سلسلة القبائل العربية في العراق (8) قبيلة تغلب

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 1 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

سلسلة القبائل العربية في العراق ( 8 )

قبيلة تغلب

بقلم
علي الكَوْراني العاملي وعبد الهادي الربيعي
الطبعة الأولى 1431 ه - 2010 م
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 2 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 3 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، وأفضل الصلاة وأتم السلام على سيدنا ونبينا محمد ، وآله الطيبين الطاهرين .
وبعد ، فهذا الجزء من سلسلة : « القبائل العربية في العراق » خاص بقبيلة تغلب بن وائل ، وهو أخ بكر وعنز ابني وائل ، وتغلب إحدى قبائل ربيعة بن نزار العدنانية .
وقد عقدنا الفصل الأول لبيان نسبها وأهم بطونها ، لأنه لا يتسع المجال لاستقرائها كلها .
وجعلنا الفصل الثاني لأهم حروبها في الجاهلية ، ومنها حرب البسوس التي كانت مع أبناء عمهم بكر بن وائل ، واستمرت نحو أربعين سنة ! كما ذكرنا باختصار حروبها مع قيس في أواخر القرن الأول ، التي كانت بتحريك الخلفاء الأمويين .
وجعلنا الفصل الثالث لسياسة النبي ( صلى الله عليه وآله ) مع تغلب وغسان ، وغيرهما من القبائل العربية ، في جذبهم إلى الإسلام وإبعادهم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 4 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عن نفوذ الفرس والروم ، وكيف نجحت ، وأخذت تغلب تدخل في الإسلام ، وجاء وفدها إلى النبي ( صلى الله عليه وآله ) وفيهم نصارى .
وخصصنا الفصل الرابع لتاريخ بني تغلب بعد النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، ونفينا عنهم تهمة خالد بن الوليد والخلافة القرشية بأنهم ارتدوا ، وذكرنا أن خالد ارتكب معهم ما ارتكبه مع الصحابي مالك بن نويرة التميمي زعيم بني يربوع ، وأن عمر بن الخطاب طالب أبا بكر بالقود منه ! وهو أمر يحتاج إلى بحث مستوعب .
وذكرنا أن تغلباً أسلموا وكان منهم صحابة أخيار ، وأنهم شاركوا بفعالية في فتح العراق ، وكانوا مع علي ( عليه السلام ) في حروبه ، واستشهد منهم أربعة مع الحسين ( عليه السلام ) .
أما الفصل الخامس فخصصناه بدولة بني حمدان مفخرة بني تغلب ، التي شملت الموصل وحلب وأكثر سورية ، وكانت درعاً لحماية حدود بلاد الإسلام ، وسداً في وجه غزو الروم .
ثم تعرضنا في الفصل الأخير لأشهر أعلام بني تغلب ، وهم كثيرون ، فاخترنا أبرزهم وأهمهم . وما توفيقنا إلا بالله .
علي الكوراني العاملي وعبد الهادي الربيعي
19 / محرم / 1431 ه‍
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 5 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الأول : نسب القبيلة وأهم بطونها

1 - تغلب أخ بكر بن وائل وعنز بن وائل

ترجع قبيلة تغلب في نسبها إلى : تغلب ( دثار ) بن وائل بن قاسط بن هِنَب بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان ، فهي أحد بطون ربيعة بن نزار العدنانية .
وكان لوائل خمسة أولاد : بكر بن وائل ، وعنز بن وائل ، والشُّخيص بن وائل ، والحارث بن وائل ، وتغلب بن وائل ، وأمهم جميعاً هند بنت مر بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر . وقد صار ثلاثة من أولاده أصولاً لثلاث قبائل كبيرة ، وهم : بكر وعنز وتغلب . أما الشُّخيص والحارث فذريتهما قليلة ، فاندمج بنو الشُّخيص في تغلب ، وبنو الحارث في بني عائش بن مالك . ( جمهرة أنساب العرب : 2 / 302 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 6 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأولاد تغلب : غنم ، والأوس ، وعمران ، وكانت ذرية عمران قليلة ليس فيهم مشاهير ، وأكثر منهم قليلاً بنو أوس ، وبرز منهم القرثع الشاعر ، وتميم بن جميل الذي خرج على المتوكل العباسي بديار ربيعة .
وكانت كثرة تغلب والعدد في ولده غنم ، وتولت قبيلة تغلب رئاسة بني ربيعة ردحاً من الزمن .
قال اليعقوبي في تاريخه : 1 / 224 : « كانت الحكومة والرئاسة من ربيعة في بني ضبيعة ولد بهثة بن وهب بن جلي بن أحمس بن ضبيعة بن ربيعة ، ثم تحولت الحكومة والرئاسة في ولد عنزة بن أسد بن ربيعة ، ثم تحولت في عبد القيس بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة ، ثم سارت عبد القيس حتى نزلت اليمامة بسبب حرب كانت بينهم وبين بني النمر بن قاسط ، وكانت إياد باليمامة ، فأجلوهم ، ثم صارت الرئاسة في النمر بن قاسط ، ثم تحولت من النمر بن قاسط فصارت في بني يشكر بن صعب بن علي بن بكر ، ثم تحولت من يشكر بن صعب ، فصارت في بني تغلب ، ثم صارت في بني شيبان » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 7 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

2 - بطون بني تغلب

ذكرت كتب الأنساب بطوناً كثيرة لبني تغلب ، وأشهرها بنو حمدان ، وهذا عددٌ منها حسب الحروف الأبجدية :
1 - بنو الأوس بن تغلب ، وكانوا كثرة في بلاد الشام ، قال ابن عساكر ( 49 / 304 ) : « إن قرثع التغلبي الشاعر وفد على أحد خلفاء بني أمية فعمد الخليفة الأموي إلى إثارة الفتنة فسأله عن شرف تغلب وكثرتهم فيمن ؟ فقال القرثع : في بني الأوس بن تغلب . فقال : أتقول هذا وكعب بن جعيل حاضر ؟ فقال القرثع : نعم ! وكان كعب من بني غنم بن تغلب ، فلما جاء أخبره الخليفة بقول القرثع فقال كعب مستهزئاً : منْ بنو الأوس وما فيهم ؟ وأنشد :
لعمرك ما السفاح منك ابنُ خالد * وما أنت من أبناء عمرو بن جيحلِ
وما لك في عمرو وعمران مسكةٌ * ولا في الكناني الأغرِّ المحجل
وما لك في آل الهذيل دعاوة * ولا في بني حوط الحظائر فارحل
وما الأوس إلا جَعْرُ خَاٍر بقَرْقَرٍ * من الأرض يحيى جعرةً غير معجل
فخرت بقوم لم يكن لك فخرهم * وإنك من أفعالهم لبمعزل
فهاجت بينهما لذلك فتنة .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 8 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
2 - البرزي : بطن من تغلب بن وائل ، كانوا سنة 118 ه‍ في قلعة التبوشكان من طخارستان العليا ، فحصرهم جديع الكرماني حتى فتحها ، فقتل مقاتلتهم وقتل بني برزي ، وسبى عامة أهلها من العرب والموالي والذراري ، وباعهم فيمن يزيد في سوق بلخ . ( معجم قبائل العرب : 1 / 75 ) .
3 - ثعلبة بن بكر ، بن حبيب ، منهم الهذيل بن هبيرة بن قبيصة ومنهم عميرة بن الجعل الشاعر . ( جمهرة أنساب العرب : 2 / 307 ) .
4 - ثعلبة بن حبيب بن عمر بن غنم بن تغلب ابن وائل . ( معجم قبائل العرب : 1 / 144 ) .
5 - جُشَم بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب . ( جمهرة أنساب العرب : 2 / 304 ) .
6 - بنو جُندب ، بن الحرث بن مالك بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب بن وائل . ( اللباب في تهذيب الأنساب : 1 / 294 ) .
7 - بنو حرقة بن ثعلبة بن بكر حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب . ( معجم قبائل العرب : 1 / 264 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 9 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
8 - بنو حمدان : بطن من بني عدي بن أسامة بن غنم بن تغلب بن وائل بن قاسط ، منهم ملوك الموصل والجزيرة أيام العباسيين ( معجم قبائل العرب : 1 / 298 ) .
9 - بنو الديل بن زيد بن غنم بن تغلب ( معجم قبائل العرب : 1 / 400 ) . والنسبة إليه دُؤلي .
10 - بنو زهير بن جشم بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب ، وينسب إليه كثيرون منهم : عمرو بن كلثوم بن مالك بن عتاب بن سعد بن زهير ( اللباب : 2 / 83 ) ، أحد أصحاب المعلقات .
11 - بنو سعد بن جشم بن بكر بن حبيب . ( الجمهرة : 2 / 305 ) .
12 - بنو شعبة بن مهلهل أخ كليب بن ربيعة بن الحارث بن زهير بن جشم بن بكر بن حبيب بن بكر بن غنم بن تغلب ، كانوا يسكنون الطائف في القرن الثامن الهجري ( معجم قبائل العرب : 2 / 596 ) وهم اليوم هناك ويحملون نفس الاسم : بنو شعبة . ويبدو أن الحسن بن علي بن علي بن الحسين بن شعبة الحراني الحلبي ، صاحب كتاب تحف العقول ، من هذا البطن ، وقد توفي سنة 381 ه‍ أي قبل انهيار الدولة الحمدانية التي عرفت برعايتها
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 10 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
للعلماء ، وينسب إلى حران كما ينسب إلى حلب فيقال : الحراني الحلبي . ( معجم البلدان : 2 / 236 ) .
13 - بنو عتاب ، بن سعد بن زهير بن جشم بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب ، ينسب إليه كلثوم بن عمرو بن أيوب العتابي ، كان شاعراً من أهل قنسرين مدح الرشيد وغيره . ( اللباب في تهذيب الأنساب : 2 / 319 ) .
14 - بنو عدي بن أسامة بن مالك بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب ، ينسب إليه كثيرون منهم أمراء بني حمدان بن حمدون ، ومنهم سيف الدولة أبو الحسن علي بن أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان التغلبي العدوي . ( المعارف لابن قتيبة : 96 ) .
15 - بنو عطيف بن حارثة بن مالك بن جشم بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب . ( معجم قبائل العرب : 2 / 791 ) .
16 - بنو عمران بن تغلب بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان ( معجم قبائل العرب : 2 / 826 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 11 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
17 - بنو عمرو بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب بن وائل ( معجم قبائل العرب : 2 / 830 ) ، منهم الوليد بن طريف بن عامر الخارجي ، وأخته ليلى القائلة في رثائه :
أيا شجر الخابور مالك مورقاً * كأنك لم تجزع على ابن طريف
( جمهرة أنساب العرب : 2 / 307 ) .
18 - بنو عمرو بن غنم ، وفيه عدد تغلب وكثرتهم ، وقد أولد : حبيب ، ومعاوية ، زيد ، وهو أقلهم بقية . ( المصدر السابق : 2 / 304 ) .
19 - بنو عوف ، بن بكر بن حبيب ، منهم كعب بن جعيل ( المصدر السابق : 2 / 306 ) .
20 - بنو كليب بن ربيعة بن زهير بن جشم بن بكر بن حبيب بن عمر بن غنم ، وبسبب قتل كليب هذا كانت حرب البسوس بين بكر بن وائل وتغلب بن وائل . ( معجم قبائل العرب : 3 / 993 )
21 - بنو كنانة ، بن تيم بن سامة بن مالك بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب ، ينسب إليه حنظلة بن قيس بن هوبر قائد تغلب أيام حربهم مع عمير بن حباب السلمي . ( اللباب : 3 / 113 )
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 12 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
22 - بنو مالك ، بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب ، منهم السفاح ، واسمه سلمة بن خليد بن كعب بن زهير بن قسيم بن أسامة بن مالك . ( لب اللباب للسيوطي / 234 )
23 - بنو مالك بن جشم بن بكر بن حبيب ، ومنهم الشاعر القطامي ، ومنهم بنو عمرو بن مالك بن جشم ، والأخطل التغلبي غياث بن غوث بن الصلت . ( جمهرة أنساب العرب : 2 / 305 ) .
24 - بنو معاوية ، بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم ، منهم أعشى تغلب نعمان بن نجوان ، وقيل اسمه ربيعة بن نجوان . ( المصدر السابق : 2 / 307 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 13 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

3 - مساكن بني تغلب

كانت قبائل ربيعة بن نزار كلها تقيم في أطراف نجد والحجاز إلى اليمامة ، حتى وقعت حرب البسوس بين بكر وتغلب ابني وائل ، فكان البوار وهجر الديار ، وعلى التحديد بعد يوم قِضَّة حيث كان لبكر على تغلب ، فتبددت تغلب في البلاد ، وانتشرت من اليمامة إلى أطراف سواد العراق ، وارتحلت تغلب والنمر بن قاسط فنزلت بالجزيرة الفراتية ( قبيلة تغلب : عبد القادر حرفوش / 55 ( بجهات سنجار ونصيبين ، وما بين الموصل ورأس عين ، ودنيسر والخابور ، وتعرف بديار ربيعة ( معجم البلدان : 2 / 494 ) .
ومن أشهر كورها وقراها : قرقيسيا ، وميافارقين ، وماردين ، وسيمساط ، وبلد ، وغيرها ، وسكنت بعض بطونها دارين من البحرين الإحساء حالياً ( تاريخ الطبري : 1 / 492 ) ، وأسكن الملك الساساني سابور ذو الأكتاف بعضهم في كرمان والأهواز .
وقال الطبري : 1 / 495 : « ثم استصلح العرب ( سابور ) وأسكن بعض قبائل تغلب ، وعبد الشمس ، وبكر بن وائل كرمان ، وتوج ، والأهواز » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 14 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

4 - مياه بني تغلب ومواضعهم

من مياه بني تغلب المشهورة في ديار ربيعة التي ذكرها ياقوت في معجم البلدان ، والبكري في معجم ما استعجم : أبارق الثمدين : تثنية الثمد ، وهو الماء القليل ، قال القتال الكلابي :
سرى بديار تغلب بين حوضي * وبين أبارق الثمدين سارِ
سماكيٌّ تلألأ في ذراه * هزيم الرعد ريان القرارِ
والبِشْر : جبل يمتد من عرض إلى الفرات من أرض الشام من جهة البادية ، وفيه معدن القار والمغرة ، والطين الذي يعمل منه البواتق التي يسبك فيها الحديد ، والرمل الذي في حلب يعمل منه الزجاج ، وهو رمل أبيض ، وهو من منازل بني تغلب بن وائل .
والثرثار : واد عظيم بالجزيرة بين سنجار وتكريت يمد إذا كثرت الأمطار ، وللعرب بنواحيه وقائع ، ولهم فيه أشعار .
والثَنِي : علم لموضع بالجزيرة قرب شرقي الرصافة .
وحابس : اسم موضع كان فيه بعض أيامهم .
والحريم : موضع في ديار بني تغلب قريب من ذي بَهْدا .
وحَزَّة : موضع بين نصيبين ورأس عين على الخابور .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 15 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والحصيد : موضع في أطراف العراق من جهة الجزيرة .
ودير لُبى أو لبنى بالنون ، دير قديم على جانب الفرات .
والرُحوب : بالجزيرة ، وهو لبنى جشم بن بكر رهط الأخطل ، أوقع فيه الجحاف - بن فاتك السلمي الشاعر - بقوم الأخطل وأسر الأخطل وعليه عباءة وسئل فقال : أنا عبد ، فخلوا سبيله فخشي أن يعرف فيقتل فرمى نفسه في جب حتى انصرف القوم فنجا ، وقتل أبوه غياث .
وعنازة : موضع من ديار تغلب .
وقباقب : ماء لبني تغلب خلف البشر من أرض الجزيرة .
والقنينيات : اسم حَفْر في بلاد تغلب . قال عدي بن الرقاع :
حتى وردنا القنينيات ضاحية * في ساعة من نهار الصيف تلتهب
وكباث : بالجزيرة لبني تغلب كان يقام به سوق في الجاهلية .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 16 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

5 - بنو تغلب في عصرنا

يتواجد بنو تغلب في زماننا في العراق ، خصوصاً في مدينة الكوت والموصل وتكريت والأنبار وحديثة ، وبعض المناطق الأخرى في الوسط والجنوب ، وفي سوريا ، ولبنان ، لكن التسمية بتغلب والتغلبيين تلاشت غالباً وصارت كل البطون تسمى ربيعة دون تمييز ، فصار اسم ربيعة عاماً للشيباني والتغلبي والقيسي ( قيس بن ثعلبة ) ولبني عبد القيس وبني عجل . وقد احتفظ بنو حمدان باسمهم في العراق وسوريا ولبنان .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 17 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الثاني : حروب تغلب في الجاهلية

1 - من أيام تغلب في الجاهلية

خاضت تغلب حروباً كثيرة ، كان أشرسها وأطولها حربهم مع أبناء عمومتهم بكر بن وائل ، لأن جساس بن مرة الشيباني قتل كليباً وهو وائل بن ربيعة . وعرفت بحرب البسوس وهي ناقة كانت الحرب بسببها ، ودامت نحو أربعين عاماً . ومن أيامهم :
1 - يوم السلان : غزت فيه مذحج أهل تهامة ومن بها من أولاد معد ، فاجتمعوا لحربها ، وكان أكثرهم ربيعة ، فرأسوا عليهم ربيعة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 18 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بن الحارث ، فهزموا مذحجاً . ( تاريخ اليعقوبي : 1 / 224 )
2 - وقعة الخزاز : كانت بين القبائل القحطانية من أهل اليمن ، وبين ربيعة بن نزار عامة وتغلب خاصة ، وسببها ثورتهم على ملوك بني الحارث من كندة ، حيث كان ملك تغلب وبكر سلمة بن الحارث الكندي ، وملك قيس معدي كرب بن الحارث ، وملك أسد وكنانة حجر بن الحارث والد امرئ القيس الشاعر ، فثارت القبائل ضد بني الحارث فقتلتهم ، وبقي سلمة بن الحارث ، فلحق باليمن وجمع الجموع ، وسار ليقاتل بني نزار وكان عنده أسرى من ربيعة ، فجاء وفد ليفكهم فرفض وطلب كبرائهم رهينة ، وبلغ الخبر كليب وائل فبعث إلى ربيعة فجمعهم وسار بهم وعلى مقدمته السفاح التغلبي ، فالتقوا بخزاز فاقتتلوا فانهزمت مذحج . فملَّكت ربيعة كليباً أخ المهلهل قبل أن يقتله جساس وتشتعل بسببه حرب البسوس . ( الكامل : 1 / 521 ) .
3 - يوم كلاب الأول : بين الملك شرحبيل بن الحارث بن عمرو ملك بكر بن وائل ، وأخيه سلمة بن الحارث ملك تغلب والنمر بن قاسط ، فسار شرحبيل فيمن معه ومنهم الصنائع وهم قوم مع الملوك من شذاذ العرب ، فأقبلوا إلى كلاب وعلى تغلب السفاح بن خالد ، فاقتتلوا فلما كان آخر النهار خذلت بنو حنظلة وعمرو بن تميم والرباب بكر بن وائل وانهزموا ، وثبتت بكر وانصرفت بنو سعد ومن معها عن تغلب وصبرت تغلب ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 19 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ونادى منادي شرحبيل من أتاني برأس سلمة فله مائة من الإبل ، ونادى منادي سلمة بذلك ! فكانت الغلبة لتغلب وسلمة ، وانهزم شرحبيل ، ولحقه أبو الحنش فقتله وجاء برأسه لأخيه سلمة ، فندم وجزع وهرب أبو حنش . ( الكامل : 1 / 550 ) .
4 - يوم أوارة الأول : كان بين المنذر بن امرئ القيس ملك الحيرة وبين بكر بن وائل ، وسببه أن تغلب طردت ملكها سلمة بن الحارث ، فالتجأ إلى بكر بن وائل فملكته بكر عليها ! فحلف المنذر ليسيرن إليهم ويذبحهم على قلة جبل أوارة حتى يبلغ الدم الحضيض ! وسار إليهم في جموعه من تغلب والنمر بن قاسط فالتقوا بأوارة فاقتتلوا وانهزمت بكر ، وأمر المنذر بقتل الأسرى وهم كثر فذبحوا على جبل أوارة فجعل الدم يجمد ، فقيل له : أبيت اللعن لو ذبحت كل بكري على وجه الأرض لم تبلغ دماؤهم الحضيض ، ولكن لو صببت عليه الماء ففعل فسال الدم إلى الحضيض ، وأمر بالنساء أن يحرقن بالنار ! ( الكامل : 1 / 553 )
5 - حربهم مع الحارث بن عمرو : ملك بكر بن وائل ، وذلك عندما طلب الملك الساساني أنوشروان الحارث بن عمرو وهو بالأنبار فهرب في أصحابه وماله ، فتبعه المنذر بالخيل من تغلب وإياد وبهراء فلحق بأرض كلب ونجا ، وأخذت بنو تغلب ثمانية
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 20 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأربعين نفساً من بني آكل المرار ملك بكر بن وائل فضرب المنذر رقابهم بين دير بني هند والكوفة . وفيهم يقول امرؤ القيس :
ملوك من بني حجر بن عمرو * يساقون العشية يقتلونا
فلو في يوم معركة أصيبوا * ولكن في ديار بني مرينا
ولم تغسل جماجمهم بغسل * ولكن في الدماء مرملينا
تظل الطير عاكفة عليهم * وتنتزع الحواجب والعيونا
( الكامل : 1 / 435 )
6 - مقتل عمرو بن المنذر بن ماء السماء اللخمي ملك الحيرة . قتله عمرو بن كلثوم التغلبي الشاعر ، وسببه أن عمرو بن المنذر قال يوماً لجلسائه : هل تعلمون أن أحداً من العرب يأنف أن تخدم أمه أمي ؟ قالوا : ما نعرفه إلا أن يكون عمرو بن كلثوم التغلبي ، فإن أمه ليلى بنت مهلهل بن ربيعة وعمها كليب وائل ، وزوجها كلثوم وابنها عمرو . فبعث إلى عمرو بن كلثوم يستزيره ويأمره أن تزور أمه ليلى أمه هند بنت الحارث ، فقدم في فرسان من بني تغلب ومعه أمه ليلى فنزل على شاطئ الفرات ، وبلغ عمرو بن هند قدومه فأمر فضربت خيامه بين الحيرة والفرات وصنع لهم طعاماً ، ودعا الناس إليه فقرب إليهم الطعام على باب السرادق ، وجلس هو وعمرو بن كلثوم وخواص أصحابه في السرادق ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 21 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولأمه هند قبة في جانب السرادق وليلى أم عمرو بن كلثوم معها في القبة ، وقال عمرو بن المنذر لأمه : إذا فرغ الناس من الطعام ولم يبق إلا الظرف فنحي خدمك عنك ، فإذا دنا الظرف فاستخدمي ليلى ومريها فلتناولك الشئ بعد الشئ ، فلما فرغت الظروف قالت هند لليلى : ناوليني ذلك الطبق ! قالت : لتقم صاحبة الحاجة إلى حاجتها ، فألحت عليها فقالت ليلى : وا ذلاه يا آل تغلب ! فسمعها ولدها عمرو بن كلثوم فثار الدم في وجهه ، والقوم يشربون فعرف عمرو بن هند الشر في وجهه ، وثار ابن كلثوم إلى سيف ابن هند ( عمرو ) وهو معلق في السرادق وليس هناك سيف غيره فأخذه ثم ضرب به رأس عمرو بن هند فقتله ، وخرج فنادى يا آل تغلب فانتهبوا ماله وخيله ، وسبوا النساء وساروا فلحقوا بالحيرة ، فقال أفنون التغلبي :
لعمرك ما عمرو بن هند وقد * دعا لتخدم ليلى أمه ، بموفق
فقام ابن كلثوم إلى السيف مصلتاً * وأمسك من ندمانه بالمخنق
( الكامل : 1 / 547 )
7 - يوم بارق : اقتتل فيه بنو تغلب والنمر بن قاسط وناس من تميم ، فاجتمعت شيبان وقصدوا تغلب فقتلوا منهم مقتله عظيمة لم تصب تغلب بمثلها وسبوا حريمهم . ( الكامل : 1 / 648 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 22 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
8 - حربهم مع ملك الشام الحارث بن أبي شمر الغساني ، وكان مرَّ بجماعة من تغلب فلم يستقبلوه ، وركب عمرو بن كلثوم التغلبي فلقيه فقال له : ما منع قومك أن يتلقوني ؟ فقال : لم يعلموا بمرورك . فقال : لئن رجعت لأغزونهم غزوة تتركهم أيقاظاً لقدومي ! فقال عمرو : ما استيقظ قوم قط إلا نَبُلَ رأيهم وعزَّت جماعتهم ، فلا توقظن نائمهم . فقال : كأنك تتوعدني بهم ؟ أما والله لتعلمن إذا نالت غطاريف غسان الخيل في دياركم أن أيقاظ قومك سينامون نومة لا حلم فيها ! ثم رجع عمرو بن كلثوم عنه وجمع قومه وغزا بني تغلب ، فاقتتلوا حتى انهزم الحارث وبنو غسان ، وقتل أخو الحارث وعدد كثير !
9 - حربهم مع زهير بن جناب الكلبي : فقد جمع زهير من قدر عليه من أهل اليمن ، وغزا بكراً وتغلب ، فانهزمت بكر ثم انهزمت تغلب ، وأسر كليب ومهلهل ابنا ربيعة . ( الكامل : 1 / 505 ) .
10 - يوم زرود : موضع بين مكة والكوفة ، وفيه أغار جذيمة التغلبي على بني يربوع من تميم ، فانهزمت تغلب وأسر جذيمة ( معجم ما استعجم : 2 / 697 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 23 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
11 - يوم ذي بهدى : أغار الهذيل بن هبيرة التغلبي على ضبة ، وهم بطن من مضر ، فاستصرخت بنو ضبة بني سعد بن زيد مناة من تميم ، فانهزمت بنو تغلب ، وأسر الهذيل ، ثم فداه قومه ففكوا أسره . ( الكامل : 1 / 218 ) .
12 - يوم إراب : ماء بالبادية لبني رياح من تميم ، وقد غزاهم هذيل بن هبيرة التغلبي فسبى نساءهم . ( الكامل : 1 / 133 ) .
13 - يوم سفار : كان هذيل بن هبيرة التغلبي من بكر بن حبيب ، المعروفين بالأراقم ، وكان بنو تميم يفزِّعون به ولدانهم فأغار على إبل نعيم بن قعنب الرياحي فهرب رجالها ، فجلس الهذيل على شفير بئر تسمى سِفار مطمئناً ، فرآه حباشة المازني التميمي فرماه بسهم من خلفه فأصابه وسقط في القليب ميتاً ! ( الكامل : 3 / 739 ) .
14 - يوم ثبرة : من ديار بني مالك بن زيد مناة بن تميم ، كانت فيه حرب بينهم وبين تغلب ، فهزمت بنو يربوع . ( الكامل : 1 / 335 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 24 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

2 - حروب تغلب مع قيس في الإسلام !

قيس بن عيلان بن مضر بن نزار : قبيلة عربية كبيرة ، وبطونها كثيرة ، منها : بنو سليم بن منصور ، وبنو هوازن بن منصور ، وبنو عامر بن صعصعة ، وبنو هلال بن عامر ، وبنو فزارة وذبيان ، وعبس ، وكلاب ، وغطفان ، وغيرها . وهذا هو المتبادر من قيس والقيسية عندما تطلق الكلمة .
وهناك قبيلة أخرى تسمى قيساً وهم : بنو قيس بن ثعلبة ، بطن من بكر بن وائل ، وهم رهط الأعشى ميمون بن قيس .
وبعد هلاك يزيد بن معاوية ، كان زعيم القيسية عمير بن الحباب ، وقد بايع عبد الله بن الزبير ، فنقمت عليه قبائل اليمانية بزعامة حسان بن بحدل الكلبي الذين بايعوا مروان بن الحكم الأموي . بينما كانت بنو تغلب وبكر بن وائل يميلون إلى بني أمية لكنهم أقرب إلى الحياد . وعندما استقر الأمر لعبد الملك بن مروان قام بتحريك القيسية على تغلب وأشعل الحرب بينهم !
في الموسوعة العربية : http : / / www . arab - ency . com / index . php ? module = pnEncyclopedia & func
« أقامت تغلب بعد الإسلام في مواطنها بين الخابور والفرات ، واكتفى عمر بإضعاف الصدقات عليها ، وفي عصر بني أمية
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 25 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كانت موالية لهم ، وقد حدثت بينها وبين قبيلة قيس حرب ضارية لأن قيساً أرادت إجلاءها عن مواطنها ، وقد تداولت القبيلتان النصر في هذه الحرب ، وظهرت في وقائعها ألوان من الوحشية لا عهد للعرب بها من قبل في حروبهم . وقد هاج الحرب نزول عمير بن الحباب القيسي في ديار بني تغلب على الخابور ، وكان يطمع في إجلاء بني تغلب عنها لخصبها ، واستعان بعهد من مصعب بن الزبير يخوله جباية الصدقات من تغلب ، فلما أبت تغلب أداءها وقع الشر بين الجهتين وتوالت الوقائع بينهما ! ومن وقائعها يوم ماكسين الذي أوقعت فيه قيس بتغلب وقتلت منهم مقتلة عظيمة ، وقتلت رئيسهم شعيث بن مليل ، فاستعانت تغلب بقبائل ربيعة وأوقعت بقبيلة قيس يوم الثرثار . وما لبثت قيس أن ثأرت لهزيمتها في يوم الثرثار الثاني ، واتصل القتال بينهما ، وقتل عمير بن الحباب في إحدى الوقائع » .
وهذا نموذج من تحريش الأمويين بين القبيلتين :
« وكان بنو تغلب قد قتلت عمير بن الحباب السلمي ، فاتفق أن قدم الأخطل على عبد الملك بن مروان ، والجحاف بن حكيم السلمي جالس عنده ، فقال عبد الملك : أتعرف هذا يا أخطل ، قال : نعم ، هذا الذي أقول فيه :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 26 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ألا سائلُ الجحَّاف هل هو ثائرٌ * بقتلى أصيبت من سليم وعامر
فخرج الجحاف مغضباً يجر مطرفه ، فقال عبد الملك للأخطل : ويحك أغضبته ، وأخلق به أن يجلب عليك وعلى قومك شراً ! فكتب الجحاف عهداً لنفسه من عبد الملك ! ودعا قومه للخروج معه ، فلما وصل البشر قال لقومه : قصتي كذا فقاتلوا عن أحسابكم أو موتوا ! فأغاروا على بني تغلب بالبشر وقتلوا منهم مقتلة عظيمة ، ثم قال الجحاف يجيب الأخطل :
أيا مالكٌ هل لمتني إذا حضضتني * على الثأر أم هل لامني فيك لائمي
متى تدعني أخرى أجبك بمثلها * وأنت امرؤ بالحق لست بقائم
فقدم الأخطل على عبد الملك ، فلما مثل بين يديه أنشأ يقول :
لقد أوقع الجحاف بالبشر وقعة * إلى الله منها المشتكى والمعول
فإن لم تغيرها قريش بعدلها * يكن عن قريش مستمازٌ ومَرحل
( الكامل : 4 / 330 ، معجم البلدان : 1 / 427 )
ونلاحظ أن الرواية زعمت أن زعيم قيس زوَّر لنفسه مرسوماً من الخليفة القرشي ولم يحاسبه عليه ! وأن شاعر تغلب يطلب النصرة من الخليفة القرشي !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 27 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد تواصلت الحروب سنين بين تغلب وقيس ، ووصلت إلى أكثر من خمسة عشر وقعة ، وعدد المؤرخون أيامها ، وشعرها ، وسبيها ، وقتلاها !
فقالوا أول وقعاتهم بماكسين من الخابور « وقتل من تغلب خمس مئة » . ( الكامل : 4 / 311 ) .
ويوم الثرثار الأول « فانهزمت قيس وقتلت تغلب ومن معها منهم مقتلة عظيمة ، وبقروا بطون ثلاثين امرأة من بني سليم » .
ويوم الثرثار الثاني : « فالتقوا بالثرثار واقتتلوا أشد قتال اقتتله الناس » ! ( الكامل : 4 / 311 ) .
ويوم الفدان ، ويوم السكير ، ويوم معارك ، ويوم لبى ، ويوم الشرعبية ، ويوم البليخ ، ويوم الحشاك ، ويوم الكحيل ، ويوم البشر ، ويوم خالة . . . الخ .
والخليفة الأموي فرحٌ بإشعال الحرب بين القبائل ، انتقاماً لموقف هذه ضده ، أو تضعيفاً لقوة قبيلة أخرى يخاف أن تخالفه !
ويبقى هو البرئ من التسبيب ، والحكَم الذي يتفضل ويتدخل لإيقاف الفتنة بين المسلمين وسفك الدماء !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 28 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 29 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الثالث : سياسة النبي ( صلى الله عليه وآله ) مع تغلب وغسان

1 - ديانة بني تغلب

كانت حِمْيَر تعبد الشمس ، وكنانة تعبد القمر ، وقيس تعبد الشعرى ، ولخم تعبد المشتري ، وطئ تعبد نجمة السهيل ، وأسد تعبد العطارد ، وتميم تعبد الدبران ، وبنو مليح يعبدون الجن ، وأكثر العرب يعبدون الأوثان والأصنام ، وكانوا يقولون : ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ! وكانوا يتخذون من أحجار الصحراء أصناماً إذا أرادوا السفر ويتخذون أحجاراً أخرى أثافيَّ لقدورهم . وكانوا يتمسحون بالأصنام ، ويرون أن القربان يجلب رضاها ، فإذا قربوا لها قرباناً تلطخوا بدمه .
وجعلوا الكعبة بيتاً مركزياً للأوثان فكان فيها أكثر من ثلاث مائة وستين صنماً منها اللات والعزى ومناة ، اللاتي كانت قريش تزعم أنهن بنات الله تعالى ، واللات بدورها أم سائر الآلهة وكانت تغلب من بين القبائل القليلة التي اعتنقت النصرانية .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 30 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال اليعقوبي في تاريخه : 1 / 257 : « أما من تنصر من أحياء العرب ، فقوم من قريش من بني أسد بن عبد العزى ، منهم : عثمان بن الحويرث بن أسد بن عبد العزى ، وورقة بن نوفل بن أسد . ومن بني تميم بنو امرئ القيس بن زيد مناة ، ومن ربيعة بنو تغلب . ومن اليمن طئ ، ومذحج ، وبهراء ، وسليح ، وتنوخ ، وغسان » .
وسبب تنصر بني تغلب قربهم من سوريا ، التي يحكمها الروم بواسطة بني غسان الذين تنصروا .
ومن السياسات الحكيمة للنبي ( صلى الله عليه وآله ) أنه حرص على جذب القبائل العربية الواقعة تحت نفود الفرس والروم إلى صف العرب المسلمين ، وقام لذلك بعدة أعمال حققت هذا الهدف ، فقد منع الروم من تكوين قاعدة عسكرية عربية لهم في مملكة الجوف ، وأسر ملكهم الأكيدر وكتب معه اتفاقية ، ولم يقتله .
وعندما تنصَّر عدي بن حاتم الطائي وأخذ الروم يمدونه ، بعث إليه علياً ( عليه السلام ) ، فهرب عدي إلى الشام ، فأطلق النبي ( صلى الله عليه وآله ) أسراه وأرسل أخته سفانة بنت حاتم لتحضره ، فحضر وعفا عنه .
وعندما أساء حاكم الشام الغساني وهدد النبي ( صلى الله عليه وآله ) بالحرب ، لم يرد النبي ( صلى الله عليه وآله ) على تهديده ، بل وجه المسلمين إلى حرب هرقل !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 31 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وكذلك لم ينتقم ( صلى الله عليه وآله ) من حاكم بصرى لقتله رسوله ، بل رد على ذلك بغزو مؤتة التي هي مركز تجمع لجيش الروم .
وكان نتيجة هذه السياسة أن قبائل العراق والشام ابتعدوا عن كسرى وهرقل ، واقتربوا من إخوانهم العرب وأسلموا .
ففي السنة التاسعة جاء وفد بني تغلب إلى النبي ( صلى الله عليه وآله ) وأعلنوا ولاءهم فكتب معهم اتفاقيةً تقرهم على مسيحيتهم ، على أن لا ينصروا أولادهم . فساعد ذلك على دخول أكثرهم في الإسلام ، بينما تأخر دخول الغساسنة إلى ما بعد وفاة النبي ( صلى الله عليه وآله ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 32 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

2 - فشل هرقل في حشد القبائل ضد النبي ( صلى الله عليه وآله )

قال المسعودي في التنبيه والإشراف / 134 ، وهو مؤرخ خبير بالروم : إن أمبراطور الروم هرقل بدأ حكمه عام هجرة النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وحَكَم إلى السنة الثانية من خلافة عثمان ، فكان قائد الروم في حروبهم مع الفرس ، وفي حروبهم مع النبي ( صلى الله عليه وآله ) والمسلمين .
بينما كان أمبراطور الفرس كسرى أبرويز عند هجرة النبي ( صلى الله عليه وآله ) في السنة الثالثة والثلاثين من حكمه .
وعندما ملك هرقل كانت الحرب بينه وبين الفرس في أدنى الأرض في حوران فانتصر فيها الفرس ، وقال عنها الله تعالى : ألَمِ . غُلِبَتِ الرُّومُ . فِي أَدْنَى الأرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ .
وبعدها حاصر الفرس القسطنطينية ، لكن قائدهم شهر براز ساءت علاقته بكسرى ، فاتفق مع هرقل وسحب جيشه من حصار القسطنطينية .
وحارب هرقل جيوش كسرى في مصر وسوريا فهزمها ، وحارب كسرى في الموصل ، فانهزم الفرس ، فغضب كسرى على كبار قادته وعماله وحبسهم ليقتلهم ، وكان عددهم ثلاثين ألفاً ! فاتفقوا وخلعوه وملَّكوا ابنه شيرويه . ( راجع الأخبار الطوال / 106 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 33 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وعاد هرقل منتصراً ، وقد اطمأن إلى أن النظام الفارسي في حالة تفكك ، وكان له تأثير على ابن كسرى وقادة الجيش المتصارعين .
وقد استحاب الله لنبيه فمزق ملك كسرى وهو في أوج قوته ، فبعد أن حكم ثمانية وثلاثين عاماً حكم ابنه شيرويه ستة أشهر ، وأصابته كآبة بعد أن قتل أباه وإخوته الخمسة عشر ! ثم حكم ابنه أردشير سنة ونصفاً . ثم حكم شهر براز أربعين يوماً . ثم حكم كسرى بن قباذ ثلاثة أشهر . ثم حكمت بوران ابنة كسرى سنة ونصفاً ، وفي عهدها قال النبي ( صلى الله عليه وآله ) عن الفرس : ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة . ثم حكم فيروز جشنس بنده ستة أشهر . ثم حكمت آزر ميدخت بنت كسرى ستة أشهر . ثم حكم فرخزاد خسرو بن أبرويز سنة . ثم حكم يزجرد بن شهريار بن كسرى عشرين سنة ، لكنه كان متخفياً هارباً من المسلمين حتى قتل في خلافة عثمان أو خلافة علي ( عليه السلام ) في أفغانستان . ( الطبري : 1 / 587 والتنبيه والإشراف / 89 ، والمحبر / 362 ، واليعقوبي : 1 / 156 ، و 172 ) .
وبعد انتصاره على الفرس ، بقي هرقل في بلاد الشام يرتب أمورها ، وأعلن أنه سيحج إلى بيت المقدس ماشياً شكراً للمسيح الذي نصره على الفرس .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 34 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وكان هرقل يهاب النبي ( صلى الله عليه وآله ) أكثر مما يهاب كسرى ، فكان يعد لمعركته المقبلة معه ، ولكنه أجابه على رسالته بجواب ليِّن ، وأنه يؤمن بأنه النبي الأخير الذي بشر به عيسى ( عليه السلام ) ، واعتذر منه بأن بطارقة الروم لم يطيعوه في الاعتراف بنبوته !
فقد أراد بذلك أن يكسب الوقت للإعداد للحرب . وقد أمر هرقل الحارث ملك الشام أن يقتل حاكم عَمَّان لأنه بعث إلى النبي ( صلى الله عليه وآله ) بإسلامه ، ثم أمر بقتل يوحنا حاكم أيلة وصلبه ، لأنه كتب عهد صلح مع النبي ( صلى الله عليه وآله ) عندما جاء إلى مؤتة !
كما أمر بقتل رسول النبي ( صلى الله عليه وآله ) إلى حاكم بصرى ، بينما أكرم هو رسوله وأجابه جواباً ليناً !
كان هرقل يحشد جيش غسان في الشام ، وجيش كندة عند الأكيدر ملك دومة الجندل ، ويهئ متنصرة المدينة ومنافقيها ومنافقي قريش وبقايا اليهود ، لحرب النبي ( صلى الله عليه وآله ) .
ولكن كل ذلك عنده تمهيدات عسكرية وإعلامية ، لأن اعتماده في كل معاركه كان على فرسان الروم المحترفين ، الذي سيزحف بهم إلى المدينة خلف الجيش العربي !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 35 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لذلك قرر النبي ( صلى الله عليه وآله ) أن يوجه إلى هرقل رسالة قوية فيبادر إلى الاشتباك مع جيشه الرومي في بلاد الشام ، لصرفه عن التفكير في غزو الجزيرة . وكان حريصاً على تجنب المعركة مع الحكام العرب المحليين وحصر المعركة مع الروم ليضغط عليهم فينسحبوا من الشام ومصر ، ويضغط على الحكام المحليين ليفكوا ارتباطهم بالروم ، ويعقدوا معه معاهدات صلح .
وبهذه الرؤية أمر النبي ( صلى الله عليه وآله ) جعفر بن أبي طالب ( رحمه الله ) أن يتوغل إلى قرب القدس حيث الجيش الرومي المحترف ، ولم يأمره أن يثأر من حاكم بصرى ، ولا من الحارث حاكم الشام ! يقول بذلك لهرقل إن الاشتباك مع الجيش الرومي ، وليس مع غيره !
وبهذه الخطة قصد النبي ( صلى الله عليه وآله ) هرقل في تبوك ، وكان يحث المسلمين على المعركة فيقول : « أغزوا الروم تنالوا بنات الأصفر » ! ( تفسير القمي : 1 / 293 ، والاستيعاب : 1 / 266 ) فكان يوجههم إلى الروم ، ويطمعهم ببناتهم البيض ، وليس ببنات المنطقة السمر !
وكان من نتائج سياسته ( صلى الله عليه وآله ) أن بني تغلب قرروا الانضمام إلى جبهة العرب فوفدوا على النبي ( صلى الله عليه وآله ) ! ومعناه أنهم قرروا أن يتحملوا غضب القبائل المتحالفة مع الروم ، وأولهم خلطاؤهم الغساسنة ملوك الشام .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 36 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

3 - وفد تغلب إلى النبي ( صلى الله عليه وآله )

دخل بعض أفراد قبيلة تغلب في الإسلام ، ثم أرسلت وفداً إلى النبي ( صلى الله عليه وآله ) في عام الوفود ، رغم أنها بعيدة عن مركز الوحي وقريبة من دولة الشام ، التي يحكمها هرقل بواسطة الغساسنة .
قال ابن سعد في الطبقات : 1 / 316 : « قدم على رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وفد بني تغلب ستة عشر رجلاً ، مسلمين ونصارى عليهم صُلُبُ الذهب ، فنزلوا دار رملة بنت الحارث ، فصالح رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) النصارى على أن يقرهم على دينهم ، على أن لا يصبغوا ( يُعَمِّدُوا ) أولادهم في النصرانية ، وأجاز المسلمين منهم بجوائزهم » .
وكتب أمير المؤمنين بينهم وبين النبي ( صلى الله عليه وآله ) كتاباً بذلك الشرط .
وروى البيهقي في سننه : 9 / 217 : « قال علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) لئن بقيت لنصارى بني تغلب لأقتلنَّ المقاتلة ولأسبينَّ الذرية ، فإني كتبت الكتاب بين النبي ( صلى الله عليه وآله ) وبينهم على أن لا يُنَصِّروا أبنائهم » .
ومعناه أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) اشترط عليهم أن لا يشجعوا أولادهم على اعتناق النصرانية ، بل يتركوهم ليدخلوا في الإسلام .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 37 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وذكرت بعض النصوص أن بطوناً منهم كانت تسكن العراق دخلت الإسلام في السنة السادسة عشرة للهجرة ( الطبري : 3 / 141 ، والكامل : 2 / 523 ) وأما التي كانت تسكن قرب بلاد الروم فرفضوا ، فكتب عمر إلى الوليد بن عتبة أن يتركهم ، وخاف أن يسطو عليهم فعزله وأقر عليهم فرات بن حيان وهند بن عمرو الجملي . ( الكامل : 2 / 533 ) .

4 - الموقف الفقهي من نصارى تغلب

قال العلامة الحلي في تذكرة الفقهاء : 9 / 286 : « بنو تغلب بن وائل من العرب من ربيعة بن نزار ، انتقلوا في الجاهلية إلى النصرانية . وانتقل أيضاً من العرب قبيلتان أخريان وهم تنوخ وبهراء ، فصارت القبائل الثلاثة من أهل الكتاب ، تؤخذ منهم الجزية كافة كما تؤخذ من غيرهم ، وبه قال علي ( عليه السلام ) وعمر بن عبد العزيز لأنهم أهل كتاب ، فيدخلون تحت عموم الأمر بأخذ الجزية من أهل الكتاب .
وقال أبو حنيفة : لا تؤخذ منهم الجزية ، بل تؤخذ منهم الصدقة مضاعفة ، فيؤخذ من كل خمس من الإبل شاتان ، ويؤخذ من كل عشرين ديناراً دينار ، ومن كل مائتي درهم عشرة دراهم ، ومن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 38 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كل ما يجب فيه نصف العشر العشر وما يجب فيه العشر الخمس . وبه قال الشافعي وابن أبي ليلى والحسن بن صالح بن حي وأحمد بن حنبل ، لأن عمر ضعف الصدقة عليهم !
وهي حكاية حال لا عموم لها ، فجاز أن تكون المصلحة للمسلمين في كف أذاهم بذلك . ولأنه كان يأخذ جزية لا صدقة وزكاة . ولأنه يؤدي إلى أن يأخذ أقل من دينار بأن تكون صدقته أقل من ذلك . ولأنه يلزم أن يقيم بعض أهل الكتاب في بلد الإسلام مؤبداً بغير عوض ، بأن لا يكون له زرع ولا ماشية .
وروى العامة عن علي ( عليه السلام ) أنه قال : لئن تفرغت لبني تغلب ليكونن لي فيهم رأي لأقتلن مقاتلتهم ولأسبين ذراريهم ، فقد نقضوا العهد وبرئت منهم الذمة حين نصروا أولادهم » . جواهر الكلام : 21 / 233 ، و الخلاف : 6 / 49 ، والمبسوط : 2 / 50 ، والمغني : 10 / 87 و 590 .
وكانت نتيجة سياسة النبي ( صلى الله عليه وآله ) وأمير المؤمنين ( عليه السلام ) أن تغلباً دخلت عامتها في الإسلام ، إلا قليلاً منهم يقيم في سوريا .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 39 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الرابع : بنو تغلب بعد وفاة النبي ( صلى الله عليه وآله )

1 - اتهام التغلبيين بأنهم ارتدوا بعد النبي ( صلى الله عليه وآله )

اتهم التاريخ الرسمي بني الهذيل بن عمران ، أحد بطون تغلب بأنهم انضموا إلى سجاح المتنبئة ، عندما أعدَّت جيشاً كثيفاً لاجتياح المدينة ، بعد وفاة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) !
قال ابن الأثير في الكامل : 2 / 355 : « فبينما الناس ( المسلمين ) ببلاد تميم مسلمهم بإزاء من أراد الردة وارتاب ( من أتباع الحنفي مسيلمة الكذاب ) إذ جاءتهم سجاح بنت الحارث بن سويد بن عقفان التميمية ، قد أقبلت من الجزيرة ، وادعت النبوة ، وكانت ورهطها في أخوالها من تغلب تقود أفناء ربيعة معها الهذيل بن عمران في بني تغلب ، وكان نصرانياً فترك دينه وتبعها ، وعقبة بن هلال في النمر ( بن قاسط ) وزياد بن فلان في إياد ، والسليل بن قيس في شيبان . وكانت سجاح تريد غزو أبي بكر فأرسلت إلى مالك بن نويرة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 40 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
اليربوعي التميمي تطلب الموادعة ، فأجابها وردها عن غزوها ( المدينة ) وحملها على أحياء من بني تميم ، فأجابته .
وعزمت من هناك على غزو قبيلة الرباب وهم بطن من ضبة ، فسجعت لأتباعها : أعدوا الركاب ، واستعدوا للنهاب ، ثم أغيروا على الرباب ، فليس دونهم حجاب .
فساروا إليهم فلقيتهم ضبة وعبد مناة ، فقتل بينهم قتلى كثيرة وأسرى ، ثم تصالحوا .
وقال ابن الأثير في الكامل : 2 / 357 : « ثم سارت سجاح في جنود الجزيرة حتى بلغت النباج ، فأغار عليهم أوس بن خزيمة الهجيمي في بني عمرو ، فأسر الهذيل وعقة ، ثم اتفقوا على أن يطلق أسرى سجاح ، ولا تطأ أرض أوس .
ثم خرجت سجاح في الجنود إلى اليمامة وقالت : عليكم باليمامة ودفوا دفيف الحمامة ، فإنها غزوة صرامة ، لا يلحقكم بعدها ملامة . فقصدت بني حنيفة ، فبلغ ذلك مسيلمة فخاف إن هو شغل بها أن يغلب ثمامة وشرحبيل بن حسنة والقبائل التي حولها على اليمامة ، فأهدى لها ثم أرسل إليها يستأمنها على نفسه حتى يأتيها فأمنته ، فجاءها في أربعين من بني حنيفة ، فصالحها على
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 41 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
غلات اليمامة سنة تأخذ النصف ، وتترك عنده من يأخذ النصف فأخذت النصف وانصرفت إلى الجزيرة .
فلم تزل سجاح في تغلب حتى نقلهم معاوية عام الجماعة ، وجاءت معهم وحسن إسلامهم لإسلامها ، وانتقلت إلى البصرة وماتت بها » .
كما روت مصادر السلطة المتحيزة لخالد بن الوليد أن بني تغلب ارتدوا بعد النبي ( صلى الله عليه وآله ) وأنهم وقفوا في وجه الفتوحات الإسلامية وكانت لهم معارك مع المسلمين بقيادة خالد . لكنا نشك في ذلك لأنا نعلم كذب ادعائهم المشابه على بني يربوع التميميين ، فقد جعلوهم مرتدين لأن رئيسهم مالك بن نويرة ( رحمه الله ) اعترض على خلافة أبي بكر ، فطمأنه خالد ونزل عنده ، ثم غدر بهم وقتل مالكاً وعدداً معه ، وتزوج بامرأته في نفس الليلة !
وذكر : 2 / 398 ، أن خالداً أراد أن يغدر ببني تغلب : « وعدهم ليلة وساعة يجتمعون فيها إلى المصيخ ، وخرج خالد من العين قاصداً إليهم فلما كانت تلك الساعة من ليلة الموعد اتفقوا جميعاً بالمصيخ فأغاروا على الهذيل ومن معه وهم نائمون من ثلاثة أوجه فقتلوهم ، وأفلت الهذيل في ناس قليل ، وكثر فيهم القتل ، وكان مع الهذيل عبد العزى بن أبي رهم أخو أوس مناة ، ولبيد بن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 42 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
جرير وكانا قد أسلما ومعهما كتاب أبي بكر بإسلامهما ، فقتلا في المعركة ، فبلغ أبا بكر قول عبد العزى :
أقول إذ طرق الصباح بغارة * سبحانك اللهم رب محمد
سبحان ربي لا إله غيره * رب البلاد ورب من يتورد
فوداهما وأوصى بأولادهما . فكان عمر يعتد بقتلهما وقتل مالك بن نويرة على خالد » . أي بوجوب قتل خالد لغدره بمسلمين . لذلك نشك في معارك خالد المزعومة مع التغلبيين لإعادتهم إلى الإسلام ، ويكفي اتهام عمر لخالد بأنه غدر بزعمائهم ، كما فعل بمالك بن نويرة ! فالمرجح أنهم اعترضوا كبني يربوع التميميين ، على خلافة أبي بكر فألبسوهم ثوب الإرتداد ليبرروا قتالهم . ويؤيد ذلك أن ولاءهم لعلي وعترة النبي ( صلى الله عليه وآله ) كان قوياً ، كجيرانهم بني يربوع ، وستعرف تشدد بني حمدان في التشيع .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 43 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

2 - الصحابة من بني تغلب

1 : أديم التغلبي : ذكره ابن عبد البر في الاستيعاب ( 1 / 138 ) ، روى عنه صبي بن معبد في كنز العمال ( 5 / 162 ) .
2 : روح بن حبيب : أدرك النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وروى عن بعض الصحابة ( تاريخ دمشق : 18 / 238 )
3 : مرثد بن عامر : أبو الكنود ، روى عن بكير بن مسمار الرياحي ( الإصابة : 6 / 55 ) .
4 : مفضل بن أبي الهيثم : أدرك النبي ( صلى الله عليه وآله ) وروى عنه . ( المصدر السابق : 6 : 294 ) .
وقد تقدم قول ابن حجر عن عتبة بن الوعل إنه صحابي .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 44 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

3 - مشاركة بني تغلب في فتح العراق

لما رأى التغلبيون تعاضد الروم والفرس على قتال العرب ، تحركت العصبية القومية فيهم ، فقاتلوا مع المسلمين رغم أن بعضهم كانوا ما زالوا نصارى . ففي السنة الثالثة عشرة للهجرة أمدَّ ابن مردي الفهر التغلبي في أناس من نصارى تغلب ، المثنى بن حارثة الشيباني في معركة البويب . ( الطبري : 2 / 648 . )
كما ساهموا في فتح تكريت في السنة السادسة عشرة للهجرة ، فقد روى الطبري ( 3 / 141 ) أنه بلغ سعد بن أبي وقاص وهو في المدائن اجتماع أهل الموصل إلى الأنطاق ( وهو أحد ملوك الروم في الموصل ) واجتماع أهل جلولاء على مهران ، أحد قادة الفرس ، فسرح إلى الأنطاق عبد الله بن المعتم ، واستعمل على مقدمته ربعي بن الأفكل العنزي وعلى ميمنته الحارث بن حسان الذهلي ، وعلى ميسرته فرات بن حيان العجلي ، ففصل عبد الله بن المعتم في خمسة آلاف من المدائن ، فسار إلى تكريت أربعاً حتى نزل على الأنطاق ومعه الروم وإياد وتغلب والنمر ، ومعه الشهارجة وقد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 45 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
خندقوا بها ، فحصرهم أربعين يوماً فتزاحفوا فيها أربعة وعشرين زحفاً ، وكانوا أهون شوكة وأسرع أمراً من أهل جلولاء .
ووكل عبد الله بن المعتم بالعرب ليدعوهم إليه والى نصرته على الروم ، وأقبلت العيون من تغلب وإياد والنمر إلى عبد الله بن المعتم ، وأخبروه أنهم قد استجابوا له فأرسل إليهم : إن كنتم صادقين بذلك فاشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ثم أعلمونا رأيكم . فرجعوا إليهم بذلك أي بقبولهم الإسلام ، فردهم إلى الروم وقال : إذا سمعتم تكبيرنا فاعلموا أنا قد نهدنا إلى الأبواب التي تلينا لندخل عليهم منها ، فخذوا بالأبواب التي تلي دجلة وكبروا واقتلوا من قدرتم عليه ، ونهد عبد الله والمسلمون لما يليهم وكبروا وكبرت تغلب وإياد والنمر وقد أخذوا بالأبواب ( أي أبواب نهر دجلة لئلا يفروا بالسفن ) فحسبوا أن المسلمين أتوهم فبادروا الأبواب التي عليها المسلمون فلم يفلت من أهل الخندق إلا من أسلم من تغلب وأياد والنمر .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 46 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

4 - بنو تغلب مع أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في صفين

قال نصر بن مزاحم في وقعة صفين / 145 : « ثم مضى أمير المؤمنين حتى نزل بأرض الجزيرة ، فاستقبله بنو تغلب والنمر بن قاسط بالجزيرة . قال : قال علي ليزيد بن قيس الأرحبي : يا يزيد بن قيس قال : لبيك يا أمير المؤمنين . قال : هؤلاء قومك ، من طعامهم فاطعم ، ومن شرابهم فاشرب » .
وفي وقعة صفين / 146 : « أتاه وفد بني تغلب فصالحوه على أن يقرهم على دينهم ، ولا يصبغوا أبناءهم في النصرانية . قال : وقد بلغني أنهم قد تركوا ذلك ، وأيم الله لئن ظهرت عليهم لأقتلن مقاتلتهم ولأسبين ذراريهم . فلما دخل بلادهم استقبلته مسلمة لهم كثيرة ، فسر بما رأى من ذلك » .
ومن أبطال تغلب شريك بن خزيم التغلبي ، وقد شهد صفين مع أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وأصيبت عينه ، وسكن بعد وفاته ( عليه السلام ) في بيت المقدس ، ولما بلغه مقتل الحسين ( عليه السلام ) رجع إلى الكوفة ونهض للطلب بثأره مع المختار ، وسار مع إبراهيم بن الأشتر لقتال جيش الشام بقيادة ابن زياد ، وقتل الحصين بن نمير أحد قادة جيش يزيد في كربلاء ، فقد برز الحصين وهو يقول :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 47 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يا قادة الكوفة أهل المنكر * وشيعة المختار وابن الأشتر
هل فيكم قرم كريم العنصر * مهذب في قومه بمفخر
يبرز نحوي قاصداً لا يمتري
فخرج إليه شريك بن خزيم التغلبي ، وهو يقول :
يا قاتل الشيخ الكريم الأزهر * بكربلا يوم التقاء العسكر
أعني حسيناً ذا الثنا والمفخر * ابن النبي الطاهر المطهر
وابن علي البطل المظفر * هذا فخذها من هزبر قسور
فالتقيا بضربتين فجدله التغلبي صريعاً ، فدخل على أهل الشام من أهل العراق مدخل عظيم ( ذوب النضار / 135 ) .
ثم استشهد ( رحمه الله ) في تلك المعركة . ( الأعلام : 3 : 163 )
وفي كتاب وقعة صفين لنصر / 487 ، قال خالد بن المعمر :
وفت لعلي من ربيعة عصبة * بصم العوالي والصفيح المذكر
شقيق وكردوس ابن سيد تغلب * وقد قام فيها خالد بن المعمر
يقارع بالشورى حريث بن جابر * وفاز بها لولا حضين بن منذر
ومن شخصيات بني تغلب : عتبة بن الوعل ، شاعر أهل الكوفة ، وأحد أبطال الفتوحات الإسلامية . ( الطبري : 3 / 141 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 48 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال ابن حجر في الإصابة : 5 / 93 : له إدراك وقد سكن الكوفة و شهد مع أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وساهم في ردِّ الغارات التي كان يشنها معاوية على العراق والحجاز .
قال ابن أعثم في الفتوح : 4 / 225 : ثم بعث معاوية برجل من أصحابه يقال له الحارث بن نمر التنوخي في ألف رجل من حماة أهل الشام ، وأمره بالغارة على بلاد الجزيرة ممن هم في طاعة علي ( عليه السلام ) . قال : فأقبلت خيل أهل الشام حتى بلغت تخوم صفين ودارا ، فأغاروا على قوم من بني تغلب ممن كانوا في طاعة علي رضي الله عنه ، فأسروا منهم ثمانية نفر وانصرفوا راجعين إلى الشام ، وقام رجل من أهل الجزيرة يقال له عتبة بن الوعل ، فجمع قومه من بني تغلب ، ثم صار إلى جسر منبج فعبر الفرات وأغار على أوائل الشام فغنم غنائم كبيرة ورجع إلى الجزيرة وقال :
ألا أبلغ معاوية بن صخر * فإني قد أغرت كما تغير
صبحنا منبجاً بالخيل تردى * شوازب في أياطلها ضمير
بكل سميدع ماض جسور * على الأهوال في ضنك يسير
وكل مجرب بطل همام * لدى الهيجاء مطلبه عسير
وفتيان يرون الصبر مجداً * بأيديهم مهندة ذكور
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 49 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

5 - بنو تغلب في مواجهة الخوارج

وقاتل التغلبيون سنة سبع وسبعين للهجرة مع عتاب بن ورقاء الرياحي شبيب بن زيد الشيباني الخارجي ، الذي قصد الكوفة أيام الحجاج الثقفي لينتزعها منه ، ويبدو أن عددهم كان كبيراً فقد قسموا إلى ثلاثة أقسام وعلى كل قسم منهم أمير وهم : قبيصة بن والق ، وعبد الله بن الحليس ، ونعيم بن عليم ، وكانت تغلب تقاتل في ميسرة عتاب وعليها نعيم بن عليم التغلبي . ( الطبري : 5 / 89 )

6 - شهداء بني تغلب مع الإمام الحسين ( عليه السلام )

استشهد مع الحسين ( عليه السلام ) من بني تغلب :
1 : كنانة بن عتيق التغلبي : ورد ذكره في الزيارتين ( إقبال الأعمال : ابن طاووس : 3 : 78 و 345 ) ، وهو من شهداء الحملة الأولى . ( أنصار الحسين : شمس الدين : 107 )
2 : وضرغامة بن مالك التغلبي ، وورد ذكره في الزيارتين ، وهو من شهداء الحملة الأولى . ( المصدر السابق : 94 )
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 50 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
3 : وقاسط بن زهير بن الحرث التغلبي : ورد ذكره في زيارة الناحية بعنوان قاسط بن ظهير : « السلام على قاسط وكرش ابني ظهير التغلبيين » ( إقبال الأعمال : 3 : 78 )
كما ورد اسمه في الزيارة الرجبية لكن من دون ذكر نسبه ( الإقبال : 3 : 346 ) . وكرش هو كردوس الآتي ، وروي : قاسط بن عبد الله . ( رجال الطوسي : 104 )
4 : وكردوس بن زهير ، أخو قاسط ، ورد ذكره في الزيارتين بعنوان ( كرش ) ويحتمل أن يكون هو نفسه كردوس التغلبي الذي يروي عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) . ( المصدر السابق : 80 )
وقال السماوي في إبصار العين : 200 : « قاسط بن زهير بن الحرث التغلبي ، وأخوه كردوس بن زهير بن الحرث التغلبي ، وأخوه مقسط بن زهير بن الحرث التغلبي ، كان هؤلاء الثلاثة من أصحاب أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ومن المجاهدين بين يديه في حروبه ، صحبوه أولاً ثم صحبوا الحسن ( عليه السلام ) ثم بقوا في الكوفة ولهم ذكر في الحروب لا سيما صفين . ولما ورد الحسين ( عليه السلام ) كربلاء خرجوا إليه فجاؤوه ليلاً وقتلوا بين يديه في الحملة الأولى » فعد أخاهما مقسطاً مع قاسط وكردوس ، ولم يرد له ذكر في الزيارتين .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 51 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الخامس : فضل الدولة الحمدانية على المسلمين

1 - زعامة بني حمدان لقبيلة تغلب

عندما جاءت الدولة العباسية كان زعيم بني تغلب حمدان بن حمدون بن الحارث ، جد الأسرة الحمدانية أميراً على قلعة ماردين قرب الموصل ، وكان مثرياً . وكان عدد من بني تغلب في مناصب الدولة ، كإسحاق بن أيوب العدوي التغلبي والي الجزيرة للمعتمد العباسي ، ومالك بن طوق والي دمشق للمتوكل العباسي وهشام بن عمرو بن بسطام ولي السند للمنصور العباسي .
لكن دولة بني حمدان بدأت في سنة 292 ه‍ عندما عيَّن المكتفي عبد الله بن حمدان حاكماً على الموصل ، وعاشت دولتهم قرناً ( 292 - 393 ه‍ ) وكانت خط دفاع المسلمين مقابل الروم ، الذين كانت عاصمتهم القسطنطينية .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 52 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وعندما استوزر الراضي العباسي أحمد بن محمد البريدي ، ثم ولاه البصرة وواسط والأهواز ، طمع أخوه في بغداد فزحف إليها واحتلها سنة 330 ، فاستنجد الخليفة بآل حمدان ليعيدوا له عاصمته فجاءه ناصر الدولة وأخوه سيف الدولة بجيش فخاف البريدي ، وهرب إلى واسط وأخلى بغداد ، وقصده الحمدانيون إلى واسط ونشب القتال بينهما ، ففرَّ البريدي إلى البصرة . ثم نصبه الخليفة أميراً عليها . ( الكامل في التاريخ : 8 / 385 ) .
وفي سنة 333 ، هاجموا حلب وهي تحت حكم الإخشيديين فغلبوا عليها ، ثم هاجموا حمص فهزموا حاكمها كافوراً الإخشيدي وغلبوا عليها ( الكامل : 8 / 445 ) ، ثم انتصر ناصر الدولة على تكين التركي ، فاستقر له الأمر بالموصل والجزيرة عام 335 .
وبعد هذه الانتصارات قام ناصر الدولة وإخوته بتنظيم شؤون دولتهم ، وأعلنوا التشيع مذهباً رسمياً لهم ، وأصدروا عملة كتبوا عليها : لا إله إلا الله ، محمد رسول الله ، أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، فاطمة الزهراء ، الحسن والحسين ، جبريل .
وأسسوا المدارس الدينية ، وقاموا برعاية العلماء والشعراء والأدباء ، خصوصاً في حلب العاصمة . ( دول الشيعة لزميزم / 94 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 53 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي عام 336 ، اختلف معز الدولة البويهي السلطان الرسمي للخلافة وناصر الدولة الحمداني ، ودارت بينهما حروب ، وفي عام 345 ، تدخل سيف الدولة وتعهد أن يحمل ناصر الدولة إلى دار الخلافة مليونين وتسع مائة ألف درهم كل عام وضمنها عنه .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 54 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

2 - شخصية سيف الدولة المميزة

قال السيد الأمين في أعيان الشيعة : 8 / 269 : « سيف الدولة علي بن عبد الله بن حمدان . ولد في سنة 303 ، وتوفي سنة 356 ، البطل العربي الذي صمد في وجه الروم ورد عاديتهم عن بلاد الشام ، وحمى موطنه من غاراتهم وحكمهم ، فلقد أنشأ علي بن حمدان دولته الحمدانية في أحرج ظرف من ظروف العرب والمسلمين ، حين قام نقفور فوقاس الثاني يلوح بمطامعه الهوجاء ، ويزمجر بأمانيه الواسعة في استرداد بلاد الشام ، والنفاذ منها حتى إلى الحجاز ، ولقد كان ضعف الخلافة وتشتت قواها وتمزق شمل البلاد وانقسامها ، مما أغراه على الطمع وشجعه على الإقدام ، ولكنه واجه الصخرة الصلدة التي تحطمت عليها آماله وتبعثرت فيها مطامعه ، واجه سيف الدولة بفروسيته المفادية وشجاعته المتعالية ، فرده خائباً وتغلل في صميم بلاده ، واشتبك معه بمعارك كانت من أروع الصفحات في تاريخنا الحربي والسياسي والأدبي ، وحسبك أنها أبرزت بطلاً كسيف الدولة وشاعرين
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 55 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كالمتنبي وأبي فراس ، وأنها كانت كفيلة بحفظ البلاد وحمايتها ورد الروم عنها إلى الأبد .
وكما كان سيف الدولة مجلياً في الميدان العسكري ، فقد كان مجلياً كذلك في ميادين العلوم والآداب ، إذ جمع في بلاطه من العلماء والشعراء والأدباء ما كان منهم خير حفظة لتراث العرب وأفضل رواد لثقافتهم » . انتهى .
وقد اعترف الذهبي رغم تعصبه بدور سيف الدولة ، فقال في سير أعلام النبلاء : 16 / 187 : « سيف الدولة أبو الحسن علي بن عبد الله بن حمدان صاحب حلب ، مقصد الوفود ، وكعبة الجود ، وفارس الإسلام ، وحامل لواء الجهاد . كان أديباً مليح النظم ، فيه تشيع . ويقال ما اجتمع بباب ملك من الشعراء ما اجتمع ببابه . . . وله غزو ما اتفق لملك غيره ، وكان يضرب بشجاعته المثل ، وله وقع في النفوس ، فالله يرحمه » .
وقال ابن خلكان ( 3 / 406 ) : « جمع من نفض الغبار الذي يجتمع عليه في غزواته شيئاً ، وعمله لبنة بقدر الكف ، وأوصى أن يوضع خده عليها في لحده ، فنفذت وصيته في ذلك » .
وفي الشيعة في الميزان للشيخ محمد جواد مغنية / 170 : « قال كرد علي في الجزء الأول من خطط الشام : غزا سيف الدولة الروم أربعين
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 56 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
غزوة ، له وعليه ، وقد حفظ بغزواته بيضة العرب والإسلام ، ولولاه لتقدم الروم في بلاد الشام ، وربما استصفوها كلها بعد أن ضعف العباسيون . وكان قد جمع من نفض الغبار الذي يجتمع عليه في غزواته . . الخ . » .
ووصف المتنبي تأثير حمايته لحدود الدولة الإسلامية ، فقال :
« كيف لا يأمن العراق ومصر * وسراياك دونها والخيول
لو تحرفت عن طريق الأعادي * ربط السدر خيلهم والنخيل
ودرى من أعزه النفع عنه * فيهما إنه الحقير الذليل
أنت طول الحياة للروم غازٍ * فمتى الوعد أن يكون القفول
وسوى الروم خلف ظهرك رومٌ * فعلى أي جانيك تميل
قعد الناس كلهم عن مساعيك * وقامت بها القنا والنصول
ما الذي عنده تدار المنايا * كالذي عنده تدار الشمول
( أعيان الشيعة : 8 / 277 )
ومن شعر سيف الدولة في ولاية أمير المؤمنين ( عليه السلام ) :
« حب علي ابن أبي طالب * للناس مقياسٌ معيار
يُخرج ما في أصلهم مثلما * يخرج غش الذهب النار »
( أعيان الشيعة : 8 / 281 )
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 57 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وهو يشير بذلك إلى الحديث الصحيح عن جابر بن عبد الله الأنصاري عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) قال : بَوِّروا أولادكم بحب علي بن أبي طالب ! أي اختبروا طيب ولادتهم بحبه ، وقال جابر : كنا نبور أولادنا بحب علي ! » ( غريب الحديث لابن الجوزي : 1 / 90 ، والنهاية لابن الأثير : 1 / 161 ، ولسان العرب : 4 / 87 ، وتاج العروس : 10 / 257 ، وتهذيب اللغة للأزهري : 15 / 191 . ومجمع البيان : 9 / 177 ، ونهج الإيمان / 456 ، وأورد الأميني في الغدير : 4 / 322 ، بمعناه اثني عشر أثراً وحديثاً ) .
وقال في الشيعة في الميزان / 170 : « وخير ما قرأت في هذا الباب كتاب سيف الدولة وعصر الحمدانيين لسامي الكيالي ، وقدم له إسماعيل أحمد أدهم ، اقتطف من كلامهما القطعة التالية :
سيف الدولة أحد أبطال التاريخ ، وصاحب شخصية حافلة بالحياة والنشاط ، وذو نواح متعددة ، تتراقص على جنباتها المغامرة ، والشعر والسيف والقلم ، والبطولة والأدب ، فهو من الشخصيات التي تثير الإعجاب وتسترعي النظر . مر بتاريخ العرب في فترة كانت الفوضى تقتلها ، فنجح في أن يلجم الفوضى وأخرج منها نظاماً ، وخلق من ضعف العرب قوة ، وصمد لقوات الروم ، وقاد جموع العرب يذود عن دولته بحد سيفه .
قال غوستاف سيشلمبرجر : شغل سيف الدولة أذهان المؤرخين والكتاب والشعراء في القرن العاشر الميلادي ، فما أن تقرأ صفحة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 58 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لمؤرخ بيزنطي ، أو قطعة لكاتب من كتاب ذلك العصر ، أو قصيدة من قصائد شاعر من شعراء العرب أو اليونان ، حتى يستهويك الوصف والحديث عنه . لقد أقسم مؤرخ زار حلب في عصر سيف الدولة أن قصور الخلفاء في بغداد ، وقصور ملوك الروم في القسطنطينية كانت أقل بهاء من قصور سيف الدولة ، وأن الفنون على تباين أنواعها كانت مضطهدة في عاصمة المسيحية ، ولكنها كانت تنعم بتسامح كبير في عاصمة الحمدانيين وكان المصورون والمثالون من الروم يهربون من قيصر إلى سيف الدولة ، فيستقبلهم ويكرمهم ويشجعهم ويستفيد من عبقرياتهم .
وقال بروكلمن في تاريخ الشعوب الإسلامية : 2 / 91 : « ولئن كان سيف الدولة مديناً بما تم له من شهرة عريضة لنضاله الموفق ضد الروم في المحل الأول ، فليس من شك في أنه مدين بذلك في المحل الثاني لعطفه على الفنون والعلوم ، ورعايته لها .
وبالتالي فإن مدينة حلب في عهد سيف الدولة جمعت أكابر رجال ذلك العصر على اختلاف بلدانهم وتباين ثقافتهم ، كالفارابي ، والشريف أبي إبراهيم جد بني زهرة ، وابن نباتة ، والمتنبي ، والصنوبري ، وابن خالويه ، وابن جني ، والبكتمري ، والنامي ، وكشاجم ، وابن أبي الفياض وأبي الفرج العجلي ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 59 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وكثيرين غيرهم من القضاة والنحويين والأدباء والشعراء والفنانين العرب وغير العرب .
ووصف ابن جبير المذاهب المتغلبة على الشام في القرن السادس فقال : للشيعة في هذه البلاد أمور عجيبة ، وهم أكثر من السنيين بها ، وقد عموا البلاد بمذاهبهم . وحين أراد صلاح الدين الأيوبي الاستيلاء على حلب استنجد الوالي بأهلها وطلب منهم العون ، وأن يعبئوا أنفسهم تعبئة عامة ، فاشترط عليه الشيعة إن أجابوه أن يعيد في الأذان حي على خير العمل في جميع المساجد ، وينادي باسم الأئمة الاثني عشر أمام الجنائز ، ويكبر على الميت خمس تكبيرات ، ويفوض أمر العقود والأنكحة لشيخ الشيعة أبي المكارم حمزة بن زهرة ، فقبل الوالي ذلك كله » .
وفي أعيان الشيعة : 4 / 314 : « وحكى ابن خالويه عن أبي فراس أنه قال : طلب ملك الروم قسطنطين بن لاون الهدنة من سيف الدولة لما كثرت وقائعه بالروم ، واتصلت غزواته ، فأبى إلا بشروط قد بعد عهد الروم بمثلها ، فعند ذلك أراد ملك الروم أن يظهر لسيف الدولة قوته ، فهادن ملك الغرب ، وصرف من كان في جهته من العساكر ، لأن نصارى الغرب وملوكهم لم يكونوا مع ملك القسطنطينية على وفاق ، وهادن أيضاً ملك البلغار والروس
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 60 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والترك والإفرنجة وسائر الأجناس ، واستنجدهم على حرب سيف الدولة وبعث عسكراً عظيماً بينهم رجل يسمى البركمونس وهو أخو الملكة زوجته ، وابن رومانوس الملك قبله ، وأنفق من الأموال ما يعظم قدره ، حتى قيل إنه أخرج اثني عشر ألف عامل لحفر الخندق حول عسكره ، يريد بذلك أن يقهر سيف الدولة أو يحمله على قبول الهدنة بالشروط التي يريدها ، وسار متوجهاً إلى ديار بكر ، وبلغ سيف الدولة خبره فجهز العساكر إلى ديار بكر ، وأقام هو في غلمانه ، واتفق أن الفرات زاد فمنع البركمونس من العبور ، فعدل إلى الشام ونزل على سميساط فافتتحها في بعض يوم ، ونزل على رعبان ، ونفر إليه سيف الدولة فيمن بقي معه ، وأمر أبا فراس بالتقدم فكان أبو فراس أول من لحق العسكر وأحسن البلاء وثبت يقاتل ، حتى استحر القتل وكثر الأسر في أصحابه ثم انصرف بباقيهم حتى خلصهم ، وأسر في هذه الوقعة أخواه ، ودق رمحين في تريبق الجزري رئيس الحرزيم ، وأسر تريبق بعض أصحاب أبي فراس ، فأرى تريبق ذلك الأسير الجراح التي فيه من أبي فراس ، وقال له : أكتب إلى صاحبك أبي فراس وقل له مثلك لا يتسمى في مثل ذلك اليوم ، ويعرفه الناس ، وذلك لأن أبا فراس كان حينما يطعن أو يضرب تريبق يتكنى ويتسمى
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 61 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ويقول خذها وأنا فلان ، على عادة العرب في الحروب ، فأراد تريبق نصحه وإن كان عدوه بأن من كان مثله رئيساً شجاعاً واتراً لا يتسمى في مثل ذلك اليوم ، الذي هو فيه في عدد قليل ، وعدوه في عدد كثير فيعرفه الناس ويجتهدوا في قتله أو أسره متى عرفوه !
فقال أبو فراس في ذلك بيتين جميلين ، وكان اعتذاره فيهما عن تسمية اعتذاراً شعرياً طريفاً :
يعيب علي أن سميت نفسي * وقد أخذ القنا منهم ومنا
فقل للعلج لو لم أسم نفسي * لسماني السنان لهم وكنى
أي لو لم أتَكَنَّ لعرفوني بطعني وضربي » .
« بدأ غزو الروم ومحاربتهم وهو لا يتجاوز التاسعة عشر أو الحادية والعشرين ، ولم يكفَّ عن المعارك ، يباشرها بنفسه وراكباً أو ماشياً حتى وفاته ، أي مدة اثنتين وثلاثين سنة ، لا تمر عليه سنة إلا ويسير للحرب إما غازياً أو مدافعاً ، إما منتصراً أو منكسراً » ! ( أعيان الشيعة : 8 / 269 ) .
وتوفى سيف الدولة سنة 356 هجرية ، وخلفه ابنه أبو المعالي ، الذي لقبه الخليفة بعد عشر سنين بسعد الدولة . قال الزركلي في الأعلام : 3 / 162 ، ما خلاصته : كان سعد الدولة بن سيف الدولة في ميافارقين عندما توفي أبوه سنة 356 ، فجاء
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 62 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إلى حلب وجلس على سرير أبيه ، وطمع الروم بحلب فغزوها ، فخاف سعد الدولة أن يُحصر فيها فخرج سنة 358 ، إلى ميافارقين بلد أمه ، ووكل غلامه قرغويه بحلب فلم يدافع عنها وعقد مع قائد الروم معاهدة مذلة للمسلمين ، فغضب سعد الدولة وانتقل إلى معرة النعمان فأقام ثلاث سنين ، ثم هاجم حلب ودخلها بعد أحداث وفي سنة 367 كتب إلى بغداد أنه في طاعتها ، فجاءته خلعة من الطائع العباسي مع لقب سعد الدولة .
وفي سنة 371 طالبه الدمستق بردس قائد جيش الروم بمال الهدنة فاتفق معه على 400 ألف درهم فضة كل سنة . لكن ملك الروم هاجم حلب سنة 373 بجيش كبير ، فصمد له سعد الدولة وانهزم الدمستق ، واستمر سعد الدولة قوياً مهاباً . ومات بعلة الفالج في حلب سنة 381 » .
وقال الذهبي في سيره : 16 / 189 : « وكانت دولته نيفاً وعشرين سنة ، وبقي بعده ابنه سعد الدولة في ولاية حلب خمساً وعشرين سنة » . لكن دولة الحمدانيين ضعفت بعد سيف الدولة ( رحمه الله ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 63 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

3 - من شعر المتنبي في مدح سيف الدولة

اشتهر المتنبي بسيف الدولة واشتهر سيف الدولة بالمتنبي ، فقد عرَّفه عليه ابن عمه الشاعر أبو فراس الحمداني ، فأعجبه وأكرمه ولازمه المتنبي نحو ثماني سنين من سنة 337 إلى سنة 345 ، ورافقه في بعض غزواته إلى داخل بلاد الروم ، ووصف معاركه بقصائد بليغة كانت من عيون الشعر العربي .
وقد ترجم للمتنبي السيد الأمين في أعيان الشيعة ( 2 / 513 ) لأنه كان شيعياً كسيف الدولة ، نختار منها خلاصة :
هو أبو الطيب أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد الجعفي الكندي ، ولد بالكوفة في محلة كندة سنة 303 ، وكان والده من قبيلة جعفي وأمه من قبيلة همدان وكانت امرأة صالحة ، وقتل سنة 354 ، بضيعة قرب دير العاقول قرب النعمانية ، وهو عائدٌ من فارس إلى بغداد ودفن هناك .
قال يمدح سيف الدولة ، ويهنؤه بعيد الأضحى سنة 342 من قصيدة ، وأنشده إياها في ميدانه بحلب ، وهما على فرسيهما :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 64 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لكل امرئ من دهره ما تعودا * وعادة سيف الدولة الطعن في العدا
هو البحر غص فيه إذا كان ساكناً * على الدر واحذره إذا كان مزبدا
تظل ملوك الأرض خاشعة له * تارقه هلكى وتلقاه سجدا
وتحيي له المال الصوارم والقنا * ويقتل ما تحيي التبسم والجدا
لذلك سمى ابن الدمستق يومه * مماتا وسماه الدمستق مولدا
فولى وأعطاك ابنه وجيوشه * جميعا ولم يعط الجميع ليحمدا
وما طلبت زرق الأسنة وغيره * ولكن قسطنطين كان له الفدى
فأصبح يجتاب المسوح مخافة * وقد كان يجتاب الدلاص المسردا
ويمشي به العكاز في الدير تائبا * وما كان يرضى مشي أشقر أجردا
وما تاب حتى غادر الكر وجهه * جريحا وخلى جفنه النقع أرمدا
هنيئا لك العيد الذي أنت عيده * وعيد لمن سمى وضحى وعيدا
فذا اليوم في الأيام مثلك في الورى * كما كنت فيهم أوحدا كان أوحدا
هو الجد حتى تفضل العين أختها * وحتى يكون اليوم لليوم سيدا
ومن يجعل الضرغام للصيد بازه * تصيده الضرغام فيما تصيدا
وما قتل الأحرار كالعفو عنهم * ومن لك بالحر الذي يحفظ اليدا
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته * وان أنت أكرمت اللئيم تمردا
ووضع الندى في موضع السيف بالعلى * مضر كوضع السيف في موضع الندا
وما الدهر إلا من رواة قصائدي * إذا قلت شعرا أصبح الدهر منشدا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 65 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فسار به من لا يسير مشمرا * وغنى به من لا يغني مغردا
ودع كل صوت غير صوتي فإنني * أنا الطائر المحكي والآخر الصدى
تركت السرى خلفي لمن قل ماله * وأنعلت أفراسي بنعماك عسجدا
وقيدت نفسي في ذراك محبة * ومن وجد الإحسان قيدا تقيدا
وقال يمدح سيف الدولة وقد سار لبناء مدينة الحدث الحمراء لحمرة بيوتها ، وقلعتها على جبل الأحيدب ، وذكر إيقاعه فيها بالدمستق ملك الروم وأسره صهره وابن بنته ، وأقام سيف الدولة إلى أن بناها ، فأنشده المتنبي يوم الثلاثاء لتسع خلون من رجب سنة 343 ، قصيدته التي منها :
على قدر أهل العزم تأتي العزائم
* وتأتي على قدر الكرام المكارم
وتعظم في عين الصغير صغارها * وتصغر في عين العظيم العظائم
يكلف سيف الدولة الجيش همه * وقد عجزت عنه الجيوش الخضارم
ويطلب عند الناس ما عند نفسه * وذلك ما لا تدعيه الضراغم
هل الحدث الحمراء تعرف لونها * وتعلم أي الساقيين الغمائم
سقتها الغمام الغر قبل نزوله * فلما دنا منها سقتها الجماجم
بناها فأعلى والقنا يقرع القنا * وموج المنايا حولها متلاطم
وكان بها مثل الجنون فأصبحت * ومن جثث القتلى عليها تمائم
طريدة دهر ساقها فرددتها * على الدين بالخطى والدهر راغم
تفيت الليالي كل شئ أخذته * وهن لما يأخذن منك غوارم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 66 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إذا كان ما تنويه فعلا مضارعا * مضى قبل أن تلقى عليه الجوازم
أتوك يجرون الحديد كأنما * أتوا بجياد ما لهن قوائم
خميس بشرق الأرض والغرب زحفه * وفي أذن الجوزاء منه زمازم
تقطع ما لا يقطع الدرع والقنا * وفر من الفرسان من لا يصادم
وقفت وما في الموت شك لواقف * كأنك في جفن الردى وهو نائم
تمر بك الأبطال كلمى هزيمة * ووجهك وضاح وثغرك باسم
ضممت جناحيهم على القلب ضمة * تموت الخوافي تحتها والقوادم
بضرب أتى الهامات والنصر غائب * وصار إلى اللبات والنصر قادم
حقرت الردينيات حتى طرحتها * وحتى كان السيف للرمح شاتم
ومن طلب الفتح الجليل فإنما * مفاتيحه البيض الخفاف الصوارم
نثرتهم فوق الأحيدب نثرة * كما نثرت فوق العروس الدراهم
تظن فراخ الفتخ انك زرتها * بإماتها وهي العتاق الصلادم
إذا زلقت مشيتها ببطونها * كما تتمشى في الصعيد الأراقم
أفي كل يوم ذا الدمستق مقدم * قفاه على الاقدام للوجه لائم
وقد فجعته بابنه وابن صهره * وبالصهر حملات الأمير الغواشم
ولست مليكا هازما لنظيره * ولكنك التوحيد للشرك هازم
تشرف عدنان به لا ربيعة * وتفتخر الدنيا به لا العواصم
ألا أيها السيف الذي ليس مغمداً * ولا فيه مرتاب ولا منه عاصم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 67 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
هنيئاً لضرب الهام والمجد والعلى * وراجيك والإسلام أنك سالم
ولما بلغ المتنبي إلى قوله فيها : وقفت وما في الموت والبيت الذي بعده ، قال سيف الدولة : قد انتقدتهما عليك : كما أنتقد على امرئ القيس قوله :
كأني لم أركب جوادا لغارة * ولم أتبطن كاعباً ذات خلخال
ولم أسبا الزق الروي ولم أقل * لخيلي كري كرة بعد إجفال
فبيتاك لم يلتئم شطراهما ، كما لم يلتئم شطراً بيتي امرئ القيس ، وكان ينبغي له أن يقول :
كأني لم أركب جواداً ولم أقل * لخيلي كري كرة بعد أجفال
ولم أسبا الزق للروي للذة * ولم أتبطن كاعباً ذات خلخال
وكان ينبغي لك أن تقول :
وقفت وما في الموت شك لواقف * ووجهك وضاح وثغرك باسم
تمر بك الأبطال كلمى هزيمة * كأنك في جفن الردى وهو نائم
فقال المتنبي : إن صح أن الذي استدرك على امرئ القيس هذا وهو أعلم بالشعر منه ، قد أصاب فقد أخطأ امرؤ القيس وأخطأت أنا ، ومولانا يعلم أن الثوب لا يعلمه البزاز كما يعرفه الحائك ، فإن البزاز يعلم جملته والحائك يعرف تفاصيله ، وإنما قرن امرؤ القيس لذة النساء بلذة الركوب للصيد ، والشجاعة في منازلة الأعداء بالسماحة في شرائه الخمر للأضياف ، وأنا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 68 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كذلك لما ذكرت الموت في صدر البيت الأول ، أتبعته بذكر الردى في آخره ليكون أحسن تلاؤماً ، ولما كان وجه الجريح المنهزم عبوساً وعينه باكية قلت : ووجهك وضاح وثغرك باسم ، لأجمع بين الأضداد في المعنى . فأعجب سيف الدولة بقوله ، ووصله بخمسين ديناراً من دنانير الصلات وفيها خمس مائة دينار .
وعبَر سيف الدولة نهر آلس في بلاد الروم وهو نهر عظيم ونزل على صارخة وخرشنة وهما مدينتان بالروم فأحرق ربضهما وكنائسهما وقفل غانماً ، فلما صار على آلس راجعاً وافاه الدمستق ملك الروم فصافه الحرب فهزمه وأسر بطارقته وقتل ، ثم سار فواقعه في موضع آخر فهزمه أيضاً ، ثم واقعه على نهر آخر وقد ملَّ أصحابه السفر وكلُّوا من القتال فانهزموا ، واجتاز أبو الطيب ليلاً بقطعة من الجيش نيام بين قتلى ، فقال يذكر الحال وما جرى في الدرب من الخيانة :
غيري بأكثر هذا النوع ينخدع * إن قاتلوا جبنوا أو حدثوا شجعوا
ليس الجمال لوجه صح مارنه * أنف العزيز بقطع العز يجتدع
وفارس الخيل من خفت فوقرها * في الدرب والدم في اعطافه دفع
بالجيش تمتنع السادات كلهم * والجيش بابن أبي الهيجاء يمتنع
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 69 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قاد المقانب أقصى شربها نهل * على الشكيم وأدنى سيرها سرع
حتى أقام على أرباض خرشنة * تشقى به الروم والصلبان والبيع
للسبي ما نكحوا والقتل ما ولدوا * والنهب ما جمعوا والنار ما زرعوا
تغدو المنايا فلا تنفك واقفة * حتى يقول لها عودي فتندفع
قل للدمستق ان المسلمين لكم * خانوا الأمير فجازاهم بما صنعوا
لا تحسبوا من أسرتم كان ذا رمق * فليس يأكل إلا الميتة الضبع
فكل غزو إليكم بعد ذا فله * وكل غاز لسيف الدولة التبع
تمشي الكرام على آثار غيرهم * وأنت تخلق ما تأتي وتبتدع
وهل يشينك وقت كنت فارسه * وكان غيرك فيه العاجز الضرع
من كان فوق محل الشمس موضعه * فليس يرفعه شئ ولا يضع
إن السلاح جميع الناس تحمله * وليس كل ذوات المخلب السبع
وأراد سيف الدولة قصد خرشنة فعاقه الثلج ، فقال المتنبي :
عواذل ذات الخال في حواسد * وإن ضجيع الخود مني لماجد
يرد يداً عن ثوبها وهو قادر * ويعصي الهوى في طيفها وهو راقد
متى يشتفي من لاعج الشوق في الحشا * محب لها في قربه متباعد
إذا كنت تخشى العار في كل خلوة * فلم تتصباك الحسان الخرائد
ألح علي السقم حتى ألفته * ومل طبيبي جانبي والعوائد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 70 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مررت على دار الحبيب فحمحمت * جوادي وهل تشجي الجياد المعاهد
وما تنكر الدهماء من رسم منزل * سقتها ضريب الشول فيه الولائد
أهم بشئ والليالي كأنها * تطاردني عن كونه وأطارد
وحيد من الخلان في كل بلدة * إذا عظم المطلوب قل المساعد
وتسعدني في غمرة بعد غمرة * سبوح لها منها عليها شواهد
تثنى على قدر الطعان كأنما * مفاصلها تحت الرماح مراود
وأورد نفسي والمهند في يدي * موارد لا يصدرن من لا يجالد
ولكن إذا لم يحمل القلب كفه * على حالة لم يحمل الكف ساعد
خليلي اني لا أرى غير شاعر * فلم منهم الدعوى ومني القصائد
فلا تعجبا ان السيوف كثيرة * ولكن سيف الدولة اليوم واحد
له من كريم الطبع في الحرب منتض * ومن عادة الاحسان والصفح غامد
ولما رأيت الناس دون محله * تيقنت أن الدهر للناس ناقد
أحقهم بالسيف من ضرب الطلى * وبالأمن من هانت عليه الشدائد
وتضحي الحصون المشمخرات في * الذرى وخيلك في أعناقهن قلائد
أخو غزوات ما تغب سيوفه * رقابهم إلا وسيحان جامد
بذا قضت الأيام ما بين أهلها * مصائب قوم عند قوم فوائد
وكل يرى طرق الشجاعة والندي * ولكن طبع النفس للنفس قائد
نهبت من الأعمار ما لو حويته * لهنئت الدنيا بأنك خالد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 71 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فأنت حسام الملك والله ضارب * وأنت لواء الدين والله عاقد
وقال يمدحه وقد ورد عليه رسول ملك الروم يلتمس الفداء من قصيدة :
لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي * وللحب ما لم يبق مني وما بقي
وما كنت ممن يدخل العشق قلبه * ولكن من يبصر جفونك يعشق
وبين الرضى والسخط والقرب والنوى * مجال لدمع المقلة المترقرق
وغضبي من الإدلال سكرى من الصبا * شفعت إليها من شبابي بريق
وأشنب معسول الثنيات واضح * سترت فمي عنه فقبل مفرقي
واجيان غزلان كجيدك زرتني * فلم أتبين عاطلا من مطوق
سقى الله أيام الصبى ما يسرها * ويفعل فعل البابلي المعتق
ولم أر كالألحاظ يوم رحيلهم * بعثن بكل القتل من كل مشفق
أدرن عيونا حائرات كأنها * مركبة احداقها فوق زئبق
عشية يعدونا عن النظر البكا * وعن لذة التوديع خوف التفرق
نودعهم والبين فينا كأنه * قنا ابن أبي الهيجاء في قلب فيلق
قواض مواض نسج داود عندها * إذا وقعت فيه كنسج الخدرنق
تقد عليهم كل درع وجوشن * وتفري إليهم كل سور وخندق
يغير بها بين اللقان وواسط * ويركزها بين الفرات وجلق
رأى ملك الروم ارتياحك للندى * فقام مقام المجتدي المتملق
وخلى الرياح السمهرية صاغرا * لا درب منه بالطعان وأحذق
وكاتب من ارض بعيد مرامها * قريب على خيل حواليك سبق
وقد سار في مسراك منها رسوله * فما سار إلا فوق هام مفلق
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 72 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فلما دنا أخفى عليه مكانه * شعاع الحديد البارق المتالق
واقبل يمشي في البساط فما درى * إلى البحر يسعى أم إلى البدر يرتقي
وكنت إذا كاتبته قيل هذه * كتبت إليه في قذال الدمستق
فان تعطه منك الأمان فسائل * وإن تعطه حد الحسام فاخلق
بلغت بسيف الدولة النور رتبة * أنرت بها ما بين غرب ومشرق
إذا شاء ان يلهو بلحية أحمق * أراه غباري ثم قال له الحق
وما كمد الحساد شئ قصدته * ولكنه من يزحم البحر يغرق
واطراق طرف العين ليس بنافع * إذا كان طرف القلب ليس بمطرق
فيا أيها المطلوب جاوره تمتنع * ويا أيها المحروم يممه ترزق
وقال يمدحه بعد دخول رسول ملك الروم إليه :
دروع لملك الروم هذي الرسائلُ * يرد بها عن نفسه ويشاغلُ
أرى كل ذي ملك إليك مصيره * كأنك بحر والملوك جداول
إذا مطرت منهم ومنك سحائب * فوابلهم طلُّ وطلك وابل
أفي كل يوم تحت ضبني شويعر * ضعيفٌ يقاويني قصيٌر يطاول
وأتعب من ناداك من لا تجيبه * وأغيظ من عاداك من لا تشاكل
وما التيه طبي فيهم غير أنني * بغيض إليَّ الجاهل المتعاقل
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 73 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل السادس : من أعلام بني تغلب

1 - من أعلامهم الزعماء والعلماء

1 : عبد الله بن حمدان : أبو الهيجاء ، والد سيف الدولة وناصر الدولة ، وهو أول من تولى الموصل من الأمراء الحمدانيين ، ولاه المكتفي العباسي سنة 293 . ( الكامل في التاريخ : 7 / 539 ) .
ثم عزله المقتدر العباسي ، فعاد إلى بغداد ، ثم خلع عليه المقتدر وأعاده والياً عليها في السنة التالية . ( الكامل : 8 / 90 ) .
وفي سنة 312 تولى حراسة أمر الحجاج ، فاعترضهم القرامطة في عودتهم ، فوقع أبو الهيجاء أسيراً في أيديهم . ( الكامل : 4 / 148 ) .
ثم تولى صد هجوم القرامطة عن الأنبار سنة 315 . ( الكامل : 8 / 172 ) .
وقتل سنة 317 في فتنة خلع المقتدر العباسي . ( الكامل : 8 / 200 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 74 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ومن أهم إنجازاته بناء القبة الشريفة على ضريح الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) . ( نزهة المشتاق للشريف الإدريسي : 1 / 382 ) .
2 : الحسن بن عبد الله بن حمدان : ناصر الدولة ، أبو محمد ، صاحب الموصل ، حكمها مدة اثنين وثلاثين سنة . ( الأعلام : 2 / 195 ) وهو أخ سيف الدولة وأكبر منه سناً ، وأقدم منزلة عند الخلفاء ، وكان في خدمة الشيخ الأجل محمد بن محمد بن النعمان المفيد ، يستفيد أصول الدين وفروعه ، وصنف الشيخ باسمه رسالة في الإمامة . ( أعيان الشيعة : 5 / 136 ) .
وقد خاض الحسن حروباً في تلك الفترة التي نشبت فيها الصراعات بين حكام المقاطعات ، وصار حكام بني العباس لا يملكون لأنفسهم أمراً ، وانتشر السلب والنهب وقطع الطرق ، وكان ناصر الدولة أحد القادة الأفذاذ ، الذين أمنوا السبل ، واستقامت الأمور .
ثم ولي الحسن بن حمدان ديار ربيعة ، ونصيبين وسنجار والخابور ورأس عين وميافارقين وأرزن ، وضمن ذلك بمال معلوم . ( الكامل في التاريخ : 8 / 217 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 75 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم كان الحسن إلى جانب الخليفة المقتدر عندما ثار عليه مؤنس الخادم . وكان « شديد المحبة لأخيه سيف الدولة ، وتغير أحواله بعد وفاته وساءت أخلاقه ، وضعف عقله ، فسيره أولاده إلى قلعة أردمشت ، ومات بها سنة ثمان وخمسين وثلاث مائة ، ودفن بتل توبة شرقي الموصل . وكانت مدة إمارته اثنتين وثلاثين سنة » . ( الوافي بالوفيات : 12 / 57 ) .
3 : الحسن بن علي بن الحسين بن حمدان : أبو العشائر ، وهو ابن عم أبي فراس الحمداني وأب زوجته ، وهو من مشاهير أمراء بني حمدان ، وكان شاعراً مجيداً ، وللمتنبي والسري الرفاء وأبي فراس فيه مدائح كثيرة . وهو الذي عرَّف المتنبي على سيف الدولة ، وله معه قصص . وكان والياً على أنطاكيا وكان يغزو الروم فوقع أسيراً وبقي في أسرهم حتى مات هناك ، فرثاه أبو فراس :
أأبا العشائر لا محلك دارس * بين الضلوع ولا مكانك نازح
إني لأعلم بعد موتك أنه * ما مدَّ للإسراء يوم صالح
( أعيان الشيعة : 6 / 106 )
4 : سعيد بن حمدان : والد الشاعر أبي فراس ، فارس شجاع كان أميراً في نهاوند ( الكامل : 8 / 157 ) ثم عهد له المقتدر العباسي سنة 315
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 76 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بصد غزو القرامطة لمنطقة هيت فحماها منهم ( الكامل : 8 / 173 ) ، ثم عين والياً على النهروان وواسط . ( صلة تاريخ الطبري / 102 ) .
ثم كلف بمهام في بغداد ، ثم ولاه المقتدر الموصل وديار ربيعة وشرط عليه غزو الروم ، وأن يستنقذ ملطية منهم ، فسار منها إلى ملطية ، وبها جمع من الروم ومن عسكر مليح الأرمني ومعهم بني بن نفيس صاحب المقتدر ، وكان قد تنصر وهو مع الروم ، فخافوا من سعيد فأخلوها ودخلها سعيد ، واستخلف عليها أميراً . ثم غزا بلاد الروم في شوال من تلك السنة المذكورة ، وقتل منهم كثيراً . ( الكامل : 8 / 235 ) .
ثم انتدبه المقتدر العباسي سنة 320 لقتال مؤنس الخادم عندما تمرد في الموصل وسار إلى بغداد ، فالتقى معه قرب تكريت ، وقتل في هذه المعركة أخوه داود بن حمدان ( الكامل : 8 / 241 ) .
وسعيد بن حمدان هو أول من بني قبر الصحابي الشهيد عمرو بن الحمق الخزاعي في الموصل . ( أسد الغابة : 4 / 101 )
5 : سليمان بن حمدان بن حمدون : من شجعان بني حمدان ، شارك في حروبهم ، وقال عنه ابن خالويه : كان أبو الوليد سليمان بن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 77 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
حمدان شيخ بني حمدان ، وصاحب الغلب في كل وقعة ، ولعلو شأنه سمي الحرون لذلك ، وفيه يقول أبو فراس :
وعمي الحرون عند قلب كل كتيبة * تخف الجبال وهو للموت صابر
( أعيان الشيعة : 7 : 297 )
6 : مهلهل بن نصر بن حمدان : أبو زهير ، شهد مع سيف الدولة سنة 339 فتح حصن العيون والصفصاف ، واستشهد في تلك الغزوة ببلاد الروم . ( أعيان الشيعة : 10 / 167 )
وفي ذلك يقول المهلهل :
لقد سخنت عيون الروم لما * فتحنا عنوة حصن العيون
ودوخنا بلادهم بجرد * سواهم شزب قب البطون
عليها من ربيعة كل قرم * فقيد المثل ليس بذي قرين
وبالصفصاف جرعنا علوجاً * شداداً منهم كأس المنون
( معجم البلدان : 2 / 256 و : 3 / 413 )
6 : هبة الله بن الحسن : أبو القاسم بن ناصر الدولة ، كان والياً على حران من قبل أخيه ، وعهد إليه سنة 362 قتال الروم بناحية ميافارقين ، فطمع به الدمستق ملك الروم ، وكان الدمستق في
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 78 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كثرة لكن أولاد ناصر الدولة لقوه في مضيق لا تجول فيه الخيل والروم على غير أهبة ، فانهزموا ، وأخذوا الدمستق أسيراً ولم يزل محبوساً إلى أن مرض سنة 363 ، فبالغ أبو تغلب في علاجه وجمع الأطباء له فلم ينفعه ذلك ، ومات . ( الكامل في التاريخ : 8 / 628 ) .
7 : أبو الفضائل بن شريف : تولى إمارة حلب بعد أبيه شريف بن سيف الدولة سنة 381 ، وكان بكفالة لؤلؤ التركي غلام سيف الدولة . فطمع وزير العزيز الفاطمي في حلب فسير إليها جيشاً في ثلاثين ألفاً عليهم منجوتكين التركي ، فكاتَبَ لؤلؤ كاتِب بسيل ملك الروم ، في النجدة على المصريين ، وبعث إليه بهدايا وتحف ، فوصل كتابه وملك الروم يقاتل ملك البلغار ، فبعث إلى نائبه بأنطاكية يأمره بإنجاد لؤلؤ فسار في خمسين ألفاً حتى نزل على العاصي بين أنطاكية وحلب ، فلما بلغ ذلك منجوتكين قصد الروم فنصر الله المسلمين وانهزم الروم ، وتبعهم منجوتكين إلى أنطاكية فأحرق ونهب ضياعها . وعاد منجوتكين إلى حلب فحصرها فعلم لؤلؤ فكاتب منجوتكين وأرغبه في المال ، فقبلوا ورحلوا ، فبلغ العزيز ذلك فشق عليه ، فأرجع منجوتكين في
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 79 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
السنة التالية فحاصر حلب ثلاثة عشر شهراً فقلَّت الأقوات واشتد الحصار على لؤلؤ وأبي الفضائل ، فكاتبا ملك الروم ثانياً ، وكان قد توسط بلاد البلغار فجاء بنفسه في مائة ألف ، فلما قرب من البلاد أرسل لؤلؤ إلى منجوتكين يقول : إن الإسلام جامع بيني وبينك وأنا ناصح لكم وقد وافاكم ملك الروم بجنوده . فسار إلى دمشق ووصل ملك الروم فنزل على باب حلب ، وخرج إليه أبو الفضائل ولؤلؤ ثم عادا إلى حلب . ورحل بسيل إلى الشام ففتح حمص وشيزر ونهب وأسر ونازل طرابلس نيفا وأربعين يوماً فامتنعت عليه فعاد إلى بلاده . ولما بلغ الخبر العزيز عظم عليه ونادى في الناس بالنفير لغزو الروم وبرز من القاهرة وحدثت به أمراض منعته وأدركه الموت . ثم إن لؤلؤا دس السم إلى أبي الفضائل على يد زوجته بنت لؤلؤ ، فسمته فمات سنة 391 ، وقام مقامه ولداه أبو الحسن علي وأبو المعالي شريف أياماً ، ثم حملا إلى مصر ، وبهما ختمت سلطنة آل حمدان ، وحكم لؤلؤ حلب حتى توفي سنة 399 . ( أعيان الشيعة : 2 / 396 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 80 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
8 : الحسن بن الحسين بن عبد الله : الأمير المعروف بناصر الدولة وسيفها ذو المجدين ، المقتول بمصر سنة 465 ، وهو من أحفاد ناصر الدولة . ولي إمارة دمشق من قبل المستنصر العلوي صاحب مصر سبع سنين ثم استدعاه إلى مصر ( تاريخ دمشق : 13 / 77 ) وارتفع مقامه عند المستنصر الفاطمي حتى صار من كبار القادة ، إلى أن قتل سنة 465 ه‍ في فتنة داخلية نشبت بين الأتراك والعبيد فقتله القادة الأتراك ( الكامل : 10 / 80 ) . وبموته انتهى ملك بني حمدان .
9 : عبد الأعلى بن حصين التغلبي : تابعي يروي عن وقاص عن سلمان الفارسي ، وعن أنس بن مالك وعن أبيه . وقع في طريق خبر الطائر المشوي المشهور في فضائل أمير المؤمنين ( عليه السلام ) . ( مناقب علي بن أبي طالب ، وما نزل في علي من القرآن : لابن مردويه الأصفهاني : 141 )
10 : عبد السلام بن أحمد بن علي بن حبة الخزاز : من شيوخ الشريف محمد بن علي بن الحسن العلوي الشجري ، صاحب كتاب فضل زيارة الحسين . ( فضل زيارة الحسين : ابن الشجري : 15 )
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 81 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
11 : الحسن بن محمد بن الحسن بن محمد بن حمدون : الكاتب ، من نسل سيف الدولة بن حمدان . عاش في المدائن وتوفي سنة 608 ، ودفن عند الإمام موسى بن جعفر ( عليه السلام ) .
كان من الأدباء العلماء طاهر الأخلاق ، حسن الصورة ، محباً للكتب واقتنائها ، ثم تقاعد به الدهر فأخذ يبيعها وهو يبكي عليها كالمفجوع بأحبائه . ألف كتباً ولم يجسر على أظهارها خوفاً من محيطه المخالف لمذهبه . وكان آخر من بقي من هذا البيت ، ولم يخلف إلا ابنة يسمى زوجها ابن الدوامي . ( أعيان الشيعة : 5 / 247 ) .

2 - من أعلامهم الرواة

1 : حصين التغلبي : روى عن أسماء بنت عميس أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) قال : أقول كما قال أخي موسى : رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي . وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي . وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي . يَفْقَهُوا قَوْلِي . وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي . علياً أخي ( شواهد التنزيل : 1 / 482 . ) . وسأل الإمام الباقر ( عليه السلام ) عن المهدي ( عجل الله تعالى فرجه الشريف ) . ( معجم أحاديث الإمام المهدي : 3 / 235 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 82 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
2 : حفص بن عمرو بن بيان التغلبي : من أصحاب الصادق ( عليه السلام ) ( رجال الطوسي : 189 )
3 : أبو المرجى بن محمد بن المعمر التغلبي : روى عنه النعماني في كتاب الغيبة نص الإمام الصادق على الكاظم ( عليهما السلام ) . ( النعماني / 348 )
4 - جندل بن والق بن هجرس : وثقه ابن حبان في الثقات : 8 / 168 ، روى عنه أبو زرعة وأهل العراق ، روى عنه الصدوق في العلل ( 1 / 1779 ) علة تسمية فاطمة الزهراء ، وفي المناقب لمحمد بن سليمان / 300 ذم معاوية عن أبي سعيد . مات سنة 226 ه - . ( معجم الرجال والحديث : 2 / 35 ) .
5 - حبيب بن الحسين التغلبي : من شيوخ والد الصدوق ( رحمه الله ) روى عنه زيارة الإمام الصادق لأمير المؤمنين ( عليهما السلام ) . ( دلائل الإمامة / 459 )
6 - إبراهيم بن الحسن التغلبي : روى عنه الحسكاني حديث تصدق علي ( عليه السلام ) بالخاتم بثلاث وسائط ، عن جابر . ( شواهد التنزيل : 1 / 225 ) .
7 - أحمد بن التغلبي : روى عنه الصدوق احتجاج أمير المؤمنين ( عليه السلام ) على أبي بكر . ( الخصال / 548 ) .
8 - إسماعيل بن محمد التغلبي : روى عنه الصدوق في علل الشرائع في فضل الحجر الأسود . ( علل الشرائع : 428 )
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 83 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
9 - 12 - ومن أصحاب الصادق ( عليه السلام ) الذين ذكرهم الشيخ الطوسي في رجاله : الفضيل بن فضالة ، ومحمد بن الأسود التغلبي ، ومحمد بن زهير التغلبي ، ومحمد بن طارق التغلبي .
13 - محمد بن يحيى بن أبي مرة : « قال : مررت بجعفر بن عفان الطائي فرأيته على باب منزله فسلمت عليه فقال : مرحباً بك يا أخا تغلب ، أجلس فجلست إليه ، فقال : ألا تعجب من مروان بن أبي حفصة شاعر بني العباس :
أنى يكون وليس ذاك بكائن * لبني البنات وراثة الأعمام
فقلت : والله إني لأتعجب منه وأُكثر لعنَه لذلك ! فهل قلت في ذلك شيئاً ؟ فقال : نعم قلت فيه :
لم لا يكون وإن ذاك لكائنٌ * لبني البنات وراثة الأعمامِ
للبنت نصفٌ كاملٌ من ماله * والعم متروكٌ بغير سهام
ما للطليق وللتراث وإنما * صلى الطليق مخافة الصمصام »
( أعيان الشيعة : 4 / 129 ) .
وسبب هذه الأبيات أن العباسيين ادعوا أنهم أولى بإرث النبي ( صلى الله عليه وآله ) من بني علي وفاطمة ( عليهما السلام ) ، لأن العم أولى من البنت ! فأجابهم التغلبي ( رحمه الله ) بأن العم خارجٌ من الإرث في الإسلام مع وجود الأبناء والبنات . والعباس خارج من الإرث المعنوي للنبي ( صلى الله عليه وآله ) لأنه لم يهاجر فانفصمت ولايته ، بل هو طليق لأنه خرج مع المشركين لحرب النبي في بدر ، وأسر وأطلق .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 84 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

3 - من أعلامهم الشعراء

1 : عمرو بن كلثوم العتابي : أحد الشعراء الجاهليين الكبار من أصحاب المعلقات ، كان فارساً شجاعاً ساد قومه ، وهو الذي قتل عمرو بن هند اللخمي ملك الحيرة . ( الأعلام : 5 / 84 )
2 : المهلهل بن ربيعة : الملقب بالزير سالم ، واسمه عدي بن ربيعة بن مرة ، وهو الذي هيج حرب البسوس مع بني شيبان بعد مقتل أخيه كليب ، وهو خال الشاعر امرئ القيس . ( المصدر السابق : 4 / 220 ) .
3 : غياث بن غوث : الأخطل التغلبي ، شاعر نصراني مدح ملوك بني أمية ونادمهم ، وتهاجى مع جرير والفرزدق . ( المصدر : 5 / 123 ) .
4 : الحارث بن سعيد : أبو فراس الحمداني ، من بطن عمرو بن غنم بن تغلب بن وائل ، وهو من فرسان السيف والقافية ، قال الثعالبي في يتيمة الدهر ( 1 / 75 ) « كان فرد دهره وشمس عصره ، أدباً وفضلاً وكرماً ونبلاً ومجداً وبلاغةً وبراعةً وفروسيةً وشجاعة . وشعره مشهور سائر بيِّن الحسن والجودة والسهولة والجزالة والعذوبة والفخامة والحلاوة والمتانة ومعه رواء الطبع وسمة الظرف وعزة الملك . وكان الصاحب ( بن عباد ) يقول بدء
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 85 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الشعر بملك وختم بملك ، يعني امرأ القيس وأبا فراس ، وكان المتنبي يشهد له بالتقدم والتبريز ، ويتحامى جانبه فلا ينبري لمباراته ، ولا يجترئ على مجاراته » .
ولد أبو فراس في بيت أدب ورئاسة سنة 320 ، وكان في الثالثة من عمره حين قتل والده في صراع على السلطة مع أعمامه . ونشأ أبو فراس يتيماً يعطف عليه ابن عمه سيف الدولة علي بن حمدان . وعندما حكم حلب اصطحبه معه ليتمرس في العلم والأدب والفروسية ، فحضر مجالس الفارابي ، والمتنبي ، والسري بن أحمد الموصلي ، وأبي الفرج الببغاء ، وأبي الفرج الوأواء وأبي اسحق ، وإبراهيم بن هلال الصابي . واصطحبه سيف الدولة في غزواته وأعطاه إمارة منبج ، فكان يغزو الروم ، فنصبوا له كميناً وأسروه سنة 351 ، فطلبه ملكهم الدمستق فدية ثقيلة ، فطال أسره أربع سنوات ، ونظم في الأسر قصائده الروميات ، ثم فداه سيف الدولة بمال عظيم .
ومن أشهر قصائد أبي فراس ميميته في ظلامة أهل البيت ( عليهم السلام ) :
الحق مهتضمٌ والدين مخترمُ
* وفَيْئُ آل رسول الله مقتسمُ
بنو عليٍّ رعايا في ديارهم * والأمر تملكه النسوان والخدم
محلؤون فأصفى شربهم وشلٌ * عند الورود وأوفى ودهم لمم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 86 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فالأرض إلا على ملاكها سعة * والمال إلا على أربابه ديم
فما السعيد بها إلا الذي ظلموا * وما الشقي بها إلا الذي ظلموا
للمتقين من الدنيا عواقبها * وإن تعجل منها الظالم الأثِم
أتفخرون عليهم لا أباً لكم * حتى كأن رسول الله جدكم
ولا تَوازن فيما بينكم شرفٌ * ولا تساوت لكم في موطنٍ قدم
ولا لكم مثلهم في المجد متصل * ولا لجدكم معاشر جدهم
ولا لعرقكم من عرقهم شبَهٌ * ولا نثيلتكم من أمهم أمَمُ
قام النبي بها يوم الغدير لهم * والله يشهد والأملاك والأمم
حتى إذا أصبحت في غير صاحبها * باتت تنازعها الذؤبان والرخم
وصيروا أمرهم شورى كأنهم * لا يعرفون ولاة الحق أيهم
تالله ما جهل الأقوام موضعها * لكنهم ستروا وجه الذي علموا
ثم ادعاها بنو العباس ملكهم * ولا لهم قَدمٌ فيها ولا قِدم
لا يذكرون إذا ما معشر ذكروا * ولا يحكم في أمر لهم حكم
ولا رآهم أبو بكر وصاحبه * أهلا لما طلبوا منها وما زعموا
فهل هم مدعوها غير واجبة * أم هل أئمتهم في أخذها ظلموا
أما علي فأدنى من قرابتكم * عند الولاية إن لم تُكفر النعم
أينكر الحبر عبد الله نعمته * أبوكم أم عبيد الله أم قثم
بئس الجزاء جزيتم في بني حسن * أباهم العلم الهادي وأمهم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 87 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لا بيعة ردعتكم عن دمائهم * ولا يمين ولا قربى ولا ذمم
هلا صفحتم عن الأسرى بلا سبب * للصافحين ببدر عن أسيركم ( 1 )
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( 1 ) يقصد جدهم العباس الذي كان مع المشركين في بدر فأسره المسلمون . وعلية بنت المهدي العباسي ، أخت هارون الرشيد كانت مغنية . وأخوها إبراهيم بن المهدي ، كان أسود مغنياً .
هلا كففتم عن الديباج سوطكم * وعن بنات رسول الله شتمكم
ما نزهت لرسول الله مهجته * عن السياط فهلا نزه الحرم
ما نال منهم بنو حرب وإن عظمت * تلك الجرائر إلا دون نيلكم
كم غدرة لكم في الدين واضحة * وكم دم لرسول الله عندكم
أنتم له شيعة فيما ترون وفي * أظفاركم من بنيه الطاهرين دم
هيهات لا قربت قربى ولا رحم * يوما إذا أقصت الأخلاق والشيم
كانت مودة سلمان له رحما * ولم يكن بين نوح وابنه رحم
يا جاهدا في مساويهم يكتمها * غدر الرشيد بيحيى كيف ينكتم
ليس الرشيد كموسى في القياس ولا * مأمونكم كالرضا لو أنصف الحكم
ذاق الزبيري غب الحنث وانكشفت * عن ابن فاطمة الأقوال والتهم
باؤوا بقتل الرضا من بعد بيعته * وأبصروا بعض يوم رشدهم وعموا
يا عصبة شقيت من بعد ما سعدت * ومعشرا هلكوا من بعد ما سلموا
لبئسما لقيت منهم وإن بليت * بجانب الطف تلك الأعظم الرمم
أبلغ لديك بني العباس مألكة * لا يدعوا ملكها ، ملاكها العجم
أي المفاخر أمست في منازلكم * وغيركم آمر فيها ومحتكم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 88 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أنى يزيدكم في مفخر علم * وفي الخلاف عليكم يخفق العلم
يا باعة الخمر كفوا عن مفاخركم * لمعشر بيعهم يوم الهياج دم
خلوا الفخار لعلامين إن سئلوا * يوم السؤال وعمالين إن عملوا
لا يغضبون لغير الله إن غضبوا * ولا يضيعون حكم الله إن حكموا
تنشى التلاوة في أبياتهم سحرا * وفي بيوتكم الأوتار والنغم
منكم علية أم منهم ؟ وكان لكم * شيخ المغنين إبراهيم أم لهم
إذا تلوا سورة غنى إمامكم * قف بالطلول التي لم يعفها القدم
ما في بيوتهم للخمر معتصر * ولا بيوتكم للسوء معتصم
ولا تبيت لهم خنثى تنادمهم * ولا يرى لهم قرد ولا حشم
الركن والبيت والأستار منزلهم * وزمزم والصفا والحجر والحرم
وليس من قسم في الذكر نعرفه * إلا وهم غير شك ذلك القسم
*
5 : عمير بن شييم القطامي : شاعر غزل أدرك الأخطل صغيراً . ( المصدر السابق : 5 : 88 )
6 : كعب بن جعيل : مخضرم ، كان في صفين شاعر معاوية .
7 : الأخنس بن شهاب : جاهلي شجاع ، حضر حرب البسوس .
8 : جابر بن حنَّه بن حارثة : طاف ببادية العراق وذكرها في شعره ، وصحب امرئ القيس في سفره إلى بلاد الروم .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 89 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
9 : عمرو بن الأيهم : عاصر الأخطل ، وحضر حرب تغلب وقيس .
10 : النابغة التغلبي الحارث بن عدوان . ( خزانة الأدب : 2 / 122 ) .
11 - أحمد بن محمد بن علي بن يحيى بن صدقة التغلبي ، ابن الخياط الدمشقي : شاعر مجيد طاف بالبلاد ، له ديوان طبع في النجف سنة 1343 . توفي سنة 517 . ( الذريعة : 9 ق 1 / 21 ) ( وفيات الأعيان : 1 / 145 ) .

4 - من أعلامهم العلماء

كان التشيع المذهب السائد في حلب وضواحيها إلى الموصل . قال محمد كرد علي في خطط الشام : « وكان حكم بني حمدان وهم شيعة ، من جملة الأسباب الداعية إلى تأصل التشيع في الشمال ، ولا يزال على حائط صحن المدفن الذي في سفح جبل جوشن بظاهر حلب ذكر الأئمة الاثني عشر ، وقد خرب الآن » . ( غنية النزوع : 10 ) .
وبرز في حلب علماء وأسر علمية ، منهم آل زهرة نقباء السادة في حلب ، وكبيرهم أبو المكارم حمزة بن علي بن زهرة الحلبي .
ومن علماء حلب أحمد بن إسماعيل بن أحمد الجلي الحلبي ، وابنه إسماعيل . وأبو طاهر إبراهيم بن سعيد بن خشاب الحلبي ، وأبو علي الحسن بن أحمد بن علي بن المعلم الحلبي . والحسن بن بشار الحلبي . والحسين بن حمدان بن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 90 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الخصيب الخصيبي ، وقد عاصر سيف الدولة ، والشيخ علي بن الحسن بن أبي المجد الحلبي صاحب كتاب إشارة السبق لمعرفة الحق .
وظهر من الحمدانيين علماء ، منهم محمد بن علي الحمداني ، ومحمد بن حمدان بن محمد الحمداني ، ومحمد بن ظافر الحمداني ، ومحمد بن سليمان الحمداني ، ومحمد بن عمار ، والمظفر بن علي بن الحسين ، وناصر بن أبي طالب الحمداني ، وهبة الله بن حمدان بن محمد ، وترجم لهم في أمل الآمل . ( تاريخ الشيعة : الشيخ محمد حسين المظفر : 143 )
ومن المعاصرين : الشيخ جعفر بن محمد بن عبد الله بن أحمد بن عبد الله بن علي ، الملقب بالستري ، البحراني . عالم ، أديب ، ولد في العوامية من قرى البحرين ، ثم هاجر إلى النجف ، وله مؤلفات منها : جذوة الحق ، در الجوهر الفريد ، قصد السبيل ، وديوان شعر ( معجم المؤلفين : 3 / 137 ) توفي بعد سنة 1340 . ( الذريعة : 5 / 93 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 91 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

5 - من مشاهير نساء بني تغلب

1 : خولة بنت الهذيل بن هبيرة : تزوجها النبي ( صلى الله عليه وآله ) فجاؤوا بها إليه لكنها ماتت في الطريق . ( المحبر : محمد بن حبيب البغدادي : 93 )
2 : الصهباء بنت حبيب بن ربيعة : تزوجها أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، فأولد منها عُمر بن علي ورقية ، قيل كانت سبية من عين التمر . ( مناقب أمير المؤمنين : محمد بن سليمان الكوفي : 2 : 49 )
3 : بهجت بنت الحارث بن عبد الله التغلبي : روت عن خالها عبد الله بن منصور عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) في مقتل الحسين ( عليه السلام ) . ( أمالي الصدوق / 215 ) .
4 : جميلة بنت ناصر الدولة : اشتهرت بالكرم والعقل والجمال . لم تتزوج أنفة من أن يتحكم بها الزوج . ولما تغلب عضد الدولة البويهي على أخيها أمير الموصل ، فرت مع أخيها إلى الرملة ، فخرج عليهم دغفل بن مفرج أمير طئ فقتل أبا تغلب ، وحمل جميلة إلى عضد الدولة فألقاها في دجلة فماتت غرقاً . ( الأعلام : 2 / 139 )
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 92 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
5 : تقية بنت سيف الدولة : عالمة أديبة ، بعثت بعشرة آلاف دينار لينسخوا لها ديوان الشريف الرضي ( رحمه الله ) . ( الغدير : 4 / 200 ) .

6 - من موالي بني تغلب

من أبرز مواليهم : آل حيان التغلبي ، وهم بيت كبير في الكوفة يعملون بالصيرفة ، منهم : إسحق بن عمار بن حيان الصيرفي وإخوته : إسماعيل ، وقيس ، ويوسف ، ويونس . وأولادهم : محمد ، ويعقوب ابنا إسحق ، وبشر وعلي ابنا إسماعيل ، وعبد الرحمن بن بشر ، ومحمد بن يعقوب بن إسحاق ، وعلي بن محمد بن يعقوب . وأبوهم عمار بن حيان من أصحاب الحديث روى عن الصادق ( عليه السلام ) . وإسحق بن عمار ، وإسماعيل بن عمار ، ويونس بن عمار ، وبشر بن إسماعيل ، وأحمد بن بشر بن عمار ، وعبد الرحمن بن بشر ، كلهم من أصحاب الصادق ( عليه السلام ) . أما علي بن إسماعيل بن عمار ، فهو من أصحاب الكاظم ( عليه السلام ) . ( تاريخ الكوفة : البراقي : 455 )
وفي الفوائد الرجالية : 1 / 287 : « وإسحاق بن عمار بن حيان من المشاهير الأعيان ، وكان هو وأخوه إسماعيل وجهين موسرين .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 93 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كان أبو عبد الله ( عليه السلام ) إذا رأى إسحاق بن عمار وإسماعيل بن عمار قال : وقد يجمعهما لأقوام ! يعني الدنيا والآخرة . . .
وفي كامل الزيارة . . عن إسحاق بن عمار : أنه رأى في مشهد الحسين ( عليه السلام ) ليلة عرفة نحواً من ثلاثة آلاف أو أربعة آلاف رجل ، جميلة وجوههم شديد بياض ثيابهم ، يصلون الليل أجمع ، وأنه كان يريد أن يأتي القبر ويقبله ويدعو ، فلا يصل إليه من كثرة الخلق ، فلما طلع الفجر ورفع رأسه من السجود لم ير أحداً منهم . فحكى ذلك للصادق ( عليه السلام ) فقال : إنهم الملائكة الموكلون بقبر الحسين ( عليه السلام ) » .
* *