قراءة جديدة للفتوحات الإسلامية - ج 1

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 1 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قراءة جديدة للفتوحات الإسلامية
بقلم
علي الكوراني العاملي
المجلد الأول
الطبعة الأولى : 1432 - 2011
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 2 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 3 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، وأفضل الصلاة وأتم السلام ، على سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين ، لا سيما أولهم عليٍّ أمير المؤمنين ، بطل الإسلام ، وعضد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وقامع أعدائه ، ومفرج الكرب عن وجهه ، ومجندل الأبطال ، وفاتح الحصون ، وحافظ الإسلام وأمته من بعده ، وقائد الغر المحجلين إلى جنات النعيم .
وبعد ، فقد كان عليٌّ ( عليه السلام ) العمود الفقري في معارك النبي ( صلى الله عليه وآله ) وانتصاراته ، وعندما أبعدوه عن الخلافة واعتزل ، فرحت القبائل الطامعة في السلطة ، وقرر تحالفهم بقيادة المتنبئ طليحة فرض شروطهم على أبي بكر واحتلال عاصمة النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، فغزوا المدينة بعشرين ألف مقاتل ، بعد وفاة النبي ( صلى الله عليه وآله ) بستين يوماً !
هنا نهض علي ( عليه السلام ) وهو الأسد المجروح ، دفاعاً عن الإسلام وأهله ، وإن كان لا يعترف بنظام الحكم ، فوضع خطة لدفع الهجوم ، ورتَّبَ حراسة المدينة ، وفاجأ المهاجمين فقتل قائدهم « حِبال » وغيره من قادتهم ، وردهم خائبين مذعورين ، وتبعهم مع المسلمين إلى معسكرهم في ذي القَصَّة « أي الجَصة » على بعد عشرين كيلو متراً عن المدينة ، وشجَّع أبا بكر على حرب المتنبئين ، وأولهم طليحة في حائل ، ثم مسيلمة في اليمامة ، وهي مدينة الرياض الفعلية .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 4 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال ( عليه السلام ) يصف تلك الفترة ، في رسالته إلى أهل مصر لما ولى عليهم مالك الأشتر : « أما بعد فإن الله سبحانه بعث محمداً ( صلى الله عليه وآله ) نذيراً للعالمين ، ومهيمناً على المرسلين ، فلما مضى ( صلى الله عليه وآله ) تنازع المسلمون الأمر من بعده ، فوالله ما كان يلقى في روعي ولا يخطر ببالي أن العرب تزعج هذا الأمر من بعده ( صلى الله عليه وآله ) عن أهل بيته ، ولا أنهم مُنَحُّوهُ عني من بعده ، فما راعني إلا انثيال الناس على فلان يبايعونه ، فأمسكت يدي ، حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام ، يدعون إلى محق دين محمد ( صلى الله عليه وآله ) ، فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله ، أن أرى فيه ثلماً أو هدماً ، تكون المصيبة به عليَّ أعظم من فوت ولايتكم ، التي إنما هي متاع أيام قلائل ، يزول منها ما كان كما يزول السراب ، أو كما يتقشع السحاب . فنهضت في تلك الأحداث حتى زاح الباطل وزهق ، واطمأن الدين وتنهنه » . ( نهج البلاغة : 3 / 118 ، والغارات للثقفي : 1 / 307 ، والإمامة والسياسة : 1 / 133 ، ومصادر أخرى ) .
وتعبير : ما كان يُلقى في روعي ، تعبير مجازي للأمر الغريب المفاجئ . وتنهنه : سكن .
وقد أثرت نهضة علي ( عليه السلام ) في نفس أبي بكر ، فكان يعتذر إليه عن تقدمه عليه في الخلافة ، ويؤكد له بأنه سيعيدها إليه بعد وفاته ، وأخذ يستشيره في تدبير الحرب ضد القبائل الطامعة في دولة الإسلام الناشئة ، فأرسل عليٌّ ( عليه السلام ) تلاميذه الفرسان وأولهم عدي بن حاتم الطائي رضي الله عنه لتوعية القبائل ومقاومة طليحة .
ثم أرسل نخبةً من أصحابه لحرب مسيلمة ، كعمار بن ياسر ، وأبي دجانة ، وثابت بن قيس ، رضي الله عنهم ، فنهضوا في تلك الأحداث والمعارك ، وحققوا النصر للإسلام ، وهزموا المرتدين .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 5 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم استشاره أبو بكر في غزو الروم : « قال أبو بكر : ماذا ترى يا أبا الحسن ؟ فقال : أرى أنك إن سرت إليهم بنفسك ، أو بعثت إليهم ، نُصرت عليهم إن شاء الله . فقال : بشرك الله بخير » . ( تاريخ دمشق : 2 / 64 ) .
وكان أبو بكر وعمر يشاورانه ( عليه السلام ) في الحرب ، فيدبر أمورها ، ويضع لها الخطط ويختار لها القادة والفرسان ، الذين يقطفون النصر للمسلمين .
وعندما جمع الفرس جيشاً من مئة وخمسين ألف جندي لشن هجوم كاسح على المدينة ، كان والي الكوفة عمار بن ياسر ، فبعث رسالة إلى عمر بن الخطاب يخبره ، فخاف عمر وأخذته الرعدة ، واستشار علياً ( عليه السلام ) ، فطمأنه وأعطاه الخطة واختار لها قائدين هما النعمان بن مقرن وحذيفة ، فاستبشر عمر وشكره وأطلق يده في تدبير معركة نهاوند ، وهي أكبر معركة مع الفرس ، فحقق فيها النصر .
وكذلك بعث علي ( عليه السلام ) مالك الأشتر ، وعمرو بن معدي كرب ، وهاشم المرقال ، ومجموعة فرسان ، لمعركة اليرموك ، فقطفوا النصر ، كما أخبر به ( عليه السلام ) .
وكذلك في فتح مصر ، وإن كانت فتحت صلحاً بدون أي معركة ، لكن شارك في فتحها عدد من كبار الصحابة من تلاميذ علي ( عليه السلام ) كعبادة بن الصامت ، وأبي ذر الغفاري ، ومالك الأشتر ، والمقداد بن عمرو ، وأبي أيوب الأنصاري .
ثم عندما هاجم الروم مصر في زمن عثمان ، قاد تلميذا علي ( عليه السلام ) : محمد بن أبي بكر ومحمد بن حذيفة ، معركة ذات الصواري في دفع هجوم الروم عنها .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 6 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد نسبت السلطة هذه الفتوح لقادتها ، كخالد بن الوليد ، وأبي عبيدة بن الجراح ، وضرار بن الأزور ، وعمرو العاص ، وأبي موسى الأشعري ، والخلفاء من ورائهم ، مع أن الفضل فيها نظرياً وميدانياً لعلي ( عليه السلام ) وتلاميذه وفرسانه .
لذلك كان علي ( عليه السلام ) يشكو قريشاً فيقول ، كما في شرح نهج البلاغة : 20 / 298 : « اللهم إني أستعديك على قريش ، فإنهم أضمروا لرسولك ( صلى الله عليه وآله ) ضروباً من الشر والغدر فعجزوا عنها ، وحِلْتُ بينهم وبينها ، فكانت الوجبةُ بي والدائرةُ عليَّ . . .
ولولا أن قريشاً جعلت اسمه ( صلى الله عليه وآله ) ذريعة إلى الرياسة ، وسلَّماً إلى العز والإمرة ، لما عبدت الله بعد موته يوماً واحداً ، ولارتدَّت في حافرتها ، وعاد قارحها جذعاً وبازلها بكراً . ثم فتح الله عليها الفتوح فأثْرَتْ بعد الفاقة ، وتمولت بعد الجَهد والمخمصة ، فحسن في عيونها من الإسلام ما كان سَمِجاً ، وثبت في قلوب كثير منها من الدين ما كان مضطرباً ، وقالت : لولا أنه حق لما كان كذا !
ثم نسبت تلك الفتوح إلى آراء ولاتها ، وحسن تدبير الأمراء القائمين بها ، فتأكد عند الناس نباهة قوم وخمول آخرين ، فكنا نحن ممن خمل ذكرُه ، وخَبَتْ نارُه ، وانقطع صوته وصِيتُه ، حتى أكل الدهر علينا وشرب ، ومضت السنون والأحقاب بما فيها ، ومات كثير ممن يعرف ، ونشأ كثير ممن لا يعرف » !
يقول ( عليه السلام ) بذلك : إنه هو الذي رد هجوم المرتدين عن المدينة ، ودفع الخليفة إلى حروب الردة ، ثم إلى الفتوح ، ودبر إدارتها وهيأ أبطالها ، لكن إعلام السلطة نسبها إلى الخليفة ومن عيَّنهم من قادتها الرسميين .
ومن الواضح أن ذلك لا يعني مسؤولية الإمام ( عليه السلام ) عن المظالم التي رافقت الفتوحات ، وصدرت من غير الذين اعتمد عليهم .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 7 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفتوحات في ثقافة المسلمين

نسمع من طفولتنا عن بعثة النبي ( صلى الله عليه وآله ) وسيرته ، وإنشائه الأمة والدولة ، ثم عن فتح المسلمين للبلاد وتوسيعهم دولة الإسلام ، فنفرح ، لأنا نعتقد أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) والمسلمين لهم الحق في حكم البلاد .
ثم نقرأ الفتوحات الإسلامية ، فنجد أنها تختلف عما كتبه التأريخ الحكومي ورسمته القصص الشعبية ، فقد صورت قوات أمبراطورتيْ الفرس والروم وأهل البلاد المفتوحة ، كأنهم شرٌّ محض ، وصورتهم أحياناً أبطالاً أشداء لا مثيل لهم ، لكنهم كالأواني تتداعى في الانهيار ، أو كالفراش يتهافت في النار ! وصورت الفاتحين المسلمين كأنهم ملائكة ربانيون يتحلَّوْن بالقيم الإسلامية ، ومناقبية الشجاعة والفروسية ، مع أن فيهم من قتل بدون رحمة ، أو سرق مالاً بجشع ، أو غصب امرأةً أعجبته من زوجها !
لقد أخفى الرواة كثيراً من المظالم التي ارتكبها القادة والمقاتلون في عمليات الفتح ، أو ارتكبها حكام الخليفة في إدارة البلاد ، فصارت مدخلاً للطعن في الإسلام ، بأنه دين توسعي كغيره من مشاريع الإمبراطوريات .
كما نسبوا بطولات الفتح إلى القادة الحكوميين ، كخالد بن الوليد ، وسعد بن أبي وقاص ، وعمرو بن العاص ، وأبي موسى الأشعري ، مع أنهم لم يبرزوا إلى فارس أو راجل ، ولم يشاركوا في حملة أبداً ، ومنهم من هرب عند اشتداد الحرب فتقدم قادةٌ ميدانيون أنقذوا الموقف وحققوا النصر ! فأخفى رواة السلطة أدوارهم ، وأعطوا إنجازهم إلى القادة الحكوميين !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 8 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بل إن رواة السلطة أحيوا أشخاصاً ماتوا من سنين ، وأعطوهم بطولات في الفتوحات ، كضرار بن الأزور ، وضرار بن الخطاب ، فقد قُتلا في معركة اليمامة قبل الفتوحات ، لكنهم نسبوا إليهما بطولات في معارك فتح العراق والشام !
وأكثر ما يكون تحريفهم للأحداث ، بغضاً لعلي ( عليه السلام ) والقادة الأبطال من شيعته !

قواعد للبحث في حروب الفتوحات

الفتوحات مجموعة حروب وقعت بين المسلمين والفرس أو الروم ، نتج عنها فتح العراق وفارس وما وراءها ، وفلسطين والشام وما حولها ، ومصر وامتدادها في إفريقيا .
والباحث فيها يواجه كّماً كبيراً من أحداث حروبها وشؤونها ، دونتها مصادر رسمية وشبه رسمية ، بصيغ متفاوتة ، ونسبتها إلى أشخاص وجماعات .
ونذكر فيما يلي قواعد تؤثر على استخلاص الباحث للصورة الصحيحة للفتوحات ، أو الأقرب إلى الصحة .
الأولى : يتوقف فهم الفتوحات على ثقافة الباحث العامة ، ودقة ذهنه في الانتباه والإلتقاط والربط ، وعلى نوعية محرك تفكيره كيف يعمل ، وجهاز عقله كيف يفقه ، ويحاكم النص ويستخلص النتيجة .
الثانية : رجوع الباحث إلى المصادر المهمة ، ولعل أهم مصادر المغازي والفتوحات مؤلفات محمد بن إسحاق بن يسار ، المتوفى سنة 151 هجرية ، فهو مؤسس المغازي ، والمؤرخون بعده عيالٌ عليه . وهو صاحب السيرة النبوية التي اختصرها عبد الملك بن هشام ، المتوفي سنة 218 ، فعُرفت باسم سيرة ابن هشام . وقد اعترف بأنه غيَّرَ فيها ، أي إرضاءً للعباسيين .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 9 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد شهد الأئمة من المذاهب بمكانته فقال عنه شعبة : « محمد بن إسحاق أمير المؤمنين في الحديث » . ( تاريخ بغداد : 1 / 243 ( .
وقال أبو معاوية : « كان أحفظ الناس ، وكان إذا كان عند الرجل خمسة أحاديث أو أكثر جاء واستودعها ابن إسحاق ، يقول : إحفظها عني ، فإن نسيتها كنت قد حفظتَها عليَّ » ! ( سير الذهبي : 7 / 51 ) .
لكن ذلك لم ينفعه عند المنصور ، فلم يتبنَّ محمد بن إسحاق ، وتبنى مالك بن أنس وجعله إماماً ، وادعى مالك أنه عربي من قبيلة أصبح اليمنية ، فرد ابن إسحاق ادعاءه ، فغضب عليه مالك ووالي المدينة ، وأخرجاه منها !
قال الذهبي في سيره : 8 / 48 : « مالك بن أنس بن أبي عامر الأصبحي . . كان طوالاً جسيماً عظيم الهامة أشقر ، عظيم اللحية ، أصلع ، وكان لا يُحْفي شاربه ويراه مُثْلَة . . أزرق العينين تبلغ لحيته صدره ، ويلبس الثياب الرفيعة البياض » .
وقال ابن حبان في الثقات : 7 / 382 : « لم يكن بالحجاز أحد أعلم بأنساب الناس وأيامهم من محمد بن إسحاق ، وكان يزعم أن مالكاً من موالي ذي أصبح ، وكان مالك يزعم أنه من أنفسهم ، فوقع بينهما لهذا مفاوضة . فلما صنف مالك الموطأ قال بن إسحاق : إئتوني به فإني بيطاره ! فنقل ذلك إلى مالك فقال : هذا دجال من الدجاجلة يروي عن اليهود ! وكان بينهم ما يكون بين الناس ، حتى عزم محمد بن إسحاق على الخروج إلى العراق ، فتصالحا حينئذ فأعطاه مالك عند الوداع خمسين ديناراً نصف ثمرته تلك السنة ، ولم يكن يقدح فيه مالك من أجل الحديث ، إنما كان ينكر عليه تتبعه غزوات النبي ( صلى الله عليه وآله ) عن أولاد اليهود
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 10 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الذين أسلموا وحفظوا قصة خيبر وقريظة والنضير وما أشبهها من الغزوات عن أسلافهم ، وكان ابن إسحاق يتتبع هذا عنهم ، ليعلم من غير أن يحتج بهم » .
ومن كبار المؤلفين في المغازي الواقدي ، وهو محمد بن عمر بن واقد ، مولى بني سهم ، وهو مؤرخ مشهور ، نشأ في المدينة وسكن بغداد ، واتصل بالبرامكة ، وبالرشيد والمنصور والمهدي ، وتوفي سنة 207 . والغالب على أسلوبه السرد القصصي ، والإشادة العاطفية بشخصيات الفاتحين والمسلمين .
وقد اشتهرت كتبه عبر العصور ، وتداولها عوام المسلمين ، لذلك يتطرق الشك إلى نسختها الرائجة أن يكون فيها تغيير عن نسخة المؤلف الأصلية .
ومنهم محمد بن سعد ، صاحب الطبقات ، وهو كاتب الواقدي ، ومولى بني العباس ، وقد عاش في بغداد وتوفي فيها سنة 230 ، ومنهجه أدق من منهج أستاذه ، لأنه يستعمل أسلوب الرواية ولا يستعمل أسلوب القصصي الخطابي .
ومنهم البلاذري ، أحمد بن يحيى بن جابر ، ونسبته إلى نبات البلاذر الهندي ، وثمره كنوى التمر ، وهو بغدادي توفي سنة 279 ، يروي كثيراً عن ابن سعد والواقدي ، لكن قد يتكلم بدون إسناد ، أو يقول قالوا ، ويقصد علماء المغازي والسير . وهو أقدم من الطبري وأجلُّ منه ، والعجب أن الطبري لا يروي عنه !
ومنهم ابن واضح اليعقوبي ، أحمد بن إسحاق . . بن واضح ، وهو بغدادي من موالي المنصور العباسي ، يميل إلى التشيع ، وهو مؤرخ جغرافي كثير الأسفار ، توفي سنة 282 ، وكتابه تاريخ الأمم السالفة ، المعروف بتاريخ اليعقوبي ، صغير يمتاز بالتركيز والدقة غالباً .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 11 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ومنهم الطبري ، محمد بن جرير الآملي ، من طبرستان في شمال إيران ، توفي في بغداد سنة 310 هجرية ، ويعتمد منهج الرواية ، بقطع النظر عن توثيق الراوي أو عدمه ، ويتدخل في انتقاء الرواية أو تركها ، وقد يعلق عليها ويعطي رأيه فيها وقد يروي المتشابهات ، أو المتضادات ، في الأمر الواحد ، ولا يعلق عليها .
وقد اعترف أكثر من مرة بأنه لا يستطيع أن يذكر كثيراً من الحقائق !
ومنهم المسعودي ، علي بن الحسين بن علي ، من ذرية عبد الله بن مسعود ، نشأ في بغداد ، وعاش في مصر وتوفي فيها سنة 346 ، وهو يميل إلى التشيع ويمتاز بالدقة فيما يهتم به ، وبالخبرة بتاريخ الروم والفرس . وأشهر كتبه مروج الذهب وهو يُسند روايته ، لكنه أكثر ما يتكلم من إنشائه .
ومنهم ابن الأعثم ، أحمد بن محمد بن علي بن أعثم الكوفي ، مؤرخ من أهل الكوفة توفي 314 ، وقد وصلنا من كتبه : الفتوح ، وأسلوبه أقرب إلى أسلوب الواقدي في الوصف والخطابة ، ويتميز عنه بنفحة عراقية شيعية .
ومنهم الكلاعي الأندلسي ، سليمان بن موسى ، وهو من ذرية ذي الكلاع الحميري ، عاش في الأندلس وتوفي فيها سنة 634 ، وله كتاب الاكتفاء بسيرة المصطفى ، ومنهجه الإنتقاء من المصادر المعروفة ، وغيرها ، وفيه نفحة يمانية .
هذه مجموعة من المصادر ، وطبيعي أن لا يقتصر الباحث عليها ، خاصة إذا رأى أن مفردته مروية في مصادر أخرى ، بأفضل مما رواه هؤلاء .
الثالثة : لا بد من معرفة الباحث بالدولة الفارسية والرومية آنذاك ، لأن روايات الفتوح تنسب إليها والى أمبراطورها وقادتها ، أقوالاً وأحداثاً ، ينبغي التأكد منها ، فهي تؤيد رواية كتب المغازي ، أو تعارضها !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 12 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مثلاً : تقرأ في الطبري ( 2 / 557 ) عن وقعات لخالد بن الوليد ومعارك في فتح العراق : وقعة المذار ، وقعة الولجة ، وقعة ألِّيس ، وقعة أمغيشيا ، وقعة يوم المقر . . وقعة الأنبار ، وقعة كلواذى ، وقعة حصيد ، وقعة الخنافس ، وقعة بني البرشاء ، وقعة الثنى والزميل ، وقعة الفرائض ، وقعة عين التمر ، وقعة دومة الجندل . .
وتقرأ خوف الفرس منه وإرسالهم الجيوش لحربه ، وأن أحد قادتهم الكبار قارن طلب مبارزته فبرز إليه خالد ، لكن سبقه إليه شخص وقتله !
ثم تقرأ عن الفرس فتجد أنهم كانوا في فترة وجود خالد في العراق ، وهي السنة الثالثة عشرة للهجرة ، مشغولين بصراعهم الداخلي ، وكان همهم الدفاع عن المدائن فقط ، ولم يكن في شرقي دجلة أي قوات فارسية ، وإنما أرسلوا جيشاً لمعركة بابل بعد ذهاب خالد من العراق بمدة .
قال الطبري : 2 / 573 : « أقام خالد في عمله سنة ومنزله الحيرة ، يُصَعِّد ويُصَوِّب قبل خروجه إلى الشام ، وأهل فارس يخلعون ويُمَلِّكُون ، ليس إلا الدفع عن بهرسير ( المدائن ) وذلك أن شيري بن كسرى قتل كل من كان يناسبه إلى كسرى بن قباذ ، ووثب أهل فارس بعده وبعد أردشير ابنه فقتلوا كل من بين كسرى بن قباذ وبين بهرام جوار ، فبقوا لا يقدرون على من يملكونه ممن يجتمعون عليه » .
فتعرف بذلك أن الحروب المدعاة لخالد لم تكن مع جيش فارسي ، ولا حاميات فارسية ، بل كانت غارات على قرى ودساكر لسكان عرب كبني تغلب ، أو على مزارعين من أعراق متعددة كعين التمر ، كان المثنى لا يغير عليهم .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 13 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وكذلك الأمر في فهم وضع الروم ، فعندما تقرأ في الطبري ( 3 / 100 ) أن هرقل بعد معركة اليرموك قرر الانسحاب من سوريا ، وهي تشمل الأردن وفلسطين ولبنان ، وقال : « فعليك السلام يا سورية تسليم المفارق ، ولا يعود إليك رومي أبداً إلا خائفاً » ! ( تاريخ الطبري : 3 / 100 ) .
فلا يمكنك أن تقبل الرواية التي تدعي وجود معارك بعد هذا التاريخ !
وعندما تقرأ أن الروم انسحبوا من مصر ، وقال أهلها الأقباط لملكهم المقوقس : « ما تريد إلى قوم فلُّوا كسرى وقيصر وغلبوهم على بلادهم ، صالحِ القومَ واعتقد منهم ( أبرمْ معهم عقداً ) ولا تَعْرُض لهم ، ولا تُعَرِّضْنا لهم » . ( الطبري : 3 / 199 ) .
فلا يمكنك أن تقبل ادعاء عمرو بن العاص بأنه خاض معارك مع الروم والأقباط لفتح مصر ، وفتحها عنوة ، فله أن يضع الخراج الذي يراه على أهلها !
فلا بد أن تشطب على عشرين معركة وأكثر ادعاها عمرو العاص ورواته ، فهي إما غارات قتل وسبي على أهل البلاد الأقباط ، أو مكذوبةٌ من أساسها .
الرابعة : التدقيق في المعركة التي كانت العامل الأساسي في الفتح ، وخاضها المسلمون مع الفرس أو الروم أو القوى المحلية ، ومعرفة من قاتل فيها وحقق النصر ، ومن خاف وانهزم ، ثم ادعى البطولة لنفسه !
فقد اخترع الرواة معارك لا وجود لها ، من أجل إثبات بطولة لزيد أو عمرو ، أو ضخموا معركة صغيرة ، أو اخترعوا بطولة في معركة موجودة ، أو جعلوا عملاً صغيراً بطولةً خارقة . . إلى آخر القائمة !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 14 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والمعارك المهمة مع الفرس في فتح العراق وإيران هي : معركة جسر الكوفة ، ومعركة البويب ، والقادسية ، والمدائن ، وجلولاء ، وخانقين ، وتستر ، ونهاوند ، ثم معارك فتح مدن إيران ، وخاصة خراسان .
أما المعارك المهمة مع الروم في فتح فلسطين وسوريا فهي : معركة أجنادين ، ومرْج الصُّفَّر ، وفِحل ، واليرموك . وما بقي فهو معارك صغيرة ، أو مزعومة .
أما مصر فقد فتحت صلحاً بدون قتال ، لأن الروم انسحبوا منها أثناء معاركهم مع المسلمين في بلاد الشام ، وكان المقوقس ملك مصر عاقلاً حكيماً ، فاتفق مع الأقباط وصالحوا المسلمين على جزية قدرها ديناران عن كل بالغ ، ما عدا العُجَّز والنساء والأطفال ، وقد طلب أهل مصر منه ذلك .
أما معركة ذات الصواري البحرية مع الروم فكانت بعد فتح مصر ببضع عشرة سنة ، عندما حاول الروم الرجوع إلى مصر .
الخامسة : دراسة الأبطال الشجعان المؤثرين في المعركة ، أي المقاتلين المقتحمين والمقاومين ، الذين يكونون في مقدمة صفوف الجيش لا في آخرها ولا وسطها ، ويهاجمون العدو ولا يهربون . فهؤلاء هم رحى المعركة الذين يوقعون القتلى في صفوف العدو ، ويُرَجِّحُون كفَّة المسلمين ، ويَقْطُفُون لهم النصر . وهم الذين يُرَجِّحُون كفَّة الحرب لمصلحة المسلمين ، إذا وقعت فيهم هزيمة .
وقد يكونون قادةً أو أفراداً عاديين ، ويُسَمِّوْنَ أهل البلاء ، وأهل النكاية في العدو ، ولهم احترامٌ عند المسلمين وهدايا من الغنائم ، وتفضيل على غيرهم . وكان عدد أهل البلاء في معركة القادسية خمساً وعشرين .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 15 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
السادسة : دراسة الأشخاص الذين ادعت لهم السلطة أدواراً بطولية ، ونسبت إليهم الفتوحات ، وستجد أنهم في الغالب ليسوا بالحجم الذي أعطي لهم ، وأن السلطة كبرتهم لأنهم معها ، وتعمدت تنقيص آخرين لأنهم ليسوا معها !
من باب المثال : تسمع وتقرأ عن الصحابي عتبة بن غزوان ، وأنه فاتح البصرة والأبلة ومنطقة الفرات وبيسان ، وأنه الذي مَصَّر البصرة وأسسها ، فتقول ما شاء الله ! ثم تقرأ أنه جاء من المدينة بثلاث مئة رجل وامرأة ، قال الطبري في تاريخه : 3 / 92 : « قدم عتبة بن غزوان البصرة في ثلاث مائة » .
ثم تقرأ أن كل مدة ولايته كان ستة أشهر ، قال الحافظ في تاريخ بغداد : 1 / 168 : « وهو الذي افتتح الأبِلَّة ، وكانت ولايته البصرة ستة أشهر » .
ثم تقرأ أنه لم يكن مقابله جندي واحد من الفرس ، لا في البصرة ولا في محيطها لا من جيشهم ولا من حاميات حدودهم ! فمن الذين قاتلهم إذن ؟
تجد الحقيقة في رواية المؤرخ والجغرافي ياقوت الحموي في معجم البلدان : 4 / 242 : « لما فتح عتبة بن غزوان الأبِلة عنوةً ، عبر الفرات ، فخرج لهم أهل الفرات بمساحيهم ، فظفر بهم المسلمون ، وفتحوا الفرات ، وقيل إن ما بين الفهرج والفرات فتح صلحاً ، وسائر الأبلة عنوة » !
إذن ، كانت البصرة خالية من الفرس ، وكانت قرى أو شبه قرى ، ثم اتجه القائد الفاتح نحو ميسان ، فاستولى على أراضي فلاحين مساكين ، لا يملكون سلاحاً ، وبعضهم دافع عن أرضه وأمواله بالمسحاة !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 16 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال البلاذري : 2 / 419 : « وكانت بالبصرة سبع دساكر : اثنتان بالخريبة ، واثنتان بالزابوقة ، وثلاث في موضع دار الأزد اليوم . ففرق عتبة أصحابه فيها ، ننزل هو بالخريبة ، وكانت مسلحة للأعاجم » .
فلماذا لا يقول الرواة لم يكن في البصرة ومحيطها معركة أصلاً ، لأن الفرس أخْلَوْهَا حتى من حاميتهم ، فصالح المسلمون أهلها وسكنوها .
ولماذا يقول الرواة فتحت هذه القرى عُنْوةً بالقوة ، ما دام يمكن الصلح معها كغيرها ، بأن يؤخذ من أهلها بدل سنوي لحمايتهم ؟ !
فكأن الرواة مضطرون لافتراض معركة خاضها « القائد الفاتح البطل » عتبة بن غزوان بثلاث مئة رجل ، ولو مع فلاحين مساكين لا سلاح لهم !
ومثال آخر : تقرأ في عامة كتب المحدثين وكتب المغازي ، حديثاً لصحابي بدوي هو خريم بن أوس ، صححه أئمة علماء السلطة وأشبعوه صحة ! وقد ادعى فيه خريم بطولة لخالد بن الوليد عندما جاء إلى العراق من جهة البصرة ، فلقيهم الفرس بجمع عظيم بقيادة هرمز عند كاظمة قرب الكويت ، فاصطفوا للقتال وبرز هرمز ، فبرز إليه خالد فتضاربا ، ثم احتضنه خالد وحمله بين يديه فأحاط به الفرس لكنه قتله وانهزم الفرس ، وأخذ سلبه وكانت قلنسوته بمئة ألف درهم .
وقال خُريم في هذا الحديث أنه وفد على النبي ( صلى الله عليه وآله ) في آخر سنة من حياته ( صلى الله عليه وآله ) فسمعه يقول : لقد رُفعت إليَّ مدينة الحيرة فأنا أراها الآن ، وهذه الشيماء أخت
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 17 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بطرقها عبد المسيح بن بقيلة الغساني ، أراها الآن خارجة من قصرها لابسة خماراً أسود ، راكبة على بغلة شهباء فقال له خريم : يا رسول الله إذا ذهبنا إلى الحيرة وكان الأمر كما تقول ، فهب لي هذه الشيماء جاريةً ، فوهبها له .
وزعم خريم أنه دخل مع خالد إلى الحيرة ، وإذا بالشيماء المحترمة بخمارها وبغلتها ، فسباها خالد ، فقال له خريم هي لي بوعد من النبي ( صلى الله عليه وآله ) وشهد له محمد بن مسلمة وعبد الله بن عمر ، فأعطاه إياها خالد ! فجاء أخوها البطرق عبد المسيح : « فقال لي : بعنيها . فقلت : لا أنقصها من عشر مئات شيئاً ، فأعطاني ألف درهم ، فقيل لي : لو قلت مائة ألف لدفعها إليك ، فقلت : ما كنت أحسب أن عدداً أكثر من عشر مئات » ! ( مجمع الزوائد : 6 / 223 ، وتاريخ دمشق : 37 / 364 ) .
وبلغ من افتضاح القصة التي أعطاها المحدثون درجة الصحة على شرط البخاري والشيوخ ، أن المؤرخين كذَّبوها ، كالواقدي والبلاذري : 2 / 295 ، قال : « والذي عليه أصحابنا من أهل الحجاز ، أن خالداً قدم المدينة من اليمامة ، ثم خرج منها إلى العراق ، على فيد والثعلبية ، ثم أتى الحيرة » .
أي لم يأت خالد عن طريق البصرة وكاظمة أصلاً ، بل جاء عن طريق حائل !
وقال الطبري : 2 / 556 : « وهذه القصة في أمر الأبلة وفتحها خلاف ما يعرفه أهل السير ، وخلاف ما جاءت به الآثار الصحاح » !
ومثال آخر : أراد أتباع السلطة تغطية هروب خالد بن الوليد بالمسلمين من مؤتة ، وكان جيشهم ثلاثة آلاف فاشتبكوا مع جيش كبير للروم ، وتقدم القادة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 18 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الثلاثة ، وقاتلوا قتال الأبطال خاصة جعفر بن أبي طالب ، حتى استشهدوا رضوان الله عليهم . وكان النبي ( صلى الله عليه وآله ) على منبره في المدينة يصف معركتهم .
فزادوا في حديث النبي ( صلى الله عليه وآله ) أنه وصف أخذ خالد للراية وقتاله ، وسماه سيف الله المسلول ! مع أن الذي أخذ الراية عن الأرض أبو اليسر الأنصاري ثم أخذها منه شخص ثم أخذها منه خالد ، وانهزم بالمسلمين ! « أنا دفعت الراية إلى ثابت بن أقرم ، لما أصيب عبد الله بن رواحة ، فدفعها إلى خالد بن الوليد » . ( فتح الباري : 7 / 393 ) . أي لم يكن خالد في الصف الأول ليأخذ الراية !
وفي تاريخ دمشق : 68 / 87 : « لما قتل ابن رواحة نظرت إلى اللواء قد سقط ، واختلط المسلمون والمشركون ، فنظرت إلى اللواء في يد خالد منهزماً ، واتبعناه فكانت الهزيمة » !
ومعناه أنه أخذه وهو منهزم أو أخذه وانهزم بالمسلمين ، وكان ذلك مشهوراً ! ففي سيرة ابن هشام : 3 / 836 : « لما دنوا حول المدينة . . جعل الناس يَحْثُونَ على الجيش التراب ويقولون : يا فُرَّار فررتم في سبيل الله ! قال : فيقول رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : ليسوا بالفرار ولكنهم الكُرار إن شاء الله تعالى . . . قالت أم سلمة لامرأة سلمة بن هشام بن العاص : مالي لا أرى سلمة يحضر الصلاة مع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ومع المسلمين ؟ قالت : والله ما يستطيع أن يخرج ، وكلما خرج صاح به الناس يا فُرار فررتم في سبيل الله ! حتى قعد في بيته فما يخرج » .
وفي إمتاع الأسماع للمقريزي : 1 / 341 : « إن خالداً انهزم بالناس فعُيِّروا بالفرار ، وتشاءم الناس به » !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 19 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فهزيمة خالد حقيقة في عامة المصادر ، لكن رواة الخلافة أنكروها بعين يابسة ، وكذبوا على رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أنه قال : « ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله ففتح الله على يديه . . ثم رفع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) إصبعه ثم قال : اللهم إنه سيف من سيوفك فانصره ! فمن يومئذ سمي خالد بن الوليد سيف الله » !
قال الصالحي في سبل الهدى : 6 / 150 : « رواه الإمام أحمد برجال ثقات ، ويزيده قوة ويشهد له بالصحة ما رواه الإمام أحمد ، ومسلم ، وأبو داود ، والبرقاني » .
ثم صحح البخاري كذبة خالد بأنه قاتل في مؤتة قتال الأبطال ، حتى كسَّر تسعة سيوف على رؤوس الروم ، قال : « لقد انقطعت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف ، فما بقي في يدي إلا صفيحة يمانية » . ( صحيح البخاري : 5 / 87 ) .
ومثال آخر : أنهم نسبوا فتح فلسطين إلى عمرو بن العاص ، وخالد بن الوليد ، وأبي عبيدة ، مع أنهم لم يقاتلوا في معركة أجنادين ، التي كانت سبب فتح فلسطين ، فقد بدأت المعركة بمبارزات بطولية ، تقدم لها حفيدان لعبد المطلب ، ثأراً لجعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب ، رضي الله عنهم .
ثم كانت بطولة المعركة لخالد بن سعيد بن العاص الذي كان قائد الخيل ، وهاشم المرقال قائد الميسرة ، وكانا من تلاميذ علي ( عليه السلام ) وشيعته الخاصين .
أما خالد وأبو عبيدة فقد نصوا على أنهما كانا خلف الناس ولم يقاتلا !
ففي تاريخ دمشق : 16 / 84 : « عبأ خالد الناس فسيروا الأثقال والنساء ، ثم جعل يزيد بن أبي سفيان أمامهم بينهم وبين العدو ، وصار خالد وأبو عبيدة من وراء الناس . . فعبأ أصحابه تعبئة القتال على تعبئة أجنادين ، ثم زحف إليهم فوقف
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 20 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
خالد بن سعيد في مقدمة الناس يحرض الناس على القتال ، ويرغبهم في الشهادة فحملت عليه طائفة من العدو فقاتلهم . . . » .
فكيف يقاتل العدو الذي كان في آخر الناس ، وبينه وبين العدو جيش من خمسين ألفاً كما ذكروا !
وأمثلةٌ كثيرة تجدها في بحوث الكتاب ، تُقنعك بأن المحدثين أكثر إعمالاً لهواهم من المؤرخين ، وأن الفتوح تحتاج إلى قراءة جديدة ، لمعرفة واقعها .
على ضوء ما تقدم ، جعلنا الفصل الأول من هذا الكتاب لبحث الأصل القانوني والفقهي للفتوحات .
والفصل الثاني لبيان التمهيدات الربانية التي سهلت على المسلمين فتح فارس وبلاد الشام ومصر .
وخصصنا الفصل الثالث لتقديم الصورة الشاملة لقرائتنا للفتوحات .
ثم عقدنا الفصل الرابع للقادة الذين نسبت لهم السلطة بطولة معارك الفتوح .
والفصل الخامس للقادة الحقيقيين الذين حققوا الانتصارات للمسلمين .
وبما أن هؤلاء القادة وأولئك كثيرون ، فقد أخذنا منهم نماذج وترجمنا لهم ، وكل ذلك من مصادر أتباع الحكومات .
آملين أن يكون جهداً مفيداً في تكوين صورة واقعية للفتوحات ، وتحرير أذهاننا المسلمين من الصورة الخيالية التي سوَّقتها الحكومات ، وغشَّتْ بها أجيالهم ، وربتهم عليها في الكتاتيب ، وفي المدارس الرسمية الحديثة .
كتبه : علي الكَوْراني العاملي
قم المشرفة في السادس والعشرين من محرم الحرام 1432
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 21 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الأول : التأصيل القانوني والشرعي للفتوحات

( 1 ) هل يأذن الله تعالى باحتلال بلاد الغير ؟

قال الغربيون إن الفتوحات الإسلامية ظلمٌ للشعوب ، لأنها احتلال لأراضي الغير ، ومصادرة لحرياتهم وأموالهم ، وفرض للإسلام عليهم بالقوة .
وقد اتهموا الإسلام بسبب ذلك بأنه نظام « ثيوقراطي » يعطي النبي ( صلى الله عليه وآله ) وخليفته صلاحيات مطلقة باسم الله تعالى ، ويقمع الرأي المخالف ، ويسلب حريات الشعوب ، ويجبرها على دينه .
وأجاب بعض المسلمين بأن كل حروب النبي ( صلى الله عليه وآله ) دفاعية ، واحتجوا بعدد منها ، واستندوا إلى آية : لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ . .
فرد عليهم آخرون بأن هذا الجواب لا يصح ، لأن آيات فرض الجهاد والقتال صريحة في تشريع القتال للدفاع والهجوم معاً . ولأن الفقهاء دونوا في مصادر الفقه أحكام الجهاد الدفاعي والابتدائي بالتفصيل ، وفي كل المذاهب . كالكافي : 5 / 13 ، والمبسوط : 2 / 2 ، والجواهر : 21 / 3 ، والمجموع : 19 / 265 ، والمغني : 10 / 364 .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 22 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والجواب الصحيح : أن مالك الأرض وكل المخلوقات هو خالقها عز وجل ، فالحقوق القانونية له بالذات ، وكل صلاحية لمخلوقاته بالتصرف فيها ، لا بد أن تستند قانونياً إلى تمليكه وإعطائه ، وإلا كانت بغير حق .
قال تعالى مرشداً إلى حكم العقل : ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ . . قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأرض وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ .
فمن حقه الطبيعي عز وجل أن يبعث لهم رسلاً ( عليهم السلام ) ، ويخولهم التصرف في أمور عباده وممتلكاتهم . قال تعالى : وَمَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ .
لكنه عز وجل بحكم أنه عدل وحكيم بالمطلق ، لم يعط حق دعوة الناس إلى الإسلام إلا للمعصومين من أنبيائه وأوصيائه ( عليهم السلام ) ، المطهرين عن الظلم ، الذين لا يستعملون القوة إلا بالحق ، وبقدر ما توجبه مصلحة المجتمع .

( 2 ) الفتوحات حق للمأذونين بدعوة الناس إلى الله تعالى

وقد بَيَّنَ فقه أهل البيت ( عليهم السلام ) صفات المأذون لهم بالدعوة إلى الإسلام والقتال ( تهذيب الأحكام : 6 / 131 ) وحصرهم بالمعصومين ( عليهم السلام ) الذين اختارهم الله تعالى ، وهم النبي ( صلى الله عليه وآله ) والأئمة ( عليهم السلام ) . وليس الذين اختارهم الناس ، أو فرضوهم بالقوة .
فالمعصوم ( عليه السلام ) وحده المخوَّل من الله تعالى بأن يدعو الشعوب إلى الإسلام ويفتح بلادهم ، ويقاتلهم إذا لزم الأمر ، لأنه مُنزَّهٌ عن ظلمهم وضامنٌ للعدل فيهم .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 23 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يدل عليه ما رواه الكافي ( 5 / 13 ) بسند معتبر عن أبي عمرو الزبيري ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : « قلت له : أخبرني عن الدعاء إلى الله والجهاد في سبيله ، أهو لقوم لا يحل إلا لهم ولا يقوم به إلا من كان منهم ، أم هو مباح لكل من وحد الله عز وجل وآمن برسوله ( صلى الله عليه وآله ) ، ومن كان كذا فله أن يدعو إلى الله عز وجل و إلى طاعته ، وأن يجاهد في سبيله ؟ فقال ( عليه السلام ) : ذلك لقوم لا يحل إلا لهم ، ولا يقوم بذلك إلا من كان منهم . قلت : من أولئك ؟ قال : من قام بشرائط الله عز وجل في القتال والجهاد على المجاهدين فهو المأذون له في الدعاء إلى الله عز وجل ، ومن لم يكن قائماً بشرائط الله عز وجل في الجهاد على المجاهدين ، فليس بمأذون له في الجهاد ولا الدعاء إلى الله حتى يُحَكِّم في نفسه ما أُخذ الله عليه من شرائط الجهاد .
قلت : فبيِّن لي يرحمك الله . قال : إن الله تبارك وتعالى أخبر في كتابه عن الدعاء إليه ، ووصف الدعاة إليه فجعل ذلك لهم درجات يعرف بعضها بعضاً ، ويستدل بعضها على بعض ، فأخبر أنه تبارك وتعالى أول من دعا إلى نفسه ، ودعا إلى طاعته واتباع أمره ، فبدأ بنفسه فقال : وَاللهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ . ثم ثنى برسوله ( صلى الله عليه وآله ) فقال : أُدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ . يعني بالقرآن . ولم يكن داعياً إلى الله عز وجل من خالف أمر الله ويدعو إليه بغير ما أمر في كتابه والذي أمر أن لا يدعى إلا به . وقال : في نبيه ( صلى الله عليه وآله ) : وَإِنَّكَ لَتَهْدِى إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ . يقول : تدعو .
ثم ثَلَّثَ بالدعاء إليه بكتابه أيضاً ، فقال تبارك وتعالى : إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ . أي يدعو ويبشر المؤمنين .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 24 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم ذكر من أذن له في الدعاء إليه بعده وبعد رسوله ( صلى الله عليه وآله ) في كتابه فقال : وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ . ثم أخبر عن هذه الأمة وممن هي ، وأنها من ذرية إبراهيم ومن ذرية إسماعيل من سكان الحرم ، ممن لم يعبدوا غير الله قط ، الذين وجبت لهم الدعوة دعوة إبراهيم وإسماعيل ( عليهما السلام ) من أهل المسجد ، الذين أخبر عنهم في كتابه أنه أَذْهَبَ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وطَهَّرَهُمْ تَطْهِيرَا . . .
ثم أخبر تبارك وتعالى أنه لم يأمر بالقتال إلا أصحاب هذه الشروط ، فقال عز وجل : أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ . الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ . . وذلك أن جميع ما بين السماء والأرض لله عز وجل ولرسوله ( صلى الله عليه وآله ) ولأتباعهما من المؤمنين من أهل هذه الصفة .
فما كان من الدنيا في أيدي المشركين والكفار والظلمة والفجار من أهل الخلاف لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) والمولي عن طاعتهما ، مما كان في أيديهم ظلموا فيه المؤمنين من أهل هذه الصفات وغلبوهم عليه ، مما أفاء الله على رسوله ( صلى الله عليه وآله ) فهو حقهم أفاء الله عليهم ورده إليهم ، وإنما معنى الفيئ كل ما صار إلى المشركين ثم رجع ، مما كان قد غُلب عليه أو فيه . فما رجع إلى مكانه من قول أو فعل ، فقد فاء .
وإن لم يكن ( الداعي ) مستكملاً لشرائط الإيمان فهو ظالم ، ممن يبغي ويجب جهاده حتى يتوب ! وليس مثله مأذوناً له في الجهاد والدعاء إلى الله عز وجل ، لأنه ليس من المؤمنين المظلومين ، الذين أذن لهم في القرآن في القتال . . فليتق الله عز وجل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 25 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عبدٌ ، ولا يغترَّ بالأماني التي نهى الله عز وجل عنها ، من هذه الأحاديث الكاذبة على الله التي يُكذبها القرآن ، ويتبرأ منها ومن حملتها ورواتها » .
ودلالة هذا الحديث واضحة ، لأن دعوة الناس إلى دين الله ، منصبُ نيابةٍ عن الله تعالى يحتاج إلى إثبات . ولأن الدعوة الكاملة فيها تصرفٌ في أنفس العباد وأموالهم ، وهو يحتاج إلى مجوزِ قانوني من المالك عز وجل .

( 3 ) أعطى الله تعالى ملكية الأرض لآدم والأنبياء ( عليهم السلام ) ؟

الأصل القانوني في ملكية الأرض في فقه أهل البيت ( عليهم السلام ) ، أنها مخلوقة ومملوكة لله تعالى ، وأنه عز وجل مَلَّكَها لنبينا وآله ( صلى الله عليه وآله ) الذين هم عترته المطهرون : عليٌّ وفاطمة الزهراء والأئمة الأحد عشر ( عليهم السلام ) .
فكل الملكيات المتسلسلة ، العرضية والطولية ، لا بد أن ترجع إلى إذن المالك منهم ( عليهم السلام ) ، وعليه تتوقف صحة الفتوحات التي حدثت بعد النبي ( صلى الله عليه وآله ) .
وقد استفاضت الأحاديث في ذلك ، ومنها صحيح أبي خالد الكابلي عن الإمام الباقر ( عليه السلام ) قال : « وجدنا في كتاب علي ( عليه السلام ) أن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين : أنا وأهل بيتي الذين أورثنا الله الأرض ، ونحن المتقون والأرض كلها لنا ، فمن أحيا أرضاً من المسلمين فليعمرها وليؤد خراجها إلى الإمام من أهل بيتي ، وله ما أكل منها . فإن تركها أو أخربها وأخذها رجل من المسلمين من بعده فعمرها وأحياها ، فهو أحق بها من الذي تركها ، يؤدي خراجها إلى الإمام من أهل بيتي ، وله ما أكل منها ، حتى يظهر القائم من أهل بيتي بالسيف فيحويها ويمنعها ، ويخرجهم منها كما حواها رسول
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 26 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الله ( صلى الله عليه وآله ) ومنعها . إلا ما كان في أيدي شيعتنا فإنه يقاطعهم على ما في أيديهم ويترك الأرض في أيديهم . قال رسول الله : خلق الله آدم وأقطعه الدنيا قطيعة ، فما كان لآدم ( عليه السلام ) فلرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وما كان لرسول الله فهو للأئمة من آل محمد ( عليهم السلام ) » . ( الكافي : 1 / 407 و 409 - باب أن الأرض كلها للإمام ( عليه السلام ) . راجع جواهر الكلام : 14 / 71 ) .
أقول : أعطاني الصديق المرحوم الدكتور عبد الحي حجازي ، وهو حقوقي مصري متخصص في القانون الطبيعي ، وكان رئيس كلية الحقوق في الكويت ، كتابه « الحقوق الطبيعية » فقرأته ، ثم ناقشته ( رحمه الله ) في الأصل القانوني لاستحقاق الإنسان لأرض لسكنه ، فتوصلنا إلى الاتفاق بأن الأرض ما دامت مخلوقة مملوكة لله تعالى ، فلا بد أن يكون منشأ الملكية فيها تمليكه وإذنه عز وجل .
وقد ثبت عندنا أنه ملَّكها لرسوله وآله ( صلى الله عليه وآله ) ، فلا بد من إذن المعصوم منهم في الملكية . ولذا صار محور بحث فقهائنا : هل أذن الأئمة ( عليهم السلام ) في الفتوحات أم لا ؟ فالمفتوح منها بإذن الإمام ( عليه السلام ) إن كان عامراً عند الفتح فهو لكل المسلمين من وجد منهم ومن يوجد . وما كان غامراً يومها فهو باق على ملك الإمام ( عليه السلام ) .
أما المفتوح بدون إذنه فالعامر والغامر يبقى له ، ويحتاج التصرف فيه إلى إذنه .
وقد اتفق فقهاؤنا على صدور إمضاء ما من المالك المعصوم ( عليه السلام ) ، ففي صحيح محمد بن مسلم الثقفي عن الإمام الباقر ( عليه السلام ) قال : « سألته عن سيرة الإمام في الأرض التي فتحت بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فقال : إن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) قد سار في أهل العراق بسيرة فهي إمام لسائر الأرضين . وقال : إن أرض الجزية لا ترفع عنهم الجزية وإنما الجزية عطاء المهاجرين ، والصدقات لأهلها الذين سمى الله في كتابه ليس لهم في الجزية شئ . ثم قال : ما أوسع العدل إن الناس يتسعون إذا عدل فيهم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 27 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وتنزل السماء رزقها وتخرج الأرض بركتها بإذن الله تعالى » . ( من لا يحضره الفقيه : 2 / 53 ، وتهذيب الأحكام : 4 / 118 ) .
وقد يبدو هذا الأصل في ملكية الأراضي غريباً أو شديداً ، لكنه يبقى أقوى علمياً من محاولات التأصيل عند الحقوقيين العلمانيين ، وفقهاء بقية المذاهب .
فماذا نصنع إذا ملَّك الله أرضه لرسوله وآله ( صلى الله عليه وآله ) ، فصار الأصل الحقوقي فيها ملكيتهم ، وصار فتحها والتصرف يحتاج إلى إثبات إذنٍ منهم بذلك .

( 4 ) الفتوحات حق لأصحاب الولاية العامة على العباد

مضافاً إلى أصل ملكية الله تعالى للأرض والعباد ، وأصل تمليكه الأرض لخيرة خلقه محمد وآله الأئمة ( عليهم السلام ) ، لأنهم معصومون مطهرون عن ظلم العباد .
يوجد أصل ثالث هو : أن التصرف في البلاد والعباد يحتاج إلى ولاية عامة من الله تعالى ، تجيز لصاحبها أن ينزع ملكية أحد أو يقاتل الناس عندما يلزم .
وقد أعطى الله هذه الولاية لرسوله ( صلى الله عليه وآله ) في مثل قوله تعالى : النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ . وقد ثبت في أصولنا أن الأئمة من عترة النبي ( صلى الله عليه وآله ) لهم الولاية العامة التي لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، ويكفي دليلاً عليها ما تواتر وشهد بصحته الجميع ، مثل قوله ( صلى الله عليه وآله ) : من كنت مولاه فعليٌّ مولاه .
ومن هنا صار محور البحث الفقهي في مذهبنا صدور الإذن بالفتوح من عليٍّ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أو عدم صدوره ، لأن الفتح يستلزم الحرب وقتل نفوس من المسلمين وغيرهم ، ويستلزم نزع ملكيات من حكومات وشعوب وإعطاءها
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 28 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
للمسلمين . وهذا التصرف في الأنفس والملكيات لا يجوز إلا لمن له الولاية العامة على البلاد والعباد ، وإلا كان عمله غير قانوني ولا شرعي !
ومن هنا قد تركز بحث فقهائنا رضوان الله عليهم ، على المسائل الفقهية التالية :
1 . هل صدر الإذن من أمير المؤمنين ومولى الناس عليٍّ ( عليه السلام ) بالفتوحات ؟
2 . هل شاور أبو بكر وعمر علياً ( عليه السلام ) في الفتوحات وإدارتها ، وهل مَكَّنَاهُ أن يقوم بخبرته العسكرية بوضع خططها وإدارة معاركها ، كلياً أو جزئياً ؟
3 . هل شارك علي ( عليه السلام ) بنفسه أو بأولاده أو بتلاميذه وشيعته ، في حروب الفتح ؟
4 . وإن لم يأذن ( عليه السلام ) ولم يشارك ولم يرض ، فهل أمضى الفتوحات وما نتج عنها من نقل ملكيات من الفرس والروم وغير المسلمين ، إلى المسلمين ؟
وتفاوتت آراء فقهائنا رضوان الله عليهم في هذه المسائل ، لكنهم اتفقوا على أن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) لم يشارك فيها بنفسه ، لأن الله تعالى أمَّره على الأمة فلا يجوز له أن يقبل تأمير أحد عليه . وكذلك الحسن والحسين ( عليهما السلام ) ، وقد وردت رواية بأنهما شاركا في بعض الفتوح ، لكن لم يصححها أحد من فقهائنا .
أما عن إذنه ( عليه السلام ) بالفتوح ، فقد قال بعض فقهائنا وهم قلة ، إن أبا بكر وعمر كانا يشاوران علياً ( عليه السلام ) فيشير عليها بالرأي ، وفهموا من مشورته ومشاركته في تدبيرها أنه أذنَ بالفتوح ، وكذلك من إذنه لخاصته المشاركة فيها ، وقد يكون أمر بعضهم بذلك ، أو أشار على الحاكم بتوليته مسؤوليات في الحرب أو الإدارة .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 29 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بينما قال أكثر فقهائنا ، إن الفتوحات المسماة إسلامية غير شرعية ، لأنه لم يثبت إذن الإمام ( عليه السلام ) بها ، فضلاً عن مشاركته فيها ، وإن القدر المتيقن أنه ( عليه السلام ) أمضى الملكيات التي نتجت عنها ، بالكيفية التي صحت عنه ( عليه السلام ) .
وقد أوردتُ لأحد الفقهاء من أصحاب هذا الاتجاه وهو آية الله السيد علي الميلاني حفظه الله ، الأدلة على إذن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بالفتوحات ، ومشاركته فيها برأيه وكبار أصحابه وشيعته ، فضعفها واحداً واحداً ، إما سنداً أو دلالةً .
ثم أوردتُ له ما ثبت عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) من نصيحته لعمر بن الخطاب أن لا يتوجه إلى حرب الفرس بنفسه ، وقد تضمن كلامه ( عليه السلام ) الحث على حربهم .
وقوله ( عليه السلام ) كما في نهج البلاغة : ( 1 / 118 ) وغيره من المصادر : « فأمسكت يدي ( عن بيعة أبي بكر ) حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام ، يدعون إلى محق دين محمد ( صلى الله عليه وآله ) ! فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلماً أو هدماً ، تكون المصيبة به عليَّ أعظم من فوت ولايتكم » .
فأجاب السيد الميلاني بأنه يجب التفريق بين نهوضه ( عليه السلام ) في حروب الردة ، فهذا لا إشكال فيه ، وهو منسجم مع ولايته العامة على الأمة من الله تعالى ورسوله ، وبين إذنه في الفتوحات أو مشاركته فيها ، أو دفعه أصحابه إليها ، فهذا لم يثبت .
وعندما أوردتُ له دور أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في الفتوح ، كإرساله خالد بن سعيد بن العاص إلى فلسطين ، والذي حقق النصر في معركة أجنادين .
وإرساله مالك الأشتر وعمرو بن معدي كرب ومجموعة فرسان النخع ، إلى معركة اليرموك ، وتحقيقهم النصر فيها .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 30 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وإرساله سلمان الفارسي وهاشم المرقال وحجر بن عدي وغيرهم ، إلى معركة القادسية ، وتحقيقهم النصر فيها .
وإرساله النعمان بن مقرن ، وحذيفة بن اليمان إلى معركة نهاوند ، وتحقيقهم النصر فيها . . الخ .
فأجاب بأن هذا لو صح لا يدل على إذن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أو على إطلاق القول بمشاركته في الفتوحات ، بل يدل على أنه ( عليه السلام ) كلما تعرض المسلمون أو الإسلام إلى خطر من عدوهم ، أو وقعوا في مشكلة وورطة ، لسبب من الأسباب ، كان ( عليه السلام ) يتدخل لإنقاذ الموقف حتى لا تقع الكارثة على المسلمين أو الإسلام . وهذا العمل من شؤون كونه صاحب الولاية العامة على الأمة ، وهو حالة ضرورة وإنقاذ من ورطة ، لا تدل على تدخله بأوسع من مواردها .
وهذا هو رأي السيد الخوئي ( قدس سره ) ، قال في مصباح الفقاهة : 1 / 840 ، بتصرف بسيط :
« الشرط الثاني : أن يكون الفتح بإذن الإمام ( عليه السلام ) . واعتبار هذا الشرط هو المشهور بين الفقهاء . . . فمقتضى الأصل هو عدم كون الفتح بإذن الإمام ( عليه السلام ) ، ولا يكون هذا ( أصلاً ) مثبِتاً فإن الفتح محرز بالوجدان ، وعدم كونه بإذن الإمام ( عليه السلام ) محرز بالأصل ، فيترتب الأثر على الموضوع المركب . . . وقد ذكرتْ وجوهٌ للخروج عن الأصل المذكور :
أولاً : أن الفتوحات الإسلامية كلها كانت بإذن الإمام ( عليه السلام ) وتدل على ذلك رواية الخصال الدالة على أن عمر كان يشاور أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في غوامض
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 31 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأمور ، ومن الواضح أن الخروج إلى الكفار ودعائهم إلى الإسلام من أعظم تلك الأمور ، بل لا أعظم منه .
ويرد على هذا الوجه : أن الرواية ضعيفة السند فلا يصح الاعتماد عليها . وأن عمر كان مستقلاً في رأيه ولم يشاور الإمام ( عليه السلام ) في كثير من الأمور المهمة ، بل في جميعها الراجعة إلى الدين . وأن هذا الوجه إنما يجري في الأراضي التي فتحت في خلافة عمر ، ولا يجري في غيرها .
وثانياً : إن الأئمة ( عليهم السلام ) راضون بالفتوحات الواقعة في زمن خلفاء الجور ، لكونها موجبة لقوة الإسلام وعظمته . وفيه : أن هذه الدعوى وإن كانت ممكنة في نفسها ، إذ المناط في ذلك هو الكشف عن رضا المعصوم ( عليه السلام ) بأي طريق كان ، ولا موضوعية للإذن الصريح . ولكنها أخص من المدعى فإنه ليس كل فتح مرضياً للأئمة ( عليهم السلام ) حتى ما كان من الفتوح موجباً لكسر الإسلام وضعفه » .
أقول : اكتفى السيد الخوئي ( قدس سره ) بهذين الوجهين باختصار ، لكن الأدلة أوسع منهما ، وقد اعتمد عددٌ من فقهائنا على رواية الخصال كالشيخ الأنصاري ( قدس سره ) .
وفي مقابل هذا الرأي ، يوجد رأي لقلة من فقهائنا رضي الله عنهم ، لكن فيهم فقهاء كبار ، منهم الشيخ البحراني ( قدس سره ) .
قال في الحدائق : 18 / 308 : « الظاهر إنما هو رضاه ( عليه السلام ) به إن لم نقل إنه بإذنه ، وذلك لأنه ( عليه السلام ) صاحب الأمر بعد النبي ( صلى الله عليه وآله ) فهو يحب ظهور الإسلام وقوته وإن لم يكن على يده ، فإن الغرض من أصل البعثة ومن النيابة فيها خمود منار الكفر وظهور صيت الإسلام ، فهو ( عليه السلام ) وإن لم يكن متمكناً من الأمر والنهي وتنفيذ الجيوش ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 32 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إلا أن غرضه الأصلي ومطلبه الكلي حاصل بذلك ، فكيف يكرهه ولا يرضاه ! وهذا بحمد الله سبحانه وجهٌ وجيهٌ لمن أخذ بالإنصاف وارتضاه » .
ومال إلى هذا الرأي صاحب الجواهر ( رحمه الله ) : 21 / 161 ، فقال بعد أن ضعَّف بعض النصوص في إذن المعصوم ( عليه السلام ) : « لكن قد يقال بأن الحكم في النصوص المعتبرة السابقة بكون هذه الأراضي للمسلمين ، بعد معلومية اعتبار الإذن فيها ، شاهد على صدوره منهم ( عليهم السلام ) ، ولعله أولى من الحمل على التقية » . انتهى .
كما استظهره المحقق السبزواري فقال في كفاية الأحكام : 1 / 391 : « الظاهر أن الفتوح التي وقعت في زمن عمر كانت بإذن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، لأن عمر كان يشاور الصحابة خصوصاً أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في تدبير الحروب وغيرها ، وكان لا يصدر إلا عن رأي علي ( عليه السلام ) . والنبي ( صلى الله عليه وآله ) أخبر بالفتوح وغلبة المسلمين على أهل الفرس والروم . وقبول سلمان تولية المدائن ، وعمار إمارة العساكر ، مع ما روي فيهما ، قرينة على ما ذكرنا . ومع ذلك وقع التصريح بحكم أرض السواد ، وكونها للمسلمين في النص الصحيح كما ذكرنا . وقد روى الشيخ عن محمد بن مسلم ، في الصحيح ، عن أبي جعفر ( عليه السلام ) قال : سألته عن سيرة الإمام في الأرض التي فتحت بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فقال : إن أمير المؤمنين قد سار في أهل العراق بسيرة ، فهي إمام لسائر الأرضين » .
وتبنى هذا الرأي الشيخ الأنصاري ( قدس سره ) ، قال في المكاسب : 2 / 243 : « والظاهر أن أرض العراق مفتوحة بالإذن كما يكشف عن ذلك ما دل على أنها للمسلمين .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 33 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأما غيرها مما فتحت في زمان خلافة الثاني ، وهي أغلب ما فتحت ، فظاهر بعض الأخبار كون ذلك أيضاً بإذن مولانا أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وأمره .
ففي الخصال في أبواب السبعة في باب أن الله تعالى يمتحن أوصياء الأنبياء في حياة الأنبياء في سبعة مواطن ، وبعد وفاتهم في سبعة مواطن : عن أبيه وشيخه ، عن سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن الحسين بن سعيد ، عن جعفر بن محمد النوفلي ، عن يعقوب بن الرائد ، عن أبي عبد الله جعفر بن أحمد بن محمد بن عيسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ، عن يعقوب بن عبد الله الكوفي ، عن موسى بن عبيد ، عن عمرو بن أبي المقدام ، عن جابر الجعفي ، عن أبي جعفر ( عليه السلام ) أنه أتى يهودي أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في منصرفه عن وقعة النهروان فسأله عن تلك المواطن . . وفيه قوله ( عليه السلام ) : وأما الرابعة ، يعني من المواطن الممتحن بها بعد النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، فإن القائم بعد صاحبه ، يعني عمر بعد أبي بكر ، كان يشاورني في موارد الأمور فيصدرها عن أمري ، ويناظرني في غوامضها فيمضيها عن رأيي ، لا أعلم أحداً ولا يعلمه أصحابي يناظره في ذلك غيري . . . الخبر .
والظاهر أن عموم الأمور إضافي بالنسبة إلى ما لا يقدح في رئاسته ، مما يتعلق بالسياسة ، ولا يخفى أن الخروج إلى الكفار ودعاءهم إلى الإسلام من أعظم تلك الأمور بل لا أعظم منه . وفي سند الرواية جماعة تخرجها عن حد الاعتبار ، إلا أن اعتماد القميين عليها وروايتهم لها مع ما عرف من حالهم لمن تتبعها من أنهم لا يخرجون في كتبهم رواية في راويها ضعف إلا بعد احتفافها بما يوجب الاعتماد عليها ، جابرٌ لضعفها في الجملة . مضافاً إلى ما اشتهر من حضور أبي محمد الحسن ( عليه السلام ) في بعض الغزوات ، ودخول بعض خواص أمير المؤمنين ( عليه السلام ) من الصحابة كعمار في أمرهم . وفي صحيحة محمد بن مسلم ، عن أبي جعفر ( عليه السلام ) قال :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 34 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
سألته عن سيرة الإمام في الأرض التي فتحت بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فقال : إن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) قد سار في أهل العراق بسيرة فهي إمام لسائر الأرضين . . . الخبر . وظاهرها أن سائر الأرضين المفتوحة بعد النبي ( صلى الله عليه وآله ) حكمها حكم أرض العراق مضافاً إلى أنه يمكن الاكتفاء عن إذن الإمام المنصوص في مرسلة الوراق بالعلم بشاهد الحال برضى أمير المؤمنين وسائر الأئمة ( عليهم السلام ) بالفتوحات الإسلامية الموجبة لتأيد هذا الدين . وقد ورد أن الله تعالى يؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم فيه . مع أنه يمكن أن يقال بحمل الصادر من الغزاة من فتح البلاد على الوجه الصحيح ، وهو كونه بأمر الإمام ( عليه السلام ) » .
أقول : لا مجال للتفريق بين حكم الفتوحات في العراق وإيران ، والفتوحات في الشام ومصر ، لأن سياقها واحد . كما أن رواية حضور الإمام الحسن أو الحسين ( عليهما السلام ) في بعض الفتوحات لم يثبت عند أحد من علمائنا .
ومن القائلين بهذا الرأي السيد ابن طاووس ( رحمه الله ) ، قال في كشف المحجة / 57 : « وقد ذكر جماعة من أصحاب التواريخ تصديق ما أشرت إليه . وعلى خاطري مما وقفت عليه ، ما ذكره أعثم في تاريخه ما معناه أن أبا بكر لما بدأ بإنفاذ أبي عبيدة والجيوش إلى الروم ومات قبل أن يفتحها ، وفتحها المسلمون بعده في ولاية عمر ، قال له قوم : لا تَخرج مع العسكر وقال قوم أخرج معهم . فقال لأبيك علي ( عليه السلام ) : ما تقول أنت يا أبا الحسن ؟ فقال له علي : إن خرجت نصرت وإن أقمت نصرت ، لأن النبي ( صلى الله عليه وآله ) وعدنا بالنصر للإسلام . فقال له : صدقت ، وأنت وارث علم رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 35 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فهل ترى يا ولدي ما كان فتح البلاد ، إلا بقوة تلك الوعود الصادقة والعناية الإلهية الفائقة ، وأن الذين كانوا خلفاء بالمدينة كان وجودهم كعدمهم كما قال لهم أبوك علي ( عليه السلام ) : إن خرجت نصرت وإن أقمت نصرت . . .
ولقد رأيت في تاريخ من لا يتهمه المخالفون أن المسلمين لما اجتمعت عليهم الروم للإستيصال ، كان المقوي لقلوب كثير من المسلمين مقامات رواها ( عليه السلام ) تدل على النصرة في تلك الحال ، لقصور علمهم وعلم من ولوه عليهم عن أسرار ما بين أيديهم . وأقول : يا ولدي محمد لو كانوا قد ولوا أمور الإسلام والمسلمين أباك علياً الذي دلهم عليه جدك سيد المرسلين ( صلى الله عليه وآله ) ، كان قد فتحت البلاد على الإستقامة وكانت مفتوحة إلى يوم القيامة ، وكان قد عرفهم من أسرار فتوحها وما ينتهي حالهم إليه ما كان قد أودعه جدك محمد ( صلى الله عليه وآله ) وكان قد كشف لعلماء الروم من أسرارهم وأسرار الإسلام ما كان يرجى به فتوح البلاد بدون قتل من قتل من المسلمين والكفار ، وسلموا من الضلال والظلام ، فإنه قال ( عليه السلام ) : وأيم الله لو ثنيت لي الوسادة لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم ، وبين أهل الإنجيل بإنجيلهم ، وبين أهل الزبور بزبورهم ، وبين أهل القرآن بقرآنهم حتى يزهر كل كتاب ويقول : حكم فيَّ علي بن أبي طالب بحكم الله » .
أقول : نلفت هنا إلى أهمية إخبار الإمام ( عليه السلام ) للخليفة بالمستقبل ، وقد كان عمر وأبو بكر يهتمان بذلك ويسألان علياً ( عليه السلام ) لأنه أقرب الناس إلى النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وأعرفهم بعلومه وإخباره بالمغيبات .
كما نلفت إلى قول بعض العلماء إن مشاركة الإمام ( عليه السلام ) تتنافى مع أصولنا في علم الكلام ، فلعل القائلين بها لم يلتفتوا إلى لوازم قولهم بأنه ( عليه السلام ) في الفتوحات .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 36 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وجوابه : أن هذه اللوازم واضحة جلية ، يلتفت إليها الفقهاء المتكلمون وغير المتكلمين سواء . وكلها تتعلق بما يفهم منه التنازل عن حقه ( عليه السلام ) أو الاعتراف بإمرة غيره . لكن الرأي يختلف في تفسير إذنه ومشاركته ( عليه السلام ) في الفتوح ، هل توجب نوعاً من التنازل أو لا توجبه .

( 5 ) نصوص مؤيدة لهذا الرأي

ويمكن تأييد هذا الرأي بمؤيدات عديدة ، نوجزها بما يلي :
فمنها : أن علياً ( عليه السلام ) شكى ظلامته من قريش لنسبتها الفتوح إلى غيره ، وإخفاء عمله وجهوده ، ففي شرح النهج ( 20 / 298 ) : « اللهم إني أستعديك على قريش ، فإنهم أضمروا لرسولك ( صلى الله عليه وآله ) ضروباً من الشر والغدر فعجزوا عنها ، وحِلْتُ بينهم وبينها ، فكانت الوجبة بي والدائرة عليَّ ! اللهم احفظ حسناً وحسيناً ، ولا تمكن فجرة قريش منهما ما دمت حياً ، فإذا توفيتني فأنت الرقيب عليهم ، وأنت على كل شئ شهيد .
وقال له قائل : يا أمير المؤمنين ، أرأيت لو كان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ترك ولداً ذكراً قد بلغ الحلم وآنس منه الرشد ، أكانت العرب تسلم إليه أمرها ؟ قال : لا ، بل كانت تقتله إن لم يفعل ما فعلتُ ! ولولا أن قريشاً جعلت اسمه ذريعة إلى الرياسة ، وسلَّماً إلى العز والأمرة لما عبدت الله بعد موته يوماً واحداً ، ولارتدت في حافرتها ، وعاد قارحها جذعاً ، وبازلها بكراً .
ثم فتح الله عليها الفتوح فأثْرت بعد الفاقة ، وتمولت بعد الجَهد والمخمصة ، فحسن في عيونها من الإسلام ما كان سمجاً ، وثبت في قلوب كثير منها من الدين ما كان مضطرباً ، وقالت : لولا أنه حق لما كان كذا !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 37 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم نسبت تلك الفتوح إلى آراء ولاتها وحسن تدبير الأمراء القائمين بها ، فتأكد عند الناس نباهة قوم وخمول آخرين ، فكنا نحن ممن خمل ذكره ، وخبت ناره ، وانقطع صوته وصيته ، حتى أكل الدهر علينا وشرب ، ومضت السنون والأحقاب بما فيها ، ومات كثير ممن يعرف ، ونشأ كثير ممن لا يعرف .
وما عسى أن يكون الولد لو كان ! إن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لم يقربني بما تعلمونه من القُرْب للنسب واللحمة ، بل للجهاد والنصيحة ، أفتراه لو كان له ولد هل كان يفعل ما فعلت . وكذاك لم يكن يَقْرُب ما قَرُبْتُ ، ثم لم يكن عند قريش والعرب سبباً للحظوة والمنزلة ، بل للحرمان والجفوة . اللهم إنك تعلم أني لم أرد الأمرة ولا علو الملك والرياسة ، وإنما أردت القيام بحدودك ، والأداء لشرعك ، ووضع الأمور في مواضعها ، وتوفير الحقوق على أهلها ، والمضي على منهاج نبيك ، وإرشاد الضال إلى أنوار هدايتك » . انتهى .
وعلو هذا النص يوجب الاطمئنان بصدوره ، وأنه لا يمكن أن يصدر عن غير أمير المؤمنين ( عليه السلام ) حتى لو حاول الرواة وتعاونوا على وضعه !
وقد يقال : إن الوثوق بصدور القول أو الفعل من المعصوم ( عليه السلام ) إنما يكون حجة إذا كان وثوقاً نوعياً لا شخصياً ، لكن هذا النص فيما أحسب يوجب الوثوق النوعي لا الشخصي . على أن التمييز بين الوثوق النوعي والشخصي قد يكون أحياناً صعباً ، فيحتاج إلى اجتهاد شخصي !
ومنها : النصوص المستفيضة على أن أبا بكر وعمر كانا يستشيران علياً ( عليه السلام ) في أمور الحرب ، فقد استشاره أبو بكر في غزو الروم ، أي في فتح بلاد الشام ومصر ، فأشار عليه أن يفعل ، وبشره بالنصر ، بما عنده من علم النبي ( صلى الله عليه وآله ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 38 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال اليعقوبي ( 2 / 132 ) : « أراد أبو بكر أن يغزو الروم ، فشاور جماعة من أصحاب رسول الله ، فقدموا وأخروا ، فاستشار علي بن أبي طالب ، فأشار أن يفعل ، فقال : إن فعلت ظفرت . فقال : بُشرت بخير » .
وفي تاريخ دمشق ( 2 / 64 ) : « وعليٌّ في القوم لم يتكلم . قال أبو بكر : ماذا ترى يا أبا الحسن ؟ فقال : أرى أنك إن سرت إليهم بنفسك أو بعثت إليهم نُصرت عليهم إن شاء الله . فقال : بشرك الله بخير ، ومن أين علمت ذلك ؟ قال : سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول : لا يزال هذا الدين ظاهراً على كل من ناوأه ، حتى يقوم الدين وأهله ظاهرون . فقال : سبحان الله ، ما أحسن هذا الحديث ، لقد سررتني به سرك الله » .
وقد أشار ( عليه السلام ) على عمر بفتح فارس وشجعه عليه ، ففي نهج البلاغة ( 2 / 29 ) : « وقد استشاره عمر بن الخطاب في الشخوص لقتال الفرس بنفسه : إن هذا الأمر لم يكن نصره ولا خذلانه بكثرة ولا قلة ، وهو دين الله الذي أظهره ، وجنده الذي أعده وأمده ، حتى بلغ ما بلغ ، وطلع حيث طلع . ونحن على موعود من الله ، والله منجز وعده ، وناصر جنده . ومكان القيم بالأمر مكان النظام من الخرز ، يجمعه ويضمه ، فإن انقطع النظام تفرق وذهب ، ثم لم يجتمع بحذافيره أبداً . والعرب اليوم وإن كانوا قليلاً ، فهم كثيرون بالإسلام وعزيزون بالاجتماع ، فكن قطباً واستدر الرحى بالعرب ، وأصلهم دونك نار الحرب ، فإنك إن شخصت من هذه الأرض انتقضت عليك العرب من أطرافها وأقطارها ، حتى يكون ما تدع وراءك من العورات ، أهم إليك مما بين يديك !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 39 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إن الأعاجم إن ينظروا إليك غداً يقولوا هذا أصل العرب ، فإذا قطعتموه استرحتم ، فيكون ذلك أشد لكلبهم عليك وطمعهم فيك .
فأما ما ذكرت من مسير القوم إلى قتال المسلمين ، فإن الله سبحانه هو أكره لمسيرهم منك ، وهو أقدر على تغيير ما يكره . وأما ما ذكرت من عددهم ، فإنا لم نكن نقاتل فيما مضى بالكثرة ، وإنما كنا نقاتل بالنصر والمعونة » .
أقول : سيأتي تفصيل ذلك ، وكلامه ( عليه السلام ) ترغيبٌ في فتح فارس ، وليس مجرد إشارة على عمر أن لا يذهب بنفسه ، لأنه تضمن قوله ( عليه السلام ) : « ونحن على موعود من الله ، والله منجز وعده ، وناصر جنده » .
فقد اعتبر ( عليه السلام ) فتح فارس من وعد الله تعالى للمسلمين ، وبشر بالنصر .
وروى ابن الأعثم في الفتوح ( 2 / 78 ) : أن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) حدَّث عمر عن خراسان ومدنها ، فقال عمر : « يا أبا الحسن لقد رغبتني في فتح خراسان ، قال علي ( عليه السلام ) : قد ذكرت لك ما علمت منها مما لا شك فيه » .
وروى الطبري ( 3 / 246 ) « عن أبي الجنوب اليشكري عن علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) قال : لما قدم على عمر فتح خراسان ، قال لوددت أن بيننا وبينها بحراً من نار ، فقال علي ( عليه السلام ) : وما يشتد عليك من فتحها ، فإن ذلك لموضع سرور » .
وقال المناوي في فيض القدير : 3 / 61 : « وكان عمر يسأله عما أشكل عليه . جاءه رجل فسأله فقال : هاهنا عليٌّ فاسأله . فقال : أريد أسمع منك يا أمير المؤمنين . قال : قم لا أقام الله رجليك ، ومحى اسمه من الديوان !
وصح عنه من طرق أنه كان يتعوذ من قوم ليس هو فيهم ، حتى أمسكه عنده ولم يوله شيئاً من البعوث ، لمشاورته في المشكل » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 40 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي تاريخ اليعقوبي : 2 / 132 : « وأراد أبو بكر أن يغزو الروم ، فشاور جماعة من أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فقدموا وأخروا ، فاستشار علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، فأشار أن يفعل فقال : إن فعلت ظفرت . فقال : بشرت بخير ! فقام أبو بكر في الناس خطيباً وأمرهم أن يتجهزوا إلى الروم ، فسكت الناس » .
وفي سنن البيهقي : 9 / 134 : « أراد ( عمر ) أن يقسم أهل السواد بين المسلمين وأمر بهم أن يحصوا ، فوجدوا الرجل المسلم يصيبه ثلاثة من الفلاحين يعنى العلوج فشاور أصحاب النبي ( صلى الله عليه وآله ) في ذلك فقال علي : دعهم يكونون مادةً للمسلمين . فبعث عثمان بن حنيف فوضع عليهم : ثمانية وأربعين ، وأربعة وعشرين ، واثني عشر » . وفتوح البلاذري : 2 / 326 .
ومنها : أن حواريي علي ( عليه السلام ) وخاصته ، شاركوا بفعالية في كل الفتوحات ، بل قادوها ميدانياً ، وحملوا على عواتقهم ثقل جهادها ، واستشهد فيها عدد منهم . ولا يصح القول إن ذلك بدون إذنه ( عليه السلام ) ، لأن فيهم عدداً لا يتصرفون في الأمور السياسية والعسكرية ، وحتى في الأمور الاجتماعية المهمة إلا بأمره ( عليه السلام ) كسلمان ، والمقداد ، وأبي ذر ، وعمار ، وخالد بن سعيد ، وغيرهم ، رضوان الله عليهم .
والقول بأن أصحابه ( عليه السلام ) كانوا يجهلون رأيه فشاركوا فيها ، قولٌ واهٍ ، فكيف نتصور أن هؤلاء العظماء خاضوا حروباً وتحملوا مسؤوليات دماء وأعراض وأموال ، ومسؤولية سمعة الإسلام ، وهم يعتقدون بأن علياً ( عليه السلام ) وصي نبيهم وإمامهم المفترض الطاعة ، ولا يسألونه عن حكم عملهم !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 41 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال السيد جعفر مرتضى حفظه الله في كتابه مختصر مفيد ( 6 / 182 ) : « وأما بالنسبة لاشتراك بعض المخلصين من كبار الصحابة في الفتوح ، فالظاهر هو أنهم كانوا غافلين عن حقيقة الأمر ، فكانوا يقصدون بذلك خدمة الدين ، ونصرة الإسلام والمسلمين ، مع عدم إطلاعهم على رأي الأئمة ( عليهم السلام ) في هذه الفتوحات . . أو لعل السلطة كانت تهتم في إرسالهم في مهمات كهذه ، وتمارس عليهم بعض الضغوط في ذلك » . انتهى .
ولا يمكن الموافقة على هذه المقولة ، لأن أمثال سلماناً وأبا ذر وعماراً والمقداد وحذيفة والأشتر ، من حواري أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وغيرهم من خاصته المنقطعين إليه كخالد بن سعيد وهاشم المرقال ومحمد بن أبي بكر ومحمد بن أبي حذيفة ، لا يمكن أن يغفلوا عن حقيقة الأمر ويجهلوا رأيه ( عليه السلام ) في مشاركتهم في الفتوحات !
ويكفي أن نقرأ أن خالد بن سعيد الأموي كان أول الذين خطبوا في المسجد النبوي وأدان أبا بكر واصطدم بعمر بشدة ، وقال لهم : ( والله لولا أني أعلم أن طاعة الله ورسوله ( صلى الله عليه وآله ) وطاعة إمامي أولى بي ، لشهرت سيفي وجاهدتكم في الله ، إلى أن أبلي عذري ) !
وعندما أراد أبو بكر أن يسترضيه وقال له كما في الإستيعاب ( 2 / 422 ) : « ما لكم رجعتم عن عمالتكم ؟ ما أحد أحقّ بالعمل من عمّال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، إرجعوا إلى أعمالكم . فقالوا : نحن بنو أبى أحيحة لا نعمل لأحد بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أبداً » !
وكان خالد قال لا نبايع حتى يأمرنا علي ، وبعد شهرين أمره أن يبايع فبايع . ( أنساب الأشراف : 1 / 588 ) . ثم نراه قَبِل مرسوم أبي بكر بقيادة جيش الشام !
فلا تفسير له إلا أمر علي ( عليه السلام ) أو إشارته علي أبي بكر بأن يؤمَّره على غزو الروم .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 42 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وكذلك القول بأنهم كانوا مجبرين من أبي بكر أو عمر أو عثمان ، فلم يكن يومها إجبار على التولية ، بل كان كثيرون يتنافسون عليها ، وكان الحصول على منصب ، يحتاج إلى علاقة خاصة لينة مع الخليفة .
وهذه قائمة بأبرز تلاميذه وشيعته ( عليه السلام ) ، من فرسان الفتوحات وقادتها الميدانيين الذين خاضوا غمار المعارك ، وحققوا الانتصارات الواسعة ، فمنهم :
حذيفة بن اليمان ، وسلمان الفارسي ، وعمار بن ياسر ، وأبو ذر الغفاري ، والمقداد بن عمرو ، وخالد بن سعيد بن العاص الأموي وأخيه عمرو ، وهاشم بن عتبة أبي وقاص المعروف بالمرقال ، وعبد الله بن الزبير بن عبد المطلب الهاشمي ، وأولاده عبد الله وعتبة ، وبريدة الأسلمي ، وعبادة بن الصامت ، وأبو أيوب الأنصاري ، وعثمان بن حنيف وإخوته ، وعبد الرحمن بن سهل الأنصاري ، ومالك بن الحارث الأشتر وإخوته ، ومعه عدد من القادة والفرسان النخعيين ، وصعصعة بن صوحان العبدي وإخوته ، والأحنف بن قيس ، وحجر بن عدي الكندي ، وعمرو بن الحمق الخزاعي ، وأبو الهيثم بن التيهان ، وجعدة بن هبيرة بن أخت أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، والنعمان بن مقرن ، وبديل بن ورقاء الخزاعي ، ومحمد بن أبي حذيفة الأنصاري ، وأبو أمامة الباهلي ، وأبو رافع مولى النبي ( صلى الله عليه وآله ) وأولاد أبي رافع ، وواثلة بن الأسقع الكناني ، والبراء بن عازب ، وبلال بن رباح مؤذن النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وقيس بن ثابت الأنصاري ، وعبد الله بن خليفة البجلي ، وعدي بن حاتم الطائي ، وأبو عبيد بن مسعود الثقفي ، وأبو الدرداء ، ومحمد بن أبي بكر ، ومحمد بن أبي حذيفة الأموي ، وجارية بن قدامة السعدي ، وأبو الأسود الدؤلي . . وغيرهم . .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 43 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد روي أن الإمام ( عليه السلام ) أرسل عدداً منهم ، بل يبدو أن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) كان يشير على الخليفة أن يولي فلاناً أو يؤمر على الجيش فلاناً ، أو يكتب إلى قائد الجبهة أن يفعل كذا ، خاصة في المعارك الحرجة ، كمعركة اليرموك التي كانت فاصلة في هزيمة الروم ، وسببت انسحاب هرقل من بلاد الشام . ومعركة نهاوند التي أنهت القوة العسكرية الفارسية ، وهرب بعدها ملكهم يزدجرد وصار يتنقل في البلاد متخفياً ، حتى بات في مطحنة ، فقتله الطحان !
هذا ، وستعرف أن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) هو الذي وضع خطة فتح فارس والشام وفلسطين ومصر ، ودبَّر قادتها ، وتابع مراحلها ، وشجع عمر على مواصلتها . وأن أبا بكر وعمر بسطا يده ( عليه السلام ) في إدارة الفتوح ، لحاجتهما إلى علمه وتدبيره ، وتأثيره على الفرسان والشخصيات ، خاصة أنه لا خبرة عسكرية عندهما .
ومن المؤيدات : الأحاديث المتواترة في أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) أخبر من أول بعثته وأكد في مراحل دعوته ، بأن الله تعالى وعده أن يفتح على أمته بلاد فارس والروم . فصارت الفتوحات فرضاً على أي سلطة بعد ه ، والفرض يتضمن الإذن . ( الكافي : 8 / 216 ، وابن هشام : 2 / 365 ، والبيهقي : 7283 ) .
ومن المؤيدات : أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) بدأ الفتوحات بنفسه بحرب الروم ، وأيد معركة ذي قار مع الفرس ، وراسل ملوك العالم يدعوهم إلى الإسلام أو الحرب !
ومنها : ما رواه في الكافي ( 1 / 539 ) عن عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَاشِمٍ ، عَنْ أَبِيه ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا عَنِ الْعَبْدِ الصَّالِحِ ، أي الإمَامِ الكَاظِم ( عليه السلام ) قَال : « والأَنْفَالُ إِلَى الْوَالِي ، وكُلُّ أَرْضٍ فُتِحَتْ فِي أَيَّامِ النَّبِيِّ ( صلى الله عليه وآله ) إِلَى آخِرِ الأَبَدِ ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 44 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ومَا كَانَ افْتِتَاحاً بِدَعْوَةِ أَهْلِ الْجَوْرِ وأَهْلِ الْعَدْلِ ، لأَنَّ ذِمَّةَ رَسُولِ اللَّه فِي الأَوَّلِينَ والآخِرِينَ ذِمَّةٌ وَاحِدَةٌ ، لأَنَّ رَسُولَ اللَّه ( صلى الله عليه وآله ) قَالَ : الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ تَتَكَافَى دِمَاؤُهُمْ ويَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ » .
ومن المؤيدات : أن علياً ( عليه السلام ) عندما بويع بالخلافة واصل سياسة الفتوح في ثلاث جبهات أو أكثر . قال ابن الأعثم ( 2 / 447 ) : « وأخذ علي برأي أبي أيوب الأنصاري في الإقامة بالمدينة ، ثم دعا بابن أخته جعدة بن هبيرة بن أبي وهب المخزومي ، فعقد له عقداً وولاه على بلاد خراسان ، وأمره بالمسير ليفتح ما بقي منها » .
كما بعث الذين شكُّوا في حربه لمعاوية في صفين إلى المرابط والفتوح ، فكان أول لواء عقده للربيع بن خيثم ، وأرسله إلى إيران .
وكذلك أرسل العلاء بن الحضرمي عامله على البحرين لفتح بعض مناطق الهند ، وكان فتح مناطق من إيران حتى إصطخر وشيراز قبل ذلك .
بينما أوقف معاوية الفتوحات ، وعقد صلحاً مع هرقل ملك الروم على جزية سنوية باهضة قدرها مئة ألف دينار ذهباً ، ليتفرغ لحرب علي ( عليه السلام ) !
قال المسعودي في مروج الذهب ( 2 / 377 ) : « وامتنع المسلمون عن الغزو في البحر والبر لشغلهم بالحروب ، وقد كان معاوية صالح ملك الروم على مال يحمله إليه لشغله بعلي » .
وقال ابن الأعثم ( 2 / 539 ) : « فنادى علي في الناس فجمعهم ، ثم خطبهم خطبة بليغة وقال : أيها الناس ! إن معاوية بن أبي سفيان قد وادع ملك الروم ، وسار إلى صفين في أهل الشام عازماً على حربكم ، فإن غلبتموهم استعانوا عليكم بالروم » . وصححوا روايته في مسند أحمد : 4 / 111 ، وتفسير ابن كثير : 2 / 333 .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 45 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ونختم الموضوع بالإلفات إلى أمور قد توجب الحكم بصحة الرواية الضعيفة كرواية مشاورة أبي بكر وعمر لعلي ( عليه السلام ) ، وهي : الإستفاضة ، وعلو المتن ، واعتماد الرواية من قبل العلماء .
أما الإستفاضة فاعتبرها السيد الخوئي موجبة للصحة . قال في معجمه ( 8 / 360 ) : « وإن استفاضة الروايات أغنتنا عن النظر في إسنادها ، وإن كانت جلها بل كلها ضعيفة ، أو قابلة للمناقشة » . وقال في كتاب الصلاة ( 4 / 392 ) : « لما عرفت من أن النصوص الناطقة باختصاص المحل بما قبل الركوع بالغة حد الإستفاضة بحيث أصبحت معلومة الصدور » .
لكنه قال في مصباح الفقاهة ( 1 / 524 ) : « وأما الإستفاضة فهي لا تنافي عدم الاعتبار ، فإن الخبر المستفيض قسم من أخبار الآحاد ، كما حقق في محله ، ولذا يجعلونه في مقابل المتواتر » . انتهى .
والصحيح ولعله مقصوده ( رحمه الله ) : أن الإستفاضة قد توجب الاطمئنان بصدور الحديث ، وقد لا توجب . ومن الموارد التي توجب فيها الاطمئنان أحاديث إذن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في الفتوح ومشاركته في تدبيرها .
وكذلك القول في علو المتن ، بمعنى أن تكون في النص صفات توجب الاطمئنان بأنه كلام المعصوم ( عليه السلام ) ، لأنه لو أراد غيره أن يَكْذِبَه عليه ما استطاع ، كعدد من خطب أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، ومنها كلامه الذي يتظلم فيه من نسبة الفتوحات إلى تدبير الخلفاء ، مع أنها من تدبيره ( عليه السلام ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 46 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وكذا عمل الأصحاب بالرواية ، كعملهم برواية الخصال ، فقد اعتبره الشيخ الأنصاري ( رحمه الله ) جابراً لضعفها في الجملة .
قال في المكاسب ( 2 / 244 ) : « قوله ( عليه السلام ) : وأما الرابعة - يعني من المواطن الممتحن بها بعد النبي ( صلى الله عليه وآله ) - فإن القائم بعد صاحبه - يعني عمر بعد أبي بكر - كان يشاورني في موارد الأمور فيصدرها عن أمري ، ويناظرني في غوامضها فيمضيها عن رأيي . لا أعلم أحداً ، ولا يعلمه أصحابي ، يناظره في ذلك غيري . . . الخبر .
والظاهر أن عموم الأمور إضافي بالنسبة إلى ما لا يقدح في رئاسته مما يتعلق بالسياسة . ولا يخفى أن الخروج إلى الكفار ودعاءهم إلى الإسلام من أعظم تلك الأمور ، بل لا أعظم منه . وفي سند الرواية جماعة تُخرجها عن حد الاعتبار إلا أن اعتماد القميين عليها وروايتهم لها ، مع ما عرف من حالهم لمن تتبعها من أنهم لا يُخَرِّجُون في كتبهم رواية في راويها ضعف ، إلا بعد احتفافها بما يوجب الاعتماد عليها ، جابر لضعفها في الجملة » .
أقول : الإنصاف أن الرواية معتبرة بعمل الصدوق ( عليه السلام ) وبقرائن أخرى ، وهي تدل على إمضاء الإمام ( عليه السلام ) ، لأصل الفتح ومشاركته في تدبيره ، لكنها لا تدل على تصحيحه لسياسات عمر في الفتح ، وفي إدارة البلاد المفتوحة .
وبعد أن أنهيت هذا الفصل قدمته إلى سماحة السيد الميلاني ، وهو من جمهرة فقهائنا المتشددين في القول بأن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) لم يشارك في الفتوحات ولم يأذن بها ، فتفضل بكتابة تعليقات ، وهي تحتاج إلى بحث لا يتسع له المجال . وهي في إطار قوله دام ظله : المشاركة لا يقول بها أحد له إلمامٌ بعلم الكلام ، والإذن لا دليل عليه !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 47 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

( 6 ) إذن المعصوم في الفتوحات لا يعطي شرعية للحاكم

تصور بعضهم أن مشاركة أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في الفتوحات تعني اعترافه بشرعية حكم أبي بكر وعمر وعثمان ، وهو ما لم يصدر عنه ( عليه السلام ) بل لا يجوز له أن يفعله !
والصحيح أن مشاركته لا تستوجب ذلك ، فرب شخص لا يعترف بشرعية حاكم ومع ذلك يساعده في بعض الأعمال ، فقد كان يوسف ( عليه السلام ) وزيراً لفرعون وساعده في حل الأزمة الاقتصادية ، ولم يعترف بألوهيته ولا شرعيته !
وقد كتب أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في رسالته لأهل مصر أنه نهض من أجل الإسلام وأمته ، وليس من أجل نظام الحكم ، فقال ( عليه السلام ) كما في نهج البلاغة : 3 / 118 ، والغارات للثقفي : 1 / 307 ، والإمامة والسياسة : 1 / 133 : « فأمسكت يدي حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام يدعون إلى محق دين محمد ( صلى الله عليه وآله ) ! فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلماً أو هدماً ، تكون المصيبة به عليَّ أعظم من فوت ولايتكم ، التي إنما هي متاع أيام قلائل ، يزول منها ما كان كما يزول السراب ، أو كما يتقشع السحاب . فنهضت في تلك الأحداث حتى زاح الباطل وزهق ، واطمأن الدين وتنهنه » . ومعنى تنهنه : سكن واطمأن .
وأضافت رواية الثقفي في الغارات : 1 / 306 ، وابن قتيبة في الإمامة والسياسة : 1 / 133 ، وشرح النهج : 6 / 95 : « فمشيت عند ذلك إلى أبي بكر فبايعته ، ونهضت في تلك الأحداث حتى زاغ الباطل وزهق » .
وكلمة « فبايعته » لا تصح على أصولنا ، لأنه ( عليه السلام ) كان بايعه مكرهاً بعد وفاة النبي ( صلى الله عليه وآله ) بأيام ، ولا يجوز له أن يبايعه مختاراً .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 48 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والصحيح : تألفته بدل بايعته ، كما رواه في المسترشد / 97 ، و / 411 ، ودلائل الإمامة : 1 / 83 ، في منشور أمير المؤمنين ( عليه السلام ) الذي كتبه ليُقرأ على المسلمين في بلادهم وهو من صفحات ، قال ( عليه السلام ) : « ورأيت الناس قد امتنعوا بقعودي عن الخروج إليهم ، فمشيت عند ذلك إلى أبي بكر فتألفته ، ولولا أني فعلت ذلك لباد الإسلام ! ثم نهضت في تلك الأحداث حتى انزاح الباطل ، وكانت كلمة الله هي العليا » .

( 7 ) موقف أمير المؤمنين ( عليه السلام ) من نظام الحكم بعد النبي ( صلى الله عليه وآله )

استمرت المرحلة الحادة بين علي ( عليه السلام ) ومؤيديه مع أبي بكر وعمر ومؤيديهم نحو شهر ، حتى أكمل الإمام ( عليه السلام ) إتمام حجته وسجل موقفه .
وقد بدأت عندما اغتنم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة انشغال علي ( عليه السلام ) بتجهيز النبي ( صلى الله عليه وآله ) وسارعوا ثلاثتهم إلى سقيفة بني ساعدة ، وصفقوا على يد أبي بكر باسم خليفة النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، فاعترض سعد وكان مريضاً مثقلاً فردوه بعنف ، واستنفروا طلقاء قريش فزفوا أبا بكر وأجلسوه على منبر النبي ( صلى الله عليه وآله ) للبيعة .
واعترض عليهم أكثر الأنصار ، وكل بني هاشم ، وعدد من كبار الصحابة ، بأن بيعتهم ابتزازٌ بدون مشورة ، وقد وصفها عمر فيما بعد كما في البخاري ، بأنها كانت فَلْتَة بدون مشورة ، وقال : من فعل مثلها فاقتلوه !
وجاء سلمان بخبر السقيفة إلى علي ( عليه السلام ) وهو يُغَسٍّل النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، بأنهم صفقوا على يد أبي بكر ، فسجل موقفه وأعطى رأيه ، لكنه لم يحرك ساكناً . ( الكافي : 8 / 343 )
ثم جاءه أبو سفيان يحركه للقيام في وجه أهل السقيفة ، فرده ، ولم يحرك ساكناً .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 49 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم جاءه رسولهم يطلب حضوره لبيعة خليفة النبي ( صلى الله عليه وآله ) بتعبيرهم ، فقال له : « لسريع ما كذبتم على رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، ما أعلم لرسول الله خليفة غيري ! فرجع فأبلغ الرسالة . قال : فبكى أبو بكر طويلاً . فقال عمر الثانية : لا تمهل هذا المتخلف عنك بالبيعة » . ( الإمامة والسياسة لابن قتيبة : 1 / 19 ) .
ثم هاجموا بيته وأشعلوا الحطب على باب داره ، وهددوه ومن معه بأنهم سيحرقون البيت عليهم إن لم يخرجوا فيبايعوا ، فسجل موقفه ورأيه فيهم ، لكنه لم يجرد سيفه !
ثم تكاثروا عليه وجروه إلى المسجد وطلبوا منه البيعة فرفض ، وهددوه بالقتل إن لم يفعل ، فامتنع عن البيعة وسجل موقفه ، وأعلن رأيه فيهم .
وجاء عمه العباس ليحل المشكلة ، فأخذ يد علي ( عليه السلام ) فقبضها فلم يستطع العباس فتحها ، فمسح بها وهي مقبوضة على يد أبي بكر ، فرضوا بذلك .
وبعد أن أكمل علي ( عليه السلام ) تجهيز النبي ( صلى الله عليه وآله ) ودفنه ، وأكمل جمع القرآن كما أمره ، أخذ زوجته وولديه وجال على نقباء الأنصار وكبارهم ، وطالبهم بالوفاء ببيعتهم للنبي ( صلى الله عليه وآله ) بحمايته وحماية أهل بيته ( عليهم السلام ) ، فوعده قسم منهم ، فطلب أن يأتوا غداً إلى بيته محلقين رؤوسهم ، فجاءه أربعة منهم فقط .
وتحرك عدد من كبار الصحابة من المهاجرين والأنصار ، فتكلموا مع الأنصار ، وناظروا القرشيين وخطبوا في المسجد ، وأدانوا السقيفة ، واستنكروا عزل قريش لعترة النبي ( صلى الله عليه وآله ) وطالبوا بتنفيذ وصيته في عترته ( عليهم السلام ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 50 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وخطبت فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) في المسجد خطبة صريحة بليغة ، أدانت فيها السقيفة لأنها انقلابٌ من الأمة بعد رسولها ( صلى الله عليه وآله ) ، وطالبت الأنصار بالجهاد ، لمنع الانقلاب ، وتدارك آثاره الكارثية على الأمة .
وكان آخر ما قام به علي ( عليه السلام ) عندما جاءه اثنا عشر صحابياً من المهاجرين والأنصار ، وأخبروه بأنهم قرروا أن ينزلوا أبا بكر عن منبر النبي ( صلى الله عليه وآله ) يوم الجمعة ، فنهاهم عن فعل ذلك لأنهم قلة ، والأنصار منقسمون مترددون ، والطلقاء ملؤوا المدينة حتى صاروا أكثر من أهلها ، وهم مستعدون لسفك الدماء لأجل الخلافة !
وأمرهم أن يقيموا الحجة على أبي بكر وعمر ، وحضر معهم ، وكانت جمعة حافلة ، كسروا فيها حجة أبي بكر وعمر ، فذهبا مع أنصارهما إلى بيوتهم ، ولم يأتوا إلى المسجد إلا بعد ثلاثة أيام ، وقد حضَّروا الطلقاء لقتال من خالفهم .
روى في الإحتجاج : 1 / 97 : « عن أبان بن تغلب قال : قلت لأبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق ( عليه السلام ) : جعلت فداك هل كان أحد في أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أنكر على أبي بكر فعله وجلوسه مجلس رسول ( صلى الله عليه وآله ) ؟ قال : نعم كان الذي أنكر على أبي بكر اثنا عشر رجلاً . من المهاجرين : خالد بن سعيد بن العاص ، وكان من بني أمية ، وسلمان الفارسي ، وأبو ذر الغفاري ، والمقداد بن الأسود ، وعمار بن ياسر ، وبريدة الأسلمي . ومن الأنصار : أبو الهيثم بن التيهان ، وسهل وعثمان ابنا حنيف ، وخزيمة بن ثابت ذو الشهادتين ، وأبي بن كعب ، وأبو أيوب الأنصاري . قال : فلما صعد أبو بكر المنبر تشاوروا بينهم فقال بعضهم لبعض : والله لنأتينه ولننزلنه عن منبر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ! وقال آخرون منهم : والله لئن فعلتم ذلك إذا أعنتم على أنفسكم فقد قال الله عز وجل : وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 51 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الْتَّهْلُكَةِ فانطلقوا بنا إلى أمير المؤمنين لنستشيره ونستطلع رأيه ، فانطلق القوم إلى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بأجمعهم فقالوا : يا أمير المؤمنين تركت حقاً أنت أحق به وأولى به من غيرك ، لأنا سمعنا رسول الله يقول : علي مع الحق والحق مع علي يميل مع الحق كيف ما مال . ولقد هممنا أن نصير إليه فننزل عن منبر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فجئناك لنستشيرك ونستطلع رأيك ، فما تأمرنا ؟
فقال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : وأيم الله لو فعلتم ذلك لما كنتم لهم إلا حرباً ، ولكنكم كالملح في الزاد وكالكحل في العين ، وأيم الله لو فعلتم ذلك لأتيتموني شاهرين بأسيافكم مستعدين للحرب والقتال وإذا لأتوني فقالوا لي بايع وإلا قتلناك ، فلا بد لي من أدفع القوم عن نفسي ، وذلك أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أوعز إلي قبل وفاته وقال لي : يا أبا الحسن إن الأمة ستغدر بك من بعدي وتنقض فيك عهدي ، وإنك مني بمنزلة هارون من موسى ، وإن الأمة من بعدي كهارون ومن اتبعه والسامري ومن اتبعه ! فقلت : يا رسول الله فما تعهد إلي إذا كان كذلك ؟ فقال : إذا وجدت أعواناً فبادر إليهم وجاهدهم ، وإن لم تجد أعواناً كف يدك واحقن دمك حتى تلحق بي مظلوماً . فلما توفي رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) اشتغلت بغسله وتكفينه والفراغ من شأنه ، ثم آليت على نفسي يميناً أن لا أرتدي برداء إلا للصلاة حتى أجمع القرآن ، ففعلت ، ثم أخذت بيد فاطمة وابني الحسن والحسين ، فدرت على أهل بدر وأهل السابقة فناشدتهم حقي ودعوتهم إلى نصرتي ، فما أجابني منهم إلا أربعة رهط : سلمان وعمار وأبو ذر والمقداد ، ولقد راودت في ذلك بقية أهل بيتي ، فأبوا علي إلا السكوت لما علموا من وغارة صدور القوم وبغضهم لله ورسوله ولأهل بيت نبيه .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 52 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فانطلقوا بأجمعكم إلى الرجل فعرفوه ما سمعتم من قول نبيكم ، ليكون ذلك أوكد للحجة وأبلغ للعذر وأبعد لهم من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) إذا وردوا عليه . فسار القوم حتى أحدقوا بمنبر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وكان يوم الجمعة ، فلما صعد أبو بكر المنبر قال المهاجرون للأنصار : تقدموا وتكلموا فقال الأنصار للمهاجرين : بل تكلموا وتقدموا أنتم فإن الله عز وجل بدأ بكم في الكتاب . . . فأول من تكلم به خالد بن سعيد بن العاص . . » . ثم ذكر خطبة سعيد ، ورد عمر بن الخطاب عليه ، وجواب سعيد الشديد له ، وانكسار عمر . وذكر خطب البقية . .
ثم قال : « قال الصادق ( عليه السلام ) : فأفحم أبو بكر على المنبر حتى لم يحر جواباً ، ثم قال : وليتكم ولست بخيركم ، أقيلوني أقيلوني ! فقال له عمر بن الخطاب : إنزل عنها يا لكع ! إذا كنت لا تقوم بحجج قريش لمَ أقمت نفسك هذا المقام ؟ والله لقد هممت أن أخلعك وأجعلها في سالم مولى أبي حذيفة !
قال : فنزل ثم أخذ بيده وانطلق إلى منزله ، وبقوا ثلاثة أيام لا يدخلون مسجد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ! فلما كان في اليوم الرابع جاءهم خالد بن الوليد ومعه ألف رجل ( يقصد هيأ ألفاً ) فقال لهم : ما جلوسكم فقد طمع فيها والله بنو هاشم ؟ وجاءهم سالم مولى أبي حذيفة ومعه ألف رجل ، وجاءهم معاذ بن جبل ومعه ألف رجل ، فما زال يجتمع إليهم رجل رجل حتى اجتمع أربعة آلاف رجل ، فخرجوا شاهرين بأسيافهم يقدمهم عمر بن الخطاب ، حتى وقفوا بمسجد رسول الله ، فقال عمر : والله يا أصحاب علي لئن ذهب منكم رجل يتكلم بالذي تكلم بالأمس لنأخذن الذي فيه عيناه !
فقام إليه خالد بن سعيد بن العاص وقال : يا ابن صهاك الحبشية أبأسيافكم تهددوننا ، أم بجمعكم تفزعوننا ، والله إن أسيافنا أحد من أسيافكم ، وإنا لأكثر
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 53 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
منكم وإن كنا قليلين ، لأن حجة الله فينا . والله لولا أني أعلم أن طاعة الله ورسوله ( صلى الله عليه وآله ) وطاعة إمامي أولى بي ، لشهرت سيفي وجاهدتكم في الله إلى أن أبلي عذري ! فقام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وقال : أجلس يا خالد ، فقد عرف الله لك مقامك وشكر لك سعيك . فجلس .
وقام إليه سلمان الفارسي فقال : الله أكبر الله أكبر ! سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بهاتين الأذنين وإلا صُمَّتَا ، يقول : بينا أخي وابن عمي جالس في مسجدي مع نفر من أصحابه ، إذ تكبسه جماعة من كلاب أصحاب النار ، يريدون قتله وقتل من معه ، فلست أشك إلا وإنكم هم !
فهمَّ به عمر بن الخطاب ، فوثب إليه أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وأخذ بمجامع ثوبه ثم جلد به الأرض ، ثم قال : يا ابن صهاك الحبشية ! لولا كتاب من الله سبق وعهد من رسول الله تقدم ، لأريتك أينا أضعف ناصراً وأقل عدداً !
ثم التفت إلى أصحابه فقال : انصرفوا رحمكم الله ، فوالله لا دخلت المسجد إلا كما دخل أخواي موسى وهارون ، إذ قال له أصحابه : فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ . والله لا دخلته إلا لزيارة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أو لقضية أقضيها ، فإنه لا يجوز لحجة أقامها رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أن يترك الناس في حيرة » !
وهذه الفقرة الأخيرة تحدد موقف علي ( عليه السلام ) من نظام الخلافة القرشية بدقة .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 54 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

( 8 ) عناصر موقف علي ( عليه السلام ) من نظام الخلافة القرشية

أ . قرر الإمام ( عليه السلام ) أن لا يقاومهم بالقوة ، لأن النبي ( صلى الله عليه وآله ) أمره إن لم يجد ناصراً أن يحقن دمه ودم أهل بيته . قال ( عليه السلام ) كما في كتاب سليم بن قيس / 215 : « أخبرني رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بما الأمة صانعة بي بعده ، فلم أك بما صنعوا حين عاينته بأعلم مني ولا أشد يقيناً مني به قبل ذلك ، بل أنا بقول رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أشد يقيناً مني بما عاينت وشهدت ! فقلت : يا رسول الله ، فما تعهد إلي إذا كان ذلك ؟ قال : إن وجدت أعواناً فانبذ إليهم وجاهدهم ، وإن لم تجد أعواناً فاكفف يدك واحقن دمك حتى تجد على إقامة الدين وكتاب الله وسنتي أعواناً » .
ب . أعلن ( عليه السلام ) أنه لن يعترف بشرعية نظامهم ، إلا اعتراف المُكره المُجبر ، لمن أجبره وقهره . ولذلك قال المفيد ( رحمه الله ) إنه ( عليه السلام ) لم يبايع ولا ساعة !
ومن العجيب أن من خالفنا يحتجون بأنه ( عليه السلام ) بايع ، حتى لو كان مجبراً أو مكرهاً ، مع أنهم يروون أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) قال : إنما الأعمال بالنيات ، وإنه لا قيمة لفعل أكره عليه صاحبه ، ولا يصح فعلٌ من مكرهٍ . فكيف تصح بيعة المُكره ؟ !
قال المفيد في المقنعة / 612 : « ولا يصح بيع بإكراه ، ولا يثبت إلا بإيثار واختيار » .
وقال الشيخ الأنصاري في المكاسب : 3 / 311 : « الإكراه لغة وعرفاً : حمل الغير على ما يكرهه . ويعتبر في وقوع الفعل عن ذلك الحمل اقترانه بوعيد منه مظنون الترتب على ترك ذلك الفعل ، مُضِرٍّ بحال الفاعل أو متعلقه ، نفساً أو عرضاً أو مالاً » .
وفي صحيح البخاري : 8 / 57 : « باب لا يجوز نكاح المكره . عن خنساء بنت خذام الأنصارية أن أباها زوجها وهي ثيب ، فكرهت ذلك ، فأتت النبي فرد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 55 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
نكاحها . . باب إذا اكره حتى وهب عبداً أو باعه لم يجز . . » . راجع : فتح الباري : 12 / 280 ، وتحرير المجلة : 3 / 156 ، مادة : 948 . وكافة مصادر الفقه .
ج . أعلن الإمام ( عليه السلام ) أنه سيلتزم بالحضور في المسجد ليزور قبر النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، ويبين للأمة الشريعة ويقضي بينهم ، لأن النبي ( صلى الله عليه وآله ) نصبه حجة لأمته ، ولا يجوز له أن يترك الناس في حيرة . وأنه سيصلي مفرداً ، ولا يأتم بمن نصبوه .
د . أعلن الإمام ( عليه السلام ) أن سيعتزلهم ، فلا يكون جزء من جهازهم الإداري ، ولا يقبل مناصبهم ، لأنه يحرم عليه أن يقبل تأمير أحد عليه ، فذلك ينقض تأمير الله والنبي ( صلى الله عليه وآله ) له على الأمة ! ولذلك لم يؤمِّر عليه النبي ( صلى الله عليه وآله ) في حياته أحداً أبداً بينما أمَّره على جميع الصحابة ، وأمَّر بعضهم على بعض .
بل نهاه النبي ( صلى الله عليه وآله ) أن يتقدم عليه أحد من الصحابة ، حتى في مجلس أو طريق !
قال أحمد بن همام فيما رواه في الإحتجاج ( 1 / 291 ) : « أتيت عبادة بن الصامت في ولاية أبي بكر فقلت : يا عبادة أكان الناس على تفضيل أبي بكر قبل أن يستخلف ؟ فقال : يا أبا ثعلبة إذا سكتنا عنكم فاسكتوا ولا تبحثونا ! فوالله لعلي بن أبي طالب كان أحق بالخلافة من أبي بكر ، كما كان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أحق بالنبوة من أبي جهل ! قال : وأزيدكم : إنا كنا ذات يوم عند رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فجاء علي وأبو بكر وعمر إلى باب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فدخل أبو بكر ثم دخل عمر ثم دخل عليٌّ على أثرهما ، فكأنما سفي على وجه رسول الله الرماد ! ثم قال : يا عليُّ أيتقدمانك هذان ، وقد أمَّرك الله عليهما ؟ فقال أبو بكر : نسيت يا رسول الله ، وقال عمر : سهوت يا رسول الله ! فقال رسول الله : ما نسيتما ولا سهوتما ! وكأني
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 56 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بكما قد سلبتماه ملكه وتحاربتما عليه ، وأعانكما على ذلك أعداء الله وأعداء رسوله ! وكأني بكما قد تركتما المهاجرين والأنصار يضرب بعضهم وجوه بعض بالسيف على الدنيا ! ولكأني بأهل بيتي وهم المقهورون المشتتون في أقطارها وذلك لأمر قد قضي ! ثم بكى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) حتى سالت دموعه ثم قال : يا عليُّ الصبرَ الصبرَ حتى ينزل الأمر ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، فإن لك من الأجر في كل يوم ما لا يحصيه كاتباك . فإذا أمكنك الأمر فالسيفَ السيفَ ، القتلَ القتلَ ، حتى يفيئوا إلى أمر الله وأمر رسوله ، فإنك على الحق ، ومن ناواك على الباطل ، وكذلك ذريتك من بعدك إلى يوم القيامة » .
ولهذا لم يقبل أمير المؤمنين ولا الحسنان ( عليهم السلام ) أي منصب من أبي بكر وعمر وعثمان ، ففي الفتوح لابن الأعثم : 1 / 57 ، أن أبا بكر قال لعمر : « إني عزمت على أن أوجه إلى هؤلاء القوم علي بن أبي طالب فإنه عدل رضا عند أكثر الناس لفضله وشجاعته وقرابته وعلمه وفهمه ورفقه بما يحاول من الأمور ، قال : فقال له عمر بن الخطاب : صدقت يا خليفة رسول الله وسلم ! إن عليا كما ذكرت وفوق ما وصفت ولكني أخاف عليك خصلة منه واحدة ، قال له أبو بكر ( صلى الله عليه وآله ) وما هذه الخصلة التي تخاف علي منها منه ؟ فقال عمر : أخاف أن يأبى لقتال القوم فلا يقاتلهم فإن أبى ذلك فلم تجد أحداً يسير إليهم إلا على المكروه منه ، ولكن ذر علياً يكون عندك بالمدينة فإنك لا تستغني عنه وعن مشورته ، واكتب إلى عكرمة بن أبي جهل فمره بالمسير إلى الأشعث وأصحابه ، فإنه رجل حرب وأهلٌ لما أهل له ، فقال أبو بكر : هذا هو الرأي . «
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 57 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وروى المسعودي في مروج الذهب : 2 / 309 ، أن عثمان أشار على عمر بعد هزيمة المسلمين في معركة الجسر فقال له : « ابعث رجلاً له تجربة بالحرب وبَصَر بها ، قال عمر : ومن هو ؟ قال : علي بن أبي طالب ، قال : فالقه وكلمه وذاكره ذلك ، فهل تراه مسرعاً إليه أولا ؟ فخرج عثمان فلقي علياً فذاكره ذلك فأبى علي ذلك وكرهه ، فعاد عثمان إلى عمر فأخبره ، فقال له عمر : ومن ترى ؟ قال : سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ، قال : ليس بصاحب ذلك . . » .
وروى في شرح النهج : 9 / 174 : « قيل لعمر : ولِّ علياً أمر الجيش والحرب ، فقال : هو أتيه من ذلك » ! والتحفة العسجدية ليحيى بن الحسين بن القاسم / 142 .
وفي فتوح البلاذري : 2 / 313 : « كتب المسلمون إلى عمر يعلمونه كثرة من تجمع لهم من أهل فارس ويسألونه المدد . . . وعرض على عليٍّ الشخوص فأباه » .
بل امتنع علي ( عليه السلام ) حتى من مرافقة عمر عندما ذهب إلى الشام ، فقد روى في شرح النهج : 12 / 78 ، والتحفة العسجدية / 146 ، عن ابن عباس أن عمر قال له : « يا ابن عباس أشكو إليك ابن عمك سألته أن يخرج معي فلم يفعل ، ولم أزل أراه واجداً ، فيمَ تظن موجدته ؟ قلت : يا أمير المؤمنين إنك لتعلم ! قال : أظنه لا يزال كئيباً لفوت الخلافة . قلت : هو ذاك ، إنه يزعم أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أراد الأمر له . فقال : يا ابن عباس ، وأراد رسول الله الأمر له ، فكان ماذا إذا لم يرد الله تعالى ذلك ؟ ! إن رسول الله أراد أمراً وأراد الله غيره فنفذ مراد الله تعالى ولم ينفذ مراد رسوله ! أوَكلما أراد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) كان ! » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 58 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وكان يجب أن يقول عمر : أراد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أمراً وأردنا غيره ، لأن الله تعالى لم يرد غيره ، بل سمح بمخالفة الرسل وأعطى الحرية للبشر ، وهذا السماح إرادة تكوينية لا تشريعية حتى يصح نسبة الأمر إلى تعالى ، وإلا كانت كل المعاصي منه سبحانه !
أما الحسنان ( عليهما السلام ) فروى أنهما شاركا في الفتوحات في عهد عثمان ، رواه البلاذري ( 2 / 411 ) بصيغة تضعيف ، قال : « فغزا سعيد طبرستان ، ومعه في غزاته فيما يقال الحسن والحسين أبناء علي بن أبي طالب ( عليهم السلام ) » .
لكن لو شاركا لاشتهر ذلك ، ويكفي لرد ذلك أن أمير المؤمنين كان شديد المحافظة على حياتهما ( عليهم السلام ) ، وفي ذهابهما خطر على حياتهما من المنافقين قبل المعارك وقد بعث أمير المؤمنين ( عليه السلام ) من يرد الإمام الحسن ( عليهما السلام ) من المعركة في صفين ، وقال كما في نهج البلاغة ( 2 / 186 ) : « وقد رأى الحسن ( عليه السلام ) يتسرع إلى الحرب : إملكوا عني هذا الغلام ، لا يهدني ، فإني أنفس بهذين ، يعني الحسن والحسين على الموت ، لئلا ينقطع بهما نسل رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ) .
وبسبب ما قدمناه ، لم يذكر أحد أن علياً ( عليه السلام ) شارك بنفسه في حرب المتنبئين خارج المدينة وضواحيها ولا في حروب الفتوحات ، فلو حضر في أي منها لاشتهر ذلك ، لأن مكانه ودوره ( عليه السلام ) في المعارك لا يخفى .
وهذا تطبيق منه ( عليه السلام ) لعناصر موقفه من السلطة .
وكأن قبوله قيادة جيش يعني اعترافه بأن الخليفة قائده ، والاعتراف الاختياري عنده مخالفة للنبي ( صلى الله عليه وآله ) الذي لم يؤمِّر أحداً عليه طول عمره ، ولم يبعثه إلا أميراً على الصحابة واجب الطاعة . فبماذا يجيب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لو قال له : لقد حفظتُ مقامك الرباني فلم أؤمر عليك أحداً ، وأخبرتك بأن الأمة ستغدر بك
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 59 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بعدي ، وأوصيتك أن تحفظ دمك إن لم تجد أنصاراً ، وأن تبايعهم وتؤمرهم على نفسك مجبراً فقط ، فلماذا أمَّرتهم على نفسك اختياراً ؟ !
وبماذا يجيب الحسنان ( عليهما السلام ) إذا سألهما النبي ( صلى الله عليه وآله ) : لقد جعلكما الله إمامين لتقتدي أمتي بكما ، ولم أؤمر عليكما أحداً ، فلماذا أمَّرتما على نفسيكما وأنتما مختارين ؟ !
ه‍ . أعلن الإمام ( عليه السلام ) أنه سينصح الحاكم الذي ينصبونه ، بما يحقق مصلحة الإسلام وأهله ، ويوجه شيعته وأنصاره في هذا الاتجاه لخدمة للإسلام وأمته .
و . سيكون مراقباً لعمل الحاكم ، فيحثه إن قصر ، ويشير عليه وينصح ، ويسمع له ويطيع بشكل عام ، لكن إذا رأى خطأ صحح له أو انتقد ، ليقلل بذلك الانحراف عن سنة النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، ما أمكن .
ز . فسر الإمام الباقر ( عليه السلام ) حيثيات هذا الموقف فقال : « إن الناس لما صنعوا ما صنعوا إذ بايعوا أبا بكر لم يمنع أمير المؤمنين ( عليه السلام ) من أن يدعو إلى نفسه إلا نظراً للناس وتخوفاً عليهم أن يرتدوا عن الإسلام فيعبدوا الأوثان ، ولا يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) . وكان الأحب إليه أن يقرهم على ما صنعوا من أن يرتدوا عن جميع الإسلام ، وإنما هلك الذين ركبوا ما ركبوا ، فأما من لم يصنع ذلك ودخل فيما دخل فيه الناس على غير علم ولا عداوة لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، فإن ذلك لا يكفره ولا يخرجه من الإسلام . ولذلك كتم علي ( عليه السلام ) أمره وبايع مكرهاً حيث لم يجد أعواناً » . ( الكافي : 8 / 295 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 60 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد طبَّق أمير المؤمنين ( عليه السلام ) موقفه في تعامله مع نظام أبي بكر وعمر وعثمان ، ولم يخضع لضغوط الترغيب والترهيب الكثيرة .
وعمل في نفس الوقت لتكون له مع الحاكم علاقة شخصية هادئة ، ليطمئن بأنه لن يخرج عليه ، ويقبل منه النصح ، ولا تأخذه العزة بالإثم .
وقد فرح أبو بكر وعمر بهذا الموقف ، رغم بعض عناصره ، فلا مانع عندهما أن لا يعترف بشرعية نظامهما ، ولا يصلي خلف الحاكم ، ويجلس في زاويته في المسجد ويبين الشريعة ، ما دام يسكت عنهم . بل قالوا له : « إن بايعت كففنا عنك ، وأكرمناك ، وقربناك وفضلناك . وإن لم تفعل قتلناك » . ( كتاب سليم / 216 ) .
وروى المؤرخون أن أبا بكر وعمر لما رأيا اهتمام علي ( عليه السلام ) وآراءه الصائبة ونصحه لهم في تدبير حرب المرتدين والفتوحات ، طمعا بأن يقبل منهما قيادة جيش بمرسوم خلافي ، لكنه لم يكن يقبل ، وكان يقترح عليهم قائداً كفوءاً ، وربما أخذا برأيه فيه ، وربما لم يأخذا !
لهذا لا يصح القول إن علياً ( عليه السلام ) اعتزل الشؤون العامة بنحو مطلق ، لأنه كان يحضر يومياً لزيارة قبر النبي ( صلى الله عليه وآله ) ويصلي عنده ، ويجلس لمراجعات الناس وبيان الشريعة . فهذا واجب عليه بموجب أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) نصبه حجة للأمة .
نعم يصح القول إنه اعتزل ( عليه السلام ) نسبياً ، وكان أوج اعتزاله في الشهرين الأولين حتى تفاقمت حركة طليحة الأسدي المتنبئ ، واستجابت له قبائل كثيرة ، وبلغ عدد قواته في حائل وسميراء وبزاخة عشرين ألفاً وأكثر . ثم اتخذ معسكراً في ذي القَصَّة قرب المدينة ، وكان أنصاره فيه نحو عشرة آلاف مقاتل ، وأرسل إليهم حِبَال بن أخيه سلمة بن خويلد الأسدي ، قائداً ، وكان فارساً مشهوراً .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 61 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

( 9 ) مشاركة علي ( عليه السلام ) بالفتوح لا تُحَمِّلُهُ مظالم الفاتحين

من المؤكد أن الأمة لو أطاعت نبيها ( صلى الله عليه وآله ) وسلمت قيادتها لعلي وأئمة العترة ( عليهم السلام ) لقادوا سفينتها وسفينة العالم في مسار آخر ، لا مثيل له .
ويكفي دليلاً عليه أن الله تعالى أعطاهم علم الكتاب ، فهم أهل العلم واليقين ، وغيرهم أهل الظنون والاحتمالات ، ونَزْرٍ من العلم .
وقد روى الجميع أن الله تعالى أمر نبيه ( صلى الله عليه وآله ) أن يُعِدَّ علياً ( عليه السلام ) وأن يدنيه ويعلمه فقال له : « إني أمرت أن أدنيك ولا أقصيك ، وأن أعلمك وأن تعي ، وحق لك أن تعي . قال : فنزلت هذه الآية : وَتَعِيَهَا أُذَنٌ وَاعِيَة » . ( أسباب النزول / 294 ، والدر المنثور : 6 / 260 ، وتفسير الطبري : 29 / 69 ، وابن أبي حاتم : 10 / 3369 ، والقرطبي : 18 / 264 ، وغيرهم ) .
وقد حاول ابن تيمية وابن كثير ( 8 / 211 ) تضعيف هذا الحديث ، لكن أبا حاتم أخرجه ، وهو عند ابن تيمية لا يُخرج إلا الصحيح .
فأئمة العترة ( عليهم السلام ) أئمة ربانيون ، مُلهمون مهديون ، لو حكموا لأداروا الدولة بعلم وهدى ، ولعمموا الإسلام على العالم في أقصر مدة ، وأقاموا دولة العدل العالمية ، وأعمروا الأرض والحياة بما عندهم من علوم ، ورفعوا مستوى وعي الناس وثقافتهم ، ومعيشتهم .
لكن الأمة لم تطع نبيها ( صلى الله عليه وآله ) فيهم ، واختارت غيرهم ، فكان الأئمة ( عليهم السلام ) يوجهون الأمة والحكام إذا قبلوا منهم ، ويعطونهم من العلم بقدر ما يحفظ بقاء الإسلام وأمته ، كما قال الله تعالى : وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ . ثم لا يكونون مسؤولين عن انحرافاتهم .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 62 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وعليه ، فبراءة أمير المؤمنين ( عليه السلام ) من ظلامات الفتوحات ، لا يتوقف على نفي إذنه بها ، أو رضاه ، ولا على نفي مشاركته فيها ، فلا تلازم بين أي من هذه الثلاثة وبين تحمل مسؤولية ظلامات الفاتحين والولاة .
ومثاله أن تأذن ببناء مسجد يتولاه غيرك ، فتضع له خريطة البناء ، وتساهم في تكاليفه ، وتدفع مهندسين للعمل به ، وأنت تعرف أن المتولي سيغصب أموالاً وأعياناً وينفقها فيه ، ويجبر أشخاصاً على العمل فيه ، ثم يستعمله لأغراض مفيدة ومضرة . فإن علمك بذلك لا يجعلك شريكاً في فعل المتولي ، ولا يمنعك من المشاركة ، ما دام وجود المسجد ضرورة ، أو وجوده خيراً من عدمه !
فينبغي الالتفات إلى أن مشاركة عليٍّ ( عليه السلام ) في دفع هجوم جيش طليحة عن المدينة وفي حروب الردة والفتوحات ، لها صيغ عديدة ، بعضها لا يستلزم تأييده لنظام الحكم ، ولا يتنافى مع رفضه النظام والخليفة ، وبعضها يستلزم نوعاً من الاعتراف به ، كقبوله أن يكون منصوباً من قبله مأموراً منه ، وقد نهاه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أن يقبل بإمرة من أمَّره الله عليهم .
وقد تصور بعضهم أن إذنه ( عليه السلام ) ورضاه ، أو مشاركته مطلقاً ، حتى في التدبير والإدارة ، بنفسه أو بأصحابه وتلاميذه وفرسانه . . كل ذلك يتنافى مع كونه الإمام المعصوم الموصى له من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) !
وهذا خطأ ، فليست كل صور المساعدة والمشاركة تستوجب ذلك .
ومن الواضح أن حكم الحسن والحسين حكم أبيهما ( عليهم السلام ) ، لأن الله تعالى أمرهما على الأمة بعده بنص النبي ( صلى الله عليه وآله ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 63 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وعمدة ما يستدل به أصحاب هذا الرأي عدم أهلية الخليفة وقادته الفاتحين ، وفقدانهم الشروط الضرورية لفتح البلاد وهداية العباد ، وما ارتكبوه من مظالم لا يقرها الإسلام . ثم يؤيدون ذلك برفض الإمام ( عليه السلام ) أن يتولى منصباً .
قال السيد جعفر مرتضى في كتابه ( مختصر مفيد : 6 / 144 ) ما خلاصته : « إن الفتوحات والاستيلاء على البلاد والعباد ليست غاية للإسلام ، بل الغاية هي نشر الدين والحق والعدل والإيمان ، من قبل من يحق له أن يتصدى لذلك ، وبرعاية وهداية ودلالة ، وتفويض من قبل المعصوم ، وبإجازة ورضى منه .
والأمور بغاياتها ودوافعها . . فإذا كان الدافع هو رضا الله تعالى ، وروعيت في الفتوحات جميع الشرائط الشرعية ، ومنها استجازة المعصوم في التصدي لمثل هذا الأمر الخطير . . أمكن القول : إن ما فعلوه من فتوحات كان حسناً .
ولكن الفاتحين كانوا لا يعترفون بالإمام الحق ، بل يناوؤونه ويتآمرون عليه ، ولا يراعون موازين القسط والعدل في الناس الذين يتسلطون عليهم ، ولا يهتمون بأمر الدعوة إلى الله ونشر الدين فيهم ، بل يمارسون الظلم والتعدي ، والعسف والإذلال !
وقد نتج عن تلك الفتوحات مصائب وبلايا ، وكوارث ورزايا ، سواء في المجال الاجتماعي أم التربوي ، أم الالتزام الديني . وبسببها دخلت الشبهات وراج الفساد والانحراف في المجتمعات الإسلامية ، واختلطت المفاهيم ، وظهرت الدعوات الهدامة ، وما إلى ذلك من أمور اتسع بسببها الخرق على الراقع ، وكانت قاصمة الظهر وضياع العمر وبوار الدهر . .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 64 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وإذا كان قواد الجيوش الفاتحة هم الفسقة الفجرة ، من أمثال خالد بن الوليد ، الغادر ببني جذيمة ، والقاتل لمالك بن نويرة ، والفاجر بامرأة ذلك القتيل في ليلة قتله ، والفار من الزحف بجيش الإسلام في غزوة مؤتة ، فإن على الإسلام السلام ، وعلى البلاد المفتوحة على أيدي هؤلاء أن تنتظر المصائب والبلايا ، والكوارث والرزايا ، ولن تجد لرحمة وعدل الإسلام أية رائحة أو أثر في حياتها الاجتماعية والسياسية ، وغيرها .
هذا بالإضافة إلى أن الجيوش الفاتحة كانت على جهل بأحكام الدين وشرائعه وفي منتهى الشراهة للأموال والتوثب للحصول على السبايا الحسناوات . وإن إلقاء نظرة سريعة على معاملتهم للناس آنئذٍ ، تكفي لإعطاء صورة عن ذلك !
وكنموذج على ذلك نذكر النص التالي من الطبري : 3 / 313 :
« لم يزل أهل أفريقية من أطوع البلدان وأسمعهم إلى زمان هشام بن عبد الملك حتى دب إليهم أهل العراق ، واستثاروهم ، فشقوا العصا وفرقوا بينهم إلى اليوم وكانوا يقولون : لا نخالف الأئمة بما تجني العمال ، فقالوا لهم : إنما يعمل هؤلاء بأمر أولئك . فقالوا حتى نَخْبُرَهُم ، فخرج ميسرة في بضعة وعشرين رجلاً فقدموا على هشام فلم يؤذن لهم ، فدخلوا على الأبرش فقالوا : أبلغ أمير المؤمنين : أن أميرنا يغزو بنا وبجنده ، فإذا غنمنا نفَّلهم ويقول : هذا أخلص لجهادنا . وإذا حاصرنا مدينة قدَّمنا وأخّرهم ويقول : هذا ازديادٌ في الأجر ، ومثلنا كفى إخوانه !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 65 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم إنهم عمدوا إلى ماشيتنا ، فجعلوا يبقرون بطونها عن سخالها ، يطلبون الفراء البيض لأمير المؤمنين ، فيقتلون ألف شاة في جلد ، فاحتملنا ذلك !
ثم إنهم سامونا أن يأخذوا كل جميلة من بناتنا ! فقلنا : لم نجد هذا في كتاب ولا سنة ، ونحن مسلمون . فأحببنا أن نعلم أعن رأي أمير المؤمنين هذا ، أم لا » !
ويذكر نص آخر : أن قتيبة بن مسلم أوقع بأهل الطالقان ، فقتل من أهلها مقتلة عظيمة لم يسمع بمثلها ، وصلب منهم سماطين : أربعة فراسخ في نظام واحد الرجل بجنب الرجل ، وذلك مما كسر جموعهم » ! ( النهاية : 9 / 78 ) .
كما أن بعضهم يعطي أماناً لبلد في جرجان ، على أن لا يقتل منهم رجلاً واحداً ، فيقتلهم جميعاً إلا رجلاً واحداً » . ( الطبري : 3 / 324 ) .
وآخر يصالح أهل مدينة قنسرين ويجعل من جملة الشروط : أن يهدم المدينة من الأساس وهكذا كان » . ( الطبري : 3 / 98 ) .
ودعا نائب خراسان : « أهل الذمة بسمرقند ، ومن وراء النهر إلى الدخول في الإسلام ، ويضع عنهم الجزية ، فأجابوه إلى ذلك ، وأسلم غالبهم ، ثم طالبهم بالجزية ، فنصبوا له الحرب ، وقاتلوه » . ( النهاية : 9 / 259 ) .
والجواب عن ذلك :
أولاً : أن هذه الجرائم وأمثالها لا توجب عدم إذن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ولا تجعل مشاركته حراماً ، لأن الفتوحات أمرٌ مركب ، فيه وجوه سلبية وإيجابية ، فلا يصح تقييمه من إحدى الزوايا دون غيرها ، ولا النظر الى مصلحة المجتمع في جيل واحد ، لأن مصالح المجتمع متغيرة ممتدة مع الزمن .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 66 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولو صح إشكالنا على إذن الإمام ( عليه السلام ) ورضاه بالفتوحات بكثرة أضرارها وقلة نتائجها ، لصح الإشكال على نتائج عمل النبي ( صلى الله عليه وآله ) لأنه ما أن أغمض عينيه حتى انقلبت أمته ، فتركت لبَّ رسالته وحكمت بقشورها ، وأبعدت وصيه واضطهدت عترته ( عليهم السلام ) ، وارتكبت فيهم مأساة ممتدة ، وأقامت فيهم مناحة لم يشهد تاريخ الإنسانية أسوأ منها !
إن موقف أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في الفتوحات ينطلق من أن عدمها أسوأ من وجودها بأضعاف ! ويكفي أن نتصور أن الإسلام بقي في الجزيرة في ظروفه بين أطماع قريش والقبائل ، في فقرها وماديتها وصراعاتها ! إذن لتنازعت على الرئاسة وأفنت بعضها بالحروب ، وأنهت الإسلام في مهده ! وتاريخها شاهد على أنها مستعدة لأن تحارب بعضها أربعين سنة ، من أجل ناقة كناقة البسوس ، أو تعصبات جوفاء لقبيلة مقابل غيرها !
كما أن البلاد المفتوحة لو بقيت تحت حكم الفرس والروم ، ولم تدخل شعوبها في الإسلام ، لخسرت الإنجازات العظيمة التي حققتها بسبب الإسلام .
إن انحرافات الفاتحين وولاة المناطق المفتوحة وجرائمهم ، لا تمنع من المشاركة في الفتوحات ، لأن قصده ( عليه السلام ) تحقيق ما يمكن من الخير لتلك الشعوب في كل العصور ، حتى لو كان في الفتوحات أضرارٌ من جهات أخرى .
ثم نقول : نعم لا يمكن الدفاع عن الفاتحين أبداً ، إلا قلة منهم ثبت صلاحهم ، ولا عن ولاة المناطق المفتوحة ، الذين يندر فيهم مثل سلمان وعمار .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 67 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وإذا أردنا استقراء المظالم والمفاسد التي ارتكبها الولاة والفاتحون لملأنا منها مجلداً ، وما أسهل أن نضيف عشرات الجرائم إلى ما ذكره أخونا الفاضل السيد جعفر مرتضى :
منها : قصة صححها علماء السلطة ( سير أعلام النبلاء : 1 / 329 ، وتاريخ دمشق : 65 / 250 ) ، تدل على سفاهة الوالي الذي سلموه مقدرات بلاد الشام :
« غزا يزيد بن أبي سفيان بالناس وهو أمير على الشام ، فغنموا وقسموا الغنائم فوقعت جارية في سهم رجل من المسلمين وكانت جميلة ، فذُكرت ليزيد فانتزعها من الرجل ! ( وفي رواية فاغتصبها يزيد ) وكان أبو ذر يومئذ بالشام ، فأتاه الرجل فشكا إليه ، واستعان به على يزيد ليرد الجارية إليه ، فانطلق إليه معه وسأله ذلك ، فتلكأ عليه ! فقال له أبو ذر : أما والله لئن فعلت ذلك لقد سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول : إن أول من يبدل سنتي رجل من بني أمية ، ثم قام ! فلحقه يزيد فقال له : أذكرك الله عز وجل ، أنا ذلك الرجل ! قال : لا . فرد عليه الجارية » . وصحح الألباني : 4 / 329 ، حديثها ، لكنه حاول التشكيك في القصة !
فهذا الصحابي العادل عندهم ، نصبه أبو بكر قائداً لجيش الشام حسب طلب عمر ، وعزل الفارس التقي النقي خالد بن سعيد بن العاص الأموي ، لمجرد أنه من شيعة علي ( عليه السلام ) ، وقد كان قطع إلى الشام ثلث الطريق !
وجاء القائد الجديد ابن أبي سفيان ، فلم يبرز إلى فارس ولا شارك في معركة ، وكان المسلمون يفتحون ويغنمون ، وجلس مع شلته فذكروا له جارية حسناء لفلان ، فأرسل جنوده فأتوا بها رغم أنف سيدها ، واغتصبها !
ثم طالبه أبو ذر وهو المحترم في جيش الفتح ، فرفض ردها إلى زوجها حتى هدده أبو ذر بحديث نبوي في ذم بني أمية ، فقبل بردها على مضض !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 68 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ومات يزيد بن أبي سفيان ، أو سَمَّهُ أخوه معاوية وتولى مكانه ، وكان أسوأ منه !
ومنها : أن الخليفة قد يأمر بهدم مدينة أو قرية ! ففي بغية الطلب : 1 / 332 : « كتب لعمير بن سعد عهداً بأن يخرب عرب سوس ، إذا لم يستجيبوا لشروطه ، فلما خربها بعد سنة علم عمر بذلك فضربه بالدرة ، فدخل عليه عمير منفرداً وطلب منه عهده الذي كتبه إليه فقال عمر : رحمك الله فهلا قلت لي ذلك وأنا أضربك قال كرهت أوبخك يا أمير المؤمنين » !
ومنها : ما رواه الواقدي ( 1 / 109 ) بسند صحيح ، من أن قسماً من جنود الفتح كانوا يشربون الخمر : « كنت مع أبي عبيدة بالشام فكتب إلى عمر بن الخطاب يخبره بفتح الشام وفي الكتاب إن المسلمين يشربون الخمر واستقلوا الحد » !
ومنها : أن القادة الأبرار الذين فتحوا بلاد الشام بتضحياتهم ، قُتلوا فيها بيد معاوية الذي حكمها ! كما حَدَث لحجر بن عدي وأصحابه رضي الله عنهم ، الذين قتلهم معاوية لأنهم رفضوا أن يتبرؤوا من علي ( عليه السلام ) ، فاعتقلهم في الكوفة وأحضرهم إلى الشام ، وقتلهم بمرج عذراء ، قرب دمشق وهم الذين فتحوه !
قال الطبري : ( 4 / 205 ) : « قال لهم ( حِجْر ) : دعوني أتوضأ . قالوا له : توضأ . فلما أن توضأ قال لهم : دعوني أصلي ركعتين ، فأيمن الله ما توضأت قط إلا صليت ركعتين . قالوا : ليصل . فصلى ثم انصرف فقال : والله ما صليت صلاة قط أقصر منها ، ولولا أن تروا أن ما بي جزع من الموت لأحببت أن أستكثر منها ، ثم قال : اللهم إنا نستعديك على أمتنا ، فإن أهل الكوفة شهدوا علينا ، وإن أهل الشام يقتلوننا ! أما والله لئن قتلتموني بها ، إني لأول فارس من المسلمين هلَّلَ في واديها
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 69 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأول رجل من المسلمين نبحته كلابها ! فمشى إليه الأعور هدبة بن فياض بالسيف . . وقتله مع أصحابه بأمر معاوية !
ولما رأت عائشة معاوية قالت له : « يا معاوية أما خشيت الله في قتل حجر وأصحابه ! قال : لست أنا قتلتهم إنما قتلهم من شهد عليهم » ! ( الطبري : 4 / 208 ) .
أما مالك الأشتر بطل معركة اليرموك الذي قطف النصر للمسلمين ، وهزم هرقل من سوريا ، فقد اعترض مع تسعة زعماء ، على حاكم العراق الأموي قريب عثمان ، عندما قال إن العراق بستانٌ لبني أمية ! فردوه فشكاهم إلى عثمان فنفاهم إلى الشام ، فناظرهم معاوية فغلبوه وفضحوه ، وطالبوه منه أن يعتزل عمل المسلمين ، لأن فيهم من هو خيراً منه !
فشكاهم معاوية إلى عثمان فنفاهم إلى حمص ، وأمر حاكمها أن يجعلهم في الدروب ، أي في طريق هجمات الروم على المسلمين ، لعلهم يقتلونهم !
وأسماؤهم حسب رواية الطبري ( 3 / 367 ) : « مالك بن الحارث الأشتر ، وثابت بن قيس النخعي ، وكميل بن زياد النخعي ، وزيد بن صوحان العبدي ، وجندب بن زهير الغامدي ، وجندب بن كعب الأزدي ، وعروة بن الجعد ، وعمرو بن الحمق الخزاعي » . وهم من أبطال الفتوحات ، ومالك هو الذي فتح سوريا !
فيقال : كيف يأذن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) لأحد أو يشارك في فتح الشام ، وهو يعلم أن عمر سيولي سفهاء ويسلطهم على أهلها وأعراضها ومقدراتها ؟ !
وكيف يرسل عليٌّ ( عليه السلام ) أمثال هؤلاء الأبطال لفتح الشام ، وهو يعلم أن الخليفة سيضع ثمار جهادهم بيد أناس يسفكون حتى دماء الفاتحين ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 70 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والجواب : أن هذه المظالم كلها صحيحة ، وما هو أعظم منها ، لكن المصلحة التي تترتب على فتح هذه المناطق ، وإدخال أهلها في الإسلام ، واستبدال حكامها الظلمة بحكام أقل ظلماً ، أهم من هذه الأضرار وإن كانت عظيمة .
وقد شهد المؤرخون وشعوب البلاد المفتوحة بأن المسلمين كانوا أرحم الفاتحين وأن حكامهم على ظلمهم ، كانوا أقل ظلماً من حكام هرقل وكسرى .
بل نلاحظ أن شعوب المنطقة ، طلبت من المسلمين مراراً فتح بلادهم ، وتخليصهم من الاستعمار الروماني والفارسي .
على أنه إذا ثبت عمل المعصوم ( عليه السلام ) فلا نحتاج إلى تبريره ، لأنه يكون مصلحةً ، حتى لو لم نعرف وجه الحكمة فيه .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 71 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الثاني : تمهيدات ربانية للفتوحات الإسلامية

الدولتان الكبريان : الروم وفارس

كانت الدولتان الكبريتان في العالم عند بعثة النبي ( صلى الله عليه وآله ) : دولة الروم ، وعاصمتها القسطنطينية ، التي أسسها الإمبراطور قسطنطين ، وهي إستامبول .
ودولة فارس ، وعاصمتها المدائن التي أسسها كسرى ، وهي قرب بغداد ، واسمها الآن سلمان باك ، أي سلمان الطاهر ، لأن فيها قبر سلمان الفارسي . وما زال فيها هيكل طاق كسرى الضخم ، وهو الصالة الكبرى في قصر كسرى .
فكان كسرى يحكم قسماً من العراق مباشرة ، وقسماً بواسطة المناذرة ، وكان في العراق قبائل عربية كبيرة أكبرها ربيعة بفروعها .
وكانت البحرين ومحيطها تحت حكم كسرى مباشرة أيضاً ، يعين لها حاكماً يسمى المرزبان ، وأبرز قبائلها عبد القيس وتميم .
وكانت اليمن تحت حكم كسرى فيها حاكم فارسي إلى جنب الملك ، من أبناء الذين حرروها من الحبشة مع سيف بن ذي يزن ، وكان فيها قبائل قوية عديدة كهمدان وكندة .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 72 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وكانت قبائل الحجاز شبه مستقلة ، وأبرزها قريش بسبب ولايتها للكعبة ، وأكثرها عدداً تميم ، وهوازن في نجد .
وشمل حكم كسرى بلاد فارس وما وراء النهر وقسماً من الهند ، وكانت بلاد الشام منطقة صراع بين الفرس والروم ، وقد غلب عليها الفرس ، فأخبر القرآن بأن الروم سيغلبونهم بعد بضع سنين ، فغلبوهم أيام معركة بدر .
وكانت أمبراطورية الروم أوسع ، إذ تشمل أكثر أوروبا الغربية والشرقية . وكان قيصر روما الشرقية في القسطنطينية يحكم تركيا وبلاد الشام وفلسطين ومصر والحبشة ، ويمد منها نفوذه إلى أفريقيا ، كما يمد نفوذه من جهة الشام إلى الجوف في وسط الجزيرة ، ويطمع أن يخضع المدينة ، ويقضي على النبوة .
وكان اليهود عملاء للرومان الذين دمروا دولتهم ، وبعضهم عملاء للفرس الذين دمروا دولتهم من قبل ، وقد هاجرت قبائل منهم إلى أرض العرب ، تنتظر النبي الموعود ، على أمل أن يكون من أبنائهم !
أما بقية دول العالم فكان أهمها الهند والصين ، وكان ينظر إليهما على أنهما دولتان نائيتان مقفلتان على نفسيهما . وكانت توجد ممالك صغيرة تحكمها أسر وقبائل .
ونورد خلاصة عن ملوك الروم وفارس ، من كتاب المؤرخ ابن واضح اليعقوبي . قال في تاريخه ( 1 / 153 ) : « وكان أول من ملك من ملوك الروم فخرج من مقالة اليونانية إلى النصرانية : قسطنطين . . وقد ملك قسطنطين خمساً وخمسين سنة . ثم ملك يوليانوس سنة واحدة ، ثم ملك دسيوس سنة واحدة ، وفي أيامه ظهر
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 73 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أصحاب الكهف بعد موتهم ثلاث مئة وتسع سنين . . ثم ماتوا فبنوا على المغارة مسجداً يصلى فيه . .
ثم ملك والنطيانوس أربع سنين ، ثم ملك تيدوسوس الأكبر سبع عشرة سنة . ثم ملك ابن أخيه تيدوسوس الأصغر والنطيانوس سبعاً وعشرين سنة . ثم ملك مرقيانوس خمس سنين . ثم ملك بعده اليون واليموس سبع عشرة سنة ، ثم ملك زينون ثماني عشرة سنة ، ثم ملك انسطاسيوس سبعاً وعشرين سنة .
ثم ملك يوسطوس الثاني تسعاً وعشرين سنة ، وفي عصره ولد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) .
ثم ملك يوسطوس الثالث ، عشرين سنة . ثم ملك طيبريوس ، أربع سنين . ثم ملك هرقل وقسطنطين ابنه . . وكان ملكهما اثنتين وثلاثين سنة . ثم ملك قسطنطينوس ثماني عشرة سنة ، ثم ملك بطرخ رومية ثلاث سنين ، ثم ملك فلسعررنى أربع سنين ، ثم ملك اليون وقسطنطين ابنه تسعاً وعشرين سنة .
وكانت مملكتهم من حد الفرات إلى حد الإسكندرية ، مما صار في أرض الإسلام ، سوى ما بأرض الروم ، مما هو في أيديهم إلى هذه الغاية . .
وكانت أعظم مدائنهم : الرها من أرض الجزيرة ، وهي من ديار مضر ، ثم أنطاكية ، وبها كرسي بطرس وكف يحيى بن زكرياء ، في كنيسة القسيان ، وهي الكرسي الرابع والبطرك الكبير .
فما كان في مملكة الروم وصار في الإسلام : أرض الجزيرة من حران والرها وسائر كورها ، وبالس ، وسميساط ، وملطية ، وأذنة ، وطرسوس ، وجند قنسرين ، والعواصم وسائر كورها ، وجند حمص ، ومدينة حمص إحدى المدن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 74 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
المعدودة في مملكة الروم ، ثم اللاذقية ، وهي من حمص أيضاً . وجند دمشق ، وكان عمال ملك الروم بها آل جفنة من غسان . وجند الأردن ، وكانت إليهم أيضاً ، وعمالها من قبل ملك الروم من آل جفنة الغسانيين . وجند فلسطين ، وتنيس ، ودمياط ، والإسكندرية .
ثم لهم ما خلف الدرب إلى بلاد الصقالبة والألان ، والإفرنج ، ومن المدن التي في بلاد الروم المشهورة المعروفة مثل : رومية ، ونيقية ، وقسطنطينية ، وأماسية ، وخرشنة ، وقره ، وعمورية ، وصمله ، والقلمة ، وسلندوا ، وهرقلة ، وصقلية ، وقلطينة ، وأنطاكية المحترقة ، ودهبرناطه ، وملوية ، وسلوقية ، وامريه ، وقونية ، وجيوس ، وبلوس ، وبراوعس ، وسلنيقة » .
* *
وقال اليعقوبي ( 1 / 158 ) في تعداد ملوك الفرس ، ملخصاً : « فارس تَدَّعي لملوكها أموراً كثيرة مما لا يقبل مثلها ، من الزيادة في الخلقة ، وطول المدة في العمر .
فالمملكة الأولى عندهم قبل أردشير : شيومرث سبعون سنة ، أوشهنج فيشداد أربعون سنة ، طهمورث ثلاثين سنة ، جم شاد سبع مائة سنة ، الضحاك ألف سنة ، أفريدون خمس مائة سنة ، منوجهر مائة وعشرين سنة .
أفراسياب ملك الترك ، مائة وعشرون سنة ، وطهماسب خمس سنين ، وكيقباذ مائة سنة ، وكي كاووس مائة وعشرون سنة . كي خسرو ستون سنة . كي لهراسب مائة وعشرون سنة . كي بشتاسب مائة واثنتا عشرة سنة . كي أردشير مائة واثنتي عشرة سنة . خماني بنت جهرزاد ثلاثون سنة . دارا بن جهرزاد اثنتا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 75 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عشرة سنة ، ثم قتله الإسكندر الذي يقال له ذو القرنين فافترق ملك فارس ، وملك ملوك يسمون ملوك الطوائف ، وهؤلاء كان ملكهم ببلخ . .
المملكة الثانية : من أردشير بابكان وهو أول ملوك الفرس المتمجسة ، وسمي أردشير شاهنشاه ، وبنى بيت نار بأردشير خره ، ثم صار إلى الجزيرة وأرمينية وأذربيجان ، ثم صار إلى سواد العراق فسكنه ، وصار إلى خراسان فافتتح كوراً منها . . وكان ملكه أربع عشرة سنة .
وملك سابور بن أردشير ، فغزا بلاد الروم ، وفتح منها بلاداً وأسر خلقاً من الروم فبنى مدينة جنديسابور وأسكنها سبي الروم ، وهندس له رئيس الروم القنطرة التي على نهر تستر ، عرضها ألف ذراع .
وفي أيام سابور بن أردشير ظهر ماني بن حماد الزنديق ، فدعا سابور إلى الثنوية وعاب مذهبه ، فمال سابور إليه . وقال ماني : إن مدبر العالم اثنان وهما شيئان قديمان : نور وظلمة ، خالقان ، فخالق خير ، وخالق شر !
فأقام سابور على هذه المقالة بضع عشرة سنة ، ثم أتاه الموبذ ( كبير رجال الدين المجوس ) فقال : إن هذا قد أفسد عليك دينك ، فاجمع بيني وبينه لأناظره ، فجمع بينهما فظهر عليه الموبذ بالحجة ، فرجع سابور عن الثنوية إلى المجوسية ، وهمَّ بقتل ماني فهرب ، فأتى إلى بلاد الهند فأقام بها حتى مات سابور .
ثم ملك بعد سابور هرمز بن سابور وكان رجلاً شجاعاً ، وهو الذي بنى مدينة رامهرمز ، ولم تطل أيامه وكان ملكه سنة واحدة .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 76 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم ملك بهرام بن هرمز ، وكان مشغوفاً بالعبيد والملاهي ، وكتب له تلاميذ ماني أن قد ملك ملك حديث السن كثير التشاغل ، فقدم إلى أرض فارس واشتهر أمره وظهر موضعه فأحضره بهرام ، فسأله عن أمره ، فذكر له حاله ، فجمع بينه وبين الموبذ فناظره ، ثم قال له الموبذ : يذاب لي ولك رصاص يصب على معدتي ومعدتك ، فأينا لم يضره ذلك فهو على الحق . فقال : هذا فعل الظلمة ! فأمر به بهرام فحبس وقال له : إذا أصبحت دعوت بك ، فقتلتك قتلة ما قتل بها أحداً قبلك ، فلم يزل ماني ليله يسلح حتى خرجت نفسه ! وأصبح بهرام فدعا به فوجدوه قد مات ، فأمر بجز رأسه وحشى جسده بالتبن ، وتتبع أصحابه فقتل منهم خلقاً عظيماً . وكانت مدة ملك بهرام ثلاث سنين .
ثم ملك بهرام بن بهرام وكان ملكه سبع عشرة سنة ، ثم ملك بعده ابنه بهرام بن بهرام بن بهرام فكان ملكه أربع سنين . ثم ملك أخوه نرسي بن بهرام تسع سنين . ثم ملك هرمز بن نرسي تسع سنين . وولد له ابن سماه سابور وعقد له الملك ، ومات هرمز وسابور صبي في المهد ، فأقام أهل مملكته متلومين عليه حتى ترعرع وشب ، ثم ظهر منه عتو وجبرية ، فغزا بلاد العرب وغوَّر عليهم المياه .
وغزاه ملك الروم إليانوس فأعانته العرب على سابور ، ثم تسرعت قبائل العرب فأوقعت بسابور في دار ملكه حتى هرب فانتهبت مدينته ، ثم جاء سهم غرب فقتل إليانوس ملك الروم فملكت الروم يوبنيانوس ، فصالح سابور .
وأقام سابور على معاداة العرب لا يظفر بأحد منهم إلا خلع كتفه ، فلذلك سمي سابور ذا الأكتاف . وكان ملكه اثنتين وسبعين سنة .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 77 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم ملك أردشير بن هرمز أخو سابور ، فساءت سيرته ، وقتل من كبار شخصيات الفرس ، فخلعوه بعد أربع سنين .
وملك الفرس سابور بن سابور ، فخضع له أردشير المخلوع ومنحه الطاعة ، وسقط على سابور فسطاط فقتله وكان ملكه خمس سنين .
وملك بعده بهرام بن سابور إحدى عشرة سنة ، وكتب إلى الآفاق يعدهم العدل والإحسان ، ثم ثار عليه قوم فقتلوه .
ثم ملك يزدجرد بن سابور ، وكان فظاً غليظاً قليل الخير كثير الشر ، فسامهم سوء العذاب ، وطال حكمه إحدى وعشرين سنة ، ثم رمَحَهُ فرس فقتله .
ثم ملك بهرام جور بن يزدجرد ، وكان قد نشأ بأرض العرب وأرضعته نساؤهم فقال الفرس : نشأ بأرض العرب ولا علم له بالملك ! وأرادوا أن يملكوا رجلاً غيره فجاءهم فهابوه ، فأخذوا تاج الملك والزينة التي تلبسها الملوك فوضعوهما بين أسدين ، وقالوا لبهرام ولكسرى : أيكما أخذ التاج والزينة من بين هذين الأسدين فهو الملك . فأخذ بهرام جرزاً وتقدم فضرب الأسدين حتى قتلهما ، وأخذ التاج والزينة فأذعنوا له وأعطوه الطاعة ، فوعدهم من نفسه خيراً ، وكتب إلى الآفاق يعدهم بالعدل ، وتوخى عمارة البلاد ، وأكرم مربيه المنذر بن النعمان ورفع منزلته . وكان مغرماً بالصيد فطرحه فرسه فمات ، وكان ملكه تسع عشرة سنة .
ثم ملك يزدجرد بن بهرام سبع عشرة سنة ، وكان له ابنان هرمز وفيروز ، فغلب هرمز على الملك بعد أبيه ، فهرب فيروز ، ولحق ببلاد الهياطلة ( وهي ما وراء خراسان إلى الصين والهند ) فأمده ملكهم بجيش فقاتل أخاه فقتله ، وملك سبعاً
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 78 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وعشرين سنة ، وكان في أيامه جدب وقحط ومجاعة ثلاث سنين ، ثم خصبت البلاد . وغزا بلاد الترك فحفروا له ولجيشه خندقاً فسقط مع جنده فيه فقتل ، فانتقم له الفرس فسار القائد سوخرا فقاتل خاقان الترك ثم تصالح معه على أن يدفع إليه ما حواه من خزائن فيروز ، ويرد أخته .
ثم ملك بلاش بن فيروز أربع سنين ، ثم أخوه قباذ بن فيروز ، وكان صغير السن ، فترك لسوخرا تدبير المملكة ، فلما بلغ قتل سوخرا وقدم مهران ، فغضب عليه الفرس وحبسوه ، وملكوا أخاه جامسب بن فيروز ، فهرب من السجن إلى بلاط الهياطلة وزحف قباذ إلى بلاده فغلب على الملك واشتدت شوكته ، وغزا بلاد الروم ، وكان ملكه ثلاثاً وأربعين سنة .
ثم عهد لابنه أنوشروان بن قباذ ، فعفا عن قوم مخالفين لأبيه ، وقتل مزدق وأصحابه ، الذي كان أمر الناس بأن يتساووا في الأموال والحرم ، وقتل زراذشت بن خركان وأصحابه لما ابتدع في المجوسية . وغزا بلاد الروم ففتح مدناً كثيرة من الجزيرة والشام منها : الرها ، ومنبج ، وقنسرين ، والعواصم ، وحلب ، وأنطاكية ، وأفامية ، وحمص وغيرها ، وأعجبته أنطاكية ، فبنى مدينة مثلها لم يخرم منها شيئاً ، ثم جاء بسبي أنطاكية فأرسلهم فيها ، فلم ينكروا شيئاً .
ومسح أنوشروان أراضي امبراطوريته ووضع عليها الخراج ، ورتب ديوان المقاتلة والسلاح ، وجعل ديوان العطاء ، ودفاتر أسماء الناس وسماتهم ، وسمات الدواب ، وديوان العرض .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 79 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وهو الذي وفد عليه سيف بن ذي يزن ، فأعلمه أن الحبشة قدمت بلاد اليمن ، وغلبت عليها ، وأنه هرقل ملك الروم لم ينصره ، فبعث معه بأهل السجون وأمر عليهم رجلاً من مشيخة قواده شجاعاً مجرباً يقال له وهرز ، فصار إلى بلاد اليمن ، وقتل ملك الحبشة ، وملَّك سيف بن ذي يزن . وكانت مدة ملك أنوشروان ثمانياً وأربعين سنة .
وعقد لابنه هرمز من بعده ، فطمع بمملكته خاقان الترك وزحف عليه بجيشه ودخل بلاد خراسان ، وأقبل ملك الخزر في جموع حتى نزل آذربيجان ، فخاف أنوشروان وأرسل له قائداً مغموراً اسمه بهرام شوبين أو جوبين ، فانتصر على ملك الترك وقتله وكتب بالفتح مع ابنه برموذه إلى هرمز ، فسر به فأكرمه هرمز ، وأجلسه معه على السرير ، فأخبره بما صار إلى أبيه بهرام من الأموال والكنوز ، وأنه كتمها عن هرمز ، فكتب إليه هرمز يأمره أن يحملها إليه ، فخلعه هو وجنده وساءت علاقتهما وأرسل بهرام إلى خاقان ملك الترك يطلب صلحه على أن يرد عليه كل أرض حازها من بلاده .
وسار بهرام إلى الري ودبر أن يوقع الخلاف بين هرمز وبين ابنه كسرى أبرويز ، فأراد هرمز أن يحبس ابنه كسرى ، فهرب إلى آذربيجان ، فاجتمع إليه رؤساؤه وبايعوه . وكتب قادة جيش أبيه له بالبيعة فقدم من آذربيجان ، فخلعوا أباه وملكوه فحبس أباه وسمل عينيه ! وكان ملك هرمز اثنتي عشرة سنة .
واستقام أمر كسرى أبرويز لكنه اختلف مع بهرام فتفرق عنه جنده فلحقته خيل بهرام فهرب حتى طلب طعاما فلم يجد إلا خبز شعير . ثم ذهب إلى الرها
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 80 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يريد مورق ملك الروم لينصره على بهرام ، فنصره وزوجه ابنته ، وشرط عليه شروط قبلها كسرى ووجه معه جيشاً ووجه معه أخاه ثيادوس ، فتوجه إلى آذربيجان وكانت بينه وبين بهرام معركة شديدة انهزم فيها بهرام وهرب إلى ملك الترك . واستقام الأمر لكسرى ابرويز ، فكتب إلى ملك الروم بذلك ، فأهدى له ثوبين فيهما الصلب فلبسهما ، فقال الفرس : قد تنصر ، ثم كتب في النصارى أن يكرموا ويقدموا ويبرزوا . .
ووثب بَنْدي خال كسرى بثيادوس أخي ملك الروم فصمَّه فوقع الشر ، وقال أخو ملك الروم : إما أن تدفع إلي بندي ، وإما أن يعود الشر ، فسكنه كسرى .
وأما خاقان الترك فأكرم بهرام ، فأرسل له كسرى بهدايا ليقتله فلم يفعل ، فأرسل إلى الخاتون زوجة الخاقان وأهدى لها جواهر ومتاعاً ، وطلب منها أن تقتل بهرام ففعلت ، فاستقامت لكسرى أموره ، ودانت له بلاده .
ثم وثبت الروم بمورق ملكها ، فقتلوه وملكوا غيره ، فجاء ابنه إلى كسرى يستنصره ، فوجه معه جيشاً لكن ابن مورق قتله الروم وملكوا هرقل ، فغزا كسرى وكانت بينهما حروب . وكان ملك كسرى أبرويز ثمانياً وثلاثين سنة » !
أقول : سبي كسرى أهل أنطاكية وأراد إثبات قدرته وقدرة مهندسيه ، فبنى لهم قرب بغداد : « مدينة على مثال أنطاكية ، بأسواقها وشوارعها ودورها ، وسماها رند خسره ، وهي التي يسميها العرب الرومية ، وأمر أن يدخل إليها سبي أنطاكية ، فلما دخلوها لم ينكروا من منازلهم شيئاً ، فانطلق كل رجل منهم إلى منزله ، إلا رجل إسكاف كان على باب داره بأنطاكية شجرة فرصاد ، فلم يرها على بابه ذلك ، فتحير ساعة ثم دخل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 81 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الدار ، فوجدها مثل داره » ! ( تاريخ حلب : 1 / 91 ، والروض المعطار / 276 ، ومعجم البلدان : 2 / 170 ) . وتسمى رومية بغداد أيضاً .
وقال الطبري ( 1 / 528 ) يصف سعة ملك كسرى : « ثم قصد لمدينة هرقل ( القسطنطينية ) فافتتحها ، ثم الإسكندرية وما دونها ، وخلف طائفة من جنوده بأرض الروم ، بعد أن أذعن له قيصر وحمل إليه الفدية ، ثم انصرف من الروم فأخذ نحو الخزر ، فأدرك فيهم تَبَله ( ثأره ) وما كانوا وتروه به في رعيته ، ثم انصرف نحو عدن فسكَّرَ ناحية من البحر هناك بين جبلين مما يلي أرض الحبشة بالسفن العظام والصخور وعمد الحديد والسلاسل ، وقتل عظماء تلك البلاد ثم انصرف إلى المدائن وقد استقام له ما دون هرقلة من بلاد الروم وأرمينية ، وما بينه وبين البحرين من ناحية عدن ، وملَّك المنذر بن النعمان على العرب وأكرمه ، ثم أقام في ملكه بالمدائن ، وتعاهد ما كان يحتاج إلى تعاهده ، ثم سار بعد ذلك إلى الهياطلة مطالباً بوتر فيروز جده » . وبلاد الهياطلة هي ما وراء نهر جيحون ، شرقاً .
وقال المسعودي في مروج الذهب ( 1 / 280 ) : « وكان مبعثه ( صلى الله عليه وآله ) على رأس عشرين سنة من مُلْك كسرى أبرويز . . وكانت سنة إحدى من الهجرة ، وهي سنة اثنتين وثلاثين من ملك كسرى أبرويز ، وسنة تسع من ملك هرقل ملك النصرانية » .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 82 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

رسالة النبي ( صلى الله عليه وآله ) إلى هرقل

بعد صلح الحديبية كتب النبي ( صلى الله عليه وآله ) رسائله وبعثها مع موفديه ، إلى ملوك عصره وعدد من الحكام الصغار ورؤساء القبائل ، وأول من كتب لهم : هرقل وكسرى .
ويظهر أنه ( صلى الله عليه وآله ) لم يرسل إلى كسرى إلا رسالة واحدة ، بينما أرسل إلى هرقل عدة رسائل ، ولعل آخرها رسالته له من تبوك عندما انسحب هرقل بجيشه خوفاً من مواجهة النبي ( صلى الله عليه وآله ) .
أما رسالته الأولى فنصها : « بسم الله الرحمن الرحيم : من محمد بن عبد الله إلى هرقل عظيم الروم : سلام على من اتبع الهدى ، أما بعد ، فإني أدعوك بدعاية الإسلام ، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين ، فإن توليت فإنما عليك أثم الأريسيين و « يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ » . ( مكاتيب الرسول للأحمدي : 2 / 390 )
وفي رواية : « إني أدعوك إلى الإسلام ، فإن أسلمت فلك ما للمسلمين وعليك ما عليهم . فإن لم تدخل في الإسلام فأعط الجزية ، فإن الله تبارك وتعالى يقول : قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ . وإلا فلا تَحُلْ بين الفلاحين وبين الإسلام أن يدخلوا فيه ، أو يعطوا الجزية » .
( مكاتيب الرسول للأحمدي : 2 / 290 و 397 ) . والأريسيون أهل الزراعة ، مقابل البدو ، وهو تعبير آخر عن الفلاحين . ( البكري : 1 / 21 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 83 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي رواية ابن سعد ( 1 / 259 ) أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) بعث رسالته إلى هرقل مع دحية بن خليفة الكلبي ، وكان هرقل يومها في حمص ماشياً في نذر كان عليه إن انتصر على فارس أن يمشي حافياً من قسطنطنية إلى إيليا . فقرأ الكتاب ، وأذن لعظماء الروم في دسكرة له بحمص فقال : يا معشر الروم هل لكم في الفلاح والرشد وأن يثبت لكم ملككم وتتبعون ما قال عيسى بن مريم ؟ قالت الروم : وما ذاك أيها الملك ؟ قال : تتبعون هذا النبي العربي ! قال : فحاصوا حيصة حُمُر الوحش وتفاخروا ، ورفعوا الصليب ! فلما رأى هرقل ذلك منهم يئس منهم وخافهم على نفسه وملكهم فسكنهم ثم قال : إنما قلت لكم ما قلت أختبركم ، لأنظر كيف صلابتكم في دينكم ، فقد رأيت منكم الذي أحب ، فسجدوا له » .
وروى ابن عباس عن أبي سفيان أنه قال : « خرجت للتجارة إلى الشام ، فبينا أنا بالشام إذ جئ بكتاب من رسول الله إلى هرقل ، فأرسل هرقل إليه في ركب من قريش فأتوه وهم بإيلياء ، فدعاهم في مجلسه وهو على رأسه تاج وحوله عظماء الروم ، ودعا بترجمانه فقال : أيكم أقرب نسباً بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي ؟ فقال أبو سفيان : أنا أقربهم نسباً ، فقال : أدنوه مني وقربوا أصحابه ، فاجعلوهم عند ظهره ، ثم قال : إني سائل هذا عن هذا الرجل فإن كذبني فكذبوه ، فقال :
حدثني عن هذا الذي خرج بأرضكم ما هو ؟ قلت : شاب ، قال : كيف نسبه فيكم ؟ قلت : هو فينا ذو نسب . قال : فهل قال هذا القول منكم أحد قط قبله ؟ قلت : لا . قال : فهل كان من آبائه ملك ؟ قلت : لا .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 84 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال : فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم ؟ قلت : بل ضعفاؤهم . قال : أيزيدون أم ينقصون ؟ قلت : لا بل يزيدون ، قال : فهل يرتد أحد منهم عن دينه سخطة له ؟ قلت : لا .
قال : فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال ؟ قلت : لا قال : فهل يغدر ؟ قلت : لا ، قال : فهل قاتلتموه ؟ قلت : نعم ، قال : فكيف كان قتالكم إياه ؟ قلت : الحرب بيننا وبينه سجال . قال : كيف عقله ورأيه ؟ قلت : لم نعب له عقلاً ولا رأياً قط . قال : كيف حسبه فيكم ؟ قلت : هو فينا ذو حسب .
قال لترجمانه : قل له : فما يأمركم به ؟ قلت : يأمرنا بالصلاة والزكاة والصدق والعفاف والصلة ، وأن نعبد الله وحده لا شريك له ، وينهانا عما كان يعبد آباؤنا ويأمرنا بالوفاء بالعهد وأداء الأمانة والطهارة .
فقال لترجمانه : قل له : إني سألتك عن حسبه ، فزعمت أنه فيكم ذو حسب وكذلك الرسل تبعث في أحساب قومها . وسألتك هل كان في آبائه ملك فزعمت أن لا ، فقلت : لو كان من آبائه ملك قلتُ رجل يطلب ملك آبائه . وسألتك عن أتباعه أضعفاؤهم أم أشرافهم فقلت بل ضعفاؤهم ، وهم أتباع الرسل . وسألتك هل تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال ، فزعمت أن لا ، فقد عرفت أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس ثم يذهب فيكذب على الله . وسألتك هل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن يدخله سخطة له فزعمت أن لا ، وكذلك الايمان إذا خالط بَشَاشة القلوب . وسألتك هل يزيدون أو ينقصون فزعمت أنهم يزيدون وكذلك الإيمان حتى يتم . وسألتك هل قاتلتموه ، فزعمت أنكم قد قاتلتموه فيكون الحرب بينكم وبينه سجالاً ينال منكم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 85 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وتنالون منه ، وكذلك الرسل تبتلى ثم تكون لهم العاقبة . وسألتك هل يغدر فزعمت أنه لا يغدر ، وكذلك الرسل لا تغدر . وسألتك هل قال هذا القول أحد قبله فزعمت أن لا ، فقلت : لو قال هذا القول أحد قبله ، قلت : رجل ائتم بقول قيل قبله .
قال ثم قال : إن يكن ما تقول حقاً فإنه نبي ، وقد كنت أعلم أنه خارج ولم أكن أظنه منكم ، ولو أعلم أني أخلص إليه لأحببت لقاءه ، ولو كنت عنده لغسلت قدميه ، وليبلغن ملكه ما تحت قدمي .
قال : ثم دعا بكتاب رسول الله فقرأه . وذكر أن ابن أخ قيصر أظهر الغيظ الشديد ، وقال لعمه : قد ابتدأ بنفسه وسماك صاحب الروم !
فقال : والله إنك لضعيف الرأي ، أترى أرمي بكتاب رجل يأتيه الناموس الأكبر ، وهو أحق أن يبدأ بنفسه ، ولقد صدق أنا صاحب الروم ، والله مالكي ومالكه . قال أبو سفيان : فلما فرغ من قراءة الكتاب ارتفعت الأصوات عنده ، وكثر اللغط فأمر بنا فأخرجنا ، قال : قلت لأصحابي : لقد أمَرَ أمرُ ابن أبي كبشة ، إنه ليخافه ملك بني الأصفر » .
وردَّ قيصر على رسالة النبي ( صلى الله عليه وآله ) فأكرم مبعوثه وأرسل له هدية ، وكتب جوابا ليِّناً ، نصه : « إلى أحمد رسول الله الذي بشر به عيسى ، من قيصر ملك الروم : إنه جاءني كتابك مع رسولك ، وإني أشهد أنك رسول الله نجدك عندنا في الإنجيل ، بشرنا بك عيسى بن مريم ، وإني دعوت الروم إلى أن يؤمنوا بك فأبوا ولو أطاعوني لكان خيراً لهم ، ولوددت أني عندك فأخدمك ، وأغسل قدميك ! فقال رسول الله : يبقى ملكهم ما بقي كتابي عندهم » . ( اليعقوبي : 2 / 77 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 86 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي السنة التاسعة للهجرة قصد النبي ( صلى الله عليه وآله ) معسكر هرقل في تبوك بجيش من ثلاثين ألفاً ، فقرر هرقل أن ينسحب ولا يشتبك مع النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، مع أن ذلك تخاذلٌ منه ، لأن واجب الإمبراطور أن يبادر إلى قتال أي جيش معادٍ من ثلاثين ألفاً يدخل عمق بلاده ويعسكر في مكان قريب منه ، وقد أسر النبي ( صلى الله عليه وآله ) أحد الملوك التابعين لهرقل وهو الأكيدر ، وألزمه أن يكتب معه معاهدة صلح يدفع بموجبها جزية كبيرة مرتين في السنة . كما خاف منه حكام محليون فجاؤوه طائعين أو مكرهين وكتبوا معه معاهدات ، يدفعون بموجبها الجزية .
لكن هرقل فضل أن يواصل استعمال الملاينة والدهاء الغربي ، لكسب الوقت ليُعِدَّ العدة لحرب النبي ( صلى الله عليه وآله ) .
وروت المصادر أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) أرسل إليه من تبوك رسالة قريبة من رسالته الأولى : فدعا هرقل رجلاً من عرب تجيب كان على نصارى العرب فقال : أدع لي رجلاً حافظاً للحديث عربي اللسان ، أبعثه إلى هذا الرجل بجواب كتابه ، فجاء بي ، فدفع إليَّ هرقل كتاباً وقال : إذهب بكتابي إلى هذا الرجل فما ضيعت من حديثه ، فاحفظ لي منه ثلاث خصال : أنظر هل يذكر صحيفته التي كتب إليَّ بشئ ، وانظر إذا قرأ كتابي فهل يذكر الليل ، وانظر في ظهره هل به شئ يريبك . فانطلقت بكتابه حتى جئت تبوك فإذا هو جالس بين ظهراني أصحابه محتبياً على الماء فقلت : أين صاحبكم ؟ قيل ها هوذا ، فأقبلت أمشى حتى جلست بين يديه فناولته كتابي فوضعه في حجره ثم قال : ممن أنت ؟ فقلت : أنا أحد تنوخ . قال : هل لك في الإسلام الحنيفية ملة أبيك إبراهيم ؟ قلت إني رسول قوم وعلى دين
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 87 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قوم لا أرجع عنه حتى أرجع إليهم ، فضحك وقال : إِنَّكَ لا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ .
يا أخا تنوخ إني كتبت بكتابي إلى كسرى فمزقه ، والله ممزقه وممزق ملكه ، وكتبت إلى النجاشي بصحيفة فخرَّقها والله مخرقه ومخرق ملكه ، وكتبت إلى صاحبك بصحيفة فأمسكها فلن يزل الناس يجدون منه بأساً ، ما دام في العيش خير . قلت : هذه إحدى الثلاثة التي أوصاني بها صاحبي ، وأخذت سهماً من جعبتي فكتبتها في جلد سيفي . ثم ناول الصحيفة رجلاً عن يساره . . فإذا في كتاب صاحبي : تدعوني إلى جنة عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ، فأين النار ؟ فقال : سبحان الله ، أين الليل إذا جاء النهار ؟ قال فأخذت سهماً من جعبتي فكتبته في جلد سيفي » . ( سبل الهدى : 11 / 356 ) .
وقد علق النبي ( صلى الله عليه وآله ) على ادعاء هرقل أنه مسلم مؤمنه بنبوته ، فقال : كذب بل هو على نصرانيته » . ( مكاتيب الرسول ( صلى الله عليه وآله ) : 2 / 410 ، وفتح الباري : 1 / 35 ) .
وصدق رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فقد قتل هرقل حاكم عَمَّان لأنه أسلم ، وقتل مبعوث النبي ( صلى الله عليه وآله ) إلى حاكم بصرى ، وقتل يوحنا حاكم إيلات ، لأنه وقع مع النبي ( صلى الله عليه وآله ) معاهدة صلح !
قال الواقدي في المغازي / 615 : « وقدم يُحَنَّه بن رؤبة على النبي ( صلى الله عليه وآله ) وكان ملك أيلة وأشفقوا أن يبعث إليهم رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) كما بعث إلى أكيدر . وأقبل معه أهل جرباء وأذرح فأتوه فصالحهم ، فقطع عليهم الجزية جزية معلومة وكتب لهم كتاباً : بسم الله الرحمن الرحيم هذا أمَنَةً من الله ومحمد النبي رسول الله ، ليُحَنَّهْ بن رؤبة وأهل أيلة لسفنهم وسائرهم في البر والبحر ، لهم ذمة الله وذمة محمد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 88 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
رسول الله ، ولمن كان معه من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر . ومن أحدث حدثاً فإنه لا يحول ماله دون نفسه ، وإنه طيب لمن أخذه من الناس ، وإنه لا يحل أن يمنعوا ماء يريدونه ، ولا طريقاً يريدونه من بر أو بحر » . ومعجم البلدان : 1 / 292 والطبري : 2 / 372 ، وابن هشام : 4 / 952 ، والتبيان : 5 / 172 .
وعن جابر قال : « رأيت يحنة بن رؤبة يوم أتى إلى النبي ( صلى الله عليه وآله ) عليه صليب من ذهب وهو معقود الناصية ، فلما رأى النبي ( صلى الله عليه وآله ) كفَّرَ وأومأ برأسه ( وضع يديه على بعضهما ، وذلك من فعل الفرس والروم في الخضوع لملكهم ) فأومأ إليه النبي إرفع رأسك ! وصالحه يومئذ وكساه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بُرداً يمنية » . ( مغازي الواقدي / 615 ) .
وبلغ خبر يوحنا إلى هرقل فأمر بقتله وصلبه عند قريته ! ( ابن خلدون : 2 / ق 1 / 224 ) .

رسالة النبي ( صلى الله عليه وآله ) إلى كسرى

في السنة السادسة للهجرة بعث النبي ( صلى الله عليه وآله ) رسالة إلى كسرى ، نصها : « بسم الله الرحمن الرحيم . من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس : سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله ، وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمداً عبده ورسوله ، أدعوك بدعاية الله ، فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة لأنذر من كان حياً ، ويحق القول على الكافرين . أسلم تسلم ، فإن أبيت فعليك إثم المجوس » . ( مكاتيب الرسول للأحمدي : 2 / 316 ) .
« فلما وصل إليه الكتاب مزقه واستخف به ، وقال : من هذا الذي يدعوني إلى دينه ، ويبدأ باسمه قبل اسمي ! وبعث إليه بتراب !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 89 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فقال ( صلى الله عليه وآله ) : مزق الله ملكه كما مزق كتابي ، أما إنه ستمزقون ملكه ، وبعث إليَّ بتراب ، أما إنكم ستملكون أرضه ! فكان كما قال ( صلى الله عليه وآله ) . .
كتب في الوقت إلى عامله باليمن باذان ويكنى أبا مهران ، أن احمل إليَّ هذا الذي يذكر أنه نبي ، وبدأ بإسمه قبل اسمي ودعاني إلى غير ديني !
فبعث إليه فيروز الديلمي في جماعة مع كتاب يذكر فيه ما كتب به كسرى ، فأتاه فيروز بمن معه فقال له : إن كسرى أمرني أن أحملك إليه !
فاستنظره ليلة ، فلما كان من الغد حضر فيروز مستحثاً ، فقال النبي ( صلى الله عليه وآله ) : أخبرني ربي أنه قتل ربك البارحة ! سلط الله عليه ابنه شيرويه على سبع ساعات من الليل ! فأمسكْ حتى يأتيك الخبر .
فراع ذلك فيروز وهاله ، وعاد إلى باذان فأخبره فقال له باذان : كيف وجدت نفسك حين دخلت عليه ؟ فقال : والله ما هبت أحداً كهيبة هذا الرجل ! فوصل الخبر بقتله في تلك الليلة من تلك الساعة ، فأسلما جميعاً » . ( المناقب : 1 / 70 ) .
وفي مكاتيب الرسول : 2 / 329 : « فلما قدما عليه المدينة قالا له : شاهنشاه ( ملك الملوك ) كسرى بعث إلى الملك باذان يأمره أن يبعث إليك من يأتي بك ، وقد بعثنا إليك لتنطلق معنا ، فإن فعلت كتب فيك إلى ملك الملوك بكتاب ينفعك ويكف عنك به ! وإن أبيت فهو من قد علمت ، فهو مهلكك ومهلك قومك ومخرب بلادك !
وكانا دخلا على رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) على زي الفرس وقد حلقا لحاهما وأعفيا شواربهما ، فكره النظر إليهما وقال : ويلكما من أمركما بهذا ؟ قالا : أمرنا ربنا يعنيان كسرى ! فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : لكن أمرني ربي بإعفاء لحيتي وقص شاربي ثم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 90 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال لهما : إرجعا حتى تأتياني غداً . وأتى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) الخبر من السماء بأن الله قد سلط على كسرى ابنه فقتله في شهر كذا وكذا ، لكذا وكذا ، في ليلة كذا ، فلما أتاه الرسولان قال : إن ربي قد قتل ربكما ليلة كذا وكذا من شهر كذا وكذا ، بعد ما مضى من الليل سبع ساعات ، سلط عليه شيرويه فقتله ! وهي ليلة الثلاثاء لعشر ليان مضين من جمادى الأولى سنة سبع . . فقالا : هل تدري ما تقول ، إنا قد نقمنا منك ما هو أيسر من هذا فنكتب بها عنك فنخبر الملك أي باذان ؟ قال : نعم أخبرا ذلك عني وقولا له : إن ديني وسلطاني سيبلغ إلى منتهى الخف والحافر ، وقولا له : إنك إن أسلمت أعطيتك ما تحت يديك وملكتك على قومك . . . فخرج الرسولان وقدما على باذان وأخبراه الخبر فقال : والله ما هذا كلام ملك وإني لأراه نبياً . . فلم يلبث باذان أن قدم عليه كتاب شيرويه يخبر بقتل كسرى : أما بعد فقد قتلت كسرى ، ولم أقتله إلا غضباً لفارس فإنه قتل أشرافهم فتفرق الناس ، فإذا جاءك كتابي فخذ لي الطاعة ممن قبلك ، وانظر الرجل الذي كان كسرى يكتب إليك فيه فلا تزعجه ، حتى يأتيك أمري فيه !
فلما أتاه كتاب شيرويه أسلم ، وأسلم معه أبناء فارس الذين كانوا باليمن ، فبعث باذان بإسلامه وإسلامهم إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) . . .
ولما سمعت قريش بأمر كسرى واستخفافه بكتاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وكتابه إلى باذان ليبعثه إلى كسرى أو يقتله ، فرحوا واستبشروا وقالوا نصب له كسرى ملك الملوك ، كفيتم الرجل . . ولكن لما سمعوا برجوع الرسولين وقتل كسرى ، وإسلام باذان وأبناء فارس معه ، صار رجاؤهم خيبة وقنوطاً » !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 91 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وروى القطب الراوندي في الخرائج : 1 / 78 ، أن ملك بابل رأى رؤيا فسأل عنها دانيال ( عليه السلام ) فأخبره بتفسيرها وأن ملكه سيزول ، وبعده يزول ملك الفرس وقال : « فتأويل الرؤيا مبعث محمد ( صلى الله عليه وآله ) تمزقت الجنود لنبوته ، ولم تنتقض مملكة فارس لأحد قبله ، وكان ملكها أعز ملوك الأرض وأشدها شوكة ، وكان أول ما بدأ فيه انتقاضه قتل شيرويه بن أبرويز أباه ، ثم ظهر الطاعون في مملكته وهلك فيه ، ثم هلك ابنه أردشير ، ثم ملك رجل لم يكن من أهل بيت الملك فقتلته بوران بنت كسرى ، ثم ملك بعده رجل يقال له كسرى بن قباد ولد بأرض الترك ، ثم ملكت بوران بنت كسرى ، فبلغ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) تمليكها فقال : لن يفلح قوم أسندوا أمرهم إلى امرأة .
ثم ملكت ابنة أخرى لكسرى فسُمَّت وماتت ، ثم ملك رجل ثم قتل !
فلما رأى أهل فارس ما هم فيه من الانتشار أمَرَ ( كَبُرَ ) ابنٌ لكسرى يقال له : يزدجرد فملكوه عليهم ، فأقام بالمدائن على الانتشار ( تفرق المملكة ) ثماني سنين ، وبعث إلى الصين بأمواله ، وخلف أخاً بالمدائن لرستم فأتى لقتال المسلمين ، ونزل بالقادسية وقتل بها ، فبلغ ذلك يزدجرد فهرب إلى سجستان فقتل هناك » !

بشر النبي ( صلى الله عليه وآله ) بانهيار أمبراطورية الفرس ؟

بشَّر النبي ( صلى الله عليه وآله ) الناس من أول بعثته بأن الله تعالى قد وعده أن ترث أمته أمبراطورية كسرى وقيصر ! وعرف كسرى ببعثة النبي ( صلى الله عليه وآله ) لكنه لم يحرك ساكناً ، واعتبر أن الأمر بعيدٌ عنه والنبي ( صلى الله عليه وآله ) مشغول بصراعه مع قريش ، وكسرى مشغولٌ بمعركته مع هرقل لاسترجاع مصر منه وفلسطين ، فانتصر كسرى في
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 92 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
معركة في أذرعات عند الحدود السورية الأردنية فأنزل الله فيها قوله : بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . اَلَمِ . غُلِبَتِ الرُّومُ . فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ . فِي بِضْعِ سِنِينَ للهِ الأمر مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ . بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ . وَعْدَ اللهِ لا يُخْلِفُ اللهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ . يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ .
يقول عز وجل بذلك لقريش : لا تفرحوا بغلبة الفرس وتقولوا هؤلاء مثلنا وقد غلبوا أهل الكتاب ، ونحن سنغلب محمداً ( صلى الله عليه وآله ) وأتباعه المسلمين أهل الكتاب . فإن ميزان القوة سيتغير بعد قليل ، ويغلب الروم الفرس !
ويقول لهم : إن ما ترونه من أسباب مادية في صراع الناس والدول ، هو ميزان الظاهر ، وفوقه الهيمنة الإلهية على الأسباب والمسببات ، فلا تغتروا بأنكم تملكون ظاهر أسباب النصر على النبي ( صلى الله عليه وآله ) !
قال الحموي في معجم البلدان ( 5 / 140 ) : « ثم ظهرت فارس على الروم وغلبوهم على الشام ، وألحوا على مصر بالقتال ، ثم استقرت الحال على خراج ضرب على مصر من فارس والروم في كل عام . وأقاموا على ذلك تسع سنين . ثم غلبت الروم فارس وأخرجتهم من الشام ، وصار صلح مصر كله خالصاً للروم . وذلك في عهد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في أيام الحديبية وظهور الإسلام ، وكان الروم قد بنوا موضع الفسطاط الذي هو مدينة مصر اليوم ، حصناً سموه قصر اليون ، وقصر الشام ، وقصر الشمع . .
وفي التنبيه للمسعودي / 222 ، أن هذه الآيات نزلت في السنة السادسة للهجرة .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 93 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي مناقب آل أبي طالب : 1 / 93 : « إن قيصر حارب كسرى فكان هوى المسلمين مع قيصر لأنه صاحب كتاب وملة ، وأشد تعظيماً لأمر النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وكان وضع كتابه على عينه ، وأمر كسرى بتمزيقه . . فلما كثر الكلام بين المسلمين والمشركين قرأ الرسول ( صلى الله عليه وآله ) : ألم . غلبت الروم . ثم حدد الوقت في قوله بضع سنين ، ثم أكده في قوله : وعد الله ، فغلبوا يوم الحديبية وبنوا الرومية . وروي عنه ( صلى الله عليه وآله ) : لفارس نطحة أو نطحتان ، ثم لا فارس بعدها أبداً . والروم ذات القرون ، كلما ذهب قرن خلَف قرنٌ هَبْهَبَ ، إلى آخر الأبد » .
وفي تاريخ اليعقوبي ( 1 / 187 ) : « ثم غلبت فارس على الشام في أيام أنوشروان فملكوهم عشر سنين ، ثم ظهرت الروم فكان أهل مصر يؤدون إلى الروم خراجاً وإلى فارس خراجاً يدفعون شر الفريقين . ثم خرجت فارس عن الشام وصار أمرهم إلى الروم ، فدانوا بدين النصرانية » .

كسرى مديونٌ للإمبراطور الروماني موريس !

قال المؤرخ المسيحي المعتدل ابن العبري في تاريخ مختصر الدول / 72 :
« وفي السنة الثامنة لموريقي ( موريس أمبراطور الروم ) وثب الفرس على هرمز ملكهم فسملوا عينيه ثم قتلوه ، وملكوا عليهم بهرام المرزبان .
وكان لهرمز ابنٌ حَدَث اسمه كسرى وهو المعروف بأنوشروان العادل ، فتنكر كأنه سائل وشق سلطان الفرس حتى جاء نصيبين ، وصار إلى الرها ومنها إلى منبج ، وكتب إلى موريقي كتاباً نسخته : للأب المبارك والسيد المقدم موريقي ملك الروم ، من كسرى بن هرمز . السلام . أما بعد فإني أُعلم الملك أن بهرام
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 94 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ومن معه من عبيد أبي ، جهلوا قدرهم ونسوا أنهم عبيد وأنا مولاهم ، وكفروا نعم آبائي لديهم ، فاعتدوا عليَّ وأرادوا قتلي . فهممت أن أفزع إلى مثلك فأعتصم بفضلك ، وأكون خاضعاً لك ، لأن الخضوع لملك مثلك وإن كان عدواً أيسر من الوقوع في أيدي العبيد المردة ، ولأن يكون موتي على أيدي الملوك أفضل وأقل عاراً من أن يجري على أيدي العبيد . ففزعت إليك ثقةً بفضلك ، ورجاء أن تترأف على مثلي وتمدني بجيوشك لأقوى بهم على محاربة العدو ، وأصير لك ولداً سامعاً ومطيعاً إن شاء الله تعالى .
فلما قرأ موريقي كتاب كسرى بن هرمز عزم على إجابة مسألته ، لأنه لجأ إليه وأنجده بعشرين ألفاً ، وسيَّر له من الأموال أربعين قنطاراً ذهباً .
وكتب إليه كتاباً نسخته : من موريقي عبد إيشوع المسيح ، إلى كسرى ملك الفرس ولدي وأخي . السلام . أما بعد فقرأت كتابك وفهمت ما ذكرت فيه من أمر العبيد الذين تمردوا عليك ، وكونهم غمطوا أنعم آبائك وأسلافك غمطاً وخروجهم عليك ودحضهم إياك عن ملكك . فداخلني من ذلك أمرً حركني على الترأف بك وعليك ، وإمدادك بما سألت .
فأما ما ذكرت من أن الاستتار تحت جناح ملك عدو والإستظلال بكنفه ، آثر من الوقوع في أيدي العبيد المردة ، والموت على أيدي الملوك أفضل من الموت على أيدي العبيد . فإنك اخترت أفضل الخصال ورغبت إلينا في ذلك ، فقد صدقنا قولك وقبلنا كلامك ، وحققنا أملك ، وأتممنا بغيتك ، وقضينا حاجتك وحمدنا سعيك ، وشكرنا حسن ظنك بنا ، ووجهنا إليك بما سألت من الجيوش والأموال ، وصيرتك لي ولداً وكنت لك أباً .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 95 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فاقبض الأموال مباركاً لك فيها ، وقُد الجيوش وسر على بركة الله وعونه ، ولا يعترينك الضجر والهلع ، بل تشمر لعدوك ولا تقصر فيما يجب لك إذا تطأطأت من درجتك ، وانحططت عن مرتبتك ، فإني أرجو أن يظفرك الله بعدوك ويكّبه تحت موطئ قدميك ، ويرد كيده في نحره ، ويعيدك إلى مرتبتك برجاء الله تعالى .
فلما وردت الجيوش على كسرى وقبض الأموال تشجع بقراءة كتاب موريقي سار مع جيوش الروم نحو بهرام ، فلقيه بين المدائن وواسط ، فصارت الهزيمة على بهرام وقتل أصحابه كلهم ، واستباح كسرى عساكر بهرام ، ورجع إلى مملكته فجلس فيها وبايعه الناس كلهم .
ودعا بالروم فأحسن جائزتهم وصرفهم إلى صاحبهم . وبعث إلى موريقي من الألطاف والأموال أضعاف ما كان أخذ منه . ورد دارا وميَّافارقين إلى الروم ( منطقتان من تركيا ) وبنى هيكلين للنصارى بالمدائن ، وجعل أحدهما باسم السيدة مريام ، والآخر باسم مار سرجيس الشهيد » .
أقول : بقيت العلاقة جيدة بين الفرس والروم حتى هلك القيصر موريس « موريقي » وقد قتله فوقا ، وهو البطريق فوكاس ونصب نفسه مكانه .
ووقعت العداوة بينه وبين كسرى فغزا كسرى مصر والشام وفلسطين وكانت بينهم معركة في أذرعات أدنى الأرض ، وهي التي ذكرها الله تعالى في قوله : أَلَمِ . غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ .
ثم كان سبب هزيمة كسرى بعد انتصاراته ، أنه أرسل جيشين أحدهما بقيادة شهر براز إلى مصر فملك الإسكندرية وصالحه أهل مصر ، والآخر بقيادة فروخان إلى فلسطين ، فخرب معابد الروم وقتل رجالهم وأسر وسبي ونهب ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 96 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وخرب القدس وخاصة كنيسة القيامة ، وبعث بخشبة الصليب الذهبي الأكبر إلى كسرى - حتى أرجعته ابنته بعد موته - ثم سار إلى الشام فلقي جيوش الروم بأذرعات وبصرى ، فهزمها وسبا وغنم .
ثم قصد بلاد الروم ، فقتل وسبي وخرب مدنها ، حتى نزل على خليج عاصمتهم القسطنطينية ، فحاصرها . ( إمتاع الأسماع : 14 / 171 ) .
وفي أثناء حصارهم العاصمة قتل الروم أمبراطورهم البطريق فوكاس بعد أن حكم ثمان سنين ( ابن خلدون : 2 / 179 ) فجاء هرقل من مصر ، وكان بحاراً من قادة جيش الروم ، فدخل القسطنطينية من البحر وجيش كسرى محاصرٌ لها ، فرضي به الروم واستبشروا ونصبوه أمبراطوراً .
واستطاع هرقل أن يخدع كسرى ، وأن يتفق ضده مع قائد جيشه شهر براز !
فكتب إلى كسرى يعرض عليه : « أن يلتزم في كل سنة بحمل ألف قنطار من ذهب ، وألف قنطار من فضة ، وألف جارية بكر ، وألف فرس ، وألف ثوب أطلس ، وأن يعجل قطيعة سنة ، فالتزم ذلك وسأل أن يفرج عن حصاره ، وأن يمهله ستة أشهر حتى يخرج إلى الأعمال ويهئ ذلك منها . كل ذلك خديعة منه ، فمشي على كسرى ذلك وأمر بالإفراج عنه ، فتنحت العساكر إلى بعض المروج ، وخرج هرقل من القسطنطينية بعد ما أقام عليها أخاه قسطنطين ، وانتخب معه خمسة آلاف فارس ، فأوغل في بلاد أرمينية وقصد الجزيرة ونزل على نصيبين ، وقاتل أهلها حتى ملكها ، وقتل الفرس أفدح قتل وأسر ، وسبا وخرب المدن ، فبعث كسرى بعسكر إلى الموصل ، وكتب يستدعي شهر براز لمحاربة هرقل ، فأعلن انضمامه إلى هرقل انتقاماً من كسرى الذي أراد قتله ! فقويت شوكة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 97 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
هرقل وسار الجيشان إلى داخل العراق وأوقعا بجنود كسرى حتى قاربا المدائن فاستطاع كسرى أن يوقع بين شهر براز وهرقل ، فانسحب هرقل إلى بلاده ، لكن بعد أن ترك عدوه كسرى يتخبط مع قادته ! ( إمتاع الأسماع : 14 / 173 ) .
فأصل ضعف كسرى بسبب تنمره على قائديه شهر براز وفروخان ، فقد أرسل إلى كل منهما أن يقتل الآخر ، فاتفقا مع هرقل على الإطاحة بكسرى !
واتفق المؤرخون على أن كسرى كان مغروراً متكبراً ، يحتقر الروم ويشتمهم ، وقد ساءت أخلاقه بعد خيانة قائدي جيشه له ، وتواطؤهم مع هرقل وهزيمته على يده ، وأساء الظن بكبار قادته ووزرائه ومدرائه ، فسجن منهم نحو ثلاثين ألفاً ، وأراد أن يقتلهم ، فدبروا له ابنه شيرويه فقتله . ( راجع : تاريخ الطبري : 1 / 592 ، وتاريخ اليعقوبي : 1 / 172 ، والأخبار الطوال / 106 ) .

كان كسرى عبقرياً ، لكنه جبارٌ عنيدٌ !

كان كسرى عندما هلك في أوج عزه ، فأمبراطوريته ممتدة من الهند إلى مصر والنوبة ، وقد نظمها أفضل تنظيم ، نافس الدولة الرومانية وتنظيماتها .
وأحاط نفسه بهالة من المراسم لا نظير لها عند عدوه هرقل الذي يعتبره بحاراً صار أمبراطوراً . كان إيوان كسرى « الصالة الكبرى في قصره » يبلغ ارتفاعه أكثر من خمسين متراً ، وطوله وعرضه نحو ذلك ، وهو مُنَجَّدٌ بلوحات مجسمة من الفن الفارسي عليها صور أمجاده ، ومؤثث بأفخر الكراسي والمقاعد ، وفيه عرش الشاه الذي لا نظير له في العالم ، فهو مسرح تتدرج فيه أرائك الوزراء ، وفي أعلاها أريكة الشاه ، يجلس فوقها بلباسه الحريري الموشى ، وتاجه المرصع
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 98 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بأنواع الجواهر ، يبدو كأنه على رأسه ، لكنه ضخم ثقيل لذلك علقوه في السقف بخيوط لا تظهر ، وكان كسرى يدخل رأسه فيه فيظهر كأنه يلبسه ! ومن أراد أن ينظر إليه يجب أن يرفع رأسه نحو الأعلى ، أما الذي يريد أن يكلمه فيحتاج إلى إذن خاص ، ومراسم لمخاطبته ، أو نقل الكلام إليه وتلقي الجواب من ملك ملوك الأرض ، إن تفضل عليه وأجابه !
وحوله الوزراء وكبار الموظفين كالمجسمات المنظمة الخائفة ، وله نحو عشرون ابناً كل واحد منهم أمير منطقة ، أو قائد في جيشه ، أو مسؤول في خدمة أبيه !
قال الطبري ( 1 / 528 ) يصف سيطرة كسرى على أكثر العالم في عصره : « سار نحو أنطاكية بعد سنين من ملكه ، وكان فيها عظماء جنود قيصر فافتتحها ، ثم أمر أن تصور له مدينة أنطاكية على ذرعها وعدد منازلها وطرقها وجميع ما فيها ، وأن يبتنى له على صورتها مدينة إلى جنب المدائن ، فبنيت المدينة المعرفة بالرومية على صورة أنطاكية ، ثم حمل أهل أنطاكية حتى أسكنهم إياها ، فلما دخلوا باب المدينة مضى أهل كل بيت منهم إلى ما يشبه منازلهم التي كانوا فيها بأنطاكية كأنهم لم يخرجوا عنها !
ثم قصد لمدينة هرقل ( القسطنطينة ) فافتتحها ، ثم الإسكندرية وما دونها . وخلف طائفة من جنوده بأرض الروم بعد أن أذعن له قيصر وحمل إليه الفدية .
ثم انصرف من الروم فأخذ نحو الخزر فأدرك فيهم وتره وما كانوا وتروه به في رعيته ، ثم انصرف نحو عدن فسكر ناحية من البحر هناك بين جبلين مما يلي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 99 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أرض الحبشة ، بالسفن العظام والصخور ، وعمد الحديد والسلاسل ، وقتل عظماء تلك البلاد .
ثم انصرف إلى المدائن وقد استقام له ما دون هرقلة من بلاد الروم وأرمينية ، وما بينه وبين البحرين من ناحية عدن ! وملَّك المنذر بن النعمان على العرب وأكرمه ، ثم أقام في ملكه بالمدائن ، وتعاهد ما كان يحتاج إلى تعاهد .
ثم سار بعد ذلك إلى الهياطلة ( الترك والمغول ) مطالباً بوتر فيروز جده . . أتاهم فقتل ملكهم واستأصل أهل بيته ، وتجاوز بلخ وما وراءها وأنزل جنوده فرغانة .
ثم انصرف من خراسان فلما صار بالمدائن وافاه قوم يستنصرونه على الحبشة فبعث معهم قائداً من قواده في جند من أهل الديلم وما يليها ، فقتلوا مسروقاً الحبشي باليمن ، وأقاموا بها .
ولم يزل مظفراً منصوراً تهابه جميع الأمم ، ويحضر بابه من وفودهم عدد كثير من الترك والصين والخزر ونظرائهم . وكان مكرما للعلماء .
وملك ثمانياً وأربعين سنة ، وكان مولد النبي ( صلى الله عليه وآله ) في آخر ملك أنو شروان . . قال هشام وكان ملك أنوشروان سبعاً وأربعين سنة . قال وفى زمانه ولد عبد الله بن عبد المطلب أبو رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في سنة اثنتين وأربعين من سلطانه » .
قال الحموي في معجم البلدان ( 1 / 294 ) : « إيوان كسرى الذي بالمدائن . . من أعظم الأبنية وأعلاها ، رأيته وقد بقي منه طاق الإيوان حسب ، وهو مبني بآجر طول كل آجرة نحو ذراع في عرض أقل من شبر وهو عظيم جداً . . وقد كان في
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 100 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الإيوان صورة كسرى أنوشروان وقيصر ملك أنطاكية ، وهو يحاصرها ويحارب أهلها . . ومن أحسن ما قيل في الإيوان قول أبي عبادة البحتري ( منها ) :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] حضرت رحلي الهموم فو * جهت إلى أبيض المدائن عنسي
لو تراه علمت أن الليالي * جعلت فيه مأتماً بعد عرس
وهو ينبيك عن عجائب قوم * لا يشاب البيان فيهم بلبس
فإذا ما رأيت صورة أنطا * كية ارتعت بين روم وفرس
والمنايا مواثل وأنو شروان * يزجي الصفوف تحت الدرفس
في اخضرار من اللباس على * أصفر يختال في صبيغة ورس
وعراك الرجال بين يديه * في خفوت منهم وإغماض جرس
من مشيح يهوي بعامل رمح * ومليح من السنان بترس
تصف العين أنهم جد * أحياء لهم بينهم إشارة خرس
يغتلي فيهم ارتيابي حتى * تتقراهم يداي بلمس
وتوهمت أن كسرى أبرويز * معاطيَّ والبلهبذ أنسي
حلم مطبق على الشك عيني * أم أمان غيرن ظني وحدسي
وكأن الإيوان من عجب الصنعة * جوب في جنب أرعن جلس
يتظنى من الكآبة أن يبدو * لعيني مصبح أو ممس )
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] أقول : يدل عمل كسرى هذه الصورة المجسمة في إيوانه ، على أن هدفه الأول إذلال هرقل والمسيحية ، لأنه اختار تصوير احتلاله لمدينة أنطاكية وهي العاصمة الدينية للروم ، ولم يختر القسطنطينية التي هي عاصمتهم السياسية .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 101 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي مناقب محمد بن سليمان ( 2 / 570 ) عن سنان الرهاوي : « دخلنا المدائن فنظرنا إلى آثار كسرى ، قال جرير بن الغطفان :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] عفت الرياح على رسوم ديارهم * فكأنما كانوا على ميعاد
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] فقال علي ( عليه السلام ) : لا تقل هكذا ولكن قل : كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ . وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ . وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ . كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آَخَرِينَ . فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ . إن هؤلاء كانوا وارثين فأصبحوا موروثين . إن هؤلاء بطروا النعم فحلت بهم النقم » .
وفي عيون المعجزات / 10 : « قدم أمير المؤمنين ( عليه السلام ) المدائن فنزل بإيوان كسرى وكان معه دلف ابن منجم كسرى ، فلما ظل الزوال فقال لدلف : قم معي ، وكان معه جماعة من أهل ساباط ، فما زال يطوف في مساكن كسرى ويقول لدلف : كان لكسرى هذا المكان لكذا وكذا ، فيقول هو والله كذلك ، فما زال على ذلك حتى طاف المواضع بجميع من كانوا معه ، وذلف يقول : مولاي كأنك وضعت الأشياء في هذه الأمكنة » .

لعنة كسرى وطاعون شيرويه !

حكم كسرى في رواية سبعاً وأربعين سنة ، بينما حكم ابنه شيرويه ستة أشهر ، فقد أصابته الكآبة بعد أن قتل أباه وإخوته السبعة عشر فمات ، أو قتلوه !
قال الطبري : 1 / 627 : « وقتل شيرويه سبعة عشر أخاً له ، ذوي أدب وشجاعة ومروءة ، بمشورة وزيره فيروز وتحريض ابن ليزدين والى عشور الآفاق . . فابتلى بالأهقام ولم يلتذ بشئ من لذات الدنيا ، وكان هلاكه بدسكرة الملك ( وهي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 102 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
المقدادية قرب بعقوبة ) وكان مشؤوماً على آل ساسان . فلما قتل إخوته جزع جزعاً شديداً ، ويقال إنه لما كان اليوم الثاني من اليوم الذي قتلهم فيه ، دخلت عليه بوران وآزرميدخت أختاه فأسمعتاه وأغلظتا له ، وقالتا : حملك الحرص على ملك لا يتم ، على قتل أبيك وجميع إخوتك وارتكبت المحارم ! فلما سمع ذلك منهما بكى بكاءً شديداً ورمى بالتاج عن رأسه ، ولم يزل أيامه كلها مهموماً مدنفاً ( مريضاً ) ويقال إنه أباد من قدر عليه من أهل بيته ، وإن الطاعون فشا في أيامه حتى هلك الفرس إلا قليلاً منهم ، وكان ملكه ثمانية أشهر » !
ثم حكم ابنه أردشير سنة ونصفاً . ثم حكم القائد شهر براز أربعين يوماً .
ثم حكم كسرى بن قباذ ثلاثة أشهر . ثم حكمت بوران بنت كسرى سنة ونصفاً وهي التي قال النبي ( صلى الله عليه وآله ) فيها : لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة . ثم حكم فيروز جشنس بنده ستة أشهر . ثم حكمت آزر ميدخت بنت كسرى ، ستة أشهر .
ثم حكم فرُّخْزاذ خسرو بن أبرويز سنة . ثم حكم يزجرد بن شهريار عشرين سنة ، وكان هارباً من المسلمين ، حتى قتله طَحَّانٌ في خلافة عثمان سنة 32 . ( اليعقوبي : 1 / 156 ، والطبري : 1 / 587 ) .
وقال ابن حبيب في المحبر / 177 : « ثم وثب على كسرى إبرويز ابنه شيرويه فقتله وقتل أخوته ، فكان ملكه ثمانية أشهر . وفي ملكه وقع الطاعون في أشراف فارس وعظمائها فماتوا ومات شيرويه فيه . ثم ملك ابنه أردشير بن شيرويه وكان غلاماً فاغتاله شهربراز فقتله ، فكان ملكه سنة إحدى عشرة من الهجرة . ثم ملك بعده شهربراز ثمانية وثلاثين يوماً . ثم ملك بعده ابن أخ لكسرى يقال له كسرى بن قباذ بن هرمز عشرة أشهر ، ثم قتل . ثم ملك رجل من ولد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 103 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أردشير اسمه فيروز خمسين يوماً . يزعمون أن آذرميدخت دست إليه فقتلته . ثم ملكت آذرميدخت أربعة أشهر ثم ماتت . ثم ملك ابن لكسرى صغير يقال له فرُّخْزاذ خسرو أشهراً وأياماً ، ثم مات . فكان جميع من ملك بعد كسرى إلى أن ملك يزدجرد بن شهريار بن كسرى ثمانية نفر ، ملكوا أربع سنين ونصفاً . ثم ملك يزدجرد بن شهريار بن كسرى ، وكان ملكه سنة إحدى عشرة من الهجرة ، وملك عشرين سنة ، وقتل بمرو في خلافة عثمان بن عفان » .
أقول : لاحظ أن الخطة الربانية لتفكيك أمبراطورية الفرس ، بدأت بفقد كسرى حلمه أو تحلمه ، وعدله المزعوم مع رعيته ، ثم طغيانه على الروم ، وتنمره على قائديه الكفوئين شهر براز وفرخان . .
ومن جهة أخرى كيف أنقذ الله عاصمة الروم من الحصار ، على يد بحار وصل في ظرف حساس ، فارتضوه ونصبوه ملكاً ، وأجاد استثمار الفرص حتى قتل كسرى بيد ابنه ، واستعاد ما احتله من بلاد ه ، من مصر إلى أرمينية ، ووصل نفوذ هرقل إلى ما تبقى من عاصمة كسرى والأجنحة المتصارعة فيها !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 104 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

القبائل العربية في العراق في مطلع الإسلام

ذكر المؤرخون أن هجرة العرب إلى العراق والشام وسورية ومصر والبحرين ، قديمة . ولعلها بدأت من أيام الدولة الحمورابية ، أو قبلها بأمد .
ومن المؤكد أن سيل العرم في اليمن كان سبباً لهجرة عدد منهم ، ثم تكاثر القحطانيون والعدنانيون وشكلوا تحالفاً سمي « التَّنُوخ » .
ومن التنوخيين تكونت دولة المناذرة التي رعاها الأكاسرة ، ومنهم من سكن في أرياف الشام والعراق . وروي أن أهل الأنبار كانوا عند الفتح الإسلامي يكتبون بالعربية ، وقد سكنوا فيها من أيام بختنصر . ( الطبري : 2 / 575 )
وقد عرضنا في « سلسلة القبائل العربية في العراق » وجود العرب في العراق قبل الإسلام ، وأن بعض العشائر العربية هاجرت من الخليج والجزيرة في العصر الساساني عبر كربلاء إلى ضفاف نهر نار ملخا ، الذي سمي نهر نينوى ، ومنها عشائر الأزد وكهلان وبنو أسد وتميم ، وغيرهم .
وفي المقتضب لياقوت الحموي / 183 ، أن ربيعة انتشرت شرقي نهر الفرات غرب بغداد ، ثم انتشرت بعد الإسلام غرب دجلة من الموصل إلى نصيبين والخابور ، وعرفت المنطقة بجزيرة ربيعة .
واستقرت تغلب شمال الحيرة على نهر الفرات ، وفي عين التمر .
واستقر بنو يربوع من تميم بين قصر الأخيضر وحروراء في الزكاريط الحالية ، وتسمى الحَزَن . وأرسل الفرس قبائل من بكر بن وائل لاحتلال أرض بني يربوع ، فأخذها بنو سليط من بكر بن وائل .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 105 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أما قضاعة فهي من القبائل التنوخية ، وكانت عين التمر تابعة لهم عندما قامت دولة الحيرة التي أسستها تنوخ سنة 138 م .
وأما أياد فكانوا في دير الجماجم ، وكانت لهم وقعة فيها مع قضاعة ، فقتل فيها من أياد خلق عظيم . ( تاريخ الكوفة / 19 ) .
وقال الدكتور أحمد صالح العلي : أصبحت قبيلة كندة من أقوى قبائل العرب ، وأصبح الحارث بن عمرو أقوى ملوكها وحكم أربعين عاماً ، وولى أولاده على القبائل ، فولى حجراً على أسد وكنانة وغطفان ، وكانوا في وادي الرمله بين جبل شمر وخيبر . وولى شرحبيل على بكر وحنظله والرباب وتميم ، وكانوا في شرقي نجد بين الفرات والبحرين . وولى سلمه على تغلب والنمر بن قاسط ، في بادية الشام . وولى معد بن يكرب على قيس عيلان ، في تهامة والحجاز .
وقال ابن قتيبة إن حجراً ظلم بني أسد فتذمرت منه وثارت عليه ، فبدأت كندة بالسقوط ، وتحالفت أكثر القبائل مع المناذرة .
أما بنو أسد فسكنوا مدينة باروسما بعد القرن الخامس الميلادي أثناء الحكم الساساني للعراق ، وصار لهم رستاق الغاضريات .
كما استوطنت بطون يحابر من ولد كهلان بن سبأ في تل جمل ، في السيب الأعلى في نينوى القديمة . كما وفد إلى عين التمر قبائل عدنانية أهمها ربيعة وقضاعة ، وبكر بن وائل وتغلب . وبنو شيبان . وبنو النمر . ومن قضاعة بهراء ، وكلب .
كانت تَغلب أهم أحلاف المناذرة ، التي هاجرت بعد حرب البسوس ، واستقرت على ضفاف الفرات شمال الحيرة ، وكذا بنو عجل وشيبان ، من بكر بني وائل ، وكان بجانبهم المزارعون النبط ، من بقايا البابليين والسريان .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 106 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
واستقر بنو النمر بن قاسط العدنانيين في رأس العين من أعمال الجزيرة الفراتية .
وقال الطبري : استوطنوا في أطراف الكوفة ورأس العين ، وكانوا متحالفين مع أياد وتغلب ، ومنهم : بنو الحارث ، وبنو الحافي ، وبنو عمران ، وبنو أسلم ، وبنو حلوان ، ونهد جهينة ، وعذرة جرم ، والبرك وكلب ، وأسد ، وحيدان مرة ، وبلي مجيد ، ويزيد ، وبهرا ، وخولان ، وهاني رسوان ، وسعد وداعة ، والأقارع ، ومسبح ، والكحل ، وهزان ، والكرب ، ومنبه ، وبنو جماعة ، وبنو غالب ، وبنو حرب ربيعة ، وبنو أبحر ، والعقارب ، وبنو عوف ، وبنو مالك ، وبنو عبيدة ، وبنو سليح ، وبنو تنوخ القين ، والخش زبيد ، فهؤلاء بطون قضاعة . كما استوطنت بنو زهرة بن كلاب في رأس العين ، بعد فتح العراق .

العلاقة بين القبائل العربية وكسرى

كان العراق والبحرين والجزيرة واليمن تحت نفوذ الفرس ، وقد أقاموا دولة المناذرة وعاصمتها الحيرة لحماية حدود دولتهم . وكانوا يعينون حاكماً للبحرين يسمى مرزبان الزارة ، وهي عين في البحرين . وحاكماً لليمن إلى جنب ملكها الحميري . وكان هامش الحرية للعرب في العراق والجزيرة واليمن أكثر من هامش حريتهم في دولة الغساسنة في الشام والأردن .
ويدل عليه أن الفرس لم يجبروا العرب على اعتناق المجوسية ، مع أنهم متعصبون لها ، فبقي العرب على حنيفية إبراهيم ( عليه السلام ) وخلطوها بعبادة الأصنام !
وكانت علاقة العرب بالفرس هادئة ما عدا فترة سابور الذي سماه العرب « ذو الأكتاف » لأنه كان يعاقب من يغضب عليهم بكسر أكتافهم !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 107 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال اليعقوبي في تاريخه ( 1 / 161 ) : « ومات هرمز وسابور صبي في المهد ، فأقام أهل مملكته متلومين عليه ( ينتظرون أن يكبر ) حتى ترعرع وشب ، ثم ظهر منه عُتُوٌّ وجبرية ( ديكتاتورية ) فغزا بلاد العرب وغَوَّر عليهم المياه ! وغزاه ملك الروم وهو إليانوس فأعانته العرب من جميع القبائل ، ثم تسرعت قبائل العرب إلى سابور فأوقعت به في دار ملكه ، حتى هرب وخلا ملكه ، فانتهبت مدينته وخزائنه ، ثم جاء سهم غرب فقتل إليانوس ملك الروم ، فملكت الروم يوبنيانوس فصالح سابور . وأقام سابور على معاداة العرب لا يظفر بأحد منهم إلا خلع كتفه فلذلك سمي سابور ذا الأكتاف . وكان ملكه اثنتين وسبعين سنة . .
وذكروا أن مالك بن زهير القضاعي سكن وقومه الحيرة ، واجتمع إليهم لما اتخذوا بها المنازل ناسٌ كثير من سواقط القرى ، فأقاموا بها زماناً ، ثم أغار عليهم سابور الأكبر ذو الأكتاف ، فقاتلوه وهزمهم سابور ، فسار معظمهم إلى الجزيرة ، يقودهم الضيزن بن معاوية التنوخي ، فنزلوا الحَضَر ( قرب تكريت ) وهو بناء بناه الساطرون الجرمقاني ، فأقاموا به مع الزباء فكانوا رجالها وولاة أمرها » .
وقال المسعودي في مروج الذهب ( 1 / 110 ) : « فلما بلغ سابور من السن ست عشرة سنة واعد أساورتهُ بالخروج إليهم والِإيقاع بهم . . فأوقع بهم فعمهم القتل فما أفلَتَ منهم إلا نفر لحقوا بأرض الروم ، وخلع بعد ذلك أكتاف العرب ، فسمي بعد ذلك سابوو ذا الأكتاف . . . أتى على بلاد البحرين وفيها يومئذ بنو تميم ، فأمعن في قتلهم ، وفرَّت بنو تميم » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 108 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وصار إهلاك سابور لإياد مثلاً يضرب ، واشتهر البيتان التاليان ، واستشهد بهما أمير المؤمنين ( عليه السلام ) مشبهاً معاوية بسابور ، وهما كما في مروج الذهب ( 1 / 110 ) :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] إن حَيّاً يرى الصلاح فساداً * أو يرى الغي في الأمور رشادا
لقريب من الهلاك كما أه‍ * - لك سابورُ بالسواد أيادا » .
)
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] وذكر في معجم البلدان ( 2 / 267 ) ، أن سابوراً آخر كان ملك الفرس غزا بجيشه حصن الحضر ، وقتل ملكه وسيطر عليه .

طلب النبي ( صلى الله عليه وآله ) من القبائل العراقية أن يأخذوه إليهم

كان العرب يحجون إلى مكة في ذي الحجة ويعتمرون في رجب ، ويقيمون سوق عُكاظ بعد موسم الحج . وقد أمر الله نبيه ( صلى الله عليه وآله ) أن يلتقي بهم ويدعوهم إلى الإسلام ، ويطلب منهم أن يحموه ليبلغ رسالة ربه ، لأن قريشاً منعته من تبليغها .
ففي تفسير العياشي : 2 / 253 ، عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) قال : إكتتم رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بمكة سنين ليس يظهر ، وعلي معه وخديجة ( عليهم السلام ) . ثم أمره الله أن يصدع بما يؤمر ، فظهر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فجعل يعرض نفسه على قبائل العرب .
وعدَّد منها المقريزي في إمتاع الأسماع ( 1 / 49 ) خمس عشرة قبيلة ، فقال : « عرض نفسه على القبائل أيام الموسم ودعاهم إلى الإسلام وهم : بنو عامر ، وغسان ، وبنو فزارة ، وبنو مرة ، وبنو حنيفة ، وبنو سليم ، وبنو عبس ، وبنو نصر ، وثعلبة بن عكابة ، وكندة ، وكلب ، وبنو الحارث بن كعب ، وبنو عذرة ، وقيس بن الخطيم » . ونضيف إليهم قبيلة ثقيف حيث قصدهم في الطائف ، والأوس والخزرج الذين قبلوا عرضه وبايعوه ، فهاجر إليهم .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 109 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي الطبقات : 1 / 216 : « مكث رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ثلاث سنين من أول نبوته مستخفياً ثم أعلن في الرابعة ، فدعا الناس إلى الإسلام عشر سنين يوافي الموسم كل عام ، يتتبع الحاج في منازلهم بعكاظ ومجنة وذي المجاز يدعوهم إلى أن يمنعوه حتى يبلغ رسالات ربه ولهم الجنة فلا يجد أحداً ينصره ولا يجيبه ، حتى إنه ليسأل عن القبائل ومنازلها قبيلة قبيلة ويقول : يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا وتملكوا بها العرب وتذل لكم العجم ، وإذا آمنتم كنتم ملوكاً في الجنة . . جاءنا ثلاثة أعوام بعكاظ ، ومجنة ، وبذي المجاز ، يدعونا إلى الله عز وجل وأن نمنع له ظهره حتى يبلغ رسالة ربه » . وسبل الهدى : 2 / 451 ، والطبري : 2 / 84 .
وروى ابن حبان في الثقات ( 1 / 80 ) وغيره عن علي ( عليه السلام ) قال : « لما أمر الله رسوله أن يعرض نفسه على قبائل العرب خرج وأنا معه وأبو بكر ، حتى دُفعنا إلى مجلس من مجالس العرب ، فتقدم أبو بكر فسلم وقال : ممن القوم ؟ قالوا : من ربيعة . قال : وأي ربيعة أنتم ، أمن هامتها ، أم من لهازمها ؟ فقالوا : لا ، بل من هامتها العظمى . قال أبو بكر : وأي هامتها العظمى أنتم ؟ قالوا : من ذهل الأكبر . قال أبو بكر : فمنكم عوف الذي يقال له لاحُرَّ بوادي عوف ؟ قالوا : لا . قال : فمنكم بسطام بن قيس صاحب اللواء ومنتهى الأحياء ؟ قالوا : لا . قال : فمنكم جساس بن مرة حامي الذمار ومانع الجار ؟ قالوا : لا . قال : فمنكم الحوفزان قاتل الملوك وسالبها أنفسها ؟ قالوا : لا . قال : فمنكم أصهار الملوك من لخم ؟ قالوا : لا . قال أبو بكر : فلستم إذا ذهلاً الأكبر ، أنتم ذهل الأصغر !
فقام إليه غلام من بني شيبان يقال له دغفل حين بَقَل وجهه ( أول ما نبت شعر لحيته ) فقال : على سائلنا أن نسأله ! يا هذا إنك سألتنا فأخبرناك ولم نكتمك شيئاً ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 110 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فممن الرجل ؟ فقال أبو بكر : أنا من قريش . فقال الفتى : بخ بخ أهل الشرف والرئاسة ، فمن أي القرشيين أنت ؟ قال : من ولد تيم بن مرة . قال : أمكنت والله الرامي من صفاء الثغرة ، فمنكم قصي الذي جمع القبائل من فهر ، فكان يدعى في قريش مجمعاً ؟ قال : لا . قال : فمنكم هاشم الذي هشم الثريد لقومه ورجال مكة مسنتون عجاف ؟ قال : لا . قال : فمن أهل الحجابة أنت ؟ قال : لا . قال : فمن أهل الندوة أنت ؟ قال : لا . قال : فمنكم شيبة الحمد عبد المطلب مطعم طير السماء الذي كأن وجهه القمر يضئ في الليلة الظلماء الداجية ؟ قال : لا . قال : فمن أهل السقاية ؟ قال : لا !
واجتذب أبو بكر زمام الناقة فرجع إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فقال الغلام :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] صادف درأُ السيل درأً يدفعه * يُهيضه حيناً وحيناً يصدعه !
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] أما والله لو ثبت ! قال فتبسم رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فقال علي ( عليه السلام ) فقلت : يا أبا بكر لقد وقعت من الأعرابي على باقعة ( داهية ) . فقال لي : أجل يا أبا الحسن ، ما من طامة إلا وفوقها طامة ، والبلاء موكل بالمنطق !
قال علي ( عليه السلام ) : ثم دُفعنا إلى مجلس آخر عليهم السكينة والوقار فتقدم أبو بكر فسلَّم وقال : ممن القوم ؟ فقالوا : من شيبان بن ثعلبة ، فالتفت أبو بكر إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فقال : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما وراء هؤلاء القوم عز ، هؤلاء غرر قومهم وفيهم مفروق بن عمرو ، وهانئ بن قبيصة ، والمثنى بن حارثة ، والنعمان بن شريك . وكان مفروق بن عمرو قد غلبهم جمالاً ولساناً ، وكأن غديرتاه تسقطان على تربيته ، وكان أدنى القوم مجلساً من أبي بكر ، فقال أبو بكر :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 111 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كيف العدد فيكم ؟ فقال مفروق : إنا لنزيد على ألف ، ولن يغلب ألف من قلة ! فقال أبو بكر : وكيف المنعة فيكم ؟ قال مفروق : علينا الجهد ، ولكل قوم جد .
قال أبو بكر : كيف الحرب بينكم وبين عدوكم ؟ قال مفروق : إنا لأشد ما نكون غضباً حين نلقى ، وإنا لأشد ما نكونن لقاء حين نغضب ، وإنا لنؤثر الجياد على الأولاد ، والسلاح على اللقاح ، والنصر من عند الله ، يديلنا مرة ويديل علينا أخرى ، لعلك أخو قريش ؟
قال أبو بكر : وقد بلغكم أنه رسول الله ، ها هو ذا . قال مفروق : قد بلغنا أنه يذكر ذلك . قال : فإلى مَ تدعو يا أخا قريش ؟ قال : أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأني رسول الله ، وأن تؤووني وتنصروني ، فإن قريشاً قد تظاهرت على أمر الله فكذبت رسله ، واستغنت بالباطل عن الحق ، والله هو الغني الحميد ! فقال مفروق بن عمرو : إلى ما تدعونا يا أخا قريش ؟ تلا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ .
قال مفروق : وإلى مَ تدعو يا أخا قريش ؟ فتلا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ .
فقال مفروق : دعوت والله يا أخا قريش إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال ، وكأنه أحب أن يشركه في الكلام هانئ بن قبيصة ، فقال : وهذا هانئ بن قبيصة شيخنا وصاحب ديننا .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 112 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فقال هانئ : قد سمعت مقالتك يا أخا قريش ، وإني أرى إن تركنا ديننا واتبعناك على دينك لمجلس جلسته إلينا ، زلةٌ في الرأي وقلة فكر في العواقب ، وإنما تكون الزلة مع العجلة ، ومن ورائنا قوم نكره أن نعقد عليهم عقداً ، ولكن ترجع ونرجع وتنظر وننظر ! وكأنه أحب أن يشركه في الكلام المثنى بن حارثة فقال : وهذا المثنى بن حارثة شيخنا وصاحب حربنا .
فقال المثنى : قد سمعت مقالتك يا أخا قريش والجواب هو جواب هانئ بن قبيصة ، في تركنا ديننا واتباعنا إياك على دينك ، وإنما أنزلنا بين ضرتين . فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : ما هاتان الضرتان ؟ قال : أنهار كسرى ومياه العرب ، وإنما نزلنا على عهد أخذه علينا كسرى لا نحدث حدثاً ولا نؤي محدثاً ، وإني أرى هذا الأمر الذي تدعو إليه مما تكرهه الملوك ، فإن أحببت أن نؤويك وننصرك مما يلي مياه العرب ، فعلنا .
فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : ما أسأتم في الرد إذ أفصحتم بالصدق ، وإن دين الله لن ينصره إلا من أحاطه الله من جميع جوانبه .
أرأيتم إن لم تلبثوا إلا قليلاً حتى يورثكم الله أرضهم وديارهم وأموالهم ويفرشكم نساءهم ، أتسبحون الله وتقدسونه ؟
فقال النعمان بن شريك : اللهم لك ذلك » . ( شرح الأخبار للقاضي النعمان : 2 / 387 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 113 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

وبعد سنوات قليلة كانت معركة ذي قار !

وقعة ذي قار من الوقائع المشهورة في التاريخ ، وننقلها باختصار من تاريخ الطبري ( 1 / 608 ) وغيره من المصادر التي أدرجناها .
كان عدي بن زيد العبادي الشاعر مترجماً لكسرى ، فقتله النعمان بن المنذر ملك الحيرة ، فاستدعى كسرى النعمان فخاف منه ، فمضى سراً إلى ذي قار ، ونزل على هانئ بن مسعود سيد شيبان وبكر بن وائل ، وأودع عنده أمواله ونساءه ، ثم ذهب إلى كسرى فحبسه في خانقين حتى مات في سجنه بل قتله ! ونصب إياس بن قبيصة الطائي ملكاً على الحيرة ، وأمره أن يبعث إليه بتركة النعمان وعائلته والدروع التي كانت لكسرى عنده ، وكانت أربعة آلاف درع برواية اليعقوبي ( 1 / 225 ) ، فأرسل إياس إلى هانئ بن مسعود الشيباني أن يبعث بالأموال والنساء إليه ، فأبى هانئ أن يسلم خَفْرَته وأمانته .
« فلما منعها هانئ غضب كسرى وأظهر أنه يستأصل بكر بن وائل ، وعنده يومئذ النعمان بن زرعة التغلبي ، وهو يحب هلاك بكر بن وائل ، فقال لكسرى : يا خير الملوك أدلك على غرة بكر ؟ قال : نعم . قال : أمهلها حتى تقيظ فإنهم لو قد قاظوا تساقطوا على ماء لهم يقال له ذو قار ، تساقط الفراش في النار ، فأخذتهم كيف شئت ، وأنا أكفيكهم ! فترجموا له قوله تساقطوا تساقط الفراش في النار ، فأقرهم حتى قاظوا ، وجاءت بكر بن وائل ، فنزلت الحنو حنوذى قار وهى من ذي قار ليلة ، فأرسل إليهم كسرى النعمان بن زرعة ، أن اختاروا واحدة من ثلاث خصال ، فنزل النعمان على هانئ ثم قال له : أنا رسول الملك
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 114 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إليكم ، أخيركم ثلاث خصال : إما أن تعطوا بأيديكم فيحكم فيكم الملك بما شاء ، وإما أن تعروا الديار ، وإما أن تأذنوا بحرب !
فتآمروا وتشاوروا ، فولوا أمرهم حنظلة بن ثعلبة بن سيار العجلي ، وكانوا يتيمنون به فقال لهم : لا أرى إلا القتال ، لأنكم إن أعطيتم بأيديكم قتلتم وسبيت ذراريكم ، وإن هربتم قتلكم العطش وتلقاكم تميم فتهلككم ، فآذِنوا الملك بحرب . فبعث الملك إلى إياس وإلى الهامرز التستري ، وكان على مسلحة بالقطقطانة ، وإلى جلابزين وكان مسلحةً ببارق ، وكتب كسرى إلى قيس بن مسعود بن قيس بن خالد بن ذي الجدين ، وكان كسرى استعمله على طف سفوان ، أن يوافوا أياساً ، فإذا اجتمعوا فأياس على الناس .
وجاءت الفرس معها الجنود والفيول عليها الأساورة - ويومها قال النبي ( صلى الله عليه وآله ) : اليوم انتصفت العرب من العجم ، فحفظ ذلك اليوم ، فإذا هو يوم الوقعة - فلما دنا جيش الفرس بمن معهم انسلَّ قيس بن مسعود ليلاً فأتى هانئاً فقال له : أعط قومك سلاح النعمان فيقووا ، فإن هلكوا كان تبعاً لأنفسهم وكنت قد أخذت بالحزم ، وإن ظفروا ردوه عليك ، ففرق الدروع والسلاح في ذي القوى والجلد من قومه ، فلما دنا الجمع من بكر قال لهم هانئ : يا معشر بكر إنه لا طاقة لكم بجنود كسرى ومن معهم من العرب ، فاركبوا الفلاة !
فتسارع الناس إلى ذلك ، فوثب حنظلة بن ثعلبة بن سيار فقال له : إنما أردت نجاتنا ، فلم تزد على أن ألقيتنا في الهلكة !
فرد الناس وقطع وُضَن الهوادج لئلا تستطيع بكر أن تسوق نساءهم إن هربوا ، فسمى مُقَطِّع الوُضُن وهى حزم الرحال ، ويقال مقطع البُطْن والبطن حزم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 115 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأقتاب ، وضرب حنظلة على نفسه قبة ببطحاء ذي قار ، وآلى أن لا يفر حتى تفر القبة ، فمضى من مضى من الناس ورجع أكثرهم !
واستقوا ماء لنصف شهر فأتتهم العجم فقاتلتهم بالحُنْو ، فجزعت العجم من العطش فهربت ، ولم تقم لمحاصرتهم ، فهربت إلى الجبابات فتبعتهم بكر ، وعجل أوائل بكر فتقدمت عجل وأبلت يومئذ بلاء حسناً ، واضطمت عليهم جنود العجم ، فقال الناس : هلكت عجل ، ثم حملت بكر فوجدوا عجلاً ثابتة تقاتل وامرأة منهم تقول :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] إن يظفروا يحرزوا فينا الغَرِلْ * إيهاً فداءٌ لكم بني عِجِل
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] ( والغرل : العيش الرغد ) وتقول أيضاً تحضض الناس :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] إن تَهزموا نعانقْ * ونفرش النمارقْ
أو تهربوا نفارقْ * فراق غير وامقْ
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] فقاتلوهم بالجبابات يوماً ، ثم عطش الأعاجم فمالوا إلى بطحاء ذي قار ، فأرسلت إياد إلى بكر سراً وكانوا أعواناً على بكر مع إياس بن قبيصة : أيُّ الأمرين أعجب إليكم : أن نطير تحت ليلتنا فنذهب ، أو نقيم ونفرُّ حين تُلاقوا القوم ؟ قالوا : بل تقيمون فإذا التقى القوم انهزمتم بهم ! قال : فصبحتهم بكر بن وائل والظعن واقفة يذمرن الرجال على القتال .
وقال يزيد بن حمار السكوني وكان حليفاً لبنى شيبان : يا بنى شيبان أطيعوني وأكمنوني لهم كميناً ، ففعلوا وجعلوا يزيد بن حمار رأسهم ، فكمنوا في مكان من ذي قار يسمى إلى اليوم الجب ، فاجتلدوا وعلى ميمنة أياس بن قبيصة الهامرز ، وعلى ميسرته الجلابزين ، وعلى ميمنة هانئ بن قبيصة رئيس بكر يزيد بن مسهر
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 116 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الشيباني ، وعلى ميسرته حنظلة بن ثعلبة بن سيار العجلي ، وجعل الناس يتحاضون ويرجزون ، فقال حنظلة بن ثعلبة :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] قد شاعَ أشياعُكم فجدوا * ما عِلَّتِي وأنا مُؤْدٍ جَلْدُ
والقوسُ فيها وترٌ عَرَدُّ * مثل ذراع البكر أو أشدُّ
جعلتْ أخبارُ قومي تبدو * إن المنايا ليس منها بُدُّ
هذا عميرٌ حيه ألدُّ * يقدمه ليس له مَرَدُّ
حتى يعود كالكميت الوردُ * خلوا بني شيبان واستبدوا
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] نفسي فداكم وأبي والجد
وقال حنظلة أيضاً :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] يا قوم طيبوا بالقتال نفسا * أجدر يوم أن تفلوا الفرسا
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] ثم صيروا الأمر بعد هانئ إلى حنظلة ، فمال إلى مارية ابنته وهى أم عشرة نفر أحدهم جابر بن أبجر ، فقطع وضينها فوقعت إلى الأرض ، وقطع وُضُن النساء فوقعن إلى الأرض ، ونادت ابنة القرين حين وقعت النساء إلى الأرض :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] ويهاً بنى شيبان صفاً بعد صف * إن تهزموا يصبغوا فينا القلف
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] فقطع سبع مائة من بنى شيبان أيدي أقبيتهم من قبل مناكبهم ، لأن تخف أيديهم بضرب السيوف ، فجالدوهم . قال : ونادى الهامرز مرد ومرد ! فقال برد بن حارثه اليشكري : ما يقول ؟ قالوا : يدعو إلى البراز رجل ورجل . قال : وأبيكم لقد أنصف ! فبرز له فقتله برد ، فقال سويد بن أبي كاهل :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] ومنا بريدٌ إذ تحدى جموعكم * فلم تقربوه المرزبانَ المسورا
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 117 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أي لم تجعلوه . ونادى حنظلة بن ثعلبة بن سيار : يا قوم لا تقفوا لهم فيستغرقكم النشاب ، فحملت ميسرة بكر وعليها حنظلة على ميمنة الجيش ، وقد قتل برد منهم رئيسهم الهامرز . وحملت ميمنة بكر وعليها يزيد بن مسهر على ميسرة الجيش وعليهم جلابزين ، وخرج الكمين من جب ذي قار من ورائهم ، وعليهم يزيد بن حمار ، فشدوا على قلب الجيش ، وفيهم إياس بن قبيصة ، وولت أياد منهزمة كما وعدتهم ، وانهزمت الفرس !
قال سليط : فحدثنا أسراؤنا الذين كانوا فيهم يومئذ ، قالوا : فلما التقى الناس ولت بكر منهزمة فقلنا يريدون الماء ، فلما قطعوا الوادي فصاروا من ورائه وجاوزوا الماء قلنا هي الهزيمة ، وذاك في حر الظهيرة وفى يوم قائظ ، فأقبلت كتيبة عجل كأنهم طن قصب لا يفوت بعضهم بعضاً ، لا يمعنون هرباً ، ولا يخالطون القوم ، ثم تذامروا فزحفوا فرموهم بجباههم ، فلم تكن إلا إياها فأمالوا بأيديهم فولوا ، فقتلوا الفرس ومن معهم ، ما بين بطحاء ذي قار حتى بلغوا الراحضة !
قال فراس : فخبرت أنهم أتبعوا فارس يسعون ، لم ينظروا إلى سلب ولا إلى شئ ، حتى تعارفوا بأدم موضع قريب من ذي قار ، فوُجد ثلاثون فارساً من بنى عجل ، ومن سائر بكر ستون فارساً ، وقتلوا جلا بزين ، قتله حنظلة بن ثعلبة . . . وقال أعشى بن ربيعة :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] ونحن غداة ذي قار أقمناج * وقد شهد القبائل محلبينا
وقد جاؤوا بها جأواء فلقاً * ململمةً كتائبُها طَحونا
ليوم كريهةٍ حتى تجلَّت * ظلال دجاه عنا مُصلتينا
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 118 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] فولونا الدوابر واتقونا * بنعمان بن زرعة أكتعينا
وذدنا عارض الأحرار وِرْداً * كما ورد القطا الثمد المعينا
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] وفي الإصابة لابن حجر : 2 / 117 : « حنظلة بن سيار . . كان رئيساً في الجاهلية وهو صاحب قبة حنظلة ، ضربها يوم ذي قار فتقطعت عليها بكر بن وائل ، فقاتلوا الفرس حتى هزموهم فبلغ ذلك النبي ( صلى الله عليه وآله ) فسرَّه وقال : هذا أول يوم انتصفت فيه العرب من العجم ، وبي نصروا ! قال : وبعث حنظلة يومئذ بخمس الغنائم إلى النبي ( صلى الله عليه وآله ) وبشره بالفتح ، وكانت العرب قبل ذلك تُرَبِّع ( أي ترسل ربع الغنيمة إلى الملك ) فلما بلغ حنظلة قول الله تعالى : وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَئٍ فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ . . الآية ، سره ذلك . وفي ذلك يقول حنظلة :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] ونحن بعثنا الوفد بالخيل ترتمي * بهم قُلُصٌ نحو النبيِّ محمدِ
بما لقي الهرموزُ والقومُ إذ غزوا * وما لقي النعمانُ عند التورد » .
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] وقال اليعقوبي في تاريخه : 2 / 225 : « لما قَتَلَ كسرى أبرويز النعمان بن المنذر بعث إلى هانئ بن مسعود الشيباني أن ابعث إليَّ ما كان عبدي النعمان استودعك من أهله وماله وسلاحه ! وكان النعمان أودعه ابنته وأربعة آلاف درع ، فأبى هانئ وقومه أن يفعلوا ، فوجه كسرى بالجيوش من العرب والعجم ، فالتقوا بذي قار فأتاهم حنظلة بن ثعلبة العجلي فقلدوه أمرهم ، فقالوا لهانئ : ذمتك ذمتنا ولا نخفر ذمتنا ، فحاربوا الفرس فهزموهم ومن معهم من العرب » .
وقال اليعقوبي : 2 / 46 : « وحاربت ربيعة كسرى ، وكانت وقعتهم بذي قار ، فقالوا : عليكم بشعار التهامي ، فنادوا : يا محمد يا محمد ! فهزموا جيوش كسرى
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 119 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقتلوهم ، فقال رسول الله : اليوم أول يوم انتصفت فيه العرب من العجم ، وبي نصروا . وكان يوم ذي قار بعد وقعة بدر بأشهر أربعة أو خمسة » .
فكان ذلك النصر ببركة اسم النبي ( عليهما السلام ) ، لأنهم جعلوا اسمه الشريف شعاراً لهم رغم أنهم لم يكونوا دخلوا الإسلام ! راجع في معركة ذي قار : أمالي السيد المرتضى : 3 / 33 ، ومناقب آل أبي طالب : 1 / 94 ، وتاريخ اليعقوبي : 1 / 214 و 225 ، ومعجم البلدان : 4 / 293 ، والمحبر / 360 ، والإصابة : 1 / 447 و 466 و : 2 / 117 ، و : 6 / 222 ، وتاريخ الطبري : 1 / 606 و 608 و 611 و 613 ، ومجمع الزوائد : 6 / 211 ، وفتح الباري : 6 / 187 ، والمعجم الكبير للطبراني : 2 / 46 ، و : 6 / 62 ، ومعارف ابن قتيبة / 603 ، ومعجم ما استعجم : 3 / 1042 ) .

وقتل شِيرَوَيْه أباه كسرى واضطربت الأمبراطورية !

لم يثأر كسرى من بني شيبان وحلفائهم الذين انتصروا عليه وكسروا هيبته أمام قبائل العرب ، وأذلوا جيشه وأخذوا منه أسرى ، مع قربهم من عاصمته المدائن ؟ وذلك لثلاثة أسباب :
الأول : انشغال كسرى بحروبه مع هرقل ، والتي بدأت بانتصارات كاسحة لكسرى في جبهات مصر والشام وتركيا ، وانتهت بقتله على يد ابنه شيرويه ، كما أخبر النبي ( صلى الله عليه وآله ) في العاشر من جمادى الأولى سنة سبع للهجرة .
والثاني : أن كسرى عرف علاقة بني شيبان بالنبي ( صلى الله عليه وآله ) وأنهم أرسلوا إليه خمس الغنائم وذهب إليه وفدهم ، ثم وصلته رسالة النبي ( صلى الله عليه وآله ) بعد معركة ذي قار . ولعل كسرى فضل أن يعالج أصل المشكلة ويقتل نبيهم ( صلى الله عليه وآله ) ثم يثأر منهم ، فأرسل قبيل موته إلى عامله على اليمن ، يأمره بإرسال النبي ( صلى الله عليه وآله ) إليه ، أو قتله !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 120 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والثالث : أن كسرى وقادته يعرفون أن حرب القبائل العربية يحتاج إلى إعداد واستعداد خاص بسبب الصحراء ، فالعرب يعرفون أماكن الماء فيها ، ويُحسنون التكيف معها ، بينما يجهل الفرس أماكن الماء ، ويصعب عليهم تحمل العطش أو حمل كميات كبيرة منه . لهذا كان العرب يغيرون على أطراف دولة الفرس فإذا جاءتهم قوة فارسية دخلوا في الصحراء ، فلا يستطيع الفرس أن يتبعوهم .
لهذه الأسباب سكت كسرى بعد هزيمته في ذي قار ، وبرز بنو شيبان قوة مهابة في العراق ، وأخذوا يسيطرون على مساحات زراعية جديدة .
قال البلاذري في الفتوح ( 2 / 365 ) : « كانت عيون الطف ، مثل عين الصيد ، والقطقطانة ، والرهيمة ، وعين جمل ، وذواتها ، للموكلين بالمسالح التي وراء السواد : وهي عيون خندق سابور ، الذي حفره بينه وبين العرب الموكلين بمسالح الخندق ، وغيرهم . وذلك أن سابور أقطعهم أرضها فاعتملوها من غير أن يلزمهم لها خراجاً . فلما كان يوم ذي قار ونصر الله العرب بنبيه ( صلى الله عليه وآله ) غلبت العرب على طائفة من تلك العيون ، وبقى في أيدي الأعاجم بعضها » .
وهذا نصٌّ على تأثير معركة ذي قار على حركة فتح العراق ، على يد بني شيبان وبني عجل ، وحلفائهم من قبائل العرب .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 121 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الثالث : صورة شاملة للفتوحات

التاريخ الرسمي والواقع !

يقول التاريخ الرسمي : إن الذي فتح العراق خالد بن الوليد ، وسعد بن أبي وقاص ، وعتبة بن غزوان ، وأبو موسى الأشعري . ويضيف الرواة على مضض المثنى بن حارثة الشيباني ، وهاشم المرقال ، وحجر بن عدي ، وعمار بن ياسر ، وسلمان الفارسي ، وعدداً آخر من القادة والفرسان .
لكنك تتفاجأ عندما تقرأ ثنايا التاريخ الرسمي ، فتجد أن الفاتحين الحقيقيين الذين عملوا وقاتلوا وقطفوا النصر للمسلمين ، هم المثنى بن حارثة الشيباني ، وهاشم بن عتبة المرقال ، وحجر بن عدي ، وأمثالهم من القادة والفرسان الشيعة ، وأن السلطة طمست أدوارهم ، وأعطت إنجازاتهم إلى آخرين !
ويقول التاريخ الرسمي : إن الذي فتح إيران أبو موسى الأشعري ، وجرير بن عبد الله البجلي ، ويهملون العلاء بن الحضرمي وقبائل عبد القيس ، الذين بدأوا بفتح جنوب إيران إلى إصطخر بدون إذن عمر بن الخطاب ، فغضب عليهم ! ثم واصلوا فتح شيراز وكرمان وسيستان ، إلى حدود الهند ، وداخلها .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 122 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم يضطر رواة السلطة إلى ذكر النعمان بن مقرن ، وحذيفة بن اليمان ، وعمار بن ياسر ، وعبد الله بن بديل بن ورقاء ، والأحنف بن قيس ، وعبد الله بن جعدة بن هبيرة ، وأمثالهم من فرسان الشيعة ، وهم الأساسيون في فتح إيران .
ويقول التاريخ الرسمي : إن الذي فتح سوريا خالد بن الوليد ، وأبو عبيدة الجراح ، والذي فتح فلسطين عمرو بن العاص .
لكنك تسأل عن قوات الروم أين كانت ومن قاتلها في فلسطين والأردن والشام ، وما الذي جعل هرقل يقرر الانسحاب من هذه المناطق ؟
فتجد أن قواتهم تركزت في أجنادين وكانت كما نحو تسعين ألفاً ، وكان بطل أجنادين الذي قطف النصر للمسلمين قائد الخيل في معركتها خالد بن سعيد بن العاص ، وهو من شيعة علي ( عليه السلام ) ، وصاحبه القائد العام شرحبيل بن حسنة قائد الجيش ، وزميله هاشم المرقال قائد الميسرة ، وأمثالهم من شيعة علي ( عليه السلام ) ، فطمس رواة السلطة أدوارهم ، أو نسبوها إلى خالد بن الوليد !
ثم كان لقوات الروم تجمع في منطقة مرج الصُّفَّر بين دمشق والجولان ، ثم في فِحْل بالأردن ، وقد اعترف الرواة بأن أبا عبيدة وخالداً وعمرو العاص وشرحبيل أعطوا القيادة فيها إلى خالد بن سعيد بن العاص ، وهاشم المرقال ، فقطفا النصر ، لكنهم نسبوا بطولتهما لابن الوليد وابن العاص مع أنهما لم يقاتلا !
ثم كان التجمع الأهم لجيش الروم في اليرموك ، وكان بطل اليرموك مالك الأشتر ، وقد جندلَ ثلاثة من قادة الروم مبارزة ، وثمانية أو أكثر من قادتهم في حملاته ، وقطف النصر للمسلمين . وكان أرسله علي ( عليه السلام ) مع عمرو بن معدي كرب ومجموعة فرسان نخعيين .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 123 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال الكلاعي في الاكتفاء : 3 / 273 : « إن الأشتر كان من جلداء الرجال وأشدائهم وأهل القوة والنجدة منهم ، وإنه قتل يوم اليرموك قبل أن ينهزموا أحد عشر رجلاً من بطارقتهم ، وقتل منهم ثلاثة مبارزة » !
فنسبوا البطولة والنصر إلى ابن الوليد وأبي عبيدة ، مع أنهما كاعا عن المبارزة . والى ضرار بن الأزور صاحب خالد ، مع أنه قُتل قبل سنين في حرب اليمامة !
ويقول التاريخ الرسمي : إن عمرو العاص غزا مصر بثلاثة آلاف وخمس مئة مقاتل ، وخاض فيها المعارك من حصن إلى حصن ومن مدينة إلى مدينة ، حتى فتحها كلها ! فصارت مصر مفتوحةً عنوةً ، ونُزعت ملكية أرضها من أهلها !
ثم اعترفت رواياتهم بأنه لم يكن في مصر أي قوة رومية ، وأن المصريين قرروا أن لا يقاتلوا المسلمين ، وأن يصالحوهم ، فاستقبلوهم وعقدوا معهم عهد الصلح ، وسلموهم البلد ، فغضب عليهم هرقل ، فلم يهتموا لغضبه !
« قال أهل مصر لملكهم : ما تريد إلى قوم فلُّوا كسرى وقيصر وغلبوهم على بلادهم ، صالحِ القومَ واعتقد منهم ( أبرم عقداً معهم ) ولا تَعْرُض لهم ، ولا تُعرضنا لهم » . ( تاريخ الطبري : 3 / 199 ) .
ويقول التاريخ الرسمي : إن الإسكندرية نقضت عهد الصلح مع المسلمين واستدعت الروم ، فغزاها والي مصر عمرو بن العاص وفتحها مرة ثانيةً عنوةً ، فنُزعت ملكية أرضها من أهلها وصارت ملكاً للمسلمين ، وجاز للوالي أن يأخذ منهم الخراج بما يراه ، وليس دينارين على البالغ كما نص عهد الصلح !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 124 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم اعترفت رواياتهم بأن الذي نقض عهد الصلح هو عمرو العاص فزعم أن مصر مهددة من الروم ، مكيدةً حتى لا يعزله عثمان ! وأنه غزا الإسكندرية لهذا الغرض ، وعاث فساداً في قراها ونهب وسبى ، وبطش بأهلها ، وهدم سورها !
فكشف عثمان مكيدة عمرو ، وأنه لم ينقض أحد من الأقباط العهد ، ولا جاء جيش رومي إلى مصر ، فعزل عمْراً ، وأمره برد ما أخذه من أموال وسبي !
ثم تقرأ عن بطولات قادة السلطة في معركة ذات الصواري ، وكأنها في فتح مصر ، بينما هي بعد فتح مصر ببضع عشرة سنة ، ففي سنة 35 في أواخر خلافة عثمان ، غزا الروم مصر لإخراج المسلمين منها وقصدوها بمراكبهم ، فتصدى لهم المسلمون في معركة ذات الصواري . وكان بطلا المعركة شابين شيعيين هما محمد بن أبي حذيفة الأموي ، ومحمد بن أبي بكر رضي الله عنهما ، وكانا قصدا مصر لتحريك المسلمين على عثمان .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 125 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

صُنَّاع النصر وأهل البلاء والنكاية بالعدو

إن كل فتح وإنجاز عسكري ، يتوقف على شخصية القائد الميداني والجندي الشجاع . فهذان هما العنصران الأساسيان في الفتح ، قبل القرار السياسي للخليفة ، وقبل القائد الرسمي الذي ينصبه . فإذا أردت أن تعرف من الذي حقق النصر فابحث عن القادة الميدانيين ، وعن الفرسان المقتحمين ، الذين يُسَمَّوْنَ أهل البلاء . ولا تعجب إذا وجدت أن هؤلاء كلهم أو جِلُّهم من تلاميذ علي ( عليه السلام ) ومبعوثيه ! وأن أدوارهم أساسية حاسمة ، وأدوار غيرهم مكملة ، أو ثانوية ، أو مكذوبة !
ستجد دور المثنى بن حارثة في فتح العراق متصلاً بدوره في معركة ذي قار . وتجد سلمان الفارسي صاحب دور أساسي في فتح إيران ، في الدعوة إلى الإسلام وفي قيادة الفاتحين . وأنه كان في معركة القادسية في منصب داعية المسلمين ورائدهم ، وفي فتح المدائن مفاوض المسلمين مع الفرس ، وقد أقنع حامية القصر بالإسلام وإلقاء السلاح ، وكذلك تجده في فتح أرمينيا وشرق آسيا .
وتجد مالك الأشتر ، تلميذ علي ( عليه السلام ) ومبعوثه ، بطل اليرموك الذي برز إلى فارس الروم الأكبر ماهان ، حين كاع عنه خالد وأبو عبيدة وغيرهم ، فجند له ثم قتل عدة قادة بعده ، فارتعب الروم وبدأت هزيمتهم .
وتجد حجر بن عدي الكندي الذي قتله معاوية لولائه لعلي ( عليه السلام ) ، قائداً في القادسية ، وفي فتح المدائن وجلولاء ، وأرمينية ، ودمشق ، وبيروت .
وتجد عمار بن ياسر الموالي لعلي ( عليه السلام ) بطلاً في معركة اليمامة وفتح العراق وفارس .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 126 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وهاشم المرقال الزهري ، الشيعي الصلب ، قائداً في معركة أجنادين بفلسطين ، ومعركة مرج الصُّفَّر واليرموك ، ومعركة القادسية بالعراق ، ثم قائد معارك المدائن وجلولاء وحلوان ، ومعركة نهاوند الكبرى التي سميت فتح الفتوح .
وتجد أبا ذر الشيعي الصلب ، عمل عشرين سنة في فتح الشام وقبرص ومصر .
وحذيفة الشيعي المتكتم ، قائداً في القادسية ، والقائد العام في معركة نهاوند ، أكبر معركة في فتح فارس ، وكذلك في فتح أرمينية ، وغيرها .
وتجد خالد بن سعيد بن العاص الأموي ، الذي كان أول المعترضين في المسجد النبوي على أهل السقيفة ، بطل فتح فلسطين ، وبطلاً في فتوح الشام .
وأخويه أبان بن سعيد وعمرو بن سعيد ، وبريدة الأسلمي ، وعبادة بن الصامت ، وأبا أيوب الأنصاري ، وعثمان بن حنيف وإخوته ، وعبد الرحمن بن سهل الأنصاري ، والمقداد بن عمرو ، وواثلة بن الأسقع الكناني ، والبراء بن عازب ، وقيس بن ثابت ، وبلال بن رباح ، وعبد الله بن خليفة البجلي ، وعدي بن حاتم الطائي ، وأبا عبيد الثقفي ، وإخوة مالك الأشتر ، وعدداً من القادة النخعيين ، وصعصعة بن صوحان العبدي وإخوته ، والأحنف بن قيس ، وعمرواً بن الحمق الخزاعي ، وأبا الهيثم بن التيهان ، وجعدة بن هبيرة ابن أخت أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، والنعمان بن مقرن ، وإخوته ، وعبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي ، والمسيب بن نجيبة ، ومسلم بن عوسجة ، ومحمد بن أبي حذيفة بن عتبة ، وأبا رافع وأولاده .
ويليهم من التابعين : جارية بن قدامة السعدي ، وأبا الأسود الدؤلي ، ومحمد بن أبي بكر ، والمهاجر بن خالد بن الوليد . . وعدداً آخر من القادة الميدانيين !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 127 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
تجد لكل واحد من هؤلاء أدواراً وإنجازات ، طمسها وأخفاها إعلام الخلافة وأظهر بدلها أصحاب الأدوار الشكلية ، أو الثانوية ، أو المسروقة !
لذلك لا بد أن لمعرفة حقيقة الفتوحات ، أن نبحث سيرة من ادعيت لهم أدوار في فتح العراق وإيران وبلاد الشام ومصر ، وسيرة الأبطال الفاتحين أصحاب الأدوار الحقيقية ، رضوان الله عليهم .
صُنَّاع النصر معروفون ، لكن إعلام السلطة عتَّمَ عليهم :
ففي كل معركة عادةً ، أفرادٌ ضعاف الأبدان ، أو أقوياء لكنهم خوافون ، لا يطلبون مبارزة ، ولا يستجيبون لمن يطلب مبارزتهم .
وإذا بدأت الحملة تأخروا إلى آخر الصفوف يلوذون بالمقاتلين ، وإذا أحسوا بخطر هربوا ، وسببوا الوهن في صفهم ، وأصيب الجيش بالهزيمة من جهتهم !
ويتفاقم خطر هؤلاء إذا كانت راية الميمنة أو الميسرة أو القلب بيد أحدهم ، لأن فرار صاحب الراية يعني فرار من تحتها . ولذا يؤكد المسلمون على صاحب الراية أن لا يفرّ : « كانت راية المهاجرين مع سالم مولى أبي حذيفة ، فقالوا : نخشى علينا من نفسك شيئاً . فقال : بئس حامل القرآن أنا إذاً » . ( الطبري : 2 / 509 ) .
ويوجد في الجيش عادةً رجالٌ شجعان ، يتقدمون إلى المبارزة ، ويكونون الخط الأول في الهجوم . فهم يَثْبُتُون إذا تراجع غيرهم ويشجعونهم ، فهؤلاء هم القوة الحقيقية للجيش ، وقادته الميدانيون ، وصُنَّاع النصر .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 128 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ويسميهم التاريخ أهل البلاء أو أهل الغَناء في الحرب ، أي يُغنون عن غيرهم . وكان المسلمون يخصونهم باحترام ، وخدمات وعطايا ، عند توزيع الغنائم ، أو بعد رجوع الجيش من الحرب ، أو يخصونهم برواتب كافية .
قال الطبري : ( 3 / 71 ) : « عن إبراهيم وعامر : إن أهل البلاء يوم القادسية فُضِّلوا عند العطاء بخمس مائة خمس مائة ، في أعطياتهم ، خمسة وعشرين رجلاً . منهم زهرة ، وعصمة الضبي ، والكلج . وأما أهل الأيام ، فإنه فرض لهم على ثلاثة آلاف ، فُضِّلوا على أهل القادسية » .
وأهل الأيام هم مجموعة مقاتلين شجعان من قبيلة واحدة عادةً ، لهم رئيس ، وسموا بذلك ، لأنهم يتكفلون بيوم من أيام الحرب ، يكون لهم خاصة .
« وقسَّم حذيفة بن اليمان بين الناس غنائمهم ، فكان سهم الفارس يوم نهاوند ستة آلاف وسهم الراجل ألفين ، وقد نَفَل حذيفة من الأخماس من شاء من أهل البلاء يوم نهاوند ، ورفع ما بقي من الأخماس إلى السائب بن الأقرع ، فقبض السائب الأخماس فخرج بها إلى عمر ، وبذخيرة كسرى » . ( الطبري : 3 / 218 ) .
« وقدمت على عمر الفتوح من الشام وجمع المسلمين فقال : ما يحل للوالي من هذا المال ؟ فقالوا جميعاً : أما لخاصته فقوته وقوت عياله لا وكسٌ ولا شطط ، وكسوتهم وكسوته للشتاء والصيف ، ودابتان إلى جهاده وحوائجه وحملانه إلى حجه وعمرته . والقسم بالسوية وأن يعطى أهل البلاء على قدر بلائهم » ( الطبري : 3 / 210 ) .
وفي سنن البيهقي ( 6 / 339 ) : « إعطاء أهل البلاء في الإسلام نفلاً عند الحرب وغير الحرب ، إعداداً للزيادة في تعزيز الإسلام وأهله ، على ما صنع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 129 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إن معرفة هؤلاء الشجعان في أي معركة ، شرطٌ لفهم الأحداث على وجهها ، فإذا غفلنا عن ذلك أخطأنا ونسبنا النصر إلى غير صاحبه ، لأن صاحبه المقاتل الشجاع الذي يبارز وينتصر ، ويقتحم وينتصر ، ويدفع المهاجم وينتصر .
فلو لم يكن النبي ( صلى الله عليه وآله ) شجاعاً ، ولم يكن معه فرسان بني عبد المطلب : عليٌّ وحمزة وعبيدة ، لما انتصر المسلمون في بدر ، ولما غيروا المعادلة لمصلحة الإسلام .
ولو لم يثبت علي ( عليه السلام ) مع النبي ( صلى الله عليه وآله ) في أحُد ، ويردَّ عنه هجمات قريش المستميتة لقتله ، لتغيَّر مسار المعركة ، ومسار التاريخ .
وعندما طالت محاصرة المسلمين لحصن خيبر نحو شهر ، وفشلوا في اقتحامه ، لو لم يأت النبي ( صلى الله عليه وآله ) بعلي ( عليه السلام ) من مكان بعيد لاقتحامه لما تحقق النصر على اليهود .
وعندما انهزم المسلمون في حنين وتركوا النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، لو لم يهاجم عليٌّ ( عليه السلام ) جيش هوازن ، ويغوص في أوساطهم ويقتل أربعين من حملة راياتهم ، لما تحقق النصر .
وكذلك الحال في كل معركة ، فإن النصر فيها يتوقف على البطل أو الأبطال الذين يغيرون المعادلة .
ومعارك الفتوحات لا تخرج عن هذه القاعدة ، فكل نصر فيها يتوقف على وجود بطل أو عدة أبطال فرسان ، يقتحمون ويقاتلون ويصمدون حتى النصر .
وإذا طبقت هذه القاعدة ، انكشف لك حجم التزوير في معارك الفتوحات والردة ، وقد رأيت بعضه في حرب اليمامة .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 130 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

صورة كلية لفتح العراق

إذا حسبنا بداية فتح العراق بمعركة ذي قار ، التي وقعت بعد معركة بدر ، وخاضها بنو شيبان وبنو عجل ضد الجيش الفارسي ، يكون فتحه استغرق نحو عشرين سنة ، لأن معركة ذي قار كانت بداية جرأة العرب على نظام كسرى ، حتى تم فتح العراق وفارس بمعركة نهاوند ، التي انكسر فيها جيش كسرى وانتهت محاولاته لاسترجاع ملكه ، وكانت في سنة إحدى وعشرين هجرية .
أما إذا اعتبرنا بداية فتح العراق بعمليات المثنى بعد وفاة النبي ( صلى الله عليه وآله ) عندما تضعضع النظام الفارسي ، فيكون فتحه استغرق عشر سنين .
وفي هذا السنين العشر ، تم الفتح في مراحل ، بدأت بعمليات المثنى ضد الحاميات الفارسية ، ثم جاء خالد بن الوليد والياً على العراق من قبل أبي بكر ، وكان دوره عقود الصلح مع القرى والدساكر ، ولم يخض أي معركة مع الفرس بل شن غارات نهب وسبي على العرب ، وغيرهم من السكان .
ثم كانت مرحلة خوض المعارك مع الجيش الفارسي النظامي ، وقد بدأها المثنى وحده فخاض معهم معركة بابل ، قبيل وصول أبي عبيد .
ثم كانت معركتان في ولاية أبي عبيد الثقفي ، وهما معركة النمارق مع الجيش الفارسي ، ثم معركة الجسر التي استشهد فيها رضي الله عنه .
ثم كانت معركة البويب التي ثأر فيها المثنى لمعركة الجسر .
ثم كانت معركة القادسية الكبرى التي كانت حاسمة في فتح العراق .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 131 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم تلتها بعد نحو سنتين معركة المدائن الصغيرة .
ثم كانت المرحلة الأخيرة معركة جلولاء ، وهي معركة كبرى ، وكانت آخر معارك فتح العراق .
وقد بدأ المثنى رضي الله عنه وحلفاؤه عمليات تحرير العراق في حياة النبي ( صلى الله عليه وآله ) فقد وفد على النبي ( صلى الله عليه وآله ) في سنة تسع للهجرة ، وبدأ بغاراته على مسالح الفرس عندما ملكت بوران بنت كسرى ، وكان ذلك سنة تسع أيضاً .
قال الدينوري في الأخبار الطوال / 111 : « فلما أفضى الملك إلى بوران بنت كسرى بن هرمز ، شاع في أطراف الأرضين أنه لا مَلِكَ لأرض فارس وإنما يلوذون بباب امرأة ، فخرج رجلان من بكر بن وائل يقال لأحدهما المثنى بن حارثة الشيباني والآخر سويد بن قطبة العجلي ، فأقبلا حتى نزلا فيمن جمعا بتخوم أرض العجم فكانا يغيران على الدهاقين فيأخذان ما قدرا عليه ، فإذا طُلبا أمعنا في البر فلا يتبعهما أحد . وكان المثنى يغير من ناحية الحيرة ، وسويد من ناحية الأبلة » .
ولم ينشأ هذا العمل من فراغ ، بل كان استمراراً لتوجيه النبي ( صلى الله عليه وآله ) لزعماء بني شيبان ، الذين خاضوا معركة ذي قار وكان شعارهم : يا محمد يا محمد ، ونصرهم الله تعالى ببركته , فجاؤوا إليه وفداً ، ومعهم خمس الغنائم . ( تاريخ اليعقوبي : 2 / 46 ) .
ثم وفد زعيم بني شيبان حريث بن حسان على النبي ( صلى الله عليه وآله ) وبايعه على الإسلام له ولقومه . ( الطبقات : 1 / 318 و : 7 / 58 ، والإصابة : 8 / 289 ، ومجمع الزوائد : 6 / 11 ) .
وفي سنة تسع وفد المثنى على النبي ( صلى الله عليه وآله ) . قال في الإستيعاب : 4 / 1456 : « المثنى بن حارثة الشيباني كان إسلامه وقدومه في وفد قومه على النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، سنة تسع » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 132 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي تاريخ دمشق : 57 / 198 ، والإصابة : 6 / 51 : « كان المثنى ومذعور قد وفدا على النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وصحباه » .
وفي الإصابة : 2 / 117 ، قال بطل ذي قار حنظلة بن سيار ، افتخر بذلك فقال :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] ونحن بعثنا الوفد بالخيل ترتمي * بهم قُلَّصٌ نحو النبي محمد
بما لقي الهرموز والقوم إذ غزوا * وما لقي النعمان عند التورد » .
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] ومعناه أنهم أسلموا وواصلوا صراعهم مع كسرى ، وإنما سكت كسرى على الهزيمة ولم يرسل لهم جيشاً بعد ذي قار ، لانشغاله عنهم بقتال الروم !
ثم قُتل كسرى واضطرب نظامه ، وبقي مضطرباً حتى حكمت بنته بوران ، فنشطت في حرب العرب ، وكانت الوصية على العرش ، ولم تكن الملكة ، فاستغل المثنى هذه الفترة فوسع هجماته على حاميات الفرس .
« كانت بوران بنت كسرى كلما اختلف الناس بالمدائن ، عَدْلاً بين الناس حتى يصطلحوا ، فلما قتل الفرخزاذ بن البندوان وقدم رستم فقتل آزرميدخت ، كانت عدلاً إلى أن استخرجوا يزدجرد ، فقدم أبو عبيد والعدل بوران وصاحب الحرب رستم ، وكانت بوران أهدت للنبي ( صلى الله عليه وآله ) فقبل ، وكانت ضداً على شيرين سنة ، ثم إنها تابعته واجتمعا على أن ترأس وجعلها عدلاً » . ( الطبري : 2 / 633 »
ثم ، خاض المثنى معركة بابل مع جيش الفرس وكان عشرة آلاف مقاتل ، ثم خاض مع أبي عبيد الثقفي معركة المارق بقيادة شهر براز بين الكوت والكوفة .
ففي تاريخ دمشق : 57 / 198 ، والإصابة : 6 / 51 : « كان المثنى ومذعور قد وَفَدَا على النبي ( صلى الله عليه وآله ) وصحباه ، وكان حرملة وسلمى من المهاجرين . . وقدم المثنى بن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 133 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
حارثة ومذعور بن عدي يوم القفل من اليمامة على أبي بكر ، وكانت لهما وفادة ونصيحة . . استأذناه في غزو أهل فارس وقتالهم ، وأن يتأمرا على من لحق بهما من قومهما وقالا : فإننا وإخواننا من بني تميم قد دُرِبنا بقتال أهل فارس ، وأخذنا النَّصَفَ منهم ، فولاهما على من تابعهما ، واستعملهما على ما غلبا عليه ، فسارا فجمعا جموعهما ثم سارا بهم حتى قدما بلاد أهل فارس ، وكان أول من قدم أرض فارس لقتال أهل فارس هما حرملة وسلمان .
فقدم المثنى ومذعور في أربعة آلاف من بكر وائل وعنزة وضبيعة ، فنزل أحدهما بخفان ونزل الآخر بالنمارق ، وعلى فرْج الفرس مما يليهما شهر براز بن نبدا ، فلقيا شهر برار وغلبا على فرات بادقلى إلى السيلحين ، واتصل ما غلبا عليه ، وما غلب عليه سلمى وحرملة ، وفي ذلك يقول مذعور بن عدي :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] غلبنا على خَفَّانَ بِيداً وشِيحةً * إلى النخلاتِ السُّمر فوق النمارق
وإنا لنرجو أن تجول خيولنا * بشاطي الفرات بالسيوف البوارق »
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] وحرملة بن مريطة ، وسلمى بن القين حنظليان تميميان ، وقد شاركا في فتح العراق ، وفتح الأهواز . ( الإصابة : 2 / 46 ) .
قال الحموي في معجم البلدان : 5 / 372 : « أول من قدم أرض فارس لقتال الفرس حرملة بن مريطة وسلمى بن القين ، فكانا من المهاجرين ومن صالحي الصحابة فنزلا أطد ونعمان والجعرانة ، في أربعة آلاف من بني تميم والرباب ، وكان بإزائهما النوشجان والفيومان بالوركاء ( قرب الحلة ) فزحفوا إليهما فغلبوهما على الوركاء ، وغلبا على هرمزجرد إلى فرات بادقلى ، فقال في ذلك سلمى بن القين :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 134 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] ألم يأتيك والأنباء تسري * بما لاقى على الوركاء جانِ
وقد لاقى كما لاقى صتيتاً * قتيل الطف إذ يدعوه ماني
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] وقال حرملة بن مريطة :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] شللنا ماه ميسان بن قاما * إلى الوركاء تنفيه الخيول
وجزنا ما جَلَوْا عنه جميعاً * غداةَ تغيَّمت منها الجبول » .
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] أقول : اغتنم هذان الزعيمان القبليان ، والصحابيان القائدان ، الفراغ السياسي في العراق ، وضعف الدولة الفارسية ، فخرجا بقومهما وسيطرا على منطقة منه .
أما المثنى ومذعور فهما عراقيان ، لهما تاريخ في الصراع مع الفرس ، وقد أخذا تأييد الخليفة ، ووسعا الرقعة التي حرراها ، حتى اتصلت بما حرره الحنظليان .

حقيقة دور خالد بن الوليد في فتح العراق

في سنة ثلاث عشرة هجرية أرسل أبو بكر خالد بن الوليد إلى العراق ، مدداً للمثنى ، فبقي أقل من سنة قائداً رسمياً مبعوثاً من الخليفة ، وكان عمله إبرام عقود الصلح مع أهل المدن والقرى والدساكر المفتوحة ، فكان يوقع العهد ويأخذ المبلغ المقرر . ولم يقاتل خالد في العراق ولا شارك في معركة أبداً ، لأنه لم يكن جيشٌ للفرس في العراق ، وكانوا مشغولين بوضعهم الداخلي .
قال الطبري : 2 / 605 : « واستقام أهل فارس على رأس سنة من مقدم خالد الحيرة بعد خروج خالد بقليل ، وذلك في سنة ثلاث عشرة على شهر براز بن أردشير » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 135 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال الطبري : 2 / 573 : « أقام خالد في عمله سنة ومنزله الحيرة ، يُصَعِّد ويُصَوِّب قبل خروجه إلى الشام ، وأهل فارس يخلعون ويُمَلِّكُون ، ليس إلا الدفع عن بهرسير ( العاصمة ) وذلك أن شيرى بن كسرى قتل كل من كان يناسبه إلى كسرى بن قباذ ، ووثب أهل فارس بعده وبعد أردشير ابنه فقتلوا كل من بين كسرى بن قباذ وبين بهرام جوار ، فبقوا لا يقدرون على من يملكونه ممن يجتمعون عليه » .
أقول : هذا نصٌّ في انشغال الفرس بصراعهم الداخلي ، مدة وجود خالد في العراق ، وهو يردُّ ما اخترعوه من وقعات وحروب خاضها خالد ، وما كذبوه عن تحشيد الفرس لألوف مؤلفة لمواجهة خالد ، حتى أنه قتل منهم في أمغيشيا سبعين ألفاً !
فلم يكن في العراق شرقي دجلة إلا بقايا حاميات فارسية ، إلى أن أرسل الفرس جيشاً بعد ذهاب خالد مباشرة فكانت معركة بابل ، ثم جيشاً آخر فكانت معركة الجسر . وبعدها بأكثر من سنة معركة القادسية ، وبعدها بسنتين كان فتح المدائن !
ولم يقم خالد إلا بغارات ، وكان أكثرها على عاتق المثنى وقواته . وتلخص عمل خالد بعقد الصلح مع الدساكر المفتوحة على مبالغ ، فأبرم صلحاً مع القُرَيَّات ، وهي سكاكة وما حولها ، وهي اليوم في السعودية ، وكانت قديماً من العراق . ثم دخل إلى الحيرة ، ووقع مع حاكمها صلحاً وقبض المال . . وهكذا .
قال الطبري : 2 / 551 : « ثم كانت سنة اثنتي عشرة . . فمضى خالد يريد العراق حتى نزل بقريات من السواد يقال لها بانقيا وباروسما وألِّيس فصالحه أهلها . وكان الذي صالحه عليها ابن صلوبا ، وذلك في سنة اثنتي عشرة ، فقبل منهم خالد الجزية ، وكتب لهم كتاباً فيه : بسم الله الرحمن الرحيم من خالد بن الوليد لابن صلوبا السوادي ، ومنزله بشاطئ الفرات ، إنك آمن بأمان الله إذ حقن دمه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 136 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بإعطاء الجزية ، وقد أعطيت عن نفسك وعن أهل خرجك وجزيرتك ، ومن كان في قريتيك بانقيا وباروسما ، ألف درهم فقبلها منك ورضى من معي من المسلمين بها منك ، ولك ذمة الله وذمة محمد ( صلى الله عليه وآله ) وذمة المسلمين على ذلك . .
ثم أقبل خالد بن الوليد بمن معه حتى نزل الحيرة ، فخرج إليه أشرافهم مع قبيصة بن إياس بن حية الطائي ، وكان أمَّره عليها كسرى بعد النعمان بن المنذر فقال له خالد ولأصحابه : أدعوكم إلى الله والى الإسلام فإن أجبتم إليه فأنتم من المسلمين لكم مالهم وعليكم ما عليهم ، فإن أبيتم فالجزية فإن أبيتم الجزية فقد أتيتكم بأقوام هم أحرص على الموت منكم على الحياة ، جاهدناكم حتى يحكم الله بيننا وبينكم . فقال له قبيصة بن إياس : ما لنا بحربك من حاجة ، بل نقيم على ديننا ونعطيك الجزية . فصالحهم على تسعين ألف درهم ، فكانت أول جزية وقعت بالعراق هي والقريات ، التي صالح عليها ابن صلوبا » .
وفي معجم البلدان ( 4 / 335 ) : « القريات ، جمع تصغير القرية : من منازل طئ ، قال أبو عبيد الله السكوني : من وادي القرى إلى تيماء أربع ليال ، ومن تيماء إلى القريات ثلاث أو أربع ، قال : والقريات دومة وسكاكة والقارة » .
وذكر المؤرخون عقود خالد العديدة مع مدن وقرى بمبالغ كبيرة وصغيرة ، كان ينفق قسماً منها ويرسل قسماً إلى أبي بكر .
قال الطبري : 2 / 570 : « كان الدهاقين يتربصون بخالد وينظرون ما يصنع أهل الحيرة ، فلما استقام ما بين أهل الحيرة وبين خالد واستقاموا له ، أتته دهاقين الملطاطين ، وأتاه زاذ بن بهيش دهقان فرات سريا ، وصلوبا بن نسطونا بن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 137 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بصبهرى . . فصالحوه على ما بين الفلاليج إلى هرمزجرد على ألفي ألف . . وأن للمسلمين ما كان لآل كسرى . . وكتب لهم كتاباً : بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من خالد بن الوليد لزاذ بن بهيش وصلوبا بن نسطونا إن لكم الذمة وعليكم الجزية . . . وكتب سنة اثنتي عشرة في صفر » .
فقد كان النظام الفارسي غائباً تماماً ، وقد شن خالد غارات مباغتة على قرى ودساكر وقبائل وأسَر وسبى ، وقتل صبراً ، لكن ليس من الفرس بل من العرب خاصة التغلبيين ، والمزارعين البابليين ! وسيأتي المزيد في ترجمة خالد .
لكن التاريخ الحكومي يغطي على سيئات خالد ، ويخترع له حسنات !

ثم كانت معركة الجسر فاجعة على المسلمين

عندما تولى عمر بعث أبا عبيد بن مسعود الثقفي والياً على العراق ، وهو أبو المختار الثقفي ، الآخذ بثأر الحسين ( عليه السلام ) .
وقد جاهد أبو عبيد بإخلاص إلى جانب المثنى رضي الله عنهما ، فثبَّت ما تمَّ تحريره ، وطرد الحاميات الفارسية الصغيرة والمتوسطة من الدساكر .
وذكر البلاذري ( 2 / 307 ) أن أبا عبيد دخل العراق بألف مقاتل ، وخاض حرباً مع القائد الفارسي جابان في تستر ، قال : « فلما صار بالعذيب بلغه أن جابان الأعجمي بتستر في جمع كثير ، فلقيه فهزم جمعه وأسر منهم . ثم أتى درنى وبها جمع للعجم فهزمهم إلى كسكر ، وسار إلى الجالينوس وهو بباروسما ، فصالحه ابن الأندرزعز عن كل رأس على أربعة دراهم على أن ينصرف . ووجه أبو عبيد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 138 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
المثنى إلى زندورد فوجدهم قد نقضوا فحاربهم فظفر وسبى . ووجه عروة بن زيد الخيل الطائي إلى الزوابي ، فصالح دهقانها على مثل صلح باروسما » .
ويظهر أن هذه المعارك كانت صغيرة . لكن بعد أكثر من سنة من ولايته على العراق ، أرسل رُستم القائد الفارسي العام ونائب الملك ، جيشاً ، فكانت معركة الجسر ، وانهزم المسلمون فيها وخسروا نحو أربعة آلاف رجل ، واستشهد أبو عبيد ، ومسعود أخ المثنى ، وكثير من فرسان المسلمين . وكانت في شهر رمضان سنة 13 هجرية ، أي بعد ذهاب خالد بشهور .
قال البلاذري في فتوح البلدان : 2 / 308 : « يوم قس الناطف وهو يوم الجسر . . بعث الفرس إلى العرب حين بلغها اجتماعها ذا الحاجب مردان شاه ، وكان أنوشروان لقبه بهمن لتبركه به ، وسمي ذا الحاجب لأنه كان يعصب حاجبيه ليرفعهما عن عينيه كبراً ، ويقال إن اسمه رستم . فأمر أبو عبيد بالجسر فعُقد ، وأعانه على عقده أهل بانقيا ، ويقال إن ذلك الجسر كان قديماً لأهل الحيرة يعبرون عليه إلى ضياعهم ، فأصلحه أبو عبيد ، وذلك أنه كان معتلاً مقطوعاً .
ثم عبر أبو عبيد والمسلمون من المروحة على الجسر ، فلقوا ذا الحاجب وهو في أربعة آلاف مدجج ، ومعه فيل ويقال عدة فيلة ، واقتتلوا قتالاً شديداً ، وكثرت الجراحات وفشت في المسلمين . فقال سليط بن قيس : يا أبا عبيد قد كنت نهيتك عن قطع هذا الجسر إليهم ، وأشرت عليك بالإنحياز إلى بعض النواحي والكتاب إلى أمير المؤمنين بالاستمداد فأبيت ! وقاتل سليط حتى قتل .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 139 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وسأل أبو عبيد : أين مقتل هذه الدابة ؟ فقيل خرطومه ، فحمل فضرب خرطوم الفيل ، وحمل عليه أبو محجن بن حبيب الثقفي فضرب رجله فعلقها ، وحمل المشركون فقتل أبو عبيد ، ويقال إن الفيل برك عليه فمات تحته !
فأخذ اللواء أخوه فقتل ، فأخذه ابنه جبر فقتل . ثم إن المثنى بن حارثة أخذه ساعةً وانصرف بالناس ، وبعضهم على حامية بعض ( يحمون بعضهم لينسحبوا ) وقاتل عروة بن زيد الخيل يومئذ قتالاً شديداً عُدِل بقتال جماعة ، وقاتل أبو زبيد الطائي الشاعر حميةً للمسلمين بالغربية ، وكان أتى الحيرة في بعض أموره وكان نصرانياً . وأتى المثنى أليس فنزلها ، وكتب إلى عمر بن الخطاب بالخبر مع عروة بن زيد . . وكانت وقعة الجسر يوم السبت في آخر شهر رمضان سنة ثلاث عشرة » .
وفي الأغاني : 19 / 10 : « فقال أبو محجن الثّقفيّ يرثي أبا عبيد :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] وأنّى تسدّت نحونا أم يوسفٍ * ومن دون مسراها فيافٍ مجاهلُ
إلى فتية بالطَّفّ نيلت سراتهم * وغودر أفراسٌ لهم ورواحلُ
وأضحى أبو جَبْرٍ خلاءً بيوته * وقد كان يغشاها الضعاف الأرامل
وأضحى بنو عمرو لدى الجسر منهم * إلى جانب الأبيات جودٌ ونائل
وما لمتُ نفسي فيهم غير أنها * لها أجلٌ لم يأتها وهو عاجل
وما رمتُ حتى خرقوا بسلاحهم * إهابي وجادت بالدماء الأباجل
وحتى رأيتُ مهرتي مزوَئِرة * من النبل يدمى نحرها والشواكل
وما رحتُ حتى كنت آخر رائح * وصُرِّع حولي الصالحون الأماثل
مررت على الأنصار وسط رحالهم * فقلت : ألا هل منكم اليوم قافل
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 140 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] وقرّبت رواحاً وكوراً ونمرقاً * وغودر في ألَّيس بكر ووائل
ألا لعن اللَّه الذين يسرّهم * ردايَ وما يدرون ما اللهُ فاعل » .
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] وفي معجم البلدان : 2 / 140 : « وعبر إلى عسكر الفرس وواقعهم ، فكثروا على المسلمين ونكوا فيهم نكاية قبيحة ، لم ينكوا في المسلمين قبلها ولا بعدها مثلها وقتل أبو عبيد ( رحمه الله ) وانتهى الخبر إلى المدينة ، فقال حسان بن ثابت :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] لقد عظمت فينا الرزية إننا * جلادٌ على ريب الحوادث والدهر
على الجسر قتلى لهف نفسي عليهم * فيا حسرتا ماذا لقينا من الجسر » .
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] وفي تاريخ الطبري : 2 / 639 : « وقعة القرقس ، ويقال لها القس قس الناطف ، ويقال لها الجسر ، ويقال لها المروحة » .
وجاء في روايات الطبري : « فأقبل بهمن جاذويه ومعه درفش كابيان راية كسرى ، وكانت من جلود النمر ، عرض ثمانية أذرع في طول اثنى عشر ذراعاً . . واستعمل رستم على حرب أبي عبيد بهمن جاذويه وهو ذو الحاجب ورد معه الجالنوس ، ومعه الفيلة فيها فيل أبيض عليه النخل ، وأقبل في الدهم وقد استقبله أبو عبيد حتى انتهى إلى بابل ، فلما بلغه انحاز حتى جعل الفرات بينه وبينه فعسكر بالمروحة ، ثم إن أبا عبيد ندم حين نزلوا به وقالوا : إما أن تعبروا إلينا وإما أن نعبر ، فحلف ليقطعن الفرات إليهم وليُمَحِّصن ما صنع ( إذ لم ينازلهم في بابل ) فناشده سليط بن قيس ووجوه الناس وقالوا إن العرب لم تلق مثل جنود فارس مذ كانوا ، وإنهم قد حفلوا لنا واستقبلونا من الزهاء والعُدة بما لم يلقنا به أحد منهم ، وقد نزلت منزلاً لنا فيه مجالٌ وملجأ ومرجع من فرة إلى كرة .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 141 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فقال : لا أفعل ، جبنتَ والله ! وكان الرسول فيما بين ذي الحاجب وأبى عبيد مردانشاه الخصي ، فأخبرهم أن أهل فارس قد عيروهم فازداد أبو عبيد مَحْكاً ورد على أصحابه الرأي وجَبَّنَ سليطاً ، فقال سليط : أنا والله أجرأ منك نفساً ، وقد أشرنا عليك الرأي فستعلم ! فقال أبو عبيد : بل نعبر إليكم . . وعهد أبو عبيد إلى الناس فقال : إن قتلت فعلى الناس جبر ( ابنه ) فإن قتل فعليكم فلان . . ثم قال إن قتل أبو القاسم فعليكم المثنى ، ثم نهد بالناس فعبروا وعبروا إليهم وعضلت الأرض بأهلها ، وألحم الناس الحرب ، فلما نظرت الخيول إلى الفيلة عليها النخل ، والخيل عليها التجافيف ، والفرسان عليهم الشعر ، رأت شيئاً منكراً لم تكن ترى مثله ، فجعل المسلمون إذا حملوا عليهم لم تقدم خيولهم ، وإذا حملوا على المسلمين بالفيلة والجلاجل فرقت بين كراديسهم ولا تقوم لها الخيل إلا على نفار ! وخزقهم الفرس بالنشاب ، وعض المسلمين الألم ، وجعلوا لا يصلون إليهم ، فترجل أبو عبيد وترجل الناس ثم مشوا إليهم فصافحوهم بالسيوف ، فجعلت الفيلة لا تحمل على جماعة إلا دفعتهم ، فنادى أبو عبيد : احتوشوا الفيلة وقطعوا بُطُنَها ( أحزمتها ) وأقلبوا عنها أهلها ، وواثب هو الفيل الأبيض فتعلق ببطانه فقطعه ووقع الذين عليه . وفعل القوم مثل ذلك فما تركوا فيلاً إلا حطوا رحله وقتلوا أصحابه . وأهوى الفيل لأبي عبيد فنفح مشفره بالسيف ، فاتقاه الفيل بيده ، وأبو عبيد يتجرثمه فأصابه بيده فوقع فخبطه الفيل وقام عليه ، فلما بصر الناس بأبي عبيد تحت الفيل خشعت أنفس بعضهم ( ارتعبوا ) وأخذ اللواء الذي كان أمره بعده ، فقاتل الفيل حتى تنحى عن أبي عبيد ، فاجتره إلى
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 142 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
المسلمين وأحرزوا شلوه ، وتجرثم الفيل فاتقاه الفيل بيده دأب أبى عبيد وخبطه الفيل وقام عليه ، وتتابع سبعة من ثقيف كلهم يأخذ اللواء فيقاتل حتى يموت .
ثم أخذ اللواء المثنى ، وهرب الناس . . وحاز المشركون المسلمين إلى الجسر وخشع ناس ، فتواثبوا في الفرات فغرق من لم يصبر ، وأسرعوا فيمن صبر وحمى المثنى وفرسان من المسلمين الناس ونادى : يا أيها الناس إنا دونكم فاعبروا على هينتكم ولا تدهشوا ، فإنا لن نزايل حتى نراكم من ذلك الجانب ، ولا تغرقوا أنفسكم ! فعبروا الجسر . . وعبر الناس وكان آخر من قتل عند الجسر سليط بن قيس . وعبر المثنى وحمى جانبه فاضطرب عسكره ورامهم ذو الحاجب فلم يقدر عليهم . فلما عبر المثنى ارفضَّ عنه أهل المدينة ، حتى لحقوا بالمدينة ، وتركها بعضهم ونزلوا البوادي وبقى المثنى في قلة . . هلك يومئذ أربعة آلاف بين قتيل وغريق ، وهرب ألفان ، وبقى ثلاثة آلاف .
وأتى ذا الحاجب الخبر باختلاف فارس فرجع بجنده ، وكان ذلك سبباً لارفضاضهم عنه ، وجُرح المثنى وأثبت فيه حلق من درعه ، هتكهن الرمح » .
أقول : أثرت هذه الخسارة على عمر بن الخطاب كثيراً ، فلم يرسل أحداً إلى العراق إلا بعد أكثر من سنة ، فأرسل جرير بن عبد الله البجلي .

ثم ثأر المثنى في معركة البويب لمعركة الجسر

نشط المثنى رضي الله عنه بعد معركة الجسر فأسَرَ قائدين من الفرس ، واستغل خلافاً داخلياً بين الفرس ، فوسع غاراته في وسط العراق وغربه وشرقه ، وبسط
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 143 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
نفوذه على أكثر أجزائه ، فاغتاظ لذلك الفرس وأرسلوا جيشاً أكبر من جيشهم السابق ، وجمع المثنى جيشه من المسلمين ، وبعض العرب النصارى .
والبويب : « نهر كان بالعراق موضع الكوفة ، فمه عند دار الرزق ، يأخذ من الفرات » . ( معجم البلدان : 1 / 512 ) .
قال ابن الأعثم : 1 / 136 : « دعا عمر بجرير بن عبد الله البجلي فقال له : ويحك يا جرير ! إنا قد أصبنا بالمسلمين مصيبة عظيمة ، والمثنى بن حارثة في وجه العدو غير أنه جريح لما به ، فسر نحو العراق فعسى الله عز وجل أن يدفع شر هؤلاء الأعاجم وتخمد بك جمرتهم . قال : فسار جرير بن عبد الله من المدينة في سبع مائة رجل حتى صار إلى العراق فنزلها » .
ونزل جرير بقومه في أول العراق من جهة الحجاز وطلب من المثنى أن يأتيه ، فدعاه المثنى للحضور إليه ، لأن الفرس يستعدون للمعركة ، وجرت بينهم مراسلات !
قال ابن الأعثم : 1 / 136 : « فسار جرير بن عبد الله من المدينة في سبع مائة رجل ، حتى صار إلى العراق فنزلها ، وبلغ ذلك المثنى بن حارثة الشيباني ، فكتب إليه : أما بعد يا جرير فإنا نحن الذين أقدمنا المهاجرين والأنصار من بلدهم ، وأقمنا نحن في نحر العدو نكابدهم ليلاً ونهاراً ، وإنما أنت مدد لنا ، فما انتظارك رحمك الله لا تصير إلينا ؟ فصر إلينا وكثِّرنا بأصحابك . . .
قال فكتب إليه جرير : أما بعد فقد ورد كتابك عليَّ فقرأته وفهمته ، فأما ما ذكرت أنك الذي أقدمت المهاجرين والأنصار إلى حرب العدو ، فصدقت . وليتك لم تفعل ! وأما قولك : إن المهاجرين والأنصار لحقوا ببلدهم ، فإنه لما قتل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 144 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أميرهم لحقوا بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب . وأما ما ذكرت أنك أقمت في نحر العدو فإنك أقمت في بلدك ، وبلدك أحب إليك من غيره . وأما ما سألتني من المصير إليك ، فإن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لم يأمرني بذلك ، فكن أنت أميراً على قومك ، وأنا أمير على قومي . والسلام » .
أقول : هذا يكشف عن استياء عمر من توغل المثنى في فتح العراق ، وخوفه من حرب الفرس ، خاصة بعد معركة الجسر !
لكن المثنى بن حارثة رضي الله عنه فرض عليهم الأمر الواقع ، وأقنع جريراً أخيراً ، فجاء ببني بجيلة وشارك في معركة البويب . وقاد المثنى المعركة خير قيادة ، وكانت كما يقول ابن كثير بحجم معركة اليرموك ، وحقق المثنى فيها النصر المبين للمسلمين وطارد بعدها جيش الفرس ، ووسع غاراته إلى الأهواز شرقاً ، والى حدود سوريا غرباً .
وسيأتي بعض خبر البويب وقتل القائد الفارسي مهران ، في ترجمة المثنى بن حارثة ، وترجمة جرير بن عبد الله البجلي .
وفي الأخبار الطوال / 114 : « واجتمع عظماء فارس إلى بوران ، فأمرت أن يتخير اثنا عشر ألف رجل من أبطال الأساورة وولت عليهم مهران بن مهروية الهمداني ، فسار بالجيش حتى وافى الحيرة ، وزحف الفريقان ، بعضهم لبعض ، ولهم زجل كزجل الرعد ، وحمل المثنى في أول الناس ، وكان في ميمنة جرير ، وحملوا معه وثار العجاج ، وحمل جرير بسائر الناس من الميسرة والقلب ، وصدقتهم العجم القتال ، فجال المسلمون جولة ( أي انهزموا ) فقبض المثنى على لحيته ، وجعل ينتف ما تبعه منها من الأسف ، ونادى : أيها الناس ، إليَّ إليَّ ، أنا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 145 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
المثنى ! فثاب المسلمون ، فحمل بالناس ثانية ، وإلى جانبه مسعود بن حارثة أخوه وكان من فرسان العرب ، فقتل مسعود ، فنادى المثنى : يا معشر المسلمين هكذا مصرع خياركم ، إرفعوا راياتكم . وحض عدي بن حاتم أهل الميسرة ، وحرض جرير أهل القلب ، وذمرهم . . فحمل المسلمون على العجم حملة صدقوا الله فيها ، وباشر مهران الحرب بنفسه وقاتل قتالا شديدا ، وكان من إبطال العجم فقتل مهران ، وذكروا أن المثنى قتله ، فانهزمت العجم لما رأوا مهران صريعاً واتبعهم المسلمون . . ومضت العجم حتى لحقوا بالمدائن . . فقال عروة بن زيد الخيل في ذلك :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] هاجت لعروة دار الحي أحزانا * واستبدلت بعد عبد القيس همدانا
وقد أرانا بها والشمل مجتمع * إذْ بالنخيلة قتلى جندُ مهرانا
أيام سار المثنى بالجنود لهم * فقتَّل القوم من رجل وركبانا
سما لأجناد مهران وشيعته * حتى أبادهم مثنى ووحدانا
ما إن رأينا أميراً بالعراق مضى * مثل المثنى الذي من آل شيبانا
إن المثنى الأميرُ القَرْمُ لا كذب * في الحرب أشجع من ليث بخفانا
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] قالوا : ولما أهلك الله مهران ومن كان معه من عظماء العجم ، استمكن المسلمون من الغارة في السواد ، وانتقضت مسالح الفرس وتشتت أمرهم ، واجترأ المسلمون عليهم ، وشنوا الغارات ما بين سورا وكسكر والصراة ، إلى الفلاليج والأستانات » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 146 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

أمر عمر المسلمين بالإنسحاب من العراق !

بعد معركة البويب ، رتب الفرس وضعهم الداخلي وملَّكوا يزدجرد عليهم ، وسارعوا في العمل لرد اعتبارهم من هزيمة البويب ، فحشدوا جيشهم لحرب المسلمين ، وحركوا المزارعين من أهل السواد من الفرس والعرب والبابليين ، لينقضوا عهودهم مع المسلمين ، فاستجابوا لهم ، وبعضهم فعل ذلك غضباً من اعتداءات خالد بن الوليد عليهم بالتقتيل والأسر والسبي !
فأرسل عمر إلى المثنى أن لا يقاوم الفرس ، وأن يسحب المسلمين كلهم إلى أطراف العراق ! وأرسل عمر سعد بن أبي وقاص والياً على العراق ، وأمره أن لا يدخل إلى العراق فخيَّم في منطقة زرود ، وهي على حدود العراق من جهة الحجاز ، وتبعد عن حائل نحو 170 كيلو متراً ، وبقي فها سعد نحو ستة أشهر ، وأرسل إلى المثنى يؤكد عليه أمر عمر ، ويأمره أن يأتيه بجيشه إلى زرود !
قال ابن خليفة : 87 : « وتنازع جرير والمثنى بن حارثة الإمارة ، فبعث عمر سعد بن مالك وكتب إليهما أن اسمعا له وأطيعا » .
ومعنى طاعتهما لسعد : أن ينسحبا من العراق ويأتيا بقواتهما إلى زرود ! وقد استاء المثنى والمسلمون من قرار عمر بالإنسحاب ، وانتقد عدم دخول سعد إلى العراق ، وطلبه منه أن يأتيه إلى زرود ، وجرت بينهما مراسلات شبيهة بمراسلاته مع جرير !
وفي هذا الجو مات المثنى فجأة ! وقالوا إنه كان مجروحاً في معركة الجسر ، وإن بعض حلقات الدرع دخلت في بدنه ، فانتقضت عليه جراحه بعد شهور .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 147 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم قالوا إنه أوصى أخاه المعنَّى وزوجته سلمى أن يذهبا إلى سعد ويبلغاه وصيته بتنفيذ قرار عمر ! فذهبا إليه ، وخطب سعد سلمى أرملة المثنى وتزوجها ، وأمَّر أخاه المُعَّنى مكانه . وسنناقش ظروف موت المثنى في ترجمته رضي الله عنه .
وبعد وفاة المثنى نشط الفرس في الاستعداد لمعركة القادسية ، وكانت معركتها في آخر سنة ستة عشر ، أي بعد نحو سنة وأشهر من معركة الجسر ، وبعد أقل من سنة من معركة البويب . ( البلاذري : 2 / 314 ) .

ثم كانت معركة القادسية حاسمة في فتح العراق

1 . حشد الفرس قواتهم في القادسية قرب الكوفة ، وكانوا ستين ألف جندي ، وقيل مائة وعشرون ألفاً ، واستعادوا السيطرة على أكثر المناطق التي حررها المسلمون ، فأخضعوها لهم . والنص التالي يصور جو الموجة الفارسية .
قال الطبري : 3 / 25 : « دعا رستم أهل الحيرة ، وسرادقه إلى جانب الدير ، فقال : يا أعداء الله فرحتم بدخول العرب علينا بلادنا ، وكنتم عيوناً لهم علينا وقويتموهم بالأموال . فاتقوه بابن بقيلة وقالوا له كن أنت الذي تكلمه ، فتقدم فقال : أما أنت وقولك إنا فرحنا بمجيئهم ، فماذا فعلوا وبأي ذلك من أمورهم نفرح ؟ إنهم ليزعمون أنا عبيد لهم وما هم على ديننا ، وإنهم ليشهدون علينا أنا من أهل النار . وأما قولك إنا كنا عيوناً لهم ، فما الذي يحوجهم إلى أن نكون عيوناً لهم وقد هرب أصحابكم منهم ، وخلوا لهم القرى فليس يمنعهم أحد من وجه أرادوه ، إن شاؤوا أخذوا يميناً أو شمالاً .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 148 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأما قولك إنا قويناهم بالأموال فإنا صانعناهم بالأموال عن أنفسنا إذ لم تمنعونا مخافة أن نُسبى وأن نُحْرَب وتُقتل مقاتلتنا ، وقد عجز منهم من لقيهم منكم فكنا نحن أعجز . ولعمري لأنتم أحب إلينا منهم وأحسن عندنا بلاءً ، فامنعونا منهم نكن لكم أعواناً ، فإنما نحن بمنزلة علوج السواد عبيد من غلب . فقال رستم : صدقكم الرجل » .
وقال ابن كثير في النهاية ( 7 / 35 ) : « واستوثقت الممالك له ( يزدجرد ) واجتمعوا عليه وفرحوا به وقاموا بين يديه بالنصر أتم قيام واستفحل أمره فيهم ، وقويت شوكتهم به ، وبعثوا إلى الأقاليم والرساتيق فخلعوا الطاعة للصحابة ونقضوا عهودهم وذممهم ! وبعث الصحابة إلى عمر بالخبر ، فأمرهم عمر أن يتبرزوا من بين ظهرانيهم » . أي أمر المسلمين أن يخرجوا من العراق ويبرزوا إلى بادية الحجاز !
2 . في مروج الذهب : 1 / 118 : « كان الفرات ، الأكثر من مائه ينتهي إلى بلاد الحِيرةِ ونهرها بين إلى هذا الوقت ، وهو يعرف بالعتيق ، وعليه كانت وقعة المسلمين مع رُستُم وهي وقعة القادسية ، فيصب في البحر الحبشي ( الخليج ) وكان البحر حينئذ في الموضع المعروف بالنّجَف في هذا الوقت ، وكانت تقدم هناك سفن الصين والهند ، ترِد إلى ملوك الحيرة » .
أقول : معناه أن معركة القادسية كانت قرب مدينة النجف الأشرف ، وأن الوادي المسمى اليوم بحر النجف ، كان خليجاً متصلاً بالبصرة والخليج ، تبُحر فيه السفن !
وفي تاريخ الطبري : 3 / 24 ، و 28 : « وأمر الجالنوس حتى قدم الحيرة ، فمضى واضطرب فسطاطه بالنجف . . فلما دنا رستم ونزل النجف بعث سعد الطلائع » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 149 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
3 . في مروج الذهب : 2 / 312 : « فالتقى جيش المسلمين وجيش الفرس وعليهم رستم ، والمسلمون يومئذ في ثمانية وثلاثين ألفاً ، وقيل : إن من أُسْهِمَ له ثلاثون ألفاً ، والمشركون في ستين ألفاً ، أمام جيوشهم الفيلة عليها الرجال » .
وقال خليفة بن خياط / 89 : « كان رستم في ستين ألفاً من أخص ديوانه ، والمسلمون ستة آلاف أو سبعة . . . عن إبراهيم قال : كانوا ما بين الثمانية آلاف إلى التسعة آلاف ، وجاءهم قدر ألفين ، فأقاموا قدر شهر لا يلقاهم العدو » .
وفي تاريخ الطبري : 3 / 26 : « وجعلت السرايا تطوف ورستم بالنجف ، والجالنوس بين النجف والسيلحين ، وذو الحاجب بين رستم والجالنوس والهرمزان ومهران على مجنبتيه ، والبيرزان على ساقته ، وزاذ بن بهيش صاحب فرات سريا على الرجالة ، وكنارى على المجردة . وكان جنده مائة وعشرين ألفاً ، ستين ألف متبوع ، مع الرجل الشاكري ، ومن الستين ألفاً خمسة عشر ألف شريف متبوع ، وقد تسلسلوا وتقارنوا ( ربطوا بعضهم ببعض ) لتدور عليهم رحى الحرب » .
وروى ابن أبي شيبة ( 8 / 14 و : 7 / 718 ) أن النخعيين كانوا في القادسية ألفين وأربع مئة : « كنت لا تشاء أن تسمع يوم القادسية : أنا الغلام النخعي ، إلا سمعته » .
« فقال عمر : ما شأن النخع أصيبوا من بين سائر الناس ، أفرَّ الناس عنهم ؟ قالوا : لا ، بل وُلُّوا عِظَم الأمر وحدهم » . ( ابن أبي شيبة : 8 / 14 ، والإصابة : 1 / 196 ) .
وفي تاريخ الطبري : 3 / 76 : « عن عبد الرحمن بن الأسود النخعي ، عن أبيه قال : شهدت القادسية ، فلقد رأيت غلاماً منا من النخع يسوق ستين أو ثمانين رجلاً من أبناء الأحرار ، فقلت : لقد أذلَّ الله أبناء الأحرار » !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 150 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي تاريخ الطبري : 3 / 82 ، أنهم هاجروا من اليمن مع عوائلهم ، وزوجوا سبع مائة من بناتهم إلى المسلمين ، خاصة الأنصار . ( ونحوه تاريخ دمشق : 65 / 100 ) .
وفي المنتظم لابن الجوزي : 4 / 174 : « لما اجتمع الناس بالقادسية دعت خنساء بنت عمرو النخعية بنيها الأربعة فقالت : يا بنيَّ ، إنكم أسلمتم طائعين وهاجرتم ، والله ما نبَتْ بكم الدار ولا أقحمتكم السنة ، ولا أرداكم الطمع .
والله الَّذي لا إله إلا هو إنكم لبنو رجل واحد ، كما أنكم بنو امرأة واحدة ، ما خنتُ أباكم ولا فضحت خالكم ، ولا عَمَوْتُ نسبكم ولا أوطأت حريمكم ولا أبحت حماكم . فإذا كان غداً إن شاء الله فاغدوا لقتال عدوكم مستنصرين الله مستبصرين . فإذا رأيتم الحرب قد أبدت ساقها وقد ضربت رواقها فتيمموا وطيسها ، وجالدوا خميسها ، تظفروا بالمغنم والسلامة والفوز والكرامة في دار الخلد والمقامة » . ثم ذكر انصرافهم إلى المعركة ، ورجزهم ، وقتالهم .
والظاهر أن عدد قوات المسلمين كان أكثر من عشرة آلاف ، منهم ألفان وأربع مئة من النخعيين جماعة مالك الأشتر رضي الله عنه ، وكان ثقل القتال عليهم . وفي نفس الوقت كان نخبة من النخع مع الأشتر في اليرموك ، فقد طارد الروم في جبال تركيا بعد المعركة ، ومعه ثلاث مائة فارس من قومه النخعيين ! ( الكلاعي : 3 / 273 ) .

من وصف معركة القادسية

1 . رووا أن عمر كتب إلى سعد بن أبي وقاص أن يرسل قبل المعركة وفداً إلى يزدجرد يدعونه إلى الإسلام ، ففي الطبري ( 3 / 14 ) : « وابعث إليه رجالاً من أهل المنظرة والرأي والجلد ، يدعونه ، فإن الله جاعل دعاءهم توهيناً لهم وفلجاً . .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 151 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
جمع نفراً عليهم نجار ولهم آراء ، ونفراً لهم منظر وعليهم مهابة ولهم آراء . فأما الذين عليهم نجار ولهم آراء ولهم اجتهاد ، فالنعمان بن مقرن ، وبسر بن أبي رهم ، وحملة بن حوية الكناني ، وحنظلة بن الربيع التميمي ، وفرات بن حيان العجلي ، وعدي بن سهيل ، والمغيرة بن زرارة بن النباش بن حبيب .
وأما من لهم منظر لأجسامهم وعليهم مهابة ولهم آراء ، فعطارد بن حاجب ، والأشعث بن قيس ، والحارث بن حسان ، وعاصم بن عمرو ، وعمرو بن معدي كرب ، والمغيرة بن شعبة ، والمعنى بن حارثة ، فبعثهم دعاة إلى الملك . .
قدموا المدائن احتجاجاً ودعاة ليزدجرد ، فطووا رستم حتى انتهوا إلى باب يزدجرد ، فوقفوا على خيول عروات معهم جنائب ولها صهال ، فاستأذنوا فحبسوا ، وبعث يزدجرد إلى وزرائه ووجوه أرضه يستشيرهم فيما يصنع بهم ويقوله لهم . وسمع بهم الناس فحضروهم ينظرون إليهم وعليهم المقطعات والبرود ، وفي أيديهم سياط دقاق ، وفي أرجلهم النعال . فلما اجتمع رأيهم أذن لهم فأدخلوا عليه . . . فلم أر عشرة قط يعدلون في الهيئة بألف غيرهم ، وخيلهم تخبط ويوعد بعضها بعضاً ، وجعل أهل فارس يسوؤهم ما يرون من حالهم وحال خيلهم ، فلما دخلوا على يزدجرد أمرهم بالجلوس وكان سئ الأدب ، فكان أول شئ دار بينه وبينهم أن أمر الترجمان بينه وبينهم فقال : سلهم ما يسمون هذه الأردية ؟ فسأل النعمان وكان على الوفد : ما تسمى رداءك ؟ قال : البُرد ، فتطير وقال بردجهان ! وتغيرت ألوان فارس وشق ذلك عليهم . ثم قال : سلهم عن أحذيتهم ؟ فقال : ما تسمون هذه الأحذية ؟ فقال : النعال ، فعاد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 152 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لمثلها فقال : ناله ناله في أرضنا . ثم سأله عن الذي في يده ؟ فقال سوط ، والسوط بالفارسية الحريق ! فقال أحرقوا فارس أحرقهم الله . . .
ثم قال الملك : سلهم ما جاء بكم وما دعاكم إلى غزونا والولوع ببلادنا ، أمن أجل أنَّا أجممناكم وتشاغلنا عنكم اجترأتم علينا ؟ !
فقال لهم النعمان بن مقرن : إن شئتم أجبت عنكم ومن شاء آثرته ، فقالوا : بل تكلم ، وقالوا للملك : كلام هذا الرجل كلامنا ، فتكلم النعمان فقال : إن الله رحمنا فأرسل إلينا رسولاً يدلنا على الخير ويأمرنا به ، ويعرفنا الشر وينهانا عنه ، ووعدنا على إجابته خير الدنيا والآخرة ، فلم يدع إلى ذلك قبيلة إلا صاروا فرقتين فرقة تقاربه وفرقة تباعده ولا يدخل معه في دينه إلا الخواص ، فمكث بذلك ما شاء الله أن يمكث ، ثم أمر أن ينبذ إلى من خالفه من العرب وبدأ بهم وفعل ، فدخلوا معه جميعاً على وجهين مكره عليه فاغتبط ، وطائع أتاه فازداد ، فعرفنا جميعاً فضل ما جاء به على الذي كنا عليه من العداوة والضيق . ثم أمرنا أن نبدأ بمن يلينا من الأمم فندعوهم إلى الإنصاف ، فنحن ندعوكم إلى ديننا وهو دين حسَّن الحسن وقبَّح القبيح كله ، فإن أبيتم فأمر من الشر هو أهون من آخر شر منه : الجزاء . فإن أبيتم فالمناجزة . فإن أجبتم إلى ديننا خلفنا فيكم كتاب الله ، وأقمناكم عليه أن تحكموا بأحكامه ، ونرجع عنكم وشأنكم وبلادكم ، وإن أتقيمونا بالجزاء قبلنا ومنعناكم ، وإلا قاتلناكم .
قال : فتكلم يزدجرد فقال : إني لا أعلم في الأرض أمة كانت أشقى ولا أقل عدداً ، ولا أسوأ ذات بين منكم . قد كنا نوكل بكم قرى الضواحي فيكفونناكم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 153 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لا تغزوكم فارس ولا تطمعون أن تقوموا لهم . فإن كان عددكم كثر فلا يغرنكم منا ، وإن كان الجهد دعاكم فرضنا لكم قوتاً إلى خصبكم ، وأكرمنا وجوهكم وكسوناكم ، وملكنا عليكم ملكاً يرفق بكم .
فأسكت القوم ، فقال المغيرة بن زرارة بن النباش الأسيدي : أيها الملك إن هؤلاء رؤوس العرب ووجوههم ، وهم أشراف يستحيون من الأشراف ، وإنما يكرم الأشراف الأشراف ، ويعظم حقوق الأشراف الأشراف ، ويفخم الأشراف الأشراف ، وليس كل ما أرسلوا به جمعوه لك ، ولا كل ما تكلمت به أجابوك عليه ، وقد أحسنوا ولا يحسن بمثلهم إلا ذلك .
فجاوبني لأكون الذي أبلغك ويشهدون على ذلك ، إنك قد وصفتنا صفة لم تكن بها عالماً ، فأما ما ذكرت من سوء الحال فما كان أسوأ حالاً منا . وأما جوعنا فلم يكن يشبه الجوع ، كنا نأكل الخنافس والجعلان والعقارب والحيات ، فنرى ذلك طعامنا ! وأما المنازل فإنما هي ظهر الأرض ولا نلبس إلا ما غزلنا من أوبار الإبل وأشعار الغنم . ديننا أن يقتل بعضنا بعضاً ، ويغير بعضنا على بعض ، وإن كان أحدنا ليدفن ابنته وهي حية كراهية أن تأكل من طعامنا ، فكانت حالنا قبل اليوم على ما ذكرت لك ، فبعث الله إلينا رجلاً معروفاً ، نعرف نسبه ونعرف وجهه ومولده ، فأرضه خير أرضنا وحسبه خير أحسابنا ، وبيته أعظم بيوتنا وقبيلته خير قبيلتنا ، وهو بنفسه كان خيرنا ، في الحال التي كان فيها أصدقنا وأحلمنا فدعانا إلى أمر فلم يجبه أحد أول من ترب كان له ، وكان الخليفة من يعده ، فقال وقلنا وصدق وكذبنا وزاد ونقصنا ، فلم يقل شيئاً إلا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 154 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كان ، فقذف الله في قلوبنا التصديق له واتباعه ، فصار فيما بيننا وبين رب العالمين فما قال لنا فهو قول الله ، وما أمرنا فهو أمر الله ، فقال لنا إن ربكم يقول إني أنا الله وحدي لا شريك لي ، كنت إذ لم يكن شئ ، وكل شئ هالك إلا وجهي ، وأنا خلقت كل شئ وإليَّ يصير كل شئ ، وإن رحمتي أدركتكم فبعثت إليكم هذا الرجل لأدلكم على السبيل التي بها أنجيكم بعد الموت من عذابي ، ولأحلكم داري دار السلام . فنشهد عليه أنه جاء بالحق من عند الحق .
وقال : من تابعكم على هذا فله ما لكم وعليه ما عليكم ، ومن أبى فاعرضوا عليه الجزية ، ثم امنعوه مما تمنعون منه أنفسكم ، ومن أبى فقاتلوه فأنا الحكم بينكم ، فمن قتل منكم أدخلته جنتي ومن بقي منكم أعقبته النصر على من ناوأه .
فاختر إن شئت الجزية عن يد وأنت صاغر ، وإن شئت فالسيف أو تسلم فتنجي نفسك ! فقال أتستقبلني بمثل هذا ؟ ! فقال : ما استقبلت إلا من كلمني ولو كلمني غيرك لم أستقبلك به .
فقال : لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكم ، لا شئ لكم عندي ! فقال : إئتوني بوقر من تراب ، فقال : إحملوه على أشرف هؤلاء ثم سوقوه حتى يخرج من باب المدائن . إرجعوا إلى صاحبكم فأعلموه أني مرسل إليكم رستم حتى يدفنكم ويدفنه في خندق القادسية ، وينكل به وبكم من بعد ، ثم أورده بلادكم حتى أشغلكم في أنفسكم بأشد مما نالكم من سابور .
ثم قال : من أشرفكم ؟ فسكت القوم ، فقال عاصم بن عمرو وافتأت ( كذب ) ليأخذ التراب : أنا أشرفهم ، أنا سيد هؤلاء فحملنيه ، فقال : أكذاك فقالوا : نعم ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 155 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فحمله على عنقه ، فخرج به من الإيوان والدار حتى أتى راحلته فحمله عليها ، ثم انجذب في السير ، فأتوا به سعداً وسبقهم عاصم ، فمر بباب قديس فطواه فقالوا بشروا الأمير بالظفر ظفرنا إن شاء الله . ثم مضى حتى جعل التراب في الحجر ، ثم رجع فدخل على سعد فأخبره الخبر فقال : أبشروا فقد والله أعطانا الله أقاليد ملكهم » .
ورووا ضمن هذه الرواية عن المغيرة بن شعبة ، أنه قال : « لعلنا لا نزيد على سبعة آلاف أو نحو من ذلك ، والمشركون ثلاثون ألفاً أو نحو ذلك ، فقالوا لنا : لا يدين لكم ولا قوة ولا سلاح ، ما جاء بكم ، إرجعوا . قال قلنا : لا نرجع وما نحن براجعين ، فكانوا يضحكون من نبلنا ويقولون : دوك دوك ، ويشبهونها بالمغازل ! قال : فلما أبينا عليهم أن نرجع قالوا : إبعثوا إلينا رجلاً منكم عاقلاً يبين لنا ما جاء بكم ، فقال المغيرة بن شعبة أنا ، فعبر إليهم فقعد مع رستم على السرير فنخروا وصاحوا ، فقال : إن هذا لم يزدني رفعة ولم ينقص صاحبكم ! قال رستم : صدقت ، ما جاء بكم ؟ قال : إنا كنا قوماً في سوق ضلالة ، فبعث الله فينا نبياً فهدانا الله به ورزقنا على يديه ، فكان مما رزقنا حبةً تنبت بهذا البلد فلما أكلناها وأطعمناها أهلينا قالوا لا صبر لنا عن هذه ، أنزلونا هذه الأرض حتى نأكل من هذه الحبة . فقال رستم : إذا نقتلكم ! فقال : إن قتلتمونا دخلنا الجنة وإن قتلناكم دخلتم النار ، وأديتم الجزية . قال فلما قال أديتم الجزية نخروا وصاحوا ، وقالوا : لا صلح بيننا وبينكم ! فقال المغيرة : تعبرون إلينا أو نعبر إليكم ؟ فقال رستم بل نعبر إليكم » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 156 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أقول : من المؤكد أن هرقل وقادة جيشه ، ويزدجرد ورستماً وقادة الفرس كانوا يطلبون إرسال موفد أو موفدين ، ليعرفوا منهم حقيقة مطلب العرب .
وقد أرسل سعد بن أبي وقاص وغيره من قادة الجيش الإسلامي موفدين إلى يزدجرد في المدائن ، والى رستم في مقر قيادته ، والى هرقل وقادة جيشه .
لكن رواياتهم تركز على شكل الموفدين وكلامهم العنيف الذي فيه تحدٍّ للفرس والروم ، وبعضه عنتريات فارغة ، وبعضه كلامٌ منطقي ودعوة إلى الإسلام .
لذلك نتحفظ على نصوصها لأن الراوي يريد إثبات فضيلة لشخصيات السلطة كالمغيرة والأشعث وخالد ، ويطمس دور سلمان الفارسي رضي الله عنه ، مع أنه أولى بمفاوضة الفرس ، وأكفأ من هؤلاء ، ولهذا عينه عمر داعية المسلمين ورائدهم .
كما نلاحظ في رواية الوفد إلى يزدجرد ، أنها متأثرة برواية رسالة النبي ( صلى الله عليه وآله ) إلى كسرى عندما مزق رسالة النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وحمَّل الرسول كيس تراب !
2 . قال الحموي في معجم البلدان : 4 / 292 ، و : 1 / 225 : « القادسية كانت أربعة أيام : فسموا الأول يوم أرماث ، واليوم الثاني يوم أغواث ، واليوم الثالث يوم عماس ، وليلة اليوم الرابع ليلة الهرير واليوم الرابع سموه يوم القادسية . . وفيه كان الفتح على المسلمين ، ولا أدري أهذه الأسماء مواضع أم هي من الرمث والغوث والعمس » . والرمث نبات . والغوث بمعنى مجئ المدد للمسلمين ولعله مدد هاشم المرقال الآتي من اليرموك . والعمس والمعس ، بمعنى معك العدو ودلكه ودعسه .
3 . وبقي الجيشان قبل المعركة أربعة أشهر ، وكانوا في هذه المدة يسرقون ويأكلون ! قال الطبري ( 3 / 26 ) : « وارتحل رستم فنزل النجف ، وكان بين خروج رستم من
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 157 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
المدائن وعسكرته بساباط ، وزحفه منها إلى أن لقى سعداً أربعة أشهر ، لا يقدم ولا يقاتل ، رجاء أن يضجروا بمكانهم وأن يجهدوا ، فينصرفوا » .
وقال البلاذري : ( 2 / 213 ) : « وأقبل رستم وهو من أهل الري ، ويقال بل هو من أهل همذان فنزل برس . ثم سار فأقام بين الحيرة والسيلحين أربعة أشهر ، لا يقدم على المسلمين ولا يقاتلهم ، والمسلمون معسكرون بين العذيب والقادسية . وقدم رستم ذا الحاجب فكان معسكراً بطيزناباذ ، وكان المشركون زهاء مئة ألف وعشرين ألفاً ومعهم ثلاثون فيلاً ، ورايتهم العظمى التي تدعى درفش كابيان . وكان جميع المسلمين ما بين تسعة آلاف إلى عشرة آلاف ، فإذا احتاجوا إلى العلف والطعام أخرجوا خيولاً في البر ، فأغارت على أسفل الفرات ، وكان عمر يبعث إليهم من المدينة الغنم والجُزُر » .
وقال الطبري ( 3 / 13 ) : « وبعث سعد في مقامه ذلك إلى أسفل الفرات عاصم بن عمرو ، فسار حتى أتى ميسان فطلب غنماً أو بقراً فلم يقدر عليها ، وتحصن منه من في الأفدان ووغلوا في الآجام ، ووغل حتى أصاب رجلاً على طف أجمة فسأله واستدله على البقر والغنم فحلف له وقال : لا أعلم ، وإذا هو راعي ما في تلك الأجمة ، فصاح منها ثور : كذب والله وها نحن أولاء ، فدخل فاستاق الثيران وأتى بها العسكر فقسم ذلك سعد على الناس ، فأخصبوا أياماً . . وبث الغارات بين كسكر والأنبار فحووا من الأطعمة ما كانوا يستكفون به زماناً » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 158 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد رافق حروب الفتح كثير من هذه الأعمال ، فكان القادة يغصبون ويأكلون ويطعمون جنودهم ، والمسروق منهم محايدون أو معاهدون ، وقلما يكونون محاربين ، لأن المسلمين كتبوا عهود الصلح مع هؤلاء السكان الذين سرقوا أبقارهم !
ولم يكتف السارق بالسرقة ، حتى ادعى أن الثيران كلمته ودعته إلى أكلها !
وبهذا تعرف تقوى المثنى وأبي عبيد الثقفي رضي الله عنهما ، في مطعمهما ومطعم جنودهما . وكان قلة من الجنود على مثلهما لا يأكلون من المغصوب !
أما القادة الفرس فكان سلوكهم أسوأ ، لكنهم يتصورون أن المسلمين كلهم أتقياء !
قال الطبري ( 3 / 24 ) : « وخرج رستم من كوثى حتى نزل ببرس ، فغصب أصحابه الناس أموالهم ووقعوا على النساء وشربوا الخمور ، فضج العلوج إلى رستم وشكوا إليه ما يلقون في أموالهم وأبنائهم ، فقام فيهم فقال : يا معشر أهل فارس والله لقد صدق العربي ، والله ما أسلمَنا إلا أعمالنا ، والله لَلعرب في هؤلاء وهم لهم ولنا حرب ، أحسن سيرة منكم ! إن الله كان ينصركم على العدو ، ويمكن لكم في البلاد ، بحسن السيرة وكف الظلم ، والوفاء بالعهود والإحسان . فأما إذا تحولتم عن ذلك إلى هذه الأعمال ، فلا أرى الله إلا مغيراً ما بكم ، وما أنا بآمن أن ينزع الله سلطانه منكم ! وبعث الرجال فلقطوا له بعض من يشكى ، فأتى بنفر فضرب أعناقهم » .
4 . روى الطبري : 3 / 43 ، أن يزجرد اخترع في القادسية بريداً جديداً : « وكان يزدجرد وضع رجلاً على باب إيوانه إذ سرَّح رُستم وأمره بلزومه وإخباره ، وآخر حيث يسمعه من الدار ، وآخر خارج الدار وكذلك على كل دعوة رجلاً . فلما نزل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 159 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
رستم قال الذي بساباط : قد نزل ، فقاله الآخر ، حتى قاله الذي على باب الإيوان ! وجعل بين كل مرحلتين على كل دعوة رجلاً ، فكلما نزل وارتحل أو حدث أمر ، قاله فقاله الذي يليه حتى يقوله الذي يلي باب الإيوان ! فنظَم ما بين العتيق والمدائن رجالاً ، وترك البُرُد » .
أي ترك البريد العادي ورتب رجالاً يوصلون له البريد بالصوت . والعتيق واد ومغيض للفرات قرب القادسية ، وهو بحر النجف . ( معجم البلدان : 4 / 292 ) .
5 . قال الطبري : 3 / 42 : « ولما عبر أهل فارس أخذوا مصافهم ، وجلس رستم على سريره وضرب عليه طيارة ( كالشمسية ) وعبأ في القلب ثمانية عشر فيلاً عليها الصناديق والرجال ، وفي المجنبتين ثمانية وسبعة عليها الصناديق والرجال ، وأقام الجالنوس بينه وبين ميمنته ، والبيرزان بينه وبين ميسرته ، وبقيت القنطرة بين خيلين من خيول المسلمين وخيول المشركين . . ( وروي في المجنبين خمسة عشر فيلاً ) وأخذ المسلمون مصافهم ، وجعل ( سعد ) زهرة وعاصم بين عبد الله وشرحبيل ، ووكل صاحب الطلائع بالطراد ، وخلط بين الناس في القلب والمجنبات ، ونادى مناديه : ألا إن الحسد لا يحل إلا على الجهاد في أمر الله . يا أيها الناس ، فتحاسدوا وتغايروا على الجهاد » .
وقال البلاذري ( 2 / 316 ) : « ثم إن علَّافة المسلمين ، وعليها زهرة بن حوية بن عبد الله بن قتادة التميمي ثم السعدي . . لقيَت خيلاً للأعاجم ، فكان ذلك سبب الوقعة . أغاثت الأعاجم خيلها وأغاث المسلمون علافتهم ، فالتحمت الحرب بينهم ، وذلك بعد الظهر ، وحمل عمرو بن معدي كرب الزبيدي فاعتنق عظيماً
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 160 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
من الفرس فوضعه بين يديه في السرج وقال : أنا أبو ثور ، افعلوا كذا ! ثم حطم فيلاً من الفيلة وقال : إلزموا سيوفكم خراطيمها ، فإن مقتل الفيل خرطومه » .
6 . « فلما رأى أهل فارس ما تلقى الفيلة من كتيبة أسد ، رموهم بحدهم وبدروا المسلمين الشدة ، عليهم ذو الحاجب والجالنوس . . ثم نادى في رجال من قومه رماة وآخرين لهم ثقافة ( خبرة بتثقيف السهام وبريها ) فقال لهم : يا معشر الرماة ذبوا ركبان الفيلة عنهم بالنبل . وقال : يا معشر أهل الثقافة إستدبروا الفيلة فقطعوا وضنها ( أحزمتها ) . وخرج يحميهم والرحى تدور على أسد ، وقد جالت ( انهزمت ) الميمنة والميسرة غير بعيد ، وأقبل أصحاب عاصم على الفيلة فأخذوا بأذنابها وذباذب توابيتها فقطعوا وضنها وارتفع عواؤها فما بقي لهم يومئذ فيل إلا أعرى وقتل أصحابها ، وتقابل الناس ونُفِّسَ عن أسد ، وردوا فارساً عنهم إلى مواقفهم ، فاقتتلوا حتى غربت الشمس ، ثم حتى ذهبت هدأة من الليل ثم رجع هؤلاء وهؤلاء وأصيب من أسد تلك العشية خمس مائة ، وكانوا ردءً للناس ، وكان عاصم عادية الناس وحاميتهم ، وهذا يومها الأول وهو يوم أرماث » . ( الطبري : 3 / 50 ) .
7 . قال الطبري : 1 / 51 : « ولما أصبح القوم من الغد أصبحوا على تعبية ، وقد وكل سعد رجالاً بنقل الشهداء إلى العذيب ، ونقل الرثيث . . فلما استقلت بهم الإبل وتوجهت بهم نحو العذيب ، طلعت نواصي الخيل من الشام . . وهم ستة آلاف خمسة آلاف من ربيعة ومضر ، وألف من أفناء اليمن ومن أهل الحجاز ، وأمَّر
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 161 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عليهم هاشم بن عتبة بن أبي وقاص . . فقدم على الناس صبيحة يوم أغواث وجعلت خيله ترد قِطعاً وما زالت ترد إلى الليل ، وتَنَشَّطَ الناس وكأن لم يكن بالأمس مصيبة . . . فاجتلدوا بها حتى المساء ، فلم ير أهل فارس في هذا اليوم شيئاً مما يعجبهم ، وأكثر المسلمون فيهم القتل ولم يقاتلوا في هذا اليوم على فيل ! كانت توابيتها تكسرت بالأمس فاستأنفوا علاجها حين أصبحوا » .
8 . « فأقبل هاشم ( المرقال ) حتى إذا خالط القلب كبَّر فكبر المسلمون ، وقد أخذوا مصافهم وقال هاشم : أول القتال المطاردة ثم المراماة فأخذ قوسه فوضع سهماً على كبدها ثم نزع فيها . . وأقبلت الفيلة معها الرجالة يحمونها أن تقطع وضنها ، ومع الرجالة فرسان يحمونهم ، إذا أرادوا كتيبة دلفوا لها بفيل واتباعه لينفروا بهم خيلهم ، فلم يكن ذلك منهم كما كان بالأمس لأن الفيل إذا كان وحده ليس معه أحد كان أوحش ، وإذا أطافوا به كان آنس فكان القتال كذلك ، حتى عدل النهار وكان يوم عماس من أوله إلى آخره شديداً ، العرب والعجم فيه على السواء ، ولا يكون بينهم نقطة إلا تعاورها الرجال بالأصوات ، حتى تبلغ يزدجرد فيبعث إليهم أهل النجدات ممن بقي عنده فيقوون بهم » ( الطبري : 3 / 59 ) .
« قدم هاشم في أهل العراق من الشام فتعجل في أناس ليس معه أحد من غيرهم إلا نفير ، منهم ابن المكشوح ، فلما دنا تعجل في ثلاث مائة فوافق الناس وهم على مواقفهم ، فدخلوا مع الناس في صفوفهم » . ( تاريخ الطبري : 3 / 60 ) .
« أن قيس بن المكشوح قال مقدمه من الشام مع هاشم ، وقام فيمن يليه فقال لهم : يا معشر العرب إن الله قد من عليكم بالإسلام ، وأكرمكم بمحمد ( صلى الله عليه وآله )
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 162 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أصبحتم بنعمة الله إخواناً ، دعوتكم واحدة وأمركم واحد ، بعد إذ أنتم يعدو بعضكم على بعض عدو الأسد ، ويختطف بعضكم بعضاً اختطاف الذئاب ، فانصروا الله ينصركم ، وتنجزوا من الله فتح فارس ، فإن إخوانكم من أهل الشام قد أنجز الله لهم فتح الشام ، وانتثال القصور الحمر » . ( تاريخ الطبري : 3 / 61 ) .
9 . « قال عمرو بن معدي كرب : إني حامل على الفيل ومن حوله ، لفيل بإزائهم فلا تدعوني أكثر من جزر جزور ، فإن تأخرتم عني فقدتم أبا ثور فأنى لكم مثل أبي ثور ، فإن أدركتموني وجدتموني وفي يدي السيف ! فحمل فما انثنى حتى ضرب فيهم وستره الغبار ، فقال أصحابه : ما تنتظرون ما أنتم بخلقاء أن تدركوه ، وإن فقدتموه فقد المسلمون فارسهم ! فحملوا حملة فأفرج المشركون عنه بعد ما صرعوه وطعنوه وإن سيفه لفي يده يضاربهم ، وقد طعن فرسه ! فلما رأى أصحابه وانفرج عنه أهل فارس ، أخذ برِجل فرس رجل من أهل فارس فحركه الفارسي فاضطرب الفرس ، فالتفت الفارسي إلى عمرو فهمَّ به وأبصره المسلمون فغشوه ، فنزل عنه الفارسي وحاضر ( ركض ) إلى أصحابه ، فقال عمرو : أمكنوني من لجامه ، فأمكنوه من فركبه » . ( تاريخ الطبري : 3 / 61 ) .
أقول : حمل عمرو بن معدي كرب مثل هذه الحملة في نهاوند وغاص في وسط جيش الفرس ، ويظهر أن المسلمين تأخروا عن نجدته ، فأدركوه وقد استشهد رضي الله عنه !
10 . « أنس بن الحليس قال : شهدت ليلة الهرير فكان صليل الحديد فيها كصوت القُيُون ( الحدادين ) ليلتهم حتى الصباح ، أفرغ عليهم الصبر إفراغاً . .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 163 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأصبحوا ليلة القادسية وهي صبحة ليلة الهرير . . والناس حسرى لم يغمضوا ليلتهم كلها ! فسار القعقاع في الناس فقال : إن الدبرة بعد ساعة لمن بدأ القوم فاصبروا ساعة واحملوا ، فإن النصر مع الصبر فآثروا الصبر على الجزع . . فاجتمع إليه جماعة من الرؤساء وصمدوا لرستم حتى خالطوا الذين دونه . . وقام في ربيعة رجال فقالوا : أنتم أعلم الناس بفارس وأجراهم عليهم . . فكان أول من زال حين قام قائم الظهيرة الهرمزان والبيرزان فتأخرا وثبتا حيث انتهيا ، وانفرج القلب حين قام قائم الظهيرة وركد عليهم النقع ، وهبت ريح عاصف فقلعت طيارة رستم ( شبيه المظلة ) عن سريره فهوت في العتيق وهي دبور ( شمالية ) ومال الغبار عليهم . . وقام رستم عنه حين طارت الريح بالطيارة إلى بغال قد قدمت عليه بمال يومئذ فهي واقفة ، فاستظل في ظل بغل وحِمله ، وضرب هلال بن علفة الحمل الذي رستم تحته فقطع حباله ، ووقع عليه أحد العدلين ولا يراه هلال ولا يشعر به ، فأزال من ظهره فقاراً . . ومضى رستم نحو العتيق فرمى بنفسه فيه ، واقتحمه هلال عليه فتناوله وقد عام وهلال قائم ، فأخذ برجله ، ثم خرج به إلى الجد فضرب جبينه بالسيف حتى قتله ، ثم جاء به حتى رمى به بين أرجل البغال ، وصعد السرير ثم نادى قتلت رستم ورب الكعبة إليَّ إليَّ ، فأطافوا به وما يحسون السرير ولا يرونه وكبروا وتنادوا ، وانبثَّ قلب المشركين عندها وانهزموا . وقام الجالنوس على الردم ، ونادى أهل فارس إلى العبور وانسفر الغبار . فأما المقترنون فإنهم جشعوا فتهافتوا في العتيق ، فوخزهم المسلمون برماحهم ، فما أفلت منهم مخبر ، وهم ثلاثون ألفاً .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 164 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأخذ ضرار بن الخطاب درفش كابيان ( راية الفرس المرصعة المقدسة ) فعُوِّض منها ثلاثين ألفاً ، وكانت قيمتها ألف ألف ومائتي ألف .
وقتلوا في المعركة عشرة آلاف سوى من قتلوا في الأيام قبله . . . أصيب من الناس قبل ليلة الهرير ألفان وخمس مائة ، وقتل ليلة الهرير ويوم القادسية ستة آلاف من المسلمين ، فدفنوا في الخندق بحيال مشرق » . ( تاريخ الطبري : 3 / 67 - 69 ) .
أقول : ورد في نصوص القادسية ذكر سعد بن أبي وقاص وكأنه كان حاضراً في المعركة مع أنه كان في قصر العذيب الذي يبعد ستة أميال عن المعركة ، كما يأتي في ترجمته !
كما ورد ذكر ضرار بن الأزور في معركة القادسية وفيما بعدها ، مع أنه قتل في معركة اليمامة التي كانت قبل القادسية بسنين ! لكنهم أخذوا بطولة غيرهما ونسبوها إليهما !
11 . من نماذج القتال في القادسية ، ما رواه الدينوري في الأخبار الطوال / 119 : « وبرز النخارجان فنادى ، مرد ومرد ، أي رجل ورجل ! فخرج إليه زهير بن سليم أخو مخنف بن سليم الأزدي ، وكان النخارجان سميناً بديناً جسيماً ، وزهير رجلاً مربوعاً شديد العضدين والساعدين ، فرمى النخارجان نفسه عن دابته عليه فاعتركا ، فصرعه النخارجان وجلس على صدره واستل خنجره ليذبحه ، فوقعت إبهام النخارجان في فم زهير فمضغها ، واسترخى النخارجان وانقلب عليه زهير ، وأخذ خنجره وأدخل يده تحت ثيابه فبعجه وقتله . وكان برذون النخارجان مدرباً فلم يبرح ، فركبه زهير وقد سلبه سواريه ودرعه وقباءه ومنطقته ، فأتى به سعداً فأغنمه إياه وأمره سعد أن يتزيى بزيه ، ودخل على سعد ، فكان زهير بن سليم أول من لبس من العرب السوارين !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 165 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وحمل قيس بن هبيرة على جيلوس رأس المستميتة فقتله . وحمل المسلمون من كل جانب فانهزمت العجم . وبادر جرير بن عبد الله إلى القنطرة فعطفوا عليه ، فاحتملوه برماحهم فسقط إلى الأرض ولحقه أصحابه وهربت عنه العجم ، ولم يصبه شئ ، وغار فرسه فلم يلحق ، فأتي ببرذون من مراكب الفرس في عنقه قلادة زمرد فركبه . وذهبت العجم على وجوهها حتى لحقت بالمدائن » .
قصة أبي محجن الثقفي في القادسية
12 . قال الطبري : 3 / 77 : « فاقتتلوا قتالاً شديداً وسعد في القصر ينظر معه سلمى بنت حصفة ، وكانت قبله عند المثنى بن حارثة فجالت الخيل ( انهزمت ) فرعُبت سلمى حين رأت الخيل فقالت : وا مثنياه ولا مثنى لي اليوم ! فغار سعد فلطم وجهها فقالت : أغيرةً وجبناً ! فلما رأى أبو محجن ما تصنع الخيل حيت جالت وهو ينظر من قصر العذيب ، وكان مع سعد فيه قال :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] كفى حزنا أن تردى الخيل بالقنا * وأترك مشدوداً علي وثاقيا
إذا قمت عناني الحديد وأغلقت * مصاريع دوني لا تجيب المناديا
وقد كنت ذا مال كثير وإخوة * فقد تركوني واحداً لا أخا ليا
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] فكلم زبراء أم ولد سعد وكان عندها محبوساً وسعد في رأس الحصن ينظر إلى الناس ، فقال : يا زبراء أطلقيني ولك عليَّ عهد الله وميثاقه لئن لم أقتل لأرجعن إليك حتى تجعلي الحديد في رجلي ! فأطلقته وحملته على فرس لسعد بلقاء ، وخلت سبيله فجعل يشد على العدو وسعد ينظر ، فجعل سعد يعرف فرسه وينكرها ، فلما أن فرغوا من القتال وهزم الله جموع فارس رجع أبو محجن إلى
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 166 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
زبراء ، فأدخل رجله في قيده ! فلما نزل سعد من رأس الحصن رأى فرسه تعرق فعرف أنها قد ركبت فسأل عن ذلك زبراء ، فأخبرته خبر أبي محجن فخلى سبيله » . وفي : 3 / 57 : « وجعل سعد يقول وهو مشرف على الناس مكب من فوق القصر ، والله لولا محبس أبي محجن لقلت هذا أبو محجن وهذه البلقاء » !
وقال المسعودي في مروج الذهب : 2 / 214 : « وكان أبو محجن الثقفي محبوساً في أسفل القصر ، فسمع انتماء الناس إلى آبائهم وعشائرهم ، ووقع الحديد وشدة البأس ، فتأسف على ما يفوته من تلك المواقف ، فحبا حتى صعد إلى سعد يستشفعه ويستقيله ، ويسأله أن يخلي عنه ليخرج ، فزجره سعد ورَدَّه ، فانحدر راجعاً ، فنظر إلى سلمى بنت حفصة زوجة المثنى ابن حارثة الشيباني ، وقد كان سعد تزوجها بعده ، فقال : يا بنت
حفصة ، هل لك في خير ؟ فقالت : وما ذاك ؟ قال : تخلين عني وتعيريني البلقاء ولله علي إن سَلَّمني الله أن ارجع إليك حتى أضع رجلي في القيد ، فقالت : وما أنا وذلك ؟ فرجع يرسف في قيده وهو يقول . . وذكر الأبيات المتقدمة وزاد فيها
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] فلله عهد لا أخيس بعهده * لئن فرجت أن لا أزور الحوَانيا
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] فقالت سلمى : إني استخرت الله ورضيت بعهدك ، فأطلقته وقالت : شأنك وما أردت ، فاقتاد بَلْقَاء سعد ، وأخرجها من باب القصر الذي يلي الخندق ، فركبها ثم دب عليها حتى إذا كان بحيال ميمنة المسلمين كبر ، ثم حمل على ميسرة القوم يلعب برمحه وسلاحه بين الصفين ، فأوقف ميسرتهم وقتل رجالًا كثيراً من فُتَّاكهم ، ونكس آخرين ، والفريقان يرمقونه بأبصارهم ، وقد تنوزع في البلقاء ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 167 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فمنهم من قال : إنه ركبها عُرْياً ، ومنهم من قال : بل ركبها بسَرْج ، ثم غاص في المسلمين ، فخرج في ميسرتهم ، وحمل على ميمنة القوم فأوقفهم ، وجعل يلعب برمحه وسلاحه ، لا يبدو له فارس إلا هتكه ، فأوقفهم ، وهابته الرجال ، ثم رجع فغاص في قلب المسلمين ، ثم برز أمامهم ووقف بإزاء قلب المشركين ، ففعل مثل أفعاله في الميمنة والميسرة ، وأوقف القلب حتى لم يبرز منهم فارس إلا اختطفه ، وحمل عن المسلمين الحرب ، فتعجب الناس منه ، وقالوا : من هذا الفارس الذي لم نرَه في يومنا ؟ فقال بعضهم : هو ممن قدم علينا من إخواننا من الشام من أصحاب هاشم بن عتبة المرقال ، وقال بعضهم : إن كان الخضر عليه السلام يشهد الحرب فهذا هو الخضر قد من
الله به علينا وهو علم نصرنا على عدونا ، وقال قائل منهم : لولا أن الملائكة لا تباشر الحروب لقلنا إنه ملك ، وأبو محجن كالليث الضرْغام قد هتك الفرسان كالعقاب يجول عليهم ، ومن حضر من فرسان المسلمين مثل عمرو بن معديكرب وطلحة بن خُوَيلد والقعقاع ابن عمرو وهاشم بن عُتْبة المرقال وسائر فتاك العرب وأبطالها ينظرون إليه ، وقد حاروا في أمره ، وجعل سعد يفكر ويقول وهو مُشْرِف على الناس من فوق القصر : والله لولا محبس أبي محجن لقلت هذا أبو محجن وهذه البَلْقاء ، فلما انتصف الليل تحاجز الناس ، وتراجعت الفرس على أعقابها ، وتراجع المسلمون إلى مواضعهم على بقيتهم ومصافهم ، وأقبل أبو محجن حتى دخل القصر من حيث خرج ولا يعلم به ورَدَّ البلقاء إلى مربطها وعاد في محبسه ووضع رجله في القيد ورفع عقيرته وهو يقول :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 168 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] لقد علمت ثقيفٌ غير فخر * بأنا نحن أكرمهم سيوفا
وأكرمهم دُرُوعاً سابغاتٍ * وأصبرهم إذا كرهوا الوقوفا
وليلة قادس لم يشعروا بي * ولم أشعر بمخرجي الزحوفا
وأنا وفدهم في كل يوم * فإن عتبوا فسل بهمُ عريفا
فإن أحبس فذلكُمُ بلائي * وإن أترك أذيقهم الحتوفا
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] فقالت له سلمى : يا أبا محجن ، في أي شئ حبَسَك هذا الرجل تعني سعداً ؟ قال : والله ما حبسني بحرام أكلته ولا شربته ، ولكني كنت صاحب شراب في الجاهلية ، وأنا امرؤ شاعر يدبُّ الشعر على لساني فأصف القهوة وتداخلني أريحية فألتذ بمدحي إياها ، فلذلك حبسني لأني قلت فيها :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] إذا مت فادفني إلى جنب كرمَة * تروِّي عظامي بعد موتي عروقها
ولا تدفنني بالفلاة فإنني * أخاف إذا ما مُتُّ أن لا أذوقها
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] وهي أبيات . وقد كان بين سلمى وسعد كلام كثير أوجب غضبه عليها ، لذكرها المُثَنَّى عند مختلف القنا ، فأقامت مغاضبة له عشية أغواث وليلة الهَرير وليلة السواد ، حتى إذا أصبحت أتته فترضَّته وصالحته . ثم أخبرته خبرها مع أبي محجن ، فدعا به فأطلقه وقال : إذهب فما أنا مؤاخذك بشئ تقوله حتى تفعله . قال : لا جَرَمَ والله ، لا أجبت لساني إلى صفة قبيح أبداً » .
أقول : رواية المسعودي أصح من رواية الطبري لأن القصر كما ذكرنا يبعد بضعة عشر كيلو متراً عن المعركة ، فلا يمكن لسعد أن يرى قتال أبي محجن . فالصحيح ما ذكره المسعودي من أن سعداً لم يعرف بخبر أبي محجن حتى حكته له زوجته . وقد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 169 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يقال : فكيف رأت زوجته خيل المسلمين منهزمة وقالت : وامثنياه ؟ ! وجوابه أنها رأت أناساً منهزمين على خيولهم وقد فروا كلياً من المعركة ومروا في طريق فرارهم من مكان بحيث تراهم من القصر .
13 . « وخرج صبيان العسكر في القتلى ومعهم الأداوى يسقون من به رمق من المسلمين ، ويقتلون من به رمق من المشركين . . وخرج زهرة في طلب الجالنوس ( وقتله ) وخرج القعقاع وأخوه وشرحبيل في طلب من ارتفع وسفل ، فقتلوهم في كل قرية وأجمة وشاطئ نهر ، ورجعوا فوافوا صلاة الظهر .
وهنأ الناس أميرهم وأثنى على كل حي خيراً وذكره منهم . . . إن أهل البلاء يوم القادسية فُضلوا عند العطاء بخمس مائة خمس مائة في أعطياتهم ، خمسة وعشرين رجلاً ، منهم زهرة ، وعصمة الضبي ، والكلج ، وأما أهل الأيام فإنه فرض لهم على ثلاثة آلاف فضلوا على أهل القادسية » . ( تاريخ الطبري : 3 / 71 - 72 ) .
14 . كان النبي ( صلى الله عليه وآله ) يعطي رواتب سنوية أو موسمية للمسلمين ، وقد بدأت الدولة بإعطاء الرواتب العامة بعد غنائم القادسية . قال الطبري : 3 / 152 : « وعرفوهم على مائة ألف درهم ، فكانت كل عرافة من القادسية خاصة ثلاثة وأربعين رجلاً وثلاثاً وأربعين امرأة وخمسين من العيال ، لهم مائة ألف درهم . وكل عرافة من أهل الأيام عشرين رجلاً على ثلاثة آلاف ، وعشرين امرأة وكل عيل على مائة ألف درهم . وكل عرافة من الرادفة الأولى ستين رجلاً وستين امرأة وأربعين من العيال ، ممن كان رجالهم ألحقوا على ألف وخمس مائة ، على مائة ألف درهم . ثم على هذا من الحساب . وقال عطية بن الحارث : قد أدركت
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 170 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مائة عريف . وعلى مثل ذلك كان أهل البصرة ، كان العطاء يدفع إلى أمراء الأسباع وأصحاب الرايات ، والرايات على أيادي العرب ، فيدفعونه إلى العرفاء والنقباء والأمناء ، فيدفعونه إلى أهله في دورهم » .

سعد بن أبي وقاص قائد القادسية الهارب !

15 . كان قائد جيش المسلمين المفترض سعد بن أبي وقاص ، لكنه كان كخالد بن الوليد لا يقاتل بنفسه ، فلم يشارك في معركة القادسية ، ولا في غيرها !
والذين قادوا المعركة هم : هاشم بن عتبة المرقال ، وحجر بن عدي ، وعمرو بن معدي كرب ، وعدد من الأبطال من تلاميذ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) .
وغاب سعد زاعماً أن في فخذه دملة ، ووكل بالجيش والمعركة خالد بن عرفطة ، وهو مراسل عنده من بني عذرة ، الذين يُتهم بنو أبي الوقاص بأنهم منهم وليسوا من بني زهرة ، وسيأتي شهادة عبد الله بن مسعود بذلك !
وقد اتفق الرواة على أن سعداً عندما رأى المعركة اقتربت ، ذهب من القادسية إلى قصر العذيب ، وهو يبعد عن القادسية بضع عشرة كيلومتر !
وقد فضح جبن سعد زوجته ، وابتعاده عن المعركة هذه المسافة الكبيرة ، وقد زعموا أنه كان يدير المعركة من العذيب ، فما الداعي للابتعاد عنها مسافة ثلاث ساعات مشياً أو ساعة للفارس المُجِدّ !
قال في الأخبار الطوال / 121 : « وكانت بسعد علة من خراج في فخذه قد منعه الركوب ، فولى أمر الناس خالد بن عرفطة ، وولى القلب قيس بن هبيرة ، وولى
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 171 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الميمنة شرحبيل بن السمط ، وولى الميسرة هاشم بن عتبة بن أبي وقاص ، وولى الرجالة قيس بن خريم ، وأقام هو في قصر القادسية مع الحرم والذرية » ! !
وذكر ابن الأثير ( الكامل : 2 / 452 ) أن عدد جيش المسلمين بضعة وثلاثون ألفاً ، وعلى كل عشرة جنود عريف ، وعلى المقدمة زهرة بن عبد الله بن الحوية ، وعلى الميمنة عبد الله بن المعتم ، وعلى الميسرة شرحبيل بن السمط الكندي ، وعلى الساقة عاصم بن عمرو التميمي ، وعلى الطلائع سواد بن مالك التميمي ، وعلى المجردة سلمان بن ربيعة الباهلي ، وعلى الرجالة حمال بن مالك الأسدي ، وكان رائدهم وداعيتهم سلمان الفارسي رضي الله عنه .
وحاول رواة السلطة أن يجعلوا العذيب قرب القادسية ، وأن يزيدوا من وجع سعد ودمامله ، ليستروا هروبه !
فروى الطبري : 3 / 42 : « وكان سعد يومئذ لا يستطيع أن يركب ولا يجلس ، به حبوب فإنما هو على وجهه ، في صدره وسادة هو مُكب عليها ، مشرفٌ على الناس من القصر ، يرمي بالرقاع فيها أمره ونهيه إلى خالد بن عرفطة ، وهو أسفل منه ، وكان الصف إلى جنب القصر ، وكان خالد كالخليفة لسعد » ! وروى الطبري أيضاً ( 3 / 76 ) : « قادس قرية إلى جانب العذيب ، فنزل الناس بها ، ونزل سعد في قصر العذيب » .
لكن الجغرافي المعتمد الشريف الإدريسي ، قال في كتابه نزهة المشتاق : 1 / 383 : « ومن القادسية إلى العذيب وهي أول خط البادية ، ستة أميال » .
وفي معجم البلدان : 4 / 92 ، إن قصر العذيب : « بينه وبين القادسية أربعة أميال » !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 172 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وكانوا يحملون إليه جرحى القادسية : « وكان بين موضع الوقعة مما يلي القادسية وبين حصن العذيب نخلة ، فإذا حمل الجريح وفيه تمييز وعقل ، ونظر إلى تلك النخلة . . قال لحامله : قد قربت من السواد ، فأريحوني تحت ظل هذه النخلة » . ( مروج الذهب للمسعودي : 2 / 317 )
والميل قريب من كيلومترين ، لأنه ثلث الفرسخ ، فالمسافة بين المعركة وسعد نحو 15 كلم ، لكن الرواة كذبوا لأجل سعد ، فجعلوا العذيب جنب المعركة !
وفي فتوح البلاذري ( 2 / 316 ) : « وكان مقيماً في قصر العذيب ، فجعلت امرأته وهي سلمى بنت حفصة من بنى تيم الله بن ثعلبة ، امرأة المثنى بن حارثة ، تقول : وامثنياه ، ولا مثنى للخيل ! فلطمها ، فقالت : يا سعد أغيرة وجبناً » !
وحفظ التاريخ شعر المسلمين في جبن سعد بن أبي وقاص ، وكتمته السلطة !
ففي الطبري : ( 3 / 81 ) ومعجم البلدان ( 4 / 291 ) : « وقاتل المسلمون يومئذ وسعد في القصر ينظر إليهم ، فنُسب إلى الجبن ، فقال رجل من المسلمين :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] « ألم ترَ أن الله أنزل نصره * وسعدٌ بباب القادسية مُعصمُ
فأبنا وقد آمت نساء كثيرة * ونسوةُ سعدٍ ليس فيهنَّ أيِّمُ »
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] وقال بشر بن ربيعة في ذلك اليوم :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] ألمَّ خيال من أميمة موهناً * وقد جعلت أولى النجوم تغور
ونحن بصحراء العذيب ودوننا * حجازية ، إن المحل شطير
فزارت غريباً نازحاً جلُّ ماله * جوادٌ ومفتوقُ الغِرار طرير
وحلَّت بباب القادسية ناقتي * وسعدٌ بن وقاص عليَّ أمير
تذكر هداك الله وقع سيوفنا * بباب قُدَيْسٍ والمكر ضرير
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 173 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] عشية ودَّ القوم لو أن بعضهم * يُعار جناحي طائر فيطير
إذا برزت منهم إلينا كتيبةٌ * أتونا بأخرى كالجبال تمور
فضاربتهم حتى تفرق جمعهم * وطاعنتُ إني بالطعان مهير
وعمرو أبو ثور شهيدٌ وهاشمٌ * وقيس ونعمان الفتى وجرير » .
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] وقال جرير بن عبد الله البجلي كما في النهاية : 7 / 53 :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] « أنا جرير وكنيتي أبو عمر * قد فتح الله وسعدٌ في القَصَر » .
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] ومما يؤكد أقوالهم في جبن سعد أنه بعد القادسية لم يذهب إلى المدائن مع جيشه حتى فتحت ، ثم لم يذهب إلى معركة جلولاء أو خانقين وبقي مشغولاً بغنائم قصور كسرى ، وأرسل ابن أخيه هاشم المرقال رضي الله عنه !
وبعد انتصارهم في جلولاء طلب المسلمون حضور سعد ، فحضر على كره منه ثم رجع ، ولم يذهب معهم إلى فتح حلوان !
وبعد الانتصارات شكى المسلمون سعداً إلى عمر ، فأرسل محمد بن مسلمة فسأل عنه في الكوفة فقام : « رجل يقال له أبو سعدة أسامة بن قتادة فقال : أما إذ ناشدتنا ، فإن سعداً لا يقسم بالسوية ، ولا يعدل في الرعية ، ولا يغزو في السرية » . ( النهاية : 7 / 121 ) . فاضطر عمر لعزله ، لكنه بقي متمسكاً به !
ومن عجيب تاريخ الفتوحات أنك تجد الرواة يكتبون عن معركة القادسية ومسارها لأربعة أيام فيقولون : فأمر سعد ، وقال سعد ، وكبَّر سعد ، وتقدم سعد ، ورجع سعد ! ومعناه خادمه خالد بن عرفطة ، أو هاشم المرقال ، أو غيره من القادة الأبطال ، الذين خاضوا المعركة ، وفتح الله على أيديهم !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 174 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

ثم كان فتح المدائن بدون معركة مهمة

ثم كان حصار المدائن ومعركتها السهلة سنة سبعة عشر ، بقيادة هاشم المرقال .
قال الدينوري في الأخبار الطوال / 126 : « لما انهزمت العجم من القادسية وقتل صناديدهم ، مروا على وجوههم حتى لحقوا بالمدائن ، وأقبل المسلمون حتى نزلوا على شط دجلة بإزاء المدائن فعسكروا هناك ، وأقاموا فيه ثمانية وعشرين شهراً ، حتى أكلوا الرطب مرتين ، وضحوا أضحيتين ! فلما طال ذلك على أهل السواد ، صالحهم عامة الدهاقين بتلك الناحية . ولما رأى يزدجرد ذلك جمع إليه عظماء مرازبته فقسم عليهم بيوت أمواله وخزائنه ، وكتب عليهم بها القبالات وقال : إن ذهب ملكنا فأنتم أحق به ، وإن رجع رددتموه علينا ، ثم تحمل في حرمه وحشمه وخاصة أهل بيته حتى أتى حلوان فنزلها ، وولى خرزاد بن هرمز أخا رستم المقتول بالقادسية الحرب وخلفه بالمدائن .
وبلغ ذلك سعداً فتأهب ، وأمر أصحابه أن يقتحموا دجلة وابتدأ ( والصحيح أن سعداً لم يكن معهم ! ) فقال : باسم الله ودفع فرسه فيها ، ودفع الناس فسلموا عن آخرهم إلا رجلاً غرق وكان على فرس شقراء ، فخرجت الفرس تنفض عرفها وغرق راكبها ، وكان من طيئ يسمى سليك بن عبد الله . فقال سلمان وكان حاضراً يومئذ : يا معشر المسلمين ، إن الله ذلل لكم البحر كما ذلل لكم البر ، أما والذي نفس سلمان بيده ليغيرن فيه وليبدلن . قالوا : ولما نظرت الفرس إلى العرب قد أقحموا دوابهم الماء وهم يعبرون ، تنادوا : ديوان
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 175 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
آمدند ، ديوان آمدند ( الشياطين جاؤوا ! ) . فخرج خرزاد في الخيل حتى وقف على الشريعة ، ونادى : يا معشر العرب ، البحر بحرنا فليس لكم أن تقتحموه علينا !
وأقبلوا يرمون العرب بالنشاب ، واقتحم منهم ناس كثير الماء فقاتلوا ساعة ، وكاثرتهم العرب ، فخرجت الفرس من الشريعة وخرج المسلمون وقاتلوهم ملياً ، وانهزمت العجم حتى دخلت المدائن فتحصنوا فيها ، وأناخ المسلمون عليهم مما يلي دجلة . فلما نظر خرزاد إلى ذلك خرج من الباب الشرقي ليلاً في جنوده نحو جلولاء ، وأخلى المدائن فدخلها المسلمون فأصابوا فيها غنائم كثيرة ووقعوا على كافور كثير فظنوه ملحاً ، فجعلوه في خبزهم فأمرَّ عليهم .
وقال مخنف بن سليم : لقد سمعت في ذلك اليوم رجلاً ينادي : من يأخذ صحفة حمراء بصحفة بيضاء ، لصحفة من ذهب لا يعلم ما هي !
وكتب سعد إلى عمر بالفتح ، وأقبل علج من أهل المدائن إلى سعد ، فقال : أنا أدلكم على طريق تدركون فيه القوم قبل أن يمعنوا في السير ، فقدمه سعد أمامه ، ( أي هاشم ) واتبعته الخيل ، فقطع بهم مخائض وصحاري » .

ملاحظات على هذه الرواية

1 . أخذنا هذه الرواية نموذجاً لما رواه الباقون ، وهي تقول إن المسلمين توجهوا بعد القادسية بقيادة سعد إلى المدائن وحاصروها نحو سنتين ، فخاف ملكهم يزدجرد وهرب من عاصمته ، ثم عبر المسلمون فخرج إليهم الجيش الفارسي وناوشهم بالسهام ، وفي الليل هرب قائده وجنوده إلى جلولاء !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 176 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فكتب سعد إلى عمر فأمره أن يقيم في المدائن ، ويرسل ابن أخيه هاشم المرقال لقتال جيش الفرس في جلولاء وخانقين .
وفي الرواية نقاط خطأ عديدة ، لأنها تفترض أن سعداً كان مع الجيش ، بينما بقي في الكوفة حتى فتحت المدائن فجاء إليها .
ثم أرسل ابن أخيه هاشم المرقال رضي الله عنه إلى معركة جلولاء وبقي في المدائن ، وبعد انتصارهم طلبوا مجيئه فلم يحضر حتى هجوه بالشعر ، فحضر كالمجبر ، ووكل أميناً بكنوز كسرى ، هو سلمان الفارسي رضي الله عنه .
ثم رجع إلى المدائن ولم يذهب معهم إلى فتح حلوان ، وأرسل الجيش بقيادة هاشم ، وحجر بن عدي الكندي ، وجرير البجلي . وقد وثقنا ذلك في ترجماتهم .
وبذلك تعرف أن روايتهم في فتح المدائن تريد إثبات فضائل لا وجود لها لسعد ومنها مشيه على وجه الماء . كما تريد تبرير بقائه في المدائن بأنه كان بأمر عمر !
2 . بالغ الرواة في تأثير حصار المسلمين على سكان المدائن ، فقال أحد الرواة كما في تاريخ الطبري : 3 / 16 : « فمنهم من عبر من كلواذى ، ومنهم من عبر من أسفل المدائن ، فحصروهم حتى ما يجدون طعاماً يأكلونه إلا كلابهم وسنانيرهم ، فخرجوا ليلاً فلحقوا بجلولاء » .
وهي مبالغة لا تصح ، لأن المدائن سبعة مدن ، وقد حاصر المسلمون مدينة أو اثنتين فيهما يزدجرد وأهم قصور كسرى وإيوانه ، وكانت محاصرتهم من ناحية غرب دجلة ، ولذلك انسحب كثيرون ولم يشعر بهم المسلمون .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 177 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
3 . والأهم من ذلك ، أن رواياتهم طمست معركتين خاضهما المسلمون بعد القادسية إحداها مع بقايا جيش الفرس قرب الكوفة ، والثانية مع كتيبة الحرس الشاهنشاهي في الطريق إلى المدائن . وقد ذكرهما هاشم المرقال ، فقال كما رواه الطبري : 3 / 80 :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] يومُ جلولاءٍ ويومُ رستمِ * ويومُ زحفِ الكوفة المقدم
ويومُ عرض النَّهَرِ المحرم * من بين أيامٍ خلون صُرَّمِ
شَيَّبْنَ أصْداغي فَهَنَّ هَرمي * مثلُ ثُغام البلدِ المحرم » .
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] فذكر أربعة حروب شيبت صدغيه ، وهي يوم جلولاء ، ويوم القادسية التي كان قائدها الفارسي رستم ، ويوم زحف الكوفة ، ولا بد أنه بعد القادسية لأن هاشماً كان قبلها في الشام ، فهو في طريقهم إلى المدائن بعد القادسية ، ويظهر أنهم اشتبكوا مع الفرس بين الكوفة والحلة ، وكان ثقل المعركة على هاشم ( رحمه الله ) . ويوم عرض النهر ، يظهر أنه دجلة ، وكانت المعركة فيه مع كتائب حرس كسرى الخاصين ويسمون كتيبة بوران ، وقد برز قائدهم فبرز إليه هاشم المرقال وقتله ، وفي منطقة مظلم ساباط ، أي النفق المظلم ، جعل الفرس على باب النفق أسداً مدرباً فتقدم إليه هاشم المرقال فقتله . ( الطبري : 3 / 79 ، والروض المعطار / 297 ) .
وقال الطبري : 3 / 116 : « وانتهى هاشم إلى مظلم ساباط ، ووقف لسعد حتى لحق به فوافق ذلك رجوع المقرط أسد كان لكسرى قد ألَّفَهُ وتخيره من أسود المظلم ، وكانت به كتائب كسرى التي تدعى بوران ، وكانوا يحلفون بالله كل يوم لا يزول ملك فارس ما عشنا ! فبادر المقرط الناس حين انتهى إليهم سعد فنزل إليه هاشم فقتله وسمى سيفه المنن ، فقبل سعد رأس هاشم . . فلما ذهب من
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 178 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الليل هدأة ارتحل فنزل على الناس ببهرسير وجعل المسلمون كلما قدمت خيل على بهرسير وقفوا ثم كبروا ، فكذلك حتى نجز آخر من مع سعد » .
أقول : لا بد أن يكون شكره لهاشم وتقبيله جبينه ، عندما جاء سعد إلى المدائن ! وسنذكر في ترجمة هاشم مبارزته لرئيس الحرس الشاهنشاهي فيروز ، وقتله له .
كما ذكرت المصادر أزمة المسلمين في محاصرتهم ، فقد تحصن حرس كسرى في أبراج القصر وكانوا يرمون المسلمين ويقتلون منهم ولا يستطيعون الرد عليهم .
ثم روت أن سلمان الفارسي رضي الله عنه فاوض الحرس ودعاهم إلى الإسلام حتى أسلموا ، وسلموا القصور للمسلمين . ( فتوح الواقدي : 2 / 204 ) .
كما نص الرواة على أن هاشماً قاد الجيش إلى المدائن ، ثم إلى جلولاء ، ولم يكن فيه سعد . ( البلاذري : 2 / 323 ) .
والظاهر أن يزجرد هرب من المدائن إلى داخل إيران قبل توجه جيش المسلمين إلى المدائن . ثم جمع الفرس قواتهم في جلولاء وخانقين ، فانهزموا . ثم جمعوها في تستر فانهزموا . ثم كان أكبر تجمُّع لهم في نهاوند ، وكانت معركتها سنة إحدى وعشرين للهجرة ، وقادها النعمان ثم حذيفة ، رضي الله عنهما .
قال اليعقوبي : 2 / 151 : « وهرب يزدجرد فيمن بقي معه فلحق بأصبهان ، ثم سار إلى ناحية الري ، وأتاه صاحب طبرستان فأعلمه حصانة بلاده ، فامتنع عليه ومضى إلى مرو ، وكان معه ألف أسوار من أساورته وألف جَبَّار ( ضخم الجسم ) وألف صناجة ، فكاتب نيزك طرخان فعلاه بعمود ، فمضى منهزماً حتى دخل بيت طحان ، ولحقوه فقتلوه في بيت الطحان . . وافترقت جموع الفرس ، وأذهب الله ملكهم ، وفرق جمعهم » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 179 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

غنائم قصور كسرى

في فتوح ابن الأعثم : 1 / 215 : « فغنم المسلمون غنائم كثيرة لا تحصى . . ثم جمع سعد غنائم حلوان وغنائم جلولاء وخانقين وغنائم المدائن والقادسية ، وأخرج من ذلك الخمس ليوجه به إلى عمر بن الخطاب وقسم باقي الغنائم في المسلمين . فوردت الغنائم ، وخرج المسلمون فنظروا إليها وعجبوا من كثرتها . . ثم أمر بالغنائم فأدخلت إلى مسجد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ثم أمر قوماً أن يحرسوها ليلتهم تلك ، فلما أصبح عمر نادى في المهاجرين والأنصار فجمعهم ، ثم جعل يعطى الناس على أقدارهم ويفضل من شاء أن يفضل ، ويعطى كل ذي حق حقه قال : ثم كتب عمر بن الخطاب إلى سعد بن أبي وقاص يأمره أن يولي سلمان الفارسي المدائن وما والاها ، ويرجع هو إلى الكوفة » .
وقال ابن خلدون : 2 ق 2 / 101 : « وجمع ما كان في القصر والإيوان والدور وما نهبه أهل المدائن عند الهزيمة ، ووجدوا حلية كسرى : ثيابه وخرزاته وتاجه ودرعه التي كان يجلس فيها للمباهاة ، أخذ ذلك من أيدي الهاربين على بغلين وأخذ منهم أيضاً وَقْر بغل من السيوف ، وآخر من الدروع والمغافر ، منسوبة كلها : درع هرقل وخاقان ملك الترك وداهر ملك الهند وبهرام جور وسياوخش والنعمان بن المنذر وسيف كسرى وهرمز وقباذ وفيروز وهرقل وخاقان وداهر وبهرام وسياوخش والنعمان . أحضرها القعقاع وخَيَّره في الأسياف فاختار سيف هرقل وأعطاه درع بهرام ، وبعث إلى عمر سيف
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 180 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كسرى والنعمان وتاج كسرى وحليته وثيابه ليراها الناس . وقسم سعد الفئ بين المسلمين بعدما خمسه وكانوا ستين ألفاً ، فصار للفارس اثنا عشر ألفاً » .
وقال الطبري : 3 / 130 : « عن عبد الملك بن عمير قال : أصاب المسلمون يوم المدائن بهار كسرى ، ثقل عليهم أن يذهبوا به . وكانوا يعدونه للشتاء إذا ذهبت الرياحين فكانوا إذا أرادوا الشرب شربوا عليه فكأنهم في رياض ، بساط ستين في ستين . . . وكان الذي ذهب بالأخماس أخماس المدائن بشير بن الخصاصية ، والذي ذهب بالفتح حليس بن فلان الأسدي ، والذي ولي القبض عمرو ( بن معدي كرب ) والقاسم : سلمان » .
وقال الطبري : 3 / 131 : « ولما أتى بحلى كسرى وزيه في المباهاة ، وزيه في غير ذلك ، وكانت له عدة أزياء لكل حالة زي قال ( عمر ) : عليَّ بمَحْلَم ، وكان أجسم عربي يومئذ بأرض المدينة ، فألبس تاج كسرى على عمودين من خشب ، وصُبَّ عليه أوشحته وقلائده وثيابه ، وأُجلس للناس ، فنظر إليه عمر ونظر إليه الناس فرأوا أمراً عظيماً من أمر الدنيا وفتنتها ، ثم قام عن ذلك فألبس زيه الذي يليه ، فنظروا إلى مثل ذلك في غير نوع ، حتى أتى عليها كلها ، ثم ألبسه سلاحه وقلده سيفه فنظروا إليه في ذلك . . ثم قال : والله إن أقواماً أدوا هذا لذوو أمانة » .
وفي شرح النهج : 12 / 14 : « جئ بتاج كسرى إلى عمر فاستعظم الناس قيمته للجواهر التي كانت عليه ، فقال : إن قوماً أدوا هذا لأمناء . فقال علي ( عليه السلام ) : إنك عففت فعفوا ، ولو رتعت لرتعوا » .
وفي فتوح الواقدي : 2 / 205 : « إن هاشم بن عتبة تبع المنهزمين من جنود الملك فانتهى سيره إلى مرج حلوان ، فالتقى بكتيبة من أهل فارس بالعدد والسلاح
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 181 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والهوادج والخدم والجواري والمماليك ، وقد داروا بمحفة من العود الرطب وعليها من الثياب الملونة المذهبة ، وأهلتها من الذهب مرصعة بالجواهر ، وقاتلوا دون المحفة قتالاً شديداً ، وكانت المحفة لشاهران ابنة الملك يزدجرد بن كسرى ، وكان السائر بها ساقر بن هرمز فقتله وقتل أصحابه ، وأكثر ما كان مع ساقر وولى الباقي منهزمين ، وتسلم هاشم المحفة وما حولها ، وأتوا بذلك كله إلى سعد . . ثم أشرف سعد على ما بقي من الخزائن ، فوجد صندوقاً عظيماً ظاهره وباطنه بالديباج المذهب ، وفي داخله بساط كسرى ، وهو البساط الذي كان يفتخر به على الملوك ملوك الدنيا ، كله ذهب منسوج بالحرير ، منظوم بالدر واليواقيت الملونة والمعادن والجواهر المثمنة والزمرد . وكان طوله ستين ذراعاً قطعة واحدة ، في جانب منه كالصور وفي جانب كالشجر والرياض والأزهار ، وفي جانب كالأرض المزروعة المقبلة بالنبات في الربيع . وكل ذلك من الحرير الملون والمعادن على قضبان الذهب والزمرذ والفضة .
وكان الملك لا يبسطه الا في أيام الشتاء في إيوانه إذا قعد للشراب ، وكانوا يسمونه بساط النزهة والمسرات ، فيكون لهم شبه الروضة الزهراء ، فلما رآه العرب قالوا : والله هذه قطيفة زينة !
قال : ولما قسم سعد على الناس الغنائم أصاب الفارس اثنا عشر ألف دينار ، وكلهم كانوا فرساناً ولم يكن فيهم راجل ، وأخرج للغائبين مع النساء والحريم في الحيرة نصيبهم ، وقسم الدور بين الناس . . وأخرج الخمس لعمر بن الخطاب وأراد أن يقسم البساط فلم يدر كيف يقسمه فقال سعد : معاشر المجاهدين إني
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 182 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
رأيت من الرأي أن نرسله إلى عمر ليصنع فيه ما يختاره ، فأجابوه على لسان واحد : نعم ما رأيت أيها الأمير ، فردوه إلى صندوقه وأضافه إلى الخمس . . .
ثم إن سعداً رأى رأياً أن يُسَيَّرَ بشيراَ يبشر عمر بفتح المدائن وبقدوم الخمس وبما أنعم الله على المسلمين ليكون أزيد هيبة وبهجة بالفتوح ، فأرسل جيش بن ماجد الأسدي ، فخرج على ناقته وقصد المدينة يجد السير قال : وكان عمر في كل يوم بعد ما يصلي الصبح يقرأ ما تيسر ، ويركب ناقته ويتوجه نحو طريق العراق ويرتقب ما يرد عليه من أخبار المسلمين . .
قال فخرج على حسب العادة وإذا هو بجيش قد أقبل على ناقته فلما رآه عمر قصده وقال له : يا عبد الله من أين أقبلت ؟ قال : من المدائن يا أمير المؤمنين . قال : فما عندك من الخبر أقر الله عينك وغفر لنا ولك ؟ قال : أبشر يا أمير المؤمنين بالفتح العميم والسعد الجسيم ، وإن الله سبحانه وتعالى قد هزم جند المشركين وقطع دابر القوم المجرمين ، وأخلى منهم ديارهم ، وأخفى آثارهم وزعزع مراكبهم ، وطحطح مواكبهم وكتائبهم ، وشتت جموعهم ، وأخلى ربوعهم وقصم آجالهم ، وفرق أحوالهم وترك مساكنهم خالية ، وأوطانهم خاوية .
قال : فلما سمع عمر رضي الله عنه هذا المقال حمد الله وأثنى عليه . . ثم إنه قسم البساط قطعاً بين الناس . قال : فأصاب كل رجل منهم قطعة ، فباعها بنحو العشرين ألف دينار » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 183 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

ثم كانت معركة جلولاء آخر معارك فتح العراق

كان فتح العراق وإيران متلازمين تقريباً ، وكانت معركة جلولاء ثم خانقين آخر معارك فتح العراق فتحاً تاماً شاملاً ، ثم كانت معركة نهاوند آخر معارك فتح إيران فتحاً عاماً ، وبقيت مدنها ومحافظاتها العديدة ، ففتح بعضها صلحاً ، واحتاج بعضها إلى معارك ، خاصة مدن خراسان وآذربيجان .
وتقع جلولاء شمال شرق بغداد ، قرب الحدود العراقية الإيرانية ، وتبعد عن بغداد 180 كيلو متراً ، وقد اتخذها الفرس مركزاً لتجميع قواتهم الآتية من أنحاء إيران لنجدة يزدجرد في المدائن ، وتجمَّع فيها مئة ألف وأكثر ، لأنهم رووا أن القتلى منهم بلغوا مئة ألف ! ( تاريخ الذهبي : 3 / 160 ) .
والظاهر أن ذلك مبالغة ، وقد يكون عددهم خمسين ألفاً والقتلى بضعة آلاف .
وكان جيش المسلمين اثني عشر ألفاً ، وروي أنه كان أربعاً وعشرين ألفاً .
قال الطبري : 3 / 134 : « ففصَل هاشم بن عتبة ( المرقال ) بالناس من المدائن في صفر سنة ست عشرة ، في اثني عشر ألفاً ، منهم وجوه المهاجرين والأنصار ، وأعلام العرب ، ممن ارتد وممن لم يرتد ، فسار من المدائن إلى جلولاء أربعاً ، حتى قدم عليهم وأحاط بهم ، فحاصرهم وطاولهم أهل فارس ، وجعلوا لا يخرجون عليهم إلا إذا أرادوا وزاحفهم المسلمون بجلولاء ثمانين زحفاً كل ذلك يعطى الله المسلمين عليهم الظفر ، وغلبوا المشركين على حسك الخشب ، فاتخذوا حسك الحديد » . والحسك ، قطع حديد مسننة توضع في طريق الخيل لتعقرها .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 184 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال ابن الأعثم : 1 / 210 : « وصار المسلمون بجلولاء في أربعة وعشرين ألفاً ويزيدون . وتحرشت الفرس بالمسلمين وطلبوا الحرب ، وكتب سعد بن أبي وقاص إلى ابن أخيه هاشم بن عتبة ، فجعله أمير المسلمين ، وأمر أصحابه بمحاربة الفرس . قال : فعندها وثب هاشم بن عتبة فعبأ أصحابه ، فكان على ميمنته جرير بن عبد الله البجلي ، وعلى ميسرته حجر بن عدي الكندي ، وعلى الجناح المكشوح المرادي ، وجعل عمرو بن معد يكرب على أعنة الخيل ، وطلحة بن خويلد الأسدي على الرجالة .
قال : وعَبَّت الفرس جيوشها ، فكان على ميمنتهم رجل من قواد الأعاجم يقال له خر زاذ بن وهرز ، وعلى ميسرتهم فيروز بن خسرو ، وفي القلب الهرمزان بن أنو شروان صاحب بلاد الأهواز .
قال : ودنا القوم بعضهم من بعض ، فاقتتلوا قتالاً شديداً لم يقتتلوا في موطن بمثله من مواطنهم التي سلفت ، وذلك أنهم رموا بالسهام حتى أنفدوها ، وتطاعنوا بالرماح حتى قصفوها ، ثم صاروا إلى السيوف والعمد فاقتتلوا بها من وقت الضحى إلى أن زالت الشمس ، وحضر وقت الصلاة ، فلم تكن الصلاة في ذلك اليوم إلا بالتكبير والإيماء نحو القبلة .
قال : ونظر هاشم بن عتبة بن أبي وقاص إلى رجل من المسلمين يقال له سعد بن عبيد الأنصاري وقد فصل من الصف ، فقال له : ما وقوفك يا سعد ؟ فقال : أيها الأمير ! وقوفي والله إني أفكر في فعلة فعلتها يوم الجسر يوم قتل أبو عبيد بن مسعود الثقفي ، أنا نادم عليها ، وذلك أني فررت يومئذ من الزحف وقد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 185 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عزمت اليوم أن أجعل توبتي من فراري ، أن أشتري لله نفسي ، فلعله تبارك وتعالى أن يتجاوز عني ما قد مضى .
قال : ثم تقدم بسيفه نحو الفرس فقاتل قتالاً عجب منه الفريقان جميعاً ، فلم يزل كذلك حتى قتل منهم جماعة ، وقُتل رحمة الله عليه .
قال : ثم أقبل جرير بن عبد الله البجلي على بني عمه فقال : يا معشر بجيلة ! إعلموا أن لكم في هذه البلاد إن فتحها الله عليكم حظاً سنياً ، فاصبروا لقتال هؤلاء الفرس التماساً لإحدى الحسنيين : إما الشهادة فثوابها الجنة ، وإما النصر والظفر ففيهما الغنى من العيلة . وانظروا لا تقاتلوا رياء ولا سمعة ، فحسب الرجل خزياً أن يكون يريد بجهاده حمد المخلوقين دون الخالق . وبعد فإنكم جربتم هؤلاء القوم ومارستموهم ، وإنما لهم هذه القسي المنحنية وهذه السهام الطوال ، فهي أغنى سلاحهم عندهم ، فإذا رموكم بها فتترسوا ، والزموا الصبر وصابروهم ، فوالله إنكم الأنجاد الأمجاد ، الحسان الوجوه في اقتحام الشدائد ! فاصبروا صبراً يا معشر البجيلة ، فوالله إني لأرجو أن يرى المسلمون منكم اليوم ما تقر به عيونهم ! وما ذاك على الله بعزيز . ثم أنشأ جرير في ذلك يقول :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] تلكم بجيلة قومي إن سألت بها * قادوا الجياد وفضوا جمع مهران
وأدركوا الوتر من كسرى ومعشره * يوم العروبة وتر الحي شيبان
فسائل الجمع جمع الفارسي وقد * حاولت عند ركوب الحي قحطان
عز الأول كان عزا من يصول بهم * ورمية كان فيها هلك شيطان
كان الكفور وبئس الفرس أن له * آباء صدق نموه غير ثبيان
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 186 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال : ثم حمل جرير بن عبد الله على جميع أهل جلولاء ، فلم يزل يطاعن حتى انكسر رمحه ، وجرح جراحات كثيرة . .
قال : وتقدم رجل من المرازبة يقال له رستم الأصغر ، حتى وقف بين الجمعين فجعل يقاتل أشد القتال ، قال : وانبرى له رجلان من المسلمين أخوان ، أحدهما يقال له عوام والآخر يقال له زهير ابنا عبد شمس ، قال : فحملا عليه وحمل عليهما فجاولهما في ميدان الحرب ساعة . . وجعل رستم يجول في ميدان الحرب ، فمرة يحمل على زهير ومرة يحمل على عوام . . ثم اعتوره زهير والعوام وحمل عليه جابر بن طارق النخعي ، فضربه ضربة على تاجه فقدَّ التاج وهامته ، فخر رستم صريعاً ، ثم نزلوا إليه فسلبوه ، وكانت قيمة سلبه ألف دينار . .
قال : فبينما المسلمون كذلك في أشد ما يكون من الحرب وذلك في وقت العصر إذا هم بكتيبة للفرس جامة حسناء قد خرجت إليهم ، فكأن الناس هالتهم تلك الكتيبة فاتقوها ، فقال عمرو بن معدي كرب : يا معشر المسلمين ! لعله قد هالتكم هذه الكتيبة ؟ قالوا : نعم والله يا أبا ثور لقد هالتنا ! وذلك أنك تعلم أنا نقاتل هؤلاء القوم من وقت بزوغ الشمس إلى وقتنا هذا ، فقد تعبنا وكلت أيدينا ودوابنا وكاعت رجالنا ، وقد والله خشينا أن نعجز عن هذه الكتيبة ، إلا أن يأتينا الله بغياث من عنده ، أو نرزق عليهم قوة ونصراً .
قال فقال عمرو : يا هؤلاء ! إنكم إنما تقاتلون عن دينكم ، وتذبون عن حريمكم ، وتدفعون عن حوزة الإسلام ، فصفوا خيولكم بعضها إلى بعض وانزلوا عنها والزموا الأرض ، واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا ، فإنكم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 187 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بحمد الله صُبراء في اللقاء ، ليوثٌ عند الوغى ، وهذا يوم كبعض أيامكم التي سلفت ، ووالله إني لأرجو أن يعز الله بكم دينه ويكبت بكم عدوه .
قال : ثم نزل عمرو عن فرسه ونزل معه زهاء ألف رجل من قبائل اليمن ، ما فيهم إلا فارس مذكور . . قال : ثم تقدم عمرو حتى وقف أمام المسلمين شاهراً صمصامته ، وقد وضعها على عاتقه ، وهو يقول :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] لقد علمت أقيال مذحج أنني * أنا الفارس الحامي إذا القوم أضجروا
صبرت لأهل القادسية معلماُ * ومثلي إذا لم تصبر الناس يصبر
وطاعنتهم بالرمح حتى تبددوا * وضاربتهم بالسيف حتى تكسروا
بذلك أوصاني أبي وأبو أبي * بذلك أوصاه فلست أقصر
حمدت إلهي إذ هداني لدينه * فلله أسعى ما حييت وأشكر
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] قال : وحملت تلك الكتيبة الحامَّة ، على عمرو بن معد ي كرب الزبيدي وأصحابه ، فلم يطمعوا منهم في شئ . قال : وحمل جرير بن عبد الله من الميمنة ، وحجر بن عدي من الميسرة ، والمكشوح المرادي من الجناح ، وعمرو بن معد يكرب من القلب ، وصدقوهم الحملة لولوا مدبرين ، ووضع المسلمون فيهم السيف ، فقتل منهم من قتل ، وانهزم الباقون حتى صاروا إلى خانقين . وأمسى المسلمون فلم يتبعوهم ، لكنهم أقاموا في موضعهم حتى أصبحوا وأقبلوا حتى دخلوا جلولاء ، فجعلوا يجمعون الأموال والغنائم ، حتى جمعوا شيئاً كثيراً لم يظنوا أنه يكون هناك . قال فقال رجل من المسلمين : رحم الله المثنى بن حارثة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 188 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الشيباني ! أما أنه لو كان حياً لقرت عيناه بهذا الفتح ، فإني كنت أسمعه مراراً يقول : وددت أني قد رأيت فتح جلولاء ولو قبل موتي بيوم واحد !
قال فقال عبيد بن عمرو البجلي : نعم فرحم الله المثنى بن حارثة ، إنه وإن كان قد مضى لسبيله لم تقر عينه بفتح جلولاء ، لقد قرت عيناه بالجنة إن شاء الله ، وقد قدم على ما قدم من الثواب الوافر ، ثم أنشأ عبيد بن عمرو البجلي يقول :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] أبشر مثنى فقد لاقيت مكرمةً * يوم التغابن لما ثَوَّب الداعي
سل أهل ذي الكفر مهراناً وأسرته * يوم البجيلة إذ خلوا عن القاع
وأسلموا ثم مهراناً ببلقعةٍ * يوم العروبة مطروحاً بجعجاع
وفي جلولا أثرنا كل ذي بدع * بكل صاف كلون الملح لماع
في كف كل كريم الجد ذو حسب * حامى الحقيقة للاواء دفاع
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] قال : ثم رجع هاشم بغنائم جلولاء فوجه بها إلى المدائن إلى عمه سعد » .
وجاء في رواية الطبري : 3 / 133 : « لما نزل هاشم على مهران بجلولاء ، حصرهم في خندقهم ، فكانوا يزاحفون المسلمين في زهاء ( عدد كثير ) وأهاويل . وجعل هاشم يقوم في الناس ويقول : إن هذا المنزل منزل له ما بعده ، وجعل سعد يمده بالفرسان ، حتى إذا كان أخيراً احتفلوا للمسلمين فخرجوا عليهم ، فقام هاشم في الناس فقال : أبلوا الله بلاء حسناً يتم لكم عليه الأجر والمغنم واعملوا لله .
فالتقوا فاقتتلوا ، وبعث الله عليهم ريحاً أظلمت عليهم البلاد ، فلم يستطيعوا إلا المحاجزة ، فتهافت فرسانهم في الخندق ، فلم يجدوا بداً من أن يجعلوا فرضاً
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 189 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مما يليهم تصعد منه خيلهم ، فأفسدوا حصنهم ، وبلغ ذلك المسلمين فنظروا إليه فقالوا ننهض إليهم ثانية فندخله عليهم ، أو نموت دونه .
فلما نهد المسلمون الثانية خرج القوم فرموا حول الخندق مما يلي المسلمين بحسك الحديد ، لكيلا تقدم عليهم الخيل ، وتركوا للمجال وجهاً ، فخرجوا على المسلمين منه فاقتتلوا قتالاً شديداً لم يقتتلوا مثله إلا ليلة الهرير ، إلا أنه كان أكمش وأعجل ، وانتهى القعقاع بن عمرو في الوجه الذي زاحف فيه إلى باب خندقهم فأخذ به ، وأمر منادياً فنادى يا معشر المسلمين ، هذا أميركم قد دخل خندق القوم وأخذ به ، فأقبلوا إليه ولا يمنعنكم من بينكم وبينه من دخوله ، وإنما أمر بذلك ليقوى المسلمين به ، فحمل المسلمون ولا يشكون إلا أن هاشماً فيه ، فلم يقم لحملتهم شئ حتى انتهوا إلى باب الخندق ، فإذا هم بالقعقاع بن عمرو قد أخد به ، وأخذ المشركون في الهزيمة يمنة ويسرة عن المجال الذي بحيال خندقهم ، فهلكوا فيما أعدوا للمسلمين ، فعقرت دوابهم وعادوا رجالة وأتبعهم المسلمون ، فلم يفلت منهم إلا من لا يعد ، وقتل الله منهم يومئذ مائة ألف ، فجللت القتلى المجال وما بين يديه وما خلفه ، فسميت جلولاء بما جللها من قتلاهم فهي جلولاء الوقيعة » .
وجاء في رواية للطبري : « واستمد المسلمون سعداً فأمدهم بمائتي فارس ثم مائتين ثم مائتين ، ولما رأى أهل فارس أمداد المسلمين بادروا بقتال المسلمين . . فاقتتلوا قتالاً شديداً لم يقاتلوا المسلمين مثله في موطن من المواطن ، حتى أنفذوا النبل وحتى أنفذوا النشاب . وقصفوا الرماح حتى صاروا إلى السيوف
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 190 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والطبرزينات ( الفؤوس ) فكانوا بذلك صدر نهارهم إلى الظهر ، ولما حضرت الصلاة صلى الناس إيماء ، حتى إذا كان بين الصلاتين خنست كتيبة ، وجاءت أخرى فوقفت مكانها . . . كان أشقى أهل فارس بجلولاء أهل الري ، كانوا بها حماة أهل فارس ، ففنى أهل الري يوم جلولاء . .
واقتسم فئ جلولاء على كل فارس تسعة آلاف ، تسعة آلاف ، وتسعة من الدواب . ورجع هاشم بالأخماس إلى سعد . . اقتسم الناس فئ جلولاء على ثلاثين ألف ألف وكان الخمس ستة آلاف ألف . . وقالوا جميعاً : كان فتح جلولاء في ذي القعدة سنة ستة عشر في أوله . بينها وبين المدائن تسعة أشهر » .
قال الطبري : 3 / 139 : « وقالوا جميعاً : كان فتح جلولاء في ذي القعدة سنة ستة عشر في أوله ، بينها وبين المدائن تسعة أشهر » .
وفي فتوح البلاذري : 2 / 370 : « لما فرغ المسلمون من أمر جلولاء الوقيعة ، ضم هاشم بن عتبة بن أبي وقاص إلى جرير بن عبد الله البجلي خيلاً كثيفة ، ورتبه بجلولاء ، ليكون بين المسلمين وبين عدوهم .
ثم إن سعداً وجه إليهم زهاء ثلاثة آلاف من المسلمين ، وأمره أن ينهض بهم وبمن معه إلى حلوان . فلما كان بالقرب منها هرب يزدجرد إلى ناحية أصبهان ، ففتح جرير حلوان صلحاً ، على أن كف عنهم وأمنهم على دمائهم وأموالهم ، وجعل لمن أحب منهم الهرب أن لا يعرض لهم .
ثم خلف بحلوان جريراً مع عزرة بن قيس بن غزية البجلي ، ومضى نحو الدينور فلم يفتحها ، وفتح قرماسين على مثل ما فتح عليه حلوان . وقدم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 191 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
حلوان فأقام بها والياً عليها ، إلى أن قدم عمار بن ياسر الكوفة ، فكتب إليه يعلمه أن عمر بن الخطاب أمره أن يمد به أبا موسى الأشعري ، فخلف جرير عزرة بن قيس على حلوان ، وسار حتى أتى أبا موسى الأشعري ، في سنة تسع عشرة » .
وقال الطبري : 3 / 140 : « فلما بلغ يزدجرد هزيمة أهل جلولاء ومصاب مهران خرج من حلوان سائراً نحو الري ، وخلف بحلوان خيلاً عليها خسروشنوم ، وأقبل القعقاع حتى إذا كان بقصر شيرين على رأس فرسخ من حلوان ، خرج إليه خسروشنوم ، وقدم الزينبي دهقان حلوان ، فلقيه القعقاع فاقتتلوا فقتل الزينبي ، واحتق فيه عميرة بن طارق وعبد الله فجعله وسلبه بينهما فعد عميرة ذلك حُقْرة . وهرب خسروشنوم ، واستولى المسلمون على حلوان ، وأنزلها القعقاع الحمراء ( أسكن فيها الفرس وكانوا من حرس الشاه وأسلموا ) وولى عليهم قباذ » .

ملاحظات على معركة جلولاء

1 . قاد هذه المعركة الصعبة البطل الشيعي هاشم المرقال رضي الله عنه ، وكان جيش المسلمين 12 ألفاً برواية الطبري ، و 24 ألفاً برواية ابن الأعثم ، لكن رواية الطبري عن مبلغ الغنائم وحصة المقاتل ترجح رواية ابن الأعثم . أما جيش الفرس فقد يكون ضعفي جيش المسلمين ، وذكرت المصادر أن القتلى مئة ألف !
قال ابن خياط / 94 : « فكتب يزدجرد إلى الجبال فجمع المقاتلة ، فوجههم إلى جلولاء ، فاجتمع بها جمع كثير ، عليهم خرزاد بن جرمهز » . وخرزاد أخ رستم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 192 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
القائد الفارسي المشهور الذي قُتل في القادسية . وقد تشكل جيش جلولاء من الآتين للدفاع عن المدائن من أنحاء إيران ، ومن الجنود الهاربين من المدائن .
والظاهر أن اسم جلولاء قديم ، وأنها كانت معسكراً للفرس ، لأن المثنى كان يتمنى فتحها كما تقدم . وقد سميت بعد المعركة جلولاء الوقيعة .
وذكر المؤلفون أن عدد قتلى الفرس بلغوا مئة ألف ، وهو مبالغة ، خاصة أن المعركة كانت يوماً واحداً ، ولا يتسع اليوم لأن يقتل المسلمون مئة ألف !
2 . ذكرت بعض المصادر أن المسلمين جالوا جولة فكان النصر ! ففي الأخبار الطوال للدينوري / 94 : « هرب يزدجرد بن كسرى بعد وقعة المدائن إلى جلولاء وأقام سعد بالمدائن ، فكتب يزد جرد إلى الجبال فجمع المقاتلة ، فوجههم إلى جلولاء ، فاجتمع بها جمع كثير عليهم خرزاد بن جرمهز ، فكتب سعد إلى عمر يخبره ، فكتب عمر : أقم بمكانك ووجه إليهم جيشاً ، فإن الله ناصرك ومتم وعده ، فعقد سعد لهاشم بن عتبة بن أبي وقاص ، فالتقوا فجال المسلمون جولة ( انهزموا ) ثم هزم الله المشركين ، وقتل منهم مقتلة عظيمة ، وحوى المسلمون عسكرهم وأصابوا أموالاً عظيمة وسلاحاً ودواب وسبايا » .
وهذا تبسيط خاطئ ، أو تزوير لإثبات عذر سعد أمام الذين انتقدوه لعدم حضوره المعركة ، فقالت الرواية إن المعركة كانت سهلة ، وإن عمر كتب لسعد أن أقم وأرسل جيشاً ! لكنها كانت معركة صعبة ، فقد تخندق الفرس ثم فرشوا الحسك ليعقروا الخيول ، وكانوا يبدلون الكتائب المقاتلة بكتائب جديدة مرتاحة . وتقدم قول المقاتلين لعمرو بن معدي كرب في نص ابن الأعثم : « تعلم أنا نقاتل هؤلاء القوم من وقت
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 193 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بزوغ الشمس إلى وقتنا هذا ، فقد تعبنا وكلت أيدينا ودوابنا وكاعت رجالنا ، وقد والله خشينا أن نعجز عن هذه الكتيبة » !
ومن النصوص المعقولة في وصف المعركة قول البلاذري ( 2 / 324 ) : « فلقوهم وحجر بن عدي الكندي على الميمنة ، وعمرو بن معدي كرب على الخيل ، وطليحة بن خويلد على الرجال ، وعلى الأعاجم يومئذ خرزاد أخو رستم . فاقتتلوا قتالاً شديداً لم يقتتلوا مثله ، رمياً بالنبل وطعناً بالرماح حتى تقصفت ، وتجالدوا بالسيوف حتى انثنت . ثم إن المسلمين حملوا حملة واحدة قلعوا بها الأعاجم عن موقفهم وهزموهم فولوا هاربين ، وركب المسلمون أكتافهم يقتلونهم قتلاً ذريعاً حتى حال الظلام بينهم » .
3 . ومما يدل على صعوبة المعركة قول قائدها هاشم ، كما في الطبري : 3 / 80 ) :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] يومُ جلولاءٍ ويومُ رستمِ * ويومُ زحفِ الكوفة المقدم . .
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] فذكر أولها يوم جلولاء ، ثم يوم القادسية التي كان قائدها الفارسي رستم . .
وقد اكتفت المصادر التي بأيدينا في معركة جلولاء برواية عن جرير وعن عمرو بن معدي كرب ولم ترو بطولات الأبطال الحقيقيين كعادتها ، خاصةً هاشم المرقال ، وحجر بن عدي ، وابن المكشوح رضي الله عنهم .
4 . ذكرنا في ترجمة سعد بن أبي وقاص ، أنه فرَّ من معركة القادسية ، وهجاه شعراء المسلمين وسخروا من جبنه ، وحتى زوجته . وبعد القادسية انتظر حتى فتحوا المدائن فسارع إليها وانشغل بكنوز كسرى ، ولم يذهب إلى جلولاء ! ثم أرادوا التوجه إلى داخل إيران لفتح حلوان وطلبوا حضوره فلم يحضر ، فهجاه المسلمون بالشعر ، فحضر على مضض إلى خانقين فقط !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 194 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

أبرز القادة الذين شاركوا في فتح العراق

أبرز القادة والفرسان الشيعة الذين شاركوا في فتح العراق وإيران ، هم :
المثنى بن حارثة ، وإخوته مسعود والمعنى وإبراهيم ، وبقية قادة جيشه من بني شيبان وبني عجل وبني تميم ، وغيرهم . والمثنى أكثر القادة تأثيراً في فتح العراق .
وسلمان الفارسي ، الذي نشط في دعوة الفرس إلى الإسلام ، خاصة شخصياتهم وحكامهم ، وقد عينه عمر رائد المسلمين وداعيتهم ، ثم أميناً على كنوز كسرى وأمواله عند فتح المدائن ، ثم والياً على المدائن ، وقاد بعض الفتوحات عسكرياً .
وعمار بن ياسر ، كان والي الكوفة ، وقائداً في معركة فتح تستر ، وهو الذي جاء بالهرمزان أسيراً إلى المدينة ، فأسلم على يد أمير المؤمنين ( عليه السلام ) .
ثم كان عمار قائداً في معركة نهاوند ، وغيرها من معارك فتح إيران .
وحذيفة بن اليمان ، كان قائداً في معارك فتح العراق ، والقائد العام في فتح نهاوند ، وما بعدها ، ثم في فتح أرمينيا ، ومناطق من آسيا .
وعدي بن حاتم الطائي ، كان قائداً في معارك فتح العراق وإيران ، والشام .
وحجر بن عدي ، كان قائداً في القادسية والمدائن وجلولاء ، وفي فتح الشام .
وأبو عبيد بن مسعود الثقفي ، كان والياً على العراق ، وقائداً لمعركة الجسر أو قس الناطف ، واستشهد فيها رضي الله عنه .
وهاشم المرقال بن عتبة بن أبي وقاص ، كان قائداً في معركة أجنادين التي سببت فتح فلسطين ، ثم في معركة اليرموك ، ثم في معركة القادسية .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 195 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وكان القائد العام من قبل عمه سعد في معركة المدائن وجلولاء وحلوان ، وقائداً في معركة نهاوند ، ثم كان له دور في ترسيخ حكم المسلمين في مصر .
وقطبة بن قتادة بن الخصاصية ، وابنه سويد ، وهو صحابي ، كان مع المثنى يغير على مسالح الفرس في البصرة .
وبشير بن الخصاصية ، وهو صحابي قائد ، كان المثنى يعتمد عليه في الإدارة والمعارك ويستخلفه إذا غاب ، وقد استخلفه قائداً لجيشه عندما توفي .
وعمرو بن حزم ، كان يغير مع المثنى على أطراف أرض السواد .
والنعمان بن مقرن ، وإخوته ، وهم سبعة : معقل وعقيل وسويد وسنان وعبد الرحمن ، وسابع لم يسم ، صحابة كان يعتمد عليهم علي ( عليه السلام ) ، وكلهم قادة ، كانوا مع علي ( عليه السلام ) عندما خرج للدفاع عن المدينة ، وكانوا قادة في فتح العراق وغيره . وكان النعمان القائد العام لمعركة نهاوند باقتراح علي ( عليه السلام ) ، وقد استشهد فيها .
ومذعور بن عدي العجلي ، كان قائداً عند المثنى في معركة الجسر ، ومعركة البويب وغيرها . وهو صحابي وفد مع المثنى إلى النبي ( صلى الله عليه وآله ) ( تاريخ دمشق : 57 / 198 ) .
لكن رواة الخلافة عاملوهما كأنهما غير صحابة ، تبعاً لعمر !
وعمرو بن معدي كرب الزبيدي ، كان قائداً في معركة اليرموك ، ثم سارع مع هاشم المرقال إلى القادسية وشارك فيها ، ثم في معركة جلولاء وحلوان ، وتستر واستشهد في فتح تستر .
وقيس بن مكشوح المرادي ، وهو صحابي كتب له النبي ( صلى الله عليه وآله ) ليساعد في قتل مدعي النبوة الأسود العنسي ، وكانت له أدوار بطولية وقيادية في الفتوحات ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 196 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فقد شارك في معركة اليرموك وسارع مع هاشم المرقال إلى العراق ، فحضر القادسية وكان قائد ميسرتها ، وكان قائداً فيما بعدها من معارك . وهو من كبار أصحاب علي ( عليه السلام ) ، واستشهد معه في صفين .
وعطارد بن حاجب ، وأبوه حاجب زعيم بني تميم ، الذي اشتهر برهن قوسه وثيقة عند كسرى ، وابنه عطارد جاء بوفد تميم إلى النبي ( صلى الله عليه وآله ) وأسلم في السنة التاسعة ، وشارك في القادسية وبعض الفتوح ، وكذا ابنه عمير ، وكان من أصحاب علي ( عليه السلام ) وقادته في صفين .
وغيرهم كثير . . ورد ذكرهم في معارك الفتوحات ، وأحداثها .
أما أبرز القادة والفرسان غير الشيعة ، المشاركين في فتح العراق وإيران ، فهم : خالد بن الوليد ، كان والياً على العراق من قبل أبي بكر نحو سنة ، ولم يكن في عصره معارك مع الفرس أبداً ، لا نشغالهم بوضعهم الداخلي . فكان عمل خالد في العراق توقيع عهود الصلح مع القرى والدساكر التي خرجت من تحت النفوذ الفارسي . وقد أغار على بعض الدساكر وقتل منها وأخذ منها أسرى . وأغار على قبائل عربية منهم بنو تغلب وقتل منهم وسبى ، وكان منهم مسلمون فلم يصدقهم وقتل منهم ، فدفع أبو بكر دية بعضهم .
ثم ذهب خالد قائداً في جيش فتح الشام ، ثم عزله عمر ، وبقي بدون صفة رسمية ، وشارك في معركة اليرموك وغيرها ، لكن لم يثبت أنه قاتل أبداً ، وقد ادعى لنفسه وادعوا له بطولات كبيرة ! وسكن خالد في حمص وتوفي فيها .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 197 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وعتبة بن غزوان : بعثه عمر إلى البصرة في ثلاث مئة مقاتل ، وبقي فيها شهوراً ، وكره أن يكون أميره سعد بن أبي وقاص ، واستعفى .
ونسبوا له فتح الأبلة في البصرة ، ورووا أن أهلها خرجوا إليه بالمساحي ! ومعناه أنه لم يكن فيها جيش للفرس ولا حاميات ، ولا كان أهلها مسلحين .
كما نسبوا إلى عتبة فتح ميسان وإرسال جيش إلى فارس . ورددنا ذلك في محله .
والأشعث بن قيس الكندي : وكان يقود مقاتلي قبيلته كندة في القادسية وبعدها .
والمغيرة بن شعبة : وهو ثقفي استنابه عتبة بن غزوان على البصرة ، ووقعت له فضيحة مع امرأة محصنة زنى بها ، فسترها عمر ، ثم ولاه البصرة ، ثم الكوفة .
فالأشعث والمغيرة لا يعتبران قائدين عسكريين في الفتح ، بل هما واليان .
قال البلاذري في أنساب الأشراف : 13 / 344 : « خرج المغيرة ومعه جرير بن عبد الله ، والأشعث بن قيس ، وهو يومئذ والي الكوفة ، فلقوا أعرابياً فقالوا له : ما تقول في المغيرة بن شعبة ؟ قال أعيور زنِّاء ، ترفعه إمرته وتضعه أسرته !
قالوا : فجرير بن عبد الله ؟ قال : هو بجيلة إذا رأيتموه فقد رأيتموها !
قالوا : فالأشعث ؟ قال : لا يغزى قومه ما بقي لهم . ( أي لحنكته وحيله ) .
فقالوا له : هذا المغيرة ، وهذا جرير ، وهذا الأشعث ! فانصرف وقال : ما كنت لآتي قوماً أسمعتهم المكروه ، وقال لامرأته : يا أم فلان إصرفي حمارك » .
وأبو موسى الأشعري : وكان معروفاً ببغضه لعلي وأهل البيت ( عليهم السلام ) ، وقد بعثه عمر والياً على البصرة ، وكان القائد الرسمي لمعركة تستر ، ولم يبرز إلى أحد ولا قاتل في معركة ، فهو من نوع خالد بن الوليد وسعد بن أبي وقاص ، بل دونهما .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 198 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وجرير بن عبد الله البجلي : بعثه عمر والياً على العراق ومدداً للمثنى ، وأعطاه ربع الخمس من الغنائم . وشارك في معركة البويب والقادسية ، وما بعدها ، وكان له ولبجيلة دور متوسط في المعارك ، ضخَّمه الرواة .
وعياض بن غنم : الأشعري أو الفهري على خلاف فيه ، وقد شهد اليرموك ، ونسبوا إليه أنه فتح الجزيرة والموصل .
وطليحة بن خويلد الأسدي : الذي تنبأ وانهزم إلى الشام ، ثم تاب ، وكان قائداً في القادسية وما بعدها ، والمعروف أنه استشهد في معركة نهاوند .
والقعقاع بن عمرو التميمي ، وقد بالغ رواة الفتوح في بطولاته وأساطيره ، حتى أنكر وجوده بعض الباحثين ، وقد ترجمنا له باختصار .
وذو الخمار الأسدي : وكان من فرسان القادسية . ( الأنساب : 4 / 122 ) .
وأبو محجن الثقفي : الذي كان محبوساً لإدمانه على الخمر ، فلما رأى خيل المسلمين انهزمت في القادسية طلب من امرأة سعد أن تطلقه وسيعود إلى سجنه فأطلقته وأعطته فرس سعد فحمل على العدو حملة فارس بطل ، وقتل منهم ورجع إلى سجنه وتاب عم الخمر . وذكر الطبري ( 2 / 644 ) أنه هرب من أليس .
وسنورد ترجمات بعضهم لنكشف حجم أدوارهم في معارك الفتح وفعالياته .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 199 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

صورة كلية لفتح إيران

تم فتح إيران من ثلاث جبهات :
الأولى : جبهة تحرير العراق الذي كان أكثره تحت احتلال النظام الفارسي ، وكانت عاصمتهم المدائن التي تبعد عن بغداد نحو ستين كيلو متراً ، ولذلك تعتبر معارك فتح العراق جزءاً أساسياً من فتح فارس .
وقد صارت الكوفة قاعدة عسكرية ومدينة كبيرة ، تجتمع فيها قوات المسلمين وتنطلق إلى أنحاء العراق وإيران ، وآذربيجان وما وراءها .
والثانية : جبهة البصرة ، وصارت قاعدة لانطلاق قوات المسلمين إلى الأهواز وتستر ونهاوند وأصفهان وبقية إيران . وكانت أهم معارك المسلمين مع الفرس بعد تحرير العراق ، معركة تستر « شوشتر » ثم معركة نهاوند الكبرى ، التي كان النصر فيها مدخلاً لفتح كل إيران . وكانت قواتها من الكوفة والبصرة .
والثالثة : جبهة البحرين ، التي بدأت بحملة العلاء الحضرمي وبني عبد القيس بالسفن من البحرين ، وبقيت البحرين قاعدة لفتح شيراز وكرمان وبلوشستان وقسم من الهند وقسم من خراسان ، لأن البحرين تقابل هذه المناطق ، ويبعد عنها ميناء سيراف « بندر جم » نحو 200 كيلو متر . بينما يبعد ساحل شيراز عن الأهواز نحو 700 كيلو متراً .
وعندما توغل المسلمون في هذه الجبهات انفتحت جبهات أخرى ، كجبهة خراسان ، لفتح بقية مناطقها وما وراء النهر ، من شرق آسيا .
وجبهة آذربيجان لفتح أرمينيا وجهتها . وجبهة مكران لفتح الباكستان والهند .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 200 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

بدأ فتح إيران من البحرين

كان اسم البحرين يشمل البحرين الفعلية والقطيف والأحساء . وقد وَفَدَ أهلها إلى النبي ( صلى الله عليه وآله ) وأسلموا طوعاً ، فعيَّن العلاء بن الحضرمي والياً عليهم .
قال البلاذري : 1 / 95 : « فلما كانت سنة ثمان وجه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) العلاء بن عبد الله بن عماد الحضرمي حليف بنى عبد شمس ، إلى البحرين ليدعو أهلها إلى الإسلام أو الجزية ، وكتب معه إلى المنذر بن ساوى والى سيبخت مرزبان هجر يدعوهما إلى الإسلام أو الجزية ، فأسلما وأسلم معهما جميع العرب هناك وبعض العجم . فأما أهل الأرض من المجوس واليهود والنصارى ، فإنهم صالحوا العلاء . . .
عن قتادة قال : لم يكن بالبحرين في أيام رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قتال ، ولكن بعضهم أسلم ، وبعضهم صالح العلاء على أنصاف الحب والتمر » .
ثم اشتكى أهل البحرين على العلاء لشدته في استيفاء الخراج ، فعزله النبي ( صلى الله عليه وآله ) وولى مكانه أبان بن سعيد بن العاص . ثم تولاها العلاء ثانيةً في زمن أبي بكر .
قال ابن سعد في الطبقات : 4 / 260 : « وكان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قد كتب إلى العلاء بن الحضرمي أن يقدم عليه بعشرين رجلاً من عبد القيس ، فقدم عليه منهم بعشرين رجلاً رأسهم عبد الله بن عوف الأشج ، واستخلف العلاء على البحرين المنذر بن ساوى ، فشكا الوفد العلاء بن الحضرمي ، فعزله رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وولى أبان بن سعيد بن العاص وقال له : استوص بعبد القيس خيراً وأكرم سراتهم . . . فلم يزل أبان بن سعيد عاملاً على البحرين حتى قبض رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وارتد ربيعة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 201 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بالبحرين ، فأقبل أبان بن سعيد إلى المدينة وترك عمله ، فأراد أبو بكر الصديق أن يرده إلى البحرين فأبى وقال : لا أعمل لأحد بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فأجمع أبو بكر بعثة العلاء بن الحضرمي ، فدعاه فقال : إني وجدتك من عمال رسول الله الذين ولَّى ، فرأيت أن أوليك ما كان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ولاك ، فعليك بتقوى الله . فخرج العلاء بن الحضرمي من المدينة في ستة عشر راكباً معه فرات بن حيان العجلي دليلاً ، وكتب أبو بكر كتاباً للعلاء بن الحضرمي أن ينفر معه كل من مر به من المسلمين إلى عدوهم ، فسار العلاء فيمن تبعه منهم ، حتى نزل بحصن جواثا فقاتلهم فلم يفلت منهم أحد . ثم أتى القطيف وبها جمع من العجم فقاتلهم فأصاب منهم طرفاً وانهزموا ، فانضمت الأعاجم إلى الزارة فأتاهم العلاء فنزل الخط على ساحل البحر ، فقاتلهم وحاصرهم إلى أن توفي أبو بكر وولي عمر بن الخطاب ، وطلب أهل الزارة الصلح فصالحهم العلاء .
ثم عبر العلاء إلى أهل دارين فقاتلهم ، فقتل المقاتلة وحوى الذراري .
وبعث العلاء عرفجة بن هرثمة إلى أسياف فارس فقطع في السفن ، فكان أول من فتح جزيرة بأرض فارس ، واتخذ فيها مسجداً ، وأغار على باريخان والأسياف ، وذلك في سنة أربع عشرة » .
هكذا روى ابن سعد بداية فتح إيران من جهة البصرة ، فقد بدأ به العلاء وأرسل القائد الأزدي عرفجة ، الذي كان رئيس بجيلة وتركهم ، وعاد إلى قومه الأزد .
وعبر عرفجة بجنوده من بني عبد القيس ومن انضم إليهم من الأزد في سفنهم إلى الساحل الفارسي الذي يقابل البحرين ، ويظهر أنه ميناء سيراف الذي يسمى الآن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 202 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ميناء جم ، ويبعد عن البحرين في البحر نحو 200 كيلومتر ، ويبعد عن إصطخر وشيراز نحو 300 كيلومتر ، كما يفهم من الخرائط .
والأمر المنطقي أن يتخذ عرفجة الميناء معسكراً ويغير منه على القرى والمدن داخل إيران فإن لم يحقق نصراً مهماً ، رجع إلى معسكره .
وكانت هذه الغزوة الأساس والركيزة لما بعدها من عمليات لفتح تلك المناطق . كما يظهر أيضاً أن غضب الخليفة عمر على العلاء الحضرمي ، قد سبَّبَ تأخير فتح تلك المناطق إلى أواخر خلافة عمر ، وأوائل خلافة عثمان !
وتقول الرواية الرسمية عن تلك الحملة إن العلاء بن الحضرمي وأهل البحرين أخطأوا ، لأنهم ركبوا البحر وهو محرم شرعاً ، فغضب عمر وأمرهم بالإنسحاب !
وقد رواها الطبري ، وابن خياط ، والحموي ، والكلاعي ، والنويري ، وابن خلدون ، وغيرهم ، وأضافت الرواية أن عمر حكم على نية العلاء الحضرمي بأنها لغير الله تعالى وأنه أراد أن ينافس سعد بن أبي وقاص لنجاحه في معركة القادسية ، فارتكب جريمة تعريض المسلمين للخطر بإرسالهم في البحر ، فعاقبه عمر وأمره أن يكون تحت إمرة خصمه اللدود سعد بن أبي وقاص ، ثم رأينا أن العلاء مات فجأة في تلك السنة !
وأضافت روايتهم أن القائد الذي أرسله العلاء هو خليد بن المنذر العبدي ، وأنه غزا إصطخر وهي عاصمة قديمة لإيران تقع قرب شيراز ، ثم رجع فوجد أن الفرس أغرقوا سفنه وحاصروه ، فظل مع جنده محاصرين حتى أمر عمر عامله على البصرة عتبة بن غزوان ، فأرسل لهم جيشاً من اثني عشر ألفاً وأنقذهم من الحصار !
وهذا نصها من الطبري : 3 / 176 : « وكان العلاء بن الحضرمي على البحرين أزمان أبي بكر فعزله عمر ، وجعل قدامة بن المظعون مكانه ، ثم عزل قدامة ورد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 203 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
العلاء . وكان العلاء يبارى سعداً لصدع صدعه القضاء ( والقدر ) بينهما ، فطار العلاء على سعد في الردة بالفضل ، فلما ظفر سعد بالقادسية وأزاح الأكاسرة عن الدار ، وأخذ حدود ما يلي السواد واستعلى وجاء بأعظم مما كان العلاء جاء به ، أسَرَّ العلاء أن يصنع شيئاً في الأعاجم رجاء أن يدال كما قد كان أديل ، ولم يقدر العلاء ولم ينظر فيما بين فضل الطاعة والمعصية بجد ، وكان أبو بكر قد استعمله وأذن له في قتال أهل الردة ، واستعمله عمر ونهاه عن البحر ، فلم يقدر في الطاعة والمعصية وعواقبهما ، فندب أهل البحرين إلى فارس فتسرعوا إلى ذلك ، وفرقهم أجناداً على أحدهما الجارود بن المعلى ، وعلى الآخر السوار بن همام ، وعلى الآخر خليد بن المنذر بن ساوى ، وخليد على جماعة الناس ، فحملهم في البحر إلى فارس بغير إذن عمر ، وكان عمر لا يأذن لأحد في ركوبه غازياً ، يكره التغرير بجنده ، استناناً بالنبي ( صلى الله عليه وآله ) وبأبي بكر لم يُغْزِ فيه النبي ولا أبو بكر ، فعبرت تلك الجنود من البحرين إلى فارس ، فخرجوا في إصطخر وبإزائهم أهل فارس ، وعلى أهل فارس الهربذا ، اجتمعوا عليه فحالوا بين المسلمين وبين سفنهم ، فقام خليد في الناس فقال : أما بعد فإن الله إذا قضى أمراً جرت به المقادير حتى تصيبه ، وإن هؤلاء القوم لم يزيدوا بما صنعوا على أن دعوكم إلى حربهم ، وإنما جئتم لمحاربتهم ، والسفن والأرض لمن غلب ، فاستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين .
فأجابوه إلى ذلك ، فصلوا الظهر ، ثم ناهدوهم فاقتتلوا قتالاً شديداً في موضع من الأرض يدعى طاوس ، وجعل السوار يرتجز يومئذ ويذكر قومه ويقول :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 204 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] يا آل عبد القيس للقراعِ * قد حَفِلَ الأمداد بالجِراعِ
وكلهم في سَنَن المَصاع * يحُسْنُ ضربَ القوم بالقِطاع
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] حتى قُتل . وجعل الجارود يرتجز ويقول :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] لو كان شيئاً أمما أكلته * أو كان ماء سادما جهرته
لكن بحراً جاءنا أنكرته
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] حتى قتل يومئذ . وولى عبد الله بن السوار ، والمنذر بن الجارود حياتهما ، إلى أن ماتا ، وجعل خليد يومئذ يرتجز ويقول :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] يال تميمٍ أجمعوا النزولْ * وكاد جيش عُمَرٍ يزولْ
وكلكم يعلم ما أقولْ
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] إنزلوا فنزلوا ، فاقتتل القوم فقُتِل أهل فارس مقتلة لم يقتلوا مثلها قبلها ، ثم خرجوا يريدون البصرة ، وقد غرقت سفنهم ، ثم لم يجدوا إلى الرجوع في البحر سبيلاً ، ثم وجدوا شهرك قد أخذ على المسلمين بالطرق ، فعسكروا وامتنعوا في نشوبهم . ولما بلغ عمر الذي صنع العلاء من بعثه ذلك الجيش في البحر ألقى في روعه نحو من الذي كان ، فاشتد غضبه على العلاء وكتب إليه يعزله ، وتوعده وأمره بأثقل الأشياء عليه وأبغض الوجوه إليه ، بتأمير سعد عليه ! وقال : إلحق بسعد بن أبي وقاص فيمن قبلك . فخرج بمن معه نحو سعد .
وكتب عمر إلى عتبة بن غزوان أن العلاء بن الحضرمي حمل جنداً من المسلمين فأقطعهم أهل فارس وعصاني ، وأظنه لم يرد الله بذلك ، فخشيت عليهم أن لا ينصروا وأن يغلبوا وينشبوا ، فاندب إليهم الناس واضممهم إليك من قبل أن يُجتاحوا . فندب عتبة الناس وأخبرهم بكتاب عمر ، فانتدب عاصم بن عمرو ، وعرفجة بن هرثمة ، وحذيفة بن محصن ، ومجزأة بن ثور ، ونهار بن الحارث ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 205 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والترجمان بن فلان ، والحصين بن أبي الحر ، والأحنف بن قيس ، وسعد بن أبي العرجاء ، وعبد الرحمن بن سهل ، وصعصعة بن معاوية ، فخرجوا في اثنى عشر ألفاً على البغال ، يجنبون الخيل ، وعليهم أبو سبرة بن أبي رهم أحد بني مالك بن حسل بن عامر بن لؤي ، والمسالح على حالها بالأهواز والذمة ، وهم ردء للغازي والمقيم ، فسار أبو سبرة بالناس وساحَلَ لا يلقاه أحد ولا يعرض له ، حتى التقى أبو سبرة وخليد بحيث أخذ عليهم بالطرق غبَّ وقعة القوم بطاوس وإنما كان ولى قتالهم أهل إصطخر وحدهم والشذاذ من غيرهم ، وقد كان أهل إصطخر حيث أخذوا على المسلمين بالطرق وأنشبوهم ، استصرخوا عليهم أهل فارس كلهم ، فضربوا إليهم من كل وجه وكورة ، فالتقوا هم وأبو سبرة بعد طاوس ، وقد توافت إلى المسلمين أمدادهم وإلى المشركين أمدادهم ، وعلى المشركين شهرك ، فاقتتلوا ففتح الله على المسلمين وقتل المشركين ، وأصاب المسلمون منهم ما شاؤوا . وهي الغزاة التي شرفت فيها نابتة البصرة ( ناشئتهم وأولادهم ) وكانوا أفضل نوابت الأمصار ، فكانوا أفضل المصريْن نابتةً . ثم انكفؤوا بما أصابوا وقد عهد إليهم عتبة وكتب إليهم بالحث وقلة العرجة ، فانضموا إليه بالبصرة فخرج أهلها إلى منازلهم منها ، وتفرق الذين تنقذوا من أهل هجر إلى قبائلهم ، والذين تنقذوا من عبد القيس إلى موضع سوق البحرين .
ولما أحرز عتبة الأهواز وأوطأ فارس ، استأذن عمر في الحج فأذن له ، فلما قضى حجه استعفاه فأبى أن يعفيه وعزم عليه ليرجعن إلى عمله ، فدعا الله ثم انصرف فمات في بطن نخلة فدفن ! وبلغ عمر فمر به زائرا لقبره وقال أنا قتلتك لولا أنه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 206 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أجل معلوم وكتاب مرقوم وأثنى عليه بفضله ولم يختط فيمن اختط من المهاجرين ، وإنما ورث ولده منزلهم من فاختة ابنة غزوان ، وكانت تحت عثمان بن عفان ، وكان خباب مولاه قد لزم سمته فلم يختط .
ومات عتبة بن غزوان على رأس ثلاث سنين ونصف من مفارقة سعد بالمدائن ، وقد استخلف على الناس أبا سبرة بن أبي رهم ، وعماله على حالهم ومسالحه على نهر تيري ومناذر وسوق الأهواز وسرق والهرمزان برامهرمز ، مصالح عليها . وعلى السوس والبنيان وجندي سابور ومهرجانذق ، وذلك بعد تنقذ الذين كان حمل العلاء في البحر إلى فارس ونزولهم البصرة ، وكان يقال لهم أهل طاوس نسبوا إلى الوقعة ، وأقر عمر أبا سبرة بن أبي رهم على البصرة بقية السنة ثم استعمل المغيرة بن شعبة في السنة الثانية بعد وفاة عتبة ، فعمل عليها بقية تلك السنة والسنة التي تليها لم ينتقض عليه أحد في عمله ، وكان مرزوقاً السلامة ولم يحدث شيئاً إلا ما كان بينه وبين أبي بكرة .
ثم استعمل عمر أبا موسى على البصرة ثم صرفه إلى الكوفة ، ثم استعمل عمر بن سراقة ، ثم صرف عمر بن سراقة إلى الكوفة من البصرة ، وصرف أبا موسى إلى البصرة من الكوفة ، فعمل عليها ثانية » . انتهى . وقد روت نحوه أكثر المصادر .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 207 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

نقد هذه الرواية في مسائل

المسألة الأولى
ذكرت رواية ابن سعد أن قائد الجيش كان عرفجة بن هرثمة وهو فارس شجاع ، من قبيلة الأزد ، سكن في بجيلة فرأَّسوه عليهم ، حتى رأِّس عليهم عمر جريراً ، فتركهم عرفجة وعاد إلى قومه الأزد ففرحوا به ، وصارت له رئاسة نسبية فيهم ، وكانت منازل الأزد في البصرة والبحرين ، وجمهرتهم في عُمان .
لكن رواية الطبري والأكثرية ، ذكرت أن قائد الحملة خليد بن المنذر بن ساوي : « فندب أهل البحرين إلى فارس فتسرعوا إلى ذلك ، وفرقهم أجناداً ، على أحدهما الجارود بن المعلى ، وعلى الآخر السوار بن همام ، وعلى الآخر خليد بن المنذر بن ساوى ، وخليد على جماعة الناس » .
وخليد هذا من عبد القيس ، وهو صحابي ، قال في الإصابة : 2 / 342 : « وقد تقدم أنهم كانوا لا يؤمرون إلا الصحابة ، فدل على أن لخليد وفادة » .
كما أن وقت غزوة العلاء في رواية الطبري السنة السابعة عشرة ، وفي رواية ابن سعد السنة الرابعة عشرة ، أي قبل القادسية بسنة أو سنتين . وهذا ينفي القول بأن العلاء أراد أن ينافس سعداً بعد انتصاره في القادسية !
على أن سعداً لم يكن سعد في المعركة ، وقد ذكرنا في ترجمته هروبه حتى اتهمته زوجته بالجبن ، ونظم المسلمون فيه الشعر ، فلا يقاس به العلاء الحضرمي !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 208 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
المسألة الثانية
لا تصح رواية الطبري جغرافياً ، فإن الأمر المعقول في فتح فارس من البحرين أو البصرة ، أن يتخذ الجيش قاعدته في سيراف ، التي تقع مقابل البحرين ، وهي ميناء جم الإيراني الفعلي ، ويتجه منها إلى إصطخر وشيراز .
وقد ذكرت رواية أن جيش العلاء فتح جزيرة وبنى فيها مسجداً ، ولعلها كاوان ، ثم توغل صعوداً في الجبال إلى إصطخر ، التي تقع قرب شيراز على بعد نحو 180 كيلومتراً من البحر ، حسب خرائط إيران ، فلقيهم القائد الفارسي شهراك ملك منطقة كرمان ، فوقعت بينهم معركة في تخت طاووس قرب شيراز وتسمى اليوم تخت جمشيد ، وانتصر المسلمون لكنهم قرروا أن يرجعوا إلى الساحل ليصلهم المدد ، فيهاجموا شيراز أو كرمان .
وعندما رجعوا وجدوا أن الفرس أغرقوا سفنهم فأرسلوا إلى العلاء ليمدهم ، لكن عمر غضب عليه ، وأرسل لهم أن يعودوا !
أما مقولة إنهم علقوا وحاصرهم الفرس ، وإن أبا سبرة جاء باثني عشر ألفاً فأنقذهم ، فلا تصح ، لأن الذي خاض معركة مع القائد شهراك أو شهرك أو سهرك ، في طاووس هو خليد ، وليس أبا سبرة .
ففي معجم البلدان ( 4 / 8 ) وفي الأربعين البلدانية لابن عساكر ( 4 / 8 ) أيضاً : « طاووس : موضع بنواحي بحر فارس ، كان العلاء الحضرمي أرسل إليه جيشاً في البحر من غير إذن عمر ، فسخط عليه وعزله ، وراح إلى الكوفة إلى سعد بن أبي وقاص لأنه كان يعضده فمات في ذي قار ، وقال خليد بن المنذر في ذلك :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 209 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] بطاووس ناهبنا الملوك وخيلنا * عشية شهراكٍ علون الرواسيا
أطاحت جموع الفرس من رأس حالق * تراه لبوَّار السحاب مناغيا
فلا يبعدنَّ الله قوماً تتابعوا * فقد خضبوا يوم اللقاء العواليا
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] فقد كانت المعركة مع شهراك في طاووس على بعد 180 كلم من سيراف ، وجاء جيش أبي سبرة بزعمهم على الساحل إلى سيراف ، ولا وجود لقوات فارسية ، ولا لعمران مهم في ذلك الساحل .
ومما يوجب الشك في أصل جيش أبي سبرة ، أنه لا توجد رواية أخرى عنه ، مع أنه حدث كبير نسبياً ، وأنهم لم يسموا قائد المعركة من العدو ، ولا حددوا مكانها ولا من قتل فيها ! وهذه عادة الراوي عندما يخترع معركة لا وجود لها !
ولعلهم تعصبوا لأبي سبرة لأنه صهر سهيل بن عمرو ، ونائب عتبة بن غزوان ، ضد خليد بن المنذر العبدي الشيعي ، كما فعل ابن كثير فأضاف من عنده عبارات مديح لأبي سبرة وجيشه ، لا توجد في أي مصدر ذكر الحادثة !
قال في النهاية ( 7 / 96 ) : « فساروا على الساحل لا يلقون أحداً ، حتى انتهوا إلى موضع الوقعة التي كانت بين المسلمين من أصحاب العلاء ، وبين أهل فارس بالمكان المسمى بطاووس ، وإذا خليد بن المنذر ومن معه من المسلمين محصورون قد أحاط بهم العدو من كل جانب وقد تداعت عليهم تلك الأمم من كل وجه ، وقد تكاملت أمداد المشركين ولم يبق إلا القتال . فقدم المسلمون إليهم في أحوج ما هم فيه إليهم ، فالتقوا مع المشركين رأساً ، فكسر أبو سبرة المشركين كسرة عظيمة ، وقتل منهم مقتلة عظيمة جداً ، وأخذ منهم أموالاً جزيلة باهرة ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 210 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
واستنقذ خليداً ومن معه من المسلمين من أيديهم ، وأعز به الإسلام وأهله ، ودفع الشرك وذله ولله الحمد والمنة ، ثم عادوا إلى عتبة بن غزوان إلى البصرة » .
فكيف يصح هذا الكلام الذي يزعم أن جيش خليد علق في الساحل الفارسي طول هذه المدة ، أي في سيراف التي تبعد عن البحرين 200 كيلو متراً في البحر ، بينما تبعد عن البصرة نحو 800 كيلو متراً .
فهل كان خليد وجيشه عاجزين عن السيطرة على سفن من الساحل الفارسي والرجوع بها إلى البحرين ، أو عن إحضار سفن من البحرين ؟
وهل كانوا عاجزين عن سلوك الطريق الساحلي إلى البصرة ، وقد سلكه أبو سبرة بجيشه ( المنقذ ) ولم يكن في طريقه أحد من العدو كما قالت الرواية ؟ !
فالصحيح ما رواه البلاذري ، وهو أن عمر سحب جيش العلاء الحضرمي ، وأمدَّ به واليه على الموصل ، فلم يعلق الجيش ، ولا أنقذه أبو سبرة !
قال البلاذري ( 2 / 476 ) ، وجعل قائد الجيش هرثمة بن بن عرفجة : « كان العلاء بن الحضرمي ، وهو عامل عمر بن الخطاب على البحرين ، وجه هرثمة بن عرفجة البارقي ، من الأزد ، ففتح جزيرة في البحر مما يلي فارس . ثم كتب عمر إلى العلاء أن يمد به عتبة بن فرقد السلمي ففعل » .
وفي الأربعين البلدانية لابن عساكر : 4 / 227 : « وأما فتح فارس فكان بدؤه أن العلاء الحضرمي عامل أبي بكر ثم عامل عمر على البحرين ، وجه عرفجة بن هرثمة البارقي في البحر ، فعبره إلى أرض فارس ففتح جزيرة مما يلي فارس . فأنكر عمر ذلك لأنه لم يستأذنه ، وقال غررت المسلمين ! وأمره أن يلحق بسعد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 211 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بن أبي وقاص بالكوفة ، لأنه كان واجداً على سعد فأراد قمعه بتوجيهه إليه على أكره الوجوه ، فسار نحوه فلما بلغ ذا قار مات العلاء الحضرمي ! وأمر عمر عرفجة أن يلحق بعتبة بن فرقد السلمي بناحية الجزيرة ففتح الموصل » .
المسألة الثالثة
لا تصح روايتهم الرسمية زمنياً ، لأنها جعلت وقت إرسال العلاء جيشه إلى فارس في ولاية عتبة بن غزوان على البصرة ، وقد نص كثير من المؤرخين على أن ولايته كانت سنة 14 هجرية ، وأن مدة ولايته بضعة شهور فقط .
ثم فرضت أن ذلك كان بعد معركة القادسية قالت : « فلما ظفر سعد بالقادسية وأزاح الأكاسرة عن الدار . . أسَرَّ العلاء أن يصنع شيئاً في الأعاجم » .
والقادسية وقعت بعد ذلك بنحو سنتين ! على أن رواية البلاذري ذكرت أن إرسال عتبة كان بعد معركة البويب التي قتل فيها القائد الفارسي مهران ، وهي قبل القادسية بأكثر من سنة !
قال البلاذري ( 2 / 418 ) : « فلما بلغ عمر بن الخطاب خبر سويد بن قطبة وما يصنع بالبصرة ، رأى أن يوليها رجلاً من قبله فولاها عتبة بن غزوان . . وقال له : إن الحيرة قد فتحت وقتل عظيم من العجم يعنى مهران ، ووطأت خيل المسلمين أرض بابل . فصر إلى ناحية البصرة واشغل من هناك من أهل الأهواز وفارس وميسان عن إمداد إخوانهم على إخوانك . فأتاها عتبة وانضم إليه سويد بن قطبة ومن معه من بكر بن وائل وبنى تميم » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 212 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وبهذا يتضح أن عمل العلاء كان فعلاً طبيعياً ، وأنه بعد أن قضى على الردة في البحرين ، توجه إلى فتح المنطقة المقابلة لها من إيران وهي شيراز وكرمان .
فلم يكن فعله منافسة لانتصار سعد في القادسية ، لأنها لم تكن وقعت ، ولا لانتصار المسلمين في معركة البويب التي قتل فيها قائد الفرس مهران ، لأنها كانت بقيادة المثنى بن حارثة قبل مجيئ سعد إلى العراق .
وينبغي أن نعلق هنا على مطلع رواية البلاذري الذي يقول : « فلما بلغ عمر بن الخطاب خبر سويد بن قطبة ، وما يصنع بالبصرة ، رأى أن يوليها رجلاً من قبله فولاها عتبة بن غزوان » فهو يعني أن سويداً العجلي الذي هو من قادة المثنى ، ومن بني عجل حلفاء بني شيبان ، كان حقق انتصارات مهمة في البصرة ، فقرر عمر أن يكون مكانه رجل « من قبله » يقطف تلك الانتصارات !
وبالفعل عزل قطبة الذي كان والياً من قبل أبي بكر بدل أن يكافئه ويرقيه ، ونصب عتبة الذي لم يستطع الإدارة باعتراف عمر !
قال اليعقوبي ( 2 / 138 ) : « وكان عمال أبي بكر لما توفي : عتاب بن أسيد على مكة . . . والمثنى بن حارثة الشيباني على الكوفة ، وسويد بن قطبة على البصرة » .
وقد عزلهما عمر ونصب بدلهما جريراً ثم سعداً وعتبة فأخر حركة فتح العراق ! وقد بينا خشونة تعامل عمر مع المثنى بن حارثة في ترجمته .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 213 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
المسألة الرابعة
بدأت جبهة فتح إيران من جهة سيراف وكرمان إلى مكران أي بلوشستان ، والى شيراز وطبس وخراسان ، ببني عبد القيس على يد العلاء الحضرمي ، وبقيت في عهدة البحرينيين ، فهم الذين بدؤوا في فتحها ، وخاضوا معاركها ، لكن عمر غضب على أميرهم العلاء لحاجة في نفسه وأوقف عملهم !
قال اليعقوبي : 2 / 134 : « وبعث أبو بكر عثمان بن أبي العاص ، وندب معه عبد القيس ، فسار في جيش إلى توج فافتتحها وسبى أهلها ، وافتتح مكران وما يليها »
وهذه شهادة مهمة من ابن واضح اليعقوبي وهو مؤرخ دقيق ، بأن أهل البحرين فتحوا في زمن أبي بكر « توج » وهي كرمان ، و « مكران » وهي بلوشستان الإيرانية . ومعناه أن عمر غضب عليهم وأمرهم بالإنسحاب من مناطق واسعة كانوا فتحوها !
لكن بني عبد القيس فرضوا على الخلافة عملهم ، ووصلوا عملياتهم ، وتعرف ذلك من أسماء قادة معارك فتح إيران ، ومن ولاء المسلمين من أهل تلك المناطق إلى عبد القيس ، كأبي الهذيل العلاف مولى عبد القيس شيخ المعتزلة والمؤلف على مذهبهم ( لسان الميزان : 5 / 413 ) وابن شقيق المروزي مولى عبد القيس ( الأنساب للسمعاني : 4 / 143 ) والعشرات بل المئات من موالي عبد القيس أو موالي العبديين ، وهم من أهل المناطق التي فتحها بنو عبد القيس أو عملوا فيها في مطلع الفتح الإسلامي . ولا يتسع المجال لسرد العديد منهم من كتب رجال الحديث .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 214 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال البلاذري ( 2 / 476 ) : « ثم ولى عمر عثمان بن أبي العاص الثقفي البحرين وعمان فدوخهما ، واتسقت له طاعة أهلهما ، وجه أخاه الحكم بن أبي العاص في البحر إلى فارس ، في جيش عظيم من عبد القيس والأزد وتميم وبنى ناجية وغيرهم ، ففتح جزيرة أبركاوان ، ثم صار إلى توج ( كرمان ) وهي من أرض أردشير خرَّه ، ومعنى أردشير خرة بهاء أردشير ، وفى رواية أبى مخنف أن عثمان بن أبي العاص نفسه قطع البحر إلى فارس فنزل توج ففتحها وبنى بها المساجد ، وجعلها داراً للمسلمين ، وأسكنها عبد القيس وغيرهم ، فكان يغير منها على أرجان وهي متاخمة لها » .
ومن المعروف أن عبد القيس كانوا من شيعة علي ( عليه السلام ) المخلصين ، وكانوا عصباً قوياً في حروبه ضد طلحة والزبير وعائشة ومعاوية ، وقدموا شهداء وحققوا انتصارات ، فمن الطبيعي أن ينتقص الرواة من دورهم في الفتوحات ويعطوه إلى غيرهم .
يضاف إلى ذلك أن السلطة لها ثأرٌ على عبد الله بن سوار بن همام العبدي ، لأنه قتل عبيد الله بن عمر في صفين ، عندما طلب عبيد الله المبارزة .
قال ابن الأعثم في الفتوح : 3 / 128 : « وأقبل معاوية على عبيد الله بن عمر بن الخطاب فقال له : يا ابن أخي هذا يوم من أيامك ، فلا عليك أن يكون منك اليوم بما يسر به أهل الشام ، قال : فخرج عبيد الله بن عمر وعليه درعان سابغان ، وعلى رأسه بيض وعمامة حمراء ، وهو متقلد سيف أبيه عمر بن الخطاب حتى وقف بين الجمعين ودعا إلى البراز قال : فذهب محمد بن الحنفية ليخرج إليه فصاح به علي : مكانك يا بني ! لا تخرج إليه ، فقال له : ولمَ ذلك يا أمير المؤمنين ، فوالله إن لو دعاني
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 215 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إلى البراز أبوه لخرجت إليه ، فقال علي : مَه يا بني لا تقل في أبيه إلا خيراً . ونظر عبيد الله بن عمر أنه ليس يخرج إليه أحد فحمل على ميسرة علي ، وفي الميسرة يومئذ ربيعة بن القيس وغيرهم من الناس فجعل يطعن في خيلهم وهو يقول :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] أنا عبيد الله سماني عمر * خير قريش من مضى ومن عبر
إلا رسول الله والشيخ الأغر * قد أبطأت عن نصر عثمان مضر
وسارع الحيُّ اليمانون الغرر * والخير في الناس قديما يبتدر
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] قال : فخرج إليه عبد الله بن سوار العبدي ، وهو يقول :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] قد سارعت في حربها ربيعهْ * في الحق والحق لهم شريعهْ
ما نهتك الأستار كالقطيعهْ * في العصبة السامعة المطيعهْ
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] حتى تذوقَ كأسها القطيعهْ
ثم طعنه العبدي طعنة في خاصرته جدَّله قتيلاً ، فأنشأ الصلتان العبدي يقول :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] ألا يا عبيد الله ما زلتَ مولعاً * بنكرٍ لها تُهدي اللقا وتهددا
كأن حماة الحيِّ بكرَ بن وائل * بذي الرمْثِ نيرانٌ تُحرقن غرقدا
وكنتَ سفيهاً قد تعودتَ عادةً * وكل امرئ جارٍ على ما تعودا
فأصبحت مسلوباً على شرِّ حالة * صريعاً يُرى وسط العجاجة مفردا
تشقُّ عليك الدرعَ عرسٌ فجيعةٌ * مفجعةٌ تُبدي الشجا والتلددا . . » .
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] وعبد الله بن سوار صحابي جليل رضي الله عنه ، قال عنه ابن حجر في الإصابة : 5 / 71 : « عبد الله بن سوار من عمال النبي ( صلى الله عليه وآله ) على البحرين ذكره وثيمة في كتاب الردة عن بن إسحاق ، وأنه كان ممن وفى لأبان بن سعيد بن العاص » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 216 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وكان عبد الله هذا من قادة الفتح المميزين . قال عنه ابن الأثير في الكامل : 3 / 437 ، وابن حبيب في المحبر / 154 : « وكان كريماً لم يوقد أحد في عسكره ناراً . وكان في ثغر السند ومعه أربعة آلاف رجل ، فلم تكن توقد مع ناره نار ، فنظر ليلة فإذا رجل يطبخ فسأل عن النار فقالوا : لرجل وَلدت امرأته في هذه الليلة ، فعمل لها خبيصاً . فأمر صاحب طعامه أن يطعم الناس مع الطعام الخبيص ثلاثة أيام » !
فمن الطبيعي أن يغمطه الرواة حقه فيقولوا : « ثم سار بن عامر نحو مرو الروذ فوجه إليها عبد الله بن سوار بن همام العبدي فافتتحها » . ( الطبقات : 5 / 46 ) .
وفي تاريخ خليفة / 156 : « وفيها بعث ابن عامر عبد الله بن سوار العبدي فافتتح القيقان وأصاب غنائم وقاد منها خيلاً . فالبراذين القيقانية من نسل تلك الخيل » .
وقيقان كما في معجم البلدان : 4 / 423 : « بلاد قرب طبرستان ، وفي كتاب الفتوح : في سنة 38 وأول سنة 39 في خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، توجه إلى ثغر السند الحارث بن مرة العبدي متطوعاً بإذن علي رضي الله عنه فظفر وأصاب مغنماً وسبياً ، وقسم في يوم واحد ألف رأس ، ثم إنه قتُل ومن معه بأرض القيقان إلا قليلاً وكان مقتله في سنة 42 . . ثم ولَّى عبد الله بن عامر في سنة 45 في زمن معاوية عبد الله بن سوار العبدي . . ثغر الهند فغزا القيقان فأصاب مغنماً ، ثم وفد إلى معاوية وأهدى إليه خيلاً قيقانية ، وأقام عنده ثم رجع وغزا القيقان فاستجاش الترك فقتلوه » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 217 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي تاريخ خليفة / 155 ، و 157 : « وفيها ( سنة 45 ) وليَ معاوية عبد الله بن سوار العبدي بلاد مكران ( منطقة بلوشستان الإيرانية ) سنة سبع وأربعين ، فيها غزا عبد الله بن سوار العبدي القيقان ، فجمع له الترك فقتل عبد الله بن سوار » .
أقول : وقد ورث عبد الله بن سوار هذا المجد الجهادي عن أبيه سوار رضي الله عنه .
قال البلاذري : 2 / 476 : « إن شهرك مرزبان فارس وواليها أعظمَ ما كان من قدوم العرب فارس واشتد عليه ، وبلغته نكايتهم وبأسهم وظهورهم على كل من لقوه من عدوهم . فجمع جمعاً عظيماً وسار بنفسه حتى أتى راشهر من أرض سابور ، وهي بقرب توج ، فخرج إليه الحكم بن أبي العاص وعلى مقدمته سوار بن همام العبدي ، فاقتتلوا قتالاً شديداً . وهناك واد قد وكل به شهرك رجلاً من نقابه في جماعة ، وأمره أن لا يجتازه هارب من أصحابه إلا قتله ! فأقبل رجل من شجعاء الأساورة مولياً من المعركة فأراد الرجل قتله فقال له : لا تقتلني فإنما نقاتل قوماً منصورين ، الله معهم ، ووضع حجراً فرماه ففلقه ثم قال : أترى هذا السهم الذي فلق الحجر ؟ والله ما كان ليخدش بعضهم لو رميَ به . قال : لا بد من قتلك ، فبينا هو في ذلك إذ أتاه الخبر بقتل شهرك ، وكان الذي قتله سوار بن همام العبدي ، حمل عليه فطعنه فأذراه عن فرسه ، وضربه بسيفه حتى فاضت نفسه ، وحمل ابن شهرك على سوار فقتله . وهزم الله المشركين وفتحت راشهر عنوة ، وكان يومها في صعوبته وعظيم النعمة على المسلمين فيه كيوم القادسية . وتوجه بالفتح إلى عمر بن الخطاب عمرو بن الأهتم التيمي ، فقال :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] جئت الإمام بإسراع لأخبره * بالحق من خبر العبدي سوار
أخبار أروع ميمون نقيبته * مستعمل في سبيل الله مغوار » .
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 218 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
المسألة الخامسة
حرَّم عمر في خلافته ركوب جنود المسلمين البحر ، ولو استطاع لحرم على غير الجنود أيضاً ، والسبب أنه كان يخاف من البحر إلى حد العقدة ، كما كان يكره البكاء على الميت إلى حد العقدة !
وتقدم أنه غضب على أن العلاء الحضرمي لأنه أرسل جيشاً من البحرين في سفن مسافة 200 كيلو متر إلى ميناء سيراف الفارسي . . . وقد وجه الرواة عمله بأنه اتبع سنة النبي ( صلى الله عليه وآله ) الذي لم يركب البحر ، ولم يبعث المسلمين فيه !
قال الكتاني في التراتيب الإدارية : 1 / 370 : « وفي الخطط للمقريزي لم يكن البحر يركب للغزو في حياة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وخلافة أبي بكر وعمر وأول من ركب البحر للغزو العلاء بن الحضرمي وكان على البحرين من قبل أبي بكر وعمر فأحب أن يؤثر في الأعاجم أثراً يعز الله به الإسلام على يديه ، فندب أهل البحرين إلى فارس فبادروا إلى ذلك ، وفرقهم أجناداً . . . فحملهم في البحر إلى فارس بغير إذن عمر بن الخطاب ، وكان عمر لا يأذن لأحد في ركوب البحر غازياً كراهية للتغرير بجنده . . . وكان أول من غزا فيه معاوية بن أبي سفيان » .
أقول : يريد رواة السلطة أن ينكروا غزو العلاء الحضرمي وأهل البحرين في البحر ، ويثبتوا السبق إلى هذه الفضيلة لمعاوية ، لأنهم رتبوا حديثاً عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) يقول : إن أول من يغزو في البحر مغفور له ، وأول من يغزو القسطنطينية مغفور له .
فمعاوية هو أول من غزا في البحر ، فمغفور له خروجه على إمامه الشرعي وسفكه دماء مئة ألف مسلم وفيهم عشرات الصحابة !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 219 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ويزيد أول من غزا القسطنطينية فهو مغفورٌ له ولا يضره بعدها قتله للحسين ( عليه السلام ) وأهل بيت النبي ( صلى الله عليه وآله ) واستباحته المدينة في وقعة الحرة ، ثم ضربه الكعبة بالمنجنيق !
فقد روى بخاري في صحيحه : 3 / 233 ، عن : « أم حرام أنها سمعت النبي ( صلى الله عليه وآله ) يقول : أول جيش من أمتي يغزون البحر قد أوجبوا . قالت أم حرام : قلت يا رسول الله أنا فيهم ؟ قال : أنت فيهم ! ثم قال النبي : أول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم ! فقلت : أنا فيهم يا رسول الله ؟ قال : لا » .
قال ابن حجر وهو منظر محترف لبني أمية ، قال في فتح الباري : 6 / 74 : « قال المهلب : في هذا الحديث منقبة لمعاوية ، لأنه أول من غزا البحر ، ومنقبة لولده يزيد لأنه أول من غزا مدينة قيصر » ! وزعموا أن معاوية أول من غزا في البحر لفتح قبرص ، وكان معه عبادة بن الصامت ، وزوجته أم حرام ، أم أنس بن مالك !
وفرح ابن تيمية بهذه المنقبة ليزيد ، وأسقط بها عنه جرائمه في سفك دماء أهل البيت ( عليهم السلام ) والصحابة ، ومهاجمة الكعبة ، فكرر الغفران ليزيد في كتبه !
قال في منهاج السنة : 4 / 544 : « فإنه غزا القسطنطينية في حياة أبيه معاوية ، وكان معهم في الجيش أبو أيوب الأنصاري ، وذلك الجيش أول جيش غزا القسطنطينية ، وفي صحيح البخاري عن ابن عمر عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) أنه قال : أول جيش يغزو القسطنطينية مغفور لهم » .
وقال في منهاج السنة : 4 / 571 : « وأول جيش غزاها كان أميرهم يزيد ، والجيش عدد معين لا مطلق ، وشمول المغفرة لآحاد هذا الجيش أقوى من شمول اللعنة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 220 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لكل واحد واحد من الظالمين ، فإن هذا أخص والجيش معينون ، ويقال إن يزيد إنما غزا القسطنطينية لأجل هذا الحديث » .
وقال في مجموع الفتاوى : 3 / 413 : « ومع هذا فإن كان فاسقاً أو ظالماً فالله يغفر للفاسق والظالم لا سيما إذا أتى بحسنات عظيمة . وقد روى البخاري في صحيحه عن ابن عمر أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) قال : أول جيش يغزو القسطنطينية مغفور له وأول جيش غزاها كان أميرهم يزيد بن معاوية » . ( ونحوه في : 4 / 486 ، و : 18 / 352 وفي كتابه رأس الحسين ( عليه السلام ) / 207 ، وكتابه الجواب الصحيح : 6 / 117 ) .
أقول : لقد كذبوا في وجود غزوة لمعاوية لقبرص ، وغزوة ليزيد للقسطنطينية ، ثم كذبوا على النبي ( صلى الله عليه وآله ) لإثبات منقبة لمعاوية وابنه !
وقد كشفنا في المجلد الثاني من جواهر التاريخ ، تزويرهم غزوة معاوية وغزوة يزيد معاً ، وذكرنا نصوصاً في أن معاوية لم يذهب إلى قبرص ، وأن يزيداً تخلف عن الجيش الذي كان ينتظره في « الغذقذونة » القريبة من أنطاكية ، حتى وقع في الجيش مرض فتوفي منه كثيرون ، ومنهم أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه ، وأوصاهم أن يحملوا جنازته ويدفنوه في أقرب نقطة من القسطنطينية ، وأنهم ساروا بجنازته ودفعوا إلى الروم مالاً ، حتى سمحوا لهم بدفنه !
فقد روى عبد الرزاق : 5 / 279 ، أن أبا أيوب أوصى في مرضه : « إذا أنا متُّ فسرْ بي في أرض العدو ما استطعت ، ثم ادفني » !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 221 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
المسألة السادسة
يظهر لك تحيُّز المصادر ورواة السلطة إذا قايست طمسهم لدور عبد القيس وأبطالهم مثل سوار بن همام وابنه عبد الله رضي الله عنهما ، وتضخيمهم لعتبة بن غزوان ووصفه بأنه قائد كبير ، مصَّر البصرة ، وفتح ميسان ، وغيرها !
قال ابن حجر في الإصابة : 4 / 363 : « عتبة بن غزوان . . بن وهب المازني حليف بني عبد شمس أو بني نوفل ، من السابقين الأولين وهاجر إلى الحبشة ، ثم رجع مهاجراً إلى المدينة ، رفيقاً للمقداد وشهد بدراً وما بعدها ، وولاه عمر في الفتوح فاختط البصرة وفتح فتوحاً . وكان طويلاً جميلاً روى له مسلم وأصحاب السنن . وفي مسلم من حديثه : لقد رأيتني سابع سبعة مع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ما لنا طعام إلا ورق الشجر . . قدم على عمر يستعفيه من الإمرة فأبى ، فرجع فمات في الطريق بمعدن بني سليم . . وعاش سبعاً وخمسين سنة ودعا الله فمات » !
وفي تاريخ خليفة / 85 : « فبعث عمر عتبة بن غزوان ، أحد بني مازن بن منصور ، في شهر ربيع سنة أربع عشرة ، فمكث أشهراً لا يغزو » .
وفي الطبقات : 7 / 7 : « وكان سعد يكتب إلى عتبة وهو عامله ، فوجد من ذلك عتبة ( أي كان يأمره سعد فاستنكف ، لأنه يرى نفسه أكبر منه ) فاستأذن عمر أن يقدم عليه فأذن له ، واستخلف على البصرة المغيرة بن شعبة ، فقدم عتبة على عمر فشكا إليه تسلط سعد عليه ، فسكت عنه عمر فأعاد ذلك عتبة مراراً ، فلما أكثر على عمر قال : وما عليك يا عتبة أن تقر بالإمرة لرجل من قريش له صحبة مع رسول الله
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 222 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
( صلى الله عليه وآله ) وشرف ؟ فقال له عتبة : ألستُ من قريش ، قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : حليف القوم منهم ، ولي صحبة مع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قديمة لا تنكر ولا تدفع !
فقال عمر : لا ينكر ذلك من فضلك . قال عتبة : أما إذ صار الأمر إلى هذا ، فوالله لا أرجع إليها أبداً ، فأبى عمر إلا أن يرده إليها ، فرده فمات بالطريق ! وكان عمله على البصرة ستة أشهر ، أصابه بَطَنٌ فمات بمعدن بني سليم ، فقدم سويد غلامه بمتاعه وتركته على عمر بن الخطاب » !
وفي تاريخ بغداد : 1 / 168 : « وكان قد استعفى عمر فأبى أن يعفيه ، وكان من دعائه : اللهم لا تردني إلى البصرة والياً لعمر ، فمات قبل أن يصل إليها . . وقَصَتْ به ناقته فسقط عنها فمات » .
أقول : مع أن عتبة بن غزوان لم يكن له دور مهم في الفتوحات ، لكنه اصطدم بعمر ورفض أن يكون تحت إمرة صاحبه الحميم سعد بن أبي وقاص !
والذي يتأمل في سياسة عمر ، ويقرأ أنه دعا على شخص فمات ، أو دعا على بلال وأصحابه المعترضين عليه فماتوا جميعاً ، أو يقرأ أن الشخص المغضوب عليه من عمر دعا على نفسه فمات ، أو أن شخصاً أغضب عمر فمات ، كالمثنى بن حارثة ، والعلاء بن الحضرمي ، وعتبة بن غزوان . . لا بد أن يدخل في حسابه الشك في موت أولئك !
والعجيب أن عمر عندما غضب على العلاء وعاقبه بجعله تحت إمرة سعد بن أبي وقاص تكلم عن عمره وموته ! وعندما أصرَّ عتبة بن غزوان على رفضه أن يكون تحت إمرة سعد ، تكلم عمر عن عمره وموته !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 223 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال ابن سعد في الطبقات : 4 / 260 : « كتب عمر بن الخطاب إلى العلاء بن الحضرمي وهو بالبحرين أن سر إلى عتبة بن غزوان فقد وليتك عمله . . وقد وليت قبلك رجلاً فمات قبل أن يصل ، فإن يرد الله أن تلي وليت ، وإن يرد الله أن يلي عتبة ، فالخلق والأمر لله رب العالمين » !
ولعل أكبر ذنوب عتبة عند عمر أحاديث النبي ( صلى الله عليه وآله ) التي كان يرويها وفيها تعريضٌ به وبأبي بكر ، وأنهما ملكان دنيويان لا خليفتان !
فقد روى عنه في فتن ابن حماد / 58 : « لم تكن نبوة قط إلا كانت بعدها ملكاً » !
وكان عمر يسأل دائماً : هل أنا ملك من ملوك الدنيا ، أم خليفة لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ؟ ( الطبري : 3 / 279 ، وتاريخ المدينة : 2 / 702 ) فحديث عتبة جوابٌ له !
وقد حاول الرواة أن يُلطفوا حديثه فيبعدوه ، ولو بالظن ، عن أبي بكر وعمر ! فرواه مسلم : 8 / 216 ، بلفظ : « لم تكن نبوة قط إلا تناسخت حتى يكون آخر عاقبتها ملكاً ، فستخبرون وتجربون الأمراء بعدنا » .
وفي تاريخ بغداد : 6 / 181 : « وإنها لم تكن نبوة إلا تناسخت حتى تكون ملكاً ، فأعوذ بالله أن أكون في نفسي عظيماً ، وعند الله صغيراً » .
وقد يقال : إن كان عمر غضب عليه ، فكيف عظم الرواة دوره ومناقبه في ولايته على البصرة وفتوحاته المدعاة ؟ !
والجواب : أن أبا هريرة عَوَّضَ عتبة عن غضب عمر ، وأبو هريرة يومها بمثابة وكالة أنباء ! فقد كان أجيراً عند أخت عتبة ، ثم تزوجها .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 224 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال ابن حجر في الإصابة ( 8 / 51 ) : « بسرة بنت غزوان التي كان أبو هريرة أجيرها ثم تزوجها . . وقصة أبي هريرة معها صحيحة وكانت استأجرته في العهد النبوي ثم تزوجها بعد ذلك ، لما كان مروان يستخلفه في إمرة المدينة » .
كما أن قرابة عتبة بزياد بن أبيه وأخويه نافع وأبي بكرة وأمهم سمية ، نفعته ، فزوجته أروى بنت الحارث بن كلدة سيدتهم ، لأنهم أبناء سمية الفارسية جارية أبيها الحارث بن كلدة الطبيب . وقد جاءت أروى مع زوجها عتبة إلى البصرة : « ومن أجلها قدم أبو بكرة وأخواه من أمه نافع وزياد » . ( الإصابة : 8 / 6 ) .
وكفى بأبي هريرة وآل زياد أداةً لنشر مناقب عتبة ، واختراعها إذا لزم الأمر ! ولذلك صرت ترى ولاية عتبة للبصرة مملوءة أعمالاً ومناقب ، لا تتسع لها مدة ولايته القصيرة ولا ظرف شخصيته ! فقالوا إنه صاحب كرامات ومعجزات ، وإنه مَصَّرَ البصرة وأسسها ، وفتح الأبِلَّة ، وفتح ميسان ، ومناطق من العراق وإيران ، وأرسل جيشاً من اثني عشر ألفاً إلى جيش خليد ، العالق في إيران فأنقذه . . الخ .
قال في تاريخ بغداد : 1 / 168 : « وهو الذي افتتح الأبُلَّة » . وتضحك عندما تقرأ أن معركته كانت مع فلاحيها المساكين بمساحيهم !
قال الطبري ( 3 / 92 ) : « قدم عتبة بن غزوان البصرة في ثلاث مائة » .
وقال في معجم البلدان : 4 / 242 : « لما فتح عتبة بن غزوان الأبلة عنوة عبر الفرات فخرج لهم أهل الفرات بمساحيهم فظفر بهم المسلمون وفتحوا الفرات ، وقيل إن ما بين الفهرج والفرات فتح صلحاً وسائر الأبلة عنوة ، ولما فرغ من الأبلة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 225 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أتى المذار . وقال عوانة بن الحكم : كانت مع عتبة بن غزوان لما قدم البصرة امرأته أزدة بنت الحارث بن كلدة ، ونافع وأبو بكر وزياد إخوتها ، فلما قاتل عتبة أهل مدينة الفرات جعلت امرأته أزدة تحرض المؤمنين على القتال وهي تقول : إن يهزموكم يولجوا فينا الغُلَف ! ففتح الله على المسلمين تلك المدينة » .
وروى البلاذري : 2 / 419 ، 421 ، وقال : « وأصابوا غنائم كثيرة ، ولم يكن فيهم أحد يكتب ويحسب إلا زياد ، فولى قسم ذلك المغنم وجعل له كل يوم درهمان ، وهو غلام في رأسه ذوابة » .
فهذا هو دور ابن غزوان ، وهو دورٌ صغير قصير لكنهم ضخموه ! وفي المقابل انتقصوا أو طمسوا أدوار كثير من أبطال الفتح وقادته الحقيقيين !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 226 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

معركة تستر والهرمزان

أرسل يزدجرد الهرمزان إلى تستر

بعد انتصار المسلمين في القادسية وانهزام جيش الفرس ، لم يستطع يزدجرد أن يجمع قواته ، كما تأخر وصول القوات إليه من داخل إيران ، فهرب إلى حلوان .
ثم وصلت القوات الآتية للدفاع عن المدائن ، فتجمعت في جلولاء وخانقين .
لذلك فتح المسلمون المدائن بدون معركة مهمة ، وتوجهوا إلى جلولاء فكانت معركة كبيرة قادها البطل الشيعي هاشم المرقال ، ورفقاؤه الأبطال أمثال حجر بن عدي ، وعدي بن حاتم الطائي ، وعمرو بن معدي كرب ، وانتصروا ، وتقدموا إلى حلوان ففتحوها بدون قتال يذكر ، فهرب يزدجرد إلى أصفهان .
قال البلاذري : 2 / 387 : « هرب يزدجرد من المدائن إلى حلوان ، ثم إلى إصبهان فلما فرغ المسلمون من أمر نهاوند ، هرب من إصبهان إلى إصطخر » .
أما تستر وهي معربة عن « شوشتر » أي البلد الأنزه والأطيب ( معجم البلدان : 2 / 29 ) فقد كانت عاصمة الأهواز ، وترتبط معركتها بالهرمزان أو الهرمزدان ، وهو أخ زوجة كسرى ، وخال ابنه شيرويه الذي قتل أباه وملك بعده شهوراً . وكان الهرمزان ملك الأهواز ، ومن قادة الفرس في القادسية وغيرها .
قال الطبري : 3 / 171 : « كان الهرمزان من أحد البيوتات السبعة في أهل فارس ، وكانت أمَّتُهُ ( قومه ) في مهرجان قذق وكور الأهواز ، فهؤلاء بيوتات دون سائر
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 227 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أهل فارس ، فلما انهزم يوم القادسية كان وجهه إلى أمته فملكهم ، وقاتل بهم من أرادهم ، فكان الهرمزان يغير على أهل ميسان ودست ميسان من وجهين ، من مناذر ونهرتيري ، فاستمد عتبة بن غزوان سعداً ، فأمده سعد بنعيم بن مقرن ونعيم بن مسعود ، وأمرهما أن يأتيا أعلى ميسان ودست ميسان حتى يكونا بينهم وبين نهرتيري ، ووجه عتبة بن غزوان سلمى بن القين وحرملة بن مريطة ، وكانا من المهاجرين مع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وهما من بني العدوية من بني حنظلة ، فنزلا على حدود أرض ميسان ودست ميسان ، بينهم وبين مناذر ، ودعوا بني العم فخرج إليهم غالب الوائلي وكليب بن وائل الكليبي ، فتركا نعيماً ونعيماً ونكبا عنهما ، وأتيا سلمى وحرملة وقالا : أنتما من العشيرة وليس لكما مترك ، فإذا كان يوم كذا وكذا فانهدا للهرمزان ، فإن أحدنا يثور بمناذر والآخر بنهر تيري ، فنقتل المقاتلة ثم يكون وجهنا إليكم ، فليس دون الهرمزان شئ إن شاء الله . . فالتقوا هم والهرمزان بين دلث ونهر تيري ، وسلمى بن القين على أهل البصرة ، ونعيم بن مقرن على أهل الكوفة فاقتتلوا ، فبينا هم في ذلك أقبل المدد من قبل غالب وكليب ، وأتى الهرمزان الخبر بأن مناذر ونهر تيري قد أخذتا ، فكسر الله في ذرعه وذرع جنده وهزمه وإياهم ، فقتلوا منهم ما شاؤوا وأصابوا منهم ما شاؤوا ، واتبعوهم حتى وقفوا على شاطئ دجيل » .
وقال الدينوري في الأخبار الطوال / 129 : « ولما انتهت هزيمة العجم إلى حلوان ، وخرج يزدجرد هارباً . . قال له رجل من خاصته وأهل بيته يسمى هرمزان ، وكان خال شيرويه بن كسرى أبرويز : أيها الملك إن العرب قد اقتحمت عليك
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 228 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
من هذه الناحية ، يعني حلوان ، ولهم جمع بناحية الأهواز ليس في وجوههم أحد يردهم ولا يمنعهم من العيث والفساد ، يعني خيل أبي موسى الأشعري ومن كان معه . قال يزدجرد : فما الرأي ؟ قال الهرمزان : الرأي أن توجهني إلى تلك الناحية ، فأجمع إليَّ العجم وأكون ردءً في ذلك الوجه ، وأجمع لك الأموال من فارس والأهواز وأحملها إليك لتتقوى بها على حرب أعدائك . فأعجبه ذلك من قوله وعقد له على الأهواز وفارس ، ووجه معه جيشاً كثيفاً » .
وقال في معجم البلدان : 5 / 233 ، عن مهرجان قذق ، وهي بلد الهرمزان : « هي كورة حسنة واسعة ذات مدن وقرى ، قرب الصيمرة من نواحي الجبال ، عن يمين القاصد من حلوان العراق إلى همذان » .
وفي معجم البلدان : 5 / 41 : « مهرجان قذق ، وهي عدة مدن منها : أريوجان وهي مدينة حسنة في الصحراء بين جبال كثيرة الشجر كثيرة الِحمَّات والكباريت والزاجات والبوارق والأملاح ( مياه حارة ومعدنية ومواد كيمائية ) وماؤها يخرج إلى البندنيجين فيسقي النخل بها ، ولا أثر لها ( أي في القرن السابع ) إلا حِمَّات ثلاث وعين ، إن احتقن انسان بمائها أسهل إسهالاً عظيماً ، وإن شربه قذف أخلاطاً عظيمة كثيرة ، وهو يضر أعصاب الرأس ، ومن هذه المدينة إلى الرذ ، بالراء ، عدة فراسخ ، وبها قبر المهدي ( العباسي الذي كان يتصيد فيها ) وليس له أثر إلا بناء قد تعفت رسومه ، ولم يبق منه إلا الآثار . ثم نخرج منها إلى السيروان وبها آثار حسنة ومواطن عجيبة ، ومنها إلى الصيمرة » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 229 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
« أما صيمرة والسيروان فمدينتان صغيرتان غير أن بنيانهما الغالب عليه الجص والحجارة وفيهما الليمون والجوز وما يكون في بلاد الصرود والجروم . وفيهما مياه كثيرة وأشجار ، وهما نزهتان يجري الماء في دورهم » . ( معجم البلدان : 3 / 439 ) .

الهرمزان يتحصن في تستر

قال الدينوري في الأخبار الطوال / 130 : « فأقبل الهرمزان حتى وافى مدينة تستر فنزلها ، ورمَّ حصنها ، وجمع الميرة فيها لحصار إن رهقه ، وأرسل فيما يليه يستنجدهم فوافاه بشر عظيم . فكتب أبو موسى إلى عمر يخبره الخبر ، فكتب عمر إلى عمار بن ياسر يأمره أن يوجه النعمان بن مقرن في ألف رجل من المسلمين إلى أبي موسى ، فكتب عمار إلى جرير وكان مقيماً بجلولاء ، يأمره باللحاق بأبي موسى فخلف جرير بجلولاء عروة بن قيس البجلي في ألفي رجل من العرب ، وسار ببقية الناس حتى لحق بأبي موسى .
فكتب أبو موسى إلى عمر يستزيده من المدد ، فكتب عمر إلى عمار يأمره أن يستخلف عبد الله بن مسعود على الكوفة في نصف الناس ، ويسير بالنصف الآخر حتى يلحق بأبي موسى ، فسار عمار حتى ورد على أبي موسى ، وقد وافاه جرير من ناحية جلولاء » .
وقال ابن سعد في الطبقات : 5 / 90 : « فلما انقضى أمر جلولاء خرج يزدجرد من حلوان إلى أصبهان ، ثم أتى إصطخر ووجه الهرمزان إلى تستر فضبطها وتحصن في القلعة ، ومعه الأساورة وجمع كثير من أهل تستر ، وهي في أقصى المدينة مما
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 230 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يلي الجبل والماء محيط بها ، والمادة تأتيهم من أصبهان ، فمكثوا كذلك ما شاء الله . وحاصرهم أبو موسى سنتين ، ويقال ثمانية عشر شهراً » !
أقول : هذا الحصار الطويل دليل على سوء إدارة أبي موسى الأشعري ، وهو والي البصرة ، وعنده قوة كافية للهجوم ، أو للضغط عليهم لقبول الصلح . لكنه استعمل بدل ذلك البطش بمن تصل إليه يده من عامة أهل تستر وقراها !
قال في معجم البلدان : 2 / 30 : « وجعل الرجل من الأعاجم يقتل أهله وولده ويلقيهم في دجيل ، خوفاً من أن تظفر بهم العرب » !
وفي تاريخ خليفة / 98 : « ثم سار أبو موسى إلى تستر فأقام عليها . . وفيها حاصر هرم بن حيان أهل ريسهر ، فرأى ملكهم امرأة تأكل ولدها ، فقال : الآن أصالح العرب ، فصالح هرماً على أن خلى لهم المدينة » !
وروى ابن قتيبة في المعارف / 206 ، أن محمد بن جعفر بن أبي طالب وأخاه عوناً ، قد شاركا في معركة تستر واستشهدا فيها ، رضي الله عنهم .
وفي فتوح البلاذري : 2 / 467 : « فقدَّم عمار جرير بن عبد الله البجلي ، وسار حتى أتى تستر ، وعلى ميمنته ، يعنى ميمنة أبى موسى ، البراء بن مالك أخو أنس بن مالك ، وعلى ميسرته مجزأة بن ثور السدوسي ، وعلى الخيل أنس بن مالك .
وعلى ميمنة عمار البراء بن عازب الأنصاري ، وعلى ميسرته حذيفة بن اليمان العبسي ، وعلى خيله قرظة بن كعب الأنصاري ، وعلى رجالته النعمان بن مقرن المزني . فقاتلهم أهل تستر قتالاً شديداً ، وحمل أهل الكوفة حتى بلغوا باب تستر فضاربهم البراء بن مالك على الباب حتى استشهد ودخل الهرمزان وأصحابه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 231 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
المدينة بشر حال ، وقد قتل منهم في المعركة تسع مئة ، ضربت أعناقهم بعد ( أي أخذوا أسرى فضربت أعناقهم ! ) . ثم إن رجلاً من الأعاجم استأمن إلى المسلمين ، على أن يدلهم على عورة المشركين ، فأسلم واشترط أن يفرض لولده ويفرض له ( يجعل له راتب ) فعاقده أبو موسى على ذلك ، ووجه معه رجلاً من شيبان يقال له أشرس بن عوف ، فخاض به دجيل على عرق من حجارة ، ثم علا به المدينة وأراه الهرمزان ، ثم رده إلى العسكر . . فأدخلهم المدينة فقتلوا الحرس وكبروا على سور المدينة ، فلما سمع الهرمزان هرب إلى قلعته ، وكانت موضع خزانته وأمواله . . وقال الهرمزان : ما دل العرب على عورتنا إلا بعض من معنا ممن رأى إقبال أمرهم وإدبار أمرنا . . وطلب الهرمزان الأمان ، وأبى أبو موسى أن يعطيه ذلك إلا على حكم عمر ، فنزل على ذلك ، وقتل أبو موسى من كان في القلعة ممن لا أمان له ! وحمل الهرمزان إلى عمر ، فاستحياه وفرض له » .
وفي الروض المعطار للحميري / 141 : « واقتسموا ما أفاء الله عليهم ، فكان سهم الفارس ثلاثة آلاف ، والراجل ألفاً » .

وصف معركة تستر واستسلام الهرمزان

قال الطبري : 3 / 181 : « فنزلوا جميعاً على تستر ، والنعمان على أهل الكوفة وأهل البصرة متساندون ، وبها الهرمزان وجنوده من أهل فارس وأهل الجبال والأهواز في الخنادق ، وكتبوا بذلك إلى عمر واستمده أبو سبرة فأمدهم بأبي موسى ، فسار نحوهم وعلى أهل الكوفة النعمان ، وعلى أهل البصرة أبو موسى ، وعلى الفريقين جميعاً أبو سبرة ، فحاصروهم أشهراً وأكثروا فيهم القتل ، وقَتل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 232 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
البراء بن مالك فيما بين أول ذلك الحصار إلى أن فتح الله على المسلمين مائة مبارز سوى من قتل في غير ذلك ، وقَتل مجزأة بن ثور مثل ذلك ، وقَتل كعب بن ثور مثل ذلك ، وقتل أبو تميمة مثل ذلك ، في عدة من أهل البصرة وفي الكوفيين مثل ذلك ، منهم حبيب بن قرة ، وربعي بن عامر ، وعامر بن عبد الأسود ، وكان من الرؤساء في ذلك ما ازدادوا به إلى ما كان منهم . وزاحفهم المشركون في أيام تستر ثمانين زحفاً في حصارهم ، يكون عليهم مرة ولهم أخرى ، حتى إذا كان في آخر زحف منها واشتد القتال قال المسلمون : يا براء أقسم على ربك ليهزمنهم لنا . فقال : اللهم اهزمهم لنا واستشهدني . قال : فهزموهم حتى أدخلوهم خنادقهم ثم اقتحموها عليهم ، وأرزوا إلى مدينتهم وأحاطوا بها فبينا هم على ذلك وقد ضاقت بهم المدينة وطالت حربهم » .
ووصف ابن الأعثم المعركة فقال : 2 / 281 : « ودنى المسلمون من الفرس والفرس من المسلمين ، فتراموا بالنشاب والنبل ساعة ، ثم إنهم تلاحموا فاختلطوا ، واشتبك الحرب بينهم من وقت بزوغ الشمس إلى قريب من الظهر . . وإذا رجلٌ من عظماء الفرس من أهل تستر يقال له هرمك ، قد خرج فجعل يجول ويطلب البراز ، فخرج إليه شيخ من باهلة من بني حلوة يقال له أوس ، على فرس له عجفاء ، فلما نظر إليه أبو موسى عرفه ، فناداه أن ارجع يا أخا باهلة ، فلست من أهل هذا الفارسي ، لأنك شيخ بال وأنت على فرس بال ! قال : فرجع الشيخ ولم يخرج ، وجعل الفارسي يطلب البراز ، فأحجم عنه الناس وخرج إليه الشيخ ثانية فرده أبو موسى ، فغضب الباهلي من ذلك ولم يلتفت إلى كلام أبي موسى ومضى نحو الفارسي ، فالتقيا بطعنتين ، طعنة الباهلي قتلته ، ثم أقبل راجعاً نحو
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 233 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
المسلمين ! قال فقال له أبو موسى : يا أخا باهلة ! إن الأشعري لم يرد بكلامه إياك بأساً ، فقال الباهلي : ولا الباهلي أراد بأسا أيها الأمير !
قال : وتقدم جرير بن عبد الله البجلي حتى وقف بين الصفين ثم نادى بأعلى صوته : أيها المسلمون ! الجهاد ثوابه عظيم وخطره جسيم ، وهذا يوم له ما بعده من الأيام ، وقد دعاكم الله عز وجل إلى الجهاد ووعدكم عليه الثواب ، ونهاكم عن التثاقل وحذركم العقاب ، فاعملوا في يومكم هذا عملاً يرضى به ربكم عنكم ، ألا وإني حامل يا معشر بجيلة فاحملوا .
قال : ثم جعل جرير يرتجز ، قال : ثم حمل جرير من الميمنة وحمل النعمان بن مقرن من الميسرة واختلط الفريقان ، ودارت بهما الحرب فاقتتلوا قتالاً شديداً ، ثم صدقهم المسلمون القتال والحملة وكبروا ، وإذا الهرمزدان قد ولى بين يدي أصحابه فاتبعته الأعاجم ، ووضع المسلمون فيهم السيف فقتلوا منهم في المعركة مقتلة عظيمة ، وأسروا منهم ست مائة رجل ، ودخل الهرمزدان وأصحابه إلى تستر بأشر حالة تكون ، وعامة أصحابه جرحاء ، ورجع المسلمون إلى معسكرهم ، وقدم أبو موسى هؤلاء الأسراء فضرب أعناقهم عن آخرهم .
فلما كان من غدٍ إذا برجل من الفرس من أهل تستر يقال له نسيبه بن دارنة ، قد أقبل إلى أبي موسى الأشعري من بعد صلاة العشاء الآخرة فقال : أيها الأمير أتعطيني الأمان على نفسي ومالي وولدي وأهلي ، وأدفع إليك هذه المدينة ؟
فقال له أبو موسى : لك ذلك ، فقال الفارسي : فابعث معي الساعة رجلاً حتى أوقفه على الطريق الذي يتهيأ لكم أن تدخلوا المدينة منه .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 234 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال : فبعث معه أبو موسى برجل يقال له عوف بن مجزأة ، فقال له : انطلق مع هذا الرجل حتى يوقفك على الطريق الذي يتهيأ لنا أن ندخل منه إلى مدينة تستر قال : فخرج عوف بن مجزأة مع نسيبه هذا الفارسي في جوف الليل ، حتى جاز به الفارسي نهر تستر فأراه المخاضة من موضع عرفه ، ثم مر به على عرق الجبل حتى أصعده السور ، وعلى السور قوم نيام قد أوقفهم الهرمزدان في ذلك الموضع حرساً للمدينة . قال : فجاز به نسيبه رويداً رويداً حتى أنزله إلى مدينة تستر ، ثم جاء به إلى منزله فبات فيه ، فلما أصبح نسيبه أخذ طيلساناً له فدفعه إلى عوف بن مجزأة فقال له : غط رأسك بهذا الطيلسان واتبعني !
قال : فخرج المسلم يتبع نسيبه حتى جاز به على باب الهرمزدان والهرمزدان في وقته قد وضع الموائد على بابه يغدي قواده وأساورته ، فقال نسيبه للمسلم : هذه دار الهرمزدان فاعرفها لتخبر أصحابك بذلك ! قال : ثم جاء به حتى أوقفه على باب المدينة فعرفه إياه ، وطاف به في مدينة تستر حتى أوقفه على الموضع الذي جاء به منه فقال : أعبر الآن هذا النهر ، وسر إلى صاحبك فخبره بما رأيت ، وقل له فليبعث معك بجماعة وليتبعوك حتى تدخل المدينة كما أدخلتك إياها ، وليحتالوا في قتل هؤلاء الحرس ، فإذا كان وقت الصبح فلينزلوا إلى باب المدينة فليعالجوه حتى يفتحوه ، ويكون صاحبك قد عبأ أصحابه وأوقفهم على الباب فإني أرجو أن يفتح الله هذه المدينة لكم ، فإني قد أوقفتك على مدخلها ومخرجها فخبر أنت أصحابك بذلك ، وكن أنت الدليل لهم على فتحها .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 235 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال : فخرج عوف بن مجزأة إلى أبي موسى فخبره بذلك ، فلما كان في الليلة الثانية قال أبو موسى لأصحابه : أيها المسلمون من يهب نفسه لله تعالى في هذه الليلة فليخرج مع عوف بن مجزأة حتى يدخل بهم مدينة تستر ، فيكونوا هم الذين يفتحون لنا بابها من داخلها ، فقد تعلمون أنه ليس لنا في تستر حيلة إلا أن تفتح لنا من داخلها ، لأجل هذا النهر الذي يدور حولها .
قال : فانتدب له سبعون رجلاً أو يزيدون من أهل البصرة وأهل الكوفة ، فتقلدوا بسيوفهم ثم مضوا نحو تستر ، وعوف بن مجزأة بين أيديهم ، حتى جاز بهم النهر فخاضه من الموضع الذي قد عرفه ، ثم أصعدهم على عرق الجبل حتى أوقفهم على السور ، والحرس في وقتهم ذلك نيام لا يعقلون . قال : فنكى فيهم هؤلاء المسلمون فذبحوهم عن آخرهم ، ثم قعدوا على السور ينتظرون الصبح .
فلما كان وقت الصبح وثب المسلمون فصلوا بغلس وركبوا دوابهم وتقلدوا سيوفهم وتناولوا رماحهم ، وقصدوا نحو باب تستر والباب مغلق ، قال : ونزل هؤلاء السبعون الذين مضوا في أول الليل ، فساروا إلى باب تستر من داخل ليعالجوه فيفتحوه ، وكان على الباب ثلاثة أقفال ، ومفاتيح الأقفال عند الهرمزدان قال : وكبر المسلمون من خارج الباب ، وكبر المسلمون السبعون من داخل الباب ، وسمعت الفرس بذلك فبادروا وخرجوا من دورهم وقصورهم وركبوا ، وركب الهرمزدان في أساورته ومرازبته نحو الباب .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 236 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال : فجعل هؤلاء السبعون رجلاً يقاتلون أهل تستر بأجمعهم ، وكان قوم يعالجون فتح الباب وقوم يحاربون ، حتى كسروا قفلين ، وقتل عامة هؤلاء السبعين ، فما بقي منهم إلا نفر قليل .
قال : وجعل المسلمون يكبرون من خارج المدينة وليس لهم في أصحابهم حيلة فلم يزالوا كذلك حتى قتل السبعون بأجمعهم غير ثلاثة نفر ، ففتحوا القفل الثالث ، واقتحم المسلمون مدينة تستر ، وهؤلاء الثلاثة أيضاً داستهم الخيل فقتلتهم ! قال : وسار المسلمون بأجمعهم حتى صاروا في مدينة تستر ، فجعلوا يقتلون وينهبون ، وخرج الهرمزدان عن مدينة تستر هارباً حتى صار إلى قلعة له ، وقد كان قدم أهله وولده وعامة أمواله إلى تلك القلعة ، في نفر من أهل بيته وخدمه وحشمه ، فتحصن هنالك .
وغنم أبو موسى والمسلمون جميع ما كان بتستر من أموالها وغنائمها ، ومرت الفرس على وجوهها يمنة ويسرة ، وقد كانوا وجهوا بنسائهم وأولادهم وأموالهم ، ففرقوهم في البلاد خوفاً من المسلمين .
قال : وجمع أبو موسى غنائم تستر فأخرج منها الخمس ليوجه به إلى عمر بن الخطاب ، وقسم باقي ذلك في المسلمين فأعطى كل ذي حق حقه ، ثم سار في جميع أصحابه حتى نزل إلى قلعة الهرمزدان فحاصره بها أشد الحصار ، فلما رأى الهرمزدان ما هو فيه بعث إلى أبي موسى يسأله أن يعطيه الأمان ، على أن يحمله إلى عمر بن الخطاب مع أهله وولده وحشمه وجميع أهل بيته ، فأجابه أبو موسى
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 237 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إلى ذلك ، وكتب له أمانا منشوراً فبعث به إليه ، فنزل الهرمزدان من قلعته ، فأخذوا جميع ما كان فيها .
قال : ثم دعا أبو موسى بالهرمزدان فقيده بقيد ثقيل ، ووجه به وأهله وولده وجميع ما كان معه إلى عمر بن الخطاب ، ووجه إليه أيضاً بالخمس من غنائم المسلمين من تستر . قال : وبلغ ذلك أهل المدينة فجعلوا ينظرون إلى الهرمزدان ومن معه من أصحابه ، قال : ودخل المسلمون المدينة وطلبوا عمر بن الخطاب في منزله فلم يصيبوه ، فقال الهرمزدان : لمن تطلبون ؟ قالوا : نطلب أمير المؤمنين ، قال الهرمزدان : أو ليس له من يقضي حوائجه ؟ قالوا : بلى ولكنه عون نفسه ، قال : فعجب الهرمزدان من ذلك !
ثم جاء المسلمون فإذا هم بعمر بن الخطاب وهو نائم في مَشرفةٍ من وراء المسجد ، فوقفوا عليه وسلموا ، فاستيقظ عمر بن الخطاب ، ثم استوى جالساً فنظر إلى الهرمزدان وإلى من معه ، فخرَّ لله ساجداً ، ثم قال : الحمد لله الذي جعله وأشباهه فيئاً للمسلمين . قال : ثم وثب عمر فدخل المسجد واجتمع إليه المهاجرون والأنصار ، وأتي بالخمس حتى وضع بين يديه ، فنظر إليه عمر وحمد الله عز وجل على ذلك .
ثم دعا بالهرمزدان فأوقفه بين يديه ثم قال : يا هرمزدان ! كيف رأيت صنع الله عز وجل بك ؟ فقال الهرمزدان : لست بأول من نزلت به هذه النازلة ، المصائب قد تصيب الرجال . فقال عمر : صدقت فقل لا إله إلا الله محمد رسول الله ، فقال الهرمزدان : على هذه الحالة لا أقول . قال : عمر : فإني قاتلك ، قال
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 238 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الهرمزدان : فإني عطشان فاسقني قبل أن تقتلني . قال عمر : إئتوه بماء حتى يشرب ، قال : فأتي بماء في إناء من خشب أو غير ذلك ، فقال الهرمزدان : إني لا أشرب في مثل هذا الإناء ولا أشرب إلا في جوهر ، قال عمر : إنا لا نشرب في الجوهر ولا نرى ذلك . فقال له علي بن أبي طالب كرم الله وجهه : فلا عليك إئته بماء في قوارير فإنه جوهر أيضاً .
قال : فأتي بقدح فيه ماء فتناوله ، فقال له عمر : إشرب ! فقال الهرمزدان : أخاف أن تقتلني قبل أن أشربه ، قال عمر : فلك الله عز وجل راع وكفيل لا أقتلك أو تشربه ، قال : فرفع الهرمزدان القدح فضرب به الأرض فكسره ! فقال عمر : أيها المسلمون ما ترون في هذا ؟ فسكت المسلمون فقال علي : إنك قد أعطيته الأمان وحلفت له أن لا تقتله أو يشرب الماء ، فلم يشربه ، فليس لك أن تقتله ، ولكن ضع عليه الجزية ، وذره ليكونن بالمدينة .
فقال الهرمزدان : إنه لا توضع الجزية على مثلي ، وأنا ملك وابن ملك ، غير أني داخل في دين الإسلام طائعاً غير مكره ، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله . قال : وأسلم الهرمزدان وأسلم كل من كان معه من أهل بيته وولده وخدمه وحشمه ، فأمر عمر بفك قيده وقربه وأدناه وفرح بإسلامه ، وخلطه المسلمون بأنفسهم .
قال : ودخل رجل من المسلمين ممن كان مع أبي موسى إلى قلعة الهرمزدان فجعل يدور فيها ، فبينا هو كذلك إذ نظر إلى تمثال من حجر وقد مد يده كذا نحو الأرض ، قال : وكان هذا المسلم داهياً فقال : ما وضع هذا التمثال في هذا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 239 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الموضع ماداً يده إلى الأرض إلا وتحت يده كنز ! ثم جاء إلى أبي موسى الأشعري فخبره بذلك ، فأرسل أبو موسى بثقات من أصحابه وأمرهم ، فحفروا تحت التمثال فإذا هم بسفط عظيم مقفل ، فحملوه إلى أبي موسى ، فأمر به ففتح فإذا دنانير كثيرة كسروية وحلى من قرطة وشنوف ومخانق ( عقود ) وخلاخيل وأسورة وخواتيم ، وكل ذلك من الذهب مرصع بالدر والجوهر .
قال : فنظر أبو موسى والمسلمون إلى ذلك ، قال : ونظر أبو موسى إلى فص ياقوت هناك فأخذه ولم يعلم قيمته ، ثم قفل السفط وختمه وأرسل به إلى عمر بن الخطاب وكتب إليه بحاله وقصته . قال : فكتم عمر هذا السفط ، ثم بعث إلى الهرمزدان فدعاه ثم قال : يا هرمزدان ! إني أسألك عن أموالك ما حالها ؟ فقال الهرمزدان : إن مالي وأموال غيري قد صارت إلى أبي موسى وقد قسمها في أصحابه ووجه إليك ما وجه .
قال عمر : فهل بقي لك في قلعتك شئ من المال ؟ قال : لا يا أمير المؤمنين ! ما بقي لي هنالك شئ إلا سفط مدفون في القلعة لا يقدر عليه أحد وقد عزمت على أن أوجه من يأتيني به . قال : فضحك عمر ثم دعا بالسفط فوضعه بين يديه ، قال : هذا سفطك ؟ قال : هذا هو يا أمير المؤمنين ! فمن أتاك بهذا ؟ قال : وجه به إلينا أبو موسى الأشعري ، ولكن افتحه وانظر هل تفقد منه شيئاً ، قال : ففتحه الهرمزدان وجعل ينظر ويميزها ثم قال : ما أفقد منه إلا فصاً واحداً هو خير مما في هذا السفط ! فقال عمر : فإن صاحبي كتب إلي أن الفص صار إليه فاجعله له
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 240 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إن شئت ، قال الهرمزدان : فإني قد جعلته له يا أمير المؤمنين ، وهو أعف رجل يكون إذ لم يكتمك أمر هذا الفص .
قال : واختصم أهل البصرة وأهل الكوفة ، فقال أهل البصرة : الفتح لنا ، وقال أهل الكوفة : بل الفتح لنا ، فاختصموا في ذلك حتى كاد أن يقع بينهم شئ من المكروه ، ثم إنهم رضوا بعمر بن الخطاب وكتبوا إليه بذلك . قال : فكتب عمر بن الخطاب : أما بعد فإن تستر من مغازي أهل البصرة ، غير أنهم إنما نصروا بإخوانهم من أهل الكوفة . . ورجع أهل الكوفة مع أميرهم عمار بن ياسر إلى الكوفة ، ورجع أهل البصرة مع أبي موسى إلى البصرة ، ورجع أهل حلوان مع جرير بن عبد الله وأصحابه إلى حلوان » .
وفي البيان والتبيين للجاحظ / 344 : « إن السائب شهد فتح مهرجان قذق ، ودخل منزل الهرمزان وفي داره ألف بيت ( غرفة ) فطاف فيه ، فإذا ظبي من جص في بيت منها مادٌّ يده ، فقال : أقسم بالله إنه يشير إلى شئ ، أنظروا . فنظروا فاستخرجوا سفط كنز الهرمزان ، فإذ فيه ياقوت وزبرجد ، فكتب فيه السائب إلى عمر وأخذ منه فصاً أخضر ، وكتب إلى عمر : إن رأى أمير المؤمنين أن يهبه لي فليفعل ، فلما عرض عمر السفط على الهرمزان قال : فأين الفص الصغير ؟ قال عمر : سألنيه صاحبنا فوهبته له . فقال : إن صاحبك بالجوهر لعالم » .
وفي الأخبار الطوال للدينوري / 130 : « وأقام المسلمون على باب مدينة تستر أياماً كثيرة ، وحاصروا العجم بها ، فخرج ذات ليلة رجل من أشراف أهل المدينة ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 241 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فأتى أبا موسى مستسراً فقال : تؤمنني على نفسي وأهلي وولدي ومالي وضياعي حتى أعمل في أخذك المدينة عنوة . . . قال الرجل ، وكان اسمه سينه » .
وقال ابن سعد في الطبقات : 5 / 90 : « ثم نزل أهل القلعة على حكم عمر فبعث أبو موسى بالهرمزان إليه ومعه اثنا عشر أسيراً من العجم عليهم الديباج ومناطق الذهب وأسورة الذهب . . . فاستسقى الهرمزان ماء ، فقال عمر : لا نجمع عليك القتل والعطش فدعا له بماء فأتوه بماء في قدح خشب فأمسكه بيده فقال عمر : إشرب لا بأس عليك إني غير قاتلك حتى تشربه ، فرمى الإناء من يده وقال : يا معشر العرب ، كنتم وأنتم على غير دين نتعبدكم ونقضيكم ونقتلكم ، وكنتم أسوأ الأمم عندنا حالاً وأخسها منزلة ، فلما كان الله معكم لم يكن لأحد بالله طاقة ، فأمر عمر بقتله ، فقال : أوَلم تؤمني ؟ قال : وكيف ؟ قال : قلت لي تكلم لا بأس عليك ، وقلت : إشرب لا بأس عليك ، لا أقتلك حتى تشربه !
فقال الزبير بن العوام وأنس بن مالك وأبو سعيد الخدري : صدق . فقال عمر قاتله الله أخذ أماناً ولا أشعر ، وأمر فنزع ما كان على الهرمزان من حلية وديباجه وقال لسراقة بن مالك بن جعثم وكان نحيفاً أسود دقيق الذراعين كأنهما محترقان : إلبس سواري الهرمزان فلبسهما ولبس كسوته ، فقال عمر : الحمد لله الذي سلب كسرى وقومه حليهم وكسوتهم ، وألبسها سراقة بن مالك . .
قال أنس بن مالك : ما رأيت رجلاً بطِناً ، ولا أبعد أخمص ( أصابع ) ، ولا أبعد ما بين المنكبين ، من الهرمزان » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 242 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

ملاحظات على فتح تستر وأسر الهرمزان

الملاحظة الأولى ، قسوة حصار المسلمين لتستر ومحيطها ، والذي طال نحو سنتين ، واضطر المحاصرون فيها إلى إرسال عوائلهم إلى منطقة ثانية ، أو قتلهم لئلا يقعوا في قبضة المسلمين ، وقد منعوا عن بعض مناطقهم المواد الغذائية حتى اضطرت امرأة إلى أكل ولدها ، كما تقدم !
والملاحظة الثانية ، روي أن الهرمزان أسلم قبل أن يصل إلى عمر ، في الأهواز أو في الطريق . ففي مسند الشاميين للطبراني ( 3 / 60 ) : « عن عاصم بن عمر أن عمر بن الخطاب حين أتاه الهرمزان من ديار الأهواز قال : إن هذا المرزبان عظيم الأهواز وقد نزل على حكمي ، فأما أنا فلا أرى إلا قتله ، فلم يرجع إليه أحد منهم شيئاً فردد ذلك عليهم مرات ، فقام رجل من الصحابة فقال : إني قد رأيته صلى ، قال عمر : فوالله لا نقتله إن كان قد صلى » .
لكن الرواية الأصح ما رواه في مناقب آل أبي طالب : 2 / 119 : « أن عمر أراد قتل الهرمزان فاستسقى ، فأتيَ بقدح فجعل ترعد يده ، فقال له في ذلك فقال : إني خائف أن تقتلني قبل أن أشربه . فقال : إشرب ولا بأس عليك ، فرمى القدح من يده فكسره ! فقال : ما كنت لأشربه أبداً ، وقد آمنتني ! فقال : قاتلك الله لقد أخذت أماناً ولم أشعر به ! وفي رواياتنا أنه شكى ذلك إلى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) فدعا الله تعالى فصار القدح صحيحاً مملوءً من الماء ! فلما رأى الهرمزان المعجز أسلم » !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 243 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ويؤيده أن الهرمزان جاء من الأهواز مع عمار ، أو مع معقل ، وهما من خواص علي ( عليه السلام ) . قال البلاذري في أنساب الأشراف : 12 / 160 : « وكان معقل بن قيس يكنى أبا رميلة ، وكان من رجال أهل الكوفة ، وكان فيمن وفد مع عمار بن ياسر إلى عمر بن الخطاب مع الهرمزان بفتح تستر . . وقد كان عليٌّ ( عليه السلام ) صيّره على شرطه » .
وفي شرح النهج : 15 / 92 : « معقل بن قيس ، كان من رجال الكوفة وأبطالها ، وله رياسة وقدم ، أوفده عمار بن ياسر إلى عمر بن الخطاب مع الهرمزان » .
ويؤيده ، أن الهرمزان كان من سهم علي ( عليه السلام ) من الفئ فأعتقه ، فكان له ولاؤه ، ولذلك كان ولي دمه ، عندما قتله عبيد الله بن عمر .
فعندما قتل أبو لؤلؤة عمر ، دفعت حفصة أخاها عبيد الله وهو الفارس الوحيد في أولاد عمر ، وأمه وأم أخيه زيد : أم كلثوم بنت جرول ، فقتل الهرمزان وجفينة المعلم النصراني ، والطفلة بنت أبي لؤلؤة !
روى عبد الرزاق في المصنف : 5 / 478 ، عن عبد الرحمن بن أبي بكر : « فخرج عبيد الله ابن عمر مشتملاً على السيف حتى أتى الهرمزان ، فقال : إصحبني حتى ننظر إلى فرس لي ، وكان الهرمزان بصيراً بالخيل ، فخرج يمشي بين يديه فعلاه عبيد الله بالسيف ، فلما وجد حرَّ السيف قال : لا إله إلا الله ، فقتله ، ثم أتى جفينة وكان نصرانياً فدعاه فلما أشرف له علاوة بالسيف ، فَصَلَّبَ بين عينيه ، ثم أتى ابنة أبي لؤلؤة جارية صغيرة تدعي الإسلام فقتلها ، فأظلمت المدينة يومئذ على أهلها ، ثم أقبل بالسيف صلتاً في يده وهو يقول : والله لا أترك في المدينة سبياً إلا قتلته
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 244 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وغيرهم ، وكأنه يعرض بناس من المهاجرين ، فجعلوا يقولون له : ألقِ السيف ويأبى ، ويهابون أن يقربوا منه ، حتى أتاه عمرو بن العاص فقال : أعطني السيف يا ابن أخي ! فأعطاه إياه ، ثم ثار إليه عثمان ، فأخذ برأسه فتناصيا حتى حجز الناس بينهما .
فلما ولي عثمان قال : أشيروا عليَّ في هذا الرجل الذي فتق في الإسلام ما فتق ، يعني عبيد الله بن عمر ، فأشار عليه المهاجرون أن يقتله ، وقال جماعة من الناس : أقُتل عمر أمس وتريدون أن تتبعوه ابنه اليوم ، أبعد الله الهرمزان وجفينة ! قال : فقام عمرو بن العاص فقال : يا أمير المؤمنين ، إن الله قد أعفاك أن يكون هذا الأمر ولك على الناس من سلطان ، إنما كان هذا الأمر ولا سلطان لك ، فاصفح عنه يا أمير المؤمنين ! قال : فتفرق الناس على خطبة عمرو ، وودى عثمان الرجلين والجارية . قال الزهري : وأخبرني حمزة بن عبد الله بن عمر قال : يرحم الله حفصة إن كانت لممن شجع عبيد الله على قتل الهرمزان وجفينة » !
وفي كتاب الاستغاثة : 1 / 58 : « وكان أسلم على يد أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) ثم أعتقه من قسمة الفئ ، فبادر إليه عبيد الله بن عمر فقتله من قبل أن يموت عمر ، فقيل لعمر : إن عبيد الله قتل الهرمزان ، فقال : أخطأ ، فإن الذي ضربني أبو لؤلؤة ، وما كان للهرمزان في أمري صنع ، وإن عشت احتجت أن أقتله به ، فإن علياً لا يقبل منا الدية وهو مولاه . فمات عمر واستولى على الناس عثمان فقال علي ( عليه السلام ) لعثمان : إن عبيد الله بن عمر قتل مولاي الهرمزان بغير حق وأنا وليه والطالب بدمه ، فسلمه لي لأقتله به . فقال عثمان : بالأمس قتل عمر وأقتل اليوم ابنه ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 245 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أورد على آل عمر ما لا قوام لهم به . فامتنع من تسليمه إلى أمير المؤمنين شفقة منه بزعمه على آل عمر ما لا قوام به ، فقال علي ( عليه السلام ) : أما لئن مكنت منه يوماً لأقتلنه . فلما رجع الأمر إليه ( عليه السلام ) هرب عبيد الله بن عمر إلى الشام ، فصار مع معاوية ، وحضر صفين مع معاوية محارباً لعلي ( عليه السلام ) ، فقتله في معركة الحرب فوجدوه يومئذ متقلداً بسيفين » . ونحوه الخرائج : 1 / 212 .
وقال العلامة في منهاج الكرامة / 109 : « وضيع ( عثمان ) حدود الله ، فلم يُقِدْ عبيد الله بن عمر حين قتل الهرمزان مولى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وكان أمير المؤمنين ( عليه السلام ) يطلب عبيد الله لإقامة القصاص عليه ، فلحق بمعاوية » .
وقال البيهقي في معرفة السنن : 6 / 270 : « وقد أشار المهاجرون على عثمان بقتل عبيد الله بن عمر ، حين قتل الهرمزان وجفينة » .
أقول : قضية الهرمزان تفتح الباب على فعاليات مهمة لعلي ( عليه السلام ) وخاصة شيعته ، لم تصل إلينا ، ومنها فعاليات سلمان الفارسي لإقناع الفرس بالإسلام .
والملاحظ الثالثة ، أن الهرمزان عاش في المدينة نحو خمس سنوات ، فإن فتح تستر في سنة 17 ، وقد قتل الهرمزان مع قتل عمر في آخر سنة 22 .
وفي هذه السنوات عاش في المدينة عيشة الملوك ، لأن المسلمين لم يتعرضوا لماله الشخصي ، وهذه واحدة من مميزاتهم .
وقد سأله عمر : « يا هرمزدان إني أسألك عن أموالك ما حالها ؟ فقال الهرمزدان : إن مالي وأموال غيري قد صارت إلى أبي موسى ، وقد قسمها في
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 246 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أصحابه ووجه إليك ما وجه . قال عمر : فهل بقي لك في قلعتك شئ من المال ؟ قال : لا يا أمير المؤمنين ، ما بقي لي هنالك شئ إلا سفط مدفون في القلعة لا يقدر عليه أحد ، وقد عزمت على أن أوجه من يأتيني به . قال : فضحك عمر ثم دعا بالسفط فوضعه بين يديه . . » .
وصدق الهرمزان في إسلامه ، وساعد المسلمين في فتح بقية إيران ، وقد شهد بذلك أمير المؤمنين ( عليه السلام ) فقال لعثمان لما قتل عبيد الله بن عمر الهرمزان ، كما في أنساب الأشراف : 5 / 510 : « أقدِ الفاسق فإنّه أتى عظيماً ، قتل مسلماً بلا ذنب ! وقال لعبيد الله : يا فاسق لئن ظفرت بك يوماً لأقتلنك بالهرمزان » .
ومع أن الهرمزان كان موالياً لعلي ( عليه السلام ) فقد كان صديقاً لعمر ، ويذهب معه إلى الحج . ففي الطبقات : 5 / 90 : « قال المسور بن مخرمة : رأيت الهرمزان بالروحاء ، مُهِلَّا بالحج مع عمر ، عليه حلة حبرة » .
وكان أكثر الفرس في الأهواز يطيعون الهرمزان ، فكان ذلك سبباً في سماح عمر للمسلمين بفتح داخل إيران ، بعد أن منعهم منه منعاً باتاً ، وعاقب حاكم البحرين على حملته على إيران من جهة شيراز وكرمان .
قال الطبري : 3 / 185 : « وقدم الكتاب على عمر باجتماع أهل نهاوند ، وانتهاء أهل مهرجان قذق وأهل كور الأهواز إلى رأي الهرمزان ومشيئته ، فذلك كان سبب إذن عمر لهم في الإنسياح » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 247 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وكانت للهرمزان في المدينة دار كبيرة تتسع لأن يستضيف الخليفة والمصلين معه ! قال عمر بن شبة في تاريخ المدينة : 3 / 857 : « عن أبي هريرة التيمي قال : قال الهرمزان لعمر : إيذن لي أصنع طعاماً للمسلمين . قال إني أخاف أن تعجز . قال : لا . قال : فدونك . قال : فصنع لهم ألواناً من حلو وحامض ، ثم جاء إلى عمر فقال : قد فرغت فأقبل . فقام عمر وسط المسجد فقال : يا معشر المسلمين ، أنا رسول الهرمزان إليكم ، فاتبعه المسلمون ، فلما انتهى إلى بابه قال للمسلمين : مكانكم ، ثم دخل فقال : أرني ما صنعته ، ثم دعا بأنطاع ، فقال : ألق هذا كله عليها ، واخلطوا بعضه ببعض ! فقال الهرمزان : إنك تفسده ، هذا حلو وهذا حامض ، فقال عمر : أردت أن تفسد عليَّ المسلمين ، ثم أذن للمسلمين ، فدخلوا فأكلوا » !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 248 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

معركة نهاوند أمُّ المعارك في فتح إيران

تصاعد اهتمام الفرس وتحشيدهم لحرب المسلمين ، من معركة النمارق التي كانت قواتهم فيها بضعة آلاف ، إلى معركة الجسر التي زاد فيها عدد قواتهم ، وكان عددهم مع المسلمين متقارباً ، لكن المسلمين أخطأوا فعبروا النهر إليهم ، إلى منطقة ضيقة فحصرهم الفرس ، وقتلوا من المسلمين نحو أربعة آلاف !
ثم كانت معركة البويب التي اقتص فيها المسلمون ليوم الجسر ، وهزموا الفرس هزيمة كبيرة ، وأكثروا فيهم القتل ، وقيل قتل منهم عشرات الآلاف !
ثم كان أكبر تحشيد للفرس في القادسية فقد روي أن عددهم كان ستين ألفاً . وقال الطبري : 3 / 22 : « فبعث ( رستم ) مقدمته أربعين ألفاً ، وخرج في ستين ألفاً ، وساقته في عشرين ألفاً » .
ثم حشدوا أكثر من ذلك نجدةً للمدائن ، لكن المسلمين فتحوها قبل وصولهم فتجمعوا في جلولاء ، وروي أن عددهم كان ثمانين ألفاً .
في فتوح ابن الأعثم : 1 / 210 : « واجتمعت الفرس بجلولاء في ثمانين ألف فارس . . وصار المسلمون بجلولاء في أربعة وعشرين ألفاً ويزيدون . . وتحرشت الفرس بالمسلمين وطلبوا الحرب » .
وفي تاريخ الطبري : 3 / 134 ، أن عدد المسلمين كان اثني عشر ألفاً .
أما في معركة تستر فلم تكن قوات الفرس كثيرة ، لكن تحصنهم كان قوياً ، حتى دلَّ المسلمين رجل فارسي على مدخل إلى المدينة من النهر المحيط بها .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 249 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم كان أكبر تحشيد للفرس في نهاوند ، وقد بلغ مئة وخمسين ألفاً ، وكان هدفه استرجاع العراق ، وغزو المدينة لاستئصال الإسلام المسلمين !

التحشيد الفارسي لمعركة نهاوند

تقع نهاوند في أواخر سلسلة جبال زاغروس الإيرانية من جهة العراق ، وتبعد عن الكوفة نحو ألف كيلو متر ، وعن مدينة همدان الإيرانية نحو مئة كيلو متر .
وفي الروض المعطار / 579 : « نَهَاونْد . . آخر كور الجبل . من همذان إلى نهاوند مرحلتان . . مدينة جليلة على جبل ذات سور طين ، ولها بساتين وجنات وفواكه ومتنزهات ، ومياهها كثيرة وفواكهها تحمل إلى العراق لطيبها وكبرها . . وفيها كان اجتماع الفرس لما لقيهم النعمان بن مقرن المزني » .
وفي نزهة المشتاق : 2 / 655 : « وأما بلاد البهلويين ، فمنها الري ، وإصبهان ، وهمذان ونهاوند ، ومهرجان قذق ، وماسبذان » .
وفي معجم البلدان : 5 / 313 : « مدينة عظيمة في قبلة همذان بينهما ثلاثة أيام ، وهي أعتق مدينة في الجبل ، وكان فتحها سنة 19 ، ويقال سنة 20 . . وبها آثار لبعض الفرس حسنة ، وفي وسطها حصن عجيب البناء عالي السمك ، وبها قبور قوم من العرب استشهدوا في صدر الإسلام ، وماؤها بإجماع العلماء غذي مرئ ، وبها شجر خلاف تعمل منه الصوالجة ليس في شئ من البلدان مثله في صلابته وجودته . . وقال ابن الفقيه : يوجد على حافات نهر نهاوند طين أسود للختم ، وهو أجود ما يكون من الطين ، وأشده سواداً و تَعَلُّكاً » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 250 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال البلاذري : 2 / 371 : « لما هرب يزدجرد من حلوان في سنة تسع عشرة ، تكاتبت الفرس وأهل الري وقومس وإصبهان وهمذان والماهين ، وتجمعوا إلى يزدجرد وذلك في سنة عشرين ، فأمر عليهم مردان شاه ذا الحاجب ، وأخرجوا رايتهم الدرفش كابيان » .
وهي راية تاريخية مقدسة عندهم ترمز لتأسيس دولتهم ، وقد انطلقت من أصفهان .
وفي تجارب الأمم لمسكويه : 1 / 380 : « لما خرج يزدجرد من الجبل وصار إلى مرو ، كاتب الجيوش بالأطراف ، فكتب إلى أهل الجبال ، ممن بين الباب والسند وخراسان وحلوان ، فتحرّكوا وتكاتبوا وركب بعضهم إلى بعض ، فأجمعوا أن يوافوا نهاوند ، ثم يبرموا فيها أمورهم ، فتوافى إليها من بين حلوان وخراسان ومن بين الباب وحلوان ، ومن بين سجستان إلى حلوان ، فاجتمعت حلبة فارس والفهلوج وأهل الجبال ، وهم مائة وخمسون ألفاً » .
وفي تاريخ الطبري : 3 / 209 : « قالوا وكان من حديثهم أنهم نفروا ، لكتاب يزدجرد الملك ، فتوافوا إلى نهاوند ، فتوافى إليها من بين خراسان إلى حلوان ومن بين الباب إلى حلوان ، ومن سجستان إلى حلوان ، فاجتمعت حلبة فارس والفهلوج أهل الجبال من بين الباب إلى حلوان ثلاثون ألف مقاتل ، ومن بين خراسان إلى حلوان ستون ألف مقاتل ، ومن بين سجستان إلى فارس وحلوان ستون ألف مقاتل ، واجتمعوا على الفيرزان » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 251 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

عمار بن ياسر يستنهض عمر بن الخطاب

قال ابن الأعثم في الفتوح : 2 / 289 : « وتحركت الأعاجم بأرض نهاوند واجتمعوا بها ، وكتب بعضهم إلى بعض أن يكون اجتماعهم بها ، قال : فاجتمع أهل الري وسمنان والدامغان وما والاها بنهاوند في عشرين ألفاً ، وأهل ساوه وهمذان في عشرة آلاف ، وأهل نهاوند خاصة في عشرة آلاف ، وأهل قم وقاشان في عشرين ألفاً ، وأهل أصفهان في عشرين ألفاً ، وأهل فارس وكرمان في أربعين ألفاً ، قال : ثم بعثوا إلى أذربيجان يستمدونهم إلى حرب العرب ، فأقبل إليهم أهل أذربيجان في ثلاثين ألفاً ، فذلك خمسون ألفاً ومائة ألف ، ما بين فارس وراجل ، من المرازبة والأساورة ، والأبطال المعدودين المذكورين في كل بلد من أرض الفرس . ثم إنهم جمعوا نيفاً وسبعين فيلاً ، يريدون التهويل على خيول المسلمين ، ثم أقبل بعضهم على بعض فقالوا : إن ملك العرب الذي جاءهم بهذا الكتاب ، وأقام لهم هذا الدين قد هلك ، يعنون بذلك رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وإنه قد ملكهم من بعده رجل يكنى أبا بكر ، فملك ملكا يسيراً وهلك ، وإنا نرى صاحبهم هذا عمر ، قد طال عمره ودام ملكه وعلا أمره ، قد اجتمعتم من كل بلد وليس فيكم إلارماة الحدق وأحلاس السيوف والدرق ، فتعالوا بنا حتى ننفي مَن بقربنا من جيوش العرب ، ثم نسير إليهم في ديارهم ، فنستأصلهم عن جديد الأرض ! فإنا إن لم نفعل ذلك ساروا إلينا فأخرجونا عن جميع بلادنا وأنزلوا بنا من الذل والصغار ما أنزلوه بأهل القادسية والمدائن وجلولاء
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 252 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وخانقين ، وما أنزلوه بأهل الأهواز ، وتستر ، ومناذر ، ورامهرمز ، وما أنزلوه بأهل الشام ، قبل ذلك .
قال : فتعاقدوا على أمرهم وتعاهدوا وعزموا على جهاد المسلمين ، وبلغ ذلك أهل الكوفة ، فاجتمعوا إلى أميرهم عمار بن ياسر فقالوا : أيها الأمير ، هل بلغك ما كان من جموع هؤلاء الأعاجم بأرض نهاوند ؟ قال عمار : قد بلغني ذلك فهاتوا ما عندكم من الرأي ! فقالوا : الرأي في ذلك أن نكتب إلى أمير المؤمنين ونعلمه بذلك ، قبل أن يسير عدونا إلى ما قبلنا . قال عمار : أفعل ذلك إن شاء الله تعالى .
ذكر كتاب عمار بن ياسر إلى عمر بن الخطاب :
بسم الله الرحمن الرحيم ، لعبد الله عمر أمير المؤمنين من عمار بن ياسر ، سلام عليك ! أما بعد فإن ذا السطوات والنقمات المنتقم من أعدائه ، المنعم على أوليائه هو الناصر لأهل طاعته على أهل الإنكار والجحود من أهل عداوته .
ومما حدث يا أمير المؤمنين أن أهل الري وسمنان وساوه وهمذان ونهاوند وأصفهان وقم وقاشان وراوند واسفندهان وفارس وكرمان وضواحي أذربيجان ، قد اجتمعوا بأرض نهاوند في خمسين ومائة ألف من فارس وراجل من الكفار ، وقد كانوا أمروا عليهم أربعة من ملوك الأعاجم ، هم : ذو الحاجب خرزاد بن هرمز ، وسنفاد بن حشروا ، وخهانيل بن فيروز ، وشروميان بن اسفنديار ، وأنهم قد تعاهدوا وتعاقدوا ، وتحالفوا وتكاتبوا ، وتواصوا وتواثقوا على أنهم يخرجوننا من أرضنا ، ويأتونكم من بعدنا .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 253 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وهم جمع عتيد ، وبأس شديد ، ودواب فره ، وسلاح شاك ، و يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ، فإني أخبرك يا أمير المؤمنين أنهم قد قتلوا كل من كان منا في مدنهم ، وقد تقاربوا مما كنا فتحناه من أرضهم ، وقد عزموا أن يقصدوا المدائن ، ويصيروا منها إلى الكوفة ، وقد والله هالنا ذلك ، وما أتانا من أمرهم وخبرهم ، وكتبت هذا الكتاب إلى أمير المؤمنين ليكون هو الذي يرشدنا ، وعلى الأمور يدلنا ، والله الموفق الصانع بحول وقوته ، وهو حسبنا ونعم الوكيل ، فرأي أمير المؤمنين أسعده الله فيما كتبته . والسلام .
قال : فلما ورد الكتاب على عمر بن الخطاب ، وقرأه وفهم ما فيه وقعت عليه الرعدة والنفضة ، حتى سمع المسلمون أطيط أضراسه !
ثم قام عن موضعه حتى دخل المسجد وجعل ينادي : أين المهاجرون والأنصار ألا فاجتمعوا رحمكم الله ، وأعينوني أعانكم الله !
قال : فأقبل إليه الناس من كل جانب ، حتى إذا علم أن الناس قد اجتمعوا وتكاملوا في المسجد ، وثب إلى منبر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فاستوى عليه قائماً ، وإنه ليرعد من شدة غضبه على الفرس ، فحمد الله عز وجل وأثنى عليه ، وصلى على نبيه محمد ( صلى الله عليه وآله ) ثم قال :
أيها الناس : هذا يوم غم وحزن ! فاستمعوا ما ورد عليَّ من العراق ، فقالوا : وما ذاك يا أمير المؤمنين ؟ فقال : إن الفرس أمم مختلفة أسماؤها وملوكها وأهواؤها وقد نفخهم الشيطان نفخة ، فتحزبوا علينا ، وقتلوا من في أرضهم من رجالنا ، وهذا كتاب عمار بن ياسر من الكوفة ، يخبرني بأنهم قد اجتمعوا بأرض نهاوند
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 254 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
في خمسين ومائة ألف ، وقد سربوا عسكرهم إلى حلوان وخانقين وجلولاء ، وليست لهم همة إلا المدائن والكوفة ، ولئن وصلوا إلى ذلك ، فإنها بلية على الإسلام وثلمة لا تسد أبداً ، وهذا يوم له ما بعده من الأيام .
فالله الله يا معشر المسلمين ، أشيروا عليَّ رحمكم الله ، فإني قد رأيت رأياً غير أني أحب أن لا أقدم عليه إلا بمشورة منكم ، لأنكم شركائي في المحبوب والمكروه !
قال : وكان أول من وثب على عمر بن الخطاب وتكلم طلحة بن عبيد الله فقال : يا أمير المؤمنين ، إنك بحمد الله رجل قد حنكته الدهور وأحكمته الأمور وراضته التجارب في جميع المقانب ، فلم ينكشف لك رأي إلا عن رضى ، وأنت مبارك الأمر ميمون النقيبة ، فنفذنا ننفذ ، واحملنا نركب ، وادعنا نجب .
قال : ثم وثب الزبير بن العوام فقال : يا أمير المؤمنين ، إن الله تبارك وتعالى قد جعلك عزاً للدين وكهفاً للمسلمين ، فليس منا أحد له مثل فضائلك ، ولا مثل مناقبك ، إلا من كان من قبلك ، فمد الله في عمرك لأمة نبيك محمد ( صلى الله عليه وآله ) !
وبعد ، فأنت بالمشورة أبصر من كل من في المسجد ، فاعمل برأيك ، فرأيك أفضل ، ومرنا بأمرك فها نحن بين يديك . فقال عمر : أريد غير هذين الرأيين .
قال : فوثب عبد الرحمن بن عوف الزهري ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إن كل متكلم يتكلم برأيه ، ورأيك أفضل من رأينا ، لما قد فضلك الله عز وجل علينا ، وأجرى على يديك من موعود ربنا ، فاعمل برأيك واعتمد على خالقك وتوكل على رازقك ، وسر إلى أعداء الله بنفسك ونحن معك ، فإن الله عز وجل ناصرك بعزه وسلطانه ، كما عودك من فضله وإحسانه .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 255 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فقال عمر : أريد غير هذا الرأي ، فتكلم عثمان بن عفان فقال : يا أمير المؤمنين ، إنك قد علمت وعلمنا أنا كنا بأجمعنا على شفا حفرة من النار ، فأنقذنا الله منها بنبيه محمد ( صلى الله عليه وآله ) ، وقد اختارك لنا خليفة نبينا محمد ( صلى الله عليه وآله ) ، وقد رضيك الأخيار وخافك الكفار ، ونفر عنك الأشرار ، وأنا أشير عليك أن تسير أنت بنفسك إلى هؤلاء الفجار ، بجميع من معك من المهاجرين والأنصار ، فتحصد شوكتهم وتستأصل جرثومتهم .
فقال عمر : وكيف أسير أنا بنفسي إلى عدوي ، وليس بالمدينة خيلٌ ولا رَجْلٌ فإنما هم متفرقون في جميع الأمصار ؟
فقال عثمان : صدقت يا أمير المؤمنين ، ولكني أرى أن تكتب إلى أهل الشام فيقبلوا عليك من شامهم ، وإلى أهل اليمن فيقبلوا إليك من يمنهم ، ثم تسير بأهل الحرمين مكة والمدينة إلى أهل المصرين البصرة والكوفة ، فتكون في جمع كثير وجيش كبير ، فتلقى عدوك بالحد والحديد والخيل والجنود .
فقال عمر : هذا أيضاً رأي ليس يأخذ بالقلب ، أريد غير هذا الرأي .
قال : فسكت الناس . والتفت عمر إلى علي ( عليه السلام ) فقال : يا أبا الحسن ، لم لا تشير بشئ كما أشار غيرك ؟
قال فقال علي : يا أمير المؤمنين ، إنك قد علمت أن الله تبارك وتعالى بعث نبيه محمداً ( صلى الله عليه وآله ) وليس معه ثان ، ولا له في الأرض من ناصر ، ولا له من عدوه مانع ، ثم لطف تبارك وتعالى بحوله وقوته وطوله ، فجعل له أعواناً أعز بهم دينه ، وشد أزره وشيد بهم أمره ، وقصم بهم كل جبار عنيد وشيطان مريد ، وأرى
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 256 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
موازريه وناصريه من الفتوح والظهور على الأعداء ، ما دام به سرورهم ، وقرت به أعينهم .
وقد تكفل الله تبارك وتعالى لأهل هذا الدين بالنصر والظفر والإعزاز ، والذي نصرهم مع نبيهم وهم قليلون ، هو الذي ينصرهم اليوم إذ هم كثيرون .
وبعد فإنك أفضل أصحابك رأياً وأيمنهم نقيبة ، وقد حملك الله عز وجل أمر رعيتك ، فهو الذي يوفقك للصواب ودين الحق لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ، فأبشر بنصر الله عز وجل الذي وعدك ، وكن على ثقة من ربك فإنه لا يخلف الميعاد .
وبعد ، فقد رأيت قوماً أشاروا عليك بمشورة بعد مشورة ، فلم تقبل ذلك منهم ، ولم يأخذ بقلبك شئ مما أشاروا به عليك ، لأن كل مشير إنما يشير بما يدركه عقله ، وأعلمك يا أمير المؤمنين إن كتبت إلى الشام أن يقبلوا إليك من شامهم ، لم تأمن من أن يأتي هرقل في جمع النصرانية ، فيغير على بلادهم ويهدم مساجدهم ويقتل رجالهم ، ويأخذ أموالهم ، ويسبي نساءهم وذريتهم .
وإن كتبت إلى أهل اليمن أن يقبلوا من يمنهم ، أغارت الحبشة أيضاً على ديارهم ونسائهم وأموالهم وأولادهم .
وإن سرت بنفسك مع أهل مكة والمدينة إلى أهل البصرة والكوفة ، ثم قصدت بهم قصد عدوك ، انتقضت عليك الأرض من أقطارها وأطرافها ، حتى يكون من خلفته وراءك أهم إليك مما تريد أن تقصده ، ولا يكون للمسلمين كانفة تكنفهم ولا كهف يلجؤون إليه ، وليس بعدك مرجع ولا موئل ، إذ كنت أنت
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 257 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الغاية والمفزع والملجأ . فأقم بالمدينة ولا تبرحها ، فإنه أهيب لك في عدوك وأرعب لقلوبهم ، فإنك متى غزوت الأعاجم بنفسك يقول بعضهم لبعض : إن ملك العرب قد غزانا بنفسه لقلة أتباعه وأنصاره ، فيكون ذلك أشد لكَلَبهم عليك وعلى المسلمين . فأقم بمكانك الذي أنت فيه ، وابعث من يكفيك هذا الأمر ، والسلام .
ذكر مشورة علي بن أبي طالب رضوان الله عليه ثانية : فقال عمر : يا أبا الحسن ، فما الحيلة في ذلك ، وقد اجتمعت الأعاجم عن بكرة أبيها بنهاوند في خمسين ومائة ألف ، يريدون استئصال المسلمين ؟ !
فقال له علي بن أبي طالب : الحيلة أن تبعث إليهم رجلاً مجرباً ، قد عرفته بالبأس والشدة ، فإنك أبصر بجندك وأعرف برجالك ، واستعن بالله وتوكل عليه واستنصره للمسلمين ، فإن استنصاره لهم خير من فئة عظيمة تمدهم بها ، فإن أظفر الله المسلمين فذلك الذي تحب وتريد ، وإن يكن الأخرى ، وأعوذ بالله من ذلك ، تكون ردءً للمسلمين ، وكهفاً يلجؤون إليه ، وفئةً ينحازون إليها .
ذكر مشورة علي بن أبي طالب ثالثة :
قال فقال له عمر : نعم ما قلت يا أبا الحسن ولكني أحببت أن يكون أهل البصرة وأهل الكوفة ، هم الذين يتولون حرب هؤلاء الأعاجم ، فإنهم قد ذاقوا حربهم وجربوهم ومارسوهم ، في غير موطن .
فقال له علي : إن أحببت ذلك فاكتب إلى أهل البصرة أن يفترقوا على ثلاث فرق : فرقة تقيم في ديارهم فيكونوا حرساً لهم يدفعون عن حريمهم ، والفرقة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 258 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الثانية يقيمون في المساجد يعمرونها بالأذان والصلاة ، لكيلا تعطل الصلاة - ويأخذون الجزية من أهل العهد لكيلا ينتقضوا عليك . والفرقة الثالثة يسيرون إلى إخوانهم من أهل الكوفة . ويصنع أهل الكوفة أيضاً كصنع أهل البصرة ، ثم يجتمعون ويسيرون إلى عدوهم ، فإن الله عز وجل ناصرهم عليهم ومظفرهم بهم ، فثق بالله ولا تيأس من روح الله إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ .
قال : فلما سمع عمر مقالة علي كرم الله وجهه ومشورته أقبل على الناس وقال : ويحكم ! عجزتم كلكم عن آخركم أن تقولوا كما قال أبو الحسن ! والله ، لقد كان رأيه رأيي الذي رأيته في نفسي !
ثم أقبل عليه عمر بن الخطاب فقال : يا أبا الحسن ، فأشر علي الآن برجل ترتضيه ويرتضيه المسلمون أجعله أميراً وأستكفيه من هؤلاء الفرس ، فقال عليٌّ : قد أصبته ، قال عمر : ومن هو ؟ قال : النعمان بن مقرن المزني ، فقال عمر وجميع المسلمين : أصبت يا أبا الحسن ! وما لها من سواه .
قال : ثم نزل عمر عن المنبر ، ودعا بالسائب بن الأقرع بن عوف الثقفي فقال : يا سائب ! إني أريد أن أوجهك إلى العراق ، فإن نشطت لذلك فتهيأ ، فقال له السائب : ما أنشطني لذلك . . . » . انتهى .
وفي تاريخ الطبري : 3 / 209 : « وكتب إليه أيضاً عبد الله ( ابن مسعود ) وغيره ، بأنه قد تجمع منهم خمسون ومائة ألف مقاتل ، فإن جاؤونا قبل أن نبادرهم الشدة ، ازدادوا جرأة وقوة . . . ثم نقل الطبري مشورة عمر للصحابة ، وكلام طلحة وعثمان . . فعاد عمر فقال : إن هذا يوم له ما بعده من الأيام فتكلموا . فقام علي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 259 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بن أبي طالب فقال : أما بعد يا أمير المؤمنين فإنك إن أشخصت أهل الشأم من شأمهم سارت الروم إلى ذراريهم ، وإن أشخصت أهل اليمن من يمنهم سارت الحبشة إلى ذراريهم . وإنك إن شخصت من هذه الأرض انتقضت عليك الأرض من أطرافها وأقطارها ، حتى يكون ما تدع وراءك أهم إليك مما بين يديك من العورات والعيالات !
أقْرِرْ هؤلاء في أمصارهم ، واكتب إلى أهل البصرة فليتفرقوا فيها ثلاث فرق : فلتقم فرقة لهم في حرمهم وذراريهم ، ولتقم فرقة في أهل عهدهم لئلا ينتقضوا عليهم ، ولتسر فرقة إلى إخوانهم بالكوفة مدداً لهم .
إن الأعاجم إن ينظروا إليك غداً قالوا هذا أمير العرب وأصل العرب ، فكان ذلك أشد لكلبهم وألبتهم على نفسك .
وأما ما ذكرت من مسير القوم فإن الله هو أكره لمسيرهم منك ، وهو أقدر على تغيير ما يكره . وأما ما ذكرت من عددهم ، فإنا لم نكن نقاتل فيما مضى بالكثرة ، ولكنا كنا نقاتل بالنصر .
فقال عمر : أجل والله لئن شخصت من البلدة لتنتقضن عليَّ الأرض من أطرافها وأكنافها ، ولئن نظرت إلى الأعاجم لا يفارقن العرصة ، وليمدنهم من لم يمدهم وليقولن هذا أصل العرب ، فإذا اقتطعتموه اقتطعتم أصل العرب » .
وفي نهج البلاغة : 2 / 29 : « وقد استشاره عمر بن الخطاب في الشخوص لقتال الفرس بنفسه : إن هذا الأمر لم يكن نصره ولا خذلانه بكثرة ولا قلة ، وهو دين
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 260 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الله الذي أظهره ، وجنده الذي أعده وأمده ، حتى بلغ ما بلغ ، وطلع حيث طلع . ونحن على موعود من الله ، والله منجز وعده وناصر جنده .
ومكان القيم بالأمر مكان النظام من الخرز يجمعه ويضمه ، فإن انقطع النظام تفرق وذهب ، ثم لم يجتمع بحذافيره أبداً . والعرب اليوم وإن كانوا قليلاً ، فهم كثيرون بالإسلام وعزيزون بالاجتماع ، فكن قطباً ، واستدر الرحى بالعرب ، وأصلِهم دونك نار الحرب ، فإنك إن شخصت من هذه الأرض انتقضت عليك العرب من أطرافها وأقطارها ، حتى يكون ما تدع وراءك من العورات أهم إليك مما بين يديك !
إن الأعاجم إن ينظروا إليك غداً يقولوا هذا أصل العرب ، فإذا قطعتموه استرحتم ، فيكون ذلك أشد لكلبهم عليك وطمعهم فيك .
فأما ما ذكرت من مسير القوم إلى قتال المسلمين ، فإن الله سبحانه هو أكره لمسيرهم منك ، وهو أقدر على تغيير ما يكره . وأما ما ذكرت من عددهم فإنا لم نكن نقاتل فيما مضى بالكثرة ، وإنما كنا نقاتل بالنصر والمعونة » .
قال المفيد الإرشاد : 2 / 208 : « فانظروا أيدكم الله إلى هذا الموقف الذي ينبئ بفضل الرأي ، إذ تنازعه أولو الألباب والعلم ، وتأملوا التوفيق الذي قرن الله به أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في الأحوال كلها ، وفزع القوم إليه في المعضل من الأمور ، وأضيفوا ذلك إلى ما أثبتناه عنه من القضاء في الدين الذي أعجز متقدمي القوم ، حتى اضطروا في علمه إليه ، تجدوه من باب المعجز الذي قدمناه » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 261 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

شخصية النعمان بن مقرن قائد معركة نهاوند

1 . النعمان بن مقرن من عائلة مؤمنة هو وإخوته الستة : « معقل ، وعقيل ، وسويد ، وسنان ، وعبد الرحمن ، وسابع لم يسم لنا . بنو مقرن المزنيون ، سبعة إخوة هاجروا وصحبوا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ولم يشاركهم فيما ذكره ابن عبد البر وجماعة في هذه المكرمة غيرهم » . ( مقدمة ابن الصلاح / 184 ) .
« عن هلال بن يساف قال : كنا نبيع البُرّ في دار سويد بن مقرن ، فخرجت جارية وقالت لرجل منا كلمة فلطمها ، فغضب سويد وقال : لطمت وجهها ! لقد رأيتني سابع سبعة من إخواني مع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ما لنا خادم إلا واحدة ، فلطمها أحدنا ، فأمرنا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فأعتقناها » ( الإستيعاب : 2 / 680 ) .
وروى البيضاوي في تفسيره ( 3 / 165 ) أنه نزل فيهم قوله تعالى : وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ » . « فسألوا النبي ( صلى الله عليه وآله ) أن يحملهم على الخفاف المدبوغة والنعال المخصوفة فقال : لا أجد ما أحملكم عليه فتولوا وهم يبكون ، وهم ثلاثة إخوة : معقل ، وسويد ، والنعمان بنو مقرن » . ( القواعد الفقهية للسيد البجنوردي : 4 / 9 ) .
وقال عبد الله بن مسعود : « إن للإيمان بيوتاً ، وللنفاق بيوتاً ، وإن بيت بني مقرن من بيوت الإيمان » . ( الإستيعاب : 4 / 1507 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 262 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
2 . وشارك النعمان وإخوته في حفر الخندق . قال عمرو بن عوف : كنت أنا وسلمان ، وحذيفة ، والنعمان بن مقرن المزني ، وستة من الأنصار في أربعين ذراعاً فحفرنا حتى إذا كنا . . » . ( البحار : 17 / 170 ) .
وكان حارس النبي ( صلى الله عليه وآله ) في غزوة الحديبية : « رأيت النعمان بن مقرن المزني قائماً على رأسه وقد رفع أغصان الشجرة عن رأسه يبايعونه » وكان وإخوته مع وفد مزينة مع النبي ( صلى الله عليه وآله ) في فتح مكة . ( مجمع الزوائد : 6 / 146 ، و : 8 / 304 ) .
3 . وكان النعمان وإخوته قادةً مع أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في رد هجوم طليحة الأسدي على المدينة ، وقد تقدم ذلك في بحث حروب الردة .
4 . ثم شاركوا في معارك فتح العراق ، وأرسل ابن أبي وقاص النعمان في وفد إلى يزجرد ، ففي الطبري : 3 / 17 : « قال الملك : سلهم ما جاء بكم وما دعاكم إلى غزونا والولوع ببلادنا ، أمن أجل أنا أجممناكم وتشاغلنا عنكم ، اجترأتم علينا ؟
فقال لهم النعمان بن مقرن : إن شئتم أجبت عنكم ، ومن شاء آثرته .
فقالوا : بل تكلم ، وقالوا للملك : كلام هذا الرجل كلامنا .
فتكلم النعمان فقال : إن الله رحمنا فأرسل إلينا رسولاً يدلنا على الخير ويأمرنا به ويعرفنا الشر وينهانا عنه ، ووعدنا على إجابته خير الدنيا والآخرة ، فلم يدع إلى ذلك قبيلة إلا صاروا فرقتين فرقة تقاربه وفرقة تباعده ، ولا يدخل معه في دينه إلا الخواص ، فمكث بذلك ما شاء الله أن يمكث ، ثم أمر أن ينبذ إلى من خالفه من العرب وبدأ بهم ، وفعل فدخلوا معه جميعاً ، على وجهين مكره عليه فاغتبط ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 263 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وطائع أتاه فازداد ، فعرفنا جميعاً فضل ما جاء به على الذي كنا عليه ، من العداوة والضيق .
ثم أمرنا أن نبدأ بمن يلينا من الأمم فندعوهم إلى الإنصاف ، فنحن ندعوكم إلى ديننا ، وهو دين حسَّن الحسن وقبَّح القبيح كله ، فإن أبيتم فأمر من الشر هو أهون من آخر شر منه : الجزاء . فإن أبيتم فالمناجزة .
فإن أجبتم إلى ديننا خلفنا فيكم كتاب الله ، وأقمناكم عليه أن تحكموا بأحكامه ونرجع عنكم وشأنكم وبلادكم ، وإن أتقيتمونا بالجزاء قبلنا ومنعناكم ، وإلا قاتلناكم !
قال فتكلم يزدجرد فقال : إني لا أعلم في الأرض أمة كانت أشقى ولا أقل عدداً ، ولا أسوأ ذات بين منكم ، قد كنا نوكل بكم قرى الضواحي فيكفونناكم لا تغزوكم فارس ، ولا تطمعون أن تقوموا لهم . فإن كان عدو لحق ، فلا يغرنكم منا . وإن كان الجهد دعاكم ، فرضنا لكم قوتاً إلى خصبكم ، وأكرمنا وجوهكم وكسوناكم ، وملكنا عليكم ملكاً يرفق بكم .
فأسكت القوم ، فقال المغيرة بن زرارة بن النباش الأسيدي : أيها الملك إن هؤلاء رؤوس العرب ووجوههم ، وهم أشراف يستحيون من الأشراف ، وإنما يكرم الأشراف الأشراف ، ويعظم حقوق الأشراف الأشراف ، ويفخم الأشراف الأشراف ، وليس كل ما أرسلوا به جمعوه لك ، ولا كل ما تكلمت به أجابوك عليه ، وقد أحسنوا ولا يحسن بمثلهم إلا ذلك . فجاوبني لأكون الذي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 264 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أبلغك ويشهدون على ذلك . . . فاختر إن شئت الجزية عن يد وأنت صاغر ، وإن شئت فالسيف أو تسلم ، فتنجي نفسك ! فقال : أتستقبلني بمثل هذا ؟ !
فقال : ما استقبلت إلا من كلمني ، ولو كلمني غيرك لم أستقبلك به .
فقال : لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكم ! لا شئ لكم عندي ! فقال : إئتوني بوقر من تراب ، فقال : إحملوه على أشرف هؤلاء ثم سوقوه ، حتى يخرج من باب المدائن ! إرجعوا إلى صاحبكم فأعلموه أني مرسل إليكم رستم ، حتى يدفنكم ويدفنه في خندق القادسية ، وينكل به وبكم من بعد ، ثم أورده بلادكم حتى أشغلكم في أنفسكم ، بأشد مما نالكم من سابور !
ثم قال : من أشرفكم ؟ فسكت القوم ، فقال عاصم بن عمرو وَافْتَأَتَ ( قريب من افترى ) ليأخذ التراب : أنا أشرفهم أنا سيد هؤلاء فحمِّلنيه .
فقال : أكذاك ؟ فقالوا : نعم فحمله على عنقه ، فخرج به من الإيوان والدار ، حتى أتى راحلته فحمله عليها ، ثم انجذب في السير ، فأتوا به سعداً ، وسبقهم عاصم فمر بباب قديس فطواه فقالوا : بشروا الأمير بالظفر ظفرنا إن شاء الله » .
وفي تاريخ اليعقوبي : 2 / 143 : « ثم وجه سعد إلى كسرى بالنعمان بن مقرن وجماعة معه يدعونه إلى الإسلام ، فدخلوا عليه في أحسن زي ، وعليهم البرود والنعل ، فأخبروه بما وجههم له سعد ، ودعوه إلى الإسلام وإلى شهادة الحق وإلى أداء الجزية ، فأغضبه ذلك ودعا بتليس ( كيس ) تراب فقال : إحملوه على رأس سيدهم فلولا أن الرسل لا تقتل لقتلتهم . فقال عصام بن عمرو التميمي : أنا سيد القوم فحملوه التراب ، فمضى مسرعاً وقال : قد ظفرنا والله بهم ووطأنا أرضهم ! وبلغ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 265 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
رستم الخبر فغلظ ذلك عليه وقال : ما لابن الحجامة ولتدبير الملك ؟ ويقال : إن أم يزد جرد كانت حجامة . ثم وجه رسلاً في آثارهم ففاتوا الرسل » .

النعمان يتحرك بقواته إلى نهاوند

كان النعمان قائداً في القادسية وفتح المدائن وجلولاء وتستر وغيرها ، لكن أكبر مسؤولية تحملها كانت قيادة المسلمين في معركة نهاوند ، التي سميت فتح الفتوح ، لأنها أنهت قوة الفرس ، فلم يجتمع لهم بعدها جيش ، ومهدت لفتح بقية إيران ، وصار يزدجرد مشرداً من مكان إلى مكان ، حتى قتل .
قال ابن الأعثم في الفتوح : 2 / 296 : « ثم كتب عمر إلى النعمان بن مقرن المزني ، والنعمان يومئذ بموضع من العراق يقال له كسكر . . . ثم كتب عمر أيضاً إلى أبي موسى الأشعري أن يمده من أهل البصرة بالثلث ، وكذلك أهل الكوفة ، ففعل أبو موسى ذلك ، والتأمت العساكر بالعراق .
وخرج النعمان بن مقرن حتى نزل القصر الأبيض مما يلي المدائن ، كما أمرهم عمر بن الخطاب ، حتى اجتمع إليه الكوفيون والبصريون .
قال فعرضهم النعمان بن المقرن وعدهم وأحصاهم ، فإذا هم يزيدون على ثلاثين ألفاً ، من أهل البصرة وأهل الكوفة ، فدعا النعمان بطليحة بن خويلد الأسدي فعقد له عقداً ، وضم إليه أربعة آلاف فارس من أهل البصرة وأهل الكوفة وجعله مقدمة ، فسار طليحة بن خويلد على مقدمة النعمان بن مقرن ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 266 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وجعل يذكر ما كان منه بالقادسية وغيرها من الحروب المتقدمة ، ثم سار طليحة حتى نزل المدائن .
ورحل النعمان بن مقرن بالمسلمين ، حتى إذا تقارب من المدائن . . ورحل طليحة في أصحابه على المقدمة حتى نزل الدسكرة ، وجاء النعمان بن مقرن فنزل المدائن وأقام بها ثلاثة أيام ، ثم رحل منها يريد الدسكرة ، ورحل طليحة على مقدمته ، فلم يزل كذلك حتى صار إلى حلوان ، وبها يومئذ قائد من قواد كسرى يقال له شادوه بن آزاد مرد ، في نيف وعشرة آلاف من الفرس ، فلما أحس بجنود المسلمين أنها قد استشرفت على حلوان ، خرج هارباً في جميع أصحابه حتى صار إلى قرماسين فنزلها .
ونزل طليحة بن خويلد حلوان في أربعة آلاف فارس ، وأقبل النعمان في جيشه الأعظم حتى نزل بحلوان ، وأقام بها أياماً حتى استراح المسلمون وأراحوا خيولهم . قال : ثم دعا النعمان برجل من فرسان العرب ممن كان مع أبي عبيدة بن الجراح بالشام يقال له قيس بن هبيرة المرادي ، فقال له : يا قيس ، أنت تعلم أن طليحة بن خويلد قد كان على مقدمة المسلمين من الكوفة إلى حلوان ، وقد أحببت أن تكون مقدمتي من هاهنا إلى هذا البلد الذي يقال له قرماسين . فقال قيس بن هبيرة : أفعل ذلك أيها الأمير . قال : فضم إليه النعمان بن مقرن أربعة آلاف فارس من أشد عسكره ، فسار قيس بن هبيرة من حلوان على مقدمة المسلمين ، وجعل يذكر ما كان منه بأرض الروم والقادسية وغير ذلك .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 267 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال : وسار قيس بن هبيرة على مقدمة المسلمين حتى وافى قرماسين ، وبها يومئذ قائدان عظيمان من قواد الأعاجم ، أحدهما شادوه بن آزاد مرد ، الذي هرب من حلوان ، والآخر مهرويه بن خسروان ، فهما جميعاً في عشرين ألفاً من الفرس ، فلما أن علما أن خيل المسلمين قد شارفت أرض قرماسين خرجا هاربين عنها حتى نزلا بموضع يقال له ماذران ، ودخل قيس بن هبيرة إلى قرماسين فنزلها .
قال : وكانت قرماسين مصلحة للفرس ومنتزهاً لكسرى . قال : وسار النعمان بن مقرن من حلوان حتى نزل قرماسين ، وبلغ ذلك الفرس ممن كان خارجاً عن أرض نهاوند ، فامتلأت قلوبهم خوفاً ورعباً .
ثم إنهم تفلتوا من جميع المواضع حتى صاروا إلى نهاوند ، فاحتشدوا بها ، ثم إنهم اجتمعوا وتحالفوا وتعاقدوا على أنهم لا يفرون أبداً دون أن يبيدوا العرب عن آخرهم !
قال : وسار النعمان بن مقرن في جميع المسلمين حتى نزل بأرض ماذران ، ثم دعا بهذين الرجلين بكير بن شداخ الليثي وطليحة بن خويلد الأسدي ، فأرسلهما جميعاً نحو أرض نهاوند ، وأمرهما أن يتجسسا الأخبار عن الفرس ، فمضيا جميعاً ، فأما بكير بن شداخ فإنه رجع إلى المسلمين .
وأما طليحة بن خويلد فإنه مضى نحوه حتى تقارب من أرض نهاوند ، وتعرف أخبار الفرس ثم رجع ، فلما دخل العسكر كبر المسلمون من كل ناحية ، فقال طليحة : ما هذا التكبير ؟ فقالوا : إنك قد أبطأت علينا فظننا والله أنك قد رغبت
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 268 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عن دين الإسلام وصرت إلى دين هؤلاء الأعاجم ! قال : فغضب طليحة بن خويلد من ذلك ثم قال : سبحان الله العظيم ، أوَيحسن هذا بمثلي ؟ والله ، أن لو لم يكن لي دين أعتمد عليه إلا أني عربي فقط لما كنت بالذي اختار هؤلاء الأعاجم على العرب ، فكيف وقد هداني الله عز وجل إلى دين الإسلام وعرفني فضله ! قال : وسار المسلمون يريدون نهاوند ، قال : وبلغ ذلك أهل نهاوند فأرسلوا الماء في أرضهم لكي يمنعوا بتلك المياه المسلمين ، قال : فلم يغن ذلك من قضاء الله عز وجل فيهم شيئاً .
قال : وسار المسلمون حتى نزلوا في الموضع الذي يقال له قبور الشهداء ، فنزلوا هنالك وضربوا عسكرهم ، وبلغ ذلك الفرس فألقوا حسك الحديد حول نهاوند فحصنوها بتلك الحسك .
قال : ودعا النعمان برجل من أشد أصحابه يقال له محمد بن زكار الخثعمي ، فقال له : ويحك يا محمود ، أحب منك أن تنطلق نحو حصن هؤلاء القوم فتنظر إليه وتأتيني بخبره ، فقد بلغني أنه حصن حصين وأنه مشرف على قلعة لهم في الهواء ، فقال محمود بن زكار : أيها الأمير ، قد بلغني ذلك وهذا نهار ، فإذا كان الليل انطلقت فأتيتك بخبر القلعة ، إن شاء الله ولا قوة إلا بالله .
قال : فلما كان الليل واختلط الظلام عمد محمود بن زكار هذا إلى فرسه فأسرجه وألجمه ، ثم صب عليه درعه وتقلد بسيفه واعتم بعمامته ، واستوى على فرسه وتناول رمحه ومضى ، فلم يزل يسير حتى إذا أشرف على قلعة نهاوند ، وقد جعل يسمع أصوات الحرس على سورها ، من كل ناحية ونيرانهم تأجج ، قال :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 269 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وإذا بفرسه قد قام وليس يتقدم ولا يتأخر ، فحركه فلم يتحرك ، فإذا قد علق يده واتقى منها . قال : فنزل محمود بن زكار عن فرسه ثم ضرب بيده إلى الفرس فقلب حافره ، فإذا بحسكة حديد قد دخلت في حافره ، فنزعها وركب فرسه ، ثم رجع إلى النعمان بن مقرن فخبره بذلك ، ثم قال : أيها الأمير ، إن أرضهم كلها مفروشة بهذا الحسك يطرحونه في الليل ويرفعونه بالنهار . قال : وأصبح المسلمون فعبوا تعبيتهم » .

وصف معركة نهاوند برواية الطبري

قال في تاريخه : 3 / 213 : « وخرج حذيفة بن اليمان بالناس ومعه نعيم ، حتى قدموا على النعمان بالطزر ، وجعلوا بمرج القلعة خيلاً عليها النسير .
وقد كتب عمر إلى سلمى بن القين وحرملة بن مريطة وزرّ بن كليب والمقترب الأسود بن ربيعة وقواد فارس الذين كانوا بين فارس والأهواز ، أن اشغلوا فارس عن إخوانكم وحوطوا بذلك أمتكم وأرضكم ، وأقيموا على حدود ما بين فارس والأهواز حتى يأتيكم أمري .
وبعث مجاشع بن مسعود السلمي إلى الأهواز وقال له : أنصل ( أخرج كالنصل ) منها على ماه ، فخرج حتى إذا كان بغضي شجر ، أمره النعمان أن يقيم مكانه ، فأقام بين غضى شجر ومرج القلعة . ونَصَل سلمى وحرملة وزرّ والمقترب ، فكانوا في تخوم أصبهان وفارس ، فقطعوا بذلك عن أهل نهاوند أمداد فارس .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 270 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولما قدم أهل الكوفة على النعمان بالطزر جاءه كتاب عمر مع قريب ، إن معك حد العرب ورجالهم في الجاهلية ، فأدخلهم دون من هو دونهم في العلم بالحرب ، واستعن بهم واشرب برأيهم ، وسل طليحة وعمراً وعمراً ، ولا تولهم شيئاً . فبعث من الطزر طليحة وعمراً وعمراً طليعة ، ليأتوه بالخبر ، وتقدم إليهم أن لا يغلوا ( لا يبعدوا كثيراً ) .
فخرج طليحة بن خويلد ، وعمرو بن أبي سلمى العنزي ، وعمرو بن معدي كرب الزبيدي ، فلما ساروا يوماً إلى الليل رجع عمرو بن أبي سلمى ، فقالوا : ما رجعك ؟ قال : كنت في أرض العجم ، وقَتَلَتْ أرضٌ جاهلَها وقتلَ أرضاً عالمُها . ومضى طليحة وعمرو حتى إذا كان من آخر الليل رجع عمرو ، فقالوا : ما رجعك ؟ قال : سرنا يوماً وليلة لم نر شيئاً ، وخفت أن يؤخذ علينا الطريق .
ونفذ طليحة ولم يحفل بهما فقال الناس : ارتد الثانية ! ومضى طليحة حتى انتهى إلى نهاوند ، وبين الطزر ونهاوند بضعة وعشرون فرسخاً ، فعلم علم القوم واطلع على الأخبار ، ثم رجع حتى إذا انتهى إلى الجمهور كبَّر الناس فقال : ما شأن الناس ؟ فأخبروه بالذي خافوا عليه ، فقال : والله لو لم يكن دين إلا العربية ما كنت لأجزر العجم الطماطم هذه العرب العاربة ( ما كنت لأقدم للعجم قومي العرب . والطمطمة كالرطانة ) فأتى النعمان فدخل عليه فأخبروه الخبر ، وأعلمه أنه ليس بينه وبين نهاوند شئ يكرهه ولا أحد ، فنادى عند ذلك النعمان بالرحيل ، فأمرهم بالتعبية ، وبعث إلى مجاشع بن مسعود أن يسوق الناس ، وسار النعمان على تعبيته ، وعلى مقدمته نعيم بن مقرن ، وعلى مجنبتيه حذيفة بن اليمان وسويد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 271 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بن مقرن ، وعلى المجردة القعقاع بن عمرو ، وعلى الساقة مجاشع ، وقد توافي إليه أمداد المدينة فيهم المغيرة وعبد الله ، فانتهوا إلى الأسبيذهان والقوم وقوف دون واي خرد ، على تعبيتهم وأميرهم الفيرزان ، وعلى مجنبتيه الزردق ، وبهمن جاذويه الذي جُعل مكان ذي الحاجب ، وقد توافي إليهم بنهاوند كل من غاب عن القادسية والأيام من أهل الثغور وأمرائها ، وأعلام من أعلامهم ، ليسوا بدون من شهد الأيام والقوادس . وعلى خيولهم أنوشق .
فلما رآهم النعمان كبر وكبر الناس معه ، فتزلزلت الأعاجم ، فأمر النعمان وهو واقف بحطِّ الأثقال ، وبضرب الفسطاط ، فضرب وهو واقف ، فابتدره أشراف أهل الكوفة فبنوا له فسطاطاً سابقوا أكفاءهم فسبقوهم ، وهم أربع عشرة ، منهم حذيفة بن اليمان ، وعقبة بن عمرو ، والمغيرة بن شعبة ، وبشير بن الخصاصية ، وحنظلة الكاتب بن الربيع ، وابن الهوبر ، وربعي بن عامر ، وعامر بن مطر ، وجرير بن عبد الله الحميري ، والأقرع بن عبد الله الحميري ، وجرير بن عبد الله البجلي ، والأشعث بن قيس الكندي ، وسعيد بن قيس الهمداني ووائل ابن حجر ، فلم ير بَنِّاء فسطاط بالعراق كهؤلاء .
وأنشب النعمان بعد ما حط الأثقال القتال ، فاقتتلوا يوم الأربعاء ويوم الخميس والحرب بينهم في ذاك سجال في سبع سنين من أمارة عمر ، في سنة تسعة عشر ، وإنهم انجحروا في خنادقهم يوم الجمعة ، وحصرهم المسلمون فأقاموا عليهم ما شاء الله ، والأعاجم بالخيار لا يخرجون إلا إذا أرادوا الخروج !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 272 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فاشتد ذلك على المسلمين وخافوا أن يطول أمرهم ، حتى إذا كان ذات يوم في جمعة من الجمع ، تجمع أهل الرأي من المسلمين فتكلموا وقالوا : نراهم علينا بالخيار ، وأتوا النعمان في ذلك فأخبروه فوافقوه وهو يُرَوِّي ( يتروى ويفكر ) في الذي روَّوا فيه ، فقال : على رسلكم لا تبرحوا ، وبعث إلى من بقي من أهل النجدات والرأي في الحروب فتوافوا إليه ، فتكلم النعمان فقال : قد ترون المشركين واعتصامهم بالحصون من الخنادق والمدائن ، وإنهم لا يخرجون إلا إذا شاءوا ، ولا يقدر المسلمون على إنقاضهم وانبعاثهم قبل مشيئتهم ، وقد ترون الذي فيه المسلمون من التضايق بالذي هم فيه ، وعليه من الخيار عليهم في الخروج ، فما الرأي الذي به نحمشهم ونستخرجهم إلى المنابذة وترك التطويل ؟
فتكلم عمرو بن ثُبَى ، وكان أكبر الناس يومئذ سناً ، وكانوا إنما يتكلمون على الأسنان فقال : التحصن عليهم أشد من المطاولة عليكم ، فدعهم ولا تحرجهم وطاولهم ، وقاتل من أتاك منهم .
فردوا عليه جميعاً رأيه وقالوا : إنا على يقين من إنجاز ربنا موعده لنا .
وتكلم عمرو بن معدي كرب فقال : ناهدهم وكاثرهم ولاتخفهم ، فردوا عليه جميعاً رأيه وقالوا : إنما تناطح بنا الجدران ، والجدران لهم أعوان علينا !
وتكلم طليحة فقال : قد قالا ولم يصيبا ما أرادا . وأما أنا فأرى أن نبعث خيلاً مؤدية فيحدقوا بهم ثم يرموهم لينشبوا القتال ويحمشوهم ، فإذا استحمشوا ( أثيرت حميتهم وغضبهم ) واختلطوا بهم وأرادوا الخروج ، أرزوا ( هربوا ) إلينا استطراداً ، فإنا لم نستطرد لهم ( لم نهرب أمامهم ) في طول ما قاتلناهم ، وإنا إذا فعلنا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 273 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ذلك ورأوا ذلك منا طمعوا في هزيمتنا ، ولم يشكوا فيها ، فخرجوا فجادونا وجاددناهم ( صرنا وإياهم على جديد الأرض ) حتى يقضى الله فيهم وفينا ما أحب .
فأمر النعمان القعقاع بن عمرو وكان على المجردة ، ففعل وأنشب القتال بعد احتجاز من العجم فأنقضهم ، فلما خرجوا نكص ثم نكص ثم نكص ، واغتنمها الأعاجم ، ففعلوا كما ظن طليحة ( اتبعوا الفارين ) وقالوا : هي هي ! فخرجوا فلم يبق أحد إلا من يقوم لهم على الأبواب ، وجعلوا يركبونهم حتى أرز القعقاع إلى الناس ، وانقطع القوم عن حصنهم بعض الإنقطاع ، والنعمان بن مقرن والمسلمون على تعبيتهم في يوم جمعة ، في صدر النهار وقد عهد النعمان إلى الناس عهده ، وأمرهم أن يلزموا الأرض ولا يقاتلوهم حتى يأذن لهم ، ففعلوا واستتروا بالجحف من الرمي ، وأقبل المشركون عليهم يرمونهم حتى أفشوا فيهم الجراحات ، وشكا بعض الناس ذلك إلى بعض ، ثم قالوا للنعمان : ألا ترى ما نحن فيه ألا ترى إلى ما لقى الناس ، فما تنتظر بهم إئذن للناس في قتالهم . فقال لهم النعمان : رويداً رويداً . قالوا له ذلك مراراً فأجابهم بمثل ذلك مراراً : رويداً رويداً . فقال المغيرة : لو أن هذا الأمر إليَّ علمت ما أصنع . فقال : رويداً ترى أمرك ، وقد كنت تلي الأمر فتحسن فلا يخذلنا الله ولا إياك ، ونحن نرجو في المكث مثل الذي ترجو في الحث . وجعل النعمان ينتظر بالقتال إكمال ساعات ، كانت أحب إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في القتال أن يلقى فيها العدو ، وذلك عند الزوال وتفيؤ الأفياء ومهب الرياح ، فلما كان قريباً من تلك الساعة تحشحش النعمان وسار في الناس على برذون أحوى قريب من الأرض ، فجعل يقف على كل راية
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 274 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ويحمد الله ويثنى عليه ويقول : قد علمتم ما أعزكم الله به من هذا الدين وما وعدكم من الظهور ، وقد أنجز لكم هوادى ( أوائل ) ما وعدكم وصدوره ، وإنما بقيت أعجازه وأكارعه ، والله منجز وعده ومتبع آخر ذلك أوله ، واذكروا ما مضى إذ كنتم أذلة وما استقبلتم من هذا الأمر وأنتم أعزة ، فأنتم اليوم عباد الله حقاً وأولياؤه ، وقد علمتم انقطاعكم من إخوانكم من أهل الكوفة ، والذي لهم في ظفركم وعزكم ، والذي عليهم في هزيمتكم ، وذلكم وقد ترون من أنتم بإزائه من عدوكم وما أخطرتم وما أخطروا لكم ، فأما ما أخطروا لكم فهذه الرئة وما ترون من هذا السواد ، وأما ما أخطرتم لهم فدينكم وبيضتكم ، ولا سواء ما أخطرتم وما أخطروا ، فلا يكونن على دنياهم أحمى منكم على دينكم ، واتقى الله عبد صدق الله وأبلى نفسه فأحسن البلاء ، فإنكم بين خيرين منتظرين إحدى الحسنيين من بين شهيد حي مرزوق أو فتح قريب ، وظفر يسير ، فكفى كل رجل ما يليه ، ولم يكل قرنه إلى أخيه ، فيجتمع عليه قرنه وقرن نفسه ، وذلك من الملامة ، وقد يقاتل الكلب عن صاحبه ، فكل رجل منكم مسلط على ما يليه . فإذا قضيت أمري فاستعدوا فإني مكبرٌ ثلاثاً ، فإذا كبرت التكبيرة الأولى فليتهيأ من لم يكن تهيأ ، فإذا كبرت الثانية فليشد عليه سلاحه وليتأهب للنهوض ، فإذا كبرت الثالثة فإني حامل إن شاء الله فاحملوا معاً . اللهم أعز دينك ، وانصر عبادك ، واجعل النعمان أول شهيد اليوم ، على إعزاز دينك ، ونصر عبادك . فلما فرغ النعمان من التقدم إلى أهل المواقف وقضى إليهم أمره رجع إلى موقفه ، فكبر الأولى والثانية والثالثة ، والناس سامعون مطيعون
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 275 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مستعدون للمناهضة ينحى بعضهم بعضاً عن سننهم ، وحمل النعمان وحمل الناس ، وراية النعمان تنقضُّ نحوهم انقضاض العقاب ، والنعمان مُعَلَّمٌ ببياض القباء والقلنسوة ، فاقتتلوا بالسيوف قتالاً شديداً ، لم يسمع السامعون بوقعةِ يومٍ قط كانت أشد منها ، فقتلوا فيها من أهل فارس فيما بين الزوال والإعتام ، ما طبق أرض المعركة دماً يزلق الناس والدواب فيه ، وأصيب فرسان من فرسان المسلمين في الزلق في الدماء ، فزلق فرس النعمان في الدماء فصرعه ، وأصيب النعمان حين زلق به فرسه وصرع ، وتناول الراية نعيم بن مقرن قبل أن تقع ، وسجى النعمان بثوب وأتى حذيفة بالراية فدفعها إليه ، وكان اللواء مع حذيفة فجعل حذيفة نعيم بن مقرن مكانه ، وأتى المكان الذي كان فيه النعمان ، فأقام اللواء وقال له المغيرة : أكتموا مصاب أميركم حتى ننظر ما يصنع الله فينا وفيهم ، لكيلا يهن الناس ، واقتتلوا حتى إذا أظلهم الليل فانكشف المشركون وذهبوا ، والمسلمون ملظون ( متابعون لهم ) بهم ملتبسون ، فعمي عليهم قصدهم فتركوه ، وأخذوا نحو اللهب ( الوادي ) الذي كانوا نزلوا دونه بإسبيذهان ، فوقعوا فيه ، وجعلوا لا يهوي منهم أحد إلا قال : وايه خرد ، فسمى بذلك وايه خرد إلى اليوم . فمات فيه منهم مائة ألف أو يزيدون سوى من قتل في المعركة من أعدادهم ، ولم يفلت إلا الشريد . ونجا الفيرزان بين الصرعى في المعركة ، فهرب نحو همذان في ذلك الشريد فاتبعه نعيم بن مقرن ، وقدم القعقاع قدامه ، فأدركه حين انتهى إلى ثنية همذان ، والثنية مشحونة من بغال وحمير موقرة عسلاً ، فحبسه الدواب على أجله فقتله على الثنية بعدما امتنع ، وقال المسلمون : إن لله
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 276 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
جنوداً من عسل ، واستاقوا العسل وما خالطه من سائر الأحمال ، فأقبل بها وسميت الثنية بذلك ثنية العسل . وإن الفيرزان لما غشيه القعقاع نزل فتوقل في الجبل ، إذ لم يجد مساغاً ، وتوقل القعقاع في أثره حتى أخذه .
ومضى الفُلال حتى انتهوا إلى مدينة همذان والخيل في آثارهم ، فدخلوها فنزل المسلمون عليهم وحووا ما حولها ، فلما رأى ذلك خسروشنوم استأمنهم وقبل منهم ، على أن يضمن لهم همذان ودستبى ، وأن لا يؤتى المسلمون منهم ، فأجابوهم إلى ذلك وآمنوهم ، وأمن الناس . وأقبل كل من كان هرب .
ودخل المسلمون بعد هزيمة المشركين يوم نهاوند مدينة نهاوند ، واحتووا ما فيها وما حولها ، وجمعوا الأسلاب والرثاث إلى صاحب الأقباض السائب بن الأقرع . فبينا هم كذلك على حالهم ، وفي عسكرهم يتوقعون ما يأتيهم من إخوانهم بهمذان ، أقبل الهربذ صاحب بيت النار على أمان ، فأبلغ حذيفة فقال : أتؤمنني على أن أخبرك بما أعلم ؟ قال : نعم . قال : إن النخيرجان وضع عندي ذخيرة لكسرى ، فأنا أخرجها لك على أماني وأمان من شئت ، فأعطاه ذلك فأخرج له ذخيرة كسرى جوهراً كان أعده لنوائب الزمان ، فنظروا في ذلك فأجمع رأى المسلمين على رفعه إلى عمر ، فجعلوه له فأخرجوه حتى فرغوا فبعثوا به مع ما يرفع من الأخماس ، وقسم حذيفة بن اليمان بين الناس غنائمهم ، فكان سهم الفارس يوم نهاوند ستة آلاف وسهم الراجل ألفين .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 277 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد نفل حذيفة من الأخماس من شاء من أهل البلاء يوم نهاوند ، ورفع ما بقي من الأخماس إلى السائب بن الأقرع فقبض السائب الأخماس ، فخرج بها إلى عمر وبذخيرة كسرى .
وأقام حذيفة بعد الكتاب بفتح نهاوند بنهاوند ، ينتظر جواب عمر وأمره ، وكان رسوله بالفتح طريف بن سهم أخو بني ربيعة بن مالك ، فلما بلغ الخبر أهل الماهين بأن همذان قد أخذت ونزلها نعيم بن مقرن والقعقاع بن عمرو ، اقتدوا بخسرشنوم فراسلوا حذيفة فأجابهم إلى ما طلبوا ، فأجمعوا على القبول وعزموا على إتيان حذيفة ، فخدعهم دينار وهو دون أولئك الملوك وكان ملكاً ، إلا أن غيره منهم كان أرفع منه ، وكان أشرفهم قارن ، وقال : لا تلقوهم في جمالكم ، ولكن تقهلوا ( تقشفوا ) لهم ففعلوا ، وخالفهم فأتاهم في الديباج والحلى وأعطاهم حاجتهم ، واحتمل للمسلمين ما أرادوا ، فعاقدوه عليهم ولم يجد الآخرون بداً من متابعته والدخول في أمره ، فقيل ماه دينار لذلك .
فذهب حذيفة بماه دينار وقد كان النعمان عاقد بهراذان على مثل ذلك ، فنسبت إلى بهراذان ، ووكل النسير بن ثور بقلعة قد كان لجأ إليها قوم فجاهدهم فافتتحها فنسبت إلى النسير . وقسم حذيفة لمن خلفوا بمرج القلعة ولمن أقام بغضي شجر ولأهل المسالح جميعاً في فئ نهاوند ، مثل الذي قسم لأهل المعركة ، لأنهم كانوا ردءً للمسلمين لئلا يؤتوا من وجه من الوجوه . وتململ عمر تلك الليلة التي كان قدر للقائهم وجعل يخرج ويلتمس الخبر ، فبينا رجل من المسلمين قد خرج في بعض حوائجه ، فرجع إلى المدينة ليلاً فمر به راكب في
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 278 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الليلة الثالثة من يوم نهاوند يريد المدينة ، فقال : يا عبد الله من أين أقبلت ؟ قال من نهاوند . قال : ما الخبر ؟ قال : الخبر خير ، فتح الله على النعمان واستشهد ، واقتسم المسلمون فئ نهاوند ، فأصاب الفارس ستة آلاف » .
وقال الطبري : 3 / 204 : « ثم دفع الراية إلى حذيفة بن اليمان ، وقتل الله ذا الحاجب وافتتحت نهاوند ، فلم يكن للأعاجم بعد ذلك جماعة » .
وفي الفائق : 1 / 331 : « ذكر أن النعمان طعن برايته رجلاً ، ثم رفع رايته مختضبة دماً ، كأنها جناح عقاب كاسر » .

وصف المعركة برواية غير الطبري

قال خليفة بن خياط / 104 : « التقوا بنهاوند يوم الأربعاء ، فكان في المجنَّبة اليمنى انكشاف ( هزيمة ) وثبتت المجنبة اليسرى وثبت النصف . ثم التقوا يوم الخميس فكان في المجنبة اليسرى انكشاف ، وثبتت المجنبة اليمنى والنصف » .
وفي الثقات لابن حبان : 2 / 227 : « فالتقى المسلمون والمشركون بنهاوند فأقبل المشركون يحمون أنفسهم وخيولهم ثلاثاً ، ثم نهض إليهم المسلمون يوم الأربعاء فاقتتلوا قتالاً شديداً ، حتى كثرت القتلى وفشت الجرحى والصرعى في الفريقين جميعاً ، ثم حجز بينهما الليل ورجع الفريقان إلى عسكريهما ، وبات المسلمون ولهم أنين من الجراحات يعصبون بالخرق ويبكون حول مصاحفهم . وبات المشركون في معازفهم وخمورهم . ثم غدوا يوم الخميس فاقتتل المشركون وقاتلوا قتالاً شديداً حتى كثرت القتلى ، وفشت الجرحى في الفريقين جميعاً .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 279 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم حجز بينهما الليل ورجع الفريقان إلى عسكريهما ، وبات المسلمون لهم أنين من الجراحات يعصبون بالخرق ويبكون حول مصاحفهم ، وبات المشركون في معازفهم وخمورهم . ثم غدا النعمان بن مقرن يوم الجمعة ، وكان رجلاً قصيراً أبيض على برذون أبيض ، قد أعلم بالبياض ، فجعل يأتي راية راية يحرضهم على القتال ، ويقول : الله الله في الإسلام أن تخذلوه ، فإنكم باب بين المسلمين وبين المشركين ، فإن كسر هذا الباب دخلوا على المسلمين .
يا أيها الناس إني هازٌّ لكم الراية مرة ، فليتعاهد الرجل الخيل في حزمها وأعنتها ، ألا وإني هازٌّ لكم الثانية فلينظر كل رجل منكم إلى موقف فرسه ومضرب رمحه ووجه مقاتله ، ألا وإني هازٌّ لكم الثالثة ومكبرٌ ، فكبروا الله واذكروه ، ومستنصرٌ فاستنصروه ، ألا فحامل فاحملوا . . .
فمكث المسلمون ينظرون إلى الراية ويراعونها حتى إذا زالت الشمس عن كبد السماء ، هز النعمان الراية هزةً فانتزعوا المخالي عن الخيول وقرطوها الأعنة ، وأخذوا أسيافهم بأيمانهم والأترسة بشمائلهم ، وصلى كل رجل منهم ركعتين ، يبادر بهما ، ثم هز النعمان الراية ثانياً فوضع كل رجل منهم رمحه بين أذني فرسه ، ولزمت الرجال منهم نحور الخيل ، وجعل كل رجل يقول لصاحبه : أي فلان تنحَّ عنى لا أطؤك بفرسي ، إني أرى وجه مقاتلي ، إني غير راجع إن شاء الله حتى أقتل أو يفتح الله عليَّ !
ثم هز الثالثة فكبر فجعل الناس يكبرون الأول فالأول ، الأدنى فالأدنى ، وقذف الله الرعب في قلوب المشركين حتى أن أرجلهم كانت تخفق في الركب ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 280 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فلم يستطع منهم أحد أن يوتر قوسه ، ثم ولوا مدبرين ، وحمل النعمان وحمل الناس ، فكان النعمان أول قتيل قتل من المسلمين ، جاءه سهم فقتله ، فجاء أخوه معقل بن مقرن فغطى عليه برداً له ، ثم أخذ الراية وإنها لتنضح دماً من دماء من قتله بها النعمان قبل أن يقتل ، فهزم الله المشركين وفتح على المسلمين ، وبايع الناس لحذيفة بن اليمان » .
وفي صحيح ابن حبان : 11 / 68 : « فلما حضرت الصلاة وهبت الأرواح كبر وكبرنا وقال : ريح الفتح والله إن شاء الله ، وإني لأرجو أن يستجيب الله لي وأن يفتح علينا ، فهز اللواء فتيسروا ثم هزه الثانية ثم هزه الثالثة ، فحملنا جميعاً كل قوم على من يليهم . . فوالله ما علمت من المسلمين أحداً يحب أن يرجع إلى أهله حتى يقتل أو يظفر ، وثبتوا لنا فلم نسمع إلا وقع الحديد على الحديد ، حتى أصيب في المسلمين مصابة عظيمة ، فلما رأوا صبرنا ورأونا لا نريد أن نرجع انهزموا ، فجعل يقع الرجل فيقع عليه سبعة في قران ( مقترنون بالسلاسل ) فيقتلون جميعاً ، وجعل يعقرهم حسك الحديد خلفهم ، فقال النعمان : قدموا اللواء فجعلنا نقدم اللواء فنقتلهم ونضربهم ، فلما رأى النعمان أن الله قد استجاب له ورأي الفتح ، جاءته نشابة فأصابت خاصرته فقتلته ، فجاء أخوه معقل بن مقرن فسجى عليه ثوباً وأخذ اللواء فتقدم به ، ثم قال : تقدموا رحمكم الله فجعلنا نتقدم فنهزمهم ونقتلهم ، فلما فرغنا واجتمع الناس قالوا : أين الأمير فقال معقل : هذا أميركم قد أقر الله عينه بالفتح ، وختم له بالشهادة ، فبايع الناس حذيفة » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 281 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي الأخبار الطوال للدينوري / 134 : « وحملوا ، فانتقضت صفوف الأعاجم ، وكان النعمان أول قتيل ، فحمله أخوه سويد بن مقرن إلى فسطاطه ، فخلع ثيابه فلبسها وتقلد سيفه وركب فرسه ، فلم يشك أكثر الناس أنه النعمان ، وثبتوا يقاتلون عدوهم ثم أنزل الله نصره ، وانهزمت الأعاجم فذهبت على وجوهها ، حتى صاروا إلى قرية من نهاوند على فرسخين تسمى دزيزيد فنزلوها لأن حصن نهاوند لم يسعهم ، وأقبل حذيفة بن اليمان ، وقد كان تولى الأمر بعد النعمان ، حتى أناخ عليهم ، فحاصرهم بها .
قال : وإنهم خرجوا ذات يوم مستعدين للحرب ، فقاتلهم المسلمون فانهزمت الأعاجم ، وانقطع عظيم من عظمائهم يسمى دينار ، فحال المسلمون بينه وبين الدخول إلى الحصن ، واتبعه رجل من عبس يسمى سماك بن عبيد ، فقتل قوماً كانوا معه واستسلم له الفارس ، فاستأسره سماك فقال لسماك : انطلق بي إلى أميركم فإني صاحب هذه الكورة ، لأصالحه على هذه الأرض وأفتح له باب الحصن ، فانطلق به إلى حذيفة فصالحه حذيفة عليها وكتب له بذلك كتاباً . فأقبل دينار حتى وقف على باب حصن نهاوند ، ونادى من فيه : افتحوا باب الحصن وانزلوا فقد آمنكم الأمير وصالحني على أرضكم ، فنزلوا إليه . فبذلك سميت ماه دينار .
وأقبل رجل من أشراف تلك البلاد إلى السائب بن الأقرع ، وكان على المغانم ، فقال له : أتصالحني على ضياعي وتؤمنني على أموالي ، حتى أدلك على كنز لا يدرى ما قدره ، فيكون خالصاً لأميركم الأعظم لأنه شئ لم يؤخذ في الغنيمة . .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 282 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فقال له السائب : إن كنت صادقا فأنت آمن على أولادك وضياعك وأهلك وولدك ، فانطلق به حتى استخرجه في سفطين : أحدهما التاج والآخر الحلي .
فلما قسم السائب الغنائم بين من حضر القتال ، وفرغ حمل السفطين في خرجين على ناقته ، وقدم بهما على عمر بن الخطاب فكان من أمرهما الخبر المشهور ، اشتراهما عمرو بن الحارث بعطاء المقاتلة والذرية جميعاً ، ثم حملهما إلى الحيرة فباع بفضل كثير ، واعتقد بذلك أموالاً بالعراق » . أي اشترى عقارات .
وفي الثقات لابن حبان : 2 / 212 : « فجمع السائب بن الأقرع الغنائم كأنها الآكام فجاءه دهقان من دهاقينهم فقال : هل لك أن تؤمنني على دمى ودم أهل بيتي ودم كل ذي رحم لي ، وأدلك على كنز عظيم . قال : نعم . قال : خذوا المكاتل والمعاول فامشوا ، فمشوا معه حتى انتهى إلى مكان قال : إحفروا فحفروا فإذا هم بصخرة . قال : إقلعوها فقلعوا فإذا هم بسفطين من فصوص يضئ ضوءها كأنها شهب تتلألأ ، فأعطى السائب كل ذي حق حقه من الغنائم ، وحمل السفطين حتى قدم بهما على عمر » .
قال ابن الأعثم : 2 / 303 : « ثم حمل النعمان وحمل الناس معه فاختلطوا واقتتلوا ، وذهب النعمان ليحمل على رجل من الأعاجم ، فحمل عليه رجل منهم فطعنه طعنة في خاصرته ، فسقط النعمان قتيلاً رحمة الله عليه . قال : وجالت الخيل ونظر رجل من المسلمين إلى النعمان قتيلاً إلى عمامة كانت على رأسه ، فأخذها فضرب بها على وجه النعمان لكيلا ينظر المسلمون إلى وجه النعمان فيفشلوا عن القتال . قال : وتقدم معقل أخو النعمان فرفع الراية للمسلمين ثم حمل ، فلم يزل يقاتل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 283 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
حتى قتل رحمة الله عليه . قال : وتقدم أخوهما الأصغر واسمه سويد بن مقرن ، قال : وجعل سويد بن مقرن يقاتل حتى أثخن بالجراحات ولم يقتل ، فرجع بالراية فدفعها إلى حذيفة بن اليمان ، قال : فأخذها حذيفة فرفعها للمسلمين ثم قال : إني حامل ، وحمل حذيفة وحمل الناس معه ، فاقتتلوا قتالاً شديداً يومهم ذلك إلى أن جاء الليل ، فحجز بينهم . .
فلما أصبح القوم زحف بعضهم إلى بعض ، وتقدم رجل من الأساورة على فرس له لا ينال من طوله حتى وقف بين الجمعين ثم نادى : يا معشر العرب ، أنا بوذان بن أرديه ، فهلموا إلى البراز ! قال : فلما سمعه الناس وهو يتكلم بالعربية كأنهم هابوه فلم يخرج إليه أحد ، قال : ونظر الفارسي أنه ليس يخرج إليه أحد فحمل على المسلمين حملة فشق الصفوف وخرج من الجانب الآخر ، ثم كر راجعا على المسلمين فخالطهم واستلب منهم رجلاً عن فرسه فجعل يركض به والرجل معلق بيده حتى صار به إلى أصحابه فرمى به إليهم فقتل الرجل ، ثم أقبل بوذان حتى صار إلى الموضع الذي كان فيه بدياً ، قال : فاغتم المسلمون لذلك ، وجعل عمرو بن معد يكرب يرتجز . ثم حمل بوذان على المسلمين ليفعل كفعلته الأولية ، وحمل عليه عمرو بن معد يكرب من ورائه فضربه بالصمصامة ضربة على بيضته ، فقدَّ البيضة والهامة ، ومرت الصمصامة تهوي حتى صارت إلى جوف بوذان فسقط قتيلاً ، فنزل إليه عمرو فسلبه ما كان عليه ، فيقال إنه كان في وسط بوذان منطقة قومت بسبعة آلاف دينار .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 284 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال : ودنت الفُرس حتى تقاربت من صفوف المسلمين في خلق عظيم ، فجعلوا يرمون بالنشاب حتى جرحوا جماعة . . وحملوا على الفرس فكشفوهم ، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة ثم رجعوا إلى مراكزهم » .
وقال ابن الأعثم : 2 / 305 : « وتقدم قائد من قواد نهاوند يقال له هرمزد بن داران في نيف على خمسة آلاف فارس من نخبة الأعاجم حتى وقف بين الجمعين ، فأقبل حذيفة بن اليمان على الناس فقال : أيها المسلمون ، إن هؤلاء الأعاجم ليست معهم نصفة أن يخرج منهم رجل إلى رجل ، وذلك أنه إذا خرج منهم قائد لم يجد بداً من أن يخرج معه كل أصحابه ، وهذا عسكر لجب قد برز إليكم في مثل هذه التعبية من الخيل والجنود والفيلة ، فثقوا بربكم وقاتلوا عن دينكم وصلوا على نبيكم . قال : فكان أول من خرج إلى هرمزد وأصحابه رجلان من قيس عيلان من بني مضر يقال لأحدهما بكير والآخر مالك ، فخرجا على فرسين لهما ثم أقبل أحدهما على الآخر فقال له : يا أخي إعلم أني حامل على هذا الجيش ولست أطلب منهم إلا عميدهم وكبيرهم هرمزد بن داران ، فما الذي ترى ؟ فقال أخوه : أرى أني معك أحمل إذا حملت ومعك أقتل إن قتلت ، ومعك أرجع إن رجعت ، قال : فخرجا جميعاً نحو هرمزد وأصحابه فطعنا في الخيل ساعة حتى فروا هائمين يمنة ويسرة ، ثم إنهما حملا على هرمزد بن داران ، هذا عن يمينه وهذا عن يساره ، فطعناه فسقط إلى الأرض قتيلا ، قال : وتكاثرت الفرس من كل ناحية على هذين الفتيين بكير ومالك فقتلا جميعاً رحمة الله عليهما » .
وفي الأخبار الطوال للدينوري / 138 : « فقال عروة بن زيد الخيل يذكر أيامهم :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 285 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] ألا طرقت رحلي وقد نام صحبتي * بإيوان سيرين المزخرف خَلَّتي
ولو شهدت يومي جلولاء حربنا * ويوم نهاوند المهول استهلت
إذا لرأت ضرب أمري غير خامل * مجيد بطعن الرمح أروع مُصلت
ولما دعوا يا عروة بن مهلهل * ضربت جموع الفرس حتى تولت
دفعت عليهم رحلتي وفوارسي * وجردت سيفي فيهم ثمت التي
وكم من عدو أشوس متمرد * عليه بخيلي في الهياج أظلت
وكم كربة فرجتها وكريهة * شددت لها أزري إلى أن تجلت
وقد أضحت الدنيا لديَّ ذميمة * وسَلَّيْتُ عنها النفس حتى تسلت
وأصبح همي في الجهاد ونيتي * فلله نفس أدبرت وتولت
فلا ثروةُ الدنيا نريد اكتسابها * إلا إنها عن وفرها قد تحلت
وما ذا أرجِّي من كنوزٍ جمعتها * وهذى المنايا شرعاً قد أظلت » .
)
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ]

رواية نداء عمر : يا سارية الجبل

قال محمد بن جرير الطبري ( الشيعي ) في المسترشد / 551 : « ويروون أن عمر نادى سارية بن زنيم ، قال : يا سارية الجبل وعمر بالمدينة وسارية بفارس ، فسمع سارية صوت عمر فانحاز إلى الجبل . وإنما وضعوا هذا الحديث بإزاء حديث رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في جعفر بن أبي طالب حين رفع له بمؤتة حتى نظر إلى معترك جعفر بن أبي طالب ، ثم نعى جعفر إلى الناس وأخبرهم أنه أصيب ، وأصيب بعده زيد بن حارثة ، وأصيب بعد زيد عبد الله بن رواحة رضي الله عنهم .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 286 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فأرادوا مضاهاة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ! بل أرادوا تفضيله على رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فإن كان عمر قويَ على إسماع سارية ، لقد قويَ سارية على إجابة عمر ، وما أعلم أحداً من أهل العقل والمعرفة يفكر في مثل هذا القول » !
وفي الرياض النضرة للمحب الطبري : 2 / 326 : « عن عمر بن الحرث قال : بينا عمر يخطب يوم الجمعة ، إذ ترك الخطبة ونادى : يا سارية الجبل ، مرتين أو ثلاثاً ثم أقبل على خطبته ! فقال ناس من أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : إنه لمجنون ، ترك خطبته ونادى يا سارية الجبل ! فدخل عليه عبد الرحمن بن عوف وكان يبسط عليه فقال : يا أمير المؤمنين تجعل للناس عليك مقالاً ، بينما أنت في خطبتك إذ ناديت يا سارية الجبل ، أي شئ هذا ؟ فقال : والله ما ملكت ذلك حين رأيت سارية وأصحابه يقاتلون عند جبل ، يؤتون منه ممن بين أيديهم ومن خلفهم ، فلم أملك أن قلت : يا سارية الجبل ليلحقوا بالجبل ، فلم تمض أيام حتى جاء رسول بكتابه إن القوم لقونا يوم الجمعة فقاتلناهم من حين صلينا الصبح إلى أن حضرت الجمعة ، وذر حاجب الشمس فسمعنا صوت مناد ينادي الجبل مرتين فلحقنا بالجبل ، فلم نزل قاهرين لعدونا حتى هزمهم الله تعالى » .
وقال ابن تيمية في تفسيره : 2 / 140 ، إن صوت عمر بنفسه لا يصل في هذه المسافة البعيدة ، بل يوصله جنود الله من الجن والملائكة !
وقال السيوطي في تاريخ الخلفاء / 139 : « أخرج البيهقي وأبو نعيم ، كلاهما في دلائل النبوة ، واللالكائي في شرح السنة ، والدير عاقولي في فوائده ، وابن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 287 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأعرابي في كرامات الأولياء ، والخطيب في رواة مالك ، عن نافع عن ابن عمر قال : وجه عمر جيشاً ورأَّس عليهم رجلاً يدعى سارية » .
أقول : ذكر أكثرهم أن ذلك كان في معركة نهاوند يوم الجمعة ، ولم يكن سارية بن زنيم رئيس الجيش وقائده ، ولا قائداً فيها ! فأين مصداقية الخبر ؟ !
ولا كان بين المسلمين والفرس حرب في نهاوند ولا خلفهم جبل ، فقد نص رواة السلطة والمؤرخون أن المسلمين قاتلوهم يوم الأربعاء والخميس ، وأن الفرس انجحروا في خنادقهم يوم الجمعة !
قال الطبري : 3 / 215 : « وأنشب النعمان بعد ما حط الأثقال القتال فاقتتلوا يوم الأربعاء ويوم الخميس والحرب بينهم في ذاك سجال ، في سبع سنين من إمارة عمر في سنة تسعة عشر ، وإنهم انجحروا في خنادقهم يوم الجمعة ، وحصرهم المسلمون فأقاموا عليهم ما شاء الله ، والأعاجم بالخيار لا يخرجون إلا إذا أرادوا الخروج فاشتد ذلك على المسلمين وخافوا أن يطول أمرهم ، حتى إذا كان ذات يوم في جمعة من الجمع تجمع أهل الرأي من المسلمين » .
وقال ابن خلدون : 2 ق 2 / 116 : « ثم أحجروهم في خنادقهم يوم الجمعة وحاصروهم أياما وسئم المسلمون اعتصامهم بالخنادق » .
وفي تجارب الأمم : 1 / 389 : « ولما كان يوم الجمعة انجحروا في خنادقهم وذلك لما رأوا صبرنا أنا لا نبرح العرصة فصبروا معنا » .
فلا يعلم أنه كان بينهم معركة يوم الجمعة ، وحى لو كانت فلم يكن سارية بن زنيم قائداً فيها ، وحتى لو كان فلم يكن وراء المسلمين جبل ولم ينحازوا إلى
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 288 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مكان ، بل كان عدوهم في الخنادق وكانوا يفكرون كيف يستخرجونهم ويجرونهم إلى المواجهة . فأين مصداقية الخبر ؟ !
ويظهر أن علماء السلطة غيروا مكان المعركة وزمانها حتى تصح لعمر وسارية ، قال ابن حجر في الإصابة : 3 / 5 : « وسارية ، ولاه عمر ناحية فارس ، وله يقول يا سارية الجبل . وقال المرزباني : كان سارية مخضرماً . وقال العسكري : روى عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) ولم يلقه ، وذكره ابن حبان في التابعين . وذكر الواقدي وسيف بن عمر أنه كان خليعاً في الجاهلية ، أي لصاً كثير الغازة ، وأنه كان يسبق الفرس عدواً على رجليه ، ثم أسلم وحسن إسلامه ، وأمَّره عمر على جيش وسيره إلى فارس سنة ثلاث وعشرين » .
وقال الذهبي في تاريخه : 3 / 249 : ( وكان عمر قد بعث سارية بن زنيم الدئلي إلى فسا ، ودارا بجرد ، فحاصرهم ) .
فصارت المعركة بعد أربع سنين من نهاوند ، وفي فارس في مكان غير محدد أة في فسا !
وهذا التفاوت يوجب الشك في الخبر ، وقد فنده علماؤنا ، وكتب في ذلك السيد جعفر مرتضى بحثاً وافياً في : الصحيح من سيرة الإمام علي ( عليه السلام ) : 14 / 43 .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 289 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

من أبطال معركة نهاوند وشهدائها :

عمرو بن معدي كرب الزبيدي وآخرون

قال ابن الأعثم في الفتوح : 2 / 303 : « ورجعت إليهم الفرس كأنهم السباع الضارية في جموع لم يروا مثلها قبل ذلك ، فصاح عمرو بن معد يكرب : يا معاشر العرب والموالي ، ويا أهل الإسلام والدين والقرآن ! إنه لا ينبغي لكم أن يكون هؤلاء الأعاجم أصبر منكم على الحرب ، ولا أحرص منكم على الموت ، فتناسوا الأولاد والأزواج ، ولا تجزعوا من القتل فإنه موت الكرام ومنايا الشهداء .
قال : ثم نزل عمرو عن فرسه ونزل معه أبطال بني عمه ، قال : والأعاجم في الآلة والأسلحة وبين أيديهم ثلاثون فيلاً ، على كل فيل منهم جماعة من أساورة الفرس ، قال : ونظر عامة المسلمين إلى عمرو بن معد يكرب وأصحابه ، وقد ترجلوا فنزل الناس وترجلوا ، ثم تقدموا نحو الخيل والفيلة ، فلم يكن إلا ساعة من أول النهار حتى احمرت الأرض من دماء الفرس ، وقتلت الفيلة بأجمعها ، فما أفلت منها واحد .
قال : فتراجعت الفرس إلى ورائها ، وإذا بفيلة أخرى من الفرس قد أقبلت في قريب من عشرة آلاف ، بمطاردها وأعلامها ، وبين أيديهم رجل من قواد كسرى يقال له لرداود بن ادركرد ، وكان من أهل قاشان ، قال فتقدم على فيل له مزين وعلى رأسه تاج له يلمع بالجوهر ، وعن يمينه خمسة فيلة ، وعن يساره كذلك ، على كل فيل منها جماعة من أساورة الفرس .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 290 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال : ونظر إليهم قيس بن هبيرة المرادي ، فلم يكذب أن حمل على ذلك الفيل المزين ، فضرب خرطومه ضربة وقطعه ، ثم تأخر عنه وطعنه في عينه طعنة ، فإذا الفيل تقهقر إلى ورائه حتى أنه مر بساقية فيها ماء فعثر بها وسقط عنه لرداد بن ادركرد . قال : ثم تقدم رجل من شجعان الفرس يقال له مهر بنداد بن رادان بود في قريب من ألف فارس ومهر بنداد يومئذ على فيل مزين ، وعلى رأسه تاج من الذهب مرصع بالجوهر ، وفي يده طبرزين محزق بالذهب ، والفيلة عن يمنه وشماله ، فلما وقف مهر بنداد بين الجمعين في هذا الجيش ضج المسلمون من كل ناحية ، وجعل كل قوم يحبون المبارزة والخروج إلى الحرب ، قال : فتقدم عروة بن زيد الخيل الطائي فقال : يا معشر المسلمين ، إنه ليست منكم قبيلة بحمد الله إلا ولها في هذه الوقعة أثر محمود ، وقد أحببت أن تجعلوا قتال هؤلاء القوم في هذا الوقت إلينا ، فقال عمرو بن معد يكرب والمسلمون : فإنا قد أحببنا ذلك فأخرج عافاك الله وكلأك من ناره . قال : فتقدم عروة بن زيد الخيل الطائي وتقدم معه نيف على ثلاث مائة رجل من بني عمه ، حتى إذا دنا من الفرس حسر عن رأسه ثم كبر وحمل وحملت معه قبائل طئ على مهر بنداد وأصحابه ، فكان مهر بنداد أول من قتل ، ووضع المسلمون السيف في أصحابه وكانوا ألف فارس ، فأفلت منهم خمسون رجلاً أو أقل من ذلك .
قال : ووقع المسلمون في السلب فأخذوا متاعاً كثيراً من دروع وجواشن وبيض ورماح وحجف وأطواق وشنوف وقرطة وأسورة ومناطق ، وحازوا ذلك كله ، قال : وجاء الليل فحجز بين الفريقين .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 291 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فلما كان من غد وذلك في اليوم الرابع من حروبهم ، ثار القوم بعضهم إلى بعض ، وزحف أهل نهاوند في جميع عظيم حتى صافوا المسلمين ، قال : وصف المسلمون صفوفهم كما كانوا يصفونها من قبل ، ودنت الخيل من الخيل والرجال من الرجال فتناوشوا ساعة ، وتقدم مرزبان من مرازبتهم يقال له النوشجان بن بادان على فيل له وقد شهره بالتجافيف المذهبة وصفرة الذهب تلمع على سواد الفيل حتى وقف بين الجمعين ، قال : ونظر إليه عمرو بن معدي كرب فتهيأ للحملة عليه ، ثم أقبل على بني عمه من زبيد فقال : ألا تسمعون ؟ فقالوا : قل يا أبا ثور ! نسمع قولك وننتهي إلى أمرك ، فقال : إني حامل على هذا الفيل وقاصد إليه ، فإن قطعت خرطومه فقد هلك وذاك الذي أريد ، وإن أخطأته ورأيتم الفرس قد حملوا علي وتكاثروا فأعينوني ، فقالوا : نفعل أبا ثور ! فاستخر الله عز وجل وتقدم . قال : فتقدم عمرو نحو الفيل الذي على ظهره النوشجان ، قال : وجعل النوشجان يرميه بالنشاب من فوق الفيل حتى جرحه جراحات كثيرة ، ونظر إليه من كان من بني عمه فخرجوا إليه ليعينوه ، وصاح النوشجان بالفرس فحملوا على عمرو وأصحابه ، فاقتتل القوم وحمل عمرو من بين أيديهم فضرب خرطوم الفيل فقطعه ، وولى الفيل منهزماً ثم سقط ميتاً ، ووضع المسلمون السيف في النوشجان وأصحابه ، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة ، وقتل النوشجان فيمن قتل وانهزم الباقون بشر حالة تكون . . .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 292 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ونادى عمرو بن معدي كرب قال : يا معاشر المسلمين ما أشبه هذا اليوم إلا بيوم القادسية ، فيا معشر بني مذحج ويا فتيان بني زبيد ويا معشر النخع ، إعلموا أن الذكر غداً بالمدينة لمن صبر اليوم ، ألا فاحملوا ولا تفشلوا رحمكم الله .
قال : فما بقي أحد من بني مذحج ولا من النخع ولا من بني زبيد إلا وحمل ، ونظر إليهم عمرو وقد حملوا فحمل معهم ، فاقتتلوا ساعة حتى أزالوا الفرس عن أماكنهم ، وقتلوا منهم بشراً كثيراً .
قال : ثم أقبل جرير بن عبد الله البجلي على الناس فقال : يا معشر المسلمين إنكم قد علمتم بأن أميرنا النعمان بن مقرن قد قتل منذ ثلاثة أيام وهذا الرابع ، وهؤلاء الأعاجم كلما كسرنا لهم جيشاً زحفوا إلينا بجيش هو أعظم منه ، وقد تعلمون أن يزدجرد ملك الأعاجم قاطبة قد صار إلى أصفهان ، ولست آمن أن يبعث إليكم بجيش عظيم فيكون فيه البوار ، وهذه الشمس قد زالت كما ترون فاعلموا أنها لا تغيب إلا ونحن في جوف قلعة نهاوند إن شاء الله . . قال : فقال طليحة بن خويلد الأسدي : والله ما الرأي إلا ما رأيت يا أبا عمرو ولقد قلت قولاً ويجب أن نجعلها واحدة لنا أم علينا ، فإنا لا نطيق كثرة هؤلاء القوم . قال : فقال عمرو بن معد يكرب : ويحك يا طليحة ، لا تقل علينا فإني أرجو أن تكون لنا وقلبي يشهد بذلك ، كما أنه يشهد أني مقتول في هذا اليوم ، ألا وإني حامل فاحملوا معي رحمكم الله ، فوالله لأجهدن أني لا أرجع دون أن أفتح أو أقتل .
قال : ثم نزل عمرو عن فرسه وجعل يستوثق من حزامه وثفره ولببه ، ثم استوى عليه وضرب بيده إلى الصمصامة فجعل يهزها ، قال : ثم كبر عمر وحمل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 293 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وحمل معه فرسان بني مذحج على جموع الأعاجم ، فلما خالطهم عمرو عثر به فرسه فسقط إلى الأرض ، وغار فرسه وأحاطت به الفرس من كل جانب ، فلم يزل يقاتل حتى انكسرت الصمصامة في يده ، ثم ضرب بيده إلى السيف ذي النون فلم يزل يضرب به حتى انكسر في يده ، فعند ذلك علم أنه مقتول ، قال : وجعل المسلمون يحملون على الفرس فيقاتلون وليست لهم بهم طاقة لكثرة جمعهم ، وحمل رجل من الفرس يقال له بهرزاد على عمرو بن معد يكرب فضربه على يافوخه ، فخر عمرو صريعاً ، وتكاثرت عليه الفرس بالسيوف فقطعوه إرباً إرباً ، رحمة الله ورضوانه عليه » .
وفي الإستيعاب : 3 / 1202 : « وقاتل يومئذ حتى كان الفتح وأثبتته الجراحات يومئذ فحُمِل فمات بقرية من قرى نهاوند يقال لها روذة ، فقال بعض شعرائهم :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] لقد غادر الركبان يوم تحمّلوا * بروذة شخصاً لا جباناً ولا غمرا
فقل لزبيد بل لمذحج كلَّها * رزئتم أبا ثور قريع الوغى عمرا » .
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] ونسب ابن حجر هذين البيتين إلى دعبل الخزاعي . ( الإصابة : 4 / 572 ) .
وفي مروج الذهب : 2 / 324 : « وقتل هنالك خلق كثير : منهم النعمان بن مقرن ، وعمرو بن معديكرب ، وغيرهما . وقبورهم إلى هذا الوقت بينة معروفة ، على نحو فرسخ من نهاوند ، فيما بينها وبين الدِّينَورِ » .
« بندسيان : من قرى نهاوند ، بها قبر النعمان بن مقرن ، استشهد هناك يوم نهاوند وهو أمير الجيوش . وقبر عمرو بن معدي كرب الزبيدي فيما يزعم أهلها . والمشهور أن عمرو بن معديكرب مات بروذه قرب الري » . ( معجم البلدان : 1 / 499 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 294 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي أنساب السمعاني : 3 / 136 : « أبو ثور عمرو بن معديكرب الزبيدي شجاع العرب ، استشهد بنهاوند زمن عمر . ومحمية بن جزء الزبيدي ، صاحب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، استعمله على الأخماس » .

قيس بن المكشوح

وهو ابن أخت عمرو بن معدي كرب ، لكنه بجلي حليف بني مراد ، وعمرو زبيدي ، وكانت علاقتهما سيئة بسبب صراع القبيلتين ، وكان قيس مسلماً قبل خاله وأحسن تديناً . وكان النبي ( صلى الله عليه وآله ) يعتمد عليه ، فقد كتب له ليساعد في قتل مدعي النبوة الأسود العنسي ففعل ، وكانت له أدوار بطولية وقيادية في الفتوحات ، وشارك في معركة اليرموك ، وسارع مع هاشم المرقال إلى العراق فحضر القادسية وكان قائد ميسرتها ، وكان قائداً فيما بعدها من معارك .
وهو من كبار أصحاب أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وقد استشهد معه في صفين .
قال الطبري : 3 / 203 : « فسار النعمان ( إلى نهاوند ) ومعه وجوه أصحاب النبي ( صلى الله عليه وآله ) منهم حذيفة بن اليمان ، وعبد الله بن عمر بن الخطاب ، وجرير بن عبد الله البجلي ، والمغيرة بن شعبة ، وعمرو بن معدي كرب الزبيدي ، وطليحة بن خويلد الأسدي ، وقيس بن مكشوح المرادي . . . ثم عبأ كتائبه وخطب الناس فقال : إن أصبت فعليكم حذيفة بن اليمان ، وإن أصيب فعليكم جرير بن عبد الله ، وإن أصيب جرير بن عبد الله فعليكم قيس بن مكشوح ، فوجد المغيرة بن شعبة في نفسه إذ لم يستخلفه » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 295 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي الإستيعاب : 3 / 1299 : « قيس بن المكشوح ، أبو شداد . . . حليف مراد ، وعداده فيهم . . وهو أحد الصحابة الذين شهدوا مع النعمان بن مقرن فتح نهاوند . له ذكر صالح في الفتوحات بالقادسية وغيرها زمن عمر وعثمان ، وهو أحد الذين قتلوا الأسود العنسي ، وهم : قيس بن مكشوح ، وذادويه ، وفيروز الديلمي . .
ثم قتل قيس بن مكشوح بصفين مع علي ( عليه السلام ) ، وكان يومئذ صاحب راية بجيلة وكانت فيه نجدة وبسالة ، وكان قيس شجاعاً فارساً بطلاً شاعراً ، وهو ابن أخت عمرو بن معدي كرب ، وكان يناقضه في الجاهلية ، وكانا في الإسلام متباغضين ، وهو القائل لعمرو بن معدي كرب :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] فلو لاقيتني لاقيت قرناً * وودعت الحبائب بالسلام
لعلك موعدي ببني زبيد * وما قامعت من تلك اللئام
ومثلك قد قرنت له يديه * إلى اللحيين يمشى في الخطام
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] ومن خبره في صفين أن بجيلة قالت له : يا أبا شداد ، خذ رايتنا اليوم فقال : غيري خير لكم . قالوا : ما نريد غيرك . قال : فوالله لئن أعطيتمونيها لا أنتهي بكم دون صاحب الترس المذهب ! قال : وعلى رأس معاوية رجل قائم معه ترس مذهب يستر به معاوية من الشمس ، فقالوا له : إصنع ما شئت .
فأخذ الراية ثم زحف فجعل يطاعنهم حتى انتهى إلى صاحب الترس ، وكان في خيل عظيمة ، فاقتتل الناس هنالك قتالاً شديداً ، وكان على خيل معاوية عبد الرحمن بن خالد بن الوليد ، فشد أبو شداد بسيفه نحو صاحب الترس فعارضه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 296 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
دونه رومي لمعاوية ، فضرب قدم أبى شداد فقطعها ، وضربه قيس فقتله ، وأشرعت إليه الرماح ، فقتل رحمة الله تعالى عليه » .

زيد الخير بن صوحان

في مناقب آل أبي طالب : 1 / 95 : « وذكر ( صلى الله عليه وآله ) زيد بن صوحان فقال : زيد وما زيد ! يسبقه عضو منه إلى الجنة ! فقطعت يده في يوم نهاوند في سبيل الله » .
وفي الطبقات ( 6 / 123 ) أنه رضي الله عنه كان يحدث قبل نهاوند أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) أخبره بأن يده تقطع في سبيل الله ، فشكك الأعرابي فقال له زيد : صدق الله : الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ » .
ثم شارك زيد رضي الله عنه في معركي الجمل الصغرى والكبرى ، فكان مع أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وأبلى بلاء حسناً واستشهد فيها ، قتله عميرة بن يثربي فارس بني ضبة ، وكان عميرة قاضي عثمان على البصرة ( الطبقات : 7 / 149 ) وقَتَل ثلاثة من أصحاب أمير المؤمنين ( عليه السلام ) هم : زيد بن صوحان العبدي ، وعلباء بن الهيثم السدوسي ، وهند بن عمرو بن جدراة الجملي . وأخذ يرتجز ويقول :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] إني لمن أنكرني ابن يثربي * قاتل علباء وهند الجملي
ج
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] ثم ابن صوحان على دين علي . ( أنساب الأشراف / 244 ) .
« وأخذ ابن يثربي برأس الجمل وهو يرتجز . . فناداه عمار : لقد لعمري لُذْتَ بحريز ، وما إليك سبيل ! ( أي احتميت بعائشة وجملها ) فإن كنت صادقاً فأخرج من هذه الكتيبة إليَّ ، فترك الزمام في يد رجل من بني عدي حتى كان بين أصحاب عائشة وأصحاب علي ، فزحم الناس عماراً حتى أقبل إليه فضربه فاتقاه عمار
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 297 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بدرقته فأنتشب سيفه فيها ، فعالجه فلم يخرج ، فخرج عمار إليه لا يملك من نفسه شيئاً ، فأسفَّ عمار لرجليه فقطعهما فوقع على استه » . ( وقعة الجمل للضبي / 162 ) . « ثم أخذ برجله يسحبه حتى انتهى به إلى علي ( عليه السلام ) ) . ( شرح النهج : 1 / 259 ) .
وفي تاريخ دمشق : 43 / 464 : « فبرز له عمار وهو ابن ثلاث وتسعين ، عليه فروة مشدودة الوسط بشريط ، حمائل سيفه نسعة ، فانتقضت ركبتاه فجثى على ركبتيه فأخذه أسيراً ، فأتى به علياً ( عليه السلام ) » .

أبو عثمان النهدي ( عبد الرحمن بن مَلّ )

في سير أعلام النبلاء : 4 / 177 : « عن أبي عثمان النهدي ، قال : أتيت عمر بالبشارة يوم نهاوند . . كان أبو عثمان النهدي يصلي حتى يغشى عليه » .
وقال ابن حبان في الثقات : 5 / 75 : « عبد الرحمن بن مَلّ ، أبو عثمان النهدي من قضاعة أدرك الجاهلية . . غزا في عهد عمر القادسية وجلولاء وتستر ونهاوند وأذربيجان ، وقد قيل مات أبو عثمان النهدي سنة مائة وكان مقيماً بالكوفة ، فلما قتل الحسين بن علي ( عليه السلام ) انتقل منها إلى البصرة وقال : لا أسكن بلد قتل فيها بن بنت النبي ( صلى الله عليه وآله ) ! وكان أبو عثمان يقول بلغت ثلاثين ومائة سنة ، كل شئ منى عرفت فيه النقص ، إلا أملى فإني أراه كما هو » . ومعارف ابن قتيبة / 426 .
« قال لي سلمان الفارسي : أتعرف رامهرمز ؟ قلت : نعم . قال : إني من أهلها . قلت : ما أشد حبك لعلي ! قال : كيف لا أحبه وقد سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول : الناس من أشجار شتى ، وأنا وعلي من شجرة واحدة » . ( أربعون منتجب الدين / 35 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 298 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وروى أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) اعتنق علياً ( عليه السلام ) وأجهش بالبكاء : « قال قلت يا رسول الله ما يبكيك ؟ قال : ضغائن في صدور أقوام لا يبدونها لك إلا من بعدي ! قال قلت يا رسول الله في سلامة من ديني . قال : في سلامة من دينك » ( أبو يعلى : 1 / 427 ، وغيره ) .

طليحة بن خويلد الأسدي

في تاريخ الطبري : 3 / 220 : « أن رجلاً يقال له جعفر بن راشد ، قال لطليحة وهم مقيمون على نهاوند : لقد أخذتنا خلة ، فهل بقي من أعاجيبك شئ تنفعنا به ؟ فقال : كما أنتم حتى أنظر ، فأخذ كساء فتقنع به غير كثير ، ثم قال : البيان البيان ، غنم الدهقان في بستان ، مكان أرونان . فدخلوا البستان فوجدوا الغنم مُسَمَّنة » !
وقد ترجمنا لطليحة في حروب الردة .

وكان اليهود في نهاوند

في مصنف بن أبي شيبة : 8 / 22 ، ودلائل النبوة : 3 / 838 : « عن عبد الله بن سلام قال : شهدت فتح نهاوند . . أصاب المسلمون سبايا من سبايا اليهود ، وأقبل رأس الجالوت يفادي سبايا اليهود ، وأصاب رجل من المسلمين جارية يسرة صبيحة فأتاني فقال : لك أن تمشي معي إلى هذا الإنسان عسى أن يثمن لي بهذه الجارية ، قال : فانطلقت معه فدخل على شيخ مستكبر له ترجمان فقال لترجمانه : سل هذه الجارية هل وقع عليها هذا العربي ؟ قال : ورأيته غار حين رأى حسنها ، فراطنها بلسانه ففهمت الذي قال : فقلت له : أبحت بما في كتابك بسؤالك هذه الجارية على ما وراء ثيابها ! فقال لي : كذبت ما يدريك ما في كتابي . قلت : أنا أعلم بكتابك منك ! قال : من هذا ؟ قالوا : عبد الله بن سلام ، قال : فانصرفت ذلك اليوم ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 299 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال فبعث إلي رسولاً يعزمه ليأتيني ، قال : وبعث إلي بدابة فانطلقت إليه لعمر الله احتساباً رجاء أن يسلم فحبسني عنده ثلاثة أيام أقرأ عليه التوراة ويبكي ، وقلت له إنه والله لهو النبي الذي تجدونه في كتابكم ! فقال : إني لأعرف ما تقول ، قلت : فما يمنعك من الإسلام ؟ فإذا رجل مستكبر راغب في منزلته ، فلم يسلم » .
أقول : كان في ميسان والأهواز يهود ، ويظهر أن حاخامهم رأس الجالوت جاء ليشتري سبايا اليهود . ويدعي ابن سلام أنه التقى به صدفة ، وأنه دعاه إلى الإسلام فلم يقبل منه . وعبد الله بن سلام لا يوثق به .

معارضة عمر بن الخطاب لفتح العراق وإيران

من الثابت عند المحدثين والمؤرخين أن عمر بن الخطاب كان معارضاً لقتال المرتدين ، كما كان عمر مخالفاً لفتح العراق ، ويرى أن المثنى بن حارثة الشيباني قد ورط المسلمين بعملياته لفتح العراق ، وليته لم يفعل !
وقد صرح بذلك مبعوث عمر إلى العراق جرير بن عبد الله البجلي ، عندما اختلف مع المثنى فكتب له ، كما في فتوح ابن الأعثم : 1 / 136 : « أما بعد فقد ورد كتابك عليَّ فقرأته وفهمته ، فأما ما ذكرت أنك الذي أقدمت المهاجرين والأنصار إلى حرب العدو ، فصدقت ، وليتك لم تفعل !
وأما قولك : إن المهاجرين والأنصار لحقوا ببلدهم ، فإنه لما قتل أميرهم لحقوا بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب . وأما ما ذكرت أنك أقمت في نحر العدو فإنك أقمت في بلدك ، وبلدك أحب إليك من غيره » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 300 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لكن رأي عمر تغير أمام الأمر الواقع الذي فرضته موجة الرغبة في الفتوحات في نفوس المسلمين التي أحدثتها البشارات النبوية لهم . فأرسل ابن أبي وقاص والياً على العراق ، وأخذ يمده بالمقاتلين لمعركة القادسية .
وكذلك كان عمر معارضاً لفتح إيران ، فقد غضب على والي البحرين العلاء بن الحضرمي ، لأنه أرسل قوات من البحرين بالسفن وبدأ بفتح إيران ، وقد أمره بالإنسحاب رغم أن قواته وصلت إلى إصطخر وشيراز .
بل حكم عليه عمر بأنه لم يرد الله بعمله ، وأنه عرَّض المسلمين للخطر وأمره بالإنسحاب ، وعاقبه فجعله تحت إمرة سعد بن أبي وقاص الذي يكرهه !
وقد علل عمر معارضته لفتح إيران ، بأن ما في أيدي المسلمين يكفيهم .
قال الطبري : 3 / 176 : « قال عمر : حسبنا لأهل البصرة سوادهم والأهواز . وددت أن بيننا وبين فارس جبلاً من نار ، لا يصلون إلينا منه ولا نصل إليهم . كما قال لأهل الكوفة : وددت أن بينهم وبين الجبل جبلاً من نار ، لا يصلون إلينا منه ولا نصل إليهم . وكان العلاء بن الحضرمي على البحرين أزمان أبي بكر ، فعزله عمر ، وجعل قدامة بن المظعون مكانه » !
وهذا الموقف لعمر تلاحظه طوال خلافته ، وفي كل مراحل فتح إيران ، قبل معركة جلولاء وتستر ونهاوند وبعدها ، بل حتى بعد فتح خراسان !
لكن الواقع الميداني على الأرض فرض نفسه عليه ، وجرت المعارك بخير في العراق فرضي بها عمر ، ومع ذلك كان يؤكد أمره أن لا يتوغلوا داخل إيران !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 301 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد أجاز لنفسه هاشم المرقال الشيعي قائد معركة جلولاء ، التوغل لمطاردة الجيش الفارسي ، فقاد هو وحجر بن عدي وجرير ، فتح حلوان وغيرها .
وفي هذه المدة كان علي ( عليه السلام ) وبعض الصحابة ، خاصة الأحنف بن قيس يعملون لإقناع عمر بخطأ رأيه ، ويُقَوُّون قلبه ، حتى سمح بالإنسياح في إيران على مضض ، وأرسل الأحنف لفتح خراسان ، ومطاردة يزدجرد .
قال الطبري : 3 / 246 : « لما قدم على عمر فتح خراسان قال : لوددت أن بيننا وبينها بحراً من نار ! فقال علي : وما يشتد عليك من فتحها ، فإن ذلك لموضع سرور » .
وفي فتوح ابن الأعثم : 2 / 320 : « كتب إلى أبي موسى : أما بعد فقد ورود عليَّ كتابك يخبرني بما فتح الله على يديك من أرض فارس وكرمان ، وأنك تريد التقدم إلى بلاد خراسان ، فمهلاً أبا موسى في ذلك ، فانظر إذا ورد عليك كتابي هذا ، فول على كل بلد مما فتح الله عز وجل على يديك رجلاً يرتضيه المسلمون ، وارجع إلى البصرة فأقم بها ، وذر عنك خراسان فلا حاجة لنا بها .
يا ابن قيس مالنا ولخراسان وما لخراسان ولنا ؟ ! ولوددت أن بيننا وبين خراسان جبالاً من حديد ، وبحاراً ، وألف سد ، كل سد مثل سد يأجوج ومأجوج .
قال فقال له علي بن أبي طالب كرم الله وجهه : ولم ذلك يا أمير المؤمنين ؟ فقال عمر : لأنها أرض بعدت عنا جداً ، ولا حاجة لنا بها .
فقال علي : فإن كانت قد بعدت عنك خراسان ، فإن لله عز وجل مدينة بخراسان يقال لها مرو ، أسسها ذو القرنين وصلى بها عزير ، أرضها فياحة . .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 302 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم حدثه عن مدن خراسان وما يجري عليها فقال عمر : يا أبا الحسن ! لقد رغبتني في فتح خراسان » !
وقال الطبري : 3 / 135 : « وكتبوا إلى عمر بفتح جلولاء وبنزول القعقاع حلوان ، واستأذنوه في اتباعهم فأبى وقال : لوددت أن بين السواد وبين الجبل سداً لا يخلصون إلينا ولا نخلص إليهم ! حسبنا من الريف السواد . إني آثرت سلامة المسلمين على الأنفال » .
وقال ابن مسكويه في تجارب الأمم : 1 / 364 : « وكوتب عمر بفتح جلولاء ونزول القعقاع حلوان واستأذنوه في اتباعهم ، فقال : وددت أن بين السواد وبين الجبل سداً من نار ، لا يخلصون إلينا ولا نخلص إليهم ، حسبنا من الريف السواد » !
وفي تاريخ الطبري : 3 / 182 و 184 ، أن الأحنف شارك في معركة فتح تستر ، وجاء بالهرمزان مع وفد إلى عمر ، وقال له : « يا أمير المؤمنين إنك نهيتنا عن الإنسياح في البلاد ، وأمرتنا بالإقتصار على ما في أيدينا ، وإن مَلِك فارس حيٌّ بين أظهرهم ، وإنهم لا يزالون يساجلوننا ما دام مَلكهم فيهم ، ولم يجتمع ملكان فاتفقا حتى يخرج أحدهما صاحبه ، وقد رأيت أنا لم نأخذ شيئاً بعد شئ إلا بانبعاثهم ، وأن ملكهم هو الذي يبعثهم ، ولا يزال هذا دأبهم حتى يأذن لنا في السيح في بلادهم ، حتى نزيله عن فارس ونخرجه من مملكته وعز أمته ، فهنالك ينقطع رجاء أهل فارس ويربطوا جأشاً . فقال صدقتني والله وشرحت لي الأمر عن حقه ، ونظر في حوائجهم وسرحهم وقدم الكتاب على عمر باجتماع أهل نهاوند ، وانتهاء أهل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 303 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مهرجان قذق وأهل كور الأهواز إلى رأي الهرمزان ومشيئته ، فذلك كان سبب إذن عمر لهم في الإنسياح » .
فلاحظ هذه النصوص التي تروي تشدد عمر في منع المسلمين من فتح إيران ، من سنة خمسة عشر حتى سنة إحدى وعشرين ، حيث بعث الأحنف !
لذلك لا يصح القول إن عمر قد فتح العراق وإيران ، بل يجب القول إن المسلمين فتحوها بفعل الموجة النبوية والبشارة النبوية لهم ، وقد رضخ عمر للأمر الواقع .
كما يجب القول إن علياً ( عليه السلام ) والأحنف بن قيس كانا أول المحرضين على فتح إيران .

الأحنف بن قيس رائد فتح خراسان

روى الطبري : 3 / 188 ، أن البعض : « قالوا أذن عمر في الإنسياح سنة سبعة عشر في بلاد فارس وانتهى في ذلك إلى رأي الأحنف بن قيس وعرف فضله وصدقه ، وفرق الأمراء والجنود ، وأمَّر على أهل البصرة أمراء ، وأمر على أهل الكوفة أمراء ، وأمر هؤلاء وهؤلاء بأمره ، وأذن لهم في الإنسياح سنة سبع عشرة فساحوا في سنة ثمان عشرة . . . فخرجوا في سنة سبع عشرة فعسكروا ليخرجوا إلى هذه الكور ، فلم يستتب مسيرهم حتى دخلت سنة ثمان عشرة » .
والصحيح ما قاله الطبري : 3 / 244 : « وفي هذه السنة ( إحدى وعشرين ) غزا الأحنف بن قيس في قول بعضهم خراسان ، وحارب يزدجرد . . .
فلما دنا الأحنف من مرو الشاهجان خرج منها يزدجرد نحو مرو الروذ ، حتى نزلها ، ونزل الأحنف مرو الشاهجان ، وكتب يزدجرد وهو بمرو الروذ إلى
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 304 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
خاقان يستمده ، وكتب إلى ملك الصغد يستمده ، فخرج رسولاه نحو خاقان وملك الصغد ، وكتب إلى ملك الصين يستعينه .
وخرج الأحنف من مرو الشاهجان ، واستخلف عليها حارثة بن النعمان الباهلي ، بعد ما لحقت به أمداد أهل الكوفة ، على أربعة أمراء : علقمة بن النضر النضري ، وربعي بن عامر التميمي ، وعبد الله بن أبي عقيل الثقفي ، وابن أم غزال الهمداني . وخرج سائراً نحو مرو الروذ ، حتى إذا بلغ ذلك يزدجرد خرج إلى بلخ ( في أفغانستان ) ونزل الأحنف مرو الروذ ، وقدم أهل الكوفة فساروا إلى بلخ ، وأتبعهم الأحنف فالتقى أهل الكوفة ويزدجرد ببلخ ، فهزم الله يزدجرد ، وتوجه في أهل فارس إلى النهر ، فعبر ولحق الأحنف بأهل الكوفة ، وقد فتح الله عليهم . فبلخ من فتوح أهل الكوفة .
وتتابع أهل خراسان ممن شذ أو تحصن على الصلح فيما بين نيسابور إلى طخارستان ، ممن كان في مملكة كسرى . . وعاد الأحنف إلى مرو الروذ فنزلها ، واستخلف على طخارستان ربعي بن عامر . .
وكتب الأحنف إلى عمر بفتح خراسان فقال : لوددت أني لم أكن بعثت إليها جنداً ، ولوددت أنه كان بيننا وبينها بحر من نار ! فقال علي : ولمَ يا أمير المؤمنين ؟ قال لأن أهلها سينقضون منها ثلاث مرات فيحتاجون في الثالثة ، فقال : أن يكون ذلك بأهلها ، أحب إلي من أن يكون بالمسلمين . . .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 305 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وكتب عمر إلى الأحنف : أما بعد فلا تجوزن النهر واقتصر على ما دونه ، وقد عرفتم بأي شئ دخلتم على خراسان ، فداوموا على الذي دخلتم به خراسان يدم لكم النصر ، وإياكم أن تعبروا فتنفضوا .
ولما بلغ رسولا يزدجرد خاقان وغوزك ، لم يستتب لهما إنجاده حتى عبر إليهما النهر مهزوماً ، وقد استتب فأنجده خاقان والملوك ترى على أنفسها إنجاد الملوك ، فأقبل في الترك وحشر أهل فرغانة والصغد ، ثم خرج بهم وخرج يزدجرد راجعاً إلى خراسان حتى عبر إلى بلخ ، وعبر معه خاقان ، فأرز أهل الكوفة إلى مرو الروذ إلى الأحنف ، وخرج المشركون من بلخ حتى نزلوا على الأحنف بمروالروذ ، وكان الأحنف حين بلغه عبور خاقان والصغد نهر بلخ غازياً له ، خرج في عسكره ليلاً يتسمع هل يسمع برأي ينتفع به ، فمر برجلين ينقيان علفاً ، إما تبناً وإما شعيراً ، وأحدهما يقول لصاحبه لو أن الأمير أسندنا إلى هذا الجبل فكان النهر بيننا وبين عدونا خندقاً ، وكان الجبل في ظهورنا من أن نؤتى من خلفنا ، وكان قتالنا من وجه واحد رجوت أن ينصرنا الله .
فرجع واجتزأ بها وكان في ليلة مظلمة ، فلما أصبح جمع الناس ثم قال : إنكم قليل وإن عدوكم كثير ، فلا يهولنكم ، فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله ، والله مع الصابرين . إرتحلوا من مكانكم هذا فأسندوا إلى هذا الجيل ، فاجعلوه في ظهوركم واجعلوا النهر بينكم وبين عدوكم ، وقاتلوهم من وجه واحد ، ففعلوا ، وقد أعدوا ما يصلحهم ، وهو في عشرة آلاف من أهل البصرة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 306 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأهل الكوفة نحو منهم . وأقبلت الترك ومن أجلبت حتى نزلوا بهم فكانوا يغادرونهم ويراوحونهم ، ويتنحون عنهم بالليل ما شاء الله .
وطلب الأحنف علم مكانهم بالليل فخرج ليلة بعد ما علم علمهم طليعة لأصحابه ، حتى كان قريباً من عسكر خاقان فوقف ، فلما كان في وجه الصبح خرج فارس من الترك بطوقه وضرب بطبله ، ثم وقف من العسكر موقفاً يقفه مثله ، فحمل عليه الأحنف فاختلفا طعنتين فطعنه الأحنف فقتله . . ثم انصرف الأحنف إلى عسكره ، ولم يعلم بذلك أحد منهم ، حتى دخله واستعد . وكان من شيمة الترك أنهم لا يخرجون حتى يخرج ثلاثة من فرسانهم كهؤلاء كلهم يضرب بطبله ، ثم يخرجون بعد خروج الثالث فخرجت الترك ليلتئذ بعد الثالث فأتوا على فرسانهم مقتلين ، فتشاءم خاقان وتطير ، فقال قد طال مقامنا وقد أصيب هؤلاء القوم بمكان لم يصب بمثله قط ! مالنا في قتال هؤلاء القوم من خير ، فانصرفوا بنا . فكان وجوههم راجعين وارتفع النهار للمسلمين ولا يرون شيئاً ، وأتاهم الخبر بانصراف خاقان إلى بلخ ، وقد كان يزدجرد بن شهريار بن كسرى ترك خاقان بمرو الروذ وخرج إلى مرو الشاهجان ، فتحصن منه حارثة بن النعمان ومن معه فحصرهم واستخرج خزائنه من موضعها ، وخاقان ببلخ مقيم .
فقال المسلمون للأحنف : ما ترى في اتباعهم ؟ فقال : أقيموا بمكانكم ودعوهم . ولما جمع يزدجرد ما كان في يديه مما وضع بمرو فأعجل عنه ، وأراد أن يستقل به منها ، إذ هو أمر عظيم من خزائن أهل فارس ، وأراد اللحاق بخاقان فقال له
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 307 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أهل فارس : أي شئ تريد أن تصنع ؟ فقال : أريد اللحاق بخاقان فأكون معه أو بالصين . فقالوا له : مهلاً فإن هذا رأى سوء ، إنك إنما تأتي قوماً في مملكتهم وتدع أرضك وقومك ، ولكن ارجع بنا إلى هؤلاء القوم فنصالحهم فإنهم أوفياء وأهل دين وهم يلون بلادنا ، وإن عدواً يلينا في بلادنا أحب إلينا مملكة عدو يلينا في بلاده ، ولا دين لهم ولا ندري ما وفاؤهم !
فأبى عليهم وأبو عليه فقالوا : فدع خزائننا نردها إلى بلادنا ومن يليها ولا نخرجها من بلادنا إلى غيرها ، فأبى فقالوا : فإنا لا ندعك !
فاعتزلوا وتركوه في حاشيته ، فاقتتلوا فهزموه وأخذوا الخزائن واستولوا عليها ونكبوه ، وكتبوا إلى الأحنف بالخبر فاعترضهم المسلمون ، والمشركون بمرو يصافّونه فقاتلوه وأصابوه في آخر القوم ، وأعجلوه عن الأثقال ومضى موائلاً حتى قطع النهر إلى فرغانة والترك ، فلم يزل مقيماً زمان عمر كله يكاتبهم ويكاتبونه . .
وأقبل أهل فارس على الأحنف فصالحوه وعاقدوه ، ودفعوا إليه تلك الخزائن والأموال ، وتراجعوا إلى بلدانهم وأموالهم على أفضل ما كانوا في زمان الأكاسرة ، فكانوا كأنما هم في ملكهم إلا أن المسلمين أوفى لهم وأعدل عليهم ، فاغتبطوا وغبطوا . وأصاب الفارس يوم يزدجرد كسهم الفارس يوم القادسية . . . وأقبل الأحنف حتى نزل بلخ ، ونزل أهل الكوفة في كورها الأربع ، ثم رجع إلى مرو الروذ فنزل بها ، وكتب بفتح خاقان ويزدجرد إلى عمر ، وبعث إليه بالأخماس ، ووفَّد إليه الوفود . . .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 308 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولما وقع الرسول بالفتح والوفد بالخبر ومعهم الغنائم ، بعمر بن الخطاب من قبل الأحنف ، جمع الناس وخطبهم وأمر بكتاب الفتح فقرئ عليهم ، فقال في خطبته : فالحمد لله الذي أنجز وعده ونصر جنده ، ألا إن الله قد أهلك ملك المجوسية وفرق شملهم ، فليسوا يملكون من بلادهم شبراً يضر بمسلم . ألا وإن الله قد أورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأبناءهم لينظر كيف تعملون » .
قال البلاذري : 2 / 503 : « جمع أهل طخارستان للمسلمين فاجتمع أهل الجوزجان والطالقان والفارياب ومن حولهم ، فبلغوا ثلاثين ألفاً . . وخرج ليلاً فسمع أهل خباء يتحدثون ورجلاً يقول : الرأي للأمير أن يسير إليهم فيناجزهم حيث لقبهم . فقال رجل يوقد تحت خزيره أو يعجن : ليس هذا برأي ! ولكن الرأي أن ينزل بين المرغاب والجبل ، فيكون المرغاب عن يمينه والجبل عن يساره ، فلا يلقى من عدوه وإن كثروا إلا مثل عدة أصحابه . فرأى ذلك صواباً ففعله . وهو في خمسة آلاف من المسلمين : أربعة آلاف من العرب وألف من مسلمي العجم ، فالتقوا ، وهز رايته وحمل وحملوا ، فقصد ملك الصغانيان للأحنف فأهوى له بالرمح ، فانتزع الأحنف الرمح من يده ، وقاتل قتالاً شديداً فقتل ثلاثة ممن معهم الطبول منهم ، كان يقصد قصد صاحب الطبل فيقتله ، ثم إن الله ضرب وجوه الكفار ، فقتلهم المسلمون قتالاً ذريعاً . .
وقال : يا بني تميم ، تحابوا وتباذلوا تعتدل أموركم ، وابدؤوا بجهاد بطونكم وفروجكم يصلح لكم دينكم ، ولا تَغُلُّوا يسلم لكم جهادكم . . ثم كروا فهزموا الكفرة ، وفتحوا الجوزجان عنوة » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 309 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي فتوح البلاذري : 3 / 502 : « ووجه عبد الله بن عامر الأحنف بن قيس نحو طخارستان ، فأتى الموضع الذي يقال له قصر الأحنف ، وهو حصن من مرو الروذ ، وله رستاق عظيم يعرف برستاق الأحنف . . فحصر أهله فصالحوه على ثلاث مئة ألف ، فقال الأحنف : أصالحكم على أن يدخل رجل منا القصر فيؤذن فيه ويقيم فيكم حتى انصرف فرضوا . ومضى الأحنف إلى مرو الروذ فحصر أهلها ، وقاتلوه قتالاً شديداً فهزمهم المسلمون فاضطروهم إلى حصنهم . وكان المرزبان من ولد باذام صاحب اليمن أو ذا قرابة له ، فكتب إلى الأحنف : إنه دعاني إلى الصلح إسلام باذام . فصالحه على ستين ألفاً » .
وفي فتوح البلاذري : 3 / 503 : « وفتح الأحنف الطالقان صلحاً ، وفتح الفارياب » .
وفي فتوح ابن الأعثم : 2 / 340 : « ذكر فتح مرو الروذ وبلخ على يد الأحنف بن قيس . . . فاستدعى عبد الله بن عامر الأحنف بن قيس وقال له : يا أبا بحر ، لقد اقترب موسم الحج ، وإني عازم على أداء هذه الفريضة ، وإني أعرف أحوال رجال العرب الذين هم معي ، ولكنني اخترتك للنيابة عني في إمارة خراسان فيجب عليك أن ترعى شؤون الإمارة وأحوال الناس بأحسن وجه ممكن ، كما هو معهود فيك من الكفاءة وحسن السيرة . ثم جمع عبد الله الأموال وانطلق نحو الحج . وإذ علم أهل مرو والطالقان بعودة عبد الله بن عامر ، اجتمعوا وأعدوا ثلاثين ألف مقاتل ، فاتصل الخبر بالأحنف فجمع قواته واستعد للحرب وتوجه نحو الذين نقضوا العهد ، ونزل في مكان يبعد فرسخين اثنين عن مرو الروذ حيث يعرف بقصر الأحنف ، وأما جيش مرو الروذ والطالقان
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 310 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فقد اتجهوا إلى الميدان للحرب ، ولما التقى الجيشان حمل عليهم الأحنف بن قيس مع جماعته وهم يكبرون ، وقد تمكن الأحنف من إصابة ثلاثة من القواد ، أصحاب الاعلام برمحه ، ولما رأى الكفرة ذلك انهزموا لا يلوون على شئ فتعقبهم المسلمون يقتلونهم ويأسرون منهم وقد غنموا غنائم ، فما كان من الأحنف إلا أن حمد الله تعالى على هذا الفتح المبين .
ثم انطلق إلى بلخ ونزل على إحدى بواباتها وأقام معسكرا هناك ، ولما رأى ملك بلخ جيش المسلمين على تلك الحال ، امتلأ قلبه رعباً فأرسل إلى الأحنف شخصاً يطلب الصلح فأجابه الأحنف إلى ذلك وصالحه على أربع مائة ألف درهم نقداً وكل عام يدفع مئة ألف درهم ، وخمس مائة حمل من القمح ، وأخرى من الشعير . قال : وجعل الأحنف يفتح بلداً بلداً ، ورستاقاً رستاقاً ، ويدور ما قدر عليه من بلاد خراسان ، ويجبي أموالها ويحمل خمس ذلك إلى عثمان بن عفان . قال : فكان الأحنف على طوائف خراسان مما كان دون نهر بلخ وعبد الرحمن بن سمرة ببلاد سجستان » .
وفي فتوح البلاذري : 2 / 383 : « ووجه عمر بن الخطاب عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي إلى إصبهان سنة ثلاث وعشرين . . ففتح عبد الله بن بديل جي صلحاً بعد قتال على أن يؤدى أهلها الخراج والجزية ، وعلى أن يؤمنوا على أنفسهم وأموالهم ، خلا ما في أيديهم من السلاح . ووجه عبد الله بن بديل الأحنف بن قيس وكان في جيشه ، إلى اليهودية ( قرب أصفهان ) فصالحه أهلها على مثل ذلك
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 311 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الصلح . . . وأصح الأخبار أن أبا موسى فتح قم وقاشان ، وأن عبد الله بن بديل فتح جي واليهودية » .
وفي معجم البلدان : 4 / 397 : « قُم : بالضم وتشديد الميم ، وهي كلمة فارسية . . وهي مدينة مستحدثة إسلامية لا أثر للأعاجم فيها ، وأول من مصرها طلحة بن الأحوص الأشعري . . قال البلاذري : لما انصرف أبو موسى من نهاوند إلى الأهواز فاستقراها ثم أتى قم فأقام عليها أياماً وافتتحها ، وقيل : وجه الأحنف بن قيس فافتتحها عنوة وذلك في سنة 23 للهجرة .
وذكر بعضهم أن قم بين أصبهان وساوة ، وهي كبيرة حسنة طيبة وأهلها كلهم شيعة إمامية ، وكان بدء تمصيرها في أيام الحجاج بن يوسف سنة 83 ، وذلك أن عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس ، كان أمير سجستان من جهة الحجاج ثم خرج عليه وكان في عسكره سبعة عشر نفساً من علماء التابعين من العراقيين ، فلما انهزم ابن الأشعث ورجع إلى كابل منهزماً ، كان في جملته إخوة يقال لهم : عبد الله والأحوص وعبد الرحمن وإسحاق ونعيم ، وهم بنو سعد بن مالك بن عامر الأشعري ، وقعوا إلى ناحية قم ، وكان هناك سبع قرى اسم إحداها كمندان . . واستوطنوها واجتمع إليهم بنو عمهم ، وصارت السبع قرى سبع محال بها ، وسميت باسم إحداها وهي كمندان ، فأسقطوا بعض حروفها فسميت بتعريبهم قماً ، وكان متقدم هؤلاء الإخوة عبد الله بن سعد ، وكان له ولد قد ربي بالكوفة فانتقل منها إلى قم ، وكان إمامياً فهو الذي نقل التشيع إلى أهلها فلا يوجد بها سني قط .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 312 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ومن ظريف ما يحكى : أنه وليَ عليهم والٍ وكان سنياً متشدداً فبلغه عنهم أنهم لبغضهم الصحابة الكرام ، لا يوجد فيهم من اسمه أبو بكر قط ولا عمر ، فجمعهم يوماً وقال لرؤسائهم : بلغني أنكم تبغضون صحابة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وأنكم لبغضكم إياهم لا تسمون أولادكم بأسمائهم ، وأنا أقسم بالله العظيم لئن لم تجيئوني برجل منكم اسمه أبو بكر أو عمر ، ويثبت عندي أنه اسمه ، لأفعلن بكم ولأصنعن ! فاستمهلوه ثلاثة أيام وفتشوا مدينتهم واجتهدوا ، فلم يروا إلا رجلاً صعلوكاً حافياً عارياً أحول ، أقبح خلق الله منظراً اسمه أبو بكر ، لأن أباه كان غريباً استوطنها فسماه بذلك ، فجاؤوا به ، فشتمهم وقال : جئتموني بأقبح خلق الله تتنادرون علي ، وأمر بصفعهم ! فقال له بعض ظرفائهم : أيها الأمير إصنع ما شئت ، فإن هواء قم لا يجئ منه من اسمه أبو بكر أحسن صورة من هذا ! فغلبه الضحك وعفا عنهم » .

ملاحظات على دور الأحنف في فتح إيران

1 . لاحظت أن عمر بن الخطاب كان كارهاً لفتح إيران وخاصة خراسان ومطاردة يزدجرد ، وأنه رضي بذلك على مضض بسبب ضغط المسلمين عليه . وأن علياً ( عليه السلام ) والأحنف بن قيس كان له دور في إقناع عمر ، ثم كان الأحنف وزملاؤه من شيعة علي ( عليه السلام ) أهم القادة الميدانيين في فتح إيران !
ومن الملفت أن أول قادة فتح خراسان المؤثرين كان الأحنف بن قيس ، وآخرهم كان عبد الله بن جعدة بن هبيرة المخزومي ، وهو ابن أم هاني أخت
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 313 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وقد أرسله ( عليه السلام ) بعد معركة الجمل ، لاستكمال فتح خراسان وتثبيت ما فتح منها .
2 . نلاحظ أن الأحنف عمل في فتح إيران وأفغانستان أكثر من خمسة عشر عاماً من سنة 21 ، وعلى قول سنة 17 من خلافة عمر وعثمان . فهو الذي بدأ فتحها وطارد الشاه وهزمه ، وهو الذي أعاد إخضاع مدن عديدة ، نقضت الصلح مع المسلمين . ثم كان نائباً لوالي خراسان الأموي ابن عامر الذي نصبه عثمان والياً .
3 . تحدثت المصادر عن قادة كان لهم أدوار مهمة في حركة الفتوحات الإسلامية في إيران وغيرها ، وهم من شخصيات شيعة علي ( عليه السلام ) وقد استشهد عدد منهم فيما بعد معه ( عليه السلام ) في حرب الجمل أو صفين ، كآل ورقاء الخزاعيين ، وآل مقرن ، والأحنف واحد من هؤلاء القادة الأبطال .
4 . كان الأحنف الرئيس العام لبني تميم ، وكان معه كثرة منهم في جنود الفتح . وقد استوطن بعضهم خراسان ولم يرجع إلى بلاده . وقد رأيت طالب علم في قم المشرفة يتكلم بلغة عربية ضعيفة ، فسألته : من أين أنت ؟ قال : من خراسان ، تميمي ، فسألته : وهل يوجد في خراسان تميميون ؟ قال : نعم يوجد خمس قرى عربية غالبها من بني تميم ، وهم يتكلمون الفارسية ، وبعضهم يتكلم بلغة عربية ضعيفة . ونحن هناك من عصر الفتح الإسلامي .
وأمامي كتاب : قبيلة بني تميم ودورها في تاريخ الإسلام وإيران . باللغة الفارسية ، وهو رسالة ماجستير من جامعة أصفهان ، للكاتبة مريم سعيديان جزي ، نشرته المكتبة التخصصية في تاريخ إيران والإسلام .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 314 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وهو دراسة شاملة موثقة ، لدور الأحنف بن قيس وبني تميم في حركة فتح إيران ، في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ( عليه السلام ) ، ثم في العهد الأموي .
5 . ورد في نصوص الفتوحات اسم قم ، وأن أهلها شاركوا في تحشيد الفرس لجيوشهم في نهاوند ، وأن يزدجرد هرب إليها ، وأن الأحنف بن قيس فتحها ، ويشكل ذلك لأن تلك الأحداث كانت قبل سنة أربعين ، وقم تأسست بعدها ، فكيف يرد اسمها قبل تأسيسها ؟
والجواب : أن المؤرخين ذكروا أن اسم قم عرَّبه الأشعريون من اسم « كمندان » وهو اسم قرية من سبع قرى كانت مكان قم وحولها . وذكرت بعض المصادر أن أصل كمندان من « كوم » وهو بيت الراعي ، وأنها تأسست في عهد الفيشداديين من ملوك إيران القدماء ، فعربها الأشعريون إلى قم .
وذكر المؤرخون والمحدثون أن تمصير قم كان عام 83 عندما ثار عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث على الحجاج وعبد الملك بن مروان ، وكان معه عشرات الألوف من قراء الكوفة وجنودها وشخصياتها ، فهزمه الحجاج في دير الجماجم وتشرد أنصاره ومنهم أبناء سعد بن مالك بن عامر الأشعري الخمسة : عبد الله والأحوص وعبد الرحمن وإسحاق ونعيم ، فسكنوا كمندان وسموها قماً .
وعلى هذا يكون اسم قم الذي ورد في الفتوحات يعني كمندان ، وعبَّر عنه الرواة بقم ، وهم يقصدون المنطقة التي سميت فيما بعد بقم .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 315 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
على أن رواية تأسيس قم سنة 83 ، مرسلة ، تفرد بها الإخسيكثي المتوفى 520 في كتابه ، كما نص السمعاني ( 4 / 543 ) . كما أني لم أجد أن أبناء سعد بن مالك كانوا مع ابن الأشعث . وبحث ذلك خارج عن غرضنا .
6 . يضحك الإنسان عندما يرى أن الشاب الغرير ، عبد الله بن عامر بن كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس ، صار والياً لعثمان على خراسان ، وأن الأحنف بن قيس يعمل تحت إمرته ، وهو الشيخ الكبير صاحب الشخصية المميزة والقائد الميداني ، وكذا كبار قادة الفتوحات !
فكل رأس مال ابن كريز أنه أموي ! « فلما استخلف عثمان بن عفان ولى عبد الله بن عامر بن كريز البصرة في سنة ثمان وعشرين ، ويقال في سنة تسع وعشرين ، وهو ابن خمس وعشرين سنة » . ( البلاذري : 3 / 499 ) .
وقال ابن الأعثم : 2 / 335 : « في يوم الجمعة حين صعد عبد الله بن عامر بن كريز المنبر لإلقاء الخطبة ورأى حشود المصلين ، اندهش وأُرْتِجَ عليه ، وبدأ كلامه فقال : الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض في ست سنين ! فقام رجل من بني مازن وقال : أصلح الله الأمير : إن كان لا بد لك من أن تذكر في خطبتك مدة خلق السماوات والأرض فإن الله قد خلقها في ستة أيام . فخجل عبد الله ولم ينطق بعد ذلك بكلمة ، ثم نزل وأمر شخصاً آخر أن يلقي الخطبة ، ثم تقدم فصلى بالناس ، وبعد فراغه من الصلاة تقدم منه رجل من قريش وقال له : لو أنك لم تصعد المنبر ولم تتكلم بشئ وكلفت من يخطب بدلاً عنك لكان ذلك أولى
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 316 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
من صعودك المنبر ثم عجزك عن الكلام بعدما رأيت كثرة الناس . فقال عبد الله : صدقت ، بعد اليوم لن تراني على المنبر أبداً » !
7 . ويضحك الإنسان أكثر عندما يقرأ عن سعيد بن عثمان بن عفان ، الذي طمع بالخلافة بعد معاوية ، فدبَّر له معاوية مَقْلباً وأرسله بجيش ليفتح سمرقند فوصل إلى بخارا وكانت مفتوحة ، لكنه هدد ملكها بالحرب ، وصالحهم على ثلاث مئة ألف وقبضها ، وطلب منهم رهائن حتى لا يهاجموه من خلفه ، فأعطوه عشرين شاباً من أبناء الأمراء رهينة ، فأخذهم وذهب بجيشه إلى سمرقند ، وحلف أن لا يرجع حتى يفتحها ويهدم برجها .
فحاصرها فلم يستطع فتحها وجاءه سهم ففقأ عينه ، فطلب من حاكمها أن يمر من وسط المدينة ليبر بيمينه ويقال إنه فتحها ، فرضي بذلك ومرَّ سعيد من وسطها ورمى حجراً نحو برجها ، وبذلك فتحها ! ورجع بجيشه عنها .
وجمع هذا القائد الفاتح في سفرته ثروة كبيرة وعاد إلى المدينة ، ومعه العشرون شاباً من الصغد رهينة ، فأنشأ بستاناً في ضاحية المدينة وشغَّلهم فلاحين فيه ، فاتفقوا عليه يوماً ليقتلوه ، فجاء مروان بن الحكم والي المدينة لنجدته منهم ، لكنه لم يجد مفتاح البستان ، فانتظر على الباب حتى قتلوا سعيداً !
قال ابن عساكر في تاريخ دمشق : 21 / 223 : « كان أهل المدينة عبيدهم ونساؤهم يقولون : والله لا ينالها يزيدُ حتى ينالَ هامَه الحديدُ إن الأمير بعدَهُ سعيدُ
يعنون لا ينال يزيد الخلافة ، والأمير بعد معاوية هو سعيد بن عثمان . . فقدم سعيد على معاوية فقال : يا ابن أخي ما شئ يقوله أهل المدينة ؟ قال : وما يقولون ؟
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 317 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال : قولهم : والله لا ينالها يزيد . . الخ . ! قال : ما تنكر من ذلك يا معاوية ؟ ! والله إن أبي لخير من أبي يزيد ، ولأمي خير من أم يزيد ، ولأنا خير منه ، وقد استعملناك فما عزلناك بعد ، ووصلناك فما قطعناك ، ثم صار في يديك ما قد ترى فحلأتنا عنه أجمع » ! وروى قصته الطويلة . والطبري : 4 / 220 ، والتذكرة الحمدونية / 1497 .
وقال البلاذري : 3 / 508 : « فنزل على باب سمرقند وحلف أن لا يبرح أو يفتحها ويرمى قهندزها » أي قلعتها . وقال اليعقوبي : 2 / 237 : « فحلف ألا يبرح حتى يدخل المدينة ، ففتح له باب المدينة فدخلها ، ورمى القهندز بحجر » !
وقال ابن الأعثم : 4 / 312 : وقَفَلَ ( رجع ) سعيد بن عثمان من بلاد خراسان وقد ملأ يديه من الأموال ، حتى إذا صار إلى المدينة مدينة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) كتب إلى معاوية يستعفيه من ولاية خراسان ، فعلم معاوية أنه استظهر بالأموال فأعفاه » .
وفي أنساب الأشراف / 1508 : « فبينا سعيد في حائط له وقد جعل أولئك السغد فيه يعملون بالمساحي ، إذا أغلقوا باب الحائط ووثبوا عليه فقتلوه ، فجاء مروان بن الحكم يطلب المدخل عليهم فلم يجده ، وقتل السغد أنفسهم ! وتسورت الرجال ففتحوا الباب ، وأخرجوا سعيداً » !
ومع كل هذه الفضيحة فقد أصر علماء السلطة على أن سعيد بن عثمان من القادة الفاتحين الذين فتح الله على يديهم فتوحات عظيمة !
قال ابن عساكر في تاريخه : 21 / 222 : « سعيد بن عثمان بن عفان القرشي المدني ، استعمله معاوية على خراسان ، فغزا سمرقند ، وفتح الله على يديه فتحاً عظيماً ، وأصيبت عينه بها ، وأخذ الرهون » .
وقد ترجمنا لسعيد بن عثمان ، في الذين قتلهم معاوية في جواهر التاريخ : 3 / 334 .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 318 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

عبد الله بن بديل الخزاعي رائد فتح وسط إيران

قال البلاذري في فتوح البلدان : 2 / 383 : « وجه عمر بن الخطاب عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي إلى إصبهان سنة ثلاث وعشرين ، ويقال بل كتب عمر إلى أبى موسى الأشعري يأمره بتوجيهه في جيش إلى إصبهان فوجهه ، ففتح عبد الله بن بديل جِيْ صلحاً بعد قتال ، على أن يؤدى أهلها الخراج والجزية ، وعلى أن يؤمنوا على أنفسهم وأموالهم ، خلا ما في أيديهم من السلاح .
ووجه عبد الله بن بديل الأحنف بن قيس وكان في جيشه إلى اليهودية ، فصالحه أهلها على مثل ذلك الصلح . وغلب ابن بديل على أرض إصبهان وطساسيجها وكان العامل عليها إلى أن مضت من خلافة عثمان سنة ، ثم ولاها عثمان السائب بن الأقرع » .
ومعنى ذلك أن عبد الله عمل أكثر من عشر سنين في فتوح وسط إيران . وعبد الله بن بديل وأبوه وإخوته وأولاده ، من الشيعة المخلصين لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وكانت خزاعة متحالفة مع عبد المطلب رضي الله عنه ، واستمرت على حلفها مع النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، ووفى لها النبي ( صلى الله عليه وآله ) عندما اعتدت عليها كنانة وساعدتها قريش ، فجاء الخزاعيون إلى المدينة يشكون إليه وقال شاعرهم :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] يا رب إني ناشدٌ محمدا * حِلْفَ أبينا وأبيه الأتلدا
قد كنتمُ ولداً وكنا والدا * ثَمَّتَ أسلمنا فلم ننزعْ يدا
إن قريشاً أخلفوك الموعدا * ونقضوا ميثاقَك المؤكدا
وزعموا أن لست أدعو أحدا * وهم أذلُّ وأقلُّ عددا
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 319 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] هم بيَّتونا بالوتير هُجَّدا * وقتلونا رُكَّعاً وسُجَّدا
وجعلوا لي في كداء رصدا * فانصر رسول الله نصراً أيدا
وادعُ عباد الله يأتوا مددا * فيهم رسول الله قد تجردا
إن سِيمَ خسفاً وجهُهُ تربَّدا * في فيلق كالبحر يجري مُزبدا
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] قرمٌ لقرم من قروم أصيدا
فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : حسبك يا عمرو ، ودمعت عيناه . أو قال : نُصرت يا عمرو بن سالم . وتهيأ لفتح مكة . ( جواهر التاريخ : 2 / 601 ) .
وكان بديل وأولاده فرساناً شجعاناً ، وعرف ابنه عبد الله بأنه من قادة العرب ودهاتهم ، فقد روى في الإصابة ( 4 / 19 ) عن الزهري : « دهاة الناس خمسة : فمن قريش معاوية وعمرو . ومن ثقيف المغيرة . ومن الأنصار قيس بن سعد . ومن المهاجرين عبد الله بن بديل بن ورقاء » .
وذكر في الإصابة ( 1 / 408 ) صحبته وصحبة أبيه للنبي ( صلى الله عليه وآله ) وأن أباه توفي قبل النبي ( صلى الله عليه وآله ) وأما عبد الله فاستشهد مع أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بصفين .
قال ابن حجر في الإصابة : 6 / 5 : « وعبد الله بن بديل بن ورقاء ، ومحمد بن بديل بن ورقاء الخزاعيان ، قتلا بصفين ، وهما رسولا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) إلى أهل اليمن » . وبخل رواة السلطة في تفصيل أدوارهم في الفتوح ، لأنهم من شيعة علي ( عليه السلام ) !
قال في معجم البلدان : 4 / 20 : « قال أبو الحسن علي بن محمد المدائني : أول فتوح خراسان الطبسان ، وهما بابا خراسان وقد فتحهما عبد الله بن بديل بن ورقاء » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 320 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال اليعقوبي : 2 / 157 : « وافتتح عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي همذان وأصبهان » .
وقال البلاذري ( 3 / 499 ) : « وجه أبو موسى الأشعري عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي غازياً ، فأتى كرمان ومضى حتى بلغ الطبسين . . ويقال بل توجه عبد الله بن بديل من إصبهان من تلقاء نفسه » .
وختم عبد الله جهاده بنصرة أمير المؤمنين ( عليه السلام ) على البغاة ، وذكر له الرواة مواقف مشرفة ، منها خطبته في صفين التي رواها نصر بن مزاحم .
قال في وقعة صفين / 102 : « ثم قام عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي فقال : يا أمير المؤمنين إن القوم لو كانوا الله يريدون أو لله يعملون ما خالفونا . ولكن القوم إنما يقاتلون فراراً من الأسوة ، وحباً للأثرة ، وضناً بسلطانهم ، وكرهاً لفراق دنياهم التي في أيديهم ، وعلى إحن في أنفسهم ، وعداوة يجدونها في صدورهم ، لوقائع أوقعتها يا أمير المؤمنين بهم قديمة ، قتلت فيها آباءهم وإخوانهم . ثم التفت إلى الناس فقال : فكيف يبايع معاوية علياً وقد قتل أخاه حنظلة ، وخاله الوليد ، وجده عتبة في موقف واحد . والله ما أظن أن يفعلوا ، ولن يستقيموا لكم دون أن تقصد فيهم المران ، وتقطع على هامهم السيوف ، وتنثر حواجبهم بعمد الحديد ، وتكون أمور جمة بين الفريقين . «
وقال ابن الأعثم في الفتوح : 3 / 120 : « وتقدم عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي كالليث المغضب ، فجعل يحمل على ميمنة معاوية مرة ، وعلى ميسرته مرة أخرى ، وليس يظهر له أحد إلا قتله وهو يقول :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 321 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] أضربكم ولا أرى معاوية * الأبرج العين العظيم الحاوية
هوت به في النار أم هاوية * جاوره فيها كلابٌ عاوية
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] قال : فصاح معاوية : ويلكم يا أهل الشام ! هذا أسد من أسود خزاعة ، فاقصدوه بحربكم . قال فأحاط به أهل الشام من كل ناحية ، فلم يزل يقاتلهم حتى قتل منهم جماعة وقتل ( رحمه الله ) فقال معاوية : لله دره ودر أبيه ! أما والله لو استطاعت نساء خزاعة أن تقاتلنا فضلاً عن رجالها ، لفعلت . قال : وتقدم عمرو بن الحمق الخزاعي حتى وقف في ميدان الحرب وهو يقول :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] جزى الله خيراً عصبة أي عصبة * حسان وجوه صرعت نحو هاشم
شقيق وعبد الله فيهم ومعبد * ونبهان وابنا هاشم والمكارم
وعروة لا تبعد فقد كان فارساً * إذا الحرب هاجت بالقنا والصوارم
إذا اختلف الابطال واشتبك القنا * وكان حديث القوم ضرب الجماجم
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] ثم حمل فقاتل أشد القتال ورجع إلى موقفه » .
ويظهر أن العديد من ذرية عبد الله وغيرهم من الخزاعيين سكنوا منذ الفتح في إيران وبعضهم حافظ على لغته ونسبه ، وبعضهم ذاب في مجتمعها الفارسي ، ومنهم من ذرية عبد الله الشاعر دعبل الخزاعي وهو مدفون في مدينة شوش في الأهواز ، ومنهم أبو الفتوح الرازي الخزاعي صاحب التفسير المعروف ، وقد كتبه بالفارسية ، وأخذ منه الكثير منه الفخر الرازي ، ولم يشر إلى المصدر ! ( معالم العلماء / 15 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 322 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

علي ( عليه السلام ) يستكمل في خلافته فتح خراسان

من ظلامات أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أنهم أشاعوا عنه أنه أوقف الفتوحات ، وأن معاوية بن أبي سفيان واصلها ، مع أن الواقع بالعكس تماماً !
قال ابن الأعثم ( 2 / 539 ) : « فنادى علي في الناس فجمعهم ، ثم خطبهم خطبة بليغة وقال : أيها الناس : إن معاوية بن أبي سفيان قد وادع ملك الروم ، وسار إلى صفين في أهل الشام عازماً على حربكم ، فإن غلبتموهم استعانوا عليكم بالروم » وقد صححوا روايته في مسند أحمد : 4 / 111 ، وتفسير ابن كثير : 2 / 333 .
وقال المسعودي في مروج الذهب : 2 / 377 : « وامتنع المسلمون عن الغزو في البحر والبر لشغلهم بالحروب ، وقد كان معاوية صالح ملك الروم على مال يحمله إليه لشغله بعلي ( عليه السلام ) ) .
بل مدحوا معاوية لتقواه في وفائه بعهده للروم ، أما الوفاء لعلي والحسن ( عليهما السلام ) فهو غير واجب ! قال البلاذري : 1 / 188 : « إن الروم صالحت معاوية على أن يؤدى إليهم مالاً ، وارتهن معاوية منهم رهناء فوضعهم ببعلبك . ثم إن الروم غدرت فلم يستحل معاوية والمسلمون قتل من في أيديهم من رهنهم وخلوا سبيلهم وقالوا : وفاء بغدر خير من غدر بغدر » !
بل أفرط بعض علماء السلطة فأفتى بوجوب إطلاق الرهائن ! قال النويري في نهاية الإرب : 6 / 164 ، بعد مدح معاوية : « فإن حاربونا وجب إطلاق رهائنهم وإبلاغ الرجل منهم مأمنهم ، وإيصال النساء والأطفال والذراري إلى أهليهم » !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 323 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أما أمير المؤمنين ( عليه السلام ) فلم يوقف الفتوحات رغم أن أعداءه شغلوه بثلاثة حروب داخلية ، فقد فتح ولاته ( عليه السلام ) مناطق من خراسان وآسيا والهند وإفريقيا ، فأرسل ابن أخته بن جعدة بن هبيرة لإكمال فتح خراسان ، وأرسل من لم يرغب في حرب معاوية إلى ثغور الري والقفقاز ، وأرسل جيشاً من البحرين لفتح مناطق في الهند . قال اليعقوبي في تاريخه : 2 / 183 : « ولما فرغ من حرب أصحاب الجمل ، وجه جعدة بن هبيرة بن أبي وهب المخزومي إلى خراسان » .
وفي شرح النهج : 18 / 308 : « هبيرة بن أبي وهب ، كان من الفرسان المذكورين ، وابنه جعدة بن هبيرة ، وهو ابن أخت علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، أمه أم هاني بنت أبي طالب ، وابنه عبد الله بن جعدة بن هبيرة ، هو الذي فتح القندهار ، وكثيراً من خراسان ، فقال فيه الشاعر :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] لولا ابن جعدةَ لم تُفتح قهندزكم * ولا خراسانُ حتى ينفخ الصور
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] وفي معجم البلدان : 4 / 419 ، وصحاح الجوهري : 1 / 433 : قهندز بالزاي وهو الحصن .
والظاهر أن عبد الله بن جعدة رضي الله عنه فتح بقية خراسان وأفغانستان .
قال الطبري في تاريخه : 4 / 46 : « قال بعث عليٌّ بعد ما رجع من صفين جعدة بن هبيرة المخزومي إلى خراسان فانتهى إلى أبر شهر وقد كفروا ، وامتنعوا فقدم على علي ( عليه السلام ) فبعث خليد بن قرة اليربوعي ، فحاصر أهل نيسابور حتى صالحوه وصالحه أهل مرو ، وأصاب جاريتين من أبناء الملوك نزلتا بأمان ، فبعث بهما إلى علي ، فعرض عليهما الإسلام وأن يزوجهما ، قالتا زوجنا ابنيك فأبى ، فقال له
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 324 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بعض الدهاقين ادفعهما إليَّ فإنه كرامة تكرمني بها ، فدفعهما إليه ، فكانتا عنده يفرش لهما الديباج ويطعمهما في آنية الذهب ، ثم رجعتا إلى خراسان » .
وقال خليفة بن خياط في تاريخه / 143 ، في حوادث سنة 36 : « وفيها ندب الحارث بن مرة العبدي من البحرين ، الناس إلى غزو الهند ، فجاوز مكران إلى بلاد قندابيل ووغل في جبال الفيقان . . » .
وفي فتوح البلدان للبلاذري : 3 / 531 : « فلما كان آخر سنة ثمان وثلاثين وأول سنة تسع وثلاثين في خلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، توجه إلى ذلك الثغر الحارث بن مرة العبدي متطوعاً بإذن علي ( عليه السلام ) ، فظفر وأصاب مغنماً وسبياً ، وقسم في يوم واحد ألف رأس » .
وفي كتاب صفين لنصر بن مزاحم / 115 : « فأجاب علياً ( عليه السلام ) إلى السير والجهاد جل الناس إلا أن أصحاب عبد الله بن مسعود أتوه ، وفيهم عبيدة السلماني وأصحابه ، فقالوا له : إنا نخرج معكم ولا ننزل عسكركم ، ونعسكر على حدةٍ حتى ننظر في أمركم وأمر أهل الشام ، فمن رأيناه أراد ما لا يحل له ، أو بدا منه بغي كنا عليه . فقال على : مرحباً وأهلاً ، هذا هو الفقه في الدين والعلم بالسنة . من لم يرض بهذا فهو جائر خائن .
وأتاه آخرون من أصحاب عبد الله بن مسعود ، فيهم ربيع بن خيثم وهم يومئذ أربع مائة رجل ، فقالوا : يا أمير المؤمنين إنا شككنا في هذا القتال على معرفتنا بفضلك ، ولا غناء بنا ولا بك ولا المسلمين عمن يقاتل العدو ، فولنا بعض
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 325 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الثغور نكون به تم نقاتل عن أهله . فوجهه على على ثغر الري ، فكان أول لواء عقده بالكوفة لواء ربيع بن خيثم .
عن ليث بن سليم قال : دعا عليٌّ باهلة فقال : يا معشر باهلة ، أشهد الله أنكم تبغضوني وأبغضكم ، فخذوا عطاءكم واخرجوا إلى الديلم . وكانوا قد كرهوا أن يخرجوا معه إلى صفين » !
ومما نلاحظه أن خراسان والري وطبرستان ، وغيرها من المدن داخل إيران ، كانت تنقض الصلح باستمرار ، حتى تم إخضاعها في عهد علي ( عليه السلام ) .
والنتيجة : أن القول بأن علياً ( عليه السلام ) أوقف الفتوحات ، وأن معاوية لم يوقفها ، هو بالعكس تماماً ، والغرض منه مدح معاوية وتنقيص علي ( عليه السلام ) .
كما أن القول بأن عمر رائد فتح إيران ، غير صحيح ، لأنه كان أمراً واقعاً فرض نفسه على عمر فرضاً ، وقد عمل علي ( عليه السلام ) لإقناع عمر به !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 326 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

نهاية يزدجرد بن شهريار بن كسرى

عاش الملك يزدجرد بن شهريار بن كسرى بعد معركة نهاوند ، نحو اثنتي عشرة سنة ، كان فيها ملكاً مقاتلاً مشرداً ، يستنهض الفرس لقتال المسلمين فيتحرك بعضهم ويقاتلون معه ، ويكرهه أكثرهم ، ثم غدر به بعضهم وقتلوه !
وكانت مشكلته التكبر على قومه الفرس ، فهو يراهم عبيداً له ويصرح بذلك ، ويعاملهم بغطرسة ، مع أنه مشرد محتاج إليهم !
قال البلاذري في فتوح البلدان : 2 / 387 : « هرب يزدجرد من المدائن إلى حلوان ثم إلى إصبهان . فلما فرغ المسلمون من أمر نهاوند هرب من إصبهان إلى إصطخر . فتوجه عبد الله بن بديل بن ورقاء بعد فتح إصبهان لاتباعه فلم يقدر عليه . ووافى أبو موسى الأشعري إصطخر فرام فتحها فلم يمكنه ذلك ، وعاناها عثمان بن أبي العاص الثقفي ، فلم يقدر عليها .
وقدم عبد الله بن عامر بن كريز البصرة سنة تسع وعشرين ، وقد افتتحت فارس كلها إلا إصطخر وجور ، فهم يزدجرد بأن يأتي طبرستان ، وذلك أن مرزبانها عرض عليه وهو بإصبهان أن يأتيها وأخبره بحصانتها ، ثم بدا له فهرب إلى كرمان ، واتبعه ابن عامر مجاشع بن مسعود السلمي ، وهرم بن حيان العبدي ، فمضى مجاشع فنزل بيمنذ من كرمان ، فأصاب الناس الدَّمَق ( ريح وثلج ) وهلك جيشه فلم ينج إلا القليل ، فسمى القصر قصر مجاشع .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 327 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وكان يزدجرد جلس ذات يوم بكرمان ، فدخل عليه مرزبانها فلم يكلمه تيهاً ! فأمر بجر رجله ، وقال : ما أنت بأهل لولاية قرية فضلاً عن الملك ، ولو علم الله فيك خيراً ، ما صيرك إلى هذه الحال !
فمضى إلى سجستان فأكرمه ملكها وأعظمه ، فلما مضت عليه أيام سأله عن الخراج فتنكر له . فلما رأى يزدجرد ذلك سار إلى خراسان ، فلما صار إلى حد مرو تلقاه ماهويه مرزبانها معظماً مبجلاً ، وقدم عليه نيزك طرخان فحمله وخلع عليه وأكرمه ، فأقام نيزك عنده شهراً ، ثم شخص وكتب إليه يخطب ابنته فأحفظ ذلك يزدجرد ( أغضَبه ) وقال : أكتبوا إليه إنما أنت عبد من عبيدي ، فما جرأك على أن تخطب إليَّ ؟ وأمر بمحاسبة ماهويه مرزبان مرو ، وسأله عن الأموال . فكتب ماهويه إلى نيزك يحرضه عليه ويقول : هذا الذي قدم مفلولاً طريداً ، فمننت عليه ليرد عليه ملكه فكتب إليك بما كتب ، ثم تضافرا على قتله !
وأقبل نيزك في الأتراك حتى نزل الجنابذ فحاربوه ، فتكافأ الترك ثم عادت الدائرة عليه فقتل أصحابه ونهب عسكره . فأتى مدينة مرو فلم يفتح له فنزل عن دابته ومشى حتى دخل بيت طحان على المرغاب ، ويقال إن ماهويه بعث إليه رسله حين بلغه خبره ، فقتلوه في بيت الطحان .
ويقال إنه دس إلى الطحان فأمره بقتله فقتله ، ثم قال : ما ينبغي لقاتل ملك أن يعيش ، فأمر بالطحان فقتل .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 328 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ويقال إن الطحان قدم له طعاماً فأكل ، وأتاه بشراب يشرب فسكر ، فلما كان المساء أخرج تاجه فوضعه على رأسه ، فبصر به الطحان فطمع فيه ، فعمد إلى رحاً فألقاها عليه ، فلما قتله أخذ تاجه وثيابه وألقاه في الماء .
ثم عرف ماهويه خبره فقتل الطحان وأهل بيته وأخذ التاج والثياب .
ويقال إن يزدجرد نذر برسل ماهويه فهرب ونزل الماء ، فطلب من الطحان فقال : قد خرج من بيتي ، فوجدوه في الماء . فقال : خلوا عنى أعطكم منطقتي وخاتمي وتاجي ، فتغيبوا عنه ، وسألهم شيئاً يأكل به خبزاً فأعطاهم بعضهم أربعة دراهم فضحك وقال : لقد قيل لي إنك ستحتاج إلى أربعة دراهم .
ثم إنه هجم عليه بعد ذلك قوم وجههم ماهويه لطلبه فقال : لا تقتلوني واحملوني إلى ملك العرب ، لأصالحه عني وعنكم . فأبوا ذلك وخنقوه بوتَر ، ثم أخذوا ثيابه فجعلت في جراب وألقوا جثته في الماء . ووقع فيروز بن يزدجرد فيما يزعمون إلى الترك فزوجوه وأقام عندهم » .
وعقد الطبري ( 3 / 244 ) فصلاً بعنوان : « ذكر مصير يزدجرد إلى خراسان وما كان السبب في ذلك : اختلف أهل السير في سبب ذلك ، وكيف كان الأمر فيه . . » .
وأورد روايات عن هرب يزدجرد ، وحملة الأحنف بن قيس ( رحمه الله ) على خراسان واشتباكه معه ، ومطاردته له ، وفتحه مناطق مهمة منها . وجاء فيه :
« فلما دنا الأحنف من مرو الشاهجان خرج منها يزدجرد نحو مرو الروذ ، حتى نزلها ونزل الأحنف مرو الشاهجان ، وكتب يزدجرد وهو بمرو الروذ إلى خاقان يستمده ، وكتب إلى ملك الصغد يستمده . . بلغ ذلك يزدجرد خرج إلى
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 329 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بلخ ونزل الأحنف مرو الروذ ، وقدم أهل الكوفة فساروا إلى بلخ ، وأتبعهم الأحنف فالتقى أهل الكوفة ويزدجرد ببلخ فهزم الله يزدجرد ، وتوجه في أهل فارس إلى النهر فعبر ، ولحق الأحنف بأهل الكوفة وقد فتح الله عليهم ، فبلخ من فتوح أهل الكوفة . . . وكتب الأحنف إلى عمر بفتح خراسان فقال : لوددت أني لم أكن بعثت إليها جنداً ، ولوددت أنه كان بيننا وبينها بحر من نار ! فقال علي ( عليه السلام ) : وما يشتد عليك من فتحها ، فإن ذلك لموضع سرور . .
ثم ذكر الطبري نزاع أهل مرو مع يزدجرد ورفضهم أن يحمل خزائنهم وأموالهم : « فاعتزلوا وتركوه في حاشيته ، فاقتتلوا فهزموه وأخذوا الخزائن واستولوا عليها ونكبوه ، وكتبوا إلى الأحنف بالخبر فاعترضهم المسلمون . . وأعجلوه عن الأثقال ومضى حتى قطع النهر إلى فرغانة والترك فلم يزل مقيماً زمان عمر كله يكاتبهم ويكاتبونه ، أو من شاء الله منهم ، فكفر أهل خراسان زمان عثمان .
وأقبل أهل فارس على الأحنف فصالحوه وعاقدوه ودفعوا إليه تلك الخزائن والأموال وتراجعوا إلى بلدانهم وأموالهم على أفضل ما كانوا في زمان الأكاسرة فكانوا كأنما هم في ملكهم إلا أن المسلمين أوفى لهم وأعدل عليهم ، فاغتبطوا وغبطوا . وأصاب الفارس يوم يزدجرد كسهم الفارس يوم القادسية .
ولما خلع أهل خراسان زمان عثمان أقبل يزدجرد حتى نزل بمرو ، فلما اختلف هو ومن معه وأهل خراسان آوى إلى طاحونة فأتوا عليه يأكل فقتلوه ثم رموا به في النهر . . وبلغ ذلك الأحنف فسار من فوره ذلك في الناس إلى بلخ يريد خاقان ويتبع حاشية يزدجرد وأهله . . فلما سمع بما لقي يزدجرد وبخروج المسلمين مع
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 330 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأحنف من مروالروذ نحوه ترك بلخ وعبر النهر ، وأقبل الأحنف حتى نزل بلخ ونزل أهل الكوفة في كورها الأربع ، ثم رجع إلى مرو الروذ فنزل بها وكتب بفتح خاقان ويزدجرد إلى عمر وبعث إليه بالأخماس . . ووفَّد إليه الوفود .
قالوا : ولما عبر خاقان النهر وعبرت معه حاشية آل كسرى نحو بلخ . . مع يزد جرد ، لقوا رسول يزدجرد الذي كان بعث إلى ملك الصين وأهدى إليه معه ، ومعه جواب كتابه من ملك الصين فسألوه عما وراءه ، فقال :
لما قدمت عليه بالكتاب والهدايا كافأنا بما ترون ، وأراهم هديته ، وأجاب يزدجرد فكتب بهذا الكتاب بعد ما كان قال لي : قد عرفت أن حقاً على الملوك إنجاد الملوك على من غلبهم ، فصف لي صفة هؤلاء القوم الذين أخرجوكم من بلادكم ، فإني أراك تذكر قلة منهم وكثرة منكم ، ولا يبلغ أمثال هؤلاء القليل الذين تصف منكم ، فيما أسمع من كثرتكم إلا بخبر عندهم وشر فيكم ! فقلت : سلني عما أحببت . فقال أيوفون بالعهد ؟ قلت : نعم . قال : وما يقولون لكم قبل أن يقاتلوكم ؟ قلت : يدعوننا إلى واحدة من ثلاث ، إما دينهم فإن أجبناهم أجرونا مجراهم ، أو الجزية والمنعة ، أو المنابذة . قال : فكيف طاعتهم أمراءهم . قلت : أطوع قوم لمرشدهم . قال : فما يحلون وما يحرمون ، فأخبرته ، فقال : أيحرمون ما حلل لهم أو يحلون ما حرم عليهم ؟ قلت : لا . قال فإن هؤلاء القوم لا يهلكون أبداً ، حتى يحلوا حرامهم ويحرموا حلالهم . ثم قال : أخبرني عن لباسهم فأخبرته ، وعن مطاياهم فقلت : الخيل العراب ووصفتها . فقال : نعمت الحصون هذه ، ووصفت له الإبل وبروكها وانبعاثها بحملها ، فقال : هذه صفة دواب طوال الأعناق . وكتب إلى يزدجرد : أنه لم يمنعني أن أبعث إليك بجيش أوله بمرو وآخره بالصين الجهالة بما يحق علي ، ولكن هؤلاء القوم الذين
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 331 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وصف لي رسولك صفتهم لو يحاولون الجبال لهدوها ولو خلى لهم سربهم أزالوني ، ما داموا على ما وصف ، فسالمهم وارض منهم بالمساكنة ، ولا تهجهم ما لم يهيجوك » .
وكان قتل يزدجرد في خلافة عثمان سنة 31 للهجرة ، بعد 12 سنة من وقعة نهاوند . .
وفي تاريخ الطبري : 3 / 348 : « وبلغ قتل يزدجرد رجلاً من أهل الأهواز كان مطراناً على مرو يقال له ايلياء ، فجمع من كان قبله من النصارى وقال لهم : إن ملك الفرس قد قتل وهو ابن شهريار بن كسرى ، وإنما شهريار ولد شيرين المؤمنة التي قد عرفتم حقها وإحسانها إلى أهل ملتها من غير وجه ، ولهذا الملك عنصر في النصرانية ، مع ما نال النصارى في ملك جده كسرى من الشرف ، وقبل ذلك في مملكة ملوك من أسلافه من الخير حتى بنى لهم بعض البيع وسدد لهم بعض ملتهم ، فينبغي لنا أن نحزن لقتل هذا الملك من كرامته ، بقدر إحسان أسلافه وجدته شيرين إلى النصارى . وقد رأيت أن أبني له ناووساً وأحمل جثته في كرامة حتى أواريها فيه . فقال النصارى : أمرنا لأمرك أيها المطران تبع ، ونحن لك على رأيك هذا مواطئون . فأمر المطران فبنى في جوف بستان المطارنة بمرو ناووساً ، ومضى بنفسه ومعه نصارى مرو ، حتى استخرج جثة يزدجرد من النهر وكفنها وجعلها في تابوت ، وحمله من كان معه من النصارى على عواتقهم حتى أتوا به الناووس الذي أمر ببنائه له ، وواروه فيه وردموا بابه . فكان ملك يزدجرد عشرين سنة ، منها أربع سنين في دعة وستة عشر سنة في تعب من محاربة العرب إياه وغلظتهم عليه ، وكان آخر ملك من آل أردشير بن بابك . وصفا الملك بعده للعرب » . وروى الطبري ( 3 / 343 ) أن أسقف مرو دفنه في ناووس في إصطخر .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 332 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أقول : سبب انهيار الأمبراطورية الفارسية إرادة الله تعالى ، ودعوة النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، ففي السنة السادسة للهجرة بعث رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) رسالة إلى كسرى ، نصها : « بسم الله الرحمن الرحيم . من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس : سلام على من اتبع الهدى ، وآمن بالله ورسوله ، وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمداً عبده ورسوله . أدعوك بدعاية الله ، فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة لأنذر من كان حياً ، ويحق القول على الكافرين . أسلم تسلم ، فإن أبيت فعليك إثم المجوس » . ( مكاتيب الرسول للأحمدي : 2 / 316 ( .
« فلما وصل إليه الكتاب مزقه واستخف به وقال : من هذا الذي يدعوني إلى دينه ويبدأ باسمه قبل اسمي ! وأرسل إلى باذان عامله على اليمن أن يبعث له بصاحب الكتاب الذي يدعي النبوة ، فبعث باذان بكتاب كسرى إلى النبي ( صلى الله عليه وآله ) مع قهرمانه ( رئيس خدمه ) وبعث معه رجلاً آخر من الفرس ، وكتب معهما إلى رسول الله يأمره أن ينصرف معهما إلى كسرى .
فلما قدما عليه المدينة قالا له : شاهنشاه ( ملك الملوك ) كسرى بعث إلى الملك باذان يأمره أن يبعث إليك من يأتي بك ، وقد بعثنا إليك لتنطلق معنا ، فإن فعلت كتب فيك إلى ملك الملوك بكتاب ينفعك ويكف عنك به ! وإن أبيت فهو من قد علمت ، فهو مهلكك ومهلك قومك ومخرب بلادك !
وكانا دخلا على رسول الله على زي الفرس وقد حلقا لحاهما وأعفيا شواربهما ، فكره النظر إليهما وقال : ويلكما من أمركما بهذا ؟ قالا : أمرنا ربنا يعنيان كسرى ! فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : لكن أمرني ربي بإعفاء لحيتي وقص شاربي ، ثم قال لهما :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 333 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إرجعا حتى تأتياني غداً . وأتى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) الخبر من السماء بأن الله قد سلط على كسرى ابنه فقتله في شهر كذا وكذا ، لكذا وكذا ، في ليلة كذا ، فلما أتاه الرسولان قال : إن ربي قد قتل ربكما ليلة كذا وكذا من شهر كذا وكذا بعد ما مضى من الليل سبع ساعات ! سلط عليه شيرويه فقتله ! وهي ليلة الثلاثاء لعشر ليالٍ مضين من جمادى الأولى سنة سبع . فخرج الرسولان وقدما على باذان وأخبراه الخبر فقال : والله ما هذا كلام ملك وإني لأراه نبياً ، ولننظرن فإن كان ما قال حقاً فإنه لنبي مرسل ، وإن لم يكن فنرى فيه رأينا ، فلم يلبث باذان أن قدم عليه كتاب شيرويه يخبر بقتل كسرى : أما بعد فقد قتلت كسرى ، ولم أقتله إلا غضباً لفارس ، فإنه قتل أشرافهم فتفرق الناس ، فإذا جاءك كتابي فخذ لي الطاعة ممن قبلك ، وانظر الرجل الذي كان كسرى يكتب إليك فيه ، فلا تزعجه حتى يأتيك أمري فيه ! فلما أتاه كتاب شيرويه أسلم وأسلم معه أبناء فارس الذين كانوا باليمن ، فبعث باذان بإسلامه وإسلامهم إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) .
ولما سمعت قريش بأمر كسرى واستخفافه بكتاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وكتابه إلى باذان ليبعثه إلى كسرى أو يقتله ، فرحوا واستبشروا وقالوا قد نصب له كسرى ملك الملوك ، كفيتم الرجل .
ولكن لما سمعوا برجوع الرسولين وقتل كسرى ، وإسلام باذان وأبناء فارس معه ، صار رجاؤهم خيبة وقنوطاً » ! ( مكاتيب الرسول للأحمدي : 2 / 329 ) .
وقال النبي ( صلى الله عليه وآله ) للمسلمين : مزق الله ملكه كما مزق كتابي ، أما إنه ستمزقون ملكه ! وبعث إليَّ بتراب ، أما إنكم ستملكون أرضه » ( مناقب آل أبي طالب : 1 / 70 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 334 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقوله ( صلى الله عليه وآله ) : مزق الله ملكه ، إخبار وليس إنشاءً ودعاءً ، فقد دعا عليه ، وأخبره الله باستجابة دعائه ، وبما سيجري على كسرى ونظامه ، فأخبر به المسلمين .
ودعاؤه ( صلى الله عليه وآله ) على كسرى ونظامه يدل على أنه لا يريد الدعاء على شعبه ، بل ورد أن الله تعالى أراد إدخال الفرس في الإسلام ، فروى البخاري وأحمد وأبو داود أن الفرس سيدخلون في الإسلام كرهاً ، ثم يحسن إسلامهم ، فهم كمن يقادون إلى الجنة بالسلاسل ! ( كشف الخفاء : 2 / 55 ) . وفي مسند الشاميين : 1 / 421 : « قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) إني لأرى أمماً تقاد بالسلاسل من النار إلى الجنة » . وروينا بمعناه .
فالغضب الإلهي على كسرى ونظامه كان لمصلحة الفرس والمسلمين معاً ، والإرادة الإلهية والدعوة النبوية وراء كل ما حدث لكسرى ونظامه في سنين قليلة ، حيث سقط من أوج عظمته وانتصاراته على الروم ، إلى حضيض لا يحسد أحد عليه ، وكان آخره حفيده المشرد يزدجرد ، ونهايته البائسة !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 335 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

صورة كلية لفتح فلسطين وبلاد الشام

1 . كان أول جيش أرسله أبو بكر لفتح الشام جيش خالد بن سعيد بن العاص من ستة آلاف أو نحوها ، وفي نصف الطريق عزله أبو بكر وعيَّن مكانه يزيد بن أبي سفيان . فرجع خالد إلى المدينة ، ثم خرج مع جيش شرحبيل بن حسنة ، وكان عدد جيشه بضعة آلاف أيضاً .
ثم أرسل أبو بكر عمرو العاص بثلاثة آلاف إلى وادي العربة بفلسطين . ثم أمر خالد بن الوليد فذهب من العراق إلى الشام بجيش صغير يبلغ بضع مئات .
قال البلاذري في الفتوح : 1 / 128 : « لما فرغ أبو بكر من أمر أهل الردة رأى توجيه الجيوش إلى الشام ، فكتب إلى أهل مكة والطائف واليمن ، وجميع العرب بنجد والحجاز ، يستنفرهم للجهاد ويرغبهم فيه وفى غنائم الروم ، فسارع الناس إليه من بين محتسب وطامع ، وأتوا المدينة من كل أوب .
فعقد ثلاثة ألوية لثلاثة رجال : خالد بن سعيد بن العاص بن أمية ، وشرحبيل بن حسنة حليف بنى جمح . . وعمرو بن العاص بن وائل السهمي .
وكان عقد هذه الألوية يوم الخميس لمستهل صفر سنة ثلاث عشرة ، وذلك بعد مقام الجيوش معسكرين بالجرف المحرم كله ، وأبو عبيدة بن الجراح يصلي بهم ، وكان أبو بكر أراد أبا عبيدة أن يعقد له فاستعفاه من ذلك . وقد روى قوم أنه عقد له وليس ذلك بثبت ، ولكن عمر ولاه الشام كله حين استخلف .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 336 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وذكر أبو مخنف أن أبا بكر قال للأمراء : إن اجتمعتم على قتال فأميركم أبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح الفهري ، وإلا فيزيد بن أبي سفيان .
وذكر أن عمرو بن العاص إنما كان مدداً للمسلمين وأميراً على من ضم إليه . قال : ولما عقد أبو بكر لخالد بن سعيد كره عمر ذلك فكلم أبا بكر في عزله وقال إنه رجل فخور يحمل أمره على المغالبة والتعصب . . . فدفعه أبو بكر إلى يزيد بن أبي سفيان . . . وسار خالد بن سعيد محتسباً في جيش شرحبيل .
وأمر أبو بكر عمرو بن العاص أن يسلك طريق أيلة عامداً لفلسطين ، وأمر يزيد أن يسلك طريق تبوك ، وكتب إلى شرحبيل أن يسلك أيضاً طريق تبوك . وكان العقد لكل أمير في بدء الأمر على ثلاثة آلاف رجل ، فلم يزل أبو بكر يتبعهم الأمداد حتى صار مع كل أمير سبعة آلاف وخمس مئة ، ثم تتام جمعهم بعد ذلك أربعة وعشرين ألفاً » .

كانت أول معارك المسلمين في غزة

2 . كانت أول معركة للمسلمين مع الروم في غزة قادها أبو أمامة الباهلي ( رحمه الله ) قال البلاذري : 1 / 130 : « فأول وقعة كانت بين المسلمين وعدوهم بقرية من قرى غزة يقال لها دائن ، كانت بينهم وبين بطريق غزة ، فاقتتلوا فيها قتالاً شديداً ، ثم إن الله تعالى أظهر أولياءه وهزم أعداءه وفض جمعهم ، وذلك قبل قدوم خالد بن الوليد الشام . وتوجه يزيد بن أبي سفيان في طلب ذلك البطريق فبلغه أن بالعربة من أرض فلسطين جمعاً للروم ، فوجه إليهم أبا أمامة الصديّ بن عجلان الباهلي ، فأوقع بهم وقتل عظيمهم ، ثم انصرف .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 337 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
روى أبو مخنف في يوم العربة أن ستة قواد من قواد الروم نزلوا العربة ، في ثلاثة آلاف ، فسار إليهم أبو أمامة في كثف من المسلمين فهزمهم وقتل أحد القواد ، ثم اتبعهم فصاروا إلى الدبية وهي الدابية ، فهزمهم وغنم المسلمون غنماً حسناً . .
كانت أول وقائع المسلمين وقعة العربة ولم يقاتلوا قبل ذلك مذ فصلوا من الحجاز . ولم يمروا بشئ من الأرض فيما بين الحجاز وموضع هذه الوقعة إلا غلبوا عليه بغير حرب ، وصار في أيديهم » .
وفي تاريخ الطبري : 2 / 601 : « واجتمع الروم جمعاً بالعَرْبَة من أرض فلسطين فوجه إليهم يزيد بن أبي سفيان أبا أمامة الباهلي ففض ذلك الجمع . قالوا : فأول حرب كانت بالشام بعد سرية أسامة ( يقصد جيش أسامة ) بالعربة ، ثم أتوا الداثنة ويقال الداثن فهزمهم أبو أمامة الباهلي ، وقتل بطريقاً منهم » .
وفي تاريخ دمشق : 2 / 82 : « أن أبا بكر كان جهز بعد النبي ( صلى الله عليه وآله ) جيوشاً على بعضها شرحبيل بن حسنة ويزيد بن أبي سفيان وعمرو بن العاص . . وساروا معهم النساء والذرية بالخيل والسلاح ليس معهم حمار ولا شاة ، فأخذوا على طريق فلسطين حتى نزلوا بقرية يقال لها ثادن من قرى غزة ، مما يلي الحجاز فلقيهم بها بطريق من بطارقة الروم ، فأرسل إليهم أن يخرجوا إليه أحد القواد ليكلمه .
قال : فتواكلوا ذلك وقالوا لعمرو بن العاص أنت لذلك فخرج إليه عمرو فرحب به البطريق ومتَّ إليه بقرابة العيص بن إسحاق بن إبراهيم من إسماعيل بن إبراهيم ، وقال : ما الذي جاء بكم ، فقد كانت الآباء اقتسمت الأرض فصار
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 338 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لكم ما يليكم وصار لنا ما يلينا ، وقد عرفنا أنكم إنما أخرجكم من بلادكم الجهد وسنأمر لكم بمعروف وتنصرفون .
فقال عمرو : أما القرابة فهي على ما ذكرت . وأما القسمة فإنها كانت قسمة شططاً علينا ، فنحن نريد أن نترادَّ ، فتكون قسمة معتدلة لنأخذ نصف ما في أيديكم من الأنهار والعمارة ونعطيكم نصف ما في أيدينا من الشوك والحجارة .
وأما ما ذكرت من الجهد الذي أخرجنا فإنا قدمنا فوجدنا في هذه البلاد شجرة يقال لها الحنطة ، فذقنا منها طعاماً لا نفارقكم حتى نصيركم عبيداً أو تقتلونا تحت أصول هذه الشجرة . قال فالتفت إلى أصحابه فقال صدقوا ، وافترقا .
فاقتتلوا فكانت بينهم معركة انصرف القوم على حامية ومضى المسلمون في آثارهم حتى طووهم عن فلسطين والأردن ، إلا ما كان من إيليا وقيسارية تحصن فيها أناس فتركوهم ومضوا إلى ناحية البثنية ودمشق » .
وإن صحت هذه الرواية فإن منطق عمرو العاص ليس فيه ذكر للدافع الإسلامي في الغزو ، بل الدافع الذي ذكره الطمع المادي لا غير !
3 . طمسوا دور أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه ، وهو من قادة الفتح الأبطال ، وهو صحابي جليل وثقه عند الجميع ، وكان قائداً في فتح الشام ، وفي العراق ، ففي تاريخ دمشق : 21 / 463 ، قال عن القائد سلمان بن ربيعة الباهلي : « غزا الشام مع أبي أمامة الصدي بن عجلان الباهلي ، فشهد مشاهد المسلمين هناك ، ثم خرج إلى العراق فيمن خرج من المدد إلى القادسية متعجلاً فشهد الوقعة » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 339 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فهذا يدل على أن سلمان بن ربيعة تربى على يد أبي أمامة ، وأنه رجع مع هاشم المرقال بعد اليرموك مسرعاً ليدرك القادسية ، وقد يكون أبو أمامة رجع معهم لكن الظاهر أنه لم يشارك في فتوح العراق وإيران ، بل في فتوح الشام ومصر .
قال ابن عبد البر في الإستيعاب : 4 / 1602 : « اسمه صُدَيُّ بنُ عجلان . . سكن أبو أمامة الباهلي مصر ، ثم انتقل منها إلى حمص فسكنها ومات بها ، وكان من المكثرين في الرواية عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وأكثر حديثه عند الشاميين . توفى سنة إحدى وثمانين ، وقيل سنة ست وثمانين ، وهو آخر من مات بالشام من أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في قول بعضهم » .
وفي تاريخ دمشق : 24 / 56 : « توفي النبي ( صلى الله عليه وآله ) وهو ( أبو أمامة ) ابن ثلاثين سنة » . وفي ( 24 / 74 ) مات سنة إحدى وثمانين . فينبغي أن يكون عمره أكثر من مئة سنة .
وفي فتوح ابن الأعثم : 2 / 351 ، أنه شارك في فتح قبرص ، فكان عبادة بن الصامت أمين الغنائم : « وأعانه عليها أبو الدرداء وأبو أمامة الباهلي ، وغيرهم » .
وفي فتوح الواقدي : 2 / 235 : « عن أبي أمامة وكان من أصحاب الرايات قال : فبينما نحن كذلك إذ بأعلام المشركين قد انتشرت ، وراياتهم قد ظهرت ، وزينتهم وصلبانهم قد ارتفعت ، ولغتهم بالكفر قد طمطمت ، وأفيالهم قد أقبلت ، ورجالهم للقتال قد تبادرت ، فلما رأى المسلمون ذلك أخلصوا نياتهم ولم يَهُلْهُم ما رأوا من عدوهم ، وتضرعوا بالدعاء لخالقهم ، وقد استغاثوا بمالكهم ، وأكثروا من الصلاة على نبيهم ، ولم يزالوا سائرين حتى قربوا من القوم ورأوهم رأي العين ، فعند ذلك أمسك المشركون أعنة خيولهم وسلاسل أفيالهم وألقى
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 340 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الله الرعب في قلوبهم ، ثم خرج منهم بطريق من عظماء بطارقتهم كأنه برج مشيد من ذهب وهو لا يبين منه غير حماليق الحدق وتدوير المآق وبين يديه فارس من متنصرة العرب وهو يصيح بملء فيه : يا معاشر العرب أرسلوا إلى الملك أحداً يكلمه ، فأعلم المسلمون عمراً وخالد بن الوليد بذلك ، فأراد خالد أن يخرج إليه فمنعه الأمراء من ذلك ، فعندها وثب المقداد بن الأسود وحلف لا يخرج إليه إلا هو بنفسه . . قال الواقدي : فعندها ركب المقداد جواده ، وسار حتى وقف بين يدي البطريق وكان ذلك بولص صاحب الكفور الطاغي اللعين بطريق البطليوس ، وقد أتى بإذن الملك والبطارقة ، فلما رآه كلمه بلسان عربي مبين ثم قال : يا بدوي أأنت أمير قومك ؟ قال : لا ، قال : فاني لا أريد إلا الأمير حتى أسأله عما بدا لي لعل أن تكون فيه مصلحة بينكم وبيننا . فقال المقداد : سل عما بدا لك وما تريد ، فإنا قوم إذا فعل أحدنا أمراً وفيه نصح للدين ومصلحة للمسلمين ، لا ينكر عليه ذلك ويجيز له الأمير ما فعل ، فأخبرني عن أمرك وشأنك . . » .
وقال ابن قتيبة في المعارف / 309 : « أبو أمامة الباهلي هو : صُدَيُّ بن عجلان . وكان ممن شهد مع علي صفين ، ونزل بالشام ، وهو ممن يعد فيمن تأخر موته من الصحابة ، وتوفى سنة ست وثمانين ، وهو ابن إحدى وتسعين سنة » .
4 . وسبب إهمالهم له ولكثير من أحاديثه أنها صريحة في التشيع لأهل البيت ( عليهم السلام ) كالذي رواه عنه محمد بن سليمان في مناقب أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : 1 / 545 ، بسنده أنه : « دخل على معاوية بن أبي سفيان فألطفه وأدناه ، ثم دعا بغداء فجعل يطعم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 341 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أبا أمامة بيده ، ثم أوسع رأسه ولحيته طيباً بيده ، ثم أمر له ببدرة دنانير فأتي بها فدفعها إليه ، ثم قال : يا أبا أمامة سألتك بالله ، أنا خير أم علي بن أبي طالب ؟ ! فقال أبو أمامة : والله لا كذبت ، ولو بغير الله سألتني لصدقت ، فكيف وسألتني بالله ! عليٌّ والله خير منك وأكرم وأقدم هجرة ، وأقرب من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قرابة وأشد في المشركين نكاية ، وأعظم على المسلمين منة ، وأعظم غَنَاءً عن الأمة منك ! يا معاوية أتدري ويلك مَن علي ابن عم رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وزوج ابنته فاطمة سيدة نساء العالمين ، وأبو الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة ، وابن أخي حمزة سيد الشهداء ، وأخو جعفر ذي الجناحين الطيار مع الملائكة في الجنة ، فأين تقع أنت من هذا ! يا معاوية ، أوَ ظننت أني سأخيِّرُك على علي بن أبي طالب بإلطافك وإطعامك ومالك ، فأدخل إليك مؤمناً وأخرج عنك كافراً ! ؟
بئس ما سوَّلت لك نفسك يا معاوية ! ثم نفض ثوبه وخرج من عنده . قال : فأتبعه معاوية بالمال فقال : والله لا أرزأ منه ديناراً أبداً » .
وما رواه المفيد في أماليه / 90 : « عن شهر بن حوشب قال : سمعت أبا أمامة الباهلي يقول : والله لا يمنعني مكان معاوية أن أقول الحق في علي : سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول : عليٌّ أفضلكم ، وفي الدين أفقهكم ، وبسنتي أبصركم ، ولكتاب الله أقرؤكم . اللهم إني أحب علياً فأحبَّه ، اللهم إني أحب علياً فأحبه » .
ويشهد له رواية الفردوس : 1 / 370 491 : « أعلم أمتي من بعدي علي بن أبي طالب » .
وما رواه الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل : 2 / 203 : « عن فضال بن جبير : عن أبي أمامة الباهلي قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : إن الله خلق الأنبياء من أشجار شتى
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 342 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وخلقت أنا وعلي من شجرة واحدة ، فأنا أصلها وعلي فرعها ، والحسن والحسين ثمارها ، وأشياعنا أوراقها ، فمن تعلق بغصن من أغصانها نجا ، ومن زاغ هوى ولو أن عبدا عبد الله بين الصفا والمروة ألف عام ثم ألف عام ثم ألف عام حتى يصير كالشن البالي ثم لم يدرك محبتنا أكبه الله على منخريه في النار » .
ورواه في تاريخ دمشق : 41 / 335 ، ولم يعلق عليه ، ورواه في : 42 / 66 ، وقال : « هذا حديث منكر وقد وقع إلينا جزء طالوت بن عباد وبعلو وليس هذا الحديث فيه » .
ومعنى المنكر عندهم ما يلزمهم باتباع أهل البيت ( عليهم السلام ) ، لأنهم يريدون اتباع غيرهم !
وأحاديث أبي أمامة في فضائل أهل بيت النبي ( صلى الله عليه وآله ) ووجوب اتباعهم وطاعتهم كثيرة ، أهملها رواة السلطة كما أهملوا جهاده في فتوح بلاد الشام وفلسطين ومصر . وقد أفلت بعضها لأنه عميق لم يفهمه الرواة والحمد لله ، كحديث لعن النبي ( صلى الله عليه وآله ) من استبدل بأهل بيته غيرهم وتولى غير مواليه ! وهذه اللعنة عقوبة تتناسب مع مسؤولية النبي ( صلى الله عليه وآله ) في التبليغ ، وشهادته على الأمة ، وقد جاءت بصيغة قرار من الله تعالى بلعن أولئك وطردهم من الرحمة الإلهية .
ففي سنن الترمذي : 3 / 293 : « عن أبي أمامة الباهلي قال : سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول في خطبته عام حجة الوداع . . . ومن ادعى إلى غير أبيه ، أو انتمى إلى غير مواليه ، فعليه لعنة الله التابعة إلى يوم القيامة » .
وفي سيرة ابن هشام : 4 / 1024 : « ومن ادعى إلى غير أبيه ، أو تولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً » . والبخاري في صحيحه : 2 / 221 ، و 4 / 67 و أحمد : 4 / 187 و 239 ، والدارمي : 2 / 244 و 344 .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 343 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ومقصوده ( صلى الله عليه وآله ) : أبوته المعنوية للأمة ، وولايته وأهل بيته ( عليهم السلام ) . وقد فسرته بذلك أحاديث . ( بحار الأنوار : 37 / 123 ، وبشارة الإسلام ، والعمدة / 344 ) .
وليس مقصوده ( صلى الله عليه وآله ) أبُوَّة النسب ولا ولاء المالك لعبده ، لأن من ادعى أنه ابنٌ لرجل غير أبيه أو عبدٌ لمالك غير سيده ، لا يكفر ، بل هو عاص وتقبل توبته ، بينما هذا كافرٌ لا تقبل توبته بحال !
5 . أول ما فتح المسلمون في سوريا بصرى الشام ، وفيها دير الراهب بَحِيرا ، ففي تاريخ دمشق : 2 / 105 : « فنهضوا بأهل بصرى ، فما أمسوا ذلك اليوم حتى دعوا إلى الصلح فصالحوهم ، وكتبوا بينهم كتاباً فكانت أول مدينة فتحت من الشام صلحاً . . افتتحت لخمس بقين من شهر ربيع الأول سنة ثلاث عشرة » .
وفي فتوح البلاذري : 1 / 134 : « قالوا : لما قدم خالد بن الوليد على المسلمين بصرى اجتمعوا عليها وأمروا خالداً في حربها ، ثم ألصقوا بها وحاربوا بطريقها حتى ألجأوه وكماة أصحابه إليها . ويقال بل كان يزيد بن أبي سفيان المتقلد لأمر الحرب لأن ولايتها وإمرتها كانت إليه لأنها من دمشق . . ذكر بعض الرواة أن أهل بصرى صالحوا على أن يؤدوا عن كل حالم ديناراً وجريب حنطة . وافتتح المسلمون جميع أرض كورة حوران وغلبوا عليها » .
أقول : بصرى إسكي الشام مدينة صغيرة ، بل بلدة . وقيل اجتمعت عليها جيوش الفاتحين كلها ، ثم انضم إليهم خالد ببضع مئة مقاتل جاؤوا من العراق فأي حاجة إلى هذه القوات في بلدة ليس فيها أي قوة من رومية ، ولا يريد أهلها القتال ! لذلك : « فما أمسوا ذلك اليوم حتى دعوا إلى الصلح فصالحوهم » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 344 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وننبه هنا : إلى أن عامة المعارك المزعومة في الفتوحات ، في الشام وفلسطين ومصر والعراق ، وفي مناطق عديدة من فارس ، إذا لم يكن مقابل المسلمين قوات رومية أو فارسية ، فهي معارك مكذوبة أو مضخمة ، وقد اخترعها رواة السلطة ليثبوا بطولات لمن يحبونهم !
6 . عندما توجهت جيوش الفتح إلى الشام ، هرب هرقل من دمشق إلى حمص ، قال ابن العديم في تاريخ حلب : 1 / 581 : « وقد ذكر سعيد بن البطريق النصراني في تاريخه . . وكان هرقل قد تنحى من دمشق إلى حمص ، فلما سمع هرقل أن المسلمين قد أخذوا فلسطين والأردن وصاروا إلى البثنية ، خرج من حمص إلى مدينة أنطاكية ، ففرض الفروض واستنفر المستعربة من غسان وجذام ولخم وكل من قدر عليه من الأرمن ، وأقام عليهم قائداً من قواده يقال له ماهان ، ووجه بهم إلى دمشق ، وذكر أمر دمشق وفتحها ، وقال : وكل من أفلت من الروم من المقاتلة لحق بهرقل بأنطاكية ، فلما سمع هرقل أن دمشق قد فتحت قال : عليك السلام يا سورية ، ثم سار حتى دخل قسطنطينية » .
أقول : الصحيح أن وداع هرقل لسوريا وهربه إلى القسطنطينية ، كان بعد انتصار المسلمين على جيشه في اليرموك .
7 . حاصر المسلمون دمشق وبعض المدن والقصبات ، فقبلت بالصلح والجزية ولم يكن فيها قتال يذكر ، وتأخرت دمشق في قبول الصلح ، على أمل أن يرسل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 345 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لها هرقل جيشاً . وترك المسلمون حصارها وذهبوا إلى معركة أجنادين في فلسطين قرب مدينة الخليل ، وقيل هي طولكرم ، وانتصروا فيها .
ثم عادوا إلى معركة مرج الصفر بين دمشق والجولان ، ثم رجعوا إلى محاصرة دمشق . ثم توجهوا من حصار دمشق إلى معركة فِحْل حيث تجمعت قوات الروم ، وانتصروا عليهم .
ثم عادوا وفتحوا دمشق صلحاً ، ثم فتحوا حمص ، وبعض المدن والقصبات ، وأخذ الطرفان يستعدان لمعركة اليرموك النهائية .

معركة أجنادين ثأرت لجعفر وحررت فلسطين

8 . كانت معركة تبوك ، وجيش أسامة ، وأجنادين ، ثأراً لجعفر بن أبي طالب ! قال اليعقوبي في تاريخه : 2 / 67 : « سار رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في جمع كثير إلى تبوك من أرض الشأم يطلب بدم جعفر بن أبي طالب ( رحمه الله ) ، ووجه إلى رؤساء القبائل والعشائر يستنفرهم ويرغبهم في الجهاد ، وحض رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أهل الغنى على النفقة ، فأنفقوا نفقات كثيرة ، وقووا الضعفاء » .
وقال ابن خلدون : 2 ق 1 / 224 : « وَجَد النبي ( حَزِنَ ) على من قتل من المسلمين ، ولا كوجده على جعفر بن أبي طالب ، لأنه كان تلاده ، ثم أمر بالناس في السنة التاسعة بعد الفتح وحنين والطائف أن يتهيؤا لغزو الروم ، فكانت غزوة تبوك » .
والمعنى أن حزنه ( صلى الله عليه وآله ) على جعفر كان عميقاً ، لأنه من ذخائره العزيزة .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 346 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وكان شرحبيل بن حسنة وخالد بن سعيد رضي الله عنهما ، يعيشان هذا الهدف لأنهما كانا مهاجرين مع جعفر في الحبشة ، ورأيا مكانته عند النبي ( صلى الله عليه وآله ) وشاركا في جيش تبوك . وعندما سمعا بتجميع هرقل لقواته في أجنادين وهي قرب مؤتة ، استبشرا ، وأرسلا إلى أبي عبيدة ، ويزيد بن أبي سفيان ، وعمرو العاص ، وخالد الذي كان وصل بست مئة من العراق ، وأخبروهم بجمع الروم ، فتوجه الجميع إلى أجنادين .
قال خليفة في تاريخه / 79 : « قال ابن إسحاق : ثم ساروا جميعاً قِبَل فلسطين ، فالتقوا بأجنادين بين الرملة وبين بيت جبريل ، والأمراء كلٌّ على جنده . ويزعم بعض الناس أن عمرو بن العاص كان عليهم جميعاً . وعلى الروم القنقلار ، فقتل القنقلار . وهزم الله المشركين » .
وقال الواقدي : 1 / 48 : « ورد علينا عباد بن سعد الحضرمي ، وكان قد بعثه شرحبيل بن حسنة . . . من بصرى يُعلم خالداً بمسير الروم إليه من أجنادين في تسعين ألف فارس . . وكان القادة أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) متفرقين في سوريا والأردن وفلسطين ، فكتب لهم أبو عبيدة أن يسيروا بقواتهم إلى أجنادين ، وأمر الناس بالرحيل فرفعت القباب والهوادج على ظهور الجمال وساقوا الغنائم والأموال » .
وتقع أجنادين قرب مدينة الخليل ، وقيل في وادي عَجُّور على بُعد 37 كيلو متراً عن الخليل ، وثلاثين كيلو متراً عن الرملة . فهذه المنطقة بما فيها مؤتة ، كانت مركز قوات الروم المدافعة عن القدس .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 347 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد ذكرنا في السيرة النبوية عند أهل البيت ( عليهم السلام ) ، أن هرقل بعد انتصاره على كسرى حج ماشياً إلى القدس ، وكان ينوي غزو المدينة المنورة ويجمع قوات العرب في الشام ودومة الجندل مقدمةً لقوات الروم ، فأراد النبي ( صلى الله عليه وآله ) أن ينقل المعركة إلى بلاد الشام ، فأرسل جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه في السنة الثامنة للهجرة بجيش من ثلاثة آلاف مقاتل ، فاشتبك مع قوات هرقل في مؤتة .
وكانت معركة مؤتة غير متكافئة ، وقد استبسل جعفر بن أبي طالب ورفاقه قادة الجيش حتى استشهدوا وانسحب المسلمون ، لكنهم أوصلوا رسالة بليغة إلى هرقل ، وتبعتها في السنة التالية غزوة تبوك بقيادة النبي نفسه ( صلى الله عليه وآله ) فكانت رسالة أبلغ ، فانسحب هرقل من تبوك إلى حمص ، وراسله النبي ( صلى الله عليه وآله ) فأجابه هرقل بجواب ليِّن ، ليتفادى المواجهة في تلك المرحلة .
ولم تقع مواجهة بين المسلمين والروم بعد تبوك إلا في أجنادين ، وقد انتصر فيها المسلمون وانهزم الروم ، وترتب عليها تحرير فلسطين .
وكان بطل أجنادين خالد بن سعيد ، فقد ثأر فيها لصديقه الحميم جعفر بن أبي طالب شهيد مؤتة ، فقد عاش معه في الحبشة ، وعمل معه في دعوة الروم إلى الإسلام ، وحمل رسالة النبي ( صلى الله عليه وآله ) إلى هرقل .
وقال ابن عساكر في تاريخ دمشق : 16 / 66 : « عن سهل بن سعد الأنصاري قال : كانت وقعة أجنادين وقعة عظيمة . كانت بالشام وكانت في سنة ثلاث عشرة في جمادى الأولى ، فذكر بعض أمرها ، ثم ذكر إغاثة الروم لأهل دمشق حين حصارها ، قال : فتركوا مرج الصُّفَّر فصمد المسلمون صَمْدهم . . . فلما نظر إليهم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 348 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
خالد عبأ لهم كتعبئة يوم أجنادين ، فجعل على ميمنته معاذ بن جبل ، وعلى ميسرته هاشم بن عتبة ، وعلى الخيل سعيد بن زيد بن نفيل ، وترك أبا عبيدة في الرجال » . وقد صحح ابن عساكر سعيد بن زيد بخالد بن سعيد .
وقال البلاذري : 1 / 135 : « ثم كانت وقعة أجنادين وشهدها من الروم زهاء مئة ألف سرَّب هرقل أكثرهم وتجمع باقوهم من النواحي . وهرقل يومئذ مقيم بحمص » .
« واجتمعت الروم بأجنادين ، وعليهم تذارق أخو هرقل لأبويه ، وقيل كان على الروم القبقلار » . ( الكامل : 2 / 417 ) .
9 . ادعى رواة السلطة أن خالد بن الوليد قاد المعركة ، ثم ادعوها لعمرو العاص والصحيح أن كل واحد من القادة الأربعة كان قائداً لجيشه ، والجيش الذي اشتبك هو جيش شرحبيل ، وكان القائد الميداني للمعركة خالد بن سعيد وهاشم المرقال ، ولذلك أعطى القادة بالإجماع قيادة المعركة التالية لخالد بن سعيد . وقد أثبنا ذلك في ترجمته رضي الله عنه .
وفي تاريخ دمشق : 16 / 84 : « وعبأ خالد الناس فسيروا الأثقال والنساء ثم جعل يزيد بن أبي سفيان أمامهم بينهم وبين العدو ، وصار خالد وأبو عبيدة من وراء الناس ، ثم رجعوا نحو الجيش وذلك الجيش خمسون ألفاً .
فلما نظر إليهم خالد بن الوليد نزل فعبأ أصحابه تعبئة القتال على تعبئة أجنادين . ثم زحف إليهم فوقف خالد بن سعيد في مقدمة الناس ، يحرض الناس على القتال ، ويرغبهم في الشهادة » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 349 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فقد تبين أهل الخط الأمامي الذين حققوا النصر ، وأهل الخط الخلفي الذين يقفون وراء الناس ! وقد قال اليعقوبي : 2 / 134 : « وكانت بينهم وبين الروم وقعات بأجنادين صعبة ، في كل ذلك يهزم الله الروم ، وتكون العاقبة للمسلمين » .
10 . كان جيش الروم في أجنادين نحو سبعين ألفاً ، والمسلمين نحو ثلاثين ألفاً ، قال الطبري : 2 / 600 : « ونزلت الروم بثَنِيَّة جُلَّق بأعلى فلسطين ، في سبعين ألفاً ، عليهم تذارق أخو هرقل لأبيه وأمه » .
وفي تاريخ دمشق : 16 / 84 : « وعبأ خالد الناس فسيَّروا الأثقال والنساء ، ثم جعل يزيد بن أبي سفيان أمامهم بينهم وبين العدو ، وصار خالد وأبو عبيدة من وراء الناس ثم رجعوا نحو الجيش ، وذلك الجيش خمسون ألفاً » .
وفي معجم البلدان : 1 / 103 : « وقالت العلماء بأخبار الفتوح : شهد يوم أجنادين مائة ألف من الروم » .
وتبالغ كتب المغازي والفتوحات في أعداد المقاتلين والقتلى والأسرى من العدو وتقلله من المسلمين ، فيحتاج الباحث إلى تخمين ذلك من مجموع الروايات .
وكان قادة فتح الشام أربعة : شرحبيل بن حسنة ، وأبو عبيدة ، ويزيد بن أبي سفيان ، ومع كل واحد منهم نحو سبعة آلاف ، ومع عمرو العاص ثلاثة آلاف . أما خالد بن الوليد فجاء من العراق ببضع مئات .
ولو فرضنا التحاق عدة ألوف بهم ، لكان المجموع نحو ثلاثين ألفاً .
أما جيش الروم ، فقد يكون خمسين أو سبعين ألفاً ، وقد استعمل هرقل نحو هذا العدد في معاركه مع الفرس والمسلمين .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 350 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأما خسائر المسلمين ففي الإستيعاب : 3 / 1083 : « استشهد من المسلمين بأجنادين ثلاثة عشر رجلاً ، منهم عكرمة بن أبي جهل ، وهو ابن اثنتين وستين سنة » .
لكن الذين ذكروا في ترجمتهم أنهم قتلوا في أجنادين أكثر من هذا العدد . ويمكن معرفة عدد الجرحى في أجنادين من معركة مرج الصُّفَّر الشبيهة بها ، حيث قال البلاذري ( 1 / 141 ) : « وجرح من المسلمين زهاء أربعة آلاف » .
فينبغي أن لا يقل عدد الشهداء عن مئة ليتناسب مع الأربعة آلاف جريح .
على أن الذي قلل عدد القتلى هو سرعة هزيمة الروم في أجنادين بسبب قتل القائد الملكي وبقية القادة . لذلك لم يقبل الروم بهذه الهزيمة المفاجئة وأعادوا تنظيم قواتهم بسرعة ، وفتحوا معركة مرج الصُّفَّر بين دمشق والجولان ، فكانت بعد أجنادين بعشرين يوماً .
11 . افتتح معركة أجنادين حفيدان لعبد المطلب ، ثأراً لجعفر بن أبي طالب ، فقد كان الزبير أكبر أبناء عبد المطلب ، وكان وصي أبيه رضي الله عنهما ، وهو صاحب حلف الفضول لنصرة المظلوم وحفظ حرمة الكعبة ، وقد حضره النبي ( صلى الله عليه وآله ) قبل بعثته ، ومدحه وأقره بعد بعثته ، وتوفي الزبير قبل بعثة النبي ( صلى الله عليه وآله ) .
وكان ابنه عبد الله مسلماً ، وكان من الذين ثبتوا مع النبي ( صلى الله عليه وآله ) في حنين .
وذكرت مصادر المغازي أن عبد الله كان أول من برز يوم أجنادين عندما برز بطريق مُعَلَّم ودعا إلى المبارزة ، وكانوا يعطون للفارس الشجاع درجة بطريق ، والمُعَلَّم : الذي عنده درجة في الفروسية ، فبرز إليه عبد الله بن الزبير بن عبد المطلب ، فاختلفا ضربات ثم قتله عبد الله بن الزبير ، ولم يتعرَّض لسلبه مع أنهم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 351 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كانوا يحرصون على سلب هذا النوع من الفرسان ، وقد يختلفون على سلبه إذا اشترك في قتله أكثر من فارس ، لأنه يلبس قلنسوة مُذَهَّبة ، وحزاماً عريضاً مُذهباً ، يسمى مَنطقة . لكن حفيد عبد المطلب رضي الله عنه أعرض عنه ، لأنه رأى بطلاً رومياً آخر جاء يطلب المبارزة فبرز إليه ، فتشاولا بالرمحين ، ثم صارا إلى السيفين ، وكان الرومي مُدَرَّعاً ، فحمل عليه عبد الله فضربه على عاتقه ، وهو يقول : خذها وأنا ابن عبد المطلب ! فشقت ضربته الدرع ، وأسرع السيف في منكب الرومي ، فولى منهزماً ، ثم سقط . وقيل لعبد الله كفاك هذا فلا تقاتل ! فقال : لا أجدني أصبر ، وحمل على الروم وقتل عدداً من فرسانهم .
وبحث عنه المسلمون بعد المعركة فوجدوه مثخناً بالجراح ، في وجهه ثلاثون ضربة سيف ، وحوله عشرة من الروم مجندلين ، ووجدوا سيفه بيده لاصقاً ، فعالجوه حتى نزعوه بعد عناء .
وذكروا أن أمه مخزومية ، وله عدة أخوات ولا عقب له رضي الله عنه وأرضاه . ( الإستيعاب : 3 / 904 ، والإصابة : 4 / 78 ، وتاريخ دمشق : 8 / 138 ) .
أما الحفيد الثاني لعبد المطلب ، الذي برز في أجنادين فهو : طُلَيب بن عمير بن وهب من بنى عبد بن قصي : « أمّه أروى بنت عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف . يكنى أبا عديّ . وعبد بن قصيّ هو أخو عبد الدار بن قصيّ ، وعبد مناف بن قصيّ ، وعبد العزى بن قصيّ بن كلاب . هاجر طُليب بن عمير إلى أرض الحبشة ثم شهد بدراً . . وكان من خيار الصحابة . قال الزبير بن بكار : كان طليب
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 352 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بن عمير بن وهب من المهاجرين الأولين ، وشهد بدراً ، قتل بأجنادين شهيداً ، ليس له عقب . وقال مصعب : قتل يوم اليرموك » . ( الإستيعاب : 2 / 772 ) .
وقال البلاذري ( 1 / 135 ) : « واستشهد يومئذ عبد الله بن الزبير بن عبد المطلب بن هاشم ، وعمرو بن سعيد بن العاص بن أمية ، وأخوه أبان بن سعيد ، وذلك الثبت ، ويقال بل توفي أبان في سنة تسع وعشرين . وطُليب بن عمير بن وهب بن عبد بن قصي ، بارزه علج فضربه ضربة أبانت يده اليمنى ، فسقط سيفه مع كفه ، ثم غشيه الروم فقتلوه » . وذكروا أن عمره كان خمساً وثلاثين ، ولم يعقب .
أقول : قلنا إن هذين الصحابيين كانا يطلبان بدم جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه ، لأن النبي ( صلى الله عليه وآله ) جعل الثأر له هدف غزوة تبوك !
12 . يحتمل أن يكون حفيد ثالث لعبد المطلب في أجنادين هو عبد الله بن جعفر وكان عمره في معركة أجنادين نحو عشرين سنة أو أكثر ، فقد رووا أنه توفي سنة ثمانين وكان عمره تسعين سنة . ( تاريخ دمشق : 27 / 295 ) .
وروى الواقدي في فتوحه : 1 / 98 ، أن عبد الله بن جعفر الطيار خرج من المدينة للجهاد في خلافة عمر ، وقد نبت شعر عارضيه واخضر شاربه ، وأنه زار قبر والده جعفر الطيار في مؤتة ، ثم التحق بجيش أبي عبيدة ، وكان يتحدث عن الثأر لوالده من الروم . ومعناه أنه شارك في فتح الشام بعد معركة أجنادين .
وقد أطال الواقدي في وصف سرية قادها عبد الله من خمس مئة مقاتل ، قصدوا دير القدس من جهة طرابلس الشام ، وقاتلوا الروم عنده وانتصروا . ولم أجد ذكراً لدير بهذا الاسم إلا دير قدس في طريق الحجاز من الشام .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 353 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال الواقدي إن أبا عبيدة كان في المدينة فدعا الناس إلى الشام للجهاد ، فتقدم عبد الله بن جعفر الطيار : « ففرح أبو عبيدة وجعل يندب له رجالاً من المسلمين وفرسان الموحدين وقال له : أنت الأمير يا ابن عم رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وعقد له راية سوداء وسلمها إليه ، وكان على الخيل خمس مائة فارس ، منهم رجال من أهل بدر ، وكان من جملة من سيره مع عبد الله أبو ذر الغفاري ، وعبد الله بن أبي أوفى وعامر بن ربيعة ، وعبد الله بن أنيس ، وعبد الله بن ثعلبة ، وعقبة بن عبد الله السلمي ، وواثلة بن الأسقع ، وسهل بن سعد ، وعبد الله بن بشر ، والسائب بن يزيد ، ومثل هؤلاء السادات » .
ثم وصف الواقدي سرية عبد الله بأسلوب مطول يصف كرامات عبد الله وشجاعته ، جاء فيه عن راهب : « فجعل يتأملنا وينظر في وجوهنا فتفقدنا واحداً بعد واحد ، ثم جعل يطيل النظر في وجه عبد الله ثم قال : أهذا الفتى ابن نبيكم ؟ فقلنا : لا . قال : إن نور النبوة يلوح بين عينيه ، فهل يلحق به ؟ فقلنا : هو ابن عمه . فقال الراهب : هو من الورقة والورقة من الشجرة » .
ثم ذكر ذهاب الصحابي واثلة بن الأسقع لاستطلاع منطقة الروم : « وإذا بصاحب طرابلس قد زوج ابنته ملكاً من ملوك الروم ، وقد أتوا بالجارية إلى الدير ليأخذوا لها من راهبهم قرباناً ، وقد دار بها فرسان الروم المنتصرة في عددهم وعديدهم . . أكثر من عشرين ألفاً من عوام الروم والأرمن والنصارى والقبط واليهود من مصر والشام وأهل السواد والبطارقة والمنتصرة ، وأما المستعدون للحرب فخمسة آلاف فارس . . . فصعب ذلك على عبد الله بن جعفر وعلى
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 354 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
المسلمين وسقط في أيديهم وهموا بالرجوع ، فقال عبد الله بن جعفر : معاشر المسلمين ما الذي تقولون في هذا الأمر ؟ فقالوا : نرى أن لا نلقي بأيدينا إلى التهلكة كما أمر ربنا في كتابه العزيز ، ونرجع إلى الأمير أبي عبيدة والله لا يضيع أجرنا . قال : فلما سمع عبد الله قولهم ، قال : أما أنا فأخاف إن فعلت ذلك أن يكتبني الله من الفارين ، وما أرجع أو أبدي عذراً عند الله تعالى ، فمن ساعدني فقد وقع أجره على الله ومن رجع فلا عتب عليه . فلما سمعوا ذلك من عبد الله بن جعفر أميرهم استحيوا منه وأجابوه بأجمعهم وقالوا : إفعل ما تريد فما ينفع حذر من قدر ، ففرح بإجابتهم ثم عمد إلى درعه فأفرغه عليه ، ووضع على رأسه بيضة وشد وسطه بمنطقة وتقلد بسيف أبيه ، واستوى على متن جواده وأخذ الراية بيده ، وأمر الناس بأخذ الأهبة فلبسوا دروعهم واشتملوا بسلاحهم ، وركبوا خيولهم وقالوا للدليل : سر بنا نحو القوم فستعاين من أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) عجباً .
قال وائلة بن الأسقع : رأيت الدليل قد اصفر وجهه وتغير لونه وقال : سيروا أنتم برأيكم وما عليَّ من أمركم ، وخرج ! قال أبو ذر الغفاري : فرأيت عبد الله بن جعفر يتلطف به حتى سار بين يديه يدله على القوم ساعة ، ثم وقف وقال : أمسكوا عليكم فإنكم قد قربتم من القوم ، فكونوا في مواضعكم كامنين إلى وقت السحر ، ثم أغيروا على القوم .
قال وائلة بن الأسقع : فبتنا ليلتنا حيث أمرنا ونحن نطلب النصر من الله تعالى على الأعداء ، فلما أصبح النهار صلى بهم عبد الله بن جعفر صلاة الصبح ، فلما
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 355 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فرغوا من صلاتهم قال : ما ترون في الغارة ؟ فقال عامر بن عميرة بن ربيعة : أدلكم على أمر تصنعونه ؟ قالوا : قل ، قال : اتركوا القوم في بيعهم وشرائهم وإظهار أمتعتهم ، ثم اكبسوا عليهم على حين غفلة وغرة من أمرهم فصوب الناس رأيه وصبروا إلى وقت قيام السوق ، ثم أظهروا السيوف من أغمادها وأوتروا القسي وشرعوا لاماتهم وعبد الله بن جعفر أمامهم الراية بيده فلما طلعت الشمس عمد عبد الله إلى المسلمين . فجعلهم خمسة كراديس كل كردوس مائة فارس ، وجعل على كل مائة نقيباً ، وقال : تأخذ كل مائة منكم قطراً من أقطار سوقهم ، ولا تشتغلوا بنهب ولا غارة ، ولكن ضعوا السيوف في المفارق والعواتق ، وتقدم عبد الله بن جعفر بالراية وطلع على القوم ، فنظر إلى الروم متفرقين في الأرض كالنمل لكثرتهم . . .
وقال أبو سبرة إبراهيم بن عبد العزيز بن أبي قيس ، وكان من السابقين والمتقدمين بإيمانهم في الإسلام وصاحب الهجرتين جميعاً قال : شهدت قتال الحبشة مع جعفر بن أبي طالب ، وشهدت المشاهد مع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في بدر وفي أحد وفي حنين ، وقلت إني لا أشهد مثلها ، فلما قبض رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) حزنت عليه ، ولم أستطع أن أقيم بالمدينة بعد فقده فقدمت مكة فأقمت بها فعوتبت في منامي من التخلف عن الجهاد ، فخرجت إلى الشام وشهدت أجنادين والشام وسرية خالد خلف توما وهربيس ، وشهدت سرية عبد الله بن جعفر وكنت معه على دير أبي القدس ، فأنستني وقعتها ما شهدت قبلها من الوقائع بين يدي رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وذلك أني نظرت إلى الروم حين حملنا عليهم في كثرتهم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 356 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وعمدهم وقلنا ما ثم غيرهم ، وليس لهم كمين عظيم . قال : فرأينا أجسادهم هائلة وعليهم الدروع ، وما يبين منهم إلا حماليق الحدق ، لهم طقطقة وزمجرة عندما يحملون ، حتى نظرت إلى المسلمين قد غابوا في أوساطهم ولا أسمع منهم إلا الأصوات ، تارة يجهرون بها وتارة أقول هلكوا ! ثم أنظر إلى الراية بيد عبد الله بن جعفر . . . ولم نزل في الحرب والقتال حتى كلت منا السواعد وخدرت المناكب . قال : وعظم الأمر علينا وهالنا الصبر وتثلم سيف عبد الله في يده ، وكادت تقع فرسه من تحته ، فالتجأ بأصحابه في موضع ، فاجتمع أصحابه إليه فنظر المسلمون إلى رايته فقصدوها ، وما منهم إلا مكلوم من المشركين ، فضاق لذلك ذرعه وما نزل به في نفسه مثل ما نزل بالمسلمين ، فألجأ إلى الله تعالى أمره ، وفوض إلى صاحب السماء شأنه ، ورفع يده إلى السماء وقال في دعائه : يا من خلق خلقه وأبلى بعضهم ببعض ، وجعل ذلك محنة لهم أسألك بجاه محمد النبي ( صلى الله عليه وآله ) إلا ما جعلت لنا من أمرنا فرجاً ومخرجاً ، ثم عاد إلى القتال وأصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقاتلون معه تحت رايته ، فلله در أبي ذر الغفاري فإنه نصر ابن عم رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وجاهد بين يديه ، قال عمرو بن ساعدة : فلقد رأيته مع كبر سنه يضرب بسيفه ضرباً شديداً في الروم وينتمي إلى قومه ويذكر عند حملاته اسمه ويقول : أنا أبو ذر ، والمسلمون يفعلون كفعله . .
ثم ذكر مجئ خالد بن الوليد وضرار بن الأزور في سرية لمساعدة سرية عبد الله بن جعفر ، قال : « فلله در أبي ذر الغفاري ، وضرار بن الأزور ، والمسيب بن نجية الفزاري ، لقد قرنوا المواكب وهزوا المضارب وقتلوا الروم من كل جانب
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 357 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والتقى ضرار بعبد الله بن جعفر فنظر إليه والدم على أكمام درعه كأكباد الإبل فقال شكر الله تعالى لك يا ابن عم رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) والله إنك لقد أخذت بثأر أبيك وشفيت غليلك . . » .
ثم ذكر الواقدي أنهم انتصروا وأخذوا الغنائم ، وأعطوا الجارية لعبد الله بن جعفر !
أقول : نقاط الضعف في هذه الرواية وأمثالها كثيرة ، تشير إلى أنها موضوعة من مخيلة الواقدي ، أو الراوي الذي نسبها إلى الواقدي ، فهذه الروايات التي تقوم على المبالغة والأسطورة توجب الشك في نسبة هذه النسخة من المغازي إليه .
كما ورد عند الواقدي اسم حفيد رابع لعبد المطلب هو مسلم بن عقيل ( 2 / 295 ) في فتح دمشق ، فقد يكون شهد معركة أجنادين .

معركة مرج الصُّفَّر ومعركة فِحل

قاد خالد بن سعيد والمرقال ، معركة أجنادين ، ومَرْجَ الصُّفَّر ، وفِحل ونهضا بثقل معاركها ، وحققا النصر للمسلمين ، وكذا في محاصرة دمشق !
قال ابن عساكر في تاريخ دمشق : 16 / 66 : « فلما نظر إليهم خالد ( في مرج الصُّفَّر ) عبَّأ لهم كتعبئة يوم أجنادين ، فجعل على ميمنته معاذ بن جبل ، وعلى ميسرته هاشم بن عتبة ، وعلى الخيل سعيد بن زيد بن نفيل ( خالد بن سعيد ) وترك أبا عبيدة في الرجال ، وزحف إليهم فذهب خالد فوقف في أول الصف يريد أن يحرض الناس ثم نظر إلى الصف من أوله إلى آخره ، فحملت لهم خيل على خالد بن سعيد بن زيد ، وكان واقفاً في جماعة من المسلمين في ميمنة الناس يحرض الناس
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 358 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ويدعو الله عز وجل ، ثم ينقض عليهم ، فحملت طائفة منهم عليه فنازلهم فقاتلهم قتالاً شديداً حتى قتل » ثم قال ابن عساكر : كذا في الكتاب ابن سعيد بن زيد وإنما هو خالد بن سعيد بن العاص » . انتهى .
وسعيد بن زيد بن نفيل هو ابن عم عمر ، ولم يشارك في شئ من المعارك !
وقال ابن سعد في الطبقات : 4 / 98 : « حدثني عبد الحميد بن جعفر عن أبيه قال : شهد خالد بن سعيد فتح أجنادين وفحل ومرج الصُّفَّر » .
وفي فتوح البلاذري : 1 / 135 : « ثم كانت وقعة أجنادين . . ثم إن الله هزم أعداءه ومزقهم كل ممزق وقتل منهم خلق كثير . واستشهد يومئذ عبد الله بن الزبير بن عبد المطلب بن هاشم ، وعمرو بن سعيد بن العاص بن أمية ، وأخوه أبان بن سعيد وذلك الثبت ، ويقال بل توفى أبان في سنة تسع وعشرين . وطُلَيْب بن عمير بن وهب بن عبد بن قصي ، بارزه علج فضربه ضربة أبانت يده اليمنى فسقط سيفه مع كفه ، ثم غشيه الروم فقتلوه . وأمه أروى بنت عبد المطلب عمة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وكان يكنى أبا عدى . وسلمة بن هشام بن المغيرة ، ويقال إنه قتل بمرج الصُّفَّر . وعكرمة بن أبي جهل بن هشام المخزومي . وهبَّار بن سفيان بن عبد الأسد المخزومي ، ويقال بل قتل يوم مؤتة . ونعيم بن عبد الله النحام العدوي ، ويقال قتل يوم اليرموك . وهشام بن العاص بن وائل السهمي ، ويقال قتل يوم اليرموك . وعمر بن الطفيل بن عمرو الدوسي ، ويقال قتل يوم اليرموك . وجندب بن عمرو الدوسي . وسعيد بن الحارث . والحارث بن الحارث . والحجاج بن الحارث بن قيس بن عدي السهمي . . وقتل سعيد بن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 359 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الحارث بن قيس يوم اليرموك ، وقتل تميم بن الحارث يوم أجنادين ، وقتل عبيد الله بن عبد الأسد أخوه يوم اليرموك . قال : وقتل الحارث بن هشام بن المغيرة يوم أجنادين . قالوا : ولما انتهى خبر هذه الوقعة إلى هرقل ، نَخَبَ ( صار خالياً ) قلبه ، وسقط في يده وملئ رعباً ، فهرب من حمص إلى أنطاكية » .

خالد بن سعيد القائد العام للمعركة

وارتضى الجميع خالد بن سعيد بن العاص قائداً عاماً لمعركة مرج الصُّفَّر ، ففي تاريخ خليفة / 120 : « قال ابن إسحاق : في هذه السنة وقعة مرج الصُّفَّر يوم الخميس لاثنتي عشرة بقيت من جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة ، والأمير خالد بن سعيد . وحدثني الوليد بن هشام عن أبيه عن جده قال : استشهد يوم مرج الصُّفَّر خالد بن سعيد بن العاص » .
وقال الذهبي في تاريخه عن معركة مرج الصُّفَّر : 3 / 84 : « والأمير خالد بن سعيد . . وعلى المشركين يومئذ قلقط ، وقتل من المشركين مقتلة عظيمة ، وانهزموا » .
وقال الذهبي في العبر : 1 / 17 : « وكانت وقعة هائلة استشهد فيها جماعة » .
وقال البلاذري : 1 / 141 : « ثم اجتمعت الروم جمعاً عظيماً ، وأمدهم هرقل بمدد . فلقيهم المسلمون بمرج الصُّفَّر وهم متوجهون إلى دمشق ، وذلك لهلال المحرم سنة أربع عشرة ، فاقتتلوا قتالاً شديداً حتى جرت الدماء في الماء وطحنت بها الطاحونة ، وجرح من المسلمين زهاء أربعة آلاف . ثم ولى الكفرة منهزمين مفلولين لا يلوون على شئ » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 360 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أقول : كانت مرج الصُّفَّر امتداداً لمعركة أجنادين وهي موضع بين دمشق والجولان ، وكان عدد الروم فيها شبيهاً بعددهم في أجنادين . وقد تنازل القادة الأربعة ابن الجراح وابن أبي سفيان وابن العاص وشرحبيل ، عن قيادتهم للمعركة وسلموا القيادة لخالد بن سعيد ، وهذا يدل على أنهم رأوا منه في أجنادين من صحة الرأي والبطولة ، ما جعلهم يسلمون له القيادة في المعركة التالية ، التي كانت بعدها بنحو عشرين يوماً .
وروى ابن عساكر : 16 / 66 : « عن سهل بن سعد الأنصاري قال : كانت وقعة أجنادين وقعة عظيمة . كانت بالشام وكانت في سنة ثلاث عشرة في جمادى الأولى ، فذكر بعض أمرها ، ثم ذكر إغاثة الروم لأهل دمشق حين حصارها ، قال : فتركوا مرج الصُّفَّر فصمد المسلمون صَمْدهم ، وخرج إليهم أهل القوة من أهل دمشق ، وصحبهم ناس كثير من أهل حمص فالقوم نحو من خمسة عشر ألفاً فلما نظر إليهم خالد عبأ لهم كتعبئة يوم أجنادين ، فجعل على ميمنته معاذ بن جبل وعلى ميسرته هاشم بن عتبة ، وعلى الخيل سعيد بن زيد بن نفيل ، وترك أبا عبيدة في الرجال ، وزحف إليهم فذهب خالد فوقف في أول الصف يريد أن يحرض الناس ، ثم نظر إلى الصف من أوله إلى آخره ، فحملت لهم خيل على خالد بن سعيد بن زيد وكان واقفاً في جماعة من المسلمين في ميمنة الناس يحرض الناس ويدعو الله عز وجل ثم ينقض عليهم ، فحملت طائفة منهم عليه فنازلهم فقاتلهم قتالاً شديداً حتى قتل . كذا في الكتاب : ابن سعيد بن زيد ، وإنما هو خالد بن سعيد بن العاص » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 361 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أقول : صحح ابن عساكر اسم قائد الخيل في المعركة إلى خالد بن سعيد بن العاص . وقد جعله الراوي ابن سعيد بن زيد بن نفيل ، وهو ابن عم عمر بن الخطاب ، وهو صاحب حديث العشرة المبشرة في الجنة ، الذي كذبه علي ( عليه السلام ) ، وروي أنه « شهد اليرموك وحصار دمشق » . ( تاريخ دمشق : 21 / 62 ) ولم يُروَ أنه شهد أجنادين . ولا أنه كان عسكرياً من قادة الفتح أو فرسانه . وسبب وضع اسمه بدل اسم خالد ، ما يأتي من أمر خالد مع عمر .
وروى في الوافي : 13 / 153 ، أن خالد بن سعيد ( رحمه الله ) : « قال وهو يقاتل أعلاج الروم :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] هل فارسٌ كرهَ النِّزالَ يُعيرُني * رمحاً إذا نزلوا بمرج الصُّفَّر » .
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] كما وصفوا بطولة أخيه عمرو في هذه المعركة ، فقال في فتوح بن الأعثم : 1 / 152 : « تقدم عمرو بن سعيد وكان من أفاضل الناس وفرسان المسلمين ، حتى وقف بين الجمعين ثم رفع صوته وقرأ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ . وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَمَأوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ .
يا أيها الناس اطلبوا الجنة فإنها نعم المأوى ونعم القرار ولنعم دار الأبرار ، ولمن هي يا قوم ؟ هي والله لمن شرى نفسه وقاتل في سبيل الله !
ثم نادى بأعلى صوته : إليَّ إليَّ يا أهيل الإسلام ، فأنا عمرو بن سعيد ! ثم حمل هذا عمرو على الروم فقاتل قتالاً حسناً ، ثم رجع إلى المسلمين وقد أصابته ضربة على حاجبه الأيمن والدم يسيل من الضربة حتى ملأت عينه ، فلم يستطع أن يفتح جفن عينه من الدم ، فقال عبد الله بن قرط الثمالي : أبشر يا ابن أبي أحيحة ! فإن الله معافيك من هذه الضربة وموجب لك بها الجنة ، ومنزل نصره عليك
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 362 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وعلى المسلمين إن شاء الله . قال : فقال عمرو بن سعيد : أما النصر على الإسلام وأهله فقد أنزله الله تبارك وتعالى إن شاء الله . وأما أنا فجعل الله هذه الضربة شهادة وأهدى إليَّ مثلها أخرى ، فوالله إن هذه الضربة أحب إلي من مثل جبل أبي قبيس ذهباً أحمر ! قال : ثم حمل عمرو بن سعيد هذا ، فلم يزل يقاتل حتى قتل رحمة الله عليه » .

تتم فتح دمشق ومدن بلاد الشام بدون قتال

ثم كان فتح الشام بعد محاصرة المسلمين لها ويأس أهلها من نصرة هرقل وقد اخترع الرواة معارك في فتح المدينة ، وادعوا بطولات لخالد بن الوليد وعمرو العاص وغيرهم ، مع أنه كان مجرد حصار ، ولم تقع أي معركة . وكان حراس السور قلة ، وأكثرهم من غير الروم ، ولم يرو أن مسلماً أصيب بسهم !
قال البلاذري في فتوح البلدان : 1 / 144 : « لما فرغ المسلمون من قتال من اجتمع لهم بالمرج أقاموا خمس عشرة ليلة ، ثم رجعوا إلى مدينة دمشق لأربع عشرة ليلة بقيت من المحرم سنة أربع عشرة ، فأخذوا الغوطة وكنائسها عنوة ، وتحصن أهل المدينة وأغلقوا بابها ، فنزل خالد بن الوليد على الباب الشرقي في زهاء خمسة آلاف ضمهم إليه أبو عبيدة .
وقوم يقولون إن خالداً كان أميراً ، وإنما أتاه عزله وهم محاصرون دمشق ، وسمى الدير الذي نزل عنده خالد دير خالد ، ونزل عمرو بن العاص على باب توما ، ونزل شرحبيل على باب الفراديس ، ونزل أبو عبيدة على باب الجابية ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 363 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ونزل يزيد بن أبي سفيان على الباب الصغير إلى الباب الذي يعرف بكيسان ، وجعل أبو الدرداء عويمر بن عامر الخزرجي على مسلحة ببرزة .
وكان الأسقف الذي أقام لخالد النزل في بدأته ، ربما وقف على السور فدعى له خالد فإذا أتى سلم عليه وحادثه ، فقال له ذات يوم : يا أبا سليمان ! إن أمركم مُقْبِلٌ ولي عليك عِدَة ، فصالحني عن هذه المدينة ، فدعا خالد بدواة وقرطاس فكتب : بسم الله الرحمن الرحيم . هذا ما أعطى خالد بن الوليد أهل دمشق إذا دخلها : أعطاهم أماناً على أنفسهم وأموالهم وكنائسهم وسور مدينتهم لا يهدم ولا يسكن شئ من دورهم . لهم بذلك عهد الله وذمة رسوله ( صلى الله عليه وآله ) والخلفاء والمؤمنين لا يعرض لهم إلا بخير إذا أعطوا الجزية .
ثم إن بعض أصحاب الأسقف أتى خالداً في ليلة من الليالي فأعلمه أنها ليلة عيد لأهل المدينة وأنهم في شغل ، وأن الباب الشرقي قد ردم بالحجارة وترك وأشار عليه أن يلتمس سلماً ، فأتاه قوم من أهل الدير الذي عند عسكره بسلمين فرقى جماعة من المسلمين عليهما إلى أعلى السور ، ونزلوا إلى الباب وليس عليه إلا رجل أو رجلان ، فتعاونوا عليه وفتحوه ، وذلك عند طلوع الشمس . وقد كان أبو عبيدة بن الجراح عانى فتح باب الجابية وأصعد جماعة من المسلمين على حائطه ، فأنصب مقاتلة الروم إلى ناحيته فقاتلوا المسلمين قتالاً شديداً ، ثم إنهم ولوا مدبرين .
وفتح أبو عبيدة والمسلمون معه باب الجابية عنوةً ودخلوا منه ، فالتقى أبو عبيدة وخالد بن الوليد بالمقسلاط ، وهو موضع النحاسين بدمشق ، وهو
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 364 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
البريص . . وقد روى أن الروم أخرجوا ميتاً لهم من باب الجابية ليلاً وقد أحاط بجنازته خلق من شجعانهم وكماتهم ، وانصبَّ سائرهم إلى الباب فوقفوا عليه ليمنعوا المسلمين من فتحه ودخوله إلى رجوع أصحابهم من دفن الميت ، وطمعوا في غفلة المسلمين عنهم . وإن المسلمين بدروا بهم فقاتلوهم على الباب أشد قتال وأبرحه حتى فتحوه في وقت طلوع الشمس .
فلما رأى الأسقف أن أبا عبيدة قد قارب دخول المدينة ، بدر إلى خالد فصالحه وفتح له الباب الشرقي ، فدخل والأسقف معه ناشراً كتابه الذي كتبه له . قال بعض المسلمين : والله ما خالد بأمير فكيف يجوز صلحه ؟ فقال أبو عبيدة : إنه يجيز على المسلمين أدناهم وأجاز صلحه وأمضاه ولم يلتفت إلى ما فتح عنوة ، فصارت دمشق صلحاً كلها . وكتب أبو عبيدة بذلك إلى عمر وأنفذه ، وفتحت أبواب المدينة فالتقى القوم جميعاً . . .
وزعم الهيثم بن عدي أن أهل دمشق صولحوا على أنصاف منازلهم وكنائسهم . وقال محمد بن سعد : قال أبو عبد الله الواقدي : قرأت كتاب خالد بن الوليد لأهل دمشق ، فلم أر فيه أنصاف المنازل والكنائس . وقد روى ذلك ولا أدرى من أين جاء به من رواه ! ولكن دمشق لما فتحت لحق بشر كثير من أهلها بهرقل وهو بأنطاكية ، فكثرت فضول منازلها فنزلها المسلمون . . .
قال الواقدي : وكان فتح مدينة دمشق في رجب سنة أربع عشرة ، وتاريخ كتاب خالد بصلحها في شهر ربيع الآخر سنة خمس عشرة . وذلك أن خالداً كتب الكتاب بغير تاريخ ، فلما اجتمع المسلمون للنهوض إلى من تجمع لهم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 365 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
باليرموك أتى الأسقف خالداً فسأله أن يجدد له كتاباً ويُشهد عليه أبا عبيدة والمسلمين ففعل ، وأثبت في الكتاب شهادة أبي عبيدة ، ويزيد بن أبي سفيان ، وشرحبيل بن حسنة ، وغيرهم ، فأرخه بالوقت الذي جدده » .
أقول : بعد معركة مرج الصفر توجهت جيوش المسلمين لحصار دمشق ، وذكر الرواة أن قائد الخيل كان خالد بن سعيد ، لكن لم تقع معركة فلم يكن في الشام وحولها أي جيش للروم ! فحاصروها حتى استجاب أهلها للصلح .
وينبغي التنبيه هنا : إلى أن حكم المدن والأراضي المفتوحة صلحاً أنه يجب التقيد فيها بما نص عليه عهد الصلح ، وهو ضريبة سنوية لحماية السكان بمبلغ دينار ذهبي أو دينارين لكل بالغ ، عدا الصغار والنساء والشيوخ ، ولا يجوز للوالي أن يخالف أحكام عهد الصلح .
لكن الولاة ورواتهم كانوا حاولوا إثبات أن فتح هذه المنطقة أو تلك ، كان عُنْوَةً أي بالقوة والحرب ، لأن ذلك يجوِّز لهم فرض الجزية كما يهوون !
فصار ادعاؤهم مع حب الافتخار سبباً لاختراع المعارك ونسبة البطولة إلى زيد أو عمرو ، من أجل ظلم الشعوب التي كانت ترزح تحت ظلم الفرس والروم ، وبادرت لاستقبال المسلمين وعقدت معهم عهود الصلح .
واليك نموذجاً من روايات المبالغة التي يريد صاحبها إثبات فضيلة لخالد ، وأنه فتح دمشق عنوة ، بذكائه وجرأته !
قال في تاريخ دمشق : 2 / 129 ، ونحوه الطبري : 2 / 625 : « فحاصروا أهل دمشق نحواً من سبعين ليلة حصاراً شديداً وقاتلوهم قتالاً شديداً ، بالزحوف والترامي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 366 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والمجانيق ، وهم معتصمون بالمدينة يرجون الغياث وهرقل منهم قريب وقد استمدوه ، وذو الكلاع بين المسلمين وبين حمص في جبل على رأس ليلة من دمشق ، كأنه يريد حمص وجاءت خيول هرقل مغيثة لأهل دمشق ، فاشجتها ( اعترضتها ) الخيول التي مع ذي الكلاع وشغلتها عن الناس فأرزوا ونزلوا بإزائه وأهل دمشق على حالهم . فلما أيقن أهل دمشق أن الأمداد لا تصل إليهم فشلوا ووهنوا وأبلسوا ، وازداد المسلمون طمعاً فيهم .
وقد كانوا يرون أنها كالغارات قبل ذلك إذا هجم البرد قفل الناس ، فسقط النجم والقوم مقيمون ، فعند ذلك انقطع رجاؤهم وندموا على دخول دمشق .
وولد للبطريق الذي على أهل دمشق مولود ، فصنع عليه طعاماً فأكل القوم وشربوا وغفلوا عن مواقفهم ، ولا يشعر بذلك أحد من المسلمين ، إلا ما كان من خالد فإنه كان لا ينام ولا ينيم ولا يخفى عليه من أمورهم شئ ، عيونه ذاكية وهو معني بما يليه قد اتخذ كهيئة السلاليم وأوهاقاً ( خطاطيف ) فلما أمسى من ذلك اليوم نهد ومن معه من جنده الذين قدم بهم عليهم ، وتقدمهم وهو والقعقاع بن عمرو ومذعور بن عدي وأمثاله من أصحابه ، في أول يومه وقال : إذا سمعتم تكبيرنا على السور فارقوا إلينا وانهدوا إلى الباب ، فلما انتهى إلى الباب الذي يليه هو وأصحابه المتقدمون رموا بالحبال الشرف ، وعلى ظهورهم القرب التي قطعوا بها خندقهم ، فلما ثبت لهم وهقان تسلق فيهما القعقاع ومذعور ، ثم لم يدعا أحبولة إلا أثبتاها والأوهاق بالشرف ، وكان المكان الذي اقتحموا منه أحصن مكان يحيط بدمشق أكثره ماء وأشده مدخلاً ، وتوافوا لذلك فلم يبق
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 367 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ممن قدم معه أحد إلا رقا أو دنا من الباب ، حتى إذا استووا على السور حدر عامة أصحابه وانحدر معهم ، وخلف من يحمي ذلك المكان لمن يرتقي وأمرهم بالتكبير ، فكبر الذين على رأس السور فنهد المسلمون إلى الباب ، ومال إلى الحبال بشر كثير فوثبوا فيها ، وانتهى خالد إلى أول من يليه فأتاهم ، وانحدر إلى الباب فقتل البوابين وثار أهل المدينة ، وفزع سائر الناس فأخذوا مواقفهم ولا يدرون ما الشأن ، وتشاغل أهل كل ناحية بما بينهم ، فقطع خالد بن الوليد ومن معه أغلاق ( أقفال ) الباب بالسيوف ، وفتحوا للمسلمين فأقبلوا عليهم من داخل حتى ما بقي مما يلي باب خالد مقاتل إلا أنيم ، وما شد خالد على من يليه وبلغ منهم الذي أراد عنوة أرز ( هرب ) من أفلت إلى أهل الأبواب التي تلي غيره ، وقد كان المسلمون دعوهم إلى المناظرة ( الهدنة ) فأبوا وأبعدوا ، فلم يفجأهم إلا وهو يتوقعون لهم بالصلح فأجابوهم وقبلوا منهم ، وفتحوا لهم الأبواب وقال : ادخلوا وتمنعونا من أهل ذلك الباب ، فدخل أهل كل باب بصلح مما يليهم ودخل خالد مما يليه عنوةً ، فالتقى خالد والقواد في وسطها ، هذا استعراضاً وانتهاباً وهؤلاء صلحاً وتسكيناً ، فأجروا ناحية خالد مجراهم ، وقالوا قد قروا إلينا ودخلوا معنا ، فأجاز لهم عمر ذلك ، فأجرى النصف الذي أخذ عنوة مجرى الصلح فصار صلحاً وكان صلح دمشق على المقاسمة الدينار والعقار والدينار على كل رأس واقتسموا الأسلاب » .
أقول : هذه الرواية تريد إثبات أن خالد بن الوليد دخل دمشق عنوةً ببطولته وجرأته ، ودخل غيره من القادة صلحاً ! وتريد تبرير نهب خالد وجماعته عندما دخلوا المدينة :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 368 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
« فالتقى خالد والقواد في وسطها ، هذا استعراضاً وانتهاباً وهؤلاء صلحاً وتسكيناً » بأنه حلال له ولجنوده وكانوا ست مئة ! ثم زعمت أن عمر بن الخطاب أقر ذلك فصار حلالاً بدون شبهة !
ثم كذبت الرواية فقالت : « وكان صلح دمشق على المقاسمة الدينار والعقار والدينار على كل رأس » لتبرر نهب الفاتحين للعقارات مع الأموال !
مع أن الصلح كان فقط على ضريبة سنوية على كل بالغ كما صرح الواقدي فقال : « قرأت كتاب خالد بن الوليد لأهل دمشق ، فلم أر فيه أنصاف المنازل والكنائس ، وقد رويَ ذلك ولا أدرى من أين جاء به من رواه ! ولكن دمشق لما فتحت لحق بشر كثير من أهلها بهرقل وهو بأنطاكية ، فكثرت فضول منازلها ، فنزلها المسلمون » . ( البلاذري : 1 / 146 ) .
ومما ينقض قولهم إن خالداً فتح دمشق عنوةَ ، ما رواه الواقدي ( 2 / 295 ) قال : « ثم وصل إلى باب توما ومعه خمس مائة من السادات وأصحاب النجدة ، مثل الفضل بن العباس ، والفضل بن أبي لهب ، وزياد بن أبي سفيان بن الحرث وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب ، والمقداد بن الأسود ، وزيد بن ثابت ، وعبد الله بن زيد ، ومسلم بن عقيل ، وأبي ذر الغفاري ، وعبادة بن الصامت ، وبحر بن مسلم ، وعقبة بن نافع ، والمغيرة بن شعبة ، والمسيب بن نجيبة الفزاري رضي الله عنهم . وعلت أصوات المسلمين بالتهليل والتكبير ، والقوم من أعلى الأسوار قد رطنوا بلغتهم وتصارخوا » . والرطن والتصارخ ليس مقاومة ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 369 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

وقاد خالد بن سعيد معركة فحل أيضاً

ثم كانت معركة فِحل في فلسطين ، وقائدها خالد بن سعيد رضي الله عنه وتقع قيسارية على ساحل فلسطين بين حيفا ويافا ، ويقع بمحاذاتها إلى داخل فلسطين سهل بيسان ، وبمحاذاته إلى الداخل تقع فِحل ، وهي قريبة نسبياً من اليرموك ، الذي هو داخل سوريا ، وبعده باتجاه دمشق مرج الصفر ثم تأتي دمشق . فهذه المواقع متقاربة ، وهي وأجنادين ومؤتة حول القدس ، وكلها مواقع تجمع للجيش الذي يقصد فتح القدس أو الدفاع عنها .
ولذلك اتخذ الروم « فِحْل » نقطة تجمع جديدة ، بعد هزيمتهم في معركة مرج الصفر ، وفتح المسلمين لدمشق .
قال ابن الأعثم : 1 / 153 : « ومرت الروم على وجوهها عباديد ( متفرقين ) مشردين في البلاد ، فمنهم من صار إلى فِحل وهي مدينة مطلة على موضع من بلد الأردن يقال له الأهوية ( أي الأودية وهي الواقوصة التي يأتي ذكرها في اليرموك ) والماء يجري من تحتها ، فتحصنت الروم بفحل ، ومر الباقون على وجوههم مشردين فمنهم من صار إلى هرقل ملك الروم ، ومنهم من صار إلى حصون الشام فتحصنوا فيها ) .
وذكر بعض المؤرخين أن معركة فحل كانت قبل فتح دمشق ، وقال بعضهم إنها كانت بعد اليرموك .
والصحيح أن اليرموك كانت آخر معارك المسلمين مع الروم ، وأن كل المعارك بعد اليرموك كانت مع حاميات محلية أو رومية ، لمدن أو حصون .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 370 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد تقدمت شهادة المؤرخين أن قادة الجيوش الأربعة أعطوا قيادة معركة مرج الصُّفَّر إلى خالد بن سعيد رضي الله عنه ، والسبب أنهم رأوا منه قيادته الناجحة في أجنادين ، فهو خطيب بليغ عميق الإيمان والتأثير في الجيش ، كما يظهر من وصيته لأبي بكر عندما ودعه في المدينة ، وهو يتقدم الفرسان في المبارزة والحملة ولا يقف وراء الناس كأبي عبيدة وخالد وعمرو العاص !
والمرجح أن تعبئة المسلمين في معركة فحل كانت نفسها في معركة مرج الصُّفَّر الآنفة ، التي كان قائدها خالد بن سعيد ، وكان الاشتباك وثقل المعركة على جيش شرحبيل ، أما يزيد بن أبي سفيان وجيشه فتركوه في الشام ليحفظ ظهرهم ، ولأنه والي الشام من قبل عمر .
قال الطبري في تاريخ : 2 / 630 ، ونحوه تاريخ دمشق : 2 / 105 : « وساروا نحو فِحل ، وعلى الناس شرحبيل بن حسنة ، فبعث خالداً على المقدمة وأبا عبيدة وعمراً على مجنبتيه ، وعلى الخيل ضرار بن الأزور ، وعلى الرَّجْل عياض ، وكرهوا أن يصمدوا لهرقل وخلفهم ثمانون ألفاً ، وعلموا أن من بإزاء فحل جُنَّة الروم وإليهم ينظرون ، وأن الشام بعدهم سلم ، فلما انتهوا إلى أبى الأعور قدموه إلى طبرية فحاصرهم . ونزلوا على فحل من الأردن وقد كان أهل فحل حين نزل بهم أبو الأعور تركوه وأرزوا إلى بيسان ، فنزل شرحبيل بالناس فِحل والروم بيسان ، وبينهم وبين المسلمين تلك المياه والأوحال ، وكتبوا إلى عمر بالخبر وهم يحدثون أنفسهم بالمقام ولا يريدون أن يريموا فحل ، حتى يرجع جواب كتابهم من عند عمر ، ولا يستطيعون الإقدام على عدوهم في مكانهم ، لما دونهم من
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 371 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأوحال . وكانت العرب تسمى تلك الغزوة فحل وذات الردغة وبيسان ، وأصاب المسلمون من ريف الأردن أفضل مما فيه المشركون ، مادتهم متواصلة ، وخصبهم رغد ، فاغترهم القوم وعلى القوم سقلار بن مخراق ، ورجوا أن يكونوا على غرة ، فأتوهم والمسلمون لا يأمنون مجيئهم فهم على حذر .
وكان شرحبيل لا يبيت ولا يصبح إلا على تعبية ، فلما هجموا على المسلمين غافصوهم ( فاجؤوهم ) فلم يناظروهم ، واقتتلوا بفحل كأشد قتال اقتتلوه قط ، ليلتهم ويومهم إلى الليل ، فأظلم الليل عليهم وقد حاروا ، فانهزموا وهم حيارى ، وقد أصيب رئيسهم سقلار بن مخراق ، والذي يليه فيهم نسطورس ، وظفر المسلمون أحسن ظفر وأهنأه ، وركبوهم وهم يرون أنهم على قَصْدٍ وجَدَد ( أرض يابسة ) فوجدوهم حيارى لا يعرفون مأخذهم ، فأسلمتهم هزيمتهم وحيرتهم إلى الوحل فركبوه ، ولحق أوائل المسلمين بهم وقد وَحَّلُوا فركبوهم وما يمنعون يَدَ لامس ، فوخزوهم بالرماح فكانت الهزيمة في فحل ، وكان مقتلهم في الرداغ فأصيب الثمانون ألفاً لم يفلت منهم إلا الشريد ، وكان الله يصنع للمسلمين وهم كارهون كرهوا البثوق فكانت عوناً لهم على عدوهم ، وأناة من الله ليزدادوا بصيرة وجداً . واقتسموا ما أفاء الله عليهم . وانصرف أبو عبيدة بخالد من فحل إلى حمص ، وصرفوا سمير بن كعب معهم ومضوا بذي الكلاع ومن معه وخلفوا شرحبيل ومن معه » . والردغة والرزغة : الأرض الموحلة .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 372 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال الطبري : 2 / 626 : « فلما رأت الروم أن الجنود تريدهم ، بثقوا المياه حول فحل فاردغت الأرض ثم وحلت ، واغتم المسلمون من ذلك فحبسوا عن المسلمين بها ثمانين ألف فارس ، وكان أول محصور بالشام أهل فحل » .
وقال الطبري : 2 / 623 : « فلما نزلت الروم بيسان بثقوا أنهارها ، وهى أرض سبخة فكانت وحلاً ، ونزلوا فحل وبيسان بين فلسطين وبين الأردن ، فلما غشيها المسلمون ولم يعلموا بما صنعت الروم وحلت خيولهم ولقوا فيها عناء ، ثم سلمهم الله وسميت بيسان ذات الردغة ( الوحلة ) لما لقى المسلمون فيها ، ثم نهضوا إلى الروم وهم بفحل فاقتتلوا فهزمت الروم » .
أقول : الأرض الردغة : هي التي أشبعت ماء ، ثم تصير موحلة . وقد فتح الروم المياه على بيسان قرب فِحل ، ليمنعوا المسلمين من الوصول إليهم ، فكانت عوناً للمسلمين على الروم حيث انهزموا باتجاهها وتوحلوا فيها !
كما أن قول الرواة « وساروا نحو فِحل وعلى الناس شرحبيل بن حسنة ) يؤكد ما ذكرنا من أن عمدة اشتباك المسلمين مع الروم كانت مع جيش شرحبيل ، وأن قيادة المعركة كانت لخالد بن سعيد وهاشم المرقال ، لأنهما القائدان البارزان مع شرحبيل ، وعمدة جيشه ، فهما اللذان حققا النصر .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 373 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

انسحب هرقل من حمص إلى أنطاكية

بعد هزيمته في مرج الصُّفَّر ، انسحب هرقل من حمص فاحتلها المسلمون ، وذهب هرقل إلى أنطاكية ، واتخذها قاعدة لقيادة معركة فِحل واليرموك ، ثم يئس من النصر فودع سوريا !
أما المسلمون فبعد انتصارهم في معركة فِحل ، قصدوا حمص ففتحوها صلحاً وفتحوا بقية مدن سوريا وبعلبك ، ومدن ساحل لبنان ، بدون مقاومة تذكر .
قال البلاذري في فتوح البلدان : 1 / 137 : « وكان سبب هذه الوقعة ( فِحل ) أن هرقل لما صار إلى أنطاكية استنفر الروم وأهل الجزيرة ، وبعث رجلاً من خاصته وثقاته في نفسه ، فلقوا المسلمين بفحل من الأردن ، فقاتلوهم أشد قتال وأبرحه ، حتى أظهرهم الله عليهم ، وقتل بطريقهم وزهاء عشرة آلاف معه ، وتفرق الباقون في مدن الشام ، ولحق بعضهم بهرقل . وتحصن أهل فحل فحصرهم المسلمون حتى سألوا الأمان على أداء الجزية عن رؤوسهم والخراج عن أرضهم ، فأمنوهم على أنفسهم وأموالهم ، وأن لا تهدم حيطانهم . وتولى عقد ذلك أبو عبيدة بن الجراح ، ويقال : تولاه شرحبيل بن حسنة » .
وفي نهاية الإرب : 19 / 160 : « لما قصد أبو عبيدة حمص من فحل ، أرسل شرحبيل ومن معه إلى بيسان ، فقاتلوا أهلها وقتلوا منها خلقاً كثيراً ، ثم صالحهم من بقي على صلح دمشق ، وكان أبو عبيدة قد بعث بالأعور إلى طبريّة فصالحه أهلها على صلح دمشق أيضاً ، وأن يشاطروا المسلمين المنازل ، فنزلها الناس . وكتبوا بالفتح إلى عمر بن الخطاب » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 374 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال البلاذري : 1 / 156 : « وحدثني أبو حفص الدمشقي ، عن سعيد بن عبد العزيز قال : لما افتتح أبو عبيدة بن الجراح دمشق ، استخلف يزيد بن أبي سفيان على دمشق ، وعمرو بن العاص على فلسطين ، وشرحبيل على الأردن .
وأتى حمص فصالح أهلها على نحو صلح بعلبك . ثم خلف بحمص عبادة بن الصامت الأنصاري ، ومضى نحو حماة ، فتلقاه أهلها مذعنين ، فصالحهم على الجزية في رؤوسهم والخراج في أرضهم . فمضى شيزر فخرجوا يكفرون ، ومعهم المقلسون ، ورضوا بمثل ما رضى به أهل حماة . وبلغت خيله الزراعة والقسطل ، ومر أبو عبيدة بمعرة حمص ، وهي التي تنسب إلى النعمان بن بشير ، فخرجوا يقلسون بين يديه . ثم أتى فامية ففعل أهلها مثل ذلك ، وأذعنوا بالجزية والخراج واستتم أمر حمص ، فكانت حمص وقنسرين شيئا واحداً » .
أقول : لاحظ أن أهل المدن السورية استقبلوا أبا عبيدة والفاتحين المسلمين بالتكفير أي بوضع اليدين على الصدر أو البطن ، كما يفعل بعض المسلمين في الصلاة . وبالتقليس وهو نوع من العراضة الدينية تقوم بها مجموعة قساوسة وطلبة علم مسيحيين . فصالحهم أبو عبيدة على صلح أهل الشام ، أي على ضريبة سنوية على كل بالغ ، عدا النساء والأطفال والشيوخ ، وعلى احترام ملكياتهم وعدم التعدي عليها .
وزعم بعض الرواة أنهم صالحوهم على نصف ملكيتهم ، ولا أساس له .
وقال اليعقوبي : 2 / 141 : « فحصروا أهل حمص حصاراً شديداً ، ثم طلبوا الصلح فصالحهم عن جميع بلادهم على أن عليهم خراجاً مائة وسبعين ألف دينار ، ثم دخل المسلمون المدينة ، وبث أبو عبيدة عماله في نواحي حمص . ثم أتاه خبر ما
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 375 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
جمع طاغية الروم من الجموع في جميع البلدان ، وبعثه إليهم من لا قبل لهم به ، فرجع إلى دمشق » .
هذا ، وقد روى الواقدي ( 1 / 160 ) أنه وقعت معركة في فتح حمص ، قال : « حدثني سنان بن راشد اليربوعي قال : حدثنا سملة بن جريج قال : حدثنا النجار وكان ممن يعرف فتوح الشام قال : لما صالحنا أهل حمص بعد قتل هربيس خرج أهل حمص ودفنوا قتلاهم ، فافتقدنا القتلى الذين استشهدوا من أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فوجدنا من استشهد من المسلمين مائتين وخمسة وثلاثين فارساً كلهم من حمير وهمدان ، إلا ثلاثين رجلاً من أهل مكة ، وهم عكرمة بن أبي جهل ، وصابر بن جرئ ، والريس بن عقيل ، ومروان بن عامر ، والمنهال بن عامر السلمي ابن عم العباس ، وجمح بن قادم ، وجابر بن خويلد الربعي ، فهؤلاء من المسلمين الذين استشهدوا يوم حمص ، والباقون من اليمن وهمدان ومن أخلاط الناس » .
لكن هذا من مبالغات الرواة ، وكذلك ما ادعوه من وقوع معارك في فتح الشام مع البطرقين توما وهربيس ، والألوف المؤلفة من جنودهما !
ولا يمكن قبول أيٍّ من هذه الروايات لوجود النصوص على أن أهل دمشق وحمص وغيرهما طلبوا الصلح ولم يقاتلوا . أما الشهداء الذين ذكروهم في فتح حمص والشام فقد استشهدوا في أجنادين ، ومرج الصفر ، وفحل ، واليرموك !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 376 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

معركة اليرموك أم المعارك في فتح الشام

أخذ هرقل يحشد قواته لمعركة اليرموك ، فانسحب المسلمون من حمص ، فقد خاف أبو عبيدة من المفاجأة ، فأمر بالإنسحاب من حمص إلى دمشق ، وبعد انسحابهم بفترة دخلت قوات الروم إلى حمص ، وأعادت احتلالها .
وقد أخبر المسلمون عمر بهذا التراجع ، فكتب إلى أبي عبيدة يلومه عليه : « بلغني خروجك من أرض حمص ، وترككم بلاداً فتحها الله عز وجل عليكم ، فكرهت هذا من رأيكم وفعلكم » . ( فتوح ابن الأعثم : 1 / 178 ) .
لكن العمل الرائع للمسلمين عند انسحابهم من حمص أنهم أرجعوا لأهلها ما كانوا أخذوه منهم من الجزية ، لأنهم لا يستطيعون أن يحموهم من العدو !
قال البلاذري في الفتوح / 103 : « حدثنا سعيد بن عبد العزيز قال : بلغني أنه لما جمع هرقل للمسلمين الجموع وبلغ المسلمين إقبالهم إليهم لوقعة اليرموك ، ردوا على أهل حمص ما كانوا أخذوا منهم من الخراج وقالوا : شغلنا عن نصرتكم والدفع عنكم ، فأنتم على أمركم . فقال أهل حمص : لولايتكم وعدلكم أحب إلينا مما كنا فيه من الظلم والغشم . ولندفعن جند هرقل عن المدينة مع عاملكم .
ونهض اليهود فقالوا : والتوراة لا يدخل عامل هرقل مدينة حمص إلا أن نُغلب ونجهد ! فأغلقوا الأبواب وحرسوها .
وكذلك فعل أهل المدن التي صولحت من النصارى واليهود وقالوا : إن ظهر الروم وأتباعهم على المسلمين صرنا إلى ما كنا عليه ، وإلا فأنا على أمرنا ما بقي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 377 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
للمسلمين عدد . فلما هزم الله الكفرة وأظهر المسلمين ، فتحوا مدنهم وأخرجوا المقلسين ، فلعبوا ( رقصوا في استقبالهم ) وأدوا الخراج . وسار أبو عبيده إلى جند قنسرين وإنطاكية ففتحها » .
وروى الحموي في معجم البلدان ( 3 / 280 ) سبب تجميع هرقل جيشه في اليرموك ، فقال : « لما نصر الله المسلمين بفحل ، وقدم المنهزمون من الروم على هرقل بأنطاكية ، دعا رجالاً منهم فأدخلهم عليه فقال : حدثوني ويحكم عن هؤلاء القوم الذين يقاتلونكم أليسوا بشراً مثلكم ؟ قالوا : بلى ، قال : فأنتم أكثر أو هم ؟ قالوا : بل نحن ، قال : فما بالكم ؟ فسكتوا ، فقام شيخ منهم وقال : أنا أخبرك أنهم إذا حملوا صبروا ولم يكذبوا ، وإذا حملنا لم نصبر ونكذب ، وهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويرون أن قتلاهم في الجنة وأحياءهم فائزون بالغنيمة والأجر . فقال : يا شيخ لقد صدقتني ولأخرجن من هذه القرية وما لي في صحبتكم من حاجة ولا في قتال القوم من إرب !
فقال ذلك الشيخ : أنشدك الله أن تدع سورية جنة الدنيا للعرب ، وتخرج منها ولم تعذر ، فقال : قد قاتلتم بأجنادين ودمشق وفحل وحمص كل ذلك تفرون ولا تصلحون ، فقال الشيخ : أتفر وحولك من الروم عدد النجوم ، وأي عذر لك عند النصرانية ؟ فثناه ذلك إلى المقام ، وأرسل إلى رومية وقسطنطينية وأرمينية وجميع الجيوش فقال لهم : يا معشر الروم إن العرب إذا ظهروا على سورية لم يرضوا حتى يتملكوا أقصى بلادكم ، ويسبوا أولادكم ونساءكم ويتخذوا أبناء الملوك عبيداً ، فامنعوا حريمكم وسلطانكم ، وأرسلهم نحو
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 378 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
المسلمين ، فكانت وقعة اليرموك ، وأقام قيصر بأنطاكية ، فلما هزم الروم وجاءه الخبر وبلغه أن المسلمين قد بلغوا قنسرين خرج يريد القسطنطينية ، وصعد على نشز وأشرف على أرض الروم وقال : سلام عليك يا سورية ، سلام مودع لا يرجو أن يرجع إليك أبداً ! ثم قال : ويحك أرضاً ! ما أنفعك أرضاً ! ما أنفعك لعدوك لكثرة ما فيك من العشب والخصب ! ثم إنه مضى إلى القسطنطينية » .
وقال ابن الأعثم في الفتوح : 1 / 172 : « قال : فعندها كتب هرقل إلى القسطنطينية وإلى رومية ، وعمورية ، ولهوانة ، واليعقوبية ، والسماوية ، والمسيحية وجماعة مدائن الروم ، فأمرهم بالمصير إليه . ثم كتب إلى أهل بيت المقدس ، وإلى قيسارية ، وإلى أهل أرمينية والجزيرة ، أن لا يبقى أحد منهم ممن أدرك الحلم وحمل السلاح وكان على دين هرقل إلا صار إليه ، فأجابته أهل دين النصرانية من جميع البلاد من أرض الشام وبلاد الشام ، وكور أرمينية ، وأرض الجزيرة ، فصار في خلق عظيم لا يحصيهم إلا الذي خلقهم .
ثم دعا بوزيره الأعظم واسمه ماهان فتوَّجه بتاج ، ووصله بمائة ألف درهم وضم إليه مائة ألف من خواص جيشه ، ومن الذين يعتمد عليهم ، ثم قال له :
إعلم يا ماهان أني اخترتك مقدماً على جميع أهل دين النصرانية ، فاعمل بما أوصيك به في حق أجنادك ، وعليك بالعدل فيهم ، والإشفاق عليهم ، والاحتراز من عدوهم ، والمسارعة لما يقر بهم من مقصدهم ، وعدم التشاغل عند الفرصة ، والتثبيت عند الحملة ، والجهد في صائب الرأي ، والحزم فيما يشكل من الأمور ، والعمل بما يقتضيه حكم كتابكم ، والوفاء بما يمكن فيه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 379 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الصدق ، والعزم على ما يكون فيه الصواب ، واعلم بأن النصر مع الثبات والنجاة مع الميل إلى الحق ، وعليك بالعمل بما أوصيك به في الرجال أن توقر كبيرهم ، ولا تحقر صغيرهم وتكون لهم كالأب الشفيق ، واعلم أنه أحق بالذل من سمع وصايا الخير ولم يعمل بها ، وأنه لجدير أن يكون حقيرا في ملكوت السماوات . وقد تبين لكم أن هؤلاء العرب لم ينصروا على سائر الناس إلا بقبول وصايا الخير والرجوع إلى مشورة الأكابر والعقلاء منهم ، فهي الوصلة إلى العاجل في تحصيل المطلوب ، وفي الآجل إلى الفوز من عالم القديسين ، وإنكم لن تجتمعوا إن هزموكم هؤلاء والعياذ بالله من ذلك ، وكل مقتضى كائن ، وقد أوصيتك بما لم يوصه ملك من قبل ، فإياك ومخالفتي وإياك وهوى النفس ، فإنه أعظم المصائب وبه يدخل على سائر الخلق الآفات والنوائب ، وألن جانبك لهم فإنك بهم تصول على أعدائك .
قال : فلما سمع ماهان وصية هرقل خرج من بين يديه ، واستعرض الجيش الذي قدمه هرقل عليه ، وعسكر بهم ظاهر مدينة أنطاكية لتكامل عدتهم ، فكان عدة القوم مائة ألف من النصرانية .
ودعا ( هرقل ) بوزير له آخر يقال له الديرجان ، فتوَّجه بتاج ووصله بمائة ألف درهم ، وضم إليه مائة ألف من النصرانية .
ثم دعا بوزير آخر يقال له قناطر ، فتوجه ووصله بمائة ألف درهم ، وضم إليه مائة ألف رجل . ثم جعل ماهان أميراً على جميع أجناده ، وأمر الوزراء والبطارقة والأساقفة أن لا يقطعوا أمراً دونه .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 380 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال : وترك هرقل باقي الجنود عنده بأنطاكية ، ثم أقبل على بطارقة الروم فقال : ألا تسمعون ؟ فقالوا : أيها الملك قل نسمع ، وننتهي إلى أمرك .
فقال : قد علمتم أن هؤلاء العرب قد ظهروا عليكم وغلبوا على أرضكم ، وأنهم ليسوا يرضون بالأرض والمدائن والقرى ، ولا الحنطة والشعير ، ولا الذهب ولا الديباج والحرير ، ولكنهم يريدون سبي الأمهات والأخوات والأزواج ، والبنين والبنات ، وأن يتخذوا الأحرار وأبناء الملوك عبيداً ، والآن فانصروا دينكم ، وقاتلوا عن حريمكم وأولادكم وأموالكم ، وامنعوا عن سلطانكم ودار ملككم » .
وفي تاريخ دمشق : 2 / 145 : « أخبرني صفوان بن عبد الرحمن بن جبير أن المسلمين صالحوا أهل مدينة دمشق وأهل حمص وقيصر يومئذ وجنوده بأنطاكية ، يريد أن يدخل بهم بلاده . وتأتي بطارقته من الروم وأهل قنسرين وأهل الجزيرة عليه يسألونه أن يسير بهم فيقاتلوا المسلمين ، ويأبى عليهم ، فقالوا : فاعقد لرجل وسيرنا معه ففعل ، فعقد لباهان الرومي الأرمني ، وسير معه من روم الروم مائتي ألف ، وسار من روم قنسرين وأهل الجزيرة وغيرهم بشر كثير ، فبلغ ذلك المسلمين الذين على حمص ، فأجمع أمرهم على المسير إلى إخوانهم الذين بدمشق فيكون أمرهم واحداً ، فقال لهم أهل مدينة حمص نحن على صلحنا إن ظفرتم لا نكثر عليكم ولا نمد ؟ قالوا : نعم . وساروا إلى دمشق .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 381 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وسارت الروم على حمص على بعلبك ، ثم على البقاع ، ثم على حولة دمشق ، فأشفق المسلمون أن يحولوا بينهم وبين إخوانهم الذين بسواد الأردن وما قبلها ، فساروا حتى نزلوا الجابية ، وانضم إليهم إخوانهم فكانوا جميعاً » .
وفي تاريخ دمشق : 2 / 162 : « فكتب إلى بطارقته أن اجتمعوا لهم وانزلوا بالروم منزلاً واسع العطن ، واسع المطرد ، ضيق المهرب . . . فنزلوا الواقوصة على ضفة اليرموك ، وصار الوادي خندقاً لهم وهو لهب لا يدرك ، وإنما أراد باهان وأصحابه أن تستفيق الروم . . . ومخرجهم صفر سنة ثلاث عشرة وشهري ربيع لا يقدرون من الروم على شئ ، ولا يخلصون إليهم واللهب وهو الواقوصة من ورائهم ، والخندق من ورائهم » .
وقال الواقدي في : 1 / 163 : « ثم إن الملك هرقل لما قلد أمر جيوشه ماهان ملك الأرمن ، وأمره بالنهوض إلى قتال المسلمين وركب الملك هرقل وركب الروم وضربوا بوق الرحيل ، وخرج الملك هرقل ليتبع عساكره . . . وسار ماهان في أثر القوم بجيوشه والرجال أمامه ينحتون له الأرض ويزيلون من طريقهم الحجارة ، وكانوا لا يمرون على بلد ولا مدينة الا أضروا بأهلها ، ويطالبونهم بالعلوفة والإقامات ولا قدرة لهم بذلك فيدعون عليهم ويقولون : لا ردكم الله سالمين . قال وجَبْلَة بن الأيْهم ( رئيس غسان ومن معها ) في مقدمة ماهان ومعه العرب المتنصرة من غسان ولخم وجذام . . . . وجعل الجواسيس يسيرون حتى وصلوا إلى الجابية وحضروا بين يدي الأمير أبي عبيدة وأخبروه بما رأوه من عظم الجيوش والعساكر ، فلما سمع أبو عبيدة ذلك عظم عليه وكبر لديه وقال : لا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 382 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، وبات قلقاً لم تغمض له عين خوفاً على المسلمين . . . قال عطية بن عامر : فوالله ما شبهت عساكر اليرموك إلا كالجراد المنتشر إذْ سدَّ بكثرته الوادي ! قال : ونظرت إلى المسلمين قد ظهر منهم القلق وهم لا يفترون عن قول : لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، وأبو عبيدة يقول : رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ » .

أبو بكر وعمر يستنجدان بعلي ( عليه السلام )

خاف أبو عبيدة من تحشيد الروم ، فكتب إلى أبي بكر ، ثم كتب إلى عمر .
قال الكلاعي الأندلسي : 3 / 279 : « وقد استمدوا أبا بكر ، وأعلموه الشأن ، في صفر من سنة ثلاث عشرة » . فقد حشد الروم مئة وعشرين ألف مقاتل ، وكان عدد المسلمين أربعةً وعشرين ألفاً . ( تاريخ دمشق : 2 / 143 ) .
وقال ابن الأعثم في : 1 / 179 : « وبلغ أبا عبيدة بأن ماهان وزير هرقل أقبل في عساكره ، حتى نزل مدينة حمص في مائة ألف ، فاغتم لذلك . . .
قال : ثم تكلم قيس بن هبيرة المرادي فقال : أيها الأمير هذا وقت رأيٌ نشير به عليك ، أترانا نرجع إلى بلادنا ومساقط رؤوسنا ، وتترك لهؤلاء الروم حصوناً ودياراً وأموالاً قد أفاءها الله علينا ، ونزعها من أيديهم فجعلها في أيدينا ، إذن لا ردنا الله إلى أهلنا أبداً إن تركنا هذه العيون المتفجرة والأنهار المطردة والزرع والنبات والكروم والأعناب والذهب والفضة والديباج والحرير والحنطة والشعير ! ونرجع إلى أكل الضب ولبوس العباءة ، ونحن نزعم أن قتيلنا في
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 383 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الجنة يصيب نعيماً مقيماً ، وقتيلهم في النار يلقى عذاباً أليما ! أُثبت أيها الأمير وشجع أصحابك ، وتوكل على الله ، وثق به ولا تيأس من النصر والظفر .
قال فقال أبو عبيدة : أحسنت يا قيس ، ما الرأي إلا ما رأيت ، وأنا زعيم لك ، ولا أبرح هذه الأرض حتى يأذن الله لي » .
أقول : يدل هذا النص على أن خوف بعض المسلمين من الروم قد بلغ مداه ! وأن المعادلة الدنيوية كانت غالبة عليهم ، لكن بعضهم غلبت عليه الطمأنينة والمعادلة الدينية ، كما رأيت في اطمئنان علي ( عليه السلام ) بالوعد النبوي بهزيمة الروم .
وكان أبو عبيدة كتب إلى أبي بكر أيضاً ، فاستشار علياً ( عليه السلام ) فأرسل الأشتر وعمرو بن معدي كرب ، وفرسان النخعيين ، وكانوا شيعته وأنصاره عندما كان في اليمن .
قال الواقدي : 1 / 68 : « فما لبثوا حتى أقبل مالك بن الأشتر النخعي . . . وقد عزم على الخروج مع الناس إلى الشام . . واجتمع بالمدينة نحو تسعة آلاف ، فلما تم أمرهم كتب أبو بكر كتاباً إلى خالد بن الوليد . . . وقد تقدم إليك أبطال اليمن وأبطال مكة ، ويكفيك ابن معد يكرب الزبيدي ، ومالك بن الحارث » .
ثم توفي أبو بكر واستمر تحشيد الروم لقواتهم فكتب أبو عبيدة إلى عمر :
في فتوح الشام : 1 / 177 : « قال الواقدي : حدثني من أثق به أن الأمير أبا عبيدة لما نظر إلى عساكر الروم معولة على قتاله ، كتب إلى عمر بن الخطاب كتاباً يقول فيه : بسم الله الرحمن الرحيم . إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب من أبي عبيدة عامر بن الجراح عامله . سلام عليك ، فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو ، وأصلي على نبيه محمد ( صلى الله عليه وآله ) . واعلم يا أمير المؤمنين أن كلب الروم هرقل قد استفزَّ علينا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 384 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كل من يحمل الصليب ، وقد سار القوم إلينا كالجراد المنتشر ، وقد نزلنا باليرموك بالقرب من أرض الرماة والخولان ، والعدو في ثمان مائة ألف مقاتل غير التبع وفي مقدمتهم ستون ألف من العرب المنتصرة من غسان ولخم وجذام . . .
فلا تغفل عن المسلمين وأمدنا برجال من الموحدين ، ونحن نسأل الله تعالى أن ينصرنا وينصر الإسلام وأهله ، والسلام عليك وعلى جميع المسلمين ورحمة الله وبركاته . وطوى الكتاب وسلمه إلى عبد الله بن قرط الأزدي ، وأمره أن يتوجه إلى مدينة يثرب . قال عبد الله بن قرط : فركبت من اليرموك يوم الجمعة في الساعة العاشرة بعد العصر ، وقد مضى من شهر ذي الحجة اثنا عشر يوماً والقمر زائد النور ، فوصلت يوم الجمعة في الساعة الخامسة ، والمسجد مملوء بالناس ، فأنخت ناقتي على باب جبريل ( عليه السلام ) وأتيت الروضة وسلمت على رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وعلى أبي بكر الصديق وصليت فيها ركعتين ، ونشرت الكتاب إلى عمر بن الخطاب ، قال فضجت المسلمون عند رؤيته ، وتطاولت إلى عمر بن الخطاب ، وقبلت يديه وسلمت عليه ، فلما فتح عمر الكتاب انتقع لونه وتزعزع كونه ، وقال : إنا لله وإنا إليه راجعون .
فقال عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب والعباس وعبد الرحمن بن عوف وطلحة وغيرهم من الصحابة : يا أمير المؤمنين أطلعنا على ما في هذا الكتاب من أمر إخواننا المسلمين . فقام عمر ورقى المنبر خطيباً وقرأ الكتاب على الناس ، فلما سمعوا ما فيه ضجوا بالبكاء شوقاً إلى إخوانهم وشفقة عليهم ، وكان أكثر الناس بكاء عبد الرحمن بن عوف ، وقال : يا أمير المؤمنين ابعث بنا إليهم ، ولو
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 385 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قدمت أنت إلى الشام لشدت بك ظهور المسلمين ، فوالله ما أملك إلا نفسي ومالي ، وما أبخل بهما على المسلمين .
قال : فلما سمع عمر بن الخطاب كلام عبد الرحمن بن عوف ونظر إلى إشفاق المسلمين وجزعهم على إخوانهم ، أقبل على عبد الله وقال : يا ابن قرط من المقدم على عساكر الروم ؟ فقلت : خمسة بطارقة أحدهم ابن أخت الملك هرقل ، وهو قورين ، والديرجان ، وقناطير ، وجيرجير ، وصلبانهم تحت صليب ماهان الأرمني ، وهو الملك على الجميع ، وجبلة بن الأيهم الغساني مقدم على ستين ألف فارس من العرب المتنصرة .
فاسترجع عمر وقال : لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، ثم قرأ عمر : يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ . ثم قال : ما تشيرون به عليَّ رحمكم الله تعالى ؟
فقال له علي بن أبي طالب : أبشروا رحمكم الله تعالى ، فإن هذه الوقعة يكون فيها آية من آيات الله تعالى ، يختبر بها عباده المؤمنين لينظر أفعالهم وصبرهم ، فمن صبر واحتسب كان عند الله من الصابرين . واعلموا أن هذه الوقعة هي التي ذكرها لي رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) التي يبقى ذكرها إلى الأبد ! هذه الدائرة المهلكة .
فقال العباس : على مَن هي يا ابن أخي ؟ فقال : يا عماه على من كفر بالله واتخذ معه ولداً ، فثقوا بنصر الله عز وجل .
ثم قال لعمر : يا أمير المؤمنين ، أكتب إلى عاملك أبي عبيدة كتاباً ، وأعلمه فيه أن نصر الله خير له من غوثنا ، ونجدتنا فيوشك أنه في أمر عظيم .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 386 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فقام عمر ورقى المنبر وخطب خطبة وجلت منها القلوب ، وذرفت منها العيون ، وذكر فضل الجهاد ثم نزل وصلى بالمسلمين ، فلما فرغ من صلاته كتب إلى أبي عبيدة كتاباً ، يقول فيه : بسم الله الرحمن الرحيم . من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى أمين الأمة أبي عبيدة بن الجراح ، ومن معه من المهاجرين والأنصار . سلام عليكم ، فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو ، وأصلي على نبيه محمد ( صلى الله عليه وآله ) . أما بعد ، فإن نصر الله خير لكم من معونتنا ، واعلموا أنه ليس بالجمع الكثير يهزم الجمع القليل ، وإنما يهزم الجمع القليل ، وإنما يهزم بما أنزل الله من النصر ، وإن الله عز وجل يقول : وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ . وربما ينصر الله العصابة القليل عددها على العصابة الكثيرة ، وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللهِ ، وقد قال تعالى : فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً . يا طوبى للشهداء ويا طوبى لمن يتكل على الله . فالقَ العدو بمن معك من المسلمين ، ولا تيأس بمن صرع من المسلمين ، فقد رأيت من صرع بين يدي رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وما عجزوا عن عدوهم في مواطن كثيرة ، حتى قتلوا في سبيل الله ، ولم يهابوا لقاء الموت في جنب الله تعالى ، بل جاهدوا في سبيل الله حق جهاده : وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ . فَآتَاهُمُ اللهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ . فإذا ورد عليك كتابي هذا فاقرأه على المسلمين ، وأمرهم أن يقاتلوا العدو في سبيل الله عز وجل ، واقرأ عليهم : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ . والسلام عليك ورحمة الله وبركاته » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 387 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أقول : قول الرواة الساعة العاشرة أو الخامسة : أي من طلوع الشمس ، وكانت العرب تقسم النهار اثنتي عشرة ساعة ، من طلوع الشمس إلى غروبها ، والليل اثني عشر ساعة من غروبها إلى طلوعها .
وقول علي ( عليه السلام ) في الرواية : « أبشروا رحمكم الله تعالى ، فإن هذه الوقعة يكون فيها آية من آيات الله تعالى » : يقصد آية تحقق النصر للمسلمين ، والآية مالك الأشتر رضي الله عنه ، حيث قتل ماهان القائد العام لجيوش هرقل ، وعشرة أو أكثر من قادتهم في مطلع المعركة فضعضع أركانهم ، وألقى الرعب في قلوبهم !
قال الكلاعي في الاكتفاء : 3 / 273 : « كان من جلداء الرجال وأشدائهم ، وأهل القوة والنجدة منهم ، وإنه قتل يوم اليرموك قبل أن ينهزموا أحد عشر رجلاً من بطارقتهم ، وقتل منهم ثلاثة مبارزة » !
هذا ، وقد أهمل أكثر رواة السلطة مشاورة أبي بكر لعلي ( عليه السلام ) ، وإرساله فرسان النخع ، وتقدم قول الواقدي ( 1 / 68 ) : « فما تمت أيام قلائل حتى جاء جمع من اليمن وعليهم عمرو بن معد يكرب الزبيدي يريد الشام ، فما لبثوا حتى أقبل مالك بن الأشتر النخعي فنزل عند الإمام علي ( عليه السلام ) بأهله ، وكان مالك يحب سيدنا علياً وقد شهد معه الوقائع وخاض المعامع في عهد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وقد عزم على الخروج مع الناس إلى الشام » .
كما غيب أكثرهم مشاورة عمر لعلي ( عليه السلام ) وتبشيره بالنصر على يد الذين أرسلهم !
قال الطبري : 2 / 590 : « وخرج هرقل حتى نزل بحمص فأعد لهم الجنود ، وعبأ لهم العساكر ، وأراد اشتغال بعضهم عن بعض لكثرة جنده وفضول رجاله ، وأرسل إلى عمرو أخاه تذارق لأبيه وأمه ، فخرج نحوهم في تسعين ألفاً ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 388 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وبعث من يسوقهم حتى نزل صاحب الساقة ثنية جلق بأعلى فلسطين ، وبعث جرجة بن توذرا نحو يزيد بن أبي سفيان فعسكر بإزائه ، وبعث الدراقص فاستقبل شرحبيل بن حسنة ، وبعث الفيقار بن نسطوس في ستين ألفاً نحو أبى عبيدة . فهابهم المسلمون ، وجميع فرق المسلمين واحد وعشرون ألفاً ، سوى عكرمة في ستة آلاف ، ففزعوا جميعاً بالكتب وبالرسل إلى عمر أن ما الرأي ؟ فكاتبهم وراسلهم إن الرأي الاجتماع ، وذلك أن مثلنا إذا اجتمع لم يغلب من قلة ، وإذا نحن تفرقنا لم يبق الرجل منا في عدد يقرن فيه لأحد ممن استقبلنا وأعد لنا لكل طائفة منا . فاتعدوا اليرموك ليجتمعوا به .
وقد كتب إلى أبى بكر بمثل ما كاتب به عمراً فطلع عليهم كتابه بمثل رأى عمرو ، بأن اجتمعوا فتكونوا عسكراً واحداً ، والقوا زحوف المشركين بزحف المسلمين ، فإنكم أعوان الله ، والله ناصر من نصره وخاذل من كفره ، ولن يؤتى مثلكم من قلة ، وإنما يؤتى العشرة آلاف والزيادة على العشرة آلاف إذا أتوا من تلقاء الذنوب ، فاحترسوا من الذنوب ، واجتمعوا باليرموك متساندين ، وليصل كل رجل منكم بأصحابه .
وبلغ ذلك هرقل فكتب إلى بطارقته أن اجتمعوا لهم ، وانزلوا بالروم منزلاً واسع العطن ، واسع المطرد ، ضيق المهرب ، وعلى الناس التذارق وعلى المقدمة جرجة ، وعلى مجنبتيه باهان والدراقص ، وعلى الحرب الفيقار ، وأبشروا فإن باهان في الأثر مدداً لكم ، ففعلوا فنزلوا الواقوصة ، وهى على ضفة اليرموك
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 389 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وصار الوادي خندقاً لهم وهو لهب لا يدرك . وإنما أراد باهان وأصحابه أن تستفيق الروم ويأنسوا بالمسلمين ، وترجع إليهم أفئدتهم عن طريتها .
وانتقل المسلمون عن عسكرهم الذي اجتمعوا به ، فنزلوا عليهم بحذائهم على طريقهم ، وليس للروم طريق إلا عليهم ، فقال عمرو : أيها الناس أبشروا حصرت والله الروم ، وقلما جاء محصور بخير .
فأقاموا بإزائهم وعلى طريقهم ومخرجهم صفر من سنة ثلاث عشرة ، وشهرى ربيع ، لا يقدرون من الروم على شئ ، ولا يخلصون إليهم ، واللهب وهو الواقوصة من ورائهم ، والخندق من أمامهم ، ولا يخرجون خرجة إلا أديل المسلمون منهم ، حتى إذا سلخوا شهر ربيع الأول وقد استمدوا أبا بكر وأعلموه الشأن في صفر » .
أقول : الصحيح أنهم في تلك المدة استمدوا عمر لأن أبا بكر توفي قبل مرج الصفَّر ، واليرموك وفِحل ، وتولى الخلافة عمر ، فبادر إلى عزل خالد بن الوليد ومصادرة نصف أمواله ، وأمَّر أبا عبيدة مكانه ، فبعث إليه يستمده أيضاً !

لم يكن خالد بن الوليد قائد معركة اليرموك

كانت قيادة المعركة مشتركة ، والروم نحو مئتي ألف ، والمسلمون أربعين ألفاً ،
قال ابن عساكر في تاريخ دمشق : 2 / 142 : « قال خليفة بن خياط : قال ابن الكلبي : كانت الوقعة يعني باليرموك يوم الاثنين لخمس مضين من رجب ، سنة خمس عشرة . وهذه الأقوال هي المحفوظة في تاريخ اليرموك ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 390 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وروى الطبري : 2 / 591 ، أن المسلمين كانوا ستاً وثلاثين ألفاً ، والروم : « أربعون ومائتا ألف ، منهم ثمانون ألف مقيد ، وأربعون ألفاً منهم مسلسل للموت ، وأربعون ألفاً مربطون بالعمائم ، وثمانون ألف فارس ، وثمانون ألف راجل » .
وفي تاريخ دمشق : 2 / 143 : « أن المسلمين كانوا أربعة وعشرين ألفاً وعليهم أبو عبيدة بن الجراح ، والروم عشرون ومائة ألف عليهم ماهان وسقلان يوم اليرموك » . وفي تاريخ دمشق : 2 / 158 : « وكانوا جميعاً ( المسلمين ) ستة وأربعين ألفاً » .
وفي نهاية ابن كثير : 7 / 18 : « وقتل في هذا اليوم من المسلمين ثلاثة آلاف ، منهم عكرمة وابنه عمرو ، وسلمة بن هشام ، وعمرو بن سعيد ، وأبان بن سعيد ، وأثبت خالد بن سعيد ، فلا يدرى أين ذهب ، وضرار بن الأزور ، وهشام بن العاص ، وعمرو بن الطفيل بن عمرو الدوسي وحقق الله رؤيا أبيه يوم اليمامة . وقد أتلف في هذا اليوم جماعة من الناس » .
وكان أمراء اليرموك أربعة ، أبو عبيدة ، وشرحبيل ، ويزيد بن أبي سفيان ، وعمرو العاص . وكانت لأبي عبيدة ولاية عامة ، لكنها نظرية أكثر منها عملية .
قال الطبري : 2 / 592 : « وكان عسكر أبي عبيدة باليرموك مجاوراً لعسكر عمرو بن العاص ، وعسكر شرحبيل مجاوراً لعسكر يزيد بن أبي سفيان ، فكان أبو عبيدة ربما صلى مع عمرو ، وشرحبيل مع يزيد . فأما عمرو ويزيد فإنهما كانا لا يصليان مع أبي عبيدة وشرحبيل » .
أما خالد بن الوليد فكان أميراً على الذين جاء بهم من العراق ، وهم بضع مئات .
قال البلاذري : 1 / 130 : « وسار في شهر ربيع الآخر سنة ثلاث عشرة في ثمان مئة ، ويقال في ست مئة ، ويقال في خمس مئة » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 391 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وكانت معركة مرج الصُّفَّر قبل اليرموك ، واتفق فيها القادة : ابن الجراح ، وابن أبي سفيان ، وشرحبيل ، وابن العاص ، ومعهم ابن الوليد الذي جاء من العراق على إعطاء قيادتها إلى خالد بن سعيد ، كما ذكرناه في ترجمته ، لما رأوه من كفاءته في أجنادين فحقق فيها النصر وأبلى فيها بلاء مميزاً ، حتى حفظوا عنه قوله :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] مَنْ فارسٌ كَرِهَ الطعان يعيرني * رمحاً إذا نزلوا بمرج الصُّفَّر
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] وهو يدل على أنه اعتمد في قتاله على الرمح أكثر من السيف ، وكان عندما كان ينكسر رمحه يستعير رمحاً غيره ، ويواصل قتاله .
ثم كانت بعدها معركة فِحل ، ويبدو أنهم أعطوه القيادة أيضاً لكفاءته ، ولا ننسَ أنه بميزان قبائل قريش محترم عند أولئك القادة ، وكان مهاباً عند خالد بن الوليد ، فقد سبق أن ألزمه بطاعة علي ( عليه السلام ) في اليمن .
لكن حدث بعد معركة أجنادين مباشرة أن أبا بكر توفي ، وتسلم عمر الخلافة ، وكان يصر على أبي بكر أن يقتل خالد بن الوليد قصاصاً بمالك بن نويرة ، فلم يطعه ، فكان أول مرسوم كتبه عمر في خلافته عزل خالد بن الوليد ، بل أمر بنزع عمامته وإهانته ، وبمصادرة نصف أمواله ، حتى أنه صادر فردة نعليه !
وكان غضب عمر على خالد بن سعيد أشد من غضبه على ابن الوليد ، وقد أطاعه فيه أبو بكر فعزله ، لكن خالد بن سعيد فرض احترامه على قادة الجيوش فقدموه عليهم ، وهو أمرٌ يغيض عمر ، فلا بد أنه كتب لهم أن لا يعطوه القيادة . وهذا هو السبب في أنه لم تظهر أخباره في اليرموك ، بل قالت رواية إنه شارك واستشهد ، وقالت رواية إنه شارك وجُرح ، وقالت رواية في الطبري : 2 / 597 : « وكان ممن أصيب في الثلاثة الآلاف الذين أصيبوا يوم اليرموك ، عكرمة ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 392 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وعمرو بن عكرمة ، وسلمة بن هشام ، وعمرو بن سعيد ، وأبان بن سعيد ، وأثبت خالد بن سعيد فلا يدرى أين مات » ! وهكذا ضاع أكبر قائد للفتوحات !
وبعد أن عزل عمر خالد بن الوليد لم تكن له صفة في معركة اليرموك ، فكان دوره ثانوياً . على أن دوره في المعارك كان دائماً شكلياً لا حقيقياً ، كما أثبتنا !
لكنك مع كل هذا ، تجد في التأريخ الرسمي لليرموك أن الرواة جعلوا خالد بن الوليد القائد العام المطاع ، والعبقري المخطط ، والوالي المفاوض للروم ، والبطل الذي يسوق بسيفه ألوفاً مؤلفة من الروم !
وسبب ذلك أنه بعد وفاة عمر ، ردَّ عثمان إلى ابن الوليد اعتباره ، فدخل في نادي المؤيدين للسلطة ، وأخذ الرواة يروون مناقبه العظيمة ، وتناسوا غضب عمر عليه ! وواصل ذلك معاوية بعد أن التحق به عبد الرحمن بن خالد ، وكان القائد العام لجيشه في صفين !
قال الواقدي في فتوح الشام : 2 / 253 : « فتأهب الأمراء للحرب ، فلما أصبح خالد صلى بأصحابه صلاة الصبح وبادروا للحرب والقتال ، وصاحوا النصر النصر يا خيل الله اركبي وللجنة اطلبي . فركب المسلمون خيولهم وركزوا راياتهم واصطفوا ميمنة وميسرة وقلباً وجناحين ، وخالد في وسط الجيش ، وعلى الساقة ميسرة بن مسروق العبسي ، ومالك الأشتر النخعي ، في خمس مائة فارس من المهاجرين والأنصار » .
فهو في هذه الرواية قائد المعركة ، بل دوره أكبر من ذلك حسب الرواية التالية : قال الطبري : 2 / 592 : « وكان عسكر أبى عبيدة باليرموك مجاوراً لعسكر عمرو بن العاص ، وعسكر شرحبيل مجاوراً لعسكر يزيد بن أبي سفيان ، فكان أبو عبيدة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 393 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ربما صلى مع عمرو وشرحبيل مع يزيد ، فأما عمرو ويزيد فإنهما كانا لا يصليان مع أبي عبيدة وشرحبيل .
وقدم خالد بن الوليد وهم على حالهم تلك ، فعسكر على حدة ، فصلى بأهل العراق ، ووافق خالد بن الوليد المسلمين وهم متضايقون بمدد الروم ، عليهم باهان ، ووافق الروم وهم نشاط بمددهم ، فالتقوا فهزمهم الله حتى ألجأهم وأمدادهم إلى الخنادق ، والواقوصة أحد حدوده ، فلزموا خندقهم عامة شهرهم يحضهم القسيسون والشمامسة والرهبان ، وينعون لهم النصرانية ، حتى استبصروا فخرجوا للقتال الذي لم يكن بعده قتال مثله في جمادى الآخرة .
فلما أحس المسلمون خروجهم وأرادوا الخروج متساندين ، سار فيهم خالد بن الوليد فحمد الله وأثنى عليه ، وقال إن هذا يوم من أيام الله لا ينبغي فيه الفخر ولا البغى ، أخلصوا جهادكم وأريدوا الله بعملكم ، فإن هذا يوم له ما بعده ، ولا تقاتلوا قوماً على نظام وتعبية ، على تساند وانتشار ، فإن ذلك لا يحل ولا ينبغي . وإن من وراءكم لو يعلم علمكم حال بينكم وبين هذا ، فاعملوا فيما لم تؤمروا به الذي ترون أنه الرأي من واليكم ومحبته .
قالوا : فهات فما الرأي ؟ قال : إن أبا بكر لم يبعثنا إلا وهو يرى أنا سنتياسر ، ولو علم بالذي كان ويكون لقد جمعكم . إن الذي أنتم فيه ( من الاختلاف ) أشد على المسلمين مما قد غشيهم ، وأنفع للمشركين من أمدادهم ، ولقد علمت أن الدنيا فرقت بينكم ، فالله الله فقد أفرد كل رجل منكم ببلد من البلدان ، لا ينتقصه منه إن دان لأحد من أمراء الجنود ، ولا يزيده عليه إن دانوا له .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 394 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إن تأمير بعضكم لا ينقصكم عند الله ، ولا عند خليفة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) . هلموا فإن هؤلاء قد تهيؤوا وهذا يوم له ما بعده ، إن رددناهم إلى خندقهم اليوم ، لم نزل نردهم ، وإن هزمونا لم نفلح بعدها فهلموا فلنتعاور ( نتناوب ) الإمارة ، فليكن عليها بعضنا اليوم والآخر غداً والآخر بعد غد ، حتى يتأمر كلكم . ودعوني إليكم اليوم ، فأمَّروه وهم يرون أنها كخرجاتهم وأن الأمر أطول مما صاروا إليه ، فخرجت الروم في تعبية لم ير الراؤون مثلها قط ، وخرج خالد في تعبية لم تعبها العرب قبل ذلك ، فخرج في ستة وثلاثين كردوساً إلى الأربعين وقال : إن عدوكم قد كثر وطغى وليس من التعبية تعبية أكثر من رأى العين من الكراديس ( أي أكثر من مد البصر والكردوس مجموعة قد يصل إلى ألف ) ، فجعل القلب كراديس وأقام فيه أبا عبيدة ، وجعل الميمنة كراديس وعليها عمرو بن العاص وفيها شرحبيل بن حسنة ، وجعل الميسرة كراديس وعليها يزيد بن أبي سفيان ،
وكان على كردوس من كراديس أهل العراق القعقاع بن عمرو ،
وعلى كردوس مذعور بن عدي ،
وعياض بن غنم على كردوس ،
وهاشم بن عتبة على كردوس ،
وزياد بن حنظلة على كردوس ،
وخالد في كردوس ،
وعلى فالَّة خالد بن سعيد دحية بن خليفة على كردوس ،
وامرؤ القيس على كردوس ،
ويزيد بن يحنس على كردوس ،
وأبو عبيدة على كردوس ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 395 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وعكرمة على كردوس ،
وسهيل على كردوس ،
وعبد الرحمن بن خالد على كردوس ،
وهو يومئذ ابن ثماني عشرة سنة ،
وحبيب بن مسلمة على كردوس ،
وصفوان بن أمية على كردوس ،
وسعيد بن خالد على كردوس ،
وأبو الأعور بن سفيان على كردوس ،
وابن ذي الخمار على كردوس ،
وفى الميمنة عمارة بن مخشى بن خويلد على كردوس ،
وشرحبيل على كردوس ، ومعه خالد بن سعيد ،
وعبد الله بن قيس على كردوس ،
وعمرو بن عبسة على كردوس ،
والسمط بن الأسود على كردوس ،
وذو الكلاع على كردوس ،
ومعاوية بن حديج على آخر ،
وجندب بن عمرو بن حممة على كردوس ،
وعمرو بن فلان على كردوس ،
ولقيط بن عبد القيس بن بجرة حليف لبنى ظفر من بنى فزارة على كردوس ، وفى الميسرة يزيد بن أبي سفيان على كردوس ،
والزبير على كردوس ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 396 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وحوشب ذو ظليم على كردوس ،
وقيس بن عمرو بن زيد بن عوف بن مبذول بن مازن بن صعصعة من هوازن حليف لبنى النجار على كردوس ،
وعصمة بن عبد الله حليف لبنى النجار من بنى أسد على كردوس ،
وضرار بن الأزور على كردوس ،
ومسروق بن فلان على كردوس ،
وعتبة بن ربيعة بن بهز حليف لبنى عصمة على كردوس ،
وجارية بن عبد الله الأشجعي حليف لبنى سلمة على كردوس ،
وقباث على كردوس ،
وكان القاضي أبو الدرداء ، وكان القاص أبو سفيان بن حرب ، وكان على الطلائع قباث بن أشيم ، وكان على الأقباض عبد الله بن مسعود . . .
وكان القارئ المقداد ومن السنة التي سن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بعد بدر ، أن يقرأ سورة الجهاد عند اللقاء وهى الأنفال ، ولم يزل الناس بعد ذلك على ذلك » .
ثم وصفت الرواية المعركة ، فقالت : « فزحف بهم خالد حتى تصافحوا بالسيوف فضرب فيهم خالد وجرجة ( قائد مقدمة الروم زعموا أنه أسلم على يد خالد ) من لدن ارتفاع النهار إلى جنوح الشمس للغروب ، ثم أصيب جرجة ، ولم يصلِّ صلاة سجد فيها إلا الركعتين اللتين أسلم عليهما ، وصلى الناس الأولى والعصر إيماء ، وتضعضع الروم ونهد خالد بالقلب حتى كان بين خيلهم ورجلهم ، وكان مقاتلهم واسع المطرد ضيق المهرب ، فلما وجدت خيلهم مذهباً ذهبت ، وتركوا رَجِلَهم في مصافهم ، وخرجت خيلهم تشتد بهم في الصحراء ، وأخر الناس الصلاة حتى صلوا بعد الفتح .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 397 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولما رأى المسلمون خيل الروم توجهت للهرب ، أفرجوا لها ولم يحرجوها فذهبت فتفرقت في البلاد ، وأقبل خالد والمسلمون على الرِّجل ففضوهم ، فكأنما هدم بهم حائط ، فاقتحموا في خندقهم فاقتحمه عليهم ، فعمدوا إلى الواقوصة ، حتى هوى فيها المقرنون وغيرهم ، فمن صبر من المقترنين للقتال هوى به من جشعت نفسه ، فيهوى الواحد بالعشرة لا يطيقونه ، كلما هوى اثنان كانت البقية أضعف ، فتهافت في الواقوصة عشرون ومائة ألف ، ثمانون ألف مقترن وأربعون ألف مطلق ! سوى من قتل في المعركة من الخيل والرجل فكان سهم الفارس يومئذ ألفاً وخمس مائة » .
ملاحظات على هذه الرواية
1 - أنها تزعم أن خالداً هو القائد العام ، وهو التقي الواعظ للقادة ، وهو الذي يعطي المناصب حتى لأبي عبيدة ، مع أنه معزول بشدة من الخليفة !
قال البلاذري : 1 / 138 : « ثم وليَ أبو عبيدة بن الجراح أمر الشام كله وإمرة الأمراء في الحرب والسلم من قبل عمر بن الخطاب ، وذلك أنه لما استخلف كتب إلى خالد بعزله ، وولى أبا عبيدة » .
2 - تزعم الرواية أن خالداً وزع المسؤوليات وأنه القائد العام ، وورد فها ذكر كردوس فيه اسم خالد فقد يكون هو . كما زادت الكراديس عن أربعين .
3 - نلاحظ أن خالد بن سعيد وابنه سعيداً كانا من قادة الكراديس في اليرموك وأن شرحبيل كان شريكاً في القيادة مع خالد ، كما كان شريكاً مع عمرو العاص
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 398 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
في قيادة الميمنة ، وهو اضطراب في الرواية ، يقصد منه تغييب دوره ، وقد رووا مبارزة شرحبيل لقائد رومي وقتله ، ولم يرووا مبارزات خالد بن سعيد وحملاته !
أما ابنه سعيد ، فقتلوه كما قتلوا أباه عدة مرات ، قبل اليرموك وفيها !
4 - ذكروا أن جرجة الأرمني كان قائد مقدمة جيوش هرقل ( الواقدي : 1 / 185 ) وأنه جرجيس وقتله ضرار ( الطبري : 2 / 590 ) وأنه جرجير وقتله أبو عبيدة ! ثم صار مسلماً على يد خالد يوم المعركة ، وقاتل معه حتى قتل شهيداً !
5 - أعطوا منقبة لأبي سفيان بأنه قصَّاص جيش المسلمين ، أي شيخ الخلافة القرشية ، يحكي لجيشها القصص الحكيمة ! فماذا يحكي غير قصص عداوته لله تعالى ، ومكائده وحربه لرسوله ( صلى الله عليه وآله ) !
قال ابن عبد البر في الإستيعاب : 4 / 1679 : « وفي خبر ابن الزبير أنه رآه يوم اليرموك قال : فكانت الروم إذا ظهرت قال أبو سفيان : إيهٍ بنى الأصفر ، فإذا كشفهم المسلمون قال أبو سفيان :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] وبنو الأصفر الملوكُ ملوكُ * الرومِ لم يبقَ منهمُ مذكورُ
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] فحدث به ابن الزبير أباه لما فتح الله على المسلمين ، فقال الزبير : قاتله الله يأبى إلا نفاقاً ، أو لسنا خيراً له من بني الأصفر » ! والأغاني لأبي الفرج : 6 / 529 .
وفي فتوح ابن الأعثم : 1 / 203 ، أن زوجته هنداً آكلة الأكباد كانت في اليرموك : « ونظرت إلى أبي سفيان وهو منهزم ، فضربت وجه حصانه بعمودها ، وقالت : إلى أين يا بن صخر ؟ إرجع إلى القتال وابذل مهجتك ، حتى يمحص الله عنك ما سلف من تحريضك على رسول الله » ! وهدف الراوي أن يمدح هنداً ولو بذم زوجها !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 399 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
6 - وصفت الرواية المعركة وصفاً مبتوراً بأن خالداً قاد ثلاثين ألف مقاتل وحمل على مئات الآلاف من الروم فهزمهم ، وجعلت المعركة يوماً واحداً ، ولم تصف المبارزات فيها ، ولا ما حدث للميمنة والميسرة والقلب ، وماذا عمل فلان أو فلان ، من قادة المسلمين وأبطالهم !
7 - معنى وَقَص فلان وَوَقَصَتْ به دابَّتُه : سقط عنها فاندقت عنقه ومات . وقد سموا الوادي التي كانت خلف جيش الروم : الواقوصة ، لأن الروم وقصوا فيها وماتوا . كما سموا الأودية : الأهوية ، لأن الإنسان يهوي فيها .
قال الحموي في معجم البلدان : 5 / 354 : « الواقوصة : واد بالشام في أرض حوران نزلها المسلمون أيام أبي بكر على اليرموك لغزو الروم ، وقال القعقاع بن عمرو :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] ألم ترنا على اليرموك فزنا * كما فزنا بأيام العراق
قتلنا الروم حتى ما تساوي * على اليرموك مفروق الوراق
فضضنا جمعهم لما استحالوا * على الواقوصة البتر الرقاق
غداة تهافتوا فيها فصاروا * إلى أمر تعضل بالذواق
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] وفي كتاب أبي حذيفة : أن المسلمين أوقعوا بالمشركين يوماً باليرموك ، قال : فشد خالد في سرعان الناس ، وشد المسلمون معه يقتلونهم كل قتلة ، فركب بعضهم بعضاً حتى انتهوا إلى أعلى مكان مشرف على أهوية ، فأخذوا يتساقطون فيها وهم لا يبصرون وهو يوم ذو ضباب . وقيل كان ذلك بالليل وكان آخرهم لا يعلم بما صار إليه الذي قبله حتى سقط فيها ثمانون ألفاً فما أحصوا إلا بالقضيب وسميت هذه الأهوية بالواقوصة من يومئذ حتى اليوم لأنهم وقصوا فيها ، فلما
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 400 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أصبح المسلمون ولم يروا الكفار ظنوا أنهم قد كمنوا لهم ، حتى أخبروا بأمرهم . ورحل الروم وتبعهم المسلمون يقتلون فيهم ، وكانت الكسرة للروم » .
أقول : لا يمكن تصديق أن مئة ألف أو نحوهم يسقطون في وادٍ سحيق وهم في حالة هرب على خيولهم ، ولا ينتبه حصان واحد منهم إلى أنها وادٍ فيقف !
فلو زعم الرواة أنهم كانوا خمسين فارساً مثلاً ، أصابهم الذعر وكان الجو ضباباً ، لصدقه بعض الناس . لكن الرواة أفرطوا ، فوجب التوقف في كلامهم .
كما لا يمكن قبول زعمهم أن القادة قبلوا أن يخلط خالد خمس مئة نفر جاء بهم من العراق ، بجيوشهم ثم يجعل القيادة دورية ، ويأخذها في اليوم الأول ! وبالأمس جاء كتاب عزله المشدد من الخليفة وتخوينه ومقاسمته ماله ، وإهانته !
قال البلاذري : 1 / 138 : « وكان أميرهم عند الاجتماع في حربهم أول أيام أبى بكر عمرو بن العاص ، حتى قدم خالد بن الوليد الشام فكان أمير المسلمين في كل حرب . ثم ولى أبو عبيدة بن الجراح أمر الشام كله وإمرة الأمراء في الحرب والسلم ، من قبل عمر ابن الخطاب ، وذلك أنه لما استخلف كتب إلى خالد بعزله ، وولى أبا عبيدة » .
وهذا نص في أن خالد بن الوليد لم يكن قائد معركة اليرموك ، فقد توفي أبو بكر بعد أجنادين بأيام ، وقد أثبتنا أن الذي خاض معركة أجنادين جيش شرحبيل وقاده خالد بن سعيد ، وكان كل أمير أميراً على جيشه ، وكان أبو عبيدة وخالد في آخر الناس . وجاءت بعدها معركة مرج الصُّفَّر وقد أعطوا قيادتها لخالد بن سعيد ، وكانت بعدها فحل بنفس التعبئة ، وكان خالد في هذه المعارك معزولاً حتى عن قيادة الذين جاء بهم من العراق ، فكيف يتنازل القادة عن قيادتهم ويعطوا القيادة لخالد المعزول ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 401 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

طالت معركة اليرموك أربعة أيام

جعل أكثر الرواة المعركة يوماً واحداً ، وقد استمرت أياماً ، وكان فيها هزائم حتى في القيادات ! وغرضهم اختصار المعركة بقيادة خالد وبطولته في حملة واحدة ، وتغطية هزيمة المنهزمين وبطولة الأبطال الحقيقيين ! وهذا من تزويرهم المفضوح للتاريخ !
بينما تجد بالتتبع أن المعركة استمرت أربعة أيام ، وكثر فيها الكر والفر ، وهرب فيها القادة « الكبار » ! وقد نص ابن كثير المتعصب على هروب عمرو بن العاص و « أربعة » معه لم يسمهم ، إلى خلف الجبهة ، حتى وبختهم نساء المسلمين !
قال الواقدي : 1 / 212 : « وكان اليوم الثالث من اليرموك يوماً شديداً انهزمت فيه فرسان المسلمين ثلاث مرات ! كل مرة تردهم النساء بالحجارة والعمد ويلوحون بالأطفال إليهم ، فيرجعون إلى القتال !
ولم يزل القتال قائماً إلى أن أقبل الليل بسواده ورجعت الروم إلى مواضعها ، والقتل فيهم كثير ، وفي المسلمين قليل ، إلا أن الجراح فيهم فاشية من النشاب ، فلما دخل الليل بسواده ، رجعت كل فرقة إلى أماكنها ، وباتوا تحت السلاح » .
وفي نهاية ابن كثير : 7 / 18 : « وانهزم عمرو بن العاص في أربعة « ؟ » حتى وصلوا إلى النساء ، ثم رجعوا حين زجرهم النساء ، وانكشف شرحبيل بن حسنة وأصحابه ، ثم تراجعوا حين وعظهم الأمير ، بقوله تعالى : إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ . . » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 402 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي تاريخ دمشق : 2 / 156 : « وشد طرف من الروم على عمرو بن العاص فانكشف هو وأصحابه ، حتى دخلوا أول العسكر ، وهم في ذلك يقاتلون ويشدون ، ولم ينهزموا هزيمة ولوا فيها الظهر ! ( يعني هربوا جَنَّابياً ) !
قال فنزلن النساء بعمدهن من التل فضربن وجوه الرجال ونادت الناس أم حبيبة ابنة العاص فقالت : قبح الله رجلاً يفر عن حليلته ، وقبح الله رجلاً يفر عن كريمته . قالوا : وسمع نسوة من النساء المسلمين يقلن : فلستم بعولتنا إن لم تمنعونا ! قال : فترادَّ المسلمون ، وزحف عمرو وأصحابه حتى عادوا إلى قريب من موقفهم . قالوا وقاتل أيضا شرحبيل بن حسنة في ربعه الذي كان فيه ، فكان وسطاً من الناس . . قالوا : وكان أبو عبيدة من وراء ظهره ردءا له وللمسلمين .
قالوا : فلما رأى قيس بن هبيرة خيل المسلمين ، وراء صفهم مما يلي ميسرة المسلمين ، وأن المسلمين قد دخلت ميسرتهم العسكر ، وأن الروم قد صمدت لهم ، اعترض الروم بخيله تلك ينتظر خيل خالد بن الوليد ، فعطف بهم إلى بعض ورجع المسلمون في آثارهم فقاتلوهم ، وحمل على من يليه من الروم وهو في ميمنة المسلمين حتى اضطروهم إلى صفوفهم .
قالوا : فلما رأى خالد بن الوليد أن قيس بن هبيرة قد كشف من يليه ، وأن المسلمين قد رجعت راجعتهم ، حمل على من يليه من الروم ، يعطف بعضهم بعضاً إلى بعض ، وزحف المسلمون إليهم رويداً » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 403 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فإذا كان هؤلاء القادة انهزموا ، وأبو عبيدة وراء الناس ردءٌ لهم كما زعموا ، وخالد بن الوليد يتربص بخيله وراء الناس ، فمن الذي صمد في وجه الروم وكان يقاتلهم ، إلا الأبطال من تلاميذ علي ( عليه السلام ) ؟

غيب رواة السلطة دور الأشتر في اليرموك !

وغَيَّبَ رواةُ السلطة بطولات الأشتر في اليرموك ، أو نسبوها إلى غيره ! وكذلك أدوار غيره من أبطال الشيعة ، مثل هاشم بن عتبة المرقال ، وخالد بن سعيد بن العاص ، وأخويه عمرو وأبان وابنه سعيد ، والمقداد بن الأسود فارس حروب النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وأبي ذر الغفاري ، وكان قائداً لخمس مئة فارس .
فقد شهد هؤلاء معركة اليرموك ، كما شهدها القائد حذيفة بن اليمان ، وكان رسول أبي عبيدة بالفتح ، وعمرو بن معدي كرب ، وهو فارس له وزنه .
وشهدها عبادة بن الصامت بن أخ أبي ذر ، وقيس بن سعد بن عبادة وهو من الأبطال ، وأبو أيوب الأنصاري وهو من الفرسان القادة ، وجابر بن عبد الله الأنصاري . . وأمثالهم .
قال ابن حبان في الثقات : 2 / 206 : « وكان ممن قتل باليرموك من المسلمين عمرو بن سعيد بن العاص ، وأبان بن سعيد بن العاص » .
وقال في تاريخ دمشق : 2 / 143 : « شهد اليرموك ألف رجل من أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فيهم نحو من مائة من أهل بدر » .
وقد دامت المعركة أربعة أيام ، كما روى الواقدي . ( فتوح الشام : 1 / 211 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 404 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فلماذا لم يرووا بطولات هؤلاء ، وجعلوا المعركة كأنها لخالد بن الوليد ، وآخرين من أتباع السلطة ، مع أن غيرهم أهل البطولات الحقيقية ، وأولاء أهل البطولات الإستعراضية ، وبعضهم مات من سنين كضرار بن الأزور !
لقد اتخذت السلطة قراراً مشدداً بتغييب أخبار شيعة علي ( عليه السلام ) وبطولاتهم التي حققت النصر ، فأهملها الرواة أو غيرها الراوي أو حرفها ، حتى لا يتهموه بالتشيع ، وهي تهمة تكفي لتدمير حياته !
لذلك صرت تقرأ اليرموك حتى عند الراوي الحكومي المعتدل ، كالطبري والبلاذري ، فتجده يختار رواياته بحذر ، حتى لا يمدح المخالفين للسلطة !
وأقلهم حذراً الواقدي ، لأنه كتب مغازيه في عصر ضعفت فيه رقابة الخلافة ضد أهل البيت ( عليهم السلام ) وشيعتهم ، فروى روايات تعتبر كفراً عند من تأخر عنه ! لكنه خلطها للأسف ، أو رواة كتبه ، بالمبالغة والأسطورة لمصلحة أتباع السلطة .
وشبيهٌ به ابن الأعثم في كتابه الفتوح ، والى حد الكلاعي الأندلسي ، سليمان بن موسى ، في كتابه : الإكتفا بسيرة المصطفى ، وهو أندلسي توفي سنة 634 .
لذلك تجد في هذه الكتب تفصيلات هي في غيرها إشارات ، أو لا وجود لها !
وقد وصف الواقدي وقعة اليرموك ، فأطال في أخبار استعداد هرقل ، وأنه أرسل أحد قادته جرجير إلى المسلمين ليفاوضهم ، ففشلت المفاوضات .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 405 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم أرسل ملك غسان جبلة بن الأيهم ملك سوريا والعرب ، الذين هم مع الروم ، وكان عددهم كما قال الواقدي ستين ألفاً ، ففشلت المحادثات ، وتحداه خالد بن الوليد بأنه سيواجههم بستين فارساً فقط ويهزمهم !
وزعمت رواية الواقدي أن خالداً حارب الستين ألفاً بستين فارساً ، فقتلوا منهم كثيراً وهرب الباقون ، كلهم أجمعون أكتعون أبصعون !
ثم روى الواقدي اللقاءات المزعومة لخالد بماهان القائد العام لقوات الروم ، وأنه تحداه بخشونة وقسوة بدوية ، وكأنها قيمة إسلامية يفتخر بنقلها الرواة !
مع أن عمر بن الخطاب قد عزل خالد بن الوليد وأهانه ، قبل معركة اليرموك !
قال الواقدي : 2 / 146 : « نزلوا خلف اليرموك وجعلوا أذرعات خلف ظهورهم ، ونزلت الروم فيما بين دير أيوب إلى ما يليها من نهر اليرموك بينهم النهر ، فعسكروا هنالك أياماً ، فبعث ماهان صاحبهم إلى خالد بن الوليد : إن رأيت أن تخرج إلي في فوارس وأخرج إليك في مثلهم أذكرك أمراً لنا ولكم فيه صلاح وخير ، ففعل خالد بن الوليد فواقفه ملياً ، فكان فيما عرض عليه إذ قال : قد علمت أن الذي أخرجكم من بلادكم غلاء السعر وضيق الأمر بكم ، وإني قد رأيت أن أعطي كل رجل منكم عشرة دنانير وراحلة تحمل حملها من الطعام والكسوة والأدم ، فترجعون بها إلى بلادكم وتعيشون بها أهاليكم سنتكم هذه ، فإذا كان قابل بعثتم إلينا فبعثنا إليكم بمثله ، فإنا قد جئناكم من الجيوش والعدد بما لا قبل لكم به !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 406 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فقال خالد : ما أخرجنا من بلادنا الجوع ولا ضيق الأمر ، ولكنا معشر العرب نشرب الدماء ، فحدثنا أن لا دماء أحلى من دماء الروم ، فأقبلنا نهريق دماءكم ونشربها ! قال : فنظر أصحابه بعضهم إلى بعض وقالوا : هذا ما كنا نحدث به عن العرب من شربها الدماء » ! وتاريخ دمشق : 2 / 146 .
ولك أن تقايس كلام خالد بكلام الأشتر عندما برز لماهان ودعاه إلى الإسلام !
كما روى الواقدي ذهاب خالد في وفد إلى مقر قيادة ماهان فقال : 1 / 186 : « فلما أشرف خالد بن الوليد ومن معه على عساكر الروم ، نظر المسلمون إلى عساكر الروم وهم خمسة فراسخ في العرض ! وعن نوفل بن دحية أن خالد بن الوليد لما ترجل عن جواده وترجل المائة ، جعلوا يتبخترون في مسيرهم ويجرون حمائل سيوفهم ، ويخترقون صفوف الحجاب والبطارقة ، ولا يهابون أحداً ، إلى أن وصلوا إلى النمارق والفراش والديباج ، ولاح لهم ماهان وهو جالس على سريره ، فلما نظر أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) إلى ما ظهر من زينته وملكه ، عظموا الله تعالى وكبروه ، وطرحت لهم الكراسي فلم يجلسوا عليها ، بل رفع كل واحد منهم ما تحته وجلسوا على الأرض ! فلما نظر ماهان إلى فعلهم تبسم وقال : يا معاشر العرب ، لمَ تأبون كرامتنا ، ولمَ أزلتم ما تحتكم من الكراسي وجلستم على الأرض ، ولم تستعملوا الأدب معنا ، ودستم على فراشنا ؟ قال فقال خالد بن الوليد : إن الأدب مع الله تعالى أفضل من الأدب معكم ، وبساط الله أطهر من فرشكم لأن نبينا محمداً ( صلى الله عليه وآله ) قال : جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً ، ثم قرأ قوله تعالى : مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى . . » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 407 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فكأن العامية والخشونة والمبالغة ، جزءٌ من الدين والتقوى ، عند هؤلاء الرواة !
ومن هذه المبالغات العنترية مدح الواقدي لعبد الرحمن بن أبي بكر ، بأنه برز لاثنين معاً ولم يقبل أن يعاونه أحد ، مع أن هذا لا يقع في الحرب !
قال في فتوح الشام / 1 / 195 : « ونظر العلجان إلى صاحبهما مجندلاً فحملا على عبد الرحمن وقصداه ، فأراد قيس بن هبيرة أن يعاونه عليهما ، فقال له عبد الرحمن : سألتك برسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وبحق أبي بكر إلا تركت عبد الرحمن يصطلي بهما ، فإن قتلت فأنت شريكي في الثواب ، وأقرئ عائشة مني السلام ، وقل لها أخوك قد لحق ببعلك وأبيك . فتأخر قيس عنه وقد عجب من فعاله ، فحمل عبد الرحمن على أحد العلجين وهو الأول فطعنه برمحه فاشتبك السنان في درعه ، فرمى عبد الرحمن الرمح من يده وانتضى سيفه ، وقام في الركاب وضرب العلج بسيفه ضربة طرحه بها نصفين ، ونظر العلج الثالث إلى عبد الرحمن وجرأته ، فبقى حائراً متعجباً من حاله ونظر إلى البطريق وهو متحير باهت ، فبانت له فيه غفلة فقال ما يوقفك يا قيس ، وحمل على البطريق وضربه ضربة هشم بها هامته ، فسقط إلى الأرض صريعاً » .
أما ضرار بن الأزور ، الذي قُتل في اليمامة ، فقد أحياه الرواة بعد سنين في معركة اليرموك ، فكان إلى جانب خالد دائماً ، وملأت أساطيره الصفحات !
وحتى أبو هريرة الذي لم يُقاتل كل عمره ولم يضرب بسيف ، صار عند الرواة أسداً في اليرموك ، ببركة طاعته للسلطة ! قال الواقدي في فتوح الشام : 1 / 206 : « وحملت دوس مع أبي هريرة ، وهزَّ رايته ، وهو يحرض قومه على القتال ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 408 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - -