عصر الشيعة

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 1 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عصر الشيعة
بقلم
علي الكوراني العاملي
الطبعة الأولى - 1430
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 2 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 3 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة وأتم السلام على سيدنا ونبينا محمد
وآله الطيبين الطاهرين ، واللعنة على أعدائهم أجمعين .
وبعد ، فقد طلب مني بعض الإخوة المؤمنين في المهجر الغربي ، تأليف كتاب ميسر في التعريف بالشيعة ، يكون بمستوى الطلبة الجامعيين ، ومَن يريد الاطلاع على التشيع من الغربيين .
وبسبب سعة الموضوع كان لا بد من الاختصار ، فعقائد الشيعة تحتاج إلى كتاب ، وتاريخهم يحتاج إلى كتب .
والمقصود باسم « عصر الشيعة » أنا في عصر الفكر الشيعي والإسلام الشيعي ، لأنا نشهد بداية كسر التعتيم التاريخي الغليظ ضد علي ( عليه السلام ) وشيعته ، الذي بدأ من وفاة النبي ( صلى الله عليه وآله ) واستمر إلى يومنا هذا ، فكان أطول تعتيم على طائفة في التاريخ !
كانت الحكومات تحاسب الشيعي على مجرد عقيدته ، بل كانت تهمة التشيع تجعله تحت طائلة الاضطهاد والسجن والقتل ، وتشويه السمعة !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 4 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
واليوم تغيرت العصور وبدأ الشيعة يجهرون برأيهم والحمد لله ، ويكشفون للعالم أنهم الوجه الآخر الصحيح للإسلام ، مقابل إسلام الحكومات ، وأن عترة النبي ( عليهم السلام ) هم الامتداد الطبيعي الشرعي للنبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وأن التشيع لهم واتِّباعهم ، هو الاتباع الصحيح لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) .
* *
وقد تفاءلت بالقبول عندما أنهيت الكتاب فجاء عفواً في اثني عشر فصلاً في التعريف بالشيعة الإمامية الاثني عشرية .
جاء الفصل الأول عاماً حول معنى التشيع ، وبَيَّنْتُ فيه تأسيس النبي ( صلى الله عليه وآله ) له في حياته ، واعتباره الخط الشرعي للإسلام .
ثم بينت جذور التشيع الضاربة في الأديان حتى أن إبراهيم كان من شيعة نوح ( عليهما السلام ) ، وقد أسس الكعبة لذريته محمد والأئمة من عترته ( عليهم السلام ) ، ودعا الله تعالى أن يجعلهم أمة مسلمة ويبعث فيهم رسولاً منهم ، ويجعل لهم لسان صدق علياً ، ويجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم ، وتتشيع لهم .
وبينت في الفصل الثاني سيطرة القرشيين على دولة النبي ( صلى الله عليه وآله ) بمجرد وفاته ، واضطهادهم لأهل بيته وعترته ( عليهم السلام ) ، وتوارث الحكومات سياسة اضطهادهم وإصرارها عليها . ثم بينت مواصلة أئمة العترة ( عليهم السلام ) جهادهم في مقاومة السلطة ، وكشف تحريفها للإسلام .
وجعلت الفصل الثالث لعصر غيبة الإمام المهدي ( عجل الله تعالى فرجه الشريف ) ، ودور السفراء الأربعة رضوان الله عليهم في خدمة الشيعة وربطهم بالإمام ( عليه السلام )
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 5 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم أشرت إلى ظاهرة توسع التشيع وانتشاره في عصر السفراء ، رغم تقتيل الأئمة ( عليهم السلام ) واضطهاد شيعتهم . وبالمناسبة أشرت إلى ظاهرة انتشار التشيع في عصرنا في أنحاء العالم الإسلامي ، وأهم أسبابها .
وخصصت الفصل الرابع للمرجعية عند الشيعة في عصر غيبة الإمام المهدي ( عليه السلام ) ، واحترام الشيعة لمرجعيتهم بسبب استقلالها عن التأثر السياسي ، وبينت تميزها عن غيرها من المرجعيات بأنها تتم بانتخاب طبيعي حرٍّ من الناس ، وليس بنصب الحاكم أو أي جهة سياسية .
كما استعرضت الرأي القائل بأن المرجعية ولاية فقيه وقيادة سياسية ، والرأي القائل بأنها منصب خبروي ، وليست قيادة سياسية وولاية فقيه .
ثم ترجمت لأبرز المراجع المؤثرين في حياة الشيعة الثقافية بعد السفراء الأربعة ، وهم : الكليني ، والصدوق ، والمفيد ، والمرتضى ، والطوسي ، قدس الله أنفسهم الزكية .
وخصصت الفصل السادس لمصادر الشيعة وثروتهم العلمية ، وأشرت إلى غارات السلطة عليها لإحراقها وإتلافها ، والكثير الذي بقي لنا منها .
ثم أشرت إلى فتح باب الإجتهاد في مذهبنا ، والى منهجنا العلمي في البحث والاستنباط الفقهي ، وتصحيح الأحاديث وتضعيفها .
وعرضت في الفصل السابع المناسبات الدينية والمشاهد المشرفة عند الشيعة ، ومستندهم الفقهي في بناء قبر النبي ( صلى الله عليه وآله ) وعترته والأولياء ، وزيارتها والصلاة عندها ، والتوسل بأصحابها إلى الله تعالى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 6 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وبينت أنهم يشتركون في ذلك مع مذاهب المسلمين ، وأن الحزب الوهابي المتطرف شذ عن المسلمين ، وشن حرباً عليهم بحجة تقديسهم للقبور !
وأشرت إلى أن الشيعة خاصة في العراق خاضوا المعركة مع الوهابية المتطرفين ، نيابة عن كل المسلمين .
ثم عقدت بقية الفصول لبيان عقائد الشيعة في توحيد الله تعالى وتنزيهه ، ونبوة نبينا محمد ( صلى الله عليه وآله ) ، وإمامة الأئمة الاثني عشر من عترته ( عليهم السلام ) ، وعقيدة الشيعة في العدل الإلهي ، ونفي الجبر والتفويض .
وتوسعت في عرض مفردات المعاد ، ابتداء من الاحتضار إلى دخول الجنة جعلنا الله وإياكم من أهلها .
أسأل الله تعالى أن ينفع به ، ويكتبه في ميزان الدفاع عن نبينا ( صلى الله عليه وآله ) وآله الطاهرين ويحشرنا معهم يوم يدعو كل أناس بإمامهم ، إنه سميع مجيب .
حرره : علي الكوراني العاملي عامله الله بلطفه
الحوزة العلمية بقم المشرفة - شوال المكرم 1430
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 7 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الأول : حول الدين والتشيع

1 - معنى الدين وضرورته للإنسان

تستعمل كلمة الدين بمعنيين : الأول : دَيْنُونَة الإنسان ومسؤوليته أمام ربه عز وجل . قال الله تعالى : إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ . وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ . ( سورة الذاريات : 5 - 6 ) .
والثاني : الرسالة التي أنزلها الله تعالى ، وفيها الرؤية الصحيحة للكون والحياة والإنسان ، وأحكام الشريعة لسلوكه في كافة مجالات حياته . قال الله تعالى : وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ . ( البيّنة : 5 ) شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ . ( الشورى : 13 )
وسبب حاجة الإنسان إلى الدين أنه لا يمكنه أن يحقق تكامله إلا بواسطته . ومعنى تكامل الإنسان : أن يصير صالحاً للخلود في الجنة . فالإنسان مركب من روح وبدن ، وفيه غرائز خيِّرة وشريرة : قال الله تعالى : وَنَفْسٍ وَمَا سَوَاهَا . فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا . قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا . وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا . ( الشمس : 7 - 10 ) . وقال تعالى : أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ . وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ . وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ . ( البلد : 8 - 10 ) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا . ( الإنسان : 3 ) .
فهو محتاج إلى توجيه تفكيره وسلوكه ، ليقوم بما ينفعه في تكامله ، ويتجنب ما يضرُّ به ، وهذا ما يقدمه له الدين .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 8 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ومضافاً إلى ما يقدمه الدين من هداية للإنسان ، فهو يحقق له الاطمئنان في شخصيته فيَحِلَّ أكبر مشكلتين في حياته ، وهما : الحزن على ما يفقده ، والخوف من فقدان ما يملكه ! لأن إيمان الإنسان بالله تعالى يجعله يحصر همه في أداء واجبات عبوديته لربه ، ويعطيه الطمأنينة بأن الله تعالى سيوصله إلى خيره وسعادته ، ويقيه من الشرور والشقاء . قال الله تعالى : مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ . لِكَيْ لا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُور . ( الحديد : 22 - 23 )
وقال تعالى : الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ . ( الرعد : 28 ) .
إن الدين يوسع أفق الإنسان فيجعله يشمل الحياة الآخرة والخلود فيها ويطور حبه لذاته ، فيحرره من ضيق الحب المادي للذات ، ويجعله حباً لها بميزان تقوى الله تعالى والفوز برضاه وجنته .
فالدين يُعلمه ترويض نفسه والسيطرة على غضبه وشهوته ، لأنه يجعله يؤمن بقانون الثواب والعقاب على كل عمل يقوم به : فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ . ( الزلزلة : 8 ) . وبذلك يضمن حقوق الفرد والمجتمع ، ويدفع الإنسان إلى الخير ، ويردعه عن الشر .
والدين في المجتمع هو الإدارة الكلية لحركته في طريق التكامل ، فهو الذي يهدي مساراته وينسق بين فعالياته ، لتصب جميعها في خدمة سيره إلى تكامله المادي والمعنوي .
إن الدين هو العلم الذي يوجه مسار العلوم ، والإدارة التي توجه حركة الإدارات ، والروح التي تعطي الطاقة والوجهة لكافة أفراد المجتمع .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 9 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

2 - معنى التشيع في القرآن والسنة

معنى الشيعة : الأتباع والأنصار . وقد سمى الله أتباع نوح إلى عصر إبراهيم ( عليهما السلام ) : شيعة نوح ، فقال : سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ إِنَّا . كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ . . وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لإبْرَاهِيمَ . ( الصافات : 79 و 83 ) .
وسمى أتباع موسى شيعته فقال : وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ » . ( القصص : 15 ) .
كما سمى الكافرين أشياعاً لبعضهم فقال تعالى : وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ . . وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ . ( سبأ : 51 - 54 ) .
وسمى الإمام الحسين ( عليه السلام ) أعداءه : شيعة آل سفيان فقال : « ويحكم يا شيعة آل سفيان ! إن لم يكن دين وكنتم لا تخافون المعاد ، فكونوا أحراراً في دنياكم هذه وارجعوا إلى أحسابكم إن كنتم عرباً كما تزعمون » ( الفتوح لابن الأعثم : 5 / 117 ) .
وورد عن جبير بن مطعم تعبير « شيعة بني أمية » ( تاريخ الطبري : 4 / 595 ) .
كما حذر النبي ( صلى الله عليه وآله ) أمته من شيعتين فقال : « ويلٌ لأمتي من الشيعتين : شيعة بني أمية ، وشيعة بني العباس ، وراية الضلالة » . ( كتاب الفتن لابن حماد : 1 / 203 ) .
وسمى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) الخوارج أتباع حرقوص التميمي شيعته ، فقال : « دعوه فإنه سيكون له شيعة يتعمقون في الدين حتى يخرجوا منه كما يخرج السهم من الرمية » . ( مسند أحمد : 2 / 219 ) .
ولذلك قال السيد الخوئي ( رحمه الله ) جواباً على سؤال عن قوله تعالى : وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ، فقال : « هذه اللفظة تستعمل بمعنى الاختلاف والانقسام ، فتكون لفظة الشيعة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 10 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
تساوي الفرقة وذلك مراد الآية . كما تستعمل بمعنى المطاوعة والمتابعة كما في قوله تعالى : وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لإبْرَاهِيمَ ، وقوله تعالى : فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ . ونحن من المعنى الثاني للفظة الشيعة » . ( صراط النجاة : 2 / 437 ) .

3 - وإن من شيعته لإبراهيم

قال الله تعالى : سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ إِنَّا . كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ . . . وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لإبْرَاهِيمَ . فإبراهيم من شيعة نوح ( عليهما السلام ) ، وقد كان اسم ( الشيعة ) هو الاسم الرسمي لأتباع نوح إلى زمن إبراهيم ( عليهما السلام ) ، والمدة بينهما ألوف السنين !
ولهذا ردَّ الأئمة ( عليهم السلام ) على الذين ينبزون الشيعة بهذا الاسم . قال أبو بصير : « قال لنا أبو جعفر محمد بن علي ( عليهم السلام ) : ليهنكم الاسم الذي نحلكم الله تعالى إياه . قلنا : وما هو يا ابن رسول الله ؟ قال : الشيعة ، إن الله يقول : وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لإبْرَاهِيمَ . إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ . وقال : هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ . فليهنئكم الاسم » . ( شرح الأخبار : 3 / 469 ، وتفسير القمي : 2 / 223 ) .

4 - جدَّد إبراهيم ( عليه السلام ) بناء الكعبة للنبي وآله ( صلى الله عليه وآله )

قال الله تعالى : وَإِذْ بَوَأْنَا لإبْرَاهِيمَ مَكَانَ البَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ . وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ .
فقوله تعالى ( بوَّأنا ) أقوى من ( ملَّكنا ) ، وقوله ( مكان البيت ) أقوى من ( البيت ) . والمعنى : أنا جعلنا الكعبة ومحيطها له ولذريته ( عليهم السلام ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 11 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال تعالى : رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَوةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ . رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللهِ مِنْ شَئٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ . الْحَمْدُ للهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ . رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ .
وقال تعالى : وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ القَوَاعِدَ مِنَ البَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ . رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَابُ الرَّحِيمُ . رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ .
فكان دعاؤهما ( عليهما السلام ) في سياق إخبار الله لهما بأنه سيجعل من ذريتهما أمةً مسلمة ويبعث فيهم رسولاً منهم ، وهذه الأمة منحصرة بالنبي ( صلى الله عليه وآله ) وعترته ( عليهم السلام ) .
ثم دعا إبراهيم وإسماعيل ( عليهما السلام ) ربهما أن يجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم ، ولم يقولا إليها ، أي الكعبة ، لأن أولياء الكعبة ( عليهم السلام ) أئمة الناس وأفضل من الكعبة .
قال علي ( عليه السلام ) في رسالة لمعاوية : « ولكل نبي دعوة في خاصة نفسه وذريته وأهله . قال إبراهيم وإسماعيل ( عليهما السلام ) وهما يرفعان القواعد من البيت : رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ ، فنحن الأمة المسلمة . وقالا : رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ . فنحن أهل هذه الدعوة ، ورسول الله ( صلى الله عليه وآله ) منا ونحن منه بعضنا من بعض ، وبعضنا أولى ببعض في الولاية والميراث : ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ » ( الغارات : 1 / 200 )
وقال ( عليه السلام ) كما في كتاب سليم / 406 : « إنا أهل بيت دعا الله لنا أبونا إبراهيم ( عليه السلام )
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 12 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فقال : فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ، فإيانا عنى الله بذلك خاصة . ونحن الذين عنى الله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ . . إلى آخر السورة ، فرسول الله الشاهد علينا ، ونحن شهداء الله على خلقه ، وحججه في أرضه » .
وفي دعائم الإسلام : 1 / 31 ، عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) : « لم يكن من الأمم السالفة والقرون الخالية والأسلاف الماضية ، ولا سمع به أحد أشد ظلماً من هذه الأمة ! فإنهم يزعمون أنه لا فرق بينهم وبين أهل بيت نبيهم ( صلى الله عليه وآله ) ولا فضل لهم عليهم !
فمن زعم ذلك من الناس فقد أعظم على الله الفرية ، وارتكب بهتاناً عظيماً وإثماً مبيناً ! وهو بذلك القول برئ من محمد وآل محمد ( صلى الله عليه وآله ) حتى يتوب ويرجع إلى الحق ، بالإقرار بالفضل لمن فضله الله عز وجل عليه . . . فأصحاب دعوة إبراهيم وإسماعيل ( عليهما السلام ) رسول الله وعلي وفاطمة والحسن والحسين والأئمة ( عليهم السلام ) ، ومن كان متولياً لهؤلاء من ولد إبراهيم وإسماعيل فهو من أهل دعوتهما ، لأن جميع ولد إسماعيل قد عبدوا الأصنام غير رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وعلي وفاطمة والحسن والحسين ( عليهم السلام ) ، وكانت دعوة إبراهيم وإسماعيل لهم » .

5 - وهم زرع الله الذي أخرج شطأه

قال الله تعالى : « مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 13 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيما » فقال عز وجل ( وَالَّذِينَ مَعَهُ ) ولم يقل : والذين آمنوا معه ، لأنهم من الأصل مؤمنون على ملة إبراهيم ( عليه السلام ) لم يعبدوا صنماً ، وليس كذلك الصحابة .
وهم الذين وصفهم الله تعالى بقوله : أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ، وليس كذلك الصحابة ، فقد كان أكثرهم أشداء بينهم حتى قتلوا بعضهم بعضاً !
وهم الذين وصفهم الله تعالى بقوله : سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ، وليس ذلك صفة عامةً في الصحابة .
وهم الذين وصفهم الله تعالى بقوله : كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ ، والزرع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وهم شطؤه ، وليس الصحابة شطأ النبي ( صلى الله عليه وآله ) لأن الشطأ أولاد الزرع .
وهم الذين وعد الله الأمة بأنهم شهداء من نفس النبي ( صلى الله عليه وآله ) يتلونه ، أي يكونون بعده ، فقال تعالى : أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ ، فرسول الله الذي على بينة من ربه ، وعلي ( عليه السلام ) والأئمة من ولده الشاهد التالي .

6 - وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا

قال الله تعالى عن دعاء إبراهيم ( عليه السلام ) : رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ . وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ . فقد دعا ربه أن يجعل له في الأمة الآخرة لسان صدق من ذريته ، لأنه عز وجل أخبره عن صدّيق لذلك النبي الذي سيبعثه فيهم ، فدعا إبراهيم ربه أن يحقق له ذلك .
وقال تعالى عن استجابته لإبراهيم ولذريته ( عليهم السلام ) : وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاً جَعَلْنَا نَبِيًّا . وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 14 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فأخبر عز وجل أنه استجاب لإبراهيم ( عليه السلام ) دعاءه في الهبة والجعل ، فوهب له ذرية في فرع إسحاق ويعقوب ، وجعل في فرع إسماعيل ( عليه السلام ) أمة مسلمة وبعث فيهم رسولاً منهم ( صلى الله عليه وآله ) ، وجعل لإبراهيم وآله جميعاً لساناً مصدقاً هو علي ( عليه السلام ) .
وقد فسر أهل البيت ( عليهم السلام ) ( لسان الصدق في الآخرين ) بأنه علي ( عليه السلام ) ، لأن علياً في الآية علم وليس صفة ، حيث لم يرد وصف اللسان في اللغة بأنه علي .
فيكون تصريحاً باسم علي ( عليه السلام ) في القرآن في نوع من الكناية ، كما صرح به تعالى بالكناية ووصفه بفعل انفرد به علي ( عليه السلام ) فقال تعالى : إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ، وقد روى الجميع أن الذي آتى الزكاة وهو راكع علي ( عليه السلام ) فقط . ( تفسير الطبري : 7 / 389 ) .
وسبب استعمال الله الكناية عن علي ( عليه السلام ) أن قريشاً لا تتحمل اسمه في القرآن ، وقد هددت في مرض النبي ( صلى الله عليه وآله ) بأنها ستعلن الردة إن أصرَّ على أن يكتب عهده لعلي والعترة ( عليهم السلام ) ، فتنكر نبوته وتقول إنه يريد تأسيس ملك لبني هاشم ! وكان زعيمها يقول : استفهموه هل يصرُّ على كتابة عهده له ! فطردهم ( صلى الله عليه وآله ) وقال : قوموا عني فما أنا فيه خير مما تدعوني عليه ، وما دعوه إلا ليبرر لهم الردة !
وقالت تفاسير السنة إن لسان الصدق لإبراهيم ( عليه السلام ) هو الثناء الحسن في هذه الأمة ، لكنه ضعيف لأن سياق الآيات عن أشخاص وليس عن معان ، ولأن الثناء لا يوصف بأنه لسان ، كما أن الثناء عليه كان موجوداً قبل الأمة الآخرة .
راجع في تفسير لسان الصدق : الكافي : 5 / 13 ، وتفسير القمي : 2 / 51 ، و 123 ، والخصال / 304 ، و 307 ، وكمال الدين / 138 ، و المزار لمحمد بن المشهدي / 574 ، و الصراط المستقيم : 1 / 256 . وفتح الباري : 11 / 137 ، و شرح مسلم للنووي : 4 / 125 ، وشرح سنن النسائي : 3 / 45 .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 15 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

7 - النبي ( صلى الله عليه وآله ) أسس التشيع لعلي ( عليه السلام )

روى السنة والشيعة أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) سمى أتباع علي ( عليه السلام ) ( الشيعة ) ووصفهم بأنهم خير أمته ! فقد روى السيوطي في الدر المنثور : 6 / 379 ، في تفسير قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ . جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ ، عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال : « كنا عند النبي ( ص ) فأقبل عليٌّ فقال النبي ( ص ) : والذي نفسي بيده إن هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة . ونزلت : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ، فكان أصحاب النبي إذا أقبل عليٌّ قالوا : جاء خير البرية . وأخرج ابن عدي وابن عساكر ، عن أبي سعيد مرفوعاً : عليٌّ خير البرية . وأخرج ابن عدي عن ابن عباس قال : لما نزلت : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ، قال رسول الله ( ص ) لعلي : هو أنت وشيعتك تأتون يوم القيامة راضين مرضيين . وأخرج ابن مردويه عن علي قال : قال لي رسول الله ( ص ) : ألم تسمع قول الله : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ، أنت وشيعتك ، وموعدي وموعدكم الحوض إذا جاءت الأمم للحساب ، تدعون غراً محجلين » . انتهى
وفي شواهد التنزيل : 2 / 464 ، عن ابن عباس : « تلا النبي ( ص ) هذه الآية : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ، فوضع يده على كتف علي وقال : هو أنت وشيعتك يا علي ، تردُ أنت وشيعتك يوم القيامة رُوَاءً مرويين ، ويردُ عدوك عطاشى مُقمحين » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 16 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وروى الخطيب الخوارزمي عن علي ( عليه السلام ) قال : « قال النبي ( صلى الله عليه وآله ) يوم فتحت خيبر : لولا أن يقول فيك طوائف من أمتي ما قالت النصارى في عيسى بن مريم ، لقلت اليوم فيك مقالاً لا تمرُّ على ملأ من المسلمين إلا أخذوا من تراب نعليك وفضل طهورك ، يستشفون به ! ولكن حسبك أن تكون مني وأنا منك ، ترثني وأرثك ، وأنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي . . . وإن شيعتك على منابر من نور ، رِوَاءٌ مرويين مبيضة وجوههم حولي ، أشفع لهم فيكونون غداً في الجنة جيراني . وإن عدوك ظماء مظمئون ، مسودة وجوههم مقمحون ! حربك حربي وسلمك سلمي ، وسرك سري وعلانيتك علانيتي ، وسريرة صدرك كسريرة صدري ، وأنت باب علمي . وإن ولدك ولدي ، ولحمك لحمي ودمك دمي . . . قال علي ( عليه السلام ) : فخررت له سبحانه وتعالى ساجداً ، وحمدته على ما أنعم به عليَّ من الإسلام والقرآن ، وحببني إلى خاتم النبيين وسيد المرسلين » . ( نفحات الأزهار : 10 / 381 ، و 5 : 92 ، وتاريخ بغداد : 12 / 284 ، وتاريخ دمشق : 28 / 203 ، و : 42 / 332 ، وأوسط الطبراني : 3 / 122 ، والكبير : 1 / 320 ، والزوائد : 9 / 131 ، وفردوس الأخبار : 5 / 329 ، وتفسير الطبري : 30 / 335 ، وشواهد التنزيل : 1 / 178 ، و 500 و : 2 / 459 ، و 461 ، و 463 ) .
وبهذا يتضح أن شيعة علي ( عليه السلام ) كانوا وجوداً مميزاً من زمن النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، ويتضح بطلان قول من زعم أن التشيع نشأ بعد وفاة النبي ( صلى الله عليه وآله ) أو في خلافة علي ( عليه السلام ) ، أو بعد ثورة الحسين ( عليه السلام ) ، أو بعد ثورة زيد بن علي ( رحمه الله ) !
وقد سمى الإمام محمد الباقر ( عليه السلام ) الشيعة : شيعة آل محمد ( صلى الله عليه وآله ) فقال : « يا معشر الشيعة شيعة آل محمد : كونوا النمرقة الوسطى يرجع إليكم الغالي ويلحق بكم التالي . فقال له رجل من الأنصار يقال له سعد : جعلت فداك ما الغالي ؟ قال : قوم يقولون فينا ما لا نقوله في أنفسنا ، فليس أولئك منا ولسنا منهم ، قال : فما التالي ؟ قال : المرتاد يريد الخير يبلغه الخير يؤجر عليه » . ( الكافي : 2 / 75 ) .
وقال الإمام الصادق ( عليه السلام ) : « يا شيعة آل محمد ، إعلموا أنه ليس منا من لم يملك نفسه عند غضبه ، ومن لم يحسن صحبة من صحبه » . ( الكافي : 2 / 637 ) .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 17 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الثاني : اضطهاد الخلافة القرشية لعترة النبي ( صلى الله عليه وآله ) !

1 - اضطهادهم علياً ( عليه السلام ) وشيعته بمجرد وفاة النبي ( صلى الله عليه وآله )

كان علي ( عليه السلام ) وبنو هاشم مشغولين بجنازة النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، فأسرع أبو بكر وعمر وأبو عبيدة واثنان من الأوس ، وصفقوا على يد أبي بكر ليكون خليفة النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، فأدان علي ( عليه السلام ) وبنو هاشم وشيعتهم هذا التصرف ، واجتمعوا في بيت علي ، فأعلن طلقاء قريش تأييد هم لأبي بكر ، وقاموا قبل دفن النبي ( صلى الله عليه وآله ) بمهاجمة بني هاشم وأنصارهم وهددوهم أن يحرقوا البيت عليهم إن لم يبايعوا !
وقد اضطر علي ( عليه السلام ) للسكوت تنفيذاً لوصية النبي ( صلى الله عليه وآله ) بأن يتحمل ظلمهم له ويصبر ، من أجل مصلحة الإسلام العليا .
ونكتفي من الأحداث الكثيرة التي وقعت أيام وفاة النبي ( صلى الله عليه وآله ) برواية ابن قتيبة وهو من أئمة السنة ، قال في كتابه : الإمامة والسياسة : 1 / 19 :
« إن أبا بكر رضي الله عنه تفقد قوماً تخلفوا عن بيعته عند علي كرم الله وجهه ، فبعث إليهم عمر رضي الله عنه فجاء فناداهم وهم في دار علي ، فأبوا أن يخرجوا فدعا بالحطب وقال : والذي نفس عمر بيده لتخرجن أو لأحرقنها على من فيها ! فقيل له : يا أبا حفص إن فيها فاطمة ! فقال وإن ! فخرجوا فبايعوا إلا علياً فإنه زعم أنه قال : حلفت أن لا أخرج ولا أضع ثوبي على عاتقي حتى أجمع القرآن ، فوقفت فاطمة رضي الله عنها على بابها ، فقالت : لا عهد لي بقوم حضروا أسوأ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 18 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
محضراً منكم ! تركتم رسول الله جنازة بين أيدينا وقطعتم أمركم بينكم ، لم تستأمرونا ولم تردوا لنا حقنا !
فأتى عمر أبا بكر فقال له : ألا تأخذ هذا المتخلف عنك بالبيعة ؟ فقال أبو بكر لقنفد وهو مولى له : إذهب فادع لي علياً ، قال فذهب إلى علي فقال له : ما حاجتك ؟ فقال يدعوك خليفة رسول الله ، فقال علي : لسريع ما كذبتم على رسول الله ! فرجع فأبلغ الرسالة ، قال فبكى أبو بكر طويلاً ! فقال عمر الثانية : لا تمهل هذا المتخلف عنك بالبيعة ! فقال أبو بكر لقنفد : عد إليه فقل له : خليفة رسول الله يدعوك لتبايع ، فجاءه قنفد فأدى ما أمر به ، فرفع عليٌّ صوته فقال : سبحان الله لقد ادعى ما ليس له فرجع قنفد فأبلغ الرسالة فبكى أبو بكر طويلاً !
ثم قام عمر فمشى معه جماعة ، حتى أتوا باب فاطمة فدقوا الباب فلما سمعت أصواتهم نادت بأعلى صوتها : يا أبت يا رسول الله ، ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب وابن أبي قحافة ! فلما سمع القوم صوتها وبكاءها ، انصرفوا باكين وكادت قلوبهم تنصدع وأكبادهم تنفطر ! وبقي عمر ومعه قوم ، فأخرجوا علياً فمضوا به إلى أبي بكر فقالوا له : بايع ، فقال : إن أنا لم أفعل فمه ؟ قالوا : إذا والله الذي لا إله إلا هو نضرب عنقك ، فقال : إذا تقتلون عبداً لله وأخَاً لرسوله ! قال عمر : أما عبد الله فنعم وأما أخو رسوله فلا ، وأبو بكر ساكت لا يتكلم ، فقال له عمر : ألا تأمر فيه بأمرك ! فقال : لا أكرهه على شئ ما كانت فاطمة إلى جنبه ! فلحق علي بقبر رسول الله ( ص ) يصيح ويبكي وينادي : ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي ! » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 19 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

2 - تخاذل الأنصار عن نصرة علي ( عليه السلام )

بعد فتح مكة قررت قريش أن تعزز قوتها في المدينة ، فأمرت الطلقاء بالهجرة إليها ، ليكونوا سنداً لقائد قريش الجديد عمر بن الخطاب ويبادروا عند موت النبي ( صلى الله عليه وآله ) لأخذ الخلافة ! وقد بلغ عددهم في المدينة ألوفاً لأن عدد الذين كتب النبي ( صلى الله عليه وآله ) أسماءهم في جيش أسامة سبع مئة قرشي ! ( فتح الباري : 8 / 116 )
وعندما جاؤوا إلى المدينة سموا أنفسهم مهاجرين فأعلن النبي ( صلى الله عليه وآله ) : « لا هجرة بعد الفتح » ( مسند أحمد : 2 / 215 ) !
ونشطوا في الدعاية ضد علي وبني هاشم ، حتى غضب النبي ( صلى الله عليه وآله ) من مقولاتهم وصعد المنبر وردها ، أكثر من مرة !
واستغل الطلقاء العداوة بين الأوس والخزرج . فقد كان الأوس عند وفاة النبي ( صلى الله عليه وآله ) بلا رئيس ، ولما رأى رئيس الخزرج سعد بن عبادة أن قريشاً ستصرف الخلافة عن عترة النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، طمع فيها وأخذ يُقنع الأوس بأن يبايعوه ، وكانت حجته أن الأنصار أولى من قريش بالنبي ( صلى الله عليه وآله ) لأن قريشاً عادوه ونصره الأنصار وقاتلوهم وقدموا الشهداء حتى أخضعوهم وأدخلوهم في الإسلام .
لكن الطلقاء أقنعوا الأوس وخوفوهم من حكم الخزرج ، فوقف اثنان منهم إلى جانبهم في السقيفة وصفقوا معهم على يد أبي بكر ، وساعدهم أن سعد بن عبادة كان يومها مريضاً ، فلم يكن اعتراضه عليهم قوياً !
وبقي سعد ومعه الخزرج معارضاً لبيعة أبي بكر وعمر ، لكن اعتراضهم لم يكن مؤثراً ، وعندما تولى عمر نفى سعداً إلى سوريا ، ثم أرسل خالداً فقتله !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 20 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وبعد أن هاجموا دار علي ( عليه السلام ) وأجبروه وأنصاره على بيعة أبي بكر ، حمل علي فاطمة ( عليها السلام ) على دابة وكانت مريضة لأنها أسقطت جنينها في حادثة هجومهم ، وأخذ معه ابنيه الحسن والحسين ( عليهما السلام ) ، وقصد بيوت كبار الأنصار ، وطالبهم هو وفاطمة ببيعتهم للنبي ( صلى الله عليه وآله ) في مكة على أن يحموا أهل بيته وذريته كما يحمون أنفسهم وذراريهم ، ولا ينازعوا الأمر أهله ! فتأثروا بكلامهما ووعدوهما النصرة ، لكنهم خافوا من قريش ، ولم يتحركوا تحركاً مؤثراً .
وقد وصف أمير المؤمنين ( عليه السلام ) موقفه فقال : « أخبرني رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بما الأمة صانعة بي بعده ، فلم أك بما صنعوا حين عاينته بأعلم مني ، ولا أشد يقيناً مني به قبل ذلك ، بل أنا بقول رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أشد يقيناً مني بما عاينت وشهدت ! فقلت يا رسول الله فما تعهد إليَّ إذا كان ذلك ؟ قال : إن وجدت أعواناً فانبذ إليهم وجاهدهم ، وإن لم تجد أعواناً فاكفف يدك واحقن دمك ، حتى تجد على إقامة الدين وكتاب الله وسنتي أعواناً !
وأخبرني ( صلى الله عليه وآله ) أن الأمة ستخذلني وتبايع غيري وتتبع غيري ، وأخبرني أني منه بمنزلة هارون من موسى ، وأن الأمة سيصيرون من بعده بمنزلة هارون ومن تبعه والعجل ومن تبعه . . . إن موسى أمر هارون حين استخلفه عليهم إن ضلوا فوجد أعواناً أن يجاهدهم ، وإن لم يجد أعواناً أن يكف يده ويحقن دمه ولا يفرق بينهم . وإني خشيت أن يقول لي ذلك أخي رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : لم فرقت بين الأمة ولم ترقب قولي ، وقد عهدت إليك إن لم تجد أعواناً أن تكف يدك وتحقن دمك ودم أهل بيتك وشيعتك . . .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 21 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فلما قبض رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) مال الناس إلى أبي بكر فبايعوه وأنا مشغول برسول الله بغسله ودفنه . ثم شغلت بالقرآن ، فآليت على نفسي أن لا أرتدي إلا للصلاة حتى أجمعه في كتاب ، ففعلت .
ثم حملت فاطمة وأخذت بيد ابنيَّ الحسن والحسين ، فلم أدع أحداً من أهل بدر وأهل السابقة من المهاجرين والأنصار إلا ناشدتهم الله في حقي ودعوتهم إلى نصرتي ، فلم يستجب لي من جميع الناس إلا أربعة رهط : سلمان وأبو ذر والمقداد والزبير ، ولم يكن معي أحد من أهل بيتي أصول به ولا أقوى به » .
وقال ( عليه السلام ) : « وأيم الله ، لولا مخافة الفرقة بين المسلمين ، وأن يعود الكفر ويبور الدين ، لكنا على غير ما كنا لهم عليه » .
وقال ( عليه السلام ) : « إن الله لما قبض نبيه استأثرت علينا قريش بالأمر ، ودفعتنا عن حق نحن أحق به من الناس كافة ، فرأيت أن الصبر على ذلك أفضل من تفريق كلمة المسلمين وسفك دمائهم ، والناس حديثوا عهد بالإسلام ، والدين يمخض مخض الوَطَب ، يفسده أدنى وهْن ، ويعكسه أدنى خَلف » . ( البحار : 32 / 62 ) .

3 - خطة عمر لعزل بني هاشم حتى بعد وفاته !

قال المحامي الأردني أحمد حسين يعقوب في كتابه : الخطط السياسية لتوحيد الأمة الإسلامية / 262 ، ملخصاً : « أدركت بطون قريش ما يرمي له محمد ، وفهمت توجه الترتيبات الإلهية ، وأنه صار بحكم المؤكد أن قيادة عصر ما بعد النبوة ستكون في بني هاشم ، وبالتحديد في علي الذي قتل الأحبة والسادات ، ومن بعد علي ستكون في بنيه ، فمن يتقدم عليهم وهم أبناء الرسول ، ومن يحاربهم وهم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 22 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ناصية بني هاشم ، ومن يرفض الانقياد لهم وهم أبناء النبي ، وإذا تحققت هذه النوايا والتوجهات ، فمعنى ذلك أن الهاشميين قد أخذوا النبوة وأخذوا الخلافة معاً ، أو جمعوا ما بين النبوة والخلافة ، وبين الدين والملك معاً ، وهذا يعني أنهم قد أخذوا الشرف كله ، واختصوا بالفخر كله ، وحرموا منهما بطون قريش ، وتلك والله كارثة برأيهم ، الموت خير من مواجهتها أو العيش في ظلالها !
وتفتقت عقلية بطون قريش عن خطة قبلية سياسية مثلي ، تجمع بين الصيغة السياسية الجاهلية وبين نظام الإسلام السياسي ، وتقوم على خلط الأوراق وإعادة ترتيبها من جديد ، تحت إشراف رجالات البطون المسكونة أنفسهم بمرض الصيغة السياسية الجاهلية ! لذلك وضعوا مجموعة من الأوراق لمواجهة الترتيبات الإلهية لعصر ما بعد النبوة ، والالتفاف عليها » !
ثم عدد المؤلف أوراق البطون القرشية ، ومنها أنهم عصبوا دم ساداتهم الذين قُتلوا في مواجهة قريش للنبي ( صلى الله عليه وآله ) بعلي ( عليه السلام ) ! فهو الذي قتلهم بوصفه حامل راية النبي ( صلى الله عليه وآله ) في كل المواقع ، وبوصفه أقوى فرسان الإسلام على الإطلاق .
ثم أوضح كيف قرر زعماء بطون قريش معالجة منظومة الحقوقية الإلهية التي وثقت مكانة أهل البيت ( عليهم السلام ) بالقرآن الكريم والسنة ، فاخترقوا الآيات بالتأويل والتفسير ، وتحميل النص عدة معان تضيع المقصود الشرعي منه !
ثم اخترقوا سنة النبي بفروعها الثلاثة : القول والفعل والتقرير ، برفع شعار : حسبنا كتاب الله ، بمعنى أن القرآن وحده يكفي ولا حاجة لسنة النبي ! بل رفعوا هذا الشعار بمواجهة النبي نفسه عندما أراد أن يكتب وصيته للأمة ! رفعه عمر بن الخطاب . وعندما تُوَّج أبو بكر رفعه رسمياً وتم حصر ما يمكن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 23 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
حصره من الأحاديث النبوية المكتوبة وأمر بإحراقها ! وكذلك فعل عمر ، ومنعا رسمياً رواية السنة أو كتابتها ، لأن كتاب الله وحده يكفي !
ولم يكتفوا باختراع مقولة لا يجوز لبني هاشم أن يجمعوا بين النبوة والخلافة حتى قرروا عزلهم سياسياً عزلاً كاملاً ! ثم قال : « وعملياً وطوال رئاسة ذلك النفر للأمة لم يصدف أن استعملوا أو استعانوا بأي رجل من آل محمد ، ولا بأي رجل يتعاطف مع آل محمد ، وذلك من قبيل سد الذرائع !
قال عبد الله بن عباس : إن عمر قد أرسل إليه وقال له : إن عامل حمص قد هلك وكان من أهل الخير ، وأهل الخير قليل وقد رجوت أن تكون منهم ، وفي نفسي منك شئ لم أره منك وأعياني ذلك فما رأيك بالعمل لي ؟ قال ابن عباس فقلت : لن أعمل لك حتى تخبرني بالذي في نفسك ؟ قال عمر ما تريد إلى ذلك ؟ قال ابن عباس فقلت : أريده فإن كان شئ أخاف منه على نفسي خشيت منه عليها الذي خشيت ، وإن كنت بريئاً من مثله علمت أني لست من أهله فقبلت عملك هنالك ، فإني قلما رأيتك طلبت شيئاً إلا عاجلته ! فقال عمر : يا بن عباس إني خشيت أن تأتي الذي هو آت ( الموت ) وأنت في عملك فتقول هلم إلينا ولا هلم إليكم دون غيركم !
فمن حرص عمر على مصلحة المسلمين وكراهيته المطلقة لرئاسة آل محمد يريد حتى بعد وفاته أن يتأكد بأنه لا يوجد في ولايات الدولة ولا أعمالها رجل واحد يؤيد حق آل محمد بالرئاسة !
وهو يثق بمعاوية ويثق بكل ولاته لأنه وإياهم على خط واحد ، ولهم هدف واحد وهو الحيلولة بين آل محمد وبين الرئاسة العامة للأمة ، لأن ذلك النفر لا يرون أنه ليس للأمة مصلحة في رئاسة آل محمد ، بل المصلحة كل المصلحة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 24 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بإبعاد آل محمد عن حقهم برئاسة الأمة ، وإبعاد أولياء آل محمد عن الولايات والإمارات والأعمال والوظائف العامة ، حتى لا يوطدوا لآل محمد !
لهذه الأسباب هان على ذلك النفر تجاهل سنة الرسول ، وكافة الترتيبات الإلهية المتعلقة بنظام الحكم أو بمن يخلف الرسول ، وأقنعوا أنفسهم بأن الترتيبات الإلهية التي أعلنها الرسول في هذا المجال ليست في مصلحة الإسلام ، ولا في مصلحة المسلمين ! ومع الأيام أقنعوا الأكثرية التي حكموها بذلك ! إن هذا لهو البلاء المبين ! » ( راجع للمؤلف نفسه : أين سنة الرسول وماذا فعلوا بها / 206 ) .

4 - شهادة فاطمة الزهراء ( عليها السلام )

قال ابن قتيبة في الإمامة والسياسة : 1 / 22 : « فقال عمر لأبي بكر رضي الله عنهما : انطلق بنا إلى فاطمة فإنا قد أغضبناها ، فانطلقا جميعاً فاستأذنا على فاطمة فلم تأذن لهما ، فأتيا علياً فكلماه فأدخلهما عليها ، فلما قعدا عندها حوَّلت وجهها إلى الحائط ، فسلما عليها فلم ترد عليهما السلام !
فتكلم أبو بكر فقال : يا حبيبة رسول الله ، والله إن قرابة رسول الله أحب إلى من قرابتي ، وإنك لأحب إلي من عائشة ابنتي ، ولوددت يوم مات أبوك أني متُّ ولا أبقى بعده ، أفتراني أعرفك وأعرف فضلك وشرفك وأمنعك حقك وميراثك من رسول الله ، إلا أني سمعت أباك رسول الله يقول : لا نورث ، ما تركنا فهو صدقة . فقالت : أرأيتكما إن حدثتكما حديثا عن رسول الله تعرفانه وتفعلان به ؟ قالا : نعم . فقالت : نشدتكما الله ألم تسمعا رسول الله يقول : رضا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 25 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فاطمة من رضاي وسخط فاطمة من سخطي ، فمن أحب فاطمة ابنتي فقد أحبني ، ومن أرضى فاطمة فقد أرضاني ومن أسخط فاطمة فقد أسخطني ؟
قالا : نعم سمعناه من رسول الله . قالت : فإني أشهد الله وملائكته أنكما أسخطتماني وما أرضيتماني ، ولئن لقيت النبي لأشكونكما إليه ! فقال أبو بكر أنا عائذ بالله تعالى من سخطه وسخطك يا فاطمة ! ثم انتحب أبو بكر يبكي حتى كادت نفسه أن تزهق وهي تقول : والله لأدعون الله عليك في كل صلاة أصليها !
ثم خرج باكياً فاجتمع إليه الناس فقال لهم : يبيت كل رجل منكم معانقاً حليلته مسروراً بأهله وتركتموني وما أنا فيه ، لا حاجة لي في بيعتكم أقيلوني بيعتي ! قالوا : يا خليفة رسول الله إن هذا الأمر لا يستقيم ، وأنت أعلمنا بذلك إنه إن كان هذا لم يقم لله دين ، فقال : والله لولا ذلك وما أخافه من رخاوة هذه العروة ما بت ليلة ولي في عنق مسلم بيعة ، بعدما سمعت ورأيت من فاطمة !
قال : فلم يبايع علي كرم الله وجهه حتى ماتت فاطمة رضي الله عنهما ، ولم تمكث بعد أبيها إلا خمساً وسبعين ليلة » !
وفي دلائل الإمامة للطبري / 134 ، عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) قال : « قبضت فاطمة في جمادى الآخرة يوم الثلاثاء لثلاث خلون منه ، سنة إحدى عشر من الهجرة ، وكان سبب وفاتها أن قنفذاً مولى الرجل لكزها بنعل السيف بأمره ، فأسقطت محسناً ومرضت من ذلك مرضاً شديداً » .
وفي مسائل علي بن جعفر / 325 ، عن الإمام الكاظم ( عليه السلام ) قال : « إن فاطمة ( عليها السلام ) صدِّيقة شهيدة » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 26 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي الإحتجاج : 1 / 109 : « ثم نادى عمر حتى أسمع علياً : والله لتخرجن ولتبايعن خليفة رسول الله ، أو لأضرمن عليك بيتك ناراً !
ثم رجع فقعد إلى أبي بكر وهو يخاف أن يخرج عليٌّ بسيفه لما قد عرف من بأسه وشدته ، ثم قال لقنفذ : إن خرج وإلا فاقتحم عليه ، فإن امتنع فأضرم عليهم بيتهم ناراً ! فانطلق قنفذ فاقتحم هو وأصحابه بغير إذن ، وبادر علي إلى سيفه ليأخذه فسبقوه إليه فتناول بعض سيوفهم فكثروا عليه فضبطوه وألقوا في عنقه حبلاً أسود ، وحالت فاطمة بين زوجها وبينهم عند باب البيت ، فضربها قنقذ بالسوط على عضدها ، فبقي أثره في عضدها من ذلك مثل الدملوج ( السوار ) من ضرب قنفذ إياها ، فأرسل أبو بكر إلى قنفذ : إضربها فالجأها إلى عضادة باب بيتها ، فدفعها فكسر ضلعاً من جنبها ، وألقت جنيناً من بطنها ، فلم تزل صاحبة فراش حتى ماتت من ذلك شهيدة ، صلوات الله عليها » !
وروى الشيخ المفيد في الإختصاص / 185 ، عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) قال في حديث : « فرفسها برجله وكانت حاملة بابن اسمه المحسن فأسقطت المحسن من بطنها ، ثم لطمها ! فكأني أنظر إلى قرط في أذنها حين نُقِفَت ( انخرمت ) ثم أخذ الكتاب فخرقه ، فمضت ومكثت خمسة وسبعين يوماً مريضة مما ضربها عمر ، ثم قبضت » . راجع : المسترشد / 376 ، ومأساة الزهراء ( عليها السلام ) ، ونظرية عدالة الصحابة / 324 .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 27 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

5 - أدار علي ( عليه السلام ) فتح إيران والشام وفلسطين ومصر

قال ( عليه السلام ) في كتابه لأهل مصر : « أما بعد فإن الله سبحانه بعث محمداً ( صلى الله عليه وآله ) نذيراً للعالمين ومهيمناً على المرسلين ، فلما مضى تنازع المسلمون الأمر من بعده ، فوالله ما كان يلقى في روعي ولا يخطر ببالي أن العرب تزعج هذا الأمر من بعده ( صلى الله عليه وآله ) عن أهل بيته ، ولا أنهم مُنَحُّوهُ عني من بعده ! ( يقصد ( عليه السلام ) أن عملهم كان غير معقول ) فما راعني إلا انثيال الناس على فلان يبايعونه ، فأمسكت يدي حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام ، يدعون إلى محق دين محمد ( صلى الله عليه وآله ) ! فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلماً أو هدماً ، تكون المصيبة به عليَّ أعظم من فوت ولايتكم ، التي إنما هي متاع أيام قلائل ، يزول منها ما كان كما يزول السراب ، أو كما يتقشع السحاب ، فنهضت في تلك الأحداث ، حتى زاح الباطل وزهق ، واطمأن الدين وتَنَهْنَهْ » . ( نهج البلاغة : 3 / 118 ) .
فقد قام علي ( عليه السلام ) بتطمين أبي بكر وعمر بأنه لن يثور عليهما ، وحثهما على فتح بلاد فارس والروم كما وعد الله بها رسوله ( صلى الله عليه وآله ) ، فاطمأنا إلى صدقه ، ورجعا إليه في الشدائد ، وأطلقا يده في إدارة الفتوحات ، فقوَّى نفوس القادة والجنود ، ووضع الخطط ، واختار الفرسان ووجههم ، فحققوا انتصارات تاريخية حتى شملت الدولة الإسلامية كل إيران وبلاد الشام ومصر .
لكن الحكومات نسبت تلك الفتوحات إلى أبي بكر وعمر وعثمان ، وأخفت دور علي ( عليه السلام ) ، فكان يشكو ظلامته ويسجلها للتاريخ فيقول ( عليه السلام ) :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 28 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
« ولولا أن قريشاً جعلت اسمه ( صلى الله عليه وآله ) ذريعة إلى الرياسة ، وسلماً إلى العز والأمرة لما عبدت الله بعد موته يوماً واحداً ، ولارتدت في حافرتها ، وعاد قارحها جذعاً وبازلها بكراً ! ثم فتح الله عليها الفتوح فأثْرت بعد الفاقة ، وتمولت بعد الجَهد والمخمصة ، فحسن في عيونها من الإسلام ما كان سمجاً ، وثبت في قلوب كثير منها من الدين ما كان مضطرباً ، وقالت : لولا أنه حق لما كان كذا ، ثم نسبت تلك الفتوح إلى آراء ولاتها وحسن تدبير الأمراء القائمين بها ، فتأكد عند الناس نباهة قوم وخمول آخرين ، فكنا نحن ممن خمل ذكره وخبت ناره وانقطع صوته وصيته ، حتى أكل الدهر علينا وشرب ، ومضت السنون والأحقاب بما فيها ، ومات كثير ممن يعرف ، ونشأ كثير ممن لا يعرف ! اللهم إنك تعلم أني لم أرد الأمرة ، ولا علو الملك والرياسة ، وإنما أردت القيام بحدودك والأداء لشرعك ، ووضع الأمور في مواضعها وتوفير الحقوق على أهلها ، والمضي على منهاج نبيك ، وإرشاد الضال إلى أنوار هدايتك » ( شرح النهج : 20 / 298 ) .
ومن تلاميذ علي ( عليه السلام ) القادة الذين اختارهم للفتوحات :
حذيفة بن اليمان ، وسلمان الفارسي ، وعمار بن ياسر ، وأبو ذر الغفاري ، وخالد بن سعيد بن العاص وأخواه أبان وعمرو ، وهاشم بن أبي وقاص المعروف بالمرقال ، وأولاده عبد الله وعتبة ، وبريدة الأسلمي ، وعبادة بن الصامت ، وأبو أيوب الأنصاري ، وعثمان بن حنيف وإخوته ، وعبد الرحمن بن سهل الأنصاري ، ومالك بن الحارث الأشتر وإخوته ، وعدد من القادة النخعيين ، وصعصعة بن صوحان العبدي وإخوته ، والأحنف بن قيس ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 29 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وحجر بن عدي الكندي ، وعمرو بن الحمق الخزاعي ، وأبو الهيثم بن التيهان ، وجعدة بن هبيرة ابن أخت أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، والنعمان بن مقرن ، وبديل بن ورقاء الخزاعي ، وجرير بن عبد الله البجلي ، ومحمد بن أبي حذيفة ، وأبو رافع وأولاده ، والمقداد بن عمرو ، وواثلة بن الأسقع الكناني ، والبراء بن عازب ، وبلال مؤذن النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وعبد الله بن خليفة البجلي ، وعدي بن حاتم الطائي ، وأبو عبيد بن مسعود الثقفي ، وجارية بن قدامة السعدي ، وأبو الأسود الدؤلي ومحمد بن أبي بكر ، والمهاجر بن خالد بن الوليد . . وغيرهم . ولكل واحد من هؤلاء أدوار مهمة عتَّمت عليها الخلافة ، وأبرزت أشخاصاً ليس لهم دور أصلاً ، أو لهم أدوار شكلية أو ثانوية ! ( راجع دور علي ( عليه السلام ) وتلاميذه في الفتوحات للمؤلف ) .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 30 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

6 - خلافة علي ( عليه السلام ) والحروب التي شنوها عليه

حكم أبو بكر سنتين ونصفاً ومات مسموماً ، وأوصى بعده إلى عمر بن الخطاب فحكم عشر سنوات ونصفاً ومات مقتولاً ، وأوصى بالخلافة بشكل غير مباشر إلى عثمان ، حيث جعلها في ستة وأعطى حق النقض لعبد الرحمن بن عوف ، ليختار عثمان أخ زوجته . وحكم عثمان اثنتي عشرة سنة ، ونقم عليه الصحابة وأهل البصرة وأهل الكوفة وأهل مصر ، لتسليطه بني أمية على المسلمين وطلبوا منه تغيير الولاة الأمويين فلم يفعل ، فحاصروه وطلبوا منه أن يخلع نفسه فلم يفعل ، فقتلوه وحرَّموا دفنه في مقابر المسلمين ، وتظاهروا مطالبين علياً ( عليه السلام ) بأن يقبل بيعتهم بالخلافة فقبل ، وبايعوه مختارين غير مجبرين .
وبعد ثلاثة أشهر نكث طلحة والزبير ، وخرجوا عليه مع عائشة واحتلوا البصرة ، فكانت بينهم حرب الجمل ، وانتصر عليهم علي ( عليه السلام ) وعفا عنهم .
ثم خرج عليه معاوية وتمسك بحكم الشام ، فكانت بينهما حرب صفين الصعبة ، واتفقوا على تحكيم حكمين فاختلف الحكمان ولم يصلا إلى نتيجة ! وبقي معاوية مسيطراً على الشام ، فانشق الخوارج على علي ( عليه السلام ) بحجة أنه أخطأ في قبول التحكيم وكفر ، وطلبوا منه أن يعترف على نفسه بالكفر ليقاتلوا معه معاوية ! وأخذوا يعيثون فساداً في المجتمع ، فحاربهم علي ( عليه السلام ) وانتصر عليهم .
وأخذ يتهيأ لحرب معاوية ، فاغتاله الخوارج في مسجد الكوفة وهو يصلي ، وكانت خلافته ( عليه السلام ) نحو خمس سنين ونصفاً .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 31 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

7 - شهادة الإمام الحسن ( عليه السلام )

عندما استشهد علي ( عليه السلام ) أجمع المهاجرون والأنصار على مبايعة ولده الإمام الحسن ( عليه السلام ) ، فنهض بالحكم وتجهز لحرب معاوية ، وتحرك بجيشه إلى المدائن ، وأرسل اثني عشر ألفاً مقدمة لجيشه باتجاه الشام .
وفي طريقه إلى المدائن أحس ( عليه السلام ) بخيانة بعض قادة جيشه ، حيث تعرض لمحاولات اغتيال ، فقرر القبول بعرض معاوية الصلح ، واتصلت بينهما المراسلات حتى أرسل معاوية صحيفة بيضاء مختومة ، ليكتب فيها الإمام ما شاء من شروط ، فاشترط عليه شروطاً عديدة ، منها أن لا يتسمى بأمير المؤمنين ، ولا يَسُبَّ علياً ( عليه السلام ) ، وأن تكون الخلافة بعده للإمام الحسن ( عليه السلام ) ، فإن لم يكن حياً فللإمام الحسين ( عليه السلام ) ، وأن يعوض على قتلى صفين . . الخ .
وتم الاتفاق على الصلح وحضر معاوية إلى الكوفة ، وبايعه الإمام الحسن ( عليه السلام ) على الشروط المكتوبة ، وعاد الإمام ( عليه السلام ) وبنو هاشم إلى المدينة .
ولم يطل الوقت حتى أظهر معاوية تجبره ، وأعلن نقض شروط الصلح ، وأنه يضعها تحدت قدمه ! وقام بدس السم للإمام الحسن ( عليه السلام ) ، وأجبر المسلمين على بيعة ابنه يزيد من بعده ! ( راجع جواهر التاريخ للمؤلف ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 32 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

8 - شهادة الإمام الحسين ( عليه السلام )

حكم معاوية بعد صلحه مع الإمام الحسن ( عليه السلام ) نحو عشرين سنة ، وفي السنة العاشرة منها قتل الإمام الحسن ( عليه السلام ) ، وأجبر المسلمين على البيعة لولده يزيد !
وعندما هلك معاوية بعث يزيد إلى والي المدينة أن يُجبر الإمام الحسين ( عليه السلام ) وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمر ، على البيعة له ، فإن أبوا أن يقتلهم ويبعث إليه رؤوسهم ! فبايعه عبد الله بن عمر ، وامتنع الحسين ( عليه السلام ) وابن الزبير وذهبا إلى مكة ، فأرسل يزيد مجموعة من شياطينه ليغتالوا الحسين ( عليه السلام ) عند الكعبة ، فقرر الحسين ( عليه السلام ) إجابة دعوة أهل الكوفة وقصد العراق ، وفضل أن يبتعد عن الكعبة حتى لا تستحل به حرمة البيت .
وحاصره جيش يزيد في كربلاء ، وطلبوا منه أن يبايع يزيداً فأبى ، وقاتلهم حتى استشهد ( عليه السلام ) مع جميع أهل بيته وأصحابه ، في وقعة فجيعة هزت ضمير الأمة كلها ! ( راجع : مقتل الحسين ( عليه السلام ) للمقرم وأبو الشهداء للعقاد ، وغيرها كثير في الموضوع ) .

9 - هلاك يزيد وتشيُّع ابنه معاوية الثاني ( رحمه الله )

سرعان ما هلك يزيد بن معاوية بعد قتله الإمام الحسين ( عليهم السلام ) ، ففي السنة الثانية هاجم يزيد المدينة المنورة واستباحها وقتل فيها ألوفاً ! ثم غزا مكة وقد تحصن فيها ابن الزبير ، فحاصره ورمى الكعبة بالمنجنيق ، وأهلكه الله عندما كان جيشه يحاصر مكة ، فقد شرد به فرسه في الصيد ، ولم يعثروا على جثته !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 33 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقام بعده ولي عهده ابنه معاوية الثاني ، وفي خطاب العرش طعن في جده معاوية وأنه غصب الخلافة من علي ( عليه السلام ) ، وطعن بأبيه يزيد لقتله الإمام الحسين ( عليه السلام ) ، وطلب من بني أمية أن يخولوه ليعطي الخلافة إلى أهلها ، ولم يخبرهم لمن ! وكان يريد إعطاءها إلى الإمام زين العابدين علي بن الحسين ( عليه السلام ) !
فبايعه بنو أمية وطلبوا منه مهلة ليتداولوا في الأمر . واستمرت مداولاتهم ثلاثة أشهر ، حتى قتلوا معاوية الثاني بالسم ، واختلفوا في مَن يبايعون بعده وبقي منصب الخلافة فارغاً أكثر من سنة ، وانتهى صراعهم بأن اجتمعوا على عبد الملك بن مروان سنة 65 هجرية .

10 - جهاد الأئمة أبناء الحسين ( عليهم السلام )

برز بعد الحسين أبناؤه الأئمة ( عليهم السلام ) وكان لهم أدوارٌ كبيرة ومؤثرة في الأمة ، سواء في تبليغ الإسلام وترسيخ معالمه ، أو في مواجهة حكام بني أمية ، ثم حكام بني عباس ، ومقاومة تحريفهم للإسلام ، واضطهادهم للمسلمين .
فقد نهض بهذه المسؤولية الإمام زين العابدين علي بن الحسين ( عليه السلام ) وبعده أبناؤه الإمام محمد الباقر ، وجعفر الصادق ، وموسى الكاظم ، وعلي بن موسى الرضا ، ومحمد الجواد ، وعلي الهادي ، والحسن العسكري ، وهو والد الإمام المهدي الموعود المنتظر ( عليهم السلام ) .
وكان لهؤلاء الأئمة ( عليهم السلام ) مكانة عظيمة عند الأمة ، حتى أنها ثارت على بني أمية وقاتلتهم غضباً لقتلهم الإمام الحسين ( عليه السلام ) ، وسيطر الثوار وهم المختار الثقفي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 34 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وإبراهيم بن مالك الأشتر ، على العراق وإيران ، لكن الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) لم يتبن ثورتهم ودولتهم ، وشكرهم لطلبهم بثأر أبيه الحسين ( عليه السلام ) ، ولم يقبل الحضور إلى العراق لإدارة دولتهم .

11 - خُطة الأمويين والعباسيين لإبادة عترة النبي ( صلى الله عليه وآله ) !

قال المفيد ( رحمه الله ) في الإرشاد : 1 / 311 : « ومن آيات الله تعالى فيه ( أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ) أنه لم يُمْنَ أحدٌ في ولده وذريته بما مُنِيَ ( عليه السلام ) في ذريته ، وذلك أنه لم يُعرف خوفٌ شمل جماعة من ولد نبي ولا إمام ( عليهم السلام ) ولا ملك زمان ، ولا بر ولا فاجر ، كالخوف الذي شمل ذرية أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ! ولا لحقَ أحداً من القتل والطرد عن الديار والأوطان والإخافة والإرهاب ، ما لحق ذرية أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وولده !
ولم يجر على طائفة من الناس من ضروب النكال ما جرى عليهم من ذلك ، فقتلوا بالفتك والغيلة والاحتيال ، وبنيَ على كثير منهم وهم أحياء البنيان ، وعذبوا بالجوع والعطش حتى ذهبت أنفسهم على الهلاك ، وأحوجهم ذلك إلى التفرق في البلاد ومفارقة الديار والأهل والأوطان ، وكتمان نسبهم عن أكثر الناس ! وبلغ بهم الخوف إلى الإستخفاء من أحبائهم فضلاً عن الأعداء ، وبلغ هربهم من أوطانهم إلى أقصى الشرق والغرب والمواضع النائية في العمران ، وزهد في معرفتهم أكثر الناس ، ورغبوا عن تقريبهم والاختلاط بهم ، مخافة على أنفسهم وذراريهم من جبابرة الزمان » . انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 35 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ومع معرفة المنصور بمقام الإمام الصادق ( عليه السلام ) واعتقاده بأنه إمام رباني ، فقد قرر قتله وحاول ذلك مرات حتى قتله بالسم !
قال محمد بن الإسكندري : « كنت من خواص المنصور أبي جعفر الدوانقي ، وكنت أقول بإمامة أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق ( عليه السلام ) فدخلت يوماً على أبي جعفر الدوانيقي وإذا هو يفرك يديه ويتنفس تنفساً بارداً ، فقلت : يا أمير المؤمنين ما هذه الفكرة ؟ فقال : يا محمد إني قتلت من ذرية فاطمة بنت رسول الله ألفاً أو يزيدون ، وقد تركت سيدهم ! فقلت له : ومَن ذلك يا أمير المؤمنين ؟ فقال : ذلك جعفر بن محمد » ! ( دلائل الإمامة للطبري الشيعي : 298 ) .
وفي مقاتل الطالبيين / 233 : « حدثنا جعفر بن محمد ( عليه السلام ) من فيه إلى أذني قال : لما قتل إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بباخمرى ، حُسرنا عن المدينة ولم يُترك فيها منا محتلم ، حتى قدمنا الكوفة فمكثنا فيها شهراً ، نتوقع فيها القتل ! ثم خرج إلينا الربيع الحاجب فقال : أين هؤلاء العلوية ؟ أدخلوا على أمير المؤمنين رجلين منكم من ذوي الحجى . قال : فدخلنا إليه أنا والحسن بن زيد ، فلما صرت بين يديه قال لي : أنت الذي تعلم الغيب ؟ قلت : لا يعلم الغيب إلا الله . قال : أنت الذي يجبى إليك هذا الخراج . قلت : إليك يجبى يا أمير المؤمنين الخراج . قال : أتدرون لم دعوتكم ؟ قلت : لا . قال : أردت أن أهدم رباعكم ، وأروع قلوبكم ، وأعقر نخلكم ، وأترككم بالسراة لا يقربكم أحد من أهل الحجاز وأهل العراق فإنهم لكم مفسدة » !
وروى الطبري : 6 / 343 : « لما عزم المنصور على الحج دعا ريطة بنت أبي العباس
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 36 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
امرأة المهدي ، وكان المهدي بالري قبل شخوص أبي جعفر ، فأوصاها بما أراد وعهد إليها ودفع إليها مفاتيح الخزائن ، وتقدم إليها وأحلفها ووكد الإيمان أن لا تفتح بعض تلك الخزائن ، ولا تطلع عليها أحداً لا المهدي ولا هي ! إلا أن يصح عندها موته ، فإذا صح ذلك اجتمعت هي والمهدي وليس معهما ثالث حتى يفتحا الخزانة ! فلما قدم المهدي من الري إلى مدينة السلام ، دفعت إليه المفاتيح وأخبرته عن المنصور أنه تقدم إليها فيه ألا يفتحه ولا يطلع عليه أحداً حتى يصح عندها موته ، فلما انتهى إلى المهدي موت المنصور وولي الخلافة ، فتح الباب ومعه ريطة فإذا أزج كبير فيه جماعة من قتلاء الطالبيين وفي آذانهم رقاع فيها أنسابهم ! وإذا فيهم أطفال ورجال شباب ومشايخ ، عدة كثيرة ! فلما رأى ذلك ارتاع لما رأى ، وأمر فحفرت لهم حفيرة فدفنوا فيها وعمل عليهم دكان » !
والأزج غرفة مخروطية داخل غرفة ( راجع : لسان : 2 / 208 ، والصحاح : 1 / 298 ) وكان فيها جماجم العلويين رضوان الله عليهم ، وذنبهم أنهم شخصيات يخشى المنصور أن يخالفوا ابنه المهدي بعده فيثوروا عليه ، فقتلهم ولم يُسلِّم جثثهم لذويهم ، واحتفظ بهم نموذجاً ليورثه لابنه ويؤكد عليه مواصلة سياسته في إبادتهم ! ولعله كتب نسب كل منهم في رقعة ليقول لابنه لا تخف من كونهم أبناء النبي ( صلى الله عليه وآله ) وفاطمة وعلي ( عليهما السلام ) !
ولم يسمع المهدي كلام أبيه المنصور فكان حكمه فسحة للإمام الكاظم ( عليه السلام ) وشيعته ، لكن ابنه موسى الهادي واصل سياسة جده المنصور وعمل لإبادة الأئمة من أهل البيت ( عليهم السلام ) وكل ذرية النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وكذا ابنه هارون الرشيد !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 37 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد دفعت هذه السياسة العلويين إلى الثورة على العباسيين ، فكانت ثورة فخ وهو مكان قرب مكة ، يعرف بوادي الزاهرية . ( معجم البلدان : 4 / 237 ) .
قال اليعقوبي في تاريخه : 2 / 404 : « وبويع لموسى الهادي بن محمد المهدي ، وأمه أم ولد يقال لها الخيزرانة بماسبذان ، وكان غائباً بجرجان وأخذ له أخوه هارون البيعة . . . وارتحل من جرجان بعد ثلاثة أيام إلى العراق فنزل بعيسى آباذ ، وكان المهدي بنى هذا الموضع فاستتمه موسى وكان به منزله ، وولى الغطريف بن عطاء خاله خراسان وأعمالها ، فقدم خراسان وكانت هادئة والأمور ساكنة والملوك في الطاعة ، فظهر منه أمور قبيحة وضعف شديد فاضطربت البلاد ، وتحرك جماعة من الطالبيين ، وصاروا إلى ملوك النواحي فقبلوهم ووعدوهم بالنصر والمعونة ، وذلك أن موسى ألح في طلب الطالبيين وأخافهم خوفاً شديداً وقطع ما كان المهدي يجريه لهم من الأرزاق والأعطية ، وكتب إلى الآفاق في طلبهم وحملهم ! فلما اشتد خوفهم وكثر من يطلبهم ويحث عليهم ، عزم الشيعة وغيرهم إلى الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن علي ، وكان له مذهب جميل وكمال ومجد ، وقالوا له : أنت رجل أهل بيتك ، وقد ترى ما أنت وأهلك وشيعتك فيه من الخوف والمكروه ، فقال : وإني وأهل بيتي لا نجد ناصرين فننتصر ، فبايعه خلق كثير ممن حضر الموسم فقال لهم : إن الشعار بيننا أن ينادي رجل : من رأى الجمل الأحمر ، فما وافاه إلا أقل من خمس مائة ، وكان ذلك في سنة 169 بعد انقضاء الموسم ، فلقيه سليمان بن أبي جعفر ، والعباس بن محمد بن علي ، وموسى بن عيسى بفخ ، فانهزم ومن كان معه وافترقوا ، وقتل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 38 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الحسين بن علي وجماعة من أهله ، وهرب خاله إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي فصار إلى المغرب ، فغلب على ناحية تتاخم الأندلس يقال لها فاس ، فاجتمعت عليه كلمة أهلها ، فذكر أهل المغرب أن موسى وجه إليه من اغتاله بسم في مسواك فمات ، وصار إدريس بن إدريس مكانه ، وولده بها إلى هذه الغاية يتوارثون تلك المملكة . . . فلم تزل البلاد مضطربة أيام موسى كلها » .
ورويت عن الأئمة ( عليهم السلام ) في مدحه عدة روايات وهي تدل على شرعية ثورته ، ويظهر أن هدفها وقف خطة العباسيين في إبادة العلويين !
ففي مقاتل الطالبيين / 304 : أن صاحب فخ ( رحمه الله ) قال : « ما خرجنا حتى شاورنا أهل بيتنا ، وشاورنا موسى بن جعفر ، فأمرنا بالخروج » .
وفي مقاتل الطالبيين / 302 : « جاء الجند بالرؤس إلى موسى والعباس ، وعندهم جماعة من ولد الحسن والحسين ، فلم يتكلم أحد منهم بشئ إلا موسى بن جعفر ( عليه السلام ) فقال له : هذا رأس الحسين ! قال : نعم ، إنا لله وإنا إليه راجعون ، مضى والله مسلماً صالحاً صواماً قواماً ، آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر ، ما كان في أهل بيته مثله ! فلم يجيبوه بشئ » .
وفي عمدة الطالب : 183 ، والسلسلة العلوية لأبي نصر البخاري ، عن الإمام الجواد ( عليه السلام ) قال : « لم يكن لنا بعد الطف مصرع أعظم من فخ » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 39 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

12 - خُطة الأمويين والعباسيين لإبادة شيعة أهل البيت ( عليهم السلام )

في مختصر البصائر / 14 : « وكتب معاوية إلى عماله في جميع البلدان أن لا يجيزوا لأحد من شيعة علي ( عليه السلام ) وأهل بيته شهادة ! ثم كتب إلى عماله نسخة واحدة إلى جميع الأقطار : أنظروا من قامت عليه البينة أنه يحب علياً وأهل بيته ، فامحوه من الديوان ، وأسقطوا عطائه ورزقه ! وشفع ذلك بنسخة أخرى : من اتهمتموه بموالاة هؤلاء القوم ، فنكلوا به وأهدموا داره » !
وفي الإحتجاج : 2 / 17 : « ونادى منادي معاوية ( في الحج ) : أن قد برئت الذمة ممن يروي حديثاً من مناقب علي وفضل أهل بيته ( عليهم السلام ) ! وكان أشد الناس بلية أهل الكوفة لكثرة من بها من الشيعة ، فاستعمل زياد ابن أبيه وضم إليه العراقين الكوفة والبصرة ، فجعل يتتبع الشيعة وهو بهم عارف ، يقتلهم تحت كل حجر ومدر ، وأخافهم وقطع الأيدي والأرجل وصلبهم في جذوع النخل ، وسمل أعينهم ، وطردهم وشردهم ، حتى نفوا عن العراق ، فلم يبق بها أحد معروف مشهور ، فهم بين مقتول أو مصلوب أو محبوس ، أو طريد أو شريد !
وكتب معاوية إلى جميع عماله في جميع الأمصار : أن لا تجيزوا لأحد من شيعة علي وأهل بيته شهادة ، وانظروا قبلكم من شيعة عثمان ومحبيه ، ومحبي أهل بيته وأهل ولايته ، والذين يروون فضله ومناقبه ، فأدنوا مجالسهم وقربوهم وأكرموهم ، واكتبوا بمن يروي من مناقبه واسم أبيه وقبيلته !
ففعلوا حتى كثرت الرواية في عثمان وافتعلوها ، لما كان يبعث إليهم من الصلات والخلع والقطايع ، من العرب والموالي ، وكثر ذلك في كل مصر
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 40 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وتنافسوا في الأموال والدنيا ، فليس أحد يجئ من مصر من الأمصار فيروي في عثمان منقبة أو فضيلة ، إلا كتب اسمه وأجيز » .
وفي شرح النهج : 11 / 43 : « وقد روي أن أبا جعفر محمد بن علي الباقر قال لبعض أصحابه : يا فلان ما لقينا من ظلم قريش إيانا وتظاهرهم علينا ؟ ! وما لقي شيعتنا ومحبونا من الناس ؟ ! إن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قبض وقد أخبر أنا أولى الناس بالناس ، فتمالأت علينا قريش حتى أخرجت الأمر عن معدنه ، واحتجَّت على الأنصار بحقنا وحجتنا ، ثم تداولتها قريش واحد بعد واحد ، حتى رجعت إلينا فنكثت بيعتنا ونصبت الحرب لنا ، ولم يزل صاحب الأمر في صعود كؤود حتى قتل ، فبويع الحسن ابنه وعوهد ، ثم غدر به وأسلم ووثب عليه أهل العراق حتى طعن بخنجر في جنبه ، ونهبت عسكره وعولجت خلاليل أمهات أولاده ! فوادع معاوية وحقن دمه ودماء أهل بيته وهم قليل حق قليل !
ثم بايع الحسين ( عليه السلام ) من أهل العراق عشرون ألفاً ثم غدروا به ، وخرجوا عليه وبيعته في أعناقهم ، وقتلوه !
ثم لم نزل أهل البيت نُستذل ونستضام ، ونُقصى ونُمتهن ، ونُحرم ونُقتل ونُخاف ! ولا نأمن على دمائنا ودماء أوليائنا !
ووجد الكاذبون الجاحدون لكذبهم وجحودهم موضعاً يتقربون به إلى أوليائهم ، وقضاة السوء وعمال السوء في كل بلدة ، فحدثوهم بالأحاديث الموضوعة المكذوبة ، ورووا عنا ما لم نقله وما لم نفعله ، ليبغضونا إلى الناس !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 41 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وكان عظم ذلك وكبره زمن معاوية بعد موت الحسن ( عليه السلام ) ، فقتلت شيعتنا بكل بلدة ، وقطعت الأيدي والأرجل على الظنة ، وكان من يذكر بحبنا والانقطاع إلينا ، سجن أو نهب ماله أو هدمت داره ! ثم لم يزل البلاء يشتد ويزداد إلى زمان عبيد الله بن زياد قاتل الحسين ( عليه السلام ) .
ثم جاء الحجاج فقتلهم كل قتلة وأخذهم بكل ظنة وتهمة ، حتى إن الرجل ليقال له زنديق أو كافر ، أحب إليه من أن يقال شيعة علي ( عليه السلام ) ! وحتى صار الرجل الذي يذكر بالخير ولعله يكون ورعاً صدوقاً ، يحدث بأحاديث عظيمة عجيبة من تفضيل بعض من قد سلف من الولاة ، ولم يخلق الله تعالى شيئاً منها ولا كانت ولا وقعت ! وهو يحسب أنها حق ، لكثرة من قد رواها ، ممن لم يعرف بكذب ولا بقلة ورع » !
وقال الطبري في تاريخه : 4 / 187 : « إن معاوية بن أبي سفيان لما ولى المغيرة بن شعبة الكوفة في جمادى سنة 41 ، دعاه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أما بعد فإن لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا ، وقد أردت إيصاءك بأشياء كثيرة فأنا تاركها اعتماداً على بصرك بما يرضيني ويسعد سلطاني ويصلح رعيتي ، ولست تاركاً إيصاءك بخصلة : لا تَتَحَمَّ عن شتم علي وذمه ! والترحم على عثمان والاستغفار له ، والعيب على أصحاب علي والإقصاء لهم ، وترك الاستماع منهم ! وبإطراء شيعة عثمان والإدناء لهم والاستماع منهم !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 42 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فقال المغيرة : قد جُربت وجُربت وعملت قبلك لغيرك ، فلم يذمم بي دفع ولا رفع ولا وضع ، فستبلو فتحمد أو تذم ! قال : بل نحمد إن شاء الله » وتاريخ الكوفة / 315 وجمهرة خطب العرب : 2 / 184 ، والمنتظم : 5 / 241 ، والنصائح الكافية / 100 ) .
وقال أحمد بن حنبل في مسنده : 1 / 189 : « لما خرج معاوية من الكوفة استعمل المغيرة بن شعبة قال : فأقام خطباء يقعون في علي ، قال : وأنا إلى جنب سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ( ابن عم عمر ) قال فغضب فقام فأخذ بيدي فتبعته فقال : ألا ترى إلى هذا الرجل الظالم لنفسه ، الذي يأمر بلعن رجل من أهل الجنة » !
وفي سنن البيهقي ( 5 / 113 ) : « قال ابن عباس : اللهم العنهم فقد تركوا السنة من بغض علي » ! وهو يدل على إنكارهم سيرة النبي ( صلى الله عليه وآله ) وتحريفهم المتعمد لها ، بغضاً بعلي والعترة ( عليهم السلام ) !

13 - خلفاء بني أمية يقدسون الإمام زين العابدين ( عليه السلام )

طمأنَ الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) الأمويين ، بأنه لا يريد الثورة عليهم ، فكانوا يفصلون حسابه عن الثائرين عليهم ، لكنه لم يقف ضد من خرج على الدولة طلباً بثأر أبيه الإمام الحسين ( عليه السلام ) ، ولذلك كان الخليفة الأموي متحيراً فيه ، فلا هو ثائر يعطي على نفسه الحجة لقتله ، ولا هو مطيع للسلطة كعلماء البلاط !
وكتب الحجاج حاكم العراق إلى خليفته عبد الملك بن مروان : « إن أردت أن يثبت ملكك فاقتل علي بن الحسين » !
لأنه يراه المرجع الروحي لحركات الهاشميين والشيعة ضد بني أمية بشعار يا لثارات الحسين ( عليه السلام ) ، وأنه يباركها مع سلب مسؤوليته عنها !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 43 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فأجابه عبد الملك كما روى البيهقي في المحاسن / 39 : « جنبني دماء آل أبي طالب فإني رأيت بني حرب لما قتلوا الحسين نزع الله ملكهم » . ( واليعقوبي : 2 / 304 ، وأنساب الأشراف / 1794 ، والبصائر والذخائر / 546 ، ونثر الدرر / 385 ، وخاص الخاص للثعالبي / 66 وجواهر المطالب : 2 / 278 ، والعقد الفريد / 966 2 ، ومروج الذهب : 3 / 179 ، والإشراف لابن أبي الدنيا / 255 ) .
وقال في العقد الفريد / 1103 : « فلم يتعرض الحجاج لأحد من الطالبيين في أيامه » .
وفي الصراط المستقيم : 2 / 180 : « كتب الحجاج إلى عبد الملك : إن أردت أن يثبت ملكك فاقتل علي بن الحسين ! فرد عليه : جنبني دماء بني هاشم ، وبعث بالكتاب إليه سراً فجاء النبي ( صلى الله عليه وآله ) في النوم إلى علي بن الحسين ( عليه السلام ) وأعلمه ! فكتب إلى عبد الملك : إنه قد شكره الله لك وثبَّت به ملكك وزاد في عمرك ، فلما قرأه وجد تاريخ الكتاب واحداً ! » .
وفي الصواعق المحرقة : 2 / 583 : « فكوشف به زين العابدين فكتب إليه : إنك كتبت للحجاج يوم كذا سراً في حقنا بني عبد المطلب بكذا وكذا ، وقد شكر الله لك ذلك وأرسل به إليه ! فلما وقف عليه وجد تاريخه موافقاً لتاريخ كتابه للحجاج ، ووجد مخرج الغلام موافقاً لمخرج رسوله للحجاج ! فعلم أن زين العابدين كوشف بأمره فَسُرَّ به ، وأرسل إليه مع غلامه بوقر راحلته دراهم وكسوة ، وسأله أن لا يخليه من صالح دعائه » ونحوه الخرائج : 1 / 256 .
ولم يقتل عبد الملك الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) لكن ابنه الوليد قتله بالسم !
وظهرت محبة الناس للإمام زين العابدين ( عليه السلام ) في الحج عندما أراد هشام ولي عهد أبيه عبد الملك بن مروان ، أن يستلم الحجر الأسود فلم يستطع من زحام الناس ، فجاء الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) فانفسح له الناس احتراماً وهيبة !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 44 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال الذهبي في سيره : 4 / 398 : « وكان له جلالة عجيبة ، وَحَقَّ له والله ذلك ، فقد كان أهلاً للإمامة العظمى لشرفه وسؤدده وعلمه وتألهه وكمال عقله .
قد اشتهرت قصيدة الفرزدق ، وهي سماعنا : أن هشام بن عبد الملك حج قبيل ولايته الخلافة ، فكان إذا أراد استلام الحجر زوحم عليه ، وإذا دنا علي بن الحسين من الحجر تفرقوا عنه إجلالاً له ، فوجم لها هشام وقال : من هذا ، فما أعرفه ! فأنشأ الفرزدق يقول :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] هذا الذي تعرفُ البطحاءُ وطأتَهُ * والبيتُ يعرفُهُ والحلُّ والحَرَمُ
هذا ابنُ خَيْرِ عبادِ الله كلِّهِمُ * هذا التّقيُّ النقيُّ الطاهرُ العَلَمُ
هذا الذي أحمدُ المختارُ والدُه * صلى عليه إلهي ما جرى القلمُ
لو يعلمُ الركنُ من قد جاء يلثِمُهُ * لَخَرَّ يَلْثِمُ منهُ ما وطى القَدَمُ
هذا عليٌّ رسولُ الله والدُه * أمست بنور هداه تهتدي الأمم
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] إلى آخر القصيدة . فأمر هشام بحبس الفرزدق فبعث إليه علي بن الحسين باثني عشر ألف درهم وقال : أعْذُرْ أبا فراس ، فردَّها وقال : ما قلت ذلك إلا غضباً لله ولرسوله ( صلى الله عليه وآله ) ، فردها إليه وقال : بحقي عليك لمَّا قبلتها ، فقد علم الله نيتك ورأى مكانك ، فقبلها » .
وقال الذهبي في تاريخه : 6 / 438 : « وليس للحسين رضي الله عنه عقب إلا من زين العابدين ، وأمه أمَة ، وهي سلافة بنت يزدجرد آخر ملوك فارس . . .
قال أبو جعفر الباقر : عاش أبي ثمانٍ وخمسين سنة . وقال الواقدي : حدثني حسين بن علي بن الحسن أن أباه مات سنة أربع وتسعين ، وكذا قال البخاري ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 45 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأبو عبيد ، والفلاس ، وروي عن جعفر بن محمد » .
وقال الراغب في محاضرات الأدباء : 1 / 344 : « قال عمر بن عبد العزيز يوماً وقد قام من عنده علي بن الحسين ( لعله عندما كان والي المدينة ) : مَنْ أشرفُ الناس ؟ فقالوا : أنتم . فقال : كلا ، أشرف الناس هذا القائم من عندي آنفاً ، من أحب الناس أن يكونوا منه ولم يحب أن يكون من أحد » . ونثر الدرر / 286 ، والمناقب : 3 / 304 .
وفي تاريخ اليعقوبي : 2 / 305 : « ذكره يوماً عمر بن عبد العزيز فقال : ذهب سراج الدنيا وجمال الإسلام وزين العابدين » .
وكان الزهري إمام بني أمية : « إذا حدث عن علي بن الحسين قال : حدثني زين العابدين علي بن الحسين ، فقال له سفيان بن عيينة : ولمَ تقول له زين العابدين ؟ قال : لأني سمعت سعيد بن المسيب يحدث عن ابن عباس أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قال : إذا كان يوم القيامة ينادي مناد أين زين العابدين فكأني أنظر إلى ولدي علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب يخطرُ بين الصفوف » . ( علل الشرائع : 1 / 229 ) .
وقد استثمر الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) هذا الاحترام فنشط في نشر سلوك التقوى والعبادة في المسلمين ، وفي مواجهة خطط السلطة في تحريف الإسلام ومعاداة علي وأهل البيت ( عليهم السلام ) .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 46 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

14 - احترام خلفاء بني أمية وبني العباس للإمام الباقر ( عليه السلام )

قال الزبيدي في شرح القاموس : 6 / 105 : « عن جابر بن عبد الله الأنصاري أن النبي ( ص ) قال له : يوشك أن تبقى حتى تلقى ولداً لي من الحسين يقال له محمد ، يبقر العلم بقراً ، فإذا لقيته فاقرأه مني السلام . خرَّجه أئمة النسب » .
وفي مناقب آل أبي طالب : 3 / 328 : « وحديث جابر مشهور معروف ، رواه فقهاء المدينة والعراق كلهم بطرق كثيرة عن سعيد بن المسيب ، وسليمان الأعمش ، وأبان بن تغلب ، ومحمد بن مسلم ، وزرارة بن أعين ، وأبي خالد الكابلي » أنظر الكافي : 1 / 469 .
وروى ابن عساكر في تاريخ دمشق : 54 / 268 ، أن عمر بن عبد العزيز عندما ولي الخلافة أرسل إلى الإمام الباقر ( عليه السلام ) وطلب حضوره ، ليشاوره في أمور الخلافة ، ثم رد إليه فدكاً وكتب : « هذا ما رد عمر بن عبد العزيز ، ظلامة محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب بفدك » . والخصال / 105 ، والمناقب : 3 / 337 .
وأخبر الإمام الباقر ( عليه السلام ) العباسيين بأنهم سيحكمون بعد بني أمية ، قال : « نعم يا داود ، والله لا يملك بنو أمية يوماً إلا ملكتم مثليه ، ولا سنة إلا ملكتم مثليها وليتلقفها الصبيان منكم كما تلقف الصبيان الكرة ! هذا ما عهده إلي أبي ! فلما ملك الدوانيقي تعجب من قول الباقر ( عليه السلام ) » . ( الكافي : 8 / 210 ، والخرائج : 1 / 273 ) .
وكان الدوانيقي يعتقد بالإمام الباقر والصادق ( عليهما السلام ) ويحدث بحديث النداء السماوي باسم المهدي ( عليه السلام ) ويقول : لولا أني سمعت أبا جعفر محمد بن علي يقوله ثم حدثني به أهل الأرض ما قبلته منهم ، ولكنه محمد بن علي » ! ( الكافي : 8 / 209 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 47 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

15 - رفض الإمام الصادق ( عليه السلام ) قبول الخلافة !

عندما ضعفت الدولة الأموية أخذ الحسنيون والعباسيون يعملون في الثورة عليها ، وكان الإمام الصادق ( عليه السلام ) أكثر نفوذاً منهم ، لكنه لم يعمل لتسلم السلطة ولم يقبل أن يعمل أحد باسمه ، وجاءه أبو سلمة الخلال وأبو مسلم الخراساني فرفض تأييدهما ! وعندما انتصرت ثورتهم قام قائدها الأعلى أبو سلمة الخلال بحبس أولاد العباس أربعين يوماً ، وفي رواية المسعودي شهرين ، وراسل الإمام الصادق ( عليه السلام ) عارضاً عليه البيعة بالخلافة ، فرفض أشد الرفض !
قال في عمدة الطالب / 101 : « ولما قدم أبو العباس السفاح وأهله سراً على أبي سلمة الخلال الكوفة ، ستر أمرهم وعزم أن يجعلها شورى بين ولد علي والعباس حتى يختاروا هم من أرادوا ، ثم قال : أخاف أن لا يتفقوا ، فعزم على أن يعدل بالأمر إلى ولد علي من الحسن والحسين ، فكتب إلى ثلاثة نفر منهم : جعفر بن محمد بن علي بن الحسين وعمر بن علي بن الحسين وعبد الله بن الحسن ووجه بالكتب مع رجل من مواليهم من ساكني الكوفة ، فبدأ بجعفر بن محمد فلقيه ليلاً وأعلمه أنه رسول أبي سلمة وأن معه كتاباً إليه منه ، فقال : وما أنا وأبو سلمة وهو شيعة لغيري ؟ فقال الرسول : تقرأ الكتاب وتجيب عليه بما رأيت . فقال جعفر لخادمه : قدم مني السراج ، فقدمه فوضع عليه كتاب أبي سلمة فأحرقه فقال : ألا تجيبه ؟ فقال : قد رأيت الجواب » !
قال اليعقوبي : 2 / 350 : « وكان من قدم إلى الكوفة من بني هاشم ( العباسيين )
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 48 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
اثنين وعشرين رجلاً منهم : داود وسليمان وعيسى وصالح وإسماعيل وعبد الله وعبد الصمد بنو علي بن عبد الله بن عباس ، وموسى بن داود ، وجعفر ومحمد ابنا سليمان ، والفضل وعبد الله ابنا صالح ، وأبو العباس ومحمد ابنه ، وجعفر ومحمد ابنا المنصور ، وعيسى بن موسى بن محمد ، وعبد الوهاب ومحمد ابنا إبراهيم ، ويحيى بن محمد ، والعباس بن محمد » .
وقال المسعودي في مروج الذهب / 890 : « وأخفى أبو سَلَمة أمر أبي العباس ومن معه ووكل بهم وكيلاً . . فبعث بمحمد بن عبد الرحمن بن أسلم وكان أسلم مولىً لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وكتب معه كتابين على نسخة واحدة إلى أبي عبد الله جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، وإلى أبي محمد عبد الله بن الحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، يدعو كلَّ واحد منهما إلى الشخوص إليه ليصرف الدعوة إليه ، ويجتهد في بيعة أهل خراسان له ، وقال للرسول : العَجَلَ العَجَلَ فلا تكونَنَّ كوافد عاد ( بعثوه فاختار لهم سحابة سوداء كانت عليهم ) فقدم محمد بن عبد الرحمن المدينة على أبي عبد الله جعفر بن محمد فلقيه ليلاً ، فلما وصل إليه أعلمه أنه رسول أبي سَلَمة ودفع إليه كتابه فقال له أبو عبد الله : وما أنا وأبو سَلَمة وأبو سَلَمة شيعة لغيري ؟ ! قال : إني رسول فتقرأ كتابه وتجيبه بما رأيت ، فدعا أبو عبد الله بسراج ثم أخذ كتاب أبي سلمة فوضعه على السراج حتى احترق ، وقال للرسول : عرِّف صاحبك بما رأيت !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 49 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم أنشأ يقول متمثلاً بقول الكميت بن زيد ( رحمه الله ) :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] أيا مُوقِداً ناراً لغيرك ضوؤها * ويا حاطباً في غير حبلك تحطب » !
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] وفي الكافي : 8 / 274 : « عن الفضل بن سليمان الكاتب ، قال : كنت عند أبي عبد الله ( عليه السلام ) فأتاه كتاب أبي مسلم فقال : ليس لكتابك جواب أخرج عنا ! فجعلنا يسارُّ بعضنا بعضاً فقال : أي شئ تَسَارُّون ؟ يا فضل إن الله عز ذكره لا يعجل لعجلة العباد ، ولإزالة جبل عن موضعه أيسر من زوال ملك لم ينقض أجله ! ثم قال : إن فلان بن فلان ، حتى بلغ السابع من ولد فلان . قلت فما العلامة فيما بيننا وبينك جعلت فداك ؟ قال : لا تبرح الأرض يا فضل حتى يخرج السفياني فإذا خرج السفياني فأجيبوا إلينا . يقولها ثلاثاً ، وهو من المحتوم » .
وفي مناقب آل أبي طالب : 3 / 356 : « قال أبو هريرة الأبَّار صاحب الصادق ( عليه السلام ) :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] ولما دعا الداعون مولاي لم يكن * ليُثْنَى عليه عزمُه بصواب
ولما دعوه بالكتاب أجابهم * بحرق الكتاب دون رد جواب
وما كان مولاي كمشري ضلالة * ولا ملبساً منها الردى بثواب
ولكنه لله في الأرض حجة * دليل إلى خير وحسن مآب » .
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] وإثبات الوصية / 158 ، ونحوه الخرائج : 2 / 645 ، وإعلام الورى / 272 ، ودلائل الإمامة / 140 .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 50 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

16 - الإمام جعفر الصادق ( عليه السلام ) أبو المذاهب وأستاذ أئمتها

يعترف أئمة المذاهب بأن الإمام جعفر الصادق ( عليه السلام ) أبُ المذاهب الفقهية وأستاذ أئمتها ، ويروون تعظيمهم له ( عليه السلام ) !
1 - قال الإمام مالك بن أنس : « ما رأت عيني أفضل من جعفر بن محمد ، فضلاً وعلماً وورعاً ، وكان لا يخلو من إحدى ثلاث خصال : إما صائماً ، وإما قائماً ، وإما ذاكراً . وكان من عظماء البلاد ، وأكابر الزهاد الذين يخشون ربهم ، وكان كثير الحديث طيب المجالسة كثير الفوائد ، فإذا قال : قال رسول الله ، اخْضَرَّ مرةً واصْفَرَّ أخرى حتى لينكره من لا يعرفه » . ( مناقب آل أبي طالب : 3 / 396 ) .
وقال مالك أيضاً : « اختلفتُ إلى جعفر بن محمد زماناً ، وما كنت أراه إلا على ثلاث خصال : إما مصل ، وإما صائم ، وإما يقرأ القرآن ، وما رأيته يحدِّث عن رسول الله ( ص ) إلا على طهارة . وكان لا يتكلم فيما لا يعنيه ، وكان من العلماء العباد الزهاد الذين يخشون الله ، ولقد حججت معه سنة ، فلما أتى الشجرة أحرم فكلما أراد أن يُهِلَّ كاد يغشى عليه فقلت له : لا بد لك من ذلك ، وكان يكرمني وينبسط إلي ، فقال : يا أبن أبي عامر إني أخشى أن أقول لبيك اللهم لبيك ، فيقول : لا لبيك ولا سعديك ! قال مالك : ولقد أحرم جده علي بن حسين ، فلما أراد أن يقول اللهم لبيك أو قالها ، غُشِيَ عليه وسقط عن ناقته » ( التمهيد لابن عبد البر : 2 / 67 ، وبعضه تهذيب التهذيب : 2 / 88 ) .
ولو سألت مالكاً : ما دامت هذه عقيدتك في أستاذك ، فلماذا أسست مذهباً ضده ، ولماذا لم ترو عنه في كتابك الموطأ إلا خمسة أحاديث ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 51 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فجوابه : أن المنصور العباسي أمره بذلك ، والمأمور معذور !
2 - وسئل أبو حنيفة : « من أفقه من رأيت ؟ قال : جعفر بن محمد ، لمَّا أقْدَمَهُ المنصور بعث إليَّ فقال : يا أبا حنيفة إن الناس قد فُتنوا بجعفر بن محمد ، فهئِّ له مسائلك الشداد ، فهيأت له أربعين مسألة ، ثم بعث إليَّ أبو جعفر وهو بالحيرة فأتيته فدخلت عليه وجعفر جالس عن يمينه ، فلما بصرت به دخلني من الهيبة لجعفر ما لم يدخلني لأبي جعفر ، فسلمت عليه فأومأ إليَّ فجلست ، ثم التفت إليه فقال : يا أبا عبد الله هذا أبو حنيفة . فقال : نعم أعرفه . ثم التفت إليَّ فقال : ألق على أبي عبد الله من مسائلك ، فجعلت ألقي عليه ويجيبني ، فيقول : أنتم تقولون وكذا ، وأهل المدينة يقولون كذا ، ونحن نقول كذا ، فربما تابعنا ، وربما تابعهم ، وربما خالفنا جميعاً ، حتى أتيت على الأربعين مسألة فما أخل منها بشئ !
ثم قال أبو حنيفة : أليس قد روينا : أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس » ! ( المناقب : 3 / 378 ، وتهذيب الكمال : 5 / 79 ، وسير الذهبي : 6 / 258 ، وكامل ابن عدي : 2 / 132 ، وغيرها ) .
ولو سألت أبا حنيفة : ما دامت هذه عقيدتك في أستاذك ، فلماذا أسست مذهباً ضده ، وخالفت فقهه ؟ فجوابه : هكذا أمرني أبو جعفر المنصور !
3 - وقال الذهبي في سيره : 6 / 257 : « عن عمرو بن أبي المقدام قال : كنت إذا نظرت إلى جعفر بن محمد علمت أنه من سلالة النبيين ! قد رأيته واقفاً عند الجمرة يقول : سلوني ، سلوني ! وعن صالح بن أبي الأسود : سمعت جعفر بن محمد يقول سلوني قبل أن تفقدوني ، فإنه لا يحدثكم أحد بعدي بمثل حديثي » !
4 - قال ابن حجر في الصواعق : « ونقل الناس عنه من العلوم ما سارت به
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 52 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الركبان وانتشر صيته في جميع البلدان . روى عنه الأئمة الأكابر كيحيى بن سعيد وابن جريح ، ومالك ، والسفيانين ، وأبي حنيفة ، وشعبة ، وأيوب » .
5 - وقال الشيخ محمد أبو زهرة : « لا نستطيع في هذه العجالة أن نخوض في فقه الإمام جعفر ، فإنّ أُستاذ مالك وأبي حنيفة وسفيان بن عيينة ، لا يمكن أن يدرس فقهه في مثل هذه الإلمامة » . ( موسوعة أصحاب الفقهاء : 2 / 30 ) .
6 - وقال ابن أبي الحديد : « أما أصحاب أبي حنيفة فأخذوا عن أبي حنيفة ، وأما الشافعي فهو تلميذ تلميذ أبي حنيفة ، وأما ابن حنبل فهو تلميذ الشافعي . وأبو حنيفة قرأ على جعفر الصادق ، وعلمه ينتهي إلى علم جده علي ( عليه السلام ) » .
7 - وقال الإيجي في المواقف : 3 / 638 : « كان أبو يزيد ( البسطامي ) مع علو طبقته سَقَّاءً في دار جعفر الصادق رضي الله عنه ، وكان معروف الكرخي بواب دار علي بن موسى الرضا ، هذا مما لا شبهة في صحته ، فإن معروفاً كان صبياً نصرانياً فأسلم على يد علي بن موسى وكان يخدمه . وأما أبو يزيد فلم يدرك جعفراً بل هو متأخر عن معروف ولكنه كان يستفيض من روحانية جعفر » . والطرائف / 520 .
9 - وترجم الحافظ أبو نعيم في حلية الأولياء : 3 / 192 ، للإمام الصادق ( عليه السلام ) بتفصيل ، وروى هيبة المنصور له ، وروى منعه لأبي حنيفة من القياس ، قال : « الإمام الناطق ذو الزمام السابق ، أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق ، أقبل على العبادة والخضوع ، وآثر العزلة والخشوع ، ونهى عن الرئاسة والجموع . .
أحمد بن عمرو بن المقدام الرازي قال : وقع الذباب على المنصور فذبه عنه فعاد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 53 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فذبه حتى أضجره ، فدخل جعفر بن محمد عليه فقال له المنصور : يا أبا عبد الله لم خلق الله الذباب ؟ قال : ليُذَلَّ به الجبابرة !
أقبل على أبي حنيفة فقال : يا نعمان حدثني أبي عن جدي أن رسول الله ( ص ) قال : أول من قاس أمر الدين برأيه إبليس قال الله تعالى له : أسجد لآدم ، فقال : أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ . فمن قاس الدين برأيه قرنه الله تعالى يوم القيامة بإبليس لأنه اتبعه بالقياس !
زاد ابن شبرمة في حديثه : ثم قال جعفر : أيهما أعظم قتل النفس أو الزنا ؟ قال قتل النفس . قال : فإن الله عز وجل قبل في قتل النفس شاهدين ولم يقبل في الزنا إلا أربعة ! ثم قال : أيهما أعظم الصلاة أم الصوم ؟ قال : الصلاة ، قال : فما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة فكيف ويحك يقوم لك قياسك ؟ ! إتق الله ولا تقس الدين برأيك » .

17 - أسس المنصور العباسي المذاهب لمواجهة الإمام الصادق ( عليه السلام )

روى الجميع أن المنصور العباسي قام بتأسيس المذاهب الأربعة لمواجهة الإمام الصادق وأهل البيت ( عليهم السلام ) ، فقال الذهبي في سيره ( 8 / 111 ) وابن خلدون في مقدمته / 18 ، إن المنصور أحضر مالك بن أنس وقال له بدهائه : « لم يبق على وجه الأرض أعلم مني ومنك ! وإني قد شغلتني الخلافة ، فضع أنت للناس كتاباً ينتفعون به ، تجنب فيه رخص ابن عباس وشدائد ابن عمر ووطئه للناس توطئة قال مالك : فوالله لقد علمني التصنيف يومئذ ! وقال القاضي عياض في ترتيب
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 54 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
المدارك / 124 : « قال مالك : فقلت له : إن أهل العراق لا يرضون علمنا ( لأنهم شيعة أو متأثرون بهم ) ! قال : يُضربُ عليه عامَّتُهم بالسيف وتقطع عليه ظهورهم بالسياط » !
وشرط عليه المنصور أن لا يروي عن علي ( عليه السلام ) ! ولذلك لا تجد في الموطأ أي رواية عن علي ( عليه السلام ) ! ( مستدرك الوسائل : 1 / 20 ) .
واعترف أبو حنيفة كما تقدم آنفاً أن المنصور قال له : « إن الناس قد فتنوا بجعفر بن محمد ، فهئ له مسائلك الشداد . . فلما بصرت به دخلني من الهيبة لجعفر ما لم يدخلني لأبي جعفر » !
فهذان إمامان من أئمة المذاهب الأربعة ، أقرَّا بأن السلطة تبنتهما ضد أستاذهما الإمام جعفر الصادق ( عليه السلام ) ! والشافعي تلميذ تلميذ أبي حنيفة ، وابن حنبل تلميذ الشافعي . ( راجع ترجمة المنصور العباسي في جواهر التاريخ ) .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 55 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

18 - الإمام الكاظم ( عليه السلام ) يواجه طغيان بني العباس !

روى علماء السنة كالذهبي في سير أعلام النبلاء : 6 / 272 ، والمزي في تهذيب الكمال : 29 / 49 ، عن الفضل بن الربيع عن أبيه ، قال : « لما حبس المهدي موسى بن جعفر رأى المهدي في النوم علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو يقول : يا محمد : فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ! قال الربيع : فأرسل إليَّ ليلاً فراعني ذلك ، فجئته فإذا هو يقرأ هذه الآية ، وكان أحسن الناس صوتاً ، وقال : عليَّ بموسى بن جعفر ، فجئته به فعانقه وأجلسه إلى جنبه وقال : يا أبا الحسن إني رأيت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في النوم يقرأ عليَّ كذا ، فتؤمنني أن تخرج عليَّ أو على أحد من ولدي ؟ فقال : والله لا فعلت ذاك ، ولا هو من شأني ! قال : صدقت . يا ربيع أعطه ثلاثة آلاف دينار ، ورده إلى أهله إلى المدينة » .
وفي عيون أخبار الرضا ( عليه السلام ) : 2 / 87 : « عن الريان بن شبيب قال : سمعت المأمون يقول : ما زلت أحب أهل البيت وأظهر للرشيد بغضهم تقرباً إليه ! فلما حج الرشيد كنت ومحمد والقاسم معه ، فلما كان بالمدينة استأذن عليه الناس وكان آخر من أذن له موسى بن جعفر ، فدخل فلما نظر إليه الرشيد تحرك ومدَّ بصره وعنقه إليه حتى دخل البيت الذي فيه ، فلما قرب جثى الرشيد على ركبتيه وعانقه ، ثم أقبل عليه فقال له : كيف أنت يا أبا الحسن ، وكيف عيالك وعيال أبيك ؟ كيف أنتم ، ما حالكم ؟ فما زال يسأله هذا وأبو الحسن يقول : خير خير . فلما قام أراد الرشيد أن ينهض ، فأقسم عليه أبو الحسن فأقعده وعانقه ، وسلم عليه وودعه !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 56 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال المأمون : وكنت أجرأ وُلْد أبي عليه ، فلما خرج أبو الحسن موسى بن جعفر قلت لأبي : يا أمير المؤمنين لقد رأيتك عملت بهذا الرجل شيئاً ما رأيتك فعلته بأحد من أبناء المهاجرين والأنصار ، ولا ببني هاشم ، فمن هذا الرجل ؟ !
فقال : يا بني هذا وارث علم النبيين ، هذا موسى بن جعفر بن محمد ! إن أردت العلم الصحيح فعند هذا ! قال المأمون : فحينئذ انغرس في قلبي محبتهم » .
وفي رواية : « ثم قام ، فقام الرشيد لقيامه وقبل عينيه ووجهه ، ثم أقبل عليَّ وعلى الأمين والمؤتمن فقال : يا عبد الله ويا محمد ويا إبراهيم ، إمشوا بين يدي عمكم وسيدكم ، خذوا بركابه وسووا عليه ثيابه وشيعوه إلى منزله . فأقبل عليَّ أبو الحسن موسى بن جعفر سراً بيني وبينه ، فبشرني بالخلافة فقال لي : إذا ملكت هذا الأمر فأحسن إلى وُلدي ، ثم انصرفنا . وكنت أجرأ ولد أبي عليه ، فلما خلا المجلس قلت : يا أمير المؤمنين من هذا الرجل الذي قد أعظمته وأجللته وقمت من مجلسك إليه فاستقبلته وأقعدته في صدر المجلس وجلست دونه ، ثم أمرتنا بأخذ الركاب له ؟ ! قال : هذا إمام الناس وحجة على خلقه وخليفته على عباده ! فقلت : يا أمير المؤمنين أوليست هذه الصفات كلها لك وفيك ؟ فقال : أنا إمام الجماعة في الظاهر والغلبة والقهر ، وموسى بن جعفر إمام حق . والله يا بني إنه لأحق بمقام رسول الله ( ص ) مني ومن الخلق جميعاً ، ووالله لو نازعتني هذا الأمر لأخذت الذي فيه عيناك ، فإن الملك عقيم !
فلما أراد الرحيل من المدينة إلى مكة أمر بصرة سوداء فيها مائتا دينار ، ثم أقبل على الفضل بن الربيع فقال له : إذهب بهذه إلى موسى بن جعفر وقل له : يقول
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 57 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لك أمير المؤمنين : نحن في ضيقة وسيأتيك بِرُّنَا بعد الوقت ، فقمت في صدره فقلت : يا أمير المؤمنين تعطي أبناء المهاجرين والأنصار وساير قريش وبني هاشم ومن لا تعرف حسبه ونسبه ، خمسه آلاف دينار إلى ما دونها ، وتعطي موسى بن جعفر وقد أعظمته وأجللته مئتي دينار أخس عطيةٍ أعطيتها أحداً من الناس ؟ ! فقال : أسكت لا أم لك ، فإني لو أعطيت هذا ما ضمنته له ما كنت أمنته أن يضرب وجهي غداً بمئة ألف سيف من شيعته ومواليه ! فَقْرُ هذا وأهل بيته أسلمُ لي ولكم من بسط أيديهم وأعينهم » !
ثم حج الرشيد ، واعتقل الإمام الكاظم ( عليه السلام ) وحبسه في البصرة ثم في بغداد ، ففي سير الذهبي : 6 / 270 : « موسى الكاظم الإمام القدوة ، السيد أبو الحسن العلوي ، والد الإمام علي بن موسى الرضا ، مدني نزل بغداد . ذكره أبو حاتم فقال : ثقة صدوق إمام من أئمة المسلمين . قال الخطيب : أقدمه المهدي بغداد ورده ، ثم قدمها وأقام ببغداد في أيام الرشيد ، قدم في صحبة الرشيد سنة تسع وسبعين ومئة ، وحبسه بها إلى أن توفي في محبسه . . . حج الرشيد فأتى قبر النبي ومعه موسى بن جعفر فقال : السلام عليك يا رسول الله ، يا ابن عم ، افتخاراً على من حوله ! فدنا موسى وقال : السلام عليك يا أبتِ ، فتغير وجه هارون وقال : هذا الفخر يا أبا الحسن حقاً » .
وفي كنز الفوائد / 166 : « ثم نهض معتمداً على يد أبي الحسن موسى بن جعفر حتى انتهى إلى قبر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فوقف عليه فقال : السلام عليك يا رسول الله السلام عليك يا ابن عم ، افتخاراً بذلك على قبائل العرب الذين حضروا معه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 58 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
واستطالةً عليهم بالنسب ! قال فنزع أبو الحسن موسى يده من يده وقال : السلام عليك يا رسول الله ، السلام عليك يا أبه ! قال فتغير وجه الرشيد ثم قال : يا أبا الحسن إن هذا لهو الفخر » . وتاريخ بغداد : 3 / 32 ، وتهذيب الكمال : 29 / 49 ، والكافي : 4 / 553 ، وروضة الواعظي / 215 ، والفصول المختارة / 36 ، والاحتجاج : 2 / 167 .
وأضاف في المناقب : 3 / 434 : « فتغير وجه هارون وأمر به فأخذ من المسجد » .
« بعث موسى الكاظم إلى الرشيد برسالة من الحبس يقول : إنه لن ينقضي عني يوم من البلاء إلا انقضى عنك معه يوم من الرخاء ، حتى نفضي جميعاً إلى يوم ليس له انقضاء ، يخسر فيه المبطلون » ! ( سير الذهبي : 6 / 271 ) .
وقال الذهبي : « له مشهد عظيم مشهور ببغداد ، دفن معه فيه حفيده الجواد ، ولولده علي بن موسى مشهد عظيم بطوس ، وكانت وفاة موسى الكاظم في رجب سنة ثلاث وثمانين ومئة . عاش خمساً وخمسين سنة وخلف عدة أولاد » .
وروى في الكافي : 1 / 258 ، عن أحد شهود العدول الرسميين في بغداد قال : « جمعنا السندي بن شاهك ثمانين رجلاً من الوجوه المنسوبين إلى الخير ، فأدخلنا على موسى بن جعفر ، فقال لنا السندي : يا هؤلاء ، أنظروا إلى هذا الرجل هل حدث به حدث ؟ فإن الناس يزعمون أنه قد فعل به ويكثرون في ذلك ! وهذا منزله وفراشه موسع عليه غير مضيق ، ولم يرد به أمير المؤمنين سوءً ، وإنما ينتظر به أن يقدم فيناظر أمير المؤمنين ! وهذا هو صحيح موسع عليه في جميع أموره فسلوه ، قال : ونحن ليس لنا هم إلا النظر إلى الرجل والى فضله وسمته ، فقال موسى بن جعفر : أما ما ذكر من التوسعة وما أشبهها فهو على ما ذكر ، غير أني
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 59 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أخبركم أيها النفر أني قد سقيت السم في سبع تمرات ، وأنا غداً أخضرُّ ، وبعد غد أموت ! قال : فنظرت إلى السندي بن شاهك يضطرب ويرتعد مثل السعفة » !
وقد أجمع المسلمون على زيارة قبره والتوسل به إلى الله تعالى : « وقد كان الإمام الشافعي بقول : قبر موسى الكاظم الترياق المجرب » . ( كرامات الأولياء للسجاعي / 6 ) .
ورووا كراماته ونبل أخلاقه ، ومنها : « أن رجلاً من آل عمر كان بالمدينة يؤذيه ويشتم علياً ، وكان قد قال له بعض حاشيته : دعنا نقتله فنهاهم وزجرهم ، وأعطاه مالاً ، فقام العمري فقبل رأسه وقال : الله أعلم حيث يجعل رسالاته ، وجعل يدعو له » ! ( سير أعلام النبلاء للذهبي : 6 / 271 ) .

19 - المأمون يُجبر الإمام الرضا ( عليه السلام ) على ولاية عهده !

بعد قتل هارون الرشيد للإمام موسى بن جعفر ( عليه السلام ) ، أظهر ولده الإمام الرضا ( عليه السلام ) إمامته ، فقال له ابن أبي حمزة :
« لقد أظهرت شيئاً ما كان يظهره أحد من آبائك ولا يتكلم به ! قال ( عليه السلام ) : بلي والله لقد تكلم به خير آبائي رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لمَّا أمره الله تعالى أن ينذر عشيرته الأقربين ، جمع من أهل بيته أربعين رجلاً وقال لهم إني رسول الله إليكم ، وكان أشدهم تكذيباً له وتأليباً عليه عمه أبو لهب ، فقال لهم النبي ( صلى الله عليه وآله ) : إن خدشني خدش فلست بنبي ! فهذا أول ما أبدع لهم من آية النبوة ! وأنا أقول : إن خدشني هارون خدشاً فلست بإمام ، فهذا ما أُبْدِعُ لكم من آية الإمامة » ! ( اختيار معرفة الرجال : 2 / 764 ، ومعجم رجال الحديث : 12 / 240 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 60 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وروى الصدوق في الأمالي / 125 : « عن أبي الصلت الهروي قال : إن المأمون قال للرضا ( عليه السلام ) : يا ابن رسول الله ، قد عرفت فضلك وعلمك وزهدك وورعك وعبادتك ، وأراك أحق بالخلافة مني ! فقال الرضا : بالعبودية لله عز وجل أفتخر وبالزهد في الدنيا أرجو النجاة من شر الدنيا ، وبالورع عن المحارم أرجو الفوز بالمغانم ، وبالتواضع في الدنيا أرجو الرفعة عند الله عز وجل .
فقال له المأمون : إني قد رأيت أن أعزل نفسي عن الخلافة وأجعلها لك وأبايعك ! فقال له الرضا ( عليه السلام ) : إن كانت الخلافة لك وجعلها الله لك ، فلا يجوز أن تخلع لباساً ألبسك الله وتجعله لغيرك ، وإن كانت الخلافة ليست لك فلا يجوز لك أن تجعل لي ما ليس لك ! فقال له المأمون : يا بن رسول الله ، لا بد لك من قبول هذا الأمر ، فقال : لست أفعل ذلك طائعاً أبداً ، فما زال يجهد به أياماً حتى يئس من قبوله فقال له : فإن لم تقبل الخلافة ولم تحب مبايعتي لك ، فكن ولي عهدي لتكون لك الخلافة بعدي !
فقال الرضا ( عليه السلام ) : والله لقد حدثني أبي عن آبائه عن أمير المؤمنين عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أني أخرج من الدنيا قبلك مقتولاً بالسم مظلوماً ، تبكي عليَّ ملائكة السماء وملائكة الأرض ، وأدفن في أرض غربة إلى جنب هارون الرشيد !
فبكى المأمون ، ثم قال له : يا ابن رسول الله ، ومن الذي يقتلك ، أو يقدر على الإساءة إليك وأنا حي ؟ فقال الرضا ( عليه السلام ) : أما إني لو أشاء أن أقول من الذي يقتلني لقلت ! فقال المأمون : يا ابن رسول الله ، إنما تريد بقولك هذا التخفيف عن نفسك ودفع هذا الأمر عنك ليقول الناس : إنك زاهد في الدنيا !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 61 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فقال الرضا ( عليه السلام ) : والله ما كذبت منذ خلقني ربي عز وجل ، وما زهدت في الدنيا للدنيا ، وإني لأعلم ما تريد !
فقال المأمون : وما أريد ؟ قال : لي الأمان على الصدق ؟ قال : لك الأمان . قال : تريد بذلك أن يقول الناس : إن علي بن موسى لم يزهد في الدنيا ، بل زهدت الدنيا فيه ، ألا ترون كيف قبل ولاية العهد طمعاً في الخلافة !
فغضب المأمون ثم قال : إنك تتلقاني أبداً بما أكرهه ، وقد أمنت سطواتي ، فبالله أقسم لئن قبلت ولاية العهد وإلا أجبرتك على ذلك ، فإن فعلت وإلا ضربت عنقك !
فقال الرضا ( عليه السلام ) : قد نهاني الله عز وجل أن ألقي بيدي إلى التهلكة ، فإن كان الأمر على هذا فافعل ما بدا لك ، وأنا أقبل ذلك على أني لا أولي أحداً ولا أعزل أحداً ، ولا أنقض رسماً ولا سنة ، وأكون في الأمر من بعيد مشيراً . فرضي منه بذلك وجعله ولي عهده ، على كراهة منه ( عليه السلام ) لذلك » .
وقال عضد الدين الإيجي وهو من كبار أئمة السنة ، عن الجفر والجامعة : « وهما كتابان لعلي رضي الله تعالى عنه ، قد ذكر فيهما على طريقة علم الحروف الحوادث التي تحدث إلى انقراض العالم ، وكان الأئمة المعروفون من أولاده يعرفونهما ويحكمون بهما . وفي كتاب قبول العهد الذي كتبه علي بن موسى رضي الله عنهما إلى المأمون : إنك قد عرفت من حقوقنا ما لم يعرفه آباؤك فقبلت منك عهدك ، إلا أن الجفر والجامعة يدلان على أنه لا يتم » . ( شرح المواقف : 2 / 60 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 62 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

20 - قَتَلَ المأمون الإمام الرضا ( عليه السلام ) وقَتَلَ المعتصم الإمام الجواد ( عليه السلام )

كتب المأمون إلى الإمام الرضا ( عليه السلام ) عندما أحضره من المدينة ، أن يأتي معه بمن أحب من أهل بيته ، ولكن الإمام ( عليه السلام ) تعمد أن يبقي ابنه الوحيد الإمام الجواد ( عليه السلام ) في المدينة ، وكان عمره عندما استشهد الإمام بضع سنين ، وأخبر أنه الإمام بعده وأوصى إليه : « عن معمر بن خلاد قال : سمعت الرضا ( عليه السلام ) وذكر شيئاً فقال : ما حاجتكم إلى ذلك ، هذا أبو جعفر قد أجلسته مجلسي وصيرته مكاني ، وقال : إنا أهل بيت يتوارث أصاغرنا عن أكابرنا القذة بالقذة » . ( الكافي : 1 / 320 ) .
وفي الكافي : 1 / 322 ، عن الخيراني عن أبيه ، قال : كنت واقفاً بين يدي أبي الحسن ( عليه السلام ) بخراسان ، فقال له قائل : يا سيدي إن كان كَوْنٌ فإلى من ؟ قال : إلى أبي جعفر ابني ، فكأن القائل استصغر سن أبي جعفر ، فقال أبو الحسن : إن الله تبارك وتعالى بعث عيسى بن مريم رسولاً نبياً صاحب شريعة مبتدأة ، في أصغر من السن الذي فيه أبو جعفر » .
وفي دلائل الإمامة / 391 : « ومكث أبو جعفر ( عليه السلام ) مستخفياً بالإمامة ، فلما صار له ست عشر سنة وجه المأمون من حمله وأنزله بالقرب من داره ، وعزم على تزويجه ابنته واجتمعت بنو هاشم وسألوه أن لا يفعل ذلك ، فقال لهم : هو والله الأعلم بالله ورسوله وسنته وأحكامه من جميعكم ، فخرجوا من عنده وبعثوا إلى يحيى بن أكثم فسألوه الاحتيال على أبي جعفر بمسألة في الفقه يلقيها عليه فلما اجتمعوا وحضر أبو جعفر ( عليه السلام ) قالوا : يا أمير المؤمنين هذا يحيى بن أكثم ، إن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 63 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أذنت أن يسأل أبا جعفر عن مسألة في الفقه فينظر كيف فهمه ، فأذن المأمون في ذلك ، فقال يحيى لأبي جعفر ( عليه السلام ) : ما تقول في محرم قتل صيداً ؟
قال أبو جعفر ( عليه السلام ) : في حِلٍّ أو في حرم ، عالماً أو جاهلاً ، عمداً أو خطأ ، صغيراً أو كبيراً ، حراً أو عبداً ، مبتدئاً أو معيداً ، من ذوات الطير أو غيرها ، من صغار الصيد أو من كبارها ، مصراً أو نادماً ، رمى بالليل في وكرها أو بالنهار عياناً ، محرماً للعمرة أو الحج ؟ فانقطع يحيى انقطاعاً لم يخف على أحد من أهل المجلس وتحير الناس تعجباً من جوابه . . . قال المأمون : يا أبا جعفر إن رأيت أن تبين لنا ما الذي يجب على كل صنف من هذه الأصناف التي ذكرت . . . »
وأراد المأمون من الإمام الجواد ( عليه السلام ) أن يقيم عنده في بغداد ، ليكون تحت رقابته ويبعده عن شيعته وعامة المسلمين ، فأقام في بغداد فترة ثم رجع إلى المدينة وأخذ معه زوجته أم الفضل بنت المأمون ، وكانت عدوة له كأبيها ، ولم يرزق منها أولاداً ، بل رزق ابنين وبنتين من غيرها !
وعندما توفي المأمون وولي أخوه المعتصم فرض على الإمام ( عليه السلام ) أن يسكن في بغداد ، فجاء مع زوجته أم الفضل لفترة أيضاً ، وترك زوجته وأولاده في المدينة وفي سنة ( 220 هجرية ) قامت أم الفضل بسُمِّ الإمام ( عليه السلام ) ، فدعا عليها ، فأصيبت بداء في موضع حساس ولم ينفع لها علاج حتى هلكت ! ( دلائل الإمامة / 395 ) .
وقد حاولت السلطة محاصرة الإمام ( عليه السلام ) في حياة القصور وإبعاده عن شيعته ، وتضعيف عقيدتهم به ! لكنه ( عليه السلام ) كان حاسماً في برنامجه ، فلم يكن يحضر
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 64 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مجالسهم إلا مضطراً ، وكان يتصل بالناس ، وقد وجه علماء شيعته ليملؤوا فراغ غيابه ، ويردوا شبهات علماء السلطة !
قال لهم كما في الإحتجاج ( 1 / 9 ) : « من تكفل بأيتام آل محمد المنقطعين عن إمامهم ، المتحيرين في جهلهم ، الأسارى في أيدي شياطينهم وفي أيدي النواصب من أعدائنا ، فاستنقذهم منهم وأخرجهم من حيرتهم ، وقهر الشياطين برد وساوسهم ، وقهر الناصبين بحجج ربهم ودلائل أئمتهم ، ليحفظوا عهد الله على العباد ، أكثرُ من فضل السماء على الأرض ، والعرش والكرسي والحُجُب على السماء ! وفضلهم على العباد كفضل القمر ليلة البدر على أخفى كوكب في السماء » .
وكان في غيابه المفروض عليه عن شيعته يهيؤهم لتحمل الغيبة الآتية الطويلة لإمامهم المهدي ( عليه السلام ) ، قال : « لولا من يبقى بعد غيبة قائمكم من العلماء الداعين إليه والدالين عليه ، والذابين عن دينه بحجج الله ، والمنقذين لضعفاء عباد الله من شباك إبليس ومردته ، ومن فخاخ النواصب ، لما بقي أحد إلا ارتد عن دين الله ، ولكنهم الذين يمسكون أزمة قلوب ضعفاء الشيعة كما يمسك صاحب السفينة سكانها . أولئك هم الأفضلون عند الله عز وجل » .
وعندما لم يستطع المعتصم أن يؤثر على عقيدة شيعة الإمام ( عليه السلام ) به ، قرر قتله !
قال عمر بن فرج الرخجي وهو وزير عباسي ( تاريخ الذهبي : 17 / 284 ) : « قلت لأبي جعفر ( عليه السلام ) : إن شيعتك تدعي أنك تعلم كل ماء في دجلة ووزنه ، وكنا على شاطئ دجلة ؟ فقال ( عليه السلام ) : يقدر الله تعالى على أن يُفَوِّضَ علم ذلك إلى بعوضة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 65 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
من خلقه أم لا ؟ قلت : نعم يقدر . فقال : أنا أكرم على الله تعالى من بعوضة ، ومن أكثر خلقه » والبحار : 50 / 100 .
وأوصى ( عليه السلام ) إلى ابنه علي الهادي ( عليه السلام ) ، قال إسماعيل بن مهران : « لما خرج أبو جعفر ( عليه السلام ) من المدينة إلى بغداد في الدفعة الأولى من خرجتيه ، قلت له عند خروجه : جعلت فداك إني أخاف عليك في هذا الوجه ، فإلى من الأمر بعدك ؟ فكرَّ بوجهه إلي ضاحكاً وقال : ليس الغيبة حيث ظننت في هذه السنة .
فلما أخرج به الثانية إلى المعتصم صرت إليه فقلت له : جعلت فداك أنت خارج فإلى من هذا الأمر من بعدك ؟ فبكى حتى اخضلت لحيته ثم التفت إليَّ فقال : عند هذه يخاف عليَّ ، الأمر من بعدي إلى ابني علي » . ( الكافي : 1 / 323 ) .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 66 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

21 - المتوكل العباسي يجبر الإمام الهادي ( عليه السلام ) على الإقامة بسامراء

بعد أن قتل المعتصم الإمام الجواد ( عليه السلام ) أرسل سرية عسكرية إلى المدينة لإحضار ولده الإمام علي الهادي ( عليه السلام ) إلى بغداد ، فجعل الإمام طريقه على النجف وزار أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بزيارة بليغة تجسد الإصرار على إمامة أمير المؤمنين والعترة ( عليهم السلام ) ، وتعتبر تحدياً للمعتصم ، وقد رواها الكليني ، عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن أبي القاسم بن روح وعثمان بن سعيد العمري ، عن أبي محمد الحسن بن علي العسكري ، عن أبيه ( عليهما السلام ) وأولها : « السلام على محمد رسول الله ، خاتم النبيين ، وسيد المرسلين ، وصفوة رب العالمين ، أمين الله على وحيه ، وعزائم أمره ، الخاتم لما سبق ، والفاتح لما استقبل ، والمهيمن على ذلك كله ، ورحمة الله وبركاته وصلواته وتحياته . السلام على أنبياء الله ورسله ، وملائكته المقربين ، وعباده الصالحين . السلام عليك يا أمير المؤمنين ، وسيد الوصيين ، ووارث علم النبيين ، وولي رب العالمين ، ومولاي ومولى المؤمنين ورحمة الله وبركاته . السلام عليك يا أمير المؤمنين ، يا أمين الله في أرضه ، وسفيره في خلقه وحجته البالغة على عباده . السلام عليك يا دين الله القويم ، وصراطه المستقيم . السلام عليك أيها النبأ العظيم ، الذي هم فيه مختلفون وعنه يسألون . . إلى آخر الزيارة وهي طويلة » . ( كتاب المزار لمحمد بن المشهدي / 263 ) .
وقد نجاه الله من شر المعتصم وعاد ( عليه السلام ) إلى المدينة ، وبقي حتى هلك المعتصم وانتقلت العاصمة إلى سامراء وتولى المتوكل ، فقرر أن يلزمه بالإقامة فيها :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 67 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ففي الكافي : 1 / 501 : « أخذت نسخة كتاب المتوكل إلى أبي الحسن الثالث ( عليه السلام ) من يحيى بن هرثمة في سنة ثلاث وأربعين ومائتين ، وهذه نسخته : بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإن أمير المؤمنين عارف بقدرك ، راع لقرابتك ، موجب لحقك ، يقدر من الأمور فيك وفي أهل بيتك ما أصلح الله به حالك وحالهم ، وثبت به عزك وعزهم ، وأدخل اليمن والأمن عليك وعليهم ، يبتغي بذلك رضاء ربه وأداء ما افترض عليه فيك وفيهم .
وقد رأى أمير المؤمنين صرف عبد الله بن محمد عما كان يتولاه من الحرب والصلاة بمدينة رسول الله ( ص ) ، إذ كان على ما ذكرت من جهالته بحقك واستخفافه بقدرك ، وعندما قرفك به ونسبك إليه من الأمر الذي قد علم أمير المؤمنين برائتك منه ، وصدق نيتك في ترك محاولته ، وأنك لم تؤهل نفسك له .
وقد ولى أمير المؤمنين ما كان يلي من ذلك محمد بن الفضل ، وأمره بإكرامك وتبجيلك ، والانتهاء إلى أمرك ورأيك ، والتقرب إلى الله وإلى أمير المؤمنين بذلك . وأمير المؤمنين مشتاق إليك يحب إحداث العهد بك والنظر إليك ، فإن نشطت لزيارته والمقام قبله ، ما رأيت شخصت ومن أحببت من أهل بيتك ومواليك وحشمك ، على مهلة وطمأنينة ، ترحل إذا شئت وتنزل إذا شئت ، وتسير كيف شئت ، وإن أحببت أن يكون يحيى بن هرثمة مولى أمير المؤمنين ومن معه من الجند مشيعين لك ، يرحلون برحيلك ويسيرون بسيرك ، والأمر في ذلك إليك حتى توافي أمير المؤمنين ، فما أحد من إخوته وولده وأهل بيته وخاصته ألطف منه منزلة ، ولا أحمد له أثرة ولا هو لهم أنظر وعليهم أشفق
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 68 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وبهم أبر وإليهم أسكن منه إليك ، إن شاء الله تعالى . والسلام عليك ورحمة الله وبركاته ، وكتب إبراهيم بن العباس وصلى الله على محمد وآله وسلم » .
ويتضح منه هيبة المتوكل للإمام الهادي ( عليه السلام ) ، وأنه كان اتهمه بالتحضير للثورة عليه ! وأمر والي المدينة بمضايقته ، ثم قرر أن يحضره إلى سامراء .
وفي بحار الأنوار ( 50 / 207 ) عن مروج الذهب للمسعودي ، قال : « عن يحيى بن هرثمة قال : وجهني المتوكل إلى المدينة لإشخاص علي بن محمد بن علي بن موسى ( عليه السلام ) لشئ بلغه عنه ، فلما صرت إليها ضج أهلها وعجوا ضجيجاً وعجيجاً ما سمعت مثله ! فجعلت أسكنهم وأحلف أني لم أؤمر فيه بمكروه ، وفتشت منزله فلم أصب فيه إلا مصاحف ودعاء وما أشبه ذلك ، فأشخصته وتوليت خدمته وأحسنت عشرته ، فبينا أنافي يوم من الأيام والسماء صاحية والشمس طالعة إذ ركب وعليه ممطر قد عقد ذنب دابته فتعجبت من فعله ، فلم يكن من ذلك إلا هنيئة حتى جاءت سحابة فأرخت عزاليها ، ونالنا من المطر أمر عظيم جداً فالتفت إلي فقال : أنا أعلم أنك أنكرت ما رأيت ، وتوهمت أني أعلم من الأمر ما لم تعلم ، وليس ذلك كما ظننت ولكني نشأت بالبادية ، فأنا أعرف الرياح التي تكون في عقبها المطر فتأهبت لذلك !
فلما قدمت إلى مدينة السلام ( بغداد ) بدأت بإسحاق بن إبراهيم الطاهري وكان على بغداد فقال : يا يحيى إن هذا الرجل قد ولده رسول الله ( ص ) والمتوكل من تعلم ، وإن حرضته عليه قتله وكان رسول الله خصمك ! فقلت : والله ما وقفت منه إلا على أمر جميل ! فصرت إلى سامراء فبدأت بوصيف التركي وكنت من
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 69 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أصحابه ، فقال لي : والله لئن سقط من رأس هذا الرجل شعرة لا يكون الطالب بها غيري ! فتعجبت من قولهما ، وعرفت المتوكل ما وقفت عليه من أمره ، وسمعته من الثناء فأحسن جائزته ، وأظهر بره وتكرمته » .
أقول : إسحاق بن إبراهيم الطاهري من الأمراء وقادة الجيش عند العباسيين وكان والي بغداد من قبل المتوكل ، والطاهري نسبة إلى طاهر بن الحسين ، وهو قائد جيش المأمون الذي دخل إلى بغداد وقتل أخاه الأمين !
ووصيف التركي من كبار قادة الجيش العباسي في سامراء ، وكان كفيل المستعين الذي صار خليفة . ( تاريخ الطبري : 7 / 433 ) . فكلاهما من أركان الدولة العباسية ، ومع ذلك لهما اعتقاد ديني بالإمام الهادي ( عليه السلام ) !
ورغم مراقبة المتوكل وتضييقه على الإمام ( عليه السلام ) كانت له مكانة وهيبة في سامراء ومنزلة خاصة في نفوس رجال القصر وعائلة المتوكل ، حتى أن والدة المتوكل كانت تنذر له النذور لقضاء حوائجها ، وابنه المنتصر صار من شيعته .
وقد حاول المتوكل أن يشوه صورة الإمام ( عليه السلام ) ويجبره على مشاركته في شرب الخمر فلم يستطع : « كان المتوكل يقول : ويحكم قد أعياني أمر ابن الرضا ، أبى أن يشرب معي أو ينادمني أو أجد منه فرصة في هذا ! فقالوا له : فإن لم تجد منه فهذا أخوه موسى قصاف عزاف ، يأكل ويشرب ويتعشق . قال : إبعثوا إليه فجيئوا به حتى نموه به على الناس ونقول ابن الرضا ! فكتب إليه وأشخص مكرماً وتلقاه جميع بني هاشم والقواد والناس على أنه إذا وافى أقطعه قطيعة وبنى له فيها ، وحول الخمارين والقيان إليه ووصله وبره وجعل له منزلاً سَرِياً حتى يزوره هو
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 70 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فيه ، فلما وافى موسى تلقاه أبو الحسن في قنطرة وصيف ، وهو موضع يتلقى فيه القادمون ، فسلم عليه ووفاه حقه ثم قال له : إن هذا الرجل قد أحضرك ليهتكك ويضع منك ، فلا تقر له أنك شربت نبيذاً قط ، فقال له موسى : فإذا كان دعاني لهذا فما حيلتي ؟ قال : فلا تضع من قدرك ولا تفعل فإنما أراد هتكك فأبى عليه فكرر عليه ، فلما رأى أنه لا يجيب قال : أما إن هذا مجلس لا تجتمع أنت وهو عليه أبداً ! فأقام ثلاث سنين يبكر كل يوم فيقال له : قد تشاغل اليوم فرح فيروح ، فيقال : قد سكر فبكر فيبكر ، فيقال : شرب دواء ! فما زال على هذا ثلاث سنين حتى قتل المتوكل ولم يجتمع معه عليه » ! ( الكافي : 1 / 502 ) .
وداهم المتوكل بيت الإمام ( عليه السلام ) في سامراء وأراد به شراً ، فدفع الله شره عنه
قال المسعودي في مروج الذهب : 2 / 78 : « وقد كان سُعِيَ بأبي الحسن علي بن محمد إلى المتوكل ، وقيل له إن في منزله سلاحاً وكتباً وغيرها من شيعته ، فوجه إليه ليلاً من الأتراك وغيرهم مَنْ هجم عليه في منزله على غفلة ممن في داره ، فوجده في بيت وحده مغلق عليه وعليه مِدْرَعة من شَعَرٍ ، ولا بساط في البيت إلا الرمل والحصى ، وعلى رأسه مِلحَفة من الصوف متوجهاً إلى ربه يترنم بآيات من القرآن في الوعد والوعيد ، فأخذ على ما وجد عليه وحمل إلى المتوكل في جَوْفِ الليل ، فمثل بين يديه والمتوكل يشرب وفي يده كأس ، فلما رآه أعْظَمه وأجلسه إلى جَنبِه ولم يكن في منزله شئ مما قيل فيه ، ولا حالة يتعلل عليها بها فناوله المتوكل الكأس الذي في يده ، فقال : يا أمير المؤمنين ما خامر لحمي ودمي قط ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 71 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فأعْفِنِي منه ! فعافاه ، وقال : أنشدني شعراً أستحسنه ، فقال : إني لقليل الرواية للأشعار ، فقال : لا بد أن تنشدني فأنشده :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] باتوا على قُلَل الأجْبَال تحرسهم * غُلْبُ الرجال فما أغنتهمُ القُلَلُ
واستنزلوا بعد عزّ عن معاقلهم * فأودعوا حُفَراً ، يا بئس ما نزلوا
ناداهمُ صارخ من بعد ما قبروا * أين الأسرة والتيجان والحلل ؟
أين الوجوه التي كانت مُنَعَّمة * من دونها تضرب الأستار والكِلَلُ
فأفصح القبر عنهم حين ساءلهم * تلك الوجوه عليها الدود يقتتلُ
قد طالما أكلوا دهراً وما شربوا * فأصبحوا بعد طول الأكل قد أكِلُوا
وطالما عمروا دوراً لتحصنهم * ففارقوا الدور والأهلين وانتقلوا
وطالما كنزوا الأموال وادَّخروا * فخلفوها على الأعداء وارتحلوا
أضحت مَنَازِلُهم قفْراً مُعَطلة * وساكنوها إلى الأجداث قد رحلوا
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] قال فأشفق كل من حضر على عَلِيٍّ ، وظن أن بادرة تبدر منه إليه ، قال : واللّه لقد بكى المتوكل بكاءً طويلًا حتى بلت دموعه لحيته ، وبكى مَنْ حضره ! ثم أمر برفع الشراب ثم قال له : يا أبا الحسن أعليك دَيْنٌ ؟ قال : نعم أربعة آلاف دينار فأمر بدفعها إليه ، ورده إلى منزله من ساعته مكرماً » ! و مآثر الإنافة في محاسن الخلافة : 1 / 232 ، وتاريخ أبي الفداء / 233 ، وحياة الحيوان / 553 ، وكلها مصادر سنية .
وقال في مآثر الإنافة في محاسن الخلافة : 1 / 230 ، عن المتوكل : « وحظيَ في زمانه أهل الأدب ، إلا أنه كان شديد البغض لعليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه ولأهل بيته على خلاف ما كان عليه المأمون . وكان من جملة ندمائه عبادة المخنث . وكان يشد على بطنه مخدة تحت ثيابه ويكشف رأسه وهو أصلع ويرقص ويقول : قد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 72 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أقبل الأصلع البطين . خليفة المسلمين ! يعني علياً رضي الله عنه ، والمتوكل يضحك ! ففعل ذلك يوماً بحضرة ولده المنتصر فقال له : يا أمير المؤمنين إن علياً ابن عمك ، فكل أنت لحمه إذا شئت ولا تدع مثل هذا الكلب وأمثاله يطمع فيه ! فقال المتوكل للمغنين غنوا :
غار الفتى لابن عمه رأس الفتى في حَرِ أمه
وبلغ من بغضه لعلي وأهل بيته أنه في سنة ست وثلاثين ومائتين أمر بهدم قبر الحسين بن علي وما حوله من المنازل ، ومنع الناس من زيارته ! ومن غريب ما اتفق له في ذلك أنه طلب علياً الزكي ويقال له علي الهادي وعلي التقي ، أحد الأئمة الاثني عشر ، وبعث إليه جماعة من الترك ليحضروه ، فهجموا عليه ببيته فوجدوه في بيت مغلق وعليه مدرعة شعر ، وهو مستقبل القبلة يترنم بآيات من القرآن . » . إلى آخر ما تقدم من مروج الذهب .
ونلاحظ أن الإمام الهادي ( عليه السلام ) جاء بعائلته معه إلى سامراء ، وكان عمر ابنه الإمام الحسن العسكري ( عليه السلام ) بضع سنوات . وذكر الدميري أن الإمام الهادي ( عليه السلام ) بقي في سامراء « عشرين سنة وتسعة أشهر » . ( حياة الحيوان / 255 ) .
« وكانت في أيام إمامته ( عليه السلام ) بقية ملك المعتصم ، ثم ملك الواثق خمس سنين وسبعة أشهر ، ثم ملك المتوكل أربع عشرة سنة ، ثم ملك ابنه المنتصر ستة أشهر ، ثم ملك المستعين وهو أحمد بن محمد بن المعتصم سنتين وتسعة أشهر ، ثم ملك المعتز وهو الزبير بن المتوكل ثماني سنين وستة أشهر ، وفي آخر ملكه استشهد ولي الله علي بن محمد ( عليه السلام ) ودفن في داره بسر من رأى » . ( إعلام الورى : 2 / 109 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 73 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

22 - الإمام الحسن العسكري ( عليه السلام ) يواجه النظام العباسي الدموي

« عن علي بن عمر النوفلي قال : كنت مع أبي الحسن ( عليه السلام ) في صحن داره ، فمر بنا محمد ابنه ، فقلت له : جلعت فداك هذا صاحبنا بعدك ؟ فقال : لا ، صاحبكم بعدي الحسن . . أوصى أبو الحسن إلى ابنه الحسن ( عليهما السلام ) قبل مضيه بأربعة أشهر ، وأشهدني على ذلك وجماعة من الموالي » . ( الكافي : 1 / 325 ) .
وفي الخرائج : 1 / 478 : « عن عيسى بن صبيح قال : دخل الحسن العسكري ( عليه السلام ) علينا الحبس وكنت به عارفاً ، فقال لي : لك خمس وستون سنة وشهر ويومان ، وكان معي كتاب دعاء عليه تاريخ مولدي ، وإني نظرت فيه فكان كما قال ! وقال : هل رزقت ولداً ؟ قلت : لا فقال اللهم ارزقه ولداً يكون له عضداً ، فنعم العضد الولد ، ثم تمثل :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] من كان ذا عضد يدرك ظلامته * إن الذليل الذي ليس له عضد
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] قلت : ألك ولد ؟ قال إي والله سيكون لي ولد يملأ الأرض قسطاً وعدلاً ، فأما الآن فلا ، ثم تمثل :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] لعلك يوما أن تراني كأنما * بَنِيَّ حواليَّ الأسودُ اللوابدُ
فإن تميماً قبل أن يلد الحصى * أقام زماناً وهو في الناس واحدُ »
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] وروى في الكافي : 1 / 512 : « دخل العباسيون على صالح بن وصيف . . عندما حبس أبا محمد ( عليه السلام ) ، فقال لهم صالح : وما أصنع قد وكلت به رجلين من أشر من قدرت عليه ، فقد صارا من العبادة والصلاة والصيام إلى أمر عظيم ، فقلت لهما
ما فيه ؟ فقالا : ما تقول في رجل يصوم النهار ويقوم الليل كله ، لا يتكلم ولا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 74 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يتشاغل ، وإذا نظرنا إليه ارتعدت فرائصنا ويداخلنا ما لا نملكه من أنفسنا ! فلما سمعوا ذلك انصرفوا خائبين » .
وكان محمد المنتصر بن المتوكل شيعياً ، وكان أبوه يسخر منه ويؤذيه ، ويسميه الرافضي ! قال المنتصر : « زرع والدي الآس في بستان وأكثر منه ، فلما استوى الآس كله وحسن ، أمر الفراشين أن يفرشوا له على دكان في وسط البستان وأنا قائم على رأسه ، فرفع رأسه إليَّ وقال : يا رافضي سل ربك الأسود عن هذا الأصل الأصفر ماله من بين ما بقي من هذا البستان قد اصفرّ ، فإنك تزعم أنه يعلم الغيب ؟ فقلت : يا أمير المؤمنين إنه ليس يعلم الغيب ! فأصبحت إلى أبي الحسن من الغد وأخبرته بالأمر ، فقال : يا بني إمض أنت واحفر الأصل الأصفر فإن تحته جمجمة نخرة ، واصفراره لبخارها ونتنها ! قال ففعلت ذلك فوجدته كما قال ، ثم قال لي : يا بني لا تخبرن أحداً بهذا الأمر ، إلا لمن يحدثك بمثله » ( الثاقب في المناقب / 538 ) .
وفي الخرائج : 1 / 422 ، عن طبيب نصراني قال : « كنت تلميذ بختيشوع طبيب المتوكل وكان يصطفيني ، فبعث إليه الحسن بن علي بن محمد بن الرضا أن يبعث إليه بأخص أصحابه عنده ليفصده ، فاختارني وقال : قد طلب مني ابن الرضا من يفصده فصر إليه ، وهو أعلم في يومنا هذا من تحت السماء ، فاحذر أن تعترض عليه فيما يأمرك به ! فمضيت إليه فأمر بي إلى حجرة ، وقال : كن هاهنا إلى أن أطلبك ، قال وكان الوقت الذي دخلت إليه فيه عندي جيداً محموداً للفصد ، فدعاني في وقت غير محمود له ، وأحضر طشتاً عظيماً ففصدت الأكحل ، فلم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 75 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يزل الدم يخرج حتى امتلأ الطشت ، ثم قال لي إقطع فقطعت ، وغسل يده وشدها ، وردني إلى الحجرة ، وقدم من الطعام الحار والبارد شئ كثير ، وبقيت إلى العصر ، ثم دعاني فقال : سرح ودعا بذلك الطشت فسرحت ، وخرج الدم إلى أن امتلأ الطشت فقال : إقطع فقطعت وشد يده ، وردني إلى الحجرة ، فبت فيها . فلما أصبحت وظهرت الشمس دعاني وأحضر ذلك الطشت وقال : سرح فسرحت ، فخرج من يده مثل اللبن الحليب إلى أن امتلأ الطشت ، ثم قال إقطع فقطعت وشد يده ، وقدم إلي تخت ثياب وخمسين ديناراً ، وقال : خذها واعذر وانصرف ، فأخذت وقلت : يأمرني السيد بخدمة ؟ قال : نعم ، تحسن صحبة من يصحبك من دير العاقول ، فصرت إلى بختيشوع وقلت له القصة ، فقال : أجمعت الحكماء على أن أكثر ما يكون في بدن الإنسان سبعة أمنان من الدم ، وهذا الذي حكيت لو خرج من عين ماء لكان عجباً ! وأعجب ما فيه اللبن ! ففكر ساعة ، ثم مكثنا ثلاثة أيام بلياليها نقرأ الكتب على أن تجد لهذه الفصدة ذكراً في العالم فلم نجد ، ثم قال : لم تبق اليوم في النصرانية أعلم بالطب من راهب بدير العاقول ، فكتب إليه كتاباً يذكر فيه ما جرى ، فخرجت وناديته فأشرف عليَّ فقال : من أنت ؟ قلت : صاحب بختيشوع . قال : أمعك كتابه ؟ قلت : نعم ، فأرخى لي زبيلاً فجعلت الكتاب فيه فرفعه فقرأ الكتاب ونزل من ساعته ! فقال : أنت الذي فصدت الرجل ؟ قلت : نعم قال : طوبى لأمك ! وركب بغلاً وسرنا ، فوافينا سر من رأى وقد بقي من الليل ثلثه ، قلت : أين تحب : دار أستاذنا أم دار الرجل ؟ قال : دار الرجل ، فصرنا إلى بابه قبل الأذان
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 76 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأول ففتح الباب وخرج إلينا خادم أسود وقال : أيكما راهب دير العاقول ؟ فقال : أنا جعلت فداك ، فقال : إنزل ، وقال لي الخادم : إحتفظ بالبغلين وأخذ بيده ودخلا ، فأقمت إلى أن أصبحنا وارتفع النهار ، ثم خرج الراهب وقد رمى بثياب الرهبانية ولبس ثياباً بيضاً وأسلم ، فقال : خذني الآن إلى دار أستاذك ، فصرنا إلى باب بختيشوع ، فلما رآه بادر يعدو إليه ثم قال : ما الذي أزالك عن دينك ؟ قال : وجدت المسيح وأسلمت على يده ! قال : وجدت المسيح ؟ ! قال : أو نظيره ، فإن هذه الفصدة لم يفعلها في العالم إلا المسيح ، وهذا نظيره في آياته وبراهينه ! ثم انصرف إليه ولزم خدمته إلى أن مات » !
.
وروى في الكافي ( 1 / 503 ) عن أحمد بن عبيد الله بن خاقان ، وكان ناصبياً من كبار موظفي الدولة العباسية ، فجرى في مجلسه يوماً ذكر العلوية ومذاهبهم فقال :
« ما رأيت ولا عرفت بسر من رأى رجلاً من العلوية مثل الحسن بن علي بن محمد بن الرضا ، في هديه وسكونه وعفافه ونبله وكرمه عند أهل بيته وبني هاشم ، وتقديمهم إياه على ذوي السن منهم والخطر ، وكذلك القواد والوزراء وعامة الناس ، فإني كنت يوماً قائماً على رأس أبي ، وهو يوم مجلسه للناس إذ دخل عليه حجابه فقالوا : أبو محمد بن الرضا بالباب ، فقال بصوت عال : إئذنوا له ، فتعجبت مما سمعت منهم أنهم جسروا يكنون رجلاً على أبي بحضرته ، ولم يكن عنده إلا خليفة أو ولي عهد أو من أمر السلطان أن يكنى ، فدخل رجل أسمر ، حسن القامة جميل الوجه جيد البدن حدث السن له جلالة وهيبة ، فلما نظر إليه أبي قام يمشي إليه خطى ، ولا أعلمه فعل هذا بأحد من بني هاشم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 77 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والقواد ، فلما دنا منه عانقه وقبل وجهه وصدره وأخذ بيده وأجلسه على مصلاه الذي كان عليه وجلس إلى جنبه مقبلاً عليه بوجهه ، وجعل يكلمه ويفديه بنفسه ، وأنا متعجب مما أرى منه ، إذ دخل الحاجب فقال : الموفق قد جاء ، وكان الموفق إذا دخل على أبي ، تقدم حجابه وخاصة قواده ، فقاموا بين مجلس أبي وبين باب الدار سماطين إلى أن يدخل ويخرج ، فلم يزل أبي مقبلاً على أبي محمد يحدثه حتى نظر إلى غلمان الخاصة ، قال حينئذ : إذا شئت جعلني الله فداك ثم قال لحجابه : خذوا به خلف السماطين حتى لا يراه هذا ، يعني الموفق ، فقام وقام أبي وعانقه ومضى ، فقلت لحجاب أبي وغلمانه : ويلكم من هذا الذي كنيتموه على أبي وفعل به أبي هذا الفعل ؟ فقالوا : هذا علوي يقال له الحسن بن علي يعرف بابن الرضا ، فازددت تعجباً ولم أزل يومي ذلك قلقاً متفكراً في أمره وأمر أبي وما رأيت فيه ، حتى كان الليل وكانت عادته أن يصلي العتمة ثم يجلس فينظر فيما يحتاج إليه من المؤامرات وما يرفعه إلى السلطان ، فلما صلى وجلس جئت فجلست بين يديه وليس عنده أحد فقال لي : يا أحمد لك حاجة ؟ قلت : نعم يا أبه فإن أذنت لي سألتك عنها ؟ فقال : قد أذنت لك يا بني فقل ما أحببت ، قلت : يا أبه من الرجل الذي رأيتك بالغداة فعلت به ما فعلت من الإجلال والكرامة والتبجيل ، وفديته بنفسك وأبويك ؟
فقال : يا بني ذاك إمام الرافضة ، ذاك الحسن بن علي المعروف بابن الرضا ، فسكت ساعة ، ثم قال : يا بني لو زالت الإمامة عن خلفاء بني العباس ما استحقها أحد من بني هاشم غير هذا ، وإن هذا ليستحقها في فضله وعفافه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 78 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وهديه وصيانته وزهده وعبادته وجميل أخلاقه وصلاحه ، ولو رأيت أباه رأيت رجلاً جزلاً نبيلاً فاضلاً ، فازددت قلقاً وتفكراً وغيظاً على أبي وما سمعت منه واستزدته في فعله وقوله فيه ما قال ! فلم يكن لي همة بعد ذلك إلا السؤال عن خبره والبحث عن أمره ، فما سألت أحداً من بني هاشم والقواد والكتاب والقضاة والفقهاء وسائر الناس إلا وجدته عنده في غاية الإجلال والإعظام والمحل الرفيع والقول الجميل والتقديم له على جميع أهل بيته ومشايخه ! فعظم قدره عندي إذ لم أر له ولياً ولا عدواً إلا وهو يحسن القول فيه والثناء عليه !
فقال له بعض من حضر مجلسه من الأشعريين : يا أبا بكر فما خبر أخيه جعفر ؟ فقال : ومن جعفر فتسأل عن خبره ؟ أوَيُقرن بالحسن جعفر معلن الفسق فاجر ماجن شريب للخمور ، أقل من رأيته من الرجال وأهتكهم لنفسه ، خفيف قليل في نفسه ، ولقد ورد على السلطان وأصحابه في وقت وفاة الحسن بن علي ما تعجبت منه وما ظننت أنه يكون ! وذلك أنه لما اعتل بعث إلى أبي أن ابن الرضا قد اعتل فركب من ساعته فبادر إلى دار الخلافة ثم رجع مستعجلاً ومعه خمسة من خدم أمير المؤمنين كلهم من ثقاته وخاصته ، فيهم نحرير ، فأمرهم بلزوم دار الحسن وتعرف خبره وحاله ، وبعث إلى نفر من المتطببين فأمرهم بالإختلاف إليه وتعاهده صباحاً ومساء ، فلما كان بعد ذلك بيومين أو ثلاثة أخبر أنه قد ضعف ، فأمر المتطببين بلزوم داره ، وبعث إلى قاضي القضاة فأحضره مجلسه وأمره أن يختار من أصحابه عشرة ممن يوثق به في دينه وأمانته
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 79 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وورعه ، فأحضرهم فبعث بهم إلى دار الحسن وأمرهم بلزومه ليلاً ونهاراً ، فلم يزالوا هناك حتى توفي ، فصارت سر من رأى ضجة واحدة !
وبعث السلطان إلى داره من فتشها وفتش حجرها وختم على جميع ما فيها وطلبوا أثر ولده ، وجاؤوا بنساء يعرفن الحمل ، فدخلن إلى جواريه ينظرن إليهن ، فذكر بعضهن أن هناك جارية بها حمل فجعلت في حجرة ووكل بها نحرير الخادم وأصحابه ونسوة معهم ، ثم أخذوا بعد ذلك في تهيئته وعطلت الأسواق ، وركبت بنو هاشم والقواد وأبي وسائر الناس إلى جنازته ، فكانت سر من رأى يومئذ شبيهاً بالقيامة ! فلما فرغوا من تهيئته بعث السلطان إلى أبي عيسى بن المتوكل فأمره بالصلاة عليه ، فلما وضعت الجنازة للصلاة عليه دنا أبو عيسى منه فكشف عن وجهه فعرضه على بني هاشم من العلوية والعباسية والقواد والكتاب والقضاة والمعدلين ، وقال : هذا الحسن بن علي بن محمد بن الرضا مات حتف أنفه على فراشه ، حضره من حضره من خدم أمير المؤمنين وثقاته فلان وفلان ومن القضاة فلان وفلان ومن المتطببين فلان وفلان .
ثم غطى وجهه وأمر بحمله فحمل من وسط داره ، ودفن في البيت الذي دفن فيه أبوه ، فلما دفن أخذ السلطان والناس في طلب ولده ، وكثر التفتيش في المنازل والدور وتوقفوا عن قسمة ميراثه ، ولم يزل الذين وكلوا بحفظ الجارية التي توهم عليها الحمل لازمين حتى تبين بطلان الحمل ، فلما بطل الحمل عنهن قسم ميراثه بين أمه وأخيه جعفر ، وادعت أمه وصيته وثبت ذلك عند القاضي .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 80 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والسلطان على ذلك يطلب أثر ولده ، فجاء جعفر بعد ذلك إلى أبي فقال : إجعل لي مرتبه أخي وأوصل إليك في كل سنة عشرين ألف دينار ، فزبره أبي وأسمعه وقال له : يا أحمق السلطان جرد سيفه في الذين زعموا أن أباك وأخاك أئمة ليردهم عن ذلك فلم يتهيأ له ذلك ، فإن كنت عند شيعة أبيك أو أخيك إماماً فلا حاجة بك إلى السلطان أن يرتبك مراتبهما ولا غير السلطان ، وإن لم تكن عندهم بهذه المنزلة لم تنلها بنا ، واستقله أبي عند ذلك واستضعفه وأمر أن يحجب عنه ، فلم يأذن له في الدخول عليه حتى مات أبي ، وخرجنا وهو على تلك الحال ، والسلطان يطلب أثر ولد الحسن بن علي » .
وروى في الكافي : 1 / 509 ، عن نصير الخادم قال : « سمعت أبا محمد غير مرة يكلم غلمانه بلغاتهم : ترك وروم وصقالبة ، فتعجبت من ذلك وقلت : هذا ولد بالمدينة ولم يظهر لأحد حتى مضى أبو الحسن ، ولا رآه أحد فكيف هذا ؟ أحدث نفسي بذلك ، فأقبل علي فقال : إن الله تبارك وتعالى يبين حجته من سائر خلقه بكل شئ ، ويعطيه اللغات ومعرفة الأنساب والآجال والحوادث ، ولولا ذلك لم يكن بين الحجة والمحجوج فرق » !
وقال الطبري في دلائل الإمامة / 423 : « عاش بعد أبيه أيام إمامته بقية ملك المعتز ، ثم ملك المهتدي ، ثم ملك أحمد بن جعفر المتوكل المعروف بالمعتمد ، اثنين وعشرين سنة وأحد عشر شهراً ، وبعد خمس سنين من ملكه استشهد ولي الله وقد كمل عمره تسعاً وعشرين سنة . ومات مسموماً يوم الجمعة لثمان ليال خلون من شهر ربيع الأول ، سنة ستين ومائتين من الهجرة ، بسر من رأى ودفن في داره إلى جانب قبر أبيه ( عليهما السلام ) » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 81 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

23 - الخليفة العباسي يستنفر للقبض على الإمام المهدي ( عليه السلام )

كان الخلفاء العباسيون يعرفون إمامة الأئمة من ذرية الحسين ( عليهم السلام ) ، وقد صرح بذلك المنصور والرشيد والمأمون وغيرهم ، وكان المتوكل وأولاده يتخوفون من ولادة الإمام الثاني عشرلأنه المهدي الموعود ويخشون أن يزول ملكهم على يده !
لذلك اشتدت رقابتهم على الإمام الحسن العسكري ( عليه السلام ) لأنه الإمام الحادي عشر ، وتركزت على الولد الذي سيولد له ( عليه السلام ) ، كما رأيت في رواية ابن الوزير .
ولعل هذا السبب في أن الإمام ( عليه السلام ) لم يتزوج رسمياً واكتفى بالتسري أي بالجواري ، فكانت نساء الخليفة أو مخابرات القصر تراقبن الجواري ، وقد عرفن أن الإمام ( عليه السلام ) يحب الجارية الرومية نرجس ، فغير الإمام ( عليه السلام ) إسمها عدة مرات وسماها صيقل ، وريحانة ، وسوسن ( روضة الواعطين / 266 ) حتى اصطفاها الله تعالى ورزقها الإمام المهدي ( عليه السلام ) .
روى الطوسي في الغيبة / 140 ، عن أبي عبد الله المطهري ، عن حكيمة بنت محمد بن علي الرضا ( عليهما السلام ) قالت : « بعث إلي أبو محمد ( عليه السلام ) سنة خمس وخمسين ومأتين في النصف من شعبان وقال يا عمة إجعلي الليلة إفطارك عندي فإن الله عز وجل سيسرك بوليه وحجته على خلقه خليفتي من بعدي ، قالت حكيمة : فتداخلني لذلك سرور شديد وأخذت ثيابي عليَّ وخرجت من ساعتي حتى انتهيت إلى أبي محمد ( عليه السلام ) وهو جالس في صحن داره وجواريه حوله فقلت : جعلت فداك ياسيدي الخلف ممن هو ؟ قال : من سوسن ، فأدرت طرفي فيهن فلم أر جارية عليها أثر غير سوسن ، قالت حكيمة : فلما أن صليت المغرب والعشاء الآخرة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 82 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أتيت بالمائدة فأفطرت أنا وسوسن وبايتها في بيت واحد ، فغفوت غفوة ثم استيقظت ، فلم أزل مفكرة فيما وعدني أبو محمد ( عليه السلام ) من أمر ولي الله ( عليه السلام ) ، فقمت قبل الوقت الذي كنت أقوم في كل ليلة للصلاة ، فصليت صلاة الليل حتى بلغت إلى الوتر ، فوثبت سوسن فزعة وخرجت فزعة ، وأسبغت الوضوء ثم عادت فصلت صلاة الليل وبلغت إلى الوتر ، فوقع في قلبي أن الفجر قد قرب فقمت لأنظر فإذا بالفجر الأول قد طلع ، فتداخل قلبي الشك من وعد أبي محمد ( عليه السلام ) فناداني من حجرته : لا تشكي وكأنك بالأمر الساعة قد رأيته ، إن شاء الله تعالى . قالت حكيمة : فاستحييت من أبي محمد ( عليه السلام ) ومما وقع في قلبي ، ورجعت إلى البيت وأنا خجلة ، فإذا هي قد قطعت الصلاة وخرجت فزعة فلقيتها على باب البيت فقلت : بأبي أنت وأمي هل تحسين شيئاً ؟ قالت : نعم يا عمة إني لأجد أمراً شديداً قلت : لا خوف عليك إن شاء الله تعالى ، وأخذت وسادة فألقيتها في وسط البيت وأجلستها عليها وجلست منها حيث تقعد المرأة من المرأة للولادة ، فقبضت على كفي وغمزت غمزة شديدة ، ثم أنت أنة وتشهدت ، ونطرت تحتها فإذا أنا بولي الله صلوات الله عليه متلقياً الأرض بمساجده ، فأخذت بكتفيه فأجلسته في حجري فإذا هو نظيف مفروغ منه ، فناداني أبو محمد ( عليه السلام ) : يا عمة هلمي فأتني بابني ، فأتيته به فتناوله وأخرج لسانه فمسح عينيه ففتحها ، ثم أدخله في فيه فحنكه ثم في أذنيه ، وأجلسه في راحته اليسرى فاستوى ولي الله جالساً ، فمسح يده على رأسه وقال له : يا بني أنطق بقدرة الله فاستعاذ ولي الله ( عليه السلام ) من الشيطان الرجيم واستفتح : بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 83 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الرَّحِيم ، وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأرض وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ . وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأرض وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ . وصلى على رسول الله وعلى أمير المؤمنين والأئمة واحداً واحداً حتى انتهى إلى أبيه ! فناولنيه أبو محمد وقال : يا عمة رديه إلى أمه حتى تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ ، فرددته إلى أمه وقد انفجر الفجر الثاني فصليت الفريضة ، وعقبت إلى أن طلعت الشمس ، ثم ودعت أبا محمد وانصرفت إلى منزلي ، فلما كان بعد ثلاث اشتقت إلى ولي الله ، فصرت إليهم فبدأت بالحجرة التي كانت سوسن فيها ، فلم أر أثراً ولا سمعت ذكراً ، فكرهت أن أسأل ، فدخلت على أبي محمد ، فاستحييت أن أبدأ بالسؤال ، فبدأني فقال : هو يا عمة في كنف الله وحرزه وستره وغيبه ، حتى يأذن الله له ، فإذا غيب الله شخصي وتوفاني ورأيت شيعتي قد اختلفوا فأخبري الثقات منهم ، وليكن عندك وعندهم مكتوماً ، فإن ولي الله يغيبه الله عن خلقه ويحجبه عن عباده ، فلا يراه أحد حتى يقدم له جبرئيل ( عليه السلام ) فرسه ، لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً » !
في كمال الدين : 2 / 475 ، عن أبي الأديان من حديث قال : « ودخلت سر من رأى يوم الخامس عشر كما ذكر لي ( عليه السلام ) فإذا أنا بالواعية في داره وإذا به على المغتسل ، وإذا أنا بجعفر بن علي أخيه بباب الدار ، والشيعة من حوله يعزونه ويهنونه ، فقلت في نفسي : إن يكن هذا الإمام فقد بطلت الإمامة ، لأني كنت أعرفه يشرب النبيذ ويقامر في الجوسق ويلعب بالطنبور ، فتقدمت فعزيت وهنيت ، فلم يسألني عن شئ ، ثم خرج عقيد فقال : يا سيدي قد كفن أخوك فقم وصل عليه ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 84 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فدخل جعفر بن علي والشيعة من حوله يقدمهم السمان ، والحسن بن علي ، قتيل المعتصم المعروف بسلمة ، فلما صرنا في الدار إذا نحن بالحسن بن علي صلوات الله عليه على نعشه مكفناً ، فتقدم جعفر بن علي ليصلي على أخيه ، فلما هم بالتكبير خرج صبي بوجهه سمرة ، بشعره قطط ، بأسنانه تفليج ، فجبذ برداء جعفر بن علي وقال : تأخر يا عم فأنا أحق بالصلاة على أبي ، فتأخر جعفر وقد اربَدَّ وجهه واصْفَرَّ ، فتقدم الصبي وصلى عليه » .
أقول : هكذا انذهل جعفر وتأخر ، وصلى خلف الإمام المهدي ( عليه السلام ) ومعه ابن الخليفة والقضاة والقادة والوزراء وبقية هيئة الدولة ، ثم غاب الإمام ( عليه السلام ) قبل أن يقبضوا عليه ! ولما أفاقوا من ذهولهم أخبروا الخليفة بما حدث فشدد البحث والتفتيش عن الإمام ( عليه السلام ) ، لأنه يعلم أنه الثاني عشر الموعود ، ويخشى أن يكون ظهوره في زمنه !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 85 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الثالث : عصر غيبة الإمام المهدي ( عليه السلام ) والسفراء الأربعة

1 - الإمام المهدي يعتمد وكيل أبيه ( عليهما السلام ) سفيراً له

في الكافي : 1 / 329 ، عن عبد الله بن جعفر الحميري قال : « اجتمعت أنا والشيخ أبو عمرو ( رحمه الله ) عند أحمد بن إسحاق ، فغمزني أحمد بن إسحاق أن أسأله عن الخلف
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 86 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فقلت له : يا أبا عمرو إني أريد أن أسألك عن شئ وما أنا بشاك فيما أريد أن أسألك عنه ، فإن اعتقادي وديني أن الأرض لاتخلو من حجة إلا إذا كان قبل يوم القيامة بأربعين يوماً ، فإذا كان ذلك رفعت الحجة وأغلق باب التوبة ، فلم يك يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً ، فأولئك شرار من خلق الله عز وجل وهم الذين تقوم عليهم القيامة ، ولكني أحببت أن أزداد يقيناً ، وإن إبراهيم ( عليه السلام ) سأل ربه عز وجل أن يريه كيف يحيي الموتى : قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ، وقد أخبرني أبو علي أحمد بن إسحاق ، عن أبي الحسن ( عليه السلام ) قال : سألته وقلت من أعامل أو عمن آخذ وقولَ من أقبل ؟ فقال له : العمري ثقتي فما أدى إليك عني فعني يؤدي ، وما قال لك عني فعني يقول فاسمع له وأطع ، فإنه الثقة المأمون ، وأخبرني أبو علي أنه سأل أبا محمد ( عليه السلام ) عن مثل ذلك ، فقال له : العمري وابنه ثقتان فما أديا إليك عني فعني يؤديان ، وما قالا لك فعني يقولان ، فاسمع لهما وأطعهما ، فإنهما الثقتان المأمونان ، فهذا قول إمامين قد مضيا فيك . قال : فخرَّ أبو عمرو ساجداً وبكى ثم قال : سل حاجتك فقلت له : أنت رأيت الخلف من بعد أبي محمد ( عليه السلام ) ؟ فقال : إي والله ورقبته مثل ذا وأومأ بيده ( الى رقبته ) فقلت له : فبقيت واحدة ، فقال لي : هات ، قلت : فالإسم ؟ قال : محرم عليكم أن تسألوا عن ذلك ، ولا أقول هذا من عندي ، فليس لي أن أحلل ولا أحرم ولكن عنه ( عليه السلام ) ، فإن الأمر عند السلطان أن أبا محمد مضى ولم يخلف ولداً ، وقسم ميراثه وأخذه من لاحق له فيه ، وهو ذا وعياله يجولون ليس أحد يجسر أن يتعرف إليهم أو ينيلهم شيئاً ، وإذا وقع الإسم وقع الطلب فاتقوا الله وأمسكوا عن ذلك » . ونحوه غيبة الطوسي / 355 ، بسند صحيح وفيه : قال : قد رأيته ( عليه السلام ) وعنقه هكذا ، يريد أنها أغلظ الرقاب حسناً وتماماً » .
وفي غيبة الطوسي / 164 : « عن الزهري قال : طلبت هذا الأمر طلباً شاقاً حتى ذهب لي فيه مال صالح ، فوقعت إلى العمري وخدمته ولزمته وسألته بعد ذلك عن صاحب الزمان ، فقال لي : ليس إلى ذلك وصول ، فخضعت فقال لي : بكر بالغداة فوافيت ، فاستقبلني ومعه شاب من أحسن الناس وجهاً وأطيبهم رائحة ، بهيئة التجار ، وفي كمه شئ كهيئة التجار ، فلما نظرت إليه دنوت من العمري فأومأ إلي ، فعدلت إليه وسألته فأجابني عن كل ما أردت ، ثم مر ليدخل الدار وكانت من الدور التي لا يكترث لها ، فقال العمري إن أردت أن تسأل سل فإنك لا تراه بعد ذا ، فذهبت لأسأل فلم يسمع ودخل الدار وما كلمني بأكثر من أن قال : ملعون ملعون من أخر العشاء إلى أن تشتبك النجوم ، ملعون ملعون من أخر الغداة إلى أن تقضي النجوم ، ودخل الدار »
ومثله الإحتجاج : 2 / 479 ، ومنتخب الأنوار / 142 ووسائل الشيعة : 3 / 147 ، وتبصرة الولي / 781 .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 87 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي غيبة الطوسي / 178 ، عن علي بن أحمد الدلال القمي قال : « اختلف جماعة من الشيعة في أن الله عز وجل فوض إلى الأئمة صلوات الله عليهم أن يخلقوا أو يرزقوا ، فقال قوم : هذا محالٌ لا يجوز على الله تعالى ، لأن الأجسام لا يقدر على خلقها غير الله عز وجل ، وقال آخرون : بل الله تعالى أقدر الأئمة على ذلك وفوضه إليهم فخلقوا ورزقوا .
وتنازعوا في ذلك تنازعاً شديداً فقال قائل : ما بالكم لا ترجعون إلى أبي جعفر محمد بن عثمان العمري فتسألونه عن ذلك ، فيوضح لكم الحق فيه ، فإنه الطريق إلى صاحب الأمر عجل الله فرجه ، فرضيت الجماعة بأبي جعفر وسلمت وأجابت إلى قوله ، فكتبوا المسألة وأنفذوها إليه ، فخرج إليهم من جهته توقيع نسخته : إن الله تعالى هو الذي خلق الأجسام ، وقسم الأرزاق ، لأنه ليس بجسم ولا حال في جسم لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَئٌْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ . وأما الأئمة ( عليهم السلام ) فإنهم يسألون الله تعالى فيخلق ، ويسألونه فيرزق ، إيجاباً لمسألتهم وإعظاماً لحقهم » . ومثله الإحتجاج / 471 .

2 - تعريف بالسفراء الأربعة رضوان الله عليهم

« عثمان بن سعيد العمري ، ثم ابنه أبو جعفر محمد بن عثمان ، ثم أبو القاسم الحسين بن روح ، ثم الشيخ أبو الحسن علي بن محمد السمري ، ثم كانت الغيبة الطولى . وكانوا كل واحد منهم يعرفون كمية المال جملة وتفصيلاً ، ويسمون أربابها بإعلامهم ذلك من القائم ( عليه السلام ) » . ( الخرائج : 3 / 1108 ، وغيبة الطوسي / 353 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 88 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد كانت مدة سفارة عثمان بن سعيد العمري خمس سنين 260 - 265 ، وكان ابنه محمد بن عثمان سفيراً معه ، ثم استقل بالسفارة بعد وفاة أبيه من 265 - 305 وأوصى بالسفارة الى الحسين بن روح النوبختي ، وكانت سفارته من 305 - 326 ، وأوصى بالسفارة الى علي بن محمد السمري ، وكانت سفارته من 326 - 329 ، حيث وقعت الغيبة التامة .
وقد عاش السفراء الأربعة في بغداد ودفنوا فيها ، فقد انتقل عثمان بن سعيد بعد مدة من وفاة الإمام العسكري ( عليه السلام ) اليها ، ويبدو أن ابنه محمداً سكنها قبله ، وفي تلك الفترة اضطرب وضع سامراء وضعف مركزها وعادت العاصمة منها الى بغداد ! ففي معجم البلدان : 3 / 176 ، أن سامراء أخذت بالخراب بعد ولاية المستعين العباسي وانتقل الخلفاء منها الى بغداد ، ولم يبق منها إلا مشهد الإمام الهادي والعسكري ( عليهما السلام ) ، قال : « وسائر ذلك خراب يباب ، يستوحش الناظر إليها بعد أن لم يكن في الأرض كلها أحسن منها ولا أجمل ولا أعظم ولا آنس ولا أوسع ملكاً منها ، فسبحان من لا يزول ولا يحول ! وذكر الحسن بن أحمد المهلبي في كتابه المسمى بالعزيزي قال : وأنا اجتزت بسر من رأى منذ صلاة الصبح في شارع واحد ماد ، عليه من جانبيه دور كأن اليد رفعت عنها للوقت ، لم تعدم إلا الأبواب والسقوف ، فأما حيطانها فكالجدد ، فما زلنا نسير إلى بعد الظهر ثم سرنا من الغد على مثل تلك الحال فما خرجنا من آثار البناء إلى نحو الظهرولا شك أن طول البناء كان أكثر من ثمانية فراسخ » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 89 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أقول : يظهر أن بيت الإمام العسكري ( عليه السلام ) بقي بعد وفاته مفتوحاً ، وكان فيه والدته ، وكان بوابه عثمان بن سعيد العمري ( قدس سره ) .
فعندما توفي ( عليه السلام ) هاجمت السلطة بيته للقبض على ابنه المهدي ( عليه السلام ) فلم تجده ، فقبضوا على جواريه لعل إحداهن تكون حاملاً .
وادعى جعفر عمه أنه هو وارثه وأنه لا ولد له ، وجاء مع الشرطة لتفتيش بيت الإمام ( عليه السلام ) ! فجاءت أم الإمام ( عليه السلام ) من المدينة وردت دعوى جعفر ، ونفعها في ذلك أن جارية للإمام إسمها صقيل ادعت أنها حامل ، فقرر القاضي ابن أبي الشوارب التريث حتى يتبين أمر الجارية ، لذلك بقي الدار على وضعه .
ثم انشغلت سامراء بثلاثة أحداث ، كان أخطرها حملة يعقوب الصفار القادم من خراسان ، والذي هرب منه الخليفة الى بغداد ليستعد لحربه !
قال الطبري في دلائل الإمامة / 424 : « وتوفي ( عليه السلام ) بسر من رأى ، ولما اتصل الخبر بأمه وهي في المدينة ، خرجت حتى قدمت سر من رأى ، وجرى بينها وبين أخيه جعفر أقاصيص في مطالبته إياها بميراثه ، وسعى بها إلى السلطان وكشف ما ستر الله ، وادعت صقيل عند ذلك أنها حامل ، وحملت إلى دار المعتمد فجعل نساءه وخدمه ونساء الواثق ونساء القاضي ابن أبي الشوارب يتعاهدون أمرها ، إلى أن دهمهم من أمر الصفار ، وموت عبد الله بن يحيى بن خاقان ، وأمر صاحب الزنج وخروجهم عن سر من رأى ، ما شغلهم عنها وعن ذكر من أعقب ( عليه السلام ) ، من أجل ما يشاء الله ستره ، وحسن رعايته بمنه وطوله » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 90 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال الذهبي في سيره : 12 / 543 : « وفي سنة 261 ، مالت الديلم إلى الصفار ونابذوا العلوي فصار إلى كرمان ، وأما الزنج فحروبهم متتالية ، وسار يعقوب الصفار إلى فارس فالتقى هو وابن واصل فهزمه الصفار ، وأخذ له من قلعته أربعين ألف ألف درهم ! وأعيا المعتمد شأن الصفار وحار ، فلانَ له وبعث إليه بالخلع وبولاية خراسان وجرجان فلم يرض بذلك حتى يجئ إلى سامراء ! وأضمر الشر ، فتحول المعتمد إلى بغداد ، وأقبل الصفار بكتائب كالجبال » !
وفي تلك الفترة كان الإمام المهدي ( عليها السلام ) يتواجد في سامراء ، وبوابه عثمان بن سعيد العمري ( رحمه الله ) . ( دلائل الإمامة / 425 ) .
ويدل حديث أحمد بن الدينوري ( دلائل الإمامة / 304 ) على أن محمد بن عثمان العمري كان بعد سنة أو أكثر في بغداد ، وأن الدينوري أراد أن يعطيه أمانات للإمام ( عليه السلام ) فلم يقبل ، وأرسله الى سامراء فرأى آيات الإمام ( عليه السلام ) على يد عثمان بن سعيد ، وأمره الإمام ( عليه السلام ) أن يسلم الأمانات الى شخص في بغداد بواسطة محمد بن عثمان العمري .
بل نص حديث وفد قم ، الذين وصلوا الى سامراء أيام وفاة الإمام العسكري ( عليه السلام ) ( كمال الدين / 478 ) : « وأمرنا القائم ( عليه السلام ) أن لا نحمل إلى سر من رأى بعدها شيئاً من المال ، فإنه ينصب لنا ببغداد رجلاً يحمل إليه الأموال ، وتخرج من عنده التوقيعات » . وهو يشير الى أن عثمان بن سعيد بقي في سامراء مدة قليلة حتى حتى انتهت دعوى جعفر ، وانشغل الخليفة بحملة الصفار بجيش خراسان .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 91 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

3 - السفير الأول : عثمان بن سعيد العَمْري ( قدس سره )

في الطرائف / 183 : « وكان له ( عليه السلام ) وكلاء ظاهرون في غيبته ، معروفون بأسمائهم وأنسابهم وأوطانهم ، يخبرون عنه بالمعجزات والكرامات ، وجواب أمور المشكلات ، بكثير مما ينقله عن آبائه عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) عن الله تعالى من الغائبات ، منهم عثمان بن سعيد العمري المدفون بقطقطان ، من الجانب الغربي ببغداد » .
وهو عثمان بن سعيد العمري السمَّان الأسدي المنتجي ، وقد ذكر نسبة ( المنتجي ) في جمال الأسبوع / 321 ، ولعلها نسبة الى فرع من بني أسد ، وقد تكون نسبة الى مكان ، ففي أمالي الشجري / 730 « حدثنا أبو الطيب محمد بن جعفر الرداد المنتجي بمنتج » ، وكذافي أمالي العبشمي / 442 ، وورد في اليقين لابن طاووس / 268 إسم : « عبدالله بن سلمة المنتجي » وورد في كشف الإرتياب / 32 ، إسم جبل المنتجى قرب مكة ، الخ .
فلا يمكن الجزم بمعنى الأسدي المنتجي في نسبة عثمان بن سعيد ( قدس سره ) .
وقد كان من شبابه ( رحمه الله ) بواب الإمام الهادي ( عليه السلام ) ووكيله ومعتمده ، ثم كان وكيل الإمام الحسن العسكري ( عليه السلام ) ، وقد وثقه كلاهما صلوات الله عليهما ، ففي غيبة الطوسي / 215 ، عن محمد بن إسماعيل وعلي بن عبد الله ، الحسنيين قالا : « دخلنا على أبي محمد الحسن ( عليه السلام ) بسر من رأى وبين يديه جماعة من أوليائه وشيعته حتى دخل عليه بدر خادمه فقال : يا مولاي بالباب قوم شعث غبر ، فقال لهم : هؤلاء نفر من شيعتنا باليمن ، في حديث طويل يسوقانه إلى أن قال
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 92 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الحسن ( عليه السلام ) لبدر : فامض فائتنا بعثمان بن سعيد العمري ، فما لبثنا إلا يسيراً حتى دخل عثمان فقال له سيدنا أبو محمد ( عليه السلام ) : إمض يا عثمان فإنك الوكيل والثقة المأمون على مال الله ، واقبض من هؤلاء النفر اليمنيين ما حملوه من المال . ثم ساق الحديث إلى أن قالا : ثم قلنا بأجمعنا : يا سيدنا والله إن عثمان لمن خيار شيعتك ، ولقد زدتنا علماً بموضعه من خدمتك ، وأنه وكيلك وثقتك على مال الله تعالى . قال : نعم ، واشهدوا عليَّ أن عثمان بن سعيد العمري وكيلي ، وأن ابنه محمداً وكيل ابني مهديكم » . وإثبات الهداة : 3 / 511 ، والبحار : 51 / 345 .
وتوفي عثمان بن سعيد ( قدس سره ) في بغداد وقبره فيها قرب الميدان ، وقد حاول الوهابيون تفجيره هذه الأيام ، أواخر شهر رمضان سنة 1430 :
10392 http : / / www . alcauther . com / html / modules . php ? name = News ( رحمه الله ) file = article ( رحمه الله ) sid =
« نفذ التكفيريون وأعوانهم البعثيون تفجيرين بعبوتين ناسفتين ، استهدفتا المرقد الشريف لعثمان بن سعيد العمري سفير الإمام الحجة ( عجل الله تعالى فرجه الشريف ) ، وأكد مصدر أمني مطلع لشبكة نهرين نت أن الإرهابيين زرعوا عبوتين ناسفتين ، واحدة في المرقد الشريف والأخرى في مرآب قريب من المكان . وأضاف المصدر بأن حصيلة هذين التفجيرين كان استشهاد 3 مواطنين وجرح ثمانية آخرين .
والجدير بالذكر أن المرقد الشريف للسفير عثمان بن سعيد العمري يقع بالقرب من ساحة الميدان في العاصمة بغداد ، وأن هذا التفجير يأتي ضمن سلسلة تفجيرات تستهدف المراقد المقدسة من جديد » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 93 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

4 - السفير الثاني : محمد بن عثمان بن سعيد العَمْري ( قدس سره )

روى الطوسي في الغيبة / 368 : « سمعت جعفر بن أحمد بن متيل القمي يقول : كان محمد بن عثمان أبو جعفر العمري رضي الله عنه ، له من يتصرف له ببغداد نحو من عشرة أنفس ، وأبو القاسم بن روح رضي الله عنه فيهم ، وكلهم كانوا أخص به من أبي القاسم بن روح ، حتى أنه كان إذا احتاج إلى حاجة أو إلى سبب ينجزه على يد غيره لما لم يكن له تلك الخصوصية ، فلما كان وقت مضيِّ أبي جعفر رضي الله عنه وقع الإختيار عليه ، وكانت الوصية إليه » .
وقال العلامة في خلاصة الأقوال / 250 و 432 : « محمد بن عثمان بن سعيد العمري بفتح العين ، الأسدي ، يكنى أبا جعفر ، وأبوه يكنى أبا عمرو ، جميعاً وكيلان في خدمة صاحب الزمان ( عليه السلام ) ، ولهما منزلة جليلة عند هذه الطائفة ، وكان محمد قد حفر لنفسه قبراً وسواه بالساج ، فسئل عن ذلك فقال : للناس أسباب ، ثم سئل بعد ذلك فقال : قد أمرت أن أجمع أمري ، فمات بعد شهرين من ذلك في جمادي الأولى سنة خمس وثلاث مائة ، وقيل سنة أربع وثلاثمائة ، وكان يتولى هذا الأمر نحواً من خمسين سنة . . . فلما حضرت أبا جعفر محمد بن عثمان الوفاة واشتدت حاله حضر عنده جماعة من وجوه الشيعة ، منهم أبو علي بن همام ، وأبو عبد الله محمد الكاتب ، وأبو عبد الله الباقطاني ، وأبو سهل إسماعيل بن علي النوبختي ، وأبو عبد الله بن الوجناء ، وغيرهم من الوجوه الأكابر ، فقالوا له : إن حدث أمر فمن يكون مكانك ؟ فقال لهم : هذا أبو القاسم الحسين بن روح بن أبي بحر النوبختي القائم مقامي ، والسفير بينكم وبين صاحب الأمر ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 94 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والوكيل والثقة الأمين ، فارجعوا في أموركم إليه ، وعولوا في مهماتكم عليه ، فبذلك أمرت وقد بلَّغت . ثم أوصى أبو القاسم بن روح إلى أبي الحسن علي بن محمد السمري ، فلما حضرته الوفاة سئل أن يوصي فقال : لله أمر هو بالغه . ومات ( رحمه الله ) سنة تسع وعشرين وثلاث مائة » .
وكانت وفاة محمد بن عثمان ( قدس سره ) أواخر جمادى الأولى سنة 305 ، وقبره ببغداد في محلتهم المعروفة باسم الخلاني ، وهو مشهد كبير من معالم بغداد ، يقصده الناس للزيارة والصلاة في مسجده . ( تهذيب المقال : 2 / 401 ، ومقدمة علل الشرائع ) .

5 - السفير الثالث : أبو القاسم الحسين بن روح النوبختي ( قدس سره )

في غيبة الطوسي / 226 ، عن « محمد بن همام : إن أبا جعفر محمد بن عثمان العمري قدس الله روحه ، جمعنا قبل موته وكنا وجوه الشيعة وشيوخها ، فقال لنا : إن حدث عليَّ حدث الموت فالأمر إلى أبي القاسم الحسين بن روح النوبختي ، فقد أمرتُ أن أجعله في موضعي بعدي ، فارجعوا إليه وعَوِّلوا في أموركم عليه » .
أقول : كان لمحمد بن عثمان العمري ( رحمه الله ) مكانة عظيمة ، وكان له أصحاب علماء أتقياء مؤهلون لخلافته ، مقربون منه ، ومن أبرزهم أحمد بن متيل وابنه جعفر ، ولم يكن الحسين بن روح منهم ، وكان من آل نوبخت ، الذين لهم مكانة رسمية في بغداد من زمن المنصور ، فعندما كان المنصور في سجن الأمويين في الأهواز رآه نوبخت ، وكان منجماً ومترجماً ، فتفرس فيه أنه سيحكم ، فكتب له المنصور وعداً بإكرامه ، وعندما حكم المنصور أعطاه إقطاعات واسعة ( تاريخ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 95 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الذهبي : 9 / 467 ) وجعله مستشاراً ، وبنى بغداد برأيه ، ومن يومها دخلت أسرة نوبخت في تاريخ بغداد والبلاط العباسي ، وكان لهم حيٌّ وسط العاصمة ، وبيوتهم معروفة يزورها شخصيات الدولة والوزراء .
ويظهر أن آل نوبخت تشيعوا مبكراً قبل زمن المأمون ، ونبغ منهم علماء ومؤلفون الى جانب المنجمين والمترجمين . وكان الشيخ أبو القاسم بن روح ( قدس سره ) من علمائهم غير المعروفين ، فاختاره الله للسفارة . راجع : أنساب السمعاني : 5 / 529 ، ووفيات الأعيان : 2 / 127 ، ومروج الذهب / 1304 ، ورجال النجاشي / 373 ، وغيرها .
قال الشيخ الطوسي في الغيبة / 391 : « قال ابن نوح : وسمعت جماعة من أصحابنا بمصر يذكرون أن أبا سهل النوبختي سئل فقيل له : كيف صار هذا الأمر إلى الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح دونك ؟ فقال : هم أعلم وما اختاروه ، ولكن أنا رجل ألقى الخصوم وأناظرهم ، ولو علمت بمكانه كما علم أبو القاسم وضغطتني الحجة لعلي كنت أدل على مكانه ، وأبو القاسم فلو كانت الحجة تحت ذيله وقرض بالمقاريض ما كشف الذيل عنه ! أو كما قال » .
وقال جعفر بن متيل ( رحمه الله ) كما في كمال الدين / 503 : « لما حضرت أبا جعفر محمد بن عثمان العمري السمان رضي الله عنه الوفاة ، كنت جالساً عند رأسه أسائله وأحدثه وأبو القاسم الحسين بن روح عند رجليه ، فالتفت إليَّ ثم قال لي : قد أمرت أن أوصى إلى أبي القاسم الحسين بن روح قال : فقمت من عند رأسه وأخذت بيد أبي القاسم وأجلسته في مكاني ، وتحولت عند رجليه » .
وفي كمال الدين / 519 : « قال الحسين بن علي بن محمد المعروف بأبي علي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 96 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
البغدادي : ورأيت تلك السنة بمدينة السلام امرأة فسألتني عن وكيل مولانا من هو ؟ فأخبرها بعض القميين أنه أبو القاسم الحسين بن روح وأشار إليها ، فدخلت عليه وأنا عنده ، فقالت له أيها الشيخ أي شئ معي ؟ فقال ما معك فألقيه في الدجلة ثم ائتني حتى أخبرك ! قال فذهبت المرأة وحملت ما كان معها فألقته في الدجلة ، ثم رجعت ودخلت إلى أبي القاسم الروحي قدس الله روحه فقال أبو القاسم لمملوكة له : أخرجي إليَّ الحُق فأخرجت إليه حُقَّةً فقال للمرأة : هذه الحُقة التي كانت معك ورميت بها في الدجلة ، أخبرك بما فيها أو تخبريني ؟ فقالت له : بل أخبرني أنت ! فقال : في هذه الحقة زوج سوار ذهب ، وحلقة كبيرة فيها جوهرة ، وحلقتان صغيرتان فيهما جوهر ، وخاتمان أحدهما فيروزج والآخر عقيق ! فكان الأمر كما ذكر لم يغادر منه شيئاً ! ثم فتح الحقة فعرض عليَّ ما فيها فنظرت المرأة إليه ، فقالت : هذا الذي حملته بعينه ورميت به في الدجلة ، فغُشِيَ عليَّ وعلى المرأة ، فرحاً بما شاهدناه من صدق الدلالة » !
وروى الطوسي في الغيبة / 394 ، عن الصفواني قال : « أوصى الشيخ أبو القاسم رضي الله عنه إلى أبي الحسن علي بن محمد السمري رضي الله عنه ، فقام بما كان إلى أبي القاسم ، فلما حضرته الوفاة حضرت الشيعة عنده وسألته عن الموكل بعده ، ولمن يقوم مقامه فلم يُظهر شيئاً من ذلك ، وذكر أنه لم يؤمر بأن يوصي إلى أحد بعده في هذا الشأن » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 97 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

6 - السفير الرابع : أبو الحسن علي بن محمد السمري ( قدس سره )

قال العلامة الحلي في خلاصة الأقوال / 250 ، و 432 : « وأوصى أبو القاسم ابن روح إلى أبي الحسن علي بن محمد السمري ، فلما حضرت السمري الوفاة سئل أن يوصي فقال : لله أمر هو بالغه . والغيبة الثانية هي التي وقعت بعد مضي السمري . . ومات ( رحمه الله ) سنة تسع وعشرين وثلاث مائة » .
وفي كمال الدين : 2 / 516 ، عن الحسن بن أحمد المكتب قال : « كنت بمدينة السلام في السنة التي توفي فيها الشيخ علي بن محمد السمري قدس الله روحه ، فحضرته قبل وفاته بأيام ، فأخرج إلى الناس توقيعاً نسخته : بسم الله الرحمن الرحيم . يا علي بن محمد السمري ، أعظم الله أجر إخوانك فيك فإنك ميت ما بينك وبين ستة أيام ، فاجمع أمرك ولا توص إلى أحد يقوم مقامك بعد وفاتك ، فقد وقعت الغيبة التامة فلا ظهور إلا بعد إذن الله عز وجل وذلك بعد طول الأمد وقسوة القلوب وامتلاء الأرض جوراً . وسيأتي شيعتي من يدعي المشاهدة ، ألا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كذاب مفتر ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم . قال : فنسخنا هذا التوقيع وخرجنا من عنده ، فلما كان اليوم السادس عدنا إليه وهو يجود بنفسه فقيل له : من وصيك من بعدك ؟ فقال : لله أمر هو بالغه ! ومضى رضي الله عنه ، فهذا آخر كلام سمع منه » وغيبة الطوسي / 242 ، وإعلام الورى / 417 ، والإحتجاج : 2 / 478 ، والخرائج : 3 / 1128 ، وغيرها .
أقول : المنفي هو المشاهدة مع ادعاء السفارة ، بقرينة قوله ( عليه السلام ) « وسيأتي شيعتي من يدعي المشاهدة » أما المشاهدة بدون ادعاء سفارة وسِمَة فهي ممكنة ، وقد وقعت كثيراً .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 98 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

7 - قبور السفراء الأربعة والمؤلفات فيهم

دوَّن علماؤنا قديماً وحديثاً سيرة السفراء وأحاديثهم رضوان الله عليهم ، وألفوا فيهم الكتب الخاصة ، فقد ذكر في الذريعة الى تصانيف الشيعة ( 1 / 353 ) كتاين قديمين للسيرافي والجوهري ، قال : « أخبار الوكلاء الأربعة : وهم عثمان بن سعيد ، ومحمد بن عثمان ، والحسين بن روح ، وعلي بن محمد السمري ، النواب المخصصون في الغيبة الصغرى والسفراء والأبواب فيها الحجة المهدي ( عليه السلام ) ، لأبي العباس أحمد بن علي بن العباس بن نوح السيرافي ، نزيل البصرة ، من مشايخ النجاشي ، توفي حدود النيف والعشرة بعد الأربع ماية كما يظهر من فهرس الشيخ ، حيث إنه قال فيه إنه مات عن قرب وكان شروع الشيخ في الفهرس بأمر الشيخ المفيد ، لكنه فرغ منه بعد وفاته ، حيث ذكر فيه حكاية يوم وفاة المفيد في سنة 413 ، فيكون وفاة السيرافي أيضاً في هذه الحدود .
أخبار الوكلاء الأربعة المذكورين ، لأبي عبد الله الجوهري ، أحمد بن محمد بن عياش ، صاحب مقتضب الأثر المتوفى سنة 401 ، ذكره النجاشي » .
* *
وقبورهم كلهم رضوان الله عليهم في بغداد ، فقد انتقل اليها السفير الأول عثمان بن سعيد بعد سنة أو سنتين من وفاة الإمام العسكري ( عليه السلام ) كما دلت رواية أحمد بن محمد الدينوري . وقد وصف الشيخ الطوسي ( رحمه الله ) قبره وزيارته له فقال في الغيبة / 358 : « قال أبو نصر هبة الله بن محمد : وقبر عثمان بن سعيد بالجانب الغربي من مدينة السلام في شارع الميدان في أول الموضع المعروف في الدرب ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 99 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
المعروف بدرب جبلة في مسجد الدرب ، يمنة الداخل إليه ، والقبر في نفس قبلة المسجد ( رحمه الله ) . قال محمد بن الحسن مصنف هذا الكتاب : رأيت قبره في الموضع الذي ذكره ، وكان بني في وجهه حائط وبه محراب المسجد ، وإلى جنبه باب يدخل إلى موضع القبر في بيت ضيق مظلم ، فكنا ندخل إليه ونزوره مشاهرةً ، وكذلك من وقت دخولي إلى بغداد وهي سنة ثمان وأربعمائة إلى سنة نيف وثلاثين وأربعمائة . ثم نقض ذلك الحائط الرئيس أبو منصور محمد بن الفرج وأبرز القبر إلى برَّا وعمل عليه صندوقاً ، وهو تحت سقف يدخل إليه من أراده ويزوره ، ويتبرك جيران المحلة بزيارته ويقولون هو رجل صالح ، وربما قالوا هو ابن داية الحسين ( عليه السلام ) ! ولايعرفون حقيقة الحال فيه ، وهو إلى يومنا هذا ، وذلك سنة سبع وأربعين وأربعمائة ، على ما هو عليه » .
كما نص المحدثون على أن السفير الثاني محمد بن عثمان ( رحمه الله ) توفي سنة 305 ، وأن الإمام ( عليه السلام ) أخبره عن وفاته قبل شهرين ، فاستعد وحفر قبراً وكان يقرأ فيه القرآن ، وكتب على لوحة آيات القرآن ، وأسماء الأئمة ( عليهم السلام ) ليدفنها معه .
كما رووا أن وفاة الحسين بن روح ( رحمه الله ) كانت سنة 326 ، في شعبان كما في غيبة الطوسي / 386 : « عن بنت أبي جعفر العمري أن قبر أبي القاسم الحسين بن روح في النوبختية في الدرب الذي كانت فيه دار علي بن أحمد النوبختي النافذ إلى التل وإلى الدرب الآخر وإلى قنطرة الشوك . قال : وقال لي أبو نصر : مات أبو القاسم الحسين بن روح رضي الله عنه في شعبان سنة ست وعشرين وثلاث مائة ، وقد رويت عنه أخباراً كثيرة » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 100 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أما وفاة علي بن محمد السمري فكانت سنة 329 ، في النصف من شعبان ، وقد وصف الطوسي ( رحمه الله ) قبره فقال في الغيبة / 396 : « عن أبي نصر هبة الله بن محمد الكاتب أن قبر أبي الحسن السمري رضي الله عنه في الشارع المعروف بشارع الخلنجي من ربع باب المحول قريب من شاطئ نهر أبي عتاب . وذكر أنه مات في سنة تسع وعشرين وثلاثمائة » . راجع : أعيان الشيعة : 6 / 21 وتهذيب المقال : 2 / 400
وقال السيد محمد صادق بحر العلوم في مقدمة علل الشرائع / 5 ، ملخصاً :
« أ - أبو عمرو عثمان بن سعيد العمري ( رحمه الله ) . . . قبره بالجانب الغربي من بغداد مما يلي سوق الميدان ، معروف يزار ويتبرك به الشيعة .
ب - - أبو جعفر محمد بن عثمان بن سعيد العمري ( رحمه الله ) ، وهو المعروف بالخلاني توفي سنة 305 ، آخر جمادى الأولى ، وقبره في الجانب الشرقي من بغداد عند والدته ، في شارع باب الكوفة في الموضع الذي كانت دوره ومنازله .
ج - - أبو القاسم الحسين بن روح بن أبي بحر النوبختي ( رحمه الله ) توفى سنة 326 ، في 18 شعبان ، وقبره ببغداد في الجانب الشرقي في سوق العطارين يزار ويتبرك به وهو معروف باسم قبر الحسين بن روح .
د - أبو الحسين علي بن محمد السمري ( رحمه الله ) ، توفى سنة 329 ، وقبره في الجانب الغربي مما يلي سوق الهرج والسراجين ، وهو معروف يزار ويتبرك به » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 101 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

8 - سفراء ووكلاء آخرون في عصر السفراء الأربعة

قال الحر العاملي في الوسائل : 20 / 88 : « وأما الجماعة الذين وثقهم الأئمة ( عليهم السلام ) وأثنوا عليهم ، وأمروا بالرجوع إليهم ، والعمل برواياتهم ، ونصبوهم وكلاء ، وجعلوهم مرجعاً للشيعة ، فهم كثيرون ، ونحن نذكر جملة منهم ، وأكثرهم مذكور في كتاب الغيبة للشيخ . . . فمن أجلائهم وعظمائهم : محمد بن عثمان العمري ، وعثمان بن سعيد العمري ، والحسين بن روح النوبختي ، وعلي بن محمد السمري ، وحمران بن أعين ، والمفضل بن عمر ، والمعلى بن خنيس ، ونصر بن قابوس ، وعبد الرحمن بن الحجاج ، وعبد الله بن جندب ، وصفوان بن يحيى ، ومحمد بن سنان . . . الخ . » .
وقال الصدوق في كمال الدين / 442 : « حدثنا محمد بن محمد الخزاعي رضي الله عنه قال : حدثنا أبو علي الأسدي ، عن أبيه ، عن محمد بن أبي عبد الله الكوفي أنه ذكر عدد من انتهى إليه ، ممن وقف على معجزات صاحب الزمان ( عليه السلام ) ورآه من الوكلاء : ببغداد : العمري وابنه ، وحاجز ، والبلالي ، والعطار . ومن الكوفة : العاصمي ومن أهل الأهواز : محمد بن إبراهيم بن مهزيار . ومن أهل قم : أحمد بن إسحاق . ومن أهل همدان : محمد بن صالح . ومن أهل الري : البسامي والأسدي ، يعني نفسه . ومن أهل آذربيجان : القاسم بن العلاء . ومن أهل نيسابور : محمد بن شاذان .
ومن غير الوكلاء من أهل بغداد : أبو القاسم بن أبي حليس ، وأبو عبد الله الكندي ، وأبو عبد الله الجنيدي ، وهارون القزاز ، والنيلي ، وأبو القاسم بن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 102 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
دبيس ، وأبو عبد الله بن فروخ ، ومسرور الطباخ مولى أبي الحسن ( عليه السلام ) ، وأحمد ومحمد ابنا الحسن ، وإسحاق الكاتب من بني نيبخت ، وصاحب النواء ، وصاحب الصرة المختومة . ومن همدان : محمد بن كشمرد ، وجعفر بن حمدان ، ومحمد بن هارون بن عمران . ومن الدينور : حسن بن هارون ، وأحمد بن أخيه وأبو الحسن . ومن إصفهان : ابن باذشالة . ومن الصيمرة : زيدان . ومن قم : الحسن بن النضر ، ومحمد بن محمد ، و علي بن محمد بن إسحاق ، وأبوه ، والحسن بن يعقوب . ومن أهل الري : القاسم بن موسى وابنه ، وأبو محمد بن هارون . وصاحب الحصاة ، وعلي بن محمد ، ومحمد بن محمد الكليني ، وأبو جعفر الرفاء . ومن قزوين : مرداس ، وعلي بن أحمد . ومن فاقتر : رجلان . ومن شهرزور : ابن الخال . ومن فارس : المحروج ومن مرو : صاحب الألف دينار ، وصاحب المال والرقعة البيضاء ، وأبو ثابت . ومن نيسابور : محمد بن شعيب بن صالح . ومن اليمن : الفضل بن يزيد ، والحسن ابنه ، والجعفري ، وابن الأعجمي ، والشمشاطي . ومن مصر : صاحب المولودين ، وصاحب المال بمكة ، وأبو رجاء ومن نصيبين : أبو محمد بن الوجناء . ومن الأهواز : الحصيني » .

9 - ظاهرة اتساع التشيع في عصر السفراء الأربعة

كان أنصار أمير المؤمنين بعد النبي ( صلى الله عليه وآله ) في المدينة معدودين ، ومنهم أربعة بايعوا الإمام ( عليه السلام ) على الموت ، ومنهم اثنا عشر خطبوا في المسجد في اليوم الثالث من بيعة أبي بكر واعترضوا عليه ، ومنهم سبعون من الأنصار والمهاجرين
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 103 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
امتنعوا عن بيعة أبي بكر حتى بايع علي ( عليه السلام ) .
ثم تكاثر أتباع علي ( عليه السلام ) في المدينة ، وكانوا في خارجها أكثر ، حتى صاروا تياراً ! وقد تظاهر أهل المدينة بعد قتل عثمان يهتفون باسم الإمام ( عليه السلام ) للخلافة .
وتكاثر شيعته في خلافته ( عليه السلام ) ، ثم اضطهدهم معاوية بعده أشدَّ اضطهاد ، فقتل منهم كثيراص وشرد آخرين ، حتى كانت شهادة الإمام الحسين ( عليه السلام ) فكان الذين بايعوه على الموت واستشهدوا معه نحو مائة رجل .
وقد قلَّ الشيعة بعد قتل الحسين ( عليه السلام ) مباشرة ، لكن سرعان ما حدثت هزة في الأمة فثار التوابون والمختار وإبراهيم بن مالك الأشتر ، على الأمويين مطالبين بثارات الحسين ( عليه السلام ) ، وسيطروا على العراق وتوابعه شرق إيران ، وأقاموا دولة .
ثم تزايد الشيعة على يد الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) واستمر تزايدهم في أنحاء البلاد الإسلامية ، فكانوا تياراً قوياً مختلطاً بشيعة بني هاشم عامة .
وقاد هذه الموجة الفرس وتمكن العباسيون من استغلالها فبايعهم الفرس ، لكن بقي شيعة أهل البيت ( عليهم السلام ) بقيادة الإمام الصادق ( عليه السلام ) مميزين .
وقد سمى بعض المؤرخين القرن الرابع الهجري ( قرن التشيع ) لأنه شهد موجة شيعية واسعة ، ووثَّق ذلك المستشرق آدم متز في كتابه ( الحضارة الإسلامية في القرن الرابع ) ، فقد تفرع من الشيعة الإسماعيليون ، وأقاموا الدولة الفاطمية في المغرب ، وقويت ، وأخذت تضغط على مصر حتى احتلتها وجعلتها عاصمتها ، كما أسس الحسنيون دولة الأدارسة في المغرب أيضاً ، ونجحت ثورة العلويين في شمال إيران وأسسوا دولتهم في طبرستان .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 104 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كما ادعى القرامطة أنهم شيعة ، وأن قائدهم من ذرية علي ( عليه السلام ) ، وتفاقم خطرهم وتواصلت غاراتهم السنوية الوحشية على قوافل الحجاج ! ثم أغاروا على مكة المكرمة وقتلوا الحجاج وسرقوا الحجر الأسود ، وعطلوا الحج ووصلت غاراتهم الى أطراف بغداد ، والى بلاد الشام وفلسطين !
ووفي المقابل ضعفت الدولة العباسية بسبب سيطرة جيش الأتراك وقادته على الخليفة في سامراء ، وصراعهم الدموي فيما بينهم وعزلهم خليفة ونصبهم آخر !
وعلى صعيد عقائدي ، كان في الدولة العباسية خطان يتصارعان : خط النصب والتجسيم الأموي ، الذي أسسه المنصور ووسعه الرشيد . وقد واجه المأمون هذه الموجة وكتب منشوراً في البراءة من معاوية ، وأمر بقتل من قال بالتشبيه ورؤية الله تعالى ، وأن القرآن جزء من ذات الله سبحانه وليس مخلوقاً !
ثم جاء أخوه المعتصم فخالفه وقرب مجسمة الحنابلة . ثم جاء الواثق فأعاد سياسة المأمون ، فقام مجسمة الحنابلة بحركة ضده في بغداد ، فقتل رئيسهم أحمد بن نصر وذبحه بيده سنة إحدى وثلاثين ومئتين ! راجع تاريخ بغداد : 5 / 384 ، و 386 ، وتهذيب الكمال : 1 / 508 ، وتاريخ اليعقوبي : 2 / 482 ، وغيرها .
ثم جاء المتوكل وتبنى مذهب مجسمة الحنابلة وعداءهم لأهل البيت ( عليهم السلام ) ، وأسس حزباً سماه ( أهل الحديث ) مهمته مهاجمة مجالس الشيعة في عاشوراء ، وزوار الكاظمية وكربلاء ، حتى انتهت موجة المتوكل بقتله على يد ولده الشيعي ، وتبنبى الخلفاء بعده سياسة الموازنة بين المذاهب والقوى ، وكان منهم المقتدر ، حتى قوي الحنابلة عليه وفرضوا عليه وزارة حامد بن العباس .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 105 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ويظهر من النصوص المتقدمة في السفراء أن التشيع انتشر في مناطق من إيران منها الدينور وهي قرب همدان . وروى الطبري ( 7 / 488 ) ما يدل على أن بعض قادة الجيش العباسي في بغداد كانوا شيعة ، فعندما هرب المستعين من سامراء وأقنع محمد بن عبد الله بن طاهر قادة الجيش أن ينصبوه خليفة ، فقال أحدهم لابن طاهر : « أطال الله بقاءك إن هذا الذي تنصره وتجدُّ في أمره ، من أشد الناس نفاقاً وأخبثهم ديناً ! والله لقد أمر وصيفاً وبغا ( قائدين ) بقتلك فاستعظما ذلك ولم يفعلاه ! وإن كنت شاكاً فيما وصفت من أمره فسل تخبره . وإن من ظاهر نفاقه أنه كان وهو بسامرا لا يجهر في صلاته ببسم الله الرحمن الرحيم ، فلما صار إلى ما قبلك جهر بها مراءاةً لك » . والجهر بالبسملة من علامات التشيع .
وبسبب قوة التشيع في ذلك العصر ، كان العباسيون يتهمون الشيعة بأنهم يميلون الى الفاطميين ، أو الى العلويين في طبرستان ، وحتى الى القرامطة .
ومن الطبيعي في تلك الظروف أن تظهرحركات الغلو في الأئمة ( عليهم السلام ) ، فقد ادعى بعضهم السفارة للإمام المهدي ( عليه السلام ) ثم ادعى حلول روح الإمام ( عليه السلام ) فيه ، ثم ادعى حلول الله تعالى فيه ! ووجد بعضهم أنصاراً له من بعض شخصيات ديوان الخلافة ، بل لعلهم كانوا يساندونهم ليبرروا ضرب الشيعة !
في هذا الخضم كان الإمام المهدي ( عليه السلام ) يوجه سفراءه لحفظ استقلال الشيعة عن الفاطميين في المغرب ومصر ، والقرامطة في الجزيرة وأطرافها ، والزيدية في طبرستان ، ويميزهم عن مفتريات المغالين وأكاذيبهم . وكانت لكل واحد من السفراء أعمال جليلة في ذلك ، خاصة الحسين بن روح ( قدس سره ) قال الذهبي في
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 106 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
سيره : 15 / 222 : « الباب ، كبير الإمامية ، ومن كان أحد الأبواب إلى صاحب الزمان المنتظر ، الشيخ الصالح أبو القاسم حسين بن روح بن بحر القيني . قال ابن أبي طي في تاريخه : نص عليه بالنيابة أبو جعفر محمد بن عثمان العمري . فروى علي بن محمد الأيادي عن أبيه قال : شاهدته يوماً وقد دخل عليه أبو عمر القاضي فقال له أبو القاسم : صواب الرأي عند المشفق عبرةٌ عند المتورط ، فلا يفعل القاضي ما عزم عليه ! فرأيت أبا عمر قد نظر إليه ثم قال : من أين لك هذا ؟ فقال : إن كنت قلتُ لك ما عرفتَهُ فمسألتي من أين لك فضول ! وإن كنت لم تعرفه فقد ظفرت بي . قال : فقبض أبو عمر على يديه وقال : لا بل والله أؤخرك ليومي أو لغدي ! فلما خرج قال أبو القاسم : ما رأيت محجوجاً قط يلقى البرهان بنفاق مثل هذا ! كاشفته بما لم أكاشف به غيره !
ولم يزل أبو القاسم وافر الحرمة إلى أن وزر حامد بن العباس فجرت له معه خطوب يطول شرحها ، ثم سرد ابن أبي طي ترجمته في أوراق ، وكيف أخذ وسجن خمسة أعوام ، وكيف أطلق وقت خلع المقتدر ، فلما أعادوه إلى الخلافة شاوروه فيه فقال : دعوه فبخطيته أوذينا ! وبقيت حرمته على ما كانت إلى أن مات في سنة ست وعشرين وثلاث مئة » .
وقال ابن حجر في لسان الميزان : 2 / 283 : « أحد رؤساء الشيعة في خلافة المقتدر ، وله وقائع في ذلك مع الوزراء إلى أن قال : كان كثير الجلالة في بغداد » .
أقول : معنى ذلك أن قاضي القضاة كان يزور الحسين بن روح ( قدس سره ) في بيته كغيره من الوزراء والخليفة ووالدته ! ولم أجد نصاً في أنه كان يزور أحداً منهم !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 107 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ويظهرأن قاضي القضاة عزم على أمر كبير ، كقتل أحد المسؤولين في صراع السلطة الذي كانت الأطراف فيه تحتاج الى حكم القاضي بالقتل وسمل العيون والمصادرة والنهب . فأمره الحسين بن روح ( قدس سره ) أن لايفعل ما عزم عليه ! فارتبك وسأله : من أخبره بما عزم عليه ؟ ! فأجابه ابن روح ( رحمه الله ) : مادام ما أقول لك صحيحاً فلماذا تسأل من أين عرفته ؟ وإن كان غير صحيح فلك الحق أن تتهمني ! عندها قال القاضي : لا أتهمك ، لكن أمهلك يوماً أو يومين حتى تخبرني من أين عرفت !
فأظهر ابن روح ( قدس سره ) تعجبه من نفاقه ، وأنه بدل أن يخضع للبرهان الذي كوشف به ويشكره على نصيحته ، نافق وقال : أمهلك أياماً حتى تخبرني !
وهذا يدلنا على أن القاضي اعترف ضمناً بأن ما أخبره به صحيح ، فهو يعرف أن مصدر ابن روح هو الإمام المهدي ( عليه السلام ) الملهم من ربه تعالى !

10 - ظاهرة انتشار التشيع في عصرنا ؟

ألف الدكتور محمد أحمد مختار كتاباً بعنوان « ظاهرة التشيع أسبابها وآفاقها » وقد استعرض فيه أسباب انتشار التشيع في عصرنا ، في بحث ميداني ، استقصى فيه حالات عدة لمستبصرين سألهم عن سبب تشيعهم .
وقد أحصى أكثر من ثلاثين سبباً لتشيعهم وشرح بعضها ، وعدَّ منها :
آيات القرآن الكريم في أهل البيت ( عليهم السلام ) وتأثيرها في عامة الناس وفي الباحثين .
ثم أحاديث النبي ( صلى الله عليه وآله ) في وجوب مودتهم التي روتها مصادر السنيين !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 108 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم وضوح عقائد الشيعةوجاذبيتها ، وقوة أدلة فقههم ومنطقيتها .
ومن الأسباب التي ذكرها : تميز مذهبهم بالأدعية البليغة ومجالس الدعاء .
وكذلك غنى مذههم بالبعد الأخلاقي .
كما ذكر تأثير أحداث السيرة والتاريخ التي تكشف أحقية أهل البيت ومذهبهم ومظلوميتهم خاصة مظلومية الإمام الحسين ( عليه السلام ) .
ومن الأسباب التي عددها أن التشيع برنامج متكامل لمن اعتنقه .
ومنها رقة الشيعة وإنسانيتهم في تبليغ الدين وهداية الناس ، ويقابله الخشونة والتكفير عند الوهابيين .
وذكر عامل استقلال المرجعية والمؤسسة الدينية عند الشيعة .
وذكر العتبات المقدسة ومشاهد أهل البيت ( عليهم السلام ) .
والكرامات التي تظهر لأهل البيت ( عليهم السلام ) في مشاهدهم وغيرها .
كما ذكر من الأسباب : السلوك المنحرف لمتدينين سنيين ، والخواء العقائدي والجهل عند بعضهم ، وصراع الفئات والجماعات السنية وتخبطها .
وختم بعامل عقيدة المهدي ( عجل الله تعالى فرجه الشريف ) وقوة روايات آخر الزمان في المذهب الشيعي .
* * »
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 109 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الرابع : المرجعية عند الشيعة

1 - مرجعية الأئمة ( عليهم السلام ) وتلاميذهم وثقاتهم

رجع الشيعة بعد النبي ( صلى الله عليه وآله ) الى أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) ، ثم الى الأئمة المعصومين من ذريته ( عليهم السلام ) ، فاتبعوا الإمام الحسن ، ثم الإمام الحسين ، ثم الأئمة التسعة من ذريته ( عليهم السلام ) ، ووكلاءهم ومعتمديهم من العلماء والثقاة ، الذين نص الأئمة عليهم نصاً خاصاً أو عاماً .
فكان الشيعة في عصور الأئمة ( عليه السلام ) يرجعون الى فقهاء بلادهم ، بإرشاد الأئمة ( عليهم السلام ) وربما أمر الإمام ( عليه السلام ) الفقيه من أصحابه أن يفتي الناس .
قال الحر العاملي في وسائل الشيعة الى تحصيل مسائل الشريعة : 20 / 116 : « أبان بن تغلب بن رياح ، أبو سعيد البكري ، ثقة جليل القدر ، عظيم المنزلة في أصحابنا لقي علي بن الحسين والباقر والصادق ( عليهم السلام ) وروى عنهم ، وكانت له عندهم حظوة وقدم ، وقال له أبو جعفر ( عليه السلام ) : أجلس في مسجد المدينة وأفت الناس ، فإني أحب أن يرى في شيعتي مثلك . وكان قارياً فقيهاً لغوياً . قاله النجاشي والشيخ والعلامة وزاد النجاشي : وكان مقدماً في كل فن من العلم في القرآن والفقه والحديث والأدب واللغة والنحو ، وله كتب .
وروي أنه روى عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) ثلاثين ألف حديث ، وروي في مدحه أحاديث كثيرة ، ووثقه علماء المخالفين أيضاً » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 110 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
« عن مسلم بن أبي حية قال : كنت عند أبي عبد الله ( عليه السلام ) في خدمته ، فلما أردت أن أفارقه ودعته وقلت : أحب أن تزودني ، فقال : إئت أبان بن تغلب فإنه قد سمع مني حديثاً كثيراً ، فما رواه لك فاروه عني » . ( وسائل الشيعة : 18 / 107 ) .
« قال علي بن المسيب الهمداني : قلت للرضا ( عليه السلام ) : شقتي بعيدة ولست أصل إليك في كل وقت ، فممن آخذ معالم ديني ؟ قال : من زكريا بن آدم القمي المأمون على الدين والدنيا . قال علي بن المسيب : فلما انصرفت قدمنا على زكريا بن آدم ، فسألته عما احتجت إليه » . ( وسائل الشيعة : 18 / 106 ) .
وقال جميل بن دراج : « سمعت أبا عبد الله ( عليه السلام ) يقول : بشر المخبتين بالجنة : بَريد بن معاوية العجلي ، وأبو بصير ليث بن البختري المرادي ، ومحمد بن مسلم ، وزرارة ، أربعة نجباء ، أمناء الله على حلاله وحرامه . لولا هؤلاء انقطعت آثار النبوة واندرست » . ( وسائل الشيعة : 18 / 108 ) .
« عن المفضل بن عمر ، أن أبا عبد الله ( عليه السلام ) قال للفيض بن المختار في حديث : فإذا أردت حديثنا فعليك بهذا الجالس ، وأومأ إلى رجل من أصحابه ، فسألت أصحابنا عنه ، فقالوا : زرارة بن أعين » . ( وسائل الشيعة : 18 / 104 ) .
« عن معاذ بن مسلم النحوي ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : بلغني أنك تقعد في الجامع فتفتي الناس ؟ قلت : نعم وأردت أن أسألك عن ذلك قبل أن أخرج ، إني أقعد في المسجد فيجئ الرجل فيسألني عن الشئ فإذا عرفته بالخلاف لكم أخبرته بما يفعلون ، ويجئ الرجل أعرفه بمودتكم وحبكم فأخبره بما جاء عنكم ، ويجئ الرجل لا أعرفه ولا أدري من هو فأقول : جاء عن فلان كذا وجاء عن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 111 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فلان كذا ، فأدخل قولكم فيما بين ذلك ، فقال لي : إصنع كذا فإني كذا أصنع » . ( وسائل الشيعة : 18 / 107 ) .
« عن محمد بن صالح الهمداني قال : كتبت إلى صاحب الزمان ( عليه السلام ) : إن أهل بيتي يقرعوني بالحديث الذي روي عن آبائك ( عليهم السلام ) أنهم قالوا : خدامنا وقوامنا شرار خلق الله ، فكتب ، ويحكم ما تقرؤون ما قال الله تعالى : وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً ، فنحن والله القرى التي بارك فيها وأنتم القرى الظاهرة » ( وسائل الشيعة : 18 / 110 ، وفي حديث : والقرى الظاهرة : الرسل ، والنقلة عنا إلى شيعتنا ) .
أقول : في مدة القرنين ونصف التي تشرفت بحضور الأئمة ( عليهم السلام ) وظهورهم ، كان من تلاميذهم فقهاءُ كبار مراجع لأهل مناطقهم . وفي زمن الغيبة الصغرى للإمام ( عليه السلام ) أجمع الشيعة على وثاقة السفراء الأربعة وجلالتهم قدس الله أرواحهم ، ورأوا منهم الكرامات الظاهرة والمعجزات الباهرة .
وكان للشيعة في عصر السفراء علماء كبار أيضاً ، خاصة في الكوفة ، وبغداد وقم ، وكان السفراء أحياناً يُرجعون الناس اليهم .
وقد أخبر الإمام المهدي ( عليه السلام ) شيعته بغيبته الكبرى وأرجعهم الى الفقهاء العدول الجامعي الشروط ، في حديثه المشهور : « أما ما سألت عنه أرشدك الله وثبتك ، إلى أن قال : وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا ، فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله » . ( وسائل الشيعة : 27 / 140 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 112 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

2 - صمود مرجعية الشيعة أمام الأعاصير

المرجعية الدينية عند الشيعة ، شجرة مباركة ، عريقة الأصول ، راسخة الجذور . أسسها الله تعالى بقوله : فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ، وسقاها المعصومون أهل الذكر ( عليهم السلام ) بقول الإمام الباقر ( عليه السلام ) لأبان بن تغلب : « أجلس في مسجد المدينة وأفتِ الناس فإني أحب أن أرى في شيعتي مثلك » . ( الإحتجاج : 2 / 61 ) .
فكان فقهاء المذهب معالم تلك الشجرة المباركة ، نَمَتْ فروعهم وامتدتْ ، وعمَّت ثمراتهم عبر العصور ، ابتداء بتلاميذ المعصومين ( عليهم السلام ) ثم بالسفراء الأبرار ، الى مراجعنا الأفذاذ الكبار ، أمثال الكليني ، والصدوق ، والمفيد ، والمرتضى ، والطوسي ، والمحقق ، والعلامة ، والشهيدين الى كل أفذاذ هذا الخط المبارك . وكل واحد منهم قمة في العلم والتقوى والعمل لنصرة الإسلام .
ومن صفات مرجعيتنا صمودها في وجه الأعاصير وتمسكها بقيمها ، حتى كانت بالقياس الى الأجهزة الدينية الأخرى الجهاز الديني الوحيد الذي حافظ على وجوده من عهد الأئمة الأطهار ( عليهم السلام ) الى عصرنا الحاضر ، واستعصى على الخضوع والإبادة ، وقاوم أحداث الدهور ، وصروف الزمان !
فها هي المؤسسات الدينية للمذاهب الأخرى ، من أزهر مصر ، وجامع الزيتونة وجامعة القرويين ، ومشيخات الصوفية ، ومشيخة الإسلام في استانبول . . . لم تصمد أمام الغزو الغربي في مطلع القرن وفقدت نفوذها ، وسقطت مؤسساتها بيد الحكومات ، وصار علماؤها وطلبتها موظفين لا أكثر !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 113 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أما مرجعية الشيعة فقاومت ، ووقف جمهورها معها ، متحملاً البأساء والضراء ، حتى خرجت منتصرة مرفوعة الرأس ، في العراق ، وإيران ، ولبنان ، وأينما حل الشيعة . والسبب في ذلك طبيعة المذهب الشيعي ، وأن تمويل المرجعية شعبي من عطاءات الناس الطوعىة ، وليس حكومياً .

3 - كيف يختار الشيعة مرجع التقليد ؟

نشأ وجوب التقليد من حاجة المسلم الى معرفة معالم دينه وأحكام عباداته ومعاملاته ، فهو يحتاج الى خبير في الشريعة يثق به ، يفتيه في ذلك . وعندما يختلف الفقهاء في الإستنباط ، يجب عليه أن يرجع الى الفقيه الأعلم .
قال السيد الخوئي في كتاب الاجتهاد والتقليد / 119 و 203 : « يجب تقليد الأعلم مع الإمكان على الأحوط ، ويجب الفحص عنه . . المراد من الأعلم من يكون أعرف بالقواعد والمدارك للمسألة وأكثر اطلاعاً . . وأجود فهماً للأخبار ، والحاصل أن يكون أجود استنباطاً . والمرجع في تعيينه أهل الخبرة والإستنباط . .
لا يجوز تقليد غير المجتهد وإن كان من أهل العلم ، كما أنه يجب على غير المجتهد التقليد ، وإن كان من أهل العلم .
يعرف اجتهاد المجتهد بالعلم الوجداني ، كما إذا كان المقلد من أهل الخبرة وعلم باجتهاد شخص . وكذا يعرف بشهادة عدلين من أهل الخبرة ، إذا لم تكن معارضة بشهادة آخريْن من أهل الخبرة ، ينفيان عنه الإجتهاد .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 114 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وكذا يعرف بالشياع المفيد للعلم . وكذا الأعلمية تعرف بالعلم ، أو البينة غير المعارضة ، أو الشياع المفيد للعلم » .
فالمكلف يبحث عن الفقيه الأعلم بسؤال العلماء الذين يثق بخبرتهم وتقواهم وعندما تتعارض الشهادات عنده يُرجِّح تقليد من يطمئن اليه أكثر ، أو يتخير أحد الذين تدور بينهم الأعلمية .
ويتمُّ التقيد بأن ينوي الرجوع الى فلان المرجع فيما يحتاج اليه من أحكام ، ويأخذ رسالته العملية ليعمل بفتواه في صلاته وعباداته ومعاملاته ، ويرجع اليه أو الى وكيله عندما يلزمه ذلك .
وطبيعي أن تختلف قناعات الناس ، وينتج عنها تعدد المراجع الذين يرجع اليهم الشيعة ، ولا بأس بذلك في مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، بل إن التعدد نوعٌ من ضمان الحرية ، مادام ناتجاً من اختيار الناس . والمرجع الذي يرجع اليه أكثرية الشيعة في العالم يكون مرجع الشيعة البارز في عصره ، والآخرون الى جنبه .

4 - هل المرجعية منصب خبروي أم ولاية للفقيه ؟

يتفق فقهاء المذهب الشيعي على أن منصب المرجع منصب خبير في الشريعة ، له حق الإفتاء والقضاء والأمور الحسبية ، ويضيف بعضهم حق القيادة السياسية أو ولاية الفقيه . وبهذا يوجد داخل المذهب الشيعي اتجاهان فقهيان يعطي أحدهما للمرجع الولاية على الأمة ، ويحصر الآخر ولايته في الإفتاء والقضاء وبعض الأمور الإجتماعية .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 115 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وينبغي التنبيه على أن الفقهاء القائلين بولاية الفقيه والنافين لها ، متفقون على أن من مهام المرجعية وواجباتها : التوعية الدينية ، وتبليغ الأحكام ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والجهاد الدفاعي إذا تعرض بلد مسلم لخطر خارجي وأمكن مقاومة المحتل ، ونُصح الحاكم بما يحقق مصلحة شعبه .
فالخلاف بين الإتجاهين : في العمل السياسي والثورة لإقامة حكم إسلامي ، وفي تسلم المرجع والعلماء للسلطة مباشرة ، أو بقائهم موجهين ناصحين فقط .
وقد بحث فقهاؤنا هذه مسائل ولاية الفقيه في باب الإجتهاد والتقليد من الفقه الإستدلالي وفي مواضع أخرى من الفقه .
قال المرجع المحقق النائيني ( قدس سره ) : « لا إشكال في ثبوت منصب القضاء والإفتاء للفقيه في عصر الغيبة ، وهكذا ما يكون من توابع القضاء كأخذ المدعى به من المحكوم عليه ، وحبس الغريم المماطل ، والتصرف في بعض الأمور الحسبية ، كحفظ مال الغائب والصغير ونحو ذلك . وإنما الإشكال في ثبوت الولاية » .
( تقريرات أبحاثه - منية الطالب في شرح المكاسب للخوانساري : 2 / 232 ) .
وقال السيد الخوئي ( قدس سره ) في كتاب الاجتهاد والتقليد / 419 : « وقد ذكرنا في الكلام على ولاية الفقيه من كتاب المكاسب أن الأخبار المستدل بها على الولاية المطلقة قاصرة السند أو الدلالة ، وتفصيل ذلك موكول إلى محله ، نعم يستفاد من الأخبار المعتبرة أن للفقيه ولاية في موردين وهما الفتوى والقضاء ، وأما ولايته في سائر الموارد فلم يدلنا عليها رواية تامة الدلالة والسند » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 116 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي صراط النجاة من فتاوى المرجعين السيد الخوئي والميرزا التبريزي ( قدس سره ) : 1 / 10 :
« سؤال 1 : هل هناك إجماع من علمائنا المراجع المتقدمين والمتأخرين على ولاية الفقيه ؟ وضحوا لنا ليتبين لنا من سماحتكم حقيقة المسألة عند علمائنا الأعلام الذين أفتوا بولاية الفقيه في عصر غيبة قائم آل محمد ( عجل الله تعالى فرجه الشريف ) .
الخوئي : أما الولاية على الأمور الحسبية كحفظ أموال الغائب واليتيم ، إذا لم يكن من يتصدى لحفظها كالولي أو نحوه ، فهي ثابتة للفقيه الجامع للشرائط ، وكذا الموقوفات التي ليس لها متولٍّ من قبل الواقف ، والمرافعات فإن فصل الخصومة فيها بيد الفقيه ، وأمثال ذلك ، وأما الزائد على ذلك فالمشهور بين الفقهاء عدم الثبوت ، والله العالم .
التبريزي : ذهب بعض فقهائنا إلى أن الفقيه العادل الجامع للشرائط نائب من قبل الأئمة ( عليهم السلام ) في حال الغيبة في جميع ما للنيابة فيه مدخل .
والذي نقول به هو أن الولاية على الأمور الحسبية بنطاقها الواسع ، وهي كل ما علم أن الشارع يطلبه ولم يعين له مكلفاً خاصاً ، ومنها بل أهمها إدارة نظام البلاد وتهيئة المعدات والإستعدادات للدفاع عنها ، فإنها ثابتة للفقيه الجامع للشرائط ، يرجع في تفصيله إلى كتابنا ( إرشاد الطالب ) وكذا للفقيه القضاء في المرافعات وفصل الخصومات . » .
وفي صراط النجاة : 3 / 358 : « س 1096 : ما هو المقصود من الأمور الحسبية ؟
ج : الأمور الحسبية هي الأمور التي لابد من حصولها في الخارج ، ولم يعين من يتوجه إليه التكليف بالخصوص ، كما لو مات شخص ولم ينصب قيماً على
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 117 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الطفل أو المجنون ، وكذا الحال في مال الغائب ، والأوقاف والوصايا التي لاوصي لها وأمثال ذلك . فالقدر المتيقن للتصدي لها هو الفقيه الجامع للشرائط أو المأذون من قبله . هذا فيما كانت القاعدة في ذلك عدم جواز التصرف ، كالأموال والأنفس والأعراض . وأما فيما كانت القاعدة جواز التصرف كالصلاة على الميت الذي لاولي له فإنه لا يحتاج إلى إذن الفقيه ولذا نلتزم بكونه واجباً كفائياً » .
وقال السيد الخميني ( قدس سره ) في كتاب الإجتهاد والتقليد / 53 : « المستفاد من المقبولة كما ذكرناه هو أن الحكومة مطلقاً للفقيه ، وقد جعلهم الإمام حكاماً على الناس ، ولا يخفى أن جعل القاضي من شؤون الحاكم والسلطان في الإسلام ، فجعل الحكومة للفقهاء مستلزم لجواز نصب القضاة ، فالحكام على الناس شأنهم نصب الأمراء والقضاة وغيرهما مما تحتاج إليه الأمة . .
فالقول بأن الأخبار في مقام بيان وظيفتهم من حيث الأحكام الشرعية والقضاء بين الناس ساقط . . وتخصيصها بالقضاء لا وجه له بعد عموم اللفظ ومطابقة الإعتبار ، والإنصراف لو كان فهو بَدْوي ، ينشأ من توهم كون مورد المقبولة هو القضاء » .
وقال السيد الخامنئي في أجوبة الإستفتاءات : 1 / 23 : « س 64 : ما هو تكليفنا تجاه الأشخاص الذين لا يرون ولاية الفقيه العادل إلا في الأمور الحسبية فقط ؟ علماً بأن بعض ممثليهم يشيعون ذلك أيضاً ؟
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 118 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ج : ولاية الفقيه في قيادة المجتمع وإدارة المسائل الإجتماعية في كل عصر وزمان من أركان المذهب الحق الإثني عشري ، ولها جذور في أصل الإمامة .
ومن أوصله الإستدلال إلى عدم القول بها فهو معذور ، ولكن لا يجوز له بث التفرقة والخلاف » .
وقد أفتى أصحاب النافون لولاية الفقيه بأنها مسألة فقهية محضة ، تخص مقلدي المرجع القائل بها ، ولا تشمل غيرهم . ففي صراط النجاة : 3 / 336 : « س 1255 : ما هو الفارق الأساسي بين الأحكام الولائية والأحكام الفتوائية ؟
ج : الفتوى عبارة عن الحكم الكلي الفرعي المستنبط من أدلته ، وأما الحكم الولائي فهو لمن كانت له الولاية على الأمر والنهي في الأمور المباحة ، والله العالم .
س 1256 : هل أن الأحكام يمكن أن تصدر من مطلق فقيه جامع للشرائط ، حتى لو لم يرى ولاية الفقيه المطلقة ؟ نعم يمكن أن تصدر من غير القائل بالولاية ، ليعمل بها من يقلد الفقيه القائل بها ، والله العالم .
س 1257 : هل أن الحكم الولائي يجب تنفيذه على كافة المسلمين حتى من لم يقلدوا الحاكم أم لا ؟
ج : يجب على المكلف في هذه المسألة ، كما في سائر المسائل ، أن يرجع إلى مقلده الواجد لشرائط التقليد ، والله العالم » .
بينما أفتى أصحاب الإتجاه المثبت لولاية الفقيه ، بأنها ملزمة حتى لمن لايقول بها من الفقهاء ومقلديهم ، فيجب عليهم جميعاً طاعة الفقيه الولي .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 119 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال السيد الخامنئي في أجوبة الإستفتاءات : 1 / 23 : « س 65 : هل أوامر الولي الفقيه ملزمة لكل المسلمين أم لخصوص مقلديه ؟ وهل يجب على مقلد من لا يعتقد بالولاية المطلقة إطاعة الولي الفقيه أم لا ؟
ج : طبقاً للفقه الشيعي يجب على كل المسلمين إطاعة الأوامر الولائية الشرعية الصادرة من ولي أمر المسلمين ، والتسليم لأمره ونهيه حتى على سائر الفقهاء العظام فكيف بمقلديهم ! ولا نرى الإلتزام بولاية الفقيه قابلاً للفصل عن الإلتزام بالإسلام وبولاية الأئمة المعصومين ( عليهم السلام ) » .
وفي نفس المصدر : 1 / 315 : « س 1025 : قرأت في أحد أجوبة سماحتكم عن الخمس أنه يدفع إلى ولي الخمس أو وكيله في الأمور الحسبية ، والسؤال هو : من هو المقصود من ولي الخمس هل هو مطلق المجتهد ، أم ولي أمر المسلمين ؟
ج : ولي الخمس هو ولي الأمر ، الذي له الولاية على أمور المسلمين » .
ويتصور البعض أن هذين الإتجاهين يستوجبان الصراع بين الشيعة ، لأن من يقولون بولاية الفقيه يرون أن الفقيه المتصدي له ولاية على جميع المسلمين ، ويجب على المراجع ومقلديهم طاعته ، ويجب دفع الخمس اليه دون غيره .
بل يضيفون إن ولاية الفقيه متفرعة عن ولاية النبي ( صلى الله عليه وآله ) والأئمة ( عليهم السلام ) ، فهي لذلك مسألة عقائدية ، وليست فقهية محضة ، كما يقول أصحاب الإتجاه الثاني .
لكن الفقهاء توصلوا عملياً الى التعايش الأخوي بين أصحاب الإتجاهين ، فكل منهما يعذر الآخر في اجتهاده ، وولي الفقيه يطاع في البلد الذي يحكم فيه .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 120 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كما أن الفقيه ولي الأمر تعامل مع المقلدين لغيره بسعة صدر ، فهم يرجعون الى مراجعهم فيما يتعلق بولاية الفقيه ، ويدفعون اليهم الحقوق الشرعية .
وكنموذج لذلك العلاقة الطيبة بين المرجعين السيد السيستاني والسيد القائد الخامنئي حفظهما الله ، والتي انعكست بين مقلديهما ، مع أن السيد الخامنئي يقول بولاية الفقيه المطلقة ، والسيد السيستاني لا يقول بها ، وقد أفتى بأن يحكم الشعب العراقي نفسه عن طريق الإنتخابات ، وأعطى الشرعية لمن ينتخبه الشعب ، ونصح العلماء وطلبة العلم أن لايدخلوا في الحكم ومؤسساته ، إلا بقدر الضرورة التشريعية أحياناً .

5 - المرجع ليس مديناً لأي دولة أو جهة

تبدأ مرجعية المرجع عادة عندما يبرز إسمه في الحوزة العلمية كفقيه متمكن وأستاذ يلقي بحوث الخارج . وهي محاضرات في الفقه وأصول الفقه ، وربما كانت في غيرهما ، يطرح فيها الفقيه المسألة ويعرض فيها آراء الفقهاء ويحاكمها ويثبت رأيه فيها . وسميت بحوث الخارج مقابل السطوح التي هي دراسة كتب مقررة معمقة في الفقه وأصول الفقه ، وغيرهما من العلوم .
وينتشر تقليد المرجع عادة بعد وفاة مرجع التقليد السابق ، حيث يسأل الناس عمن يقلدونه ، فيشهد أهل الخبرة من الفضلاء وطلبة الحوزة بأعلمية هذا الفقيه وتقواه ، فيعتمد الناس على شهادتهم ويقلدونه .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 121 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فالمرجع خبير في الشريعة الإسلامية على مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) بل هو كبير الخبراء وأعلم الفقهاء . والميزان فيه علمه وتقواه بقطع النظر عن قوميته وبلده ، فكل عالم شيعي من أي بلد وقومية وصل الى هذه المرتبة ، واستوفى بقية الشروط تكون مرجعية الشيعة من حقه بل من واجبه .
ومرجعيته ليست مدينة لدولة ولا لجهاز إعلام ، بل مدينة للإنسان الشيعي الذي اختاره مرجعاً له يأخذ منه الفتاوى والتوجيهات ، ويصرف حقوقه الشرعية حسب فتواه وإجازته .
وبهذا فإن المرجعية عند الشيعة شعبية بالكامل ، تتم بانتخاب طبيعي .

6 - لماذا يقدس الشيعة مراجعهم ؟

تختلف نظرة الشيعة الى أئمتهم عن نظرة بقية المذاهب الى خلفائهم وصحابتهم وأئمة مذاهبهم وعلمائهم .
فالشيعة أكثر أحتراماً وحباً وتقديساً لأئمتهم الإثني عشر ( عليهم السلام ) لأنهم يعتقدون أنهم مختارون من الله تعالى ، وأنهم حجج الله على خلقه ، اصطفاهم وأعطاهم من العلم والصفات ما جعلهم قدوة في كل الأمور . فترى الشيعي يهيم حباً بالإمام المعصوم ( عليه السلام ) ، ويحب أن يعرف كليات سيرته وجزئياتها ، وأن يدرس أقواله وأفعاله ، ويتعلم من مشاعره وتصرفاته .
وتراه يقدس المعصوم ( عليه السلام ) ويتبرك بكل آثاره وما يتصل به ، ويتوسل به الى ربه في أدعيته ، وينذر له النذور ، ويقيم المجالس لذكرى وفاته ومولده ، ويحرص
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 122 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
على زيارة قبره والتبرك به والصلاة والدعاء عنده ، وقد يقصد زيارته ماشياً على قدميه مع زوجته وأطفاله ، لعشرات الكيلو مترات أو مئاتها .
وينظر الشيعي الى مراجعه وعلمائه باحترام وتقديس ، أكثر من احترام بقية المذاهب وتقديسهم لكبار علمائهم ، فهو يعظم المرجع ويبجله ، ويأخذ بفتواه وتوجيهه ، ويقبل يده ويتبرك به ، ويطلب منه أن يدعو له ، ويعتقد بأن بركة أهل البيت ( عليهم السلام ) شملته لارتباطه القوي بهم . وكذلك ينظر الشيعي باحترام الى العلماء والخطباء والمؤلفين الذين يخدمون أهل البيت ( عليهم السلام ) .
لكن تقديسه للمراجع بسبب أنهم فقهاء أتقياء ، يحملون علم الأئمة ( عليهم السلام ) ويهتدون بهديهم ، ويعلمونه فقههم وسيرتهم . وليس بسبب أنهم بأنفسهم أئمة أو معصومون ، فالعصمة مختصة بالأربعة عشر ( عليهم السلام ) وهم النبي وفاطمة والأئمة الإثني عشر ( عليهم السلام ) ، ولا عصمة لغيرهم . فقد يخطئ المرجع ويناقشه مقلده !
بل لايصح عند الشيعي أن يقاس بالمعصومين ( عليهم السلام ) غيرهم ، لأن المعصومين قمم سماوية وغيرهم مهما كبروا قمم أرضية ، ولا يقاس السماوي بالأرضي !
ويخطئ بعض الناس فيتصورون أن الشيعة يجعلون مراجعهم وعلماءهم معصومين كالأئمة ( عليهم السلام ) ، بينما الفرق كبير جداً في عقيدة الشيعي ، بين المحترمين غير المعصومين من العلماء والمراجع ، وبين المعصومين الأربعة عشر ( عليهم السلام ) .
بل ترى الشيعة ينتقدون الغلو الذي قد يرتكبه البعض في حق العالم أو المرجع ، فيقولون له : إن عصمة غير المعصوم يساوي سلب العصمة عن المعصوم !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 123 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

7 - لماذا لايجعل الشيعة المرجعية مؤسسة كالفاتيكان ؟

يتصور البعض أن وضع المرجعية الفعلي غير صحيح لأنه يجعلها متوقفة على شخص المرجع ، فهو الذي يبني كيانها ومؤسساتها ، حتى إذا توفي انتهى ذلك وترك تلك المؤسسات بأيدي القيمين الذين نصبهم متولين عليها ، من أولاده أو غيرهم ، وكان على المرجع التالي أن يبدأ من الصفر . . وهكذا !
ويقولون لماذا لا نجعل المرجعية مؤسسة كالفاتيكان ، فيكون لها هيئة عامة من علماء الشيعة في العالم ، عددهم 100 عالم مثلاً ، كمجلس الكرادلة العالمي الذي يجتمع بعد وفاة البابا ويختار خلفاً له .
وبذلك تبقى مؤسسات المرجعية وجهود المرجع السابق محفوظة ، ويتسلمها المرجع الجديد ويواصل عمله ، دون أن يحتاج الى تأسيس من الصفر .
لكن علماء الشيعة وعقلاءهم لايقبلون هذا الطرح لأسباب :
منها : أن جهود المراجع السابقين لا تذهب بوفاتهم كما يتصور البعض ، بل يستفيد منها المرجع الجديد في عمله .
ومنها : أن الدول سوف تتدخل في أي مجلس عالمي مقترح لعلماء الشيعة ، وستعين غير المؤهلين وتستبعد المؤهلين !
ثم تتدخل في اختيار المرجع الجديد فتختار غير المؤهل وتستبعد المؤهل . والتدخل السياسي يفقد المرجعية أهم صفاتها ، وهو استقلالها عن السياسة والحكومات ، حتى الحكومات الشيعية !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 124 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كما أن هذا الطرح لايلبي الحاجة الى التقليد ، لأن المذهب الشيعي جعل اختيار المرجع من حق المكلف وواجبه ، ودور العلماء هو الشهادة بفقاهة هذا المرجع وعدالته وأعلميته ، وتبقى المسألة متوقفة على قناعة الإنسان الشيعي .
فلو شكل الشيعة مجلس علماء عالمي واختار هذا المجلس مرجعاً ، ثم لم يقتنع به الناس في هذا البلد أو ذاك ، أو هذه القرية أو تلك ، واقتنعوا بأن فلاناً هو الأعلم والأفقه من المرجع الذي انتخبه المجلس العالمي ، فيجب عليهم أن يقلدوه ، ولا يجوز لهم تقليد المرجع المنتخب !
ومعنى ذلك أنه سيكون للشيعة مرجع رسمي ، ومرجع آخر شعبي أو أكثر اختارهم الناس مقابله !
لذلك كان الواجب ترك المرجعية لعملية الإنتخاب الطبيعي ، فهي التي تضمن استقلالها عن السياسة ، وتضمن حرية اختيار الإنسان الشيعي لمرجعه !
ومن هنا نتعرف على أحد أهم امتيازات المرجعية عند الشيعة ، وهو أن المذهب الشيعي ربطها باختيار المكلف ، بينما ربطتها مرجعيات المذاهب الأخرى بتعيين الحاكم ، أو المجالس الواقعة تحت سيطرة الحاكم .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 125 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

8 - مالية المرجعية الدينية والمؤسسات التابعة لها

المرجع ابن الحوزة العلمية ، فقد درس فيها ودرَّس . والحوزة العلمية إسم لمركز فيه مدارس وطلبة يَّدرسون علوم الدين ، فهو يساوي الجامعة العلمية أو المدينة والحاضرة العلمية ، وربما تسمى المدرسة الواحدة في بلد بالحوزة العلمية .
وأكبر حوزتين عند الشيعة : حوزة النجف الأشرف وقم المشرفة ، وتضم كل منها ألوفاً مؤلفة من الطلبة ، والعديد من كبار العلماء ، وعدداً من الفقهاء ، ومن بين هؤلاء يبرز كبار الفقهاء ، ويكونون مراجع .
وتضم الحوزة مؤسسات علمية وأوقافاً عديدة ، كالمدارس ، والمكتبات ، وبيوت سكن للطلبة ، والعلماء ، وغيرها .
والطابع العام لإدارة هذه الأوقاف : احترام إرادة الواقف ومتولي الوقف فيها ، وغالباً ما تشترط وقفيتها إشراف المرجع العام ، أي الذي يرجع اليه أكثرية الشيعة في العالم ، والذي يحترم رأيه وتوجيهاته في إدارة الحوزة وطلبتها .
ويقوم المرجع عادة برعاية هذه الأوقاف ومساعدتها مالياً ، لتواصل العمل لهدفها الذي نصت عليه وقفيتها . كما يقوم بتأسيس المشروعات اللازمة للحوزة من مدارس أو مساكن أو مكتبات .
أما المشروعات في بلاد الشيعة ، فغالباً ما يقوم بها علماء أو أشخاص من أهل الخير ، ويساندهم المرجع معنوياً ، ويعطيهم إجازة بصرف قسم من الحقوق الشرعية التي في ذمة مقلديه في مصارف هذه المشروعات .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 126 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وعمدة مالية المرجعية الأخماس التي يدفعها الشيعة تطوعاً ، لأنها فريضة شرعية ، وهي عشرون بالمئة مما زاد على مصارف الإنسان الشيعي سنوياً .
والذين يؤدونها هم الشيعة المتدينون وهم قلة في مجموع الشيعة في العالم ، لكن أخماسهم تبلغ بضعة ملايين دولار سنوياً ، وتعطى الى وكلاء المرجع في مناطقهم ، أو ترسل الى المرجع مباشرة ، وكثيراً ما يستجيز منه صاحب الخمس أو عالم المنطقة ، أن يصرف الخمس أو قسماً منه على مصارفه في منطقته .
كما يقوم المرجع بصرف ما يصله من الخمس في مصارفه المحددة شرعاً ، وهي المحتاجون من السادة بني هاشم أعزهم الله ، وحاجات الحوزات العلمية من شؤون المدارس ، والمكتبات ، ومساعدات الطلبة ، والمبلغين ، والمساجد ، والحسينيات .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 127 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الخامس : المراجع الأكثر تأثيراً في حياة الشيعة

أبرز مراجع الشيعة بعد السفراء الأربعة

كان عدد علماء الشيعة كبيراً من عهد الإمام الصادق ( عليه السلام ) ، وكانوا منتشرين في البلاد الإسلامية ، وثقلهم في الكوفة ، ثم صار لهم ثقل في قم وبغداد .
وفي عهد السفراء كان للشيعة علماء بارزون ، منهم محمد بن يعقوب الكليني الذي عاش في زمن السفراء ، وتوفي قبل السفير الرابع بسنة ، وعمل في تأليف كتابه الكافي مدة عشرين سنة ، حتى استقرب بعضهم أن يكون عرضه على السفير وأخذ فيه رأي الإمام صلوات الله عليه .
كان الكليني ( قدس سره ) بسبب كتابه الكافي من أكثر علماء الشيعة تأثيراً في حياتهم ، وبرز بعده الشيخ الصدوق ( قدس سره ) الذي كتب والده الى الإمام المهدي ( عليه السلام ) يطلب أن يدعو له أن يرزقه الله ولداً ، فدعا له وبشره بولد فقيه !
ثم برز بعده الشيخ المفيد ( قدس سره ) ، ثم تلميذه الشريف المرتضى ( قدس سره ) ، ثم تلميذه الشيخ الطوسي ( قدس سره ) ، الذي اضطرته موجة التعصب السلجوقي الى الهجرة من بغداد ، فأسس حوزة النجف الأشرف .
فهؤلاء الخمسة الأجلاء بعد السفراء الأربعة ، أكثر المراجع تأثيراً في حياة الشيعة الثقافية والإجتماعية ، وفيما يلي ترجمة لهم :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 128 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

1 - محمد بن يعقوب الكليني ( قدس سره )

نورد ترجمته ( قدس سره ) خلاصة من مقدمة كتابه الكافي للدكتور حسين علي محفوظ ( رحمه الله ) :
« أول كتاب في الحديث ألف في الإسلام ، كتاب علي أملاه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وخطه علي ( عليه السلام ) على صحيفة فيها كل حلال وحرام ، وله كذلك صحيفة في الديات كان يعلقها بقراب سيفه ، وقد نقل البخاري منها . ثم دوَّن أبو رافع القبطي الشيعي مولى الرسول ( صلى الله عليه وآله ) كتاب السنن والأحكام والقضايا . ثم صنف علماء الطبقات كتباً كثيرة وأصولاً قيمة جمعها وهذبها ورتبها طائفة من ثقات المحدثين في مجموعات حديثية ، ربما كان أجلها الكافي للكليني المتوفى سنة 329 .
وسيرة الكليني معروفة في التواريخ وكتب الرجال والمشيخات الحديثية . وكتابه النفيس الكبير الكافي مطبوع ، رزق فضيلة الشهرة والذكر الجميل وانتشار الصيت ، فلا يبرح أهل الفقه ممدودي الطرف إليه شاخصي البصر نحوه ولا يزال حملة الحديث عاكفين على استيضاح غرته ، والإستصباح بأنواره ، وهو مدد رواة آثار النبوة ، ووعاة علم آل محمد ( صلى الله عليه وآله ) وحماة شريعة أهل البيت ( عليهم السلام ) ، ونقلةُ أخبار الشيعة . وما انفكوا يستندون في استنباط الفتيا إليه .
والكليني من كُلين فشاپويه ، بالري . قال العلامة الحلي : الكليني مضموم الكاف مخفف اللام ، منسوب إلى كلين قرية بالري . وقال السيد محمد مرتضى الزبيدي : الكليني ضبطه ابن السمعاني كزبير .
وهو محمد بن يعقوب بن إسحاق الكليني الرازي ويعرف أيضاً بالسلسلي البغدادي ، ينتسب إلى بيت طيب الأصل في كلين ، أخرج عدة من أفاضل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 129 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
رجالات الفقه والحديث ، منهم خاله علان ، وكان شيخ الشيعة في وقته بالري ووجههم ، ثم سكن بغداد في درب السلسلة بباب الكوفة وحدث بها وقد انتهت إليه رئاسة فقهاء الإمامية في أيام المقتدر .
وقد أدرك زمان سفراء المهدي ( عليه السلام ) وجمع الحديث من مشرعه ومورده ، وقد انفرد بتأليف كتاب الكافي في أيامهم إذ سأله بعض رجال الشيعة أن يكون عنده كتاب كاف يجمع من جميع فنون علم الدين ما يكتفي به المتعلم ويرجع إليه المسترشد . وكان مجلسه مثابة أكابر العلماء الراحلين في طلب العلم ، يحضرون حلقته لمذاكرته ومفاوضته ، والتفقه عليه .
وكان ( رحمه الله ) عالماً متعمقاً محدثاً ثقة حجة عدلاً ، سديد القول ، يعدُّ من أفاضل حملة الأدب ، وفحول أهل العلم ، وشيوخ رجال الفقه ، وكبار أئمة الإسلام ، مضافاً إلى أنه من أبدال الزهادة والعبادة والمعرفة والتأله والإخلاص .
تآليفه : 1 - كتاب تفسير الرؤيا 2 - كتاب الرجال 3 - كتاب الرد على القرامطة 4 - كتاب الرسائل ، رسائل الأئمة ( عليهم السلام ) 5 - كتاب الكافي . 6 - كتاب ما قيل في الأئمة ( عليهم السلام ) من الشعر
والكافي والحق أقول ، جؤنةٌ حافلة بأطائب الأخبار ونفيس الأعلاق ، من العلم والدين والشرائع والأحكام والسنن والآداب والآثار .
وتنمُّ مقدمة ذلك الكتاب القيم وطائفة من فقره التوضيحية ، في أثناء كل باب من الأبواب ، على علو قدره في صناعة الكتابة ، وارتفاع درجته في الإنشاء ، ووقوفه على سر العربية ، وبسطته في الفصاحة ، ومنزلته في بلاغة الكلام .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 130 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وكان مع ذلك عارفاً بالتواريخ والطبقات صنف كتاب الرجال . كلمانياً بارعاً ألف كتاب الرد على القرامطة .
وأما عنايته بالآداب فمن أمارتها كتاباه : رسائل الأئمة ( عليهم السلام ) وكتاب ما قيل فيهم من الشعر ، ولعل كتابه تفسير الرؤيا خير كتاب أخرج في باب التعبير .
* *
روى الكليني عمن لايتناهى كثرة من علماء أهل البيت ( عليهم السلام ) ورجالهم ومحدثيهم ، منهم :
1 - أبو علي أحمد بن إدريس بن أحمد الأشعري القمي المتوفى سنة 306 . 2 - أحمد بن عبد الله بن أمية 3 - أبو العباس ، أحمد بن محمد بن سعيد بن عبد الرحمن الهمداني المعروف بابن عقدة المتوفى سنة 333 . 4 - أبو عبد الله أحمد بن عاصم العاصمي الكوفي . 5 - أبو جعفر أحمد بن محمد بن عيسى بن عبد الله بن سعد بن مالك بن الأحوص بن السائب بن مالك بن عامر الأشعري القمي 6 - أحمد بن مهران 7 - إسحاق بن يعقوب 8 - الحسن بن خفيف 9 - الحسن بن الفضل بن يزيد اليماني . . . .
يروي عن الكليني فئة كثيرة ، منهم : 1 - أبو عبد الله أحمد بن إبراهيم ، المعروف بابن أبي رافع الصيمري 2 - أبو الحسين أحمد بن أحمد الكاتب الكوفي . 3 - أبو الحسين أحمد بن علي بن سعيد الكوفي . . 9 - أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن جعفر الكاتب النعماني ، المعروف بابن زينب ، كان خصيصاً به يكتب كتابه الكافي 10 - أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الله بن قضاعة بن صفوان بن مهران الجمال الصفواني ، نزيل بغداد كان تلميذه الخاص به يكتب كتابه الكافي وأخذ عنه العلم والأدب وأجاز له في قراءة الحديث .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 131 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال النجاشي : شيخ أصحابنا في وقته بالري ووجههم ، وكان أوثق الناس في الحديث وأثبتهم . ونقل هذه الكلمة العلامة الحلي وابن داود . وقال الطوسي : ثقة ، عارف بالأخبار . وقال أيضاً : جليل القدر عالم بالأخبار . . .
وقال ابن الأثير : أبو جعفر محمد بن يعقو الرازي ، الإمام على مذهب أهل البيت ، عالم في مذهبهم كبير ، فاضل عندهم مشهور . وعده الطيبي من مجددي الأمة على رأس تلك المائة : قال : ومن الفقهاء أبو جعفر الرازي الإمامي .
وقال ابن حجر : وكان من فقهاء الشيعة والمصنفين على مذهبهم ، من رؤساء فضلاء الشيعة في أيام المقتدر .
. وقال الشيخ حسين بن عبد الصمد الحارثي الهمداني : شيخ عصره في وقته ، ووجه العلماء والنبلاء ، كان أوثق الناس في الحديث وأنقدهم له وأعرفهم به .
وقال القاضي الشوشتري : رئيس المحدثين الشيح الحافظ .
وقال محمد تقي المجلسي : والحق أنه لم يكن مثله فيما رأيناه في علمائنا ، وكل من يتدبر في أخباره وترتيب كتابه ، يعرف أنه كان مؤيداً من عند الله تبارك وتعالى ، جزاه الله عن الإسلام والمسلمين ، أفضل جزاء المحسنين .
وقال الشيخ أسد الله الشوشتري : ثقة الإسلام وقدوة الأنام وعلم الأعلام ، المقدم المعظم عند الخاص والعام ، الشيخ أبي جعفر محمد بن يعقوب الكليني .
* *
وقد يسر الله له تأليف هذا الكتاب الكبير في عشرين سنة ، وقد سأله بعض الشيعة من البلدان النائية تأليف كتاب الكافي لكونه بحضرة من يفاوضه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 132 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ويذاكره ممن يثق بعلمه . ويعتقد بعض العلماء أنه عُرض على القائم صلوات الله عليه ، فاستحسنه وقال : كاف لشيعتنا .
قال في مقدمة الكافي : « وقلت ، إنك تحب أن يكون عندك كتاب كاف يجمع من جميع فنون علم الدين ما يكتفي به المتعلم ويرجع إليه المسترشد ، ويأخذ منه من يريد علم الدين ، والعمل به بالآثار الصحيحة عن الصادقين ( عليهم السلام ) » .
فكتابه خلاصة آثار الصادقين ( عليهم السلام ) وعيبة سننهم القائمة ، وقد كان شيوخ أهل عصره يقرؤونه عليه ويروونه عنه ، سماعاًوإجازة ، كما قرؤوه على تلميذه أبي الحسين أحمد بن أحمد الكوفي الكاتب ، ورواه جماعة من أفاضل رجالات الشيعة عن طائفة من حملته ، ومن رواته الأقدمين : النجاشي والصدوق وابن قولويه والمرتضى والمفيد والطوسي . . . وقد ظل حجة المتفقهين عصوراً طويلة ، ولا يزال موصول الإسناد والرواية ، مع تغير الزمان وتبدل الدهور .
وقد اتفق أهل الإمامة وجمهور الشيعة ، على تفضيل هذا الكتاب والأخذ به ، والثقة بخبره ، والإكتفاء بأحكامه ، وهم مجمعون على الإقرار بارتفاع درجته وعلو قدره ، على أنه القطب الذي عليه مدار روايات الثقات المعروفين بالضبط والإتقان إلى اليوم ، وهو عندهم أجمل وأفضل من سائر أصول الأحاديث .
جمع فنون العلوم الإلهية ، واحتوى على الأصول والفروع ، وهو يزيد على ما في الصحاح الستة ، عدا عن التأني في تأليفه الذي بلغ عشرين سنة .
? (
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 133 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
توفي الكليني ( رحمه الله ) ببغداد سنة 329 ، سنة تناثر النجوم ، وعند الشيخ الطوسي سنة 328 ، وقال السيد رضي الدين بن طاووس : وهذا الشيخ محمد بن يعقوب كانت حياته في زمن وكلاء المهدي ( عليه السلام ) : عثمان بن سعيد العمري ، وولده أبي جعفر محمد وأبي القاسم حسين بن روح ، وعلي بن محمد السمري ، وتوفي محمد بن يعقوب قبل وفاة علي بن محمد السمري ، لأن علي بن محمد السمري توفي في شعبان سنة 329 ، وهذا محمد بن يعقوب الكليني توفي ببغداد سنة 328 .
ودفن بباب الكوفة بمقبرتها في الجانب الغربي ، وكان ابن عبدون يعرف قبره ، قال : رأيت قبره في صراة الطائي ، وعليه لوح مكتوب فيه اسمه واسم أبيه ، وقد دُرس في أواخر القرن الرابع الهجري ، وقبره اليوم قائم في الجانب الشرقي ، على شاطئ دجلة عند باب الجسر العتيق جسر المأمون الحالي بالقرب منه ، على يسار الجائي من جهة المشرق ، وهو قاصد الكرخ . قال الميرزا عبد الله الأفندي : قبره ببغداد ، ولكن ليس في المكان الذي يعرف الآن بقبره .
وقال محمد تقي المجلسي : قبره ببغداد في مولوي خانه ، معروف بشيخ المشايخ ويزوره العامة والخاصة ، وسمعت من جماعه من أصحابنا ببغداد ، أنه قبر محمد بن يعقوب الكليني ، وزرته هناك . وقال الشيخ يوسف البحراني : وقبر هذا الشيخ الآن ، بل قبل هذا الزمان في بغداد مزارٌ مشهور ، وعلىه قبة عالية » .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 134 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

2 - الشيخ الصدوق محمد بن علي بن الحسين ( قدس سره )

نورد ترجمته ملخصة من مقدمة كتابه الأمالي ، للشيخ عبد الرحيم الرباني ( رحمه الله ) :
« هو الشيخ الصدوق محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه ، أبو جعفر القمي . كانت ولادته في أول سفارة أبي القاسم الحسين بن روح ثالث السفراء الأربعة المتوفى سنة 326 ه‍ . قال الشيخ الصدوق في كتابه كمال الدين وتمام النعمة : حدثنا أبو جعفر محمد بن علي الأسود رضي الله عنه قال : سألني علي بن الحسين بن موسى بن بابويه رضي الله عنه بعد موت محمد بن عثمان العمري رضي الله عنه أن أسأل أبا القاسم الروحي أن يسأل مولانا صاحب الزمان ( عليه السلام ) أن يدعو الله عز وجل أن يرزقه ولداً ذكراً ، قال : فسألته فأنهى ذلك ، ثم أخبرني بعد ذلك بثلاثة أيام أنه قد دعا لعلي بن الحسين ، وأنه سيولد له ولد مبارك ينفع الله تعالى به وبعده أولاد . قال أبو جعفر محمد بن علي الأسود رضي الله عنه : فولد لعلي بن الحسين رضي الله عنه محمد بن علي ، وبعده أولاد .
وروى الشيخ الطوسي في الغيبة عن أبي العباس بن نوح ، عن أبي عبد الله الحسين بن محمد بن سورة القمي قال : حدثني علي بن الحسين بن يوسف الصائغ القمي ، ومحمد بن أحمد بن محمد الصيرفي المعروف بابن الدلال وغيرهما من مشايخ أهل قم أن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه كانت تحته بنت عمه محمد بن موسى بن بابويه فلم يرزق منها ولداً ، فكتب إلى الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح رضي الله عنه أن يسأل الحضرة أن يدعو الله أن يرزقه أولاداً فقهاء ، فجاء الجواب : إنك لا ترزق من هذه ، وستملك جارية ديلمية وترزق
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 135 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
منها ولدين فقيهين فولادته تكون نحو سنة 306 ، ويكون مقامه مع والده ومع شيخه الكليني في الغيبة الصغرى نيفاً وعشرين سنة ، لأن وفاتهما سنة 329 ، وهي السنة التي توفي فيها السمري آخر السفراء .
وكان الشيخ الصدوق ( رحمه الله ) يقول : كان أبو جعفر محمد بن علي الأسود رضي الله عنه كثيراً ما يقول إذا رآني اختلف إلى مجالس شيخنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رضي الله عنه ، وأرغب في كتب العلم وحفظه : ليس بعجب أن تكون لك هذه في العلم وأنت ولدت بدعاء الإمام ( عليه السلام ) .
* *
قال النجاشي المتوفى سنة 450 ، في رجاله : أبو جعفر القمي نزيل الري ، شيخنا وفقيهنا ووجه الطائفة بخراسان ، وكان ورد بغداد سنة 355 ، وسمع منه شيوخ الطائفة وهو حدث السن ، وله كتب كثيرة .
وقال شيخ الطائفة المتوفى سنة 460 ‍ في رجاله : جليل القدر حَفَظَة ، بصير بالفقه والأخبار والرجال . وقال في الفهرست : جليل القدر ، يكنى أبا جعفر ، كان جليلاً حافظاً للأحاديث ، بصيراً بالرجال ، ناقداً
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 136 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
للأخبار ، لم ير في القميين مثله في حفظه وكثرة علمه ، له نحو من ثلاثمائة مصنف . وقال ابن شهرآشوب المتوفى سنة 588 ، في معالم العلماء : مبارز القميين له نحو من ثلاث مائة مصنف .
وقال العلامة الحلي المتوفى سنة 726 في الخلاصة : أبو جعفر نزيل الري ، شيخنا وفقيهنا ووجه الطائفة بخراسان ، ورد بغداد سنة 355 ، وسمع منه شيوخ الطائفة وهو حدث السن ، كان جليلاً حافظاً للأحاديث بصيراً بالرجال ، ناقداً للأخبار ، لم ير في القميين مثله في حفظه وكثرة علمه ، له نحو ثلاث مائة مصنف ، ذكرنا أكثرها في كتابنا الكبير . مات رضي الله عنه في الري سنة 381 .
وقال الشيخ حسين بن عبد الصمد الحارثي المتوفى سنة 985 ، والد الشيخ البهائي : وأما كتاب مدينة العلم ومن لا يحضره الفقيه فهما للشيخ الجليل النبيل أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي ، وكان هذا الشيخ جليل القدر ، عظيم المنزلة في الخاصة والعامة حافظاً للأحاديث ، بصيراً بالفقه والرجال والعلوم العقلية والنقلية ، ناقداً للأخبار ، شيخ الفرقة الناجية وفقيهها ووجهها بخراسان وعراق العجم ، وله أيضاً كتب جليلة ، لم ير في عصره مثله في حفظه وكثرة علمه . ورد بغداد سنة 355 ‍ ، وسمع منه شيوخ الطائفة وهو حدث السن ، ومات في الري سنة 381 » .
وقبره في الري بالقرب من قبر السيد عبد العظيم الحسني رضي الله عنه ، وهو مزارٌ يرده الناس ويتبركون به ، وقد جدد عمارة المرقد الشريف السلطان فتح علي شاه القاجاري حدود سنة 1238 .
* *
رحل الشيخ الصدوق في طلب العلم لمختلف ديار الإسلام ، واجتمع خلال رحلاته مع مشيخة العلم والحديث ، فقرأ عليهم وسمع منهم واستجازهم في مختلف الفنون ، وأدناه قائمة بأسماء المشايخ مأخوذة من الكتب التي ترجمت للشيخ الصدوق . . ( وعدد نحو مئتين من شيوخه ، ومن تلاميذه نحو ثلاثين ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 137 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
نشأ الشيخ الصدوق في بيت علم وتربى في أحضان فضيلة ، فقد كان أبوه علي بن الحسين بن موسى بن بابويه شيخ القميين في عصره ومتقدمهم وفقيههم وثقتهم . وعاش شيخنا الصدوق في كنف أبيه وظل رعايته نيفاً وعشرين سنة ، ينهل من معارفه ويستمد من فيض علومه ويقتبس من أخلاقه وآدابه . وكانت بلدة قم إحدى مراكز العلم يومئذ ، تعج بالعلماء وحملة الحديث ، وكانت مهبط شيوخ الرواية ، يقصدونها من شتى ديار الإسلام .
وقد أكثر الشيخ الصدوق من مجالسة العلماء في قم والسماع منهم والرواية عنهم ، أمثال الشيخ محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد ، وحمزة بن محمد بن أحمد بن جعفر بن محمد بن زيد بن علي ، وغيرهما .
وفي مثل هذه الأجواء ، بدت في شيخنا الصدوق ملامح النبوغ والرقي ، وذلك بدعاء الإمام ( عليه السلام ) ، ولم تمض برهة حتى أصبح آية في الحفظ والذكاء ، ففاق أقرانه وطار صيته ، حتى أشير إليه بالبنان .
وكان عصر الصدوق ( قدس سره ) عصر حكم آل بويه الديلميين المعروفين بحسن خدمتهم لأهل العلم وإكرامهم وتبجيلهم ، وقد حكموا من سنة 321 - 447 وكانت الدولة العبيدية الفاطمية في شمال أفريقيا ( 296 - 567 ) والحمدانية في الموصل وبلاد الشام ( 333 - 394 ) .
* *
غادر الصدوق ( رحمه الله ) بيئته وطاف البلاد ورحل إلى الأمصار ، وتتابعت أسفاره في أمهات الحواضر العلمية آنذاك ، واجتمع في تلك الرحلات مع مشيخة العلم والحديث ممن كانت تشد إليهم الرحال لتحمُّل الرواية والعلم ، فقد سافر الى
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 138 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الري حيث استدعاه ركن الدولة البويهي المتوفى سنة 366 ، بطلب من أهالي البلد فلبى طلبهم وأقام هناك ، ويمكن تحديد هذه الفترة بين سنة 339 و 347 ، حيث روى بقم عن الشيخ حمزة بن محمد بن أحمد بن جعفر بن محمد بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ( عليهم السلام ) في رجب سنة 339 ، وحدث بالري عن الشيخ أبي الحسن محمد بن أحمد بن علي بن أسد الأسدي ، المعروف بابن جرادة البردعي ، في رجب سنة 347 .
والتف حوله في الري ذوو الفضل والعلم فأفاض عليهم من علومه ومعارفه ، وأخذ هو عن شيوخهم وعلمائهم ، حيث سمع من الشيخ ابن جرادة البردعي ، ويعقوب بن يوسف بن يعقوب ، وأحمد بن محمد بن الصقر الصائغ العدل ، وأبي علي أحمد بن الحسن القطان ، وغيرهم .
وسافر الى خراسان ، قال ( رحمه الله ) : لما استأذنت الأمير السعيد ركن الدولة في زيارة مشهد الرضا ( عليه السلام ) فأذن لي في ذلك في رجب من سنة 352 . والظاهر أن هذه أولى زياراته لمشهد الإمام الرضا ( عليه السلام ) .
وله زيارة أخرى في سنة 367 ‍ حيث أملى بها المجلس ( 25 ) من كتاب الأمالي يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة بقين من ذي الحجة .
وأملى المجلس ( 26 ) يوم غدير خم لاثنتي عشرة ليلة بقين من ذي الحجة من نفس السنة المذكورة ، ورجع من زيارته سنة 368 ، ‍ حيث أملى المجلس ( 27 ) في يوم الجمعة غرة المحرم من سنة 368 ، بعد رجوعه من المشهد المقدس .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 139 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والظاهر أن له زيارة ثالثة لمشهد الإمام الرضا ( عليه السلام ) ، وذلك عند خروجه إلى بلاد ما وراء النهر ، حيث أملى فيه المجالس ( 94 ، 95 ، 96 ) يوم الثلاثاء والأربعاء والخميس من ( 17 - 19 ) من شعبان سنة 368 .
وخلال طريقه إلى خراسان مرَّ باسترآباد وجرجان ، وسمع بهما من الشيخ أبي الحسن محمد بن القاسم المفسر الأسترآبادي الخطيب ، ومن الشيخ أبي محمد القاسم بن محمد الاسترآبادي ، ومن الشيخ أبي محمد عبدوس بن علي بن العباس الجرجاني ، ومن الشيخ محمد بن علي الاسترآبادي .
وبعد منصرفه من زيارته لمشهد الرضا ( عليه السلام ) أقام في نيسابور مدة ، قال في مقدمة كتابه كمال الدين : إني لما قضيت وطري من زيارة علي بن موسى الرضا ( عليه السلام ) صلوات الله عليه ، رجعت إلى نيسابور وأقمت بها فوجدت أكثر المختلفين إلي من الشيعة قد حيرتهم الغيبة ، ودخلت عليهم في أمر القائم ( عليه السلام ) الشبهة ، وعدلوا عن طريق التسليم إلى الآراء والمقاييس ، فجعلت أبذل مجهودي في إرشادهم إلى الحق وردهم إلى الصواب بالأخبار الواردة في ذلك عن النبي والأئمة صلوات الله عليهم . وحدث في نيسابور عن كثير من مشايخها ، منهم الشيخ أبو علي الحسين بن أحمد البيهقي حدثه بداره فيها ، والشيخ عبد الواحد بن محمد بن عبدوس النيسابوري ، والشيخ أبو منصور أحمد بن إبراهيم بن بكر الخوزي ، والشيخ أبو سعيد محمد بن الفضل بن محمد بن إسحاق المذكر النيسابوري المعروف بأبي سعيد المعلم ، والشيخ أبو الطيب الحسين بن أحمد بن محمد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 140 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الرازي ، والشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب السجزي ، والشيخ أبو نصر أحمد بن الحسين بن أحمد الضبي المرواني النيسابوري . وغيرهم .
ومرَّ أيضاً بمرو الروذ وأخذ عن جماعة ، منهم الشيخ محمد بن علي المرو الروذي ، والشيخ أبو يوسف رافع بن عبد الله بن عبد الملك . وورد سرخس أيضاً وحدث بها عن الشيخ أبي نصر محمد بن أحمد بن تميم السرخسي الفقيه .
وسافر إلى بغداد سنة 352 ، وسمع منه جملة من شيوخها وحدث بها .
وورد بغداد سنة 355 ، أيضاً كما في رجال النجاشي ، والظاهر أنه وردها بعد منصرفه من الحج حيث أقام بها وسمع من شيوخها ، منهم الشيخ أبو محمد الحسن بن محمد بن يحيى الحسيني العلوي المعروف بابن أبي طاهر ، والشيخ إبراهيم بن هارون الهيتي ، وغيرهما .
وتشرف شيخنا ( رحمه الله ) بحج بيت الله الحرام سنة 354 ، وزار قبر النبي ( صلى الله عليه وآله ) وقبور أهل البيت ( عليهم السلام ) . وفي طريقه إلى الحج ورد الكوفة سنة 354 ‍ ، وسمع بمسجدها من جماعة كالشيخ محمد بن بكران النقاش ، والشيخ أحمد بن إبراهيم بن هارون الفامي ، والشيخ الحسن بن محمد بن سعيد الهاشمي ، والشيخ أبي الحسن علي بن عيسى المجاور ، وحدث بالكوفة أيضاً عن الشيخ أبي ذر يحيى بن زيد بن العباس بن الوليد البزاز ، والشيخ أبي القاسم الحسن بن محمد السكوني المذكر الكوفي ، وسمع من الشيخ أبي الحسن علي بن الحسين بن سفيان بن يعقوب بن الحارث بن إبراهيم الهمداني في منزله بالكوفة .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 141 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وبعد منصرفه من بيت الله الحرام ورد فِيد ( بين الكوفة والمدينة ) وحدث بها عن الشيخ أبي علي أحمد بن أبي جعفر البيهقي ، وورد همدان بعد منصرفه من الحج أيضاً سنة 354 ، وحدث بها وسمع من شيوخها ، منهم الشيخ أبو أحمد القاسم بن محمد بن أحمد بن عبدويه السراج الزاهد الهمداني ، وأجازه بها الشيخ أبو العباس الفضل بن الفضل بن العباس الكندي الهمداني ، ومحمد بن الفضل بن زيدويه الجلاب الهمداني .
وسافر الى بلاد ما وراء النهربعد زيارته الثالثة لمشهد الرضا ( عليه السلام ) سنة 368 ‍ ، حيث أملى المجلس ( 94 ) يوم الثلاثاء السابع عشر من شعبان سنة 368 ، في مشهد الإمام الرضا ( عليه السلام ) عند خروجه إلى ديار ما وراء النهر .
وقد رحل إلى إيلاق وبلخ وسمرقند وفرغانة ، وفي مدة إقامته بإيلاق اجتمع بالشريف أبي عبد الله محمد بن الحسن الموسوي المعروف بنعمة ، ووقف الشريف نعمة على جملة مصنفات الشيخ الصدوق والبالغة آنذاك ( 245 ) كتاباً ، وقد نسخ وسمع منه أكثرها ورواها عنه ، وسأله أن يصنف له كتاباً في الفقه والحلال والحرام والشرائع والأحكام ، ويسميه ( من لا يحضره الفقيه ) فأجابه الشيخ الصدوق وصنفه له ، قال في مقدمته : لما ساقني القضاء إلى بلاد الغربة وحصلني القدر منها بأرض بلخ من قصبة إيلاق ، وردها الشريف الدين أبو عبد الله المعروف بنعمة ، وهو محمد بن الحسن بن إسحاق بن الحسن بن الحسين بن إسحاق بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ( عليهم السلام ) ، فدام بمجالسته سروري ، وانشرح بمذاكرته صدري ، وعظم بمودته
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 142 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
تشرفي ، لأخلاق قد جمعها إلى شرفه ، من ستر وصلاح وسكينة ووقار ، وديانة وعفاف ، وتقوى وإخبات ، فذاكرني بكتاب صنفه محمد بن زكريا المتطبب الرازي ، وترجمه بكتاب ( من لا يحضره الطبيب ) وذكر أنه شاف في معناه ، وسألني أن أصنف له كتاباً في الفقه والحلال والحرام والشرائع والأحكام ، موفياً على جميع ما صنفت في معناه ، وأترجمه بكتاب ( من لا يحضره الفقيه ) ليكون إليه مرجعه ، وعليه معتمده وبه أخذه ، ويشترك في أجره من ينظر فيه وينسخه ويعمل بمودعه ، هذا مع نسخه لأكثر ما صحبني من مصنفاتي ، وسماعه لها وروايتها عني ووقوفه على جملتها ، وهي مائتا كتاب وخمسة وأربعون كتاباً ، فأجبته أدام الله توفيقه إلى ذلك ، لأني وجدته أهلاً له ، وصنفت له هذا الكتاب .
وروى بإيلاق عن الشيخ أبي الحسن محمد بن عمرو بن علي بن عبد الله البصري ، والشيخ أبي نصر محمد بن الحسن بن إبراهيم الكرخي الكاتب ، والشيخ أبي محمد بكر بن علي بن محمد بن الفضل الحنفي الشاشي الحاكم ، والشيخ أبي الحسن علي بن عبد الله بن أحمد الأسواري وغيرهم . وسمع من مشايخ بلخ أيضاً ، منهم الشيخ أبو عبد الله الحسين بن محمد الأشناني الرازي العدل ، والشيخ أبو عبد الله الحسين بن أحمد الاسترآبادي العدل ، والشيخ أبو علي الحسن بن علي بن محمد بن علي بن عمرو العطار ، والشيخ أبو القاسم عبد الله بن أحمد الفقيه ، والشيخ طاهر بن محمد بن يونس بن حياة الفقيه ، والشيخ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 143 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أبو الحسن محمد بن سعيد بن عزيز السمرقندي الفقيه ، والحاكم أبو حامد أحمد بن الحسين بن الحسن بن علي وغيرهم .
وحدثه بسمرقند أبو محمد عبدوس بن علي بن العباس الجرجاني ، والشيخ أبو أسد عبد الصمد بن شهيد الأنصاري وغيرهما . وحدثه بفرغانة الشيخ تميم بن عبد الله بن تميم القرشي ، والشيخ أبو أحمد محمد بن جعفر البندار الشافعي الفرغاني ، والشيخ إسماعيل بن منصور بن أحمد القصار ، والشيخ أبو محمد محمد بن أبي عبد الله الشافعي وغيرهم .
* *
تدل الكتب التي أثبتها النجاشي أنه كان يجيب على مسائل ورسائل ترده من مختلف الأطراف والبلدان ، وأن مرجعيته في الفتيا والأحكام كانت ممتدة في حواضر إسلامية مختلفة . قال أبو العباس النجاشي : وله كتب كثيرة منها : كتاب جوابات المسائل الواردة عليه من واسط ، كتاب جوابات المسائل الواردة عليه من قزوين ، كتاب جوابات مسائل وردت من مصر ، كتاب جوابات مسائل وردت من البصرة ، كتاب جوابات مسائل وردت من الكوفة ، جواب مسألة وردت عليه من المدائن في الطلاق ، كتاب جواب مسألة نيسابور ، كتاب رسالته إلى أبي محمد الفارسي في شهر رمضان ، كتاب الرسالة الثانية إلى أهل بغداد في شهر رمضان ، وله أيضاً رسالة في الغيبة إلى أهل الري والمقيمين بها .
* *
صنف الشيخ الصدوق ( رحمه الله ) في شتى فنون العلم وأنواعه ، وكان غزير التأليف حتى قال الشيخ الطوسي في الفهرست : له نحو من ثلاث مائة مصنف ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 144 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفهرست كتبه معروف وعد منها 40 كتاباً ، وذكر ذلك ابن شهرآشوب في معالم العلماء ، وعد منها 59 كتاباً ، وقال النجاشي : له كتب كثيرة وعد منها نحو 197 كتاباً . وعندما سافر الى بلاد ما وراء النهر كان معه من مصنفاته 245 كتاباً .
وفيما يلي قائمة بأسماء مؤلفاته حسب الحروف مع الإشارة إلى المطبوع منها وهو الأقل ، جمعناها من مصادر ترجمته سيما ما ذكره النجاشي والشيخ الطوسي وابن شهرآشوب ، والشيخ آقا بزرك في الذريعة :
1 - إبطال الإختيار وإثبات النص . 2 - إبطال الغلو والتقصير . 3 - إثبات الخلافة لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) . 4 - إثبات النص على الأئمة ( عليهم السلام ) 5 - إثبات النص على أمير المؤمنين ( عليه السلام ) 6 - إثبات الوصية لعلي ( عليه السلام ) 7 - أخبار أبي ذر الغفاري رضي الله عنه . 8 - أخبار سلمان رضي الله عنه وزهده وفضائله . 9 - أدعية الموقف 10 - الإستسقاء . 11 - الإعتقادات ويسمى أيضاً : دين الإمامية ، وهو مطبوع . 12 - الإعتكاف . 13 - الأغسال . 14 - الأمالي وهو المعروف بالمجالس وهو مطبوع . 15 - الإمامة . 16 - امتحان المجالس . 17 - الإنابة . 18 - الأوائل . 19 - الأواخر . 20 - الأوامر . 21 - أوصاف النبي ( صلى الله عليه وآله ) 22 - التاريخ . 23 - التجارات . 24 - التعريف . 25 - تفسير القرآن . 26 - تفسير قصيدة في أهل البيت ( عليهم السلام ) 27 - التقية 28 - التيمم . 29 - ثواب الأعمال وهو مطبوع . 30 - جامع آداب المسافر للحج . 31 - جامع أخبار عبد العظيم بن عبد الله الحسني . 32 - جامع التفسير المنزل في الحج . 33 - جامع الحج . 34 - جامع حجج الأئمة ( عليهم السلام ) 35 - جامع حجج الأنبياء ( عليهم السلام ) 36 - جامع زيارة الرضا ( عليه السلام ) 30 › 37 - جامع علل الحج . 38 - جامع فرض الحج والعمرة . 39 - جامع فضل الكعبة والحرم . 40 - جامع فقه الحج . 41 - جامع نوادر الحج 42 - الجزية في الفقه . 43 - الجمعة والجماعة . 44 - الجمل . 45 - جواب رسالة وردت في شهر رمضان . 46 - جواب مسألة وردت عليه من المدائن في الطلاق 47 - جواب مسألة نيسابور . 48 - جوابات مسائل وردت عليه من البصرة . 49 - جوابات المسائل الواردة من
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 145 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قزوين . 50 - جوابات مسائل وردت من الكوفة . 51 - جوابات مسائل وردت عليه من مصر . 52 - جوابات المسائل الواردة عليه من واسط . 53 - حجج الأئمة ( عليه السلام ) 54 - الحدود . 55 - الحذاء والخف . 56 - حذو النعل بالنعل . 57 - حق الجداد . 58 - الحيض والنفاس . 59 - الخصال وهو مطبوع . 60 - الخطاب . 61 - خلق الإنسان . 62 - الخمس . 63 - الخواتيم . 64 - دعائم الإسلام في معرفة الحلال والحرام . 65 - دعائم الإعتقاد . 66 - دلائل الأئمة ( عليهم السلام ) . 67 - الديات . 68 - دين الإمامية ، وهو كتاب الإعتقادات المتقدم . 69 - ذكر المجلس الذي جرى له بين يدي ركن الدولة . 70 - ذكر مجلس آخر . 71 - ذكر مجلس ثالث . 72 - ذكر مجلس رابع . 73 - ذكر مجلس خامس . 74 - الرجال . 75 - الرجال المختارين من أصحاب النبي ( صلى الله عليه وآله ) 76 - الرجعة . 77 - الرسالة الأولى في الغيبة إلى أهل الري والمقيمين بها وغيرهم . 78 - الرسالة الثانية في الغيبة . 79 - الرسالة الثالثة في الغيبة . 80 - الرسالة الأولى في شهر رمضان ، كتبها إلى أبي محمد الفارسي في جواب رسالته إليه . 81 - الرسالة الثانية إلى أهل بغداد في معنى شهر رمضان . 82 - الرسالة الثالثة في شهر رمضان . 83 - رسالة في أركان الإسلام . 84 - الروضة في الفضائل . 85 - الزكاة . 86 - زهد النبي ( صلى الله عليه وآله ) . 87 - زهد أمير المؤمنين ( عليه السلام ) 88 - زهد فاطمة ( عليها السلام ) . 89 - زهد الحسن ( عليه السلام ) 90 - زهد الحسين ( عليه السلام ) . 91 - زهد علي بن الحسين ( عليهما السلام ) . 92 - زهد أبي جعفر ( عليه السلام ) . 93 - زهد الصادق ( عليه السلام ) . 94 - زهد أبي إبراهيم ( عليه السلام ) . 95 - زهد الرضا ( عليه السلام ) . 96 - زهد أبي جعفر الثاني ( عليه السلام ) 97 - زهد أبي الحسن علي بن محمد ( عليه السلام ) . 98 - زهد أبي محمد الحسن بن علي ( عليه السلام ) 99 - زيارات قبور الأئمة ( عليهم السلام ) 100 - السر المكتوم إلى الوقت المعلوم . 101 - السكنى والعمرى . 102 - السلطان . 103 - السنة . 104 - السهو . 105 - السواك . 106 الشعر . 107 - الشورى . 108 - الصدقة والنحلة والهبة . 109 - صفات الشيعة ، وهو مطبوع . 110 - صلاة الحاجات . 111 - الصلوات سوى الخمس . 112 - الصوم . 113 - الضيافة . 114 - الطرائف . 115 - العتق والتدبير والمكاتبة . 116 - عقاب الأعمال ، وهو
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 146 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مطبوع . 117 - علامات آخر الزمان . 118 - العلل . 119 - علل الحج . 120 - علل الشرائع وهو مطبوع . 121 - عيون أخبار الرضا ( عليه السلام ) ، مطبوع 122 - غريب حديث النبي ( صلى الله عليه وآله ) والأئمة ( عليهم السلام ) 123 - الغيبة ، وهو كمال الدين الآتي . 124 - فرائض الصلاة . 125 - الفرق . 126 - الفضائل . 127 - فضائل الأشهر الثلاثة ، وهو ثلاثة كتب : كتاب فضائل شهر رجب ، وكتاب فضائل شهر شعبان ، وكتاب فضائل شهر رمضان ، وهو مطبوع . 128 - فضائل جعفر الطيار ( عليه السلام ) . 129 - فضائل الشيعة . 130 - فضائل الصلاة . 131 - فضائل العلوية . 132 - فضل الحسن والحسين ( عليهما السلام ) . 133 - فضل الصدقة . 134 - فضل العلم . 135 - فضل المساجد . 136 - فضل المعروف . 137 - الفطرة . 138 - فقه الصلاة . 139 - الفوائد . 140 - القربان . 141 - القضاء والاحكام . 142 - كتاب في تحريم الفقاع . 143 - كتاب فيه ذكر من لقيه من أصحاب الحديث ، وعن كل واحد منهم حديث . 144 - كتاب في زيد بن علي ( عليه السلام ) . 145 - كتاب في زيارة موسى ومحمد ( عليهما السلام ) . 146 - كتاب في عبد المطلب وعبد الله وأبي طالب وآمنة بنت وهب 147 - كمال الدين وتمام النعمة ، وهو مطبوع . 148 - اللباس . 149 - اللعان . 150 - اللقاء والسلام . 151 - المتعة . 152 - المحافل . 153 - المختار بن أبي عبيدة الثقفي . 154 - مختصر تفسير القرآن . 155 - مدينة العلم . 156 - المدينة وزيارة قبر النبي ( صلى الله عليه وآله ) والأئمة ( عليهم السلام ) 157 - المرشد . 58 - المسائل . أ - مسائل الوضوء . ب - مسائل الصلاة . ج - مسائل الزكاة . د - مسائل الخمس . ه‍ - مسائل الحج . و - مسائل الوقف . ز - مسائل النكاح . ح - مسائل العقيقة . ط - مسائل الرضاع . ي - مسائل الطلاق . ك - مسائل الوصايا . ل - مسائل المواريث . م - مسائل الحدود . ن - مسائل الديات . 159 - مصادقة الإخوان . 160 - المصابيح ، وهي عدة كتب في الرجال حسب الطبقات على الترتيب الآتي : أ - المصباح الأول ذكر من روى عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) من الرجال . ب - المصباح الثاني ، ذكر من روى عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) من النساء . ج - المصباح الثالث ، ذكر من روى عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) . د - المصباح
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 147 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الرابع ، ذكر من روى عن فاطمة ( عليها السلام ) . ه‍ - المصباح الخامس ، ذكر من روى عن أبي محمد الحسن بن علي ( عليه السلام ) . و - المصباح السادس ، ذكر من روى عن أبي عبد الله الحسين بن علي ( عليه السلام ) ز - المصباح السابع ، ذكر من روى عن علي بن الحسين ( عليه السلام ) ح - المصباح الثامن ، ذكر من روى عن أبي جعفر محمد بن علي ( عليه السلام ) ث - المصباح التاسع ، ذكر من روى عن أبي عبد الله الصادق ( عليه السلام ) . ي - المصباح العاشر ، ذكر من روى عن موسى بن جعفر ( عليه السلام ) ك - المصباح الحادي عشر ، ذكر من روى عن أبي الحسن الرضا ( عليه السلام ) . ل - المصباح الثاني عشر ، ذكر من روى عن أبي جعفر الثاني ( عليه السلام ) . م - المصباح الثالث عشر ، ذكر من روى عن أبي الحسن علي بن محمد ( عليه السلام ) ن - المصباح الرابع عشر ، ذكر من روى عن أبي محمد الحسن بن علي ( عليه السلام ) . س - المصباح الخامس عشر ، ذكر الرجال الذين خرجت إليهم التوقيعات . 161 - مصباح المصلي . 162 - معاني الأخبار ، وهو مطبوع . 163 - المعايش والمكاسب . 164 - المعراج . 165 - المعرفة بالفضائل ، في فضل النبي وأمير المؤمنين والحسن والحسين ( عليهم السلام ) . 166 - المعرفة برجال البرقي . 167 - مقتل الحسين ( عليه السلام ) . 168 - المقنع في الفقه وهو مطبوع . 169 - الملاهي . 170 - المناهي . 171 - من لا يحضره الفقيه ، وهو أحد الأصول الأربعة التي عليها مدار الشيعة ومعول علمائنا في أخذ الأحكام وهو مطبوع . 172 - المواريث في الفقه . 173 - المواعظ والحكم . 174 - مواقيت الصلاة . 175 - الموالاة . 176 - مولد أمير المؤمنين ( عليه السلام ) . 177 - مولد فاطمة ( عليها السلام ) 178 - المياه . 179 - الناسخ والمنسوخ . 180 - النبوة . 181 - النص 182 - النكاح . 183 - النهج . 184 - نوادر الصلاة . 185 - نوادر الطب . 186 - نوادر الفضائل . 187 - نوادر النوادر . 188 - نوادر الوضوء . 189 - الهداية في الفقه 190 - الوصايا . 191 - الوضوء . 192 - الوقف » .
* *
أقول : هذه خلاصة ترجمة الصدوق ( قدس سره ) من مقدمة الأمالي ، وله ترجمات في مقدمات كتبه ، للسيد محمد صادق بحر العلوم ، والسيد محمد مهدي الخرسان
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 148 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فيها فروقات في التفصيل ، ومن أوسعها ترجمةلجنة التحقيق التابعة لمؤسسة الإمام الهادي ( عليه السلام ) في مقدمة كتابه الهداية ، وقد عدَّدوا من كتبه 231 كتاباً ، وقالوا : « ما يبعث على الأسف إنه لم يصل إلينا إلا النزر اليسير من بين هذا العدد الكبير من مؤلفات الصدوق ( رحمه الله ) التي تقدمت الإشارة إليها ، فقد أتت يد الزمان على معظمها لتحرمنا منها ، حتى أن مدينة العلم هذا السفر العظيم الذي كان يعد خامس الكتب الأربعة قد فقد وضاعت علينا أخباره !
قال المولى المجلسي ( رحمه الله ) : ولم يبق من كتبه ظاهراً عندنا إلا كتاب إكمال الدين وكتاب عيون أخبار الرضا ( عليه السلام ) وكتاب علل الشرائع والأحكام وكتاب ثواب الأعمال وعقاب الأعمال وكتاب معاني الأخبار وكتاب الخصال وكتاب النصوص على الأئمة الإثني عشر ( عليهم السلام ) ، وكتاب التوحيد ، وكتاب المقنع في الفقه وكتاب الهداية في الفقه ، وكتاب الإعتقادات ، وكتاب من لا يحضره الفقيه .
وجاء في / 192 : « كتاب مدينة العلم ذكره النجاشي . وقال الشيخ : وكتاب مدينة العلم أكبر من : مَن لا يحضره الفقيه ! وقال ابن شهرآشوب : مدينة العلم عشرة أجزاء . وقال العلامة الطهراني : كتاب مدينة العلم هو خامس الأصول الأربعة القديمة للشيعة الإمامية الاثني عشرية . قال الشيخ حسين بن عبد الصمد الحارثي في درايته : وأصولنا الخمسة الكافي ومدينة العلم وكتاب من لا يحضره الفقيه والتهذيب والإستبصار ، بل هو أكبر من كتاب من لا يحضره الفقيه فالأسف على ضياع هذه النعمة العظمى من بين أظهرنا وأيدينا ، من لدن عصر والد الشيخ البهائي . إن العلامة المجلسي صرف أموالاً جزيلة في طلبه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 149 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وما ظفر به ، وكذا حجة الإسلام الشفتي بذل من الأموال ولم يفز بلقائه ، نعم ينقل عنه السيد علي بن طاووس في فلاح السائل وغيره .
وجاء في هذه الترجمة / 202 : « كتاب النبوة ، ذكره الصدوق والنجاشي وكذا ابن شهرآشوب وقال إنه تسعة أجزاء . قال الصدوق في الفقيه : 1 / 179 ذيل ح 3 : وقد أخرجت الخبر في ذلك على وجهه في كتاب النبوة ، و : 2 / 149 ذيل ح 6 : لم أحب تطويل هذا الكتاب بذكر القصص ، وقد ذكرت القصص مشروحة في كتاب النبوة .
وفي التوحيد / 288 ذيل ح 4 : وقد أخرجته بتمامه في آخر أجزاء كتاب النبوة ، وفي / 316 ذيل ح 3 : وقد أخرجته بتمامه في آخر كتاب النبوة ، وفي الخصال / 280 ذيل ح 25 : وقد أخرجته بتمامه في آخر الجزء الرابع من كتاب النبوة ، وفي العلل / 44 والخصال / 60 ذيل ح 80 و / 492 ذيل ح 70 . الخ . وقال العلامة الطهراني : ينقل عنه جمال الدين يوسف بن حاتم الفقيه الشامي تلميذ المحقق الحلي ، وينقل عنه أيضاً ابن طاووس في الدر النظيم والإقبال .
وجاء في الترجمة المذكورة / 230 ، عن كتاب سبيل الرشاد / 20 : « أما المقربون فلا يبلى جسدهم كما شاهدت ذلك في جسد الصدوق محمد بن علي بن بابويه القمي رضي الله عنهما ، المدفون في أرض ري في سرداب ، دخلت السرداب بعد مضي سنوات قريبة من عشرة من ظهور جسده الطيب الطاهر ، فشاهدته كإنسان حي تام الأعضاء بلا نقص وفساد وبلاء ، نائم مستلقياً . . قال المحدث القمي في تتمة المنتهى / 321 : خلال القرون المتأخرة ، وبحدود سنة 1238 حصلت ثغرة في قبره الشريف وقد شاهد الناس ومنهم العلماء وذوي البصائر وغيرهم جسده الطاهر طرياً ، وهذا الأمر ليس مجرد مشهور فحسب بل هو مقطوع في صحته » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 150 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

3 - الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان ( قدس سره )

قال الشيخ علي أكبر الغفاري في ترجمته في مقدمة كتاب « الإفصاح » ملخصاً :
« هو شيخ الأمة ورئيس متكلميها ، ورأس فقهائها : أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان بن عبد السلام بن جابر بن النعمان ، ابن التابعي الجليل الشهيد سعيد بن جبير . العكبري البغدادي ، المعروف بابن المعلم ، الشهير بالمفيد .
ولد في الحادي عشر من ذي القعدة بعُكْبَرا ، وهي مدينة تقع شمال بغداد على الضفة الشرقية لنهر دجلة سنة 336 أو 338 ، وتوفي ببغداد ليلة الجمعة لثلاث خلون من شهر رمضان المبارك سنة 413 ، وكان يوم وفاته كيوم الحشر كما وصفه بعض المؤرخين ، شيَّعه ثمانون ألفاً ، وصلى عليه تلميذه الشريف المرتضى علي بن الحسين ، بميدان الأشنان الذي ضاق على الناس رغم سعته ، ولم يُرَ يوم أكبر منه لشدة زحام الناس للصلاة عليه ، ومن كثرة بكاء المؤالف والمخالف .
ولا عجب فقد فَقَدَ العلم به حامل لوائه ، وزعيم طلائعه ، ورائد الفكر وفارسه المعلم ، وكميه المقدام ، وثلم الدين بموته ثلمة لا يسدها شئ .
كان ( قدس سره ) شيخاً ربعة ، نحيفاً أسمر ، خشن اللباس ، كثير الصلاة والصوم والتقشف والتخشع والصدقات ، عظيم الخشوع ، ما كان ينام من الليل إلا هجعة ثم يقوم ويصلي أو يتلو كتاب الله أو يطالع ، أو يُدَرِّس . ، من أحفظ الناس . قيل إنه ما ترك للمخالفين كتاباً إلا حفظه !
كان دقيق الفطنة ، ماضي الخاطر ، حاضر الجواب ، حسن اللسان والجدل ، ضنين السر ، جميل العلانية ، بارعاً في جميع العلوم ، حتى كان يقال : له على كل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 151 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إمام مِنَّة ! كان نشيطاً للبحث والمناظرة ، صبوراً على الخصم ، وكان يناظر أهل كل عقيدة فلا يدرك شأوه ، ولم يكن في زمانه من يدانيه أو يضاهيه في هذا المضمار ، حتى جعل المخالفين في ضيق شديد بقوة حجته وتأثير كلامه في الناس الذين راحوا يتهافتون لولوج باب السعادة والفوز ، وسلوك نهج واحد أصيل وواضح ، ألا وهو نهج آل البيت ( عليهم السلام ) مما أثار حفيظة بعض المتعصبين الذين كان دأبهم الإنتصار لأنفسهم ، فجانبوا الإنصاف بحق من خالفهم وإن كان محقاً دونهم ، كابن العماد الحنبلي واليافعي والخطيب البغدادي ، الذين راحوا يعلنون فرحهم وسرورهم بوفاة هذا المصلح العظيم ، ناسين جليل قدره ، فقالوا : هلك به خلق من الناس إلى أن أرواح الله المسلمين منه !
كان شديداً على أهل البدع والأهواء وحملة الأفكار المنحرفة ، وكان بعضهم يتفادى مناظرته ويخشى حجاجه ، وله مع البعض الآخر كالقاضي عبد الجبار المعتزلي ، والقاضي أبي بكر الباقلاني رئيس الأشاعرة ، مناظرات كثيرة ، رواها تلامذته ، وحفلت بها كتبه كالعيون والمحاسن .
وكتب أكثر من خمسين كتاباً ورسالة في الرد عليهم وتفنيد آرائهم ، ومن أقطابهم : الجاحظ ، ابن عباد ، ابن قتيبة ، ثعلب ، الجبائي ، أبو عبد الله البصري ابن كلاب القطان من رؤساء الحشوية ، الخالدي ، النفسي ، النصيبي ، الكرابيسي ، ابن رشيد ، ابن الإخشيد ، الحلاج ، وغيرهم ، ألزمهم فيها الحجة بالمنطق والدليل الذي لا ينقض .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 152 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كما خص الإمامة وما يتفرع عنها من بحوث عقائدية وكلامية بمجموعة من مصنفاته القيمة ، ككتاب الإفصاح في إثبات إمامة أمير المؤمنين ( عليه السلام ) .
قال في ديباجته : إني بمشيئة الله وتوفيقه مثبت في هذا الكتاب جملاً من القول في الإمامة يُستغنى ببيانها عن التفصيل ، ومعتمد في إيضاحها على موجز يغني عن التطويل وراسم في أصول ذلك رسوماً يصل بها إلى فروعها ذوو التحصيل .
وقال في خاتمته : قد أثبت في هذا الكتاب جميع ما يتعلق به أهل الخلاف في إمامة أئمتهم ، من تأويل القرآن والإجماع . . .
وقد أورد في الإفصاح أدلة علماء العامة على صحة إمامة أئمتهم ، وآراء المتكلمين والمفسرين وأصحاب المذاهب المتعددة ، ثم أجاب عنها بفهم قوي ، ونظر دقيق ، وأسلوب جميل ، مبيناً ضعفها ، مستشهداً في جميع ذلك بكثير من الآيات القرآنية ، مستعيناً بطريقي النقل الصحيح المتواتر المتفق عليه والعقل .
كما تعرض في هذا الكتاب لآراء أبرز الفرق كالسنة والمعتزلة والحشوية والخوارج وحججهم فيما بينهم ، مؤكداً قدرته وتفوقه وسعة اطلاعه » .
* *
وفي أعيان الشيعة ( 9 / 420 ) ملخصاً : « انحدر به أبوه وهو صبي إلى بغداد ، حاضرة العلم ومهوى أفئدة المتعلمين . . ويحدثنا المفيد عن زيارته الأولى للرماني فيقول : دخلت عليه والمجلس غاص بأهله ، وقعدت حيث إنتهى بي المجلس ، فلما خف الناس قربت منه فدخل عليه داخل وطال الحديث بينهما ، فقال الرجل لعلي بن عيسى : ما تقول في يوم الغدير والغار ؟ فقال : أما خبر الغار فدراية وأما خبر الغدير فرواية ، والرواية لا توجب ما توجبه الدراية ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 153 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وانصرف . فقلت : أيها الشيخ مسألة ؟ فقال هات مسألتك ، فقلت : ما تقول فيمن قاتل الإمام العادل ؟ قال : يكون كافراً ، ثم استدرك فقال : فاسق ، فقلت : ما تقول في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ؟ قال : إمام ، قلت : ما تقول في يوم الجمل وطلحة والزبير ؟ فقال : تابا ، فقلت : أما خبر الجمل فدراية وأما خبر التوبة فرواية ، فقال لي : كنت حاضراً وقد سألني البصري ؟ فقلت : نعم ، رواية برواية ودراية بدراية !
فقال بمن تعرف وعلى من تقرأ ؟ قلت : أعرف بابن المعلم وأقرأ على الشيخ أبي عبد الله الجُعَل ، فقال : موضعك ، ودخل منزله وخرج ومعه ورقة قد كتبها وألصقها فقال لي : أوصل هذه الرقعة إلى أبي عبد الله ، فجئت بها اليه فقرأها ولم يزل يضحك بينه وبين نفسه ، ثم قال : أليس جرى لك في مجلسه فقد وصاني بك ولقبك المفيد ، فذكرت المجلس بقصته .
قال السيد هبة الشهرستاني : هو نابغة العراق ونادرة الآفاق ، غرة المصلحين أستاذ المحققين ، ركن النهضة العلمية في المائة الرابعة الهجرية ، آية الله في العوالم معلم الأعاظم ، وابن المعلم .
وله مباحثات وحكايات طريفة أفرد لها المرتضى كتاباً ، منها أن أبا بكر الباقلاني قال له بعد مناظرة جرت بينهما وأفحمه فيها المفيد : لك أيها الشيخ في كل قدر مغرفة ! فقال المفيد : نعم ما تمثلت به أيها القاضي من أداة أبيك ! فضحك الحاضرون وخجل القاضي . يقصد ( رحمه الله ) قدر الباقلاء ومغرفة !
? (
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 154 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وجاء في ترجمته في مقدمة كتابه : المقنعة ، ملخصاً : « أول من ذكره من أرباب الفهارس معاصره محمد بن إسحاق النديم توفي 385 ، قال : ابن المعلم أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان ، في عصرنا انتهت إليه رئاسة متكلمي الشيعة ، مقدم في صناعة الكلام على مذهب أصحابه ، دقيق الفطنة ، ماضي الخاطر ، شاهدته فرأيته بارعاً وله من الكتب . .
وقال تلميذه الشيخ الطوسي في كتابه الفهرست : أبو عبد الله المعروف بابن المعلم من أجلَّة متكلمي الإمامية ، انتهت إليه رئاسة الإمامية في وقته ، وكان مقدماًفي العلم وصناعة الكلام ، وكان فقيهاً متقدماً فيه ، حسن الخاطرة دقيق الفطنة ، حاضر الجواب ، وله قريب من مائتي مصنف كبار وصغار ، وفهرست كتبه معروف ، ثم عد زهاء عشرين كتاباً من كتبه وقال : سمعنا منه هذه الكتب كلها بعضها قراءة عليه وبعضها يقرأ عليه وهو يسمع غير مرة . ولد سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة ، وتوفي لليلتين خلتا من شهر رمضان سنة ثلاث عشرة وأربعمائة . وكان يوم وفاته يوماً لم يُرَ أعظم منه من كثرة الناس للصلاة عليه ، وكثرة البكاء من المخالف والمؤالف .
أما تلميذه الآخر الشيخ النجاشي فقال : شيخنا وأستاذنا رضي الله عنه ، فضله أشهر من أن يوصف ، في الفقه والكلام والرواية والثقة والعلم . ثم عد 174 كتاباً من كتبه ، والمعروف أن النجاشي شرع في كتابه الفهرست المعروف بالرجال ، بعد صدور كتابي الفهرست والرجال للطوسي تصحيحاً لما كان يخطئه فيه ، وعليه فقد خالفه في تاريخ مولد المفيد ووفاته فقال : كان مولده يوم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 155 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الحادي عشر من ذي القعدة سنة ست وثلاثين وثلاثمائة ، وقيل : مولده سنة ثمان وثلاثين وثلاث مائة . ومات ( رحمه الله ) ليلة الجمعة لثلاث ليال خلون من شهر رمضان سنة ثلاث عشرة وأربع مائة ، وصلى عليه الشريف المرتضى أبو القاسم علي بن الحسين ، بميدان الأشنان ، وضاق على الناس مع كبره ، ودفن في داره سنين ونقل إلى مقابر قريش بالقرب من السيد أبي جعفر ( عليه السلام ) .
* *
وأرخ له المتعصبون ضدنا ، فقال ابن كثير في النهاية : 12 / 19 : « ابن النعمان شيخ الإمامية الروافض ، والمصنف لهم والمحامي عن حوزتهم ، كانت له وجاهة عند ملوك الأطراف لميل كثير من أهل ذلك الزمان إلى التشيع ، وكان مجلسه يحضره خلق كثير من العلماء من سائر الطوائف ، وكان من جملة تلاميذه الشريف الرضي والمرتضى ، وقد رثاه بقصيدة بعد وفاته في هذه السنة ، منها قوله :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] من لعضل أخرجت منه حساما * ومعان فضضت عنها ختاما
من يثير العقول من بعدما * كن هموداً ويفتح الأفهاما
من يعير الصديق رأياً * إذا ما سل في الخطوب حساما
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] وقال اليافعي في مرآة الجنان في تأريخ مشاهير الأعيان : 3 / 28 : « كان عالم الشيعة وإمام الرافضة ، صاحب التصانيف الكثيرة ، شيخهم المعروف بالمفيد وبابن المعلم أيضاً ، البارع في الكلام والجدل والفقه ، و كان يناظر أهل كل عقيدة مع الجلالة والعظمة في الدولة البويهية ، وقال ابن أبي طي : كان كثير الصدقات ، عظيم الخشوع ، كثير الصلاة والصوم ، خشن اللباس . وقال غيره : كان عضد الدولة ربما زار الشيخ المفيد . وكان شيخاً ربعة نحيفاً أسمر . عاش ستاً وسبعين
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 156 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
سنة ، وله أكثر من مئتي مصنف . وكانت جنازته مشهودة ، شيعه ثمانون ألفاً من الرافضة والشيعة ، وأراح الله منه » ! ( الفوائد الرجالية : 3 / 322 والغدير : 3 / 277 ) .
وقال الذهبي في تاريخه : 28 / 332 : « محمد بن محمد بن النعمان البغدادي ، ابن المعلم المعروف بالشيخ المفيد ، كان رأس الرافضة وعالمهم . صنف كتباً في ضلالات الرافضة ، وفي الطعن على السلف . وهلك في خلق حتى أهلكه الله في رمضان ، وأراح المسلمين منه . وقد ذكره ابن أبي الطئ في تاريخ الشيعة فقال : هو شيخ مشايخ الطائفة ولسان الإمامية ورئيس الكلام والفقه والجدل ، كان أوحد في جميع فنون العلوم ، الأصولين والفقه والأخبار ومعرفة الرجال ، والقرآن والتفسير ، والنحو والشعر . ساد في ذلك كله . وكان يناظر أهل كل عقيدة ، مع جلاله العظيم في الدولة البويهية ، والرتبة الجسمية عند الخلفاء العباسين . وكان قوي النفس ، كثير المعروف والصدقة ، عظيم الخشوع ، كثير الصلاة والصوم ، يلبس الخشن من الثياب . وكان بارعاً في العلم وتعليمه ، وملازماً للمطالعة والفكرة . وكان من أحفظ الناس . ثم قال : حدثني رشيد الدين المازندراني : حدثني جماعة ممن لقيت ، أن الشيخ المفيد ما ترك كتاباً للمخالفين إلا وحفظه وباحث فيه ، وبهذا قدر على حل شبه القوم . كان يقول لتلامذته : لا تضجروا من العلم فإنه ما تعسر إلا وهان ولا أبى إلا ولان .
وقال غيره : كان الشيخ المفيد ذا منزلة عظيمة من السلطان ، ربما زاره عضد الدولة ، وكان يقضي حوائجه ويقول له : إشفع تشفع . وكان يقوم لتلامذته بكل ما يحتاجون إليه . . . وكان المفيد ربعة نحيفاً أسمر ، وما استغلق عليه جواب
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 157 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
معاند إلا فزع إلى الصلاة يسأل الله فييسر له الجواب . عاش ستاً وسبعين سنة ، وصنف أكثر من مائتي مصنف . وشيعه ثمانون ألفاً ، وكانت جنازته مشهودة » .
وقال الذهبي في ميزان الاعتدال : 4 / 30 : « محمد بن محمد بن النعمان الشيخ المفيد . عالم الرافضة أبو عبد الله بن المعلم ، صاحب التصانيف البدعية وهي مائتا مصنف طعن فيها على السلف . وله صولة عظيمة بسبب عضد الدولة شيعه ثمانون ألف رافضي ، مات سنة ثلاث عشرة وأربع مائة » !
وقال الخطيب في تاريخ بغداد : 10 / 381 : « أبو القاسم الحفاف ، المعروف بابن النقيب . رأى أبا بكر الشبلي . . . كتبت عنه وكان سماعه صحيحاً وكان شديداً في السنة ، وبلغني أنه جلس للتهنئة لما مات ابن المعلم شيخ الرافضة ، وقال : ما أبالي أي وقت متُّ بعد أن شاهدت موت ابن المعلم » !
وقال ابن حجر في لسان الميزان : 5 / 368 : « محمد بن محمد بن النعمان الشيخ المفيد عالم الرافضة أبو عبد الله بن المعلم صاحب التصانيف البدعية ، وهي مائتا تصنيف طعن فيها على السلف . له صولة عظمية بسبب عضد الدولة ، شيعته ثمانون ألف رافضي . مات سنة ثلاث عشرة وأربع مائة » .
قال الخطيب : صنف كتباً كثيرة في ضلالهم والذب عن اعتقادهم والطعن على الصحابة والتابعين وأئمة المجتهدين ، وهلك بها خلق إلى أن أراح الله منه في شهر رمضان . قلت : وكان كثير التقشف والتخشع والإكباب على العلم تخرج به جماعة وبرع في مقالة الإمامية حتى كان يقال له على كل إمام منة ، وكان أبوه معلما بواسط وولد بها وقتل بعكبراء ، ويقال إن عضد الدولة كان يزوره في داره
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 158 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ويعوده إذا مرض . وقال الشريف أبو يعلى الجعفري وكان تزوج بنت المفيد : ما كان المفيد ينام من الليل إلا هجعة ثم يقوم يصلى أو يطالع أو يدرس أو يتلو القرآن » !
وقال ابن النديم في الفهرست / 226 : « ابن المعلم أبو عبد الله ، في عصرنا انتهت رياسة متكلمي الشيعة إليه ، مقدم في صناعة الكلام في مذاهب أصحابه . دقيق الفطنة ، ماض الخاطر ، شاهدته فرأيته بارعاً ، وله من الكتب » .
ونلاحظ أن ابن حجر أقلهم تعصباً ، وأن ابن النديم غير متعصب ، وقد ترك مكان كتب المفيد ( قدس سره ) ليكتبها ، وكأنه لم يمهله الزمن .
وقال إسماعيل باشا البغدادي في هدية العارفين : 2 / 61 : « المفيد الشيعي أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان بن عبد السلام بن جابر بن نعمان بن سعيد العكبري البغدادي ، ابن المعلم الملقب بالشيخ المفيد الشيعي الإمامي توفى سنة 413 ثلاث عشرة وأربع مائة . قال الذهبي في ميزان الإعتدال : له تآليف كثيرة منها أحكام النساء . الإرشاد في الفقه . الإستبصار فيما جمعه الشافعي من الآثار . الإنتصار . الإيضاح في الإمامة . أوائل المقالات . إيمان أبي طالب . البيان في تأليف القرآن . البيان في من غلط وطرب في القرآن . بيان وجوه الأحكام . تاريخ الشريعة . تفضيل الأئمة على الملائكة . تهذيب الأحكام . جوابات الشرقيين في فروع الدين جوابات مسائل السروية . جوابات مسائل العكبرية . الرد على ابن إخشيد . الرد على ابن الرشيد . الرد على ابن عبد الله البصري . الرد على الجاحظ . الرد على الجبائي . الرد على الشعبي . الرسالة العلوية . الرسالة المقنعة في رقاق
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 159 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
البغداديين من المعتزلة . الزاهرات في المعجزات . عدة الصوم والصلاة . عمدة مختصر على المعتزلة . العيون والمحاسن . الفرائض الشرعية . الفصول من العيون والمسائل . كتاب الأركان . كتاب الأشراف . كتاب الأعلام . كتاب الكامل . كتاب الموضح في الوعيد . كشف الالتباس . كشف السرائر . الكلام في فنون الخبر المختلف بغير أثر . الكلام في وجوه إعجاز القرآن . لمح البرهان . المجالس المحفوظة في فنون الكلام . المسائل الحاجبية . المسألة الكافئة في إبطال توبة الخاطئة . مصابيح النور . مقابس الأنوار في الرد على أهل الأخبار . مناسك الحج . النصرة لسيد العترة . نقض كتاب الأمم في الإمامة . نهج البيان على سبيل الإيمان » .
أقول : نص إسماعيل باشا على أن هذه الكتب ذكرها الذهبي في ميزان الإعتدال لكنك لا تجدها في نسخته ! ولعل هذا من تحريف الوهابيين للكتب !
وقد نص الشيخ الطوسي وغيره على أن للمفيد قريباً من مائتي مصنف كباراً وصغاراً ، وعدَّ النجاشي منها مائة وأربعاً وسبعين كتاباً ورسالة ، وعدَّ السيد حسن الخرسان في مقدمة التهذيب 194 كتاباً ، نذكر منها :
1 - أحكام أهل الجمل . 2 - أحكام النساء . 3 - اختيار الشعراء . 4 - الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد . 5 - الأركان في دعائم الإيمان . 6 - الإستبصار في ما جمعه الشافعي من الأخبار 7 - الإشراف في أهل البيت ( عليهم السلام ) . 8 - أصول الفقه . 9 - الإعلام فيما اتفقت عليه الإمامية من الأحكام 10 - الافتخار . 11 - أقسام المولى في اللسان . 12 - الإفصاح في الإمامة . 13 - الإقناع في وجوب الدعوة . 14 - الأمالي . 15 - الإنتصار . 16 - أوائل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 160 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
المقالات . 17 - الإيضاح في الإمامة . 18 - إيمان أبي طالب ( عليه السلام ) . 19 - البيان عن غلط قطرب في القرآن . 20 - البيان في تأليف القرآن .
* *
وجاء في مقدمة كتابه المسائل الصاغانية ، ملخصاً : « كان له مجلس نظر في داره بدرب رباح ، يحضره كافة العلماء من سائر الطوائف ، يناظر أهل كل عقيدة ، زاره ابن النديم صاحب الفهرست في ذلك المجلس ، وقال عنه : شاهدته فرأيته بارعاً . . كان من أحفظ الناس وأحرصهم على التعليم ، يدور على حوانيت الحاكة والمكاتب ، فيتلمح الصبي الفطن فيستأجره من أبويه .
توفي في بغداد ، في العقد الثامن من عمره سنة 413 ، و شيعه ثمانون ألفاً من الباكين عليه ، وصلى عليه تلميذه الشريف المرتضى بميدان الأشنان ، وضاق بالناس على كبره ، ودفن عند رجلي الإمام محمد بن علي الجواد ( عليه السلام ) بجنب أستاذه الشيخ أبي القاسم جعفر بن محمد بن قولويه القمي ، صاحب كتاب كامل الزيارات ، ورثاه الشريف المرتضى ، والشيخ عبد المحسن الصوري وغيرهما من الشعراء ، ومهيار الديلمي » .
أقول : شملت مرجعية الشيخ المفيد ( قدس سره ) كافة البلاد الإسلامية لأن الشيعة كانوا منتشرين فيها ، وكان يرسل وكلاءه ونوابه إليها ، وقد رثاه الشيخ عبد المحسن الصوري في قصيدة ، منها :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] يا له طارقاً من الحدثان * ألحقَ ابنَ النعمان بالنعمان
برئت ذمة المنون من الإيمان * لما اعتدت على الإيمان
وأرى الناس حيث حلوا من الأرض * وحيث انتحوا من الأوطان
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 161 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] يطلبون المفيد بعدك والأسماء * تمضي فكيف تبقى المعاني
فجعة أصبحت تبلغ أهل الشام * صوت العويل من بغدان
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] ومن قصيدة مهيار الديلمي :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] ما بعد يومك سلوة لمعلل * مني ولا ظفرت بسمع معذل
وتشابه الباكون فيك فلم يبن * دمع المحق لنا من المتعمل
يا مرسلا إن كنت مبلغ ميت * تحت الصفائح قول حي مرسل
من للجدال إذا الشفاه تقلصت * وإذا اللسان بريقه لم يَبلل
ولغامض خاف رفعت قوامه * وفتحت منه في الجواب المقفل
رحل الحمام بنا غنيمة فائز * ما ثار قط بمثلها عن منزل
كانت يد الدين الحنيف وسيفه * فلأبكين على الأشل الأعزل
لو فل غرب الموت عن متدرع * بعفافه أو ناسك متعزل
لحمته أيد لاتني في نصره * صدق الجهاد وأنفس لا تأتلي
وغدت تطارد عن قناة لسانه * أبناء فهر بالقسي الذبل
سمح ببذل النفس فيهم قائم * لله في نصر الهدى متبتل
نزاع أرشية التنازع فيهم * حتى يسوق إليهم النص الجلي
يصبو لها قلب العدو وسمعه * حتى ينيب فكيف حالك بالولي
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] ومن قصيدة تلميذه الشريف المرتضى :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] إن شيخ الإسلام والعلم والدين * تولى فأزعج الإسلاما
والذي كان غُرةً في دجى * الأيام أودى فأوحش الأياما
كم جلوت الشكوك تعرض في * نصِّ وحيٍ وكم نصرتَ إماما
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 162 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] وخصوم لُدٍّ ملأتهم بالحق * في حومة الخصام خصاما
عاينوا منك مصمتاً ثغرة * النحس وما أرسلت يداك سهاما
وشجاعاً يفري المرائر ، ما * كل شجاع يفري الطلا والهاما
من يثير العقول من بعد ما * كن هموداً وينتج الأفهاما
فامض صفراً من العيوب فكم * بان رجال أثروا عيوباً وذاما
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] وقال القاضي نور الله في مجالس المؤمنين : وجدت على قبره رقعة مكتوب فيها :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] لا صوَّتَ الناعي بفقدك إنه * يومٌ على آل الرسول عظيم
إن كنت قد غُيبت في جدث الثرى * فالعلم والتوحيد فيك مقيم
والقائم المهدي يفرح كلما * تليت عليك من الدروس علوم
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] * *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 163 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

4 - الشريف المرتضى على بن الحسين الموسوي ( قدس سره )

خلاصة ترجمته للسيد أحمد الحسيني في مقدمة كتابه : رسائل المرتضى :
« السيد المرتضى علم الهدى ذو المجدين ، أبو القاسم علي بن الحسين بن موسى بن محمد بن موسى بن إبراهيم بن الإمام موسى الكاظم ( عليه السلام ) .
كان والده يكنى بأبي أحمد ويلقب بالطاهر ، وكان نقيب الطالبيين في بغداد . وأمه : فاطمة بنت الحسن الملقب بالناصر الصغير نقيب العلويين في بغداد ، وجده أحمد بن الحسن الملقب بالناصر الكبير الأطروش ، بن علي بن الحسن بن علي بن عمر الأشرف بن علي زين العابدين ( عليه السلام )
وقد رأى الشيخ المفيد في منامه أن فاطمة الزهراء بنت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) دخلت عليه وهو في مسجده بالكرخ ، ومعها ولداها الحسن والحسين ( عليهما السلام ) صغيرين فسلمتها إليه وقالت : علمهما الفقه ، فانتبه الشيخ وتعجب من ذلك ! فلما تعالى النهار في صبيحة تلك الليلة التي رأى فيها الرؤيا دخلت إليه المسجد فاطمة بنت الناصر ، وحولها جواريها وبين يديها ابناها علي المرتضى ومحمد الرضي صغيرين ، فقام إليها وسلم عليها فقالت له : أيها الشيخ هذان ولديَّ قد أحضرتهما إليك لتعلمهما الفقه ! فبكى الشيخ وقص عليها المنام وتولى تعليمهما وأنعم الله عليهما !
ولد المرتضى ( قدس سره ) في رجب سنة 355 ، وتوفي في 25 ربيع الأول سنة 436 ، وسنه يومئذ ثمانون سنة وثمانية أشهر ، وصلى عليه ابنه ، وتولى غسله أبو الحسين النجاشي مع الشريف أبو يعلى الجعفري وسلار بن عبد العزيز ، كما في رجال
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 164 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
النجاشي ، ودفن في داره أولاً ، ثم نقل إلى جوار جده الحسين ( عليه السلام ) ودفن في مشهده المقدس مع أبيه وأخيه ، وقبورهم ظاهرة مشهورة .
* *
قال تلميذه الشيخ الطوسي في الفهرست : متوحد في علوم كثيرة ، مجمع على فضله ، مقدم في العلوم ، مثل علم الكلام والفقه وأصول الفقه والأدب والنحو والشعر ومعاني الشعر واللغة . وقال أيضاً في الرجال : أكثر أهل زمانه أدباً وفضلاً ، متكلم فقيه ، جامع للعلوم كلها ، مد الله في عمره .
وقال النجاشي : حاز من العلوم ما لم يدانه فيه أحد في زمانه ، وسمع من الحديث فأكثر ، وكان متكلماً شاعراً ، عظيم المنزلة في العلم والدين والدنيا .
وقال العلامة في الخلاصة : وبكتبه استفادت الإمامية منذ زمنه ( رحمه الله ) إلى زماننا هذا وهو سنة ثلاث وتسعين وست مائة ، وهو ركنهم ومعلمهم قدس الله روحه وجزاه عن أجداده خيراً .
وقال السيد ابن زهرة في غاية الاختصار : علم الهدى الفقيه النظار ، سيد الشيعة وإمامهم ، فقيه أهل البيت ، العالم المتكلم البعيد ، الشاعر المجيد ، كان له بر وصدقة وتفقد في السر ، عرف ذلك بعد موته ( رحمه الله ) كان أسن من أخيه ، ولم ير أخوان مثلهما شرفاً وفضلاً ونبلاً وجلالاً ورئاسةً وتحابباً وتوادداً . لما مات الرضي لم يصلِّ المرتضى عليه عجزاً عن مشاهدة جنازته وتهالكاً في الحزن . ترك المرتضى خمسين ألف دينار ، ومن الآنية والفراش والضياع ما يزيد على ذلك .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 165 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال المحقق الكركي في رسالته قاطعة اللجاج في حل الخراج : كان ( رحمه الله ) ربع القامة نحيف الجسم أبيض اللون حسن الصورة ، فصيح اللسان ، يتوقد ذكاء ، مد الله له في العمر فنيف على الثمانين ، وبسط له في المال والجاه والنفوذ ، ففي المال كانت له ثمانون قرية .
وقال السيد الصدر في تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام : انتهت إليه رئاسة الإمامية في الدين والدنيا ، ولم يتفق لأحد ما اتفق له من بسط اليد ، وطول الباع في إحياء دوارس المذهب ، كان يدرس في كل العلوم الإسلامية ، لا سيما الكلام والفقه والأدب والحديث ، ويجري على تلامذته رزقاً ، وتخرج عليه أعلام علماء الإسلام وأئمة الفقه والكلام ، وصنف أصولاً وتأسيسات غير مسبوق بمثلها ، وأكثر في التصنيف في المعقولات لنصرة الدين في تلك الطبقات بتلك المصنفات فكانت له آيات بينات وكرامات كالمعجزات . إمام أئمة الأدب والكلام والفقه والحديث والتفسير واللغة والنحو والشعر ، كان شاعراً غلب علمه على شعره .
* *
وقال ابن حجر في لسان الميزان : هو أول من جعل داره دار العلم ، وقدرها للمناظرة ، ويقال إنه امرؤ لم يبلغ العشرين ، وكان قد حصل على رئاسة الدنيا العلم مع العمل الكثير في اليسير ، والمواظبة على تلاوة القرآن وقيام الليل ، وإفادة العلم ، وكان لا يؤثر على العلم شيئاً ، مع البلاغة وفصاحة اللهجة .
وقال في تتميم يتيمة الدهر : قد انتهت الرئاسة اليوم ببغداد إلى المرتضى ، في المجد والشرف والعلم والأدب والفضل والكرم ، وله شعر في نهاية الحسن .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 166 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال في مرآة الجنان : إمام أئمة العراق بين الاختلاف والافتراق ، إليه فزع علماؤنا وأخذ عنه عظماؤنا ، صاحب مدراسها وجامع شواردها وآنسها ، ممن سارت أخباره ، وعرفت بها أشعاره ، وحمدت في ذات الله مآثره وآثاره . وتواليفه في أصول الدين ، وتصانيفه في أحكام المسلمين ، مما يشهد أنه فرع تلك الأصول ، ومن أهل ذلك البيت الجليل . . . تولى نقابة النقباء الطالبيين شرقاً وغرباً ، وإمارة الحاج والحرمين ، والنظر في المظالم ، وقضاء القضاة ، ثلاثين سنة وأشهراً .
وقال فخر الدين الرازي في بعض كتبه بعد ذكر بعض فضائله : إن فضائله لكثيرة ، وكفى شهادة في فضله كتابه الموسوم بالدرر والغرر .
وقال ابن الأثير في جامع الأصول : كانت إليه نقابة الطالبيين ببغداد ، وكان عالماً فاضلاً كاملاً متكلماً فقيهاً على مذهب الشيعة ، وله تصانيف كثيرة .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 167 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عاصر الشريف المرتضى من الخلفاء أربعة هم : المطيع ، وكانت خلافته من سنة 334 إلى سنة 363 ، وكان عمر الشريف المرتضى حين وفاة المطيع لم يتجاوز ثمانية أعوام ، لذا لم يرد ذكره في الديوان . ثم ولي الخلافة الطائع إلى سنة 381 ، حيث وليها القادر إلى سنة 422 ، إذ وليها ابنه القائم وهو شاب ، كان هذا الخليفة القائم آخر من عاصره الشريف المرتضى ، حيث توفي المرتضى سنة 436 وبقي القائم إلى سنة 467 .
وعاصر المرتضى من الملوك البويهيين بهاء الدولة البويهي وأبناءه شرف الدولة وسلطان الدولة وركن الدين جلال الدولة ، ثم الملك أبا كاليجار المرزبان بن سلطان الدولة بن بهاء الدولة .
وعاصر من الوزراء : أبا غالب محمد بن خالف ، والوزير أبا علي الرخجي والوزير أبا علي الحسن بن أحمد ، والوزير أبا سعد بن عبد الرحيم ، والوزير أبا طالب محمد بن أيوب بن سليمان البغدادي ، والوزير أبا منصور بهرام بن مافنة وزير الملك أبي كاليجار ، وغيرهم .
وعاصر من النقباء والده الشريف أبا أحمد الموسوي ، وخاله الشريف أحمد بن الحسن الناصر وأخاه الشريف أبا الحسن محمداً الرضي ، والشريف أبا علي عمر بن محمد بن عمر العلوي ، والشريف نقيب النقباء أبا الحسن الزينبي ، والشريف أبا الحسين بن الشيبة العلوي ، وغيرهم .
وعاصر من الأمراء : الأمير أبا الغنائم محمد بن مزيد المقتول سنة 401 ، وعميد الجيوش أبا علي أستاذ هرمز المتوفى في هذه السنة أيضاً ، وأمير الأمراء أبا منصور بويه بن بهاء الدولة ، والأمير أبا شجاع بكران بن بلفوارس ، والأمير عنبر الملكي المتوفى سنة 420 ، وأمير عقيل غريب بن مقفى المتوفى سنة 415 .
وكان ( قدس سره ) يجري على تلامذته رزقاً ، فكان للشيخ أبي جعفر الطوسي ( قدس سره ) أيام قراءته عليه كل شهر اثنا عشر ديناراً ، وللقاضي ابن البراج كل شهر ثمانية دنانير ، ووقف ( قدس سره ) قرية على كاغد الفقهاء .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 168 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأصاب الناس قحط فاحتال رجل يهودي على تحصيل قوت يحفظ به نفسه ، فحضر يوماً مجلس المرتضى وسأله أن يقرأ عليه شيئاً من علم النجوم ، فأذن له وأمر له بجراية تجري عليه كل يوم ، فقرأ عليه برهة ثم أسلم على يديه !
ثم عدَّد السيد الحسيني مؤلفاته كما في الذريعة وهي 117 مؤلفاً ، نذكر منها :
1 - إبطال القياس . 3 - الأمالي في التفسير 4 - الإنتصار في انفرادات الإمامية . 5 - الذريعة في أصول الفقه . 6 - إنقاذ البشر من الجبر والقدر 7 - الرسالة الباهرة في العترة الطاهرة 8 - كتاب البرق في علم الأدب 9 - تفسير الخطبة الشقشقية 11 - تفضيل الأنبياء على الملائكة 12 - تقريب الأصول في علم الكلام ، 13 - تكملة الغرر والدرر . 14 - تنبيه الغافلين عن فضل الطالبيين في الآيات النازلة في شأن الأئمة الطاهرين ( عليهم السلام ) 15 - تنزيه الأنبياء والأئمة ( عليهم السلام ) . 18 - جواب أهل الحجاز في نفي سهو النبي ( صلى الله عليه وآله ) 22 - جواب الملاحدة في قدم العالم . 23 - جوابات المسائل البادرائيات 24 - جوابات المسائل التبانيات . 26 - جوابات المسائل الجرجانية ، 27 - جوابات المسائل الحلبية الأولى . 30 - جوابات المسائل الرازية 31 - جوابات المسائل الرسية الأولى 33 - جوابات المسائل الرمليات . 34 - جوابات المسائل السلارية 35 - جوابات المسائل الصيداوية . 36 - جوابات المسائل الطبرية 37 - جوابات المسائل الطرابلسية الأولى 41 - جوابات المسائل الطوسية ، 43 - جوابات المسائل المصريات الأولى 46 - جوابات المسائل الموصليات الأولى ، 50 - جوابات المسائل المسائل الناصرية 51 - حجية الإجماع ، 52 - الحدود والحقائق 53 - الخلاف في أصول الفقه . 59 - الرد على ابن جني في تعريضه لأبيات المتنبي 61 - الرد على من أثبت حدوث الأجسام من الجواهر 67 - الشافي في الإمامة وإبطال حجج العامة 72 - الطيف والخيال في الأدب ، 73 - عجائب الأغلاط 74 - رسالة في العصمة . 79 - كشف آيات القرآن 82 - المحكم والمتشابه . 95 - مسألة في توارد الأدلة 109 -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 169 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مسألة في نفي الرؤية . 110 - مسألة في الولاية من قبل السلطان الجائر 112 - كتاب المعرفة في إعجاز القرآن 115 - مناظرة أبي العلاء المعري ، الذريعة 22 / 286 . 116 - مناظرة الخصوم وكيفية الإستدلال عليهم . 117 - منقذ البشر من أسرار القضاء والقدر » .
وفي ترجمته في مقدمة كتابه الإنتصار للمحامي رشيد الصفار ، ما خلاصته :
« كان الشريف المرتضى ( قدس سره ) خليفة أستاذه العلامة الشيخ المفيد ( قدس سره ) في علم الكلام وفن المناظرة ، وكان مجلسه كمجلس شيخه المفيد يحضره أقطاب العلماء من كافة المذاهب ، بل وسائر الملل ، وقد مر عليك دراسة اليهودي عليه ، وكثرة اختلاف الصابي وتردده إليه ، وما قاله ابن الجوزي في أول الترجمة بأن المرتضى كان يناظر عنده في كل المذاهب ، وهذا يدل على فضل اطلاعه على فوارق المذاهب ومواد الخلاف فيما بينهم ، وهو مع ذلك كان محترماً لدى جميعهم ، معظماً عندهم ، إلا عند حساده ومناوئيه .
قال الخطيب البغدادي : كتبت عنه وكان رأساً في الاعتزال ، كثير الاطلاع والجدال ! وقال الثعالبي صاحب يتيمة الدهر : وقد انتهت الرياسة اليوم ببغداد إلى المرتضى في المجد والشرف والعلم والأدب ، والفضل والكرم .
وقد سئل عنه فيلسوف المعرة أبو العلاء بعد أن حضر مجلسه فقال :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] يا سائلي عنه لما جئت أسأله * فإنه الرجل العاري عن العار
لو جئته لرأيت الناس في رجل * والدهر في ساعة والأرض في دار » .
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 170 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

5 - شيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي ( قدس سره )

نورد سيرته ( قدس سره ) ملخصةً من ترجمة صاحب الذريعة الشيخ الطهراني ( قدس سره ) في مقدمة كتابه النهاية ، والشيخ حسن سعيد الطهراني في مقدمة كتابه الإقتصاد ، وترجمة جامعة المدرسين في مقدمة كتابه الفقهي المقارن : الخلاف :
خص الله الشيخ الطوسي ( قدس سره ) بصفات بارزة وعناية فائقة ، فقد كرس حياته طوال عمره لخدمة الدين والمذهب ، وبهذا استحق مكانته السامية ، وأصبح علماً من أعظم أعلام ، يذكر اسمه بتعظيم وإجلال وإكبار وإعجاب .
هو الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن بن علي بن الحسن الطوسي ، نسبة إلى طوس من مدن خراسان ، ولد فيها في شهر رمضان سنة 385 ، عام وفاة هارون بن موسى التلعكبري وبعد أربع سنين من وفاة الشيخ الصدوق ، وهاجر إلى العراق فهبط بغداد في سنة 408 ، وهو ابن ثلاثة وعشرين عاماً ، وكانت زعامة المذهب الجعفري فيها يومذاك لشيخ الأمة وعلم الشيعة محمد بن محمد بن نعمان الشهير بالشيخ المفيد عطر الله مثواه ، فلازمه ملازمة الظل ، وعكف على الاستفادة منه ، وأدرك شيخه الحسين بن عبيد الله بن الغضائري المتوفى سنة 411 ، وشارك النجاشي في جملة من مشايخه ، وبقي على اتصاله بشيخه حتى اختار الله للأستاذ دار لقائه في سنة 413 ، فانتقلت زعامة الدين ورياسة المذهب إلى علامة تلاميذه علم الهدى السيد المرتضى ( قدس سره ) فلازم الحضور تحت منبره ، وعني به المرتضى أكثر من سائر تلاميذه ، وعين له في كل شهر اثني عشر ديناراً ، وبقي ملازماً له طيلة ثلاث وعشرين سنة ، حتى توفي السيد المعظم لخمس بقين
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 171 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
من شهر ربيع الأول سنة 436 ، فاستقل شيخ الطائفة في المرجعية ، وكانت داره في الكرخ مأوى الأمة ، وتقاطر إليه العلماء والفضلاء للحضور تحت منبره ، وبلغ تلاميذه ثلاث مائة من مجتهدي الشيعة ، وأكثر منهم من العامة ، وقد اعترف الجميع بمكانته العلمية حتى أن الخليفة القائم بأمر الله عبد الله بن القادر بالله أحمد خصه بكرسي الكلام والإفادة ، وهو أعلى كرسي علمي في الخلافة لمن برز في علومه وتفوق على أقرانه .
* *
بعد إحدى عشرة سنة من زعامته العلمية ، جاءت موجة آل سلجوق وأنهوا حكم آل بويه ، وحدثت الفتن بين الشيعة والسنة ، وأمر طغرل بيك أول ملوك السلاجقة بشن حملة شعواء على الشيعة في بغداد ، وأمر بإحراق المكتبة التي أنشأها أبو نصر سابور بن أردشير ، وزير بهاء الدولة البويهي ، وكانت من دور العلم المهمة في بغداد ، بناها هذا الوزير الجليل والأديب الفاضل في محلة بين السورين في الكرخ سنة 381 ، على مثال بيت الحكمة الذي بناه هارون الرشيد ، جمع فيها ما تفرق من كتب فارس ، والعراق ، واستكتب تآليف أهل الهند والصين والروم ، ونافت كتبها على عشرة آلاف ، من مهام الأسفار وجلائل الآثار ، وأكثرها نسخ الأصل بخطوط المؤلفين !
قال ياقوت الحموي : وبها كانت خزانة الكتب التي أو قفها الوزير أبو نصر سابور بن أردشير وزير بهاء الدولة بن عضد الدولة ولم يكن في الدنيا أحسن كتباً منها ، كانت كلها بخطوط الأئمة المعتبرة وأصولهم المحررة إلخ .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 172 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وكان من جملتها مائة مصحف بخط ابن مقلة على ما ذكره ابن الأثير ، فاحترقت هذه المكتبة العظيمة فيما احترق من محال الكرخ ، وهاجموا مسجد الشيخ الطوسي ( قدس سره ) وبيته ليقتلوه !
قال ابن الجوزي في حوادث سنة 448 : وهرب أبو جعفر الطوسي ونهبت داره ثم قال في حوادث سنة 449 : وفي صفر في هذه السنة كبست دار أبي جعفر الطوسي متكلم الشيعة بالكرخ ، وأخذ ما وجد من دفاتره وكرسي كان يجلس عليه للكلام ، وأخرج إلى الكرخ وأضيف إليه ثلاث سناجيق بيض ، كان الزوار من أهل الكرخ قديماً يحملونها معهم إذا قصدوا زيارة الكوفة ، فأحرق الجميع !
هاجر الشيخ الطوسي ( قدس سره ) إلى النجف الأشرف لائذاً بجوار أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وصيرها مركزاً للعلم ، وأخذت تشد إليها الرحال ، وقام فيها صرح الإسلام ، وتخرج منها في زمنه وبعده آلافٌ مؤلفةٌ من أساطين الدين وأعاظم الفقهاء ، وكبار الفلاسفة ، ونوابغ المتكلمين ، وأفاضل المفسرين ، وأجلاء اللغويين ، وغيرهم ممن خبروا العلوم الإسلامية بأنواعها .
* *
من أمعن النظر في تاريخ الشيعة وفي مؤلفات الشيخ الطوسي المتنوعة ، علم أنه في الطليعة من فقهائهم ، فقد أسس طريقة الإجتهاد المطلق في الفقه وأصوله واشتهر بالشيخ ، فهو المراد به إذا أطلق في كلمات الأصحاب ، من عصره إلى عصر زعيم الشيعة بوقته أبي ذر زمانه الشيخ مرتضى الأنصاري ، المتوفى سنة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 173 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
1281 ، فقد يطلق الشيخ في عصرنا ويكون المراد به الشيخ الأنصاري ، أما في كتب القدماء والسلف فالمراد هو شيخ الطائفة ( قدس سره ) .
لاحظ شهادة العلامة الحلي بحقه ، والعلامة هو الذي طبقت العالم الإسلامي شهرته ، وتضلع من سائر العلوم ، ونبغ في كافة الفنون ، وانتهت إليه رياسة علماء عصره في المعقول والمنقول ، وألف في كل علم عدة كتب ، ولم يشك أحد في أنه من عظماء العالم ونوادر الدهر ، هذا الرجل ذكر شيخ الطائفة في كتابه خلاصة الأقوال في معرفة أحوال الرجال / 73 ، ووصفه بقوله : شيخ الإمامية ووجيههم ، ورئيس الطائفة ، جليل القدر ، عظيم المنزلة ، ثقة ، عين ، صدوق ، عارف بالأخبار والرجال والفقه والأصول والكلام والأدب ، وجميع الفضائل تنسب إليه ، صنف في كل فنون الإسلام ، هو المهذب للعقائد في الأصول والفروع ، الجامع لكمالات النفس في العلم والعمل الخ . وكذا غير العلامة من كبار علماء المذهب قدس الله أرواحهم .
* *
عدَّ صاحب الذريعة ( قدس سره ) 46 من مؤلفاته ، مع ملاحظات حول كل منها ، نذكر منها :
1 - الأبواب : سمي بذلك لأنه مرتب على أبواب بعدد رجال أصحاب النبي ( صلى الله عليه وآله ) وأصحاب كل واحد من الأئمة ( عليهم السلام ) ويسمى برجال شيخ الطائفة .
2 - اختيار الرجال : هو كتاب رجال الكشي الموسوم ب‍ معرفة الناقلين لأبي عمرو محمد بن عمر بن عبد العزيز الكشي معاصر ابن قولويه المتوفى سنة 369 والراوي كل منهما عن الآخر ، وكان كتاب رجاله كثير الأغلاط كما ذكره النجاشي لذلك عمد شيخ الطائفة إلى تهذيبه وتجريده من الأغلاط وسماه بذلك ، وأملاه على تلاميذه في المشهد الغروي وكان بدء إملائه يوم الثلاثاء 26 صفر سنة 456 .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 174 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
3 - الإستبصار فيما اختلف من الأخبار : هو أحد الكتب الأربعة والمجاميع الحديثية التي عليها مدار استنباط الأحكام الشرعية عند الفقهاء الاثني عشرية من عصره إلى اليوم .
4 - أصول العقائد : قال في فهرسه عند ترجمته لنفسه وتعديد تصانيفه ما لفظه : وكتاب في الأصول كبير خرج منه الكلام في التوحيد وبعض الكلام في العدل .
5 - الإقتصاد الهادي إلى طريق الرشاد : وهو فيما يجب على العباد من أصول العقائد والعبادات الشرعية على وجه الاختصار .
6 - الأمالي : في الحديث ، ويقال له المجالس لأنه أملاه مرتباً في عدة مجالس .
9 - التبيان في تفسير القرآن : وهو أول تفسير جمع فيه مؤلفه أنواع علوم القرآن .
10 - تلخيص الشافي : في الإمامة ، أصله للسيد المرتضى ، ولخصه تلميذه شيخ الطائفة .
. 12 - تهذيب الأحكام : أحد الكتب الأربعة والمجاميع القديمة المعول عليها عند الأصحاب من لدن تأليفها حتى اليوم .
13 - الجمل والعقود : في العبادات ، وقد رأيت منه عدة نسخ في النجف الأشرف ، وفي طهران ، ألفه بطلب من خليفته في البلاد الشامية ، وهو القاضي عبد العزيز بن نحرير بن عبد العزيز بن البراج قاضي طرابلس المتوفى سنة 481 .
19 - الفهرست : ذكر فيه أصحاب الكتب والأصول ، وأنهى إليهم وإليها أسانيده عن مشايخه ، وهو من الآثار الثمينة الخالدة .
20 - ما لا يسع المكلف الاخلال به ، في علم الكلام ، ذكره النجاشي في رجاله .
. 22 - المبسوط في الفقه ، من أجل كتب هذا الفن ، يشمل جميع أبوابه في نحو سبعين كتاباً .
23 - مختصر أخبار المختار بن أبي عبيد الثقفي : ويعبر عنه بأخبار المختار أيضاً .
. 28 - مسألة في تحريم الفقاع : ذكرها الشيخ نفسه في الفهرست .
31 - الفرق بين النبي والإمام ، في علم الكلام .
32 - المسائل الألياسية . وهي مائة مسألة في فنون مختلفة .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 175 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
34 - المسائل الحائرية ، في الفقه ، وهي نحو من ثلاث مائة مسألة .
40 - مصباح المتهجد ، في أعمال السنة ، وهو من أجل الكتب في الأعمال والأدعية ، وهو قدوتها وأصلها ودوحتها .
41 - المفصح : في الإمامة ، وهو من الآثار الهامة .
42 - مقتل الحسين ( عليه السلام ) .
43 - مقدمة في المدخل إلى علم الكلام .
44 - مناسك الحج في مجرد العمل .
6 - النهاية في مجرد الفقه والفتاوي ، وهو من أعظم آثاره وأجل كتب الفقه ومتون الأخبار .
47 - هداية المسترشد وبصيرة المتعبد ، في الأدعية والعبادات .
ثم ذكر صاحب الذريعة مشايخه الذين تدور روايته عليهم في الغالب . والذين أكثر الرواية عنهم ، وتكرر ذكرهم في الفهرست وفي مشيخة كل من كتابيه التهذيب والاستبصار خمسة :
1 - الشيخ أبو عبد الله أحمد بن عبد الواحد بن أحمد البزاز المعروف بابن الحاشر مرة ، وبابن عبدون أخرى ، والمتوفى سنة 423
. 2 - الشيخ أحمد بن محمد بن موسى . المعروف بابن الصلت الأهوازي المتوفى سنة 408
3 - الشيخ أبو عبد الله الحسين بن عبيد الله بن الغضائري المتوفى سنة 411
4 - الشيخ أبو الحسين علي بن أحمد بن محمد بن أبي جيد المتوفى بعد سنة 408
5 - شيخ الأمة ومعلمها محمد بن محمد بن النعمان الشهير بالشيخ المفيد والمتوفى سنة 413
ثم عدَّ . صاحب الذريعة ( رحمه الله ) اثنين وثلاثين عالماً من أساتيذه وشيوخه . وستة وثلاثين عالماً من تلاميذ الشيخ الطوسي المعروفين . .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 176 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

تأسيس الشيخ الطوسي ( قدس سره ) لحوزة النجف الأشرف

عاش الشيخ الطوسي بقية عمره المبارك في النجف الأشرف اثنتي عشرة سنة حتى توفي ( قدس سره ) ليلة الاثنين الثاني والعشرين من المحرم سنة 460 ، عن خمس وسبعين سنة ، وتولى غسله ودفنه تلميذه الشيخ الحسن بن مهدي السليقي ، والشيخ أبو محمد الحسن بن عبد الواحد العين زربي ، والشيخ أبو الحسن اللؤلئي ، ودفن في داره بوصية منه ، وتحولت الدار بعده مسجداً حسب وصيته أيضاً . وقبره مزار يتبرك به الناس من العلوم والخواص ، ومسجده مشهور مبارك عقدت فيه منذ تأسيسه حتى اليوم عشرات حلقات التدريس من قبل كبار المجتهدين وأعاظم المدرسين ، والعلماء يستمدون من بركات قبره ( رحمه الله ) لكشف غوامض المسائل ومشكلات العلوم ، وهو في الجهة الشمالية للصحن العلوي الشريف .
وقد خلف الشيخ الطوسي ابنه الحسن ، ويكنى بأبي علي ، ويلقب بالمفيد الثاني وهو من مشاهير العلماء ، وقد خلف أباه في التدريس والفتيا ، إلى أن توفي سنة 515 ، وله مؤلفات مفيدة .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 177 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل السادس : المصادر العلمية عند الشيعة

1 - مصادر الشيعة وثروتهم العلمية

كان وما زال للشيعة مصادرهم من الكتب والمؤلفات العديدة ، بل هم أغنى من غيرهم ببركة وجود الأئمة ( عليهم السلام ) وكثرة تلاميذهم من العلماء والرواة عنهم ، واهتمامهم بالتدوين ، فقد وقف أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ضد تحريم الخلافة لتدوين العلم والحديث النبوي ، وكان هو والأئمة من ذريته ( عليهم السلام ) يأمرون بالتدوين ، وبلغ العلماء من تلاميذهم والرواة عنهم آلافاً مؤلفة ، وكتبهم المئات .
وفي مقابل ذلك قامت الخلافة القرشية من أول عهودها بهجمة شرسة على كتب الشيعة ومصادرهم ، بمصادرتها وإحراقها ، أو الاحتفاظ بها في خزائن الخلفاء وخزائن علماء السلطة ، يستفيدون منها لأغراضهم ، ويظهرون منها ما يحلو لهم ، بعد أن يحرفوه عن مواضعه !
ويكفيك مثالاً على سياستهم في إبادة العلم : كُتب جابر بن يزيد الجعفي ، وكُتب أحمد ابن عقدة ، وكُتب سليمان الأعمش ، وهم علماء موثقون عندنا وعندهم ! فقد أحرقوا كتبهم أو فُقدت في سنوات تشريد تلاميذهم وتقتيلهم ! وقد بلغت مؤلفاتهم نحو أربع مئة ألف حديث ، أو مئتي مجلداً !
قال مسلم في مقدمة صحيحه : 1 / 15 : « الجراح بن مليح يقول : سمعت جابراً يقول : عندي سبعون ألف حديث عن أبي جعفر ( الباقر ( عليه السلام ) ) عن النبي ( ص ) كلها » !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 178 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد أحضر المنصور سليمان الأعمش ليلاً ليمنعه من رواية مناقب علي ( عليه السلام ) وقال له : « فأخبرني بالله وقرابتي من رسول الله كم رويت من حديث علي بن أبي طالب ، وكم من فضيلة من جميع الفقهاء ؟ قلت : شئ يسير يا أمير المؤمنين ! قال : كم ؟ قلت : مقدار عشرة آلاف حديث وما يزداد ! قال : يا سليمان ألا أحدثك بحديث في فضائل علي يأكل كل حديث رويته عن جميع الفقهاء ؟ فإن حلفت لا ترويه لأحد من الشيعة حدثتك به » ! ( فضائل علي ( عليه السلام ) لابن المغازلي / 226 ) .
وقال الشهيد نور الله التستري في الصوارم المهرقة / 214 : « إن أهل بغداد أجمعوا على أنه لم يظهر من زمان ابن مسعود إلى زمان ابن عقدة من يكون أبلغ منه في حفظ الحديث . وأيضاً قال الدارقطني : سمعت منه أنه قال : قد ضبطت ثلاث مائة ألف حديث من أحاديث أهل البيت وبني هاشم ( عليهم السلام ) ، وحفظت مائة ألف حديث بأسانيدها ! ونقل الذهبي عن عبد الغني بن سعيد أنه قال : سمعت عن الدارقطني قال : إن ابن عقدة يعلم ما عند الناس ، ولا يعلم الناس ما عنده !
وقال الثلاثة : إن ابن عقدة كان يقعد في جامع براثا من الكوفة ، ويذكر مثالب الشيخين عند الناس ، فلهذا تركوا بعض أحاديثه ، وإلا فلا كلام في صدقه » .
وقال الذهبي في تذكرة الحفاظ : 3 / 840 : « قال الحاكم ابن البيِّع : سمعت أبا علي الحافظ يقول : ما رأيت أحفظ لحديث الكوفيين من أبي العباس بن عقدة . وعن ابن عقدة قال : أنا أجيب في ثلاث مائة ألف حديث من حديث أهل البيت وبني هاشم . حدث بهذا عنه الدارقطني . وعن ابن عقدة قال : أحفظ مائة ألف حديث بأسانيدها . . وقال أبو سعد الماليني : أراد ابن عقدة أن ينتقل فكانت كتبه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 179 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ست مائة حملة » . وذكر نحوه في وسائل الشيعة : 20 / 131 ، ونقل قول الشيخ الطوسي فيه : « أمره في الثقة والجلالة والحفظ ، أشهر من أن يذكر » .
وفي مجلة تراثنا : 21 / 180 : « أفرد الذهبي رسالة عن حياته ، مذكورة في مؤلفاته في مقدمة سير أعلام النبلاء باسم : ترجمة ابن عقدة . ترجم له أعلام العامة بكل تجلة وتبجيل ووثقوه ، وأثنوا على علمه وحفظه وخبرته وسعة اطلاعه ، وأرخوا ولادته ليلة النصف من المحرم سنة 249 ، ووفاته في 7 ذي القعدة سنة 332 ، ومن المؤسف أن هذا الرجل العظيم لم يبق من مؤلفاته الكثيرة الكبيرة سوى وريقات توجد في دار الكتب الظاهرية بدمشق ، ضمن المجموعة رقم 4581 ، باسم : جزء من حديث ابن عقدة من الورقة 9 - 15 » !
أما اليوم فلا تجد حتى الترجمة التي كتبها الذهبي لابن عقدة !
ويتضح لك حجم جريمة الحكومات في تضييع علم العترة ( عليهم السلام ) ، إذا عرفت أن كل ألفي حديث تبلغ مجلداً تقريباً ، وأن صحيح بخاري ومسلم وبقية الكتب الستة مع حذف المكرر تبلغ : 9780 حديثاً ، وكل ما في الصحيحين : 2980 حديثاً .
http : / / www . ahlalhdeeth . com / vb / showthread . php ? t = 2586 9
فتكون أحاديث جابر بن يزيد الجعفي خمساً وثلاثين مجلداً ! وحجم العشرة آلاف حديث التي يرويها سليمان الأعمش في فضائل أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أكثر من مجموع الكتب الستة ! أما أحاديث أحمد بن عقدة عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فتبلغ خمسين مجلداً ، وعن أهل البيت ( عليهم السلام ) وبني هاشم ، مئة وخمسين !
ولم تكتفِ السلطة بمصادرة الكتب وإحراقها ، حتى أفتى علماؤها بأن كل من
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 180 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
روى شيئاً فيه نقد ولو بسيط لأبي بكر وعمر ، فحكمه أن يدفن حياً في بئر !
قال الذهبي في ميزان الإعتدال : 2 / 75 ، عن العلل لأحمد بن حنبل : 3 / 8 : « قال عبد الله بن أحمد : سألت ابن معين عنه فقال : رجل سوء يحدث بأحاديث سوء . . قلت : فقد قال لي : إنك كتبت عنه ؟ فحول وجهه وحلف بالله إنه لا أتاه ولا كتب عنه . وقال : يستأهل أن يحفر له بئر فيلقى فيها » !
فهل يجوز أن تخسر أجيال الأمة هذه الثروة العظيمة ، بسبب روايات تنتقد بعض الصحابة ؟ أمَا كان الواجب عليهم أن يرووها ويردوا عليها ؟ ! لكنها سياسة التجهيل وحرمان أجيال المسلمين من معرفة الحقائق ، وإحراق كل ما خالف هوى الحاكم !
ورغم هذه السياسة الوحشية ، بقي للشيعة من ثروتهم العلمية الكثير ، وكم من أحاديث وحقائق من السيرة والتاريخ ، توجد في مصادرهم ، ولا توجد عند غيرهم !

2 - فتح باب الإجتهاد عند الشيعة

امتاز الشيعة عن غيرهم بفتح باب الإجتهاد ، وهو يعني حرية البحث العلمي وضرورته . بينما أقفله الآخرون وحصروه بأئمة المذاهب الأربعة ، وأوجبوا على علماء العصور أن يقلدوهم ، ولا يخرجوا عن فتاواهم .
وفي مطلع هذا القرن دعا المتجددون المصريون إلى فتح باب الإجتهاد ، من باب حرية الفكر والبحث العلمي ، لكنهم لم يضعوا للاجتهاد في الدين شروطاً فدخل فيه الجهلة وأصحاب الأهواء من العلمانيين ، ومن هواة تشكيل حركات
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 181 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إسلامية ، حتى شاع اسم « مجتهدي الشقق » الذين أخذوا يجتهدون في أصول الدين وفروعه ، ويجمعون أنصاراً ويصدرون الفتاوى بالجهاد ، وسفك الدماء ، ودعوة الناس إلى طاعة أميرهم مفتي الشقة والمرشح للخلافة بالقوة !
وكذلك فعل الوهابية ففتحوا باب الإجتهاد لكل من هب ودب ، وأفتى كبار علمائهم لمدرِّسة عادية أن تجتهد وتفتي فقد كتبت لهم : « أنا مدرسة دين متخرجة من الكلية المتوسطة قسم دراسات إسلامية ، وقد اطلعت على مجموعة من الكتب الفقهية ، فما هو الحكم حين أسأل من قبل الطالبات فأجاوبهن على حسب معرفتي ، أي عن طريق القياس والاجتهاد ، دون التدخل في أحكام الحرام والحلال ؟ ج : عليك مراجعة الكتب والاجتهاد ثم الإجابة بما غلب على ظنك أنه الصواب ولا حرج عليك في ذلك ، أما إذا شككت في الجواب ولم يتبين لك الصواب فقولي لا أدري وعديهن بالبحث ثم أجيبيهن بعد المراجعة ، أو سؤال أهل العلم للاهتداء إلى الصواب حسب الأدلة الشرعية »
فأجابتها لجنة علمائهم الكبار بفتوى رقم 4400 : « كل من تعلم مسألة من مسائل الشريعة الإسلامية بدليلها ووثق من نفسه فيها ، فعليه إبلاغها وبيانها عند الحاجة » ( اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء في المملكة السعودية ( 5 / 48 ) رقم الفتوى 4798 ) .
ومعناه أنه يجوز لأغلب الذين يقرؤون ويكتبون أن يفتوا في الدين ، وتكون فتوى أحدهم صحيحة مبرئة لذمة من يعمل بها ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 182 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فإذا كان الأمر كذلك ، فلماذا يحملون خشبة الخلاف مع المسلمين ، ولا يحترمون اجتهاداتهم المخالفة لهم ، مع أن الفكر الوهابي كله اجتهاد شخص هو محمد بن عبد الوهاب ، بل هو مقلد لمجتهد آخر اسمه ابن تيمية ؟ !
لكن الشيعة وضعوا شروطاً مشددة للمجتهد ، منها أن يكون مجتهداً في عدة علوم يتوقف عليها الاستنباط الفقهي مثل النحو واللغة والمنطق والبلاغة والتفسير والحديث وأصول الفقه . . وأن يكون بلغ درجة الإجتهاد التي تعرف بشهادة الفقهاء الكبار ، حتى لا يدخل المتطفلون والحفاة ، فيعبثون بمسائل الدين ويصدرون الفتاوى باسم الإجتهاد !
ولهذا السبب احتاج المجتهد الشيعي إلى أهلية خاصة ، وجهد كبير ، ووقت طويل حتى يصل إلى درجة الإجتهاد ، واحتاج المرجع إلى وقت أطول حتى يكون مرشحاً للمرجعية ، وهذا هو السبب في أنك لا تجد مرجعاً شاباً للشيعة ، فغالباً ما يكون في الخمسينات والستينات من عمره .

3 - منهج التصحيح والتضعيف عند الشيعة

قامت الخلافة العباسية بحصر المذاهب في أربعة ، وأقفلت باب الإجتهاد فلا يحق لأحد من علماء الأمة مهما بلغ شأنه العلمي أن يكون مجتهداً ، ويجب عليه أن يقلد أحد الأئمة الأربعة : المالكي والشافعي والحنفي والحنبلي .
كما قامت السلطة بتبني كتابين في الحديث على أنهما هما الصحيحان ، وألزمت
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 183 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
المسلمين بهما ، فكل ما في كتاب محمد بن إسماعيل البخاري من الجلد إلى الجلد هو صحيح يحرم رد أي حديث منه ، بل يحرم مناقشته والطعن فيه !
وكذلك مسلم القشيري تقريباً !
وفي المقابل أصر علماء الشيعة على إبقاء باب الإجتهاد مفتوحاً لكل من جمع شروط الإجتهاد ، ورفضوا حصر الأحاديث الصحيحة بكتاب أو كتابين ، بل رفضوا الحكم بصحة ما صححه عالم في كتابه سواء كان شيعياً أم سنياً ، لأن تصحيح المجتهد حجة عليه هو ومن قلده في عصره ، وليس حجة على المجتهد الذي يعاصره أو يأتي بعده !
ولذلك اعتبروا جميع ما رواه السنة والشيعة عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) مواد محترمة ، لكن يجب أن تخضع للبحث العلمي في كل عصر ، ويجب أن يكون في المسلمين مراجع وأهل اختصاص في كل عصر يرجع المسلمون إليهم في التصحيح والتضعيف ، فيأخذوا الحكم منهم بصحة هذا الحديث أو ضعفه .
وبهذا تعرف أن منهج الشيعي علمي ، ومنهج غيرهم خاضع للسياسة !

4 - يقوم فقه الشيعة على العلم ويرفض الظن

قال الله تعالى : إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً . وعلى هذا التأصيل القرآني العقلي قام المنهج اليقيني في مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) وقالوا لطالب العلم : إنك طالبُ علم ولستَ طالب ظن ! فلا تجمع ظنوناً وتقدمها إلى المسلمين على أنها دين الله تعالى ! ولكي يكون ما تكسبه علماً نظيفاً من الظنون ، عليك أن تتفهم القواعد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 184 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الخمس التالية لبحثك العلمي ، في المواضيع الإسلامية :
الأولى : أن حجية العقل محصورة بمدركاته القطعية كحسن العدل وقبح الظلم أما ظنونه واحتمالاته فلا تغني من الحق شيئاً ، كما أرشدك الله تعالى في كتابه .
الثانية ، أن نص القرآن قطعي فلا بد أن تكون دلالته قطعية ، أو تنتهي إلى القطع ، وإلا فهو الظن أو الاحتمال الأبخس من الظن ، وكلاهما لا قيمة له .
الثالثة ، لا بد لك من العلم بصدور النص الذي تستدل به من المعصوم ( عليه السلام ) ، فإن علمت بصدور لفظه أو مضمونه أو قامت عندك حجة قطعية عليه ، فاعتمده ، وإلا فهو ظن أو احتمال لا قيمة له ، لا عند الله تعالى ولا عند العقل .
الرابعة ، إن لم تجد علماً من نص قطعي ودلالة قطعية أو حجة قطعية ، فاعلم أن طريق الضلال يبدأ من هنا ! فاحذر أن تضل وتقول إني لم أستطع تحصيل العلم فلا بد أن أعمل بظني ، فتحطب احتمالات وتنسبها إلى دين الله تعالى !
فهذه الطريق لا تحل مشكلتك ، بل حلها أن تعرف أنك في حالة شك في حكم الله تعالى ومفاهيم دينه ، فابحث عن الحكم العملي للشاك في الأصول العملية ، فهو حكم قطعي من الكتاب والسنة والعقل ، فاعمل به بعلم .
الخامسة : لكل واقعة في علم الله حكمٌ شرعي ، وهو واحد وليس متعدداً . وعندما يختلف المجتهدون في استنباط الحكم ، يكون ما يستنبطونه حكماً ظاهرياً وهو وإن كان قطعياً عند مستنبطة ، فقد يطابق حكم الله الواقعي وقد يخالفه .
إن الإجتهاد عندنا عملية اكتشاف لا اختراع ، فهو بذل الجهد لمعرفة الأحكام
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 185 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الشرعية والمفاهيم الإسلامية ، فإن لم يكن لنا طريق للعلم ، فالحل أن نبحث عن الوظيفة الشرعية للمكلف في حالة الشك ، لا أن نركب ظنوننا ونتبع احتمالاتنا ، فذلك هو العمل بالظن المنهي عنه في القرآن والسنة ، وهو اجتهاد يرفضه الشيعة ، اللهم إلا أن يدل دليل خاص على حجية الظن في مورد ، فيقتصر عليه ، كظن الشاك في اتجاه القبلة ، وظن الشاك في عدد ركعات الصلاة ، وغيرهما .
قال السيد محمد تقي الحكيم في الأصول العامة للفقه المقارن / 86 :
« فمراحل البحث لدى المجتهد إذن خمسة : 1 - مرحلة البحث عن الحكم الواقعي
2 - مرحلة البحث عن الحكم الواقعي التنزيلي وأهم أصوله : الاستصحاب . . .
3 - مرحلة البحث عن الوظيفة الشرعية ، وأصولها هي : البراءة الشرعية ، الاحتياط الشرعي ، التخيير الشرعي .
4 - مرحلة البحث عن الوظيفة العقلية ، وأصولها : البراءة العقلية ، الاحتياط العقلي التخيير العقلي .
5 - مرحلة تعقد المشكلة وعدم التمكن من العثور على أدلة الحكم أو الوظيفة بأقسامها ، والأصول التي يرجع إليها عادة هي القرعة » .
( راجع ألف سؤال وإشكال : 2 / 484 : تأسيسهم دين الظنون واتهامهم النبي ( صلى الله عليه وآله ) بالعمل بالظن ) .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 186 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

5 - تميز الفقه الشيعي بالتعمق في أصول الفقه

دوَّن علماء الإسلام بتوجيه الأئمة ( عليهم السلام ) علم أصول الفقه ، وينقسم إلى الأصول اللفظية التي تبحث دلالات الألفاظ والتخاطب ، وتؤصِّل لقوانين فهم النص وضبط المواد الفقهية والدستورية . . الخ .
والأصول العملية التي تبحث الحالة الأولية لذمة المكلف ، لتكون المرجع عند عدم النص ، أو إبهامه ، أو تعارضه وعدم الوصول إلى حل فيها . الخ
وهو من أعمق العلوم وأكثرها فائدة ، وقد تواصل اهتمام علماء الشيعة به وتآليفهم فيه ، بينما تراجع التأليف فيه وحتى تدريسه عند المذاهب الأخرى !
وهذه الميزات للفقه الشيعي مع ميزاته الأخرى ، أعطته مكانة الاحترام والإعجاب عند فقهاء المذاهب ، وفي محافل الفقه والقانون الدولية ، حتى أن بعض الدول كمصر تبنت عدداً من فتاوى الفقه الشيعي ، وأصدرت مراسيم بتطبيقها .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 187 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل السابع : المناسبات الدينية والمشاهد المقدسة عند الشيعة

1 - كيف يمضي الشيعي أيام سنته ؟

تحفل أيام السنة عند الشيعة بمجموعة مناسبات دينية ، لا توجد عند غيرهم .
فليلة الجمعة تعني عند الإنسان الشيعي دعاء كميل ، وهو دعاء بليغ علمه أمير المؤمنين ( عليه السلام ) لكميل بن زياد النخعي ( رحمه الله ) ، فأخذ الشيعة يعقدون المجالس لقراءته ليلة الجمعة ، وبعضهم يقرؤونه في المساجد بعد صلاة العشاء .
وهو تحميد وتمجيد لله تعالى ، وصلاة وتسليم على رسول الله وأهل بيته الطاهرين ( عليهم السلام ) ، واعتراف أمام الله تعالى بالذنوب وطلب غفرانها .
وتعني ليلة الجمعة أيضاً زيارة الإمام الحسين ( عليه السلام ) ، أو زيارة مشهد أحد المعصومين ( عليهم السلام ) لمن تيسرت له .
ويعني يوم الجمعة عند الشيعي صلاة الجمعة إذا تيسرت بشروطها التي يفتي بها مرجع تقليده ، أو صلاة الظهر والعصر جماعة بدل صلاة الجمعة .
وتعني ليلة الأربعاء عند كثير من المتدينين : دعاء التوسل إلى الله تعالى بالنبي ( صلى الله عليه وآله ) وأهل بيته الطاهرين ( عليهم السلام ) . وهو دعاء يخاطب فيه الداعي الله تعالى ويطلب منه ، ويخاطب النبي ( صلى الله عليه وآله ) والأئمة ( عليهم السلام ) واحداً واحداً ، ويتوجه به إلى الله تعالى : يا وجيهاً عند الله إشفع لنا عند الله .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 188 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وعلى مدار أيام السنة توجد مناسبات وفيات ومواليد النبي ( صلى الله عليه وآله ) والزهراء ( عليها السلام ) والأئمة الاثني عشر ( عليهم السلام ) ، يحتفي بها الشيعة فيقيمون لها المجالس في مساجدهم وحسينياتهم وبيوتهم ، ويقرأ فيها القارئ شيئاً من سيرة المعصوم وفضائله ( عليهم السلام ) ، وفي مناسبة الوفاة يذكر ما جرى من أحداث الوفاة والشهادة ، وأبياتاً من الشعر الفصيح أو الشعبي في التعزية بالمعصوم ( عليه السلام ) .
وفي مناسبة المولد يقرأ فضائل المعصوم ( عليه السلام ) ومدائحه ، وقد يشارك في الاحتفال عدة خطباء ، شعراً ونثراً . كما تعقد النساء مجالس مشابهة لمجالس الرجال . ويشارك أولاد الشيعة بأناشيد ، بالشعر الشعبي أو القريض .
وهكذا يعيش الشيعي في أيام سنته في أجواء المعصومين ( عليه السلام ) ، ويتعرف على سيرتهم ، كما يستفيد من هذه المجالس ثقافة دينية وأدبية واسعة .
وتتفاوت المناسبات الدينية في سعة اهتمام الشيعة بها وتنوعه ، وأهمها عندهم مناسبة عاشوراء ، ويحتفلون بها عشرة أيام من أول محرم ، فيوشحون مجالسهم وبيوتهم بالسواد ، ويدعون الخطباء والمحاضرين والمداحين ( الرواديد ) ويستمعون إلى المحاضرات ، والقصائد ، والعزاء والنوح ، ويبكون .
ويلي ذلك في الاهتمام الشعبي عند الشيعة شهر رمضان ، فيعقدون فيه مجالس القرآن والدعاء ، والمحاضرات والتعزية . ويشاركون بقية المسلمين في الأنشطة والأجواء الرمضانية الأخرى . وأبرز مناسباتهم فيه الاحتفال بمولد الإمام الحسن السبط ( عليه السلام ) في منتصفه ، واحتفالهم بشهادة أمير المؤمنين ( عليه السلام ) حيث ضُرب في ليلة التاسع عشر ، واستشهد في ليلة الحادي والعشرين من رمضان .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 189 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ويلي شهر رمضان في سعة الاهتمام احتفالهم بشهادة الزهراء ( عليها السلام ) فيقيمون لها ثلاثة مجالس ، لأنه توجد في شهادتها ثلاث روايات : أنها عاشت بعد النبي ( صلى الله عليه وآله ) خمساً وأربعين يوماً ، وخمساً وسبعين ، وخمساً وتسعين .

2 - عاشوراء أهم موسم جماهيري عند الشيعة

يحتفل الشيعة في أنحاء العالم بذكرى استشهاد الإمام الحسين ( عليه السلام ) في أيام عاشوراء ، ويقيمون مجالس التعزية والنوح واللطم ، ويسيرون في مواكب ، ويبذلون الطعام والشراب عن روح الإمام الحسين ( عليه السلام ) .
وتستمر مجالسهم عادة من أول شهر محرم حتى يوم عاشوراء أي العاشر منه ، وفي بعض البلدان إلى آخر شهر محرم أو آخر شهر صفر . وتشمل أنواعاً من الأعمال قد تبلغ عشرين نوعاً ، أهمها :
1 - لبس السواد حزناً .
2 - رفع الأعلام السوداء على الحسينيات وأبواب المساجد والبيوت . . .
3 - عقد المجالس في المساجد والحسينيات والبيوت ، وفي الساحات والشوارع حيث يتلو القراء الموعظة والسيرة ، ويختمونها بالشعر الفصيح والعامي المؤثر .
4 - إطعام الطعام وسقي الماء والمرطبات ، بنية الثواب للإمام الحسين ( عليه السلام ) ، في أماكن إقامة المجالس ، أو بإرسالها إلى البيوت .
5 - نذر النذور لله تعالى وثوابها للإمام الحسين ( عليه السلام ) ، من قراءة مجالس تعزية أو إطعام وما شابه .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 190 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
6 - البرامج المسموعة والمرئية عن عاشوراء .
7 - التمثيليات الشعبية عن جوانب من واقعة عاشوراء .
8 - تعطيل الأعمال يوم التاسع والعاشر ، أو العاشر فقط من شهر محرم .
9 - مسيرات المعزين في الشوارع من نقطة إلى نقطة في البلد ، في مواكب تنقسم إلى مجموعات ، وتقرأ الشعر الفصيح والشعبي ، وتلطم على صدورها . ويرافق الموكب عادة ضرب طبول وسناجق ، تستعمل في الحزن ، وتشبه النغم العسكري .
10 - الذهاب مشياً على الأقدام إلى زيارة الإمام الحسين ( عليه السلام ) ، وهذه عادة أوسع ما تكون في زيارة الأربعين في العراق ، حيث تتجه ملايين الشيعة وبعض السنة ، من محافظات العراق المختلفة مشياً على الأقدام إلى كربلاء ، وتصل بعض المسافات إلى 500 كيلومتر .
11 - لبس الأكفان يوم عاشوراء ، وضرب الرؤوس بالسيوف ( جرح الجلد في أعلى الرأس ) حزناً على الإمام الحسين ( عليه السلام ) ، ورمزاً لاستعداد الشخص أن يضحي بالدم في نصرة الإسلام ، كما ضحى الإمام ( عليه السلام ) في كربلاء .
12 - مسيرة المشاعل ، رمزاً للذين جاؤوا لنصرة الإمام الحسين ( عليه السلام ) وساروا نهاراً وليلاً بالمشاعل ، وهي عادة موجودة في النجف وبعض مناطق العراق .
ولا يعترض المسلمون من بقية المذاهب على هذه المجالس والفعاليات ، وقد يشاركون فيها ، ويعتقدون ببركتها ، ويستشفون بطعامها ، وينذرون لها النذور
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 191 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بينما يغتاظ منها الوهابيون ، ويزعمون أنها بدعة وشرك ، ويعملون لتعطيلها بالدعاية الواسعة ضدها في كلامهم وخطب شيوخهم وفضائياتهم !
وأخيراً عادوا إلى فعل أجدادهم مجسمة الحنابلة في بغداد ، فاستعملوا أسلوب التفجير لقتل أكبر عدد من المشاركين فيها !
وفي المقابل يزداد الشيعة تمسكاً بها ، والعمل على توسيعها وتنويعها وتطويرها ، ونشر محاضراتها وقصائدها وأناشيدها .
وفي السنوات الأخيرة صار عندهم فضائيات زاخرة بها ، وصارت ثقافة عاشوراء موسماً عالمياً مشهوداً ، يهتم به الشيعة ويستفيد منه غيرهم .

3 - مشاهد المعصومين ( عليهم السلام ) والأولياء

من عقائد الشيعة زيارة قبور النبي ( صلى الله عليه وآله ) وعترته المعصومين ( عليهم السلام ) ، ويسمونها المشاهد المشرفة ، وزيارتها في كل أيام السنة ، خاصة في عاشوراء ، والأربعين ، ونصف شعبان ، ونصف رجب . ويصل عدد الزوار في البلاد التي فيها ثقل سكاني شيعي إلى عشرات الملايين ، كما في كربلاء في زيارة عاشوراء والأربعين ، ويبلغ زوار الإمام الرضا ( عليه السلام ) في خراسان عدة ملايين .
ويعتقد الشيعي أن زيارة النبي ( صلى الله عليه وآله ) وعترته المعصومين ( عليهم السلام ) قربةٌ مهمة إلى الله تعالى ، وأن الصلاة عند قبره المعصوم ( عليه السلام ) تقبل ، والدعاء يستجاب ، والتوسل به إلى الله تعالى يوجب المغفرة والاستجابة .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 192 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ويشارك بقية المسلمين الشيعة في هذه العقيدة بقدر وآخر ، ويضيفون إلى أهل البيت ( عليهم السلام ) مشاهد الأولياء من العلماء والعُبَّاد ، كمشهد السيد البدوي ، ومشاهد أهل البيت ( عليهم السلام ) في مصر ، ومشهد عبد القادر وأبي حنيفة ، في العراق .
وقد تنطع في القرن الثامن شيخ يسمى ابن تيمية ، فكفَّر جميع المسلمين لزيارتهم قبور النبي ( صلى الله عليه وآله ) والأئمة ( عليهم السلام ) والأولياء ، واعتبر قصد الزيارة والتوسل بهم شركاً وكفراً بالله تعالى .
ثم ظهر له أتباع في القرنين الأخيرين يسمون الوهابية ، عملوا بعنف وقسوة لمنع المسلمين من زيارة القبور المشرفة ، بأسلوب التهريج وقتل الزوار !
وقد اعتبر الشهيد الأول محمد بن مكي ( قدس سره ) المعاصر لابن تيمية ، فتاواه تلك مراغمةً منه للشيعة وحسداً لهم ، لما رأى من اهتمامهم بزيارة مشاهد الأئمة ( عليهم السلام ) والمجاورة عندها ! قال في ذكرى الشيعة : 3 / 111 : « وارتكب واحد من العامة تحريم زيارة الأنبياء والأئمة والصالحين ( عليهم السلام ) متمسكاً بهذا الخبر على مطلوبه ( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : مسجد الحرام ومسجدي ومسجد الأقصى - أحمد : 2 / 278 ) ، ذاهباً إلى أنه لا بد من إضمار شئ هنا ولتكن العبادة ، لأن الأسفار المطلقة ليست حراماً ، وهو تحكم محض لأن إباحة الشد للأسفار المطلقة يستلزم أولوية إباحته لما هو عبادة ، إذ العبادة أرجح في نظر الشرع من السفر المباح ، ويلزمه عدم الشد لزيارة أحياء العلماء وطلب العلم وصلة الرحم ، وقد جاء : من زار عالماً فكمن زار بيت المقدس . وورد : أطلبوا العلم ولو بالصين ، و سرْ سنتين بِرَّ والديك . ولا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 193 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يخالف أحد في إباحة هذا مع أنه عبادة فتعين أن المراد بالحديث : لا يستحق ، أو لا يتأكد ، أو لا أولى بالشد من هذه الثلاثة ، أو يضمر المساجد ، كما سبق ذكره .
وهذا القائل كلامه صريح في نفي مطلق زيارة قبور الأنبياء والصلحاء ، لأنه احتج بأنه لم يثبت في الزيارة خبر صحيح ، بل كل ما ورد فيها موضوع بزعمه !
وكل هذا مراغمةً للفرقة المحقة والطائفة الناجية ، الذين يرون تعظيم الزيارات والمزارات ، ويهاجرون إليها ويجاورون ، وفي رضى الله تعالى لأهلهم وديارهم يفارقون ، انعقد إجماع سلفهم وخلفهم على ذلك وفيهم أهل البيت ( عليهم السلام ) الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ، ويروون في ذلك أخباراً تفوق العد وتتجاوز الإحصاء بالغة حد التواتر ، وقد روى منها الحافظ ابن عساكر من العامة طرفاً صالحاً ، منها حديث : وستكون حثالة من العامة يعيرون شيعتكم بزيارتكم كما تعير الزانية بزناها ! وغيره .
مع أن جميع المسلمين مجمعون على زيارة النبي ( صلى الله عليه وآله ) منذ نقله الله إلى دار عفوه ومحل كرامته إلى هذا الزمان ، ففي كل سنة يُعملون المطيَّ ويشدون الرحال ولا ينصرفون إلا بعد السلام عليه ( صلى الله عليه وآله ) . وانعقاد الإجماع في هذه الأعصار قبل ظهور صاحب هذه المقالة الشنيعة وبعده ، حجة قاطعة » .

4 - فتاوى الوهابية وعملهم لتهديم مشاهد الأئمة ( عليهم السلام )

كانت سيرة المسلمين وما زالت على احترام قبور الأنبياء والأولياء ( عليهم السلام ) وزيارتها والصلاة عندها ، والتوسل إلى الله تعالى بأصحابها .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 194 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وكانوا وما زالوا يشدون الرحال إلى زيارتها في مواسم ومراسم ، سواء من داخل البلد ، أو من بلد إلى بلد آخر .
ولم يرُقْ ذلك لابن تيمية فأعلن الحرب على هذه المظاهر الدينية الشعبية ، وأفتى بأنها حرام واستدل برواية أحمد بن حنبل ( لا تشد الرحال إلا لثلاثة مساجد ) كما رأيت . ثم صعَّد فتواه فزعم أن هذه المظاهر شركٌ يجب منعها !
وقد رد عليه علماء عصره ، ومن أبرزهم السبكي الذي كان مرجع مصر وبلاد الشام ، فألف كتابه المشهور ( شفاء السقام في زيارة خير الأنام ) .
وسجنت السلطة ابن تيمية واستتابه علماء المذاهب الأربعة فتاب إلا قليلا !
كان ذلك في أوائل القرن الثامن ، وانتهى الأمر في ذلك العصر ، واستمر المسلمون على زيارة قبور الأنبياء والأولياء ( عليهم السلام ) خمسة قرون ولم يعكر صفوهم أحد ، حتى جاء شيخ نجدي هو محمد بن عبد الوهاب وقام بحركة في الجزيرة شعارها محاربة الخلافة العثمانية بمساعدة الإنكليز ، ومحاربة المسلمين بحجة أنهم مشركون بالله ، لزيارتهم قبور الأنبياء والأولياء ( عليهم السلام ) والتوسل بهم !
وقد أغار الوهابية على المشاهد المشرفة في العراق وعلى الحلة ، عدة مرات في مطلع القرن الثالث عشر الهجري ، ليستولوا على هذه المدن ويهدموا مشاهد الأئمة من أهل البيت ( عليهم السلام ) ويمنعوا المسلمين من زيارتها ، لكن العراقيين قاوموهم وهزموهم فرجعوا خائبين .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 195 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي عصرنا عمل الوهابية على إيجاد حالة فوضى بعد سقوط طاغية العراق صدام لاستغلالها في هدم المشاهد المشرفة في العراق وإبادة الشيعة وإقامة نظام حكم وهابي ! فدعموا تنظيم القاعدة وبقايا أجهزة صدام ، وقاموا بموجات مجنونة من القتل الطائفي والتفجير ، وركزوا على تجمعات الزوار الشيعة في النجف وكربلاء والكاظمية وسامراء ، فقتلوا المئات والألوف ، ثم قاموا بجريمة تفجير مشهد الإمامين العسكريين ( عليهما السلام ) في سامراء ، فحدثت ردة فعل قوية من شيعة بغداد جعلت الإرهابيين يعيدون النظر في خطتهم !
لكن مشايخ الوهابية واصلوا إصدار الفتاوى والخطب ، يحرضون بها الإرهابيين على إبادة الشيعة ، وهدم مشاهد الأئمة ( عليهم السلام ) ! وكانت حجة مفتيهم أن الرافضة إذا تمكنوا في العراق ينغلق باب الدعوة أمام الوهابية في العالم ، لأن الشيعة العراقيين يدعون إلى مذهبهم !
وفي المقابل زاد الشيعة في العراق والسنة في مصر تمسكاً بزيارة مشاهد وقبور الأئمة والأولياء ، وفاق عدد الذين ذهبوا مشياً إلى زيارة الإمام الحسين ( عليه السلام ) في العراق عن العشرة ملايين !
والعجيب في الأمر أن الوهابية ما زالوا يُصِرُّونَ على فرض مذهبهم على المسلمين في العالم ، ولو بالعنف والقتل والتفجير ، وهذا يدل على تخلفهم وطغيانهم معاً !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 196 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 197 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

خلاصة عقائد الشيعة

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 198 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 199 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الثامن : اعتقادنا بتوحيد الله عز وجل

1 - شخصية الملحد ضد المنطق

اسم المؤمن : مأخوذ من الأمن والاطمئنان ، لأنه يعتقد بوجود الله تعالى ، فقد اطمأنت نفسه بإيمانه . أما الشاك بوجود الله تعالى فهو الذي لا يعرف هل أن لهذا الكون خالقاً أم لا ، فهو متحير لا ينفي ولا يثبت .
وأما الملحد فهو المائل عن الحق ، لأن الإلحاد في اللغة الميل عن الحق ، و الملحد يميل عن المسار الطبيعي لعقله وفطرته لأنهما يدلانه على وجود الله عز وجل ، وهو يتعمد الإلحاد والميل عن ذلك .
وإنما حكمنا على الملحد بأنه يتعمد معاكسة عقله وفطرته لأن غاية ما يمكن للإنسان الشك في وجود خالق للكون ، أما نفي وجوده فيتوقف على إحاطته بالكون المنظور وغير المنظور ، ولا يوجد إنسان محيط بالكون ، ولا بنفسه !
أما لماذا يتعمد الميل وإنكار وجود الله تعالى ، فلأنه إذا اعترف بوجود ه اعترف بأنه مخلوقٌ له وعبده وعليه طاعته ، وهو لا يريد أن يكون عبداً ، بل إلهاً !
ولذلك قرر أن يكابر أمام الدليل ويتكبر على ربه ! وقد سأل أحدهم الإمام الصادق ( عليه السلام ) : عن أدنى الإلحاد ؟ فقال : إن الكِبْرَ أدناه . ( الكافي : 2 / 309 )
كما وصف الإمام الصادق ( عليه السلام ) قول إبليس : أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ، بأنه : عتى عن أمر ربه وألحد فتوارث الإلحاد ذريته . ( تحف العقول / 406 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 200 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وروي أن نمروداً لمَّا رأى النار صارت برداً وسلاماً على إبراهيم ( عليه السلام ) سأله : من أنجاك ؟ ! قال : ربي ورب العالمين . فقال نمرود لمن حوله : لقد نفعه ربه ، فمن أراد أن يتخذ إلهاً فليتخذه مثل إله إبراهيم ! ( الكافي : 8 / 369 ) .
يقصد نمرود أنه هو وأمثاله لا يحتاجون إلى اتخاذ إله ! وبهذا حرَّف القضية من الاعتراف بحقيقة موضوعية ، وجعلها حاجة لبعض الناس ، أما هو فلا يحتاج !
إن أصل جريمة الملحد أنه قرر مسبقاً أن ينفي وجود الله تعالى ، ويرفض الأدلة عليه مهما كانت قوية ! وهذا هو الظلم والعلو الذي قال الله تعالى عنه : وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ . والآية تدل على أن الإلحاد يستتبع الإفساد ، لأن الملحد ظالم متكبر ، فهو يفسد في المجتمع لا محالة !

2 - النظرية الحسية غير محسوسة !

يهرب الملحد من البحث المنطقي لأنه بنى أمره على معاكسة المنطق !
ويرفع شعار النظرية الحسية القائلة : كل شئ غير محسوس فهو غير موجود ! فهو يجعل الحس أصل نظريته ، غافلاً عن أن الحس نفسه غيب غير محسوس ! لأن الحس لا يعرف بالحواس لا بالسمع ولا الشم ولا الذوق ولا اللمس ، بل يعرف بالعقل ! فهو موجود من مدركات العقل غير المحسوسة !
وبهذا تبطل نظريتهم الحسية لأن الحس نفسه غير مادي ! فهم مضطرون إلى الاعتراف بأن الحقائق منها ما يعرف بالحس ومنها بالعقل ، وكلها حقائق .
وقد سألناهم ما هو الموجود : الأذن . . أو السمع ؟ فهل تسمع بسمعك أم بأذنك ؟ وهل الموجود الأذن والسمع كلاهما ، أم الأذن فقط ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 201 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وهم عاجزون عن الإجابة لأن الأذن والأعصاب تنقل الذبذبات إلى المخ ، وهي موجودات محسوسة ، والسمع الذي نسمع به وجودٌ غير محسوس !
وفي الحقيقة أن الأذن ليست هي التي تسمع ، بل هي جهاز ينقل الذبذبات كأي طبلة وأسلاك ، والمخ ليس هو الذي يسمع ، بل هو جهاز ينقل الإشارات إلى السمع ، فهذا السمع إن كان موجوداً مادياً فأين هو وأين مكانه ؟ وإن لم يكن موجوداً فلا يمكن أن نسمع ! ولا جواب إلا أنه موجود غير مادي عرفناه بالعقل فهو غيبي وليس مادياً !
ويدل على أن السمع ليس انعكاساً مادياً لأدواته ، أن أدواته لو لم توجد فهو موجود ، ولو وجدت وسيلة أخرى غير الأذن تؤدي دورها لحصل السمع !
وإن أصروا على أن السمع أثر للمادة ، فالسؤال : هل هو أثرٌ مادي أم غير مادي ؟ فإن كان مادياً فأين هو ؟ وإلا فقد سقطت النظرية الحسية من أصلها !
فالصحيح في السمع والحس أنه موجود بشكل مستقل عن الجسم ، وأنه قوةٌ من قوى الروح التي ترتبط بالبدن بنحو تتقبل رموز تفاعلاته المادية ، وتترجمها إلى مدركات ! والذي يكلمك ليس بدن مخاطبك بل روحه ، بوسيلة آلية معينة . والذي يفهم منه ويجيبه ليس بدنك بل روحك بواسطة آلية معينة !
قال الله تعالى : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلاً . ( الإسراء : 85 ) . وستبقى معلومات البشر عن الروح قليلة ، وستبقى روح المؤمن والملحد التي بين جنبيه لغزاً ، بها يحيا ويفكر ويتساءل ولا يعرف عنها إلا القليل ! وكلما اكتشفوا معلومة منها ، انكشفت جوانب أكثر إعجازاً وإلغازاً !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 202 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

3 - الطرق العلمية لمعرفة الله تعالى

توجد ثلاث طرق لمعرفة الله تعالى ، والمعرفة الإنسانية عموماً :
1 - طريق الكشف الذاتي : فإن خاصة أولياء الله تعالى يعرفونه به : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَئٍ شَهِيدٌ .
وفي دعاء أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : « يا من دلَّ على ذاته بذاته » ( البحار : 84 / 339 ) .
وفي دعاء الإمام الحسين ( عليه السلام ) : « متى غبتَ حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك ، ومتى بَعُدْتَ حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك ؟ ! عَمِيَتْ عينٌ لا تراك عليها رقيباً » . ( البحار : 64 / 142 ) .
وفي دعاء الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) : « بك عرفتُك ، وأنت دللتني عليك ، ودعوتني إليك ، ولولا أنت لم أدر ما أنت » . ( البحار : 95 / 82 ) .
2 - دليل العِلِّيَّة : فكل إنسان إذا نظر إلى نفسه وما حوله ، يدرك أن عدم وجود هذا الشئ ليس محالاً ، بل وجوده وعدمه ممكنان ، لأن ذات الشئ لا تتضمن ضرورة وجوده أو عدمه ، وهو يحتاج إلى سببٍ يوجده ، وبما أن كل جزء من أجزاء العالم يحتاج إلى من يعطيه وجوده ، فمن الذي أعطاه الوجود ؟ !
إن قيل خلق نفسه ، فيقال : فاقد الشئ لا يعطيه ! وإن قيل أعطاه الوجود موجودٌ آخر مثله ، يقال : هذا الآخر عاجزٌ عن إيجاد نفسه فكيف يوجد غيره ؟ ! وهكذا كل جزء في العالم ، فالمعدوم لا يمكن أن يكون سبب وجود لشئ !
ولهذا كان وجود هذه الموجودات دليلاً على وجود خالق لها لا يحتاج إلى غيره ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 203 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وهو قول الله تعالى : أم خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَئٍ أم هُمُ الْخَالِقُونَ . وقد سأل رجل الإمام الرضا ( عليه السلام ) : « يا ابن رسول الله ما الدليل على حدوث العالم ؟ فقال : أنت لم تكن ثم كنت ، وقد علمت أنك لم تُكوِّنْ نفسك ، ولا كوَّنك من هو مثلك » . ( البحار : 3 / 36 ) .
3 - دليل النظم الكوني : فكل ما في الكون مخلوق على قواعد وأصول ، بعلم وحكمة ، من أصغر ذراته إلى أكبر مجراته !
فكما نستدل بالسطر مكتوب على وجود كاتبه ، فكذلك نستدل بالنبتة على وجود خالقها عز وجل ، فأي علم وحكمة أعطى الماء والتراب سراً يبعث الحبة من يبسها وموتها نباتاً حياً سوياً ؟ وأعطى لجذرها قدرة على شق الأرض والعثور على قوته وغذائه في مائدة التراب الغنية .
وأي قدرة وحكمة خلقت الجذور واعيةً لعملها ، ضاربةً في أعماق التربة . والجذوع والفروع باسقةً إلى أعلى الفضاء ! يكافح كل منهما قانوناً يضاده ويمضي في مساره ، هذه في الأعماق وهذه في الآفاق ؟ ! إن التأمل في شجرة واحدة وأنظمتها ، من عروقها إلى آلاف أوراقها ، يبعث في الإنسان الدهشة والذهول أمام علم الخالق وقدرته اللا متناهية : أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرض وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ . ( راجع مقدمة منهاج الصالحين للوحيد الخراساني ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 204 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

4 - من استدلال الأئمة ( عليهم السلام ) على وجود الله تعالى

1 - جاء رجل من الزنادقة إلى الإمام الرضا ( عليه السلام ) فقال له : « رحمك الله أوجدني كيف هو وأين هو ؟ فقال : ويلك إن الذي ذهبت إليه غلط ، هو أيَّنَ الأيْنَ بلا أين وكيَّفَ الكيفَ بلا كيف ، فلا يُعرف بكيفوفية ولا بأينونية ، ولا يُدرك بحاسة ، ولا يُقاس بشئ ! فقال الرجل : فإذاً إنه لا شئ ، إذا لم يدرك بحاسة من الحواس ! فقال أبو الحسن ( عليه السلام ) : ويلك ! لما عجزت حواسك عن إدراكه أنكرت ربوبيته ؟ ! ونحن إذ عجزت حواسنا عن إدراكه أيقنا أنه ربنا بخلاف شئ من الأشياء ! قال الرجل : فأخبرني متى كان ؟ قال أبو الحسن : أخبرني متى لم يكن فأخبرك متى كان ! قال الرجل : فما الدليل عليه ؟ فقال أبو الحسن : إني لما نظرت إلى جسدي ولم يمكني فيه زيادة ولا نقصان في العرض والطول ، ودفع المكاره عنه وجر المنفعة إليه ، علمت أن لهذا البنيان بانياً فأقررت به . مع ما أرى من دوران الفلك بقدرته وإنشاء السحاب وتصريف الرياح ومجرى الشمس والقمر والنجوم ، وغير ذلك من الآيات العجيبات المبينات ، علمتُ أن لهذا مقدراً ومنشئاً » . ( الكافي : 1 / 78 ) .
2 - عن أحمد بن محسن الميثمي قال : كنت عند أبي منصور المتطبب فقال : أخبرني رجل من أصحابي قال : كنت أنا وابن أبي العوجاء وعبد الله بن المقفع في المسجد الحرام فقال ابن المقفع : ترون هذا الخلق ، وأومأ بيده إلى موضع الطواف ، ما منهم أحد أُوجِبُ له اسم الإنسانية إلا ذلك الشيخ الجالس ، يعني أبا عبد الله جعفر بن محمد ( عليهما السلام ) . فأما الباقون فرعاع وبهائم !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 205 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فقال له ابن أبي العوجاء : وكيف أوجبتَ هذا الاسم لهذا الشيخ ، دون هؤلاء ؟
قال : لأني رأيت عنده ما لم أره عندهم ! فقال له ابن أبي العوجاء : لا بد من اختبار ما قلت فيه منه ! قال فقال ابن المقفع : لا تفعل فإني أخاف أن يفسد عليك ما في يدك . فقال : ليس ذا رأيك ، ولكن تخاف أن يضعف رأيك عندي في إحلالك إياه المحل الذي وصفت !
فقال ابن المقفع : أما إذا توهمت عليَّ هذا فقم إليه ، وتحفظ ما استطعت من الزلل ، ولا تثني عنانك إلى استرسال فيسلمك إلى عقال ! وسِمْهُ مالك أو عليك .
قال فقام ابن أبي العوجاء وبقيت أنا وابن المقفع جالسين ، فلما رجع إلينا ابن أبي العوجاء قال : ويلك يا ابن المقفع ما هذا ببشر ! وإن كان في الدنيا روحانيٌّ يتجسد إذا شاء ظاهراً ، ويتروَّح إذا شاء باطناً ، فهو هذا !
فقال له : وكيف ذلك ؟ قال : جلست إليه فلما لم يبق عنده غيري ابتدأني فقال : إن يكن الأمر على ما يقول هؤلاء ، وهو على ما يقولون ، يعني أهل الطواف ، فقد سلموا وعطبتم ، وإن يكن الأمر على ما تقولون ، وليس كما تقولون ، فقد استويتم وهم !
فقلت له : يرحمك الله وأي شئ نقول وأي شئ يقولون ؟ ما قولي وقولهم إلا واحداً ! فقال : وكيف يكون قولك وقولهم واحداً ، وهم يقولون : إن لهم معاداً وثواباً وعقاباً ، ويدينون بأن في السماء إلهاً ، وأنها عمران . وأنتم تزعمون أن السماء خراب ليس فيها أحد ! قال : فاغتنمتها منه فقلت له : ما منعه إن كان الأمر كما يقولون أن يظهر لخلقه ويدعوهم إلى عبادته حتى لا يختلف منهم اثنان ! ولم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 206 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
احتجب عنهم وأرسل إليهم الرسل ؟ ولو باشرهم بنفسه كان أقرب إلى الإيمان به ؟ فقال لي : ويلك وكيف احتجب عنك من أراك قدرته في نفسك : نُشوئك ولم تكن ، وكبرك بعد صغرك ، وقوتك بعد ضعفك ، وضعفك بعد قوتك ، وسقمك بعد صحتك ، وصحتك بعد سقمك ، ورضاك بعد غضبك ، وغضبك بعد رضاك ، وحزنك بعد فرحك ، وفرحك بعد حزنك وحبك بعد بغضك ، وبغضك بعد حبك ، وعزمك بعد أناتك ، وأناتك بعد عزمك ، وشهوتك بعد كراهتك ، وكراهتك بعد شهوتك ، ورغبتك بعد رهبتك ورهبتك بعد رغبتك ، ورجاءك بعد يأسك ويأسك بعد رجائك ، وخاطرك بما لم يكن في وهمك ، وعزوب ما أنت معتقده عن ذهنك . . . وما زال يُعدِّد عليَّ قدرته التي هي في نفسي التي لا أدفعها حتى ظننت أنه سيظهر فيما بيني وبينه ! » . ( الكافي : 1 / 74 ) .
3 - قال محمد بن إسحاق : إن عبد الله الديصاني ( ملحد معروف ) سأل هشام بن الحكم فقال له : ألك رب ؟ فقال : بلى ، قال أقادرٌ هو ؟ قال : نعم قادر قاهر . قال : يقدر أن يدخل الدنيا كلها البيضة لا تكبر البيضة ولا تصغر الدنيا ؟ قال هشام : النظرة ( أي أمهلني ) فقال له : قد أنظرتك حولاً ، ثم خرج عنه فركب هشام إلى أبي عبد الله ( الإمام الصادق ( عليه السلام ) ) فاستأذن عليه فأذن له فقال له : يا ابن رسول الله أتاني عبد الله الديصاني بمسألة ليس المعول فيها إلا على الله وعليك ، فقال له أبو عبد الله ( عليه السلام ) : عن ماذا سألك ؟ فقال قال لي : كيت وكيت ، فقال أبو عبد الله ( عليه السلام ) : يا هشام كم حواسك ؟ قال خمس . قال : أيها أصغر ؟ قال الناظر ، قال : وكم قدر الناظر قال : مثل العدسة أو أقل منها . فقال له : يا هشام ! فانظر أمامك وفوقك
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 207 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأخبرني بما ترى ، فقال : أرى سماء وأرضاً ودوراً وقصوراً وبراري وجبالاً وأنهاراً . فقال له أبو عبد الله ( عليه السلام ) : إن الذي قدر أن يدخل الذي تراه العدسة أو أقل منها قادر أن يدخل الدنيا كلها البيضة ، لا تصغر الدنيا ولا تكبر البيضة ! فأكب هشام عليه وقبل يديه ورأسه ورجليه وقال : حسبي يا ابن رسول الله ، وانصرف إلى منزله .
وغدا عليه الديصاني فقال له : يا هشام إني جئتك مسلِّماً ولم أجئك متقاضياً للجواب ، فقال له هشام : إن كنت جئت متقاضياً فهاك الجواب ، فخرج الديصاني عنه حتى أتى باب أبي عبد الله ( عليه السلام ) فاستأذن عليه فأذن له ، فلما قعد قال له : يا جعفر بن محمد دُلَّني على معبودي . فقال له أبو عبد الله : ما اسمك ؟ فخرج عنه ولم يخبره باسمه فقال له أصحابه : كيف لم تخبره باسمك ؟ قال : لو كنت قلت له : عبد الله ، كان يقول : من هذا الذي أنت له عبد ؟ فقالوا له : عد إليه وقل له يدلك على معبودك ولا يسألك عن اسمك . فرجع إليه فقال له : يا جعفر بن محمد دلني على معبودي ولا تسألني عن اسمي . فقال له أبو عبد الله ( عليه السلام ) : أجلس ، وإذا غلام له صغير في كفه بيضة يلعب بها فقال له أبو عبد الله : ناولني يا غلام البيضة فناوله إياها فقال له أبو عبد الله ( عليه السلام ) : يا ديصاني ، هذا حصن مكنون له جلد غليظ ، وتحت الجلد الغليظ جلد رقيق وتحت الجلد الرقيق ذهبة مائعة وفضة ذائبة ، فلا الذهبة المائعة تختلط بالفضة الذائبة ، ولا الفضة الذائبة تختلط بالذهبة المائعة ، فهي على حالها لم يخرج منها خارج مصلح فيخبر عن صلاحها ، ولا دخل فيها مفسد فيخبر عن فسادها ، لا يدري للذكر خلقت أم للأنثى ، تنفلق عن مثل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 208 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ألوان الطواويس ، أترى لها مدبراً ؟ ! قال : فأطرق ملياً ثم قال : أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله وأنك إمام وحجة من الله على خلقه ، وأنا تائب مما كنت فيه » ( الكافي : 1 / 79 ) .

5 - ما دام للكوْن عُمْرٌ فله خالق !

من الأمور المتفق عليها في العلم الحديث أن للأرض عمراً وللنجوم عمراً ، وكل جزء في الكون . وسواء كان عمرها لحظة أو ملايين السنين ، فلو رجعنا إلى الوراء نصل إلى نقطة العدم المحض ( حيث ) لم يكن الكون ثم كان ! أي لم يكن شئ ثم انبثقت أول نقطة وجود من العدم ، فهل وُجدت بدون خالق خلقها ؟ !
إن ممكن الوجود يستحيل أن يوجد إلا بواجب وجود يدفعه من العدم إلى الوجود وذلك هو الله سبحانه وتعالى : إِنَّمَا أَمْرُهُ إذا أَرَادَ شيئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ .
إنك بقبولك أن للكون عمراً ، قبلتَ أن احتمال وجوده وعدمه كانا متساويين ، وأنه يستحيل ترجيح أحدهما بلا مرجح ، فلا بد من إلهٍ من غير نوعه أوجده !
إن وجود ممكن الوجود والعدم ، بنفسه دليل على وجود واجب أوجده . كما أن وجود حركةٍ وتغيُّرٍ في الكون دليل على وجود محرك من غير نوعه ، يحركه ويدبره .
قال الشريف المرتضى ( قدس سره ) في الفصول المختارة / 76 : « دخل أبو الحسن علي بن ميثم ( التمار ) على الحسن بن سهل ( رئيس وزراء المأمون ) وإلى جانبه مُلْحِدٌ قد عظَّمَهُ ، والناس حوله ، فقال ( ابن ميثم ) : لقد رأيت ببابك عجباً ! قال : وما هو ؟ قال : رأيت
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 209 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
سفينة تَعْبُرُ بالناس من جانب إلى جانب بلا ملاح ، ولا ماصِر ! ( مسؤول حركة السفن ) . فقال له صاحبه الملحد وكان بحضرته : إن هذا أصلحك الله لَمَجنون !
قال فقلت : وكيف ذاك ؟ قال : خشبٌ جمادٌ لا حيلة له ولا قوة ولا حياة فيه ولا عمل كيف يَعْبُرُ بالناس ؟
فقال أبو الحسن : فأيهما أعجب ؟ هذا أو هذا الماء الذي يجري على وجه الأرض يَمْنَةً ويَسْرةً بلا روح ولا حيلة ولا قوى ، وهذا النبات الذي يخرج من الأرض ، والمطر الذي ينزل من السماء ، تزعم أنت أنه لا مدبر لهذا كله ، وتنكر أن تكون سفينة تتحرك بلا مدبر وتَعْبُر بالناس ! قال : فبهت الملحد » !

6 - من أدلة توحيد الله عز وجل

الدليل الأول : أن وحدة المخلوقات تدل على وحدة الخالق عز وجل ، فكل شئ في الكون مصنوع بدقة وإتقان بقوانين موحدة ، من الذرة إلى المجرة !
وهذا يعني أنه من خلق إله واحد أحد ، عليم قدير حكيم ، عز وجل : وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ .
الدليل الثاني : أنه لو كان لله شريك لأظهر آياته ، قال أمير المؤمنين لولده الحسن ( عليه السلام ) : « واعلم يا بني أنه لو كان لربك شريك لأتتك رسله ، ولرأيت آثار ملكه وسلطانه ، ولعرفت أفعاله وصفاته ولكنه إله واحد كما وصف نفسه » .
الدليل الثالث : لو كان للكون إلهان لكان بينهما فاصلة ، فيكونان ثلاثة ، وهكذا !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 210 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد سئل الصادق ( عليه السلام ) : لم لا يجوز أن يكون صانع العالم أكثر من واحد ؟ فقال ( عليه السلام ) : ثم يلزمك إن ادعيت اثنين فرجة ما بينهما حتى يكونا اثنين ، فصارت الفرجة ثالثاً بينهما قديماً معهما ، فيلزمك ثلاثة ، وإن ادعيت ثلاثة لزمك ما قلنا في الاثنين ، حتى تكون بينهم فرجة فيكونوا خمسة ! ثم يتناهى في العدد إلى ما لا نهاية له في الكثرة » .
قال الصدوق ( قدس سره ) : « اعتقادنا في التوحيد : ليس كمثله شي ، قديم لم يزل ، سميع بصير ، عليم حكيم ، حي قيوم ، عزيز ، قدوس ، قادر غني ، لا يوصف بجوهر ولا جسم ولا صورة ولا عرض ولا خط ولا سطح ولا ثقل ولا خفة ولا سكون ولا حركة ولا مكان ولا زمان . وأنه تعالى متعال عن جميع صفات خلقه خارج من الحدين حد الإبطال وحد التشبيه ، وأنه تعالى شي لا كالأشياء ، أحد صمد لم يلد فيورث ، ولم يولد فيشارك ، ولم يكن له كفواً أحد ، ولا ند ولا ضد ولا شبه ، ولا صاحبة ، ولا مثل ولا نظير ولا شريك ، لا تدركه الأبصار والأوهام وهو يدركها ، لا تأخذه سنة ولا نوم وهو اللطيف الخبير ، خالق كل شئ ، لا إله إلا هو له الخلق والأمر ، تبارك الله رب العالمين . ومن قال بالتشبيه فهو مشرك ومن نسب إلى الإمامية غير ما وصف في التوحيد فهو كاذب ، وكل خبر يخالف ما ذكرت في التوحيد فهو موضوع مخترع ، وكل حديث لا يوافق كتاب الله فهو باطل ، وإن وجد في كتاب علمائنا فهو مدلس . والأخبار التي يتوهمها الجهال تشبيهاً لله تعالى بخلقه فمعانيها محمولة على ما في القرآن من نظائرها ، لأن في
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 211 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
القرآن : كل شي هالك إلا وجهه ، ومعنى الوجه : الدين والدين هو الوجه الذي يؤتى الله منه ويتوجه به إليه . وفي القرآن : يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود والساق وجه الأمر وشدته . وفي القرآن : أن تقول نفس يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله ، والجنب : الطاعة . وفي القرآن : ونفحت فيه من روحي ، والروح هي روح مخلوقة جعل الله منها في آدم وعيسى ( عليهما السلام ) ، وإنما قال روحي كما قال بيتي وعبدي وجنتي » .

7 - أسماء الله الحسنى وصفاته عز وجل

قال الله تعالى : اللهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى . وقال : وَللهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ . ( الأعراف : 180 ) . وقال : قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ( الإسراء : 110 ) .
والأسماء الحسنى في الآيات تشمل كل صفة حسنة يصح أن يوصف بها الله تعالى وليس فيها تجسيمٌ أو تشبيه . والمشهور منها تسع وتسعون .
ففي التوحيد للصدوق / 219 ، عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) قال : « إن لله تبارك وتعالى تسعة وتسعين إسماً مائة إلا واحداً ، إنه وتر يحب الوتر ، من أحصاها دخل الجنة .
فبلغنا أن غير واحد من أهل العلم قال : إن أولها يفتتح بلا إله إلا الله الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد بيده الخير وهو على كل شي قدير ، لا إله إلا الله له الأسماء الحسنى ، الله ، الواحد ، الصمد ، الأول ، الآخر ، الظاهر ، الباطن ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 212 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الخالق ، البارئ ، المصور ، الملك ، القدوس ، السلام ، المؤمن ، المهيمن ، العزيز ، الجبار ، المتكبر ، الرحمن ، الرحيم ، اللطيف ، الخبير ، السميع ، البصير ، العلي ، العظيم ، البارئ ، المتعالي ، الجليل ، الجميل ، الحي ، القيوم ، القادر ، القاهر ، الحكيم ، القريب ، المجيب ، الغني ، الوهاب ، الودود ، الشكور ، الماجد ، الأحد الولي ، الرشيد ، الغفور ، الكريم ، الحليم ، التواب ، الرب المجيد ، الحميد ، الوفي ، الشهيد ، المبين ، البرهان ، الرؤوف ، المبدئ ، المعيد ، الباعث ، الوارث ، القوي ، الشديد ، الضار ، النافع ، الوافي ، الحافظ ، الرافع ، القابض ، الباسط ، المعز ، المذل الرازق ، ذو القوة ، المتين ، القائم ، الوكيل ، العادل ، الجامع ، المعطي المجتبي ، المحيي ، المميت ، الكافي ، الهادي ، الأبد ، الصادق ، النور ، القديم ، الحق ، الفرد ، الوتر ، الواسع ، المحصي ، المقتدر ، المقدم ، المؤخر ، المنتقم ، البديع » .
أقول : يبدو أن الأسماء المقدسة تتعلق بأنواع فاعليات الله تعالى في الوجود ، وأن نظام الأسماء الحسنى عميق في وجود الكون وحياته ومساره ، ومن هذا الأفق يمكن أن تفهم معنى أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) والأئمة ( عليهم السلام ) هم الأسماء الحسنى أو مظاهرها .
ففي الكافي : 1 / 143 ، عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) في تفسير قوله تعالى : وَللهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ، قال : نحن والله الأسماء الحسنى ، التي لا يقبل الله من العباد عملاً إلا بمعرفتنا » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 213 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

8 - مسألة الرؤية أصل كل الخلاف في التوحيد

معنى مسألة الرؤية : هل يمكن أن نرى الله تعالى بأعيننا في الدنيا أو الآخرة ؟ وقد نفى ذلك أهل البيت ( عليهم السلام ) نفياً مطلقاً ، وكذا عائشة وجمهور الصحابة ، وبه قال الفلاسفة والمعتزلة وغيرهم ، مستدلين بقوله تعالى : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَئٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ( الشورى : 11 ) قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي ( الأعراف : 143 ) لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ( الأنعام : 103 ) . ومستدلين بحكم العقل بأن ما يمكن رؤيته بالعين الوجود المادي المحدود في المكان والزمان .
بينما قال الحنابلة وأتباع المذهب الأشعري من الحنفية والمالكية والشافعية : إن الله تعالى يرى بالعين في الآخرة وبعضهم قال حتى في الدنيا ! واستدلوا بآيات يبدو منها ذلك بالنظرة الأولى كقوله تعالى : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ، وبروايات عن رؤية الله تعالى . ثم أولوا الآيات والأحاديث النافية لإمكان الرؤية بالعين .
قال الصدوق ( رحمه الله ) في التوحيد / 118 ، في قوله عز وجل : وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَلُ الْمُؤْمِنِينَ . ( الأعراف : 143 ) : « إن موسى ( عليه السلام ) علم أن الله عز وجل لا يجوز عليه الرؤية ، وإنما سأل الله عز وجل أن يريه ينظر إليه عن قومه حين ألحوا عليه في ذلك ، فسأل موسى ربه ذلك من غير أن يستأذنه فقال : رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إلى الْجَبَلِ فإن اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ ، في حال تزلزله ، فَسَوْفَ تَرَانِي ، ومعناه إنك لا تراني أبداً ، لأن الجبل لا يكون ساكناً متحركاً في
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 214 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
حال أبداً ، وهذا مثل قوله عز وجل : وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ ، ومعناه أنهم لا يدخلون الجنة أبداً ، كما لا يلج الجمل في سم الخياط أبداً .
فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ ، أي ظهر للجبل بآية من آياته ، وتلك الآية نور من الأنوار التي خلقها ألقى منها على ذلك الجبل : جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً ، من هول تزلزل ذلك الجبل على عظمه وكبره .
فَلَمَّا أفاق قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ : أي رجعت إلى معرفتي بك عادلاً عما حملني عليه قومي من سؤالك الرؤية ، ولم تكن هذه التوبة من ذنب لأن الأنبياء ( عليهم السلام ) لا يذنبون ذنباً صغيراً ولا كبيراً ، ولم يكن الاستيذان قبل السؤال بواجب عليه ، لكنه كان أدباً يستعمله ويأخذ به نفسه متى أراد أن يسأله . على أنه قد روي قوم أنه قد استأذن في ذلك فأذن له ، ليعلم قومه بذلك أن الرؤية لا تجوز على الله عز وجل . وقوله : وأنا أول الْمُؤْمِنِينَ ، يقول : وأنا أول المؤمنين من القوم الذين كانوا معه وسألوه أن يسأل ربه أن يريه ينظر إليه ، بأنك لا ترى » .

9 - نشر كعب الأحبار رؤية الله تعالى بالعين !

لم تظهر أحاديث الرؤية بالعين في زمن النبي ( صلى الله عليه وآله ) ولا في زمن أبي بكر ، بل كانت عقيدة المسلمين أن الله تعالى ليس من نوع المادة التي تُرى بالعين وتُحس بالحواس ، لأنه سبحانه وجود أعلى من المادة ، فلا تناله الأبصار ، بل ولا تدركه الأوهام ، وإنما يدرك بالعقل ويُرى بالبصيرة ، ورؤيتها أرقى وأعمق من رؤية البصر .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 215 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم ظهرت أفكار الرؤية والتشبيه وشاعت في عهد عمر وبعده ، فنهض أهل البيت ( عليهم السلام ) وبعض الصحابة لردها وتكذيبها ! وقالت عائشة إنها فِرْيَة عظيمة على الله تعالى ورسوله ( صلى الله عليه وآله ) ! فقد روى بخاري في صحيحه : 6 / 50 : « عن مسروق قال : قلت لعائشة : يا أُمَّتَاه هل رأى محمد ( ص ) ربه ؟ فقالت : لقد قَفَّ شعري مما قلت ! أين أنت من ثلاث من حدثكهن فقد كذب : من حدثك أن محمداً ( ص ) رأى ربه فقد كذب ، ثم قرأت : لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ . وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ . ولكنه رأى جبرئيل في صورته مرتين » . « من زعم أن محمداً رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية » . ( مسلم : 1 / 110 ) .
وروى المجلسي في بحار الأنوار : 36 / 194 : « عن ابن عباس أنه حضر مجلس عمر بن الخطاب يوماً وعنده كعب الحبر . إذ قال عمر يا كعب أحافظٌ أنت للتوراة ؟ قال كعب : إني لأحفظ منها كثيراً . فقال رجل من جنبة المجلس : يا أمير المؤمنين سله أين كان الله جل ثناؤه قبل أن يخلق عرشه ومِمَّ خلق الماء الذي جعل عليه عرشه ؟ فقال عمر : يا كعب هل عندك من هذا علم ؟ فقال كعب : نعم يا أمير المؤمنين ، نجد في الأصل الحكيم أن الله تبارك وتعالى كان قديماً قبل خلق العرش وكان على صخرة بيت المقدس في الهواء ، فلما أراد أن يخلق عرشه تفل تفلة كانت منها البحار الغامرة واللجج الدائرة ، فهناك خلق عرشه من بعض الصخرة التي كانت تحته ، وآخر ما بقي منها لمسجد قدسه ! قال ابن عباس : وكان علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) حاضراً فَعَظَّمَ عَلِيٌّ ربه ، وقام على قدميه ونفض ثيابه ! فأقسم عليه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 216 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عمر لمَاَ عاد إلى مجلسه ، ففعله . قال عمر : غص عليها يا غواص ، ما تقول يا أبا الحسن ، فما علمتك إلا مفرجاً للغم !
فالتفت علي ( عليه السلام ) إلى كعب فقال : غلط أصحابك وحرفوا كتب الله وفتحوا الفرية عليه ! يا كعب ويحك ! إن الصخرة التي زعمت لا تحوي جلاله ولا تسع عظمته ، والهواء الذي ذكرت لا يحوز أقطاره ولو كانت الصخرة والهواء قديمين معه لكان لهما قدمته ، وعزّ الله وجل أن يقال له مكانٌ يُومَي إليه ، والله ليس كما يقول الملحدون ولا كما يظن الجاهلون ، ولكن كان ولا مكان ، بحيث لا تبلغه الأذهان ، وقولي ( كان ) عجزٌ عن كونه ، وهو مما عَلَّمَ من البيان يقول الله عز وجل : خَلَقَ الإنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ، فقولي له ( كان ) ما علمني من البيان لأنطق بحججه وعظمته ، وكان ولم يزل ربنا مقتدراً على ما يشاء محيطاً بكل الأشياء ، ثم كَوَّنَ ما أراد بلا فكرة حادثة له أصاب ، ولا شبهة دخلت عليه فيما أراد ، وإنه عز وجل خلق نوراً ابتدعه من غير شئ ، ثم خلق منه ظلمة ، وكان قديراً أن يخلق الظلمة لا من شئ كما خلق النور من غير شئ ، ثم خلق من الظلمة نوراً وخلق من النور ياقوتة غلظها كغلظ سبع سماوات وسبع أرضين ، ثم زجر الياقوتة فماعت لهيبته فصارت ماءً مرتعداً ولا يزال مرتعداً إلى يوم القيامة ، ثم خلق عرشه من نوره وجعله على الماء ، وللعرش عشرة آلاف لسان يسبح الله كل لسان منها بعشرة آلاف لغة ليس فيها لغة تشبه الأخرى ، وكان العرش على الماء من دونه حجب الضباب ، وذلك قوله : وكان عرشه على الماء ليبلوكم . يا كعب ويحك ، إن من كانت البحار تفلته على قولك ، كان أعظم من أن تحويه صخرة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 217 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بيت المقدس أو يحويه الهواء الذي أشرت إليه أنه حل فيه ! فضحك عمر بن الخطاب وقال : هذا هو الأمر ، وهكذا يكون العلم لا كعلمك يا كعب . لا عشت إلى زمان لا أرى فيه أبا حسن » !
وفي نهج البلاغة : 2 / 99 : « سأله ذعلب اليماني فقال : هل رأيت ربك يا أمير المؤمنين ؟ فقال : أفأعبد ما لا أرى ! فقال : وكيف تراه ؟ ! فقال : لا تراه العيون بمشاهدة العيان ، ولكن تدركه القلوب بحقائق الإيمان ، قريبٌ من الأشياء غير ملامس ، بعيدٌ منها غير مباين ، متكلمٌ لا بروية ، مريدٌ لا بهمَّة ، صانعٌ لا بجارحة ، لطيفٌ لا يوصف بالخفاء ، كبيرٌ لا يوصف بالجفاء ، بصيرٌ لا يوصف بالحاسة ، رحيمٌ لا يوصف بالرقة . تعنو الوجوه لعظمته ، وتجب القلوب من مخافته » . انتهى .
فالقول برؤية الله بالعين جاء من تأثر المسلمين باليهود والنصارى والمجوس ، وقد وقف أهل البيت ( عليهم السلام ) وجمهور الصحابة ضده ، ونفوا نسبته إلى الإسلام ، لأنه يستلزم التجسيم .
والدليل البسيط على ذلك أن ما تراه العين لا بد أن يكون موجوداً داخل المكان والزمان ، والله تعالى وجود متعال على الزمان والمكان ، لأنه خلقهما وبدأ شريطهما من الصفر والعدم ، فلا يصح أن نفترضه محدوداً بهما خاضعاً لقوانينهما !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 218 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

10 - من الرؤية بالعين وصلوا إلى عبادة الشاب الأمرد !

واصل كعب الأحبار وتلاميذه في زمن عمر وبعده ، نشر أفكار التجسيم ! وكذبوا على النبي ( صلى الله عليه وآله ) أنه رأى ربه على صورة شاب أمرد ، وأن الله خلق آدم على صورته ، وأن لله يداً ورجلاً وساقاً يضعها في جهنم فتمتلئ !
وكان من أبرز من نشرها من سموه ( الإمام ) أبو الزناد ابن أخ أبي لؤلؤة قاتل عمر بن الخطاب ، وهو موظف حكومي وليس من العلماء ولا الرواة !
قال الذهبي في سير أعلام النبلاء : 8 / 103 : « قال ابن القاسم : سألت مالكاً عمن حدث بالحديث الذي قالوا : إن الله خلق آدم على صورته ، والحديث الذي جاء : إن الله يكشف عن ساقه وأنه يدخل يده في جهنم حتى يخرج من أراد ، فأنكر مالك ذلك إنكاراً شديداً ونهى أن يحدث بها أحد ! فقيل له إن ناساً من أهل العلم يتحدثون به فقال : من هو ؟ قيل ابن عجلان عن أبي الزناد ، قال : لم يكن ابن عجلان يعرف هذه الأشياء ولم يكن عالماً وذكر أبا الزناد فقال : لم يزل عاملاً لهؤلاء حتى مات » انتهى .
يقصد أن راوي الحديث أبو الزناد متهم ، لأنه كان موظفاً عند بني أمية ينشر بين المسلمين أحاديث التجسيم لكعب الأحبار التي تبناها الأمويون !
لكن الوهابيين أحبوا دين كعب الأحبار ! ففي فتاوي ابن باز : 4 / 368 / فتوى رقم 2331 ، قال : « خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعاً ! وهو حديث صحيح ، ولا غرابة في متنه فإن له معنيان : الأول : أن الله لم يخلق آدم صغيراً قصيراً كالأطفال من ذريته ثم نما وطال حتى بلغ ستين ذراعاً ، بل جعله يوم خلقه طويلاً على صورة نفسه النهائية طوله ستون ذراعاً والثاني : أن الضمير في
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 219 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قوله : على صورته ، يعود على الله بدليل ما جاء في رواية أخرى صحيحة : على صورة الرحمن » !
وكلامه تقليد لإمامه ابن تيمية الذي تبنى الحديث المكذوب عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) ! قال في كتابه التأسيس في الرد على أساس التقديس : « وهذا يدل على أنه رآه ، وأخبر أنه رآه في صورة شاب دونه ستر وقدماه في خضرة ، وأن هذه الرؤية هي المعارضة بالآية والمُجاب عنها بما تقدّم ، فيقتضي أنها رؤية عين ، كما في الحديث الصحيح المرفوع عن قتادة ، عن عكرمة عن ابن عباس قال : قال رسول الله ( ص ) : رأيتُ ربي في صورة أمرد ، له وفرة ، جعد ، قطط في روضة خضراء » ! راجع أيضاً : نقض عثمان بن سعيد على المريسي / 438 ، وتفسير ابن كثير : 6 / 448 .
* * »
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 220 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

11 - سبب نشوء الطرق في معرفة الله تعالى

عقيدتنا أن الله تعالى لا يمكن أن يترك الأمر للناس ليجتهدوا في معرفته وعبادته وأن القرآن لا يكفي لذلك لأنه حَمَّال وجوه ، والسنة لا تكفي لأن رواتها ومفسريها مختلفون ، فلا بد من تعيين أئمة معصومين بعد النبي ( صلى الله عليه وآله ) يكونون قدوات للناس فيشرحون لهم معرفة الله تعالى في النظرية ، ويجسدونها في التطبيق !
وهم كما أخبر النبي ( صلى الله عليه وآله ) اثنا عشر ربانياً من عترته ( عليهم السلام ) ، وقد أمر الأمة باتِّباعهم لكن قريشاً سارعت إلى أخذ الخلافة ، وعزلت العترة ( عليهم السلام ) وحجبتهم عن إمامة الناس ، ولم تعرف الشعوب الجديدة أن إمامتهم جزءٌ لا يتجزأ من الإسلام ، وأنها يجب أن تأخذ معرفة الله تعالى وعبادته منهم ، فتعددت فيها الاجتهادات ، وتأثر مجتهدوها بثقافات الأديان والوثنيات ، فنشأ التصوف في الأمة الإسلامية !
وبرز وُعَّاظٌ وعُبَّادٌ وقراءٌ ومُنَظِّرُون لمعرفة الله وعبادته ، كلهم من الشعوب غير العربية ، وكان مستواهم الذهني متفوقاً ، وكانوا يعتبرون أنفسهم أكثر حضارة ومدنية من العرب وأنهم إن فهموا لغتهم فهم أقدر منهم على فهم نصوص الدين الذي نزل عليهم ، وفهم أغراضه وأهدافه !
فاتبعهم العرب أتباع الخلافة ، وجعلوهم مشايخ طرق صوفية !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 221 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل التاسع : اعتقادنا بالعدل الإلهي

1 - أصول الدين الخمسة

عندما يقول المتكلمون إن أصول الدين خمسة ، يقصدون : التوحيد والنبوة والعدل والإمامة والمعاد . وسبب جعلهم العدل أصلاً مستقلاً مع أنه صفة من صفات الله تعالى ، أن الخلاف وقع بين المسلمين في العدل الإلهي ، فانقسموا إلى عدلية ومجبرة . واشتهر أن الأشعرية مجبرة ، بينما الشيعة والمعتزلة عدلية .
ومع أن الجميع متفقون على نفي الظلم عنه تعالى ، لأنه إنما يحتاج إلى الظلم الضعيف ، والله تعالى ليس ضعيفاً ولا محتاجاً إلى الظلم ، بل غنيٌّ عن العالمين .
لكنهم اختلفوا في مفهوم الظلم وما يعتبر ظلماً بالنسبة إليه تعالى وما لا يعتبر ، كما اختلفوا في قوانين الفعل الإلهي ، وهل يجوز عليه عز وجل أن يكلف الإنسان بما لا يطيق ، أو يخلف وعده فيدخل العاصي الجنة والمطيع النار . . الخ . ؟

2 - عجز العقل البشري عن إدراك كنه ذات الله تعالى وأفعاله

اعتقادنا بالتنزيه المطلق والعدل المطلق لله عز وجل ، فنحن ننزهه عن كل أنواع التشبيه ، وكل أنواع الظلم .
وفي الوقت الذي نعتقد بأن الله تعالى فتح للعقل البشري معرفة الكثير من أوجه العدل والظلم ، التي تنسجم معها قوانين أفعاله عز وجل ، لكن للعقل البشري حدود ، فهو لا يستطيع أن يعرف كنه ذات الله تعالى ، ولا أوجه فاعلياته
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 222 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
في الوجود ، فلا يصح أن نقيس ذاته عز وجل على ذواتنا ، ولا أفعاله على أفعالنا . ولعل أكثر الخلاف بين العدلية والمجبرة ناشئ من هذا القياس .
إن أكبر العلماء في أرضنا هو الذي يفهم شيئاً من قوانين عمل الله تعالى في بعض مجالات الطبيعة ! والعبقري النابغة عندنا هو الذي يتعمق في دراسة المادة ويصل إلى معرفة تركيب الخلية أو الذرة . وهذه من فاعليات الله العادية في كونه الوسيع ! لذلك وجب علينا أن نتهم أنفسنا بالقصور وعدم الفهم ، بدل أن ننسب إلى الله تعالى مالا يجوز عليه أو لا يليق به .

3 - إعتقادنا بالعدل الإلهي المطلق

قال الصدوق ( قدس سره ) في الإعتقادات : « اعتقادنا أن الله تبارك وتعالى أمرنا بالعدل وعاملنا بما هو فوقه وهو التفضل ، وذلك أنه عز وجل يقول : مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُون .
والعدل هو أن يثيب على الحسنة ويعاقب على السيئة . قال النبي ( صلى الله عليه وآله ) : لا يدخل الجنة رجل بعمله ، إلا برحمة الله عز وجل » .

4 - إعتقادنا في نفي الجبر والتفويض

قال الصدوق ( قدس سره ) في الإعتقادات : « اعتقادنا في ذلك قول الصادق ( عليه السلام ) لا جبر ولا تفويض بل أمر بين أمرين ، فقيل له : وما أمرٌ بين أمرين ؟ قال : ذلك مثل رجل رأيته على معصية فنهيته فلم ينته فتركته ، ففعل تلك المعصية ، فليس حيث لا يقبل منك فتركته كنت أنت الذي أمرته بالمعصية . .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 223 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
باب الإعتقاد في الإرادة والمشيئة : إعتقادنا في ذلك قول الصادق ( عليه السلام ) : شاء الله وأراد ولم يحبّ ولم يرض . شاء أن لا يكون شئ إلا بعلمه وأراد مثل ذلك ، ولم يحب أن يقال له ثالث ثلاثة ، ولم يرض لعباده الكفر . قال الله تعالى : إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ . وقال تعالى : وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللهُ . وقال : وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لا مَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ . وقال عز وجل : وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلا بِإِذْنِ اللهِ . كما قال تعالى : وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلا بِإِذْنِ اللهِ كِتَابًا مُؤَجَّلاً . وكما قال عز وجل : قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ . وقال تعالى : وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ . . وقال الله تعالى : يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ . وقال تعالى : يُرِيدُ اللهُ أَلا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الآخِرَةِ . وقال : يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وقال تعالى : يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ . . .
فهذا اعتقادنا في الإرادة والمشيئة ، ومخالفونا يشنعون علينا في ذلك ويقولون إنا نقول إن الله تعالى أراد المعاصي ، وأراد قتل الحسين بن علي ( عليهما السلام ) ، وليس هكذا نقول ، ولكنا نقول : إن الله تعالى أراد أن تكون معصية العاصين خلاف طاعة المطيعين ، وأردا أن تكون المعاصي غير منسوبة إليه من جهة الفعل ، وأراد أن يكون موصوفاً بالعلم بها قبل كونها ، ونقول : أراد الله أن يكون قتل الحسين ( عليه السلام ) معصية خلاف الطاعة . ونقول : أراد الله أن يكون قتله منهياً عنه غير مأمور به . .
ونقول أراد الله ألا يمنع من قتله بالجبر والقدرة ، كما منع منه بالنهي والقول ، ولو منع منه بالجبر والقدرة كما منع منه بالنهي والقول لاندفع القتل عنه ( عليه السلام ) كما
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 224 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
اندفع الحرق عن إبراهيم ( عليه السلام ) حين قال تعالى للنار التي ألقي فيها : قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ . . . ونقول : ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن . . .
باب الإعتقاد في القضاء والقدر : إعتقادنا في ذلك قول الصادق ( عليه السلام ) لزرارة حين سأله فقال : ما تقول يا سيدي في القضاء والقدر ؟ قال : أقول إن الله تعالى إذا جمع العباد يوم القيامة سألهم عما قضى عليهم .
وروي أن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) عدل من عند حائط مائل إلى مكان آخر ، فقيل له : يا أمير المؤمنين تفر من قضاء الله ؟ فقال ( عليه السلام ) : أفر من قضاء الله إلى قدر الله . ! وسئل الصادق ( عليه السلام ) عن الرُّقى هل تدفع من القدر شيئاً ؟ فقال : هي من القدر » .
أقول : في العدل الإلهي بحوث عديدة عقلية ونقلية ، تجدها في الكتب الكلامية .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 225 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل العاشر : إعتقادنا في الأنبياء والرسل والأوصياء ( عليهم السلام )

1 - ضرورة وجود الأنبياء والأوصياء ( عليهم السلام )

قال الإمام جعفر الصادق ( عليه السلام ) : « إنا لما أثبتنا أن لنا خالقاً صانعاً متعالياً عنا وعن جميع ما خلق ، وكان ذلك الصانع حكيماً متعالياً ، لم يجز أن يشاهده خلقه ولا يلامسوه فيباشرهم ويباشروه ويحاجهم ويحاجوه ، ثبت أن له سفراء في خلقه ، يعبرون عنه إلى خلقه وعباده ، ويدلونهم على مصالحهم ومنافعهم ، وما به بقاؤهم وفي تركه فناءهم . فثبت الآمرون والناهون عن الحكيم العليم في خلقه والمعبرون عنه جل وعز ، وهم الأنبياء ( عليهم السلام ) وصفوته من خلقه ، حكماء مؤدبين بالحكمة ، مبعوثين بها ، غير مشاركين للناس ، على مشاركتهم لهم في الخلق والتركيب ، في شئ من أحوالهم ، مؤيدين من عند الحكيم العليم بالحكمة .
ثم ثبت ذلك في كل دهر وزمان ، مما أتت به الرسل والأنبياء ( عليهم السلام ) من الدلائل والبراهين ، لكيلا تخلو أرض الله من حجة ، يكون معه علم يدل على صدق مقالته ، وجواز عدالته » .
وقال الإمام الرضا ( عليه السلام ) : « فإن قال : فلم وجب عليهم معرفة الرسل والإقرار بهم والإذعان لهم بالطاعة ؟ قيل : لأنه لما أن لم يكن في خلقهم وقواهم ما يكملون به مصالحهم ، وكان الصانع متعالياً عن أن يرى ، وكان ضعفهم وعجزهم عن إدراكه ظاهراً ، لم يكن بد لهم من رسول بينه وبينهم ، معصوم ، يؤدي إليهم أمره ونهيه وأدبه ، ويوقفهم على ما يكون به منافعهم ومضارهم ، إذ لم يكن في خلقهم ما يعرفون به ما يحتاجون إليه من منافعهم ومضارهم » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 226 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

2 - أدلة نبوة نبينا محمد ( صلى الله عليه وآله )

الأدلة على نبوة نبينا ( صلى الله عليه وآله ) كثيرة ، وصدقه ( صلى الله عليه وآله ) متواتر بشهادة الصديق والعدو ، ولذلك صدقناه في قوله إن الله تعالى أوحى إليه وبعثه رسولاً إلى العالمين .
ومن أدلة صدقه : القرآن وكفى بها دليلاً على نبوته ( صلى الله عليه وآله ) في إعجازه البلاغي والعلمي والغيبي ، وأوجه إعجازه الأخرى .
ومنها : معجزاته الكثيرة المتواترة .
ومنها : إخباره بالمغيبات التي تحققت وما زالت تتحقق إلى عصرنا .
ومنها : شخصية علي ( عليه السلام ) التي رباها وخرجها النبي ( صلى الله عليه وآله ) للناس ، فهو معجزةٌ للنبي ( صلى الله عليه وآله ) متعددة الوجوه ، في شجاعته وعلمه وإنسانيته ، وجوانب شخصيته .

3 - نؤمن بجميع الأنبياء والرسل وأوصيائهم ( عليهم السلام )

قال الله تعالى : آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ . وقال تعالى : إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا . وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا . رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيما .
قال الصدوق ( قدس سره ) في الإعتقادات : « باب الإعتقاد في عدد الأنبياء والأوصياء ( عليهم السلام ) : اعتقادنا في عددهم أنهم مائة ألف نبي وأربعة وعشرون ألف نبي ومائة ألف
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 227 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وصي وأربعة وعشرون ألف وصي ( عليهم السلام ) ، لكل نبي منهم وصي أوصى إليه بأمر الله تعالى . نعتقد فيهم أنهم جاءوا بالحق من عند الحق ، وأن قولهم قول الله تعالى وأمرهم أمر الله تعالى ، وطاعتهم طاعة الله تعالى ، ومعصيتهم معصية الله تعالى .
وأنهم لم ينطقوا إلا عن الله تعالى وعن وحيه . وأن سادة الأنبياء الذين عليهم دارت الرحى خمسة ، هم أصحاب الشرايع ، وهم أولو العزم : نوح ، وإبراهيم ، وموسى ، وعيسى ، ومحمد ، صلوات الله عليهم أجمعين .
وأن محمداً ( صلى الله عليه وآله ) سيدهم وأفضلهم ، وأنه جاء بالحق وصدق المرسلين ، وأن الذين كذبوا به لذائقوا العذاب الأليم ، وأن الذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك المفلحون الفائزون .
ويجب أن نعتقد أن الله تعالى لم يخلق خلقاً أفضل من محمد والأئمة ( عليهم السلام ) ، وأنهم أحب الخلق إلى الله وأكرمهم عليه ، وأولهم إقراراً به لما أخذ الله ميثاق النبيين ، وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ؟ قالوا بلى .
وأن الله تعالى بعث نبيه محمداً ( صلى الله عليه وآله ) إلى الأنبياء في الذر ، وأن الله تعالى أعطى ما أعطى كل نبي على قدر معرفته نبينا ، وسبقه إلى الإقرار به .
وأن الله تعالى خلق جميع ما خلق له ولأهل بيته ( عليهم السلام ) ، وأنه لولاهم لما خلق الله السماء والأرض ولا الجنة ولا النار ولا آدم ولا حواء ، ولا الملائكة ، ولا شيئاً مما خلق . صلوات الله عليهم أجمعين » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 228 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

4 - نعتقد أن المعصومين أفضل من الملائكة ( عليهم السلام )

قال الصدوق ( قدس سره ) في الإعتقادات : « إعتقادنا في الأنبياء والرسل والحجج صلوات الله عليهم أنهم أفضل من الملائكة .
وقول الملائكة لله عز وجل لما قال لهم : إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ، هو التمني فيها لمنزلة آدم ( عليه السلام ) ولم يتمنوا إلا منزلة فوق منزلتهم !
والعلم يوجب فضله ( عليه السلام ) ، قال الله تعالى : وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْماءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ . قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ . قَالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ . فهذا كله يوجب تفضيل آدم على الملائكة وهو نبي لهم بقول الله تعالى : أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ . ولما ثبت تفضيل آدم على الملائكة أمر الله تعالى الملائكة بالسجود لآدم لقوله تعالى : فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ . ، ولم يأمرهم الله بالسجود إلا لمن هو أفضل منهم وكان سجودهم لله تعالى عبودية وطاعة لآدم ، إكراماً لما أودع الله صلبه من النبي والأئمة ، صلوات الله عليهم أجمعين .
وقال النبي ( صلى الله عليه وآله ) : أنا أفضل من جبرئيل وميكائيل وإسرافيل ، ومن جميع الملائكة المقربين ، ومن حملة العرش ، وأنا خير البرية ، وأنا سيد ولد آدم .
وأما قوله تعالى : لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا للهِ وَلا الْمَلاَئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ ، فليس ذلك بموجب لتفضيلهم على عيسى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 229 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وإنما قال تعالى ذلك لأن الناس منهم من كان يعتقد الربوبية لعيسى ويتعبد له ، وهم صنف من النصارى ، ومنهم من عبد الملائكة وهم الصابئون وغيرهم ، فقال الله عز وجل : لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ ، والمعبودون دوني أن يكونوا عباداً لي .
والملائكة روحانيون معصومون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون . لا يأكلون ولا يشربون ولا يألمون ولا يسقمون ولا يشيبون ولا يهرمون ! طعامهم وشرابهم التسبيح والتقديس ، وعيشهم من نسيم العرش ، وتلذذهم بأنواع العلوم ، خلقهم الله أنواراً وأرواحاً ، كما شاء وأراد » .

5 - نعتقد بعصمة الأنبياء والأئمة ( عليهم السلام ) عصمة كاملة شاملة

امتاز الشيعة عن غيرهم من مذاهب المسلمين وأهل الأديان الأخرى ، بأنهم يعتقدون بالعصمة الكاملة الشاملة للأنبياء وأوصيائهم ( عليهم السلام ) ، وينزهونهم عن جميع المعاصي والرذائل ، طوال أعمارهم الشريفة ، قبل البعثة والإمامة وبعدها ، سواء في تبليغ الرسالة ، أو في غيره من سلوكهم الشخصي والعام .
وهذا الامتياز للشيعة معروف عنهم من قديم . قال الرازي في عصمة الأنبياء / 8 : « وقد اختلفوا فيه على خمسة مذاهب . . . الخامس : أنه لا يجوز عليهم الكبيرة ولا الصغيرة لا بالعمد ولا بالتأويل ولا بالسهو والنسيان . وهذا مذهب الشيعة » .
وقال في تفسيره ( 3 / 7 ) : « واختلف الناس على ثلاثة أقوال . . وثالثها : قول من ذهب إلى أن ذلك ( ارتكاب الكفر والكبيرة ) لا يجوز وقت النبوة أما قبلها فجائز ، وهو قول أكثر أصحابنا ، وقول أبي الهذيل العلاف ، وأبي علي من المعتزلة » .
وهذا يكشف أنه لم يسلم من التأثر بتهم اليهود لأنبيائهم ( عليهم السلام ) إلا الشيعة ، أتباع
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 230 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
العترة النبوية الطاهرة ، صلوات الله عليهم .
وقد نشر اليهود قصص الأنبياء ( عليهم السلام ) وفيها انتقاصهم والافتراء عليهم ، وتبنتها حكومات الخلافة القرشية ، وأعطت رواتها مناصب عليا في الدولة !
كما نشر روايات الانتقاص من نبينا ( صلى الله عليه وآله ) لتبرير عمل الخلفاء ، بل فضلوا خلفاءهم على الأنبياء ( عليهم السلام ) أحياناً ! ( راجع العقائد الإسلامية : 5 ، وألف سؤال وإشكال : 2 ) .
وقد سأل هشام بن الحكم الإمام الصادق ( عليه السلام ) عن العصمة ، فقال : « المعصوم هو الممتنع بالله من جميع محارم الله ، وقال الله تبارك وتعالى : ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم » ( معاني الأخبار للصدوق / 132 ) .
وقال الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) كما في معاني الأخبار / 132 : « الإمام منا لا يكون إلا معصوماً ، وليست العصمة في ظاهر الخلقة فيعرف بها ، ولذلك لا يكون إلا منصوصاً . فقيل له : يا ابن رسول الله فما معنى المعصوم ؟ فقال : هو المعتصم بحبل الله وحبل الله هو القرآن لا يفترقان إلى يوم القيامة ، والإمام يهدي إلى القرآن والقرآن يهدي إلى الإمام ، وذلك قول الله عز وجل : إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ » .
وفي معاني الأخبار / 132 : « عن محمد بن أبي عمير قال : ما سمعت ولا استفدت من هشام بن الحكم في طول صحبتي له شيئاً أحسن من هذا الكلام في صفة عصمة الإمام ( عليه السلام ) فإني سألته يوماً عن الإمام أهو معصوم ؟ فقال : نعم . فقلت : فما صفة العصمة فيه ؟ وبأي شئ تعرف ؟ فقال : إن جميع الذنوب لها أربعة أوجه ولا خامس لها : الحرص والحسد والغضب والشهوة ، فهذه منفية عنه ، لا يجوز
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 231 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أن يكون حريصاً على هذه الدنيا وهي تحت خاتمه ، لأنه خازن المسلمين ، فعلى ماذا يحرص ؟ ولا يجوز أن يكون حسوداً لأن الإنسان إنما يحسد من فوقه وليس فوقه أحد ، فكيف يحسد من هو دونه ؟
ولا يجوز أن يغضب لشئ من أمور الدنيا إلا أن يكون غضبه لله عز وجل ، فإن الله عز وجل قد فرض عليه إقامة الحدود ، وأن لا تأخذه في الله لومة لائم ، ولا رأفة في دينه حتى يقيم حدود الله عز وجل .
ولا يجوز له أن يتبع الشهوات ويؤثر الدنيا على الآخرة ، لأن الله عز وجل حبب إليه الآخرة كما حبب إلينا الدنيا ، فهو ينظر إلى الآخرة كما ننظر إلى الدنيا فهل رأيت أحداً ترك وجهاً حسناً لوجه قبيح وطعاماً طيباً لطعام مر ، وثوباً ليناً لثوب خشن ، ونعمةً دائمةً باقية لدنيا زائلة فانية » ! ( وعلل الشرائع : 1 / 204 ، والخصال / 215 )
أقول : هذه الدرجة إنما أعطاها الله للمعصوم ( عليه السلام ) بجهاده . قال الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) : « إن المراتب الرفيعة لا تنال إلا بالتسليم لله جل ثناؤه وترك الاقتراح عليه والرضا بما يدبرهم به . إن أولياء الله صبروا على المحن والمكاره صبراً لمَّا يساوهم فيه غيرهم ، فجازاهم الله عز وجل عن ذلك بأن أوجب لهم نجح جميع طلباتهم ، لكنهم مع ذلك لا يريدون منه إلا ما يريده لهم » ! ( أمالي الصدوق / 539 ) .

6 - من الأدلة على عصمة النبي ( صلى الله عليه وآله ) والأئمة ( عليهم السلام )

الأدلة على عصمة نبينا ( صلى الله عليه وآله ) كثيرة وصريحة ، فكل أدلة نبوته تدل على عصمته ، وسلوكه الذي كان تحت منظر المسلمين وتحت مجهر أعدائه ، يدل على أنه لم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 232 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يرتكب معصية ولا عملاً غير لائق ، بل كان قدوة وقمةً في النبل والسمو والرفعة . كما يدل على عصمته ( صلى الله عليه وآله ) وعصمة عترته ( عليهم السلام ) آية التطهير : إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرُكُمْ تَطْهِيراً ، والعصمة هي الطهارة من الذنوب ، وما لا يليق .
كما يدل عليها وجوب طاعتهم ( عليهم السلام ) في مثل قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ ، فهو وجوب مطلق في كل الأمور وكل الحالات ، ولو كانت المعصية تصدر منهم لما أمرنا الله بطاعتهم مطلقاً .
ومن الأدلة على عصمة الأئمة ( عليهم السلام ) : وصية النبي لأمته بالقرآن وبهم بقوله ( صلى الله عليه وآله ) : إني تارك فيكم الثقلين ، كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، وهو حديث صحيح متواتر عند الجميع ، يدل على أنهم كالقرآن ، لا يأتيهم الباطل من بين أيديهم ولا من خلفهم ، بل هم المفسرون الشرعيون للقرآن ، والمبلغون لسنة النبي ( صلى الله عليه وآله ) . أما حديث إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وسنتي ، فلم يصح له سند ، ولو صح فمعناه : أوصيكم بالقرآن وسنتي وعترتي ، فخذوا القرآن وسنتي منهم .
إلى عشرات الأدلة التي دونها علماؤنا في الكتب المبسوطة في العقائد والإمامة .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 233 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الحادي عشر : اعتقادنا بالإمامة بعد النبي ( صلى الله عليه وآله )

1 - تعريف الإمامة وتعدد المذاهب فيها

الإمامة في عقيدتنا منصب رباني ، فهي من مختصات الله تعالى كالنبوة . بل تدل آيات القرآن على أنها منصب فوق النبوة ، وإن لم يكن فيها وحي نبوة !
فقد بعث الله إبراهيم ( عليه السلام ) نبياً ، ثم اصطفاه خليلاً ، ثم امتحنه بكلمات فلما نجح في امتحانه جعله للناس إماماً ! قال عز وجل : وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ .
أما حق الحكم للمسلمين والعالم فهو واحد من حقوق صاحب هذا المنصب !
وعلى ضوء هذا ، فالإمامة درجة ربانية تعني القدوة الكامل لكل الأجيال ، وقد بلغها بعض الأنبياء ، وليس كلهم ( عليهم السلام ) .
كما أن الرسل من مجموع مئة وأربع وعشرين ألف نبي ( عليهم السلام ) هم ثلاث مئة وستون فقط ، وخلفاء الله من مجموع الرسل قلة أيضاً ، وليس كل رسول خليفة .
أما نبينا ( صلى الله عليه وآله ) وأئمتنا ( عليهم السلام ) فهم أئمة وخلفاء الله في أرضه . ,
لكن السنيين يستعملون الإمامة بمعنى الحكم فقط ، وبهذا المعنى نتفق معهم في تعريفها ، قال التفتازاني وهو من أئمة السنة : « والإمامة رياسة عامة في أمر الدين والدنيا خلافة عن النبي ( ص ) . وقال العلامة الحلي ( قدس سره ) : الإمامة رياسة عامة في أمور الدين والدنيا لشخص من الأشخاص نيابة عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) » . ( الإمامة في أهم الكتب الكلامية لآية الله الميلاني / 151 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 234 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ومع حصرهم للإمامة في الحكم فقد وقع الخلاف بينهم في أمور فيها :
1 - صاحب الحق في تعيين الإمام عندنا هو الله تعالى ، أما عندهم فهو الأمة لكنهم اختلفوا في آلية اختيار الإمام والخليفة ، فقال بعضهم يصير خليفة وإماماً ببيعة شخص واحد يصفق على يده ويبايعه فيصير إماماً يجب على جميع المسلمين أن يقبلوه ويبايعوه ، كما حدث لأبي بكر !
لكن عمر بن الخطاب أفتى بأن هذه البيعة باطلة وجريمة ، فقال كما في البخاري إنها فلتة فمن عاد لمثلها فاقتلوه لأن عمله ابتزاز للخلافة ! فيجب أن تكون بالشورى ، وهي محصورة في أهل الحل والعقد ، وهم المهاجرون والأنصار بعد النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وكان عددهم مئات .
وفي عصرنا حيث لا يوجد مهاجرون وأنصار ، فهل تكون الشورى باستفتاء شعبي ، فينتخب الحاكم من كل الناس ، أم من أهل الحل والعقد ، ومن الذي يعينهم ، هل بانتخاب من الناس ، أم يعينهم الحاكم السابق ؟
2 - هل تصح الإمامة بوصية الحاكم السابق إلى اللاحق ، كما فعل أبو بكر فأوصى لعمر ، أم هي وصية باطلة غير ملزمة للأمة ، كما قال عمر ؟
3 - هل يجوز للحاكم السابق أن يجعل الخلافة في بضعة أشخاص ، ويأمرهم بالتوافق أو التصويت ، ويأمر بقتل من خالف الأكثرية منهم ؟ أو يعطي حق النقض لأحدهم ويأمر بقتل من خالفه ، كما فعل عمر بن الخطاب فأعطى حق النقض لعبد الرحمن بن عوف وأمر بقتل من خالفه ؟
4 - هل يجوز للحاكم السابق أن يترك الناس بدون خليفة وإمام ، وبدون ضوابط وآلية محددة لانتخاب الخليفة ، كما زعموا أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فعله !
والى الآن لم يحل فقهاء المذاهب السنية هذه المعضلات في الخلافة والإمامة .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 235 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أما قادة الحركات التي تعمل لإعادة الخلافة ، فهم لا يؤمنون بالشورى أبداً ، بل يدعون المسلمين لطاعة قائدهم ، ويعملون لفرضه بالقوة أميراً وخليفة !
5 - ينبغي التنبيه إلى أن الإمامة الربانية منحصرة عندنا بالاثني عشر إماماً ( عليهم السلام ) وهم الذين بشر بهم النبي ( صلى الله عليه وآله ) وخاتمهم المهدي الغائب الموعود ( عجل الله تعالى فرجه الشريف ) . ولا يمكن للأمة أن تنصب إماماً لأن العصمة صفة خفية لا يعرفها إلا الله تعالى .
أما حكم الناس في عصر غيبة الإمام ( عليه السلام ) وحتى يبعثه الله تعالى ، ففيه رأيان فقهيان في مذهبنا :
أولهما : أنه حقٌّ للفقيه الجامع للشروط وهو المعروف باسم ولاية الفقيه .
وثانيهما : أن الحكم متروك للناس يختارون بالانتخاب شكل الحكم ، وشخص الحاكم . ودور الفقهاء إنما هو التوجيه العام ، وليس ممارسة السلطة .

2 - إعتقادنا بإمامة الأئمة الاثني عشر ( عليهم السلام )

« عن ابن عباس قال : سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول : أنا وعليٌّ والحسنُ والحسينُ وتسعةٌ وُلْدِ الحسين ، مطهرون معصومون » . ( كمال الدين / 280 ، وكفاية الأثر / 19 ) .
قال الصدوق ( قدس سره ) : « واعتقادنا أن حجج الله تعالى على خلقه بعد نبيه محمد ( صلى الله عليه وآله ) الأئمة الإثنا عشر : أولهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، ثم الحسن ، ثم الحسين ، ثم علي بن الحسين ، ثم محمد بن علي ، ثم جعفر بن محمد ، ثم موسى بن جعفر ، ثم علي بن موسى ، ثم محمد بن علي ، ثم علي بن محمد ، ثم الحسن بن علي ، ثم محمد بن الحسن الحجة القائم صاحب الزمان خليفة الله في أرضه . صلوات الله عليهم أجمعين . واعتقادنا فيهم : أنهم أولوا الأمر الذين أمر الله
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 236 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
تعالى بطاعتهم ، وأنهم الشهداء على الناس ، وأنهم أبواب الله ، والسبيل إليه ، والأدلاء عليه . وأنهم عيبة علمه ، وتراجمة وحيه ، وأركان توحيده ، وأنهم معصومون من الخطأ والزلل ، وأنهم الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً ، وأن لهم المعجزات والدلائل ، وأنهم أمان لأهل الأرض كما أن النجوم أمان لأهل السماء ، وأن مثلهم في هذه الأمة كسفينة نوح أو كباب حطة ، وأنهم عباد الله المكرمون ، الذين لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون .
ونعتقد فيهم أن حبهم إيمان وبغضهم كفر ، وأن أمرهم أمر الله تعالى ، ونهيهم نهي الله تعالى ، وطاعتهم طاعة الله تعالى ، ووليهم ولي الله تعالى ، وعدوهم عدو الله تعالى ، ومعصيتهم معصية الله تعالى .
ونعتقد أن الأرض لا تخلو من حجة لله على خلقه ، إما ظاهر مشهور ، أو خائف مغمور . ونعتقد أن حجة الله في أرضه وخليفته على عباده في زماننا هذا ، هو القائم المنتظر محمد بن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ( عليهم السلام ) ، وأنه هو الذي أخبر به النبي ( صلى الله عليه وآله ) عن الله عز وجل باسمه ونسبه ، وأنه هو الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً ، وأنه هو الذي يظهر الله به دينه على الدين كله ولو كره المشركون ، وأنه هو الذي يفتح الله على يديه مشارق الأرض ومغاربها ، حتى لا يبقى في الأرض مكان إلا نودي فيه بالأذان ، ويكون الدين كله لله تعالى وأنه هو المهدي الذي أخبر به النبي ( صلى الله عليه وآله ) أنه إذا خرج نزل عيسى بن مريم فصلى خلفه ، ويكون المصلي إذا صلى خلفه كمن كان مصلياً خلف رسول الله ( صلى الله عليه وآله )
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 237 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لأنه خليفته . ونعتقد أنه لا يجوز أن يكون القائم غيره ، بقي في غيبته ما بقي ، ولو بقي في غيبته عمر الدنيا ، لم يكن القائم غيره ، لأن النبي ( صلى الله عليه وآله ) والأئمة ( عليهم السلام ) دلوا عليه باسمه نسبه ، وبه نصوا وبه بشروا ، صلوات الله عليه » .

3 - الأدلة على إمامة الأئمة الاثني عشر ( عليهم السلام )

الأدلة على إمامة الأئمة الاثني عشر ( عليهم السلام ) عديدة من القرآن والسنة ، وقد ألف فيها علماؤنا كتباً خاصة ، تزيد على مئة كتاب ، واستعرضوا فيها عشرات الأدلة من القرآن والسنة ، بل مئاتها ، واستوفوا بحوثها .
وغاية ما أمكن للمخالفين أنهم حاولوا تأويل الآيات والأحاديث بمعان تبعدها عن علي وأهل البيت ( عليهم السلام ) وإمامتهم للأمة .
ومن باب المثال حديث النبي ( صلى الله عليه وآله ) المتواتر المتفق عليه : « إني تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي ، أحدهما أعظم من الآخر : كتاب الله وعترتي أهل بيتي » . ( السنة لابن أبي عاصم : 2 / 630 ، والتحفة الاثني عشرية للدهلوي / 130 ) .
وفي المراجعات / 75 و 81 : « حديث الثقلين عند الطبراني : فلا تقدموهما فتهلكوا ولا تقصروا عنهما فتهلكوا ، ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم » !
فهو صريح واضح في أن القرآن وأئمة العترة النبوية وصية النبي ( صلى الله عليه وآله ) في الأمة وعهده إليهم ، وقد أمرها باتباعهما والتمسك بها ، وكرر ذلك في مناسبات كثيرة وفصَّله بأساليب وتعابير متعددة . لكنهم مع ذلك يؤولون النص ليهربوا منه !
وقد أكد النبي ( صلى الله عليه وآله ) على إمامة عترته ( عليهم السلام ) في حجة الوداع ، فبشر الأمة في خطبة عرفات بالأئمة الاثني عشر من عترته ( عليهم السلام ) ، ثم خطب بعدها خطبة الغدير
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 238 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ودعا علياً ( عليه السلام ) وأصعده المنبر ورفع بيده وقال : من كنت مولاه فهذا علي مولاه ، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله !
وقد روى أتباع السلطة هذه الحديث النبوي وصححوه ، لكنهم عملوا بعكسه ، ورفعوا في مقابل أئمة العترة شعار الصحابة وقدموهم عليهم ! بل أبعدوا أهل البيت ( عليهم السلام ) واضطهدوهم وقتلوهم ، واضطهدوا شيعتهم !
قال أبو الفتح الكراجكي في كتابه التعجب / 150 : « ومن العجب أنهم يسمعون قول الرسول ( صلى الله عليه وآله ) : إني مخلف فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا : كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، فإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض ، وقوله ( صلى الله عليه وآله ) : مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح ، من ركبها نجا ، ومن تخلف عنها غرق . وقوله ( صلى الله عليه وآله ) : النجوم أمان لأهل السماء ، وأهل بيتي أمان لأمتي .
في أمثال هذه الأخبار الواردة مورد الظهور والانتشار ، المتضمنة إعلامهم بأن الله تعالى قد أزاح بأهل بيت نبيه ( عليهم السلام ) عللهم وأغناهم بهم عن غيرهم ، فيهجرونهم ولا يرجعون في مسألة من الفقه إليهم ، ويتعلقون بأذيال مالك وأبي حنيفة والشافعي وسفيان الثوري وداود وابن حنبل ، المختلفي الأفعال والأقوال ، المتبايني الأحكام في الحلال والحرام ، فيتبعونهم مقتدين بهم ، ويعتمدون عليهم في معالم الدين ، ويتقربون بما يأخذونه منهم إلى رب العالمين ، ويقولون هم علماء الأمة وفقهاء أهل القبلة ، وأئمة الأنام وحفظة الإسلام ، الذين هذبوا الشرع وتمموا الناقص من السمع ! ومن سواهم لا يأخذون منه علماً ، ولا يصوبون له عملاً ! بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً » .
ونورد فيما يلي شريطاً لأقوال النبي ( صلى الله عليه وآله ) في بيان مكانة علي ( عليه السلام ) وخلافته ، فقد أكَّد النبي ( صلى الله عليه وآله ) عليه وعلى العترة ( عليهم السلام ) في كل مراحل نبوته من أولها إلى ختامها .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 239 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

4 - تأكيدات النبي ( صلى الله عليه وآله ) طوال بعثته على إمامة عترته ( عليهم السلام )

1 - بعث النبي أولاً لبني هاشم خاصة :
روى الجميع أن الله تعالى بعث النبي ( صلى الله عليه وآله ) أولاً لبني هاشم ، ثم للناس عامة فقال ( صلى الله عليه وآله ) : « يا بني عبد المطلب إني بعثت إليكم خاصة ، وإلى الناس عامة » . ( تفسير ابن كثير : 3 / 363 ، وتفسير مقاتل : 2 / 466 ) فدعاهم إلى وليمة وأخبرهم بأن الله تعالى أمره أن ينذرهم ويتخذ من يؤازره منهم أخاً ووزيراً ووصياً وخليفة ، فاستجاب له علي ( عليه السلام ) فأعلنه أخاه ووزيره وخليفته وأمر بني هاشم بطاعته ! قال ( صلى الله عليه وآله ) : « يا بني عبد المطلب إن الله بعثني إلى الخلق كافة ، وبعثني إليكم خاصة فقال عز وجل : وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ . أنا أدعوكم إلى كلمتين خفيفتين على اللسان ثقيلتين في الميزان تملكون بهما العرب والعجم وتنقاد لكم بهما الأمم ، وتدخلون بهما الجنة وتنجون بهما من النار : شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فمن يجيبني إلى هذا الأمر ويؤازرني عليه وعلى القيام به يكن أخي ووصي ووزيري ووارثي وخليفتي من بعدي » . ( الإرشاد : 1 / 49 ، ومسند الشاميين : 2 / 66 ، وتفسير الطبري : 19 / 149 ، وشواهد التنزيل : 1 / 486 ، و 543 ، وتفسير البغوي : 3 / 400 ، وتفسير ابن كثير : 3 / 363 ، والطبقات : 1 / 187 ، وتاريخ دمشق : 42 / 46 ، وتفسير الثعلبي : 7 / 182 ، وفيه : فقام القوم وهم يقولون لأبي طالب : أطع ابنك فقد أمر عليك » . وتاريخ الطبري : 2 / 63 ، وفيه : « إن هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا ! فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب : قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع » . ( راجع حديث الدار للسيد الميلاني ، والصحيح من السيرة : 3 / 59 ) .
2 - نص النبي ( صلى الله عليه وآله ) على خلافة علي من بعده :
نص النبي ( صلى الله عليه وآله ) مراراً على أن علياً ( عليه السلام ) ولي أمته بعده ، ففي مسند أحمد : 5 / 356 ، قال ( صلى الله عليه وآله ) لأحد أصحابه : « لا تقع في عليٍّ فإنه مني وأنا منه ، وهو وليكم بعدي » والنسائي : 5 / 133 ، وأوسط الطبراني : 6 / 163 ، وفتح الباري : 8 / 53 ، وتحفة الأحوذي : 10 / 146 .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 240 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ورواه النسائي في خصائص أمير المؤمنين / 99 ، وفيه : « فقلت : يا رسول الله بالصحبة إلا بسطت يدك حتى أبايعك على الإسلام » . فطلب تجديد إسلامه لأنه كَفَرَ ببغضه لعلي !
3 - أخذ علياً طفلاً من عمه ورباه :
أخذ النبي ( صلى الله عليه وآله ) علياً ( عليه السلام ) وهو طفل صغير ورباه ، فقد قال لعمه أبي طالب : « إني أحب أن تدفع إليَّ بعض ولدك يعينني على أمري ويكفيني وأشكر لك بلاك عندي . فقال أبو طالب : خذ أيهم شئت ، فأخذ علياً ( عليه السلام ) » . ( مناقب آل أبي طالب : 2 / 29 ، ونحوه سيرة ابن هشام : 1 / 162 ) .
4 - وكان علي معه في غار حراء :
كان علي ( عليه السلام ) مع النبي ( صلى الله عليه وآله ) في غار حراء ، قال الجاحظ في العثمانية / 305 : « فجاور في حراء في شهر رمضان ، ومعه أهله خديجة ، وعلي بن أبي طالب ، وخادم » .
وفي دلائل البيهقي : 2 / 14 ، وإمتاع الأسماع : 3 / 24 : « وخرج معه بأهله » .
وفي السيرة الحلبية : 1 / 383 : « كان يخرج لجواره ومعه أهله ، أي عياله التي هي خديجة ، إما مع أولادها أو بدونهم » .
وقال علي ( عليه السلام ) : « ولقد سمعت رنة الشيطان حين نزل الوحي عليه ، فقلت يا رسول الله ما هذه الرنة ؟ فقال هذا الشيطان أيس من عبادته ، إنك تسمع ما أسمع وترى ما أرى إلا أنك لست بنبي ولكنك وزير ، وإنك لعلى خير » ( نهج البلاغة : 2 / 157 ) .
و « قال رسول الله : صلت الملائكة عليَّ وعلى عليٍّ سبع سنين ، وذلك أنه لم يصل معي أحد قبله » ( سنن النسائي : 5 / 107 ، والخطيب في المتفق : 3 / 141 ، وتاريخ دمشق : 42 / 39 ، وصححوه ) .
5 - وكان أحب الناس إليه فكلمه الله بصوته :
وكان علي ( عليه السلام ) أحب الناس إليه ولذلك كلمه الله في المعراج فخلق كلامه بصوت علي ( عليه السلام ) . روى الموفق الخوارزمي في المناقب / 78 ، عن عبد الله بن عمر أن الله تعالى قال لنبيه ( صلى الله عليه وآله ) : « خلقتك من نوري وخلقت علياً من نورك ، فاطلعت على
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 241 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
سرائر قلبك فلم أجد في قلبك أحب إليك من علي بن أبي طالب فخاطبتك بلسانه كيما يطمئن قلبك » . ومنهاج الكرامة / 90 ، وكشف اليقين / 229 .
6 - وكان علي من حراس النبي ( صلى الله عليه وآله ) :
وكان أبو طالب وأولاده وأخوه حمزة ، يحرسون النبي ( صلى الله عليه وآله ) في سنوات الحصار ، وكان ثقل ذلك على علي ( عليه السلام ) . ( مناقب آل أبي طالب : 1 / 57 ) .
7 - ورافق علي النبي إلى الطائف :
وعندما ذهب النبي ( صلى الله عليه وآله ) إلى الطائف بعد وفاة عمه أبي طالب ( رحمه الله ) ليدعوهم إلى الإسلام ويطلب منهم الحماية « فكان معه علي وزيد بن حارثة ، في رواية أبي الحسن المدائني » . ( شرح النهج : 4 / 127 ) .
8 - وبات على فراشه ليلة الهجرة وفداه بنفسه :
وفي ليلة الهجرة فدى علي النبي ( صلى الله عليه وآله ) بنفسه وبات في فراشه : « فهبط جبرئيل فجلس عند رأسه وميكائيل عند رجليه ، وجعل جبرئيل يقول : بخٍ بخٍ . مَن مثلك يا ابن أبي طالب والله يباهي بك الملائكة ، فأنزل الله : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِى نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ » ( فضائل أمير المؤمنين لابن عقدة / 179 ، والمناقب : 1 / 339 ، وشواهد التنزيل : 1 / 123 ، وتفسير الثعلبي : 2 / 125 ، وأسد الغابة : 4 / 25 ، وأمالي الطوسي / 468 ) .
9 - وأدى أمانات النبي ( صلى الله عليه وآله ) وهاجر علناً :
وعندما هاجر النبي ( صلى الله عليه وآله ) أدى علي ( عليه السلام ) أماناته في مكة ، ثم كان الوحيد الذي هاجر علناً ، ولحقه فرسان قريش ليردوه فقتل قائدهم ! ( الإرشاد : 1 / 53 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 242 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
10 - واتخذه النبي ( صلى الله عليه وآله ) أخاً :
آخى النبي ( صلى الله عليه وآله ) بين المسلمين ، واتخذ علياً ( عليه السلام ) أخاً له وقد رووا أنه ( صلى الله عليه وآله ) : « لما آخى بين المسلمين أخذ بيد علي فوضعها على صدره ، ثم قال : يا علي أنت أخي ، وأنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي . الخ . » . ( تاريخ دمشق : 42 / 53 ، ومصادره عديدة ) .
11 - وأمر الله نبيه ( صلى الله عليه وآله ) أن يزوجه فاطمة ( عليهما السلام ) :
خطب أبو بكر وعمر فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) فردهما ، وزوجها لعلي ( عليه السلام ) : « أن أبا بكر خطب فاطمة إلى النبي ( ص ) فقال : يا أبا بكر أنتظر بها القضاء ، فذكر ذلك أبو بكر لعمر فقال له عمر : ردك يا أبا بكر . ثم إن أبا بكر قال لعمر : أخطب فاطمة إلى النبي ، فخطبها فقال له مثلما قال لأبي بكر : أنتظر بها القضاء فجاء عمر إلى أبي بكر فأخبره فقال : له ردك يا عمر » ! ( الطبقات : 8 / 19 ) .
12 - وظهرت مكانة علي ( عليه السلام ) وبطولته في بدر :
وفي بدر وذهب علي ( عليه السلام ) ليلاً ليستقي للنبي ( صلى الله عليه وآله ) فرأى الملائكة وسلموا عليه ( الإحتجاج : 1 / 200 ) . وبرز أبطال المشركين فبرز لهم أبطال بني هاشم وأولهم علي ( عليه السلام ) ، فقتل خصمه وأعان حمزة وعبيدة على خصميهما ، وقتل نصف صناديد قريش أو أكثر ، وقتل المسلمون الباقين . ( الإرشاد : 1 / 73 ) . وجاء جبرئيل بذي الفقار إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ونادى : « لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا عليٌّ » . ( الإحتجاج : 1 / 200 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 243 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
« أخذ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بيده يوم بدر فرفعها حتى نظر الناس إلى بياض إبطيه وهو يقول : ألا إن هذا ابن عمي ووزيري ، فوازروه وناصحوه فإنه وليكم بعدي » . ( الإحتجاج : 1 / 209 ) .
13 - وكان بطل غزوة بني النضير :
وفي غزوة في بني النضير تسلل اليهود ليلاً بين النخيل ورموا النبي ( صلى الله عليه وآله ) بسهام فأصابوا خيمته ، فذهب علي وحده : « فلم يلبث أن جاء برأس اليهودي الذي رمى النبي ( صلى الله عليه وآله ) وكان يقال له عزورا ، فطرحه بين يدي النبي ( صلى الله عليه وآله ) فقال له النبي ( صلى الله عليه وآله ) : كيف صنعت ؟ فقال : إني رأيت هذا الخبيث جريئاً شجاعاً ، فكمنت له وقلت ما أجرأه أن يخرج إذا اختلط الظلام يطلب منا غِرة ، فأقبل مصلتاً سيفه في تسعة نفر من أصحابه اليهود ، فشددت عليه فقتلته ، وأفلت أصحابه » . ( الإرشاد : 1 / 92 ) .
14 - وكان بطل غزوة أحد وثبت وحده مع النبي ( صلى الله عليه وآله ) :
وفي غزوة أحد برز علي ( عليه السلام ) لصاحب لواء المشركين طلحة فقتله ، فأخذ الراية آخر فقتله ، حتى قتل بضعة من قادتهم ، فاضطربوا ، فحمل عليهم المسلمون فانهزموا ، وتبعوهم يأسرون منهم ويغنمون .
ثم جاءت خيل المشركين من خلف المسلمين فوقعت فيهم الهزيمة ، وقتلوا من المسلمين حمزة عم النبي ( صلى الله عليه وآله ) وسبعين ، وصاحوا قتل محمد ! فهرب المسلمون كما قال تعالى : َلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ . إِذْ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 244 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ . فقاتل النبي ( صلى الله عليه وآله ) قتال الأبطال حتى وقع في حفرة ، فأمره جبرئيل أن يستطل بالصخرة ويدافع عنه علي ( عليه السلام ) . ( سيرة ابن هشام : 3 / 655 ) .
« قتل علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) يوم أحد أربعة عشر رجلاً ، وقتل سائر الناس سبعة ، وأصابه يومئذ ثمانون جراحة ، فمسحها رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فلم ينفح منها شئ » . ( الثاقب في المناقب / 63 ) . قال علي ( عليه السلام ) : « أصابني يوم أحد ست عشرة ضربة سقطت إلى الأرض في أربع منهن ، فأتاني رجل حسن الوجه حسن اللمة طيب الريح فأخذ بِضِبْعِي فأقامني ثم قال : أقبل عليهم فإنك في طاعة الله وطاعة رسول الله وهما عنك راضيان ! فأتيت النبي ( صلى الله عليه وآله ) فأخبرته فقال : يا علي أقر الله عينك ذاك جبرئيل » . ( المناقب : 1 / 385 و : 2 / 78 ) .
وفي مبسوط السرخسي : 1 / 73 : « كسرت زند علي يوم أحد وفي يده لواء رسول الله ( ص ) فسقط اللواء من يده ، فتحاماه المسلمون أن يأخذوه ، فقال رسول الله ( ص ) : فضعوه في يده الشمال فإنه صاحب لوائي في الدنيا والآخرة » .
ولعل ذلك في الجولة الأولى بعد قتله أصحاب الألوية ، ثم مسح النبي ( صلى الله عليه وآله ) جراحه ، فواصل جهاده كأنه لم يصبه شئ !
15 - نادى جبرئيل في يوم أحد : لا فتى إلا علي ( عليه السلام ) :
« سمعت علياً يقول : لما انهزم الناس يوم أحد عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لحقني من الجزع عليه ما لم أملك نفسي ، وكنت أمامه أضرب بسيفي بين يديه فرجعت أطلبه فلم أره ، فقلت : ما كان رسول الله ليفر وما رأيته في القتلى ، وأظنه رفع
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 245 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
من بيننا إلى السماء ، فكسرت جفن سيفي وقلت في نفسي : لأقاتلن به عنه حتى أقتل ، وحملت على القوم فأفرجوا فإذا أنا برسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قد وقع على الأرض مغشياً عليه ، فقمت على رأسه فنظر إليَّ وقال : ما صنع الناس يا علي ؟ فقلت : كفروا يا رسول الله وولوا الدبر وأسلموك ! فنظر النبي ( صلى الله عليه وآله ) إلى كتيبة قد أقبلت إليه فقال لي : رد عني يا علي هذه الكتيبة فحملت عليها بسيفي أضربها يميناً وشمالاً حتى ولوا الأدبار . . فقال لي النبي ( صلى الله عليه وآله ) : أما تسمع يا علي مديحك في السماء ، إن ملكاً يقال له رضوان ينادي : لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي . فبكيت سروراً وحمدت الله سبحانه على نعمته » . ( الإرشاد : 1 / 86 ، والمناقب : 2 / 315 ) .
16 - قتل علي ( عليه السلام ) أصحاب راية المشركين يوم أحد :
« أنشدني أبو عبيدة للحجاج بن علاط السلمي ، يمدح علي بن أبي طالب ويذكر قتله طلحة بن أبي طلحة بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار ، صاحب لواء المشركين يوم أحد :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] لله أي مذبَّبٍ عن حرمة * أعني ابن فاطمةَ المُعِمَّ المُخْولا
سبقت يداك له بعاجل طعنة * تركتْ طليحة للجبين مجدَّلا
وشددت شدةَ باسلٍ فكشفتهم * بالسفح إذ يَهْوُون أخولَ أخولا
وعللت سيفك بالدماء ولم يكن * لتردَّه ظمآنَ حتى ينهلا »
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] سيرة ابن هشام : 2 / 655 ، والإرشاد : 1 / 90 ، ورسائل المرتضى : 4 / 125 ، والنهاية : 7 / 372 .
17 - كتب الله ولاية علي على المسلمين يوم أحد :
« هبط جبرئيل يوم أحد وقد انهزم المسلمون ولم يبق غير علي ( عليه السلام ) ، وقد قتل الله على يده يومئذ من المشركين من قتل فقال جبرئيل : يا محمد إن الله يقرأ عليك السلام ويقول لك : أخبر علياً أني عنه راض ، وأني آليت على نفسي أن لا يحبه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 246 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عبد إلا أحببته ، ومن أحببته لم أعذبه بناري ، ولا يبغضه عبد إلا أبغضته ، ومن أبغضته ما له في الجنة من نصيب » ! ( الجواهر السنية / 301 ) .
18 - وفي غزوة الأحزاب قطف النصر للمسلمين :
وفي غزوة الخندق حاصر الأحزاب المدينة شهراً ، وخاف المسلمون وهرب أكثرهم من حراسة الخندق ، وعبر فارس العرب عمرو بن ود وأخذ يستعرض قوته ، مرةً بسيفه ومرة برمحه أو يركزه في الأرض ويدور بفرسه حوله ويقول : أبرز إليًّ يا محمد ! ثم يقول : إنكم تزعمون أن قتلاكم في الجنة وقتلانا في النار ؟ ألا يحب أحدكم أن يُقْدِم على الجنة أو يبعث عدواً له إلى النار ؟ !
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] ولقد بححت من الندا * ء بجمعكم هل من مبارز
ووقفت إذ جبن الشجا * ع موقف الخصم المناجز
إني كذلك لم أزل * متسرعاً نحو الهزاهز
إن الشجاعة في الفتى * والجود من كرم الغرائز
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] وكان عمرو بن عبد ود راكباً ، فمشى علي ( عليه السلام ) نحوه راجلاً ، وهو يقول :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] لا تعجلنَّ فقد أتاك * مجيب صوتك غيرُ عاجز
ذو نيةٍ وبصيرةٍ * والصدق مُنجي كلِّ فائز
إني لأرجو أن تقو * م عليك نائحةُ الجنائز
من طعنة نجلاء يبقى * ذكرها بين الهزاهز
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] وقد غيَّرت ضربة علي ( عليه السلام ) لعمرو ميزان القوى ! قال جابر الأنصاري : « فما شبهت قتل علي عمراً إلا بما قال الله تعالى من قصة داود وجالوت ، حيث
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 247 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يقول : فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ . وقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بعد قتله : الآن نغزوهم ولا يغزوننا » . ( إعلام الورى : 1 / 382 ، والإرشاد : 1 / 102 ، والحاكم : 3 / 34 ) .
19 - من شهادات النبي ( صلى الله عليه وآله ) لعلي ( عليه السلام ) في غزوة الأحزاب :
وعندما ألبسه النبي ( صلى الله عليه وآله ) رفع عمامته ويديه إلى السماء وقال : « اللهم إنك أخذت مني عبيدة بن الحرث يوم بدر ، وحمزة بن عبد المطلب يوم أحد ، وهذا أخي علي بن أبي طالب ، ربِّ لا تذرني فرداً وأنت خير الوارثين » .
وعندما برز إليه قال ( صلى الله عليه وآله ) : « برز الإيمان كله إلى الشرك كله » .
وعندما قتله قال ( صلى الله عليه وآله ) : « ضربة علي يوم الخندق تعدل عمل أمتي إلى يوم القيامة . ضربة علي تعدل عند الله عمل الثقلين . ضربة علي أفضل عند الله من عمل الثقلين » ! ( الصحيح : 9 / 333 و 340 ) .
وقال ( صلى الله عليه وآله ) : « هبط عليَّ جبرئيل يوم الأحزاب لما قتل علي بن أبي طالب عمرواً فارسهم ، فقال : يا محمد إن الله يقرأ عليك السلام ويقول لك : إني افترضت الصلاة على عبادي فوضعتها عن العليل الذي لا يستطيعها ، وافترضت الزكاة فوضعتها عن المقل ، وافترضت الصيام فوضعته عن المسافر ، وافترضت الحج فوضعته عن المعدم ومن لا يجد السبيل إليه ، وافترضت حب علي بن أبي طالب ومودته على أهل السماوات وأهل الأرض ، فلم أعذر فيه أحداً ! فمر أمتك بحبه ، فمن أحبه فبحبي وحبك أحبه ، ومن أبغضه فببغضي وبغضك أبغضه » ! ( الجواهر السنية / 301 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 248 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
20 - وفي غزوة قريظة قطف علي ( عليه السلام ) النصر للمسلمين
وفي غزوة قريظة ، قطف علي ( عليه السلام ) النصر ، فمدحه النبي ( صلى الله عليه وآله ) وأخبر المسلمين بمكانته عند الله ، وأوصاهم بطاعته بعده . فقد احتج خالد بن سعيد بن العاص على أبي بكر في أيام السقيفة وقال له : « إتق الله يا أبا بكر فقد علمت أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قال ونحن محتوشوه يوم بني قريظة حين فتح الله له باب النصر ، وقد قتل علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) يومئذ عدة من صناديد رجالهم وأولي البأس والنجدة منهم : يا معاشر المهاجرين والأنصار إني موصيكم بوصية فاحفظوها ومودعكم أمراً فاحفظوه : ألا إن علي بن أبي طالب أميركم بعدي وخليفتي فيكم بذلك أوصاني ربي . ألا وإنكم إن لم تحفظوا فيه وصيتي وتوازروه وتنصروه ، اختلفتم في أحكامكم واضطرب عليكم أمر دينكم ووليكم شراركم . ألا وإن أهل بيتي هم الوارثون لأمري والعالمون لأمر أمتي من بعدي . اللهم من أطاعهم من أمتي وحفظ فيهم وصيتي فاحشرهم في زمرتي واجعل لهم نصيباً من مرافقتي ، يدركون به نور الآخرة . اللهم ومن أساء خلافتي في أهل بيتي فأحرمه الجنة التي عرضها كعرض السماء والأرض !
فقال له عمر بن الخطاب : أسكت يا خالد فلست من أهل المشورة ، ولا ممن يقتدى برأيه ! فقال له خالد : بل أسكت أنت يا ابن الخطاب ، فإنك تنطق على لسان غيرك ! وأيم الله لقد علمت قريش أنك من ألأمها حسباً وأدناها منصباً ، وأخسها قدراً وأخملها ذكراً ، وأقلهم غناءً عن الله ورسوله ، وإنك لجبان في الحروب ، بخيل بالمال ، لئيم العنصر ، مالك في قريش من فخر ، ولا في الحروب من ذكر ! فأبلس عمر ، وجلس خالد بن سعيد » . ( الإحتجاج : 1 / 97 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 249 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
21 - وشبهه النبي ( صلى الله عليه وآله ) بعيسى ( عليه السلام ) :
شبَّه النبي ( صلى الله عليه وآله ) علياً بعيسى بن مريم ( عليهما السلام ) ، فقد روى الجميع عن سلمان الفارسي أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) قال في غزوة بني المصطلق : « يأتيكم الساعة من هذه الشعبة ، وأشار بيده إلى بعض الشعاب ، رجل أشبه الناس بالمسيح ، وهو أفضل الناس بعدي يوم القيامة ، وأول من يدخل الجنة ! فجعلنا ننظر إلى الشعب فكان أول من طلع منه علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ! فلما انتهى إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قام إليه فاعتنقه وقبل بين عينيه ودخلا فقال قوم من المنافقين : يشبِّه ابن عمه بالمسيح ويمثله به ، أفآلهتنا التي كنا نعبدها خير أم علي ؟ فأنزل الله عز وجل فيهم : وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ . وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلا جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ » . ( شرح الأخبار : 2 / 466 ) .
22 - وفتح علي ( عليه السلام ) حصن ناعم في خيبر :
وفي خيبر كان فتح كل حصونها على يد علي ( عليه السلام ) . وأعظمها حصن ناعم في منطقة النَّطَاهْ ، وعلى بعد بضعة كيلو مترات منها منطقة الكتيبة ، وفيها حصن القموص ، والسلالم ، والوطيح . وقد استغرق فتح خيبر نحو شهرين . وبدأ النبي ( صلى الله عليه وآله ) بحصن ناعم في النطاة ، ففتحه بعد بضعة أيام .
قال في عون المعبود ( 8 / 172 ) في شرح سنن أبي داوود : « وقصة فتح هذه الحصون : أن النبي ( ص ) ألبس علياً رضي الله عنه درعه الحديد وأعطاه الراية ، ووجهه إلى الحصن ، فلما انتهى علي رضي الله عنه إلى باب الحصن ، اجتذب أحد أبوابه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 250 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فألقاه بالأرض ، ففتح الله ذلك الحصن الذي هو حصن ناعم ، وهو أول حصن فتح من حصون النطاة على يده رضي الله عنه » . والسيرة الحلبية : 2 / 737
23 - لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله :
أبقى النبي ( صلى الله عليه وآله ) علياً ( عليه السلام ) يرتب الحصون المفتوحة في النطاه ، وتوجه إلى حصن القموص فحاصره نحو شهر ، وكان يعطي الراية كل يوم لصحابي فيرجع مهزوماً ، فغضب ( صلى الله عليه وآله ) وأرسل لإحضار علي ( عليه السلام ) وقال : لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ، كرار غير فرار ، لا يرجع حتى يفتح الله على يديه » وهو حديث متواتر . وفي سنن النسائي : 5 / 112 : « يقاتل جبرئيل عن يمينه وميكائيل عن شماله » وفي صحيح مسلم : 7 / 121 : « قال عمر بن الخطاب : ما أحببت الإمارة إلا يومئذ ! قال فتساورت لها رجاء أن أدعى لها ! قال : فدعا رسول الله علي بن أبي طالب فأعطاه إياها ، فقال : إمش ولا تلتفت حتى يفتح الله عليك » !
24 - إمض يا علي وجبرئيل عن يمينك :
« عممه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يوم خيبر بيده وألبسه ثيابه وأركبه بغلته ، ثم قال له : إمض يا علي وجبرئيل عن يمينك ، وميكائيل عن يسارك ، وعزرائيل أمامك ، وإسرافيل وراءك ، ونصر الله فوقك ، ودعائي خلفك » ! ( المناقب : 2 / 78 ) .
25 - وأعطاه النبي ( صلى الله عليه وآله ) وسام سيد العرب :
وقال النبي ( صلى الله عليه وآله ) في خيبر : علي سيد العرب ! ( الصحيح من السيرة : 18 / 36 )
وقال ( صلى الله عليه وآله ) مرة لعائشة : « إذا سرك أن تنظري إلى سيد العرب ، فانظري إلى علي » ! وقالت : « قال رسول الله : ادعوا لي سيد العرب ، فقلت : يا رسول الله ألست سيد العرب ؟ فقال : أنا سيد ولد آدم وعلي سيد العرب » . ( تاريخ بغداد : 11 / 90 ، والحاكم : 3 / 124 ، وابن أبي شيبة : 7 / 474 ، وبغية الباحث / 283 ، وأوسط الطبراني : 2 / 127 .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 251 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
26 - أمر النبي ( صلى الله عليه وآله ) الأمة أن تتبرك بتراب قدمي علي ( عليه السلام ) :
وقال علي ( عليه السلام ) كما في مناقب الخوارزمي / 129 : « قال لي رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يوم فتحت خيبر : لولا أن تقول فيك طوائف من أمتي ما قالت النصارى في عيسى بن مريم ، لقلت فيك اليوم مقالاً ، لا تمرُّ على ملأ من المسلمين إلا أخذوا من تراب رجليك وفضل طهورك يستشفون به » ! وتقدم في الفصل الأول .
27 - نزلت سورة العاديات في وصف غارة علي ( عليه السلام ) :
وفي غزوة ذات السلاسل ، أخبر الله النبي ( صلى الله عليه وآله ) أن قبائل سليم تستعد لغزو المدينة ، فأرسل سرية من بضع مئات بقيادة عمر فرجع منهزماً ، ثم أرسل أبا بكر فرجع منهزماً ، ثم أرسل عمرو بن العاص فرجع منهزماً ! فأرسل علياً ( عليه السلام ) ومعه أبو بكر وعمر وخالد وابن العاص ، فسلك طريقاً بين الأودية ، وأغار صباحاً مبكراً على مركز تجمعهم فنزلت سورة : وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً . . السورة . وهزمهم وأسر منهم وجاء بها مقرنين في الحبال كأنهم سلسلة . ( أمالي الطوسي / 407 )
28 - انهزم الصحابة في حنين وقاتل علي ( عليه السلام ) وحده :
وفي حنين انهزم المسلمون على كثرتهم ، إلا النبي ( صلى الله عليه وآله ) وبنو هاشم ! كما قال تعالى : وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ . ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى المُؤْمِنِينَ . قال البخاري ( 4 / 57 ) : « قال أبو قتادة : فلحقت عمر بن الخطاب فقلت : ما بال الناس ؟ قال : أمر الله » ! فأراد عمر أن يخفف معصية الفرار وينسبها إلى الله تعالى !
وكان أول المنهزمين خالد بن الوليد وكان على خيل بني سليم ( سير السرخسي : 1 / 117 ) . « وانحاز رسول الله ذات اليمين ثم قال : أين الناس ؟ هلموا إليَّ ، أنا رسول الله ، أنا محمد بن عبد الله ! قال : فلا شئ » ! ( ابن هشام : 4 / 893 )
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 252 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقاتل النبي ( صلى الله عليه وآله ) قتال الأبطال ، وقصده قائد هوازن كعب بن مالك فاعترضه أيمن فقتله كعب ! وأحاط بنو هاشم بالنبي ( صلى الله عليه وآله ) فلم يصل إليه ، وكان لا يقترب من النبي ( صلى الله عليه وآله ) أحد لا يعرفونه ، إلا قتلوه !
وغاص علي ( عليه السلام ) في جيش هوازن وهم عشرون ألفاً ، فأخذ يقصد أصحاب الرايات ويقتلهم ، وكان يأسر منهم ويأتي بهم إلى النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وبذلك أبعد المعركة عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، فنظر إليه عمه العباس وسيفه يلمع في وسطهم فقال : « برٌّ ، ابنُ برّ ، فداه عمُّ وخال » ! فضرب يومئذٍ أربعين مبارزاً كلهم يقدُّه حتى أنفه ! وكانت ضرباته مبتكرة » . ( أمالي الطوسي / 575 ) .
فنزلت السكينة على النبي ( صلى الله عليه وآله ) والثابتين معه وأولهم علي ( عليه السلام ) ونزلت الملائكة فنصر الله المسلمين بعلي والملائكة . قال ابن هشام : 4 / 896 : « فوالله ما رجعت راجعة الناس من هزيمتهم حتى وجدوا الأسارى مكتَّفين عند رسول الله ( ص ) »
فمن الذي أسرهم وكتَّفهم ، إلا علي ( عليه السلام ) والملائكة ؟ !
29 - فشل خالد في فتح اليمن ، وفتحها علي ( عليه السلام ) :
وأرسله النبي ( صلى الله عليه وآله ) إلى اليمن ثلاث مرات ، مرتين للفتح ، ومرة للقضاء قال ابن هشام ( 4 / 1028 و 1056 ) : غزوة علي بن أبي طالب رضوان الله عليه إلى اليمن ، غزاها مرتين ، وتوغل في مناطقها .
وقال الصالحي في سبل الهدى : 6 / 235 : « روى البيهقي في السنن والدلائل والمعرفة عن البراء بن عازب ( وبريدة الأسلمي ) قال : بعث رسول الله ( ص ) خالد بن الوليد إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الإسلام ، قال البراء : فكنت فيمن خرج مع خالد بن الوليد ، فأقمنا ستة أشهر ندعوهم إلى الإسلام فلم يجيبوا ! ثم إن النبي بعث
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 253 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
علي بن أبي طالب مكان خالد وأمره أن يُقفل خالداً ، وقال : مُرْ أصحاب خالد من شاء منهم أن يعقب معك فليعقب ومن شاء فليقبل . . . إلى آخره ، وفيه : « وقال : إذا كان قتال فعليٌّ الأمير ، قال : فافتتح عليُّ حصناً فغنمت أواقي ذوات عدد وأخذ علي منه جارية ، قال : فكتب معي خالد إلى رسول الله يخبره ! قال الترمذي : يعني النميمة ! قال : فلما قدمت على رسول الله ( ص ) وقرأ الكتاب رأيته يتغير لونه فقال : ما ترى في رجل يحب الله ورسوله ويحبه الله تعالى ورسوله ؟ فقلت : أعوذ بالله من غضب الله تعالى وغضب رسوله ، إنما أنا رسول . فسكت .
وفي رواية : فجعل يقرأ الكتاب وأقول صدق ، فإذا النبي ( ص ) قد احمرَّ وجهه ، فقال : من كنت وليه فعلي وليه ! ثم قال : يا بريدة أتبغض علياً ؟ ! فقلت : نعم . قال : لا تبغضه فإن له الخمس أكثر من ذلك ! وفي رواية : والذي نفسي بيده لنصيب علي في الخمس أفضل من وصيفة ، وإن كنت تحبه فازدد له حباً . وفي رواية : لا تقع في علي فإنه مني وأنا منه وهو وليكم بعدي ! قال بريدة : فما كان في الناس أحد أحب إلي من علي » ! وأكمل علي ( عليه السلام ) مهمته في اليمن ونصب حاكماً عليها خالد بن سعيد بن العاص ، ووافى النبي ( صلى الله عليه وآله ) في حجة الوداع .
30 - أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي :
وفي غزوة تبوك قاد النبي ( صلى الله عليه وآله ) بنفسه جيش المسلمين لحرب قيصر ، واستخلف علياً ( عليه السلام ) على المدينة حتى لا يطمع فيها المنافقون والمشركون ، فاستثقل المنافقون وجوده وأشاعوا ما استخلفه إلا استثقالاً له وبغضاً ! « فلحق علي برسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فقال : يا رسول الله زعم المنافقون أنك خلفتني استثقالاً لي ؟ فتضاحك رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، ثم أمر فنودي في الناس كلهم فاعصوصبوا وتجمعوا فقال
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 254 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
( صلى الله عليه وآله ) : يا أيها الناس ما فيكم من أحد إلا وله خاصة من أهله ، ألا إن علياً مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي » ! ( المسترشد لمحمد بن جرير الطبري الشيعي / 443 ، وهو حديث متواتر ) .
وفي تلك الفترة حاول المنافقون قتل النبي ( صلى الله عليه وآله ) في رجوعه من تبوك ، وحاولوا قتل علي ( عليه السلام ) في المدينة ! ( الإحتجاج : 1 / 59 ) .
31 - أعلنه النبي ( صلى الله عليه وآله ) ولياً في حجة الوداع ولعن من تولى غيره :
وفي حجة الوداع خطب النبي ( صلى الله عليه وآله ) خمس خطب ، وأكد فيها على مكانة علي ( عليه السلام ) والعترة بأنواع من التأكيد ، وأوصى الأمة بالقرآن وبهم بأساليب بليغة وبشر الأمة في يوم عرفة بالأئمة الاثني عشر ( عليهم السلام ) .
ومن أساليب الأكيد النبوي في خطب حجة الوداع ، أنه ( صلى الله عليه وآله ) بعد حديثه عن أهل بيته ( عليهم السلام ) أعلن مبدأ : « لعن من ادعى إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه » !
ففي مسند أحمد : 4 / 186 : « خطبنا رسول الله ( ص ) وهو على ناقته فقال : ألا إن الصدقة لا تحل لي ولا لأهل بيتي ، وأخذ وبرة من كاهل ناقته فقال : ولا ما يساوي هذه ، أو ما يزن هذه . لعن الله من ادعى إلى غير أبيه ، أو تولى غير مواليه » ! فهو لعن لمن خالف وصيته ( صلى الله عليه وآله ) في عترته ( عليهم السلام ) .
32 - ذكرهم النبي ( صلى الله عليه وآله ) في حجة الوداع بظلم قريش :
كان واضحاً لقريش أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) يريد في حجة الوداع تركيز خلافة عترته ، وأنه يتعمد الحديث عن ظلم قريش ومحاصرتهم له سنين في شعب أبي طالب ، فقد أعلن يوم التروية : « منزلنا غداً إن شاء الله تعالى بخيف بني كنانة ، حيث تقاسموا على الكفر » . ( صحيح بخاري : 2 / 158 ) ثم كرره بعد عرفات ( بخاري : 4 / 247 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 255 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وكان أكد عليه يوم فتح مكة !
لذلك كان الحل برأي قريش مواصلة العمل لقتل محمد ( صلى الله عليه وآله ) ! ومنعه من إعلان عليٍّ خليفة ، حتى بالتشويش على كلامه ، والقول للناس إنه لم يقل ، وتهديده بإعلان الردة عندما يلزم ذلك !
33 - بشرهم النبي ( صلى الله عليه وآله ) بالأئمة الاثني عشر في حجة الوداع :
روى السنة بشارة النبي ( صلى الله عليه وآله ) بالأئمة الربانيين الاثني عشر ( عليهم السلام ) ، لكنهم زعموا أن هويتهم خفيت عليهم ، وأنهم لم يسألوا النبي ( صلى الله عليه وآله ) عنهم !
ثم كرر النبي ( صلى الله عليه وآله ) البشارة بهم في المدينة ، فزعموا أنهم لم يفهموا ماذا قال ! ولم يسألوه عنهم !
وفي سنن أبي داود : 2 / 309 : « قال : فكبر الناس وضجوا ، ثم قال كلمة خفية ، قلت لأبي : يا أبة ما قال ؟ قال : كلهم من قريش »
وفي مسند أحمد : 5 / 93 ، و 98 : « وضج الناس . . ثم لغط القوم وتكلموا فلم أفهم قوله بعد كلهم . . . ثم قال كلمة أصَمَّنِيها الناس ، فقلت لأبي : ما قال ؟ قال : كلهم من قريش » . وقد بحثنا أكاذيبهم في كتاب آيات الغدير .
34 - واعلن علياً أولهم ورفع بيده في الغدير :
خطب النبي ( صلى الله عليه وآله ) خطبة سادسة في عودته من حجة الوداع في غدير خم وأخذ بيد علي ( عليه السلام ) وأعلنه الإمام الأول من الاثني عشر ( عليهم السلام ) ، وأطلق قوله المشهور : من كنت مولاه فعلي مولاه . قال ( صلى الله عليه وآله ) : « أيها الناس : إني أوشك أن أدعى فأجيب فما أنتم قائلون ؟ فقالوا : نشهد أنك قد بلغت ونصحت . فقال : أليس تشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، وأن الجنة حقٌ وأن النار حقٌ وأن البعث
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 256 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
حق ؟ قالوا : بلى يا رسول الله . قال ( صلى الله عليه وآله ) : أنا لكم فرط وأنتم واردون عليَّ الحوض ، فانظروا كيف تخلفوني في الثقلين ، وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض ، فلا تقدموهم فتهلكوا ولا تتخلفوا عنهم فتضلوا ، ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم .
أيها الناس : ألستم تعلمون أن الله عز وجل مولاي وأنا مولى المؤمنين وأني أولى بكم من أنفسكم ؟ قالوا : بلى يا رسول الله قال : قم يا علي ، فقام علي عن يمين النبي ( صلى الله عليه وآله ) فأخذ بيده ورفعها حتى بان بياض إبطيهما ، وقال : من كنت مولاه فعلي مولاه . اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه ، وانصر من نصره واخذل من خذله ، وأدر الحق معه حيث دار . فقام أحدهم فسأله وقال : يا رسول الله ولاؤه كماذا ؟ فقال ( صلى الله عليه وآله ) : ولاؤه كولائي من كنت أولى به من نفسه فعلي أولى به من نفسه » ! وأمر النبي ( صلى الله عليه وآله ) المسلمين بتهنئة علي ( عليه السلام ) فقم عمر بن الخطاب فقال له : بخٍ بخٍ لك يا بن أبي طالب ، أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة ! ( راجع كتاب آيات الغدير ) .
35 - نزلت في الغدير ثلاث آيات في فضل علي ( عليه السلام ) :
نزلت في يوم الغدير ثلاث آيات ، أولها قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ . ( المائدة : 67 ) .
والثانية : قوله تعالى : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِينًا . ( المائدة : 3 ) نزلت بعد أن خطب النبي ( صلى الله عليه وآله ) ونصب علياً ( عليه السلام ) خليفته .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 257 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والثالثة : قوله تعالى : سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ . لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ . ( المعارج : 1 - 2 ) نزلت عندما اعترض على النبي ( صلى الله عليه وآله ) معترضون من قريش . وفي كلٍّ منها أحاديث صحيحة في مصادرنا ومصادر السلطة . راجع كتاب : تفسير آيات الغدير .
36 - حذر النبي ( صلى الله عليه وآله ) قريشاً والصحابة من الطغيان بعده :
حذَّر النبي ( صلى الله عليه وآله ) قريشاً والصحابة أن يطغوا بعده فقال لهم : « يا معشر قريش لا تجيؤوا بالدنيا تحملونها على رقابكم ، وتجئ الناس بالآخرة ، فإني لا أغني عنكم من الله شيئاً » . وقال : « ويحكم أو ويلكم لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض » . ( ابن ماجة : 2 / 1300 ) .
وقال ( صلى الله عليه وآله ) : « لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض بالسيف على الدنيا ، فإن فعلتم ذلك وَلَتَفْعَلُنَّ » . ( تفسير القمي : 1 / 1717 ) .
وقد حرفوا هذا التحذير وجعلوه لبني هاشم بأن لا يطمعوا في الدنيا ! ( صحيح بخاري : 6 / 17 ) . وجعلوه تحذيراً لفاطمة ( عليها السلام ) بأنها لو سرقت لقطع يدها ! ( صحيح بخاري : 4 / 151 و : 5 / 97 و : 8 / 16 ) . وتحذيراً لبني عبد المطلب بنحو هذا !
37 - اعترف رواة السلطة أن أكثر الصحابة في جهنم :
وروى أتباع السلطة أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) أخبر عن ربه عز وجل بأن أصحابه سيطمعون في الدنيا ويرتدون ، ويدخلون النار ، ولا ينجو منهم إلا مثل ( هَمَل النَّعم ) ! أي المنفردة عن القطيع . ومعناه أن الأكثرية الساحقة من الصحابة في النار ! ( صحيح البخاري ( 7 / 209 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 258 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
38 - استطالت العرب عمر النبي ( صلى الله عليه وآله ) لتستولي على ملكه :
قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : « إن العرب كرهت أمر محمد ( صلى الله عليه وآله ) وحسدته على ما آتاه الله من فضله واستطالت أيامه ! حتى قذفت زوجته ونفرت به ناقته ، مع عظيم إحسانه إليها وجسيم مننه عندها ! وأجمعت مذ كان حياً على صرف الأمر عن أهل بيته بعد موته » ! ( شرح النهج : 20 / 298 ) .
ولم تكتف قريش بأعمالها تلك لمنع تسمية النبي ( صلى الله عليه وآله ) لعلي والأئمة من العترة ( عليهم السلام ) بل أرادت أن تضمن نجاحها فكتبت معاهدة بذلك في الكعبة !
« عن الحارث بن حصيرة الأسدي ، عن أبي جعفر الباقر ( عليه السلام ) قال : كنت دخلت مع أبي الكعبة فصلى على الرخامة الحمراء بين العمودين فقال : في هذا الموضع تعاقد القوم إن مات رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أو قتل ألا يردوا هذا الأمر في أحد من أهل بيته أبداً ! قال قلت : ومن كان ؟ قال : كان الأول والثاني وأبو عبيدة بن الجراح وسالم بن الحبيبة » . ( الكافي : 4 / 545 ) .
39 - أبعد النبي ( صلى الله عليه وآله ) مخالفي علي ( عليه السلام ) في جيش أسامة :
عاد النبي ( صلى الله عليه وآله ) إلى المدينة من حجة الوداع أواخر ذي الحجة ، وأمضى بقية أيامه في المدينة وهي نحو سبعين يوماً حسب روايتنا ، ونحو ثمانين يوماً في رواية السلطة . وقام في هذه المدة بعدة أعمال مهمة لتركيز ولاية العترة الطاهرة في الأمة وإبطال محاولات قريش ، فأمر جميع القرشيين أن يذهبوا إلى حرب الروم ، وأمَّر عليهم أسامة بن زيد ، وكان عمره سبع عشرة أو ثمانية عشرة سنة وأمره أن يعسكر من يومه خارج المدينة ويسير في اليوم الثاني أو الثالث !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 259 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فضاقت الدنيا في وجه القرشيين وتفننوا في تسويف الوقت ، فطعنوا في تأمير أسامة عليهم وهم شيوخ قريش ، فغضب النبي ( صلى الله عليه وآله ) وأكد أهلية أسامة ! ثم تخلفوا فحثهم على الحركة ، حتى أنه لعن من تخلف عن جيش أسامة !
وقد حاول أتباع السلطة أن يردوا هذه الحجة وزعم بعضهم أن أبا بكر لم يكن في جيش أسامة ، وأن النبي ( صلى الله عليه وآله ) أمره أن يصلي مكانه ! لكن ابن حجر العسقلاني ، وهو من كبار أئمة السلطة ، قال في فتح الباري ( 8 / 115 ) : « وقد أنكر ابن تيمية في كتاب الرد على ابن المطهر أن يكون أبو بكر وعمر في بعث أسامة ! ومستند ما ذكرناه ما أخرجه الواقدي بأسانيده في المغازي ، وذكره ابن سعد أواخر الترجمة النبوية بغير إسناد ، وذكره ابن إسحاق في السيرة المشهورة ولفظه : بدأ برسول الله ( ص ) وجعه يوم الأربعاء ، فأصبح يوم الخميس فعقد لأسامة فقال : أغز في سبيل الله وسر إلى موضع مقتل أبيك ، فقد وليتك هذا الجيش ، فذكر القصة وفيها : لم يبق أحد من المهاجرين الأولين إلا انتدب في تلك الغزوة منهم أبو بكر وعمر ! وعند الواقدي أن عدة ذلك الجيش كانت ثلاثة آلاف ، فيهم سبعمائة من قريش » !
ويدل عدد المقاتلين القرشيين في جيش أسامة ( سبع مئة مقاتل ) على أن ألوف الطلقاء جاؤوا من مكة إلى المدينة والتفوا حول عمر بن الخطاب ليأخذوا خلافة النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وأن عددهم كان ألوفاً لأن المقاتل لا يكون إلا من بضع نفرات ! وقد نجحوا في إبطال جيش أسامة وتسللوا إلى المدينة وتعللوا بالأعذار حتى توفي النبي ( صلى الله عليه وآله ) وصفقوا على يد أبي بكر ، وأجبروا الناس على بيعته !
قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : « فلم أشعر بعد أن قبض النبي ( صلى الله عليه وآله ) إلا برجال من بعث أسامة بن زيد وأهل عسكره ، قد تركوا مراكزهم وأخلوا مواضعهم ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 260 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وخالفوا أمر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فيما أنهضهم له وأمرهم به ، وتقدم إليهم من ملازمة أميرهم والسير معه تحت لوائه ، حتى ينفذ لوجهه الذي أنفذه إليه ، فخلفوا أميرهم مقيماً في عسكره ، وأقبلوا يتبادرون على الخيل ركضاً إلى حل عقدة عقدها الله عز وجل لي ولرسوله ( صلى الله عليه وآله ) في أعناقهم فحلوها ، وعهد عاهدوا الله ورسوله فنكثوه ، وعقدوا لأنفسهم عقداً ضجت به أصواتهم واختصت به آراؤهم ، من غير مناظرة لأحد منا بني عبد المطلب ، أو مشاركة في رأي ، أو استقالة لما في أعناقهم من بيعتي ! فعلوا ذلك وأنا برسول الله ( صلى الله عليه وآله ) مشغول وبتجهيزه عن سائر الأشياء مصدود فإنه كان أهمها وأحق ما بدئ به منها ! فكان هذا يا أخا اليهود أقرح ما ورد على قلبي مع الذي أنا فيه من عظيم الرزية وفاجع المصيبة ، وفقد من لا خلف منه إلا الله تبارك وتعالى ، فصبرت عليها إذ أتت بعد أختها على تقاربها وسرعة اتصالها » . ( الخصال / 371 ، والاختصاص / 170 ) .
40 - انقلاب الأمة على النبي ( صلى الله عليه وآله ) في حياته ، واتهمته بأنه يهذي :
روت مصادرهم حديث الانقلاب على النبي ( صلى الله عليه وآله ) الذي قاده عمر بن الخطاب بمناصرة طلقاء قريش ، حيث وقف في وجه النبي ( صلى الله عليه وآله ) في مرضه وردَّ عليه ومنعه أن يكتب لأمته عهداً يُؤمِّنُها من الضلال ويجعلها سيدة العالم ! وصاح : حسبنا كتاب الله ! وصاح خلفه الطلقاء : القول ما قاله عمر !
روى البخاري في صحيحه : 1 / 36 : « عن ابن عباس قال : لما اشتد بالنبي ( ص ) وجعه قال : إئتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده . قال عمر : إن النبي غلبه الوجع وعندنا كتاب الله حسبنا ! فاختلفوا : وكثر اللغط ! قال ( ص ) : قوموا عني
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 261 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولا ينبغي عندي التنازع . فخرج ابن عباس يقول : إن الرزيئة كل الرزيئة ما حال بين رسول الله ( ص ) وبين كتابه » وفي صحيح مسلم : 5 / 75 : « عن ابن عباس أنه قال : يوم الخميس وما يوم الخميس ! ثم جعل تسيل دموعه حتى رأيت على خديه كأنها نظام اللؤلؤ ! قال : قال رسول الله ( ص ) : إئتوني بالكتف والدواة أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً ، فقالوا : إن رسول الله يهجر » ! وفي مسند أحمد : 3 / 346 : « دعا عند موته بصحيفة ليكتب فيها كتاباً لا يضلون بعده قال فخالف عليها عمر بن الخطاب حتى رفضها » .
وفي مجمع الزوائد : 9 / 33 : « عن عمر بن الخطاب قال : لما مرض النبي قال : ادعوا لي بصحيفة ودواة أكتب كتاباً لا تضلون بعدي أبداً ، فكرهنا ذلك أشد الكراهة ! ثم قال : ادعوا لي بصحيفة أكتب لكم كتاباً لا تضلون بعده أبداً ! فقال النسوة من وراء الستر : ألا تسمعون ما يقول رسول الله ؟ فقلت : إنكن صواحبات يوسف إذا مرض رسول الله عصرتن أعينكن وإذا صح ركبتن رقبته . فقال رسول الله : دعوهن فإنهن خير منكم » !
41 - كنت أنا وعلي نوراً قبل أن يخلق الله آدم :
روى أتباع السلطة أحاديث كثيرة في فضائل علي ( عليه السلام ) وامتيازه على جميع الصحابة ، لكنهم أعرضوا عنها ، كأنهم لم يسمعوها !
منها أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) وعلياً ( عليه السلام ) نور واحد وقد أوردنا تصحيحهم له في السيرة ! وقد رواه أحمد بن حنبل في فضائل الصحابة : 2 / 262 ، عن سلمان ( رحمه الله ) قال : « سمعت حبيبي رسول الله ( ص ) يقول : كنت أنا وعلي نوراً بين يدي الله عز وجل قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف عام ، فلما خلق الله آدم قسم ذلك النور جزءين فجزء
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 262 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أنا وجزء علي » . وفي تاريخ دمشق : 42 / 67 : « كنت أنا وعلي نوراً بين يدي الله ، مطيعاً يسبح الله ذلك النور ويقدسه ، قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف عام ، فلما خلق الله آدم ركز ذلك النور في صلبه ، فلم نزل في شئ واحد حتى افترقنا في صلب عبد المطلب ، فجزء أنا وجزء علي » .
42 - روى البخاري أن أول ملف ظلامة يفتح يوم القيامة ملف علي ( عليه السلام ) :
روى البخاري ( 5 / 6 ) أن أول من يجثو للخصومة بين يدي الرحمن يوم القيامة هو علي ( عليه السلام ) . وما زال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) يشكو ظلامته من قريش ، ومما قال : « أين الذين زعموا أنهم الراسخون في العلم دوننا كذباً وبغياً علينا أن رفعنا الله ووضعهم ، وأعطانا وحرمهم ، وأدخلنا وأخرجهم ! بنا يُستعطى الهدى ، ويستجلى العمى . إن الأئمة من قريش ، غرسوا في هذا البطن من هاشم ، لا تصلح على سواهم ولا تصلح الولاة من غيرهم » ! « والله ما تنقم منا قريش إلا أن الله اختارنا عليهم فأدخلناهم في حيِّزنا ، فكانوا كما قال الأول :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] أدَمْتَ لعَمري شُرْبَك المحضَ صابحاً * وأكلَك بالزُّبد المَقَشَّرة البُجْرَا
ونحن وهبناك العلاءَ ولم تكنْ * علياً وحُطْنَا حولك الجُرْدَ والسُّمْرا » .
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] ( نهج البلاغة : 1 / 82 ، و : 2 / 27 ) .
43 - كيف يقاس علي ( عليه السلام ) بمن لم يضرب بسيف في سبيل الله :
قال ابن حمزة في الثاقب في المناقب : 1 / 341 : « المعروفون بالجهاد : علي ، وحمزة وجعفر ، وعبيدة بن الحارث ، والزبير ، وطلحة ، وأبو دجانة ، وسعد بن أبي وقاص ، والبراء بن عازب ، وسعد بن معاذ ، ومحمد بن مسلمة . وقد أجمعت الأمة على أن هؤلاء لا يقاسون بعلي ( عليه السلام ) في شوكته وكثرة جهاده . فأما أبو بكر وعمر ، فقد تصفحنا كتب المغازي فما وجدنا لهما فيه أثراً البتة » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 263 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الثاني عشر : اعتقادنا بالمعاد والآخرة

1 - العقل والأديان دلت على وجود الآخرة

معنى المعاد : الإعتقاد بعودة الإنسان وحياته بعد موته . ومعنى الحياة الآخرة والدار الآخرة : حياة الإنسان الحياة الخالدة ، في الجنة أو النار بعد موته .
وخلاصة الدليل العقلي على المعاد : أن المتأمل في خلق الإنسان وظروف حياته يرى أنها بنيت على قوانين عميقة متقنة ، وفيها دلالات عديدة على أنه لم يخلق للحياة في هذه الأرض فقط ، بل توجد له حياة أخرى يُجزى فيها على عمله ، بالخير خيراً وبالشر عقوبةً ، وتتحقق فيها العدالة التي لم تتحقق في دار الدنيا .
إن نظرة واحدة في فظاعة الظلامات والمآسي في حياة البشرية ، تدل على وجود مرحلة ينصف فيها الذين وقعت عليهم المآسي والظلامات .
وكما أن غريزة الجوع في أحدنا تدل على وجود ما يؤكل ، فإن غريزة الخلود تدل على وجود حياة خالدة . وقد أجمعت الأديان على وجود الحياة الآخرة ، وأن عدم وجودها ظلم يتنزه الخالق عنه عز وجل ، بل أجمعت الأديان على أن الحياة الدنيا صغيرة جداً ، وضئيلة جداً بالنسبة إلى الحياة الآخرة .
قال تعالى : وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ . ( العنكبوت : 64 ) . وقال تعالى : تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ . ( القصص : 83 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 264 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال تعالى : مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ . ( النحل : 97 ) .
وقال الله تعالى : وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ . ( الأنعام : 32 ) . وقال تعالى : اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا مَتَاعٌ . ( الرعد : 26 ) .
وقال تعالى : هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ . فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ . وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ . ( الجاثية : 29 - 31 ) .
مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ . ( النمل : 89 ) .
وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ . ( المؤمنون : 74 ) .
قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَئٍ قَدِيرٌ . ( العنكبوت : 20 ) .
وقال تعالى : مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا كُلاً نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا أنْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً ( الإسراء : 18 - 21 )
وقال تعالى : وَإِنَّ كُلاً لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ . ( هود : 111 ) . فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ . عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ . ( الحجر : - 9293 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 265 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

2 - لا حجة عند منكري المعاد إلا الاستبعاد !

ليس عند منكري المعاد والحياة الآخرة سواء من القدماء والمحدثين ، إلا استبعاد ذلك نفسياً ، وأنه أمر يصعب عليهم الإيمان واليقين بوقوعه !
وقد ذكر ذلك القرآن وأجابهم ، فقال تعالى : أَوَلَمْ يَرَ الإنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ . وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِى الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ .
قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ . الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ . أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلاقُ الْعَلِيمُ . إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَئٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ . ( يس : 77 - 83 ) .
قَالُوا مَا هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ . ( الجاثية : 24 ) .
وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا . قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا . يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا قَلِيلاً . ( الإسراء : 49 - 52 ) .
وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا . أَوْ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلا كُفُورًا . ( الإسراء : 98 - 99 ) .
يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ . أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ . فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ . فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ . ( النازعات : 10 - 14 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 266 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

3 - باب الإعتقاد في الموت

قال الصدوق ( قدس سره ) تحت هذا العنوان : « قيل لأمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) صف لنا الموت ؟ فقال ( عليه السلام ) : على الخبير سقطتم ، هو أحد ثلاثة أمور ترد عليه : إما بشارة بنعيم الأبد ، وإما بشارة بعذاب الأبد ، وإما بتحزين وتهويل وأمر مبهم لا يدري من أي الفرق هو ! أما ولينا والمطيع لأمرنا فهو المبشر بنعيم الأبد ، وأما عدونا والمخالف لأمرنا فهو المبشر بعذاب الأبد ، وأما المبهم أمره الذي لا يدري ما حاله ، فهو المؤمن المسرف على نفسه لا يدري ما يؤول حاله ، يأتيه الخبر مبهماً مخوفاً ، ثم لن يسويه الله بأعدائنا ، ويخرجه من النار بشفاعتنا .
فاعملوا وأطعيوا ولا تتكلوا ولا تستصغروا عقوبة الله ، فإن من المسرفين من لا تلحقه شفاعتنا إلا بعد عذاب ثلاث مائة ألف سنة .
وسئل الحسن بن علي ( عليهما السلام ) ما الموت الذي جهلوه ؟ فقال ( عليه السلام ) : أعظم سرور يرد على المؤمنين ، إذ نقلوا عن دار النكد إلى نعيم الأبد ، وأعظم ثبور يرد على الكافرين ، إذ نقلوا عن جنتهم إلى نار ، لا تبيد ولا تنفد .
ولما اشتد الأمر بالحسين بن علي بن أبي طالب ( عليهما السلام ) : نظر إليه من كان معه فإذا هو بخلافهم ، لأنهم إذا اشتد بهم الأمر تغيرت ألوانهم وارتعدت فرائصهم ووجلت قلوبهم ووجبت جنوبهم ، وكان الحسين ( عليه السلام ) وبعض من معه من خواصه ، تشرق ألوانهم ، وتهدأ جوارحهم ، وتسكن نفوسهم ! فقال بعضهم لبعض : أنظروا إليه لا يبالي بالموت ! فقال لهم الحسين ( عليه السلام ) : صبراً بني الكرام ، فما الموت إلا قنطرة تعبر بكم عن البؤس والضر إلى الجنان الواسعة والنعم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 267 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الدائمة ، فأيكم يكره أن ينتقل من سجن إلى قصر ، وهؤلاء أعداؤكم كمن ينتقل من قصر إلى سجن وعذاب أليم ! إن أبي حدثني عن رسول الله : إن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر ، والموت جسر هؤلاء إلى جناتهم ، وجسر هؤلاء إلى جحيمهم ، ما كذبت ولا كُذِّبت .
وقيل لعلي بن الحسين ( عليه السلام ) : ما الموت ؟ فقال : للمؤمن كنزع ثياب وسخة قَمِلة وفك قيود وأغلال ثقيلة ، والإستبدال بأفخر الثياب وأطيبها روائح ، وأوطأ المراكب ، وآنس المنازل . وللكافر كخلع ثياب فاخرة ، والنقل عن منازل أنيسة والإستبدال بأوسخ الثياب وأخشنها ، وأوحش المنازل ، وأعظم العذاب !
وقيل لمحمد بن علي ( عليه السلام ) : ما الموت ؟ فقال : هو النوم الذي يأتيكم في كل ليلة إلا أنه طويل مدته ، لا ينتبه منه إلا يوم القيامة ، فمنهم من رأى في منامه من أصناف الفرح ما لا يقدر قدره ، ومنهم من رأى في نومه من أصناف الأهوال ما لا يقدر قدره ، فكيف حال من فرح في الموت ووجل فيه ! هذا هو الموت فاستعدوا له .
وقيل للصادق ( عليه السلام ) : صف لنا الموت ؟ فقال : هو للمؤمنين كأطيب ريح يشمه فينعس لطيبه ، فينقطع التعب والألم كله عنه . وللكافر كلسع الأفاعي وكلدغ العقارب وأشد ! قيل : فإن قوماً يقولون هو أشد من نشر بالمناشير وقرض بالمقاريض ورضخ بالحجارة ، وتدوير قطب الأرحية في الأحداق ؟ فقال : كذلك هو على بعض الكافرين والفاجرين ، ألا ترون منهم من يعاين تلك الشدائد ، فذلك الذي هو أشد من هذا إلا من عذاب الآخرة ، فإنه أشد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 268 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
من عذاب الدنيا ! قيل : فما لنا نرى كافراً يسهل عليه النزع فينطفئ وهو يتحدث ويضحك ويتكلم ، وفي المؤمنين من يكون أيضاً كذلك ، وفي المؤمنين والكافرين من يقاسي عند سكرات الموت هذه الشدائد ؟
قال ( عليه السلام ) : ما كان من راحة هناك للمؤمنين فهو عاجل ثوابه ، وما كان من شدة فهو تمحيصه من ذنوبه ، ليرد إلى الآخرة نقياً نظيفاً ، مستحقاً لثواب الله ليس له مانع دونه . وما كان من سهولة هناك على الكافرين فليوفى أجر حسناته في الدنيا ليرد الآخرة وليس له إلا ما يوجب عليه العذاب . وما كان من شدة على الكافر هناك فهو ابتداء عقاب الله عند نفاد حسناته . ذلكم بأن الله عدل لا يجور .
ودخل موسى بن جعفر ( عليه السلام ) على رجل قد غرق في سكرات الموت وهو لا يجيب داعياً ، فقالوا له : يا ابن رسول الله وددنا لو عرفنا كيف حال صاحبنا وكيف يموت ؟ فقال : إن الموت هو المصفاة ، يصفي المؤمنين من ذنوبهم ، فيكون آخر ألم يصيبهم كفارة آخر وزر عليهم ، ويصفي الكافرين من حسناتهم فتكون آخر لذة أو نعمة أو رحمة تلحقهم هو آخر ثواب حسنة تكون لهم .
أما صاحبكم فقد نُخل من الذنوب نخلاً ، وصُفِّيَ من الآثام تصفيةً ، وخَلُص حتى نقي كما ينقى ثوب من الوسخ ، وصَلُح لمعاشرتنا أهل البيت في دارنا دار الأبد .
ومرض رجل من أصحاب الرضا ( عليه السلام ) فعاده فقال : كيف تجدك ؟ فقال : لقيت الموت بعدك ، يريد به ما لقي من شدة مرضه . فقال : كيف لقيته ؟ فقال : أليماً شديداً ! فقال : ما لقيته ، لكن لقيت ما ينذرك به ويعرفك بعض حاله ! إنما
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 269 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الناس رجلان : مستريح بالموت ومستراح منه ، فجدد الإيمان بالله وبالولاية تكن مستريحاً . ففعل الرجل ذلك . . والحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة .
وقيل لمحمد بن علي بن موسى ( عليهم السلام ) : ما بال هؤلاء المسلمين يكرهون الموت ؟ فقال : لأنهم جهلوه فكرهوه ، ولو عرفوه وكانوا من أولياء الله حقاً لأحبوه ، ولعلموا أن الآخرة خير لهم من الدنيا ! ثم قال : يا عبد الله ، ما بال الصبي والمجنون يمتنع من الدواء المنقي لبدنه والنافي للألم عنه ؟ فقال : لجهلهم بنفع الدواء . فقال : والذي بعث محمداً بالحق نبياً ، إن من قد استعد للموت حق الاستعداد فهو أنفع لهم من هذا الدواء لهذا المتعالج ، أما إنهم لو علموا ما يؤدي إليه الموت من النعم ، لاستدعوه وأحبوه أشد مما يستدعي العاقل الحازم الدواء لدفع الآفات واجتلاب السلامات .
ودخل علي بن محمد ( عليهما السلام ) على مريض من أصحابه وهو يبكي ويجزع من الموت ، فقال له : يا عبد الله تخاف من الموت لأنك لا تعرفه ، أرأيتك إذا اتسخت ثيابك وتقذرت ، وتأذيت بما عليك من الوسخ والقذرة ، وأصابك قروح وجرب ، وعلمت أن الغسل في حمام يزيل عنك ذلك كله ، أما تريد أن تدخله فتغسل فيزول ذلك عنك ، أو ما تكره أن لا تدخله فيبقى ذلك عليك ؟
قال : بلى يا ابن رسول الله . قال : فذلك الموت هو ذلك الحمام ، وهو آخر ما بقي عليك من تمحيص ذنوبك وتنقيتك من سيئاتك ، فإذا أنت وردت عليه وجاوزته ، فقد نجوت من كل غم وهم وأذى ، ووصلت إلى سرور وفرح . فسكن الرجل ونشط واستسلم ، وغمض عين نفسه ومضى لسبيله .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 270 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وسئل الحسن بن علي ( عليهما السلام ) عن الموت ما هو ؟ فقال : هو التصديق بما لا يكون ! إن أبي حدثني عن أبيه عن جده عن الصادق ( عليه السلام ) أنه قال : إن المؤمن إذا مات لم يكن ميتاً ، وإن الكافر هو الميت ، إن الله عز وجل يقول : يُخْرِجُ الْحيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ ، يعني المؤمن من الكافر ، والكافر من المؤمن .
وجاء رجل إلي النبي ( صلى الله عليه وآله ) فقال : يا رسول الله ما بالي لا أحب الموت ؟ قال : ألك مال ؟ قال : نعم قال : قدمته ؟ قال : لا . قال : فمن ثَمَّ لا تحب الموت !
وقال رجل لأبي ذر ( رحمه الله ) : ما لنا نكره الموت ؟ فقال : لأنكم عمرتم الدنيا وخربتم الآخرة ، فتكرهون أن تنقلوا من عمران إلى خراب ! وقيل له : كيف ترى قدومنا على الله ؟ قال : أما المحسن فكالغائب يقدم على أهله ، وأما المسئ فكالآبق يقدم على مولاه ! قيل : فيكف ترى حالنا عند الله ؟ فقال : أعرضوا أعمالكم على كتاب الله ، يقول الله تعالى : إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ، وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ . قال الرجل : فأين رحمة الله ؟ قال : إِنَّ رَحْمَةَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ » .

4 - ما يجري على المؤمن في حال الاحتضار

« قال الصادق ( عليه السلام ) : ما يخرج مؤمن عن الدنيا إلا برضى منه ، وذلك أن الله تبارك وتعالى يكشف له الغطاء حتى ينظر إلى مكانه من الجنة وما أعد الله له فيها وتنصب له الدنيا كأحسن ما كانت له ، ثم يخير فيختار ما عند الله عز وجل ويقول : ما أصنع بالدنيا وبلائها ! فلقنوا موتاكم كلمات الفرج » . ( الفقيه : 1 / 134 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 271 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
« وقال أبو جعفر ( الإمام الباقر ( عليه السلام ) ) : إن آية المؤمن إذا حضره الموت أن يبيض وجهه أشد من بياض لونه ، ويَرْشُح جبينه ، ويسيل من عينيه كهيئة الدموع فيكون ذلك آية خروج روحه . وإن الكافر تخرج روحه سلّا من شدقه كزبد البعير ، كما تخرج نفس الحمار » . ( الفقيه : 1 / 135 ) .
عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) قال : « حضر رجلاً الموت فقيل يا رسول الله إن فلاناً قد حضره الموت ، فنهض رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ومعه ناس من أصحابه حتى أتاه وهو مغمى عليه ، قال فقال : يا ملك الموت كف عن الرجل حتى أسأله ، فأفاق الرجل فقال له النبي ( صلى الله عليه وآله ) : ما رأيت ؟ قال ، رأيت بياضاً كثيراً وسواداً كثيراً ، قال : فأيهما كان أقرب إليك ؟ فقال : السواد ، فقال النبي ( صلى الله عليه وآله ) : قل : اللهم اغفر لي الكثير من معاصيك واقبل منى اليسير من طاعتك ، فقال : ثم أغمي عليه فقال ( صلى الله عليه وآله ) : يا ملك الموت خفف عنه حتى أسأله ، فأفاق الرجل فقال : ما رأيت ؟ قال : رأيت بياضاً كثيراً وسواداً كثيراً ، قال : فأيهما أقرب إليك ؟ فقال : البياض ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : غفر الله لصاحبكم !
فقال أبو عبد الله ( عليه السلام ) : إذا حضرتم ميتاً فقولوا له هذا الكلام ليقوله » . ( الكافي : 3 / 124 ) .
وعن الإمام الصادق ( عليه السلام ) قال : « قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : قال الله عز وجل : وعزتي وجلالي لا أخرج عبداً من الدنيا وأنا أريد أن أرحمه حتى أستوفي منه كل خطيئة عملها ، إما بسقم في جسده ، وإما بضيق في رزقة ، وإما بخوف في دنياه ، فإن بقيت عليه بقية شددت عليه عند الموت !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 272 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وعزتي وجلالي لا أخرج عبداً من الدنيا وأنا أريد أن أعذبه حتى أوفيه كل حسنة عملها ، إما بسعة في رزقه ، وإما بصحة في جسمه ، وإما بأمن في دنياه فإن بقيت عليه بقية هونت عليه بها الموت » . ( الكافي : 2 / 444 ) .
وعن الإمام الصادق ( عليه السلام ) قال : « إذا حيل بينه وبين الكلام أتاه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ومن شاء الله ، فجلس رسول الله عن يمينه والآخر عن يساره ، فيقول له رسول الله : أما ما كنت ترجو فهو ذا أمامك ، وأما ما كنت تخاف منه فقد أمنت منه ، ثم يفتح له باب إلى الجنة فيقول : هذا منزلك من الجنة فإن شئت رددناك إلى الدنيا ولك فيها ذهب وفضة ، فيقول : لا حاجة لي في الدنيا ! فعند ذلك يبيضُّ لونه ويرشح جبينه وتقلص شفتاه وتنتشر منخراه وتدمع عينه اليسرى ، فأي هذه العلامات رأيت فاكتف بها .
فإذا خرجت النفس من الجسد فيعرض عليها كما عرض عليه وهي في الجسد فتختار الآخرة ، فتُغَسِّلُه فيمن يغسله وتُقلبه فيمن يقلبه ، فإذا أدرج في أكفانه ووضع على سريره ، خرجت روحه تمشي بين أيدي القوم قدماً ! وتلقاه أرواح المؤمنين يسلمون عليه ويبشرونه بما أعد الله له جل ثناؤه من النعيم .
فإذا وضع في قبره رد إليه الروح إلى وركيه ثم يسأل عما يعلم ، فإذا جاء بما يعلم فتح له ذلك الباب الذي أراه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فيدخل عليه من نورها وضوئها وبردها وطيب ريحها .
قال قلت : جعلت فداك فأين ضغطة القبر ؟ فقال : هيهات ما على المؤمنين منها شئ ، والله إن هذه الأرض لتفتخر على هذه فتقول : وطأ على ظهري مؤمن ولم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 273 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يطأ على ظهرك مؤمن وتقول له الأرض : والله لقد كنت أحبك وأنت تمشي على ظهري فأما إذا وليتك فستعلم ماذا أصنع بك ، فتفسح له مد بصره » ( الكافي : 3 / 129 ) .
« وقال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : إن المؤمن إذا حضره الموت وثقه ملك الموت فلولا ذلك لم يستقر ! وما من أحد يحضره الموت إلا مثل له النبي ( صلى الله عليه وآله ) والحجج صلوات الله عليهم أجمعين حتى يراهم ، فإن كان مؤمناً يراهم بحيث يحب ، وإن كان غير مؤمن يراهم بحيث يكره . قال الله تبارك وتعالى : فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ . وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ ( الفقيه : 1 / 135 ) .
وقال المفيد ( قدس سره ) في أوائل المقالات / 73 : « القول في رؤية المحتضرين رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وأمير المؤمنين ( عليه السلام ) عند الوفاة : هذا باب قد أجمع عليه أهل الإمامة وتواتر الخبر به عن الصادقين من الأئمة ( عليهم السلام ) وجاء عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أنه قال للحارث الهمداني :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] يا حارِ همدان من يمتْ يَرَني * من مؤمنٍ أو منافقٍ قُبَلا
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] « قال جميل بن صالح : وأنشدني أبو هاشم السيد الحميري ( رحمه الله ) فيما تضمنه هذا الخبر :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] قول عليٍّ لحارثٍ عجبٌ * كم ثَمَّ أعجوبةٌ لهُ حملا
يا حارِ همدان من يمتْ يَرَني * من مؤمنٍ أو منافقٍ قُبَلا
يعرفني طرفُه وأعرفه * بنعْتِهِ واسمه وما عملا
وأنت عند الصراط تعرفني * فلا تخفْ عثرةً ولا زللا
أسقيك من بارد على ظمأ * * تخاله في الحلاوة العسلا
أقول للنار حين توقف للعرض * دعيه لا تقربي الرجلا
دعيه لا تقربيه إن له * حبلاً بحبل الوصي متصلا » .
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] وأمالي الطوسي / 627 ، ومناقب آل أبي طالب : 3 / 34
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 274 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

5 - غير الشيعة وغير المسلمين قد يدخلون الجنة

تحصر بعض المذاهب دخول الجنة بأتباعها ، بينما يعتقد الشيعة أن الله تعالى يحاسب كل إنسان على قدر ما آتاه من العقل والمعرفة والقدرات : لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلا مَا آتَاهَا . . لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ .
وبهذا الميزان يحاسب الخلق يوم القيامة ، كلٌّ حسب مستوى عقله ومعرفته وما وصله من هدى ربه . فلا يُجعل العالم كالجاهل ، ولا المقصر كالقاصر ، ولا من عرف الحق وجحده ، كالذي لم يعرفه وتصور أن رأيه صحيح وعمله صحيح . ولا يُجعل من أذنب في حق نفسه أو حق ربه ، كمن أذنب في حق الناس وظلمهم . . إلى آخر قوانين العدل الإلهي المفصلة الدقيقة .
ولذا ورد في دعاء أمير المؤمنين ( عليه السلام ) الذي علمه لكميل بن زياد ( رحمه الله ) أن الخلود في النار للمعاندين الجاحدين للحق . ( مصباح المتهجد / 848 ) .
وعليه فقد يدخل الشيعي النار إذا كان ظالماً مجرماً ، فلا يتوفق لأن يموت على ولاية النبي ( صلى الله عليه وآله ) وأهل بيته ( عليهم السلام ) ، فتسلب منه لمعاصيه .
وقد يدخل غيره الجنة إذا لم يبلغه الهدى ولم يجحده ، لكنه عمل بما وصل إليه عقله وإدراكه ! قال الإمام موسى بن جعفر ( عليه السلام ) : « إن لله على الناس حجتين : حجة ظاهرة وحجة باطنة ، فأما الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة ( عليهم السلام ) ، وأما الباطنة فالعقول » . ( الكافي : 1 / 16 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 275 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

6 - المساءلة في القبر وحياة البرزخ

قال الشيخ الصدوق ( قدس سره ) في الإعتقادات : « اعتقادنا في المسألة في القبر أنها حق لا بد منها ، فمن أجاب بالصواب فازَ بِرَوْحٍ وَرَيْحانٍ في قبره ، وبجنة نعيمٍ في الآخرة ، ومن لم يأت بالصواب فله نُزُلٌ من حميم في قبره ، وتَصْلِيَةُ جحيم في الآخرة . وأكثر ما يكون عذاب القبر من النميمة وسوء الخلق والاستخفاف بالبول ، وأشد ما يكون عذاب القبر على المؤمن مثل اختلاج العين أو شرطة حجام ، ويكون ذلك كفارة لما بقي عليه من الذنوب ، التي لم تكفرها الهموم والغموم والأمراض ، وشدة النزع عند الموت » .
« عن أبي بكر الحضرمي قال : قلت لأبي جعفر ( الباقر ( عليه السلام ) ) : أصلحك الله من المسؤولون في قبورهم ؟ قال : من محض الإيمان ومن محض الكفر . قال قلت : فبقية هذا الخلق ؟ قال : يُلْهَى والله عنهم ما يُعبأ بهم ! قال قلت : وعم يسألون ؟ قال : عن الحجة القائمة بين أظهركم فيقال للمؤمن : ما تقول في فلان بن فلان ؟ فيقول : ذاك إمامي ، فيقال : نم أنام الله عينك ، ويفتح له باب من الجنة فما يزال يتحفه من روحها إلى يوم القيامة . ويقال للكافر : ما تقول في فلان بن فلان ؟ قال فيقول : قد سمعت به وما أدري ما هو ، فيقال له : لا دريت ! قال : ويفتح له باب من النار ، فلا يزال يتحفه من حرها إلى يوم القيامة » . ( الكافي : 3 / 237 ) .
فهذا عقاب الجاحد الذي عاصر الإمام ( عليه السلام ) ولم يؤمن به ، أو قصر في البحث عنه .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 276 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وعن الإمام الصادق ( عليه السلام ) قال : « يسأل الميت في قبره عن خمس ، عن صلاته وزكاته وحجه وصيامه وولايته إيانا أهل البيت ، فتقول الولاية من جانب القبر للأربع : ما دخل فيكن من نقص فعليَّ تمامه » . ( الكافي : 3 / 241 ) .
أقول : ورد عن أهل البيت ( عليهم السلام ) أن الروح تكون في شكل الجسد ، تتنعم في الجنة أو تتعذب في النار ، وأن الجسد يبلى إلا ذرةٌ منه ، تُزرع في الأرض يوم المحشر ويخلق منها بدن الإنسان حسب عمله ، وتعود إليه روحه .
ففي الكافي : 3 / 252 ، أن الإمام الصادق ( عليه السلام ) : « سئل عن الميت يبلى جسده ؟ قال : نعم حتى لا يبقى له لحم ولا عظم إلا طينته التي خلق منها فإنها لا تبلى ، تبقي في القبر مستديرة حتى يخلق منها كما خلق أول مرة » !

7 - البعث والحشر بعد الموت

قال النبي ( صلى الله عليه وآله ) : « يا بني عبد المطلب ، إن الرائد لا يكذب أهله . والذي بعثني بالحق نبياً لتموتُنَّ كما تنامون ، ولتُبْعَثُنَّ كما تستيقظون ، وما بعد الموت دار إلا جنة أو نار » . ( الإعتقادات للصدوق ) .
وقال الله تعالى : وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ . وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِئَ بِالنَّبِييِّنَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ . وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 277 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ .
وَقَالُوا الْحَمْدُ للهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . ( الزمر : 68 - 75 ) .
وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ . قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ إِنْ كَانَتْ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ . فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلا تُجْزَوْنَ إِلا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ . ( يس : 51 - 54 ) .
وفي تفسير القمي : 2 / 216 ، عن الإمام الباقر ( عليه السلام ) : « فإن القوم كانوا في القبور فلما قاموا حسبوا أنهم كانوا نياماً ، قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا ، قالت الملائكة : هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ » .
ومعنى قوله تعالى : إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ : أي يهرولون ويسرعون . ( كتاب العين : 7 / 257 ) .
* * »
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 278 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

8 - الإعتقاد في الحساب والميزان

قال الصدوق ( قدس سره ) في الإعتقادات : « اعتقادنا فيهما أنهما حق . منه ما يتولاه الله تعالى ، ومنه ما يتولاه حججه ( عليهم السلام ) . فحساب الأنبياء والرسل والأئمة ( عليهم السلام ) يتولاه الله عز وجل ، ويتولى كل نبي حساب أوصيائه ، ويتولى الأوصياء حساب الأمم ، والله تعالى هو الشهيد على الأنبياء والرسل وهم الشهداء على الأوصياء ، والأئمة شهداء على الناس ، وذلك قوله عز وجل : تَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا . وقوله عز وجل : فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا .
وقال عز وجل : أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ . والشاهد أمير المؤمنين . وقال عز وجل : إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ . ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ .
وسئل الصادق ( عليه السلام ) عن قول الله : وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ؟ قال : الموازين الأنبياء والأوصياء ( عليهم السلام ) .
ومن الخلق من يدخل الجنة بغير حساب ، فأما السؤال فهو واقع على جميع الخلق لقوله تعالى : فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ . يعني عن الدين .
وأما الذنب فلا يسأل عنه إلا من يحاسب ، قال تعالى : فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ ، يعني من شيعة النبي والأئمة ( عليهم السلام ) دون غيرهم ، كما ورد في التفسير . وكل محاسب معذب ، ولو بطول الوقوف ، ولا ينجو من النار ولا يدخل الجنة أحد بعمله ، إلا برحمة الله تعالى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 279 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والله تعالى يخاطب عباده من الأولين والآخرين بمجمل حساب عملهم مخاطبة واحدة ، يسمع منها كل واحد قضيته دون غيرها ، ويظن أنه المخاطب دون غيره ، ولا تشغله تعالى مخاطبة عن مخاطبة ، ويفرغ من حساب الأولين والآخرين في مقدار ساعة من ساعات الدنيا !
ويخرج الله لكل إنسان كتاباً يلقاه منشوراً ، ينطق عليه بجميع أعماله لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ، فيجعله الله حسيب نفسه والحاكم عليها ، بأن يقال له : إِقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا » .
أقول : لا تنافي بين إكمال حساب البشر في ساعة من ساعات الدنيا ، وبين ما نص على طول الحساب ومواقفه وعقباته الخمسين .
قال الصدوق ( قدس سره ) في الإعتقادات : « باب الإعتقاد في العقبات التي على طريق المحشر : إعتقادنا في ذلك أن هذه العقبات اسم كل عقبة منها على حدة اسم فرض ، أو أمر ، أو نهي . فمتى انتهى الإنسان إلى عقبة اسمها فرض ، وكان قد قصر في ذلك الفرض ، حبس عندها وطولب بحق الله فيها . فإن خرج منه بعمل صالح قدمه أو برحمة تداركه ، نجا منها إلى عقبة أخرى !
فلا يزال يدفع من عقبة إلى عقبة ، ويحبس عند كل عقبة ، فيسأل عما قصر فيه من معنى اسمها ، فإن سلم من جميعها انتهى إلى دار البقاء ، فحييَ حياة لا موت فيها أبداً ، وسعد سعادة لا شقاوة معها أبداً ، وسكن جوار الله مع أنبيائه وحججه والصديقين والشهداء والصالحين من عباده ( عليهم السلام ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 280 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وإن حبس على عقبة فطولب بحق قصر فيه ، فلم ينجه عمل صالح قدمه ، ولا أدركته من الله عز وجل رحمة ، زلت قدمه عن العقبة فهوى في جهنم نعوذ بالله منها !
وهذه العقبات كلها على الصراط ، اسم عقبة منها الولاية ، يوقف جميع الخلائق عندها فيسألون عن ولاية أمير المؤمنين والأئمة من بعده ( عليهم السلام ) فمن أتى بها نجا وجاز ، ومن لم يأت بها بقي فهوى وذلك قوله تعالى : وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ . واسم عقبة منها : المرصاد ، وذلك قوله تعالى : إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ويقول تعالى : وعزتي وجلالي لا يجوز بي ظلم ظالم !
واسم عقبة منها : الرحم واسم عقبة منها : الأمانة . واسم عقبة منها الصلاة . وباسم كل فرض أو أمر أو نهي عقبة يحبس عندها العبد فيسأل » .

9 - نبينا ( صلى الله عليه وآله ) رئيس المحشر وصاحب لواء الحمد

قال الله تعالى : وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ
وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا . لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا . يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلا هَمْسًا يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِىَ لَهُ قَوْلاً ( طَهَ : 105 - 109 ) .
وقد وصفت الأحاديث تنظيم صفوف المحشر العظيمة ، وأن صفوف أهل الجنة منها مئة وعشرين ( الإحتجاج : 1 / 57 ، مجمع البيان : 7 / 126 ، ومسند أحمد : 1 / 453 ) .
واتفقت الرواية على أن رئاسة المحشر لنبينا ( صلى الله عليه وآله ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 281 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ففي الخصال / 415 : « عن زيد بن أرقم : قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لعلي ( عليه السلام ) : أعطيت فيك يا علي تسع خصال : ثلاث في الدنيا وثلاث في الآخرة واثنتان لك وواحدة أخافها عليك ، فأما الثلاثة التي في الدنيا فإنك وصيي وخليفتي في أهلي وقاضي ديني ، وأما الثلاث التي في الآخرة فإني أعطى لواء الحمد فأجعله في يدك ، وآدم وذريته تحت لوائي ، وتعينني على مفاتيح الجنة ، وأحكمك في شفاعتي لمن أحببت ، وأما اللتان لك فإنك لن ترجع بعدي كافراً ولا ضالاً . وأما التي أخافها عليك فغدرة قريش بك بعدي » . ونحوه أمالي الصدوق ( قدس سره ) / 403 .
وفي تفسير فرات / 437 ، عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) : « قال النبي ( صلى الله عليه وآله ) إن الله تبارك وتعالى إذا جمع الناس يوم القيامة وعدني المقام المحمود وهو وافٍ لي به . إذا كان يوم القيامة نُصب لي منبر له ألف درجة لا كمراقيكم ، فأصعد حتى أعلو فوقه ، فيأتيني جبرئيل بلواء الحمد فيضعه في يدي ويقول : يا محمد هذا المقام المحمود الذي وعدك الله ، فأقول لعلي : إصعد ، فيكون أسفل مني بدرجة ، فأضع لواء الحمد في يده . ثم يأتي رضوان بمفاتيح الجنة فيقول : يا محمد هذا المقام المحمود الذي وعدك الله فيضعها في يدي فأضعها في حجر علي بن أبي طالب .
ثم يأتي مالك خازن النار فيقول : يا محمد هذا المقام المحمود الذي وعدك الله هذه مفاتيح النار ، أدخل عدوك وعدو ذريتك وعدو أمتك النار ، فآخذها وأضعها في حجر علي بن أبي طالب . فالنار والجنة يومئذ أسمع لي ولعلي من العروس لزوجها ، فهو قول الله تبارك وتعالى في كتابه : أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ ، ألق يا محمد ويا علي عدوكما في النار .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 282 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم أقوم فأثني على الله ثناء لم يُثْنِ عليه أحد قبلي ، ثم أثني على الملائكة المقربين ثم أثني على الأنبياء والمرسلين ثم أنثى على الأمم الصالحين ، ثم أجلس ، فيثني الله ويثني عليَّ ملائكته ، ويثني علي أنبياءه ورسله ، ويثني عليَّ الأمم الصالحة . ثم ينادي مناد من بطنان العرش : يا معشر الخلائق غضوا أبصاركم حتى تمر بنت حبيب الله إلى قصرها ، فتمر فاطمة بنتي عليها ريطتان خضراوان ، حولها سبعون ألف حوراء » !

10 - نبينا ( صلى الله عليه وآله ) صاحب حوض الكوثر

قال الصدوق ( قدس سره ) : « إعتقادنا في الحوض أنه حق ، وأن عرضه ما بين أيلة وصنعاء ، وهو حوض النبي ( عليهما السلام ) وأن فيه من الأباريق عدد نجوم السماء ، وأن الوالي عليه يوم القيامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، يسقي منه أولياءه ، ويذود عنه أعداءه ، ومن شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً . وقال النبي ( صلى الله عليه وآله ) : ليختلجن قوم من أصحابي دوني وأنا على الحوض ، فيؤخذ بهم ذات الشمال ، فأنادي : يا رب أصحابي ! فيقال لي : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك » .
وفي الخصال / 624 ، في حديث أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بأربع مئة باب مما يصلح للمسلم في دينه ودنياه : « ومن شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً ، حوضنا مترع فيه مثعبان ينصبَّان من الجنة : أحدهما من تسنيم والآخر من معين ، على حافتيه الزعفران وحصاه اللؤلؤ والياقوت ، وهو الكوثر » ونحوه أحمد : 5 / 250 .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 283 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

11 - نبينا ( صلى الله عليه وآله ) صاحب الشفاعة في المحشر

قال الصدوق ( قدس سره ) في الإعتقادات : « اعتقادنا في الشفاعة أنها لمن ارتضى الله دينه من أهل الكبائر والصغائر ، فأما التائبون من الذنوب فغير محتاجين إلى الشفاعة
وقال النبي ( صلى الله عليه وآله ) : من لم يؤمن بشفاعتي فلا أناله الله شفاعتي . وقال ( عليه السلام ) : لا شفيع أنجح من التوبة . والشفاعة للأنبياء والأوصياء ( عليهم السلام ) والمؤمنين والملائكة . وفي المؤمنين من يشفع في مثل ربيعة ومضر ، وأقل المؤمنين شفاعة من يشفع لثلاثين إنساناً . والشفاعة لا تكون لأهل الشك والشرك ، ولأهل الكفر والجحود ، بل تكون للمذنبين من أهل التوحيد » .
أقول : يمكن وصف الشفاعة بأنها : قاعدة الاستفادة من الدرجات الإضافية ، فالإنسان يحتاج لدخول الجنة إلى 51 درجة مثلاً ، أي أن تغلب حسناته سيئاته ، فإذا جمع درجات إضافية كان له حق إعطائها إلى أصدقائه الأقرب فالأقرب من النجاح ، لتحقيق أفضل استفادة وأوسعها من الدرجات الإضافية .
فشفاعة المؤمن تكون « على قدر عمله » ( المناقب : 2 / 15 ) وتكون لمن ارتضى الله تعالى حسب قوانين الشفاعة الحكيمة ، وليست كالوساطات والمحسوبيات الدنيوية ، كما تصور بعض المستشرقين والمسلمين .
وكل الشفاعة يوم المحشر تكون لنبينا ( صلى الله عليه وآله ) ، ومنه يأخذ الأنبياء ( عليهم السلام ) حق الشفاعة لأممهم ، ويكون المسؤول عنها الأئمة من أهل بيته ( صلى الله عليه وآله ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 284 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

12 - نصب الصراط فوق جهنم والعبور إلى الجنة

روى الجميع في تفسير قوله تعالى : « وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا . ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا . ( مريم : 71 - 72 ) أن جسراً ينصب من أرض المحشر إلى الجنة ، ويؤمر الناس بالعبور عليه ، فيعبر المؤمنون إلى الجنة ، ويتساقط المجرمون من الجسر إلى أماكنهم من جهنم .
« عن ابن عباس وأنس ، عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) قال : إذا كان يوم القيامة ونُصب الصراط على جهنم ، لم يَجُزْ عليه إلا من معه جواز فيه ولاية علي بن أبي طالب ، وذلك قوله تعالى : وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ » . ( المناقب : 2 / 7 ، وأمالي الطوسي / 290 ) .
وقد أورد السيد الميلاني في نفحات الأزهار ( 20 / 382 ) مصادر هذا الحديث عن البيهقي والحاكم وأبي نعيم وغيرهم ، وصححه ورد نقد بعضهم لسنده ومتنه .

13 - مراسم دخول المؤمنين إلى الجنة

يظهر أن ماء حوض الكوثر يؤثر تغييراً في تركيب بدن الإنسان ، ويجعله صالحاً للعبور إلى الجنة ، فإذا عبر الصراط كَمَّلوا إعداده لدخول الجنة بأن يغتسل بماء عين الحياة وغيرها من العيون التي تجعله من أهل السلامة والخلود .
وقد ورد في تفسير قوله تعالى : يوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا ، أن هذه الآية لنوع خاص من الناس .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 285 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ففي الكافي ( 8 / 95 ) أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) سئل عن الآية فقال : « يا علي إن الوفد لا يكون إلا ركباناً ، أولئك رجال اتقوا الله ، فأحبهم الله واختصهم ورضي أعمالهم فسماهم المتقين . ثم قال له : يا علي أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنهم ليخرجون من قبورهم ، وإن الملائكة لتستقبلهم بنوق من نوق العز ، عليها رحائل الذهب ، مكللة بالدر والياقوت ، وجلائلها الإستبرق والسندس ، وخطمها جدل الأرجوان ، تطير بهم إلى المحشر ، مع كل رجل منهم ألف ملك من قدامه وعن يمينه وعن شماله ، يزفونهم زفاً ، حتى ينتهوا بهم إلى باب الجنة الأعظم ، وعلى باب الجنة شجرة ، إن الورقة منها ليستظل تحتها ألف رجل من الناس ، وعن يمين الشجرة عين مطهرة مزكاة . قال : فيُسقون منها شربة فيطهر الله بها قلوبهم من الحسد ، ويسقط من أبشارهم الشعر ، وذلك قول الله عز وجل : وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا ، من تلك العين المطهرة .
قال : ثم ينصرفون إلى عين أخرى ، عن يسار الشجرة فيغتسلون فيها ، وهي عين الحياة ، فلا يموتون أبداً !
قال : ثم يوقف بهم قدام العرش وقد سلموا من الآفات والأسقام والحر والبرد أبداً ، قال : فيقول الجبار جل ذكره للملائكة الذين معهم : أحشروا أوليائي إلى الجنة ، ولا توقفوهم مع الخلائق ، فقد سبق رضاي عنهم ، ووجبت رحمتي لهم ، وكيف أريد أن أوقفهم مع أصحاب الحسنات والسيئات .
قال : فتسوقهم الملائكة إلى الجنة ، فإذا انتهوا بهم إلى باب الجنة الأعظم ضرب الملائكة الحلقة ضربة ، فتصر صريراً يبلغ صوت صريرها كل حوراء أعدها الله
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 286 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عز وجل لأوليائه في الجنان ، فيتباشرون بهم إذا سمعوا صرير الحلقة ، فيقول بعضهن لبعض : قد جاءنا أولياء الله ، فيفتح لهم الباب ، فيدخلون الجنة وتشرف عليهم أزواجهم من الحور العين والآدميين ، فيقلن : مرحباً بكم ، فما كان أشد شوقنا إليكم ، ويقول لهن أولياء الله مثل ذلك !
فقال علي ( عليه السلام ) : يا ر سول الله أخبرنا عن قول الله عز وجل : غرف مبنية من فوقها غرف ، بماذا بنيت يا رسول الله ؟
فقال : يا علي تلك غرف بناها الله عز وجل لأوليائه بالدر والياقوت والزبرجد ، سقوفها الذهب محبوكة بالفضة ، لكل غرفة منها ألف باب من ذهب ، على كل باب منها ملك موكل به ، فيها فرش مرفوعة بعضها فوق بعض ، من الحرير والديباج بألوان مختلفة ، وحشوها المسك والكافور والعنبر ، وذلك قول الله عز وجل : وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ . .
ثم وصف ( عليه السلام ) مجئ الملائكة رسلاً من الله تعالى لتهنئة ولي الله بدخوله الجنة ثم قال : والأنهار تجري من تحت مساكنهم ، وذلك قول الله عز وجل : تَجْرِى مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ ، والثمار دانية منهم وهو قوله عز وجل : وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً ، من قربها منهم يتناول المؤمن من النوع الذي يشتهيه من الثمار بفيه وهو متكئ ، وإن الأنواع من الفاكهة ليقلن لولي الله : يا ولي الله كلني قبل أن تأكل هذا قبلي !
قال : وليس من مؤمن في الجنة إلا وله جنان كثيرة ، معروشات وغير معروشات ، وأنهار من خمر ، وأنهار من ماء ، وأنهار من لبن ، وأنهار من عسل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 287 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فإذا دعا ولي الله بغذائه أتي بما تشتهي نفسه عند طلبه الغذاء ، من غير أن يسمى شهوته ! قال : ثم يتخلى مع إخوانه ، ويزور بعضهم بعضاً ، ويتنعمون في جناتهم ، في ظل ممدود في مثل ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ، وأطيب من ذلك ، لكل مؤمن سبعون زوجة حوراء ، و أربع نسوة من الآدميين . والمؤمن ساعة مع الحوراء وساعة مع الآدمية ، وساعة يخلو بنفسه على الأرائك متكئاً ، ينظر بعضهم إلى بعض .
ثم قال أبو جعفر ( عليه السلام ) : أما الجنان المذكورة في الكتاب فإنهن جنة عدن وجنة الفردوس وجنة نعيم وجنة المأوى ، قال : وإن لله عز وجل جناناً محفوفةً بهذه الجنان ، وإن المؤمن ليكون له من الجنان ما أحب واشتهى . الخ . » . وتفسير القمي : 2 / 53 .
وقد استفاضت أحاديث الطرفين في وصف شجرة طوبى العظيمة التي أصلها في دار النبي وعلي وفاطمة ( عليهم السلام ) وفي ملك كل مؤمن غصن من طوبى هو أعز عليه من كل ما يملك ، لأنه مميز بثماره ، وطيوره ، وأنغام حفيف أوراقه ، والثياب التي تنبت عليه ، وكل ذلك فوق ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين !
ففي الكافي ( 2 / 239 ) « قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : إن لأهل الدين علامات يعرفون بها : صدق الحديث وأداء الأمانة ووفاء العهد وصلة الأرحام ورحمة الضعفاء وقلة المواتاة للنساء ، وبذل المعروف وحسن الخلق وسعة الخلق واتباع العلم وما يقرب إلى الله عز وجل زلفى ، طوبى لهم وحسن مآب . وطوبى شجرة في الجنة أصلها في دار النبي محمد ( صلى الله عليه وآله ) وليس من مؤمن إلا وفي داره غصن منها ، لا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 288 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يخطر على قلبه شهوة شئ إلا أتاه به ، ولو أن راكبا مجداً سار في ظلها مائة عام ما خرج منه » ! والخصال / 483 ، والبحار : 8 / 151 .
وفي تفسير القمي : 2 / 336 ، بسنده عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) : « رأيت في الجنة شجرة طوبى أصلها في دار علي ، وما في الجنة قصر ولا منزل إلا وفيها فرع منها » .
وفي تفسير فرات / 212 : « ورقها وبُسْرُها برودٌ خضر ، وزهرها رياض صفر ، وأفناءها سندس وإستبرق ، وثمرها حلل خضر ، وطعمها زنجبيل وعسل ، وبطحاءها ياقوت أحمر وزمرد أخضر ، وترابها مسك وعنبر وكافور أصفر ، وحشيشها زعفران . يتفجر من أصلها السلسبيل والرحيق و المعين . » . ونحوه من مصادر السنة : الدر المنثور : 4 / 60 ، وفتح الباري : 11 / 366 .

14 - النعيم والخلود في الجنة ، والخلود في النار

قال الصدوق ( قدس سره ) في الإعتقادات : « إعتقادنا في الجنة أنها دار البقاء ودار السلامة لا موت فيها ولا هرم ، ولا سقم ، ولا مرض ، ولا آفة ، ولا زوال ، ولا زمانة ، ولا غم ، ولا هم ، ولا حاجة ، ولا فقر . وأنها دار الغنى ، والسعادة ، ودار المقامة والكرامة ، ولا يمس أهلها فيها نصب ، ولا يمسهم فيها لغوب ، لهم فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين ، وهم فيها خالدون . وأنها دارٌ أهلها جيران الله ، وأولياؤه ، وأحباؤه ، وأهل كرامته . وهم أنواع ومراتب : منهم المتنعمون بتقديس الله وتسبيحه وتكبيره في جملة ملائكته .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 289 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ومنهم المتنعمون بأنواع المآكل والمشارب والفواكه والأرائك والحور العين ، واستخدام الولدان المخلدين ، والجلوس على النمارق والزرابي ، ولباس السندس والحرير . كل منهم إنما يتلذذ بما يشتهي ويريد ، على حسب ما تعلقت عليه همته ، ويعطى ما عبد الله من أجله . .
واعتقادنا في النار أنها دار الهوان ، ودار الانتقام من أهل الكفر والعصيان ، ولا يخلد فيها إلا أهل الكفر والشرك ، وأما المذنبون من أهل التوحيد فإنهم يخرجون منها بالرحمة التي تدركهم ، والشفاعة التي تنالهم . وروي أنه لا يصيب أحداً من أهل التوحيد ألم في النار إذا دخلوها ، وإنما تصيبهم الآلام عند الخروج منها ، فتكون تلك الآلام جزاء بما كسبت أيديهم ، وما الله بظلام للعبيد . .
واعتقادنا في الجنة والنار أنهما مخلوقتان ، وأن النبي ( صلى الله عليه وآله ) قد دخل الجنة ، ورأى النار حين عرج به . واعتقادنا أنه لا يخرج أحد من الدنيا حتى يرى مكانه من الجنة أو من النار ، وأن المؤمن لا يخرج من الدنيا حتى ترفع له الدنيا كأحسن ما رآها ويرى ، مكانه في الآخرة ، ثم يخير فيختار الآخرة ، فحينئذ تقبض روحه »
تمَّ الكتاب والحمد لله رب العالمين .