شرح ادعیة الوضوء

مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة وأتم السلام على سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين.
وبعد، فإن من مفاخر المتوضئين المتطهرين أنهم أنظف الناس في شعوب الأرض، فهم يلتزمون بنظام الطاهر والنجس، والحلال والحرام، ويطهرون أسافلهم، ويغسلون أطرافهم كل يوم مرات عديدة.
فتضيئ وجوههم بالوضوء، ويتنورون بنوره، ليكونوا أهلاً للوقوف بين يدي ربهم عز وجل، ومخاطبته.
وقد تميز مذهب أهل البيت عليهم السلام بأن المتوضئ فيه يدعو وهو يتوضأ بأدعية بليغة، حَرَم المتوضؤون على مذاهب أخرى أنفسهم منها، مع الأسف!
وقد شرحت في هذه الرسالة تلك الأدعية البليغة، التي تمثل دورة عقائدية كاملة، وهي من أبلغ خطاب المؤمن لربه عز وجل، وهو يتهيأ ويطهر وجهه وأطرافه، للوقوف بين يديه ومخاطبته ومناجاته.
وحررت قبل ذلك مسائل في نصوص الوضوء، وفي تجسد أعمال الإنسان في الدنيا ويوم القيامة، وبحثت مسألة التمندل والتنشف بعد الوضوء.
تقبل الله أعمالكم ووضوءكم، واسألكم الدعاء.
حرره: علي الكوراني العاملي
بقم المشرفة أواخر محرم الحرام -1440 هجرية

الفصل الأول : أحاديث أدعية الوضوء

1. أهمها حديث وضوء أميرالمؤمنين عليه السلام

قال الصدوق في الفقيه (1/41): (قال الصادق عليه السلام : بينا أميرالمؤمنين عليه السلام ذات يوم جالس مع محمد بن الحنفية رحمه الله إذ قال له: يا محمد إئتني بإناء من ماء أتوضأ للصلاة، فأتاه محمد بالماء، فأكفأ بيده اليمنى على يده اليسرى.
ثم قال: بسم الله وبالله، والحمد لله الذي جعل الماء طهوراً ولم يجعله نجساً [اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين].[ثم استنجى فقال:  اللهم حَصِّنْ فرجي، وأَعِفَّهُ، واستر عورتي، وحرمني على النار].
قال: ثم تمضمض فقال: اللهم لقني حجتي يوم ألقاك وأطلق لساني بذكراك ثم استنشق فقال: اللهم لا تحرم عليَّ ريح الجنة، واجعلني ممن يشم ريحها ورَوْحها وطيبها.
قال: ثم غسل وجهه فقال:  اللهم بيضْ وجهي يوم تَسْوَدُّ فيه الوجوه، ولا تُسود وجهي يوم تبيضُّ فيه الوجوه.
ثم غسل يده اليمنى فقال:  اللهم أعطني كتابي بيميني، والخلدَ في الجنان بيساري، وحاسبني حساباً يسيراً.
ثم غسل يده اليسرى فقال:  اللهم لا تعطني كتابي بشمالي، ولا تجعلها مغلولة إلى عنقي، وأعوذ بك من مقطعات النيران.
ثم مسح رأسه فقال:  اللهم غشني برحمتك وعفوك وبركاتك.
ثم مسح رجليه فقال:  اللهم ثبتني على الصراط يوم تزل فيه الأقدام، واجعل سعيي فيما يرضيك عني، يا ذا الجلال والإكرام.
ثم رفع رأسه فنظر إلى محمد فقال: يا محمد: من توضأ مثل وضوئي وقال مثل قولي، خلق الله تبارك وتعالى من كل قطرة ملكاً يقدسه ويسبحه ويكبره، فيكتب الله عز وجل ثواب ذلك له إلى يوم القيامة).
وأورد سنده في تهذيب الأحكام، فقال (1/53 ): (أخبرني الشيخ عن أبي القاسم جعفر بن محمد، عن محمد بن يعقوب، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه عن قاسم الخزاز، عن عبد الرحمن بن كثير، عن أبي عبدالله عليه السلام ..)
ورواه في فقه الرضا/69، وفي ختامه: (ثم التفت إلى ابنه فقال: يا بني فأيما عبد مؤمن توضأ بوضوئي هذا، وقال مثل ما قلت عند وضوئه، إلا خلق الله من كل قطرة ملكاً يسبحه، ويكبره ويحمده، ويهلله إلى يوم القيامة. وأيما مؤمن قرأ في وضوئه: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه. ولا صلاة إلا بإسباغ الوضوء وإحضار النية وخلوص اليقين، وإفراغ القلب، وترك الإشتغال، وهوقوله عز وجل: فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ ).

2. روايات أخرى في أدعية الوضوء

قال المحقق الحلي في المعتبر(1/136): (مسألة: والدعاء عند الدخول وعند النظر إلى الماء وعند الإستنجاء وعند الفراغ. أما الدعاء عند الدخول فلرواية أبي بصير، عن أحدهماصلى الله عليه وآلهقال: إذا دخلت الغائط فقل: أعوذ بالله من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم.
وأما عند النظر، فلما روي عن أبي عبدالله عن أميرالمؤمنين عليه السلام قال لابن الحنيفة: يا محمد إئتني بماء أتوضأ..
وروى عبدالله بن ميمون القداح عن أبي عبدالله عن علي عليه السلام أنه كان إذا خرج من الخلاء قال: الحمد لله الذي رزقني لذته، وأبقى في جسدي قوته، وأخرج عني أذاه، يا لها نعمة. ثلاثاً ).
وفي المقنعة للمفيد/45: (وإذا فرغ المتوضي من وضوئه فليقل: الحمد لله رب العالمين، اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين).
وفي من لايحضره الفقيه (1/51): (وزكاة الوضوء أن يقول المتوضي:  اللهم إني أسألك تمام الوضوء وتمام الصلاة وتمام رضوانك والجنة ).
وفي جواهر الكلام (2/339): (ويستحب أن يقول عند الفراغ: الحمد لله رب العالمين، لخبر زرارة.. الخ.).
وفي وسائل الشيعة(1/404): ( باب استحباب الدعاء بالمأثور عند النظر إلى الماء، وعند الإستنجاء والمضمضة والإستنشاق وغسل الأعضاء، وجواز أمر الغير بإحضار ماء الوضوء). وروى حديث وضوء أميرالمؤمنين عليه السلام عن الشيخ الطوسي بسنده، وقال: ورواه الكليني..وذكر سنده ورواه الشيخ بإسناده عن محمد بن يعقوب. ورواه الصدوق مرسلاً، ورواه في المقنع أيضاً مرسلاً نحوه، ورواه في المجالس، وفي ثواب الأعمال.. الخ.).

الفصل الثاني : أئمة المذاهب حرموا أتباعهم من أدعية الوضوء

قالوا: لم يصح حديث في أدعية الوضوء !

قال الكحلاني (1/56): (قال النووي: الأدعية في أثناء الوضوء لا أصل لها، ولم يذكرها المتقدمون. وقال ابن الصلاح: لم يصح فيه حديث).
وسبب عدم روايتهم أنها أمرٌ كمالي لا يهتمون به، والذين يدعون في وضوئهم هم أهل البيت عليهم السلام وقد أعرضوا عنهم، فردوا روايتهم، وظلوا بلا أدعية!
أما إمامهم البخاري فقد عنون: الدعاء عند الوضوء، لكنه روى شيئاً غريباً هو أن النبي دعا لأبي موسى الأشعري، وقريبه عبيد، وكأنه نسي أن يدعو ربه!
قال البخاري(7/162و: 5/101وكرره): (الدعاء عند الوضوء: عن أبي موسى قال: دعا النبي صلى الله عليه وآله وسلم بماء فتوضأ، ثم رفع يديه فقال:  اللهم اغفر لعبيد أبي عامر (قرابةأبي موسى الأشعري ) ورأيت بياض إبطيه فقال:  اللهـم اجعـله يوم القيامــة فوق كثير مـن خلقك مـن الناس!  اللهم اغفر لعبدالله بن قيس (أبي موسى) ذنبه، وأدخله يوم القيامةمدخلاً كريماً ).
ورفع إبطيه أي بالغ بالدعاء لهما، فصار أبو موسى وقريبه فوق كثير من الناس وصارت السنة على المسلمين أن يدعوا لهما عند الوضوء!
وتبعت مصادرهم المشهورة البخاري كالقطيع، فلم ترو شيئاً إلا الترمذي (1/20) والنسائي(1/61) رويا : (لا وضوء لمن لم يذكراسم الله عليه ).
وشذ عنهم عبد الرزاق فروى (1/186) دعاء مختصراً : (عن علي قال: إذا توضأ الرجل فليقل: أشهد أن لا إله إلاالله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين).وابن أبي شيبة (1/3).
وأما أحمد بن عيسى وهو من أئمة الحديث فروى الكثير، لكنهم أعرضوا عنه، فقد روى في أماليه (1/30) عن الإمام الباقر عليه السلام قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من قال إذا فرغ من وضوئه:  اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين، واغفر لي إنك على كل شئ قدير، وجبت له الجنة، وغفرت له ذنوبه، ولو كانت مثل زبد البحر).
وروى في أماليه/33، عن محمد بن الحنفية قال: (دخلت على والدي علي بن أبي طالب عليه السلام فإذا عن يمينه إناء من ماء، فسمى ثم وسكب على يمينه، ثم استنجى فقال: اللهم حصن فرجي واسترعورتي ولا تشمت بي الأعداء ثم تمضمض واستنشق فقال:  اللهم لقني حجتي ولا تحرمني رائحة الجنة، ثم غسل وجهه وقال:  اللهم بيض وجهي يوم تَسْودُّ الوجوه ولا تسود وجهي يوم تبيض الوجوه..بنحو ما تقدم وفي آخره: يابني: إنه من فعل كفعلي هذا تساقط عنه الذنوب كما تساقط ورق الشجر في يوم الريح العاصف.
قال أبو القاسم: بلغني عن بعض آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه من قال إذا فرغ من وضوئه: أشهد أن لا إله إلاالله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، بنى الله له قبة في الجنة ).
وروى محدثهم الديلمي في فردوس الأخبار(5/325 ): (يا علي إذا قمت الى وضوئك فقل: بسم الله العظيم والحمد لله على الإسلام، فإذا غسلت فرجك فقل:  اللهم حصن فرجي واجعلني من المتطهرين، واجعلني من الذين إذا ابتليتهم صبروا، وإن أعطيتهم شكروا، وإذا مضمضت فقل:  اللهم أعني على ذكرك،واذا استنشقت فقل:  اللهم ريحني من رائحة الجنة، وإذا غسلت وجهك فقل:  اللهم بيض وجهي يوم تبيض الوجوه ولاتسود وجهي يوم تسود الوجوه، فإذا غسلت ذراعك اليمنى فقل:  اللهم أعطني كتابي بيميني وحاسبني حساباً يسيراً، وإذا غسلت ذراعك اليسرى فقل:  اللهم لاتعطني كتابي بشمالي ولا من وراء ظهري.
وإذا مسحت رأسك فقل: اللهم نجني برحمتك، اللهم اجعلني ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، وإذا غسلت [مسحت] رجليك فقل:  اللهم اجعله سعياً مشكوراً وذنباً مغفوراً وعملاً مقبولاً، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين. ثم ارفع رأسك إلى السماء فقل: الحمد لله الذي رفعها بغير عمد.
والملَك قائم على رأسك يكتب ما تقول، ويختم عليه بخاتمه، ويعرج إلى السماء فيضعه تحت عرش الرحمن، فلا يُفك ذلك الختم إلى يوم القيامة ).
وفي كنز العمال(9/281) عن علي عليه السلام قال: (قـال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا علي إذا توضأت فقل: بسم الله، اللهم إني أسألك تمام الوضوء، وتمام الصلاة، وتمام رضوانك، وتمام مغفرتك، فهذا زكاة الوضوء..الحديث.).
وفي المطالب العالية (1/81): (عن علي: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا علي..الخ ).
وقال الشوكاني (1/217): (وقال الحافظ: روى فيه من طرق ثلاث عن علي ضعيفة جداً، أوردها المستغفري في الدعوات، وابن عساكر في أماليه، وهو من رواية أحمد بن مصعب المروزي، عن حبيب بن أبي حبيب الشيباني، عن أبي إسحاق السبيعي عن علي. وفي إسناده من لا يعرف.
ورواه صاحب مسند الفرودس من طريق أبي زرعة الرازي، عن أحمد بن عبدالله بن داود، وساقه بإسناده إلى علي. ورواه ابن حبان في الضعفاء من حديث أنس نحو هذا، وفيه عباد بن صهيب وهو متروك. ورواه المستغفري أيضاً من حديث البراء بن عازب وأنس، وإسناده واه، ولكنه وثق عباداً يحيى بن معين)
أقول: لكنهم ضعفوا كل هذه الأحاديث، لأنه لم يروها إمامهم البخاري وأقرانه، وَحَرَمُوا أتباعهم من أدعية الوضوء، مع الأسف!
* *

الفصل الثالث : مسائل من الوضوء وأدعيته

المسألة الأولى: تعصبت الخلافة والمذاهب لوضوء عثمان !

حرص عثمان على أن يكون له أثر في الإسلام، فقد شكى حذيفة وعلي عليه السلام تعدد القراءات وتخوفوا أن يصير القرآن متعدداً في الأمة، فقام عثمان بجمعه وسماه مصحف عثمان، مع أنه سئل عن نسخته فقال: ( أرى فيه لحناً، وستقيمه العرب بألسنتها)! (الدر المنثور: 2/246). وتعصب لنسخته وجعلها المصحف الرسمي، وبعث نسخها الى الأمصار، ولما ماتت حفصة أخذ نسخة عمر وأحرقها، حتى لا يقال فيها فروق عن قرآن عثمان!
كما تعصب عثمان لوضوئه، فقد روى عنه البخاري (2/235): (توضأ فأفرغ على يديه ثلاثاً ثم تمضمض واستنثر ثم غسل وجهه ثلاثاً، ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاثاً،ثم غسل يده اليسرى إلى المرفق ثلاثاً، ثم مسح برأسه ثم غسل رجله اليمنى ثلاثاً ثم اليسرى ثلاثاً، ثم قال: رأيتَ ثَمَّ؟ قال: رأيتُ رسول الله توضأ نحو وضوئي هذا، ثم قال من توضأ نحو وضوئي هذا ثم يصلي ركعتين لايحدث نفسه فيهما بشئ، غفر له ما تقدم).
وجعلته الحكومات الوضوء الرسمي: وضوء عثمان وعاقبت من لم يتوضأ به، لأنه خارج عن جماعة المسلمين! وهو كما ترى خال من أي دعاء!
(راجع: وضوء النبي صلى الله عليه وآله وسلم (1/191) ووضوء عثمان للسيد علي الشهرستاني).
* *

المسألة الثانية: سند حديث وضوء أميرالمؤمنين عليه السلام

استشكل بعضهم فيه بأن راويه عبد الرحمن بن كثير، الذي قال النجاشي إنه متهم بالوضع! لكن يحتمل أن يقصد النجاشي بالذم ابن أخيه علي بن حسان. وحتى لو قصد ابن كثير، فيدل على صحة حديثه عندي علو متنه، وأن الراوي لو كان وضاعاً لما استطاع أن يضعه!
ويدل على صحته: أن عبد الرحمن بن كثير روى عنه الأجلاء، ويكفي منهم الحسن بن محبوب، الذي لا يمكن أن يروي عن متهم بالوضع.
ويدل عليه: قبول علمائنا له، فقد صحح الصدوق حديثه وأفتى به، وأفتى به وبفقرات منه عدد من فقهائنا، وهذا يدل على ثبوته عندهم.
قال الصدوق (الفقيه: 1/41): (قال الصادق عليه السلام : بينا أميرالمؤمنين عليه السلام ذات يوم جالس مع محمد بن الحنفية.. وأورده )
وقال البهائي في الحبل المتين/106، ومشرق الشمسين/348: (زعم ابن الأعرابي أن أكفأته لغة، والحق أنها لغة فصيحة لورودها في مقبولة عبد الرحمن بن كثير الهاشمي عن الصادق عليه السلام قال: بينا أميرالمؤمنين عليه السلام .الخ)
وقال العلامة في منتهى المطلب (1/311): (قول أميرالمؤمنين عليه السلام لولده محمد لما وصف له الوضوء: يا محمد، من توضأ مثلما توضأت..).
وقال الشهيد الأول في الذكرى (2/186): (والراوي وإن كان قد ضُعِّفَ، إلا أن الشهرة، وعمل الأصحاب يؤيدها ).
وقال الوحيد البهبهاني في تعليقته/215: (عبد الرحمن بن كثير الهاشمي: الظاهراتحاده مع القرشي، ورواية هؤلاء الأجلة الثقات كتبه، تشهد على الإعتماد بل والوثاقة كما مر، ويعضدها رواية المشايخ الأجلة المحدثين رواياته في كتب الأخبار، وإعتناؤهم بها واعتمادهم وقبولهم لها، وإفتاؤهم بمضمونها، وإكثارهم مما ذكر، فتدبر).
أقول: وما تقدم كافٍ في الإطمئنان بوثاقة عبد الرحمن بن كثير، وبصدور الحديث عن أميرالمؤمنين عليه السلام .ويؤيده: أن عامة ما روي عنه مقبول عند علمائنا.
وأصل إشكالهم من قول النجاشي رحمه الله /234: (عبد الرحمن بن كثير الهاشمي مولى عباس بن محمد بن علي بن عبدالله بن العباس، كان ضعيفاً. غمز أصحابنا عليه وقالوا: كان يضع الحديث. له كتاب فضل سورة إنا أنزلناه، أخبرنا أحمد بن عبد الواحد قال: حدثنا علي بن حبشي قال: حدثنا أحمد بن محمد بن لاحق قال: حدثنا علي بن الحسن بن فضال، عن علي بن حسان، عن عمه عبد الرحمن بن كثير به. وله كتاب صلح الحسن عليه السلام ، أخبرنا محمد بن جعفر الأديب في آخرين قال: حدثنا أحمد بن محمد قال: حدثنا محمد بن مفضل بن إبراهيم بن قيس بن رمانة الأشعري، عن علي بن حسان، عن عمه عبد الرحمن بن كثير بكتاب الصلح. وله كتاب فدك، وكتاب الأظلة كتاب فاسد مختلط ).
ويبدو أن التضعيف سرى اليه رحمه الله من ابن أخيه علي بن حسان، الصغير السن الواقفي، أما وصف النجاشي لكتاب الأظلة بأنه فاسد مختلط فلا يؤخذ به، لأن النجاشي شديد في أحكامه، وقد يحسب غير الغلو غلواً.
وقلنا إن علي بن حسان كان صغير السن،لأنه لم يدرك الإمام الكاظم عليه السلام الذي توفي سنة183(الكشي: 2/748) بينما عمه يروي عن الباقر عليه السلام ، المتوفي سنة114.
* *

المسألة الثالثة: تفاوت نصوص الأدعية وبلاغتها

نلاحظه في نصوص أدعية الوضوء تفاوتها في بعض الكلمات والجمل: وهوأمر طبيعي بسبب تفاوت حفظ الرواة، وخطأ النساخ، لكن لامشكلة على المسلم أن يقرأ أي نص منها برجاء المطلوبية، وبقاعدة من بلغ.
قال الإمام الباقر عليه السلام : (من بلغه ثواب من الله على عمل فعمل ذلك العمل التماس ذلك الثواب، أوتيه وإن لم يكن الحديث كما بلغه) (الكافي: 2/87).
ويمكن للمطلع أن يرجح نصاً، مثلاً في الدعاء عند المضمضة:  اللهم لقِّنِي حجتي يوم ألقاك وأطلق لساني بذكراك، بدل بذكرك، أي أطلق لساني بتداد نعمك عليَّ، لأنه منسجم مع أسلوب الأدعية في الوزن. وكذا: لاتعطني كتابي بشمالي، بدل يساري، لأنه الوارد في عامة الأدعية.
وربما أوردناه عن المصادر بتغيير بعض ألفاظه عملاً بهذه القاعدة.

أدعية الوضوء دورة عقائدية كاملة !

فقد بدأت بالدعاء عند رؤية الماء: بسم الله وبالله، والحمد لله الذي جعل الماء طهوراً ولم يجعله نجساً. ثم بالدعاء عند الإستنجاء:  اللهم حصن فرجي واعفه، واستر عورتي، وحرمني على النار..
ثم بالدعاء عند غسل اليدين، وعند المضمضمة، والإستنشاق، وغسل الوجه واليدين، ومسح الرأس والرجلين.
وفي كل فقرة منها مفاهيم وأفكار، وتضرعات ومشاعر، وروحانية، لمؤمن يتهيأ للوقوف بين يدي ربه، ثم للوقوف في المحشر، وهو يخاف من عذاب النار، ويطمع في الجنة، ويدعوبالعبور الموفق على الصراط!
* *

المسألة الرابعة: يستحب التمندل بعد الوضوء

قيل يكره التمندل من الوضوء، ولا دليل عليه، وأضعف منه تعليله بأن التمندل يزيل التقاطر(منتهى المطلب: 1/311) أي يوقف خلق الملائكة من قطرات الوضوء! فإن الله تعالى إذا أراد خلق الملائكة من ماء الوضوء، فلماذا يخص به ما يتقاطر وينفصل عن البدن ولا يخلقه من كل قطرات الوضوء! وعلى فرض حصره بما تقاطر، فهو عزوجل يعلم عددها، وإن تمندلنا.
وذكر الشيخ الأنصاري في كتاب الطهارة (2/446) أن ترك التمندل مخالف للعامة فهو أرجح، وقال إن ما روي من تمندل الأئمة عليهم السلام يحمل على التقية، ومال+الى كراهة التمندل لرواية: من توضّأ وتمندل كانت له حسنة، وإن توضّأ ولم يتمندل كان له ثلاثون حسنة. وأن التمندل موجب لنقص ثوابه فيكون مكروهاً. ثم احتمل أن يكون التمندل تركاً لمستحب، فيكون تركه مستحباً، ويكون تركه هنا مقدمة لإبقاء المستحب ).
والإشــكال في كلامــه+أنه حمل تمندل الأئمـــة عليهم السلام على التقية ومال بسببه الى الكراهة، وكيف يصح حمل كلامهم وفعلهم عليهم السلام على التقية وحديثهم مستفيض في تمندلهم عليهم السلام وأمرهم به، وأن أميرالمؤمنين عليه السلام اتخذ منديلاً خاصاً لا يشركه فيه أحد، كما يأتي في كلام صاحب الجواهر+.
أما تمندل العامة فهو بسبب وسعة حياتهم، بأموال الفتوحات، فقبل ذلك لايعهد منهم استعمال المناديل، ثم أخذوها عن غيرهم وسموها الدستيار، ودخلت الكلمة اللغة العربية كما تراها في النصوص وكتب اللغة، وکذا المندیل.
أما أن فقهاءنا لم يحبوا التمندل وأفتى بعضهم بكراهته، فسببه تقديسهم للوضوء وقطراته، وهو حق، وارتكازهم أن التنشيف ينافي القداسة!
وقد رجح صاحب الجواهر+عدم التمندل، لكنه ناقش في كراهته وقال (2/345) إن حديث الحث على عدم التمندل: (لا يدل على الكراهة، بل أقصاه كون الترك أفضل..ثم قال: ولولا الشهرة بين الأصحاب على الكراهة لأمكن القول بعدم ذلك، كما عن المرتضى في شرح الرسالة، بل باستحباب مسح الوجه، لما في خبر إسماعيل بن الفضل قال: رأيت أبا عبدالله عليه السلام توضأ للصلاة ثم مسح وجهه بأسفل قميصه، ثم قال: يا إسماعيل إفعل هكذا فإني هكذا أفعل. وما في خبر منصور بن حازم قال: رأيت أبا عبدالله عليه السلام وقد توضأ وهو محرم، ثم أخذ منديلاً فمسح به وجهه. وما في مرسل عبدالله بن سنان قال: سألت أبا عبدالله عليه السلام عن التمندل بعد الوضوء، فقال: كان لعلي عليه السلام خرقة في المسجد ليس إلا للوجه يتمندل بها. وفي آخر: كانت لعلي عليه السلام خرقة يعلقها في مسجد بيته، لوجهه إذا توضأ تمندل بها. وما في خبر ابن سنان عن الصادق عليه السلام قال: كانت لأميرالمؤمنين عليه السلام خرقة يمسح بها وجهه إذا توضأ للصلاة، ثم يعلقها على وتد ولا يمسها غيره. مع ما في بعض الأخبار من نفي البأس عن مسح الوجه بالمنديل، وفي آخر: لا بأس بمسح الرجل وجهه بالثوب إذا توضأ، إذا كان الثوب نظيفاً. وفي آخر عن التمسح بالمنديل قبل أن يجف، قال: لا بأس به. اللهم إلا أن تحمل هذه الأخبار على موافقة التقية، كما يشهد له مداومة العامة عليه.
ثم قال صاحب الجواهر+: ثم إنه بناء على كراهة التمندل فهل يقتصرعليه أو يتسرى إلى مطلق مسح بلل الوضوء عن الأعضاء كما هوظاهر عبارة المصنف؟وجهان أقواهما الأول،للأصل وعدم المنقح من إجماع وغيره).
ولم يذكر أحدٌ من فقهائنا المتأخرين تعليل عدم التمندل بزوال التقاطر،لأنه ضعيف، وكذا لايصح القول بكراهة التمندل، بل الأقوى عندي استحباب تنشيف الجبهة والوجه بمنديل نظيف، عملاً بسيرة أميرالمؤمنين عليه السلام .
* *

المسألة الخامسة: استكثارالثواب العظيم للمتوضئ !

يستشكل على نص الدعاء قوله عليه السلام : (يا محمد: من توضأ مثل وضوئي وقال مثل قولي، خلق الله تبارك وتعالى من كل قطرة مَلَكاً يقدسه ويسبحه ويكبره، فيكتب الله عز وجل ثواب ذلك له إلى يوم القيامة).
وقد استكثر بعضهم هذا الثواب العظيم للمتوضئ، لأنه يقتضي أن يخلق الله تعالى ما لا يحصى من الملائكة! ويعطي من الثواب ما لا يحصى للمتوضئين! فلو كانت قطرات الوضوء الواحد مئة قطرة، وتوضأ هذا الوضوء أربعين سنة مثلاً للزم أن يخلق مئات ألوف الملائكة للشخص الواحد، وملايين الملايين لكل المتوضئين من أجيال المسلمين! ولزم أن يبقى هؤلاء الملائكة يسبحون للمتوضئين الى يوم القيامة، ويكون المتوضئ في الدرجات العاليات في الجنة.
لذلك قال صاحب كشف الغطاء رحمه الله (1/100): (مبنى على الحقيقة، أو إرادة البدل، فيكتب الله له ثواب ذلك إلى يوم القيمة. ثم إن دخل الصفاء والإخلاص في وجه الشبه اختص بالمقربين).
يقصد+أن هذا الثواب قد يكون حقيقياً، أو يكون على البدل فيكون المقصود أن هؤلاء الملائكة لايخلقهم الله لكل متوضئ، بل للمتوضئ المخلص، الذي هو من عباد الله المقربين! وكأنه رجح هذا التفسير.
وقد أخذ هذا التفسير وضيَّقَه أكثر الشيخ جوادي آملي، فقال في كتابه: أسرار الصلاة (12/14): (فقه الحديث: هوأن الله سبحانه يخلق بوضوء من أراد الصلاة ملائكة كثيرة تقدسه وتسبحه وتكبره، وذلك إذا كان الوضوء مثل وضوء علي بن أبي طالب عليه السلام ، والدعاء حال الوضوء مثل دعائه عليه السلام بأن تكون الأدعية هي الأدعية الَّتي دعاها علي عليه السلام بحاله وحضوره، لا أي وضوء ولا أي قول ودعاء، بل إذا كان ذلك الفعل وهذا القول فعلاً علوياً وقولاًعلوياً، يوجب أن يرتب الله سبحانه ذلك الأثر الهام عليه، أو يتمثل ذلك الفعل. وهذا القول بصورة الملك بناء على تمثل الأعمال.
ولا يستفاد من هذا الحديث أن صرف غسل الوجه واليدين، ومجرد مسح الرأس والرجلين، على المنهج المعهود لدى أهل البيت عليهم السلام ، وصرف التكلَّم بتلك الكلمات المأثورة حين الغسل والمسح، تصير سبباً لأن يخلق الله تعالى بكلّ قطرة ملكاً مقدِّساً ومسبِّحا ومكبِّراً.وليس ذلك إلَّا لأن للوضوء بما أنه سبب للطهارة سراً عينياً وباطناً خارجياً، يناله من أخلص وجهه لله، ويصل اليه من أسلم قلبه لله،بحيث يصيرطاهراً عن كلّ رجس ودنس، ويكون جوهر طهارته تقديساً وتسبيحاً وتكبيراً. هنالك يصلح لأن يخلق الله من كل قطرة من وضوئه ملكاً، له تلك الآثار الملكوتية، أو يمثله بذلك المثال.
وممّا يرشد إلى أن للوضوء بما أنه طهارة عن الرجس سراً خارجياً، هو ما روي عن عليّ عليه السلام أنه قال: ما من مسلم يتوضّأ فيقول عند وضـــوئه: سبحانك اللهم وبحمدك، أشـــهد أن لا إله إلَّا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهّرين، إلَّا كتب في رقٌّ وختم عليها، ثم وضعت تحت العرش حتى تدفع إليه بخاتمها يوم القيامة. إذ المستفاد من هذا الحديث أن للوضوء صورة ملكوتية خارجية، عدا ما له من العنوان الإعتباري المؤلَّف اعتباراً من عدة حركات مع النية، وتلك الصورة الصاعدة إلى تحت العرش هي سرالوضوء المعهود لدى الناس، ومثل هذا الوضوء الذي له سرتكويني هو الذي يكون نصف الإيمان كما ورد النقل به.
وممّا يؤيّد أن الوضوء له باطن مؤثر في باطن المتوضئ المتطهر: ما رواه غير واحد من الأصحاب: أنه جاء نفر من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فسألوه عن مسائل، فكان فيما سألوه: أخبرنا يا محمد لأي علَّة تُوضَّأُ هذه الجوارح الأربع وهي أنظف المواضع في الجسد؟ قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لما أن وسوس الشيطان إلى آدم عليه السلام دنا من الشجرة فنظر إليها فذهب ماء وجهه! ثم قام ومشى إليها وهي أول قدم مشت إلى الخطيئة، ثمّ تناول بيده منها ما عليها فأكل فطار الحلي والحلل عن جسده، فوضع آدم عليه السلام يده على أم رأسه وبكى، فلما تاب الله عز وجل عليه فرض الله عليه وعلى ذريته تطهير هذه الجوارح، فأمره الله عز وجل بغسل الوجه لما نظر إلى الشجرة، وأمره بغسل اليدين إلى المرفقين لما تناول بهما، وأمره بمسح الرأس لما وضع يده على أم رأسه، وأمره بمسح القدمين لما مشى بهما إلى الخطيئة).
وخلاصة كلامه: أن خلق الملائكة المسبحين من قطرات الوضوء ليس عاماً لكل من توضأ، بل خاص لمن كان مخلصاً مقرباً كأميرالمؤمنين عليه السلام ! فهؤلاء فقط يخلق الله من وضوئهم ملائكة.
ثم تبنى أن للوضوء وجوداً خارجياً،لأن الأفعال تتجسم في وجود خارجي غير مرئي. ثم تبنى أن سبب الوضوء رواية ضعيفة عن معصية آدم عليه السلام .
لكن لا يمكن قبول تضييقهم لهذا الثواب، وحصره بأشخاص ذوي صفات معينة، لأن هذا رفع لليد عن الظاهر ولا يصح!
فقوله عليه السلام : من توضأ مثل وضوئي وقال مثل قولي، تشمل كل مسلم توضأ بهذا النحو، ولا يشترط فيه إلا الشروط العامة في أي عمل آخر.
فالنص مطلق من حيث الأشخاص، وتقييده استحسان مردود.
أما التعجب من الثواب العظيم على عمل بسيط، فإن قوانين الجزاء الإلهي لاتخضع لمقاييسنا المعروفة، وقد ورد الثواب العظيم لأعمال تبدو صغيرة، فكَرَمُ الله تعالى يختلف عن كَرَمنا، ومقاييس عطائه تختلف.
على أن هذا الثواب العظيم قابل للإحباط والزوال، فملكية المسلم اليوم في الجنة مهما كانت كبيرة، فهي في معرض الزوال ما دام في الدنيا!
روى البرقي في المحاسن (1/30): (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من قال: لا إله إلا الله غُرِسَت له شــجرة في الجنة من ياقوتــة حمراء منبتها في مسك أبيض، أحلى من العسل، وأشـد بياضاً من الثلج، وأطيب ريحاً من المسك، فيها أمثال ثديِّ الأبكار، تَفَلَّقُ على سبعين حُلة).
وفي أمالي الصدوق/705: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من قال سبحان الله، غرس الله له بها شجرة في الجنة، ومن قال الحمد لله غرس الله لها بها شجرة في الجنة، ومن قال: لا إله إلا الله غرس الله له بها شجرة في الجنة، ومن قال الله أكبر غرس الله له بها شجرة في الجنة.
فقال رجل من قريش: يا رسول الله، إن شجرنا في الجنة لكثير! قال: نعم، ولكن إياكم أن ترسلوا عليها نيراناً فتحرقوها! وذلك أن الله عز وجل يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ)!
فالذنوب كمعصية النبي صلى الله عليه وآله وسلم تكون ناراً تحرق ثواب الإنسان، وتُنهي وجود الملائكة الذين خلقوا من قطرات وضوئه. فيرتفع الإشكال بأن من توضأ أو عمل كذا يكون من أهل الجنة،لأن حسابه مفتوحٌ للربح والخسارة حتى يموت.
ولهذا قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: من مات على حب آل محمد، ولم يقل من عاش، لأن من مات على حبهم فقد قبلت محبته وولايته ودونت في صحيفة أعماله، أما من عاش فلا يعلم هل ستبقى له أم لا؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم: ( ألا ومن مات على حب آل محمد مات على الإيمان.ألا ومن مات على بغض آل محمد مكتوب بين عينيه: هذا آيس من رحمة الله). (الكشاف : 3 / 82، و: 2 / 339 والصواعق المحرقة / 109، وينابيع المودة/27، وأمالي الطوسي/30، وغيرها).
* *

المسألة السادسة: قانون تطورالأعمال الذي سموه تجسم الأعمال

تدل آيات القرآن والأحاديث على أن أعمالنا يتطور وجودها بقوانين عديدة واسعة ومتنوعة، فبعضها ينص على أنه يخلق من أعمالنا شيطان هو نسخة للإنسان فيكون قرينه، ويزين له عمل الشر، وبعضها يشير الى تجسد بعض الأعمال وتحولها الى وجود ينفع صاحبه يوم القيامة أو يضره.
لكن أئمة الصوفية عمموا تطور الأعمال وأدمجوه كله وسموه قانون تجسم الأعمال، مع أنه ورد لبعضها فقط، ووجدوا كلمة للفيلسوف فيثاغورس تقول إن كل عمل نعمله يستبطن وجوده بنحوآخر في داخله، وإنه سيظهر بعد الموت، فيكون هوالنعيم والجحيم. فأشادوا بفيثاغورس ونظريته، وفصلوا فيها، ووسعوها، كأنها آية قرآنية!
والإشكال على هذه النظرية في أمور:
أولاً: أنها تقليد لفيثاغورس، وهو صاحب عقيدة التناسخ وعقیدة الحركة والتغیرالله تعالى! وصاحب سلوك فاحش غير أخلاقي كما في دائرة المعارف مهرداد/762.وتجد ترجمته بتفصيل في: طبقات الأطباء لابن أبي أصيبعة/63، وتاريخ اليعقوبي(1/123). والفَرق بين الفِرق للبغدادي/313، والملل والنحل للشهرستاني ( 2/81 و264 و274) والأسفار لصدر المتألهين (6/211و: 5/31).
ومن العجيب أن صدر المتألهين أو ملا صدرا الشيرازي، معجب بفيثاغورس وأمثاله، فهو يتلقى منهم كما يتلقى من النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة المعصومين عليه السلام ! واختراع لهم زیارة یزورهم بها!!
قال في تفسيره /52، مخاطباً للفلاسفة القدماء:
أقــول مخاطبــاً لهم ومواجهاً لأرواحهـــم: ما أنطق برهانكم يا أهل الحكمة، وأوضح بيانكم يا أولياء العلم و المعرفة. ما سمعت شيئاً منكم إلا مجدتكم وعظمتكم به! فلله در قوة عقلية سرت فيكم، وقومتكم و صانت عليكم، وعصمتكم من الخطأ و الزلل! والذين سماهم منهم: أنباذقلس، إسكندر الافروديسي، انكساغوراس، آغاثاذيمون، أفلاطون، أرسطو، أنكسيمابوس، أبيقورس، أبرقلس، أرسلاوس، أفراطويس، أرشميدس، ثامسطيوس، تاليس، ذيمقراطيس، فيثاغورس، زينون، ديوجانس، هرمس، فرفوريوس، حرينوس، يوذاسف، سقراط ).
وقال في رسالة الحدوث/172: (ومن هؤلاء الفخام فيثاغورس وكان في زمن سليمان عليه السلام ، قد أخذ الحكمة من معدن النبوة، وهو الحكيم الفاضل ذو الرأي المتين والعقل المنير والفهم الثاقب.كان يدعي أنه شاهد العوالم بحسه وحدسه، وبلغ في الرياضة والتصفية إلى أن سمع حفيف الفلك و وصل إلى مقام الملك، و قال: ما سمعت قط شيئاً ألذ من حركاتها،و لارأيت شيئاً أبهى من صورها ).
أقول: هوعندهم نبي من أهل العصمة، وعندنا فيلسوف يبيع علماً وظنوناً، وربما لقط شيئاً من إرث الأنبياء عليهم السلام ، أو وصل بالرياضة الى فكرة مقبولة، لكن لا يمكن أن نقبل منه إلا المدرك العقلي القطعي بالبديهة أو بالبرهان، ولا قيمة لظنونه وتصوراته، لأنها لا سند لها.
ولاينقضي عجبك عندما ترى بعض علمائنا الأجلاء المحترمين، يتكلمون في نصوص القرآن والسنة بعقلانية ومنطقية، فإذا دخلوا في حديث المتصوفة والفلاسفة، صاروا كالقصاصين يرصفون الكلام رصفاً!
ثانياً: أنهم جعلوا التجسم عملاً آلياً، وتطوراً ذاتياً، وأجملوا فيه إجمالاً، فما هو العمل الذي يتحول الى حية، وأي نوع هي من الحيات هي، وما تأثير النية في تجسد العمل..الى آخر التفاصيل التي لاجواب لها عندهم.
وثالثاً: أنهم أفتوا بأن هذا العمل يتجسم بهذه الصورة، وذاك العمل بتلك، وذلك بتلك، استحساناً ورجماً بدون أثارة من علم!
ورابعاً: إن ما سموه تجسماً لايصح منه إلا قليل ورد فيه النص، فدليلهم أخص من مدعاهم، وإن دل على تطور نوع فلا يدل على الأنواع الباقية.
وتراهم يرتكبون مصادرة سيئة فيقولون: هل تؤمن بتجسم الأعمال، فإن قلت لهم نعم. قالوا: إذن أنت تقبل السيناريو الذي نتبناه في التجسم!
والجواب: نعم أؤمن بأصل التجسم، لكن كيف، وماذا، والى ماذا، فلا أؤمن بما سطرتم من ظنون وخيالات، إلا ما دل عليه النص.
وخامساً: كيف يطبقون قاعدة تجسد الأعمال، على قوله تعالى: وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا. فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ. يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ، وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ.كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ..
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا، كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا.
وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ. يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُم وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ..
وعلى قول الإمام زين العابدين عليه السلام في الصحيفة الثابت بشكل قطعي:
اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ نَارٍ تَغَلَّظْتَ بِهَا عَلَى مَنْ عَصَاكَ، وتَوَعَّدْتَ بِهَا مَنْ صَدَفَ عَنْ رِضَاكَ، ومِنْ نَارٍ نُورُهَا ظُلْمَةٌ، وهَيِّنُهَا أَلِيمٌ، وبَعِيدُهَا قَرِيبٌ.
ومِنْ نَارٍ يَأْكُلُ بَعْضَهَا بَعْضٌ، ويَصُولُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ، ومِنْ نَارٍ تَذَرُ الْعِظَامَ رَمِيماً، وتَسقِي أَهْلَهَا حَمِيماً، ومِنْ نَارٍ لَا تُبْقِي عَلَى مَنْ تَضَرَّعَ إِلَيْهَا، ولَا تَرْحَمُ مَنِ اسْتَعْطَفَهَا، ولَا تَقْدِرُ عَلَى التَّخْفِيفِ عَمَّنْ خَشَعَ لَهَا واسْتَسْلَمَ إِلَيْهَا تَلْقَى سُكَّانَهَا بِأَحَرِّ مَا لَدَيْهَا مِنْ أَلِيمِ النَّكَالِ وشَدِيدِ الْوَبَالِ.
وأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَقَارِبِهَا الْفَاغِرَةِ أَفْوَاهُهَا، وحَيَّاتِهَا الصَّالِقَةِ بِأَنْيَابِهَا، وشَرَابِهَا الَّذِي يُقَطِّعُ أَمْعَاءَ وأَفْئِدَةَ سُكَّانِهَا، ويَنْزِعُ قُلُوبَهُمْ، وأَسْتَهْدِيكَ لِمَا بَاعَدَ مِنْهَا، وأَخَّرَ عَنْهَا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وآلِه، وأَجِرْنِي مِنْهَا بِفَضْلِ رَحْمَتِكَ، وأَقِلْنِي عَثَرَاتِي بِحُسْنِ إِقَالَتِكَ، ولَا تَخْذُلْنِي يَا خَيْرَ الْمُجِيرِينَ .
فهذه الأوصاف للنار، وصنوف العذاب وأدواته، عن ماذا تجسدت؟

من نصوص تطورالأعمال من القرآن والسنة

فقد ذكر الله تعالى أعمالاً تُحْبَط في الدنيا والآخرة، أي تفسد كما يفسد الأكل في المعدة، قال تعالى: أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ.
وأعمالاً تُكَفَّر، أي تُغَطَّى وتُمحى: يُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ.
وسيئات تتبدل حسنات: فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ.
وأعمالاً تحيط بصاحبها وتطوقه: بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ.
وأعمالاً تكون درجات: وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا.
وأعمالاً تفنى كلياً: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا.
وأعمالاً توفى وتعطى لأصحابها: وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ.
وأعمالاً يضاعفها: لَهمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا. يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ.
وأعمالاً تظهر لهم: وَبَدَا لَهمْ سَيِّئَاتُ مَاكَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ.
وأعمالاً تصيبهم: فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ.
وأعمالاً تؤثر في الروح وتنعكس على الجسد! الَّذِينَ يأكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطَهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا.
وأعمالاً يريها لأصحابها وإن لم يحاسبهم بها: يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ. فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ.
وذكرت السنة الشريفة أعمالاً يربيها الله تعالى وينميها: (إن الرجل ليتصدق بالتمرة أو بشق تمرة، فأربيها له كما يربي الرجل فَلْوَه وفصيله، فيأتي يوم القيامة وهو مثل أحُد، وأعظم من أحُد ). (الكافي: 4/47).
وأن المتكبر يحشر ذراً: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يحشر المتكبرون يوم القيامة في خلق الذر في صورة الناس يوطأون ).(ثواب الأعمال/222).
ويحشرالمُحْرِم مُلَبياً: «لاتقرّبوه طيباً فإنّه يحشر يوم القيامة ملبياً» (التحرير: 1/121).
ويحشر الظالم مُفلَّساً: (قال رســول الله صلى الله عليه وآله وسلم المفلس مَنْ يأتي يوم القيامة حسناته أمثال الجبال،ويأتي وقد ظلم هذا وأخذ من عرض هذا،فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن بقي عليه شئ أخذ من سيئاتهم فترد عليه، ثم صار إلى النار). (الجواهر: 25/277).
و(يحشر المؤذنون يوم القيامة طوال الأعناق) (المحاسن: 1/49).
ويحشر البارُّ وعليه قبة هي بره: (يأتي يوم القيامة شئ مثل الكبة فيدفع في ظهر المؤمن فيدخله الجنة، فيقال: هذا البر)
والشريك في القتل: (يحشرالعبد يوم القيامة وما ندى دماً، فيدفع إليه شبه المحجمة أو فوق ذلك فيقال له هذا سهمك من دم فلان). (الكافي: 2/370).
ومن ترك صلاة العصر: (يأتي يوم القيامة موتراً أهله وماله، وإن كان من أهل الجنة، قال قلت: وما منزله في الجنة؟ قال: موتراً أهله وماله، يتضيف أهلها ليس له فيها منزل).( ثواب الأعمال/231).
وشارب الخمر: (يوم القيامة مسوداً وجهه، مُدْلَعاً لسانه يسيل لعابه على صدره . حقٌّ على الله تعالى أن يسقيه من بئر خَبَال). (التهذيب: 9/103).
ويحشر شيعة النبي وآله صلى الله عليه وآله وسلم ولهم نورٌ خاص: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يأتي يوم القيامة قوم عليهم ثياب من نور، على وجوههم نور يعرفون بآثار السجود يتخطون صفاً بعد صف حتى يصيروا بين يدي رب العالمين! يغبطهم النبيون والملائكة والشهداء والصالحون. قال له عمر: من هؤلاء يا رسول الله الذين يغبطهم النبيون والملائكة والشهداء والصالحون؟ قال: أولئك شيعتنا وعليٌّ إمامهم ). (فضائل الشيعة للصدوق/30 ).
ويحشر عبد‌المطلب عليه السلام أمة وحده: (قال الصادق عليه السلام : يحشر عبد المطلب يوم القيامـة أمــة واحــدة، عليه ســـيماء الأنبيـــاء وهيبــة الملوك).(الكافي: 1/447).
أقول: هذه بعض نصوص القرآن والسنة في أنواع من تطورات الأعمال، وهي تختلف عما افترضوه من استبطان العمل لصورة ما يتجسد له.
نعم ورد أن القرآن يتجسد شاباً جميلاً : (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: تعلموا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة صاحبه في صورة شاب جميل شاحب اللون، فيقول له القرآن: أنا الذي كنت أسهرت ليلك وأظمأت هواجرك، وأجففت ريقك وأسلت دمعتك، أؤول معك حيثما ألت، وكل تاجر من وراء تجارته، وأنا اليوم لك من وراء تجارة كل تاجر، وستأتيك كرامة الله عز وجل فأبشر، فيؤتى بتاج فيوضع على رأسه، ويعطى الأمان بيمينه، والخلد في الجنان بيساره، ويكسى حلتين). (الكافي: 2/603).
وهذا كما ترى تجسد لنفس القرآن، وليس لقراءة الإنسان له، وفعله.
كما ورد أن السرور يتجسد مثالاً، قال الإمام الصادق عليه السلام : (إذا بعث الله المؤمن من قبره خرج معه مثال يقدم أمامه، كلما رأى المؤمن هولاً من أهوال يوم القيامة قال له المثال: لاتفزع ولاتحزن وأبشر بالسرور والكرامة من الله عز وجل، حتى يقف بين يدي الله عز وجل فيحاسبه حساباً يسيراً ويأمر به إلى الجنة،والمثال أمامه فيقول له المؤمن: يرحمك الله نعم الخارج خرجت معي من قبري، وما زلت تبشرني بالسرور والكرامة من الله حتى رأيت ذلك، فيقول من أنت؟ فيقول: أنا السرور الذي كنت أدخلت على أخيك المؤمن في الدنيا خلقني الله عز وجل منه لأبشرك ). (الكافي: 2/190).
وهذه موجبة جزئية تطابق ما ذكروه من أن العمل يستبطن صورته الحقيقية.

روي تجسد بعض الأعمال لا كلها

ورد تجسد الفرائض، قال الصادق عليه السلام : (إذا دخل المؤمن في قبره كانت الصلاة عن يمينه،والزكاة عن يساره، والبرمظلٌّ عليه،ويتنحى الصبر ناحية فإذا دخل عليه الملكان اللذان يليان مساءلته قال الصبرللصلاة والزكاة والبر: دونكم صاحبكم، فإن عجزتم عنه فأنا دونه).الكافي (2/90و: 3/240).
وعن الإمام الباقر عليه السلام «إذا مات العبد المؤمن دخل معه في قبره ستة صور، فيهن صورة هي أحسنهن وجهاً، وأبهاهن هيئة، وأطيبهن ريحاً، وأنظفهن صورةً، قال: فتقف صورة عن يمينه، وأخرى عن يساره، وأخرى بين يديه، وأخرى خلفه، وأخرى عند رجليه، وتقف التي هي أحسنهن فوق رأسه، فإن أتيَ عن يمينه، منعته التي عن يمينه، ثم كذلك إلى أن يؤتى من الجهات الست قال : فتقول أحسنهن صورة: من أنتم جزاكم الله عني خيراً؟ فتقول التي عن يمين العبد: أنا الصلاة، وتقول التي عن يساره : أنا الزكاة، وتقول التي بين يديه: أنا الصيام، وتقول التي خلفه: أنا الحج والعمرة، وتقول التي عند رجليه: أنا بِرُّ من وصلت من إخوانك، ثم يقلن: من أنت؟ فأنت أحسننا وجهاً وأطيبنا ريحاً وأبهانا هيئةً؟فتقول: أنا الولاية لآل محمد صلوات الله عليهم). (المحاسن: 1/ 288).
وفي شرح الأخبار (1/224): (عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: إذا مات العبد المؤمن من أهل ولايتنا وصار إلى قبره، دخل معه قبره ست حور، منهن حوراء أحسنهن وجهاً وأطيبهن ريحاً وأنظفهن هيئة. حَوْرَةً تكون عند رأسه، وتكون الأخرى منهن عن يمينه، والأخرى عن يساره، والأخرى من خلفه، والأخرى عن قدامه، والأخرى عند رجليه، فيمنعنه من حيث ما أتى من الجهات ويؤنسنه في قبره، فيقول الميت من أنتن جزاكن الله خيراً؟ فتقول التي عن يمينه: أنا الصلاة، وتقول التي عن يساره: أنا الزكاة، وتقول التي بين يديه: أنا الصيام، وتقول التي من خلفه: أنا الحج والعمرة، وتقول التي عند رجليه: أنا الجهاد وأنا من وصلته من إخوانك. وتقول التي عند رأسه وهي أحسنهن: [أنا الولاية لمحمد وآل محمد] أنا الولاية لعلي عليه السلام والأئمة من ذريته ).(شرح الأخبار: 1/224).
أقول: وهذا يشيرالى تجسد الأعمال الحسنة بصور حور جميلات. لكنه لايمنع من تجسدها بتجسدات أخرى، ولا نموها بقانون تنمية الأعمال.
وقد روت مصادر السنيين هذا الحديث، وحرفوا آخره، وحذفوا منه ولاية محمد وآل محمد صلى الله عليه وآله وسلم! فرواه أحمد (2/362) وصححوه، عن أبي هريرة، قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تجئ الأعمال يوم القيامة فتجئ الصـلاة فتقــول: يا رب أنا الصــلاة فيقول إنك على خير، فتجئ الصـدقة فتقــول يا رب أنا الصــدقة فيقول إنك على خير، ثم يجئ الصيام فيقول أي يا رب أنا الصيام فيقول إنك على خير،ثم تجئ الأعمال على ذلك فيقول الله عز وجل إنك على خير ثم يجئ الاسلام فيقول: يا رب أنت السلام وأنا السلام، فيقول الله عز وجل: إنك على خير بك اليوم آخذ وبك أعطي، فقال الله عز وجل في كتابه: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الآسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ).
* *

نصوص الإشادة بفيثاغورس وعبارته في تجسم الأعمال آلياً

1. قال الخاجوئي رحمه الله في الرسائل الفقهية (2/145): (عن فيثاغورس الحكيم، وهو من أعاظم الحكماء ومن الأقدمين: إعلم أنك ستعارض بأفكارك وأقوالك وأفعالك، وسيظهر من كل حركة فكرية أو قولية أو فعلية صورة روحانية وجسمانية. فإن كانت الحركة غضبية شهوية صارت مادة شيطان يؤذيك في حياتك، ويحجبك عن ملاقاة النور بعد وفاتك. وإن كانت الحركة أمرية عقلية، صارت ملكاً تلتذ بمنادمته في دنياك، وتهتدي بنوره في أخراك إلى جوار الله وكرامته)
وقد ســجل رحمه الله إعجابه بمقولته في رســالة: تجسم الأعـــمال/94، وقال عنه:
(إذا قالت حذام فصدقوها * فإن القول ما قالت حذام).
2. وقال البهائي رحمه الله في الكشكول(2/24): (إذا عرفت أن الشئ يظهر في كل عالم بصورة، انكشف لك سر ما نطقت به الشريعة المطهرة من تجسد الأعمال في النشأة الأخرى، بل ظهر لك حقيقة ما قاله العارفون: من أن الأعمال الصالحة هي التي تظهر في صور الحور والقصور والأنهار، وأن الأعمال السيئة هي التي تظهر في صورالعقارب والحيات والنار، واطلعت على أن قوله تعالى: وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ، وارد على الحقيقة لا المجاز من إرادة الإستقبال في إسم الفاعل، فإن أخلاقهم الرذيلة وأعمالهم السيئة، وعقائدهم الباطلة، الظاهرة في هذه النشأة في هذه الصور هي التي تظهر في تلك النشأة صورة جهنم. وكذا عرفت حقيقة قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَاكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَاكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً.وكذا قول النبي: الذي يأكل في آنية الذهب إنما يجرجر في جوفه نار جهنم. وقوله: الظلم ظلمات يوم القيامة).
3. وقال الشيخ السبحاني في مفاهيم قرآنية (8/350): (وعلى ما ذكرنا فلا مانع من تجسم الأعمال، ولنذكر بعض كلمات الأعلام في هذا الصدد :
يقول صدر المتألهين: كما أن كل صفة تغلب على باطن الإنسان في الدنيا وتستولي على نفسه بحيث تصير ملكة لها، يوجب صدور أفعال منه مناسبة لها بسهولة يصعب عليه صدور أفعال أضدادها غاية الصعوبة، وربما بلغ ضرب من القسم الأول حد اللزوم، وضرب من القسم الثاني حد الإمتناع، لأجل رسوخ تلك الصفة.
لكن لما كان هذا العالم دارالإكتساب والتحصيل قلما تصل الأفعال المنسوبة إلى الإنسان الموسومة بكونها بالإختيار في شئ من طرفيها حد اللزوم والإمتناع بالقياس إلى قدرة الإنسان وإرادته دون الدواعي والصوارف الخارجية، لكون النفس متعلقة بمادة بدنية قابلة للإنفعالات والإنقلابات من حالة إلى حالة،فالشقي ربما يصير بالإكتساب سعيداً وبالعكس، بخلاف الآخرة فإنها ليست دارالإكتساب والتحصيل، كما أشير إليه بقوله تعالى: لايَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً. وكل صفة بقيت في النفس ورسخت فيها وانتقلت معها إلى الدار الآخرة صارت كأنها لزمتها ولزمت لها الآثار والأفعال الناشئة منها بصورة يناسبها في عالم الآخرة، والأفعال والآثارالتي كانت تلك الصفات مصادر لها في الدنيا، وربما تخلفت عنها لأجل العوائق والصوارف الجسمانية الإتفاقية، لأن الدنيا دار تعارض الأضداد وتزاحم المتمانعات بخلاف الآخرة لكونها دار الجمع والإتفاق لا تزاحم ولا تضاد فيها، والأسباب هناك أسباب وعلل ذاتية كالفواعل والغايات الذاتية دون العرضية. فكلما يصلح أثراً لصفة نفسانية لم يتخلف عنها هناك،كما يتخلف عنها هاهنا لمصادفة مانع له ومعاوقة صارف عنه، إذ لا سلطنة هناك للعلل العرضية والأسباب الاتفاقية ومبادئ الشرور، بل الملك لله الواحد القهار.
ثم إن صدر المتألهين ضرب مثالاً لتقريب الموضوع، يقول: إن الجسم الرطب متى فعل ما في طبعه من الرطوبة في جسم الآخر قَبِلَ الجسم المنفعل الرطوبة فصار رطباً مثله، ومتى فعل فعله الرطوبة في قابل غير جسم كالقوة الدراكة الحسية والخيالية إذا انفعلت عن رطوبة ذلك الجسم الرطب، لم يقبل الأثر الذي قبله الجسم الثاني ولم يصر بسببه رطباً، بل يقبل شيئاً آخر من ماهية الرطوبة لها طور خاص في ذلك، كما تقبل القوة الناطقة متى نالت الرطوبة أو حضرتها في ذاتها شيئاً آخر من ماهية الرطوبة وطبيعتها من حيث هي، ولها ظهور آخر عقلي فيه بنحو وجود عقلي مع هوية عقلية، فانظر حكم تفاوت النشآت في ماهية واحدة لصفة واحدة، كيف فعلت وأثرت في موضع الجسم شيئاً وفي قوة أخرى شيئاً آخر، وفي جوهر شيئاً آخر. وكل من هذه الثلاثة حكاية للآخرين، لأن الماهية واحدة والوجودات متخالفة، وهذا القدر يكفي المستبصرلأن يؤمن بجميع ما وعد الله ورسوله أو توعد عليه في لسان الشرع، من الصور الأخروية المرتبة على الإعتقادات الحقة أو الباطلة أو الأخلاق الحسنة والقبيحة المستتبعة للذات والآلام،إن لم يكن من أهل المكاشفة والمشاهدة.
ثم إنه+ضرب مثالاً آخر لتقريب ما رام إليه وقال: إن شدة الغضب في رجل توجب ثوران دمه، واحمرار وجهه وحرارة جسده، واحتراق مواده، على أن الغضب صفة نفسانية موجودة في عالم الروح الإنساني وملكوته والحركة والحمرة والحرارة والإحتراق من صفات الأجسام، وقد صارت هذه الجهات والعوارض الجسمانية نتائج لتلك الصفة النفسانية في هذا العالم، فلا عجب من أن يكون سورة هذه الصفة المذمومة، مما يلزمها في النشأة الأخرى نار جهنم التي تطلع على الأفئدة فأحرقت صاحبها، كما يلزم هاهنا عند شدة ظهورها وقوة تأثيرها،إذا لم يكن صارف عقلي أو زاجر عرفي يلزمها، من ضربان العروق واضطراب الأعضاء وقبح المنظر، ربما يؤدي إلى الضرب الشديد والقتل لغيره بل لنفسه،وربما يموت غيظاً!
فإذا تأمل أحد في استتباع هذه الصفة المذمومة لتلك الآثار فيمكن أن يقيس عليها أكثر الصفات المؤذيات والإعتقادات المهلكات وكيفية انبعاث نتائجها ولوازمها يوم الآخرة من النيران وغيرها، وكذا حال أضدادها من حسنات الأخلاق والإعتقادات وكيفية استنباط النتائج والثمرات من الجنات، والرضوان والوجوه الحسان ).
أقول: العجب من شيخنا السبحاني حفظه الله كيف قبل رأي الشيخ الذي وضع لنفسه إسم: صدر المتألهين، وهو كلام مرصوف متأثر بقوانين التطور المادي، فمن أين عرف أن أعمالنا تتطور بهذا القانون، إلا بظنه وتخيله!
وأين منه نصوص تطورالأعمال التي أوردنا طرفاً منها، وأين منه قول الإمام الصادق عليه السلام والمراحل السبع كما في الصحيح: ( لايكون شئ في الأرض ولا في السماء إلا بهذه الخصال السبع: بمشيئة و إرادة وقدر وقضاء وإذن وكتاب وأجل،فمن زعم أنه يقدر على نقض واحدة فقد كفر). (الكافي: 1/149).
وقال الشيخ السبحاني: يقول بهاء الدين العاملي: إن الحيات والعقارب، بل والنيران التي تظهر في القبر والقيامة، هي بعينها الأعمال القبيحة والأخلاق الذميمة والعقائد الباطلة التي ظهرت في هذه النشأة بهذه الصورة وتجلببت بهذه الجلابيب، كما أن الروح والريحان والحور والثمار هي الأخلاق الزكية والأعمال الصالحة، والإعتقادات الحقة التي برزت في هذا العالم بهذا الزي وتسمت بهذا الإسم، إذ الحقيقة الواحدة تختلف صورها باختلاف الأماكن فتُحَلى في كل موطن بحلية، وتُزَيَّا في كل نشأة بزي، وقالوا: إن اسم الفاعل في قوله تعالى: و َيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ، ليس بمعنى الإستقبال بأن يكون المراد أنها ستحيط بهم في النشأة الأخرى.
ثم قال السبحاني: في قوله: إذاً الحقيقة الواحدة تختلف صورها باختلاف الأماكن فتحلى في كل موطن بحلية، جواب عن الإشكالين الماضيين. وحاصل الجواب: أنه لامانع أن يكون لشيئ واحد تجليان حسب اختلاف الظروف،ولم يكتب على جبين العرض أنه عرض في كلتا النشأتين).
أقول: نعم لا مانع أن يتجلى الشيئ الواحد بتجليات، لكن متى كان الإمكان دليلاً على الوقوع؟ وما ذكره البهائي رحمه الله أخذه من المتصوفة وسماهم العارفين، وهو ظنون لاتغني عن الحق شيئاً، واحتمالات لاتغني عن رائحة الحق شيئاً!
إنه لاضير في أن نتصورأو نفترض أموراً في فاعلية الله تعالى وتكوينه، لكن كيف ننسب اليه عز وجل بدون حجة من معصوم عليه السلام ، أو قطعي العقل؟!
4.وقال النراقي رحمه الله في جامــع السعادات (1/43): (قال فيثاغورس الحكيم: سيظهر لك من كل حركة فكرية أو قولية أو عملية صورة روحانية، فإن كانت الحركة غضبية أو شهوية صارت مادة لشيطان يؤذيك في حياتك ويحجبك عن ملاقاة النور بعد وفاتك،وإن كانت الحركة عقلية صارت ملكاً تلتذ بمنادمته في دنياك وتهتدي به في أخراك إلى جوار الله. انتهى.
وهذه الكلمات صريحة في أن مواد الأشخاص الأخروية هي التصورات الباطنية والنيات القلبية والملكات النفسية المتصورة بصور روحانية، وجودها وجود إدراكي، والإنسان إذا انقطع تعلقه عن هذه الدار وحان وقت مسافرته إلى دار القرار، وخلص عن شواغل الدنيا الدنية، وكشف عن بصره غشاوة الطبيعة، فوقع بصره على وجه ذاته والتفت إلى صفحة باطنه وصحيفة نفسه ولوح قلبه، وهوالمراد بقوله سبحانه: وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ، وقوله تعالى: [وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ. لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا] فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ، صار إدراكه فعلاًوعلمه عيناً وسره عياناً، فيشاهد ثمرات أفكاره وأعماله، ويرى نتائج أنظاره وأفعاله، ويطلع على جزاء حسناته وسيئاته، ويحضرعنده جميع حركاته وسكناته. ويدرك حقيقة قوله سبحانه: وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا. إِقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا.
ثم الظاهر أن هذا المذهب عند من قال به من أهل الشرائع بيان لكيفية الثواب والعقاب الروحانيين مع إذعانه بالجنة والنار الجسمانيين،إذ لو كان مراده قصر اللذة والثواب والألم والعقاب والجنات والقصور والغلمان والحور والنار والجحيم والزقوم والضريع وساير ما ورد في الشريعة القادسة من أمور القيامة على ما ذكر، فهو مخالف لضرورة الدين ).
فقد انتبه الشيخ النراقي رحمه الله أخيراً الى أن تجسم الأعمال الذي اتبعوا به [النبي] فيثاغورس، بديل عن العذاب الجسماني! فقال إن كان كذلك فهو مخالف لضرورة الدين! لكن ياشيخنا لم يقل أحد من فلاسفة اليونان بثبوت النعيم والعذاب الحسي، وأنه غير هذا التجسد الذي نظَّروا له، ولم يذكروا منه إلا نماذج قليلة لا تستوعب عمل الإنسان الواسع المتنوع!
5.وقال الشيخ المكارم في تفسيره (2/45) ملخصاً: (يعتقد البعض أن جزاء الأعمال الأخروي أمراعتباري، مثل المكافأة والعقوبة في هذه الدنيا.
وآخرون يعتقدون أن النفس البشرية تخلق الثواب والعقاب، فالنفس تخلق ذلك في العالم الآخر دون اختيار، فما نقرأه عن نعيم الجنة وعذاب جهنم ليس سوى ما تخلقه هذه الصفات الحسنة أو السيئة في الإنسان.
وفريق ثالث قالوا: إن لكل عمل من أعمالناصورة دنيوية نراها، وصورة أخروية كامنة في باطن ذلك العمل.وفي يوم القيامة يظهر بصورته الأخروية وهذه النظرة تتفق مع كثير من آيات القرآن). وتبنى هذه النظرية!
وقال في كتابه دروس في العقائد (1/234): (يستفاد من كثيرمن الآيات القرآنية أن أعمالنا يوم القيامة تتجسد حية في صورمختلفة وتصاحبنا، وأن واحداً من أنواع العقاب والثواب المهمة هوهذا التجسد نفسه، فالظلم يتجسد بصورة سحابة سوداء تحيط بالظالم، كما جاء في حديث شريف: الظلم هوالظلمات يوم القيامة.وجاء في القرآن الحكيم: إِنَّ الَّذِينَ يَاكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَاكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا. يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ..الَّذِينَ يَاكُلُونَ الرِّبَا لايَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطَهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ. سَيُطَوَقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وهكذا سائر الأعمال الأخرى تتجسد بما يناسبها ).
ومع ملاحظتنا، نشكرالشيخ المكارم حفظه الله، لأنه كان متحفظاً على نظرية تجسم الأعمال المطلقة عند الفلاسفة والمتصوفة.
* *

المسألة السابعة: قاعدة: العمل هو النية أعمق من كلامهم

الفعل من الروح والبدن آلة! وقد روى الجميع أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لعمر بن الخطاب كما في البخاري: إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى دنياً يصيبها أو إلى امرأةٍ ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه!
فالمهاجر لأجل هدف دنيوي لانصيب له في الإسلام والهجرة! والسبب أن نيته فاسدة، وقيمة العمل بالنية، بل العمل في حقيقته: النية!
قال الإمام الصادق عليه السلام في الحديث الصحيح (الكافي: 2/16): ( في قول الله عز وجل: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً، قال: ليس يعني أكثر عملاً، ولكن أصوبكم عملاً. وإنما الإصابة خشية الله والنية الصادقة والحسنة. ثم قال: الإبقاء على العمل حتى يخلص أشد من العمل. والعمل الخالص: الذي لا تريد أن يحمدك عليه أحد إلا الله عز وجل، والنية أفضل من العمل. ألا وإن النية هي العمل! ثم تلا قوله عز وجل: قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ. يعني على نيته).
ومعنى قوله عليه السلام : ألا وإن النية هي العمل، واضحٌ، لأن النية من أفعال الروح وأفعال البدن تنفيذٌ لأفعال الروح، فالفعل والإرادة للروح، والبدن أداة لها، وخير الإنسان وشره إنما هو من روحه!
إن الذي يكلمك ليس بدن مخاطبك، بل روحه بوسيلة فمه وحركاته، والذي يفهم كلامه ويجيبه ليس بدنك، بل روحك بواسطة البدن!
فالبدن مجرد أداة للروح، ولذا كان الحساب للروح والعقاب عليها.
وقال الصادق عليه السلام : (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: نية المؤمن خير من عمله، ونية الكافر شر من عمله، و كل عامل يعمل على نيته). (الكافي: 2/84).
يعني أن ما ظهر من مخزون الخير والشر جزء، وما لم يظهرمنهما أكثر.
وقال عليه السلام : (إن العبد المؤمن الفقير ليقول: يا رب أرزقني حتى أفعل كذا وكذا من البر ووجوه الخير، فإذا علم الله عز وجل ذلك منه بصدق نية كتب الله له من الأجر مثل ما يكتب له لو عمله، إن الله واسع كريم ).
وفي فقه الرضا/378: ( وإن نية المؤمن خير من عمله، لأنه ينوي خيراً من عمله , ونروي: نية المؤمن خير من عمله، لأنه ينوي من الخير ما لا يطيقه ولايقدر عليه). ومعناه: أن النية خير من العمل حتى مع نيته،لأنه ينوي أكثر.
وعن أبي بصير قال: ( سألت أبا عبدالله عليه السلام عن حد العبادة التي إذا فعلها فاعلها كان مؤدياً؟ فقال: حُسْنُ النية بالطاعة ). ( الكافي: 2/85).
ومعنى علم صدق نيته: علم أنه قرر بدرجة قوية عالية تصلح لتحريك البدن للعمل لو توفرت الشروط. فكتبه الله له فعلاً مع أنه نية.
وحُسْنُ النية بالطاعة: القرار الجازم العميق بطاعة الله تعالى في كل أموره.
وقال الإمام الصادق عليه السلام لأبي عمرة السلمي: (إن الله عز وجل يحشر الناس على نياتهم يوم القيامة ). (الكافي: 5/20).
ومعناه: أن الحساب والثواب والعقاب إنما هو على الفعل الحقيقي للإنسان وهو مخزون النوايا والقرارات في النفس، التي وصلت إلى مرحلة الصلاحية لأن تكون فعلاً إرادياً كامل الشروط، حتى لو لم تتوفر له ظروف تحقيقه بدنياً.
وقال الإمام الصادق عليه السلام : (إنما خُلِّدَ أهل النار في النار، لأن نياتهم كانت في الدنيا أن لوخُلِّدُوا فيها أن يعصوا الله أبداً! وإنما خُلِّدَ أهل الجنة في الجنة، لأن نياتهم كانت في الدنيا أن لو بقوا فيها أن يطيعوا الله أبداً.فبالنيات خُلِّدَ هؤلاء وهؤلاء ثم تلا قوله تعالى: قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ. قال: على نيته ). (الكافي: 2/85).
فأفعالنا الإرادية لا تنحصرفيما قمنا به بدنياً، بل هي مخزون أنفسنا وأرواحنا من النوايا التي بلغت مرحلة الصلاحية للتجسد في عمل، وهي ككرة الثلج في الماء لايظهر منها في أفعالنا البدنية إلا القليل!
فالفعل كل الفعل في داخل أنفسنا، في معاناتنا الداخلية، وصراع النوايا والخير والشر فينا، وفيما نفكر ونقرر، وهو عمل إرادي يسمى النية، وتبدأ بخطورات ذهنية وتصورات، ثم تصل إلى حد العزم والقرار الجازم فتأمر النفس الدماغ، فيصدر أمره إلى البدن بالفعل، فيجيئ الفعل البدني على شاكلة الفعل النفسي أو الروحي!
أما الخطورات والتصورات التي لم تبلغ درجة النية المحرِّكة، فلا تعتبر عملاً ولا تدخل في قوله عز وجل: وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ. فهو موجود يراه الإنسان لكن لا يحاسب عليه.
ولم أجد عند المفسرين والفلاسفة ما يقنع في تفسيرشَاكِلَتِهِ، في قوله تعالى: قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلاً. وقد فسروها: على طريقته، وطبيعته، وخليقته، وجديلته، وناحيته، وسجيته، وأخلاقه، ودينه ومذهبه..الخ.
وفسرها الإمام الصادق عليه السلام بشكل النية، ومعناه أن شكل الفعل يطابق شكل النيته في النفس، وشاكلته: بصيغة الصفة المشبهة تعني أنها الشكل الذي تَكَوَّنَ واستقرَّ في النفس فصار علماً للنية.
ومما يؤيد أن الفعل في القرآن للروح، أن الله تعالى فرع عليه بقوله: فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى، وأن آية الروح جاءت في سياقه.
وهذه القاعدة تعني أن العقائد في عمقها نيات عالية مركزة، وأنها لذلك صارت ميزان شخصية الإنسان، وبها انقسم الناس الى مؤمن وكافر.
* *

المسألة الثامنة: قاعدة القرين أقوى من نظرية فيثاغورس

قال تعالى: وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناء فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلَُ.وقال تعالى: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ . حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَـالَ يَا لَيْتَ بَيْنِى وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ .
والقيض: القشر،وقيضناه: فلقناه عن الفرخ. فالتقييض تفعيل السبب الكامن، والسماح بانفلاق الإنسان عن قرينه كما ينفلق قشرالبيضة عن فرخها .
ومعناه: أن معاصي الإنسان ونواياه السيئة إذا بلغت حداً فهي توجب أن يولد منه قرينه ويكون معه يضله، ثم يحشر معه في القيامة.
وهذا نــوع من التجســم لم تدركه نظرية فيثــاغورس وأتبـــاعه. (راجع: العين للخليل: 5/186، والصحاح للجوهري: 3/1103).
والقرين يلازم صاحبه في الدنيا والآخرة ولاسلطة له عليه إلا تزيين الشر. والتقييض خاص بأعداء الله، قال تعالى: وَيَوْمَ يُحْشَرُأَعْدَاءُ اللهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ .وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ. أي ولدت نسخة من الإنسان بعمله. والإقتِرَانُ: كالإزدواج، اجتماع شيئين متلازمين، قال تعالی: أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ.
* *

الفصل الرابع : شرح أدعية الوضوء

الماء الطاهرالطهور

إذا نظر الى الماء قال:
الحمد لله الذي جعل الماء طهوراً، ولم يجعله نجساً.
أكثر الشعوب يعرفون مفهوم الطاهر والنجس، وهو عندهم بمفهوم معنوي قريب من معنى: الإنسان الجيد والسيئ، والطيب والشرير.
لكن الإسلام جاء بمنظومة متكاملة للطاهر والنجس فمنه المعنوي ومنه المادي، والإنسان الطاهر: الصالح والمؤمن، والنجس: الخبيث والكافر. والشيئ الطاهرالصالح للإستعمال ولايُعدي. والنجس يصلح لبعض الإستعمالات، وقد يُعدي وتسري نجاسته الى غيره فيصير نجساً!
وعندما تقرأ الفقه وأحكام الشريعة، تقرأ في أولها النجاسات الإثنا عشر: الدم، والبول، والكلب، والخنزير، والميتة..الخ.
وتقرأ المطهرات وفي أولها: الماء وأنه طهور، أي طاهر في نفسه مطهر لغيره. فإذا أصابت إحدى النجاسات شيئاً، أمكن تطهيره بالماء غالباً، وأحياناً لا يمكن. والماء يطهرالنجس المعنوي أيضاً، فالشخص الجنب نجس ولايمكنه الدخول الى المسجد ولا الصلاة، حتى يتطهر بالماء فيغتسل! والحائض لا بد بعد انتهاء حيضها أن تتطهر بالماء، وهكذا.
إن لغة الطاهر والنجس لغة خاصة بالمتدينين الملتزمين بالصلاة، وبتطبيق الشريعة، ولايفهم لغتهم غيرهم. فالمتدين لايأكل النجس ولا المتنجس الذي سرت اليه النجاسة وإن كان جائعاً، ولا يشربه وإن كان عطشاناً!
ويقول عن الذي لايتقيد بأحكام الطهارة والنجاسة: هذا لايعرف طاهراً من نجس، وكأنه عنده بدوي، وإن كان مثقفاً نظيفاً!

نعمة الماء العظيمة

معنى الدعاء: أنظرالى الماء أيها المؤمن، واحمد ربك أنه جعله طاهراً، يزيل الأوضار، وينظف الأوساخ، وجعله أبيّاً أن يفسد، إلا ما ندر.
وكان بالإمكان أن يجعله نجساً يُنجس من يمسه، فتصور حالة الناس إذا كان الماء نجساً كأنه ميكروب، واحتجنا الى الإبتعاد عنه والتطهر منه! تصور حالة المؤمنين وهو يجففون أنفسهم وثيابهم من الماء تحت الشمس والهواء، أو بالتراب!
فالحمد لله الذي جعل الماء طهوراً، طاهراً في نفسه مطهراً لغيره، ولم يجعله نجساً في نفسه، منجساً لغيره!
ولو شاء لفعل، لأن فيزياء المواد بيده، وكلها من خلقه وصنعه وتركيبه. ألم يخبرنا تعالى عن البحار بأنها ستشتعل: وَإِذَا البِحَارُ سُجِّرَتْ. ألم يقسم عز وجل بالبحر المسجور، يوم يشتعل فيكون ناراً ملتهباً بنفسه، محرقاً لغيره!
ألم يكشف العلم أن الماء مركب من عنصري الأوكسجين والهيدروجين، وكلاهما قابلان للإشتعال، فأي شيئ يسبب فصلهما يحولهما الى شعلة نار!
فكيف لوأضاف الله تعالى الى الماء عنصراً فاتحد مع الأوكسيجين والهيدروجين فصار الماء على الأرض بلون الدم مثلاً، ميكروباً معدياً؟!
قال الله تعالى: أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَئٍْ حَىٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ.
وورد تفسيره أن السماء كانت رتْقاً لا تمطر، والأرض كانت رتقاً لا تنبت.
وقال تعالى: وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ.ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَالْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِى الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَئٍْ قَدِيرٌ.
وقال تعالى: فَلْيَنْظُرِالآنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ.أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا. أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ. ءَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ.
وهو غير الماء الذي جعله الله نسباً وصهراً: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا. وغير الماء السائل الذي خلق منه الكون : وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ.
فيالها نعمة علينا نعمة الماء، طاهرٌ مطهر، منه خلقنا، ومنه نشرب، وبه نتطهر! فالحمد لله، ثم الحمد لله.
* *

الدعاء عند الإستنجاء

بسم الله وبالله.اللهم حَصِّنْ فرجي، وأَعِفَّهُ، واستُر عورتي، وَحَرَّمْنِي على النار.

باسم الله لا باسم غيره !

يبدأ الناس بعملهم بدون ذكر ربهم، فيكون عملهم مقطوعاً أبتر، فقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (الوسائل: 7/170): (كل أمر ذي بال لايذكربسم الله فيه فهو أبتر).
ذي بال: أي مهم، وذلك تخفيف علينا أن نسمي عند كل أمر صغير وكبير. ومعنى أبتر: ناقص لا بركة فيه.

أربع دعوات، عندما يغسل المؤمن فرجه

إن غسل الفرج مما اختص به المؤمنون المتطهرون، أما بقية الناس فلا يغسلون فروجهم. وهذه نقطة مهمة عن طهارة الشعوب ونظافتها.
ألا يحق للمؤمنين أن يفخروا بأنهم أهل النظافة، وأهل الفروج النظيفة؟
ومع امتياز المؤمنين بغسل الفروج، إزالة الشعر عن الفروج ومن تحت الآباط. (عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : لايطولن أحدكم شاربه ولا شعر إبطيه، ولاعانته، فإن الشيطان يتخذها مخبئاً يستتر بها ). (الوسائل: 2/115).

اللهم حَصِّنْ فرجي

قال الله تعالى يمدح مريم÷: وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آَيَةً لِلْعَالَمِينَ. وقد ورد تفسيرتحصين الفرج باجتناب الزنا. وكأن حفظ الفرج من الزنا أمر صعب يحتاج الى أن تجعل نفسك في حصن من الإستجابة للمغريات، أو الإندفاع مع الشهوات.
ويشمل تحصين الفرج صيانته عن المحرمات الجنسية الأقل من الزنا، كالنظر واللمس والمداعبة فكلها يشملها الدعاء بتحصين النفس والفرج.

اللهم حَصِّنْ فرجي، وأَعِفَّهُ

العفاف: التنزه عما لايليق، وعفة الفرج: تَرَفُّع صاحبه عن الزنا وتوابعه.
قال الإمام الصادق عليه السلام : ( كان أميرالمؤمنين صلوات الله عليه يقول: أفضل العبادة العفاف).(الكافي(2/79). واشتهر عنه عليه السلام : العفاف زينة الفقر.
وفي دعــاء الإمــام زين العــابدين عليه السلام : (واجْمَعْ لِيَ الْغِنَى والْعَفَافَ، والدَّعَةَ والْمُعَافَاةَ ).(الصحيفة السجادية/232).
وسئل الإمام الصادق عليه السلام : (بمَ نعرف عدالة الرجل بين المسلمين حتى نقبل شهادته لهم وعليهم؟ قال فقال: أن تعرفوه بالستر والعفاف والكف عن البطن والفرج واليد واللسان ). (الإستبصار: 2/12).
والعفاف والتنزه والترفع، ينشأ من علوالطبع والتقوى، وموضوعه واسع، وقد يقع الإنسان فيما ينافي العفاف، لكن ذلك لايضر بعدالته إذا تاب من قريب، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ.

وَاسْتُرْ عَوْرتي

1. المقصود بها العورة المادية، وسترها باللباس، وأن لايبتلى بكشف عورته أمام الناس. والأهم العورة المعنوية، فكأن من يراه الناس يرتكب ذنباً أو يفعل ما لايليق: كشفت عورته أمامهم، فيكون الدعاء بسترالعورة دعاءً بستر ذنوب المرء لتبقى خفية، ولاينفضح بها أمام الناس.
وسترالعورة بمعنى سترالسوأة، مفهوم إسلامي جديد على أكثر شعوب العالم، لأن الناس كانوا لا يتسترون في الحمامات في البلاد العربية وغيرها وحتى بعد الإسلام وتبليغ النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فقد حثَّ الأئمة من عترته عليهم السلام الناس، حتى انتشر سترالعورة في حمامات المدينة والكوفة.
قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (لعن الله الناظر والمنظورإليه في الحمام بلا مئزر. وقال: لا يدخل الرجل مع ابنه الحمام فينظر إلى عورته، وقال: ليس للوالدين أن ينظرا إلى عورة الولد،وليس للولد أن ينظر إلى عورة الوالد).(الكافي: 6 /503).
وقال الإمام الصــادق عليه السلام (الكافي: 2/35): (وفـرض على البصر أن لاينظر إلى ما حرم الله عليه وأن يعرض عما نهى الله عنه مما لا يحل له، فقال تبارك وتعالى: قُلْ للَّمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ. فنهاهم أن ينظروا إلى عوراتهم وأن ينظرالمرء إلى فرج أخيه، ويحفظ فرجه أن يُنظر إليه وقال: وَقُلْ للَّمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ.. من أن تنظر إحداهن إلى فرج أختها وتحفظ فرجها من أن ينظر إليها وقال: كل شئ في القرآن من حفظ الفرج فهو من الزنا، إلا هذه الآية فإنها من النظر ).
2.والعورة الأهم في الإسلام، أسرار المؤمن، وعيوبه الخفية، وسمعته. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (الكافي: 2/354): (يا معشر من أسلم بلسانه ولم يخلص الإيمان إلى قلبه: لا تذموا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عوراتهم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله تعالى عورته يفضحه ولو في بيته)!
وسئل الصادق عليه السلام (الكافي: 2/358): (عورة المؤمن على المؤمن حرام؟ قال: نعم. قلت: تعني سفليه؟قال: ليس حيث تذهب، إنما هي إذاعة سره ).
3. وبهذا يمتاز الإسلام بأنه شرع قوانين المحافظة على الأخلاق العامة في المجتمع، فأوجب حفظ العورات السوءات، وحرم النظر اليها.
وأوجب ستر العيوب، وحرم إعلانها والحديث عنها. ومعناه أنه يحفظ كرامة المؤمن رغم أخطائه وذنوبه، ويترك له خط المراجعة والرجعة.

وَحَرَّمْنِي على النار

معناه أن عدم حفظ السوأة، وعدم حفظ عورات الناس، هو بذاته عورة يخشى على صاحبها من عذاب النار، فهو يدعو أن يبعده الله عنها، بل يدعو أن يجعل دخوله النار محرَّماً، فيحفظ الله حرمته ويغفر ذنبه.
* *

الدعاء عند غسل اليدين

اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين
والتَّوَّاب: من يتوب ثم يقع في الذنب ثم يتوب، وهو مثل الذي يتطهر ويتوضأ، ثم يزول وضوؤه فيتطهر ثانية.. فالمؤمن يقع في الذنب لكنه يتوب منه فيتطهر معنوياً، كما يحتاج الى تجديد وضوئه فيتطهرثانية، ولا ضيرعليه، لأنه توابٌ متطهر، يجدد توبته ووضوءه.
وطلب المؤمن من الله أن يجعله من التوابين المتطهرين، معناه أنه يوجد ناس غير توابين ولامتطهرين، نعم وهم كُثْرٌ كفاك الله مصائبهم وسوء معيشتهم، ونجَّاك من مشاكلهم وظلماتهم.
قال لي طالب: إن جارنا في لندن سائق قطار لايغسل وجهه الى أسبوع! ويوجد عشرات مثله، لايتطهرون لا في الأسبوع ولا في الشهر، كما يوجد من لا يتوبون كل عمرهم من ذنب، ولا يعتذرون من خطأ!
ويسخرون منك إذا قلت لهم إن الله يحب التوابين الذين يرجعون عن خطئهم، ويعتذرون، فيقول أحدهم: لكني لا أحب التوبة ولا الحمام.
ويطول الكلام لوأردنا أن نفيض في وصف البعيدين عن التوبة والتطهر وعن أسرهم، ومجتمعهم، وعن حالتهم النفسية، وما يحملونه من ظلمات في قلوبهم، وعقد في نفوسهم!
لكنا نريد الحديث عن الذين يحبهم الله، لأنهم توابون متطهرون.
قال الإمام الباقر عليه السلام (الكافي: 2/424): ( إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قالوا: يا رسول الله نخاف علينا النفاق! قال فقال: ولم تخافون ذلك؟ قالوا: إذا كنا عندك فذكرتنا ورغبتنا وجلنا ونسينا الدنيا وزهدنا حتى كأنا نعاين الآخرة والجنة والنار ونحن عندك، فإذا خرجنا من عندك ودخلنا هذه البيوت وشممنا الأولاد، ورأينا العيال والأهل،يكاد أن نحول عن الحال التي كنا عليها عندك حتى كأنا لم نكن على شئ! أفتخاف علينا أن يكون ذلك نفاقاً؟ فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: كلا إن هذه خطوات الشيطان فيرغبكم في الدنيا. والله لو تدومون على الحالة التي وصفتم أنفسكم بها لصافحتكم الملائكة ومشيتم على الماء،ولولا أنكم تذنبون فتستغفرون الله لخلق الله خلقاً حتى يذنبوا ثم يستغفروا الله فيغفرلهم، إن المؤمن مفتَّنٌ توَّاب،أما سمعت قول الله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهَرِينَ، وقال: وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ).
* *

الدعاء عند المضمضة

اللهم لَقِّنِي حُجَّتِي يوم ألقاك، وأطلق لساني بذكراك
تكرر حرف القاف في هذا الدعاء مرتین، وكأن ذلك مقصود لتحريك اللهاتين في الحلق! وتعدد الهدف ظاهرة شائعة في الشريعة المقدسة.
لَقِّنِي: بتشديد القاف وكسرالنون، من قوله تعالى: فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا، وقوله تعالى: وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ، وقوله تعالى: لايَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ، ومعناها يَلْقَاه بالشيئ ويُلقيه اليه، أي يعطيه له ويهديه إياه.
والمعنى:  اللهم اجعلني استحضرحجتي يوم أموت وألقاك، ويسألني الملكان عن ديني وربي ونبيي وأئمتي، فأعطني يومها حجتي.
وقد تصور بعضهم أنها بتشديد النون من التلقين، ولايصح لأن التلقين التعليم والتفهيم للمحتضر قبل الموت، والدعاء هنا أن يُلَقِّيه الله حجته بعد موته، أي يعطيها له.(راجع في التلقين: جواهر الكلام: 4/15، وفيه: إذا حضرتَ قبل أن يموت فلقنه شهادة).
ويؤيد ذلك، أن التلقين فيه تدخل من الملقن فهو يُضعف الحجة، حتى أن الفقهاء بحثوا جواز تلقين القاضي الحجة للخصم، أوعدم جوازه.
أما التلقي فهوإعطاء حجة كاملة يستعملها كما هي، وهي أعم من حجته التي كان أعدها فتُحضر في ذهنه، أو حجة جديدة يعلمه إياها الله تعالى.
ثم إن التلقين تعليم وتفهيم ولا يكون إلا معنوياً، أما التلقي فيكون مادياً ومعنوياً، وقد ورد في قوله تعالى: وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً، أن النضرة في وجوههم، والسرور في أنفسهم. فقد تتضمن الحجة شيئاً يتلقاه.
أما وقت تلقيه الحجة ففي قبره، ويحتمل أن تشمل محاكمته يوم القيامة.
وأشهر ما ورد في سؤال القبر الحديث الذي صححوه: كيف بك يا عمر! وممن رواه البيهقي في عذاب القبر/81: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعمر بن الخطاب: يا عمر كيف بك إذا أنت أُعِدَّ لك من الأرض ثلاث أذرع وشبر في عرض ذراع وشبر، ثم قام إليك أهلوك فغسلوك وكفنوك وحنطوك، ثم احتملوك، حتى يغيبوك ثم يهيلوا عليك التراب، ثم انصرفوا عنك، فأتاك فتانا القبرمنكر ونكير، أصواتهما مثل الرعد القاصف، وأبصارهما مثل البرق الخاطف، قد سدلا شعورهما، فَتَلْتَلَاكَ وَتَوَهَّلَاكَ ( أي جرجراك وخوفاك ) وقالا: من ربك وما دينك؟قال: يا نبي الله ويكون معي قلبي الذي معي اليوم؟قال: نعم، قال: إذاً كفيتهما ).
والعجيب أن عمـــر لم يســأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم كيف ينجو منهما، فتركه النبي صلى الله عليه وآله وسلم!
وفي الكافي (3/239) عن الإمام الصادق عليه السلام قال: (إن المؤمن إذا أخرج من بيته شيعته الملائكة إلى قبره، يزدحمون عليه، حتى إذا انتهيَ به إلى قبره، قالت له الأرض: مرحباً بك وأهلاً، أما والله لقد كنت أحب أن يمشي عليَّ مثلك، لتَرَيَنَّ ما أصنع بك! فتوسع له مد بصره، ويدخل عليه في قبره ملكا القبر وهما قعيدا القبر منكر ونكير، فيلقيان فيه الروح إلى حقويه فيقعدانه ويسألانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: الله، فيقولان: ما دينك؟ فيقول: الإسلام، فيقولان: ومن نبيك؟ فيقول: محمد.فيقولان: ومن إمامك؟ فيقول: فلان. قال: فينادي مناد من السماء: صدق عبدي، أفرشوا له في قبره من الجنة، وافتحوا له في قبره باباً إلى الجنة، وألبسوه من ثياب الجنة حتى يأتينا، وما عندنا خير له. ثم يقال له: نم نومة عروس، نم نومة لا حُلم فيها.(أي إزعاج).
قال: وإن كان كافراً خرجت الملائكة تشيعه إلى قبره يلعنونه، حتى إذا انتهى به إلى قبره قالت له الأرض: لامرحباً بك ولا أهلاً، أما والله لقد كنت أبغض أن يمشي عليَّ مثلك، لاجرم لترين ما أصنع بك اليوم! فتضيق عليه حتى تلتقي جوانحه! قال: ثم يدخل عليه ملكا القبروهما قعيدا القبر منكر ونكير. قال أبو بصير: جعلت فداك يدخلان على المؤمن والكافر في صورة واحدة؟ فقال: لا. قال: فيقعدانه ويلقيان فيه الروح إلى حقويه، فيقولان له: من ربك؟ فيتلجلج ويقول: قد سمعت الناس يقولون. فيقولان له: لا دريت!ويقولان له: ما دينك؟فيتلجلج، فيقولان له: لا دريت! ويقولان له: من نبيك؟ فيقول: قد سمعت الناس يقولون، فيقولان له: لا دريت! ويسأل عن إمام زمانه،قال: فينادي مناد من السماء: كذب عبدي، أفرشوا له في قبره من النار وألبسوه من ثياب النار، وافتحوا له باباً إلى النار حتى يأتينا، وما عندنا شر له، فيضربانه بمرزبة ثلاث ضربات ليس منها ضربة إلا يتطاير قبره ناراً، لو ضرب بتلك المرزبة جبال تهامة لكانت رميماً )!

وأطلق لساني بذكراك

في بعض النسخ: وأطلق لساني بذكرك.ولكن ذكراك أصح، ومعناها: أطلق لساني بتذكر نعمك عليَّ، فهي التي تناسب حجته ودفاعه عن نفسه. أما مجرد ذكره لله تعالى فلا ينفعه في الدفاع عن نفسه يومها، بل لاعمل في الآخرة ولا ثواب، بعد أن ختمت صحيفة أعماله بموته.
فالفرق بين التعبيرين: أن أطلق لساني بذكرك، أطلقه بتسبيحك.
أما أطلقه بذكراك، أي اجعلني أذكر نعماءك علي، وذكراك عندي فأعددها لأستعطفك، وأدافع بذلك عن نفسي.(الذكرى إسم للتذكر) (العين: 5/346).
وبهذا ينسجم التعبير ويكون المعنى:  اللهم أعطني واهد لي يوم ألقاك حجتي لأقدمها لك وأخلِّص نفسي من العذاب. وأعطني فصاحة لسان وبلاغة لأن أعدد نعمك عليَّ وذكرياتي لك، لأستعطفك باعترافي بها.
* *

الدعاء عند الإستنشاق

اللهم لا تحرم عليَّ ريح الجنة، واجعلني ممن يشم ريحها ورَوْحها وطيبها.

الجنة لها رائحة وروح وطيب وريحان

والفرق بين ريح الجنة ورَوْحِها وطيبها: أن الريح الرائحة التي تفوح من أي شيئ، وكل الجنة فيها رائحة. والرَّوْح: النسيم والجوُّ المؤنس مأخوذ من مكان الراحة , والطيب: المواد المعطرة التي هي عطر وتفوح بالعطر. وفي رواية الكافي: وريحانها، وهو نبات ذو رائحة طيبة.
قالت عائشة: (قال رسول صلى الله عليه وآله وسلم: لما أسري بي إلى السماء أدخلت الجنة، فوقفت على شجرة من أشجار الجنة، لم أرَ في الجنة أحسن منها، ولا أبيض ورقاً، ولا أطيب ثمرة، فتناولت ثمرةً من ثمرتها فأكلتها، فصارت نطفة في صلبي فلما هبطت إلى الأرض واقعت خديجة فحملت بفاطمة، فإذا أنا اشتقت إلى ريح الجنة شممت ريح فاطمة) (الدر المنثور: 4/153 و أمالي الصدوق/546).

نظام الشم والحس في الجنة شبية به في الدنيا

يدل عليه قوله عليه السلام : اللهم لاتحرم عليَّ ريح الجنة..الخ. بل تدل نصوص القرآن القطعية، وأحاديث السنة المتواترة على أن نظام حواس الإنسان ونعيمه وعذابه، شبيهة الى حد بعيد بهذا النظام في نشأتنا هذه.
مع الفروق الكبيرة التي ذكرتها الآيات والأحاديث، ومنها مثلاً أن أهل الجنة لا يتغوطون، ولايمرضون: لايَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ. مضافاً الى أوصافها العظيمة: وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِى أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ.
ويؤيد ما قلناه أن الملائكة عليهم السلام يحبون الرائحة الطيبة وينفرون من الخبيثة. ففي الصحيح أن سلمان الفارسي قال(الكشي: 1/66): (قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إذا حضرك أو أخذك الموت، حضرأقوامٌ يجدون الريح ولايأكلون الطعام، ثم أخرج صرة من مسك فقال: هبةٌ أعطانيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ثم بَلَّها ونضحها حوله، ثم قال لامرأته: قومي أجيفي الباب فقامت وأجافت الباب، فرجعت وقد قُبض رضي الله عنه »!
وروى نحوه ابن سعد(4/92) وأنه طلب أن يكون سهمه في فتح أرمينية عطراً.

تحريم ريح الجنة يساوي الخلود في النار

معنى الدعاء:  اللهم وها أنا استنشق الماء في وضوئي للصلاة بين يديك، فاجعلني أشم ريح الجنة، ولا تجعلني ممن حَرَّمْتها عليه!
فقد ورد تحريم رائحة الجنة على أنواع من الناس، فعن الإمام الباقر عليه السلام : (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في كلام له: إياكم وعقوق الوالدين، فإن ريح الجنة توجد من مسيرة ألف عام ولا يجدها عاق، ولا قاطع رحم، ولا شيخ زان ولا جارٌّ إزاره خيلاء، إنما الكبرياء لله رب العالمين ). (الكافي: 2/349).
وفي الخصال/37: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن الجنة ليوجد ريحها من مسيرة خمسمائة عام، ولا يجدها عاق، ولا ديوث، قيل: يا رسول الله وما الديوث؟ قال: الذي تزني امرأته وهو يعلم ).
أقول: معنى أن ريح الجنة توجد من مسيرة ألف عام وخمس مئة عام، أن الأمر في رائحتها نسبي، بحسب الأشخاص، أو نوع الرائحة.
وفي أمالي الصدوق/462: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من قال: صلى الله على محمد ولم يصل على آله،لم يجد ريح الجنة، وريحها توجد من مسيرة خمسمائة عام).
وفي الحديث الصحيح (مجمع الزوائد: 5/14): (عن البراء وزيد بن أرقم قالا: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم غدير خم ونحن نرفع غصن الشجرة عن رأسه فقال: إن الصدقة لا تحل لي ولا لأهل بيتي. لعن الله من ادعى إلى غير أبيه ولعن الله من تولى غير مواليه). والنسائي (6/180)ومسند أحمد: 1/25 و: 4/ 186 . وفي بعض رواياته: لايشم رائحة الجنة.
* *

الدعاء عند غسل الوجه

اللهم بيض وجهي يوم تسود فيه الوجوه...
ليست المسألة صبغاً أبيض وأسود، تصبغ به الوجوه! بل قوله تعالى: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ. وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ.فقد اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ، وابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ بعملهم.
ومعنى: اللهم بيض وجهي: وفقني للأعمال التي تجعله أبيض يوم القيامة.

كيف نبيض وجوهنا أو نسودها !

بعمله يصنع أحدنا جينات وجوده الجديد، وشكل وجهه ولونه. فقد سئل الإمام الصادق عليه السلام : ( عن الميت يبلى جسده؟ قال: نعم، حتى لايبقى له لحم ولا عظم، إلا طينته التي خلق منها فإنها لا تبلى، تبقي في القبرمستديرة حتى يخلق منها كما خلق أول مرة ). ( الكافي : 3 / 251 ).
فهذه الذرة المستديرة بمثابة الصندوق الأسود المحصن، وهي النواة لولادة جسدنا الآتي، وفيها تكمن كل مواصفاته!
وقد صنعناها نحن بأعمالنا وسلوكنا، فكل عمل نقوم به يؤثر في تشكيل هذه الذرة وجيناتها! فالذي يكذب مثلاً، ينعكس كذبه في تركيب تلك الذرة ويُختزن فيها، والذي ينوي الشر ويؤذي بریئاً، أو يقتله، أو يسرق، أويأكل شيئاً مسروقاً..والذي ينوي الخيرويخدم الناس، أو يصلي ويناجي ربه..كله يخزن في نواة وجودنا الآتي.
وتضمنت الآيات والأحاديث أنواعاً من تأثيرات الأعمال على الروح.
والله تعالى يغرس هذه الذرات المستديرة في الأرض فتنمو أجساداً ونولد في القيامة، ففي ولادتنا هنا تحكمنا مورثات جينات الأبوين والتغذية والمناخ والمحيط. لكن المورثات في تلك الولادة عملنا بأيدينا فقط!
فعملنا وحده هو الذي ينتج شكل أجسادنا يومها وخصائصها، ومنه شكل أجسامنا ووجوهنا، ومنه حواسنا الداخلية وعقلنا وعواطفنا.
فمعنى: بيض وجهي: وفقني لسلوك حسن ينتج بذرتي ليوم القيامة. قال الله تعالى: وَاللهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتاً.ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً.
لهذا يجب أن نستبعد تصورأن تبييض الوجوه وتسويدها يتم يوم القيامة، وكأنه صبغ تصبغ به، بل هو سلوك صاحب الوجه في الدنيا الذي يحدد خصائصه.

حالات الوجوه يوم القيامة

1. الوجوه المسودة:
وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى للَّمُتَكَبِّرِينَ.
2. الوجوه الناضرة والوجوه الباسرة:
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ.إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ. وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ. تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ.
3. الوجوه المستبشرة والوجوه المغبرة :
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ.ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ. وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ. تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ. أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ.
4. وجوه الأبرار النضرة:
إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ. عَلَى الأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ. تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ.
5. الوجوه الخاشعة والوجوه الناعمة:
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ.عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ. تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً.تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ. لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلا مِنْ ضَرِيعٍ لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِى مِنْ جُوعٍ.
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ. لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ. فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ. لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً.
6. الوجوه الذليلة :
للَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ. وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا. أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ.
7. الوجوه التي تغشاها النار:
وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ. سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ.
8. وجوه الصم البكم العمي:
وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأوَاهُمْ جَهَنَّمُ.
9. الوجوه المشوية بماء المهل:
وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِى الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا
الوجوه التي تلفحها النار:
لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ!
تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ.
11. الوجوه التي تقلب في النار:
الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلاً.
وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ. يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا.
أقول: رأيت تعدد حالات وجوه الناس وتنوعها، وهي أوسع من هذه، أعاننا الله على ذلك اليوم، وبيض وجوهنا.

من هم الغر المحجلون من الوضوء؟

اتفق المسلمون على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مدح الغرالمحجلين من الوضوء، وأنهم يكونون في المحشر مميزين، ويدخلون الجنة. ومعنى الغر المحجلين: خيار الناس، تشبيهاً بجياد الخيل التي في جبهتها غرة بيضاء، ويداها محجلة بالبياض. قال الخليل(4/346): (غرة النبات رأسه، وغرة كل شيئ أوله).
وقال ابن فارس(4/382): (غرة كل شيئ أكرمه. والغرة: البياض، وكل أبيض أغر). وقال في الزاهر/592: (والمحجّل: الأبيض موضع الخلخال ).
وروى مسلم ( 1/150) أن الغر المحجلين نخبة من الأمة سوف يأتون، وأنهم إخوان النبي صلى الله عليه وآله وسلم وخير من أصحابه. قال أبو هريرة: (إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أتى المقبرة فقال: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون. وددت أنا قد رأينا إخواننا.قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد. فقالوا كيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك يا رسول الله؟ فقال: أرأيت لو أن رجلاً له خيل غر محجلة بين ظهري خيل دهم بهم، ألا يعرف خيله؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: فإنهم يأتون غراً محجلين من الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض، ألا ليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال أناديهم ألا هلمَّ، فيقال إنهم قد بدلوا بعدك! فأقول سحقاً سحقاً! ). ورواه أحمد في مسنده: 2 /300 و408، والبيهقي: 1/ 83 و: 4 / 78، وابن حبان: 3 / 321، ومجمع الزوائد : 10 / 66، وغيرهم بدون نقيصة، ورواه بعضهم وحذف ذم الصحابة في آخره!
وروينا نحن روايات صحيحة متواترة أن الغر المحجلين علي عليه السلام وشيعته، وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سماه قائد الغر المحجلين الى جنات النعيم.
منها ما رواه الصدوق في أماليه/375: (عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي عليه السلام : يا علي، أنت إمام المسلمين، وأميرالمؤمنين، وقائد الغر المحجلين، وحجة الله بعدي على الخلق أجمعين، وسيد الوصيين، ووصيي سيد النبيين.
يا علي، إنه لما عرج بي إلى السماء السابعة، ومنها إلى سدرة المنتهى، ومنها إلى حجب النور، وأكرمني ربي جل جلاله بمناجاته، قال لي: يا محمد؟ قلت: لبيك ربي وسعديك تباركت وتعاليت، قال: إن علياً إمام أوليائي، ونور لمن أطاعني، وهو الكلمة التي ألزمتها المتقين، من أطاعه أطاعني، ومن عصاه عصاني، فبشره بذلك.
فقال علي عليه السلام : يا رسول الله، بلغ من قدري حتى إني أذكر هناك! فقال: نعم يا علي فاشكر ربك، فخرَّ علي عليه السلام ساجداً شكراً لله على ما أنعم به عليه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إرفع رأسك يا علي،فإن الله قد باهى بك ملائكته)!
أقول: رأيت أن حديث مسلم وغيره خصص الغر المحجلين بفئة من الأمة سماهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم إخوانه، لكن البخاري عممهم ليضيعهم فقال هم كل الأمة!
قال البخاري(1/43): (باب فضل الوضوء، والغر المحجلون من آثار الوضوء. عن نعيم المجمر قال: رقيت مع أبي هريرة على ظهر المسجد فتوضأ فقال إني سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: إن أمتي يدعون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل )!
فقد جعلهم البخاري كل الأمة، وأخذ بتفسير أبي هريرة العامي للغر بأنهم الذين لهم غرة شعر في مقدم رؤوسهم!
وقد بينا في كتابنا الماء الجاري في غسل البخاري أنه لايتقن العربية، فقد فسر (1/8): دعاؤكم بإيمانكم وقال: ومعنى الدعاء في اللغة: الإيمان! كما فسرأكملت لكم دينكم، بأكملوا دينكم!
* *

الدعاء عند غسل اليد اليمنى

اللهم أعطني كتابي بيميني والخلد في الجنان بيساري وحاسبني حساباً يسيراً
هذه الدعوات الثلاث تتعلق بتناول المؤمن كتابه وشهادته، بعد أن يتم الحساب يوم القيامة، أما الدعاء الأخير بالحساب اليسير، فهو مجرد تصفح وعرض بعد أخذ النتائج.
ففي معاني الأخبار/262، عن الباقر عليه السلام قال: ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: كل محاسب معذب. فقال له قائل: يا رسول الله فأين قول الله عز وجل: فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيراً؟ قال: ذلك العرض يعني التصفح).
وفي شرح النفلية للشهيد الثاني/64: (والمراد هنا طلب ملء اليدين من الخير، فطلب لليمنى الكتاب، للمناسبة والدلالة على الرضا عنه، فلما شغلت به بقيت اليسار، فطلب لها الخلد في الجنان ).
وقد اتفق المسلمون على أن نتائج الحساب والميزان توزع كتاباً مدوناً، وأن مليارات الكُتَيِّبات تتطاير فوق رؤوس أصحابها!
وهذا ابتكار من الله تعالى وكل أعماله ابتكارات، وكلٌّ كتاب يعرف صاحبه فيحوم فوق رأسه، وما عليه إلا أن يمد يده ويأخذه. أما المؤمن فيرفع يده اليمنى ويستلم كتابه ويفرح به.
وأما المجرم فيحاول أن يرفع يمناه فلا ترتفع، فيرفع شماله ويأخذه بها، فيرى فيه جرائمه في الدنيا، وجزاءها العادل.
أما النوع الأكثر إجراماً، فتكون أيديهم اليمنى مغلولة إلى أعناقهم، وأيديهم الشمال مربوطة وراء ظهورهم، فلاتعمل يمناه ولا يستطيع يستلمه إلابشماله من وراء ظهره!قال الله تعالى: فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ.فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيراً. وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً.وَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ.فَسَوْفَ يَدْعُواْ ثُبُورًا. وَيَصْلَى سَعِيرًا. إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا. إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ.
وقال تعالى: يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِىَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَأُونَ كِتَابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً.وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً.
وقال تعالى: فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُا كِتَابِيَهْ. إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّى مُلاقٍ حِسَابِيَهْ. فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ. فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ. قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ. كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ.وَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ. وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ. يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ. مَا أَغْنَى عَنِّى مَالِيَهْ. هَلَكَ عَنِّى سُلْطَانِيَهْ. خُذُوهُ فَغُلُّوهُ. ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ. ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ. إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللهِ الْعَظِيمِ. وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ.
وقال تعالى: وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَا لِهَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا.
وفي كتاب الزهد لابن سعيد/92، عن الإمام الصادق عليه السلام قال: ( إن الله تبارك وتعالى إذا أراد أن يحاسب المؤمن أعطاه كتابه بيمينه وحاسبه فيما بينه وبينه فيقول: عبدي فعلت كذا وكذا، وعملت كذا وكذا؟ فيقول: نعم يا رب، قد فعلت ذلك. فيقول: قد غفرتها لك وأبدلتها حسنات. فيقول الناس: سبحان الله أما كان لهذا العبد سيئة واحدة؟ وهو قول الله عز وجل: فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ. فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيراً وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا. قلت: أيُّ أهل؟ قال: أهله في الدنيا هم أهله في الجنة، إن كانوا مؤمنين.
قال: وإذا أراد بعبد شراً حاسبه على رؤوس الناس وبَكَّته، وأعطاه كتابه بشماله وهو قول الله عز وجل: وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُواْ ثُبُورًا. وَيَصْلَى سَعِيرًا،. إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا. قلت: أي أهل؟ قال: أهله في الدنيا. قلت: قوله : إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ؟ قال: ظن أنه لن يرجع ). أي يُحشر.
وفي كامل الزيارات/270: ( عن أبي جعفر عليه السلام قال: لو يعلم الناس ما في زيارة الحسين عليه السلام من الفضل لماتوا شوقاً وتقطعت أنفسهم عليه حسرات! قلت: وما فيه؟ قال: من أتاه تشوقاً كتب الله له ألف حجة متقبلة.ويفسح له في قبره مد بصره، ويؤمنه الله من ضغطة القبرومن منكر ونكير أن يروعانه ويفتح له باب إلى الجنة، ويعطى كتابه بيمينه).

معنى الخلد في الجنان باليسار

في كتاب الزهد/92، عن الإمام الصادق عليه السلام : (إن المؤمن يعطى يوم القيامة كتاباً منشوراً، مكتوب فيه: كتاب الله العزيز الحكيم: أدخلوا فلاناً الجنة).
والظاهرأنه نفس الكتاب الذي يتطاير فيأخذه بيمينه، لأن الآية: وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُوراً.إِقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً.
وهذا يعني أن الكتاب فيه أعماله، وفيه الأمر بدخوله الجنة بإسمه، فيكون معنى: والخلد في الجنان بيساري، أنه كتابٌ آخر أو بطاقة خلود، وكأن الأمر بدخول الجنة يحتاج الى أمر آخر بالخلود. رزقنا الله الكتابين.
وقد عبر الدعاء بيساري ولم يعبر بشمالي تكريماً وتمييزاً له عن المجرمين.
* *

الدعاء عند غسل اليد اليسرى

اللهم لاتعطني كتابي بشمالي ولا من وراء ظهري ولا تجعلها مغلولة إلى عنقي
عرفنا معنى إعطاء الكتاب بالشمال،وأن صاحبه لايدخل الجنة بل جهنم، وأن من يعطى كتابه من وراء ظهره أسفل درجة من صاحبه.
واستعمل الشمال بدل اليسار، واستعمل اليسار لأخذ كتاب الخلود في الجنان.
وتعبير اليسار أقرب الى المدح فهو من اليسر، أما الشمال فيوحي بالشؤم، وهو المناسب لأخذ المجرم كتابه.

وأعوذ بك من مقطعات النيران

قال الشهيد الثاني في شرح النفلية/67: ( وأعوذ بك من مقطَّعات النار: وفي بعض الروايات النيران بالجمع.والمقطَّعات بالقاف والطاء المهملة المشددة المفتوحة: ثياب أهل النار. قال الجوهري: المقطَّعات من الثياب شبه الجباب ونحوها. وقال أبو عمرو: ومقطَّعات الثياب: قصارها.ومثله نقل الهروي في الغريبين عن أبي عبيد، ونقل عن غيره: أنها كل ثوب يقطع من قميص وغيره، فإن من الثياب ما لايُقَطع كالأزُر والأردية ومنها ما يقطع. قال: وممايقوي ذلك حديث ابن عباس في وصف سعف نخل الجنة: منها مقطَّعاتهم. ولم يكن يصف ثيابهم بالقصرلأنه عيب.
والمقطَّعات: إسم واقع على الجنس لافرد له واحد من لفظه، فلايقال للجبة: مقطَّعة، بل يقال لجملة الثياب: مقطَّعات وللواحد ثوب ).
ومعنى قول ابن عباس: أن أهل الجنة يتخذون ثياباً كالقمصان من سعف الجنة.
وقال البدري في نزهة النظر/697، ملخصاً : (المقطعات من الثياب: شِبه الجباب ونحوها من الخَزِّ وغيره.ومنه الخبر: أن رجلاً أتاه وعليه مُقَطَّعات له، أي ثيابٌ قصارلأنها قُطِعت عن بلوغ التمام. والحديد المُقَطَّع: المتّخذ سلاحاً يقال: قَطَّعنا الحديد، أي صنعناه دروعاً وغيرها من السلاح ).
أقول: معناه أنه توجد ثياب نارية، تقطع وتفصل على مقاس المجرمين! وأن الجبة أصلها إسم للثوب القصیر. كما توجد سرابيل أي سرواويل تصنع للمجرم من القطران، مع أنه مائع!
فتصور هذه البدلة وتَعَوَّذ بالله منها: بنطلون آخر موديل من قطران، يعني من زفت أو نحاس حار، ومعه جاكيت آخر موديل من مقطعات النيران!!
قال أميرالمؤمنين عليه السلام (نهج البلاغة: 1/113): (فأما أهل طاعته فأثابهم بجواره وخلدهم في داره، حيث لايظعن النزال ولا تتغير بهم الحال، ولا تنوبهم الأفزاع، ولا تنالهم الأسقام، ولا تعرض لهم الأخطار، ولا تشخصهم الأسفار.
وأما أهل المعصية فأنزلهم شر دار، وغل الأيدي إلى الأعناق، وقرن النواصي بالأقدام، وألبسهم سرابيل القطران، ومقطعات النيران. في عذاب قد اشتد حره، وباب قد أطبق على أهله، في نار لها كَلَبٌ ولَجب، ولهب ساطع، وقصف هائل، لا يظعن مقيمها، ولا يفادى أسيرها، ولا تفصم كبولها، لا مدة للدار فتفنى، ولا أجل للقوم فيقضى )!
وهو تفسيرلقوله تعالى: وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ. سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ. لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ.
وفي صفات الشيعة للصدوق/44: (عن علي عليه السلام قال: فلو رأيتهم يا أحنف ينحدرون في أوديتها ويصعدون جبالها، وألبسوا المقطعات من القطران، وأقرنوا مع فجارها وشياطينها، فإذا استغاثوا بأسوأ أخذ من حريق شدت عليهم عقاربها وحياتها ولو رأيت مناديا ينادى وهو يقول: يا أهل الجنة ونعيمها ويا أهل حليها وحللها خلود فلاموت فعندها ينقطع رجاؤهم وتغلق الأبواب وتنقطع بهم الأسباب فكم يومئذ من شيخ ينادي وا شيبتاه وكم شباب ينادي وا شباباه، وكم من امرأة تنادى وا فضيحتاه )!
وفي الدعاء(مصباح المتهجد/62و164): (وفي النارعلى وجوهنا فلا تكبَّنا ومن ثياب النار وسرابيل القطران فلا تُلْبِسنا، ومن كل سوء يالا إله إلا أنت فنجِّنا. فعفوكَ عفوكَ يا مولايَ قبل سرابيل القطران، عفوكَ عفوكَ يا مولايَ قبل أن تُغَلَّ الأيدي إلى الأعناق. يا أرحم الراحمين ).

القطران يشبه القير أو الصفر المذاب

قال القمي(1/372) في تفسير قوله تعالى: وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ. سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ : (عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ، وهوالصفر الحار الذائب انتهى حره. يقول الله: وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ. سُرْبِلُوا ذلك الصفر، فتغشى وجوههم النار)!

التفسيرالصوفي للمقطعات والقطران

قال ابن ميثم في شرح نهج البلاغة (3/70): (إلباسهم سرابيل القطران: استعار لفظ السرابيل للهيئات البدنيّة المتمكَّنة من جواهر نفوسهم، ووجه المشابهة اشتمالها عليها وتمكَّنها منها كالسربال للبدن، ونسبتها إلى القطران إشارة إلى شدّة استعدادهم للعذاب، وذلك أن اشتغال النار فيما يمسح بالقطران أشد وكذلك مقطَّعات النيران: إشارة إلى تلك الهيئات الَّتي تمكَّنت من جواهر نفوسهم، ونسبتها إلى النار لكونها ملبوس أهلها فهي منها كما قال تعالى: قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ. ولما كان سبب الخروج من النار هو الخروج إلى الله من المعاصي بالتوبة، والرجوع إلى تدبر الآيات والعبر النوافع. وكان البدن وحواسه أبواب الخروج إلى الله فبعد الموت تغلق تلك الأبواب فلا جرم يبقى الكفار وراء طبق تلك الأبواب في شدائد حرارة ذلك العذاب ).
أقول: لا يجوز صرف النظر عن ظاهر الكلام والألفاظ إلا بحجة، ولا حجة في تفسير السرابيل والمقطعات بهيئات نفسية، ولذلك نحكم بخطئه. اللهم إلا أن يقصدوا أن مقطعات النار حقيقية، وهذه صورها في نفوسهم!

سقاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قطراناً !

وفي مدينة المعاجز(4/87): (قال الفضل بن الزبير: كنت قاعداً عند السدي فجاء رجل فجلس إليه فإذا منه ريح القطران! قال فقال له السدي: أتبيع قطراناً؟ قال: لا. قال له: ما هذه الرائحة؟ قال: شهدت عسكر عمر بن سعد، فكنت أبيع منهم أوتاد الحديد، فلما قتل الحسين يوم عاشوراء، أتيت في العسكر فرأيت رسول الله في النوم والحسين وعلي معه، وهو يسقي الماء من قتل من أصحاب الحسين، فاستسقيته فأبى أن يسقيني، فقال لي: ألست ممن أعان علينا؟ فقلت: بلى كنت أبيعهم أوتاد الحديد، فقال لعلي: إسقه قطراناً! قال: فناولني قدحاً فشربت منه فكنت ثلاثة أيام أبول القطران ثم ذهب عني وبقيت هذه الرائحة علي! قال فقال السدي: كل من خبز البر وكل من كل النبات، واشرب من ماء الفرات، فما أراك تعاين الجنة ولا محمدا أبداً)!
* *

الدعاء عند مسح الرأس

اللهم غشني برحمتك وبركاتك وعفوك
في المقنع للصدوق/10: (اللّهمّ غشّني برحمتك، وظلّلني تحت عرشك يوم لا ظلَّ إلا ظلك).وفي المقنعة/44: (غشني برحمتك وبركاتك).
وفي المراسم/39: (غشني برحمتك وبركاتك وعفوك).وفي رواية رحمتَك بلاباء. وغَشِّنِي: جَلِّلْنِي من قَرْني الى قدمي برحمتك، أي بعطائك الحنون.
وظللني تحت عرشك: إحمني من ذنوبي والعذاب، واجعلني في مكان يسمى ظل العرش.

الكرسي والعرش والإستواء عليه

قال الله تعالى: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ.وقد تواترت الأحاديث عندنـــا أن السـماوات والأرض وكـــل شيئ في الكرسي (التوحيد للصدوق/328).
فالكرسي بتعبيرنا هي الغلاف الكوني.
أما العرش فموجود صغير يؤتى به يوم القيامة تحمله الملائكة، ويصح وصفه بأنه سنترال الكون: وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ. وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ. يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ.
قال الصدوق في التوحيد/35: (عن سلمان الفارسي ذكرأن الجاثليق قدم الى المدينة مع مائة من النصارى بعد قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وسأل أبا بكرعن مسائل فلم يجبه عنها، ثم أرشده إلى أميرالمؤمنين علي عليه السلام فسأله عنها فأجابه، وكان فيما سأله أن قال له: أخبرني عن الرب أين هو وأين كان؟ فقال علي عليه السلام : لايوصف الرب جل جلاله بمكان، هوكما كان وكان كما هو، لم يكن في مكان، ولم يَزُل من مكان إلى مكان، ولا أحاط به مكان، بل كان لم يزل بلا حد ولا كيف. قال: صدقت، فأخبرني عن الرب أفي الدنيا هوأو في الآخرة؟قال علي عليه السلام : لم يزل ربنا قبل الدنيا، ولا يزال أبداً، هومدبرالدنيا وعالم بالآخرة، فأما أن تحيط به الدنيا والآخرة فلا، ولكن يعلم ما في الدنيا والآخرة.قال: صدقت يرحمك الله.
ثم قال: أخبرني عن ربك أيحمل أو يحمل؟فقال علي عليه السلام : إن ربنا جل جلاله يحمل ولا يحمل.قال النصراني: فكيف ذاك ونحن نجد: وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ؟ فقال علي عليه السلام : إن الملائكة تحمل العرش، وليس العرش كما تظن كهيئة السرير، ولكنه شئ محدود مخلوق مدبر، وربك عز وجل مالكه، لا أنه عليه ككون الشئ على الشئ. وأمَرَالملائكة بحمله فهم يحملون العرش بما أقدرهم عليه..الحديث.).
وقال الإمام الصادق عليه السلام : من زعم أن الله عز وجل من شئ أو في شئ أو على شئ فقد أشرك، ثم قال: من زعم أن الله من شئ، فقد جعله محدثاً، ومن زعم أنه في شئ، فقد زعم أنه محصور، ومن زعم أنه على شئ، فقد جعله محمولاً ).
وفي الكافي(1/130): ( عن صفوان بن يحيى قال: سألني أبو قرة المحدث أن أدخله على أبي الحسن الرضا عليه السلام فأستأذنته فأذن لي فدخل، فسأله عن الحلال والحرام، ثم قال له: أفتقرُّ أن الله محمول؟ فقال أبو الحسن عليه السلام : كل محمول مفعول به مضاف إلى غيره محتاج، والمحمول إسم نقص في اللفظ، والحامل فاعل وهو في اللفظ مدحة، وكذلك قول القائل: فوق وتحت وأعلى وأسفل، وقد قال الله: وَللهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا، ولم يقل في كتبه إنه المحمول بل قال: إنه الحامل في البر والبحر، والممسك السماوات والأرض أن تزولا، والمحمول ما سوى الله، ولم يسمع أحد آمن بالله وعظمته قط قال في دعائه: يا محمول!
قال أبوقرة: فإنه قال: وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ. وقال: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ؟ فقال أبو الحسن عليه السلام : العرش ليس هو الله، والعرش إسم علم وقدرة، وعرشه فيه كل شئ، ثم أضاف الحمل إلى غيره: خلق من خلقه، لأنه استعبدخلقه بحمل عرشه، وهم حملة علمه، وخلق خلقاً يسبحون حول عرشه وهم يعملون بعلمه، وملائكة يكتبون أعمال عباده، واستعبد أهل الأرض بالطواف حول بيته، والله عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى، كما قال، والعرش ومن يحمله ومن حول العرش الله الحامل لهم الحافظ لهم، الممسك القائم على كل نفس، وفوق كل شئ، وعلى كل شئ، ولا يقال: محمول ولا أسفل، قولاً مفرداً لايوصل بشئ فيفسد اللفظ والمعنى.
قال أبو قرة: فتكذب بالرواية التي جاءت أن الله إذا غضب إنما يعرف غضبه أن الملائكة الذين يحملون العرش يجدون ثقله على كواهلهم، فيخرون سجداً فإذا ذهب الغضب خف ورجعوا إلى مواقفهم!
فقال أبو الحسن عليه السلام : أخبرني عن الله تبارك وتعالى منذ لعن إبليس إلى يومك هذا هو غضبان عليه، فمتى رضي!وهو في صفتك لم يزل غضبان عليه وعلى أوليائه وعلى أتباعه! كيف تجترئ أن تصف ربك بالتغيرمن حال إلى حال، وأنه يجري عليه ما يجري على المخلوقين!
سبحانه وتعالى، لم يزُل مع الزائلين، ولم يتغير مع المتغيرين، ولم يتبدل مع المتبدلين، ومن دونه يده وتدبيره، وكلهم إليه محتاج، وهو غني عمن سواه ).
ثم قال الصدوق: إن المشبهة تتعلق بقوله عز وجل: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْش ولا حجة لها في ذلك، لأنه عنى بقوله: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْش بعد قوله ثم، ثم رفع العرش لاستيلائه عليه، ولم يعن بذلك الجلوس واعتدال البدن،لأن الله لا يجوز أن يكون جسماً ولا ذا بدن، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً ).

ظل العرش مكان آمن

أما ظل العرش فهومكان آمن يوم القيامة في المحشر والجنة.
قال في الفقيه (2/536): (وقِفْ على المرقاة الرابعة حيال الكعبة وقل:  اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبروفتنته، وغربته ووحشته وظلمته، وضيقه وضنكه، اللهم أظلني في ظل عرشك يوم لاظل إلا ظلك).
وفي أمالي الصدوق/657: (يا علي، أنت وشيعتك على الحوض تَسقون من أحببتم، وتَمنعون من كرهتم، وأنتم الآمنون يوم الفزع الأكبر في ظل العرش، يفزع الناس ولا تفزعون، ويحزن الناس ولا تحزنون، فيكم نزلت هذه الآية: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ).
وفي أمالي الصدوق/315 : (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن الله تبارك وتعالى يبعث أناساً وجوههم من نور، على كراسي من نور، عليهم ثياب من نور، في ظل العرش، بمنزلة الأنبياء وليسوا بالأنبياء، وبمنزلة الشهداء وليسوا بالشهداء. قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: فوضع يده على رأس علي عليه السلام وقال: هذا وشيعته).وفيه/631: (ومن صام من رجب ستة وعشرين يوماً بنى الله له في ظل العرش مائة قصر، من در وياقوت ).
وفي المحاسن (1/16) عن علي بن الحسين عليه السلام : (قال موسى عليه السلام : يا رب من أهلك الذين تظلهم في ظل عرشك يوم لاظل إلاظلك؟ قال: فأوحى الله إليه: الطاهرة قلوبهم، والتربة أيديهم، الذين يذكرون جلالي إذا ذكروا ربهم،الذين يكتفون بطاعتي كما يكتفى الصبي الصغير باللبن، الذين يأوون إلى مساجدي كما تأوى النسور إلى أوكارها.والذين يغضبون لمحارمي إذا استحلت مثل النمر إذا حَرِدَ).
وفي تاريخ دمشق (61/141): (بلغنا أن موسى قال: يا رب من أهلك الذين هم أهلك الذين تظلهم في ظل عرشك؟قال: هم المتحابون بجلالي الطاهرة قلوبهم النقية أبدانهم، الذين إذا ذكروا ذكرت بهم والذين يأوون إلى ذكري كما تأوي النسور إلى أوكارها،والذين يكلفون بذكري كما يكلف الصبي،والذين يغضبون لمحارمي إذا استحلت كما يغضب النمرإذا حرد).
فيكون معنى: وظلّلني تحت عرشك: إجعلني في ظل عرشك، ومنطقة حمايتك الآمنة، في مشهد القيامة ثم في الجنة.
* *

الدعاء عند مسح القدمين

ثم مسح رجليه فقال:
اللهم ثبتني على الصراط يوم تزل فيه الأقدام، واجعل سعيي فيما يرضيك عني، يا ذا الجلال والاكرام.
والصراط جسر بين الأرض والجنة، يعبره الناس بعد الحساب، وتثبيت الأقدام فيه يعني التوفيق لعبوره الى الجنة، وعدم السقوط منه في جهنم.

الصراط جسر فوق جهنم بين الأرض والجنة !

قال الصدوق في الإعتقادات/70 : (إعتقادنا في الصراط أنه حق، وأنه جسر جهنم، وأن عليه ممر جميع الخلق، قال تعالى: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا. والصراط في وجه آخر: إسم حجج الله فمن عرفهم في الدنيا وأطاعهم أعطاه الله جوازاً على الصراط، الذي هو جسرجهنم يوم القيامة. وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعلي: يا علي إذا كان يوم القيامة أقعد أنا وأنت وجبرئيل على الصراط، فلايجوز على الصراط إلا من كانت معه براءة بولايتك).
وقال المفيد في أوائل المقالات/108 : (الصراط في اللغة: هو الطريق، فلذلك سمي الدين صراطاً، لأنه طريق إلى الصواب، وسمي الولاء لأميرالمؤمنين والأئمة من ذريته عليهم السلام صراطاً. ومن معناه قال أميرالمؤمنين عليه السلام : أنا صراط الله المستقيم، وعروته الوثقى التي لا انفصام لها. يعني أن معرفته والتمسك به طريق إلى الله سبحانه.
وقد جاء الخبر بأن الطريق يوم القيامة إلى الجنة كالجسر يمر به الناس، وهو الصراط الذي يقف عن يمينه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعن شماله أميرالمؤمنين عليه السلام ويأتيهما النداء من قبل الله تعالى: أَلْقِيَا في جَهَنَّمَ كلَّ كَفَّار عنيد.
وجاء الخبر أنه لا يعبر الصراط يوم القيامة إلا من كان معه براءة من علي بن أبي طالب عليه السلام من النار. وجاء الخبر بأن الصراط أدق من الشعرة، وأحدُّ من السيف على الكافر. والمراد بذلك أنه لاتثبت لكافر قدم على الصراط يوم القيامة، من شدة ما يلحقهم من أهوال يوم القيامة ومخاوفها فهم يمشون عليه كالذي يمشي على الشئ الذي هو أدقُّ من الشعرة وأحدُّ من السيف. وهذا مثلٌ مضروب لما يلحق الكافر من الشدة في عبوره على الصراط.وهو طريق إلى الجنة وطريق إلى النار، يشرف العبد منه إلى الجنة، ويرى منه أهوال النار ).
وفي تفسير القمي(2/27) عن الصادق عليه السلام قال: (هو أدق من الشعر وأحدُّ من السيف، فمنهم من يمر عليه مثل البرق، ومنهم من يمر عليه مثل عَدْو الفرس، ومنهم من يمر عليه ماشياً، ومنهم من يمر عليه حبواً، ومنهم من يمر عليه متعلقاً، فتأخذ النار منه شيئاً وتترك منه شيئاً )!
ويتفق معنا الآخرون في تفسير الصراط، ففي مقدمة فتح الباري/96: (هو كالقنطرة بين الجنة والنار يمر عليها المؤمنون).
أقول: فيكون دعاء المتوضئ: ثبتني على الصراط يوم تزل فيه الأقدام، وفي رواية: ثبت قدمي، تعبيراًحقيقياً وليس مجازياً.
* *

الدعاء بعد تمام الوضوء

زكاة الوضوء أن يقول المتوضي (الفقيه: 1/51 ):
اللهم إني أسألك تمام الوضوء، وتمام الصلاة، وتمام رضوانك، والجنة.
قال في جواهر الكلام (2/340): (ويستحب أن يقول عند الفراغ: الحمدلله رب العالمين، لخبر زرارة. ثم ذكر رواية الفقيه، وذكر قراءة سورة القدر، وآية الكرسي..الخ). ونحوه الشيخ الأنصاري (الطهارة: 1/156).
ومعنى تمام الوضوء أنه يوجد وضوء ناقص، إما لنقص شروطه الشرعية أو لنقص آدابه، أو لنقص نيته وروحانيته.
والنقص هنا يقال لأدنى شيئ يَقِلُّ عن الكمال.وكذلك تمام الصلاة .
أما تمام الرضوان فلأن رضوان الله تعالى أمر نسبي أيضاً فهو يطلب تمامه.
وأما دخول الجنة، فلأنها درجات متفاضلة كثيراً. قال تعالى: أُنْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَللَّآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً.
*