قراءة جديدة لحروب الردة

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 1 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 2 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 3 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، وأفضل الصلاة وأتم السلام ، على سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين ، لا سيما أولهم عليٍّ أمير المؤمنين ، بطل الإسلام ، وعضد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وقامع أعدائه ، ومفرج الكرب عن وجهه ، وفاتح الحصون ، وحافظ الإسلام وأمته من بعده ، وقائد الغر المحجلين إلى جنات النعيم .
وبعد ، فقد كان علي ( عليه السلام ) العمود الفقري في معارك النبي ( صلى الله عليه وآله ) وانتصاراته ، وعندما أبعدوه عن الخلافة واعتزل ، فرحت القبائل الطامعة في السلطة ، وقرر تحالفهم بقيادة المتنبئ طليحة احتلال عاصمة النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، فغزا المدينة بعشرين ألف مقاتل بعد وفاة النبي ( صلى الله عليه وآله ) بستين يوماً !
هنا نهض علي ( عليه السلام ) وهو الأسد المجروح ، دفاعاً عن الإسلام وأهله ، وإن كان لا يعترف بنظام الحكم ، فوضع خطة لدفع الهجوم ، ورتب حراسة المدينة ، وفاجأ المهاجمين ، فقتل قائدهم « حِبال » وغيره من قادتهم ، وردهم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 4 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
خائبين مهزومين . ثم طاردهم ( عليه السلام ) مع المسلمين إلى معسكرهم في ذي القَصَّة ( أي الجَصة ) على بعد عشرين كيلو متراً عن المدينة ، وشجَّع أبا بكر لحرب المتنبئين ، وأولهم طليحة في حائل ، ثم مسيلمة في اليمامة ، وهي مدينة الرياض الفعلية .
قال ( عليه السلام ) في رسالته إلى أهل مصر ، لما ولى عليهم مالك الأشتر :
« أما بعد فإن الله سبحانه بعث محمداً ( صلى الله عليه وآله ) نذيراً للعالمين ، ومهيمناً على المرسلين ، فلما مضى ( صلى الله عليه وآله ) تنازع المسلمون الأمر من بعده ، فوالله ما كان يلقى في روعي ولا يخطر ببالي أن العرب تزعج هذا الأمر من بعده ( صلى الله عليه وآله ) عن أهل بيته ، ولا أنهم مُنَحُّوهُ عني من بعده ، فما راعني إلا انثيال الناس على أبي بكر يبايعونه ، فأمسكت يدي حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام ، يدعون إلى محق دين محمد ( صلى الله عليه وآله ) ، فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلماً أو هدماً ، تكون المصيبة به عليَّ أعظم من فوت ولايتكم ، التي إنما هي متاع أيام قلائل ، يزول منها ما كان كما يزول السراب ، أو كما يتقشع السحاب . فنهضت في تلك الأحداث حتى زاح الباطل وزهق ، واطمأن الدين وتنهنه » . ( نهج البلاغة : 3 / 118 ، والغارات للثقفي : 1 / 307 ، والإمامة والسياسة : 1 / 133 ، ومصادر أخرى ) .
وتعبير : ما كان يُلقى في روعي ، تعبير مجازي للأمر الغريب المفاجئ . وتنهنه : سكن .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 5 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأخذ أبو بكر يستشير الإمام ( عليه السلام ) في تدبير الحرب ضد القبائل الطامعة في دولة الإسلام ، فأرسل عليٌّ ( عليه السلام ) تلاميذه الفرسان ، وأولهم عدي بن حاتم الطائي رضي الله عنه ، لتوعية القبائل ، ومقاومة طليحة .
ثم أرسل ( عليه السلام ) نخبة من أصحابه لحرب مسيلمة ، كعمار بن ياسر ، وأبي دجانة ، وثابت بن قيس ، رضي الله عنهم ، فنهضوا في تلك الأحداث والمعارك ، وحققوا النصر للإسلام ، وهزموا المرتدين .
ثم استشاره أبو بكر في غزو الروم : « قال أبو بكر : ماذا ترى يا أبا الحسن ؟ فقال : أرى أنك إن سرت إليهم بنفسك ، أو بعثت إليهم ، نُصرت عليهم إن شاء الله . فقال : بشرك الله بخير » . ( تاريخ دمشق : 2 / 64 ) .
وقد أثرت نهضة علي ( عليه السلام ) في نفس أبي بكر ، فكان يعتذر إليه عن تقدمه عليه في الخلافة ، ويؤكد له بأنه سيعيدها إليه بعد وفاته !
قال ( عليه السلام ) كما في الخصال للصدوق / 343 : « فإن القائم بعد النبي ( صلى الله عليه وآله ) كان يلقاني معتذراً في كل أيامه ، ويلوم غيره فيما ارتكبه من أخذ حقي ونقض بيعتي ، وسألني تحليله ، فكنت أقول : تنقضي أيامه ، ثم يرجع إليَّ حقي الذي جعله الله لي عفواً هنيئاً ، من غير أن أحدث في الإسلام مع حدوثه وقرب عهده بالجاهلية حدثاً ، في طلب حقي بمنازعة ، لعل فلاناً يقول فيها نعم وفلاناً يقول لا ، فيؤول ذلك من القول إلى الفعل . وجماعةٌ من خواص أصحاب محمد ( صلى الله عليه وآله ) أعرفهم بالنصح لله ولرسوله ( صلى الله عليه وآله ) ولكتابه ودينه ، يأتوني عوداً وبدءاً وعلانية وسراً ، فيدعوني إلى أخذ حقي ، ويبذلون أنفسهم في نصرتي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 6 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ليؤدوا إلى بذلك بيعتي في أعناقهم ، فأقول رويداً وصبراً لعل الله يأتيني بذلك عفواً بلا منازعة ولا إراقة الدماء ، فقد ارتاب كثير من الناس بعد وفاة النبي ( صلى الله عليه وآله ) وطمع في الأمر بعده من ليس له بأهل ، فقال كل قوم : منا أمير ، وما طمع القائلون في ذلك إلا لتناول غيري الأمر !
فلما دنت وفاة القائم وانقضت أيامه ، صير الأمر بعده لصاحبه ، فكانت هذه أخت أختها ، ومحلها مني مثل محلها » .
وبعد وفاة أبي بكر كان عمر يشاور الإمام ( عليه السلام ) في الحرب ، فكان يدبر أمورها ، ويختار لها القادة والفرسان ، ويحقق النصر للمسلمين .
وعندما جمع الفرس جيشاً من مئة وخمسين ألف جندي لشن هجوم كاسح على المدينة ، بعث عمار بن ياسر وكان والي الكوفة ، رسالة إلى عمر بن الخطاب يخبره ، فخاف عمر وأخذته الرعدة ، واستشار علياً ( عليه السلام ) ، فطمأنه وأعطاه الخطة ، واختار لها قائدين هما النعمان بن مقرن وحذيفة رضي الله عنهما ، فاستبشر عمر وشكره ، وأطلق يده في تدبير معركة نهاوند ، وهي أكبر معركة مع الفرس ، فحقق فيها النصر .
وكذلك في معركة اليرموك بعث علي ( عليه السلام ) مالك الأشتر ، وعمرو بن معدي كرب ، وهاشم المرقال ، ومجموعة أبطال ، فقطفوا النصر كما أخبر ( عليه السلام ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 7 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وكذلك في فتح مصر ، فقد فتحت صلحاً بدون أي معركة ، وشارك في فتحها عدد من كبار الصحابة من تلاميذ علي ( عليه السلام ) كعبادة بن الصامت ، وأبي ذر الغفاري ، ومالك الأشتر ، والمقداد بن عمرو .
ثم عندما هاجم الروم مصر في زمن عثمان ، قاد تلميذا علي ( عليه السلام ) : محمد بن أبي بكر ومحمد بن حذيفة ، معركة ذات الصواري في دفع هجوم الروم عنها
وقد نسبت السلطة هذه الفتوح لقادتها ، كخالد بن الوليد ، وعمرو العاص ، وأبي موسى الأشعري ، والخلفاء من ورائهم ، مع أن الفضل فيها نظرياً وميدانياً لعلي ( عليه السلام ) وتلاميذه وفرسانه .
لذلك كان علي ( عليه السلام ) يشكو قريشاً فيقول ، كما في شرح النهج : 20 / 298 :
« اللهم إني أستعديك على قريش ، فإنهم أضمروا لرسولك ( صلى الله عليه وآله ) ضروباً من الشر والغدر فعجزوا عنها ، وحِلْتُ بينهم وبينها ، فكانت الوجبةُ بي والدائرةُ عليَّ . . . ولولا أن قريشاً جعلت اسمه ( صلى الله عليه وآله ) ذريعة إلى الرياسة ، وسُلَّماً إلى العز والإمرة لما عَبَدت الله بعد موته يوماً واحداً ، ولارتدَّت في حافرتها ، وعاد قارحها جذعاً ، وبازلها بكراً !
ثم فتح الله عليها الفتوح فأثْرَتْ بعد الفاقة ، وتمولت بعد الجَهد والمخمصة فحسن في عيونها من الإسلام ما كان سَمِجاً ، وثبت في قلوب كثير منها من الدين ما كان مضطرباً ، وقالت : لولا أنه حق لما كان كذا !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 8 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم نسبت تلك الفتوح إلى آراء ولاتها ، وحسن تدبير الأمراء القائمين بها ، فتأكد عند الناس نباهة قوم وخمول آخرين ، فكنا نحن ممن خَمِل ذكرُه ، وخَبَتْ نارُه ، وانقطع صوته وصِيتُه ، حتى أكل الدهر علينا وشرب ، ومضت السنون والأحقاب بما فيها ، ومات كثير ممن يعرف ، ونشأ كثير ممن لا يعرف » !
يقول بذلك ( عليه السلام ) إنه هو الذي رد هجوم المرتدين عن المدينة ، ودفع الخليفة إلى حروب الردة ، والى هذه الفتوح ، ودبر إدارتها ، وهيأ أبطالها ، لكن إعلام السلطة نسبها إلى الخليفة ، ومن عيَّنهم من قادتها الرسميين .
ومن الواضح أن ذلك لا يعني مسؤولية الإمام ( عليه السلام ) عن المظالم التي رافقت الفتوحات ، وصدرت من قادة وولاةٍ لم يعينهم .
لذلك كنا بحاجة إلى بحث حروب الردة ، وبيان دور أمير المؤمنين ( عليه السلام ) فيها وهو مدخل لدراسة الفتوحات الإسلامية وبيان دوره ( عليه السلام ) وتلاميذه فيها .
وستجد في هذا البحث أن المحدثين أكثر إعمالاً لأهوائهم من المؤرخين ، وأن حروب الردة والفتوحات تحتاج إلى قراءة جديدة ، لكشف واقعها .
كتبه : علي الكَوْراني العاملي
قم المشرفة في الثاني من جمادى الثانية 1432
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 9 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الأول : دور علي ( عليه السلام ) في حروب الردة

( 1 ) كانت الردة خطراً من عهد النبي ( صلى الله عليه وآله )

أول من حاول الردة والتخلص من حكم النبي ( صلى الله عليه وآله ) قريش بعد فتح مكة ، فقد كانت ترى أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) أخضعها وفتح عاصمتها عنوةً ، وأجبرها على خلع سلاحها ، والدخول في الإسلام .
وقد بحثنا في كتاب آيات الغدير محاولتها الاستقلال بقيادة سهيل بن عمرو ، وكيف عطلت عمل حاكم مكة أُسَيْد بن عتَّاب الذي عينه النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وبعث سهيل رسالة إلى النبي ( صلى الله عليه وآله ) طالباً أن يعامل النبي ( صلى الله عليه وآله ) قريشاً كدولة ، ثم جاء إلى المدينة يطالب بذلك ، فأيده أبو بكر وعمر !
وقد أجابهم النبي ( صلى الله عليه وآله ) جواباً قاطعاً وهددهم بعلي ( عليه السلام ) : « فقال : ما أراكم تنتهون يا معشر قريش ، حتى يبعث الله عليكم من يضرب رقابكم على هذا » . أي على الإسلام ، وهو تصريح بأنهم لم يسلموا ! ( الحاكم : 2 / 125 ، وأبو داود : 1 / 611 ) .
وكذلك هدد النبي ( صلى الله عليه وآله ) ثقيفاً وقبائل أخرى بعلي ( عليه السلام ) وأخبرهم أنه سيقاتل بعده على تأويل القرآن ، كما قاتل هو على تنزيله . ( آيات الغدير للمؤلف / 148 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 10 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كما أمر النبي ( صلى الله عليه وآله ) علياً ( عليه السلام ) أن يعلن تهديده لقريش ومن ينوي الردة ، وهو موقف وقائي لمنعهم من التفكير بالردة !
قال ابن عباس : « إن علياً كان يقول في حياة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : إن الله عز وجل يقول : أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ، والله لا ننقلب على أعقابنا بعد إذ هدانا الله تعالى . والله لئن مات أو قتل لأقاتلن على ما قاتل عليه حتى أموت . لا والله . إني لأخوه ووليه وابن عمه ووارثه ، فمن أحق به مني » ! ( الحاكم : 3 / 126 ، والنسائي : 5 / 125 ، والمحاملي / 163 ، والطبراني الكبير : 1 / 107 ومجمع الزوائد : 9 / 134 ، وصححوه . والاحتجاج : 1 / 291 ، وأمالي الطوسي / 502 ) .

( 2 ) كان هدف ردة القبائل محو الإسلام !

قال ابن واضح اليعقوبي ( 2 / 128 ) يصف الردة بعد وفاة النبي ( صلى الله عليه وآله ) :
« وتنبأ جماعة من العرب ، وارتد جماعة ووضعوا التيجان على رؤوسهم ، وامتنع قوم من دفع الزكاة إلى أبي بكر . وكان ممن تنبأ طليحة بن خويلد الأسدي بنواحيه ، وكان أنصاره غطفان وفزارة ، ورئيسهم عيينة بن حصن الفزاري . والأسود العنسي باليمن . ومسيلمة بن حبيب الحنفي باليمامة . وسجاح بنت الحارث التميمية ، ثم تزوجت بمسيلمة . وكان الأشعث بن قيس مؤذنها » .
وقال الطوسي في المبسوط ( 7 / 267 ) : « أهل الردة بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ضربان : منهم قوم كفروا بعد إسلامهم ، مثل مسيلمة ، وطليحة ، والعنسي وأصحابهم ، وكانوا مرتدين بالخروج من الملة بلا خلاف .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 11 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والضرب الثاني : قوم منعوا الزكاة مع مقامهم على الإسلام وتمسكهم به ، فسموا كلهم أهل الردة ، وهؤلاء ليسوا أهل ردة عندنا وعند الأكثر » .
وقال الزمخشري في الكشاف : 1 / 620 : « وقيل بل كان أهل الردة إحدى عشرة فرقة ، ثلاث في عهد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : بنو مدلج ورئيسهم ذو الخمار وهو الأسود العنسي ، وكان كاهناً تنبأ باليمن واستولى على بلاده وأخرج عمال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فكتب رسول الله إلى معاذ بن جبل والى سادات اليمن ، فأهلكه الله على يدي فيروز الديلمي ، بيَّته فقتله ، وأخبر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بقتله ليلة قتل ، فَسُرَّ المسلمون ، وقبض رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) من الغد ، وأتى خبره في آخر شهر ربيع الأول .
وبنو حنيفة قوم مسيلمة ، تنبأ وكتب إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) . . .
وبنو أسد ، قوم طليحة بن خويلد . . .
وسبع في عهد أبي بكر : فزارة قوم عيينة بن حصن ، وغطفان قوم قُرَّة بن سلمة القشيري ، وبنو سليم ، قوم الفجاءة بن عبد ياليل ، وبنو يربوع قوم مالك بن نويرة . وبعض تميم ، قوم سجاح بنت المنذر المتنبئة ، التي زوجت نفسها مسيلمة الكذاب . . . وكندة قوم الأشعث بن قيس . وبنو بكر بن وائل بالبحرين قوم الحطم بن زيد . وكفى الله أمرهم على يدي أبي بكر .
وفرقة واحدة في عهد عمر : غسان قوم جبلة بن الأيهم نَصَّرَتْهُ اللطمة ( لطمه عمر ) وسيَّرته إلى بلاد الروم بعد إسلامه » . والينابيع الفقهية : 9 / 143 .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 12 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أقول : هذا التعداد للمرتدين غير دقيق ، فبعضهم أشيع عنهم أنهم ارتدوا لأنهم اعترضوا على خلافة أبي بكر فسماهم مرتدين ، كبني يربوع من بني تميم ، الذين كان رئيسهم مالك بن نويرة ( رحمه الله ) صحابياً جليلاً شهد له النبي ( صلى الله عليه وآله ) بالجنة . فقد جاء مالك إلى المدينة فتفاجأ عندما رأى أبا بكر على منبر النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، فاعترض عليه وسأله : أين عليٌّ الذي أوصانا النبي ( صلى الله عليه وآله ) بطاعته من بعده ؟ فأجابه أبو بكر بأنك كنت غائباً لا تعرف ماذا حدث ، ورد عليه مالك واتهمه ، فأمر أبو بكر خالد بن الوليد أن يخرجه من المسجد واتهمه بالردة .
وعندما أرسل أبو بكر خالداً لقتال طليحة ، أمره أن يقتل مالك بن نويرة حتى لا يفتق على خلافته فتقاً ويحشد معه بني تميم ، فذهب خالد واحتال على مالك وقتله غدراً ، وأخذ زوجته !
وقد اعترض عليه عدد من الصحابة كانوا معه ، مثل عبد الله بن عمر وأبي قتادة الأنصاري ، فأصر على فعله ولم يسمع كلامهم . كما انتقده عمر ، وطالب أبا بكر أن يقتص منه لأنه قتل مسلماً ، وعدا على زوجته !
وكذلك بدأت حركة قبائل كندة في حضرموت ، فعندما توفي النبي ( صلى الله عليه وآله ) دعاهم عاملهم لبيد بن زياد البياضي إلى بيعة أبي بكر : « فقال له الحارث : أخبرني لم نَحَّيْتُم عنها أهل بيته ( صلى الله عليه وآله ) وهم أحق الناس بها ، لأن الله عز وجل يقول : وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ . فقال له زياد بن لبيد : إن المهاجرين والأنصار أَنْظَرُ لأنفسهم منك . فقال له الحارث بن معاوية : لا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 13 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والله ! ما أزلتموها عن أهلها إلا حسداً منكم لهم ، وما يستقر في قلبي أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) خرج من الدنيا ولم ينصب للناس علماً يتبعونه ! فارحل عنا أيها الرجل فإنك تدعو إلى غير رضا ، ثم أنشأ الحارث بن معاوية يقول :
كان الرسول هو المطاع فقد مضى * صلى عليه الله لم يستخلف !
قال : فوثب عرفجة بن عبد الله الذهلي فقال : صدق والله الحارث بن معاوية ! أخرجوا هذا الرجل عنكم ، فما صاحبه بأهل للخلافة ولا يستحقها بوجه من الوجوه ، وما المهاجرون والأنصار بأنظر لهذه الأمة من نبيها محمد ( صلى الله عليه وآله ) » . ( فتوح ابن الأعثم : 1 / 48 ) .
فقد بدأت حركة كندة ضد أبي بكر بسبب رفضهم لخلافته ، ولم تكن ردة عن الإسلام ، ثم دخل في حركتهم رئيسهم الأشعث بن قيس فجعلها ردة ومفاوضة مع أبي بكر لأخذ امتيازات ، وقد أخذ ما يريد !
قال ابن حبان في الثقات : 2 / 181 : « فلما قدم الأشعث على أبى بكر قال أبو بكر : فما تأمرني أن أصنع فيك فإنك فعلت ما علمت ؟ قال الأشعث : تمن على وتفكني من الحديد وتزوجني أختك ، فإني قد راجعت وأسلمت . قال أبو بكر : قد فعلت ، فزوجه أخته ( أم ) فروة بنت أبي قحافة » .
لكن استغلال شعار الردة لتصفية المعارضين للسقيفة ، لا ينفي وجود حركة ردة في قبائل العرب . وسببها أن عدداً من القبائل تصوروا أن نبوة قريش انتهت بوفاة النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وأن الفرصة جاءتهم ليعلنوا نبوتهم ، ويتحركوا ويحققوا مكاسب قبلية ، كما حققت قريش من نبوتها بزعمهم !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 14 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لقد كانت الردة وادعاء النبوة فورة طمع من قبائل لم يدخل الإيمان في قلوبها ، فهي تطمع أن تفرض سيطرتها بادعاء النبوة ، كما قال تعالى : قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ .
قال في تاريخ دمشق : 25 / 156 : « فلما مات رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قام عيينة بن حصن في غطفان فقال : ما أعرف حدود غطفان منذ انقطع ما بيننا وبين بني أسد ، وإني لمجدد الحلف الذي كان بيننا في القديم ومتابع طليحة . ووالله لأن نتبع نبياً من الحليفين أحب إلينا من أن نتبع نبياً من قريش . وقد مات محمد وبقي طليحة ! فطابقوه على ذلك » !
ويقصد بالحليفين : غطفاناً وأسداً . وهو كقول أبي جهل : نبيٌّ من بني هاشم ! لا والله حتى يكون نبي من مخزوم !
واندفعت القبائل وهاجمت المدينة ، لكنها اكتشفت أن دولة المسلمين قوية ، وأنهم ثابتون على نبوة نبيهم ( صلى الله عليه وآله ) ، وفاجأهم الفارس الذي رأوه في حنين يقطف رؤوس أصحاب الرايات ، فقصد قائدهم في ظلام الليل وجندله ! فتراجعوا منهزمين بخفة !
وبعض المرتدين احتاجت شوكتهم إلى استعمال القوة من المسلمين المحليين . وبعضها احتاجت إلى إرسال قوة من عاصمة الخلافة كطليحة ، أو إرسال جيش كبير ، وخوض معركة صعبة معهم ، كمسيلمة الكذاب .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 15 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد وصف علي ( عليه السلام ) ردة القبائل بعد النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، فقال في رسالته إلى أهل مصر : « فأمسكت يدي حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام ، يدعون إلى محق دين محمد ( صلى الله عليه وآله ) » ! ( نهج البلاغة : 3 / 119 ) .
وأهم حركات الردة ثلاث :
حركة الأسود العنسي : الذي ادعى النبوة في اليمن وقتل عامل النبي ( صلى الله عليه وآله ) وسيطر على صنعاء ، وقد أنهى النبي ( صلى الله عليه وآله ) حركته في حياته ، وجاءه الوحي وهو في مرض وفاته ( صلى الله عليه وآله ) بقتل الأسود العنسي ، وأخبر المسلمين بذلك .
والثانية حركة طليحة الأسدي : الذي جمع عدة قبائل وهاجم المدينة ، فنهض أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) والصحابة لمواجهته . وأرسل له أبو بكر عدي بن حاتم ، ثم أرسل قوة بقيادة خالد بن الوليد ، ولكن خالداً وصل بجيشه إلى قرب معسكره في بُزَّاخَة ، فوجد جثة الفارسين اللذين أرسلهما للإستطلاع ، وهما ثابت بن أقرم وعكاشة بن محصن ، فخاف خالد ورجع قاصداً عدي بن حاتم الطائي ، الذي كان ناشطاً في إقناع بني طيئ وحلفائهم بترك طليحة .
وقد نجح عديٌّ في مسعاه ، وانضم إلى خالد في جيش من طيئ وبجيلة ، وقصدوا طليحة ، وتولى عديٌّ والأنصار قتال طليحة ، ولم يشترك خالد في المعركة ، فانهزم طليحة وهرب إلى الشام ، وتفرق أتباعه ، وانتهت حركته .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 16 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والثالثة حركة مسيلمة الكذاب : وهي أهم حركات الردة والتنبؤ ، فقد جمع حوله قبيلته بني حنيفة ، ومعهم غيرهم ، وكان مركزه اليمامة وهي مدينة الرياض الفعلية نفسها أو قربها ، ومكان المعركة يسمى عَقْرُبَاء ، وتسمى اليوم الجبيلة ، وتبعد نحو 40 كيلو متراً عن الرياض .
وكان قائد المسلمين الرسمي فيها خالد بن الوليد ، لكنه لم يقاتل بنفسه أبداً ، واستمرت المعركة يومين ، واستشهد فيها من المسلمين نحو ألف ومئتين ، وقتل من أتباع مسيلمة واحدٌ وعشرون ألفاً ، وقتل مسيلمة .
* *

( 3 ) أبو بكر وعمر يفقدان المقومات العسكرية

تضرب الأمثال عند العرب والعالم بشجاعة علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) وبطولته ، ويليه أفراد معدودون من الصحابة لكن مع فارق كبير .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 17 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أما الباقون فكان أحدهم إذا حميَ الوطيس يحفظ نفسه في الصفوف الخلفية ، أو يهرب مُوَلِّياً من المعركة ، تاركاً النبي ( صلى الله عليه وآله ) لسيوف أعدائه !
وقد وصفتهم فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) فقالت كما في بلاغات النساء / 13 : « وكنتم على شفا حفرة من النار ، مُذقة الشارب ، ونَهزة الطامع ، وقَبْسَة العَجْلان ، وموطئ الأقدام ، تشربون الطَّرَق ، وتقتاتون الورق ، أذلة خاسئين ، تخافون أن يتخطفكم الناس من حولكم !
فأنقذكم الله بابي بعد اللُّتَيَّا والتي ، وبعد ما مُنِيَ ببُهم الرجال ، وذؤبان العرب ، ومَرَدَة أهل الكتاب ، كلما حَشَوْا ناراً للحرب أطفأها ، ونَجَمَ قرنٌ للضلال ، وفَغَرت فاغرة من المشركين ، قذف بأخيه في لهواتها ، فلا ينكفئ حتى يطأ صِماخها بأخمصه ، ويخمد لهبها بحده ، مكدوداً في ذات الله ، قريباً من رسول الله ، سيداً في أولياء الله ، وأنتم في بَلَهْنِيَةٍ وادعون آمنون . .
حتى إذا اختار الله لنبيه ( صلى الله عليه وآله ) دار أنبيائه ، ظهرت حسيكة النفاق ، وسمل جلباب الدين ، ونطق كاظم الغاوين ، ونبغ خامل الآفلين ، وهدر فنيق المبطلين . . الخ . » .
وكما اتفق المسلمون على شجاعة علي ( عليه السلام ) ، فقد اتفقوا على أن أبا بكر وعمر لم يشتركا في أي معركة من معارك النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، ولم يضربا ضربةً بسيف ، ولا طعنا طعنةً برمح ! بل كانا عندما تبرز الأبطال ويزحف الصفان ، يتأخران إلى الصفوف الخلفية يحفظان حياتهما ، أو يوليان الدبُر ويهربان !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 18 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال في مناقب آل أبي طالب : 1 / 341 : « المعروفون بالجهاد : عليٌّ ، وحمزة ، وجعفر ، وعبيدة بن الحارث ، والزبير ، وطلحة ، وأبو دجانة ، وسعد بن أبي وقاص ، والبراء بن عازب ، وسعد بن معاذ ، ومحمد بن مسلمة . وقد أجمعت الأمة على أن هؤلاء لا يقاسون بعلي ( عليه السلام ) في شوكته وكثرة جهاده . فأما أبو بكر وعمر فقد تصفحنا كتب المغازي فما وجدنا لهما فيه أثراً البتة » .
وروى سليم بن قيس في كتابه / 247 ، قول علي ( عليه السلام ) يصف أبا بكر وعمر وعثمان : « ألا إن العجب كل العجب من جُهال هذه الأمة وضُلالها ، وقادتها وساقتها إلى النار ، لأنهم قد سمعوا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول عوداً وبدءً : ما ولَّت أمة رجلاً قط أمرها وفيهم أعلم منه ، إلا لم يزل أمرهم يذهب سفالاً حتى يرجعوا إلى ما تركوا !
فولوا أمرهم قبلي ثلاثة رهط ، ما منهم رجل جمع القرآن ، ولا يدعي أن له علماً بكتاب الله ولا سنة نبيه . وقد علموا يقيناً أني أعلمهم بكتاب الله وسنة نبيه ، وأفقههم وأقرأهم لكتاب الله ، وأقضاهم بحكم الله .
وأنه ليس رجل من الثلاثة له سابقة مع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، ولا غَناء معه في جميع مشاهده ، فلا رمى بسهم ، ولا طعن برمح ، ولا ضرب بسيف ، جبناً ولؤماً ، ورغبةً في البقاء . وقد علموا أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قاتل بنفسه فقتل أبيَّ بن خلف ، وقتل مسجع بن عوف ، وكان من أشجع الناس وأشدهم لقاء ، وأحقهم بذلك .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 19 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد علموا يقيناً أنه لم يكن فيهم أحد يقوم مقامي ، ولا يبارز الأبطال ولا يفتح الحصون غيري ، ولا نزلت برسول الله ( صلى الله عليه وآله ) شديدة قط ، ولا كَرَبَهُ أمرٌ ولا ضاق مستصعب من الأمر ، إلا قال : أين أخي علي ، أين سيفي ، أين رمحي ، أين المفرج غمي عن وجهي ! فيقدمني فأتقدم فأفديه بنفسي ، ويكشف الله بيدي الكرب عن وجهه . ولله عز وجل ولرسوله بذلك المَنُّ والطول حيث خصني بذلك ووفقني له .
لم يكن لأبي بكر وعمر أي سابقة في الدين . وإن بعض من سميت ما كان ذا بلاء ولا سابقة ولا مبارزة قرن ، ولا فتح ولا نصر ، غير مرة واحدة ، ثم فرَّ ومنح عدوه دُبُرَه ، ورجع يُجَبِّن أصحابه ويجبنونه ، وقد فرَّ مراراً ! فإذا كان عند الرخاء والغنيمة تكلم وتغير ( أظهر الغيرة ) وأمر ونهى » !
إلى آخر كلامه ( عليه السلام ) وهو طويل ، ملئ بالحجج .
ثم نلاحظ أن الله تعالى أنزل السكينة على النبي ( صلى الله عليه وآله ) والمؤمنين في حُنين فقال : ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ، ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ . بينما أنزلها في الهجرة على النبي ( صلى الله عليه وآله ) وحده ، ولم ينزلها على صاحبه ، مع أنه كان حزيناً . قال تعالى : فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ . . ولم يقل : عليهما .
وفي معركة بدر : قال الله عز وجل عن فريق من الصحابة : كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ . يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 20 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ . وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ .
قال مسلم في صحيحه ( 5 / 170 ) : « شاور حين بلغه إقبال أبي سفيان ، قال فتكلم أبو بكر فأعرض عنه ، ثم تكلم عمر فأعرض عنه » !
وفي الدر المنثور : 3 / 165 : « فقال عمر بن الخطاب : يا رسول الله إنها قريش وعزها ! والله ما ذلت منذ عزت ، ولا آمنت منذ كفرت ، والله لتقاتلنك ، فتأهب لذلك أهبته واعدد له عدته » !
أي إرجع واستعد لقتالها في المستقبل ! فهو ينصح النبي ( صلى الله عليه وآله ) بالرجوع وعدم قتال قريش ! كالذين يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ .
وروى البخاري ( 5 / 187 ) قول المقداد : « يا رسول الله إنا لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى : فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ، ولكن إمض ونحن معك . فكأنه سُرِّيَ عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) » . ومعنى إعراضه ( صلى الله عليه وآله ) عن الشيخين وسروره بقول المقداد : أنه أفضل منهما وأشجع ؟ !
وقد ثبت عن أبي بكر وعمر أنهما لم يقاتلا في بدر ، وقد اعتذروا عن أبي بكر بأن النبي ( صلى الله عليه وآله ) استبقاه معه في العريش ، ليستشيره في إدارة المعركة !
لكنهم رووا أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) خرج من الخيمة المزعومة وقاتل قتالاً شديداً ، ولم يكن معه أبو بكر ولا عمر ، فأين كانا ؟ !
قال علي ( عليه السلام ) : « لقد رأيتني يوم بدر ونحن نلوذ بالنبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وهو أقربنا إلى العدو وكان من أشد الناس يومئذ بأساً » ! ومجمع الزوائد : 9 / 12 . وقد صححوه .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 21 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أما عمر فاعترف بأنه رأى العاص بن سعيد بن العاص في بدر فهرب منه : « رأيته يبحث للقتال كما يبحث الثور بقرنه ، فإذا شدقاه قد أزبدا كالوزغ فهبته وزُغت عنه ! فقال إلى أين يا ابن الخطاب » . ( ابن هشام : 2 / 464 ) .
ثم أنزل الله في بدر : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ . وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ . ( الأنفال : 15 - 16 ) .
ومعناه أنه كان في بدر فرارٌ من المبارزة ، وفرارٌ إلى الصفوف الخلفية ! وهو فرارٌ تام الشروط والأركان ، مستوجبٌ لغضب الرحمن .
وفي أحُد : زعموا أن عمر هرب وأبا بكر لم يهرب ، فقال في الطبقات : 2 / 42 : « وثبت معه عصابة من أصحابه أربعة عشر رجلاً ، سبعة من المهاجرين فيهم أبو بكر الصديق ، وسبعة من الأنصار » .
لكنهم كذَّبوا هذه الرواية فقال أبو بكر إنه من أول من رجع من الفرار يوم أحُد ! ففي الطبقات ( 3 / 155 ) : « عن عائشة قالت : حدثني أبو بكر قال : كنت في أول من فاء إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يوم أحد » .
يقصد أنه كان في الأوائل الذين عادوا من الفرار ، وقد عادوا بعد الظهر ، بعد أن انسحب المشركون وغادروا ، وبعد أن صلى النبي ( صلى الله عليه وآله ) على الشهداء !
أما عمر فقد تحدث عن هروبه ووصف نفسه ، ففي تفسير الطبري ( 4 / 193 ) : « خطب عمر يوم الجمعة فقرأ آل عمران . . قال : لما كان يوم أحد . . ففررت
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 22 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
حتى صعدت الجبل ، فلقد رأيتني أنزو كأنني أروى ، والناس يقولون : قتل محمد » . والأروى : العنز الجبلية التي تتسلق الصخور !
وقال ابن إسحاق ( 3 / 309 ) أن أنس بن النضر : « انتهى إلى عمر بن الخطاب وطلحة بن عبيد الله ، في رجال من المهاجرين والأنصار ، وقد ألقوا بأيديهم ( انهاروا ) فقال : ما يجلسكم ؟ قالوا : قتل رسول الله ! قال : فما تظنون بالحياة بعده ! قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ! ثم استقبل القوم فقاتل حتى قتل » . ولم يؤثر كلامه في الصحابة وبقوا على الصخرة !
وفي تفسير الطبري : 4 / 151 : « قال أهل المرض والارتياب والنفاق حين فرَّ الناس عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) : قد قتل محمد فالحقوا بدينكم الأول » !
وفي الدر المنثور : 2 / 80 ، أن أحدهم قال أحدهم : « والذي نفسي بيده لئن كان قتل النبي ( صلى الله عليه وآله ) لنعطينهم بأيدينا ، إنهم لعشائرنا وإخواننا ! وقالوا : لو أن محمداً كان نبياً لم يهزم ولكنه قد قتل ! فترخصوا في الفرار حينئذ » ! وأصحاب هذا الموقف وهذه الردة قرشيون ، لقولهم إنهم لعشائرنا !
وفي معركة الخندق : أخذ الصحابة يستأذنون النبي ( صلى الله عليه وآله ) ليتفقدوا بيوتهم ، فكانوا يذهبون ولا يعودون ! وبعضهم هرب بلا استئذان !
قال حذيفة كما رواه الحاكم : 3 / 31 : « إن الناس تفرقوا عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ليلة الأحزاب ، فلم يبق معه إلا اثنا عشر رجلاً » !
وهذا فرار مخفي ، وقد فضحه الله تعالى بقوله : وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللهِ مَسْؤولاً . ومعناه : أنهم ولوهم الأدبار ، بترك الخندق !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 23 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال عبد الله بن عمر : « بعثني خالي عثمان بن مظعون لآتيه بلحاف ، فأتيت النبي فاستأذنته وهو بالخندق فأذن لي ، وقال : من لقيت فقل لهم إن رسول الله يأمركم أن ترجعوا ، وكان ذلك في برد شديد ، فخرجت ولقيت الناس فقلت لهم : إن رسول الله يأمركم أن ترجعوا . قال : فلا والله ما عطف عليَّ منهم اثنان ، أو واحد » ! ( الطبراني في الأوسط : 5 / 275 ، وصححه مجمع الزوائد : 6 / 135 ) .
ووصفت عائشة ( أحمد : 6 / 141 ) اختباء جماعة من الصحابة في حديقة ، منهم عمر وطلحة ، وكانا يتخوفان من الفرار العام ، فيفتي طلحة بأنه جائز ، لأنه فرارٌ إلى الله تعالى !
ورووا أنه بعد أن قتل علي ( عليه السلام ) عمرو بن ود ، أمر النبي ( صلى الله عليه وآله ) عمر بن الخطاب أن يبرز إلى ضرار بن الخطاب ، فنكص عنه ! ( تفسير القمي : 2 / 182 ) .
بينما روى الجميع قول النبي ( صلى الله عليه وآله ) : « لمَبُارزة علي بن أبي طالب لعمرو بن عبد وُدٍّ يومَ الخندق ، أفضل من أعمال أمتي إلى يوم القيامة » . ( الحاكم : 3 / 32 ) .
وفي معركة خيبر : روى النسائي : 5 / 108 : « دعا أبا بكر فعقد له لواءً ثم بعثه فسار بالناس فانهزم ، حتى إذا بلغ رجع ! فدعا عمر فعقد له لواءً ، فسار ثم رجع منهزماً بالناس ! فقال رسول الله : لأعطين الراية رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ، يفتح الله له ليس بفرار » . والزوائد : 9 / 124 وصححه .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 24 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي رواية عن سعد بن أبي وقاص أنه قال : « فغضب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وقال : لأعطين الراية غداً رجلاً يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله ، كرار غير فرار ، لا يرجع حتى يفتح الله على يديه » . ( أمالي المفيد / 56 ) .
وفي غزوة ذات السلاسل : رجع أبو بكر وعمر منهزمين ، فأرسل النبي ( صلى الله عليه وآله ) علياً فانتصر ، ونزلت سورة العاديات . ( الإرشاد : 1 / 150 ) .
وفي حنين : فرَّ أبو بكر وعمر مع الفارين ، وتركوا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لسيوف عشرين ألف مقاتل من هوازن ، وثبت معه بنو هاشم فقط وفقط !
قال الله تعالى : لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ . ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ . .
وروي أن أبا بكر عانهم ، أي أصابهم بالعين ! وفي سيرة ابن كثير ( 3 / 610 ) : « وقال أبو بكر الصديق : لن نغلب اليوم من قلة ، فانهزموا ، فكان أول من أنهزم بنو سليم ، ثم أهل مكة ، ثم بقية الناس » .
وقال المفيد في الإفصاح / 68 : « وكان أبو بكر هو الذي أعجبته في ذلك اليوم كثرة الناس فقال لا نغلب اليوم من قلة . ثم كان أول المنهزمين ومن ولى من القوم الدبر ، فقال الله تعالى : وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ . فاختص من التوبيخ به لمقاله بما لم يتوجه إلى غيره ، وشارك الباقين في الذم على نقض العهد والميثاق » . وستعرف خوف عمر ، وإصراره على عدم قتال المرتدين .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 25 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

( 4 ) وعندما داهمهم الخطر أحسُّوا بالحاجة إلى علي ( عليه السلام )

أثبتت حروب النبي ( صلى الله عليه وآله ) لقبائل العرب أنه قوة عسكرية لا تُقهر ، فهو من بني عبد المطلب الشجعان الذين لا يعرفون ما هو الفرار . والوحي يأتيه . ومعه فرسان أبطال ، أولهم وأعظمهم ابن عمه علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، الذي دوى صيته في أرجاء الجزيرة ، لما جندل أبطال قريش في بدر وأحد ، وقتل في وقعة الأحزاب بطل العرب الذي لا يبارى عمرو بن ود .
ثم اقتحم أكبر حصون خيبر بعد أن حاصره المسلمون شهراً وعجزوا عن فتحه ، وكان ( عليه السلام ) غائباً فجاء واقتحمه وجندل بطل اليهود مرحباً ، وقلع باب الحصن ودخله ، وقتل فرسانه ، ففتحه وحده ثم التحق به المسلمون !
قال ابن هشام في السيرة : 3 / 797 : « بعث أبا بكر الصديق برايته . . إلى بعض حصون خيبر فقاتل فرجع ولم يك فتح وقد جهد ! ثم بعث الغد عمر بن الخطاب ، فقاتل ثم رجع ولم يك فتح وقد جهد !
فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ، يفتح الله على يديه ليس بفرار ! قال : يقول سلمة : فدعا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) علياً رضوان الله عليه وهو أرمد فتفل في عينه ، ثم قال : خذ هذه الراية فامض بها حتى يفتح الله عليك . قال : يقول سلمة : فخرج والله بها يأنج ، يهرول هرولة ، وإنا لخلفه نتبع أثره . . فما رجع حتى فتح الله على يديه » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 26 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي معركة حنين ، حيث حشدت هوازن عشرين ألف مقاتل ، وكان جيش النبي ( صلى الله عليه وآله ) اثني عشر ألفاً ، ففاجأته هوازن بكمين كبير فهرب الجيش كله ، وثبت النبي ( صلى الله عليه وآله ) وبنو هاشم ، فوكَّلهم عليٌّّ ( عليه السلام ) بحماية النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وغاص في جيش هوازن يقطف رؤوس قادته فقط ، حتى جندل أربعين من حملة الرايات ، فوقعت فيهم الهزيمة ، واستعاد النبي ( صلى الله عليه وآله ) الكفة ، وحقق النصر المؤزر .
فبهذه القوة ، التي دوى صيتها في الدنيا ، كانت قبائل العرب تهاب النبي ( صلى الله عليه وآله ) !
وبهذه القوة ، كان النبي ( صلى الله عليه وآله ) يهددها ، وتقدم أنه هدد قريشاً بأنها إن لم تنته عن شيطنتها ، فسيبعث لها علياً ( عليه السلام ) ليؤدبها ، وكذلك هدد ثقيفاً بعلي ( عليه السلام ) .
كما أمر علياً ( عليه السلام ) أن يعلن تهديده لمن يفكر بالردة بعد وفاته ( صلى الله عليه وآله ) ، فأعلن ذلك .
قال ابن عباس : « إن علياً كان يقول في حياة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : إن الله عز وجل يقول : أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ . والله لا ننقلب على أعقابنا بعد إذ هدانا الله تعالى . والله لئن مات أو قتل لأقاتلن على ما قاتل عليه حتى أموت . لا والله . إني لأخوه ووليه وابن عمه ووارثه ، فمن أحق به مني » ! ( الحاكم : 3 / 126 ) .
فأصل قوة المسلمين بعلي ( عليه السلام ) . وخوف قبائل العرب من علي ( عليه السلام ) . وعقدة قريش وثأرها عند النبي ( صلى الله عليه وآله ) والأنصار ، يتركز على علي ( عليه السلام ) !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 27 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
« قال ابن عمر لعلي ( عليه السلام ) : كيف تحبك قريش وقد قتلت في يوم بدر واحد من ساداتهم سبعين سيداً ، تشرب أنوفهم الماء قبل شفاهم » .
والأنف الطويل عند العرب صفة جمال ، ولعله علامة أبناء إبراهيم ( عليه السلام ) .
وقال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) :
ما تركتْ بدرٌ لنا مذيقا * ولا لنا من خلفنا طريقا .
*
وسئل الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) وابن عباس أيضاً : « لم أبغضت قريش علياً ؟ قال : لأنه أورد أو لهم النار ، وقلد آخرهم العار » . ( مناقب آل أبي طالب : 3 / 21 ) .
وقال في شرح نهج البلاغة : 13 / 299 : « ولست ألوم العرب ، لا سيما قريشاً في بغضها له وانحرافها عنه ، فإنه وتَرَها وسَفَك دماءها ، وكشف القناع في منابذتها ، ونفوس العرب وأكبادهم كما تعلم . وليس الإسلام بمانع من بقاء الأحقاد في النفوس ، كما نشاهده اليوم عياناً ، والناس كالناس الأُوَل والطبائع واحدة . فاحسب أنك كنت من سنتين أو ثلاث جاهلياً أو من بعض الروم ، وقد قتل واحد من المسلمين ابنك أو أخاك ثم أسلمت . أكان إسلامك يُذهب عنك ما تجده من بغض ذلك القاتل وشنآنه ، كلا إن ذلك لغير ذاهب .
هذا إذا كان الإسلام صحيحاً ، والعقيدة محققة ، لا كإسلام كثير من العرب ، فبعضهم تقليداً ، وبعضهم للطمع والكسب ، وبعضهم خوفاً من السيف ، وبعضهم على طريق الحمية والانتصار ، أو لعداوة قوم آخرين ، من أضداد الإسلام وأعدائه !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 28 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
واعلم أن كل دم أراقه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بسيف علي ( عليه السلام ) وبسيف غيره ، فإن العرب بعد وفاته عَصَبَتْ تلك الدماء بعلي بن أبي طالب ( عليه السلام ) وحده ! لأنه لم يكن في رهطه من يستحق في شرعهم وسنتهم وعادتهم أن تُعصب به تلك الدماء إلا بعليٍّ وحده ، وهذه عادة العرب إذا قتل منها قتلى طالبت بتلك الدماء القاتل ، فإن مات أو تعذرت عليها مطالبته ، طالبت بها أمثل الناس من أهله . لمَّا قَتل قوم من بنى تميم أخاً لعمرو بن هند ، قال بعضهم يحرض عمرواً عليهم :
من مُبلغٌ عمراً بأن * المرءَ لم يخلق صَبَارهْ ( حجارة )
وحوادثُ الأيام لا يبقى * لها إلا الحجارهْ
ها إن عَجْزَةَ أمَّةٍ * بالسفح أسفل من أوارهْ
تَسفى الرياح خلال كَشْ‍ * حَيْهِ وقد سلبوا إزارهْ
فاقتل زرارة لا أرى * في القوم أمثلَ من زرارهْ
فأمره أن يقتل زرارة بن عدس رئيس بنى تميم ، ولم يكن قاتلاً أخا الملك ولا حاضراً قتله ! ومن نظر في أيام العرب ووقائعها ومقاتلها عرف ما ذكرناه » !
وكان بغض قريش لعلي ( عليه السلام ) لقتله أبطالها في بدر ، حجتها لعزله عن الخلافة ومخالفة نبيها ( صلى الله عليه وآله ) وربها عز وجل فيه ، وإبعاد بني هاشم عن أي منصب ، وبيعة أبي بكر مرشح الطلقاء .
لكن لم يمض شهران على وفاة النبي ( صلى الله عليه وآله ) حتى تحركت قبائل العرب ضد قريش ونبيها ( صلى الله عليه وآله ) وخليفته ، فأحست قريش بحاجتها الماسَّة إلى علي ( عليه السلام ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 29 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لقد تسارعت القبائل في الغستجابة لادعاء طليحة بن خويلد النبوة ! والانضمام إلى قواته ، فانضم بنو فزارة بقيادة عيينة بن حصن ، الذي قال إن نبياً من حلفائهم بني أسد أحب إليه من نبي قريش .
وانضمت بطون من طيئ ، وخزاعة ، وغيرها في ألوف مؤلفة ، حتى ضاقت بأعدادهم سُمَيْراء وبُزَّاخَة وهي مناطق قرب حائل ، فاتخذوا معسكراً آخر في ذي القَصَّة قرب المدينة ، وأرسل طليحة ابن أخيه لقيادته وغزو المدينة !
وقد أتقن طليحة توقيت مهاجمة المدينة ، فاختار فترة تنحية قريش بطلها علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) عن الحكم ، فتخيل أنه قد اعتزل النظام وانتهت أسطورته ! وفترة إرسال أبي بكر جيش أسامة إلى مؤتة البعيدة لحرب الروم حسب أمر النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، فخفَّت قوة المسلمين في المدينة إلى أدنى مستوى !
وفي تلك الفرصة الذهبية أرسل طليحة وفداً من أنصاره ، من بني أسد ، وبني فزارة ، وبني حنيفة ، وطيئ ، وغيرهم ، إلى أبي بكر يطلبون منه إسقاط الزكاة عنهم ، أي الضرائب التي هي رمز دخولهم في الدولة ، فإن لم يقبل هاجموا المدينة واحتلوها ، وأعلنوا نبوة طليحة وإلغاء نبوة محمد ( صلى الله عليه وآله ) !
كانت هذه الحادثة بعد ستين يوماً من وفاة النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وكان لها وقع شديد على الصحابة ، خاصة على قريش ونظامها الجديد ، وغطى ذلك على فرحتهم بأنهم أخذوا دولة محمد ( صلى الله عليه وآله ) من أهل بيته ( عليهم السلام ) ، وعزلوهم !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 30 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وظهر هنا تفكير قريش التجاري الخائف ، في موقف عمر بن الخطاب الذي أصرَّ على أبي بكر أن يقبل بشروط القبائل ، ليكفوا عن مهاجمة المدينة !
لكن كان واضحاً أن قبول أبي بكر بشروطهم ، ليس إلا بداية خضوع لمطالبهم التي لا تنتهي إلا بسيطرتهم التامة على المدينة ، وإنهاء الإسلام !
فما داموا أعلنوا نبوة نبيهم طليحة مع نبوة قريش أو بدلها ، فستكون بدلها !
وكان أبو بكر أبعد نظراً من عمر ، وأشجع منه ، وأرق منه أيضاً ، فقرر أن يصالح علياً ( عليه السلام ) ، ويمد إليه يده ، لأن العرب لا تخاف إلا منه !
وأن يشاوره في أمر المرتدين ويستعين به عليهم ، وهو يعرف أن رأيه لا محالة رد مطالبهم وقتالهم ، كما كان رأيه إنفاذ جيش أسامة .
فشاور علياً ( عليه السلام ) وأخذ برأيه ، وخالف عمر ، بل وبخه بشدة ، كما يأتي !
كما أن علياً ( عليه السلام ) لم ينتظر أن يشاوره أبو بكر ، فأرسل لهم محذراً من تباطؤهم في حرب أتباع المتنبئين ، وأنه سيخرج بمن أطاعه إذا لم يخرجوا هم !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 31 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

( 5 ) أبو بكر يحاول مصالحة علي ( عليه السلام ) ويستشيره

نلاحظ موقفين لَيِّنين لأبي بكر تجاه العترة الطاهرة ( عليهم السلام ) في أول خلافته ، أحدهما عندما كان على منبر النبي ( صلى الله عليه وآله ) فأتاه الحسن بن علي ( عليه السلام ) وكان غلاماً دون العاشرة فجرَّ ثوبه قائلاً : « إنزل عن منبر أبي ، واذهب إلى منبر أبيك » !
والثاني عندما قال عليٌّ لفاطمة ’ : « إن أبا بكر أرق من صاحبه ، فائته عندما يكون عمر غائباً ، فذهبت إليه » ، فكتب لها مرسوماً بإعادة فدك !
كما نلاحظ موقفين مهمين خالف فيهما أبو بكر عمر وأخذ برأي علي ( عليه السلام ) في إرساله جيش أسامة ، ثم في رد طلب المرتدين أتباع طليحة الأسدي .
فقد روى ابن سعد في ترجمة الإمام الحسن ( عليه السلام ) من طبقاته / 68 : « عن عروة أن أبا بكر خطب يوماً فجاء الحسن فصعد إليه المنبر فقال : إنزل عن منبر أبي ! فقال أبو بكر : صدقت ، والله إنه لمنبر أبيك لا منبر أبى ، فبعث على إلى أبى بكر إنه غلام حدث وإنا لم نأمره . فقال أبو بكر : صدقت ، إنا لم نتهمك » .
ورووا مثله عن الحسين ( عليه السلام ) أنه قال لعمر : « إنزل عن منبر أبي ، واذهب إلى منبر أبيك . فقال : إن أبي لم يكن له منبر ! فأقعدني معه ، فلما نزل قال : أي بنيَّ مَن علمك هذا ؟ قلت : ما علمنيه أحد . قال : أي بني وهل أنبت على رؤوسنا الشعر إلا أنتم ! ووضع يده على رأسه ، وقال : أي بني ! لو جعلت تأتينا وتغشانا » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 32 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ونلاحظ أن موقف عمر اللين مع الإمام الحسين ( عليه السلام ) ، جاء تقليداً منه لموقف أبي بكر المشابه مع الإمام الحسن ( عليه السلام ) .
كما نلاحظ أن عمر أسند إنبات الشعر إلى محمد وعترته ( صلى الله عليه وآله ) ، وهذا برأي الوهابية شرك ! وهو عندنا توحيد لأن الله تعالى قال : وَمَا نَقَمُوا إِلا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ ! فنسب الرزق إلى الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ، فمثله نسبة عمر إنبات الشعر إلى أهل بيت النبي ( عليهم السلام ) . والمعنى أن الله تعالى أغنى المسلمين وأكرمهم ، وأنبت شعر رؤوسهم بواسطة آل محمد وبركتهم ( عليهم السلام ) .
ونشير هنا إلى أن علماءهم اتفقوا على تصحيح النص ، وأن بعض رواياته بلفظ : « وهل أنبت الشعر على رؤوسنا إلا الله ثم أنتم »
لكن أكثر مصادرهم بلفظ : « إلا أنتم » كمعرفة الثقات للعجلي : 1 / 302 ، وتاريخ الذهبي : 5 / 100 ، وغيرها . وفي بعضها بلفظ : « الله ثم أنتم » كالإصابة : 2 / 69 ، وسير الذهبي : 3 / 285 ، وتهذيب التهذيب : 2 / 346 .
ومعنى اللفظين واحد ، فالفعل يسند إلى الله تعالى حقيقة ، ويسند إليهم ( عليهم السلام ) مجازاً ، لأن الله جعلهم سبباً في عطائه .
كما روى الطبري في دلائل الإمامة / 119 ، حوار الزهراء ( عليها السلام ) مع أبي بكر في إرثها ، وفيه : « زعمتَ أن النبوة لا تورث وإنما يورث ما دونها ، فما لي أمنع إرث أبي ؟ أأنزل الله في كتابه : إلا فاطمة بنت محمد . فدلني عليه أقنع به . . .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 33 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال : ولم يكن عمر حاضراً ، فكتب لها أبو بكر إلى عامله برد فدك كتاباً ، فأخرجته في يدها ، فاستقبلها عمر ، فأخذه منها وتفل فيه ومزقه ، وقال : لقد خرف ابن أبي قحافة وظلم ! فقالت له : مالك لا أمهلك الله وقتلك . . » .
وفي الإختصاص / 185 : « قال عليٌّ لها : إئت أبا بكر وحده فإنه أرقٌّ من الآخر وقولي له : ادعيت مجلس أبي وأنك خليفته وجلست مجلسه ، ولو كانت فدك لك ثم استوهبتها منك ، لوجب ردها عليَّ .
فلما أتته وقالت له ذلك ، قال : صدقت . قال : فدعا بكتاب فكتبه لها برد فدك . فقال : فخرجت والكتاب معها ، فلقيها عمر فقال : يا بنت محمد ما هذا الكتاب الذي معك ؟ فقالت : كتاب كتب لي أبو بكر برد فدك ، فقال : هلميه إلي ، فأبت أن تدفعه إليه ، فرفسها برجله وكانت حاملة بابن اسمه المحسن ، فأسقطت المحسن من بطنها ، ثم لطمها فكأني أنظر إلى قرط في أذنها . . ثم أخذ الكتاب فخرقه ! فمضت ، ومكثت خمسة وسبعين يوماً مريضة مما ضربها عمر » .
أقول : خاف أبو بكر من عمر أن يكتب لها ثانية ! وقد رووا عنه شبيه ذلك وأنه كتب مرسوماً بأرض لزعيمين من نجد وأشهد عليه ، فذهبا إلى عمر ليشهد لهما فوجداه يدهن بعيراً له بالقطران ، فقال : إقرآه فقرآه ، فغضب وأخذه ومزقه ! ورجعا إلى أبي بكر فقالا له : أأنت الخليفة أم عمر ؟ قال : هو إن شاء ، لا نجيز إلا ما أجازه عمر ! ولما حضر عمر قال له : قد كنت قلت لك : إنك أقوى على هذا الأمر مني ، ولكنك غلبتني » ! ( تاريخ دمشق : 9 / 195 ، ومبسوط السرخسي : 3 / 9 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 34 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
على أن هذا الموقف من أبي بكر كان سياسةً ، لأنه كان يخالف عمر أحياناً ويصر على مخالفته ، وقد يوبخه ويشد بلحيته !
بينما يلين له أحياناً ويطيعه ، حتى يقول إنه هو الخليفة لو شاء ! ولا يتسع المجال لبحث أوجه العلاقة بينهما .
على أي حال ، واصل أبو بكر الليونة مع علي ( عليه السلام ) حتى وصل الأمر إلى تكرار اعتذاره منه لأنه أخذ الخلافة ، ووعده بأنه سيستخلفه .
وقد تقدم قول علي ( عليه السلام ) : « فإن القائم بعد النبي ( صلى الله عليه وآله ) كان يلقاني معتذراً في كل أيامه ، ويلوم غيره ما ارتكبه من أخذ حقي » !
وقال ( عليه السلام ) في خطبته الشقشقية : « فيا عجباً ، بينا هو يستقيلها في حياته ، إذ عقدها لآخر بعد وفاته ، لشدَّ ما تشطَّرا ضرعيها » ! ( نهج البلاغة : 1 / 36 ) .
والمعنى : أنهما من زمن طويل كانا يعملان ويتقاسمان حليب الناقة !
لكن أبا بكر شعر بالحاجة إلى علي ( عليه السلام ) لما ضاقت عليه الأمور وتحرك طليحة نحو المدينة بألوف المقاتلين ، وعسكروا في ذي القَصَّة على مرحلة من المدينة ، وجاء وفدهم يطلب منه إسقاط الزكاة عنهم وإلا هاجموا المدينة ! فخاف هو وعمر ، وقال له عمر : إقبل من طليحة ما يريد فلا طاقة لك بحربه ! لكن أبا بكر كان يشعر أن تنازله للقبائل يزيد في طمعهم ، ويحرك عليه اعتراض المسلمين ، فيعتبرون أنه انحرف عن سنة النبي ( صلى الله عليه وآله ) .
لذلك كان يتمنى أن يوجد حوله فرسان قادة ، خاصة علي ( عليه السلام ) !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 35 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وجاءت المفاجأة لأبي بكر من علي ( عليه السلام ) نفسه ! فقد أحس الإمام ( عليه السلام ) بالخطر على الإسلام ، وهو أم الصبي وليس أماً مستأجراً ، لذلك نهض في تلك الأحداث وأدارها وخاضها ، حتى اطمأن الإسلام وتنهنه .
قال ( عليه السلام ) كما في نهج البلاغة : 3 / 118 ، والغارات للثقفي : 1 / 307 ، والإمامة والسياسة : 1 / 133 : « من كتاب له ( عليه السلام ) إلى أهل مصر مع مالك الأشتر لما ولاه إمارتها : أما بعد فإن الله سبحانه بعث محمداً ( صلى الله عليه وآله ) نذيراً للعالمين ومهيمناً على المرسلين ، فلما مضى ( صلى الله عليه وآله ) تنازع المسلمون الأمر من بعده ، فوالله ما كان يلقى في روعي ولا يخطر ببالي أن العرب تزعج هذا الأمر من بعده ( صلى الله عليه وآله ) عن أهل بيته ، ولا أنهم منحوه عني من بعده ، فما راعني إلا انثيال الناس على فلان ( أبي بكر ) يبايعونه ، فأمسكت يدي حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام ، يدعون إلى محق دين محمد ( صلى الله عليه وآله ) ، فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله ، أن أرى فيه ثلماً أو هدماً ، تكون المصيبة به عليَّ أعظم من فوت ولايتكم ، التي إنما هي متاع أيام قلائل ، يزول منها ما كان كما يزول السراب ، أو كما يتقشع السحاب . فنهضت في تلك الأحداث ، حتى زاح الباطل وزهق ، واطمأن الدين وتنهنه » . وتعبير : ما كان يلقى في روعي ، مجازي للأمر المفاجئ غير المنطقي . ومعنى تنهنه : سكن واطمأن .
وفي كشف المحجة / 176 : « حتى رأيت راجعة من الناس قد رجعت من الإسلام ، تدعو إلى محق دين محمد ( صلى الله عليه وآله ) ، وملة إبراهيم ( عليه السلام ) » .
ومقصوده ( عليه السلام ) : حركة طليحة في حائل ، وحركة مسيلمة في اليمامة ، وحركة الأسود العنسي في اليمن .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 36 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ومعنى دعوتهم إلى مَحْقِ دين محمد ( صلى الله عليه وآله ) وملة إبراهيم ( عليه السلام ) ، أنهم يريدون إزالة الإسلام ، وحتى الحج إلى الكعبة الذي بقي عند العرب من ملة إبراهيم ( عليه السلام ) !
لأن دعوة المرتدين كانت إلى نبوة مقابل نبوة قريش كما زعموا . وكانوا يعبؤون أتباعهم بعداء قريش التي هي سادنة البيت ، والتي بُعث منها النبي ( صلى الله عليه وآله ) .
وكانت بعض القبائل ومنها طيئ لا تحج إلى الكعبة ، ولعلهم كانوا مرتبطين بهرقل عن طريق الغساسنة ، وأما العنسي فعن طريق الحبشة .
ورواه بعضهم كابن قتيبة في الإمامة : 1 / 134 ، والثقفي في الغارات : 1 / 306 ، بلفظ : « فأمسكت يدي ورأيت أني أحق بمقام محمد ( صلى الله عليه وآله ) في الناس ، ممن تولى الأمور عليَّ . فلبثت بذلك ما شاء الله ، حتى رأيت راجعةً من الناس رجعت عن الإسلام . . فمشيت عند ذلك إلى أبي بكر فبايعته ، ونهضت معه في تلك الأحداث ، حتى زهق الباطل ، وكانت كلمة الله هي العليا وإن رغم الكافرون . فتولى أبو بكر تلك الأمور ، فيسر وسدد ، وقارب واقتصد ، فصحبته مناصحاً ، وأطعته فيما أطاع الله فيه جاهداً » .
وكلمة ( فبايعته ) لا تصح على أصولنا ، لأنه ( عليه السلام ) كان بايعه مكرهاً ، ولا يجوز له أن يبايعه مختاراً ، وستعرف موقفه ( عليه السلام ) من نظام الحكم بعد النبي ( صلى الله عليه وآله ) .
فالصحيح : تألفته بدل بايعته ، كما رواه في المسترشد / 97 ، و / 411 ، ودلائل الإمامة : 1 / 83 ، في منشور أمير المؤمنين ( عليه السلام ) الذي كتبه ليُقرأ على المسلمين في بلادهم وهو من صفحات ، قال ( عليه السلام ) : « ورأيت الناس قد امتنعوا بقعودي عن الخروج إليهم ، فمشيت عند ذلك إلى أبي بكر فتألفته ، ولولا أني فعلت
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 37 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ذلك لباد الإسلام ! ثم نهضت في تلك الأحداث حتى انزاح الباطل ، وكانت كلمة الله هي العليا ، ولو كره المشركون » .
وكلمته الأخيرة ( عليه السلام ) لها دلالة بليغة ، ومعناها أنه لو لم ينهض ( عليه السلام ) ويقاوم جيش طليحة المهاجم لسيطر على المدينة ، وقتل أبا بكر وأصحاب النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وأنهى وجود الإسلام من أساسه !
وروى البلاذري في أنساب الأشراف : 1 / 588 : « عن عبد الله بن جعفر ، عن أبي عون قال : لما ارتدت العرب مشى عثمان إلى عليّ فقال : يا ابن عم ، إنه لا يخرج أحد إلى هذا العدو وأنت لم تبايع ، فلم يزل به حتى مشى إلى أبى بكر . فقام أبو بكر إليه فاعتنقا وبكى كل واحد إلى صاحبه . فبايعه فسُرَّ المسلمون ، وجدّ الناس في القتال ، وقطعت البعوث » .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 38 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

( 6 ) أبو بكر يستشير عمر وعلياً ( عليه السلام ) في مواجهة طليحة ؟

برزت مشكلة عسكرية في الأسبوع الأول من خلافة أبي بكر ، فقد اختلف الصحابة : هل يرسل أبو بكر جيش أسامة ، كما أكد النبي ( صلى الله عليه وآله ) في مرضه ، أم يلغيه ؟
روى الطبري في تاريخه ( 2 / 462 ) وغيره ، عن الحسن البصري قال : « ضرب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قبل وفاته بعثاً على أهل المدينة ومن حولهم ، وفيهم عمر بن الخطاب ، وأمَّر عليهم أسامة بن زيد ، فلم يجاوز آخرهم الخندق حتى قبض رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فوقف أسامة بالناس ثم قال لعمر : إرجع إلى خليفة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فاستأذنه أن يأذن لي أن أرجع بالناس ، فإن معي وجوه الناس وحدَّهم ، ولا آمن على خليفة رسول الله وثِقْلِ رسول الله وأثقال المسلمين أن يتخطفهم المشركون . وقالت الأنصار فإن أبى إلا أن نمضي فأبلغه عنا واطلب إليه أن يولي أمرنا رجلاً أقدم سناً من أسامة .
فخرج عمر بأمر أسامة ، وأتى أبا بكر فأخبره بما قال أسامة . فقال أبو بكر : لو خطفتني الكلاب والذئاب لم أردَّ قضاءً قضى به رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) . قال : فإن الأنصار أمروني أن أبلغك ، وإنهم يطلبون إليك أن تولى أمرهم رجلاً أقدم سناً من أسامة .
فوثب أبو بكر وكان جالساً ، فأخذ بلحية عمر ، فقال له : ثكلتك أمُّكَ وعُدِمَتْكَ يا ابن الخطاب ! استعمله رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وتأمرني أن أنزعه » !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 39 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ومعناه أن عمر تخوف من هجوم المشركين على المدينة وليس فيها قوة كافية . لكن أبا بكر اختار تنفيذ أمر النبي ( صلى الله عليه وآله ) حتى لا يقال خالف سنته ، وسيَّر الجيش وكان ثلاثة آلاف مقاتل ، فيهم ألف فرس . ( الفصول المهمة للسيد شرف الدين / 103 ) .
كما خالف أبو بكر عمر ولم يأخذ برأيه في حرب المرتدين ، فعندما اقترب جيش طليحة الأسدي من المدينة ، تخوف عمر من هزيمة المسلمين إذا هاجمهم طليحة ، فأشار على أبي بكر أن يقبل بمطلبهم الأول وهو إسقاط الزكاة عنهم ، فقال له : « تألَّف الناس وارفق بهم ، فإنهم بمنزلة الوحش . فقال له : رجوت نصرك وجئتني بخذلانك ؟ جَبَّارٌ في الجاهلية خَوَّارٌ في الإسلام ! ماذا عسيت أن أتألفهم ، بشعر مفتعل ، أو بسحر مفترى ، هيهات هيهات ، مضى النبي ( صلى الله عليه وآله ) وانقطع الوحي . والله لأجاهدنهم ما استمسك السيف في يدي ، وإن منعوني عقالاً » . ( كنز العمال : 6 / 527 ) .
ولم ينف عمر ما اتهمه به أبو بكر من الخوف والخوَر ! لكن البخاري رواها مخففةً فقال في صحيحه : 8 / 140 : « لما توفي رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) واستُخلف أبو بكر بعده ، وكفر من كفر من العرب ، قال عمر لأبي بكر : كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ، فمن قال لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقها وحسابه على الله ؟ فقال : والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة ، فإن الزكاة حق المال . والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله ، لقاتلتهم على منعه » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 40 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأخذ أبو بكر برأي علي ( عليه السلام ) فكان جوابه الذي رواه البخاري للوفد بعد أن شاور الصحابة وقرر أن يأخذ برأي علي ( عليه السلام ) : « وتشاوروا في أهل الردة فاستقر رأي أبي بكر على القتال » . ( تفسير القرطبي : 16 / 37 ) .
وروى مسدد في مسنده كما في كنز العمال ( 6 / 531 ) : « استشار علياً في أهل الردة فقال : إن الله جمع الصلاة والزكاة ، ولا أرى أن تفرق ، فعند ذلك قال أبو بكر : لو منعوني عقالاً لقاتلتهم عليه » .
وفي الرياض النضرة للطبري : 1 / 129 : « شاوره أبو بكر في قتال أهل الردة بعد أن شاور الصحابة فاختلفوا عليه ، فقال : ما تقول يا أبا الحسن ؟ فقال : إن تركت شيئاً مما أخذ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) منهم ، فأنت على خلاف سنة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ! فقال : أما لئن قلت ذلك ، لأقاتلنهم ولو منعوني عقالاً . أخرجه ابن السمان » . وذخائر العقبى لأحمد الطبري / 97 ، وجواهر المطالب للدمشقي : 1 / 261
ومما يلفتنا في دفع هجوم القبائل عن المدينة ، ومطاردة المهاجمين إلى خارجها ، أن الذين استنفروا هم : عليٌّ ( عليه السلام ) ، وأبو بكر ، والزبير ، وعبد الله بن مسعود ، وطلحة ، والنعمان بن مقرن وإخوته . ولا تجد ذكراً لعمر ، ولا خالد ، ولا سعد والمغيرة بن شعبة ، وعمرو العاص ، وآخرين من المتحمسين للسقيفة !
وهو يدل على أن علياً ( عليه السلام ) وجماعته ، هم الذين تصدوا لرد المهاجمين .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 41 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الثاني : طليحة أخطر المتنبئين وأحسنهم عاقبة !

( 1 ) شخصية طليحة الأسدي

طليحة بن خويلد ، بن نوفل ، بن نضلة ، الفقعسي الأسدي ، من بني دودان بن أسد بن خزيمة . كان مع المشركين في حرب الأحزاب .
« وكان يعدل فيما يقولون بألف فارس ، وهو الذي ادعى النبوة ، فاتبعه بنو أسد ، وأتاه عيينة بن حصن في سبع مائة من فزارة فصار معه . . يكنى أبا حِبَال وكان ببُزَّاخَة ، وبُزَّاخَة ماء لبني أسد » . ( أنساب الأشراف : 11 / 157 ) .
واشتهر مع طليحة أخوه سلمة ، وسُمِّيَا الطُّلَيْحَتَان ، وابن أخيه حِبَال بن سلمة ، بكسر الحاء ، وهو الذي أرسله طليحة إلى النبي ( صلى الله عليه وآله ) فدعا عليه أن يقتل ، فقاد في الردة الهجوم على المدينة ، وقتل ولم يقولوا من قتله !
ونصت المصادر على أن حِبالاً هو ابن أخ طليحة ، وليس أخاه كما ذكر البعض ، ولا ابنه كما تصور ابن كثير .
وقد ذكره طليحة في شعره ، وأنه ثأر له بقتل ثابت وعكاشة ، ويدل شعره على أن اسمه حِبَال بكسر الحاء . قال طليحة :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 42 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
« نصبت لهم صدر الحمالة إنها * معاودة قبل الكماة نزالي
فيوماً تراها في الجلال مصونةً * ويوما تراها غير ذات جلال
ويوماً تُضئ المشرفية نحرها * ويوماً تراها في ظلال عوال
فما ظنكم بالقوم إذ تقتلونهم * أليسوا وإن لم يسلموا برجال
عشية غادرت ابن أقرم ثاوياً * وعكَّاشة الغنْمي عنه بحال
فإن تك أذوادٌ أخذنَ ونسوةٌ * فلَمْ تَذْهَبُوا فِرْغاً بقَتْلِ حِبَالِ »
( تاريخ دمشق : 25 / 166 ) . وفرغاً : أي سالمين بدون قصاص لقتله . ( الزبيدي : 12 / 51 ) .

( 2 ) بنو أسد بن خزيمة

عندما يطلق بنو أسد فالمتبادر أسد خزيمة ، مقابل أسد عبد العزى ، الذين هم قبيلة قرشية صغيرة ينتمي إليها الزبير بن العوام وبنوه .
بينما أسد خزيمة قبيلة كبيرة تسكن في هضبة نجد ، وتمتد مساكنها إلى داخل العراق . وقد سكن بطن منها وهم بنو غاضرة قرب كربلاء ، وسميت الغاضرية والغاضريات باسمهم .
وكان ثقلهم من الأساس في حائل التي تقع في أول نجد ، وتبعد عن المدينة باتجاه العراق 450 كيلو متراً . وعاصمتهم بُزَّاخَة بضم الباء التي وقعت فيها المعركة ، وهي تبعد عن حائل نحو 40 كيلو متراً ، وسُمَيْراء وتبعد عن حائل 160 كم . وفي أيام الفتوح الإسلامية سكن معظم بني أسد في العراق .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 43 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أما الأبرق والأبيرق الذي تجمع فيه جيش طليحة ، فيبعد عن المدينة من جهة جدة نحو 150 كم . وأما ذو القَصَّة الذي اتخذوه معسكراً لغزو المدينة ، فهو على بريد أي نحو 20 كيلو متر من المدينة نحو نجد . ( تاريخ الطبري : 2 / 479 )
وقال ابن الأثير : 2 / 349 : « ذو القَصَّة بفتح القاف والصاد المهملة ، وذو حُسى بضم الحاء المهملة والسين المهملة المفتوحة . ودَبا بفتح الدال المهملة وبالباء الموحدة . وبُزَّاخَة بضم الباء الموحدة وبالزاي والخاء المعجمة » .
« والحَسَى وذُو حُسَى ، مَقْصورانِ : مَوْضِعانِ » . ( الزبيدي : 19 / 320 ) .

( 3 ) استجاب لطليحة أكثر بني أسد

استجاب لطليحة قسم من بني أسد . ويفهم من قول اليعقوبي في تاريخه ( 2 / 129 ) أن أنصاره من غطفان كانوا أكثر من بني أسد ، قال : « وكان ممن تنبأ طليحة بن خويلد الأسدي بنواحيه ، وكان أنصاره غطفان ، ورئيسهم عيينة بن حصن الفزاري » .
وذكر في الإصابة ( 2 / 252 ) أن زفر بن يزيد بن حذيفة الأسدي ، من رؤساء بني أسد ، قاوم طليحة الذي ادعى النبوة ، وخطب في قومه ، وقال :
أسفي على أسد أضل سبيلهم * بعد النبي طليحةُ الكذاب .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 44 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

( 4 ) كان طليحة من شبابه طامحاً للنبوة !

كان طليحة متحركاً من زمن النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، فبعد معركة أحُد جمع هو وأخوه سلمة أنصاراً ليغزوا المدينة ، كما روى الواقدي وابن عساكر ( 25 / 150 ) : « قالوا نسير إلى محمد في عقر داره ، ونصيب من أطرافه ، فإن لهم سرحاً يرعى بجوانب المدينة ، ونخرج على متون الخيل فقد أربعنا خيلنا ، ونخرج على النجائب المجنونة ، فإن أصبنا نهباً لم نُدْرَك ، وإن لاقينا جمعهم كنا قد أخذنا للحرب عدتها ، معنا خيل ولا خيل معهم ، ومعنا نجائب أمثال الخيل . والقوم مُنْكَبُون قد وقعت بهم قريش حديثاً ، فهم لا يستَبِلُّون دهراً .
فقام رجل منهم يقال له قيس بن الحارث بن عمير فقال : يا قوم والله ما هذا برأي ، ما لنا قبلهم وتر ، وما هم نُهبةٌ لمنتهب . إن دارنا لبعيدة من يثرب ، وما لنا جمع كجمع قريش ، مكثت قريش دهراً تسير في العرب تستنصرها ولهم وترٌ يطلبونه ، ثم ساروا حتى قد امتطوا الإبل وقادوا الخيل ، وحملوا السلاح ، مع العدد الكبير ثلاثة آلاف مقاتل سوى آبائهم . وإنما جهدكم أن تخرجوا في ثلاث مائة رجل إن كملوا ، فتغررون بأنفسكم وتخرجون من بلدكم ، ولا آمن أن تكون الدائرة عليكم !
فكاد ذلك أن يشككهم في المسير . . فلما كان هلال المحرم على رأس خمسة وثلاثين شهراً من الهجرة ، دعاه ( أبا سلمة ) رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فقال : أخرج في
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 45 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
هذه السرية فقد استعملتك عليها ، وعقد له لواء وقال له : سِرْ حتى ترد أرض بني أسد ، فأغر عليهم قبل أن تلاقى عليك جموعهم ، وأوصاه بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيراً . . .
فخرج في أصحابه وخرج معهم الطائي دليلاً فأغذوا للسير ، ونكب بهم عن سنن الطريق ، وعارض الطريق وسار بهم دليلاً ليلاً ونهاراً ، فسبقا الأخبار ، وانتهوا إلى أدنى قطن ماء من مياه بني أسد ، هو الذي كان عليه جمعهم فيجدون سرحاً ، فأغاروا على سرحهم فضموه ، وأخذا رعاء لهم مماليك ثلاثة ، وأفلت سائرهم ، فجاءوا جمعهم فخبروهم الخبر وحذروهم جمع أبي سلمة ، وكبروه عندهم .
فتفرق الجمع في كل وجه ، وورد أبو سلمة الماء فيجد الجمع قد تفرق ، فعسكر وفرق أصحابه في طلب النعم والشاء ، فجعلهم ثلاث فرق : فرقة أقامت معه وفرقتان أغارتا في ناحيتين شتى ، وأوعز إليهما أن لا يمعنوا في الطلب ، وأن لا يبيتوا إلا عنده إن سلموا ، وأمرهم أن لا يفترقوا ، واستعمل على كل فرقة عاملاً منهم ، فأتوا إليه جميعاً سالمين ، قد أصابوا إبلاً وشاءً ولم يلقوا أحداً . فانحدر أبو سلمة بذلك كله إلى المدينة راجعاً » .
وفي أنساب الأشراف : 1 / 374 : ( سرية أبى سلمة بن عبد الأسد ، إلى بني أسد في المحرم سنة أربع . وكانوا جمعوا جمعاً عظيماً ، وعليهم طليحة بن خويلد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 46 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأخوه سلمة بن خويلد ، يريدون غزو المدينة . فبلغ ( أبو سلمة ) قطناً وهو جبل فلم يلق كيداً ، وذلك أن الأعراب تفرقوا ، وأصاب نعماً استاقها » .

( 5 ) أغار طليحة على المدينة من زمن النبي ( صلى الله عليه وآله )

لم يعتبر طليحة بحملة أبي سلمة ، بل ادعى النبوة وأرسل إلى النبي ( صلى الله عليه وآله ) يطلب منه عقد صلح معه ، ليكون ذلك اعترافاً به من النبي ( صلى الله عليه وآله ) !
قال الطبري : 2 / 431 : « وقع بنا الخبر بوجع النبي ( صلى الله عليه وآله ) ثم بلغنا أن مسيلمة قد غلب على اليمامة ، وأن الأسود قد غلب على اليمن ، فلم يلبث إلا قليلاً حتى ادعى طليحة النبوة وعسكر بسميراء ، واتبعه العَوَام واستكثف أمره .
وبعث حِبَال ابن أخيه إلى النبي ( صلى الله عليه وآله ) يدعوه إلى الموادعة ويخبره خبره ، وقال حِبَال إن الذي يأتيه ذو النون ، فقال : لقد سمى ملكاً ، فقال حِبَال : أنا ابن خويلد ! فقال النبي ( صلى الله عليه وآله ) قتلك الله وحرمك الشهادة » . وتاريخ دمشق : 25 / 154 .

( 6 ) ثم جاء طليحة مسلماً إلى النبي ( صلى الله عليه وآله )

عندما انتصر النبي ( صلى الله عليه وآله ) على قريش واليهود ، أخذت وفود العرب تأتيه فجاءه وفد بني أسد ، وفيهم طليحة !
ففي تاريخ دمشق : 25 / 149 : « قدم عشرة رهط من بني أسد بن خزيمة ، على رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في أول سنة تسع ، فيهم حضرمي من بني عامر ، وضرار بن الأزور ، ووابصة بن معبد ، وقتادة بن القائف ، وسلمة بن حبش ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 47 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وطليحة بن خويلد ، ونقادة بن عبد الله بن خلف ، فقال حضرمي بن عامر : أتيناك نتدرع الليل البهيم في سنة شهباء ، لم تبعث إلينا بعثاً .
فنزل فيهم قوله تعالى : قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ . . يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَىَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ » .

( 7 ) كان طليحة خطيباً شاعراً

قال الجاحظ في البيان والتبيين / 190 : « ومن خطبائهم الأسود الكذاب بن كعب العنسي . وكان طليحة خطيباً وشاعراً وسجاعاً كاهناً ناسباً . وكان مسيلمة الكذاب بعيداً من ذلك كله » .
أقول : تدل النصوص على أن طليحة كان ذكياً لماحاً ، لكن هوى التعصب القبلي المسيطر في الجزيرة غلبه فادعى النبوة ، ثم أدرك بسرعة أنه يسير في خيال ، وأن نبوة نبينا ( صلى الله عليه وآله ) صادقة وليست كذباً كنبوئته ، فقرر الانسحاب والفرار من المعركة ، ثم ندم وتاب وأخذ يعمل ليقبله الخليفة والمسلمون .
وكان شعر طليحة أحسن من سجعه : « وكان مما سجع لهم طليحة . . . والحمام واليمام ، والصُّرَد والصَّوام ، قد ضمن قبلكم أعوام ، ليبلغن ملكنا العراق والشام . والقرد والنيرب ، ليقتلن النيدب ، إذا صرَّ أخوكم الجندب . والله لا نُسحب ، ولا نزال نضرب ، حتى ينتج أهل يثرب . .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 48 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لما أرز أهل الغمر إلى البزاحة ، قام فيهم طليحة قال : أمرت أن تصنعوا رحى ذات عرى ، يرمي الله بها من رمى ، يهوى عليه من هوى .
ثم عبأ جنوده وقال : إبعثوا فارسين ، على فرسين أدهمين ، من بني نصر بن قعين ، يأتيانكم بعين » . ( تاريخ دمشق : 25 / 165 ) . والصرد طائر ، والقرد هنا السحابة ، والنيرب الداهية ، والنيدب الرجل القوي .
وفي أنساب الأشراف : 11 / 160 ، و 157 : « وكان من سجع طليحة : إن الله لا يصنع بتعفير وجوهكم وقبح أدباركم شيئاً ، فاذكروه أعفَّةً قياماً ، فإن الرَّغْوَة فوق الصريح . وكان منه قوله : الملك الجبار نصفه ثلج ونصفه نار . ومنه : والسائرات خبباً ، والراكبين عصباً ، على قلائص صهب وحمر ، لأجمعنّ شملاً ولأبددنَّ شملاً . .
وأتاه عيينة بن حصن فقال : إنا كنا مع محمد فكان جبريل يأتيه بخبر السماء ، فهل أتاك جبريل ؟ فقال : نعم قد أتاني فقال لي : إن لك رحىً كرحاه ، ويوماً لا تنساه . فقال عيينة : أرى والله أن لك يوماً لا تنساه ، فانهزم عيينة فأسر ، وانهزم أصحاب طليحة ، وتفرقوا عنه » .

( 8 ) استغل طليحة فشل اغتياله لتحشيد أنصاره

« كان قد تنبأ في حياة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فوجه إليه النبي ضرار بن الأزور عاملاً على بني أسد ، وأمرهم بالقيام على من ارتد ، فضعف أمر طليحة حتى لم يبق إلا أخذه ، فضربه بسيف فلم يصنع فيه شيئاً ، فظهر بين الناس ( شاع ) أن السلاح لا يعمل فيه ، فكثر جمعه ! ومات النبي ( صلى الله عليه وآله ) وهم على ذلك
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 49 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فكان طليحة يقول : إن جبرئيل يأتيني ، وسجَع للناس الأكاذيب ، وكان يأمرهم بترك السجود في الصلاة ويقول : إن الله لا يصنع بتعفر وجوهكم ، وتقبيح أدباركم شيئاً . أذكروا الله أعفة قياماً . إلى غير ذلك ، وتبعه كثير من العرب عصبيةً ، فلهذا كان أكثر أتباعه من أسد وغطفان وطئ ، فسارت فزارة وغطفان إلى جنوب طيبة ، وأقامت طئ على حدود أراضيهم ، وأسد بسميراء ، واجتمعت عبس وثعلبة بن سعد ومرة ، بالأبرق من الربذة ، واجتمع إليهم ناس من بني كنانة » . ( وتاريخ دمشق 25 / 156 ) .
« فأرسل النبي ( صلى الله عليه وآله ) ضرار بن الأزور ، فقدم على سنان بن أبي سنان ، وعلى قضاعي ، ثم أتى بني ورقاء من بني الصيداء . . بكتاب النبي ( صلى الله عليه وآله ) وأمره إلى عوف بن فلان فأجابه وقبل أمره ، وكان بنو ورقاء يسامون بني فقعس ، فشغب على طليحة وراسلوا كل مسلم ثبت على إسلامه ، وكان الإسلام يومئذ في بني مالك فاشياً ثابتاً ، وكان السعدان والحنزب قد تنازعوا في أمر طليحة ، وعسكر المسلمون بواردات ، واجتمعوا إلى سنان وقضاعي وضرار وعوف .
وعسكر الكافرون بسميراء ليجتمعوا إلى طليحة ، وأطرق طليحة ونظر في أمره . واجتمع ملأ عوف وسنان وقضاعي على أن دسوا لطليحة مخنف بن السليل الهالكي ، وكان بهمة ( شجاعاً ) وكان قد أسلم فحسن إسلامه . وقالوا شأنك وطليحة ففعل ، فلما وقع إليهم أرسل إليه فأعطاه سيفه فشحذه له ، ثم قام به إليه وعنده رجال من قومه ، فنام عليه فطبق به عليه هامته فما خَصَهُ وخرَّ طليحة مغشياً عليه .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 50 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأخذوه فقتلوه . فلما أفاق طليحة قال : هذا عمل ضرار وعوف ، فأما سنان وقضاعي فإنهما تابعان لهما في هذا . وقال طليحة في ذلك :
وأقسمت لا يلوي بي الموت حيلةٌ * وباقي عُمْرٍ دونه وسرارُ
وأنفكُّ عن عوف الخنا وأرُوعُهُ * ويشرب منها بالمرار ضرارُ
فأجابه ضرار :
أقسمت لا تنفكُّ حردانَ خائفاً * وإن برحت بالمسلمين دِثار
وأنفكُّ حتى أقرعَ التُّرك طالعاً * وتُقطع قربى بيننا وجوار
وشاعت تلك الضربة في أسد وغطفان ، وقالوا : لا يحيك في طليحة ( لا يؤثر فيه السلاح ) ونمي الخبر إلى المدينة ، ومدت غطفان وأسد أعناقهم ، وصار فتنة لهم . . فلما اجتمعت غطفان على المطابقة لطليحة ، هرب ضرار وقضاعي وسنان ومن كان قام بشئ من أمر النبي ( صلى الله عليه وآله ) في بني أسد ، إلى أبي بكر ، وارفضَّ من كان معهم » . ( تاريخ دمشق : 25 / 154 ، و 156 ) .
أقول : معنى ذلك أن عمال النبي ( صلى الله عليه وآله ) في مناطق بني أسد وغطفان ، كان لهم أنصار ، وكان جماعة طليحة قلة ، لكنه اخترع من فشل محاولة اغتياله أكذوبة أن السلاح لا يعمل فيه ، فكثر أنصاره وهاجوا ، فاضطر عمال النبي ( صلى الله عليه وآله ) أن يهربوا ، واضطهد طليحة أنصارهم الثابتين على الإسلام ، وقتَّل منهم عدداً .
وتتعجب من أن بعض زعماء القبائل سارعوا إلى تأييد نبوة طليحة ، ولم يطلبوا منه معجزةً دليلاً عليها ، وأرسل له بعضهم إيمانه به ولم يره ، وحتى كلامه الذي زعم وحيٌّ كان ركيكاً ! مما يدل على أن النبوة عندهم حركة سياسية ، يأملون بها الربح الدنيوي كما ربحت قريش بتصورهم !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 51 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ففي معجم البلدان للحموي : 1 / 241 : « لما ظهر طليحة المتنبي ونزل بسميراء ، أرسل إليه مهلهل بن زيد الخيل الطائي : إن معي حداً لغوث ، فإن دهمهم أمر فنحن بالأكناف بجبال فيد ، وهي أكناف سلمى ، قال أبو عبيدة : الأكناف : جبلا طئ ، سلمى أجأ والفرادخ » .
وقام عيينة بن حصن رئيس فزارة خطيباً بعد وفاة النبي ( صلى الله عليه وآله ) فقال كما تاريخ دمشق : 25 / 156 : « إني لمجدد الحلف الذي كان بيننا في القديم ومتابع طليحة ووالله لأن نتبع نبياً من الحليفين أحب إلينا من أن نتبع نبياً من قريش ! وقد مات محمد ، وبقي طليحة . فطابقوه على ذلك ، ففعل وفعلوا » .
وقال الطبري : 2 / 475 : « مات رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) واجتمعت أسد وغطفان وطيئ على طليحة ، إلا ما كان من خواص أقوام في القبائل الثلاث . فاجتمعت أسد بسميراء ( قرب حائل ) وفزارة ومن يليهم من غطفان بجنوب طِيبة ، وطئ على حدود أرضهم ، واجتمعت ثعلبة بن سعد ومن يليهم من مرة وعبس بالأبرق من الربذة . وتأشب إليهم ناس من بنى كنانة ، فلم تحملهم البلاد فافترقوا فرقتين ، فأقامت فرقة منهم بالأبرق ، وسارت الأخرى إلى ذي القَصَّة ، وأمدهم طليحة بحِبَال ( ابن أخيه ) فكان حِبَال على أهل ذي القَصَّة ، من بنى أسد ومن تأشب من ليث والديل ومدلج ، وكان على مرة بالأبرق عوف بن فلان بن سنان ، وعلى ثعلبة وعبس الحارث بن فلان ، أحد بنى سبيع . وقد بعثوا وفوداً فقدموا المدينة فنزلوا على وجوه الناس » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 52 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

( 9 ) هجوم طليحة على المدينة !

في تاريخ الطبري ( 2 / 475 ) : « مات رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) واجتمعت أسد وغطفان وطيئ على طليحة . . . إلى أن قالت الرواية : وقد بعثوا وفوداً ، فقدموا المدينة فنزلوا على وجوه الناس فأنزلوهم ما خلا عباساً ، فتحملوا بهم على أبى بكر على أن يقيموا الصلاة ، وعلى أن لا يؤتوا الزكاة ، فعزم الله لأبي بكر على الحق وقال : لو منعوني عقالاً لجاهدتهم عليه . وكان عقل الصدقة ( رباطها وقد يشمل نفقة حفظها ) على أهل الصدقة مع الصدقة ، فردهم .
فرجع وفد المرتدة إليهم ، فأخبروا عشائرهم بقلة أهل المدينة وأطمعوهم فيها . وجعل أبو بكر بعدما خرج الوفد على أنقاب المدينة نفراً : علياً والزبير وطلحة وعبد الله بن مسعود ، وأخذ ( ألزم ) أهل المدينة بحضور المسجد .
فما لبثوا إلا ثلاثاً حتى طرقوا المدينة غارة مع الليل ، وخلفوا بعضهم بذى حسي ليكونوا لهم ردءً ، فوافوا الغُوار ( المغيرون ) ليلاً الأنقاب وعليها المقاتلة ودونهم أقوام يدرجون ، فنهنهوهم ( أوقفوا تقدمهم ) وأرسلوا إلى أبي بكر بالخبر ، فأرسل إليهم أبو بكر أن الزموا أماكنكم ففعلوا .
وخرج في أهل المسجد على النواضح إليهم ، فأنفش العدو ( انهزموا في فوضى ) فأتبعهم المسلمون على إبلهم ، حتى بلغوا ذا حسي ، فخرج عليهم الردء بأنحاء ( فاجأتهم الحماية الخلفية بقِرب ) قد نفخوها وجعلوا فيها الحبال ، ثم دهدهوها بأرجلهم في وجوه الإبل ، فتدهده كل نِحْيٍ في طوله ، فنفرت إبل المسلمين وهم عليها ، ولا تنفر من شئ نفارها من الأنحاء ، فعاجت
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 53 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بهم ما يملكونها حتى دخلت بهم المدينة ، فلم يصرع مسلم ولم يصب . فظن القوم بالمسلمين الوهن ، وبعثوا إلى أهل ذي القَصَّة بالخبر ، فقدموا عليهم اعتماداً في الذين أخبروهم ، وهم لا يشعرون لأمر الله عز وجل الذي أراده وأحب أن يبلغه فيهم .
فبات أبو بكر ليلته يتهيأ فعبأ الناس ، ثم خرج على تعبية من أعجاز ليلته يمشى ، وعلى ميمنته النعمان بن مقرن ، وعلى ميسرته عبد الله بن مقرن ، وعلى الساقة سويد بن مقرن معه الركاب ، فما طلع الفجر إلا وهم والعدو في صعيد واحد ، فما سمعوا للمسلمين همساً ولا حساً ، حتى وضعوا فيهم السيوف ، فاقتتلوا في أعجاز ليلتهم ، فما ذرَّ قرن الشمس حتى ولوهم الأدبار ، وغلبوهم على عامة ظهرهم ، وقتل حِبَال .
وأتبعهم أبو بكر حتى نزل بذى القَصَّة ، وكان أول الفتح ، ووضع بها النعمان بن مقرن في عدد ، ورجع إلى المدينة .
فذل بها المشركون ، فوثب بنو ذبيان وعبس على من فيهم من المسلمين فقتلوهم كل قتلة ، وفعل من وراءهم فعلهم .
وقدم أسامة بعد ذلك بأيام لشهرين وأيام ، فاستخلفه أبو بكر على المدينة وقال له ولجنده : أريحوا وأريحوا ظهركم ، ثم خرج في الذين خرج إلى ذي القَصَّة ، والذين كانوا على الأنقاب على ذلك الظهر ، فقال له المسلمون : ننشدك الله يا خليفة رسول الله أن تُعَرِّض نفسك ، فإنك إن تصب لم يكن للناس نظام ومقامك أشد على العدو ، فابعث رجلاً فإن أصيب أمَّرت
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 54 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
آخر . فقال : لا والله لا أفعل وأواسينكم بنفسي . فخرج في تعبيته إلى ذي حسي وذي القَصَّة ، والنعمان وعبد الله وسويد على ما كانوا عليه ، حتى نزل على أهل الربذة بالأبرق ، فاقتتلوا فهزم الله الحارث وعوفاً ، وأخذ الحطيئة أسيراً . . . ولما فُضَّت عبس وذبيان أرَزوا ( هربوا ) إلى طليحة ، وقد نزل طليحة على بُزَّاخَة » .
وفي تاريخ الطبري : 2 / 475 : « وقدمت عليه وفود بنى أسد وغطفان وهوازن وطيئ ، وتلقت وفود قضاعة أسامة بن زيد ، فحوَزها إلى أبي بكر ، فاجتمعوا بالمدينة ، فنزلوا على وجوه المسلمين . . الخ . » .

( 10 ) نسبت قريش رد الهجوم إلى ولاتها !

إن النص المتقدم أعلاه هو النص الوحيد ، الذي وصل إلينا عن هجوم طليحة على المدينة ، وقد نقلته عامة المصادر . ( لاحظ ابن عساكر : 25 / 159 ) .
وهذا يدلك على أنه يوجد واقع يريد رواة السلطة إخفاءه ! فكيف لا يكون في هذا الحدث الكبير إلا نص واحد وفيه إبهامٌ وتهافت ، فهو يقول إن جيش طليحة كان ألوفاً إلى حد أنه لم تحملهم منطقة واحدة ، فعسكر قسم منهم في الأبيرق على بعد نحو 150 كيلو متراً عن المدينة ، بقائدين هما : عوف المري والحارث السبيعي . وعسكر قسم منه في ذي القَصَّة على بعد نحو 20 كيلو متراً عن المدينة ، وقائده حِبَال ابن أخ طليحة .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 55 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد أرسلوا وفدهم بشروطهم إلى المدينة ، فرفضها أبو بكر ، فرجع الوفد وطمَّع قائدهم « حِبال » بغزو المدينة ، لأنها شبه خالية من القوات ، فجيش أسامة لم يَعُد ، وبطلهم علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) مبعدٌ ومعتزل .
فهاجم حبال المدينة بآلاف من جيشه بعد ثلاثة أيام ، فماذا حدث ؟
لا تقول الرواية شيئاً مفهوماً ! لا عن عدد المهاجمين ، ولا من أي مدخل أو نقب للمدينة جاؤوا ؟ ولا كيف كانت الحرب معهم ؟
لقد اقتصرت على أن أبا بكر وليس علياً ( عليه السلام ) رتب على أنقاب المدينة أي مداخلها ، أربعة قادة ، فكم مقاتل كان مع كل واحد منهم ؟
ثم تقول الرواية إن المدافعين « نهنهوهم » أي أوقفوا حركتهم ولم تقل كيف ! وأرسلوا خبراً لأبي بكر ليلاً بأن المهاجمين وصلوا فقال لهم : إبقوا في أمكنتكم ! فبقوا في أمكنتهم ، فهل بقي المهاجمون أم ذهبوا ؟
فخرج أبو بكر ليلاً على النواضح أي على نوق السقي في أهل المسجد أي المصلين معه ، ولاحقوا المهاجمين وهم هاربون أمامهم ، حتى وصلوا إلى ذي حُسَى ، أي على مسافة بضع كيلو مترات من المدينة ، ففاجأهم كمين طليحة ، وكانوا هيؤوا القرب المنفوخة « الأنحاء » فدحرجها الكامنون من مرتفع وحبالها بأيديهم ، فطار عقل نواضح أبي بكر ، وعادت كالمجنونة إلى المدينة لا يستطيع راكبوها إيقافها ، والحمد لله أنه لم يسقط الخليفة ، ولا غيره عن ناقته !
فنام أبو بكر والمسلمون في المدينة ، وبقوا فيها اليوم الثاني إلى الليل !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 56 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولا خبر عن المهاجمين ! فإن كانوا في ذي حسى فلماذا لم يلحقوا المسلمين عندما نفرت نوقهم من عِدة قِرب ؟ ولماذا لم يعادوا هجومهم على المدينة ، بل لماذا هربوا بعد أن وصلوا إلى المدينة في الليلة السابقة ؟ !
« فبات أبو بكر ليلته يتهيأ فعبأ الناس ، ثم خرج على تعبية من أعجاز ليلته يمشى ، وعلى ميمنته النعمان بن مقرن ، وعلى ميسرته عبد الله بن مقرن ، وعلى الساقة سويد بن مقرن معه الركاب ، فما طلع الفجر إلا وهم والعدو في صعيد واحد ، فما سمعوا للمسلمين همساً ولا حسَاً حتى وضعوا فيهم السيوف فاقتتلوا في أعجاز ليلتهم ، فما ذرَّ قرن الشمس حتى ولوهم الأدبار ، وغلبوهم على عامة ظهرهم ، وقتل حِبَال » . انتهى .
فالرواية تقول إن المسلمين تأخروا في المدينة ليلة ويوماً ، فلم يأت جيش العدو ، لا ألوف طليحة ولا أصحاب القرب !
ثم ذهب المسلمون على استعداد ، فمشوا ليلة إلى قبيل الفجر حتى وصلوا إلى ذي حُسَى ، مع أنها نفس المسافة التي قطعوها في الليلة الماضية بساعة أو ساعتين ، ونفرت فيهم النوق ، فرجعوا وباتوا في المدينة !
والرواية تقول إن أصحاب القِرب وهم ردء أي كمين خلفي ، أرسلوا إلى جماعتهم في ذي القَصَّة أن المسلمين ضعفاء فتعالوا ، فأتوهم إلى ذي حُسى ، فأين كانت الألوف التي هاجمت المدينة قبل ليلتين ؟ ولماذا لم يهاجموا المدينة بعد أن هرب من كمينهم الخليفة وجنوده ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 57 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم تقول الرواية إن أبا بكر والمسلمين ذهبوا في الليلة الثانية ففاجؤوهم وقاتلوهم وقتلوا منهم كثيراً وقتلوا قائدهم حِبَال ، فانهزموا .
فكيف يفاجؤونهم وفيهم كمين وهم على تعبئة . « فما ذرَّ قرن الشمس حتى ولوهم الأدبار ، وغلبوهم على عامة ظهرهم ، وقتل حِبَال » .
وتضيف الرواية أن أبا بكر رجع إلى المدينة ، فبلغه أن القبائل ثارت على المسلمين في أبرق الربذة البعيد عن المدينة ، فقتلوهم ، فقصدهم أبو بكر وقاتلهم وقتل كثيراً منهم ، وقتل قائديهم عوفاً المري والحارث السبيعي ، فانهزموا وذهبوا إلى طليحة في سميراء وبُزَّاخَة ، قرب حائل .
ومعنى ذلك أن المسلمين خاضوا ثلاثة معارك : أولها لدفع المهاجمين للمدينة والثانية في ذي حسى قرب المدينة ، والثالثة في أبرق الربذة عن المدينة . وقتلوا قادة جيش طليحة الثلاثة ، وهربت فلولهم إلى حائل .
والسؤال هنا : لماذا لم يصلنا إلا هذه الرواية فقط ؟ ولماذا لم يصفوا هذه المعارك الثلاث ، ولا قالوا من الذي قتل هؤلاء القادة الثلاثة ، خاصة القائد العام حِبَال ؟ !
هذا الإجتزاء والاضطراب ، يشير إلى أن الأحداث جرت بشكل آخر !
كما تناقضت روايتهم في أن هذه المعارك قبل رجوع أسامة ، أو بعده ؟
فرواية الطبري تقول إن معركة الأبرق البعيدة كانت قبل رجوع أسامة ، ومعركة ذي حُسَى بعد رجوعه ، ولم يشترك فيها أسامة وجيشه ، بل قادها أبو بكر بنفسه واستفاد من دواب جيش أسامة .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 58 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
تقول رواية الطبري : 2 / 475 : « وانتظر بمصادمتهم قدوم أسامة وكان أول من صادم عبس وذبيان ، عاجلوه فقاتلهم قبل رجوع أسامة » .
فهذه الرواية تجعل معركة عبس وذبيان قبل مجئ أسامة !
وتقول رواية أخرى : « وقدم أسامة بعد ذلك بأيام لشهرين وأيام ، فاستخلفه أبو بكر على المدينة وقال له ولجنده : أريحوا وأريحوا ظهركم ، ثم خرج في الذين خرج إلى ذي القَصَّة والذين كانوا على الأنقاب على ذلك الظهر » . أي أن ذهابه إلى ذي القصة والذي كان قبل أبرق الربذة ومعركته المزعومة مع عبس وذبيان ، كان بعد مجئ أسامة !
وتقول رواية أخرى : « فأول حرب كانت في الردة بعد وفاة النبي ( صلى الله عليه وآله ) حرب العنسي ، وقد كانت حرب العنسي باليمن ، ثم حرب خارجة بن حصن ، ومنظور بن زبان بن سيار في غطفان ، والمسلمون غارُّون ، فانحاز أبو بكر إلى أجمة فاستتر بها ، ثم هزم الله المشركين » .
وتقول رواية خليفة بن خياط / 64 ، وهي أكثر اتزاناً : « عن الزهري قال : خرج أبو بكر إلى ذي القَصَّة لعشر خلون من جمادى الأولى ، بعد قدوم أسامة بن زيد فنزلها . وهي على بريدين وأميال من المدينة من ناحية طريق العراق ، واستخلف على المدينة سنان الضمري ، وعلى حرس أنقاب المدينة عبد الله بن مسعود » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 59 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فلماذا هذا التناقض والتهافت في حدث عظيم وقع في ظرف حساس ، بعد وفاة النبي ( صلى الله عليه وآله ) بستين يوماً ؟ !
الجواب : ننصحك أن لا تبحث عن أجوبة لأسئلتك ، لأنك لن تجدها ! بل كلما بحثت عن مفردة في التوقيت أو الأحداث أو الأشخاص ، لا تجد إلا مزيداً من التضارب والتهافت ، فتزداد ضياعاً !
والسبب في ذلك أنك أمام نصر مؤزر لا تريد رواية السلطة أن تذكر أبطاله ولا أحداثه التي تكشف عنهم ، وتريد أن تجُيَرِّهُ باسم الخليفة الشجاع أبي بكر ، الذي كان يشارك في حروب النبي ( صلى الله عليه وآله ) في أول الصفوف حتى تبدأ الحرب فتراه في آخر الصفوف ، ولم يضرب ضربة بسيف ولا طعنة رمح ، وولى الدبر في بدر ، وأحد ، والخندق ، وخيبر ، وحنين !
ولا يمكن للراوي أن ينسب النصر إلى الحاكم ، إلا بأن يطمس أبطاله وأحداثه ، فيخلط الأحداث ، وتفقد روايته تسلسلها ومنطقيتها .
والقضية كما ستعرف أن أبا بكر لم يخرج إلى حرب جيش طليحة أبداً ، وأن الذي تصدى له ، وقتل قائده وهزمه شر هزيمة ، هو علي ( عليه السلام ) !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 60 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

( 11 ) نموذج آخر من طمسهم التاريخ بغضاً بعلي ( عليه السلام )

ولهذه الحادثة نظائر كثيرة منها غزوة للنبي ( صلى الله عليه وآله ) نزلت فيها سورة العاديات ، فطمسها رواة السلطة لأن بطلها علي ( عليه السلام ) ، ولأن فلاناً وفلاناً هزما فيها ! وقد بحثنا ذلك في السيرة النبوية عند أهل البيت ( عليهم السلام ) .
ومنها فعالياته ( عليه السلام ) في غزوة الحديبية ، فإنك تقرأ في سورة الفتح عن مواجهة المسلمين لقريش ، قوله تعالى : وَهُو الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا . . . فترى ظفراً عسكرياً للمسلمين ، حتى أفتى الفقهاء بأن مكة مفتوحة عنوة . قال في الخلاف : 5 / 528 ، عن الآية : « وهذا صريح في الفتح » .
لكن رواة السلطة أخفوه ، لأن بطله علي ( عليه السلام ) ! أو نسبوه مجملاً إلى محمد بن مسلمة أو ابن الأكوع ، وحتى إلى خالد الذي كان قائداً في جيش المشركين !
فمن الذي رد خيل عكرمة بن أبي جهل وكانوا خمس مئة فارس ، وهزمهم حتى أدخلهم حيطان مكة ؟ قالت روايتهم ( الكشاف : 3 / 547 ) في تفسير : مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ : « فبعث رسول الله من هزمه وأدخله حيطان مكة ، ثم عاد في الثانية حتى أدخله حيطان مكة ، ثم عاد في الثالثة فهزمه حتى أدخله حيطان مكة فأنزل الله : وهُوَ الَّذي كفَّ أيديهم » .
وقد روى الترمذي وصححه ( 5 / 62 ) أن قريشاً بعثت ليلاً ثمانين رجلاً من شياطينها الفاتكين ، فهبطوا على رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وأصحابه من جبل التنعيم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 61 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عند صلاة الصبح ، وهم يريدون أن يقتلوه ، فأُخذوا أخذاً ( إمساكاً وأسراً ) ، فأعتقهم رسول الله فأنزل الله : وَهُو الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ . . الآية . . ورواه عبد بن حميد / 363 ، والطبري في تفسيره : 26 / 122 ، وتاريخه : 2 / 278 ، وغيره من المفسرين .
ورواه ابن هشام : 3 / 779 ، وقال : « وقد كانوا رموا في عسكر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بالحجارة والنبل ! ثم دعا عمر بن الخطاب ليبعثه إلى مكة فيبلغ عنه أشراف قريش ما جاء له ، فقال : يا رسول الله ، إني أخاف قريشاً على نفسي ، وليس بمكة من بنى عدي بن كعب أحد يمنعني » .
فمن الذي قاد هذه العمليات النظيفة ، وأسرهم جميعاً بدون سفك دم ، رعاية لحرمة الكعبة ومكة ؟ وعليٌّ ( عليه السلام ) كان صاحب لواء رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وقائد الجيش الذي يُعَيَّن الحراسات ، ويسيِّر الدوريات ، ويسهر على سير الأمور ؟ !
ومن الذي أسر مجموعات أخرى طالب بها سهيل بن عمرو ، مفاوض قريش وجعلها من شروط الصلح فقال : « يا محمد ! إن هذا الذي كان من حبس أصحابك ، وما كان من قتال من قاتلك ، لم يكن من رأي ذوي رأينا بل كنا له كارهين حين بلغنا ، ولم نعلم به وكان من سفهائنا ، فابعث إلينا بأصحابنا الذين أسرت أول مرة ، والذين أسرت آخر مرة . قال : إني غير مرسلهم حتى ترسلوا أصحابي . قال : أنصفتنا » . ( الإمتاع : 1 / 289 ) .
فمَن غيرُ علي ( عليه السلام ) أسر مجموعة من اثني عشر فارساً ، رداً على قتلهم المسلم الذي صعد الربوة التي في مقابلهم ؟ ( تفسير الطبري : 26 / 122 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 62 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولماذا أخذ النبي ( صلى الله عليه وآله ) بعضد علي ( عليه السلام ) في الحديبية وقال ورفع بها صوته : « هذا أمير البررة قاتل الفجرة . منصور من نصره ، مخذول من خذله . مد بها صوته » . ( رواه الحافظ في تاريخ بغداد : 2 / 377 ، و : 3 / 181 ، و : 4 / 441 ) وتضمنت بعض رواياته قول النبي ( صلى الله عليه وآله ) : « أنا مدينة العلم وعلي بابها ، فمن أراد البيت فليأت الباب ! ورواه ابن عساكر في تاريخ دمشق : 42 / 226 ، و 282 ، والحاكم : 3 / 129 ، وصححه علماؤهم ، ومنهم الخطيب التبريزي في الإكمال / 111 ) .
أقول : إن صاحب هذه العمليات في غزوة الحديبية ، هو صاحب أخواتها في غزوة بني النضير : « ولما توجه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) إلى بني النضير عمل على حصارهم فضرب قبته في أقصى بني خطمة من البطحاء ، فلما أقبل الليل رماه رجل من بني النضير بسهم فأصاب القبة ، فأمر النبي ( صلى الله عليه وآله ) أن تُحول قبته إلى السفح ، وأحاط به المهاجرون والأنصار . فلما اختلط الظلام فقدوا أمير المؤمنين ( عليه السلام ) فقال الناس : يا رسول الله لا نرى علياً ؟ فقال ( صلى الله عليه وآله ) : أراه في بعض ما يصلح شأنكم ! فلم يلبث أن جاء برأس اليهودي الذي رمى النبي ( صلى الله عليه وآله ) وكان يقال له عزورا ، فطرحه بين يدي النبي ( صلى الله عليه وآله ) فقال له النبي ( صلى الله عليه وآله ) : كيف صنعت ؟ فقال : إني رأيت هذا الخبيث جريئاً شجاعاً ، فكمنت له وقلت ما أجرأه أن يخرج إذا اختلط الظلام يطلب منا غِرة ، فأقبل مصلتاً سيفه في تسعة نفر من أصحابه اليهود ، فشددت عليه فقتلته وأفلت أصحابه ، ولم يبرحوا قريباً ، فابعث معي نفراً فإني أرجو أن أظفر بهم ! فبعث رسول الله معه عشرة فيهم أبو دجانة سماك بن خرشة وسهل بن حنيف ، فأدركوهم قبل أن يلجوا الحصن فقتلوهم وجاؤوا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 63 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
برؤوسهم إلى النبي فأمر أن تطرح في بعض آبار بني حطمة ، وكان ذلك سبب فتح حصون بني النضير » . ( الإرشاد : 1 / 92 ، والمناقب : 2 / 332 ) .
فقال حسان بن ثابت في علي ( عليه السلام ) : ( النبي وأهل بيته ( عليهم السلام ) في الشعر العربي : 1 / 378 ) :
لله أيُّ كريهة أبليتَها * ببني قريظةَ والنفوسُ تَطلَّعُ
أردى رئيسهم وآبَ بتسعة * طوراً يشلُّهُم وطوراً يدفعُ ) .

( 12 ) سلام الله على المظلوم علي بن أبي طالب

فقد رووا أنه نهض لرد جيش طليحة عن المدينة ، وكان على أحد أنقابها ، ثم جعلوه مأموراً من أبي بكر كغيره ، ثم جعلوه مرافقاً لأبي بكر إلى ذي القَصَّة ، وذكروا مقتل القائد حِبَال ولم يذكروا أنه قتله !
وكأن شاعرهم استحى فذكر علياً مع ( البطل ) أبي بكر ذكراً خجولاً فقال :
غَداة سَعى أبو بَكرٍ إلَيهِم * كما يسعى لموتَته جُلالُ
أراح على نواهقها علياً * ومَجَّ لهنَّ مُهجَتَهُ حِبالُ
( تاريخ خليفة / 102 )
ولا يمكن لعاقل أن يقبل أن المرتدين هاجموا المدينة وانهزموا بدون معركة ! والصورة المعقولة لما حدث : أن أنصار طليحة جاؤوا من نجد ، من جهة مكة وعسكروا في ذي القَصَّة ، وهو مكان فيه ماء قرب المدينة من جهة نجد ، يبعد عن المدينة بريداً ( الطبري : 2 / 479 ) أي نحو عشرين كيلو متراً فالمسافة بينه وبين المدينة ثلاث أو أربع ساعات .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 64 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وجاء وفدهم إلى المدينة يطلب القبول بشروط « نبيهم » طليحة وإلا فالحرب ، ومكثوا فيها أياماً ، فرفض أبو بكر شروطهم ، فرجعوا إلى ذي القَصة ، وأخبروا قائدهم حِبَال بضعف القوة المدافعة عن المدينة ، لقعود علي ( عليه السلام ) ، وغياب جيش أسامة ، وشجعوه على الغارة عليها .
ولا بد أن قائدهم حِبال كان يتساءل عن موقف عليٍّ ( عليه السلام ) لأن أهم شئ عنده أن يبقى معتزلاً ، فأخبروه أن موقفه كان رفض مطالبهم وأنه هو الذي دفع أبا بكر لمقاومتهم ، بينما كان موقف عمر وآخرين ليناً .
فكان حِبال بين شك ويقين من مواجهة علي ( عليه السلام ) ، فتحرك بفرسانه بسرعة بعد ظهر اليوم الثاني لرجوع الوفد ، ووصل إلى ذي حُسَى وهو مكان فيه أودية صغيرة ، يضطر الخارج من المدينة إلى سلوكها ، فوضع حِبال كميناً في الجبل ، قد أعدُّوا القرب لينفخوها ويدحرجوها ، فينفرون بها خيل العدو وإبله ، فيمنعون المسلمين من مطاردة جيش حِبال إذا هرب !
وفي المقابل عرف علي ( عليه السلام ) من أين سيأتون فكمن لهم مع فرسان انتخبهم في مكان مناسب كما كمن لأبطال بني قريظة ، وتلقاهم فارس خيبر ، ولم يمهلهم حتى جندل قائدهم ومن حوله فعلا صراخهم والركيض !
إنه يكفي للباحث أن يعرف أن علياً كان موجوداً حتى يقدر ما حدث !
ويكفيه أن يقول علي ( عليه السلام ) : « فنهضت في تلك الأحداث » ويقول : « ولولا أني فعلت ذلك لباد الإسلام » ، ليقدر ماذا فعل علي ( عليه السلام ) !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 65 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فإن من يعرف الفكر العسكري لعلي ( عليه السلام ) ، وجرأته الفريدة في توجيه الضربة إلى رأس العدو ، يقول : لا بد أن علياً ( عليه السلام ) بعد أن أقنع أبا بكر باتخاذ الموقف الشرعي من طليحة ، أرسل من يستطلع وضعهم في ذي القَصَّة ، وهيأ مجموعات الحراس على المدينة ، وأخذ هو النقب أو المدخل الذي ينتظر أن يدخلوا منه ، وقد يكون جاءه الخبر بتحركهم بقيادة قائدهم حِبال فذهب ليلاً وحده أو انتخب معه مجموعة شجعان ، وكمن لهم كما كمن لمجموعة فرسان بني النضير ، وقبل أن يصلوا إلى مدخل المدينة انقضَّ عليهم أسد الله وأسد رسوله ( صلى الله عليه وآله ) وقصد قائدهم وشق طريقه وهو يضرب من أمامه وعن يمينه وشماله ، حتى وصل إلى حامل الراية حِبَال فضربه ضربةً علوية وجندله ، فانذعر أصحابه وولوا مدبرين !
فبهذا يمكنك أن تفهم رواية الطبري : « فما لبثوا إلا ثلاثاً حتى طرقوا المدينة غارة مع الليل ، وخلفوا بعضهم بذى حسي ليكونوا لهم ردءًا ، فوافوا الغُوَّار ليلاً الأنقاب وعليها المقاتلة ودونهم أقوام يدرجون ( استطلاع ) فنهنهوهم وأرسلوا إلى أبى بكر بالخبر ، فأرسل إليهم أبو بكر أن الزموا أماكنكم ففعلوا » .
فلا يمكن قبول رجوع المهاجمين بدون أن يصلوا إلى مدخل المدينة وحراسها ، إلا بأنهم تلقوا ضربة وأخذهم الرعب !
كما لا يمكن تفسير إخلائهم معسكرهم ذا القَصَّة ، إلا بأن قائدهم قتل فانفرط عقدهم ورجع بعضهم إلى طليحة ، وبعضهم إلى قبائلهم ، وبعضهم إلى معسكر الأبرق قرب الربذة .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 66 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أما قصة الذين ذهبوا في تلك الليلة إلى ذي حُسَى ، فقد يكونون مجموعة من المدافعين عن المدينة رأوا جيش طليحة وصل إلى مشارفها ، وكانوا ينتظرون تقدمه والإشتباك معه ، ثم رأوا أن صوته انقطع فجأة ، واختفى أثر القوم ، فتقدموا فرأوهم انهزموا ، فتبعوهم إلى وادي ذي حُسَى ، فدحرج عليهم الكمين القِرب المنفوخة ، فنفرت إبلهم وعادوا إلى المدينة .
وفي اليوم الثاني جاء الخبر للمسلمين بأن الكمين ذهب ، وأن جيش طليحة انهزم ، وأنهم أخلوا معسكر ذي القَصَّة ، فذهب علي ( عليه السلام ) وأبو بكر والمسلمون إلى ذي القَصَّة واتخذوه معسكراً ، لحراسة المدينة ، وجعلوا قائده النعمان بن مقرن المزني ، وهو فارس يعتمد عليه علي ( عليه السلام ) ، وقد اختاره فيما بعد قائداً لمعركة نهاوند ، وهي أكبر معركة في فتح فارس .
إن ما حدث في الجيش المهاجم للمدينة يشبه ما حدث لجيش هوازن يوم حنين عندما هرب المسلمون كما قال تعالى : وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرض بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ . فولوا كلهم مدبرين ولم يبق مع النبي ( صلى الله عليه وآله ) إلا علي وتسعة من بني هاشم .
فاطمأن عليٌّ ( عليه السلام ) إلى حمايتهم للنبي ( صلى الله عليه وآله ) وغاص في وسط هوازن يقطف رؤوس حملة الرايات ، حتى قتل منهم نحو أربعين ، فكان يضرب كل واحد منهم بما يناسبه ، على رقبته فيطيح برأسه ، أو في وسطه فقيقطه قطاً ، أو على رأسه فيقدُّه إلى أنفه ، في ضربة واحدة مبتكرة لم يعهد المسلمون من
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 67 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يضرب بأختها بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ! فوقعت الهزيمة في جيش هوازن ، حتى أن حامل راية ثقيف أسند رايته إلى شجرة ، وهرب إلى الطائف !
وقد افتقد العباس علياً ( عليه السلام ) فسأل ابنه الفضل : أين هو ؟ فدله على مكانه هناك في المعركة فرأى العباس لمعان سيفه ، فقال : « برٌّ ، ابنُ برّ ، فداه عمُّ وخال » ! ولما رجع المسلمون رأوا النصر على وجه النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، ورأوا علياً ( عليه السلام ) ما زال يجرُّ المكتفين ويضعهم عند النبي ( صلى الله عليه وآله ) !
قال ابن هشام في سيرته : 4 / 896 : « فوالله ما رجعت راجعة الناس من هزيمتهم ، حتى وجدوا الأسارى مكتَّفين عند رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) » ! والدرر لابن عبد البر / 227 ، وراجع : أمالي الطوسي / 575 .
لكن رواة قريش الظالمين ، لا يقولون من الذي قتل حملة الرايات الأربعين في حنين ، وأسر الأسرى منهم وكتَّفهم ، وجرهم كالعجول ، وصفطهم عند أقدام رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وقطف بذلك النصر قبل رجوع الفارِّين الخائرين !
والكلام في رد هجوم جيش طليحة ، نفس الكلام ، والمظلوم نفس المظلوم !
سلام الله عليك يا علي . أنت تعمل وتضحي ، وغيرك يأكلها باردة ، ويظلمك !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 68 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

( 13 ) مكذوبات لإثبات شجاعة أبي بكر !

اخترع رواة السلطة قصصاً لإثبات شجاعة أبي بكر ، فزعموا أنه قاتل المهاجمين في ذي حُسَى وفي ذي القَصة وهزمهم ، ثم قصد أبرق الربذة على بعد 150 كيلو متراً عن المدينة ، وقاتل بقية جيش طليحة وهزمهم !
وأنه واجه الخطر في كل ذلك وكان مضحياً ، واضعاً روحه على كفه . مع أن المعروف عن أبي بكر عكس ذلك ، في كل حروب النبي ( صلى الله عليه وآله ) ! فهل كان النبي ( صلى الله عليه وآله ) مانعاً من ظهور شجاعته ، وموته سبباً في تفجرها ؟ !
قالت رواية الطبري الآنفة : « ثم خرج في الذين خرج إلى ذي القَصة ، والذين كانوا على الأنقاب على ذلك الظهر ، فقال له المسلمون : ننشدك الله يا خليفة رسول الله أن تُعَرِّض نفسك ، فإنك إن تصب لم يكن للناس نظام ، ومقامك أشد على العدو ، فابعث رجلاً ، فإن أصيب أمَّرت آخر . فقال : لا والله لا أفعل ، وأواسينكم بنفسي !
فخرج في تعبيته إلى ذي حسي وذي القَصة ، والنعمان وعبد الله وسويد على ما كانوا عليه ، حتى نزل على أهل الربذة بالأبرق ، فاقتتلوا فهزم الله الحارث وعوفاً وأخذ الحطيئة أسيراً . . . ولما فُضَّت عبس وذبيان أرَزوا ( هربوا ) إلى طليحة ، وقد نزل طليحة على بُزَّاخَة » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 69 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد أخذ المؤرخون أتباع الخلافة هذه الرواية ونشروها ، ونسجوا على منوالها ، فصرت تجد في مصادرهم أن أبا بكر خرج وقاتل المرتدين ، في ذي حُسى ، وذي القَصة ، ثم في أبرق الربذة !
وأغمضوا عيونهم عن رواية رسمية هي عندهم أصح منها ، عن الزهري عن عائشة ، قالت : « خرج أبي شاهراً سيفه ، راكباً على راحلته إلى ذي القصة ، فجاء علي بن أبي طالب وأخذ بزمام راحلته فقال : إلى أين يا خليفة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ؟ أقول لك ما قال لك رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يوم أحد : شم سيفك ولا تفجعنا بنفسك ، فوالله لئن أصبنا بك لا يكون للإسلام بعدك نظام أبداً فرجع ، وأمضى الجيش » . ( تاريخ دمشق : 30 / 316 ، وابن كثير في النهاية : 6 / 346 ، ورواه في كنز العمال ( 5 / 665 ، عن ابن عمر ) .
تقول عائشة إن أباها تهيأ وتعبأ ، وأعدَّ واستعد ، وأخرج سيفه من غمده ورفعه في الهواء ، وركب فرسه أو ناقته ، وتحرك وخطى خطوات ، لكن علياً غفر الله له جاء ووقف أمام ناقته ، وترجَّاه أن لا يذهب ، ففكر أبو بكر بين جهاد المرتدين وبين احترام علي بن أبي طالب ، فرجح أن يحترم علياً ويأخذ برأيه ، فرجع ، وأرسل الجيش مع قائد آخر هو النعمان بن مقرن !
كما توجد عندهم رواية للزهري صحيحة ( تاريخ دمشق : 25 / 163 ) تقول إن أبا بكر تحرك أمتاراً ، ورجع من تلقاء نفسه ، لأنه خاف على المدينة !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 70 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
« عن الزهري قال : لما استخلف الله أبا بكر ، فارتد من ارتد من العرب عن الإسلام ، خرج أبو بكر غازياً حتى إذا بلغ نقعاً من نحو البقيع ، خاف على المدينة فرجع ، وأمر خالد بن الوليد سيف الله وندب معه الناس » .
وغفر الله للزهري ، فقد رد كلام عائشة ، وقال إن أبا بكر غيَّر رأيه ورجع من تلقاء نفسه ، لكن لا بأس ، لأن أفكاره وتصرفاته لله تعالى ، فقد رجع من أجل حفظ الإسلام ومدينة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) .
إن رواية عائشة ، ورواية عبد الله بن عمر ، ورواية الزهري ، وكلها صحيحة عندهم ، وهؤلاء أئمة عندهم ، تكفينا لرد أصل خروج أبي بكر إلى ذي حسى ، أو ذي القَصَّة ، فضلاً عن قتاله للمرتدين فيهما ، أو في الأبرق قرب الربذة ، على بعد أكثر من 150 كيلو متراً عن المدينة !
اللهم إلا أن يكون أبو بكر ذهب بعد ذلك إلى ذي القَصة ، بعد أن اطمأن بانسحاب جيش طليحة منها ، ثم عاد إلى المدينة .
أما معركة الأبرق فلا يوجد سندٌ مقبول لأصل وجودها ! فالروايات التي تزعم أن أبا بكر قادها ، تردُّها رواية الثلاثي عائشة وابن عمر والزهري .
والرواية التي تقول إنه أرسل إليها خالداً في طريقه إلى طليحة ، يردُّها أن الطريق إلى طليحة في حائل بعكس أبرق الربذة ، فحائل من جهة العراق وأبرق الربذة من جهة مكة وعلى بعد نحو 200 كيلومتراً عن المدينة !
ولو سلمنا أن خالداً ذهب باتجاه مكة إلى الأبرق ثم رجع وذهب إلى حائل فأين وصف معركته مع قبيلتي عبس وذبيان ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 71 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إن غاية ما وجدنا عنها قول الطبري : « فاقتتلوا فهزم الله الحارث وعوفاً ، وأخذ الحطيئة أسيراً » .
والحطيئة شاعر مخضرم مشهور ، ولو أسر في المعركة لأتيَ به إلى المدينة وكانت له أخبار ، كما كانت له أخبار عندما أسره زيد الخيل الطائي في الجاهلية وجزَّ ناصيته . وعندما حبسه عمر لهجائه الزبرقان بقوله :
دع المكارمَ لا ترحلْ لبُغْيتها * واقعدْ فإنك أنت الطاعمُ الكاسي
فشكاه الزبرقان فقال له عمر : « ما أسمع هجاء ولكنها معاتبة جميلة . فقال الزبرقان . . سل حسان بن ثابت . . فسأله عمر فقال : لم يهجه ، ولكن سلح عليه ! فأمر به عمر فجعل في نقير في بئر ، ثم ألقى عليه حفصة ( قُفَّة ينزح بها وحل البئر ) فقال الحطيئة :
ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ * حمر الحواصل لا ماء ولا شجر
ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة * فاغفر عليك سلام الله يا عمر
قال فأخرجه » . ( تاريخ المدينة لابن شبة : 3 / 786 ) .
وأسْرُ الحطيئة المزعوم في عهد أبي بكر ، لم يذكره أحد في أخباره التي تتبعها الرواة ، ولا قال فيها شعراً على عادته حتى في صغار الأحداث التي تقع له .
ويظهر أن الراوي حرف رواية أن أخ الحطيئة كان في جيش طليحة الذي أغار على المدينة ( تاريخ دمشق : 25 / 160 ) أو رواية القبض على الحطئية بعد ذلك ثم إطلاقه ، لأنه شجع المانعين للزكاة ولم يرتد ، فقد نسب إليه قوله :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 72 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أطعنا رسول الله ما كان بيننا * فَيَا لِعبادِ الله ما لأبي بكر
يورثنا بكراً إذا مات بعده * وتلك لعمر الله قاصمة الظهر
فهلا رددتم وفدنا بزمانه * وهلا خشيتم مسَّ راغبة البكر
وإن التي سألوكم فمنعتم * لكالتمر أو أحلى إليَّ من التمر )
وكذا لا مصداقية لرواية الطبري التي قالت : « وكان على مُرَّة بالأبرق عوف بن فلان بن سنان ، وعلى ثعلبة وعبس الحارث بن فلان ، أحد بنى سبيع . وقد بعثوا وفوداً فقدموا المدينة » .
فلا يوجد ما يشير ذهاب جيش إليهم في أبرق ، ولا إلى مقتل رئيس ذبيان عوف بن سعد بن ذبيان ، ولا عوف آخر ، ولا ما يشير إلى مقتل الحارث بن خارجة السبيعي ، ولا مَن قتلهما !
وكل ما ذكره الرواة أن عبساً وذبياناً ، ومن تأشب معهم في الأبرق « أرزوا » بعد فشل الهجوم على المدينة إلى طليحة ، أي هربوا ، ونصت على أن طليحة طلب مجيئهم وكل أنصاره إلى بُزَّاخَة ، لأنه يعرف أن جيش المسلمين سيأتيه بعد فشل هجومه على المدينة ، ومقتل ابن أخيه حِبال .
قالت رواية الطبري : « لما أرَزَتْ ( هربت ) عبس وذبيان ولفها إلى البُزَّاخَة ، أرسل طليحة إلى جديلة والغوث أن ينضموا إليه » .
والنتيجة : أن الأمر المؤكد أن القبائل أرسلت وفداً إلى المدينة ، ثم هاجمتها في اليوم الثالث ، وقتل قائدها وعدد معه ، فارتدت مهزومة ، وأخلت معسكرها في ذي القَصَّة ، وذهبت فلولها إلى قبائلها ، أو إلى نبيها طليحة الكذاب !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 73 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وعلى أثر هزيمتها في المدينة أخلت معسكرها في الأبرق ، فقد طلب منها ( نبيها ) طليحة ومن غيرها من القبائل المؤمنة به ، أن توافيه إلى بُزَّاخَة !
والنتيجة أن علياً ( عليه السلام ) نهض في تلك الأحداث وهو البطل المميز في التخطيط والتنفيذ ، وقد قال : لو لم أنهض لباد الإسلام وأهله !
ومعناه أنه لا يريد الحديث عن تفصيل عمله ، فقد احتسبه هو وأصحابه الفرسان عند الله تعالى ، وجعلوه صدقة سر .
ولعله ( عليه السلام ) كتمه لأنه لم يرد أن يجعل عليه المزيد من ثارات العرب بعد ثاراتها عنده في حروبه مع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ! فادعت السلطة ذلك ، وتبجحت به !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 74 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

( 14 ) غياب عمر و جماعته عن الدفاع عن المدينة

نلاحظ غياب عمر بن الخطاب عن الدفاع ، ويظهر أنه غاب لما رفض أبو بكر الأخذ برأيه بالخضوع لمطالب المرتدين ، وأخذ برأي علي ( عليه السلام ) بقتالهم ، وسيطر جوُّ المقاومة والحرب على المدينة ، فحضَر عليٌّ ( عليه السلام ) وفرسانه ، وغاب عمر وأنصار السقيفة البارزين ، كأبي عبيدة بن الجراح ، وعبد الرحمن بن عوف ، وسعد بن أبي وقاص ، وغيرهم ، حتى أنك لا تسمع لهم في ذلك ذكراً !
كما نلاحظ أن علياً ( عليه السلام ) عمل بنفسه وليس بأمر بكر أو تحت إمرته ، وقد قال ( عليه السلام ) إنه دفع هجوم المرتدين كان من « تدبيره » لنصرة الإسلام ، لا لنصرة النظام القرشي ، لأن موقفه أن لا يقبل تأميراً من غيره ، لأن الله ورسوله ( صلى الله عليه وآله ) أمَّراه على المسلمين ، فلا يجوز له أن يقبل تأميراً من أحد .
قال ابن أبي الحديد ( 17 / 154 ) في شرح قوله ( عليه السلام ) ، فنهضت في تلك الأحداث . . ( هذا هو الحديث الذي أشار ( عليه السلام ) إلى أنه نهض فيه أيام أبى بكر . وكأنه جواب عن قول قائل إنه عمل لأبي بكر وجاهد بين يدي أبى بكر ، فبين عذره في ذلك وقال إنه لم يكن كما ظنه القائل ، ولكنه من باب دفع الضرر عن النفس والدين ، فإنه واجب سواء كان للناس إمام أو لم يكن ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 75 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال علي ( عليه السلام ) : « ثم نسبت ( قريش ) تلك الفتوح إلى آراء ولاتها وحسن تدبير الأمراء القائمين بها ، فتأكد عند الناس نباهة قوم وخمول آخرين . . . ومضت السنون والأحقاب بما فيها ، ومات كثير ممن يعرف ، ونشأ كثير ممن لا يعرف » ! ( شرح النهج : 20 / 298 ) .

( 15 ) عَدِي بن حاتم هزم طليحة والاسم لخالد !

( 15 ) عَدِي بن حاتم هزم طليحة والاسم لخالد !
شجَّع عليٌّ ( عليه السلام ) المسلمين لمقاومة هجوم طليحة على المدينة ، وخرج بنفسه وفرسانه فقتل قائدهم وعدداً من نخبتهم ، فانكفأ المهاجمون وانهزموا .
فكان الفعل له ( عليه السلام ) والاسم لأبي بكر !
وكذلك كانت معركة بُزَّاخَة مع طليحة ، فقد كان الفعل فيها لعدي بن حاتم الطائي رضي الله عنه ، والاسم لخالد بن الوليد وأبي بكر .
روى الطبري : 2 / 483 ، عن هشام بن عروة ، المتعصب لخالد بن الوليد ، قال : « لما أرزت ( هربت ) عبس وذبيان ولفها إلى البُزَّاخَة ، أرسل طليحة إلى جديلة والغوث أن ينضموا إليه ، فتعجل إليه أناس من الحيين ، وأمروا قومهم باللحاق بهم ، فقدموا على طليحة .
وبعث أبو بكر عدياً قبل توجيه خالد من ذي القَصَّة إلى قومه وقال : أدركهم لا يؤكلوا ! فخرج إليهم ، فَفَتَلَهُمْ في الذروة والغارب . وخرج خالد في أثره . . . » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 76 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أقول : عدي بن حاتم الطائي ، من شيعة علي ( عليه السلام ) ، وقد حضر جانباً من أحداث السقيفة ورواه ، ويبدو أن أبا بكر أرسله بإرشاد عليٍّ ( عليه السلام ) ليقوم بإقناع الناس بترك طليحة ، لأنه رئيس قبائل طيئ وابن المنطقة ، وقد التحق بطليحة قسم من طيئ ، وكذا حلفاؤهم قبيلة جديلة .
وقد روى الطبري ( 2 / 486 ) وصف دخول القبائل في دين طليحة ، بعد أن فشلت محاولة اغتياله من المسلمين ، ونبا السيف عن عنقه ، فقال : « فما زال المسلمون في نماء والمشركون في نقصان ، حتى همَّ ضرار بالمسير إلى طليحة ، فلم يبق إلا أخذه سلماً ، إلا ضربة كان ضربها بالجراز ( سيف عريض ) فنبا عنه ، فشاعت في الناس ، فأتى المسلمون وهم على ذلك بخبر موت نبيهم ( صلى الله عليه وآله ) وقال ناس من الناس لتلك الضربة : إن السلاح لا يحيك ( يعمل ) في طليحة ، فما أمسى المسلمون من ذلك اليوم حتى عرفوا النقصان ، وارفضَّ الناس إلى طليحة ، واستطار أمره !
وأقبل ذو الخمارين عوف الجذمي حتى نزل بإزائنا ، وأرسل إليه ثمامة بن أوس بن لام الطائي : إن معي من جديلة خمس مائة ، فإن دهمكم أمر فنحن بالقردودة والأنسر ، دوين الرمل . وأرسل إليه مهلهل بن زيد : أن معي حد الغوث ، فإن دهمكم أمر ، فنحن بالأكناف بحيال فيد .
وإنما تحدَّبت طيئ على ذي الخمارين عوف ، أنه كان بين أسد وغطفان وطيئ حلف في الجاهلية ، فلما كان قبل مبعث النبي ( صلى الله عليه وآله ) اجتمعت غطفان
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 77 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأسد على طيئ ، فأزاحوها عن دارها في الجاهلية غوثها وجديلتها ، فكره ذلك عوف فقطع ما بينه وبين غطفان ، وتتابع الحيان على الجلاء ، وأرسل عوف إلى الحيين من طيئ فأعاد حلفهم وقام بنصرتهم فرجعوا إلى دورهم ، واشتد ذلك على غطفان .
فلما مات رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قام عيينة بن حصن في غطفان فقال : ما أعرف حدود غطفان منذ انقطع ما بيننا وبين بنى أسد ، وإني لمجدد الحلف الذي كان بيننا في القديم ومتابع طليحة ، والله لأن نتبع نبياً من الحليفين أحب إلينا من أن نتبع نبياً من قريش ! وقد مات محمد وبقى طليحة . فطابقوه على رأيه ، ففعل وفعلوا .
فلما اجتمعت غطفان على المطابقة لطليحة هرب ضرار وقضاعي وسنان ، ومن كان قام بشئ من أمر النبي ( صلى الله عليه وآله ) في بنى أسد إلى أبى بكر » .

( 16 ) ابتكار عدي بن حاتم في القيادة

قام عَدِي بعملين كبيرين سبَّبَا نصر المسلمين ، وهزيمة طليحة وفراره إلى الشام . فقد قصد رؤساء بطون طيئ الذين انضموا إلى طليحة ، أو أرسل إليهم وأحضرهم ، وتكلم معهم بأسلوبه المقنع ، من موقعه كرئيس طيئ العام ، وأقنعهم بترك طليحة لأنه كذاب وليس نبياً ولا مستقبل له . وحذرهم من جيش المسلمين الذي سيأتي لحرب طليحة .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 78 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال الطبري ( 2 / 483 ) : « فخرج إليهم ففتلهم في الذروة والغارب . وخرج خالد في أثره . . . » .
وفتلهم بالذروة والغارب : مثلٌ يضرب لمن أقنع شخصاً بكل وسيلة ، كالذي يعمل لربط البعير من ذروة سنامه ومن تحت إبطه . أي أقنعهم ببيانه وأساليبه .
وكذلك صنع عدي مع حلفائهم قبيلة جديلة :
« وارتحل خالد نحو الأنسر يريد جديلة فقال له عدى : إن طيئاً كالطائر وإن جديلة أحد جناحي طيئ ، فأجلني أياماً لعل الله أن ينتقذ جديلة كما انتقذ الغوث ففعل . فأتاهم عدي فلم يزل بهم حتى بايعوه فجاءه بإسلامهم ، ولحق بالمسلمين منهم ألف راكب . فكان خير مولود ولد في أرض طئ ، وأعظمه عليهم بركة » . ( الطبري : 2 / 483 ) .
وفي تاريخ دمشق : 25 / 158 : « عن الشعبي قال : ارتدت العرب بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) عوام أو خواص ، فارتدت أسد ، واجتمعوا على طليحة ، واجتمعت عليه طيئ إلا ما كان من عدي بن حاتم ، فإنه تعلق بالصدقات فأمسكها ، وجعل يكلم الغوث ، وكان فيهم مطاعاً يستلطف لهم ويرفق بهم ، وكانوا قد استَحْلَوْا أمر طليحة وأعجبهم » .

( 17 ) خالد يهرب بجيشه ويلجأ إلى عدي بن حاتم !

وتحرك القائد خالد بن الوليد ، بجيشه من المدينة نحو بُزَّاخَة مركز طليحة المرتد المتنبئ ، وكان يطلق التهديد ويعلن الشوق إلى لقاء طليحة ومنازلته !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 79 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال خليفة بن خياط / 65 : « إن خالداً سار من ذي القَصَّة في ألفين وسبع مائة إلى الثلاث آلاف ، يريد طليحة . ووجه عكاشة بن محصن وثابت بن أقرم بن ثعلبة الأنصاري حليف لهم من بلي ، فانتهوا إلى قطن ، فصادفوا بها حِبالاً متوجهاً إلى طليحة بثقله ، فقتلوا حِبالاً وأخذوا ما معه » .
أقول : لعل هذا حِبال بن طليحة لأن طليحة كان يكنى أبا حبال . أما حِبال المشهور ابن أخ طليحة ، فهو قائد المهاجمين للمدينة ، وقد قُتل في هجومه .
وأرسل خالد عندما اقترب من بُزَّاخَة ، فارسين من شخصيات الصحابة لاستطلاع وضع طليحة ، وهما عكاشة بن محصن وثابت بن أقرم .
ونتعجب من أن جيشاً من ثلاثة آلاف يرسل طليعته شخصيتين وحدهما ! ولا ندري هل تطوعا بالذهاب ، أو أمرهما خالد وكان عليهما أن يطيعا .
ونلاحظ أن طليحة كان شجاعاً على عكس خالد ، فكان يخرج مع أخيه سلمة من بُزَّاخَة إلى ضواحيها يستطلع الوضع العسكري ، أو كانا يذهبان وحدهما من سميراء أو الغمر إلى بُزَّاخَة ، والمسافة سفر يومين وأكثر ، فرأيا عكاشة وثابتاً ، فعرفاهما ، واستطاعا أن يقتلاهما !
قال الطبري ( 2 / 484 ) : « وسار خالد بن الوليد حتى إذا دنا من القوم بعث عكاشة بن محصن ، وثابت بن أقرم أحد بني العجلان حليف الأنصار طليعةً ، حتى إذا دنوا من القوم ، خرج طليحة وأخوه سلمة ينظران ويسألان ، فأما سلمة فلم يمهل ثابتاً أن قتله ، ونادى طليحة أخاه حين
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 80 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
رأى أن قد فرغ من صاحبه ، أن أعِني على الرجل فإنه آكلي ، فاعتونا عليه فقتلاه ، ثم رجعا » .
وقال طليحة مفتخراً بقتله عكاشة وثابتاً ، ثأراً بابن أخيه حِبال :
« نصبت لهم صدر الحمالة إنها * معاودة قبل الكماة نزالي
فيوماً تراها في الجلال مصونةً * ويوما تراها غير ذات جلال
ويوماً تُضئ المشرفية نحرها * ويوما تراها في ظلال عوال
فما ظنكم بالقوم إذ تقتلونهم * أليسوا وإن لم يسلموا برجال
عشية غادرت ابن أقرم ثاوياً * وعكَّاشة الغنْمي عنه بحال
فإن تك أذوادٌ أخذنَ ونسوةٌ * فلَمْ تَذْهَبُوا فِرْغاً بقَتْلِ حِبَالِ »
( تاريخ دمشق : 25 / 166 ) . ومعنى فرغاً : لم يذهب دمه هدراً . ( الزبيدي : 12 / 51 ) .
قال ابن هشام : 2 / 464 : « وقاتل عكَّاشة بن محصن بن حرثان الأسدي ، حليف بنى عبد شمس بن عبد مناف ، يوم بدر بسيفه حتى انقطع في يده ، فأتى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فأعطاه جذلاً من حطب فقال : قاتل بهذا يا عكاشة ، فلما أخذه من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) هزه فعاد سيفاً في يده طويل القامة شديد المتن أبيض الحديدة ! فقاتل به حتى فتح الله تعالى على المسلمين . وكان ذلك السيف يسمى العون ، ثم لم يزل عنده يشهد به المشاهد مع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) حتى قتل في الردة وهو عنده . قتله طليحة بن خويلد الأسدي » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 81 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي تاريخ دمشق : 25 / 166 : « وخرج طليحة وسلمة ابنا خويلد طليعة القوم فالتقوا فيما بين العسكرين الغمر والبزاحة .
وقد علم عكاشة أن على طليحة يميناً أن لا يدعوه أحد إلى النزال إلا أجابه فقال : يا طليحة نزال . . وتنازلوا فبرز طليحة لعكاشة وسلمة لثابت . . فأما ثابت فلم يلبث سلمة أن قتله ، وأغار طليحة على عكاشة فقال : أعني عليه يا سلمة فإنه آكلي ، فاكتنفاه فقتلاه » .
وقال السهيلي : 3 / 51 : « يقال فيه : عَكَّاشة بالتشديد والتخفيف ، وهو من عكش على القوم إذا حمل عليهم . . . وحِبال : هو ابن أخي طليحة لا ابنه ، وهو حبال بن سلمة بن خويلد ، وسلمة أبوه هو الذي قتل عكاشة ، اعتنقه سلمة وضربه طليحة على فرس يقال لها : اللزام ، وكان ثابت على فرس يقال لها : المخبر ، وقصته مشهورة في أخبار الردة » .
ولما وصل خالد بجيشه إلى قرب بُزَّاخَة رأى عكاشة وثابتاً قتيلين ، فانهار خالد الذي زعموا أنه « سيف الله المسلول » ورجع بجيشه الثلاثة آلاف ، من أبواب بُزَّاخَة ، ولجأ إلى عدي بن حاتم في جبلي طيئ ، ليستعين به على قتال طليحة !
قال الطبري : 2 / 484 : « وأقبل خالد بالناس حتى مروا بثابت بن أقرم قتيلاً ، فلم يفطنوا له حتى وطأته المطيُّ بأخفافها ، فكبر ذلك على المسلمين ، ثم نظروا فإذا هم بعكاشة بن محصن صريعاً ، فجزع لذلك المسلمون وقالوا :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 82 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قتل سيدان من سادات المسلمين ، وفارسان من فرسانهم ! فانصرف خالد نحو طيئ !
حدثنا عبد السلام بن سويد أن بعض الأنصار حدثه ، أن خالداً لما رأى ما بأصحابه من الجزع عند مقتل ثابت وعكاشة قال لهم : هل لكم إلى أن أميل بكم إلى حي من أحياء العرب ، كثير عددهم شديدة شوكتهم ، لم يرتد منهم عن الإسلام أحد ؟ فقال له الناس : ومن هذا الحي الذي تعنى ، فنعم والله الحي هو ؟ قال لهم : طيئ . فقالوا : وفقك الله ، نعم الرأي رأيت . فانصرف بهم حتى نزل بالجيش في طيئ . قال هشام : حدثني جديل بن خباب النبهاني ، من بنى عمرو بن أبيّ : أن خالداً جاء حتى نزل على أرك ، مدينة سلمى .
قال هشام : قال أبو مخنف حدثني إسحاق أنه نزل بأجأ ، ثم تعبأ لحربه ثم سار حتى التقيا على بُزَّاخَة ، وبنو عامر على سادتهم وقادتهم قريباً ، يستمعون ويتربصون على من تكون الدبرة » .
أقول : تبعد حائل عن المدينة 450 كيلومتراً ، وهي المسافة التي قطعها المسلمون مع خالد قاصدين بُزَّاخَة قرب حائل على بعد 40 كيلو متراً ، وكانوا 2700 رجلاً فوصلوا إلى قطن ، حيث قتل عكاشة وثابت . ( تاريخ خليفة / 65 ) . وقطن قرب بُزَّاخَة ، أما منازل طيئ فأقربها إلى بُزَّاخَة جبل أجأ نحو 100 كيلو متر ، أما جبل سلمى ومدينة سلمى التي ذكروا أن خالداً ذهب إليها ( النهاية : 6 / 349 ) ، فتبعد كما ذكروا في جغرافية حائل 175 كيلو متراً .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 83 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ومعنى ذلك أن خالداً وصل إلى قرب معسكر طليحة ، فرأى الفارسين الذين أرسلها طليعة مقتولين ، فانذعر وخاف ، وانسحب !
ففرح طليحة بجزع خالد وجيشه و « هزيمته » واعتبر ذلك انتصاراً له ، فنقل معسكره إلى قطن ، فكانت مكان معركته مع المسلمين عندما رجعوا !
وقد يعتذر عن خالد بأن المسلمين جزعوا وخافوا ، ولما رأى خالد ذلك اقترح عليهم الانسحاب ! لكن القائد الشجاع يُخرج جنوده من الخوف ويشجعهم ! أو يعتذرون له بأن عدياً كان أرسل له وهو في الطريق أن يأتيهم أولاً ، ليضاعف له عدد جيشه . فقد روى الطبري : 2 / 484 : « عن عدي بن حاتم قال : بعثت إلى خالد بن الوليد أن سر إليَّ فأقم عندي أياماً ، حتى أبعث إلى قبائل طيئ ، فأجمع لك منهم أكثر ممن معك ، ثم أصحبك إلى عدوك قال فسار إليَّ » .
لكنه عذر لا ينفي عن خالد الجُبن ، فلماذا لم يقصد طيئاً قبل أن يصل إلى بُزَّاخَة ويرى القتيلين من أصحابه ، والطريق مختلف ، والمسافة يومان أو أربعة أيام ؟ !
بل يبدو أن رسالة عدي إلى خالد مكذوبة ، للدفاع عن خالد لئلا يتهم بالجبن !

( 18 ) كان عدي ملجأ خالد ومرجعه

يتضح لمن قرأ أخبارهما أن عدياً كان مرجعاً وملجأً لخالد في الرأي والإدارة والتدبير ، وسترى أن عدياً قائد عسكري بطل ، رضي الله عنه .
قال الطبري : 2 / 485 : « حدثني سعد بن مجاهد أنه سمع أشياخاً من قومه يقولون : سألْنا خالداً أن نكفيه قيساً فإن بني أسد حلفاؤنا . فقال : والله ما قيس بأوهن الشوكتين ، إصمدوا إلى أي القبيلتين أحببتم .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 84 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فقال عدى : لو ترك هذا الدين أسرتي الأدنى فالأدنى من قومي لجاهدتهم عليه ، فأنا أمتنع من جهاد بني أسد لحلفهم ، لا لعمر الله لا أفعل !
فقال له خالد : إن جهاد الفريقين جميعاً جهاد . لا تخالف رأى أصحابك ، إمض إلى أحد الفريقين ، وامض بهم إلى القوم الذين هم لقتالهم أنشط . .
إن خيل طيئ كانت تلقى خيل بنى أسد وفزارة قبل قدوم خالد عليهم ، فيتشاتمون ولا يقتتلون ، فتقول أسد وفزارة : لا والله لا نبايع أبا الفصيل أبداً ! فتقول لهم خيل طيئ : نشهد ليقاتلنكم حتى تكنوه أبا الفحل الأكبر » .
وفي تاريخ دمشق : 40 / 79 : « عن الشعبي قال : لما كانت الردة قال القوم لعدي بن حاتم : أمسك ما في يديك من الصدقة ، فإنك إن تفعل تُسَوِّد الحليفين .
فقال : ما كنت لأفعل حتى أدفعه إلى أبي بكر بن أبي قحافة ، فجاء به إلى أبي بكر حتى دفعه إليه . . فقال لقومه : لا تعجلوا فإنه إن يقم لهذا الأمر قائم ألفاكم ولم تفرقوا الصدقة ، وإن كان الذي تظنون فلعمري إن أموالكم بأيديكم لا يغلبكم عليها أحد ، فسكتهم بذلك . . وأمر ابنه أن يسرح نعم الصدقة . . . فخرج على بعير له سريعاً حتى لحق ابنه ، ثم حدر النعم المدينة . . . فكانت أول صدقة قدم بها على أبي بكر . . بثلاث مائة بعير . .
وسار عدي بن حاتم مع خالد بن الوليد إلى أهل الردة ، وقد انضم إلى عدي من طيئ ألف رجل ، وكانت جديلة معرضة عن الإسلام ، وهم بطن من طيئ . . فلما همت جديلة أن ترتد ونزلت ناحية ، جاءهم مكنف بن زيد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 85 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الخيل الطائي فقال : أتريدون أن تكونوا سُبَّةً على قومكم ، لم يرجع رجل واحد من طيئ ، وهذا أبو طريف معه ألف من طيئ ، فكسرهم .
فلما نزل خالد بن الوليد بُزَّاخَة قال لعدي : يا أبا طريف ألا تسير إلى جديلة ( لقتالهم ) فقال : يا أبا سليمان لا تفعل ، أقاتل معك بيدين أحب إليك أم بيد واحدة ؟ فقال خالد : بل بيدين . فقال عدي : فإن جديلة إحدى يديَّ ! فكف خالد عنهم فجاءهم عدي ودعاهم إلى الإسلام فأسلموا فسار بهم إلى خالد ، فلما رآهم خالد فزع منهم وظن أنهم أتوا لقتال ، فصاح في أصحابه بالسلاح ! فقيل له : إنما هي جديلة ، أتت تقاتل معك .
فلما جاءوا حلوا ناحيةً ، وجاءهم خالد فرحب بهم واعتذروا إليهم من اعتزالهم ، وقالوا : نحن لك بحيث أحببت ، فجزَّاهم خيراً . فلم يرتدد من طيئ رجل واحد ! فسار خالد على بغيته فقال عدي بن حاتم : اجعل قومي مقدمة أصحابك . فقال : أبا طريف إن الأمر قد اقترب ولحُم ، وأنا أخاف إن تقدم قومك ولحمهم القتال ، انكشفوا فانكشف من معنا ، ولكن دعني أقدم قوماً صبَّراً ، لهم سوابق وثبات .
فقال عدي : فالرأيَ رأيت . فقدَّم المهاجرين والأنصار .
قال فلما أبى طليحة على خالد أن يقر بما دعاه إليه ، انصرف خالد إلى معسكره واستعمل تلك الليلة على معسكره عدي بن حاتم ومكنف بن زيد الخيل ، وكان لهما صدق نية ولين ، فباتا يحرسان في جماعة من المسلمين .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 86 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فلما كان في السحر نهض خالد فعبأ أصحابه ووضع ألويته مواضعها ، فدفع لواءه الأعظم إلى زيد بن الخطاب فتقدم به ، وتقدم ثابت بن قيس بن شماس بلواء الأنصار ، وطلبت طيئ لواء يعقد لها ، فعقد خالد لواء ودفعه إلى عدي بن حاتم ، وجعل ميمنة . وميسرة » .

( 19 ) نهض الأنصار وطيئ بثقل المعركة مع طليحة

لم يصف الرواة معركة المسلمين مع طليحة ، وأعطوا بطولتها بالجملة إلى خالد على عادتهم ! لكن المؤكد لمن عرف سلوك خالداً في معاركه ، أنه ألقى ثقلها على الأنصار وعدي وطيئ وجديلة ، ولم يشارك بنفسه ، لا في مبارزة ولا حملة ! قال الطبري ( 2 / 489 ) : « قام فيهم طليحة ثم قال : أمرت أن تصنعوا رحاً ذات عرى يرمى الله بها من رمى ، يهوى عليها من هوى . ثم عبأ جنوده ثم قال : إبعثوا فارسين على فرسين أدهمين ، من بنى نصر بن قعين ، يأتيانكم بعين . فبعثوا فارسين من بنى قعين ، فخرج هو وسلمة طليعتين .
وروى الطبري أنه كان يقول لهم : « والحمام واليمام ، والصرد الصوام ، قد ضمن قبلكم بأعوام ، ليبلغن ملكنا العراق والشام » .
وروى في تاريخ دمشق : 25 / 163 : « فلما رأى طليحة كثرة انهزام أصحابه قال : ويلكم ما يهزمكم ؟ ! قال رجل منهم : أنا أحدثك ، ما يهزمنا أنه ليس
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 87 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
رجل منا إلا وهو يحب أن يموت صاحبه قبله ، وإنا لنلقي قوماً كلهم يحب أن يموت قبل صاحبه . وكان طليحة شديد البأس في القتال » .
قال الطبري : 2 / 485 : « عن محمد بن طلحة . . قال : حُدثت أن الناس لما اقتتلوا ، قاتلَ عيينة مع طليحة في سبع مائة من بنى فزارة قتالاً شديداً ، وطليحة متلفف في كساء له بفناء بيت له من شعر يتنبأ لهم ، والناس يقتتلون ! فلما هزَّت عيينة الحرب وضَرُسَ القتال ، كرَّ على طليحة فقال : هل جاءك جبريل بعد ؟ قال : لا . قال : فرجع فقاتل حتى إذا ضرس القتال وهزته الحرب ، كرَّ عليه فقال : لا أباً لك ، أجاءك جبريل بعد ؟
قال : لا والله . قال : يقول عيينة حلفاً : حتى متى ، قد والله بلغ منا !
قال : ثم رجع فقاتل حتى إذا بلغ كرَّ عليه فقال : هل جاءك جبريل بعد ؟ قال : نعم . قال : فماذا قال لك ؟ قال : قال لي : إن لك رحاً كرحاه ، وحديثاً لا تنساه . قال : يقول عيينة : أظن أن قد علم الله أنه سيكون حديث لا تنساه ! يا بني فزارة هكذا فانصرفوا ، فهذا والله كذاب !
فانصرفوا وانهزم الناس ، فغَشُوا طليحة يقولون : ماذا تأمرنا ؟ وقد كان أعد فرسه عنده ، وهيأ بعيراً لامرأته النوار ، فلما أن غَشُوه يقولون ماذا تأمرنا ؟ قام فوثب على فرسه ، وحمل امرأته ثم نجا بها ، وقال : من استطاع منكم أن يفعل مثل ما فعلت ، وينجو بأهله فليفعل !
ثم سلك الحوشية حتى لحق بالشام وارفضَّ جمعه ، وقتل الله من قتل منهم . وبنو عامر قريباً منهم على قادتهم وسادتهم ، وتلك القبائل من سليم وهوازن على تلك الحال ، فلما أوقع الله بطليحة وفزارة ما أوقع ، أقبل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 88 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أولئك يقولون ندخل فيما خرجنا منه ونؤمن بالله ورسوله ، ونسلم لحكمه في أموالنا وأنفسنا » . وسنن البيهقي : 8 / 334 ، وتاريخ دمشق : 25 / 168 ، وابن حبان : 2 / 167 .
أقول : بهذه الخفة أنهى طليحة المتنبئ أكذوبته وأحلامه وهزمه الله وجيشه . وتلاحظ أن المؤرخين لم يذكروا تفصيل المعركة ولا الذين بارزوا وقاتلوا !
وذكروا أن طليحة كان جالساً في خيمته ينتظر جبرئيل ! وقد دفع إلى القتال قبيلة فزارة ، بقيادة عيينة بن حصن ، وعيينة مناور وليس مقاتلاً !
أما خالد فقد كان قاعداً في الخيمة ، لم يضرب بسيف ولا طعن برمح ، والذين قاتلوا هم الأنصار بقيادة ثابت بن قيس ، والطائيون بقيادة عدي بن حاتم ، قائد الميمنة ، وزيد الخيل قائد الميسرة .
وقد شهد بذلك المؤرخ ابن أعثم ( 1 / 13 ) قال : « وزحف إليهم خالد حتى وافاهم بأرض يقال لها : بُزَّاخَة ، وإذا طليحة قد عبأ أصحابه وعبأ خالد أصحابه ، وكان على ميمنته عدي بن حاتم الطائي ، وعلى ميسرته زيد الخيل ، وعلى الجناح الزبرقان بن بدر التميمي « وفي القلب الأنصار » ودنا القوم بعضهم من بعض واختلط القوم فاقتتلوا ، فقتل من الفريقين جماعة ، وجعلت بنو أسد وغطفان وفزارة يقاتلون بين يدي طليحة بن خويلد أشد القتال وهم ينادون : لا نبايع أبا الفصيل يعنون أبا بكر ، وجعل عدي بن حاتم يحمل عليهم في أصحابه فيقاتلهم ، وهو يقول : والله ! لنقاتلنكم أبداً ولتكنونه بالفحل الأكبر . قال : وجعل عدي بن حاتم وزيد الخيل وقبائل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 89 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
طيئ يقاتلون بين يدي خالد بن الوليد قتالاً لم يقاتلوا قبله في يوم من أيامهم التي سلفت ، ومدحهم خالد بن الوليد .
قال : واشتد القتال وعظم الأمر ، وعضت الحرب الفريقين جميعاً ، فأقبل عيينة بن حصن إلى طليحة بن خويلد وهو واقف على باب خيمة من شعر وفرسه علال إلى جانبه ، وامرأته نوار جالسة بين يديه ، فقال له عيينة : أبا عامر هل أتاك جبريل ؟ قال طليحة : لا . فرجع عيينة إلى الحرب فقاتل ساعة ثم رجع إليه فقال : هل أتاك جبريل بعد ؟ فقال : لا ، فرجع فلم يزل يقاتل حتى بلغ منه الجهد واشتد به الأمر ، ثم رجع إلى طليحة فقال : أبا عامر ! هل أتاك جبريل ؟ قال : لا . قال عيينة : حتى متى ويحك ! بلغ منا الجهد واشتد بنا الأمر وأحجم الناس عن الحرب ، ثم رجع فلم يزل يقاتل هو وبنو عمه من فزارة ، حتى ضجوا من الطعان والضراب ، ثم رجع فقال له : أبا عامر ! هل أتاك جبريل بعد ؟ قال : نعم قد أتاني ، قال عيينة : الله أكبر ! هات الآن ما عندك ، وما الذي قال لك جبريل ؟ قال طليحة : نعم قد قال جبريل : إن رجاء لا تقوم لرجاه ، وإن لك وله حديثاً لا تنساه الناس أبداً . قال : ثم أقبل عيينة على أهله وبني عمه من فزارة ، فقال : ويحكم يا بني عمى هذا والله كذاب ! والله صح عندي كذبه لتخليطه في كلامه !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 90 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال : ثم ولى عيينة بن حصن منهزماً مع بني عمه من فزارة ، وانهزمت بنو أسد وغطفان ، وسيوف المسلمين في أقفيتهم كأنها الصواعق ! فقال طليحة بن خويلد : ويحكم ما بالكم منهزمين ؟
فقال رجل منهم : أنا أخبرك يا أبا عامر : لم لا ننهزم ؟ نحن قوم نقاتل ونريد البقاء ، وهؤلاء قوم يقاتلون ويحبون الفناء .
قال : فقالت نوار امرأة طليحة : أما إنه لو كانت لكم نية صادقة لما انهزمتم عن نبيكم ! فقال لها رجل منهم : يا نوار لو كان زوجك هذا نبياً حقاً لما خذله ربه ! قال : فلما سمع طليحة ذلك صاح بامرأته : ويلك يا نوار ! إقتربي مني فقد اتضح الحق وزاح الباطل . ثم استوى طليحة على فرسه ، وأردف امرأته من ورائه ، ومرَّ منهزماً مع من انهزم !
واحتوى خالد ومن معه من المسلمين على غنائم القوم ، وعامة نسلهم وأولادهم . قال : فجمع خالد غنائم القوم فوكل نفراً من المسلمين يحفظونها ، ثم خرج في طلب القوم يتبع آثارهم حتى وافاهم بباب الأجرب فاقتتلوا قتالاً شديداً فأسر عيينة بن حصن الفزاري ، وأسر معه جماعة من بني عمه ، وأفلت طليحة بن خويلد فمر هارباً على وجهه نحو الشام ، حتى صار إلى بني جفنة فلجأ إليهم ، واستجار بهم فأجاروه .
قال : ثم جمع خالد الأسارى بأجمعهم من بني أسد وغطفان وفزارة ، وعزم أن يوجه بهم إلى أبي بكر » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 91 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

( 20 ) سبب احتشاد القبائل تأييداً لطليحة !

استطاع طليحة أن يجمع حشداً قبلياً كبيراً ، لكنه لم يحسن إدارتهم ، لأنه مضافاً إلى كذبه ، كانت تسيطر عليه « استراتيجية » الغارة والهرب ، وكان ذلك نعمة من الله تعالى للمسلمين ! ولذلك بدد طليحة هذه القوة في شهور قليلة !
فقد هاجم ابن أخيه حِبَال المدينة بعد شهرين من وفاة النبي ( صلى الله عليه وآله ) أي في شهر جمادى سنة إحدى عشرة ، فقُتل وانهزم جيشه هزيمة فاضحة .
وبعد مدة قليلة انهزم طليحة نفسه هزيمة فاضحة ، في بُزَّاخَة !

( 21 ) تاب طليحة بعد هزيمته الفاضحة !

قرر طليحة في أوج معركته مع المسلمين أن يهرب ، فهرب إلى أصدقائه آل جفنة في الشام ! ثم أظهر ندمه ورجوعه إلى الإسلام ، وجاء معتمراً ، لكن أبا بكر والمسلمين لم يهتموا به ، فبقي هناك إلى خلافة عمر .
وكان المسلمون ينقمون عليه قتله ثابت بن أقرم وعكاشة ، وكان ثابت أسدياً حليفاً لبني أمية ، وعكاشة من فرسان الأنصار وأبطال بدر ، وقد انكسر سيفه فأعطاه النبي ( صلى الله عليه وآله ) سعفة فتحولت إلى سيف وقاتل به . وقد قتلهما طليحة وأخوه سلمة عندما كانا طليعة لجيش خالد .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 92 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد ندم طليحة وأرسل إلى أبي بكر ، كما في العثمانية للجاحظ / 127 :
« ندمتُ على ما كان من قتل ثابتٍ * وعَكَّاشة الغنميِّ يا أمَّ معبدِ
وأعظم من هذين عندي مصيبة * رجوعي عن الإسلام رأى المقيَّدِ
وتركي بلادي والخطوب كثيرة * طريداً وقدماً كنت غير مُطَرَّدِ
فهل يقبل الصديق أنيَ تائبٌ * ومعطٍ بما أحدثت من حدث يدي »
قال في تاريخ دمشق : 25 / 153 : « فأقام عند آل جفنة الغسانيين حتى توفي أبو بكر ، ثم خرج محرماً بالحج فقدم مكة ، فلما رآه عمر قال : يا طليحة لا أحبك بعد قتل الرجلين الصالحين عكاشة بن محصن وثابت بن أقرم ، وكانا طليعتين لخالد بن الوليد فلقيهما طليحة وسلمة ابنا خويلد فقتلاهما .
فقال طليحة : يا أمير المؤمنين رجلان أكرمهما الله بيدي ولم يهني بأيديهما ، وما كل البيوت بنيت على الحب ولكن صفحة جميلة ، فإن الناس يتصافحون على السنان . وأسلم طليحة إسلاماً صحيحاً ولم يغمص عليه في إسلامه ، وشهد القادسية ونهاوند مع المسلمين . وكتب عمر أن شاوروا طليحة في حربكم ، ولا تولوه شيئاً » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 93 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

( 22 ) ثم شارك طليحة في حروب الفتوحات

رووا لطليحة في فتح العراق وفارس ، مواقف شجاعة ، وطرائف .
قال الطبري : 3 / 214 : « فبعث ( النعمان بن مقرن ) من الطزر طليحة وعمراً وعمراً طليعة ، ليأتوه بالخبر ، وتقدم إليهم أن لا يغلوا . فخرج طليحة بن خويلد ، وعمرو بن أبي سلمى العنزي ، وعمرو بن معدي كرب الزبيدي ، فلما ساروا يوماً إلى الليل رجع عمرو بن أبي سلمى ، فقالوا : ما رجعك ؟ قال : كنت في أرض العجم ، وقَتَلَت أرضٌ جاهلها ، وقَتَل أرضاً عالمُها . ومضى طليحة وعمرو حتى إذا كان من آخر الليل رجع عمرو ، فقالوا : ما رجعك قال سرنا يوماً وليلة لم نر شيئاً وخفت أن يؤخذ علينا الطريق .
ونفذ طليحة ولم يحفل بهما فقال الناس : ارتد الثانية ! ومضى طليحة حتى انتهى إلى نهاوند وبين الطزر ونهاوند بضعة وعشرون فرسخاً ( نحو 200 كيلومتر ) فعلم علم القوم واطلع على الأخبار ، ثم رجع حتى إذا انتهى إلى الجمهور وكبر الناس ، فقال : ما شأن الناس ؟ فأخبروه بالذي خافوا عليه ، فقال : والله لو لم يكن دين إلا العربية ما كنت لأجزر العجم الطماطم هذه العرب العاربة !
فأتى النعمان فدخل عليه فأخبروه الخبر ، وأعلمه أنه ليس بينه وبين نهاوند شئ يكرهه ، ولا أحد .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 94 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فنادى عند ذلك النعمان بالرحيل فأمرهم بالتعبية ، وبعث إلى مجاشع بن مسعود أن يسوق الناس . وسار النعمان على تعبيته ، وعلى مقدمته نعيم بن مقرن وعلى مجنبتيه حذيفة بن اليمان وسويد بن مقرن » .
ومعنى كلامه : أنه لو لم يكن دين ، فإن قوميتي تمنعني أن أمكن العجم أصحاب الرطانة من العرب الأقحاح !
وفي تاريخ الطبري : 3 / 220 : « أن رجلاً يقال له جعفر بن راشد ، قال لطليحة وهم مقيمون على نهاوند : لقد أخذتنا خَلَّة ( ملل ) فهل بقي من أعاجيبك شئ تنفعنا به ؟ فقال : كما أنتم حتى أنظر ، فأخذ كساء فتقنع به غير كثير ، ثم قال : البيان البيان ، غنم الدهقان في بستان ، مكان أرونان . فدخلوا البستان فوجدوا الغنم مُسَمَّنة » !
وقال له الشاعر أيمن بن خريم : « ما بقي من كهانتك ؟ قال : نفخة أو نفختان بالكير . يُعيُّره بأنه من القُيون » . أي الحدادين ، والعربي لا يكون حداداً ! ( أنساب الأشراف : 11 / 196 ) .
وفي تجارب الأمم لمسكويه : 1 / 342 : « اشتد القتال وصبر الفريقان ، ولم يسمع إلَّا الغماغم من هؤلاء وهؤلاء ، فسمّيت ليلة الهرير ، ولم يكن بعدها قتال بليل بالقادسية . ثم إن سعداً ( يقصد نائب سعد لأنه لم يحضر المعركة ) وجَّه طليحة وعمرو بن معدي كرب إلى مخاضة كانت أسفل منهم ، وخشي أن يؤتى المسلمون منها بعبور الفرس ، ووصَّاهما أن يقفا هناك ، فإن أحسَّا بكيد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 95 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أنذرا المسلمين . فانتهيا إلى هناك فلم يجدا أحداً . فأمّا طليحة فرأى أن يعبر وأمّا عمرو فقال : ما أمرنا بذلك . فعبر طليحة حتى إذا صار وراء صف المشركين كبِّر ثلاث تكبيرات ، فدهش القوم وكفُّوا عن الحرب لينظروا ما هو ، وطلبوه فلم يدروا أين سلك ! وسفل حتى غاص وأقبل إلى العسكر فأتى سعداً خبره ، فاشتد ذلك على الفرس وفرح المسلمون وقال طليحة للفرس : لا تعدموا أمراً ضعضعكم » .

( 23 ) ( بطولة ) خالد في التقتيل بعد معركة بزاخة !

اتفق المؤرخون على أن خالداً أصابه الجزع والخوف ، فرجع من قرب بُزَّاخَة ، باسم الانسحاب التكتيكي ! وكذلك فعل في تبوك !
كما لم يثبت أنه برز إلى أحد ، ولا قاد حملة على جيش طليحة ، ولا شارك فيها ، وكذلك تراه في بقية معاركه !
لكن خالداً تأتيه البطولة في غير المعركة المتكافئة ، فتراه يجيد الغدر بدل المبارزة ، فيحتال على خصمه ، أو يرسل ضابطاً مطيعاً إلى أناس عُزَّل فيلقون القبض عليهم ويأتونه بهم أسرى مكتفين فيقتلهم صبراً ، فتظهر شجاعته وبطولته في تقتيلهم وهم عُزَّل !
فكذلك فعل خالد ببني جذيمة لما غَدَر بهم بعد أن أمَّنَهم ! فقد كتَّف منهم سبعين مسلماً وقدمهم واحداً واحداً وقتلهم !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 96 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وكان فيهم شاب غريب جاء ليرى معشوقته من بني جذيمة ، وأقسم لخالد أنه ليس منهم ، لكن « بطل الإسلام » لم يرحمه وقتله ، فأكبت عشيقته على جنازته وشهقت وماتت ، فقال النبي ( صلى الله عليه وآله ) لما أخبروه ، كما في الطبري : 2 / 342 ، وابن هشام : 4 / 883 : « أما كان فيكم رجل رحيم !
كما غدر خالد بمالك بن نويرة وبني يربوع بعد أن أمَّنهم ، فاحتال عليهم حتى ألقوا سلاحهم ، فكتفهم وقتلهم ! ولم يسمع استنكار عبد الله بن عمر وأبي قتادة وغيره من الصحابة ، ونام مع زوجة مالك في تلك الليلة !
وقد حكم عليه عمر بأنه قاتل زان !
كما غدر خالد بسبعة آلاف من بني حنيفة قتلهم جميعاً ، بعد أن وقع معهم الصلح ! ولم يكن فيهم من قتل أحداً من المسلمين كبعض أهل بُزَّاخَة !
أما في بُزَّاخَة فبقي شهراً يرسل خيله فتأتيه بشخص أو جماعة مكتفين ، فيتفنن في قتلهم ! « فأقام على البُزَّاخَة شهراً يُصَعِّدُ عنها ويُصَوِّبُ ، ويرجع إليها في طلب أولئك . فمنهم من أحرقه ، ومنهم من قَمَّطَه ورضخه بالحجارة ، ومنهم من رمى به من رؤس الجبال » . ( الطبري : 2 / 491 ) .
« عن ابن شهاب : فاقتتلوا يعني هم والمسلمون قتالاً شديداً ، وقتل المسلمون من العدو بشراً كثيراً . وأسروا منهم أسارى فأمر خالد بالحظيرة أن تبنى ، ثم أوقد تحتها ناراً عظيمة فألقى الأسارى فيها » . ( التمهيد : 5 / 315 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 97 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد اقتدى خالد في هذا العنف بأبي بكر ، فقد أحرق رجلين بالنار ، وأمر خالداً بالتحريق !
قال ابن كثير في النهاية : 6 / 352 : « وقد كان الصديق حرق الفجاءة بالبقيع في المدينة ، وكان سببه أنه قدم عليه فزعم أنه أسلم وسأل منه أن يجهز معه جيشاً يقاتل به أهل الردة ، فجهز معه جيشاً ، فلما سار جعل لا يمر بمسلم ولا مرتد إلا قتله وأخذ ماله ، فلما سمع الصديق بعث وراءه جيشاً فرده ، فلما أمكنه بعث به إلى البقيع ، فجمعت يداه إلى قفاه وألقي في النار فحرقه وهو مقموط » !
ومعنى قول ابن كثير : ( فجهز معه جيشاً ) أنه أعطاه بعيراً وسيفأً !
قال الطبري : 2 / 492 : « فحمله أبو بكر على ظهر وأعطاه سلاحاً » !
وفي فتح الباري : 12 / 243 : « وفي رواية الطبراني . . فأتى بحطب فألهب فيه النار فكتفه وطرحه فيها » ! وفتوح البلدان للبلاذري : 1 / 117 ، والمسترشد / 513 .
وقال اليعقوبي في تاريخه ( 2 / 134 ) : « وحرق ( أبو بكر ) أيضاً رجلاً من بني أسد ، يقال له شجاع بن ورقاء » .
وفي فتح الباري : 12 / 243 : « وفي رواية الطبراني . . فأتى بحطب فألهب فيه النار فكتَّفه وطرحه فيها . . ويؤخذ منه أن معاذاً وأبا موسى كان يريان جواز التعذيب بالنار ، وإحراق الميت بالنار مبالغة في إهانته ، وترهيباً عن الاقتداء به » . انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 98 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أقول : قد يُبرر عمل أبي بكر وخالد بأن الذين قتلاهم ومثَّلا بهم وأحرقاهم ، أو بعضهم على الأقل ، كانوا قد قَتَّلوا مسلمين بأمر طليحة .
لكن الحكم الشرعي هو القصاص على من ثبت عليه القتل ، وقد نهى الإسلام عن التمثيل والتحريق مطلقاً !
ولم يذكروا عدد الذين قمَّطهم خالد وحرقهم في حرب طليحة ، لكنهم ذكروا أن عدد من قتلهم في حرب مسيلمة بعد توقيع الصلح : سبعة آلاف !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 99 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الثالث : عدي بن حاتم نبيلٌ في الجاهلية قائد في الإسلام !

1 . أبوه حاتم الطائي ، يضرب به المثل في الكرم عند العرب

1 . أبوه حاتم الطائي ، يضرب به المثل في الكرم عند العرب ، وفي العالم ، وهو : « حاتم بن عبد الله ، بن سعد ، بن الحشرج ، بن امرئ القيس ، بن عدي ، بن أخزم ، بن ربيعة ، بن جرول ، بن ثُعل » . ( تاريخ اليعقوبي : 1 / 264 ) .
قال في العقد الفريد : 1 / 81 : « أجود أهل الجاهلية الذين انتهى إليهم الجود في الجاهلية ثلاثة نفر : حاتم بن عبد الله بن سعد الطائي ، وهرم بن سنان المري ، وكعب بن مامة الإيادي . ولكن المضروب به المثل حاتم وحده ، وهو القائل لغلامه يسار ، وكان إذا اشتد البرد وكلُب الشتاء ، أمر غلامه فأوقد ناراً في يفاع من الأرض لينظر إليها من أضل الطريق ليلاً فيصمد نحوه ، فقال في ذلك :
أوقد فإن الليل ليل قَرّ * والريح يا واقد ريحٌ صَرّ
عسى يرى نارك من يَمُرّ * إن جلبتَ ضيفاً فأنت حُرّ
ومرَّ حاتم في سفره على عَنَزَة ، وفيهم أسير فاستغاث بحاتم ولم يحضره فكاكه فاشتراه من العنزيين وأطلقه ، وأقام مكانه في القيد حتى أدى فداءه !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 100 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقالوا : لم يكن حاتم ممسكاً شيئاً ما عدا فرسه وسلاحه ، فإنه كان لا يجود بهما . وقالت نوار امرأة حاتم : أصابتنا سنة اقشعرت لها الأرض واغبر أفق السماء ، وراحت الإبل حدباً حدابير ، وضنت المراضع على أولادها فما تبض بقطرة ، وحلقت ألسنة المال وأيقنا بالهلاك .
فوالله إنا لفي ليلة صنبر ، بعيدة ما بين الطرفين ، إذا تضاغى صبيتنا جوعاً ، عبد الله وعدي وسفانة ، فقام حاتم إلى الصبيين ، وقمت أنا إلى الصبية ، فوالله ما سكتوا إلا بعد هدأة من الليل ، وأقبل يعللني بالحديث ، فعرفت ما يريد فتناومت ، فلما تهورت النجوم ، إذا شئ قد رفع كسر البيت ثم عاد فقال : من هذا ؟ قالت : لا عليك يا أبا عدي . فقال : أعجليهم فقد أشبعك الله وإياهم .
فأقبلت المرأة تحمل اثنين ويمشي جانبها أربعة كأنها نعامة حولها رئالها . فقام إلى فرسه فوجأ لبته بمدية فخرَّ ، ثم كشطه عن جلده ودفع المدية إلى المرأة فقال لها : شأنك . فاجتمعنا على اللحم نشوي بالنار ، ثم جعل يمشي في الحي يأتيهم بيتاً بيتاً فيقول : هُبُّوا أيها القوم عليكم بالنار ، فاجتمعوا . والتفع في ثوبه ناحية ينظر إلينا ، فلا والله إن ذاق منه مُزعة وإنه لأحوج إليه منا ! فأصبحنا وما على الأرض من الفرس إلا عظم وحافر فأنشأ يقول :
مهلاً نوار أقلي اللومَ والعَذَلا * ولا تقولي لشئ فاتَ ما فعلا
ولا تقولي لمالٍ كنت مُهلكه * مهلاً وإن كنت أعطي الإنس والخَبَلا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 101 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يرى البخيل سبيل المال واحدةً * إن الجواد يرى في ماله سُبُلا
ولحاتم بن عبد الله أيضاً :
أمَاوِيُّ قد طال التجنب والهجرُ * وقد عذرتنا عن طِلابِكُمُ العذرُ
أماويُّ إن المال غاد ورائح * ويبقى من المال الأحاديث والذكر
أماويُّ إما مانع فمبين * وإما عطاء لا ينهنهه الزجر
أماويُّ إني لا أقول لسائل * إذا جاء يوماً : حل في مالي النذر
أماويُّ ما يغني الثراء عن الفتى * إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر
أماويُّ إن يصبح صداي بقفرة * من الأرض لا ماء لدي ولا خمر
تريْ أن ما أنفقت لم يك ضرني * وأن يدي مما بخلت به صفر
إذا أنا دلاني الذين يلونني * بمظلمة لج جوانبها غبر
وراحوا سراعاً ينفضون أكفهم * يقولون قد أدمى أظافرنا الحفر
أماويُّ إن المال مال بذلته * فأوله سكر وآخره ذكر
وقد يعلم الأقوام لو أن حاتماً * أراد ثراء المال كان له وفر
فإن وجدي رب واحد أمه * أجرت فلا قتل عليه ولا أسر
ولا أظلم بن العم إن كان إخوتي * شهوداً وقد أودى بإخوته الدهر
غنينا زماناً بالتصعلك والغنى * وكلاً سقاناه بكاسيهما الدهر
فما زادنا بأواً على ذي قرابة * غنانا ولا أزرى بأحلامنا الفقر . . .
وكان سنان أبو هرم سيد غطفان . . وفي بني سنان يقول زهير :
قومٌ أبوهم سنانٌ حين تنسبهم * طابوا وطاب من الأولاد ما ولدوا
لو كان يَقعدُ فوق الشمس من كرم * قومٌ بأولهم أو مجدهم قعدوا
جنٌّ إذا فزعوا إنسٌ إذا أمِنوا * مُرَزَّؤونَ بهاليلٌ إذا قصدوا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 102 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مُحَسَّدُون على ما كان من نعم * لا ينزع الله منهم ما له حُسدوا » .
وفي ربيع الأبرار للزمخشري : 1 / 379 : « أغار قوم على طئ فركب حاتم فرسه وأخذ رمحه ونادى عشيرته ، ولقي القوم فهزمهم وتبعهم . فقال رئيسهم : يا حاتم هب لي رمحك ، فرمى به إليه فاستمر الرجل ولم ينعطف . فقيل لحاتم : عرضت قومك للإستئصال ، لو عطف عليك وأنت الرأس ! فقال : قد علمتُ أنه التلف ، ولكن ما جواب من يقول : هب لي » ؟ !
أقول : إن نبل حاتم وعفته يعادل في المناقبية كرمه وسخاءه ، فقد قال :
« ناري ونارُ الجار واحدةٌ * وإليه قبلي تنزل القدرُ
ما ضرَّ جاراً لي أجاوره * أن لا يكون لبابه سترُ
أغضي إذا ما جارتي برزت * حتى يواري جارتي الخدر » .
( تاريخ دمشق : 18 / 59 ، وخزانة الأدب : 9 / 96 ) .

2 . كان عَدِيٌّ أبو طريف أكبر أبناء حاتم وأبرزهم

2 . كان عَدِيٌّ أبو طريف أكبر أبناء حاتم وأبرزهم ، فورث مكانة أبيه . « كان يكنى أبا طريف ، وكان طويلاً إذا ركب الفرس كادت رجلاه تخطَّ في الأرض » . ( المعارف ابن قتيبة / 313 ) . وفي الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة / 355 : « كان يفتُّ الخبز للنمل ويقول : إنهن جارات ! وفيه يقول الشاعر رؤبة :
بأبه اقْتَدَى عَدِيٌّ في الكَرَم * ومن يُشَابِهْ أَبَه فَمَا ظلَم
( معجم القواعد العربية / 47 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 103 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد أسلم على أثر سرية أرسلها النبي ( صلى الله عليه وآله ) إلى طيئ بقيادة علي ( عليه السلام ) لمنع تحويل طئ إلى قاعدة للروم ، لما أراد هرقل أن يغزو المدينة وأخذ يحضِّر لغزو المدينة والجزيرة ، وكان اعتماد هرقل على ملك الغساسنة في الشام ، وعلى الأكيدر الكندي ملك دومة الجندل في مدخل الجزيرة ، كما عمل على تحويل قبيلة طئ إلى قاعدة مساندة لحملتهم ، وقد استجاب لدعوتهم عدي بن حاتم واعتنق المسيحية ، وكان يقضي وقتاً من سنته في الشام !
« قدم على النبي ( صلى الله عليه وآله ) من الشام ودعاه إلى الإسلام فقال : إني نصراني ركوسي . فقال إنك لا دين لك ، إنك تصنع ما لا يصلح لك في ركوسيتك ، فأبصر وأسلم » . ( تاريخ دمشق : 40 / 78 ) .
وفي الفايق للزمخشري : 2 / 6 : « إنك تأكل المرباع وهو لا يحل لك . . المرباع الربع ومثله المعشار ، وكان يأخذه الرئيس مع المغنم في الجاهلية . الركوسية قوم بين النصارى والصابئين » . « والرِّكس بالكسر : الجسر » . ( لسان العرب : 6 / 101 ) .
فقد اختار عدي بن حاتم المسيحية الشرقية التي فيها أفكار من الصابئة ، ولا بد أن مذهبه أخذ ينتشر في قبيلته ، الذين كانوا وثنيين يعبدون صنمهم الفُلس ، وله عندهم معبد مشهور ، وقد أهدى الحارث بن شمر ملك الغساسنة هدية لصنم طئ ، فيها سيوف ، مع أنه مسيحي على دين قيصر !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 104 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لذلك رأى النبي ( صلى الله عليه وآله ) أن يقلم أظافر قيصر من الجزيرة ، قبل غزوة تبوك ! فأرسل علياً ( عليه السلام ) في سرية إلى قبيلة طئ .
قال في الصحيح من السيرة : 26 / 335 ، ملخصاً : « في شهر ربيع الآخر من سنة تسع بعث رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) في خمسين ومائة رجل أو مائتين من الأنصار ، كما ذكره ابن سعد ، على مائة بعير وخمسين فرساً ، ومعه راية سوداء ولواء أبيض ، إلى الفُلْس وهو صنم لطئ ليهدمه ، فوجدوا عيناً لطئ على بعد ليلة ، فأخذوه معهم وشنوا الغارة على محلة آل حاتم مع الفجر ، فهدموا الفُلس وخربوه ، ووجد في خزانته ثلاثة أسياف : رسوب والمخذم ، وكان الحارث بن أبي شمر ملك الشام قلده إياهما ، وسيف يقال له : اليماني ، وثلاثة أدرع . وأخذوا من نعمهم وسبوا منهم ، وكان في السبي سفانة أخت عدي بن حاتم ، وهرب عدي إلى الشام ، فلما نزلوا رَكَك اقتسموا الغنائم وعزلوا للنبي ( صلى الله عليه وآله ) السيوف والخُمس ، ولم يَقْسِم آل حاتم حتى قدم بهم المدينة .
وكانت أخت عدي إذا مرَّ النبي ( صلى الله عليه وآله ) تقول : يا رسول الله هلك الوالد وغاب الوافد ، فامنن علينا منَّ الله عليك ، فسألها : من وافدك ؟ فتقول : عديُّ بن حاتم . فيقول : الفار من الله ورسوله ؟ فلما كان يوم الرابع مرَّ النبي فلم تتكلم فأشار إليها رجل قومي فكلميه ، فكلمته أن يمن عليها فمن عليها فأسلمت . وسألت عن الرجل الذي أشار إليها ، فقيل : عليٌّ وهو
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 105 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الذي سباكم أما تعرفينه ؟ فقالت : لا والله ما زلت مُدْنِيَةً طرف ثوبي على وجهي ، وطرف ردائي على بُرقعي من يوم أُسرت حتى دخلتُ هذه الدار ، ولا رأيت وجهه ولا وجه أحد من أصحابه .
وفي نص آخر قالت : يا محمد أرأيت أن تخلي عنا ولا تشمت بنا أحياء العرب ؟ فإني ابنة سيد قومي ، وإن أبي كان يحمي الذمار ، ويفك العاني ، ويشبع الجائع ، ويكسو العاري ، ويقري الضيف ، ويطعم الطعام ، ويفشي السلام ، ولم يرد طالب حاجة قط ! أنا ابنة حاتم طئ .
فقال لها النبي ( صلى الله عليه وآله ) : يا جارية ، هذه صفة المؤمنين حقاً ، ولو كان أبوك مسلماً لترحمنا عليه ، خلوا عنها فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق . قالت : وكساني رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وحملني وأعطاني نفقة ، فخرجت حتى قدمت على أخي . . قال عدي : فوالله إني لقاعد في أهلي ، إذ نظرت إلى ظعينة تصوب إليَّ تؤمنا . قال : فقلت : ابنة حاتم فإذا هي هي ! فلما وقفت عليَّ قالت : أنت القاطع الظالم ، ارتحلت بأهلك وولدك ، وتركت بقية والدك : أختك وعورتك ؟ ! قال قلت : يا خية ، لا تقولي إلا خيراً ، فوالله ما لي من عذر ، ولقد صنعت ما ذكرت ! قال : ثم نزلت فأقامت عندي ، فقلت لها وكانت امرأة حازمة : ماذا ترين في أمر هذا الرجل ؟ قالت : أرى والله أن نلحق به سريعاً ، فإن يكن الرجل نبياً فللسابق إليه فضله ، وإن يكن ملكاً فلن نذل في عز اليمن ، وأنت أنت . قال قلت : والله إن هذا الرأي .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 106 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال : فخرجت حتى قدمت على رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) المدينة ، فدخلت عليه وهو في مسجده وعنده امرأة وصبيان ، فعرفت أنه ليس بمُلك كسرى ولا قيصر فسلمت عليه فقال : مَن الرجل ؟ ! قال قلتُ : عدي بن حاتم . فرحب به النبي وقربه وأخذه إلى بيته ، فلقيته امرأة كبيرة ضعيفة فاستوقفته ، فوقف لها طويلاً تكلمه في حاجتها . قال عدي : قلت في نفسي والله ما هذا بمَلِك . قال : ثم مضى حتى إذا دخل بيته تناول وسادة من أدم محشوة ليفاً فقدمها إلي ، فقال : أجلس على هذه . قلت : بل أنت فاجلس . فقال : بل أنت فاجلس عليها . فجلست عليها وجلس رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) على الأرض .
فقلت في نفسي : ما هذا بأمر ملك ! فدخل الإسلام في قلبي وأحببت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) حباً لم أحبه شيئاً قط ! قال : ثم أقبل عليَّ فقال : هيه يا عدي بن حاتم ، أفررت أن توحد الله ، وهل من أحدٌ غير الله ؟ هيه يا عدي بن حاتم ، أفررت أن تكبر الله ومن أكبر من الله ؟ هيه يا عدي بن حاتم ، أفررت أن تعظم الله ومن أعظم من الله ؟ هيه يا عدي بن حاتم أفررت أن تشهد أن لا إله إلا الله ، وهل من إله غير الله ؟ هيه يا عدي بن حاتم أفررت أن تشهد أن محمداً رسول الله ؟ !
قال : فجعل رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول نحو هذا وأنا أبكي . قال : ثم أسلمت .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 107 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال : فلعلك إنما يمنعك من الدخول فيه أنك ترى الملك والسلطان في غيرهم ! والله لتفتحن عليهم كنوز كسرى بن هرمز . قلت : كنوز كسرى بن هرمز ؟ ! قال : كنوز كسرى بن هرمز !
قال عدي : فأسلمت ، فرأيت وجه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قد استبشر !
قال عدي : وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز ، ولئن طالت بكم حياة سترون ما قال أبو القاسم ( صلى الله عليه وآله ) » .

3 . رجع إلى بلاده مسلماً ، ثم رجع إلى النبي ( صلى الله عليه وآله ) بوفد من زعماء طيئ

3 . رجع عدي إلى بلاده مسلماً ، ثم رجع إلى النبي ( صلى الله عليه وآله ) بوفد من زعماء طيئ ، وكانوا خمسة عشر رجلاً ، فيهم زيد الخيل بن مهلهل من بني نبهان ، وزرُّ بن جابر بن سدوس ، وقبيصة بن الأسود بن عامر ، ومالك بن عبد الله بن خيبري من بني معن ، وقعين بن خليف من جديلة ، ورجل من بني بولان . فعرض عليهم الإسلام فأسلموا وحسن إسلامهم ، وأجازهم بخمس أواق فضة كل رجل منهم وأعطى زيد الخيل اثنتي عشرة أوقية ، وقطع له فيد وأرضين . ( بحار الأنوار : 21 / 365 ) .
وفي تاريخ دمشق : 25 / 164 : « وكان عماله على طيئ عدي على النصف من ثعل ، وعلى النصف الآخر زيد الخيل بن مهلهل ، وعلى النصف من جديلة طيئ ثمامة ، وعلى النصف الآخر الحارث بن فلان الفرادحي » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 108 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وكان عَدِي أيام وفاة النبي ( صلى الله عليه وآله ) في المدينة ، وقد شهد بعض أحداث السقيفة ، ومما قاله : « ما رحمت من خلق الله أحداً كرحمتي عليّ بن أبي طالب ، رأيته حين أُتيَ به إلى بيعة أبي بكر فلما نظر إلى القبر قال : ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي ! فقالوا : بايع . قال : فَإن لم أَفعل ؟ قالوا : نقتلك ! قال : تقتلون إذاً عبدَ الله وأخا رسول الله ! فمسح القوم على يده وأصابعه مضمومة ، ولم يستطيعوا بسطها » . ( الشافي : 3 / 244 ) .
وفي العقد النضيد / 161 ، عن تميم بن بجدل قال : « ولقد سمعته بصفين يخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أيّها الناس إمضوا على بصيرتكم ، وقاتلوا على نوركم ، واعلموا أنّكم لن تقاتلوا تحت راية أهدى من هذه الراية ، ولا قوماً أضل من أهل الشام ، ألا تحبون أن تلقوا الله ورسوله ( صلى الله عليه وآله ) غداً وهما عنكم راضيان ؟ ! تقاتلون مع ابن عم رسول الله ووصيه وخليفته على أُمته . والله لقد رأيتنا نسلم عليه بالخلافة في حياة رسول الله ، فماذا في قتال معاوية وأصحابه ؟ وإنما هم أشباه البهائم أتى بهم معاوية ليوردهم النار ويشعرهم العار ! وإن فاطمة ( عليها السلام ) كانت تنادي عمر : يا ابن السوداء ، والله لولا أن يصيب البلاء من لا ذنب له ، لدعوت الله أن يطبق عليكم أحشاء مكة والمدينة ، ولوجدت الله سريع الإجابة !
فقال الناس : فلا جزيتم عنا خيراً يا أصحاب محمد ، إنكم شهدتم وغبنا ، فهلا أعلمتمونا ؟ ! قال : وبَدَرَ الناس إلى عدي بن حاتم ، فخشي أن يتفرَّق
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 109 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الناس عن عليٍّ ( عليه السلام ) فأمسك . . فقيل له : هل قلت يوم بيعة أبي بكر شعراً ؟ قال : نعم ، وأنشد شعراً :
أبا حسن صبراً وفي الصبر عصمةٌ * وفيه نجاة المرء في السرٍّ والجهر
ألم تر أنّ الصبر أحجى بذي الحِجى * وأن ابتدار الأمر شين على الأمر
وقد لقي الأخيار قبلك ما لقوا * وأُودَوا عباد الله في سالف الدهر » .
أقول : يقصد الراوي أنه عندما تحدث عدي بن حاتم عما جرى بعد وفاة النبي ( صلى الله عليه وآله ) وذكر كلام الزهراء ( عليها السلام ) لعمر بن الخطاب ، أظهر الناس انتقادهم للصحابة لماذا لم ينقلوا إليهم الحقيقة ، وبَدَرَ إليه الناس أي ركضوا ليسمعوا منه ، فأمسك وسكت خوفاً من عدم تحمل الناس انتقاد أبي بكر وعمر ، فيتفرقون عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) .
وينبغي الالتفات إلى أن قريشاً رفعت شعار أن الخلافة أمرٌ يخص قريشاً وحدها ولا يجوز لأحد أن يتدخل فيها حتى بكلمة ، وكانت تقف بشدة وتقمع أي كلام عن وصية النبي ( صلى الله عليه وآله ) لعلي والحسنين والعترة ( عليهم السلام ) ، وعن أحداث السقيفة وهجومهم على بيت علي والزهراء ’ ، وإجبارهم إياهم على بيعة أبي بكر .
فمهما كانت مكانة الأنصار ومكانة عدي بن حاتم الطائي ، ومالك بن نويرة التميمي ، وأمثالهم ، فلا حق لهم عند قريش أن يقولوا كلمة واحدة عن الخلافة !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 110 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

4 . وثبت عدي على الإسلام بعد وفاة النبي ( صلى الله عليه وآله ) ونشط في نصح قبيلته

4 . وثبت عدي على الإسلام بعد وفاة النبي ( صلى الله عليه وآله ) ونشط في نصح قبيلته ، وكان له أكبر الأثر في إحباط موجة طليحة الأسدي ، فأقنع طيئاً وبجيلة بترك طليحة ، والثبات على الإسلام ، والانضمام إلى خالد في حرب طليحة .
قال ابن حجر في الإصابة : 4 / 388 : « وثبت على إسلامه في الردة ، وأحضر صدقة قومه إلى أبي بكر ، وشهد فتح العراق ، ثم سكن الكوفة ، وشهد صفين مع علي ، ومات بعد الستين وقد أسن ، قال خليفة : بلغ عشرين ومائة سنة . . . قال . . ما أقيمت الصلاة منذ أسلمت إلا وأنا على وضوء » .
وفي تهذيب التهذيب : 7 / 151 : « الشعبي ، عن عدي بن حاتم : أتيت عمر بن الخطاب في أناس من قومي ، فجعل يفرض للرجل من طئ في ألفين ، ويعرض عني ، فاستقبلته فقلت : يا أمير المؤمنين أتعرفني ؟ قال فضحك حتى استلقى لقفاه ، وقال : نعم والله إني لأعرفك : آمنت إذ كفروا ، وعرفت إذا أنكروا ووفيت إذ غدروا ، وأقبلت إذ أدبروا . وإن أول صدقة بيضت وجه رسول الله ووجوه أصحابه صدقة طئ ، جئتَ بها إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، ثم أخذ يعتذر . .
وحضر فتح المدائن ، وشهد مع علي الجمل ، وصفين ، والنهروان » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 111 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

5 . ثم سار عَدِيٌّ بمقاتلي قبيلته مع خالد إلى اليمامة لحرب مسيلمة

5 . ثم سار عَدِيٌّ بمقاتلي قبيلته مع خالد إلى اليمامة لحرب مسيلمة الكذاب وكان دورهم مهماً في هزيمته : « وقدم عدى بن حاتم بألف رجل من طئ ، حتى أتى اليمامة » . ( مجمع الزوائد : 6 / 220 ، ومسند أبي يعلى : 13 / 146 ) .

6 . وبعد حرب اليمامة شارك عدي في فتح العراق .

6 . وبعد حرب اليمامة سار عدي بن حاتم مع خالد وشارك في فتح العراق ففي تاريخ الطبري : 2 / 554 : « فرَّق خالد مخرجه من اليمامة إلى العراق جنده ثلاث فرق ، ولم يحملهم على طريق واحد ، فسرح المثنى قبله بيومين ودليله ظفر . وسرح عدى بن حاتم وعاصم بن عمرو ودليلاهما مالك بن عباد وسالم بن نصر ، أحدهما قبل صاحبه بيوم . وخرج خالد ودليله رافع . فواعدهم جميعاً الحفير ليجتمعوا به وليصادموا به عدوهم ) .

7 . وشارك عدي وقبيلته في معركة الجسر مع الفرس

7 . وشارك عدي وقبيلته في معركة الجسر في العراق ، بعد ذهاب خالد ، ففي السنة التي كان فيها خالد في العراق ، لم تكن أي معركة ، وبعد ذهابه إلى الشام كانت معركة بابل بقيادة المثنى ومعركة النمارق والجسر بقيادة أبي عبيد الثقفي ، وشارك فيها عدي وكان قائد الميسرة . ثم كان قائداً مع المثنى ومع هاشم المرقال في عمليات في فتح العراق . ( الأخبار الطوال / 115 ) .
وذكر ابن الأثير في الكامل : 6 / 386 ، مبارزته لأحد أبطال الفرس ، قال : « واقتتلوا فبرز قارن فقتله معقل بن الأعشى بن النباش ، وقتل عاصم أنوشجان ، وقتل عدي بن حاتم قباذ » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 112 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ووصف الطبري : 2 / 319 ، مشاركته في فتح الحيرة وأنه قال : « إني لما سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يذكر ما رُفِعَ له من البلدان ، فذكر الحيرة فيما رفع له ، وكأن شُرَف قصورها أضراس الكلاب ، عرفتُ أنه قد أريَها ، وأنها ستفتح » .
وذكر الطبري ( 2 / 327 ) أن عدي بن حاتم أغار على أهل المصيخ ، وكانوا مع الروم ، واسم رئيسهم حرقوص بن النعمان من النمر .
ثم جاء عدي بقواته إلى المثنى وسعد قبل القادسية ، قال الطبري : 3 / 7 : « وكان المثنى في ثمانية آلاف من ربيعة . . وألفان من من قضاعة وطيئ ، ممن انتخبوا إلى ما كان قبل ذلك ، وعلى طيئ عدي بن حاتم » .

8 . وكان عدي من قادة القادسية

8 . واصل عدي جهاده بقبيلته في فتح العراق ، فكان من قادة القادسية ، ففي الإصابة ( 5 / 66 ) : « لما أراد عائذ بن قيس الجرمزي أن يأخذ الراية من عدي بن حاتم ( بصفين ) قام عبد الله بن خليفة فقال : أليس كان عدي وافدكم إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، ورأسكم بالقادسية » ؟
وفي الإصابة : 4 / 389 ، أنه كان في أول خيل غارت على المدائن ، قال : « وقال لي رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : يا عدي أسلم تسلم . قلت : إن لي ديناً ، قال : أنا أعلم بدينك منك . . قد أظن أنه إنما يمنعك غضاضة تراها فيمن حولي ، وأنك ترى الناس علينا إلباً واحداً . قال : هل أتيت الحيرة ؟ قلت : لم آتها وقد علمت مكانها . قال : يوشك أن تخرج الظعينة منها بغير جوار حتى تطوف
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 113 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بالبيت ، ولتفتحن علينا كنوز كسرى بن هرمز . فقلت : كسرى بن هرمز ؟ قال : نعم ، وليفيضن المال حتى يهم الرجل من يقبل صدقته . قال عدي : فرأيت اثنتين : الظعينة ، وكنت في أول خيل غارت على كنوز كسرى . وأحلف بالله لتجيئن الثالثة » .

9 . شارك في فتح مصر ، وكان معه ابنه حاتم .

9 . كما شارك عدي في فتح مصر ، وكان معه ابنه حاتم ، وأسس فيها قرية ، ففي فتوح الشام للواقدي : 1 / 64 ، « ونزل عدي بأصحابه بالقرية المعروفة ببني عدي ، ثم سار وترك ابنه حاتماً وإخوته وأحاطوا بالقرية . وسار قيس وأصحابه حتى وصلوا إلى القرية المعروفة بنوس » .
وقرية بني عدي من أعمال منفلوط بمصر . ( الأعلام : 6 / 96 ) .
وفي فتوح الشام : 2 / 257 : « واستدعى خالد بِعَدِيّ بن حاتم الطائي ، وأضاف إليه ميمون بن مهران وضم إليه ألف فارس ، وأمرهم أن ينازلوا أول بلاد البطليموس وينازلوا أهل الكورة ، وإذا وصل إلى قيس بن الحرث يأمره بالمسير إلى قريب البهنسا ، ويقاتل من يقاتله ويسالم من يسالمه ويصالح من يصالحه ، حتى يأتيه المدد » .

10 . وكان عدي من المعترضين على عثمان

10 . وكان عدي ( رحمه الله ) من المعترضين على عثمان ، واتهموه بالمشاركة في قتله فقد كتب عدي إلى عثمان مع الشخصيات الذين كتبوا له يشكون والي الكوفة ، وهو الوليد أخ عثمان من الرضاعة لأنه كان متهتكاً ظالماً .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 114 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال اليعقوبي : ( 2 / 165 ) : « وأخذ الوليد أبا سنان فضربه مائتي سوط فوثب عليه جرير بن عبد الله ، وعدي بن حاتم ، وحذيفة بن اليمان ، والأشعث بن قيس ، وكتبوا إلى عثمان مع رسلهم ، فعزله وولى سعيد بن العاص مكانه » .
وذكر الجاحظ في العثمانية / 126 ، شعراً لطريف بن عدي ، في ذم عثمان .
وفي شرح نهج البلاغة لميثم : 4 / 369 : « روى أن أبا هريرة وأبا الدرداء أتيا معاوية فقالا له : علام تقاتل علياً وهو أحقّ بالأمر منك لفضله وسابقته ؟ فقال : لست أقاتله لأني أفضل منه ، ولكن ليدفع إليّ قتلة عثمان .
فخرجا من عنده وأتيا علياً فقالا له : إن معاوية يزعم أن قتلة عثمان عندك وفي عسكرك فادفعهم إليه ، فإن قاتلك بعدها علمنا أنه ظالم لك .
فقال عليٌّ : إنّي لم أحضر قتل عثمان يوم قتل ولكن هل تعرفان من قتله فقالا : بلغنا أن محمد بن أبي بكر ، وعمار ، والأشتر ، وعدّي بن حاتم ، وعمرو بن الحمق ، وفلاناً وفلاناً ممّن دخل عليه .
فقال عليّ : فامضيا إليهم فخذوهم . فأقبلا إلى هؤلاء النفر وقالا لهم : أنتم من قتلة عثمان ، وقد أمر أمير المؤمنين بأخذكم .
قال : فوقعت الصيحة في العسكر بهذا الخبر ، فوثب من عسكر عليّ أكثر من عشرة آلاف رجل في أيديهم السيوف ، وهم يقولون : كلُّنا قتلته .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 115 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فبهت أبو هريرة وأبو الدرداء ، ثم رجعا إلى معاوية وهما يقولان : لا يتمُّ هذا الأمر أبداً » .
وفي الأخبار الطوال / 149 : « فلما رأى علي شدة صبر أهل البصرة جمع إليه حماة أصحابه فقال : إن هؤلاء القوم قد محكوا فاصدقوهم القتال ، فخرج الأشتر ، وعدي بن حاتم ، وعمرو بن الحمق ، وعمار بن ياسر ، في عددهم من أصحابهم ، فقال عمرو بن يثربي لقومه ، وكانوا في ميمنة أهل البصرة : إن هؤلاء القوم الذين قد برزوا إليكم من أهل العراق ، هم قتلة عثمان فعليكم بهم » !

11 . وكان يحدث بمناقب علي ( عليه السلام ) ، ومكانته العليا في الإسلام

11 . وكان يحدث بمناقب علي ( عليه السلام ) ، ومكانته العليا في الإسلام ، فقد روى كبار الصحابة ومنهم عدي أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) جعل حبه علامة الإيمان وبغضه علامة النفاق ، قالوا : « ما كنا نعرف المنافقين على عهد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) إلا ببغض علي بن أبي طالب » ( البخاري وفقه أهل العراق / 25 ) .
كما شهد عدي بحديث الغدير عندما ناشد عليٌّ ( عليه السلام ) الصحابة الذين حضروه أن يشهدوا بما سمعوا . ( الغدير : 1 / 54 ) .

12 . وكان في المدينة عندما خرجت عائشة وطلحة والزبير

12 . وكان عدي في المدينة عندما خرجت عائشة وطلحة والزبير ، على علي ( عليه السلام ) ، فبادر إلى طيئ يستنفرهم لنصرة الإمام ( عليه السلام ) في البصرة .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 116 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال ابن قتيبة في الإمامة والسياسة : 1 / 55 : « ذكروا أن ابن حاتم قام إلى علي ( عليه السلام ) فقال : يا أمير المؤمنين ، لو تقدمت إلى قومي أخبرهم بمسيرك وأستنفرهم ، فإن لك من طيئ مثل الذي معك . فقال علي : نعم فافعل ، فتقدم عدي إلى قومه فاجتمعت إليه رؤساء طيئ فقال لهم : يا معشر طيئ ، إنكم أمسكتم عن حرب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في الشرك ، ونصرتم الله ورسوله في الإسلام على الردة ، وعلي قادم عليكم وقد ضمنت له مثل عدة من معه منكم ، فخفوا معه ، وقد كنتم تقاتلون في الجاهلية على الدنيا فقاتلوا في الإسلام على الآخرة ، فإن أردتم الدنيا فعند الله مغانم كثيرة وأنا أدعوكم إلى الدنيا والآخرة ، وقد ضمنت عنكم الوفاء وباهيت بكم الناس ، فأجيبوا قولي فإنكم أعز العرب داراً ، لكم فضل معاشكم وخيلكم ، فاجعلوا أفضل المعاش للعيال وفضول الخيل للجهاد . وقد أظلكم علي والناس معه من المهاجرين والبدريين والأنصار ، فكونوا أكثرهم عدداً ، فإن هذا سبيل للحي فيه الغنى والسرور ، وللقتيل فيه الحياة والرزق ، فصاحت طيئ : نعم نعم ، حتى كاد أن يصم من صياحهم » .
وروى المفيد في الأمالي / 295 : « لما توجه أمير المؤمنين ( عليه السلام ) من المدينة إلى الناكثين بالبصرة نزل الربذة ، فلما ارتحل منها لقيه عبد الله بن خليفة الطائي وقد نزل بمنزل يقال له قديد ، فقربه أمير المؤمنين ( عليه السلام ) فقال له عبد الله : الحمد لله الذي رزد الحق إلى أهله ، ووضعه في موضعه ، كره ذلك قوم أو
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 117 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
سروا به ، فقد والله كرهوا محمداً ( عليه السلام ) ونابذوه وقاتلوه ، فرد الله كيدهم في نحورهم ، وجعل دائرة السوء عليهم . ووالله لنجاهدن معك في كل موطن حفظاً لرسول ( صلى الله عليه وآله ) . فرحب به أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وأجلسه إلى جنبه وكان له حبيباً وولياً ، وأخذ يسائله عن الناس ، إلى أن سأله عن أبي موسى الأشعري ، فقال : والله ما أنا أثق به ، ولا آمن عليك خلافه إن وجد مساعداً على ذلك . فقال له أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : والله ما كان عندي مؤتمناً ولا ناصحاً ، ولقد كان الذين تقدموني استولوا على مودته ، وولوه وسلطوه بالإمرة على الناس ، ولقد أردت عزله ، فسألني الأشتر فيه أن أقره فأقررته على كره مني له ، وتحملت على صرفه من بعد .
قال : فهو مع عبد الله في هذا ونحوه ، إذ أقبل سواد كبير من قبل جبال طيئ ، فقال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : أنظروا ما هذا ؟ فذهبت الخيل تركض فلم تلبث أن رجعت فقيل : هذه طيئ قد جاءتك ، تسوق الغنم والإبل والخيل فمنهم من جاءك بهداياه وكرامته ، ومنهم من يريد النفور معك إلى عدوك .
فقال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : جزى الله طيئاً خيراً : وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا ، فلما انتهوا إليه سلموا عليه .
قال عبد الله بن خليفة : فسرني والله ما رأيت من جماعتهم وحسن هيئتهم ، وتكلموا فأقروا والله عيني ، ما رأيت خطيباً أبلغ من خطيبهم ، قام عدي بن حاتم الطائي فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أما بعد فإني كنت أسلمت
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 118 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
على عهد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وأديت الزكاة على عهده ، وقاتلت أهل الردة من بعده . أردت بذلك ما عند الله ، وعلى الله ثواب من أحسن واتقى .
وقد بلغنا أن رجالاً من أهل مكة نكثوا بيعتك وخالفوا عليك ظالمين ، فأتيناك لننصرك بالحق ، فنحن بين يديك فمرنا بما أحببت ، ثم أنشأ يقول :
ونحن نصرنا الله من قبل ذاكم * وأنت بحق جئتنا فستنصرُ
سنكفيك دون الناس طراً بأسرنا * وأنت به من سائر الناس أجدرُ
فقال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : جزاكم الله من حي عن الإسلام وأهله خيراً ، فقد أسلمتم طائعين ، وقاتلتم المرتدين ، ونويتم نصر المسلمين .
وقام سعيد بن عبيد البحتري من بني بحتر ( بطن من طيئ ) فقال : يا أمير المؤمنين إن من الناس من يقدر أن يعبر بلسانه عما في قلبه ، ومنهم من لا يقدر أن يبين ما يجده في نفسه بلسانه ، فإن تكلف ذلك شق عليه ، وإن سكت عما في قلبه برح به الهم والبرم . وإني والله ما كل ما في نفسي أقدر أن أؤديه إليك بلساني ، ولكن والله لأجهدن على أن أبين لك والله ولي التوفيق . أما أنا فإني ناصح لك في السر والعلانية ، ومقاتل معك الأعداء في كل موطن ، وأرى لك من الحق ما لم أكن أراه لمن كان قبلك ، ولا لأحد اليوم من أهل زمانك ، لفضيلتك في الإسلام وقرابتك من الرسول ( صلى الله عليه وآله ) . ولن أفارقك أبداً حتى تظفر أو أموت بين يديك .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 119 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فقال له أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : يرحمك الله ، فقد أدى لسانك ما يجن ضميرك لنا ، ونسأل الله أن يرزقك العافية ، ويثيبك الجنة .
وتكلم نفر منهم ، فما حفظت غير كلام هذين الرجلين ، ثم ارتحل أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : فأتبعه منهم ست مائة رجل حتى نزل ذا قار ، فنزلها في ألف وثلاث مائة رجل » .
وقال ابن قتيبة في المعارف ( 1 / 56 ) : « أقبل شيخ من طيئ قد هرم من الكبر فرفع له من حاجبيه ، فنظر إلى علي فقال له : أنت ابن أبي طالب ؟ قال : نعم . قال : مرحباً بك وأهلاً ، قد جعلناك بيننا وبين الله وعدياً بيننا وبينك ، ونحن بينه وبين الناس . لو أتيتنا غير مبايعين لك لنصرناك ، لقرابتك من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وأيامك الصالحة ، ولئن كان ما يقال فيك من الخير حقاً إن في أمرك وأمر قريش لعجباً إذ أخرجوك وقدموا غيرك ! سر ، فوالله لا يتخلف عنك من طيئ إلا عبد أو دعي ، إلا بإذنك . فشخص معه من طيئ ثلاثة « عشر » آلاف راكباً » .
أقول : لا يصح أن يكون عدد المشاركين من طيئ في حرب الجمل كما في الرواية ثلاثة عشر ألفاً ، فمعدل مقاتلي طيئ وجديلة في الحروب ثلاثة آلاف ، وكان جيش علي ( عليه السلام ) في حرب الجمل كله عشرة آلاف أو يزيد قليلاً .
فرواية أمالي المفيد بأنهم ست مئة هي المعتمدة . نعم لو ضممنا إليهم بني طيئ الذين جاؤوا من الكوفة ، أمكن أن يصل عددهم إلى ثلاثة آلاف .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 120 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

13 . وكان لعدي بن حاتم وبنيه مواقف مشهورة في حرب الجمل

13 . وكان لعدي بن حاتم وبنيه وقبيلته مواقف مشهورة في حرب الجمل ، ففي مناقب آل أبي طالب : 2 / 339 : « زحف علي بالناس غداة يوم الجمعة لعشر ليال خلون من جمادي الآخرة سنة ست وثلاثين ، وعلى ميمنته الأشتر وسعيد بن قيس ، وعلى ميسرته عمار وشريح بن هاني ، وعلى القلب محمد بن أبي بكر وعدي بن حاتم ، وعلى الجناح زياد بن كعب وحجر بن عدي ، وعلى الكمين عمرو بن الحمق وجندب بن زهير ، وعلى الرجالة أبو قتادة الأنصاري . وأعطى رايته محمد بن الحنفية ثم أوقفهم من صلاة الغداة إلى صلاة الظهر يدعوهم ويناشدهم ، ويقول لعائشة : إن الله أمرك أن تقري في بيتك فاتقي الله وارجعي ، ويقول لطلحة والزبير خبأتما نساءكما وأبرزتما زوجة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) واستنفرتماها ! فيقولان : إنما جئنا للطلب بدم عثمان وأن يرد الأمر شورى . وأُلبست عائشة درعاً ، وضربت على هودجها صفايح الحديد ، وأُلبس الهودج درعاً » !
وروى الطبري ( 3 / 529 ) عن الأشتر قال : « رأيت عبد الله بن حكيم بن حزام ومعه راية قريش وعدى بن حاتم الطائي ، وهما يتصاولان كالفحلين ، فتعاورناه فقتلناه ، يعني عبد الله ، فطعن عبد الله عدياً ففقأ عينه » .
وفي الطبري : 3 / 533 ، عن عروة « كان لا يجئ رجل فيأخذ بالزمام حتى يقول أنا فلان بن فلان يا أم المؤمنين ، فجاء عبد الله بن الزبير فقالت حين لم يتكلم : من أنت ، فقال : أنا عبد الله أنا ابن أختك . قالت : واثكل أسماء
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 121 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
تعني أختها . وانتهى إلى الجمل الأشتر وعدي بن حاتم فخرج عبد الله بن حكيم بن حزام إلى الأشتر فمشى إليه الأشتر فاختلفا ضربتين فقتله » .
« وقاتل عدي بن حاتم حتى فقئت إحدى عينيه » . ( الأخبار الطوال / 150 ) . وقتل ابنه طريف . ( الجمل للمفيد / 196 ) وقال عدي بن حاتم :
أنا عديٌّ ونماني حاتمُ * هذا عليٌّ بالكتاب عالمُ
لم يعصه في الناس إلا ظالُم * ( مناقب آل أبي طالب : 2 / 346 ) .
وفي أنساب الأشراف : 5 / 92 : « دخل عديُّ بن حاتم الطائي على معاوية ، فقال له ابن الزبير : يا أبا طريف متى ذهبت عينك ؟ قال : يوم فرَّ أبوك ، وقتل خالك يعني طلحة ، لأنّه من بني تيم ، وضربتَ على قفاك مولياً ، وأنا مع الحقّ وأنت مع الباطل !
فقال معاوية : ما بقي من حبك لعلي ؟ قال : هو على ما كان وكلَّما ذكر زاد . فقال معاوية : يا أبا طريف ما نريد بذكرك له إلا خلافه .
قال : إن القلوب إذاً بيدك يا معاوية !
فقال معاوية : إن طيِّئاً كانوا لا يحجون البيت ولا يعظَّمون حرمته .
فقال عديّ : كنّا كما قلت إذ كان البيت لا ينفع حجه ولا يضرّ تركه .
فأما إذ نفع وضر تركه فإنا نغلب الناس عليه . وكانت طيئ وخثعم لا يحجون ، فكانوا يدعون الأفجران » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 122 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

14 . وكان مع أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في صفين .

14 . وكان مع أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في صفين ، فلما دعاهم إلى قتال معاوية : « قام عدي بن حاتم الطائي بين يدي علي ( عليه السلام ) فحمد الله بما هو أهله وأثنى عليه ثم قال : يا أمير المؤمنين ما قلتَ إلا بعلم ، ولا دعوت إلا إلى حق ولا أمرت إلا برشد . فإن رأيت أن تستأني هؤلاء القوم وتستديمهم حتى تأتيهم كتبك ، ويقدم عليهم رسلك فعلت . فإن يقبلوا يصيبوا ويرشدوا ، والعافية أوسع لنا ولهم . وإن يتمادوا في الشقاق ولا ينزعوا عن الغي نسر إليهم وقد قدمنا إليهم العذر ودعوناهم إلى ما في أيدينا من الحق ، فوالله لهم من الله أبعد ، وعلى الله أهون ، من قوم قاتلناهم بناحية البصرة أمس ، لما أجهد لهم الحق فتركوه ، ناوخناهم براكاء القتال ، حتى بلغنا منهم ما نحب ، وبلغ الله منهم رضاه فيما يرى » . ( وقعة صفين لمزاحم / 98 ) .
وعندما تحرك ( عليه السلام ) من المدائن : « خلَّف عليهم عدىّ بن حاتم ، فاستخلص منهم ثمان مائة رجل ، فسار بهم وخلَّف معهم ابنه زيداً ، فلحقه في أربع مائة رجل منهم » . ( شرح نهج البلاغة لميثم : 2 / 126 )
وروى ابن مزاحم في وقعة صفين / 397 ، أنه لما انهزم في المعركة عمرو بن العاص : « اشرأب لعلي همام بن قبيصة ، وكان من أشتم الناس لعلي ، وكان معه لواء هوازن ، فقصد لمذحج وهو يقول :
قد علمت حوراء كالتمثال * أني إذا ما دعيت إلى نزال
أقدمُ إقدام الهزبر الغالي * أهل العراق إنكم من بالي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 123 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كل تلادي وطريف مالي * حتى أنال فيكم المعالي
أو أطعم الموت وتلكم حالي * في نصر عثمان ولا أبالي
فقال عدي بن حاتم لصاحب لوائه : أدن مني ، فأخذه وحمل وهو يقول :
يا صاحب الصوت الرفيع العالي * إن كنت تبغى في الوغى نزالي
فادنُ فإني كاشف عن حالي * تفدي علياً مهجتي ومالي
وأسرتي يتبعها عيالي
فضربه وسلب لواءه ، فقال ابن حطان وهو شامت به :
أهمامُ لا تذكر مدى الدهر فارساً * وعَضَّ على ما جئته بالأباهم
سما لك يوماً في العجاجة فارس * شديد القفيز ذو شجاً وغماغم
فوليته لما سمعت نداءه * تقول له خذ يا عدي بن حاتم
فأصبحت مسلوب اللواء مذبذباً * وأعظم بهذا من شتيمة شاتم » .
وكذلك هرب من عدي عبد الرحمن بن خالد ، القائد العام لجيش معاوية : « فقواه معاوية بالخيل والسلاح ، وكان معاوية يعده ولداً ، فلقيه عدي بن حاتم في حماة مذحج وقضاعة ، فبرز عبد الرحمن أمام الخيل وهو يقول :
قل لعديٍّ ذهب الوعيدُ * أنا ابن سيف الله لا مزيدُ
وخالدٌ يَزِينُهُ الوليد * ذاك الذي هو فيكم الوحيد
قد ذقتم الحرب فزيدوا زيدوا * فما لنا ولا لكم محيد
عن يومنا ويومكم فعودوا
ثم حمل فطعن الناس ، وقصده عدي بن حاتم ، وسدد إليه الرمح وهو يقول :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 124 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أرجو إلهي وأخاف ذنبي * وليس شئ مثل عفو ربي
يا ابن الوليد بغضكم في قلبي * كالهضب بل فوق قنان الهضب
فلما كاد أن يخالطه بالرمح ، توارى عبد الرحمن في العجاج ، واستتر بأسنة أصحابه ، واختلط القوم ، ورجع عبد الرحمن إلى معاوية مقهوراً ، وانكسر معاوية » . ( وقعة صفين / 430 ) .
أقول : لاحظ أن عبد الرحمن بن خالد يفتخر بجده الوليد بن المغيرة ، الذي قال الله تعالى فيه : ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً . . وقال فيه : وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَهِينٍ . هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ . مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ . عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ . أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ . وقد اتفق المؤرخون والمفسرون على أنها نزلت في الوليد ، ففي تفسير الجلالين / 758 : « دعيٌّ في قريش ، وهو الوليد بن المغيرة ، ادعاه أبوه بعد ثماني عشرة سنة » .
فافتخار عبد الرحمن بجده الطاغية الزنيم بقوله : ( وخالد يزينه الوليد ) يدل على أن قبليته أهم عنده من الإسلام ، وأنه لم يدخل الإيمان في قلبه !
وفي وقعة صفين / 380 : « قال عدي بن حاتم بصفين :
أقول لما أن رأيت المعمعهْ * واجتمع الجندان وسط البلقعه
هذا عليٌّ والهدى حقاً معه * يا رب فاحفظه ولا تضيعه
فإنه يخشاك ربي فارفعه * ومن أراد عيبه فضعضعه » .
ولما استشهد عمار بن ياسر ، تبعه عدي بن حاتم بلوائه ، وهو يقول :
أبعد عمارٍ وبعد هاشمِ * وابن بديل فارس الملاحم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 125 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
نرجو البقاء مثل حُلمِ الحالم * وقد عضضنا أمس بالأباهم
فاليوم لا نقرع سن نادم * ليس امرؤ من يومه بسالم »
( وقعة صفين / 403 ) .
وروى في مناقب آل أبي طالب ( 2 / 359 ) حملة عدي بن حاتم ، ومالك الأشتر ، وسعيد بن قيس ، لرد أشد حملات أبي الأعور السلمي ومن معه ، وهو أقوى قادة معاوية ، وإيقاعهم بهم ، حتى انهزم مع جنوده .

15 . وسجل عديٌّ موقفه من معاوية في صفين

15 . وسجل عديٌّ ، وعدد من الصحابة موقفهم من معاوية في صفين روى ابن الأعثم في الفتوح ( 4 / 207 ) وغيره : « فلما فُرغ من الكتابين وخُتما وثب الأشتر النخعي ، وعدي بن حاتم الطائي ، وعمرو بن الحمق الخزاعي ، وشريح بن هانئ المذحجي ، وزحر بن قيس الجعفي ، والأحنف بن قيس التميمي ، ومن أشبههم من فرسان علي فقالوا : يا معاوية ! إياك أن تظن بنا ميلاً عن الحق ، فإننا اليوم على ما كنا بالأمس ، غير أنكم استغثتم بالمصاحف ودعوتمونا إلى كتاب الله عز وجل فأجبناكم إلى ذلك ، فإن حكم الحاكمان بالحق ، وإلا فنحن راجعون إلى حربنا ، أو لا يبقى منا ومنكم واحد ! فقال معاوية : افعلوا ما أحببتم » .

16 . وكان مع أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، في حربه للخوارج

16 . وكان عدي مع أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، في حربه للخوارج في النهروان قال في مناقب آل أبي طالب : 2 / 370 : « ثم استنفرهم ( عليه السلام ) فنفر ألفا رجل يتقدمهم عدي بن حاتم ، وهو يقول :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 126 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إلى شر خلقٍ من شراةٍ تحزبوا * وعادَوْا إلهَ الناس رب المشارق
والطريف أن ابنه طرفة كان مع الخوارج ، قال الطبري ( 4 / 55 ) : « وخرج معهم طرفة بن عدي بن حاتم الطائي فاتبعه أبوه ، فلم يقدر عليه فانتهى إلى المدائن » .
وفي أعيان الشيعة ( 1 / 524 ) : « قتل معهم فدفنه أبوه ! يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ، ودفن رجال من الناس قتلاهم فقال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : إرتحلوا ، إذاً تقتلونهم ثم تدفنونهم ! فارتحل الناس . وقال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : لا تقاتلوا الخوارج بعدي ، فليس من طلب الحق فأخطأه ، كمن طلب الباطل فأصابه » .

17 . ونهض في رد غارات معاوية على أطراف العراق

17 . وعندما أخذ معاوية يَغِيرُ على أطراف العراق ، وتباطأ الناس عن رده نهض عدي رضي الله عنه ، فقد روى الثقفي في الغارات : 2 / 451 ، أن معاوية أرسل غارة على أطراف العراق فخطب علي ( عليه السلام ) وندب الناس أن يخرجوا إليهم فقال : « ويحكم أخرجوا إلى أخيكم مالك بن كعب ، فإن النعمان بن بشير قد نزل به في جمع من أهل الشام ليس بالكثير ، فانهضوا إلى إخوانكم لعل الله يقطع بكم من الظالمين طرفاً ، ثم نزل . فلم يخرجوا فأرسل إلى وجوههم وكبرائهم فأمرهم أن ينهضوا ويحثوا الناس على المسير فلم يصنعوا شيئاً . . فقام عدي بن حاتم فقال : هذا والله الخذلان القبيح ، هذا والله الخذلان غير الجميل ، ما على هذا بايعنا أمير المؤمنين ثم دخل على أمير
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 127 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
المؤمنين ( عليه السلام ) فقال : يا أمير المؤمنين إن معي ألف رجل من طئ لا يعصونني ، فإن شئت أن أسير بهم سرت ؟ قال : ما كنت لأعرِّض قبيلة واحدة من قبائل العرب للناس ، ولكن اخرج إلى النخيلة فعسكر بهم . فخرج فعسكر وفرض علي ( عليه السلام ) سبع مائة لكل رجل ، فاجتمع إليه ألف فارس عدا طيئاً أصحاب عدي بن حاتم ، فسار بهم على شاطئ الفرات ، فأغار في أداني الشام ، ثم أقبل » .

18 . وبقي عدي ( رحمه الله ) وفياً لعلي ( عليه السلام ) إلى آخر عمره

18 . وبقي عدي ( رحمه الله ) وفياً لعلي ( عليه السلام ) إلى آخر عمره على رغم ضغوط معاوية ، ففي مروج الذهب ( 3 / 4 ) : « ذكر أن عدي بن حاتم الطائي دخل على معاوية فقال له معاوية : ما فعلت الطرفات ؟ يعني أولاده ؟ قال : قتلوا مع علي . قال : ما أنصفك عَليَ ، قتل أولادك وبقي أولاده , فقال عدي : ما أنصفْت علياً ، إذ قتل وبقيتَ بعده ! فقال معاوية : أما إنه قد بقيت قطرة من دم عثمان ما يمحوها إلا دم شريف من أشراف اليمن . فقال عدي : والله إن قلوبنا التي أبغضناك بها لفي صدورنا ، وإن أسيافنا التي قاتلناك بها لعلى عواتقنا ، ولئن أدنيت إلينا من الغدر فتراً لندنينَّ إليك من الشر شبراً ، وإن حَزَّ الحلقوم وحشرجة الحيزوم لأهون علينا من أن نسمع المساءة في عليٍّ . فسل السيف يا معاوية باعث سل السيف ! فقال معاوية : هذه كلمات حكم فاكتبوها ، وأقبل على عدي محادثاً له كأنه ما خاطبه بشئ » !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 128 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي رواية مواقف الشيعة للأحمدي : 2 / 170 : « قلوبنا ليست بيدك يا معاوية ، فضحك معاوية ثم قال : يا معشر طي إنكم ما زلتم تشرفون الحاج ولا تعظمون الحرم . فقال عدي : إنا كنا نفعل ذلك ونحن لا نعرف حلالاً ولا ننكر حراماً ، فلما جاء الله عز وجل بالإسلام غلبناك وأباك على الحلال والحرام ، وكنا للبيت أشد تعظيماً منكم له . فقال معاوية : عهدي بكم يا معشر طي ، وإن أفضل طعامكم الميتة . فقال عمرو بن العاص والرجل الذي عنده من بني الوحيد : كف عنه يا أمير المؤمنين فإنه بعد صفين ذليل .
فقال عدي : صدقتم ! ثم خرج عدي من عند معاوية ، وأنشأ يقول :
يحاولني معاوية بن حرب * وليس إلى الذي يرجو سبيل
يذكرني أبا حسن علياً * وحظي في أبي حسن جليل
يكاشرني ويعلم أن طرفي * على تلك التي أخفى دليل
ويعلم أننا قوم جفاةٌ * حراديون ليس لنا عقول
وكان جوابه عندي عتيداً * ويكفي مثله مني القليل
وقال ابن الوحيد وقال عمرو * عديٌّ بعد صفينٍ ذليل
فقلت صدقتما قد هُدَّ ركني * وفارقني الذي بهم أصول
ولكني على ما كان مني * أبلبل صاحبي فيما أقول
وإن أخاكما في كل يوم * من الأيام محمله ثقيل
قال : فأرسل إليه معاوية بجائزة سنية وترضاه » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 129 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

19 . عاش في الكوفة وكان يداري السلطة أكثر من غيره .

19 . وعاش بعد علي ( عليه السلام ) في الكوفة وكان يداري السلطة أكثر من غيره ، وقد تعرض للحبس في قضية حجر بن عدي وأصحابه ، فقد كان عبد الله بن خليفة الطائي رضوان الله عليهم من أصحاب حجر الخاصين .
قال الطبري : 4 / 209 : « كان عبد الله بن خليفة الطائي شهد مع حجر بن عدي فطلبه زياد فتوارى ، فبعث إليه الشرط وهم أهل الحمراء ( أي من الفرس ) يومئذ فأخذوه ، فخرجت أخته النوار فقالت : يا معشر طيئ أتسلمون سنانكم ولسانكم عبد الله بن خليفة ؟ فشد الطائيون على الشرط فضربوهم وانتزعوا منهم عبد الله بن خليفة ، فرجعوا إلى زياد فأخبروه ، فوثب على عدى بن حاتم وهو في المسجد فقال : إئتنى بعبد الله بن خليفة . قال : وماله ؟ فأخبره ، قال : فهذا شئ كان في الحي لا علم لي به . قال : والله لتأتيني به . قال : لا والله لا آتيك به أبداً ! أجيئك بابن عمي تقتله ! والله لو كان تحت قدميَّ ما رفعتهما عنه . قال : فأمر به إلى السجن ، قال : فلم يبق بالكوفة يماني ولا ربعي إلا أتاه وكلمه وقالوا : تفعل هذا بعدي بن حاتم صاحب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ؟ قال : فإني أخرجه على شرط ! قالوا : ما هو ؟ قال : يُخرج ابن عمه عني فلا يدخل الكوفة ما دام لي بها سلطان . فأتى عدياً فأخبره بذلك فقال : نعم ، فبعث عدى إلى عبد الله بن خليفة فقال : يا ابن أخي إن هذا قد لجَّ في أمرك ، وقد أبى إلا إخراجك عن مصرك ما دام له سلطان ، فالحق بالجبلين . فخرج فجعل عبد الله بن خليفة » . وبقي إلى أن مات ( رحمه الله ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 130 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

20 . وامتد به العمر وتوفي زمن المختار

20 . وامتد به العمر فعاش إلى سنة ثمان وستين هجرية وتوفي زمن المختار عن عمر بلغ مئة وعشرين سنة وقيل 180 سنة .
قال خليفة بن خياط / 127 : « يكنى أبا طريف ، شهد الجمل بالبصرة وصفين ناحية الشام ، ومات بالكوفة زمن المختار ، وهو ابن عشرين ومائة سنة » .
أقول : معناه أن عدياً ( رحمه الله ) كان في الكوفة في أحداث ثورة الحسين ( عليه السلام ) ، فلماذا لم يخرج معه ولم نسمع بدوره في نصرته ؟
والجواب : أنه يحتمل أن يكون يومها هرماً مريضاً ( رحمه الله ) ، على أن مستوى أصحاب الحسين ( عليه السلام ) أعلى من مستوى عدي ( رحمه الله ) : « وعُنِّف ابن عباس على تركه الحسين ( عليه السلام ) فقال : إن أصحاب الحسين لم ينقصوا رجلاً ولم يزيدوا رجلاً ، نعرفهم بأسمائهم من قبل شهودهم » . ( مناقب آل أبي طالب : 3 / 211 ) .

21 . ذكرت المصادر له أبناء وأنهم قتلوا وماتوا

21 . ذكرت المصادر لعدي بن حاتم أبناء ، وأنهم قتلوا وماتوا ولم يعقبوا وعدوا منهم الطرفات الذين سأله معاوية عنهم فقال : « ما فعل الطرفات يا أبا طريف ، طريف وطرفة وطراف ؟ فقال : قتلوا يوم صفين . قال : ما أنصفك عليّ أخّر بنيه وقدّم بنيك ! قال : لئن فعل لقد قُتل وبقيت ! قال : قد بقيت قطرة من دم عثمان عند قوم ولا بد من أن نطلب بها !
قال عدي : إغمد سيفك ، فإن السيف إذا سل سلَّت السيوف . قال : فالتفت معاوية إلى عمرو فقال له : ضعها في قرنك ، فإنها كلمة حكمة » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 131 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
( أنساب الأشراف : 5 / 119 ) . ( والطَّرَفاتُ ، مُحَرَّكة : بنو عدي بن حاتم الطائي ، قُتلوا بصِفِّينَ مع عليٍّ ( عليه السلام ) وهم : طَرِيفٌ كأَمِير وَطَرَفَةُ محركة ومُطَرِّفٌ كمُحدِّث ) . ( لسان العرب : 9 / 221 ، وتاج العروس : 12 / 351 ) . ( وكان يعير بذلك فيقال له : أذْهَبَ عليٌّ الطرفات . فيقول : وددت أن لي ألفاً مثلهم لأقدمهم بين يدي علي إلى الجنة ) ! ( أبصار العين / 116 ) .
وقالت المصادر : « وقتل ابنه طريف بن عدىّ مع الخوارج ، ولا عقب لحاتم إلَّا من قبل ابنه عبد الله » . ( جمهرة أنساب العرب / 402 ، والطبري ، وغيره ) .
وفي معارف ابن قتيبة / 313 : « وشهد مع عليّ رضي الله عنه يوم الجمل ، ففقئت عينه ، وقتل ابنه محمد يومئذ ، وقتل ابنه الآخر مع الخوارج . . ولم يبق له من عقب إلا من قبل ابنتيه : أسدة ، وعمرة ، وإنما عقب حاتم الطائي من ولده عبد الله بن حاتم ، وهم ينزلون بنهر كربلاء » .
وذكر في ميزان الإعتدال ( 4 / 434 ) يزيد بن عدي بن حاتم الطائي ، وأنه يروي عن أبيه ، ومدحه في مستدركات رجال الحديث . ( 8 / 257 ) .
وذكر في المستدركات ( 4 / 294 ) : « الطرماح بن عدي بن حاتم الطائي : من أصحاب أمير المؤمنين والحسين صلوات الله عليهما ، في غاية الجلالة والنبالة . وهو رسول أمير المؤمنين ( عليه السلام ) إلى معاوية » .
وهو الحادي بركب الحسين ( عليه السلام ) إلى كربلاء . لكن قيل إنه ابن عدي بن حاتم آخر . ( الفصول المهمة : 2 / 814 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 132 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وذكر ابن ماكولا في الإكمال ( 6 / 187 ) : « عركي بن عدي بن حاتم ، حدث عن أبيه روى عنه ابنه ملحان » .
وسماه في تاريخ دمشق : 11 / 377 ، عرطي ، وروى عن جده خاتم قال : « أي بني إني أعهدك من نفسي ثلاث خلال : والله ما خاتلت جارة لي لريبة قط ، ولا اؤتمنت على أمانة إلا أديتها ، ولا أتي أحد قط من قبلي بسوء » .
وروى في طبقات المحدثين بأصبهان ( 2 / 205 ) عن يحيى بن واقد بن محمد بن عدي بن حاتم الطائي . وتاريخ بغداد : 14 / 208 .
وذكر في تاريخ دمشق ( 9 / 168 ) أن مسلمة بن عبد الملك عين عبد الله بن عدي بن حاتم الطائي قائداً على طئ ولخم وجذام .
وذكر ابن حجر في الإصابة ( 5 / 205 ) عدي بن عدي بن حاتم الطائي .
وقال السمعاني في الأنساب ( 4 / 39 ) : « ومن أولاد عدي بن حاتم الطائي : أبو صالح يحيى بن واقد بن محمد بن عدي بن حاتم الطائي ، ولد في خلافة المهدي سنة خمس وستين ، وكان عارفاً بالنحو والعربية » .
أقول : ذكرت أكثر المصادر أن عدياً لم يبق له نسل من بنيه بل من بناته . وتقدم بعضها ومنها : الشعراء لابن قتيبة : 1 / 241 ، والروض الأنف للسهيلي : 4 / 228
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 133 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وهذا أقوى ، فلا بد أن يكون المنسوبون إليه من ذرية بنتيه : أسدة ، وعمرة ، كما ذكر ابن قتيبة . لكنه لا يخلو من إشكال ، فإن أسدة زوجة عمرو بن حريث المخزومي ، فكيف ينسب أبناؤها إلى طيئ !

22 . واشتهرت حماقة زيد بن عدي بن حاتم بعد حرب صفين

22 . واشتهرت حماقة زيد بن عدي بن حاتم ، بعد انتهاء حرب صفين مباشرة قال ابن الأعثم ( 3 / 137 ) : « ومرَّ زيد بن عدي بن حاتم بخال له من طيئ يقال له حابس بن سعد ، فرآه قتيلاً ، فوقف عليه ينظر إليه وقال : ليت شعري من قتلك ! فقال رجل من بني حنظلة من أصحاب علي ( عليه السلام ) : أنا قتلته ، قال : ولم قتلته ؟ قال : لأنه من أصحاب معاوية . قال زيد : وإن كان من أصحاب معاوية فإنه خالي . ثم شد عليه زيد بن عدي فضربه على أم رأسه فقتله ! ثم مر هارباً إلى معاوية فصار معه ، فسُرَّ معاوية بمصير زيد بن عدي إليه ، واغتم علي بن أبي طالب بقتل الحنظلي ولهرب زيد بن عدي . قال : واغتم عدي بن حاتم لذلك غماً شديداً !
وندم زيد بن عدي على ما فعل فأنشأ يقول :
تطاول ليلي واعتراني وساوسي * ببيعي الهدى بالتُّرَّهات البسابسِ
فتركي علياً في صحاب محمد * وقتلي أخا معن لمصرع حابس
فيا ليت شعري هل لي اليوم توبة * أناصحُ فيها الله وهو آئسي
فإن تطمعوني اليوم أرجع تائباً * ولا أتقي إلا جدار الدهارس
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 134 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال : فقام عدي بن حاتم إلى علي ( عليه السلام ) فقال : يا أمير المؤمنين إن ابني زيداً لا كلاه الله قد قرر بالظنة وهو موضع التهمة ، غير أني إذا ذكرت مكانك من الله عز وجل ومن محمد ( صلى الله عليه وآله ) ومكاني منك اتسع جناني وطابت نفسي ، ووالله لو وقع زيد في يدي لقتلته ولو كان ميتاً لما حزنت عليه ، ثم أنشأ عدي :
أيا زيد قد جرعتني منك غصة * وما كنت للثوب المدنس لا بسا
فليتك لم تخلق وكنت كمن مضى * وليتك إذا لم تمض لم تر حابسا
ألا إن قد أغنى عدي بن حاتم * غناك وأمسى بالعراقين دانسا
وحامت عليه جرول وحماتها * وأصبح في الأعداء تفري الفوانسا
نكصت على العقبين يا زيد ردةً * وأصبحت قد جدعت منا المعاطسا
قتلت امرءً من خير مرءٍ بحابس * فأصبحت مما كنت ترجوه آئسا
قال : فبلغ زيد بن عدي ما قال أبوه ، فخشي أن يقتل ، فهرب أيضاً من عند معاوية ، حتى لحق بجبل طيئ ، ولم يأت أباه حتى مات »
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 135 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الرابع : حرب اليمامة نموذجاً لتحريف التاريخ

( 1 ) بنو حنيفة قبيلة مسيلمة الكذاب

بنو حنيفة بن لجيم من قبائل بكر بن وائل ، وهم أبناء عم بني عجل بن لجيم وبني شيبان . ومساكنهم في اليمامة من نجد . واليمامة هي سافلة نجد مما يلي البحرين ، وتبلغ ثلث ما يعرف بنجد ، وهي الآن محافظة الرياض .
http : / / ar . wikipedia . org / wiki / % D 8 % A 7 % D 9 % 84 % D 9 % 8 A % D 9 % 85 % D 8 % A 7 % D 9 % 85 % D 8 % A 9
قال ابن الأثير في اللباب : 1 / 396 : « الحنفي . . هذه النسبة إلى حنيفة وهم قبيلة كثيرة من ربيعة بن نزار نزلوا اليمامة ، وهم حنيفة بن لجيم بن صعب . . . بن ربيعة بن نزار ، ينسب إليه خلق كثير ، منهم ثمامة بن أثال الحنفي ، له صحبة ، وخولة أم محمد بن الحنفية ، وهو ابن علي بن أبي طالب » .

( 2 ) ثمامة بن أثال فخر بني حنيفة رضي الله عنه

كان ثمامة بن أثال رئيسَ بني حنيفة في زمن النبي ( صلى الله عليه وآله ) شخصيةً مميزة ، وكان يسمى هو وهوذة بن علي ( مَلِكا اليمامة ) . ( ابن هشام : 4 / 1026 ) وكان
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 136 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
النبي ( صلى الله عليه وآله ) يحب أن يحاصر قريشاً ، ويمنع عنها التموين من جهة نجد والعراق ، كما منعه من جهة المدينة والشام ، لعلها تفكر وتخضع لربها وتسمع لرسوله . وقد يكون جبرئيل علَّمه أن يدعو الله تعالى أن يوقع ثمامة سيد اليمامة في قبضته ، ويهدي قلبه ، فكان ذلك في السنة الخامسة للهجرة .
ففي الكافي ( 8 / 299 ) عن الإمام الباقر ( عليه السلام ) قال : « إن ثمامة بن أثال أسرته خيل النبي ( صلى الله عليه وآله ) وقد كان رسول الله قال : اللهم أمكني من ثمامة . فقال له رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : إني مخيرك واحدة من ثلاث : أقتلك ، قال : إذاً تقتل عظيماً ! أو أفاديك ، قال : إذا تجدني غالياً ! أو أمنُّ عليك ، قال : إذاً تجدني شاكراً ! قال : فإني قد مننت عليك . قال : فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأنك محمد رسول الله . وقد والله علمت أنك رسول الله حيث رأيتك ، وما كنت لأشهد بها وأنا في الوثاق ! فأسلم ثمامة وذهب إلى مكة للعمرة فقالوا له : صبوتَ ؟ ! قال : لا ، ولكني أسلمت مع محمد ( صلى الله عليه وآله ) ، ولا والله لا تأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها رسول الله » . ( الكافي : 8 / 299 ) .
وروى الواحدي في أسباب النزول / 211 ، أن محاصرة ثمامة لقريش أعطت ثمارها بسرعة ، وجعلتها في ضائقة اقتصادية شديدة حتى : « جاء أبو سفيان إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فقال : يا محمد ننشدك الله والرحم ، لقد أكلنا العلهز ، يعني الوبر بالدم ، فأنزل الله تعالى : وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ » !
ومع أنهم لم يتضرعوا لربهم ، فلما جاؤوا إلى النبي ( صلى الله عليه وآله ) مستغيثين ، كتب ( صلى الله عليه وآله ) إلى ثمامة أن يرفع عنهم الحصار ، فرفعه . ( ابن هشام : 4 / 1053 ، والإصابة : 3 / 471 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 137 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

( 3 ) عيَّن النبي ( صلى الله عليه وآله ) ثمامة والياً على اليمامة

كان الصحابي ثمامة مرضياً عند النبي ( صلى الله عليه وآله ) فعينه والياً على اليمامة ، وكتب إلى ملك اليمامة هوذة بن علي يدعوه إلى الإسلام .
وعندما ادعى مسيلمة النبوة ، وقف ثمامة في وجهه وحذَّر بني حنيفة من تصديقه لأنه كذاب . لكن أكثرهم لم يسمعوا كلامه وأطاعوا مسيلمة ، فسيطر على مدينة الحجر وهي عاصمة اليمامة ، وأخرج ثمامة ومن ثبت معه على الإسلام ، فكتب ثمامة إلى النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، فكتب له أن يقاتلهم ، وأرسل إلى بعض رؤساء بطون القبائل في اليمامة من تميم وغيرها أن يمدوه .
قال ابن الجوزي في المنتظم ( 4 / 22 ) : « وكانوا إذا سمعوا سجعه قالوا : نشهد أنك نبي ، ثم وضع عنهم الصلاة وأحل لهم الخمر ونحو ذلك ، فأصفقت معه بنو حنيفة إلا القليل ، وغلب على حجر اليمامة وأخرج بن أثال ، فكتب ثمامة إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يخبره وكان عامل رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) على اليمامة ، وانحاز ثمامة بمن معه من المسلمين » . أي خرجوا من مدينة حجر اليمامة .
قال الطبري : ( 2 / 432 ) : « وقبل وفاته ( صلى الله عليه وآله ) بيوم أو بليلة وَلَظَ طليحةَ ومسيلمةَ وأشباههم بالرسل ( تابع إرسال الرسل بشأنهم ) ولم يشغله ما كان فيه من الوجع عن أمر الله عز وجل والذب عن دينه ، فبعث وبر بن يحنس إلى فيروز وجشيش الديلمي وداذويه الإصطخري ، وبعث جرير بن عبد الله إلى ذي الكلاع وذي ظليم ، وبعث الأقرع بن عبد الله الحميري إلى ذي زود وذي مران ، وبعث فرات بن حيان العجلي إلى ثمامة بن أثال ، وبعث زياد بن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 138 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
حنظلة التميمي ، ثم العمرى إلى قيس بن عاصم والزبرقان بن بدر ، وبعث صلصل بن شرحبيل إلى سبرة العنبري ووكيع الدارمي وإلى عمرو بن المحجوب العامري ، وإلى عمرو ابن الخفاجي من بنى عامر ، وبعث ضرار بن الأزور الأسدي إلى عوف الزرقاني من بنى الصيداء وسنان الأسدي ثم الغنمي وقضاعي الديلمي ، وبعث نعيم بن مسعود الأشجعي إلى ابن ذي اللحية وابن مشيمصة الجبيري » .
وفي إمتاع الأسماع ( 14 / 525 ) : « وأرسل إلى ثمامة بن أثال ومن يسمع عليه ، أن تحاولوا مسلمة ، وأمره أن يتخذوا رجالاً قد سماهم ممن والاه من تميم وقيس . وأرسل إلى أولئك النفر من تميم وقيس أن يتخذوه ، وأرسل إلى عون وورقاء بن نوفل ، وإلى سنان وقضاعة أن تحاولوا طليحة ، وأمرهم أن يتخذوا رجالاً قد سماهم لهم من تميم وقيس ، وأرسل إلى أولئك النفر من تميم وقيس أن يتخذوهم ففعلوا . . . فأصيب الأسود في حياة النبي ( صلى الله عليه وآله ) قبل وفاته ( صلى الله عليه وآله ) بيوم ، أو بليلة » .

( 4 ) معركة ثمامة مع مسيلمة

استفاضت الرواية بأن النبي ( صلى الله عليه وآله ) أمر عامله ثمامة أن يقف ضد حركة مسيلمة ويقاتله إذا لزم الأمر .
قال ابن عبد البر في الإستيعاب ( 3 / 1258 ) : « وبعث رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فرات بن حيان العجلي إلى ثمامة بن أثال ، في قتل مسيلمة وقتاله » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 139 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي تاريخ الطبري ( 2 / 496 ) : « كان ثمامة بن أثال تأتيه أمداد من بنى تميم ، فلما حدث هذا الحدث فيما بينهم تراجعوا إلى عشائرهم ، فأضر ذلك بثمامة بن أثال حتى قدم عليه عكرمة وأنهضه فلم يصنع شيئاً ( لكثرة أتباع مسيلمة ) فبينا الناس في بلاد بنى تميم على ذلك قد شغل بعضهم بعضاً ، فمسلمهم بإزاء من قدم رجلاً وأخَّر أخرى وتربَّص بإزاء من ارتاب ، فجأتهم سجاح بنت الحارث ، قد أقبلت من الجزيرة وكانت ورهطها في بنى تغلب ، تقود أفناء ربيعة ، معها الهذيل بن عمران في بنى تغلب ، وعقة بن هلال في النمر وزياد بن فلان في أياد ، والسليل بن قيس في شيبان ، فأتاهم أمر دهيٌّ هو أعظم مما فيه الناس ، لهجوم سجاح عليهم » .
ويفهم من هذا السياق أن وفاة النبي ( صلى الله عليه وآله ) والأحداث بعدها تلاحقت ، فلم يستطع ثمامة أم يقاتل مسيلمة .
لكن الحموي في معجم البلدان ( 3 / 288 ) قال : « سهام : اسم موضع باليمامة كانت به وقعة أيام أبي بكر ، بين ثمامة بن أثال ومسيلمة الكذاب ، فالتقوا بسهام دون الثنية ، أظنه يعني ثنية حجر اليمامة » . والأربعون البلدانية : 3 / 289 .
وذكر المقريزي في إمتاع الأسماع ( 14 / 537 ) أن ثمامة استمد من الذين كتب لهم النبي ( صلى الله عليه وآله ) فأمدوه بخيل : « فاقتحم بهم ثمامة عليهم فالتقى هو مسيلمة بملهم فقتل حبيب بن قيس بن حبيب أخ مسيلمة ، وجعفر بن مسيلمة بن قتادة ، وعزار بن علي ، وخرج ثمامة وأصحابه على الغُنْم والظفر ، فعاد وأصحابه إلى الموسم ، وتضعضع عن مسيلمة ، وقال ثمامة بن أثال :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 140 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قالت رميلة أين ترحل بعد ما * جد الرحيل بجحفل جرار
وتعرضت لتلومني في غزوتي * شفقاً عليَّ مخافة الأقدار
فقصبت عاذلتي وقلت لها أحمقي * وقضضت جمع مغامر جبار
ورميت مشتبه الفلات بفيلق * شهباء ذات نوادح وأوار
وفتحت بالجيش الموبر جمعهم * ورياح كل مصلصل حرار
وفجعت عربين اليمامة كلهم * بحيبهم وبجعفر وعزار
فغضب أهل حجر ثم خرجوا نحو الوشم يغزون ثمامة ومن معه من بني تميم سحيم وأهل القرى ، ومن أمره من تميم وقيس ، فالتقوا بالوشم ، فاقتتلوا قتالاً شديداً فهزم مسيلمة وأصحابه ، واتبعهم ثمامة بمن معه يقتلونهم قاهرين لهم ، ثم رجعوا وقد ملؤوا أيديهم مما أصابوا من جند مسيلمة ، فقال ثمامة في ذلك :
قالت رميلة لا يهد وقد جرى * يوم الغوير بحكمها استعرار
أرميل إني لن أريح مودتي * حتى تزيل مساقتي الأقدار
أرميل أني شاريٌ لمحمد * نفسي وأهلي الدهر والأعمار
فغضبت جمعهم بطعن صائب * حتى تدهده بيننا الأكوار
وركبت غازيَّ القرى في أثره * أقرى المنان وجمعنا سيار
ثم ذكر المقريزي عن ابن عباس أنه وصل الخبر إلى النبي ( صلى الله عليه وآله ) فقال : هذا مسيلمة قد شقي وضاق ذرعاً ، والله مخزيه » . انتهى .
ونسختنا من كتاب المقريزي كثيرة الخطأ ، ولم يذكر مصدره عن معارك ثمامة مع مسيلمة ، ولم نجدها في كتب التاريخ .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 141 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

( 5 ) لماذا أهمل أبو بكر وخالد ثمامة ؟

نتعجب من أن أبا بكر أهمل ثمامة كلياً ، مع أنه عامل النبي ( صلى الله عليه وآله ) على اليمامة وقد أمره النبي ( صلى الله عليه وآله ) قبيل وفاته بحرب مسيلمة ، وأمر عدداً من رؤساء البطون أن يمدوه ، فأمدوه وخاض مع مسيلمة معركتين انتصر فيهما ، لكن مسيلمة استعاد قوته وأخرج ثمامة من الحِجْر عاصمة اليمامة إلى قراها .
فلماذا تجاوزه أبو بكر وبعث شرحبيل ، ثم عكرمة ، ثم خالداً في جيش لقتال مسيلمة ، ولم يبعث ثمامة ، ولا راسله لينضم إلى خالد أو غيره ؟ !
وقد سار خالد على سياسة أبي بكر في إهمال ثمامة مع أن ثمامة انضم بأصحابه إليه وقاتل معه !
فكان ينبغي لخالد أن يعقد الصلح بعد المعركة معه باعتباره ممثلاً لبني حنيفة . ولو قلنا بأن طرف الصلح يجب أن يكون أتباع مسيلمة ، لبقي السؤال لماذا عزل أبو بكر ثمامة عن ولاية اليمامة وهو والي النبي ( صلى الله عليه وآله ) ؟ !
قال البلاذري ( 1 / 108 ) : « وأتى خالداً كتاب أبى بكر بإنجاد العلاء بن الحضرمي ، فسار إلى البحرين ، واستخلف على اليمامة سمرة بن عمرو العنبري » .
لا تفسير لذلك إلا ميل ثمامة إلى علي ( عليه السلام ) !
ويؤيده أنه بعدما شارك في معركة اليمامة ( الإصابة : 6 / 242 ) وانتصر المسلمون على مسيلمة ، التحق ثمامة بالعلاء بن الحضرمي وقاتل معه المرتدين في البحرين وحولها ، وكان رئيس المرتدين الحطمة بن ضبيعة من
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 142 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بني قيس بن ثعلبة ، حتى انتصر المسلمون . وفي عودة ثمامة إلى اليمامة كتب الله له الشهادة على يد أتباع الحطم قائد المرتدين .
قد يقال أن ثمامة نفسه فضل الجهاد على الولاية ، لكن لم نجد نصاً بذلك !

( 6 ) ثمامة يجاهد المرتدين مع العلاء بن الحضرمي

قال ابن عبد البر في الإستيعاب : 1 / 214 : « قال محمد بن إسحاق : ومر العلاء بن الحضرمي ومن معه على جانب اليمامة ( في البحرين ) فلما بلغه ذلك قال لأصحابه من المسلمين : إني والله ما أرى أن أقيم مع هؤلاء مع ما قد أحدثوا وإن الله تعالى لضاربهم ببلية لا يقومون بها ولا يقعدون ، وما نرى أن نتخلف عن هؤلاء وهم مسلمون ، وقد عرفنا الذي يريدون ، وقد مروا قريباً ولا أرى إلا الخروج إليهم ، فمن أراد الخروج منكم فليخرج ، فخرج ممداً للعلاء بن الحضرمي ومعه أصحابه من المسلمين ، فكان ذلك قد فتَّ في أعضاد عدوهم حين بلغهم مدد بني حنيفة !
وقال ثمامة بن أثال في ذلك :
دعانا إلى ترك الديانة والهدى * مسيلمة الكذاب إذ جاء يسجعُ
فيا عجباً من معشر قد تتابعوا * له في سبيل الغي والغيُّ أشنعُ » .
وروى ابن الأعثم ( 1 / 40 ) محاولة ثمامة إقناع قومه بمساندة العلاء الحضرمي في حرب المرتدين في البحرين ، قال : « أرسل ثمامة بن أثال إلى جماعة من بني حنيفة فدعاهم ، فلما اجتمعوا عنده أقبل عليهم فقال لهم : يا بني حنيفة !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 143 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
هل لكم أن يرفع الله عز وجل رؤوسكم مما كان منكم مع مسيلمة ؟ فقالوا : وما ذاك ؟ فقال : تسيرون مع العلاء بن الحضرمي إلى البحرين فتقاتلون على الحق ، فقالوا : ولمن نقاتل ؟ فقال : تقاتلون قوماً لو دعوا إلى قتالكم لقاتلوكم على الباطل .
فقال له رجل من قومه : يا ثمامة ، حسبنا ما كان منا من الخروج مع مسيلمة حتى فنيت رجالنا ، وذهبت أموالنا ، وسبيت أولادنا ونساؤنا . فلا تلمنا على القعود فحسبنا ما نزل بنا من الأمر . . .
فقال لهم ثمامة . . أنا والله ماض معه غير راغب بنفسي عنه ، والله يفعل في ذلك ما يجب ويرضى . . .
وسار العلاء بن الحضرمي ومعه ألف رجل من المهاجرين والأنصار ومعه ثمامة بن أثال وقيس بن عاصم المنقري ، في جماعة من بني تميم وبني حنيفة ، حتى توسط أهل البحرين » .
وقال الطبري ( 2 / 527 ) : « لما رجع العلاء إلى البحرين وضرب الإسلام فيها بجرانه وعز الإسلام وأهله ، وذل الشرك وأهله . . . فرجع الناس إلا من أحب المقام ، فقفلنا وقفل ثمامة بن أثال ، حتى إذا كنا على ماء لبنى قيس بن ثعلبة ، فرأوا ثمامة ورأوا خميصة الحطم عليه ، دسوا له رجلاً وقالوا سله عنها كيف صارت له ، وعن الحطم أهو قتله أو غيره ؟
فأتاه فسأله عنها فقال : نفلتها . قال أأنت قتلت الحطم قال : لا ، ولوددت أنى كنت قتلته . قال : فما بال هذه الخميصة معك ؟ قال : ألم أخبرك ! فرجع
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 144 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إليهم فأخبرهم ، فتجمعوا له ثم أتوه فاحتوشوه فقال : مالكم ؟ قالوا أنت قاتل الحطم . قال : كذبتم لست بقاتله ولكني نفلتها . قالوا : هل ينفل إلا القاتل ؟ قال : إنها لم تكن عليه إنما وجدت في رحله . قالوا : كذبت فأصابوه » .
أقول : الحطم بن ضبيعة رئيس قبيلة قيس بن ثعلبة ، ورئيس المرتدين في البحرين وحولها ، وقد اعتبر ذلك الحي من قبيلته أن ثمامة هو الذي قتله فتكاثروا عليه وقتلوه ، وكان مع ثمامة بعض أبناء عمه فلم يستطيعوا أن يمنعوه فختم الله له لسيد اليمامة بالشهادة على يد المرتدين .

( 7 ) ملك اليمامة هوذة بن علي

كان هوذة بن عليّ من رؤساء بني حنيفة ، لكن النفوذ الأقوى فيهم كان لثمامة . وهوذة من قرية قُرَّان في اليمامة بضم القاف وتشديد الراء ، وتقع اليوم بين ملهم وحريملة . وكان يسمى ذو التاج والملك ، لأن عامل كسرى على اليمن كان يرسل إلى كسرى قافلة فيها مال وهدايا ، فيغير عليها بنو تميم وينهبونها ، وكان هوذة يحميها ويوصلها إلى صنعاء أو إلى المدائن عاصمة كسرى . ودخل ذات مرة على كسرى فأعجب به ودعا بعقد من در فعقده على رأسه ، فسمي ذا التاج .
وبعث كسرى إلى عامله في البحرين آزاد فيروز الذي تسميه العرب المكعبر ، لأنه كان يقطع الأيدي والأرجل فأمره بمعاقبة تميم ، وجاء هوذة مع رسول كسرى إلى المكعبر ، فاحتال المكعبر على بني تميم فقتل منهم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 145 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
جماعة كثيرة في المشقر وأسر آخرين ، وقبل شفاعة هوذة في فكاك مئة من الأسرى فأطلقهم .
وكتب النبي ( صلى الله عليه وآله ) إلى هوذة : أسلم تسلم ، وأجعل لك ما تحت يديك . فأرسل إليه هوذة : « وفداً فيهم مجاعة بن مرارة ، والرحال بن عنفوة يقول له : إنْ جعل الأمر له من بعده أسلم ، وسار إليه ونصره وإلا قصد حربه . فقال النبي ( صلى الله عليه وآله ) : لا ولا كرامة ، اللهم اكفنيه . فمات بعد قليل » . ( الكامل : 1 / 468 ، و : 2 / 215 ، والأعلام : 8 / 102 ) .
وكان هوذة نصرانياً ، ويبدو أنه كان على علاقة بالغساسنة في الشام ، وقد بنى كنيسة في اليمامة وكان فيها قسيس . بينما كان عامة بني حنيفة على دين العرب الذي هو ملة إبراهيم ( عليه السلام ) مخلوطة بعبادة الأصنام .

( 8 ) مسيلمة الكذاب ينافس ثمامة

رفع مسيلمة شعار أن لبني حنيفة حقٌّ في أن يكون لهم نبي كقريش ، لأنها ليست أقل من قريش عدداً وعدة !
وقد تفضل مسيلمة وتنازل عن النبوة المستقلة ، ورضي أن يكون شريكاً مع النبي ( صلى الله عليه وآله ) في نبوته ، وادعى أن الله بعثه نبياً شريكاً لمحمد ( صلى الله عليه وآله ) وطلب منه أن يقبل بذلك ، فرده النبي ( صلى الله عليه وآله ) وسماه مسيلمة الكذاب .
لكن مسيلمة نشط في الدعوة إلى نفسه بأسلوبه وكهانته ، فأجابه أكثر بني حنيفة ! ولم يستطع ثمامة الصادق أن يردّ موجته ، فغلبه مسيلمة وأخرجه وأصحابه من حِجْر اليمامة . وكتب ثمامة رسالة إلى النبي ( صلى الله عليه وآله ) يخبره .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 146 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وعندما توفي النبي ( صلى الله عليه وآله ) تفاقم أمر مسيلمة ، وشهد له نَهَّار بن عُنفوة الحنفي المسمى الرحَّال بأن النبي ( صلى الله عليه وآله ) قد أشركه في النبوة !
وكان الرحال في الحقيقة عرَّاب مسيلمة والأب الروحي له !
قال الطبري : 2 / 505 : « وكان مسيلمة يصانع كل أحد ويتألفه ، ولا يبالي أن يطلع الناس منه على قبيح . وكان معه الرحال بن عنفوة قد هاجر إلى النبي ( صلى الله عليه وآله ) وقرأ القرآن وفقه في الدين ، فبعثه معلماً لأهل اليمامة وليشغب على مسيلمة ، وليشدد من أمر المسلمين ، فكان أعظم فتنة على بنى حنيفة من مسيلمة ! شهد له أنه سمع محمداً ( صلى الله عليه وآله ) يقول إنه أشرك معه ، فصدقوه واستجابوا له !
وأمره بمكاتبة النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، ووعده إن هو لم يقبل أن يعينه عليه ! فكان نَهَّار الرحال بن عنفوة لا يقول شيئاً الا تابعه عليه ، وكان ينتهى إلى أمره » .
وكان الرحَّال فارساً ، وقائد مقدمة جيش مسيلمة ، وهو أول من قتل من جيشه . ( الطبري : 2 / 510 ) . وهذا غاية الخذلان وسوء التوفيق ، نعوذ بالله .

( 9 ) وفد بني حنيفة مع مسيلمة إلى النبي ( صلى الله عليه وآله )

في تاريخ الطبري : 2 / 393 : « قدم على رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وفد بنى حنيفة فيهم مسيلمة بن حبيب الكذاب ، فكان منزلهم في دار ابنة الحارث امرأة من الأنصار ، ثم من بنى النجار . . إن بنى حنيفة أتت بمسيلمة إلى رسول الله تستره بالثياب ، ورسول الله ( صلى الله عليه وآله ) جالس في أصحابه ومعه عسيب من سعف النخل في رأسه خوصات ، فلما انتهى إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وهم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 147 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يسترونه بالثياب ، وكلم رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فقال له رسول الله : لو سألتني هذا العسيب الذي في يدي ما أعطيتك » .
وفي الطبقات : 1 / 316 : « بضعة عشر رجلاً فيهم رحال بن عنفوة ، وسلمى بن حنظلة السحيمي ، وطلق بن علي بن قيس ، وحمران بن جابر من بني شمر ، وعلي بن سنان ، والأقعس بن مسلمة ، وزيد بن عبد عمرو ، ومسيلمة بن حبيب . وعلى الوفد سلمى بن حنظلة ، فأنزلوا دار رملة بنت الحارث وأجريت عليهم ضيافة ، فكانوا يؤتون بغداء وعشاء ، مرةً خبزاً ولحماً ، ومرةً خبزاً ولبناً ، ومرة خبزاً وسمناً ، ومرة تمراً ينثر لهم .
فأتوا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في المسجد فسلموا عليه وشهدوا شهادة الحق ، وخلفوا مسيلمة في رحلهم وأقاموا أياماً يختلفون إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) . وكان رحَّال بن عنفوة يتعلم القرآن من أبيِّ بن كعب ، فلما أرادوا الرجوع إلى بلادهم أمر لهم رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بجوائزهم : خمس أواق كل رجل ، فقالوا : يا رسول الله إنا خلَّفنا صاحباً لنا في رحالنا يبصرها لنا ، وفي ركابنا يحفظها علينا ، فأمر له رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بمثل ما أمر به لأصحابه . .
ورجعوا إلى اليمامة وأعطاهم رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) إداوة من ماء فيها فضل طهور ، فقال : إذا قدمتم بلدكم فاكسروا بيعتكم ، وانضحوا مكانها بهذا الماء ، واتخذوا مكانها مسجداً ، ففعلوا وصارت الإداوة عند الأقعس بن مسلمة ، وصار المؤذن طلق بن علي فأذن ، فسمعه راهب البيعة فقال : كلمة حق ودعوة حق ، وهرب ! فكان آخر العهد به .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 148 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وادعى مسيلمة النبوة وشهد له الرحال بن عنفوة أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أشركه في الأمر ، فافتتن الناس به » .
وقال في الإستيعاب : 1 / 214 : « ارتد أهل اليمامة عن الإسلام غير ثمامة بن أثال ومن اتبعه من قومه ، فكان مقيماً باليمامة ينهاهم عن اتباع مسيلمة وتصديقه ، ويقول إياكم وأمراً مظلماً لا نور فيه ، وإنه لشقاء كتبه الله عز وجل على من أخذ به منكم ، وبلاء على من لم يأخذ به منكم ، يا بني حنيفة ! فلما عصوه ورأى أنهم قد أصفقوا على اتباع مسيلمة ، عزم على مفارقتهم » .

( 10 ) طموح مسيلمة الكذاب

يظهر أن مسيلمة كان شاباً عندما جاء مع وفد بني حنيفة إلى النبي ( صلى الله عليه وآله ) .
ويظهر أن مسيلمة نوى يومها أن يدعي النبوة ، فعندما رجع إلى اليمامة أرسل إلى النبي ( صلى الله عليه وآله ) : « من مسيلمة رسول الله ، إلى محمد رسول الله . سلام عليك ، فإني قد أشركت في الأمر معك ، وإن لنا نصف الأرض ولقريش نصف الأرض ، ولكن قريشاً قوم يعتدون . . . فقدم عليه رسولان بهذا الكتاب . . سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول لهما حين قرءا كتاب مسيلمة : فما تقولان أنتما ؟ قالا : نقول كما قال . فقال : أما والله لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما ! فكتب ( صلى الله عليه وآله ) إلى مسيلمة : بسم الله الرحمن الرحيم . من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب ، سلام على من اتبع الهدى ، أما بعد فإن الأَرْضَ للهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ » . ( ابن هشام : 4 / 1019 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 149 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
« قال السهيلي : وكان يقال له رحمان اليمامة ، وكان يعرف أبواباً من النيرنجات ( الشعبذة ) فكان يدخل البيضة في القارورة ، وهو أول من فعل ذلك ، وكان يقص جناح الطير ثم يصله ، ويدعي أن ظبية تأتيه من الجبل فيحلب لبنها . . قال ابن إسحاق : ثم انصرفوا عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ولما انتهوا إلى اليمامة ارتد عدو الله وتنبأ وتكذب لهم وقال : إني اشتركت معه في الأمر ، ثم جعل يسجع لهم السجعات مضاهياً للقرآن ، فأصفقت على ذلك بنو حنيفة » . ( عمدة القاري : 16 / 151 ) .

( 11 ) من سجع مسيلمة وكهانته

حاول مسيلمة أن يضاهي القرآن بسجعه فقال : « لقد أنعم الله على الحبلى أخرج منها نسمة تسعى ، من بين صفاق وحشى » . ( الطبري : 2 / 394 ) .
وفي تاريخ الطبري ( 2 / 505 ) : « وكان يؤذن للنبي ( صلى الله عليه وآله ) ويشهد في الأذان أن محمداً رسول الله . وكان الذي يؤذن له عبد الله بن النواحة ، وكان الذي يقيم له حجير بن عمير ويشهد له ، وكان مسيلمة إذا دنا حجير من الشهادة قال : صَرِّحْ حَجِير ! فيزيد في صوته ويبالغ لتصديق نفسه وتصديق نهَّار وتضليل من كان قد أسلم ، فعظم وقاره في أنفسهم .
قال : وضرب حرماً باليمامة فنهى عنه ، وأخذ الناس به فكان محرماً ، فوقع في ذلك الحرم قرى الأحالف أفخاذ من بنى أسيد كانت دارهم باليمامة ، فصار مكان دارهم في الحرم . والأحاليف : سيحان ونمارة ونمر والحارث بنو جروة . . . وكان يقول : والشاء وألوانها ، وأعجبها السود وألبانها ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 150 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والشاة السوداء ، واللبن الأبيض ، إنه لعجب محض ، وقد حرم المذق ، فما لكم لا تمجعون .
وكان يقول : يا ضفدع ابنة ضفدع ، نِقي ما تنقين ، أعلاك في الماء ، وأسفلك في الطين ، لا الشارب تمنعين ، ولا الماء تكدرين .
وكان يقول : والمُبْذِرات زرعاً ، والحاصدات حصداً ، والذاريات قمحاً ، والطاحنات طحناً ، والخابزات خبزاً ، والثاردات ثرداً ، واللاقمات لقماً إهالةً وسمنا ، لقد فضلتم على أهل الوبر ، وما سبقكم أهل المدر ، ريفكم فامنعوه ، والمعتر فآووه ، والباغي فناوؤوه .
قال : وأتته امرأة من بني حنيفة تكنى بأم الهيثم فقالت : إن نخلنا لسُحْق ، وإن آبارنا لجُرْز ، فادع الله لمائنا ولنخلنا كما دعا محمد لأهل هزمان .
فقال : يا نَهَّار ما تقول هذه ؟ فقال : إن أهل هزمان أتوا محمداً فشكوا بعد مائهم ، وكانت آبارهم جرزاً ونخلهم إنها سحق ، فدعا لهم فجاشت آبارهم ، وانحنت كل نخلة قد انتهت حتى وضعت جرانها لانتهائها ، فحكت به الأرض حتى أنشبت عروقاً ، ثم قطعت من دون ذلك ، فعادت فسيلاً مكمماً ينمو صاعداً .
قال كيف صنع بالآبار : قال دعا بسجل فدعا لهم فيه ، ثم تمضمض بفم منه ، ثم مجه فيه فانطلقوا به حتى فرغوه في تلك الآبار ، ثم سقوه نخلهم ففعل المنتهى ما حدثتك ، وبقي الآخر إلى انتهائه . فدعا مسيلمة بدلو من ماء فدعا لهم فيه ، ثم تمضمض منه ثم مج فيه ، فنقلوه فأفرغوه في آبارهم فغارت مياه تلك الآبار وخوى نخلهم ! وإنما استبان ذلك بعد مهلكه .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 151 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال له نهَّار : بارك على مولودي بني حنيفة ، فقال له : وما التبريك ؟ قال : كان أهل الحجاز إذا ولد فيهم المولود أتوا به محمداً فحنكه ومسح رأسه . فلم يؤت مسيلمة بصبي فحنكه ومسح رأسه إلا قرع ولثغ !
واستبان ذلك بعد مهلكه . . .
وأتاه رجل فقال : أدع الله لأرضي فإنها مسبخة كما دعا محمد لسلمى على أرضه ، فقال : ما يقول يا نهار ؟ فقال : قدم عليه سلمى وكانت أرضه سبخة فدعا له وأعطاه سِجْلاً من ماء ومج له فيه ، فأفرغه في بئره ثم نزع ، فطابت وعذبت . ففعل مثل ذلك ، فانطلق الرجل ففعل بالسجل كما فعل سلمى فغرقت أرضه ، فما جف ثراها ، ولا أدرك ثمرها ! وكانوا قد علموا واستبان لهم ولكن الشقاء غلب عليهم » !
وقال ابن الجوزي في المنتظم ( 1 / 418 ) : « وجعل يسجع لهم ويضاهي القرآن ، فمن قوله : سبح اسم ربك الأعلى ، الذي يستر على الحبلى ، فأخرج منها نسمة تسعى ، من بين أضلاع وحشي . يا ضفدعة بنت الضفدعين ، نقي ما تنقين ، وسبحي فحسنٌ ما تسبحين ، للطين تغنين سنين ، والماء تلبسين ثم لا تكدرين ولا تفسدين ، فسبحي لنا فيما تسبحين . . وكانوا إذا سمعوا سجعه قالوا : نشهد أنك نبي ، ثم وضع عنهم الصلاة وأحل لهم الخمر والزنا ونحو ذلك » .
وقال ابن الأعثم في الفتوح ( 1 / 25 ) : « قال لهم ثمامة : ويحكم يا بني حنيفة ، إسمعوا قولي تهتدوا ، وأطيعوا أمري ترشدوا ، واعلموا أن محمداً كان نبياً مرسلاً لا شك في نبوته ، ومسيلمة رجل كذاب لا تغتروا بكلامه وكذبه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 152 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فإنكم قد سمعتم القرآن الذي أتى به محمد ( صلى الله عليه وآله ) عن ربه ، إذ يقول : بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . حَم . تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ . غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ . . فأين هذا الكلام من كلام مسيلمة الكذاب ! فانظروا في أموركم ولا يذهبن هذا عنكم » .

( 12 ) اعتداء مسيلمة على المسلمين

بدأ مسيلمة بالخروج على دولة النبي ( صلى الله عليه وآله ) وسيطر على مدينة حجر اليمامة ( حجر اليمامة هي الرياض الفعلية ) وأخرج ثمامة عامل النبي ( صلى الله عليه وآله ) ومن ثبت على إسلامه منها . وقتل رسول النبي ( صلى الله عليه وآله ) وهو حبيب بن نسيبة بنت عمارة .
قال البلاذري في فتوح البلدان ( 1 / 110 ) : « وكان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بعث حبيب بن زيد بن عاصم ، أحد بنى مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن بن النجار ، وعبد الله بن وهب الأسلمي ، إلى مسيلمة ، فلم يعرض لعبد الله ، وقطع يدي حبيب ورجليه . وأم حبيب نسيبة بنت كعب » .
ثم حارب مسيلمة ثمامة والمسلمين ، وكان يقتل من لم يشهد له بأنه نبيٌّ مع النبي محمد ( صلى الله عليه وآله ) !
ففي سعد السعود للسيد ابن طاووس / 137 : « رويَ أن مسيلمة أخذ رجلين فقال لأحدهما : ما تقول في محمد ؟ قال : رسول الله . قال : ما تقول فيَّ ؟ قال : وأنت أيضاً . فخلاه .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 153 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال للآخر : ما تقول في محمد ؟ قال : رسول الله . قال : ما تقول فيَّ ؟ قال : أنا أصم . فأعاد عليه جوابه ثلاثاً ، فقتله !
فبلغ رسول الله فقال ( صلى الله عليه وآله ) : أما الأول فقد أخذ برخصة رسول الله ، وأما الثاني فقد صدع بالحق ، فهنياً له » .

( 13 ) سجاح تتنبأ ثم تتزوج مسيلمة

في هذه الفترة وصلت سجاح المتنبئة بقوتها العسكرية الصغيرة ، إلى اليمامة ، وآمنت بمسيلمة وتزوجت به وأخذت منه مالاً ، ثم تركته بعد ثلاثة أيام ، وعادت إلى بلادها في منطقة الموصل .
قال البلاذري ( 1 / 118 ) : « قالوا : وتنبأت أم صادر ، سجاح بنت أوس ، بن حق ، بن أسامة ، بن الغنيز ، بن يربوع ، بن حنظلة ، بن مالك ، بن زيد مناة ، بن تميم . . وتكهنت . فاتَّبعها قوم من بنى تميم وقوم من أخوالها بنى تغلب . ثم إنها سجعت ذات يوم فقالت : إن رب السحاب ، يأمركم أن تغزوا الرباب . فغزتهم فهزموها ولم يقاتلها أحد غيرهم .
فأتت مسيلمة الكذاب وهو بحِجْر فتزوجته ( حجر اليمامة هي الرياض الفعلية ) وجعلت دينها ودينه واحداً . فلما قُتل صارت إلى إخوانها فماتت عندهم . وقال ابن الكلبي : أسلمت سجاح وهاجرت إلى البصرة وحسن إسلامها . وقال عبد الأعلى بن حماد النرسي : سمعت مشايخ من البصريين يقولون إن سمرة بن جندب الفزاري صلى عليها وهو يلي البصرة من قبل معاوية ، قبل قدوم عبيد الله بن زياد من خراسان وولايته البصرة . وقال ابن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 154 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الكلبي : كان مؤذن سجاح الجنبة بن طارق بن عمرو بن حوط الرياحي ، وقوم يقولون : إن شبث بن ربعي الرياحي كان يؤذن لها » .
وفي تاريخ الطبري ( 2 / 498 ) : « واجتمع رؤساء أهل الجزيرة وقالوا لها : ما تأمريننا فقد صالح مالك ( بن نويرة ) ووكيع قومهما ، فلا ينصروننا ، ولا يريدوننا على أن نجوز في أرضهم ، وقد عاهدنا هؤلاء القوم ؟
فقالت : اليمامة . فقالوا : إن شوكة أهل اليمامة شديدة وقد غلظ أمر مسيلمة . فقالت : عليكم باليمامة ، ودُفوا دفيف الحمامة ، فإنها غزوةُ صرامة ( وقت صرام النخل وقطافه ) لا يلحقكم بعدها ملامة .
فنهدت لبني حنيفة ، وبلغ ذلك مسيلمة فهابها وخاف إن هو شغل بها أن يغلبه ثمامة على حِجر ( مدينة الرياض الفعلية ) أو شرحبيل بن حسنة ، أو القبائل التي حولهم ، فأهدى لها ثم أرسل إليها يستأمنها على نفسه حتى يأتيها ، فنزلت الجنود على الأمواه وأذنت له وآمنته ، فجاءها وافداً في أربعين من بنى حنيفة . وكانت راسخة في النصرانية ، قد علمت من علم نصارى تغلب . فقال مسيلمة : لنا نصف الأرض ، وكان لقريش نصفها لو عدلت ، وقد رد الله عليك النصف الذي ردت قريش فحباك به ، وكان لها لو قبلت .
فقالت : لا يرد النصف إلا من حَنَف ، فاحمل النصف إلى خيل تراها كالسَّهَف ( كحراشف السمك ) .
فقال مسيلمة : سمع الله لمن سمع ، وأطمعه بالخير إذ طمع ، ولا زال أمره في كل ما سر نفسه يجتمع ، رآكم ربكم فحياكم ، ومن وحشة خلاكم ، ويوم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 155 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
دينه أنجاكم ، فأحياكم علينا من صلوات معشر أبرار ، لا أشقياء ولا فجار يقومون الليل ويصومون النهار ، لرب الكبار ، رب الغيوم والأمطار .
وقال أيضاً : لما رأيت وجوههم حسنت ، وأبشارهم صفت ، وأيديهم طفلت ، قلت لهم لا النساء تأتون ، ولا الخمر تشربون ، ولكنكم معشر أبرار ، تصومون يوماً وتكلفون يوماً ، فسبحان الله إذا جاءت الحياة كيف تحيون ، وإلى ملك السماء ترقون ، فلو أنها حبة خردلة لقام عليها شهيد يعلم ما في الصدور ، وأكثر الناس فيها الثبور . . .
ذُكر أن مسيلمة لما نزلت به سجاح أغلق الحصن دونها ، فقالت له سجاح : إنزل . قال : فنحى عنك أصحابك ، ففعلت .
فقال مسيلمة : اضربوا لها قبة وجمروها ، لعلها تذكر الباه ، ففعلوا .
فلما دخلت القبة نزل مسيلمة فقال : ليقف هاهنا عشرة وهاهنا عشرة . ثم دارسها فقال : ما أوحى إليك ؟ قالت : هل تكون النساء يبتدئن ، ولكن أنت ما أوحى إليك ؟ قال : ألم تر إلى ربك كيف فعل بالحبلى ، أخرج منها نسمة تسعى ، من بين صفاق وحشى .
قالت : وماذا أيضاً ؟ قال : أوحى إليَّ إن الله خلق النساء أفراجاً ، وجعل الرجال لهن أزواجاً ، فنولج فيهن قعساً إيلاجاً ، ثم نخرجه إذا نشاء إخراجاً ، فينتجن لنا سخالاً إنتاجاً !
قالت : أشهد أنك نبي . قال : هل لك أن أتزوجك فآكل بقومي وقومك العرب ؟ قالت : نعم . . . ( ثم ذكر أبياتاً جنسية صريحة وزعم أنها أوحي بها إليه ! ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 156 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فأقامت عنده ثلاثاً ثم انصرفت إلى قومها ، فقالوا : ما عندك ؟ قالت : كان على الحق فاتبعته فتزوجته . . .
وكان من أصحابها الزبرقان بن بدر ، وعطارد بن حاجب ، ونظراؤهم . . فصالحها على أن يحمل إليها النصف من غلات اليمامة وقال : خلِّفي على السلف من يجمعه لك ، وانصرفي أنت بنصف العام ، فرجع فحمل إليها النصف فاحتملته وانصرفت به إلى الجزيرة ، وخلفت الهذيل وعقة وزياداً لينجز النصف الباقي ، فلم يفجأهم إلا دنو خالد بن الوليد منهم ، فارفضوا ، فلم تزل سجاح في بنى تغلب » .
وفي فتوح ابن أعثم ( 1 / 22 ) : « وقد كانت ادعت النبوة وتبعها رجال من قومها : غيلان بن خرشة ، والحارث بن الأهتم ن وجماعة من بني تميم . قال : وكان لها مؤذن يؤذن بها ويقول : أشهد أن سجاح نبية الله . قال : فسارت سجاح هذه إلى مسيلمة الكذاب سلمت عليه بالنبوة ، وقالت : إنه بلغني أمرك وسمعت بنبوتك ، وقد أقبلت إليك وأحببت أن أتزوج بك ، ولكن أخبرني ما الذي أنزل إليك من ربك ؟
فقال مسيلمة : أنزل علي من ربي : لا أقسم بهذا البلد ، ولا تبرح هذا البلد ، حتى تكون ذا مال وولد ، ووفر وصفد ( الصفد : العطاء ) وخيل وعدد ، إلى آخر الأبد ، على رغم من حسد .
فقالت سجاح : إنك نبيٌّ حقاً ، وقد رضيت بك وزوجتك نفسي ، ولكن أريد أن تجعل لي صداقاً يشبهني . قال مسيلمة : فإني قد فعلت ذلك ، قال : دعا مسيلمة بمؤذنه فقال : ناد في قوم هذه المرأة : ألا إن نبيكم مسيلمة قد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 157 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
رفع عنكم صلاتين من الخمس التي جاء بها محمد بن عبد الله ، وهي صلاة الفجر وصلاة العشاء الأخيرة .
فقالت سجاح : أشهد أنك لقد جئت بصواب » .
وقال اليعقوبي : 2 / 131 : « وافتتحت اليمامة وهربت سجاح فماتت بالبصرة . وكان فتح مسيلمة في سنة 11 ، وقتل في شهر ربيع الأول سنة 12 » .

( 14 ) أرسل أبو بكر عكرمة ثم شرحبيل لقتال مسيلمة

« وقد كان بعث قبله ( أي قبل خالد ) إلى مسيلمة عكرمة بن أبي جهل وشرحبيل بن حسنة ، فلم يقاوما بني حنيفة ، لأنهم في نحو أربعين ألفاً من المقاتلة ، فعجِل عكرمة قبل مجئ صاحبه شرحبيل فناجزهم ، فنُكب ، ( خسر جرحى وقتلى وانهزم ) فانتظر خالداً » . ( النهاية : 6 / 355 ) .
« وعجل شرحبيل بن حسنة وفعل فعل عكرمة ، وبادر خالداً بقتال مسيلمة قبل قدوم خالد عليه فنكب ، فحاجَز ( هَادَنهم ) فلما قدم عليه خالد ، لامه » . ( الطبري : 2 / 505 ) .
لكن الصحيح أن عكرمة جاء قبل شرحبيل ، ومعه سرية فرسان وهو الذي اشتبك مع أتباع مسيلمة ونكب .
ففي تاريخ الطبري ( 2 / 291 و 529 ) : « وقد كان أبو بكر بعث عكرمة إلى مسيلمة باليمامة ، وأتبعه شرحبيل بن حسنة وسمى لهما اليمامة وأمرهما بما أمر به حذيفة وعرفجة ، فبادر عكرمة شرحبيل وطلب حظوة الظفر فنكبه مسيلمة ، فأحجم عن مسيلمة وكتب إلى أبي بكر بالخبر . وأقام شرحبيل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 158 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عليه حيث بلغه الخبر . وكتب أبو بكر إلى شرحبيل بن حسنة أن أقم بأدنى اليمامة حتى يأتيك أمري ، وترك أن يمضيه لوجهه الذي وجهه له ، وكتب إلى عكرمة يعنفه لتسرعه ويقول : لا أرينك ولا أسمعن بك إلا بعد بلاء ، والحق بعمان حتى تقاتل أهل عمان وتعين حذيفة وعرفجة . وكل واحد منكم على خيله » .
ويظهر أن عدد جيش شرحبيل كان أكثر من خيل عكرمة ، فقد روى الطبري : 2 / 498 ، في خبر سجاح : « فنهدت لبنى حنيفة ، وبلغ ذلك مسيلمة فهابها وخاف إن هو شغل بها أن يغلبه ثمامة على حِجْر ، أو شرحبيل بن حسنة ، أو القبائل التي حولهم ، فأهدى لها ، ثم أرسل إليها يستأمنها على نفسه حتى يأتيها » .
وكان شرحبيل على بعد يوم من مسيلمة : « فسار خالد ومعه شرحبيل ، حتى إذا كان من عسكر مسيلمة على ليلة ، هجم على جبيلة » . ( الطبري : 2 / 508 ) .

( 15 ) ثم أرسل خالداً وأمر عكرمة وشرحبيل بطاعته

عَسْكَرَ خالد مقابل مسيلمة ، ورتب جيشه على طريقته ، فقدم الذين يحب التخلص منهم ، ونصب لنفسه فسطاطاً في آخر الجيش ، وجلس فيه !
وقد جعل على مقدمته شرحبيل بن حسنة ، ورجلاً من أقاربه بني مخزوم اسمه خالد ، وعلى ميمنته زيد بن الخطاب ، وعلى ميسرته أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة الأموي في المهاجرين ، ورايته بيد مولاه سالم المشهور ، وعلى الأنصار ثابت بن قيس بن شماس . ( الطبري : 2 / 508 ، و : 3 / 288 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 159 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

( 16 ) مجَّاعة بن مرارة يقع في قبضة خالد بن الوليد

عندما اقترب خالد بجيشه من عقرباء مركز مسيلمة ، قبضوا على نحو عشرين من بني حنيفة فيهم مجَّاعة ، وهو من رؤساء بنس حنيفة .
قال ابن سعد في الطبقات : 5 / 549 : « لما نزل خالد بن الوليد العَرْض ، وهو يريد اليمامة ، قدَّم خيلاً مائتي فارس وقال : من أصبتم من الناس فخذوه ، فانطلقوا فأخذوا مجَّاعة بن مرارة الحنفي في ثلاثة وعشرين رجلاً من قومه خرجوا في طلب رجل من بني نمير .
فسأل مجاعة فقال : والله ما أقربُ مسيلمة ، ولقد قدمت على رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فأسلمت وما غيرت ولا بدلت .
فقدم خالد القوم فضرب أعناقهم ، واستبقى مجاعة فلم يقتله ، وكان شريفاً كان يقال له : مجَّاع اليمامة .
وقال سارية بن عمرو لخالد بن الوليد : إن كان لك بأهل اليمامة حاجة فاستبق هذا ، يعني مجاعة بن مرارة ، فلم يقتله وأوثقه في جامعة من حديد ودفعه إلى امرأته أم تميم ( زوجة مالك بن نويرة ) فأجارته من القتل وأجارها مجاعة منه إن ظفرت حنيفة ، فتحالفا على ذلك !
وكان خالد يدعو به ويتحدث معه ويسائله عن أمر اليمامة وأمر بني حنيفة ومسيلمة ، فيقول مجاعة : وإني والله ما اتبعته وإني لمسلم .
قال : فهلا خرجت إليَّ أو تكلمت بمثل ما تكلم به ثمامة بن أثال ؟
قال : إن رأيت أن تعفو عن هذا كله فافعل . قال : قد فعلت » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 160 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

( 17 ) عدد جيش مسيلمة وجيش المسلمين

قال الطبري ( 2 / 508 ) في عدد جيش مسيلمة : « المقلل يقول أربعين ( ألفاً ) والمكثر يقول ستين » . وقال في : 2 / 514 : « قتل في الحديقة عشرة آلاف » .
وقال في : 2 / 516 : « وقتل من بنى حنيفة في الفضاء بعقرباء سبعة آلاف ، وفى حديقة الموت سبعة آلاف ، وفى الطلب نحو منها » . والإمتاع : 14 / 531 .
وقد يكون في هذا العدد مبالغة ، لأن المعركة في اليوم الثاني انتقلت إلى الحديقة المسورة ومن البعيد أنها تتسع لسبعة آلاف ونحوهم من المسلمين ، حتى لو كانت بستاناً كبيراً ، وقد يكون عدد بني حنيفة عشرة آلاف ، وعدد المسلمين ثلاثة آلاف ، وهم سرية شرحبيل وخيل عكرمة ، وجيش خالد . وقد استشهد منهم بضع مئات ، وقيل ألفٌ ومئتان .
وقال العيني في عمدة القاري : 14 / 139 : « وكانت في ربيع الأول من سنة اثنتي عشرة من الهجرة . . وقيل : كانت في أواخر سنة إحدى عشرة ، وقتل فيها جماعة من المسلمين ، فيهم أربع مائة وخمسون من حملة القرآن ، ومن الصحابة » . وذكر أن عدد بني حنيفة نحو أربعين ألفاً . وعدد المسلمين في نسخته بياض .

( 18 ) صورة عامة لمعركة اليمامة

استمرت المعركة يومين ، وانهزم المسلمون في اليوم الأول مرات ، وانهزموا في اليوم الثاني حتى وصلت هزيمتهم إلى آخر المعسكر ، حيث فسطاط خالد بن الوليد ، فانهزم خالد من خيمته وترك زوجته للعدو !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 161 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم لَطُفَ الله تعالى بالمسلمين بمبادرات أبطالهم خاصة عمار والأنصار ، فثبَّتوا المسلمين وشجَّعوهم ، وتقدموا أمامهم وحملوا على العدو فجندلوا أبطاله ، ثم حمل المسلمون حملة رجل واحد ، فألجؤوا بني حنيفة إلى حديقة مسورة ، فدخلوا فيها وأغلقوا بابها ، فتسور شجعان المسلمين ونزلوا خلف الباب ، وشغلوا العدو حتى كسر المسلمون الباب ودخلوا ، فانتقلت المعركة إلى داخل الحديقة ، وكانت معركة صعبه ، تكبد المسلمون في أولها أكثر من مئة شهيد ، وصمدوا وثبتوا حتى قُتل عدو الله مسيلمة ، وانتصر المسلمون .
روى ابن عساكر في تاريخ دمشق ( 62 / 415 ) عن وحشي بن عبيد ، قال : « لقيناهم فاقتتلنا قتالاً شديداً فهزموا المسلمين ثلاث مرات . قال : وكر عليهم المسلمون في الرابعة ، فتاب الله عليهم فثبت أقدامهم ، فصبروا لوقع السيوف ، واختلفت بينهم وبين بني حنيفة السيوف حتى رأيت شهب النار تخرج من خلالها ، وحتى سمع لها أصواتاً كأجراس الإبل ، وأنزل الله علينا نصره وهزم الله بني حنيفة وقتل الله مسيلمة » .
وقال ابن الأعثم ( 2 / 30 ) : « قال رافع بن خديج الأنصاري . . هزمونا نيفاً على عشرين هزيمة وقتلوا منا مقتلة عظيمة ، وكادوا أن يفضحونا مراراً ، غير أن الله عز وجل أحب أن يعز دينه » .
وفي تاريخ الإسلام ( 3 / 39 ) قال وحشي بن عبيد : « لم أر قط أصبر على الموت من أصحاب مسيلمة ، ثم ذكر أنه شارك في قتل مسيلمة . . . لما كان يوم اليمامة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 162 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
دخل ثابت بن قيس فتحنط ، ثم قام فأتى الصف والناس منهزمون فقال : هكذا عن وجوهنا ، فضارب القوم ثم قال : بئسما عودتم أقرانكم ، ما هكذا كنا نقاتل مع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فاستشهد » .
وفي تاريخ الطبري ( 2 / 513 ) : « عن عبيد بن عمير إن المهاجرين والأنصار جبَّنوا أهل البوادي ، وجبَّنهم أهل البوادي ، فقال بعضهم لبعض : امتازوا كي نستحي من الفرار اليوم ، ونعرف اليوم من أين نؤتى ، ففعلوا .
وقال أهل القرى : نحن أعلم بقتال أهل القرى يا معشر أهل البادية منكم . فقال لهم أهل البادية : إن أهل القرى لا يحسنون القتال ، ولا يدرون ما الحرب ، فسترون إذا امتزتما من أين يجئ الخلل ، فامتازوا ، فما رؤى يوم كان أحدَّ ولا أعظم نكاية مما رؤى يومئذ ، ولم يدر أي الفريقين كان أشد فيهم نكاية ، إلا أن المصيبة كانت في المهاجرين والأنصار أكثر منها في أهل البادية ، وإن النقمة أبداً في الشدة ( أي الخسارة على الأشجع ) ورمى عبد الرحمن بن أبي بكر المحكَّم بسهم فقتله ، وهو يخطب فنحره . وقتل زيد بن الخطاب الرحَّال بن عنفوة . . . لما اشتد القتال وكانت يومئذ سجالاً ، إنما تكون مرة على المسلمين ومرة على الكافرين ، فقال خالد : أيها الناس امتازوا لنعلم بلاء كل حي ، ولنعلم من أين نؤتى ، فامتاز أهل القرى والبوادي وامتازت القبائل من أهل البادية وأهل الحاضر ، فوقف بنو كل أب على رايتهم فقاتلوا جميعاً ، فقال أهل البوادي يومئذ : الآن يستحر القتل في الأجذع الأضعف ، فاستحر القتل في أهل القرى ، وثبت مسيلمة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 163 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ودارت رحاهم عليه ، فعرف خالد أنها لا تركد إلا بقتل مسيلمة ، ولم تحفل بنو حنيفة بقتل من قتل منهم » .
وفي الطبري : 2 / 509 : « وكانت راية المهاجرين مع سالم مولى أبى حذيفة فقالوا : نخشى علينا من نفسك شيئاً . فقال : بئس حامل القرآن أنا إذاً . وكانت راية الأنصار مع ثابت بن شماس ، وكانت العرب على راياتها . . وترادَّ المسلمون فكروا عليهم فانهزمت بنو حنيفة ، فقال المحكم بن الطفيل : يا بنى حنيفة أدخلوا الحديقة فإني سأمنع أدباركم . فقاتل دونهم ساعة ثم قتله الله . . . ودخل الكفار الحديقة وقتل وحشى مسيلمة وضربه رجل من الأنصار ، فشاركه فيه » .
وفي تاريخ دمشق : 62 / 405 : « قال وحشي : فدفعت إلى مسيلمة فزرقته بالحربة وضربه رجل من الأنصار ، فربك أعلم أينا قتله » .
وأوضح وصف للمعركة وأكثرها تفصيلاً وأصحها ما رواه ابن الأعثم ( 1 / 27 ) ، وخلاصته : أن أول من تقدم للحرب عمار بن ياسر ( رحمه الله ) قال : « وتقدم عمار بن ياسر وفي يده صحيفة له يمانية ، ثم حمل فلم يزل يقاتل حتى قتل منهم جماعة ، وحمل رجل من بني حنيفة فضربه فاتقاها عمار بحجفته فزاحت الضربة عن الحجفة ، وهوت إلى أذن عمار فرمت بها ، فلما بقيت أذن عمار معلقة سقطت على عاتقه ، قال : وداخله عمار فضربه ضربة قتله » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 164 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم تقدم الحارث بن هشام المخزومي أخو أبي جهل ، فقاتل ورجع إلى موقفه . ثم تقدم زيد بن الخطاب فقاتل حتى قتل ، ثم تقدم عامر بن بكير العدوي فقاتل حتى قتل .
ثم اشتبكت الحرب بين الفريقين فقتل من المسلمين زهاء ثلاث مائة رجل وقتل من بني حنيفة جماعة . فأمسى القوم فرجع بعضهم عن بعض ولم ينم منهم أحد تلك الليلة لما يخافون من البيات .
فلما كان من الغد دنا بعضهم إلى بعض ، وتقدم محكم بن الطفيل وزير مسيلمة وصاحب أمره ، فتقدم حتى وقف أمام أصحابه شاهراً سيفه ، ثم حمل على المسلمين فقاتل قتالاً شديداً ، وحمل عليه ثابت بن قيس الأنصاري فطعنه في خاصرته طعنة نكسه عن فرسه قتيلاً . ثم لم يزل ثابت يقاتل حتى قتل .
ثم تقدم السائب بن العوام أخو الزبير بن العوام ، فقاتل حتى قتل .
ثم : « صاحت بنو حنيفة بعضها ببعض ، وحملوا على المسلمين حملة منكرة حتى أزالوهم عن موقفهم ، وقتلوا منهم نيفاً على ثمانين رجلاً .
قال : ثم كبر المسلمون وحملوا عليهم وكشفوهم كشفة قبيحة .
ثم تراجعت بنو حنيفة ومعهم صاحبهم مسيلمة ، حتى وقف أمام قومه ثم حسر عن رأسه ، ثم إنه حمل وحمل معه بنو حنيفة كحملة رجل واحد ، وانهزم المسلمون بين أيديهم وأسلموا سوادهم وصارت بنو حنيفة إلى فسطاط خالد » وهرب خالد منهم تاركاً زوجته !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 165 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم جاء دور الأبطال عمار بن ياسر ، والبراء بن مالك ، وأبي دجانة ، وثابت بن قيس بن شماس ، وابن عمه بشير بن عبد الله من بني الحارث بن النجار ، وغيرهم من حماة الأنصار ، فتقدموا المسلمين وحملوا على بني حنيفة وهم بقيادة مسيلمة ، حتى هزموهم وساقوهم إلى الحديقة .
وهنا تشجع خالد ! فقالوا :
« واقتحم خالد بن الوليد الحديقة بفرسه ، وبيده سيف لو ضرب به الحجر لقطعه ، قال : فاستقبله رجل من بني حنيفة فقال له : أين تريد يا ابن كذا وكذا ؟ فحمل عليه خالد واعتنقه الحنفي فسقطا عن فرسيهما جميعاً إلى الأرض ، فسقط الحنفي تحت خالد فجعل يجرحه بخنجر كان معه ، وخالد قد قبض على حلقه والحنفي يجرحه من تحت ، حتى جرحه سبع جراحات فوثب خالد وتركه ، وإذا فرس خالد قد غار عن الحديقة ، فجعل خالد ظهره إلى باب الحديقة وجعل يقاتل ، حتى تخلص وهو لما به » !
أي تخلص خالد من الحنفي لكنه كان في آخر نفس ، ورجع إلى خيمته !
ثم كانت حملة فرسان الأنصار وحماتهم المئة :
« وأقبل عباد بن بشر الأنصاري حتى وقف على باب الحديقة ثم نادى بأعلى صوته : يا معشر الأنصار ! إحطموا جفون سيوفكم ، واقتحموا الحديقة عليهم فقاتلوهم أو يقتل مسيلمة الكذاب .
ثم كسر عباد بن بشر جفن سيفه ، وكسرت الأنصار جفان سيوفهم ، واقتحموا الحديقة ، فقاتلوا حتى ما بقي منهم إلا أربعة نفر ، فإنهم أقبلوا مجروحين لما بهم . قال : وعظم الأمر على الفريقين جميعاً » !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 166 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم قرر المسلمون أن يقتحموا الحديقة بأجمعهم ، فنجح اقتحامهم ، وانتقلت المعركة إلى داخل الحديقة ، حتى قتل الله عدو الله مسيلمة .
قال ابن الأعثم : 1 / 31 : « التفت بنو حنيفة إلى مسيلمة فقالوا له : يا أبا ثمامة ألا ترى إلى ما نحن فيه من قتال هؤلاء ؟ فقال مسيلمة : بهذا أتاني الوحي أن القوم يُلجؤوكم إلى هذه الحديقة ويكون قتالكم معهم في جوفها ، فقال له بعضهم : فأين ما وعدتنا من ربك بأنه ينصرنا على عدونا ، وأن هذا الدين الذي نحن فيه هو الدين القيم ؟
فقال مسيلمة : أما الدين فلا دين لكم ، ولكن قاتلوا عن أحسابكم .
قال : فعند ذلك علم القوم أنهم كانوا في غرور وضلال . . فاقتحم المسلمون بأجمعهم على مسيلمة وأصحابه فقاتلوهم حتى احمرت الأرض من الدماء » .
وبعد قتل مسيلمة تشجع خالد : « أقبل خالد بن الوليد حتى دخل الحديقة ومعه جماعة من المسلمين ، فوقف على مسيلمة وهو مقتول » !

( 19 ) لم يقاتل خالد في معركة اليمامة أبداً ، وهرب مرتين !

استمرت المعركة يومين ، ولم يقاتل فيها قائدها خالد بن الوليد أبداً ، لكنه انهزم مرتين ، مرة مع المسلمين ، ومرة وحده !
وانهزم المسلمون هزائم صغيرة وكبيرة ، ووصلت هزيمتهم إلى فسطاط خالد فهرب وترك زوجته أم تميم ، التي غصبها من مالك بن نويرة !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 167 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال الطبري : 2 / 510 : « ثم التقى الناس ولم يلقهم حرب قط مثلها من حرب العرب ، فاقتتل الناس قتالاً شديداً حتى انهزم المسلمون ، وخلص بنو حنيفة إلى مجاعة والى خالد ، فزال ( هرب ) خالد عن فسطاطه ، ودخل أناس الفسطاط وفيه مجاعة ( أسير خالد ) عند أم تميم ، فحمل عليها رجل بالسيف ، فقال مجاعة : أنا لها جارٌ فنعمت الحرة ، عليكم بالرجال . فرَعْبَلُوا الفسطاط بالسيوف » .
أقول : في هذا الهروب عارٌ على خالد كقائد ، وعارٌ عليه كزوج أن يترك زوجته لأعدائه ويهرب ، وأن يترك أسيره مجَّاعة أيضاً .
وكان مجاعة مقيداً فحل وثاقه بنو حنيفة ، لأنه من قادتهم فأمرهم بملاحقة رجال المسلمين ، فأطاعوه وتركوا زوجة خالد ، ولم يذهب معهم مجاعة وبقي أسيراً عند زوجة خالد ، ولعله قدر أن هزيمة المسلمين موقتة وأن الغلبة لهم ، فأراد أن يبقى ليخلص من يستطيع من قومه ، كما فعل .
ولعله كان عاشقاً لأم تميم التي وصفوها بأنها أجمل نساء العرب ، والتي قتل خالد زوجها ابن نويرة من أجلها .
وأما هزيمة خالد الثانية ، فعندما استعاد المسلمون المبادرة ، وهزموا بني حنيفة إلى حديقة المسورة بسور عال ، فجاءته الشجاعة فركب فرسه وذهب باتجاه الحديقة ، ليدخلها ويتخذ مكاناً في آخر جيشه الذي اشرف على النصر ، فيأمر وينهى !
قال ابن الأعثم في فتوحه ( 1 / 31 ) يصف شجاعة خالد !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 168 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
« واقتحم خالد بن الوليد الحديقة بفرسه وبيده سيف لو ضرب به الحجر لقطعه ، قال : فاستقبله رجل من بني حنيفة فقال له : أين تريد يا ابن كذا وكذا ؟ فحمل عليه خالد واعتنقه الحنفي فسقطا عن فرسيهما جميعاً إلى الأرض ، فسقط الحنفي تحت خالد فجعل يجرحه بخنجر كان معه ، وخالد قد قبض على حلقه والحنفي يجرحه من تحت حتى جرحه سبع جراحات ، فوثب خالد وتركه وإذا فرس خالد قد غار عن الحديقة ، فجعل خالد ظهره إلى باب الحديقة وجعل يقاتل حتى تخلص ، وهو لما به » .
ومعناه ، أن خالداً لم يستطع أن يغلب الحنفي ، مع أنه وقع تحته وسيفه يقطع الصخر ! فطعنه الحنفي من تحته طعنات ، وغاية ما استطاع خالد أن يفعله أنه تخلص منه وهرب ، فوجد فرسه قد هرب ، فاحتمى بحائط الحديقة من الحنفي وهو لما به ، أي في آخر رمق ! ورجع إلى خيمته ولم يدخل إلى الحديقة مع أن المعركة دامت فيها دامت ساعات ، وربما نصف نهار ، حتى انتصر المسلمون وقُتل مسيلمة !
قال ابن الأثير في الكامل : 2 / 365 : « وأُخبر خالد بقتل مسيلمة ، فخرج بمجاعة يرسف في الحديد ليدله على مسيلمة ، فجعل يكشف له القتلى حتى مر بمحكم اليمامة وكان وسيماً فقال : هذا صاحبكم ؟ فقال مجاعة : لا ، هذا والله خير منه وأكرم ، هذا محكم اليمامة .
ثم دخل الحديقة فإذا رويجل أصيفرأخينس فقال مجاعة : هذا صاحبكم قد فرغتم منه . قال خالد : هذا الذي فعل بكم ما فعل » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 169 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ويكفي لمعرفة خوف خالد أن نقارنه بمسيلمة : « ثم تراجعت بنو حنيفة ( أي بعد هزيمتهم ) ومعهم صاحبهم مسيلمة ، حتى وقف أمام قومه ، ثم حسر عن رأسه ، ثم إنه حمل وحمل معه بنو حنيفة كحملة رجل واحد ، وانهزم المسلمون بين أيديهم ، وأسلموا سوادهم » . ( ابن الأعثم : 1 / 29 ) .
فمسيلمة كان يقاتل في أول قومه ، وخالد يجلس في الفسطاط في آخر قومه ! وعندما يحصر المسلمون عدوهم داخل الحديقة ولا يبقى خارجها من جماعة مسيلمة إلا الشاذ النادر يتشجع خالد ويأتي إلى الحديقة فيعترضه رجل من بني حنيفة ، فيتصارع معه خالد ويسقطه أرضاً ، لكنه لا يستطيع أن يقتله ، فيهرب منه بحشاشة نفسه !
ثم يكذب الرواة لخالد فيدعون أنه حمل وكان يراقب مسيلمة ليقتله مع أن مسيلمة كان حاسر الرأس في مقدمة قومه ، فلماذا لم يتصدَّ له خالد ؟ !
قال الطبري : 2 / 512 : « وحمل خالد بن الوليد ، وقال لحماته : لا أوتين من خلفي ، حتى كان بحيال مسيلمة ، يطلب الفرصة ويرقب مسيلمة » .
وأي فرصة كان يرقبها خالد ، فغابت هذه الخبيثة ولم تأت ؟ !
أم الفرصة عنده أن يكتفوا له الشخص ، فيقتله صبراً ؟ !
ولم يستح رواة السلطة حتى كذبوا لخالد أنه قاتل بنفسه ، وشارك في الحملة ، وبرز لمسيلمة فهرب منه مسيلمة !
قال الطبري ( 2 / 513 ) : « ثم برز خالد حتى إذا كان أمام الصف ، دعا إلى البراز وانتمى ، وقال :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 170 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أنا ابن الوليد العَوْدِ * أنا ابن عامر وزيْدِ
فجعل لا يبرز له أحد إلا قتله ، ولا يبرز له شئ إلا أكله ، وهو يرتجز :
أنا ابن أشياخٍ وسيفي السَّخْتُ * أعظم شئ حين يأتيك النَّفْتُ
ودارت رحى المسلمين وطحنت ، ثم نادى خالد حين دنا من مسيلمة . . فدعا مسيلمة طلباً لعورته فأجابه ، فعرض عليه أشياء مما يشتهي مسيلمة ، وقال : إن قبلنا النصف فأي الإنصاف تعطينا ؟ فكان إذا هم بجوابه أعرض بوجهه مستشيراً ، فينهاه شيطانه أن يقبل ، فأعرض بوجهه مرة من ذلك ، وركبه خالد فأرهقه ، فأدبر » !
لاحظ أنهم حولوا المبارزة إلى مفاوضة مع مسيلمة ، ثم قالوا : ركبه خالد فهرب ! ولو هرب منه مسيلمة لاشتهر ذلك ، وعير به المسلمون قومه !
ومما يدلك على كذب مبارزاته المدعاة أنهم أبهموا نتيجتها فقالوا : برز وقتل وأكل كل من برز إليه ، لكن لا تجد إسماً ولا عدداً لأحد قتله خالد .
بل دلت رواية مجاعة عندما أخذه خالد معه ليدله على مسيلمة ، على أنه لم يكن رآه حتى وهو حاسر يقود قومه ! فقد دخل خالد إلى الحديقة بعد المعركة ليرى جثة مسيلمة ، فتصور أنه رجل آخر ، ثم رأى صغر جثته فتعجب ، لأنه لم يكن يعرفه ! ولو برز إليه كما زعموا لرآه ، بل لو كان في المعركة لرآه ، لأن مسيلمة كان كاشفاً رأسه وحمل على المسلمين فانهزموا ! وكان خالدٌ في الخيمة فهرب ولم ير المهاجمين !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 171 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال ابن الأعثم : 1 / 32 : « دفع بنو حنيفة جانباً من حائط الحديقة فهدموه ، وخرجوا منها والسيف يأخذهم . وأقبل خالد بن الوليد حتى دخل الحديقة ومعه جماعة من المسلمين ، فوقف على مسيلمة وهو مقتول ونظر إليه ، فإذا هو أصفر أحمش ضعيف البدن ، فقال خالد بن الوليد : أين مجاعة بن مرارة ؟ فقال : ها أنا ذا أصلح الله الأمير ! فقال : هذا صاحبكم الذي أوقعكم ؟ ! فقال مجَّاعة : نعم أصلح الله الأمير ! هذا صاحبنا فلعنة الله عليه فلقد كان مشوماً على نفسه وعلى بني حنيفة » .
ثم أعجب من افتخار خالد بأبيه ، وقوله : أنا ابن الوليد العَوْدِ ! وقوله :
أنا ابن أشياخٍ وسيفي السَّخْتُ * أعظم شئ حين يأتيك النَّفْتُ
والنَّفْتُ : ما يلصق بالقدر من المرق ، أي العبرة بآخر القدر . ( العين : 8 / 127 ) .
والرجل العَوْد : العالم بالأمور الذي لا يجهل مقامه . ( لسان العرب : 3 / 315 ) .
فاعجب لقائد المسلمين يفتخر بأبيه الذي أنزل الله ذمه في القرآن ! فلو حل الإيمان في قلبه لما افتخر بمن قال الله تعالى فيه : ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً . . وقال فيه : وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَهِينٍ . هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ . مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ . عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ . أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ .
وقد اتفق المؤرخون والمفسرون على أنها نزلت في الوليد !
قال في تفسير الجلالين / 758 : ( دعيٌّ في قريش ، وهو الوليد بن المغيرة ، ادعاه أبوه بعد ثماني عشرة سنة ) . وابن إسحاق : 2 / 140 ، والقرطبي : 19 / 71 . وعشرات المصادر
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 172 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ومن نوع افتخار خالد بأبيه الدعي ، احتقاره لعمار بن ياسر رضي الله عنه ، فقد وصفه بأنه عبد لأنه حليف بني مخزوم والحليف عندهم يشبه العبد ، مع أنه حر من قبيلة عَنْس اليمانية ! ففي تاريخ دمشق : 43 / 401 ، أن عماراً تنازع مع خالد عند رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) حتى تشاتما ، فقال خالد بن الوليد : أيشتمني هذا العبد عندك أما والله لولاك ما شتمني ! فقال نبي الله ( صلى الله عليه وآله ) : كُفَّ يا خالد عن عمار ، فإنه من يبغض عماراً يبغضه الله ، ومن يلعن عماراً يلعنه الله » .
وفي فضائل الصحابة للنسائي / 50 : « قال : يا خالد لا تسب عماراً فإنه من سب عماراً يسبه الله ، ومن ينتقص عماراً ينتقصه الله ، ومن سفه عماراً يسفهه الله ملئ عمار بن ياسر إيماناً إلى مشاشه » . والحاكم : 3 / 389 ، وسنن النسائي : 5 / 74 ، وكبير الطبراني : 4 / 112 ، وسير الذهبي : 9 / 367 ، وغيرهم .

( 20 ) صُنَّاع النصر وأهل البلاء في معركة اليمامة

كان سبب هزيمة المسلمين : أن المعركة في أرض العدو وبلده ، فبنو حنيفة مدافعون والمسلمون مهاجمون . وكان بإمكانهم أن يحاصروا بني حنيفة ويجروهم إلى المعركة في مكان آخر ، لكن خالداً لم يفعل .
والسبب الثاني : أن قائد بني حنيفة كان يقاتل في أولهم : « ثم حسر عن رأسه ، ثم إنه حمل وحمل معه بنو حنيفة كحملة رجل واحد ، وانهزم المسلمون بين أيديهم ، وأسلموا سوادهم . . وصارت بنو حنيفة إلى فسطاط خالد » . ( ابن الأعثم : 1 / 27 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 173 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أما قائد المسلمين خالد ، فلم يقاتل معهم وجلس في فسطاطه ، حتى وصلت الهزيمة مرةً إلى خيمته فهرب وترك « زوجته » أم تميم وأسيره المكتف مجَّاعة ، ودخل بنو حنيفة الخيمة وأراد أن يقتلوا زوجة خالد ، فأجارها مجَّاعة !
والسبب الثالث : أدار خالد المعركة بأسلوبه في إدارة كل معاركه ، فأمِّر قادة على القلب والمجنبتين ، وجلس في مؤخرة الجيش أو في جانبه ، فإن انتصر جيشه تقدم لإدارة النصر ، وإن انهزم انهزم معه ثم تشاور مع كبار ضباطه فيما يفعل . أما أثناء المعركة فقد يحضر لكن للمراقبة ، ويكون معه مجموعة حرس يسمونهم « حماته » .
ولم أرَ أنه خاض مبارزة ولا غاص في جيش العدو : « وحمل خالد بن الوليد وقال لحماته : لا أوتين من خلفي حتى كان بحيال مسيلمة يطلب الفرصة ويرقب مسيلمة » . ( الطبري : 2 / 512 ) ولم يزد على المراقبة !
أما سبب انتصار المسلمين بعد هزائمهم ، فهو مبادرات أبطال شجعان شعروا بالمسؤولية واستعدوا للتضحية ، بمبادرة فردية ، وأحياناً جمعية بعد تشاور بينهم . وكان القائد خالد غائباً عنها ، وكأنه ليس في المعركة !
ونورد فيما يلي ترجمة مختصرة تكشف دور كل واحد من هؤلاء الأبطال ، الذين أنقذوا الموقف ، وقطفوا النصر للمسلمين في معركة اليمامة ، وهم :
عمار بن ياسر . أبو دجانة الأنصاري . البراء بن مالك . ثابت بن قيس . بشير بن عبد الله وهو ابن عم ثابت . أم سليم نسيبة بنت عمارة .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 174 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أما الذين نسبت السلطة إليهم النصر فهم : خالد بن الوليد . وحشي . زيد بن الخطاب . وعبد الرحمن بن أبي بكر . حذيفة بن عتبة ، ومولاه سالم الفارسي .

( 21 ) عمار بن ياسر رضي الله عنه

بخل رواة السلطة على عمار بن ياسر كعادتهم ، فلم يذكروا بطولته في معركة اليمامة ، لأن همهم أن يُبرزوا الموالين للخليفة ويخترعوا لهم بطولات ولا بأس أن يسرقوا لهم بطولات غيرهم خاصة من شيعة علي ( عليه السلام ) !
لكن أفلتت منهم روايتان حدث بهما عبد الله بن عمر ، وذكرت إحداهما أن عماراً أول من تقدم للقتال ، وذكرت الثانية أنه لما وقعت الهزيمة صعد على صخرة وصاح بالمسلمين إليَّ إليَّ ، ليرجعوا ويحملوا على العدو .
قال ابن الأعثم : 1 / 27 : « وتقدم عمار بن ياسر وفي يده صفيحة له يمانية ، ثم حمل فلم يزل يقاتل حتى قتل منهم جماعة ، وحمل رجل من بني حنيفة فضربه فاتقاها عمار بجحفته فزاحت الضربة عن الجحفة وهوت إلى أذن عمار فرمت بها ، فلما بقيت أذن عمار معلقة سقطت على عاتقه ، قال : وداخله عمار فضربه ضربة قتله » .
ومعنى داخله : تقدم إليه عن قرب ليستطيع ضربه ، فضربه فقتله .
وروى الحاكم : 3 / 385 ، عن عبد الله بن عمر وكان في المعركة ، قال : « رأيت عمار بن ياسر يوم اليمامة على صخرة وقد أشرف يصيح : يا معشر المسلمين ، أمن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 175 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الجنة تفرون ! أنا عمار بن ياسر . أمن الجنة تفرون ! أنا عمار بن ياسر . هلمَّ إليَّ . وأنا أنظر إلى أذنه قد قطعت فهي تَذَبْذَب ، وهو يقاتل أشد القتال » !
أقول : كفى بهذين المشهدين دليلاً على أن عماراً كان في المعركة قائداً ، فالقائد يتقدم ويبرز أولاً وهو ما فعله عمار ، ولم يهتم لإصابته وقطع أذنه ، ونصره الله على الفارس الحنفي فقتله . وكان عمار يومها ابن بضع وستين سنة .
والقائد عندما يفر جنوده يثبت ، ويقف في مكان مرتفع ليروه ، ويصرخ فيهم ويناديهم طالباً أن يتجمعوا إليه ، ويعيدوا الكرة ويحملوا ، وهذا ما فعله عمار ، فهذا هو العمل القيادي ، فأين كان خالد الذي وصفوه بالقائد البطل ؟ !
وبطولات عمار عديدة ، وستراها في فتوحات العراق وفارس ، وقد شهد حروب النبي ( صلى الله عليه وآله ) كلها وقاتل فيها ، وكان من أبطال بدر ، وقتل أحد صناديد قريش وهو الحارث بن زمعة ، وقيل قتل أبا قيس بن الفاكه بن المغيرة أيضاً ، وقيل قتله علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) . ( سيرة ابن هشام : 2 / 527 ) .
« الحارث بن الحضرمي قتله عمار بن ياسر » . ( أعيان الشيعة : 1 / 248 ) .
« وقتل عمار بن ياسر علي بن أمية بن خلف » . ( المعارف لابن قتيبة / 157 ) .
وفي معركة الجمل كان عمار في التسعين من عمره ، وقاتل بشجاعة ، وقتل عميرة بن يثربي فارس بني ضبة ، وكان عميرة الذين استماتوا في معركة الجمل ، وقتل ثلاثة من أصحاب أمير المؤمنين ( عليه السلام ) هم : زيد بن صوحان العبدي ، وعلباء بن الهيثم السدوسي ، وهند بن عمرو بن جدراة الجملي . وأخذ يرتجز ويقول :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 176 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إني لمن أنكرني ابن يثربي * قاتل علباء وهند الجملي
ثم ابن صوحان على دين علي . ( أنساب الأشراف / 244 ) .
وكان عميرة قاضي البصرة ( الطبقات : 7 / 149 ) « وأخذ ابن يثربي برأس الجمل وهو يرتجز . . فناداه عمار : لقد لعمري لذت بحريز وما إليك سبيل ! ( أي احتميت بعائشة وجملها ونحن لا نريد أن نضربها ) فإن كنت صادقاً فأخرج من هذه الكتيبة إليَّ ، فترك الزمام في يد رجل من بني عدي حتى كان بين أصحاب عائشة وأصحاب علي ( عليه السلام ) ، فزحم الناس عماراً حتى أقبل إليه فضربه فاتقاه عمار بدرقته فانتشب سيفه فيها ، فعالجه فلم يخرج ، فخرج عمار إليه لا يملك من نفسه شيئاً ، فأسفَّ عمار لرجليه فقطعهما فوقع على استه » . ( وقعة الجمل للضبي / 162 ) .
وفي شرح النهج : 1 / 259 : « فنشب سيف ابن يثربي في جحفة عمار ، فضربه عمار على رأسه فصرعه ، ثم أخذ برجله يسحبه حتى انتهى به إلى علي ( عليه السلام ) » .
وفي تاريخ دمشق : 43 / 464 : « فبرز له عمار وهو ابن ثلاث وتسعين ، عليه فروة مشدودة الوسط بشريط ، حمائل سيفه نسعة ، فانتقضت ركبتاه ، فجثى على ركبتيه فأخذه أسيراً فأتى به علياً ( عليه السلام ) » .
وقال ابن الأعثم في الفتوح : 2 / 476 : « ثم خرج محمد بن أبي بكر وعمار بن ياسر حتى وقفا قدام الجمل ، قال وتبعهما الأشتر ووقف معهما . . . فخرج عثمان الضبي وهو ينشد شعراً ، فخرج إليه عمار بن ياسر فأجابه على شعره ثم حمل عليه عمار فقتله . قال : وقال كعب بن سور الأزدي : ليخرجْ إليَّ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 177 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عمار ، فسبقه إلى ذلك أبو زينب الأزدي ثم حمل عليه أبو زينب فقتله . . . قال : وخرج عمرو بن يثربي من أصحاب الجمل حتى وقف بين الصفين قريباً من الجمل ، ثم دعا إلى البراز وسأل النزال فخرج إليه علباء بن الهيثم من أصحاب علي ، فشد عليه عمرو فقتله ، ثم طلب المبارزة فلم يخرج إليه أحد ، فجعل يجول في ميدان الحرب وهو يرتجز ويقول شعراً ، ثم جال وطلب البراز ، فتحاماه الناس واتقوا بأسه ، قال : فبدر إليه عمار بن ياسر وهو يجاوبه على شعره والتقوا بضربتين ، فبادره عمار بضربة فأرداه عن فرسه ، ثم نزل إليه عمار سريعاً فأخذ برجله وجعل يجره حتى ألقاه بين يدي علي ، فقال علي : اضرب عنقه ! فقال عمرو : يا أمير المؤمنين ! استبقني حتى أقتل لك منهم كما قتلت منكم ! فقال علي : يا عدو الله ! أبعد ثلاثة من خيار أصحابي أستبقيك ، لا كان ذلك أبداً ! قال : فأدنني حتى أكلمك في أذنك بشئ ، فقال علي : أنت رجل متمرد ، وقد أخبرني رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بكل متمرد عليَّ ، وأنت أحدهم ! فقال عمرو بن يثربي : أما والله لو وصلت إليك لقطعت أنفك ! قال : فقدمه علي فضرب عنقه .
فخرج من بعد الضبي ابن عم له يقال له ثور بن عدي وهو ينشد شعراً ، فخرج إليه محمد بن أبي بكر مجيباً له وهو يقول شعراً ، ثم شد عليه محمد بن أبي بكر فضربه ضربة رمى بيمينه ، ثم ضربه ثانية فقتله .
قال : وخرج أخوه عميرة فجعل يرتجز ويقول شعراً ، فخرج عليٌّ وأجابه على شعره ، ثم حمل عليه علي فضربه ضربة على وجهه فرمى بنصف رأسه .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 178 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وانفرق عليٌّ يريد أصحابه فصاح به صائح من ورائه ، فالتفت وإذا بعبد الله بن خلف الخزاعي وهو صاحب منزل عائشة بالبصرة ، فلما رآه عليٌّ عرفه فناداه : ما تشاء يا ابن خلف ؟ قال : هل لك في المبارزة ؟
قال علي : ما أكره ذلك ، ولكن ويحك يا ابن خلف ما راحتك في القتل وقد علمت من أنا ؟
فقال عبد الله بن خلف : دعني من مدحك نفسك يا ابن أبي طالب ، وادن مني لترى أينا يقتل صاحبه ، ثم أنشد شعراً فأجابه علي عليه والتقوا ، فبادره عبد الله بن خلف بضربة دفعها عليٌّ بحجفته ، ثم انحرف عنه عليٌّ فضربه ضربة رمى بيمينه ، ثم ضربه أخرى فأطار قحف رأسه » .
وروى ابن سعد في الطبقات : 3 / 256 : « كان عمار بن ياسر من أطول الناس سكوتاً وأقله كلاماً . . . رأيت عمار بن ياسر يوم صفين شيخاً آدم في يده الحربة ، وإنها لترعد ، فنظر إلى عمرو بن العاص ومعه الراية فقال : إن هذه راية قد قاتلتها مع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ثلاث مرات وهذه الرابعة ، والله لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر لعرفت أنا على الحق وأنهم على الضلالة . .
قال وهو يسير إلى صفين على شط الفرات : اللهم إنه لو أعلم أنه أرضى لك عني أن أرمي بنفسي من هذا الجبل فأتردى فأسقط ، فعلت . ولو أعلم أنه أرضى لك عني أن أوقد ناراً عظيمة فأقع فيها ، فعلت . اللهم لو أعلم أنه أرضى لك عني أن ألقي نفسي في الماء فأغرق نفسي ، فعلت . فإني لا أقاتل إلا أريد وجهك ، وأنا أرجو أن لا تخيبني وأنا أريد وجهك » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 179 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أقول : تدلنا بطولات عمار هذه على دوره البطولي في حرب اليمامة ، وإن اقتصر منه رواة الخلافة على المشهدين المتقدمين ، وكفى بهما .

( 22 ) عمار يقتله إمام الدعاة إلى النار !

اعترف أعداء عمار أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) شهد له بالجنة وجعله علماً للأمة ، وأنه وفئته يدعون إلى الجنة ، وأن الذين يقتلونه هم الفئة الباغية الداعية إلى النار .
روى البخاري : 3 / 207 و : 1 / 451 ، عن أبي سعيد الخدري قال : « كنا ننقل لِبْنَ المسجد لبنة لبنة ، وكان عمار ينقل لبنتين لبنتين ، فمر به النبي ( صلى الله عليه وآله ) ومسح عن رأسه الغبار وقال : ويح عمار تقتله الفئة الباغية . عمار يدعوهم إلى الله ، ويدعونه إلى النار » .
وهو حديث صريح في أن عماراً من أهل الجنة والدعاة إليها ، وأن معاوية إمام الفئة الباغية الداعية النار ، وهو كاف لمن كان له قدر من العقل والدين ، أن يتولى علياً ( عليه السلام ) وفئته ، ويتبرأ من معاوية وفئته .
لكن علماء السلطة تحايلوا على الحديث واتخذوا إمام الدعاة إلى النار إماماً ، وبرروا له خروجه على الإمام الشرعي وتقتيله مئة ألف بينهم مئات الصحابة !
قال ابن حجر في فتح الباري : 1 / 451 : « فإن قيل كان قتله بصفين وهو مع علي والذين قتلوه مع معاوية ، وكان معه جماعة من الصحابة ، فكيف يجوز عليهم الدعاء إلى النار ؟ فالجواب : أنهم كانوا ظانين أنهم يدعون إلى الجنة وهم مجتهدون لا لوم عليهم في اتباع ظنونهم ، فالمراد بالدعاء إلى الجنة الدعاء إلى سببها وهو طاعة الامام ، وكذلك كان عمار يدعوهم إلى طاعة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 180 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
على وهو الإمام الواجب الطاعة إذ ذاك ، وكانوا هم يدعون إلى خلاف ذلك لكنهم معذورون للتأويل الذي ظهر لهم !
ثم قال ابن حجر : « فائدة : روى حديث تقتل عماراً الفئة الباغية جماعة من الصحابة منهم : قتادة بن النعمان كما تقدم ، وأم سلمة عند مسلم ، وأبو هريرة عند الترمذي ، وعبد الله بن عمرو بن العاص عند النسائي ، وعثمان بن عفان ، وحذيفة ، وأبو أيوب ، وأبو رافع ، وخزيمة بن ثابت ، ومعاوية ، وعمرو بن العاص ، وأبو اليسر وعمار نفسه . وكلها عند الطبراني وغيره . وغالب طرقها صحيحة أو حسنة ، وفيه عن جماعة آخرين يطول عدهم .
وفى هذا الحديث عَلَمٌ من أعلام النبوة ، وفضيلة ظاهرة لعلي ولعمار ، وردٌّ على النواصب الزاعمين أن علياً لم يكن مصيباً في حروبه » .
وقال أيضاً في فتح الباري ( 13 / 58 ) : « وذهب جمهور أهل السنة إلى تصويب من قاتل مع علي رضي الله عنه لامتثال قوله تعالى : وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا . . الآية ، ففيها الأمر بقتال الفئة الباغية . وقد ثبت أن من قاتل علياً كانوا بغاة . وهؤلاء مع هذا التصويب متفقون على أنه لا يذم واحد من هؤلاء ، بل يقولون اجتهدوا فأخطأوا » !
أقول : وهكذا يساوون بين عمار الذي يدعو إلى الجنة ، وقاتله الذي يدعو إلى النار !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 181 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

( 23 ) أبو دجانة الأنصاري رضي الله عنه

أبو دجانة : سماك بن خرشة الأنصاري الخزرجي ، صحابي شجاع ، شهد حروب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وكان من أصحاب البلاء في بدر بعد علي ( عليه السلام ) ، وحمزة ، وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب .
وفي معركة أحُد أخذ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) سيفاً بيده فهزه وقال : « من يأخذ هذا السيف بحقه ؟ فقال الزبير بن العوام : أنا يا رسول الله ، فأعرض عنه وقال : من يأخذه بحقه ؟ فقام إليه أبو دجانة فقال : وما حقه يا رسول الله ؟ قال : ألا يقفَ به في الكُبُول ، وأن يضرب به في العدو حتى ينحني . فقال : أنا آخذه يا رسول الله فدفعه إليه فأخذه أبو دجانة ثم أخرج عصابة معه حمراء فتعصب بها فقالت الأنصار : تعصب أبو دجانة عصابته ، قد نزل الموت وكان ذلك من فعله ! ثم خرج يتبختر بين الصفين ويقول :
إني امرؤٌ عاهدني خليلي * ونحن بالسفح لذي النخيل
ألا أقوم الدهر في الكبول * أضرب بسيف الله والرسول
فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : إنها مشية يبغضها الله عز وجل إلا في مثل هذا المقام .
قال الزبير : فقلت : منعني رسول الله السيف وأعطاه أبا دجانة ، والله لأتبعنه لأنظر ما يصنع ، فاتبعته حتى هجم في المشركين ، فجعل لا يلقى منهم أحداً إلا قتله ، فقلت : الله ورسوله أعلم !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 182 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال : وكان في المشركين رجل لم يدع منا جريحاً إلا دق عليه أي قتله ، فجعل كل واحد منهما يدنو من صاحبه ، فدعوت الله أن يجمع بينهما ، فالتقيا واختلفا بضربتين فضرب المشرك أبا دجانة ضربة بسيفه فاتقاها أبو دجانة بدرقته فعضب السيف ( لم يقطع ) وضربه أبو دجانة فرمى برأسه !
ثم رأيته رفع السيف على رأس هند بن عتبة ثم عدل عنها ، فقيل لأبي دجانة في ذلك فقال : رأيت إنساناً يحمس الناس على القتال فقصدته ، فلما حملت السيف على رأسه لأضربه وَلْوَلَ فإذا به امرأة ، فأكرمت سيف رسول الله من أن أضرب به امرأة » ! ( شرح الأخبار : 1 / 273 ، وصحيح مسلم : 7 / 151 ) .
ومعنى قول النبي ( صلى الله عليه وآله ) : أن لا يقف به في الكُبُول : أن لا يقف به في أواخر الصفوف . والكبول هو القيد ، وقد اختاره النبي ( صلى الله عليه وآله ) وصفاً لمن يحفظ نفسه في الصفوف الخلفية ، وأنهم نوع من الهاربين من القتال لأنهم يقيدون أنفسهم ويحرموها من ثواب الجهاد !
وعندما انهزم الناس في أحُد وتركوا النبي ( صلى الله عليه وآله ) لم يبق معه إلا علي ( عليه السلام ) وأبو دجانة ونسيبة بنت عمارة . ثم جرح أبو دجانة ونسيبة فلم يبق معه إلا علي ( عليه السلام ) ، وجاءت فاطمة ( عليها السلام ) كالصقر المنقض ، فكانت إلى جنب النبي ( صلى الله عليه وآله ) .
ففي الكافي ( 8 / 318 ) ، عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) قال : « لما انهزم الناس يوم أحد عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) انصرف إليهم بوجهه وهو يقول : أنا محمد أنا رسول الله ، لم أقتل ولم أمت . . وبقي معه علي ( عليه السلام ) وسماك بن خرشة أبو دجانة فدعاه النبي ( صلى الله عليه وآله ) فقال : يا أبا دجانة انصرف وأنت في حل من بيعتك ، فأما عليٌّ فأنا هو وهو أنا ، فتحول وجلس بين يدي النبي ( صلى الله عليه وآله ) وبكى وقال : لا والله ، ورفع رأسه إلى السماء وقال : لا والله ، لا جعلت نفسي في حل من بيعتي ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 183 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إني بايعتك ، فإلى من أنصرف يا رسول الله ؟ إلى زوجة تموت ، أو ولد يموت ، أو دار تخرب ، ومال يفنى ، وأجل قد اقترب !
فرقَّ له النبي ( صلى الله عليه وآله ) فلم يزل يقاتل حتى أثخنته الجراحة ، وهو في وجه وعلي في وجه ، فلما سقط احتمله علي فجاء به إلى النبي ( صلى الله عليه وآله ) ووضعه عنده فقال : يا رسول الله أوفيت ببيعتي ؟ قال : نعم ، وقال له النبي ( صلى الله عليه وآله ) خيراً » .
« وقى بنفسه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) حين جلى عنه أصحابه ، يدفع عنه النبال بمجنه وبظهره حتى أثخن . ودعا له النبي ( صلى الله عليه وآله ) : اللهم ارض عن ابن خرشة ، كما أنا عنه راض » . ( تفسير الميزان : 4 / 69 ، وشرح النهج : 15 / 7 ) .
وروينا عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) أن أبا دجانة على درجة عالية من الإيمان ، وأنه يبعث من قبره مع الإمام المهدي ( عليه السلام ) ! ففي الإرشاد : 2 / 386 ، قال ( عليه السلام ) : « يُخرج القائم من ظهر الكوفة سبعة وعشرين رجلاً ، خمسة عشر من قوم موسى الذين كانوا يهدون بالحق وبه يعدلون ، وسبعة من أهل الكهف ، ويوشع بن نون ، وسلمان ، وأبا دجانة الأنصاري ، والمقداد ، ومالكاً الأشتر » .

( 24 ) بطولة أبي دجانة في معركة اليمامة

كان أبو دجانة في معركة اليمامة ، وشاهد انهزام المسلمين أمام أتباع مسيلمة الكذاب ، فغاضه ذلك خاصة عندما وصل بنو حنيفة إلى فسطاط خالد ، وهرب خالد فدخلوا خيمته وأرادوا قتل زوجته أو سبيها فأجارها صاحبهم مجَّاعة : ( فرَعْبَلُوا الفسطاط بالسيوف ) . ( الطبري : 2 / 510 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 184 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ومعنى رَعْبلوه : قطعوا أطناب الخيمة وهدموها ، أو خرقوها بالسيوف ، ففي الفايق ( 2 / 44 ) : أن أهل اليمامة رعبلوا فسطاط خالد بالسيف ، أي قطَّعوه !
وزعم بعض الرواة أن خالداً نادى في المسلمين أن يرجعوا ، لكن الهارب لا ينادي بمثل ذلك ، فلا بد أن يكون الذي نادى عمار وأبو دجانة وبقية الشجعان ، قالوا : ويحكم يا قراء القرآن ! أما تخافون غضب الرحمن وعذاب النيران ؟ ويحكم يا أهل دين محمد ! أين الفرار ممن يزعم أنه شريك نبيكم محمد في نبوته ورسالته ! أما تخافون الله أن يطلع عليكم فيجازيكم على سوء فعلتكم !
وقد وصف ابن الأعثم ( 1 / 29 ) ما حدث بعد النداء قال : « فثاب الناس إليه من كان جانب حتى أحدقوا به ، ودنت بنو حنيفة للقتال كأنهم الأسد الضارية واشتبك الحرب بين الفريقين ، وتقدم أبو دجانة سماك بن خرشة الأنصاري ثم حمل على بني حنيفة فلم يزل يقاتل حتى قتل منهم جماعة ، قال : وحمل عليه رجل من سادات بني حنيفة ليضربه بالسيف فأخطأه ، وضربه أبو دجانة ضربة فقطعه نصفين ! وحمل على رجل آخر من بني حنيفة وولى الحنفي من بين يديه ، ولحقه أبو دجانة فضربه فقطع ساقيه جميعاً ! ثم حمل على ميمنتهم فضرب فيهم ضرباً وجيعاً ، وحمل على ميسرتهم ففعل كذلك وكان ربما حمل على الرجل فيعانقه ثم يضربه فيذبحه ، ثم يقف وينادى بأعلى صوته : يا أهل الدين والإسلام ، إليَّ إليَّ ، فداكم أبي وأمي !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 185 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فثاب إليه السوابق من أهل بدر وأحد والأحزاب ، فكبروا وحملوا معه حملة عجيبة على مسيلمة وأصحابه فكشفوهم كشفة فاضحة ، وقتلوا منهم جماعة ، ثم رجعوا إلى مواقفهم » .
وهذا يدلنا على أن المعركة تواصلت في اليوم الثاني في كر وفر ، وكان للمسلمين انتصارات صغيرة وهزائم متعددة ، ولم يُرَجِّحْ كفتهم إلا أبو دجانة وزملاؤه الأبطال . فشدوا على أتباع مسيلمة حتى ساقوهم إلى حديقة كبيرة مسورة ، فأمرهم مسيلمة أن يدخلوا فيها ، فكانت مقبرتهم ومقبرة نبيهم الكذاب .
وقد كان اقتحام الحديقة صعباً ، تقدم فيه أبو دجانة وشجعان الأنصار الذين انتخبوا ليلتها أربع مئة فارس ارتضوهم ، فكان عليهم ثقل الحملة .
روى ابن سعد في الطبقات ( 3 / 441 ) عن أبي سعيد الخدري ( رحمه الله ) قال : « سمعت عباد بن بشر يقول : يا أبا سعيد ، رأيت الليلة كأن السماء قد فرجت لي ثم أطبقت عليَّ ، فهي إن شاء الله الشهادة . قال قلت : خيراً والله رأيت . قال : فأنظر إليه يوم اليمامة وإنه ليصيح بالأنصار : إحطموا جفون السيوف وتميزوا من الناس ، وجعل يقول : أخلصونا أخلصونا ، فأخلصوا أربع مائة رجل من الأنصار ، ما يخالطهم أحد يقدمهم عباد بن بشر وأبو دجانة والبراء بن مالك ، حتى انتهوا إلى باب الحديقة فقاتلوا أشد القتال ، وقتل عباد بن بشر فرأيت بوجهه ضرباً كثيراً ، ما عرفته إلا بعلامة كانت في جسده » .
قال ابن سعد في الطبقات ( 3 / 474 ) : « لما كان يوم اليمامة واصطف الناس للقتال ، كان أول الناس جرح أبو عقيل الأنيفي ، رُمِيَ بسهم فوقع بين
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 186 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
منكبيه وفؤاده ، فشطب في غير مقتل ، فأخرج السهم ووهن له شقه الأيسر لما كان فيه ، وهذا أول النهار ، وجُرَّ إلى الرحل .
فلما حمي القتال ( في اليوم الثاني ) وانهزم المسلمون وجازوا رحالهم ! وأبو عقيل واهن من جرحه ، سمع معن بن عدي يصيح بالأنصار : اللهَ اللهَ والكرةَ على عدوكم ! أعنق معن ( نهض ورفع عنقه ) يقدم القوم وذلك حين صاحت الأنصار : أخلِصونا أخلِصونا ، فأخلصوا رجلاً رجلاً يميزون . ( أي يتجمعون وحدهم ) قال عبد الله بن عمر : فنهض أبو عقيل فقلت : ما تريد يا أبا عقيل ما فيك قتال . قال : قد نَوَّهَ المنادي باسمي . قال ابن عمر : فقلت إنما يقول يا للأنصار لا يعني الجرحى . قال أبو عقيل : أنا رجل من الأنصار وأنا أجيبه ولو حبواً ! قال ابن عمر : فتحزم أبو عقيل وأخذ السيف بيده اليمنى مجرداً ثم جعل ينادي يا للأنصار كرة كيوم حنين . فاجتمعوا رحمهم الله جميعاً يقدمون المسلمين دُرْبَةً ( أهل خبرة ) دون عدوهم ، حتى أقحموا عدوهم الحديقة فاختلطوا ، واختلفت السيوف بيننا وبينهم .
قال ابن عمر : فنظرت إلى أبي عقيل وقد قطعت يده المجروحة من المنكب فوقعت على الأرض ، وبه من الجراح أربعة عشر جرحاً ، كلها قد خلصت إلى مقتل ، وقُتل عدو الله مسيلمة .
قال ابن عمر : فوقعت على أبي عقيل وهو صريع بآخر رمق ، فقلت : أبا عقيل ؟ فقال : لبيك بلسان ملتاث ، لمن الدبرة ؟ قال قلت : أبشر ورفعت صوتي : قد قتل عدو الله ، فرفع إصبعه إلى السماء يحمد الله ومات يرحمه الله » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 187 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد وصفت نسيبة بنت كعب الأنصارية جانباً من بطولة أبي دجانة ، عندما ألجأ المسلمون أتباع مسيلمة إلى الحديقة .
قالت أم سعد بنت سعد بن الربيع : « رأيت نسيبة بنت كعب ويدها مقطوعة فقلت لها : متى قطعت يدك ؟ قالت : يوم اليمامة كنت مع الأنصار فانتهينا إلى حديقة ، فاقتتلوا عليها ساعة ، حتى قال أبو دجانة الأنصاري واسمه سماك بن خرشة : إحملوني على الترسة حتى تطرحوني عليهم فأشغلهم ، فحملوه على الترسة وألقوه فيهم فقاتلهم حتى قتلوه . قالت : فدخلت وأنا أريد عدو الله مسيلمة الكذاب فعرض إليَّ رجل منهم فضربني فقطع يدي ، فوالله ما عرجت عليها ، ولم أزل حتى وقعت على الخبيث مقتولاً وابني يمسح سيفه بثيابه . فقلت له : أقتلته يا بني ؟ قال : نعم يا أماه ، فسجدت لله شكراً . قال : وابنها هو عبد الله بن زيد بن عاصم » . ( نصب الراية : 2 / 353 ) .
أقول : في الرواية كما في غيرها طيٌّ للوقت والأحداث ، فقد قاتل المسلمون على باب الحديقة كما روى أبو سعيد ، ثم رفعوا أبا دجانة والبراء ، فنزلوا عليهم وشغلوهم عن الباب حتى فتحه المسلمون ودخلوا ، ولم يقتل أبو دجانة مباشرة بعد نزوله إلى الحديقة بل قاتل بعد دخول المسلمين ، وضرب مسيلمة قبل ابن نسيبة .
قال اليعقوبي ( 2 / 130 ) : « ثم قتل مسيلمة في المعركة طعنه أبو دجانة الأنصاري فمشى إليه مسيلمة في الرمح فقتله ، ورماه وحشي بحربته فقتله » .
وفي فتوح ابن الأعثم ( 1 / 30 ) : « فلما أدخلوهم إلى جوفها ومسيلمة معهم ، أقبل المسلمون إلى الحديقة ، فقال أبو دجانة الأنصاري : ويحكم يا معشر
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 188 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأنصار إحملوني حملاً وألقوني إليهم . قال : فحملوا أبا دجانة على ترس ، ثم رُفِع بالرماح حتى ألقيَ في جوف الحديقة . . ثم وثب كالليث المغضب ، فلم يزل يقاتل في جوف الحديقة حتى قتل ، رحمة الله عليه » .
وفي فتوح البلاذري ( 1 / 107 ) : « وقتل الله مسيلمة في الحديقة ، فبنو عامر بن لؤي بن غالب يقولون قتله خداش بن بشير بن الأصم ، أحد بنى معيص بن عامر بن لؤي . وبعض الأنصار يقولون : قتله عبد الله بن زيد بن ثعلبة ، أحد بنى الحارث بن الخزرج وهو الذي أرى الأذان . وبعضهم يقول : قتله أبو دجانة سماك بن خرشة ، ثم استشهد . وقال بعضهم : بل قتله عبد الله بن زيد بن عاصم أخو حبيب بن زيد من بنى مبذول من بنى النجار . وقد كان مسيلمة قطع يدي حبيب ورجليه . وكان وحشي بن حرب الحبشي قاتل حمزة يدَّعى قتله ويقول : قتلت خير الناس وشر الناس . وقال قوم : إن هؤلاء جميعاً شركوا في قتله . وكان معاوية بن أبي سفيان يدَّعى أنه قتله ، ويدعى ذلك له بنو أمية » .
وفي تاريخ خليفة / 45 : « عن أنس قال : رمى أبو دجانة بنفسه في الحديقة فانكسرت رجله ، فقاتل حتى قتل » .
قال ابن عبد البر في الإستيعاب ( 4 / 1644 ) : « كان بُهمةَ ( بطلاً ) من البُهم الأبطال دافع عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يوم أحد هو ومصعب بن عمير ، فكثرت فيه الجراحات ، وقتل مصعب بن عمير يومئذ .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 189 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
واستشهد أبو دجانة يوم اليمامة ، وهو ممن اشترك في قتل مسيلمة يومئذ مع عبد الله بن زيد بن عاصم ووحشي بن حرب . وكان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قد آخى بين أبي دجانة وبين عتبة بن غزوان » .
وفي تاريخ اليعقوبي ( 2 / 130 ) : « ثم قتل مسيلمة في المعركة ، طعنه أبو دجانة الأنصاري ، فمشى إليه مسيلمة في الرمح فقتله . ورماه وحشي بحربته فقتله وهو ( مسيلمة ) يومئذ ابن مائة وخمسين سنة » !
أقول : تفردت رواية اليعقوبي بأن مسيلمة عاش 150 سنة . ورواها العيني عن ابن إسحاق ( عمدة القاري : 16 / 151 ، 17 / 163 ) وهو أمر محتمل ، لكنه بعيد .

( 25 ) البراء بن مالك الأنصاري

قال السيد الخوئي في معجم الرجال ( 4 / 188 ) : « البراء بن مالك الأنصاري ، أخو أنس بن مالك ، شهد بدراً وأحداً والخندق وقتل يوم تستر . من أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) . . وقال الكشي في ترجمة أبي أيوب الأنصاري . . من السابقين الذين رجعوا إلى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : أبو الهيثم بن التيهان ، وأبو أيوب ، وخزيمة بن ثابت ، وجابر بن عبد الله ، وزيد بن أرقم ، وأبو سعيد الخدري ، وسهل بن حنيف ، والبراء بن مالك ، وعثمان بن حنيف ، وعبادة بن الصامت . ثم ممن دونهم قيس بن سعد بن عبادة ، وعدي بن حاتم ، وعمرو بن الحمق ، وعمران بن الحصين ، وبريدة الأسلمي ، وبشر بن كثير » .
ومعنى رجوعهم إليه ( عليه السلام ) إدانتهم ما فعله أهل السقيفة .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 190 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

( 26 ) شارك البراء في حروب الردة وفتح العراق وإيران

قال ابن سعد ( 7 / 16 ) : « البراء بن مالك ، بن النضر ، بن ضمضم ، بن زيد ، بن حرام ، بن جندب ، بن عامر ، بن غنم ، بن عدي بن النجار . شهد أحداً والخندق والمشاهد بعد ذلك مع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) .
وكان شجاعاً في الحرب له نكاية . كتب عمر بن الخطاب أن لا تستعملوا البراء بن مالك على جيش من جيوش المسلمين ، فإنه مهلكةٌ من الهلك . . عن أنس بن مالك قال : لما كان يوم العقبة بفارس وقد زوي الناس ، قام البراء بن مالك فركب فرسه وهي تزجى ( تتقدم ) ثم قال لأصحابه : بئس ما عودتم أقرانكم عليكم ، فحمل على العدو ففتح الله على المسلمين به ، واستشهد يومئذ » .
وفي صفة الصفوة ( 1 / 624 ) عن أنس : « قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : كم من ضعيف متضعف ذي طمرين لو أقسم على الله لأبَرَّه ، منهم البراء بن مالك . وإن البراء لقيَ زحفاً من المشركين وقد أوجع المشركون في المسلمين فقالوا له : يا براء إن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قال إنك لو أقسمت على الله لأبرك فأقسم على الله فقال : أقسمت عليك يا رب لما منحتنا أكتافهم ، فمنحوا أكتافهم .
ثم التقوا على قنطرة السوس فأوجعوا في المسلمين ، فقالوا : أقسم يا براء على ربك ، فقال : أقسمت عليك يا رب لما منحتنا أكتافهم وألحقتني بنبيك ( صلى الله عليه وآله ) فمنحوا أكتافهم ، وقتل البراء شهيداً » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 191 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي الإصابة ( 1 / 414 ) : « فقال : أقسم عليك يا رب لما منحتنا أكتافهم وألحقتني بنبيك ، فحمل وحمل الناس معه فقتل مرزبان الزارة من عظماء الفرس وأخذ سلبه ، فانهزم الفرس ، وقُتل البراء » .
أقول : يظهر أن البراء استشهد بعد مدة ، لأنه روي أنه ذهب بعد المعركة إلى المدينة وأرى عمر سلب المرزبان فأخذ عمر خمسه ، لأنه ثمين .
ففي فتوح البلاذري : 1 / 104 ، عن أنس قال : « إن البراء بن مالك قتل من المشركين مائة رجل إلا رجلاً مبارزة ، وإنهم لما غزوا لزارة خرج دهقان الزارة فقال : رجل ورجل ، فبرز إليه البراء فاختلفا بسيفيهما ، ثم اعتنقا فتوركه البراء فقعد على كبده ثم أخذ السيف فذبحه ، وأخذ سلاحه ومنطقته ، وأتى به عمر فنفله السلاح ، وقوَّم المنطقة ثلاثين ألفاً فخمسها » .

( 27 ) دور البراء في جبران هزيمة المسلمين في اليمامة

روى الطبري : 2 / 510 ، عن أبي هريرة قال : « التقى الناس ولم يلقهم حرب قط مثلها من حرب العرب ، فاقتتل الناس قتالاً شديداً حتى انهزم المسلمون ، وخلص بنو حنيفة إلى مجاعة والى خالد ، فزال خالد عن فسطاطه ودخل أناس الفسطاط وفيه مجاعة عند أم تميم ، فحمل عليها رجل بالسيف فقال مجاعة : أنا لها جار فنعمت الحرة ، عليكم بالرجال . فرعبلوا الفسطاط بالسيوف !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 192 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم إن المسلمين تداعوا فقال ثابت بن قيس : بئسما عودتم أنفسكم يا معشر المسلمين ! اللهم إني أبرأ إليك مما يعبد هؤلاء ، يعنى أهل اليمامة ، وأبرأ إليك مما يصنع هؤلاء يعنى المسلمين ! ثم جالد بسيفه حتى قتل .
وقال زيد بن الحطاب حين انكشف الناس عن رحالهم : لا تحوُّزَ بعد الرِّحال ، ثم قاتل حتى قتل .
ثم قام البراء بن مالك أخو أنس بن مالك ، وكان إذا حضر الحرب أخذته العروراء حتى يقعد عليه الرجال ، ثم ينتفض تحتهم ، حتى يبول في سراويله ، فإذا بال يثور كما يثور الأسد ، فلما رأى ما صنع الناس أخذه الذي كان يأخذه حتى قعد عليه الرجال ، فلما بال وثب فقال : أين يا معشر المسلمين ، أنا البراء بن مالك ! هلمَّ إليَّ !
وفاءت فئة من الناس فقاتلوا القوم ، حتى قتلهم الله ، وخلصوا إلى مُحكَّم اليمامة وهو محكم بن الطفيل ، فقال حين بلغه القتال : يا معشر بنى حنيفة ، الآن والله تستحقب الكرائم غير رضيات ، وينكحن غير حظيات ، فما عندكم من حسب . فأخرجوه فقاتل قتالاً شديداً . ورماه عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق بسهم فوضعه في نحره ، فقتله .
ثم زحف المسلمون حتى ألجأوهم إلى الحديقة حديقة الموت ، وفيها عدو الله مسيلمة الكذاب فقال البراء : يا معشر المسلمين ألقونى عليهم في الحديقة ، فقال الناس : لا نفعل يا براء ، فقال والله لتطرحني عليهم فيها ! فاحتُمل حتى إذا أشرف على الحديقة من الجدار اقتحم فقاتلهم عن باب الحديقة حتى فتحها للمسلمين ، ودخل المسلمون عليهم فيها ، فاقتتلوا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 193 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
حتى قتل الله مسيلمة عدو الله ، واشترك في قتله وحشى مولى جبير بن مطعم ورجل من الأنصار كلاهما قد أصابه . أما وحشى فدفع عليه حربته وأما الأنصاري فضربه بسيفه . فكان وحشى يقول : ربك أعلم أينا قتله » .
وفي تاريخ الطبري : 2 / 514 : « عن عمرو بن شعيب وابن إسحاق أنهم لما امتازوا وصبروا ، وانحازت بنو حنيفة ، تبعهم المسلمون يقتلونهم حتى بلغوا بهم إلى حديقة الموت . . فدخلوها وأغلقوها عليهم ، وأحاط المسلمون بهم ، وصرخ البراء بن مالك فقال : يا معشر المسلمين إحملوني على الجدار حتى تطرحوني عليه ففعلوا حتى إذا وضعوه على الجدار نظر وأرعد فنادى : أنزلوني ، ثم قال : إحملوني ففعل ذلك مراراً ، ثم قال أف لهذا خشعاً ( كذا ، وهي غير مفهومة ) ثم قال : إحملوني فلما وضعوه على الحائط اقتحم عليهم فقاتلهم على الباب حتى فتحه للمسلمين وهم على الباب من خارج ، فدخلوا فأغلق الباب عليهم ، ثم رمى بالمفتاح من وراء الجدار ، فاقتتلوا قتالاً شديداً ، لم يروا مثله » .
وفي صفة الصفوة : 1 / 624 ، عن أنس : « ركب البراء فرساً يوم اليمامة ثم قال : أيها الناس إنها والله الجنة ومالي إلى المدينة سبيل . فمصع فرسه مصعات ، ثم كبس وكبس الناس معه ، فهزم الله المشركين فكانت في مدينتهم ثلمة . وعن محمد بن سيرين أن المسلمين انتهوا إلى حائط قد أغلق بابه ، فيه رجال من المشركين ، فجلس البراء بن مالك على ترس وقال : إرفعوني برماحكم فألقوني إليهم ففعلوا ، فأدركوا وقتل منهم عشرة » !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 194 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال ابن الأعثم ( 1 / 28 ) : « فلما كان ذلك اليوم وعاين البراء بن مالك من شدة الحرب ما عاين ، أخذته الرعدة والنفضة ، فلما أفاق وثب ، ثم حمل على جمع بني حنيفة ، فجعل تارة يضرب بسيفه وتارة يطعن فيهم برمحه ، حتى قتل منهم جماعة ورجع إلى موقفه .
قال : وصاحت بنو حنيفة بعضها ببعض وحملوا على المسلمين حملة منكرة حتى أزالوهم عن موقفهم ، وقتلوا منهم نيفاً على ثمانين رجلاً . قال : ثم كبر المسلمون وحملوا عليهم وكشفوهم كشفة قبيحة » .
وفي تاريخ خليفة / 70 : « اقتحم فقاتلهم على الحديقة حتى فتحها للمسلمين . . . وفيه بضع وثمانون جراحة ، من بين رمية بسهم وضربة » .
أقول : قالوا أقام خالد شهراً في اليمامة بعد المعركة ، ينتظر شفاء جراح البراء كما زعموا له ، أو جراح ضرار بن الأزور ، لكنه في هذه المدة تزوج بابنة مجَّاعة ، وأرسل السرايا في قرى بني حنيفة تقبض على رجالهم ، حتى قتل منهم سبعة آلاف بعد توقيع الصلح معهم ! فإقامته في اليمامة تشبه إقامته في بُزَّاخَة .
قال الطبري : 2 / 491 : « فأقام على البُزَّاخَة شهراً يُصَعِّدُ عنها ويُصَوِّبُ ، ويرجع إليها في طلب أولئك . فمنهم من أحرقه ، ومنهم من قَمَّطَه ورضخه بالحجارة ، ومنهم من رمى به من رؤس الجبال » .

( 28 ) من الذي قتل مُحَكَّم اليمامة وزير مسيلمة

كثرت ادعاءاتهم فيمن قتل مسيلمة ووزيره محكم اليمامة ، فرووا أن خالداً قتل محكم اليمامة كما في الصحاح ، وفي الطبري أن عبد الرحمن بن أبي بكر
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 195 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
رماه بسهم فقتله . وقال ابن الأعثم ( 1 / 27 ) : « وتقدم محكم بن الطفيل وزير مسيلمة وصاحب أمره ، فتقدم حتى وقف أمام أصحابه شاهراً سيفه ، ثم حمل على المسلمين فقاتل قتالاً شديداً ، وحمل عليه ثابت بن قيس الأنصاري فطعنه في خاصرته طعنة نكسه عن فرسه قتيلاً » .
وروى خليفة / 70 ، أن البراء بن مالك بارزه : « فاختلفا ضربتين فضرب محكم اليمامة جحفة كانت مع البراء حتى عض السيف بيده ، وضرب البراء رجله فقطعها ، وأخذ سيفه فذبحه به » .
ونرجح أن البراء قتل المحكم لأن روايته تضمنت خصوصيات لم تذكر في غيرها . ففي الجهاد لابن المبارك / 155 : « عن أنس بن مالك قال : كان بالمدينة ثلمة فوضع محكم اليمامة رجليه على الثلمة وكان رجلاً عظيماً ، فجعل يرجز ويقول : أنا محكم اليمامة . أنا سداد الخلة . أنا كذا . أنا كذا . فأتاه البراء ، فلما أمكنه من الضرب ضرب البراء واتقاه بحجفته ، وضربه البراء فقطع ساقه فقتله ، ومع المحكم صفيحة عريضة فألقى البراء سيفه وأخذ صفيحة المحكم فضربه بها حتى انكسرت ، وقال : قبح الله ما بقي منك ، فطرحها ، ثم جاء إلى سيفه فأخذه » .
وفي الإصابة ( 1 / 413 ) عن البراء قال : « لقيت يوم مسيلمة رجلاً يقال له حمار اليمامة رجلاً جسيماً بيده سيف أبيض ، فضربت رجليه فكأنما أخطأته وانقعر فوقع على قفاه ، فأخذت سيفه وأغمدت سيفي ، فما ضربت به ضربة حتى انقطع » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 196 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

( 29 ) أين كان خالد عندما حمل المسلمون ؟

في مصنف ابن أبي شيبة : 8 / 4 : « عن أنس قال : كنت بين يدي خالد بن الوليد وبين البراء يوم اليمامة ، قال فبعث خالد الخيل فجاؤوا منهزمين ، وجعل البراء يرعد فجعلت ألحده إلى الأرض وهو يقول : طدني ( أي إضغط برجلك على فخذي وبدني بقوة ) قال : ثم بعث خالد الخيل فجاؤوا منهزمين ، قال : فنظر خالد إلى السماء ثم إلى الأرض ، وكان يصنع ذلك إذا أراد الأمر ، ثم قال يا براء وحِّد ( أي وحد الله واحمل ) قال فقال : الآن ؟ قال : فقال : نعم الآن ! قال : فركب البراء فرسه فجعل يضربها بالسوط ، وكأني أنظر إليها تمضغ ثدييها ، فحمد الله وأثنى عليه وقال : يا أهل المدينة ! إنه لا مدينة لكم ، وإنما هو الله وحده والجنة ، ثم حمل وحمل الناس معه ، فانهزم أهل اليمامة حتى أتى حصنهم فلقيه محكم اليمامة فضربه بالسيف فاتقاه البراء بالجحفة فأصاب الجحفة ، ثم ضربه البراء فصرعه ، فأخذ سيف محكم اليمامة فضربه به حتى انقطع فقال : قبح الله ما بقي منك ، ورمى به وعاد إلى سيفه » .
وفي الإصابة ( 1 / 413 ) : « وفي تاريخ السراج . . عن أنس أن خالد بن الوليد قال للبراء يوم اليمامة : قم يا براء . قال : فركب فرسه فحمد الله وأثنى عليه تعالى ثم قال : يأهل المدينة لا مدينة لكم اليوم ، وإنما هو الله وحده والجنة . ثم حمل وحمل الناس معه فانهزم أهل اليمامة ، فلقي البراء محكم اليمامة فضربه البراء وصرعه ، فأخذ سيف محكم اليمامة فضربه به حتى انقطع » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 197 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أقول : يريد رواة السلطة بذلك أن يعطوا دوراً قيادياً لخالد بأنه أمر البراء أن يقوم ويحمل ، فأين خالد عن الحملة ؟ ! بل نشك في أن خالداً كان حاضراً عندما استعاد فرسان الأنصار المبادرة . ويظهر أنه سمع بدخول المسلمين الحديقة وانتصارهم فأراد أن يدخل ، فجاءه فارس حنفي فسبه وصارعه وجرحه ، فخلص نفسه منه بجهد جهيد ، ورجع إلى خيمة أم تميم !
قال محبو خالد في وصفه : « واقتحم خالد بن الوليد الحديقة بفرسه ، وبيده سيف لو ضرب به الحجر لقطعه ، قال : فاستقبله رجل من بني حنيفة فقال له : أين تريد يا ابن كذا وكذا ؟ فحمل عليه خالد ، واعتنقه الحنفي فسقطا عن فرسيهما جميعاً إلى الأرض ، فسقط الحنفي تحت خالد فجعل يجرحه بخنجر كان معه ، وخالد قد قبض على حلقه والحنفي يجرحه من تحت حتى جرحه سبع جراحات ، فوثب خالد وتركه وإذا فرس خالد قد غار عن الحديقة ، فجعل خالد ظهره إلى باب الحديقة وجعل يقاتل حتى تخلص وهو لما به » . ( الفتوح لابن الأعثم : 1 / 31 ) .
أقول : من الواضح أن خالداً لم يبرز إلى أحد ، ولا شارك في حملة ، وأنه بعد أن لاح النصر للمسلمين ذهب ليدخل الحديقة فاعترضه فارس ، فاشتبكا ووقع خالد عليه ولم يستطع أن يقتله ، بل استطاع أن يهرب منه !
ثم عندما انتصر المسلمون أحضر خالد حماية له ودخل إلى الحديقة مع مجاعة ، ليعرفه على جثمان مسيلمة ووزيره ، لأنه لم يكن بارزهما ولا رآهما !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 198 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال ابن الأعثم ( 1 / 32 ) : « وأقبل خالد بن الوليد حتى دخل الحديقة ، ومعه جماعة من المسلمين ، فوقف على مسيلمة وهو مقتول ، ونظر إليه . . . » .

( 30 ) عباد بن بشر الأنصاري رضي الله عنه

روى ابن سعد ( 3 / 441 ) عن أبي سعيد الخدري قال : « سمعت عباد بن بشر يقول : يا أبا سعيد رأيت الليلة كأن السماء قد فرجت لي ثم أطبقت عليَّ ، فهي إن شاء الله الشهادة . قال قلت : خيراً والله رأيت . قال فأنظر إليه يوم اليمامة وإنه ليصيح بالأنصار إحطموا جفون السيوف وتميزوا من الناس . وجعل يقول أخلصونا أخلصونا . فأخلصوا أربع مائة رجل من الأنصار ، ما يخالطهم أحد يقدمهم عباد بن بشر وأبو دجانة والبراء بن مالك ، حتى انتهوا إلى باب الحديقة فقاتلوا أشد القتال ، وقتل عباد بن بشر ، فرأيت بوجهه ضرباً كثيراً ، ما عرفته إلا بعلامة كانت في جسده » .
وقال ابن الأعثم ( 1 / 31 ) : « وأقبل عباد بن بشر الأنصاري حتى وقف على باب الحديقة ثم نادى بأعلى صوته : يا معشر الأنصار ! إحطموا جفور سيوفكم واقتحموا الحديقة عليهم فقاتلوهم أو يقتل مسيلمة الكذاب . قال : ثم كسر عباد بن بشر جفر سيفه ، وكسرت الأنصار جفار سيوفهم واقتحموا الحديقة مائة رجل ، فقاتلوا حتى ما بقي منهم إلا أربعة نفر ، فإنهم أقبلوا مجروحين لما بهم . قال : وعظم الأمر على الفريقين جميعاً ، والتفت بنو حنيفة إلى مسيلمة فقالوا له : يا أبا ثمامة ! ألا ترى إلى ما نحن فيه من قتال هؤلاء ؟ فقال مسيلمة : بهذا أتاني الوحي أن القوم يلجؤوكم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 199 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إلى هذه الحديقة ، ويكون قتالكم معهم في جوفها ، فقال له بعضهم : فأين ما وعدتنا من ربك بأنه ينصرنا على عدونا ، وأن هذا الدين الذي نحن فيه هو الدين القيم ؟
فقال مسيلمة : أما الدين فلا دين لكم ، ولكن قاتلوا عن أحسابكم ! قال : فعند ذلك علم القوم أنهم كانوا في غرور وضلال من استمساكهم بدين مسيلمة وجعل رجل منهم يرتجز . قال : فاقتحم المسلمون بأجمعهم على مسيلمة وأصحابه فقاتلوهم حتى احمرت الأرض من الدماء » .

( 31 ) ثابت بن قيس الأنصاري

قال ابن حجر في الإصابة ( 1 / 511 ) : « ثابت بن قيس بن شماس بن زهير بن مالك بن امرئ القيس بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج الأنصاري الخزرجي خطيب الأنصار . . . خطب ثابت بن قيس مَقْدَمَ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) المدينة فقال : نمنعك مما نمنع منه أنفسنا وأولادنا ، فما لنا ؟ قال : الجنة . قالوا : رضينا . وفي الترمذي بإسناد حسن عن أبي هريرة رفعه : نعم الرجل ثابت بن قيس . وفي البخاري مختصراً والطبراني مطولاً عن أنس قال : لما انكشف الناس يوم اليمامة ، قلت لثابت بن قيس : ألا ترى يا عم ، ووجدته يتحنط فقال : ما هكذا كنا نقاتل مع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بئس ما عودتم أقرانكم . اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء ومما صنع هؤلاء . ثم قاتل حتى قتل » .
وقال ابن حجر في تهذيب التهذيب ( 2 / 11 ) : « ثابت بن قيس . . . قال النبي ( صلى الله عليه وآله ) : نعم الرجل ثابت بن قيس بن شماس وشهد له بالجنة ، في قصة رواها
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 200 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
موسى بن أنس عن أبيه . . وشهد بدراً والمشاهد كلها ودخل عليه النبي ( صلى الله عليه وآله ) وهو عليل فقال : أذهب البأس رب الناس ، عن ثابت بن قيس بن شماس » .

( 32 ) كان ثابت مؤمناً تقياً بشره النبي ( صلى الله عليه وآله ) بالجنة

روى الحاكم في المستدرك ( 3 / 234 ) وصححه على شرط الشيخين ، لما نزل قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ : « أن ثابت بن قيس قال : يا رسول الله لقد خشيت أن أكون قد هلكت ! قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : ولم ؟ قال : نهانا الله أن نحب أن نحمد بما لم نفعل وأجدني أحب الحمد . ونهانا عن الخيلاء وأجدني أحب الجمال . ونهانا أن نرفع أصواتنا فوق صوتك وأنا جهير الصوت !
فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : يا ثابت ألا ترضى أن تعيش حميداً ، وتقتل شهيداً ، وتدخل الجنة بسلام . قال : بلى يا رسول الله . قال : فعاش حميداً ، وقتل شهيداً يوم مسيلمة الكذاب » .
وفي رواية ابنته ( 3 / 235 ) قالت : « جلس أبي في بيته يبكي ففقده رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فسأله عن أمره فقال : إني امرء جهير الصوت وأخاف أن يكون قد حبط عملي ! فقال بل تعيش حميداً وتموت شهيداً ، ويدخلك الله الجنة بسلام » .
وفي فضائل الصحابة للنسائي / 37 : « فكنا نراه يمشي بين أظهرنا رجل من أهل الجنة » .
ورووا أن ثابت بن قيس كان متزوجاً من جميلة بنت عبد الله بن أبي سلول وكانت تبغضه ويحبها ، فأتت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فقالت : يا رسول الله لا يجمع رأسي ورأسه شئ ، والله ما أعيب عليه في دين ولا خلق ، إني لأراه فلولا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 201 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مخافة الله عز وجل لبصقت في وجهه ! فنزل قوله تعالى : الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلا أَنْ يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ . فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ .
فقال لها رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : أتردين عليه حديقته التي أصدقك ؟ قالت : نعم ، فردت إليه حديقته وفرق بينهما ، وكان ذلك أول خلع كان في الإسلام . ( مسالك الأفهام : 9 / 365 ، والإصابة : 8 / 82 ، ومسند أحمد : 4 / 3 ) .

( 33 ) كان مع الأنصار وعلي ( عليه السلام ) ضد أهل السقيفة

روى المفيد في أماليه / 49 : « عن مروان بن عثمان قال : لما بايع الناس أبا بكر دخل علي ( عليه السلام ) والمقداد بيت فاطمة ( عليها السلام ) وأبوا أن يخرجوا ، فقال عمر بن الخطاب : أضرموا عليهم البيت ناراً ! فخرج الزبير ومعه سيفه فقال أبو بكر : عليكم بالكلب فقصدوا نحوه ، فزلت قدمه وسقط إلى الأرض ووقع السيف من يده ، فقال أبو بكر : اضربوا به الحجر ، فضرب بسيفه الحجر حتى انكسر . وخرج علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) نحو العالية فلقيه ثابت بن قيس بن شماس فقال : ما شأنك يا أبا الحسن ؟ فقال : أرادوا أن يحرقوا عليَّ بيتي ، وأبو بكر على المنبر يبايع له ولا يدفع عن ذلك ولا ينكره !
فقال له ثابت : ولا تفارق كفي يدك حتى أقتل دونك ، فانطلقا جميعاً حتى عادا إلى المدينة ، وإذا فاطمة ( عليها السلام ) واقفة على بابها وقد خلت دارها من أحد من القوم وهي تقول : لا عهد لي بقوم أسوأ محضراً منكم ! تركتم رسول الله
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 202 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
جنازة بين أيدينا ، وقطعتم أمركم بينكم لم تستأمرونا ! وصنعتم بنا ما صنعتم ، ولم تروا لنا حقاً » .
أقول : يظهر أن ثابت بن قيس وهو خزرجي ، كان موقفه كسعد بن عبادة زعيم الخزرج ، الذي قال إن يطع القرشيون النبي ( صلى الله عليه وآله ) ويولوها علياً فنحن أولى بها . وقد تحركت غيرة ثابت من تهديد أهل السقيفة علياً وأهل البيت ( عليهم السلام ) لإجبارهم على بيعة أبي بكر .
وقد روى في شرح النهج ( 6 / 24 ) ردَّه على أقوال القرشيين في حقهم بالخلافة دون الأنصار ، قال : « وحضر أبو سفيان بن حرب فقال : يا معشر قريش إنه ليس للأنصار أن يتفضلوا على الناس حتى يقروا بفضلنا عليهم ، فإن تفضلوا فحسبنا حيث انتهى بها ، وإلا فحسبهم حيث انتهى بهم . وأيم الله لئن بطروا المعيشة وكفروا النعمة ، لنضربنهم على الإسلام كما ضربونا عليه . فأما علي بن أبي طالب فأهل والله أن يسود على قريش وتطيعه الأنصار . فلما بلغ الأنصار قول هؤلاء الرهط ( سهيل بن عمرو ، والحارث بن هشام ، وعكرمة بن أبي جهل ، وأبي سفيان ، وكلهم من الطلقاء ) قام خطيبهم ثابت بن قيس بن شماس فقال : يا معشر الأنصار ، إنما يكبر عليكم هذا القول لو قاله أهل الدين من قريش ، فأما إذا كان من أهل الدنيا لا سيما من أقوام كلهم موتور ، فلا يكبرن عليكم ، إنما الرأي والقول مع الأخيار المهاجرين ، فإن تكلمت
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 203 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
رجال قريش الذين هم أهل الآخرة مثل كلام هؤلاء ، فعند ذلك قولوا ما أحببتم وإلا فامسكوا . وقال حسان بن ثابت يذكر ذلك :
تنادى سهيل وابن حرب وحارث * وعكرمة الشاني لنا ابن أبي جهل
قتلنا أباه وانتزعنا سلاحه * فأصبح بالبطحا أذل من النعل
فأما سهيلٌ فاحتواه ابن دخشم * أسيراً ذليلاً لا يمر ولا يحلى
وصخر بن حرب قد قتلنا رجاله * غداة لوا بدر ، فمرجله يغلى
وراكضنا تحت العجاجة حارثٌ * على ظهر جرداء كباسقة النخل
يقبلها طوراً وطوراً يحثها * ويعدلها بالنفس والمال والأهل
أولئك رهط من قريش تبايعوا * على خطة ليست من الخطط الفضل
وأعجب منهم قابلو ذاك منهم * كأنا اشتملنا من قريش على ذحل
وكلهم ثانٍ عن الحق عطفه * يقول اقتلوا الأنصار يا بئس من فعل
نصرنا وآوينا النبي ولم نخف * صروف الليالي والبلاء على رجل
بذلنا لهم أنصاف مال أكفنا * كقسمة أيسار الجزور من الفضل
ومن بعد ذاك المال أنصاف دورنا * وكنا أناساً لا نعير بالبخل
ونحمي ذمار الحي فهر بن مالك * ونوقد نار الحرب بالحطب الجزل
فكان جزاء الفضل منا عليهم * جهالتهم حمقاً وما ذاك بالعدل
فبلغ شعر حسان قريشاً فغضبوا ، وأمروا ابن أبي عزة شاعرهم أن يجيبه ، فقال :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 204 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
معشر الأنصار خافوا ربكم * واستجيروا الله من شر الفتن
إنني أرهب حرباً لاقحاً * يشرق المرضع فيها باللبن
جرها سعد وسعد فتنة * ليت سعد بن عباد لم يكن
خلف برهوت خفياً شخصه * بين بصرى ذي رعين وجدن
ليس ما قدر سعد كائنا * ما جرى البحر وما دام حضن
ليس بالقاطع منا شعرة * كيف يرجى خير أمر لم يحن
ليس بالمدرك منها أبداً * غير أضغاث أماني الوسن .
ويبدو أن قيس بن ثابت ( رحمه الله ) كان ناشطاً بعد فتح مكة عندما كثر القرشيون في المدينة ، وكانوا يعملون لأخذ الخلافة وعزل أهل البيت ( عليهم السلام ) والأنصار ، ولذلك أرادوا اغتياله فوقاه علي ( عليه السلام ) وأنجاهما الله تعالى بكرامة .
ففي مناقب آل أبي طالب : 2 / 130 ، عن تفسير الإمام العسكري ( عليه السلام ) / 108 : « قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : أيكم وقى بنفسه نفس رجلاً مؤمناً البارحة ؟ فقال علي ( عليه السلام ) : أنا يا رسول الله وقيت بنفسي نفس ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري . فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : حدث بالقصة إخوانك المؤمنين ، ولا تكشف عن اسم المنافق المكايد لنا , فقد كفاكما الله شره ، وأخره للتوبة لعله يتذكر أو يخشى . فقال علي ( عليه السلام ) : بينا أنا أسير في بني فلان بظاهر المدينة ، وبين يدي بعيداً مني ثابت بن قيس ، إذ بلغ بئراً عادية ( قديمة من أيام قوم عاد ) عميقة بعيدة القعر ، وهناك رجل من المنافقين فدفعه ليرميه في البئر فتماسك ثابت ، ثم عاد فدفعه والرجل لا يشعر بي حتى وصلت إليه وقد اندفع ثابت في البئر ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 205 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فكرهت أن أشتغل بطلب المنافق خوفاً على ثابت ، فوقعت في البئر لعلي آخذه ، فنظرت فإذا أنا قد سبقته إلى قرار البئر . . واستقررت قائماً . . ثم جاء ثابت فانحدر فوقع على يديَّ وقد بسطتهما له . . فما كان إلا كباقة ريحان تناولتها بيدي .
ثم نظرت ، فإذا ذلك المنافق ومعه آخران على شفير البئر وهو يقول لهما : أردنا واحداً فصار اثنين ! فجاؤوا بصخرة فيها مقدار مائتي مَنٍّ ، فأرسلوها علينا فخشيت أن تصيب ثابتاً ، فاحتضنته وجعلت رأسه إلى صدري ، وانحنيت عليه فوقعت الصخرة على مؤخر رأسي ، فما كانت إلا كترويحة بمروحة . . ثم جاؤوا بصخرة أخرى فيها قدر ثلاث مائة من فأرسلوها علينا ، فانحنيت على ثابت فأصابت مؤخر رأسي ، فكانت كماء صببته على رأسي . . ثم جاؤوا بصخرة ثالثة فيها قدر خمس مائة من يديرونها على الأرض لا يمكنهم أن يقلبوها ، فأرسلوها علينا ، فانحنيت على ثابت فأصابت مؤخر رأسي وظهري فكانت كثوب ناعم صببته على بدني . . ثم سمعتهم يقولون : لو أن لابن أبي طالب وابن قيس مائة ألف روح ما نجت واحدة منها من بلاء هذه الصخور . ثم انصرفوا وقد دفع الله عنا شرهم ، فأذن الله عز وجل لشفير البئر فانحط ، ولقرار البئر فارتفع فاستوى القرار والشفير بعد بالأرض ، فخطونا وخرجنا .
فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : يا أبا الحسن إن الله عز وجل قد أوجب لك بذلك من الفضائل والثواب ، مالا يعرفه غيره . . » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 206 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

( 34 ) ثابت من العارفين بمقام أمير المؤمنين ( عليه السلام )

روى اليعقوبي في تاريخه ( 2 / 179 ) فرحة الصحابة ببيعة علي ( عليه السلام ) ، وخُطَبَهم في المسجد النبوي ، فقال : « وقام قوم من الأنصار فتكلموا ، وكان أول من تكلم ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري ، وكان خطيب الأنصار ، فقال :
والله يا أمير المؤمنين لئن كانوا تقدموك في الولاية فما تقدموك في الدين ، ولئن كانوا سبقوك أمس فقد لحقتهم اليوم ، ولقد كانوا وكنت لا يخفى موضعك ، ولا يجهل مكانك ، يحتاجون إليك فيما لا يعلمون ، وما احتجت إلى أحد مع علمك .
ثم قام خزيمة بن ثابت الأنصاري وهو ذو الشهادتين ، فقال :
يا أمير المؤمنين ! ما أصبنا لأمرنا هذا غيرك ، ولا كان المنقلب إلا إليك ، ولئن صدقنا أنفسنا فيك ، فلانت أقدم الناس إيماناً وأعلم الناس بالله ، وأولى المؤمنين برسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، لك ما لهم ، وليس لهم ما لك .
وقام صعصعة بن صوحان فقال :
والله ، يا أمير المؤمنين ، لقد زينت الخلافة وما زانتك ، ورفعتها وما رفعتك ، ولهي إليك أحوج منك إليها .
ثم قام مالك بن الحارث الأشتر فقال :
أيها الناس ، هذا وصي الأوصياء ، ووارث علم الأنبياء ، العظيم البلاء ، الحسن الغناء ، الذي شهد له كتاب الله بالإيمان ، ورسوله بجنة الرضوان .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 207 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
من كملت فيه الفضائل ، ولم يشك في سابقته وعلمه وفضله الأواخر ، ولا الأوائل . . . الخ . » .
وأورد السيد الخوئي في المعجم ( 4 / 304 ) خطبة ثابت ، وقال : « وهذا يدل على معرفته بمقام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، ولعله لذلك عده العلامة في القسم الأول ، بناء على ما استظهرناه من بنائه على أصالة العدالة » .

( 35 ) كان شاهداً على مسيلمة عندما جاء إلى النبي ( صلى الله عليه وآله )

وعندما جاء مسيلمة في وفد بني حنيفة إلى النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وكلمه كان ثابت حاضراً ، ففي البخاري : 5 / 119 : « بلغنا أن مسيلمة الكذاب قدم المدينة فنزل في دار بنت الحرث وكان تحته بنت الحرث بن كريز ، وهي أم عبد الله بن عامر ، فأتاه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ومعه ثابت بن قيس بن شماس ، وهو الذي يقال له خطيب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وفي يد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قضيب ، فوقف عليه فكلمه فقال له مسيلمة : إن شئت خليت بيننا وبين الأمر ، ثم جعلته لنا بعدك . فقال النبي ( صلى الله عليه وآله ) : لو سألتني هذا القضيب ما أعطيتكه وإني لأراك الذي أريت فيه ما أريت ! وهذا ثابت بن قيس وسيجيبك عنى ، فانصرف النبي ( صلى الله عليه وآله ) . . . إن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قال : بينا أنا نائم أريت أنه وضع في يدي سواران من ذهب ففظعتهما وكرهتهما ، فأذن لي فنفختهما فطارا ، فأولتهما كذابين يخرجان . فقال عبيد الله : أحدهما العنسي الذي قتله فيروز باليمن ، والآخر مسيلمة الكذاب » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 208 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

( 36 ) صاحب لواء الأنصار في معركة اليمامة

روى الجميع أن لواء الأنصار في رد هجوم طليحة على المدينة وحرب طليحة وحرب مسيلمة ، كان في يده . ( وكان أمير الأنصار في قتال أهل الردة ) . ( تاريخ الإسلام ( 3 / 69 ) . وقد أبلى بلاء حسناً في قتال طليحة وأتباعه .
وعندما انهزم المسلمون في معركة اليمامة ، ووصل بنو حنيفة إلى خيمة خالد فانهزم ، وقف ثابت ونادى في المسلمين فقال : « بئسما عودتم أنفسكم يا معشر المسلمين ! اللهم إني أبرأ إليك مما يعبد هؤلاء ، يعنى أهل اليمامة ، وأبرأ إليك مما يصنع هؤلاء يعنى المسلمين » ! ( الطبري : 2 / 510 )
وفي الطبري : 2 / 512 : « فلما قال مجاعة لبنى حنيفة : ولكن عليكم بالرجال ، إذا فئة من المسلمين قد تذامروا بينهم فتفانوا وتفانى المسلمون كلهم ، وتكلم رجال من أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وقال زيد بن الخطاب : والله لا أتكلم أو أظفر أو أقتل واصنعوا كما أصنع أنا فحمل وحمل أصحابه .
وقال ثابت بن قيس : بئسما عودتم أنفسكم يا معشر المسلمين ! هكذا عني حتى أريكم الجلاد . . وتكلم ثابت فقال : يا معشر المسلمين أنتم حزب الله ، وهم أحزاب الشيطان ، والعزة لله ولرسوله ولأحزابه ، أروني كما أريكم ، ثم جلد فيهم حتى حازهم » .
وفي فتوح ابن الأعثم : 1 / 29 : « وتقدم ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري خطيب الأنصار وشيخهم ، فتقدم وفي يد راية صفراء ، ثم حمل على القوم فلم يزل يطاعن حتى قتل . قال : فتقدم ابن عم له يقال له بشير بن عبد الله ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 209 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
من بني الحارث بن النجار حتى وقف بين الجمعين ، قال : ثم حمل بشير بن عبد الله هذا ، فلم يزل يقاتل حتى قتل » .
وروى الحاكم ( 3 / 234 ) عن أنس قال : « لما كان يوم اليمامة جئت إلى ثابت بن قيس بن شماس وهو يتحنط ، فقلت : يا عم ألا ترى ما يلقى الناس ، فلبس أكفانه ثم أقبل وهو يقول : الآن الآن ! وجعل يقول بالحنوط هكذا ، وأومى الأنصاري على ساقه هكذا ، في وجوه القوم يقرع القوم : بئس ما عودتم أقرانكم ، ما هكذا كنا نقاتل مع النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، فقاتل حتى قتل » .
وروي أنه برز إلى رجل على ثلمة فقتله ( فتح الباري : 6 / 458 ) وروي أنه حفر هو وسالم مولى حذيفة تحت قدميهما إلى نصف ساقيهما حتى لا يفرَّا . ( النهاية : 6 / 357 ) فلم يزل يقاتل وهو حاملٌ لواء الأنصار حتى استشهد ( رحمه الله ) .

( 37 ) بطولة خالد المزعومة في معركة اليمامة

نسبوا إليه أنه برز إلى مسيلمة ، وأنه قتل مسيلمة ( الروض الأنف : 4 / 226 ) لكنهم رووا أنه كان في خيمته عندما جاءه خبر قتل مسيلمة !
كما نسبوا إليه أنه قتل مُحكَّم اليمامة ( صحاح الجوهري : 5 / 1902 ) لكنهم رووا أن الذي قتله عبد الرحمن بن أبي بكر ، رماه بسهم . ( الإستيعاب : 2 / 825 ) .
والمرجح كما مرَّ أن ثابتاً قتله ! لأنهم رووا أن خالداً كان في خيمته عندما قتل مسيلمة وانتصر المسلمون ، فأخذ مجاعة ودخل الحديقة وأخذ يكشف عن القتلى ويسأل عنهم مجاعة فكشف له عن المحكم فتصور أنه مسيلمة ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 210 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم كشف له عن مسيلمة فتعجب من صغر جثته . ومعناه أن خالداً لم يكن يعرفهما ولا رآهما ولا بارزهما ولا قتلهما ! ( الطبري : 2 / 514 ) .
ومعناه أن خالداً حنث بيمينه عندما هدد وحلف ، ففي فتوح البلاذري : 1 / 107 ، وتاريخ خليفة / 67 : « كفرت العرب فبعث أبو بكر خالد بن الوليد فلقيهم ، ثم قال : والله لا انتهى حتى أناطح مسيلمة » .
فهل كان يقصد : حتى أناطحه بقرون غيري !

( 38 ) خالد بن الوليد يطلب الصلح من مجَّاعة !

روى الطبري في تاريخه : 2 / 516 : « قال مجَّاعة لخالد : فهلم لأصالحك عن قومي ، لرجل قد نهكته الحرب وأصيب معه من أشراف الناس من أصيب فقد رقَّ وأحب الدعة والصلح ، فقال : هلم لأصالحك فصالحه على الصُّفَّراء والبيضاء والحلقة ونصف السبي .
ثم قال : إن آتي القوم فأعرض عليهم ما قد صنعت . قال : فانطلق إليهم فقال للنساء : إلبسن الحديد ثم أشرفن على الحصون ففعلن . ثم رجع إلى خالد وقد رأى خالد الرجال فيما يرى على الحصون عليهم الحديد ، فلما انتهى إلى خالد قال : أبوا ما صالحتك عليه ، ولكن إن شئت صنعت شيئاً فعزمت على القوم . قال : ما هو ؟ قال : تأخذ منى ربع السبي وتدع ربعاً . قال خالد : قد فعلت . قال قد صالحتك .
فلما فرغا فُتحت الحصون فإذا ليس فيها إلا النساء والصبيان ، فقال خالد لمجاعة : ويحك خدعتني ! قال : قومي ، ولم أستطع إلا ما صنعت . . .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 211 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فأتاهم مجَّاعة فقال : أما الآن فاقبلوا . . . فخرج مجاعة سابع سبعة حتى أتى خالداً فقال : بعد شر ما رضوا . أكتب كتابك ، فكتب : هذا ما قاضى عليه خالد بن الوليد مجاعة بن مرارة وسلمة بن عمير وفلاناً وفلاناً ، قاضاهم على الصُّفَّراء والبيضاء ونصف السبي والحلقة والكراع وحائط من كل قرية ومزرعة ، على أن يسلموا . ثم أنتم آمنون بأمان الله ، ولكم ذمة خالد بن الوليد وذمة أبى بكر خليفة رسول الله ، وذمم المسلمين على الوفاء .
وقد بعث أبو بكر بكتاب إلى خالد مع سلمة بن سلامة بن وقش يأمره إن أظفره الله عز وجل أن يقتل من جرت عليه من المواسي من بنى حنيفة ( أي من بلغ الحلم ) فقدم فوجده قد صالحهم ، فوفى لهم ، وتم على ما كان منه . وحشرت بنو حنيفة إلى البيعة والبراءة مما كانوا عليه إلى خالد ، وخالد في عسكره » .
وقال اليعقوبي : 2 / 130 : « وأتى مجاعة الحنفي إلى خالد ، فأوهمه أن في الحصن قوماً بعدُ ، وقال : ما أتاك إلا سرعان الناس ، ودعاه إلى الصلح ، فصالحهم خالد على الصُّفَّراء والبيضاء ونصف السبي ، ثم نظروا وليس في الحصن أحد إلا النساء والصبيان ، فألبسهم السلاح ووقفهم على الحصون ، ثم أشار إلى خالد فقال : أبوْا عليَّ ، فتأخذ الربع ؟ ففعل ذلك خالد وقبل منهم . فلما فتحت الحصون لم يجد إلا النساء والصبيان ، فقال : أمكراً يا مجاعة ؟ ! قال : إنهم قومي . وأجاز لهم ، وافتتحت اليمامة » .
أقول : أمر أبو بكر خالداً بقتل كل من بلغ منهم ، وأن يستحيي نساءهم سبايا لكن خالداً سبقه بالصلح على سبي ربع نسائهم ، وأخذ ما يملكون من ذهب
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 212 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفضة ، والعفو عن رجالهم . وكانت سياسة خالد أقرب إلى الإسلام من موقف أبي بكر . لكنه عاد ونفذ أمر أبي بكر ، كما يلي !

( 39 ) بطولة خالد في مجزرة سبعة آلاف مسلم !

عادة خالد في حروبه أن لا يشارك في المعركة بنفسه إلا شكلياً ، ولهذا كتب له أبو بكر كما تقدم : « فباشرها بنفسك ولا تتكل على غيرك » . لكن خالداً لم يغير عادته ، وغابت عنه الشجاعة في معركة اليمامة التي استمرت يومين !
أما بعد انتصار المسلمين فتظهر شجاعة خالد ، كما حدث بعد معركة طليحة الأسدي في بُزَّاخَة : « فأقام على البُزَّاخَة شهراً يُصَعِّدُ عنها ويُصَوِّبُ ، ويرجع إليها في طلب أولئك . فمنهم من أحرقه ، ومنهم من قَمَّطَه ورضخه بالحجارة ، ومنهم من رمى به من رؤس الجبال » . ( الطبري : 2 / 491 ) .
وبعد معركة اليمامة بقي خالد شهراً وقالوا إنه كان ينتظر شفاء وزيره ضرار بن الأزور ، أو البطل البراء بن مالك ، لكنه في هذه المدة تزوج بنت مجاعة ، ومارس هوايته بأن يقبض على العزل ويكتفهم ، ثم يضرب أعناقهم صبراً ، فرادى وجماعات ! فقد نص المؤرخون على أنه قتل نحو سبعة آلاف رجل في الشهر الذي بقيه في اليمامة بعد المعركة !
قال الطبري : 2 / 516 ، وغيره : « وقتل من بنى حنيفة في الفضاء بعقرباء سبعة آلاف ، وفى حديقة الموت سبعة آلاف ، وفى الطلب نحوٌ منها »
ولم تذكر الروايات أن خالداً ذهب إلى قرى بني حنيفة المتناثرة ، إلا ما ذكر أنه زار مع مجاعة بعض الحصون القريبة من مكان المعركة في جبيلة ، فأطل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 213 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عليه فرسان من أعلى الحصن فلم يدخله ، وكانوا نساء أمرهن مجاعة أن يلبسن السلاح ، ليفرض على خالد الصلح بربع السبايا بدل النصف !
فالسبعة آلاف الذين قتلهم في الطلب ، كان يرسل لهم الخيالة إلى قرى نجد ، فيُكتِّفُون من وجدوه ويأتونه بهم فيضرب أعناقهم ، أو يأمر قائد السرية بقتل من وجده من الرجال ، في قراهم !
ومما يدلك على أن القتل كان عاماً لكل من قبض عليه خالد من بني حنيفة ! ما رواه ابن حجر في الإصابة ( 3 / 105 ) عن ضيف قبض عليه خالد في غاراته وأراد أن يقتله ، وهو سفيان بن أبي عزة الجذامي : « كان نازلاً في بني حنيفة ولم يرتدَّ ، ذكر ذلك وثيمة ( في كتابه ) وذكر أن خالد بن الوليد أخذه فيمن ظفر به من أهل اليمامة فأراد قتله ، فقال له سفيان : يا خالد إن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قال : ما من عبد يقتل عبداً إلا قعد له يوم القيامة على الصراط ! فخلى سبيله » .

( 40 ) كيف برر خالد مجزرته في النجديين !

روى الطبري ( 2 / 518 ) عن يربوع أبي الضحاك قال : « صالح خالد بنى حنيفة جميعاً ، إلا ما كان بالعرض والقرية ، فإنهم سبوا عند انبثاث الغارة ، فبعث إلى أبى بكر ممن جرى عليه القسم بالعرض والقرية من بنى حنيفة ، أو قيس بن ثعلبة ، أو يشكر خمس مائة رأس » .
ومعناه تفريغ الصلح من محتواه كلياً تقريباً ! لأن العِرض هو أكبر وادٍ خصب في اليمامة ، والقُرَيَّة هي أكبر بلدة فيها !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 214 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال البكري في معجم ما استعجم ( 3 / 932 ) : « العِرْض بكسر أوله وإسكان ثانيه : وادي اليمامة . قال الأعشى :
ألم تر أن العِرض أصبح بطنه * نخيلاً وزرعاً نابتاً وفصافصا »
والفصافص : القتُّ أو الجت ويزرع للحيوانات ، ويشمل الأبَّ الذي ينبت وحده .
أما القَرْية فقال الحموي في معجم البلدان : 4 / 340 : « قرية بني سدوس بن شيبان بن ذهل ، وفيها منبر وقصر ، يقال إن سليمان بن داود ’ بناه من حجر واحد من أوله إلى آخره ، وهي أخصب قرى اليمامة ، لها رمان موصوف . وربما قيل لها القُرَيَّة . وقال محبوب بن أبي العشنط النهشلي :
لروضةٌ من رياض الحَزْن أو طرفٌ * من القُرَيَّة جَرد غير محروث
يفوح منه إذا مَجَّ الندى أرجٌ * يشفي الصداع وينقي كل ممغوث
أشهى وأحلى لعيني إن مررت به * من كرخ بغداد ذي الرمان والتوث ) .
يريد هذا الراوي الذي ضعفوه ( ميزان الإعتدال : 2 / 327 ) أن صلح خالد مع مجاعة كان عن جزء قليل جداً من بني حنيفة ، وبقي أكثرهم في القرية ووادي اليمامة بكل قراه ، وهم الذين قتل منهم خالد سبعة آلاف صبراً .
وهذا حيلة لتفريغ الصلح من محتواه ! على أنه لو صح لكان إسلام هؤلاء يعصم دماءهم وأموالهم ، فكيف جاز له قتلهم .
إنه لا تفسير لقتل خالد سبعة آلاف من بني حنيفة بعد المعركة ، إلا تنفيذ أمر أبي بكر بقتل كل من بلغ الحلم من رجالهم حتى لو أعلنوا إسلامهم ! فنفذ خالد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 215 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أمره رغم أنه صالحهم على ما عندهم من ذهب وفضة وربع السبي والعفو عن رجالهم !
( بعث رجلاً من الأنصار إلى خالد يأمره أن يقتل من أنبت من بني حنيفة ) . ( وتاريخ الطبري : 2 / 517 ، وخليفة / 72 ، وابن خلدون : 2 ق 2 / 76 ، والكامل : 2 / 365 ، وفي الإصابة : 7 / 342 . أنه أرسل له مع رجلين : سلمة بن وقش ، وأبي نهيك ) .
وقالت رواية الطبري وغيره إن خالداً وفى لهم ولم يعمل بأمر أبي بكر : « فوفى لهم وتم على ما كان منه . وحشرت ( جئ بهم ) بنو حنيفة إلى البيعة والبراءة مما كانوا عليه إلى خالد ، وخالد في عسكره » .
ومعناه أنهم جاؤوا وأعلنوا إسلامهم وبايعوا خالداً لأبي بكر ، فكيف قتل منهم بعد ذلك سبعة آلاف أو نحوها ؟ !
لا يقال : إن الذين قتلهم خالد قتلوا مسلمين ، فذلك لم يحدث في اليمامة لأنهم أجمعوا على اتباع مسيلمة ، وغادرهم ثمامة بن أثال وقليل معه سالمين ، والتحقوا بجيش المسلمين . والروايات التي ذكرت وقوع معارك بين ثمامة ومسيلمة ، ذكرت بضعة قتلى من جيش مسيلمة ولم تذكر قتلى من المسلمين .
فلا بد أن يكون الآلاف الذين قتلهم ممن جاؤوه وأعلنوا إسلامهم ، أو بقوا في قراهم وقبلوا بالإسلام كما نص عليه الصلح ، وشملهم العفو .
ولا تعجب من الأوامر السرية من أبي بكر لخالد ، فعندما هرب طليحة وانتصر المسلمون ، دعا خالد جيشه إلى البطاح لقتال بني يربوع ورئيسهم مالك بن نويرة : « وقد ترددت الأنصار على خالد وتخلفت عنه وقالوا : ما هذا بعهد الخليفة إلينا ، إن الخليفة عهد إلينا إن نحن فرغنا من البُزَّاخَة واستبرأنا بلاد القوم أن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 216 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
نقيم حتى يكتب إلينا . فقال خالد : إن يك عهد إليكم هذا ، فقد عهد إلى أن أمضى وأنا الأمير ، وإليَّ تنتهي الأخبار » . ( الطبري : 2 / 501 ) .
وتقدم من مصادرنا أن أبا بكر أمر خالداً بأن يقتل مالك بن نويرة حتى لا يفتق عليه فتقاً ! فقد يكون أمره هنا بقتل كل بالغ من بني حنيفة لتخويف الآخرين ، لأنه لا يوجد أي موجب لقتلهم بعد الصلح !

( 41 ) خالد يتزوج مَيَّة بنت مجاعة الحنفي !

قال الطبري : 2 / 519 : « ثم إن خالداً قال لمجاعة زوجني ابنتك . فقال له مجاعة : مهلاً إنك قاطع ظهري وظهرك معي عند صاحبك » ! ( أي يغضب علينا أبو بكر ) قال : أيها الرجل زوجني . فزوجه فبلغ ذلك أبا بكر فكتب إليه كتاباً يقطر الدم : لعمري يا ابن أم خالد إنك لفارغ تنكح النساء ، وبفناء بيتك دم ألف ومائتي رجل من المسلمين لم تجف بعد ! قال : فلما نظر خالد في الكتاب جعل يقول : هذا عمل الأعيسر ، يعني عمر بن الخطاب » !
وقال ابن الأعثم ( 1 / 36 ) : « فزوجها إياه ، ودخل خالد بها هناك بأرض اليمامة ، فكان إذا جاءه المهاجرون والأنصار فسلموا عليه يرد عليهم السلام ويأمرهم بالجلوس ، فيجلس الرجل منهم حيثما لحق .
وإذا جاء أعمام هذه الجارية التي قد تزوجها يرفع مجالسهم ويقضى حوائجهم ! قال : فغضب المسلمون لذلك واشتد عليهم ما يفعله بهم خالد ، فكتب حسان بن ثابت إلى أبي بكر أبياتاً . .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 217 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال : فلما وردت هذه الأبيات إلى أبي بكر غضب لذلك ثم أقبل على عمر بن الخطاب فقال : يا أبا حفص ! ما ترى إلى خالد بن الوليد وحرصه على الزواج وقلة اكتراثه بمن قتل من المسلمين ! فقال عمر : أما والله لا يزال يأتينا من قبل خالد في كل حين ما تضيق به الصدور !
قال : ثم كتب إليه أبو بكر : أما بعد يا ابن الوليد فإنك فارغ القلب ، حسن العزاء عن المسلمين ، إذ قد اعتكفت على النساء ، وبفناء بيتك دماء ألف ومائتا رجل من المسلمين ، منهم سبع مائة رجل من حملة القرآن . إن لم يخدعك مجاعة بن مرارة عن رأيك أن صالحك صلح مكر ، وقد أمكن الله منهم ، أما والله يا خالد ما هي منكر ينكر ، وإنها لشبيهة بفعلك الأول بمالك بن نويرة ، فسوأةً لك ولأفعالك هذه القبيحة ، التي شانتك في بني مخزوم . والسلام .
قال : فلما وصل كتاب أبي بكر إلى خالد بن الوليد وقرأه تبسم ضاحكاً ، ثم قال : يرحم الله أبا بكر ! والله ما أعرف في هذا الكتاب من كلامه شيئاً ! ولا هذا إلا من كلام عمر بن الخطاب ، وقد كان الذي كان » .
أقول : مكان أبيات حسان في نسخة ابن الأعثم بياض ، وقد رواها الواقدي في كتابه الردة ، وابن زيد في الإشتقاق : 1 / 50 ، قال : ( وكان خالدٌ لما فَتح اليمامةَ تزوَّج ابنه مَجَّاعة ابن مُرَارةَ الحنفيّ ، وتنكَّرَ للأنَصار غايةَ التَنكرُّ ، فكتبَ حسّانٌ إلى أبي بكر الصديق :
مَنْ مبلغُ الصِّدِّيقِ قولاً كأنّه * إذا قُصَّ بين المسلمِين المَبَاردُ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 218 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أترضَى بأنَّا لم تجِفَّ دماؤُنا * وهذا عروسٌ باليمامة خالد
يَبِيتُ يُناغِي عرسَه ويضمُّها * وهامٌ لنا مطروحة وسواعدُ
إذا نحنُ جئنا صَدَّ عنَّا بوجههِ * ويُلقَى لأعمام العَروس الوسائدُ
وما كانَ في صِهر اليماميِّ رغبةٌ * ولو لم يُصَبْ إلاَّ من الناس واحدُ
فكيف بألفٍ قد أصيبوا كأنَّما * دماؤهمُ بينَ السُّيوف المَجَاسدُ
فإنْ ترض هذا فالرِّضا ما رضيتَه * وإلاَّ فغيِّرْ إنّ أمرك راشدُ
فأخذ عمر الصحيفةَ فدخل بها على أبي بكر فقرأها عليه ، فعزله أبو بكر عن اليمامة . ثم ولاَّه الشام ، فلما مات أبو بكر عزلَه عمر ، فصعِد المنبَر فقال : عُمَرُ أقرَّني على الشام وهو له مُهِمٌّ ، فلما ألقى الشَّأْمُ بَوَانِيَه وصار بَثَنِيَةً وعَسَلاً عَزَلني ) !
والصحيح أن أبا بكر لم يعزله بل ولاه العراق ، ثم لما طلب من أبو عبيدة المدد أرسله إلى الشام ، حتى إذا تولى عمر كان أول ما عمله أن عزل خالداً .
وفي توضيح المشتبه لابن ناصر الدين ( 8 / 41 ) : « مَيَّةُ بنت مجاعة بن مرارة الحنفي تزوجها خالد بن الوليد حين قتل مسيلمة ، فكتب إليه أبو بكر الصديق : جاءني كتابك يا ابن أم خالد ، إنك لتوثب على النساء ودماء المسلمين عند أطناب بيتك لم تجف ، فإن تعد لمثلها تستوعر موطئك ، وتعلم أنك لست لي بصاحب » .
فانظر إلى شخصية خالد ، الذي كبَّره رواة السلطة ، ونسبوا إليه البطولات !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 219 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

( 42 ) أبعد خالد ثمامة عن شؤون اليمامة

نلاحظ أن خالداً غيَّب ثمامة بن أثال عن الصلح وإدارة الأمور نهائياً ، مع أنه كان عامل النبي ( صلى الله عليه وآله ) على بني حنيفة واليمامة ، وقد خاض المعركة مع مسيلمة من عهد النبي ( صلى الله عليه وآله ) . ولما طغت موجة مسيلمة على بني حنيفة بعد وفاة النبي ( صلى الله عليه وآله ) واتبعوا مسيلمة ، ثبت قليل منهم مع ثمامة وتعرضوا للخطر ، ثم التحقوا بجيش المسلمين عندما اقترب خالد من جبيلة ، وشاركوا في قتال قومهم مع إخوانهم المسلمين . ( الإصابة : 6 / 242 ) .
ثم التحق ثمامة وأصحابه بالعلاء الحضرمي ، فقاتل معه المرتدين من أهل البحرين ، ولما ظفروا وهب لثمامة حلة الحطمة رئيس المرتدين ، فرآها عليه بنو قيس بن ثعلبة فظنوه الذي قتله وسلبه ، فقتلوه ( رحمه الله ) . ( الإصابة : 1 / 526 ) .

( 43 ) الفعل للقادة الميدانيين والاسم للقائد السياسي

أنت في حرب اليمامة أمام نصوص واضحة في حادثة محددة ، فقد قصد جيش المسلمين إلى مسيلمة الكذاب في بلده ، فاشتبكوا معهم فانهزم المسلمون وقائدهم ، ولاحت هزيمتهم النهائية .
فتقدم خمسة أبطال واستعادوا المبادرة وضحوا بأنفسهم وحمسوا المسلمين ، حتى غيروا الهزيمة إلى صمود ، ثم حولوا الصمود إلى نصر .
فهؤلاء هم القادة الحقيقيون الذين قطفوا النصر ، وليس القائد الرسمي خالد بن الوليد ، الجالس في فسطاطه على سرير في آخر الجيش ، والذي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 220 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وصلت الهزيمة إلى خيمته ، فانهزم تاركاً زوجته ! ثم عندما استعاد جيشه المبادرة ، لم يحمل مع أبطالهم ، ولا بارز شجاعاً ولا جباناً من العدو !
قال الطبري ( 2 / 510 ) : « قال خالد بن الوليد وهو جالس على سريره » .
وكل ما فعله خالد أنه قصد الحديقة بعد أن انتصر المسلمون أو ظهرت علامات نصرهم ، ففاجأه فارس حنفي وسب أمه ، واشتبك معه ووقعا عن فرسيهما ، وكان أقصى بطولة خالد أنه تخلص من الذي تحته ، فوجد فرسه قد هرب أو سرق ، فاستعان بالمسلمين حتى رجع إلى خيمته ، لا سالماً ولا غانماً ؟ !
إن معركة اليمامة نموذج لمعارك الفتوحات التي أوكلت الخلافة قيادتها إلى خالد وأمثاله ، وأو كلت إدارة أراضيها المفتوحة إلى معاوية وأمثاله ممن تنقصهم الشجاعة والفروسية والأمانة الشرعية .
وهنا يأتي دور علي ( عليه السلام ) في تطعيم جبهات الفتوح بأبطال من تلاميذه ، الذين هم القادة الميدانيون الذين يبادرون ويضحون احتساباً لله تعالى ، ويتحملون من قادتهم الرسميين النكران وسرقة جهودهم وتضحياتهم !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 221 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الخامس : متهمون بالردة بسبب تشيعهم !

قبائل من بني تميم وكندة رفضت خلافة أبي بكر !

اغتنمت السلطة القرشية وجود مرتدين عن الإسلام بعد النبي ( صلى الله عليه وآله ) فوصفت من رفض خلافة أبي بكر ، أو امتنع عن تسليم الزكاة إليه بأنهم مرتدون ، وقاتلتهم !
ومن أمثلتهم قبيلة بني يربوع وكانت مساكنهم في العراق والحجاز .
ومن أمثلتهم قبائل كندة وكانت عاصمتهم حضرموت ، فقد اتهمتهم بأنهم ارتدوا عن الإسلام ، وأخفت السبب الحقيقي وهو أنهم كشفوا مؤامرة قريش على أهل بيت النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، ورفضوا طاعة أبا بكر ، الذي سموه « أبا الفصيل » .

الصحابي مالك بن نويرة وقومه التميميون !

أمر أبو بكر خالد بن الوليد أن يقتل الصحابي الجليل مالك بن نويرة التميمي ، فاحتال عليه فألقى سلاحه هو وأصحابه ، فقتله ونزا على زوجته في تلك الليلة ! ولما رجع إلى المدينة ثار في وجهه عمر فقال لأبي بكر : « عدوّ الله ، عدا على امرئ مسلم فقتله ثمّ نزا على امرأته » . ( تاريخ الطبري : 2 / 504 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 222 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لكن أبا بكر « سامحه » وقال اجتهد فأخطأ ! وهذه خلاصة القصة :
بعد أن قضى خالد شهراً في بُزَّاخَة ، وحرَّق ومثَّل بمن طالته خيله وكتفوه له ، أعلن أنه سيتحرك إلى البطاح ، وهي ديار بني يربوع من بني تميم ، وتبعد عن بُزَّاخَة كثيراً باتجاه العراق ، فاعترض عليه الأنصار بأن أبا بكر أمرك أن تقاتل طليحة ثم تنتظر أمره ، فقال إن أبا بكر أمره سراً بالمسير إلى مالك بن نويرة ! ووصلوا إلى البطاح وهو مجمع بني يربوع ، فلم يجدوا أحداً ، لأن رئيسهم مالك أمرهم بالتفرق حتى لا ينضم أحد منهم إلى طليحة أو سجاح أو مسيلمة !
فأرسل خالد سرية قيل إنها بقيادة ضرار بن الأزور ، والصحيح أن ضراراً قتل في حرب اليمامة ، إلى حي مالك بن نويرة فوجدوه مع اثني عشر رجلاً : « وفى خبر آخر أن السرية التي بعث بها خالد لما غشيت القوم تحت الليل راعوهم فأخذ القوم السلاح ! قال فقلنا : إنا المسلمون ، فقالوا : ونحن المسلمون . قلنا : فما بال السلاح معكم ! قلنا فضعوا السلاح ، فلما وضعوا السلاح رُبطوا أسارى ، فأتوا بهم خالداً !
فحدث أبو قتادة خالد بن الوليد أن القوم نادوا بالإسلام وأن لهم أماناً ، فلم يلتفت خالد إلى قولهم وأمر بقتلهم وقسم سبيهم !
وحلف أبو قتادة ألا يسير تحت لواء خالد في جيش أبداً ، وركب فرسه راجعاً إلى أبي بكر فأخبره الخبر ، وقال له : إني نهيتُ خالداً عن قتله فلم يقبل قولي ، وأخذ بشهادة الأعراب الذين غرضهم الغنائم !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 223 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وإن عمر لما سمع ذلك تكلم فيه عند أبي بكر فأكثر ، وقال : إن القصاص قد وجب على خالد !
ويظهر أن خالداً أمر رئيس سريته أن يأتيه بمالك وزوجته أم تميم بنت المنهال ، التي قيل فيها إنها كانت أجمل نساء العرب ولم يُرَ أجمل من عينيها ولا ساقيها ، فكانت مع زوجها وسمعت جداله مع خالد ، فقال له : إني قاتلك . قال له مالك : أوَبذلك أمرك صاحبك أبو بكر ؟ قال : والله لأقتلك ! فقال مالك : يا خالد إبعثنا إلى أبي بكر ، فيكون هو الذي يحكم فينا ، فقد بعثت إليه غيرنا ممن جرمه أكبر من جرمنا ! وألحَّ عبد الله بن عمر وأبو قتادة على خالد بأن يبعثهم إلى أبي بكر فأبى عليهم وقال : لا أقالني الله إن لم أقتله . وأمر بضرب عنقه ، فألقت زوجته نفسها عليه وقال لها مالك : أعزُبي عني فما قتلني غيرك ! وقال لخالد : هذه التي قتلتني !
فقال له خالد : بل الله قتلك برجوعك عن الإسلام . فقال له : إني على الإسلام . فقال خالد : يا ضرار اضرب عنقه فضرب عنقه وقبض خالد على زوجته ، فبنى بها في تلك الليلة ! وفي ذلك يقول أبو زهير السعدي :
ألا قل لحيٍّ أوطئوا بالسنابكِ * تطاول هذا الليل من بعد مالك
قضى خالد بغياً عليه لعرسهِ * وكان له فيها هوى قبل ذلك
فأمضى هواه خالد غير عاطف * عنان الهوى عنها ولا متمالك
وأصبح ذا أهل وأصبح مالك * على غير شئ هالكاً في الهوالك
فمن لليتامى والأرامل بعده * ومن للرجال المعدمين الصعالك
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 224 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أصيبت تميم غثها وسمينها * بفارسها المرجو سحب الحوالك
أما سبب أمر أبي بكر بقتله ، فهو أن مالكاً جاء بعد وفاة النبي ( صلى الله عليه وآله ) : « فدخل يوم الجمعة وأبو بكر على المنبر يخطب بالناس ، فنظر إليه وقال : أخو تَيْم ؟ ! قالوا : نعم . قال : فما فعل وصي رسول الله الذي أمرني بموالاته ؟ قالوا : يا أعرابي الأمر يحدث بعده الأمر ! قال : بالله ما حدث شئ ، وإنكم قد خنتم الله ورسوله ( صلى الله عليه وآله ) ! ثم تقدم إلى أبي بكر وقال : من أرقاك هذا المنبر ووصي رسول الله جالس ؟ فقال أبو بكر : أخرجوا الأعرابي البوال على عقبيه من مسجد رسول الله ! فقام إليه قنفذ بن عمير وخالد بن الوليد ، فلم يزالا يلكزان عنقه حتى أخرجاه . . فلما استتم الأمر لأبي بكر وجه خالد بن الوليد وقال له : قد علمت ما قاله مالك على رؤس الأشهاد ولست آمن أن يفتق علينا فتقاً لا يلتئم ، فاقتله » !
فاحتال عليه خالد ليلقي سلاحه وأعطاه الأمان ، ثم قتله وأعرس بامرأته في ليلته ! وجعل رأسه تحت قدر فيها لحم جزور لوليمة عرسه !
قال الطبري : 2 / 503 : « لما غشوا القوم راعوهم تحت الليل ، فأخذ القوم السلاح قال فقلنا إنا لمَسلمون ! فقالوا ونحن مسلمون ! قلنا : فما بال السلاح معكم ؟ قالوا لنا : فما بال السلاح معكم ؟ قلنا : فإن كنتم كما تقولون فضعوا السلاح ، قال فوضعوه ثم صلينا وصلوا » !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 225 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال اليعقوبي : 2 / 131 : « وكتب إلى خالد بن الوليد أن ينكفئ إلى مالك بن نويرة اليربوعي فسار إليهم . . فأتاه مالك بن نويرة يناظره واتبعته امرأته ، فلما رآها خالد أعجبته فقال : والله لا نلت ما في مثابتك حتى أقتلك » !
وقال الزهري كما في الإصابة : 5 / 561 : « إن مالك بن نويرة كان كثير شعر الرأس ، فلما قتل أمر خالد برأسه فنصب إثفية لقدر ، فنضج ما فيه قبل أن يخلص الناس إلى شؤون رأسه . . واسم امرأة مالك أم تميم بنت المنهال ، وروى ثابت بن قاسم في الدلائل أن خالداً رأى امرأة مالك وكانت فائقة في الجمال ، فقال مالك بعد ذلك لامرأته : قتلتني ، يعني سأقتل من أجلك ! وهذا قاله ظناً فوافق أنه قتل ، ولم يكن قتله من أجل المرأة كما ظن » .
وفي البحار : 30 / 490 : « ومر المنهال على أشلاء مالك بن نويرة ، هو ورجل من قومه حين قتله خالد ، فأخرج من خريطته ثوباً فكفنه فيه » .
وقد أوردنا قصة الصحابي المظلوم مالك بن نويرة رضي الله عنه في كتابنا ألف سؤال وإشكال : 3 / مسألة 289 ، واستوفاها السيد شرف الدين + في كتابه : النص والاجتهاد / 116 - المورد / 13 .
وروينا أنه كان صحابياً جليلاً شهد له النبي ( صلى الله عليه وآله ) بأنه من أهل الجنة ، وأن أبا بكر أمر خالداً بقتله لاعتراضه عليه ، فوافق ذلك هوى خالد في زوجته !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 226 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أقول : هذه شخصية خالد ، الذي جعلته السلطة بطل الإسلام ، مع أنه لم يبرز إلى شخص أبداً ، ولم يشارك بنفسه في معركة ولو مرة واحدة . وسموه سيف الله المسلول ، مع أنه سيف نفسه ، وسيف أبيه الوليد بن المغيرة .
وقد ارتكب أعمالاً من التقتيل والاعتداء على أعراض الناس ، لا يمكن لمسلم أن يدافع عنه بسببها ، وسنستوفي ترجمته في الفتوحات .

بنو كندة كشفوا مؤامرة قريش على أهل البيت ( عليهم السلام )

وفد ملوك كندة على النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وكان بنو آكل المرار ملوكاً لقبائل العرب .
قال الطبري : 2 / 394 : « قدم وفد كندة رأسهم الأشعث بن قيس الكندي . . فدخلوا على رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) مسجده ، وقد رجَّلوا جممهم ( شعر رؤوسهم ) وتكحلوا عليهم جبب الحبرة ، قد كففوها بالحرير . فلما دخلوا على رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قال : ألم تسلموا ؟ قالوا : بلى . قال : فما بال هذا الحرير في أعناقكم ؟ قال : فشقوه منها فألقوه ، ثم قال الأشعث : يا رسول الله نحن بنو آكل المرار وأنت ابن آكل المرار فتبسم رسول الله ، ثم قال : ناسبوا بهذا النسب العباس بن عبد المطلب وربيعة بن الحارث . قال وكان ربيعة والعباس تاجرين فكانا إذا ساحا في أرض العرب فسئلا من هما قالا : نحن بنو آكل المرار ، يتعززان بذلك ! ذلك أن كندة كانت ملوكاً .
فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفو أمنا ، ولا ننتفي من أبينا . فقال الأشعث بن قيس : هل عرفتم يا معشر كندة ، والله لا أسمع رجلاً قالها بعد اليوم إلا ضربته حده ثمانين » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 227 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأرسل النبي ( صلى الله عليه وآله ) والياً عليهم زياد بن لبيد البياضي الأنصاري ، وعندما توفي النبي ( صلى الله عليه وآله ) أخبرهم الوالي بوفاته وأن المسلمين اختاروا أبا بكر خليفة ، ودعاهم إلى طاعته ، فناقشوه بأن النبي ( صلى الله عليه وآله ) أوصى لعترته ( عليهم السلام ) ، وأفحموه وطردوه !
قال ابن الأعثم في الفتوح : 1 / 48 : « إن زياد بن لبيد رأى أن من الرأي أن لا يعجل بالمسير إلى أبي بكر ، فوجه بما عنده من إبل الصدقة إلى المدينة مع ثقة ، وأمره أن لا يخبر أبا بكر بشئ من أمره وأمر القوم . قال : ثم إنه سار إلى حي من أحياء كندة يقال لهم بنو ذهل بن معاوية ، فخبرهم بما كان من . . إليه ودعاهم إلى السمع والطاعة ، فأقبل إليه رجل من سادات بني تميم يقال له الحارث بن معاوية فقال لزياد : إنك لتدعو إلى طاعة رجل لم يعهد إلينا ولا إليكم فيه عهد . فقال له زياد بن لبيد : يا هذا صدقت ، فإنه لم يعهد إلينا ولا إليكم فيه عهد ، ولكنا اخترناه لهذا الأمر .
فقال له الحارث : أخبرني لم نَحَّيْتُم عنها أهل بيته ( صلى الله عليه وآله ) وهم أحق الناس بها لأن الله عز وجل يقول : وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ . فقال له زياد بن لبيد : إن المهاجرين والأنصار أَنْظَرُ لأنفسهم منك ، فقال له الحارث بن معاوية : لا والله ! ما أزلتموها عن أهلها إلا حسداً منكم لهم ، وما يستقر في قلبي أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) خرج من الدنيا ولم ينصب للناس علماً يتبعونه ! فارحل عنا أيها الرجل فإنك تدعو إلى غير رضا ، ثم أنشأ الحارث بن معاوية يقول :
كان الرسول هو المطاع فقد مضى * صلى عليه الله لم يستخلف !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 228 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال : فوثب عرفجة بن عبد الله الذهلي فقال : صدق والله الحارث بن معاوية ! أخرجوا هذا الرجل عنكم ، فما صاحبه بأهل للخلافة ولا يستحقها بوجه من الوجوه ، وما المهاجرون والأنصار بأنظر لهذه الأمة من نبيها محمد ( صلى الله عليه وآله ) . قال : ثم وثب رجل من كندة يقال له عدي بن عوف فقال : يا قوم ! لا تسمعوا قول عرفجة بن عبد الله ولا تطيعوا أمره ، فإنه يدعوكم إلى الكفر ويصدكم عن الحق ، أقبلوا من زياد بن لبيد ما يدعوكم إليه ، وارضوا بما رضي به المهاجرون والأنصار ، فإنهم أنظر لأنفسهم منكم ، قال : ثم أنشأ يقول في ذلك :
يا قوم إني ناصح لا ترجعوا * في الكفر واتبعوا مقال الناصح
قال : فوثب إليه نفر من بني عمه فضربوه حتى أدموه وشتموه أقبح الشتم ، ثم وثبوا إلى زياد بن لبيد فأخرجوه من ديارهم وهموا بقتله !
قال : فجعل زياد لا يأتي قبيلة من قبائل كندة فيدعوهم إلى الطاعة إلا ردوا عليه ما يكره ، فلما رأى ذلك سار إلى المدينة إلى أبي بكر ، فخبره بما كان من القوم » .
أقول : لقد أدرك هؤلاء الكنديون بصفاء فطرتهم مقولة أهل البيت ( عليهم السلام ) وشيعتهم ، فكان سبب رفضهم لخلافة أبي بكر التشيع وليس الردة كما زعموا .
والذي واجه مبعوث أبي بكر بذلك سيدهم الحارث بن معاوية بن زمعة ، ولم أجد له ترجمة وافية ، وقد شك ابن حجر في أنه صحابي . ( الإصابة : 1 / 692 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 229 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وذكروا أنه : « أول من صاد بالصقر من العرب الحارث بن معاوية بن ثور الكندي ، ثم اشتهر الصيد به » . ( عمدة القاري : 17 / 98 ) .
ويظهر أنه سكن الشام وكان يجاهد . ( سنن البيهقي : 9 / 21 وشعب الإيمان : 7 / 42 ) .
وقد روى عن عبادة بن الصامت ، وأبي الدرداء . ( تاريخ بخاري : 2 / 281 ) .
هنا دخل الأشعث بن قيس على الخط ، لأنه من أسرة ملوك كندة ، الذين كانوا ملوكاً لأكثر قبائل العرب . فقال لزياد بن لبيد كما في فتوح ابن الأعثم : 1 / 45 : « يا هذا ! إنا قد سمعنا كلامك ودعاءك إلى هذا الرجل ، فإذا اجتمع الناس إليه اجتمعنا . قال له زياد بن لبيد : يا هذا ، إنه قد اجتمع المهاجرون والأنصار . فقال له الأشعث : إنك لا تدري كيف يكون الأمر بعد ذلك . قال : فسكت زياد بن لبيد ولم يقل شيئاً .
ثم قام إلى الأشعث بن قيس ابن عم له يقال له امرؤ القيس بن عابس ، من كندة فقال له : يا أشعث ! أنشدك بالله وبإيمانك وبقدومك إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) إن نكصت أو رجعت عن دين الإسلام ، فإنك إن تقدمت تقدم الناس معك ، وإن هذا الأمر لا بد له من قائم يقوم به فيَقْتُل من خالف عليه ، فاتق الله في نفسك ، فقد علمت ما نزل بمن خالف أبا بكر ومنعه الزكاة . فقال له الأشعث بن قيس : إن محمداً ( صلى الله عليه وآله ) قد مضى لسبيله ، وإن العرب قد رجعت إلى ما كانت تعبده . فقال له : نحن أقصى العرب داراً
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 230 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فيبعث إلينا أبو بكر جيشاً كما بعث إلى غيرنا ، وأخرى فإن زياد بن لبيد بين أظهرنا وهو عامل علينا ، ولا يدعك أن ترجع إلى الكفر بعد الإيمان .
قال : فضحك الأشعث ثم قال : أو لا يرضى زياد أن نجيره فيكون بين أظهرنا ! قال : فقال له امرؤ القيس : يا أشعث ! أنظر ما يكون بعد هذا . . » .
ثم وقع الوالي في خطأ كبير وفتح معهم حرباً ، بسبب ناقة !
قال المقريزي في الإمتاع : 14 / 254 : « إن زيادة بن لبيد كان على صدقات بني معاوية ، فوسم ناقة لرجل لم تكن عليه صدقة ، فأتاه أخوه فقال : خذ مكان الناقة جملاً ، فلا صدقة على أخي ، فرأى زياد أنه اعتلال واتهمه بالكفر ، فقال : قد وُسِمَتْ ولا تُرد ، فنادى صاحب الناقة أبا الرياض أقام الدليل من أكل في داره . فأتى حارثة بن سراقة فقال : أطلق بكرة الفتي وخذ بعيراً مكانها فأبى ، فأطلق حارثة عقالها فأمر به زياد بن لبيد فأخذ ، وكُتِّفَ هو وأصحابه فغضب بنو حارثة ، وغضب السكون وحضرموت لزياد ، وعسكر فوافاهم زياد ، وخلى عن حارثة وأصحابه فلما رجعوا دمروهم ، ثم خرج بنو عمرو بن معاوية خصوصاً إلى المحاجر ، وهي أحماء حموها فنزل جمد ومخوص ومشرح وأبضعة والعمردة ، والمحاجر ونزل الأشعث بن قيس الكندي محجراً ، فارتدوا إلا شرحبيل بن السمط وابنه ، فبيتهم زياد بن لبيد ، فقتل مشرحاً ومخوصاً وجمداً وأبضعة والعمردة أختهم ، وأدركتهم اللعنة ( زعموا أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) لعنهم ) وأخذ زياد بالسبي والأموال على عسكر الأشعث بن قيس ، فاستغاثوه فتقدمهم ، وعلم أن زياد بن لبيد لا يقلع عنه ، فنجا الأشعث إلى النجير بعد أن هزم ، فأتى المهاجر بن أبي أمية
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 231 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وزياد بن لبيد وعكرمة بن أبي جهل ، فاستأمن لنفسه ولتسعة من قبل أن يفتح الباب ، فكتب التسعة ونسي نفسه ، وفتح الباب فقتلت المقاتلة وسرح من كان في الكتاب .
وقال المهاجر بن أبي أمية للأشعث : أخطأك نوءك يا عدو الله ، قد كنت أشتهي أن تُخزى ! وأوثقه وبعثه إلى أبي بكر فكان يلعنه المسلمون والسبي وسموه « عرف النار » وهو اسم الغادر ، ولما وصل إلى أبي بكر أراد قتله » .
وقال ابن الأعثم : 1 / 46 : « غضبت أحياء كندة لذلك غضباً شديداً ، فأتت الأشعث بن قيس ، فقال : خبروني عنكم يا معشر كندة إذا كنتم بايعتم على منع الزكاة وحرب أبي بكر ، فهلا قتلتم زياد بن لبيد ، فكان يكون الأمر في ذلك واحداً كائناً ما كان ، ولكنكم أمسكتم عنه حتى أخذ زكاة أموالكم ، ثم رحل عنكم إلى صاحبه ، وكتب إليكم يهددكم بالقتل !
فقال له رجل من بني عمه : صدقت والله يا أشعث ! ما كان الرأي إلا قتل زياد بن لبيد وارتجاع ما دفع إليه من إبل الصدقة ، والله ما نحن إلا كعبيد لقريش ! مرة يوجهون إلينا أمية فيأخذون من أموالنا ما يريدون ، ومرة يولون علينا مثل زياد بن لبيد فيأخذ من أموالنا ويهددنا بالقتل ، والله لا طمعت قريش في أموالنا أبداً . . ثم تكلم الأشعث بن قيس فقال :
يا معشر كندة ! إن كنتم على ما أرى فلتكن كلمتكم واحدة وألزموا بلادكم ، وحوطوا حريمكم ، وامنعوا زكاة أموالكم ، فإني أعلم أن العرب لا تقر بطاعة بني تيم بن مرة وتدع سادات البطحاء من بني هاشم إلى
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 232 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
غيرهم ، فإنها لنا أجود ونحن لها أجرى وأصلح من غيرنا ، لأنا ملوك من قبل أن يكون على وجه الأرض قريشي ولا أبطحي » .
أقول : أرسل أبو بكر زياد بن لبيد بجيش من ثلاثة آلاف ، ثم أمده بالمهاجر بن أبي أمية المخزومي بألف ، ثم بعكرمة بن أبي جهل في خمس مئة فاجتاحوا عدداً من قبائل كندة ، وقتلوا منهم أعداداً ونهبوهم وسبوهم !
ثم حاربهم الأشعث وانتصر عليهم أول الأمر ثم انهزم ، فلجأ معمن يسمون ملوك كندة إلى حصن نجير قرب حضرموت ، فحاصرهم جيش أبي بكر ، فأخذ الأشعث الأمان لنفسه وعشرة معه ، فحملوهم إلى أبي بكر وقتلوا الباقين وكانوا سبع مئة أو ثمان مئة ، ونهبوا الأموال وسبوا النساء والذرية ! وعندما وصل الأشعث إلى أبي بكر كلمه فأطلقه ، وزوجه أخته ، وصار من المقربين .
قال ابن الجوزي في المنتظم : 4 / 86 : « وتحصنت ملوك كندة ومن بقي معهم في النجير وأغلقوا عليهم ، فجثم عليهم زياد والمهاجر وعكرمة ، وكان في الحصن الأشعث بن قيس ، فلما طال الحصار قال الأشعث : أنا أفتح لكم باب الحصن وأمكنكم ممن فيه على أن تؤمنوا لي عشرة ، فأعطوه ذلك ، ففتح باب الحصن . . فجادلهم وجادلوه فقالوا : نرد أمرك إلى أبي بكر فيرى فيك رأيه ، وأمر زياد بكل من في الحصن أن يقتلوا فقتلوا وكانوا سبع مائة ، وسبى نساءهم وذراريهم ! وحمل الأشعث إلى أبي بكر فزعم أنه قد تاب ودخل في الإسلام وقال : مُنَّ عليَّ وزوجني أختك فإني قد أسلمت ، فزوجه أبو بكر أم فروة بنت أبي قحافة ، فولدت له محمداً وإسحاق وإسماعيل ، فأقام بالمدينة ، ثم خرج إلى الشام في خلافة عمر » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 233 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فقد رأيت أن أصل خلافهم مع عامل النبي ( صلى الله عليه وآله ) زياد بن لبيد ، أنهم ناقشوه في خلافة أبي بكر وأبوا طاعته ، ثم كان السبب الأقوى الذي أشعل الحرب بينهم إصرار زياد الوالي على خطئه في الناقة وعناده ! وكلا الأمرين لا يعتبران ردة ، وإن كانوا مهيئين لها كأكثر العرب ، إذا دفعوا إليها بتصرف الوالي وعناده . لذا لا يصح وصف من خالف هذا الوالي الأحمق بأنه مرتد عن الإسلام !
وينبغي الإلفات إلى أن الأشعث بن قيس كان منافقاً ولم يكن شيعياً ولا سنياً ، وأنه استغل منطق التشيع الذي احتج به الحارث بن معاوية على زياد والي أبي بكر ، لما سمعه من النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، فأراد الأشعث المتاجرة بقبائل كندة ليفرض رئاسته عليهم ، وقد حقق ذلك ، فكان مقرباً من أبي بكر وعمر .
وشارك الأشعث مع علي ( عليه السلام ) في صفين ، لكن معاوية اشتراه ، فقاد حركة التثبيط عن علي ( عليه السلام ) وساهم في حركة الخوارج ، وكان رأساً في النفاق وشرك مع ابن ملجم في مؤامرة قتل علي ( عليه السلام ) ، كما قامت ابنته جعدة بسم زوجها الإمام الحسن ( عليه السلام ) ، كما كان ابنه محمد من قادة جيش يزيد لقتل الإمام الحسين ( عليه السلام ) .
قال في شرح النهج : 1 / 291 : « ومن كلام له ( عليه السلام ) قاله للأشعث بن قيس ، وهو على منبر الكوفة يخطب ، فمضى في بعض كلامه شئ اعترضه الأشعث فيه ، فقال : يا أمير المؤمنين ، هذه عليك لا لك ، فخفض إليه بصره ثم قال : ما يدريك ما عليَّ مما لي ، عليك لعنة الله ولعنة اللاعنين ! حائك ابن حائك منافق ابن كافر . والله لقد أسرك الكفر مرة والإسلام أخرى ، فما فداك من واحدة منهما مالك ولا حسبك . وإن امرأً دل على قومه السيف وساق إليهم الحتف ، لحريٌّ أن يمقته الأقرب ، ولا يأمنه الأبعد !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 234 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال عن محاصرة المسلمين للأشعث وملوك كندة : « ولجأ الأشعث والباقون إلى الحصن المعروف بالنجير ، فحاصرهم المسلمون حصاراً شديداً حتى ضعفوا ونزل الأشعث ليلاً إلى المهاجر وزياد ، فسألهما الأمان على نفسه ، حتى يقدما به على أبى بكر فيرى فيه رأيه ، على أن يفتح لهم الحصن ويسلم إليهم من فيه . وقيل : بل كان في الأمان عشرة من أهل الأشعث ، فأمَّناه وأمضيا شرطه ففتح لهم الحصن ، فدخلوه واستنزلوا كل من فيه وأخذوا أسلحتهم ، وقالوا للأشعث : إعزل العشرة فعزلهم ، فتركوهم وقتلوا الباقين وكانوا ثمان مائة ، وقطعوا أيدي النساء اللواتي شمتن برسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وحملوا الأشعث إلى أبى بكر موثقاً في الحديد هو والعشرة فعفا عنه وعنهم ، وزوجه أخته أم فروة بنت أبي قحافة ، وكانت عمياء ، فولدت للأشعث محمداً وإسماعيل وإسحاق . وخرج الأشعث يوم البناء عليها إلى سوق المدينة ، فما مر بذات أربع إلا عقرها ، وقال للناس : هذه وليمة البناء وثمن كل عقيرة في مالي فدفع أثمانها إلى أربابها . قال أبو جعفر محمد بن جرير في التاريخ : وكان المسلمون يلعنون الأشعث ويلعنه الكافرون أيضاً وسبايا قومه ، وسماه نساء قومه عُرْف النار ، وهو اسم للغادر عندهم » .
وفي مناقب آل أبي طالب : 2 / 99 ، أن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) كان يسميه عنق النار ، فسئل عن ذلك فقال : إن الأشعث إذا حضرته الوفاة دخل عليه عنق من النار ممدودة من السماء ، فتحرقه ، فلا يدفن إلا وهو فحمة سوداء !
فلما توفي نظر ساير من حضر إلى النار وقد دخلت عليه كالعنق الممدود ، حتى أحرقته ، وهو يصيح ويدعو بالويل والثبور » !