سلسلة القبائل العربية في العراق (5) بنو أسد بن خزيمة

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 1 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
سلسلة القبائل العربية في العراق ( 5 )
بنو أسد بن خزيمة
بقلم :
علي الكَوْراني العاملي
شارك فيه : عبد الهادي الربيعي
الطبعة الأولى 1431 ه - 2010 م
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 2 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 3 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة وأتم السلام على سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين .
بنو أسد بن خزيمة ، من القبائل العربية العريقة ، كانت تسكن هضبة نجد ، وفي أيام الفتوح الإسلامية سكنت معظم بطونها في العراق ، أما بطن بني غاضرة ، فقد سكنوا قبل الإسلام قرب كربلاء ، وسميت المنطقة باسمهم : الغاضرية .
وقد استعرضنا في هذا الموجز : نسب القبيلة ، وأشهر بطونها ، ومواطن سكناها ، ونبذة من تاريخها في الجاهلية والإسلام .
ثم جعلنا الفصل الثاني لدخولهم في الإسلام ، وذكر من أسلم منهم في مكة وهاجر إلى الحبشة .
والفصل الثالث ، لتاريخهم بعد النبي ( صلى الله عليه وآله ) ورفضهم دعوة طليحة الأسدي الذي ادعى النبوة ، ومشاركتهم في الفتوح
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 4 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الإسلامية ، ثم مشاركتهم مع علي ( عليه السلام ) في حروبه للناكثين والقاسطين والمارقين .
كما عقدنا فصلاً لمشاركة الأسديين مع الإمام الحسين ( عليه السلام ) في كربلاء ، وتقديمهم ثمانية شهداء بين يديه .
ثم بينا وفاءهم لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) والأئمة من عترة النبي ( صلى الله عليه وآله ) وعددنا أشهر أصحاب الأئمة ( عليهم السلام ) من الأسديين ومنهم السفيران للإمام المهدي ( عجل الله تعالى فرجه الشريف ) : عثمان بن سعيد العمري ، وابنه محمد .
وختمنا بترجمة موجزة لعدد من أشهر أعلامهم قديماً وحديثاً .
وطبيعي أن لا يتسع كتاب صغير لتاريخ حافل لقبيلة كبيرة ، كبني أسد . لكنه يقدم صورة عن القبيلة وصفاتها ، وعن ولائها للنبي وأهل بيته ( عليهم السلام ) ، وعن تجذرها في تاريخ العراق والإسلام .
وقد شاركني في هذا الجهد الأخ الفاضل الشيخ عبد الهادي الربيعي ، فله مني الشكر ، وعلى الله أجره ، وهو لي التوفيق .
كتبه : علي الكوراني العاملي
في قم المشرفة : 4 رجب الخير 1431
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 5 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الأول : نسب بني أسد وبطونها

1 - نسب أسد بن خزيمة

تنتسب إلى أسد بن خزيمة بن مدركة ( عامر ) بن إلياس بن مضر بن نزار ، بن معد ، بن عدنان . ولأسد أخوة هم : كنانة بن خزيمة والهون بن خزيمة ( جمهرة أنساب العرب : 1 / 10 ) وكان له من الولد خمسة : دودان بن أسد ، وكاهل بن أسد ، وعمرو بن أسد ، وصعب بن أسد ، وحُلْمة بن أسد .
وفي أولاد دودان الكثرة والعدد ، ومعظم بطون بني أسد منه ، فقد أولد دودان : ثعلبة بن دودان ، وغنم بن دودان ، وهم حلفاء بني عبد شمس . ( أنساب السمعاني : 1 / 138 ) .
أما حلمة بن أسد فأبادهم امرؤ القيس بن حجر الكندي الشاعر ، ثأراً بأبيه وبقي منهم قلَّة دخلوا في بني جذيمة بن مالك !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 6 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كما مثَّل امرؤ القيس ببطنين منهم ، فسمل أعينهم وأحمى الدروع وألبسهم إياها ! ( خزانة الأدب : 8 / 356 ) .

2 - أشهر البطون القديمة لبني أسد

1 - أسد بن دودان : بطن من أسد خزيمة ( معجم قبائل العرب : 1 : 23 ) . منهم الأزور مالك بن أوس بن جذيمة وولده ضرار بن الأزور ( الإستيعاب : 2 / 746 ) ، ونعيم بن دجاجة ( الثقات لابن حبان : 5 / 478 ) .
2 - بَهْد : وهم من بني سعد بن الحارث بن ثعلبة بن دودان ، منهم سالم بن وابصة البهدي الشاعر . ( اللباب : 1 / 191 ) .
3 - بنو ثعلبة بن دودان : وإليهم تنسب الثعلبية بين الكوفة ومكة ( جمهرة أنساب العرب : 1 / 192 ) وأغلب بطون بني أسد منهم ( معجم قبائل العرب : 1 / 144 ) .
4 - جحوان بن فقعس : بن طريف بن عمرو بن قعين . ( معجم قبائل العرب : 1 / 168 ) .
5 - بنو جذيمة بن مالك بن نصر بن قعين . ( اللباب : 1 / 266 ) .
6 - بنو جشم : بن الحرث بن سعد بن ثعلبة بن دودان . ( اللباب : 1 / 280 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 7 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
7 - الحارث بن أسد بن خزيمة ( معجم قبائل العرب : 1 / 226 ) وفي ابنه قعين العدد والثروة . ووالبة ، ومنه : حمل ، والأختم ، وزياد ، ومالك ، وكان لبنيه بلاء أيام القادسية . ( جمهرة أنساب العرب : 1 / 194 ) وسعد بن الحارث ، وكان في بنيه شعراء .
8 - الحارث بن ثعلبة : من مياههم : الهاشمية ، والسليلة . ( معجم قبائل العرب : 1 / 227 ) .
9 - بطن أبي الحجاج بن منقذ بن طريف ، لهم ماء يسمى خصلة . ( قبائل العرب : 1 / 242 ) .
10 - حجوان بن فقعس بن طريف بن عمرو ( قبائل العرب : 1 : 246 ) وهو الجد الرابع لحبيب بن مظاهر الأسدي الفقعسي ( رحمه الله ) .
11 - حذار بن مرة بن الحارث بن ثعلبة بن دودان ( اللباب : 1 / 320 ) .
12 - حذلم : بن فقعس بن طريف بن عمرو بن قعين بن الحارث بن ثعلب بن دودان بن أسد .
13 - الحسحاس بن هند . من مواليهم الشاعر سحيم المعروف بعبد بني الحسحاس . ( اللباب : 1 / 365 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 8 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
14 - دبيس : بطن من بني ناشرة ، وهم وبنو مزيد ملوك الحلة من جذم واحد ، كانوا يقيمون في الأهواز .
15 - دثار بن فقعس : بطن من بني دودان . ( اللباب 1 / 375 ) .
16 - دودان بن أسد بن خزيمة ، وفيه الكثرة . ( اللباب : 1 / 511 )
17 - بنو سعد بن ثعلبة بن دودان بن أسد ، وأولاده الحارث الحلاف ومالك : ومنه عبيد بن الأبرص الشاعر . وقيس بن الربيع المحدث . والكميت بن زيد الشاعر . ( جمهرة أنساب العرب : 1 / 193 ) .
18 - بنو سعد بن الحارث : وقد ضرب المثل بكثرتهم فقيل : في كل وادٍ بنو سعد بن الحارث . ( الإنباه على قبائل الرواة : ابن عبد البر / 51 )
19 - بنو سعد بن مالك بن ثعلبة بن دودان ، منهم : عمرو بن حارثة بن ناشب ، المعروف بالأشعر الرقبان . ( الإنباه : 1 / 193 )
20 - سلامة : كانت منازلهم الشقوق بطريق مكة ، فهم قرب كربلاء مع بني غاضرة . ( معجم قبائل العرب : 2 / 531 )
21 - بنو الصيداء بن عمرو بن قعين ، منهم قيس بن مسهر الصيداوي رسول الحسين ( عليه السلام ) إلى الكوفة . ( جمهرة أنساب العرب : 1 / 195 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 9 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
22 - طريف بن عمرو بن قعين : وأولاده : فقعس ، ومنقذ وأعيا وهو الحارث ، وقيس . ( معجم قبائل العرب : 1 : 195 ) .
23 - بنو عمرو بن دودان بن أسد . ( معجم قبائل العرب : 2 : 831 ) .
24 - بنو غاضرة بن مالك بن ثعلبة بن دودان بن أسد . ( جمهرة أنساب العرب : 1 : 194 ، و المعارف لابن قتيبة / 66 ) .
وذكر في معجم البلدان من منازلهم : التنانير وهو وادٍ كثير الزرع بين زبالة والشقوق ( 2 / 47 ) ، والحزن ( 2 / 254 ) وزبالة بين مكة والكوفة ، والثعلبية ( 3 / 29 ) . والغاضرية قريبة من كربلاء نسبة إلى بني غاضرة ( 4 / 183 ) وهم الذين دفنوا الأجساد الطاهرة من شهداء كربلاء ، مع الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) .
25 - بنو غنم بن دودان ، هاجر أغلبهم إلى غزة ثم إلى الأندلس ، ومنهم زينب بنت جحش زوجة النبي ( صلى الله عليه وآله ) ( الجمهرة : 1 / 191 ) .
26 - فقعس بن طريف ، من مياههم : ثادق . غزوا بني كلاب بن ربيعة ، وبني عجل ، وبني عبس . ( معجم قبائل العرب : 3 / 925 ) .
27 - قعين بن الحارث بن ثعلبة بن دودان . ( معجم قبائل العرب : 3 : 963 ) وأولاده : عمرو ونصر وعبس . ( الجمهرة : 1 / 194 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 10 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
28 - بنو كاهل ( معجم قبائل العرب 3 : : 976 ) منهم : أنس بن الحارث الكاهلي ، أحد الشهداء مع الحسين ( عليه السلام ) ، وعدة من أصحاب الإمام الصادق ( عليه السلام ) . نزلوا الكوفة بعد الفتح ، وكان لهم مسجد بني كاهل ، وربما سمي بمسجد أمير المؤمنين ( عليه السلام ) لأنه صلى فيه ، وكان مؤذنه أبو الجنوب الأسدي ، روى الحديث ( فضل الكوفة 25 ) .
29 - كبير : وهو كبير بن غنم بن دودان بن أسد . من ولده عبد الله بن جحش بن رئاب ، استشهد في أحد ( أنساب السمعاني : 5 / 30 ) .
30 - بنو مالك بن نصر بن قعين . ( معجم قبائل العرب : 3 / 1033 ) .
31 - بنو مَزْيَد أنشؤوا إمارة الحلة ، وسيأتي الحديث عنها .
32 - بنو النجاشي : سكنوا الكوفة ، منهم الشيخ أبو العباس النجاشي ، وابن النجاشي والي الأهواز .
33 - بطون نصر بن قعين ، ومنهم : عامر بن عبد الله صاحب لواء بني أسد في الجاهلية ، والعلاء بن محمد ولي هو وأبوه شرطة الكوفة ، وابن عمه عبد الرحمن ولي شرطة مصعب بن الزبير ، ومنهم : بنو ذي الخمار بالجزيرة . ( جمهرة أنساب العرب : 1 : 194 ) .
34 - بنو والبة بن الحارث بن ثعلبة بن أسد ( الجمهرة : 1 / 198 ) منهم : حبابة الوالبية ، وعلي بن ربيعة الأسدي ، وسيأتي ذكرهما .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 11 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

3 - منازل بني أسد

كانت بلادهم شمال هضبة نجد خاصة بين جبلي أجأ وسلمى ، أي بين حائل والقصيم ، ثم جاءت طئ من اليمن فغلبتهم على أجأ وسلمى . ( معجم قبائل العرب : 1 / 21 ) فاتجه بنو أسد نحو العراق حتى وصلوا إلى الفرات من جهة كربلاء ، ولذا كانت معظم منازل الطريق بين كربلاء ومكة من ديارهم . ثم سكنوا الكوفة في مطلع الإسلام . ( معجم قبائل العرب : 1 / 21 ) . ومنها انتشروا ، فسكن بعضهم غزة وهاجر بنو عكاشة إلى الأندلس . وظهر منهم قادة وعلماء أمثال : حريز بن عكاشة أحد القادة الشجعان في الأندلس ، والقاضي عيسى بن سهل الجياني ، والمحدث محمد بن عبد الله من ولد الصحابي عبد الله بن جحش ( الجمهرة : 1 / 192 ) .
ومن أشهر ديار بني أسد في نجد : آثال ، وأحليلي ، وأكبرة ، وأيهب ، وبستان إبراهيم ، وبنان ، وترمد ، وتوز ، والثعلبية ، وجفاف الطير ، وحقيل ، وحومانة الدراج ، والربائع ، ورقد ، وسميراء ، والشركة ، والصفيحة ، والغمران ، وعرفة أعيار ، والمَلا ، وناجية ، وغيرها كثير .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 12 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ومن مياههم وأوديتهم : أبرق العزاف ، والبطاح ، وبزاخة ، والبعوضة ، وثلاثان ، وجرثم ، والخربة ، والخوَّة ، وخيماء ، وذو أحثال ، وذو إراط ، وروضة الحزم ، والشبكة ، وشيقان ، وصفَّية والعليبة ، والقليب ، ومنعج ، ودارة ملحوب .
ومن جبالهم : التينان ، وحبس ، وحبشي ، وذو علق ، وقطن ، والقنان ، وقنة البقار ، وغيرها .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 13 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

4 - بطون بني أسد المعاصرة في العراق

في العراق عدد كبير من بني أسد ، وهم يتوزعون على أغلب مدن العراق خاصة الجنوب ، ومن أشهر بطونهم :
1 - الشيوخ ورئاستهم في آل خيون ، وفروعهم : آل الشيخ ، وآل عباس ، وآل ونيس ، وآل عيسى أو عنيسي ، وآل ويس .
2 - الحداديون : ويتفرعون إلى : آلبو الشيخ علي ، بيت الحجي ، آلبو عبدة ، الرشيدة ، بيت زامل . ومنهم : بنو عسكر ، وآل خاطر ، والمواجد ، ومنهم آل شبيب .
3 - آل غريج ( غريق ) ويتفرعون إلى : آل الحاج يعقوب ، آل شارع ، آل هلال ، آل حمودي . ومنهم في المشورب بين الهندية وطويريج من ضواحي كربلاء ، وهم : آلبو غانم ، وآلبو ضاحي ، وآلبو مجدي ، وآلبو بحر ، آلبو مجزم ( عشائر العراق : 4 / 44 ، والقاموس العشائري العراقي : 1 / 33 ) ومنهم الطريحيون في النجف والأهواز ، وآل كمونة في كربلاء وذُكر أن منهم : آل الشيخ جعفر ، وآل الخضري ، وآل الشيخ عليوي في النجف ، ومنهم آل النفطجي في كركوك . ( القاموس العشائري : 1 / 33 ) ومنهم من سكن الأهواز
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 14 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والمحمرة وعبادان والفلاحية ( شادكان ) وغيرها . ( أنساب القبائل العربية في إيران : الدكتور رؤوف السبهاني : 111 ) .

5 - حروب بني أسد

لهم حروبٌ وغزوات كثيرة ، في الجاهلية والإسلام ، منها :
1 - يوم إراب : هو ماء لبني رياح بن يربوع من تميم ، بالحَزَن غرب كربلاء والنجف ، جرت فيه معركة بينهم وبين بني تغلب ، وأخرى بينهم وبين بني عجل فقتلوا أُهبان الأسدي . ( معجم البلدان : 1 / 133 ومعجم الشعراء للمرزباني / 386 ) .
2 - يوم بيسان : جبل في ديار بني سعد من هوازن ، كانت فيه وقعة لهم مع بني قشير من عامر بن صعصعة . ( معجم ما استعجم : 1 / 250 ) .
3 - يوم خو : وهو واد بنجد ، كانت أسد أغارت على بني يربوع فاكتسحت إبلهم فلحقوهم بخو وقتل ذؤاب بن ربيعة الأسدي ، عتيبة بن الحارث بن شهاب اليربوعي ، وكان عتيبة قتل المحسن بن عمرو بن بدر الغاضري . ( المناقب المزيدية لابن أبي البقاء الحلي / 35 ) .
4 - يوم ذي علق : بينهم وبين عامر بن صعصعة ، قُتل فيه ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب ، أبو لبيد الشاعر ( الكامل : 1 : 641 )
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 15 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
5 - حربهم مع الشاعر امرئ القيس الكندي : بعد أن قتلوا والده ملكهم حجر بن الحارث الكندي ، وكان يأخذ منهم إتاوة ، فطردوا رسله وضربوهم ، فسار إليهم بجند من ربيعة وقيس وكنانة ، وأباح أموالهم ، فهاجموا عسكر حجر ، وطعنه علباء بن الحارث الكاهلي فقتله وكان حجر قتل أباه ، وانتهبوا أمواله ولفوه في ريطة بيضاء وألقوه على الطريق . فبلغ الخبر ولده امرئ القيس فارتحل حتى نزل ببكر وتغلب فسألهم النصر على بني أسد فأجابوه ، فأدركهم ظهراً وقد تقطعت خيله وهلكوا عطشاً ، وبنو أسد نازلون على الماء ، فقاتلهم حتى كثرت القتلى بينهم ( الكامل : 1 / 511 ) ومثَّل بهم فسمل أعينهم ، وأحمى الدروع وألبسهم إياها ، وأباد بني حلمة بن أسد حتى لم يبق منهم إلا قليل .
6 - يوم شِعب جبلة : كانت فيه بنو أسد مع لقيط بن زرارة التميمي ، في طلب ثأر أخيه معبد بن زرارة ، من قاتليه بني عامر بن صعصعة وبني عبس ، وسار لقيط حتى نزل على فم شعب جبلة بعساكر جرارة كثيرة الصواهل ، وليس لهم همٌّ إلا الماء فقصدوه ، وحملت عليهم عبس وعامر فاقتتلوا قتالاً شديداً وكثرت القتلى في تميم ، وقتل عمرو بن الجون ، وأسر معاوية بن الجون ، وعمرو بن عمرو بن عدس زوج دختنوس بنت لقيط ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 16 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأسر حاجب بن زرارة ، وحمل عنترة بن شداد على لقيط فطعنه ، وضربه قيس بالسيف فقتله . ( الكامل : 1 / 584 ) .
7 - يوم الجفار : موضع بين الكوفة والبصرة ( معجم البلدان : 2 / 144 ) وقد تحالفت فيه أسد وطئ وغطفان فغَزوا بني عامر فقتلوهم قتلاً شديداً ، فغضبت بنو تميم فلحقوا طيئاً وغطفان وحلفاءهم يوم الجفَار ، فقُتلت تميمُ أشدَّ ممّا قُتلت عامر . ( العقد الفريد : 2 / 297 ) .
8 - يوم شمطة : وهو من أيام حرب الفجار ، وفيه اجتمعت كنانة قريش والأحابيش ( وهم بنو المصطلق ، وبنو الحيا بن سعد بن عمرو ، وبنو الهون بن خزيمة أخو أسد بن خزيمة . المعارف : عبد الله بن مسلم بن قتيبة : 604 ) وبنو أسد بن خزيمة ، وسُليم وهوازن ، فاجتمعوا بشْمطة من عُكاظ وتواعدوا على قَرن الحَول ، وعلى كل قَبيلة من قريش وكِنانة سيِّدها ، غير أن أمر كنانة إلى حرب بن أمية ، وأمرُ هوازن إلى مسعود بن معتب الثّقفي . فزَحف بعضهم إلى بعض فكانت الدائرة في أول النهار لكِنانة على هَوازن ، ثم تداعت هَوازن وصابرت وانقشعت كنانة فاستحرَّ القتلُ فيهم فقُتل منهم تحت رايتهم مائة رجل وقيل ثمانون . ولم يُقتل من قُريش يومئذ أحدٌ يذكر ، فكان لهوازن على كنانة . ( المنمق لمحمد بن حبيب البغدادي / 181 ) .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 17 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الثاني : دخولهم في الإسلام

1 - الأسديون الصحابة في مكة

كان بنو غَنَم بن دُودان من أسد خزيمة يسكنون مكة ، وكانوا حلفاء لبني أمية المعادين للنبي ( صلى الله عليه وآله ) . لكن ذلك لم يمنع بعضهم من قبول الدعوة ، وقد تحملوا الأذى كبقية المسلمين في مكة وهاجر بعضهم إلى الحبشة كعبد الله وعبيد الله إخوة زينب بنت جحش ، ثم هاجر بقيتهم إلى المدينة ( ابن هشام : 2 / 323 ) ونزل بعضهم في قُباء . ( ابن خلدون : 2 / ق 2 / 14 ) .
أما بنو أسد الذين كانوا في نجد فجاء رؤساؤهم وفداً إلى النبي ( صلى الله عليه وآله ) في السنة التاسعة للهجرة : وابصة بن معبد ، وطلحة بن خويلد ، وضرار بن الأزور ، ومعاذ بن عبد الله بن خلف ، وحضرمي بن عامر ، وسلمة بن حبيش ، وقتادة بن القائف ، وأبو مكعت . فقال متكلمهم : يا رسول الله أشهد أن لا إله إلا الله
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 18 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وحده لا شريك له ، وأنك عبده ورسوله ، جئناك يا رسول الله ولم تبعث إلينا بعثاً ، ونحن لمن وراءنا . . . وسألوه مسائل وأمر لهم بجوائز وكتب لهم ، ثم انصرفوا إلى أهليهم ( مكاتيب الرسول : 3 / 244 ) .
وهذه أسماء أشهر الصحابة الأسديين :
1 - أيمن بن خزيم بن فاتك ( رجال الطوسي / 25 ) شاعر عرف بالولاء لآل البيت ( عليهم السلام ) هو وأبوه خزيم بن فاتك ، وهو القائل في منافرة جرت بين عبد الله بن الزبير وعبد الله بن عباس :
يا ابن الزبير إذا لاقيت بائقة * من البوائق فألطف لطف محتال
لاقيته هاشمياً طاب منبته * في مغرسيه كريم العم والخال
ما زال يقرع منك العظم مقتدراً * على الجواب بصوت مسمع عالي
حتى رأيتك مثل الكلب منجحراً * خلف الغبيط وكنت الباذخ العالي
( شرح النهج : 20 / 131 )
وكان ابن الزبير سيطر على الحجاز وتلقب بأمير المؤمنين ، وحبس بني هاشم لإجبارهم على بيعته ، وترك ذكر النبي ( صلى الله عليه وآله ) حتى في صلاته حتى لا يشمخ أهل بيته بأنوفهم بزعمه !
2 - بشر بن معاذ : صلى خلف النبي ( صلى الله عليه وآله ) هو وأبوه ( أسد الغابة : 1 / 189 )
3 - ثور بن تليدة : من بني غنم ، شهد بدراً ، وروي أن بني أسد كانوا يوم بدر سُبع المهاجرين . ( أسد الغابة : 1 / 250 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 19 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
4 - جنادة بن جراد العيلاني الأسدي : أحد بني عيلان بن جأوة ، سكن البصرة وروى عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) . ( أسد الغابة : 1 / 298 ) .
5 - الحارث بن قيس بن عميرة ، صحابي ، كوفي . ( رجال الطوسي / 36 ) .
6 - الحارث بن عمرو : وفد على النبي ( صلى الله عليه وآله ) وأنشده . ( أسد الغابة : 1 / 341 )
7 - الحارث بن يزيد : سأل النبي ( صلى الله عليه وآله ) عن الحج كل سنة فنزل قوله تعالى : ولله على الناس حج البيت . ( أسد الغابة : 1 / 352 ) .
8 - خزيم بن فاتك الأسدي : شهد بدراً مع أخيه سبرة بن فاتك وعداده في الشاميين ( الإستيعاب : 2 / 446 ) وكان مع علي ( عليه السلام ) في صفين ، وطالب أن يكون الحكم ابن عباس بدل أبي موسى الأشعري ، وقال :
لو كان للقوم رأيٌ يُرشدون به * أهل العراق رموكم بابن عباس
لكن رموكم بشيخ من ذوي يمن * لم يدر ما ضرب أخماس بأسداس
( مناقب آل أبي طالب : 2 / 265 )
وعدَّه في معالم العلماء / 184 ، من شعراء أهل البيت ( عليهم السلام ) .
9 - ربيعة بن أكثم بن سخبرة الأسدي : حليف بني عبد شمس ، كان قصيراً دحداحاً شهد بدراً وهو ابن ثلاثين سنة وأحداً والخندق والحديبية ، وقتله الحارث اليهودي بخيبر . ( الإستيعاب : 2 / 490 ) .
10 - رفاعة بن مسروح الأسدي : حليف بني عبد شمس ، قتل يوم خيبر شهيداً . ( الإستيعاب : 2 / 501 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 20 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
11 - الزبير بن عبيدة الأسدي : من المهاجرين الأولين ، من بني غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة هو وتمام بن عبيدة ، وسخبرة بن عبيدة بن الزبير . ( الإستيعاب : 2 / 510 ) .
12 - زفر بن يزيد بن حذيفة الأسدي : من سادات بني أسد ، قاوم طليحة الأسدي الذي ادعى النبوة ، وقال : ( الإصابة : 2 / 252 ) :
لهفي على أسد أضلَّ سبيلهم * بعد النبي طليحة الكذاب
وله في مدح أمير المؤمنين ( عليه السلام ) :
فحوطوا علياً وانصروه فإنه * وصي وفي الإسلام أولُ أولُ
وإن تخذلوه والحوادثُ جَمَّةٌ * فليس لكم عن أرضكم مُتحول .
( شرح النهج : 13 / 232 )
13 - سبرة بن فاتك : شهد بدراً مع أخيه خزيم . ( الإستيعاب : 2 / 578 )
14 - سعيد بن وقش : من بني غنم من المهاجرين . ( أسد الغابة : 2 / 316 )
15 - سلمة بن سحيم : له صحبة ورواية . ( أسد الغابة : 2 / 336 )
16 - سنان بن أبي سنان الأسدي : شهد بدراً ، هو وأخوه وأبوه وعمه عكاشة بن محصن وسائر مشاهد النبي ( صلى الله عليه وآله ) . ( الإستيعاب : 2 / 658 )
17 - سنان بن ظهير الأسدي : له صحبة . ( الإستيعاب : 2 : 659 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 21 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
18 - شجاع بن أبي وهب : من بني غنم ، هاجر إلى الحبشة ، وشهد هو وأخوه عقبة بدراً والمشاهد كلها مع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) . وبعثه النبي ( صلى الله عليه وآله ) إلى الحارث الغساني ، وجبلة بن الأيهم ، ملوك الشام واستشهد يوم اليمامة . ( الإستيعاب : 2 / 707 ) .
19 - عبد بن جحش بن رئاب : أمه وأم أخيه عبد الله أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، كان شاعراً ضريراً . وقال ابن إسحاق : كان أول من خرج إلى المدينة مهاجراً من مكة عبد الله بن جحش حليف بني أمية بن عبد شمس ، احتمل بأهله وبأخيه أبي أحمد بن جحش الشاعر الأعمى ، توفي أبو أحمد بن جحش بعد أخته زينب زوج رسول لله ( صلى الله عليه وآله ) . ( الإستيعاب : 4 : 1539 ) .
20 - عبد الرحمن بن رقيش بن رئاب بن يعمر الأسدي : شهد أحداً هو أخوه يزيد بن رقيش .
21 - عبد الله بن عثمان الأسدي : حليف لبنى عوف ابن الخزرج ، قتل يوم اليمامة في أحداث الردة . ( الإستيعاب : 2 : 833 )
22 - عصيمة الأسدي : حليف بنى مازن شهد بدراً . ( الإستيعاب : 3 : 1070 )
23 - عكاشة بن محصن بن حرثان بن قيس بن مرة الأسدي : حليف بنى أمية ، كان من فضلاء الصحابة ، شهد بدراً وأبلى بلاء حسناً وانكسر
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 22 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
سيفه ، فأعطاه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) عوداً فصار بيده سيفاً يومئذ ، وشهد أحداً والخندق وسائر المشاهد ، وقتل يوم بزاخة ، قتله خويلد الأسدي . ( الإستيعاب : 3 : 883 ) .
24 - عمرو بن شأس بن عبيد الأسدي : له صحبة ورواية ، شهد الحديبية ، واشتهر بالبأس والنجدة ( الإستيعاب : 3 : 1180 ) شاعر مطبوع مات سنة خمس وعشرين للهجرة . ( معجم الشعراء : للمرزباني : 40 )
25 - عوف الزرقاني : أو الوركاني ، من بني الصيداء ، قيل إنه كان عاملاً للنبي ( صلى الله عليه وآله ) ، فبعث إليه ضرار بن الأزور الأسدي لمقاتلة الأسود العنسي لما تنبأ في اليمن . ( الإصابة : 4 / 618 ) .
26 - عياذ بن عبد عمرو الأسدي : روي أنه رأى ختم النبوة على كتف النبي ( صلى الله عليه وآله ) . ( الإصابة : 3 / 1248 ) .
27 - قبيصة بن برمة الأسدي : مات له ثلاثة أولاد وروي أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) قال له : قد احتظرت من النار . ( الإصابة : 3 / 1272 ) .
28 - قيس بن عبد الله الأسدي : هاجر إلى الحبشة . ( الإصابة : 3 / 1296 ) .
29 - قيس الأسدي : والد غنيم بن قيس . ( الإصابة : 3 / 1302 ) .
30 - كافية بن سبع : روي أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) استعمله على صدقات قومه ( مكاتيب الرسول : 1 / 40 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 23 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
31 - محرز أو محصن بن نضلة : من بني غنم بن دودان ، شهد بدراً وأحداً والخندق ، وغزوة الغابة فقتله مسعدة بن حكمة ، وهو ابن سبع وثلاثين سنة . ( الإستيعاب : 3 : 1365 ) .
32 - محمد بن عبد الله بن جحش : له صحبة . ( رجال الطوسي / 47 ) .
33 - المسور بن يزيد المالكي الأسدي : له صحبة . ( الإستيعاب : 3 / 1400 ) .
34 - منقذ بن لبابة الأسدي : من غنم بن دودان . ( الإستيعاب : 4 : 1452 )
35 - وابصة بن معبد الأسدي : سكن الرقة . ( الإستيعاب : 4 : 1563 )
36 - يزيد بن رقيش بن رئاب . شهد بدراً ( الإستيعاب : 4 / 1574 ) .
37 - أبو سنان الأسدي : اسمه وهب بن عبد الله ، وهو أسنُّ من أخيه عكاشة ، شهد بدراً ، وهو أول من بايع بيعة الرضوان ، توفي وهو ابن أربعين سنة في حصار قريظة . ( الإستيعاب : 4 / 1468 ) .
38 - عبد الله بن جحش بن رئاب الغنمي الأسدي : أمه أميمة بنت عبد المطلب عمة النبي ( صلى الله عليه وآله ) . هاجر هو وأخوه عبد بن جحش ، وأختهم زينب بنت جحش زوج النبي ( صلى الله عليه وآله ) . وشهد بدراً ، واستشهد يوم أحد . ( الإستيعاب : 3 : 880 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 24 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

2 - إثنا عشر بدرياً من بني أسد

حضر بدر إثنا عشر رجل من الأسديين وهم : عبد الله بن جحش ، وعكاشة بن محصن ، وأخوه أبو سنان بن محصن ، وشجاع بن وهب ، وأخوه عقبة بن وهب ، ويزيد بن قيس ، وسنان بن أبي سنان ، ومحرز بن نضلة ، وربيعة بن أكثم ، ومن حلفائهم : كثير بن عمرو ، ومدلج بن عمرو ، ومالك بن عمرو . ( الإستيعاب : 2 / 489 ) .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 25 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الثالث : بنو أسد بعد النبي ( صلى الله عليه وآله )

1 - موقفهم من طليحة الأسدي المدعي للنبوة !

بعد وفاة النبي ( صلى الله عليه وآله ) ادعى النبوة عدة أشخاص منهم طليحة بن خويلد الأسدي ، وكان أنصاره من قبيلة غطفان وقلة من بني أسد . وقد بالغ المؤرخون في ارتداد بعض القبائل ومنهم بنو أسد .
قال خليفة بن خياط في تاريخه / 64 : « وارتدت العرب ، ومنعوا الزكاة » . لكن الردة لم تكن واسعة كما زعم رواة السلطة ، فقد اتهموا كل من رفض بيعة أبي بكر بأنه ارتد ، واشتهرت قصة مالك بن نويرة اليربوعي التميمي ( رحمه الله ) الذي اعترض على خلافة أبي بكر فاتهمه خالد بن الوليد بالردة وقتله وتزوج زوجته ، فأنكر عليه عمر
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 26 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وطلب من أبي بكر أن يقتل خالد قصاصاً به ! وكذلك زعمهم أن بني أسد ارتدوا ! ( معجم قبائل العرب : 1 / 22 ) .
فقد نص اليعقوبي في تاريخه على أن عمدة أتباع طليحة بن خويلد لم يكونوا بني أسد قال : « وكان ممن تنبأ طليحة بن خويلد الأسدي بنواحيه ، وكان أنصاره غطفان ورئيسهم عيينة بن حصن الفزاري » . ( تاريخ اليعقوبي : 2 / 129 ) .

2 - بنو أسد مع علي ( عليه السلام ) في حرب الجمل

شهد بنو أسد حرب الجمل مع الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، فطائفة منهم به التحقوا به في الطريق بقيادة زفر بن زيد الأسدي ، وكان زفر في المدينة حين خطب أمير المؤمنين ( عليه السلام ) الناس ، ودعاهم إلى جهاد الناكثين ، فقال : « يا أمير المؤمنين إن لي في قومي طاعة ، فأذن لي أن آتيهم . فقال ( عليه السلام ) : نعم . فأتى زفر قومه ثم جمعهم فقال : يا بني أسد ، إن عديَّ بن حاتم ضمن لعليّ قومه ، وأجابوه وقضوا عنه ذمامه ، فلم يعتل الغني بالغنى ولا الفقير بالفقر وواسى بعضهم بعضاً ، حتى كأنهم المهاجرون في الهجرة والأنصار في الأثرة ، وهم جيرانكم في الديار ، وخلطاؤكم في الأموال ، فأنشدكم الله لا يقول الناس غداً : نصرت طئ وخذلت
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 27 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بنو أسد ، وإن الجار يقاس بالجار ، فإن خفتم فتوسعوا في بلادهم وانضموا إلى جبلهم ، وهذه دعوة لها ثواب من الله في الدنيا والآخرة . فأشار عليه أحد بني قومه أن يلحق بعضهم بأمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، ويبقى البعض الآخر منهم لحماية ديارهم من أي غزو طارئ ، فرضي بذلك زفر منهم » . ( الإمامة والسياسة : 1 : 56 ) فلحق بأمير المؤمنين من طئ وأسد وغيرهم ألفا رجل ( الجمل / 143 ) وشهدت معركة الجمل طائفة أخرى من بني أسد جاءت من الكوفة مع سائر قبائل مضر ، مزينة وكنانة وتميم وقريش والرباب يقودهم معقل بن قيس الرياحي . ولما رتَّب أمير المؤمنين ( عليه السلام ) العسكر ، جعل على خيل أسد قبيصة بن جابر الأسدي ، وعلى رجالتها العكبر بن وائل الأسدي ، وهو الذي قتل محمد بن طلحة في ذلك اليوم . ( الجمل / 172 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 28 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

3 - بنو أسد مع علي ( عليه السلام ) في صفين

كما شهد بنو أسد وقعة صفين مع أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وجعل قبائل ربيعة كلها في الميسرة ، وجعل عليهم عبد الله بن عباس ، وقبائل اليمن في الميمنة ، وجعل أميرهم الأشعث بن قيس الكندي ، وجعل مضر كلها في القلب تحت إمرته ( عليه السلام ) .
وكانت تتولى الحرب في كل يوم جماعة من الناس ، ففي أول يوم منها وهو الأول من صفر ، خرج مالك الأشتر بن الحارث من النخع ، فقابلته ميسرة الشام وعليها حبيب بن مسلمة الفهري .
وفي اليوم الثاني هاشم بن عتبة بن أبي وقاص حامل لواء أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في كوكبة من أصحابه ، فخرج إليه من جند معاوية أبو الأعور السلمي في أهل الأردن . ( الأخبار الطوال / 174 ) .
« ثم غدا في اليوم الثالث قبيصة بن جابر الأسدي في بني أسد ، وقال لأصحابه : يا بنى أسد ، أما أنا فلا أقصر دون صاحبي ، وأما أنتم فذاك إليكم . ثم تقدم برايته ، وقال :
قد حافظت في حربها بنو أسدْ * ما مثلها تحت العجاج من أحدْ
أقرب من يُمْنٍ وأنأى من نَكَدْ * كأننا ركنا ثبير أو أحُد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 29 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لسنا بأوباش ولا بَيْضَ البلد * لكننا المِحَّةُ من وُلْد مَعَد
فقاتل القوم إلى أن دخل الليل ثم انصرفوا » . ( شرح النهج : 5 / 246 ) .
ثم قاتلوا في اليوم الثامن حين تقدم أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بنفسه ومعه القلب الذي كان المضريون بمن فيهم بنو أسد يقاتلون فيه .
ووفى بنو أسد لإسلامهم وقاتلوا مع أمير المؤمنين ( عليه السلام ) إلى اليوم التاسع حيث لاحت أمارات النصر ، فرفع معاوية القرآن على الرماح ، فانخدع بذلك قسم من جيش أمير المؤمنين ( عليه السلام ) هم الخوارج ، وكان رأي بني أسد مع رأي أمير المؤمنين ( عليه السلام ) . وقال أبو جهمة الأسدي ( أعيان الشيعة : 2 / 318 ) :
يجالد من دون ابن عم محمد * من الناس شهباء المناكب شارفُ
فما برحوا حتى رأى الله صبرهم * وحتى أتيحت بالأكف المصاحفُ
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 30 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

4 - بنو أسد مع الحسين ( عليه السلام ) في كربلاء

كان جيش يزيد بقيادة عمر بن سعد من بطون قبائل العرب وأكثرهم من هوازن ، وكان فيهم من بني أسد . وبعد المعركة أعطاهم عمر بن سعد من الرؤوس حسب مشاركتهم ، فكان سهم هوازن عشرين رأساً ، وسهم أسد ستة رؤوس .
لكن كان من الأسديين أبطال ناصروا الحسين ( عليه السلام ) وفدوه بأنفسهم ، وأبرزهم وأجلهم حبيب بن مظاهر الأسدي ( رحمه الله ) . ومنهم سعد مولى عمر بن خالد الصيداوي الأسدي .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 31 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

5 - حبيب بن مظاهر يستنصر بني غاضرة

كان بنو غاضرة يسكنون في الغاضرية قرب كربلاء ، قبل الفتح الإسلامي بنحو قرن ونصف ، وسميت منطقتهم باسمهم .
وعندما نزل الإمام الحسين ( عليه السلام ) في كربلاء قال له حبيب بن مظاهر الأسدي : « يا ابن رسول الله ، ها هنا حيٌّ من بني أسد بالقرب منا ، أتأذن لي في المصير إليهم فأدعوهم إلى نصرتك ، فعسى الله أن يدفع بهم عنك ؟ قال ( عليه السلام ) : قد أذنت لك . فخرج حبيب إليهم في جوف الليل متنكراً حتى أتى إليهم فعرفوه ، فقالوا : ما حاجتك ؟ فقال : إني أتيتكم بخير ما أتى به وافد قوم ، أتيتكم أدعوكم إلى نصر ابن بنت نبيكم ، فإنه في عصابة من المؤمنين الرجل منهم خير من ألف رجل ، لن يخذلوه ولن يسلموه أبداً ، وهذا عمر بن سعد قد أحاط به ، وأنتم قومي وعشيرتي ، وقد أتيتكم بهذه النصيحة فأطيعوني اليوم في نصرته تنالوا بها شرف الدنيا والآخرة ، فإني أقسم بالله لا يقتل أحد منكم في سبيل الله مع ابن بنت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) صابراً محتسباً إلا كان رفيقاً لمحمد في عليين . فوثب رجل منهم يقال له عبد الله بن بشر ، فقال : أنا أول من يجيب هذه الدعوة ، ثم جعل يرتجز ويقول :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 32 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قد علم القوم إذا تواكلوا * وأحجم الفرسان إذ تناقلوا
أني الشجاع البطل المقاتل * كأنني ليث عرين باسل
( البحار : 44 / 387 )
فاستجاب لدعوة حبيب بن مظاهر منهم تسعون مقاتلاً ، جاءوا معه يريدون معسكر الحسين ( عليه السلام ) . ولكن عمر بن سعد علم بذلك ، فوجه إليهم قوة من أربع مائة فارس مع الأزرق بن الحرث ، فبينما القوم من بني أسد قد أقبلوا في جوف الليل يريدون عسكر الحسين ، إذا استقبلتهم خيل ابن سعد على شاطئ الفرات ، وكان بينهم وبين معسكر الحسين اليسير ، فتناوش الفريقان واقتتلوا فصاح حبيب بالأزرق بن الحرث : مالك ولنا ، انصرف عنا يا ويلك دعنا واشق بغيرنا ، فأبى الأزرق ! وعلمت بنو أسد ألا طاقة لهم بخيل ابن سعد فرجعوا إلى حيِّهم ، ثم تحملوا في جوف الليل خوفاً من ابن سعد أن يكبسهم ، ورجع حبيب إلى الحسين فأخبره الخبر » . ( أنصار الحسين / 67 ) .
ويظهر من نصوص كربلاء أن حبيباً ( رحمه الله ) رجع قبلهم إلى معسكر الحسين ( عليه السلام ) وأنهم تأخروا ليتهيؤوا ، فذهب أحد الخونة منهم وأخبر ابن سعد فأرسل قوة لتمنعهم ، وكان الخائن معهم دليلاً ، فلما التقوا بهم خاف الأسديون ورجعوا إلى حيهم ، ثم تركوا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 33 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
حيهم ورحلوا عنه خوفاً من ابن سعد ! ومعنى ذلك أنهم لم يكونوا بمستوى نصرة الحسين ( عليه السلام ) ونيل الشهادة بين يديه .

6 - بنو أسد يتولون دفن الأجساد الطاهرة

قال السيد ابن طاووس في اللهوف / 85 : « ولما انفصل عمر بن سعد عن كربلاء ، خرج قوم بني أسد فصلُّوا على تلك الجثث الطواهر المرملة بالدماء ، ودفنوها على ما هي الآن عليه » .
وقال الطبري في تاريخه : 4 / 348 : « ودفن الحسين وأصحابه وأهل بيته أهل الغاضرية من بني أسد بعد يوم من قتلهم »
فيظهر أن بني أسد رجعوا إلى حيهم بعد المعركة ، ثم ذهبوا إلى أرض المعركة لدفن الشهداء فوصل الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) وأعانوه على دفن الإمام الحسين ( عليه السلام ) والشهداء . ( قصة كربلاء / 438 ) .

7 - بنو أسد في ثورة المختار الثقفي

خرج جمع من الأسديين مع المختار الثقفي سنة 65 هجرية يقودهم يزيد بن أنس للمطالبة بثأر الحسين ( عليه السلام ) ، وسيأتي ذكره .
قال عبد الله بن همام يعدد القبائل التي ساهمت في الثورة :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 34 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي ليلة المختار ما يذهل الفتى * ويلهيه عن رؤد الشباب شموع
دعا يا لثارات الحسين فأقبلت * كتائب من همدان بعد هزيع
ومن مذحج جاء الرئيس ابن مالك * يقود جموعاً أردفت بجموع
ومن أسد وافى يزيد لنصره * بكل فتى حامي الذمار منيع
وجاء نعيم خير شيبان كلها * بأمر لدى الهيجا أحد جميع
وما ابن شميط إذ يحرض قومه * هناك بمخذول ولا بمضيع
( أصدق الأخبار / 56 )
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 35 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الرابع : شهداء كربلاء من بني أسد

1 - سفير الحسين ( عليه السلام ) قيس بن مسهر الصيداوي

وهو من بني عمرو بن قعين ( جمهرة أنساب العرب : 1 / 195 ) . ومن أشراف بني أسد ( أنصار الحسين / 123 ) وقد بعثه أهل الكوفة برسائل إلى الإمام الحسين ( عليه السلام ) يدعونه فيها إلى الحضور ، فأرسل ( عليه السلام ) ابن عمه مسلم بن عقيل إلى الكوفة لاستطلاع حال أهلها وأخذ البيعة له ، فاصطحب مسلم معه قيس بن مسهر ، وما أن اجتمع رأي أهل الكوفة على دعوة الحسين ( عليه السلام ) والبيعة له قبل تغيير يزيد واليها ، حتى أرسله مسلم برسالة إلى الحسين ( عليه السلام ) يعلمه بيعة الكوفيين ويدعوه لتعجيل القدوم عليه ، فقصد قيس مكة والتقى بالحسين ( عليه السلام ) وسلمه الرسالة . ثم جاء مع الحسين ( عليه السلام ) فأرسله من بطن حاجر برسالة جاء فيها : « بسم الرحمن الرحيم . من الحسين إلى إخوانه المؤمنين : سلام عليكم ، فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو ، أما بعد فإن كتاب مسلم بن عقيل جاءني يخبرني
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 36 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بحسن رأيكم واجتماع ملئكم على نصرتنا والطلب بحقنا ، فسألت الله أن يحسن لنا الصنيع وأن يثيبكم بذلك أعظم الأجر ، وقد شخصت إليكم من مكة يوم الثلاثاء لثمان مضين من ذي الحجة يوم التروية ، فإذا قدم عليكم رسولي فالتمسوا أمركم ، وجدوا فإني قادم عليكم في أيامي هذه إن شاء الله . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته » . ( مثير الأحزان لابن نما الحلي / 30 ) .
وتحرك قيس على وجه السرعة إلى الكوفة ، لكن عبيد الله بن زياد كان وصلها وسيطر عليها وبعث بجيشه يراقب الداخل والخارج ، فألقوا القبض على قيس في القادسية ، فمزق الكتاب ، وجئ به إلى عبيد الله بن زياد فقال : من أنت ؟ قال رجل من شيعة أمير المؤمنين ( عليه السلام ) قال : فلماذا مزقت الكتاب ؟ قال : لئلا تعلم ما فيه . قال : ممن الكتاب والى من ؟ قال : من الحسين ( عليه السلام ) إلى قوم من أهل الكوفة لا أعرف أسماءهم ! فغضب ابن زياد وقال : إصعد فسب الكذاب ابن الكذاب الحسين بن علي بن أبي طالب ! فصعد قيس القصر فحمد الله وأثنى عليه وقال : أيها الناس ، هذا الحسين بن علي خير خلق الله ، ابن فاطمة بنت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وأنا رسوله وقد فارقته في الحاجز فأجيبوه ، ثم لعن عبيد الله بن زياد وأباه واستغفر لعلي بن أبي طالب ( عليه السلام ) . فأمر عبيد الله به فألقي من فوق القصر فمات ( رحمه الله ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 37 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وبينما الحسين ( عليه السلام ) في الطريق إذ طلع عليه ركب أقبلوا من الكوفة فيهم هلال بن نافع الجملي وعمرو بن خالد ، فسألهم عن خبر الناس فقالوا : أما الأشراف فقد استمالهم ابن زياد بالأموال فهم عليك ، وأما سائر الناس فأفئدتهم لك وسيوفهم مشهورة عليك قال : فلكم علم برسولي قيس بن مسهر ؟ قالوا : نعم قتله ابن زياد فاسترجع ( عليه السلام ) وقال : جعل الله له الجنة ثواباً ، اللهم اجعل لنا ولشيعتنا منزلاً كريماً إنك على كل شئ قدير . ( مثير الأحزان / 31 ) .

2 - حبيب بن مظاهر الأسدي

حبيب بن مظاهر الأسدي من بني ثعلبة بن دودان بن أسد ، من أصحاب أمير المؤمنين والحسن والحسين ( عليهم السلام ) . ( رجال الطوسي / 60 ) .
كان من القادة الشجعان ، لازم أمير المؤمنين ( عليه السلام ) فكان من خاصته وحملة علومه ، وشهد معه حروبه كلها ، ثم كان من أصحاب الإمام الحسن ( عليه السلام ) . وبقي في الكوفة بعد صلح الإمام الحسن ( عليه السلام ) مع معاوية ، يتحين الفرص لنصرة أهل البيت ( عليهم السلام ) حتى هلك معاوية فكتب إلى الحسين ( عليه السلام ) وأعلن رفضه البيعة ليزيد ، ولما ورد مسلم بن عقيل الكوفة استقبله حبيب .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 38 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال الطبري : 4 / 264 : « لما ورد مسلم بن عقيل الكوفة ، ونزل دار المختار بن أبي عبيد ، وأقبلت الشيعة تختلف إليه ، فقام عابس بن شبيب الشاكري فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أما بعد فإني لا أخبرك عن الناس ولا أعلم ما في أنفسهم وما أغرك منهم ، والله أحدثك عما أنا موطن نفسي عليه : والله لأجيبنكم إذا دعوتم ، ولأقاتلن معكم عدوكم ولأضربن بسيفي دونكم حتى ألقى الله لا أريد بذلك إلا ما عند الله . فقام حبيب بن مظاهر الفقعسي فقال : رحمك الله قد قضيت ما في نفسك بواجز من قولك ، ثم قال : وأنا والله الذي لا إله إلا هو على مثل ما هذا عليه » .
وقال الشيخ السماوي في إبصار العين : 102 : « وجعل حبيب ومسلم يأخذان البيعة للحسين ( عليه السلام ) في الكوفة ، حتى إذا دخلها عبيد الله بن زياد وخذَّل أهلها عن مسلم وتفرق أنصاره حبسهما عشائرهما وأخفياهما ، فلما ورد الحسين كربلاء خرجا إليه مختفيين يسيران الليل ويكمنان النهار حتى وصلا إليه » .
وقد شارك حبيب في حرب الجمل وصفين والنهروان . وكان يحفظ القرآن ويحيي لياليه في تلاوته ( أعيان الشيعة : 4 / 553 ) وكان عمره في كربلاء 75 سنة . ( قصة كربلاء : 308 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 39 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي رجال الطوسي : 1 / 292 ، أن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) علمه علم المنايا والبلايا قال : « مرَّ ميثم التمار على فرس له فاستقبل حبيب بن مظاهر الأسدي عند مجلس بني أسد فتحدثا حتى اختلفت أعناق فرسيهما . ثم قال حبيب : لكأني بشيخ أصلح ضخم البطن يبيع البطيخ عند دار الرزق ، قد صلب في حب أهل بيت نبيه وتبقر بطنه على الخشب . فقال ميثم : وإني لأعرف رجلاً أحمر له ضفيرتان ، يخرج لينصر ابن بنت نبيه فيقتل ويجال برأسه بالكوفة . ثم افترقا ، فقال أهل المجلس : ما رأينا أحداً أكذب من هذين !
قال : فلم يفترق أهل المجلس حتى أقبل رشيد الهجري ، فطلبهما فسأل أهل المجلس عنهما ؟ فقالوا : افترقا وسمعناهما يقولان كذا وكذا . فقال رشيد : رحم الله ميثماً نسي : ويزاد في عطاء الذي يجئ بالرأس مائة درهم ، ثم أدبر . فقال القوم : هذا والله أكذبهم . فقال القوم : والله ما ذهبت الأيام والليالي حتى رأيناه مصلوباً على باب دار عمرو بن حريث ، وجئ برأس حبيب بن مظاهر وقد قتل مع الحسين ورأينا كل ما قالوا » .
وخرج حبيب بن مظاهر ( رحمه الله ) ليلة عاشوراء ضاحكاً مستبشراً فقال له برير بن خضير الهمداني : يا أخي ليس هذه بساعة ضحك فقال حبيب : فأيُّ موضع أحقُّ من هذا بالسرور ؟ والله ما هو إلا أن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 40 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
تميل علينا هذه الطغام بسيوفهم فنعانق الحور العين . ( رجال الكشي : 1 / 293 ) .
ولما زحفت جيوش الضلال نحو عسكر الحسين ( عليه السلام ) وأحاطت به وبأصحابه قال حبيب لزهير بن القين : كلِّم القوم إن شئت وإن شئت كلَّمتُهم . فقال له زهير : أنت بدأت بهذا فكن أنت تكلمهم فقال لهم حبيب : أما والله لبئس القوم عند الله غداً قوم يقدمون عليه قد قتلوا ذرية نبيه وعترته وأهل بيته ، وعُبَّاد أهل هذا المصر المجتهدين بالأسحار والذاكرين الله كثيراً .
فقال له عزرة بن قيس : إنك لتزكِّي نفسك ما استطعت ، فأجابه زهير بن القين : يا عزرة ، إن الله قد زكاها وهداها ، فاتق الله يا عزرة فإني لك من الناصحين ، أنشدك الله أن تكون ممن يعين الضلاَّل على قتل النفوس الزكية . ( تاريخ الطبري : 4 / 316 ) .
وقاتل حبيب في ذلك اليوم قتال الأبطال حتى حضر وقت صلاة الظهر فقال الحسين ( عليه السلام ) : سلوهم أن يكفوا عنا حتى نصلي ففعلوا فقال لهم الحصين بن تميم : إنها لا تقبل . فقال له حبيب بن مظاهر : زعمت لا تقبل الصلاة من آل رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وتقبل منك يا حمار ! فحمل عليه حصين بن تميم ، وخرج إليه حبيب بن مظاهر فضرب وجه فرسه بالسيف ، فشب ووقع عنه وحمله
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 41 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أصحابه فاستنقذوه . وقاتل حبيب قتالاً شديداً ، فحمل عليه بديل بن صريم من بني غطفان فضربه حبيب بالسيف على رأسه فقتله ، وحمل عليه آخر من بني تميم فطعنه فوقع ، فذهب ليقوم فضربه الحصين بن تميم على رأسه بالسيف فوقع ، ونزل إليه التميمي فاحتز رأسه ( تاريخ الطبري : 4 / 335 ) .
ولما قتل حبيب هدَّ قتله الحسين ( عليه السلام ) فاسترجع كثيراً ، ثم قال : عند الله أحتسب نفسي وحماة أصحابي ، وقال : لله درُّك يا حبيب لقد كنت فاضلاً تختم القرآن في ليلة واحدة . ( قصة كربلاء / 308 ) .

3 - مسلم بن عوسجة الأسدي

وهو من بني سعد بن ثعلبة بن دودان بن أسد ( الطبري : 4 / 270 ) . وترجموا له في أصحاب النبي ( صلى الله عليه وآله ) والرواة عنه ( أسد الغابة : 4 / 364 ) . وهو بطلٌ من أبطال الإسلام ، شهد فتوح الإسلام وكان له فيها مواقف اعترف بها شبث بن ربعي فقال متأسفاً بعد استشهاده وقد صاحت جارية له : وامسلماه يا ابن عوسجتاه يا سيداه ، فتنادى أصحاب عمرو بن الحجاج : قتلنا مسلم بن عوسجة الأسدي . فقال شبث لبعض من حوله من أصحابه : ثكلتكم أمهاتكم إنما تقتلون أنفسكم بأيديكم وتذللون أنفسكم لغيركم ! تفرحون أن يقتل مثل مسلم بن عوسجة ؟ أما والذي أسلمت له
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 42 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لرُبَّ موقف له قد رأيته في المسلمين كريم ! لقد رأيته يوم سلق آذربيجان قتل ستة من المشركين قبل التئام خيول المسلمين . أفيقتل منكم مثله وتفرحون ؟ ! ( تاريخ الطبري : 4 : 334 ) .
وكان في الرعيل الأول من صحابة أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وأول الشهداء مع الحسين ( عليه السلام ) بعد الحملة الأولى . ( أنصار الحسين / 108 ) .
وكان له دور قيادي في حركة مسلم بن عقيل في الكوفة فقد تولى أخذ البيعة للحسين ( عليه السلام ) وكان يتسلَّم الأموال التي يتبرع بها المسلمون للحركة . وعندما كشف ابن زياد عمله وأراد القبض عليه ، قام بنو أسد بإخفائه حتى خرج مع حبيب بن مظاهر متخفيين والتحقا بالحسين ( عليه السلام ) في كربلاء . ( الفتوح : 5 / 42 ) .
وفي ليلة عاشوراء دعا الحسين ( عليه السلام ) أصحابه فحمد الله وأثنى عليه وقال لهم : « أما بعد : فإني لا أعلم أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي ، ولا أهل بيت أبر ولا أوصل من أهل بيتي فجزاكم الله عني خيراً ، ألا وإني لأظن أنه آخر يوم لنا من هؤلاء ألا وإني قد أذنت لكم فانطلقوا جميعاً في حل ليس عليكم مني ذمام ، هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً . فقال له إخوته وأبناؤه وبنو أخيه وابنا عبد الله بن جعفر : لم نفعل ذلك لنبقى بعدك ! لا أرانا الله ذلك أبداً . . » . وكان أول من تكلم من أصحابه مسلم بن عوسجة ( رحمه الله ) قال : « أنخلي عنك وبمَ نعتذر إلى الله سبحانه في أداء حقك ؟ أما والله لا يكون ذلك حتى أطعن في صدورهم برمحي وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 43 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
في يدي ، ولو لم يكن معي سلاح أقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة ! والله لا نخليك حتى يعلم الله أن قد حفظنا غيبة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فيك ، والله لو علمت أني أقتل ثم أحيا ثم أحرق ثم أحيا ثم أذرى ، يفعل ذلك بي سبعين مرة ، ما فارقتك حتى ألقى حمامي دونك ، فكيف لا أفعل ذلك وإنما هي قتلة واحدة ، ثم هي الكرامة التي لا انقضاء لها أبداً » . ( الإرشاد : 2 / 93 )
وصدق مسلم بن عوسجة ( رحمه الله ) وسطر أروع الأمثلة في الولاء والتضحية دفاعاً عن آل الرسول ( صلى الله عليه وآله ) : « فقد حمل عمرو بن الحجاج على معسكر الحسين ( عليه السلام ) في ميمنة عمر بن سعد من نحو الفرات ، فاضطربوا ساعة ، فصرع مسلم بن عوسجة الأسدي أول أصحاب الحسين ، ثم انصرف عمرو بن الحجاج وأصحابه ، وارتفعت الغبرة فإذا هم بمسلم صريع ، فمشى إليه الحسين فإذا به رمق فقال : رحمك ربك يا مسلم بن عوسجة . ثم تلا قوله تعالى : فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً . ودنا منه حبيب بن مظاهر فقال : عزَّ عليَّ مصرعك يا مسلم أبشر بالجنة . فقال له مسلم قولا ضعيفاً : بشرك الله بخير . فقال له حبيب : لولا أنى أعلم أنى في أثرك لاحق بك من ساعتي هذه ، لأحببت أن توصيني بكل ما أهمك حتى أحفظك في كل ذلك بما أنت أهل له في القرابة والدين . فقال مسلم : بل أنا أوصيك بهذا رحمك الله وأهوى بيده إلى الحسين أن تموت دونه ! قال : أفعل ورب الكعبة » ثم فاضت روحه الشريفة ( رحمه الله ) . ( تاريخ الطبري : 4 / 333 )
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 44 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

4 - عمرو بن خالد الصيداوي

وَرَدَ السلامُ عليه في الزيارة المنسوبة إلى الناحية المقدسة : السلام على عمرو بن خالد الصيداوي ( أنصار الحسين : 153 ) ، وكان التحق بالحسين ( عليه السلام ) في عذيب الهجانات هو ومجمع العائذي وابنه وجنادة بن الحارث السلماني ، ومعهم غلام لنافع بن هلال الجملي ودليلهم الطرماح بن عدي الطائي ، فحاول الحر بن يزيد الرياحي الذي كان قائداً لألف مقاتل من جيش ابن زياد ، حبسهم أو إرجاعهم إلى الكوفة ، فمنعه الحسين ( عليه السلام ) وقال : لأمنعنهم مما أمنع منه نفسي ، إنما هؤلاء أنصاري ، وهم بمنزلة من جاء معي ، فإن بقيت على ما كان بيني وبينك ، وإلا ناجزتك فكف عنهم . ( أعيان الشيعة : 1 / 597 ) .
وفي يوم عاشوراء جاء الصيداوي إلى الحسين ( عليه السلام ) وقال له : يا أبا عبد الله جعلت فداك ، قد هممت أن ألحق بأصحابك ، وكرهت أن أتخلف فأراك وحيداً بين أهلك قتيلاً . فقال له الحسين ( عليه السلام ) : تقدم فإنا لاحقون بك عن ساعة . فتقدم فقاتل حتى قتل رضوان الله عليه » . ( اللهوف على قتلى الطفوف / 65 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 45 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

5 - أنس بن الحارث بن منبه الكاهلي

صحابي ، شيخ كبير شهد مع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بدراً وحنيناً ، وروى عنه ( مقتل الحسين للمقرم / 355 ) ومما رواه : سمعت النبي ( صلى الله عليه وآله ) يقول : إن ابني هذا يعني الحسين يقتل بأرض من العراق ، فمن أدركه منكم فلينصره . ( مناقب آل أبي طالب : 1 / 122 ) .
سكن الكوفة في منازل بني كاهل ، وحضر كربلاء مع الحسين ( عليه السلام ) فلما خرج يستأذن الحسين ( عليه السلام ) في المبارزة وكان شاداً وسطه بالعمامة رافعاً حاجبيه بعصابة ! فلما نظر إليه الحسين ( عليه السلام ) بهذه الهيأة بكى وقال : شكر الله لك يا شيخ ، ثم أذن له فقَتَل على كبر سنه ثمانية عشر رجلاً ، ثم استشهد ( رحمه الله ) » ( مقتل الحسين للمقرم / 355 )

6 - إبراهيم بن الحصين الأسدي

قال في مناقب آل أبي طالب : 3 / 253 : « ثم برز إبراهيم بن الحصين الأسدي يرتجز :
أضرب منكم مفصلاً وساقا * ليهرق اليوم دمي إهراقا
ويرزق الموت أبو إسحاقا * أعني بني الفاجرة الفساقا
فقتل منهم أربعة وثمانين رجلاً » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 46 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

7 - مالك بن أنس الكاهلي

قال في المناقب : 3 / 251 : « ثم برز مالك بن أنس الكاهلي وقال :
آل علي شيعة الرحمن * وآل حرب شيعة الشيطان
فقتل أربعة عشر رجلاً » . ولا يبعد أن يكون ابناً لأنس بن الحارث الكاهلي الذي كان حاضراً في المعركة أيضاً ، وقيل إن اسمه مصحَّف عن أنس بن الحارث . ( أنصار الحسين : 75 )

8 - المرقع بن ثمامة بن أثال الصيداوي

لحق بالحسين ( عليه السلام ) وقاتل بين يديه حتى أثخن بالجراح ، فاستنقذه قومه وأتوا به إلى الكوفة وأخفوه ، وكان مريضاً من جراحاته مكبلاً بالحديد بأمر ابن زياد ، حتى مات بعد سنة ، فهو بحكم الشهيد . وقيل نفاه ابن زياد إلى الزارة أو الربذة . ( الطبري : 4 / 347 ) .
فبقي هناك حتى هلك يزيد وهرب ابن زياد ، فعاد المرقع إلى الكوفة . ( الأخبار الطوال / 259 ) .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 47 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الخامس : الأسديون أصحاب أهل البيت ( عليهم السلام )

1 - الأسديون من أصحاب أمير المؤمنين ( عليه السلام )

1 : العكبر بن جدير الأسدي : فارس وخطيب وشاعر صلب الإيمان ، شهد صفين مع أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وكان فارس أهل الكوفة بغير منازع ، قام يوماً في صفين بين يدي الإمام ( عليه السلام ) ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إن في أيدينا عهداً من الله لا نحتاج فيه إلى الناس ، قد ظننا بأهل الشام الصبر وظنوا بنا ، فصبرنا وصبروا ، وقد عجبت من صبر أهل الدنيا لأهل الآخرة ، وصبر أهل الحق على أهل الباطل ورغبة أهل الدنيا ، ثم قرأت آية من كتاب الله فعلمت أنهم مفتونون : أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ . وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 48 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الْكَاذِبِينَ . فقال له ( عليه السلام ) خيراً . وخرج الناس إلى مصافِّهم ، وخرج عوف بن مجزأة المرادي فارس أهل الشام نادراً من الناس ، وكذا كان يصنع ، وقد كان قتل نفراً من أهل العراق مبارزة ، فنادى : يا أهل العراق ، هل من رجل عصاه سيفه يبارزني ولا أغركم من نفسي ! أنا عوف بن مجزأة . فنادى الناس بالعكبر ، فخرج إليه منقطعاً عن أصحابه ليبارزه ، فقال عوف :
بالشام أمن ليس فيه خوف * بالشام عدل ليس فيه حيف
بالشام جود ليس فيه سوف * أنا ابن مجزأة واسمي عوف
هل من عراقي عصاه سيف * يبرز لي وكيف لي وكيف !
فقال له العكبر :
الشام مَحْلٌ والعراق ممطرُ * بها إمام طاهر مطهرُ
والشام فيها أعور ومعور * أنا العراقي واسمي عكبر
ابن جدير وأبوه المنذر * أدن ، فإني في البراز قسور
فاطَّعنا ، فصرعه العكبر وقتله ، ومعاوية على التل في وجوه قريش ونفر قليل من الناس ، فوجه العكبر فرسه ، يملأ فروجه ركضاً ويضربه بالسوط مسرعاً نحو التل . فنظر معاوية إليه فقال : هذا الرجل مغلوب على عقله أو مستأمن ، فاسألوه ، فأتاه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 49 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
رجل وهو في حمو فرسه ، فناداه فلم يجبه ومضى مبادراً حتى انتهى إلى معاوية ، فجعل يطعن في أعراض الخيل ، ورجا أن ينفرد بمعاوية فيقتله ، فاستقبله رجال قتل منهم قوماً ، وحال الباقون بينه وبين معاوية ، فلما لم يصل إليه قال :
أولى لك يا بن هند * أنا الغلام الأسْدي
ورجع إلى صف العراق ولم يُكلم ، فقال له علي ( عليه السلام ) : ما دعاك إلى ما صنعت ؟ لا تلق نفسك إلى التهلكة ، قال : يا أمير المؤمنين أردت غرة بن هند فحيل بيني وبينه ، وكان العكبر شاعراً فقال :
قتلت المرادي الذي كان باغيا * ينادى وقد ثار العجاج نزال
يقول أنا عوف بن مجزاة والمنى * لقاء ابن مجزاة بيوم قتال
فقلت له لما علا القوم صوته * منيت بمشبوح اليدين طوال
فأوجرته في ملتقى الحرب صعدة * ملأت بها رعبا صدور رجال
فغادرته يكبو صريعاً لوجهه * ينوء مرارا في مكر مجال
وقدمت مهري راكضاً نحو صفهم * أصرفه في جريه بشمالي
أريد به التل الذي فوق رأسه * معاوية الجاني لكل خبال
فقام رجال دونه بسيوفهم * وقام رجال دونه بعوالي
فلو نلته نلت التي ليس بعدها * وفزت بذكر صالح وفعال
ولو مت في نيل المنى ألف موتة * لقلت إذا ما مت : لست أبالي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 50 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال نصر بن مزاحم : فانكسر أهل الشام لقتل عوف المرادي ، وهدر معاوية دم العكبر ، فقال العكبر : يد الله فوق يده ، فأين الله جل جلاله ودفاعه عن المؤمنين . ( شرح النهج : 8 / 88 ) .
2 : حيان الأسدي : روى عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) قال له : « إن الأمة ستغدر بك بعدي ، وأنت تعيش على ملتي ، وتقتل على سنتي ، من أحبك أحبني ، ومن أبغضك أبغضني ، وإن هذه ستخضب من هذا يعني لحيته من رأسه » . ( شرح الأخبار : 1 / 152 )
وأولاده موالون لأهل البيت ( عليهم السلام ) ، فإبراهيم من أصحاب الإمام الباقر ( عليه السلام ) ، وكذا علي بن نزار بن حيان ، ومنصور بن منصور وابنه إسحاق . ( رجال الشيعة في أسانيد السنة : محمد جعفر الطبسي : 372 ) .
3 : خندف بن زهير : من ثقات أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، فعندما كتب منشوراً في بيان حق أهل البيت ( عليهم السلام ) والبراءة ممن ظلمهم ، ليقرأ في الأمصار ، قال لكاتبة عبيد الله بن أبي رافع : أدخل إليَّ عشرة من ثقاتي . فقال : سمهم لي يا أمير المؤمنين ؟ فسماهم ومنهم : خندف بن زهير الأسدي . ( أعيان الشيعة : 6 / 358 ) .
4 : ربيعة بن ناجذ : من أصحاب أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ( رجال الطوسي : 63 )
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 51 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
5 : زر بن حبيش : بن حباشة بن أوس بن هلال . وهو من أصحاب أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وكان عالماً بالقرآن فاضلاً ، قرأ القرآن كله في مسجد الكوفة على مسمعٍ من أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ( مستدرك سفينة البحار : 8 / 466 ) وأخذه عنه عاصم بن أبي النجود ( معجم رجال الحديث : 8 : 225 ) توفي سنة ثلاث وثمانين وهو ابن مائة وست وعشرين سنة ؟ ( الإستيعاب : 2 / 563 ) .
6 : سمعان بن هبيرة بن مساحق : شاعر معروف ، كان مع أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في صفين ، وهو الذي أغراه النجاشي الشاعر بشرب الخمر في شهر رمضان ، فقبض عليه أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وهرب النجاشي ، وحدَّه الإمام حدَّ شارب الخمر ( الوافي : 15 / 275 ) .
7 : سلام بن نبيط الكاهلي : روى عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ( الثقات : 4 / 332 )
8 : عباية بن ربعي : روى فضائل أهل البيت ( عليهم السلام ) ومنها قول علي ( عليه السلام ) : « أنا قسيم النار ، أقول هذا وليي دعيه ، وهذا عدوي خذيه » . ( مناقب آل أبي طالب : 2 / 83 ) .
9 : عبد الرحمن بن الأسود الكاهلي : روى عنه حبيب بن أبي ثابت . ( مزار ابن المشهدي : 23 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 52 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
10 : عباد بن عبد الله الأسدي الكوفي : من رجال النسائي وابن ماجة وثقه ابن حبان . حدث عنه المنهال بن عمرو والأعمش . ومن حديثه عن علي ( عليه السلام ) قال : لما نزلت هذه الآية : وأنذر عشيرتك الأقربين ، جمع النبي ( صلى الله عليه وآله ) من أهل بيته ثلاثين فأكلوا وشربوا قال : فقال لهم : من يضمن عني ديني ومواعيدي ، ويكون معي في الجنة ويكون خليفتي في أهلي ؟ فقال رجل لم يسمه : يا رسول الله ! أنت كنت بحراً من يقوم بهذا ؟ فقال علي : أنا » . ( مسند أحمد : 1 / 111 ) . وروى عن علي : « أنا عبد الله وأخو رسوله ، وأنا الصديق الأكبر ، لا يقولها غيري إلا كذاب ، ولقد صليت قبل الناس سبع سنين » ( شرح النهج : 13 / 228 )
11 : علي بن ربيعة الوالبي : وكان من العُبَّاد محباً لعلي ( عليه السلام ) ( رجال الطوسي / 71 ) . رويَ « أن سهم بن طريف كان عثمانياً ، وكان علي بن ربيعة علوياً ، فضرب أمير الكوفة على الناس بعثاً ، وضرب على سهم بن طريف معهم ، فقال سهم لعلي بن ربيعة : إذهب إلى الأمير فكلمه في أمري ليعفيني ، فأتى علي بن ربيعة الأمير فقال : أصلحك الله ، إن سهماً أعمى فاعفه ، قال قد أعفيته ، فلما التقيا قال : قد أخبرت الأمير أنك أعمى ، وإنما عنيت عمى القلب » . ( شرح النهج : 4 / 100 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 53 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
12 : كعب بن مدلج : كان مع أمير المؤمنين ( عليه السلام ) يوم الجمل ، وقيل هو الذي قتل محمد بن طلحة بن عبيد الله . ( أسد الغابة : 4 / 322 ) .
13 : مسعود بن مالك : أبو رزين الأسدي روى عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ( رجال الطوسي / 88 ) وصحب بعده الحسن ( عليه السلام ) ( الإختصاص / 7 ) وشارك في القادسية ( الكامل : 2 / 480 ) وثقه ابن حجر ( التقريب : 2 / 167 ) .
14 : نعيم بن دجاجة : من أصحاب أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ( رجال الطوسي / 84 ) ، وروى الثقفي في الغارات : 1 / 121 : أن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) « بعث إلى لبيد بن عطارد التميمي ليجاء به فمر بمجلس من مجالس بني أسد وفيه نعيم بن دجاجة ، فقام نعيم فخلص الرجل . فأتوا أمير المؤمنين علياً ( عليه السلام ) فقالوا : أخذنا الرجل فمررنا به على نعيم بن دجاجة فخلصه ، وكان نعيم من شرطة الخميس ، فقال : علي بنعيم ، فأمر به أن يضرب ضرباً مبرحاً ، فلما ولوا به قال : يا أمير المؤمنين إن المقام معك لذل ، وإن فراقك لكفر ، قال : إنه لكذلك ؟ قال : نعم ، قال خلوا سبيله » .
15 : أبو كديبة الأسدي : وهو من خواص أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ( مستدركات علم رجال الحديث : 8 / 440 )
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 54 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

2 - الأسديون من أصحاب باقي الأئمة ( عليهم السلام )

عدت المصادر الرجالية كثيراً من الأسديين في أصحاب الأئمة ( عليهم السلام ) : فقد عد الشيخ الطوسي في أصحاب زين العابدين ( عليه السلام ) :
حبيب بن أبي ثابت ، وحذيم بن سفيان الأسدي ، وحذيم بن شريك ، وبشر بن غالب .
ومن أصحاب الباقر ( عليه السلام ) :
إبراهيم بن حيان ، والحسن بن حبيش . وزحر بن عبد الله أبو الحصين الأسدي ، روى عن الإمام الباقر والصادق ( عليهما السلام ) وله كتاب وسورة بن كليب بن معاوية . وعبد الله بن محمد الأسدي . وعبد الله بن غالب الأسدي ، الشاعر الفقيه ، روى عن أبي جعفر وأبي عبد الله وأبي الحسن ( عليهم السلام ) ، له كتاب نقل عنه الرواة . روي أن الإمام الصادق ( عليه السلام ) قال له : إن ملكاً يلقي الشعر عليك وأنا أعرف ذلك الملك ( رجال الطوسي : 141 ) .
وعقبة بن شيبة . وعلباء بن ذراع أو درَّاع ، من أصحاب الباقر ( عليه السلام ) ، رويَ أن الإمام ( عليه السلام ) ضمن له الجنة ، وكان والي البحرين . ( تهذيب الأحكام : 4 / 147 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 55 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وممن ذكرهم النجاشي : كليب بن معاوية الصيداوي ، روى عن الباقر والصادق ( عليهما السلام ) ، له كتاب . وابنه محمد بن كليب من أصحاب الإمام الصادق ( عليه السلام ) . وموسى بن عبد الله الأسدي . وعقبة بن بشير . ومحمد بن قيس أبو نصر الأسدي ، كان من وجوه العرب بالكوفة ، وكان خصيصاً بعمر بن عبد العزيز ، ثم بيزيد بن عبد الملك ، وكان أحدهما أنفذه إلى بلاد الروم في فداء المسلمين ، روى عن الإمام الباقر والصادق ( عليهما السلام ) ، له كتاب في قضايا أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وكتاب آخر نوادر .
ومهزم بن أبي بردة الأسدي . وناجية بن أبي عمارة الأسدي الصيداوي . ووَرْد بن زيد الأسدي أخو الكميت ، وكان شاعراً ، وفد على الباقر ( عليه السلام ) فمدحه بقصيدة ، منها :
كم جزت فيك من أجواز إيفاع * وأوقع الشوق بي قاعا إلى قاع
يا خير منْ حملت أنثى ومنْ وضعت * به إليك غدا يسري وإيضاعي
( أعيان الشيعة : 1 / 655 )
ومن أصحاب الصادق ( عليه السلام ) :
أبان بن أرقم . وأرطاة بن حبيب الأسدي ، وله كتاب . وإسحاق بن إبراهيم العطار . وإسحاق بن بشر الكاهلي ثقة ، من العامة ، وله كتاب . وإسحاق بن غالب الأسدي الوالبي ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 56 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأخوه عبد الله ، وكان شاعراً وله كتاب . وإسحاق بن يحيى الكاهلي الأسدي . وإسماعيل بن زياد البزاز ، روى عن الباقر والصادق ( عليه السلام ) . وإسماعيل بن عبد الخالق . وإسماعيل بن شعيب السمان . وبدر بن خليل روى عن الصادقيْن ( عليهما السلام ) . وإبراهيم بن محمد بن الربيع وأخوه إسماعيل . وإبراهيم بن مهزم الأسدي روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن الكاظم ( عليهما السلام ) وعمر طويلاً ، له كتاب . وبشر بن عقبة . وبشير بن خزيم ( اللهوف / 86 ) والظاهر أنه بشر بن حذلم الذي أمره الإمام السجاد أن يدخل المدينة وينعى الحسين ( عليهما السلام ) فدخلها وقال :
يا أهل يثرب لا مقام لكم بها * قتل الحسين فأدمعي مدرار
الجسم منه بكربلاء مضرجٌ * والرأس منه على القناة يدار
( مثير الأحزان لابن نما الحلي / 90 )
وثعلبة بن ميمون . وجابر بن سمير . . وجعفر بن مازن الكاهلي . وجميل بن صالح الأسدي . والحسن بن الحر . والحسن بن محمد ( عليه السلام ) . والحسين بن موسى الحناط . والحكم بن سعد . وخالد بن سعيد . وخالد بن عامر بن عداس . ورفاعة بن موسى الأسدي النخاس ، وله كتاب مبوب في الفرائض . وزيد بن عبد الرحمن . وزيد بن المستهل بن الكميت الشاعر . وزيد بن صالح . وسعد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 57 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بن عبد الله . وسعيد بن غزوان . وسفيان بن خالد . وسفيان بن وردان . وسورة بن مجاشع . وسويد بن طلحة . وعبد الله بن النجاشي بن عثيم بن سمعان ، ولي الأهواز من قبل المنصور العباسي ، وهو الجد الأعلى للشيخ النجاشي صاحب كتاب الرجال . وعبد الله بن عبد الرحمن بن عتيبة الأسدي ، له كتاب نوادر . وعبد الرحمن بن عبيد . وعبد الرحيم بن روح القصير ، كوفي ، روى عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) . وعبد القادر بن محمد بن قيس . وعبد النور بن عبد الله بن سنان . وعبيد بن عبد الملك . وعلي بن عبد الله بن غالب هو وأبوه . والعلا بن الأسود بن عمارة . والعلا بن عاصم . وعمر بن عنكثة . وعمر بن زائدة . وعمرو بن حريث الصيرفي . وعمران بن زائدة بن نشيط الوالبي . وعنبسة بن خالد . وعيسى بن عمر . وغسان بن غيلان . والفضيل بن سويد . وقبة بن خالد الأسدي ، له كتاب . وقيس بن الربيع . ومالك بن خالد . ومحمد بن إسحاق الكاهلي . ومحمد بن الجعد . ومحمد بن سليمان . ومحمد بن سمعان بن هبيرة النجاشي . ومحمد بن سهل . ومحمد بن سويد . ومحمد بن قيس أبو قدامة . ومحمد بن قيس . ومحمد بن القاسم . ومحمد بن ميمون بن عطاء . ومشمعل بن سعد الأسدي الناشري ، له ولأخيه الحكم كتاب الديات . ومهاجر بن زيد . ومهاجر بن كثير . وموزع بن سويد .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 58 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ومهند بن سويد . ونصر بن فضالة . ونصر بن كثير . ويحيى بن القاسم .
ومن أصحاب الكاظم ( عليه السلام ) :
عبد الله بن يحيى الكاهلي ، روى عن الصادق والكاظم ( عليهما السلام ) ، وكان وجهاً عند الكاظم ( عليه السلام ) ووصى به علي بن يقطين فقال له : إضمن لي الكاهلي وعياله أضمن لك الجنة ! وله كتاب ( رجال النجاشي : 222 ) . وعمر بن محمد : عده الشيخ في أصحاب الكاظم ( عليه السلام ) . وإبراهيم بن صالح الأنماطي الأسدي .
ومن أصحاب الإمام المهدي ( عليه السلام ) :
محمد بن جعفر بن محمد بن عون الأسدي ، أبو الحسين الكوفي ، سكن الري ، كان ثقة صحيح الحديث ، وخرج في حقه التوقيع من الإمام المهدي ( عليه السلام ) : « محمد بن جعفر العربي ، فليدفع إليه فإنه من ثقاتنا » وفي توقيع آخر : « إن أردت أن تعامل أحداً ، فعليك بأبي الحسين الأسدي بالري » . ( الغيبة للطوسي / 415 ) .
هذا ، ومن بني أسد كثير من أصحاب الأئمة ( عليه السلام ) والرواة عنهم ، والعلماء ، لا يتسع المجال لتعدادهم .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 59 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل السادس : السفيران الأسديان

السفير الأول : عثمان بن سعيد العَمْري

أكرم الله بني أسد فجعل منهم سفيرين للإمام المهدي ( عليه السلام ) ، الأول عثمان بن سعيد العمري ، ويكنى أبا عمرو السمان .
ففي جمال الأسبوع / 321 : « عثمان بن سعيد العمري السمَّان ، الأسدي المنتجي » . كان من شبابه بواب الإمام الهادي ( عليه السلام ) ووكيله ومعتمده ، ثم وكيل الإمام الحسن العسكري ( عليه السلام ) ، وقد وثقه كلاهما ( عليهما السلام ) .
ففي غيبة الطوسي / 215 ، عن محمد بن إسماعيل وعلي بن عبد الله ، الحسنيين قالا : « دخلنا على أبي محمد الحسن ( عليه السلام ) بسر من رأى وبين يديه جماعة من أوليائه وشيعته ، حتى دخل عليه بدر خادمه فقال : يا مولاي بالباب قوم شعث غبر ، فقال لهم : هؤلاء نفر من شيعتنا باليمن ، في حديث طويل يسوقانه إلى أن قال الحسن ( عليه السلام ) لبدر : فامض
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 60 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فائتنا بعثمان بن سعيد العمري ، فما لبثنا إلا يسيراً حتى دخل عثمان فقال له سيدنا أبو محمد ( عليه السلام ) : إمض يا عثمان ، فإنك الوكيل والثقة المأمون على مال الله ، واقبض من هؤلاء النفر اليمنيين ما حملوه من المال . ثم ساق الحديث إلى أن قال : ثم قلنا بأجمعنا : يا سيدنا والله إن عثمان لمن خيار شيعتك ، ولقد زدتنا علماً بموضعه من خدمتك ، وأنه وكيلك وثقتك على مال الله تعالى . قال : نعم ، واشهدوا عليَّ أن عثمان بن سعيد العمري وكيلي ، وأن ابنه محمداً وكيل ابني مهديكم » .
وتوفي عثمان بن سعيد ( قدس سره ) في بغداد وقبره فيها قرب الميدان ، وقد حاول الوهابيون تفجيره هذه الأيام ، أواخر شهر رمضان سنة 1430 !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 61 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

السفير الثاني : محمد بن عثمان بن سعيد العَمْري

قال العلامة في خلاصة الأقوال / 250 و 432 : « محمد بن عثمان بن سعيد العمري بفتح العين ، الأسدي ، يكنى أبا جعفر ، وأبوه يكنى أبا عمرو ، جميعاً وكيلان في خدمة صاحب الزمان ( عليه السلام ) ، ولهما منزلة جليلة عند هذه الطائفة ، وكان محمد قد حفر لنفسه قبراً وسواه بالساج ، فسئل عن ذلك فقال : للناس أسباب ، ثم سئل بعد ذلك فقال : قد أمرت أن أجمع أمري ، فمات بعد شهرين من ذلك في جمادي الأولى سنة خمس وثلاث مائة ، وقيل سنة أربع وثلاث مائة ، وكان يتولى هذا الأمر نحواً من خمسين سنة . . .
فلما حضرت أبا جعفر محمد بن عثمان الوفاة واشتدت حاله حضر عنده جماعة من وجوه الشيعة ، منهم أبو علي بن همام ، وأبو عبد الله محمد الكاتب ، وأبو عبد الله الباقطاني ، وأبو سهل إسماعيل بن علي النوبختي ، وأبو عبد الله بن الوجناء ، وغيرهم من الوجوه الأكابر ، فقالوا له : إن حدث أمر فمن يكون مكانك ؟ فقال لهم : هذا أبو القاسم الحسين بن روح بن أبي بحر النوبختي القائم مقامي ، والسفير بينكم وبين صاحب الأمر ، والوكيل والثقة الأمين ، فارجعوا في أموركم إليه ، وعولوا في مهماتكم عليه ، فبذلك أمرت وقد بلَّغت .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 62 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم أوصى أبو القاسم بن روح إلى أبي الحسن علي بن محمد السمري ، فلما حضرته الوفاة سئل أن يوصي فقال : لله أمر هو بالغه . ومات ( رحمه الله ) سنة تسع وعشرين وثلاث مائة » .
وكانت وفاة محمد بن عثمان ( قدس سره ) أواخر جمادى الأولى سنة 305 ، وقبره ببغداد في محلتهم المعروفة باسم الخلاني ، وهو مشهد كبير من معالم بغداد ، يقصده الناس للزيارة والصلاة في مسجده .
( تهذيب المقال : 2 / 401 ، ومقدمة علل الشرائع ) .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 63 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل السابع : من أعلام بني أسد

1 - الكميت بن زيد الأسدي ( رحمه الله )

ترجم له الذهبي المبغض للشيعة ، فقال في سير أعلام النبلاء : 5 / 388 : « الكميت بن زيد الأسدي الكوفي ، مقدم شعراء وقته ، قيل بلغ شعره خمسة آلاف بيت ، روى عن الفرزدق وأبي جعفر الباقر . وعنه : والبة بن الحباب ، وأبان بن تغلب ، وحفص القارئ . . . قال أبو عبيدة : لو لم يكن لبني أسد منقبة غير الكميت لكفاهم ! حببهم إلى الناس وأبقى لهم ذكراً . وقال أبو عكرمة الضبي : لولا شعر الكميت لم يكن للغة ترجمان !
وكان الكميت شيعياً مدح علي بن الحسين ، فأعطاه من عنده ومن بني هاشم أربع مئة ألف ، وقال : خذ هذه يا أبا المستهل ، فقال : لو وصلتني بدانق لكان شرفاً ، ولكن أحسن إليَّ بثوب يلي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 64 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
جسدك أتبرك به ، فنزع ثيابه كلها فدفعها إليه ودعا له . فكان الكميت يقول : ما زلت أعرف بركة دعائه . . . قال ابن عساكر : ولد سنة ستين ، ومات سنة ست وعشرين ومئة » . انتهى .
وقال ابن عساكر في تاريخ دمشق : 50 / 232 : « كان في الكميت عشر خصال لم تكن في شاعر : كان خطيب بني أسد ، وفقيه الشيعة ، وحافظ القرآن ، وثبت الجنان ، وكان كاتباً حسن الخط ، وكان نسابة وكان جدلاً ، وكان أول من ناظر في التشيع ، وكان رامياً لم يكن في أسد أرمى منه بنبل ، وكان فارساً ، وكان شجاعاً ، وكان سخياً ديناً » .
وقد حفظ المسلمون قصائده الهاشميات ، وغنَّتْ بها المغنيات ، وقد أحصوا شعره : « قال محمد بن مسلمة : كان مبلغ شعر الكميت حين مات خمسة آلاف ومائتين وتسعاً وثمانين بيتاً ، وكانت ولادته أيام مقتل الحسين بن علي سنة ستين ، وتوفي شهيداً سنة ست وعشرين ومائة في خلافة مروان بن محمد » . ( معاهد التنصيص / 555 ) .
وعلموا شعره لأولادهم ، ففي تاريخ دمشق : 50 / 238 : « سمعت مشايخ أهل البيت يقولون : خذوا أولادكم بتعليم الهاشميات ، فإنها تُنبت الولاية في قلوبهم . . . قال جعفر بن محمد : الكميت سيف آل محمد ، في كل قلب معاند مغمد » !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 65 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي تاريخ دمشق : 50 / 247 ، عن أبي عبد الله المفجع ، قال : « رأيت أمير المؤمنين في النوم فقلت : أشتهي أقول الشعر في أهل البيت ، فقال : عليك بالكميت فاقتف أثره ، فإنه إمام شعرائنا أهل البيت ، وبيده لواؤهم يوم القيامة حتى يقودهم إلينا » .
وقد أحدث شعر الكميت موجة شعبية ضد بني أمية ، فأراد والي العراق خالد القسري أن يقتله لكنه خاف من بني أسد ، فاحتال للحصول على أمر من الخليفة بقتله ، فاختار جوارٍ مغنيات يغنين بهاشميات الكميت وأرسلهن إلى الخليفة هشام ، فطلب من إحداهن أن تغنيه فغنت بشعر الكميت في مدح بني هاشم وذم بني أمية ! فغصب وطلب من الثانية أن تغني فغنت بشعر الكميت أيضاً !
فكتب إلى خالد : « أن ابعث إليَّ برأس الكميت ! فأخذه خالد وحبسه ، فوجه الكميت إلى امرأته ولبس ثيابها وتركها في موضعه وهرب من الحبس ، فلما علم خالد أراد أن ينكل بالمرأة ، فاجتمعت بنو أسد إليه وقالوا : ما سبيلك على امرأة لنا خدعت ! فخافهم وخلى سبيلها » . ( خزانة الأدب : 1 / 87 ) .
وقد شرح العلماء هاشميات الكميت ( رحمه الله ) ، وأقدم شرح وصلنا : « شرح هاشميات الكميت لأبي رياش أحمد بن إبراهيم القيسي أو
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 66 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الشيباني ، المتوفى سنة 339 . . وهي سبع قصائد . . ومجموعها خمس مائة وبضعة وسبعون بيتاً . .
ولعبد المتعال الصعيدي كتاب : الكميت بن زيد شاعر العصر المرواني ، طبع بالقاهرة ، ولصلاح الدين نجا : الكميت بن زيد الأسدي شاعر الشيعة السياسي ، طبع في بيروت . .
ويوجد شرح الهاشميات في دار الكتب المصرية ، طبع ليدن سنة 1904 م مع مقدمة وتصحيحات بالألمانية ليوسف هوروفتس . وطبع بالقاهرة في مطبعة شركة التمدن الصناعية سنة 1912 م ، مع مقدمة لمحمد محمود الرافعي ، في ترجمة الكميت ومختارات من شعره . وطبع في بيروت بتحقيق الدكتور داود سلوم والدكتور نوري القيسي . . ( مجلة تراثنا : 14 / 49 ) . وذكر شرحين : لمحمد شاكر الخياط ، ومحمد محمود الرافعي . راجع : الغدير : 2 / 180 ، والأعلام : 1 / 85 ، ومعجم المطبوعات العربية : 1 / 311 ، و 925 .
ولا يتسع المجال إلا لنماذج من هاشمياته ، قال ( رحمه الله ) :
ألا هل عمٍ في رأيه متأملُ * وهل مدبرٌ بعد الإساءة مقبلُ
وهل أمة مستيقظون لرشدهم * فيكشف عنه النعسة المتزمل
وعطلت الأحكام حتى كأننا * على ملة غير التي نتنحل
كلام النبيين الهداة كلامنا * وأفعال أهل الجاهلية نفعل
فيا ساسةً هاتوا لنا من حديثكم * ففيكم لعمري ذو أفانينَ مقول
أأهل كتاب نحن فيه وأنتم * على الحق نقضي بالكتاب ونعدل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 67 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فكيف ومن أنى وإذ نحن خلفة * فريقان شتى : تسمنون ونهزل ؟
فتلك ملوك السوء قد طال ملكهم * فحتى مَ حتى مَ العناء المطول
لهم كل عام بدعة يحدثونها * أزلوا بها أتباعهم ثم أوجلوا
تحل دماء المسلمين لديهم * ويحرم طلع النخلة المتهدل
فيا رب هل إلا بك النصر يرتجى * عليهم وهل إلا عليك المعول
وغاب نبي الله عنهم وفقده * على الناس رزء ما هناك مجلل
يصيب به الرامون عن قوس غيرهم * فيا آخراً أسدى له الغيَّ أول
تهافت ذبان المطامع حوله * فريقان شتى ذو سلاح وأعزل
2 - وقال ( رحمه الله ) :
طربت وماشوقاً إلى البيض أطربُ * ولا لعباً مني وذو الشوق يلعبُ
ولم يُلهني دار ولا رسم منزل * ولم يَتَطَرَّبْني بنانٌ مخضب
ولكن إلى أهل الفضائل والنهى * وخيرِ بني حواء والخيرُ يطلب
إلى النفر البيض الذين بحبهم * إلى الله فيما نالني أتقرب
بني هاشم رهط النبي فإنني * بهم ولهم أرضى مراراً وأغضب
بأي كتاب أم بأيَّة سنةٍ * ترى حبهم عاراً علي وتحسب
فطائفةٌ قد كفرتني بحبكم * وطائفةٌ قالوا مسئٌ ومذنب
فما ساءني تكفير هاتيك منهم * ولا عيب هاتيك التي هي أعيب
وقالوا ترابيٌّ هواه ورأيُهُ * بذلك أدعى فيهمُ وألقب
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 68 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بحقكم أمست قريش تقودنا * وبالفذِّ منها والرديفين نُركب
إذا اتَّضعونا كارهين لبيعة * أناخوا لأخرى والأزمة تجذبُ
وقالوا ورثناها أبانا وأمنا * وما ورَّثتهم ذاك أمٌّ ولا أبُ
ولكن مواريث ابن آمنة الذي * به دان شرقيٌّ لكم ومُغَرِّب
فدىً لك موروثاً أبي وأبو أبي * ونفسي ونفسي بعدُ بالناس أطيب
بك اجتمعت أنسابنا بعد فرقة * فنحن بنو الإسلام ندعى وننسب
لقد غيبوا براً وصدقاً ونائلاً * عشية واراك الصفيح المنصب
يقولون لم يورث ولولا تراثهُ * لقد شركت فيه بكيلٌ وأرْحَبُ
وعِكٌّ ولَخْمٌ والسَّكونُ وحِمْيرٌ * وكِندةُ والحيَّانِ بكْرٌ وتَغْلبُ
فيا لك أمراً قد أشتَّتْ أموره * ودنياً أرى أسبابها تتقضب
فيا موقداً ناراً لغيرك ضوؤها * ويا حاطباً في غير حبلك تحطب . .
3 - وقال ( رحمه الله ) :
من لقلب متيم مستهام * غير ما صبوة ولا أحلام
بل هواي الذي أجن وأبدي * لبني هاشم فروع الأنام
للقريبين من ندى والبعيدين * من الجور في عرى الأحكام
والمصيبين باب ما أخطأ النا * س ومرسي قواعد الاسلام
ساسةٌ لا كمن يرَّعي النا * س . سواءً ورعية الأنعام
لا كعبد المليك أو كوليد * أو كسليمان بعد أو كهشام
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 69 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ما أبالي إذا حفظت أبا القا * سم فيهم ملامة اللوام
فهم شيعتي وقسمي من الأمة * حسبي من سائر الأقسام
إن أمت لا أمت ونفسي نفسا * ن من الشك في عمىً أو تعامي
أخلص الله لي هوايَ فما أغرق نز * عاً ولا تطيش سهامي
وقال له الإمام الصادق ( عليه السلام ) : « لا تقل هكذا ولكن قل : فقد أغرق نزعاً وما تطيش سهامي . فقال الكميت : يا مولاي أنت أشعر مني » . ( الكافي : 8 / 215 ) .
4 - وقال ( رحمه الله ) :
أنى ومن أين آبك الطرب * من حيث لا صبوةٌ ولا رِيَبُ
وقيل أفرطت بل قصدت ولو * عنفني القائلون أو ثلبوا
إليك يا خير من تضمنت ال‍ * أرض وإن عاب قولي العيب
لجَّ بتفضيلك اللسان ولو * أكثر فيك الضجاج واللجب
أنت المصفى المهذب المحض في * النسبة إن نص قومك النسب
أكرم عيداننا وأطيبها * عودك عود النضار لا الغرب
ما بين حواء إن نسبت إلى * آمنة اعتم نبتك الهدب
قرن فقرن تناسخوك لك ال‍ * فضة منها بيضاء والذهب
حتى علا بيتك المهذب من * خندف علياء تحتها العرب
5 - وقال ( رحمه الله ) :
نفى عن عينك الأرقُ الهجوعا * وهمٌّ يمتري منها الدموعا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 70 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ويوم الدوحِ دوحِ غديرِ خمٍّ * أبانَ له الولايةَ لو أطيعا
ولكنَّ الرجال تبايعوها * فلم أر مثلها خطراَ مبيعا
فلم أبلغ بهم لعناً ولكن * أساء بذاك أولهم صنيعا
فصار بذاك أقربهم لعدل * إلى جور وأحفظهم مضيعا
فقل لبني أمية حيث حلوا * وإن خفت المهندَ والقطيعا
ألا أف لدهر كنت فيه * هداناً طائعاً لكم مطيعا
أجاع الله من أشبعتموه * وأشبع من بجوركم أجيعا
6 - وقال ( رحمه الله ) :
علي أمير المؤمنين وحقه * من الله مفروض على كل مسلم
وزوجته صديقة لم يكن لها * معادلة غير البتولة مريم
وردَّم أبوابَ الذين بنى لهم * بيوتاً سوى أبوابه لم يُردم
7 - وقال ( رحمه الله ) :
أهوى علياً أمير المؤمنين ولا * ألوم يوماً أبا بكر ولا عمرا
ولا أقول وإن لم يعطيا فدكاً * بنت النبي ولا ميراثه كفرا
الله يعلم ماذا يأتيان به * يوم القيامة من عذر إذا اعتذرا
إن الرسول رسول الله قال لنا * إن الإمام علي غير ما هجرا
في موقف أوقف الله الرسول به * لم يعطه قبله من خلقه بشرا
من كان يرغمه رغماً فدام له * حتى يرى أنفه بالترب منعفرا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 71 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
8 - وقال ( رحمه الله ) :
وفدتكَ النفسُ مني * يا إمام المتقينا
وأمينَ الله والوارث * علمِ الأولينا
ووصي المصطفى * أحمد خير المرسلينا
وولي الحوض والذائد * عنه المحدثينا
وقد طاردت السلطة الكميت سنوات عديدة ، لكنها لم تظفر به !
قال في العقد الفريد : 3 / 183 ، وفي طبعة / 281 : « كان الكميت بن زيد يمدح بني هاشم ويعرِّض ببني أمية ، فطلبه هشام فهرب منه عشرين سنة ، لا يستقر به القرار من خوف هشام » .
وقد أمضى الكميت سنوات عديدة مع أخيه الورد ومجموعة فرسان من فتيانه ، في أحياء بني أسد وبوادي العراق والحجاز والأهواز ، وكانت السلطة تطارده للقبض عليه فلم تستطع !
ورووا له كرامات في تشرده ، بدعاء الإمام الباقر ( عليه السلام ) ، منها أنه خرج في ظلمة الليل هارباً وقد أقعدوا على كل طريق جماعة ليأخذوه ، فأراد أن يسلك طريقاً فجاء أسد فمنعه من أن يسير فيها ، فسلك أخرى فمنعه منها أيضاً ، وكأنه أشار إلى الكميت أن يسلك خلفه فمضى خلف الأسد إلى أن أمن وتخلص ! ( الخرائج : 2 / 941 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 72 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وطال به التشرد فاستأذن الإمام الباقر ( عليه السلام ) ، أن ينهي تشرده ويمدح الخليفة بقصيدة فأجازه .
قال أخوه الورد : « أرسلني الكميت إلى أبي جعفر ( عليه السلام ) فقلت له : إن الكميت أرسلني إليك وقد صنع بنفسه ما صنع ، فتأذن له أن يمدح بني أمية ؟ قال : نعم هو في حل فليقل ما شاء . فنظم قصيدته الرائية التي يقول فيها : فالآن صرت إلى أمية . . . والأمور إلى مصائر . . ( الأغاني : 15 / 126 )
فتوسط له مسلمة بن عبد الملك عند أخيه الخليفة هشام فعفا عنه ومدحه بقصيدته المذكورة فأعطاه جائزة .
وعاش الكميت ( رحمه الله ) بعد هشام ، حتى كتب الله الشهادة كما دعا له الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) عندما أنشده قصيدته : من لقلب متيم مستهام . . ( خزانة الأدب : 1 / 69 ) .
ورووا في سبب وفاته أنه كان ينشد عند والي الكوفة ، فهاجمه حراسه الثمانية وكانوا من اليمانية المتعصبين عليه لأنه مضري ( الوافي بالوفيات : 24 / 277 ) ولا نثق بمثل هذه الرواية ، بل نرجح أنه قتل بسبب الثأر الأموي المزمن عليه . وربما كان من عوامل قتله طعنه بأبي بكر وعمر ، فقد روي أنه كان على مذهب السيد الحميري وكثير عزة في ذلك ، ففي أخبار السيد الحميري للمرزباني / 178 ، أنه رأى الكميت في الحج فقال له : أنت القائل :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 73 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولا أقول إذا لم يعطيا فدكاً . . . بنت الرسول ولا ميراثه كفرا . . .
قال : نعم قلته تقية من بني أمية ، وفي مضمون قولي شهادة عليهما إنهما أخذا ما كان في يدها . فقال السيد : لولا إقامة الحجة لوسعني السكوت : لقد ضعفت يا هذا عن الحق ، يقول رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها وإن الله يغضب لغضبها ويرضى لرضاها ، فخالفت ! رسولُ الله ( صلى الله عليه وآله ) وهب لها فدكاً بأمر الله له ، وشهد لها أمير المؤمنين والحسن والحسين وأم أيمن بأن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أقطع فاطمة فدكاً فلم يحكما لها بذلك ، والله تعالى يقول : يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ويقول : وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ . . وهم يجعلون سبب مصير الخلافة إليهم الصلاة بشهادة المرأة لأبيها إنه ( صلى الله عليه وآله ) قال : مروا فلاناً بالصلاة بالناس . . . الخ .
فقال الكميت : أنا تائب إلى الله مما قلت ، وأنت أبا هاشم أعلم وأفقه منا » . وروي أنه أنشد الباقر ( عليه السلام ) :
إنّ المُصَرَّيْنِ على ذنبيهما * والمخفيا الفتنة في قلبيهما
والخالعا العقدة من عنقيهما * والحاملا الوزر على ظهريهما
كالجبت والطاغوت في مثليهما . . الخ .
( العقد النضيد / 165 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 74 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

2 - الوزير مؤيد الدين بن العلقمي

هو محمد بن أحمد بن علي الأسدي ، أبو طالب ، وزير المستعصم بالله ، آخر الخلفاء العباسيين . ولد في قرية النيل قرب الحلة سنة 593 هجرية ، ودرس النحو والأدب على عميد الرؤساء هبة الله بن حامد بن أيوب ، ثم قرأ في بغداد على أبي البقاء العكبري ، ثم انضم إلى خاله أستاذ دار الخلافة عضد الدين أبي نصر المبارك بن الضحاك الذي كان شيخ الدولة فضلاً وعلماً ورئاسةً وتجربةً ، فتخلق بأخلاقه وتأدب بآدابه ، واستنابه في ديوان الأبنية وشغله بعلم الإنشاء إلى أن توفي ، فانقطع ابن العلقمي ولزم داره ، فاستدعاه أبو الأزهر أحمد بن الناقد أستاذ الدار إلى دار التشريفات ، فلما نقل أبو الأزهر إلى الوزارة نقله إلى أستاذية الدار فكان على ذلك إلى أن توفي أبو الأزهر ، فانتقل إلى الوزارة . ولم يزل على ذلك إلى أن انقضت الدولة العباسية بسقوط بغداد على يد هولاكو ( أعيان الشيعة : 9 / 84 ) .
وقد افترى ابن تيمية وابن أبي شامة على الوزير ابن العلقمي ( رحمه الله ) واتهموه كذباً وزوراً بأنه راسل هولاكو وساعده على احتلال بغداد ، مع أن المؤرخين الذين عاصروه شهدوا بأنه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 75 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كان نزيهاً مخلصاً مديراً ، وأنه حذَّر الخليفة وقائد جيشه الدويدار وقرع جرس الخطر قبل غزو هولاكو لبغداد بسنوات ، واستنكر قرار حل جيش الخلافة الذي صدر قبل وزارته وعمل لإعادة تشكيله ، ولكن الخليفة وبطانته كانوا سكارى ، مشغولين بملذاتهم لا يسمعون نصحاً ولا يعون منطقاً .
وقد كتبنا في رد تهمهم لابن العلقمي والشيعة كتاب : كيف رد الشيعة غزو المغول ؟ أثبتنا فيه أن انهيار الدولة العباسية كان بسبب فساد الخليفة وبطانته أصحاب القرار ، وأن الوزير ابن العلقمي ( رحمه الله ) كان إدارياً نزيهاً ، ولم يكن تحت إمرته أي جندي !
ونكتفي هنا بتسجيل أربع شهادات من غير الشيعة ترد افتراءهم :
الشهادة الأولى : شهادة ابن الطقطقي في الآداب السلطانية / 27 ، وهو مؤرخ المعاصر لسقوط الدولة العباسية ، قال : « وكان المستعصم آخر الخلفاء شديد الكلف باللهو واللعب وسماع الأغاني ، لا يكاد مجلسه يخلو من ذلك ساعة واحدة ! وكان ندماؤه وحاشيته جميعهم منهمكين معه على التنعم واللذات لا يراعون له صلاحاً ! وفي بعض الأمثال : الحائن لا يسمع صياحاً ! ( الهالك بحمقه ) وكتبت له الرقاع من العوام ، وفيها أنواع التحذير وألقيت فيها الأشعار في أبواب دار الخلافة ، فمن ذلك :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 76 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قل للخليفة مهلاً * أتاك ما لا تحبُّ
ها قد دَهَتْكَ فنونٌ * من المصائب غُربُ
فانهض بعزم وإلا * غَشَّاكَ ويْلٌ وحَرْبُ
كسرٌ وهتْكٌ وأسْرٌ * ضَرْبٌ ونَهْبٌ وسَلْبُ
وفي ذلك يقول بعض شعراء الدولة المستعصمية من قصيدة :
يا سائلي ولمحض الحق يرتادُ * أصِخْ فعندي نُشْدَانٌ وإنشادُ
واضيعةَ الناس والدين الحنيف وما * تلقاه من حادثات الدهر بغدادُ
هتكٌ وقتلٌ وأحداثٌ يشيب بها * رأس الوليد وتعذيبٌ وأصفادُ
كل ذلك وهو عاكفٌ على سماع الأغاني واستماع المثالث والمثاني وملكه قد أصبح واهي المباني ! ومما اشتهر عنه أنه كتب إلى بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل يطلب منه جماعة من ذوي الطرب ، وفي تلك الحال وصل رسول السلطان هولاكو إليه يطلب منه منجنيقات وآلات الحصار ! فقال بدر الدين : أنظروا إلى المطلوبَيْن وابكوا على الإسلام وأهله ! وبلغني أن الوزير مؤيد الدين محمد بن العلقمي كان في أواخر الدولة المستعصمية ينشد دائماً :
كيف يُرجى الصلاح في أمر قومٍ * ضيَّعوا الحزمَ فيه أيَّ ضياعِ
فمطاعُ المقال غيرُ سديد * وسديدُ المقال غير مطاعِ » . انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 77 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فهذه شهادة مؤرخ معاصر في الخليفة وبطانته .
أما شهادته في ابن العلقمي ، فقال في الآداب السلطانية / 233 : « وكان مؤيد الدين الوزير عفيفاً عن أموال الديوان وأموال الرعية متنزهاً مترفعاً . قيل إن بدر الدين صاحب الموصل أهدى إليه هدية تشتمل على كتب وثياب ولطائف قيمتها عشرة آلاف دينار ، فلما وصلت إلى الوزير حملها إلى خدمة الخليفة ، وقال : إن صاحب الموصل قد أهدى لي هذا واستحييت منه أن أرده إليه ، وقد حملته وأنا أسأل قبوله فَقَبل . ثم إنه أهدى إلى بدر الدين عوض هديته شيئاً من لطائف بغداد قيمته اثنا عشر ألف دينار ، والتمس منه ألا يهدي إليه شيئاً بعد ذلك ! وكان خواص الخليفة جميعهم يكرهونه ويحسدونه ! وكان الخليفة يعتقد فيه ويحبه وكثروا عليه عنده فكفَّ يده عن أكثر الأمور ونسبه الناس إلى أنه خامر ( تآمر ) وليس ذلك بصحيح » .
ووصف هجوم المغول على بغداد فقال في / 231 : « قويت الأراجيف بوصول عسكر المغول صحبة السلطان هولاكو ، فلم يحرك ذلك منه عزماً ولا نبَّه منه همَّةً ولا أحدث عنده هماً ! وكان كلما سمع عن السلطان من الاحتياط والاستعداد شئ ، ظهر منه نقيضه من التفريط والإهمال ، ولم يكن يتصور حقيقة الحال في ذلك ، ولا يعرف هذه الدولة يسر الله إحسانها وأعلى شانها حق المعرفة .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 78 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وكان وزيره مؤيد الدين بن العلقمي يعرف حقيقة الحال في ذلك ويكاتبه بالتحذير والتنبيه ، ويشير عليه بالتيقظ والاحتياط والاستعداد وهو لا يزداد إلا غفولاً ، وكان خواصه يوهمونه أنه ليس في هذا كبير خطر ولا هناك محذور ! وأن الوزير إنما يعظم هذا لينفق سوقه ، ولتبرز إليه الأموال ليجند بها العساكر ، فيقتطع منها لنفسه ! وما زالت غفلة الخليفة تنمو ويقظة الجانب الآخر تتضاعف حتى وصل العسكر السلطاني إلى همذان وأقام بها مدة مديدة . ثم تواترت الرسل السلطانية إلى الديوان المستعصمي فوقع التعيين من ديوان الخليفة على ولد أستاذ الدار وهو شرف الدين عبد الله بن الجوزي ، فبعثه رسولاً إلى خدمة الدركاه السلطانية بهمذان ، فلما وصل وسمع جوابه علم ( هولاكو ) أنه جواب مغالطة ومدافعة فحينئذ وقع الشروع في قصد بغداد وبث العساكر إليها فتوجه عسكر كثيف من المغول والمقدم عليهم باجو إلى تكريت ، ليعبروا من هناك إلى الجانب الغربي ويقصدوا بغداد من غربيها ، ويقصدها العسكر السلطاني من شرقيها ، فلما عبر عسكر باجو ( قائد مغولي ) من تكريت وانحدر إلى أعمال بغداد أجفل الناس من دجيل والإسحاقي ونهر ملك ونهر عيسى ، ودخلوا إلى المدينة بنسائهم وأولادهم ، حتى كان الرجل أو المرأة يقذف بنفسه في الماء ، وكان الملاح إذا عبر أحداً في سفينة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 79 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
من جانب إلى جانب يأخذ أجرته سواراً من ذهب أو طرازاً من زركش ، أو عدة من الدنانير ! فلما وصل العسكر السلطاني إلى دجيل وهو يزيد على ثلاثين ألف فارس خرج إليه عسكر الخليفة صحبة مقدم الجيوش مجاهد الدين أيبك الدويدار ، وكان عسكراً في غاية القلة فالتقوا بالجانب الغربي من بغداد قريباً من البلد ، فكانت الغلبة في أول الأمر لعسكر الخليفة ، ثم كانت الكرة للعسكر السلطاني فأبادوهم قتلاً وأسراً ، وأعانهم على ذلك نهر فتحوه في طول الليل ، فكثرت الوحول في طريق المنهزمين فلم ينج منهم إلا من رمى نفسه في الماء أو من دخل البرية ومضى على وجهه إلى الشام ! ونجا الدويدار في جمعية من عسكره ووصل إلى بغداد ، وساق باجو حتى دخل البلد من جانبه الغربي ووقف بعساكره محاذي التاج ، وجاست عساكره خلال الديار وأقام محاذي التاج أياماً .
وفي يوم الخميس رابع محرم من سنة 656 ، ثارت غبرة عظيمة شرقي بغداد على درب بعقوبا بحيث عمت البلد ، فانزعج الناس من ذلك وصعدوا إلى أعالي السطوح والمناير يتشوفون ، فانكشفت الغبرة عن عساكر السلطان وخيوله ولفيفه وكراعه وقد طبق وجه الأرض وأحاط ببغداد من جميع جهاتها ، ثم شرعوا في استعمال أسباب الحصار وشرع العسكر الخليفي في
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 80 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
المدافعة والمقاومة إلى اليوم التاسع عشر من محرم . فلم يشعر الناس إلا ورايات المغول ظاهرة على سور بغداد من برج يسمى برج العجمي من ناحية باب من أبواب بغداد ، يقال له باب كلواذى ، وكان هذا البرج أقصر أبراج السور وتقحَّمَ العسكر السلطاني هجوماً ودخولاً فجرى من القتل الذريع والنهب العظيم والتمثيل البليغ ما يعظم سماعه جملة فما الظن بتفاصيله :
وكان ما كان مما لستُ أذكره فظُنَّ ظناً ولا تسأل عن الخبرِ !
وأمر السلطان بخروج الخليفة وولده ونسائه إليه ، فخرجوا فحضر الخليفة بين يدي الدركاه ( مقر قيادة هولاكو ) فيقال إنه عوتب ووُبِّخ بما معناه نسبة العجز والتفريط والغفول إليه ! ثم أُوصل إلى اليأس هو وولداه الأكبر والأوسط ، وأما بناته فأُسرن ، ثم استشهد المستعصم في رابع صفر سنة ست وخمسين وستمائة » .
والشهادة الثانية : لابن كثير الأموي المبغض للشيعة قال في النهاية : 13 / 233 : « وأحاطت التتار بدار الخلافة يرشقونها بالنبال من كل جانب حتى أصيبت جارية كانت تلعب بين يدي الخليفة وتضحكه ، وكانت من جملة حظاياه وكانت مولَّدَةً تسمى عَرَفة ، جاءها سهم من بعض الشبابيك فقتلها وهي ترقص بين يدي الخليفة ! فانزعج الخليفة من ذلك وفزع فزعاً شديداً ! وأحضر
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 81 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
السهم الذي أصابها بين يديه فإذا عليه مكتوب : إذا أراد الله إنفاذ قضائه وقدره ، أذهب من ذوي العقول عقولهم ! فأمر الخليفة عند ذلك بزيادة الاحتراز وكثرة الستائر على دار الخلافة ! فأحاطوا ببغداد من ناحيتها الغربية والشرقية وجيوش بغداد في غاية القلة ونهاية الذلة » .
والشهادة الثالثة : للمؤرخ أبي الفداء ، قال في تاريخه / 804 : « ولما مات المستنصر اتفقت آراء أرباب الدولة مثل الدوادار والشرابي على تقليد الخلافة ولده عبد الله ولقبوه المستعصم بالله ، وهو سابع ثلاثينهم وآخرهم ، وكنيته أبو أحمد بن المستنصر بالله منصور ، وكان عبد الله المستعصم ضعيف الرأي فاستبد كبراء دولته بالأمر وحسنوا له قطع الأجناد ، وجمع المال ومداراة التتر ، ففعل ذلك وقطع أكثر العساكر » .
والشهادة الرابعة : للذهبي ، وهو متعصب مبغض للشيعة !
قال في تاريخه : 47 / 63 : « وفيها ( سنة 648 ) كثر الحرامية ببغداد وصار لهم مقدم يقال له غيث ، وتجرؤوا على دور الأمراء . وفيها ثارت طائفة من الجند ببغداد ومنعوا يوم الجمعة الخطيب من الخطبة ، واستغاثوا لأجل قطع أرزاقهم . ثم أضاف الذهبي : وكل ذلك من عمل الوزير ابن العلقمي الرافضي » ! انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 82 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد أراد الذهبي أن يذم فمدح ! حيث اعترف أن ابن العلقمي ساند حركة الجنود لإعادة تشكيل الجيش للدفاع عن العاصمة والخلافة قبل غزو هولاكوا ببضع سنوات ! وهي شهادة كافية لتبرئة ابن العلقمي ( رحمه الله ) وإدانةٌ فاضحة للخليفة والدويدار والشرابي وسليمان السلجوقي الذين حلوا الجيش قبل وزارة ابن العلقمي ، ليأكلوا ميزانيته ونفقاته بحجة أنهم يريدون جمع المال لمداراة التتر !
فالميزانية بيدهم وقرار حل الجيش بيدهم ، وقد اتهموا العلقمي بأنه يضغط عليهم لإعادة الجيش ، ويحرك الجنود للتظاهر ، وإعلان الغضب على الخليفة والشغب ، ليأخذ من ميزانيته ! ( لتبرز إليه الأموال ليجند بها العساكر فيقتطع منها لنفسه ) ! ( ابن الطقطقي / 231 ) .
من هذه النصوص وغيرها يتضح أن مسؤولية انهيار الدولة الإسلامية وسقوط بغداد يتحملها الخليفة نفسه ، لانغماسه في لهوه وشهواته ، وتعمده تجاهل تحذيرات الوزير ابن العلقمي وجمهور الناس . ويتحملها معه بطانته وأبرزهم الدويدار قائد الجيش ، وابن الخليفة المسمى أبو بكر ، والوزير الشرابي ، والسليماني ممثل سلطان السلاطين السلجوقي !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 83 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولكن التعصب الطائفي دفع ابن أبي شامة وابن تيمية ، فاخترعا تهمة ابن العلقمي بالخيانة ، وتحميله مسؤولية سقوط بغداد ! ونسج آخرون على منوالهم ، وهو ( رحمه الله ) على العكس من ذلك تماماً لكن مشكلته أنه شيعي موالٍ لآل البيت ( عليهم السلام ) .
وقد فرح الوهابيون باتهام إمامهم ابن تيمية للوزير ابن العلقمي الشيعي ( رحمه الله ) بالتآمر مع المغول لإسقاط الخلافة العباسية ، فصنعوا من ذلك طبلاً وأخذو يقرعون به ليغطوا تآمرهم مع الإنكليز لإسقاط الخلافة العثمانية !
وما زلوا يكررون ذلك في كتبهم وإعلامهم وقنواتهم تبعاً لإمامهم ابن تيمية ، ويزعمون أن ابن العلقمي ( رحمه الله ) وزير الخليفة كان شيعياً فكاتب هولاكو وشجعه على غزو بغداد ! وأن نصير الدين الطوسي مرجع الشيعة ، رافق هولاكو في غزوه لبغداد !
ويجيب الشيعة : بأن ذلك افتراءٌ ، فابن العلقمي تقيٌّ منزهٌ عن ذلك بل عمل للدفاع عن بغداد فلم يسمعوا كلامه !
ونصير الدين الطوسي تقيٌّ منزه ، فقد كان أسيراً بيد هولاكو لما فتح قلاع الإسماعيلية شمال إيران ، فاستبقاه لأنه طبيب ومنجم .
وقال لهم الشيعة : أنظروا إلى الحاضر لتعرفوا التاريخ ومن يتآمر على الخلافة وبلاد المسلمين مع الأجنبي ، ومن يدافع عنها . فقد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 84 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
تآمر الوهابية على الخلافة العثمانية مع الإنكليز ، وحاربوها إلى جنب الإنكليز سنين طويلة حتى أسقطوها !
بينما قاتل فقهاء الشيعة وعشائرهم في العراق الجيش الإنكليزي إلى جنب جيش الخلافة ، واختلط دم شهدائهم بدم الأتراك ، ودخل مجاهدوهم السجون مع ضباط الجيش العثماني وأعدموا جميعاً بيد الإنكليز !
وفي السنوات الأخيرة ظهر كتَّاب منصفون من وسط الوهابية تجرؤوا رغم القمع وجهروا ببراءة ابن العلقمي والطوسي .
ومنهم الباحث أ . د . سعد بن حذيفة الغامدي ، أستاذ التاريخ الإسلامي ودراساته الشرقية ، كلية الآداب قسم التاريخ جامعة الملك سعود ، في كتابه : سقوط الدولة العباسية ودور الشيعة بين الحقيقة والإتهام !
فقد قال فيه / 332 : « هل كان هولاكو محتاجاً إلى مساعدة المسلمين الشيعة ضد المسلمين السنة حتى نقبل أنهم كانوا أحد العوامل التي أدت إلى سقوط بغداد ؟ في الحقيقة لم يكن هولاكو محتاجاً إلى مساعدة من أي فرد شيعياً كان أم سنياً ، لذلك فإننا نجد كما يظهر لنا أنه من غير المحتمل إن لم يكن من المستحيل أن يكون لهذه الطائفة من المسلمين أي دور فعال ، سواء من داخل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 85 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أو من خارج بغداد في هجوم المغول ضد العاصمة العباسية بغداد وخلافتها السنية . . . إن للمرء أن يقول بأن هذه الاتهامات لا أساس لها من الصحة ؛ إذ لم تدعم أو تثبت بأي دليل قاطع ، يقوم أساساً على تقرير شاهد عيان معاصر ؛ كما أنها لم تظهر هذه الاتهامات أو الشائعات بمعنى أدق إلا بعد سنوات طوال من بعد سقوط العاصمة بغداد وانقراض أسرتها الحاكمة العباسية » !
http : / / saaid . net / Warathah / Alkharashy / mm / 19 . htm
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 86 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ومن أعلام بني أسد : زيد بن أنس المالكي الأسدي : من بني نصر بن قعين ، زعيم وقائد بارز ، من أركان ثورة المختار الثقفي الذي خرج للطلب بثأر الحسين ( عليه السلام ) ، كان قائداً لتسع مائة رجل ، ولا بد أن يكون أكثرهم من بني أسد . ( تاريخ الطبري : 4 / 494 ) .
ومن أعلامهم : عدد كبير من العلماء ، منهم أحمد بن علي النجاشي صاحب كتاب فهرست مؤلفي الشيعة ، وهو من الأصول الرجالية عند الإمامية . ولد في الكوفة 372 ، وتوفي 450 في سامراء .
والمقداد بن عبد الله السيوري ، المعروف بالفاضل المقداد ، فقيه أصولي متكلم ، توفي سنة 826 . ( الذريعة : 1 / 251 ) .
ويحيى ابن بطريق ، بن الحسن بن الحسين بن علي بن محمد بن البطريق الحلي ، الأسدي . ولد سنة 533 في الحلة ، وله كتاب العمدة وخصائص الوحي المبين وغيرهما . ( العمدة / 5 ) .
ومفيد الدين محمد بن علي ، بن محمد بن جهم الأسدي ، كان من علماء الكلام . معاصر لوالد العلامة الحلي ( رحمه الله ) .
وفخر الدين الطريحي ، بن محمد بن علي بن أحمد بن طريح النجفي ، فقيه شاعر ، له كتب منها : مجمع البحرين . توفي 1085 هجرية . ( مستدرك سفينة البحار : 6 / 517 )
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 87 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والشيخ محمد رضا الشبيبي : شاعر وزعيم وطني ، من بطن المواجد في جنوب العراق . كان وزير المعارف ، ورئيس مجلس الأعيان ومجلس النواب ، وعضواً في المجمع العلمي في دمشق ، ثم رئيساً للمجمع العلمي العراقي . له ديوان ورحلة في بادية السماوة ، وأصول ألفاظ اللهجة العراقية توفي سنة 1965 . ( موقع الجيران الاليكتروني ) .
والعلماء الأسديون كثيرون لا يتسع المجال لتعدادهم .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 88 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

من مشاهير موالي بني أسد

من أشهر موالي بني أسد : ميثم بن يحيى التمار ، من خوَّاص أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وأصفيائه وحملة أسراره ( رجال البرقي / 36 ) استشهد على يد عبيد الله بن زياد قبل نزول الحسين ( عليه السلام ) كربلاء بعشرة أيام ( الإصابة : ابن حجر : 6 / 250 ) . وله أولاد علماء وشخصيات ذكرهم الطوسي والنجاشي منهم : علي بن إسماعيل بن شعيب بن ميثم التمار ، من أصحاب الإمام الرضا ( عليه السلام ) ، وعمران وشعيب وصالح أبناء ميثم ، من أصحاب الباقر والصادق ( عليهما السلام ) . وإسحاق وأحمد بن الحسن بن إسماعيل بن شعيب ، من أصحاب الكاظم ( عليه السلام ) ، وغيرهم .
ومن موالي بني أسد : سعيد بن جبير ، أبو محمد ، مولى بني والبة من بني أسد من أصحاب الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) . قتله الحجاج ( خلاصة الأقوال : 157 ) .
وعلي بن يقطين وزير هارون الرشيد ، من أصحاب الإمام الكاظم ( عليه السلام ) ، وكان أبوه يقطين داعية للعباسيين . ( أعيان الشيعة : 8 / 372 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 89 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والمفضل بن عمرو أو عمر : أحد الشخصيات العلمية المعروفة ، روى عن الإمام الحسين وزين العابدين ، والباقر ، والصادق ( عليهم السلام ) ( رجال الطوسي / 306 ) .
وصفوان بن مهران بن المغيرة ، المعروف بصفوان الجمال ، مولى بني كاهل ، روى عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) وله كتاب ، ( رجال النجاشي / 198 ) .
وأبو بكر بن عياش : من مشاهير علماء الحديث توفي سنة 193 ( الكنى والألقاب : 1 / 28 ) .
وعبد الله بن الزبير الرسان الشاعر ، وأخوه الفضيل بن الزبير ، له كتاب تسمية من قتل مع الحسين ( عليه السلام ) . ( رجال النجاشي / 220 ) .
ويحيى بن القاسم : أبو بصير ، روى عن الباقر والصادق ( عليهما السلام ) .
وداود بن كثير الرقي : من أصحاب الصادق والكاظم ( عليهما السلام ) .
وسليمان بن مهران الأعمش : وقد اتفق الفريقان على جلالته مع تشيعه . ( الطبقات الكبرى : 6 / 343 ) .
ومن نساء من بني أسد : زينب بنت حجش بن رئاب ، وأمها أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) .
وحبابة الوالبية : أم الندى بنت جعفر ، من فضليات النساء ، وهي صاحبة الحصاة التي طبع فيها الأئمة ( عليهم السلام ) . رأت أمير المؤمنين ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 90 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وروت عن الحسنين ( عليهما السلام ) ( رجال الطوسي / 96 ) . وأدركت الإمام الرضا ( عليهم السلام ) وأعطاها قميصه لكفنها . ( معجم رجال الحديث : 24 / 212 ) .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 91 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

إمارة بني مزيد الأسديين في العراق

استوطن بنو غاضرة الأسديون في الغاضرية قبل الإسلام ، واستوطنت بطون أخرى منهم بعد الفتح الإسلامي وكثروا في الكوفة .
وسكن بعضهم عين التمر ( الكامل في التاريخ : 7 / 543 ) ، وكانت كثرتهم بين واسط والبصرة وميسان ( تاريخ الحلة : 1 / 12 ) ، والبصرة ( الطبري : 7 / 602 ) ، وسكن بعضهم خراسان ( الكامل : 5 / 16 ) .
وكان ثقلهم في النعمانية وميسان ، فسميت المنطقة جزيرة بني أسد ( الكامل : 9 / 306 ) وكانت زعامتهم في بني ناشرة بن نصر ، ومنها المزيديون ، وبنو دبيس بن عفيف .
وظهر بنو أسد كقوة سنة 373 ، في فترة الصراع بين أمراء الأسرة البويهية ( 1 )
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( 1 ) آل بويه من أهل الديلم ، استولوا على إيران منذ سنة 321 ، ثم على بغداد سنة 334 واستمر حكمهم حتى سقوط دولتهم على أيدي السلاجقة الأتراك سنة 447 ه - ، وقد تناوب على الحكم منهم في بغداد : معز الدولة أحمد بن بويه ( 334 - 356 ) ، ثم ابنه عز الدولة بختيار ( 356 - 367 ) ثم قتل على يد ابن عمه عضد الدولة بن ركن الدولة ( 367 - 372 ) ثم تولى الحكم ابنه صمصام الدولة ( 372 - 376 ) وأطاح به أخوه شرف الدولة ( 376 - 379 ) ثم جاء أخوهم الثالث بهاء الدولة ( 376 - 403 ) . . وفي سنة 401 هجرية ، توسع بنو أسد فهاجر علي بن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 92 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مَزْيَد من ميسان وهور الحويزة وما جاورها إلى بلدة النيل شمال الحلة ، واتخذها مركزاً ونقل بني أسد من المشيخة إلى الإمارة . ووثق علاقته بالسلطان بهاء الدولة البويهي ( 379 - 403 ) واعتمدوا عليه في بسط الأمن . ( تاريخ الحلة / 15 ) .
وحكم الإمارة ولده دبيس بن علي وأقرَّه على أعمال أبيه ولقبه بنور الدولة ، وكان عمره أربعة عشر سنة ، وطالت إمارته سبعاً وستين سنة ، وفي عهده استولى السلاجقة على بغداد سنة 447 ( 1 )
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( 1 ) السلاجقة من قبائل الغز التركمانية ، سيطروا على خراسان سنة 429 ثم على بغداد سنة 447 وأسقطوا الدولة البويهية . وحكموا حتى أسقطهم الخوارزميون سنة 590 . وتوفي سنة 474 ، فحكم ولده منصور ولقب ببهاء الدولة وتوفي 479 ، وحكم بعده ولده سيف الدولة صدقة بن منصور ، مدة اثنين وعشرين سنة ، وهو الذي أنشأ مدينة الحلة ، فقد كانت آجاماً ومستنقعات فعمرها وسكنها سنة 495 .
وسعى لتوسيع إمارته فشملت البصرة وواسط والكوفة وهيت وعانة وحديثة واتخذ جيشاً منظماً ( تاريخ الحلة : 1 / 23 ) . لكنه اصطدم مع السلطان ابن ملكشاه السلجوقي فقتل سنة 501 وأسر ولده
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 93 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
دبيس بن صدقة وحبس اثنتي عشرة سنة ، ثم أطلق سراحه فعاد إلى الحلة حاكماً سنة 512 .
وقام بعده ولده صدقة بن دبيس ، حتى قتل سنة 532 ، فحكم أخوه محمد بن دبيس ، وأقره السلطان مسعود بن ملكشاه السلجوقي ، لكن أخاه علي بن دبيس أخذ الإمارة منه بالقوة سنة 440 ( الأعلام : 6 / 121 ) فعزله السلجوقي سنة 444 ، فمات بعد سنة .
وبموته انقرضت إمارة بني أسد في الحلة . لكن وجودهم استمر فيها .
* *