سلسلة القبائل العربية في العراق (10) قَبيلةُ النَخَع

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 1 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
سلسلة القبائل العربية في العراق ( 10 )
قَبيلةُ النَخَع
قال النبي ( صلى الله عليه وآله ) : « اللّهم بارك في النَّخَع » .
بقلم
على الكوراني العاملي
الطبعة الأولى 1431 ه - 2010 م
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 2 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 3 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، وأفضل الصلاة وأتم السلام على سيدنا ونبينا محمد ، وآله الطيبين الطاهرين .
وبعد ، فهذا الجزء من سلسلة : « القبائل العربية في العراق » خاصٌّ بقبيلة النخع ، وهي قبيلة يمانية من أكبر بطون بني مذحج ، وكانت تسكن في وادي بيشة في اليمن ، وقد دخلت في الإسلام ونبغ منها صحابة كبار ، وكان أبرزهم مالك بن الحارث الأشتر ، الذي جاهد مع علي ( عليه السلام ) في فتح اليمن ، كما ذكر الواقدي .
وقد هاجر أكثر النخع بعد وفاة النبي ( صلى الله عليه وآله ) إلى العراق للمشاركة في حروب الفتوحات ، فكانوا في القادسية ربع جيش المسلمين البالغ عشرة آلاف ، وكان لقائدهم الأشتر ( رحمه الله ) الدور الأول في قطف النصر للمسلمين ، في معارك فتح إيران ، ثم في اليرموك في فتح الشام ، ثم في فتح مصر .
وقد أوردنا في الفصل الأول معلومات عامة عن قبيلة النخع .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 4 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وذكرنا في الفصل الثاني وفودهم على النبي ( صلى الله عليه وآله ) وإعجابه بهم .
وخصصنا الفصل الثالث ، لتاريخهم مع أهل البيت ( عليهم السلام ) ، وحضورهم البارز في حرب الجمل وصفين ، وثورة المختار . وجعلنا الفصل الرابع لأهم أعلام النخعيين ، وفيهم الصحابة والقادة الشجعان ، والفقهاء الكبار ، والرواة الثقاة لأحاديث النبي وأهل بيته الطاهرين ( عليهم السلام ) .
ونُلفت إلى أن التاريخ ظلم بني النخع كثيراً ، وحذف ما استطاع من دورهم في فتوحات الإسلام ومعاركه ، بسبب كره الأمويين لرئيسهم بطل الإسلام مالك الأشتر ( رحمه الله ) الذي كانوا يسمونه « كبش العراق » ويقول فيه شاعر العراقيين ( وقعة صفين / 396 ) :
دعونا لها الكَبْشَ كَبْشَ العراق * وقد خالطَ العسكرَ العسكرُ
فرد اللواء على عقبه * وفاز بحظوتها الأشترُ
كما كان يفعل في مثلها * إذا ناب معصوصب منكر
فإن يدفع الله عن نفسه * فحظُّ العراق بها الأوفر »
ونرجو أن نكون أنصفناهم وكتبنا بعض سطورهم المشرقة ، والله ولي التوفيق .
كتبه : علي الكوراني العاملي
قم المشرفة - 22 جمادى الثانية 1431
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 5 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الأوّل : معلومات عامة عن النخع

نسب قبيلة النخع وبطونها

« النخع بن عمرو بن عُلة بن جلد بن مذحج بن عامر بن زيد بن كهلان بن سبأ » . ( الإنباه على قبائل الرواه لابن عبد البر / 121 ) .
« فمن قبائل مذحج سعد العشيرة بن مذحج ، ومراد بن مذحج والنخع بن عمرو بن علة بن جلد بن مذحج ، وحكم وجعفي ابنا سعد العشيرة بن مذحج ، وخولان بن عمرو بن سعد العشيرة بن مذحج ، وزبيد بن الصعب ، بن سعد العشيرة ، بن مذحج » . ( تاريخ اليعقوبي : 1 / 202 ) .
« النخعي بفتح النون والخاء وبعدها عين مهملة ، هذه النسبة إلى النخع ، وهي قبيلة كبيرة من مذحج واسم النخع جسر بن عمرو بن علة بن جلد بن مالك بن أدد . وقيل له النخع لأنه انتخع من قومه أي بعد عنهم ونزل بيشة .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 6 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ونزلوا في الإسلام الكوفة ، ينسب إليهم من العلماء الجم الغفير منهم علقمة بن قيس بن يزيد بن قيس بن عبد الله النخعي صاحب ابن مسعود روى عن ابن مسعود وهو أكبر أصحابه وعن علي وغيرهما . روى عنه الناس وكان أشبههم هدياً وولاء بابن مسعود وتوفي سنة اثنتين وستين .
والأسود بن يزيد بن قيس وهو أبن أخ علقمة بن قيس يروي عن ابن مسعود وعائشة وغيرهما . روى عنه الشعبي وإبراهيم النخعي وغيرهما . وإبراهيم بن يزيد النخعي الفقيه المشهور ، وأمه مليكة أخت الأسود بن يزيد .
ومالك بن الحارث بن عبد يغوث المعروف بالأشتر النخعي أحمد الفرسان المعروفين ، له المقامات المشهودة في فتح العراق وغيره ، وفي الجمل وصفين ، وكان من أصحاب علي رضي الله عنه . ومات بالقلزم مسموماً سنة سبع وثلاثين ، وضع عليه معاوية مَنْ سمه في عسل فلما بلغه خبر موته قال : إن لله جنوداً من عسل » ! ( اللباب لابن الأثير : 3 / 30 4 ) .
وقد ولد النخع : « مالكاً وعوفاً وهو المِشْرُ الأحمُر . أُمهما عَزَّة بِنت مالك بن أَيْدَعَان بن إيَاد . فولد مالك بن النَّخَعُ : سَعْداً ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 7 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وعَمْراً بطنٌ ، أُمهما الرِبَابُ بِنْت الحارث بن كعب بن عَمْرو بن عُلَّة بن جلد » . ( نسب معد / ابن الكلبي / 128 ) .
« وللنخع بطون عديدة منها : صهُبان ، ووهبيل ، وجسر ، وجذيمة ، وقيس ، وحارثة ، وصلاءة ، ورزام ، والأرت ، ومن الأرت بنو عبد المدان » . ( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام / 1989 ) .
وذكروا من بطون النخع أيضاً : عَمْرو ، وعامر ، وجُذَيمة ، وكعب وجُشم ، وبكر ( العقد الفريد : 1 / 410 ) . وبنو ألِيهة بن عوف بن النخع . ( معجم قبائل العرب : 1 / 40 ) .

مساكن النخع في اليمن

كان النخع يسكنون في اليمن في واد خصب يسمى وادي بيشة وبعضهم يسكن في الدثينة ، ومعهم آخرون كبني مذحج وخثعم .
قال البكري في معجم ما استعجم : 1 / 63 : « وتيامنت النخع ، وهو جسر بن عمرو بن الطمثان بن عوذ مناة بن يقدم ابن أفصى بن دعمي بن إياد بن نزار ، فنزلت ناحية بيشة وما والاها من البلاد وأقاموا بها ، فصاروا مع مذحج في ديارهم وانتسبوا إليهم فقالوا : النخع بن عمرو بن علة بن جلد بن مالك بن أدد بن زيد »
« الدَّثينة : بفتح أوله وكسر ثانيه وياء مثناة من تحت ونون : ناحية
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 8 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بين الجند وعدن ، وفي حديث أبي سبرة النخعي قال : أقبل رجال من اليمن فلما كان ببعض الطريق نفق حماره فقام وتوضأ ثم صلى ركعتين ثم قال : اللهم إني جئت من الدثينة مجاهداً في سبيلك وابتغاء مرضاتك ، وأنا أشهد أنك تحيي الموتى وتبعث من في القبور ، لا تجعل اليوم لأحد عليَّ مِنَّة ، أطلب إليك اليوم أن تحيي لي حماري . قال فقام الحمار ينفض أذنيه » ! ( معجم البلدان : 2 / 440 ) .
« وبيشة : من عمل مكة مما يلي اليمن ، من مكة على خمس مراحل وبها من النخل والفسيل شئ كثير ، وفي وادي بيشة موضع مشجر ، كثير الأسْد » ( معجم البلدان : 1 / 529 ) .
وروى الحموي في معجم البلدان : 4 / 9 ، عن أبي صالح قال : « ذكرت ثقيف عند ابن عباس فقال إن ثقيفاً والنخع كانا ابني خالة فخرجا منتجعين ومعهما أعنز لهما وجديٌ ، فعرض لهما مُصَدٍّق لبعض ملوك اليمن ( أي عشار ) فأراد أخذ شاة منهما فقالا : خذ ما شئت إلا هذه الشاة الحلوب فإنا من لبنها نعيش وولدها ، فقال : لا آخذ سواها ، فرفقا به فلم يفعل فنظر أحدهما إلى صاحبه وهما بقتله ، ثم إن أحدهما انتزع له سهماً فلق به قلبه فخر ميتاً ، فلما نظرا إلى ذلك قال أحدهما لصاحبه : إنه لن تحملني وإياك الأرض أبداً فإما أن تغرب وأنا أشرق وإما أن أغرب وتشرق أنت ، فقال
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 9 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثقيف : فإني أغرب ، وقال النخع : فأنا أشرق ، وكان اسم ثقيف قسياً واسم النخع جسراً ، فمضى النخع حتى نزل ببيشة من أرض اليمن ومضى ثقيف حتى أتي وادي القرى فنزل على عجوز يهودية لا ولد لها . . » .

قبيلة النخع اليوم في العراق

هاجر بنو النخع جلهم أو كلهم إلى العراق ، وكانوا ربع جيش المسلمين في القادسية ، وكانوا حيهم جنوبي مسجد الكوفة إلى جنب مذحج بحكم أنهم فرع منهم ، وكثيراً ما كانوا معهم في الحرب مجموعة واحدة كما في صفين . بل كان مالك نفسه ينتسب إلى مذحج ، لأن النخع بطن منها كمراد وجعفي وقنان ، فقد قال عندما شد على أحد الفرسان ، كما روى نصر بن مزاحم / 177 :
بُليتَ بالأشتر ذاك المذحجي * بفارسٍ في حلقٍ مُدَجَّجِ
كالليث ليث الغابة المهيَّج * إذا دعاهُ القرن لم يُعَرِّجِ » .
»
وقد كانت مذحج في العراق من أيام الملك تُبَّع ، ونزلت في الحيرة وما بين الحيرة والأنبار ( معجم البلدان : 2 / 230 ) فلا بد أنهم استقبلوا أبناءهم النخع بعد الإسلام ، وأسكنوهم إلى جنبهم .
لهذا ، يجب البحث عن النخعيين في بني مذحج ، خاصة وإنهم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 10 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كانوا يتحفظون من اسم النخع وينتسبون إلى مذحج عندما صاروا مستهدفين من الدولة الأموية ، بسبب موقف الأشتر وموقفهم مع أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، ثم بسبب ثورة إبراهيم بن الأشتر على بني أمية مع المختار ، ومع مصعب الزبير .
ولهذا يجب التثبت في نسبة بني مالك إلى مالك الأشتر ( رحمه الله ) ، وبني إبراهيم إلى ولده إبراهيم بن مالك ( رحمه الله ) .
ويوجد عدة قبائل في العراق باسم بني مالك في العراق وإبراهيم ومنهم الذين يترأسون تجمع قبائل المنتفق . وقد نسبهم بعض الباحثين إلى مالك الأشتر ، وخالفه الباحث العزاوي فقال في كتابه عشائر العراق : 1 / 315 : « وعشائر المنتفق من حيث العموم عدنانية سكنت العراق من القديم . . . ويتخلل هذه عشائر قحطانية من زبيدية وحميرية عاشت معها واكتسبت أوضاعها إلا أن الأكثرية الساحقة عدنانية ويطلق عليها عشائر المنتفق . . . وعشائر بني مالك مجموعة كبيرة لا تمتُّ إلى جد ، وكانت بينها وحدة في الثلث ، أيام الحروب وتوزيع بدل الالتزام وجبايته أو أداء المقرر السنوي للسلطة . وأصلهم بنو مالك بن المنتفق ، وانضمت إليهم عشائر كثيرة كما ألحقت أخرى . ورئاسة بني مالك في آل خصيفة ثم صارت لآل رميض . وعشيرتهم البو
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 11 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
صالح ، وكانت لهم الرئاسة العامة على العشائر الأخرى المشتركة في الثلث . وفى هذه الأيام زالت الرئاسة العامة بزوال الإمارة أو هي سائرة إلى الزوال . والرئاسة الخاصة مائلة إلى التحديد بما هو أشبه بمختاري المحلات أو القرى » .
وأضاف العزاوي : « وجاء في الروضة الخضرية ما نصه : آل علي العشيرة المعروفة ، وهي التي ضحت برجالها دون وطنها العزيز في القضية العراقية ، وآل علي طائفة كبيرة في نواحي الشامية وبعض الحلة ، وهم من الموالك من سكان البوادي ، يرجعون إلى مالك الأشتر وهو شعارهم عند الحرب . كان مبدؤهم من الحلة والعذار ، لأن مالكاً وولده إبراهيم من نخع الكوفة ، وسلسلة مالك ما زالت في الكوفة ، فإن إبراهيم لما قتل تحت راية مصعب بن الزبير جلس مكانه خولان ثم جلس بعده حمدان . ثم تغيرت الأمور فانتقل منهم إلى الحجاز وبعض اليمن ، وبقيت منهم شرذمة قليلة في أطراف الكوفة منهم أبو النجم بن حمدان . ثم جاء المزيدي فعمر الحلة حتى صارت معدن العلماء والصلحاء ، فكان ممن انتقل إليها العالم النحرير الشيخ ورّام بن أبي فراس بن عيسى بن أبي النجم بن حمدان بن خولان بن إبراهيم بن مالك الأشتر . ولم يعين مرجعاً ولا صلة تربط العشيرة به . وإن المؤلف
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 12 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أوضح أن آل الشيخ خضر ومنهم آل كاشف الغطاء من هذه العشيرة . ومر بنا الكلام على عشيرة بني زريج وأنها تنسب إلى مالك . والملحوظ أن آل علي والعوابد وآل حسن ذكرناهم بين عشائر الصيامر . وهم في عداد بني مالك من عشائر المنتفق . وفى هذا ما يؤيد أنهم من بني مالك المنتفق .
وما جاء في كتاب قائد القوات العلوية مالك الأشتر النخعي ، عدُّهم من آل إبراهيم باعتبار أنهم من إبراهيم بن مالك الأشتر . ومنها عشيرة آل بدران في نواحي البصرة وفى المدينة التابعة للقرنة وفى قضاء أبي الخصيب في ناحية الهارثة ، وفى قرية الجبيلة التابعة للهارثة . قال : ومن بني مالك بيت كاشف الغطاء ، وآل الشيخ راضي ، وآل الخضري . وعد بني مالك منهم . وقال : بطون الرميض يجزمون أنهم من الأشتر .
ولا يُعَوَّل على مثل هذه الأقوال ، والمعروف أن آل كاشف الغطاء من جناجة أي قناقيا ، والشيخ جعفر معروف بالجناجي من آل علي ، من بني مالك من المنتفق . وهذا لا يقبل التردد ولا يعرف مالك الأشتر منهم وهو نخعي من القبائل القحطانية . ولا شك أن بني مالك المنتفق من العشائر الكبيرة والمهمة في العراق ويفخر بالانتساب إليها . وكان أملنا أن نعثر على نصوص تنفي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 13 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بدراً آل رميض من مالك المنتفق ، كما قال صاحب مالك الأشتر الكتاب المعروف ، أو ما يؤكد النسبة إلى مالك الأشتر ، فلم نعثر على ما يؤيد من دليل . والأسرة العلمية مثل آل كاشف الغطاء فخرها بالعلم . وتكون مقيدة بالنصوص التاريخية أكثر .
وآل إبراهيم في المنتفق لم يدَّعوا أنهم من مالك الأشتر ، وإنما هم من بني مالك . وفى كتاب قلب الفرات الأوسط بيّن الاضطراب في الآراء ، ورجح ما قاله الأستاذ الطريحي ، كما أنه ذكر تفصيلاً في الفروع ، وفى رئاسة العشيرة » .
أقول : ما دام النخعيون تحالفوا مع آل المهلب وخاضوا إلى جنبهم معارك مع الدولة الأموية في جنوب العراق ، وفرت بقيتهم إلى فارس والهند ، فإن وجودهم في البصرة والمنتفق بين القبائل العدنانية أمر طبيعي . ولا يتسع المجال لبحث نسبة بعض القبائل إلى النخع ومالك وابنه إبراهيم رضي الله عنهما . ونكتفي بالإشارة إلى أن النخع ومذحج واصلوا في العراق معارضتهم للأمويين ، وتحالفوا مع آل المهلب في ثورتهم على آل مروان . ففي الأعلام للزركلي : 8 / 35 : « النعمان بن إبراهيم بن الأشتر النخعي : شجاع شريف ، من بيت مجد ورياسة . كان مع يزيد بن المهلب في وثوبه بالعراق على بني مروان ، وقاتل معه إلى أن قتل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 14 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يزيد وتفرقت الجموع ، فانصرف مع المفضل بن المهلب وجماعة من الفلول ، فلحقهم مدرك بن ضب الكلبي فقاتلوه وقتل النعمان » .
وفي تاريخ الطبري : 5 / 337 : « ثم دخلت سنة اثنتين ومائة . . أن يزيد بن المهلب استخلف على واسط حين أراد الشخوص عنها للقاء مسلمة بن عبد الملك . . . وسقط إلى يزيد ناس من الكوفة كثير ومن الجبال وأقبل إليه ناس من الثغور ، فبعث على أرباع أهل الكوفة الذين خرجوا إليه وربع أهل المدينة ، عبد الله بن سفيان بن يزيد بن المغفل الأزدي ، وبعث على ربع مذحج وأسد النعمان بن إبراهيم بن الأشتر النخعي ، وبعث على ربع كندة وربيعة محمد بن إسحاق بن محمد بن الأشعث ، وبعث على ربع تميم وهمدان حنظلة بن عتاب بن ورقاء التميمي ، وجمعهم جميعاً مع المفضل بن المهلب . . . » .
وذكر الطبري في : 5 / 346 ، هزيمة آل المهلب ، وقال : « وبعث مسلمة بن عبد الملك مدرك بن ضب الكلبي في طلب آل المهلب وفى أثر الفل فأدرك مدرك المفضل بن المهلب وقد اجتمعت إليه الفلول بفارس ( شيراز ) ، فتبعهم فأدركهم في عقبة ، فعطفوا عليه فقاتلوه واشتد قتالهم إياه فقتل مع المفضل بن المهلب النعمان بن إبراهيم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 15 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ابن الأشتر النخعي . . . وهرب حتى انتهى إلى حلوان . . . ورجع ناس من أصحاب يزيد بن المهلب فطلبوا الأمان فأومنوا منهم مالك بن إبراهيم بن الأشتر ، والورد بن عبد الله بن حبيب السعدي من تميم » .
والنعمان هو الابن الأكبر لإبراهيم ( رحمه الله ) ، وبه يكنى ( ابن الأعثم : 6 / 300 ) .
وقال ابن الأعثم : 8 / 231 : « وتوافت عساكر أهل الشام في عشرة آلاف ، فلما نظر إليهم المفضل بن المهلب أقبل إلى إخوته وبني عمه فقال : إعلموا أنه الموت فإن كان لا بد فموتوا كراماً ، قال : ثم دنا القوم بعضهم من بعض فاقتتلوا قتالاً شديداً ، فأول من قتل منهم ممن كان مع المفضل بن المهلب النعمان بن إبراهيم بن الأشتر ومحمد بن إسحاق بن الأشعث بن قيس الكندي وجماعة من سادات أهل العراق . قال : وجعل آل المهلب خاصة يقاتلون قتالاً شديداً قتال قوم قد يئسوا من الحياة ، حتى قتلوا من أهل الشام مقتلة عظيمة ثم قتلوا بأجمعهم ، فما أفلت منهم إلا من هرب ودخل إلى غياض بلاد الهند » .
أقول : هذا يدل على أن النخع ومذحج كانتا في الكوفة إلى بداية القرن الثاني ، وبعضهم هرب إلى إيران والهند مع بقية آل المهلب .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 16 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد روى الخطيب في تاريخ بغداد : 13 / 210 ، بواسطة واحدة عن : أبي المشهور معروف ، بن محمد ، بن معروف ، بن الفيض ، بن أيوب بن أعين ، بن عدي ، بن عبيد الله ، بن إبراهيم بن مالك الأشتر النخعي الواعظ الزنجاني ، نزيل الري ، قدم علينا في سنة اثنتين وتسعين وثلاث مائة » . ولعل أبا المشهور من ذرية الذين فروا إلى إيران .
كما تدل رواية الصدوق في كمال الدين : 2 / 407 ، على أن أبناء القاسم بن إبراهيم بن مالك الأشتر كانوا شيعة ، فهو يروي بواسطة واحدة عن : جعفر بن محمد بن عبد الله بن قاسم بن إبراهيم بن مالك الأشتر ، وجعفر هذا يروي بواسطة واحدة عن الإمام العسكري ( عليه السلام ) وأنه أراه ولده المهدي ( عليه السلام ) « فخرج إلينا غلام خماسي له عشر أو ثمان أو نحو ذلك ، واضح الجبين ، أبيض الوجه ، دري المقلتين ، شثن الكفين ، معطوف الركبتين ، في خده الأيمن خال ، وفي رأسه ذؤابة فجلس على فخذ أبي محمد ( عليه السلام ) ثم قال لي : هذا صاحبكم » .
كما ترجم في أعيان الشيعة : 9 / 379 ، للشيخ محمد بن عبد الحسن بن الحسن القرميسيني النجفي الشهير بالجزائري . له كتاب فتوحات عباسي مشتمل على جميع أسماء الله الحسنى وخواصها بالفارسية ، وجدنا منه نسخة في همدان بخط فاخر لعله خط المؤلف ، وقد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 17 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ذكر المؤلف في آخره أنه من ذرية مالك الأشتر وكأنه ألفه باسم الشاه عباس الصفوي » .
وفي أنساب الأشراف / 2150 : « ومضى مالك بن إبراهيم بن الأشتر إلى الكوفة فطلب الأمان من مسلمة فأمنه » .
وفي خاتمة المستدرك : 3 / 21 : ورَّام بن حمدان بن عيسى بن أبي نجم بن ورام بن حمدان بن خولان بن إبراهيم بن مالك بن الحارث الأشتر النخعي » . وإكمال الكمال : 1 / 82 .
وهذه النصوص المتفرقة تدل على أن النخعيين والمذحجين كانوا في الكوفة والبصرة وإيران ، ومن الطبيعي أن يتحالفوا مع قبائل أخرى ، وأن يكون عدد منهم سكن في جنوب العراق ، أو عاد إلى اليمن ، أو هاجر إلى غيرها ، وأن يكونوا انتسبوا إلى مذحج ، إبعاداً لأنفسهم عن مرمى الحقد الأموي .
ويوجد في عصرنا في العراق وخارجه بطون عديدة من مذحج ، كالزبيديين ، والجعفيين ، والجشميين ، والمراديين ، والرهاويين ، والدهيين ، والخشانيين ، والرمانيين ، والقطيعيين ، والعنسيين قبيلة عمار بن ياسر ، والقرنيين بطن من مراد المذحجية وهم قبيلة أويس . وقد نص المؤرخون على أن بعضها من بطون النخع
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 18 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كالصهبانيين والوهبيليين والقيسيين ، وغيرها . والنخع ومذحج واحد ، لأن النخع بالأساس بطن من أصول مذحج .
( (
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 19 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الثاني : دخول النخع في الإسلام

وفدان من النخع إلى النبي ( صلى الله عليه وآله )

بدأ دخول اليمنيين في الإسلام عندما رأى ملكها الفارسي باذان صدق النبي ( صلى الله عليه وآله ) لما أخبره بهلاك كسرى على يد ابنه ، في الوقت الفلاني ، فأسلم ، وجعله النبي ( صلى الله عليه وآله ) حاكماً على اليمن .
وبموت كسرى وضعف دولته تفككت اليمن ، وسيطر رؤساء قبائلها على مناطقهم ، فبعث إليهم النبي ( صلى الله عليه وآله ) رسائل فأسلم عدد منهم ، وأرسل علياً ( عليه السلام ) مرتين فاستكمل فتحها ، وجاءت وفودها إلى النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وجاء وفد النخع مرتين ، مرة كان فيه رجلان أعجبا النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، ومرة كانوا مئتين .
قال في الطبقات : 1 / 346 : « قال أخبرنا هشام بن محمد بن السائب
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 20 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الكلبي عن أبيه عن أشياخ النخع قالوا : بعثت النخع رجلين منهم إلى النبي ( ص ) وافدين بإسلامهم : أرطاة بن شراحيل بن كعب من بني حارثة بن سعد بن مالك بن النخع ، والجهيش واسمه الأرقم من بني بكر بن عوف بن النخع ، فخرجا حتى قدما على رسول الله ( ص ) فعرض عليهما الإسلام فقبلاه ، فبايعاه على قومهما فأعجب رسول الله ( ص ) شأنهما وحسن هيئتهما ، فقال : هل وراءكما من قومكما مثلكما ؟ قالا : يا رسول الله قد خلفنا من قومنا سبعين رجلاً كلهم أفضل منا ، وكلهم يقطع الأمر وينفذ الأشياء ما يشاركوننا في الأمر إذا كان . فدعا لهما رسول الله ( ص ) ولقومهما بخير وقال : اللهم بارك في النخع ، وعقد لأرطاة لواء على قومه ، فكان في يديه يوم الفتح وشهد به القادسية ، فقتل يومئذ فأخذه أخوه دريد فقتل رحمهما الله ، فأخذه سيف بن الحارث من بني جذيمة فدخل به الكوفة .
ثم قال ابن سعد : قال أخبرنا محمد بن عمر الأسلمي قال : كان آخر من قدم من الوفد على رسول الله ( ص ) وفد النخع وقدموا من اليمن للنصف من المحرم سنة إحدى عشرة ، وهم مائتا رجل فنزلوا دار رملة بنت الحارث ، ثم جاؤوا رسول الله ( ص ) مقرين بالإسلام ، وقد كانوا بايعوا معاذ بن جبل باليمن فكان فيهم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 21 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
زرارة بن عمرو قال أخبرنا هشام بن محمد قال هو زرارة بن قيس بن الحارث بن عداء وكان نصرانياً » . والإصابة : 1 / 625 ) .
أقول : تعمد رواة السلطة القرشية أن يحذفوا اسم مالك الأشتر ( رحمه الله ) من الوفدين النخعيين إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ! وستعرف أنه صحابي جليل ، جاهد مع علي ( عليه السلام ) في اليمن كما نص ابن الأعثم والواقدي .

هجرة النخع إلى العراق

كانت هجرة القبائل إلى العراق والشام حاجةً عسكرية لاستكمال فتح العراق وبلاد فارس وما وراء النهر ، وبلاد الشام ومصر . فهاجرت قبائل من الحجاز ، لكن الثقل الأكبر كان من اليمن . وقد بلغ من حماسة بعض القبائل للمشاركة في الجهاد كالنخع ، أنهم جلهم أو كلهم هاجروا إلى العراق والشام !
قال الواقدي : 1 / 68 : « فما تمت أيام قلائل حتى جاء جمع من اليمن وعليهم عمرو بن معد يكرب الزبيدي يريد الشام ، فما لبثوا حتى أقبل مالك بن الأشتر النخعي ، فنزل عند الإمام علي رضي الله عنه بأهله ، وكان مالك يحب سيدنا علياً وقد شهد معه الوقائع وخاض المعامع في عهد رسول الله ( ص ) ، وقد عزم على
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 22 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الخروج مع الناس إلى الشام . . . واجتمع بالمدينة نحو تسعة آلاف فلما تم أمرهم كتب أبو بكر كتاباً إلى خالد بن الوليد يقول فيه . . . وقد تقدم إليك أبطال اليمن وأبطال مكة ، ويكفيك ابن معدي كرب الزبيدي ومالك بن الأشتر » .
لكن الأشتر والنخعيين شاركوا أولاً في فتح العراق ونهضوا بثقل معاركه ، كما ذكر الواقدي : 2 / 192 ، ثم ذهب مالك وهاشم المرقال ومجموعة فرسان ، لنجدة المسلمين في اليرموك .
فقد ذكر ابن أبي شيبة : 8 / 15 ، أن النخع كانوا في القادسية ألفين وأربع مئة ، أي ربع جيش المسلمين ! « فقال عمر : ما شأن النخع أصيبوا من بين سائر الناس أفرَّ الناس عنهم ؟ قالوا : لا بل وَلُوا أعظم الأمر وحدهم » ! ( ابن أبي شيبة : 8 / 14 ، والإصابة : 1 / 196 ) .
وفي مصنف ابن أبي شيبة : 7 / 718 : « عن الأعمش عن مالك بن الحارث أو غيره قال : كنت لا تشاء أن تسمع يوم القادسية : أنا الغلام النخعي ، إلا سمعته » .
وفي تاريخ الطبري : 3 / 82 ، أنهم هاجروا من اليمن مع عوائلهم ، وزوجوا سبع مائة بنت إلى المسلمين وخاصة الأنصار . ( ونحوه في تاريخ دمشق : 65 / 100 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 23 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ونزل النخع قبلي مسجد الكوفة : « وأنزل في قبلة الصحن بني أسد على طريق ، وبين بني أسد والنخع طريق ، وبين النخع وكندة طريق ، وبين كندة وأزد طريق » . ( تاريخ الكوفة / 156 ) .
وتدل رواية الحافظ الأصبهاني في ذكر أخبار إصبهان : 2 / 318 ، على أن الأشتر وفرسان النخع شاركوا في فتح أصفهان ، قال : « مالك الأشتر بن الحارث بن عبد يغوث بن مسلمة بن ربيعة بن الحارث بن خزيمة بن سعد بن مالك بن النخع ، كان بإصبهان أيام علي بن أبي طالب فيما ذكر عن عمير بن سعيد قال : دخلت على الأشتر بإصبهان في أناس من النخع ، نعوده » .
وكان الأشتر قبلها بطل اليرموك ، قال الواقدي في : 1 / 163 ، ونحوه ابن الأعثم : « ثم إن الملك هرقل لما قلد أمر جيوشه ماهان ملك الأرمن وأمره بالنهوض إلى قتال المسلمين وركب الملك هرقل وركب الروم وضربوا بوق الرحيل ، وخرج الملك هرقل ليتبع عساكره . . . وسار ماهان في أثر القوم بحيوشه والرجال أمامه ينحتون له الأرض ويزيلون من طريقهم الحجارة وكانوا لا يمرون على بلد ولا مدينة إلا أضروا بأهلها ويطالبونهم بالعلوفة والإقامات ولا قدرة لهم بذلك فيدعون عليهم ويقولون : لا ردكم الله سالمين . قال وجَبْلَة بن الأيْهم ( رئيس غسان وملك الشام ) في مقدمة ماهان ومعه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 24 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
العرب المتنصرة من غسان ولخم وجذام . . . وجعل الجواسيس يسيرون حتى وصلوا إلى الجابية وحضروا بين يدي الأمير أبي عبيدة وأخبروه بما رأوه من عظم الجيوش والعساكر ، فلما سمع أبو عبيدة ذلك عظم عليه وكبر لديه وقال : لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، وبات قلقاً لم تغمض له عين خوفاً على المسلمين . . . قال عطية بن عامر : فوالله ما شبهت عساكر اليرموك إلا كالجراد المنتشر ، إذْ سدَّ بكثرته الوادي ! قال : ونظرت إلى المسلمين قد ظهر منهم القلق وهم لا يفترون عن قول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، وأبو عبيدة يقول : قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ » .
ثم ذكر الواقدي / 178 ، رسالة أبي عبيدة إلى عمر فقال عمر : « ما تشيرون به عليَّ رحمكم الله تعالى ؟ فقال له علي بن أبي طالب : أبشروا رحمكم الله تعالى فإن هذه الوقعة يكون فيها آية من آيات الله . . قال لعمر : يا أمير المؤمنين أكتب إلى عاملك أبي عبيدة كتاباً وأعلمه فيه أن نصر الله خير له من غوثنا ونجدتنا » .
وكانت الآية التي وعد بها النبي ( صلى الله عليه وآله ) على يد الصحابي البطل مالك الأشتر ، الذي قطف النصر للمسلمين في اليرموك ، كما يأتي .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 25 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الثالث : النخعيون مع أهل البيت ( عليهم السلام )

النخعيون في حرب الجمل

كان الأشتر ( رحمه الله ) فارس النخعيين ورئيسهم ، وكان شيعياً كامل التشيع ، فقد خطب عند مبايعة المسلمين للإمام ( عليه السلام ) فقال كما في تاريخ اليعقوبي : 2 / 179 : « أيها الناس : هذا وصيُّ الأوصياء ، ووارث علم الأنبياء ، العظيم البلاء الحسن الغناء ، الذي شهد له كتاب الله بالإيمان ورسوله بجنة الرضوان . من كملت فيه الفضائل ، ولم يشك في سابقته وعلمه وفضله الأواخر ولا الأوائل » .
ثم كان عضد أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ووزيره في حربه وسلمه ، وتقدم عن الواقدي أنه كان جاهد معه في معارك فتح اليمن ، ونزل عنده عندما جاء مهاجراً للجهاد .
ثم كان عضده في خلافته وفي حرب الجمل وصفين ، حتى
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 26 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
استشهد ( رحمه الله ) في ضواحي القاهرة عندما بعثه أمير المؤمنين ( عليه السلام ) والياً على مصر . فحزن لشهادته وقال : رحم الله مالكاً وما مالك ، عزَّ عليَّ به هالكاً ! لو كان صخراً لكان صلداً ، ولو كان جبلاً لكان فنداً ، وكأنه قٌدَّ مِنِّي قَدّاً ) . ( معجم رجال الحديث : 15 / 168 ) .
وفي حرب الجمل : « أمر أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بتسوية الصفوف حتى إذا اعتدلت دفع الراية إلى محمد بن الحنفية وقال : تقدم بالراية واعلم أن الراية إمام أصحابك ، فكن متقدماً يلحقك من خلفك فإن كان لمن يتقدم من أصحابك جولة رجع إليك . وجعل الناس أثلاثاً : مضر في القلب ، واليمن في الميمنة وعليهم مالك الأشتر ، وفي الميسرة عمار بن ياسر » . ( الجمل للمفيد / 191 ) .
« وجالَ الأشتر بين الصفين وقتل من شجعان أهل الجمل جماعة ، واحداً بعد واحد مبارزةً ، وكذلك عمار بن ياسر ، ومحمد بن أبي بكر . . . واحمرت الأرض بالدماء ، وعقر الجمل من ورائه ، فعج ورغى ، فقال علي ( عليه السلام ) : عرقبوه فإنه شيطان ! ثم التفت إلى محمد بن أبي بكر وقال : أنظر إذا عرقب الجمل فأدرك أختك فوارِها ، وقد عرقب الجمل فوقع لجنبه وضرب بجرانه الأرض ورغا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 27 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
رغاء شديداً ، وبادر عمار بن ياسر فقطع أنساع الهودج بسيفه ، وأقبل علي على بغلة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فقرع الهودج برمحه ، ثم قال : يا عائشة أهكذا أمرك رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ؟ ! فقالت عائشة : يا أبا الحسن قد ظفرت فأحسن وملكت فاسجح ! فقال لمحمد بن أبي بكر : شأنك بأختك فلا يدنو أحد سواك ، فأدخل محمد يده إلى عائشة فاحتضنها ثم قال : أصابك شئ ؟ قالت لا ، ولكن من أنت ويحك فقد مسست منى ما لا يحل لك ؟ فقال محمد : أسكتي فأنا محمد أخوك ، فعلت بنفسك ما فعلت وعصيت ربك وهتكت سترك وأبحت حرمتك وتعرضت للقتل ! ثم أدخلها البصرة وأنزلها في دار عبد الله بن خلف » . ( المناقب للموفق الخوارزمي / 188 ) .
« ولما رأى علي لوث أهل البصرة بالجمل ، وأنهم كلما كشفوا عنه عادوا فلاثوا به ، قال لعمار وسعيد بن قيس وقيس بن سعد بن عبادة والأشتر وابن بديل ومحمد بن أبي بكر ، وأشباههم من حماة أصحابه : إن هؤلاء لا يزالون يقاتلون ما دام هذا الجمل نصب أعينهم ، ولو قد عقر فسقط لم تثبت لهم ثابتة ، فقصد بذوي الجد من أصحابه قصد الجمل حتى كشفوا أهل البصرة عنه ، وأفضى
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 28 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إليه رجل من مراد الكوفة يقال له أعين بن ضبيعة فكشف عرقوبه بالسيف فسقط وله رغاء ، فغرق في القتلى ومال الهودج بعائشة ، فقال علي لمحمد بن أبي بكر : تقدم إلى أختك ، فدنا محمد فأدخل يده في الهودج ، فنالت يده ثياب عائشة فقالت : إنا لله ، من أنت ثكلتك أمك ، فقال : أنا أخوك محمد !
ونادى علي رضي الله عنه في أصحابه : لا تتبعوا مولياً ولا تجهزوا على جريح ، ولا تنتهبوا مالاً ، ومن ألقى سلاحه فهو آمن ، ومن أغلق بابه فهو آمن . قال : فجعلوا يمرون بالذهب والفضة في معسكرهم والمتاع ، فلا يعرض له أحد إلا ما كان من السلاح الذي قاتلوا به ، والدواب التي حاربوا عليها ، فقال له بعض أصحابه : يا أمير المؤمنين ، كيف حل لنا قتالهم ولم يحل لنا سبيهم وأموالهم ؟ ! قال علي رضي الله عنه : ليس على الموحدين سبي ، ولا يغنم من أموالهم إلا ما قاتلوا به وعليه ، فدعوا مالا تعرفون ، والزموا ما تؤمرون » . ( الأخبار الطوال / 150 ) .
« لما فرغوا يوم الجمل أمرني الأشتر فانطلقتُ فاشتريت له جملاً بسبع مائة درهم من رجل من مَهَرة ، فقال : انطلق به إلى عائشة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 29 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فقل لها بعث به إليك الأشتر مالك بن الحارث ، وقال : هذا عوض من بعيرك ! فانطلقت به إليها فقلت : مالك يقرؤك السلام ويقول إن هذا البعير مكان بعيرك . قالت : لا سلم الله عليه إذ قتل يعسوب العرب ، تعني ابن طلحة وصنع بابن أختي ما صنع ! قال فرددته إلى الأشتر وأعلمته ، قال : فأخرج ذراعين شعراوين وقال : أرادوا قتلي فما أصنع ؟ ! » . ( الطبري : 3 / 545 ) .
أقول : ضرب مالك عبد الله بن الزبير في حرب الجمل وصرعه وجلس على صدره ليقتله فأنقذوه منه ، لكنه لم يقتل محمد بن طلحة التيمي ، ففي الطبقات : 5 / 54 : « قاتل ابن طلحة يوم الجمل قتالاً شديداً ، فلما لَحُمَ الأمر وعُقر الجمل ، وقُتل كل من أخذ بخطامه ، فتقدم محمد بن طلحة فأخذ بخطام الجمل وعائشة عليه فقال لها : ما ترين يا أمه ؟ قالت أرى أن تكون خير ابني آدم فلم يزل كافّاً ، فأقبل عبد الله بن مكعبر رجل من بني عبد الله بن غطفان حليف لبني أسد فحمل عليه بالرمح فقال له محمد : أذكرك حم ، فطعنه فقتله . ويقال الذي قتله بن مكيس الأزدي ، وقال بعضهم معاوية بن شداد العبسي ، وقال بعضهم عصام بن المقشعر النصري » . فقد قتل بعد المعركة ، ولم يقتله الأشتر كما زعموا !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 30 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي مواقف الشيعة للأحمدي : 1 / 266 : « دخل عمار بن ياسر ومالك بن الحارث الأشتر على عائشة بعد انقضاء أمر الجمل فقالت عائشة : يا عمار من معك ؟ قال : الأشتر . فقالت : يا مالك ! أنت الذي صنعت بابن أختي ما صنعت ؟ قال : نعم ، ولولا أنني كنت طاوياً ثلاثاً لأرحت أمة محمد منه ! فقالت : أما علمت أن رسول الله قال : لا يحل دم مسلم إلا بإحدى أمور ثلاث : كفر بعد إيمان أو زنىً بعد إحصان ، أو قتل نفس بغير حق ؟ فقال الأشتر : على بعض هذه الثلاثة قاتلناه يا أم المؤمنين ! وأيم الله ما خانني سيفي قبلها ، ولقد أقسمت ألا يصحبني بعدها ! قال أبو مخنف : ففي ذلك يقول الأشتر من جملة هذا الشعر الذي ذكرناه :
أعائش لولا أنني كنت طاوياً * ثلاثا لألفيت ابن أختك هالكا
غداة ينادى والرجال تحوزه * بأضعف صوت اقتلوني ومالكا
فلم يعرفوه إذ دعاهم وغمه * خدب عليه في العجاجة باركا
فنجاه مني أكله وشبابه * وأني شيخ لم أكن متماسكا
وقالت على أي الخصال صرعته * بقتل أتى أم ردة لا أبا لكا
أم المحصن الزاني الذي حل قتله * فقلت لها لابد من بعض ذلكا » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 31 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

النخعيون في حرب صفين

عندما تمكن معاوية من قتل الأشتر بالسم : « فقام معاوية في الناس خطيباً فحمد الله وأثنى عليه وقال : أما بعد فإنه كانت لعلي بن أبي طالب يدان يمينان ، قطعت إحداهما يوم صفين يعني عمار بن ياسر ! وقطعت الأخرى اليوم يعني الأشتر » ! ( الطبري : 4 / 71 ، والغارات : 1 / 263 ، وتاريخ دمشق : 56 / 376 وجمهرة خطب العرب : 1 / 430 ، وشرح النهج : 6 / 76 ، وأمالي المفيد / 82 ) .
وقال نصر بن مزاحم في وقعة صفين / 286 : « ثم إن النخع قاتلت قتالاً شديداً ، فأصيب منهم يومئذ بكر بن هوذة ، وحنان بن هوذة ، وشعيب بن نعيم من بني بكر النخع ، وربيعة بن مالك بن وهبيل وأبي بن قيس أخو علقمة بن قيس الفقيه ، وقطعت رجل علقمة بن قيس فكان يقول : ما أحب أن رجلي أصح ما كانت ، لما أرجو بها من حسن الثواب من ربي . ولقد كنت أحب أن أبصر في نومي أخي وبعض إخواني ، فرأيت أخي في النوم فقلت له : يا أخي ماذا قدمتم عليه ؟ فقال : التقينا نحن والقوم فاحتججنا عند الله عز وجل فحججناهم . فما سررت بشئ مذ عقلت كسروري بتلك الرؤيا » .
ولم أجد عدد المقاتلين النخع في صفين ، لكن لا بد أن يكونوا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 32 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ألوفاً ، فقد قال ابن شيبة ( 8 / 15 ) إن عددهم كان في القادسية ألفين وخمس مئة ، فلا بد أن يكونوا بعد عشرين سنة أكثر من ذلك . ويساعد عليه الموقع الخاص لقائدهم مالك عند أمير المؤمنين ( عليه السلام ) فقد كان له عدة مسؤوليات ، وكان أبرز فرسانه ، وكان قادة جيش معاوية يهربون منه ولا يواجهونه !
قال ابن مزاحم في وقعة صفين / 172 : « دعا الحارث بن همام النخعي ثم الصهباني ، فأعطاه لواءه ثم قال : يا حارث ، لولا أني أعلم أنك تصبر عند الموت لأخذت لوائي منك ، ولم أحْبُك بكرامتي . قال : والله يا مالك لأسرنك اليوم أو لأموتن فاتبعني ، فتقدم باللواء وهو يقول :
يا أشتر الخير ويا خير النخع * وصاحب النصر إذا عم الفزع
وكاشف الأمر إذا الأمر وقع * ما أنت في الحرب العوان بالجذع
قد جزع القوم وعموا بالجزع * وجرعوا الغيظ وغصوا بالجرع
إن تسقنا الماء فما هي بالبدع * أو نعطش اليوم فجند مقتطع
ما شئت خذ منها وما شئت فدع
فقال الأشتر : أدنُ مني يا حارث ، فدنا منه فقبل رأسه وقال : لا يتبع رأسه اليوم إلا خير . ثم قام الأشتر يحرض أصحابه يومئذ ويقول : فدتكم نفسي ، شدوا شدة المحرج الراجي الفرج ، فإذا نالتكم الرماح فالتووا فيها ، وإذا عضتكم السيوف فليعض الرجل نواجذه فإنه أشد لشؤون الرأس ، ثم استقبلوا القوم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 33 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بهاماتكم . قال : وكان الأشتر يومئذ على فرس له محذوف أدهم كأنه حلك الغراب » .
وفي وقعة صفين / 254 : « كان يومئذ يقاتل على فرس له ، في يده صفيحة يمانية إذا طأطأها خلت فيها ماء منصباً ، فإذا رفعها كاد يغشي البصر شعاعها ، ويضرب بسيفه قُدُماً وهو يقول :
غمراتُ ثم ينجلينْ . . . عنا وينزلن بآخرين . . . شدائد يتبعهن لين » .
وخرج عمرو الضبي ، فبرز إليه الأشتر وهو يرتجز :
إنّي إذا ما الحربُ أبدتْ نابَها * ومزَّقَت من حَنَقٍ أثوابَها
وأغلقتْ يومَ الوغى أبوابَها * ليسَ العدوُّ دوننا أصحابَها
كنّا قُداماها ولا أذنابَها * مَنْ هابَها اليومَ فلن أهابَها
لا طعنَها أخشى ولا ضِرَابَها .
وقال يرد على تخويف معاوية وقادته له ( وقعة صفين / 61 ) :
لعمرك يا جرير لقولُ عمرو * وصاحبه معاوية الشآمي
وذي كلع وحوشب ذي ظليم * أخف على من زِفِّ النعام
إذا اجتمعوا على فخلِّ عنهم * وعن باز مخالبه دوامي
فلست بخائف ما خوفوني * وكيف أخاف أحلام النيام
وهمهم الذين حاموا عليه * من الدنيا وهمي ما أمامي
فإن أسلم أعمهم بحرب * يشيب لهولها رأس الغلام
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 34 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وإن أهلك فقد قدمت أمراً * أفوز بفلجه يوم الخصام
وقد زأروا إلي وأوعدوني * ومن ذا مات من خوف الكلام
ورووا عنه مواقف فريدة ، منها : « وأقبل الأشتر يضرب بسيفه في أهل الشام وهو يقول :
أضربُهُمْ ولا أرى معاويَهْ * , هوتْ بهِ في النارِ أمٌّ هاويَهْ
الأخزَرَ العينِ العظيمَ الحاويَهْ * جاوره فيها كلابٌ عاويهْ
أغوى طَغاماً لا هَدَتْهُ هاديهْ . ( شرح النهج : 1 / 224 )
ومن أعجب بطولاته ( رحمه الله ) أن معاوية خاف أن يبرز إليه ف « دعا معاوية جندب بن ربيعة وكان خطب إلى معاوية ابنته فرده ، فقال له عمرو بن العاص : إن قتلت الأشتر زوجك معاوية ابنته رملة ! فبرز إليه جندب فقال له الأشتر : من أنت وكم ضمن لك معاوية على مبارزتي ؟ قال : يزوجني ابنته بقتلك فأنا الآن آتيه برأسك ، فضحك الأشتر ! وحمل عليه جندب برمحه فأخذه الأشتر تحت إبطه ، فجعل جندب يجتهد في جذبه فلم يمكنه ، حتى ضرب الأشتر رمحه فقده نصفين ! وهرب جندب فضربه الأشتر بسيفه فصرعه ! ثم حمل الأشتر فضاربهم حتى أزال عمرو بن العاص عن موقفه وانكشف أهل الشام ، وأفضى الأشتر إلى معاوية ، فخرج رجل من بني جمع فضارب عن معاوية حتى أنقذه ، وكاد الأشتر يصل إليه وحجز بينهم الليل » . ( المناقب للخوارزمي / 232 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 35 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الرابع : من أعلام قبيلة النخع

بطل الفتوحات الإسلامية مالك الأشتر

كان الأشتر طويل القامة تام القناة ، مهيب الطلعة . إذا ركب الفرس المُطَهَّمَ خَطَّتْ إبهاما رجليه الأرض ! وعرف بشدة البأس وبالجود والفصاحة . قال ابن أبي الحديد : « لو أقسم أحد بأن الله لم يخلق في العرب والعجم شخصاً أشجع من مالك إلا أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) ، لم يأثم » . ( شرح نهج البلاغة : 15 / 98 ) .
وكان ساميَ الأخلاق حليماً ، فقد رآه بعض السَّوَقة فسخر من زيه ورماه ببندقة ، فمضى ولم يلتفت ! فقيل للرجل : ويلك أتدري من رميت ؟ فقال : لا ، فقيل له : هذا مالك صاحب أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ! فخاف الرجل ومضى إليه ليعتذر منه فرآه دخل مسجداً وهو قائم يصلي ، فلما انتهى أكب على قدميه ، فقال له : ما
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 36 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
هذا ؟ ! فقال : أعتذر إليك مما صنعت ! فقال : لا بأس عليك ، فوالله ما دخلت المسجد إلا لأستغفرن لك » . ( الكافي : 2 / 262 ) .
وبكى يوماً عند علي ( عليه السلام ) فقال له : ما يبكيك لا أبكى الله عينك ؟ فقال : أبكي يا أمير المؤمنين لأني أرى الناس يقتلون بين يديك وأنا لا أرزق الشهادة ! فقال ( عليه السلام ) : أبشر بالخير يا مالك . ( الفتوح : 3 / 179 ) .

دور الأشتر في فتح العراق وفارس والشام

كتبنا في المجلد الثاني من جواهر التاريخ عن دور الأشتر وتلاميذ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في الفتوحات ، وأنه الذي قطف النصر للمسلمين في كل معركة شارك فيها ، ومنها معركة اليرموك . وبيَّنا أن رواة السلطة أخفوا دوره ونسبوا بطولاته إلى آخرين ! ويدل على ذلك ما قد تجده في مصادر الفتوحات من نصوص تكشف دوره الأساسي في فتح إيران في معركة القادسية وفتح أصفهان ، وفي فتح الشام ، وفتح مصر .
فقد ذكر البلاذري ( 1 / 194 ) أن الأشتر كان قائداً في فتح أنطاكية كما ذكره ( 1 / 360 ) وأبا ذر في القادة ، في محاصرة مدينة ساحلية . . . وذكر ( 1 / 302 ) كيف خطط مالك لفتح حلب ، وكيف فتح حصن عزار واستخلف عليه سعيد بن عمرو الغنوي ، ورجع إلى
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 37 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أبي عبيدة ، فكتب أبو عبيدة إلى عمر بالنصر .
ووصف الواقدي : 1 / 224 ، معركة اليرموك ونصيحة البطاركة لبطلهم وقائدهم ماهان : « أيها الملك لا تخرج إلى الحرب حتى نخرج نحن إلى القتال قبلك ، فإذا قُتلنا فافعل بعدنا ما شئت ! قال : فحلف ماهان بالكنائس الأربع لا يبرز أحد قبله ! قال فلما حلف أمسكوا عنه وعن مراجعته ، ثم إنه دعا بابن له فدفع إليه الصليب وقال : قف مكاني ! وقُدِّم لماهان عُدَّة فأفرغت عليه ، قال الواقدي : وبلغنا أن عدته التي خرج بها إلى الحرب تقومت بستين ألف دينار لأن جميعها كان مرصعاً بالجوهر ! فلما عزم على الخروج تقدم له راهب من الرهبان فقال : أيها الملك ما أرى لك إلى البراز سبيلاً ولا أحبه لك . قال : ولم ذلك ؟ قال : لأني رأيت لك رؤيا فارجع ودع غيرك يبرز . فقال ماهان : لست أفعل والقتل أحب إليَّ من العار ! قال فبخروه وودعوه . وخرج ماهان إلى القتال وهو كأنه جبل ذهب يبرق ، وأقبل حتى وقف بين الصفين ودعا إلى البراز وخوَّف باسمه ، فكان أول من عرفه خالد بن الوليد فقال : هذا ماهان ، هذا صاحب القوم قد خرج ! ووالله ما عندهم شئ من الخير ! قال وماهان يُرَعِّب باسمه ، فخرج إليه غلام من الأوس وقال : والله أنا مشتاق إلى الجنة وحمل ماهان وبيده عمود من
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 38 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ذهب ، كان تحت فخذه فضرب به الغلام فقتله وعجل الله بروحه إلى الجنة ! قال أبو هريرة : فنظرت إلى الغلام عندما سقط وهو يشير بإصبعه نحو السماء ولم يُهِلْهُ ما لحقه ، فعلمت أن ذلك لفرحه بما عاين من الحور العين .
قال : فجال ماهان على مصرعه وقويَ قلبه ، ودعا إلى البراز فسارع المسلمون إليه فكل يقول اللهم اجعل قتله على يدي ( ! ) وكان أول من برز مالك النخعي الأشتر وساواه في الميدان ، فابتدر مالك ماهان بالكلام وقال له : أيها العلج لا تغتر بمن قتلته ، وإنما اشتاق صاحبنا إلى لقاء ربه ، وما منا إلا من هو مشتاق إلى الجنة ، فإن أردت مجاورتنا في جنات النعيم ، فانطق بكلمة الشهادة أو أداء الجزية وإلا فأنت هالك لا محالة !
فقال له ماهان : أنت صاحب خالد بن الوليد ؟ قال : لا أنا مالك النخعي صاحب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ! فقال ماهان : لا بد لي من الحرب ، ثم حمل على مالك وكان من أهل الشجاعة فاجتهدا في القتال ، فأخرج ماهان عموده وضرب به مالكاً على البيضة التي على رأسه فغاصت في جبهة مالك فشَتَرتْ عينه ! فمن ذلك اليوم سمي بالأشتر ، قال : فلما رأى مالك ما نزل به من ضربة ماهان
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 39 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عزم على الرجوع ، ثم فكر فيما عزم عليه فدبَّرَ نفسه وعلم أن الله ناصره ، قال والدم فائرٌ من جبهته وعدو الله يظن أنه قتل مالكاً ، وهو ينظره متى يقع عن ظهر فرسه ! وإذا بمالك قد حمل وأخذته أصوات المسلمين يا مالك إستعن بالله يعنك على قرينك ، قال مالك : فاستعنت بالله عليه وصليت على رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وضربته ضربة عظيمة ، فقطع سيفي فيه قطعاً غير موهن فعلمت أن الأجل حصين ، فلما أحس ماهان بالضربة ولَّى ودخل في عسكره ! قال الواقدي : ولما ولى ماهان بين يدي مالك الأشتر منهزماً صاح خالد بالمسلمين : يا أهل النصر والبأس احملوا على القوم ما داموا في دهشتهم ( لقتل قائدهم ) ثم حمل خالد ومن معه من جيشه ، وحمل كل الأمراء بمن معهم ، وتبعهم المسلمون بالتهليل والتكبير فصبرت لهم الروم بعض الصبر ، حتى إذا غابت الشمس وأظلم الأفق انكشف الروم منهزمين بين أيديهم ، وتبعهم المسلمون يأسرون ويقتلون كيف شاءوا » .
أقول : معنى الرواية أن مالكاً ضرب قائدهم ماهان ففرَّ جريحاً ، ثم مات ، فذهل الروم وتغيرت كفة المعركة لصالح المسلمين ! وبرز بعد ماهان إلى مالك بضعة من قادة جيش الروم فقتلهم ! فقد روى الكلاعي في الاكتفاء : 3 / 273 ، واصفاً الأشتر : « كان من جلداء
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 40 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الرجال وأشدائهم ، وأهل القوة والنجدة منهم ، وأنه قتل يوم اليرموك قبل أن ينهزموا أحد عشر رجلاً من بطارقتهم ، وقتل منهم ثلاثة مبارزة » !
ونص الطبري : 3 / 74 ، على أن ماهان أو باهان قُتل أي من ضربة الأشتر : « فهزمت الروم وجموع هرقل التي جمع ، فأصيب من الروم أهل أرمينية والمستعربة سبعون ألفاً ، وقتل الله الصقلار وباهان ، وقد كان هرقل قدمه مع الصقلار » .
وقد أخفى أكثر رواة السلطة قتل مالك لماهان ، فلم يذكر بعضهم من قتله ، ونسبه بعضهم إلى مجهول ! أو قال اختلف في الذي قتله ! وكذلك طمسوا بطولة مالك في قتل قادة الروم الذين قتلهم مبارزة ، أو قصدهم في مراكزهم في الحرب وقتلهم !
ووصف ابن العديم في تاريخ حلب : 1 / 569 ، توغل الأشتر بعد اليرموك في أرض الروم فقال : « وحدثني الحسن بن عبد الله أن الأشتر قال لأبي عبيدة : ابعث معي خيلاً أتبع آثار القوم وأمضي نحو أرضهم ، فإن عندي جزاءً وغناءً . فقال له أبو عبيدة : والله إنك لخليق لكل خير » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 41 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال ابن العديم في : 1 / 156 : « وأول من قطع جبل اللكام وصار إلى المصيصة : مالك بن الحارث الأشتر النخعي ، من قبل أبي عبيدة بن الجراح » .
وفي تاريخ اليعقوبي : 2 / 141 ، أن أبا عبيدة أرسل الأشتر إلى جمع إلى الروم وقد قطعوا الدرب ، فقتل منهم مقتلة عظيمة ، ثم انصرف وقد عافاه الله وأصحابه . وقال : لقد اتفق المؤرخون والمحدثون على أنه : لما بلغ هرقل خبر أهل اليرموك وإيقاع المسلمين بجنده ، هرب من أنطاكية إلى قسطنطينية ، فلما جاوز الدرب قال : عليك يا سورية السلام ، ونعم البلد هذا للعدو ، يعني أرض الشام ، لكثرة مراعيها ! وكانت وقعة اليرموك في رجب سنة خمس عشرة .
كما وصف الواقدي ( 2 / 5 ) انهيار جيش الروم وهروب هرقل من أنطاكية إلى القسطنطينية ، فقال : إن الملك هرقل لما ركب البحر وخرج من أنطاكية ووصل إلى قسطنطينية ، قصدته الروم من كل مكان من المنهزمين وغيرهم ، وبلغه أن أنطاكية قد فتحت صلحاً ، وأنه قتل من كان فيها من المقاتلة ، فصعب عليه وبكى ثم قال : السلام عليك يا أرض سوريا إلى يوم اللقاء ! وقد تجمع عنده من البطارقة والحجاب وغيرهم خلق كثير فقال لهم : إني
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 42 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أخاف من العرب أن ترسل في طلبنا ، ثم إنه جهز ثلاثين ألفاً مع ثلاثة بطارقة ، وأمرهم أن يحفظوا له الدروب !
« وتوجه ( الأشتر ) مع خالد في طلب الروم حين انهزموا ، فلما بلغوا ثنية العقاب من أرض دمشق وعليها جماعة من الروم عظيمة ، أقبلوا يرمون المسلمين من فوقهم بالصخر ، فتقدم إليهم الأشتر في رجال من المسلمين ، وإذا أمام الروم رجل جسيم من عظمائهم وأشدائهم ، فوثب إليه الأشتر لما دنا منه فاستويا على صخرة مستوية فاضطربا بسيفيهما فضرب الأشتر كتف الرومي فأطارها وضربه الرومي بسيفه فلم يضره شيئاً ، واعتنق كل واحد منهما صاحبه ، ثم دفعه الأشتر من فوق الصخرة فوقعا منها ، ثم تدحرجا والأشتر يقول وهما يتدحرجان : إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ . فلم يزل يقول هذا وهو في ذلك ملازم العلج لا يتركه حتى انتهيا إلى موضع مستو من الجبل ، فلما استقرا فيه وثب الأشتر على الرومي فقتله ، ثم صاح في الناس أن جوزوا ! فلما رأت الروم أن صاحبهم قد قتله الأشتر خلوا سبيل العقبة للناس ثم انهزموا » . ( الكلاعي في الاكتفاء : 3 / 273 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 43 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وروى الواقدي : 2 / 240 ، نداء مالك في المسلمين في معركة فتح مصر : « لا تولُّوا فراراً من الموت ! أتريدون أن تكونوا عاراً عند العرب ! فما عذركم غداً بين يدي رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ! أما سمعتم قول الله عز وجل : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ . وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلا مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ » !

ولاه الإمام ( عليه السلام ) على مصر

كان الأشتر وزير أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وعضده ، وقد ولاه على الموصل وما وراءها إلى حدود الشام . وفي سنة ثمان وثلاثين كتب إليه وهو بنصيبين : أما بعد ، فإنك ممّن أستظهر به على إقامة الدين وأقمع به نخوة الأثيم ، وأشد به الثغر المخوف . وكنت وليت محمد بن أبي بكر مصر ، فخرجت عليه بها خوارج ، وهو غلام حدث ليس بذي تجربة للحرب ، ولا بمجرب للأشياء ، فأقدم عليَّ لننظر في ذلك فيما ينبغي ، واستخلف على عملك أهل الثقة والنصيحة من أصحابك . والسلام . ولما جاء الأشتر قال له ( عليه السلام ) : ليس لها غيرك ، أخرج رحمك الله فإني إن لم أوصك اكتفيت برأيك ، واستعن بالله على ما أهمك ، فاخلط الشدة باللين وارفق
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 44 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ما كان الرفق أبلغ . ( الطبري : 5 / 95 ، وأمالي المفيد / 79 ) .
وكتب ( عليه السلام ) إلى أهل مصر : « أما بعد ، فقد بعثت إليكم عبداً من عباد الله ، لا ينام أيّام الخوف ، ولا ينكُلُ عن الأعداء ساعات الرّدع ، أشدّ على الفجّار من حريق النار ، وهو مالك بن الحارث أخو مَذْحِج ، فاسمعوا له وأطيعوا أمره فيما طابق الحق ، فإنّه سيف من سيوف الله لا كليل الظُّبّة ولا نُابي الضّريبة » ( نهج البلاغة / الكتاب 38 ) .

واستشهد مالك الأشتر في ضاحية القاهرة

قال الطبري في تاريخه : 4 / 71 : « وأتت معاوية عيونه فأخبروه بولاية عليٍّ الأشتر فعظم ذلك عليه ، وقد كان طمع في مصر فعلم أن الأشتر إن قدمها كان أشد عليه من محمد بن أبي بكر ، فبعث معاوية إلى الجايستار ( لعله لفظ رومي معناه مسؤول الخراج ) رجل من أهل الخراج فقال له : إن الأشتر قد وَلِيَ مصر فإن أنت كفيتنيه لم آخذ منك خراجاً ما بقيت ، فاحْتَلْ له بما قدرت عليه ، فخرج الجايستار حتى أتى القلزم وأقام به ، وخرج الأشتر من العراق إلى مصر فلما انتهى إلى القلزم استقبله الجايستار فقال : هذا منزل وهذا طعام وعلف وأنا رجل من أهل الخراج ، فنزل به الأشتر فأتاه الدهقان بعلف وطعام حتى إذا طعم أتاه بشربة من عسل قد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 45 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
جعل فيها سماً ، فسقاه إياه فلما شربها مات .
وأقبل معاوية يقول لأهل الشام : إن علياً وجه الأشتر إلى مصر فادعوا الله أن يكفيكموه ! قال : فكانوا كل يوم يدعون الله على الأشتر ، وأقبل الذي سقاه إلى معاوية فأخبره بمهلك الأشتر ، فقام معاوية في الناس خطيباً فحمد الله وأثنى عليه وقال : أما بعد فإنه كانت لعلي بن أبي طالب يدان يمينان قطعت إحداهما يوم صفين يعني عمار بن ياسر ! وقطعت الأخرى اليوم يعني الأشتر » ! ( ونحوه الغارات : 1 / 263 ، وتاريخ دمشق : 56 / 376 ، وجمهرة خطب العرب : 1 / 430 ، وشرح النهج : 6 / 76 ، وأمالي المفيد / 82 ، وفيه : وبلغ معاوية خبره فجمع أهل الشام وقال لهم : أبشروا فإن الله تعالى قد أجاب دعاءكم وكفاكم الأشتر وأماته ، فسُرُّوا بذلك واستبشروا به . وفي البدء والتاريخ : 5 / 226 ، وطبعة 440 : فقال معاوية لما بلغه : ما أبردها على الفؤاد ! إن لله جنوداً من عسل ! وفي ثقات ابن حبان : 2 / 298 : « وكتب إلى دهقان بالعريش إن احْتَلْتَ في الأشتر فلك عليَّ خراجك عشرين سنة » . ( وطبقات الأطباء / 154 ، ونهاية الإرب / 4465 ، وفي آثار البلاد للقزويني / 180 : فما استقر في جوفه حتى تلف ! فأتى من كان معه على الدهقان وأصحابه وأفنوهم ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 46 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الإمام ( عليه السلام ) يرثي مالك الأشتر

لما بلغ أمير المؤمنين موت الأشتر قال : إنا لله وإنا إليه راجعون والحمد لله رب العالمين . ألهم إني أحتسبه عندك ، فإن موته من مصائب الدهر . ثم قال : رحم الله مالكاً فقد كان وفى بعهده ، وقضى نحبه ، ولقي ربه ، مع أنا قد وطنا أنفسنا أن نصبر على كل مصيبة بعد مصابنا برسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فإنها من أعظم المصائب . وعن جماعة من أشياخ النخع قالوا : دخلنا علي أمير المؤمنين حين بلغه موت الأشتر فوجدناه يتلهف ويتأسف عليه ثم قال : لله در مالك وما مالك ؟ لو كان من جبل لكان فنداً ، ولو كان من حجر لكان صلداً ، أما والله ليهدن موتك عالماً ، وليفرحن عالماً ، على مثل مالك فلتبك البواكي ، وهل موجود كما لك ؟
قال علقمة بن قيس النخعي : فما زال عليٌّ يتلهف ويتأسف حتى ظننا أنه المصاب دوننا ، وعرف ذلك في وجهه أياماً . ( تاريخ الطبري : 6 / 55 ، وشرح نهج البلاغة : 2 / 59 ، والكامل لابن الأثير : 3 / 153 ) .
أقول : شهد أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في الأشتر شهادة عظيمة فقال : « رحم الله مالكاً ، وما مالك ! عزَّ عليَّ به هالكاً ، لو كان صخراً
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 47 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لكان صلداً ( لصلابته ويقينه ) ولو كان جبلاً لكان فنداً ( مميزاً عن الجبال ) وكأنه قُدَّ مني قدا » . ( اختيار معرفة الرجال : 1 / 283 ) .
وأعظم منها شهادة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في حق المقداد ( رحمه الله ) ! « كان عظيم الشأن ، كبير المنزلة ، حسن الرأي ، قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : قُدَّ منِّي قَدّاً » . ( نهج الحق للعلامة الحلي / 304 ) .

مشهد الأشتر في مصر

« قال ابن الكلبي : لما سار الأشتر إلى مصر أخذ في طريق الحجاز فقدم المدينة فجاءه مولى لعثمان يقال له نافع وأظهر له الود . . فلم يزل معه إلى عين شمس ، فلما وصل إلى عين شمس تلقاه أهل مصر بالهدايا ، وسقاء نافع العسل فمات » !
وهذه الرواية أقرب الروايات إلى الواقع ، وتؤكد صحة موضع قبره بمنطقة القلج ، وهي من أحياء المرج ، والمرج مدخل القاهرة من شمالها الشرقي ، وهي قرب بلدة الخانكة ، وهي ضمن مدينة عين شمس القديمة . ( الشيعة في مصر للورداني / 108 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 48 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

مصابيح النخع

وصف أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ثلاثة من النخعيين بأنهم من ثقاته ، وأنهم مصابيح النخع ، وذلك عندما كتب منشوراً ليُقرأ على المسلمين ، في موقفه من بيعة السقيفة وأبي بكر وعمر وعثمان ، وقال لكاتبه عبيد الله بن أبي رافع : أدخل عليَّ عشرة من ثقاتي ، فقال : سمِّهم لي يا أمير المؤمنين . قال : أدخل أصبغ بن نباتة ، وأبا الطفيل عامر بن واثلة الكناني ، وزر بن حبيش الأسدي ، وجويرية بن مسهر العبدي ، وخندف بن زهير الأسدي ، وحارثة بن مضرب الهمداني ، والحارث بن عبد الله الأعور الهمداني ، ومصابيح النخع : علقمة بن قيس ، وكميل بن زياد ، وعمير بن زرارة . ( المحجة لابن طاووس / 173 ) . فقرأه عليهم وأشهدهم عليه ، وأمر أن يقرأ على المسلمين . وقد رواه الكليني في رسائل الأئمة ( عليهم السلام ) ، وهو طويل ، نورد فقرات منه :
« كتب أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بعد منصرفه من النهروان كتاباً وأمر أن يقرأ على الناس ، وذلك أن الناس سألوه عن أبي بكر وعمر وعثمان ، فغضب لذلك وقال : قد تفرغتم للسؤال عما لا يعنيكم وهذه مصر قد افتتحت وقتل معاوية بن خديج محمد بن أبا بكر ! فيا لها من مصيبة ما أعظمها مصيبتي بمحمد ، فوالله ما كان إلا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 49 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كبعض بنيَّ . سبحان الله ، بينا نحن نرجو أن نغلب القوم على ما في أيديهم ، إذ غلبونا على ما في أيدينا !
وأنا أكتب لكم كتاباً فيه تصريح ما سألتم إن شاء الله تعالى ، فدعا كاتبه عبيد الله بن أبي رافع فقال له : أدخل علي عشرة من ثقاتي ، فقال : سمهم يا أمير المؤمنين ، فقال : أدخل أصبغ بن نباتة ، وأبا الطفيل عامر بن واثلة الكناني ، وزر بن حبيش الأسدي ، وجويرية بن مسهر العبدي ، وخندف بن زهير الأسدي ، وحارثة بن مضرب الهمداني ، والحارث بن عبد الله الأعور الهمداني ، ومصابيح النخع : علقمة ابن قيس ، وكميل بن زياد ، وعمير بن زرارة ، فدخلوا إليه فقال لهم : خذوا هذا الكتاب وليقرأه عبيد الله بن أبي رافع وأنتم شهود ، كل يوم جمعة ، فإن شغب شاغب عليكم فأنصفوه بكتاب الله بينكم وبينه :
بسم الله الرحمن الرحيم . من عبد الله عليٍّ أمير المؤمنين ، إلى شيعته من المؤمنين والمسلمين فإن الله يقول : وإن من شيعته لإبراهيم ، وهو اسم شرفه الله تعالى في الكتاب ، وأنتم شيعة النبي محمد ( صلى الله عليه وآله ) كما أنه من شيعة إبراهيم ، اسم غير مختص ، وأمر غير مبتدع . وسلام الله عليكم ، والله هو السلام ، المؤمن أولياءه من العذاب المهين ، الحاكم عليكم بعدله .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 50 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أما بعد ، فإن الله تعالى بعث محمداً ( صلى الله عليه وآله ) وأنتم معاشر العرب على شر حال ! يغذو أحدكم كلبه ، ويقتل ولده ! ويَغِيرُ على غيره فيرجع وقد أغير عليه ! تأكلون العلهز والهبيد والميتة والدم ! تنيخون على أحجار خشن ، وأوثان مضلة ، وتأكلون الطعام الجشب ، وتشربون الماء الآجن ! تسافكون دماءكم ، ويسبي بعضكم بعضاً ! وقد خص الله قريشاً بثلاث آيات ، وعمَّ العرب بآية ، فأما الآيات اللواتي في قريش فهي قوله تعالى : وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ .
والثانية : وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ .
والثالثة : قول قريش لنبي الله تعالى حين دعاهم إلى الإسلام والهجرة ، فقالوا : وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا فقال الله تعالى : أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيء رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ .
وأما الآية التي عم بها العرب فهي قوله تعالى : وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 51 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ .
فيا لها من نعمة ما أعظمها إن لم تخرجوا منها إلى غيرها ، ويا لها من مصيبة ما أعظمها ، إن لم تؤمنوا بها وترغبوا عنها . فمضى نبي الله ( صلى الله عليه وآله ) وقد بلغ ما أرسل به ، فيا لها مصيبة خصت الأقربين وعمت المؤمنين ، لن تصابوا بمثلها ، ولن تعاينوا بعدها مثلها ! فمضى ( صلى الله عليه وآله ) لسبيله وترك كتاب الله وأهل بيته ، إمامين لا يختلفان وأخوين لا يتخاذلان ، ومجتمعين لا يتفرقان .
ولقد قبض الله محمداً نبيه ( صلى الله عليه وآله ) ولأنا أولى الناس به مني بقميصي هذا ، وما ألقي في روعي ولا عرض في رأيي أن وجه الناس إلى غيري ، فلما أبطأوا عني بالولاية لهممهم ، وتثبط الأنصار وهم أنصار الله وكتيبة الإسلام وقالوا : أما إذا لم تسلموها لعلي فصاحبنا أحق بها من غيره ! ( يقصد ( عليه السلام ) أن هذا كان أمراً غير معقول ، لا يتصوره ، وإلا فقد أخبره النبي ( صلى الله عليه وآله ) بما سيجري ، وصرح هو بذلك مراراً ) .
إلى أن قال : فأتاني رهط يعرضون علي النصر ، منهم ابنا سعيد ، والمقداد بن الأسود ، وأبو ذر الغفاري ، وعمار بن ياسر ، وسلمان الفارسي ، والزبير بن العوام ، والبراء بن عازب ، فقلت لهم : إن عندي من النبي ( صلى الله عليه وآله ) عهداً وله إلي وصية لست أخالفه عما أمرني
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 52 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
به ، فوالله لو خزموني بأنفي لأقررت لله تعالى سمعاً وطاعة ، فلما رأيت الناس قد انثالوا على أبي بكر بالبيعة أمسكت يدي ، وظننت ( علمت ) أني أولى وأحق بمقام رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) منه ومن غيره ، وقد كان نبي الله ( صلى الله عليه وآله ) أمر أسامة بن زيد على جيش وجعلهما في جيشه وما زال النبي ( صلى الله عليه وآله ) إلى أن فاضت نفسه يقول : أنفذوا جيش أسامة أنفذوا جيش أسامة !
فلما رأيت راجعة من الناس قد رجعت عن الإسلام تدعو إلى محو دين محمد وملة إبراهيم ( صلى الله عليه وآله ) ، خشيت إن أنا لم أنصر الإسلام وأهله ، أن أرى فيه ثلماً وهدماً ، تكون المصيبة عليَّ فيه أعظم من فوت ولاية أموركم ، التي إنما هي متاع أيام قلائل ثم تزول وتنقشع كما يزول وينقشع السحاب ! فنهضت مع القوم في تلك الأحداث حتى زهق الباطل ، وكانت كلمة الله هي العليا وإن رغم الكافرون . . . .
إلى أن قال : فبايع عمر دون المشورة ، فكان مرضي السيرة من الناس ، حتى إذا احتضر قلت في نفسي ليس يعدل بهذا الأمر عني ، للذي قد رأى مني في المواطن وسمع من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فجعلني سادس ستة ! وأمر صهيباً أن يصلي بالناس ، ودعا أبا طلحة زيد بن سعد الأنصاري فقال له : كن في خمسين رجلاً من
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 53 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قومك فاقتل من أبي أن يرضى من هؤلاء الستة ! . . . وقال : هؤلاء الرهط الذين قبض رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وهو عنهم راض ، فكيف يأمر بقتل قوم رضي الله عنهم ورسوله ، إن هذا لأمر عجيب . . . !
فأجمعوا علي إجماع رجل واحد ، حتى صرفوا الولاية عني إلى عثمان ، رجاء أن ينالوها ويتداولوها في ما بينهم . . . فدعوني إلى بيعة عثمان فبايعت مستكرهاً وصبرت محتسباً . . . فقال عبد الرحمن بن عوف : يا ابن أبي طالب إنك على هذا الأمر لحريص ! فقلت : لست عليه حريصاً ، وإنما أطلب ميراث رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وحقه وأن ولاء أمته لي من بعده ، وأنتم أحرص عليه مني ، إذ تحولون بيني وبينه وتضربون وجهي دونه بالسيف .
اللهم إني أستعديك على قريش ، فإنهم قطعوا رحمي وأضاعوا أيامي ، ودفعوا حقي ، وصغروا قدري وعظيم منزلتي ، وأجمعوا على منازعتي حقاً كنت أولى به منهم فاستلبونيه ، ثم قالوا إصبر مغموماً أو مُتْ متأسفاً ! وأيم الله لو استطاعوا أين يدفعوا قرابتي كما قطعوا سببي فعلوا ولكنهم لن يجدوا إلى ذلك سبيلاً ! وإنما حقي على هذه الأمة كرجل له حق على قوم إلى أجل معلوم ، فإن أحسنوا وعجلوا له حقه قبله حامداً ، وإن أخروه إلى أجله أخذه غير حامد ، وليس يعاب المرء بتأخير حقه ، إنما يعاب من أخذ ما
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 54 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ليس له ، وقد كان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) عهد إلي عهداً فقال : يا ابن أبي طالب لك ولاء أمتي فإن ولوك في عافية وأجمعوا عليك بالرضا فقم بأمرهم ، وإن اختلفوا عليك فدعهم وما هم فيه ، فإن الله سيجعل لك مخرجاً . فنظرت فإذا ليس لي رافد ولا معي مساعد إلا أهل بيتي فضننت بهم عن الهلاك ، ولو كان لي بعد رسول الله عمي حمزة وأخي جعفر لم أبايع مكرهاً ، ولكني بليت برجلين حديثي عهد بالإسلام العباس وعقيل ، فضننت بأهل بيتي عن الهلاك ، فأغضيت عيني على القذا وتجرعت ريقي على الشجى ، وصبرت على أمرِّ من العلقم ، وآلم للقلب من حز الشفار .
إلى أن قال ( عليه السلام ) : وأما أمر عثمان . . . وأنا جامع لكم أمره : إستأثر فأساء الأثرة ، وجزعتم فأسأتم الجزع ، والله يحكم بينكم وبينه . والله ما يلزمني في دم عثمان تهمة ما كنت إلا رجلاً من المسلمين المهاجرين في بيتي ، فلما قتلتموه أتيتموني تبايعوني فأبيت عليكم وأبيتم علي فقبضت يدي فبسطتموها وبسطتها فمددتموها ثم تداككتم علي تداك الإبل الهيم على حياضها يوم ورودها ، حتى ظننت أنكم قاتليَّ وأن بعضكم قاتل بعض !
فبايعتم على كتاب الله وسنة نبيه ( صلى الله عليه وآله ) دعوت الناس إلى بيعتي فمن بايعني طائعاً قبلت منه ، ومن أبي تركته ، فكان أول من
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 55 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بايعني طلحة والزبير فقالا : نبايعك على أنا شركاؤك في الأمر ! فقلت : لا ، ولكنكما شركائي في القوة ، وعوناي في العجز ، فبايعاني على هذا الأمر ، ولو أبيا لم أكرههما كما لم أكره غيرهما ! وكان طلحة يرجو اليمن ، والزبير يرجو العراق ، فلما علما أني غير موليهما استأذناني للعمرة يريدان الغدرة ، فأتيا عايشة واستخفَّاها مع كل شئ في نفسها علي . . . وقادهما عبد الله بن عامر إلى البصرة ، وضمن لهما الأموال والرجال ، فبيناهما يقودانها إذ هي تقودهما ، فاتخذاها فئة يقاتلان دونها ! فأي خطيئة أعظم مما أتيا ، أخرجا زوجة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) من بيتها فكشفا عنها حجاباً ستره الله عليها ، وصانا حلائلهما في بيوتهما ، ولا أنصفا الله ولا رسوله ( صلى الله عليه وآله ) من أنفسهما ! فمنيتُ بأطوع الناس في الناس عايشة بنت أبي بكر ، وبأشجع الناس الزبير ، وبأخصم الناس طلحة بن عبيد الله ، وأعانهم علي يعلى بن منية بأصوع الدنانير ! والله لئن استقام أمري لأجعلن ماله فيئاً للمسلمين !
ثم أتوا البصرة وأهلها مجتمعون على بيعتي وطاعتي ، وبها شيعتي خزان بيت مال الله ومال المسلمين ، فدعوا الناس إلى معصيتي وإلى نقض بيعتي وطاعتي ، فمن أطاعهم أكفروه ومن عصاهم قتلوه ! فناجزهم حكيم بن جبلة فقتلوه في سبعين رجلاً
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 56 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
من عباد أهل البصرة ومخبتيهم ، يسمون المثفنين كأن راح أكفهم ثفنات الإبل ، وأبى أن يبايعهم يزيد بن الحارث اليشكري فقال : إتقيا الله ، إن أولكم قادنا إلى الجنة فلا يقودنا آخركم إلى النار ، فلا تكلفونا أن نصدق المدعي ونقضي على الغائب ، أما يميني فشغلها علي بن أبي طالب ببيعتي إياه ، وهذه شمالي فارغة فخذاها إن شئتما ! فخنق حتى مات ( رحمه الله ) .
وقام عبد الله بن حكيم التميمي فقال : يا طلحة هل تعرف هذا الكتاب ؟ قال : نعم هذا كتابي إليك . قال : هل تدري ما فيه ؟ قال : إقرأه عليَّ ، فقرأه فإذا فيه عيب عثمان ودعاؤه إلى قتله ! فسَيَّروه من البصرة ، وأخذوا عاملي عثمان بن حنيف الأنصاري غدراً فمثلوا به كل مثلة ، ونتفوا كل شعرة في رأسه ووجهه ! وقتلوا شيعتي طائفة صبراً ، وطائفة غدراً ، وطائفة عضوا بأسيافهم حتى لقوا الله ! فوالله لو لم يقتلوا منهم إلا رجلاً واحداً لحل لي به دماؤهم ودماء ذلك الجيش لرضاهم بقتل من قتل ! دع أنهم قد قتلوا أكثر من العدة التي قد دخلوا بها عليهم !
وقد أدال الله منهم ، فبعداً للقوم الظالمين . فأما طلحة فرماه مروان بسهم فقتله ، وأما الزبير فذكَّرته قول رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) إنك تقاتل علياً وأنت ظالم له ! وأما عايشة فإنها كانت نهاها رسول الله
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 57 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
( صلى الله عليه وآله ) عن مسيرها ، فعضت يديها نادمة على ما كان منها !
إلى أن قال ( عليه السلام ) : وكانت عايشة قد شكت في مسيرها وتعاظمت القتال ، فدعت كاتبها عبيد الله بن كعب النميري فقالت أكتب : من عايشة بنت أبي بكر إلى علي بن أبي طالب ، فقال : هذا أمر لا يجري به القلم . قالت : ولم ؟ قال : لأن علي بن أبي طالب في الإسلام أول وله بذلك البدء في الكتاب . فقالت : أكتب : إلى علي بن أبي طالب من عايشة بنت أبي بكر ، أما بعد فإني لست أجهل قرابتك من رسول الله ، ولا قدمك في الإسلام ، ولا غناءك عن رسول الله ، وإنما خرجت مصلحة بين بنيَّ لا أريد حربك إن كففت عن هذين الرجلين ، في كلام لها كثير ، فلم أجبها بحرف ، وأخرت جوابها لقتالها .
فلما قضى الله لي الحسنى سرت إلى الكوفة ، واستخلفت عبد الله بن عباس على البصرة ، فقدمت الكوفة وقد اتسقت لي الوجوه كلها إلا الشام ، فأحببت أن أتخذ الحجة وأفضي العذر ، أخذت بقول الله تعالى : وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ ، فبعثت جرير بن عبد الله إلى معاوية معذراً إليه ، متخذاً للحجة عليه ، فرد كتابي وجحد حقي ودفع بيعتي ، وبعث إلي أن ابعث إلي قتله عثمان ، فبعثت إليه ما أنت وقتلة عثمان ؟
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 58 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أولاده أولى به ، فادخل أنت وهم في طاعتي ثم خاصم القوم لأحملكم وإياهم على كتاب الله ، وإلا فهذه خدعة الصبي عن رضاع الملي ! فلما يئس من هذا الأمر بعث إلي أن اجعل الشام لي حياتك ، فإن حدث بك حادث من الموت لم يكن لأحد علي طاعة ، وإنما أراد بذلك أن يخلع طاعتي من عنقه فأبيت عليه ، فبعث إلي إن أهل الحجاز كانوا الحكام على أهل الشام ، فلما قتلوا عثمان صار أهل الشام الحكام على أهل الحجاز ! فبعثت إليه إن كنت صادقاً فسم لي رجلا من قريش الشام تحل له الخلافة ، ويقبل في الشورى ، فإن لم تجده سميت لك من قريش الحجاز من يحل له الخلافة ويقبل في الشورى .
ونظرت إلى أهل الشام فإذا هم بقية الأحزاب ، فراش نار وذباب طمع ، تجمع من كل أوب ، ممن ينبغي أن يؤدب ويحمل على السنة ، ليسوا مهاجرين ولا أنصار ، ولا تابعين بإحسان ، فدعوتهم إلى الطاعة والجماعة فأبوا إلا فراقي وشقاقي ، ثم نهضوا في وجه المسلمين ينضحونهم بالنبل ويشجرونهم بالرماح !
فعند ذلك نهضت إليهم ، فلما عضهم السلاح ووجدوا ألم الجراح ، رفعوا المصاحف فدعوكم إلى ما فيها ، فأنبأتكم أنهم ليسوا بأهل دين ولا قرآن ، وإنما رفعوها مكيدة وخديعة فامضوا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 59 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لقتالهم ، فقلتم إقبل منهم واكفف عنهم فإنهم إن أجابوا إلى ما في القرآن ، جامعونا على ما نحن عليه من الحق ، فقبلت منهم وكففت عنهم ، فكان الصلح بينكم وبينهم على رجلين حكمين ليحييا ما أحياه القرآن ، ويميتا ما أماته القرآن ، فاختلف رأيهما واختلف حكمهما ، فنبذا ما في الكتاب ، وخالفا ما في القرآن ، وكانا أهله !
ثم إن طائفة اعتزلت فتركناهم ما تركونا ، حتى إذا عاثوا في الأرض يفسدون ويقتلون ، وكان فيمن قتلوه أهل ميرة من بني أسد ، وخباباً وابنه وأم ولده ، والحارث بن مرة العبدي ، فبعثت إليهم داعياً فقلت ادفعوا إلينا قتلة إخواننا ، فقالوا : كلنا قتلتهم ، ثم شدت خيلهم ورجالهم ، فصرعهم الله مصارع الظالمين !
فلما كان ذلك من شأنهم ، أمرتكم أن تمضوا من فوركم ذلك إلى عدوكم فقلتم : كلت سيوفنا ونصلت أسنة رماحنا وعاد أكثرها قصيداً ، فأذن لنا فلنرجع ولنستعد بأحسن عدتنا ، وإذا نحن رجعنا زدنا في مقاتلتنا عدة من قتل منا ، حتى إذا أظللتم على النخيلة أمرتكم أن تلزموا معسكركم ، وأن تضموا إليه نواصيكم وأن توطنوا على الجهاد نفوسكم ، ولا تكثروا زيارة أبناءكم ونساءكم ، فإن أصحاب الحرب مصابروها ، وأهل التشمير فيها
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 60 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الذين لا يتوجدون من سهر ليلهم ولا ظمأ نهارهم ، ولا فقدان أولادهم ولا نساءهم !
فأقامت طائفة منكم معدة وطائفة دخلت المصر عاصية ، فلا من دخل المصر عاد إلي ، ولا من أقام منكم ثبت معي ولا صبر ، فلقد رأيتني وما في عسكري منكم خمسون رجلاً ، فلما رأيت ما أنتم عليه دخلت عليكم فما قدر لكم أن تخرجوا معي إلى يومكم هذا ! لله أبوكم ألا ترون إلى مصر قد افتتحت ، وإلى أطرافكم قد انتقصت ، وإلى مسالحكم ترقى ، وإلى بلادكم تغزى ، وأنتم ذووا عدد جم وشوكة شديدة ، وأولوا بأس قد كان مخوفاً !
إلى أن قال ( عليه السلام ) : ولقد أنهي إلي أن ابن النابغة لم يبايع معاوية حتى شرط له أن يؤتيه أتية هي أعظم مما في يديه من سلطانه ، فصفرت يد هذا البائع دينه بالدنيا ، وخزيت أمانة هذا المشتري بنصرة فاسق غادر بأموال المسلمين ، وأي سهم لهذا المشتري بنصرة فاسق غادر ، وقد شرب الخمر وضرب حداً في الإسلام ، وكلكم يعرفه بالفساد في الدين ، وإن منهم من لم يدخل في الإسلام وأهله حتى رضخ له عليه رضيخة !
فهؤلاء قادة القوم ، ومن تركت لكم ذكر مساوية أكثر وأبور ! وأنتم تعرفونهم بأعيانهم وأسمائهم كانوا على الإسلام ضداً ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 61 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولنبي الله ( صلى الله عليه وآله ) حرباً ، وللشيطان حزباً ، لم يقدم إيمانهم ولم يحدث نفاقهم ! وهؤلاء الذين لو ولوا عليكم لأظهروا فيكم الفخر والتكبر ، والتسلط بالجبرية والفساد في الأرض ! وأنتم على ما كان منكم من تواكل وتخاذل خير منهم وأهدى سبيلاً ، منكم الفقهاء والعلماء والفهماء ، وحملة الكتاب والمتهجدون بالأسحار ، ألا تسخطون وتنقمون أن ينازعكم الولاية السفهاء البطاء عن الإسلام ، الجفاة فيه » . ( نهج السعادة للمحمودي : 5 / 194 ، و : 5 / 258 ، وذكر من مصادره : كشف المحجة / 173 ، والمسترشد / 77 . وابن قتيبة في الإمامة والسياسة / 154 ، ط مصر . بعنوان : ما كتبه علي لأهل العراق قبل بيان مقتله . والثقفي في الغارات ، وبحار الأنوار : 8 / 615 ، وأشار إليه البلاذري في أنساب الأشراف / 400 .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 62 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

كميل بن زياد النخعي ( رحمه الله )

كميل بن زياد ، بن نهيك ، بن هيثم ، بن سعد ، بن مالك ، بن الحارث ، بن صهبان ، بن سعد بن مالك بن النخع ( رحمه الله ) .
وُلد في اليمن وهاجر مع النخعيين إلى الكوفة ، وشارك في معركة القادسية وعمره بضعٌ وعشرون سنة . وكان من السابقين المقربين من أمير المؤمنين ( عليه السلام ) . قتله الحجاج لتشيعه سنة 82 ، وعمره سبعون ، أو تسعون سنة ( رحمه الله ) . ( تاريخ دمشق : 50 / 248 ، والإصابة : 5 / 486 ) .
« وكان رجلاً ركيناً وقوراً عند الحرب ، له بأس وصوت في الناس ، وكانت كتيبته تدعى كتيبة القراء ، يُحمل عليهم فلا يكادون يبرحون ، ويحملون فلا يكذبون ، فكانوا قد عرفوا بذلك » . ( تاريخ الطبري : 5 / 158 ) .

كميل رافضي لكنه موثق عند علماء السلطة !

مدحه علماء السلطة ووثقوه ، ورووا عنه بعض الأحاديث التي تروق لهم وتركوا بقية أحاديثه ! قال ابن حجر : « كميل بن زياد بن نهيك ، ويقال بن عبد الله ، النخعي التابعي الشهير . . . أدرك من الحياة النبوية ثماني عشرة سنة . . . روى عن عمر وعلي وابن مسعود وغيرهم . روى عنه عبد الرحمن بن عابس وأبو إسحاق السبيعي والأعمش ، وغيرهم . قال ابن سعد : شهد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 63 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
صفين مع علي ، وكان شريفاً مطاعاً ثقة قليل الحديث ، ووثقه ابن معين وجماعة . وقال ابن عمار : كان من رؤساء الشيعة . وأخرج بن أبي الدنيا من طريق الأعمش قال : دخل الهيثم بن الأسود على الحجاج فقال له : ما فعل كميل بن زياد ؟ قال : شيخ كبير في البيت . قال : فأين هو ؟ قال : ذلك شيخ كبير خرف ! فدعاه فقال له : أنت صاحب عثمان قال ما صنعت بعثمان ! لطمني فطلبت القصاص ، فأقادني فعفوت ! قال : فأمر الحجاج بقتله . وقال جرير عن مغيرة : طلب الحجاج كميل بن زياد فهرب منه فحرم قومه عطاءهم ، فلما رأى كميل ذلك قال : أنا شيخ كبير قد نفد عمري ، لا ينبغي أن أحرم قومي عطاءهم ! فخرج إلى الحجاج ، فلما رآه قال له : لقد أحببت أن أجد عليك سبيلاً . فقال له كميل : إنه ما بقي من عمري إلا القليل ، فاقض ما أنت قاض ، فإن الموعد الله ! وقد أخبرني أمير المؤمنين علي أنك قاتلي . قال : بلى ، قد كنت فيمن قتل عثمان ! اضربوا عنقه فضربت عنقه » . ( الإصابة : 5 / 486 ) .
وقال في تهذيب الكمال : 24 / 219 : « وقال محمد بن عبد الله بن عمار : كميل بن زياد رافضي ، وهو ثقة من أصحاب علي . وقال في موضع آخر : كميل بن زياد من رؤساء الشيعة ، وكان بلاء من البلاء » !
أقول : يظهر من نصوصهم أنهم لا يحبونه ، لكنهم لا يجدون مجالاً لذمه ، فهم كالحجاج لم يجد عليهم سبيلاً فاتهمه بأنه كان حاضراً يوم قتل عثمان
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 64 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فلا بد أنه شارك في قتله ! وقد كان المسلمون كلهم من أهل المدينة وغيرهم حاضرين ، فلا بد أنهم شاركوا في قتله !

كميل مع مجموعة المعارضين لعثمان

كان كميل أحد وجهاء الكوفة الذين يراجعون الخليفة في مطاليب أهل الكوفة ، وقد شكوا إلى عثمان عامله سعيد بن العاص الأموي ، فلم يقبل منهم ، وشكاهم الوالي ، فأمر عثمان بنفيهم إلى الشام !
قال الطبري : 3 / 365 : « فسيَّرهم وهم تسعة نفر إلى معاوية ، فيهم مالك الأشتر ، وثابت بن قيس بن منقع ، وكميل بن زياد » . « وهم : صعصعة بن صوحان العبدي ، وأخوه ، وعائذ بن حملة الطهوي ، وجندب بن زهير الأزدي ، والحارث بن عبد الله الأعور الهمداني ، وأصغر بن قيس الحارثي ، ويزيد بن المكفف ، وثابت بن قيس بن منقع ، وكميل بن زياد » . ( مواقف الشيعة : 2 / 149 ) . فناقشوا معاوية وأفحموه ، وأثروا على بعض أهل الشام « بلغ معاوية أن قوماً من أهل دمشق يجالسون الأشتر وأصحابه فكتب إلى عثمان : إنك بعثت إلي قوماً أفسدوا مصرهم وأنغلوه ، ولا آمن أن يفسدوا طاعة من قبلي ويعلِّموهم مالا يحسنونه » . ( أنساب الأشراف / 1448 ) . فكتب له عثمان أن يعيدهم إلى الكوفة .
وروى الطبري : 3 / 365 ، أنهم أفحموا معاوية في إحدى مناقشاتهم فبقي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 65 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مكابراً وأخذ يفتخر ويهدد : « فوثبوا عليه فأخذوا برأسه ولحيته ! فقال : مهْ إن هذه ليست بأرض الكوفة ، والله لو رأى أهل الشأم ما صنعتم بي وأنا إمامهم ما ملكت أن أنهاهم عنكم حتى يقتلوكم ، فلعمري إن صنيعكم ليشبه بعضه بعضاً ! ثم قام من عندهم فقال : والله لا أدخل عليكم مدخلاً ما بقيت . ثم كتب إلى عثمان : لعبد الله عثمان أمير المؤمنين من معاوية بن أبي سفيان ، أما بعد يا أمير المؤمنين فإنك بعثت إليَّ أقواماً يتكلمون بألسنة الشياطين وما يُمْلون عليهم ، ويأتون الناس زعموا من قبل القرآن فيشبهون على الناس . . . ! ولست آمن إن أقاموا وسط أهل الشأم أن يغروهم بسحرهم وفجورهم ، فارددهم إلى مصرهم ، فلتكن دراهم في مصرهم الذي نجم فيه نفاقهم ، والسلام . فكتب إليه عثمان يأمره أن يردهم إلى سعيد بن العاص بالكوفة فردهم إليه ، فلم يكونوا إلا أطْلَقَ ألسنةً منهم حين رجعوا ! وكتب سعيد إلى عثمان يضجُّ منهم ، فكتب عثمان إلى سعيد أن سيِّرْهُمْ إلى عبد الرحمن بن خالد بن الوليد ، وكان أميراً على حمص . وكتب إلى الأشتر وأصحابه : أما بعد ، فإني قد سيرتكم إلى حمص ، فإذا أتاكم كتابي هذا فأخرجوا إليها فإنكم لستم تألون الإسلام وأهله شراً ، والسلام . فلما قرأ الأشتر الكتاب قال : اللهم أسوأنا نظراً للرعية ، وأعملنا فيهم بالمعصية ، فعجل له النقمة » ! « فكتب سعيد بن العاص إلى عثمان يخبره بأمرهم فكتب إليه أن سيرهم إلى الشام وألْزِمْهُمْ الدروب . . . » . ( الطبري : 3 / 367 ) . ويقصد عثمان : إبعثهم في غزو الروم من جهة حمص
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 66 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لعلهم يقتلون ! ولهم قصص مع والي حمص كقصصهم مع معاوية في النفي الأول حتى اضطر لإرجاعهم إلى الكوفة ! فعادوا وهم أقوى بالتفاف المسلمين حولهم ، ثم ذهب وفدهم بشكاية أهل الكوفة إلى المدينة برئاسة مالك يطالبون عثمان بإصلاح الوضع وتغيير الوالي الأموي فلم يستجب لهم ، وكان الوالي سعيد في المدينة فرجع مالك قبله إلى العراق : « فسبق سعيداً ، وصعد المنبر وسيفه في عنقه ما وضعه بعد ، ثم قال : أما بعد فإن عاملكم الذي أنكرتم تعديه وسوء سيرته ، قد رُدَّ عليكم وأمر بتجهيزكم في البعوث ! فبايعوني على أن لا يدخلها فبايعه عشرة آلاف من أهل الكوفة ، وخرج راكباً متخفياً يريد المدينة أو مكة فلقي سعيداً بواقصة فأخبره بالخبر فانصرف إلى المدينة !
وكتب الأشتر إلى عثمان : إنا والله ما مَنَعْنَا عاملك الدخول لنفسد عليك عملك ، ولكن لسوء سيرته فينا وشدة عذابه ! فابعث إلى عملك من أحببت ! فكتب إليهم : أنظروا من كان عاملكم أيام عمر بن الخطاب فولوه فنظروا فإذا هو أبو موسى الأشعري فولوه » . ( مروج الذهب / 582 ) .

كميل إلى جانب أمير المؤمنين ( عليه السلام )

كان كميل كمالك الأشتر وبقية بني النخع مع أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في دولته وحروبه ، وقد ولاه أمير المؤمنين ( عليه السلام ) على هيت وما والاها من الحدود العراقية ، التي كانت هدفاً لغارات معاوية .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 67 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال البلاذري في أنساب الأشراف / 473 : « وكان كميل بن زياد النخعي على هيت في جند من شيعة علي ، فلما أغار سفيان بن عوف على الأنبار ، كان كميل قد أتى ناحية قرقيسيا لمواقعة قوم بلغه أنهم قد أجمعوا على أن يغيروا على هيت ونواحيها فقال : أبدأهم قبل أن يبدؤني فإنه يقال : إبدأه بالصراخ يفر . فاستخلف على هيت وشخص بجميع أصحابه ، فلما قربهم جيش سفيان عبر أهل هيت ومن بقي بها من أصحاب كميل وكانوا خمسين رجلا ، فأغضب ذلك علياً وأحفظه فكتب إليه : إن تضييع المرء ما ولي وتكلفه ما كفي عجز حاضر ! وإن تركك عملك وتخطيك إياه إلى قرقيسيا خطأ وجهل ورأي شعاع !
ووجد عليه وقال إنه لا عذر لك عندي ، فكان كميل مقيماً على نجوى وغم لغضب علي ( عليه السلام ) ، فبينا هو على ذلك إذ أتاه كتاب شبيب بن عامر الأزدي من نصيبين ، في رقعة كأنها لسان كلب ، يُعلمه فيه أن عيناً له كتب إليه يعلمه أن معاوية قد وجه عبد الرحمن بن قباث نحو الجزيرة ، وإنه لا يدري أيريد ناحيته أم ناحية الفرات وهيت . فقال كميل : إن كان ابن قباث يريدنا لنتلقينه ، وإن كان يريد إخواننا بنصيبين ، لنعترضنه فإن ظفرتُ أذهبتُ موجدة أمير المؤمنين فأعتبت عنه ، وإن استشهدت فذلك الفوز العظيم ، وإني لممن رجوت الأجر الجزيل ، فأشير عليه باستيمار علي ( عليه السلام ) فأبى ذلك ، ونهض يريد ابن قباث في أربع مأة فارس ، وخلف رجالته وهم ست مئة في هيت ، وجعل يحبس من لحقه ليطوي الأخبار عن عدوه ، وأتاه الخبر بانحيازه من الرقة نحو رأس العين ومصيره إلى كفرتوثا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 68 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وكان ينشد في طريقه كثيراً :
يا خير من جرَّ خير القدر * فالله ذو الآلاء أعلى وأبر
يخذل من شاء ومن شاء نصر
ثم أغذ السير نحو كفرتوثا ، فتلقاه ابن قباث ومعن بن يزيد السلمي بها في أربع مئة وألفين ، فواقعهما كميل ففض عسكرهما وغلب عليه ، وقتل من أصحابهما بشراً ، فأمر أن لا يتبع مدبر ولا يجهز على جريح ، وقتل من أصحاب كميل رجلان ، وكتب بالفتح إلى علي ( عليه السلام ) ، فجزاه الخير وأجابه جواباً حسناً » .

أشهر ما رواه كميل عن أمير المؤمنين ( عليه السلام )

خص أمير المؤمنين ( عليه السلام ) كميل بن زياد بثلاث جواهر ، اشتهرت واقترنت بإسمه . فمن أشهر الأدعية عند الشيعة : دعاء كميل ، وهو الدعاء الذي علمه إياه أمير المؤمنين ( عليه السلام ) فتعلمه منه الشيعة وقرؤوه في مساجدهم وبيوتهم ، وما زالوا يعقدون له المجالس .
« قال كميل بن زياد : كنت جالساً مع مولاي أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في مسجد البصرة ومعه جماعة من أصحابه ، فقال بعضهم : ما معنى قول الله عز وجل : فيها يفرق كل أمر حكيم ؟ قال ( عليه السلام ) : ليلة النصف من شعبان ، والذي نفس علي بيده إنه ما من عبد إلا وجميع ما يجري عليه من خير وشر
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 69 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مقسوم له في ليلة النصف من شعبان ، إلى آخر السنة في مثل تلك الليلة المقبلة . وما من عبد يحييها ويدعو بدعاء الخضر ( عليه السلام ) إلا أجيب له .
فلما انصرف طرقته ليلاً فقال ( عليه السلام ) : ما جاء بك يا كميل ؟ قلت : يا أمير المؤمنين ، دعاء الخضر . فقال : أجلس يا كميل ، إذا حفظت هذا الدعاء فادع به كل ليلة جمعة أو في الشهر مرة أو في السنة مرة ، أو في عمرك مرة تكف وتنصر وترزق ، ولن تعدم المغفرة . يا كميل أوجب لك طول الصحبة لنا أن نجود لك بما سألت ، ثم قال : أكتب : اللهم إني أسألك برحمتك التي وسعت كل شئ ، وبقوتك التي قهرت بها كل شئ ، وخضع لها كل شئ ، وذل لها كل شئ ، وبجبروتك التي غلبت بها كل شئ ، وبعزتك التي لا يقوم لها شئ ، وبعظمتك التي ملأت أركان كل شئ . وبسلطانك الذي علا كل شئ ، وبوجهك الباقي بعد فناء كل شئ ، وبأسمائك التي غلبت أركان كل شئ ، وبعلمك الذي أحاط بكل شئ ، وبنور وجهك الذي أضاء له كل شئ ، يا نور يا قدوس ، يا أول الأولين ويا آخر الآخرين .
اللهم اغفر لي الذنوب التي تهتك العصم ، اللهم اغفر لي الذنوب التي تنزل النقم ، اللهم اغفر لي الذنوب التي تغير النعم ، اللهم اغفر لي الذنوب التي تحبس الدعاء ، اللهم اغفر لي الذنوب التي تنزل البلاء ، اللهم اغفر لي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 70 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كل ذنب أذنبته وكل خطيئة أخطأتها . . إلى آخر الدعاء وهو طويل وبليغ » . ( إقبال الأعمال : 3 / 331 ) .
والجوهرة الثانية : وصية أمير المؤمنين ( عليه السلام ) لكميل ( رحمه الله ) ، فهي مليئة بالفوائد ، ونورد فقرات منها من تحف العقول :
« يا كميل : سَمِّ كل يوم باسم الله وقل لا حول ولا قوة إلا بالله وتوكل على الله ، واذكرنا وسمِّ بأسمائنا وصل علينا . وأدِرْ بذلك على نفسك وما تحوطه عنايتك ، تُكْفَ شر ذلك اليوم إن شاء الله .
يا كميل : إن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أدبه الله ، وهو ( عليه السلام ) أدبني ، وأنا أؤدب المؤمنين ، وأورث الآداب المكرمين .
يا كميل : ما من علم إلا وأنا أفتحه ، وما من سر إلا والقائم يختمه . يا كميل ، ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم .
يا كميل : لا تأخذ إلا عنا ، تكن منا . يا كميل ما من حركة إلا وأنت محتاج فيها إلى معرفة .
يا كميل : زد قرابتك المؤمن على ما تعطي سواه من المؤمنين ، وكن بهم أرأف وعليهم أعطف . وتصدق على المساكين .
يا كميل : أحسنُ حلية المؤمن التواضع ، وجماله التعفف ، وشرفه التفقه ، وعزه ترك القال والقيل .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 71 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يا كميل : إن أحب ما تمتثله العباد إلى الله بعد الإقرار به وبأوليائه : التعفف والتحمل والإصطبار .
يا كميل : قل عند كل شدة : لا حول ولا قوة إلا بالله ، تكفها وقل عند كل نعمة : الحمد لله ، تزدد منها . وإذا أبطأت الأرزاق عليك فاستغفر الله ، يوسع عليك فيها .
يا كميل : أنج بولايتنا من أن يشركك الشيطان في مالك وولدك .
يا كميل : ليس الشأن أن تصلي وتصوم وتتصدق ، الشأن أن تكون الصلاة بقلب نقي ، وعمل عند الله مرضي ، وخشوع سوي ، وانظر فيمَ تصلي وعلى مَ تصلي ، إن لم يكن من وجهه وحله فلا قبول .
يا كميل : إفهم واعلم أنا لا نرخص في ترك أداء الأمانة لأحد من الخلق . فمن روى عني في ذلك رخصة فقد أبطل وأثم وجزاؤه النار بما كذب . أقسم لسمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول لي قبل وفاته بساعة مراراً ثلاثاً : يا أبا الحسن أدِّ الأمانة إلى البر والفاجر ، فيما جل وقل ، حتى الخيط والمخيط .
يا كميل : لا غزو إلا مع إمام عادل ، ولا نفل إلا من إمام فاضل .
يا كميل : لو لم يظهر نبي وكان في الأرض مؤمن تقي لكان في دعائه إلى الله مخطئاً حتى ينصبه الله لذلك ويؤهله له .
يا كميل : الدين لله ، فلا يقبل الله من أحد القيام به ، إلا رسولاً أو نبياً أو
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 72 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وصياً . يا كميل : أحمد الله على توفيقه وعلى كل حال . إذا شئت فقم » . ( تحف العقول لابن شعبة الحراني / 171 ) .
والجوهرة الثالثة : الكلام الذي خصه به أمير المؤمنين ( عليه السلام ) عندما أخذه معه إلى وادي السلام . ففي خصائص الأئمة للشريف الرضي / 105 ، والخصال للصدوق / 186 : « عن أبي صالح ، عن كميل بن زياد النخعي قال : أخذ بيدي أمير المؤمنين ( عليه السلام ) فأخرجني إلى الجبان ، فلما أصحر تنفس الصعداء ثم قال : يا كميل بن زياد ، إن هذه القلوب أوعية فخيرها أوعاها فاحفظ عني ما أقول لك : الناس ثلاثة ، فعالم رباني ، ومتعلم على سبيل نجاة ، وهمج رعاع أتباع كل ناعق ، يميلون مع كل ريح ، لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق .
يا كميل : العلم خير من المال ، العلم يحرسك و أنت تحرس المال ، والمال تنقصه النفقة ، والعلم يزكو على الإنفاق .
يا كميل محبة العالم دين يدان ، به يكسب الطاعة في حياته وجميل الأحدوثة بعد وفاته . ومنفعة المال تزول بزواله .
يا كميل : مات خزان الأموال وهم أحياء ، والعلماء باقون ما بقي الدهر ، أعيانهم مفقودة ، وأمثالهم في القلوب موجودة .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 73 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
هاه ! إن هاهنا - وأشار بيده إلى صدره - لعلماً جماً لو أصبت له حملة ! بلى أصبت لَقِناً غير مأمون عليه ، يستعمل آلة الدين للدنيا ويستظهر بحجج الله على وليائه ، وبنعمه على عباده ، ليتخذه الضعفاء وليجة من دون ولي الحق . أو منقاداً لحملة العلم لا بصيرة له في أحنائه ، ينقدح الشك في قلبه بأول عارض من شبهة ! ألا لاذا ولا ذاك .
أو منهوماً باللذة سلس القياد للشهوة ، أو مغرماً بالجمع والإدخار ، ليسا من رعاة الدين في شئ ، أقرب شئ شبهاً بهما الأنعام السائمة ، كذلك يموت العلم بموت حامليه !
اللهم بلى لا تخلو الأرض من قائم بحجة ، ظاهر مشهور ، أو خائف مغمور ، لئلا تبطل حجج الله وبيناته .
وكم ذا وأين أولئك ؟ أولئك الأقلون عدداً الأعظمون خطراً ، بهم يحفظ الله حججه حتى يودعوها نظراءهم ، ويزرعوها في قلوب أشباههم ، هجم بهم العلم على حقائق الأمور ، فباشروا روح اليقين ، واستلانوا ما استوعره المترفون ، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون ، صحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالمحل الأعلى ، يا كميل أولئك خلفاء الله والدعاة إلى دينه آه آه شوقاً إلى رؤيتهم ! انصرف إذا شئت » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 74 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

شهادة كميل بيد الطاغية الحجاج

في تاريخ دمشق : 50 / 256 : « عن أبي زناد قال : طلب الحجاج كميل بن زياد النخعي طلباً شديداً فلم يقدر عليه ، فقيل له إن أردته فامنع قومه العطاء ! قال فمنع النخع وقال لا أعطيكم حتى تأتوني به ! فبلغ ذلك كميل بن زياد في موضعه الذي هو مستتر فيه ، فأرسل إلى قومه أنا أظهر له فلا تمنعون عطاءكم ! فخرج إليه فلما رآه قال : أنت الطالب من أمير المؤمنين عثمان القصاص ؟ فقال له كميل : فمن أي ذلك عجبت منه حين لطمني ، أو مني حين طلبت القصاص ، أو منه حين أقصني من نفسه ، أو مني حين عفوت عنه ! فقال : والله لأدعنك وأنت لا تطلب القصاص من خليفة أبداً ! فقدمه وأمر أبا الجهم بن كنانة فضرب عنقه » !
وفي مذيل الطبري / 147 : « فقال أنت الذي فعلت بعثمان ! وكلمه بشئ قال كميل : لا تكثر على اللوم ولا تهل على الكثيب ، وما ذاك ! رجلٌ لطمني فأصبرني فعفوت عنه ، فأينا كان المسئ ؟ قال : فأمر به فضربت عنقه . قال وكان من أهل القادسية » .
وفي تاريخ الذهبي : 5 / 320 : « جاءته قبيلة فقال من ؟ قالوا النخع ، قال : منكم كميل بن زياد ؟ قالوا : نعم ، قال : فما فعل ؟ قالوا أيها
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 75 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأمير شيخ كبير ، قال : لا بيعة لكم عندي ولا تقربون حتى تأتوني به ! قال : فأتوه به منعوشاً في سرير حتى وضعوه إلى جانب المنبر ، فقال : ألا لم يبق ممن دخل على عثمان الدار غير هذا ، فدعا بنطع وضربت عنقه » .
وفي تاريخ الذهبي : 6 / 177 : « فقال الحجاج : يا أهل الشام هذا كميل الذي قال لعثمان أقدني من نفسك ! فقال كميل : فعرف حقي فقلت : أما إذ أقدتني فهو لك هبة ، فمن كان أحسن قولاً أنا أو هو ، فذكر الحجاج علياً فصلى عليه كميل ! فقال الحجاج : والله لأبعثن إليك إنساناً أشد بغضاً لعلي من حبك له ، فبعث إليه ابن أدهم الحمصي فضرب عنقه . وقال المدائني : مات كميل سنة اثنتين وثمانين ، وهو ابن تسعين سنة » .
وفي التنبيه والإشراف للمسعودي / 274 : « وكان عدة من قتله الحجاج صبراً سوى من قتل في زحوفه وحروبه مائة ألف وعشرين ألفاً ! منهم سعيد بن جبير صاحب عبد الله بن العباس » .
وفي الإرشاد للمفيد : 1 / 327 : « لما ولي الحجاج طلب كميل بن زياد فهرب منه ، فحرم قومه عطاءهم ، فلما رأى كميل ذلك قال : أنا شيخ كبير قد نفد عمري ، لا ينبغي أن أحرم قومي عطياتهم ، فخرج فدفع بيده إلى الحجاج ، فلما رآه قال له : لقد كنت أحب أن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 76 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أجد عليك سبيلاً ، فقال له كميل : لا تصرف علي أنيابك ولا تهدم علي ، فوالله ما بقي من عمري إلا مثل كواسل الغبار ، فاقض ما أنت قاض ، فإن الموعد الله وبعد القتل الحساب ، ولقد خبرني أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) أنك قاتلي . قال فقال له الحجاج : الحجة عليك إذن ! فقال كميل : ذاك إن كان القضاء إليك ! قال : بلى قد كنت فيمن قتل عثمان بن عفان ، اضربوا عنقه فضربت عنقه » .
أقول : يتضح لك أن الحجاج قتل كميلاً ( رحمه الله ) لمجرد تشيعه ، وقد اعترف أتباع السلطة بأن الحجاج اتهمه جزافاً بدون حجة بأنه شارك في قتل عثمان . بل كانت الحجة لكميل لأن عثمان لطمه ذات يوم بدون حق ، فلم يرفع يده عليه مع أنه أقوى منه وأشجع ، وإنما طالبه بالقصاص فرضخ عثمان ، فعفى عنه كميل !
لكنهم اخترعوا قصة ركيكة لا تقبل التصديق ، تزعم أن كميلاً قصد المدينة ليقتل عثمان فشك به عثمان ولطمه ، فحلف له كميل أنه لم يكن يقصد قتله فقبل منه وأقاده ، فعفى كميل عنه ! ( تاريخ الطبري : 3 / 431 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 77 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

مشهد كميل ( رحمه الله ) في النجف

دفن كميل ( رحمه الله ) في الثَّوِيَّه ، وهي موضع قرب النجف بينها وبين الكوفة ، روي أن الملك اليمني تُبَّعاً بناها سجناً ، وسميت الثوية لأن السجين يثوي فيها . ( معجم البكري : 1 / 350 ) .
وهي متنزه ، ذكرها المتنبي كما في شرح ديوانه للواحدي / 280 ، فقال :
وليلاً توسدنا الثوية تحته « * كأن ثراها عنبٌر في المرافقِ
ويظهر أن مقبرة وادي السلام التاريخية كانت تبدأ منها ، والتي اشتهر أن إبراهيم ( عليه السلام ) اشتراها وكان المتدينون من اليهود وغيرهم يدفنون موتاهم فيها ، وقد أوصى الصحابي الجليل خباب بن الأرت أن يدفن فيها لما سمعه من النبي ( صلى الله عليه وآله ) في فضلها ، وقد توفي في حياة أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ودفن فيها بوصيته ( الطبقات : 3 / 167 ) .
قال الشهيد الأول ( رحمه الله ) في المزار / 32 : « فإذا نزلت الثوية وهي الآن تلٌّ بقرب الحنانة عن يسار الطريق ، لمن يقصد من الكوفة إلى المشهد فصلِّ عندها ركعتين ، كما روي أن جماعه من خواص مولانا أمير المؤمنين ( عليه السلام ) دفنوا هناك ، وقل ما تقوله عند رؤية القبة الشريفة فإذا بلغت العَلَم وهي الحنانة فصلِّ ركعتين » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 78 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفقيه الكبير علقمة بن قيس النخعي

عندما تقرأ الفقيه الكبير علقمة بن قيس النَّخعي ، تتعجب من أنه إمامٌ عند مختلف المذاهب ، رغم تشيعه الشديد !
والسبب في ذلك أنه كان يداري السلطة وعلمائها ، ويجيد استعمال التقية ( رحمه الله ) ، كالعشرات من علماء الشيعة من تلاميذ أمير المؤمنين والأئمة ( عليهم السلام ) ، الذين سلكوا هذا المسلك ، وقد عَدَّ منهم محمد بن جرير الطبري الشيعي في كتابه المسترشد / 193 ، العشرات منهم مثل عبيدة السلمي ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري ، وزرّ بن حبيش ، وربعي بن خراش العبسي ، وعامر بن واثلة الليثي وسالم بن أبي الجعد ، وعامر بن شقيق الأسدي ، وضرار بن مرة الشيباني ، وسالم بن أبي حفصة : « فهؤلاء رواة الحديث من أهل الكوفة ، ورافضة عندهم ، وحديث العامة متعلق بهم » .
وتقدم أن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) عده من ثقاته ومن مصابيح النخع وأشهده على منشوره فيه رأيه بالسقيفة وما بعدها . وأنه جاهد مع الإمام ( عليه السلام ) وقطعت رجله في صفين « فكان يقول : ما أحب أن رجلي أصح ما كانت ، لما أرجو بها من حسن الثواب من ربي . ولقد كنت أحب أن أبصر في نومي أخي وبعض إخواني فرأيت
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 79 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أخي في النوم فقلت له : يا أخي ماذا قدمتم عليه ؟ فقال : التقينا نحن والقوم فاحتججنا عند الله عز وجل فحججناهم . فما سررت بشئ مذ عقلت كسروري بتلك الرؤيا » . ( وقعة صفين لنصر بن مزاحم / 286 ) . وقد وثقه علماؤنا ( معجم السيد الخوئي : 12 / 199 ) .
ومع ذلك أجمع علماء السنة على إمامته ووثاقته ، قال الذهبي في تذكرة الحفاظ : 1 / 48 ، وسير النبلاء : 4 / 53 : « فقيه العراق الإمام أبو شبل النخعي الكوفي خال إبراهيم النخعي ، وعم الأسود . . سمع من عمر وعثمان وابن مسعود وعلي وأبي الدرداء ، وجوَّد القرآن على ابن مسعود ، وتفقه به ، وكان أنبل أصحابه . قال عبد الرحمن بن يزيد قال ابن مسعود : ما أقرأ شيئاً وما أعلم شيئاً إلا وعلقمة يقرؤه ويعلمه . قال قابوس بن أبي ظبيان : قلت لأبي : لأي شئ كنت تدع الصحابة وتأتي علقمة ؟ قال أدركت ناساً من أصحاب رسول الله ( ص ) وهم يسألون علقمة ويستفتونه » . « الإمام ، الحافظ ، المجود ، المجتهد الكبير . . عاش تسعين سنة » .
وقال ابن حجر في تهذيب التهذيب : 7 / 244 : « روى عنه الستة ، ولد في حياة رسول الله ( ص ) . وروى عن عمر وعثمان وعلي وسعد وحذيفة وأبي الدرداء وابن مسعود وأبي مسعود وأبي موسى وخباب وخالد بن الوليد وسلمة بن يزيد الجعفي ومعقل بن سنان وعائشة وغيرهم . وعنه ابن أخيه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 80 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عبد الرحمن بن يزيد ابن قيس وابن أخته إبراهيم بن يزيد النخعي وإبراهيم بن سويد النخعي وعامر الشعبي وأبو الرقاد النخعي وأبو وائل شقيق بن سلمة وسلمة بن كهيل . . . قال مغيرة عن إبراهيم : كان علقمة عقيماً . وقال أبو طالب عن أحمد : ثقة من أهل الخير . . وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين ثقة . . . وقال الأعمش عن عمارة بن عمير قال لنا أبو معمر : قوموا بنا إلى أشبه الناس هدياً وسمتاً ودَلاً بابن مسعود ، فقمنا معه حتى جلس إلى علقمة . وقال داود بن أبي هند قلت لشعبة أخبرني عن أصحاب عبد الله ؟ قال : كان علقمة أنظر القوم به . . . وقال منصور عن إبراهيم : كان أصحاب عبد الله الذين يقرؤون الناس ويعلمونهم السنة ويصدر الناس عن رأيهم ستة : علقمة ، والأسود ، وذكر الباقين . وقال غالب أبو الهذيل : قلت لإبراهيم : أعلقمة كان أفضل أو الأسود ؟ فقال : علقمة ، وقد شهد صفين . قال أبو نعيم مات سنة إحدى وستين وقال ابن معين وغير واحد مات سنة 62 . . . وكان قد غزا خراسان ، وأقام بخوارزم سنتين ، ودخل مرو فأقام بها مدة » .
أقول : رووا عن علقمة ( رحمه الله ) روايات في أن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) مدح أهل السقيفة وفضل بعضهم على نفسه ، وهذا لا يتناسب مع ما صح عنه ( رحمه الله ) من تشيعه ، ولا مع الأحاديث الصريحة التي رواها في ظلامة أمير المؤمنين ( عليه السلام ) . ولا يتسع المجال لبحث ذلك .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 81 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

إبراهيم بن الأشتر ( رحمه الله )

أبو النعمان ، إبراهيم بن مالك الأشتر بن الحارث النخعي ( رحمه الله ) ، شبيه أبيه مالك الأشتر ( رحمه الله ) ، في شجاعته ، ونبله ، وعدائه لبني أمية .
وقد كان إلى جانب أبيه في حروب أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، ورويت له بطولة في صفين عندما برز عمرو بن العاص للأشتر وكاد أن يقتله الأشتر فهرب عمرو ، وجاء غلام وطلب مبارزته بدله ! « فنظر إليه الأشتر فإذا هو غلام حدث فاستحيا أن يقدم عليه وتنحى ، وأقبل على ابنه إبراهيم وقال : يا بنيَّ أخرج إلى هذا الفتى فإنه من أقرانك ! قال : فخرج إليه إبراهيم بن الأشتر وهو يقول :
يا أيها السائل عني لا تُرَع * أثبت فإني من عرانين النخع
لكي ترى طعن العراقي الجذع * أو أن تراني في الوغى كيف أقع
قال : وتطاردا جميعاً وشد عليه إبراهيم بن الأشتر فطعنه طعنة دق منها ظهره » ! ( الفتوح لا بن أعثم : 3 / 93 ) . ولعل إبراهيم كان في سجن عبيد الله بن زياد عندما قتل الحسين ( عليه السلام ) ، مع كثيرين حبسهم ابن زياد .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 82 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

إبراهيم قائد ثورة المختار

كان إبراهيم بن الأشتر ( رحمه الله ) عماد حركة المختار ، فهو فارسٌ شجاعٌ مطاع ورئيس قبائل همدان ، بل يصح عدُّه صاحب الثورة الحقيقي ، لأهمية دوره .
وقد روت المصادر أن المختار دعا إبراهيم إلى نصرته في الثورة للأخذ بثأر الحسين ( عليه السلام ) ، فاشترط أن يكون عنده تفويض من الإمام علي بن الحسين ومن محمد بن الحنفية . وكذلك اشترط أهل الكوفة ، وبعثوا وفداً ، فزاروا محمد بن الحنفية وذهب معهم إلى الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) فسأله بحضورهم عن رأيه فقال : « يا عم ، لو أن عبداً زنجياً تعصب لنا أهل البيت ، لوجب على الناس مؤازرته ، وقد وليتك هذا الأمر فاصنع ما شئت فخرجوا وقد سمعوا كلامه وهم يقولون : أذن لنا زين العابدين ومحمد بن الحنفية » . ( معجم السيد الخوئي : 19 / 108 )
وقال رواة السلطة إن المختار زوَّر كتاباً من محمد بن الحنفية إلى إبراهيم ، ورووا أن عدداً من أئمتهم شهدوا بصحة الكتاب !
قال ابن سعد : 5 / 99 ، وابن عساكر : 54 / 342 : « وكتب المختار كتاباً على لسان محمد بن الحنفية إلى إبراهيم بن الأشتر ، وجاء فاستأذن عليه ، وقيل المختار أمين آل محمد ورسوله ( ص ) ، فأذن له وحياه ورحب به وأجلسه معه على فراشه ، فتكلم المختار وكان مفوهاً ، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي ( ص ) قال : إنكم أهل بيت قد أكرمكم الله بنصرة آل محمد ، وقد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 83 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
رُكب منهم ما قد علمت وحُرموا ومُنعوا حقهم ، وصاروا إلى ما رأيت ، وقد كتب إليك المهدي كتاباً وهؤلاء الشهود عليه . فقال يزيد بن أنس الأسدي ، وأحمر بن شميط البجلي ، وعبد الله بن كامل الشاكري ، وأبو عمرة كيسان مولى بجيلة : نشهد أن هذا كتابه قد شهدناه حين دفعه إليه ، فقبضه إبراهيم وقرأه ثم قال : أنا أول من يجيب ، قد أمرنا بطاعتك ومؤازرتك ، فقل ما بدا لك وادع إلى من شئت » .
وفي نهاية الإرب / 4575 ، وغيره ، أنه شهد على صحة الكتاب : عبد الرحمن بن شريح ، وابن النفية ، والشعبي ، وأبوه ، وبضعة عشر من أصحابه ، ثم قال : « فلما فرغ من قراءته تأخر ( إبراهيم ) عن صدر الفراش وأجلس المختار عليه وبايعه ، وصار يختلف إلى المختار كل عشية ، يدبرون أمورهم » .
وقد كتبنا عن ثورة المختار وابن الأشتر في المجلد الرابع من جواهر التاريخ ، وبينا مكذوبات رواة السلطة لتشويه شخصية المختار ( رحمه الله ) .

بطولة إبراهيم في معركة الموصل

كانت أهم معركة خاضها إبراهيم ( رحمه الله ) معركته مع الجيش الأموي بقيادة عبيد الله بن زياد ، الذي قصد العراق بستين ألف مقاتل ، وروي أن جيشه كان ثلاثةً وثمانين ألفاً ، فتلقاه إبراهيم ( رحمه الله ) قرب الموصل ببضعة آلاف ، فسحقهم وقتل كثيراً منهم ، فهربوا وغرق كثيرون في نهر الخازر ، ولم ينجُ منهم إلا فلول !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 84 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال الدكتور إبراهيم بيضون في كتابه : التوابون / 181 : « وعند نهر الخازر اشتبك الجيشان في ملحمة عظيمة بذل فيها الشيعة جهوداً عظيمة للسيطرة على زمام الموقف ، وقامت فرقة انتحارية منهم باختراق صفوف العدو مستهدفة عبيد الله بن زياد فتمكنت من الوصول إليه وقتله . ثم قتل غيره من القواد الكبار الأمر الذي أحدث بلبلة وفوضى وأدى إلى هزيمة ساحقة للجيش الأموي » .
وفي تاريخ دمشق : 58 / 235 : « فتراشقوا بالنبل ساعة ، وتشاولوا بالرماح ، ثم صاروا إلى السيف فاقتتلوا أشد القتال ، إلى أن ذهب ثلث الليل ، وقُتل أهل الشام تحت كل حجر ، وهرب من هرب منهم ، وقُتل عبيد الله بن زياد والحصين بن نمير في المعركة ، وبعث بالرؤوس إلى المختار » .
وفي نهاية ابن كثير : 8 / 315 : « ثم اتفق خروج ابن الأشتر إليه في سبعة آلاف وكان مع ابن زياد أضعاف ذلك ، ولكن ظفر به ابن الأشتر فقتله شرَّ قتلة ، على شاطئ نهر الخازر قريباً من الموصل بخمس مراحل . قال أبو أحمد الحاكم : وكان ذلك يوم عاشوراء . قلت : وهو اليوم الذي قتل فيه الحسين » .
وفي أصدق الأخبار في قصة الأخذ بالثار للسيد الأمين / 81 : « فسار إبراهيم حتى وصل إلى أرض الموصل وجعل لا يسير إلا على تعبية ، حتى وصل إلى نهر الخازر ، فنزل قرية يقال لها باربيثا بينها وبين الموصل خمسة فراسخ ، وجاء ابن زياد حتى نزل قريباً منهم على شاطئ نهر الخازر . . . ودعا ابن الأشتر بفرس له فركبه ، ثم مر بأصحاب الرايات كلها فكلما مر
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 85 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
على راية وقف عليها ثم قال : يا أنصار الدين وشيعة الحق ، هذا عبيد الله بن مرجانة قاتل الحسين بن علي بن فاطمة بنت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) حال بينه وبين بناته ونسائه وشيعته وبين ماء الفرات أن يشربوا منه ، وهم ينظرون إليه ، ومنعه الذهاب في الأرض العريضة حتى قتله وقتل أهل بيته ! فوالله ما عمل فرعون بنجباء بني إسرائيل ما عمل ابن مرجانة بأهل بيت رسول الله الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً ، فوالله إني لأرجو أن يشفي الله صدوركم بسفك دمه على أيديكم ، فقد علم الله أنكم خرجتم غضباً لأهل بيت نبيكم ( صلى الله عليه وآله ) » .
وفي كامل ابن الأثير : 4 / 62 : « وكان إبراهيم يقول لصاحب رايته : انغمس برايتك فيهم ! فيقول : ليس لي مُتقدم ! فيقول : بلى ، فإذا تقدم شد إبراهيم بسيفه فلا يضرب رجلاً إلا صرعه ، وكرَّ إبراهيم والرجالة بين يديه كأنهم الحِمْلان ، وحمل أصحابه حملة رجل واحد ، واشتد القتال فانهزم أصحاب ابن زياد . . . فلما انهزموا قال إبراهيم : إني قد قتلت رجلاً تحت راية منفردة على شاطئ نهر الخازر ، فالتمسوه فإني شممت منه رائحة المسك ، شرَّقَتْ يداه وغَرَّبَتْ رجلاه ! فالتمسوه فإذا هو ابن زياد قتيلاً بضربة إبراهيم ، قد قدَّته بنصفين وسقط » !

إبراهيم ينضم إلى مصعب ضد بني أمية

سيطر مصعب بن الزبير على البصرة ، وأخذ البيعة لأخيه عبد الله بن الزبير ، وقصد الكوفة لحرب المختار وانتصر عليه وقتله ، وأرسل إلى
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 86 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إبراهيم بن الأشتر يدعوه إلى التحالف معه ضد بني أمية .
كما راسله عبد الملك بن مروان يدعوه إلى الانضمام إليه مقابل آل الزبير ، وعرض عليه كل منهما ولاية العراق ! فاختار إبراهيم الانضمام إلى مصعب ضد بني أمية ، لأن عداءه لبني أمية عقائدي وتاريخي .
وأخلص إبراهيم لمصعب في معاركه مع بني أمية ، فانتصر مصعب وسيطر على العراق نحو أربع سنين ، ثم قصد الشام لحرب عبد الملك .
« وكان قد كسر جيوش عبد الملك مراراً وأعياه أمره ، فخرج إليه من الشام بنفسه » . ( شرح النهج : 3 / 295 ) .
وفي النهاية لابن كثير : 8 / 347 : ( وكان عَتَّاب بن ورقاء على خيل مصعب ، فهرب أيضاً ولجأ إلى عبد الملك بن مروان ، وجعل مصعب بن الزبير وهو واقف في القلب يُنهض أصحاب الرايات ويحث الشجعان والأبطال أن يتقدموا إلى أمام القوم ، فلا يتحرك أحد ! فجعل يقول : يا إبراهيم ولا إبراهيم لي اليوم ، وتفاقم الأمر واشتد القتال وتخاذلت الرجال ، وضاق الحال وكثر النزال . قال المدائني : أرسل عبد الملك أخاه إلى مصعب يعطيه الأمان فأبى وقال : إن مثلي لا ينصرف عن هذا الموضع إلا غالباً أو مغلوباً . . فتقدم ابنه فقاتل حتى قتل وأثخن مصعب بالرمي فنظر إليه زائدة بن قدامة وهو كذلك فحمل عليه فطعنه وهو يقول : يا لثارات المختار ! ونزل إليه رجل يقال له عبيد الله بن زياد بن ظبيان التميمي فقتله وحز رأسه وأتى به عبد الملك بن مروان ، فسجد عبد الملك » !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 87 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال البلاذري في أنساب الأشراف / 1695 : « ووجه المصعب إلى إبراهيم بن الأشتر عتاب ورقاء الرياحي . . . وانهزم عتاب على مواطأة منه لأهل الشام فوقعت الهزيمة . . وانهزم الناس حتى أتوا مصعباً وصبر إبراهيم بن الأشتر حتى قتل » . « قتل ( مصعب ) يوم الخميس للنصف من جمادي الأولى سنة اثنتين وسبعين » . ( الطبقات : 5 / 183 ) .
وقال في مروج الذهب / 752 : « وصمدت الفرسان لإبراهيم ، واشتبكت عليه الأسنة فبرى منها عدة رماح ، وأسلمه من كان معه ، فاقتلع من سرجه ودار به الرجال وازدحموا عليه فقتل بعد أن أبلى ونكأ فيهم » .
أقول : يعزُّ علينا مقتل إبراهيم بن الأشتر ( رحمه الله ) لكن انتصار عبد الملك على آل الزبير كان لمصلحة المؤمنين بقانون : دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ . فبنو أمية على سيئاتهم ، أقلُّ سوءاً من عبد الله بن الزبير وإخوته !

قبر إبراهيم ( رحمه الله ) في الدجيل

ومرقد إبراهيم ( رحمه الله ) في بلدة الدجيل : « في مسكن على نهر دجيل عند دير الجاثليق ، ويقع اليوم في الصحراء ما بين بغداد وسامراء ، وهو قديم البناء على مرتفع من الأرض في أراضي الدجيل ، وعليه قبة مربعة الشكل ، وقد نقش على حجر فوق باب القبة : « هذا قبر المرحوم السيد إبراهيم بن مالك الأشتر النخعي . . يتوافد على المرقد أبناء العراق من الجنوب والوسط أيام العطل الأسبوعية والمناسبات . كما أن في الروضة لوحة الزيارة ، وفيها :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 88 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
السلام على أهل لا إله إلا الله من أهل لا إله إلا الله ، يا أهل لا إله إلا الله بحق لا إله إلا الله ، كيف وجدتم قول لا إله إلا الله من أهل لا إله إلا الله يا أهل لا إله إلا الله بحق لا إله إلا الله اغفر لمن قال لا إله إلا الله ، واحشرنا في زمرة من قال : لا إله إلا الله محمد رسول الله علي ولي الله ، السلام عليك أيها البطل المغوار ، السلام عليك أيها الآخذ بالثار ، السلام عليك أيها المجاهد بين يدي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب يوم صفين ، السلام عليك يا من نهضت بك حميتك لأخذ ثأر الغريب المظلوم الشهيد بكربلاء حتى شفيت القلوب وأثلجت الصدور ، السلام عليك يا إبراهيم ابن البطل المشهور مالك الأشتر النخعي ، السلام عليك يا بن المفادي عن أمير المؤمنين حتى قال فيه سيد الوصيين ( عليه السلام ) : كان لي مالك كما كنت لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) » .
http : / / www . holykarbala . net / books / daerat - almaaref / maraqid . html 09 / 01 .
وقد قام الوهابية بعد عدوانهم على مشهد سامراء بتفجيره ، ثم أعيد بناؤه والحمد لله .
45867 http : / / www . alkafeel . net / forums / showthread . php ? p =
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 89 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

النخعيون من أصحاب الأئمة ( عليهم السلام )

ظهر من قبيلة النخع ومن مواليهم العشرات من العلماء والرواة الذين نهلوا من علم الأئمة ( عليهم السلام ) ونشروه ، وفيهم شخصيات فريدة ، تحتاج إلى مجلد خاص لعرضها ، ونكتفي بذكر بعضهم :
بنو دراج أبي الصبيح بن عبد الله ، مولى النخعيين ، كان ( رحمه الله ) بقالاً ، ونبغ أولاده وذريته في إيمانهم وعلمهم ، وأبرزهم جميل بن دراج ، وهو من أصحاب الإجماع أي تلاميذ الأئمة الذين أجمعت الطائفة على تصحيح ما يصح عنهم . « أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عن هؤلاء وتصديقهم لما يقولون ، وأقروا لهم بالفقه ، من دون أولئك الستة الذين عددناهم وسميناهم ، ستة نفر : جميل بن دراج ، وعبد الله بن مسكان ، وعبد الله بن بكير ، وحماد بن عيسى ، وحماد ابن عثمان ، وأبان بن عثمان . قالوا : وزعم أبو إسحاق الفقيه يعنى ثعلبة بن ميمون : أن أفقه هؤلاء جميل ابن دراج ، وهم أحداث أصحاب أبي عبد الله ( عليه السلام ) » .
كما روى الكشي : « عن الفضل بن شاذان قال : دخلت على محمد بن أبي عمير وهو ساجد فأطال السجود ، فلما رفع رأسه ذكر له طول سجوده قال : كيف لو رأيت جميل بن دراج ؟ ثم حدثه أنه دخل على جميل بن دراج فوجده ساجداً فأطال السجود جدا فلما رفع رأسه : قال محمد بن أبي عمير أطلت السجود ، فقال : لو رأيت معروف بن خربوذ » !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 90 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال النجاشي / 126 : « قال ابن فضال : أبو محمد ، شيخنا ووجه الطائفة ، ثقة ، روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن ( عليهما السلام ) وأخذ عن زرارة . وأخوه نوح بن دراج القاضي كان أيضاً من أصحابنا ، وكان يُخفي أمره ، وكان أكبر من نوح ، وعميَ في أخر عمره ومات في أيام الرضا ( عليه السلام ) . له كتاب رواه عنه جماعات من الناس وطرقه كثيرة ، وأنا على ما ذكرته في هذا الكتاب لا أذكر إلا طريقاً أو طريقين ، حتى لا يكبر الكتاب إذ الغرض غير ذلك . . .
وله كتاب اشترك هو ومحمد بن حمران فيه رواه الحسن بن علي بن بنت إلياس عنهما ، أخبرنا محمد بن جعفر التميمي عن أحمد بن محمد بن سعيد ، عن أحمد بن يوسف بن يعقوب الجعفي من كتابه وأصله ، في رجب سنة تسع ومائتين » .
وأخوه نوح بن دراج ، كان أصغر منه سناً ، وقد وثقه علماؤنا ، وكان مدارياً للسلطة ، وكان قاضياً في الكوفة ، ثم في بغداد .
قال الكشي : 2 / 521 : « قال محمد بن مسعود : سألت أبا جعفر حمدان بن أحمد الكوفي عن نوح بن دراج فقال : كان من الشيعة وكان قاضي الكوفة فقيل له : لم دخلت في أعمالهم ؟ فقال : لم أدخل في أعمال هؤلاء حتى سألت أخي جميلاً يوماً فقلت له : لمَ لا تحضر المسجد ؟ فقال : ليس لي إزار » !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 91 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ومعنى ذلك أنه كان من الفقهاء المعروفين وأن الحاجة المالية لأخيه الأكبر جميل جعلته يقبل منصب القضاء . ولا بد أنه استجاز الإمام ( عليه السلام ) ، لأن اعتقاده بالأئمة ( عليهم السلام ) عميق .
وذكر مبغضوه أنه فقد بصره واستمر في منصبه سنتين وهو يخفي عماه حتى لا يعزلوه ! واختلفت كلماتهم فيه فوثقه عدد منهم وذمه أكثرهم . فقال الرازي في الجرح والتعديل : 8 / 484 : « عن يحيى بن معين أنه قال : نوح بن دراج ليس بثقة ، كان كذاباً ضعيفاً . . . سألت أبا زرعة عن نوح بن دراج فقال : كان قاضي الكوفة ، وأرجو أن لا يكون به بأس » .
وقال ابن شاهين / 243 : « ونوح بن دراج ليس به بأس » .
وفي تاريخ بغداد : 13 / 318 : « وسألته يعني محمد بن عبد الله بن نمير عن نوح بن دراج فقال : ثقة » .
وفي إكمال الكمال : 3 / 318 : « وأبو عصمة ، نوح بن دراج قاضي بغداد ، مشهور ، كان من بخارا » .
وقال المزي في تهذيب الكمال : 30 / 46 : « وسألته يعني محمد بن عبد الله بن نمير ، عن نوح بن دراج فقال : ثقة . وقال عمر بن شبة : حكم ابن أبي ليلى بحكم ونوح بن دراج حاضر فنبهه نوح فانتبه ورجع عن حكمه ذلك ، فقال ابن شبرمة :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 92 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كادت تزل به من حالق قدمٌ * لولا تداركها نوحُ بن درَّاجِ
لما رأى هفوة القاضي أخرجها * من معدن الحكم نوحٌ أيَّ إخراج
وقال الذهبي في ميزان الإعتدال : 4 / 276 : « قال ابن معين : ليس بثقة . وقال النسائي وغيره : ضعيف . وقال أبو داود : كذاب يضع الحديث . . قال ابن عدي : نوح ليس بالمكثر ، يكتب حديثه » . وقال البخاري في تاريخه : 8 / 112 : « نوح بن دراج ليس بذاك هو قاضي الكوفة » .
ولا عجب من تضعيفهم له ( رحمه الله ) لأن أحاديثه لا تطاق عندهم ، فيصفونها بأنها منكرة ! حتى لو كان رواتها ثقات ! قالوا : « نوح بن دراج قاض الكوفي ، حدث عن الثقات بالمناكير » . ( الضعفاء لأبي نعيم / 151 ) .
مثلاً روى : « عن عدي بن حاتم قال : ما رحمت أحداً رحمتي علياً حين أتيّ به ملبياً فقيل له : بايع . قال : فإن لم أفعل ؟ قالوا : إذاً نقتلك ! قال : إذا تقتلون عبداً لله وأخاً لرسوله ! فرفع رأسه إلى السماء ثم قال : اللهم اشهد ، ثم بايع كذا ، وضم يده اليمنى » . ( الشافي : 3 / 244 ) .
وروى أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) حذر عائشة ولعن أصحاب الجمل وأن علياً ( عليه السلام ) كان يقول : « والله لقد علمت صاحبة الهودج أن أصحاب الجمل ملعونون على لسان النبي الأمي ( صلى الله عليه وآله ) ، وقد خاب من افترى » . ( الشافي : 4 / 332 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 93 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأفضل منه ولده أيوب ، بن نوح بن دراج : قال النجاشي / 102 : « أيوب بن نوح بن دراج النخعي ، أبو الحسين ، كان وكيلاً لأبي الحسن وأبي محمد ( عليهما السلام ) ، عظيم المنزلة عندهما ، مأموناً ، وكان شديد الورع كثير العبادة ، ثقة في رواياته . و أبوه نوح بن دراج كان قاضياً بالكوفة وكان صحيح الاعتقاد . وأخوه جميل بن دراج » .
قال ابن حجر في لسان الميزان : 1 / 490 : « روى عن علي بن موسى وولده أبي جعفر محمد بن علي بن موسى ، والعباس بن عامر وكان يتوكل عن الرضا وعن ولده ، روى عنه محمد بن علي بن محبوب وأحمد بن محمد بن خالد وسعد بن عبد الله القمي وعبد الله بن جعفر الحميري ، ومحمد بن الحسن الصفار ، وأبو جعفر الرزاز وغيرهم ، قال الطوسي : له روايات كثيرة ومسائل في اللغة وكان مأموناً شديد الورع كثير العبادة ، وكان أبوه قاضياً بالكوفة » .

عشرات الرواة والعلماء النخعيين

وعبد الملك بن عتبة النخعي الصيرفي ، و محمد بن سكين بن عمار النخعي ، وطفيل بن مالك بن المقداد النخعي ، و محمد بن حبيب النخعي ومحمد بن مدرك النخعي وموسى بن هلال النخعي ، ومدرك بن أبي الهزهاز النخعي ، وعائذ بن مدرك النخعي ، وعبيد الله بن العريان بن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 94 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الهيثم النخعي ، والحارث بن همام النخعي ، ومحمد بن ميسر ، ومحمد بن ميسر ، ومحمد بن الخليل بن أسد الثقفي ، وداود بن عيسى النخعي ، وسكين بن إسحاق النخعي ، ونوح بن المختار ، وهارون بن عمير ، وهاشم بن المنذر بن حسان ، وحفص بن غياث النخعي ، وحفص بن غياث النخعي ، والحسين بن يزيد النخعي ومحمد بن مالك بن الأبرد ، وأحمد بن محمد بن رميم ، وزكريا بن عبد الله : بن يزيد النخعي ، وسيف بن عميرة النخعي ، وحضر بن عمرو ، وعبد الملك بن عتبة الصيرفي النخعي ، والخرقاني من أولاد مالك بن الحارث الأشتر النخعي ، والأمير أبو الحسين ورام بن أبي فراس من أولاد مالك بن الأشتر النخعي ، وإبراهيم بن يزيد النخعي ، وصارم الدين إسكندر : بن عكبر الورشيدي الخرقاني ، وأسود بن يزيد النخعي ، وبكير بن أحمد النخعي ، وجابر بن أبحر النخعي ، وجعفر بن الحارث أبو الأشهب ، والحارث بن همام النخعي صاحب لواء الأشتر يوم صفين ، حجاج بن أرطاة ، والحسين بن سيف بن عميرة ، وداود بن عيسى النخعي ، وسنان بن مالك النخعي ، وعبد الرحمن بن وردان . .
وقد شرحت أحوالهم الكتب الرجالية المختصة بالرواة .