه ونحن المنهاج ، ونحن معدن النبوة ونحن موضع الرسالة ، ونحن الذين إلينا مختلف الملائكة ، ونحن السراج لمن استضاء بنا ، ونحن السبيل لمن اقتدى بنا ، ونحن الهداة إلى الجنة ، ونحن عز الإسلام ، ونحن الجسور القناطر من مضى عليها سبق و من تخلف عنها محق ، ونحن السنام الأعظم ، ونحن الذين بنا تنزل الرحمة وبنا تسقون الغيث ، ونحن الذين بنا يصرف عنكم العذاب ، فمن عرفنا ونصرنا وعرف حقنا وأخذ بأمرنا فهو منا وإلينا ) . وكمال الدين / 206 ، وأمالي الطوسي / 654 ، وبعضه في الهداية الكبرى ، عن جابر بن يزيد / 239 .
ويشبهه ما رواه في عيون المعجزات / 67 ، عن أبي بصير وكان ضريراً قال : قلت لأبي جعفر الباقر « عليه السلام » : أنتم ورثة رسول الله « صلى الله عليه وآله » ؟ فقال لي : نعم رسول الله وارث الأنبياء ونحن ورثته « صلى الله عليه وآله » وورثتهم « عليهم السلام » . فقلت : تقدرون أن تحيوا الموتى وتبرئوا الأكمه والأبرص ؟ قال : نعم بإذن الله تعالى . ثم قال : أدن مني فدنوت منه فمسح على عيني فأبصرت السماء والأرض وكل شئ كان في الدار ، فقال « عليه السلام » : أتحب أن تكون هكذا ولك ما للناس وعليك ما عليهم ، أو تعود إلى حالك ولك الجنة خالصة ؟ فقلت : الجنة أحب إليَّ ، فمسح يده على عيني فرجعت كما كانت .
ثم قال « عليه السلام » : نحن جنب الله جل وعز ، نحن صفوة الله نحن خيرة الله ، نحن أمناء الله ، نحن مستودع مواريث الأنبياء ، نحن حجج الله ، نحن حبل الله المتين ، نحن صراط الله المستقيم قال الله تعالى : وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 124 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
نحن رحمة على المؤمنين ، بنا فتح الله وبنا ختم الله ومن تمسك بنا نجا وتخلف عنا غوى ، نحن القادة الغر المحجلين ، ثم قال « عليه السلام » : فمن عرفنا وعرف حقنا وأخذ بأمرنا فهو منا وإلينا ) . انتهى . وأصله الحديث الطويل الذي يصف فيه النبي نفسه وأهل بيته « صلى الله عليه وآله » . ( تفسير فرات / 258 ) .
2 - روت مصادرنا أجزاء أخرى من مناظرة الإمام « عليه السلام » مع نافع ، ومع الراهب النصراني ، كما في الكافي : 8 / 122 ، وتفسير القمي : 1 / 98 ، و : 2 / 284 ، وغيرهما .
3 - نلاحظ في كلام الإمام الباقر « عليه السلام » منطقاً عالياً ، واستدلالاً جديداً بآيات من القرآن ، على علم الأئمة المعصومين « عليهم السلام » الرباني ومقامهم العظيم ، فقد استدل « عليه السلام » بآية إكمال الدين على أنه نزل معها كمال شخصية المعصوم وتمامها من علي إلى آخر المعصومين الاثني عشر « عليهم السلام » وأن وجود الإنسان الكامل ، مكمل رباني للدين !
واستدل « عليه السلام » بآية : لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ . . على أن القرآن وتفسيره قسمان عام للناس ، وخاص لأوصياء النبي « صلى الله عليه وآله » : ( فالذي أبداه فهو للناس كافة ، والذي لم يحرك به لسانه أمر الله تعالى أن يخصنا به دون غيرنا ) !
واستدل من تعليم النبي « صلى الله عليه وآله » لعلي ألف باب من العلم على وراثتهم « عليهم السلام » لذلك .
واستدل بقوله تعالى : وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيءٍ . . ومَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيءٍ . . وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالأرض إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ . . على أن ذلك العلم عند النبي والأئمة من آله « صلى الله عليه وآله » .
واستدل بقول النبي « صلى الله عليه وآله » لأهله وأصحابه في وصيته : ( حرام أن تنظروا إلى عورتي غير أخي علي فهو مني وأنا منه ) . على مقام لعلي وأنه يختص بالنظر إلى جثمانه ، ولا بد أن تكون العورة هنا بالمعنى المجازي ، ولا يتسع المجال للتفصيل .
4 - لهشام الأحول هدفان من إحضار الإمام « عليه السلام » : الأول : أن يرهبه ويذله ويجد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 125 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
حجة أو طريقاً إلى قتله ، نظراً لاتساع شعبيته ، كما قتل أباه زين العابدين « صلى الله عليه وآله » !
والثاني : أن يتأكد من صحة عقيدة الشيعة في أئمتهم « عليهم السلام » وأنهم أصحاب صفات مميزة عن الناس ، وأن عندهم علوماً من النبي « صلى الله عليه وآله » ليست عند غيرهم ؟ ! كما أعلن ذلك أولهم علي « عليه السلام » ! ويظهر ذلك من سؤاله للإمام « عليه السلام » : ( إن علياً كان يدعي علم الغيب ، والله لم يطلع على غيبه أحداً ، فكيف ادعى ذلك ومن أين ) ؟
وقد أكد الإمام لهشام تميزهم « عليه السلام » بالعلم وبيَّنَ له بعض مصادر علمهم ! فغضب هشام وتساءل : ما الفرق بيننا وبينكم ، ألسنا وأنتم من قبيلة واحدة ونسب واحد ؟ ! وهو نفس منطق قريش الجاهلي مع النبي « صلى الله عليه وآله » استعملوه معه ومع عترته المطهرين المعصومين « عليهم السلام » ، وما زال أتباعهم يستعملونه مع الأئمة من عترته « عليهم السلام » إلى يومنا !
5 - في تلك الفترة قام هشام الأحول بتغيير والي المدينة مرتين ، فولاها ( خاله إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزومي ، فقدم المدينة يوم الجمعة لسبع عشرة مضت من جمادى الآخرة سنة 106 ، فكانت ولاية النضري على المدينة سنة وثمانية أشهر ) . ( الطبري : 5 / 379 ) . ويبدو أن هشاماً لم يرتض لينه مع أهل البيت « عليهم السلام » ، فولى عليهم أموياً ناصبياً خبيثاً سئ السيرة بذئ اللسان ! قال في تاريخ دمشق : 16 / 172 : ( استعمل هشام بن عبد الملك خالد بن عبد الملك على المدينة ، فكان يؤذي علي بن أبي طالب على المنبر ، فسمعته يوماً على منبر رسول الله ( ص ) وهو يقول : والله لقد استعمل رسول الله علياً ، وهو يعلم أنه كذا وكذا ، ولكن فاطمة كلمته فيه ) . وفي مناقب ابن حمزة / 271 : ( وهو يعلم أنه خائن ) !
وفي عمدة القاري : 9 / 261 ، أن خالداً هذا كان خاملاً قبل ولايته على المدينة .
وفي تاريخ دمشق : 16 / 170 : ( خالد هذا ليس بابن عبد الملك بن مروان وإنما هو ابن عبد الملك بن الحارث بن الحكم بن أبي العاص . . المعروف بابن مطرة وولي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 126 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لهشام بن عبد الملك المدينة سبع سنين فأقحطوا ، فكان يقال سنيات خالد ، وكان أهل البادية قد جلوا إلى الشام ) !
وفي التمهيد : 19 / 35 ، أن عروة بن الزبير كان يشغل نفسه بالكلام عندما يسب أمير المدينة خالد علياً « عليه السلام » في خطبة الجمعة ويقول : ( إنا لم نؤمر أن ننصت لهذا ) !
وفي أعيان الشيعة : 3 / 492 : ( كانت سكينة ( بنت الحسين « عليه السلام » ) تجئ يوم الجمعة فتقوم بإزاء ابن مطير . . . إذا صعد المنبر فإذا شتم علياً شتمته هي وجواريها ، فكان يأمر الحرس يضربون جواريها ) .
وقد روت المصادر كرامات لأولياء في إدانة هذه السياسة . الثاقب في المناقب لابن حمزة / 271 : مدينة المعاجز : 2 / 282 ، وتاريخ دمشق : 16 / 172 .
6 - لم يكتف ( الخليفة ) بما فعل واليه أمير المدينة ، فأمره أن يجبر المسلمين على سب علي « عليه السلام » على منبر النبي « صلى الله عليه وآله » ! فكانوا يتصدون للأمير عندما يسب علياً « عليه السلام » يوم الجمعة ، وهجاه كُثيِّر الشاعر بأبياته : لعن الله من يسبُّ علياً . . . فانتشرت بين الناس وتقدمت مع مصادرها ، وقلنا إن إطلاق الخليفة سراح الشاعر كثير « رحمه الله » يدل على قوة الجو العام ضد بني أمية .
7 - إن قول الإمام الصادق « عليه السلام » في رواية دلائل الإمامة : ( فمضى هشام ولم يتهيأ له في أبي من ذلك شئ ) يعني أن والي المدينة قام بمحاولات عديدة فاشلة ، لم تصل إلينا روايتها ، لكن وصلنا أنهم استطاعوا ذلك بعد ثمان سنوات أن يدسوا السم للإمام « عليه السلام » ! وتذكر بعض الروايات أنهم أهدوا إليه سرجاً مسموماً ، أو دعوه للركوب على فرس سرجها مسموم . قال ابن حاتم في الدر النظيم / 613 : ( وفي رواية : بطريق السرج الذي أعطاه ( والي المدينة ) زيد بن الحسن ) . وقال عنها السيد الخوئي في معجمه : 8 / 351 : ( الرواية مرسلة على أنها غير قابلة للتصديق ، فإن عبد الملك لم يبق
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 127 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إلى زمان وفاة الباقر « عليه السلام » جزماً ، فالرواية مفتعلة ) . انتهى . لكن قد يكون فيها سقطاً .
8 - لم تذكر رواية الكافي الريح السوداء التي هبت على مدين عندما ناداهم الإمام الباقر « عليه السلام » بنداء شعيب « عليه السلام » ، وهذا لا ينفي وقوعها ، فنصوص الحادثة متعددة لسعتها ، وقد تناولتها كل رواية من الزاوية التي أرادها الراوي .
9 - نلاحظ من الحادثة ومن تغيير الخليفة لولاته على المدينة ، سقوط هيبة بني أمية عند المسلمين في عهد الإمام « عليه السلام » الباقر ، ويدل عليه التشييع الحاشد لجنازة كثير « رحمه الله » الذي كان يجاهر بتشيعه ويهجو الأمويين ، وإعراضهم عن جنازة عكرمة عالم الخلافة الأموية ، حيث ماتا في يوم واحد سنة 105 هجرية ! فاحتشد الناس اجتمعوا على جنازة كثيِّر وصلى عليه الإمام الباقر « عليه السلام » وشارك في رفع جنازته قال : ( أفرجوا لي عن جنازة كثير لأرفعها ، فرفع جنازته وعرقه يجري ) ! في حين تركوا جنازة عكرمة فلم يوجد من يحملها ! ( الدرجات الرفيعة / 590 ، وتهذيب الكمال : 20 / 290 ) .
وفي كلا الموقفين دلالة على قوة الموجة التي أوجدها الإمام الباقر « عليه السلام » في الحجاز في نقد بني أمية وتسقيط علماء البلاط ! وكان أهل الكوفة أكثر جرأة من أهل المدينة ، كما كانت تجري في خراسان والبصرة صراعات دموية بين الولاة ، أو بين الخليفة والولاة . وروى في خزانة الأدب : 5 / 221 ، قول كثير في احتضاره :

برئت إلى الإله من ابن أروى ( يقصد عثمان ) ومن دين الخوارج أجمعينا
ومن عمر برئت ، ومن عتيق ( يقصد أبا بكر ) غداة دعي أمير المؤمنينا ) .

هذا ، وقد اضطر الذهبي أن يعترف بإعراض المسلمين عن جنازة عكرمة ، فقال في سيره : 5 / 33 : ( قلت : ما تركوا عكرمة مع علمه وشيعوا كثيِّراً ، إلا عن بلية كبيرة في نفوسهم له ) ! أقول : وكفى بنصبه ونصب الذهبي بلية !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 128 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
10 - لنا أن تقدر الوقع القوي لمواقف الإمام « عليه السلام » مع الخليفة عند جماهير المسلمين ، خاصة أهل المدينة والعراق ، وقد تفاعل مواجهته « عليه السلام » حتى كانت ثورة أخيه زيد « رحمه الله » بعد شهادته « عليه السلام » بسبع سنين ، في حكم هشام نفسه سنة 122 ، وحكم حتى سنة 125 هجرية ، ثم سقطت دولة بني أمية بعد هلاكه بسبع سنين .

6 - هشام الأحول يقتل الإمام الباقر « عليه السلام » بالسُّم

توفي الإمام الباقر « عليه السلام » مسموماً في ذي الحجة سنة 114 ، ودفن بالبقيع إلى جانب أبيه زين العابدين وعمه الحسن بن علي « عليهم السلام » . وفي الكافي : 1 / 471 ، بسند صحيح عن الصادق « عليه السلام » قال : ( قبض محمد بن علي الباقر وهو ابن سبع وخمسين سنة ، في عام أربع عشرة ومائة ، عاش بعد علي بن الحسين « صلى الله عليه وآله » تسع عشرة سنة وشهرين ) .
وقال الصدوق « رحمه الله » في الإعتقادات / 98 : ( وعلي بن الحسين سيد العابدين « عليه السلام » سمَّه الوليد بن عبد الملك فقتله . والباقر محمد بن علي « عليهما السلام » سمه إبراهيم بن الوليد فقتله . والصادق « عليه السلام » سمه المنصور فقتله . وموسى بن جعفر « عليه السلام » سمه هارون الرشيد فقتله . والرضا علي بن موسى « عليه السلام » قتله المأمون بالسم . وأبو جعفر محمد بن علي « عليه السلام » قتله المعتصم بالسم . وعلي بن محمد « عليه السلام » قتله المعتضد بالسم . والحسن بن علي العسكري « عليه السلام » قتله المعتمد بالسم . واعتقادنا في ذلك أنه جرى عليهم على الحقيقة ، وأنه ما شبه للناس أمرهم كما يزعمه من يتجاوز الحد فيهم بل شاهدوا قتلهم على الحقيقة والصحة ، لا على الحسبان والخيلولة ولا على الشك والشبهة . فمن زعم أنهم شبِّهوا ، أو واحد منهم ، فليس من ديننا على شئ ونحن منه برآء . وقد أخبر النبي « صلى الله عليه وآله » والأئمة « عليهم السلام » أنهم مقتولون ، فمن قال إنهم لم يقتلوا فقد كذبهم ) . يشير « رحمه الله » إلى المغالين الذين ألهوا الأئمة « عليهم السلام » أو ادعوا فيهم الحلول معاذ الله .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 129 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي مناقب آل أبي طالب : 3 / 340 : ( قال أبو جعفر بن بابويه : سمَّهُ إبراهيم بن الوليد بن يزيد ، وقبره ببقيع الغرقد ) . لكنه لا يصح ، فهو تصحيف أو اشتباه ، لأنه لا ذكر لإبراهيم هذا في عمال المدينة ولا في غيرهم ، وليس هو من أولاد عبد الملك ، وقد يكون المقصود ابن خاله إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزومي الذي ولي المدينة ( النهاية : 9 / 261 ) ثم عزله هشام الأحول وولَّى مكانه الوليد بن عبد الملك ، وفي ولايته على المدينة استشهد الإمام الباقر « عليه السلام » .
وكذا لا يصح قول ابن شهرآشوب : ( وكان في سني إمامته ملك الوليد بن يزيد وسليمان ، وعمر بن عبد العزيز ، ويزيد بن عبد الملك ، وهشام أخوه ، والوليد بن يزيد ، وإبراهيم أخوه ، وفي أول ملك إبراهيم قبض ) .
وهذه قائمة بالملوك من أولاد مروان : 1 - عبد الملك بن مروان من سنة : 65 - 86 .
2 - الوليد بن عبد الملك . من : 86 - 96 . 3 - سليمان بن عبد الملك . من : 96 - 99 .
4 - عمر بن عبد العزيز . من : 99 101 . 5 - يزيد بن عبد الملك . من : 101 - 105 .
6 - هشام بن عبد الملك . من : 105 - 125 . 7 - الوليد بن يزيد بن عبد الملك من : 125 - 126
8 - يزيد بن الوليد بن عبد الملك . من : 126 - 126 . 9 - إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك . أربعة أشهر في سنة 126 . 10 - مروان بن محمد الملقب بالحمار . من : 127 - 132 .
( أولاد الإمام محمد الباقر « عليه السلام » للباحث السيد حسين الزرباطي / 28 ) .
والمهم أن شهادة الإمام « عليه السلام » كانت في خلافة هشام ، الذي كان صدره يغلي بالحسد عليه وعلى أبيه « صلى الله عليه وآله » ، وقد يكون التنفيذ بيد واليه خالد ، الذي كان مثله في بغض أهل البيت « عليهم السلام » ، أو بيد غيره .
ومما يلفتُ في وصية الإمام الباقر « عليه السلام » : أنه ( مرض مرضاً شديداً حتى خفنا عليه فبكى بعض أهله عند رأسه ، فنظر فقال : إني لست بميت من وجعي هذا ، إنه أتاني اثنان فأخبراني : إني لست بميت من وجعي هذا ، قال : فبرأ ومكث ما شاء الله
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 130 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أن يمكث . فبينا هو صحيح ليس به بأس قال : يا بني إن اللذين أتياني من وجعي ذلك أتياني فأخبراني أني ميت يوم كذا وكذا . قال : فمات في ذلك اليوم . . . عن أبي عبد الله « عليه السلام » أنه قال : كنت عند أبي في اليوم الذي قبض فيه أبي محمد بن علي فأوصاني بأشياء في غسله وفي كفنه وفي دخوله قبره . قال : قلت : يا أبتاه والله ما رأيت منذ اشتكيت أحسن هنيئة منك اليوم ، وما رأيت عليك أثر الموت . قال : يا بني أما سمعت علي بن الحسين ناداني من وراء الجدران : يا محمد تعال عجل .
عن الإمام الرضا « عليه السلام » قال : قال أبو جعفر « عليه السلام » : حين احتضر : إذا أنا مت فاحفروا لي وشقوا لي شقاً ، فإن قيل لكم إن رسول الله « صلى الله عليه وآله » لحد له فقد صدقوا .
إن أبا جعفر « عليه السلام » انقلع ضرس من أضراسه فوضعه في كفه ثم قال : الحمد لله ، ثم قال : يا جعفر إذا أنا مت ودفنتني فادفنه معي .
أوصى أبو جعفر « عليه السلام » بثمانمائة درهم لمأتمه ، وكان يرى ذلك للسنة ، لأن رسول الله « صلى الله عليه وآله » قال : اتخذوا لآل جعفر بن أبي طالب طعاماً ، فقد شغلوا .
عن أبي عبد الله ( « عليه السلام » قال : ( قال لي أبي : يا جعفر أوقف لي من مالي كذا وكذا لنوادب تندبنني عشر سنين بمنى أيام منى ) . ( موسوعة شهادة المعصومين « عليهم السلام » / 83 ) .
وهكذا استطاع الإمام الباقر « عليه السلام » في العشرين سنة من إمامته المباركة أن يبقر علم النبوة ويُفَجِّر جداوله للمسلمين ، ويُسقط هيبة بني أمية عند جماهير الأمة ويفجر حركتها ضد ظالميها ، ويكتب بعلمه ودمه الزكي طريق نهاية الأمويين .
وقد يكون ما لم يصل إلينا من فعالياته أعظم تأثيراً على مجرى التاريخ مما وصلنا ، وكذلك هي فعليات الأئمة « عليهم السلام » ، كلها تأسيسية ، وقسم منها غير معلن .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 131 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الخامس : الإمام جعفر الصادق « عليه السلام »

1 - مولده وشهادته « عليه السلام »

ولد أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق « عليه السلام » في السابع عشر من ربيع الأول سنة ثلاث وثمانين ، وهو يوم مولد جده المصطفى « صلى الله عليه وآله » .
وتوفي « عليه السلام » في شوال سنة ثمان وأربعين ومائة ، وله خمس وستون سنة ، ودفن بالبقيع ، في القبر الذي دفن فيه أبوه وجده والحسن بن علي « عليهم السلام » . وأمه أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر ) . ( الكافي : 1 / 472 ) .
وللإمام الصادق « عليه السلام » عشرة أولاد أشهرهم الإمام الكاظم « عليه السلام » وإسماعيل . ( الإرشاد : 2 / 209 ) . وذكر النسابون أن نسل الباقر « عليه السلام » محصور بولده الصادق « صلى الله عليه وآله » فقط ، ورووا أن والي المدينة قتل ابنه عبد الله « رحمه الله » بالسم ولم يرزق أولاداً ، قال المفيد في الإرشاد : 2 / 176 : ( وكان أخوه عبد الله يُشار إليه بالفضل والصلاح ، وروي أنه دخل على بعض بني أمية فأراد قتله فقال له عبد الله : لا تقتلني فأكون لله عليك عوناً ، واستبقني أكن لك على الله عوناً ؟ يريد بذلك أنه ممن يشفع إلى الله فيشفعه ، فقال له الأموي : لست هناك ، وسقاه السم فقتله ) ! واستدل السيد الزرباطي على وجود ذرية لعبد الله ولأخيه علي . ( أولاد الإمام الباقر « عليه السلام » للزرباطي / 124 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 132 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

2 - سماه رسول الله « صلى الله عليه وآله » جعفراً الصادق « عليه السلام »

( عن أبي خالد الكابلي قال : دخلت على سيدي علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب « عليهم السلام » فقلت : يا ابن رسول الله أخبرني بالذين فرض الله طاعتهم ومودتهم وأوجب على عباده الاقتداء بهم بعد رسول الله « صلى الله عليه وآله » ؟ فقال : يا كابلي إن أولي الأمر الذين جعلهم الله عز وجل أئمة الناس وأوجب عليهم طاعتهم : أمير المؤمنين علي بن أبي طالب « عليه السلام » ، ثم الحسن عمي ، ثم الحسين أبي ، ثم انتهى الأمر إلينا . ثم سكت . فقلت له : يا سيدي روي لنا عن أمير المؤمنين « عليه السلام » إن الأرض لا تخلو من حجة لله تعالى على عباده ، فمن الحجة والإمام بعدك ؟ قال : ابني محمد واسمه في صحف الأولين باقر يبقر العلم بقراً ، هو الحجة والإمام بعدي ، ومن بعد محمد ابنه جعفر ، واسمه عند أهل السماء الصادق ، قلت : يا سيدي فكيف صار اسمه الصادق وكلكم صادقون ؟ قال : حدثني أبي عن أبيه عن رسول الله « صلى الله عليه وآله » قال : إذا ولد ابني جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب فسموه الصادق ، فإن الخامس من ولده الذي اسمه جعفر يدعي الإمامة اجتراءً على الله وكذباً عليه ، فهو عند الله جعفر الكذاب المفتري على الله تعالى ، والمدعي لما ليس له بأهل ، المخالف لأبيه والحاسد لأخيه ، وذلك الذي يروم كشف ستر الله عز وجل عند غيبة ولي الله ، ثم بكى علي بن الحسين « عليه السلام » بكاءً شديداً ثم قال : كأني بجعفر الكذاب وقد حمل طاغية زمانه على تفتيش أمر ولي الله ، والمغيب في حفظ الله والتوكيل بحرم أبيه جهلاً منه برتبته ، وحرصاً منه على قتله إن ظفر به ، وطمعاً في ميراث أخيه حتى يأخذه بغير حق . فقال أبو خالد فقلت : يا ابن رسول الله وإن ذلك لكائن ؟ فقال : إي وربي إن ذلك مكتوب عندنا في الصحيفة التي فيها ذكر المحن التي تجري علينا بعد رسول الله « صلى الله عليه وآله » ! فقال أبو
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 133 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
خالد فقلت : يا ابن رسول الله ثم يكون ماذا ؟ قال : ثم تمتد الغيبة بولي الله الثاني عشر من أوصياء رسول الله « صلى الله عليه وآله » والأئمة بعده . يا أبا خالد : إن أهل زمان غيبته القائلين بإمامته والمنتظرين لظهوره ، أفضل من أهل كل زمان ، فإن الله تبارك وتعالى أعطاهم من العقول والأفهام والمعرفة ، ما صارت به الغيبة عندهم بمنزلة المشاهدة ، وجعلهم في ذلك الزمان بمنزلة المجاهدين بين يدي رسول الله « صلى الله عليه وآله » بالسيف ! أولئك المخلصون حقاً ، وشيعتنا صدقاً ، والدعاة إلى دين الله عز وجل سراً وجهراً ) . ( كمال الدين : 1 / 319 ، بسندين ، والخرايج : 1 / 268 ، والمناقب : 3 / 393 ، ومعجم أحاديث الإمام المهدي « عليه السلام » : 3 / 194 ، وقصص الأنبياء « عليهم السلام » / 365 ، والاحتجاج : 2 / 317 ، . . الخ . ) .

3 - الإمام الصادق « عليه السلام » وزير أبيه ووصيه

( كان الصادق جعفر بن محمد بن علي بن الحسين « عليهم السلام » من بين إخوته خليفة أبيه محمد بن علي « عليه السلام » ووصيَّه القائم بالإمامة من بعده ، وبرز على جماعتهم بالفضل ، وكان أنبههم ذكراً ، وأعظمهم قدراً ، وأجلّهم في العامة والخاصة ، ونقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان ، وانتشر ذكره في البلدان ، ولم ينقل عن أحد من أهل بيته العلماء ما نقل عنه ، ولا لقي أحد منهم من أهل الآثار ونقلة الأخبار ولا نقلوا عنهم كما نقلوا عن أبي عبد الله « عليه السلام » ، فإنّ أصحاب الحديث قد جمعوا أسماء الرواة عنه من الثقات على اختلافهم في الآراء والمقالات فكانوا أربعة آلاف رجل ، وكان له « عليه السلام » من الدّلائل الواضحة في إمامته ما بهرت القلوب وأخرست المخالف ) . ( المفيد « رحمه الله » في الإرشاد : 2 / 179 ) .
أقول : كان وزير أبيه « صلى الله عليه وآله » ومعتمده في مهمات أموره ، في المدينة وفي سفره إلى الحج ، والى الشام عندما استدعاه الخليفة هشام ، وفي لقاءاته مع مشاريع الجبابرة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 134 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
من حسنيين وعباسيين . وكان أبوه الباقر معجباً به « صلى الله عليه وآله » قال سدير الصيرفي : ( سمعت أبا جعفر « عليه السلام » يقول : إن من سعادة الرجل أن يكون له الولد يعرف فيه شبه خلقه وخلقه وشمائله ، وإني لأعرف من ابني هذا شبه خلقي وخلقي وشمائلي ) .
( وعن أبي الصباح الكناني قال : نظر أبو جعفر إلى أبي عبد الله « صلى الله عليه وآله » يمشي فقال : تَرى هذا ؟ هذا من الذين قال الله عز وجل : وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأرض وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ) .
وعن عبد الأعلى عن أبي عبد الله قال : ( إن أبي استودعني ما هناك ، فلما حضرته الوفاة قال : أدع لي شهوداً فدعوت له أربعة من قريش ، فيهم نافع مولى عبد الله بن عمر فقال : اكتب : هذا ما أوصى به يعقوب بنيه : يَا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ . وأوصى محمد بن علي إلى جعفر بن محمد ، وأمره أن يكفنه في برده الذي كان يصلي فيه الجمعة ، وأن يعممه بعمامته ، وأن يربع قبره ويرفعه أربع أصابع ، وأن يحل عنه أطماره عند دفنه ، ثم قال للشهود : انصرفوا رحمكم الله . فقلت له بعد ما انصرفوا : يا أبت ما كان في هذا بأن تشهد عليه ، فقال : يا بني كرهت أن تغلب وأن يقال : إنه لم يوص إليه ، فأردت أن تكون لك الحجة ) . ( الكافي : 1 / 306 ، ومناقب آل أبي طالب : 3 / 398 ) .

4 - أوصاه أبوه بجيل تلاميذه « صلى الله عليه وآله » وشيعته

كان تلميذ أبيه الأول « صلى الله عليه وآله » ووصيه على جيل كامل من تلاميذه النابغين ، الذين ملؤوا الأمصار وقلوب الناس ، فهم أوسع جيل من التلاميذ بعد النبي « صلى الله عليه وآله » وعلي « عليه السلام » .
وقد أوصى الإمام الباقر ابنه الصادق « صلى الله عليه وآله » بتلاميذه خاصة : ( لما حضرت أبي « عليه السلام » الوفاة قال : يا جعفر أوصيك بأصحابي خيراً ، قلت : جعلت فداك ، والله لأدعنهم والرجل منهم يكون في المصر فلا يسأل أحداً ) ! ( الكافي : 1 / 306 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 135 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد وفى الإمام « عليه السلام » بوعده ، ففي المدة التي عاشها بعد أبيه « صلى الله عليه وآله » وهي أربع وثلاثين سنة ، أثرى جيل تلاميذ أبيه ، وخرَّج جيلاً معهم ، وقد تقدم أن ابن عقدة « رحمه الله » ألَّف كتاباً في الرواة عنه « عليه السلام » وما رواه كل منهم ، فبلغوا أربعة آلاف طالب وعالم !
وأغنى أبوه « عليه السلام » شيعته في مناسكهم ، وأوصاه أن يغنيهم علمياً : قال زرارة : ( وكانت الشيعة قبل أن يكون أبو جعفر وهم لا يعرفون مناسك حجهم وحلالهم وحرامهم حتى كان أبو جعفر ففتح لهم وبين لهم مناسك حجهم وحلالهم وحرامهم حتى صار الناس يحتاجون إليهم ، من بعد ما كانوا يحتاجون إلى الناس ) . ( الكافي : 2 / 20 ) .
وكان يفتخر بأصحاب أبيه « صلى الله عليه وآله » ، ( قال ربيعة الرأي لأبي عبد الله « عليه السلام » : ما هؤلاء الإخوة الذين يأتونك من العراق ، ولم أر في أصحابك خيراً منهم ولا أهيأ ؟ قال « عليه السلام » : أولئك أصحاب أبي ، يعني وُلد أعيَن ) . ( تاريخ آل زرارة لأبي غالب الزراري / 6 ) .
وتقدم كيف أبادت السلطة وأتباعها أحاديث النبي « صلى الله عليه وآله » والأئمة من عترته « عليهم السلام » ، وطاردت رواتها وصادرت مؤلفاتهم ! كما تقدم تسمية أصحاب الإمامين الباقر والصادق « صلى الله عليه وآله » الذين أجمعت الطائفة على تصديقهم فقالوا : أفقه الأولين ستة : زرارة ومعروف بن خربوذ ، وبريد ، وأبو بصير الأسدي ، والفضيل بن يسار ، ومحمد بن مسلم الطائفي . قالوا : وأفقه الستة : زرارة . وستة نفر من أصحاب الصادق : جميل بن دراج ، وعبد الله بن مسكان ، وعبد الله بن بكير ، وحماد بن عيسى وحماد بن عثمان وأبان بن عثمان . وهم أحدث أصحاب أبي عبد الله « عليه السلام » .
وكان « عليه السلام » يحب تلاميذه من العلماء وطلبة العلم ، ويشكو من ضغوط السلطة الأموية والعباسية ومضايقاتهما ويقول لهم : ( يا ليتني وإياكم بالطائف أحدثكم وتؤنسوني وأضمن لهم ألا نخرج عليهم أبداً ) . ( رجال الكشي : 2 / 652 ) .
ويحث الناس على طلب العلم ، ويقول : ( إعرفوا منازل شيعتنا عندنا على قدر
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 136 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
روايتهم عنا ، وفهمهم منا ، فإن الرواية تحتاج إلى الدراية ، وخبر تدريه خير من ألف خبر ترويه ) . ( الغيبة للنعماني / 29 ) .
ويبين فضل علماء الشيعة : ( علماء شيعتنا مرابطون في الثغر الذي يلي إبليس وعفاريته ، يمنعونهم عن الخروج على ضعفاء شيعتنا ، وعن أن يتسلط عليهم إبليس وشيعته والنواصب . ألا فمن انتصب لذلك من شيعتنا كان أفضل ممن جاهد الروم والترك والخزر ، ألف ألف مرة ، لأنه يدفع عن أديان محبينا ، وذلك يدفع عن أبدانهم ) . ( الاحتجاج : 1 / 8 ) .

5 - لمحة عن عبادة الإمام الصادق « عليه السلام » ومعجزاته

ستأتي شهادات أئمة المذاهب وكبار علمائهم في الإمام الصادق « عليه السلام » ، وعلمه وعبادته وكراماته « عليه السلام » كقول مالك بن أنس : ( ما رأت عيني أفضل من جعفر بن محمد ، فضلاً وعلماً وورعاً ، وكان لا يخلو من إحدى ثلاث خصال : إما صائماً ، وإما قائماً ، وإما ذاكراً . وكان من عظماء البلاد ، وأكابر الزهاد الذين يخشون ربهم ) . ( مناقب آل أبي طالب : 3 / 396 ) .
أما كراماته ومعجزاته « عليه السلام » فتبلغ المئات ، وقد تضمن الكتاب عدداً منها وسيجئ بعضها في سيرته « عليه السلام » مع المنصور العباسي وغيره . قال الشعراني في لواقح الأنوار : ( كان إذا احتاج إلى شئ قال : يا رباه أنا أحتاج إلى كذا ، فما يستتم دعاءه إلا وذلك الشئ بجنبه ) . ( جامع كرامات الأولياء للنبهاني : 2 / 4 ) .
وقال ابن الصباغ في الفصول المهمة : 2 / 913 : ( وأما مناقبه فتكاد تفوت من عد الحاسب ، ويحير في أنواعها فهم اليقظ الكاتب ، وقد نقل بعض أهل العلم أن كتاب الجفر بالمغرب الذي يتوارثه بنو عبد المؤمن بن علي هو من كلامه ) .
وفي الكافي : 1 / 474 ، بسند صحيح ، قال أبو بصير « رحمه الله » : ( كان لي جار يتبع السلطان ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 137 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فأصاب مالاً فأعدَّ قياناً وكان يجمع الجمع ويشرب المسكر ويؤذيني ، فشكوته إلى نفسه غير مرة فلم ينته ، فلما أن ألححت عليه قال لي : يا هذا أنا رجل مبتلى وأنت رجل معافى ، فلو عرضتني لصاحبك رجوت أن ينقذني الله بك ، فوقع ذلك في قلبي ، فلما صرت إلى أبي عبد الله « عليه السلام » ذكرت له حاله فقال لي : إذا رجعت إلى الكوفة سيأتيك فقل له : يقول لك جعفر بن محمد : دع ما أنت عليه وأضمن لك على الله الجنة . فلما رجعت إلى الكوفة أتاني فيمن أتى فاحتبسته عندي حتى خلا منزلي ، ثم قلت له : يا هذا إني ذكرتك لأبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق « عليه السلام » فقال لي : إذا رجعت إلى الكوفة سيأتيك فقل له : يقول لك جعفر بن محمد : دع ما أنت عليه وأضمن لك على الله الجنة ، قال : فبكى ثم قال لي : آلله لقد قال لك أبو عبد الله هذا ؟ قال : فحلفت له أنه قد قال لي ما قلت ، فقال لي : حسبك ومضى . فلما كان بعد أيام بعث إليَّ فدعاني فإذا هو خلف داره عريان ، فقال لي : يا أبا بصير ، لا والله ما بقي في منزلي شئ إلا وقد أخرجته ، وأنا كما ترى !
قال : فمضيت إلى إخواننا فجمعت له ما كسوته به ، ثم لم تأت عليه إلا أيام يسيرة حتى بعث إليَّ إني عليل فأتني ، فجعلت أختلف إليه وأعالجه حتى نزل به الموت ، فكنت عنده جالساً وهو يجود بنفسه ، فغشي عليه غشية ثم أفاق ، فقال لي : يا أبا بصير قد وفى صاحبك لنا ، ثم قبض « رحمه الله » ! فلما حججت أتيت أبا عبد الله « عليه السلام » فاستأذنت عليه فلما دخلت قال لي ابتداء من داخل البيت وإحدى رجليَّ في الصحن والأخرى في دهليز داره : يا أبا بصير قد وفينا لصاحبك ) !
أقول : كفى به مقاماً للإمام « عليه السلام » عند ربه عز وجل أنه يضمن عليه الجنة ، ويخبر بما يكون من أمر ذلك المؤمن التائب من ذنوبه !
وقال محمد أبو زهرة في تاريخ المذاهب الاسلامية / 713 ، يصف أخلاقه العالية : ( كان
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 138 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
سمحاً كريماً لا يقابل الإساءة بمثلها ، بل يقابلها بالتي هي أحسن : فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ . وكان يقول : إذا بلغك عن أخيك شئ يسوءك فلا تغتم فإنه إن كان كما تقول فيه القائل كانت عقوبة قد عُجِّلت ، وإن كان على غير ما يقول كانت حسنة لم يعلمها . وكان رفيقاً مع كل من يعامله من عشراء وخدم ، ويروى في ذلك أنه بعث غلاماً له في حاجة فأبطأ ، فخرج يبحث عنه فوجده نائماً فجلس عند رأسه وأخذ يروح له حتى انتبه فقال له : ما ذلك لك تنام الليل والنهار ، لك الليل ولنا النهار . بل إن التسامح والرفق ليبلغ به أن يدعو الله بغفران الإساءة لمن يسئ إليه ) .

6 - الإمام الصادق « عليه السلام » أبو المذاهب بشهادة أئمتها

يعترف الجميع بأن الإمام الصادق « عليه السلام » أبو المذاهب الفقهية وأستاذ أئمتها ! ويروون تعظيم أئمتها وعلمائها للإمام الصادق « عليه السلام » !
1 - قال ابن حجر في الصواعق : ( ونقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان وانتشر صيته في جميع البلدان . . . روى عنه الأئمة الأكابر كيحيى بن سعيد ، وابن جريح ، ومالك ، والسفيانين ، وأبي حنيفة ، وشعبة ، وأيوب ) .
2 - قال الشيخ محمد أبو زهرة : ( لا نستطيع في هذه العجالة أن نخوض في فقه الإمام جعفر ، فإنّ أُستاذ مالك وأبي حنيفة وسفيان بن عيينة ، لا يمكن أن يدرس فقهه في مثل هذه الإلمامة ) . ( موسوعة أصحاب الفقهاء : 2 / 30 ) .
3 - قال ابن أبي الحديد : ( أما أصحاب أبي حنيفة فأخذوا عن أبي حنيفة ، وأما الشافعي فهو تلميذ تلميذ أبي حنيفة ، وأما ابن حنبل فهو تلميذ الشافعي . وأبو حنيفة قرأ على جعفر الصادق وعلمه ينتهي إلى علم جده علي « عليه السلام » ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 139 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
4 - قال الإمام مالك بن أنس : ( ما رأت عيني أفضل من جعفر بن محمد ، فضلاً وعلماً وورعاً وكان لا يخلو من إحدى ثلاث خصال : إما صائماً ، وإما قائماً ، وإما ذاكراً . وكان من عظماء البلاد ، وأكابر الزهاد الذين يخشون ربهم ، وكان كثير الحديث طيب المجالسة كثير الفوائد ، فإذا قال : قال رسول الله ، اخْضَرَّ مرةً واصْفَرَّ أخرى حتى لينكره من لا يعرفه ) . ( مناقب آل أبي طالب : 3 / 396 ) .
وقال مالك أيضاً : ( اختلفتُ إلى جعفر بن محمد زماناً ، وما كنت أراه إلا على ثلاث خصال : إما مصل ، وإما صائم ، وإما يقرأ القرآن ، وما رأيته يحدِّث عن رسول الله ( ص ) إلا على طهارة . وكان لا يتكلم فيما لا يعنيه ، وكان من العلماء العباد الزهاد الذين يخشون الله ، ولقد حججت معه سنة ، فلما أتى الشجرة أحرم فكلما أراد أن يُهِلَّ كاد يغشى عليه فقلت له : لا بد لك من ذلك ، وكان يكرمني وينبسط إلي ، فقال : يا أبن أبي عامر إني أخشى أن أقول لبيك اللهم لبيك ، فيقول : لا لبيك ولا سعديك ! قال مالك : ولقد أحرم جده علي ابن حسين ، فلما أراد أن يقول اللهم لبيك أو قالها ، غُشِيَ عليه وسقط عن ناقته ) . ( التمهيد لابن عبد البر : 2 / 67 ، وبعضه تهذيب التهذيب : 2 / 88 ) .
ولو سألت مالكاً : ما دامت هذه عقيدتك في أستاذك ، فلماذا أسست مذهباً ضده ولماذا لم ترو عنه في كتابك الموطأ إلا خمسة أحاديث ؟ !
فلا جواب له إلا أن المنصور العباسي أمره بذلك ، والمأمور معذور !
9 - ترجم الحافظ أبي نعيم إمام الأئمة في حلية الأولياء : 3 / 192 ، للإمام الصادق « عليه السلام » بتفصيل ، وروى موقفه من أبي حنيفة وقياسه ، قال : ( الإمام الناطق ذو الزمام السابق ، أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق ، أقبل على العبادة والخضوع ، وآثر العزلة والخشوع ، ونهى عن الرئاسة والجموع . . . مالك بن أنس قال : لما قال سفيان
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 140 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الثوري : لا أقوم حتى تحدثني ! قال له : أنا أحدثك ، وما كثرة الحديث لك بخير . . .
عن الهياج بن بسطام قال : كان جعفر بن محمد يطعم حتى لا يبقي لعياله شئ . .
كان من دعاء جعفر بن محمد : اللهم أعزني بطاعتك ، ولا تخزني بمعصيتك . اللهم ارزقني مواساة من قتَّرْتَ عليه رزقه ، بما وسعت عليَّ من فضلك . .
هشام بن عباد قال : سمعت جعفر بن محمد يقول : الفقهاء أمناء الرسل ، فإذا رأيتم الفقهاء قد ركبوا إلى السلاطين فاتهموهم . . .
الأصمعي قال : قال جعفر بن محمد : الصلاة قربان كل تقي . والحج جهاد كل ضعيف . وزكاة البدن الصيام . والداعي بلا عمل كالرامي بلا وتر . . . الخ .
نصر بن كثير قال : دخلت أنا وسفيان الثوري على جعفر بن محمد فقلت : إني أريد البيت الحرام فعلمني شيئاً أدعو به ، فقال : إذا بلغت البيت الحرام فضع يدك على الحائط ثم قل يا سابق الفوت يا سامع الصوت ويا كاسيَ العظام لحماً بعد الموت ، ثم ادع بما شئت .
أحمد بن عمرو بن المقدام الرازي قال : وقع الذباب على المنصور فذبه عنه فعاد فذبه حتى أضجره ، فدخل جعفر بن محمد عليه فقال له المنصور : يا أبا عبد الله لم خلق الله الذباب ؟ قال : ليُذَلَّ به الجبابرة ! . .
يحيى بن الفرات قال : قال جعفر بن محمد لسفيان الثوري : لا يتم المعروف إلا بثلاثة بتعجيله وتصغيره وستره . .
روى عن جعفر عدة من التابعين منهم : يحيى بن سعيد الأنصاري ، وأيوب السختياني ، وأبان بن تغلب ، وأبو عمرو بن العلاء ، ويزيد بن عبد الله بن الهاد ، وحدث عنه من الأئمة والأعلام : مالك بن أنس ، وشعبة بن الحجاج ، وسفيان الثوري ، وابن جريج ، وعبد الله بن عمر ، وروح بن القاسم ، وسفيان بن عيينة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 141 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وسليمان بن بلال ، وإسماعيل بن جعفر ، وحاتم بن إسماعيل ، وعبد العزيز بن المختار ، ووهب بن خالد ، وإبراهيم بن طهمان . . في آخرين . وأخرج عنه مسلم بن الحجاج في صحيحه محتجاً بحديثه .
ثم روى عنه « عليه السلام » عدة أحاديث ، منها : يحيى بن العلاء عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جابر قال : جاء أعرابي إلى النبي ( ص ) فقال : يا محمد ، أعرض عليَّ الاسلام ، فقال : تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمداً عبده ورسوله . قال : تسألني عليه أجراً ؟ قال : لا ، إلا المودة في القربى . قال : قربايَ أو قرباك ؟ قال : قرباي . قال : هات أبايعك ، فعلى من لا يحبك ولا يحب قرباك لعنة الله ! قال ( ص ) : آمين .
ومنها ، عن جابر أن رسول الله « صلى الله عليه وآله » قال لعلي « عليه السلام » : سلام عليك أبا الريحانتين أوصيك بريحانتي من الدنيا خيراً ، فعن قليل ينهد ركناك والله خليفتي عليك !
عبد الله بن شبرمة قال : دخلت أنا وأبو حنيفة على جعفر بن محمد فقال لابن أبي ليلى : من هذا معك ؟ قال : هذا رجل له بصر ونفاذ في أمر الدين . قال : لعله يقيس أمر الدين برأيه ؟ قال : نعم . قال فقال جعفر لأبي حنيفة : ما اسمك ؟ قال نعمان ، قال : يا نعمان هل قست رأسك بعد ؟ قال كيف أقيس رأسي ؟ قال : ما أراك تحسن شيئاً ، هل علمت ما الملوحة في العينين والمرارة في الأذنين والحرارة في المنخرين والعذوبة في الشفتين ؟ قال : لا . قال : ما أراك تحسن شيئاً ، قال : فهل علمت كلمة أولها كفر وآخرها إيمان ؟ فقال : ابن أبي ليلى : يا ابن رسول الله أخبرنا بهذه الأشياء التي سألته عنها ! فقال : أخبرني أبي عن جدي أن رسول الله « صلى الله عليه وآله » قال إن الله تعالى بمنه وفضله جعل لابن آدم الملوحة في العينين لأنهما شحمتان ولولا ذلك لذابتا ، وإن الله تعالى بمنه وفضله ورحمته على ابن آدم جعل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 142 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
المرارة في الأذنين حجاباً من الدواب فإن دخلت الرأس دابة والتمست إلى الدماغ فإذا ذاقت المرارة التمست الخروج ، وإن الله تعالى بمنه وفضله ورحمته على ابن آدم جعل الحرارة في المنخرين يستنشق بهما الريح ولولا ذلك لأنتن الدماغ ، وإن الله تعالى بمنه وكرمه ورحمته لابن آدم جعل العذوبة في الشفتين يجد بهما استطعام كل شئ ويسمع الناس بها حلاوة منطقه . قال : فأخبرني عن الكلمة التي أولها كفر وآخرها إيمان . فقال : إذا قال العبد لا إله فقد كفر ، فإذا قال إلا الله فهو إيمان . ثم أقبل على أبي حنيفة فقال : يا نعمان حدثني أبي عن جدي أن رسول الله ( ص ) قال : أول من قاس أمر الدين برأيه إبليس قال الله تعالى له اسجد لآدم ، فقال : أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ . فمن قاس الدين برأيه قرنه الله تعالى يوم القيامة بإبليس لأنه اتبعه بالقياس ! زاد ابن شبرمة في حديثه : ثم قال جعفر : أيهما أعظم قتل النفس أو الزنا ؟ قال قتل النفس . قال : فإن الله عز وجل قبل في قتل النفس شاهدين ولم يقبل في الزنا إلا أربعة ، ثم قال : أيهما أعظم الصلاة أم الصوم ؟ قال : الصلاة ، قال : فما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة ؟ فكيف ويحك يقوم لك قياسك ؟ ! إتق الله ولا تقس الدين برأيك ) !
6 - وسئل أبو حنيفة : ( من أفقه من رأيت ؟ قال : جعفر بن محمد ، لمَّا أقدمه المنصور بعث إليَّ فقال : يا أبا حنيفة إن الناس قد فتنوا بجعفر بن محمد ، فهئ له مسائلك الشداد ، فهيأت له أربعين مسألة ، ثم بعث إليَّ أبو جعفر وهو بالحيرة فأتيته فدخلت عليه وجعفر جالس عن يمينه ، فلما بصرت به دخلني من الهيبة لجعفر ما لم يدخلني لأبي جعفر ، فسلمت عليه فأومأ إلي فجلست ، ثم التفت إليه فقال : يا أبا عبد الله هذا أبو حنيفة فقال : نعم أعرفه . ثم التفت إليَّ فقال : ألق على أبي عبد الله من مسائلك ، فجعلت ألقي عليه ويجيبني فيقول : أنتم تقولون وكذا ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 143 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأهل المدينة يقولون كذا ، ونحن نقول كذا ، فربما تابعنا ، وربما تابعهم ، وربما خالفنا جميعاً ، حتى أتيت على الأربعين مسألة فما أخل منها بشئ ! ثم قال أبو حنيفة : أليس قد روينا : أعلم الناس ، أعلمهم باختلاف الناس ) . ( مناقب آل أبي طالب : 3 / 378 ، وتهذيب الكمال : 5 / 79 ، وسير الذهبي : 6 / 258 ، وكامل ابن عدي : 2 / 132 ، وغيرها ) .
( جاء أبو حنيفة ليسمع منه ، وخرج أبو عبد الله يتوكأ على عصا فقال له أبو حنيفة : يا ابن رسول الله ما بلغت من السن ما تحتاج معه إلى العصا ! قال : هو كذلك ، ولكنها عصا رسول الله « صلى الله عليه وآله » أردت التبرك بها ، فوثب أبو حنيفة وقال له : أقبِّلُها يا ابن رسول الله ؟ فحسر أبو عبد الله عن ذراعه وقال له : والله لقد علمت أن هذا بَشَرُ رسول الله « صلى الله عليه وآله » وأن هذا من شعره ، فما قبلته وتقبل عصاه ) ! ( المناقب : 3 / 372 ) .
ولو سألت أبا حنيفة : ما دامت هذه عقيدتك في أستاذك ، فلماذا أسست مذهباً ضده ، وخالفت فقه من تعترف بأنه أفقه الناس وأعلم الناس ؟ !
فلا جواب له ، إلا أن يقول إن قلبه أشرب حب ذلك ثم شجعه المنصور !
ورويَ أن أم أبي حنيفة كانت أمَة الإمام الصادق « عليه السلام » ففي المناقب : 3 / 372 : ( قال أبو عبد الله المحدث في رامش أفزاي إن أبا حنيفة من تلامذته ، وإن أمه كانت في حبالة الصادق « عليه السلام » . . . قال : وكان أبو زيد البسطامي طيفور السقاء خادمه وسقاءه ثلاث عشرة سنة . قال أبو جعفر الطوسي : كان إبراهيم بن أدهم ومالك بن دينار من غلمانه ) . والبحار : 3 / 373 .
6 - وقال الإربلي في كشف الغمة : 2 / 367 : ( قال كمال الدين محمد بن طلحة الشافعي : هو من عظماء أهل البيت وساداتهم ، ذو علم جم ، وعبادة موفورة ، وأوراد متواصلة وزهادة بينة ، وتلاوة كثيرة ، يتتبع معاني القرآن الكريم ويستخرج من بحره جواهره ، ويستنتج عجائبه ، ويقسم أوقاته على أنواع الطاعات
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 144 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بحيث يحاسب عليها نفسه . رؤيته تذكر الآخرة ، واستماع كلامه يزهد في الدنيا ، والاقتداء بهداه يورث الجنة ، نور قسماته شاهد أنه من سلالة النبوة ، وطهارة أفعاله تصدع بأنه من ذرّية الرسالة . نقل عنه الحديث واستفاد منه العلم جماعة من الأئمّة وأعلامهم ، مثل يحيى بن سعيد الأنصاري ، وابن جريج ، ومالك بن أنس ، والثوري ، وابن عيينة ، وأبي حنيفة ، وشعبة ، وأيوب السجستاني وغيرهم ، وعدوا أخذهم منه منقبة شرفوا بها وفضيلة اكتسبوها . إلى أن قال : وأما مناقبه وصفاته فتكاد تفوق عدد الحاصر ، ويحار في أنواعها فهم اليقظ الباصر ، حتى أنه من كثرة علومه المفاضة على قلبه من سجال التقوى ، صارت الأحكام التي لا تدرك عللها ، والعلوم التي تقصر الأفهام عن الإحاطة بحكمها ، تضاف إليه وتروى عنه ) .
7 - وقال الإيجي في المواقف : 3 / 638 : ( وهما سيدا شباب أهل الجنة كما ورد في الحديث ، ثم أولاد أولاده ممن اتفق الأنام على فضلهم على العالمين ، حتى كان أبو يزيد ( البسطامي ) مع علو طبقته سقاء في دار جعفر الصادق رضي الله عنه . وكان معروف الكرخي بواب دار علي بن موسى الرضا ، هذا مما لا شبهة في صحته ، فإن معروفاً كان صبياً نصرانياً فأسلم على يد علي بن موسى وكان يخدمه ، وأما أبو يزيد فلم يدرك جعفراً بل هو متأخر عن معروف ، ولكنه كان يستفيض من روحانية جعفر ) . والطرائف في معرفة مذاهب الطوائف / 520 .
8 - ( عن عمرو بن أبي المقدام قال : كنت إذا نظرت إلى جعفر بن محمد علمت أنه من سلالة النبيين ! قد رأيته واقفاً عند الجمرة يقول : سلوني ، سلوني . وعن صالح بن أبي الأسود ، سمعت جعفر بن محمد يقول : سلوني قبل أن تفقدوني ، فإنه لا يحدثكم أحد بعدي بمثل حديثي ) ! ( سير الذهبي : 6 / 257 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 145 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

7 - أصحاب وتلاميذ خاصون للإمامين الباقر والصادق « عليه السلام »

أ - جابر بن يزيد الجعفي « رحمه الله »

الأصحاب الخاصون ظاهرةٌ عامةٌ عند الأنبياء والأوصياء « عليهم السلام » ، وقد ذكرنا لها نماذج من أصحاب نبينا « صلى الله عليه وآله » أبا ذر ، وعمرو بن الحمق الخزاعي ، في المجلد الثاني من هذا الكتاب . ونذكر فيما يلي بعض أصحاب الإمامين الباقر والصادق « صلى الله عليه وآله » ، يتميز الواحد منهم بشخصيته ، أو برنامجه ، أو ظروفه ومهمته .
من هؤلاء جابر بن يزيد الجعفي « رحمه الله » ، قالوا في ترجمته : ( أبو محمد الجعفي عربي قديم . نسبه : ابن الحرث بن عبد يغوث بن كعب بن الحرث بن معاوية بن وائل بن مرار بن جعفي ، لقي أبا جعفر وأبا عبد الله « صلى الله عليه وآله » ) . ( النجاشي / 128 ) .
درس عند الإمام الباقر « عليه السلام » 18 سنة ، وكان حاجبه الخاص
قال جابر « رحمه الله » : ( دخلت على أبي جعفر « عليه السلام » وأنا شاب فقال : من أنت ؟ قلت : من أهل الكوفة ، قال : ممن ؟ قلت : من جعف ، قال : ما أقدمك إلى المدينة ؟ قلت : طلب العلم ، قال : ممن ؟ قلت منك ، قال فإذا سألك أحد من أين أنت ، فقل من أهل المدينة . قال : قلت أسألك قبل كل شئ عن هذا ، أيحل لي أن أكذب ؟ قال : ليس هذا بكذب من كان في مدينة فهو من أهلها حتى يخرج ) . ( معجم السيد الخوئي : 4 / 336 ) . وكان جابر « عليه السلام » بواباً عند الإمام الصادق « عليه السلام » . ( الدر النظيم / 603 ) .
وفي أمالي الطوسي / 296 : ( خدمت سيدنا الإمام أبا جعفر محمد بن علي « عليهم السلام » ثماني عشرة سنة ، فلما أردت الخروج ودعته وقلت : أفدني . فقال : بعد ثماني عشرة سنة يا جابر ! قلت نعم إنكم بحر لا ينزف ولا يبلغ قعره . فقال : يا جابر ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 146 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بلغ شيعتي عني السلام وأعلمهم أنه لا قرابة بيننا وبين الله عز وجل ، ولا يتقرب إليه إلا بالطاعة له . يا جابر ، من أطاع الله وأحبنا فهو ولينا ، ومن عصى الله لم ينفعه حبنا . يا جابر ، من هذا الذي يسأل الله فلم يعطه ، أو توكل عليه فلم يكفه ، أو وثق به فلم ينجه ! يا جابر ، أنزل الدنيا منك كمنزل نزلته تريد التحويل عنه ، وهل الدنيا إلا دابة ركبتها في منامك فاستيقظت وأنت على فراشك غير راكب ولا أخذ بعنانها ، أو كثوب لبسته أو كجارية وطأتها ! يا جابر ، الدنيا عند ذوي الألباب كفئ الظلال . لا إله إلا الله إعزاز لأهل دعوته . الصلاة تثبيت للاخلاص وتنزيه عن الكبر . والزكاة تزيد في الرزق . والصيام والحج تسكين القلوب . القصاص والحدود حقن الدماء . وحبنا أهل البيت نظام الدين . جعلنا الله وإياكم من الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون ) .
كان مؤتمناً على أسرار الأئمة « عليهم السلام » ، بمنزلة سلمان الفارسي « رحمه الله »
قال ذريح : ( سألت أبا عبد الله « عليه السلام » عن جابر الجعفي وما روى ؟ فلم يجبني ، فسألته الثالثة فقال لي : يا ذريح دع ذكر جابر ، فإن السفلة إذا سمعوا بأحاديثه شنَّعوا . . . قال « رحمه الله » حدثني أبو جعفر بسبعين ألف حديث . . الخ . ( رجال الطوسي : 2 / 438 ) .
وفي الكافي : 8 / 157 : ( عن جابر بن يزيد قال : حدثني محمد بن علي سبعين حديثاً لم أحدث بها أحداً قط ولا أحدث بها أحداً أبداً ، فلما مضى محمد بن علي ثقلت على عنقي وضاق بها صدري ، فأتيت أبا عبد الله فقلت : جعلت فداك إن أباك حدثني سبعين حديثاً لم يخرج مني شيئاً منها ولا يخرج شئ منها إلى أحد ، وأمرني بسترها وقد ثقلت على عنقي وضاق بها صدري فما تأمرني ؟ فقال : يا جابر إذا ضاق بك من ذلك شئ فأخرج إلى الجبانة واحتفر حفيرة ثم دلِّ رأسك فيها وقل : حدثني محمد بن علي بكذا وكذا ، ثم طُمَّهُ فإن الأرض تستر عليك ! قال :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 147 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
جابر ففعلت ذلك فخف عني ما كنت أجده ) .
وروى الصدوق في الإختصاص / 216 أن المفضل سأل الإمام الصادق « عليه السلام » : ( يا ابن رسول الله فما منزلة جابر بن يزيد منكم ؟ قال : منزلة سلمان من رسول الله « صلى الله عليه وآله » قال : فما منزلة داود بن كثير الرقي منكم ؟ قال : منزلة المقداد من رسول الله « صلى الله عليه وآله » ) .
أقول : جاء في حديث رجال الطوسي « رحمه الله » الباقر عدد سبعين ألف حديث ، وفي الكافي سبعين حديثاً ، وقد يكون تصحيفاً ، وقد تكون هذه السبعين غيرها .
كان صاحب كرامات ومعجزات
فقد روت المصادر له عدة كرامات ومعجزات منها : ( جاء قوم إلى جابر الجعفي فسألوه أن يعينهم في بناء مسجدهم فقال : ما كنت بالذي أعين في بناء شئ يقع منه رجل مؤمن فيموت ، فخرجوا من عنده وهم يبخلونه ويكذبونه ، فلما كان من الغد أتموا الدراهم ووضعوا أيديهم في البناء ، فلما كان عند العصر ، زلت قدم البناء فوقع فمات ! العلاء بن شريك رجل من جعفي ، قال : خرجت مع جابر لما طلبه هشام حتى انتهى إلى السواد قال : فبينا نحن قعود وراع قريب منا ، إذ لعبت نعجة من شاته إلى حمل فضحك جابر ، قلت له : ما يضحكك يا أبا محمد ؟ قال : إن هذه النعجة دعت حملها ، فلم يجئ . فقالت له : تنح عن ذلك الموضع فإن الذئب عام أول أخذ أخاك منه . فقلت : لأعلمن حقيقة هذا أو كذبه ! فجئت إلى الراعي فقلت : يا راعي تبيعني هذا الحمل . قال : فقال : لا . فقلت ولمَ ؟ قال : لان أمه أفْرَهُ شاة في الغنم وأغزرها درَّة ، وكان الذئب أخذ حملاً لها عند عام الأول من ذلك الموضع فما رجع لبنها ، حتى وضعت هذا : فدرَّت . فقلت : صدق . ثم أقبلت فلما صرت على جسر الكوفة نظر إلى رجل معه خاتم ياقوت فقال له يا فلان
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 148 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
خاتمك هذا البراق أرنيه . قال : فخلعه فأعطاه ، فلما صار في يده رمى به في الفرات ! قال الآخر : ما صنعت ؟ قال : تحب أن تأخذه ؟ قال : نعم فقال بيده إلى الماء ، فأقبل الماء يعلو بعضه على بعض حتى إذا قرب تناوله وأخذه ! . . .
عن عروة بن موسى قال : كنت جالساً مع أبي مريم الحناط وجابر عنده جالس ، فقام أبو مريم فجاء بدورق من ماء بئر مبارك بن عكرمة فقال له جابر : ويحك يا أبا مريم ، كأني بك قد استغنيت عن هذه البئر واغترفت من هاهنا من ماء الفرات . . . يجري فيه ماء الفرات فتخرج المرأة الضعيفة والصبي ، فيغترف منه ، ويجعل له أبواب في بني رواس وفي بني موهبة وعند بئر بني كندة ، وفى بني فزارة حتى تتغامس فيه الصبيان ، قال علي : إنه قد كان ذلك ) . ( معجم السيد الخوئي : 4 / 344 ) .
ألَّفَ جابر كتباً رواها العلماء ، وألف بعضهم كتاباً في أخباره
في معجم السيد الخوئي : 4 / 336 : ( له كتب ، منها التفسير ، أخبرناه أحمد بن محمد . . . وله كتاب النوادر . . . وله كتاب الفضائل . . . وكتاب الجمل ، وكتاب صفين ، وكتاب النهروان ، وكتاب مقتل أمير المؤمنين « عليه السلام » وكتاب مقتل الحسين « عليه السلام » روى هذه الكتب : الحسين بن الحصين العمِّي . . وقال القتيبي : هو من الأزد . وعده المفيد في رسالته العددية ممن لا مطعن فيهم ولا طريق لذم واحد منهم . وعده ابن شهرآشوب من خواص أصحاب الصادق « عليه السلام » . . وقال العلامة في الخلاصة . . إن الصادق « عليه السلام » ترحم عليه وقال : إنه كان يصدق علينا . ) . ورجال النجاشي / 129 ، وقال في / 85 في ترجمة أحمد بن محمد الجوهري / 85 : ( له كتب ، منها : كتاب مقتضب الأثر في عدد الأئمة الاثني عشر . . ، كتاب أخبار جابر الجعفي ) .
وثَّقَهُ كبار علمائنا وعظموه
قال السيد الخوئي « قدس سره » في معجمه : 4 / 344 : ( الذي ينبغي أن يقال : أن الرجل لا بد من
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 149 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عده من الثقات الأجلاء لشهادة علي بن إبراهيم والشيخ المفيد في رسالته العددية وشهادة ابن الغضائري على ما حكاه العلامة ، ولقول الصادق « عليه السلام » في صحيحة زياد إنه كان يصدق علينا . ولا يعارض ذلك قول النجاشي إنه كان مختلطاً . . . فإن فساد العقل لو سُلِّم في جابر ولم يكن تجنناً . . لا ينافي الوثاقة ولزوم الأخذ برواياته حين اعتداله وسلامته . . . إذن لا تكون الموثقة معارضة للصحيحة الدالة على صدقه في الأحاديث والمؤيدة بما تقدم من الروايات الدالة على جلالته ومدحه وأنه كان عنده من أسرار أهل البيت « عليهم السلام » . . ثم إن النجاشي ذكر أنه قل ما يورد عنه شئ في الحلال والحرام ، وهذا منه غريب ، فإن الروايات عنه في الكتب الأربعة كثيرة رواها المشايخ . . ) .
أقول : يتضح بذلك أن النجاشي « رحمه الله » لم يطلع على أحاديث جابر « رحمه الله » ، مضافاً إلى تسرعه في التضعيف ، وأن سبب تضعيف جابر الجعفي « رحمه الله » انتقاد السنيين لأحاديثه الثقيلة ، وقد تأثر بهم بعض الشيعة حتى سألوا عنها الإمام الصادق « عليه السلام » ، ففي الإرشاد / 204 : ( اختلف أصحابنا في أحاديث جابر الجعفي ) فكان موقفه « عليه السلام » صريحاً قوياً في مدح جابر وتصديق أحاديثه ، فقال كما صحيحة زياد : ( رحم الله جابر الجعفي كان يصدق علينا ) . ( البصائر / 258 ) . وبعد ثبوت شهادة المعصوم « عليه السلام » لا نحتاج إلى شهادة غيره لأنها لا تزيد عن إضاءة السراج أمام ضوء الشمس !
وأما ما قيل عن اختلاطه أو جنونه ، فإن ( جنون جابر ) « رحمه الله » خير من عقل الكثيرين !
وأما وصف الإمام الصادق « عليه السلام » لمن ينكر أحاديث جابر بأنهم ( سفلة ) : ( لا تحدث به السفلة فيذيعونه ) . ( دع ذكر جابر فإن السفلة إذا سمعوا بأحاديثه شنَّعوا أو أذاعوا ) . ( رجال الطوسي : 2 / 436 ، و 439 ) . فمعناه سفالة مستواهم العقلي أو الروحي عن استيعاب معجزات الأئمة « عليهم السلام » ومقاماتهم ! لتأثرهم الشديد بالماديات ، أو بموقف رواة الحكومة القرشية ! وكم كنت أتأسف لبعض أساتذتنا عندما كان ينتقد جابر « رحمه الله » ولا يحب أحاديثه ويقول إنها يغلب عليها الغيبيات ! مع أن هذا الكلام يمكن قوله للقرآن وأحاديث النبي « صلى الله عليه وآله » فحجم الغيب فيها أكبر من الشهادة !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 150 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
تحيَّرَ علماء الحكومات في جابر بين مادح وذام
قال مسلم في صحيحه : 1 / 15 : ( الجراح بن مليح يقول : سمعت جابراً يقول عندي سبعون ألف حديث عن أبي جعفر عن النبي ( ص ) كلها ! سمعت جابراً يقول : إن عندي لخمسين ألف حديث ما حدثت منها بشئ ، قال ثم حدث يوماً بحديث فقال : هذا من الخمسين ألفاً . . حدثنا سفيان قال : سمعت رجلاً سأل جابراً عن قوله عز وجل : فَلَنْ أَبْرَحَ الأرض حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ ، فقال جابر : لم يجئ تأويل هذه . قال سفيان : وكذب . فقلنا لسفيان : وما أراد بهذا ؟ فقال : إن الرافضة تقول إن علياً في السحاب ، فلا نخرج مع من خرج من ولده حتى ينادى مناد من السماء يريد علياً أنه ينادى أخرجوا مع فلان . يقول جابر : فذا تأويل هذه الآية وكذب ، كانت في إخوة يوسف . حدثنا سفيان قال : سمعت جابراً يحدث بنحو من ثلاثين ألف حديث ما أستحل أن أذكر منها شيئاً وأن لي كذا وكذا ) . وترجم له ابن حجر في تهذيب التهذيب : 2 / 41 ، بتفصيل فقال : ( أبو داود والترمذي وابن ماجة ) جابر بن يزيد بن الحارث بن عبد يغوث الجعفي ، أبو عبد الله ، ويقال أبو يزيد الكوفي ، روى عن أبي الطفيل وأبي الضحى وعكرمة وعطاء وطاوس وخيثمة والمغيرة بن شبيل وجماعة ، وعنه شعبة والثوري وإسرائيل والحسن بن حي وشريك ومسعر ومعمر وأبو عوانة وغيرهم . قال أبو نعيم : عن الثوري : إذا قال جابر حدثنا وأخبرنا فذاك . وقال ابن مهدي عن سفيان : ما رأيت أورع في الحديث منه . وقال بن علية : عن شعبة : جابر صدوق في الحديث . وقال يحيى بن أبي بكير عن شعبة : كان جابر إذا قال حدثنا وسمعت فهو من أوثق الناس . وقال بن أبي بكير أيضاً عن زهير بن معاوية : كان إذا قال سمعت أو سألت
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 151 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فهو من أصدق الناس . وقال وكيع : مهما شككتم في شئ فلا تشكوا في أن جابراً ثقة . حدثنا عنه مسعر وسفيان وشعبة وحسن بن صالح .
وقال بن عبد الحكم : سمعت الشافعي يقول قال سفيان الثوري لشعبة : لئن تكلمت في جابر الجعفي لأتكلمن فيك !
وقال معلى بن منصور : وقال لي أبو عوانة كان سفيان وشعبة ينهياني عن جابر الجعفي وكنت أدخل عليه فأقول : من كان عندك ؟ فيقول شعبة وسفيان ! وقال وكيع : قيل لشعبة : لما طرحت فلاناً وفلاناً ورويت عن جابر ؟ قال : لأنه جاء بأحاديث لم نصبر عنها ! وقال الدوري عن بن معين : لم يَدَعْ جابراً ممن رآه إلا زائدة ، وكان جابر كذاباً . وقال في موضع آخر : لا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 152 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يكتب حديثه ولا كرامة . وقال بيان بن عمرو عن يحيى بن سعيد : تركنا حديث جابر قبل أن يقدم علينا الثوري .
وقال يحيى بن سعيد عن إسماعيل بن أبي خالد : وقال الشعبي لجابر : يا جابر لا تموت حتى تكذب على رسول الله ( ص ) . قال إسماعيل : فما مضت الأيام والليالي حتى اتهم بالكذب ! وقال يحيى بن يعلى : قيل لزائدة : ثلاثة لم لا تروي عنهم : أبن أبي ليلى وجابر الجعفي والكلبي ؟ قال : أما الجعفي فكان والله كذاباً يؤمن بالرجعة وقال أبو يحيى الحماني عن أبي حنيفة : ما لقيت فيمن لقيت أكذب من جابر الجعفي ، ما أتيته بشئ من رأيي إلا جاءني فيه بأثر ، وزعم أن عنده ثلاثين ألف حديث لم يظهرها ! وقال عمرو بن علي : كان يحيى وعبد الرحمن لا يحدثان عنه كان عبد الرحمن يحدثنا عنه قبل ذلك ثم تركه . وقال أحمد بن حنبل : تركه يحيى وعبد الرحمن . وقال محمد بن بشار عن ابن مهدي : ألا تعجبون من سفيان بن عيينة ، لقد تركت لجابر الجعفي لما حكي عنه أكثر من ألف حديث ، ثم هو يحدث عنه ! وقال النسائي : متروك الحديث وقال في موضع آخر : ليس بثقة ولا يكتب حديثه . وقال الحاكم أبو أحمد : ذاهب الحديث . وقال بن عدي : له حديث صالح . وشعبة أقل رواية عنه من الثوري وقد احتمله الناس وعامة ما قذفوه به أنه كان يؤمن بالرجعة ، وهو مع هذا إلى الضعف أقرب منه إلى الصدق . روى له أبو داود في السهو في الصلاة حديثاً واحداً من حديث المغيرة بن شعبة ، وقال عقبة : ليس في كتابي عن جابر الجعفي غيره . وقال أبو موسى محمد بن المثنى : مات سنة 128 . قلت : وذكر مطين عن مفضل بن صالح : مات سنة 127 . وقال بن أبي خيثمة عن يحيى بن معين : مات سنة 132 . وقال سلام بن أبي مطيع : قال لي جابر الجعفي : عندي خمسون ألف باب من العلم ما حدثت به أحداً . فأتيت أيوب فذكرت هذا له فقال : أما الآن فهو كذاب . وقال جرير بن عبد الحميد عن ثعلبة : أردت جابر الجعفي فقال لي ليث بن أبي سليم : لا تأته فهو كذاب . قال جرير : لا أستحل أن أروي عنه ، كان يؤمن بالرجعة . وقال أبو داود : ليس عندي بالقوي في حديثه . وقال أبو الأحوص : كنت إذا مررت بجابر الجعفي سألت ربي العافية . وقال الشافعي : سمعت سفيان بن عيينة يقول : سمعت من جابر الجعفي كلاماً فبادرت خفت أن يقع علينا السقف ! قال سفيان : كان يؤمن بالرجعة وقال إبراهيم الجوزجاني : كذاب . وقال إسحاق بن موسى : سمعت أبا جميلة يقول : قلت لجابر الجعفي : كيف تسلم على المهدي ؟ قال : إن قلت لك كفرت . وقال الحميدي عن سفيان : سمعت رجلاً سأل جابر الجعفي عن قوله : فَلَنْ أَبْرَحَ الأرض حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي . . قال : لم يجئ تأويلها بعد . قال سفيان : كذب . قلت ما أراد بهذا قال الرافضة تقول إن علياً في السماء لا يخرج من ولده حتى ينادي من السماء أخرجوا مع فلان ، يقول جابر : هذا تأويل هذا . وقال الحميدي أيضاً : سمعت رجلاً يسأل سفيان : أرأيت يا أبا محمد الذين عابوا على جابر الجعفي قوله
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 153 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
حدثني وصي الأوصياء ؟ فقال سفيان : هذا أهونه ! وقال شبابة عن ورقاء عن جابر : دخلت على أبي جعفر الباقر فسقاني في قعب حسائي حفظت به أربعين ألف حديث ! وقال يحيى بن يعلى : سمعت زائدة يقول : جابر الجعفي رافضي يشتم أصحاب النبي ! وقال ابن سعد : كان يدلس وكان ضعيفاً جداً في رأيه وروايته . وقال العقيلي في الضعفاء : كذبه سعيد بن جبير . وقال العجلي : كان ضعيفاً يغلو في التشيع وكان يدلس . وقال الساجي في الضعفاء : كذبه بن عيينة . وقال الميموني : قلت لأحمد بن خداش : أكان جابر يكذب ؟ قال إي والله وذاك في حديثه بيِّن . وقال ابن قتيبة في كتابه مشكل الحديث : كان جابر يؤمن بالرجعة ، وكان صاحب نيرنجات وشبه . وقال عثمان بن أبي شيبة : حدثني أبي عن جدي قال : كنت آتيه في وقت ليس فيه فاكهة ولا قثاء ولا خيار فيذهب إلى بسيتين له في داره فيجئ بقثاء وخيار فيقول : كلْ ، فوالله ما زرعته ! وقال أبو العرب الصقلي في الضعفاء : سئل شريك عن جابر فقال : ما له العدل الرضي ومد بها صوته ؟ ! وقال أبو العرب : خالف شريك الناس في جابر . وقال الشعبي لجابر ولداود بن يزيد : لو كان لي عليكما سلطان ثم لم أجد إلا الإبر لشككتكما بها ! وقال أبو بدر : كان جابر يهيج به في السنة مرة فيهذي ويخلط في الكلام ، فلعل ما حكي عنه كان في ذلك الوقت ! وخرج أبو عبيد في فضائل القرآن : حديث الأشجعي عن مسعر ثنا جابر قبل أن يقع فيما وقع فيه . قال الأشجعي : ما كان من تغير عقله . وقال أبو أحمد الحاكم : يؤمن بالرجعة ، اتهم بالكذب وذكره يعقوب بن سفيان في باب من يرغب الرواية عنهم . وقال بن حبان : كان سبائياً من أصحاب عبد الله بن سبأ ، وكان يقول إن علياً يرجع إلى الدنيا ! فإن احتج محتج بأن شعبة وغيره والثوري رويا عنه قلنا : الثوري ليس من مذهبه ترك الرواية عن الضعفاء ، وأما شعبة وغيره
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 154 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فرأوا عنده أشياء لم يصبروا عنها وكتبوها ليعرفوها ، فربما ذكر أحدهم عنه الشئ بعد الشئ على جهة التعجب ! وأخبرني بن فارس قال : ثنا محمد بن رافع قال : رأيت أحمد بن حنبل في مجلس يزيد بن هارون معه كتاب زهير عن جابر الجعفي ، فقلت له : يا أبا عبد الله تنهونا عن جابر وتكتبونه ؟ ! قال : لنعرفه . وقال الميموني : سمعت أحمد يقول : كان بن مهدي والقطان لا يحدثان عن جابر بشئ وكان أهل ذلك . وقال الأثرم : قلت لأحمد كيف هو عندك ؟ قال : ليس له حكم يضطر إليه ويقول سألت سألت . وقال أحمد بن الحكم لأحمد : كتبت أنا وأنت عن علي بن بحر عن محمد بن الحسن الواسطي عن مسعر ؟ قال : كنت عند جابر فجاءه رسول أبي حنيفة : ما تقول في كذا وكذا ؟ قال : سمعت القاسم بن محمد وفلاناً حتى عد سبعة ، فلما مضى الرسول قال جابر : إن كانوا قالوا ! ( أي اعترف على نفسه بالكذب ) ! قيل لأحمد : ما تقول فيه بعد هذا ؟ فقال هذا شديد واستعجمه ، نقل ذلك كله العقيلي ، ثم نقل عن يحيى بن المغيرة عن جرير قال : مضيت إلى جابر فقال لي هُدبة رجل من بني أسد : لا تأته فإني سمعته يقول الحارث بن سريج في كتاب الله ، فقال له رجل من قومه : لا والله ما في كتاب الله سريج يعني الحارث الذي كان خرج في آخر دولة بني أمية وكان معه جهم بن صفوان ) . انتهى .
ملاحظات على موقفهم من جابر
1 - قال في أعيان الشيعة : 4 / 54 : ( الرجل ثقة صدوق ورع ، كما اعترف به شعبة وسفيان الثوري ووكيع و زهير بن معاوية وشريك وغيرهم . . . وإن القدح فيه ليس إلا لتشيعه ونسبة القول بالرجعة إليه كما صرح به ابن عدي بقوله : عامة ما قذفوه به أنه كان يؤمن بالرجعة ، وكذلك جرير وزائدة وأبو أحمد الحاكم . . . ولروايته من
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 155 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فضائل أهل البيت « عليهم السلام » ما لا تحتمله عقولهم ، ولذلك تركه ابن عيينة لما سمع منه حديثاً في فضلهم الباهر ، واستنكروا تسميته الإمام الباقر وصي الأوصياء .
ثم بيَّنَ السيد الأمين أن تهمتهم له بالقول بالرجعة ، لأنه يقول بظهور المهدي « عليه السلام » بعد غيبته ، وقال : ( هذه هي الرجعة التي يطبل القوم بها ويزمرون ) !
2 - ما أوردناه من تهذيب ابن حجر ، ليس كل ما قالوه في جابر مدحاً أو ذماً ، وقد انتقى ابن حجر وبتر ، ورجح تضعيفه بقوله : ( قلنا : الثوري ليس من مذهبه ترك الرواية عن الضعفاء ، وأما شعبة وغيره فرأوا عنده أشياء لم يصبروا عنها وكتبوها ليعرفوها ، فربما ذكر أحدهم عنه الشئ بعد الشئ على جهة التعجب ) !
وبذلك خالف منهجهم في التوثيق ! فلو كان جابر راوياً غير شيعي لاكتفى بمدح كبار أئمته له ووثقه واحتج به ، وطالب الطاعن بحجة على طعنه ومستنده في جرحه ؟ ! خاصة أن مدحهم القوي له تضمن رد كل الطعون عليه / حيث صرحوا بأن طعنهم يرجع إلى تشيعه ، وقوله بالرجعة أو بظهور الإمام المهدي « عليه السلام » .
وكما ص أبو حنيفة على أن سبب اتهامه لجابر بالكذب أنه عارض اجتهاداته بالأحاديث ! ( ما أتيته بشئ من رأيي إلا جاءني فيه بأثر ، وزعم أن عنده ثلاثين ألف حديث لم يظهرها ) ! وعليه يجب تكذيب كل من عارض اجتهادات أبي حنيفة بالحديث كالشافعي ! وتكذيب من ادعى أن عنده مئات ألوف الأحاديث ، كابن حنبل وبخاري ومسلم !
3 - الذين طعنوا في جابر الجعفي « رحمه الله » كذَّبوا أنفسهم والحمد لله ، وأولهم أبو حنيفة وأصحابه ! قال في المحلى : 10 / 378 : ( جابر الجعفي كذاب ، وأول من شهد عليه بالكذب أبو حنيفة ثم لم يبال بذلك أصحابه فاحتجوا بروايته حيث اشتهوا ) ، كما احتجوا بحديثه عن النبي « صلى الله عليه وآله » : ( كل شئ خطأ إلا السيف ، ولكل خطأ أرش ) . وقال
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 156 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عنه في نيل الأوطار : 7 / 166 : ( وهذا الحديث يدور على جابر الجعفي ) .
4 - والقضية أضخم من احتياجهم لأحاديث جابر ، أو أن بعضهم كان يعجب بها ولا يصبر عن كتابتها ! أو كان يكتبها ليعرفها ، أو لينص على غرابتها ولم يفعل !
فقد شهد الترمذي بأن أحاديث جابر عمدة أحاديث أئمتهم من محدثي الكوفة ! قال في سننه : 1 / 133 : ( سمعت الجارود يقول : سمعت وكيعاً يقول : لولا جابر الجعفي لكان أهل الكوفة بغير حديث ) ! ومعناه أنهم مع بغضهم لجابر بسبب تشيعه ، ازدحموا في بيته وكتبوها عنه ودلسوا فيها فنسبوها إلى غيره ! قال أبو داود : ( رأيت زكريا بن أبي زائدة يزاحمنا عند جابر ، فقال لي سفيان : نحن شباب وهذا الشيخ ماله يزاحمنا ؟ ! ) . وكان شعبة يسمي من يطعن في جابر مجانين يقولون ما لا يفعلون ! فكلهم تلاميذه ! ( قال لنا شعبة : لا تنظروا إلى هؤلاء المجانين الذين يقعون في جابر . هل جاءكم بأحد لم يلقه ) ؟ ! ( ميزان الإعتدال : 1 / 382 ، والجرح والتعديل للرازي : 1 / 117 ) .
وقال ابن عدي في الكامل : 2 / 117 : ( قال ابن إدريس : ذهب بي أبي إلى جابر الجعفي فأجلسني قريباً منه ، فقال لأبي : هذا ابنك الذي علمته القرآن ؟ قال نعم . . قال الشيخ : ولجابر حديث صالح ، وقد روى عنه الثوري الكثير ، وشعبة أقل رواية عنه من الثوري . وحدث عنه زهير وشريك وسفيان والحسن بن صالح وابن عيينة وأهل الكوفة وغيرهم ، وقد احتمله الناس ورووا عنه ، وعامة ما قذفوه أنه كان يؤمن بالرجعة ، وقد حدثه عنه الثوري مقدار خمسين حديثاً . ولم يتخلف أحد في الرواية عنه ، ولم أر له أحاديث جاوزت المقدار في الإنكار ، وهو مع هذا كله أقرب إلى الضعف منه إلى الصدق ) !
5 - وبلغ من تحيرهم فيه أن كبار أئمتهم وقعوا في الكذب والتناقض ! فقد قال الذهبي في الكاشف : 1 / 288 : ( من أكبر علماء الشيعة ، وثقه شعبة فشذ ، وتركه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 157 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الحفاظ ) . ثم كذب نفسه فقال في المغني : 1 / 126 : ( د . ت . ق . جابر بن يزيد الجعفي ، مشهور ، عالم ، قد وثقه شعبه والثوري وغيرهما ) .
أما ابن حبان فقد ميَّع موضوعه فاخترع سببين من عنده لروايتهم عنه فقال في المجروحين : 1 / 209 : ( فإن احتج محتج بأن شعبة والثوري رويا عنه ، فإن الثوري ليس من مذهبه ترك الرواية عن الضعفاء بل كان يؤدي الحديث على ما سمع ، لأن يرغب الناس في كتابة الأخبار ويطلبوها في المدن والأمصار . وأما شعبة وغيره من شيوخنا فإنهم رأوا عنده أشاء لم يصبروا عنها وكتبوها ليعرفوها فربما ذكر أحدهم عنه الشئ بعد الشئ على جهة التعجب فتداوله الناس ) .
فالسبب الأول الذي اتهم به إمامهم سفيان الثوري أنه كتب الأحاديث الضعيفة لأن الناس يرغبون فيها ، والسبب الثاني الذي اتهم به إمامهم شعبة وأن كان يروي للتعجب فقط ، فيأخذه الناس ولا يعرفون أنه للتعجب ، ولا يعرفه ابن حبان أيضاً ! وعليه يجب إسقاط كل مرويات الثوري وشعبة ، وإحراق كتب ابن حبان وغيره !
6 - المشكلة عند علماء السلطة الطاعنين في جابر الجعفي « رحمه الله » ليست عقيدته ،
فأمثال جابر عندهم كثيرون وقد رووا عنهم واحتجوا بهم ، وبلغ عددهم أكثر من مئة راوٍ في صحيح بخاري ومسلم فقط ، لأن شرط الراوي عندهم أن يكون ثقة في نقله بقطع النظر عن عقيدته ، وقد قبلوا قول الطبيب غير المسلم إذا كان ثقة . فالمشكلة لست عقيدته بل أحاديثه الثقيلة عن النبي « صلى الله عليه وآله » في الوصية لعلي « عليه السلام » والعترة « عليهم السلام » وأن الله تعالى فرض طاعتهم على الأمة وفي أولها الصحابة ! وهذا ينسف شرعية الخلافة القرشية التي قامت على ادعائهم أن النبي « صلى الله عليه وآله » لم يوص وأن بني هاشم يكفيهم النبوة ، ويجب أن تكون الخلافة من نصيب بقية القبائل !
ومثلها مروياته الثقيلة عن النبي « صلى الله عليه وآله » في بعض الصحابة ، ولهذا قالوا إنه رافضي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 158 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يشتم الصحابة ويؤمن بالرجعة ، أي بظهور المهدي « عليه السلام » بعد غيابه .
وينبغي أن تعرف أن علماء السلطة عندما يواجهون راوياً محترماً يروي هذه الأحاديث ، فقد يهاجمونه ويضعفونه كما رأيت ، أو يقولون هو جيد لكن الرواة عنه ضعاف حرفوا حديثه وكذبوا عليه ! وقد قالوا ذلك في جابر « رحمه الله » وصبوا غضبهم على تلميذه عمرو بن شمر الذي يروي عنه الأوزاعي فقالوا : ( سفيان بن سعيد : عمرو بن شمر هذا أكثر عن جابر وما رأيته عنده قط ) . ( الجرح والتعديل : 1 / 77 ) . أو يقولون أحاديثه منكرة وهو متروك ، أي منكرة عند الحكومات ولذا تركها علماؤها ! فالمنكر عندها منكر عند الله ورسوله « صلى الله عليه وآله » ! والراوي المتروك عندهم متروك عند الله ورسوله « صلى الله عليه وآله » ! ولذلك قالوا إنهم تركوا جابراً ولم يتركوه !
قال سفيان بن عيينة : ( تركت جابراً الجعفي لما سمعت منه قال : دعا رسول الله ( ص ) علياً فعلمه مما تعلم ، ثم دعا على الحسن فعلمه مما تعلم ، ثم دعا الحسن الحسين فعلمه مما تعلم . ثم دعا ولده ، حتى بلغ جعفر بن محمد . قال سفيان : فتركته ذلك ) . ( ميزان الذهبي : 1 / 381 ) . وقد كذبوا على سفيان أو سفيان خوفاً من زملائه المجانين حسب تعبير شعبة ! قال عبد الرحمن بن مهدي : ( ألا تعجبون من سفيان بن عيينة يقول : لقد تركت جابراً الجعفي لقوله لما حكى عنه أكثر من ألف حديث ، ثم هو يحدث عنه ) ! ( تهذيب الكمال : 4 / 469 ) !
7 - يلفتنا في ترجمة جابر جوابه « رحمه الله » لمن سأله : ( كيف تسلم على المهدي ؟ قال : إن قلت لك كفرت ) ! ومعناه أنه كان يسلم على إمامه الباقر « عليه السلام » أو على خاتم الأئمة المهدي « عليه السلام » قبل ولادته ، وأن تلميذه تعجب من هذا السلام كيف يصل إلى صاحبه وهو غائب ، فأجابه جابر بأني لو شرحت لك ذلك لم تتحمله وكفرت به !
وهذا يدل على مقام خاص لجابر « رحمه الله » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 159 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
8 - معنى قول ابن حجر في آخر ترجمة جابر : ( سمعته يقول : الحارث بن سريج في كتاب الله ، فقال له رجل من قومه : لا والله ما في كتاب الله سريح ، يعني الحارث الذي كان خرج في آخر دولة بني أمية ) : أن جابراً كان حياً عندما ثار الحارث بن سريج على نصر بن سيار حاكم خراسان ، وأنه رأى فيه بداية أحداث زوال دولة بني أمية ، تفسيراً لما أخبره به الإمام الباقر « صلى الله عليه وآله » أو لبعض آيات الشجرة الملعونة وحكمهم ألف شهر ، وقد قتل الحارث وقتل معه جهم بن صفوان والسختياني ، وكانت ثورته سنة 128 ، كما في الطبري : 6 / 6 ، وتاريخ خليفة / 307 ، والذهبي : 8 / 383 . والذي اعترض على جابر لم يفهم قوله فاعتبره كذاباً . وفي الوافي : 11 / 161 : ( وكانت قتلته في حدود الثلاثين والمئة ) . والمرجح أن جابراً عاش إلى سنة 132 ، كما قال ابن معين في تهذيب التهذيب أي شهد سقوط الأمويين ، بدليل أن الإمام الباقر « عليه السلام » أعطاه أحاديث لينشرها بعد سقوطهم ، وهو إخبار بأنه سيبقى إلى ذلك الوقت . وربما كان المعنى أن يعطيها لتنشر بعد سقوطهم ، لكن الأول أظهر .
اتسع تأثير جابر الجعفي فاتخذ الخليفة الأحول قراراً بقتله
روى في الكافي : 1 / 396 ، عن النعمان بن بشير قال : ( كنت مزاملاً لجابر بن يزيد الجعفي ، فلما أن كنا بالمدينة دخل على أبي جعفر « عليه السلام » فودعه وخرج من عنده وهو مسرور ، حتى وردنا الأُخَيْرجة أول منزل نعدل من فيد إلى المدينة ، يوم جمعة ، فصلينا الزوال فلما نهض بنا البعير إذا أنا برجل طوال آدم معه كتاب ، فناوله جابراً فتناوله فقبله ووضعه على عينيه ، وإذا هو : من محمد بن علي إلى جابر بن يزيد ، وعليه طين أسود رطب ! فقال له : متى عهدك بسيدي ؟ فقال : الساعة . فقال له : قبل الصلاة أو بعد الصلاة ؟ فقال : بعد الصلاة ! ففك الخاتم وأقبل يقرؤه ويقبض وجهه ، حتى أتى على آخره ثم أمسك الكتاب ، فما رأيته ضاحكاً ولا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 160 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مسروراً حتى وافى الكوفة ! فلما وافينا الكوفة ليلاً بتُّ ليلتي فلما أصبحت أتيته إعظاماً له فوجدته قد خرج عليَّ وفي عنقه كعاب قد علقها وقد ركب قصبة ، وهو يقول : أجد منصور بن جمهور أميراً غير مأمور ، وأبياتاً من نحو هذا ، فنظر في وجهي ونظرت في وجهه ، فلم يقل لي شيئاً ولم أقل له ، وأقبلت أبكي لما رأيته واجتمع عليَّ وعليه الصبيان والناس ! وجاء حتى دخل الرحبة وأقبل يدور مع الصبيان والناس يقولون : جُنَّ جابر بن يزيد جُن . فوالله ما مضت الأيام حتى ورد كتاب هشام بن عبد الملك إلى واليه أن انظر رجلاً يقال له : جار بن يزيد الجعفي فاضرب عنقه وابعث إليَّ برأسه ، فالتفت إلى جلسائه فقال لهم : من جابر بن يزيد الجعفي ؟ قالوا : أصلحك الله كان رجلاً له علم وفضل وحديث ، وحج فجن ، وهو ذا في الرحبة مع الصبيان على القصب يلعب معهم ! قال : فأشرف عليه فإذا هو مع الصبيان يلعب على القصب ، فقال الحمد لله الذي عافاني من قتله . قال ولم تمض الأيام حتى دخل منصور بن جمهور الكوفة وصنع ما كان يقول جابر ) . ورواه في الإختصاص / 67 ، وفيه أن كتاب هشام إلى والي الكوفة وصل بعد ثلاثة أيام ، وأن الوالي كتب إلى هشام : ( إنك كتبت إلي في أمر هذا الرجل الجعفي وإنه جُن ! فكتب إليه : دعه ) . وفيد : منتصف الطريق بين الكوفة ومكة ، بينها وبين تيماء ست ليال . والأخيْرجة : مكان قرب فيد . ( معجم البلدان : 4 / 282 ، و البحار : 46 / 283 ) .
ثلاث ملاحظات
1 - جابر الجعفي « رحمه الله » من حواريي الإمام الباقر « عليه السلام » وجنود الله الخاصين ، رباه ثمانية عشر سنة ، ثم أرسله إلى الكوفة قاعدة الإسلام وعاصمة التشيع ليقوم بنشر حديث النبي « صلى الله عليه وآله » وأهل بيته « عليهم السلام » ، بين الشيعة وكبار علماء الدولة ورواتها ، الذين كانوا بحاجة إلى التلمذ عليه والرواية عنه ، فكان علمه الغزير سبب إعجاب
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 161 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
2 - بعضهم به ، وحسد بعضهم له حتى وشوا به إلى الخليفة وحذروه من خطر أحاديثه على بني أمية ، فأرسل إلى واليه أن يقتله ، فأمره الإمام الباقر « عليه السلام » ان يتظاهر بالجنون فنجاه الله تعالى ، فلما اطمأن عاد إلى وضعه الطبيعي !
ثم أرسل الخليفة مرة أخرى إلى واليه أن يقبض عليه ، ففرَّ منه إلى سواد الكوفة ففي رجال الطوسي : 2 / 444 : ( خرجت مع جابر لما طلبه هشام حتى انتهى إلى السواد ) . وقد يكون ذلك بعد شهادة الباقر « عليه السلام » سنة 114 ، ويظهر أن الوالي يومها غير الوالي السابق لأن السابق سأل عنه مَن هو ؟
ثم أراد الخليفة قتله مرة أخرى سنة 126 عند قتل الوليد ، فأظهر الجنون مجدداً ! ففي رجال الطوسي : 2 / 437 : ( دخلت المسجد حين قتل الوليد فإذا الناس مجتمعون قال : فأتيتهم فإذا جابر الجعفي عليه عمامة خز حمراء ، وإذا هو يقول : حدثني وصي الأوصياء ووارث علم الأنبياء محمد بن علي « عليه السلام » قال : فقال الناس : جُنَّ جابر ، جُن جابر ) . والوليد قتله ابن عمه الوليد بن يزيد سنة 126 .
ومعنى ذلك أن جابراً « رحمه الله » كان لبضع عشرة سنة في أواخر عمره متخفياً من قبضة الخليفة ، حتى سقط النظام الأموي ! ولذلك ترى التفاوت في تاريخ وفاة جابر .
2 - الطريقة التي أوصل الإمام « عليه السلام » الخبر إلى جابر فيها إعجاز ، وقد فهمها الكليني « رحمه الله » بأن الإمام « عليه السلام » استفاد من مؤمني الجن فقطع الرسول منهم مسيرة أسبوع في ساعة ، ولذا روى الحديث تحت عنوان : ( أن الجن يأتونهم فيسألونهم عن معالم دينهم ويتوجهون في أمورهم ) . لكن قول الراوي : ( إذا أنا برجل طوال آدم معه كتاب فناوله جابراً فتناوله فقبله ووضعه على عينيه ) . لا يدل على أنه من الجن ، بل يدل على أن جابراً وثق بالخاتم وبحامل الكتاب ، فقد يكون من الجن أو من أولياء الله الذين يصحبون الإمام « عليه السلام » ويخدمونه .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 162 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
3 - تتميز أحاديثه « رحمه الله » ب - : 1 - العمق والدقة . 2 - قوة العنصر الغيبي . 3 - بيان مقامات أهل البيت « عليهم السلام » التي خصهم الله بها . 4 - الصراحة في ولايتهم والبراءة من مخالفيهم .
وهذا سبب ثقلها على المخالفين ، بل على بعض الموالين الذين لا يحبون الأحاديث التي فيها غيب وصراحة ! حتى كانت موضع تساؤل حتى من بعض الشيعة ! قال زياد بن أبي الحلال : ( اختلف أصحابنا في أحاديث جابر الجعفي فقلت لهم : أسألُ أبا عبد الله « عليه السلام » ، فلما دخلت ابتدأني فقال : رحم الله جابر الجعفي كان يصدق علينا ، لعن الله المغيرة بن سعيد كان يكذب علينا ) . ( رجال الطوسي : 2 / 436 ) . وعن ذريح المحاربي أنه سأل الإمام الصادق « عليه السلام » : ( ما تقول في أحاديث جابر ؟ قال تلقاني بمكة قال : فلقيته بمكة فقال : تلقاني بمنى ، قال : فلقيته بمنى فقال لي : ما تصنع بأحاديث جابر ! أُلْهُ عن أحاديث جابر فإنها إذا وقعت إلى السفلة أذاعوها . قال عبد الله بن جبلة : فاحتسبت ذريحاً سفلة ) . وفي رواية : ( فإن السفلة إذا سمعوا بأحاديثه شنعوا ) . ( رجال الطوسي : 2 / 671 ) .
أقول : اشتبه ابن جبلة « رحمه الله » ، فتأخير الإمام جواب ذريح ونهيه إياه عن الانشغال بأحاديث جابر ، يدل على أنها قد تصل من ذريح إلى السفلة . لكن يبقى السؤال عن سبب مدح الأئمة « عليهم السلام » لجابر وإمضائهم لأحاديثه ، ثم أمرهم بحصرها في أهلها ، ونهيهم عن جعلها في معرض الوصول إلى السفلة ؟ والجواب : أن مقامات النبي « صلى الله عليه وآله » وعترته المعصومين « عليهم السلام » عظيمة يصعب التصديق بها ! فقد أعطاهم الله جلَّتْ قدرته أكثر مما نعرفه ، بل إن تركيبهم العقلي والبدني أرقى من الإنسان العادي وإلا فكيف تفسر أن النبي « صلى الله عليه وآله » ليس له ظل ، وأنه تنام عينه ولا ينام قلبه ، وأنه يرى من خلفه كما يرى من أمامه ، وأن شخصاً شرب من دم حجامته فلم يشب ولم يمرض ؟ ! بل يمكن القول إن الزمان والمكان بالنسبة إليهم غيره بالنسبة إلينا فنحن نرى في النوم أشياء خارج الزمن ، فكيف بهم ؟ وبهذا يمكنهم أن يروا أعمال العباد ببرنامج رباني ، لأنهم المقصودون بقوله تعالى : وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ) . ( التوبة : 105 ) .
وهذه بضعة نماذج من أحاديثه « رحمه الله » :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 163 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
1 - قال « رحمه الله » : ( تقبضت بين يدي أبي جعفر فقلت : جعلت فداك ربما حزنت من غير مصيبة تصيبني أو أمر ينزل بي حتى يعرف ذلك أهلي في وجهي وصديقي ! فقال : نعم يا جابر إن الله عز وجل خلق المؤمنين من طينة الجنان وأجرى فيهم من ريح روحه ، فلذلك المؤمن أخو المؤمن لأبيه وأمه فإذا أصاب روحاً من تلك الأرواح في بلد من البلدان حزن ، حزنت هذه لأنها منها ) . ( الكافي : 2 / 166 ) .
2 - روى عن جابر الأنصاري « رحمه الله » : ( سمعت رسول الله « صلى الله عليه وآله » يقول لعلي « عليه السلام » : يا علي أنت أخي ووصيي ووارثي ، وخليفتي على أمتي في حياتي وبعد وفاتي ، محبك محبي ومبغضك مبغضي ، وعدوك عدوي ووليك وليي ) . ( أمالي الصدوق / 187 ) .
3 - روى عن ابن مسعود الأنصاري قال : ( قال رسول الله « صلى الله عليه وآله » : من صلى صلاة ولم يصل فيها علي وعلى أهل بيتي لم تقبل منه ! وإقران الأهل به في الحكم دليل الوجوب لما بيناه من وجوب الصلاة عليه ) . ( المعتبر : 2 / 227 ) .
4 - روى عن الإمام الباقر « عليه السلام » أنه قال له : ( إذا أردت أن تعلم أن فيك خيرا فانظر إلى قلبك ، فإن كان يحب أهل طاعة الله ويبغض أهل معصيته ، ففيك خير والله يحبك . وإن كان يبغض أهل طاعة الله ويحب أهل معصيته ، فليس فيك خير والله يبغضك . والمرء مع من أحب ) . ( الكافي : 2 / 126 ) .
5 - قال له الإمام الصادق « عليه السلام » : ( يا أخا جعف ، إن اليقين أفضل من الايمان ، وما من شئ أعز من اليقين ) . ( كتاب التمحيص / 62 ) .
6 - روى عن الإمام الباقر « عليه السلام » قال : ( لما أنزلت : يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ . . قال المسلمون : يا رسول الله ألست إمام الناس كلهم أجمعين ؟ فقال رسول الله « صلى الله عليه وآله » : أنا رسول الله إلى الناس أجمعين ، ولكن سيكون بعدي أئمة على الناس من أهل بيتي من الله ، يقومون في الناس ، فيكذبونهم ويظلمونهم أئمة الكفر والضلال وأشياعهم ! ألا فمن والاهم واتبعهم وصدقهم فهو مني ومعي وسيلقاني ، ألا ومن ظلمهم وأعان على ظلمهم وكذبهم فليس مني ولا معي وأنا منه برئ ) . ( المحاسن : 1 / 155 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 164 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

ب علي بن يقطين « رحمه الله » وزير الخلفاء العباسيين

1 - يظهر أن الحكم الشرعي للعمل مع الحاكم الجائر واحدٌ في شرائع جميع الأنبياء « عليهم السلام » ، فالأصل حرمته إلا ما كان فيه خدمة للمؤمنين ، كقبول يوسف « عليه السلام » لمنصب رئيس الوزراء عند فرعون ( عزيز مصر ) : قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأرض إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ . أو ما كان عن إكراه كقبول الإمام الرضا « عليه السلام » لمنصب ولاية العهد للمأمون ، فقد سأله أحد الخوارج : ( أخبرني عن دخولك لهذا الطاغية فيما دخلت له وهم عندك كفار ، وأنت ابن رسول الله ، فما حملك على هذا ؟ فأجابه : أرأيتك هؤلاء أكفر عندك أم عزيز مصر وأهل مملكته ؟ . . ويوسف بن يعقوب نبي ابن نبي ابن نبي ، فسأل العزيز وهو كافر فقال : اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأرض إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ . وكان يجلس مجلس الفراعنة . وأنا رجل من ولد رسول الله ، أجبرني على هذا الأمر وأكرهني عليه ) . ( وسائل الشيعة : 12 / 150 ) .
2 - وقد بحث فقهاؤنا الموضوع في باب القضاء كما في جواهر الكلام : 21 / 407 ، واستدلوا بالكتاب والسنة وقد ورد فيها النهي والتحذير من العمل عند السلطان الجائر ، كما ورد جواز ذلك بل استحبابه لأجل خدمة المؤمنين . فقد أجاب الإمام الباقر « عليه السلام » من سأله عن العمل مع السلطان ، فقال : ( لا ، ولا مَدَّةُ قلم ! إن أحدهم لا يصيب من دنياهم شيئاً إلا أصابوا من دينه مثله ) . ( الكافي : 5 / 107 ) . وعن الإمام الصادق « عليه السلام » قال : ( العامل بالظلم والمعين له والراضي به ، شركاء فيه ) . ( البحار : 72 / 378 ) . وطلب أحدهم من الإمام الصادق « عليه السلام » أن يأذن له بالعمل مع السلطان فقال له : ( تناولُ السماء أيسر عليك من ذلك ) . ( الكافي : 5 / 108 ، ونحوه / 111 ) .
وسئل الإمام الصادق « عليه السلام » : ( عن الدخول في عمل السلطان ، فقال : هم الداخلون
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 165 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عليكم أم أنتم الداخلون عليهم ؟ فقال : لا ، بل هم الداخلون علينا ، قال : فما بأسٌ بذلك ) . ( البحار : 72 / 378 ) . وقال « عليه السلام » : ( ما من جبار إلا ومعه مؤمن يدفع الله به عن المؤمنين ، وهو أقلهم حظاً في الآخرة ) . أي لصحبته الجبار . ( الكافي : 5 / 111 ) .
وعن الإمام الكاظم « عليه السلام » : ( كفارة عمل السلطان قضاء حوائج الإخوان ) . ( تحف العقول / 187 ) . وقال السيد الخوئي في مصباح الفقاهة : 1 / 674 : ( النتيجة أن الولاية من قبل الجائر إن كانت لحفظ المعاش مع قصد الإحسان إلى المؤمنين فهي مكروهة ، وإن كانت للإحسان إليهم فقط ، فهي مستحبة ) . انتهى .
3 - وكان للأئمة « عليهم السلام » أصحاب في أجهزة الدولة القرشية من عهد أبي بكر وعمر وعثمان ، وبقية بني أمية ، وبني العباس ، ظاهرين أو مستخفين ، يعملون بالتقية مع الخليفة وكبار وزرائه ، ويخدمون المؤمنين ، وينفذون ما يأمرهم به الإمام « عليه السلام » .
ومن أبرز أمثلتهم علي بن يقطين ، الذي كان وزيراً مقرباً من السفاح والمنصور والمهدي والهادي والرشيد ، وقد ترجمت له مصادر التاريخ والحديث ، قال ابن النجار في ذيل تاريخ بغداد : 4 / 202 : ( علي بن يقطين بن موسى ، أبو الحسن مولى بني أسد : ولد بالكوفة في سنة أربع وعشرين ومائة ، وكان أبوه من وجوه دعاة الإمامية ( العباسية ) ، فطلبه مروان بن محمد فهرب واستتر ، وهربت به أمه وبأخيه عبيد بن يقطين ، وكان ولد بعد علي بسنتين إلى المدينة ، وكانت له وصلة بعيال جعفر بن محمد الصادق فأتت منزله بابنيها فاستدنى جعفر علياً وأقعده على حجره ومسح على رأسه ، فلما ظهر بنو العباس ظهر يقطين ، وعادت أم علي بعلي وعبيد فلم يزل يقطين في خدمة أبي العباس وأبي جعفر ، ومع ذلك يرى رأى آل أبي طالب ويقول بإمامتهم وكذلك ولده ، وكان يحمل الأموال إلى جعفر الصادق والألطاف ، ثم وصل خبره إلى المنصور والمهدي فلم يكيداه ، ولما نقل المهدي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 166 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إلى الرصافة صُيِّرَ في حجر يقطين فنشأ المهدي وعلي بن يقطين كأنهما أخوان ، فلما أفضت الخلافة إلى المهدي استوزر علي بن يقطين وقدمه وجعله على ديوان الزمام وديوان البسر والخاتم ، فلم يزل في يده حتى توفى المهدي وأفضى الأمر إلى الهادي فأقره على وزارته ولم يشرك معه أحداً في أمره إلى أن توفي الهادي ، وصار الأمر إلى الرشيد فأقره شهراً ، ثم صرفه بيحيى بن خالد البرمكي . . . قرأت في كتاب محمد بن إسحاق النديم بخطه قال : توفي علي بن يقطين بمدينة السلام سنة اثنتين وثمانين ومائة ، وسنُّهُ سبع وخمسون سنة ، وصلى عليه ولي العهد محمد بن الرشيد ، وتوفي أبوه بعده في سنة خمس وثمانين ومائة ، ولعلي بن يقطين
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 167 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كتاب ما سأل عنه الصادق من أمور الملاحم ، وكتاب مناظرته للشاك بحضرة جعفر )
4 - والمؤكد عن يقطين أنه كان من دعاة بني العباس ، وذكر ابن حجر في لسان الميزان : 2 / 302 ، وابن النديم في الفهرست / 279 تشيع أبيه يقطين بن موسى ، وقال : ( وكان يحمل الأموال إلى جعفر بن محمد بن علي والألطاف ، ونمَّ خبره إلى المنصور والمهدي فصرف الله عنهم كيدهما ) . وذكر السيد الخوئي « قدس سره » أن أباه يقطين لم يكن شيعياً واستدل برواية صحيحة ذكرت أن الإمام الصادق « عليه السلام » دعا على يقطين وأولاده ، ورواية ضعيفة تذكر قول يقطين لابنه : ( ما بالنا قيل لنا فكان وقيل لكم فلم يكن ؟ فأجابه : إن الذي قيل لنا ولكم كان من مخرج واحد غير أن أمركم حضر فأعطيتم محضه فكان كما قيل لكم ، وأن أمرنا لم يحضر فعللنا بالأماني ) . ويؤيده أن المؤرخين يعبرون عن أتباع بني العباس بالشيعة .
5 - نص علماؤنا على تشيع ولده علي ووثاقته ورووا مدح الأئمة « عليهم السلام » له ، ففي فهرست الطوسي / 154 : ( علي بن يقطين ، ثقة جليل القدر له منزلة عظيمة عند أبي الحسن موسى « عليه السلام » ، عظيم المكان في الطائفة . . . ولعلي بن يقطين عنه كتب ، منها كتاب ما سئل عنه الصادق « عليه السلام » من الملاحم وكتاب مناظرة الشاك بحضرته « عليه السلام » . وله مسائل عن أبي الحسن موسى بن جعفر « عليه السلام » . أخبرنا بكتبه ومسائله . . . ) .
وفي خلاصة الأقوال / 174 ، عن داود الرقي قال : ( دخلت على أبي الحسن « عليه السلام » يوم النحر فقال مبتدئاً : ما عرض في قلبي أحد وأنا في الموقف إلا علي بن يقطين فإنه ما زال معي وما فارقني حتى أفضت ) . وهذا مقام عظيم لعلي بن يقطين « رحمه الله » أن يخصه الإمام الكاظم « عليه السلام » بدعائه يوم عرفة ، ولعل السبب أنه كان يواجه ظروفاً صعبة من هارون الرشيد ، ويتجسس عليه لإثبات تشيعه وقتله !
وترجم له السيد الخوئي « رحمه الله » في معجمه : 21 / 169 ، بتفصيل ، جاء فيه : ( أقبل علي بن يقطين فالتفت أبو الحسن « عليه السلام » إلى أصحابه فقال : من سره أن يرى رجلاً من أصحاب رسول الله « صلى الله عليه وآله » فلينظر إلى هذا المقبل ، فقال له رجل : هو إذن من أهل الجنة ، فقال أبو الحسن « عليه السلام » : أما أنا فأشهد أنه من أهل الجنة . . وقال له الإمام الكاظم « عليه السلام » : إضمن لي خصلة أضمن لك ثلاثاً . . . أن لا يصيبك حر الحديد أبداً بقتل ، ولا فاقة ، ولا سقف سجن . . وأما الخصلة التي تضمن لي أن لا يأتيك ولي أبداً إلا أكرمته . قال : فضمن له علي الخصلة وضمن له أبو الحسن الثلاث . . .
ثم قال السيد الخوئي « رحمه الله » : ( إن كثرة الروايات المادحة والدالة على جلالة علي بن يقطين أغنتنا عن التعرض لأسانيدها ، على أن بعضها صحيحة وفيها الكفاية ) . انتهى .
وصح عند فقهائنا أن الإمام الكاظم « عليه السلام » نهى علي بن يقطين أن يتوضأ وضوء أهل البيت « عليهم السلام » وأمره أن يتوضأ بوضوء العباسيين وهو وضوء الأمويين ، وقد راقبه هارون خفية ليعرف مذهبه من وضوئه فرآه يتوضأ وضوءه فنجا منه ! ( الإرشاد : 2 / 228 ) .
وكان هارون أهدى له عباءة مذهبة أهداها له ملك الروم ، فأرسلها ابن يقطين إلى الإمام الكاظم « عليه السلام » قال : ( فمكثت ستة أشهر أو سبعة أشهر ثم انصرفت يوماً
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 168 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
من عند هارون وقد تغديت بين يديه ، فقام إليَّ خادمي الذي يأخذ ثيابي بمنديل على يديه وكتاب مختوم وطينه رطب فقال : جاء بهذه الساعة رجل فقال إدفع هذا إلى مولاك ساعة يدخل ، ففضضت الكتاب فإذا فيه : يا علي هذا وقت حاجتك إلى الدراعة . فكشفت طرف المنديل عنها ، ودخل عليَّ خادم لهارون بغير إذن فقال : أجب أمير المؤمنين ! قلت : شئ حدث ؟ قال : لا أدري ، فركبت ودخلت عليه وعنده عمر بن بزيع واقفاً بين يديه فقال : ما فعلت بالدراعة التي وهبتها لك ؟ قلت : خِلَعُ أمير المؤمنين عليَّ كثيرة من دراريع وغيرها فعن أيها تسألني ؟ قال : دراعة الديباج السوداء الرومية المذهبة . قلت : ما عسى أن أصنع بها ألبسها في أوقات وأصلي فيها ركعات . . . : فأرسلت خادمي حتى جاء بها . فلما رآها قال : يا عمر ما ينبغي أن نقبل على علي بعدها شيئاً . . . وكان الساعي بي ابن عم لي ، فسوَّد الله وجهه وكذبه والحمد لله ) . ( الخرائج : 2 / 656 ، ودلائل الإمامة / 322 ) .
6 - كان أولاد عم علي بن يقطين جواسيس عليه عند هارون الرشيد ، وكذلك خالد البرمكي وولداه جعفر ويحيى ، وقد استطاعوا أن يؤثروا على هارون فعزل علي بن يقطين واستوزر البرامكة سنة 170 ، لمدة 17 سنة ، وكانوا أداة الرشيد في اضطهاد الإمام الكاظم « عليه السلام » وقتله ، وفي حملته لإبادة العلويين وإفقارهم ، وسيأتي .
وكان البرامكة شديدي العداء والنصب للأئمة من أهل البيت « عليهم السلام » وقد انتقم الله منهم فغضب عليهم الرشيد ونكبهم بعد أن سلطهم على كل أموره ، وزوجهم أخته . ولعله اكتشف أنهم مجوس أصحاب مشروع معاد للإسلام وأمته .
7 - ألف علي بن يقطين كتاباً فيما سأل عنه الإمام الصادق « عليه السلام » من الملاحم ، ومن أعجب ما رأيته عنه « عليهم السلام » ما يدل على إيمان عبد المطلب « رحمه الله » وأنه كان عنده خبر الإسلام والملاحم ، قال علي بن يقطين : ( قال لي أبو الحسن موسى بن جعفر « عليه السلام » :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 169 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إضمن لي واحدة أضمن لك ثلاثاً : إضمن لي أنه لا يأتي أحد من موالينا في دار الخلافة إلا قمت له بقضاء حاجته ، أضمن لك أن لا يصيبك حر السيف أبداً ، ولا يظلك سقف سجن أبداً ، ولا يدخل الفقر بيتك أبداً . قال الحسن : فذكرت لمولاي كثرة تولي أصحابنا أعمال السلطان واختلاطهم بهم ، قال : ما يكون أحوال إخوانهم معهم ؟ قلت : مجتهد ومقصر ، قال : من أعز أخاه في الله وأهان أعداءه في الله ، وتولى ما استطاع نصيحته ، أولئك يتقلبون في رحمة الله ، ومثلهم مثل طير يأتي بأرض الحبشة في كل صيفة يقال له " القدم " فيبيض ويفرخ بها ، فإذا كان وقت الشتاء صاح بفراخه فاجتمعوا إليه وخرجوا معه من أرض الحبشة ، فإذا قام قائمنا اجتمع أولياؤنا من كل أوب ! ثم تمثل بقول عبد المطلب :

فإذا ما بلغ الدور إلى * منتهى الوقت أتى طيْر القَدمْ
بكتاب فصلت آياته * وبتبيان أحاديث الأمم .

( مستدرك الوسائل : 13 / 137 ، وجامع أحاديث الشيعة : 17 / 297 ) .

ج - والي العراق يزيد بن عمر بن هبيرة

قال الكليني « رحمه الله » في الكافي : 1 / 473 : ( عن رفيد مولى يزيد بن عمر بن هبيرة ، قال : سخط عليَّ ابن هبيرة وحلف علي ليقتلني ، فهربت منه وعذت بأبي عبد الله « عليه السلام » فأعلمته خبري فقال لي : انصرف واقرأه مني السلام وقل له : إني قد أجرت عليك مولاك رفيداً فلا تهجه بسوء . فقلت له : جعلت فداك شامي خبيث الرأي ! فقال : إذهب إليه كما أقول لك ، فأقبلت فلما كنت في بعض البوادي استقبلني أعرابي فقال : أين تذهب إني أرى وجه مقتول ! ثم قال لي : أخرج يدك ففعلت ، فقال : يد مقتول ! ثم قال لي : أبرز رجلك فأبرزت رجلي ، فقال : رجل مقتول ! ثم قال لي :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 170 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أبرز جسدك ؟ ففعلت ، فقال : جسد مقتول ! ثم قال لي : أخرج لسانك ففعلت فقال لي : إمض ، فلا بأس عليك ، فإن في لسانك رسالة لو أتيت بها الجبال الرواسي لانقادت لك ! قال : فجئت حتى وقفت على باب ابن هبيرة فاستأذنت فلما دخلت عليه قال : أتتك بخائن رجلاه ! يا غلام النطع والسيف ! ثم أمر بي فكتفت وشد رأسي وقام عليَّ السياف ليضرب عنقي ، فقلت : أيها الأمير لم تظفر بي عنوة وإنما جئتك من ذات نفسي ، وهاهنا أمر أذكره لك ، ثم أنت وشأنك ، فقال : قل ، فقلت : أخلني ، فأمر من حضر فخرجوا ، فقلت له : جعفر بن محمد يقرؤك السلام ويقول لك : قد أجرتُ عليك مولاك رفيداً فلا تهجه بسوء . فقال : والله لقد قال لك جعفر هذه المقالة وأقرأني السلام ؟ ! فحلفت له ، فردها عليَّ ثلاثاً ثم حل أكتافي ثم قال : لا يقنعني منك حتى تفعل لي ما فعلت بك ( أي يُكَتِّفه للقتل كما كتَّفه ) ! قلت : ما تنطلق يدي بذاك ولا تطيب به نفسي ! فقال : والله ما يقنعني إلا ذاك ، ففعلت به كما فعل بي وأطلقته فناولني خاتمه وقال : أموري في يدك فدبر فيها ما شئت ) . انتهى .
ملاحظات
1 - يدل ذلك على أن ابن هبيرة كان له اعتقادٌ خاص بالإمام الصادق « عليه السلام » ، ولعل السبب أنه كان رأى منه معجزة ، فيكون من أصحابه بالمعنى العام لا بمعنى أنه شيعي ، وقد كان أبوه عمر قبله حاكم العراق وخراسان من قبل الأمويين ، وله في تاريخ دمشق : 65 / 324 ، ترجمة مطولة ، فيها أنه ولد سنة 87 ، وأصله من الشام وولي قنسرين للوليد بن يزيد بن عبد الملك ، وولي العراق وخراسان لمروان الحمار ، وكان سخياً بخلاف أبيه ، وكان جسيماً طويلاً سميناً خطيباً أكولاً شجاعاً وكان من ندمائه القاضي المعروف ابن شبرمة ، وقد خطب هشام بن عبد الملك
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 171 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ابنته لابنه معاوية فأبى أن يزوجه ، وبقي والياً إلى سقوط دولة بني أمية ، وقاتله المنصور في واسط وحاصره نحو سنة فلم يقدر عليه ، وراسل عبد الله بن الحسن ليعلن بيعته فلم يقبل وارادها لابنه وسيأتي ذلك ! ولا بد أنه راسل الإمام الصادق « عليه السلام » قبله يعرض عليه البيعة فلم يقبل ، وأعطاه المنصور الأمان وشرط أن يبقى في جيشه فقبل ، ثم غدر به وقتله في ذي القعدة سنة 132 . وتاريخ خليفة / 306 ، وفتح الباري : 13 / 125 ، والأخبار الطوال / 367 ، وتاريخ بغداد : 13 / 328 .
2 - أما رفيد صاحب القصة ، فقد ترجم له علماؤنا باسم رفيد مولى ابن هبيرة ورووا عنه بضع روايات ، ولم يزيدوا على ذلك . وترجموا لرفيد بن مصقلة العبدي الكوفي وأنه كان مفتي العامة ، ورووا عنه في فضل أمير المؤمنين « عليه السلام » ، وعده الشيخ الطوسي في رجاله من أصحاب الباقر « عليه السلام » ، ولم يستبعدوا اتحاده مع رقبة بن مصقلة العبدي ، الذي وثقه علماء السنة ورروا عنه ، كما في مستدرك الحاكم : 2 / 171 ، وأوسط الطبراني : 8 / 211 ، وتهذيب الكمال : 4 / 344 ، وكاشف الذهبي : 1 / 398 ، وميزان الإعتدال : 1 / 580 ، وتقريب التهذيب : 1 / 303 ، وغيرها . . لكن لا يمكن القول إنه رفيد مولى ابن هبيرة ، لأن رفيداً مولى وابن مصقلة عربي كما يبدو .
3 - ومما يلفت في هذه القصة الصحيحة ، المستوى الذي بلغه علم القيافة عند العرب في ذلك العصر ! وكيف عرف ذلك الأعرابي البدوي الأمي من شكل بدن رفيد أنه مقتول ، وأعجب منه كيف عرف من لسانه أنه يحمل رسالة لو قرأها على الجبال الرواسي لأطاعته ، فكان كما قال ! وقد انتهى هذا العلم في عصرنا ، إلا نتفٌ منه عند بعض قراء الكف الهنود ، وبعض أهل الفراسة ( الشوَّافين ) الذين قرأت عنهم ، ورأيت بعضهم ، وليس هذا مجال الكلام في ذلك .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 172 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

د - جابر بن حيان

قال السيد الخوئي « قدس سره » في معجمه : 4 / 328 : ( جابر بن حيان ، الصوفي الطرسوسي ، أبو موسى ، من مشاهير أصحابنا القدماء ، كان عالماً بالفنون الغريبة وله مؤلفات كثيرة أخذها من الصادق « عليه السلام » . . كُتب في أحواله وذكرت مؤلفاته كتب عديدة . . . قال جرجي زيدان في مجلة الهلال على ما حكي عنه : إنه من تلامذة الصادق ، وإن أعجب شئ عثرت عليه في أمر الرجل أن الأوروبيين اهتموا بأمره أكثر من المسلمين والعرب ، وكتبوا فيه وفي مصنفاته تفاصيل ، وقالوا إنه أول من وضع أساس الشيمي الجديد وكتبه في مكاتبهم كثيرة ) .
وقال ابن النديم في الفهرست / 420 : ( وكان من أهل الكوفة . . وزعم قوم من الفلاسفة أنه كان منهم ، وله في المنطق والفلسفة مصنفات ، وزعم أهل صناعة الذهب والفضة أن الرياسة انتهت إليه في عصره ، وأن أمره كان مكتوماً ، وزعموا أنه كان يتنقل في البلدان لا يستقر به بلد خوفاً من السلطان على نفسه . . . وحدثني بعض الثقات ممن يتعاطى الصنعة أنه كان ينزل في شارع باب الشام في درب يعرف بدرب الذهب ، وقال لي هذا الرجل : إن جابراً كان أكثر مقامه بالكوفة وبها كان يدبر الإكسير لصحة هوائها ، ولما أصيب بالكوفة الأزج ( الجُرْن ) الذي وجد فيه هاون ذهب فيه نحو مائتي رطل ، ذكر هذا الرجل أن الموضع الذي أصيب ذلك فيه كان دار جابر بن حيان . . ولهذا الرجل كتب في مذاهب الشيعة أنا أوردها في مواضعها ، وكتب في معاني شتى من العلوم قد ذكرتها في مواضعها من الكتاب . وقد قيل إن أصله من خراسان ، والرازي يقول في كتبه المؤلفة في الصنعة : قال أستاذنا أبو موسى جابر بن حيان . . .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 173 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
له فهرست كبير يحتوي على جميع ما ألف في الصنعة وغيرها ، وله فهرست صغير يحتوي على ما ألف في الصنعة فقط . ونحن نذكر جملاً من كتبه رأيناها وشاهدها الثقات فذكروها لنا . . . ثم أورد ابن النديم أسماءها وقال : فهذه أربعون كتاباً من السبعين كتاباً . . ثم أورد أسماء رسائل أخرى وقال : وهذه الكتب مائة واثنا عشر كتاباً . وله بعد ذلك سبعون كتاباً ، منها : كتاب اللاهوت . كتاب الباب . كتاب الثلاثين كلمة . . . وله بعد ذلك عشر رسائل في النبات . . وله في الأحجار عشر رسائل على هذا المثال . فذلك سبعون رسالة . ويتلو ذلك عشرة كتب مضافاً إلى السبعين . . . ثم يتلو هذه عشرون كتاباً بأسمائها وهي ، كتاب الزمردة ، كتاب الأنموذج . كتاب المهجة . . . ثم يتلو ذلك ثلاثة كتب وهي كتاب الطهارة آخر كتاب التسعة ، كتاب الأعراض . . . قال أبو موسى : ألفت ثلاثمائة كتاب في الفلسفة وألف وثلاثمائة كتاب في الحيل ، على مثال كتاب تقاطر ، وألف وثلاثمائة رسالة في صنائع مجموعة وآلات الحرب ، ثم ألفت في الطب كتاباً عظيماً . . . الخ . ) .
وفي معجم المطبوعات العربية : 1 / 664 : ( لم يطبع من هذا الكتاب الا ترجمات باللغة اللاتينية ، وطبع قسم منه باللغة العربية ضمن كتاب الأستاذ برتولو المسمى vol paris 1893 3 La chimie au moyen age مجموعة أحد عشر كتاباً في علم الأكسير الأعظم . . . كتاب الملك - طبع حجر بمبي 1892 كتاب المكتسب - موسوم بنهاية الطلب مع شرحه للجلدكي - در علم كيميا . الخ . وشرح الجلدكي باللغة الفارسية - طبع حجر بمبى 1307 . ولجابر بن حيان كتاب نفيس في السموم مخطوط في الخزانة التيمورية ) . وفي معجم المطبوعات العربية : 2 / 1207 : ( استفاد الدكتور صروف وأفاد من كتاب نفيس وجده في الخزانة التيمورية وهو كتاب السموم لأبي موسى جابر بن حيان ، وهي نسخة وحيدة على ما هو معروف إلى
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 174 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الآن ، فوصفه وصفاً وافياً في المقتطف سنة 1921 ) .
وقال الزركلي في الأعلام : 2 / 103 : ( فيلسوف كيميائي ، كان يعرف بالصوفي . من أهل الكوفة وأصله من خراسان . . توفي بطوس . له تصانيف كثيرة قيل عددها 232 كتاباً ، وقيل : بلغت 500 ضاع أكثرها وترجم بعض ما بقي منها إلى اللاتينية . . . ولجابر شهرة كبيرة عند الإفرنج بما نقلوه من كتبه في بدء يقظتهم العلمية . قال برتلو Berthelot . m : لجابر في الكيمياء ما لأرسطو طاليس قبله في المنطق ، وهو أول من استخرج حامض الكبريتيك وسماه زيت الزاج ، وأول من اكتشف الصودا الكاوية ، وأول من استحضر ماء الذهب ، وينسب إليه استحضار مركبات أخرى مثل كربونات البوتاسيوم وكربونات الصوديوم . وقد درس خصائص مركبات الزئبق واستحضرها . وقال لوبون : Le Bon . G : ( تتألف من كتب جابر موسوعة علمية تحتوي على خلاصة ما وصل إليه علم الكيمياء عند العرب في عصره . وقد اشتملت كتبه على بيان مركبات كيماوية كانت مجهولة قبله . وهو أول من وصف أعمال التقطير والتبلور والتذويب والتحويل . الخ . ) . وأورد عدداً من كتبه في الذريعة : 2 / 36 ، و 43 ، و 211 ، و 491 ، و : 3 / 175 ، و : 4 م 15 ، و 18 ، و 52 ، و 64 ، و 170 و : 5 / 120 ، و : 20 / 171 .
وفي وفيات الأعيان : 1 / 112 ، في ترجمة الإمام الصادق « عليه السلام » : ( وفضله أشهر من أن يذكر ، وله كلام في صنعة الكيمياء ، وكان تلميذه أبو موسى جابر بن حيان الصوفي الطرسوسي قد ألف كتاباً يشتمل على ألف ورقة يتضمن رسائل جعفر الصادق ، وهي خمسمائة رسالة ) .
وفي الفائق في رواة وأصحاب الإمام الصادق « عليه السلام » : 1 / 277 : ( من مشاهير علماء الفلسفة والحكمة والطب والرياضيات والفلك والمنطق والنجوم ، وكان متصوفاً أديباً زاهداً ، واعظاً مؤلفاً في شتى صنوف العلم والمعرفة ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 175 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي مستدرك الوسائل : 16 / 445 : ( عن عمر بن يزيد قال : كتب جابر بن حيان الصوفي إلى أبي عبد الله « عليه السلام » : يا بن رسول الله منعتني ريح شابكة ، شبكت بين قرني إلى قدمي ، فادع الله لي ، فدعا له وكتب إليه : عليك بسعوط العنبر والزنبق على الريق ، تعافى منها إن شاء الله . ففعل ذلك فكأنما نشط من عقال ) .
ونورد من أعيان الشيعة : 4 / 30 ، خلاصة مقال للدكتور أحمد فؤاد الأهواني نشره في مجلة المجلة المصرية جاء فيه : هو أشهر علماء العرب ، وأول من أرسى قواعد العلم التجريبي ، وذكر أن أبا جابر كان عطاراً في الكوفة وأن والي خراسان قتله لاتهامه بالتشيع ، وأنه سافر إلى خراسان فولد ابنه جابراً هناك سنة 120 وتوفي سنة 190 وذكر أن كتبه ورسائله ومقالاته تزيد على 3900 كتاب . . .
وحين اتجهت أوروبا إلى العرب تغترف من بحر علومهم ، لم تجد أمامها في الكيمياء سوى جابر فنقلت اسمه وكتبه وعلمه ، واشتهر عندهم باسم Geber وباللاتينية Geberus كما نقلوا عن تلميذه الرازي . ونقل جيرار الكريموني في أكبر الظن كتاب السبعين من مؤلفات جابر بن حيان إلى اللاتينية ، وهو مجموعة تتألف من سبعين كتاباً . . . عني بتحقيق سيرة جابر من الأوروبيين الأستاذ هولميارد في مقالة له نشرها سنة 1923 وقد كتب عنه في كتبه الأخرى ، وفي كتاب له وهو الكيمياء الصادر سنة 1957 في سلسلة بليكان الإنكليزية .
مختار رسائل جابر بن حيان نشرت في القاهرة عام 1935 من قبل المستشرق التشيكوسلوفاكي ب . كراوس .
يقسم هولميارد مؤلفاته إلى أربع مجموعات : أ - الكتب المائة والاثنا عشر . وهي التي أهدى بعضها إلى البرامكة ، ومعظم هذه المجموعة مأخوذة عن هرمس . ب - الكتب السبعون ، وقد ترجم معظمها إلى اللاتينية في القرن الثاني عشر .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 176 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ج - المصححات العشر ، والتي يصف فيها ما قام به القدماء في علم الكيمياء مثل فيثاغورس وسقراط وغيرهم . د - كتب الموازين وهي 114 كتاباً يعرض فيها نظرية الميزان .
كتاب هولميارد الأستاذ الأول في علوم الكيمياء بمدرسة كلفتن في برستل بانكلترة المنشور في باريس عام 1928 . ثم نشر هولميارد سنة 1928 إحدى عشرة رسالة لجابر ، كما نشر كراوس في القاهرة المختار من رسائل جابر بن حيان ، وذلك في كتاب يقع في 555 صفحة .
وقال الدكتور الأهواني : لقد أغفل هولميارد من مؤلفات جابر ما كتبه في الطب والفلسفة والمنطق وغير ذلك لان عنايته كانت بالجانب الكيميائي فقط . ولم ينشر من هذا التراث الضخم إلا جزء ضئيل ، بدأه برتيلوه Berthlot بنشر كتاب الرحمة ، وهو أول كتب جابر ، وقد نشرت الترجمة اللاتينية كذلك .
وآخر كتاب نشر له في ليبزغ هو رسالة دفع السموم ومضارها مع ترجمة النص إلى الألمانية ، وذلك في سنة 1959 . وقد يسر كراوس في المجلد الأول من بحثه العمل ، فأحصى جميع المخطوطات الموجودة في شتى مكتبات العالم من مؤلفات جابر ، مع الإشارة إلى ما طبع منها .
وقال الجندي في كتابه الإمام جعفر الصادق / 277 : ( على هؤلاء الفقهاء والعلماء تعلم أهل أوربة منهج النزاهة العلمية والواقعية الذي تبلور في طريقة التجربة والإستخلاص . والذي أعلنه جابر بن حيان أول من استحق في العالم لقب كيميائي ، كما يعبر عنه الأوربيون ) .
نظرة في كتاب : مختار رسائل جابر بن حيان
هذا الكتاب في أكثر من 570 صفحة ، عني بتصحيحه ونشره ب . كراوس ، طبع
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 177 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مكتبة الخانجي بالقاهرة سنة 1354 هجرية ، وأعادت طبعه مكتبة المثنى ببغداد بدون تاريخ . ويشتمل على ست وعشرين رسالة ، أولها كتاب إخراج ما في القوة إلى الفعل ، ثم كتاب الحدود ، وكتاب الماجد ، والجزء الأول من كتاب الأحجار على رأي بليناس . . إلى آخره . وقد طالعته فرأيت فيه من ناحية عقائدية شذرات جيدة ، لكن فيه حشوٌ كثير ممل ! فمؤلفه يؤكد مرات عديدة أن رسائله من إملاء ( سيدي جعفر صلوات الله عليه ) ويكرر قسَمه : ( وحق سيدي ، أو : وحق سيدي « عليه السلام » ، أو : وحق سيدي جعفر صلوات الله عليه ) أكثر من ثلاثين مرة .
ويبدأ كتاب الأحجار صفحة 158 بقوله : ( بسم الله الرحمن الرحيم . الحمد لله الذي اصطفى محمداً نبياً وانتخب له علياً ولياً ) . وفي صفحة 456 ، يرشد طالب الكيميا وعلم الميزان لنجاح عمله إلى صلاة وأوراد وتوسل بالنبي وآله « صلى الله عليه وآله » ، وفيه قوله : ( اللهم إن وسيلتي إليك محمد وصفوة أهل بيته آمين . قال سيدي لي في ذلك : إن الله عز وجل أكرم من أن يتوسل إليه إنسان بنبيه وأهل نبيه فيرده خائباً ) .
وفي صفحة 489 ، يذكر تحت عنوان كتاب الخمسين ، ألقاب خمسة وخمسين شخصاً يدور عليهم تكوين العالم ، فيقول : ( وأما أسماء الأشخاص الذين يكونون في هذا الباب خمسة وخمسون : النبي . الإمام . الحجاب . البسيط . السابق . التالي . الأساس . العمد . . الخ . ) . وهي تقسيمات لبعض تنظيمات الإسماعيلية المتأخرة عن زمن جابر بن حيان . أما من ناحية علمية فموضوع الرسائل وهدفها ، قوانين الكيمياء وصنعة تحويل الحديد والمعادن إلى ذهب ، ولا تجد من ذلك شيئاً ذا قيمة ! وهذا ما يجعلك تطمئن أنهم نسبوا إلى جابر « رحمه الله » كتباً ورسائل لم يكتبها ! وذلك بسبب شهرته وثقة الرأي العام بعلمه . لكن ذلك لا ينفي مؤلفات جابر الحقيقية ، ونبوغه في الكيمياء والطب ، وما علمه أستاذه الإمام الصادق « عليه السلام » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 178 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

ه - الخليل بن أحمد الفراهيدي

هو الخليل بن أحمد الفراهيدي ، نسبة إلى فراهيد بطن من قبيلة الأزد العمانية أو اليمانية . ( لسان العرب / 3 / 335 ، وتهذيب اللغة للأزهري : 6 / 280 ، والمزهر للسيوطي : 2 / 379 ) ، أو محلة في البصرة . ( ثقات ابن حبان : 8 / 229 ) ولعلها محلة الفراهيد الأزديين .
( قال الأصمعي : سأَلْتُ الخَلِيلَ بنَ أَحمدَ : مِمّن هو ؟ فقال : من أَزْدِ عُمَانَ من فراهيد . قلت : وما فَرَاهِيدُ ؟ قال : جَرْوُ الأَسد بلُغَة عُمَانَ ) . ( تاج العروس : 8 / 494 ، ونحوه نور القبس للمرزباني / 20 ) . لكن الصفدي قال في الوافي : 13 / 241 : ( وعلماء الفرس تدعي مشاركتهم في هذه الفضيلة . . ومن الفرس كان أصله لأنه من فراهيد اليمن ، وكانوا من بقايا أولاد الفرس الذين فتحوا بلاد اليمن لكسرى وكان جد الخليل من أولئك ) . وذكر الزبيدي في تاج العروس : 13 / 534 ، أن جَنْكُ اسم جَدِّ الخليل بن أَحمد وقال : ( وهو من محدثي سجستان ، قاله الصاغاني . قلت وكنيته أبو سعيد ) .
وقال المرزباني في نور القبس / 20 : ( وكان من أهل عمان من قرية من قراها ، ثم انتقل إلى البصرة أ وكان من أزهد الناس وأعلاهم نفساً . وكان يعيش من بستان له بالخريبة خلفه له أبوه . . . وقال : قدمت من عمان ورأيي رأي الصفرية فجلست إلى أيوب بن أبي تميمة السختياني . . فلزمته فنفعني الله به .
قال يونس : قلت للخليل : ما بال أصحاب رسول الله ( ص ) كأنهم بنو أم واحدة وعليّ بن أبي طالب « عليه السلام » كأنه ابن عَلَّة ؟ فقال : من أين لك هذا السؤال ؟ قلت : أريد أن تجيبني ! فقال : على أن تكتم عليَّ ما دمت حياً ! قلت : أجل ، فقال : تقدمهم إسلاماً ، وبذهم شرفاً ، وفاقهم علماً ، ورجحهم حلماً ، وكاثرهم زهداً ، وأنجدهم شجاعة فحسدوه ! والناس إلى أمثالهم وأشكالهم أميل منهم إلى من فاقهم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 179 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وكثرهم ورجحهم ) ! ثم روى المرزباني مجموعة من أقواله وشعره .
وقال ياقوت في معجم الأدباء : 3 / 300 : ( وكان سفيان الثوري يقول : من أحب أن ينظر إلى رجل خلق من الذهب والمسك فلينظر إلى الخليل بن أحمد !
ويروى عن النضر بن شميل أنه قال : ما رأيت رجلاً أعلم بالسنة بعد ابن عون من الخليل بن أحمد . . أكلت الدنيا بعلم الخليل وكتبه ، وهو في خص لا يشعر به ) . انتهى . أي كان ابن شميل وغيره يأخذون كتبه ويبيعونها إلى الخليفة والولاة !
أقول : يتضح بهذا أن الخليل كان شيعياً يكتم تشيعه ، وكان يروي عن أيوب السختياني وسفيان الثوري تلميذي الإمام الصادق « عليه السلام » اللذين كانا يعيشان في البصرة ، وقد روى السنة عنه عن سفيان عن الإمام الصادق « عليه السلام » حديث فلسفة الحج ، ففي تهذيب الكمال : 5 / 93 ، قال الخليل : ( سمعت سفيان بن سعيد الثوري يقول : قدمت إلى مكة فإذا أنا بأبي عبد الله جعفر بن محمد « عليه السلام » قد أناخ بالأبطح فقلت : يا ابن رسول الله لم جعل الموقف من وراء الحرم ، ولم يصير في المشعر الحرام ؟ فقال : الكعبة بيت الله عز وجل والحرم حجابه والموقف بابه ، فلما قصده الوافدون أوقفهم بالباب يتضرعون ، فلما أذن لهم بالدخول أدناهم من الباب الثاني وهو المزدلفة ، فلما نظر إلى كثرة تضرعهم وطول اجتهادهم رحمهم ، فلما رحمهم أمرهم بتقريب قربانهم ، فلما قربوا قربانهم وقضوا تفثهم وتطهروا من الذنوب التي كانت حجاباً بينه وبينهم ، أمرهم بزيارة بيته على طهارة منهم ، قال : فقال له : فلما كره الصوم أيام التشريق ؟ فقال : إن القوم في ضيافة الله عز وجل ولا يجب على الضيف أن يصوم عند من أضافه . قال : قلت : جعلت فداك فما بال الناس يتعلقون بأستار الكعبة وهي خرق لا تنفع شيئاً ؟ فقال : ذلك مثل رجل بينه وبين رجل جرم ، فهو يتعلق به ويطوف حوله رجاء أن يهب له ذلك الجرم ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 180 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والذهبي في سيره : 6 / 264 ، وتاريخ الإسلام : 9 / 92 . ورواه البيهقي مختصراً في فضائل الأوقات / 408 ، عن علي « عليه السلام » ، وكذا الشعراني في العهود المحمدية / 238 ، والمنذري في الترغيب : 2 / 133 ، بينما نسب شبيهه في شعب الإيمان : 3 / 469 إلى ذي النون المصري ، وكذا ابن عساكر : 6 / 352 . وبهذا يسهل أن نتفهم أن الخليل « رحمه الله » أخذ أصول علمه من الإمام الصادق أو أبيه « صلى الله عليه وآله » وبنى عليها في البصرة علم العروض واللغة ، كما أخذ أبو الأسود الدؤلي « رحمه الله » أصول علم النحو من أمير المؤمنين « عليه السلام » وبنى عليها في البصرة .
روى في مناقب آل أبي طالب : 1 / 326 ، عن تاريخ البلاذري ، أن علم العروض خرج من دار علي « عليه السلام » قال : ( ومنهم العروضيون ومن داره خرجت العروض ، روي أن الخليل بن أحمد أخذ رسم العروض عن رجل من أصحاب محمد الباقر أو علي بن الحسين « صلى الله عليه وآله » فوضع لذلك أصولاً ) . ورواه في شرح إحقاق الحق : 12 / 169 ، عن الحافظ أبو حاتم أحمد بن حمدان الرازي في كتابه : الزينة في الكلمات الإسلامية العربية / 80 ، طبعة القاهرة .
وروت مصادر الجميع أن أبا الأسود الدؤلي « رحمه الله » أول من وضع علم العربية بتوجيه أمير المؤمنين « عليه السلام » ( مثلاً تاريخ دمشق : 25 / 194 ) ، وأكمله الخليل « رحمه الله » فوضع تشكيل الحروف من المد والتشديد والفتحة الكسرة والضمة والسكون والتنوين والروْم والإشمام . ( البحار : 40 / 161 ، القرآن للطباطبائي / 155 ، والاتقان : 2 / 171 ، وتاريخ القرآن للزرندي / 161 ) .
توثيق علمائنا للخليل بن أحمد « رحمه الله »
قال العلامة في خلاصة الأقول / 140 : ( كان أفضل الناس في الأدب وقوله حجة فيه ، واخترع علم العروض وفضله أشهر من أن يذكر ، وكان إمامي المذهب ) .
وعده في أعيان الشيعة : 6 / 337 ، وكذا في الذريعة : 2 / 325 ، وذكر له كتاب الإمامة . . تممه أبو الفتح محمد بن جعفر المراغي المتوفى سنة 371 ) .
وقال في جواهر الكلام : 7 / 221 ، في معنى العشي والإبكار : ( ومنهم الخليل بن أحمد في كتاب العين ، الذي هو الأصل في اللغة ، وعليه المعول والمرجع ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 181 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
علم العروض وكتاب العين
قال الصفدي في وفيات الأعيان : 2 / 244 : ( وهو الذي استنبط علم العروض وأخرجه إلى الوجود وحصر أقسامه في خمس دوائر يستخرج منها خمسة عشر بحرا ثم زاد فيه الأخفش بحراً آخر وسماه الخبب ) .
وقال ابن النديم في الفهرست / 48 : ( أصله من الأزد من فراهيد . . وكان غاية في استخراج مسائل النحو وتصحيح القياس . وهو أول من استخرج العروض وخص به أشعار العرب . وكان من الزهاد في الدنيا المنقطعين إلى العلم . . توفي بالبصرة سنة سبعين ومائة وعمره أربع وسبعون سنة . وله من الكتب المصنفة : كتاب العين . قرأت بخط أبى الفتح بن النحوي صاحب بني الفرات ، وكان صدوقاً منقراً بحاثاً : قال أبو بكر بن دريد : وقع بالبصرة كتاب العين سنة ثمان وأربعين ومائتين قدم به وراق من خراسان ، وكان في ثمانية وأربعين جزءً فباعه بخمسين ديناراً . وكنا نسمع بهذا الكتاب أنه بخراسان في خزائن الطاهرية حتى قدم به هذا الوراق . . . وقد استدرك على الخليل جماعة من العلماء في كتاب العين خطأ وتصحيفاً وشيئاً ذكر أنه مهمل وهو مستعمل ، وشيئاً ذكر أنه مستعمل وهو مهمل . فمنهم أبو طالب المفضل بن سلمة وعبد الله بن محمد الكرماني وأبو بكر بن دريد . والجهضمي والسدوسي . والهناني الدوسي . وقد انتصر له جماعة من العلماء وخطأ بعضهم بعضاً . . وللخليل أيضا من الكتب : كتاب النغم . كتاب العروض . كتاب الشواهد . كتاب النقط والشكل . كتاب فائت العين . كتاب الايقاع . أسماء فصحاء الأعراب المشهرين ) .
وقال في الذريعة : 1 / 38 : ( آلات الإعراب ، المعبر عنه بكتاب النقط والشكل . . في خزانة كتب أياصوفية رقم 4456 ) . وذكر له في : 5 / 143 ، كتاب جمل الإعراب .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 182 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي : 9 / ق 1 / 303 ، ديوان الخليل . وفي : 15 / 364 ، كتاب العين ، وقال : ( ذكر في العين عدد أبنية كلام العرب المهمل والمستعمل على مراتبها الأربع من الثنائي والثلاثي والرباعي والخماسي من غير تكرار ، في اثني عشر ألف ألف وثلاثمأة وخمسة آلاف وأربعمأة وستة . فالثنائي سبعمأة وستة وخمسون ، والثلاثي تسعة عشر الف وستمأة وخمسون . والرباعي أربع مأة الف واحد وتسعون الف وأربعمأة . والخماسي أحد عشر ألف ألف وسبعمأة وثلاثة وتسعون ألف وستمأة وهو موجود في مكتبة ( كوپرلى زاده / رقم 1445 ) .
ثم ذكر مؤلفات حول العين ، قال : ( وقد كتب نضر بن شميل المتوفى 204 : المدخل على كتاب العين . ولأبي طالب مفضل بن سلمة الكوفي المتوفى 250 : استدراك على كتاب العين ، ولأبي بكر محمد بن دريد المتوفى 321 : استدراك آخر عليه . ولغلام ثعلب المتوفى 344 فائت العين . ولابن درستويه المتوفى 347 : نقض العين . ولأحمد الخارزنجي المتوفى 348 : تكملة العين . ولأبي بكر محمد الزبيدي المتوفى 379 : مختصر العين . ولمحمد بن عبد الله الإسكافي الخطيب المتوفى 421 : غلط العين . ولسهام بن غالب بن التباني المتوفى 436 : فتح العين . ولعبد الله بن محمد الكرماني : استدراك العين ) .
وفي تهذيب ابن حجر : 3 / 141 : ( قيل لسيبويه هل رأيت مع الخليل كتباً يملي عليك منها ؟ قال : لم أجد معه كتباً إلا عشرين رطلاً ، فيها بخط دقيق ما سمعته من لغات العرب . وما سمعت من النحو فاملاه من قلبه . وكانت وفاة الخليل سنة 175 وقيل سنة 70 وقيل سنة نيف وستين ومائة . قرأت الأولين بخط الخطيب ) .
من أخلاق الخليل وأقواله المميزة « رحمه الله »
( كان الخليل رجلاً صالحاً عاقلاً حليماً وقوراً . . قال تلميذه النضر بن شميل : أقام
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 183 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الخليل في خص ( كوخ ) من أخصاص البصرة لا يقدر على فلسين ، وأصحابه يكسبون بعلمه الأموال ! ولقد سمعته يوماً يقول : إني لأغلق عليَّ بابي فما يجاوزه همي . وكان يقول : أكمل ما يكون الإنسان عقلاً وذهناً إذا بلغ أربعين سنة ، وهي السن التي بعث الله تعالى فيها محمداً « صلى الله عليه وآله » . ثم يتغير وينقص إذا بلغ ثلاثاً وستين سنة ، وهي السن التي قبض فيها رسول الله « صلى الله عليه وآله » . وأصفى ما يكون ذهن الإنسان في وقت السحر ) . ( وفيات الأعيان : 2 / 244 ) .
وقال : ( أحثُّ كلمة على طلب علم قول علي بن أبي طالب « عليه السلام » : قدر كل امرئ ما يحسن ) . ( أمالي الطوسي / 494 ) .
وقال : ( الإنسان لا يعرف خطأ معلمه حتى يجالس غيره ) . ( مستطرفات السرائر / 652 ) .
وقال : ( إن الدنيا بأسرها لا تتسع متباغضين ، وإن شبراً في شبر يسع متحابين ) . كشف الخفاء : 2 / 189 ) . وقال « رحمه الله » : ( إذا نسخ الكتاب ثلاث مرار تحول بالفارسية . قال أبو يعقوب : يعني يكثر سقطه ) . ( مذيل الطبري / 151 ) .
( كان من الزهاد في الدنيا والمنقطعين إلى العلم ، ويروى عنه أنه قال : إن لم تكن هذه الطائفة ، يعني أهل العلم ، أولياء الله فليس لله ولي ) . ( تهذيب الكمال : 8 / 330 ) .
( قال ابن حبان : كان من عباد الله المتقشفين في العبادة . . ولد سنة مائة ومات سنة سبعين أو خمس وسبعين ) . ( خلاصة تذهيب تهذيب الكمال لخزرجي / 106 ) .
قال الخليل بن أحمد : ( الناس أربعة : فرجل يدري وهو يدري أنه يدري فذاك عالم فخذوا عنه ، ورجل يدري وهو لا يدري أنه يدري فذاك ناس فذكروه ، ورجل لا يدري وهو يدري أنه لا يدري فذاك مسترشد فعلموه ، ورجل لا يدري وهولا يدري أنه لا يدري فذاك جاهل فارفضوه ) . ( تهذيب الكمال : 8 / 327 ) .
قيل له : ( ما الدليل على أن علياً إمام الكل في الكل ؟ قال : احتياج الكل إليه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 184 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
واستغناؤه عن الكل . وقيل له : ما تقول في علي بن أبي طالب « عليه السلام » ؟ فقال : ما أقول في حق امرئ ، كتم مناقبه أولياؤه خوفاً وأعداؤه حسداً ، ثم ظهر من بين الكتمانين ما ملأ الخافقين ) . ( المهذب البارع : 4 / 293 )
وقيل له : ( لِمَ هجرَ الناس علياً « عليه السلام » وقرباه من رسول الله « صلى الله عليه وآله » قرباه ، وموضعه من المسلمين موضعه ، وعناؤه في الاسلام عناؤه ؟ فقال : بهر والله نوره أنوارهم وغلبهم على صفو كل منهل ، والناس إلى أشكالهم أميل ، أما سمعت الأول حيث قال :

وكل شكل لشكله ألفٌ * أما ترى الفيلَ يألفُ الفيلا )
( مناقب آل أبي طالب : 3 / 15 ، وأمالي الصدوق / 300 ، وعلل الشرائع : 1 / 145 ) .
وله « رحمه الله » وصف لطيف للخليفة الأموي الوليد بن يزيد الذي حكم سنة 125 ، قال : ( حضرت مجلس الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان ، وقد اسحنفر في سب علي « عليه السلام » ، واثعنجر في ثلبه ، إذ خرج عليه أعرابي على ناقة له ، وذفراها يسيلان لإغذاذ السير دماً ، فلما رآه الوليد في منظرته قال : إئذنوا لهذا الأعرابي فإني أراه قد قصدنا ، وجاء الأعرابي فعقل ناقته بطرف زمامها ، ثم أذن له فدخل ، فأورده قصيدة لم يسمع السامعون مثلها جودة قط ، إلى أن انتهي إلى قوله :

ولما أن رأيت الدهر آلى * عليَّ ولحَّ في إضعاف حالي
وفدت إليك أبغي حسن عقبى * أسدُّ بها خصاصات العيال
. . الخ .
قال : فقبل مدحته وأجزل عطيته وقال له : يا أخا العرب قد قبلنا مدحتك وأجزلنا صلتك فاهجُ لنا علياً أبا تراب ، فوثب الأعرابي يتهافت قطعاً ويزأر حنقاً ويشمذر شفقاً ، وقال : والله إن الذي عنيته بالهجاء لهو أحق منك بالمديح ، وأنت أولى منه بالهجاء ! فقال له جلساؤه : اسكت نزحك الله قال : علام ترجوني ؟ وبم تبشروني ؟ ولما أبديت سقطاً ولا قلت شططاً ولا ذهبت غلطاً ، على أنني فضلت عليه من هو أولى بالفضل منه ، علي بن أبي طالب الذي تجلبب بالوقار ، ونبذ الشنار وعاف
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 185 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
العار . . . وأفاض في مدح علي « عليه السلام » ومواقفه مع النبي « صلى الله عليه وآله » وبعده ، قال الخليل : ( فأربد وجه الوليد وتغير لونه ، وغص بريقه ، وشرق بعبرته ، كأنما فقئ في عينه حب المضِّ الحاذق ، فأشار عليه بعض جلسائه بالانصراف وهو لا يشك أنه مقتول به ، فخرج فوجد بعض الأعراب الداخلين فقال له : هل لك أن تأخذ خلعتي الصفراء وآخذ خلعتك السوداء ، وأجعل لك بعض الجائزة حظاً ؟ ففعل الرجل وخرج الأعرابي فاستوى على راحلته وغاص في صحرائه وتوغل في بيدائه ، واعتقل الرجل الآخر فضرب عنقه وجيئ به إلى الوليد ، فقال : ليس هو هذا بصاحبنا . . قال : أجد على قلبي غمة كالجبل من فوت هذا الأعرابي ) . ( العدد القوية للحلي / 253 ، والبحار : 46 / 321 ، ومواقف الشيعة : 1 / 358 ) . يروى له « رحمه الله » :

لو كنتَ تعلم ما أقول عذرتني * أو كنت أجهل ما تقول عذلتكا
لكن جهلت مقالتي فعذلتني * وعلمتُ أنك جاهلٌ فعذرتكا ) .

( تهذيب الكمال : 8 / 330 ) .
( كان الخليل بن أحمد يحب أن يرى عبد الله بن المقفع ، وكان ابن المقفع يحب ذلك فجمعهما عباد بن عباد المهلي فتحادثا ثلاثة أيام ولياليهن ، فقيل للخليل : كيف رأيت عبد الله ؟ قال : ما رأيت مثله وعلمه أكثر من عقله . وقيل لابن المقفع : كيف رأيت الخليل ؟ قال : ما رأيت مثله ، وعقله أكثر من علمه .
قال المغيرة : فصدقا ، أدى عقل الخليل الخليل إلى أن مات أزهد الناس ! وجهل ابن المقفع أداه إلى أن كتب أماناً لعبد الله بن علي فقال فيه : ومتى غدر أمير المؤمنين بعمه عبد الله فنساؤه طوالق ودوابه حبس وعبيده أحرار والمسلمون في حل من بيعته ! فاشتد ذلك على المنصور جداً خاصة أمر البيعة . . وكتب إلى سفيان بن معاوية المهلبي وهو أمير البصرة من قبله بقتله فقتله ) ! ( أمالي المرتضى : 1 / 94 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 186 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أقول : كانت طريقة قتل ابن المقفع فجيعة ! فقد دخل على الوالي العباسي في البصرة وكان خادمه ينتظره ، فأدخله الوالي وقتله وقطعه وألقى قطعه في التنور ، ثم أنكر مجيئه إليه ! ورد المنصور الشهود وصدق واليه في دعواه الكاذبة !
أخفى أكثرهم تشيع الخليل ، ونقصوه حقه !
وثقه علماء السنة ورووا عنه ، كما في المحلى : 8 / 162 ، وتاريخ بغداد : 11 / 325 ، وتذكرة الحفاظ : 3 / 1082 ، وقال عنه الذهبي في سيره : 7 / 429 : ( حدث عن : أيوب السختياني ، وعاصم الأحول ، والعوام بن حوشب ، وغالب القطان . . . أقام الخليل في خص له بالبصرة ، لا يقدر على فلسين ، وتلامذته يكسبون بعلمه الأموال ! قال أيوب بن المتوكل : كان الخليل إذا أفاد إنساناً شيئاً لم يره بأنه أفاده وإن استفاد من أحد شيئاً أراه بأنه استفاد منه . قلت : صار طوائف في زماننا بالعكس ) .
وقال الذهبي في تاريخه : 9 / 383 ، يمتدح التعايش بين أهل الأديان والمذاهب في البصرة : ( قال خلف بن المثنى : كان يجتمع بالبصرة عشرة في مجلس ، لا يعرف مثلهم في تضاد أديانهم ونحلهم : الخليل بن أحمد سني ، والسيد بن محمد الحميري رافضي ، وصالح بن عبد القدوس ثنوي ، وسفيان بن مجاشع صفري ، وبشار بن برد خليع ماجن ، وحماد عجرد زنديق ، وابن رأس الجالوت يهودي ، وابن نطيرا متكلم النصارى ، وعمرو بن أخت المؤيد المجوسي ، وروح بن سنان الحراني صابئي ، فيتناشد الجماعة أشعاراً ، فكان بشار يقول : أبياتك هذه يا فلان أحسن من سورة كذا وكذا ! وبهذا المزاح ونحوه كفروا بشاراً ) .
لكن عرفت تشيع الخليل « رحمه الله » ، وقد ترجم الذهبي نفسه لابنه في لسان الميزان : 1 / 55 ، فقال : ( إبراهيم بن الخليل الفراهيدي ، شيعي ) .
وفي الأعلام للزركلي : 2 / 314 : ( من أئمة اللغة والأدب وواضع علم العروض ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 187 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أخذه من الموسيقى وكان عارفا بها . . . وهو أستاذ سيبويه النحوي ولد ومات في البصرة وعاش فقيراً صابراً . كان شعث الرأس شاحب اللون قشف الهيئة متمزق الثياب متقطع القدمين ، مغموراً في الناس لا يعرف . . . وفكر في ابتكار طريقة في الحساب تسهله على العامة ، فدخل المسجد وهو يعمل فكره فصدمته سارية وهو غافل ، فكانت سبب موته ) .
أقول : لا تصدق ذمهم للخليل ، ولعلهم قتلوه كما قتلوا ابن المقفع لكلمة بلغتهم عنه ، فالعباسيون كأسلافهم الأمويين لا تتسع صدورهم لمن خالفهم أدنى مخالفة ، حتى لو كان عبقرياً !

كل اتجاه علمي ودم جديد في الأمة وراؤه أهل البيت « عليهم السلام »

رأيتَ في الفصول المتقدمة أن فعاليات الإمام الباقر والصادق « صلى الله عليه وآله » متنوعة وتأسيسية . وكذلك هي فعاليات الأئمة « عليهم السلام » . وقد قلنا في كتاب : كيف رد الشيعة غزو المغول / 199 ما خلاصته : أن التشيع كان دائماً طاقة تجديد لحياة الأمة ، وعندما قال الله تعالى لعرب الجزيرة في أواخر حياة النبي « صلى الله عليه وآله » : وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ) . ( محمد : 38 ) ، قصد أن عنده بديلاً خيراً منهم إذا هم تقاعسوا . فلو لم تدخل اليمن في الإسلام وتغني مخزونها ، لأكلت قبائل الجزيرة بعضها بعضاً باسم الإسلام ، ثم أماتوه وماتوا !
على أن أهم عنصر في المخطط الإلهي لبقاء الإسلام ، هو مخزون العترة النبوية ومأساتها ، فلولا وجود أهل البيت « عليهم السلام » لفرضت القبائل القرشية خلافتها بدون معارض ، ولَسَارَ التاريخ بعقلية تقاسم بطون قريش للرفادة والسقاية والحجابة والدفاع عن حقوق القبيلة وَما عرفت الأمة بديلاً لدين الخلافة ، ولا الإجتهاد ودور العقل ، والانفتاح على العلوم . . ولولا العترة النبوية لَمَا كانت مأساتهم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 188 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وإقصاؤهم عن الحكم واضطهادهم ، وتقتيلهم في كل أرض وتحت كل نجم ، ولا دويُّ هذه ( التراجيديا ) الدينية العميق في وجدان الأمة ، ومخزونها الفاعل في ضميرها .
لقد كان التشيع وما زال مضخةً تُجدِّد دم الأمة كلما تراكم فيها الفساد والمرض ! فهو النفحةً النبوية التي تُرَوْحِنها كلما دفعها الهجير البدوي إلى اليَبَس !
ألا ترى كيف تَخَثَّر المخزون الديني والإنساني في أواخر خلافة عثمان ؟ فثار الصحابة وولوا علياً « عليه السلام » فأيقظ حيويتها وأغنى مخزونها ؟ ثم كيف انحط مستواها في زمن يزيد ، فأحيا مسيرتها الحسين « عليه السلام » بدمه الطاهر ودماء الطالبين بثاره ؟ ! وكيف ضَخّ فيها زيد بن علي « رحمه الله » روحَ الثورة والتغيير ؟ فكانت شعارات الحسنيين والعباسيين بظلامات أهل البيت ، وثارات زيد والحسين « عليه السلام » ؟
وعندما أفرط ملوك بني عباس في طغيانهم ، كيف مدَّت ثورات العلويين الأمة بالقيم ، وعلمتها انتزاع حقها في الثورة والتغيير ؟
وعندما غرقت الدولة العباسية في المادية اليونانية والفارسية ، كيف أثرى الإمام الرضا « عليه السلام » مخزونها من صريح الإسلام ووحي النبوة ؟
وعندما تهرَّأ النظام العباسي ، كيف جاءت الموجة الفاطمية من الغرب وقدمت بديلاً منافساً جدَّد الحياة في الأمة ؟ ثم رفدتها موجة البويهيين فأخرجت العاصمة من جمودها الحنبلي ، وأحيت حرية التفكير !
وعندما ضعفت دولة البويهيين وجاءت موجة التعصب السلجوقي كيف حولت الخلافة إلى استغراق في الترف حتى فَقَدَ جسم الأمة قدرته على المقاومة والدفاع فجاءتها دفعة المضادات الحيوية من وحشية المغول لتحرك كرياتها البيضاء ، ولم تكن هذه الكريات إلا الشيعة ومذهب أهل البيت « عليهم السلام » ؟
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 189 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وعندما زاد ضغط الصليبيين على سواحلها وأعماقها ، كيف قادت المقاومة دول وإمارات الشيعة في حلب ومصر والشام ولبنان !
ينسى أتباع الخلافة قرنين من مقاومة الجيش المصري الشيعي للروم والفرنجة ويُطبِّلون لصلاح الدين السني ، وما كان عمله إلا أنه تسلق إلى قيادة الجيش المصري الشيعي وجيش الحمدانيين في حلب الذين اشترطوا على ابن الزنكي حريتهم المذهبية فوقَّع لهم على شروطهم ؟ !
ثم انظر كيف جاءت موجة الأتراك العثمانيين لضرب القوة الشيعية وفرض الخلافة السنية ، حاملة كل تعصب العباسيين والأمويين ، فرافقتها موجة شيعية أقامت الدولة الصفوية في إيران لحفظ حريتها المذهبية !
وعندما انهارت الخلافة العثمانية بحروب الإنكليز والوهابيين ضدها ، ودفنوا الخلافة والخليفة في استانبول ! كيف انهارت المؤسسة الدينية في العالم السني وصمدت المؤسسة الشيعية وحفظت وجودها واستقلالها ؟
وأخيراً ، عندما فشلت مقاومات الأمة القومية اليسارية والسنية ، كيف ظهرت المرجعية الشيعية في إيران ، فضخَّت في الأمة روح المقاومة والحياة ؟
وعندما انهزمت الجيوش والأنظمة العربية أمام إسرائيل ، كيف ظهرت موجة المقاومة الحسينية في شيعة لبنان فهزمت دولة إسرائيل الأسطورية ، وضخَّت في الأمة دماً جديداً للحياة والمقاومة ؟ !
وعندما أرادت الوهابية تقليد الشيعة وضربوا مركز الغرب التجاري العالمي كيف جُنُّوا وأعلنوا الحرب على المسلمين ، وعجزت الوهابية عن خطابهم ، فجاء الخطاب الشيعي موازناً بين خطي المقاومة والتعايش !
إن بقاء الأمة اليوم بعناصر القوة في ثقافتها ومقاومتها ، مدينً للفكر الشيعي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 190 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الذي تمسك بالنص ولم يخضع لمنطق القبيلة في السقيفة .
وبهذا تعرف سبب هذا التوجه المعاصر في شعوب الأمة إلى أهل البيت « عليهم السلام » تريد أن تفهم قصتهم ومذهبهم ، لأنهم في عمقها الذهني والتاريخي مشروع نجاة عندما يستنفد مذهب الخلافة طاقته وخطابه !
وفي موضوعنا : نجد أن الإمام الباقر « عليه السلام » غيَّر وضعها العام تغييراً أساسياً ، فيكفي أن تنظر إلى حالتها قبل الإمام « عليه السلام » في عهد عبد الملك وأولاده ، وحالتها بعد الإمام « عليه السلام » أي في بقية حكم هشام إلى سنة 125 ، ثم في عهد الذين خلفوه : الوليد ، ويزيد ، وإبراهيم ، ومروان الحمار ، لترى أن الإمامين الباقر والصادق « صلى الله عليه وآله » وتلاميذهما أسسوا لعلوم اللغة والطبيعة ، والانفتاح على ثقافة الشعوب وثروتها العلمية ، وأنهم كسروا الجمود القبلي باسم الدين وبعثوا تيار الحرية في الأمة ، فاتخذ أشكالاً متعددة ، في طليعتها التشيع ، والإعتزال ، ونزعة التحرر .
إن هذه الموجة التي شق طريقها الإمام الباقر « عليه السلام » ودفع بها ولده الصادق « عليه السلام » ، هي التي مهدت لثورة زيد « رحمه الله » ، ثم لثورة الخراسانيين على عمال بني أمية ، وانتصارهم على جيوش النظام الأموي وإسقاطه .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 191 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل السادس : كيف تعمدت السلطة وأتباعها تضييع علم العترة « عليهم السلام » !

1 - أجيالٌ من الرواة والعلماء خَرَّجَها الإمامان الباقر والصادق « صلى الله عليه وآله »

لا يمكننا إحصاء تلاميذ الإمامين الباقرين « صلى الله عليه وآله » ، كما أن ترجمة المعروفين منهم تحتاج إلى مجلدات ! ويكفي أن تعرف أن ابن عقدة « رحمه الله » ألَّف كتاباً من عدة مجلدات ، أورد فيه أربعة آلاف عالم وطالب رووا عن الإمام الصادق « عليه السلام » ، وذكر بعد كل واحد منهم ما رواه ! قال العلامة الحلي في ترجمته في خلاصة الأقوال / 322 : ( له كتب ذكرناها في كتابنا الكبير ، منها كتاب أسماء الرجال الذين رووا عن الصادق « عليه السلام » أربعة آلاف رجل ، وأخرج فيه لكل رجل الحديث الذي رواه ، مات بالكوفة سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة ) . انتهى .
وقد روينا قسماً كبيراً من فقهنا وعقائدنا وثقافتنا ، عن الإمامين محمد الباقر وابنه جعفر الصادق « صلى الله عليه وآله » ، حتى عرف مذهبنا بالمذهب الجعفري . واليك حجم ما رواه بعض تلاميذهما « صلى الله عليه وآله » : ففي رجال النجاشي / 12 : ( عن سليم بن أبي حية قال : كنت عند أبي عبد الله « عليه السلام » فلما أردت أن أفارقه ودعته وقلت : أحب أن تزودني ، فقال : أئْتِ أبان بن تغلب ، فإنه قد سمع مني حديثاً كثيراً ، فما روى لك فاروه عني ) .
وقال « عليه السلام » لأبان بن عثمان : ( إن أبان بن تغلب روى عني ثلاثين ألف حديث ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 192 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فاروها عنه ) . وفي رجال ابن داود / 29 : ( قال له أبو جعفر « عليه السلام » : أجلس في مسجد الكوفة وأفْتِ الناس ، إني أحبُّ أن يرى في شيعتي مثلك . وكان إذا دخل على أبي عبد الله ثنى له وسادة وصافحه ، وكان إذا قدم المدينة تقوضت إليه الحلق وأخليت له سارية النبي « صلى الله عليه وآله » . مات سنة إحدى وأربعين ومائة ، وترحم عليه أبو عبد الله « عليه السلام » وقال : لقد أوجع قلبي موت أبان ! وكان قد أخبره بموته ) .
وفي رجال الطوسي : 1 / 386 ، عن محمد بن مسلم الثقفي « رحمه الله » قال : ما شجر في رأيي شئ قط الا سألت عنه أبا جعفر « عليه السلام » حتى سألته عن ثلاثين ألف حديث ، وسألت أبا عبد الله « عليه السلام » عن ستة عشر ألف حديث ) .
وقال السيد الخوئي في كتاب الإجتهاد والتقليد / 15 : ( حتى أن أبان بن تغلب وهو راو واحد حدَّثَ عن أبي عبد الله « عليه السلام » بثلاثين ألف حديث . وتظافر النقل أن أربعة آلاف رجل من المشتهرين بالعلم جمعوا من أجوبة مسائله أربعمائة كتاب عرفت بالأصول الأربعمائة ، كلهم من أهل العراق والحجاز والشام وخراسان . وهذا غير ما دُوِّن عن السجاد والباقر والأئمة بعد الصادق « عليهم السلام » ، فقد جمع أصحابهم فيما تحملوه من أحاديثهم ما يزيد على الأصول الأربعمائة بكثير ، ولم تزل تلكم الأحاديث محتفظاً بها في موسوعات هامة كالأصول الأربعة ) .
وفي رجال الطوسي : 2 / 438 ، عن ذريح المحاربي قال : ( عن جابر « رحمه الله » قال : حدثني أبو جعفر بسبعين ألف حديث لم أحدث بها أحداً قط ، ولا أحدث بها أحداً أبداً .
قال أبو جعفر « عليه السلام » : يا جابر حديثنا صعب مستصعب ، أمرد ، ذكوار ، وعر ، أجرد لا يحتمله والله إلا نبي مرسل ، أو ملك مقرب ، أو مؤمن ممتحن ، فإذا ورد عليك يا جابر شئ من أمرنا فلان له قلبك فاحمد الله ، وان أنكرته فرده إلينا أهل البيت ، ولا تقل كيف جاء هذا ، وكيف كان وكيف هو ، فإن هذا والله الشرك بالله العظيم .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 193 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال جابر « رحمه الله » : دفع إليَّ ( الباقر « عليه السلام » ) كتاباً وقال لي : إن أنت حدثت به حتى تهلك بنو أمية فعليك لعنتي ولعنة آبائي ، وإذا أنت كتمت منه شيئاً بعد هلاك بني أمية فعليك لعنتي ولعنة آبائي ، ثم دفع إليَّ كتاباً آخر ، ثم قال : وهاك هذا ، فإن حدثت بشئ منه أبداً فعليك لعنتي ولعنة آبائي ) . انتهى .
أقول : في الحديث الأخير إخبار بأن زوال ملك بني أمية سيكون في حياة جابر بن يزيد الجعفي « رحمه الله » ، وهذا ما حصل ، وهو من معجزات الإمام الباقر « عليه السلام » !
ومعنى أن حديثهم « عليهم السلام » صعب مستصعب . . أنه صعب بذاته على الفهم العادي ، مستصعب على بعض الأذهان والقلوب . ومعنى تشبيهه بالعود الأمرد الذي لا ورق له ليمسك به . والذكوار مثل المذكار ، يقال حديد مذكر ومؤنث ، وسيف مذكار وذكر ، أي صلب حاد الشفرة صارم ، والحديث الذكوار هو الصلب الصارم .
كما أن حديثهم « عليهم السلام » يشبه الأرض الوعرة على سالكها ، ويشبه في ظاهره الأرض الجرداء من النبات ! فهو يحتاج إلى يقين بأنه من الوحي على رسول الله « صلى الله عليه وآله » ، يوجب تعقله والتعبد بقبوله ، ولذا يصعب الإيمان به إلا على الأنبياء والملائكة « عليهم السلام » ، والمؤمنين الذين امتحن الله قلوبهم للإيمان .
وأصل الحديث لأمير المؤمنين « عليه السلام » كما في الدر النظيم / 616 ، قال الإمام الباقر « عليه السلام » : ( يا أبا الربيع حديث تمضغه الشيعة بألسنتها لا تدري ما كنهه ! قلت : ما هو ؟ قال : قول علي بن أبي طالب « عليه السلام » : أمرنا صعب مستصعب لا يحتمله إلا ملك مقرب أو نبي مرسل أو عبد مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان ! يا أبا الربيع ، ألا ترى أنه يكون ملك ولا يكون مقرباً ، ولا يحتمله إلا المقرب ، وقد يكون نبي وليس بمرسل فلا يحتمله إلا المرسل ، وقد يكون مؤمن وليس بممتحن فلا يحتمله إلا مؤمن قد امتحن الله قلبه للإيمان ) !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 194 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

2 - شهادات علمائهم بأن الباقر « عليه السلام » نشر علمه !

ذكرنا في الفصل الثاني شهادات عدد من أئمة الفقه والحديث السنيين ، بعلم الإمام الباقر « عليه السلام » وقداسته . وهذه بعض شهاداتهم في أنه « عليه السلام » نشر علمه !
قال مسلم في صحيحه : 1 / 15 : ( سمعت جريراً يقول : لقيت جابر بن يزيد الجعفي فلم أكتب عنه . كان يؤمن بالرجعة . . سمعت جابراً يقول عندي سبعون ألف حديث عن أبي جعفر عن النبي ( ص ) كلها . . قال جابر : إن عندي لخمسين ألف حديث ما حدثت منها بشئ ! قال ثم حدث يوماً بحديث فقال هذا من الخمسين ألفاً . . . حدثنا سفيان قال سمعت جابراً يحدث بنحو من ثلاثين ألف حديث ، ما أستحل أن أذكر منها شيئاً ، وأن لي كذا وكذا ) !
وقال ابن حجر في تهذيب التهذيب : 9 / 311 : ( الستة : محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي ، أبو جعفر الباقر ، أمه بنت الحسن بن علي بن أبي طالب . . روى عنه ابنه جعفر ، وإسحاق السبيعي ، والأعرج ، والزهري ، وعمرو بن دينار ، وأبو جهضم موسى بن سالم ، والقاسم بن الفضل ، والأوزاعي ، وابن جريج ، والأعمش ، وشيبة ابن نصاح ، وعبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم وعبد الله بن عطاء ، وبسام الصيرفي ، وحرب بن سريج ، وحجاج بن أرطاة ومحمد بن سوقة ، ومكحول بن راشد ، ومعمر بن يحيى بن بسام ، وآخرون .
قال ابن سعد : كان ثقة كثير الحديث ، وليس يروي عنه من يحتج به . وقال العجلي : مدني تابعي ثقة . . ) . انتهى .
وقال المزي في تهذيب الكمال : 26 / 136 : ( محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب القرشي الهاشمي ، أبو جعفر الباقر . . روى عنه : أبان بن تغلب الكوفي ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 195 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأبيض بن أبان ، وبسام الصيرفي ( س ) وأبو حمزة ثابت بن أبي صفية الثمالي ( ت ) وجابر بن يزيد الجعفي ، وابنه جعفر بن محمد الصادق ( بخ / 4 ) والحجاج بن أرطاة وحرب بن سريج ( عس ) والحكم بن عتيبة ، وربيعة بن أبي عبد الرحمان وسدير بن حكيم بن صهيب والد حنان بن سدير الصيرفي ، وسليمان الأعمش ( قد ) وشيبة بن نصاح ( س ) وعبد الله بن أبي بكر بن حزم ( ت ) وعبد الله بن عطاء ، وعبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، وعبد الرحمان بن طلحة الخزاعي ( عس ) إن كان محفوظاً ، وعبد الرحمان بن عمرو الأوزاعي ( م ) وعبد الرحمان بن هرمز الأعرج وهو أسن منه ، وعبد الملك بن جريج ، وعبيد الله بن طلحة بن عبيد الله بن كريز الخزاعي ( د ) على خلاف فيه ، وعبيد الله بن الوليد الوصافي ، وعطاء بن أبي رباح ، وعلقمة بن مرثد ( س ) وعمرو بن دينار ( خ م د س ) والقاسم بن الفضل الحداني ( ق ) وقرة بن خالد السدوسي ، وكثير النواء ، وليث بن أبي سليم ومحمد بن سوقة ( ق ) ومحمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، ومخول بن راشد ( خ س ) ومعمر بن يحيى بن سام ( خ ) ، وأبو جهضم موسى ابن سالم ( س ) ، وموسى بن عمير القرشي ، وواصل مولى أبي عيينة ( د ) ويحيى بن أبي كثير ، ويحيى الكندي ( خت ) وأبو إسحاق السبيعي ( خ ) .
قال الحافظ أبو نعيم في حلية الأولياء : 3 / 192 : ( عمرو بن المقدام قال : كنت إذا نظرت إلى أبي جعفر بن محمد ، علمت أنه من سلالة النبيين ) .
لاحظ قول ابن سعد في الطبقات : 5 / 224 : ( قال أبو نعيم الفضل بن دكين توفي بالمدينة سنة أربع عشرة ومائة . وكان ثقة كثير العلم والحديث ، وليس يروي عنه من يحتج به ) وقوله في / 222 ، عن أبيه الإمام زين العابدين « عليه السلام » : ( قالوا وكان علي بن حسين ثقة مأموناً ، كثير الحديث عالياً رفيعاً ورعاً ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 196 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فقد اعترف ابن سعد بثروة الأحاديث التي نشرها الإمام الباقر وأبوه « صلى الله عليه وآله » في الأمة ثم اعتذر عن علماء السلطة لعدم روايتهم عنهم ، بأن تلاميذ الإمام الباقر « عليه السلام » غير ثقات لا يحتج بهم ! وهذا تعامٍ منه عن أن تلاميذه « عليه السلام » وتلاميذ أبيه وابنه جعفر الصادق « عليهم السلام » هم كبار أئمتهم ! لكن الذهبي استعمل أسلوب ابن تيمية فأنكر أن يكون الإمام الباقر والصادق « عليه السلام » كثيري الحديث ! قال في سيره : 4 / 401 : ( وليس هو بالمكثر ، هو في الرواية كأبيه وابنه جعفر ، ثلاثتهم لا يبلغ حديث كل واحد منهم جزءً ضخماً ، ولكن لهم مسائل وفتاو ! ثم ناقض الذهبي نفسه فقال : ( حدث عنه ابنه ، وعطاء بن أبي رياح والأعرج مع تقدمهما ، وعمرو بن دينار ، وأبو إسحاق السبيعي ، والزهري ، ويحيى بن أبي كثير ، وربيعة الرأي ، وليث بن أبي سليم ، وابن جريج ، وقرة بن خالد ، وحجاج بن أرطاة والأعمش ومخول بن راشد ، وحرب بن سريج ، والقاسم بن الفضل الحداني ، والأوزاعي ، وآخرون . . . وكان أحد من جمع بين العلم والعمل والسؤدد والشرف والثقة والرزانة ، وكان أهلاً للخلافة . وهو أحد الأئمة الاثني عشر الذين تبجلهم الشيعة الإمامية وتقول بعصمتهم وبمعرفتهم بجميع الدين ) .
وقال في تذكرة الحفاظ : 1 / 124 : ( محمد بن علي بن الحسين ، الإمام الثبت الهاشمي العلوي المدني ، أحد الاعلام . حدث عنه ابنه جعفر بن محمد ، وعمرو بن دينار ، والأعمش والأوزاعي ، وابن جريج ، وقرة بن خالد ، وخلقٌ . . ) .
لكن كيف نصدق الذهبي وقد شهد ابن سعد وغيره بأنهم كانوا كثيري الحديث عن جدهم رسول الله « صلى الله عليه وآله » ! فما أعذار هؤلاء إلا تغطية على تعمدهم الإعراض عن أحاديثهم « عليهم السلام » حتى عن تلاميذهم أئمة مذاهب السلطة !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 197 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

3 - طبقات أصحاب الإمامين الباقرين « صلى الله عليه وآله » وثروة كتبهم العظيمة

قال الحر العاملي « رحمه الله » في وسائل الشيعة لتحصيل علوم الشريعة : 20 / 79 :
( الفائدة السابعة : في ذكر أصحاب الإجماع وأمثالهم ، كأصحاب الأصول ونحوهم ، والجماعة الذين وثقهم الأئمة « عليهم السلام » وأثنوا عليهم وأمروا بالرجوع إليهم والعمل برواياتهم ، والذين عُرفت عدالتهم بالتواتر ، فيحصل بوجودهم في السند قرينة توجب ثبوت النقل والوثوق وإن رووا بواسطة . قال الشيخ الثقة الجليل أبو عمرو الكشي في كتاب الرجال ما هذا لفظه : أجمعت العصابة على تصديق هؤلاء الأولين من أصحاب أبي جعفر وأبي عبد الله « صلى الله عليه وآله » وانقادوا لهم بالفقه فقالوا : أفقه الأولين ستة : زرارة ومعروف بن خربوذ ، وبريد ، وأبو بصير الأسدي ، والفضيل بن يسار ، ومحمد بن مسلم الطائفي . قالوا : وأفقه الستة زرارة ، وقال بعضهم مكان أبي بصير الأسدي : أبو بصير المرادي وهو ليث بن البختري . انتهى . ثم أورد أحاديث كثيرة في مدحهم وجلالتهم وعلو منزلتهم والأمر بالرجوع إليهم ، تقدم بعضها في كتاب القضاء . ثم قال : تسمية الفقهاء من أصحاب أبي عبد الله « عليه السلام » : أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عن هؤلاء وتصديقهم لما يقولون وأقروا لهم بالفقه من دون أولئك الستة الذين عددناهم وسميناهم ستة نفر : جميل بن دراج وعبد الله بن مسكان ، وعبد الله بن بكير ، وحماد بن عيسى ، وحماد بن عثمان ، وأبان بن عثمان قالوا : وزعم أبو إسحاق الفقيه يعني ثعلبة بن ميمون أن أفقه هؤلاء جميل بن دراج ، وهم أحداث أصحاب أبي عبد الله « عليه السلام » .
ثم قال بعد ذلك : تسمية الفقهاء من أصحاب أبي إبراهيم ، وأبي الحسن الرضا : أجمع أصحابنا على تصحيح ما يصح عن هؤلاء وتصديقهم وأقروا لهم بالفقه والعلم وهم ستة نفر آخرين . . . ثم ذكر أكثر من ثمانين مؤلفاً للأصول من أصحاب
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 198 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأئمة « عليهم السلام » . . . وأما الجماعة الذين وثقهم الأئمة « عليهم السلام » وأثنوا عليهم وأمروا بالرجوع إليهم والعمل برواياتهم ، ونصبوهم وكلاء وجعلوهم مرجعاً للشيعة ، فهم كثيرون ونحن نذكر جملة منهم . . . ومما يؤيد قول الشهيد الثاني إنه قد نقل حصول وضع الحديث في زمان ظهور الأئمة « عليهم السلام » من بعض الضعفاء ، وكان الثقات يعرضون ما يشكون فيه على الأئمة « عليهم السلام » وعلى الكتب المعتمدة ، وكان الأئمة يخبرونهم بالحديث الموضوع ابتداء غالباً ، ولم ينقل أنه وقع وضع حديث في زمان الغيبة من أحد من مشهوري الشيعة ونسب إلى الأئمة « عليهم السلام » أصلاً ) . انتهى .
هذا ، وقد سمى أهل البيت « عليهم السلام » بعض أصحاب النبي « صلى الله عليه وآله » وأصحابهم ( الحواريين ) ففي رجال الطوسي : 1 / 39 ، عن الإمام الكاظم « عليه السلام » قال : ( إذا كان يوم القيامة نادى مناد : أين حواري محمد بن عبد الله رسول الله « صلى الله عليه وآله » الذين لم ينقضوا العهد ومضوا عليه ؟ فيقوم سلمان والمقداد وأبو ذر ؟ ثم ينادي مناد أين حواري علي بن أبي طالب « عليه السلام » وصي محمد بن عبد الله رسول الله ؟ فيقوم عمرو بن الحمق الخزاعي ومحمد بن أبي بكر وميثم بن يحيى التمار مولى بني أسد وأويس القرني . قال : ثم ينادي المنادي : أين حواري الحسن بن علي بن فاطمة بنت محمد بن عبد الله رسول الله « صلى الله عليه وآله » ؟ فيقوم سفيان بن أبي ليلى الهمداني وحذيفة بن أسيد الغفاري . قال : ثم ينادي المنادي أين حواري الحسين بن علي « عليه السلام » ؟ فيقوم كل من استشهد معه ولم يتخلف عنه . قال ، ثم ينادي المنادي أين حواري علي بن الحسين « عليه السلام » ؟ فيقوم جبير بن مطعم ويحيى بن أم الطويل وأبو خالد الكابلي وسعيد بن المسيب . ثم ينادي المنادي : أين حواري محمد بن علي وحواري جعفر بن محمد « صلى الله عليه وآله » ؟ فيقوم عبد الله بن شريك العامري وزرارة بن أعين وبريد بن معاوية العجلي ومحمد بن مسلم وأبو بصير ليث بن البختري المرادي وعبد الله بن أبي يعفور وعامر بن عبد الله بن جداعة وحجر بن زائدة وحمران بن أعين . ثم ينادي سائر
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 199 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الشيعة مع سائر الأئمة « عليهم السلام » يوم القيامة ، فهؤلاء المتحورة أول السابقين ، وأول المقربين ، وأول المتحورين من التابعين ) .
قال الكشي في رجاله تحت عنوان : تسمية أصحاب أبي جعفر وأبي عبد الله « صلى الله عليه وآله » : أجمعت العصابة على تصديق هؤلاء الأولين من أصحاب أبي جعفر وأبي عبد الله وانقادوا لهم بالفقه فقالوا : أفقه الأولين ستة : زرارة ، ومعروف بن خربوذ ، وبريد ، وأبو بصير الأسدي ، والفضيل بن يسار ، ومحمد بن مسلم الطائفي . قالوا : وأفقه الستة : زرارة ، وقال بعضهم مكان أبي بصير الأسدي : أبو بصير المرادي ، وهو ليث البختري . وقال تحت عنوان : تسمية الفقهاء من أصحاب أبي عبد الله « عليه السلام » : أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عن هؤلاء وتصديقهم لما يقولون وأقروا لهم بالفقه ، من دون أولئك الستة الذين عددناهم وسميناهم ، ستة نفر : جميل بن دراج وعبد الله بن مسكان وعبد الله بن بكير وحماد بن عيسى وحماد بن عثمان وأبان بن عثمان . قالوا : وزعم أبو إسحاق الفقيه يعني ثعلبة بن ميمون أن أفقه هؤلاء جميل بن دراج . وهم أحداث أصحاب أبي عبد الله « عليه السلام » ) .
وقال تحت عنوان : تسمية الفقهاء من أصحاب أبي إبراهيم وأبي الحسن الرضا « صلى الله عليه وآله » : ( أجمع أصحابنا على تصحيح ما يصح عن هؤلاء وتصديقهم ، وأقروا لهم بالفقه والعلم ، وهم ستة نفر أخر دون الستة نفر الذين ذكرناهم في أصحاب أبي عبد الله « عليه السلام » ، منهم : يونس بن عبد الرحمن ، وصفوان بن يحيى بياع السابري ومحمد ابن أبي عمير ، وعبد الله بن المغيرة ، والحسن بن محبوب ، وأحمد بن محمد بن أبي نصر . قال بعضهم مكان الحسن بن محبوب : الحسن بن علي بن فضال ، وفضالة بن أيوب . وقال بعضهم مكان ابن فضال : عثمان بن عيسى . وأفقه هؤلاء : يونس بن عبد الرحمن وصفوان بن يحيى . وهؤلاء الثمانية عشر هم المعبر عنهم بأصحاب الإجماع ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 200 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

4 - يقدسون الأئمة « عليهم السلام » ويشهدون بأنهم أعلم ولا يروون عنهم !

تقدم في سيرة الإمام زين العابدين « عليه السلام » أن تلميذه الزهري كان يذوب فيه حباً وتقديساً ، ويشهد بأنه أفقه من رآه ، لكنه لما اختاره البلاط الأموي وكلفوه أن يكتب لهم السنة لينشروها في الناس ، لم يكتب عن أستاذه الإمام « عليه السلام » ولا عن أهل البيت « عليهم السلام » إرضاءً لبني أمية ! وقد عوتب على ذلك فقال كاذباً إن الإمام زين العابدين « عليه السلام » قليل الحديث ! ( عن معمر قال : قلت للزهري : مالك لا تكثر الرواية عن علي بن حسين ؟ فقال : كنت أكثر مجالسته ولكنه كان قليل الحديث ) . ( تاريخ دمشق : 41 / 376 ) . ( ابن عيينة عن الزهري قال : كان أكثر مجالستي مع علي بن الحسين وما رأيت أحداً كان أفقه منه ، ولكنه كان قليل الحديث ) . ( سير الذهبي : 4 / 389 ، وتهذيب الكمال : 20 / 382 ، وتاريخ الإسلام : 6 / 435 ، والنهاية : 9 / 124 ، وعامة من ترجم له من السنيين ) .
وقلنا كذب الزهري ! لأن شهد بأن زين العابدين « عليه السلام » أفقه الناس في عصره والفقه مبني على الكتاب والسنة ، فكيف يكون أفقه أهل عصره قليلَ الحديث ؟ ! بل سمع الزهري من الإمام « عليه السلام » الكثير وكتبه ، لكنه أخفاه ولم يحدث به خوفاً من أسياده !
قال ابن عبد البر في جامع بيان العلم : 1 / 76 : ( سمعت ابن شهاب يحدث سعد بن إبراهيم : أمرنا عمر بن عبد العزيز بجمع السنن ، فكتبناها دفتراً دفتراً ، فبعث إلى كل أرض له عليها سلطان دفتراً ) . ( قال علي بن المديني : له ( الزهري ) نحوٌ من ألفي حديث . وقال أبو داود : حديثه ألفان ومئتا حديث ) . ( سير الذهبي : 5 / 328 ) .
إن هذا الموقف من الزهري والسلطة ، يضع يدك على خط الانحراف عن أهل البيت « عليهم السلام » ! ونفس السياسة استعملوها مع الإمام الباقر « عليه السلام » مع أن علماهم شهدوا بأنه نشر علمه كما أخبر جده « صلى الله عليه وآله » حيث سماه باقر علم النبوة .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 201 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وهذه ملاحظات أخرى على الموضوع
1 - من التناقضات الصارخة عند أتباع الخلافة أنهم يدعون محبة أهل البيت « عليهم السلام » وإطاعة وصية النبي « صلى الله عليه وآله » فيهم : ( إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، وإن اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض ، فانظروني بمَ تخلفوني فيهما ) . ( مسند أحمد : 3 / 17 ) . فإذا وصلوا إلى تلقي دينهم منهم أعرضوا ونفروا !
وتحججوا تارة ، بأنهم رووا عنهم بضعة أحاديث ، كما رأيت في كلام ابن حجر في ترجمة الإمام الباقر « عليه السلام » في تهذيب التهذيب : روى عنه الستة ، مع أن مجموع ما رووه عنه لا يبلغ مئتي حديث ! فأين الخمسون ألف حديث التي رواها عنه جابر الجعفي وحده ! وهي تبلغ عشرة أضعاف كتاب صحيح بخاري ، الذي لا تزيد أحاديثه إذا حذفت مكرراتها عن أربعة آلاف حديث ؟ !
وتحججوا أخرى ، بكذبة الزهري المتقدمة بأن الإمام زين العابدين « عليه السلام » قليل الحديث ، مع أنه شهد بأنه أفقه من رأى ، ولا فقه بدون حديث عن النبي « صلى الله عليه وآله » ! ومثلها كذبة الذهبي الآنفة في سيره : ( وليس هو بالمكثر ، هو في الرواية كأبيه وابنه جعفر ) ! مع أنه قرأ قول ابن سعد : ( كان ثقة كثير الحديث ) ! ( تهذيب التهذيب : 9 / 311 ) .
وتحججوا ثالثة ، بأنه لا يروي عنه ثقات يحتج بهم مع أن أئمتهم رووا عنهم « عليهم السلام » ! ويكفي في تكذيبهم أنهم وثقوا جابراً الجعفي الذي روى عن الإمام الباقر « عليه السلام » خمسين ألف حديث أو سبعين ألفاً ! ووثقوا أبان بن تغلب الذي روى عن ولده الصادق « عليه السلام » ثلاثين ألف حديث ! ووثقوا الأعمش وهو يروي أربعة آلاف حديث ! ( جامع بيان العلم لابن عبد البر : 2 / 34 ) . ووثقوا ابن عقدة وقد روى عن أهل البيت « عليهم السلام » مئتي ألف حديث ! ( الصوارم المهرقة للشهيد التستري / 214 ، وغيره ) . ومحمد بن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 202 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مسلم الثقفي ( وثقه ابن حبان : 9 / 36 ) وقد روى عن الباقر والصادق « صلى الله عليه وآله » ستاً وأربعين ألف حديث ! فكم رووا عن هؤلاء الذين وثقوهم ، وبعضهم عندهم أئمة أجلاء ؟ !
2 - يتضح لك بما تقدم كيف ضيَّع أتباع الحكومات القرشية ورواتها ثروة السنة النبوية التي رواها أهل البيت « عليهم السلام » ، بعد أن ضيعوا السنة بمنع تدوينها ومجرد التحديث بها وجعله جريمة يعاقب فاعلها ، من عهد أبي بكر إلى زمن الزهري !
ثم لم يكتفوا بالإعراض عن أحاديث أهل البيت « عليهم السلام » حتى اضطهدوا رواتها والمؤلفين فيها ، والمتداولين بها ، وطاردوهم وقتلوهم ! فكيف نصدق قولهم إنهم يحبون أهل البيت « عليهم السلام » ويطيعون وصية نبيهم « صلى الله عليه وآله » فيهم !
وما الفرق بين هؤلاء العلماء والخلفاء ، وبين جيش يزيد الذين سفكوا دم الحسين وأهل بيت النبي « صلى الله عليه وآله » ، ثم صلوا في صلاتهم على النبي وأهل بيته « عليهم السلام » وهم يقولون إنهم يحبونهم ، ويطيعون وصية نبيهم فيهم ! !
قال السيد ابن طاووس « رحمه الله » في الطرائف / 191 : ( أنظر رحمك كيف حرموا أنفسهم الانتفاع برواية سبعين ألف حديث عن نبيهم « صلى الله عليه وآله » برواية أبي جعفر « عليه السلام » ، الذي هو من أعيان أهل بيته الذين أمرهم بالتمسك بهم ) . انتهى .
أقول : وأسوأ من حرمانهم أنفسهم والمسلمين أن بعض أئمتهم أراد أن يبرر إعراضهم عن أهل البيت « عليهم السلام » فطعن فيهم ولم يستطع أن يخفي كرهه لهم ! فقال إن في نفسه شيئاً من الإمام الصادق « عليه السلام » ! قال ابن حجر في تهذيب التهذيب : 2 / 88 في ترجمته « عليه السلام » : ( قال ابن أبي حاتم عن أبيه ثقة لا يسأل عن مثله . . . وقال ابن سعد : كان كثير الحديث ولا يحتج به ويستضعف ! سئل مرة سمعت هذه الأحاديث من أبيك ؟ فقال : نعم ، وسئل مرة فقال : إنما وجدتها في كتبه . قلت : يحتمل أن يكون السؤالان وقعا عن أحاديث مختلفة فذكر فيما سمعه أنه سمعه ، وفيما لم يسمعه أنه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 203 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وجده ، وهذا يدل على تثبته ) . انتهى . فقد دافع ابن حجر عن الإمام الصادق « عليه السلام » بأن طعن ابن حجر فيه بتفاوت جوابه عن أحاديث ، هو مدح وليس طعناً ! ثم قال :
( وذكره ابن حبان في الثقات وقال : كان من سادات أهل البيت فقهاً وعلماً وفضلاً يحتج بحديثه من غير رواية أولاده عنه ! وقد اعتبرت حديث الثقات عنه فرأيت أحاديث مستقيمة ليس فيها شئ يخالف حديث الأثبات ( الثقات ) ، ومن المحال أن يلصق به ما جناه غيره . وقال الساجي كان صدوقاً مأموناً ، إذا حدث عنه الثقات فحديثه مستقيم . قال أبو موسى كان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث عن سفيان ، وكان يحيى بن سعيد يحدث عنه ، وقال النسائي في الجرح والتعديل : ثقة . وقال مالك : اختلفت إليه زماناً فما كنت أراه إلا على ثلاث خصال : إما مصل ، وإما صائم ، وإما يقرأ القرآن . وما رأيته يحدث إلا على طهارة ) .
وقال الذهبي عنه في ميزان الإعتدال : 1 / 414 : ( أحد الأئمة الأعلام ، برٌّ صادقٌ كبير الشأن ، لم يحتج به البخاري . . . سئل يحيى بن سعيد القطان عن الصادق فقال : مجالد أحب إليَّ منه ، في نفسي منه شئ ! لم يرو مالك عن جعفر حتى ظهر أمر بني العباس . . . قال مصعب : كان لا يروي عن جعفر بن محمد حتى يضمه إلى آخر من أولئك الرقعاء ! ثم يجعله بعده ) . انتهى .
أقول : بلغ من تعصب مالك بن أنس انه لم يرو أي حديث عن علي « عليه السلام » كما أمره المنصور ! ومن تعصب بخاري أنه لم يرو أي حديث عن الإمام الصادق « عليه السلام » مع أنه روى عن أشد النواصب من أعداء أهل البيت « عليهم السلام » ! قال أبو بكر الحضرمي :

قضيةٌ أشبه بالمرزأهْ * هذا البخاري إمام الفئهْ
بالصادق الصديق ما احتج في * صحيحه واحتج بالمرجئهْ
ومثل عمران بن حطان أو * مروان وابن المرأة المخطئه

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 204 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

مشكلة ذات عوار إلى * حيرة أرباب النهى ملجئه
وحق بيت يممته الورى * مغذة في السير أو مبطئه
إن الإمام الصادق المجتبى * بفضله الآي أتت منبئه
أجلُّ من في عصره رتبةً * لم يقترف في عمره سيئه
قُلامةٌ من ظفر إبهامه * تعدلُ من مثل البخاري مئه

( النصائح الكافية لمن يتولى معاوية ) / 119 للحافظ محمد بن عقيل ) .
3 - ولو أنهم اتبعوا منهجاً واحداً لخفَّ تناقضهم ، لكن اتبعوا الإنتقاء الكيفي فهم يبحثون عما يوافق هواهم ولا يهمهم أن يكون راويه موثقاً عندهم أو مجروجاً ! بل لا يهمهم أن يكون الحديث موضوعاً ، كحديث : ( أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ) الذي شهد نقاد الحديث منهم بأنه موضوع ، لكنهم كانوا وما زالوا يستدلون به ، في منابرهم ، ومعاهدهم ، ومناظراتهم للشيعة وفي علم الفقه ، والتفسير ، والعقائد ، وغيرها !
وعملاً بهذا الإنتقاء الهوائي ، رووا عن مئات الرواة الشيعة ، منهم أكثر من مئة راو في أسانيد صحيح بخاري ومسلم ، وبرروا ذلك بأنهم مضطرون إليه !
قال الذهبي في ميزان الإعتدال : 1 / 5 ، في ترجمة أبان بن تغلب « رحمه الله » كما تقدم في حديث باقر العلم : ( شيعيٌّ جَلِد ، لكنه صدوق ، فلنا صدقه وعليه بدعته ، وقد وثقه أحمد بن حنبل وابن معين وأبو حاتم . . . ولم يكن أبان بن تغلب يعرض للشيخين أصلاً ، بل قد يعتقد علياً أفضل منهما ) .
أقول : لا تصدقهم عندما يمدحون راوياً شيعياً بأنه كان معتدلاً في موقفه من أهل السقيفة ، فقد كان رأي أبان « رحمه الله » فيهم شديداً ، كما تجد في بصائر الدرجات / 294 ، وهو من مصنفات الشيعة القديمة المشهورة ، ولا بد أن الذهبي اطلع عليه !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 205 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
4 - من السهل عليك أن تكتشف سر القوم ، وأن مقياسهم للراوي أن يتولي أبا بكر وعمر ، ولا يكون فيما يرويه شئ ضدهما ولو صغيراً ، وإلا فهو مخالف للدين مبتدع ، يجب الإعراض عنه والطعن فيه !
قال الشهيد نور الله التستري « رحمه الله » في الصوارم المهرقة / 214 : ( إن أهل بغداد أجمعوا على أنه لم يظهر من زمان ابن مسعود إلى زمان ابن عقدة من يكون أبلغ منه في حفظ الحديث . وأيضاً قال الدارقطني : سمعت منه أنه قال : قد ضبطت ثلاثمائة ألف حديث من أحاديث أهل البيت وبني هاشم « عليهم السلام » ، وحفظت مائة ألف حديث بأسانيدها . ونقل الذهبي عن عبد الغني بن سعيد أنه قال : سمعت عن الدارقطني قال : إن ابن عقدة يعلم ما عند الناس ولا يعلم الناس ما عنده . وقال الثلاثة : إن ابن عقدة كان يقعد في جامع براثا من الكوفة ويذكر مثالب الشيخين عند الناس ، فلهذا تركوا بعض أحاديثه ! وإلا فلا كلام في صدقه ) . انتهى .
وكم لهذا العالم النابغة من مثيل ! وهذا باب واسع ملئ بالأمثلة من مصادر الحديث عندهم والتفسير والتاريخ والفقه والعقائد ، وقد كتب فيه العلماء بحوثاً ومؤلفات منها كتاب : العتب الجميل على أهل الجرح والتعديل ، للحافظ محمد بن عقيل ، أثبت فيه أن هوى النقاد كان وراء تضعيف الرواة عن أهل البيت « عليهم السلام » وتضييع الثروة العظيمة التي رووها !
ونكتفي هنا من بمثال الحارث بن حصيرة الأزدي ، الذي يروي عن جابر بن يزيد الجعفي « رحمه الله » عن الباقر « عليه السلام » . قال عنه في تهذيب التهذيب : 2 / 121 : ( البخاري في الأدب المفرد والنسائي ، وفي خصائص علي . . . قال جرير : شيخ طويل السكوت يصر على أمر عظيم ، رواها مسلم في مقدمة صحيحه عن جرير . وقال أبو أحمد الزبيري : كان يؤمن بالرجعة . وقال ابن معين ثقة . . خشبي ينسبونه إلى خشبة زيد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 206 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بن علي التي صلب عليها . وقال النسائي : ثقة وقال أبو حاتم : لولا أن الثوري روى عنه لترك حديثه . وقال ابن عدي : عامة روايات الكوفيين عنه في فضائل أهل البيت ، وإذا روى عنه البصريون فرواياتهم أحاديث متفرقة ، وهو أحد من يعد من المحترقين بالكوفة في التشيع ، وعلى ضعفه يكتب حديثه . قلت : علق البخاري أثراً لعلى في المزارعة وهو من رواية هذا . . . وقال الدارقطني شيخ للشيعة يغلو في التشيع . وقال الآجري : عن أبي داود شيعي صدوق . ووثقه العجلي وابن نمير . وقال العقيلي : له غير حديث منكر . . وقال الأزدي : زائغ ، سألت أبا العباس بن سعيد عنه فقال : كان مذموم المذهب فاسده ، وذكر ابن حبان في الثقات ) .
وفي ميزان الإعتدال : 4 / 272 : ( صدوق لكنه رافضي ) . وفي : 1 / 432 : ( كان يؤمن بالرجعة . وقال يحيى بن معين : ثقة . وقال النسائي : ثقة . وقال ابن عدي : يكتب حديثه على ضعفه ، وهو من المحترقين في التشيع . وقال زنيج : سألت جريراً : أرأيت الحارث بن حصيرة ؟ قال : نعم ، رأيته شيخاً كبيراً طويل السكوت ، يصر على أمر عظيم ) ! وتاريخ الذهبي : 9 / 95 ، وتهذيب الكمال : 5 / 225 والإصابة : 1 / 191 . . الخ .
أقول : الأمر العظيم الذي يصر عليه هذا الشيخ الصامت الصدوق ، ويثير هؤلاء المتعصبة أتباع الحكومة ، ليس إيمانه بالرجعة ، بل ما رواه في فضائل علي « عليه السلام » وفي عاقبة بعض الصحابة المرتدين على أعقابهم ، أمثال ما في الخصال / 457 ، عن أبي ذر « رحمه الله » وهو حديث طويل جاء فيه : ( قال رسول الله « صلى الله عليه وآله » : شر الأولين والآخرين اثنا عشر ، ستة من الأولين وستة من الآخرين ، ثم سمى الستة من الأولين . . إلى أن قال « صلى الله عليه وآله » : إن أمتي ترد عليَّ الحوض على خمس رايات : أولها راية العجل ، فأقوم فآخذ بيده فإذا أخذت بيده اسودَّ وجهه ورجفت قدماه وخفقت أحشاؤه ، ومن فعل فعله يتبعه فأقول : بماذا خلفتموني في الثقلين من بعدي ؟ فيقولون :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 207 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كذبنا الأكبر واضطهدنا الأصغر وأخذنا حقه ! فأقول : أسلكوا ذات الشمال . . . ثم ترد علي راية أمير المؤمنين وإمام المتقين وقائد الغر المحجلين ، فأقوم فآخذ بيده فإذا أخذت بيده ابيضَّ وجهه ووجوه أصحابه فأقول : بما خلفتموني في الثقلين من بعدي ؟ قال فيقولون : اتبعنا الأكبر وصدقناه ووازرنا الأصغر ونصرناه وقاتلنا معه ، فأقول : ردوا رواء مرويين ، فيشربون شربة لا يظمأون بعدها أبداً ، وجه إمامهم كالشمس الطالعة ، ووجوه أصحابه كالقمر ليلة البدر ) .

5 - كيف أبادوا كتب علمائنا . . كتب ابن عقدة نموذجاً

إن الثروة الثقافية المميزة والغنية التي يملكها الشيعة اليوم ، إنما هي البقية الباقية من غارات الحكومات القرشية ورواتها على كتب الشيعة وإحراقها وإتلافها ، أو مصادرتها وسرقة ما يشتهون من مضامينها ونسبتها إلى غيرهم .
ويكفينا مثالاً على ذلك كُتب ابن عقدة « رحمه الله » التي فقدت من علمائنا بسبب تشريدهم وتقتيلهم ومصادرتهم ! بينما كان علماء السلطة يحتفظون بما سلم منها ويستفيدون منه سراً ، وينقلون عنه أحياناً صريحاً !
عدَّد الشيخ حرز الدين في مقدمة كتاب الولاية لابن عقدة / 58 ، مجموعة كتبه ومنها التاريخ الكبير ، الذي نقل منه الخطيب فقال في تاريخ بغداد : 3 / 307 : ( وذكره ابن عقدة في تاريخه الكبير ) . ونحوه ابن حجر في تهذيبه : 9 / 259 / 487 . وذكر له ابن ماكولا في الإكمال : 2 / 550 ، كتاب أخبار أبي حنيفة ومسنده ، وسماه مرة بالرواة عن أبي حنيفة : 1 / 316 . وله كتاب : الشيعة من أصحاب الحديث ، ذكره النجاشي في رجاله ، والشيخ الطوسي في الفهرست ، وابن شهرآشوب في معالم العلماء ، ونقل عنه ابن حجر في تهذيبه : 1 / 380 ، والذهبي في لسان الميزان : 1 / 359 ، وكتاب : تاريخ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 208 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفيات الشيوخ ، ذكره في هامش الإكمال : 1 / 563 ، و : 3 / 399 ، وكتاب : أصل ، نقل عنه في الإكمال : 4 / 369 ، و : 4 / 123 ، وكتاب الصحابة ، ذكره ابن الأثير في أسد الغابة : 1 / 367 وفي : 2 / 77 , وإجازة ابن عقدة لابن السقاء ، ذكرها الخطيب في كتابه الكفاية في علم الرواية / 349 ، قال : وقرأت بخط أبي العباس أحمد بن محمد بن سعيد الكوفي الحافظ المعروف بابن عقدة ، إجازة قد كتبها لأبي محمد عبد الله بن محمد بن عثمان الواسطي الحافظ المعروف بابن السقاء نسختها . . . وإجازة ابن عقدة لأبي الحسن محمد بن أحمد بن سفيان الحافظ ذكرها الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد : 5 / 22 . وذكر له في تاريخ بغداد : 5 / 16 جزء في صلة الرحم .
هذا فقط ما كان من كتبه عند علماء السلطة ونقلوا منه !
وعدد الشيخ الطوسي « رحمه الله » مؤلفاته في الفهرست / 73 ، ومنها : ( كتاب السنن وهو عظيم قيل إنه حمل بهيمة ، لم يجتمع لأحد . . كتاب من روى عن أمير المؤمنين « عليه السلام » ومسنده ، كتاب من روى عن الحسن والحسين « صلى الله عليه وآله » ، كتاب من روى عن علي بن الحسين « عليه السلام » وأخباره ، كتاب من روى عن أبي جعفر محمد بن علي « عليه السلام » وأخباره . . كتاب الرجال ، وهو كتاب من روى عن جعفر بن محمد « عليه السلام » ) .
وذكر له أبو نصر البخاري في السلسلة العلوية / 86 ، كتاب : تفسير الباقر « عليه السلام » .
أما كتب الشيعة التي رواها ابن عقدة ونقل منها ، فهي أصول كثيرة لا يمكن حصرها ، وقد أخذ أكثرها من مؤلفيها مباشرةً ! قال الطوسي « رحمه الله » في رجاله / 409 : روى ابن عقدة جميع كتب أصحابنا ومصنفاتهم ، وذكر أصولهم . ثم أورد عدداً كبيراً منها ، ومن ذلك : كتب غريب القرآن لأبان بن تغلب ، ومحمد بن السائب الكلبي ، وأبي روق بن عطية بن الحارث جمع عبد الرحمن بن محمد الأزدي الكوفي . كتاب الفضائل كتاب القراءة كتاب صفين لأبان بن تغلب . كتب المبدأ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 209 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والمغازي والوفاة والردة والنوادر ، لأبان بن عثمان الأحمر البجلي . وكتاب خطب علي « عليه السلام » لإبراهيم بن الحكم بن ظهير الفزاري . كتاب النوادر لإبراهيم بن عبد الحميد الأسدي . كتاب مبوب في الحلال والحرام لإبراهيم بن محمد بن أبي يحيى عن أبي عبد الله « عليه السلام » . كتاب إبراهيم بن مهزم الأسدي . كتاب السنن والأحكام والقضايا ، لأبي رافع مولى رسول الله « صلى الله عليه وآله » . كتاب النوادر : لأحمد بن الحسين بن سعيد بن عثمان القرشي . مقتل الحسين بن علي « صلى الله عليه وآله » للأصبغ بن نباتة . كتاب بريه العبادي . كتاب بسطام بن الحصين بن عبد الرحمن الجعفي . كتاب تليد بن سليمان المحاربي . كتاب الفضائل , تفسير جابر بن يزيد الجعفي . كتاب جحدر بن المغيرة الطائي . كتاب المشيخة ، كتاب الصلاة ، كتاب المكاسب ، كتاب الصيد ، كتاب الذبائح لجعفر بن بشير الوشاء البجلي . كتاب جفير بن الحكم العبدي . كتاب حجاج بن رفاعة الخشاب . كتاب فضائل القرآن للحسن بن علي بن أبي حمزة البطائني كتاب التفسير ، كتاب جامع العلم : للحسين بن مخارق السلولي . كتاب حفص بن غياث بن طلق . كتاب الديات : للحكم ومشمعل ابني سعد الأسدي الناشري . كتاب خليد بن أوفى أبو الربيع الشامي العنزي . كتاب زياد بن أبي غياث . تفسير القرآن : لزياد بن المنذر أبو الجارود ، عن أبي جعفر الباقر « عليه السلام » . . . رسالة أبي جعفر « عليه السلام » إلى كتاب سعد بن طريف الحنظلي . كتاب سويد مولى محمد بن مسلم . كتاب عاصم بن حميد الحناط . كتاب الحج ، كتاب الصلاة ، كتاب الصوم ، كتاب المثالب ، كتاب جامع الحلال والحرام ، كتاب الغيبة ، كتاب نوادر : للعباس بن هشام الناشري الأسدي . كتاب الوضوء ، كتاب الصلاة لعبد الله بن المغيرة البجلي . كتاب عبد الكريم بن هلال الجعفي الخزاز . كتاب القضايا والأحكام ، كتاب الوصايا ، كتاب الصلاة لعثمان
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 210 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ابن عيسى العامري الكلابي الرؤاسي . كتاب التوحيد ، كتاب الإمامة ، كتاب حديث الشورى لعمرو بن أبي المقدام . كتاب البداء ، كتاب الإحتجاج في الإمامة ، كتاب الحج ، كتاب فضائل الحج لمحمد بن أبي عمير زياد بن عيسى أبو أحمد الأزدي . كتاب الرجال : لمحمد بن الحسن بن علي أبو عبد الله المحاربي . كتاب الغيبة ، كتاب الكوفة ، كتاب الملاحم ، كتاب المواعظ ، كتاب البشارات ، كتاب الطب ، كتاب إثبات إمامة عبد الله ، كتاب أسماء آلات رسول الله « صلى الله عليه وآله » وأسماء سلاحه ، كتاب العلل ، كتاب وفاة النبي « صلى الله عليه وآله » ، كتاب عجائب بني إسرائيل ، كتاب الرجال ، كتاب ما روي في الحمام ، كتاب التفسير ، كتاب الجنة والنار ، كتاب الدعاء ، كتاب المثالب ، كتاب العقيقة لعلي بن الحسن بن علي بن فضال . كتاب التفسير لمحمد بن علي بن أبي شعبة الحلبي . كتاب التقية لمحمد بن مفضل بن إبراهيم بن قيس بن رمانة الأشعري . كتاب السنن ، كتاب الجمل لمصبح بن الهلقام بن علوان العجلي . . الخ . ) . وبعد كل كتاب سند رواية ابن عقدة له عن مؤلفه مباشرة أو بواسطة ، وتاريخ إجازة سماعه !
وتلاحظ في ترجمة السنيين لابن عقدة أنهم يتفقون على نبوغه وجلالته وتميزه وكثرة مؤلفاته . وفي مجلة تراثنا : 21 / 180 : ( أفرد الذهبي رسالة عن حياته ، مذكورة في مؤلفاته في مقدمة سير أعلام النبلاء باسم : ترجمة ابن عقدة : . ترجم له أعلام العامة بكل تجلة وتبجيل ووثقوه وأثنوا على علمه وحفظه وخبرته وسعة اطلاعه وأرخوا ولادته ليلة النصف من المحرم سنة 249 ، ووفاته في 7 ذي القعدة سنة 332 ومن المؤسف أن هذا الرجل العظيم لم يبق من مؤلفاته الكثيرة الكبيرة سوى وريقات توجد في دار الكتب الظاهرية بدمشق ، ضمن المجموعة رقم 4581 ، باسم : جزء من حديث ابن عقدة ، من الورقة 9 - 15 ) ! !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 211 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولم نجد ترجمة الذهبي لابن عقدة فلعلهم أخفوها ! وهذا بعض ما قاله فيه في سيره : 15 / 340 : ( أبو العباس الكوفي الحافظ العلامة ، أحد أعلام الحديث ونادرة الزمان وصاحب التصانيف على ضعف فيه ( لأنه شيعي ! ) وهو المعروف بالحافظ ابن عقدة . وعُقْدَة لقب لأبيه النحوي البارع محمد بن سعيد . . كان قبل الثلاث مئة .
وولد أبو العباس في سنة تسع وأربعين ومئتين بالكوفة ، وطلب الحديث سنة بضع وستين ومئتين وكتب منه ما لا يحد ولا يوصف ، عن خلق كثير بالكوفة وبغداد ومكة . . . روى عنه الطبراني ، وابن عدي ، وأبو بكر بن الجعابي ، وابن المظفر ، وأبو علي النيسابوري ، وأبو أحمد الحاكم ، وابن المقرئ ، وابن شاهين وعمر بن إبراهيم الكتاني ، وأبو عبيد الله المرزباني ، وابن جميع الغساني ، وإبراهيم بن عبد الله خرشيذ قوله ، وأبو عمر بن مهدي ، وأبو الحسين أحمد بن المتيم ، وأحمد بن محمد بن الصلت الأهوازي . . وخلائق . ووقع لي حديثه بعلو . .
قال أبو أحمد الحاكم : قال لي ابن عقدة : دخل البرديجي الكوفة فزعم أنه أحفظ مني فقلت : لا تطوِّل ، نتقدم إلى دكان وراق ونضع القبان ونزن من الكتب ما شئت ثم يلقى علينا فنذكره ! قال : فبقي ! ( سكت ولم يكن عنده جواب ! )
سمعت علي بن عمر وهو الدارقطني يقول : أجمع أهل الكوفة أنه لم يُرَ من زمن عبد الله بن مسعود إلى زمن أبي العباس بن عقدة ، أحفظ منه . . ابن عقدة يعلم ما عند الناس ولا يعلم الناس ما عنده .
محمد بن عمر بن يحيى العلوي يقول : حضر ابن عقدة عند أبي فقال له : يا أبا العباس قد أكثر الناس في حفظك للحديث فأحب أن تخبرني بقدر ما تحفظ ؟ فامتنع وأظهر كراهية لذلك فأعاد أبي المسألة ، وقال : عزمت عليك إلا أخبرتني ! فقال أبو العباس : أحفظ مئة ألف حديث بالإسناد والمتن ، وأذاكر بثلاث مئة ألف
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 212 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
حديث . . . عرفة البرقاني : أقمت مع إخوتي بالكوفة عدة سنين نكتب عن ابن عقدة فلما أردنا الانصراف ودعناه فقال : قد اكتفيتم بما سمعتم مني !
أبو سعد الماليني : أراد ابن عقدة أن ينتقل فاستأجر من يحمل كتبه ، وشارط الحمالين أن يدفع إلى كل واحد دانقاً قال : فوزن لهم أجورهم مئة درهم ، وكانت كتبه ست مئة حملة . . .
روى ابن صاعد ببغداد حديثاً أخطأ في إسناده ، فأنكر عليه ابن عقدة فخرج عليه أصحاب ابن صاعد ( وهم غوغاء أهل الحديث الذين أسسهم المتوكل ) وارتفعوا إلى الوزير علي بن عيسى وحبس ابن عقدة ، فقال الوزير : من نسأل ونرجع إليه ؟ فقالوا : ابن أبي حاتم ، فكتب إليه الوزير يسأله ، فنظر وتأمل فإذا الحديث على ما قال ابن عقدة ، فكتب إليه بذلك فأطلق ابن عقدة وارتفع شأنه .
سمعت ابن الجعابي يقول : دخل ابن عقدة بغداد ثلاث دفعات ، سمع في الأولى من إسماعيل القاضي ونحوه ، ودخل الثانية في حياة ابن منيع ، فطلب مني شيئاً من حديث ابن صاعد لينظر فيه فجئت إلى ابن صاعد فسألته فدفع إلي " مسند " علي فتعجبت من ذلك ، وقلت في نفسي : كيف دفع إلي هذا وابن عقدة أعرف الناس به ! مع اتساعه في حديث الكوفيين ، وحملته إلى ابن عقدة ، فنظر فيه ، ثم رده عليَّ فقلت : أيها الشيخ هل فيه شئ يستغرب ؟ فقال : نعم فيه حديث خطأ ! فقلت : أخبرني به فقال : لا والله لا عرفتك ذلك حتى أجاوز قنطرة الياسرية وكان يخاف من أصحاب ابن صاعد ، فطالت علي الأيام انتظاراً لوعده ، فلما خرج إلى الكوفة سرت معه فلما أردت مفارقته قلت : وعدك ؟ قال : نعم ، الحديث عن أبي سعيد الأشج ، عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ، ومتى سمع منه ؟ وإنما ولد أبو سعيد في الليلة التي مات فيها يحيى بن زكريا ! فودعته وجئت إلى ابن صاعد فأعلمته
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 213 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بذلك فقال : لأجعلن على كل شجرة من لحمه قطعة ، يعني ابن عقدة ! ثم رجع يحيى إلى الأصول فوجده عنده الحديث عن شيخ غير الأشج ، عن ابن أبي زائدة فجعله على الصواب . .
قال الخطيب : سمعت من يذكر أن الحفاظ كانوا إذا أخذوا في المذاكرة ، شرطوا أن يعدلوا عن حديث ابن عقدة لاتساعه وكونه مما لا ينضبط . ثم عدد الذهبي بعض كتبه نقلاً عن الشيخ الطوسي « قدس سره » . ثم نقل عن أبي عمر بن حياة قال : كان ابن عقدة في جامع براثا يملي مثالب الصحابة أو قال : الشيخين ، فلم أحدث عنه بشئ . وقيل : إن الدارقطني كذب من يتهمه بالوضع ، وإنما بلاؤه من روايته بالوجادات ومن التشيع ) . انتهى .
أقول : لاحظ أنهم يمدحون علمه وكتبه ويتعجبون من جودتها وكثرتها ، ثم لا يذكرون أين صارت هذه الثروة العلمية ، ولماذا حُرم المسلمون منها ؟
السبب الوحيد أنه شيعي ! وقد صرح صاحبهم ابن حياة بأنه كان يروي روايات فيها مثالب أي عيوب لبعض الصحابة ، أو لأبي بكر وعمر !
ثم لم يقفوا عند مصادرة الكتب وإحراقها ، بل أفتوا بأن كل من روى رواية فيها نقد لأبي بكر وعمر ، فحكمه أن يحفروا له بئراً ويدفنوه فيه حياً !
قال الذهبي في ميزان الإعتدال : 2 / 75 : ( قال عبد الله بن أحمد : سألت ابن معين عنه فقال : رجل سوء يحدث بأحاديث سوء . . قلت : فقد قال لي : إنك كتبت عنه ؟ فحول وجهه وحلف بالله إنه لا أتاه ولا كتب عنه . وقال : يستأهل أن يحفر له بئر فيلقى فيها ) ! والعلل لأحمد بن حنبل : 3 / 8 ، وضعفاء العقيلي : 2 / 86 ، وابن عدي : 3 / 215 ، وغيرها .
فهل يجوز أن تخسر أجيال الأمة ثروة علمية عظيمة بسبب بعض روايات تنتقد ببعض الصحابة ؟ أما كان الأصلح أن يرووها ويردوا عليها ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 214 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

6 - سؤال يبقى بلا جواب : لماذا لا تتلقون دينكم من أئمة العترة « عليهم السلام » ؟ !

من عجائب أعمال سلطة الخلافة واتباعهم من أئمة المذاهب وعلمائهم ، إنهم أبادوا أكثر الثروة العلمية لأهل البيت « عليهم السلام » ورواتهم ، وأخفوا بعضها فهم ينقلون منه ما ينتقونه انتقاءً ، كما رأيت في كتب ابن عقدة « رحمه الله » !
وبقيت من ثروة أهل البيت « عليهم السلام » بقية حفظنا منها الكثير ، وحفظوا القليل بما فيه المحرف والمكذوب ! وعندما تسألهم عن الإمام الباقر أو الصادق أو غيرهم من الأئمة « عليهم السلام » يمدحونهم مدحاً كثيراً ، وينقلون لك مدح أئمتهم وكبار علمائهم لهم ! ويقولون لك إنا نحبهم ونتولاهم ! لكنهم يعجزون عن الجواب عندما تسألهم :
ما دام أهل البيت « عليهم السلام » عندكم في هذا المقام العظيم الذي ترويه صحاحكم ، فلماذا لا تخرجون فضائلهم من كتبكم إلى خطابكم للمسلمين ووسائل الإعلام ، ومناهجكم الدراسية في المعاهد الدينية والمدارس ؟ !
وما دام أئمة أهل البيت « عليهم السلام » علماء عظماء عندكم ، وتقولون إن غيرهم ليس أولى بالاتباع منهم ، فلماذا لا تتلقون منهم معالم دينكم وفقهكم ؟ !
فلا جواب عندهم إلا أن يقولوا إن مذهبكم الذي تروونه عنهم لم يثبت عندنا ! فلا هم يروونه ولا يقبلون روايتنا ! ولكنه عذر فهم يروون كثيراً من مذهبهم « عليهم السلام » بأحاديث صحيحة ويتعمدون مخالفته إلى يومنا هذا !
وفي نقاش في شبكة النت للأخ سراج الدين ( 1 / 7 / - 2004 ) كتب له السلفي حسن حسان :
( http : / / namehaj . bounceme . net / ~ hajr / hajrvb / showthread . php ? t = 402743259 )
( لا دليل يدل على عدم جواز اتباع غير أئمة المذاهب ، ونحن نعمل بقول جعفر بن محمد الصادق . وجعفر بن محمد كان من المجتهدين الكبار ويجوز اتباعه ، ولكن ما يدعي الشيعة من المسائل بأنه قول جعفر بن محمد غير ثابت .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 215 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فأجابه سراج الدين : الشيعة يقولون إذا سألنا الحنفية والشافعية والمالكية والحنبلية ، وقلنا لهم من أين عرفتم أن ما تعملون به قول هؤلاء المجتهدين ؟ لقال كل واحد من هذه الطوائف الأربعة : إن مشايخنا نقلوا عن مشايخهم ، وهكذا إلى المجتهد الذي نعمل برأيه ، فثبت بالنقل المشهور مذهب المجتهد الذي نعمل برأيه ، وهكذا نحن علمنا بالنقل المشهور عن مشايخنا طبقة عن طبقة أن ما نعمل به قول جعفر بن محمد « صلى الله عليه وآله » . فكتب له السلفي : إذا كان هذا فهم من أهل النجاة ، وأقسم أنه لو ثبت له قول عن الإمام جعفر الصادق « عليه السلام » لعمل به .
فكتبتُ له : الأخ حسن ، بناء على قسمك بأنك تتبع الإمام جعفر الصادق « عليه السلام » فيما صح عنه ، حتى لو خالف المذاهب الأربعة ، فقد صح عنه عند رواتكم ورواتنا الجهر بالبسملة في الصلاة ، فتوكل على الله والتزم بذلك ، واجهر بصلاتك في مسجد فيه سلفية إن استطعت ! وهذا نموذج من اعتراف فقهاء المذاهب بذلك :
في المجموع للنووي : 3 / 342 : ( وفي كتاب الخلافيات للبيهقي عن جعفر بن محمد قال اجتمع آل محمد ( ص ) على الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ، ونقل الخطيب عن عكرمة أنه كان لا يصلي خلف من لا يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم . وقال أبو جعفر محمد بن علي : لا ينبغي الصلاة خلف من لا يجهر ) .
فكتب السلفي : ولا يهمك شيخ العاملي سوف أجهر بالبسملة . . . فإن تعارضت عندي أقوال الفقهاء قدمت قول جعفر على أبي حنيفة ومالك وأحمد والشافعي .
فكتبتُ له : ألف تحية للأخ البار بيمينه الشيخ حسن حسان ، وأعانك الله على التحمل من المتعصبين في جهرك بأعظم آية من كتاب الله تعالى . وأخبرك يا أخ حسن ، بأن الثابت عندنا من مذهب الإمام الصادق « عليه السلام » فيها هو وجوب الجهر بها في صلاة الصبح والمغرب والعشاء ، واستحباب الجهر بها في صلاتي الظهر والعصر ، هذا على الرجال أما النساء فلا جهر عليهن ، بل يتخيرين في الجهرية إن لم يكن أجنبي . . أخذ الله بيدك
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 216 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقلبك إلى نور النبي « صلى الله عليه وآله » ونور أهل بيته الطاهرين « عليهم السلام » ، وهو واحد وليس متعدداً . وكتب له الأخ المرتضى : الله أكبر هل هذا قولٌ وفعلٌ أم قولٌ فقط ؟ إذا كان قولاً وفعلاً فافتح موضوعاً وانشره في كل المنتديات ، واجهر بها أمام كل الناس إن كنت صادقاً !
وكتب له الأخ قاسم : إن كان حسن حسان جاداً ، فهو بحق رجل .
وكتب له فتى الحرمان : الله أكبر , حسن حسان سيجهر بالبسملة أمام السلفية !
أقول : يظهر أن هذا الشيخ السلفي فشل في الوفاء بوعده باتباع مذهب أهل البيت « عليهم السلام » في مسألة واحدة ، مع أنها بسملة القرآن ، التي أنكر قرآنيتها أئمة المذاهب جهاراً نهاراً ، وأسقطوها من الصلاة ومن القرآن !
إنه القرار القرشي الذي صدر بعد وفاة النبي « صلى الله عليه وآله » ، وقد ربَّتْ عليه الحكومات أئمة المذاهب ، فربوا عليه أتباعهم وجعلوا مخالفة نبيهم في أهل بيته « عليهم السلام » ديناً يدينون به ، فيا له من دين !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 217 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل السابع : الشعبية الواسعة لأهل البيت « عليهم السلام » وثورة زيد وابنه يحيى

1 - إفاقة الأمة على الظلم الأموي

1 - احتاج الأمر إلى قرن من الزمان حتى يكتشف عامة المسلمين أن بني أمية الذين يحكمونهم ويظلمونهم ، قد سرقوا السلطة ! وأنهم حقاً أسرة أبي سفيان قائد المشركين في حروبهم مع النبي « صلى الله عليه وآله » ، وأنهم قتلوا أسرة النبي « صلى الله عليه وآله » ! لذلك ظهرت موجة تعاطف واسعة مع آل الرسول « صلى الله عليه وآله » ، وساعد عليها ما بلغ المسلمين من آيات القرآن وأحاديث النبي « صلى الله عليه وآله » في مكانة أهل البيت « عليهم السلام » في الإسلام ، وما جسده حكم علي « عليه السلام » ، وما أثاره استشهاد الحسين « عليه السلام » في وجدان الأمة ، ثم حفيده زيد « رحمه الله » ، وما بيَّنه الأئمة من عترة النبي « صلى الله عليه وآله » من جواهر علم الإسلام ، وما فجَّره الإمام الباقر والصادق « صلى الله عليه وآله » من علوم ! كما ساعد عليها تفاقم ظلم الأمويين وسوء سيرتهم ، حتى لم يبق لهم من الناس عاذر إلا قليل من بطانتهم !
2 - كانت القوى التي تصنع القرار في العالم الإسلامي يومها كالتالي : كان الثقل العلمي في المدينة ، وجود الأئمة من أهل البيت « عليهم السلام » ، ويليهم بقية الفقهاء الذين تتبناهم السلطة . ثم توزع هذا الثقل على بعض حواضر العالم الإسلامي كالكوفة والبصرة وبغداد .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 218 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأما الثقل السياسي فكان للشام والعراق وإيران ، ففيها تصنع أحداث العالم الإسلامي وتتخذ قراراته ، وتتبعها بقية المناطق .
أما الثقل العسكري فكان لليمانيين الذين قامت على أكتافهم أكثر الفتوحات وانتشروا في البلاد ، حامياتٍ وحكاماً ، ثم للقوة الشامية المقاتلة ، ثم القوة العراقية ثم دخلت القوة العسكرية الخراسانية . فهذه القوى التي كانت تصنع تاريخ الأمة .
3 - وصف مهندس الحركة العباسية والد السفاح والمنصور ، محمد بن علي بن عبد الله بن العباس ، حالة الأمة في عصره فقال : ( أما الكوفة وسوادها فهناك شيعة علي وولده . وأما البصرة وسوادها فعثمانية تدين بالكف وتقول : كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل . وأما الجزيرة فحرورية مارقة وأعراب كأعلاج ومسلمون في أخلاق النصارى . وأما أهل الشام فليس يعرفون إلا آل أبي سفيان وطاعة بني مروان ، وعداوةً لنا راسخة وجهلاً متراكباً . وأما أهل مكة والمدينة فقد غلب عليهم أبو بكر وعمر . ولكن عليكم بخراسان فإن هناك العدد الكثير والجلَد الظاهر ، وهناك صدور سالمة وقلوب فارغة لم تتقسمها الأهواء ، ولم تتوزعها النِّحَل ، ولم تشغلها ديانة ، ولم يقدح فيها فساد ، وليست لهم اليوم همم العرب ، ولا فيهم كتحارب الأتباع للسادات وكتحالف القبائل وعصبية العشائر ، وما يزالون يُدالون ويمتهنون ويظلمون ويكظمون ، ويتمنون الفرج ويأملون ، وهم جند لهم أبدان وأجسام ، ومناكب وكواهل وهامات ، ولحى وشوارب وأصوات هائلة ) . ( أخبار الدولة العباسية / 206 ، وشرح النهج : 15 / 293 ) .
4 - هذا الوصف للخراسانيين صحيح ، وهو يبين لماذا اختار العباسيون إيران لتكون بداية حركتهم وثقلها العسكري ، فهي شعب خام فكرياً بالنسبة إلى الدين وقد عاش ظلم الولاة الأمويين والحاميات العربية التي تتحكم فيه . ولهذا اتفق
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 219 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
العباسيون وأبو مسلم الخراساني على قتل كل العرب في إيران ! فكتب إبراهيم بن محمد العباسي في رسالته لأبي مسلم : ( فاقتل من شككت في أمره ، ومن كان في أمره شبهة ومن وقع في نفسك منه شئ ! وإن استطعت أن لا تدع بخراسان لساناً عربياً فافعل ، فأيما غلام بلغ خمسة أشبار تتهمه فاقتله ! ولا تخالف هذا الشيخ يعنى سليمان بن كثير ولا تعصه ، وإذا أشكل عليك أمر فاكتف به مني ) . ( الطبري : 6 / 14 ، والنهاية : 10 / 30 ) .
5 - سبب خصوبة الجو السياسي العام في إيران الذي استغله أبو مسلم ، هو شعور الإيرانيين غير المسلمين بأنهم فقدوا دولتهم وملكهم ، واستعمرهم الغزاة العرب ! وشعور المسلمين منهم بأنهم محكومون باسم الإسلام من قبل حكام ظلمة ، سرقوا الحكم أصلاً من آل الرسول « صلى الله عليه وآله » !
كان الجو العام في إيران والعراق والحجاز ضد النظام الأموي ، لكن فرق الإيرانيين عن غيرهم أنهم لاعبون جدد في الساحة السياسية المصيرية للأمة ، وأنهم قوة مقاتلة مطيعة لقادتها أكثر من غيرها ، بينما القوة الحجازية مجموعات صغيرة مختلفة ، والقوة العراقية متعددة بحسب القبائل والبلاد ، وهي لاعب قديم يحسب قادتها حساب الربح والخسارة الآنية في كل معركة .
وأما قوة أهل الشام فهي عمدة النظام الأموي وذراع الخليفة ، لكنها فقدت تماسكها التاريخي باختلاف الأمويين أنفسهم ، وصراعهم مع ولاة المناطق ، وتأثير موجة العداء للنظام الأموي والولاء لآل الرسول « صلى الله عليه وآله » .
6 - توجهت موجة عاطفة المسلمين في الحجاز والعراق وإيران وغيرها ، إلى آل النبي أو أهل بيت النبي « صلى الله عليه وآله » ، وهو عنوان عام يشمل عند عوام المسلمين والمناطق البعيدة كل بني هاشم ، فكلهم برأيهم أسرة النبي « صلى الله عليه وآله » وعشيرته وأهل بيته ، فلم يكن حاضراً في ذهنهم حديث الكساء الذي حدد فيه النبي « صلى الله عليه وآله » أهل بيته عند
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 220 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
نزول آية : إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ، وأنهم علي وفاطمة والحسنان ، وتسعة من ذرية الحسين « عليهم السلام » ، فقط .
لذلك كان الإجمال في أهل البيت عند عامة الناس فرصة لكل فرع من بني هاشم أن يتصدى للثورة وقيادة الناس ، فالعباسيون يقولون نحن آل الرسول « صلى الله عليه وآله » وأهل بيته وأبونا عم النبي « صلى الله عليه وآله » ، والحسنيون يقولون نحن آله وعترته وأمنا ابنته « صلى الله عليه وآله » ، والحسينيون يضيفون إلى ذلك النص عليهم بأن الأئمة الربانيين « عليهم السلام » منهم ، ويستشهدون بأمجاد جدهم الإمام الحسين « عليه السلام » ومأساته .
لهذا وجد كل فرع من بني هاشم تعاطفاً ونصرةً من الإيرانيين ، واستعمل بعضهم لتجاوز خلافات الهاشميين مصطلح : ( الدعوة إلى الرضا من آل محمد « صلى الله عليه وآله » ) وأوصوا أتباعهم أن يعملوا باسم نصرة آل الرسول « صلى الله عليه وآله » ولا يُسمُّوا أحداً للخلافة ، بل يقولوا إن الخليفة سيكون شخصاً مرضياً من آل محمد « صلى الله عليه وآله » يختارونه فيما بعد ، وكان بعضهم يقول إنه معين لكن لا يمكن إعلان اسمه لئلا يقتله بنو أمية !
7 - أول من تصدى للثورة من الهاشميين بعد الحسين « عليه السلام » زيد بن علي « رحمه الله » ، وهو حسيني ، وقد وجد أنصاراً في العراق لكنهم فشلوا في المعركة ، وشاء الله أن يصيبه سهم في جبهته فيُقتل وينفرط أنصاره ، وواصل ثورته ابنه يحي « رحمه الله » فقصد إيران ووجد أنصاراً ، لكن شاء الله أن يصيبه سهم في جبهته كأبيه !
8 - تصدى للثورة في الكوفة بعد يحيى بن زيد ، عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر ، حفيد جعفر الطيار « رحمه الله » وفشل ، لكنه وجد أنصاراً من الإيرانيين فحكم مناطق منها ، وقصده بعض بني هاشم ومنهم المنصور وأخوه السفاح ، فعينه جابياً لخراج بلدة إيذه في الأهواز ، حتى جاءه جيش الشام بقيادة ابن ضبارة ، فانهزم ابن جعفر وانتهت خلافته !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 221 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
9 - وتصدى الحسنيون وكانوا زعامة الحركة في المدينة ، وأخذوا البيعة من العباسيين وغيرهم كما يأتي ، ولكنهم ركزوا نشاطهم على البصرة ، ولم ينشطوا في إيران لكسب الأنصار كما نشط العباسيون أخيراً . وكانوا يهتمون بالنوعية دون الكمية ، والتف حولهم الزيديون . قال الذهبي في سيره : 8 / 346 : ( يعقوب الوزير الكبير الزاهد الخاشع . . بن داود بن طهمان الفارسي الكاتب . كان والده كاتباً للأمير نصر بن سيار متولي خراسان ، فلما خرج هناك يحيى بن زيد بن علي بن الحسين بعد مصرع أبيه زيد ، كان داود يناصح يحيى سراً ، ثم قتل يحيى وظهر أبو مسلم صاحب الدعوة وطلب بدم يحيى وتتبع قتلته ، فجاءه داود مطمئناً إليه ، فطالبه بمال ثم أمنه . وتخرج أولاده في الآداب وهلك أبوهم ثم أظهروا مقالة الزيدية وانضموا إلى آل حسن . . وجال يعقوب بن داود في البلاد ، ثم صار أخوه علي بن داود كاتباً لإبراهيم بن عبد الله الثائر بالبصرة ، فلما قتل إبراهيم اختفوا مدة ، ثم ظفر المنصور بهذين فسجنهما ، ثم استخلف المهدي فمنَّ عليهما ) .
وقال ابن خلدون : 3 / 211 : ( فكان ذلك سبباً لوصلته بالمهدي حتى استوزره ، فجمع الزيدية وولاهم شرقاً وغرباً ، وكثرت السعاية فيه من البطانة . . وتمكن أعداؤه من السعاية حتى سخطه ، وأمر به فحبس وحبس عماله وأصحابه ، ويقال بل دفع إليه علوياً ليقتله فأطلقه ) !
9 - لم يتصدَّ الأئمة المعصومون بعد الحسين « عليه السلام » للثورة ، مع أن الكوفة كانت قاعدة لهمم ، وكان لهم شيعة من الإيرانيين فيهم شخصيات ، فقد أسس سلمان الفارسي « رحمه الله » للتشيع بين الإيرانيين في المدينة ثم في المدائن ، والتفَّ عدد منهم حول أمير المؤمنين « عليه السلام » في الكوفة ، ومن النصوص الصحيحة عند الجميع أن الأشعث بن قيس دخل يوماً إلى مسجد الكوفة وكان علي « عليه السلام » يخطب ، فتخطى
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 222 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأشعث رقاب الناس نحو المنبر وقال : ( يا أمير المؤمنين غلبتنا عليك هذه الحمراء ! ( الإيرانيون ) فقال : من يعذرني من هؤلاء الضياطرة ( الفارغين ) ، يتخلف أحدهم يتقلب على حشاياه ، وهؤلاء يُهَجِّرون إلى ذكر الله ، إن طردتهم إني إذاً لمن الظالمين . أما والله لقد سمعته « صلى الله عليه وآله » يقول : ليضربنكم على الدين عوداً كما ضربتموهم عليه بدءاً ) . ( مسند أبي يعلى : 1 / 322 ، وكتاب الأم للشافعي : 7 / 176 ، وأمالي المحاملي / 200 ، والغارات للثقفي : 2 / 498 ، ونهج السعادة : 2 / 703 ، ولسان العرب : 4 / 549 ) . وكان للأئمة من أبناء علي « عليهم السلام » أصحاب في أكثر مدن إيران ، تلاميذ ورواة وعلماء ، ووكلاء معتمدون .
ومع ذلك لم يغيِّر الإمامان الباقر والصادق « صلى الله عليه وآله » أسلوب آبائهما « عليهم السلام » في العمل العلمي العقائدي ، ولم يعملا في طرح الشعارات وجمع الأنصار وأخذ البيعة والإعداد للثورة ، كما فعل يحيى بن زيد « رحمه الله » ودعاة بني الحسن وبني العباس .

2 - ثورة زيد بن علي « رحمه الله » فتحت باب الثورة من جديد

1 - أجمع علماؤنا على مدح زيد بن علي « رحمه الله » . قال المفيد « قدس سره » في الإرشاد : 2 / 171 : ( وكان زيد بن علي بن الحسين عيْن إخوته بعد أبي جعفر « عليه السلام » وأفضلهم ، وكان عابداً ورعاً فقيهاً سخياً شجاعاً ، وظهر بالسيف يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، ويطلب بثارات الحسين « عليه السلام » ) .
وكان زيد « رحمه الله » أصغر من أخيه الباقر « عليه السلام » بأربع وعشرين سنة ، وكان يحترم ابن أخيه الإمام الصادق « عليه السلام » ويستشيره مع أنه في سنه ، قال الصادق « عليه السلام » : ( رحم الله عمي زيداً إنه دعا إلى الرضا من آل محمد ، ولو ظفر لوفَى بما دعا إليه ، ولقد استشارني في خروجه فقلت له : يا عم إن رضيت أن تكون المقتول المصلوب بالكناسة فشأنك ! فلما ولَّى قال جعفر بن محمد : ويلٌ لمن سمع واعيته فلم يجبه ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 223 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
( العيون : 2 / 225 ) . واشتشهد زيد « رحمه الله » سنة 122 وعمره 42 سنة ( تاريخ دمشق : 19 / 476 ، ومقاتل الطالبيين / 88 ) .
2 - كان زيد « رحمه الله » شاباً إلى جنب أخيه الإمام الباقر « عليه السلام » معروفاً بصفاته المميزة ، وكان الإمام « عليه السلام » يصفه بلسانه المعبر عن أفكاره ، كما روى السيد المرتضى « رحمه الله » : ( وأما زيد فلساني الذي أنطق به ) . ( الناصريات / 64 ) . وتقدم أن زيداً أجاب هشاماً الأحول عندما قال له : ( ما يفعل أخوك البقرة يعني الباقر « عليه السلام » ؟ ! فقال زيد : لَشَدَّ ما خالفت رسول الله « صلى الله عليه وآله » ، سماه رسول الله الباقر وتسميه البقرة ! لتخالفنه في يوم القيامة فيدخل الجنة وتدخل النار ) ! وقد واكب زيد جهاد أخيه الباقر « عليه السلام » وهو يفجر جداول علم النبوة ، ويتحدى الخليفة والنظام الأموي ، ويجرِّئ المسلمين عليه !
كان زيد يشاهد الشعبية الواسعة لأهل البيت « عليهم السلام » في الحجاز والعراق وخراسان فأخذ يفكر في الثورة لإسقاط الحكم الأموي الفاسد وإقامة حكم صالح ، ثم كان يعلن ذلك ، حتى أن الخليفة هشام سأله عن تفكيره بالثورة فلم ينكره !
( فقال له هشام : يا زيد إن الله لا يجمع النبوة والملك لأحد ! فقال زيد : يا أمير المؤمنين ما هذا ؟ ! قال الله تبارك وتعالى : أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً ) . ( تاريخ دمشق : 19 / 468 ) .
وقد رووا كثيراً عن السبب المباشر لثورته « رحمه الله » ، وأقوى الروايات أن هشاماً عندما نَكَبَ واليه على العراق خالد القسري وحبسه وطالبه بملايين ، أراد أن يضرب معه زيداً وشخصيات من بني هاشم : ( بعث إلى مكة فأخذوا زيداً ، وداود بن علي بن عبد الله بن عباس ، ومحمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، لأنهم اتُّهموا أن لخالد القسري عندهم مالاً مودوعاً ) . ( عمدة الطالب / 256 ) فأحضروهم إلى الشام ، ووبخ الخليفة زيداً فأجابه زيد بقوة ، ثم أرسله إلى الكوفة ليواجه به خالد القسري ! قال اليعقوبي : 2 / 325 : ( وأقدم هشام زيد بن علي بن الحسين فقال له : إن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 224 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يوسف بن عمر الثقفي كتب يذكر أن خالد بن عبد الله القسري ذكر له أن عندك ستمائة ألف درهم وديعة ، فقال : ما لخالد عندي شئ ! قال : فلا بد من أن تشخص إلى يوسف بن عمر حتى يجمع بينك وبين خالد . قال : لا تُوجه بي إلى عبد ثقيف يتلاعب بي ! فقال : لا بد من إشخاصك إليه ، فكلمه زيد بكلام كثير . . . قال له هشام : لقد بلغني أنك تؤهل نفسك للخلافة وأنت ابن أمَة ! قال : ويلك مكان أمي يضعني ؟ والله لقد كان إسحاق ابن حُرة وإسماعيل ابن أمَة ، فاختص الله عز وجل ولد إسماعيل فجعل منهم العرب ، فما زال ذلك يُنمي حتى كان منهم رسول الله « صلى الله عليه وآله » . ثم قال : إتق الله يا هشام ! فقال : أو مثلك يأمرني بتقوى الله ؟ فقال : نعم ! إنه ليس أحد دون أن يأمر بها ، ولا أحد فوق أن يسمعها ! فأخرجه مع رسل من قبله . . . وكتب هشام إلى يوسف بن عمر : إذا قدم عليك زيد بن علي فاجمع بينه وبين خالد ولا يقيمن قِبَلَك ساعة واحدة ، فإني رأيته رجلاً حلو اللسان شديد البيان خليقاً بتمويه الكلام ، وأهل العراق أسرع شئ إلى مثله ! فلما قدم زيد الكوفة دخل إلى يوسف فقال : لم أشخصتني من عند أمير المؤمنين ؟ قال : ذكر خالد بن عبد الله أن له عندك ستمائة ألف درهم . قال : فأحضر خالداً ! فأحضره وعليه حديد ثقيل فقال له يوسف : هذا زيد بن علي فاذكر ما لك عنده ! فقال : والله الذي لا إله إلا هو ، ما لي عنده قليل ولا كثير ، ولا أردتم بإحضاره إلا ظلمه ! فأقبل يوسف على زيد وقال له : إن أمير المؤمنين أمرني أن أخرجك من الكوفة ساعة قدومك . قال : فأستريح ثلاثاً ثم أخرج . قال : ما إلى ذلك سبيل . قال : فيومي هذا ! قال : ولا ساعة واحدة ! فأخرجه مع رسل من قبله ، فتمثل عند خروجه :

منخرق الخفين يشكو الوجى * تنكبُه أطرافُ مروٍ حدادْ

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 225 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

شرده الخوف وأزرى به * كذلك من يكره حرَّ الجلاد
قد كان في الموت له راحةٌ * والموتُ حتمُ في رقاب العباد

فلما صار رسل يوسف بالعُذيْب انصرفوا ، وانكفأ زيد راجعاً إلى الكوفة ) .
قال في عمدة الطالب / 256 : ( فخرجت الشيعة خلف زيد بن علي إلى القادسية فردوه وبايعوه . . حتى أحصى ديوانه خمسة عشر ألف رجل من أهل الكوفة خاصة ، سوى أهل المداين والبصرة وواسط والموصل وخراسان والري وجرجان والجزيرة . وأقام بالعراق بضعة عشر شهراً ، كان منها شهرين بالبصرة والباقي بالكوفة ، وخرج سنة إحدى وعشرين ومائة ) .
3 - أفتى أبو حنيفة بوجوب الثورة مع زيد ، وكان متحمساً يجمع المساعدات لحركته ، وكذلك عامة فقهاء الكوفة ، قال في تفسير الكشاف : 1 / 309 ، والنصائح الكافية / 153 : ( وكان الإمام أبو حنيفة يفتي سراً بوجوب نصرة زيد بن علي بن الحسين وحمل المال إليه ، والخروج معه على اللص المتغلب المسمى بالخليفة ! يعني هشام بن عبد الملك . . وقالت له امرأة : أشرتَ على ابني بالخروج مع إبراهيم ومحمد ابني عبد الله بن الحسن حتى قتل ، فقال ليتني مكان ابنك . وكان يقول في المنصور وأشياعه : لو أرادوا بناء مسجد وأرادوني على عد آجرِّه ، لما فعلت ) .
بينما تحفظ الأعمش إمام الرواة عن نصرة زيد ، لعدم ثقته بمن بايع زيداً ! ( حدثني شريك قال إني لجالس عند الأعمش أنا وعمرو بن سعيد أخو سفيان بن سعيد الثوري ، إذ جاءنا عثمان بن عمير أبو اليقظان الفقيه ، فجلس إلى الأعمش فقال : أخلنا فإن لنا إليك حاجة . فقال : وما خطبكم ؟ هذا شريك وهذا عمرو بن سعيد ، أذكر حاجتك . فقال : أرسلني إليك زيد بن علي أدعوك إلى نصرته والجهاد معه ، وهو من عرفت . قال : أجل ، ما أعرفني بفضله . أقرياه مني السلام
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 226 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقولا له . يقول لك الأعمش لست أثق لك جعلت فداك بالناس ، ولو أنا وجدنا لك ثلاثمائة رجل أثق بهم لغيَّرنا لك جوانبها ) . ( مقاتل الطالبيين / 99 ) .
4 - لا يتسع المجال لتفصيل حركة زيد « رحمه الله » وأسباب فشلها عسكرياً ، لكن المؤكد أنها نجحت في هز النظام الأموي وإضعاف تماسكه ، كما قال الإمام الصادق « عليه السلام » : ( إن أتاكم آت منا فانظروا على أي شئ تخرجون ، ولا تقولوا خرج زيد ، فإن زيداً كان عالماً وكان صدوقاً ، ولم يدعكم إلى نفسه إنما دعاكم إلى الرضا من آل محمد « عليهم السلام » ، ولو ظهر لوفى بما دعاكم إليه ، إنما خرج إلى سلطان مجتمع لينقضه ، فالخارج منا اليوم إلى أي شئ يدعوكم ، إلى الرضا من آل محمد « صلى الله عليه وآله » فنحن نشهدكم إنا لسنا نرضى به ! وهو يعصينا اليوم وليس معه أحد وهو إذا كانت الرايات والألوية أجدر أن لا يسمع منا ) . ( الكافي : 8 / 264 ) .
قال في السيرة الحلبية : 2 / 207 : ( فحاربه يوسف بن عمر الثقفي أمير العراقين من قبل هشام بن عبد الملك ، فانهزم أصحاب زيد عنه بعد أن خذله وانصرف عنه أكثرهم . . . وعند مقاتلته أصابته جراحات وأصابه سهم في جبهته ، وحال الليل بين الفريقين فطلبوا حَجَّاماً من بعض القرى لينزع له النصل ، فاستخرجه فمات من ساعته فدفنوه من ساعته وأخفوا قبره ، وأجروا عليه الماء ، واستكتموا الحجام ذلك ، فلما أصبح الحجام مشى إلى يوسف بن عمر منتصحاً وأخبره ودله على موضع قبره ، فاستخرجه وبعث برأسه إلى هشام ، فكتب إليه هشام أن اصلبه عرياناً ، فصلبه كذلك . . وأقام مصلوباً أربع سنين وقيل خمس سنين فلم تُرَ عورته وقيل إن بطنه الشريف ارتخى على عورته فغطاها . . . وكان عند صلبه وجهوه إلى غير القبلة ، فدارت خشبته التي صلب عليه إلى أن صار وجهه إلى القبلة ) . انتهى .
أقول : ذكر المؤرخون والمحدثون ما ظهر من كرامة لزيد « رحمه الله » عندما صلب ، قال
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 227 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ابن عساكر : 19 / 479 : ( كان زيد بن علي حيث صلب ، يوجه وجهه ناحية الفرات فيصبح وقد دارت خشبته ناحية القبلة مراراً ! وعمدت العنكبوت حتى نسجت على عورته ) . وعمدة الطالب / 258 . ورغم هذه الكرامة أبقى هشام جثمان زيد « رحمه الله » مصلوباً أربع سنين وقيل خمسة !
وقال الصفدي في الوافي : 15 / 22 : ( وقال الموكَّل بخشبته : رأيت النبي ( ص ) في النوم وقد وقف على الخشبة وقال : هكذا تصنعون بولدي من بعدي ! يا بُنَيَّ يا زيد قتلوك قتلهم الله ، صلبوك صلبهم الله ! فخرج هذا في الناس ، فكتب يوسف بن عمر إلى هشام أنَّ عجل أهل العراق قد فتنتهم ، فكتب إليه : أحرقه بالنار ) .
وقد نص على أن مدة صلبه أربع سنوات أو خمسة : الذهبي في العبر : 1 / 154 ، والدميري / 860 ، والعصامي : 1 / 349 ، ومسند زيد / 11 . لكن ابن كثير الأموي جعل ذلك قولاً قيل ! قال في النهاية : 9 / 362 : ( ويقال إن زيداً مكث مصلوباً أربع سنين ) !
5 - روت المصادر حزن المسلمين على زيد « رحمه الله » ورثاءهم له بقصائد كثيرة ، وروت شماتة شاعر الخليفة الأموي حكيم بن عباس الكلبي ، واستجابة دعاء الإمام الصادق « عليه السلام » عليه : ففي دلائل الإمامة لمحمد بن جرير الطبري الشيعي / 253 : ( جاء رجل إلى أبي عبد الله « عليه السلام » فقال : يا ابن رسول الله إن حكيم بن عباس الكلبي ينشد الناس بالكوفة هجاءكم ! فقال : هل علقت منه بشئ ؟ قال : بلى فأنشده :

صلبنا لكم زيداً على جذع نخلة * ولم نر مهدياً على الجذع يصلبُ
وقستم بعثمانٍ علياً سفاهةً * وعثمان خير من علي وأطيب

فرفع أبو عبد الله « عليه السلام » يديه إلى السماء وهما ينتفضان رِعْدَةً فقال : اللهم إن كان كاذباً فسلط عليه كلباً من كلابك ! قال فخرج حكيم من الكوفة فأدلج ، فلقيه الأسد فأكله ! فجاءوا بالبشير لأبي عبد الله « عليه السلام » وهو في مسجد رسول الله « صلى الله عليه وآله »
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 228 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فأخبروه بذلك ، فخرَّ لله ساجداً ، وقال : الحمد لله الذي صدقنا وعده ) . والمناقب : 3 / 360 وتاريخ دمشق : 15 / 134 ، والبصائر لأبي حيان / 816 ، ومعجم الأدباء / 799 ، و نثر الدرر / 164 ، والصواعق : 2 / 588 ، والفصول المهمة : 2 / 920 ، وينابيع المودة : 3 / 114 ، وفي كشف الغمة : 2 / 421 ونوادر المعجزات / 142 ، وغيرها .
6 - يظهر من الخبر التالي أن الذين استشهدوا مع زيد « رحمه الله » كانوا 250 رجلاً ، فقد روى ابن عنبة في عمدة الطالب / 258 ، عن عبد الرحمن بن سيابة قال : ( أعطاني جعفر بن محمد الصادق « عليه السلام » ألف دينار ، وأمرني أن أفرقها في عيال من أصيب مع زيد ، فأصاب كل رجل أربعة دنانير ) . انتهى .
5 - ويظهر من الخبرين التاليين أن زيداً ويحيى ومن استشهد معهما وبكى لهما ، من أهل الجنة ، ففي ثواب الأعمال / 220 ، عن الإمام الصادق « عليه السلام » قال : ( إن آل أبي سفيان قتلوا الحسين بن علي « عليه السلام » فنزع الله ملكهم ، وقتل هشام زيد بن علي فنزع الله ملكه وقتل الوليد يحيى بن زيد فنزع الله ملكه ، على قتل ذرية رسول الله « صلى الله عليه وآله » ) .
وسأل الإمام الصادق « عليه السلام » أبا ولاد الكاهلي : ( أرأيت عمي زيداً ؟ قال : نعم رأيته مصلوباً ورأيت الناس بين شامت حنق ، وبين محزون محترق ! فقال « عليه السلام » : أما الباكي فمعه في الجنة ، وأما الشامت فشريك في دمه ) ! ( كشف الغمة : 2 / 422 ) .
7 - أحدثت شهادة زيد « رحمه الله » موجة غضب واسعة في الأمة ، فقد وصف ابن واضح اليعقوبي في تاريخه : 2 / 326 ، وهو مؤرخ دقيق ، حالة الأمة في العراق وإيران بعد شهادته فقال : ( ولما قتل زيد وكان من أمره ما كان ، تحركت الشيعة بخراسان وظهر أمرهم ، وكثر من يأتيهم ويميل معهم ، وجعلوا يذكرون للناس أفعال بني أمية وما نالوا من آل رسول الله « صلى الله عليه وآله » ، حتى لم يبق بلد إلا فشا فيه هذا الخبر ، وظهرت الدعاة ورئيت المنامات وتُدُورست كتب الملاحم ، وهرب يحيى بن زيد إلى خراسان ، فصار إلى بلخ فأقام بها متوارياً ، وكتب يوسف إلى هشام بحاله
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 229 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فكتب إلى نصر بن سيار بسببه ، فوجه نصر جيشاً إلى بلخ عليهم هدبة بن عامر السعدي فطلبوا يحيى حتى ظفروا به فأتوا به نصراً ، فحبسه في قهندز مرو ) .

3 - ثورة يحيى بن زيد « رحمه الله » في إيران

1 - في الأصول الستة عشر / 265 ، أن هشاماً الأحول أحضر الإمام الصادق « عليه السلام » إلى الشام ليسأله عن يحيى بن زيد قال « عليه السلام » : ( كنت في منزلي فما شعرت إلا بالخيل والشرطة قد أحاطوا بالدار ! قال فتسوروا عليَّ ، فتطاير أهلي ومن عندي قال : فأخذوا يتسخرون الناس ( يجبرونهم على العمل مجاناً ) قلت : لا تسخروهم واستأجروا عليَّ في مالي ، قال : فحملوني في محمل وأحاطوا بي ، فأتاني آت من أهلي ( في المنام أو المكاشفة ) فقال : إنه ليس عليك بأس ، إنما يسألك عن يحيى بن زيد ، قال : فلما أدخلوني عليه قال : لو شعرنا أنك بهذه المنزلة ما بعثنا إليك ! إنما أردنا أن نسألك عن يحيى بن زيد فقلت : مالي به عهد قد خرج من هاهنا . قال : ردوه ، فردوني ) .
2 - قصد يحيى إلى خراسان ، وأخذ يجمع أصحابه للثورة ، فاستطاع نصر بن سيار والي خراسان أن يلقي عليه القبض ويحبسه ، لكنه تخلص من الحبس .
قال اليعقوبي : 2 / 331 : ( وكتب ( نصر بن سيار ) إلى هشام بخبره فوافق ورود كتابه موت هشام فكتب إليه الوليد أن خل سبيله ، وقيل : بل احتال يحيى بن زيد حتى هرب من الحبس ، وصار إلى بيهق من أرض أبَرْشَهْر ، فاجتمع إليه قوم من الشيعة فقالوا : حتى متى ترضون بالذلة ؟ واجتمع معه نحو مائة وعشرين رجلاً ، فرجع حتى صار إلى نيسابور ، فخرج إليه عمرو بن زرارة القسري وهو عامل نيسابور فقاتل يحيى فظهر يحيى عليه فهزمه وأصحابه وأخذوا أسلحتهم ، ثم اتبعوهم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 230 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
حتى لحقوا عمرو بن زرارة فقتلوه . وسار يحيى يريد بلخ ، فوجه إليه نصر بن سيار سَلَمَ بن أحوز الهلالي ، فسار سلم حتى صار إلى سرخس وسار يحيى حتى صار إلى باذغيس ، وسبق إلى مرو الروذ ، فلما بلغ نصراً ذلك سار إليه في جموعه فلقيه بالجوزجان فحاربه محاربة شديدة ، فأتت نشابة فوقعت في يحيى وبادر القوم فاحتزوا رأسه ، وقاتل أصحابه بعده حتى قتلوا عن آخرهم ) !
3 - في مقاتل الطالبيين / 106 : ( لما أطلق يحيى بن زيد وفك حديده صار جماعة من مياسير الشيعة إلى الحداد الذي فك قيده من رجله فسألوه أن يبيعهم إياه ، وتنافسوا فيه وتزايدوا حتى بلغ عشرين ألف درهم ، فخاف أن يشيع خبره فيؤخذ منه المال فقال لهم : إجمعوا ثمنه بينكم ، فرضوا بذلك وأعطوه المال فقطعه قطعة قطعة وقسمه بينهم ، فاتخذوا منه فصوصاً للخواتيم يتبركون بها !
وعبأ يحيى أصحابه على ما كان عبأهم عند قتال عمرو بن زرارة ، فاقتتلوا ثلاثة أيام ولياليها أشد قتال حتى قتل أصحاب يحيى كلهم ، وأتت يحيى نشابة في جبهته ، رماه رجل من موالي عنزة يقال له عيسى ، فوجده سوْرة بن محمد قتيلاً فاحتز رأسه . . . وصُلب يحيى بن زيد على باب مدينة الجوزجان ) .
وفي تاريخ دمشق : 64 / 224 و 228 : أن يحيى كان مع أبيه زيد حين أقدمه هشام بن عبد الملك إلى الشام ، وأن مقتله في الجوزجان كان في سنة 125 ، وقيل سنة 126 : ( بعد حرب شديدة وزحوف ومواقف ، ثم أصاب يحيى سهم في صدغه فسقط إلى الأرض ، وانكبوا عليه فاحتزوا رأسه . . وصلبت جثته بجوزجان فلم يزل مصلوباً حتى ظهر أبو مسلم فأمر بجسده فأنزل . ووري بعد أن تولى هو الصلاة عليه ، وكتب أبو مسلم بإقامة النياحة ببلخ سبعة أيام بلياليها ، وبكى عليه الرجال والنساء والصبيان ، وأمر أهل مرو ففعلوا مثل ذلك ، وكثيرٌ من كور خراسان . وما ولد في
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 231 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
تلك السنة مولود بخراسان من العرب ومن له حال ونبأ ، إلا سمي يحيى ودعا أبو مسلم بديوان بني أمية فجعل يتصفح أسماء قتله يحيى بن زيد ومن سار في ذلك البعث لقتاله ، فمن كان حياً قتله ، ومن كان ميتاً خلفه في أهله وفي عشيرته بما يسوءه ) . ونحوه الذهبي في تاريخه : 8 / 299 ، ومقاتل الطالبيين / 108 .
4 - في أخبار الدولة العباسية / 288 ، أن نصر بن سيار عندما شعر بالهزيمة أمام موجة أبي مسلم الخراساني كان يرغب أن يستسلم له ، لكنه يعلم أنهم سيقتلونه بيحيى ! قال : ( والله ما زلنا نسمع بالرايات السود حتى رأيناها وابتلينا بها ، وبالله لو أني أعلم أني آمن فيهم لأسرعت إليهم وكنت رجلاً منهم ، ولكن كيف لي بذلك وأنا عندهم قاتل يحيى بن زيد ، وهم يبكون عليه ويندبونه صباحاً ومساء ) !
5 - صح عندنا أن يحيى بن زيد « رحمه الله » كان يعترف بإمامة ابن عمه الصادق « عليه السلام » وأنه أوصى بالقيادة السياسية إلى محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن الحسن . ففي سند الصحيفة السجادية عن : ( متوكل بن هارون قال : لقيت يحيى بن زيد بن علي « عليه السلام » وهو متوجه إلى خراسان بعد قتل أبيه فسلمت عليه فقال لي : من أين أقبلت ؟ قلت من الحج ، فسألني عن أهله وبني عمه بالمدينة وأحفى السؤال عن جعفر بن محمد « عليه السلام » فأخبرته بخبره وخبرهم وحزنهم على أبيه زيد بن علي ، فقال لي : قد كان عمي محمد بن علي أشار على أبي بترك الخروج وعرفه إن هو خرج وفارق المدينة ما يكون إليه مصير أمره ، فهل لقيت ابن عمي جعفر بن محمد ؟ قلت : نعم ، قال : فهل سمعته يذكر شيئاً من أمري ؟ قلت : نعم ، قال : بم ذكرني خبرني ! قلت : جعلت فداك ما أحب أن أستقبلك بما سمعته منه ! فقال : أبالموت تخوفني هات ما سمعته ! فقلت : سمعته يقول : إنك تقتل وتصلب كما
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 232 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قتل أبوك وصلب ، فتغير وجهه وقال : يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ، يا متوكل إن الله عز وجل أيد هذا الأمر بنا وجعل لنا العلم والسيف فجمعا لنا ، وخُصَّ بنو عمنا بالعلم وحده ! فقلت : جعلت فداك إني رأيت الناس إلى ابن عمك جعفر « عليه السلام » أميل منهم إليك وإلى أبيك ، فقال إن عمي محمد بن علي وابنه جعفراً دعوا الناس إلى الحياة ونحن دعوناهم إلى الموت ! فقلت : يا ابن رسول الله ، أهم أعلم أم أنتم ؟ فأطرق إلى الأرض ملياً ثم رفع رأسه وقال : كلنا له علم غير أنهم يعلمون كلما نعلم ، ولا نعلم كلما يعلمون ! ثم قال لي : أكتبت من ابن عمي شيئاً ؟ قلت : نعم ، قال : أرنيه فأخرجت إليه وجوهاً من العلم وأخرجت له دعاء أملاه على أبو عبد الله « عليه السلام » وحدثني أن أباه محمد بن علي « عليه السلام » أملاه عليه وأخبره أنه من دعاء أبيه علي بن الحسين « عليه السلام » من دعاء الصحيفة الكاملة ، فنظر فيه يحيى حتى أتى على آخره ، وقال لي : أتأذن في نسخه ؟ فقلت : يا ابن رسول الله أتستأذن فيما هو عنكم ؟ ! فقال : أمَا لأخرجن إليك صحيفة من الدعاء الكامل مما حفظه أبي عن أبيه وإن أبي أوصاني بصونها ومنعها غير أهلها . قال عمير : قال أبي : فقمت إليه فقبلت رأسه وقلت له : والله يا ابن رسول الله إني لأدين الله بحبكم وطاعتكم ، وإني لأرجو أن يسعدني في حياتي ومماتي بولايتكم ، فرمى صحيفتي التي دفعتها إليه إلى غلام كان معه وقال : أكتب هذا الدعاء بخط بيِّنٍ حسن واعرضه عليَّ لعلي أحفظه ، فإني كنت أطلبه من جعفر حفظه الله فيمنعنيه . قال متوكل : فندمت على ما فعلت ولم أدر ما أصنع ، ولم يكن أبو عبد الله تقدم إليَّ ألا أدفعه إلى أحد ! ثم دعا بعيبة فاستخرج منها صحيفة مقفلة مختومة فنظر إلى الخاتم وقبله وبكى ، ثم فضه وفتح القفل ثم نشر الصحيفة ووضعها على عينه وأمرها على وجهه وقال : والله يا متوكل لولا ما ذكرت من قول ابن عمي أنني
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 233 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أقتل وأصلب لما دفعتها إليك ، ولكنت بها ضنيناً ، ولكني أعلم أن قوله حق أخذه عن آبائه وأنه سيصح ، فخفت أن يقع مثل هذا العلم إلى بني أمية فيكتموه ويدخروه في خزائنهم لأنفسهم ، فاقبضها واكفنيها وتربص بها ، فإذا قضى الله من أمري وأمر هؤلاء القوم ما هو قاض فهي أمانة لي عندك حتى توصلها إلى ابنيْ عمي محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي « عليه السلام » فإنهما القائمان في هذا الأمر بعدي . قال المتوكل : فقبضت الصحيفة فلما قتل يحيى بن زيد صرت إلى المدينة فلقيت أبا عبد الله « عليه السلام » فحدثته الحديث عن يحيى فبكى واشتد وجْده به وقال : رحم الله ابن عمي وألحقه بآبائه وأجداده ، والله يا متوكل ما منعني من دفع الدعاء إليه إلا الذي خافه على صحيفة أبيه ، وأين الصحيفة ؟ فقلت : ها هي ففتحها وقال : هذا والله خط عمي زيد ودعاء جدي علي بن الحسين « صلى الله عليه وآله » ثم قال لابنه : قم يا إسماعيل فأتني بالدعاء الذي أمرتك بحفظه وصونه فقام إسماعيل فأخرج صحيفة كأنها الصحيفة التي دفعها إليَّ يحيى بن زيد ، فقبلها أبو عبد الله ووضعها على عينه وقال : هذا خط أبي وإملاء جدي « صلى الله عليه وآله » بمشهد مني ، فقلت يا ابن رسول الله : إن رأيت أن أعرضها مع صحيفة زيد ويحيى ؟ فأذن لي في ذلك وقال : قد رأيتك لذلك أهلاً ، فنظرت وإذا هما أمر واحد و لم أجد حرفاً منها يخالف ما في الصحيفة الأخرى ، ثم استأذنت أبا عبد الله « عليه السلام » في دفع الصحيفة إلى ابني عبد الله ابن الحسن ، فقال : إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ، نعم فادفعها إليهما ، فلما نهضت للقائهما قال لي : مكانك ، ثم وجه إلى محمد وإبراهيم فجاءا فقال : هذا ميراث ابن عمكما يحيى من أبيه قد خصكما به دون إخوته ، ونحن مشترطون عليكما فيه شرطاً ، فقالا : رحمك الله قل فقولك المقبول ، فقال : لا تخرجا بهذه الصحيفة من المدينة ، قالا : ولم ذاك ؟ قال إن ابن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 234 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عمكما خاف عليها أمراً أخافه أنا عليكما . قالا : إنما خاف عليها حين علم أنه يقتل فقال أبو عبد الله « عليه السلام » وأنتما فلا تأمنا فوالله إني لأعلم أنكما ستخرجان كما خرج وستقتلان كما قتل ! فقاما وهما يقولان : لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ! فلما خرجا قال لي أبو عبد الله : يا متوكل كيف قال لك يحيى : ابن عمي محمد ابن على وابنه جعفرا دعوا الناس إلى الحياة ودعوناهم إلى الموت ؟ قلت : نعم أصلحك الله قد قال لي ابن عمك يحيى ذلك . فقال : يرحم الله يحيى ، إن أبي حدثني عن أبيه عن جده عن علي « عليه السلام » أن رسول الله « صلى الله عليه وآله » أخذته نعسة وهو على منبره فرأى في منامه رجالاً يَنْزُون على منبره نَزْوَ القردة ، يردون الناس على أعقابهم القهقرى ، فاستوى رسول الله « صلى الله عليه وآله » جالساً والحزن يعرف في وجهه ، فأتاه جبريل « عليه السلام » بهذه الآية : وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلا طُغْيَاناً كَبِيراً ، يعني بني أمية ! قال : يا جبريل على عهدي يكونون وفي زمني ؟ قال : لا ولكن تدور رحى الإسلام من مهاجرك فتلبث بذلك عشراً ، ثم تدور رحى الإسلام على رأس خمسة وثلاثين من مهاجرك فتلبث بذلك خمساً ، ثم لا بد من رحى ضلالة هي قائمة على قطبها ، ثم ملك الفراعنة . قال : وأنزل الله تعالى في ذلك : إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ . وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْر . لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ يملكها بنو أمية ليس فيها ليلة القدر . قال : فأطلع الله عز وجل نبيه « عليه السلام » على أن بني أمية تملك سلطان هذه الأمة وملكها طول هذه المدة ، فلو طاولتهم الجبال لطالوا عليها حتى يأذن الله تعالى بزوال ملكهم ، وهم في ذلك يستشعرون عداوتنا أهل البيت وبغضنا ، أخبر الله نبيه بما يلقى أهل بيت محمد وأهل مودتهم وشيعتهم منهم في أيامهم وملكهم ، قال : وأنزل الله تعالى فيهم : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 235 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
نِعْمَتَ اللهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ . جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ . ونعمة الله محمد « صلى الله عليه وآله » وأهل بيته « عليهم السلام » ، حبهم إيمان يدخل الجنة ، وبغضهم كفر ونفاق يدخل النار ، فأسرَّ رسول الله « صلى الله عليه وآله » ذلك إلى علي وأهل بيته قال : ثم قال أبو عبد الله « عليه السلام » : ما خرج ولا يخرج منا أهل البيت إلى قيام قائمنا أحد ليدفع ظلماً أو ينعش حقاً إلا اصطلمته البلية ، وكان قيامه زيادة في مكروهنا وشيعتنا ! قال المتوكل بن هارون : ثم أملى على أبو عبد الله « عليه السلام » الأدعية وهي خمسة وسبعون باباً . . . ) . ونحوه كفاية الأثر : 307 .
6 - وروينا بسند صحيح أن يحيى وأباه كانا يعترفان بإمامة الأئمة الاثني عشر « عليهم السلام » ويرويان حديثهم عن النبي « صلى الله عليه وآله » . ففي كفاية الأثر في النص على الأئمة الاثني عشر « عليهم السلام » / 304 : ( عن يحيى بن زيد قال : سألت أبي عن الأئمة فقال : الأئمة إثنا عشر ، أربعة من الماضين وثمانية من الباقين . قلت : فسمهم يا أبه . فقال : أما الماضين فعلي بن أبي طالب والحسن والحسين وعلي بن الحسين ، ومن الباقين أخي الباقر وجعفر الصادق ابنه وبعده موسى ابنه وبعده علي ابنه وبعده محمد ابنه وبعده علي ابنه وبعده الحسن ابنه وبعده المهدي . فقلت : يا أبه ألست منهم ؟ قال : لا ولكني من العترة . قلت : فمن أين عرفت أساميهم ؟ قال : عهد معهود عهده إلينا رسول الله « صلى الله عليه وآله » ) .
ويؤيد ذلك ترحم الأئمة « عليهم السلام » على زيد ويحيى ومدحهم لهما رحمهما الله ، ولا بد أن نفسر ما روي لهما من مناقشات أو انتقاد لبعض مواقف الأئمة « عليهم السلام » بأنها جزئية مغفورة أو ناتجة عن شبهة ، أو شكلية لإبعاد أذى السلطة عنهم « عليهم السلام » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 236 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

4 - ثورة عبد الله بن معاوية بن عبد الله جعفر

1 - كان عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر الطيار « رحمه الله » شاباً طموحاً ، وكان شاعراً ، وله أبيات مميزة ، كقوله :

إنا وإن أحسابنا كرمت * يوماً على الأحساب نتكلُ
نبني كما كانت أوائلنا * تبنى ونفعل مثل ما فعلوا

( تاريخ دمشق : 33 / 219 ) .
وله :

فلست براءٍ عيب ذي الضغن كله * ولا سائلاً عنه إذا كنت اضيا
فعينُ الرضا عن كل عيب كليلةٌ * ولكن عين السُّخط تُبدي المساويا

( شرح النهج : 18 / 206 ) .
وذكر في تاريخ دمشق : 33 / 212 ، أنه كان صديق الوليد بن يزيد ونديمه ، يؤانسه ويلعب معه الشطرنج ! وفي شرح ديوان الحماسة : 2 / 39 : ( وكان يرمى بالزندقة ، ويستولي عليه من عرف واشتهر أمره فيها . . . وكان عبد الله هذا أقسى خلق الله قلباً ! يغضب على الرجل فيأمر أن يضرب بالسياط وهو يتحدث ، ويتغافل عنه حتى يموت تحت السياط ) ! ونحوه مقاتل الطالبيين / 110 .
وذكر فقهاؤنا أنه كذب على الإمام الصادق « عليه السلام » ، فوضع جدولاً في علامات ثبوت الهلال ونسبه إليه ! ( غنية النزوع / 131 ، ومستند الشيعة : 10 / 405 ، وإقبال الأعمال : 1 / 61 ) .
واتهموه بأنه أسس فرقة الجناحية الضالة ، ففي المواقف للإيجي : 3 / 672 : ( قال عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر ذي الجناحين : الأرواح تتناسخ ، وكان روح الله في آدم ، ثم في شيت ثم الأنبياء والأئمة ، حتى انتهت إلى علي وأولاده الثلاثة ، ثم إلى عبد الله هذا ) !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 237 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي أنساب السمعاني : 2 / 249 : ( الحلولية وهم أصناف . . . فمنهم من زعم أنها انتهت إلى بيان بن سمعان وادعي له بذلك الإلهية . ومنهم من زعم أن تلك الروح انتهت إلى عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر ذي الجناحين ، وعبدَه أتباعه وزعموا أنه إلهٌ وكفروا بالجنة والنار والقيامة واستحلوا جميع المحرمات من الميتة والخمر وذوات المحارم . . . وهكذا قول المنصورية في أبي منصور العجلي ) . راجع المجدي في أنساب الطالبين / 297 ، والفائق للشبستري : 2 / 310 . وقد يكون الأمويون وأتباعهم كذبوا عليه ، لكن المؤكد أنه كان له بطانة سوء في سلوكهم وعقائدئهم .
2 - في أنساب الأشراف / 60 : ( فلما ولي يزيد بن الوليد بن عبد الملك ، وهو يزيد الناقص الخلافة ، وولي عبد الله بن عمر بن عبد العزيز بن مروان العراق ، خرج عبد الله بن معاوية عليه بالكوفة ) . وقال القاضي النعمان في شرح الأخبار : 3 / 321 : ( وقام عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب وادعى الإمامة ، وهو الذي قيل إن أبا هاشم أوصى إليه . . وذلك في سنة سبع وعشرين ومائة ) .
أقول : تدل أخباره على أنه لم يكن فيه صفات القيادة ، وأن الزيدية دفعوه إلى الخروج دفعاً مستغلين اختلاف بني أمية وغيبة والي الكوفة ، لكنه هرب في أول المعركة ودخل قصر الكوفة الذي كان خالياً ! قال الذهبي في تاريخه : 8 / 17 : ( فلما مات يزيد الناقص هاجت شيعة الكوفة وجيشوا ، وغلبوا على القصر وبايعوا عبد الله هذا ، فحشد معه خلائق فالتقاهم عسكر الكوفة وتمت لهم وقعة انهزم فيها عبد الله بن معاوية ، فدخل القصر وقتل خلق من شيعته ، ثم إنه أخرج من القصر وأمنوه وأخرجوه من الكوفة ) . وفي تاريخ دمشق : 33 / 215 : ( فأقام أياماً تبايعه الناس ، وأتته بيعته من المدائن ومن كل وجه ، وخرج يوم الأربعاء يريد ابن عمر . . . وانهزم فدخل القصر ! وثبتت الزيدية فقاتلوا قتالاً شديداً ، ولزموا أفواه السكك
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 238 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
حتى أخذوا لعبد الله بن معاوية وأخويه أن يأخذوا حيث شاءوا من البلاد ) .
وفي تاريخ الطبري : 5 / 604 : ( ثم إن ربيعة أخذت لأنفسها وللزيدية ولعبد الله بن معاوية أماناً لا يمنعونهم ويذهبوا حيث شاءوا ) .
وفي تاريخ خليفة / 298 : ( فرحَّله ومن معه من شيعته ومن تبعه من أهل المدائن وأهل السواد وأهل الكوفة ، فسارت بهم رسل عمر حتى أخرجوهم ) .
3 - في شرح الأخبار : 3 / 321 : ( وقال له رجال من أهل الكوفة : قد فني رجالنا بسببكم وقتل أكثرنا معكم ، فأخرج إلى فارس فإنهم أهل مودة ! فخرج إليها فنزل إصبهان ودعا إلى نفسه ، فأجابه ناس كثير من العرب والعجم ، فاستولى على أرض فارس كلها وإصبهان وما والاها من البلاد ، واستعمل أخاه الحسن بن معاوية على إصطخر ، ويزيد بن معاوية على شيراز ، وعلي بن معاوية على كرمان ، وصالح بن معاوية على قم . وجاءه بنو هاشم فمن أراد منهم عملاً فاستعمله ، ومن أراد صلة وصله . وقدم إليه معهم أبو العباس ( السفاح ) وأبو جعفر ابنا محمد بن علي بن عبد الله بن العباس فولاهما بعض الكور ) . ( وضرب الدراهم وكتب عليها : قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى . ثم غلب على إصبهان وعامة فارس والأهواز ) . ( أنساب الأشراف / 60 ) .
4 - كانت ثورة عبد الله بن معاوية في السنتين اللتين اضطربت فيهما الخلافة الأموية بسبب اختلافهم ، من سنة 125 - 127 ، وتولى فيهما ثلاثة خلفاء : الوليد بن يزيد بن عبد الملك ، ويزيد بن الوليد ، وإبراهيم بن الوليد . فلما تولى آخرهم مروان بن محمد الملقب بالحمار واستتب له الأمر ، أرسل جيشاً من الشام بقيادة عامر بن ضبارة لمساندة عامله على العراق محمد بن هبيرة ، وعامله على إيرن نصر بن سيار ، ومحاربة عبد الله بن معاوية ، وإعادة إيران إلى طاعة الخليفة .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 239 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال في تاريخ دمشق : 25 / 430 ، عن جيش ابن ضبارة : ( فلقيه بإصطخر ومعه أخواه الحسن ويزيد ابنا معاوية ، فهزمه ابن ضبارة حتى أتى خراسان ، وقد ظهر أبو مسلم في شهر رمضان سنة تسع وعشرين ومائة فحبس الهاشمي وأخويه ) .
وفي مقاتل الطالبيين / 115 : ( فوجه إليه عامر بن ضبارة في عسكر كثيف فسار إليه ، حتى إذا قرب من أصبهان ندب ابن معاوية أصحابه إلى الخروج إليه وقتاله فلم يفعلوا ولا أجابوه ! فخرج على دهش هو وإخوته قاصدين لخراسان ، وقد ظهر أبو مسلم بها ونفى عنها نصر بن سيار ، فلما صار في طريقه نزل على رجل من الثناء ذي مروءة ونعمة ، وجاءه فسأله معونته فقال : أنت من ولد رسول الله ؟ قال : لا . قال : أفأنت إبراهيم الإمام الذي يدعى له بخراسان ؟ قال : لا . قال : فلا حاجة لي في نصرتك ! فخرج إلى أبي مسلم وطمع في نصرته ، فأخذه أبو مسلم فحبسه عنده ، واختلف في أمره بعد محبسه . فقال بعض أهل السير : إنه لم يزل محبوساً حتى كتب إلى أبي مسلم رسالته المشهورة التي أولها : من الأسير في يديه المحبوس بلا جرم لديه . . . وهي طويلة لا معنى لذكرها هاهنا . فلما كتب إليه بذلك أمر بقتله . وقال آخرون : بل دس إليه سماً فمات منه ، ووجه برأسه إلى ابن ضبارة فحمله إلى مروان . وقال آخرون : سلمه حياً إلى ابن ضبارة فقتله ، وحمل رأسه مروان ) .
وفي تاريخ دمشق : 33 / 219 : ( فحبس عبد الله بن معاوية وأخويه ثم قتله ، وخلى عن أخويه في سنة ثلاثين ومائة ) . وفي شرح الأخبار : 3 / 321 : ( فأمره بقتل عبد الله فقتله ، وأمره بأن يرفع إليه يزيد والحسن بن معاوية أخوي عبد الله فرفعهما إليه فحبسهما أبو مسلم مدة ثم خلى سبيلهما . وأما علي بن معاوية فقتله ابن ضبارة ) .
5 - ذكر البلاذري في أنساب الأشراف / 60 ، أن أبا جعفر المنصور قصد عبد الله
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 240 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بن جعفر مع من صار إليه من بني هاشم فولاه إيذرج من الأهواز فجبى خراجها . ولما ضعف أمر عبد الله بن معاوية أمام جيش ابن ضبارة ، هرب المنصور يريد البصرة ، فقبض عليه سليمان بن حبيب بن المهلب والي الأهواز وأغرمه المال ، وضربه وحبسه وأراد قتله ، فمنعه من ذلك سفيان بن معاوية بن يزيد بن المهلب ) . وفي شرح الأخبار : 3 / 321 : ( فهزمهم ابن ضبارة وأسر منهم أربعين رجلاً ، وكان فيمن أسر منهم عبد الله العباس ( السفاح ) ، فقال له ابن ضبارة : ما جاءك بك إلى ابن معاوية ، فقد عرفت خلافه على أمير المؤمنين يعني مروان بن محمد ؟ فقال : كان عليَّ دينٌ فأتيته لأصيب منه فضلاً . فقام إليه ابن قطن فقال : ابن أختنا فوهبه له وخلى سبيله وكان أسر معهم ، وبعث به وبهم إلى ابن هبيرة ، وحمله ابن هبيرة إلى مروان بن محمد ) .
ملاحظات
1 - لماذا قتل أبو مسلم عبد الله بن معاوية وهو هاشمي ثائر على بني أمية ؟
الجواب : أن أبا مسلم كان يعمل بأمر بكير بن مهران ويدعو للرضا من آل محمد بدون تسمية ! وفي السنة الأخيرة أعلن أن الرضا من آل محمد « صلى الله عليه وآله » الذي يدعو لبيعته هو إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن عباس ، الملقب بالإمام ، والذي سجنه مروان الحمار بسبب ذلك وقتله . لذا كان عبد الله بن معاوية يشكل خطراً على خلافة ابن العباس ! خاصة أنه كان يدعي أن أبا هاشم بن محمد بن الحنفية أوصى إليه . ( شرح الأخبار : 3 / 316 ) . ومن البعيد أن يكون أبو مسلم قتله من نفسه ، بدون أمر قائده بكير . أما لماذا أرسل رأسه إلى ابن ضبارة ، فأرسله إلى مروان ؟ فلو صح ذلك فلا بد أن تكون صفقة بين أبي مسلم وابن ضبارة ، قبل أن تشتد الحرب بينهما وينتصر قحطبة قائد أبي مسلم على ابن ضبارة ويقتله .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 241 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
2 - أكدت مصادر عديدة أن والي الأهواز سليمان بن حبيب بن المهلب خوَّن المنصور بسرقة مال الخراج وضربه وأراد قتله ، ولذلك عندما صار المنصور خليفة قتله مع أن أخاه السفاح كان عفا عنه وولاه على الأهواز ! ( سير الذهبي : 7 / 23 ، و / 83 ، وتاريخه : 9 / 466 ، والوافي : 9 / 121 ، وشرح النهج : 15 / 238 ، والنزاع والتخاصم للمقريزي / 39 ) .
وقال الذهبي في سيره : 7 / 83 ، بعد أن مدح المنصور : ( وقد ولي بليدة من فارس لعاملها سليمان بن حبيب بن المهلب بن أبي صفرة ، ثم عزله وضربه وصادره ، فلما استخلف قتله . وكان يلقب أبا الدوانيق ، لتدنيقه ومحاسبته الصناع ) .
وقال في تاريخه : 9 / 466 : ( ولي بعض كور فارس في شبيبته لعاملها سليمان بن حبيب بن المهلب الأزدي ، ثم عزله وضربه ضرباً مبرحاً ، لكونه احتجز المال لنفسه ، ثم أغرمه المال ، فلما ولي المنصور الخلافة ضرب عنقه ) . ونحوه النهاية : 10 / 37 .
أقول : يتضح بذلك أن الرواة خلطوا بين تأديب ابن المهلب للمنصور ، وبين قبض ابن ضبارة عليه ، ويظهر أن المنصور كان في شبابه المبكر عاملاً لابن المهلب على بليدة في الأهواز كما ذكر الذهبي ، ويومها كسر الخراج فصادره ابن المهلب وأدبه وسجنه حتى هرب من سجنه . وتعرف في السجن على نوبخت المنجم جد آل نوبخت البغداديين . ( تاريخ بغداد : 10 / 53 ) .
وبعد سنين طويلة رجع المنصور مع أخيه الصغير السفاح إلى الأهواز وعمل عند ابن جعفر الطيار الخليفة سنة 127 ، حتى انهزم عبد الله ففر السفاح ووقع المنصور في أسر جيش الشام بقيادة ابن ضبارة ، فأرسله إلى والي العراق ابن هبيرة فأرسله إلى مروان ، فتقرب إليه المنصور بذم ابن عمه الهاشمي الذي بايعه بالأمس إماماً وخليفة ! فأطلقه ، وهذا يعني أن أخاه إبراهيم لم يكن مطروحاً للخلافة يومذاك ولم يكن في حبس مروان ، وإلا لحبسه معه !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 242 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ويؤكد ذلك أن المنصور لم يذهب إلى أبي مسلم الذي زعموا أنه كان يعمل لخلافة أخيه إبراهيم ، وذلك لأن أبا مسلم لم يدخل في عمله أحداً من العباسيين ولا الحسنيين ولا الحسينيين ، وأنه لم يعلن خلافة إبراهيم أخ المنصور إلا في سنة إحدى وثلاثين ، بل كان ذلك مجرد تسمية قابلة للمناورة والتغيير قبل البيعة ، وستعرف أن أبا سلمة عندما دخل جيش أبي مسلم إلى الكوفة راسل الإمام الصادق « عليه السلام » وعبد الله بن الحسن يعرض عليهما أن يأخذ لهما البيعة ! واعتبر أن إعلان خلافة إبراهيم العباسي قد انتهى بموته ، ولا يعني جعلهم الخلافة في بني العباس ! بل تدل رواية ابن خلدون : 3 / 187 ، على أن بيعة بني العباس لمهدي الحسنيين كانت عندما اضطرب أمر مروان بن محمد ! قال : ( حين اضطرب أمر مروان بن محمد اجتمعوا إليه ( عبد الله بن الحسن ) وتشاوروا فيمن يعقدون له الخلافة ، فاتفقوا على محمد بن عبد الله بن الحسن المثنى بن علي ، وكان يقال إن المنصور ممن بايعه تلك الليلة ) !
3 - يتضح أن عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر لم يكن متديناً ولا شيعياً ! فلم أجد من وثقه من علماء الشيعة والسنة . وقد كان نديماً لأمير أموي متهتك هو الوليد بن يزيد ! ولم يكن فيه من صفات القيادة إلا أنه فصيح يقدم نفسه على أنه بطل ، مع أنه خوَّار ! وخروجه يدل على قوة الزيديين في الكوفة وأنهم دفعوه إلى الثورة ، وعلى قوة تيار محبة أهل البيت « عليهم السلام » وأنه كان يغري الطامحين من بني هاشم !
4 - بقي أن نذكر أنه سليمان بن حبيب بن المهلب « رحمه الله » الذي حبس المنصور لسرقته مال الخراج كان شيعياً متديناً « رحمه الله » ، وكان والي الأهواز لابن هبيرة والي العراق . وهو الذي أرسل إلى الخليل يدعوه إلى الأهواز . ( أعيان الشيعة : 6 / 340 ، و : 7 / 295 ) .
5 - ذكر الحافظ أبو نعيم الأصفهاني أن والده مهران كان مولى لعبد الله بن جعفر ، أي أنه أسلم على يده ( كتاب الضعفاء وغيره ) . ولعل مهراناً هذا كان نديم عبد الله ، كما كان هو نديم الأمير الأموي يزيد الفاسق !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 243 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الثامن : الحسنيون والحسينيون في موجة تأييد الأمة لأهل البيت « عليهم السلام »

1 - مناقبية الأخوَّة عند الإمامين الحسن والحسين « صلى الله عليه وآله »

يضرب المثل للأخوين المتصافيين فيقال : أخوان كالحسن والحسين ، لأن سلوكهما « صلى الله عليه وآله » كان نبوياً في المودة والاحترام ، وإيثار أحدهما لأخيه « صلى الله عليه وآله » .
وتجلى ذلك في حرص الحسن على أن يُغَيِّبَ الحسين « صلى الله عليه وآله » عن تنازله لمعاوية ، فلا تجد له ذكراً في مفاوضات الصلح ولا في دخول معاوية إلى الكوفة !
كما تجلى عندما كان الحسن « عليه السلام » يكابد السم الذي دسه له معاوية ذات مرة ، فجاءه الحسين « عليه السلام » : ( فلما نظر إليه بكى ، فقال له : ما يبكيك يا أبا عبد الله ؟ قال : أبكى لما يُصنع بك ! فقال له الحسن « عليه السلام » : إن الذي يؤتى إليَّ سُمٌّ يُدَسُّ إليَّ فأقتل به ، ولكن لا يومَ كيومك يا أبا عبد الله ، يزدلف إليك ثلاثون ألف رجل يدَّعون أنهم من أمة جدنا محمد « صلى الله عليه وآله » وينتحلون دين الإسلام ، فيجتمعون على قتلك وسفك دمك وانتهاك حرمتك ، وسبي ذراريك ونسائك وانتهاب ثقلك ، فعندها تحل ببني أمية اللعنة وتمطر السماء رماداً ودماً ، ويبكي عليك كل شئ حتى الوحوش في الفلوات والحيتان في البحار ) ! ( أمالي الصدوق / 177 ) .
وأوصى الإمام الحسن « عليه السلام » أولاده أن يكونوا مع عمهم الحسين « عليه السلام » في كربلائه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 244 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الموعودة ، فاستشهد بين يديه ثلاثة منهم : القاسم وعبد الله وعمرو .
وكان أولاد الإمام الحسن « عليه السلام » بضعة عشر بنتاً وابناً ، وغالب ذريته من ابنيه زيد بن الحسن ، والحسن بن الحسن الذي يسمى الحسن المثنى . ( الذريعة : 2 / 372 ) .

2 - زيد بن الإمام الحسن « عليه السلام » وذريته

مدحه علماؤنا مدحاً عاماً فقال المفيد « رحمه الله » في الإرشاد : 2 / 21 : ( كان جليل القدر كريم الطبع ظَلِف النفس ( متورع ومتقشف ) كثير البر ، ومدحه الشعراء وقصده الناس من الآفاق لطلب فضله . . كان يلي صدقات رسول الله « صلى الله عليه وآله » . . كان مسالماً لبني أمية ومتقلداً من قبلهم الأعمال ، وكان رأيه التقية لأعدائه والتألف لهم والمداراة . . ومات زيد وله تسعون سنة ، فرثاه جماعة من الشعراء وذكروا مآثره ) . ثم ذكر أن سليمان بن عبد الملك عزله عن صدقات النبي « صلى الله عليه وآله » ، ثم أعادها إليه ابن عبد العزيز .
وقال في عمدة الطالب / 69 : ( تخلف عن عمه الحسين « عليه السلام » فلم يخرج معه إلى العراق . وبايع بعد قتل عمه الحسين « عليه السلام » عبد الله بن الزبير ، لأن أخته لأمه وأبيه كانت تحت عبد الله بن الزبير . . فلما قتل عبد الله أخذ زيد بيد أخته ورجع إلى المدينة . . عاش مائة سنة ، وقيل خمساً وتسعين ، وقيل تسعين ) .
وبعد زيد بن الحسن ، ولَّى الوليد بن عبد الملك ابنه الحسن بن زيد صدقات النبي « صلى الله عليه وآله » فنازعه فيها أبو هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية ، فشكى ابن زيد إلى الوليد بن عبد الملك فحبس أبا هاشم وطال حبسه ، فتوسط له الإمام زين العابدين « عليه السلام » وطلب أن يطلقه لأنه مكذوب عليه . ( الوافي للصفدي : 15 / 19 ) .
واشتهر زيد بن الحسن بن زيد بن الحسن « عليه السلام » : ( كان أمير المدينة من قبل المنصور الدوانيقي ، وعمل له على غير المدينة أيضاً ، وكان مظاهراً لبني العباس
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 245 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
على بني عمه الحسن المثنى ، وهو أول من لبس السواد من العلويين ، وبلغ من السن ثمانين سنة ) . ( عمدة الطالب / 69 ) . وفي ميزان الإعتدال : 1 / 492 : ( وليَ المدينة للمنصور خمس سنين ، ثم عزله وصادره ثم سجنه ، فلما ولي المهدي أطلقه وأكرمه وأدناه . وكان شيخ بني هاشم في زمانه . . وهذا هو والد الست نفيسة ) .
أقول : اشتهرت بنته نفيسة أكثر منه ، ففي الأعلام : 8 / 44 : ( نفيسة بنت الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب : صاحبة المشهد المعروف بمصر . تقية صالحة عالمة بالتفسير والحديث . ولدت بمكة ونشأت في المدينة ، وتزوجت إسحاق المؤتمن بن جعفر الصادق . وانتقلت إلى القاهرة فتوفيت فيها . حجت ثلاثين حجة ، وكانت تحفظ القرآن وسمع عليها الإمام الشافعي ، ولما مات أُدخلت جنازته إلى دارها وصلت عليه . وكان العلماء يزورونها ويأخذون عنها ) .

3 - الحسن بن الإمام الحسن « عليه السلام » وذريته

تقدم في سيرة الإمام زين العابدين « عليه السلام » أن الحسن بن الحسن شهد كربلاء مع عمه الحسين « عليه السلام » وأثخن بالجراح ، فلما أرادوا أخد الرؤوس وجدوا به رمقاً ، وكانت أمه من قبيلة فزارة فاستوهبه رئيس فزارة أسماء بن خارجة ، فقال عبيد الله بن زياد : ( دعوا لأبي حسان بن أخته ، وعالجته أسماء حتى برئ ثم لحق بالمدينة . . . حتى دس إليه الوليد بن عبد الملك من سقاه سماً فمات ، وعمره إذ ذاك خمس وثلاثون سنة ، وكان يشبَّه برسول الله « صلى الله عليه وآله » ) . ( عمدة الطالب / 100 ) .
قال المفيد « رحمه الله » في الإرشاد : 2 / 23 : ( أما الحسن بن الحسن فكان جليلاً رئيساً فاضلاً ورعاً . . وروي أن الحسن بن الحسن خطب إلى عمه الحسين « عليه السلام » إحدى ابنتيه فقال له الحسين : إختر يا بني أحبهما إليك ، فاستحيا الحسن ولم يُحِرْ جواباً ، فقال
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 246 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الحسين « عليه السلام » : فإني قد اخترت لك ابنتي فاطمة وهي أكثرهما شبهاً بأمي فاطمة بنت رسول الله « صلى الله عليه وآله » . وقُبض الحسن بن الحسن وله خمس وثلاثون سنة وأخوه زيد بن الحسن حيّ . . ولما مات . . ضربت زوجته فاطمة بنت الحسين على قبره فسطاطاً وكانت تقوم الليل وتصوم النهار ، وكانت تشبه بالحور العين لجمالها ، فلما كان رأس السنة قالت لمواليها : إذا أظلم الليل فقوِّضوا هذا الفسطاط ) .
وعلمه الإمام زين العابدين « صلى الله عليه وآله » دعاءً ، وظهرت له كرامة ، ففي فتح الباري : 11 / 124 : ( كتب الوليد بن عبد الملك إلى عثمان بن حيان ( واليه على المدينة ) : أنظر الحسن بن الحسن فاجلده مائة جلدة وأوقفه للناس ، قال فبعث إليه فجئ به فقام إليه علي بن الحسين فقال : يا ابن عم تكلم بكلمات الفرج يفرج الله عنك ، فذكر حديث علي باللفظ الثاني ، فقالها فرفع إليه عثمان رأسه فقال : أرى وجه رجل كُذِبَ عليه ! خلوا سبيله فسأكتب إلى أمير المؤمنين بعذره فأطلق ) !
وفي السلسلة العلوية / 4 ، أن الخليفة سليمان قتله بالسم ، كعادة أسلافه !
أقول : عرف حفيد الحسن هذا باسم شهيد فخ ، وهو الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن المثنى بن الإمام الحسن « عليه السلام » ، وهو أكثر من مدحه الأئمة « عليهم السلام » من الحسنيين .

4 - عبد الله بن الحسن المثنى أبو الثورة العباسية

هو عبد الله بن الحسن بن الحسن « عليه السلام » ، ويسمى عبد الله المحض ، لأن أباه ابن الحسن وأمه بنت الحسين « صلى الله عليه وآله » . وكان صاحب شخصية قوية ، وكان سياسياً وليس عالماً ! وهو صاحب مشروع الثورة على الأمويين بعد زيد بن علي « رحمه الله » ، وقد ابتكر ادعاء المهدية لولده محمد ودعا إلى بيعته ولم يقبل أن يبايعوه بدل ابنه ! واستطاع أن يقنع العباسيين وأكثر الحسنيين فبايعوا ابنه بالإمامة والطاعة ، لكنه لم يستطع أن يضم إليه أئمة العترة من ذرية الحسين « عليه السلام » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 247 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم انقلب عليه العباسيون فيما بعد واتفقوا مع أبي مسلم أن يبايع أبا العباس السفاح بالخلافة ، فثار عليهم عبد الله بن الحسن وقُتل هو وأكثر أولاده ، وواصل الذين أفلتوا منهم ثوراتهم فأسسوا دولتهم في المغرب ، وما زالوا يحكمونها إلى اليوم ، ودولتهم في شمال إيران وقد انتهت ، كما حكموا الحجاز مدة طويلة حتى ورثهم آل سعود ، وما زالوا إلى اليوم يحكمون الأردن .
قال السيد الخوئي في ترجمته في معجم رجال الحديث : 11 / 170 : ( ثم إن الروايات قد كثرت في ذم عبد الله هذا . . سليمان بن هارون قال : قلت لأبي عبد الله « عليه السلام » : إن العجلية يزعمون أن عبد الله بن الحسن يدَّعي أن سيف رسول الله « صلى الله عليه وآله » عنده ! قال « عليه السلام » : والله لقد كذب ! فوالله ما هو عنده وما رآه بواحدة من عينية قط ولا رآه أبوه ، إلا أن يكون رآه عند علي بن الحسين « عليه السلام » ، وإن صاحبه لمحفوظٌ ومحفوظ له . لا تذهبن يميناً ولا شمالاً فإن الأمر واضح ! والله لو أن أهل الأرض اجتمعوا على أن يحولوا هذا الأمر من موضعه الذي وضعه الله ما استطاعوا ، ولو أن خلق الله كلهم جميعاً كفروا حتى لا يبقى أحد ، جاء الله لهذا الأمر بأهل يكونون هم أهله . . فالسند صحيح . . . عن علي بن سعيد قال : كنت قاعداً عند أبي عبد الله « عليه السلام » . . . فقال محمد بن عبد الله بن علي : العجب لعبد الله بن الحسن أنه يهزأ ويقول في جفركم الذي تدعون ! فغضب أبو عبد الله « عليه السلام » فقال : العجب لعبد الله بن الحسن يقول : ليس فينا إمام ، صدقَ ما هو بإمام ولا كان أبوه إماماً . ويزعم أن علي بن أبي طالب لم يكن إماماً !
أخبرني سماعة بن مهران قال : أخبرني الكلبي النسابة قال : دخلت المدينة ولست أعرف شيئاً من هذا الأمر ، فأتيت المسجد فإذا جماعة من قريش فقلت : أخبروني
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 248 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عن عالم أهل هذا البيت فقالوا : عبد الله بن الحسن ، فأتيت منزله فاستأذنت فخرج إليَّ رجل ظننت أنه غلام له فقلت له : استأذن لي على مولاك فدخل ثم خرج فقال لي أدخل ، فدخلت فإذا أنا بالشيخ معتكف شديد الاجتهاد . . . قلت : أخبرني عن رجل قال لامرأته أنت طالق عدد نجوم السماء ، فقال : تبين برأس الجوزاء ، والباقي وزرٌ عليه وعقوبة ! فقلت في نفسي : واحدة ، فقلت : ما يقول الشيخ في المسح على الخفين ؟ فقال : قد مسح قوم صالحون ونحن أهل البيت لا نمسح . فقلت في نفسي : ثنتان ، فقلت : ما تقول في أكل الجري أحلال هو أم حرام ؟ فقال : حلال إلا أنا أهل البيت نعافه ، فقلت في نفسي : ثلاث ، فقلت : ما تقول في شرب النبيذ ؟ فقال : حلال إلا أنا أهل البيت لا نشربه ، فخرجت من عنده وأنا أقول : هذه العصابة تكذب على أهل هذا البيت ) !
وأضاف السيد الخوئي « قدس سره » : ( أقول : هذه الرواية تدل على أن عبد الله بن الحسن كان قد نصب نفسه للإمامة ، وكان يفتي بغير ما أنزل الله ) ! انتهى .
أقول : وصف ابن خلدون : 3 / 84 ، قوة شخصية عبد الله بن الحسن عندما اعتقله المنصور في الحج ، قال : ( ثم إن المنصور أخذهم وسار بهم من الربذة ، فمر بهم على بغلة شقراء ، فناداه عبد الله بن الحسن : يا أبا جعفر ما هكذا فعلنا بأسرائكم يوم بدر ! فأخسأه أبو جعفر ، وتفل عليه ومضى ! فلما قدموا إلى الكوفة قال عبد الله لمن معه : أما ترون في هذه القرية من يمنعنا من هذه الطاغية ؟ قال : فلقيه الحسن وعلي ابنا أخيه مشتملين على سيفين فقالا له : قد جئناك يا ابن رسول الله فمرنا بالذي تريد . قال : قد قضيتما ما عليكما ولن تغنيا في هؤلاء شيئاً فانصرفا ) !
وكان المنصور على جبروته وشيطنته يخاف من عبد الله هذا أن يؤثر عليه ، فعندما كان في سجنه في العراق طلب منه المنصور أن يوافق على حل لمشكلة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 249 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولده محمد فأجاب عبد الله : ( لا والله ، لا أرد عليكما حرفاً ! إن أحب أن يأذن لي فألقاه فليفعل . فانصرف الرجلان فأبلغاه فقال : أراد أن يسحرني ! لا والله لا ترى عينه عيني حتى يأتيني بابنيه ) . ( الطبري : 6 / 173 ، والكامل : 5 / 524 ) .

5 - عداوة عبد الله بن الحسن وأولاده للأئمة « عليهم السلام »

والأحاديث في ذلك كثيرة ، فيها الصحيح كالذي ذكره السيد الخوئي « قدس سره » في ترجمته . وقد أورد في البحار : 47 / 270 ، عدداً منها في سيرة الإمام الصادق « عليه السلام » تحت عنوان : ( أحوال أقربائه وعشائره وما جرى بينه وبينهم ، وما وقع عليهم من الجور والظلم ، وأحوال من خرج في زمانه « عليه السلام » من بني الحسن « عليه السلام » وأولاد زيد « رحمه الله » وغيرهم ) . وروى فيه بضع عشرة رواية تدل على ذم عبد الله بن الحسن وأولاده ، وحسدهم للأئمة « عليهم السلام » ، وعداوتهم لهم ، وسوء أدبهم !
وفي بعضها ، أن الإمام الصادق « عليه السلام » قال : ( ليس منا إلا وله عدو من أهل بيته ، فقيل له : بنو الحسن لا يعرفون لمن الحق ؟ قال : بلى ، ولكن يمنعهم الحسد ) .
وفي بعضها ، أن محمد بن عبد الله بن الحسن الذي ادعوا له المهدية قال مرة للإمام الصادق « عليه السلام » : ( والله إني لأعلم منك وأسخى منك وأشجع منك ! فقال : أما ما قلت إنك أعلم مني ، فقد أعتق جدي وجدك ألف نسمة من كد يده ، فسمهم لي ، وإن أحببت أن أسميهم لك إلى آدم فعلت ! وأما ما قلت إنك أسخى مني فوالله ما بتُّ ليلة ولله عليَّ حق يطالبني به . وأما ما قلت إنك أشجع مني ، فكأني أرى رأسك وقد جئ به ووضع على حِجْر الزنابير يسيل منه الدم إلى موضع كذا وكذا ! قال : فحكى ذلك لأبيه فقال : يا بني آجرني الله فيك ! إن جعفراً أخبرني أنك صاحب حِجْر الزنابير ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 250 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي بعضها ، أن علي بن سعيد قال للإمام الصادق « عليه السلام » : ( جعلت فداك إن عبد الله بن الحسن يقول : ما لنا في هذا الأمر ما ليس لغيرنا . فقال أبو عبد الله « عليه السلام » بعد كلام : أما تعجبون من عبد الله يزعم أن أباه علياً « عليه السلام » لم يكن إماماً ! ويقول : إنه ليس عندنا علم ، وصدق والله ما عنده علم ! ولكن والله وأهوى بيده إلى صدره إن عندنا سلاح رسول الله « صلى الله عليه وآله » وسيفه ودرعه ، وعندنا والله مصحف فاطمة « عليهما السلام » ، ما فيه آية من كتاب الله ، وإنه لمن إملاء رسول الله « صلى الله عليه وآله » وخط علي « عليه السلام » بيده ، والجفر ، وما يدرون ما هو : مسك شاة أو مسك بعير ) .
وفي بعضها ، أن رجلاً قال للإمام الصادق « عليه السلام » : ( العجب لعبد الله بن الحسن إنه يهزأ ويقول : هذا في جفركم الذي تدعون ! فغضب أبو عبد الله « عليه السلام » فقال : العجب لعبد الله بن الحسن يقول : ليس فينا إمام صدق ، ما هو بإمام ولا كان أبوه إماماً ، يزعم أن علي بن أبي طالب « عليه السلام » لم يكن إماماً ويردد ذلك ، وأما قوله : في الجفر فإنما هو جلد ثور مذبوح كالجراب فيه كتب ، وعلم ما يحتاج الناس إليه إلى يوم القيامة من حلال وحرام ، إملاء رسول الله « صلى الله عليه وآله » وخط علي « عليه السلام » بيده ، وفيه مصحف فاطمة « عليهما السلام » ، ما فيه آية من القرآن ، وإن عندي خاتم رسول الله « صلى الله عليه وآله » ، ودرعه ، وسيفه ولواءه ، وعندي الجفر على رغم أنف من رُغِم ) .
وفي بعضها ، أن الإمام الصادق « عليه السلام » لقي محمداً هذا في الطريق فدعا الإمام إلى منزله فأبى أن يذهب ، وأرسل معه ولده إسماعيل « رحمه الله » ، وأومأ له أن يصمت : ( فلما انتهى إلى منزله أعاد إليه الرسول ليأتيه ، فأبى . . فضحك محمد ثم قال : ما منعه من إتياني إلا أنه ينظر في الصحف ، قال : فرجع إسماعيل فحكى لأبي عبد الله الكلام فأرسل رسولاً من قبله وقال : إن إسماعيل أخبرني بما كان منك وقد صدقت ، إني أنظر في الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى ، فسل نفسك وأباك هل ذلك
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 251 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عندكما ؟ قال : فلما أن بلغه الرسول سكت فلم يجب بشئ ) .
وفي بعضها ، أن عبد الخالق بن عبد ربه قال للإمام الصادق « عليه السلام » إن إبراهيم بن عبد الله بن الحسن ذكر أنك تقول إن عندك كتاب علي « عليه السلام » ، وقد نفى أن يكون علي « عليه السلام » ترك كتاباً ! فقال « عليه السلام » : ( ما هو والله كما يقولون ، إنهما جفران مكتوب فيهما ، لا والله إنهما لإهابان عليهما أصوافهما وأشعارهما ، مدحوسين كتباً ، في أحدهما وفي الآخر سلاح رسول الله « صلى الله عليه وآله » . . . الخ . ) .
وفي بعضها ، ( عن عبيد بن زرارة قال : لقيت أبا عبد الله « عليه السلام » في السنة التي خرج فيها إبراهيم بن عبد الله بن الحسن ، فقلت له : جعلت فداك ، إن هذا قد ألَّفَ الكلام وسارع الناس إليه ، فما الذي تأمر به ؟ قال فقال : اتقوا الله واسكنوا ما سكنت السماء والأرض ) . أي سكنت الأرض من الخسف . . الخبر .
وفي بعضها ، أنه ( وقع بين جعفر « عليه السلام » وعبد الله بن الحسن كلام في صدر يوم فأغلظ له في القول عبد الله بن حسن ، ثم افترقا وراحا إلى المسجد ، فالتقيا على باب المسجد ، فقال أبو عبد الله جعفر بن محمد « عليه السلام » لعبد الله بن الحسن : كيف أمسيت يا أبا محمد ؟ فقال : بخير كما يقول المغضب ! فقال : يا أبا محمد أما علمت أن صلة الرحم تخفف الحساب ، فقال : لا تزال تجئ بالشئ لا نعرفه ، قال : فإني أتلو عليك به قرآناً قال : وذلك أيضاً ؟ قال : نعم ، قال : فهاته ، قال : قول الله عز وجل : وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ . قال : فلا تراني بعدها قاطعاً رحمنا ) .
وفي بعضها ، ذم لأخيه الحسن المثلث الذي مات معه في السجن ، ففي رجال الطوسي : 2 / 651 ، ( عن سليمان بن خالد قال : لقيت الحسن بن الحسن فقال : أما لنا حق ؟ أما لنا حرمة ؟ إذا اخترتم منا رجلاً واحداً كفاكم ! فلم يكن عندي له
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 252 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
جواب ، فلقيت أبا عبد الله « عليه السلام » فأخبرته بما كان من قوله لي ، فقال لي : إلقه ، فقل له أتيناكم فقلنا هل عندكم ما ليس عند غيركم ؟ فقلتم لا ، فصدقناكم وكنتم أهل ذلك . وأتينا بني عمكم ، فقلنا هل عندكم ما ليس عند الناس ؟ فقالوا نعم ، فصدقناهم وكانوا أهل ذلك ! قال : فلقيته فقلت له ما قال لي ، فقال لي الحسن : فإن عندنا ما ليس عند الناس ، فلم يكن عندي شئ ، فأتيت أبا عبد الله « عليه السلام » فأخبرته فقال لي : إلقه وقل : إن الله عز وجل يقول في كتابه : ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ . فاقعدوا لنا حتى نسألكم ! قال : فلقيته فحاججته بذلك ، فقال لي : أفما عندكم شئ إلا تعيبونا ؟ إن كان فلان ( يعني الصادق « عليه السلام » ) تفرغ وشُغلنا ، فذاك الذي يذهب بحقنا ؟ ! ) .

6 - موقف الأئمة « عليه السلام » من الثوار الحسنيين

كان الأئمة « عليهم السلام » يحذرون الحسنيين من العمل للوصول إلى الحكم ، لأن النتيجة ستكون عليهم عكسية ، وفي نفس الوقت كانوا يتعاطفون معهم عندما يقع عليهم ظلم أو تحلُّ بهم نكبة . لكن لا يصح اعتبار هذا التعاطف تأييداً لسياستهم .
فقد جاء محمد بن عبد الله بن الحسن الذي ادعوا له المهدية ، يوماً إلى منزل الإمام الصادق « عليه السلام » فلما ذهب : ( رقَّ له أبو عبد الله « عليه السلام » ودمعت عينه ، فقلت له : لقد رأيتك صنعت به ما لم تكن تصنع ؟ قال : رققت له لأنه ينسب في أمر ليس له ! لم أجده في كتاب علي من خلفاء هذه الأمة ، ولا ملوكها ) . ( الكافي : 8 / 395 ) .
وتعاطف الإمام الصادق « عليه السلام » مع الحسينيين ، عندما اعتقل العباسيون عبد الله بن الحسن وجماعته ، وعندما قُتل ولداه محمد وإبراهيم ، وكتب له الإمام « عليه السلام » رسالة تعزية عبرت عن تأثره ، رواها ابن طاووس « رحمه الله » في كتاب الإقبال : 3 / 82 ، جاء فيها : ( بسم الرحمن الرحيم . إلى الخلف الصالح والذرية الطيبة من ولد أخيه وابن عمه ، أما
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 253 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بعد فلئن كنتَ تفردتَ أنت وأهل بيتك ممن حمل معك بما أصابكم ، ما انفردت بالحزن والغبطة والكآبة وأليم وجل القلب دوني ، فلقد نالني من ذلك من الجزع والقلق وحر المصيبة مثلما نالك ، ولكن رجعت إلى ما أمر الله جل جلاله به المتقين من الصبر وحسن العزاء حين يقول لنبيه « صلى الله عليه وآله » : وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا . وحين يقول : فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ . . . وذكرت الرواية آيات عديدة وتابعت : واعلم أي عم وابن عم أن الله جل جلاله لم يبال بضر الدنيا لوليه ساعة قط ، ولا شئ أحب إليه من الضر والجهد والأذى مع الصبر ، وأنه تبارك وتعالى لم يبال بنعيم الدنيا لعدوه ساعة قط ، ولولا ذلك ما كان أعداؤه يقتلون أولياءه ويخيفونهم ويمنعونهم ، وأعداؤه آمنون مطمئنون عالون ظاهرون . ولولا ذلك ما قتل زكريا ويحيى ، ظلماً وعدواناً في بغي من البغايا . ولولا ذلك ما قتل جدك علي بن أبي طالب « عليه السلام » لمَّا قام بأمر الله جل وعز ظلماً ، وعمك الحسين بن فاطمة صلى الله عليهما اضطهاداً وعدواناً . ولولا ذلك ما قال الله عز وجل في كتابه : وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ . ولولا ذلك لما قال في كتابه : أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ ، نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ . . . فعليكم يا عم وابن عم وبني عمومتي وإخوتي ، بالصبر والرضا والتسليم والتفويض إلى الله جل وعز ، والرضا والصبر على قضائه والتمسك بطاعته والنزول عند أمره . أفرغ الله علينا وعليكم الصبر ، وختم لنا ولكم بالأجر والسعادة ، وأنقذكم وإيانا من كل هلكة ، بحوله وقوته إنه سميع قريب ، وصلى الله على صفوته من خلقه محمد النبي وأهل بيته ) . انتهى .
وأشك في صحة هذه الرواية ، لكن ابن طاووس « رحمه الله » صححها ، واستنتج منها أن عبد الله بن الحسن وجماعته ممدوحون مرضيون ، قال « رحمه الله » : ( وهذا يدل على أن هذه الجماعة المحمولين كانوا عند مولانا الصادق « عليه السلام » معذورين وممدوحين
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 254 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ومظلومين وبحبه عارفين . ثم أجاب « رحمه الله » على الروايات التي تنص على مخالفتهم للأئمة « عليهم السلام » بقوله : ( وذلك محتملٌ للتقية لئلا يُنسب إظهارهم لإنكار المنكر إلى الأئمة الطاهرين . ثم استدل « رحمه الله » بقول النبي « صلى الله عليه وآله » لفاطمة « عليهما السلام » : يقتل منك أو يصاب منك نفر بشط الفرات ، ما سبقهم الأولون ولا يدركهم الآخرون ) . ثم ذكر « رحمه الله » رواية تطبِّق ذلك على عبد الله بن الحسن وجماعته ، مع أنها وردت في الحسين وأصحابه « عليه السلام » دون غيرهم ! وختم « رحمه الله » بقوله : ( وهذه شهادة صريحة من طرق صحيحة بمدح المأخوذين من بني الحسن « عليه السلام » ، وأنهم مضوا إلى الله جل جلاله بشرف المقام والظفر بالسعادة ) . انتهى .
وهذا الرأي يتناسب مع طبيعة هذا السيد الجليل ابن طاووس « رحمه الله » ، فهو حسن الظن سريع التصديق ، ثم هو من ذرية الحسن المثنى « رحمه الله » !

7 - استبصار ابن عبد الله بن الحسن وحديثه عن موقف الإمام الصادق « عليه السلام »

من أهم النصوص في الموضوع رواية موسى بن عبد الله بن الحسن ، التي رواها في الكافي : 1 / 343 ، تحت عنوان : باب ما يفصل به بين دعوى المحق والمبطل في أمر الإمامة ، روى فيه تسعة عشر حديثاً مليئة بالفوائد ، منها هذا الحديث عن عبد الله بن إبراهيم بن محمد الجعفري قال : ( أتينا خديجة بنت عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب « عليهم السلام » نعزيها بابن بنتها ، فوجدنا عندها موسى بن عبد الله بن الحسن ، فإذا هي في ناحية قريباً من النساء فعزيناهم ، ثم أقبلنا عليه . . .
فقال موسى بن عبد الله : والله لأخبرنكم بالعجب ! رأيت أبي « رحمه الله » ( عبد الله بن الحسن المثنى ) لما أخذ في أمر محمد بن عبد الله وأجمع على لقاء أصحابه ، فقال : لا أجد هذا الأمر يستقيم إلا أن ألقى أبا عبد الله جعفر بن محمد ، فانطلق وهو متكئ عليَّ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 255 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فانطلقت معه حتى أتينا أبا عبد الله ، فلقيناه خارجاً يريد المسجد فاستوقفه أبي وكلمه ، فقال له أبو عبد الله « عليه السلام » : ليس هذا موضع ذلك ، نلتقي إن شاء الله . فرجع أبي مسروراً ، ثم أقام حتى إذا كان الغد أو بعده بيوم انطلقنا حتى أتيناه فدخل عليه أبي وأنا معه ، فابتدأ الكلام ثم قال له فيما يقول : قد علمت جعلت فداك أن السن لي عليك ، فإن في قومك من هو أسن منك ، ولكن الله عز وجل قد قدم لك فضلاً ليس هو لأحد من قومك ، وقد جئتك معتمداً لما أعلم من برك وأعلم فديتك أنك إذا أجبتني لم يتخلف عني أحد من أصحابك ، و لم يختلف علي اثنان من قريش ولا غيرهم . فقال له أبو عبد الله « عليه السلام » : إنك تجد غيري أطوع لك مني ولا حاجة لك فيَّ ، فوالله إنك لتعلم أني أريد البادية أو أهم بها فأثقل عنها ، وأريد الحج فما أدركه إلا بعد كد وتعب ومشقة على نفسي ، فاطلب غيري وسله ذلك ولا تعلمهم أنك جئتني . فقال له : إن الناس مادُّون أعناقهم إليك وإن أجبتني لم يتخلف عني أحد ، ولك أن لا تكلف قتالاً ولا مكروهاً . قال : وهجم علينا ناس فدخلوا وقطعوا كلامنا ، فقال أبي : جعلت فداك ما تقول ؟ فقال : نلتقي إن شاء الله ، فقال : أليس على ما أحب ؟ قال : على ما تحب إن شاء الله من إصلاح حالك . ثم انصرف حتى جاء البيت فبعث رسولاً إلى محمد في جبل بجهينة يقال له الأشقر ، على ليلتين من المدينة ، فبشره وأعلمه أنه قد ظفر له بوجه حاجته وما طلب ، ثم عاد بعد ثلاثة أيام فوقفنا بالباب ولم نكن نحجب إذا جئنا ، فأبطأ الرسول ثم أذن لنا ، فدخلنا عليه فجلست في ناحية الحجرة ودنا أبي إليه فقبل رأسه ثم قال : جعلت فداك قد عدت إليك راجياً مؤملاً قد انبسط رجائي وأملي ، ورجوت الدرك لحاجتي . فقال له أبو عبد الله « عليه السلام » : يا ابن عم إني أعيذك بالله من التعرض لهذا الأمر الذي أمسيت فيه ، وإني لخائف عليك أن يكسبك شراً ، فجرى الكلام
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 256 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بينهما حتى أفضى إلى ما لم يكن يريد ، وكان من قوله : بأي شئ كان الحسين أحق بها من الحسن ؟ فقال أبو عبد الله « عليه السلام » : رحم الله الحسن ورحم الحسين وكيف ذكرت هذا ؟ قال : لأن الحسين كان ينبغي له إذا عدل ، أن يجعلها في الأسن من ولد الحسن ! فقال أبو عبد الله « عليه السلام » : إن الله تبارك وتعالى لما أن أوحى إلى محمد « صلى الله عليه وآله » أوحى إليه بما شاء ولم يؤامر أحداً من خلقه ، وأمر محمد « صلى الله عليه وآله » علياً « عليه السلام » بما شاء ففعل ما أمر به ، ولسنا نقول فيه إلا ما قال رسول الله « صلى الله عليه وآله » من تبجيله وتصديقه فلو كان أمر الحسين « عليه السلام » أن يصيرها في الأسن ، أو ينقلها في ولدهما يعني الوصية لفعل ذلك الحسين ، وما هو بالمتهم عندنا في الذخيرة لنفسه ، ولقد ولى وترك ذلك ، ولكنه مضى لما أمره جدك وعمك ، فإن قلت خيراً فما أولاك به ، وإن قلت هجراً فيغفر الله لك ، أطعني يا ابن عم واسمع كلامي ، فوالله الذي لا إله إلا هو لا آلوك نصحاً وحرصاً ، فكيف ولا أراك تفعل وما لأمر الله من مردّ . فسُرَّ أبي عند ذلك . فقال له أبو عبد الله « عليه السلام » : والله إنك لتعلم أنه الأحول الأكشف الأخضر المقتول بسدة أشجع بين دورها عند بطن مسيلها ، فقال أبي : ليس هو ذاك ، والله لنجازين باليوم يوماً وبالساعة ساعة وبالسنة سنة ، ولنقومن بثار بني أبي طالب جميعاً .
فقال له أبو عبد الله « عليه السلام » : يغفر الله لك ما أخوفني أن يكون هذا البيت يلحق صاحبنا : مَنَّتْكَ نفسُك في الخَلاء ضلالا ! لا والله لا يملك أكثر من حيطان المدينة ولا يبلغ عمله الطائف إذا أحفل ، يعني إذا أجهد نفسه ، وما للأمر من بد أن يقع فاتق الله وارحم نفسك وبني أبيك ، فوالله إني لأراه أشأم سلحة أخرجتها أصلاب الرجال إلى أرحام النساء ! والله إنه المقتول بسدة أشجع بين دورها ، والله لكأني به صريعاً مسلوباً بزته ، بين رجليه لبنة ، ولا ينفع هذا الغلام ما يسمع !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 257 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال موسى بن عبد الله : يعنيني ! وليخرجن معه فينهزم ويُقتل صاحبه ، ثم يمضي فيخرج مع راية أخرى ، فيقتل كبشها ويتفرق جيشها ، فإن أطاعني فليطلب الأمان عند ذلك من بني العباس حتى يأتيه الله بالفرج ! ولقد علمت بأن هذا الأمر لا يتم ، وإنك لتعلم ونعلم أن ابنك الأحولُ الأخضرُ الأكشفُ ، المقتول بسدة أشجع ، بين دورها عند بطن مسيلها ! فقام أبي وهو يقول : بل يغني الله عنك ، ولتعودن أو ليفئ الله بك وبغيرك ، وما أردت بهذا إلا امتناع غيرك ، وأن تكون ذريعتهم إلى ذاك !
فقال أبو عبد الله « عليه السلام » : الله يعلم ما أريد إلا نصحك ورشدك وما عليَّ إلا الجهد ! فقام أبي يجر ثوبه مغضباً فلحقه أبو عبد الله « عليه السلام » فقال له : أخبرك أني سمعت عمك وهو خالك يذكر أنك وبني أبيك ستقتلون ، فإن أطعتني ورأيت أن تدفع بالتي هي أحسن فافعل ، ووالله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم الكبير المتعال على خلقه ، لوددت أني فديتك بولدي وبأحبهم إليَّ وبأحب أهل بيتي إليَّ ، ما يعدلك عندي شئ ، فلا ترى أني غششتك ! فخرج أبي من عنده مغضباً أسفاً !
قال : فما أقمنا بعد ذلك إلا قليلاً عشرين ليلة أو نحوها ، حتى قدمت رسل أبي جعفر فأخذوا أبي وعمومتي سليمان بن حسن ، وحسن بن حسن ، وإبراهيم بن حسن ، وداود بن حسن ، وعلي بن حسن ، وسليمان بن داود بن حسن ، وعلي بن إبراهيم بن حسن ، وحسن بن جعفر بن حسن ، وطباطبا إبراهيم بن إسماعيل بن حسن ، وعبد الله بن داود ، وقال : فصُفِّدوا في الحديد ، ثم حملوا في محامل أعراء لا وطاء فيها ، ووقفوا بالمصلى لكي يشتمهم الناس قال : فكفَّ الناس عنهم ورقُّوا لهم للحال التي هم فيها ، ثم انطلقوا بهم حتى وقفوا عند باب مسجد رسول الله « صلى الله عليه وآله » . قال عبد الله بن إبراهيم الجعفري : فحدثتنا خديجة بنت عمر بن علي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 258 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أنهم لما أوقفوا عند باب المسجد ، الباب الذي يقال له باب جبرئيل ، اطَّلَعَ عليهم أبو عبد الله « عليه السلام » وعامة ردائه مطروح بالأرض ، ثم اطلع من باب المسجد فقال : لعنكم الله يا معشر الأنصار ، ثلاثاً ، ما على هذا عاهدتم رسول الله « صلى الله عليه وآله » ، ولا بايعتموه ، أما والله إن كنت حريصاً ولكني غلبت ، وليس للقضاء مدفع ، ثم قام وأخذ إحدى نعليه فأدخلها رجله والأخرى في يده ، وعامة ردائه يجره في الأرض ، ثم دخل في بيته فحُمَّ عشرين ليلة لم يزل يبكي فيها الليل والنهار ، حتى خفنا عليه ! فهذا حديث خديجة .
قال الجعفري : وحدثنا موسى بن عبد الله بن الحسن أنه لما طلع بالقوم في المحامل قام أبو عبد الله « عليه السلام » من المسجد ثم أهوى إلى المحمل الذي فيه عبد الله بن الحسن يريد كلامه ، فمنع أشد المنع وأهوى إليه الحرسي فدفعه وقال : تنح عن هذا فإن الله سيكفيك ويكفي غيرك ، ثم دخل بهم الزقاق ! ورجع أبو عبد الله « عليه السلام » إلى منزله فلم يبلغ بهم البقيع حتى ابتلي الحرسي بلاء شديداً ! رمحته ناقته فدقت وركه فمات فيها ، ومضى القوم .
فأقمنا بعد ذلك حيناً ، ثم أتى محمد بن عبد الله بن الحسن ، فأخبر أن أباه وعمومته قتلوا ، قتلهم أبو جعفر ، إلا حسن بن جعفر ، وطباطبا ، وعلي بن إبراهيم وسليمان بن داود ، وداود بن حسن وعبد الله بن داود ، قال : فظهر محمد بن عبد الله عند ذلك ودعا الناس لبيعته ، قال : فكنت ثالث ثلاثة بايعوه واستوثق الناس لبيعته ، ولم يختلف عليه قرشي ولا أنصاري ولا عربي
قال : وشاور عيسى بن زيد وكان من ثقاته ، وكان على شرطته فشاوره في البعثة إلى وجوه قومه ، فقال له عيسى بن زيد : إن دعوتهم دعاء يسيراً لم يجيبوك أو تُغلظ عليهم ، فخلني وإياهم . فقال له محمد : إمض إلى من أردت منهم فقال :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 259 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ابعث إلى رئيسهم وكبيرهم يعني أبا عبد الله جعفر بن محمد « عليه السلام » فإنك إذا أغلظت عليه علموا جميعاً أنك ستمرهم على الطريق التي أمررت عليها أبا عبد الله قال : فوالله ما لبثنا أن أتيَ بأبي عبد الله « عليه السلام » حتى أوقف بين يديه فقال له عيسى بن زيد : أسلم تسلم ، فقال له أبو عبد الله « عليه السلام » : أحَدَثَتْ نبوةٌ بعد محمد « صلى الله عليه وآله » ؟ فقال له محمد : لا ، ولكن بايع تأمن على نفسك ومالك وولدك ، ولا تكلفن حرباً . فقال له أبو عبد الله : ما فيَّ حرب ولا قتال ، ولقد تقدمت إلى أبيك وحذرته الذي حاق به ولكن لا ينفع حذر من قدر ، يا ابن أخي عليك بالشباب ودع عنك الشيوخ . فقال له محمد : ما أقرب ما بيني وبينك في السن ، فقال له أبو عبد الله : إني لم أعازك ولم أجئ لأتقدم عليك في الذي أنت فيه ، فقال له محمد : لا والله لا بد من أن تبايع ، فقال له أبو عبد الله « عليه السلام » : ما فيَّ يا ابن أخي طلب ولا هرب ، وإني لأريد الخروج إلى البادية فيصدني ذلك ويثقل عليَّ حتى يكلمني في ذلك الأهل غير مرة ، وما يمنعني منه إلا الضعف ، والله والرحم أن تدبر عنا ونشقى بك ! فقال له : يا أبا عبد الله قد والله مات أبو الدوانيق يعني أبا جعفر ! فقال له أبو عبد الله : وما تصنع بي وقد مات ؟ قال : أريد الجَمالَ بك ، قال : ما إلى ما تريد سبيل ، لا والله ما مات أبو الدوانيق إلا أن يكون مات موت النوم ! قال : والله لتبايعني طائعاً ، أو مكرهاً ولا تحمد في بيعتك ! فأبى عليه إباءا شديداً فأمر به إلى الحبس ! فقال له عيسى بن زيد : أما إن طرحناه في السجن وقد خرب السجن وليس عليه اليوم غلق خفنا أن يهرب منه . فضحك أبو عبد الله « عليه السلام » ثم قال : لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، أو تراك تسجنني ؟ ! قال : نعم والذي أكرم محمداً « صلى الله عليه وآله » بالنبوة لأسجننك ولأشددن عليك ! فقال عيسى بن زيد : إحبسوه في المخبأ ، وذلك دار ريطة اليوم ، فقال له أبو عبد الله « عليه السلام » : أما والله إني سأقول ثم أصدق ، فقال له عيسى بن زيد : لو
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 260 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
تكلمت لكسرت فمك ! فقال له أبو عبد الله « عليه السلام » : أما والله يا أكشف يا أزرق ، لكأني بك تطلب لنفسك جُحْراً تدخل فيه ! وما أنت في المذكورين عند اللقاء ! وإني لأظنك إذا صُفَّق خلفك طرت مثل الهيق النافر ، فنفر عليه محمد بانتهار : إحبسه وشدد عليه وأغلظ عليه . فقال له أبو عبد الله « عليه السلام » : أما والله لكأني بك خارجاً من سدة أشجع إلى بطن الوادي وقد حمل عليك فارس معلم ، في يده طرادة نصفها أبيض ونصفها أسود ، على فرس كميت أقرح فطعنك فلم يصنع فيك شيئاً ، وضربت خيشوم فرسه فطرحته وحمل عليك آخر خارج من زقاق آل أبي عمار الدئليين ، عليه غديرتان مضفورتان قد خرجتا من تحت بيضته كثير شعر الشاربين ، فهو والله صاحبك فلا رحم الله رمته ! فقال له محمد : يا أبا عبد الله حَسَبْتَ فأخطأت ! وقام إليه السراقي ابن سلخ الحوت ، فدفع في ظهره حتى أدخل السجن ! واصطفى ما كان له من مال وما كان لقومه ممن لم يخرج مع محمد ! قال : فطلع بإسماعيل بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب وهو شيخ كبير ضعيف قد ذهبت إحدى عينيه وذهبت رجلاه وهو يحمل حملاً ، فدعاه إلى البيعة فقال له : يا ابن أخي إني شيخ كبير ضعيف ، وأنا إلى برِّك وعونك أحوج !
فقال له : لا بد من أن تبايع ، فقال له : وأي شئ تنتفع ببيعتي ، والله إني لأضيِّق عليك مكان اسم رجل إن كتبته ! قال : لا بد لك أن تفعل ، فأغلظ عليه في القول فقال له إسماعيل : أدع لي جعفر بن محمد فلعلنا نبايع جميعاً . قال : فدعا جعفراً « عليه السلام » فقال له إسماعيل : جعلت فداك إن رأيت أن تبين له فافعل ، لعل الله يكفه عنا ، قال : قد أجمعتُ ألا أكلمه فَلْيَرَ فيَّ رأيه ! فقال إسماعيل لأبي عبد الله « عليه السلام » : أنشدك الله هل تذكر يوماً أتيت أباك محمد بن علي « عليه السلام » وعليَّ حلتان صفراوان ، فأدام النظر إليَّ ثم بكى ، فقلت له : ما يبكيك ؟ فقال لي : يبكيني أنك
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 261 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
تقتل عند كبر سنك ضياعاً ، لا ينتطح في دمك عنزان ! قال فقلت : متى ذاك ؟ قال : إذا دعيت إلى الباطل فأبيته ، وإذا نظرت إلى أحول مشوم قومه ينتمي من آل الحسن على منبر رسول الله « صلى الله عليه وآله » ، يدعو إلى نفسه قد تسمى بغير اسمه ، فأحدث عهدك واكتب وصيتك فإنك مقتول من يومك أو من غد ؟ فقال له أبو عبد الله « عليه السلام » : نعم وهذا ورب الكعبة لا يصوم من شهر رمضان إلا أقله ، فأستودعك الله يا أبا الحسن ، وأعظم الله أجرنا فيك ، وأحسن الخلاقة على من خلفت ، وإنا لله وإنا إليه راجعون ! قال : ثم احْتُمِل إسماعيلُ ، ورُدَّ جعفر إلى الحبس . قال : فوالله ما أمسينا حتى دخل عليه بنو أخيه بنو معاوية بن عبد الله بن جعفر فتوطؤوه حتى قتلوه ! وبعث محمد بن عبد الله إلى جعفر « عليه السلام » فخلى سبيله !
قال : وأقمنا بعد ذلك حتى استهللنا شهر رمضان ، فبلغنا خروج عيسى بن موسى يريد المدينة ، قال : فتقدم محمد بن عبد الله على مقدمته يزيد بن معاوية بن عبد الله بن جعفر ، وكان على مقدمة عيسى بن موسى ولد الحسن بن زيد بن الحسن بن الحسن ، وقاسم ، ومحمد بن زيد ، وعلي وإبراهيم بنو الحسن بن زيد ، فهزم يزيد بن معاوية ، وقدم عيسى بن موسى المدينة ، وصار القتال بالمدينة ، فنزل بذباب ، ودخلت علينا المسودة من خلفنا ، وخرج محمد في أصحابه ، حتى بلغ السوق فأوصلهم ومضى ، ثم تبعهم حتى انتهى إلى مسجد الخوامين ، فنظر إلى ما هناك فضاء ليس مسود ولا مبيض ، فاستقدم حتى انتهى إلى شعب فزارة ، ثم دخل هذيل ، ثم مضى إلى أشجع ، فخرج إليه الفارس الذي قال أبو عبد الله « عليه السلام » من خلفه من سكة هذيل فطعنه فلم يصنع فيه شيئاً ، وحمل على الفارس وضرب خيشوم فرسه بالسيف فطعنه الفارس فأنفذه في الدرع وانثنى عليه محمد فضربه فأثخنه ، وخرج إليه حميد بن قحطبة وهو مدبر على الفارس يضربه من
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 262 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
زقاق العماريين ، فطعنه طعنة أنفذ السنان فيه فكسر الرمح وحمل على حميد ، فطعنه حميد بزج الرمح فصرعه ، ثم نزل فضربه حتى أثخنه وقتله وأخذ رأسه ، ودخل الجند من كل جانب وأخذت المدينة ، وأجلينا هرباً في البلاد .
قال موسى بن عبد الله : فانطلقت حتى لحقت بإبراهيم بن عبد الله ، فوجدت عيسى بن زيد مكمناً عنده فأخبرته بسوء تدبيره ، وخرجنا معه حتى أصيب « رحمه الله » ثم مضيت مع ابن أخي الأشتر عبد الله بن محمد بن عبد الله بن حسن حتى أصيب بالسند ، ثم رجعت شريداً طريداً تضيق عليَّ البلاد ، فلما ضاقت علي الأرض واشتد الخوف ، ذكرت ما قال أبو عبد الله « عليه السلام » فجئت إلى المهدي وقد حج وهو يخطب الناس في ظل الكعبة ، فما شعر إلا وأني قد قمت من تحت المنبر فقلت : لي الأمان يا أمير المؤمنين وأدلك على نصيحة لك عندي ؟ فقال : نعم ، ما هي ؟ قلت : أدلك على موسى بن عبد الله بن حسن ، فقال : نعم لك الأمان فقلت له : أعطني ما أثق به ، فأخذت منه عهوداً ومواثيق ووثقت لنفسي ، ثم قلت : أنا موسى بن عبد الله ، فقال لي : إذاً تكرم وتحبى ! فقلت له : أقطعني إلى بعض أهل بيتك يقوم بأمري عندك . فقال : أنظر إلى من أردت ، فقلت : عمك العباس بن محمد ، فقال العباس : لا حاجة لي فيك ! فقلت : ولكن لي فيك الحاجة أسألك بحق أمير المؤمنين إلا قبلتني فقبلني شاء أو أبى ، وقال لي المهدي : من يعرفك وحوله أصحابنا أو أكثرهم فقلت : هذا الحسن بن زيد يعرفني ، وهذا موسى بن جعفر يعرفني ، وهذا الحسن بن عبيد الله بن عباس يعرفني . فقالوا : نعم يا أمير المؤمنين كأنه لم يغب عنا ! ثم قلت للمهدي : يا أمير المؤمنين لقد أخبرني بهذا المقام أبو هذا الرجل ، وأشرت إلى موسى بن جعفر « عليه السلام » . قال موسى بن عبد الله : وكذبت على جعفر كذبة فقلت له : وأمرني أن أقرئك السلام وقال : إنه إمام عدل وسخي ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 263 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال : فأمر لموسى بن جعفر « عليه السلام » بخمسة آلاف دينار ، فأمر لي موسى « عليه السلام » منها بألفي دينار ، ووصل عامة أصحابه ووصلني فأحسن صلتي ! فحيث ما ذكر ولد محمد بن علي بن الحسين فقولوا : صلى الله عليهم وملائكته وحملة عرشه والكرام الكاتبون ، وخصوا أبا عبد الله « عليه السلام » بأطيب ذلك ، وجزى موسى بن جعفر عني خيراً فأنا والله مولاهم بعد الله ) . وروى بعضه : الطبري : 6 / 188 .
وفي مقاتل الطالبيين / 148 : ( إني لواقف بين القبر والمنبر إذ رأيت بني الحسن يخرج بهم من دار مروان مع أبي الأزهر يراد بهم الربذة فأرسل إلي جعفر بن محمد فقال : ما وراءك ؟ قلت : رأيت بني الحسن يخرج بهم في محامل . فقال : أجلس فجلست قال : فدعا غلاماً له ثم دعا ربه كثيراً ثم قال لغلامه : إذهب فإذا حملوا فأت فأخبرني . قال : فأتاه الرسول فقال : قد أقبل بهم . فقام جعفر فوقف وراء ستر شعر ابيض من ورائه فطلع بعبد الله بن الحسن وإبراهيم بن الحسن وجميع أهلهم كل واحد منهم معاد له مسود فلما نظر إليهم جعفر بن محمد هملت عيناه حتى جرت دموعه على لحيته ثم أقبل علي فقال : يا أبا عبد الله ، والله لا تحفظ لله حرمة بعد هذا ، والله ما وفت الأنصار ولا أبناء الأنصار لرسول الله « صلى الله عليه وآله » بما أعطوه من البيعة على العقبة . . . على أن تمنعوا رسول الله وذريته مما تمنعون منه أنفسكم وذراريكم . قال : فوالله ما وفوا له حتى خرج من بين أظهرهم ثم لا أحد يمنع يد لامس ! اللهم فاشدد وطأتك على الأنصار ) .
ملاحظات
1 - هذه الرواية الصحيحة تكشف موقف عبد الله بن الحسن المثنى وأولاده وأتباعه ، من إمامة الإمام الصادق وبقية الأئمة الحسينين « عليهم السلام » . فهو يرى أن الإمام الحسن « عليه السلام » أكبر سناً من الإمام الحسين « عليه السلام » فأبناؤه أولى بالإمامة ، وكان الواجب
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 264 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
على الحسين « عليه السلام » أن يجعلها بعده في أكبر أولاد أخيه ، وقد أخطأ واستأثر عندما جعلها في ابنه علي بن الحسين « عليه السلام » ! وهذا هو التفكير القرشي القبلي في الإمامة ، كأنها مقام يختاره الناس فيجب أن يخضع لمقاييس القبيلة والعرف الاجتماعي مع أنها اختيارٌ من الله تعالى وعصمةٌ وعلمٌ واجتباء ، لا دخل للبشر فيها !
ومنطق عبد الله بن الحسن نفس منطق هشام الأحول مع الإمام الباقر « عليه السلام » عندما قال له : ( أليس الله بعث محمداً من شجرة عبد مناف إلى الناس كافة أبيضها وأسودها وأحمرها ، فمن أين ورثتم ما ليس لغيركم ، ورسول الله مبعوث إلى الناس كافة ؟ ومن أين أورثتم هذا العلم وليس بعد محمد نبي وما أنتم أنبياء ! ) .
وهو نفس منطق قريش الجاهلي الذي استعملته مع النبي « صلى الله عليه وآله » ، واستعملته مع عترته المعصومين « عليهم السلام » ! لاحظ جرأة عبد الله على عمه الحسين « عليه السلام » : ( لأن الحسين كان ينبغي له إذا عدل أن يجعلها في الأسنِّ من وُلد الحسن ! فقال أبو عبد الله « عليه السلام » : إن الله تبارك وتعالى لما أن أوحى إلى محمد « صلى الله عليه وآله » أوحى إليه بما شاء ولم يؤامر أحداً من خلقه ، وأمر محمد « صلى الله عليه وآله » علياً « عليه السلام » بما شاء ففعل ما أمر به ، ولسنا نقول فيه إلا ما قال رسول الله « صلى الله عليه وآله » من تبجيله وتصديقه ، فلو كان أمَر الحسينَ أن يُصَيِّرها في الأسنّ أو ينقلها في ولدهما يعني الوصية ، لفعل ذلك الحسين ، وما هو بالمتهم عندنا في الذخيرة لنفسه ) . فعبد الله يتهم عمه الإمام الحسين « عليه السلام » بأنه استأثر لأولاده بالإمامة ! مع أنه يشهد أن النبي « صلى الله عليه وآله » قال فيه وفي أخيه : ( الحسن والحسين سيدا أهل الجنة ) ! وهو يعرف أن سيد شباب أهل الجنة لا يمكن أن يظلم صاحب حق ، ولا أن يكون أنانياً لأولاده ! لكنه الحسد الذي يجعل صاحبه يتهم المعصوم « عليه السلام » ويعترض على ربه ! قال عز وجل : أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً . وقوله تعالى : أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 265 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ !
2 - نلاحظ في أحداث القصة ، البصيرة الربانية عند الإمام الصادق « عليه السلام » ويقينه بما سيحدث ، فهو يصفه كمن يشاهده أمامه ، فيقع كما أخبر به « عليه السلام » لا ينخرم عنه بشعرة ! ونلاحظ في المقابل إيمان عبد الله وأولاده بما يقوله الصادق « عليه السلام » عن مستقبلهم ، وإن أظهروا التشكيك والمكابرة ، ولذا قال له : « عليه السلام » : ( والله إنك لتعلم . . ) .
3 - لا يغرك أدب عبد الله وأولاده مع الإمام الصادق « عليه السلام » عند حاجتهم إلى تأييده ، لأنهم يعرفون أن شعبيته أوسع من شعبيتهم وأعمق ، ولذلك يقول له عبد الله : ( إن الناس مادُّون أعناقهم إليك ، وإن أجبتني لم يتخلف عني أحد ، ولك أن لا تكلف قتالاً ولا مكروهاً ) . وعندما ردهم الإمام « عليه السلام » رداً جميلاً ليناً ، ووعدهم بعدم معارضتهم ، كشفوا عن حقيقتهم التي لا تختلف بشئ عن حقيقة جبابرة بني أمية إن لم تزد عليها ! فهم يزعمون أنهم يثورون على بني أمية للنهي عن المنكر وإنصاف المسلمين ، وأول عملهم أنهم يجبرون المسلمين على بيعتهم ، ولا يتورعون عن قتل ابن عمهم : ( إسماعيل بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب وهو شيخ كبير ضعيف ، قد ذهبت إحدى عينيه وذهبت رجلاه ، وهو يُحمل حملاً ) ! فقتلوه ظلماً وعدواناً لمجرد أنه لم يبايع طاغيتهم محمد المتسمي بالمهدي !
وأهانوا الإمام الصادق « عليه السلام » وحبسوه لأنه لم يبايعهم ، ودفعوه في ظهره وأدخلوه السجن ! وصادروا أمواله وأموال كل من لم يبايعهم ! وربما أرادوا قتله فأنجاه الله بكرامة لم تصل إلينا ! فأي عدل يريد أن يملأ به الأرض هذا المهدي المزعوم ؟ ! إن المكتوب يقرأ من عنوانه ، وعنوانه ظلم متعمد لمن يعرفون مكانته وحرمته !
ولك أن تقدر ما تَحَمَّله الإمام الباقر « عليه السلام » والأئمة المعصومون « عليهم السلام » من أقاربهم المخالفين ، وكل ذنبهم أن الله اختارهم للإمامة ولم يختر أولئك !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 266 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال أمير المؤمنين « عليه السلام » : ( والله ما تنقم منا قريش إلا أن الله اختارنا عليهم . . . أين الذين زعموا أنهم الراسخون في العلم دوننا ، كذباً وبغياً علينا أن رفعنا الله ووضعهم ، وأعطانا وحرمهم ، وأدخلنا وأخرجهم ) ! ( نهج البلاغة : 1 / 82 ، و 2 / 27 ) .
4 - وصف الإمام الصادق « عليه السلام » محمد بن عبد الله الذي ادعى المهدية بأوصاف شديدة كما رأيت ، وفيها قوله لأبيه : ( والله إنك لتعلم أنه الأحول الأكشف الأخضر المقتول بسدة أشجع بين دورها عند بطن مسيلها ) ! واستشهد ببيت الأخطل الذي يهجو به جريراً : فانعق بضأنك يا جرير فإنما . . مَنَّتْكَ نفسُك في الخَلاء ضلالا ! ( والمعنى إنك من رعاة الغنم لا من الأشراف ، وما منتك نفسك به في الخلاء أنك من العظماء ، فضلالً باطل ) . ( خزانة الأدب : 11 / 140 ، وأمالي المرتضى : 1 / 157 . وقد غلط في تفسيره في البحار : 47 / 289 ، وشرح الكافي : 6 / 314 ) .
5 - عين أبي زياد أو عين زياد : بساتين أنشأها الإمام الصادق « عليه السلام » قرب المدينة ، ففي تاريخ المدينة لعمر بن شبة : 1 / 172 ، أن سيول المدينة تنحدر وتجتمع عند إضم الذي سمي به لانضمام السيول إليه : ( ثم تجتمع فتنحدر على عين أبي زياد ، ثم تنحدر فيلقاها شعاب يمنة ويسرة ) . وفي تاج العروس : 18 / 413 ، أنها عند وادي نعمان .
وقال الشيخ الأنصاري « رحمه الله » : ( يظهر من بعض الأخبار أن عين زياد كانت ملكاً لأبي عبد الله « عليه السلام » ) . ( المكاسب : 2 / 210 . الوسائل : 6 / 140 ) . وفي الكافي : 3 / 569 ، أن غلَّتها كانت أربعة آلاف دينار ، وأن الإمام الصادق « عليه السلام » كان يقسمها ويبقى له أربع مئة دينار . وفي الطبري : 6 / 205 : ( كتب أبو جعفر إلى عيسى بن موسى : من لقيك من آل أبي طالب فاكتب إلي باسمه ، ومن لم يلقك فاقبض ماله . قال فقبض عين أبى زياد وكان جعفر بن محمد تغيب عنه ، فلما قدم أبو جعفر كلمه جعفر ، وقال : ما لي قد قبضه مهديكم ) ! يذكِّره الإمام « عليه السلام » ببيعته له وأنه كان يأخذ بركابه ويمشي معه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 267 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كالخادم ويقول : هذا مهدينا أهل البيت ، وكان الإمام « عليه السلام » ينهاهم عن ذلك ! وهذا يدل على أن والي المدينة أخذها من أموال مهدي الحسنيين .
وفي الطبري : 6 / 224 : ( فقال : يا أمير المؤمنين ردَّ عليَّ قطيعتي عين أبى زياد آكل من سعفها . قال : إياي تكلم بهذا الكلام ، والله لأزهقن نفسك ! قال : فلا تعجل عليَّ قد بلغت ثلاثاً وستين وفيها مات أبي وجدي وعلي بن أبي طالب ! وعليَّ كذا وكذا إن رِبْتُك بشئ أبداً ، وإن بقيتُ بعدك إن ربتُ الذي يقوم بعدك . قال : فرقَّ له وأعفاه . وحدثني هشام بن إبراهيم بن هشام بن راشد قال : لم يرد أبو جعفر عين أبى زياد حتى مات ، فردها ( ابنه ) المهدي على ولده ) . ونحوه تاريخ الإسلام : 9 / 31 .
وفي مقاتل الطالبيين / 184 ، عن الرومي مولى جعفر بن محمد قال : ( أرسلني جعفر بن محمد « عليه السلام » أنظر ما يصنعون ؟ فجئته فأخبرته أن محمداً قتل ، وأن عيسى قبض على عين أبي زياد ، فنكس طويلاً ثم قال : ما يدعو عيسى إلى أن يسبنا ويقطع أرحامنا ! فوالله لا يذوق هو ولا ولده منها شيئاً أبداً ) .
وفي الكافي : 5 / 229 ، أن أحدهم أراد أن يشتري تمرها من السلطة ، فبعث يسأل الإمام « عليه السلام » عن ذلك فأجاب : ( يشتريه فإنه إن لم يشتره اشتراه غيره ) .
6 - يُعرف راوي القصة « رحمه الله » موسى بن عبد الله باسم ( موسى الجون ) لسمرته ، وله أولاد كثيرون ولعله أكثر الحسنيين ذرية ، ومن أولاده المشهورين عبد الله بن موسى بن عبد الله ، الذي طلبه المأمون فتوارى عنه فكتب له يعطيه الأمان ويضمن له أن يوليه العهد بعده ، فأجابه : ( وصل كتابك وفهمته ، تختلني فيه عن نفسي ختل القانص ، وتحتال علي حيلة المغتال القاصد لسفك دمي ، وعجبت من بذلك العهد وولايته لي بعدك ، كأنك تظن أنه لم يبغلني ما فعلته بالرضا ، ففي أي شئ ظننت أني أرغب من ذلك . . . أم في العنب المسموم الذي قتلت به الرضا ؟ ! . . . فلم أجد أضر على
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 268 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الاسلام منك ، لأن الكفار أظهروا كفرهم فاستبصر الناس في أمرهم ، وعرفوهم فخافوهم ، وأنت ختلت المسلمين بالاسلام وأسررت الكفر فقتلت بالظنة وعاقبت بالتهمة وأخذت المال من غير حله فأنفقته في غير حله ، وشربت الخمر المحرمة صراحاً وأنفقت مال الله على الملهين وأعطيته المغنيين . . . فإن يسعدني الدهر ويعني الله عليك بأنصار الحق أبذل نفسي في جهادك بذلاً يرضيه مني ، وإن يمهلك ويؤخرك . . فحسبي من سعيي ما يعلمه الله عز وجل من نيتي . . . ولم يزل عبد الله متوارياً إلى أن مات في أيام المتوكل ) . ( مقاتل الطالبيين / 630 ) .
ومن أولاده بنو الأخيضر ، الذين حكموا اليمامة مدة ، وأغاروا على مكة والمدينة مراراً ، ثم حكموا الحرمين . ( ابن خلدون : 4 / 98 ، وسر السلسلة العلوية / 9 ) .
وقد ترجمت له مصادر التاريخ والرواة ، ووثقه ابن شبة والخطيب وابن معين . وقال البخاري : فيه نظر . ( تاريخ الذهبي : 13 / 416 ، وتاريخ بغداد : 13 / 27 ، وتاريخ دمشق : 60 / 443 ) .
أقول : طبيعي أن يتوقف فيه بخاري لأن مروياته شديدة عليهم ، ففيها أن النبي « صلى الله عليه وآله » أمر أبا بكر وعمر أن يسلما على علي « عليه السلام » بإمرة المؤمنين ! وفيها ، أن الله تعالى اختار علياً « عليه السلام » خليفة : ( قال رسول الله « صلى الله عليه وآله » : لما عُرج بي إلى السماء وصرت إلى سدرة المنتهى أوحى الله إليَّ : يا محمد قد بلوت خلقي فمن وجدت أطوعهم ؟ قلت : يا رب علياً . قال : صدقت يا محمد . ثم قال : هل اخترت لأمتك خليفة من بعدك يعلمهم ما جهلوا من كتابي ويؤدي عني ؟ قلت : اللهم اختر لي فإن اختيارك خير من اختياري . قال : قد اخترت لك علياً ) . ( نوادر المعجزات للطبري / 74 ) . راجع : مناقب أمير المؤمنين لسليمان الكوفي : 2 / 271 ، ومقاتل الطالبيين / 259 ، و 290 ، و 415 ، و 437 ، وشرح الأخبار : 3 / 326 ، وعمدة الطالب / 111 ، والبحار : 28 / 316 ، و : 30 / 386 ، ومعجم السيد الخوئي : 20 / 55 ) .
7 - مع أن عبد الله بن الحسن المثنى كان يملك قدرة تأثير وإقناع يضرب بها المثل لكنه لم يؤثر على كل أولاده ، فكان منهم ومن ذريتهم شيعة للإمام الصادق « عليه السلام » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 269 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وابنه موسى صاحب القصة نموذج لمن تشيع منهم لما رآه من آيات .
ويظهر أن أفضل الحسنيين وأعمقهم إيماناً وتشيعاً شهيد فخ « رحمه الله » وهو الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن الحسن بن الإمام الحسن « عليه السلام » ، الذي ثار على الدولة العباسية عندما أمعنت في إبادة أبناء علي وفاطمة « صلى الله عليه وآله » ، وقد أثنى عليه الأئمة « عليهم السلام » .
8 - تضمنت الرواية أن عبد الله بن الحسن كان أكبر سناً من الإمام الصادق « عليه السلام » وذكر في الإحتجاج : 1 / 131 أن عبد الله بن الحسن توفي سنة 145 ، وله خمس وسبعون سنة ، فولادته نحو السبعين هجرية ، بينما ولادة الإمام الصادق « عليه السلام » سنة ثمانين هجرية ، أما مهدي الحسنيين محمد بن عبد الله فولد سنة ثلاث وتسعين أو خمس وتسعين ، فيكون الإمام الصادق « عليه السلام » أكبر منه ببضع عشرة سنة .
9 - تضمنت الرواية دعاء الإمام الصادق « عليه السلام » على الأنصار ولعنه لهم لعدم وفائهم للنبي « صلى الله عليه وآله » حيث لم يحموا ذريته مما يحمون منه أنفسهم وذراريهم ! قال « عليه السلام » : ( لعنكم الله يا معشر الأنصار ، ثلاثاً ، ما على هذا عاهدتم رسول الله « صلى الله عليه وآله » ولا بايعتموه ) . وقد تكرر هذا الإحتجاج من الأئمة « عليهم السلام » على الأنصار وقريش لأن النبي « صلى الله عليه وآله » أخذ بيعة العقبة على حمايته وحماية ذريته ، وأن لا ينازعوا الأمر أهله . وبنحوها كانت بيعة الشجرة ! فكان يجب على الأنصار أن يقاوموا السقيفة وظلم قريش وبني أمية لأهل البيت « عليهم السلام » ، ولكنهم لم يفعلوا ونقضوا بيعتهم ، فعاقبهم الله بالقتل والذل !
وقد بحثنا ذلك في الإنتصار : 7 / 11 ، وأوردنا مصادره ، وتصحيحهم لحديثه .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 270 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

8 - عبد الله بن الحسن يدعو إلى مؤتمر الأبواء لبيعة ابنه

روت مصادر التاريخ أن عبد الله بن الحسن دعا شخصيات بني هاشم إلى مؤتمر في الأبواء سنة 126 قرب المدينة ، ليبايعوا ابنه محمداً على أنه المهدي الموعود !
ففي مقاتل الطالبيين / 140 ، و 171 ، عن عمر بن شبة ومؤرخين عاصروا تلك الفترة ، بعدة أسانيد ، قال : ( إن بني هاشم اجتمعوا فخطبهم عبد الله بن الحسن ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : إنكم أهل البيت قد فضلكم الله بالرسالة واختاركم لها ، وأكثركم بركة يا ذرية محمد « صلى الله عليه وآله » بنو عمه وعترته ، وأولى الناس بالفزع في أمر الله ، من وضعه الله موضعكم من نبيه « صلى الله عليه وآله » ، وقد ترون كتاب الله معطلاً وسنة نبيه متروكة والباطل حياً والحق ميتاً . قاتلوا لله في الطلب لرضاه بما هو أهله قبل أن ينزع منكم اسمكم ، وتهونوا عليه كما هانت بنو إسرائيل وكانوا أحب خلقه إليه . وقد علمتم أنا لم نزل نسمع أن هؤلاء القوم إذا قتل بعضهم بعضاً خرج الأمر من أيديهم ، فقد قتلوا صاحبهم يعني الوليد بن يزيد ( سنة 126 ) فهلمَّ نبايع محمداً فقد علمتم أنه المهدي ! فقالوا : لم يجتمع أصحابنا بعد ، ولو اجتمعوا فعلنا ، ولسنا نرى أبا عبد الله جعفر بن محمد ! فأرسل إليه ابن الحسن فأبى أن يأتي ، فقام وقال : أنا آت به الساعة فخرج بنفسه حتى أتى مضرب الفضل بن عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة بن الحرث فأوسع له الفضل ولم يصدِّره ، فعلمت أن الفضل أسن منه ، فقام له جعفر وصدَّره فعلمت أنه أسن منه . ثم خرجنا جميعاً حتى أتينا أبا عبد الله فدعا إلى بيعة محمد فقال له جعفر : إنك شيخ وإن شئت بايعتك وأما ابنك فوالله لا أبايعه وأدعك ) . وفي رواية : ( إن جماعة من بني هاشم اجتمعوا بالأبواء وفيهم إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس ، وأبو جعفر المنصور ، وصالح
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 271 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بن علي ، وعبد الله بن الحسن بن الحسن ، وابناه محمد وإبراهيم ، ومحمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان . فقال صالح بن علي : قد علمتم أنكم الذين تمد الناس أعينهم إليهم وقد جمعكم الله في هذا الموضع ، فاعقدوا بيعة لرجل منكم تعطونه إياها من أنفسكم ، وتواثقوا على ذلك حتى يفتح الله وهو خير الفاتحين .
فحمد الله عبد الله بن الحسن وأثنى عليه ثم قال : قد علمتم أن ابني هذا هو المهدي فهلموا فلنبايعه . وقال أبو جعفر المنصور : لأي شئ تخدعون أنفسكم ! ووالله لقد علمتم ما الناس إلى أحد أطول أعناقاً ولا أسرع إجابة منهم إلى هذا الفتى ! يريد محمد بن عبد الله . قالوا : قد والله صدقت ، إن هذا لهو الذي نعلم !
فبايعوا جميعاً محمداً ومسحوا على يده ! قال عيسى ( بن زيد بن الحسن ) : فأرسلني أبي أنظر ما اجتمعوا عليه ، وأرسل جعفر بن محمد محمد بن عبد الله الأرقط بن علي بن الحسين فجئناهم ، فإذا بمحمد بن عبد الله يصلي على طنفسة رجل مثنية ، فقلت : أرسلني أبي إليكم لأسألكم لأي شئ اجتمعتم ؟ فقال عبد الله : اجتمعنا لنبايع المهدي محمد بن عبد الله .
قالوا : وجاء جعفر بن محمد فأوسع له عبد الله بن الحسن إلى جنبه فتكلم بمثل كلامه ، فقال جعفر : لا تفعلوا فإن هذا الأمر لم يأت بعد ! إن كنت ترى يعني عبد الله أن ابنك هذا هو المهدي فليس به ولا هذا أوانه ، وإن كنت إنما تريد أن تخرجه غضباً لله وليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، فإنا والله لا ندعك وأنت شيخنا ونبايع ابنك . فغضب عبد الله وقال : علمتَ خلاف ما تقول ! ووالله ما أطلعك الله على غيبه ولكن يحملك على هذا الحسد لابني ! فقال : والله ما ذاك يحملني ولكن هذا وإخوته وأبناؤهم دونكم وضرب بيده على ظهر أبي العباس ، ثم ضرب بيده على كتف عبد الله بن الحسن ، وقال : إنها والله ما هي إليك ولا إلى ابنيك ولكنها لهم وإن ابنيك
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 272 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لمقتولان ! ثم نهض وتوكأ على يد عبد العزيز بن عمران الزهري . فقال : أرأيت صاحب الرداء الأصفر يعني أبا جعفر ؟ قال : نعم . قال : فإنا والله نجده يقتله ! قال له عبد العزيز : أيقتل محمداً ؟ قال : نعم . قال : فقلت في نفسي : حسده ورب الكعبة ! قال : ثم والله ما خرجت من الدنيا حتى رأيته قتلهما !
قال : فلما قال جعفر ذلك انفضَّ القوم فافترقوا ولم يجتمعوا بعدها ، وتبعه عبد الصمد وأبو جعفر فقالا : يا أبا عبد الله أتقول هذا ؟ قال : نعم ، أقوله والله وأعلمه ) .
والإرشاد / 276 ، وإعلام الورى / 271 و 272 ، ومناقب ابن شهرآشوب : 4 / 228 ، وفيه : إنها والله ما هي إليك ولا إلى ابنك ، وإنما هي لهذا يعني السفاح ، ثم لهذا يعني المنصور ، يقتله على أحجار الزيت ، ثم يقتل أخاه بالطفوف وقوائم فرسه في الماء ، فتبعه المنصور فقال : ما قلت يا أبا عبد الله ؟ فقال : ما سمعته وإنه لكائن ! قال : فحدثني من سمع المنصور أنه قال : انصرفت من وقتي فهيأت أمري ، فكان كما قال ) . وإثبات الهداة : 3 / 112 ، عن إعلام الورى ، والبحار : 47 / 276 ، عنه وعن الإرشاد .
ملاحظات
1 - أورد السيد الخوئي هذا الحديث في ترجمة عبد الله بن الحسن في معجمه : 11 / 170 ، ونقل قول المفيد « قدس سره » : ( وهذا حديث مشهور كالذي قبله لا تختلف العلماء بالآثار في صحتها ) . وأضاف السيد الخوئي « قدس سره » : ( والمتحصل أن عبد الله بن الحسن مجروح مذموم ، ولا أقل من أنه لم يثبت وثاقته أو حسنه ) .
2 - جعلنا تاريخ هذا المؤتمر سنة 126 ، لقول عبد الله بن الحسن في خطبته : ( وقد علمتم أنا لم نزل نسمع أن هؤلاء القوم إذا قتل بعضهم بعضاً خرج الأمر من أيديهم ، فقد قتلوا صاحبهم يعني الوليد بن يزيد فهلمَّ نبايع محمداً ) . ويزيد بن الوليد المعروف بالفاسق قتله سَمِيُّه الوليد بن يزيد المعروف بالناقص ( يوم الخميس لليلتين بقيتا من من جمادى الآخرة سنة 126 ) . ( الطبري : 5 / 556 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 273 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وبويع ليزيد الناقص وامتنع أهل حمص عن بيعته ، ثم مات أو قتل بعد شهور ، ثم بويع لإبراهيم بن الوليد ، واضطرب أمر بني أمية بينه وبين مروان بن محمد . قال الطبري : 5 / 596 : ( ثم كان إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك بن مروان غير أنه لم يتم له أمر . . وكان يسلم عليه جمعة بالخلافة ، وجمعة بالأمرة ، وجمعة لا يسلمون عليه لا بالخلافة ولا بالأمرة ) ! انتهى . وبعد صراع في بقية تلك السنة غلب مروان بن محمد الملقب بالحمار وبويع له في أوائل سنة 127 . ( تاريخ دمشق : 57 / 327 ) .
ومعنى ذلك أن نشاط الحسنيين بدأ في تلك السنة ، أي بعد ثورة زيد بسبع سنين ! أما العباسيون فكانوا تابعين لهم ومتحمسين لبيعة مهديهم محمد بن عبد الله ، كما صرح صالح بن علي بن عبد الله بن عباس ، وابن أخيه المنصور ، أما أبو السفاح والمنصور محمد بن علي فكان يومها في الشام يعيش على سفرة بني أمية التي تصله في منفاه في الأردن ، وعندما شحت سفرتهم لاضطراب الخلافة احتاج السفاح والمنصور أن يلتحقا بعبد الله بن معاوية بن جعفر بن أبي طالب الذي ثار في إيران فملك الأهواز وأصفهان في سنة 127 ، ووظفهما عنده ، كما تقدم .
وبهذا تسقط أكاذيب كثيرة للعباسيين ، بأنهم أرسلوا دعاتهم إلى خراسان زمن عمر بن عبد العزيز ! والصحيح أن أبا مسلم بدأ حركته في أواخر سنة 128 ، في خلافة مروان الحمار ، ولم يعلن خلافة إبراهيم العباسي إلا في أواخر سنة 132 ، فقبض عليه مروان .
3 - عقدنا في المعجم الموضوعي لأحاديث الإمام المهدي « عج الله تعالي فرجه الشريف » فصلاً في تحريف البشارة النبوية وادعاء المهدية ، وقلنا إن معاوية ادعى المهدية في مقابل مهدي بني هاشم ، ثم ادعاها موسى بن طلحة بن عبيد الله ، ثم ادعاها من بني هاشم اثنان هما محمد بن عبد الله بن الحسن المثنى ، ثم محمد بن عبد الله المنصور المعروف
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 274 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بالمهدي العباسي ، وحاول أنصار كل منهما أن يطبقوا أحاديث المهدي الموعود على صاحبهم . وكان عبد الله بن الحسن المثنى أبرعهم ! فادعاها أول الأمر لنفسه : ( لم يزل عبد الله بن الحسن منذ كان صبياً يتوارى ويراسل الناس بالدعوة إلى نفسه ويسمى بالمهدي ) ! ( مقاتل الطالبيين / 239 ) . ثم ادعاها لابنه محمد ورباه تربية خاصة وحجبه عن الناس وأشاع حوله الأساطير ! ففي تهذيب الكمال : 25 / 467 : ( عن ابن أخي الزهري : تجالسنا بالمدينة أنا وعبد الله بن حسن فتذاكرنا المهدي ، فقال عبد الله بن حسن : المهدي من ولد الحسن بن علي . فقلت : يأبى ذاك علماء أهل بيتك ! فقال عبد الله : المهدي والله من ولد الحسن بن علي ، ثم من ولدي خاصة ) .
لذلك نرجح أنه هو الذي زاد في حديث البشارة النبوية : ( واسم أبيه اسم أبي ) ، مع أن أصله : اسمه اسمي وكنيته كنيتي ، وليس فيه : واسم أبيه اسم أبي !
وقد أقنع عبد الله حلفاءه العباسيين بمهدية ابنه وبايعوه ! فكان المنصور يأخذ بركاب محمد هذا ويقول : ( هذا مهدينا أهل البيت ) ! ( مقاتل الطالبيين / 239 ) .
ثم عندما اختلفوا مع الحسنيين ادعى المنصور المهدية لابنه محمد ، المعروف بالمهدي العباسي ! ووضعوا له أحاديث عن ابن عباس وغيره مثل : ( منا السفاح والمنصور ، والمهدي يسلمها إلى الدجال ) . ( العيون لابن قتيبة : 1 / 302 ) .
4 - نلاحظ أن الأئمة « عليهم السلام » تعمدوا في مناسبات عديدة أن يخبروا بني العباس بأنهم سيحكمون ، فقد أخبر أمير المؤمنين « عليه السلام » ابن عباس بأن طفله علياً هو أبو الملوك العباسيين ! وأخبر الإمام الباقر « عليه السلام » المنصور بأنه سيحكم وسماه جباراً ! ثم أكد له ذلك الإمام الصادق « عليه السلام » ، وأخبر أبناء عمه الحسنيين بأنهم لا يصلون إلى الحكم ، وأن العباسيين سيحكمون ويقتلونهم ! وهو عمل مقصود ، يحقق عدة أهداف لخدمة الإسلام وأمته ، فمن جهة يثبت اختصاص الأئمة « عليهم السلام » بعلم بعض المغيبات
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 275 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كرامةً من الله ورسوله « صلى الله عليه وآله » . ومن جهة يقوي العباسيين على العمل ضد الأمويين ، كما يشجعهم على الحسنيين ! وكأن الله تعالى لم يشأ أن يحكم الحسنيون الأمة ، لأنهم أسوأ من العباسيين في حسدهم لأئمة أهل البيت « عليهم السلام » وشيعتهم ، فقد يتبنون تجاههم سياسة الإبادة التامة ! فأراد الله عز وجل أن يبعد ضرر حكمهم عن اسم الإمام الحسن « عليه السلام » ، وعن الأئمة الحسينيين « عليهم السلام » حتى لا يقيسهم الناس بهم !
ويشبه ذلك حكم الحسينيين غير الأئمة « عليهم السلام » كما في ثورة زيد وابنه يحيى « رحمه الله » . والعلويون كما في ثورة عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر . فقد كانت مقومات النجاح متوفرة لهم ولكن الصدفة ، بل الإرادة الربانية أطاحت بجهودهم !

9 - الحسنيون يُقنعون فقهاء البصرة والمدينة بمبايعة مهديهم !

نشط عبد الله بن الحسن المثنى وأولاده في الدعوة إلى مهديهم من سنة 126 وأقنعوا أكثر علماء عصرهم بذلك ، فبايعه كبار فقهاء البصرة والمدينة من معتزلة وغيرهم مثل عمرو بن عبيد ، وواصل بن عطاء ، وحفص بن سالم ، وابن عجلان ، ومالك بن أنس ، وأبي حنيفة ، وغيرهم ! بعضهم بايعه في زمن بني أمية ، وبعضهم زمن بني العباس ، وأفتوا بوجوب الخروج معه ، وبأن بيعة المسلمين للمنصور باطلة لأنها بيعة إكراه ! ووفى هؤلاء الفقهاء والمتصوفة ببيعتهم لمحمد ، ولم ينكثوها كما نكثها المنصور وبنو عباس ، بل تحدوا العباسيين وأفتوا بالخروج عليهم بعد ثلاث عشرة سنة من قيام دولتهم !
ففي الطبري : 6 / 228 و 229 ، أن المنصور قال لمحمد بن عثمان بن خالد الزبيري : ( هيهْ يا عثمان ! أنت الخارج على أمير المؤمنين والمعين عليه ؟ ! قال : بايعت أنا وأنت رجلاً بمكة ، فوفيت ببيعتي وغدرت بيعتك ! . . . قال : أين المال الذي عندك ؟ قال :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 276 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
دفعته إلى أمير المؤمنين « رحمه الله » ! قال : ومن أمير المؤمنين ؟ قال محمد بن عبد الله ! قال : أبايعته ؟ قال : نعم كما بايعتَه ! قال يا ابن اللخناء : قال ذاك من قامت عنه الإماء ! قال : اضرب عنقه . قال فأمر فضربت عنقه ) .
ويظهر أن واصل بن عطاء رئيس المعتزلة ، وعمرو بن عبيد كبير علماء البصرة ، قادا حركة بيعة الفقهاء لمهدي الحسنيين ! ففي مقاتل الطالبيين / 196 ، بسنده عن ابن فضالة النحوي قال : ( اجتمع واصل بن عطاء ، وعمرو بن عبيد في بيت عثمان بن عبد الرحمن المخزومي من أهل البصرة ، فتذاكروا الجَوْر ، فقال عمرو بن عبيد : فمن يقول بهذا الأمر ممن يستوجبه وهو له أهل ؟ فقال واصل : يقوم به والله من أصبح خير هذه الأمة : محمد بن عبد الله بن الحسن . فقال عمرو بن عبيد : ما أرى أن نبايع ولا نقوم إلا مع من اختبرناه وعرفنا سيرته . فقال له واصل : والله لو لم يكن في محمد بن عبد الله أمر يدل على فضله إلا أن أباه عبد الله بن الحسن في سنه وفضله وموضعه ، قد رآه لهذا الأمر أهلاً ، وقدمه فيه على نفسه ، لكان لذلك يستحق ما نراه له ، فكيف بحال محمد في نفسه وفضله ؟
قال يحيى ( بن الحسن المذكور في سند الحديث ) : وسمعت أبا عبيد الله بن حمزة يحدِّث قال : خرج جماعة من أهل البصرة من المعتزلة ، منهم واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد وغيرهما ، حتى أتوا سويقة ، فسألوا عبد الله بن الحسن أن يُخرج لهم ابنه محمداً حتى يكلموه ، فضرب لهم عبد الله فسطاطاً ، واجتمع هو ومن شاوره من ثقاته أن يخرج إليهم إبراهيم بن عبد الله . فأخرج إليهم إبراهيم ، وعليه ريطتان ومعه عكازة ، حتى أوقفه عليهم ، فحمد الله وأثنى عليه وذكر محمد بن عبد الله وحاله ، ودعاهم إلى بيعته ، وعذرهم في التأخر عنه ، فقالوا : اللهم إنا نرضى برجل هذا رسوله ! فبايعوه وانصرفوا إلى البصرة ) !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 277 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ملاحظات
1 - قوله : ( اجتمع واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد في بيت عثمان بن عبد الرحمن المخزومي من أهل البصرة ) . ( عثمان بن عبد الرحمن بن سعيد . . . المخزومي حجازي سمع عروة بن الزبير ) . ( الجرح والتعديل : 6 / 157 ) . فصاحب البيت الذي اجتمعوا فيه قرشي من الرواة ، وأبوه كان قاضي البصرة ( أخبار القضاة لابن حيان : 2 / 142 ) . وأمه أم كلثوم بنت أبي بكر . ( تاريخ دمشق : 69 / 249 ) .
2 - قوله : حتى أتوا سويقة . ( موضع قرب المدينة يسكنه آل علي بن أبي طالب رضي الله عنه ) . ( معجم البلدان : 3 / 286 ) . ( فيه مساكن ونخيل للحسنيين ) . ( أعيان الشيعة : 6 / 99 ) .
ومعناه أن وفد فقهاء البصرة وشخصياتها جاؤوا خصيصاً ليروا مهدي الحسنيين فإن اقتنعوا بشخصيته بايعوه . ويفاجؤك هنا أن مهدي الحسنيين غيَّبَه أبوه ، ولما طلبوا منه أن يريهم طلعته البهية ، نصب لهم فسطاطاً أي خيمة كطبيرة وعقد مجلساً ، ولم يخرج لهم مهديه الأسمر بل أخرج بدله أخاه إبراهيم بزيِّ الصلحاء ! فكلمهم وأعجبهم فبايعوا مهديهم لأن بديله أعجبهم وعادوا إلى البصرة فرحين شاكرين ! فهل هذا سذاجة وبَلَهٌ من أولئك الفقهاء ، أو حيلة ونفاق !
3 - بايع الحسن المثنى لولده المهدي عندما قتل يزيد بن الوليد 126 واشتد صراع بني أمية على الخلافة ، وقد قتل يزيد يزيداً في وسط السنة ، والمرجح أن يكون مجئ فقهاء البصرة ولقاءهم بالإمام الصادق « عليه السلام » في السنة التالية 127 حيث جدد الحسن المثنى بيعة ولده ، وفيها تمت بيعة مروان الحمار بدمشق .
4 - يظهر أن بيعة فقهاء البصرة وشخصياتها لمهدي الحسنيين ، أثمرت شعبية واسعة للحسنيين ، فبعد قتل مهديهم في المدينة سنة 145 ، ذهب أخوه إبراهيم إلى البصرة وسيطر عليها بسهولة ، وجند منها خمسين ألف مقاتل ، قصد فيها الكوفة ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 278 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ومدحه بشار بن برد وشجعه على المنصور فقال :

إذا بلغ الرّأي المشورة فاستعن * برأي نصيحٍ أو نصاحة حازم
وآذن من القربى المقدّم نفسه * ولا تشهد الشورى امرءًا غير كاتم
وما خير كفّ أمسك الغلّ أختها * وما خير سيف لم يوتّد بقائم
وخل الهوينا للضعيف ولا تكن * نؤوماً فإن الحزم ليس بنائم
وحارب إذا لم تعط إلا ظلامة * شبا الحرب خير من قبول المظالم

( نهاية الإرب : 3 / 6 / 71 ، وبهجة المجالس : لابن عبد البر / 212 ، والأغاني : 3 / 150 ، ومحاضرات الراغب / 16 ) .
5 - ذكر المؤرخون عدداً آخر من الفقهاء بايعوا مهدي الحسنيين ، قال الذهبي في تاريخه : 9 / 23 : ( فلما قتل وولي المدينة جعفر بن سليمان ، أتوه بابن عجلان فكلمه كلاماً شديداً وقال : خرجت مع الكذاب ! وأمر بقطع يده ، فلم ينطق إلا أنه حرك شفتيه . فقال من حضر من العلماء : أصلح الله الأمير ، إن ابن عجلان فقيه المدينة وعابدها ، وإنما شبه عليه وظن أنه المهدي الذي جاءت فيه الرواية ، ولم يزالوا يرغبون إليه حتى تركه . ولزم عبيد الله بن عمر ضيعة له واعتزل فيها ، وخرج أخواه عبد الله وأبو بكر مع محمد بن عبد الله ولم يقتلا ، عفا عنهما المنصور . واختفى جعفر الصادق وذهب إلى مال له بالفراغ معتزلاً للفتنة « رحمه الله » . . .
قال سعد بن عبد الحميد . . . أن مالكاً استفتيَ في الخروج مع محمد وقيل له : إن في أعناقنا بيعة للمنصور ، فقال : إنما بايعتم مكرهين وليس على مكره يمين ! فأسرع الناس إلى محمد ، ولزم مالك بيته ) . والطبري : 6 / 188
وفي الطبري : 6 / 211 : ( أتيَ بابن هرمز إلى عيسى بعدما قتل محمد فقال : أيها الشيخ أمَا وَزَعَك فقهك عن الخروج مع من خرج ! قال : كانت فتنة شملت الناس فشملتنا فيهم ! قال : إذهب راشداً . . . سمعت مالك بن أنس يقول كنت آتي ابن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 279 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
هرمز فيأمر الجارية فتغلق الباب وترخى الستر ، ثم يذكر أول هذه الأمة ثم يبكى حتى تخضل لحيته . قال : ثم خرج مع محمد فقيل له : والله ما فيك شئ ! قال قد علمت ، ولكن يراني جاهل فيقتدي بي ) . راجع : الطبري : 6 / 226 .
وفي الطبري : 6 / 226 : ( وخرج معه أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن أبي سبرة . . . وخرج معه عبد الواحد بن أبي عون . . . وعبد العزيز بن محمد الدراوردي ، وعبد الحميد بن جعفر ، وعبد الله بن عطاء بن يعقوب وبنوه . . . وعبد الله وعطاء ويعقوب وعثمان وعبد العزيز بنو عبد الله بن عطاء . قال أبو جعفر لعيسى بن موسى : من استنصر مع محمد ؟ قال : آل الزبير . قال ومَن ؟ قال : وآل عمر . قال : أما والله لعن غير مودة بهما له ولا محبة له ولا لأهل بيته ) .
أقول : ترجع أسباب مبايعة الفقهاء والشخصيات لمهدي الحسنيين ، إلى تنامي وعي الأمة لأمجاد علي والحسن والحسين « عليهم السلام » وأبنائهم الأئمة « عليهم السلام » ، وثقتهم بهم ككل بدون تمييز بينهم وتصورهم أنهم يعملون لتحقيق العدالة واحترام الإنسان ! كما ترجع إلى الموجة التي أحدثتها جهود الإمام الباقر والصادق « صلى الله عليه وآله » ، وثورة زيد « رحمه الله » . والى تفاقم ويلات المسلمين من بني أمية ، وسوء ظنهم بالعباسيين ، وشعورهم بأن سياستهم نفس سياسة بني أمية !
أما الأئمة « عليه السلام » فكانوا يرون أن الحسنيين كالعباسيين إن لم يكونوا أسوأ منهم ! وقد تقدم موقف الإمام الصادق « عليه السلام » وتكذيبه عبد الله بن الحسن في ادعاء المهدية لابنه ، وإخباره المنصور الذي كان يأخذ بركابه بأنه سيقتله وأخاه ! ففي رجال الطوسي : 2 / 473 : ( عن أبي غيلان قال : أتيت الفضيل بن يسار فأخبرته أن محمداً وإبراهيم ابني عبد الله بن الحسن قد خرجا ، فقال لي : ليس أمرهما بشئ قال : فصنعت ذلك مراراً ، كل ذلك يرد علي مثل هذا الرد . قال قلت : رحمك الله قد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 280 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أتيتك غير مرة أخبرك فتقول ليس أمرهما بشئ ، أفبرأيك تقول هذا ؟ قال فقال : لا والله ، ولكن سمعت أبا عبد الله « عليه السلام » يقول : إن خرجا قتلا ) . وفي تاريخ الطبري : 6 / 223 : ( حدثتني أمي أم حسين بنت عبد الله بن محمد بن علي بن حسين قالت : قلت لعمي جعفر بن محمد : إني فديتك ما أمْر محمد بن عبد الله ؟ قال : فتنة يقتل فيها محمد عند بيت رومي ، ويقتل أخوه لأبيه وأمه بالعراق وحوافر فرسه في ماء ) . انتهى .
وممن اقتدى بالإمام الصادق « عليه السلام » سليمان بن الأعمش « رحمه الله » ولذلك نجا من فخ المنصور ، حيث زوَّرَ له كتاباً : ( على لسان محمد يدعوه إلى نصرته ، فلما قرأه قال : قد خبرناكم يا بني هاشم فإذا أنتم تحبون الثريد ، فلما رجع الرسول إلى أبي جعفر ( المنصور ) فأخبره ، قال : أشهد أن هذا كلام الأعمش ) . ( الطبري : 6 / 203 ) .

10 - فقهاء البصرة يحاولون إقناع الإمام الصادق « عليه السلام » برأيهم

يظهر أن الحسنيين دفعوا هؤلاء الفقهاء ليقنعوا الإمام الصادق « عليه السلام » بالإنضمام إليهم ، فناقشهم الإمام « عليه السلام » وأثبت لهم أن مشروع الحسنيين لا يختلف عن مشروع بني أمية ! لأنه لا يقوم على حكم الأمة بالعلم والفقه ، بل بالجبر والظن والهوى !
في الكافي : 5 / 23 ، والتهذيب : 6 / 148 ، بسند صحيح عن عبد الكريم بن عتبة ، قال : ( كنت قاعداً عند أبي عبد الله « عليه السلام » بمكة إذ دخل عليه أناس من المعتزلة ، فيهم عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء ، وحفص بن سالم مولى ابن هبيرة ، وناس من رؤسائهم ، وذلك حدثان قتل الوليد واختلاف أهل الشام بينهم ، فتكلموا وأكثروا وخطبوا فأطالوا ، فقال لهم أبو عبد الله « عليه السلام » : إنكم قد أكثرتم عليَّ فأسندوا أمركم إلى رجل منكم وليتكلم بحججكم ويوجز ، فأسندوا أمرهم إلى عمرو بن عبيد ، فتكلم فأبلغ وأطال ، فكان فيما قال أن قال : قد قتل أهل الشام خليفتهم ، وضرب
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 281 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الله عز وجل بعضهم ببعض وشتت الله أمرهم ، فنظرنا فوجدنا رجلاً له دين وعقل ومروة ، وموضع ومعدن للخلافة ، وهو محمد بن عبد الله بن الحسن ، فأردنا أن نجتمع عليه فنبايعه ثم نظهر معه ، فمن كان بايعنا فهو منا وكنا منه ، ومن اعتزلنا كففنا عنه ، ومن نصب لنا جاهدناه ونصبنا له على بغيه ورده إلى الحق وأهله . وقد أحببنا أن نعرض ذلك عليك فتدخل معنا ، فإنه لا غنى بنا عن مثلك لموضعك وكثرة شيعتك . فلما فرغ قال أبو عبد الله « عليه السلام » : أكلكم على مثل ما قال عمرو ؟ قالوا : نعم فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي « صلى الله عليه وآله » ثم قال :
إنما نسخط إذا عصي الله فأما إذا أطيع رضينا . أخبرني يا عمرو لو أن الأمة قلدتك أمرها وولتك بغير قتال ولا مؤونة وقيل لك ولِّها من شئت ، من كنت توليها ؟ قال : كنت أجعلها شورى بين المسلمين . قال : بين المسلمين كلهم ؟ قال : نعم ، قال : بين فقهائهم وخيارهم ؟ قال : نعم ، قال : قريش وغيرهم ؟ قال : نعم ، قال : والعرب والعجم ؟ قال : نعم .
قال : أخبرني يا عمرو أتتولى أبا بكر وعمر أو تتبرأ منهما ؟ قال : أتولاهما ، فقال : فقد خالفتهما ! ما تقولون أنتم تتولونهما أو تتبرؤون منهما ، قالوا : نتولاهما . قال : يا عمرو إن كنت رجلاً تتبرأ منهما فإنه يجوز لك الخلاف عليهما ، وإن كنت تتولاهما فقد خالفتهما ! قد عهد عمر إلى أبي بكر فبايعه ولم يشاور فيه أحداً ، ثم ردها أبو بكر عليه ولم يشاور فيه أحداً ! ثم جعلها عمر شورى بين ستة وأخرج منها جميع المهاجرين والأنصار غير أولئك الستة من قريش ! وأوصى فيهم شيئاً لا أراك ترضى به أنت ولا أصحابك ، إذ جعلتها شورى بين جميع المسلمين ! قال : وما صنع ؟ قال : أمر صهيباً أن يصلي بالناس ثلاثة أيام ، وأن يشاور أولئك الستة ليس معهم أحد ، وابن عمر يشاورونه وليس له من الأمر شئ ، وأوصى من
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 282 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بحضرته من المهاجرين والأنصار إن مضت ثلاثة أيام قبل أن يفرغوا أو يبايعوا رجلاً أن يضربوا أعناق أولئك الستة جميعاً ! فإن اجتمع أربعة قبل أن تمضي ثلاثة أيام وخالف اثنان أن يضربوا أعناق الاثنين ! أفترضون بهذا أنتم فيما تجعلون من الشورى في جماعة من المسلمين ؟ قالوا : لا .
ثم قال : يا عمرو ، دع ذا ، أرأيت لو بايعت صاحبك الذي تدعوني إلى بيعته ثم اجتمعت لكم الأمة فلم يختلف عليكم رجلان فيها ، فأفضتم إلى المشركين الذين لا يسلمون ولا يؤدون الجزية ، أكان عندكم وعند صاحبكم من العلم ما تسيرون بسيرة رسول الله « صلى الله عليه وآله » في المشركين في حروبه ؟ قال : نعم ، قال : فتصنع ماذا ؟ قال : ندعوهم إلى الإسلام فإن أبوا دعوناهم إلى الجزية . قال : وإن كانوا مجوساً ليسوا بأهل الكتاب ؟ قال : سواء ، قال : وإن كانوا مشركي العرب وعبدة الأوثان ؟ قال : سواء ، قال : أخبرني عن القرآن تقرؤه ؟ قال : نعم ، قال : إقرأ : قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ . فاستثناء الله عز وجل واشتراطه من الذين أوتوا الكتاب فهم والذين لم يؤتوا الكتاب سواء ؟ قال : نعم ، قال عمن أخذت ذا ؟ قال : سمعت الناس يقولون ! قال : فدع ذا ، فإن هم أبوا الجزية فقاتلتهم فظهرت عليهم كيف تصنع بالغنيمة ؟ قال : أخرج الخمس وأقسم أربعة أخماس بين من قاتل عليه . قال : أخبرني عن الخمس من تعطيه ؟ قال : حيثما سمى الله ، قال فقرأ : وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَئٍ فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ . قال : الذي للرسول من تعطيه ؟ ومن ذو القربى قال : قد اختلف فيه الفقهاء فقال بعضهم : قرابة النبي وأهل بيته ، وقال بعضهم : الخليفة ، وقال بعضهم : قرابة الذين قاتلوا عليه من المسلمين ، قال : فأي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 283 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ذلك تقول أنت ؟ قال : لا أدري ، قال : فأراك لا تدري فدع ذا . . . . قال : نعم ، قال : فقد خالفت رسول الله « صلى الله عليه وآله » في كل ما قلت في سيرته ، كان رسول الله « صلى الله عليه وآله » يقسم صدقة أهل البوادي في أهل البوادي وصدقة أهل الحضر في أهل الحضر ولا يقسمه بينهم بالسوية ، وإنما يقسمه على قدر ما يحضره منهم وما يرى ، وليس عليه في ذلك شئ موقت موظف . . . ثم أقبل على عمرو بن عبيد فقال له :
إتق الله ، وأنتم أيها الرهط فاتقوا الله ، فإن أبي حدثني وكان خير أهل الأرض وأعلمهم بكتاب الله عز وجل وسنة نبيه « صلى الله عليه وآله » أن رسول الله قال : من ضرب الناس بسيفه ودعاهم إلى نفسه وفي المسلمين من هو أعلم منه ، فهو ضَالٌّ متكلف ) .
ملاحظات
1 - بين لهم الإمام « عليه السلام » في احتجاجه أنهم وغيرهم لا يملكون آلية لانتخاب خليفة ، وأنهم لا علم لهم بفقه الإسلام ليحكموا به المسلمين . وهما دليلان على ضرورة وجود الإمام المعصوم . والعصمة أمر خفي يعلمه الله تعالى ولا يعلمه البشر : إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ . كما أن الحاكم يحتاج إلى علم بالكتاب وغيره ، وهو علم يورثه الله للأئمة المختارين من عترة نبيه « صلى الله عليه وآله » فقط : ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا .
2 - أثبت الإمام « عليه السلام » لفقهاء البصرة أنهم لا علم لهم بالأحكام الشرعية في مسائل مالية محسوسة كتوزيع غنائم الحرب والجزية والصدقات ، فكيف بغيرها ! وإذا كانوا هم فقهاء الأمة لا يعرفون فكيف بمن سيبايعونه وهو أقل علماً منهم ؟ !
3 - وخلص الإمام « عليه السلام » إلى بيان شرط الأعلم أمام كل طامح لحكم المسلمين ، وإذا اعترف المسلمون بهذا الشرط في قائد الحركة والدولة فسيصلون إلى أهل البيت « عليهم السلام » ، الذين هم أعلم الأمة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 284 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
4 - ألفت الإمام « عليه السلام » فقهاء البصرة إلى شورى عمر المزعومة ، وتناقضه مع أبي بكر كما ألفت إلى سنة رسول الله « صلى الله عليه وآله » وبعد الحكام عنها ، بل عدم فهمهم لها .
ومما يتصل بالموضوع قول الإمام الصادق « عليه السلام » : ( إن القتال مع غير الإمام المفترض طاعته حرام مثل الميتة والدم ولحم الخنزير ) ! ( الكافي : 5 / 24 ) وقول مهدي العباسيين المتقدم للإمام الصادق « عليه السلام » يوماً : ( والله إني لأعلم منك وأسخى منك وأشجع منك ! فقال : أما ما قلت إنك أعلم مني فقد أعتق جدي وجدك ألف نسمة من كد يده فسمهم لي ، وإن أحببت أن أسميهم لك إلى آدم ، فعلت ) ! ( المناقب : 3 / 355 ) .

11 - لم يستفد الحسنيون من القاعدة الزيدية وضيعوا فرصاً ذهبية

نلاحظ في تاريخ حركة الحسنيين ( بقطع النظر عن أن هدفهم دنيوي ) أنهم كانت تنقصهم المبادرة وسرعة الإقدام ، وكأن الله شاء أن لا يحكموا ! فتراهم لم يشاركوا زيداً « رحمه الله » في ثورته ، مع أن عبد الله بن الحسن كان شخصية بارزة ، لكن اكتفى بادعاء المهدية لابنه بعد حركة زيد « رحمه الله » . ( تاريخ الدولة العباسية / 384 ) .
ثم أوصى لهم يحيى بن زيد « رحمه الله » فقال للمتوكل بن هارون عن نسخة الصحيفة : ( فهي أمانة لي عندك حتى توصلها إلى ابني عمي محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي « عليه السلام » فإنهما القائمان في هذا الأمر بعدي ) . لكنهم لم يقوموا بعد شهادته « رحمه الله » بنشاط مهم ، واكتفوا بأخذ البيعة لمهديهم سنة 127 ، وبنشاطهم في البصرة مع الفقهاء الذين بايعوا مهديهم .
وكانت نظرة عبد الله بن الحسن لأهل الكوفة سيئة ، قال : ( أهل الكوفة نفخ في العلانية ، خَوَرٌ في السريرة ، هرجٌ في الرخاء ، جزعٌ في اللقاء ، تتقدمهم ألسنتهم ولا تشايعهم قلوبهم ، ولقد تواترت إلي كتبهم بدعوتهم فصممت عن ندائهم ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 285 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وألبست قلبي غشاء عن ذكرهم ، يأساً منهم واطراحاً لهم ، وما لهم مثل إلا كما قال علي بن أبي طالب : إن أهملتم خضتم ، وإن حوربتم خرتم ، وإن اجتمع الناس على إمامة طعنتم ، وإن أجبتم إلى مشقة نكصتم ) . ( كامل ابن الأثير : 5 / 235 ) .
ومع الإشكال على كلامه في تقييم أهل الكوفة ، فلا عذر له في عدم التحرك في إيران لجمع أنصار يحيى « رحمه الله » ومواصلة حركته بعد أن أوصى لهم ، خاصة بعد أن رفع أبو مسلم الخراساني شعار الثأر بدم يحيى وأمر الناس بالبكاء عليه !
لكنه تأخر حتى حج إبراهيم بن محمد ومعه قحطبة سنة 129 ، فاقترح أن يرسل ولده محمداً ليبايعوا له في خراسان ! ( حج ( إبراهيم ) في سنة تسع وعشرين ومئة وحج معه قحطبة ، فلقيه عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب بمكة فاستسلفه مالاً ، وقد بلغه أن قحطبة قدم عليه بمال من خراسان ، فقال له إبراهيم : كم تريد ؟ قال : أريد أربعة آلاف دينار ، فقال إبراهيم : والله ما هي عندي ولكن هذه ألف دينار فخذها صلة ، وأمر عروة مولاه بحملها إليه . وانصرفوا صادرين من حجهم وقد سقط إلى عبد الله بن الحسن وَضَحٌ من أمر إبراهيم ، فلما صاروا إلى المدينة اتخذ عبد الله بن الحسن طعاماً فدعا أهل بيته ، ودعا إبراهيم ومن كان معه فلما طعموا قال عبد الله لإبراهيم ، وليس معهما إلا رجلان من مشايخهم : إنه قد بلغنا أن أهل خراسان قد تحركوا لدعوتنا ، فلو نظرنا في ذلك فاخترنا منا من يقوم بالأمر فيهم ، فقال إبراهيم : نجمع مشايخنا فننظر فلن نخرج مما اتفقوا عليه . وافترقا على ذلك ، وجمع أهله وأهل بيته وبعث إلى إبراهيم ومعه يومئذ داود بن علي ويحيى بن محمد ، فلما أتوه قدم إليهم الطعام فلما فرغوا من طعامهم قال عبد الله : إنه قد انتهى إلي تشمير أهل المشرق في الدعاء إلى آل محمد ، فانظروا في ذلك واتفقوا على رجل يقوم بالأمر فتأتيهم رسله . فقال بعضهم : أنت أسن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 286 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أهل بيتك فقل ، فقال : نعم ، محمد ابني فقد أملته الشيعة ، وهو في فضله ونعمة الله عليه ، فوصفه بالفضل فأسكت القوم . فقال إبراهيم : سبحان الله يا أبا محمد ، تدع مشايخنا وذوي الأسنان منا وتدعونا إلى فتى كبعضنا ! لو دعوتنا إلى نفسك أو إلى بعض من ترى . ما هاهنا أحد من ذوي الأسنان يرضى بهذا في نفسه وإن أعطاك الرضا في علانيته ! قال من حضر منهم : صدق وبرَّ ، فأيقن ( إبراهيم ) بأن قد وطأ الأمر لنفسه . وانصرف إبراهيم إلى منزله من السراة ) . ( تاريخ الدولة العباسية / 387 ) .
فلماذا لم يبادر عبد الله ويرسل أحداً إلى خراسان إلى جنب أبي مسلم ، أو موازياً له ؟ لعل سببه أنه يعرف أن هوى أبي مسلم مع أولاد العباس ، وأنه يخاف أن يغضب عليه الخليفة مروان ، فقد كان يحتفظ معه بعلاقة حسنة : ( قال مروان بن محمد لعبد الله بن الحسن : إئتني بابنك محمد . قال : وما تصنع به يا أمير المؤمنين ؟ قال : لا شئ إلا أنه إن أتانا أكرمناه وإن قاتلناه ، وإن بعد عنا لم نُهِجْهُ . . عن المغبرة بن زميل العنبري أن مروان بن محمد قال له : ما فعل مهديكم ؟ قال : لا تقل ذلك يا أمير المؤمنين فليس كما يبلغك . فقال : بلى ، ولكن يصلحه الله ويرشده ) . ( مقاتل الطالبيين / 175 ) .
ومعناه أن مرواناً كان يعلم بمشروع الحسنيين ، وقد قرر أن لا يهيجهم قبل أن يظهروا حركتهم ! ولذا اتهمهم العباسيون بأنهم حركوا مرواناً ضد إبراهيم ( الإمام ) وأنهم السبب في سجنه وقتله ، فزعموا أن عبد الله كتب له : ( إنك تظن يا أمير المؤمنين أن أحداً لا ينازعكم ملككم غير بني أبي طالب ، هذا إبراهيم بن محمد في جوارك بالشام قد زحفت إليك شيعته من خراسان . فقال إبراهيم : كذب عبد الله بن الحسن يا أمير المؤمنين ! أفلا ينصح لك في محمد ابنه الذي يزعم أنه مهدي هذه الأمة ، وهو مستخف منك ومن الوليد بن يزيد ومن هشام
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 287 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بن عبد الملك ، تربصه للخلافة ) . ( تاريخ الدولة العباسية / 394 ) .
ثم زعم العباسيون أن مرواناً أحضر عبد الله إلى حران ، فدافع عن نفسه بأنه ليس عنده حركة بل الحركة في خراسان تأخذ البيعة لإبراهيم ! ( فقال له عبد الله بن الحسن : وما أنا وهذا ، وصاحب أمرهم إبراهيم بن محمد وهو المتحرك لها ، وكان أبوه من قبله على مثل رأيه فشأنك به ! فحلفه على براءته مما ظن به فحلف له ، ولما حلف له أخذ بيعته وخلى عنه ) . ( تاريخ الدولة العباسية / 394 ) .
ولا نعلم صدق هذه التهمة ، لكن المؤكد أن الحسنيين فوَّتوا فرصاً كثيرة ، وآخرها أن القائد بن هبيرة الذي كان معه عشرون ألف مقاتل وكان مرابطاً في واسط ، ولم يستطع جيش أبي مسلم الخراساني والسفاح الإنتصار عليه طوال سنة : ( بعث ابن هبيرة إلى محمد بن عبد الله بن الحسن المثنى بأن يبايع له ، فأبطأ عنه جوابه ) . ( ابن خلدون : 3 / 175 ) .
أما العباسيون فلم يفوتوا الفرصة ، واعتمدوا على الإيرانيين ، ووثقوا علاقتهم مع كبيرهم بكير بن ماهان ، الذي أرسل فتاه أبا مسلم إلى خراسان وكان ابن 19 سنة ، فلم يقبله المعارضون ، ثم عاود إرساله في السنة التالية 129 ، وأمره أن يبايع للرضا من آل محمد « صلى الله عليه وآله » ، بدون تسمية أحد ، فأخذ يسجل نجاحاته ، كما يأتي !

12 - رسالة أبي سلمة الخلال إلى الإمام الصادق « عليه السلام » وبقية العلويين

من المؤكد فيما يسمى الثورة العباسية أو الحسنية ، أنها كانت إيرانية بقيادة الفرس ، وأنهم قدموها إلى العباسيين الذين لم يتعبوا فيها ، ولم يقاتلوا إلا بعد أن بايعهم القادة الفرس بالخلافة ، وظهر انتصارهم على الخليفة الأموي المكسور !
أما صُنَّاع الثورة فهم ثلاث شخصيات : بكير بن ماهان وهو المؤسس والمنظر
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 288 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والقائد حتى مات في أواخر سنة 127 . ( كامل ابن الأثير : 5 / 339 ) . وبعده صهره أبو سلمة الخلال الذي استخلفه بكير رئيساً للحركة في الكوفة فقاد الثورة وهو مختف في الكوفة حتى دخل الجيش الخراساني العراق فحرر الكوفة من بني أمية بخطة ذكية . وأبو مسلم الخراساني غلام بكير ، الذي أرسله الخلال إلى إيران فقاد الثورة وأجاد العمل سياسياً وعسكرياً ، واستفاد من الخلاف المضري اليمني ، واستولى على إيران في نحو سنتين ، قرية قرية ومدينة ومدينة ، من أقصى خراسان حتى الأهواز وحلوان ، إلى داخل العراق .
وسجل التاريخ لأبي سلمة حركة غريبة عندما أكمل تحرير إيران ووصلت قواته إلى الكوفة ، ولم يبق إلا معركة واسط المحاصرة ، ومعركة حران مع الخليفة الأموي المكسور ، وعندما وصل العباسيون إلى الكوفة من الشام والحجاز وفيهم أولاد محمد بن علي وهم السفاح والمنصور ، بعد أن كان أبو مسلم أعلن أخاهم إبراهيم خليفة ، فسجنه مروان في حران وقتله .
والحركة الغريبة أن أبا سلمة قام بحبس بني العباس في الكوفة أربعين يوماً أو شهرين ، بحجة كتمان أمرهم حتى يتهيأ الجو السياسي ، بل رووا أنه أهانهم ولم يعطهم أجرة الجمال الذي حملهم إلى الكوفة ! وكتب إلى ثلاثة من العلويين هم الإمام الصادق « عليه السلام » وعبد الله بن الحسن وعمر بن علي ، يقول إنا دعونا الناس إلى الرضا من آل محمد ولم نسم شخصاً ، ويعرض عليهم أن يأخذ لهم البيعة ! وأوصى رسوله أن يبدأ بالإمام الصادق « عليه السلام » فإن أجابه فلا يوصل الرسالتين إلى عبد الله وعمر ! لكن أبا الجهم مولى باهلة وهو قائد صغير عند أبي مسلم عرف بالأمر في أثناء هذه المدة ، فحرك بعض القادة الصغار ضد أبي سلمة وأخرجوا العباسيين من حبسهم فاعتذر أبو سلمة بأنه كان يُحكم الأمر للعباسيين !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 289 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال في عمدة الطالب / 101 : ( ولما قدم أبو العباس السفاح وأهله سراً على أبي سلمة الخلال الكوفة ، ستر أمرهم وعزم أن يجعلها شورى بين ولد علي والعباس حتى يختاروا هم من أرادوا ، ثم قال : أخاف أن لا يتفقوا ، فعزم على أن يعدل بالأمر إلى ولد علي من الحسن والحسين ، فكتب إلى ثلاثة نفر منهم : جعفر بن محمد علي بن الحسين ، وعمر بن علي بن الحسين ، وعبد الله بن الحسن ، ووجه بالكتب مع رجل من مواليهم من ساكني الكوفة ، فبدأ بجعفر بن محمد فلقيه ليلاً وأعلمه أنه رسول أبي سلمة وأن معه كتاباً إليه منه ، فقال : وما أنا وأبو سلمة وهو شيعة لغيري ؟ فقال الرسول : تقرأ الكتاب وتجيب عليه بما رأيت . فقال جعفر لخادمه : قدم مني السراج ، فقدمه فوضع عليه كتاب أبي سلمة فأحرقه فقال : ألا تجيبه ؟ فقال : قد رأيت الجواب !
فخرج من عنده وأتى عبد الله بن الحسن بن الحسن فقبل كتابه ، وركب إلى جعفر بن محمد فقال له : أي أمر جاء بك يا أبا محمد ، لو أعلمتني لجئتك ؟
فقال : أمر يجلُّ عن الوصف ! قال : وما هو يا أبا محمد ؟ قال : هذا كتاب أبي سلمة يدعوني لأمر يجل عن الوصف ! قال : وما هو يا أبا محمد ؟ قال : هذا كتاب أبي سلمة يدعوني لأمر ويراني أحق الناس به وقد جاءته شيعتنا من خراسان !
فقال له جعفر الصادق « عليه السلام » : ومتى صاروا شيعتك ؟ أأنت وجهت أبا سلمة إلى خراسان وأمرته بلبس السواد ؟ هل تعرف أحداً منهم باسمه ونسبه ؟ كيف يكونون من شيعتك وأنت لا تعرفهم ولا يعرفونك ! فقال : عبد الله : إن كان هذا الكلام منك لشئ ! فقال جعفر « عليه السلام » : قد علم الله أني أوجب على نفسي النصح لكل مسلم فكيف أدخره عنك فلا تُمنينَّ نفسك الأباطيل ، فإن هذه الدولة ستتم لهؤلاء القوم ولا تتم لأحد من آل أبي طالب ، وقد جاءني مثل ما جاءك ! فانصرف غير راض
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 290 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بما قاله . وأما عمر بن علي بن الحسين فرد الكتاب وقال : ما أعرف كاتبه فأجيبه ) .
يدل هذا النص وغيره على أن أبا سلمة الخلال أراد أن يغير مسار الخلافة من بني العباس إلى بني علي « عليه السلام » ، ولم يكن عمله هذا بدافع عقائدي لشهادة الإمام الصادق « عليه السلام » بأنه شيعة لغيره ! بل بحسابات سياسية لمصلحة الإيرانيين تنسجم مع هدف سلفه مؤسس الثورة بكير بن ماهان ، فهو يعبر عن أفكاره أكثر من غلامه أبي مسلم ، وأكثر من قائده قحطبة وأولاده الشيبانيين !
وتلاحظ في النص أن عبد الله بن الحسن اهتز فرحاً بأمل كاذب ضلله به أبو سلمة ، فنصحه الإمام « عليه السلام » فأساء به الظن كعادته ! وأرسل إلى أبي سلمة أن يبايع لابنه محمد ! لكن حركة أبي الجهم أحبطت خطة أبي سلمة وفرضت السفاح .

13 - بيعة الإيرانيين للسفاح وطلبه حضور الحسنيين للبيعة

من أدق التعابير عن إنتاج الخلافة العباسية ، قول ابن حبان في الثقات : 2 / 323 : ( وولى أبو مسلم أبا العباس ، واسمه عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس وذلك يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة اثنتين وثلاثين ومائة . . . وهو أول عباسي تولى الخلافة ) . انتهى .
وأخذت الشخصيات ووجهاء القبائل تتوافد من الحجاز والعراق لبيعة للسفاح في عاصمته الأنبار ، وفي تاريخ اليعقوبي : 2 / 359 : ( وقدم عبد الله بن الحسن بن الحسن على أبي العباس ، ومعه أخوه الحسن بن الحسن بن الحسن ، فأكرمه أبو العباس وبرَّه وآثره ، ووصله الصلات الكثيرة . ثم بلغه عن محمد بن عبد الله أمر كرهه ، فذكر ذلك لعبد الله بن الحسن ، فقال : يا أمير المؤمنين ما عليك من محمد شئ تكرهه . وقال له الحسن بن الحسن أخو عبد الله بن الحسن : يا أمير المؤمنين أتتكلم بلسان الثقة والقرابة أم على جهة الرهبة للملك والهيبة للخلافة ؟
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 291 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فقال : بل بلسان القرابة . فقال : أرأيت يا أمير المؤمنين إن كان الله قضى لمحمد أن يلي هذا الأمر ثم أجلبت وأهل السماوات والأرض معك أكنت دافعاً عنه ؟ قال : لا ! قال : فإن كان لم يقض ذلك لمحمد ثم أجلب محمد ، وأهل السماوات والأرض معه أيضرك محمد ؟ قال : لا والله ! ولا القول إلا ما قلت ! قال : فلم تنغص هذا الشيخ نعمتك عليه ومعروفك عنده ؟ قال : لا تسمعني ذاكراً له بعد اليوم . وبلغ أبا العباس أن محمد بن عبد الله قد تحرك بالمدينة ، فكتب إلى عبد الله بن الحسن في ذلك وكتب في الكتاب :

أريد حياته ، ويريد قتلي * عذيرك من خليلك من مراد
فكتب إليه عبد الله بن الحسن :

وكيف يريد ذاك ، وأنت منه * بمنزلة النياط من الفؤاد
وكيف يريد ذاك ، وأنت منه * وأنت لهاشم رأس وهاد
وطفئ أمر محمد في خلافة أبي العباس ، فلم يظهر منه شئ . وكان متى بلغ أبا العباس عنه شئ ذكر ذلك لعبد الله فيقول : يا أمير المؤمنين ! إنا نحميها بكل قذاة يخل ناظرك منها ، فيقول : بك أثق ، وعلى الله أتوكل . وكان أبو العباس كريماً حليماً جواداً ، وصولاً لذوي أرحامه ) . وبعضه تاريخ بغداد : 9 / 438 .

14 - جعل المنصور هدفه الأول القبض على مهدي الحسنيين

( لما استخلف أبو جعفر ( المنصور ) لم تكن له همة إلا طلب محمد والمسألة عنه وما يريد ، فدعا بني هاشم رجلاً رجلاً كلهم يُخْليه ( يُفرده ) فيسألهم عنه ، فيقولون يا أمير المؤمنين قد علم أنك قد عرفته يطلب هذا الشأن قبل اليوم ، فهو يخافك على نفسه ، وهو لا يريد لك خلافاً ولا يحب لك معصية وما أشبه هذه المقالة ، إلا حسن بن زيد فإنه أخبره خبره وقال : والله ما آمن وثوبه عليك . . . وقد ذكر أن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 292 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
محمداً كان يذكر أن أبا جعفر ممن بايع له ليلة تشاور بنو هاشم بمكة فيمن يعقدون له الخلافة حين اضطرب أمر بني مروان ، مع سائر المعتزلة الذين كانوا معهم هنالك ) .
( الطبري في تاريخه : 6 / 155 ، وأبو الفرج في مقاتل الطالبيين / 143 ، والذهبي في تاريخه : 9 / 15 ) .
ووصف الطبري وغيره بحث المنصور عن مهدي الحسنيين ، فقال : 6 / 157 : ( اشترى أبو جعفر رقيقاً من رقيق الأعراب ، ثم أعطى الرجل منهم البعير والرجل البعيرين والرجل الذَّوْد ( عدة أباعر ) وفرقهم في طلب محمد في ظهر المدينة ، فكان الرجل منهم يرد الماء كالمار وكالضال فيفرون عنه . . . قدم محمد البصرة مختفياً في أربعين فأتوا عبد الرحمن بن عثمان بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فقال له عبد الرحمن : أهلكتني وشهرتني ، فانزل عندي وفرق أصحابك ، فأبى ! فقال : ليس لك عندي منزل ، فنزل في بنى راسب . . . قدم محمد فنزل على عبد الله بن شيبان أحد بني مرة بن عبيد فأقام ستة أيام ثم خرج فبلغ أبا جعفر مقدمه البصرة ، فأقبل مغذاً حتى نزل الجسر الأكبر . . . وكان محمد قد خرج قبل مقدم أبي جعفر . . .
ووصف زياد والي المدينة مجئ المنصور إلى المدينة وتحيره وقلقه في أمر مهدي الحسنيين إلى حد الهوس ! قال : ( فأدخلني ووقف خلفي بين البابين فإذا الشمع في نواحي القبة فهي تزهر ، ووصيف قائم في ناحيتها ، وأبو جعفر مُحْتَبٍ بحمائل سيفه على بساط ، ليس تحته وسادة ولا مصلى ، وإذا هو منكس رأسه ينقر بجُرْز في يده ، قال فأخبرني الربيع أنها حاله من حين صلى العتمة إلى تلك الساعة ! قال : فما زلت واقفاً حتى إني لأنتظر نداء الصبح وأجد لذلك فرجاً ، فما يكلمني بكلمة ، ثم رفع رأسه إليَّ فقال : يا ابن الفاعلة أين محمد وإبراهيم ؟ !
قال : ثم نكس رأسه ونكت أطول مما مضى له ، ثم رفع رأسه الثانية فقال : يا ابن الفاعلة أين محمد وإبراهيم ؟ قتلني الله إن لم أقتلك ! قال : قلت له : أنت نفرتهما
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 293 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عنك ! بعثت رسولا بالمال الذي أمرت بقسمه على بني هاشم فنزل القادسية ثم أخرج سكيناً يحده وقال : بعثني أمير المؤمنين لأذبح محمداً وإبراهيم ، فجاءتهما بذلك الأخبار فهربا ) ! ( الطبري : 6 / 162 ) .
( استعمل أبو جعفر على المدينة محمد بن خالد بعد زياد ، وأمره بالجد في طلب محمد وبسط يده في النفقة في طلبه ، فأغذ السير حتى قدم المدينة هلال رجب سنة 141 فوجد في بيت المال سبعين ألف دينار وألف ألف درهم ، فاستغرق ذلك المال ، ورفع في محاسبته أموالاً كثيرة أنفقها في طلب محمد ، فاستبطأه أبو جعفر واتهمه ، فكتب إليه أبو جعفر يأمره بكشف المدينة وأعراضها وأمر القسري أهل المدينة فلزموا بيوتهم سبعة أيام وطافت رسله والجند ببيوت الناس يكشفونها لا يحسون شيئاً . . . فلما استبطأه أبو جعفر ورأى ما استغرق من الأموال عزله . . . جَدَّ أبو جعفر حين حبس عبد الله في طلب ابنيه ، فبعث عيناً له وكتب معه كتاباً على ألسن الشيعة إلى محمد يذكرون طاعتهم ومسارعتهم ، وبعث معه بمال وألطاف فقدم الرجل المدينة . . . وكان لأبي جعفر كاتب على سره كان متشيعاً فكتب إلى عبد الله بن حسن بأمر ذلك العين وما بعث له . . .
قال لي السندي مولى أمير المؤمنين : أتدري ما رفع عقبة بن سلم عند أمير المؤمنين ؟ قلت : لا ، قال أوفد عمي عمر بن حفص وفداً من السند فيهم عقبة فدخلوا على أبي جعفر ، فلما قضوا حوائجهم نهضوا فاسترد عقبة فأجلسه ثم قال له : من أنت ؟ قال : رجل من جند أمير المؤمنين وخدمه صحبت عمر بن حفص . قال : وما اسمك ؟ قال عقبة بن سلم بن نافع . قال : ممن أنت ؟ قال : من الأزد ، ثم من بنى هناءة . قال : إني لأرى لك هيأة وموضعاً وإني لأريدك لأمر أنا به معنيٌّ لم أزل أرتاد له رجلاً عسى أن تكونه ، إن كفيتنيه رفعتك ، فقال : أرجو أن أصدِّق
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 294 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ظن أمير المؤمنين فيَّ . . ثم ذكر الطبري كيف وجهه للتجسس على عبد الله بن الحسن وأولاده وأنه تقرب منهم فوثقوا به ، وعرف الوقت الذي وقتوه لخروجهم ) . ( تاريخ الطبري : 6 / 157 : )
ووضع المنصور عليه العيون وكان يداهمه فيفلت منه : ( خرج إليه بالخيل والرجال ففزع منه محمد فأحْضَرَ ( أسرع فرسه ) شَدّاً فأفلت ، وله ابن صغير ولد في خوفه ذلك وكان مع جارية له ، فهوى من الجبل فتقطع ) ! وعندما خرج محمد حبس قائد السرية ( فلم يزل محبوساً حتى قتل محمد ) . ( تاريخ الطبري : 6 / 169 ) .
وسمع المنصور أن شخصاً اسمه وَبَر المزني رآه فكتب يطلبه : ( فحُمل إليه رجل منهم يدعى وبراً فسأله عن قصة محمد وما حكى له العين ؟ فخلف أنه ما يعرف من ذلك شيئاَ ، فأمر به فضرب سبعمائة سوط وحبس حتى مات ) ! ( الطبري : 6 / 162 ) .
وبَصَّر عليه عند المنجمين ! فكتب إلى واليه على المدينة : ( إن محمداً ببلاد فيها الأترج والأعناب فاطلبه بها . . . قال هذه رضوى فطلبه فلم يجده ) . ( الطبري : 6 / 162 ) .
وكان واليه يحضر العلويين ويهددهم ليسلموا محمداً وإبراهيم ! ( بعث إلينا رياح فأتيته أنا وجعفر بن محمد بن علي بن حسين ، وحسين بن علي بن حسين بن علي ، وعلي بن عمر بن علي بن حسين بن علي ، وحسن بن علي بن حسين بن علي بن حسين بن علي ، ورجال من قريش ، منهم إسماعيل بن أيوب بن سلمة بن عبد الله بن الوليد بن المغيرة ، ومعه ابنه خالد ، فإنا لعنده في دار مروان . . . فوثب ابن مسلم بن عقبة وكان مع رياح فاتكأ على سيفه فقال : أطعني في هؤلاء فاضرب أعناقهم . فقال : علي بن عمر : فكدنا والله تلك الليلة أن نطيح حتى قام حسين بن علي فقال : والله ما ذاك لك إنا على السمع والطاعة ) . ( الطبري : 6 / 184 ) .
وسجلت المصادر إحضار المنصور لعبد الله بن الحسن والإمام الصادق « عليه السلام »
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 295 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وتهديدهما بالقتل إن لم يحضرا محمداً ! ففي الخرائج : 2 / 635 ، عن الإمام الصادق « عليه السلام » قال : ( دعاني أبو جعفر الخليفة ومعي عبد الله بن الحسن ، وهو يومئذ نازل بالحيرة قبل أن تبنى بغداد ، يريد قتلنا لا يشك الناس فيه . فلما دخلت عليه دعوت الله بكلام ، وقد قال لابن نهيك وهو القائم على رأسه : إذا ضربت بإحدى يديَّ على الأخرى فلا تناظره حتى تضرب عنقه ! فلما تكلمت بما أريد ، نزع الله من قلب أبي جعفر الخليفة الغيظ . فلما دخلت أجلسني مجلسه وأمر لي بجائزة ) .
وفي الغارات : 2 / 850 : عن ابن عبيد : ( رأيت جعفر بن محمد وعبد الله بن الحسن بالغري عند قبر أمير المؤمنين « عليه السلام » فأذن عبد الله وأقام الصلاة وصلى مع جعفر ، وسمعت جعفراً يقول : هذا قبر أمير المؤمنين « عليه السلام » ) .
أقول : كان المنصور يعرف جيداً أن الإمام الصادق « عليه السلام » رفض ادعاء الحسنيين مهدية محمد ، لكنه وجدها فرصة لقتل الإمام « عليه السلام » ، كما سيأتي !
وعندما كان المنصور في الحج حبس شخصيات آل الحسن ! ( لما حج أبو جعفر في سنة 140 ، أتاه عبد الله وحسن ابنا حسن . . . قال : أين ابنك ؟ فقال لا أدري ، قال : لتأتيني به . قال : لو كان تحت قدمي ما رفعتهما عنه ! قال : يا ربيع قم به إلى الحبس . . ) . وقال الذهبي في تاريخه : 9 / 15 : ( فلما طال أمر الأخوين على المنصور أمر رياحاً ( واليه على المدينة ) بأخذ بني حسن وحبسهم ، فأخذ حسناً وإبراهيم ابني حسن بن حسن ، وحسن بن جعفر بن حسن بن حسن ، وسليمان وعبد الله ابني داود بن حسن بن حسن ، وأخاه علياً العابد ، ثم قيدهم وجهر على المنبر بسب محمد بن عبد الله وأخيه فسبح الناس وعظموا ما قال ، فقال رياح : ألصق الله بوجوهكم الهوان ! لأكتبن إلى خليفتكم غشكم وقلة نصحكم ! فقالوا : لا سمع منك يا بن المحدودة ! وبادروه يرمونه بالحصى ، فنزل واقتحم دار مروان وأغلق الباب
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 296 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فحف بها الناس فرموه وشتموه ، ثم أنهم كفوا ) .
ثم نقل الحسنيين من سجن المدينة إلى الهاشميات في العراق : ( لم يزل بنو حسن محبوسين عند رياح حتى حج أبو جعفر سنة 144 فتلقاه رياح بالربذة فرده إلى المدينة ، وأمره بإشخاص بني حسن إليه ) . ( الطبري : 6 / 173 ) .
( ثم إن آل حسن حملوا في أقيادهم إلى العراق ، ولما نظر إليهم جعفر الصادق وهم يخرج بهم من دار مروان جرت دموعه على لحيته ، ثم قال : والله لا تحفظ لله حرمة بعد هؤلاء ، وأخذ معهم أخوهم من أمهم محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان وهو ابن فاطمة بنت الحسين . وقال الواقدي : أنا رأيت عبد الله بن حسن وأهل بيته يخرجون من دار مروان ، وهم في الحديد فيجعلون في المحامل عراة ليس تحتهم وطاء ! وأنا يومئذ قد راهقت الاحتلام . . . وأخذ معهم يومئذ نحو من أربعمائة نفس من جهينة ومزينة وغيرهم ، فأراهم بالربذة ملتفين في الشمس ، وسجنت مع عبد الله بن حسن فوافى المنصور الربذة منصرفاً من الحج فسأل المنصور أن يأذن له في الدخول فامتنع ) . ( تاريخ الذهبي : 9 / 15 ) .
( لما حمل بنو حسن كان محمد وإبراهيم يأتيان معتمين كهيئة الأعراب فيسايران أبا هما ويسائلانه ويستأذناه في الخروج فيقول : لا تعجلا حتى يمكنكما ذلك ، ويقول : إن منعكما أبو جعفر أن تعيشا كريمين ، فلا يمنعكما أن تموتا كريمين ) . ( الطبري : 6 / 175 ) .
( لما قدم بعبد الله بن حسن وأهله مقيدين فأشرف بهم على النجف ، قال لأهله أما ترون في هذه القرية من يمنعنا من هذا الطاغية ؟ قال فلقيه ابنا أخي الحسن وعلي مشتملين على سيفين فقالا له : قد جئناك يا ابن رسول الله فمرنا بالذي تريد قال قد قضيتما ما عليكما ولن تغنيا في هؤلاء شيئا فانصرفا ) . ( تاريخ الطبري : 6 / 178 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 297 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
( حبس من بني حسن ثلاثة عشر رجلاً ، وحبس معهم العثماني وابنان له ، في قصر ابن هبيرة ، وكان في شرقي الكوفة مما يلي بغداد فكان أول من مات منهم إبراهيم بن حسن ، ثم عبد الله بن حسن ) . ( الطبري : 6 / 179 ) .
وقتل المنصور حفيد عثمان بن عفان لأنه كان مع بني الحسن : ( دخل محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان على أبي جعفر ، وعليه قميص وساج وإزار رقيق تحت قميصه ، فلما وقف بين يديه قال : إيهاً يا ديوث ! قال محمد : سبحان الله ، والله لقد عرفتني بغير ذلك صغيراً وكبيراً ! قال : فممَّ حملت ابنتك ، وكانت تحت إبراهيم بن عبد الله بن حسن بن الحسن ، وقد أعطيتني الأيْمان بالطلاق والعتاق ألا تغشني ولا تمالئ عليَّ عدواً . . . وأمر بشق ثيابه فشق قميصه عن إزاره فأشف عن عورته ! ثم أمر به فضرب خمسين ومائة سوط فبلغت منه كل مبلغ وأبو جعفر يفتري عليه ولا يكنِّي ! فأصاب سوط منها وجهه فقال له : ويحك أكفف عن وجهي فإن له حرمة من رسول الله ! قال فأغري أبو جعفر فقال للجلاد : الرأس الرأس ! قال فضرب على رأسه نحواً من ثلاثين سوطاً ، ثم دعا بساجور من خشب شبيه به في طوله وكان طويلاً ، فشد في عنقه وشدت به يده ثم أخرج به ملبباً ، فلما طلع به من حجرة أبي جعفر وثب إليه مولى له فقال : بأبي أنت وأمي ألا ألوثك بردائي ؟ قال : بلى جزيت خيراً ، فوالله لشفوف إزاري أشد عليَّ من الضرب الذي نالني ! فألقى عليه المولى الثوب ومضى به إلى أصحابه المحبسين . . . فأخرج كأنه زنجي قد غيرت السياط لونه وأسالت دمه وأصاب سوط منها إحدى عينيه فسالت ! . . . ثم لبثنا هنيهة فخرج أبو جعفر في شق محمل معادله الربيع في شقه الأيمن على بغلة شقراء فناداه عبد الله : يا أبا جعفر ، والله ما هكذا فعلنا بأسرائكم يوم بدر ! قال : فأخسأه أبو جعفر ، وتفل عليه ، ومضى ولم يعرِّج ) ! ( الطبري : 6 / 176 ) .
( كتب إليه أبو عون . . . أن أهل خراسان قد تقاعسوا عني وطال عليهم أمر محمد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 298 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بن عبد الله ، فأمر أبو جعفر عند ذلك بمحمد بن عبد الله بن عمرو ( بن عثمان بن عفان ) فضربت عنقه وأرسل برأسه إلى خراسان . . فطافوا في كور خراسان وجعلوا يحلفون بالله أن هذا رأس محمد بن عبد الله بن فاطمة بنت رسول الله ! يوهمون الناس أنه رأس محمد بن عبد الله بن حسن الذي كانوا يجدون خروجه على أبي جعفر في الرواية . . . فلما قدم به ارتاب أهل خراسان ، وقالوا : أليس قد قتل مرة وأتينا برأسه ؟ ! ) . ( الطبري : 6 / 179 ) . وفي تاريخ الذهبي : 9 / 273 ، أنه كان أصغر إخوته من أمه وكانوا : ( يرقون عليه ويحبونه ، وكان لا يفارقهم ) .
وقتل المنصور منهم شاباً حسنياً موصوفاً بالجَمَال ، فبنى عليه أسطوانة كما يأتي ! وقتل الباقين بأنواع من القتل ! ففي مقاتل الطالبيين / 153 : ( مات ميِّت من آل الحسن وهم بالهاشمية محبوسون فأُخرج عبد الله بن الحسن يرسف في قيوده ليصلي عليه . . . يعقوب وإسحاق ومحمداً وإبراهيم بني الحسن قتلوا في الحبس ، بضروب من القتل ، وإن إبراهيم بن الحسن دفن حياً وطرح على عبد الله بن الحسن بيت ) ! وقال اليعقوبي : 2 / 370 : ( فلم يزالوا في الحبس حتى ماتوا ، وقد قيل إنهم وجدوا مسمرين في الحيطان ) . وتقدم تضامن الإمام الصادق « عليه السلام » معهم رغم عداوتهم له .
وذات يوم والمنصور ينتظر أخبار جواسيسه لمعرفة توقيت حركة محمد جاءه بدوي قطع الطريق مسرعاً فوصل إلى بغداد في تسعة أيام ، وأخبره بوقت خروجه : ( فقال : لأوطئن الرجال عقبيك ولأغنينك ! وأمر له بتسعة آلاف ، لكل ليلة سارها ألفاً . . . قال : أنا أبو جعفر ! استخرجت الثعلب من جحره ) ! ( الطبري : 6 / 193 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 299 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل التاسع : ثورة مهدي الحسنيين وأخيه إبراهيم على المنصور

1 - الحسنيون ولعنة ادعاء المهدوية !

كل من ادعى المهدية كذباً لحقته لعنتها ! في عمله السياسي فأصيب بالفشل ، وفي سلوكه فظهر ظلمه ، تكذيباً لادعائه بأنه سيملأ الأرض قسطاً وعدلاً !
وهذا ما ابتلى به الحسنيون لما أرادوا أن يستغلوا موجة السخط على بني أمية والتعاطف مع أهل البيت « عليهم السلام » ، ويرثوا ثورة زيد « رحمه الله » ، فابتكر مهندس حركتهم عبد الله أن يجعل ابنه محمداً المهدي الموعود ويأخذ له البيعة ، فأقنع أولاده وبقية العباسيين ودعا إلى مؤتمر الأبواء بعد بضع سنين من شهادة زيد « رحمه الله » ، وأخذ البيعة لابنه على أنه المهدي الموعود ، وكَذَّبَه الإمام الصادق « عليه السلام » وقال له : ( إن كنت ترى أن ابنك هذا هو المهدي فليس به ولا هذا أوانه ، وإن كنت إنما تريد أن تُخرجه غضباً لله وليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، فإنا والله لا ندعك وأنت شيخنا ونبايع ابنك ) . ( مقاتل الطالبيين / 140 ) . وكان المنصور من المتحمسين لبيعة محمد المهدي ! ثم كان أول المنقلبين عليه وصار يسمي أباه ( أبا قحافة ) تهكماً به ، لأنه بايع لابنه وهو حي كوالد أبي بكر بن أبي قحافة ! ( شرح النهج : 1 / 156 ) .
وثار هذا ( المهدي ) في المدينة سنة 145 في المدينة ، بعد أن حبس المنصور أباه وبقية الحسنيين : ( ثم وجه إلى مكة فأخذت له وبيَّضوا . . . ووجه أخاه إبراهيم بن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 300 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عبد الله إلى البصرة فأخذها وغلبها وبيَّضوا معه . . . أن الحسن والقاسم لما أخذا مكة تجهزا وجمعا جمعاً كثيراً ، ثم أقبلا يريدان محمداً ونصرته على عيسى بن موسى واستخلفا على مكة رجلاً من الأنصار ، فلما كانا بقديد لقيهما قتل محمد ، فتفرق الناس عنهما . . استعمل محمد الحسن بن معاوية بن عبد الله بن جعفر على مكة ، ووجه معه القاسم بن إسحاق واستعمله على اليمن . . . وموسى بن عبد الله على الشأم يدعوان إليه ، فقتلا قبل أن يصلا ) . ( الطبري : 6 / 202 ، و 203 ، و 204 ) .
أقول : استعمل بنو العباس شعار الرايات والثياب السود ، وادعوا انطباق الحديث النبوي عليهم ، وأن منهم المهدي الذي يكون أنصاره أصحاب الرايات السود من خراسان ! واستعمل الخارجون عليهم الرايات والثياب البيض ، فسميَ العباسيون ( المُسَوِّدَة ) والثوار عليهم ( المُبَيِّضَة ) .
وأرسل إليه المنصور جيشاً بقيادة ابن عمه ولي عهده عيسى بن موسى ( في أربعة آلاف من الجند ، فلما أحس محمد بن عبد الله به قد أُتِيَ ، حفر خندق النبي ( ص ) الذي كان احتفره للأحزاب فاجتمع زهاء ألف رجل ) . ( ابن خلدون : 3 / 84 ) .
وفي الطبري : 6 / 214 ، أن قسماً من الجيش كان من أهل خراسان .
وقال الذهبي في تاريخه : 9 / 26 : ( ندب المنصور لقتال محمد ، ابن عمه عيسى بن موسى وقال في نفسه : لا أبالي أيهما قتل صاحبه ! ( لأن عيسى ولي عهده بنص السفاح ، وهو يريد استبداله بابنه الذي زعم أنه المهدي ) فجهز مع عيسى أربعة آلاف فارس وفيهم محمد بن السفاح ، فلما وصل إلى فند كتب إلى أهل المدينة في خرق الحرير يتألفهم ، فتفرق عن محمد خلق ، وسار منهم طائفة لتلقِّي عيسى والتحيز إليه ، فاستشار محمد بن جعفر فقال : أنت أعلم بضعف جمعك وقلتهم ، وبقوة خصمك وكثرة جنده ، والرأي أن تلحق بمصر ، فوالله لا يردك عنها راد . . .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 301 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم إن عيسى أحاط بالمدينة في أثناء شهر رمضان ، ثم دعا محمد إلى الطاعة ثلاثة أيام ، ثم ساق بنفسه في خمسمائة فوقف بقرب السور فنادى : يا أهل المدينة إن الله قد حرم دماء بعضنا على بعض فهلموا إلى الأمان ، فمن جاء إلينا فهو آمن ، ومن دخل داره أو المسجد أو ألقى سلاحه فهو آمن ، خلوا بيننا وبين صاحبنا ، فإما لنا وإما له ، قال فشتموه فانصرف يومئذ ، ففعل من الغد كذلك ، ثم عبأ جيشه في اليوم الثالث وزحف ) .
ووصف الطبري : 6 / 188 ، مهدي الحسنيين فقال : ( كان محمد آدم شديد الأدمة ، أدلم ، جسيماً ، عظيماً ، وكان يلقب القاري من أدمته ( نسبة إلى القار أو الزفت ) ، حتى كان أبو جعفر يدعوه محمداً . . كان محمد تمتاماً فرأيته على المنبر يتلجلج الكلام في صدره فيضرب بيده على صدره يستخرج الكلام . . . حدثني من حضر محمداً على المنبر يخطب ، فاعترض بلغم في حلقه فتنحنح ، فذهب ثم عاد فتنحنح فذهب ، ثم عاد فتنحنح ثم عاد فتنحنح ، ثم نظر فلم ير موضعاً فرمى بنخامته سقف المسجد فألصقها به ) !
وقال ابن قدامة في المغني : 9 / 116 : ( قال الشافعي : بقي محمد بن عجلان في بطن أمه أربع سنين . . وبقي محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي في بطن أمه أربع سنين ، وهكذا إبراهيم بن نجيح العقيلي ) !
( اجتمع مع محمد جمع لم أر مثله ولا أكثر منه ، إني لأحسب أنا قد كنا مائة ألف ! فلما قرب عيسى خطبنا فقال : يا أيها الناس إن هذا الرجل قد قرب منكم في عدد وعدة ، وقد حللتكم من بيعتي ، فمن أحب المقام فليقم ، ومن أحب الانصراف فلينصرف ، فتسللوا حتى بقي في شرذمة ليس بالكثيرة . . . خرج ناس كثير من أهل المدينة بذراريهم وأهليهم إلى الأعراض والجبال ، فأمر محمد أبا القلمس فرد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 302 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
من قدر عليه منهم ، فأعجزه كثير منهم فتركهم ) . ( الطبري : 6 / 208 و 209 ) .
أقول : هذا يدلك على أن مهديهم يكذب كالعباسيين والأمويين ، فقد خيرهم بين البقاء معه أو ترك المدينة ، ثم أمر قائد شرطته أبا القلمس بإجبار الناس على البقاء ، فنقض كلامه لهم بأنهم في الخيار وفي حل من بيعته ! بل سمع بأن المنصور بعث برسائل إلى شخصيات من المدينة فأخذ الرسول والكتب وحبس أصحابها قبل أن تصلهم : ( وجاء بهم وضرب بعضهم ثلاث مئة ثلاث مئة ) ثم حبسهم : ( وقيدهم بكبول وسلاسل تبلغ ثمانين رطلاً ) . ( الطبري : 6 / 206 ) . كما صادر أبو القلمس إبلاً في المدينة فجاء صاحبها إلى المهدي وقال له : ( أنت تدعو إلى العدل ونفي الجور فما بال إبلي تؤخذ ! قال فدفعها إليه ) . ( الطبري : 6 / 206 ) .
أما قائد جيشه عيسى بن زيد بن الحسن فكان يقول له : ( من خالفك أو تخلف عن بيعتك من آل أبي طالب ، فأمكني منه أن أضرب عنقه ) . ( مقاتل الطالبيين / 269 ) .
وكان عيسى هذا عدواً لدوداً للإمام الصادق « عليه السلام » وهو الذي أحضره ليجبره على بيعة مهدي الحسنيين وقال له : أسلم تسلم ! وهدده وآذاه فقال له « عليه السلام » : ( أما والله يا أكشف يا أزرق ، لكأني بك تطلب لنفسك جُحْراً تدخل فيه ! وما أنت في المذكورين عند اللقاء ، وإني لأظنك إذا صُفَّق خلفك طرت مثل الهيق النافر ) . ( الكافي : 1 / 363 ) . والأكشف : الجبان ، وهو أيضاً الذي في قصاص رأسه شعرات واقفة لا تسترسل . ( نهاية ابن الأثير : 4 / 176 ، وتاج العروس : 12 / 457 ) . والهيق النافر أو الظليم : طائر النقنق أو اللقلق . ( العين : 5 / 28 ) .
وصدق الإمام الصادق « عليه السلام » ، فعندما حمي الوطيس هرب عيسى بن زيد ، وبقي كل عمره هارباً كالهيق النافر حتى قتل ! أما مهديه فلم يستطع أن يهرب فقتل . لكن أبا القلمس الذي أجبر الناس على عدم الهروب ، شبع ضحكاً وهو هارب ! قال صاحبه : ( لما انهزمنا يومئذ كنت في جماعة فيهم أبو القلمس ، فالتفت إليه فإذا هو مستغرقٌ ضحكاً ! قال فقلتُ : والله ما هذا بموضع ضحك ! وخفضت بصري فإذا برجل من المنهزمة قد تقطع قميصه فلم يبق منه إلا جربانه وما يستر صدره إلى ثدييه ، وإذا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 303 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عورته بادية وهو لا يشعر ! ! قال فجعلت أضحك لضحك أبي القلمس ) . ( الطبري : 6 / 226 ) .
( خرج محمد في أول يوم من رجب سنة 145 ، فبات بالمذاد هو وأصحابه ، ثم أقبل في الليل فدقَّ السجن وبيت المال ، وأمر برياح ( الوالي ) وابن مسلم فحبسا معاً في دار ابن هشام ) . ( الطبري : 6 / 184 ) . ( فرأيت عليه ليلة خرج قلنسوة صفراء مصرية وجبة صفراء وعمامة قد شد بها حقويه ، وأخرى قد اعتم بها متوشحاً سيفاً ، فجعل يقول لأصحابه : لا تقتلوا لا تقتلوا . . . وتعلق رياح في مشربة في دار مروان فأمر بدرجها فهدمت ، فصعدوا إليه فأنزلوه وحبسوه في دار مروان . . .
صعد محمد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أما بعد أيها الناس فإنه كان من أمر هذا الطاغية عدو الله أبي جعفر ما لم يخف عليكم ، من بنائه القبة الخضراء التي بناها معاندةً لله في ملكه ، وتصغيراً للكعبة الحرام ، وإنما أخذ الله فرعون حين قال : أنا ربكم الأعلى . وإن أحق الناس بالقيام بهذا الدين أبناء المهاجرين الأولين والأنصار المواسين . اللهم إنهم قد أحلوا حرامك وحرموا حلالك وآمنوا من أخفت ، وأخافوا من آمنت ! اللهم فأحصهم عدداً واقتلهم بدداً ولا تغادر منهم أحداً ) . ( الطبري : 6 / 186 ) .
وكان مهديهم متحيراً لا وضوح عنده ! ( إنا لعند محمد ليلة وذلك عند دنو عيسى من المدينة إذ قال محمد : أشيروا عليَّ في الخروج والمقام ؟ قال فاختلفوا فأقبل علي فقال أشر عليَّ يا أبا جعفر قلت : ألست تعلم أنك في أقل بلاد الله فرساً وطعاماً وسلاحاً وأضعفها رجالاً ؟ قال : بلى . قلت : تعلم أنك تقاتل أشد بلاد الله رجلاً وأكثرها مالاً وسلاحاً ؟ قال : بلى . قلت : فالرأي أن تسير بمن معك حتى تأتي مصر فوالله لا يردك راد ! فصاح حنين بن عبد الله : أعوذ بالله أن تخرج من المدينة وحدثه أن النبي ( ص ) قال رأيتني في درع حصينة فأولتها المدينة ) . ( الطبري : 6 / 207 ) .
ولم تطل المعركة إلا بعض يوم ، فقد قال الطبري : 6 / 210 : ( نزل عيسى بقصر
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 304 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
سليمان بالجرف . . . وغدا يوم الاثنين حتى استوى على سَلَع ، فنظر إلى المدينة والى من دخلها وخرج منها ، وشحن وجوهها كلها بالخيل والرجال ، إلا ناحية مسجد أبي الجراح وهو على بطحان فإنه تركه لخروج من هرب . . . أقبل على دابة يمشي حواليه نحو من خمسمائة وبين يديه راية يسار بها معه فوقف على الثنية ونادى : يا أهل المدينة إن الله قد حرم دماء بعضنا على بعض فهلموا إلى الأمان . . . خلوا بيننا وبين صاحبنا فإما لنا أو له . قال فشتموه وأقذعوا له وقالوا يا ابن الشاة ، يا ابن كذا يا ابن كذا . . . وانتهوا إلى الخندق . . . فأرسل إليه عيسى بأبواب بقدر الخندق فعبروا عليها حتى كانوا من ورائه ، ثم اقتتلوا أشد القتال من بكرة حتى صار العصر . . . انصرف محمد يومئذ قبل الظهر حتى جاء دار مروان فاغتسل وتحنط . . . رأيت محمداً يومئذ باشر القتال بنفسه فأنظر إليه حين ضربه رجل بسيف دون شحمة أذنه اليمنى فبرك لركبتيه وتعاوروا عليه ، وصاح حميد بن قحطبة لا تقتلوه فكفوا ، وجاء حميد فاحتز رأسه . . . بعد العصر يوم الاثنين لأربع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان ) . ( الطبري : 6 / 215 - 220 ) . ( واستحر القتال ، وانهزم أصحاب محمد بن عبد الله بن الحسن ونزل وقاتل وقتل بيده جماعة ، وحمل عليه ابن قحطبة فطعنه في صدره فصرعه ، ثم نزل فاحتز رأسه ) . ( شرح الأخبار : 3 / 236 ) .
وصدق الإمام الصادق « عليه السلام » فقد قتل مهدي الحسنيين في المكان الذي حدده له قبل نحو عشرين سنة ! في زقاق بني أشجع الغطفاني ( الطبري : 4 / 446 ، وطبعة : 7 / 594 ، وتاريخ الذهبي : 9 / 30 ) . ولا بد أن رأسه حمل ووضع عند حجر الزنابير كما أخبره « عليه السلام » .
وروى الطبري أفاعيل الجيش الخراساني في المدينة ، فقال شاهد عيان : ( إنا لعلى ظهر سلع ( جبل ) ننظر وعليه أعاريب جهينة ، إذ صعد إلينا رجل بيده رمح قد نصب عليه رأس رجل متصلاً بحلقومه وكبده وأعفاج بطنه ! قال فرأيت منه منظراً هائلاً
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 305 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وتطيَّرَتْ منه الأعاريب وأجفلتْ هاربة حتى أسهلت ( صارت في السهل ) ! وعلا الرجل الجبل ونادى على الجبل رطانة لأصحابه بالفارسية : كوهبان ( المسؤول عن الجبل ) ! فصعد إليه أصحابه حتى علوا سلعاً فنصبوا عليه راية سوداء ) . ( الطبري : 6 / 216 ) .
ودخلوا المدينة فجاءت إحدى نساء بني العباس بخمار أسود فنصبوه : ( على منارة مسجد رسول الله ( ص ) فلما رأى ذلك أصحاب محمد تنادوا دُخلت المدينة وهربوا ) . ( الطبري : 6 / 216 ) . ( وكان مكث محمد بن عبد الله من حين ظهر إلى أن قتل شهرين وسبعة عشر يوماً ) . ( الطبري : 6 / 226 ) .
( لما قُدم برأس محمد على أبي جعفر وهو بالكوفة ، أمر به فطيف به في طبق أبيض ، فرأيته آدم أرقط ، فلما أمسى من يومه بعث به إلى الآفاق ) . ( الطبري : 6 / 223 ) .
هذا ، وقد رووا في رثاء مهدي الحسنيين الذي سموه النفس الزكية ، قصائد عديدة ، منها قصيدة غالب الهمداني برواية المدائني ، وفيها :

أصبح آلُ الرسول أحمد في * الناس كذي عُرَّة به جَرَبُ
بؤساَ لهم ما جنت أكفهم * وأي حبل من أمة قضبوا ) .

( مقاتل الطالبيين / 153 ) .

2 - الرسائل المتبادلة بين المنصور ومهدي الحسنيين

من نصوص ثورة مهدي الحسنيين المهمة ، الرسائل المتبادلة بينه وبين المنصور فهي وثيقة تكشف ظروف تلك الفترة ، وتتضمن أقوى حجج الحسنيين والعباسيين ضد بعضهم . ويتضح منها قوة حجج الأئمة « عليهم السلام » على الطرفين .
قال الطبري في تاريخه : 6 / 195 : ( لما بلغ أبا جعفر المنصور ظهور محمد بن عبد الله بالمدينة كتب إليه : بسم الله الرحمن الرحيم . من عبد الله عبد الله أمير المؤمنين إلى محمد بن عبد الله . إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 306 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ . إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ . ولك عليَّ عهد الله وميثاقه وذمته وذمة رسوله ( ص ) إن تبت ورجعت من قبل أن أقدر عليك ، أن أؤمنك وجميع ولدك وإخوتك وأهل بيتك ومن اتبعكم على دمائكم وأموالكم ، وأسوغك ما أصبت من دم أو مال ، وأعطيك ألف ألف درهم ، وما سألت من الحوائج ، وأنزلك من البلاد حيث شئت ، وأن أطلق من في حبسي من أهل بيتك ، وأن أؤمن كل من جاءك وبايعك واتبعك أو دخل معك في شئ من أمرك ، ثم لا أتبع أحداً منهم بشئ كان منه أبداً ، فإن أردت أن تتوثق لنفسك فوجه إليَّ من أحببت يأخذ لك من الأمان والعهد والميثاق وما تثق به .
فكتب إليه محمد بن عبد الله : بسم الله الرحمن الرحيم . من عبد الله المهدي محمد بن عبد الله إلى عبد الله بن محمد : نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَأِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ . إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ . وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ . وأنا أعرض عليك من الأمان مثل الذي عرضت عليَّ ، فإن الحق حقنا ، وإنما ادعيتم هذا الأمر بنا ، وخرجتم له بشيعتنا ، وحظيتم بفضلنا ، وإن أبانا علياً كان الوصي وكان الإمام ، فكيف ورثتم ولايته وولده أحياء ! ثم قد علمت أنه لم يطلب هذا الأمر أحد له مثل نسبنا وشرفنا وحالنا وشرف آبائنا . لسنا من أبناء اللعناء ولا الطرداء ولا الطلقاء ! وليس يمتُّ أحد من بني هاشم بمثل الذي نمت به من القرابة والسابقة والفضل . وإنا بنو أم رسول الله ( ص ) فاطمة بنت عمرو في الجاهلية ، وبنو بنته فاطمة في الاسلام دونكم . إن الله اختارنا واختار لنا ، فوالدنا من النبيين محمد ( ص ) ومن السلف أولهم إسلاماً علي ، ومن الأزواج أفضلهن خديجة الطاهرة وأول من صلى القبلة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 307 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ومن البنات خيرهن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة ، ومن المولودين في الاسلام حسن وحسين سيدا شباب أهل الجنة ، وإن هاشماً ولد علياً مرتين ، وإن عبد المطلب ولد حسناً مرتين ، وإن رسول الله ( ص ) ولدني مرتين ، من قبل حسن وحسين ، وإني أوسط بني هاشم نسباً وأصرحهم أباً ، لم تعرِّق فيَّ العجم ، ولم تَنازع فيَّ أمهات الأولاد ، فما زال الله يختار لي الآباء والأمهات في الجاهلية والاسلام ، حتى اختار لي في النار ، فأنا ابن أرفع الناس درجة في الجنة وأهونهم عذاباً في النار ، وأنا ابن خير الأخيار وابن خير الأشرار وابن خير أهل الجنة وابن خير أهل النار . ولك الله عليَّ إن دخلت في طاعتي وأجبت دعوتي أن أؤمنك على نفسك ومالك ، وعلى كل أمر أحدثته إلا حداً من حدود الله أو حقاً لمسلم أو معاهد ، فقد علمت ما يلزمك من ذلك ، وأنا أولى بالأمر منك ، وأوفى بالعهد لأنك أعطيتني من العهد والأمان ما أعطيته رجالاً قبلي ! فأي الأمانات تعطيني أمان ابن هبيرة ، أم أمان عمك عبد الله بن علي أم ، أمان أبي مسلم ؟ !
فكتب إليه المنصور : بسم الله الرحمن الرحيم . أما بعد فقد بلغني كلامك وقرأت كتابك ، فإذا جل فخرك بقرابة النساء ، لتضل به الجفاة والغوغاء ، ولم يجعل الله النساء كالعمومة والآباء ، ولا كالعصبة والأولياء ، لأن الله جعل العم أباً وبدأ به في كتابه على الوالدة الدنيا ، ولو كان اختيار الله لهن على قدر قرابتهن كانت آمنة أقربهن رحماً وأعظمهن حقاً وأول من يدخل الجنة غداً . ولكن اختيار الله لخلقه على علمه ، لما مضى منهم واصطفائه لهم .
وأما ما ذكرت من فاطمة أم أبي طالب وولادتها ، فإن الله لم يرزق أحداً من ولدها الاسلام لابنتاً ولا ابناً ، ولو أن أحداً رزق الاسلام بالقرابة رزقه عبد الله أولاهم بكل خير في الدنيا والآخرة ، ولكن الأمر لله يختار لدينه من يشاء ، قال
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 308 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الله عز وجل : إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ولقد بعث الله محمداً « عليه السلام » وله عمومة أربعة فأنزل الله عز وجل : وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ، فأنذرهم ودعاهم فأجاب اثنان أحدهما أبي ، وأبى اثنان أحدهما أبوك فقطع الله ولايتهما منه ولم يجعل بينه وبينهما إلا ولا ذمة ولا ميراثاً ! وزعمت أنك ابن أخف أهل النار عذاباً ، وابن خير الأشرار وليس في الكفر بالله صغير ولا في عذاب الله خفيف ولا يسير ، وليس في الشر خيار ولا ينبغي لمؤمن يؤمن بالله أن يفخر بالنار ! وسترد فتعلم : وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ . وأما ما فخرت به من فاطمة أم علي وأن هاشماً ولده مرتين ، ومن فاطمة أم حسن وأن عبد المطلب ولده مرتين وأن النبي ( ص ) ولدك مرتين فخير الأولين والآخرين رسول الله ( ص ) لم يلده هاشم إلا مرة ، ولا عبد المطلب إلا مرة ! وزعمت أنك أوسط بني هاشم نسباً وأصرحهم أماً وأباً وأنه لم تلدك العجم ، ولم تعرق فيك أمهات الأولاد ، فقد رأيتك فخرت على بني هاشم طراً فانظر ويحك أين أنت من الله غداً ، فإنك قد تعديت طورك وفخرت على من هو خير منك نفساً وأباً وأولاً وآخراً ، إبراهيم بن رسول الله ( ص ) وعلى والد ولده . وما خيار بني أبيك خاصة وأهل الفضل منهم إلا بنو أمهات أولاد ، وما ولد فيكم بعد وفاة رسول الله ( ص ) أفضل من علي بن حسين وهو لأم ولد ، ولهو خير من جدك حسن بن حسن . وما كان فيكم بعده مثل ابنه محمد بن علي وجدته أم ولد ، ولهو خير من أبيك . ولا مثل ابنه جعفر وجدته أم ولد ، ولهو خير منك . وأما قولك إنكم بنو رسول الله ( ص ) فإن الله تعالى يقول في كتابه : مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ ، ولكنكم بنو ابنته وإنها لقرابة قريبة ، ولكنها لا تحوز الميراث ولا ترث الولاية ولا تجوز لها الإمامة فكيف تورث بها ، ولقد طلبها أبوك بكل وجه فأخرجها نهاراً ومرَّضها
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 309 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
سراً ودفنها ليلاً ! فأبى الناس إلا الشيخين وتفضيلهما . ولقد جاءت السنة التي لا اختلاف فيها بين المسلمين أن الجد أبا الأم والخال والخالة لا يرثون . وأما مافخرت به من عليٍّ وسابقته فقد حضرت رسول الله ( ص ) الوفاة فأمر غيره بالصلاة ، ثم أخذ الناس رجلاً بعد رجل فلم يأخذوه ، وكان في الستة فتركوه كلهم دفعاً له عنها ، ولم يروا له حقاً فيها . أما عبد الرحمن فقدم عليه عثمان وقتل عثمان وهو له متهم ، وقاتله طلحة والزبير ، وأبى سعد بيعته ، وأغلق دونه بابه ، ثم بايع معاوية بعده ! ثم طلبها بكل وجه وقاتل عليها وتفرق عنه أصحابه وشك فيه شيعته قبل الحكومة ، ثم حكم حكمين رضى بهما وأعطاهما عهده وميثاقه فاجتمعا على خلعه ، ثم كان حسن فباعها من معاوية بخرق ودراهم ولحق بالحجاز ، وأسلم شيعته بيد معاوية ، ودفع الأمر إلى غير أهله ، وأخذ مالاً من غير ولائه ولا حله . فإن كان لكم فيها شئ فقد بعتموه وأخذتم ثمنه ! ثم خرج عمك حسين بن علي على ابن مرجانة فكان الناس معه عليه حتى قتلوه ، وأتوا برأسه إليه ! ثم خرجتم على بني أمية فقتلوكم وصلبوكم على جذوع النخل ، وأحرقوكم بالنيران ونفوكم من البلدان حتى قتل يحيى بن زيد بخراسان ، وقتلوا رجالكم وأسروا الصبية والنساء وحملوهم بلا وطاء في المحامل ، كالسبي المجلوب إلى الشأم ، حتى خرجنا عليهم فطلبنا بثأركم وأدركنا بدمائكم ، وأورثناكم أرضهم وديارهم وسنينا سلفكم وفضلناه ، فاتخذت ذلك علينا حجة وظننت أنا إنما ذكرنا أباك وفضلناه للتقدمة منا له على حمزة والعباس وجعفر ، وليس ذلك كما ظننت ، ولكن خرج هؤلاء من الدنيا سالمين متسلماً منهم مجتمعاً عليهم بالفضل ، وابتلي أبوك بالقتال والحرب ، وكانت بنو أمية تلعنه كما تلعن الكفرة في الصلاة المكتوبة فاحتججنا له وذكرناهم فضله وعنفناهم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 310 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وظلمناهم بما نالوا منه ، ولقد علمت أن مكرمتنا في الجاهلية سقاية الحجيج الأعظم وولاية زمزم فصارت للعباس من بين إخوته ، فنازعنا فيها أبوك فقضى لنا عليه عمر ، فلم نزل نليها في الجاهلية والاسلام ، ولقد قحط أهل المدينة فلم يتوسل عمر إلى ربه ولم يتقرب إليه إلا بأبينا حتى نعشهم الله وسقاهم الغيث ، وأبوك حاضر لم يتوسل به . ولقد علمت أنه لم يبق أحد من بني عبد المطلب بعد النبي ( ص ) غيره ، فكان وراثه من عمومته . ثم طلب هذا الأمر غير واحد من بني هاشم فلم ينله إلا ولده ، فالسقاية سقايته وميراث النبي له والخلافة في ولده ، فلم يبق شرف ولا فضل في جاهلية ولا إسلام في دنيا ولا آخرة إلا والعباس وارثه ومورثه ! وأما ما ذكرت من بدر ، فإن الاسلام جاء والعباس يموِّن أبا طالب وعياله وينفق عليهم للأزمة التي أصابته ، ولولا أن العباس أُخرج إلى بدر كرهاً لمات طالب وعقيل جوعاً ، وللحسا جفان عتبة وشيبة ، ولكنه كان من المطعمين فأذهب عنكم العار والسبة ، وكفاكم النفقة والمؤونة ، ثم فدى عقيلاً يوم بدر . فكيف تفخر علينا وقد أعلناكم في الكفر وفديناكم من الأسر ، وحُزْنا عليكم مكارم الآباء ، وورثنا دونكم خاتم الأنبياء ، وطلبنا بثأركم فأدركنا منه ما عجزتم عنه ، ولم تدركوه لأنفسكم . والسلام عليك ورحمة الله ) .
أقول : في هذه الرسائل مواضيع مهمة ، سيأتي بعضها ولا يتسع المجال لاستيفائها :
منها ، غياب نقاط لا بد أن تكون هذه الرسائل تضمنتها ولم يذكرها الرواة ، وهي مطالبة مهدي الحسنيين للمنصور ببيعته له أكثر من مرة ! فلا بد أن يكون ذكرها في رسالته ، لأن أنصاره احتجوا بها على المنصور ! والمتأمل في جواب المنصور يشعر بأنه يجيب على فقرات من رسالة محمد قد بترها الرواة !
ومنها ، احتجاج الحسني على المنصور بأن النبي « صلى الله عليه وآله » أوصى لعلي « عليه السلام » وقد كان الحسنيون والعباسيون يحتجون به على بني أمية لإثبات استحقاق بني هاشم الخلافة !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 311 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ففي أول خطبة عند بيعة السفاح قال عمه داود بن علي : ( أيها الناس ! الآن تقشعت حنادس الفتنة . . . وأخذ القوس باريها ، ورجع الحق إلى نصابه في أهل بيت نبيكم ، أهل الرأفة بكم والرحمة لكم والتعطف عليكم . . . وإنه والله أيها الناس ما وقف هذا الموقف بعد رسول الله أحد أولى به من علي بن أبي طالب ، وهذا القائم خلفي ، فاقبلوا عباد الله ما آتاكم بشكر ) . ( تاريخ ( اليعقوبي : 2 / 350 ) .
ومنها ، قول محمد الحسني : ( لسنا من أبناء اللعناء ولا الطرداء ولا الطلقاء ) : وهو احتجاجٌ قوي على العباسيين ، لأن أباهم العباس طليق بعد أن أسره المسلمون في بدر ، ولا حق لطليق وابن طليق في الخلافة ، كما قال عمر بن الخطاب ، وقد أوردنا مصادره في المقدمة . وهي نقطة لم يجب عليها المنصور !
ومنها ، ضعف إشكال الحسني على المنصور بأن بناءه القبة الخضراء ببغداد مضاهاة للكعبة ! قال في خطبته في أهل المدينة : ( كان من أمر هذا الطاغية عدو الله أبي جعفر ما لم يخف عليكم من بنائه القبة الخضراء ، التي بناها معاندةً لله في ملكه ، وتصغيراً للكعبة الحرام . . . ) . فالإشكال من هذه الناحية غير وارد ، نعم يرد على جباية أموال المسلمين بغير حق وإنفاقها على البذخ والترف !
ومنها ، قوة إشكال المنصور على مهدي الحسنيين بافتخاره بآبائه من أهل النار وأنه : ( ابن أرفع الناس درجة في الجنة وأهونهم عذاباً في النار . . . وابن خير أهل الجنة وابن خير أهل النار ) فهو إشكال قوي إذ لا يصح الفخر بأهل النار ؟ ! وقد كذب ابن يونس النباطي « رحمه الله » نسبة هذا الكلام إلى مهدي الحسنيين فقال : ( هذا كذب صريح ، وكيف يفتخر برجل كافر يعذب بنوع من العذاب ) . ( الصراط المستقيم : 1 / 336 ) .
لكن فاته أن عبد الله بن الحسن وأولاده ومنهم المتسمي بالمهدي ، أقرب إلى التسنن منهم إلى التشيع ، وقد تقدم اتهام أبيهم عبد الله للإمام الحسين « عليه السلام » بأنه كان عليه أن يجعل الإمامة في أكبر أبناء أخيه الحسن « عليه السلام » ولكنه لم يعدل فجعلها لابنه الإمام زين العابدين « عليه السلام » ! وجواب الإمام الصادق « عليه السلام » له .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 312 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فهم يرون أن خلافة علي « عليه السلام » ثبتت بالنص ، وكذا خلافة الحسن والحسين « صلى الله عليه وآله » وبعده يجب أن تكون الخلافة في أكبر أبناء الحسن « عليه السلام » بمقياس قبلي لا بالنص !
وهم يتولون أبا بكر وعمر ، مع أنهما برأيهم غاصبان للخلافة ! ويوافقون أتباع الخلافة القرشية على أن أجدادهم أبا طالب وعبد المطلب « صلى الله عليه وآله » كانا كافرين ! ويظهر أنهم تأثروا بالحديث الذي وضعه رواة السلطة بعد معاوية ، أن النبي « صلى الله عليه وآله » يشفع لأبي طالب فلا تؤثر شفاعته فيوضع في ضحضاح من نار ! ولو كان هذا الحديث معروفاً في زمن معاوية لاحتج به على علي « عليه السلام » ! ولكنه ظهر بعده ، ورده الأئمة « عليهم السلام » .
وسبب وضعه أن الحكومات رأت أنها إذا اعترفت بإيمان أبي طالب وعبد المطلب لكانا وارثين لإسماعيل وإبراهيم « صلى الله عليه وآله » فيكون النبي « صلى الله عليه وآله » وارثاً لهما ، ثم علي « عليه السلام » . فقالت إن عم النبي « صلى الله عليه وآله » وجده كانا كافرين لتنفي وراثته لهما .
ومنها ، أن المنصور أعلن في رسائله وخطبه نصبه وعداءه لعلي « عليه السلام » وإنكار وصية النبي « صلى الله عليه وآله » له ، بل طعن فيه وفي الإمام الحسن « صلى الله عليه وآله » ! كما سيأتي ، كما يأتي نكثه للعهود والمواثيق ، ومنها عهده وأمانه لأبي مسلم ، وعهده لعمه عبد الله بن علي .

3 - وأوصى مهدي الحسنيين إلى أخيه إبراهيم ثم إلى ابن زيد

( ولما ظهر محمد بن عبد الله بن الحسن وزحف إليه عيسى بن موسى ، جمع إليه وجوه الزيدية وكل من حضر معه من أهل العلم ، وعهد إليه أنه إن أصيب في وجهه ذلك ، فالأمر إلى أخيه إبراهيم ، فإن أصيب إبراهيم ، فالأمر إلى عيسى بن زيد ) . ( مقاتل الطالبيين / 270 ) . ( كان عيسى والحسين ابنا زيد بن علي مع محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن الحسن في حروبهما ، من أشد الناس قتالاً وأنفذهم بصيرة ، فبلغ ذلك عنهما أبا جعفر ( المنصور ) فكان يقول : مالي ولابنيْ زيد ، وما ينقمان علينا ؟ ! ألم نقتل قتلة أبيهما ونطلب بثأرهما ، ونشفي صدورهما من عدوهما ؟ ! ) . ( مقاتل الطالبيين / 269 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 313 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

4 - ثورة إبراهيم بن الحسن المثنى في البصرة

( أرسله أخوه محمد النفس الزكية إليها ، فاستولى عليها فبلغه الخبر بمقتل أخيه يوم العيد غرة شهر شوال ، سنة 45 ، فخطب الناس ونعاه إليهم ، وأنشد :

سأبكيك بالبيض الصفاح وبالقنا * فإنَّ بها ما يدرك الطالب الوترا
ولست كمن يبكي أخاه بعبرة * يُعَصِّرها من ماء مقلته عصرا
ولكن أروي النفس مني بغارة * تَلَهَّبُ في قصريْ كتاتيبها جمرا
وإنا أناسٌ لا تفيض دموعنا * على هالك منا وان قصم الظهرا

فبايعوه بالإمامة واستولى على واسط والأهواز وكورها وما والاها من بلاد فارس ونهض لقتال المنصور ) . ( سمط النجوم : 4 / 177 ، وابن حمدون / 494 ) .
( فأظهر محمد دعوته بالمدينة واستولى عليها وعلى مكة ، واستولى أخوه إبراهيم على البصرة ، واستولى أخوهما إدريس على بعض بلاد المغرب ، وكان ذلك في ولاية المنصور ، وأنفذ المنصور عيسى بن موسى في جيش كثيف لحرب محمد فقتلوا محمداً في المعركة ، ثم نفذ المنصور أيضاً عيسى المذكور لحرب إبراهيم فقتله بباخمرى ، قرية من قرى الكوفة ) . ( الوافي بالوفيات : 3 / 243 ) .
وشخصيته وثورته « رحمه الله » تستحق كتاباً خاصاً ، وهذه خلاصة لها من : تاريخ الطبري : 6 / 255 ، وتاريخ الذهبي : 9 / 36 ، ومقاتل الطالبيين / 210 :
دخل إبراهيم البصرة فأسرع أهل العراق والأهواز وفارس إلى بيعته !
يتعجب الباحث لهذه السرعة والإجماع من فئات الناس على بيعته ، حتى صار المنصور كالمعزول في جزيرة ! قال الطبري : 6 / 257 : ( قال الحجاج بن قتيبة : لقد دخلت على أمير المؤمنين المنصور في ذلك اليوم مسلماً وما أظنه يقدر على رد السلام !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 314 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لتتابع الفتوق والخروق عليه والعساكر المحيطة به ، ولمائة ألف سيف كامنة له بالكوفة ، بإزاء عسكره ينتظرون به صيحة واحدة فيثبون ! فوجدته صقراً أحوزياً مشمراً ، قد قام إلى ما نزل به من النوائب يعركها ويمرسها ) !
وفي تاريخ الذهبي : 9 / 38 : ( وقيل إن المنصور لما بلغه خروج إبراهيم قال : ما أدري ما أصنع ؟ ما في عسكري إلا ألفا رجل ! فرقت عساكري ، مع ابني بالري ثلاثون ألفاً ، ومع محمد بن أشعث بأفريقية أربعون ألفاً ، ومع عيسى بن موسى بالحجاز ستة آلاف ، ولئن سلمت من هذه لا يفارقني ثلاثون ألف فارس ، ثم لم ينشب أن قدم عليه عيسى من الحجاز منصوراً فوجهه على الناس لحرب إبراهيم ) .
وتزاحم الفقهاء والرواة والعباد على تأييده والثورة على المنصور !
وسبب ذلك : شعور الأمة بأن موجة الظلم الأموي لأهل البيت « عليهم السلام » كانت موجهة ضد بني علي وفاطمة « صلى الله عليه وآله » ، فالخلافة يجب أن تكون لهم وقد قفز بنو عمهم العباس وسرقوا الخلافة ، مع أنهم كانوا بايعوا الحسنيين !
ومن جهة أخرى رأوا أن سلوك المنصور هو نفس سلوك جبابرة الأمويين !
قال الذهبي المتعصب في تاريخه : 9 / 36 : ( وقد جرت لإبراهيم أمور في اختفائه ، وربما وقع به بعض الأعوان فيصطنعه ويطلقه لما يعلم من جبروت أبي جعفر ، ثم اختفى بالبصرة فجعل يدعو الناس فيستجيبون له لشدة بغضهم للمنصور لبخله وعسفه ! قال ابن سعد : لما ظهر محمد بن عبد الله وغلب على الحرمين وجه أخاه إبراهيم إلى البصرة فدخلها في أول رمضان من سنة خمس فغلب عليها ، وبيض أهل البصرة ونزعوا السواد ، وخرج معه من العلماء جماعة كثيرة ) .
وكان بشير الرحال الزاهد المعروف ، يعرِّض بالمنصور في خطبه ويقول : ( عليك أيها المنبر لعنة الله وعلى من حولك ، فوالله لولاهم ما نفذت لله معصية ، وأقسم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 315 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بالله لو يطيعني هؤلاء الأبناء حولي لأقمت كل امرئ منهم على حقه وصدقه قائلاً للحق أو تاركاً له ، وأقسم بالله لئن بقيت لأجهدن في ذلك جهدي أو يريحني الله من هذه الوجوه المشوهة المستنكرة في الاسلام .
أيها القائل بالأمس : إن ولينا عدلنا ، وفعلنا وصنعنا ، فقد وليت فأي عدل أظهرت ؟ وأي جور أزلت ؟ وأي مظلوم أنصفت ؟ آه . ما أشبه الليلة بالبارحة ! إن في صدري حرارة لا يطفيها إلا بَرْدُ عَدْلٍ ، أو حَرُّ سَنَان ) . ( مقاتل الطالبيين / 227 ) .
وعقد أبو الفرج في مقاتل الطالبيين / 235 ، فصلاً بعنوان : ( تسمية من خرج مع إبراهيم ) هذه خلاصته : قال سلام بن أبي واصل الحذاء لولده : يا بني إن إبراهيم قد ظهر بالبصرة ، فابتع لي عمامة صوف وقباء وسراويل ، فشخص هو وثلاثة رهط معه حتى لحقوا بإبراهيم بالبصرة ، فقال له إبراهيم إن بيت المال ضائع فاكفناه ، فولاه بيت المال . خرج فطر بن خليفة مع إبراهيم وكان يومئذ شيخاً كبيراً ، وعيسى بن أبي إسحاق السبيعي ، وأبو خالد الأحمر ، مصطحبين متنكرين مع الحاج عليهم جباب الصوف وعمائم الصوف ، يسوقون الجمال في زي الجمالين ، حتى أمنوا فعدلوا إلى إبراهيم ، وكانوا معه حتى قتل .
وشهد معه حمزة بن عطاء البرني ، وعبد الله بن جعفر المدائني ، وهو والد علي بن المدائني ، وخليفة بن حسان الكيال ، وكان أفرس الناس .
خرج معه هارون بن سعد فقال له : استكفني أهم أمرك إليك ، فاستكفاه واسطاً واستعمله عليها . قال أبو نعيم : والذي رواه الأعمش عن أبي عمرو الشيباني إنما سمعه من هارون بن سعد . وكان شيخاً كبيراً قد انحنى على دابته ، فدخل واسطاً وهرب منه أصحاب أبي جعفر فبايعه أهل واسط وتبعه الخلق ولم يتخلف أحد من الفقهاء ولم يبق أحد من أهل العلم إلا تبعه وكان منهم عواد بن العوام ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 316 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وإسحاق بن يوسف الأزرق ، ويزيد بن هارون ومسلم ابن سعيد ، والأصبغ بن زيد ، وهشيم ، وكان موقف هشيم في حروبه مشهوراً وقتل ابنه معاوية وأخوه الحجاج بن بشير في بعض الوقائع .
وخطب هارون بن سعد الناس ونعى على أبي جعفر أفعاله وقتله آل رسول الله وظلمه الناس ، وأخذه الأموال ووضعها في غير مواضعها ، وأبلغ في القول حتى أبكى الناس ورقت لقوله قلوبهم ، فاتَّبعه عباد بن العوام ، ويزيد بن هارون وهشيم بن بشير ، والعلاء بن راشد . فلما قتل إبراهيم انحدر هارون بن سعد إلى البصرة ، فبلغنا أنه مات بها حين دخلها رحمه الله ورضي عنه .
وشهد معه العوام بن حوشب يومئذ وهو شيخ كبير ، وكان يحمل الراية ، وأسامة بن زيد ، وكان يقول : رميت في هؤلاء القوم يعني المسوِّدة ثمانية عشر سهماً ، ما سرني أني رميت بها أهل بدر مكانهم .
خرج مع إبراهيم أبو العوام القطان واسمه عمران بن داود ، وهو من أصحاب الحسن البصري . وهرب عباد بن العوام ، فهدمت داره وانقضت جموعه ولم يزل متواريا حتى مات أبو جعفر .
وانضم إليه عبد الواحد بن زياد وأخذ بلدة فهرب واليها وخلف في بيت مالها سبعين ألف درهم فأخذها عبد الواحد ، فكانت أول ما قدم به على إبراهيم .
وبيَّضَ معه أي لبس البياض ضد سواد العباسيين ، أيوب بن سليمان وهو محدث راو ، روى عنه الواسطيون وسليمان بن أبي شيخ .
وكان أبو حنيفة يجهر في أمر إبراهيم جهراً شديداً ويفتي الناس بالخروج معه .
حتى خاف تلميذه من المنصور فقال له : والله ما أنت بمنته عن هذا حتى نؤتى فتوضع في أعناقنا الحبال . . . سمعت أبا حنيفة ورجلان يستفتيانه في الخروج مع
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 317 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إبراهيم وهو يقول : أخرجا . . ما يقعدكم ؟ ! هي بدر الصغرى . . وقال له أبو إسحاق الفزاري : ما اتقيتَ الله حيث أفتيت أخي بالخروج مع إبراهيم بن عبد الله بن الحسن حتى قتل ! فقال : قَتْل أخيك حيث قُتل ، يعدل قتله لو قتل يوم بدر ، وشهادته مع إبراهيم خير له من الحياة ! قال له : ما منعك أنت من ذاك ؟ ! قال : ودائع للناس كانت عندي . وجاءت امرأة إلى أبي حنيفة أيام إبراهيم فقالت : إن ابني يريد هذا الرجل وأنا أمنعه فقال : لا تمنعيه .
كتب أبو حنيفة إلى إبراهيم يشير عليه أن يقصد الكوفة ليعينه الزيدية وقال له : إئتها سراً فإن من هاهنا من شيعتكم يُبَيِّتُونَ أبا جعفر فيقتلونه أو يأخذون برقبته فيأتونك به ! وكتب أبو حنيفة إلى إبراهيم بن عبد الله لما توجه إلى عيسى بن موسى : إذا أظفرك الله بعيسى وأصحابه فلا تسر فيهم سيرة أبيك في أهل الجمل ، لم يقتل المنهزم ولم يأخذ الأموال ولم يتبع مدبراً ولم يذفف على جريح ، لأن القوم لم يكن لهم فئة ، ولكن سر فيهم بسيرته يوم صفين فإنه سبى الذرية وذفف على الجريح وقسم الغنيمة ، لأن أهل الشام كانت لهم فئة ، وكانوا في بلادهم . فظفر أبو جعفر بكتابه فسيره وبعث إليه فأشخصه ، وسقاه شربة فمات منها ودفن ببغداد . دعا أبو جعفر أبا حنيفة إلى الطعام فأكل معه ثم استسقى فسقي شربة عسل مجدوحة وكانت مسمومة فمات من غد ، ودفن في بغداد في المقابر المعروفة بمقابر الخيزران . ( بايع أبو حنيفة المنصور وكان معه سنوات ، ثم يظهر أنه قتله ) !
وخرج معه عبد ربه بن يزيد وكان شيخاً كبيراً أبيض الرأس واللحية . وخرج معه نصر بن ظريف فأصابت يده جراحة فعطلتها ، ثم انهزم لما قتل إبراهيم فاستخفى . وشهد معه من آل سلمة بن المحبق : عبد الحميد بن سنان بن سلمة بن المحبق ، والحكم بن موسى بن سلمة ، وعمران بن شبيب بن سلمة .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 318 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
رأيت مسلم بن سعيد والأصبغ بن زيد مع هارون بن سعد ، عليهما سيفان أيام إبراهيم بن عبد الله بواسط .
كان هشام بن حسان كان يذكر أبا جعفر فيقول : اللهم أهلك أبا الدوانيق !
سمعت الأعمش يقول أيام إبراهيم : ما يقعدكم ؟ أما أني لو كنت بصيراً لخرجت ! قتل إبراهيم وأنا بالكوفة فأتيت الأعمش بعد قتله فقال : أهاهنا أحد تنكرونه ؟ قلنا لا : قال : فإن كان هاهنا أحد تنكرونه فأخرجوه إلى نار الله ! ثم قال : أما والله لو أصبح أهل الكوفة على مثل ما أرى ، لسرنا حتى ننزل بعقوته يعني أبا جعفر ! فإذا قال لي : ما جاء بك يا أعمش ؟ قلت : جئت لأبيد خضراءك أو تبيد خضرائي كما فعلت بابن رسول الله « صلى الله عليه وآله » ؟ !
لما قتل إبراهيم بن عبد الله قال سفيان الثوري : ما أظن الصلاة تقبل إلا أن الصلاة خير من تركها . وأما المفضل الضبي فكان أكثر إقامة إبراهيم عنده حتى خرج ، فكان لا يزال يدس ويحتال لكل من أمكنه ان يحوزه إلى مذهبه .
خرج مع إبراهيم أبو خالد الأحمر ، وأبو داود الطهوي . ومعاذ بن نصر العنبري . وأبو محمد البريدي المؤدب ، وجنادة بن سويد وكان قائد ثلاثمائة . وخرج معه هشيم وقتل معه ابنه معاوية ، والأزرق بن تمة الصريمي وكان متقلداً سيفين ، وكان من أصحاب عمرو بن عبيد . وخرج معه سفيان مؤمل ، وحنبص ومؤمل , وقتل معه صاحبان كانا لسفيان الثوري كانا من خاصته .
وكان خالد بن عبد الله الواسطي من أهل السنة والجماعة ، خرج الناس مع إبراهيم بن عبد الله بن الحسن غيره ، فإنه لزم بيته . .
وتقدم أن مالك بن أنس أفتى بالخروج مع محمد أخ إبراهيم بن عبد الله .
أقول : يدلك هذا على أن الأمة كانت بعد بني أمية تريد بني علي وفاطمة « صلى الله عليه وآله » ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 319 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأن عامة فقهائها وشخصياتها حتى الذين كانوا يصانعون بني أمية كانوا بقلوبهم أو بقلوبهم وسيوفهم مع بني علي « عليه السلام » ضد بني العباس !
انتصر إبراهيم ، فتهيأ المنصور للهرب وهو يقول : أين قول صادقهم ؟ !
( أحصى ديوان إبراهيم من أهل البصرة مائة ألف ) . ( مقاتل الطالبيين / 253 ، وغيره ) .
قال المنصور : ( إن إبراهيم قد عرف وعورة جانبي وصعوبة ناحيتي وخشونة قرني ، وإنما جرأه على المسير إلى من البصرة اجتماع هذه الكوَر المطلة على عسكر أمير المؤمنين وأهل السواد معه على الخلاف والمعصية ! وقد رميت كل كورة بحجرها وكل ناحية بسهمها ، ووجهت إليهم الشهم النجد الميمون المظفر عيسى بن موسى ، في كثرة من العدد والعدة ) . ( الطبري : 6 / 256 ) .
( كنت وصيفاً أيام حرب محمد أقوم على رأس المنصور بالمذبة ، فرأيته لما كثف أمر إبراهيم وغلظ أقام على مصلى نيفاً وخمسين ليلة ينام عليه ويجلس عليه ، وعليه جبة ملونة قد اتسخ جيبها وما تحت لحيته منها فما غيَّر الجبة ولا هجر المصلى حتى فتح الله عليه ، إلا أنه كان إذا ظهر للناس علا الجبة بالسواد وقعد على فراشه ، فإذا بَطَنَ ( داخل قصره ) عاد إلى هيئته ، قال : فأتته ريسانة ( التي تدبر له النساء ) في تلك الأيام وقد أهديت له امرأتان من المدينة ، إحداهما فاطمة بنت محمد بن عيسى بن طلحة بن عبيد الله ، والأخرى أم الكريم بنت عبد الله من ولد خالد بن أسيد بن أبي العيص ، فلم ينظر إليهما ، فقالت : يا أمير المؤمنين إن هاتين المرأتين قد خبثت أنفسهما وساءت ظنونهما ، لما ظهر من جفائك لهما ! فنهرها وقال : ليست هذه الأيام من أيام النساء ! لا سبيل لي إليهما حتى أعلم أرأس إبراهيم لي أم رأسي لإبراهيم ! وذكر أن محمداً وجعفراً ابني سليمان ( عمه والي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 320 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
البصرة ) كتبا إلى أبي جعفر يعلمانه بعد خروجهما من البصرة الخبر في قطعة جراب ولم يقدرا على شئ يكتبان فيه غير ذلك ! فلما وصل الكتاب إليه فرأى قطعة جراب بيد الرسول قال : خلع والله أهل البصرة مع إبراهيم ! ) . ( الطبري : 6 / 255 ) .
( وأقبل إبراهيم ومعه جماعة كثيرة من أفناء الناس أكثر من جماعة عيسى بن موسى ، فالتقوا بباخمرى وهى على ستة عشر فرسخاً من الكوفة ، فاقتتلوا بها قتالاً شديداً وانهزم حميد بن قحطبة ، وكان على مقدمة عيسى بن موسى ، وانهزم الناس معه فعرض لهم عيسى بن موسى يناشدهم الله والطاعة فلا يلوون عليه ومروا منهزمين ، وأقبل حميد بن قحطبة منهزماً فقال له عيسى بن موسى : يا حميد الله الله والطاعة ! فقال : لا طاعة في الهزيمة ، ومر الناس كلهم حتى لم يبق منهم أحد بين يدي عيسى بن موسى ) . ( الطبري : 6 / 260 ) .
( ووصل أوائل المنهزمين من عسكر المنصور إلى الكوفة ، فتهيأ المنصور للهرب وأعدَّ النجائب ليذهب إلى الري ، فيقال إن نوبخت المنجم دخل عليه فقال الظفر لك وسيقتل إبراهيم فلم يقبل منه . . فبات طائر اللب ، فلما كان الصباح أتي برأس إبراهيم ! فتمثل بيت معقر البارقي :
فألقت عصاها واستقرَّ بها النوى كما قَرَّ عيناً بالإياب المسافرُ ) . ( تاريخ الذهبي : 9 / 42 ) .
وقال الطبري : 6 / 230 : ( لما التقوا هزم عيسى وأصحابه هزيمة قبيحة ، حتى دخل أوائلهم الكوفة ، وأمر أبو جعفر باعداد الإبل والدواب على جميع أبواب الكوفة ليهرب عليها . . حتى جعل يقول : ويلك يا ربيع ! فكيف ولم ينلها أبناؤنا ! فأين إمارة الصبيان ؟ ! ) . يقصد بقوله لحاجبه الربيع ( الشيعي ) : أين قول إمامك جعفر الصادق وأبيه « صلى الله عليه وآله » بأن الحسنيين لا ينالون الخلافة ، وستكون لنا حتى ينالها صبياننا ؟ ! .
( لما اتصل بالمنصور انهزام عسكره وهو بالكوفة اضطرب اضطراباً شديداً
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 321 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وجعل يقول : فأين قول صادقهم ؟ ! أين لعب الغلمان والصبيان ؟ ! ثم جاءه بعد ذلك خبر الظفر ، وجيئ برأس إبراهيم فوضعه في طشت بين يديه والحسن بن زيد بن الحسن بن علي « عليه السلام » واقف على رأسه عليه السواد فخنقته العبرة والتفت إليه المنصور وقال : أتعرف رأس من هذا ؟ فقال : نعم :

فتى كان تحميه من الضيم نفسه * وينجيه من دار الهوان اجتنابها

فقال المنصور : صدقت ولكن أراد رأسي فكان رأسه أهون عليَّ . ولوددت أنه فاء إلى طاعتي ) . ( عمدة الطالب / 110 ) .
( سألت أبا صلابة : كيف قتل إبراهيم ؟ قال : إني لأنظر إليه واقفاً على دابة محمد بن يزيد ، ينظر إلى أصحاب عيسى وقد ولوا ومنحوه أكتافهم ونكص عيسى برايته القهقرى وأصحابه يقتلونهم ، وعلى إبراهيم قباء زرد ، فأذاه الحر فحل أزرار القباء فشال الزرد حتى سال على يديه وحسر عن لبته ، فأتته نشابة عاثرة فأصابت لبته ! فرأيته اعتنق فرسه وكر راجعاً وأطافت به الزيدية ) . ( مقاتل الطالبيين / 231 ) .
( فلما أصبح يوم الثلاثاء أمر برأس إبراهيم فنصب بالسوق ، فرأيته منصوباً مخضوباً بالحناء . . فخرجت ومنادي أبي جعفر ينادي : هذا رأس الفاسق ابن الفاسق فرأيت رأس إبراهيم في سفط أحمر في منديل أبيض ، قد غلف بالغالية فنظرت إلى وجه رجل سائل الخدين خفيف العارضين أقنى ، قد أثر السجود بجبهته وأنفه وشخص ابن أبي الكرام برأسه إلى مصر ) . ( مقاتل الطالبيين / 232 ) .
سهم عاثر لزيد بن علي « رحمه الله » ، وسهم عاثر لابنه يحيى « رحمه الله » ، وسهم عاثر لإبراهيم !
في عمدة الطالب / 110 : ( وانهزم عسكر عيسى بن موسى ، فيحكى أن إبراهيم نادى : لا يتبعن أحد منهزماً . . ورفع إبراهيم البرقع عن وجهه فجاءه سهم عاثر فوقع على جبهته فقال : الحمد لله ، أردنا أمراً وأراد الله غيره أنزلوني ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 322 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
( وجاء سهم بينهم فأصاب إبراهيم فسقط ، وأسنده بشير الرحال إلى صدره حتى مات إبراهيم وهو في حجره ، وقتل بشير وإبراهيم على تلك الحال في حجره ، وهو يقول : وَكَانَ أَمْرُ اللهِ قَدَراً مَقْدُوراً ) . ( الطبري : 6 / 230 ) .
وقال الطبري : 6 / 261 : ( وجعلوا يقتتلون يومهم ذلك ، إلى أن جاء سهم عاثر لا يدرى من رمى به ، فوقع في حلق إبراهيم بن عبد الله فنحره ، فتنحى عن موقفه وقال أنزلوني فأنزلوه عن مركبه وهو يقول : وكان أمر الله قدراً مقدوراً . أردنا أمراً وأراد الله غيره ! فأنزل إلى الأرض وهو مثخن واجتمع عليه أصحابه وخاصته يحمونه ويقاتلون دونه ورأى حميد بن قحطبة اجتماعهم فأنكرهم ، فقال لأصحابه شدوا على تلك الجماعة حتى تزيلوهم عن موضعهم وتعلموا ما اجتمعوا عليه ! فشدوا عليهم فقاتلوهم أشد القتال حتى أفرجوهم عن إبراهيم وخلصوا إليه فحزوا رأسه ، فأتوا به عيسى بن موسى فأراه ابن أبي الكرام الجعفري فقال : نعم هذا رأسه ، فنزل عيسى إلى الأرض فسجد وبعث برأسه إلى أبى جعفر المنصور . وكان قتله يوم الاثنين لخمس ليال بقين من ذي القعدة سنة 145 ، وكان يوم قتل ابن ثمان وأربعين سنة ، ومكث منذ خرج إلى أن قتل ثلاثة أشهر إلا خمسة أيام ) .
أقول : ذكرنا أن المفهوم من أحاديث الإمام الباقر والصادق « صلى الله عليه وآله » أن الله تعالى أراد أن يحفظ كرامة المعصومين من ذرية الحسين « عليه السلام » فلا تنجح ثورات غيرهم من ذرية علي وفاطمة « عليهم السلام » . لذلك قد كان القدر الإلهي ينتظر أن يلوح النصر لإبراهيم ليختم حياته . وكان المنصور وإبراهيم يعرفان ذلك جيداً ، ولذلك كان المنصور يتعجب من هزيمته ويقول أين قول صادقهم ؟ أما إبراهيم « رحمه الله » فقال : أردنا شيئاً وأراد الله غيره !
كان إبراهيم فارساً شجاعاً ملتزماً بقيَم ، بعكس العباسيين والأمويين وبعكس أخيه !
( أن محمداً وإبراهيم كانا عند أبيهما ، فوردت إبل لمحمد فيها ناقة شرود ولا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 323 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يرد رأسها شئ فجعل إبراهيم يحد النظر إليها فقال له محمد : كأن نفسك تحدثك أنك رادها ؟ قال : نعم ، قال : فإن فعلت فهي لك ، فوثب إبراهيم فجعل يتغير لها ويتستر بالإبل ، حتى إذا أمكنته جاءها وأخذ بذنبها ، فاحتملته وأدبرت تمخض بذنبها حتى غاب عن عين أبيه ، فأقبل أبوه على محمد وقال له : قد عرضت أخاك للهلكة . فمكث هوياً ثم أقبل مشتملاً بإزاره حتى وقف عليهما . فقال له محمد : كيف رأيت ؟ زعمت أنك رادها وحابسها . قال : فألقى ذنبها وقد انقطع في يده . فقال ما أعذر من جاء بهذا ) . ( مقاتل الطالبيين / 110 ) .
وكان المنصور من أول خلافته يبحث عن إبراهيم وأخيه محمد ، فسمع يوماً بأن إبراهيم دخل الموصل فذهب إليها يبحث عنه ! قال الذهبي في تاريخه : 9 / 36 : ( وقد جرت لإبراهيم أمور في اختفائه ، وربما وقع به بعض الأعوان فيصطنعه ويطلقه لما يعلم من جبروت أبي جعفر . . . وعن إبراهيم قال : اضطرني الطلب بالموصل حتى جلست على موائد أبي جعفر ! وكان قد قدمها يطلبني فتحيرت ، ولفظتني الأرض فجعلت لا أجد مساغاً ، ووضع عليَّ الطلب والأرصاد ، ودعا يوماً الناس إلى غدائه فدخلت في الناس وأكلت ثم خرجت ، وقد كف الطلب ) !
( أتاه قوم من الدهجرانية أصحاب الضياع فقالوا : يا بن رسول الله إنا قوم لسنا من العرب وليس لأحد علينا عقد ولا ولاء ، وقد أتيناك بمال فاستعن به . فقال : من كان عنده مال فليعن به أخاه ، فأما أن أخذه فلا ، ثم قال : هل هي إلا سيرة علي بن أبي طالب أو النار ؟ ! وقبض أنصاره على عامل للمنصور وقالوا له : ( هات ما معك من مال الظلمة . قال : وأدخلوني إلى إبراهيم فرأيت الكراهية من وجهه فاستحلفني فحلفت فخلى سبيلي . . أخذ حميد بن القاسم عاملاً كان لأبي جعفر فقال له المغيرة : إدفعه إليَّ قال : وما تصنع به ؟ قال : أعذبه . قال : لا حاجة لي في مال لا يؤخذ إلا بالعذاب ) . ( مقاتل الطالبيين / 222 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 324 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وخالف إبراهيم فتوى أبي حنيفة له : ( لما انهزم أصحاب عيسى تبعتهم رايات إبراهيم في آثارهم فنادى منادي إبراهيم : ألا لا تتبعوا مدبراً ) . ( الطبري : 6 / 262 ) .
وقال له أحد قادته : ( فدعني أبيته فوالله لأشتتن جموعه ، فقال : إني أكره القتل ! فقلت تريد الملك وتكره القتل ) ! ( الطبري : 6 / 256 ) .
واقترح عليه أبو حنيفة في رسالته ، ثم قائد أن يذهب سراً إلى الكوفة ويجمع أنصاره ويباغت أتباع المنصور : ( فقال : لا نأمن أن تجيبك منهم طائفة فتطأ خيل المنصور الصغير والكبير ، فتكون قد تعرضت لمأثم ! فقلت : خرجت لقتال المنصور وأنت تتوقى قتل الصغير والكبير ، أليس قد كان رسول الله يوجه السرية فتقاتل فيكون في ذلك نحو ما كرهت ؟ ! فقال : أولئك مشركون ، وهؤلاء أهل قبلتنا . .
عن عبد الله بن جعفر المديني قال : خرجنا مع إبراهيم إلى باخمرى فلما عسكرنا أتانا ليلة من الليالي فقال : انطلق بنا نطيف في عسكرنا ، قال فسمع أصوات طنابير وغناء فرجع . . وقال : ما أطمع في نصر عسكر فيه مثل هذا ! . .
فإنا معشر ربيعة أصحاب بيات ، فدعني أبيت أصحاب عيسى بياتاً ؟ قال : إني أكره البيات ) . ( تاريخ الذهبي : 9 / 39 ) .
المنصور ينتقم ويرسل رأس إبراهيم إلى أبيه ثم يقتله والمحبوسين معه !
وقبل أن يرسل المنصور برأس إبراهيم إلى الشيعة في مصر ليرهبهم ! أرسله إلى أبيه وأقاربه في سجنه ! ( فوجه به المنصور مع الربيع إليهم ، فوضع الرأس بين أيديهم وعبد الله يصلي ، فقال له إدريس أخوه : أسرع في صلاتك يا أبا محمد ، فالتفت إليه وأخذ الرأس فوضعه في حجره ، وقال له : أهلاً وسهلاً يا أبا القاسم ، والله لقد كنت من الذين قال الله عز وجل فيهم : الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق . . . ثم التفت إلى الربيع فقال : قل لصاحبك : قد مضى من بؤسنا أيام ومن نعيمك أيام ، والملتقى القيامة . قال الربيع : فما رأيت المنصور قط أشد انكساراً منه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 325 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
في الوقت الذي بلغته الرسالة ) ! ( مروج الذهب : 928 ، وتذكرة ابن حمدون / 886 ، ووافي الصفدي : 3 / 243 وفي المستطرف / 2 / 596 : فكان ذلك فألاً على المنصور ، ولم ير بعد ذلك اليوم راحة ) .
هذا ، وقد تقدم في مطاردة المنصور للمهدي العباسي وأخيه إبراهيم ، حبس أبيهما مع جماعة من الحسنيين ، وقد قتل بعضهم وحبس الباقين ثلاث سنين ، ثم قتلهم ، وقتل غيرهم من الحسنيين والحسينيين .
وشمل انتقامه أنصار إبراهيم في حملة وحشية وقصص كثيرة ، وفي طليعتهم أهل البصرة ! ( فكتب إلى سلم بن قتيبة عامله بالبصرة يأمره بهدم دور من خرج مع إبراهيم بن عبد الله بن الحسن وعقر نخلهم ، فكتب إليه : بأيهما أبدأ بالدور أم بالنخل يا أمير المؤمنين ؟ فكتب إليه : لو قلت لك بالنخل لكتبت إليَّ بماذا أبدأ بالشهريز أم بالبرني ! وعزله وولى محمد بن سليمان ) . ( شرح النهج : 13 / 16 ) .
( فلما قتل إبراهيم ، هرب أهل البصرة بحراً وبراً واستخفى الناس ، وقتل معه بشير الرحال الأمير ، وجماعة كثيرة ) . ( تاريخ الذهبي : 9 / 42 ) .
المنصور ينتقم فيُحضر الإمام الصادق « عليه السلام » ويضطهد كل أبناء علي وفاطمة « صلى الله عليه وآله » !
في مقاتل الطالبيين / 233 : ( حدثنا جعفر بن محمد « عليه السلام » من فيه إلى أذني قال : لما قتل إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بباخمرى ، حُسرنا عن المدينة ، ولم يُترك فيها منا محتلم ، حتى قدمنا الكوفة ، فمكثنا فيها شهراً ، نتوقع فيها القتل ! ثم خرج إلينا الربيع الحاجب فقال : أين هؤلاء العلوية ؟ أدخلوا على أمير المؤمنين رجلين منكم من ذوي الحجى . قال : فدخلنا إليه أنا والحسن بن زيد ، فلما صرت بين يديه قال لي : أنت الذي تعلم الغيب ؟ قلت : لا يعلم الغيب إلا الله . قال : أنت الذي يجبى إليك هذا الخراج . قلت : إليك يجبى يا أمير المؤمنين الخراج . قال : أتدرون لم دعوتكم ؟ قلت : لا . قال : أردت أن أهدم رباعكم وأروع قلوبكم وأعقر نخلكم ، وأترككم بالسراة لا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 326 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يقربكم أحد من أهل الحجاز وأهل العراق فإنهم لكم مفسدة ! فقلت له : يا أمير المؤمنين ، إن سليمان أعطي فشكر وإن أيوب ابتلي فصبر وإن يوسف ظُلم فغفر ، وأنت من ذلك النسل ! قال فتبسم وقال : أعد عليَّ فأعدت ، فقال : مثلك فليكن زعيم القوم وقد عفوت عنكم ووهبت لكم جرم أهل البصرة ، حدثني الحديث الذي حدثتني عن أبيك عن آبائه عن رسول الله . قلت : حدثني أبي عن آبائه عن علي عن رسول الله « صلى الله عليه وآله » صلة الرحم تعمر الديار وتطيل الأعمار وإن كانوا كفاراً . فقال : ليس هذا . فقلت : حدثني أبي عن آبائه عن علي عن رسول الله « صلى الله عليه وآله » قال : الأرحام معلقة بالعرش تنادي : اللهم صل من وصلني واقطع من قطعني . قال : ليس هذا . فقلت : حدثني أبي عن آبائه عن علي عن رسول الله « صلى الله عليه وآله » إن الله عز وجل يقول : أنا الرحمن ، خلقت الرحم وشققت لها إسماً من اسمي ، فمن وصلها وصلته ومن قطعها بتته . قال : ليس هذا الحديث . قلت : حدثني أبي عن آبائه عن علي عن رسول الله « صلى الله عليه وآله » أن ملكاً من الملوك في الأرض كان بقي من عمره ثلاث سنين ، فوصل رحمه فجعلها الله ثلاثين سنة . فقال : هذا الحديث أردت ! أي البلاد أحب إليك ؟ فوالله لأصلن رحمي إليكم . قلنا : المدينة ، فسرحنا إلى المدينة وكفى الله مؤنته ) .
أقول : معنى ذلك أن المنصور قد أسَرَ جميع أبناء علي وفاطمة « صلى الله عليه وآله » حتى الصبيان وجاء بهم إلى الكوفة . ويدل سؤاله للإمام الصادق « عليه السلام » : أنت تعلم الغيب ، وأنت يجبى إليك الخراج ؟ على تجبره وتنمره ونسيانه جميل الإمام وأبيه الباقر « صلى الله عليه وآله » بإخباره بأنه سيملك وأنه سيقتل المهدي الحسني الذي كان يأخذ بركابه ويقول هذا مهدينا أهل البيت ! وسيقتل أخاه إبراهيم ! ويدل طلبه لحديث النبي « صلى الله عليه وآله » عن صلة الرحم ، أنه يريد النفع المادي له بطول عمره ، والإمام « عليه السلام » يعرف ذلك ، لكنه أراد أن يتم عليه الحجة فتلا عليه أحاديث أخرى قبله ، في صلة الرحم لعله يخفف طغيانه !
يدل رثاء إبراهيم على أنه دخل في ضمير الأمة نموذجاً محبوباً من آل علي « عليه السلام »
وصف أبو الفرج إحدى خطبه في البصرة فقال / 224 : ( فكان الناس يعجبون من كلامه هذا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 327 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وهو يريد ما يريد . قال : ثم رفع صوته وقال : اللهم إنك ذاكر اليوم آباءً بأبنائهم وأبناء بآبائهم فاذكرنا عندك بمحمد « صلى الله عليه وآله » . اللهم وحافظ الآباء في الأبناء والأبناء في الآباء إحفظ ذرية محمد نبيك « صلى الله عليه وآله » . قال : فارتج المصلى بالبكاء ) .
ونكتفي من قصائد رثائه « رحمه الله » الكثيرة بأبيات من قصيدة غالب بن عثمان الهمداني :

وقتيلُ باخَمْرى الذي * نادى فأسمع كل شاهدْ
قاد الجنود إلى الجنود * تُزحِّف الأسد الحواردْ
فدعا لدين محمد * ودعوا إلى دين ابن صائد
فرماهم بلبان أبلق * سابق للخيل سائد
بالسيف يفري مصلتاً * هاماتهم بأشد ساعد
فأتيح سهم قاصد * لفؤاده بيمين جاحد
فهوى صريعاً للجبين * وليس مخلوق بخالد
نفسي فداؤك من صريع * غير ممهود الوسائد
وفدتك نفسي من غريب * الدار في القوم الأباعد
فأولئك الشهداء والصبر * الكرام لدى الشدائد
ونجار يثرب والأباطح * حيث معتلج العقائد
أقوت منازل ذي طوى * فبطاح مكة فالمشاهد
أمست بلاقع من بني * الحسن بن فاطمة الأراشد

5 - تفرَّقَ الحسنيون بعد مقتل إبراهيم في العالم وأقاموا دولاً !

قال القاضي النعمان في شرح الأخبار : 3 / 331 : ( وكان إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ، قد شهد مع الحسين بن علي فخ ، فلما كان من الأمر ما كان أخرجه مولى له يقال له : راشد ، مختفياً حتى سار به إلى مصر ، ثم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 328 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أخرجه منهما حتى سار إلى المغرب فأظهره وعرفه أهل البلاد من البربر فأجابوه وتولوه ، فلم يزل فيهم أمره يقوى ويزيد إلى أن بلغ ذلك الرشيد فوجه إليه مولى كان يسمى المهدي يقال له : شماخ ، وكان شيخاً مجرباً محكماً ، وأمره بأن يحتال عليه ويقتله ، فخرج شماخ حتى صار إلى المغرب وتوصل إلى إدريس بعلم الطب ، وليس في موضعه طبيب فقربه وأنس به أنساً شديداً ، ثم شكا إليه علته فصنع له دواء وجعل فيه سما فسقاه إياه ، ومات وهرب شماخ فلم يُقدر عليه وصار إلى الرشيد فأخبره وأجازه وأحسن إليه ، وخلف إدريس حملاً بأم ولد ، فولدت ولداً سمي إدريس وبلغ وضبط الأمر ، وولد له فسماه محمد ، فتناسلوا وكثروا وهم في المغرب ) .
أقول : عندما ثار محمد وإبراهيم أرسلا مجموعة رسل من إخوتهما وآلهما ، إلى مناطق العالم الإسلامي ، الشام ومصر وفلسطين واليمن وفارس وخراسان وطبرستان ، وغيرها ، وكان لكل واحد منهم نشاط وقصة . وبعد قتل محمد وإبراهيم لم يهدأ للحسنيين بال ، فواصلوا ثوراتهم ، وتلاقوا مع الزيديين والحسينين من غير الأئمة « عليهم السلام » كما أنه لا يزال منهم حكام إلى عصرنا في المغرب والأردن ، بينما انتهى حكم العباسيين . ولا يتسع المجال لتفصيل ذلك .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 329 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل العاشر : العباس وأولاده . . أسماء كبيرة وأفعال صغيرة

1 - كان العباس وأولاده أتباعاً لعلي وأولاده « عليهم السلام »

كانت الشخصيات البارزة من بني هاشم في زمن النبي « صلى الله عليه وآله » : عمه أبو طالب بن عبد المطلب ، وولداه علي وجعفر ، وعمه حمزة بن عبد المطلب . وكان هؤلاء رضوان الله عليهم طليعة المؤمنين برسول الله « صلى الله عليه وآله » ، الباذلين أرواحهم في سبيله .
وكان العباس بن عبد المطلب ، وعقيل بن أبي طالب وبقية بني هاشم ( مع ) النبي « صلى الله عليه وآله » دفاعاً وعصبةً ، ما عدا أبي لهب ، فقد كان عدواً لدوداً للنبي « صلى الله عليه وآله » ، متحمساً للعمل ضده مع زعماء قريش !
وعندما هاجر النبي « صلى الله عليه وآله » إلى المدينة ، هاجر معه علي وحمزة وجعفر وغيرهم من بني هاشم . وبقي العباس وعقيل وغيرهم ، وكانت قريش تعرف ميلهم إلى النبي « صلى الله عليه وآله » عصبةً له لكنها تحبسهم معها ، فعندما استنفرت لحرب النبي « صلى الله عليه وآله » في بدر خرج معها العباس ، وكان أحد أغنيائها المطعمين لجيشها وهم : عتبة بن ربيعة ، والحارث بن عامر ، وطعيمة بن عدي ، وأبو البختري بن هشام ، وحكيم بن حزام ، والنضر بن الحارث بن كلدة ، وأبو جهل بن المغيرة ، وأمية بن خلف ونبيه ومنبه ابنا الحجاج ، وسهيل بن عمرو . ( سيرة ابن هشام : 2 / 488 ، والطبري : 6 / 199 ) .
ووقع العباس أسيراً بأيدي المسلمين في بدر هو وعقيل ، ثم أطلقهما النبي « صلى الله عليه وآله » بفداء كبقية أسرى بدر ( الخرائج : 1 / 61 ) . وصح عندنا أن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب كان ثالث الهاشميين الذين أسروا في بدر ، بينما كان أخوته الثلاثة عبيدة والطفيل والحصين مسلمين هاجروا مع النبي « صلى الله عليه وآله » ، وكان
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 330 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عبيدة أحد أبطال الإسلام في بدر ، واستشهد من جراحته فيها .
وصح عندنا أن آية : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أخذ مِنْكُمْ . . ( الأنفال : 70 ) نزلت في العباس وعقيل ونوفل وأن النبي « صلى الله عليه وآله » قال للعباس : ( أفْدِ نفسك وأفد ابن أخيك ، فقال : يا محمد تتركني أسأل قريشاً في كفي ! فقال : أعط مما خلفت عند أم الفضل وقلت لها : إن أصابني في وجهي هذا شئ فأنفقيه على ولدك ونفسك ! فقال له : يا ابن أخي من أخبرك بهذا ؟ فقال : أتاني به جبرئيل من عند الله عز وجل ! فقال : ومحلوفه ما علم بهذا أحد إلا أنا وهي ! أشهد أنك رسول الله ، قال : فرجع الأسرى كلهم مشركين إلا العباس وعقيل ونوفل ) . ( الكافي : 8 / 202 ) .
وفدى العباس نفسه وعقيلاً من الأسر وعاد إلى مكة ، حتى حاصرها النبي « صلى الله عليه وآله » في العام الثامن للهجرة ، فتوسط لقريش عند النبي « صلى الله عليه وآله » وجاءه بأبي سفيان إلى مركز قيادته واتفقا على خلع سلاح قريش ، والنداء بالأمان لمن ألقى سلاحه .
وبعد فتح مكة انتقل العباس بعائلته إلى المدينة ليعيش في ظل النبي « صلى الله عليه وآله » وكان علي « عليه السلام » يحترمه لأنه عمه ، وكان هو يعرف حدوده ويقف دائماً خلف علي « عليه السلام » ولم يفكر يوماً أن يتقدم عليه لأنه عضد النبي « صلى الله عليه وآله » وصهره ، والمقرب عنده ، وبطل الإسلام وابن أخيه أبي طالب رئيس بني هاشم .
وكان العباس كغيره من بني هاشم يتوجس من خطة قريش وإصرارها على عزل بني هاشم بعد وفاة النبي « صلى الله عليه وآله » ، لذا بادر عند وفاة النبي « صلى الله عليه وآله » فقال لعلي « عليه السلام » : أبسط يدك أبايعك فيقال : عم رسول الله بايع ابن عم رسول الله « صلى الله عليه وآله » ، فقال علي « عليه السلام » : وأحَدٌ يطمع فيه غيرنا ؟ فقال العباس : أظن والله سيكون ! ( فتح الباري : 8 / 109 والطبقات : 2 / 246 ) .
وبعد أن تغلب أهل السقيفة على سعد بن عبادة زعيم الخزرج ، بأن حركوا عليه الأوس وهددوه بالقتل ، وأعلنوا من بيته رغماً عنه بيعة أبي بكر !
قرروا أن يستميلوا أهم شخصيتين تقفان إلى جنب علي « عليه السلام » وهما العباس وأبو سفيان ، فقد كان أبو سفيان يصيح : ( ما بال هذا الأمر في أقل حي من قريش ؟ ! والله لئن شئت
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 331 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لأملأنها عليه خيلاً ورجالاً . . . يا آل عبد مناف فيمَ أبو بكر من أموركم ؟ ! أين المستضعفان أين الأذلان علي والعباس ؟ ! وقال : يا أبا حسن ، أبسط يدك حتى أبايعك . فزجره عليٌّ وقال : إنك والله ما أردت بهذا إلا الفتنة ، وإنك والله طالما بغيت الإسلام شراً ) . ( تاريخ الطبري : 2 / 449 )
فقال عمر : ( ما الرأي ؟ قالوا : الرأي أن تلقى العباس بن عبد المطلب فتجعل له في هذا الأمر نصيباً يكون له ولعقبه من بعده ، فتقطعون به ناحية علي بن أبي طالب ، ويكون حجة لكم على علي إذا مال معكم ، فانطلق أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح والمغيرة حتى دخلوا على العباس ليلاً . . . جئناك ونحن نريد أن نجعل لك في هذا الأمر نصيباً يكون لك ، ويكون لمن بعدك من عقبك ) . ( تاريخ اليعقوبي : 2 / 124 ) .
( فقال عمر لأبي بكر : إن هذا ( أبو سفيان ) قد قدم وهو فاعل شراً ، وقد كان النبي ( ص ) يستألفه على الإسلام فدع له ما بيده من الصدقة ففعل ، فرضي أبو سفيان وبايعه ) . ( العقد الفريد : 1005 ) . لكن أبا سفيان لم يقنع حتى عينوا ابنه عتبة والياً على الطائف ، وابنه يزيداً على جيش الشام !
أما العباس فرضي بأقل من ذلك وجارى خلافة أبي بكر وعمر وكانا يكرمانه ويبجلانه باعتبار أنه عم رسول الله « صلى الله عليه وآله » ، لكنهم حرصوا على إبعاده وأولاده وأي هاشمي عن المناصب المهمة ، لذلك بقي العباس محسوباً على علي « عليه السلام » .
ولم تَخْلُ حياة العباس مع أبي بكر وعمر من ذلة وطمع ، فقد ( بقي في بيت مال عمر شئ بعدما قسم بين الناس ، فقال العباس لعمر وللناس : أرأيتم لو كان فيكم عم موسى أكنتم تكرمونه ؟ قالوا : نعم ، قال : فأنا أحق به أنا عم نبيكم ( ص ) ! فكلم عمر الناس فأعطوه تلك البقية التي بقيت ) ! ( الطبقات : 4 / 30 ) .
لهذا قال أمير المؤمنين « عليه السلام » عندما سئل أين كان بنو هاشم عند وفاة النبي « صلى الله عليه وآله » ؟ فقال إنه لم يبق منهم إلا عباس وعقيل وكانا ذليلين عاجزين حديثي عهد بالإسلام : ( ولو كان لي حمزة وجعفر حيين ، ما سلمت هذا الأمر أبداً ، ولا قعد أبو بكر على أعوادها ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 332 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
( العقد النضيد / 153 ، وكتاب سليم بن قيس / 216 ) .
بسبب ما تقدم ، ذم علماؤنا العباس ، قال السيد الخوئي « قدس سره » في معجمه : 10 / 254 ، بعد أن ذكر روايات مدحه وذمه : ( وملخص الكلام أن العباس لم يثبت له مدح ورواية الكافي الواردة في ذمه صحيحة السند ، ويكفي هذا منقصة له ، حيث لم يهتم بأمر علي بن أبي طالب « عليه السلام » ، ولا بأمر الصديقة الطاهرة « عليهما السلام » في قضية فدك ، معشار ما اهتم به في أمر ميزابه ) . يقصد ميزابه الذي كان يصب في الطريق فقلعه عمر فثار وغضب حتى اعتذر منه عمر وأصعده على ظهره فأعاده ! ( الطبقات : 4 / 20 ) .
ويتضح من أخبار العباس على أنه كان تاجراً بامتياز قبل أي شئ آخر ! وقد مات « رحمه الله » هو وأبو سفيان في خلافة عثمان . ( الطبري : 3 / 353 ) .

2 - عبد الله بن العباس بن عبد المطلب

كان عمره عندما توفي النبي « صلى الله عليه وآله » ثلاث عشرة سنة ، وتوفي في الطائف سنة ثمان وستين للهجرة وعمره اثنان وسبعون سنة ( مجمع الزوائد : 9 / 285 ) ، وبرز أكثر من أبيه في خلافة عمر ، وكان ذكياً نابغاً ، فقربه عمر على صغر سنه وأكرمه ، لكنه فقد مكانته في زمن عثمان ، وإن بقي محترماً .
وعندما بايع المسلمون علياً « عليه السلام » كان عبد الله بن عباس إلى جنبه ، كما كان في خلافة عمر وأفضل ، وولاه علي « عليه السلام » على البصرة ، وأخاه عبيد الله على اليمن ، وأخاه قثم على مكة والطائف . ( الطبري : 4 / 69 ) .
وكان مع علي « عليه السلام » في حروبه لكنه لم يكن مقاتلاً ، بل سياسياً إدراياً فقط ، وروي أنه خان إمامه والمسلمين في أواخر خلافة أمير المؤمنين « عليه السلام » ، وسرق بيت مال البصرة وذهب إلى مكة ! وأن علياً « عليه السلام » كتب له : ( أما بعد فإني كنت أشركتك في أمانتي ، وجعلتك شعاري وبطانتي ، ولم يكن رجل من أهلي أوثق منك في نفسي لمواساتي وموازرتي وأداء الأمانة إلي . فلما رأيت الزمان على ابن عمك قد كلب
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 333 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والعدو قد حرب ، وأمانة الناس قد خزيت ، وهذه الأمة قد فنكت وشغرت ، قلبت لابن عمك ظهر المجن ، ففارقته مع المفارقين وخذلته مع الخاذلين وخنته مع الخائنين ! فلا ابن عمك آسيت ولا الأمانة أديت ! وكأنك لم تكن الله تريد بجهادك ، وكأنك لم تكن على بينة من ربك ، وكأنك إنما كنت تكيد هذه الأمة عن دنياهم ، وتنوي غرتهم عن فيئهم ، فلما أمكنتك الشدة في خيانة الأمة أسرعت الكرة وعاجلت الوثبة ، واختطفت ما قدرت عليه من أموالهم ، المصونة لأراملهم وأيتامهم ، اختطاف الذئب الأزلِّ دامية المعزى الكسيرة ، فحملته إلى الحجاز رحيب الصدر بحمله غير متأثم من أخذه ! كأنك لا أباً لغيرك حدرت إلى أهلك تراثاً من أبيك وأمك ! فسبحان الله ، أما تؤمن بالمعاد ، أو ما تخاف نقاش الحساب ؟ ! أيها المعدود كان عندنا من ذوي الألباب ! كيف تسيغ شراباً وطعاماً وأنت تعلم أنك تأكل حراماً وتشرب حراماً ؟ وتبتاع الإماء وتنكح النساء من مال اليتامى والمساكين والمؤمنين ، والمجاهدين الذين أفاء الله عليهم هذه الأموال وأحرز بهم هذه البلاد . فاتق الله واردد إلى هؤلاء القوم أموالهم ، فإنك إن لم تفعل ثم أمكنني الله منك لأعذرن إلى الله فيك ! ولأضربنك بسيفي الذي ما ضربت به أحداً إلا دخل النار ! ووالله لو أن الحسن والحسين فعلا مثل الذي فعلت ما كانت لهما عندي هوادة ، ولا ظفرا مني بإرادة ، حتى أخذ الحق منهما وأزيح الباطل من مظلمتهما . وأقسم بالله رب العالمين ما يسرني أن ما أخذتَ من أموالهم حلالٌ لي أتركه ميراثاً لمن بعدي . فصُخ رويداً فكأنك قد بلغت المدى ودفنت تحت الثرى ، وعرضت عليك أعمالك بالمحل الذي ينادي الظالم فيه بالحسرة ويتمنى المضيع الرجعة ولات حين مناص ) . ( نهج البلاغة : 3 / 353 ) .
وروى الكشي : 1 / 279 ، أن علياً « عليه السلام » صعد المنبر وقال : ( هذا ابن عم رسول الله « صلى الله عليه وآله » في علمه وقدره يفعل مثل هذا ، فكيف يؤمَن مَن كان دونه ! اللهم إني قد مللتهم فأرحني منهم ، واقبضني إليك غير عاجز ولا ملول ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 334 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد أورد السيد الخوئي « قدس سره » في معجمه : 11 / 245 ، الروايات التي تذم عبد الله بن عباس وضعَّفها ، كما ضعَّف الروايات المادحة لكنه اعتبر أن استفاضتها تغني عن سندها ! وختم بقوله : ( والمتحصل مما ذكرنا أن عبد الله بن عباس كان جليل القدر مدافعاً عن أمير المؤمنين والحسنين « عليهم السلام » ) . انتهى .
أقول : لا شك أن عبد ا