كيف رد الشيعة غزو المغول

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 1 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كيف رد الشيعة غزو المغول
بقلم
علي الكوراني العاملي
طبعة ثانية منقحة / 1431 - 2010
مركز العلامة الحلي الثقافي
محافظة بابل - الحلة - قرب الشركة العامة للصناعات النسيجية
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 2 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 3 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

مقدمة الطبعة الثانية

مقدمة الطبعة الثانية
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء وسيد المرسلين ، نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين ، واللعنة على أعدائهم أجمعين .
وبعد ، فقد اجتاحت جيوش المغول أكثر البلاد الإسلامية ، وعاثوا فيها تقتيلاً وفساداً ، وحكم منهم واحد وعشرون ملكاً ، لأكثر من قرن ونصف .
يقول ابن خلدون في تاريخه : 7 / 726 : « فانتظمت ممالك الإسلام في أيدي وُلْد جنكيزخان من المُغُل ثم من الططر ، ولم يخرج عن ملكهم منها إلا المغرب والأندلس ومصر والحجاز ، وأصبحوا وكأنهم في تلك الممالك خَلَفٌ من السَّلْجوقية والغُزّ ، واستمر الأمر على ذلك لهذا العهد » . انتهى .
كان جيشهم مئات الألوف ، وسكنوا في بلاد المسلمين وتكاثروا فيها ، ولم يرجع منهم إلى موطنهم الأصلي برِّ الصين إلا القليل ، فما هو السبب الذي جعلهم يذوبون في بحر الأمة ، فلا نعرف أبناءهم وذريتهم إلا بصعوبة ، من التاريخ أو مما بقي من ملامحهم ؟ !
لقد اعترفوا بأنها ظاهرة فريدة انخرمت بها قاعدة علماء الاجتماع في أن الأمة الغالبة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 4 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
تفرض ثقافتها على الأمة المغلوبة ، ففي الغزو المغولي فرضت الأمة المغلوبة ثقافتها على المغول ، فأسلموا ! فما هو السبب ؟ !
السبب هو جهود مرجعين من كبار علماء الشيعة ، هما : محمد بن محمد بن الحسن ، المعروف بخواجة نصير الدين الطوسي ( قدس سره ) ، ويوسف بن المطهر ، المعروف بالعلامة الحلي ( قدس سره ) ! فقد واجه هذان المرجعان العبقريان المدَّ المغولي بحكمة وعمق ، وعملا في خطة موفقة ، حققت إنجازات عظيمة :
1 - فقد ركَّزا عملهما على قادة المغول ابتداءً من طاغيتهم الأكبر هولاكو ، إلى أبنائه وأحفاده ووزرائهم ، وأجادا معهم العلاقة والأسلوب ، وأثمرت جهودهما بسرعة نسبية ، فأسلم على أيديهما وأيدي تلاميذهما أبناء هولاكو وكبار قادة جيشهم ، وتغيرت نظرة المغول وشعورهم تجاه الإسلام وأمته ، وبعضهم حسن إسلامه ، وكان أولهم إسلاماً أحمد بن هولاكو ، بل ستعرف أن هولاكو نفسه أسلم شكلياً .
2 - أقنعا المغول أن لا يحكموا بلاد المسلمين مباشرة ، وأن ينصبوا عليها حكاماً أكفَّاء من أهلها أو غيرهم ويطلقوا أيديهم ، ولا يتدخلوا في أمورها الداخلية .
3 - أقنعا المغول بتبني سياسة الحرية المذهبية والإعمار ، فكان ذلك برنامج الحكام المنصوبين من قبلهم ، وظهرت ثماره خاصةً في العراق ، حتى شهد المؤرخون بأن نهضة الثقافة والإعمار كانت أفضل منها في عهد الخلافة العباسية !
4 - اهتم المرجعان بالبحث عن الكفاءات العلمية والإدارية والسياسية ، في طول البلاد وعرضها ، وقاما بجذبها ورعايتها ، وإطلاق يدها في العمل والإبداع .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 5 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ونتيجة لذلك ظهر في مرصد مراغة وجامعتها ، وجامعات المستنصرية والنظامية ، والحلة ، وغيرها من حواضر العلم ، عشرات الأطباء ، والمهندسين ، والفلكيين ، والعلماء من كل نوع ، فأثْرَوْا بعملهم ومؤلفاتهم حياة الأمة .
كان عمل هذين المرجعين وتلاميذهما واسعاً ، شمل المناطق التي احتلها المغول وهي أغلب العالم الإسلامي . ومتنوعاً ، فيه البعد العلمي والاجتماعي والسياسي والإداري . وعميقاً ، في اختيار الكوادر ووضع الخطط ، وإقناع القادة بها ، وتوعية الناس عليها !
وكان الجزء الأصعب فيه عطف أذهان ملوك المغول وقلوبهم من الوثنية إلى الإسلام ، وتبديل تعطشهم للدماء والتدمير والسيطرة ، إلى حب الهدوء والتقوى وخدمة الناس !
وهو أمرٌ لم يتمكن منه إلا المرجع النابغة نصير الدين الطوسي وتلميذه العلامة الحلي رضوان الله عليهما ، بما آتاهما الله من شخصية جذابة حتى لأعدائها !
* *
قد يرى البعض أن هذه الدراسة متحيزةً للشيعة ، لأنها تخالف المعروف عند مؤرخي الحكومات من أن الشيعة تآمروا مع المغول بشخص الوزير محمد بن العلقمي ، والمرجع نصير الدين الطوسي ، الذي صار معتمد هولاكو ووزيره الخاص !
فيرون أن هذه الدراسة تُحَمِّل شخص الخليفة وبطانته وسلاطين دولته ، مسؤولية اجتياح المغول لبلاد المسلمين وإسقاط نظام الخلافة ! بل تجعلهم بسبب فسادهم شركاء للمغول فيما ارتكبوا من مجازر ودمروا من معالم !
لذلك أنصح القارئ الذي تعوَّد من نعومة مفاهيمه على تعظيم المؤرخ التابع للحاكم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 6 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والتلقي منه بدون تفكير ، أن لا يقرأ هذا الكتاب !
فهؤلاء النوع المقلدون ، يريدون أن تكون الحقيقة عن الخلافة العباسية حلوة دائماً ، ولا يحبُّون رؤية الوجه الآخر ، بينما أعظم حلاوة فيها رؤيتُها على واقعها !
وسيرى القارئ أن الشيعة كانوا قارب النجاة للأمة من سوء أفعال الخلفاء وجهازهم ، وأن اتهامه بأن لهم يداً في غزو المغول من أكاذيب خصومهم !
وسيرى أن نصير الدين الطوسي والعلامة الحلي ، قاما بدور البطليْن المنقذيْن للإسلام والمسلمين من شر المغول ، واستطاعا تحويل بعض قادتهم من وحوش مدمرين مخربين إلى مسلمين يتبنون سياسة الحرية المذهبية والعامة ، وسياسة الإعمار ، وتشجيع العلم والعلماء ، وأن الحكم المغولي بتبنيه مذهب التشيع حقق في مدة قصيرة ما عجز عنه حكم الخلافة المترفة المتعصبة في قرون طويلة !
كتبه : علي الكَوْراني العاملي
بقم المشرفة ربيع المولود 1428
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 7 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الأول : خلاصة عن المغول

1 - المغول قبائل من ( منغوليا ) شمال الصين

كانت الصين ستة أقسام يحكم كل قسم ملك ، وكان القسم الأكثر طموحاً المجاور لآسيا الوسطى ويشمل منغوليا الفعلية ، وعاصمته طوغاج ، والمسافة بينها وبين بخارى مسير ستة أشهر ، وشعبها قبائل التتار أو المغول أو المنجول .
واشتهر من ملوكهم في مطلع القرن السابع الهجري جنكيزخان ، المجاور للسلطان العام للخلافة العباسية محمود خوارزم شاه . ( تاريخ أبي الفداء / 744 ) .
قال الذهبي في تاريخه : 44 / 22 : « وجاءه من جنكس خان رسلٌ وهم محمود الخوارزمي وخواجا علي البخاري ، ومعهم من طُرَفُ هدايا الترك من المسك وغيره ، والرسالة تشتمل على التهنئة بسلامة خوارزم شاه ويطلب منه المسالمة والهدنة ، وقال : إن الخان الأعظم يسلم عليك ويقول : ليس يخفى عليَّ عظم شأنك ، وما بلغت من سلطانك ونفوذ حكمك على الأقاليم ، وأرى مسالمتك من جملة الواجبات ، وأنت عندي مثل أعز أولادي ، وغير خاف عنك أنني ملكت الصين ، أنت أخبر الناس ببلادي وإنها مثارات العساكر والخيول ، ومعادن الذهب والفضة ، وفيها كفاية عن طلب غيرها ، فإن رأيت أن نعقد بيننا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 8 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
المودة وتأمر التجار بالسفر لتعم المصلحتان ، فعلتَ .
فأحضر السلطان خوارزم شاه محموداً الخوارزمي وقال : أنت منا وإلينا ولا بد لك من موالاة فينا ، ووعده بالإحسان إن صدقه ، وأعطاه معضدة مجوهرة نفيسة وشرط عليه أن يكون عيناً له على جنكز خان فأجابه ، ثم قال له : أصدقني أجنكز خان ملك طمغاج الصين ؟ قال : نعم . فقال : ما ترى في المصلحة ؟ قال الاتفاق . فأجاب إلى ملتمس جنكز خان .
قال فَسُرَّ جنكز خان بذلك ، واستمر الحال على المهادنة إلى أن وصل من بلاده تجار ، وكان خال السلطان خوارزم شاه ينوب على بلاد ما وراء النهر ومعه عشرون ألف فارس فشرهت نفسه إلى أموال التجار وكاتب السلطان يقول : إن هؤلاء القوم قد جاؤوا بزي التجار وما قصدهم إلا إفساد الحال وأن يجسوا البلاد ، فإن أذنت لي فيهم فأذن له بالاحتياط عليهم وقبض عليهم واصطفى أموالهم ! فوردت رسل جنكز خان إلى خوارزم شاه تقول : إنك أعطيت أمانك للتجار فغدرت ، والغدر قبيح ، وهو من سلطان الإسلام أقبح ، فإن زعمت أن الذي فعله خالط بغير أمرك فسلمه إلينا ، وإلا فسوف تشاهد مني ما تعرفني به ! فحصل عند خوارزم شاه من الرعب ما خامر عقله فتجلد ، وأمر بقتل الرسل فقتلوا ! فيا لها حركة لما هدرت من دماء الإسلام ! أجرت بكل نقطة سيلاً من الدم ! ثم إنه اعتمد من التدبير الردئ لما بلغه سير جنكز خان إليه أنه أمر بعمل سور سمرقند ثم شحنها بالرجال ، فلم تغن شيئاً وولت سعادته وقضي الأمر » !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 9 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

2 - دولة منغوليا أم المغول

موطن المغول الأصلي : جمهورية منغوليا ، وقد اهتمَّتْ بكتابة تاريخ المغول وقبائلهم . راجع موقعهم : http : / / www . china . org . cn
nei - ban / a - xibu / 2 JI / 3 JI / neimeng / html
ومما كتبوا فيه : « تقع منطقة منغوليا الداخلية في شمال الصين ، وتمتد من الشمال الشرقي إلى الجنوب الغربي على شكل مستطيل ، والمسافة المستقيمة من الشرق إلى الغرب 2400 كيلومتر ، ومن الشمال إلى الجنوب 1700 كيلومتر ، تعبر منطقة شمال الصين الشرقي ومنطقة شمالها وشمالها الغربي . ومساحتها الإجمالية 118 ، 300 كيلومتر مربع ، ومشكلاً 3 ، 12 % من مساحة الصين . وتحتل مساحتها المركز الثالث بين المقاطعات والبلديات والمناطق الذاتية الحكم في الصين . وتتاخم 8 مقاطعات ومناطق من جهات الشرق والجنوب والغرب ، وتتاخم من الشمال جمهورية منغوليا وروسيا . وطول خط الحدود داخل المنطقة 4200 كيلومتر » . انتهى .
راجع أيضاً موقع تاريخ الحكام والسلالات الحاكمة :
http : / / www . hukam . net / family . php ? fam = 787
وكتاب تاريخ المغول لعباس إقبال :
http : / / web . cultural . org . ae / new / Publications /
وقد صدرت في عصرنا عدة دراسات عن المغول لباحثين مسلمين وغربيين ، لأن حملة المغول على البلاد الإسلامية تزامنت مع الحملات الصليبية ، وحاول لويس التاسع ملك فرنسا ، وبابا المسيحية كليمنصو الرابع وغيرهما ، أن يتحالفوا مع المغول لاحتلال البلاد الإسلامية ، فلم يقبل المغول !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 10 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كما لف نظر الباحثين أن الفترة التي حكموا فيها العراق ، تميزت عما قبلها وما بعدها ، بالازدهار العمراني والثقافي ، والحرية المذهبية والعامة .
كما ألفتهم أن المغول أسسوا في الهند دولاً ، كان لها تاريخها وثقافتها وعمرانها ، فصارت موضوعاً مهماً للدراسة من تاريخ المغول في الهند .
ولكن القليل من هذه الدراسات أنصف الشيعة ، واعترف بأن سبب الحرية والعمران في الدول المغولية أنها تبنت الفكر الشيعي ، الذي يؤمن بالحرية ويشجع العمران ، بينما قام حكم الخلافة على إجبار الناس على الرأي الواحد !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 11 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

3 - جنكيز خان طاغية المغول ونبيهم !

الشخصية الأولى في المغول : جنكيز خان ، فهو أكبر ملوكهم الذي قاد حملتهم الأولى سنة 617 هجرية واجتاح أكثر بلاد المسلمين ، وكل بلاد القفقاز وروسيا ، وأكثر أوروبا الشرقية ، وقسماً من الهند . ويعتبر نبي المغول المطاع ! وقد وضع لهم شريعة سماها ( الْيَاسَة ) فمشوا عليها في حياته وبعد مماته !
وقد استكثر جنكيز من الأولاد وأحاط نفسه بهالة من العظمة ، ففي صبح الأعشى : 4 / 312 : « وأما أولاد جنكز خان فقد ذكر في مسالك الأبصار عن الصاحب علاء الدين الجويني المقدم ذكره ، أنه كان له عدة أولاد ذكور وإناث من الخواتين والسراري ، وكان أعظم نسائه أوبولي من تيكي ، ومن رسم المُغُل تعظيم الولد بنسب والدته ، وكان له من هذه أربعة أولاد معدين للأمور الخطيرة هم لتخت ملكه بمنزلة أربع قوائم ، وهم : توشي ، وجفطاي وهو أصغرهم ، وأوكداي ، وأوتكين نويان ، وأنه جعل موضعه نقطة دائرة ملكه وبنيه حوله كمحيط الدائرة ، فجعل ابنه أوكداي ولي عهده ، ورتَّبه لما يتعلق بالعقل والرأي والتدبير والولاية والعزل واختيار الرجال والأعمال وعرض الجيوش وتجهيزها ، وكان موضعه في حياة أبيه حدود أيمك وقراباق ، فلما جلس بعد أبيه على تخت الملك انتقل إلى الموضع الأصلي بين الخطا وبلاد الإيغور وأعطى ذلك الموضع لولده كيوك .
وجعل لابنه أوتكين حدود بلاد الخطا ، وعين لابنه الكبير توشي حدود قيالق
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 12 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وإلى أقصى سفسفين وبلغار ، ورتبه على الصيد والقنص .
وجعل لابنه جفطاي حدود بلاد الأيغور إلى سمرقند وبخارا ، ورتبه لتنفيذ النائبات والأمور والمقابلات وما أشبه ذلك . قال ابن عطاء ملك : وكانت أولاده وأحفاده تزيد على عشرة آلاف !
وذكر عن الشيخ شمس الدين الأصفهاني أن جنكزخان أولد أربعة أولاد وهم جوجي وهو أكبرهم ، وكداي ، وطولي ، وأوكداي ، فقتل جوجي في حياة أبيه ، وخلف أولاداً . قال ابن الحكيم الطياري : وهم باتو ويقال باطو وأورده وبركه وتولي وحمتي . قال الشيخ شمس الدين : المذكور والمشهور باتو وبركة ، وأوصى بأن يكون تخته لولده الصغير أوكداي ، وأن تكون مملكة ما وراء النهر وما معه لولده الآخر كداي ، وجعل لابنه جوجي دشت القبجاق وما معه ، وأضاف إليه إيران وتبريز وهمذان ومراغة ، ولم يحصل لطولي شيء ! فلما مات جنكز خان استقل أوكداي بتخت أبيه ، واستقل جوجي بدشت القبجاق وما معه ، واستقل باتو بن جوجي فيما جعله جده جنكزخان لأبيه جوجي من إيران وتبريز وما مع ذلك ، ولم يتمكن كداي من مملكة ما وراء النهر . . . الخ . » .
وهلك جنكيز سنة 623 هجرية ، واختلف أولاده من بعده على الملك رغم وصيته ، لكن اختلافهم لم يؤثر على قوتهم فواصلوا غزو شرق أوروبا وتركيا ، كما واصلوا غاراتهم على بغداد .
وقد اتفقوا سنة 649 على تتويج حفيده منكوآن أو مونككا ، فأصدر أمره إلى أخيه هولاكو بأن يحتل بلاد المسلمين إلى مصر ، والهند ، وأوربا !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 13 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال ابن العبري في تاريخ مختصر الدول / 217 ، و 232 ، ونحوه الذهبي : 45 / 186 : « وفيها ( 648 هجرية ) اجتمع أولاد الملوك وأمراء المغول ، فوصل من حدود قراقورم مونككا بن تولي خان ، وأما سيرامون وباقي أحفاد وخواتين قا آن ، فسيروا قنقورتقاي وكتبوا خطهم أنه قائم مقامهم ، وأن باتوا هو أكبر الأولاد وهو الحاكم ، وهم راضون بما يرضاه . وأما أغول غانميش خاتون زوجة كيوك خان ومن معها من أولاد الملوك ، فوصلوا إلى خدمة باتوا ولم يقيموا عنده أكثر من يوم ، بل رجعوا إلى أوردوهم ( معسكرهم ) واستنابوا أميراً منهم يقال له تيمور نوين ، وأذنوا له أن يوافق على ما يتفق عليه الجمع كله وإن اختلفت الأهواء ، ولا يطيع أحداً حتى يعلمهم كيفية الحال . فبقي جغاتاي ومونككا وسائر من كان حاضراً من الأولاد والأحفاد والأمراء يتشاورون أياماً في هذا الأمر ، وفوضوا الأمر إلى باتوا لأنه أكبر الجماعة وأشدهم رأياً ، فبعد ثلاثة أيام من يوم التفويض قال : إن مثل هذا الخطب الخطير ليس فينا من يفي بحق القيام به غير مونككا ، فوافقوه كلهم على ذلك وأجلسوه على سرير المملكة ، وباتوا مع باقي الأولاد والأكابر وخدموه جاثين على ركبهم كالعادة . وانصرف كل واحد إلى مقامه على بناء أنهم يجتمعون في السنة المقبلة ويعملون مجمعاً كبيراً ليحضره من الأولاد والأكابر من لم يحضر الآن . وفي سنة تسع وأربعين وست مائة في وقت الربيع حضر أكثر الأولاد مثل بركة أغول وأخوه بغاتيمور وعمهم الجتاي الكبير ، والأمراء المعتبرون من أردو جنكزخان . وفي اليوم التاسع من ربيع الآخر كشفوا رؤوسهم ورموا مناطقهم على أكتافهم ، ورفعوا منوككا على سرير
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 14 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
المملكة وسموه مونككا قا آن ، وجثوا على ركبهم تسع مرات ! وكان له حينئذ سبعة من الأخوة : قبلاي ، هولاكو ، اريغبوكا ، موكا ، بوجك ، سبكو ، سونتاي ، فترتبوا جالسين على يمينه والخواتين على يساره ، وعملوا الفرحة سبعة أيام . . . » .

4 - رفض المغول التحالف مع الصليبيين

كان الملك الجديد منكوقا آن يمثل طموحات جده الطاغية جنكيز ، ويخطط لاكتساح العالم كله ! من الصين إلى السند والهند وآسيا وإفريقيا ، ومن الصين إلى خراسان وبغداد والشام وسواحل المتوسط وأروربا !
وفي ذلك الوقت كان لويس التاسع ملك فرنسا في قبرص ، يقود حملة صليبية ضد المسلمين هي الخامسة باسم تحرير القدس من أيدي الكفار ! فكتب له منكوقا آن يطلب منه أن يدخل في طاعته !
« يقول جان سيردي جوانفيل ، وهو الذي رافق لويس التاسع في حملته الصليبية فكان شاهد عيان ، يقول في مذكراته في / 84 من ط 1968 ، التي عربها الدكتور حسن حبشي : « بينما كان الملك ( لويس التاسع ) مقيماً في قبرص ( كانون الأول سنة 1248 م . ) أنفذ إليه ملك التتار استعداده لمعاونة الملك في غزو الأرض المقدسة ، وتخليص بيت المقدس من أيدي المسلمين . ولقد بالغ الملك في إكرام وفادة الرسل ، وأنفذ التاري سفارة من لدنه إلى ملك التتار عادت بعد عامين ، وأرسل معهم إليه خيمة على هيئة كنيسة ، وهي خيمة غالية لأنها مصنوعة بأكملها من القماش القرمزي الجميل الرائع ، وأراد الملك أن يرى ما إذا كان في قدرته اجتذاب
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 15 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أولئك التتار للإيمان بديننا ، فأمر بنقش الخيمة بصورة تمثل بشارة سيدتنا العذراء بالمسيح ، وجميع أسس عقيدتنا ، وأرسل الملك هذه الأشياء جميعها بصحبة أخوين من الجماعة المبشرين يعرفان لغة التتار ويستطيعان هداية المغول » .
ويتحدث ( جدانفيل ) بعد ذلك في / 217 ، عن عودة رسل لويس التاسع قائلاً : « كان عدد شعب هذا الأمير ( التتاري ) المسيحي كبيراً ، حتى لقد أنبأنا رسل الملك أنهم شاهدوا في معسكره ثمان مائة كنيسة صغيرة محمولة على عربات !
ثم يقول : « ويوجد بين التتار كثير من المسيحيين الذين يعتنقون عقيدة الإغريق » .
ويقول في / 218 : « نذكر ما فعله الإيلخان بعد تلقيه رسل الملك وهداياه ، من إرساله عهد أمان لجمع جميع الملوك الذين لم يدينوا بالطاعة بعد ، فلما جاءوه أمر بنصب كنيسة الملك وخاطبهم بقوله : أيها السادة ، لقد بعث ملك فرنسا إلينا ملتمساً عطفنا للدخول في طاعتنا ، وهاكم الجزية التي أنفذها إلينا فانظروها ، فإذا لم تستسلموا لنا فإنا مرسلون في طلبه عليكم ، وإذ ذاك أعلن أكثر الحاضرين استسلامهم للملك التتاري ، خوفاً من الملك الفرنسي » .
ثم يقول جوانفيل : « عاد مبعوثو الملك وفي صحبتهم آخرون من قبل ملك التتار العظيم الذي حملهم كتباً منه إلى ملك فرنسا ، جاء فيها : السلم خيرٌ فإنه إذا ساد أرضاً أكلت كل ذات أربع حشيش السلام ، كما أن من يدبون على قدمين يفلحون الأرض التي تخرج كل طيب في سلام أيضاً . وإننا نقص عليك هذا الخبر لتزداد معرفتك ، إذ لن تعرف معنى السلام إلا إذا عقدته معنا ، فقد ثار بريسترجون علينا ، كما ثار علينا فلان وفلان غيره من الملوك ، فحكمنا السيف
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 16 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فيهم جميعاً ! ثم راح يعدد له هؤلاء الملوك ، ثم قال : لذلك ننصحك أن تبعث إلينا عاماً بعد عام بشئ من ذهبك وفضتك ، وبذلك تبقينا أصدقاءك ، فإن لم تفعل هذا دمرناك أنت وشعبك ، كما فعلنا مع من ذكرنا لك من الملوك » !
ويعقب جوانفيل على هذا الكلام قائلاً : « ويجب أن تعلم أن الملك ندم أشد الندم على إرساله رسلاً إليه ! وكان قال في / 11 : إن سفر رسل الملك كان من أنطاكية وإن سفرهم منها إلى ملك التتار استغرق مدة عام كامل ، وكانوا يقطعون في كل يوم مسافة عشرة فراسخ » . ( الإسماعيليون والمغول للسيد حسن الأمين / 149 ) .
أقول : كان المغول مغرورين بقوتهم كثيراً ، يرون أنفسهم أسياد العالم ، وكانت رسالة منكوقا آن الأولى إلى ملك فرنسا ، ثم رسالته الجوابية ، أمراً له بالطاعة ، ولم يعبأ بطلبه التحالف ضد المسلمين ، فهو لا يقيم وزناً للمسيحيين في العالم فقد اجتاح بلاد مسيحيي بلغاريا وأرمينيا والكرج أي جورجيا ، وبيزنطة الشرقية ، وأخضعهم وعاملهم كغيرهم بالقتل والتدمير .
وقد وصف ابن العبري / 234 ، مجئ هيتوم ملك الأرمن ذليلاً عندما طلب منكوقا آن حضوره ، قال : « توجه حاتم ملك الأرمن إلى خدمة مونكاقا آن ، أخذ قربان خميس الفصح ورحل عن مدينة سيس يوم الجمعة الصلبوت ، وخرج متنكراً مع رسول له بزي بعض الغلمان ، وأخذ على يده جنيباً يجذبه خلف الرسول ، لأنه كان خائفاً من السلطان صاحب الروم » ! أي من حاكم تركيا المسلم .
أما قول مبعوثي لويس التاسع إنهم : « شاهدوا في معسكره ثمان مائة كنيسة صغيرة محمولة على عربات ، وأنه يوجد بين التتار كثير من المسيحيين الذين يعتنقون عقيدة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 17 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الإغريق » . فهو كذبٌ لتقوية قلوب جنودهم ، فقد رجعوا بالخيبة وبرسالة تهديد لملك فرنسا إن لم يطع ملك الملوك المغولي !
فالمغول يتعاونون مع كل الأقوام على العدو الفعلي المشترك ، لكنهم لا يتحالفون مع أحد ! أما اتصال آباقا بالبابا كليمنضوس الرابع ، وتعاونه مع لاوون الثالث في حرب المماليك ، فكان تعاوناً موضعياً ولم يكن تحالفاً .

5 - ( الْيَاسَة ) شريعة جنكيز خان للمغول

قال الذهبي في تاريخه : 45 / 186 : « جنكزخان ، طاغية التتار وملكهم الأول ، الذي خرب البلاد وأباد العباد ، وليس للتتار ذكر قبله ، وإنما كانوا ببادية الصين فملكوه عليهم وأطاعوه طاعة أصحاب نبي لنبي ، بل طاعة العباد المخلصين لرب العالمين » !
وفي صبح الأعشى : 4 / 314 : « أما عقيدتهم فقد قال الصاحب علاء الدين بن عطاء ملك الجويني : إن الظاهر من عموم مذاهبهم الإدانة بوحدانية الله تعالى ، وأنه خلق السماوات والأرض ، وأنه يحيي ويميت ويغني ويفقر ويعطي ويمنع ، وأنه على كل شئ قدير ، وإن منهم من دان باليهودية ، ومنهم من دان بالنصرانية ، ومنهم من اطَّرَحَ الجميع ، ومنهم من تقرَّب بالأصنام . قال : ومن عادة بني جنكزخان أن كل من انتحل منهم مذهباً لم ينكره الآخر عليه .
ثم الذي كان عليه جنكزخان في التدين وجرى عليه أعقابه بعده : الجَرْيُ على منهاج يَاسَه التي قررها ، وهي قوانين خَمَّنَها من عقله وقرَّرها من ذهنه ، رتَّب
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 18 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فيها أحكاماً وحدد فيها حدوداً ، بما وافق القليل منها الشريعة المحمدية ، وأكثرها مخالف لذلك ، سماها الياسة الكبرى ، وقد اكتتبها وأمر أن تجعل في خزانته ، تتوارث عنه في أعقابه ، وأن يتعلمها صغار أهل بيته . منها : أن من زنى قتل ، ومن أعان أحد خصمين على الآخر قتل ، ومن بال في الماء قتل ، ومن أعطي بضاعة فخسر ثم أعطي ثانياً فخسر ثم أعطي ثالثاً فخسر قتل ، ومن وقع حمله أو قوسه فمر عليه غيره ولم ينزل لمساعدته قتل ، ومن وجد أسيراً أو هارباً أو عبداً ولم يرده قتل ، ومن أطعم أسير قوم أو سقاه أو كساه بغير إذنهم قتل . . إلى غير ذلك من الأمور التي رتبها مما هم دائنون به إلى الآن ، وربما دان به من أسلم من ملوكهم ! ومن معتقدهم في ذبح الحيوان أن تُلَفُّ قوائمه ويشق جوفه ويدخل أحدهم يده إلى قلبه فيَمْرِسُه حتى يموت ، أو يُخرج قلبه ! ومن ذبح ذَبْحَةَ المسلمين ذُبح » ! ( أقول : والى الآن ما زالت هذه طريقة ذبحهم في منغوليا ) :
t - 13953 http : / / www . lahdah . com / vb / archive / index . php / . html
« وأما عاداتهم في الأدب فكان من طريقة جنكزخان أن يعظم رؤساء كل ملة ويتخذ تعظيمهم وسيلة إلى الله تعالى ! ومن حال التتر في الجملة إسقاط المؤن والكلف عن العلويين ، وعن الفقهاء ، والفقراء ، والزهاد ، والمؤذنين ، والأطباء وأرباب العلوم على اختلافهم ، ومن جرى هذا المجرى .
ومن آدابهم المستعملة : أن لا يأكل أحد من يد أحد طعاماً حتى يأكل المطعم منه ، ولو كان المطعم أميراً والآكل أسيراً ، ولا يختص أحد بالأكل وحده بل يطعم كل من وقع بصره عليه ، ولا يمتاز أمير بالشبع من الزاد دون أصحابه بل يقسمونه بالسوية ، ولا يخطو أحدٌ مَوْقدَ نار ولا طبقاً رآه ، ومن اجتاز بقوم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 19 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يأكلون فله أن يجلس إليهم ويأكل معهم من غير إذن ، وأن لا يدخل أحد يده في الماء ، بل يأخذ منه ملء فيه ويغسل يديه ووجهه ، ولا يبول أحد على الرماد .
ويقال إنهم كانوا لا يرون غسل ثيابهم البتة ، ولا يميزون بين طاهر ونجس . ومن طرائقهم أنهم لا يتعصبون لمذهب ، ولا يتعرضون لمال ميت أصلاً ، ولو ترك ملء الأرض ، ولا يدخلونه خزانة السلطان .
ومن عاداتهم أنهم لا يفخمون الألفاظ ، ولا يعظمون في الألقاب ، حتى يقال في مراسيم السلطان رسم القان بكذا ، من غير مزيد ألقاب .
وأما حالهم في طاعة ملكهم ، فإنهم من أعظم الأمم طاعة لسلاطينهم ، لا لمالٍ ولا لجاهٍ ، بل ذلك دأبٌ لهم ، حتى إنه إذا كان أمير في غاية من القوة والعظمة وبينه وبين السلطان كما بين المشرق والمغرب ، متى أذنب ذنباً يوجب عقوبة وبعث السلطان إليه من أخس أصحابه من يأخذه بما يجب عليه ، ألقى نفسه بين يدي الرسول ذليلاً ، ليأخذه بموجب ذنبه ولو كان فيه القتل !
ومن طريقة أمرائهم أنه لا يتردد أمير إلى باب أمير آخر ، ولا يتغير عن موضعه المعين له ، فإن فعل ذلك عوقب أو قتل ، وإذا عرضوا آلات الحرب على أمرائهم وفوا في العرض حتى بالخيط والإبرة ! ورعاياهم قائمون بما يلزمون به من جهة السلطان طيبة به نفوسهم . وإن غاب أحد من الرجال قام النساء بما عليهم » .
وقال المقريزي في المواعظ والاعتبار / 1445 : « وشرَط أن لا يكون على أحد من وُلْد علي بن أبي طالب رضي الله عنه مؤنةٌ ولا كلفة ، وأن لا يكون على أحد من الفقراء ولا القراء ولا الفقهاء ولا الأطباء ، ولا من عداهم من أرباب العلوم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 20 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأصحاب العبادة والزهد والمؤذنين ومغسلي الأموات كلفةٌ ولا مؤونة ، وشرَط تعظيم جميع الملل من غير تعصب لملة على أخرى » . انتهى .
أقول : اتفقت المصادر التي روت نص الياسة على أنها تعفي الأولياء ورجال الدين وأشباههم من الضرائب ، وفي أولهم أبناء علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، وهذا يدل على نظرة جنكيز الإيجابية إلى السادة أبناء علي ( عليه السلام ) ، وأنهم عنده أولياء الله وليسوا من أجهزة الدولة ، وقد كان بعضهم يعيش في بلاد ما وراء النهر المحاذية لبلاد المغول .
وكان للمغول علاقة مع شيخ صوفي له نفوذٌ كبير في منطقة ما وراء النهر ، هو سعيد بن المطهر الباخرزي ، وكان يسكن بخارى ، ويعتقد به المسلمون ويحترمه التتار ، ومنهم جنكيز خان وابنه هولاكو ! وكذلك كانوا يحترمون تلميذه الجويني الحموئي جد الجوينيين وقد اصطحب هولاكو أحدهم في غزوه لبغداد ، وجعله حاكم العراق . وسيأتي الحديث عن تشيع الجوينيين على يد نصير الدين ( قدس سره ) .
أما سبب وجود بعض الصفات الإنسانية في هولاكو وأمثاله من الطغاة ، فهو قاعدة بينها الإمام الصادق ( عليه السلام ) فقال : « إن الله تبارك وتعالى أعار أعداءه أخلاقاً من أخلاق أوليائه ، ليعيش أولياؤه مع أعدائه في دولاتهم . وفي رواية : ولولا ذلك لما تركوا ولياً لله إلا قتلوه ) . ( الكافي : 2 / 101 )
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 21 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الثاني : غزو المغول لبغداد قبل سقوطها بنصف قرن !

1 - أخبر أمير المؤمنين ( عليه السلام ) عن فتنة المغول !

من كلام له ( عليه السلام ) يخبر به عن الملاحم ، في وصف الترك المغول : « كأني أراهم قوماً كأن وجوههم المِجَانُّ المُطَرِّقة ، يلبسون السَّرَقَ والديباج ، ويَعْتَقِبون الخيل العتاق ، ويكون هناك استحرارُ قتل ، حتى يمشى المجروح على المقتول ، ويكون المُفلت أقلَّ من المأسور ! فقال له بعض أصحابه : لقد أعطيت يا أمير المؤمنين علم الغيب ! فضحك وقال للرجل وكان كلبياً : يا أخا كلب ، ليس هو بعلم غيب وإنما هو تعلمٌ من ذي علم ، وإنما علم الغيب علم الساعة وما عدده الله سبحانه بقوله : إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ، فيعلم الله سبحانه ما في الأرحام من ذكر أو أنثى ، وقبيح أو جميل ، وسخي أو بخيل ، وشقي أو سعيد ، ومن يكون النار حطباً ، أو في الجنان للنبيين مرافقاً . فهذا علم الغيب الذي لا يعلمه أحد إلا الله ، وما سوى ذلك فعلمٌ علَّمَهُ الله نبيه ( صلى الله عليه وآله ) فعلمنيه ، ودعا لي بأن يعيَه صدري ، وتَضْطَمَّ عليه جوانحي » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 22 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال ابن أبي الحديد في شرحه ، ما حاصله :
المِجَانّ : جمع مِجَن بكسر الميم وهو الترس لأنه يستتر به . والجُنة : السترة والجمع جُنن ، يقال استجن بجُنة أي استتر بسترة . والمُطَرَّقة المتخذة من حديد مطرق بالمطرقة . والسَّرَق : شقق الحرير . واعلم أن هذا الغيب الذي أخبر عنه ( عليه السلام ) قد رأيناه نحن عياناً ووقع في زماننا ، وكان الناس ينتظرونه من أول الإسلام حتى ساقه القضاء والقدر إلى عصرنا ، وهم التتار الذين خرجوا من أقاصي المشرق ، حتى وردت خيلهم العراق والشام ، وفعلوا بملوك الخطا وقفجاق وببلاد ما وراء النهر وبخراسان وما والاها من بلاد العجم ، ما لم تحتو التواريخ منذ خلق الله تعالى آدم إلى عصرنا هذا على مثله ! فإن بابك الخرمي لم تكن نكايته وإن طالت مدته نحو عشرين سنة ، إلا في إقليم واحد وهو آذربيجان ، وهؤلاء دوخوا المشرق كله ، وتعدت نكايتهم إلى بلاد إرمينية وإلى الشام ، ووردت خيلهم إلى العراق ! وبخت نصر الذي قتل اليهود ، إنما أخرب بيت المقدس وقتل من كان بالشام من بني إسرائيل . وأي نسبة بين من كان بالبيت المقدس من بني إسرائيل إلى البلاد والأمصار التي أخربها هؤلاء والناس الذين قتلوهم من المسلمين وغيرهم » . ( شرح نهج البلاغة : 8 / 215 ) .
أقول : هذه إحدى معجزات أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وعقيدتنا أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) علمه الكثير ، ففي بصائر الدرجات / 326 ، والخصال / 644 : أنه ( عليه السلام ) قال على منبر المدائن في حديث : « يا أيها الناس إن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أسرَّ إليَّ ألف حديث في كل حديث ألف باب ، لكل باب ألف مفتاح ، وإني سمعت الله جل جلاله يقول : يَوْمَ نَدْعُو
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 23 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ، وإني أقسم لكم بالله ليبعثن يوم القيامة ثمانية نفرٌ يدعون بإمامهم وهو ضبٌّ ! ولو شئت أن أسميهم لفعلت ! ثم حدق نظره إلى ثمانية نفر من المنافقين ، كانوا في مجلس خمر ، وقد صادوا ضباً حياً فبايعوه سخريةً بأمير المؤمنين ( عليه السلام ) ! وقد أخبر ( عليه السلام ) بمغيبات عن المستقبل ، ومنها خبر غزو المغول .

2 - حملة المغول الأولى على بلاد المسلمين

كانت حملة جنكيز خان الأولى على بغداد سنة 616 هجرية ، أي قبل غزو ابنه هولاكو لبغداد بتسع وأربعين سنة !
قال ابن خلدون : 3 / 534 ، يصف حملة جنكيز : « فسار إلى بلاد تركستان وما وراء النهر وملكها من أيدي الخطا ، ثم حارب خوارزم شاه إلى أن غلبه على ما في يده من خراسان وبلاد الجبل ، ثم تخطى أرانيَه فملكها ، ثم ساروا إلى بلاد شروان وبلد اللان واللكز فاستولوا على الأمم المختلفة بتلك الأصقاع ، ثم ملكوا بلاد قنجاق . وسارت طائفة أخرى إلى غزنة وما يجاورها من بلاد الهند ، وسجستان وكرمان ، فملكوا ذلك كله في سنة أو نحوها ، وفعلوا من العيث والقتل والنهب ما لم يسمع بمثله في غابر الأزمان » . انتهى .
وقد هرب سلطان سلاطين الخلافة محمد خوارزم شاه من جنكيز ، وكانت بيده إمكانات دول وجيوشها ، لكنه أصيب بالذعر فهرب من بلد إلى بلد وجيش جنكيز القليل يتبعه ، حتى وصل إلى البحر أو الهند ، وهلك وانقطعت إخباره !
قال عنه الذهبي في سيره : 22 / 224 : « وكان خوارزم شاه محمد قد عظم جداً ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 24 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ودانت له الأمم ، وتحت يده ملوك وأقاليم » .
وفي كامل ابن الأثير : 12 / 361 : « وسيَّر عشرين ألف فارس وقال لهم : أطلبوا خوارزمشاه أين كان ، ولو تعلق بالسماء ، حتى تدركوه وتأخذوه » !
وقال عنه السبكي في الطبقات : 1 / 329 : « وأما خوارزمشاه فكان سعده قد تكامل ورأى من العظمة ما لم يعهد مثله لملك من زمن مديد وطالت مدته . . . ملك الخطا وما وراء النهر ، وخوارزم ، وأصفهان ، ومازندران ، وكرمان ، ومنجان ، وكش وجكان ، والغور ، وغزنة ، وأميان ، وأترار ، وأذربيجان إلى ما يليها من الهند وبلاد الترك ، وجميع ما وراء النهر إلى أطراف الصين ، وخطب له على منابر دربند شروان ، وبلاد خراسان ، وعراق العجم ، وغيرها من الأقاليم المتسعة والمدن الشاسعة ، مع المكنة الزائدة وطول المدة . . وقيل إنهم وجدوا في خزانة من خزائنه عشرة آلاف ألف دينار ، وألف حمل من الأطلس » .
وفي شرح نهج البلاغة : 8 / 227 : « فكان كلما رحل عن منزل نزله التتار ، حتى وصل إلى بحر طبرستان فنزل هو وأصحابه في سفن ووصل التتار ، فلما عرفوا نزوله البحر رجعوا وأيسوا منه . . . ثم اختُلف في أمر خوارزم شاه فقومٌ يَحْكُون أنه أقام بقلعة له في بحر طبرستان منيعة فتوفي بها ، وقومٌ يحكون أنه غرق في البحر ، وقومٌ يحكون أنه غرق ونجا عرياناً فصعد إلى قرية من قرى طبرستان ، فعرفه أهلها فجاءوا وقبلوا الأرض بين يديه ، وأعلموا عاملهم به فجاء إليه وخدمه ، فقال له خوارزم شاه : إحملني في مركب إلى الهند ، فحمله إلى شمس الدين أنليمش ملك الهند ، وهو نسيبه من جهة زوجته والدة منكبوني بن خوارزم شاه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 25 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الملك جلال الدين ، فإنها هندية من أهل بيت الملك ، فيقال إنه وصل إلى أنليمش وقد تغير عقله مما اعتراه من خوف التتار ! أو لأمر سلطه الله تعالى عليه فكان يهذي بالتتار بكرةً وعشياً » ! !
وقال في : 22 / 238 : « ثم جهز جنكزخان خلف خوارزم شاه ، فعبروا جيحون خوضاً وسباحة ، فانهزم منهم وهم وراءه ، ثم عطفوا فأخذوا الريّ ، ومازندران وظفروا بأم خوارزم شاه ومعها خزائنه ، فأسروها » .
وفي طبقات الشافعية : 1 / 337 : « فرأوا في الطريق أم السلطان خوارزمشاه ، وكانت قد سمعت بهزيمة ابنها وهي في خوارزم ، وخوارزم دار ممكتهم العظمى ، فأخرجت من الحبس عشرين سلطاناً كانوا في سجن ولدها وقتلتهم ، وأودعت بعض القلاع من الأموال ما لا يدرك كثرةً ، ثم سارت فرأوها ومعها من الأموال والجواهر والنفائس ما لا يعد كثرةً ، فاستأصلوا ذلك كله » !
وفي سير الذهبي : 22 / 143 : « فمن ألقابها : عصمة الدنيا والدين ، ألغ تركان ، سيدة نساء العالمين ! وكانت سفاكة للدماء ، وهي من بنات ملوك الترك ولها من الأموال والجواهر ما يقصر الوصف عنه ، فأخذت التتار الجميع ، ومما أخذوا لابنها صندوقين كان هو يقول : فيهما ما يساوي خراج الأرض » .
أقول : كانت هذه الهزيمة بل الانهيار للخلافة العباسية ، قبل غزو المغول لبغداد بتسع وأربعين سنة ، فأين كان الشيعة ، وأين كان الوزير ابن العلقمي ، ونصير الدين الطوسي ؟ !
ثم انسحب المغول ، فماذا فعلت الخلافة لمنع تكرار الكارثة التي حدث ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 26 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عنم ، إن أبرز ما فعله الخليفة في بغداد أنه حل جيش الخلافة المكون من مئة ألف مقاتل ، وعندما تولى ابن العلقمي الوزارة بعد سنين طالب بإعادة الجيش لدفع غزو المغول ، واستعان بالجنود المسرحين فاعتصموا يوم الجمعة حتى عطلوا الصلاة ، فاتهمه حواشي الخليفة كالشرابي والدويديار قائد الجيش ، بأنه يريد أن يسرق من ميزانية الجيش ، ومنعوا إعادة تشكيل جيش الخلافة !

3 - احتل المغول روسيا وشرق أوروبا

روت مصادر التاريخ غزو جيش جنكيز لأرمينية والقفقاز وجورجيا وبلغاريا وبولونيا والمجر وروسيا ! ومن نصوصها ما في كامل ابن الأثير : 12 / 383 : « لما فرغ التتر من بلاد المسلمين بأذربيجان وأران ، بعضه بالملك وبعضه بالصلح ، ساروا إلى بلاد الكرج من هذه الأعمال أيضاً ، وكان الكرج قد أعدوا لهم واستعدوا وسيروا جيشاً كثيراً إلى طرف بلادهم ليمنعوا التتر عنها ، فوصل إليهم التتر فالتقوا فلم يثبت الكرج بل ولوا منهزمين ، فأخذهم السيف فلم يسلم منهم إلا الشريد . ولقد بلغني أنهم قتل منهم نحو ثلاثين ألفاً ، ونهبوا ما وصلوا إليه من بلادهم وخربوها ، وفعلوا بها ما هو عادتهم !
فلما وصل المنهزمون إلى تفليس وبها ملكهم جمع جموعاً أخرى وسيرهم إلى التتر أيضاً ليمنعوهم من توسط بلادهم ، فرأوا التتر وقد دخلوا البلاد لم يمنعهم جبل ولا مضيق ولا غير ذلك ! فلما رأوا فعلهم عادوا إلى تفليس فأخْلَوا البلاد ! ففعل التتر فيها ما أرادوا من النهب والقتل والتخريب ! ورأوا بلاداً كثيرة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 27 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
المضايق والدربندات فلم يتجاسروا على الوغول فيها فعادوا عنها . وداخل الكرج منهم خوف عظيم حتى سمعت عن بعض أكابر الكرج وكان قدم رسولاً أنه قال : من حدثكم أن التتر انهزموا وأُسروا فلا تصدقوه ! وإذا حدثتم أنهم قُتلوا فصدقوا ، فإن القوم لا يفرون أبداً ! ولقد أخذنا أسيراً منهم فألقى نفسه من الدابة ، وضرب رأسه بالحجر إلى أن مات ولم يسلم نفسه للأسَرة !
لما عبر التتر دربند شروان ساروا في تلك الأعمال ، وفيها أمم كثيرة منهم اللان واللكز وطوائف من الترك ، فنهبوها وقتلوا من اللكز كثيراً وهم مسلمون وكفار ، وأوقعوا بمن عداهم من أهل تلك البلاد ، ووصلوا إلى اللان وهم أممٌ كثيرة وقد بلغهم خبرهم ، فجدوا وجمعوا عندهم جمعاً من قفجاق فقاتلوهم فلم تظفر إحدى الطائفتين بالأخرى ، فأرسل التتر إلى قفجاق يقولون نحن وأنتم جنس واحد ، وهؤلاء اللان ليسوا منكم حتى تنصروهم ولا دينكم مثل دينهم ، ونحن نعاهدكم أننا لا نعترض إليكم ، ونحمل إليكم من الأموال والثياب ما شئتم ، وتتركون بيننا وبينهم . . . وساروا إلى قفجاق وهم آمنون متفرقون لما استقر بينهم من الصلح ، فلم يسمعوا بهم إلا وقد طرقوهم ودخلوا بلادهم فأوقعوا بهم الأول فالأول ، وأخذوا منهم أضعاف ما حملوا إليهم !
وأقام التتر في بلاد قفجاق وهي أرض كثيرة المراعي في الشتاء والصيف . . . ووصلوا إلى مدينة سوادق وهي مدينة قفجاق التي منها مادتهم ، فإنها على بحر الخزر ، والمراكب تصل إليها وفيها الثياب فتشترى منهم وتباع عليهم الجواري والمماليك والبرطاسي والقندر والسنجاب ، وغير ذلك مما هو في بلادهم ، وبحر
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 28 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
خزرية هذا بحر متصل بخليج القسطنطينية . .
ثم إنهم ساروا سنة عشرين وست مائة إلى بلاد الروس ، فسمع الروس وقفجاق خبرهم وكانوا مستعدين لقتالهم ، فساروا إلى طريق التتر ليلقوهم قبل أن يصلوا إلى بلادهم ليمنعوهم عنها ، فبلغ مسيرهم التتر فعادوا على أعقابهم راجعين فطمع الروس وقفجاق فيهم ، وظنوا أنهم عادوا خوفاً منهم وعجزاً عن قتالهم ، فجدُّوا في اتِّباعهم ولم يزل التتر راجعين وأولئك يَقْفُون أثرَهم اثني عشر يوماً ! ثم إن التتر عطفوا على الروس وقفجاق ، فلم يشعروا بهم إلا وقد لقوهم على غرة منهم ، لأنهم كانوا قد أمنوا التتر واستشعروا القدرة عليهم ، فلم يجتمعوا للقتال إلا وقد بلغ التتر منهم مبلغاً عظيماً ، فصبر الطائفتان صبراً لم يسمع بمثله ، ودام القتال بينهم عدة أيام ، ثم إن التتر ظفروا واستظهروا فانهزم قفجاق والروس هزيمة عظيمة ، بعد أن أثخن فيهم التتر ، وكثر القتل في المنهزمين فلم يسلم منهم إلا القليل ، ونهب جميع ما معهم ، ومن سلم وصل إلى البلاد على أقبح صورة لبعد الطريق والهزيمة ، وتبعهم كثير يقتلون وينهبون ويخربون البلاد ، حتى خلا أكثرها ، فاجتمع كثير من أعيان تجار الروس وأغنيائهم ، وحملوا ما يعز عليهم وساروا يقطعون البحر إلى بلاد الإسلام . . .
وقصدوا بلغار أواخر سنة عشرين وست مائة ، فلما سمع أهل بلغار بقربهم منهم كمنوا لهم في عدة مواضع ، وخرجوا إليهم فلقوهم واستجروهم إلى أن جاوزوا موضع الكمناء ، فخرجوا عليهم من وراء ظهورهم ، فبقوا في الوسط وأخذهم السيف من كل ناحية ، فقتل أكثرهم ولم ينج منهم إلا القليل ! قيل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 29 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كانوا نحو أربعة آلاف رجل فساروا إلى سقين عائدين إلى ملكهم جنكزخان ، وخلت أرض قفجاق . . . واتصلت الطريق ، وحملت الأمتعة كما كانت » .
وفي سير الذهبي : 22 / 242 : « كانت الوقعة بين التتار الداخلين من الدربند وبين القفجاق والروس ، وصبروا أياماً ثم استحر القتل بالروس والقفجاق . . وفيها رجعت التتار من بلاد القفجاق فاستباحوا الري وساوه وقم » .

4 - نماذج من قسوة المغول ووحشيتهم !

يتعجب الإنسان من سرعة موجة المغول واكتساحهم البلاد ، رغم بُعدها ووعورة طرقها ، ودفاع أهلها عنها ! لكن يبطل العجب عندما يقرأ عن الرعب الذي أصاب الشعوب والحكام والجيوش ، من مجرد اسم المغول !
وقد تعمد قادة المغول شحن غرائز جنودهم الوحشية لتخويف الشعوب ! وهذه نماذج من وحشيتهم ، من تاريخ ابن الأثير الذي عاصر غزوهم :
قال في : 12 / 358 ، وبعدها : « فلو قال قائل إن العالم مذ خلق الله سبحانه وتعالى آدم إلى الآن لم يبتلوا بمثلها ، لكان صادقاً ، فإن التواريخ لم تتضمن ما يقاربها ولا ما يدانيها ! ومن أعظم ما يذكرون من الحوادث ما فعله بختنصر ببني إسرائيل من القتل وتخريب البيت المقدس ، وما بيت المقدس بالنسبة إلى ما خرب هؤلاء الملاعين من البلاد التي كل مدينة منها أضعاف بيت المقدس ! وما بنو إسرائيل بالنسبة إلى من قتلوا ؟ فإن أهل مدينة واحدة ممن قتلوا أكثر من بني إسرائيل ! وأما الدجال فإنه يُبقي على من اتبعه ويهلك من خالفه ، وهؤلاء لم يبقوا على أحد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 30 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بل قتلوا النساء والرجال والأطفال ، وشقوا بطون الحوامل وقتلوا الأجنَّة . . .
ثم قصدوا بلاد قفجاق وهم من أكثر الترك عدداً ، فقتلوا كل من وقف لهم فهرب الباقون إلى الغياض ورؤوس الجبال وفارقوا بلادهم ، واستولى هؤلاء التتر عليها ، فعلوا هذا في أسرع زمان ، لم يلبثوا إلا بمقدار مسيرهم لا غير .
ومضى طائفة أخرى غير هذه الطائفة إلى غزنة وأعمالها وما يجاورها من بلاد الهند وسجستان وكرمان ، ففعلوا فيها مثل فعل هؤلاء وأشد ! وهذا ما لم يطرق الأسماع مثله ! فإن الإسكندر الذي اتفق المؤرخون على أنه ملك الدنيا ، لم يملكها في هذه السرعة إنما ملكها في نحو عشر سنين ، ولم يقتل أحداً إنما رضي من الناس بالطاعة ، وهؤلاء قد ملكوا أكثر المعمور من الأرض وأحسنه وأكثره عمارة وأهلاً وأعدل أهل الأرض أخلاقاً وسيرةً ، في نحو سنة ! ولم يبق أحد من البلاد التي لم يطرقوها إلا وهو خائف ، يتوقعهم ويترقب وصولهم إليه . . .
ثم إنهم لا يحتاجون إلى ميرة ومدد يأتيهم ! فإنهم معهم الأغنام والبقر والخيل وغير ذلك من الدواب ، يأكلون لحومها لا غير ، وأما دوابهم التي يركبونها فإنها تحفر الأرض بحوافرها وتأكل عروق النبات ، ولا تعرف الشعير ! فهم إذا نزلوا منزلاً لا يحتاجون إلى شئ من خارجه ! . . .
ودخل جنكزخان بنفسه وأحاط بالقلعة ونادى في البلد بأن لا يتخلف أحد ومن تخلف قتل فحضروا جميعهم . . . ثم أمرهم بالخروج من البلد ، فخرجوا مجردين من أموالهم ليس مع أحد منهم غير ثيابه التي عليه ، ودخل الكفار البلد فنهبوه وقتلوا من وجدوا فيه ، وأحاط بالمسلمين فأمر أصحابه أن يقتسموهم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 31 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فاقتسموهم . وكان يوماً عظيماً من كثرة البكاء من الرجال والنساء والولدان تفرقوا أيدي سبا وتمزقوا كل ممزق ! واقتسموا النساء أيضاً وأصبحت بخارى خاوية على عروشها كأن لم تغن بالأمس ! وارتكبوا من النساء العظيم والناس ينظرون ويبكون ولا يستطيعون أن يدفعوا عن أنفسهم شيئاً مما نزل بهم ! فمنعهم من لم يرض بذلك واختار الموت على ذلك ، فقاتل حتى قتل ! واستصحبوا معهم من سلم من أهل بخارى أسارى ، فساروا بهم مشاة على أقبح صورة ، فكل من أعيا وعجز عن المشي قتل !
فلما قاربوا سمرقند قدموا الخيالة وتركوا الرجالة والأسارى والأثقال وراءهم حتى تقدموا شيئاً فشيئاً ليكون أرعب لقلوب المسلمين . . . فقاتلهم الرجالة بظاهر البلد فلم يزل التتر يتأخرون وأهل البلد يتبعوهم ويطمعون فيهم ، وكان الكفار قد كمنوا لهم كميناً ، فلما جاوزوا الكمين خرجوا عليهم . . .
فلما كان اليوم الرابع نادوا في البلد ( سمرقند ) أن يخرج أهله جميعهم ومن تأخر قتلوه ، فخرج جميع الرجال والنساء والصبيان ففعلوا مع أهل بخارى من النهب والقتل والسبي والفساد . . . وكان ذلك في المحرم سنة 617 . . .
فوصلوا إلى الريّ على حين غفلة من أهلها ، فلم يشعروا إلا وقد وصلوا إليها وملكوها ونهبوها وسبوا الحريم واسترقوا الأطفال ، وفعلوا الأفعال التي لم يسمع بمثلها ، ولم يُقيموا ومضوا مسرعين في طلب خوارزمشاه ، فنهبوا في طريقهم كل مدينة وقرية مروا عليها . . .
ثم وصلوا إلى قزوين فاعتصم أهلها منهم بمدينتهم ، فقاتلوهم وجدُّوا في
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 32 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قتالهم ودخلوها عنوة بالسيف ، فاقتتلوا هم وأهل البلد في باطنه ، حتى صاروا يقتتلون بالسكاكين ، فقتل من الفريقين ما لا يحصى !
ثم فارقوا قزوين فعُدَّ القتلى من أهل قزوين فزادوا على أربعين ألف قتيل . . .
فلما حصروها ( مراغة ) قاتلهم أهلها فنصبوا عليها المجانيق وزحفوا إليها ، وكانت عادتهم إذا قاتلوا مدينة قدموا من معهم من أسارى المسلمين بين أيديهم يزحفون ويقاتلون ، فإن عادوا قتلوا ، فكانوا يقاتلون كرهاً ، وهم المساكين كما قيل : كالأشقر إن تقدم ينحر وإن تأخر يعقر ! وكانوا هم يقاتلون وراء المسلمين فيكون القتل في المسلمين الأسارى ، وهم بنَجْوَة منه !
فأقاموا عليها عدة أيام ، ثم ملكوا المدينة عنوة وقهراً رابع صفر ، ووضعوا السيف في أهلها ، فقتل منهم ما يخرج عن الحد والإحصاء ، ونهبوا كل ما يصلح لهم وما لا يصلح لهم أحرقوه !
واختفى بعض الناس منهم ، فكانوا يأخذون الأسارى ويقولون لهم : نادوا في الدروب إن التتر قد رحلوا ! فإذا نادى أولئك خرج من اختفى فيؤخذ ويقتل ! وبلغني أن امرأة من التتر دخلت داراً وقتلت جماعة من أهلها وهم يظنونها رجلاً فوضعت السلاح فإذا هي امرأة ، فقتلها رجل أخذته أسيراً !
وسمعت من بعض أهلها أن رجلاً من التتر دخل داراً فيه مائة رجل ، فما زال يقتلهم واحداً واحداً حتى أفناهم ، ولم يمد أحد يده إليه بسوء ! ووضعت الذلة على الناس فلا يدفعون عن نفوسهم قليلاً ولا كثيراً ، نعوذ بالله من الخذلان !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 33 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم رحلوا عنها نحو مدينة إربل ، ووصل الخبر إلينا بذلك بالموصل فخفنا . . . وكانت الأقوات متعذرة في تلك البلاد جميعها ، لخرابها وقتل أهلها وجلاء من سلم منهم ، فلا يقدر أحد على الطعام إلا قليلاً ، وأما التتر فلا يبالون لعدم الأقوات لأنهم لا يأكلون إلا اللحم ، ولا تأكل دوابهم إلا نبات الأرض ، حتى إنها تحفر بحوافرها الأرض عن عروق النبات فتأكلها !
وقوي التتر على المسلمين ( في أربيل ) فأفنوهم قتلاً ، ولم يسلم إلا من كان عمل له نفقاً يختفي فيه ! وبقي القتل في المسلمين عدة أيام ثم ألقوا النار في البلد فأحرقوه . . . ثم إنهم ملكوا البلد ( بيلقان ) عنوةً في شهر رمضان سنة ثمان عشرة وست مائة ووضعوا السيف فلم يبقوا على صغير ولا كبير ولا امرأة ! حتى إنهم يشقون بطون الحبالى ويقتلون الأجنة ! وكانوا يفجرون بالمرأة ثم يقتلونها !
وكان الإنسان منهم يدخل الدرب فيه الجماعة فيقتلهم واحداً بعد واحد ، حتى يفرغ من الجميع ، لا يمد أحد منهم إليه يداً » !
وفي الكامل : 12 / 397 : « فوصلوا إلى قرية تسمى المؤنسة وهي على مرحلة من نصيبين بينها وبين الموصل ، فنهبوها ، واحتمى أهلها وغيرهم بخان فيها فقتلوا كل من فيه ! وحكي لي عن رجل منهم أنه قال اختفيت منهم ببيت فيه تبن ، فلم يظفروا بي ، وكنت أراهم من نافذة في البيت ، فكانوا إذا أرادوا قتل إنسان فيقول لا بالله ! فيقتلونه ، فلما فرغوا من القرية ونهبوا ما فيها وسبوا الحريم ، رأيتهم وهم يلعبون على الخيل ويضحكون ، ويُغَنُّون بلغتهم بقول : لا بالله » !
وفي الكامل : 12 / 501 : « ولقد بلغني أن إنساناً منهم أخذ رجلاً ولم يكن مع التتري
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 34 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ما يقتله به ، فقال له : ضع رأسك على الأرض ولا تبرح ، فوضع رأسه على الأرض ! ومضى التتري وأحضر سيفاً فقتله به ! وحكى لي رجل قال : كنت أنا ومعي سبعة عشر رجلاً في طريق ، فجاءنا فارس من التتر وقال لنا حتى يكتف بعضنا بعضاً ، فشرع أصحابي يفعلون ما أمرهم ، فقلت لهم : هذا واحد فلم لا نقتله ونهرب ؟ فقالوا : نخاف ! فقلت هذا يريد قتلكم الساعة ! فنحن نقتله فلعل الله يخلصنا ، فوالله ما جسر أحد يفعل ذلك ! فأخذت سكيناً وقتلته وهربنا فنجونا ! وأمثال هذا كثير » .

5 - بركة خان المغولي الذي ضخموه !

تتعجب من أن أتباع الخلافة ضخموا شخصين هما : الباخرزي الصوفي ، وسيأتي ذكره ، وبركة خان بن توشي خان بن جنكيز خان ، فقالوا إنه أسلم على يد الباخرزي وأقام شعائر الإسلام ، وأنه والباخرزي نهيا هولاكو عن احتلال بغداد وقتل الخليفة ، فتأخر بسبب ذلك سنتين ! وكثرت رواياتهم عن ( فضائل ) بركة خان ، ومراسلاته وهداياه المتبادلة مع الخليفة ومع سلطان مصر بيبرس ، وصوروا حربه لهولاكو بأنها كانت بتحريك سلاطين المسلمين !
وأكثر من بالغ في أمره : القلقشندي ، والعيني ، وابن خلدون في تاريخه : 5 / 529 .
ومثلهم الذهبي ، قال في تاريخه : 49 / 189 : « بركة بن توشي بن جنكز خان المغلي ، ملك القفجاق وصحراء سوداق ، وهي مملكة متسعة مسيرة أربعة أشهر ، وأكثرها براري ومروج . . . وكان قد أسلم وكاتب الملك الظاهر . . . وله عساكر
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 35 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عظيمة ومملكة تفوق مملكة هولاكو من بعض الوجوه ، وكان يعظم العلماء ويعتقد في الصالحين ، ولهم حرمة عنده . من أعظم الأسباب لوقوع الحرب بينه وبين هولاكو كونه قتل الخليفة . . وقد سافر من سقسين سنة نيف وأربعين إلى بخارى لزيارة الشيخ سيف الدين الباخرزي فقام على باب الزاوية إلى الصباح ، ثم دخل وقبَّل رجل الشيخ ، وأسلم معه جماعة من أمرائه » !
وقال القلقشندي في مآثر الإنافة : 2 / 90 : « وكان للمستعصم وزير يقال له مؤيد الدين بن العلقمي رافضي ، فشق ذلك عليه فكتب إلى هولاكو بن طولى بن جنكزخان ملك التتر وأطمعه في البلاد ، فخرج هولاكو للاستيلاء على بلاد الخليفة .
وكان برَكة بن طوجى خان صاحب بلاد الشمال التي قاعدتها الآن السراي ، قد أسلم على يد الباخرزي أحد مشايخ الصوفية وأوصاه بالخليفة المستعصم ، وكتب بركة إلى الخليفة يعرفه ذلك وأنه معاضده وناصره ، وانتظمت الصحبة بينه وبين الخليفة ، فمرَّ هولاكو على بركة قاصداً بغداد ، فاعترضه بركة ومنعه من ذلك وقال : إن الخليفة صاحبي فلا سبيل إلى وصولك إليه ، وإن لم ترجع عنه حاربتك ! فتوقف هولاكو حينئذ عن قصد بغداد سنتين حتى مات بركة فقصد بغداد حينئذ » . انتهى .
وما قالوه في بركة كذبٌ صريح ! فهو لم ينهَ ابن عمه هولاكو عن غزو بغداد ولا عن قتل الخليفة ، بل أمدَّه بجيش لذلك ! ففي تاريخ الذهبي : 48 / 35 : « وركب هولاكو إلى العراق ، وكان على مقدمته باجو نوين ، وفي جيشه خلقٌ من الترك والكرج ، ومن عسكر بركة بن عم هولاكو ، ومدد من صاحب الموصل » !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 36 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كما نصوا أنفسهم على أن بركة غزا تركيا قبل غزو هولاكو لبغداد ! وفرض على السلاجقة مالية ضخمة ، وترك فيها حامية مغولية !
قال ابن كثير في النهاية : 13 / 277 : « ثم أغار بركه خان على بلاد القسطنطينية فصانعه صاحبها ، وأرسل الظاهر هدايا عظيمة إلى بركه خان » .
وفي العبر للذهبي : 5 / 167 : « سنة إحدى وأربعين وست مئة . فيها حكمت التتار على بلد الروم ، وألزم صاحبها ابن علاء الدين بأن يحمل لهم كل يوم ألف دينار ومملوكاً ، وجاريةً ، وفرساً ، وكلبَ صيد » !
كما أن حرب بركة لهولاكو لم تكن لأنه قتل صديقه الخليفة كما زعم الذهبي ! بل لأن بركة خان لم تكفه غنائم غزوه لتركيا ، فطلب من هولاكو سهماً من أموال البلاد التي غزاها وسلبها ، فلم يعطه !
قال ابن كثير : 13 / 272 : « وقع الخلاف بين هولاكو وبين السلطان بركه خان بن عمه ، وأرسل إليه بركه يطلب منه نصيباً مما فتحه من البلاد وأخذه من الأموال والأسرى ، على ما جرت به عادة ملوكهم ! فقتل رسله فاشتد غضب بركه ، وكاتب الظاهر ليتفقا على هولاكو » !
وهذه هي الحرب الثانية لبركة مع هولاكو ، أما الحرب الأولى فكانت قبل غزو بغداد في سياق اختلاف أولاد جنكيز وأحفاده على مملكته !
فقد ذكر النويري في نهاية الإرب / 6227 : أن طوجي أوتوشي بن هولاكو غزا المنطقة الشمالية أو البلاد الشمالية بأمر أخيه منكوقا آن سنة 627 ، وحكمها إلى أن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 37 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
توفي سنة 641 وحكمها بعده ابنه باطوخان نحو عشر سنين إلى أن مات سنة 650 ، وكان له ثلاثة أولاد : طغان وبركة وبركجار ، فنازعهم عمهم صرطق بن توشي وحكم سنة وشهرين ومات سنة 652 ، ولم يكن له أولاد . وكانت زوجة طغان واسمها براق شين تريد الحكم لابنها تدان منكوا ، لكن أعمام ولدها وقادة الجيش لم يقبلوا وولوا عليهم بركة ، فكتبت براق إلى هولاكو تستغيثه وتطلب منه أن يحتل المنطقة ويحكمها ، ثم خرجت قاصدة هولاكو فلحقوا بها في الطريق وقتلوها ، وطمع هولاكو بمساعدة أنصارها ، فغزا مملكة بركة وكانت بينهما حرب طاحنة ! فهذا كل ما في الأمر ، لا إسلام ولا مسلمون ولا خليفة !
ومن الغريب أنهم رأوا أن بركة توجه بعد معركته مع هولاكو لغزو بلاد المسلمين ، فأغمضوا عيونهم ومدحوا بركة !
قال العيني في عقد الجمان / 189 : « وأما الحرب التي وقعت بين بركة خان وهلاون فكانت حرباً عظيمة انكسر فيها هلاون كسراً شنيعاً وقتل أكثر أصحابه وغرق أكثر من بقي ، وهرب هو في شرذمة قليلة من أصحابه . وبعد فراغ بركة خان من الحرب عاد على بلاد القسطنطينية وصانعه صاحبها » . انتهى .
ومعنى هذا أن بركة قام بحملتين على تركيا ، فقد روى ابن العبري / 223 ، أنه غزا تركيا سنة 640 ، أي قبل حملة هولاكو بخمس عشرة سنة ، قال : « وفي سنة أربعين وست مائة سار السلطان غياث الدين كيخسرو ( السلجوقي ) إلى أرمينية في جمع كثيف وجهاز لم يتجهز أحد مثله في عساكره وعساكر اليونانيين والفرنج والكرج والأرمن والعرب لمحاربة التاتار ، فالتقى العسكران بنواحي أرزنكان
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 38 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بموضع يسمى كوساذاغ ، وأول وهلة باشر المسلمون ومن معهم الجيوش النصرانية الحرب وذُهلوا وأدبروا وولوا هاربين ، فانهزم السلطان مبهوتاً فأخذ نساءه وأولاده من قيسارية ، وسار إلى مدينة أنقورة فتحصن بها . . الخ . » !
وعليه ، فقد كان بركة خان يتودد إلى المسلمين لا حبّاً بهم ولا بالإسلام بل منافسةً لهولاكو ! وقد استفاد من ذلك فأرسل دفعات من جيش المغول إلى مصر فاستقبلهم السلطان بيبرس ، ووظفهم وصار لهم شأن في تاريخ مصر .
قال المقريزي في المواعظ والاعتبار / 1447 : « فلما كثرت وقائع التتر في بلاد المشرق والشمال وبلاد القبجاق وأسروا كثيراً منهم وباعوهم ، تنقلوا في الأقطار واشترى الملك الصالح نجم الدين أيوب جماعة منهم سماهم البحرية ، ومنهم من ملك ديار مصر ، وأولهم المعز أيبك . . . ثم كثرت الوافدية في أيام الملك الظاهر بيبرس وملؤوا مصر والشام ، وخطب للملك بركة بن يوشي بن جنكز خان على منابر مصر والشام والحرمين ! فغصت أرض مصر والشام بطوائف المُغُل وانتشرت عاداتهم بها وطرائقهم ! هذا وملوك مصر وأمراؤها وعساكرها قد ملئت قلوبهم رعباً من جنكز خان وبنيه ، وامتزج بلحمهم ودمهم مهابتهم وتعظيمهم . . . وكانوا إنما رُبَّوا بدار الإسلام ولقنوا القرآن وعرفوا أحكام الملة المحمدية ، فجمعوا بين الحق والباطل وضموا الجيد إلى الردئ ، وفوضوا لقاضي القضاة كل ما يتعلق بالأمور الدينية من الصلاة والصوم والزكاة والحج ، وناطوا به أمر الأوقاف والأيتام ، وجعلوا إليه النظر في الأقضية الشرعية كتداعي الزوجين وأرباب الديون ونحو ذلك .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 39 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
واحتاجوا في ذات أنفسهم إلى الرجوع لعادة جنكز خان والاقتداء بحكم الياسة ، ونصبوا الحاجب ليقضي بينهم فيما اختلفوا فيه من عوايدهم ، والأخذ على يد قويهم وإنصاف الضعيف منه على مقتضى ما في الياسة ! وجعلوا إليه من ذلك النظر في قضايا الدواوين السلطانية عند الاختلاف » .
وقال المقريزي في السلوك / 264 : « وكتب السلطان إلى النواب بإكرام الوافدية من التتار والإقامة لهم ما يحتاجون إليه من العليق والغنم وغيره ، وسيرت إليهم الخلع والإنعامات والسكَّر ونحوه ، وساروا إلى القاهرة ، فخرج السلطان إلى لقائهم في سادس عشري ذي الحجة ، ولم يتأخر أحد عن مشاهدتهم » .
وقال في المواعظ والاعتبار / 1240 : « فتكاثروا بديار مصر وتزايدت العمائر في اللوق وما حوله ، وصار هناك عدة أكال عامرة آهلة . . . وفي سادس ذي الحجة من سنة إحدى وستين قدم من المغل والبهادرية زيادة على ألف وثلاث مائة فارس ، فأنزلوا في مساكن عمرت لهم باللوق بأهاليهم وأولادهم » .
أقول : ثم قام بركة خان المغولي بتزويج ابنته إلتطمش للسلطان الظاهر بيربس فأنجبت له ولداً وسمته بركة خان على اسم أبيها ، وأقنعت بيبرس فجعله ولي عهده ، ولما مات بيبرس كان عمر ابنها 19 سنة فحكم مدة يسيرة ، وكان سلوكه مشيناً ، فثار عليه الأمراء وخلعوه ، وبايعوا أخاه سلامة مكانه !
قال في النجوم الزاهرة : 7 / 259 : « الخامس من ملوك الترك بمصر ، سميَ بركة خان على اسم جده لأمه بركة خان بن دولة خان الخوارزمي » .
وفي نهاية ابن كثير : 13 / 338 : « غلبت عليه الخاصكية فجعل يلعب معهم في
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 40 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الميدان الأخضر فيما قيل ، فربما جاءت النَّوْبة عليه فينزل لهم ( أي فيفعلون به ) ! فأنكرت الأمراء الكبار ذلك ، وأنفوا أن يكون ملكهم يلعب مع الغلمان ويجعل نفسه كأحدهم ، فراسلوه في ذلك ليرجع عما هو عليه فلم يقبل ، فخلعوه » .
وفي أعلام الزركلي : 6 / 52 : « وكان حسن الشكل جسيماً كريماً على الرعية ، عيَّ اللسان منقطع الحجة ، يسمع الخطاب ولا يرد الجواب . وقال ابن تغري بردي : كان سئ التدبير » . ( راجع وافي الصفدي : 9 / 204 ، والنجوم العوالي للعصامي / 1282 ) .
وهذا يدل على أن ثقافة الشراكسة والمغول واحدة ، ويظهر أن دمهم واحد !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 41 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الثالث : سقوط بغداد بيد المغول

1 - انشغل المغول عن بغداد أكثر من ثلاثين سنة !

انحسر مدُّ المغول عن إيران والعراق لأكثر من أربعين سنة بعد اجتياحهم الأول ، فقد ركزوا حملاتهم في تلك المدة على شرق أوروبا وأرمينية وروسيا ، وقاموا بغارتين صغيرتين فقط على بغداد سنة 635 ، ولاقوا في الأولى مقاومةً حسنة ورجعوا ، وفي الثانية كسروا جيش الخلافة ، وغنموا غنيمة عظيمة .
لكن الخليفة وقائدَيْ الجيش الشرابي والدوادار ، بدل أن يُقَوُّوا جيشهم ودفاعاتهم قاموا بحل الجيش ، مبررين ذلك بأنهم يريدون إعطاء ميزانية الجيش للمغول ليردوا شرهم عنهم !
قال ابن العبري في مختصر تاريخ الدول / 222 : « وفيها ( سنة 635 ) غزا التاتار العراق ووصلوا إلى تخوم بغداد إلى موضع يسمى زنكاباذ وإلى سُرَّ مرأى ، فخرج إليهم مجاهد الدين الدويدار وشرف الدين إقبال الشرابي في عساكرهما فلقوا المغول وهزموهم ، وخافوا من عودهم فنصبوا المنجنيقات على سور بغداد . وفي آخر هذه السنة عاد التاتار إلى بلد بغداد ووصلوا إلى خانقين ، فلقيهم جيوش بغداد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 42 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فانكسروا وعادوا منهزمين إلى بغداد ، بعد أن قتل منهم خلق كثير ، وغنم المغول غنيمة عظيمة وعادوا » . انتهى .
ومعناه أن التتار كان باستطاعتهم أن يصلوا إلى بغداد قبل عشرين سنة ! وقبل أن يأتي الخليفة المستعصم ويستوزر ابن العلقمي ( رحمه الله ) !

2 - حملة المغول الثانية بقيادة هولاكو

قال في تاريخ مختصر الدول / 232 : « ولما فرغ خاطر مونككا قا آن من أمر المخالفين ، شرع في ترتيب العساكر وضبط الممالك ، فأقطع بلاد الخطا من حد الميري إلى سليكاي وتنكوت وتبَّت ، لقبلاي أغول أخيه ، والبلاد الغربية لهولاكو أخيه الآخر . ومن جهة تحصيل الأموال : ولى على البلاد الشرقية من شاطئ جيحون إلى منتهى بلاد الخطا ، الصاحب المعظم يلواج وولده مسعود بيك ، وعلى ممالك خراسان ومازندران وهندوستان والعراق وفارس وكرمان ولور وأران وآذربيجان وكرجستان والموصل والشام ، الأمير أرغون آغا .
وأمر آن المتمول الكبير ببلاد الخطا أن يؤدي في السنة خمسة عشر ديناراً ، والوضيع ديناراً واحداً ، وببلاد خراسان يزن المتمول في السنة عشرة دنانير ، والفقير ديناراً واحداً ، ومن مراعي ذوات الأربع الذي يسمونه قويجور ، يؤخذ من كل من له مائة رأس من جنس واحد رأس واحد ، ومن ليس له مائة لا يؤخذ منه شئ . وأطلق العُبَّاد وأرباب الدين من الوثنيين والنصارى
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 43 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والمسلمين ، من جميع المؤونات والأوزان والتكليفات » .
قال الدكتور حسين مؤنس : « الصين الشمالية التي تعرف باسم بلاد الخطا أو الخطاي ، والعرب أول من أطلق هذا الاسم على شمال الصين ، وعاصمته خان بالق أو بكين ، وعنهم أخذ الأوروبيون الاسم ، فظلوا يسمون بلاد الصين كلها cathay من القرن 13 - 16 . وهؤلاء الترك الخطا غزوا الصين ، وأنشأوا فيها دولة دامت خلال القرنين : 10 - 11 » . ( الإسماعيليون والمغول / 152 ) .
وقال ابن العبري / 234 : « وفي سنة إحدى وخمسين وست مائة توجه هولاكو إيلخان من نواحي قراقورم إلى البلاد الغربية ، وسير معه مونككا قا آن الجيوش من كل عشرة اثنين ، وصحبه أخوه الصغير سنتاي أغول ، ومن جانب باتوا بلغاي بن سبقان ، وقوتار أغول وقولي ، في عساكر باتوا ، ومن قبل جغاتاي تكودار أغول بن بوخي أغول ، ومن جانب جيحكان بيكي بوقا تيمور في عسكر الأويرات ، ومن ناحية الخطا ألف بيت من صناع المنجنيقات وأصحاب الحيل في إصلاح آلات الحرب ، فكان أمير الترك كيدبوقا الباورجي ، وكان القائم مقام هولاكو بأردو مونككا قا آن ، ولده جومغار ، بسبب أن أمه أكبر خواتين هولاكو أبيه ، وأخذ صحبته ابنه الكبير آباقا وابنه الآخر يسمون ، ومن الخواتين الكبار دوقوز خاتون ، المؤمنة المسيحية ، والجاي خاتون » .
وقال السيد الأمين في الإسماعيليون والمغول / 154 : « وقبل أن تبدأ الحملة زحفها أرسل منكوقا آن خبراء الطرق ليكشفوا على الطريق الذي ستسلكه حملة هولاكو في مرحلتها الأولى ، من قراقورم حتى شاطئ نهر جيحون ، وليقيموا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 44 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الجسور على الأنهار والمجاري ، وحدد لكل جندي مائة من الدقيق وقربةَ من النبيذ ، وأوصى هولاكو بما يلي : حافظ على تقاليد جنكيز وقوانينه في الكليات والجزئيات ، وخصَّ كل من يطيع أوامرك ويجتنب نواهيك ، في الرقعة الممتدة من جيحون حتى أقاصي مصر بلطفك ، وبأنواع عطفك وإنعامك . أما من يعصيك فأغرقه في الذلة والمهانة مع نسائه وأبنائه وأقاربه وكل ما يتعلق به » !
وقال المقريزي في السلوك / 211 : « وردت الأخبار بأن منكوخان ملك التتر سيَّر أخاه هولاكو لأخذ العراق ، فسار وأباد أهل بلاد الإسماعيلية قتلاً ونهباً وأسراً وسبياً ، ووصلت غاراته إلى ديار بكر وميافارقين وجاؤوا إلى رأس عين وسروج وقتلوا ما ينيف على آلاف وأسروا مثل ذلك ، وصادفوا قافلة سارت من حران تريد بغداد فأخذوا منها أموالاً عظيمة ، من جملتها ست مائة حمل سُكَّر من عمل مصر ، وست مائة ألف دينار ، وقتلوا الشيوخ والعجائز ، وساقوا النساء والصبيان معهم ، فقطع أهل الشرق الفرات وفروا خائفين » .
« هولاكو بن تولي قان . . . كان طاغية من أعظم ملوك التتار ، وكان شجاعاً مقداماً حازماً مدبراً ، ذا همة عالية وسطوة ومهابة ، وخبرة بالحروب ، ومحبة للعلوم العقلية من غير أن يتعقل منها شيئاً . . وكان سعيداً في حروبه ، طوَّف البلاد واستولى على الممالك في أيسر مدة » . ( فوات الوفيات : 2 / 580 ، وأبو الفداء / 744 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 45 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

3 - سلَّموا بلاد المسلمين إلى المغول واتهموا الشيعة !

وصلت الخلافة العباسية قبيل الغزو المغولي إلى غاية ضعفها وانحطاطها ، بسبب استغراق الخليفة وبطانته وسلاطينه في اللهو والترف وجمع المال !
وكان خطر المغول ماثلاً أمامهم ، لكن المسستعصم بالله كان مستعصماً في لهوه وخمره ونسائه ، حتى بعد أن وصل الزحف المغولي إلى قصره !
وقد شهد بذلك معاصره المؤرخ ابن الطقطقي فقال في الآداب السلطانية / 27 : « وكان المستعصم آخر الخلفاء شديد الكلف باللهو واللعب وسماع الأغاني ، لا يكاد مجلسه يخلو من ذلك ساعة واحدة ، وكان ندماؤه وحاشيته جميعهم منهمكين معه على التنعم واللذات ، لا يراعون له صلاحاً ! وفي بعض الأمثال : الحائن لا يسمع صياحاً ! ( الحائن : الذي حان هلاكه بحمقه ) وكتبت له الرقاع من العوام ، وفيها أنواع التحذير ، وألقيت فيها الأشعار في أبواب دار الخلافة ، فمن ذلك :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] قل للخليفة مهلاً * أتاك ما لا تحبُّ
ها قد دَهَتْكَ فنونٌ * من المصائب غُربُ
فانهض بعزم وإلا * غَشَّاكَ ويْلٌ وحَرْبُ
كسرٌ وهتْكٌ وأسْرٌ * ضَرْبٌ ونَهْبٌ وسَلْبُ
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] وفي ذلك يقول بعض شعراء الدولة المستعصمية من قصيدة :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] يا سائلي ولمحض الحق يرتادُ * أصِخْ فعندي نُشْدَانٌ وإنشادُ
واضيعةَ الناس والدين الحنيف وما * تلقاه من حادثات الدهر بغدادُ
هتكٌ وقتلٌ وأحداثٌ يشيب بها * رأس الوليد وتعذيبٌ وأصفادُ
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 46 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كل ذلك وهو عاكفٌ على سماع الأغاني ، واستماع المثالث والمثاني ، وملكه قد أصبح واهي المباني ! ومما اشتهر عنه أنه كتب إلى بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل يطلب منه جماعة من ذوي الطرب ، وفي تلك الحال وصل رسول السلطان هولاكو إليه يطلب منه منجنيقات وآلات الحصار ! فقال بدر الدين : أنظروا إلى المطلوبَيْن ، وابكوا على الإسلام وأهله ! وبلغني أن الوزير مؤيد الدين محمد بن العلقمي كان في أواخر الدولة المستعصمية ينشد دائماً :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] كيف يُرجى الصلاح في أمر قومٍ * ضيَّعوا الحزمَ فيه أيَّ ضياعِ
فمطاعُ المقال غيرُ سديد * وسديدُ المقال غير مطاعِ » . انتهى .
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ]

4 - اختاروا خليفةً ضعيف الشخصية ليكون بيدهم !

قال الذهبي في تاريخه : 48 / 259 : « كان ( المستعصم ) متديناً متمسكاً بالسنة كأبيه وجده ولكنه لم يكن على ما كان عليه أبوه وجده الناصر من التيقظ والحزم وعلو الهمة ! وكان له أخ يعرف بالخفاجي يزيد عليه في الشهامة والشجاعة ، وكان يقول : إن ملكني الله لأعبرنَّ بالجيوش نهر جيحون ، وأنتزع البلاد من التتار وأستأصلهم ! فلما توفي المستنصر لم يَرَ الدويدار والشرابي والكبار تقليد الخفاجي الأمر ، وخافوا منه ! وآثروا المستعصم لما يعلمون من لينه وانقياده وضعف رأيه ، ليكون الأمر إليهم ، فأقاموا المستعصم » . انتهى .
وقال ابن العبري في تاريخ مختصر الدول / 226 : « وفي سنة أربعين وست مائة بويع المستعصم يوم مات أبوه المستنصر ، وكان صاحب لهو وقصف وشغف بلعب
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 47 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الطيور واستولت عليه النساء ، وكان ضعيف الرأي قليل العزم كثير الغفلة عما يجب لتدبير الدول . وكان إذا نُبِّهَ على ما ينبغي أن يفعله في أمر التاتار ، إما المداراة والدخول في طاعتهم وتوخي مرضاتهم ، أو تجييش العساكر وملتقاهم بتخوم خراسان قبل تمكنهم واستيلائهم على العراق ، فكان يقول : أنا بغداد تكفيني ، ولا يستكثرونها لي إذا نزلت لهم عن باقي البلاد ! ولا يهجمون عليَّ وأنا بها ، وهي بيتي ودار مقامي ! فهذه الخيالات الفاسدة وأمثالها عدلت به عن الصواب ، فأصيب بمكاره لم تخطر بباله » . انتهى .
أقول : هذه هي شخصية الخليفة ، وهذه هي بطانته التي جاءت به ، ثم أدارت أموره ! فهل ترى فرقاً بين منطقهم ومنطق مدمني الخمر والمخدرات ؟ ! فاعجب للذين يريدون تبرئة هؤلاء السكارى الخوَّارين ، ويلقون بجريمتهم على شيعي تقي نزيه ، لا يسكر ولا يسرق ، هو محمد بن العلقمي ( رحمه الله ) !
فأين كان ابن العلقمي عندما كانت مقدرات الخلافة بيد ( الدويدار والشرابي والكبار ) على حد تعبير الذهبي ، وعندما فرضوا مستعصمهم الخمار سنة 640 ، قبل سقوط بغداد بخمس عشرة سنة ؟ ! قال في النجوم الزاهرة : 6 / 345 : « وخطب له يومئذ بالجامع حتى أقبل شرف الدين إقبال الشرابي ومعه جمع من الخدام ، وسلم على ولده المستعصم بالله أمير المؤمنين ، واستدعاه إلى سدة الخلافة ، ثم عرَّف الوزير وأستاذ الدار ، ثم طلبوا الناس وبايعوه بالخلافة ، وتم أمره » .
وقد تسأل : فكيف استوزروا ابن العلقمي ؟ والجواب : أنهم كانوا محتاجين إلى رئيس وزراء إداري كفوء مخلص ، وكان ابن العلقمي معروفاً بذلك .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 48 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

5 - قام الخليفة وبطانته بعمل أحمق فحلوا جيش الخلافة !

أجمعت المصادر على أن المستعصم وأباه المستنصر وبطانتهما ، خاصة الشرابي والدويدار قائد الجيش ، أصدروا مرسوماً بتسريح جيش الخلافة ، وكان عدده مئة ألف ، رغم أنهم يعرفون خطر المغول على البلاد والعاصمة !
قال أبو الفداء في تاريخه / 804 : « ولما مات المستنصر اتفقت آراء أرباب الدولة مثل الدوادار والشرابي على تقليد الخلافة ولده عبد الله ولقبوه المستعصم بالله ، وهو سابع ثلاثينهم وآخرهم ، وكنيته أبو أحمد بن المستنصر بالله منصور ، وكان عبد الله المستعصم ضعيف الرأي فاستبد كبراء دولته بالأمر ، وحسنوا له قطع الأجناد ، وجمع المال ومداراة التتر ، ففعل ذلك وقطع أكثر العساكر » .
وقال القلقشندي في مآثر الإنافة : 2 / 89 : « وكان عسكر بغداد قبل ولاية المستعصم مائة ألف فارس ، فقطعهم المستعصم ، ليحمل إلى التتر متحصل إقطاعاتهم ! فصار عسكرها دون عشرين ألف فارس » . انتهى .
أقول : وقد اعترض الجند وثاروا على قرار حل الجيش ، فقمعهم الخليفة بعنف وقتل منهم ! وذلك قبل أن يجئ المستعصم وابن العلقمي ! ( النجوم الزاهرة : 6 / 345 ) .
فكيف نصدق المتعصبين الذين حمَّلوا مسؤولية حل الجيش لابن العلقمي ؟ ! والصحيح أنه ( رحمه الله ) حاول إعادة تشكيل الجيش فعارضوه ! وقد شهد بذلك الذهبي وغيره ، واعترفوا بأن الخليفة لم يكن يسمع لابن العلقمي رأياً ! فقد قال في تاريخه : 48 / 290 ، عن ابن العلقمي ( رحمه الله ) : « كان وزيراً كافياً ، قادراً على النظم خبيراً
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 49 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بتدبير الملك ، ولم يزل ناصحاً لمخدومه حتى وقع بينه وبين حاشية الخليفة وخواصه منازعة فيما يتعلق بالأموال والاستبداد بالأمر دونه ، وقويت المنافسة بينه وبين الدويدار الكبير ، وضعف جانبه حتى قال عن نفسه :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] وزيرٌ رضي من بأسه وانتقامه * بِطَيِّ رُقاعٍ حشوُها النظمُ والنثرُ
كما تسجع الورقاءُ وهي حمامةٌ * وليس لها نهيٌ يطاعُ ولا أمرُ » . انتهى .
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] لكن تعال وانظر إلى ما قاله أعداء الشيعة ! قال ابن كثير في النهاية : 13 / 234 : « فأحاطوا ببغداد من ناحيتها الغربية والشرقية ، وجيوش بغداد في غاية القلة ونهاية الذلة ، لا يبلغون عشرة آلاف فارس وهم وبقية الجيش ، كلهم قد صرفوا عن إقطاعاتهم ، حتى استعطى كثير منهم في الأسواق وأبواب المساجد ، وأنشد فيهم الشعراء قصائد يرثون لهم ، ويحزنون على الإسلام وأهله ! وذلك كله عن آراء الوزير ابن العلقمي الرافضي » ! انتهى .
ولا تفسير لذلك إلا بمحاولة إخفاءهم المجرمين الحقيقيين : الخليفة المستنصر وابنه المستعصم ، وقادة الجيش ، وبقية البطانة ، ورمي جريمتهم على شيعي !
وقد اضطر الزركلي وهو متعصب كالذهبي ، للقول إن مؤرخين ثقات حكموا ببراءة ابن العلقمي ، قال في الأعلام : 5 / 321 : « محمد بن أحمد . . . مؤيد الدين الأسدي البغدادي المعروف بابن العلقمي ، وزير المستعصم العباسي وصاحب الجريمة النكراء في ممالأة هولاكو على غزو بغداد في رواية أكثر المؤرخين . . . وكان حازماً خبيراً بسياسة الملك كاتباً فصيح الإنشاء ، اشتملت خزانته على عشرة آلاف مجلد وصنف له الصغاني العباب ، وابن أبي الحديد شرح نهج البلاغة . ونفى عنه بعض
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 50 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثقات المؤرخين خبر المخامرة على المستعصم ، حين أغار هولاكو على بغداد سنة 656 ، واتفق أكثرهم على أنه مالأه » . انتهى .
ومن تعصب الزكلي قوله : اتفق أكثرهم ، لأن اتهام ابن العلقمي ( رحمه الله ) جاء من ابن تيمية وابن أبي شامة الشاميين ، ولم يسبقهما أحد من المؤرخين الذين عاصروا الحدث !

6 - حاول ابن العلقمي أن يعيد بناء الجيش فاتهموه !

تناقض المتعصبون فاتَّهموا ابن العلقمي بحل الجيش ، ثم اتهموه بأنه حرك الجنود المطالبين بإعادة تشكيله ! قال الذهبي في تاريخه : 47 / 63 : « وفيها ( سنة 648 ) ثارت طائفة من الجند ببغداد ومنعوا يوم الجمعة الخطيب من الخطبة ، واستغاثوا لأجل قطع أرزاقهم . . . وكل ذلك من عمل الوزير ابن العلقمي الرافضي » ! انتهى .
فقد أراد الذهبي أن يذم فمدح ، واعترف بأن ابن العلقمي ساند حركة الجنود لإعادة تشكيل الجيش للدفاع عن البلاد والخلافة ! وهي شهادة كافية لتبرئته وإدانة الخليفة والدويدار والشرابي وسليمان السلجوقي ، الذين أصدروا مرسوم حل الجيش قبل وزارة ابن العلقمي ، ليأكلوا ميزانيته ونفقاته ، بحجة أنهم يجمعون المال لإهدائه إلى المغول لينصرفوا عن غزو بغداد !
فالميزانية كانت بيدهم وقرار حل الجيش بيدهم ، ومع اتهم المغرضون ابن العلقمي بأنه يريد إعادة الجيش ليعطوه ميزانيته !
وقد شهد مؤرخو عصره بنزاهته وبراءته ، قال في الآداب السلطانية / 233 : « وكان
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 51 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مؤيد الدين الوزير عفيفاً عن أموال الديوان وأموال الرعية متنزهاً مترفعاً . قيل إن بدر الدين صاحب الموصل أهدى إليه هدية تشتمل على كتب وثياب ولطائف قيمتها عشرة آلاف دينار ، فلما وصلت إلى الوزير حملها إلى خدمة الخليفة وقال : إن صاحب الموصل قد أهدى لي هذا واستحييت منه أن أرده إليه ، وقد حملته وأنا أسأل قبوله فَقَبله . ثم إنه أهدى إلى بدر الدين عوض هديته شيئاً من لطائف بغداد قيمته اثنا عشر ألف دينار ، والتمس منه ألا يهدي إليه شيئاً بعد ذلك ! وكان خواص الخليفة جميعهم يكرهونه ويحسدونه ! وكان الخليفة يعتقد فيه ويحبه ، وكثروا عليه عنده فكفَّ يده عن أكثر الأمور . ونسبه الناس إلى أنه خامر ( تآمر ) وليس ذلك بصحيح » .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 52 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

7 - آخر محاولات ابن العلقمي عندما وصل المغول

عندما اقترب المغول من بغداد ، استشار الخليفة وزيره ابن العلقمي فأشار عليه أن يرسل إلى طاغيتهم هولاكو هدايا وفيرة ، ويطمئنه بأنه يعترف به سلطاناً كالسلطان البويهي والسلجوقي ، ليعترف هولاكو بالخليفة ولا يهاجم بغداد ! واقتنع الخليفة بهذا الرأي وأمرهم فباشروا بتهيئة الهدايا ، لكن القائد السني المتعصب الدويدار وبقية البطانة استكثروا الهدية ، ومنعوا الخليفة من إرسالها فأطاعهم ، وأحبطوا بذلك محاولة إنقاذ الخلافة !
قال في تاريخ مختصر الدول / 240 : « وفيها في شهر شوال رحل هولاكو عن حدود همذان نحو مدينة بغداد ، وكان في أيام محاصرته قلاع الملاحدة قد سيَّر رسولاً إلى الخليفة المستعصم يطلب منه نجدة ، فأراد أن يسيِّر ولم يقدر ، لم يمكنه الوزراء والأمراء وقالوا : إن هولاكو رجل صاحب احتيال وخديعة وليس محتاجاً إلى نجدتنا ، وإنما غرضه إخلاء بغداد عن الرجال فيملكها بسهولة ! فتقاعدوا بسبب هذا الخيال عن إرسال الرجال !
ولما فتح هولاكو تلك القلاع أرسل رسولاً آخر إلى الخليفة ، وعاتبه على إهماله تسيير النجدة ، فشاوروا الوزير فيما يجب أن يفعلوه ، فقال : لا وجه غير إرضاء هذا الملك الجبار ، ببذل الأموال والهدايا والتحف له ولخواصه . وعندما أخذوا في تجهيز ما يُسَيِّرونه من الجواهر والمرصعات والثياب والذهب والفضة والمماليك والجواري والخيل والبغال والجمال ، قال الدويدار الصغير وأصحابه : إن الوزير إنما يدبر شأن نفسه مع التاتار وهو يروم تسليمنا إليهم ، فلا نمكنه من ذلك !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 53 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فأبطل الخليفة بهذا السبب تنفيذ الهدايا الكثيرة ، واقتصر على شئ نزر لا قدر له ، فغضب هولاكو وقال : لا بد من مجيئه هو بنفسه أو يسيِّر أحد ثلاثة نفر إما الوزير ، وإما الدويدار ، وإما سليمان شاه ! فتقدم الخليفة إليهم بالمضي فلم يركنوا إلى قوله ، فسيَّر غيرهم مثل ابن الجوزي وابن محيي الدين ، فلم يُجديا عنه » .
وقال الذهبي في تاريخه : 48 / 32 : « فأصغى إليهم وبعث هدية قليلة مع عبد الله بن الجوزي ، فتنمر هولاكو وبعث يطلب الدويدار وابن الدويدار وسليمان شاه فما راحوا ، وأقبلت المُغُل كالليل المظلم . وكان الخليفة قد أهمد حال الجند وتعثروا وافتقروا وقطعت أخبازهم ، ونظم الشعر في ذلك ! فلا قوة إلا بالله » . انتهى .
فلماذا يتعامى هؤلاء المتعصبون عن أن القرار والميزانية كانا بيد الخليفة وبطانته ، ويضعون المسؤولية على وزير شيعي مدني ، لا يملك القرار ؟ !
ولمذا لا يُدينون الخليفة المنهار الذي أرسل محتسب بغداد الفقيه السني ابن الجوزي إلى هلاكو في خراسان ، ثم أرسله إليه ليسلمه الأهواز التي كانت خاضعة له مباشرة !
قال الذهبي في سيره : 23 / 374 : « وقد أرسله المستعصم إلى خراسان إلى هولاكو ، ثم رجع وأخبر بصحة عزمه على قصد العراق في جيش عظيم فلم يستعدوا للقائه ! ولما خرج المستعصم إليه طلب منه أن ينفذ إلى خوزستان من يسلمها ، فنفذ شرف الدين هذا بخاتم الخليفة » ! انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 54 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

8 - بكى الخليفة الخمَّار وقال : قتلوا راقصتي فكثّفوا الستائر !

واشتد الخطر وعسكر جيش هولاكو قرب بغداد ، وظل المسمى خليفة مستغرقاً في خمره حتى أحاط جيش هولاكو بقصره ، وأصابت سهامهم راقصته فكان جوابه أن قال : كثفوا الستائر ؟ !
قال ابن كثير في النهاية : 13 / 233 : « وأحاطت التتار بدار الخلافة يرشقونها بالنبال من كل جانب ، حتى أصيبت جارية كانت تلعب بين يدي الخليفة وتضحكه ، وكانت من جملة حظاياه وكانت مولَّدَةً تسمى عَرَفة ، جاءها سهم من بعض الشبابيك فقتلها وهي ترقص بين يدي الخليفة ! فانزعج الخليفة من ذلك وفزع فزعاً شديداً . . ! فأمر الخليفة عند ذلك بزيادة الاحتراز وكثرة الستائر ( لعلها الجُدُر ) !
فأحاطوا ببغداد من ناحيتها الغربية والشرقية ، وجيوش بغداد في غاية القلة ونهاية الذلة ، لا يبلغون عشرة آلاف فارس ، وهم وبقية الجيش كلهم قد صرفوا عن إقطاعاتهم حتى استعطى كثير منهم في الأسواق وأبواب المساجد ، وأنشد فيهم الشعراء قصائد يرثون لهم ويحزنون على الإسلام وأهله ، وذلك كله عن آراء الوزير ابن العلقمي الرافضي ( ! ) وذلك أنه لما كان في السنة الماضية كان بين أهل السنة والرافضة حرب عظيمة نهبت فيها الكرخ محلة الرافضة حتى نهبت دور قرابات الوزير ، فاشتد حنقه على ذلك ، فكان هذا مما أهاجه على أن دبر على الإسلام وأهله ما وقع من الأمر الفظيع الذي لم يؤرُخّ أبشع منه منذ بنيت بغداد وإلى هذه الأوقات . ولهذا كان أول من برز إلى التتار هو ! فخرج بأهله وأصحابه وخدمه وحشمه فاجتمع بالسلطان هلاكو خان لعنه الله ، ثم عاد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 55 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فأشار على الخليفة بالخروج إليه والمثول بين يديه ، لتقع المصالحة على أن يكون نصف خراج العراق لهم ونصفه للخليفة ، فاحتاج الخليفة إلى أن خرج في سبع مائة راكب من القضاة والفقهاء والصوفية ورؤس الأمراء والدولة والأعيان ، فلما اقتربوا من منزل السلطان هولاكوخان حجبوا عن الخليفة إلا سبعة عشر نفساً ، فخلص الخليفة بهؤلاء المذكورين ، وأنزل الباقون عن مراكبهم ونهبت وقتلوا عن آخرهم ، وأحضر الخليفة بين يدي هلاكو فسأله عن أشياء كثيرة ، فيقال إنه اضطرب كلام الخليفة من هول ما رأى من الإهانة والجبروت ، ثم عاد إلى بغداد ، وفي صحبته خواجة نصير الدين الطوسي والوزير ابن العلقمي وغيرهما ، والخليفة تحت الحوطة والمصادرة ، فأحضر من دار الخلافة شيئاً كثيراً من الذهب والحلي والمصاغ والجواهر والأشياء النفيسة ، وقد أشار أولئك الملأ من الرافضة وغيرهم من المنافقين على هولاكو أن لا يصالح الخليفة ، وقال الوزير : متى وقع الصلح على المناصفة لا يستمر هذا إلا عاماً أو عامين ثم يعود الأمر إلى ما كان عليه قبل ذلك . وحسَّنوا له قتل الخليفة ، فلما عاد الخليفة إلى السلطان هولاكو أمر بقتله » . انتهى .
أقول : يعترفون بفساد خليفتهم وبطانته وجبنهم ، ثم يريدون تغطية عوراته باتهام الوزير الشيعي بأنه بادر إلى لقاء هولاكو بعد انتصاره ، وكان هولاكو أحضره قبل إحضار الخليفة !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 56 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

9 - كان سلاطين الخلافة كلهم سكارى مثل الخليفة !

كان سلطان سلاطين الخلافة محمد خوارزم أسوأ من إمامه الخليفة ! فهو مع فساده الأخلاقي سخيفٌ إلى حد الجنون ، ومُقَزِّز إلى حد القَرَف !
قال ابن الأثير في الكامل : 12 / 495 : « وكان جلال الدين سئ السيرة قبيح التدبير لملكه ، لم يترك أحداً من الملوك المجاورين له إلا عاداه ونازعه الملك وأساء مجاورته ، فمن ذلك أنه أول ما ظهر في أصفهان وجمع العساكر قصد خوزستان ، فحصر مدينة ششتر وهي للخليفة فحصرها ، وسار إلى دقوقا فنهبها وقتل فيها فأكثر ، وهي للخليفة أيضاً ، ثم ملك آذربيجان وهي لأوزبك فملكها ، وقصد الكرج وهزمهم وعاداهم ، ثم عادى الملك الأشرف صاحب خلاط ، ثم عادى علاء الدين صاحب بلاد الروم ، وعادى الإسماعيلية ونهب بلادهم وقتل فيهم فأكثر وقرر عليهم وظيفة من المال كل سنة ، وكذلك غيرهم .
فكل الملوك تخلى عنه ولم يأخذ بيده . . . وانضاف إلى ذلك أن عسكره اختلفوا عليه ، وخرج وزيره عن طاعته في طائفة كثيرة من العسكر ، وكان السبب أن ظهر من قلة عقل جلال الدين ما لم يسمع بمثله ! وذلك أنه كان له خادم خصي وكان جلال الدين يهواه واسمه قلج ، فاتفق أن الخادم مات فأظهر من الهلع والجزع عليه ما لم يسمع بمثله ولا لمجنون ليلى ! وأمر الجند والأمراء أن يمشوا في جنازته رَجَّالة ، وكان موته بموضع بينه وبين تبريز عدة فراسخ ، فمشى الناس رَجَّالة ومشى بعض الطريق راجلاً ، فألزمه أمراؤه ووزيره بالركوب ، فلما وصل إلى تبريز أرسل إلى أهل البلد فأمرهم بالخروج عن البلد لتلقي تابوت
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 57 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الخادم ، ففعلوا ، فأنكر عليهم حيث لم يبعدوا ، ولم يظهروا من الحزن والبكاء أكثر مما فعلوا ، وأراد معاقبتهم على ذلك ! فشفع فيهم أمراؤه فتركهم !
ثم لم يدفن ذلك الخصي وإنما كان يستصحبه معه أينما سار وهو يلطم ويبكي ! فامتنع من الأكل والشراب ! وكان إذا قدم له قدم له طعام يقول احملوا من هذا إلى قلج ، ولا يتجاسر أحد يقول إنه مات ، فإنه قيل له مرة إنه مات فقتل القائل له ذلك ! إنما كانوا يحملون إليه الطعام ويعودون يقولون إنه يقبل الأرض ويقول إنني أصلح مما كنت !
فلحق أمراءه من الغيظ والأنفة من هذه الحالة ، ما حملهم على مفارقة طاعته والإنحياز عنه مع وزيره ، فبقي حيران لا يدري ما يصنع ، لا سيما لما خرج التتر فحينئذ دفن الغلام الخصي ، وراسل الوزير واستماله وخدعه إلى أن حضر عنده ، فلما وصل إليه بقي أياماً وقتله جلال الدين ! وهذه نادرة غريبة لم يسمع بمثلها » !
ثم تحدث ابن الأثير المعاصر لتلك الأحداث ، عن الوضع المزري لسلاطين الخلافة العباسية ومدى فسادهم وجبنهم ، ومما قاله :
« وصلوا إلى تبريز وبها صاحب أذربيجان أوزبك بن البهلوان ، فلم يخرج إليهم ولا حدَّث نفسه بقتالهم لانشغاله بما هو بصدده من إدمان الشرب ليلاً ونهاراً لا يُفيق ! وإنما أرسل إليهم وصالحهم على مال وثياب ودواب وحمل الجميع إليهم ، فساروا من عنده يريدون ساحل البحر ، لأنه يكون قليل البرد ليشتُّوا عليه والمراعي به كثيرة » ! ( الكامل : 12 / 374 ) .
وقال في الكامل : 12 / 502 : « في أول هذه السنة أطاع أهل بلاد آذربيجان جميعها
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 58 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
للتتر . . . وملوك الإسلام منجحرون في الأثقاب ! فإنا لله وإنا إليه راجعون » !
أقول : يظهر للباحث أنه بعد الغزو المغول لخراسان سنة 617 ، انتشرت قصص وحشيتهم وتدميرهم وقتلهم العام للناس فانتشر الرعب ، وكان الشعور بالعجز عن مقاومتهم مسيطراً على الخليفة وقائد جيشه الشرابي وبقية البطانة ، فسرى منهم إلى ابنه المستعصم وقائد جيشه الدويدار ، ثم سرى منهم إلى الناس ! وقد رأيت وصف المؤرخين لرعب الناس من فرقة جيش المغول التي اتجهت إلى بغداد من جهة تكريت ، وأن الناس هربوا كالمجانين ! ( الآداب السلطانية / 231 ) .
بل انتشر الرعب قبل عشرين سنة من سقوط لبغداد ، فترك الناس الحج خوفاً من المغول ! والسبب في ذلك أن الترف الذي انغمس فيه الخليفة وبطانته وجهازه الإداري ، سرى إلى الناس ، والناس على دين ملوكهم !
ولا شك في أن الظلم الذي تركز على الشيعة خاصة ، جعلهم ينقمون على السلطة ، ولكنهم لم يطلبوا من المغول احتلال بغداد كما زعم خصومهم !

10 - واخترعوا للخليفة السكران كرامات ومعجزات !

قال السبكي في طبقات الشافعية : 8 / 270 : « وأما الخليفة فقيل إنه طلبه ليلاً وسأله عن أشياء ثم أمر به ليقتل ، فقيل لهولاكو : إن هذا إن أهريق دمه تظلم الدنيا ويكون سبب خراب ديارك ، فإنه ابن عم رسول الله وخليفة الله في أرضه ! فقام الشيطان المبين الحكيم نصير الدين الطوسي وقال : يُقتل ولا يراقُ دمه ! وكان النصير من أشد الناس على المسلمين ، فقيل إن الخليفة غُمَّ في بساط وقيل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 59 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
رفسوه حتى مات ، ولما جاءوا ليقتلوه صاح صيحة عظيمة » . انتهى .
وهذا من افترائهم على المرجع نصير الدين الطوسي ( قدس سره ) الذي كان أسيراً بيد هولاكو ، وقد استبقاه لأنه طبيب ! وقد قلد السبكي في ذلك ابن تيمية !
ثم أضاف السبكي مقلداً غلوهم في الخليفة ، فقال : « ولقد حكي أن الخليفة كان قاعداً يقرأ القرآن وقت الإحاطة بسور بغداد ، فرمى شخص من التتار بسهم ، فدخل من شرفات المكان الذي كان فيه وكانت واحدة من بناته ! بين يديه فأصابها السهم فوقعت ميتة !
ولله ما فعلت زوجة أمير المؤمنين ! قيل : إن هولاكو دعاها ليواقعها فشرعت تقدم له تحف الجواهر وأصناف النفائس تشغله عما يرومه » !
ثم روى السبكي المسكين أن زوجة الخليفة قتلت نفسها بسيف الخليفة الذي فيه أسرار غيبية ! وقد يكون سبب تلفيقهم لهذه الكرامات ، أن بعض زوجات الخليفة وجواريه كان سلوكهن بالعكس تماماً ، فأرادوا التغطية عليهنَّ !

11 - صنعوا من الدويدار الجبان بطلاً ، لأنه عدو للشيعة !

فقد ترجم له الذهبي بإعجاب فقال في سيره : 23 / 371 : « الدويدار الملك مقدم جيش العراق ، مجاهد الدين أيبك الدويدار الصغير ، أحد الأبطال المذكورين والشجعان الموصوفين ! الذي كان يقول : لو مكنني أمير المؤمنين المستعصم لقهرت التتار ، ولشغلت هولاكو بنفسه ! وكان مغرىً بالكيمياء ، له بيت كبير في داره فيها عدة من الصناع والفضلاء لعمل الكيمياء » !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 60 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أقول : كانت قيادة جيش الخلافة بيد هذا القائد الغلام المشغول بلهوه وخمره ، ومحاولة تحويل الحديد إلى ذهب ! وقد رويت عنه خيالات في ذلك ، مع أنه كان ثرياً وكان دخله الشخصي وحده كافياً لميزانية جيش ! « وكان دخله في العام من ملكه وإقطاعه خمس مائة ألف دينار » . ( تاريخ الذهبي : 47 / 443 ) .
ثم إنه كاذبٌ في عنترياته بأن الخليفة لو مكنه لهزم هلاكو ، فقد كان الخليفة بيده ولم يمنعه من الدفاع ، لكنه هرب في زورق ، فقبضوا عليه كالدجاجة !
قال السيد الأمين في أعيان الشيعة : 9 / 93 : « ولما حمي وطيس الحرب في بغداد وضاق الحال على الأهالي أراد الدواتدار أن يركب سفينة وأن يهرب إلى ناحية المسيب ، ولكنه بعد أن اجتاز قرية العقاب أطلق جند بوقا تيمور حجارة المنجنيق والسهام وقوارير النفط ، واستولوا على ثلاث سفن وأهلكوا من فيها ، وعاد الدواتدار منهزماً ! فلما وقف الخليفة على تلك الحال يئس نهائياً من الاحتفاظ ببغداد ، ولم يرَ أمامه مفراَ ولا مهرباَ قط ، فقال : سأستسلم وأطيع !
ثم أرسل فخر الدين الدامغاني وابن الدرنوش مع قليل من التحف إلى هولاكو ، زاعماً أنه لو بعث بالكثير لكان ذلك دليلاً على خوفه ، فيتجرأ العود ! فلم يلتفت هولاكو إلى هذه الهدايا ، وعادا محرومين » !

12 - من رواياتهم المعقولة في استسلام بغداد

من الروايات المعقولة لمؤرخين معاصرين للحدث ، رواية ابن العبري في كتابه : تاريخ مختصر الدول / 242 قال : « وأمر هولاكو أن يخرج إليه الدويدار وسليمان
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 61 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
شاه ، وأما الخليفة إن اختار الخروج فليخرج وإلا فليلزم مكانه ! فخرج الدويدار وسليمان شاه ومعهما جماعة من الأكابر ، ثم عاد الدويدار من الطريق بحجة أنه يرجع ويمنع المقاتلين الكامنين بالدروب والأزقة ، لئلا يقتلوا أحداً من المغول ! فرجع وخرج من الغد وقتل ، وعامة أهل بغداد أرسلوا شرف الدين المراغي ، وشهاب الدين الزنكاني ، ليأخذا لهم الأمان .
ولما رأى الخليفة أن لا بد من الخروج أراد أو لم يرد ، استأذن هولاكو بأن يحضر بين يديه فأذن له ! وخرج رابع صفر ومعه أولاده وأهله ، فتقدم هولاكو أن ينزلوه بباب كلواذ وشرع العساكر في نهب بغداد ، ودخل بنفسه إلى بغداد ليشاهد دار الخليفة ، وتقدم بإحضار الخليفة فأحضروه ، ومَثُل بين يديه ، وقدم جواهر نفيسة ولآلئ ودرراً معبأة في أطباق ، ففرق هولاكو جميعها على الأمراء ، وعند المساء خرج إلى منزله وأمر الخليفة أن يفرز جميع النساء اللاتي باشرهن هو وبنوه ويعزلهن عن غيرهن ، ففعل فكنَّ سبع مائة امرأة ! فأخرجهن ومعهن ثلاثمائة خادم خصي ! وبقي النهب يعمل إلى سبعة أيام ، ثم رفعوا السيف وأبطلوا السبي » . انتهى .
ومثلها في الوثاقة رواية الآداب السلطانية لابن الطقطقي / 231 ، قال : « وفي آخر أيامه قويت الأراجيف بوصول عسكر المغول صحبة السلطان هولاكو ، فلم يحرك ذلك منه عزماً ، ولا نبَّه منه همَّةً ، ولا أحدث عنده هماً ! وكان كلما سمع عن السلطان ( هولاكو ) من الاحتياط والاستعداد شئ ، ظهر من الخليفة نقيضه من التفريط والإهمال ، ولم يكن يتصور حقيقة الحال في ذلك ، ولا يعرف هذه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 62 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الدولة يسر الله إحسانها وأعلى شانها ، حق المعرفة .
وكان وزيره مؤيد الدين بن العلقمي يعرف حقيقة الحال في ذلك ويكاتبه بالتحذير والتنبيه ويشير عليه بالتيقظ والاحتياط والاستعداد ، وهو لا يزداد إلا غفولاً ، وكان خواصه يوهمونه أنه ليس في هذا كبير خطر ولا هناك محذور ، وأن الوزير إنما يعظم هذا لينفق سوقه ، ولتبرز إليه الأموال ليجند بها العساكر فيقتطع منها لنفسه ! وما زالت غفلة الخليفة تنمو ويقظة الجانب الآخر تتضاعف حتى وصل العسكر السلطاني إلى همذان ، وأقام بها مدة مديدة . ثم تواترت الرسل السلطانية إلى الديوان المستعصمي فوقع التعيين من ديوان الخليفة على ولد أستاذ الدار وهو شرف الدين عبد الله بن الجوزي ، فبعثه رسولاً إلى خدمة الدركاه السلطانية بهمذان ، فلما وصل وسمع جوابه علم ( هولاكو ) أنه جواب مغالطة ومدافعة ، فحينئذ وقع الشروع في قصد بغداد وبث العساكر إليها ، فتوجه عسكر كثيف من المغول والمقدم عليهم باجو إلى تكريت ، ليعبروا من هناك إلى الجانب الغربي ، ويقصدوا بغداد من غربيها ، ويقصدها العسكر السلطاني من شرقيها ، فلما عبر عسكر باجو من تكريت وانحدر إلى أعمال بغداد أجفل الناس من دجيل والإسحاقي ونهر ملك ونهر عيسى ، ودخلوا إلى المدينة بنسائهم وأولادهم ، حتى كان الرجل أو المرأة يقذف بنفسه في الماء ، وكان الملاح إذا عبَّر أحداً في سفينة من جانب إلى جانب ، يأخذ أجرته سواراً من ذهب أو طرازاً من زركش ، أو عدة من الدنانير !
فلما وصل العسكر السلطاني ( هولاكو ) إلى دجيل وهو يزيد على ثلاثين ألف
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 63 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فارس ، خرج إليه عسكر الخليفة صحبة مقدم الجيوش مجاهد الدين أيبك الدويدار ، وكان عسكراً في غاية القلة فالتقوا بالجانب الغربي من بغداد قريباً من البلد ، فكانت الغلبة في أول الأمر لعسكر الخليفة ، ثم كانت الكرَّة للعسكر السلطاني فأبادوهم قتلاً وأسراً ، وأعانهم على ذلك نهر فتحوه في طول الليل فكثرت الوحول في طريق المنهزمين ، فلم ينج منهم إلا من رمى نفسه في الماء ، أو من دخل البرية ومضى على وجهه إلى الشام ! ونجا الدويدار في جمعية من عسكره ووصل إلى بغداد !
وساق باجو حتى دخل البلد من جانبه الغربي ووقف بعساكره محاذي التاج ، وجاست عساكره خلال الديار ، وأقام محاذي التاج أياماً .
وفي يوم الخميس رابع محرم من سنة ست وخمسين وست مائة ، ثارت غبرة عظيمة شرقي بغداد على درب بعقوبا بحيث عمت البلد ، فانزعج الناس من ذلك وصعدوا إلى أعالي السطوح والمناير يتشوفون ، فانكشفت الغبرة عن عساكر السلطان ( هولاكو ) وخيوله ولفيفه وكراعه ، وقد طبق وجه الأرض وأحاط ببغداد من جميع جهاتها ، ثم شرعوا في استعمال أسباب الحصار ، وشرع العسكر الخليفي في المدافعة والمقاومة ( لا يصح ) إلى اليوم التاسع عشر من محرم . فلم يشعر الناس إلا ورايات المغول ظاهرة على سور بغداد من برج يسمى برج العجمي من ناحية باب من أبواب بغداد يقال له باب كلواذى ، وكان هذا البرج أقصر أبراج السور ، وتقحَّمَ العسكر السلطاني هجوماً ودخولاً ( بلا مقاومة ) فجرى من القتل الذريع والنهب العظيم والتمثيل البليغ ، ما يعظم سماعه جملة ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 64 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فما الظن بتفاصيله : وكان ما كان مما لستُ أذكره فظُنَّ ظناً ولا تسأل عن الخبرِ !
وأمر السلطان بخروج الخليفة وولده ونسائه إليه ، فخرجوا فحضر الخليفة بين يدي الدركاه ، فيقال إنه عوتب ووُبِّخ بما معناه نسبة العجز والتفريط والغفول إليه ! ثم أُوصل إلى اليأس هو وولداه الأكبر والأوسط ، وأما بناته فأُسرن ، ثم استشهد المستعصم في رابع صفر سنة ست وخمسين وست مائة » .
وقال العصامي في سمط النجوم / 1212 : « وفي رواية : أن خروج الخليفة المستعصم إليه كان قبل وقوع شئ من القتال » . انتهى . وهو المنسجم مع انهيار الناس عامة ، وانهيار الخليفة وبطانته المترفة ، بشكل خاص !
وروى المؤرخون أن بعض التجار والشخصيات أعطوا مبالغ للمغول لحماية بيوتهم من النهب والتخريب ، وبعض البيوت صدر الأمر بعدم التعرض لها ، ومنها بيت صاحب الديوان ن وبيت الحاجب ، وبيت ابن العلقمي وغيره .
قال الذهبي في تاريخه : 48 / 39 : « وكان ببغداد عدة من التجار سلِموا ، لفرمانات والتجأ إليهم خلق ، وسلم مَن بدار ابن العلقمي ، ودار ابن الدامغاني صاحب الديوان ، ودار ابن الدوامي الحاجب ، وما عدا ذلك ما سلم إلا من اختفى في بئر أو قناة ، وأحرق معظم البلد ، وكانت القتلى في الطرق كالتلول ! ومن سلم وظهر خرجوا كالموتى من القبور خوفاً وجوعاً وبرداً .
وسلم أهل الحلة والكوفة ، أمَّنهم القان وبعث إليهم شحاني . وسلمت البصرة وبعض واسط . ووقع البلاء فيمن تخلف » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 65 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال في أعيان الشيعة : 9 / 86 : « ومما نقلنا من الإخبار يظهر للقارئ أن الوزير مؤيد الدين بن العلقمي لم يكن السالم من القتل وحده حتى يتهم بالخيانة ذلك الاتهام الباطل ، وإنما سلم معه ونال مرتبة في الدولة المغولية فخر الدين أحمد بن الدامغاني الحنفي ، الذي كان صاحب الديوان في آخر أيام المستعصم ، وتاج الدين علي بن الدوامي ، الذي كان حاجب باب النوبي للمستعصم بالله ، ونجم الدين أحمد بن عمران الباجسري ، أحد عمال الخليفة والغالب على أهل باجسرى الحنبلية ، وأقضى القضاة عبد المنعم البندنيجي الشافعي ، وسراج الدين بن البجلي الشافعي ، وفخر الدين المبارك بن المخرمي الحنبلي ، وعز الدين عبد الحميد بن أبي الحديد المعتزلي ، والشيخ عبد الصمد بن أبي الجيش الحنبلي المقرئ المشهور » .
أقول : لكن وساطة نصير الدين وابن العلقمي لم تستطع منع المغول من نهب الكرخ وغيرها ، فلم يفرق هولاكو في استباحته لبغداد بين السنة والشيعة ، بينما استثنى النصارى ! ( أعيان الشيعة : 9 / 101 ) . وقد نهب المغول مشهد الإمامين الكاظمين ( عليهما السلام ) وخربوه كجامع الخليفة ! ( أعيان الشيعة : 9 / 96 ) .
وشهد صاحب النجوم الزاهرة رغم تعصبه ( 7 / 50 ) أن التدمير شمل الرافضة كالسنة ، وأن : « التتار يبذلون السيف مطلقاً في أهل السنة والرافضة معاً ، وراح مع الطائفتين أيضاً أمم لا يحصون كثرة » !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 66 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

13 - أخفوا أدوار بطانة الخليفة شركاء قائد الجيش !

تعامى أعداء الشيعة كابن تيمية والذهبي عما ارتكبه الخليفة المستعصم ( بلهوه ) وقائد جيشه الدويدار وبقية الحاشية وسلاطين البلاد ، لأن هؤلاء أعداءٌ للشيعة مثلهم ، وأعداءٌ للوزير ابن العلقمي ( رحمه الله ) ! ومنهم أحمد بن الخليفة ، الذي كان بطل مجزرة الكرخ مع الدويدار ، فقد هاجما أحياء الشيعة في بغداد : « فنهبوا الكرخ وهتكوا النساء وركبوا منهن الفواحش » ! ( أبو الفداء / 833 ، وعقد الجمان للعيني / 79 ) . وهما اللذان قاما بانقلاب وأرادا قتل الخليفة ليأخذ الخلافة أحمد : « فهاشت العامة وعظم الأمر ، وقتل جماعة كثيرة وجرح خلق » ! ( تاريخ الذهبي : 48 / 24 ) .
ومنهم أحمد بن الدامغاني صاحب الديوان ، الذي صار صاحب ديوان هولاكو ! ( تاريخ الإسلام : 48 / 260 ) .
وابن بهرام : « الحاجب الأوحد شمس الدين الخالدي البغدادي وأباه ، مشرف عرض الجيوش » . ( تاريخ الإسلام : 52 / 223 ) .
وصدر الدين بن النيار ، شيخ شيوخ بغداد ، وأخوه عز الدين ، وكيل أولاد المستعصم ! ( الوافي : 13 / 29 ) .
« ومحي الدين بن الجوزي الصاحب العلامة ، سفير الخلافة ، التيمي البكري البغدادي الحنبلي أستاذ دار المستعصم » . « وقد أرسله المستعصم إلى خراسان إلى هولاكو » . ( سير الذهبي : 23 / 374 وفي أعيان الشيعة : 9 / 87 ، حقائق مفحمة ! ) .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 67 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الرابع : منصفون سنة دافعوا عن الشيعة

1 - وهابي منصف دافع عن ابن العلقمي والشيعة

ما زال الوهابيون تبعاً لإمامهم ابن تيمية ، يتهمون الشيعة بأنهم السبب في غزو المغول لبلاد المسلمين وإسقاط الخلافة الشرعية ! ويزعمون أن الوزير محمد بن العلقمي الأسدي ( رحمه الله ) كان شيعياً وأراد الانتقام من قائد الجيش الدويدار وابن الخليفة لهجومهما على محلة الكرخ الشيعية في بغداد قبل سنتين من غزو المغول ، فكاتب هولاكو وشجعه على غزو بغداد !
ويجيب الشيعة بأن هذا الكلام من افتراءات ابن تيمية ، فإن ابن العلقمي عالمٌ منزهٌ عن ذلك ، بل عمل للدفاع عن بغداد وبلاد المسلمين فلم يسمعوا كلامه ، ثم عمل لتجنيب دخول المغول إليها وتدميرها ، فلم يسمعوا كلامه !
كما يجيب الشيعة بجواب أشد على الوهابيين يقول : لو سلمنا معكم بأن الشيعة كانوا السبب في سقوط الخلافة العباسية ، فقد قامت بعدها خلافة أقوى منها وأوسع هي الخلافة العثمانية ، فجاء الوهابية وتآمروا عليها مع الإنكليز وحاربوها معهم جنباً إلى جنب سنين طويلة ، حتى أسقطوها !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 68 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بينما قاتل فقهاء الشيعة وعشائرهم في العراق الجيش الإنكليزي جنباً إلى جنب مع جيش الخلافة ، واختلط دم شهدائهم بدم الأتراك ، وسجن مجاهدوهم مع ضباط الجيش العثماني ، وأعدموا جميعاً بيد الإنكليز !
لكن الوهابيين يخفون هذه الحقائق ويرفعون صراخهم باتهام الشيعة وابن العلقمي ونصير الدين الطوسي بالخيانة ، وكأنهم مدفوعون لا شعورياً إلى هذه التهمة ليغطوا على مؤامرتهم مع الإنكليز لإسقاط الخلافة العثمانية .
لكن ظهر في السنوات الأخيرة كتَّاب منصفون رغم القمع الوهابي جهروا ببراءة ابن العلقمي والطوسي والشيعة . ومنهم الباحث أ . د . سعد بن حذيفة الغامدي ، أستاذ التاريخ الإسلامي ، في كلية الآداب قسم التاريخ في جامعة الملك سعود ، فقد ألف كتاب : سقوط الدولة العباسية ودور الشيعة بين الحقيقة والإتهام ! وهذه رابط موقعه : http : / / www . muslimshistory . net / index . htm
والكتاب في جزءين ، وقد غضب الوهابية على مؤلفه ، فقد كتب سليمان بن صالح الخراشي ، موضوعاً بعنوان : دكتور في جامعة الملك سعود يردد أكذوبة شيعية ! جاء فيه : h / http : saaid . net / / Warathah / Alkharashy / mm / 19 . htm
« سقوط الدولة العباسية ودور الشيعة بين الحقيقة والإتهام . كتابٌ للأستاذ الدكتور سعد بن حذيفة الغامدي ، أحد منسوبي جامعة الملك سعود قسم التاريخ ، صدر قريباً وكتب على طرته ( دراسة جديدة لفترة حاسمة من تاريخ أمتنا ) وهذا ما أغراني لاقتنائه منتظراً ما سيجود به قلم الدكتور من جديد في هذه القضية ، إلا أنني تفاجأت عندما رأيته يردد ما ردده الشيعة الرافضة من تكذيب
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 69 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لأي خيانة لأسلافهم ، وهو ما تتابع عليه ثقات المؤرخين ، فهذا الجديد عنده !
يقول الدكتور محاولاً دفع تهمة الخيانة عن الرافضة : ومع هذا فإن سؤالاً يتبادر إلى الذهن وهذا السؤال هو : هل كان هولاكو محتاجاً إلى مساعدة المسلمين الشيعة ضد المسلمين السنة ، حتى نقبل أنهم كانوا أحد العوامل التي أدت إلى سقوط بغداد ؟ في الحقيقة لم يكن هولاكو محتاجاً إلى مساعدة من أي فرد شيعياً كان أم سنياً ، لذلك فإننا نجد كما يظهر لنا أنه من غير المحتمل إن لم يكن من المستحيل أن يكون لهذه الطائفة من المسلمين أي دور فعال ، سواء من داخل أو من خارج بغداد ، في هجوم المغول ضد العاصمة العباسية بغداد وخلافتها السنية !
يقول الدكتور / 333 : إن للمرء أن يقول بأن هذه الاتهامات لا أساس لها من الصحة ، إذ لم تدعم أو تثبت بأي دليل قاطع ، يقوم أساساً على تقرير شاهد عيان معاصر ، كما أنها لم تظهر هذه الاتهامات أو الشائعات بمعنى أدق ، إلا بعد سنوات طوال من بعد سقوط العاصمة بغداد ، وانقراض أسرتها الحاكمة العباسية ! . . الخ .
ولم يستطع الكاتب الخرَّاش أن يجيب على كلام الدكتور الغامدي العلمي الذي أبطل كلام ابن أبي شامة وابن تيمية ، فلجأ إلى كلام ناصر القفاري ، والقفاري ليس عنده إلا نقل لكلام ابن تيمية في اتهام ابن العلقمي وسبه !
ونشير هنا إلى دفاعات السيد الأمين القوية عن الشيعة وابن العلقمي ( رحمه الله ) في كتابه أعيان الشيعة : 9 / 100 ، ومنها أنه توجد عدة مصادر أصلية معاصرة لابن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 70 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
العلقمي وللحدث ، كذَّبت هذه التهمة ، كتاريخ ابن الطقطقي ، وتاريخ رشيد الدين ، وعبد الرحمن سنبط بن قنيتو الإربلي ، في كتابه الذهب المسبوك وهو عراقي معاصر للحدث ، وكذلك أبو الفرج بن العبري في كتابه تاريخ مختصر الدول ، وابن الفوطي البغدادي الحنبلي ، وكلهم معاصرون للحدث وأصحاب اطلاع واسع ! فهذا يدل على أن التهمة من تدبير المتعصبين ضد ابن العلقمي والشيعة ! خاصة أن الدويدار دبر مع ابن الخليفة محاولة انقلاب على الخليفة فكشفها ابن العلقمي وأحبطها ، ومن الطبيعي أن يحقدا عليه !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 71 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

2 - لماذا لم يتهموا شخصيات سنية كانت مع المغول ؟ !

كان التتار مجاورين للمسلمين في شرق خراسان ، وكانت لهم علاقات تجارية واسعة معهم ، ولملوكهم علاقات مع شخصيات سنية عديدة . وكان عدد منهم مع جنكيز في حملته الأولى سنة 617 ، وأرسل بعضهم مبعوثين إلى سلطان خراسان ! ثم كان مع هولاكو عدد منهم قبل أن يقع في قبضته نصير الدين الطوسي ( قدس سره ) ، فلماذا يتهمون نصير الدين وينسون هؤلاء ؟ !
قال الذهبي في تاريخه : 44 / 22 : « وفيها ( سنة 516 ) عاد السلطان خوارزم شاه محمد إلى نيسابور وأقام بها مدة ، وقد بلغه أن التتار خذلهم الله تعالى قاصدون مملكة ما وراء النهر ، وجاءه من جنكس خان رسل : وهم محمود الخوارزمي وخواجا علي البخاري ، ومعهم من طُرَفٌ هدايا الترك من المسك وغيره » .
وفي النهاية : 13 / 236 : « وكان رحيل السلطان المسلط هولاكو خان عن بغداد في جمادى الأولى من هذه السنة إلى مقر ملكه ، وفوض أمر بغداد إلى الأمير علي بهادر ، فوض إليه الشحنكية بها » .
« وفي نفس اليوم الذي قتلوا فيه الخليفة أرسلوا إليها مؤيد الدين ابن العلقمي ليقوم بالوزارة ، وفخر الدين الدامغاني ليكون صاحب الديوان ، وجعلوا علي بهادر شحنة لها ، وعينوا المحتسبين لمراقبة المقاييس والأوزان ، ونصبوا عماد الدين عمر القزويني نائباً للأمير قراتاي ، وهو الذي عمَّر مسجد الخليفة ومشهد موسى والجواد . ونصب نجم الدين أبو جعفر أحمد بن عمران الملقب
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 72 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
براست دل المخلص ، والياً على أعمال شرقي بغداد مثل طريق خراسان والخالص والبندنيجين . وأمر هولاكو بأن يكون نظام الدين عبد المنعم البندنيجي قاضياً للقضاة » . ( أعيان الشيعة : 9 / 95 ، عن جامع التواريخ : 1 / 262 ) .
« وممن عملوا مع جنكيز خان : فخر الدين محمود بن محمد الخوارزمي ، الذي يقول عنه ابن الفوطي : كان من أعيان وزراء جنكيز خان وعليه مدار الملك في المشرق ، وإليه تدبير ممالك تركستان وبلاد الخطا وما وراء النهر وخوارزم . وكان مع ذلك الذكاء كاتباً سديداً يكتب بالمغولية والخوارزمية والتركية والفارسية الخطائية ( الصينية ) والهندية والعربية ، وكان غاية في الفهم والذكاء والمعرفة ، وبتدبيره الشديد انتظم للمغول ملكهم » . ( الإسماعيليون والمغول / 75 ) .
كما أخفوا ذكر الملوك الأيوبيين الذين قاتلوا المسلمين مع المغول ، كالملك السعيد بن الملك العزيز بن الملك العادل أخي صلاح الدين الأيوبي ، الذي سلَّم لهولاكو الصبيبة ( قلعة قرب بانياس ) وانضم إليه في زحفه » . ( الإسماعيليون والمغول / 121 ) .
وقال أبو الفداء في تاريخه : 3 / 204 : « وكان معهم أيضاً في هذه المعركة الملك الأشرف موسى صاحب حمص ، الذي استطاع الفرار عند حصول الهزيمة فلم يؤسر ، وهو من أحفاد شيركوه عم صلاح الدين الأيوبي . وممن حرضوا المغول على غزو الشام ومصر الملك المغيث فتح الدين عمر بن العادل بن الكامل بن العادل شقيق صلاح الدين الأيوبي » .
كما أخفوا السنيين الذين ذهبوا إلى المغول وطلبوا منهم أن يحتلوا بلادهم ؟ !
قال ابن خلدون : 5 / 529 : « واستقل منكوفان بالتخت ، وولَّى أولاد جفطاي عمه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 73 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
على ما وراء النهر إمضاء لوصية جنكزخان لأبيهم التي مات دونها ووفد عليه جماعة من أهل قزوين وبلاد الجبل يشكون ما نزل بهم من ضرر الإسماعيلية وفسادهم فجهز أخاه هلاكو لقتالهم واستئصال قلاعهم فمضى لذلك ، وحسَّن لأخيه منكوفان الاستيلاء على أعمال الخليفة فأذن له فيه » . انتهى .
ويطول الكلام لو أردنا سرد أسماء السنيين الذين تعاونوا مع المغول ، خوفاً ، أو طمعاً ، أو خيانة . وبعضهم استعانوا بهم على خصومهم من مذهب سني آخر ! قال ابن أبي الحديد في شرح النهج : 8 / 237 ، عن أصفهان التي كانت سنية متعصبة ! « اختلف أهل أصبهان في سنة 633 ، وهم طائفتان حنفية وشافعية وبينهم حروب متصلة وعصبية ظاهرة ! فخرج قوم من أصحاب الشافعي إلى من يجاورهم ويتاخمهم من ممالك التتار فقالوا لهم : أقصدوا البلد حتى نسلمه إليكم ! فنقل ذلك إلى قا آن بن جنكيز خان بعد وفاة أبيه والملك يومئذ منوط بتدبيره ، فأرسل جيوشاً من المدينة المستجدة التي بنوها وسموها قرا حرم ، فعبرت جيحون مغربة وانضم إليها قوم ممن أرسله جرماغون على هيئة المدد لهم ، فنزلوا أصفهان في سنة 633 المذكورة وحصروها ، فاختلف سيفا الشافعية والحنفية في المدينة حتى قتل كثير منهم ، وفتحت أبواب المدينة ، فتحها الشافعية على عهد بينهم وبين التتار أن يقتلوا الحنفية ويعفوا عن الشافعية !
فلما دخلوا البلد بدؤوا بالشافعية فقتلوهم قتلاً ذريعاً ، ولم يفوا مع العهد الذي عهدوه لهم ، ثم قتلوا الحنفية ، ثم قتلوا سائر الناس » !
أقول : كان هذا العمل من المتعصبين الشوافع سنة 633 ، أي قبل حملة هولاكو
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 74 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
على بغداد بأكثر من عشرين سنة ! فأين كان ابن العلقمي والطوسي ؟ !
كما أخفى المتعصبون فقيهاً خطيراً جزاراً كان يجرُّ العلماء إلى هولاكو ليقتلهم ! قال السيد الأمين في كتابه الإسماعيليون والمغول / 123 : « وممن يتجاهل ابن تيمية جرائمهم ويتهم الأبرياء . . كبار علماء هولاكو الذين وضعوا أنفسهم في تصرفه فعاونوه على سفك دماء المسلمين ، منهم أبو بكر فخر الدين عبد الله بن عبد الجليل القاضي المحدث ، الذي ذكر صاحب كتاب الحوادث الجامعة إنه كان يتولى إخراج الفقهاء البغداديين ليقتلوا في مخيم هولاكو ! وصاحب الحوادث الجامعة مؤرخ معاصر شهد الأحداث بنفسه ، وأن الذي كان يَدْهَم بيوت فقهاء بغداد ويخرجهم منها ليسوقهم إلى هولاكو ليقتلهم ، هو القاضي المحدث الملقب بفخر الدين !
إن حامل هاتين الصفتين كان جلاد هولاكو الساعي بدماء الفقهاء العلماء إلى السفاك السفاح !
إنه يعرفهم واحداً واحداً ، لأنه منهم ، ويعرف مراتبهم ودرجاتهم ، ويعرف بيوتهم ومجالسهم ، فكان يسهل عليه انتقاؤهم وسحبهم لتهرق دماؤهم !
وابن تيمية يغمض عينيه عنه وعن أمثاله » ! !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 75 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الخامس : سياسة علماء السنة والشيعة مع المغول

1 - الحاكم الكافر العادل خيرٌ من المسلم الجائر

« لما فتح السلطان هولاكو بغداد في سنة ست وخمسين وست مائة ، أمر أن يستفتى العلماء أيهما أفضل : السلطان الكافر العادل ، أم السلطان المسلم الجائر ؟ ثم جمع العلماء بالمستنصرية لذلك ، فلما وقفوا على الفتيا أحجموا عن الجواب ، وكان رضيُّ الدين علي بن طاووس حاضراً هذا المجلس ، وكان مقدماً محترماً ، فلما رأى إحجامهم تناول الفتيا ووضع خطه فيها بتفضيل العادل الكافر على المسلم الجائر ، فوضع الناس خطوطهم بعده » . ( الآداب السلطانية لابن الطقطقي / 2 ) .
أقول : هذه الفتوى قد تصدم شعور المسلم المثالي ، الذي يعيش أجواء النظرية دون التطبيق ، وينظر إلى الشكل والاسم ، أكثر من المضمون والجوهر !
فهو لا يعرف أن السلطة عندما تستعمل الدين لمصادرة الحد الأدنى من حق الإنسان في العيش وحرية الإعتقاد والتعبير ، فلا يمكن لإنسان أن يعترف بشرعيتها ، أو يسكت على اضطهادها .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 76 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فالمشكلة مع سلطة من هذا النوع متقدمةٌ رتبةً على الدين ، لأن الدين موضوعه الإنسان ، فإذا سحق الإنسان فقد سحق موضوع الدين !
إنا بحاجة إلى شجاعة لنعترف بأن تاريخنا ملئٌ بالإجبار والإكراه والاضطهاد ، وأن احترام الإنسان كما يوجب الدين ، لا يوجد في تاريخنا إلا عند النبي وآله ( صلى الله عليه وآله ) ، ولهذا بدأت معركة المسلمين مع حكوماتهم في أصل حرية الإنسان واحترامه ! بمجرد أن أغمض النبي ( صلى الله عليه وآله ) عينيه ، وما زالت إلى يومنا هذا !
قال ابن قتيبة / 30 : « إن أبا بكر أخبر بقوم تخلفوا عن بيعته عند علي فبعث إليهم عمر بن الخطاب فجاء فناداهم وهم في دار علي ، وأبوا أن يخرجوا ن فدعا عمر بالحطب فقال : والذي نفس عمر بيده لتخرجن أو لأحرقنها عليكم على ما فيها ! فقيل له : يا أبا حفص إن فيها فاطمة ! فقال : وإنْ » ! انتهى .
فالقضية تكمن في هذا الانقلاب الذي استبدل احترام إرادة الإنسان بإجباره على بيعة المتغلب ، وإلا استحق الحرق وهو حي ، حتى لو كان عترة النبي ( صلى الله عليه وآله ) !
قال ابن كثير في النهاية : 8 / 123 : « إن معاوية لما مرض مرضته التي هلك فيها دعا ابنه يزيد فقال : يا بني إني قد كفيتك الرحلة والترحال ، ووطأت لك الأشياء وذللت لك الأعداء ، وأخضعت لك أعناق العرب . وإني لا أتخوف أن ينازعك هذا الأمر الذي أسسته إلا أربعة نفر : الحسين بن علي ، وعبد الله بن عمر ، وعبد الله بن الزبير ، وعبد الرحمن بن أبي بكر . . إلى أن قال له : وأما الذي يجثم لك جثوم الأسد ويراوغك روغان الثعلب ، وإذا أمكنته فرصة وثب ، فذاك ابن الزبير فإن هو فعلها بك فقدرت عليه فقطعه إرْباً إرْباً » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 77 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي تاريخ دمشق : 10 / 256 : « كان إذا ضرب البعث ( التجنيد ) على أحد من جنده ثم وجده قد أخل بمركزه ، أقامه على كرسي ثم سمَّرَ يديه في الحائط ثم انتزع الكرسي من تحت رجليه فلا يزال يتشحط حتى يموت » !
وفي تاريخ الطبري : 6 / 525 : « كنت فيمن جاء إلى الرشيد بأخي رافع ( أسيراً ) قال فدخل عليه وهو على سرير مرتفع عن الأرض بقدر عظم الذراع ، وعليه فرش بقدر ذلك أو قال أكثر ، وفي يده مرآة ينظر إلى وجهه قال : فسمعته يقول : إنا لله وإنا إليه راجعون ، ونظر إلى أخي رافع فقال : أما والله يا ابن اللخناء ( القذرة ) إني لأرجو أن لا يفوتني خامل ، يريد رافعاً ، كما لم تفتني ! فقال له : يا أمير المؤمنين قد كنت لك حرباً وقد أظفرك الله بي فافعل ما يحب الله أكن لك سلماً ، ولعل الله أن يلين لك قلب رافع إذا علم أنك قد مننت عليَّ . فغضب وقال : والله لو لم يبق من أجلي إلا أن أحرك شفتي بكلمة لقلت : أقتلوه ! ثم دعا بقصاب فقال : لا تشحذ مداك أتركها على حالها ( لاتحدَّ سكاكينك ) وفَصِّلْ هذا الفاسق وعجِّل ، لا يحضرن أجَلي وعضوان من أعضائه في جسمه ! ففصله حتى جعله أشلاء فقال : عُدَ أعضاءه ! فعددت له أعضاءه فإذا هي أربعة عشر عضواً . . . ! ثم أغمي عليه وتفرق من حضره ، ثم مات من ساعته » . ( والخصائص / 394 ، والنهاية : 10 / 231 ) .
وفي عيون إخبار الرضا ( عليه السلام ) : 2 / 102 : « لما بنى المنصور الأبنية ببغداد جعل يطلب العلوية طلباً شديداً ، ويجعل من ظفر منهم في الأسطوانات المجوفة المبنية من الجص والآجر ! فظفر ذات يوم بغلام منهم حسن الوجه عليه شعر أسود من ولد الحسن بن علي بن أبي طالب ، فسلمه إلى البناء الذي كان يبني له وأمره أن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 78 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يجعله في جوف أسطوانة ويبني عليه ، ووكل عليه من ثقاته من يراعى ذلك حتى يجعله في جوف أسطوانة بمشهده ، فجعله البناء في جوف أسطوانة فدخلته رقه عليه ورحمه له فترك الأسطوانة فُرْجةً يدخل منها الروح فقال للغلام : لا بأس عليك فاصبر فإني سأخرجك من جوف هذه الأسطوانة إذا جن الليل ، فلما جن الليل جاء البناء في ظلمه فأخرج ذلك العلوي من جوف تلك الأسطوانة وقال له : إتق الله في دمي ودم الفعلة الذين معي وغيِّب شخصك ، فإني إنما أخرجتك ظلمه هذه الليلة من جوف هذه الأسطوانة لأني خفت أن تركتك في جوفها أن يكون جدك رسول الله يوم القيامة خصمي بين يدي الله عز وجل » !
وفي أعيان الشيعة : 1 / 28 : « وفعل المنصور ببني الحسن السبط الأفاعيل فحملهم من المدينة إلى الهاشمية بالعراق مقيدين مغللين ، وحبسهم في سجن لا يعرفون فيه الليل من النهار ، وإذا مات منهم واحد تركه معهم ، ثم هدم السجن عليهم » . ( راجع مروج الذهب : 3 / 299 ، وابن الأثير : 5 / 551 ) .
وفي عيون إخبار الرضا ( عليه السلام ) : 1 / 172 : « وكان الجلودي في خلافة الرشيد لما خرج محمد بن جعفر بن محمد بالمدينة ، بعثه الرشيد وأمره إن ظفر به أن يضرب عنقه ، وأن يغير على دور آل أبي طالب وأن يسلب نساءهم ، ولا يدع على واحدة منهن إلا ثوباً واحداً ! ففعل الجلودي ذلك ، وقد كان مضى أبو الحسن موسى بن جعفر ، فصار الجلودي إلى باب دار أبي الحسن الرضا هجم على داره مع خيله ، فلما نظر إليه الرضا جعل النساء كلهن في بيت ، ووقف على باب البيت فقال الجلودي لأبي الحسن : لا بد من أن أدخل البيت فأسلبهن كما أمرني أمير المؤمنين !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 79 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فقال الرضا : أنا أسلبهنَّ لك ، وأحلف أني لا أدع عليهن شيئاً إلا أخذته ! فلم يزل يطلب إليه ويحلف له حتى سكن ، فدخل أبو الحسن الرضا فلم يدع عليهن شيئاً حتى أقراطهن وخلاخيلهن وأزرهن إلا أخذه منهن ، وجميع ما كان في الدار من قليل وكثير » ! !
وفي مقاتل الطالبيين / 396 : « استعمل المتوكل على المدينة ومكة عمر بن الفرج الرخجي ، فمنع آل أبي طالب من التعرض لمسألة الناس ، ومنع الناس من البر بهم ، وكان لا يبلغه أن أحداً أبر أحداً منهم بشئ وإن قل إلا أنهكه عقوبة وأثقله غرماً ، حتى كان القميص يكون بين جماعة من العلويات يصلين فيه واحدة بعد واحدة ، ثم يرقعنه ويجلسن على مغازلهن عواري حواسر ، إلى أن قتل المتوكل » !
وفي شرح النهج : 18 / 270 : « فاستأذن عليه جماعة من أهل البصرة منهم ابن المقفع فأدخل ابن المقفع قبلهم وعدل به إلى حجرة في دهليزه ، وجلس غلامه بدابته ينتظره على باب سفيان ، فصادف ابن المقفع في تلك الحجرة سفيان بن معاوية وعنده غلمانه وتنور نار يسجر فقال له سفيان : أتذكر يوم قلت لي كذا ؟ ! أمي مغتلمة إن لم أقتلك قتله لم يقتل بها أحد ! ثم قطع أعضاءه عضواً عضواً وألقاها في النار وهو ينظر إليها حتى أتى على جميع جسده ، ثم أطبق التنور عليه وخرج إلى الناس » .
وفي وفيات الأعيان : 5 / 100 : « وكان ابن الزيات المذكور قد اتخذ تنوراً من حديد وأطراف مسأميره المحددة إلى داخل وهي قائمة مثل رؤوس المسال ، في أيام وزارته ، وكان يعذب فيه المصادرين وأرباب الدواوين المطلوبين بالأموال ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 80 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فكيفما انقلب واحد منهم أو تحرك من حرارة العقوبة تدخل المسأمير في جسمه فيجد لذلك أشد الألم ، ولم يسبقه أحد إلى هذه المعاقبة ، وكان إذا قال له أحد منهم أيها الوزير ارحمني فيقول له : الرحمة خور في الطبيعة » !
وفي السلوك للمقريزي / 122 ، عن جلال الخوارزمي : « سار إلى ( مملكة ) خلاط فنهب وسبى الحريم ، واسترق الأولاد وقتل الرجال ، وخرب القرى وفعل ما لا يفعله أهل الكفر » . « وأخذز زوجة الأشرف ودخل بها من ليلته » . ( نهاية الإرب / 6648 ) .
وفي أعيان الشيعة : 2 / 69 : « الشيخ أيوب بن عبد الباقي البوري البحراني . هو من أعيان العلماء ، وفي السنة التاسعة بعد الألف رحل من البحرين لضيق المعيشة ، وقطن في الديار المصرية ، وصار مدرساً للشافعية حتى فهموا منه التشيع ( أي شكوا بتشيعه ) فقتل في حجرته في السنة العاشرة بعد الألف » . انتهى .
أقول : إن معنى سؤال المسلم المضطَهد المسلوب أبسطَ حقوقه : هل تفضل الحرية الدينية في ظل حاكم كافر ، أو الاضطهاد الديني في ظل حاكم مسلم ؟ وقد أجاب عليه السيد ابن طاووس ( رحمه الله ) وتبعه فقهاء المذاهب فأفتوا بتفضيل الكافر العادل على المسلم الجائر . وبه حكمَ الإمام الصادق ( عليه السلام ) عندما سئل : « أهل الشام شرٌّ أم الروم فقال : إن الروم كفروا ولم يعادونا ، وإن أهل الشام كفروا وعادونا » . ( الكافي : 2 / 410 ) .

2 - حكم استعانة المسلمين بالكفار لحرب المسلم الجائر

من المسائل التي بحثها فقهاء المذاهب الإسلامية : هل يجوز الاستعانة بالكفار في قتال الكفار ، أو في قتال البغاة والجائرين المسلمين ؟
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 81 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد أجمعت المذاهب على أنه يتبع مصلحة الإسلام كدين والمسلمين كأمة ، فإذا كانت الفائدة بذلك أكثر من الضرر ، جاز . وقد طبقه أتباع ابن تيمية على الاستعانة بالإنكليز في قتال الخلافة العثمانية ، ثم على الاستعانة بالأمريكان لحماية البلاد من خطر إيران ، والاستعانة بهم ضد صدام لتحرير الكويت .
كما أفتى بعض علماء الشيعة بجواز الاستعانة بالأمريكان وغيرهم ، لإسقاط الطاغية صدام وتخليص المسلمين من جوره .

3 - علماء الحلة يجنبون منطقتهم بطش المغول

قال العلامة الحلي ( قدس سره ) في كتابه : كشف اليقين / 80 ، عن إخبار أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بالمغيبات : « ومن ذلك : إخباره ( عليه السلام ) بعمارة بغداد وملك بني العباس ، وذكر أحوالهم وأخذ المغول الملك منهم ، رواه والدي ( رحمه الله ) وكان ذلك سبب سلامة أهل الكوفة والحلة والمشهدين الشريفين من القتل ، لأنه لما وصل السلطان هولاكو إلى بغداد قبل أن يفتحها ، هرب أكثر أهل الحلة إلى البطائح إلا القليل ، فكان من جملة القليل والدي والسيد مجد الدين بن طاووس والفقيه ابن العز ، فأجمع رأيهم على مكاتبة السلطان بأنهم مطيعون داخلون تحت الإيلية ، وأنفذوا به شخصاً أعجمياً ، فأنفذ السلطان إليهم فرماناً مع شخصين أحدهما يقال له نكلة والآخر يقال له علاء الدين ، وقال لهما : قولاً لهم إن كانت قلوبكم كما وردت به كتبكم تحضروا إلينا ، فجاء الأميران فخافوا لعدم معرفتهم بما ينتهي الحال إليه ، فقال والدي : إن جئت وحدي كفى ؟ قالا : نعم ، فأصعد معهما ، فلما حضر بين يديه وكان ذلك قبل فتح بغداد ، قال له : كيف أقدمتم على مكاتبتي والحضور عندي قبل أن تعلموا ما ينتهي إليه أمري وأمر صاحبكم ، وكيف تأمنون إن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 82 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
صالحني ورحلت عنه ؟ فقال له والدي : إنما أقدمنا على ذلك لأنا روينا عن إمامنا علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) أنه قال في بعض خطبه : الزوراء وما أدراك ما الزوراء ؟ أرض ذات أثل يشتد فيها البنيان ، ويكثر فيها السكان ويكون فيها قهازم وخزان ، يتخذها ولد العباس موطناً ولزخرفهم مسكناً ، تكون لهم دار لهو ولعب ، يكون بها الجور الجائر والخوف المخيف ، والأئمة الفجرة والقراء الفسقة ، والوزراء الخونة ، يخدمهم أبناء فارس والروم ، لا يأتمرون بمعروف إذا عرفوه ، ولا يتناهون عن منكر إذا أنكروه ، يكتفي الرجال منهم بالرجال والنساء بالنساء ، فعند ذلك الغم الغميم والبكاء الطويل والويل والعويل ، لأهل الزوراء من سطوات الترك وما هم الترك ، قوم صغار الحدق ، وجوههم كالمجانِّ المطرَّقة ، لباسهم الحديد ، جردٌ مردٌ ، يقدمهم ملك يأتي من حيث بدا ملكهم ، جهوري الصوت قوي الصولة عالي الهمة ، لا يمر بمدينة إلا فتحها ، ولا ترفع له راية إلا نكسها ، الويل الويل لمن ناوأه ، فلا يزال كذلك حتى يظفر ! فلما وصف لنا ذلك ، ووجدنا الصفات فيكم ، رجوناك فقصدناك . فطيَّب قلوبهم ، وكتب لهم فرماناً باسم والدي ، يطيِّب فيه قلوب أهل الحلة وأعمالها » .
أقول : قد يشكل بعضهم على عمل فقهاء الحلة ، بأنهم تركوا الجهاد الدفاعي عن الإسلام وعن الخلافة وعن منطقتهم ، وبأنه استعجال ومغامرة صادف أنها أصابت ونجحت ، وأنقذت منطقتهم من تدمير المغول .
والجواب : أنهم رضوان الله عليهم يعرفون أن الجهاد الدفاعي لا يجب مطلقاً ، بل له شروط لم تكن متوفرة في العراق ، ومنها فائدته ونتيجته . ثم إنهم كانوا على يقين بما أخبر به أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وأنه ينطبق على المغول ، وقد ثبت أن يقينهم كان صحيحاً .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 83 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل السادس : المرجع الشيعي العبقري يغيَّر معادلة الغزو المغولي

1 - نصير الدين الطوسي ( قدس سره ) من نوادر العباقرة

اتفق العلماء على الإشادة بعبقرية نصير الدين الطوسي ( قدس سره ) وشخصيته العلمية الموسوعية ، فهو عند الفقهاء مرجعٌ ما زالت آراؤه تبحث في مصادر الفقه ، وعند المتكلمين أول من أصَّل علم الكلام في الإسلام في كتابه ( تجريد العقائد ) وقد شرحه العلماء في حياة مؤلفه ، ودرَّسوه في المعاهد العليا السنية والشيعية . وكتبه في المنطق والفلسفة والأخلاق والعرفان مورد ٌغنيٌّ للعلماء . وبحر كتبه في الهندسة والرياضيات ، مصادر في هذه العلوم إلى يومنا .
وقد ألف السيد عبد العزيز الطباطبائي ( رحمه الله ) كتاباً سماه : مكتبة العلامة الحلي ( قدس سره ) أحصى فيه ما استطاع من مؤلفات العلامة ( رحمه الله ) وأماكن وجود نسخها . ولم أجد من ألَّف في كتب المحقق الطوسي ( قدس سره ) ، لكن عامة مصادر التاريخ والتراجم أوردت مؤلفاته ، وأوسع من فصَّلها الطهراني ( رحمه الله ) في كتابه الذريعة إلى تصانيف الشيعة . وهذا عرضٌ لأغلب مؤلفاته خاصة الفقهية والعقدية منها ، فقد ألَّف ( قدس سره ) في الفقه ، والعقائد ، والمنطق ، والفلسفة ، والعرفان ، والتربية والرياضيات والفلك والجغرافيا والطب والتاريخ والأدب والنحو ، وغيرها :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 84 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فله في الفقه : الفرائض النصيرية في أحكام الإرث ، ويسمى تحرير الفرائض ، أو التحرير ، لأنه تحرير لكتاب أستاذه النابغة معين الدين سالم بن بدران المصري المازني في الإرث ، وقد صرح بذلك ( قدس سره ) ونقل بعض آرائه ، وهو مرتب على قسمين أولهما في فقه المواريث وهو في فنَّيْن أولهما في بابيْن ، أولهما في مراتب الوراث والثاني ما يدخل فيها بالعرض من الوصايا والإقرارات في كيفية التخصيص وتصحيح السهام . وقد شرحه عديدون وعلقوا عليه ، منهم الشيخ البهائي العاملي وحفيد أخ الشيخ البهائي ، والمحقق الكركي الشيخ علي بن الحسين بن عبد العالي ، والسيد الأمير عبد الحي بن عبد الوهاب الحسيني ، والمولى عبد الله بن الخليل ، والمولى أبو الحسن بن أحمد الشريف القائني . ( الذريعة : 16 / 150 ، و : 13 / 379 ، و : 13 / 380 ، و 3 / 377 ، و : 6 / 162 و : 26 / 156 ) .
رسالة في الشك والسهو والتلافي والجبران في صلاة الآيات والعيدين ، وما يجري مجراهما . ( الذريعة : 14 / 213 ) . رسالة في أحكام الإعتكاف ، وأصلها لأستاذه سالم بن بدران المازني البصري ، وقد حررها نصير الدين ( قدس سره ) فجعلها على فتاواه . ( الذريعة : 2 / 230 ) . رسالة في تمييز الصبح الصادق من الكاذب ، ويسمى رسالة في وقت الفجر ، كتبها جواباً عن سؤال بعض الأمراء . ( الذريعة : 11 / 147 ، و : 15 / 7 ) .
تحرير الطلوع والغروب ، لأوطولوقس الذي أصلحه ثابت بن قرة الحراني المتوفى سنة 288 ، وحرره المحقق خواجة نصير الدين الطوسي ، وهو مرتب على مقالتين فيهما ستة وثلاثون شكلاً ، رأيت نسخة منه في النجف الأشرف في مكتبة المرحوم المولى محمد علي الخوانساري ، وتوجد نسخة منه في المكتبة الخديوية ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 85 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
تاريخ كتابتها ثالث عشر رجب سنة 1146 ، كما ذكر في فهرسها . ( الذريعة : 3 / 386 ) . رسالة في التولي والتبري ، فارسية على مشرب أهل التعليم ، ألفها في قهستان بطلب شخص اسمه نجيب الدين . ( الذريعة : 11 / 159 ) .
وقد نقلت عنه آراء في الفقه لا توجد في كتبه التي وصلتنا ، وهي تدل على وجود مؤلفات أخرى له في الفقه ، وآراء نقلها تلاميذه .
وله في العقائد : تجريد الكلام في تحرير عقايد الإسلام ، وهو أجلُّ كتاب في تحرير العقائد ، أوله : « أما بعد حمد واجب الوجود على نعمائه . . . فإني مجيب إلى ما سألت من تحرير مسائل الكلام وترتيبها على أبلغ نظام . . إلى قوله : وسميته بتحرير العقايد ، ورتبته على ستة مقاصد . . فيظهر منه أنه سماه تحرير العقايد ، لكنه اشتهر بالتجريد ، طبع مستقلاً ومع بعض شروحه ، مكرراً . وأثنى عليه عامة العلماء ومدحه كافة شراحه ، واعتنى بشرحه العامة والخاصة ، وشرحه الفاضل القوشچي بطلب من السلطان بو سعيد بن السلطان محمد خدابنده ، ومدحه بأنه : « مخزون بالعجائب ، مشحون بالغرائب ، صغير الحجم ، وجيز النظم كثير العلم ، جليل الشأن ، حسن النظام ، مقبول الأئمة العظام ، لم يظفر بمثله علماء الأمصار » . وفيه فصول : في مبحث الوجود والعدم . في الجواهر والأعراض . في إثبات الصانع تعالى وصفاته . في النبوة . في الإمامة . في المعاد . وعليه حواشٍ وشروح كثيرة ، فأول الشروح شرح تلميذ المصنف العلامة الحلي المتوفى سنة 726 وهو مطبوعٌ متداول اسمه كشف المراد ، وله شرح منطقه مستقلاً ، في مجلد سماه الجوهر النضيد في شرح منطق التجريد . وشرح شمس الدين محمد الأسفرايني
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 86 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
البيهقي سماه : تعزيز الاعتماد في شرح تجريد الإعتقاد ، مزجه بالأصل . . ثم عدد صاحب الذريعة ( رحمه الله ) مجموعة شروحه القديمة والمتأخرة ، ومنها للبيهقي والقوشچي والشريف علي بن محمد الجرجاني المتوفى سنة 816 ، وشرح المحقق النيريزي فرغ منه سنة 913 ، وشرح الإلهيات منه للمولى زين الدين علي البدخشي بالفارسية سماه تحفة شاهي وعطيه إلهي ، فرغ منه سنة 1023 ، وشرح عبد الرزاق بن علي بن الحسين اللاهجي المتوفى سنة 1051 ، وشرح الأمير محمد أشرف بن السيد عبد الحسيب العاملي المتوفى سنة 1145 . ( الذريعة : 3 / 352 و : 13 / 138 . وكشف الحجب والأستار / 97 ) .
روضة المتقين في بحث إمامة الأئمة المعصومين ( عليهم السلام ) . ( الذريعة : 13 / 138 ) .
إثبات الواجب تعالى ، أرسله إلى نجم الدين الكاشاني ولعله بطلبه . . في إثباته بطريق المتكلمين وجوهاً أربعة وبطريق الحكماء ثلاثة وجوه . ( الذريعة : 1 / 108 ) . وفي الذريعة : 10 / 181 ، كتاب لنجم الدين علي بن عمر الكاتبي القزويني ويظهر منه أن كتاب نصير الدين ( قدس سره ) تعليقات عليه . والكاتبي فيلسوف معروف .
مناظره في إثبات وجود الله تعالى بطريقة الحوار . ( الذريعة : 22 / 292 ) .
رسالة في علم الباري بالجزئيات ، أولها : سألني مولاي قاضي القضاة في 666 عن قول الحكماء في كيفية صدور الموجودات عن مبدئها الأول ، وعن مذهبهم في علمه بالجزئيات . بخط الشيخ عبد الرحيم التستري ، وذكر أنه نقلها عن خط قطب الدين محمد بن مسعود الشيرازي كتبها عن خط مصنفها . ( الذريعة : 15 / 320 )
إثبات اللوح المحفوظ ، ولعله متحد مع إثبات الجوهر المفارق . ( الذريعة : 1 / 99 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 87 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
آغاز وأنجام ، بالفارسية بمعنى المبدأ والمعاد ، ألفه بطلب بعض أحبائه ، في المبدأ والمعاد وأحوال القيامة والجنة والنار وغيرها ، وله كتاب آخر بنفس الاسم مرتب على أربعة فصول ، الحيوان ، النبات ، المعدن ، المتفرقات ، والنوادر ، وفي كل فصل أبواب . ( الذريعة : 1 / 36 ) .
ترجمة بقاء النفس ، وهو تحرير كتاب بقاء النفس لأرسطو ، ترجمه إلى الفارسية الخواجة أفضل الدين الكاشاني ، وطبع في طهران . ( الذريعة : 26 / 192 ) .
قواعد العقايد ، منه نسخة في مكتبة محمد الفاتح ، سراي همايون بإسلامبول ( الذريعة : 17 / 186 ) . وله شروح ، منها : تحرير القواعد الكلامية ، في شرح الرسالة الاعتقادية الموسومة بقواعد العقايد للمولى عبد الرزاق بن المولى مير الجيلاني الرانكوئي الشيرازي المولد المعاصر للمولى عبد الرزاق اللاهيجي ، ألفه لمحمود خان حاكم بلاد كوه كيلويه . ( الذريعة : 3 / 387 ) .
المقنعة في العقايد ، رسالة مختصرة جداً في الأصول الخمسة . ( الذريعة : 22 / 125 ) . ولعله منتخب العقايد . ( الذريعة : 22 / 416 ) .
الإعتقادات ، في أقل ما يجب اعتقاده ، ولعله الذي سماه الماحوزي بالوجيزة ، وكتب عليه في بعض النسخ العقيدة المفيدة . ( الذريعة : 2 / 226 ) . وذكر باسم الإعتقادات ، وواجب الإعتقاد . ( الذريعة : 2 / 274 . وفي الذريعة : 15 / 306 ، باسم العقيدة المفيدة المختصرة ، وفي الذريعة : 16 / 139 ، باسم فرائد العقائد ، وفي الذريعة : 13 / 94 ، شرح أصول الدين ، وشرح مقدمة الكلام .
تلخيص المحصل ، شرح وتهذيب للمحصل للرازي ، ويقال له نقد المحصل .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 88 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال في مقدمته : لم يبق في الكتب التي يتداولونها من علم الأصول عيانٌ ولا خبرٌ ولا من تمهيد القواعد الحقيقية عينٌ ولا أثر ، سوى كتاب المحصل الذي اسمه غير مطابق لمعناه ، وبيانه غير موصل إلى دعواه ، وفيه من الغث والسمين ما لا يحصى . طبع محرَّفاً في ذيل المحصل في مطبعة الحسينية بمصر 1323 . وأقدم نسخة منه رأيتها في الخزانة الغروية وهي بخط الفاضل الماهر محمد بن سنقر فرغ من الكتابة في يوم الخميس 3 ع 1 - 673 ، ثم كتب بخطه أيضاً على هامش آخر النسخة أنه قابلها بنسخة مقابلة بخط المؤلف مع الإمام العالم الفقيه لسان الحكماء والمتكلمين شرف الدين محمد بن القزويني . ( الذريعة : 4 / 426 ) . وفي مستدركات أعيان الشيعة : 1 / 233 : ألفه بطلب من عطا ملك علاء الدين الجويني ، كما ألف رسالة أوصاف الأشراف بالفارسية ، حول أخلاق العرفاء والزهاد ، لأبيه محمد الجويني .
انتخاب تلخيص المحصل ، لعز الدولة سعد بن منصور بن كمونة البغدادي المتوفى سنة 690 ، قال : تشتمل هذه الأوراق على فوائد التقطتها من كلام الخواجة نصير الدين الذي في تلخيص المحصل . . وقال في آخره بعد الحمد والصلاة : وكان الفراغ منه انتخاباً ونسخاً في العشر الأوسط من ذي القعدة سنة سبعين وست ماية . والنسخة بخطه رأيتها في الخزانة الغروية . ( الذريعة : 2 / 357 ، وقد ردَّ نسبته إلى نصير الدين : 4 / 419 ) .
الفصول النَّصِيرية ، فارسي في أصول الدين ، مرتب على أربعة فصول ، في التوحيد والعدل والنبوة والمعاد . عربه المولى ركن الدين محمد بن علي الجرجاني
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 89 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
القريب من عصره ، وعلى هذا المعرب شروح كثيرة . ( الذريعة : 16 / 246 ) .
وفي الذريعة : 13 / 383 ، شرح الفصول ، لمؤلف كتاب معارج السؤول في آيات الأحكام المولى كمال الدين الحسن بن محمد بن الحسن الأسترآبادي النسفي ، فرغ منه سنة 870 . كتبه لسلطان الحويزة الأمير كمال الدين بن فلاح المشعشعي الموسوي الحويزي . مزجي مشحون بالنكات والتحقيقات وعليه حواشي ، وشكك صاحب الذريعة في أن يكون ألفه للمشعشعي لأنه متأخر عن المؤلف .
شرح الفصول النصيرية المعربة ، في الكلام ، وأصله فارسي ، عربه محمد بن علي الجرجاني الحلي الغروي تلميذ العلامة الحلي سنة 697 . ( الذريعة : 6 / 126 )
الإمامة وبيان شرايطها ، نسخة منه عند السيد النسابة شهاب الدين التبريزي نزيل قم ، ونسخة في مكتبة راغب پاشا بإسلامبول . ( الذريعة : 2 / 336 ) .
حصر الحق بمقالة الإمامية ، ويحتمل أنه إثبات الفرقة الناجية في الذريعة : 1 / 98 ولعل العلامة الحلي رآه فنقل مضمونه مختصراً لولده فخر المحققين كما في ديباجة القواعد . ( الذريعة : 7 / 23 ) . وذكره في الذريعة : 26 / 175 باسم تحقيق المذهب الحق .
إنشاء الصلوات والتحيات للأئمة الاثني عشر ( عليهم السلام ) كما في الذريعة : 2 / 392 . وفي : 15 / 86 ، باسم : الصلوات والتحيات على أشرف البريات وآله الأئمة السادات ، وذكر له في : 13 / 261 ، و : 7 / 140 ، شرحاً للسيد علي بن محمد باقر الحسيني ، ينقل فيه عن الشيخ البهائي والمحقق الداماد والمقدس الأردبيلي . وذكر في : 2 / 392 ، و : 8 / 268 ، شبيهه لعلي بن حماد ، أنشأه ليقرأ في الخطب ويقال له الخطبة أيضاً وهو أبسط من كتاب النصير . وله صحيفة الخلافة . ( الذريعة : 7 / 238 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 90 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وذكر في أعيان الشيعة : 9 / 419 : رسالة في الإمامة ، رسالة في العصمة ، رسالة في الجبر والاختيار ، رسالة الجبر والقدر ، روضة القلوب ، روضة التسليم .
وله في المنطق والفلسفة والعرفان والأخلاق والتربية ، فهو ( قدس سره ) فيلسوف من وزن ابن سينا ، وقد نقد العديد من آرائه في شرحه لفلسفته ، ووصفه الذهبي بكبير الفلاسفة ( تذكرة الحفاظ : 4 / 1491 ) . ومؤلفاته فيها هي : رسالة في العقل ، العلل والمعلولات ، تجريد المنطق ، شرح الإشارات ، رسالة إثبات الجوهر المفارق ، رسالة في العلم الإكتسابي واللدني ، تعديل المعيار في نقد تنزيل الأفكار ، نقد تهافت الفلاسفة ، مصارع المصارع . رسالة بقاء النفس بعد فناء الجسد ، رسالة في النفي والإثبات ، ربط الحديث بالقديم ، المقولات ، أساس الإقتباس . السير والسلوك ، معرفة النفس . شرح تهافت الفلاسفة . نسخة في مكتبة نور عثمانية في إسلامبول . ( الذريعة : 13 / 155 ) .
الفوائد الثمانية في الحكمة رأيتها ضمن مجموعة في المجلس : 3850 ، أوله : فوايد حكمية ثمانية للعلامة الطوسي ( قدس سره ) : المكان ماله وضع لذاته . الزمان ما يقدر به كل ما ينقضي ويحدد وبقاء ما لا يتجدد أو لا ينقضي . . وفيها فوائد منها في العلل والمعلولات ، فوائده في العصمة في المبدأ الأول أفعال العباد ، العقل المجرد المسمى بالعقل الكلى ، منه نسخة في مكتبة راغب پاشا . ( الذريعة : 16 / 329 ) .
رسالة في السير والسلوك ، كتبها لسلطان عصره ومن تبعه . طبعه المدرس الرضوي بطهران سنة 1325 . ( الذريعة : 12 / 285 ) .
أخلاق ناصري ، فارسي ، ألفه لأمير قهستان ناصر الدين عبد الرحيم ، حرر
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 91 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فيه كتاب الطهارة في الأخلاق لعلي بن مسكويه ، وزاد عليه أشياء كثيرة منها مقالتان في سياسة المدن وتدبير المنزل ، ورتبه على ثلاث مقالات في ثلاثين فصلاً وهو كتاب حسن لم يعمل في تهذيب الأخلاق مثله ، يضرب المثل به في الفصاحة والبلاغة ( الذريعة : 1 / 380 ، وكشف الحجب / 32 ، وكشف الظنون : 1 / 38 ) . وكتاب : أوصاف الأشراف ، وآداب المتعلمين ، أو ديباجة الأخلاق الناصرية وخاتمتها .
وله في الطب : حاشية على القانون لابن سينا ، طبع مع شرح القانون للعلامة ( الذريعة : 13 / 389 ) . ضوابط الطب ، أو قوانين الطب . ( الذريعة : 15 / 120 ) . رسالة في الإختلاجات ( الذريعة : 13 / 32 ) . جواب في رفع التناقض في أقوال حنين وابن سينا .
وله في التفسير : تفسير سورة الإخلاص والمعوذتين والعصر .
وله في الأدب والنحو : معيار الأشعار في العروض والقوافي ، في مقدمة ذات فصول ثلاثة وفنين : أولهما في العروض ، والثاني في القوافي . طبع 1320 ، بمباشرة عبد الغفار نجم الدولة ونسخه الخطية شايعة . وأخرى طهران أدبيات 1 / 138 د ) و ( طوپقپوسراى A 1646 ) كتابتها 720 ، كما في فهارسها . ( الذريعة : 21 / 277 ) . ويظهر أنه نفسه الوافي في العروض والقوافي ، ولعله نفس معيار الأشعار في : 15 / 256 و : 21 / 277 . ( الذريعة : 25 / 16 ) .
شرح ديوان امرئ القيس ، في مكتبة محمد پاشا بإسلامبول . ( الذريعة : 13 / 265 ) .
ديوان الخواجة الطوسي ، وهو مجموعة من شعره . ( الذريعة : 9 ق 2 / 651 ) .
الوافية في شرح الكافية ، هو الشرح الوسيط للسيد محمد الحسن بن محمد بن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 92 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
شرفشاه العلوي الحسيني الأسترآبادي تلميذ الخواجة نصير الطوسي وشارح قواعد العقايد ، قال فيه : وبعد فإني بعدما شرحت كتاب الكافية في النحو أولاً مع إيرادات وأجوبة وأبحاث كثيرة ، وشرحته ثانياً مقتصراً على حل ألفاظه وشرح معانيه والإشارة إلى تحليل تركيباته ومبانيه ، وجعلته لرسم خدمة الأمير ناصر الدين يحيي بن الملك جلال الدين إبراهيم ابن يغرش بيلكا ملك الختني ، ورأيت نسخة منه عند السماوي كتابتها 848 ، وتوجد أربع نسخ منه في مكتبة قُولهْ . ( الذريعة : 25 / 18 ) .
وله في التاريخ والجغرافيا : ذيل تاريخ جهانگشاى ، الذي ألفه الوزير الخواجة علاء الدين عطا ملك الجويني المتوفى 681 وهو من بدء السلاطين المغولية إلى 655 في ثلاثة أجزاء . والذيل له فارسي كأصله ، وقد طبع الذيل هذا وهو مختصر في / 12 آخر الجزء الثالث بمباشرة الميرزا محمد خان القزويني في ليدن ، وذكر أنه ترجم بالعربية وجعل فصلاً من كتاب مختصر الدول لابن العبري . ( الذريعة : 10 / 48 ) . واقعة بغداد . وفي الجغرافيا : ( أعيان الشيعة : 9 / 419 ) .
وله مراسلات منها : كتاب المفاوضات أو جوابات المسائل القونوية ، بينه وبين صدر الدين القونوي ، وهو مسائل فلسفية منها في وجود الله تعالى ، وفي النفس . ( الذريعة : 5 / 230 ، و : 21 / 312 ، ( وكشف الظنون : 2 / 1758 ) وفيه أن القونوي توفي سنة 673 . ورسائل الشيخ ميثم البحراني إليه وبعض أجوبتها . ( الذريعة : 20 / 297 ) .
وعدَّ له الصفدي في الوافي : 1 / 149 ، كتاب الفرائض على مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) . وذكر له في مستدركات أعيان الشيعة : 1 / 236 ، 186 كتاباً ورسالة ، منها : رسالة في
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 93 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أحكام منازل الرمل الاثني عشر بالفارسية ، ورسالة الرمل ، تسكين الدائرة بالعربية ، ورسالة الجواهر واسمها بالفارسية ( تنسيق نامه إيلخاني ) في صفات الأحجار الكريمة وخواصها ، ألفها بطلب هولاكو .
وأكثر ما اشتهر فيه نصير الدين ( قدس سره ) : عبقريته في الرياضيات والفلك ، خاصة ابتكاراته العلمية والعملية في مرصد مراغة وجامعتها ، ومؤلفاته فيها عديدة هي : رسالة في الشعاع ، رسالة في انعطاف الشعاع وانعكاسه ، تحرير إقليدس ، تحرير المجسطي ، تحرير كرة وأسطوانة أرخميدس ، تحرير مأخوذات أرخميدس ، تحرير كتاب المفروضات لأرخميدس ، تحرير كتاب معرفة مساحة الأشكال البسيطة والكرية ، تحرير كتاب الكرة المتحركة لاطولوقوس ، الرسالة الشافية عن الشك في الخطوط المتوازية ، كشف القناع عن أسرار شكل القطاع ، رسالة في الحساب والجبر والمقابلة ، الأسطوانة ، المخروطات ، في أحوال الخطوط المنحنية ، تربيع الدائرة ، جامع الحساب ، رسالة في علم المثلثات . تحرير مانالاوس ، تحرير ثاوذوثيوس ، تحرير كتاب المناظر ، تحرير كتاب المساكن ، تحرير كتاب ثاوذوثيوس في الأيام والليالي ، تحرير ظاهرات الفلك ، تحرير كتاب أطولوقوس في الطلوع والغروب ، تحرير كتاب أبسقلاوس في المطالع ، مدخل في علم النجوم كتاب أرسطرخس في جرمي النيرين وبعديهما ، تحرير المعطيات ، ترجمة ثمرة الفلك ، التذكرة النصيرية ، ترجمة صور الكواكب ، الرسالة المعينية ، ذيل الرسالة المعينية ، الزيج الإيلخاني ، مقدمة الزيج الإيلخاني ، عشرون باباً في معرفة الأسطرلاب ، زبدة الهيئة ، تعريف الزيج ، ثلاثون فصلاً في الهيئة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 94 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والنجوم ، زبدة الاستدراك في هيئة الأفلاك ، مائة باب في معرفة الأسطرلاب ، استخراج قبلة تبريز . قصيدة في اختيارات البروج الاثني عشر ، وهو اختيارات المهمات بحسب تحويل القمر في البروج الاثني عشر . ( الذريعة : 17 / 124 ) . منازل القمر أو أحكام منازل ، وهو غير المتقدم ( الذريعة : 22 / 249 ) . موضح الرسوم في علم النجوم ، ألفه لحسام بن شمس الدين اللاهيجاني ، نسخة منه دار الكتب في القاهرة . الميقات فارسي ، في 100 ورقة . ( الذريعة : 23 / 266 ) .
وقال السيد الأمين في كتابه : الإسماعيليون والمغول ونصير الدين الطوسي / 301 : « ويعترف المؤرخون للعلوم الرياضية بأن برهان نصير الدين الطوسي يعتبر نقطة التحول في تطور علم الهندسة وظهور الهندسات الإقليدية الجديدة التي تلعب الآن دوراً عظيماً في دراسة الفضاء الكوني ، وتفسيرات النظرية النسبية بعد أن تطورت على أيدي الروسي لوباتشوفسكي والألماني ريمان وغيرهما . ولا يزال هناك الكثير من النظريات والأفكار الهندسية التي تم الكشف عنها في ثنايا الكتب والمخطوطات التي تم تحقيقها ، أو التي تنتظر جهود المخلصين من أهل الإختصاص للبحث عنها وتعريف الأجيال برواد العلم وصناعه الحقيقيين » .
هذا ، ويحتاج إحصاء مؤلفاته ( قدس سره ) إلى جهد خاص يتتبع مصادرها ونسخها المخطوطة وترجماتها ، وفيها المفقود من بلادنا ، الموجود عند الغربيين ، أو المخفي عندهم ، ومنها موجود ولم يطبع إلى الآن . وقد كَتَبَ المحقق الطوسي ( قدس سره ) مؤلفاته بالعربية والفارسية ، ونُشر عددٌ منها في عصرنا وتُرجم بعض الفارسي منها إلى العربية ، وترجم بعضها مستشرقون بلغات أجنبية .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 95 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال السيد أحمد الحسيني في تراجم الرجال : 1 / 532 ، في ترجمة محمد الجرجاني من علماء القرن السابع - الثامن : « ترجم أكثر رسائل نصير الدين الطوسي إلى العربية لاستفادة طلبة العراق ، غيرةً عليها من الضياع ، وترجماته التي رأيناها جيدة التعبير رصينة الألفاظ ، وقد صرح في أول ترجمة أوصاف الأشراف بإكمال ترجمة الأخلاق الناصرية ، وأساس الإقتباس ، ورسالة الجبر والقدر ، والفصول الاعتقادية ، وشرح كتاب بطلميوس في النجوم » .

2 - نشأة نصير الدين الطوسي ( قدس سره )

أبو جعفر ، نصير الدين ، محمد بن محمد بن الحسن الطوسي ( قدس سره ) ، القمي الدستجردي ، والده من قرية دَسْتَجِرْد ، من ولاية قم . ( رياض العلماء : 1 / 235 ) .
ولد في طوس سنة 597 ، حيث كان يسكن والده الفقيه المحدث محمد بن الحسن ( رحمه الله ) ، فتربى في حجره ودرس عليه الفقه والحديث ، ودرس الفلسفة والرياضيات على خاله نور الدين علي بن محمد الشيعي ( رحمه الله ) ، ودرس على كمال الدين محمد الحاسب . أما وفاته فكانت في بغداد يوم الغدير سنة 672 ، ودفن في مشهد الكاظمين ( عليهما السلام ) في قبر كان أعده الخليفة الناصر العباسي لنفسه فلم يدفنوه فيه . ( أعيان الشيعة : 9 / 414 ) . ويظهر أنه ( قدس سره ) نبغ في علوم عصره من شبابه في طوس ، ثم هاجر إلى نيشابور مواصلاً طلب العلم عند كبار علمائها . ( خاتمة المستدرك : 2 / 423 ) .
وكان في نيشابور في العشرين من عمره عندما اجتاح المغول خراسان في غزوهم الأول سنة 617 ، وأعملوا سيوفهم قتلاً عاماً في المسلمين ، ودمروا المدن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 96 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
التي احتلوها ، فهرب سلطان السلاطين غياث الدين خوارزم شاه ، حاكم إيران وما وراء النهر ، هروباً ذليلاً ، فطارده المغول من بلد إلى بلد ، حتى وصل إلى البحر ثم اختفى ، وقيل اختبأ في قلعة شاهقة في الهند !
« كان الطوسي حائراً لا يدري أين يلجأ ولا بمن يحتمي ، وكان المحتشم ناصر الدين عبد الرحيم بن أبي منصور متولي قهستان ، قد ولي السلطة على قلاع الإسماعيليين في خراسان من قبل علاء الدين محمد زعيم الإسماعيليين آنذاك ، وكان ناصر الدين هذا من أفاضل زمانه وأسخياء عهده وكان يعني بالعلماء والفضلاء ، وكانت شهرة الطوسي قد وصلت إليه وعرف مكانته في العلم والفلسفة والفكر ، وكان من قبل راغباً في لقياه ، فأرسل يدعوه إلى قهستان ، وصادفت الدعوة هوى في نفس المدعو الشريد ، ورأى أنه وجد المأمن الذي يحميه فقبل الدعوة وسافر إلى قهستان » . ( أعيان الشيعة : 9 / 415 ) .
وقال بعضهم إن نصير الدين ( قدس سره ) أجبر على الذهاب إلى قهستان ، وأن حاكمها الإسماعيلي بعث إليه بعض رجاله فأسروه وأتوه به ، وكان الحكام يحرصون على من هو طبيب ومنجم وحكيم . ففي أعيان الشيعة : 9 / 415 : « جاء في درة الإخبار أن أوامر قد صدرت إلى فدائيي الإسماعيليين باختطاف الطوسي وحمله إلى قلعة ألَمُوت وأن الفدائيين ترصدوه في أطراف بساتين نيسابور وطلبوا إليه مرافقتهم إلى ألَمُوت وأنه امتنع فهددوه بالقتل وأجبروه على مرافقتهم وأنه كان يعيش هناك سنواته شبه أسير أو سجين . وكذلك فإن سرجان ملكم في تاريخه قد أيد إرغامه على السفر إلى ألَمُوت وأن كان قد ذكر هذا الإرغام برواية تختلف عن رواية درة الإخبار » . انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 97 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
واستشهدوا لهذا الرأي بما كتبه ( قدس سره ) في آخر شرح الإشارات / 636 : « رقمت أكثرها في حال صعب لا يمكن أصعب منها حال ورسمت أغلبها في مدة كدورة بال ، بل في أزمنة يكون كل جزء منها ظرفاً لغصة وعذاب أليم وندامة وحسرة عظيم ، وأمكنة توقد كل آن فيها زبانية نار جحيم ويصب من فوقها حميم . ما مضى وقت ليس عيني فيه مقطراً ولا بالي مكدراً ، ولم يجئ حين لم يزد ألمي ولم يضاعف همي وغمي . نعم ما قال الشاعر بالفارسية : بلا أنكشترى ومن نكينم . . بكردا كردخود جندانكه بينم وما لي ليس في امتداد حيأتي زمان ليس مملواً بالحوادث المستلزمة للندامة الدائمة والحسرة الأبدية ، وكان استمرار عيشي أمير جيوشه غموم وعساكره هموم . اللهم نجني من تزاحم أفواج البلاء وتراكم أمواج العناء بحق رسوله المجتبى ووصيه المرتضى ، وفرج عني ما أنا فيه بلا إله إلا أنت وأنت أرحم الراحمين » . انتهى .
لكن الخبير بالكلام لا يقبل أن هذ النص الركيك من كلام المحقق الطوسي ( قدس سره ) فهو صاحب أسلوب البليغ قوي شغل العلماء بشرح كلامه !
مضافاً إلى أنه لا يناسب ما يكتبه المؤلفون في ختام كتبهم ، فليس فيه ذكر تاريخ انتهاء التأليف ولا اسم مؤلفه ! وغاية ما فيه قوله : رقمتُ أكثرها في حال صعب ، ورقمتُ تنطبق على المؤلف وعلى الناسخ أيضاً ، والظاهر أنها للناسخ !
وفي قهستان ألف نصير الدين ( قدس سره ) لحاكمها ناصر الدين ، كتاباً في الأخلاق سماه : أخلاق ناصري ، وعدداً من الكتب في علم الفلك والرياضيات والطب ، ثم طلبه علاء الدين محمد زعيم الإسماعيلية من واليه ، فذهب به إليه في قلعة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 98 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ألَمُوت ، فاستبقاه عنده حتى توفي ، ثم استبقاه ابنه الأكبر خورشاه حتى استسلم لهلاكو سنة 651 ، فقَتَل هولاكو الزعماء ، واستبقى نصير الدين لنفسه لأنه طبيب ومنجم يحتاج إليه . ( أعيان الشيعة : 9 / 415 ) .
أقول : قَدَّرَ الله لنصير الدين ( رحمه الله ) أن يكون مع هولاكو في حملته على بغداد ، فبدأ يُخطط للتأثير على هذا الطاغية وتخفيف بطشه ما استطاع ، فكان هولاكو يأنس بكلامه وينفذ نصائحه أحياناً ، وبذلك استطاع حفظ مكتبات بغداد ومدارسها ، فقد جعله هولاكو مسؤولاً عنها وعن كل الأوقاف ، كما قبل وساطته بعدم قتل بعض العلماء كابن العلقمي وابن أبي الحديد ، لكنه لم يستطع إنقاذ مشهد الكاظمين ( عليه السلام ) ومحلات الشيعة من نهب جنود التتار وتخريبهم ، وصرح المؤرخون أنهم لم يفرقوا بين السنة والرافضة !

3 - من أخلاق نصير الدين الطوسي وإيمانه ( قدس سره )

قال المناوي في فيض القدير : 5 / 412 : « اتفقت الحكماء على تقبيح الفحش والنطق به ووقع للحكيم نصير الدين الطوسي أن إنساناً كتب إليه ورقة فيها : يا كلب يا ابن الكلب ! فكان جوابه : أما قولك كذا فليس بصحيح ، لأن الكلب من ذوات الأربع ، وهو نابح طويل الأظفار ، وأنا منتصب القامة ، بادي البشرة عريض الأظفار ، وناطق ضاحك ، فهذه فصول وخواص غير تلك الفصول والخواص وأطال في نفض كل ما قاله برطوبة وحشمة وتأن ، غير منزعج ، ولم يقل في الجواب كلمة فاحشة » !
وقال الماحوزي في كتاب الأربعين / 98 : « روى ثقة الإسلام في الكافي عن زرارة عن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 99 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الباقر ( عليه السلام ) أنه قال : أما لو أن رجلاً قام ليله وصام نهاره وتصدق بجميع ماله وحجَّ جميع عمره ، ولم يعرف ولاية ولي الله فيواليه وتكون جميع أعماله بدلالته إليه ، ما كان له على الله حق في ثوابه ، ولا كان من أهل الايمان . وقد نظم هذا المعنى العلامة الفيلسوف أفضل المتأخرين ورئيس المحققين ، نصير الدين محمد بن محمد الطوسي قدس الله سره وبجنان الخلد سَرَّه ، في هذه القطعة :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] لو أن عبداً أتى بالصالحاتِ غداً * وودَّ كل نبيٍّ مرسلٍ وولي
وصام ما صام صواماً بلا ضجر * وقام ما قام قواماً بلا ملل
وحج ما حجَّ من فرض ومن سُنَنٍ * وطاف ما طاف حافٍ غيرَ مُنتعل
وطار في الجوِّ لا يأوي إلى أحد * وغاص في البحر مأموناً من البلل
يكسو اليتامى من الديباج كُلِّهِمُ * ويُطعم الجائعينَ البُرَّ بالعَسَل
وعاشَ في الناس آلافاً مؤلفة * عار من الذنب معصوماً من الزلل
ما كان ذلك يوم الحشر ينفعه * إلا بحُبِّ أمير المؤمنين علي
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] والذريعة : 22 / 237 ، وأعيان الشيعة : 9 / 418 ، ومفاتيح الرحمة : 2 / 46 ، والأربعون في حب علي ( عليه السلام ) : 3 / 11 ، والكنى والألقاب : 2 / 141 ، وقد نسبها بعضهم إلى الخليفة الناصر العباسي مثل ابن جبر في نهج الإيمان / 459 ، وابن عقيل في النصائح الكافية / 109 . وفي روايتهم تفاوت يسير في بعض ألفاظها .
وفي تأويل الآيات : 1 / 190 : « سئل عن الفرقة الناجية فقال : بحثنا عن المذاهب وعن قول رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة منها فرقة ناجية والباقي في النار . فوجدنا الفرقة الناجية هي الإمامية لأنهم باينوا جميع المذاهب في أصول العقائد وتفردوا بها ، وجميع المذاهب قد اشتركوا فيها ، والخلاف الظاهر بينهم في الإمامة ، فتكون الإمامية الفرقة الناجية .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 100 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وكيف لا ، وقد ركبوا فلك النجاة الجارية ، وتعلقوا بأسباب النجوم الثابتة والسارية ، فهم والله أهل المناصب العالية ، وأولوا الأمر والمراتب السامية ، وهم غداً فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ ، ويقال لهم : كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ . والصلاة والسلام على الشموس المشرقة والبدور الطالعة في الظلمات الداهية ، محمد المصطفى وعترته الهادية ، صلاة دائمة باقية » .

4 - شباهة نصير الدين الطوسي بالسفير الحسين بن روح ( قدس سره )

نلاحظ شبهاً كبيراً بينه وبين السفير أبي القاسم الحسين بن روح ( قدس سره ) ، في عمق الشخصية والمتانة ، وأسلوب العمل . وكذلك في الدقة والتقوى ، وعلاقاتهما بحكام عصريهما ، ومكانتهما الجليلة عندهم !
أما السفير الثالث الحسين بن روح ( قدس سره ) فقد أعده الله تعالى لدور عظيم ليكون سفيراً لوليه الأعظم الإمام المهدي أرواحنا فداه ، ويقوم بما يأمره به من أعمال لم نكتشف إلى الآن إلا قليلاً منها ، وقد كتبتُ شيئاً من سيرته في المعجم الموضوعي لأحاديث الإمام المهدي ( عجل الله تعالى فرجه الشريف ) . وأما نصير الدين الطوسي ( قدس سره ) فهو عالمٌ مرجع نابغ ، قدَّر له الله تعالى دوراً عظيماً ، أدَّاه حسب اجتهاده ظاهراً ، لكني أحدس بأنه كان يتلقى في خطوط عمله توجيهات الإمام المهدي أرواحنا فداه !
ومن مؤشرات ذلك شهادة العلامة الحلي ( قدس سره ) التي تقدمت في حقه ، قال : « وكان هذا الشيخ أفضل أهل عصره في العلوم العقلية والنقلية ، وله مصنفات كثيرة في العلوم الحكمية والأحكام الشرعية على مذهب الإمامية ، وكان أشرف من شاهدناه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 101 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
في الأخلاق ، نور الله ضريحه » .
فإن أفعل التفضيل من العلامة ( قدس سره ) يدل على مقام عالٍ وخاصٍّ جداً .
ومن المؤشرات توجيهاته ( قدس سره ) لطالب العلم في كتابه آداب المتعلمين ، بمثل قوله : « ينبغي لطالب العلم أن يفرغ يومه للكتابة والمطالعة والفكر والحفظ فيجد بذلك بركة عظيمة ، وأن يفعل أفعال الخير كالمواظبة على الصلاة والصيام في كل أسبوع يوماً أو يومين ، والصدقة ولو بفلس واحد ، ويتجنب عن الشر والخبائث » . ( الذريعة : 1 / 26 ) .
وكذلك شهادة المحقق الكركي ( قدس سره ) في حقه ، قال في الخراجيات / 74 : « ومن تأمل في كثير من أحوال الكبراء من علمائنا السالفين مثل السيد الشريف المرتضى علم الهدى وأعلم المحققين من المتقدمين والمتأخرين : نصير الحق والدين الطوسي ، وبحر العلوم ، ومفتي العراق جمال الملة والدين الحسن بن مطهر ، وغيرهم رضوان الله عليهم ، نظر متأمل منصف ، لم يعترضه الشك في أنهم كانوا يسلكون هذا المنهج ويفتحون هذا السبيل ، وما كانوا ليودعوا بطون كتبهم إلا ما يعتقدون صحته » . والمكاسب : 2 / 219 .

5 - مدحوا نصير الدين وشذَّ ابن تيمية فاتَّهمه بالتآمر !

كان نصير الدين الطوسي ( قدس سره ) أسيراً بيد الطاغية هولاكو ، حيث أخذه بعد أن احتل قلاع الإسماعيلية وقتل زعماءها ! فاتهمه ابن تيمية بأن وجوده مع هولاكو يعني أنه دعاه إلى غزو بغداد ، وأنه أشار عليه بقتل الخليفة المستعصم !
وخالفه الذهبي وابن كثير ودافعوا عن نصير الدين . قال ابن كثير في النهاية : 13 / 313 : « النصير الطوسي محمد بن عبد الله الطوسي ، كان يقال له المولى
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 102 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
نصير الدين ، ويقال الخواجا نصير الدين ، اشتغل في شبيبته وحصل علم الأوائل جيداً ، وصنف في ذلك في علم الكلام وشرح الإشارات لابن سينا ، ووزر لأصحاب قلاع الألَمُوت من الإسماعيلية ، ثم وزر لهولاكو وكان معه في واقعة بغداد ، ومن الناس من يزعم أنه أشار على هولاكو خان بقتل الخليفة فالله أعلم ، وعندي أن هذا لا يصدر من عاقل ولا فاضل ، وقد ذكره بعض البغاددة ( أي الحنابلة ) فأثنى عليه وقال : كان عاقلاً فاضلاً كريم الأخلاق ، ودفن في مشهد موسى بن جعفر ، في سرداب كان قد أعد للخليفة الناصر لدين الله .
وهو الذي كان قد بنى الرصد بمراغة ، ورتب فيه الحكماء من الفلاسفة والمتكلمين والفقهاء والمحدثين والأطباء وغيرهم من أنواع الفضلاء ، وبنى له فيه قبة عظيمة وجعل فيه كتباً كثيرة جداً ، توفي في بغداد في ثاني عشر ذي الحجة من هذه السنة وله خمس وسبعون سنة ، وله شعر جيد قوي . وأصل اشتغاله على المعين سالم بن بدار بن علي المصري المعتزلي المتشيع ، فنزع فيه عروق كثيرة منه حتى أفسد اعتقاده ) . انتهى .
وقال في النهاية : 13 / 281 : « وفيها ( سنة 662 ) قدم نصير الدين الطوسي إلى بغداد من جهة هولاكو ، فنظر في الأوقاف وأحوال البلد ، وأخذ كتباً كثيرة من سائر المدارس وحولها إلى رصده الذي بناه بمراغة ، ثم انحدر إلى واسط والبصرة » .
وكتب آية الله السيد الميلاني بحثاً بعنوان : « الشيخ نصير الدين الطوسي ( قدس سره ) وسقوط بغداد ، فَنَّدَ فيه اتهام ابن تيمية ، ومما قاله : « هذا الرجل قد اشتهر عند الخاص والعام أنه كان وزيراً للملاحدة الباطنية الإسماعيلية في الألَمُوت ، ثم لما
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 103 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قدم الترك المشركون إلى بلاد المسلمين وجاؤوا إلى بغداد دار الخلافة ، كان هذا منجماً مشيراً لملك الترك المشركين هولاكو ، أشار عليه بقتل الخليفة وقتل أهل العلم والدين ، واستبقاء أهل الصناعات والتجارات الذين ينفعونه في الدنيا . . . وإنه لما بنى الرصد الذي بمراغة على طريقة الصابئة المشركين ، كان أبخس الناس نصيباً منه من كان إلى أهل الملل أقرب ، وأوفرهم نصيباً من كان أبعدهم عن الملل ، مثل الصابئة المشركين ومثل المعطلة وسائر المشركين .
ومن المشهور عنه وعن أتباعه الاستهتار بواجبات الإسلام ومحرماته ، لا يحافظون على الفرائض كالصلوات ، ولا ينزعون عن محارم الله من الفواحش والخمر وغير ذلك من المنكرات ، حتى أنهم في شهر رمضان يذكر منهم من إضاعة الصلوات وارتكاب الفواحش وشرب الخمور ما يعرفه أهل الخبرة بهم . وبالجملة فأمر هذا الطوسي وأتباعه عند المسلمين أشهر وأعرف من أن يعرف ويوصف . ومع هذا فقد قيل : إنه في آخر عمره يحافظ على الصلوات الخمس ، ويشتغل بتفسير البغوي وبالفقه ونحو ذلك ، فإن كان قد تاب من الإلحاد ، فالله يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات . .
ثم استبعد ابن تيمية توبته وقال : لكن هذا حال الرافضة دائماً يعادون أولياء الله المتقين من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ، ويوالون الكفار والمنافقين » . ( منهاج السنة : 3 / 445 ) .
ورد عليه السيد الميلاني بأن اتهامه تعصبٌ وافتراءٌ بلا دليل ، واستشهد بنصوص مؤرخين عاصروا سقوط بغداد ، وأولهم ابن الفوطي البغدادي الذي شهد تلك
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 104 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الحادثة وأُسِرَ فيها ، وهو عالم سني حنبلي ، مدحه الذهبي ووصفه بأنه إمام ( تذكرة الحفاظ : 4 / 1493 ، وابن كثير في النهاية : 14 / 106 ) وقد أرُخّ لسقوط بغداد في كتابه الحوادث الجامعة ، ولم يذكر شيئاً من افتراء ابن تيمية !
ثم قال السيد الميلاني في ابن قيم الجوزية : « لم يتبع ابن تيمية فقط ، بل زاد على ما قال شيخه أشياء أخرى أيضاً . . يقول : نصير الشرك والكفر والإلحاد ، وزير الملاحدة النصير الطوسي وزير هولاكو ، شفى نفسه من أتباع الرسول وأهل دينه فعرضهم على السيف حتى شفى إخوانه من الملاحدة ، واشتفى هو فقتل الخليفة المستعصم ، والقضاة والفقهاء والمحدثين . . واستبقى الفلاسفة والمنجمين ، والطبايعيين والسحرة . . . ورام جعل إشارات إمام الملحدين ابن سينا مكان القرآن فلم يقدر على ذلك ، فقال : هي قرآن الخواص وذلك قرآن العوام ، ورام تغيير الصلاة وجعلها صلاتين فلم يتم له الأمر ! وتعلم السحر في آخر الأمر فكان ساحراً يعبد الأصنام » ! انتهى .
ثم بيَّن السيد الميلاني أن سبب اتهامهم للطوسي نجاح كتابه ( تجريد الإعتقاد ) الذي نصر به مذهب التشيع المظلوم ، فهو أول كتاب أصَّل بحوث علم الكلام ، وفرض نفسه على الأوساط العلمية والمعاهد ، وصار مرجع البحث والتدريس ، قال : « حينئذ أصبح الآخرون عيالاً على الخواجة نصير
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 105 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الدين الطوسي ( قدس سره ) في علم الكلام والعقائد ، وبتبع كتاب التجريد ألفت كتبهم في العقائد ، وهذا مما يغتاظ منه القوم » ! ثم نقل إعجاب عدد من علمائهم بالمحقق الطوسي ( قدس سره ) .
أقول : من تناقضات ابن القيم أنه في شرح قصيدته : 1 / 245 ، لخص ترجمة نصير الدين الطوسي ( قدس سره ) من تاريخ ابن شاكر ، ومدحه مدحاً قوياً ، فقد جاء فيه : « وأما النصير الطوسي فهو محمد بن محمد بن الحسن نصير الدين الطوسي صاحب الرياضي والرصد ، كان رأساً في علم الأوائل لا سيما في الأرصاد والمجسطي فإنه فاق الكبار . . وكان حسن الصورة سمحاً كريماً جواداً حليماً حسن العشرة غزير الفضائل ، واختصر المحصل للإمام فخر الدين وهذبه وزاد فيه ، وشرح الإشارات ورد على الإمام فخر الدين في شرحه وقال : هذا جرح وما هو بشرح ! وقال فيه : حررته في عشرين سنة وناقض فخر الدين كثيراً ومن تصانيفه التجريد في المنطق ، وأوصاف الأشراف ، وقواعد العقائد والتلخيص في علم الكلام ، وشرح كتاب ثمرة بطليموس ، وكتاب المجسطي ، وشرح مسألة العلم ورسالة الإمامة ، ورسالة إلى نجم الدين الكاتبي في إثبات الواجب ، وحواش على كليات القانون ، وغير ذلك » . انتهى .
وكلام ابن القيم في تلخيصه أقوى مما لو نقل كلام آخرين ، وأقوى من نقله لاتهامات شيخه ابن تيمية ، لأنه لم يتبنَّ ذلك وتركه على عهدة شيخه .
أما الذهبي فخالف اتهامات ابن تيمية ، قال السيد الأمين في : الإسماعيليون والمغول ونصير الدين الطوسي / 129 : « حتى الذهبي وهو في العصبية مع ابن تيمية فَرَسَا رهان ، لم يستطع أن يدعي هذه الدعوى على الطوسي فقال في كتابه سير أعلام النبلاء : 23 / 181 : « فضرب ( هولاكو ) أعناق الكل ورفس المستعصم حتى تلف » . وقال في / 182 : « ثم جرت له ( هولاكو ) محاورة معه وأمر به وبابنه أبي بكر فرفسا حتى ماتا » . وحسبنا أن يكون المكذب لابن تيمية هو الذهبي ! انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 106 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أقول : ترجم الذهبي لنصير الدين الطوسي ( قدس سره ) فنقل في تاريخه : 50 / 113 ، مديحاً كثيراً فيه ولم يتهمه ، قال : « محمد بن محمد بن حسن الشيخ نصير الدين أبو عبد الله الطوسي ، الفيلسوف ، كان رأساً في علم الأوائل ، لا سيما معرفة الرياضي وصنعة الأرصاد ، فإنه فاق بذلك على الكبار ، قرأ على المعين سالم بن بدران المصري المعتزلي الرافضي وغيره ، وكان ذا حرمة وافرة ومنزلة عالية عند هولاكو وكان يطيعه فيما يشير به ، والأموال في تصريفه ، وابتنى بمدينة مراغة قبة ورصداً عظيماً ، واتخذ في ذلك خزانة عظيمة عالية فسيحة الأرجاء ، وملأها بالكتب التي نهبت من بغداد والشام والجزيرة ، حتى تجمع فيها زيادة على أربعمائة ألف مجلد . وقرر للرصد المنجمين والفلاسفة والفضلاء وجعل لهم الجامكية ( الرواتب ) وكان سمحاً جواداً حليماً حسن العشرة ، غزير الفضائل جليل القدر ، لكنه على مذهب الأوائل في كثير من الأصول نسأل الله الهدى والسداد . توفي في ذي الحجة ببغداد وقد نيف على الثمانين ويعرف بخواجا نصير . قال الظهير الكازروني : مات المخدوم خواجا نصير الدين أبو جعفر الطوسي في سابع عشري ذي الحجة ، وشيعه خلائق وصاحب الديوان والكبراء ودفن بمشهد الكاظم . وكان مليح الصورة جميل الأفعال ، مهيباً ، عالماً ، متقدماً سهل الأخلاق ، متواضعاً ، كريم الطباع ، محتملاً ، يشتغل إلى قريب الظهر . ثم طول الكازروني ترجمته وفيها تواضعه وحلمه وفتوته .
ثم رأيت في تاريخ تاج الدين الفزاري : حدثني شمس الدين الأيكي أن النصير تمكن إلى الغاية ، والناس كلهم من تحت تصرفه . وكان حسن الشكل فصيحاً
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 107 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
خبيراً بجميع العلوم . كان يقول : اتفق المحققون على أن علم الكلام قليل الفائدة ، وأقل المصنفات فيه فائدة كتب فخر الدين ، وأكثرها تخليطاً كتاب المحصل . قال : وأقمت مع شيخنا النصير سبع سنين ، وصنَّف كتباً عدة ، ومولده بطوس يوم الأحد حادي عشر جمادى الأولى سنة 597 » . انتهى .
كما نقل الذهبي في تاريخه : 49 / 180 ، رأي الظهير الكازروني البغدادي ، وهو من كبار علماء الحنابلة ، إسلام هولاكو ، وشكك فيه ، لكنه احتمله احتمالاً ضعيفاً ، قال : « فلو أثني على هولاكو بكل لسان لاعترف المثني بأنه مات على ملة آبائه وبأنه سفك دم ألف ألف أو يزيدون ، فإن كان الله تعالى مع هذا وفقه للإسلام فيا سعادته ، لكن متى يصح ذلك ، والله أعلم » . انتهى .
أقول : سبب احتماله إسلام هولاكو أن الظهير الكازروني الثقة أخبره أنه أسلم من أجل امرأة ! فهو يريد من يؤيد كلامه ليحكم بإسلام هولاكو وسعادته ! حيث يغفر الله له جرائمه وسفكه لدماء مليون مسلم بتلفظه بالشهادتين !
وليت الذهبي يعامل من يخالفه في الرأي بهذا اللين الذي عامل به هولاكو !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 108 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

6 - نصير الدين الطوسي ( قدس سره ) يليِّن الطاغية هولاكو وأولاده

« قال الشيخ عبد المتعال الصعيدين وهو أزهري : « استطاع نصير الدين الطوسي أن يهزم بالعقل والعلم الدولة الطاغية الباغية ، وأن تنجح خططه في تحويل المغول من وثنيين إلى مسلمين » . ( مستدركات أعيان الشيعة : 1 / 229 ) .
وقال الكتبي في فوات الوفيات : 2 / 580 : « قال الظهير الكازروني : حكى النجم أحمد بن البواب النقاش نزيل مراغة قال : عزم هولاكو على زواج بنت ملك الكرج فأبت حتى يسلم ، فقال : عرفوني ما أقول ؟ فعرضوا عليه الشهادتين فأقر بهما ، وشهد عليه بذلك خواجا نصير الدين الطوسي ، وفخر الدين المنجم ، فلما بلغها ذلك أجابت ، فحضر القاضي فخر الدين الخلاطي ، وتوكل لها النصير الطوسي ولهولاكو الفخر المنجم ، وعقدوا العقد باسم ماما خاتون بنت الملك داود إيواني على ثلاثين ألف دينار ! قال ابن البواب : وأنا كتبت الكتاب في ثوب أطلس أبيض » .
وقال السيد الأمين في : الإسماعيليون والمغول ونصير الدين الطوسي / 294 : « ولكن الذي استطاع أن يروض شارب الدماء ، وأن يستغل الجبار الطاغية فيقيم تحت سمعه وبصره مكتبة الإسلام ، ويشيِّد مدرسة الإسلام ، ويقيم مجمع علماء الإسلام ، سيستطيع بإخلاصه وإيمانه اللذين لا حد لهما ، وبعقله الكبير وفكره المنظم وتدبيره الحازم ، سيستطيع أن يُشرب قلوب المغول الميل إلى الإسلام ، ثم اعتناق الإسلام . فأعد لهذه المرحلة الحاسمة جماعات واعية تحسن التخطيط
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 109 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والتنفيذ ، كان في الطليعة منها : آل الجويني الذين نشأوا على حب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، وما يبعثه هذا الحب من إخلاص وحمية ونضال وتفانٍ في سبيل الإسلام . ثم في النهاية أسلم المغول على يدي تلاميذ الطوسي ، ونجح مخطط الطوسي نجاحه الأكبر » ! انتهى .
أما أولاد هولاكو فأخبار إسلامهم مؤكدة ، فقد عدَّ في الذريعة : 24 / 181 ، لنصير الدين كتاب : « نصيحة أبآقا خان بن هولاكو خان ، كتبه الخواجة نصير الطوسي لأبآقا خان بعد موت أبيه وإبائه عن تحمل مسؤولية السلطنة ، وَرَدَ بتمامه في روضة الصفا » . وهو يكشف عن تأثير الطوسي ( قدس سره ) على أولاد هولاكو أيضاً .
وذكر الذهبي في تاريخه : 47 / 454 ، و : 49 / 183 ، و : 52 / 37 ، والتبريزي في مرآة الكتب / 142 ، إسلام قازان خان على يد إبراهيم الحموئي الجويني ، تلميذ نصير الدين ومؤلف : فرائد السمطين في فضائل المرتضى والبتول والسبطين ( عليهم السلام ) .
كما أورد الذهبي في تاريخه : 52 / 75 : نسخة كتاب لقازان يعلن فيها إسلامه ، ويبرر هجومه على بلاد الشام ومصر ، جاء فيه : « بقوة الله تعالى : ليعلم أمراء التومان والألف والمائة وعموم عساكرنا من المغول والتازيكا والأرمن والكرج وغيرهم ممن هو داخل تحت طاعتنا ، أن الله لما نور قلوبنا بنور الإسلام وهدانا إلى ملة النبي ( صلى الله عليه وآله ) : أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللهِ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ . . ولما سمعنا أن حكام مصر والشام خارجون عن طرائق الدين ، غير متمسكين بأحكام الإسلام ناقضون لعهودهم . . الخ . » وذكر في / 80 ، احتلال قازان للشام والخطبة له في مسجدها .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 110 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كما وصف الوافي : 20 / 126 ، دخوله إلى المدرسة المستنصرية فقال : « فلما أتى غازان المستنصرية احتفل الناس له واجتمع بالمدرسة أعيان بغداد وأكابرها ، من القضاة والعلماء والعظماء ، وفيهم الشيخ زين الدين الآمدي لتلقي غازان . . . فحين وضع يده في يده نهض له قائماً وقبل يده وعظم ملتقاه والإحتفال به وأعظم الدعاء له باللسان المغلى ثم بالتركي ثم الفارسي ثم بالرومي ثم بالعربي ورفع به صوته إعلاماً للناس ، فعجب السلطان من فطنته وذكائه وحدة ذهنه مع ضرره ( كان أعمى ) ! ثم إن السلطان خلع عليه في الحال ، ووهبه مالاً ورسم له بمرتب في كل شهر ثلاث مائة درهم » .
أقول : مهما يكن إسلام قادة المغول وجنودهم سياسياً ، أو مخلوطاً برواسبهم الوثنية ، لكنه كان البداية ، حتى أسلم كثير منهم ، وحسن إسلام بعضهم !
ويبقى العمل الأهم : تليين أذهانهم وقلوبهم للإسلام ، وهو ما قام به نصير الدين الطوسي ( قدس سره ) وتلاميذه الأفذاذ العلامة الحُلِّي ( رحمه الله ) وآل الحموئي والجويني .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 111 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل السابع : خطة نصير الدين ( قدس سره ) لرد غزو المغول

1 - العلم والعمران وحرية المذاهب ورعاية الكوادر

اعتمد المرجع نصير الدين الطوسي ( قدس سره ) أسلوباً فريداً في رد غزو المغول والنهوض بالأمة ثقافياً وعمرانياً ، فعمل بنفسه مع أعلى مراكز القرار ، كما بحث عن الطاقات القابلة للنبوغ في كل المجالات ، ومن أي مذهب كانت ، ونماها وأطلقها في الأمة ! وهذا يشبه عمل الأنبياء والأئمة ( عليهم السلام ) ، ومن تأمل عمله ( قدس سره ) لا يستبعد أن يكون موجهاً وملهماً .
كان ( رحمه الله ) يبحث باستمرار عن الشخصيات النابغة ، فعندما عاد من زيارته للحلة سئل عما رأى فيها ؟ فقال : ( رأيت خِرِّيتاً ماهراً ، وعالماً إذا جاهد فاق ) ، يقصد المحقق الحلي ، والعلامة الحلي الذي كان عمره يومذاك بضع عشرة سنة !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 112 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وعندما وجد محمد الجويني وأولاده تبناهم ودعمهم عند هولاكو ، وحماهم من غضبه وبطشه ، حتى كانوا وزراءه وحكام العراق لأكثر من عشرين سنة ، فأعادوا عمرانه بأحسن مما كان في زمن الخلافة العباسية !
وعندما رأى الغلام ابن الفوطي بيد المغول ، خلصه منهم ، وعلمه ووظفه !
وعندما رأى المشايخ آل الحموئي ، قوَّى موقعهم عند هولاكو وأولاده ، فكان إسلام عدد من شخصيات المغول على أيديهم !
وكم اختار من أطباء ومهندسين وفلكيين وسياسيين ، وكان يرسل مبعوثيه وهديته المناسبة إلى أحدهم ، ولو كان في قطر بعيد ، ويطلب منه الحضور معززاً مكرماً ، ويوفر له لوازم معيشته ، ويفتح له أبواب العلم والعمل ! وكم جاء بنوابغ في العلوم من أقاصي البلاد ومن القرى والرساتيق !
رووا أن قطب الدين الشيرازي محمود بن مسعود وصل إلى مستوى خليفة نصير الدين في الطب : « كان من كبار تلامذة النصير الطوسي وكان مبجلاً عند التتار وجيهاً متواضعاً حليماً » . ( الدرر الكامنة : 2 / 118 )
وقال في : 6 / 100 : « محمود بن مسعود بن مصلح الفارسي قطب الدين الشيرازي الشافعي العلامة ، ولد في شيراز سنة 634 ، وكان أبوه طبيباً فقرأ عليه وعلى عمه وعلى الزكي البركشائي والشمس الكتبي ، ورُتِّبَ طبيباً بالمرستان وهو شاب ، ثم سافر إلى النصير الطوسي فقرأ عليه الهيئة وبحث عليه الإشارات وبرع .
قال له أبغا بن هلاوو ( هولاكو ) : أنت أفضل تلامذة النصير وقد كبر ، فاجتهد أن لا يفوتك شئ من علومه ، فقال له : قد فعلت وما بقي لي به حاجة ، ثم دخل الروم فأكرمه صاحبها وولي قضاء سيواس وملطية ، وقدم الشام رسولاً من جهة أحمد ، ثم أكرمه أرغون ، وسكن تبريز وأقرأ بها العلوم العقلية ، وحدث بجامع الأصول . . وكان دخله في العام ثلاثين ألفاً ، فكان لا يدخر منها شيئاً بل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 113 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ينفقه على تلامذته . . وكان غازان يعظمه ويعطيه ، وكان كثير الشفاعات . . قال الذهبي قيل كان في الإعتقاد على دين العجائز وكان يخضع للفقهاء . . ومات في 24 رمضان سنة 710 » . ونحوه البدر الطالع : 2 / 299 ، والوافي : 12 / 36 ، وفيه : وكان وافر الجلالة عند التتار وله عليهم إدرارات جيدة .
وفي نهاية ابن كثير : 13 / 350 ، أن أحمد بن هولاكو أرسله سنة 681 في وفد إلى ملك مصر قلاوون : « يطلب منه المصالحة وحقن الدماء فيما بينهم ، وجاء في الرسلية الشيخ قطب الدين الشيرازي أحد تلامذة النصير الطوسي ، فأجاب المنصور إلى ذلك » .
وفي النجوم الزاهرة : 9 / 213 : « وتولى قضاء بلاد الروم ولم يباشر القضاء ، ولكن كانت نوابه تحكم في البلاد ، وكان معظماً عند ملوك التتار ، وكان من تلامذة النصير الطوسي » .
وذكروا أن نصير الدين ( قدس سره ) اعتمد على أربعة حكماء في مرصد مراغة وجامعتها هم : « فخر الدين الخلاطي ، وفخر الدين محمد بن عبد الملك المراغي ، ومؤيد الدين العرضي ، ونجم الدين القزويني ، وهم الذين اختارهم نصير الدين ، وأنفذ السلطان في طلبهم » . ( أعيان الشيعة : 9 / 418 ) .
وفي الوافي : 1 / 150 : « قال شمس الدين الجزري : قال حسن بن أحمد الحكيم صاحبنا : سافرت إلى مراغة وتفرجت في هذا الرصد ، ومتوليه صدر الدين علي بن الخواجا نصير الدين الطوسي ، وكان شاباً فاضلاً في التنجيم والشعر بالفارسية ، وصادفت شمس الدين محمد بن المؤيد العرضي ، وشمس الدين الشرواني ، والشيخ كمال الدين الأيكي ، وحسام الدين الشامي ، فرأيت فيه من
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 114 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
آلات الرصد شيئاً كثيراً ، منها ذات الحلق وهي خمس دوائر متخذة من نحاس : الأولى دائرة نصف النهار ، وهي مركوزة على الأرض ، ودائرة معدل النهار ، ودائرة منطقة البروج ، ودائرة العرض ، ودائرة الميل ، ورأيت الدائرة الشمسية يعرف بها سمت الكواكب ، واصطرلاباً تكون سعة قطره ذراعاً ، واصطرلابات كثيرة وكتباً كثيرة .
قال : وأخبرني شمس الدين ابن العرضي أن نصير الدين أخذ من هولاكو بسبب عمارة هذا الرصد ما لا يحصيه إلا الله ، وأقل ما كان يأخذ بعد فراغ الرصد لأجل الآلات وإصلاحها عشرون ألف دينار ، خارجاً عن الجوامك والرواتب التي للحكماء والقَوَمة . . وقال الخواجا نصير الدين في ( كتاب ) الزيج الإيلخاني : إنني جمعت لبناء الرصد جماعة من الحكماء ، منهم المؤيد العرضي من دمشق ، والفخر المراغي الذي كان بالموصل ، والفخر الخلاطي الذي كان بتفليس ، والنجم دبيران القزويني ، وابتدأنا ببنائه في سنة سبع وخمسين وست مائة ، في جمادى الأولى بمراغة » .
وقال ابن العبري في تاريخ مختصر الدول / 256 : « وفي هذا التاريخ توفي خواجا نصير الدين الطوسي ، الفيلسوف صاحب الرصد بمدينة مراغة ، حكيم عظيم الشأن في جميع فنون الحكمة . واجتمع إليه في الرصد جماعة من الفضلاء المهندسين . . وكان من الفضلاء في زمانه نجم الدين القزويني ، منطقي عظيم صاحب كتاب العين ، ومؤيد الدين العرضي ، وفخر الدين المراغي ، وقطب الدين الشيرازي ، ومحيي الدين المغربي .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 115 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ومن الأطباء المشهورين : فخر الدين الأخلاطي ، وتقي الدين الحشائشي ، واشتهر هذا في عمل الترياق شهرة عظيمة وإن لم يكن من الأطباء المشتغلين المشهورين ، وبسفاهته استظهر على باقي الأطباء في هذا الزمان ، وبينهم نفيس الدين بن طليب الدمشقي ، وولده صفي الدين النصراني الملكي » .
وفي طرائف المقال : 2 / 448 : « وكان من أعوانه على الرصد من العلماء وتلاميذه جماعة ، أرسل إليهم الملك هلاكو خان وأمر بإحضارهم منهم العالم الأعلم العلامة قطب الدين محمود الشيرازي صاحب شرف الأشراف والكليات . . ومنهم مؤيد الدين العروضي الدمشقي ، وكان متبحراً في الهندسة وآلات الرصد توفي بمراغة فجأة في سنة أربع وسبع مائة . ومنهم فخر الدين كان طبيباً فاضلاً حاذقاً . ومنهم نجم الدين القزويني ، وكان فاضلاً في الحكمة والكلام . ومنهم محي الدين الأخلاطي ، وكان فاضلاً مهندساً في العلوم الرياضية . ومنهم محي الدين المغربي ، وكان مهندساً فاضلاً في العلوم الرياضية وأعمال الرصد . ومنهم نجم الدين الكاتب البغدادي وكان فاضلاً في أجزاء الرياض والهندسة وعلم الرصد كاتباً مصوراً ، وكان أحسن الخلائق خلقاً » .

2 - خادمه النابغة عبد الرزاق الفُوَطي ، شيخُ الذهبي

عندما سقطت بغداد ودخلها المغول وعاثوا فيها نهباً ، أخذوا فيما أخذوا صبياً في نحو العاشرة من عمره ، هو عبد الرزاق بن الفوطي . وفي سنة 660 ، رآه نصير الدين الطوسي ( قدس سره ) في مراغة فتوسم فيه النبوغ فخلصه من عبودية المغول ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 116 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
واتخذه تلميذاً ومساعداً ، ثم جعله أميناً على مكتبة المرصد ، فصار خبيراً بالكتب ومؤلفيها ، ثم أعطاه لمحمد الجويني وزير هولاكو فوظفه عنده . وعندما نصب هولاكو ابنه علاء الدين الجويني ( عطا الملك ) حاكماً على العراق ، أعاد ابن الفوطي معه إلى بغداد سنة 679 ، وجعله أميناً على مكتبة المستنصرية ويسَّر له حياته فكان لابن الفوطي دورٌ ثقافي واسع ، حتى بلغت مؤلفاته مئة مجلد .
وكتب عن شخصية الفوطي مؤرخان معاصران هما الدكتور محمد رضا الشبيبي في محاضرة موسعة بعنوان مؤرخ العراق ابن الفوطي ، والدكتور مصطفى جواد ، بنفس العنوان . ( المجمع العلمي العراقي : 6 / 1378 ) .
وقد عده الحنابلة منهم ، فقال ابن العماد في شذرات الذهب : 3 / 60 : « مؤرخ الآفاق العالم المتكلم كمال الدين عبد الرزاق بن أحمد بن محمد بن أحمد بن عمر بن أبي المعالي محمد بن محمود بن أحمد بن محمد بن أبي المعالي الفضل بن العباس بن عبد الله بن معن بن زائدة الشيباني ، المروزي الأصل البغدادي الإخباري ، الكاتب المؤرخ ، الحنبلي ، ابن الصابوني ، ويعرف بابن الفوَطي محركاً نسبة إلى بيع الفُوَط ، وكان الفوطي المنسوب إليه جده لأمه ، ولد في سابع عشر محرم سنة اثنتين وأربعين وست مائة ، بدار الخلافة من بغداد وسمع بها من الصاحب محي الدين بن الجوزي ، ثم أسر في واقعة بغداد وخلصه النصير الطوسي الفيلسوف » .
وقال الذهبي في تذكرة الحفاظ : 4 / 1493 : « ابن الفوطي ، العالم البارع المتفنن المحدث المفيد ، مؤرخ الآفاق ، مفخر أهل العراق . . . وأسر في الوقعة وهو حدث ثم صار إلى أستاذه ومعلمه خواجا نصير الطوسي في سنة ستين وست مائة ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 117 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فأخذ عنه علوم الأوائل . . وله ذكاء مفرط وخط منسوب رشيق ، وفضائل كثيرة »
وقال في تاريخه : 51 / 77 : « قرأت بخط الفوطي : توفي رئيس الأصحاب شيخنا جلال الدين الحنبلي مدرس المستنصرية في شعبان » . انتهى .
ونسبة ابن الفوطي إلى الشيبانيين لأنه مولاهم ، فقد نصت المصادر على أن أصله من مرو خراسان ، ونسبه السيد المرعشي إلى بخارى فقال في شرح إحقاق الحق : 17 / 209 : « عبد الرزاق كمال الدين بن أحمد البخاري الشهير بابن الفوطي » .
وعده صاحب أعيان الشيعة : 3 / 437 ، من الشيعة مستدلاً بقراءته كتاب كشف الغمة في معرفة الأئمة ( عليهم السلام ) على مؤلفه ابن عيسى الإربلي ، قال : « وفي هذا من الدلالة على تشيع ابن الفوطي ما لا يخفى ، وهناك ما هو أصرح منه ذكرناه في ترجمته » . لكن ذلك ليس دليلاً على تشيع ابن الفوطي ، فقد كان الإربلي ( رحمه الله ) عالماً كاتباً كبيراً في ديوان الدولة ، وكان يأتي إلى مكتبة المستنصرية ومديرها ابن الفوطي ، فقراءته عليه فيها اعتبار معنوي لابن الفوطي ، وكون الكتاب في سيرة الأئمة ( عليهم السلام ) ، لا يدل على موافقته على مذهب مؤلفه .
وقال صاحب الذريعة ( رحمه الله ) : 4 / 426 و : 3 / 225 : « المحدث المؤرخ الإخباري المروزي المعروف بابن الفوطي . . استظهر تشيعه الفاضل العارف في مجلة العرفان وكذلك الفاضل الشبيبي في محاضرته المطبوعة 1359 ، وغيرهما من المعاصرين ، ويشهد بذلك بعض كلماته في الحوادث الجامعة ، واتصاله بعلماء الشيعة ، وتلمذه على مثل الخواجة نصير الدين الطوسي سنين وشدة عنايته به » .
وقال في الذريعة : 7 / 94 : « الحوادث الجامعة والتجارب النافعة في الماية السابعة . .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 118 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
طبع بعضه في بغداد في 1351 ، وهو من سنة 626 إلى 700 ، وطبع في أوله مقدمة الشيخ محمد رضا الشبيبي ومصطفى جواد البغدادي ، وقد استظهر ثانيهما كون المؤلف شافعياً ، لكن الحق ما استظهر في مجلة العرفان من وجود آثار تشيعه في خلال تصانيفه ، ومال إليه الشبيبي في المحاضرة التاريخية التي ألقاها في بغداد 1359 ، وطبعت في تلك السنة ، وبسط من ترجمه قديماً الذهبي في تذكرة الحفاظ : 4 / 284 ، ولم يَدَع الوقيعة فيه كما هو ديدنه في كل شيعي ، لكنه احتمل أن يصير سماعه للحديث وكتابته له كفارة عن خطاياه ، وأعظم خطاياه في نظر الذهبي ملازمته الكثيرة لخدمة رئيس الشيعة الخواجة نصير الدين الطوسي ثلاثة عشر عاماً ، وروايته عن مشايخهم الكبار مثل السيد عبد الكريم بن طاوس ، الذي كتب لخدمته الدر النظيم فيمن سمى بعبد الكريم ، واتصاله بالوزير الجويني ومبالغته في تقريظ هؤلاء ، الذين عبر عنهم الذهبي بالمغل وأتباع المغل »
أقول : الأدلة التي ذكروها لا تكفي لإثبات تشيع ابن الفوطي ، وهو حنبلي بحكم نشأته في بغداد ، لكنه حنبلي معتدل بحكم تربيته في أجواء الشيعة ، خاصة تلمذه على صاحب الخلق الرفيع المرجع نصير الدين ( قدس سره ) ، وتلميذه ابن الجويني ( رحمه الله ) . وهو دليل على الحرية المذهبية في الحكم الشيعي ، بعكس غيره !
وابن الفوطي من جهة أخرى نموذجٌ من خطة المرجع نصير الدين ( قدس سره ) في انتقاء الطاقات ولو كانت من مذهب آخر ، وتنميتها وإطلاقها في الدولة المغولية ومساعدتها لتأخذ مجراها في مكافحة الغزو المغولي ، وترسيخ الثقافة الإسلامية !
وهو دليلٌ على قدرة المذهب الشيعي على تشجيع أتباع المذاهب على الانفتاح وعدم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 119 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
التعصب كما نرى في ابن الفوطي ، وكما نرى في الجوينيين والحموئيين الذين كانوا منفتحين على المذاهب السنية حتى أنهم يعدونهم منهم ، بينما هم شيعة .

3 - شيوخ الصوفية سعد الدين بن حَمُويَهْ وأولاده

ترجع علاقة المغول بالحموئيين إلى الصوفي الأسطورة سعيد بن المطهر الباخرزي ، الذي كان يسكن في منطقة بخارى ويعتقد به المسلمون ، ويحترمه جنكيز خان وابنه هولاكو ! وهذه خلاصة ترجمته من سير أعلام الذهبي : 23 / 363 : « الباخرزي ، الإمام القدوة شيخ خراسان سيف الدين أبو المعالي سعيد بن المطهر بن سعيد بن علي القائدي الباخرزي نزيل بخارى . كان إماماً محدثاً ورعاً زاهداً تقياً أثرياً منقطع القرين بعيد الصيت ، له وقع في القلوب ومهابة في النفوس . . وقد ذكره في معجم الألقاب ابن الفوطي فقال فيه : هو المحدث الحافظ الزاهد الواعظ ، كان شيخاً بهياً عارفاً تقياً فصيحاً ، كلماته كالدر . . وانتشر صيته بين المسلمين والكفار . . ولد بباخرز وهي ولاية بين نيسابور وهراة قصبتها مالين . . . وعرف الشيخ بين التتار ( بالغ شيخ ) يعني الشيخ الكبير وبذلك كان يعرفه هولاكو . . . وكان المستعصم يهدي من بغداد إلى الباخرزي التحف ، من ذلك مصحف بخط الإمام علي ، وكان مظفر الدين أبو بكر بن سعد صاحب شيراز يهدي إلى الشيخ في السنة ألف دينار ، وأنفذ له لؤلؤ صاحب الموصل ( ابن خلدون : 5 / 547 ) ، وأهدت له ملكة بنت أزبك بن البهلوان صاحب أذربيجان سنَّ النبي ( ص ) الذي كسر يوم أحد ( والصحيح أنه لم يكسر - معاني الأخبار / 406 ) وكان يمنع
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 120 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
التتار من قصد العراق ويفخِّم أمر الخليفة .
وممن راسله سلطان الهند ناصر الدين أيبك ، وصاحب السند وملتان غياث الدين بلبان ، قال : وبعث إليه منكوقآن لما جلس على سرير السلطنة بأموال كثيرة وكذلك وزيره برهان الدين مسعود بن محمود يلواج . .
وكان إذا جاء إلى الشيخ قبَّل العتبة ، ووقف حتى يؤذن له ويقول : إن أبي فعل ذلك ، ولأن له هيبة في قلوب ملوكنا حتى لو أمرهم بقتلي لما توقفوا ! وامتدحه جماعة منهم سعد الدين بن حمويه ، كتب إليه بأبيات منها :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] يا قرةَ العين سلْ عيني هل اكتحلتْ * بمنظر حَسَن مُذْ غبتَ عن عيني
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] ومدحه الصاحب بهاء الدين محمد بن محمد الجويني ، وابنه الصاحب علاء الدين عطا ملك صاحب الديوان . وكان ( الباخرزي ) إذا رقي المنبر تكلم على الخواطر ، ويستشهد بأبيات منها :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] إذا ما تجلَّى لي فكُلِّي نواظرٌ * وإن هو ناداني فكلي مَسَامعُ . . .
ومنها : وما بيننا إلا المدامة ثالث * فيملي ويسقيني وأملي ويشربُ !
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] وأوصى أن يكفن في خرقة شيخه نجم الكبرى . . وكان يوم وفاته يوماً مشهوداً لم يتخلف أحد ، حُزِر العالَم بأربع مئة ألف إنسان » . انتهى .
وقال الذهبي في تاريخه : 48 / 387 : « وخرَّج لنفسه أربعين حديثاً ، رواها لنا عنه مولاه نافع الهندي . . . وكان شيخ ما وراء النهر وله جلالة عجيبة ، وعلى يده أسلم سلطان التتار بركة ، وله ترجمة طولى في سير النبلاء » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 121 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد انتقلت مشيخة التصوف بعد هذه الشيخ الإمام في منطقة بخارى وما حولها ، إلى تلميذه سعد الدين بن حمويه الجويني ، وبعد سعد الدين صار شيخ الطريقة ابنه إبراهيم ، فكان التتار يحترمانهما بعد الباخرزي .
والحموئي نسبةً إلى حَمُوَيْه قرب جوين من ولاية آمل . وقد أراد الله تعالى الخير بإبراهيم ، فصار تلميذاً لنصير الدين ( قدس سره ) وألف كتاب فرائد السمطين في فضائل المرتضى والبتول والسبطين ( عليهم السلام ) ، وأسلم على يده عدد من قادة المغول .
قال الذهبي في تاريخه : 47 / 454 : « الشيخ سعد الدين أبو إبراهيم الجويني الصوفي كان صاحب رياضات وأحوال ، وله كلام في التصوف على طريقة أهل الوحدة . وكان قد حج وأقام بقاسيون يتأله ويتعبد مدة في زاوية له ، ومعه جماعة من الصوفية ، ولهم سمت وجلالة وتعفف ، فلما ضاق به الحال رجع إلى خراسان واجتمع به جماعة من أمراء التتار وأسلم على يده غير واحد منهم ، وبنى بآمل خانكاه ، ورزق القبول التام . ثم زار قبر جدهم القدوة الكبير محمد بن حمويه الجويني بحيراباذ ، من أعمال جوين ، فأقام عنده أسبوعاً وعبر إلى الله تعالى . وهو والد شيخنا صدر الدين إبراهيم ، الذي أسلم على يده قازان » .
وقال في تاريخه : 52 / 37 : « وفيها ( 694 ) دخل الإسلام قازان بن أرغون بن أبغا بن هولاكو ملك التتار ، بوساطة نوروز التركي وزيره ومدبر مملكته وزوج عمته واسم ( قازان ) بالعربي محمود ، أسلم في شعبان بخراسان على يد الشيخ الكبير المحدث صدر الدين إبراهيم بن الشيخ سعد الدين بن حمويه الجويني . وذلك بقرب الري بعد خروجه من الحمام ، وجلس مجلساً عاماً فتلفظ بشهادة الحق
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 122 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وهو يبتسم ووجهه يستنير ويتهلل ، وكان شاباً أشقر مليحاً ، له إذ ذاك بضع وعشرون سنة . وضج المسلمون حوله عندما أسلم ضجة عظيمة من المُغُل والعجم وغيرهم ، ونثر على الخلق الذهب واللؤلؤ ، وكان يوماً مشهوداً ، وفشا الإسلام في جيشه بحرص نوروز فإنه كان مسلماً خيراً صحيح الإسلام ، يحفظ كثيراً من القرآن والرقائق والأذكار . ثم شرع نوروز يُلقِّنُ الملك غازان شيئاً من القرآن ويجتهد عليه ، ودخل رمضان فصامه ، ولولا هذا القدر الذي حصل له من الإسلام ، وإلا كان قد استباح الشام لما غلب عليه » .
وإبراهيم الجويني ( رحمه الله ) هذا من شيوخ الذهبي ، قال عنه في تذكرة الحفاظ : 4 / 1505 : « وسمعت من الإمام المحدث الأوحد الأكمل فخر الإسلام صدر الدين إبراهيم بن محمد بن المؤيد بن حمويه الخراساني الجويني شيخ الصوفية . قدم علينا طالب حديث روى لنا عن رجلين من أصحاب المؤيد الطوسي ، وكان شديد الاعتناء بالرواية وتحصيل الأجزاء ، حسن القراءة ، مليح الشكل ، مهيباً ديناً صالحاً ، على يده أسلم غازان الملك ، مات سنة اثنتين وعشرين وسبع مائة ، وله ثمان وسبعون سنة ، رحمه الله تعالى » .
وفي مجلة تراثنا : 17 / 101 : « ولد مؤلفنا الحموئي في آمل طبرستان ليلة السبت 26 شعبان سنة 644 ، في أسرة علمية عريقة ، أسرة علم وحديث وتصوف ومشيخة وصدارة وحشمة منذ القرن الخامس حتى القرن العاشر ، قال الذهبي في المشتبه : بنو حَمُوَيْه الجويني نالوا المشيخة والإمرة ، وللحموئي رحلة واسعة في طلب الحديث ، طوَّف البلاد وأدرك المشايخ والأسانيد العالية . وتزوج عام 671 ، بابنة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 123 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
علاء الدين عطا ملك بن بهاء الدين محمد صاحب الديوان الجويني ، ملك العراق وحاكمها من قبل هولاكو ، وكان الصداق خمسة آلاف دينار ذهباً أحمر ! وتوفي الحموئي في 5 محرم سنة 722 » .
وفي هامش مرآة الكتب / 146 : « يروي الحموئي عن المحقق الطوسي في فرائد السمطين ، ويعبر عنه تارة بالصدر الإمام العلامة نصير الدين أبي جعفر محمد . . . وأخرى : قدوة الحكماء نصير الدين ، والحكيم العلامة نصير الدين . قال الحموئي : أخبرني قدوة الحكماء نصير الدين محمد بن محمد بن الحسن المشهدي الطوسي تغمده الله برحمته إجازة ، في ذي الحجة سنة اثنين وسبعين وست مائة بمدينة الكوفة » . ( أنظر فرائد السمطين : 1 / 18 و 97 ، و : 2 / 73 ) .
وفي خاتمة المستدرك : 2 / 396 : « الإمام الهمام وشيخ المسلمين والإسلام إبراهيم بن الشيخ سعد الدين محمد بن المؤيد أبي بكر بن الشيخ الإمام العارف جمال السنة أبي عبد الله محمد بن حمويه بن محمد الجويني ، المعروف بالحموئي وابن حمويه جميعاً ، كان من عظماء علماء العامة ومحدثيهم الحفاظ ، وكذا أبوه وجده . إلى أن قال : ولهذا الشيخ من الكتب المشهورة بين الفريقين كتابه المسمى : بفرايد السمطين . . . إلى أن قال : وكان في طبقة العلامة ومن عاصره من أجلاء علمائنا رضوان الله تعالى عليهم ، بل وله الرواية في ذلك الكتاب وغيره أيضاً عن الشيخ سديد الدين يوسف بن المطهر والد العلامة ، وعن المحقق الحلي ، وابن عمه يحيى بن سعيد ، وعن ابني طاووس ، والشيخ مفيد الدين بن جهم من كبراء أصحابنا الحليين . وكذا عن الخواجة نصير الدين الطوسي ، والسيد عبد الحميد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 124 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بن فخار بن معد الموسوي ، بحق رواياتهم جميعاً عن مشايخهم الثقات الأجلة من فقهاء الشيعة . . . هذا وله الرواية أيضاً أو لأبيه الشيخ سعد الدين عن الشيخ منتجب الدين صاحب الفهرست » .
وذكر له في غاية المرام : 2 / 287 ، حديثاً مسنداً بتفصيل وتعظيم في فضل ولاية علي ( عليه السلام ) عن شيخه جمال الدين أحمد بن موسى بن جعفر بن طاوس الحسني ، قراءةً عليه بداره بمحلة عجلان بالحلة السيفية المزيدية ، يوم الخميس ثاني عشر ذي قعدة ، سنة إحدى وسبعين وستمائة . . وشرح إحقاق الحق : 5 / 102 .
وذكر في مرآة الكتب / 142 ، تشرف غازان خان بقبول دين الإسلام في رابع شهر شعبان سنة أربع وتسعين وست مائة ، بحضور الشيخ صدر الدين إبراهيم بن الشيخ سعد الدين الحموئي . . وقال عن الحموئي : « كان من عظماء علماء العامة ومحدثيهم الحفاظ ، وكذا أبوه وجده ، بل وكثير من سلسلة نسبة الحموئيين » .
قال في الروضات : « لهذا الشيخ من الكتب المشهورة بين الفريقين كتابه المسمى بفرائد السمطين في فضائل المرتضى والبتول والسبطين ( عليهم السلام ) ، عندنا منه نسخة تزيد على عشرة آلاف بيت ، بَيْدَ أن أكثرها أسانيد . . . إلى أن قال : وكان في طبقة العلامة ومن عاصره ، بل وله الرواية في هذا الكتاب وغيره أيضاً عن الشيخ سديد الدين يوسف بن المطهر والد العلامة ، وعن المحقق الحلي ، وابن عمه يحيى بن سعيد ، وعن ابني طاووس ، وعن الشيخ مفيد الدين بن جهم من كبراء أصحابنا الحليين ، وكذا عن الخواجة نصير الدين الطوسي ، والسيد عبد الحميد بن فخار بن معد الموسوي ، بحق رواياتهم جميعاً عن مشائخهم الثقات الأجلة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 125 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
من فقهاء الشيعة . ولذا اشتبه الأمر على صاحب الرياض حيث ذهب إلى تشيعه أو لما ظفر به في تضاعيف كتابه من أحاديث الوصية والتفضيل ، وسائر أخبار الارتفاع التي قلَّ ما يوجد مثلها في شئ من كتب العامة ، غافلاً عما قد اشتمل عليه وتضمنه من النص على خلافة الثلاثة ، والإشارة إلى فضائلهم » . انتهى .
أقول : سبب اختيار نصير الدين لآل حُمُويَهْ أنهم أقرب الناس إلى قلوب المغول ، فهم مشيخة التصوف حيث ورثوها من الباخرزي الذي يعتقد المغول أنه ولي الله ويسمونه ( بالغ شيخ ) أي الشيخ الكبير .
ومن هذا تفهم لماذا تبرك قازان بلبس جبة والد الشيخ إبراهيم عندما أسلم . وقد كان وجيهاً في العالم الإسلامي ، وامتد نشاطه من حدود الصين إلى الشام ومصر ، فقد ورد ذكر بعض آل حمويه في مصر ، حيث ترجم ابن حجر في إنباء الغمر / 76 ، للمؤيد بن حَمُويَه ولقبه علاء الدين الجويني ، المعروف بالشيخ زادة شيخ الشميساطية ، وأنه استعاد المشيخة بعد أن أخذها البدر بن جماعة وغيره » . وترجم الذهبي لبعضهم في تاريخه : 45 / 160 .
والشيخ إبراهيم بن حَمُويَهْ من شيوخ الذهبي ، وقد يكون من شيوخ ابن تيمية .
أما تشيعه فيكفي دليلاً عليه أن أحمد بن طاووس ( قدس سره ) آخاه ، يعني عاهده على أنه إذا قدر له أن يدخل الجنة لا يدخلها إلا معه . ثم كتابه الذي يروي فيه أفضلية أهل البيت ( عليهم السلام ) على جميع الصحابة ، وهو مذهب الشيعة ، ولا ينافيه أنه ذكر فيه فضائل لغيرهم ، تقية ، أو قبل استبصاره ( رحمه الله ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 126 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

4 - الدولة العصرية التي أقامها نصير الدين الطوسي ( قدس سره )

اصطحب هولاكو عندما غزا قلاع الإسماعيليين في شمال إيران ، عدداً من الشخصيات السنية منهم محمد الجويني وأخوه علاء الدين . ( أعيان الشيعة : 9 / 91 ) .
« شهد علاء الدين الجويني مع هولاكو فتح قلاع النزاريين وعني بوصف ما جرى هناك وصفاً تاريخياً ممتعاً في كتابه الذي ألفه بالفارسية وسماه ( جهان كشا ) قائلاً : كنت أعرف بأن هناك خزانة كتب ثمينة طبقت شهرتها الآفاق ، وقلت يحسن انتهاز الفرصة للاطلاع على هذه الخزانة فوافق هولاكو فوراً ، وزرت الخزانة وانتقيت أنفس ما فيها من المصاحف والكتب وأخرجتها كما يخرج الحي من الميت ، وحملت محتوياتها من آلات الرصد ، كذات الكرسي وذات الحلق ، إلى أنواع من الإسطرلابات التامة والمنصفة وذات الشعاع » ( الإسماعيليون والمغول / 136 ) .
« وكان هولاكو اتخذ تبريز عاصمة له واستوزر محمد الجويني صاحب الديوان وعندما توفي محمد الجويني سنة 661 ، نصب ابنه علاء مكانه وجعل أخاه محمد بن محمد وزيراً له » . ( النجاة لابن ميثم البحراني / 13 ) .
وروى الصفدي في الوافي : 1 / 147 ، والكتبي في الفوات : 2 / 252 ، أن هولاكو غضب على علاء الدين الجويني وأمر بقتله ، وكانوا على وشك التنفيذ ، فهرع أخوه إلى المرجع نصير الدين الطوسي ( قدس سره ) وكان هولاكو محتجباً فاحتال الطوسي فحمل مَبْخَرَةً ودخل عليه وحمد الله على سلامته ، وأخبره أن النجوم تدل على أن شراً كان سينزل به ! وحمله على أن يصدر أمراً بالعفو عن جميع المحكوم عليهم بالقتل في مملكته ، فأصدر أمره بالعفو وشمل ابن الجويني !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 127 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لكن روايتهم لطريقة نصير الدين ( قدس سره ) في التأثير على هلاكو لا تتناسب مع شخصيته ، لكن القصة تدل على أنه كانت له دالة على هولاكو ، وأنه كان حريصاً على تقوية موقع الجوينيين في الدولة المغولية ، لأن الكفاءة العلمية والإدارية كانت عنده أغلى شئ .
وقد استطاع المرجع النابغة ( رحمه الله ) أن يقنع هولاكو بعدم مباشرة حكم العراق والاكتفاء بقوات مغولية رمزية في معسكراتها كانوا يسمونها ( الشحنات ) ، واختار له آل الجويني لحكم العراق وإعماره ، واستصدر مرسومهم من هولاكو .
وآل الجويني من ذرية الفضل بن الربيع وزير المأمون ، واشتهر منهم شمس الدين محمد بن محمد بن محمد الجويني ، وكان وزيراً لخوارزم شاه . وأخوه علاء الدين الملقب عطا ملك ، وأولاد علاء الدين . وعلي بن عبد الله الجويني الذي استوزره السلطان طغرلبك والي خراسان قبل غزو المغول . ( الكامل : 9 / 526 ) .
واشتهر منهم قبل المغول الفقيه أبو المعالي الجويني ، الملقب بإمام الحرمين ، والمشهور بتعصبه ضد الشيعة والأحناف . وهو الذي أقنع السلطان محمود الغزنوي بترك المذهب الحنفي إلى المذهب الشافعي . ( تاريخ الذهبي : 29 / 72 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 128 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

5 - الجوينيون طبقوا الفكر الشيعي في الحرية والإعمار

المغول والشراكسة من جنس متقارب أو واحد ، وثقافتهم وعاداتهم متقاربة ! ومع ذلك نرى أن الشراكسة حكموا مصر مباشرة وتدخلوا في صغار الأمور ! بينما حكم المغول العراق والبلاد التابعة لهم من بعيد ، ولم يتدخلوا إلا في نصب كبار الولاة وعزلهم ، وكان قادتهم وجنودهم غائبين غالباً عن المحافل السياسية والاجتماعية ، بينما كان الشراكسة حاضرين حتى في السوق والقرية !
وقد حققت سياسة المغول مشاركة واسعة لأهل البلاد في حكمها وإدارتها ، كما حققت قدراً كبيراً من الحرية الفكرية والمذهبية ، ضمن الإطار العام الذي يتبناه السلطان .
ولا تفسير لهذا الفرق الأساسي بين المغول والشراكسة إلا تأثير نصير الدين الطوسي ( قدس سره ) ونظرية المذهب الشيعي في الحكم والحرية ! فقد استطاع ( رحمه الله ) أن يقنع طاغية المغول بهذا النمط من إدارة البلاد ، ويركز جهده على اختيار ( الكوادر ) الكفوءة في الحكم والإدارة ، وقد اختار الجوينيين لحكم العراق ، ومع أنهم فُرْسٌ لكنهم عرب الثقافة مقبولون عند السنة العراقيين الذين خسروا نظام الخلافة ، ومقبولون عند الشيعة بحكم رعاية المرجع نصير الدين ( رحمه الله ) لهم ، وتشيعهم على يده . والأهم أنهم أصحاب كفاءة سياسية وإدارية عالية ، لأنهم من عائلة اجتماعية عريقة هي عائلة الفضل بن الربيع أشهر وزراء المأمون .
ولذا حققوا في العراق في ربع قرن ، ما عجزت عنه الخلافة العباسية في قرنين !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 129 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وصرت تقرأ في أي مصدر عن الجوينيين محمد وأولاده شمس الدين وعلاء عطا ملك ، فتجد أنهم أعادوا بناء مدن العراق وقراه وازدهرت على يدهم زراعته وتجارته ، في مدة قياسية ، حتى عاد أفضل مما كان قبل احتلال المغول !
لكن الباحثين لم ينتبهوا إلى أن سر نجاحهم هو تطبيقهم لنظرية المذهب الشيعي في الحرية التي رسمها لهم نصير الدين ( قدس سره ) !
تقرأ عن اهتمام الجوينيين بالعلم وتشييد المكتبات والمدارس والمستشفيات وخدمة العلماء وطلبة العلم وإكرامهم ، من كل المذاهب . . فتقول إنهم حكام محترفون للإعمار والتنمية ، ولا شأن لهم بالمذهب ؟ !
ثم تقرأ أن نصير الدين الطوسي ( قدس سره ) ألف كتاب تلخيص المحصل باسم عطا ملك الجويني سنة 669 ، وهو نقدٌ لعقائد الفخر الرازي المسمى : محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين . كما ألف رسالة أوصاف الأشراف بالفارسية ، حول أخلاق العرفاء والزهاد ، لأبيه محمد الجويني . ( مستدركات أعيان الشيعة : 1 / 233 )
وأن علاء الدين الجويني ( عطا ملك ) كان شاعراً ، وله قصيدة في مدح أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وبيعته يوم الغدير ، وفي مدح المحقق الطوسي ( قدس سره ) . ( الغدير : 5 / 436 ) .
وتقرأ زيارتهم لمشاهد الأئمة ( عليهم السلام ) في الكاظمين والنجف وكربلاء وسامراء ، واهتمامهم بها وبحوزاتها وعلمائها ، وبمشاريع البنى التحتية فيها ، وأن علاء الدين شق نهراً من الأنبار إلى النجف ، ونهراً في كربلاء ، ونهراً في الحلة ، وشيد مدارس للطلاب ومنازل للزوار ، وشجع حركة التأليف وأعطى الجوائز للمؤلفين . وأنه طلب من الشيخ ميثم البحراني ( رحمه الله ) فألف له كتاباً في شرح نهج
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 130 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
البلاغة ، وطلب من الطبري الشيعي المتشدد ، فألف له كتباً في السقيفة وفضائل أهل البيت ( عليهم السلام ) وظلامتهم . ( الذريعة : 18 / 95 ) . فتقول إنه شيعي متعصب !
ثم تقرأ عن خدماته لمعاهد المذاهب السنية ، ورعايته للمدرسة النظامية والمستنصرية ، اللتين أسستا لتعليم المذاهب الأربعة وتخريج القضاة والعلماء ، فأبقاهما على وضعهما ، وحافظ على استمرارهما في عملهما دون مساس أو تغيير !
وتقرأ عن إبقائه الجهاز القضائي السني كما كان في عصر الخلافة ، باستثناء المناطق الشيعية ، فقد عين فيها قضاة شيعة .
وتقرأ عن تشجيعهم لعلماء السنة أن يؤلفوا في مذاهبهم ، وإعطائهم الجوائز على ذلك ! فتقول إن الجوينيين سنيون ، لكنهم يدارون الشيعة مداراة !
لكن سر الأمر كله أنهم كانوا شيعة بعقلية نصير الدين الطوسي ( قدس سره ) والعلامة الحلي ( قدس سره ) ، فهم يؤمنون بالحرية الفكرية والحرية المذهبية ، وبالعلم والإعمار !
فالقناعة بالحرية جعلت علاء الدين الجويني يستكتب الطبري الشيعي وأمثاله من المتشددين للتشيع ، وفي نفس الوقت كانت زوجته عصمت خاتون حفيدة صلاح الدين الأيوبي متعصبة لمذهبها الحنفي ، وأرادت أن تبني مدرسة خاصة لتدريس هذا المذهب ، فبناها لها زوجها ، وهو الحاكم الشيعي !
قال الدكتور مصطفى جواد ( رحمه الله ) : « ففيها ( 671 ) تكاملت عمارة المدرسة العصمتية نسبة إلى ذات العصمة شاه لبني بنت عبد الخالق بن ملكشاه بن أيوب الأيوبية ، زوجة أبي بكر أحمد بن المستعصم بالله ولي العهد أولاً ، ثم زوجة الصاحب علاء
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 131 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الدين عطا ملك الجويني ثانية ، فقد جعل عفيف الدين ربيع هذا مدرساً للحنفية فيها . . العصمتية التي ذكرنا آنفاً تاريخ افتتاحها ، كانت مجاورة لمشهد عبيد الله العلوي المعروف اليوم بأبي رابعة بالأعظمية » . ( هامش الغارات : 2 / 878 ) :
وهذا يعني أن علاء الدين الحاكم الشيعي ، لم يجبر زوجته الأيوبية على مذهبه بل احترم مذهبها ، ثم نفذ رغبتها في بناء مدرسة له ! وهو أمرٌ لم يقم به أي حاكم في العراق مطلقاً ، إلا في عصر حكم الشيعة !
كما نلفت إلى أن هولاكو كان نَصَبَ عمر بن محمد القضوي القزويني ، حاكماً على العراق قبل الجويني ، وقد عمل بنفس سياسة الجوينين لكنه لم يعش طويلاً ، وهو أمر يشير إلى أن واضع سياسة الإعمار والحرية هو نصير الدين ( رحمه الله ) ، وأنه الذي اختار عمر القضوي ، ثم الجوينيين .
قال ابن الفوطي عن عمر القضوي : « كان من أعيان أهل قزوين المعروفين بمتانة الدين وحسن اليقين . . عمر المساجد والمدارس ورمم الربط والمشاهد ، وأجرى الجرايات من وقوفها للعلماء والفقهاء والصوفية ، وأعاد رونق الإسلام بمدينة السلام » . ( الإسماعيليون والمغول / 287 ) .

6 - الحرية المذهبية جزءٌ لا يتجزأ من مذهب التشيع

قد يقال : لماذا لم يقم نصير الدين والعلامة الحلي وعلماء الشيعة بتحويل أجهزة الدولة ، خاصة جهازها الديني والقضائي إلى مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ؟
والجواب : أنه كان من السهل عليهم مثلاً تحويل المدرسة النظامية أو المستنصرية
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 132 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
من مدرسة للمذاهب الأربعة إلى مدرسة لمذهب الإمام جعفر الصادق ( عليه السلام ) ، لكن تفكيرهما كانا أعلى من ذلك ، فهما يرفضان سياسة فرض المذاهب .
ومن جهة أخرى كان يريدان المحافظة على استقلالية المرجعية والحوزة العلمية والجهاز الديني الشيعي عن السلطة حتى لو كانت شيعية ولذا أنشأوا مدارسهم ومراكزهم الدينية المستقلة ، وأعطوا الاستقلال لمؤسسات المذاهب الأربعة ، فتركوا للمدرسة النظامية والمستنصرية أوقافهما الواسعة ووارداتها الضخمة !
قال الذهبي في تاريخه : 46 / 7 : « رأيت نسخة كتاب وقفها ( المستنصرية ) في خمسة كراريس ، والوقف عليها عدة رباع وحوانيت ببغداد ، وعدة قرى كبار وصغار ما قيمته تسع مائة ألف دينار فيما يخال إليَّ ، ولا أعلم وقفاً في الدنيا يقارب وقفها أصلاً سوى أوقاف جامع دمشق ، وقد يكون وقفها أوسع » .
وقال في سيره : 23 / 157 : « بلغ مَغَلُّ وقف المستنصرية مرة نيفاً وسبعين ألف دينار في العام ) . انتهى . ولم يأخذ الشيعة من ماليتها لأوقافهم فلساً واحداً واتجهوا بدله إلى تقوية المؤسسات الشيعية الأهلية كالحوزات والمساجد والمشاهد .
إن الحرية المذهبية جزءٌ من فكر المذهب الشيعي وقناعة فقهائه ، وهي التي حققت النجاح للسلطة الشيعية في عهد الجوينينن ، وبعدهم .
قال السيد المرعشي في شرح إحقاق الحق : 7 / 402 : « ولا يخفى على من تأمل في تواريخ الدولة القاهرة الإيلخانية المنسوبة إلى السلطان الفاضل السعيد أولجايتو محمد خدابنده ، أن زمانهم أكثر تربية للأولياء والعلماء الحكماء والفقهاء ، وكان معاصر المصنف العلامة خلق كثير كنجم الدين عمر الكاتبي القزويني ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 133 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والقاضي البيضاوي ، والعلامة الشيرازي ، والحكيم أحمد بن محمد الكيشي ، والمولى الفاضل بدر الدين محمد الحنفي الشوشتري ، والقاضي نظام الدين عبد الملك المراغي ، والسيد ركن الدين موصلي ، وولد صدر جهان البخاري ، وغيرهم من مشاهير الحكماء والمتكلمين الذين عجزوا عن مناظرته فسلموا له حقيقة مذهبه إلى أن اختار السلطان مع كثير من أهل زمانه مذهب الإمامية على التفصيل المشهور المسطور في سير الجمهور » . انتهى .
أقول : أكثر هؤلاء الذين ذكرهم السيد المرعشي ( رحمه الله ) هم علماء كبار عند السنة ! ولو رجعنا إلى مصادر التراجم لرأينا أن علماء السنة الذين ظهروا في عصر السلاطين المغول الشيعة : قازان وخدابنده ووزيره عطا الملك ثم ابنه بو سعيد ووارثه الشيخ حسن ، كانوا مميزين في النوعية ، وكانوا أصحاب ذهنية فقه وفكر مقارن شمولية ! وكانوا يحضون برعاية خاصة من الدولة ! ولذا شهدت المعاهد السنية وخاصة المدرسة المستنصرية ازدهاراً في عهد الدولة الشيعية أكثر من أي وقت ، وتخرج منها أعداد ملفته كماً وكيفاً ، من كبار العلماء والقضاة والمفكرين . وكانت مكتبتها التي يحدثنا عنها مديرها ابن الفوطي كالمعجزة في ذلك العصر !
ومن نماذج الحرية المذهبية في الحكم الشيعي : الشيخ الجعبري الذي ترجم له ابن حجر في الدرر الكامنة : 3 / 129 ، قال : « عبد الرحمن بن عمر بن علي الجعبري التستري الطبيب نور الدين ، تفقه بالنظامية ومهر في الطب وبرع في الإنشاء وفنون الأدب والخط المنسوب وأخذ عن ابن الصباغ وابن البسيس وغيرهما ، واتصل بصاحب الديوان علاء الدين ثم أقبل على التصوف ودخل في تلك
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 134 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
المضايق ، وعمر لنفسه خانقاه وقعد فيها شيخاً ، وعظم شأنه عند خربندا وانثالت عليه الدنيا حتى كان يقال إن مَغَلَّهُ في كل سنة بلغ سبعين ألفاً ، إلى أن مات في سنة 723 ، وقد شاخ » .
ومن نماذجها : أن أهم كتابين في تأصيل عقائد السنيين هما : المواقف للعضدي الإيجي وشرحه للشريف الجرجاني ، وكتاب المقاصد لسعد الدين التفتازاني ، وقد تم تأليف أولهما وأهمها بطلب السلطان خدابنده ورعايته !
قال في كشف الظنون : 1653 : « المواقف في علم الكلام ، للعلامة عضد الدين عبد الرحمن بن أحمد الإيجي القاضي المتوفى سنة 756 ، ألفه لغياث الدين وزير خدابنده وهو كتاب جليل القدر رفيع الشأن اعتنى به الفضلاء ، فشرحه السيد الشريف علي بن محمد الجرجاني المتوفى سنة 816 . . . الخ . » .
وقال القمي في الكنى والألقاب : 2 / 472 : « القاضي عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الغفار الفارسي الشافعي الأصولي المتكلم الحكيم المدقق . كان من علماء دولة السلطان أولجايتو محمد المعروف بشاه خدابنده المغولي . . . وتولى القضاء بديار فارس إلى أن سلم له لقب أقضى القضاة في مدينة شيراز مع نهاية الإعزاز . ويقال إنه كان من أهل النصب متعصباً معانداً للشيعة الإمامية ، له شرح مختصر ابن الحاجب وهو معروف بين العلماء ، وله المواقف في علم الكلام . . . وآخر مصنفاته : العقائد العضدية التي شرحها الدواني » .
وقال السيد الميلاني في بحثه الشيخ نصير الدين الطوسي وسقوط بغداد / 9 : « هذا الكتاب ( تجريد الإعتقاد ) الذي أصبح من المتون الأصلية والأولية في الحوزات
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 135 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
العلمية كلها ، وكان يدرس وما زال في بعض الحوزات العلمية ، ولذا كثرت عليه الشروح والحواشي من علماء الشيعة والسنة ، وحتى أن كتاب المواقف للقاضي الإيجي ، وكتاب المقاصد للسعد التفتازاني ، هذان الكتابان أيضاً إنما ألفا نظراً إلى ما ذكره الخواجة نصير الدين في كتاب التجريد ، ويحاولون أن يردوا عليه آراءه وأفكاره ، ولربما يذكرون اسمه بصراحة » . انتهى .
ثم ، تعال انظر إلى نعمة الحرية والثروة التي كان يعيش فيها هذا العالم السني المتعصب قاضي قضاة الدولة الشيعية العاملة بتوجيهات المرجعية ، والذي ألف كتباً في نقد الفكر الشيعي ! قال ابن شهبة في طبقات الشافعية / 232 : « عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الغفار قاضي قضاة الشرق وشيخ العلماء في تلك البلاد ، العلامة عضد الدين الإيجي . . شارح مختصر ابن الحاجب الشرح المشهور . . وكان صاحب ثروة ، وجود وإكرام للوافدين عليه . تولى قضاء القضاة في مملكة أبي سعيد فحمدت سيرته ، وقال السبكي في الطبقات الكبرى : كان إماماً في المعقولات عارفاً بالأصلين . . . له في علم الكلام كتاب المواقف وغيره . . . وكانت له سعادة مفرطة ومال جزيل وإنعام على طلبة العلم وكلمة نافذة . . . وأنجب تلاميذه اشتهروا في الآفاق مثل شمس الدين الكرماني ، وضياء الدين العفيفي ، وسعد الدين التفتازاني وغيرهم » . انتهى .
بل انظر إلى المدرسة التي بناها السلطان الشيعي محمد خدابنده في عاصمته الجديدة السلطانية : « كان يُدَرِّس فيها خمسة من الفقهاء بالمذاهب الخمسة ، منهم العلامة ( قدس سره ) بمذهب الشيعة . . . حضر السلطان يوماً من الأيام لإمامة الجمعة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 136 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فسأل العلماء بعد اجتماعهم عن وجه وجوب الصلاة على الآل ، ثم قال : لعل النكتة فيه أن الله تعالى أراد عدم نسيان الآل ، وأن يكونوا في ذكر الناس حتى يرجعوا إليهم » . ( البدر الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر / عن نفائس الفنون : 2 / 260 ) .
أقول : ويطول الكلام في النماذج والحقائق الكثيرة ، عن احترام الدولة الشيعية وعلماء الشيعة لحرية المذاهب السنية وعلمائها ، في عهد دولة السلاطين المغول الذين شرفهم الله بمذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) .
وكذا الكلام في ارتقاء المستوى العلمي بسبب التفاعل والتلاقح الفكري مع علماء الشيعة ، وعلاقة الاحترام المتبادل في ظل الدولة الشيعية ، بعد أن كانت علاقة توتر وتكفير وصراعات بتحريك الدولة العباسية !
يقول ابن العماد في شذرات الذهب : 3 / 90 ، في ترجمة إمام الحنابلة ابن أبي البركات : « وقال الشيخ عبد الله اليونيني : ما أعتقد أن شخصاً ممن رأيته حصل له من الكمال في العلوم والصفات الحميدة التي يحصل بها الكمال ، سواه . . . ومن تصانيفه في أصول الدين : البرهان في مسألة القرآن ، وجواب مسألة وردت من صرخد في القرآن ، جزء . والاعتقاد ، جزء . ومسألة العلو ، جزءان . وذم التأويل جزء ، وكتاب القدر ، جزءان . ومنهاج القاصدين في فضائل الخلفاء الراشدين ، ورسالة إلى الشيخ فخر الدين بن تيمية في عدم تخليد أهل البدع في النار . . . قال ابن رجب : انتهت إليه رياسة العلم ببغداد من غير مدافع ، وأقر له الموافق والمخالف وكان الفقهاء من ساير الطوائف يجتمعون به ويستفيدون منه في مذاهبهم ويتأدبون معه ويرجعون إلى قوله ، ويردهم عن فتاويهم فيذعنون له
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 137 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ويرجعون إلى ما يقوله ! حتى ابن المطهر شيخ الشيعة كان الشيخ يبين له خطأه في نقله لمذهب الشيعة فيذعن له . . . ويوم وفاته قال الشيخ شهاب الدين عبد الرحمن بن عسكر شيخ المالكية : لم يبق ببغداد من يراجع في علوم الدين مثله . . . وولي القضاء توفي ببغداد . . . ودفن بمقابر الإمام أحمد » . انتهى .
أقول : بقطع النظر عن صحة ما ذكره من تصحيح إمام الحنابلة للعلامة الحلي ( قدس سره ) ، فإن القصة تكشف التواصل واحترام المرجع الحاكم لعلماء السنة والحنابلة ، بعد أن كانت العلاقة صراعاً دموياً في أيام الخلافة العباسية !
وتكشف لنا الرسالة التالية بين العلامة الحلي والقاضي البيضاوي صاحب التفسير المعروف بتفسير البيضاوي ، عن العلاقة الراقية التي حققها الحكم الشيعي بين علماء المذاهب :
« لما وقف القاضي البيضاوي على ما أفاده العلامة في بحث الطهارة من القواعد بقوله : ولو تيقنهما ، أي الطهارة والحدث ، متحدين متعاقبين وشك في المتأخر ، فإن لم يعلم حاله قبل زمانهما تطهر وإلا استصحبه . فقد كتب بخطه إلى العلامة : يا مولانا جمال الدين أدام الله فواضلك أنت إمام المجتهدين في علم الأصول ، وقد تقرر في الأصول مسألة إجماعية هي أن الاستصحاب حجة ما لم يظهر دليل على رفعه ، ومعه لا يبقى حجة بل يصير خلافه هو الحجة ، لأن خلاف الظاهر إذا عضده دليل صار هو الحجة ، وهو ظاهر .
والحالة السابقة على حالة الشك قد انقضت بضدها ، فإن كان متطهراً فقد ظهر أنه أحدث حدثاً ينقض تلك الطهارة ، ثم حصل الشك في رفع هذا الحدث
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 138 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فيعمل على بقاء الحدث بأصالة الاستصحاب وبطل الاستصحاب الأول .
وإن كان محدثاً فقد ظهر ارتفاع حدثه بالطهارة المتأخرة عنه ، ثم حصل الشك في ناقض هذه الطهارة ، والأصل فيها البقاء . وكان الواجب على القانون الكلي الأصول أن يبقى على ضد ما تقدم .
فأجابه العلامة : وقفت على ما أفاده مولانا الإمام العالم أدام الله فضائله وأسبغ عليه فواضله ، وتعجبت من صدور هذا الاعتراض عنه ، فإن العبد ما استدل بالاستصحاب بل استدل بقياس مركب من منفصله مانعة الخلو بالمعنى الأعم عنادية وحمليتين . وتقريره : أنه إن كان في الحالة السابقة متطهراً فالواقع بعدها إما أن يكون الطهارة وهي سابقة على الحدث أو الحدث الرافع للطهارة الأولى فتكون الطهارة الثانية بعده ولا يخلو الأمر منهما ، لأنه صدر منه طهارة واحدة رافعة الحدث في الحالة الثانية وحدث واحد رافع للطهارة ، وامتناع الخلو بين أن يكون السابقة الطهارة الثانية أو الحدث ظاهراً ، ويمتنع أن يكون الطهارة السابقة وإلا كانت طهارة عقيب طهارة ، فلا تكون طهارة رافعة للحدث والتقدير خلافه فتعين أن يكون السابق الحدث ، وكلما كان السابق الحدث فالطهارة الثانية متأخرة عنه ، لأن التقدير أنه لم يصدر عنه إلا طهارة واحدة رافعة للحدث ، فإذا امتنع تقدمها على الحدث وجب تأخرها عنه ، وإن كان في الحالة السابقة محدثاً ، فعلى هذا التقدير إما أن يكون السابق الحدث أو الطهارة والأول محال وإلا كان حدث عقيب حدث فلم يكن رافعاً للطهارة ، والتقدير أن الصادر حدث واحد رافع للطهارة فتعين أن يكون السابق هو الطهارة ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 139 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والمتأخر هو الحدث فيكون محدثا . فقد ثبت بهذا البرهان أن حكمه في هذه الحالة موافق للحكم في الحالة الأولى بهذا الدليل لا بالاستصحاب ، والعبد إنما قال : استصحبه أي : عمل بمثل حكمه .
ثم أنفذه إلى شيراز . ولما وقف القاضي البيضاوي على هذا الجواب استحسنه جداً ، وأثنى على العلامة » ( قواعد الأحكام : 1 / 127 ) .
وقد ترجم في طبقات المفسرين / 254 ، للقاضي البيضاوي : « عبد الله بن عمر بن محمد بن علي الشيرازي أبو الخير القاضي ناصر الدين البيضاوي الشافعي ، صاحب المطالع ، والمصباح في أصول الدين ، ومختصر الكشاف في التفسير ، المسمى بأنوار التنزيل وأسرار التأويل ، وله شرح المصابيح في الحديث ، كان إماماً مبرزاً نظاراً صالحاً متعبداً زاهداً ، ولي قضاء القضاة بشيراز ودخل تبريز وناظر بها ، وصادف دخوله إليها مجلس درس قد عقد بها لبعض الفضلاء فجلس القاضي ناصر الدين في أخريات القوم بحيث لم يعلم به أحد ، فذكر المدرس نكتة زعم أن أحداً من الحاضرين لا يقدر على جوابها ، وطلب من القوم حلها والجواب عنها ، فإن لم يقدروا فالحل فقط ، وإن لم يقدروا فإعادتها ، فلما انتهى من ذكرها شرع القاضي ناصر الدين في الجواب فقال له : لا أسمع حتى أعلم أنك فهمتها ، فخيره بين إعادتها بلفظها أو معناها ، فبهت المدرس وقال : أعدها بلفظها فأعادها ثم حلها ، وبين في تركيبه إياها خللاً ثم أجاب عنها ، وقابلها في الحال بمثلها ودعا المدرس إلى حلها فتعذر عليه ذلك ، فأقامه الوزير من مجلسه وأدناه إلى جانبه وسأله : من أنت ؟ فأخبر أنه البيضاوي ، وأنه جاء في طلب القضاء
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 140 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بشيراز ، فأكرمه وخلع عليه في يومه » . انتهى .
وختاماً ، يكفي للباحث المنصف أن يقرأ عن المؤسسات الدينية الشيعية والسنية في عهد دول السلاطين الشيعة ، وأن يَعُدَّ العلماء الذين ظهرو وعاشوا في ظلها ، ثم ينظر في مستواهم العلمي ، ليرى وفور العدد وارتقاء المستوى العلمي والأخلاقي ، وعلاقة الاحترام بين علماء المذاهب وأتباعهم ، وكذلك الأمر في المؤسسات السياسية . وهو أمر لم يتحقق إلا في ظل الحكم الشيعي ، أو النفوذ الشيعي القوي !

7 - شهادات باحثين لحكام العراق الجوينيين

1 - اعتمد الذهبي شهادة ابن الفوطي الحنبلي في مدح الجوينيين الشيعة ، فقال في تاريخه : 51 / 80 : « وكان علاء الدين وأخوه فيهما كرم سؤدد وخبرة بالأمور وفيهما عدل ورفق بالرعية وعمارة للبلاد . وليَ علاء الدين نظر العراق سنة نيف وستين بعد العماد القزويني ( عمر القضوي ) فأخذ في عمارة القرى وأسقط عن الفلاحين مغارم كثيرة ، إلى أن تضاعف دخل العراق وعظم سوادها ، وجرَّ نهراً من الفرات مبدؤه من الأنبار ومنتهاه إلى مشهد علي رضي الله عنه ، وأنشأ عليه مائة وخمسين قرية . ولقد بالغ بعض الناس وقال : عَمَّر صاحب الديوان بغداد حتى كانت أجود من أيام الخلافة . ووجد أهل بغداد به راحة .
وحكى غير واحد أن أبغا قدم العراق فاجتمع في العيد الصاحب شمس الدين وعلاء الدين ببغداد ، فأحصيت الجوائز والصلات التي فرقها فكانت أكثر من ألف جائزة . وكان الرجل الفاضل إذا صنف كتاباً ونسبه إليهما تكون جائزته
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 141 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ألف دينار ، وقد صنف شمس الدين محمد بن الصيقل الجزري خمسين مقامة وقدمها ، فأعطي ألف دينار . وكان لهما إحسان إلى العلماء والصلحاء ، وفيهما إسلام ، ولهما نظر في العلوم الأدبية والعقلية .
وفي وقتنا هذا الإمام المؤرخ العلامة أبو الفضل عبد الرزاق بن أحمد بن الفوطي مؤرخ عصره ، وقد أورد في تاريخه الذي على الألقاب ترجمة علاء الدين مستوفاة : هو الصدر المعظم الصاحب علاء الدين أبو المظفر عطا ملك بن الصاحب بهاء الدين محمد بن محمد بن محمد بن علي بن محمد بن محمد بن محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن إسحاق بن أيوب بن الفضل بن الربيع الجويني ، أخو الوزير شمس الدين . قرأت بخط الفوطي : كان جليل الشأن تأدب بخراسان وكتب بين يدي والده وتنقل في المناصب إلى أن ولي العراق بعد قتل عماد الدين الدويني فاستوطنها وعمر النواحي وسد البثوق ، ورفد الأموال وساق الماء من الفرات إلى النجف وعمل رباطاً بالمشهد . ولم يزل مطاع الأمور رفيع القدر إلى أن بلي بمجد الملك في آخر أيام أباقا بن هولاكو .
وكان موعوداً من السلطان أحمد أن يعيده إلى العراق ، فحالت المنية دون الأمنية ، وسقط عن فرسه فمات ونقل إلى تبريز فدفن بها ( كانت عاصمة المغول ) وله رسائل ونظم ، كتب منشوراً بولاية كتابة التاريخ بعد شيخنا تاج الدين علي بن أنجب ( يقصد مشروع كتابة التاريخ المسمى : جهان كشا ) وكان مولده في سنة ثلاث وعشرين وست مائة ، ومدة ولايته على بغداد إحدى وعشرون سنة وعشرة أشهر . وقرأت بخطة وفاة علاء الدين في رابع ذي الحجة سنة 681 » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 142 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أقول : لاحظ أن أبغا وارث أبيه هولاكو ، طاغية التتار الأكبر ، والذي دخل بغداد قبل سنوات قليلة قائداً في جيش أبيه ، فقتل ودمر ، كيف زار بغداد في حكم نائبه الجويني وأخيه ، فكان برنامجه توزيع الجوائز على النابغين المؤلفين في العلوم المختلفة ! فمن أين للسلطان أبغا هذه السياسة والإدارة غير المباشرة ، وإطلاق يد نائبه ودعم سياسته في الإعمار والحرية والنهضة العلمية ، إلا من نصير الدين ( قدس سره ) .
2 - اهتم الجوينيون بالمشاهد المشرفة ، فأعادوا مشهد الإمام موسى بن جعفر والإمام الجواد ( عليهما السلام ) الذي خربه المغول ، بأفضل مما كان عليه ، كما بنوا بقية مشاهد الأئمة ( عليهم السلام ) . وكانوا أول من نجح في شق فرع من الفرات إلى النجف ، ووفروا خدمات البنى التحتية للزوار وطلبة العلم .
قال السيد ابن طاووس في فرحة الغري / 157 : « ولقد أحسن الصاحب عطا ملك بن محمد الجويني صاحب ديوان الدولة الإليخانية حيث عمل الرياط به ( النجف ) وكان وضع أساسه من سنة ست وسبعين وست مائة ، وابتدأ تحقق الحفر للقناة إليه سنة اثنتين وستين وست مائة ، وأجرى الماء في النجف في شهر رجب سنة ست وسبعين وست مائة ، وقد كان سنجر بن ملكشاه أجهد في ذلك من قبل فلم يتفق » . وفي هامشه : « أجرى نهراً من قصبة الأنبار إلى النجف الأشرف . . . والظاهر أن النهر المذكور هو المعروف اليوم بكري سعده » . أنظر : تاريخ العراق بين احتلالين : 1 / 309 .
وفي الحوادث الجامعة / 172 : « في سنة 666 أمر علاء الدين الجويني صاحب الديوان بعمل رياط بمشهد علي ( عليه السلام ) ليسكنه المقيمون هناك ، وأوقف عليه وقوفاً كثيرة ، وأدرَّ لمن يسكنه ما يحتاج إليه » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 143 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال اليونيني في ذيل مرآة الزمان : 4 / 224 ، عن عطا ملك : « كانت سيرته من أحسن السير وأعدلها بالرعية ، واستمر حكمه في بغداد ما يقرب من أربع وعشرين سنة ست منها في عهد هولاكو ، وسبع عشرة سنة في عهد أباقا إلى سنة 680 ، والسنة الأخيرة كانت في عهد تكودار » .
وقال الفوطي في الحوادث الجامعة / 333 : « إن هولاكو قد أمر بعد انتهاء عمليات الإستباحة بإصلاح ما خرب من المدينة وترميم أسواقها ، وإعادة أعمال أهلها إلى ما كانت عليه سابقاً . ثم وصف ابن الفوطي بعض ما فعله هذا الحاكم في العراق عامة وفي بغداد خاصة فقال : تداركهم الله بلطفه فقدمها وعمَّر المساجد والمدارس ورمَّم الرُّبط والمشاهد ، وأجرى الجرايات من وقوفها للعلماء والفقهاء والصوفية ، وأعاد رونق الإسلام بمدينة السلام ، وحاز بهذا الفعل الجميل الذي يبقى على جبهات الزمان حسن الأجر والثناء ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء » .
وقال الدكتور جعفر خصباك في كتابه العراق في عهد الملوك الإيلخانيين : « وقد كثر الكلام عن التخريبات الواسعة التي أحدثها الغزو المغولي للعراق ، ولسنا في مجال الدفاع عن أولئك الغزاة البرابرة أو النيل منهم . . . هولاكو لم يَجْر على سنة جده جنگيزخان بتخريب أكثر أو كل المدن التي تقع في طريق زحفه وقتل سكانها . ويبدو لنا أن الصورة التي رسمها المؤرخون لفاتح بغداد المغولي ، إنما هي انعكاس للأعمال التي قام بها جده فيما وراء النهر وخراسان » !
ثم قال : « وقد عهد هولاكو أمر تنظيم العراق وإدارته بعد الفتح إلى مسلمين يعرفون شؤونه ويعطفون على أهله ، فعملوا على إعادة تعميره ونشر الاستقرار
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 144 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فيه . . . ومن هذا كله يبدو أن عبارات التخريب التي أوردها المؤرخون عما جرى للمدينة ( بغداد ) مبالغ فيها ، لأن المعالم الرئيسية للمدينة كقصور الخليفة والمدارس والأسواق وغالب المحلات بقيت دون أن يصيبها غير تخريب محدود أمكن إصلاحه في وقت قصير . . . يضاف إلى ذلك أن الكتاب الموسوم بالحوادث الجامعة وهو معاصر ، يؤكد وجود دار الخلافة ودار الدويدار الكبير ، وجامع الخليفة ، والمدرسة النظامية وسوقها ، والمدرسة المستنصرية والمدرسة التتشية ، ومدرسة الأصحاب ، ومدارس وربط أخرى » .
وقال الدكتور خصباك : « وإذا كانت جملة في هذا الكلام تستحق الوقوف عندها طويلاً ، فإننا نكتفي بالوقوف أمام جملة واحدة تغني عن الوقوف على كل ما عداها : أعاد رونق الإسلام بمدينة السلام . لقد عاد رونق الإسلام إلى مدينة السلام : عُمرت المساجد والمدارس والربط والمشاهد وأجريت الجرايات للعلماء والفقهاء والصوفية . . . أجل عاد رونق الإسلام إلى بغداد في ظل الحكم الإستقلالي الذي توفر للعراق بعد فتح بغداد . . . وإذا كانت مدة عماد الدين في حكم العراق لم تطل فقد خلفه في منصبه علاء الدين عطا ملك الجويني سنة 657 الذي تركه المغول يستقل بالعراق إستقلالاً كاملاً ، والذي تفوق على سلفه في التوسل بجميع الوسائل الممكنة لبعث حركة عمرانية كبرى في العراق بأسره ، فهو الذي جدد المدارس المتداعية ، وأنشأ جملة من المدارس ودور الكتب وغير ذلك ، كما أنشأ جملة من الرباطات والملاجئ والمستشفيات وأجرى عليها الجرايات ، وعني بتعمير المشاهد في النجف وكربلاء والكاظمية وحفر الأنهار
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 145 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والترع . وهو الذي شجع حركة التأليف والمؤلفين وأجزل العطاء والبذل لهم . ومن هذه الناحية نجد جملة من أمهات الأسفار والمصنفات في شتى الموضوعات العلمية والأدبية والتاريخية مهداة لخزانته ، أو خزائن أهله وذويه .
وفي الواسع أن نقول : إن الجويني بز جميع من حكموا في عهد المغول في بعث حركة إنشائية كبيرة ، شملت العراق وفارس وآذربيجان . . .
ولم تمض مدة وجيزة على سقوط بغداد بيد المغول حتى عادت إلى وجهها المشرق ، واطمأن الناس فعادوا إلى أعمالهم وزراعاتهم ، فتضاعفت عائدات بغداد ، حتى ليقول ابن شاكر الكتبي في كتابه : فوات الوفيات : 2 / 75 : كانت بغداد أيام علاء الدين عطا ملك أجود مما كانت عليه أيام الخليفة » !
ويقول الشبيبي في كتابه ابن الفوطي : « وفي سيرة علاء الدين الجويني كل ما بدل على التنكر للوثنيين الطغاة من حكام المغول ، وإعادة الأمم الإسلامية المغلوبة على أمرها في الشرق إلى العيش في ظل راية إسلامية ، ولو كان هؤلاء المسلمون من الشعوب المغولية » . ( الإسماعيليون والمغول للسيد حسن الأمين / 285 )

8 - سبب احترام الشيعة للطرف الآخر

قال ابن خلكان في وفيات الأعيان : 2 / 362 ، في ترجمة أبي الفوارس سعد بن محمد بن سعد التميمي الفقيه الشافعي الشاعر المعروف بحَيْص بَيْص :
« كان فقيهاً شافعي المذهب ، تفقه بالري على القاضي محمد بن عبد الكريم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 146 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الوزان ، وتكلم في مسائل الخلاف ، إلا أنه غلب عليه الأدب ونظم الشعر ، وأجاد فيه مع جزالة لفظه . . . وأخذ الناس عنه أدباً وفضلاً كثيراً ، وكان من أخبر الناس بأشعار العرب . . . قال الشيخ نصر الله بن مجلي : . . رأيت في المنام علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقلت له : يا أمير المؤمنين تفتحون مكة فتقولون من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، ثم يتمُّ على ولدك الحسين يوم الطف ما تم ؟ !
فقال : أما سمعت أبيات ابن الصيفي في هذا ؟ فقلت : لا ، فقال : إسمعها منه .
ثم استيقظت فبادرت إلى دار حيص بيص فخرج إليَّ فذكرت له الرؤيا ، فشهق وأجهش بالبكاء ، وحلف بالله إن كانت خرجت من فمي أو خطي إلى أحد ! وإن كنت نظمتها إلا في ليلتي هذه ثم أنشدني :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] ملكنا فكان العفوُ منا سَجيَّةً * فلما ملكتم سالَ بالدَّمِ أبطحُ
وحلَّلتمُ قتل الأسارى وطالما * غدونا عن الأسرى نَعُفُّ ونصفح
فحسبكُمُ هذا التفاوت بيننا * وكلُّ إناء بالذي فيه ينضحُ » . انتهى .
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] فبنو أمية ينضحون بما فيهم ، وهو إجبار الناس على بيعة خليفتهم واتباع مذهبهم ، والتكبر ومعاداة القيم ، واضطهاد من خالفهم ، بل يرون أن من سكت ولم يعلن الخضوع لهم فعقابه القتل !
وقد أمر يزيد قائد جيشه في وقعة الحَرَّة ، أن يأخذ البيعة من أهل المدينة المنورة على أنهم عبيد أقنان ليزيد ، إن شاء باع وإن شاء أمسك ، وفيهم الصحابة والتابعون ! فأخذ منهم البيعة على ذلك ، وختم ختم العبودية في أعناقهم !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 147 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أما أهل البيت النبوي الذين أذهب الله عنهم الرجس ، واختارهم للنبوة والإمامة ( عليهم السلام ) ، فهم ينضحون بما فيهم من الإنسانية واحترام الإنسان وإن خالفهم بالرأي ، وعدم إجبار الناس على موافقتهم ، والتعايش مع المخالفين بسعة صدر ، والتمسك في نفس الوقت بعقيدتهم وقيمهم ، والعمل لها بحكمة وعقل حسب أحكام الإسلام ، ثم التضحية من أجلها إذا لزم الأمر .
وعلى نهج بني هاشم سار شيعتهم ، وعلى نهج بني أمية سار شيعتهم ، ولو تأملت في التاريخ لرأيت أن أهل البيت ( عليهم السلام ) ضَخُّوا في الأمة دم البقاء ، وكانوا دفعاً متواصلاً لحقوق الإنسان المسلم ، وسقياً لحريته في العقيدة والتعبير !
وقد أسس هذه السياسة علي ( عليه السلام ) ، فعمل لإعادة العهد النبوي في احترام الإنسان ولم يكن في سياسته إجبار لأحد على بيعته ، ولا حطبٌ ولا حرقُ بيوت !
وكيف يجبر عليٌّ أحداً على بيعةٍ وهو الإنسان النبيل أباً عن جد ، والمؤمن بما أنزل على محمد ، وفي أوله حقوق الإنسان . وهو التقيُّ الذي لا يعصي ربه بالاعتداء على حق إنسان ، بل ولا حشرة . قال ( عليه السلام ) : « والله لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلت ، وإن دنياكم عندي لأهون من ورقة في فم جرادة تقضمها ! ما لعليٍّ ولنعيم يفنى ولذة لا تبقى » ! ( نهج البلاغة : 2 / 18 ) .
وقد اتسع صدر علي ( عليه السلام ) لمخالفيه ، فكان الخليفة الوحيد الذي أعطاهم الحرية ولم ينقص من حقوقهم من بيت المال ولا غيره شيئاً ، حتى ولو دعوا إلى الثورة عليه وشتموه في وجهه ! « كان ( عليه السلام ) جالساً في أصحابه فمرت بهم امرأة جميلة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 148 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فرمقها القوم بأبصارهم فقال ( عليه السلام ) : إن أبصار هذه الفحول طوامح ، وإن ذلك سبب هُبابها ، فإذا نظر أحدكم إلى امرأة تعجبه فليلامس أهله ، فإنما هي امرأة كامرأة ! فقال رجل من الخوارج : قاتله الله كافراً ما أفقهه ! فوثب القوم ليقتلوه فقال ( عليه السلام ) : رويداً إنما هو سبٌّ بسب أو عفوٌ عن ذنب » . ( نهج البلاغة : 4 / 98 ) .
وبهذه الحرية النبوية أدان ( عليه السلام ) الحكام الذين قتلوا الناس على الكلمة وبطشوا على التهمة ، وجعلوا رئيس الدولة أعظم حرمةً من الله تعالى ورسله ( عليهم السلام ) !

9 - كان التشيع دائماً طاقةً لتجديد حياة الأمة

قضى الله تعالى أن يُمِدُّ الحياة البشرية بالطاقة الجديدة ، من طاقة الطبيعة المتجددة ، وطاقة الناس الذين يولدون فيجددون حياة الأمم والمجتمعات . وبعوامل تُؤَمِّن للكائن الفردي والاجتماعي مواصلة حياته وتكاملها .
وعندما قال الله تعالى لعرب الجزيرة في أواخر حياة نبيه ( صلى الله عليه وآله ) : وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ؟ ( محمد : 38 ) فمعناه أن هذا القانون جاهز وَسَيُفَعِّلُه الله تعالى في وقته ، فعنده مخازن جديدة من الأمم ليضيفها إلى الأمة فيمدها بدم جديد ، ويكون الجيل الثاني خيراً من الأول : ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ! وليس كما زعموا بأن الجيل الأول أفضل الأجيال !
إن دخول اليمن في أواخر حياة النبي ( صلى الله عليه وآله ) في الأمة كان مقصوداً إلهياً لإغناء مخزون الأمة ، فقد قام ثقل الفتوحات الإسلامية على أكتاف اليمانيين .
وكذلك كان دخول الشعوب المحيطة بالجزيرة في الإسلام مقصوداً إلهياً ، ولذا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 149 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وعد النبي ( صلى الله عليه وآله ) أمته ببلاد كسرى وقيصر ، ودفع الأمة باتجاهه بحيث أن سياسة الفتوحات فرضت نفسها على الحاكم بعده ( صلى الله عليه وآله ) ، وقد كتبنا عن تخوف أبي بكر وعمر من الفتوحات وإصرار علي ( عليه السلام ) عليها ودوره فيها ، فاتسعت رقعة الدولة ودخلت الشعوب أفواجاً في الدين الجديد !
ولولا هذه السياسة لأكلت قبائل الجزيرة بعضها باسم الإسلام وأماتوه ! كيف لا ، وهم الذين أكلوا بعضهم في صراعات تافهة وحروب خاسرة ، لأجل متاع بألف درهم ، أو لأجل عنفوان قبلي فارغ ؟ !
ولولا أهل البيت ( عليهم السلام ) لما عرفت الأمة الإجتهاد والعقل والانفتاح على العلوم .
ولولا علي ( عليه السلام ) لمَا كان مشروع إعادة العهد النبوي واستنقاذ الأمة من بني أمية !
ولولا الحسين ( عليه السلام ) لَمَا انفتح باب الثورة في هذه الأمة على ظلم الحاكم .
ولولا جهاد علي والعترة النبوية الطاهرة ( عليهم السلام ) واضطهادهم وتقتيلهم في كل أرض وتحت كل نجم ، لَمَا وجد دويُّ هذه ( التراجيديا ) الإنسانية في وجدان الأمة ، ولا تكوَّن مخزونها الفاعل في ضميرها ، فكان طاقة تحركها باتجاه التغيير .
لقد كان التشيع في تاريخ الأمة وما زال مضخةً تُجدد دمها من تراكم الفساد والمرض ! ونفحةً نبوية تُرَوْحِنها كلما دفعها هجير الحاكم نحو اليَبَس !
ألا ترى كيف تَخَثَّر المخزون الديني والروحي والإنساني في أواخر حكم عثمان بن عفان ، فثار الصحابة وولوا علياً ( عليه السلام ) فأيقظ حيويتها وأغنى مخزونها ؟
ثم كيف انخفض مستوى الأمة الإنساني في زمن يزيد ، فأحياها الإمام الحسين
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 150 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
( عليه السلام ) بدمه الطاهر ، وأجَّجَ فاعليتها ؟ !
والى أيِّ مستوىً وصلت الأمة بتهتك حكام بني أمية ، فضَخَّت فيها ثورة زيد بن علي ( رحمه الله ) بشعار ثارات الحسين ( عليه السلام ) وظلامته روحَ الثورة والتغيير والتجديد ؟
وعندما أفرط ملوك بني عباس في طغيانهم واضطهادهم للمسلمين ، كيف مدَّت ثورات العلويين الأمة بالقيم ، وعلمتها انتزاع حقها في الثورة والتغيير ؟
وعندما غرقت الدولة العباسية في ترفها وأفكار المادية اليونانية والفارسية ، كيف أثرى الإمام الرضا ( عليه السلام ) مخزونها من صريح الإسلام ووحي النبوة ؟
وعندما تهرَّأ النظام العباسي ، كيف جاءت الموجة الفاطمية من الغرب ، وقدمت بديلاً منافساً ، جدَّد الحياة والتفكير في الأمة ؟
ثم رفدتها موجة البويهيين ففرضت على العاصمة أن تخرج من جمودها الحنبلي ، وتعطي لمذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) حريته ليغني فكرها !
وعندما ضعفت دولة البويهيين وجاءت موجة التعصب السلجوقي كيف فَقَدَ جسم الأمة قدرته على المقاومة والدفاع أمام الغزو المغولي ، فتحركت كريات الأمة البيضاء التي هي الشيعة ومذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ؟
وعندما ضعفت مقاومتها بعد ذلك وزاد ضغط الصليبيين على سواحلها وأعماقها ، كيف تشكلت الأمة في دول وإمارات ، فكان للشيعة في حلب ومصر والشام ولبنان دور قيادة مقاومة الروم وفاعليتها ! فأتباع الخلافة يخفون مقاومة الشيعة الفاطميين ، وقرنين من مقاومة الجيش المصري الشيعي للروم والفرنجة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 151 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ويُطبِّلون لصلاح الدين السني ! مع أن جيشه لم يكن إلا الجيش المصري الشيعي الذي تسلق صلاح إلى قيادته ، وجيش الحمدانيين الحلبي الذين اشترطوا على صلاح الدين حريتهم المذهبية ، فقبل ، فكانوا عمدة جيشه في استرداد القدس ؟ !
ثم انظر كيف جاءت موجة الأتراك العثمانيين لضرب القوة الشيعية وفرض الخلافة السنية بكل تعصبات العباسيين والأمويين ، فرافقتها موجة شيعية أقامت الدولة الصفوية لحفظ حريتها المذهبية !
وعندما انهارت الخلافة العثمانية بضغط الإنكليز وحروب الوهابيين ! كيف انتهت المؤسسة الدينية السنية ، وصمدت المؤسسة الشيعية وحفظت استقلالها ؟
وعندما فشلت مقاومات الأمة القومية منها واليسارية والحركات السنية ، كيف ظهرت المرجعية الشيعية في إيران فضخَّت في الأمة روح المقاومة والحياة ؟
وعندما انهزمت الجيوش والأنظمة العربية أمام إسرائيل ، كيف ظهرت موجة المقاومة الحسينية في شيعة لبنان وفلسطين ، فهزمت فئة قليلة دولة إسرائيل الأسطورية ، وضخَّت في الأمة دماً جديداً للحياة والمقاومة ؟ !
وعندما أرادت الوهابية أن تقلد الشيعة في الثورة ، وضربت مركز الغرب التجاري العالمي ، فجُن جنونهم وأعلنوا الحرب على المسلمين ، كيف عجز السنة أن يخاطبوهم ! فجاء الخطاب الشيعي موازناً بين خطي المقاومة والتعايش !
إن بقاء الأمة اليوم بعناصر القوة في ثقافتها ، مدينٌ للفكر الشيعي ، ومدينٌ قبله لدماء أهل البيت ( عليهم السلام ) التي بذلوها للدفاع عن قِيَم الوحي وحرية الإنسان المسلم المستباحة !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 152 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وإن ما نراه اليوم من تحفز في ثقافة الأمة ، وتطلع مفكريها ومثقفيها للتعرف على فكر أهل البيت وأطروحتهم ( عليهم السلام ) ، إنما جاء من قناعة الأمة بأن فكر الخلافة قد استنفد طاقته ، ولا بديل له إلا أهل البيت ( عليهم السلام ) ، لأنهم في مخزونها الذهني مشروع نجاة ، كلما استنفد مذهب الخلافة طاقته وخطابه ، وأفلس !

10 - الغزو المغولي سيئ لكنه فتح الباب للطاقات الجديدة

كان الغزو المغولي لبلاد المسلمين حدثاً سيئاً ، لكن نتائجه كانت ضرورية ! ويكفي أنه أزاح قوى الجمود والترف ، وجاء بكوادر جديدة قادت الأمة وأعادت بناءها ، وكان أول تأثيرها إسلام السلاطين المغول على أيديهم !
لكن إسلام المغول بذاته كان ذنباً أشد عند رواة الخلافة وعُبَّادها ، لأن المغول لم يختاروا مذهبها واختاروا مذهب التشيع !
لذلك كثر كذب المتعصبين عليهم ، حتى صرت تشك فيما كتبوه حتى عن وحشية المغول ! لقد قتل المغول خلقاً كثيراً ودمروا في بغداد وغيرها ، لكن ما كتبه المتعصبون عن تدميرهم لمكتبات بغداد ليس صحيحاً ! فقد أقنع نصير الدين ( رحمه الله ) هولاكو أن يحافظ على مدارس بغداد ومساجدها ومكتباتها ، فسلمت كلها من تدمير وحوش المغول ، إلا مركزين فقط هما : جامع الخلفاء ، ومشهد الإمام موسى بن جعفر ( عليه السلام ) .
وقد نص المؤرخون على سلامة مؤسسات العاصمة الثقافية ، وهم مؤرخون سنيون عاصروا الحادثة كابن الفوطي البغدادي الحنبلي ، وابن العبري ، وابن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 153 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الطقطقي ، ورشيد الدين ، وعبد الرحمن سنبط الإربلي . و نص الذهبي عن سلامة المستنصرية وأوقافها ! لكن المؤرخين الشاميين يصرون على الكذب !
قال في صبح الأعشى : 4 / 334 ، يصف بغداد : « ومن بيوتها ما هو مفروش بالآجر أيضاً ملصق بالقِير وهو الزِّفْت ، ولهم الصنائع العجيبة في التزويق بالآجر ، وبها وجوه الخير من الجوامع والمساجد والمدارس والخوانق والربط والبيمارستانات والصدقات الجارية ، ووجوه المعونة ، وناهيك أنها كانت دار الخلافة ومقر ملوك الأرض ، ومنها قلائد الأعناق ، وترابها لُمَى القُبَل ، وإثمد الأحداق .
قال في مسالك الأبصار : قال الحكيم نظام الدين بن الطياري : وأوقافها جارية في مجاريها ، لم تعترضها أيدي العدوان في دولة هولاكو ولا فيما بعدها ، بل كل وقف مستمرٌّ بيد مُتوليه ومن له الولاية عليه ، وإنما نقصت الأوقاف من سوء ولاة أمورها لا من سواها » .
وقال ابن كثير في النهاية : 13 / 249 : « وفيها عمل الخواجة نصير الدين الطوسي الرصد بمدينة مراغة ، ونقل إليه شيئاً كثيراً من كتب الأوقاف التي كانت ببغداد وعمل دار حكمة ورتب فيها فلاسفة ، ورتب لكل واحد في اليوم والليلة ثلاثة دراهم ، ودار طب فيها للطبيب في اليوم درهمان ، ومدرسة لكل فقيه في اليوم درهم ، ودار حديث لكل محدث نصف درهم في اليوم » .
وذكر الذهبي في تاريخه : 50 / 113 ، أن مكتبة مراغة ضمت أكثر من 400 ألف مجلد . بل تقرأ في مصادر سنية اهتمام السلاطين المغول الشيعة بالكتب والعلم والعلماء والمدارس والمراكز ، أضعاف اهتمام الخليفة العباسي !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 154 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ويكفيك ما كتبه ابن الفوطي وهو مدير مكتبة المستنصرية ، عنها وعن غيرها من المكتبات والمدارس ، وعن زيارة السلطان وكبار المسؤولين لها ، والإحتفال فيها بتوزيع الجوائز من السلطان المغولي ، على العلماء المؤلفين من مختلف المذاهب ، وعلى الأطباء والمهندسين !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 155 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الثامن : العلامة الحلي يواصل جهود المحقق الطوسي ( قدس سره )

1 - شخصية العلامة الحلي ( قدس سره )

منذ أشرق على العراق نور النبوة ، وحطت فيه شمس الإمامة ، كان وما زال مركز إشعاع ومنبع هداية ، وكان لمدينة الحلة الفيحاء من ذلك نصيب وافر ، فلو لم يكن لها إلا العلامة الحلي ( قدس سره ) لكفاها فخراً !
الفقيه المرجع ، والفيلسوف الناقد ، والعالم الموسوعي ، وصاحب الشخصية المميزة ، التي شغفت أحباءها ، وأثرت في أعدائها .
كان العلامة ( قدس سره ) أعجوبة في الذكاء والحفظ ، وتوقد الذهن ، وعمق الفكر ، وسعة الصدر ، وهو أول من عُرف بلقب ( آية الله ) ، وقد ألف العديد من كتبه في أسفاره مع السلطان ، أو في سفره إلى الحج وزيارة قبر النبي والأئمة ( صلى الله عليه وآله ) ، وكان يصحب معه مكتبته التي يحتاج إليها على بضعة جمال ، لكن ما يحمله صدره تعجز عن حمله مئات الجمال !
قال الصفدي في الوافي : 13 / 54 : « الحسن بن يوسف بن المطهر ، الإمام العلامة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 156 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ذو الفنون ، جمال الدين ابن المطهر الأسدي الحلي المعتزلي ( ! ) عالم الشيعة وفقيههم ، صاحب التصانيف التي اشتهرت في حياته . تقدم في دولة خربندا تقدماً زائداً ، وكان له مماليك وإدارات كثيرة وأملاك جيدة ، وكان يصنف وهو راكب ! شرَحَ مختصر ابن الحاجب ، وهو مشهور في حياته » . انتهى .
وعندما زار نصير الدين ( قدس سره ) الحلة حضر درس المرجع المحقق الحلي ( قدس سره ) ، ولم يقبل أن يقطع درسه وكان بحثه في مسألة القبلة فذكر استحباب التياسر لأهل العراق ، فقال نصير الدين : لا وجه للاستحباب ، لأن التياسر إن كان من القبلة إلى غيرها فهو حرام وإن كان من غيرها إليها فواجب . فأجابه المحقق في الحال : بل منها إليها ! فسكت الطوسي ، ثم ألف المحقق في ذلك رسالة وأرسلها إليه فاستحسنها ، وقد أوردها ابن فهد في المهذب . ( معجم رجال الحديث : 5 / 30 ) .
وقال السيد الأمين في أعيان الشيعة : 9 / 418 : « الاستحباب المذكور مبني على أن الكعبة المعظمة هي قبلة القريب والحرم قبلة البعيد ، والحرم عن يسار الكعبة ثمانية أميال وعن يمينها أربعة أميال فإذا انحرف العراقي إلى جهة يساره لم يخرج عن سمت القبلة لاتساع المسافة فيما يستقبل ، فالانحراف اليسير إلى بعض جهاتها لا يخرج عنها بل يكون منها إليها » .
كان العلامة الحلي يومها في مقتبل عمره ، وقد أعجب نصير الدين بنبوغه ، ولما سئل بعد زيارته عما شاهده قال : رأيت خِرِّيتاً ( خبيراً ) ماهراً ، وعالماً إذا جاهد فاق . يقصد المحقق الحلي والعلامة الحلي رحمهما الله . ( أعيان الشيعة : 5 / 396 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 157 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

2 - دراسة العلامة عند المحقق الطوسي ( قدس سره )

ولد العلامة الحلي ( قدس سره ) في سنة ست مئة وبضع وأربعين ، وقيل ثمان وأربعين . وكان مجئ نصير الدين أسيراً مع الطاغية هلاكو سنة 655 ، لكنه زار الحلة بعد ذلك عندما جاء إلى العراق ليتفقد أوضاعه ، قال العلامة ( قدس سره ) : « وكان الشيخ الأعظم خواجة نصير الدين محمد الطوسي ( قدس سره ) وزير هلاكو خان ، فأنفذه إلى العراق فحضر الحلة فاجتمع عنده فقهاء الحلة . . . فأشار إلى الفقيه نجم الدين جعفر بن سعيد ، وقال : من أعلم هؤلاء الجماعة ؟ فقال له : كلهم فاضلون علماء إن كان واحد منهم مبرَّزاً في فن كان الآخر مبرزاً في فن آخر ، فقال : من أعلمهم بالأصولين ؟ فأشار إلى والدي سديد الدين يوسف بن المطهر وإلى الفقيه مفيد الدين بن محمد بن جهيم فقال : هذان أعلم الجماعة بعلم الكلام وأصول الفقه » . ( مجمع الفائدة : 1 / 17 ، وطرائف المقال : 2 / 242 ) .
وقال ابن كثير في النهاية : 13 / 281 : « وفيها ( 662 ) قدم نصير الدين الطوسي إلى بغداد من جهة هولاكو ، فنظر في الأوقاف وأحوال البلد . . » .
فيكون عمر العلامة يومها خمس عشرة سنة أو أكثر ، ويكون وصف نصير الدين له بأنه : « عالمٌ إذا جاهد فاق » شهادةً بنبوغه المبكر ، فكان على صغر سنه ثاني شخصية جذبت نظره ، بعد خاله المحقق الحلي ( قدس سره ) .
وانفرد الحر العاملي ( رحمه الله ) بقوله إن الطوسي درس الفقه على العلامة . قال في أمل الآمل : 2 / 81 : « الشيخ العلامة جمال الدين أبو منصور الحسن بن يوسف بن علي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 158 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بن المطهر الحلي . فاضل عالم ، علامة العلماء ، محقق مدقق ، ثقة ثقة ، فقيه محدث متكلم ماهر ، جليل القدر عظيم الشأن رفيع المنزلة ، لا نظير له في الفنون والعلوم العقليات والنقليات ، وفضائله ومحاسنه أكثر من أن تحصى . قرأ على المحقق الحلي ، والمحقق الطوسي في الكلام وغيره من العقليات ، وقرأ عليه في الفقه المحقق الطوسي . وقرأ العلامة أيضاً على جماعة كثيرين جداً من العامة والخاصة » . انتهى .
ولو صح ما ذكره الحر العاملي ( رحمه الله ) فمعناه أن المحقق الطوسي كان يذاكر العلامة في مسائل الفقه ، لأن شغله في أواخر حياته في الفلك والرياضيات ، كان أكثر منه في الفقه .
أما دراسة العلامة على نصير الدين فكانت في أواخر حياته ، عندما سكن في بغداد ، ويدل عليه قول العلامة ( قدس سره ) في إجازته لبني زهرة : « ومن ذلك جميع ما صنفه الشيخ السعيد المعظم خواجة نصير الملة والحق والدين محمد بن الحسن الطوسي قدس الله روحه ، وقرأه ورواه ، عني عنه ، وكان هذا الشيخ أفضل أهل عصره في العلوم العقلية والنقلية ، وله مصنفات كثيرة في العلوم الحِكْمية والأحكام الشرعية على مذهب الإمامية ، وكان أشرف من شاهدناه في الأخلاق نور الله ضريحه . قرأت عليه إلهيات الشفا لأبي علي بن سينا ، وبعض التذكرة في الهيئة تصنيفه ، ثم أدركه الموت المحتوم قدس الله روحه » . ( البحار : 104 / 62 ) .
لاحظ المكانة الخاصة لنصير الدين عند العلامة ، فقد ذكره قبل خاله المحقق الحلي ، وقال عنه : « هو أستاذ البشر والعقل الحادي عشر » . ( أعيان الشيعة : 9 / 414 ) .
بل صرح بأفضليته على خاله في علم الهيئة وربما مطلقاً فقال ( رحمه الله ) : « وأهل هذا العلم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 159 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
( علم الهيئة ) في هذا العصر قليل جداً ، ورأيناه منحصراً في خالي الذي ما سمح الزمان بمثله ، بعد نصير الملة والدين » . ( مجمع الفائدة : 1 / 37 ) . ويبدو أن العلامة شرح كتاب التجريد لأستاذه قبل تلك الفترة .

3 - العلامة الحلي ( قدس سره ) خليفة المحقق الطوسي ( قدس سره )

استطاع المرجع نصير الدين الطوسي أن يربي عدداً كبيراً من النوابغ والعباقرة ، في الطب والفلك والرياضيات والإدارة والسياسة والفقه ، اغترفوا من بحر علمه وتوجيهه وخبرته ، وقاموا بأدوار عظيمة في إغناء ثقافة المسلمين وحياتهم ، فساعد ذلك على جبران خسارة المسلمين من الغزو المغولي والظلم العباسي . . لكن أهم شخصية أشبهته وجسدت خطه ، كان تلميذه العلامة الحلي ( قدس سره ) ، فكان جديراً بلقب " خليفة نصير الدين الطوسي ( قدس سره ) " وقد واصل ما بدأه أستاذه فركز جهده على العمل العقائدي مع الشخصيات القيادية المغولية ، فزرع فيهم عقيدة التشيع والولاية لأهل البيت ( عليهم السلام ) ، التي تعطي صاحبها احترام الإنسان وقبول الرأي الآخر ، وروح العمل والعمران .
وساعد على ذلك أن العلامة درس علي المحقق الطوسي في مرحلة أوْج عبقريته وتجاربه ، فاستفاد من علمه وخبراته ، وطبيعي أن يكون هولاكو وأولاده عرفوا إعجاب نصير الدين به ، وثقته بعقله وعلمه وتقواه ، وأن يكون عرَّفه لهم بأنه خليفته المطلق ، أما الآخرون فهم خلفاء نسبيون له .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 160 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

4 - السلطان المغولي يتشيع ويدعو للمذهب الشيعي

نبدأ بشهادة ابن بطوطة لأنه سني متعصب ، عاش مع عوام الناس وكتب آراءهم ، قال في رحلته : 1 / 149 : « كان ملك العراق السلطان محمد خدابنده قد صحبه في حال كفره فقيه من الروافض الإمامية يسمى جمال الدين بن مطهر ، فلما أسلم السلطان المذكور وأسلمت بإسلامه التتر ، زاد في تعظيم هذا الفقيه فزين له مذهب الروافض وفضله في غيره ، وشرح له حال الصحابة والخلافة وقرر لديه أن أبا بكر وعمر كانا وزيرين لرسول الله ( ص ) وأن علياً ابن عمه وصهره فهو وارث الخلافة ، ومثَّل له ذلك بما هو مألوف عنده من أن الملك الذي بيده إنما هو إرث عن أجداده وأقاربه ، مع حداثة عهد السلطان بالكفر وعدم معرفته بقواعد الدين ( ! ) .
فأمر السلطان بحمل الناس على الرفض ، وكتب بذلك إلى العراقين وفارس وأذربيجان وأصفهان وكرمان وخراسان ، وبعث الرسل إلى البلاد ، فكان أول بلاد وصل إليها بغداد وشيراز وأصفهان ، فأما أهل بغداد فامتنع أهل باب الأزج منهم وهم أهل السنة ، وأكثرهم على مذهب الإمام أحمد بن حنبل وقالوا : لا سمعَ ولا طاعة ، وأتوا المسجد الجامع في يوم الجمعة ومعهم السلاح وبه رسول السلطان ، فلما صعد الخطيب المنبر قاموا إليه وهم اثنا عشر ألفاً بسلاحهم ، وهم حماة بغداد والمشار إليهم فيها ، فحلفوا له أنه إن غيَّر الخطبة المعتادة ، إن زاد فيها أو نقص منها فإنهم قاتلوه وقاتلوا رسول الملك ، ومستسلمون بعد ذلك لما شاءه الله ! وكان السلطان أمر بأن تسقط أسماء الخلفاء
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 161 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وسائر الصحابة من الخطبة ولا يذكر إلا اسم عليٍّ ومن تبعه كعمار رضي الله عنهم ، فخاف الخطيب من القتل وخطب الخطبة المعتادة !
وفعل أهل شيراز وأصفهان كفعل أهل بغداد ، فرجعت الرسل إلى الملك فأخبروه بما جرى في ذلك ، فأمر أن يؤتى بقضاة المدن الثلاث ، فكان أول من أتي به منهم القاضي مجد الدين قاضي شيراز ، والسلطان إذ ذاك في موضع يعرف بقراباغ وهو موضع مصيفه ، فلما وصل القاضي أمر أن يرمي به إلى الكلاب التي عنده وهي كلاب ضخام في أعناقها السلاسل مُعدة لأكل بني آدم ، فإذا أوتي بمن يسلط عليه الكلاب جعل في رحبة كبيرة مطلقاً غير مقيد ، ثم بعثت تلك الكتاب عليه ، فيفر أمامها ولا مفر له ، فتدركه فتمزقه وتأكل لحمه !
فلما أرسلت الكلاب على القاضي مجد الدين ووصلت إليه بصبصت إليه وحركت أذنابها بين يديه ولم تهجم عليه بشئ ! فبلغ ذلك السلطان فخرج من داره حافي القدمين فأكبَّ على رجلي القاضي يقبلهما وأخذ بيده وخلع عليه جميع ما كان عليه من الثياب ، وهي أعظم كرامات السلطان عندهم ، وإذا خلع ثيابه كذلك على أحد كانت شرفاً له ولبنيه وأعقابه ، يتوارثونه ما دامت تلك الثياب أو شئ منها ، وأعظمها في ذلك السراويل .
ولما خلع السلطان ثيابه على القاضي مجد الدين أخذ بيده وأدخله إلى داره ، وأمر نساءه بتعظيمه والتبرك به ، ورجع السلطان عن مذهب الرفض وكتب إلى بلاده أن يُقَرَّ الناس على مذهب أهل السنة والجماعة ، وأجزل العطاء للقاضي وصرفه إلى بلاده مكرماً معظماً ، وأعطاه في جملة عطاياه مائة قرية من قرى جمكان
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 162 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وهو خندق بين جبلين طوله أربعة وعشرون فرسخاً يشقه نهر عظيم ، والقرى منتظمة بجانبيه ، وهو أحس موضع بشيراز ، ومن قراه العظيمة التي تضاهي المدن قرية مَيْمَنْ وهي للقاضي المذكور » ! انتهى .
أقول : هذا النص يدل على أن تشيع السلطان كان له وقعٌ شديد على الحنابلة المتعصبين ، فباب الأزجّ محلتهم في بغداد . ( السمعاني : 1 / 119 ، ولباب ابن الأثير : 1 / 45 ) .
لكن هؤلاء الحنابة المجسمة أعداء السنة والشيعة معاً ، قال في الكامل : 9 / 551 : « ولما سار الملك الرحيم عن بغداد كثرت الفتن بها ، ودامت بين أهل باب الأزج والأساكفة وهم السنية ، فأحرقوا عقاراً كثيراً » .
ووصف ابن كثير علاقتهم السيئة بسنة بغداد ، فقال في النهاية : 12 / 197 : « منصور أبو المعالي الجيلي القاضي الملقب سَيْدَلَهْ ، كان شافعياً في الفروع أشعرياً في الأصول ، وكان حاكماً بباب الأزج ، وكان بينه وبين أهل باب الأزج من الحنابلة شنآن كبير ( بغض ) سمع رجلاً ينادي على حمار له ضائع ، فقال : يدخل الأزج ويأخذ بيد من شاء ! وقال يوماً للنقيب طراد الزينبي : لو حلف إنسان أنه لا يرى إنساناً فرأى أهل باب الأزج لم يحنث . . . ولهذا لما مات فرحوا بموته كثيراً » !
وكان أئمة الحنابلة في باب الأزج من العجم ، ففي تاريخ الذهبي : 39 / 89 : « قال ابن السمعاني : أبو محمد عبد القادر فخر أهل جيلان إمام الحنابلة وشيخهم في عصره ، فقيه صالح ديِّن ، كثير الذكر دائم الفكر سريع الدمعة ، تفقه على المخرمي ، وصحب الشيخ حماد الدباس ، قال وكان يسكن باب الأزج في المدرسة التي بنوا له ، مضيت يوماً لأودع رفيقاً لي ، فلما انصرفنا قال لي بعض من
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 163 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كان معي : ترغب في زيارة عبد القادر والتبرك به ؟ فمضينا ودخلت مدرسته وكانت بكرة ، فخرج وقعد بين أصحابه وختموا القرآن ، فلما فرغنا أردت أن أقوم فأجلسني وقال : حتى نفرغ من الدرس ، وألقى درساً على أصحابه ما فهمت منه شيئاً ! وأعجب من هذا أن أصحابه قاموا وأعادوا ما درس لهم ، فلعلهم فهموا لإلفهم بكلامه وعبارته » . انتهى .
وبهذا تعرف أن ابن بطوطة أخذ كلامه من مبالغات الحنابلة وخيالاتهم !
وقد زاد عليه الصفدي ، فاخترع أن الله قد أمات السلطان بسبب ذلك !
قال في الوافي : 2 / 129 : « فعوجل بعد يومين بهيضة مزعجة داواه الرشيد فيها بمسهل منظف فخارت قواه ، وتوفي في رمضان سنة ست عشرة وسبع ماية » .
ولم ينتبه واضعوا الرواية التي اعتمدها الصفدي وغيره ، إلى أن مرسوم السلطان كان في سنة 703 ، ووفاته سنة 717 ، وأن مدة يومين لا تكفي لطبع أسماء الأئمة ( عليهم السلام ) على الدنانير الذهبية ، وأن يصل خبرها إلى جنوب لبنان وينظم شاعرهم قصيدة في مدح السلطان ، كما روى الصفدي نفسه !
ولا تكفي لتأليف العلامة كتابه منهاج الكرامة سنة 709 ، ثم ينتشر ذلك في البلاد والمعاهد ، ويتخوف منه ابن تيمية ، ويرفع عقيرته بالويل والثبور !
ونشكر الله تعالى أن ابن كثير كشف بدون قصد ، زيف رواية ابن بطوطة والصفدي ، عن بطولة حنابلة بغداد والانتقام المزعوم من السلطان !
قال في النهاية : 14 / 56 : « وفيها ( سنة 709 ) أظهر ملك التتر خربندا الرفض في بلاده
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 164 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأمر الخطباء أن لا يذكروا في خطبتهم إلا علي بن أبي طالب وأهل بيته ، ولما وصل خطيب باب الأزج إلى هذا الموضع من خطبته بكى بكاءاً شديداً وبكى الناس معه ونزل ولم يتمكن من إتمام الخطبة ، فأقيم من أتمها عنه وصلى بالناس » !
كما كذَّب ابن كثير مقولة إن السلطان تراجع عن مرسومه ومذهبه ، فقال في : 14 / 77 : « ثم تحول إلى الرفض وأقام شعائره في بلاده ، وحظي عنده الشيخ جمال الدين بن مطهر الحلي تلميذ نصير الدين الطوسي ، وأقطعه عدة بلاد . ولم يزل على هذا المذهب الفاسد إلى أن مات » . انتهى .
فالصحيح أن السلطان المغولي تشرَّف بمذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) على يد العلامة الحلي ( رحمه الله ) وكتب مرسوماً إلى البلاد بتدريسه في المدارس ، ولم تحدث في بغداد ردة فعل من السنيين ، سوى أن حنابلة باب الأزج ببغداد بكى خطيبهم ، فاستبدلوه بخطيب آخر وكان الله يحب المحسنين !
أما ما ذكروه من جيش الحنابلة في باب الأزجّ ، وقصة قاضي شيراز وكلاب السلطان ، إنما هو تخيلات الحنابلة أجداد الوهابية !

5 - لماذا تشيع السلطان محمد خدابنده ؟

ذكروا ثلاثة أسباب لتشيع السلطان قازان وأخيه محمد خدابنده :
الأول : أن السلطان طلق زوجته بالثلاث وندم ، فأفتى له فقهاء المذاهب بأن طلاقه صحيح وأنها تحرم عليه حتى تنكح زوجاً غيره .
فأرشدوه إلى العلامة الحلي ( قدس سره ) فأحضره وناظر الفقهاء وأثبت لهم بطلان
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 165 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الطلاق لأنه بلا شهود وشروط ، ولأن الطلاق بالثلاث لا يقع إلا طلاقاً واحداً . . الخ .
والثاني : أن السلطان زار قبر أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ورأى مناماً في النجف ، فدفعه ذلك إلى البحث عن مذهب التشيع ، فأعجبه وانتمى إليه .
والثالث : أن السلطان غازان خان كان سنة 702 في بغداد ، فاتفق أن سيداً علوياً صلى الجمعة مع السنة ثم صلى الظهر منفرداً فقتلوه ! فشكا ذووه إلى السلطان فتألم له وغضب من قتل رجل من أولاد الرسول ( عليهما السلام ) بسبب أنه أعاد صلاته ! فأخذ يبحث عن المذاهب ، وكان في أمرائه جماعة شيعة منهم الأمير طرمطار بن مانجو بخشي ، وكان في خدمة السلطان من صغره وله وجه عنده ، فرغَّبه في التشيع فدخل فيه ، واهتم بالسادة وعمارة مشاهد الأئمة ( عليهم السلام ) وأسس دار السيادة في إصفهان وكاشان وسيواس روم ، وأوقف عليها أملاكاً كثيرة ، وكذا في مشهد أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وقد بقيت بعض آثاره إلى الآن . وبعد أن توفي سنة 703 ، خلفه أخوه خدابنده ، وأعلن تبنيه لمذهب الشيعي .
ومصدر هذه الروايات الثلاثة كتاب ذيل جامع التواريخ ، للمؤرخ الحافظ آبرو الخوافي ، وبعضهم نقلها عن مخطوط : اللآلي المنتظمة . ( راجع : خاتمة المستدرك : 2 / 403 ، ولؤلؤة البحرين / 224 ، ومجالس المؤمنين : 2 / 571 . ومقدمة قواعد الأحكام ) .
قال في الذريعة : 10 / 49 : « ذيل جامع التواريخ رشيدي ، الذي ألفه الوزير رشيد الدين فضل الله الطبيب وزير غازان ثم الشاه خدابنده ، إلى أن قتل 717 ، وانتهى تاريخه إلى وفاة غازان في 703 ، فذيَّله المؤرخ الشهير حافظ أبرو ، شهاب الدين
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 166 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عبد الله بن لطف الله بن عبد الرشيد الخوافي الخراساني المولود حدود 763 وكان مع الأمير تيمور في حروبه في 788 بأمر شاهرُخّ ، وفي 820 أمره السلطان شاهرُخّ بتأليف هذا الذيل ، فألحق بتاريخ الرشيدي من 703 إلى 795 ، وتوفي حافظ أبرو 834 وطبع الذيل مع مقدمة وتعليقات للدكتور خان بابا البياني في 1317 . . . وذكر فيه : أن أول من تشيع من المغول السلطان غازان ، ومنشؤه قتل العلوي ببغداد في 702 ، لأجل صلاة الجمعة . قال : وكان شيعياً إلى أن توفي . وكذا ذكر سبب تشيع أخيه السلطان خدابنده وأتباعهما » . انتهى .
أقول : الظاهر أن السلطان خدابنده ( رحمه الله ) وأخاه قازان تعرفا على مذهب التشيع وأحباه واعتنقاه ، كما نص الشيخ البهائي ( رحمه الله ) وغيره .
قال في توضيح المقاصد / 27 : « فيه ( شهر شوال ) سنة ثلاث وسبع مائة توفي السلطان محمود غازان ، وكان له ميل تام إلى التشيع ، ولكنه لم يتمكن من إظهاره ، وإنما أظهر أخوه السلطان محمد شاه خدابنده ، أنار الله برهانه » .
وفي الذريعة : 3 / 270 : « وحكى القاضي في مجالس المؤمنين عن تاريخ غازاني سبب استبصار الأخوين السلطان محمود غازان وشاه خدا بنده محمد ، وإثبات تشيعهما وولائهما لأهل البيت ( عليهم السلام ) ، بنوع يظهر منه ارتضاؤه لطريقتهما » .
وفي مقدمة مختلف الشيعة : 1 / 111 : « فتشيع الملك ( قازان ) وبعث إلى البلاد والأقاليم حتى يخطبوا للأئمة الاثني عشر ( عليهم السلام ) في الخطبة ويكتبوا أساميهم ( عليهم السلام ) في المساجد والمعابد . والذي في أصبهان موجود الآن في الجامع القديم الذي كتب في زمانه في ثلاث مواضع ، وعلى منارة دار السيادة التي تممها سلطان محمد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 167 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بعد ما أحدثها أخوه غازان أيضاً موجود . وفي محاسن أصفهان أن ابتداء الخطب كان بسعي بعض السادات اسمه ميرزا قلندر ، ومن المعابد التي رأيت معبد بير بركان الذي في لنجان بنيَ في زمانه ، الأسامي موجودة الآن ، وكذا في معبد قطب العارفين نور الدين عبد الصمد النطنزي الذي له نسبة إليه من جانب الأم موجود الآن » . ( مجالس المؤمنين : 2 / 361 عن تاريخ الحافظ آبرو ، وتحفة العالم : 1 / 176 وخاتمة المستدرك : 460 ، وإحقاق الحق : 1 / 16 11 ، وأعيان الشيعة : 5 / 400 ، وغيرها ) .
فمجالس المناظرة التي كانت تجري بحضور السلطان ، أو كان يعقدها ويدعو إليها العلامة ( قدس سره ) وفقهاء المذاهب الأربعة ، كانت عملاً مقصوداً لتكون مبرراً لإعلان تشيعه ، وإصدار مرسومه السلطاني بذلك .
وذكرت الروايات عدة مناظرات لها علاقة بإعلان السلطان تشيعه ، شارك فيها من الشيعة العلامة الحلي وتاج الدين الآوي ، ومن السنة قاضي القضاة نظام الدين عبد الملك المراغي الشافعي ، وله تآليف في المعقول ، وابن صدر جهان الحنفي البخاري ، وقطب الدين الشيرازي ، وعمر الكاتبي القزويني ، وأحمد بن محمد الكيشي ، وركن الدين الموصلي . وذكروا أن ابن العلامة " فخر المحققين " كان شاباً في العشرينات من عمره ، وحضر مع والده .
أما مواد هذه المناظرات فذكرت الروايات منها : أن العلامة ( رحمه الله ) دخل إلى مجلس السلطان ، وأخذ حذاءه بيده ، وجلس قرب السلطان !
فقال الفقهاء للسلطان : ألم نقل لك إنهم ضعفاء العقول ؟ ! فقال الملك : سلوه ما فعل ؟ فقالوا له : لأي شئ أخذت نعلك معك وهذا مما لا يليق ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 168 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال : خفت أن يسرقه الحنفية كما سرق أبو حنيفة نعل رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) !
فصاحت الحنفية : متى كان أبو حنيفة في زمن النبي ! لقد ولد بعد مائة سنة من وفاة النبي ( صلى الله عليه وآله ) !
فقال : نسيت لعله كان السارق الشافعي !
فصاحت الشافعية وقالوا : كان تولد الشافعي في يوم وفاة أبي حنيفة وكان نشوؤه في المائتين من وفاة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) !
فقال : لعله كان مالك ! فقالت المالكية بمثل ما قالته الحنفية .
فقال : لعله كان أحمد بن حنبل ! فقالوا بمثل ما قالته الشافعية .
فتوجه العلامة إلى الملك فقال : أيها الملك علمت أن رؤساء المذاهب الأربعة لم يكن أحدهم في زمن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ولا في زمن الصحابة ! فهذه إحدى بدعهم أنهم اختاروا من مجتهديهم هؤلاء الأربعة ، ولو كان منهم من كان أفضل منهم بمراتب لا يجوِّزون أن يجتهد بخلاف ما أفتاه واحد منهم .
فقال الملك : ما كان واحد منهم في زمن رسول الله والصحابة ؟ !
فقال الجميع : لا . فقال العلامة : ونحن معاشر الشيعة تابعون لأمير المؤمنين أخ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وابن عمه ووصيه .
وعلى أي حال فالطلاق الذي أوقعه الملك باطل لأنه لم تتحقق شروطه ، لأن الله يقول : فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ ، فهل فعله الملك بمحضرهما ؟ قال : لا . . . الخ .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 169 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كما ذكرت الروايات : أن العلامة خطب بعد انتصاره في المناظرة ، فصلى على النبي والأئمة الاثني عشر ( عليهم السلام ) ، فاعترض السيد ركن الدين الموصلي وقال : ما الدليل على جواز الصلاة على غير الأنبياء ؟
فقرأ العلامة في جوابه مباشرةً قوله تعالى : الَّذِينَ إذا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ . أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ .
فقال الموصلي : فأي مصيبة أصابت علياً وأولاده ليستوجبوا بها الصلاة ؟
فذكر له العلامة مصائبهم المشهورة ، وقال : وأي مصيبة أعظم عليهم أن من ذراريهم ويقصد الموصلي ، من يرجح عليهم المنافقين الجهال المستوجبين للعنة والنكال ! فتعجب الحاضرون من قوة جواب العلامة ، وضحكوا على الموصلي .
هذا ، وقد اعتمد السيد رضا الصدر ( رحمه الله ) في مقدمته لطبعة نهج الصدق ، على رواية تقول إن السلطان خدابنده أصيب بصدمة من تناقضات المذاهب وبعض فتاويها ، فبقي متحيراً في اختيار المذهب ثلاث سنوات ، فاقترح عليه أحد أمرائه المسمى طيمطاز اختيار مذهب الشيعة ، لأن الملك غازان كان أعقل أهل زمانه وأكملهم وقد اختار مذهب الشيعة ، فلم يعجب الشاه كلامه وطلب من العلامة أن يؤلف له كتاباً في التشيع فكتب له ( نهج الحق وكشف الصدق ) و ( منهاج الكرامة ) وزاره في عاصمته السلطانية وأهداهما له ، وجرت هناك مناظراته مع علماء المذاهب .
لكن الأصح أن السلطان خدابنده وأسرته كانوا قبل ذلك شيعة ، كما قدمنا .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 170 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وذكر السيد الأمين في أعيان الشيعة : 5 / 399 ، أنه توجد مؤشرات على أن المناظرة جرت في بغداد ، ونقل عن الروضات أن العلامة قال : « كان في القرب والمنزلة عند السلطان المذكور بحيث كان لا يرضى أن يفارقه في حضر ولا سفر ، بل نقل أنه أمر له ولتلاميذه بمدرسة سيارة من الخيام المعمولة من الكرباس الغليظ تنتقل بانتقاله أينما سافر معه ، يدل على ذلك ما وجد في آخر بعض مؤلفاته أنه وقع الفراع منه في المدرسة السيارة السلطانية في كرمانشاهان » .
وأضاف السيد الأمين : « وفي مدة إقامته في صحبة السلطان المذكور ، ألف له عدة كتب مثل كتاب منهاج الكرامة ، وكتاب كشف الحق ، ورسالة نفي الجبر ، ورسالة حكمة وقوع النسخ ، التي سأله عنها السلطان .
وأكمل هناك الألف الأول من كتاب الألفين . قال في مقدمة كشف الحق : وامتثلت فيه مرسوم سلطان وجه الأرض ، الباقية دولته إلى يوم النشر والعرض سلطان السلاطين ، خاقان الخواقين مالك رقاب العباد وحاكمهم ، وحافظ أهل البلاد وراحمهم ، المظفر على جميع الأعداء ، المنصور من إله السماء ، المؤيد بالنفس القدسية والرياسة الملكية ، الواصل بفكره العالي إلى أسنى مراتب المعالي ، البالغ بحدسه الصائب إلى معرفة الشهب الثواقب ، غياث الحق والدين الجايتو خدا بندا محمد ، خلد الله ملكه إلى يوم الدين ، وقرن دولته بالبقاء والنصر والتمكين ، وجعلت ثواب هذا الكتاب واصلاً إليه ، أعاد الله بركاته عليه بمحمد وآله الطاهرين ، صلوات الله عليهم أجمعين .
وقال في أول منهاج الكرامة : فهذه رسالة شريفة ومقالة لطيفة ، إلى أن قال :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 171 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
خدمت بها خزانة السلطان الأعظم . . . في آخر الموجود من كتاب الألفين : فهذا آخر ما أردنا إيراده في هذا الكتاب وذلك في غرة رمضان المبارك سنة 712 ، وكتب حسن بن مطهر ببلدة جرجان في صحبة السلطان الأعظم غياث الدين محمد أولجايتو خلد الله ملكه . . . وصنف في سفره ذلك الرسالة السعدية ، ولعله ألف في سفره ذلك الرسالة التي في جواب سؤالين سأل عنهما الخواجة رشيد الدين فضل الله الطبيب الهمذاني وزير غازان ، الذي اجتمع به في ذلك السفر الآتي ذكرها في مؤلفاته . . » .

6 - الوجه الشرعي لتعظيم العلامة للسلطان المغولي

الوجه الشرعي أن باب التقية الواسع ، وقد أحلها الله تعالى لأنبيائه ( عليهم السلام ) مع السلطان ، فعن الإمام الصادق ( عليه السلام ) قال : « التقية من دين الله . قلت : من دين الله ؟ قال : إي والله من دين الله ، ولقد قال يوسف : أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ ، والله ما كانوا سرقوا شيئاً ! ولقد قال إبراهيم : إِنِّي سَقِيمٌ ، والله ما كان سقيماً . وعنه ( عليه السلام ) قال : ما بلغت تقية أحد تقيةَ أصحاب الكهف ، إنْ كانوا ليشهدون الأعياد ويشدون الزنانير ( فيها الصلبان ) فأعطاهم الله أجرهم مرتين » . ( الكافي : 2 / 217 )
يضاف إلى ذلك أن هدف العلامة من تبجيله وتعظيمه ، تشجيع السلطان على تبني المذهب الحق ، وأن تأخذ كتبه طريقها بمراسيم سلطانية إلى المراكز العلمية ولهذا أهدى عدداً منها إلى خزانة السلطان ، فأخذت صفة الرسمية في معاهد الدولة . ومنها ما ألفه بطلب السلطان نفسه ، فكان طبيعياً أن يهديه إلى خزانته .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 172 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

7 - مضمون مرسوم السلطان محمد خدابنده وأبعاده

شمل مرسوم السلطان بتبني مذهب التشيع : العراق بكامله والخليج واليمن ، وإيران ، وما وراء النهر أي بلاد آسيا الوسطى ، وتركيا التي كانت تسمى بلاد الروم . وقد أصدره في أول توليه السلطة استكمالاً لعمل أخيه السلطان قازان .
ولم تذكر المصادر نص المرسوم ، بل ذكرت أنه أمرَ بحذف اسم أبي بكر وعمر من خطبة الجمعة ، أي ما كان فرضه المنصور العباسي على المسلمين ! وأن يذكر بدله اسم عليٍّ والأئمة الأحد عشر من ولده ( عليهم السلام ) ، فثارت ثائرة أتباع الخلافة ورفعوا عقيرتهم بأنه بدعةٌ في الدين ، وصاحوا وناحوا ! مع أنه ليس أكثر من استبدال اسم صحابيين بأسماء العترة النبوية الذين هم صحابة وأهل بيت ( عليهم السلام ) .
والأمر الثاني ، الذي ذكرته المصادر من عمل السلطان خدابنده ، أنه كتب أسماء الأئمة الاثني عشر ( عليهم السلام ) على العملة الذهبية والفضية .
والأمر الثالث ، أنه أنشأ في عدد من المناطق داراً باسم ( دار السيادة ) لخدمة السادة من ذرية النبي ( عليهما السلام ) من أبناء علي وفاطمة ( صلى الله عليه وآله ) ، وهي مؤسسات اجتماعية تهتم بمعيشتهم ، وحل مشاكلهم ، وتعليمهم .
والأمر الرابع ، أنه أعاد ( حَيَّ على خير العمل ) إلى الأذان ، وهذه الفقرة لها أهمية وتاريخ ، فقد حذفها عمر بن الخطاب من الأذان وهدد من يقولها ، وأصرَّ عليها أهل البيت ( عليهم السلام ) وشيعتهم عبر العصور ، حتى صارت علامةً للشيعة الإمامية والزيدية ، وشعاراً للثورة على نظام الخلافة ، ولذا خصصناها بعنوان !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 173 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والأمر الخامس ، أن السلطان عمَّمَ مصادر مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ونشر كتب علمائه ، خاصة نصير الدين الطوسي والعلامة الحلي ، وقد نص المؤرخون على أن كتب العلامة الحلي ( قدس سره ) دُرِّست في حياة مؤلفها ، وهذا نادراً ما يحصل .
قال الصفدي في الوافي : 13 / 54 : « الحسن بن يوسف بن المطهر الإمام العلامة ذو الفنون ، جمال الدين ابن المطهر الأسدي الحلي المعتزلي ( ! ) عالم الشيعة وفقيههم صاحب التصانيف التي اشتهرت في حياته ! تقدم في دولة خربندا تقدماً زائداً ، وكان له مماليك وإدارات كثيرة وأملاك جيدة ، وكان يصنف وهو راكب ! شرَحَ مختصر ابن الحاجب ، وهو مشهور في حياته » . انتهى .
وأول كتاب اشتهر في حياة مؤلفه كتاب تجريد الإعتقاد للمحقق الطوسي ( قدس سره ) وقد شرحه علماء من مذاهب مختلفة ، ثم اشتهر كتاب العلامة الحلي ( قدس سره ) شرح ابن الحاجب في أصول الفقه ، وفرض نفسه بسرعة للتدريس في مدارس المذاهب الأربعة في مختلف البلاد ، ثم اشتهر كتابه منهاج الكرامة الذي أثار حفيظة المتعصبين كابن تيمية ، فرد عليه بكتاب سماه الرد على الرافضي ، ثم سموه له بعد مدة طويلة : منهاج السنة ! ولا بد أن مصادر مذهب أهل البيت كالكافي ، وكتب الفقه ، وسيرة النبي ( عليهما السلام ) والأئمة ( عليهم السلام ) ، قد انتشرت في أنحاء البلاد يومذاك .
أما ما عدا ذلك من الأوضاع الثقافية والدينية فلم تمسه السلطة الشيعية ، بل أبقت المدرسة النظامية والمستنصرية وبقية المؤسسات السنية بأيدهم كما كانت ، حتى أنها لم تضف إليها تدريس المذهب الشيعي ! وأبقت جهاز القضاء كما كان ، لكن منعت فرض قضاة سنة على مناطق الشيعة .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 174 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

8 - أضواء على حذف ذكر الشيخين من خطبة الجمعة

أمر الله تعالى المسلمين بالصلاة على نبيهم ( صلى الله عليه وآله ) في صلاتهم ، وأن يقرنوا معه آله وعترته ( عليهم السلام ) ، وروت ذلك أصح مصادر السنيين . كما أمر تعالى نبيه ( عليه السلام ) أن يوصي أمته بالقرآن والعترة ( عليهم السلام ) ويقرنهما معاً ، وروت ذلك أصح مصادر السنيين !
وقد خضع القرشيون مضطرين فصلوا على النبي وآله ( صلى الله عليه وآله ) في صلاتهم ، لكنهم ابتدعوا في غيرها قَرْنَ زعمائهم بالنبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وبذلك رفعوا شعار : صحابة النبي ، مقابل شعار النبي : أهل بيتي وعترتي ( عليهم السلام ) !
ثم أمر معاوية أن يذم الخطيب في صلاة الجمعة علي بن أبي طالب وأولاده ( عليهم السلام ) ويلعنهم ، فطبق المسلمون ذلك سنين متمادية ، واعتبره بعضهم سنة كسنة النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، حتى جاء عمر بن عبد العزيز في مطلع القرن الثاني غألغى مرسوم معاوية ، لكنه توفي مسموماً واستمر اللعن إلى آخر دولة بني أمية !
وبعد نجاح الثورة العباسية ، اختلف المنصور العباسي مع حلفائه الحسنيين فثاروا عليه ، فأراد أن يغيظ العلويين ويرغم أنفهم وأنف نفسه كما قال ! فأمر بمدح أبي بكر وعمر في خطبة الجمعة والدعاء للخليفة !
وكان ذلك في القرن الثاني ، وصار سنة إلى أن أبطله مرسوم السلطان محمد خدابنده ! قال العلامة الحلي ( قدس سره ) في كتاب نهج الحق / 449 : « ذهبت الإمامية إلى أن الجمعة يجوز فعلها في الصحراء مطلقاً . وقال أبو حنيفة : لا يجوز إلا في نفس المصر أو في موضع يصلى فيه العيد . وقال مالك : لا تصح الجمعة إلا في الجامع .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 175 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد خالفا عموم القرآن . وقد ظهر من هذه المسائل للعاقل المنصف أن الإمامية أكثر إيجاباً للجمعة من الجمهور ، ومع ذلك يشنعون عليهم تركها حيث إنهم لم يجوزوا الإئتمام بالفاسق ومرتكب الكبائر والمخالف في العقيدة الصحيحة ، وأنهم لا يجوٍّزون الزيادة في الخطبة التي خطبها النبي ( صلى الله عليه وآله ) وأصحابه والتابعون إلى زمن المنصور » . وقال ( قدس سره ) في منهاج الكرامة / 69 : « فانظر إلى من يغير الشريعة ويبدل الأحكام التي جاء بها النبي ( صلى الله عليه وآله ) ويذهب إلى ضد الصواب ، معاندة لقوم معينين هل يجوز اتباعه والمصير إلى أقواله ؟ ! مع أنهم ابتدعوا أشياء اعترفوا بأنها بدعة وأن النبي ( صلى الله عليه وآله ) قال : كل بدعة ضلالة وكل ضلالة فإن مصيرها إلى النار ! وقال ( صلى الله عليه وآله ) : من أدخل في ديننا ما ليس منه فهو رد عليه !
ولو رُدُّوا عنها كرهته نفوسهم ، ونفرت قلوبهم ! كذكر الخلفاء في خطبتهم ، مع أنه بالإجماع لم يكن في زمن النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، ولا في زمن أحد من الصحابة والتابعين ، ولا في زمن بني أمية ، ولا في صدر ولاية العباسيين ، بل هو شئ أحدثه المنصور ، لما وقع بينه وبين العلوية فقال : والله لأرغمن أنفي وأنوفهم وأرفع عليهم بني تيم وعديٍّ ! وذكَرَ الصحابة في خطبته ، واستمرت هذه البدعة إلى هذا الزمان » ! ( منهاج الكرامة / 69 ) .
على ضوء هذا ، كان مرسوم السلطان محمد ( رحمه الله ) تصحيحاً لتحريف المنصور لسنة النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وحذفاً لما ابتدعوه واستدركوه على رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) !
وقد شهد بعض علمائهم بأن ذكر أبي بكر وعمر في خطبة الجمعة ، بدعة !
قال المقريزي في إمتاع الإسماع : 11 / 3 : « قال الشيخ محي الدين أبو زكريا النووي :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 176 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
واتفقوا على جواز جعل غير الأنبياء ( كالصحابة ) تبعاً لهم في الصلاة ، ثم ذكر هذه الكيفية وقال : الأحاديث الصحيحة في ذلك ، وقد أمرنا به في التشهد ولم يزل السلف عليه خارج الصلاة أيضاً . قالوا : ومنه الأثر المعروف عن بعض السلف : اللهم صل على ملائكتك المقربين وأنبيائك المرسلين ، وأهل طاعتك أجمعين ، من أهل السماوات والأرضين . وأجيب : بأن ادعاء الاتفاق غير معلوم الصحة فقد منع جماعة الصلاة على غير الأنبياء ( عليهم السلام ) مفردة وتابعة كما تقدم ، فمن جعل الاتفاق ؟ وهذا التفصيل الذي ذكرتموه وإن كان معروفاً عن بعضهم في أصلهم بقوله : بل يمنعه . وهب أنا نجوز الصلاة على أتباعه بطريق التبعية له ، فمن أين يجوز إفراد المقرّ أو غيره بالصلاة عليه إستقلالاً ؟ !
ودعواكم أن الأحاديث صحيحة في ذلك غير مسلم بها ، فأين تجدون في الأحاديث الصحيحة الصلاة على غير النبي ( صلى الله عليه وآله ) وأزواجه وذريته ، حتى قلتم ( والصحابة ) ؟ فليس فيما ذكر الصحابة ولا الأتباع !
وكذا قولكم وقد أمرنا به في التشهد ، فما أمرنا في التشهد إلا بالصلاة على آله وأزواجه وذريته فقط ، دون من عداهم ، أوجدونا ولن تجدوه أبداً » . انتهى .
ولهذا استنكر الحافظ المحدث عبد الله الصديق الغماري المغربي ، على الإمام الوهابي ناصر الألباني وحكم عليه بأنه مبتدعٌ ، لأنه يضيف الصحابة في صلاته على النبي ( صلى الله عليه وآله ) ! وكتب رسالة سماها : القول المقنع في الرد على الألباني المبدع ، قال فيها : « وننبه هنا على خطأ وقع من جماهير المسلمين قلد فيه بعضهم بعضاً ، ولم يتفطن له إلا الشيعة ! ذلك أن الناس حين يصلون على النبي ( عليهما السلام ) يذكرون معه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 177 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أصحابه ، مع أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) حين سأله الصحابة فقالوا : كيف نصلي عليك ؟ أجابهم بقوله : قولوا : اللهم صل على محمد وآل محمد . وفي رواية : على محمد وأزواجه وذريته كما صليت على آل إبراهيم . ولم يأت في شئ من طرق الحديث ذكر أصحابه ! مع كثرة الطرق وبلوغها حد التواتر ! فذكَرُ الصحابة في الصلاة على النبي ( صلى الله عليه وآله ) زيادة على ما علمه الشارع ، واستدراكٌ عليه وهو لا يجوز ! وأيضاً فإن الصلاة حق للنبي ولآله ( صلى الله عليه وآله ) ولا دخل للصحابة فيها ، لكن يترضى عنهم » . انتهى . ورد عليه الألباني في مقدمة سلسلة الأحاديث الضعيفة : 3 / 8 ، بعدة صفحات لكنه لم يأت بطائل !

9 - لماذا اخترع المنصور الترضي على الشيخين في خطبة الجمعة

أسس الحسنيون حركة الثورة على الأمويين ، وبايعهم العباسيون وكانوا أتباعاً لهم ، فقد بايعوا محمد بن عبد الله بن الحسن المثنى على أنه المهدي الموعود ! وكان المنصور يأخذ بركابه ويقول : هذا مهدينا !
ثم اتفق العباسيون من وراء ظهر الحسنيين مع قائد الثورة أبي مسلم الخراساني فغضب الحسنيون وثاروا على العباسيين بعد توليهم السلطة بمدة ، واحتلوا اليمن والحجاز والبصرة ، وقاد إبراهيم بن عبد الله بن الحسن سبعين ألف مقاتل نحو الكوفة وكاد يحتلها ، وهيأ المنصور العباسي فرسه للهرب وهو يصيح : أين قول صادقهم ، يقصد الإمام جعفر الصادق ( عليه السلام ) حيث أخبره بأنه سيحكم !
وشاء الله أن يصيب إبراهيم قائد الجيش الحسني سهمٌ طائر فيقتله ، فانفرط
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 178 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
جيشه وانتصر العباسيون !
عندها فكر المنصور العباسي أن يضرب أبناء علي ( عليه السلام ) كلهم بمن فيهم الحسينيون ، ويأخذ منهم المرجعية الدينية ، فيؤسس مذهباً مقابلهم !
ثم صعَّد موقفه ليغيض العلويين عامة ، فتبنى تنقيص مكانة علي ( عليه السلام ) وتضخيم مكانة أبي بكر وعمر ، وقال كلمته المشهورة : « والله لأرغمن أنفي وأنوفهم وأرفع عليهم بني تيم وعديٍّ » ! وأمر بمدح أبي بكر وعمر في الجمعة ! ( منهاج الكرامة / 69 ) .
وبدأ المنصور بنفسه في ذلك فصلى الجمعة ومدح أبا بكر وعمر في خطبة الصلاة ! وأمر مالكاً إمام المذهب بسياسته الجديدة !
« قال مالك : قال لي المنصور : من أفضل الناس بعد رسول الله ؟ فقلت : أبو بكر وعمر . فقال : أصبت ، وذلك رأي أمير المؤمنين » . ( النهاية : 10 / 130 ) .
وكان مالك بعدها يظهر تأسفه ، لأنه خالف سياسة المنصور الجديدة ، وكتب في كتابه الموطأ أحاديث تذم الصحابة ، وهي أحاديث الحوض ، التي تنص على أن الصحابة يدخلون النار ولا ينجو منهم إلا مثل هَمَل النعم ، حسب تعبير البخاري ! لكن كتاب مالك كان انتشر ولا يمكنه حذف ذم الصحابة منه !
قال الحافظ المغربي في فتح الملك العلي / 151 : « حكي عن مالك أنه قال : ما ندمت على حديث أدخلته في الموطأ إلا هذا الحديث ! وعن الشافعي أنه قال : ما علمنا في كتاب مالك حديثاً فيه إزراء على الصحابة إلا حديث الحوض ، ووددنا أنه لم يذكره » !
ومعنى ذلك أن العباسيين غيروا سياستهم مئة وثمانين درجة ، وتبنوا سياسة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 179 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأمويين التي ثاروا عليها مع الحسنيين بشعار يا لثارات الحسين ، والدعوة إلى الرضا من آل محمد ، والبراءة من بني أمية وظالمي آل محمد ( صلى الله عليه وآله ) !

10 - وصارت بدعة المنصور ديناً عند أتباع بني أمية !

من يومها صار الغلو في أبي بكر وعمر وتنقيص حق أهل البيت ( عليهم السلام ) ديناً رسمياً تجبر الحكومة الناس عليه ، وتكفِّر من لا يوافقها وتهدر دمه !
وقد قتلوا ألوفاً مؤلفة من المسلمين قديماً وحديثاً من أجل أبي بكر وعمر ، وألبسوا قتلهم ثوباً دينياً ! وهذا سبب بغضهم للسلطان خدابنده ، وتشويههم لشخصيته ( رحمه الله ) ! وهو سبب عقدة ابن تيمية من كتاب منهاج الكرامة ومؤلفه العلامة الحلي ( قدس سره ) ! قال ابن تيمية في منهاجه : 4 / 165 : « والرافضة شر من هؤلاء وهؤلاء ( النواصب والخوارج ) يبغضون أبا بكر وعمر وعثمان ويسبونهم ، بل قد يكفرونهم ، فكان ذكر هؤلاء وفضائلهم رداً على الرافضة . ولما قاموا في دولة خدابنده الذي صنف له هذا الرافضي هذا الكتاب ، فأرادوا إظهار مذهب الرافضة وإطفاء مذهب أهل السنة والكتاب ، وعقدوا ألوية الفتنة وأطلقوا عنان البدعة ، وأظهروا من الشر والفساد ما لا يعلمه إلا رب العباد .
وكان مما احتالوا به أن استفتوا بعض المنتسبين إلى السنة في ذكر الخلفاء في الخطبة هل يجب ؟ فأفتى من أفتى بأنه لا يجب ، إما جهلاً بمقصودهم ، وإما خوفاً منهم وتقية لهم ، وهؤلاء إنما كان مقصودهم منع ذكر الخلفاء ، ثم عوضوا عن ذلك بذكر علي والأحد عشر الذين يزعمون أنهم المعصومون .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 180 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فالمفتي إذا علم أن مقصود المستفتي له أن يترك ذكر الخلفاء ، وأن يذكر الاثني عشر وينادي بحي على خير العمل ليبطل الأذان المنقول بالتواتر من عهد النبي ، ويمنع قراءة الأحاديث الثابتة الصحيحة عن رسول الله ( يقصد في فضل أبي بكر وعمر ) ويعوض عنها بالأحاديث التي افتراها المفترون ( في مدح أهل البيت ( عليهم السلام ) ) ويبطل الشرائع المعلومة من دين الإسلام ، ويعوض عنها بالبدع المضلة ، ويتوسل بذلك من يتوسل إلى إظهار دين الملاحدة ، الذين يبطنون مذهب الفلاسفة ويتظاهرون بدين الإسلام ، وهم أكفر من اليهود والنصارى ، إلى غير ذلك من مقاصد أهل الجهل والظلم الكائدين للإسلام وأهله ، لم يحلَّ للمفتي أن يفتي بما يجرُّ إلى هذه المفاسد !
وإذا كان ذكر الخلفاء الراشدين هو الذي يحصل به المقاصد المأمور بها عند مثل هذه الأحوال ، كان هذا مما يؤمر به في مثل هذه الأحوال ، وإن لم يكن من الواجبات التي تجب مطلقاً ولا من السنن التي يحافظ عليها في كل زمان ومكان » .
فقد اعترف ابن تيمية بأن ذكر أبي بكر وعمر في خطبة الجمعة من فعل المنصور ولا دليل على تشريعه ! لكنه مع ذلك أفتى بأن ذكرهما واجب وإن كان لا أصل له في الدين ، لأجل حفظ ( الدين » ! ( راجع نقد السيد الميلاني لاستدلال ابن تيمية في شرح منهاج الكرامة : 1 / 316 ) .
وختاماً ، تدل النكتة التالية على مبالغتهم في فرض الشيخين على عوام المسلمين ، رواها شيخهم أبو حيان في البصائر والذخائر / 712 ، قال : « قال بعض المغفلين وقد جرى ذكر الصحابة : أنا لا أعرف إلا الشيخين : الله ، والنبي » !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 181 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

11 - الآثار الإيجابية لمرسوم السلطان المغولي بتبني التشيع

كان ذلك المرسوم إنصافاً ضرورياً لمذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، وإنهاءً لمنعهم من ممارسة مذهبهم وإجبارهم على مذهب الخليفة ! كما كان كسراً للتعتيم العباسي الجائر ، ومنع الأمة من التعرف على أئمة العترة النبوية ، ومذهبهم وعلومهم وسيرتهم العطرة ( عليهم السلام ) ، وأنهم هم أهل البيت وآل النبي ( صلى الله عليه وآله ) المطهرون ، الذين أوصى بهم ، وليس زوجات النبي وبني العباس ، كما أشاع إعلام السلطة !
ولهذا تنفس الشيعة الصعداء ، وفرحوا في كافة البلاد كما نص المؤرخون ، وقد روى الصفدي في الوافي : 2 / 129 ، قصيدة ابن الحسام العاملي في تأييد هذا المرسوم ، فقال : « السلطان خربندا محمد بن أرغون بن أبغا بن هولاكو بن جنكز خان المغولي القان غياث الدين خدابندا ، معناه عبد الله ، وإنما الناس غيروه وقالوا خربندا ، صاحب العراق وأذربيجان وخراسان ، ملك بعد أخيه غازان وكانت دولته ثلاث عشرة سنة . . . وكان مسلماً فما زال به الإمامية إلى أن رفَّضوه وغيَّر شعار الخطبة وأسقط ذكر الخلفاء من الخطبة سوى علي رضي الله عنه . . . ولما تشيع السلطان خدابندا المذكور قال جمال الدين إبراهيم بن الحسام ، المقيم بقرية مجدل سلم من بلاد صفد ، يمدحه :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] أهدي إلى ملك الملوك دعائي * وأخصُّه بمدايحي وثنائي
وإذا الورى والَوْا ملوكاً غيره * جهلاً ففيه عقيدتي وولائي
هذا خدابندا محمدٌ الذي * سادَ الملوكَ بدولة غرَّاء
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 182 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] ملكُ البسيطة والذي دانت له * أكنافُها طوعاً بغير عناء
أغنتك هيبتُك التي أعطيتها * عن صارم أو صَعدةٍ سمراء
ولقد لبستَ من الشجاعة حُلةً * تغنيك عن جيش ورفع لواء
ملأ البسيطة رغبةً ومهابةً * فالناس بين مخافة ورجاء
من حوله عُصَبٌ كآساد الشرى * لا يرهبون الموت يوم لقاء
وإذا ركبت سرى أمامك للعدى * رعبٌ يقلقلُ أنفس الأعداء
ولقد نشرتَ العدل حتى أنه * قد عمَّ في الأموات والأحياء
فلْيُهْن ديناً أنت تنصرُ مُلكه * وطبيبَه الداري بحَسْم الداء
نبَّهته بعد الخمول فأصبحت * تعلو بهمته على الجوزاء
وبسطت فيه بذكر آل محمد * فوق المنابر ألْسُنَ الخطباء
وغدَتْ دراهمك الشريفة نقشُها * باسم النبيِّ وسيِّد الخلفاء
ونقشتَ أسماء الأيمة بعده * أحْسِنْ بذاك النقش والإسماء
ولقد حفظتَ عن النبي وصيةً * ورفعتَ قرباهُ على القرباء
فابشرْ بها يوم المعاد ذخيرةً * يُجْزيكَهَا الرحمنُ خيرَ جزاء
يا ابن الأكاسرة الملوك تقدموا * وورثتَ ملكهم وكل علاء » . انتهى .
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] ومن جهة ثالثة ، فقد فتح مرسوم السلطان خدابنده الباب رسمياً أمام فكر أهل البيت ( عليهم السلام ) بأصالته وقوته ، فشقت أحاديثهم وسيرتهم طريقها بقوة وجاذبية ، وانفتح الباب أمام مؤلفات علماء مذهبهم ، خاصة مؤلفات المرجعين العبقريين نصير الدين الطوسي والعلامة الحلي ، واحتلت مكان الصدارة والإعجاب في
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 183 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
حواضر العالم الإسلامي ، وعند كبار علماء المذاهب .
وقد بخلت مصادر التاريخ بأكثر أخبار هذه الفترة ، بسبب أنه جاءت بعدها موجة حكم الشراكسة والعثمانيين ، المعادين للشيعة ، الحريصين على تشويه تاريخهم ! وسترى مدى ظلم مؤرخيهم لعهد السلطان المتشيع وابنه بو سعيد !
ومن جهة رابعة : ضمن هذا المرسوم تطبيق سياسة المذهب الشيعي في إعطاء الحرية لكل المذاهب ، وهو ما لا يستطيع توفيره غيره !
كما ضمن الانفتاح العلمي على التطوير والإعمار ، وهو ما يتميز به المذهب الشيعي عن غيره ، فإن نظرة إلى الإعمار والخدمات والتقدم الاقتصادي الذي تحقق للعراق في ظل الحكم الشيعي ، وإحصائية بسيطة لعدد العلماء والمؤلفات في ذلك العهد وما بعده ، تضع يدنا على سعة ما قام به ذلك السلطان الشيعي ، بتوجيه نصير الدين والعلامة وتلاميذهم ، وما أثمرته مشاريعهم .

12 - عمل النواصب لتشويه شخصية السلطان محمد خدابنده

وسبب غضبهم عليه أنه تبنى مذهب أهل البيت وكتب أسماءهم ( عليهم السلام ) على العملة ، وأمر بذكرهم في خطبة الجمعة بدل أبي بكر وعمر . فاستحق بذلك عندهم أن يخفوا محاسنه وعدله ، وأن يفتروا عليه ويسموه ( عبد الحمار ) !
قال السيد المرعشي في شرح إحقاق الحق : 1 / 70 : « قال المؤرخ الجليل معين الدين النطنزي في كتابه منتخب التواريخ ، الذي شرع في تأليفه سنة 816 وأتمه سنة 817 ، وطبع بطهران 1336 ، ما ملخصه : إن السلطان محمد خدا بنده الجايتو كان ذا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 184 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
صفات جليلة وخصال حميدة ، لم يقترف طيلة عمره فجوراً وفسقاً ، وكان أكثر مجالسته للفقهاء والزهاد والسادة الأشراف . ووفقه الله لتأسيس صدقات جارية منها : أنه بنى ألف دار من بقاع الخير والمستشفيات ، ودور الحديث ، ودور الضيافة ، ودور السيادة ، والمدارس ، والمساجد ، والخانقاهات ، بحيث أراح الحاضر والمسافر ، وكان زمانه من خير الأزمنة لأهل الفضل والتقى .
حكم البلاد ستة عشرة سنة من بلاد العجم إلى إسكندرية مصر وإلى ما وراء النهر ، توفي سنة 717 أو 719 ، ودفن بمقبرته التي أعدها في بلدة سلطانية . . .
وقال مولانا العلامة السعيد القاضي الشهيد في المجالس ما محصله : إن لفظة أولجايتو ( الجايتو ) كلمة مغولية معناها بالفارسية ( فرخنده ) . ( أي المبارك ) .
ومن آثاره دار السيادة في أصفهان وكاشان وسيواس من بلاد الروم ، وفي مشهد أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وبالشام وديار بكر وغيرها ، وعيَّن لها الأوقاف . .
وراج حال أهل العلم والفضل في دولته بحيث رتب لهم مدرسة سيارة ، وكان يتنقل معه أينما انتقل جماعة من العلماء والمدرسين والمشتغلين كمولانا العلامة الحلي ، والمولى بدر الدين التستري ، والمولى نظام الدين عبد الملك المراغي ، والمولى برهان الدين ، والخواجة رشيد الدين ، والسيد ركن الدين الموصلي ، والكاتبي القزويني ، والكيشي ، وقطب الدين الفارسي ، وغيرهم .
وفي كتاب تحفة الأبرار المخطوط للعلامة آقا محمد جعفر الكرمانشاهي قال : وكان الجايتو من أفاضل الملوك ، سريع الإنتقال حاضر الجواب ، وتحكى عنه في سرعة الذهن وحضوره غرائب وعجائب . . . ولهذا الملك الجليل عدة بنين وبنات
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 185 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أشهرهم ابنه السلطان أبو سعيد ، وله ولإخوته عقب متسلسل ، فيهم الفقهاء والأمراء والشعراء وأرباب الفضل والورع والتقى .
وبعدما اختار التشيع لُقب ( خدابنده ) وقد غيرَّ بعض المتعصبين من العامة كابن حجر العسقلاني وغيره ذاك اللقب الشريف إلى ( خربنده ) وذلك لحميتهم الجاهلية الباردة ! ومن الواضح لدى العقلاء أن طهارة لسان المؤرخ من البذاءة والفحش ، من الشرائط المهمة في قبول نقله والاعتماد عليه . وقد نبزوه بهذا اللقب لبغضهم آل الرسول ( صلى الله عليه وآله ) هذا الداء الدفين في قلوبهم وتلك الأحقاد البدرية والحنينية ! وهاك صورة الدراهم التي ضربت باسمه في محيطها أسماء الأئمة الطاهرين عليهم الصلاة والسلام ، وفي وسطها هذه الجملة :
( ضرب في أيام دولة السلطان الأعظم مالك رقاب الأمم الجايتو سلطان غياث الدنيا والدين خدا بنده محمد خلد الله ملكه ) .
وعندنا شئ من تلك السكك والضروب ، وقد نقشت أسماء المعصومين ( عليهم السلام ) متصلة بمحيط الدائرة الكائنة على السكة ، وفي وسطها اسم السلطان » . انتهى .
أقول : المغول والمماليك من فصيلة واحدة ، والحكم الشرعي فيهما أنهما فئتان تسلطتا على بلاد المسلمين بدون رضاهم ، فالحكم فيهما كإناءين لا يصلحان لشرب ولا وضوء : أَهْرِقْهُمَا وتَيَمَّمْ ! فلماذا يقبل السنيون المماليك ويمدحونهم ، ولا يقبلون المغول ؟ ! نعم ، لقد أفسد المغول ودمَّروا ، ثم استعمروا بشكل غير مباشر وعمَّروا ! وغزا المماليك الأمة من الداخل بإفساد أقل ، لكنهم استعمروا بشكل مباشر وأفسدوا أكثر ؟ ! فلماذا يفضلونهم على المغول ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 186 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
السبب أن رواة الخلافة لا يهمهم ظلم المماليك والمغول ولا عدلهم ، وإنما يهمهم مذهبهم وهل هم سنة ليمدحوهم ، أو شيعة ليذموهم ! فلا تنتظر منهم أن يمدحوا السلطان خدا بنده الشيعي ، إلا في فلتاتهم !
لقد مدحوا أخاه السلطان قازان ، وولده السلطان بَهَادُر بو سعيد ، الذي حكم مدة أطول من أبيه ، لأنهم جعلوهما سُنِّيَيْن !
لكنهم لم يستطيعوا أن يقولوا إن خدابنده كان سنياً ، لأنه أصدر مرسوماً أبطل فيه مرسوم المنصور العباسي بمدح أبي بكر وعمر وعثمان في خطبة الجمعة ، وأمر أن يمدح الخطيب بدلهم علياً والأئمة من أولاده ( عليهم السلام ) ! ولهذا شوهوا صورته ما استطاعوا ، ولم يشفع له أنه ضمن حرية المذاهب واحترم علماءها ، وأنه عَمَّرَ العراق بواسطة حكامه الجوينيين ، حتى عاد أفضل مما كان في عهد العباسيين !
إن كرههم لهذا السلطان وصل إلى حد العقدة ، لمجرد أنه قال إن النبي ( صلى الله عليه وآله ) لم يأمرنا بذكر اسم أبي بكر وعمر بعد صلاة الجمعة ، بل أوصى بالقرآن والعترة فاذكروهم في خطبة الجمعة ! فصار من أهل النار ، وصار الكذب عليه واجباً ! وأول ما كذبوا عليه أنهم سموه ( عبد الحمار ) لأن اسمه محمد ولقبه ( خدابنده ) وهو فارسي بمعنى عبد الله ، فجعلوه ( خربندا ) أي عبد الحمار !
وهذا يعني أن الذين ارتكبوا الكذبة فُرْسٌ أقحاح ، لأن الذي يغير ( خدابنده ) إلى ( خربندا ) هو فارسي متمكن من الفارسية !
قال في مآثر الإنافة : 2 / 128 : « وملك بعده أخوه خدابندا ، والعامة تقول خربندا » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 187 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أقول : يتهم القلقشندي العامة بذلك ، وقد ترجم له أكثر علمائهم باسم ( خربندا ) ومنهم القلقشندي نفسه ! فهل هو والذهبي وابن حجر وابن كثير وابن خلدون وأمثالهم ، من العوام الذين لا يفهمون ؟ !
بل الذي غير لقبه علماء السوء ، وقد اخترعوا لذلك سبباً فزعم ابن تغري الشركسي الشامي في النجوم الزاهرة : 9 / 238 ، أنه وجد سبب تسمية أبيه له ( عبد الحمار ) ! قال : « ومن الناس من يسميه خُدابندا بضم الخاء المعجمة والدال المهملة ، والأصح ما قلناه ( أي خربندا ) ! وخدابندا معناه عبد الله بالفارسي ، غير أن أباه لم يسمه إلا خربندا وهو اسم مهمل معناه عبد الحمار ! وسبب تسميته بذلك أن أباه كان مهما ولد له ولد يموت صغيراً ، فقال له بعض الأتراك : إذا جاءك ولد فسمه إسماً قبيحاً يعش ، فلما ولد له هذا سماه خربندا في الظاهر واسمه الأصلي أبجيتو ( المبارك ) فلما كبر خربندا وملك البلاد ، كره هذا الاسم واستقبحه ، فجعله خدابندا ، ومشى ذلك بمماليكه وهدد من قال غيره ، ولم يُفده ذلك إلا من حواشيه خاصة !
ثم قال ابن تغري : « ولما ملك خربندا أسلم وتسمى بمحمد ، واقتدى بالكتاب والسنة ، وصار يحب أهل الدين والصلاح ، وضرب على الدرهم والدينار اسم الصحابة الأربعة الخلفاء ( هذا كذب ) حتى اجتمع بالسيد تاج الدين الآوي الرافضي وكان خبيث المذهب ، فما زال بخربندا حتى جعله رافضياً ، وكتب إلى سائر ممالكه يأمرهم بالسب والرفض ! ووقع له بسبب ذلك أمور !
قال النويري : كان خربندا قبل موته بسبعة أيام قد أمر بإشهار النداء ألا يذكر
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 188 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ، وعزم على تجريد ثلاثة آلاف فارس إلى المدينة النبوية لينقل أبا بكر وعمر من مدفنهما ، فعجل الله بهلاكه إلى جهنم وبئس المصير هو ومن يعتقد معتقده كائناً من كان » . انتهى .
أقول : هذا مثال على تعمدهم الكذب بأنه لم يعش لأبيه أولاد فسماه عبد الحمار ! وهم يعرفون أن السلطان قازان أخوه ، بشهادتهم : « ولما هلك قازان وليَ بعده أخوه خربندا وابتدأ أمره » ( تاريخ الذهبي : 52 / 37 ، وابن خلدون : 5 / 549 ) .
وذكروا له إخوة أكبر منه وهم : نوروز بن أرغون بن أبغا ( الدرر الكامنة : 4 / 25 ) وبيدار بن أرغون ( نهاية ابن كثير : 13 / 385 ) ! لكنهم يكذبون جهاراً لنصرة السنة !
ومن كذبهم قولهم إنه أراد نبش قبر أبي بكر وعمر وإلقاء عظامهما من عند قبر النبي ( صلى الله عليه وآله ) فحدثت معجزة ، ومات بعد سبعة أيام !
ومن كذبهم ما قاله في السلوك : 2 / 513 : « وكان رافضياً قتل أهل السنة ! وكان منهمكاً في شرب الخمر متشاغلاً باللهو ! وقام بعده ابنه أبو سعيد بعهده إليه . وكان مُحْوَلاً بإحدى عينيه ، عادلاً في رعيته ، ملك ثلاث عشرة سنة وأشهراً » .
وقال في مآثر الإنافة : 2 / 128 ، تحت عنوان ( خربندا ) : « فافتتح أمره بالدخول في الإسلام ، وتسمى بمحمد وتلقب غياث الدين ، وأقام دين الإسلام وعظَّم الخلفاء ، وكتب أسماءهم في سكته على الدراهم والدنانير . . . » .
وقال ابن خلدون : 5 / 549 : « ولما هلك قازان وليَ بعده أخوه خربندا . . . ثم صحب الروافض فساء اعتقاده وحذف ذكر الشيخين من الخطبة ونقش أسماء الأئمة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 189 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الاثني عشر على سكته ، ثم أنشأ مدينة بين قزوين وهمذان وسماها السلطانية ونزلها ، واتخذ بها بيتاً لطيفاً بلبن الذهب والفضة ، وأنشأ بإزائها بستاناً جعل فيه أشجار الذهب بثمر اللؤلؤ والفصوص ، وأجرى اللبن والعسل أنهاراً ، وأسكن به الغلمان والجواري تشبيهاً له بالجنة ، وأفحش في التعرض لحرمات قومه !
ثم سار إلى الشام سنة ثلاث عشرة وعبر الفرات ونزل الرحبة ورجع ، ثم هلك . ويقال مات مسموماً على يد بعض أمرائه ، سنة ست عشرة » . انتهى .
أقول : لم يذكر ابن خلدون ولا غيره مصدراً لكلامهم عن السلطان الشيعي خدابنده ، مع أن عصره قريب منهم ، ومن عادة الكذابين في التاريخ أن لا يذكروا مصدراً ، لأنه لا يوجد ! وقد يسندونه إلى مجهول فيقولون : قال أهل العلم !
لقد توفي السلطان خدابنده سنة 716 ، وتوفي ابن خلدون سنة 808 ، ومعناه أنه رأى بقايا الجيل الذين عاصروا السلطان ! لكن ذم الشيعة عنده لا يحتاج إلى مصدر فليكتب ما شاء ، وأتباع الخلافة يصدقونه ويدافعون عنه !
وزاد ابن خلدون : 5 / 494 : « وشاع بين الناس أنه داخل الروافض الذين عند خربندا في إخراج الشيخين من قبريهما ، وعظم ذلك على الناس » . انتهى .
لاحظ قوله : وشاع بين الناس ! لكن ابن تغري والذهبي قالوا إنه أمر المسلمين بسب أبي بكر وعمر فظهرت معجزة ! وإن شمس الدين الموصلي عندما سبهما : وَرِمَتْ عيناه حتى كادتا تخرجان من وجهه ، واسودَّ جسمه حتى بقي كالقير وانتفخ ، وخرج من حلقه شئ يصرع الطيور ( صفير شديد ! ) فحمل إلى بيته فما جاوز ثلاثة أيام حتى مات ، ولم يتمكن أحد من غسله مما يجري من جسمه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 190 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وعينيه ودفن . . . جاء إلى بغداد أصحابنا وحدثوا بهذه الواقعة وهي صحيحة » ! ( الوافي : 3 / 18 ، وذيول العبر : 6 / 46 ) .

13 - وزاد ابن تيمية على الجميع في التجني

قال في منهاجه : 6 / 375 : « والرافضة إذا تمكنوا لا يَتَّقُون ، وانظر ما حصل لهم في دولة السلطان خدابندا ، الذي صنف له هذا الكتاب ، كيف ظهر فيهم من الشر الذي لو دام وقوي ، أبطلوا به عامة شرائع الإسلام » . انتهى .
وقال في منهاجه : 8 / 430 : « ولقد بلغني عن ملك المغول خدابنده الذي صنف له هذا الرافضي كتابه هذا في الإمامة ، أن الرافضة لما صارت تقول له مثل هذا الكلام إن أبا بكر كان يبغض النبي ( ص ) وكان عدوه ، ويقولون مع هذا إنه صحبه في سفر الهجرة الذي هو أعظم الأسفار خوفاً ! قال كلمة تلزم عن قولهم الخبيث ، وقد برأ الله رسوله منها لكن ذكرها على من افترى الكذب الذي أوجب أن يقال في الرسول مثلها ، حيث قال : كان قليل العقل ! ولا ريب أنه فعل ما قالته الرافضة فهو قليل العقل ، وقد برأ الله رسوله وصديقه من كذبهم ، وتبين أن قولهم يستلزم القدح في الرسول » !
فقد تخوف ابن تيمية من قوة السلطان والشيعة ! وأضاف أنه بلغه من مجهول أن السلطان كافر ، لأنه اتهم النبي ( صلى الله عليه وآله ) بأنه لا عقل له ، لأنه صحب أبا بكر !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 191 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

14 - أخفوا كل منجزات السلطان محمد خدابنده !

وقد تعمدوا كتمان فضائل هذا السلطان الشيعي ومنجزاته ، فاكتفى بعضهم بقوله ( كان عادلاً في رعيته ) ( السلوك : 2 / 513 ) ! وأهملوا ذكر الحريات والعمران في عصره ، وإطلاقه يد الجوينيين حتى عمَّروا العراق بمستوى قياسي ! ولم يذكروا خدماته في الحرمين وطريق الحج ومشاهد أهل البيت ( عليهم السلام ) ، وأنه أراح الحجاج والزوار والمسافرين ، ولا ذكروا ازدهار المكتبات والمدارس والعلم والعلماء في عهده ، ولا إنشاءه جامعة في السلطانية جاء لها بكبار علماء المذاهب الأربعة من العالم ، وكان يجلس في بعض دروسهم ، وكان يجالس العلماء ويحبهم .
وأنه برعايته للمذاهب السنية ظهر منها علماء كبار مشهورون كصدر جهان الحنفي ، ونظام الدين المراغي ، والعضدي الإيجي ، وبدر الدين الشوشتري ، وقطب الدين اليمني التستري ، وغيرهم ، وغيرهم .
وغاية ما قاله ابن كثير : « كان موصوفاً بالكرم ومحباً للهو واللعب والعمائر » ( النهاية : 14 / 88 ) ولم يقل أي لهو ، ولم يقل إن تلك العمائر هي المدارس والمكتبات ومحطات طريق الحج ! وقد أشرنا إلى كثرة العلماء والمؤلفات ، والى واردات الأوقاف الضخمة وجوائز الدولة السخية للمؤلفين . ( راجع : تاريخ المغول للدكتور عباس إقبال ، فقد أرُخّ للجوانب الحضارية والعمرانية ونبوغ الشخصيات في عهودهم ) .
ولا ذكروا الموسوعة التاريخية برعاية محمد خدابنده ، التي قال عنها فيكشف الظنون : 1 / 539 : « جامع التواريخ فارسي ، لخواجة رشيد الدين فضل الله الوزير
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 192 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
المقتول في سنة 718 ، وهو تاريخ كبير في دولة جنكيز وأولاده ، ذكر فيه أنه لما شرع في التبييض مات السلطان غازان في شوال سنة 704 ، وجلس مكانه ولده خدابنده محمد ، فأمره بإتمامه وإدخال اسمه في العنوان ، وأمر أيضاً بإلحاق أحوال الأقاليم وأهلها ، وبأن يجعل جامعاً لتفاصيل ما في كتب التواريخ . وأمر من تحت حكمه من أصحاب تواريخ الأديان والفرق بالإمداد إليه من كتبهم ، وأمر أيضاً بأن يجعله مذيلاً بكتاب صور الأقاليم ومسالك الممالك » . انتهى .
وقد ألف الأستاذ المحامي عباس العزاوي كتاباً خاصاً في التعريف بهذه الموسوعة باسم : التعريف بالمؤرخين في عهد المغول ، قال فيه : « فرغ منه في شعبان سنة 711 ، إلا أن المؤلف لم يقف عند حدود هذه السنة ، إنما استمر إلى سنة 728 ، فزاد عليه وختمه بمناقب السلطان أبي سعيد ، قال : ولم يكتبه للتاريخ ، وإنما اتخذ التاريخ وسيلة فأبدى قدرة في التحرير والبلاغة ، وصناعة الإنشاء والترصيع والتسجيع ، ولكنه مملوء فوائد تاريخية لا يستهان بها بوجه » . ( مجلة تراثنا / 58 / 180 ) .
من هنا يحق للباحث أن يشك فيما دونوه عن عصر خدابنده ، فمن باب المثال أنهم كذبوا عليه في سبب معركته مع أهل كيلان ، فزعموا أنه فرض عليهم سب المذاهب ! قال الذهبي في عبره : 6 / 34 : « أن يكون له عندهم نائب ، وأنهم يسبون الأشعري وأبا حنيفة » ! لكن ابن كثير قال في النهاية : 14 / 50 : « وفي المحرم ( سنة 707 ) وقعت الحرب بن التتر وبين أهل كيلان ، وذلك أن ملك التتر طلب منهم أن يجعلوا في بلادهم طريقاً إلى عسكره ، فامتنعوا من ذلك » !
ثم ذكر ابن كثير أن أهل كيلان أبادوا جيش خدابنده وكان ستين ألفاً ! وقال :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 193 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
« ثم إن ملك التتر أرسل الشيخ براق الذي قدم الشام فيما تقدم إلى أهل كيلان يبلغهم عنه رسالة ، فقتلوه وأراحوا الناس منه ، وبلادهم من أحصن البلاد وأطيبها لا تستطاع ! وهم أهل سنة وأكثرهم حنابلة ، لا يستطيع مبتدع أن يسكن بين أظهرهم » ! انتهى .
أقول : جعلوا أهل كيلان وطبرستان سنة ليجعلوا المعركة ضد السنة ! وهذا تزوير فاضح لأنهم شيعة زيديون من زمن الدولة العباسية ، كما شهد المؤرخون !
ففي خلاصة الأثر للمحبي / 486 : من كلام العماد مع رجل : « وذلك لأنك كنت كيلانياً وأهل كيلان زيديون » . وفي أعيان الشيعة : 1 / 200 : « جيلان : مشتملة على جبال وعقبات كثيرة والأشجار مشتبكة بينها ، وتنقسم قسمين قسم لاهجان وتوابعها ، وقسم رشت وملحقاته . وأهل تلك البلاد كانوا زيدية جارودية من زمان ناصر الحق الذي كان باعث إسلامهم ، إلى ظهور الشاه عباس ، ثم انتقل سلاطينهم مع أكثر أهل لاهجان إلى مذهب الإمامية » .

15 - محاولتهم قتل السلطان محمد خدابنده !

في الختام ، نذكر تآمر المتعصبين لقتل هذا السلطان المؤمن ، كما ذكرته مصادرهم ، وكان من المتآمرين قاضي بغداد ابن عصية العجمي الحنبلي !
ففي السلوك للمقريزي : 2 / 471 : « وفيها قدم البريد من حلب بأن خربندا ملك التتر قتل جماعة من خواصه » !
وفي الدرر الكامنة : 5 / 358 : « محمد بن علي الساوجي العجمي ، كان من الكبار
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 194 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بالعراق ، وأنشأ ببغداد جامعاً غرم عليه ألف ألف ، وغضب عليه خربندا فأمر بقتله ، وقتل الوزير مبارك شاه ، ويحيى بن إبراهيم بن صاحب سنجار ، فقتلوا جميعاً في شوال سنة 711 ، بسبب أن الشريف تاج الدين رفع عليهم عند خربندا أنهم تواطؤوا على قتله . ويقال إن الساوجى حين قدم للقتل صلى ركعتين وودع أهله ، وثبت للقتل وخلع فرجيته على قاتله » ! انتهى .
أقول : هذا من عنتريات الحنابلة في شجاعة قاضيهم أمام القتل ! فقد زعموا أن السلطان محمد خدابنده قتله ، بينما قال الصفدي لم يقتله بل عزره بالضرب ، وعاش بعد ذلك عشر سنوات ! قال في الوافي : 6 / 185 : « أحمد بن حامد بن عصبة القاضي جمال الدين قاضي بغداذ الحنبلي ، الذي عُزر في أيام خربندا ، توفي سنة إحدى وعشرين وسبع مائة » !
والعجب أن ابن حجر أيد ذلك في الدرر الكامنة : 1 / 135 ، ونقض ما قاله أولاً ! فقال : « ولي قضاء بغداد وعظم قدره عند خربندا ، ثم تغير عليه ومات سنة 721 » !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 195 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل التاسع : السلطان المغولي بو سعيد بن محمد خدابنده

1 - آخر سلاطين المغول السلطان الشاب بُو سعيد

( بو سعيد ) اسم علم كما نص عليه الصفدي في الوفيات : 10 / 202 ، قال : « بو سعيد ملك التتار صاحب العراق وخراسان وأذربيجان والروم والجزيرة . . والصحيح على أنه علَمٌ بلا ألف ، هكذا رأيت كتبه التي كانت ترد منه على السلطان الملك الناصر يكتب على ألقابه الذهبية ( بو سعيد ) باللازورد الفائق ، ويزمِّك بالذهب » . وقد مدح المؤرخون الشيعة السلطان بو سعيد ، لأنه على خط أبيه في تبني التشيع والحرية المذهبية وسياسة الإعمار . ووافقهم المؤرخون السنة على مدحه ، حتى الذين أبغضوا أباه ، حيث جعلوه سنياً مخالفاً لأبيه فمدحوه !
قال السيد الأمين في أعيان الشيعة : 2 / 355 : « السلطان أبو سعيد بهادرخان بن السلطان محمد خدابنده ، الملقب بالجايتو خان المغولي . .
وملك منهم في بلاد الإسلام واحد وعشرون ملكاً وكانت مدة ملكهم 168 سنة وشهرين ، من سنة 603 إلى سنة 771 ، ودخلوا في دين الإسلام أخيراً .
وأول من أسلم منهم السلطان أحمد خان بن هولاكو ، ثم غازان خان بن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 196 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أرغون بن أبقا بن هولاكو ، وأسلم بإسلامه ثمانون ألفاً من المغول ، ثم أخوه محمد خدابنده الجايتو والد المترجم ابن أرغون ، وتشيع على يد العلامة الحلي . . . تعلم ( بو سعيد ) حسن الخط على الخواجة عبد الله الصيرفي ، وكان في الشجاعة ممتازاً على جميع سلاطين المغول . . وكان يصيِّف في مدينة سلطانية ويشتو في بغداد أو قراباع وله ميل تام إلى أهل الفضل والنباهة والشعراء ، وكان حسن السيرة والصورة ، وبقي في السلطنة 19 سنة وثلاثة أشهر ، وبعد وفاته وقع الهرج والمرج في المملكة ، ولم يبق لسلاطين المغول بعده استقلال بالسلطنة في بلاد إيران ، بل كان في كل طرف من إيران ملك حاكم . . .
ذكره صاحب مجالس المؤمنين في عداد الملوك الشيعة ، ويؤيده أن أباه السلطان محمد خدابنده كان قد تشيع على يد العلامة ( قدس سره ) ، والولد على سر أبيه ، وكذا عم أبيه السلطان أحمد كان قد تشيع ، وكذا عمه السلطان غازان . . .
في مجالس المؤمنين : تولى السلطنة بعد أبيه بولاية العهد ، وجاء من خراسان إلى مدينة سلطانية وفي أوائل صفر سنة 717 جلس فيها على سرير السلطنة وعمره اثنتا عشرة سنة ، وتولى تدبير المملكة الأمير جوبان ، ولم يكن لأبي سعيد من السلطنة إلا الاسم ، فصبر أبو سعيد على ذلك . . . وأخيراً غضب السلطان على الجوبانيين فأمر بقتل الأمير جوبان وأولاده ، ونهب دوره ودور أولاده وأتباعه ، فأخرجت من دورهم خزائن الأموال ، وأمر بقتل الجوبانيين في جميع الولايات .
ولما استقل أبو سعيد بالملك استوزر الخواجة غياث الدين محمد بن الخواجة رشيد الدين الذي قتله الأمير جوبان ! ونشر لواء العدل وبسط بساط الأمن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 197 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والرفاهية ، كما ذكره الأوحدي الذي كان من خواص ذلك السلطان في كتابه : جام جم ، والأيمني الشاعر ، كان في زمانه ، وقال في ذلك شعراً بالفارسية . اه - . وفي بعض التواريخ الفارسية المخطوطة . . تولى السلطان أبو سعيد بهادر خان بن الجايتو المُلك بعد أبيه ، وحيث أنه كان طفلاً ابن اثنتي عشرة سنة ، سلم زمام السلطنة بيد الأمير جوبان سلدوز ، فولى الأمير جوبان أولاده على البلاد ، فولى ولده الأمير حسن على أيالة خراسان ، وولده الشاه محمود على كرجستان ، وولده الأمير تيمور تاش على ديار بكر والروم ، وجعل ولده الأمير دمشق نائب السلطان . وزوج السلطان بابنة ابنه دلشاد خاتون ، بنت الأمير دمشق ، وعزل الخواجة رشيد الدين من الوزارة ، ثم قتله بتهمة أنه سمَّ السلطان الجايتو ، وكان قتله في حدود أبهر سنة 718 . وبعد مضيِّ 12 سنة من سلطنة أبو سعيد تغير على الأمير جوبان ، وعشق ابنته بغداد خاتون التي كانت متزوجة بالأمير الشيخ حسن الإيلخاني ! وأراد من جوبان أن يطلقها من الأمير الشيخ حسن ويزوجه إياها ، فلم يمكنه الأمير جوبان من ذلك ، فقامت بسبب ذلك فتنة عظيمة ذهب فيها الأمير جوبان وأولاده الثلاثة ، وكان ذلك آخر أمرهم !
وأخيراً طلق الأمير الشيخ حسن بغداد خاتون وتزوجها السلطان ، وسلم بيدها زمام الحكم ولقبها بخواندكار . وكان الجوبانيون في زمان غازان خان والجايتو خان والسلطان محمد خدابنده ، من الأمراء الكبار » . انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 198 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ونسجل هنا الملاحظات التالية :
1 - استمر السلطان بو سعيد يدير مملكته من عاصمتهم في إيران ، وهي مدينة السلطانية قرب قزوين . واستمر في عهده حكم العراق لآل الجويني ، الذين قامت سياستهم على الإعمار واحترام الحريات .
وقد سجلت المصادر اهتمام بو سعيد كأبيه بالنهضة العلمية ، فكان يطلب تأليف كتب في موضوعات ، خاصة فيما يتعلق بتاريخ المغول : ككتاب : روضة أولي الألباب في تواريخ الأكابر والأنساب ، في أحوال ملوك خطا وأوصافهم ، لفخر الدين محمد بن أبي داود . ( كشف الظنون : 1 / 925 ) . وكتاب : نزهة القلوب ، لحمد الله بن أبي بكر المستوفي ، في التاريخ من زمن النبي ( صلى الله عليه وآله ) إلى عصره ، ألفه لوزيره محمد بن رشيد الدين . ( أعيان الشيعة : 2 / 356 ) . وكتاب : نزهت جهان ونادرهء زمان ، لمعين الدين الأسفرايني ، ألفه بطلب السلطان بو سعيد . ( كشف الظنون : 2 / 1976 ) . وكتاب : مثنوي شاهنامه ، لأحمد بن محمد التبريزي ، نظمه باسم السلطان أبو سعيد خان بهادر ، وهو في التاريخ ، من عهد يافث بن نوح إلى سنة 738 ، ويوجد في المتحف البريطاني 2 / or 2780 ) . ( الذريعة : 19 / 217 ) . وذكر في : 19 / 230 : ( مثنوي شهنشاه نامه أو منظومة أحمدي لأحمد بن محمد التبريزي ، في تاريخ المغول ( المتحف البريطاني : or 2780 ) . ( الذريعة : 19 / 230 ) . وكتاب : مجمع الأنساب ، لمحمد بن علي بن أبي بكر ألفه باسم السلطان أبو سعيد والأمير محمد بن رشيد والدين . ( المتحف البريطاني : Add 16696 ، والملية بباريس : d 1278 . S ) . ( الذريعة : 20 / 19 ) . وكتاب : نسائم الأسحار من لطائف الإخبار ، في تاريخ الوزراء بالفارسية لناصر الدين بن منتجب المنشي ألفه باسم أبي سعيد بهادر خان في : أيا صوفيا - 3487 بعنوان ألقاب الوزراء . ( الذريعة : 24 / 132 ) . وكتاب : مثنوي هما وهمايون ، لكمال الدين محمود الكرماني مدح في مقدمته أبو سعيد بهادر خان والخواجة غياث الدين محمد الوزير . ( الذريعة : 19 / 342 ) . وكتاب : سمت العلى ، في تاريخ القراختائيين في كرمان ، تأليف ناصر الدين المنشي ابطلب من وزيره محمد رشيد الدين . ( الذريعة : 12 / 230 ) .
2 - نلاحظ أن المغول كانوا بشكل عام يميلون إلى اللغة الفارسية أكثر من
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 199 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
العربية ، والسبب أن الفارسية كانت منتشرة في مناطق بخارى وما وراء النهر المجاورة لهم ، وربما كان هولاكو وأولاده يعرفون الفارسية من صغرهم .
ولعلهم لذلك اتخذوا عاصمتهم السلطانية في إيران ، وكتبوا واستكتبوا مؤلفين بالفارسية ، وكانت الفارسية اللغة الرسمية في بلاطهم ثم العربية ، أما في بغداد فكانت الفارسية منتشرة إلى جانب العربية من زمن العباسيين ، لأن أكثر قادتهم العسكريين وعلماء البلاط من الفرس ! كما نلاحظ أن الملوك المغول الذين انتقلوا إلى بغداد وحكموها مباشرة بعد بو سعيد ، كانوا يجيدون العربية ، وأولهم الشيخ حسن الجلايري أو الإيلخاني ، فقد كان متعلماً ، يتقن العربية .
3 - يختلف السلطان بو سعيد عن أبيه محمد خدابنده ( رحمه الله ) ، فشخصية أبيه أرقى منه وأمتن . وسبب ضعف بو سعيد أنه عندما توفي أبوه سنة 716 كان غلاماً ابن اثنتي عشرة سنة ، وكان في ولاية والدته وزوج عمته جوبان ، وكان رشيد الدين الهمداني وزير أبيه عاقلاً مدبراً ، لكنه كبير السن ، وكان جوبان أقوى منه فهو مغولي وقائد جيوش المغول وحاكم تركيا ، لذلك سيطر على البلاط السلطاني بمجرد وفاة خدابنده ، وجعل ابنه دمشق خان ممثلاً له ونائباً للسلطنة ، وقلص نفوذ الوزير رشيد الدين ، ثم اتهمه بقتل خدابنده ، وقتله !
وبلغ من نفوذ جوبان أنه منع بو سعيد من التصرف حتى استدان من تاجر ، كما قال ابن بطوطة !
بل فكر جوبان بعزل بو سعيد واستبداله بسلطان آخر من أولاد هولاكو ، أو الحلول هو مكانه وإن لم يكن هولاكياً !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 200 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد سبب ذلك غضب بو سعيد على جوبان وأولاده فقتلهم سنة 728 ، أي عندما صار في سن 23 ، وليس من أجل أنه عشق بنت جويان المتزوجة ، كما قالوا .
4 - يمدح رواة الخلافة جوبان أكثر من بو سعيد ، ربما لأن جوبان كان متواطئاً معهم ، يعمل في الخفاء لضرب مذهب التشيع الذي تبناه خدابنده ، والشخصيات الذين قربهم . والنص التالي يكشف عن ذلك !
قال السخاوي في التحفة اللطيفة : 1 / 249 : « جوبان بن تدوان نائب القان أبو سعيد بن خربندا ، امتلك البلاد المشرقية ، وهو صاحب المدرسة الجوبانية بالمدينة التي بنيت في سنة أربع وعشرين وسبع مائة ، وجعل له فيها تربة ملاصقة لجدار المسجد بين جدار الشباك والحصن العتيق ، واتخذ فيها شباكاً في جدار المسجد وهو اليوم مسدود . كان مناصحاً للمسلمين في الباطن ، وفيه خير ودين . . . دبر المملكة في أيامه مدة طويلة على السداد ، ثم تغير عليه سلطانه وقتل ولده دمشق خواجا في سنة سبع وعشرين ، فهمَّ جوبان بمحاربة أبي سعيد ، فلم يتمكن ، ثم ظفر أبو سعيد به فقتله . . .
وكان شجاعاً مهيباً شديد العطاء كبير الشأن كثير الأموال عالي الهمة ، صحيح الإسلام ، ذا حظ من صلاة وبرّ ، بذل ذهباً كثيراً حتى أوصل الماء إلى بطن مكة وقيل إنه أخذ من ملكه ألف ألف دينار ، وكانت ابنته بغداد خاتون زوجة أبي سعيد ، وابنة تمرتاش متولي ممالك الروم ، وابنه دمشق قائد عشرة آلاف ، وكان سلطان أبو سعيد تحت يده ! ثم زالت سعادتهم وتنمر لهم بو سعيد فقتل دمشق وفر أبوه جوبان إلى والي هراة لائذاً به ، فقتله بأمر أبي سعيد في سنة ثمان وعشرين
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 201 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وسبع مائة ، ولعله من أبناء الستين ، قاله الذهبي في ذيل سير النبلاء .
وقد ترجمه المجد فقال : الجوبان الأمير الكبير ، نائب المملكة القاءانية وأتابك العساكر المَغُلية ، ومنشئ المدرسة الجوبانية بالمدينة الشريفة ، وليس بها مدرسة ولا رباط ولا دار أحسن بناء وأتقن وأمكن وأمتن وأحصن منها . . .
وأطال في مدحه وخدماته في مكة والمدينة ثم قال : وله على المسلمين أياد منها إيقاع الصلح بين السلطانين أبي سعيد والملك الناصر ، ولولاه لثارت فتن تقطعت منها الأواصر وتشققت منها الخواصر ، ومنها ترحيل خربندا عن رحبة مالك بن طوق ، وإخماد تلك الثائرة التي جل غمرها عن الطوق ! يحكي أنه لما نزل خربندا على الرحبة ونصب المجانيق رمى منجنيق قرا سنقر حجراً زعزع القلعة وشق منها برجاً ، ولو رمى آخر لهدمها ، وكان يطوف على العساكر ويشاهد المحاصرين ، فلما رأى ذلك أحضر المنجنيقي وقال له : تريد أن أقطع يدك الساعة ، وسبه وذمه بانزعاج وحنق وقال : وذلك في شهر رمضان تحاصر المسلمين وترميهم بحجارة المنجنيق ! ولو أراد القاءان أن يقول لهؤلاء المغل الذين معه إرموا على هذه القاعدة تراباً كل فارس مخلاة كانوا طموها ، وإنما يريد هو أن يأخذها بالأمان من غير سفك دم ، والله متى عدت لرمي حجر آخر سمَّرتك على سهم المنجنيق ! وكان ينزع النصل من النشاب ويكتب عليه إياكم أن تذعنوا وتسلموا وطولوا روحكم فهؤلاء مالهم ما يأكلونه ! وكان يحذرهم هكذا دائماً بسهام يرميها إلى القلعة ! ثم اجتمع بالوزير وقال له هذا القاءان ما يبالي ولا يقع عليه عتب وفي غد وبعده إذا تحدث الناس أيش يقولون : نزل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 202 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
خربندا على الرحبة وقاتل أهلها وسفك دماءهم وأهدرها في شهر رمضان ! فيقول الناس : فما كان له نائب مسلم ولا وزير مسلم ، وقرر معه أن يحدثا القاءان خربندا في ذلك ويحسنا له الرحيل عن الرحبة . . وهذه الحركة تكفيه إن شاء الله تعالى ذخيرة ليوم حسابه . حَقَن دماء المسلمين ودَفَع الأذى عنهم . . . وأما الصلاح الصفدي فإنه قال : لما جهزت ابنته بغداد تابوته ليدفن بالمدينة بلغ الخبر السلطان الملك الناصر ، فجهز الهجن إلى المدينة ، وأمرهم أن لا يمكنوه من الدفن في تربته ، فدفن تابوته في البقيع . . توفي في العام المذكور شهيداً ، وخلف من الأولاد تمرتاش ، ودمشق خواجا ، وصرغان شبرا ، ويغبصبطي ، وسلجُق شاه ، والأشرف ، والأشتر » . انتهى .
ويقصد السخاوي بقوله : كان مناصحاً للمسلمين في الباطن : المسلمين السنيين ، وأن جوبان كان يساعدهم سراً ! ومنه نفهم سبب صراعه مع الوزير الشيعي الكفوء رشيد الدين الهمداني ، وزير السلطان خدابنده ووزير أخيه قازان ، وتلميذ نصير الدين ( قدس سره ) ، وصاحب كتابي جوامع التاريخ ومفتاح التفاسير . فقد اتهمه جوبان بأنه قتل خدابنده ، وقتله !
كما نلاحظ أنهم جعلوا جوبان سبب رجوع خدابنده عن حملته على دمشق ، وأنه منعه عن احتلال الرحبة ، ولا نعرف السبب الحقيقي ، لكن نعرف أنهم كذابون في ادعاء الفضائل لجوبان المغولي ، وادعاء المساوئ لخدابنده .
5 - إن ترك العلامة الحلي ( قدس سره ) عاصمة المغول ( السلطانية ) بعد وفاة السلطان خدابنده ( رحمه الله ) ، يدل على أن جو البلاط المغولي لم يكن مساعداً لمواصلة مشروعاته
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 203 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
في خدمة المذهب الحق ، والسبب أن جوبان المتعصب ضد الشيعة كانوا مسيطراً على البلاط ، حتى كبر السلطان بو سعيد وتخلص منه !
كان العلامة ( رحمه الله ) يدرك أن وضع المغول مقبل على تحولات ، وأن على مرجعية الشيعة وعلمائهم أن ينأوا بأنفسهم عن تلك الأجواء . ثم إنه بالأساس أتى إلى عاصمة المغول بدعوة ملحة من السلطان محمد خدابنده ، وقد انتهت الدعوة بوفاته ، فعاد إلى مركزه الحلة ، ليؤلف أعظم مؤلفاته وأنفعها .
وقد كانت فرصة جيدة لبو سعيد ، بعد أن قَتَل جوبان وثأر لوزير أبيه الشيعي ، واستوزر ابنه محمداً ، أن يدعو العلامة مجدداً ، لكن شخصيته لم تكن قوية كأبيه ( رحمه الله ) .

2 - السلطان بو سعيد مغولي أكثر منه شيعياً

شاهد ابن بطوطة السلطان بو سعيد في فترة الشتاء أو الربيع التي كان يمضيها في بغداد . قال في رحلته : 1 / 245 : « أبو سعيد بهادرخان ، وكان ملكاً فاضلاً كريماً ملك وهو صغير السن ، ورأيته ببغداد وهو شامل ، أجمل خلق الله صورة ، لا نبات بعارضه ، ووزيره إذاك الأمير غياث الدين محمد بن خواجة رشيد ، وكان أبوه من مهاجرة اليهود ، واستوزره السلطان محمد خدابنده والد أبي سعيد ، رأيته يوماً بحرَّاقة في الدجلة وتسمى عندهم السيارة ، وهي شبه سلورة ، وبين يديه دمشق خواجة بن الأمير جوبان المتغلب على أبي سعيد ، وعن يمينه وشماله شباران فيهما أهل الطرب والغناء ، ورأيت من مكارمه في ذلك اليوم أنه تعرض له جماعة من العميان فشكوا ضعف حالهم ، فأمر لكل واحد منهم بكسوة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 204 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وغلام يقوده ، ونفقة تجري عليه » .
وقال ابن كثير في النهاية : 14 / 77 : « وقام في الملك بعده ولده أبو سعيد ، وله إحدى عشرة سنة ، ومدبر الجيوش والممالك له الأمير جوبان ، واستمر في الوزارة علي شاه النيريزي ، وأخذ أهل دولته بالمصادرة وقتل الأعيان ممن اتهمهم بقتل أبيه مسموماً ، ولعب كثير من الناس به في أول دولته . ثم عدل إلى العدل وإقامة السنة فأمر بإقامة الخطبة بالترضي عن الشيخين أولاً ثم عثمان ثم علي ، ففرح الناس بذلك وسكنت بذلك الفتن والشرور والقتال الذي كان بين أهل تلك البلاد وهراة وأصبهان وبغداد وإربل وساوه ، وغير ذلك » .
وفي النهاية : 14 / 201 : « وقد كان من خيار ملوك التتار وأحسنهم طريقة ، وأثبتهم على السنة وأقومهم بها ، وقد عز أهل السنة بزمانه وذلت الرافضة ، بخلاف دولة أبيه ، ثم من بعده لم يقم للتتار قائمة ، بل اختلفوا فتفرقوا شذر مذر إلى زماننا هذا ، وكان القائم من بعده بالأمر ارتكاوون من ذرية أبغا ، ولم يستمر له الأمر إلا قليلاً » .
أقول : لاحظ أن ابن كثير المتعصب حمَّلَ السلطان بو سعيد الطفل مسؤولية أعمال جوبان ! ثم زعم أن بو سعيد صَلُحَ بعد ذلك وتراجع عن مذهب أبيه وأذلَّ الشيعة ( الرافضة ) الذين أعزَّهم أبوه ! ولم يأت بدليل على زعمه !
ثم زعم أن مرسوم خدابنده بتبني المذهب الشيعي كان سبباً لفتن وحروب وأن بو سعيد أطفأها بمرسومه المضاد ! وهي أحداث منها مكذوب من أصله كالتي زعموها في محلة الحنابلة ببغداد ، أو محرفة كالذي زعموه في كيلان
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 205 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وطبرستان . وقد تكون صغيرة وضخموها !
وقال الصفدي في الوفيات : 10 / 202 : « وكان مسلماً ( أي سنياً ) قليل الشر وادعاً ، يكره الظلم ويؤثر العدل وينقاد للشرع ويكتب خطاً قوياً منسوباً . ويجيد ضرب العود ، وصنف مذاهب في النغم نقلت عنه . . أبطل بوساطة وزيره محمد بن الرشيد مكوساً كثيرة وفواحش وخموراً ، وهدم كنائس بغداد وخلع على من أسلم من الذمة ، وأسقط مكوس الفاكهة من سائر ممالكه ، وورَّث ذوي الأرحام ( أي كل التركة للبنت كما هو مذهب الشيعة ) وكان قبل موته بسنة قد حج في ركب العراق ، وكان المقدم عليه بطلاً شجاعاً ، فلم يمكن أحداً من العرب أن يأخذ من الركب شيئاً ، فلما كانت السنة الثانية خرج العرب على الركب ونهبوه وأخذوا منهم شيئاً كثيراً ، فلما عادوا شكوا إليه ، فقال : هؤلاء العرب ليسوا في مملكتنا أو في مملكة الناصر ، وإنما هؤلاء في البرية لا يحكم عليهم أحد ، يعيشون بقائم سيفهم ممن يمر عليهم ، وقال : هؤلاء فقراء كم مقدار ما يأخذون من الركب ، نحن نكون نحمله إليهم من عندنا كل سنة ، ولا ندعهم يأخذون من الرعايا شيئاً . فقالوا له يأخذون ثلاثين ألف دينار ، ليراها كثيرة فيبطلها ! فقال : هذا القدر ما يكفيهم ! إجعلوها كل سنة ستين ألف دينار ، وتكون تحمل من بيت المال كل سنة إليهم ، صحبة متسفر من عندنا ! فمات تلك السنة ( رحمه الله ) ولم يُسَفَّر شئ . وهادن سلطان الإسلام وهاداه ، وانقرض بيت هولاكو بموته ، وجرت بعده أمور يطول الشرح فيها » .
أقول : يقصد بسلطان الإسلام ، السلطان الشركسي المنصوب من الخليفة العباسي في
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 206 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
القاهرة بعد سقوط بغداد . ونحوه ابن تغري في النجوم الزاهرة : 9 / 309 .
وهذه النصوص تعطينا أضواء على شخصية السلطان بو سعيد ، أهمها :
1 - أن شخصيته كانت محبوبة ، ويدل أمره بتعيين رواتب سنوية للبدو الذين كانوا يغيرون على قوافل الحجاج ، على أنه كان عملياً سمحاً كريماً . كما يدل إبرامه الصلح مع سلطان مصر ، على أنه واقعي تخلى عن أحلام المغول في اجتياح بلاد الشام ومصر ، وأوربا الغربية .
2 - لكن بو سعيد كان يتصرف كحاكم مغولي يواجه طمع الأمير جوبان ، زوج عمته ووزير أبيه ، الذي كان القائد العام لجيش المغول ( بلاد الروم ) وقد تسلط على مملكة أبيه ، ونصب أولاده حكاماً على تركيا وأرمينيا وغيرها .
3 - عندما كبر بو سعيد وضع خطة مع خاله وبعض قادة جيشه ، للتخلص من جوبان ، ونجح في ذلك وقتل جوبان وأولاده بعد معركة وحِيَل ، واستوزر بدله محمد بن رشيد الدين الهمداني ، وكان سبب انتصاره على جوبان أن المغول مطيعون لذرية هولاكو وجنكيز ، حتى مقابل قادتهم الذين ينشقون عليهم ! فقد كان مع جوبان أولاده مير حسن وهو الأكبر ، وطالش ، وجلوخان وهو أصغرهم ، وهو ابن أخت السلطان أبي سعيد من أمه ساطي بك بنت السلطان خذابنده ، ومعه عساكر التتر وحواميها ، فاتفقوا على قتال السلطان أبي سعيد وزحفوا إليه والتقوا مع جيشه في خراسان !
فحدث أمر عجيب رواه ابن بطوطة : 1 / 247 : « فلما التقى الجمعان هرب التتر إلى سلطانهم وأفردوا جوبان ! فلما رأى ذلك جوبان نكص على عقبيه وهرب إلى
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 207 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
صحراء سجستان وأوغل فيها ، وأجمع على اللحاق بملك هراة غياث الدين مستجيراً به ومتحصناً بمدينته وكانت له عليه أياد سابقة ، فلم يوافقه ولداه حسن وطالش على ذلك وقالا له : إنه لا يفي بالعهد وقد غدر بفيروز شاه بعد أن لجأ إليه وقتله ، فأبى جوبان إلا أن يلحق به ففارقه ولداه وتوجه معه ابنه الصغير جلوخان ، فخرج غياث الدين لاستقباله وترجل له وأدخله المدينة على الأمان ، ثم غدره بعد أيام وقتله وقتل ولده ، وبعث برأسيهما إلى السلطان أبي سعيد » !

3 - هروب الدمرداش بن جوبان إلى مصر

قال ابن خلدون : 5 / 435 : « ولما بلغ الخبر بمقتله إلى ابنه دمرداش في أمارته ببلاد الروم ( تركيا ) خشي على نفسه ، فهرب إلى مصر وترك مولاه أرتق مقيماً لأمر البلد وأنزله بسيواس ، ولما وصل إلى دمشق ركب النائب لتلقيه وسار معه إلى مصر ، فأقبل عليه السلطان وأحله محل الكرامة ، وكان معه سبعة من الأمراء ، ومن العسكر نحو ألف فارس فأكرمهم السلطان ، وأجرى عليهم الأرزاق وأقاموا عنده ، وجاءت على أثره رسل السلطان أبي سعيد وطالبه بذمة الصلح الذي عقده مع الملك الناصر ، وأوضحوا لعلم السلطان من فساد طويته وطوية أبيه جوبان وسعيهم في الأرض بالفساد ، ما أوجب إعطاءه باليد ، وشرط السلطان عليهم إمضاء حكم الله تعالى في قراسنقر نائب حلب ، الذي كان فرَّ سنة اثنتي عشرة مع أقوش الأفرم إلى خربندا . . فلما شرط عليهم السلطان قتله كما قتل دمرداش ، أمضوا فيه حكم الله تعالى ، وقتلوه جزاء بماكان عليه من الفساد » !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 208 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أقول : لاحظ أن العالم الإسلامي كان مقسماً بين قوتين هما المماليك والمغول ، وكانت سوريا تابعة لسلطان المماليك ، فغضب سلطانهم سنة 712 على حاكم حلب قراسنقر ، فهرب إلى سلطان المغول خدابنده ، فجعله حاكم همدان ولم يسلمه إلى سلطان مصر . ولما هرب دمرداش من بو سعيد إلى مصر سنة 728 ، طالب المماليك بتطبيق معاهدة الصلح ، وأن يقتلوه ويبعثوا إليه برأسه ، فطلب السلطان المملوكي مقايضته بقرا سنقر ! فدمرطاش وقراسنقر ، إن اتفق السلطانان صار مفسدين في الأرض يجب قتلهما وتبادل رأسيهما ، وإن اختلف السلطانان فهما أميران وحاكمان عادلان لزلايتين ، يأتمُّ المسلمون بهما في الصلاة ويدعون لهما في خطبة الجمعة ! وهكذا يتغير دين الحكومات !
5 - ذكر رواة الخلافة أن بو سعيد عشق ابنة جوبان ( بغداد خاتون ) المتزوجة ! وطلب منه أن يطلقها من زوجها ليتزوجها فأبى جوبان ! وبعد أن قَتَل جوبان وأولاده طلقها من زوجها وتزوجها ! قال الصفدي في الوافي : 10 / 111 : « بغداد خاتون : ابنة النوين جوبان ، كان السلطان بو سعيد يحبها ويميل إليها ميلاً عظيماً إلى الغاية ، وكان أبوها لا يدعها تقرب من الأردو ، ولكن تكون غائبة مع زوجها الشيخ حسن هنا وهنا ! فلما قتل بو سعيد أخاها دمشق خواجا وهرب أبوها جوبان ثم قتل ، ودخل أخوها تمرتاش إلى مصر ، تمكن بو سعيد منها وأخذها من زوجها ، وصارت عنده مكينة لها الحكم في الممالك ، ولها وزيرة وتركب في موكب من الخواتين وتشد في وسطها السيف ، وتحكمت وهرب منها علي باشا أخو أم بو سعيد وخاله ، ولم يأخذه ( بو سعيد ) في هواها لومة لائم ، ولم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 209 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
تزل كذلك على ما هي عليه من المكانة عند بو سعيد حتى مات ، وتملك أربكوون المذكور فيما تقدم فأخذها وقتلها سنة ست وثلاثين وسبع مائة ، وكانت كثيرة التنقيب على أخبار أخيها تمرتاش » . انتهى . وذكروا أن زوجها بو سعيد كان في المقابل يراسل سلطان مصر ليقتل جوبان ويبعث إليه برأسه ! فاستجاب له وقتله وبعث برأسه ، فكرهته بغداد خاتون وكرهها ، فقامت بسُمِّه فمات وعمره 32 سنة ! « ولما عرف الأمراء أن بغداد خاتون هي التي سمته أجمعوا على قتلها ، ودبر لذلك الفتى الرومي خواجة لؤلؤ وهو من كبار الأمراء وقدمائهم ، فأتاها وهي في الحمام فضربها بدبوسه وقتلها ، وطرحت هنالك أياماً مستورة العورة بقطعة تليس » . ( ابن بطوطة في رحلته : 1 / 246 ) .
أقول : قد تكون هذه القصة مكذوبة ، وقد تكون صحيحة ، وحياة السلاطين الشراكسة في مصر ، والسلاطين المغول من أولاد جنكيز ، مليئة بنقاط الضعف ، ويظهر أن خير المغول على الإطلاق السلطان محمد خدا بنده وأخوه قازان رحمهما الله ، وخير سلاطين المماليك قانصوه الغوري رحمه الله .

4 - أذنَ الله بزوال المغول فأعقمَ سلطانهم بو سعيد !

حَكَمَ المغول القسم الأكبر من بلاد المسلمين بنشر قواعد عسكرية فيها تسمى ( الشَّحْنَة ) وكان قادة هذه الشحنات الحكام الحقيقيين للبلاد ، فهم ينصبون الحكام من أهل البلاد أو غيرهم ، وكان السلطان وشحناته لايتدخلون إلا في الأمور الأمنية الأساسية ، وبهذا امتازوا عن مماليك مصر الذين حكموا مباشرة .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 210 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وتوسع المغول في نشر شحناتهم ، فشملت عواصم البلاد ومدنها الكبيرة ، وأحياناً القرى والطرق الأساسية ، وقد يصل عدد شحناتهم في البلد إلى مئة شحنة ، وعدد جنودها إلى ثلاث مئة ألف جندي !
وكانت القوات المغولية في بلاد المسلمين ثلاثة أقسام ، فمنهم مسلمون شيعة ، وهم قلة بالنسبة لمجموعهم ، ومنهم سنة أو بيْن بيْن كالذين مع جوبان وأولاده وهم قلة أيضاً . ومنهم من لم يدخلوا في الإسلام وظلوا متمسكين بشريعة الياسة الوثنية ! ولكنهم جميعاً مطيعون طاعةً تامة لسلطانهم من أولاد جنكيز ، ولم يؤثر تشيع سلاطينهم على طاعتهم لهم !
وكانت أقسى ضربة للمغول قتل بو سعيد بيد معشوقته أخت جوبان ، ولم يكن له ولد ولا ولي عهد من أقاربه أولاد جنكيز ، فأحدث موته فراغاً وصراعاً بين المغول ، كانت فيه نهاية سلطنتهم القوية ودولتهم الواسعة ! فبادر وزيره محمد بن رشيد الدين إلى اختيار شخص من أولاد جنكيز ، لأنهم هم العائلة الوحيدة التي يطيعها المغول ، لكن اختياره لم يكن موفقاً !
قال ابن حجر في الدرر الكامنة : 1 / 413 : « أربكوون ويقال أرخان المغلي من ذرية جنكزخان ، كان أبوه قُتل فنشأ هذا جندياً في غمار الناس ، فلما مات أبو سعيد نهض الوزير محمد بن رشيد الدولة فقال هذا الرجل من عظماء ألقان فبايعه العسكر وولي السلطنة بعد القان بو سعيد ، فظلم وعسف وقتل الخاتون بغداد بنت جوبان زوج بو سعيد ، وكان عليُ بابَهْ بالجزيرة فلم يدخل في الطاعة ، وأخذ بغداد وأحضر موسى بن علي بن بايدو بن أبغا بن هلاكو وسلطنه ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 211 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وعمل بين الفريقين مصافٌّ ، فاستظهر ابن علي بابَه ( السلطان الجديد ) وقتل الوزير ( بن رشيد الدين ) صبراً في ثامن رمضان ، وقتل أربكون في شوال صبراً أيضاً وذلك في سنة 736 ، وكانت مدة سلطنته شهيرات خمسة أو ستة ، واستقر موسى الذي سلطنوه نحو ثلاثة أشهر » . انتهى .
أقول : هذه صورة للوضع في بغداد ، ولم يكن غيرها من ولايات العراق وإيران وتركيا وما وراء النهر والقوقاز ، أفضل منها ! فقد أذن الله تعالى بانهيار المغول ، الذين كانوا أكبر قوة عسكرية مقاتلة ، فأبقاهم بلا ملك يرث قيادتهم من آل هولاكو أو جنكيز ، فاضطربت مملكتهم ، وانقسمت !
قال القلقشندي في مآثر الإنافة : 2 / 139 : « ومات أبو سعيد سنة ست وثلاثين وسبع مائة ، ودفن بمدينة السلطانية ولم يعقب ، وانقرض بموته ملك بني هولاكو ، واختلف أهل دولته ، وافترقت الأعمال التي كانت بيده وصارت طوائف ، كما كانت ملوك طوائف الفرس . ولما مات أبو سعيد نصب أهل الدولة موسى خان من أسباطهم على بغداد وتوريز ( تبريز ) وأعمالهما ، وقام بتدبير دولته علي باشا من أمراء دولتهم . وكان الشيخ حسن بن حسين بن أقبغا بن أبلكان ، المعروف بالشيخ حسن الكبير ، وهو ابن عم السلطان أبى سعيد ، معتقلاً ببلاد الروم ، فأخرج من السجن بعد موت أبى سعيد ، ووصل بغداد وخلع موسى خان ونصب مكانه محمد بن عنبرجى من عقب هولاكو ، واستولى الشيخ حسن على بغداد وتوريز ( تبريز ) وسار إليه حسن بن دمرداش من بلاد الروم ، فغلبه على توريز ، وقتل محمد بن عنبرجي . . . الخ . » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 212 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

5 - موجة تيمور لنك المجنونة الفاشلة !

رافقت عملية تَشَكُّل شعوب الأمة في دول جديدة ، حملةٌ مغولية كانت عاملاً في تسريع حركة الأمة لتشكيل دولها أحياناً أو تبطيئها . وهي مغامرة تيمور لنك ( أي تيمور الأعرج ) الذي كان مهووساً بأن يكون مثل جنكيز وهولاكو !
وقد بدأ عمله في منطقة المغول بعد وفاة السلطان بو سعيد ، واتخذ سمرقند عاصمة له ، وادعى أن أمه من ذرية جنكيز ، ومع ذلك جاء بشخص مغمور من ذرية جنكيز اسمه ( صرغتمش ) فبايعه سلطاناً ، وعين نفسه نائبه العام المفوض ! وكانت أحلام جنكيز وهولاكو تملأ مخيلته في احتلال العالم ، وكان قائداً عسكرياً ماهراً ، لكن لم يكن عنده عقل إداري !
وقد خاض حروباً مع ملوك محليين وانتصر عليهم ، وجمع نحو ثلاث مئة ألف جندي ، واجتاح بلاد القوقاز وهزم ملوكها ، ثم اجتاح روسيا فهزم جيشها ، ثم اجتاح إيران فقاومته بعض مناطقها وانتصر عليها ، ثم اجتاح العراق فخضع له ورثة السلطان بو سعد من الإيلخانيين أو هربوا منه ، فنصب في بغداد حاكماً ، ثم اجتاح سوريا وأحرق دمشق ، ثم رجع واحتل بغداد ثانية ، ونصب فيها ابنه شاه رخ ، ثم احتل تركيا وأسر ملكها العثماني با يزيد ، ثم غزا الهند وانتصر على جيشها الكثيف ، واحتل عاصمتها دلهي .
ثم عاد إلى عاصمته سمرقند ، وهيأ جيشاً جراراً لغزو ممالك الصين ، وسار في فصل الشتاء فواجه مطراً وثلوجاً شديدة ، فمات قسم من جيشه من شدة البرد والثلج ، ثم مرض هو ومات ، وذلك في سنة 808 هجرية ، وعمره نحو ثمانين
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 213 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
سنة ، فرجع حفيده بجنازته ، ودفنه في سمرقند ، وحكم مكانه .
وحكم بعده ابنه ولي عهده شاه رُخّ أفغانستان وشرق إيران وعاصمته هراة ، وهذا كل ما بقي لورثة تيمور ، من طول البلاد وعرضها التي اجتاحها !
كان هذا المجنون ماهراً في التدمير والإحتلال ، غبياً في الاحتفاظ بما احتله ، ينسى الهدف الذي بيده ، ويسارع إلى هدف آخر لتصوره أنه يغتنم الفرصة !
كان عمله كموجة الجراد التي تهاجم منطقة فتأكل ما فيها ، ثم تتركها إلى منطقة أخرى ! فكانت القوى التي يهزمها ، أو قوىً غيرها ، تعود بعد مغادرته وتحكم المنطقة ! فلم يستعمل سياسة جنكيز وهولاكو في إبقاء قواعد عسكرية إلا في المناطق القريبة من سمرقند ، ثم في بغداد التي احتلها ، ونصب عليها والياً مسعود السربداري ، فطرده المغول الإيلخانيون ، ثم احتلها ثانية ونصب عليها ابنه شاهرُخّ بن تيمور ، فلجأ الإيلخانيون إلى الأتراك والمصريين فساعدوهم ، فاسترجعوا بغداد وطردوا شاه رُخّ ، فغضب تيمور لذلك وعاد من دمشق واحتل بغداد ثالثة ، لكنها تركها ولم يعين فيها حاكماً ، ثم احتل تركيا وأسر ملكها ، ولم يرتب وضع تركيا ، فقد عرف أن ملك الهند مات ، فاغتنم الفرصة وزحف بجيشه وخاض حرباً كبرية واحتل الهند ، لكنها تركها ولم رتب حكمها وعاد إلى سمرقند وانشغل بمشروع غزو الصين ، ومات في طريقه إليها !
« ذكر بعض العلماء أن ابن خلدون لما أقبل على تيمورلنك قال له : دعني أقبل يدك ! فقال ( تيمور ) : ولمَ ؟ فقال له : لأنها مفاتيح الأقاليم ! يشير إلى أنه فتح خمسة أقاليم وأصابع يده خمسة فلكل أصبع إقليم ! وهذا أيضاً من دهاء ابن خلدون . .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 214 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم قال لتيمورلنك : إني ألفت كتاباً في تاريخ العالم . ثم قال له تيمورلنك : كيف ساغ لك أن تذكرني فيه وتذكر بختنضر مع أننا خربنا العالم ؟ !
فقال له ابن خلدون : أفعالكما العظيمة ألحقتكما بالذكر مع ذوي المراتب الجسيمة ، أو نحو هذا من العبارات ن فأعجبه ذلك » . ( نفح الطيب : 2 / 994 ) .
قال ابن خلدون : « قال لي تيمور : أين بلدك ؟ قلت بالمغرب الجواني ، قال : وما معنى الجواني في وصف المغرب ؟ قلت : معناه الداخلي أي الأبعد ، لأن المغرب كله على ساحل البحر الشامي من جنوبه ، فالأقرب إلى هنا برقة وإفريقية ، والمغرب الأوسط تلمسان وبلاد زناته ، والأقصى فاس ومراكش وهو معنى الجواني . فقال لي : وأين مكان طنجة من مُلك المغرب ؟ فقلت في الزاوية التي بين البحر المحيط والخليج المسمى بالزقاق ، ومنها التعدية إلى الأندلس لقرب مسافته ، لأن هناك نحو العشرين ميلاً ، فقال : وسلجماسة ؟ فقلت : في الحد ما بين الأرياف والرمال من جهة الجنوب .
فقال : لا يقنعني هذا ، وأحب أن تكتب لي بلاد المغرب كلها ، أقاصيها وأدانيها وجبالها وأنهارها وقراها وأمصارها ، فقلت : يحصل ذلك بسعادتك .
فكتبت له بعد انصرافي من المجلس ما طلب ، أقمت في كسر البيت وكتبته في أيام قليلة ، وأوعبت الغرض في مختصر وجيز ، يكون في اثنتي عشرة كراسة ، ودفعته إليه فأخذه من يدي وأمر موقعه بترجمته إلى اللسان المغلي ، وهذا يدل على عقله وبعد نظره وأنه ربما كان يخطر بباله فتح إفريقية » ! ( أعيان الشيعة : 3 / 663 ) .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 215 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل العاشر : خلاصة الأحداث الكبرى بعد انهيار المارد المغولي

1 - أضواء على أهم الأحداث في قرنين بعد حكم المغول

هذا الفصل خلاصة لفصول من الكتاب في طبعته الأولى ، فقد رأينا أن نلخصها هنا ، ثم ننشرها مفردة بعناوينها ، وهي أربعة بحوث : في موجة تيمور لنك على العالم الإسلامي ، وفي نشوء الدولة الصفوية ، والدولة العثمانية ، وفي التعصب المذهبي وحيَّ على خير العمل .

( 1 ) بدأ انهيار المغول بموت السلطان بو سعيد

توفي آخر سلاطين المغول سنة 736 هجرية فانهار النفوذ المغولي ، وأخذت تتشكل دول من أهل البلاد ، وأهمها الدولة الفارسية ، والدولة العثمانية .
ثم جاءت موجة مغولية جديدة بقيادة تيمور لنك ، فاجتاح كل المناطق التي كان يحكمها المغول ، وهي العراق وإيران والخليج وتركيا وشرق آسيا كله ، وقسم من شرق أوروبا . وزاد عليها الشام والهند وروسيا ، ولكنه كان يترك
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 216 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
البلد الذي يحتله ويهاجم غيره ، ولم يستقر إلا في عاصمته سمرقند شرق إيران ، وقد أقام المغول بعده في الهند دولاً .

( 2 ) وبدأت تتشكل الدول المحلية

وقد احتاجت عملية تَشَكُّل الأمة بعد المغول ، واستيعاب موجتهم الثالثة إلى قرن من الزمان ، ونتج عنها ولادة الدولة العثمانية والصفوية . أما دولة المماليك فبقيت خارج حكم المغول ، حتى احتلها السلطان سليم العثماني سنة 932 ه - .
فقد بادر زعماء بعض البلاد إلى السيطرة على بلدهم ، وطردوا الحامية المغولية ، كما في إيران . بينما رضي أهل بعض البلاد كالعراق بحكامٍ مغول بعد موت بو سعيد ، لأنهم اعتبروهم منهم . أما تركيا فقام حكامها السلاجقة وورثتهم المغول العثمانيون ، بعزل الحامية المغولية في مدينة سيواس الأناضولية .

( 3 ) المد الشيعي الذي أحدثه نصير الدين ( قدس سره )

كان المد الشيعي الذي أحدثه نصير الدين الطوسي ( قدس سره ) قوياً ، وقد ساعد على نجاحه أن الحكم المغولي طبق سياسة المذهب الشيعي في الحريات المذهبية والإعمار والخدمات ، فكسب رضا الجميع !
وقد استفاد السيد صفي الدين الأردبيلي شيخ الطريقة الصفوية ، من هذا المد فبدا هو وأولاده بالعمل لإقامة الدولة الصفوية .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 217 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

( 4 ) بسبب عدل الجوينيين تمسك العراقيون بالإيلخانيين

كانت سيرة الجوينيين والسلطان محمد خدابندة وابنه بو سعيد ، سبباً في قبول العراقيين بحكم المغول الإيلخانيين بعد بو سعيد ، فحكموا العراق قرنين ، وشملت دولتهم الأهواز وتبريز وهمدان وغيرها . ورضي بهم السنة العراقيون وفيهم حنابلة متعصبون ، ولم يطرحوا إعادة حكم الخلافة العباسية أو غيرها ! بل لم نسمع منذ سقوط الخلافة العباسية صوتاً واحداً من أهل العراق يطالب بإعادة الخلافة أو يدعو إلى مقاومة المغول ، مع أنه كان في بغداد سنة متعصبون !
وسبب ذلك أن السنة العراقيون ومنهم الحنابلة ، طلقوا الخلافة العباسية بالثلاث غير آسفين عليها ، وفضلوا عليها نمط الحكم الذي قدمه الشيعة في الحرية والبناء ، بل التفوا في القرن الثامن والتاسع حول الحكام الإيلخانيين الشيعة ، ووقفوا معهم أمام غزو تيمور لنك وغيره ، فهم يشعرون أن المغول الإيلخانيين مسلمون عراقيون ، وأنهم خير لهم من الخلافة .
بينما نرى أتباع الخلافة في البلاد البعيدة يتغنون ببغداد المنصور والرشيد والمتوكل ، وكأنه لا خَبَرَ عندهم بأن بغداد طلقت الخلافة بالثلاث ، وأن العباسيين أنفسهم لم يطالب أحد منهم بإعادة الخلافة ، مع أنهم كانوا كثرة وكان لهم نقابة في بغداد ! فقد وجدوا كغيرهم في حكم الجوينيين من الحرية والإعمار ما لم يجدوه في حكم الخلفاء !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 218 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

( 5 ) نجت مصر من موجات المغول

كانت مصر هدفاً لغزو هولاكو ، ثم ابنه قازان ، ثم تيمور لنك ، وقد احتلوا دمشق مقدمة لغزوها ، لكن الله تعالى نجى مصر منهم وتراجع هولاكو وتيمور عن غزوها ، وانهزم قازان في معركة عين جالوت على يد الأمير قطز المملوكي الشركسي ! ونتج عن ذلك أنه في مقابل تبني المغول للتشيع ، تبنى المماليك الشراكسة الخلافة العباسية السنية ، وجاؤوا بعد سقوط بغداد بعباسي ونصبوه خليفةً ، وكان يظهر عند نصب السلطان والمناسبات التشريفية ، واستمروا على ذلك حتى سقط حكمهم بيد العثمانيين سنة 923 ، فأخذ سليم الخليفة العباسي إلى استانبول ، وأجبره على خلع نفسه والبيعة له ، وأعلن نفسه خليفة !
وفي فترة حكم المماليك استخدموا المتعصبين السنة للدعاية والتحريك ضد المغول والشيعة ، فاتهموا الشيعة بأنهم جاؤوا بالمغول إلى بغداد !
وكان من أبرز من سخَّروه الشيخ عبد الحليم بن تيمية ، الذي رد على مذهب الشيعة في كتابه الذي سماه ( الرد على الرافضي ) وسَمَّوْه فيما بعد : منهاج السنة .
وقد كفَّرَ ابن تيمية الشيعة ، مع أنه اعترف بإسلام السلطان قازان عندما احتل دمشق ، وجاء إليه هو وعلماء دمشق وبايعوه ، وخطب ابن تيمية بالنيابة عنهم معلناً طاعته ، وخطبوا باسمه خطب الجمعة كسلطان المسلمين !
لكن ابن تيمية تراجع عن ذلك وتحمس مع حاكم الشام المملوكي ، وأفتى له بإبادة الشيعة في بلاد الشام ، بحجة أنهم كفار ، فهاجموا مناطقهم ، وهي بعلبك وكسروان ، وجبل عامل ، فقتلوا منهم ألوفاً مؤلفة !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 219 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

( 6 ) رفعوا راية الصحابة مقابل أهل البيت ( عليهم السلام )

تَركَّزَ الخلاف السني الشيعي حول اتِّباع الصحابة أو اتباع أهل البيت ( عليهم السلام ) ، فقد جعل السنيون اتِّباع أبي بكر وعمر وولايتهما أهم أركان الإسلام ، والمساس بهما كفراً يوجب خروج صاحبه من الدين ، وهدْر دمه عرضه وماله ، فيكون قتله واجباً وماله وعرضه غنيمة لهم ! وبهذا يفتي مشايخ الوهابيين تقليداً لابن تيمية وينفذونه في بلادهم وأينما استطاعوا ، كما فعل الزرقاوي وأتباعه في العراق !
بينما يُصرُّ الشيعة على أن المسلمين مكلفون باتِّباع أهل البيت ( عليهم السلام ) دون غيرهم لأن النبي ( صلى الله عليه وآله ) أوصى بالثقلين القرآن والعترة ، ولم يوص باتِّباع الصحابة ، فالمسلم حرٌّ في أن يعتقد فيهم ما وصل إليه اجتهاده أو تقليده !

( 7 ) أين كان العرب في عهد موجات المغول

يسأل الإنسان أين كان العرب في عهود الغزو المغولي والمملوكي ، ولماذا لم نسمع طول هذه القرون بقوة عسكرية عربية يحسب لها حساب ؟
والجواب : أن العرب كانوا استنفذوا مخزونهم العسكري ، ومن لا يملك قوة عسكرية كافية ، لا يكون له تأثير في الأحداث الكبيرة .
فقد استُهلكت قوة العرب العسكرية في فتح المناطق المحيطة بهم وهي العراق وإيران والشام ومصر ، وانشغلوا بإدارتها وأثرت الرفاهية عليهم وعلى أولادهم ! فدخل في صناعة الأحداث مخزون الأمم الأخرى ، ومن أولها خراسان ، المنطقة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 220 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
التي يتوفر فيها العدد والطاعة والمهارة القتالية . ثم مخزون الشعوب التركية المتعددة . ثم جاء مخزون أكبر منهما ، وهم المغول من بر الصين .
إن قبائل الجزيرة كانت من الأصل تصلح للبدء والانطلاق لتحقيق أهداف النبوة فقط ، لكنها لا تكفي لمواصلة المسيرة المطلوبة ، لقلة مخزونها القتالي !
ولذا حرص النبي ( صلى الله عليه وآله ) على أن يضيف إليها مخزون اليمن وفارس ، وأخبر عن دورهما في المستقبل ، كما أخبر أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بأن العباسيين سيستغلون حديث النبي ( صلى الله عليه وآله ) عن خراسان وراياتها السود ، ويصلون إلى الحكم بواسطتهم ، ثم ينتهي ملكهم بموجة المغول من جهة خراسان ، قال : « ملك بني العباس عُسْرٌ لا يُسْرَ فيه لو اجتمع عليهم الترك والديلم والسند والهند والبربر والطيلسان لن يزيلوه ، ولا يزالون في غضارة من ملكهم حتى يشذ عنهم مواليهم وأصحاب ألويتهم ، ويسلط الله عليهم علجاً يخرج من حيث بدأ ملكهم لا يمر بمدينة إلا فتحها ولا ترفع له راية إلاهدها ولا نعمة إلا أزالها » . ( غيبة النعماني / 258 ) .
ومعناه أن مخزون المغول الآتي بعد قرون ، سيكتسح ملك بني عباس ويبيده !
أما قصة المماليك في بلاد المسلمين ، فتبدأ بأن الخليفة العباسي عجز عن تجنيد مقاتلين من العرب ماهرين مطيعين ، لسد حاجته في حماية نفسه والبلاد ، فاستورد مقاتلين من مخازن شعوب أخرى ، من أسواق القوقاز ومنغوليا وتركيا وغيرها ! فازدهرت تجارة العبيد والرقيق بين عاصمة الخلافة وأقاصي الأرض وتكونت ( مافيا ) سرقة الناس لبيعهم إلى وكلاء الخليفة الذين يشترون الموالي !
ومما نقله التاريخ أن التركمان الغُزّ سرقوا جماعة ليبيعوهم ، وكان فيهم طالب
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 221 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
علم ، فكانوا في طريقهم يَحُلُّون وثاقه ليصلي بهم إماماً ! فقال لهم يوماً : هل يجوز بيع القرآن ؟ قالوا : لا ، فقال : إن الإمام كالقرآن فلا يجوز لكم بيعي فأطلقوني ! فتشاوروا بينهم ثم قالوا له : هل يجوز إهداء القرآن ؟ قال نعم . قالوا : أنت كالقرآن لا نبيعك بيعاً ، بل نهديك لوكيل الخليفة هديةً !
ولما كثر المماليك الترك وآذوا الناس في بغداد ، ألزم الناس الخليفة المعتصم أن يبني له ولمماليكه معسكراً خارج بغداد ، فبنى العاصمة الجديدة سامراء !
وفي مصر استكثر الحكام من المماليك الشراكسة القوقازيين والمغول ، فسيطروا على البلد ، وحكموا مصر أكثر من ثلاث مئة سنة ، حتى احتلها منهم المماليك المغول العثمايون سنة 923 ، وأعلن سلطانهم سليم نفسه خليفة !
وفي كل هذه القرون والأحداث ، غاب العرب ، كمخزون عسكري وجيش قوي .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 222 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

2 - نشوء الدولة الشيعية الفارسية في إيران ومحيطها

قال ابن خلدون : 5 / 556 : « لما توفي أبو سعيد سنة ست وثلاثين وسبع مائة ولم يعقب ، اضطربت الدولة ومرج أمر الناس ، وافترق الملك طوائف وغلب أزبك صاحب الشمال على طائفة من خراسان فملكها ، واستبد بهراة الملك حسين وألان محمود ، فرشحه من أهل دولة لسلطان أبي سعيد عاملاً على أصبهان وفارس ، فاستبد بأمره واتخذ الكرسي بشيراز ، إلى أن هلك وولي بعده ابنه أبو اسحق أمير شيخ ، سالكاً سبيله في الاستبداد ، وكانت له آثار جميلة ، وله صنف الشيخ عضد الدين كتاب المواقف ، والشيخ عماد الدين الكاشي شرح كتاب المفتاح ، وسموهما باسمه . وتغلب أيضاً محمد بن المظفر على كرمان ونواحيها ، فصارت بيده وطمع في الاستيلاء على فارس . . » .
وهذا يدلك على أن موت السلطان المغولي بو سعيد وعدم وجود وريث له ، زاد من تحفز قادة البلاد في إيران كما في غيرها ، لإقامة دول مستقلة .

1 - كانت إيران سنية وكان فيها بؤر شيعية

نشأ التشيع في عهد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وكان شيعة علي ( عليه السلام ) في المدينة . ثم انتشر في اليمن والكوفة والشام والعالم ، وكان الغالب على إيران التسنن ، وفيها شخصيات وبقاع شيعية ، وبهذا المعنى فإن التشيع في إيران قديم من مطلع الإسلام ، وقد غرس بذرته المباركة سلمان الفارسي ( رحمه الله ) عندما قام بدوره الواسع في فتح إيران ، ثم عندما حكمها من المدائن عاصمة كسرى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 223 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وساهم مع سلمان في نشر التشيع كبار الصحابة كحذيفة وعمار والعشرات من تلاميذ علي ( عليه السلام ) ممن شاركوا في فتح العراق وإيران وبلغوا فيها الدين .
ثم نصل إلى عهد أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وأصحابه الإيرانيين الذين كانوا يلتفُّون حول منبره في الكوفة ، حتى أن الأشعث بن قيس جاء يوم جمعة وأراد أن يجلس قرب المنبر فلم يجد مكاناً ، فقال : « يا أمير المؤمنين غلبتنا هذه الحَمْراء على قربك يعني العجم ، فركض المنبر برجله حتى قال صعصعة بن صوحان : ما لنا وللأشعث ! ليقولن أمير المؤمنين اليوم في العرب قولاً لا يزال يذكر . فقال ( عليه السلام ) : من عذيري من هؤلاء الضياطرة ، يتمرغ أحدهم على فراشه تمرغ الحمار ، ويهجر قوماً للذكر ! أفتأمرني أن أطردهم ؟ ! ما كنت لأطردهم فأكون من الجاهلين . أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ، ليضربنكم على الدين عوداً كما ضربتموهم عليه بدءاً » ! ( شرح النهج : 20 / 284 ) .
ثم نصل إلى ثورة التوابين ، وبعدها ثورة المختار للأخذ بثار الحسين ( عليه السلام ) فنرى كثرة الإيرانيين المشاركين فيها ، حتى سماهم الأمويون الكيسانية ، نسبة إلى كيسان الفارسي ، الذي كان من أصحاب المختار الخاصين .
ثم نصل إلى تأسيس الأشعريين الشيعة مدينة قم ، في عصر الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) ، وانتقال العلماء والرواة المضطهدين إليها ، وسرعان ما عمرت وامتلأت بالشيعة ، ونشطوا لنشر التشيع في إيران .
ثم نصل إلى مجئ الإمام الرضا ( عليه السلام ) إلى إيران ، والهزة العميقة التي أحدثها في عقيدة الإيرانيين وأفكارهم ، والتلاميذ الذين تخرجوا عليه ، وتأثروا به .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 224 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم نصل إلى دولة الشيعة الزيديين في شمال إيران التي دامت أكثر من قرن .
ثم نصل إلى أصحاب الأئمة من أهل البيت ( عليهم السلام ) فنجد كثرة منهم من مناطق إيران المختلفة ، ومن كابل ، وبلخ ، وبخارى ، وسمرقند ، والشيشان ، والكرج أي جورجيا ، ومدن آذربيجان ، وتركيا .
ومن نماذج ذلك ما رواه الكشي : 2 / 866 : عن « محمد بن جعفر بن إبراهيم الهمداني وكان إبراهيم وكيلاً وكان حج أربعين حجة ، قال : أدركت بنتٌ لمحمد بن إبراهيم بن محمد فوصف جمالها وكمالها ، وخطبها أجلة الناس فأبى أن يزوجها من أحد ، فأخرجها معه إلى الحج ، فحملها إلى أبي الحسن ( عليه السلام ) ووصف له هيأتها وجمالها وقال : إني إنما حبستها عليك تخدمك ، قال : قد قبلتها فاحملها معك إلى الحج وارجع من طريق المدينة ، فلما بلغ المدينة راجعاً ماتت ! فقال له أبو الحسن صلوات الله عليه : بنتك زوجتي في الجنة يا بن إبراهيم » .
ثم نصل إلى حركة البويهيين وكانوا طالبي ملك ، لكنهم كانوا مع أكثرية جنودهم شيعة ، وسيطروا على إيران ، ثم العراق ، وفرضوا على الخلافة العباسية الاعتراف بسلطانهم ، وحقهم في تعيين الخليفة وعزله !
ومع تحفظنا على سلوك البويهيين وسياستهم ، لكن حركتهم تدل على وجود أرضية واسعة للتشيع في إيران ، استغلها البويهيون لتجنيد الجنود وخوض المعارك والوصول إلى الحكم ، وكانت بالنتيجة موجة شيعية ضاعفت من اتساع التشيع في إيران ، وغيرها .
ثم نصل إلى موجة التشيع التي أحدثها نصير الدين الطوسي ( قدس سره ) ، والتي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 225 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كانت استثماراً لمخزون التشيع الماضي في إيران ، وإطلاقاً لموجة تشيع جديدة ، تفاعلت وتنامت حتى وجدت قيادة كفوءة من الصفويين ، فاستوعب التشيع كل إيران تقريباً .

2 - أول حركة ضد المغول حركة شيعية

كانت حركة السربدارية أقوى حركة ضد المغول ، وبدأت في عهد السلطان بو سعيد ، وهي حركة شيعية صرفة ، وهذا يكفي لرد تهمة النواصب للشيعة بأنهم تحالفوا مع المغول ، ويدل على أن بو سعيد لم يكن شيعياً كأبيه خدابنده ( رحمه الله ) .
وبينما كان علماء الشيعة يقاومون طغيان المغول في إيران فيعلقونهم على أعواد المشانق ، كانوا يقاومون المماليك في بلاد الشام أيضاً ، كما حدث للفقيه الكبير الشهيد محمد بن مكي ( قدس سره ) ، الذي طلب منه حاكم دولة السربدارية علي بن المؤيد المجئ إلى إيران ليكون مرجعهم فلم يستطع ، لأن المماليك كانوا فرضوا عليه الإقامة الجبرية في دمشق ، ثم دبروا عليه شهوداً بأنه يطعن في أبي بكر وعمر ، فقتلوه وصلبوه ، ثم أحرقوا جثته الطاهرة ( قدس سره ) ، وذلك قبل سنتين من شهادة علي بن مؤيد ( رحمه الله ) على يد تيمور لنك ! ( طرائف المقال : 2 / 426 )
وقد ظهرت حركة السربدارية ضد الحكم المغولي في شمال إيران وبدأت في قرية باشتين من ولاية بيهق ، وامتدت إلى كيلان شمالاً ، وشملت شرقاً منطقة طوس ، وقسماً من بلاد ما وراء النهر إلى حدود سمرقند . وقادها عليُّ بن المؤيد ، وأرسل وزيره القاضي شرف الدين الآوي إلى المرجع الشيعي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 226 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
محمد بن مكي ( قدس سره ) تلميذ ابن العلامة الحلي ( قدس سره ) ، يطلب منه الحضور إلى عاصمتهم ليكون مرجعاً لهم ، ويشرف على القضاء ، فاعتذر وكتب له متناً فقهياً مختصراً وشاملاً سماه : اللمعة الدمشقية .
وقد كتب المستشرق الروسي أي . ب . بتروشفسكي : حركة السربدارية في خراسان ، وأرخ لها السيد حسن الأمين في مستدركات أعيان الشيعة : 2 / 177 . وخلاصتها أنه كان في مسجد سبزوار رجل اسمه الشيخ خليفة يُدَرِّس الطلبة والناس ، فأراد بعض المتعصبين من علماء السنة منعه من التدريس ، وزعموا أنه ينشر البدع ، وأفتوا بوجوب قتله وأرسلوا الفتوى إلى السلطان بو سعيد ، فأرجع الأمر إلى علماء المنطقة والحاكم ، فاغتالوه سراً في 22 ربيع الأول سنة 736 ، وكان أبرز تلاميذه الشيخ حسن الجوري ، فأخذ ينشر تعاليمه في منطقة نيشابور فالتف الناس حوله ، وبعث برسالة إلى الأمير محمد بك بن أرغون شاه ، يطلب منه رفع بعض المظالم ، فأراد قتله ، فاختفى حتى حبسوه في مشهد سنة 739 .
ووقعت حادثة في قرية باشتين في بيهق فكانت شرارة الحرب مع السلطة المغولية ، وذلك أن خمسة من المغول نزلوا في دار حسين حمزة وحسن حمزة من أهالي قرية باشتين فضيفوهم ، فطلبوا منهما الخمر والوجه الحسن وأصروا على طلبهم وأساؤوا إليهما وتشاجروا ، فقتلهم البيهقيون وقالوا : نحافظ على أعراضنا ، ونحن مستعدون أن نسلم رؤوسنا إلى المشنقة ، فسموا ( سَرْ بِدار ) أي رأس على المشنقة ، وفرَّ صاحبا البيت من وجه السلطة ، وأرسل علاء الدين هندو حاكم خراسان ، إلى أهل القرية يطلب أن يسلموهما فامتنعوا ، وتزعم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 227 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الحركة عبد الرزاق العلوي الحسيني السبزواري بن الخواجة فضل الله الباشتيني فغضب الوزير وأرسل مائة جندي لاعتقالهما ، فواجههم عبد الرزاق وهزمهم ، وقصد مركز علاء الدين هندو ، فهرب مع رجاله إلى أسترآباد ، فلحقوه وقتلوه في منطقة جرجان ، ثم استولوا على أمواله ، وكانوا سبع مائة رجل .
ثم سيطروا على مدينة سبزوار وجُوَيْن وأسفرايين وجاجرم وبياراجمند ، وضربوا النقود ، ولما توفي أميرهم عبد الرزاق سنة 738 ، خلفه أخوه وجيه الدين مسعود ، وخاض حروباً مع عسكر المغول من سنة 739 إلى 745 ، حيث وقعت لهم معركة مع حاكم هرات أرغون شاه ، فهزموه وهرب ، فقويت دولتهم بقيادة وجيه الدين مسعود ، وتوجيه الشيخ حسن الجوري .
وأرسل الأمير محمد بيك بن الأمير أرغون شاه رسالة إلى الشيخ حسن الجوري يطلب منه عدم مساعدة جماعة السربدارية ، فأجابه الشيخ : يجب على الملك وعلينا أن نطيع الله عز وعلا ، وأن نعمل حسب آيات القرآن المجيد . . إذا عمل الملك حسب ما أمره الله ورسوله ( صلى الله عليه وآله ) سنتبعه ، وفي غير هذه الحالة فالسيف يكون الفاصل بيننا وبينه . ومعناه أنه اشترط عليهم أن يُلغوا العمل بشريعة اليَاسَة الجنكيزية التي كانت سارية بينهم ، وكانوا يجبون الضرائب بموجبها ! فتوجه طوغاي تيمور خان بعسكره لحربهم في ما زندران ، وكانوا ثلاثة آلاف وسبع مائة رجل ، وأرسلوا مبعوثاً إليه يطلبون موافقته على العمل بالشريعة وحقن الدماء ، فأجابهم طوغاي : أنتم جماعة من القرويين تريدون التآمر علينا ، ووقع بينهم معركة سنة 742 ، انتصر فيها السربدارية ، وبسطوا سلطتهم على
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 228 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أنحاء خراسان . وروى ابن بطوطة المعاصر لتلك المعركة ما سمعه من المتعصبين أتباع ملك هرات ، فقال في رحلته : 1 / 425 : « فعظم جيشه ( مسعود زعيم السربدارية ) واستفحل أمره ، وتمذهب جميعهم بمذهب الرفض ، وطمحوا إلى استئصال أهل السنة بخراسان ، وأن يجعلوها كلمة واحدة رافضية ، وكان بمشهد طوس شيخ من الرافضة يسمى بحسن ، وهو عندهم من الصلحاء فوافقهم على ذلك وسموه بالخليفة ! ( هذا للتهويل واسمه الشيخ خليفة ) وأمرهم بالعدل فأظهروه ، حتى كانت الدراهم والدنانير تسقط في معسكرهم فلا يلتقطها أحد حتى يأتي ربها فيأخذها ( شهادة مهمة ) وغلبوا على نيسابور ، وبعث إليهم السلطان طغيتمور بالعساكر فهزموه ، ثم بعث إليهم نائبه أرغون شاه فهزموه وأسروه ومنوا عليه ، ثم غزاهم طغيتمور بنفسه في خمسين ألفاً من التتر فهزموه وملكوا البلاد ، وتغلبوا على سرخس والزواة وطوس وهي من أعظم بلاد خراسان ، وجعلوا خليفتهم بمشهد علي بن موسى الرضا . . . واجتمعت الرافضة في مائة وخمسين ألفاً من الفرسان وكانت الملاقاة بصحراء بوشنج ، وصبر الفريقان معاً ثم كانت الدائرة على الرافضة وفرَّ سلطانهم مسعود ، وثبت خليفتهم حسن في عشرين ألفاً حتى قتل وقتل أكثرهم ، وأسر منهم نحو أربعة آلاف . . . وكانت هذه الوقعة بعد خروجي من الهند عام ثمانية وأربعين » . انتهى .
وفي نص ابن بطوطة مكذوبات سمعها من المماليك الغوريين الأحناف في هرات ، عن شخصيات السربدارية ومذهبهم ، وعن أعداد جيش الطرفين .
وفي السادس عشر من شهر ذي القعدة سنة 754 ، تمكن السربداية من القضاء
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 229 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
على آخر معقل لحكومة سلالة هولاكو ، وبذلك نظفوا منهم دولتهم ، وشملت ولاية كركان وأسترآباد وقسماً من ساحل بحر الخزر إلى مدينتي طوس ومشهد .
وأبرز قادتهم عليُّ بن المؤيد ، الذي ضرب النقود باسم الأئمة الاثني عشر ( عليهم السلام ) وكان يحترم السادة والعلماء احتراماً خاصاً ، وكانت ملابسه بسيطة ، وكان يتجول في الليالي في الأزقة والمحلات ، يتفقد الضعفاء والأيتام .
وفي سنة 783 دخل تيمور لنك بجيشه الجرار مدينة سبزوار ، واستقبله علي بن المؤيد فأبقاه على حكمه وأكرمه ، ثم اعتقله مدة طويلة وأمر بقتله سنة 795 . وبعد موجة تيمور قام أهالي سبزوار بقيادة الشيخ داود السبزواري لإحياء حكومة السربدارية ، إلا أن تيموراً توجه بنفسه إلى سبزوار وحاصرها وارتكب فيها مذبحة ، وأمر بدفن ما يقرب من ألفي رجل أحياء في جدار أحد الأبراج ! ولكنهم عاودوا انتفاضتهم بعد وفاة تيمور سنة 807 ضد ولده شاهْرُخّ ، وكانت بينهم معارك ، فسيطر على أثرها شاهرخ على عاصمتهم سبزوار وأنهى دولتهم .

3 - صفي الدين الأردبيلي جد الملوك الصفويين

نص الشيخ البهائي والمحقق البحراني رحمهما الله ، على أن صفي الدين الأردبيلي جد الملوك الصفويين ( رحمه الله ) كان شيعياً ، قال في الكشكول : « كان من علماء الشريعة الحقة وكبراء مشايخ الطريقة والحقيقة ، وقد جمع من علوم البواطن والظواهر ، وهو من أجلة سادة آل الإمام الهمام موسى بن جعفر ( عليه السلام ) » .
وكان الشيخ صفي من شخصيات إيران التي يحترمها السلطان خدابنده
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 230 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والعلامة الحلي ، فقد نقل الرازي في كتابه هفت إقليم : « إن السلطان محمد خدابنده الملقب لما بنى مدينة سلطانية بين تبريز وقزوين وجمع الأكابر والأشراف والعلماء والفضلاء والمشايخ ، واستضافهم فيها ، يوم شروعه في بنائها أو كمالها ، كان في جملتهم الشيخ صفي » . انتهى .
وكان الشيخ صفي شيخ الطريقة الصوفية ورئيس خانقاه « وهو رباط الصوفية ومتعبدهم ، فارسية أصلها خانه كاه ، هذا محل ذكره » . ( الزبيدي في تاج العروس : 19 / 32 ، ونحوه أنساب السمعاني : 2 / 313 ) .
ويظهر أن نظام الخانقاهات انطلق من إيران ، فأقدم خانقاه عثرت عليها كانت في نيشابور ، أسسها الإمام السني ابن حبان ، في القرن الثالث والرابع ، وهذا يرد زعم أعداء الشيعة بأنهم أسسوا الخانقاهات بدل المساجد !
وقد شملت هذه الخانقاهات أنشطة المتصوفة من علماء وعامة ، رجالاً ونساء ، وأنشطة الشباب الرياضية والفروسية ، والأنشطة الفنية من شعر وأدب وغناء ، وبعض الخانقاهات لم تخل من الخمر والفساد .
وكان تأثيرها واسعاً في المجتمع ، وكان لها فروع في أنحاء البلاد الإسلامية وأوقاف ، وهي تُدار من قبل شيخ الطريقة وخلفائه في المناطق ، الأمر الذي جعله مركز نفوذ تحسب له الدولة حسابه .
أما سبب علاقة هذه الطرق والخانقاهات بالتشيع ، فهو أن شيوخ التصوف يبحثون عن شخصيات عارفة بالله تعالى ليتخذوها قدوة ، وطبيعي أن يجدوا في أهل البيت ( عليهم السلام ) بغيتهم ، ولذلك نسبوا طرقهم إلى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) كمصدر
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 231 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لأفكارهم في معرفة الله تعالى ، فدخل التشيع بمعنى حب أهل البيت ( عليهم السلام ) في ثقافتهم ، ودخل مديح أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في أناشيدهم وأذكارهم وأورادهم .
وكان الشيخ صفي الدين الأردبيلي شيخ طريقة وصاحب خانقاه ، وله احترامه ونفوذه في شمال إيران ، وفي القبائل التركية في آذربيجان وديار بكر .
وكونه من ذرية الإمام الكاظم ( عليه السلام ) جعل له احتراماً خاصاً عند المسلمين ، وقد نسبوا له كرامات ، وألف بعضهم فيها كتاباً .
وكونه من ترك أردبيل الذين لهم تاريخ في الجهاد ضد الجورجيين ، ورد هجماتهم ، جعل قبائل الترك المنتشرة في تركيا والشام وما وراء النهر ، تشعر أنه منهم ، وأن طريقته طريقة قومهم وآبائهم .
وقد طلب الشيخ صفي الدين العلم والتصوف ، فسافر إلى شيراز ، ودرس فيها تفسير القرآن على رضي الدين المانقي . والتقى بالشيخ مصلح الدين سعدي وتتلمذ في التصوف على الشيخ الزاهد الپيلاني في گيلان ، فأحبه ودرسه واعتمد عليه ، ولما أحس بدنو أجله استدعاه من أردبيل ، ونصبه خليفته .
وكان حكام عصره يزورونه طلباً للبركة والنصيحة ، أمثال محمود غازان خان بعد إسلامه ، والسلطان محمد خدابنده ، وابنه بو سعيد ، والأمير چوپان ، والأمير حسن حاكم تبريز ، وكان أوزبك خان ملك سهول القبجاق يحترمه . وخلفه ابنه الشيخ موسى وكثر أتباعه ونفوذه ، فكان الخانقاه الصفوي محط رحال آلاف الزوار الذين يقدمون إليه من أرجاء البلاد ، فكانوا ينبهونهم إلى
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 232 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقت الغداء والعشاء بالضرب على الطبول .
وبعد وفاة الشيخ موسى ، صار خليفته ابنه الشيخ الخواجة علي ، وكان الأمير المغولي تيمور لنك الپورپاني يحترمه ، وفي عودته بعد احتلاله تركيا حل ضيفاً عنده في أردبيل ، فطلب منه إلغاء قراره بتهجير قبائل تركية في الأناضول قيبل منه ، واشترى تيمور قرى ومزارع وأوقفها على خانقاه الصفويين ، ونقل صورة الوقفية في مستدركات أعيان الشيعة : 2 / 51 ، ووصف الراوي ورقها الرسمي وذكر نصها ، وهي وثيقة تاريخية مهمة .
وخلف الخواجة علي ابنه الشيخ إبراهيم ، وفي عهده زادت مكانة الخانقاه الصفوي ، وعندما توفي عام 851 خلفه ابنه الشيخ جنيد ، وكان أتباعه يسمونه السلطان ، فخشي الملك جهانشاه قرا قوينلو من تعاظم نفوذه ، فأخذ يبعث برجاله بالتلميح ثم بالتصريح ، بأن خروجه من مملكة جهانشاه سيعود عليه بالنفع والمصلحة ، فرحل الشيخ جنيد إلى ديار بكر بجماعة من خلفائه ودعاته ، وكان الأمير حسن الآق قويونلو آنذاك حاكماً على جزء من ديار بكر وممتنعاً عن طاعة جهانشاه ، فلما سمع بقدوم موكب الشيخ جنيد سارع إلى استقباله وأسكنه في قصره ، وأسكن مرافقيه في منازل مناسبة ، وكان يتردد عليه يومياً فزادت علاقتهما ، وزوج أخته خديجة بيكم من الشيخ جنيد ، وأمر الشيخ جميع أتباعه في ديار بكر بمساعدة الأمير حسن ، وعاد من ديارر بكر إلى أردبيل فتخوف منه الملك جهانشاه ، لكن أعيان الدولة نصحوه أن لايحاربه ويرسله إلى حدود بلاد الشركس للجهاد فيها ، وبذلك ينشغل الصوفيون بعمل يناسب رغبتهم ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 233 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فتوجه الشيخ جنيد إلى جبال القفقاز على رأس جماعة كبيرة من أتباعه ومريديه واستقروا هناك ، فحرك جهانشاه عليهم السلطان خليل ملك شيروان لقتالهم فهاجمهم بعدة آلاف أحاطوا بمعسكر الصوفيين ، ودارت بينهم معركة فانتصر عليهم خليل شاه ، وسقط الشيخ جنيد قتيلاً في سنة 860 .
وبعدها كانت معركة بين جهانشاه حاكم تبريز ، والأمير حسن حاكم الأناضول رئيس قبائل آق قوينلو فانتصر الأمير حسن ، واستعاد الصفوية مكانتهم وكثر مؤيدوهم .
واستخلف السلطان جنيد ابنه السلطان حيدر وهو ابن أخت الأمير حسن ، وفي أيامه ازدهرت الخانقاه ، وجهر بالتشيع وأمر مريدي الخانقاه بارتداء القبعة الحمراء ذات الخطوط الاثني عشر وعليها أسماء الأئمة ( عليهم السلام ) .
وبعد وفاة الأمير حسن حكم ابنه السلطان خليل وبعده أخوه السلطان يعقوب فضعفت علاقتهم بالسلطان حيدر ، فذهب إلى مدينة دربند على رأس سبعة آلاف من الصوفيين ، وعزم على احتلال قلعة باب الأبواب ، وأوشك أن ينتصر عليها ، ففاجأته قوات السلطان يعقوب من خلفه ، وكانت بينهم معركة قتل فيها السلطان حيدر سنة 893 ، فدفن أتباعه جثته ليلاً لئلا تقع بأيدي العدو . وبعد إحدى وعشرين سنة نقله ابنه إسماعيل إلى أردبيل ودفنه مع أجداده .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 234 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

4 - الشاه إسماعيل مؤسس الدولة الصفوية

كان للسلطان حيدر الصفوي ، أربعة أبناء حبسهم الملك يعقوب في قلعة إصطخر ، ولما مات يعقوب سيطر رستم على الحكم ، فأخرجهم من السجن وجعل رئيسهم السلطان خواجة علي الصفوي قائد جيشه ، فجمع مريديه من ولايات تركيا والشام ، واشتهروا باسم ( قِزِ لْبَاش ) وهو لفظ تركي بمعنى : الرؤوس الذهبية ، فقزل بالتركية : ذهب . وباش : رأس .
وقد حارب الخواجة علي مع رستم ملك شيروان وانتصر عليه ، لكن رستم خاف منه وقتله سنة 900 ، وهرب إخوته ومنهم الشاه إسماعيل ، وخبأه مريدوه حتى ظهر عام 906 ، في قوة عسكرية بلغت خمسة آلاف ، وانضمت إليهم بعض القبائل التركية كقبيلة شاملو ، وإسماعيل بيرام بيك القراماني ، بعد سقوط عاصمتهم قونية ، بيد بني عثمان جُق .
وقصد الشاه إسماعيل عدوهم ملك شيروان بعشرين ألفاً ، فانتصر عليه وقتله ودخل مدينة شماخي عاصمة شيروان ومدينة پيلان ، وألبس زعماءها تيجان القزلباش ، وكانوا يسمونه تاج حيدر .
وقد راج هذا التاج بعد وفاة السيد حيدر عام 894 ، وجعله الشاه إسماعيل لباس جيشه ، وكان تجار البندقية يأتون بالأقمشة الحمراء في قوافل عن طريق حلب ، ليبيعوها في إيران . ( مستدركات أعيان الشيعة : 7 / 106 ) .
وفي أوائل عام 907 دخل الشاه إسماعيل تبريز بدون مقاومة ، وجلس على
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 235 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عرشها متوجاً نفسه ملكاً لإيران ، وأمر أن تكون الخطبة باسم الرسول ( صلى الله عليه وآله ) وأمير المؤمنين والأئمة الاثني عشر ( عليهم السلام ) ، وكان فيها شيعة وسنة ، وقد رفض بعض الخطباء الانصياع لأوامر الشاه إسماعيل فضرب أعناقهم ، فانصاع الباقون لأمره ، وكان جنود الصفويين القزلباش يلازمون المساجد في أيام الجمعة لمراقبة الخطباء ، وفوض القاضي شمس الدين الپيلاني منصب الصدارة وهو يشتمل على رئاسة الأمور الدينية والقضائية .
ويعتبر اختراع السيد حيدر والد الشاه إسماعيل للقبَّعة الشيعية لجيشه ومريديه ، ابتكاراً ذكياً وتعبئةً معنوية بأنهم ينتمون إلى أهل البيت ( عليهم السلام ) ويقاتلون من أجل قضيتهم ، وقبول عامة الناس لهذا الزي يدل على أن التشيع كان واسعاً في إيران ، خاصة في قبائل الأتراك .
وكان الشاه إسماعيل يحكم مناطق عديدة من تركيا ، لعلاقة قبائلها القديمة مع الطريقة الصفوية ، ومنها ديار بكر ومدينة أورفا ، وكان حاكمها من القزلباش واسمه آجه وهو رئيس قاجار . ثم قام الشاه إسماعيل بضم العراق إلى مملكته ، وكان يحكمه الأمير باريك بيك من التركمان الآق قويونلو المخالفين للشاه إسماعيل ، لكن كان له أنصار شيعة في العراق فحركهم على حاكمه ، وبلغ نفوذه أن وزراء حاكم بغداد حذروه من احتمال خروج حراسه عليه وتسليمهم إياه إلى قوات القزلباش ! فركب الحاكم زورقاً ليلاً وهرب إلى حلب !
فأخرج أهل بغداد السيد محمد كمونة المحبوس في بئر ونصبوه والياً على بغداد . ودخل الشاه إسماعيل بغداد عام 914 ، بدون مقاومة ، فذبح الناس الأبقار
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 236 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والأغنام استقبالاً له ، ووزع أموالاً طائلة من الذهب والفضة على المحتاجين .
وفي اليوم التالي توجه إلى كربلاء المقدسة وزار سيد الشهداء ( عليه السلام ) وأكرم الساكنين بجوار الروضة الحسينية بعطايا وهدايا ، وخص القبر الشريف بالتحف الثمينة وأمر بإكسائه بطلاء من الذهب ، وتعليق اثني عشر قنديل من الذهب فوقه ، وفرش الحرم الشريف بسجاد من الحرير . وكان يشارك بنفسه في هذه الأعمال ليحسب من خدم الحسين ( عليه السلام ) ، وفي الليلة الأخيرة من إقامته اعتكف في الحرم الحسيني إلى الصباح مشتغلاً بالعبادة والدعاء .
ثم ارتحل إلى النجف عن طريق الحلة ، فلما رأى مشارف النجف ترجل ماشياً إلى المرقد المقدس وزار أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ودعا تحت قبته ، وأكرم جميع سكان مدينة النجف ، واعتكف ليلة في الحرم الشريف .
ثم عاد إلى الحلة ، فاشتكى إليه بعض أهلها من إزعاج بعض قبائل أعراب البادية لهم ولقوافلهم ، فهاجمهم وقتل جماعة منهم . ثم توجه إلى بغداد ومنها إلى سامراء والكاظمية فزار الأئمة ( عليهم السلام ) وأكرم سكان هاتين المدينتين ، ثم أمر خليفة الخلفاء خادم بيك بشق نهر من الفرات إلى النجف الأشرف ، والقيام بإعمار المدن المقدسة ، وعين السيد محمد كمونة سادناً لحرم أمير المؤمنين ( عليه السلام ) .
وبلغه أن السلطان العثماني يراسل رستم حاكم لرستان وكان شيعياً ، فأرسل له قوة من القزلباش فهرب ، ثم طلب الأمان فعفا عنه وجاء وأنشد الشاه شعراً باللغة اللرية في مدح أمير المؤمنين ( عليه السلام ) فأعجبه وأمر بتزيين لحيته بالجواهر واللآلئ ، كما كان يفعله ملوك إيران القدماء ، وأعاده حاكماً على لرستان .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 237 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

5 - الطعن القديم الجديد في الحكم الصفوي الشيعي

لا يمكن أن ننتقد الحركة الصفوية لأنها عملت لإنهاء حكم المغول وتشكيل دولة تحفظ مصالح الشعب الإيراني ، فمن حق كل شعب أن يقاوم تسلط الآخرين على بلده . كما أن من حق أهل كل مذهب أن يحموا أنفسهم من القتل والإبادة ، التي كانت وما زالت قائمة ضد الشيعة ! فهاهم أعداؤنا إلى اليوم ينفذونها علناً أينما استطاعوا ، كما شاهدنا في العراق وأفغانستان وغيرهما !
وقد تحركت الشعوب الإسلامية بعد انهيار المغول لتشكيل دولها ، وكان لمصر وتركيا وإيران طموحٌ أن تشمل دولتها العالم الإسلامي ، فلماذا نعطي الحق في هذا الطموح للمماليك الشراكسة في مصر ، ولبني عثمان جُق المغول في تركيا ، ولا نعطيه للسادة الصفوييين في إيران ؟ ! فهل أولئك خير منهم ؟
أما إذا تكلمنا في العدل والظلم ، فالكل سواء ولا نعرف أيهم أظلم من أيّ ! وأكثر أصحاب مشاريع الدولة إخوة في الظلم ، أشقاء لأب وأم ، ففيهم أسوأ من بعضهم ، وليس فيهم أحسن !
وإذا كان مقياسنا المذهب ، فلماذا نعذر من يجعل ولاية أبي بكر وعمر وعثمان ومعاوية ديناً ويقتل عليه المسلمين ، ونفضله على الذي يجعل ولاية عليٍّ وأهل البيت ( عليهم السلام ) ديناً ، ويقال إنه قتل عليها بعض الناس !
ونلاحظ أن الخط الذي واجه السلطان محمد خدابنده والعلامة الحلي والمحقق الطوسي رحمهم الله ، واجه الحكم الصفوي بنفس المنطق !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 238 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فترى ذم ابن تغري وابن تيمية والذهبي للسلطان خدابنده ، كذم النهروالي الهندي للشاه إسماعيل ! فمنطقهم واحد ، وتهمهم مكررة .
كما لا تجد فرقاً بين نقد الإفرنجيين المعاصرين للشاه إسماعيل ، ونقد القوميين العرب له ، ولا نقد الوهابيين ، فهم يزعمون أن إيران كانت سنية فشيعها الشاه إسماعيل بالقوة ! وأن الصفويين ليسوا سادة من ذرية أهل البيت ( عليهم السلام ) ، بل شعوبيون اخترعوا مذهب التشيع من أجل القومية الفارسية !
ثم زعموا أن الصفويين شنوا حرباً على دولة الخلافة الإسلامية العثمانية ، فشغلوها عن حربها مع البرتغاليين والغربيين !
وكلها تهمٌ ظالمةٌ وأكاذيب لتغطية جريمة السلاطين العثمانيين ، الذين دفعهم الغربيون لإيقاف تقدمهم في أوروبا ، مقابل مساعدتهم لشن حرب على إيران ! ورافق سفير ملك فرنسا سليماً العثماني في عدوانه على إيران !
ولم يكن سليم خليفة عندما هاجم إيران ! بل كان سلطان قسم من تركيا وما ضموه إليها من مناطق البلقان وأوروبا الشرقية فقط . وكان إسماعيل سلطان إيران وما وراء النهر والقوقاز والعراق وساحل الخليج ، وقد وقف معه السلطان العام للخلافة قانصوه الغوري ، وأرسل إلى سليم ينهاه عن غزو إيران فلم يطعه ، فساعد الشاه إسماعيل في حربه معه ، حتى انتصر وأخرجه من تبريز .
فلماذا يفترضون أنه كان يجب على إسماعيل أن يطيع العثمانيين ؟ ولا يفترضون في سليم أن يطيع السلطان الشرعي في مصر ، كما كان يفعل آباؤه وأجداده !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 239 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إنا بحاجة إلى قراءة جديدة للتاريخ ، علمية ، لا كما يقرؤه الوهابيون والقوميون المتعصبون ! لنجد أن السلطان سليم والخلافة العثمانية ما هي إلا خطة فرنسية ، وأن سليماً نفذها بالكامل ، وأعطى فرنسا امتيازات في كل بلاده ، لم تكن تحلم بها أبداً ! ويكفي أن تقرأ كتاب تاريخ الدولة العلية العثمانية ، لمؤلفه محمد فريد ، وهو عثماني متعصب لهم ، وتقرأ فيه نصوص الامتيازات التي أعطاها السلطان سليم للغربيين والفرنسيين خاصة ، وكيف ساعدوه لسحب جيش أبيه من أوروبا وشن حرب على إيران ، وعلى سلطان مصر وخلافتها !
إني أدعو شباب المسلمين إلى قراءة تاريخ التشيع بعمق من مصادره ، وعدم الاغترار بالشعارات الخداعة التي تقسمه إلى تشيع علوي وصفوي !
وقد اغتر بهذه الشعارات الدكتور علي شريعتي في كتابه : التشيع الصفوي والعلوي ! وفسر هذه الدعوى بأن التشيع العلوي هو الإسلام ، وهو ثورة دائماً والتشيع الصفوي تشيعٌ دولة يدعو إلى طاعتها !
لكن هل يعقل أن ينزل الله تعالى ديناً يقتصر فيه على الأمر بالثورة وهدم الباطل بدون الأمر ببناء البديل ؟ !
لقد استعمل مع الأسف شعارات للتهويل بدل الكلام العلمي فقال :
التشيّع العلوي تشيّع تقية المناضل ، والتشيّع الصفوي تشيّع الخامل !
التشيع العلوي تشيع اجتهاد وانفتاح ، والصفوي تشيع جمود وانغلاق !
التشيّع العلوي رجوع إلى العالم المتخصص ، والصفوي طاعة عمياء !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 240 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
التشيّع العلوي تشيّع الإنسانية ، أما التشيّع الصفوي فتشيّع القومية !
التشيع العلوي تشيّع ثورة كربلاء ، والتشيّع الصفوي تشيّع مصيبة كربلاء !
التشيّع العلوي تشيّع الوحدة ، أما التشيّع الصفوي فهو تشيّع الفرقة !
التشيّع العلوي تشيّع التوحيد ، أما التشيّع الصفوي فهو تشيّع الشرك !
التشيّع العلوي تشيّع السنة ، أما التشيّع الصفوي فهو تشيّع البدعة !
التشيع العلوي يقارع الظالمين ، والتشيع الصفوي يخدم الظالمين .
التشيّع العلوي تشيع الانتظار الإيجابي ، والتشيع الصفوي الانتظار السلبي .
إلى آخر التعابير التي اخترعها المؤلف كقوله : التسنن الأموي والمحمدي !
وقد حمل السلفيون مقولة الدكتور علي شريعتي قميص عثمان ، وأوصلوها إلى مقولة : التشيع العلوي يتولى عمر بن الخطاب ويحبه ، والتشيع الصفوي يتبرأ من عمر وأبي بكر ! وهي محاولة يائسة لتصنيف الشيعة إلى أصناف وأقسام وهمية ، لعلهم يجدون منهم إمعات تتبعهم أو تتأثر بهم !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 241 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

6 - الفرق بين الحكم الشيعي وحكم الخلافة

الفرق بين الحكم الشيعي وحكم الخلافة في ثلاثة أمور : الحرية المذهبية ، وتبني سياسة الإعمار ، وسياسة تشجيع العلم والثقافة .
فقد كان مطلب الشيعة عبر التاريخ وما زال : نيْل حريتهم في العقيدة والتعبير عنها وممارستها ، فهم يقاومون الإجبار والإكراه ، كما لا يجبرون أحداً على مذهبهم ، وقد وثقنا تطبيق الحكام المغول الشيعة لتوجيهات نصير الدين الطوسي والعلامة الحلي ، في الحرية المذهبية والإعمار وتشجيع الثقافة .
لكن الشاه إسماعيل تأثر بمعاصره السلطان سليم ، وشكل سابقة في التاريخ الشيعي فأجبر في حالات نادرة بعض الناس على مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) !
ومهما قلنا في هذا التصرف فإن التعددية في الأمة ضرورةٌ ونعمةٌ حتى يظهر الإمام المهدي ( عجل الله تعالى فرجه الشريف ) ، وقد حققت ذلك حركة الصفويين . بل إن التعددية داخل المذهب الواحد نعمة أيضاً ، فقد قال الإمام الصادق ( عليه السلام ) « أنا أوقعت الاختلاف بينكم كي لا تعرفوا فتؤخذوا » . ( جواهر الكلام : 7 / 63 » .
قال السيد الأمين ( رحمه الله ) في أعيان الشيعة : 2 / 114 : « والصفوي نسبة إلى الشيخ صفي الدين إسحق جدهم المذكور ، وظهرت دولتهم بعد وفاة حسن الطويل ملك تبريز ، وهم من أهل أردبيل وكانت مدة ملكهم 233 سنة من سنة 906 إلى سنة 1139 ، وعدة ملوكهم عشرة ، أولهم الشاه إسماعيل بن حيدر ، ولم يكن آباؤه من السلاطين ، لكنهم كانوا من مشائخ الصوفية والعرفاء ، فلقبوا بلقب بسلطان لذلك ، وآخرهم الشاه طهماسب الثاني بن الشاه حسين .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 242 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وارتقت في عهدهم الدولة واتسعت المملكة ، وكانوا معظمين لأهل العلم والدين ، فكثرت في عهدهم العلماء ، وألفت الكتب ، ونسخت المخطوطات النفيسة من كتب الإسلام ، وانتقلت الدولة منهم إلى نادر شاه » .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 243 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

3 - نشوء الدولة العثمانية المغولية في تركيا ومحيطها

1 - تركيا بلد لم يحكمه أهله أبداً !

أهل تركيا هم القبائل التركية ، ولكنهم لم يحكموا بلدهم من يوم غزاهم الروم فأسسوا في بلادهم بيزنطة الشرقية ، ثم احتلها المسلمون وحكمها السلاجقة قروناً ، وهم من المغول وعرفت باسم : أرض الروم . ثم حكمها العثمانيون قروناً ، وهم أبناء عثمان جُق بن أرطغرل المغولي ، حتى أسقط خلافتهم الغربيون والوهابيون !
قال ابن خلدون : 5 / 558 : « هذه المملكة كانت لبني قليج أرسلان من ملوك السلجوقية ، وهم الذين أقاموا فيها دعوة الإسلام وانتزعوها من يد ملوك الروم أهل قسطنطينية ، واستضافوا إليها كثيراً من أعمال الأرض ومن ديار بكر ، فانفسحت أعمالهم وعظمت ممالكهم ، وكان كرسيهم بقونية .
ومن أعمالها أقصرا وأنطاكية والعلايا وطغرل ودمرلو وقرا حصار ومن ممالكهم آذربيجان ، ومن أعمالها أقشهر وكامخ وقلعة كعونية ، ومن ممالكهم قيسارية ، ومن أعمالها نكرة وعداقلية ومنال . ومن ممالكهم أيضاً سيواس وأعمالها ، ملكوها من يد الوانشمند ، كما مر في إخبارهم . ومن أعمالها نكسار وأقاسية وتوقات وقمنات وكنكرة كورية وسامسول وصغوى وكسحونية وطرخلوا وبرلوا ، ومما استضافوه من بلاد الأرمن خلاط وأرمينية الكبرى وأنى وسلطان وارجيس وأعمالها . ومن ديار بكر خرت برت وملطية وسميساط
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 244 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ومسارة . فكانت لهم هذه الأعمال وما يتصل بها من الشمال إلى مدينة برصة ثم إلى خليج القسطنطينية ، واستفحل ملكهم فيها وعظمت دولتهم ، ثم طرقها الهرم والفشل كما يطرق الدول .
ولما استولى التتر على ممالك الإسلام وورثوا الدول في سائر النواحي واستقر التخت الأعظم لمنكوقان أخي هلاكو ، وجهز عساكر المغل سنة أربع وخمسين وست مائة إلى هذه البلاد ، وعليهم بيكو من أكابر أمرائهم ، وعلى بلاد الروم يومئذ غياث الدين كنجسرو بن علاء الدين كيقباد ، وهو الثاني عشر من ملوكهم من ولد قطلمش ، فنزلوا على أرزن الروم وبها سنان الدين ياقوت مولى علاء الدين فملكوها بعد حصار شهرين واستباحوها ، وتقدموا أمامهم ولقيهم غياث الدين بالصحراء على أقشهر وزنجان وانهزم غياث الدين واحتمل ذخيرته وعياله ولحق بقونية ، واستولى بيكو على مخلفه ثم سار إلى قيسارية فملكوها ، وهلك غياث الدين أثر ذلك ، وملك بعده بعهد ابنه علاء الدين كيقباد ، وأشرك معه أخويه في أمره وهما عز الدين كيكاوس وركن الدين قليج أرسلان .
وعاثت عساكر التتر في البلاد فسار علاء الدين كيقباد إلى منكوقان صاحب التخت ، واختلف أخواه من بعده وغلب عز الدين كيكاوس ، واعتقل أخاه ركن الدين بقونية ، وبعث في أثر أخيه علاء الدين من يستفسد له منكوقان ، فلم يحصل من ذلك على طائل ، وهلك علاء الدين في طريقه وكتب منكوقان بتشريك الملك بين عز الدين وركن الدين ، والبلاد بينهما مقسومة ، فعز الدين من سيواس إلى تخوم القسطنطينية ، ولركن الدين من سيواس إلى أرزن الروم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 245 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
متصلاً من جهة الشرق ببلاد التتر ، وأفرج عز الدين عن ركن الدين واستقر في طاعة التتر . . . ولهما اسم الملك والحكم للشحنة بيكو .
ولما زحف هلاكو إلى بغداد سنة ست وخمسين استنفر بيكو وعساكره ، فامتنع واعتذر بمن في طريقه من طوائف الأكراد الفراسيلية والياروقية ، فبعث إليه هلاكو العساكر ومروا بآذربيجان ، وقد أجفل أهلها الأكراد ، فملكوها وساروا مع بيكو إلى هلاكو ، وحضروا معه فتح بغداد وما بعدها ، ولما نزل هلاكو حلب استدعى عز الدين وركن الدين فحضرا معه فتحها ، وحضر معهما وزيرهما معين الدين سليمان البرواناة واستحسنه هلاكو ، وتقدم إلى ركن الدين بأن يكون السفير إليه عنه ، فلم يزل على ذلك . . .
وبقي أمراء المغل يتعاقبون في الشحنة ببلاد الروم . . ثم ولَّى السلطان أبو سعيد على بلاد الروم دمرداش بن جوبان سنة ثلاث وعشرين ، واستفحل بها ملكه وجاهد الأرمن بسيس ، واستمد الناصر محمد بن قلاون صاحب مصر عليهم ، فأمده بالعساكر وافتتحوا أياس عنوة ورجعوا .
ثم نَكَبَ السلطان أبو سعيد نائبه جوبان بن بروان وقتله . . . وبلغ الخبر إلى دمرداش ابنه ببلاد الروم فاضطرب لذلك ، ولحق بمصر في عساكره وأمرائه . . وكان دمرداش لما هرب من بلاد الروم إلى مصر ترك من أمرائه أرتنا ، وكان يسمى النوير اسم أبناء الملوك ، فبعث إلى أبي سعيد بطاعته ، فولاه على البلاد فملكها ونزل سيواس واتخذها كرسي ملكه » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 246 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أقول : فالذين فتحوا تركيا حسب هذا النص هم السلاجقة الترك ، ثم احتلها المغول فخضع لهم السلاجقة ، وظلوا هم الحكام ، لكن من فوقهم الشحنات المغولية ، أي القواعد العسكرية .

2 - السلاجقة والعثمانيون مغول وليسوا أتراكاً !

قال المؤرخ المحبي في خلاصة الأثر / 12 : « عثمان بن أرطغرل بن سليمان شاه السلطان الأعظم ، أحد ملوك آل عثمان ، المطوِّق بعقد مفاخرهم جيد الزمان ، قد تقرر أن أصل بيتهم من التركمان النزالة الرحالة من طائفة التاتار » . انتهى .
وقال المؤرخ ابن العماد في شذرات الذهب : 3 / 68 : « أول الملوك العثمانية خلد الله دولتهم ، وهو السلطان عثمان بن طغربك بن سليمان شاه بن عثمان ، تولى صاحب الترجمة سنة تسع وتسعين وست مائة ، فأقام ستاً وعشرين سنة .
نقل القطبي أن أصله من التركمان الرحالة النزالة من طائفة التتار ، ويتصل نسبه إلى يافث بن نوح ! ونقل صاحب درر الأثمان في أصل منبع آل عثمان ، أن عثمان جدهم الأعلى من عرب الحجاز ! وأنه هاجر من الغلاء لبلاد قرمان واتصل بأتباع سلطانها في سنة خمسين وست مائة وتزوج من قونيا فولد له سليمان فاشتهر أمره بعد عثمان ثم تسلطن ، وهو الذي فتح برصا في حدود ثلاثين وسبع مائة . ثم تسلطن بعد سليمان ولده عثمان حواي الأصغر ويقال هو الذي افتتح برسيا وأنه أول ملوك بني عثمان فإنه استقل بالملك . وأما أبواه فكانا تابعين للملوك السلجوقية » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 247 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال العصامي المكي في سمط النجوم / 1319 ، عن والد أرطغرل : « وكان لجده سليمان أربعة أولاد منهم اثنان توجها إلى بلاد العجم وهما سنقر ودندار ، وتوجه إلى بلاد الروم اثنان أرطغرل وكُون قدما على السلطان علاء الدين السلجوقي وكان سلطان بلاد قرمان فأكرمهما وأذن لهما في الإقامة . . . وخلف أرطغرل أولاداً نجباء أقواهم جأشاً السلطان عثمان » .
أقول : لاحظ أن العصامي يقول إن الأمير علاء الدين حاكم قونية ، أذن لأرطغرل وأخيه بالإقامة في خدمته ، وفي نفس الوقت يعبر عن ابن أرطغرل بالسلطان عثمان ، وهو عثمان جُق أي الصغير !
والصحيح أن أرطغرل وأخاه كانا جنديين عند الأمير علاء الدين السلجوقي ، فولد أرطغرل عثمان الصغير وزوجه الأمير السلجوقي من أقاربه ، فصار لعثمان شأن ما بعد وفاة الأمير ، ثم سيطر أولاده على أمارة علاء الدين ، واستعملوا في ذلك الحرب والحيلة والتواطؤ مع آخرين .
قال ابن خلدون : 5 / 563 : « ثم كان بين بنى عثمان جق ، وبين بنى قرمان ( السلاجقة ) اتصال ومصاهرة ، وكان ابن قرمان لهذا العهد صهر السلطان مراد بك على أخته ، فغلبه السلطان مراد بك على ما بيده ، ودخل ابن قرمون صاحب العلاء في طاعته ، بل والتركمان كلهم » .
وقد حبس بنو عثمان بني قرمان أي السلاجقة من عائلة علاء الدين ، حتى أطلقهم تيمور لنك في حملته على تركيا . قال في النجوم الزاهرة : 12 / 269 : « ثم أفرج تيمور عن محمد وعن أولاد ابن قرمان من حبس أبي يزيد بن عثمان وخلع عليهما
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 248 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وولاهما بلادهما ، وألزم كل واحد منهما بإقامة الخطبة وضرب السكة باسمه » .
وقد حاول المؤرخ العثماني محمد فريد ، أن يجعل أرطغرل جد العثمانيين من التركمان ، ويبعده عن أصلهم المغولي ، وأن يجعله زعيم قبيلة !
قال في كتابه : تاريخ الدولة العلية العثمانية / 115 : « ومؤسس هذه الدولة هو أرطغرل بن سليمان شاه التركماني ، قائد إحدى قبائل الترك النازحين من سهول آسيا الغربية إلى بلاد آسيا الصغرى ، وذلك أنه كان راجعاً إلى بلاد العجم بعد موت أبيه غرقاً عند اجتيازه أحد الأنهر ، إذ شاهد جيشين مشتبكين فوقف على مرتفع من الأرض ليمتع نظره بهذا المنظر المألوف لدى الرحل من القبائل الحربية ، ولما أنس الضعف من أحد الجيشين وتحقق انكساره وخذلانه إن لم يمد إليه يد المساعدة ، دبت فيه النخوة الحربية ونزل هو وفرسانه مسرعين لنجدة أضعف الجيشين ، وهاجم الجيش الثاني بقوة وشجاعة عظيمتين ، حتى وقع الرعب في قلوب الذين كادوا يفوزون بالنصر لولا هذا المدد الفجائي ، وأعمل فيهم السيف والرمح ضرباً ووخزاً حتى هزمهم شر هزيمة ، وكان ذلك في أواخر القرن السابع للهجرة !
وبعد تمام النصر علم أرطغرل بأن الله قد قيضه لنجدة الأمير علاء الدين سلطان قونية ، إحدى الإمارات السلجوقية التي تأسست عقب انحلال دولة آل سلجُق بموت السلطان ملك شاه في سنة 485 ، فكافأه علاء الدين على مساعدته له بإقطاعه عدة أقاليم ومدن ، وصار لا يعتمد في حروبه مع مجاوريه إلا عليه وعلى رجاله ، وكان عقب كل انتصار يقطعه أراضي جديدة ، ويمنحه أموالاً
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 249 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
جزيلة . . . ولكثرة إعجاب هذا الأمير بشجاعة عثمان تعلق به وصار من أخصائه ثم أسلم ! وبقيت ذريته مشهورة في تاريخ الدولة باسم عائلة ميخائيل أوغلي ! ولما توفي أرطغرل سنة 687 ه - . الموافقة سنة 1288 م . عين الملك علاء الدين أكبر أولاده مكانه ، وهو عثمان مؤسس دولتنا العلية العثمانية . . .
ثم قال : وفي سنة 699 . . أغارت جموع التتار على بلاد آسيا الصغرى وفيها كانت وفاة علاء الدين آخر السلجوقيين بقونية ، قيل قتله التتر وقيل قتله ولده غياث الدين طمعاً في الملك ، ولما قتل التتار غياث الدين أيضاً انفتح المجال لعثمان فاستأثر بجميع الأراضي المقطعة له ، ولقب نفسه باديشاه آل عثمان ، وجعل مقر ملكه مدينة يكي شهر وأخذ في تحصينها وتحسينها ، ثم أخذ في توسيع دائرة أملاكه أزمير ثم أزنيك . . ثم دخل مدينة بورصة بعد أن فتح كافة ما حولها من القلاع والحصون وحاصرها نحو عشر سنوات من غير ما حرب ولا قتال » .
أقول : إن مبالغته لا تخفى على القارئ ومحاولته التغطية على خيانة العثمانيين لولي نعمتهم الأمير السلجوقي ، يخالف ما قاله المؤرخون عن أرطغرل وأولاده ! فقد أجمعوا على أن بني أرخان بن عثمان جُق صاهروا بني قرمان وسيطروا على إمارتهم . ( صبح الأعشى : 5 / 349 ، و : 8 / 15 ، والنجوم الزاهرة : 10 / 250 ، وابن خلدون : 5 / 635 ) .
وأما السلاجقة فهم مغول أيضاً وقد نص المؤرخون على ذلك : « وأصلهم من برِّ بخارى ، وهم من قوم لهم عدد وقوة وشوكة كانوا لا يدخلون تحت طاعة سلطان » . ( تاريخ الذهبي : 30 / 378 ) .
« يسكنون فيما وراء النهر في موضع بينه وبين بخارى مسافة عشرين فرسخاً ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 250 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وهم أتراك وكانوا عدداً يجل عن الحصر والإحصاء » . ( وفيات الأعيان : 5 / 63 ) .
وقد نص المؤرخ العثماني محمد فريد على أنهم من مغول الصين ، فقال في تاريخ الدولة العلية العثمانية / 61 : « وفي ذي الحجة سنة 422 توفي القادر بالله . . وفي خلافته ابتدأت دولة آل سلجُق ، وجدُّ هذه العائلة يسمى دقاق من رؤساء قبائل الترك التي كانت تأتي من بلاد كشغر الواقعة في غرب بلاد الصين » .
فهم من قبائل المغول ، ولا ينافيه تسميتهم بالترك ، لأن المسلمين توسعوا في وصف أمم القوقاز والروس والصين بأمم الترك والتركمان ، وقد تقدم أنهم وصفوا العثمانيين بالتركمان ، ونصوا على أنهم من التتار .

3 - هزيمة العثمانيين المذلة على يد تيمور لنك

في السلوك / 1805 : « ولما جئ بابن عثمان إلى تمرلنك أوقفه وابنه ثم وكل به . وبعث من الغد في تتبع المنهزمين ، فأحضر إليه من الجرحى نحو الثلاثة آلاف . وتفرقت التمرية في بلاد الروم تعبث وتفسد وتنهب ، وتنوع العذاب على الناس وأحرقوا مدينة برصا » !
وفي إنباء الغمر / 490 : « سنة خمس وثمان مائة ، في أولها استولى اللنك على أبي يزيد بن عثمان وأسره وأسر ولده موسى ثم قتل أبو يزيد . . . وكان الأمن في بلاده فاشيا بحيث يمر الرجل بالحمل مطروحاً بالبضاعة فلا يتعرض له أحد ، وكان يشرط على كل من يخدمه أن لا يكذب ولا يخون ، ولكنه كان يصنع من الشهوات ما أراد ! قال : وكان الزنا واللواط وشرب الخمر والحشيش فاشياً في بلادهم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 251 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يتظاهرون به . . . وترك لما مات من الأولاد سليمان ومحمداً وموسى وعيسى فاستقل بالملك سليمان وسار على طريقة أبيه » .

4 - كيف استطاع العثمانيون الغرباء أن يحكموا تركيا ؟ !

كان بنو عثمان جُق غرباء عن المجتمع التركي فهم مغول لا عشيرة لهم في تركيا ولا قبائل تساندهم ، وجدهم جندي عند بني سلجُق في قونية ، ثم كان عثمان وابنه أورخان وابنه مراد في بورصة ، ولم تكن حولهم قبائل تساندهم ، فقبائل السلاجقة الصغيرة توالي بني قرمان الذين دخلوا في صراع معهم ، أما القبائل التركية ذات الثقل كقبائل آق قوينلو ، وقرا قوينلو ، وذو القدرية ، وشاملو ، وروملو ، واستاجلو . . . الخ ، فمساكنها ديار بكر والأناضول وأذربيجان الشرقية والغربية في إيران ! وهي قبائل شيعية أو تتبع الطريقة البكتاشية وتميل إلى الشيعة ، ولا تتقبل سلطة بني سلجُق ، أو بني جُق !
فكيف استطاع بنو عثمان جق أن يحكموا تركيا ويتوسعوا ويبنوا دولتهم ؟ وكيف أخضعوا هذه القبائل الكبيرة ، التي هي تركيا ؟
الجواب : أن الطبيعة الجغرافية لتركيا سمحت لأوروبا أن تنشئ فيها ممالك في سواحلها وجبالها ، وكانت قبائل تركيا تعيش في مناطق السهول ، خاصة ديار بكر والأناضول .
وقد أجاد العثمانيون ثلاثة أمور حققت لهم النجاح ، وهي : تكوين قوة عسكرية من نوع خاص ( الإنكشارية ) ، والتقرب الديني إلى محيطهم الشيعي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 252 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الصوفي ، ورفع شعار الغزو والجهاد في سبيل الله تعالى . فقد كانوا مقاتلين محترفين ، وأخذوا ببناء قوة لهم بشراء العبيد ، من مغول وشركس وصرب وأرمن وغيرهم ، وربَّوْهم بطريقتهم الخاصة ليكونوا مثلهم مقاتلين أشداء .
قال العصامي في سمط النجوم / 1319 : « خلف أرطغرل أولاداً نجباء أقواهم جأشاً السلطان عثمان . . توفي سنة خمس وعشرين وسبع مائة ، ثم تولى السلطان أورخان وهو أول من اتخذ المماليك وسماهم ينيشري يعني : العسكر الجديد » .
قال في تاريخ الدولة العثمانية / 146 : « جمع السلطان بايزيد جيوشه وسار لمحاربة تيمور الأعرج فتقابل الجيشان في سهل أنقره . . . ولكن ضعف جيشه بفرار فرق آيدين ومنتشا وصاروخان وكرميان وانضمامها إلى جيوش تيمور لوجود أولاد أمرائهم الأصليين في معسكر التتار ، ولم يبق مع السلطان إلا عشرة آلاف إنكشاري وعساكر الصرب ، فحارب معهم طول النهار حتى سقط أسيراً في أيدي الموغول هو وابنه موسى ، وهرب أولاده سليمان ومحمد وعيسى ، ولم يوقف لابنه الخامس مصطفى على أثر » . انتهى .
أقول : هذا يدل على أنهم مغول ، وقد وجد جيشهم أقاربهم وأسيادهم مع تيمور لنك ، وأنه لم يكن لقبائل تركيا وجود في جيشهم !
ويدلنا النص التالي على أن العثمانيين سبقوا عصرهم بتربية أقسى جيش في العالم ، مقطوع عن المجتمع والأقارب ، لا يعرف إلا السلطان والقِدر !
فهذا المؤرخ محمد فريد وهو مؤرخ تركي ، يمدح أورخان على تكوينه جيش الإنكشارية ، فيقول في كتابه تاريخ الدولة العثمانية / 122 :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 253 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
« خشي من تحزب كل فريق من الجند إلى القبيلة التابع إليها ، وانفصام عرى الوحدة العثمانية التي كان كل سعيهم في إيجادها ، فأشار عليه أحدٌ فُحُول ذلك الوقت ، واسمه قره خليل وهو الذي صار فيما بعد وزيراً أولاً باسم خير الدين باشا ، بأخذ الشبان من أسرى الحرب ، وفصلهم عن كل ما يذكرهم بجنسهم وأصلهم ، وتربيتهم تربية ( إسلامية ) عثمانية بحيث لا يعرفون أباً إلا السلطان ، ولا حرفةً إلا الجهاد في سبيل الله ، ولعدم وجود أقارب لهم بين الأهالي ، لا يخشى من تحزبهم معهم ! فأَعْجَبَ السلطان أورخان هذا الرأي وأمر بإنفاذه .
ولما صار عنده منهم عدد ليس بقليل سار بهم إلى الحاج بكطاش شيخ طريقة البكطاشية بأماسية ليدعو لهم بخير ، فدعا لهم هذا الشيخ بالنصر على الأعداء وقال : فليكن اسمهم يني تشاري ، ويرسم بالتركية هكذا يكيجاري ، أي الجيش الجديد ، ثم حُرِّف في العربية فصار أنكشاري ، ثم ارتقى هذا الجيش في النظام وزاد عدده حتى صار لا يعول إلا عليه في الحروب ، وكان هو من أكبر وأهم عوامل امتداد سلطة الدولة العثمانية .
كما أنهم خرجوا فيما بعد عن حدودهم وتعدوا واستبدوا ، مما جعلهم سبباً في تأخر الدولة وتقهقرها ، وكان ضباطهم يلقبون بألقاب غريبة في بابها ولكنها تدل على أن أولئك الجنود كانوا عائشين من إنعامات السلطان وأنهم كأولاده ! فمن ألقابهم شوربجي باشي وعشِّي باشي وسقَّا أغاشي وأوده باشي ، إلى غير ذلك ، وهذه الألقاب كانت عندهم بمثابة العنوانات الخاصة بالرتب العسكرية ، ثم إنهم كانوا يعظمون ويجلون القدور التي كانت تقدم إليهم فيها المأكولات !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 254 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فكان الإنكشارية لا يفارقون تلك القدور حتى وقت الحرب ! وكانوا يدافعون عنها دفاع الجنود عن أعلامهم ! حتى كان يعتبر ضياعها في القتال أكبر إهانة تلحق بأصحابها العار والفضيحة ! وكانوا إذا أرادوا إظهار عدم الرضا من بعض أوامر رؤسائهم يقلبون القدور أمام منازلهم !
واستمرت هذه الفئة عوناً للدولة على أعدائها ، حتى تغيرت أحوالها وازداد طغيانها ، وانقلبت فوائدها مضرات ، فأبطلها السلطان محمود الثاني بعد أن قتل أغلبهم في يوم 16 يونيو سنة 1826 - 10 ذي القعدة سنة 1241 م . لمقاومتهم إجراءات السلاطين وعصيانهم عليهم ، وتعديهم على حقوقهم المقدسة » ! انتهى .
أقول : هذا النص الغني بالدلالات ، يعترف بأسلوبهم القاسي المضاد للإنسانية في تربية جيشهم ، والذي يعتبرونه ابتكاراً وإبداعاً ويسمونه تربية إسلامية !
وققد رأيت أنهم يحاولون إلصاق الإنكشارية بالطريقة البكتاشية التي ينتمي إليها أغلب القبائل التركية ، وكان مركزها ( أماسية ) ، فزعموا أن جد آل عثمان أخذ جنوده وسار بهم أياماً من بلدهم بورصة إلى أماسية في الأناضول ، فتشرفوا بشيخ الطريقة البكتاشية ، فباركهم ودعا لهم ، وسماهم الإنكشارية ! وهذا يدلك على تقرب أولاد عثمان إلى البكتاشية الشيعة وهم عمدة قبائل تركيا !

5 - القسوة والوحشية عند بني عثمان جُق !

قال مؤرخ الدولة العثمانية محمد فريد العثماني في كتابه : تاريخ الدولة العلية العثمانية / 277 : « كانت عادة بعض ملوك بني عثمان وهي أن كل سلطان يتولى
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 255 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يأمر بقتل إخوته أو يحجزهم في السراي ، كي لا يكون منهم منازع في الملك » !
وقال في / 266 : « وكان من ضمن حظياته جارية بندقية الأصل من عائلة شهيرة بها اسمها بافو ، سباها قراصين البحر وبيعت في السراي السلطانية وسميت صفية ، اصطفاها السلطان لنفسه وتدخلت كثيراً في السياسة الخارجية ، وساعدت بلادها الأصلية كثيراً ، وهي والدة السلطان محمد الثالث . . . ولد هذا السلطان في 7 ذي القعدة سنة 974 ، وتولى بعد موت أبيه مراد الثالث بن صفية الإيطالية الأصل . وكان له تسعة عشر أخاً غير الأخوات ، فأمر بخنقهم قبل دفن أبيه ، ودفنوا معاً » .
وفي إنباء الغمر / 331 : « وذلك أن مراد بن عثمان لما قتل في السنة الماضية عَهِدَ لابنه أبي يزيد بالمملكة ، وأمر بقتل ابنه الآخر صوجي » .
وفي السلوك للمقريزي / 1961 : « وقدم الخبر بأن جلبي بن أبي يزيد بن عثمان صاحب برصا قتل أخاه سلمان وأخذ جميع بلاده ، وهو عازم على المسير إلى أخيه كرشجي » .
وفي السلوك / 2279 : « ومن خبر ملوك الروم أن خوندكار بايزيد بن مراد بن عثمان ترك أربعة أولاد : سلمان وهو أكبرهم ومحمداً وعيسى وموسى فقام بالأمر سلمان وأقام ببر قسطنطنية في مدينة أدرنة وكالي بولي ، وقام أخوه عيسى بمدينة برصا وتحاربا فقتل عيسى واستبد سلمان بمملكة أبيه ، فثار عليه أخوه موسى وحاربه فقتل سلمان وملك بعده موسى ببَرِّ أدرنة . وقام ببرصا أخوه محمد كرشجي وقاتله فقتل موسى واستبد بالمملكة » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 256 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي السلوك / 2406 : « ومن خبره أن مراد بن كرشجي صاحب برصا وغيرها من بلاد الروم قبض على أخيه أرخن بك وكحَّله » . أي كحَّله بمسمار مُحمى !
وقال محمد فريد / 160 : « محمد الثاني الفاتح ( فاتح القسطنطينية ) . . أمر بقتل أخ له رضيع ، اسمه أحمد ، وبإرجاع الأميرة مارا الصربية إلى والدها » .
وقال محمد فريد / 138 : « السلطان الغازي بايزيد خان الأول . . . وكان له أخ أصغر منه بقليل ، يدعى يعقوب متصفاً بالشجاعة والإقدام وعلو الهمة ، فخيف على المملكة منه من أن يدعي الملك . . . ولذلك قتل باتفاق أمراء الدولة وقواد جيوشها ! وادعى مؤرخو الإفرنج أن قتله كان بناء على فتوى شرعية أفتى بها علماء ذلك الزمان ، منعاً لحصول الفتنة » !
وقال في / 151 : « ظهر أخوه مصطفى الذي لم يوقف له على أثر بعد واقعة أنقره . . . وطالبه بالملك . . . وخطب في العساكر بإطاعته لأنه أحق بالملك من ابن أخيه فأطاعته الجيوش . . . فسار مصطفى بعد ذلك لمقابلة ابن أخيه مراد الثاني . . . فسلمه بعض أتباعه إلى ابن أخيه مراد الثاني ، فأمر بشنقه » .
وقال في / 245 : « ولنذكر هنا حادثة شنيعة وهي قتل السلطان ( سليمان ) لولده الأكبر مصطفى ، بناء على دسيسة إحدى زوجاته المسماة في كتب الإفرنج روكسلان ، أما في كتب الترك فإسمها خورم أي الباسمة ، حتى يتولى بعده ابنها سليم ، ولما لها من الثقة بالصدر الأعظم رستم باشا ، إذ كان تعيينه بمساعيها لدى السلطان بعد موت إياس باشا ، وما زالت تساعده حتى زوجه السلطان ابنته منها فكاشفته بمرغوبها ، وهو تمهيد الطريق لتولي ابنها سليم ، فانتهز هذا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 257 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الوزير فرصة انتشاب الحرب بين الدولة ومملكة العجم في سنة 1553 ووجود مصطفى ضمن قواد الجيش ، وكتبت إلى أبيه بأن ولده يحرِّض الإنكشارية على عزله وتنصيبه ، كما فعل السلطان سليم الأول مع أبيه السلطان بايزيد الثاني . . . ولما وصل إلى المعسكر استدعى ولده المسكين إلى سرادقه في يوم 12 شوال سنة 960 وبمجرد وصوله إلى الداخل خنقه بعض الحجاب المنوطين بتنفيذ مثل هذه الأوامر . . . ولم تكتف هذه المرأة البربرية الطباع بقتل مصطفى سلطان ، بل أرسلت إلى مدينة بورصة من قتل ابنه الرضيع . . .
وكان للسلطان سليمان ابن آخر اسمه جهانكير حزن حزناً شديداً على قتل أخيه مصطفى حتى توفي شهيد المحبة الأخوية بعد موت أخيه بقليل ! واختلف في موته أنه قتل نفسه أمام والده بعد أن بكى على قتل أخيه ، وقيل غير ذلك . .
ولم تكن هذه الحادثة خاتمة الفظائع ، بل أعقبها بقتل ابنه الثاني بايزيد وأولاده الخمسة . . لكنه كاتب السلطان سليمان وابنه سليماً سراً على تسليم با يزيد وأولاده اليهما مع أنهم احتموا بحماه ، ولم يرع ذمتهم بل خانهم وسلمهم إلى رسل السلطان فقتلوهم جميعاً وهم : با يزيد وأولاده الأربعة أورخان ومحمود وعبد الله وعثمان . . . وكان لبا يزيد ابن صغير في بورصه فخنق أيضاً » !
وقال في / 277 : « السلطان مصطفى خان الأول . . . ولد هذا السلطان سنة 1001 ه‍ وقضى طول عمره داخل محلات الحرم ولم يتعاط إشغالاً مطلقاً ، بل ولم يعلم من أمور المملكة شيئاً ! كما كانت عادة بعض ملوك بني عثمان ، وهي أن كل سلطان يتولى يأمر بقتل إخوته أو يحجزهم في السراي كي لا يكون منهم منازع في الملك !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 258 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وهي عادة مستقبحة جداً لما فيها من قتل أقرب الناس بلا ذنب أو جرم إلا ما يخيله لهم الوهم من الخوف على الملك . . . وقبل الشروع في الحرب أمر بقتل أخيه محمد تبعاً للعادة المشروعة فقتل في 12 يناير سنة 1621 مأسوفاً عليه ، ثم أصدر أمراً بتقليل اختصاصات المفتي ، ونزع ما كان له من السلطة في تعيين وعزل الموظفين وجعل وظيفته قاصرة على الإفتاء ، حتى يأمن شر دسائسه التي ربما تكون سبباً في عزله كما كانت سبب عزل سلفه » !
أقول : ما رأيك بقوم يقتل من يصل منهم إلى السلطة أقاربه وأولادهم ، حتى الأطفال الرضع ، حتى لا يكبروا وينافسوه على الملك ! فأي خلافة عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) هذه ، وأي عدالة لهؤلاء الجبابرة ؟ !

6 - فتح العثمانيون القسطنطينية وتوغلوا في أوروبا

في القرون التي حكموا فيها تركيا وسَّع السلاجقة مناطق حكمهم وفتحوا مناطق من البلقان وأوروبا الشرقية ، وكانت أهمها على يد مراد بن أورخاي الذي فتح الإمارات المسيحية في البلقان ، حتى صارت القسطنطينية جزيرة محاصرة . وقد ساعدهم على ذلك حالة التمزق والصراعات بين دويلات أوروبا .
وقد سار العثمانيون في هذا الاتجاه ، وقرر السلطان محمد الفاتح أن يفتح القسطنطينية ، فبنى حصناً على البوسفور مقابل القسطنطينة حتى لا يأتي لها مدد من جهة أوروبا ، وحاصرها في إبريل سنة 1453 من جهة البر بمئتين وخمسين ألف جندي ، ومن جهة البحر بمائة وثمانين سفينة ، وكان معه أربع عشرة بطارية
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 259 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مدفعية لمدافع جسيمة صنعها صانع مجري شهير اسمه أوربان كانت تقذف كرات من الحجر زنة كل واحدة منها اثنا عشر قنطاراً إلى مسافة ميل ، ثم تسلق مائة وخمسون ألف جندي الأسوار ودخلوا المدينة وأعملوا السيف فيمن عارضهم ، ودخلوا كنيسة القديسة صوفيا ، حيث كان يصلي فيها البطريق ومعه الأهالي . وسموا المدينة إسلامبول أي تخت الإسلام ، أو مدينة الإسلام .
ويعتقد الروم حتى الآن أن حائط الكنيسة انشق ودخل فيه البطرق والصور المقدسة ، وأن الحائط ينشق ثانية يوم يخرج الأتراك من القسطنطينية ، ويخرج البطريق منها ويتم صلاته التي قطعها !
ومات محمد الفاتح في 4 ربيع الأول سنة 886 الموافق 3 مايو سنة 1481 ، وتولى بعده ابنه با يزيد الثاني ، وكانت سياسته كأبيه مواصلة التوغل في فتح أوروبا .
قال محمد فريد / 130 : « صارت الدولة العلية متاخمة لإمارات الصرب والبلغار وألبانيا المستقلة ، فاضطرب لذلك الملوك المسيحيون المجاورون للدولة العلية وطلبوا من البابا أوربانوس الخامس أن يتوسط لدى ملوك أوروبا الغربيين ليساعدوهم على محاربة المسلمين وإخراجهم من أوروبا ، خوفاً من امتداد فتوحاتهم إلى ما وراء جبال البلقان ، إذ لو اجتازوها بدون معارضة ومقاومة في مضايقها ، لم يَقْوَ أحدٌ بعد ذلك على إيقاف تيار فتوحاتهم ، ويُخشى بعدها على جميع ممالك أوروبا من العثمانيين ، فلبى البابا استغاثتهم وكتب لجميع الملوك بالتأهب لمحاربة المسلمين وحرضهم على محاربتهم محاربة دينية ، حفظاً للدين المسيحي من الفتوحات الإسلامية » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 260 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال في / 138 ، إن بايزيد انتصر على الصرب وأجاز حاكمهم : « بأن يحكم بلاده على حسب قوانينهم بشرط دفع جزية معينة ، وتقديم عدد معين من الجنود ينضمون إلى الجيوش الشاهانية » .
وذكر أن جيشه تقدم « لغزو بلاد الفلاخ فقهر أميرها المدعو دوك مانيس وأكرهه على التوقيع على معاهدة يعترف فيها بسيادة الدولة العلية العثمانية على بلاده ، وبتعهد لها بدفع جزية سنوية مع بقاء بلاده له يحكمها بمقتضى عوائد وقوانين أهلها ، وتم ذلك في سنة 1393 م . » .
وذكر محمد فريد / 140 : توغل با يزيد في أوروبا فقال : « فلما علم سجسمون ملك المجر خبر ما حل ببلاد البلغار ، خشي على مملكته إذ صار متاخماً في عدة نقط للدولة العلية ، فاستنجد بأوروبا وساعده البابا وأعلن الحرب الدينية بين أقوام أوروبا الغربية ، فأجاب الدعوة دوك بورغونيا وأرسل ابنه الكونت دي نيفر ومعه ستة آلاف محارب ، أغلبهم من أشراف فرنسا ، وفيهم كثير من أقارب ملك فرنسا نفسه ، وانضم إليه حين مسيره إلى بلاد المجر أمراء بافاريا واستيريا وشواليه القديس حنا الأورشليمي وكثير من الألمانيين ، ثم اجتاز هذا الجيش نهر الدانوب وعسكر حول مدينة نيكوبلي لمحاصرتها ، فسار إليهم السلطان با يزيد ومعه مائتا ألف مقاتل بهم كثير من أهالي الصرب تحت قيادة أميرهم إسطفن بن لازار ، وغيرهم من الأمم المسيحية الخاضعة لسلطان العثمانيين ، وقاتلهم قتالاً عنيفاً في يوم 23 ذي القعدة سنة 798 - 27 سبتمبر سنة 1396 ، كانت نتيجتها انتصار العثمانيين على الجيوش المتألبة عليهم ، وأسْر كثير من أشراف فرانسا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 261 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
منهم الكونت دي نيفر نفسه ، وقتل أغلبهم ، وأطلق سراح الباقي ، والكونت دي نيفر ، بعد دفع فداء » .

7 - كاد با يزيد أن يفتح أوروبا فتآمر عليه ابنه سليم !

في سنة 900 هجرية قام شارل الثامن ملك فرنسا بحملة على إيطاليا ، بحجة منع التوغل التركي ، وأرسل دعاته إلى مقدونيا واليونان لتحريك المسيحيين ضد العثمانيين ، فخافت إيطاليا من فرنسا أكثر من خوفها من العثمانيين ، فأرسلوا إلى السلطان بايزيد يطلبون أن يرسل جيشه إلى إيطاليا !
وحاصر ملك فرانسا مدينة رومه وطلب من البابا أن يسلمه الأمير جم العثماني الأسير لديه ، وهو أخ بايزيد ، فسلمه إليه ، ويقال إنه دس له السم قبل تسليمه إليه ، فمات في 18 جمادى الأول سنة 900 .
وبعد انتصارات جيش بايزيد الكاسحة في أوروبا ، وضغطه على نابولي وميلانو وفلورنسا ، ظهر ابنه سليم لإشغال أبيه عن التوغل في أوروبا !
قال محمد فريد / 185 : « ولولا عصيان أولاد السلطان عليه ببلاد الأناطول كما سيجئ ، لفتحت باقي بلاد البنادقة ، لكن اضطرت أحوال المملكة الداخلية السلطان إلى إبرام الصلح مع محاربيه بأوروبا ، وهم المجر والبنادقة ، فتم الصلح بينه وبين الجمهورية سنة 1502 ، وفي السنة التالية تم الصلح مع ملك المجر » !
أقول : كانت انتصارات بايزيد نذيراً لفرنسا بأنه لو أخذ إيطاليا لصار وجهاً
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 262 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لوجه أمام فرنسا ! فحركت ابنه سليم ضده ، وكان طلب من أبيه أن يجعله أميراً في أوروبا فلم يقبل ، فأعلن الحرب على أبيه ، واضطره إلى إيقاف تقدمه في أوروبا ، وسحْب جيشه لمواجهة ولده ( النجيب ) سليم !
وقد استجاب الأب ، لكن ابنه سليماً هاجم العاصمة واحتل قصر أبيه ، وأجبره على التنازل له ، ثم نفاه ، وبعد مدة قليلة قتله بالسم !
ثم قام السلطان سليم بتغيير سياسة الدولة العثمانية إلى الضد والنقيض ، فتنازل عن انتصارات أبيه وسَحَبَ جيوشه من أوروبا ، وأبرم معاهدات صلح وصداقة مع الأوربيين وفرنسا خاصة ، وأعطاها حق رعاية جميع السكان المسيحيين في الدولة العثمانية ، أي تنازل عن السيادة الوطنية ، فأرسلت فرنسا إرسالياتها إلى بلاد المسلمين ، وكانت أضر على المسلمين من جيش !
كان سليم يعلم أن فرنسا حاملة راية الحروب الصليبية ضد المسلمين ، وأنها قادت الأوربيين فاحتلوا أنطاكية سنة 491 ، والمعرة وحمص والقدس سنة 492 ، ونصبوا جودفروا الفرنسي ملكاً عليها ، لكنه كان ذليلاً أمامهم ، أو متواطئاً !
ولم يكتف سليم بذلك بل فتح جبهة حرب داخلية ، فشنَّ بمساعدة الفرنسيين حرب إبادة على الشيعة في تركيا وإيران والعالم ! وقد اعترف محبوه بأنه قَتَلَ في تركيا ذات مرة أربعين ألفاً من الشيعة ، وشرَّد الباقين وحولهم إلى علويين !
ثم هاجم إيران فاحتل عاصمتها تبريز ، واضطر إلى الانسحاب بعد أسبوع !
ثم هاجم سوريا ومصر ، واحتلها وجاء بالخليفة العباسي معه إلى استانبول
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 263 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فتنازل له عن الخلافة ، وأعلن نفسه خليفة .
ثم ما لبث أن مات تاركاً ابنه سليمان القانوني ، بعد أن قتل من أجله كل أقاربه ليبقى سليمان وحده ولي عهده ، فتولى سليمان وبادر إلى قتل جميع أولاده حسب أمر زوجته اليهودية روكسلان ، ليكون ابنها سليم الثاني ولي عهده !
وواصل سليمان سياسة أبيه المذلة مع الغرب وبطشه بالمسلمين ، خاصة الشيعة في تركيا وإيران وغيرهما ! وقد اعترف محبوه بأن مستشار ملك فرنسا قد رافق الجيش التركي في غزوه لإيران !
ومن أدلة العبث العثماني في حروبهم مع إيران ، أنها استمرت قرناً من 1514 - 1611 م . وكانت نتيجتها في زمن السلطان أحمد : « تراسلت الدولتان على الصلح ، وتم الأمر بينهما في سنة 1612 بمساعي نصوح باشا الذي تولى منصب الصدارة بعد موت قويوجي مراد باشا ، على أن تترك الدولة العلية لمملكة العجم جميع الأقاليم والبلدان والقلاع والحصون التي فتحها العثمانيون من عهد السلطان الغازي سليمان الأول القانوني بما فيها مدينة بغداد » . ( محمد فريد / 271 ) .

8 - كان العثمانيون على دين المغول ثم صاروا مسيحيين !

كان جدهم أرطغرل وأولاده كعامة المغول على دين جنكيز وشريعة الياسة . ويدل اعتراف المؤرخ العثماني محمد فريد بأن عائلة بني عثمان جُق بن أرطغرل كانت معروفة باسم ( عائلة ميخائيل أوغلي ) على أنهم تنصروا عندما كانوا عند الأمير علاء الدين السلجوقي ، وبما هذا الأمير كان يخوض حروباً مع الغربيين
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 264 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
النصارى ، فإن تنصرغلمانه الذين صاهرهم يشير إلى تبني الأوربيين لهم في صراعهم مع أولاد علاء السلجوقي ، وقد يلقي ضوءاً على تبني الغربيين للسلطان سليم فيما بعد ! راجع : السلوك / 2093 ، وإنباء الغمر : 2 / 81 ، وسير الذهبي : 22 / 139 .
ويظهر أنهم أسلموا بعد ذلك ، وكانوا سنيين على المذهب الشافعي والطريقة البكتاشية ، التي كانت سائدة في محيطهم ، والطريقة البكداشية أو البكطاشية أو البكتاشية ، منسوبة إلى الشيخ الحاج بكتاش ولي الخراساني ، الذي ولد في نيسابور ونسبت إليه كرامات ، وقالوا إن نسبه يتصل بالإمام الكاظم ( عليه السلام ) وإنه تتلمذ في خراسان على الشيخ لقمان الصوفي الشهير ، وأحمد البوي الشهير .
ثم سكن في تركيا وكان له أتباع ، وتوفي سنة 738 ه‍ في قرية قرشهر ، ودفن في محل سمي باسمه حاجي بكتاش ، وما زال مرقده مزاراً يؤمه الناس .
وذكروا من كرماته أن السلطان العُثماني أورخان بن عثمان جق ، جاءه بفرقة من مجنديه ليدعو لهم ، فدعا لهم وسماهم ( يني جري ) أي الجيش الجديد ، فعرفوا بالينشرية أو الإنكشارية . ( تاريخ الدولة العثمانية : 1 / 122 ) .
والطريقة البكتاشية أخت الطريقة الصفوية ، وكان بينهما علاقات حسنة ، إلى زمن با يزيد الثاني ، حتى جاء ابنه سليم فقتل أباه وسحب جيشه من أوروبا ، وأبرم معاهدات مع الأوربيين ، وأعلن العداء للشيعة والحرب عليهم !
وقد جمع سليم العلماء النواصب من الشام وتركيا وجعلهم بطانته ، واستصدر فتوى بكفر الشيعة ووجوب إبادتهم ، وفتوى بكفر الشاه إسماعيل الصفوي ووجوب جهاده ، وبكفر السلطان الغوري أيضاً لأنه نهاه عن حرب السلطان
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 265 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إسماعيل ! فقد ذكر النهروالي مؤرخ السلطان سليم أن الغوري كان رافضياً ، لأنه كان كأسلافه سلاطين مصر على علاقة حسنة مع السلاطين الشيعة .
وقد استمرت سياسة العثمانيين في التعصب ضد الشيعة واضطهادهم ، نحو أربعة قرون إلى آخر خلافتهم !
ثم جاء المذهب الوهابي على نفس خطهم وأشد ، مع أنه قام على الخروج على الخلافة العثمانية ، ولكنه زايد عليها في عداء الشيعة ، وقلد في ذلك ابن تيمية ومجسمة الحنابلة الذين أسسهم المتوكل العباسي !

9 - كيف حوَّل الاضطهاد قبائل شيعية إلى عُبَّاد لعلي ( عليه السلام ) !

قصة العلويين في تركيا أنهم كانوا شيعة أو متشيعة ، وصوفية أو متصوفة ، فحولتهم سيوف سليم المغولي ومجازره ، إلى عُبَّادٍ لعلي ( عليه السلام ) ! ولكي نعرفهم ينبغي أن نقرأ عن البكتاشية في تركيا ، مثلاً في موقع :
http : / / ar . wikipedia . org / wiki / % D 8 % B 5 % D 9 % 88 % D 9 % 81 % D 9 % 8 A % D 8 % A 9
« كان الأتراك العثمانيون ينتمون إلى هذه الطريقة ، وهي لا تزال منتشرة في ألبانيا ، كما أنها أقرب إلى التصوف الشيعي ، وكان لهذه الطريقة أثر بارز في نشر الإسلام بين الأتراك والمغول » . انتهى .
وقد بثت فضائية العربية استطلاعاً بعنوان : ديانة العلويّين في الأناضول في تركيا ، لمراسلها : دانيال عبد الفتاح ، بتاريخ : 16 / 12 / 2004 . قال :
http : / / www . alarabiya . net / Articles / 2004 / 12 / 18 / 8796 . htm
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 266 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
« العلويّون في الأناضول : كيف وصلوا إلى هذه المنطقة ؟ وكيف انتشروا فيها ؟ كيف يعيشون الآن ، وما هي عقائدهم ، وكيف يمارسون هذه العقائد ؟
اتّضح لنا أن المراجع والكتب التي أُلّفت وكتبت حول العلويين ، إن كانوا هم أنفسهم أو غيرهم ، لم تكن كافية . لذا قرّرنا فتح ملف العلويين ، ولكن في أماكن تواجد العلويين وحيث هم يعيشون ، وعلى هذا نبدأ مهمتنا الخاصة بزيارة مراكز العلويين في الأناضول ، وهم ينتشرون على مساحات واسعة جداً في وسط الأناضول وفي جنوب شرقه وفي . . . حتى في مناطق الشمال والشمال الشرقي من الأناضول التركي ، وهناك يعيش حوالي 12 مليون علويّ حسب الإحصائيات الرسمية وحسب العلويين فهم حوالي 20 مليوناً ، أي ثلث السكان في تركيا » . انتهى . وهؤلاء العلويون هم بقية السيف من أهل تركيا وقبائلها !

10 - ملاحظات على الدولة العثمانية ( العلية ) وسياستها

1 - ما زال أتباع الخلافة يحاولون تبرير حروب العثمانيين على إيران التي بدأها سليم بن بايزيد بحرب جالدران ، واستمرت قرناً من الزمان ، بأنها كانت دفاعية ! لكن مؤرخي العثمانيين اعترفوا بأنها كانت عدواناً من الشاه سليم على الشاه إسماعيل لأنه نجح في توحيد إيران ، وشملت دولته العراق ، وساحل الخليج إلى آخر خراسان ، وساحل بحر قزوين إلى آذربيجان وجورجيا .
2 - بيَّنَّا أن سليماً ثار على أبيه بايزيد في أوج انتصاراته في أوروبا ، فاضطره أن يسحب جيشه وهو على وشك أن يأخذ إيطاليا ، وقال المؤرخ المحب لهم محمد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 267 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فريد إنه لولا حركة سليم لكان أبوه فتح إيطاليا وغيرها بسهولة !
وبعد أن أجبر سليم أباه على التنازل له عن السلطنة ، قتله بالسم ، ثم قتل إخوته وأطفالهم حتى الرُّضَّع ! وكان أول عمل قام به أنه عقد اتفاقيات صلح وهدنة طويلة الأمد مع الغربيين أولها إيطاليا ، ثم استصدر من مشايخه الموظفين فتوى بكفر الشيعة ووجوب إبادتهم ، وأرسل مبعوثين يحصون له الشيعة الذين يميلون إلى الشاه إسماعيل في العاصمة وبقية المدن . وأمده الأوروبيون بمدفعية لمهاجمة إيران ! وأرسل للشاه إسماعيل رسالة سبٍّ وشتم ، ومعها فتوى ( علماء الإسلام ) بكفره وكفر الشيعة ، ودعاه إلى الدخول في طاعته وإلا فالحرب !
3 - قام بشن حملة إبادة على الشيعة في تركيا وقرب حدودها ، بحجة أنهم مؤيدون للشاه إسماعيل ، فهاجمهم في مدنهم ومراكز قبائلهم وقراهم ، وقتل منهم عشرات الألوف ، وربما مئات الألوف ! وكانت هذه أول مجازر الإبادة للشيعة في تركيا ، حتى تشردوا إلى الجبال والسهول البعيدة ، وانقطعوا عن مصادر مذهبهم ، ونشط بينهم الباطنية المغالون ، فصاروا علويين .
4 - قامت حركة شيعية واسعة في تركيا ، حتى في جيش السلطان سليم تدعو الجيش إلى رفض طاعة الأوامر بإبادة الشيعة والهجوم على إيران ، فقتل السلطان سليم كبار الضبط والمفتي ، الذين كانوا قادة الحركة .
5 - أرسل سلطان مصر قانصوه الغوري إلى سليم رسالة ينهاه عن حرب إسماعيل ، فأهان سليم مبعوثه ! فأرسل الغوري إلى أمير مرعش أن يمنع وصول
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 268 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الإمدادات التموينية إلى جيش سليم المتوجه إلى إيران ، فمنعها ، وأتلف الشاه إسماعيل المؤونة في تبريز وما حولها ، فوقعت المجاعة في جيش سليم ، واضطر إلى الانسحاب من تبريز بعد احتلالها بأسبوع !
6 - كانت علاقة سليم مع الغربيين حميمة وخاصة مع الفرنسيين ، وقد عقد هو وابنه سليمان عدة معاهدات مع الفرنسيين ، أعطاهم بموجبها امتيازات خيالية في بلاد الخلافة كلها ! وهذا يؤيد أن يكون وراء مجيئه للسلطة وحربه لإيران ومصر تدبير فرنسي ، وقد شارك مستشار ملك فرنسا شخصياً في حملة على إيران بعد سنوات ، وكانت قادها سليمان بن سليم !
قال السيد شرف الدين ( قدس سره ) في الفصول المهمة في تأليف الأمة / 143 : « الفصل التاسع فيمن أفتى بكفر الشيعة ، وتفصيل ما استدل به على ذلك والغرض استئصال بذور الشقاق بإيضاح خطئه واجتثاث أرومة الافتراق ببيان اشتباهه ، حرصاً على أن لا يكال بصاعه ، واتقاء من تصديقه واتباعه ، وقد اقتصرنا من ذلك على ما وجدناه في باب الردة والتعزير من الفتاوى الحامدية وتنقيحها ، بإمضاء الشيخ نوح الحنفي ، لاشتهار هذين الكتابين ، ورجوع من بأيديهم منصب الفتوى في المملكة المحروسة إليهما !
قال في جواب من سأله عن السبب في وجوب مقاتلة الشيعة وجواز قتلهم : إعلم أسعدك الله أن هؤلاء الكفرة والبغاة الفجرة ، جمعوا بين أصناف الكفر والبغي والعناد ، وأنواع الفسق والزندقة والإلحاد ، ومن توقف في كفرهم وإلحادهم ووجوب قتالهم وجواز قتلهم ، فهو كافر مثلهم !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 269 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال : وسبب وجوب قتالهم وجواز قتلهم البغي والكفر معاً ! أما البغي فإنهم خرجوا عن طاعة الإمام خلد الله تعالى ملكه إلى يوم القيامة وقد قال الله تعالى : فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِئَ إِلَى أَمْرِ اللهِ . والأمر للوجوب فينبغي للمسلمين إذا دعاهم الإمام إلى قتال هؤلاء الباغين الملعونين على لسان سيد المرسلين ، أن لا يتأخروا عنه ، بل يجب عليهم أن يعينوه ويقاتلوهم معه .
قال : وأما الكفر فمن وجوه : منها أنهم يستخفون بالدين ويستهزئون بالشرع المبين . ومنها أنهم يهينون العلم والعلماء . ومنها أنهم يستحلون المحرمات ويهتكون الحرمات ومنها أنهم ينكرون خلافة الشيخيْن ويريدون أن يوقعوا في الدين الشَّيْن . ومنها أنهم يطولون ألسنتهم على عائشة الصديقة ويتكلمون في حقها ما لا يليق بشأنها ( من أمر الإفك ) من أن الله تعالى أنزل عدة آيات في براءتها . قال ، والله يعلم أنه كاذبٌ فيما قال : فهم كافرون بتكذيب القرآن العظيم وسابُّون النبي ضمناً بنسبتهم إلى أهل بيته هذا الأمر العظيم . ومنها أنهم يسبون الشيخين سود الله وجوههم في الدارين . . . إلى أن قال : فيجب قتل هؤلاء الأشرار الكفار تابوا أو لم يتوبوا ، ثم حكم باسترقاق نسائهم وذراريهم !
ثم قال السيد شرف الدين ( قدس سره ) : قلت : هذا الذي لا تَبْرُكُ الإبل على مثله ! هذا الذي لا تقوم السماء والأرض بحمله ! هذا الذي لا يتسنى للغيور أن يقيم في أرض ينشر فيه ! هذا الذي لا يستطيع الحَمِيُّ أن يستظل بسماء تشرق شمسها على معتقديه ! هذا الذي ما أنزل الله به من سلطان ، هذا الذي يأباه الله ورسوله وكل ذي وجدان ، هذا هو الاختلاف الذي ليس بعده ائتلاف ، هذا هو الافتراق
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 270 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الذي ليس بعده اتفاق ، هذا هو المحاربة التي ليس بعدها مصاحبة ! هذا والله الإفك والبهتان ! بجدِّك قل لي : هل درى صاحب الفتوى أي دماء من أهل الشهادتين سفكها ، وأي حرائر قانتات هتكها ، وأي حرمات لله عز وجل انتهكها ، وأي صبية من بني الإسلام سلبها ، وأي أموال مزكيات نهبها ، وأي ديار معمورة بالصلاة وتلاوة القرآن خربها ، وأي كبد لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بذلك فرآها ، وأي عين لآل محمد ( عليهم السلام ) بفتواه أقذاها ، وأي فتنة بين المسلمين أججها ، وأي حرب بينهم ألجمها وأسرجها ، وأي شوكة لهم بذلك كسرها ، وأي دولة لأعدائهم أعزها ونصرها ، وأي مخالفة لحكم الله ارتكبها ، وأي أوزار بتكفيره للمسلمين احتقبها ؟ ! . . .
ظن الرجل أنه قضى على الشيعة بعداوته ، وزعم أنه أسقطهم بإفكه وبهتانه ، فطاش سهمه وظلت مطيته ، بل كان كالباحث عن حتفه بظلفه والجادع ما رن أنفه بكفه . . كان العزم على أن نربأ عن مناقشته ولا نلوث اليراع بمحاسبته ، لوضوح افترائه وظهور ظلمه واعتدائه ، لكن اقتدينا بالكتاب الكريم والذكر الحكيم ، إذ تصدى للرد على كل أفاك أثيم ، فقال جل وعلا : وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ . . » . الخ .
7 - كانت الشام مركز النُّصْب والعداء لأهل البيت ( عليهم السلام ) وشيعتهم في زمن معاوية ، واستمرت عليه قروناً ، وقد بقيت منه بقية إلى يومنا هذا !
ثم تنقَّل مركز النصب تبعاً للسياسة ، فكان في بغداد في زمن المنصور والرشيد والمتوكل ، وصار له وجود شعبي في مجسمة الحنابلة .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 271 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم زال من بغداد بسقوط الدولة العباسية ، حيث اعتدل الحنابلة بعد ذلك ، أو اختفى من بقي منهم ناصبياً !
ثم تحول مركز النصب إلى مصر على يد صلاح الدين الأيوبي ، عندما قضى على الخلافة الفاطمية وتبنى الخلافة العباسية ، وأجبر أهل مصر على التسنن وارتكب هو ونائبه قراقوش الفظائع والمجازر الجماعية لمن رفض ترك التشيع !
وبعد سقوط الخلافة العباسية في بغداد ، وميل السلاطين المغول إلى مذهب التشيع ، تبنى المماليك في مصر في مقابلهم الخلافة العباسية وجاؤوا بموظف عباسي سموه خليفة ليعطيهم الشرعية ، وتبنوا التعصب الأموي ضد الشيعة ! وكانت الشام كانت تحت حكم مصر فأحيا فيها المماليك الفكر الناصبي الأموي وفكر التجسيم الحنبلي ، واتخذوها قاعدة إعلامية ضد الشيعة والتشيع ، وتبنى الحاكم المملوكي للشام الشيخَ عبد الحليم بن تيمية ، المعروف بعدائه المفرط للشيعة ، ونصبه شيخاً للإسلام لفترة في الشام .
وفي أواخر العهد المغولي بدأ مماليك مصر يتخلون عن تبني العداء للشيعة ، وذلك بتأثير شعبهم المحب لأهل البيت ( عليهم السلام ) وتأثير سياسة السلطان محمد خدابنده وابنه بو سعيد ، حيث أقاما مع سلاطين المماليك علاقات وطيدة ! وبذلك أخذ مركز النصب ينحسر من مصر .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 272 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

11 - اضطهاد الدولة العثمانية للشيعة العرب

بعد حملته غير الموفقة على إيران ، هاجم السلطان سليم سوريا ومصر ونجح في احتلالهما ، وطبَّق فيهما وفي غيرهما سياسةً ضد الشيعة ، شبيهةً بسياسته ضدهم في تركيا وإيران ! فكانت حملات الاضطهاد المذهبي بأنواع الإهانة ، والظلم ، ومصادرة الأموال ، والقتل ، والتهجير ، والتشريد ، في كل البلاد التي يحكمها ( الخليفة ) العثماني ، خاصة في تركيا والعراق وسوريا ومصر ولبنان وفلسطين ، وقد استمرت هذه السياسة أكثر من أربعة قرون !
ولو أراد أهل كل بلد أو مدينة أن يكتبوا ما وقع عليهم من مظالم بني عثمان جُق لبلغت مجلدات من الصفحات السوداء والجرائم ، التي يبرأ منها رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) الذي كان الخليفة وولاته وقضاته يحكمون باسمه الشريف واسم شريعته !
ويكفينا في لبنان أن نؤرخ لأحمد باشا الجزار وحملاته على شيعة بلاد الشام ولبنان خاصة ، وكان والي عكا سنة 1195 ، ثم طمع في فلسطين ومصر ، وأفرط في قتل المسلمين عامة والشيعة خاصة ، حتى عرف باسم ( الجزار ) وصار اسما رسمياً له ! قال الجبرتي : 2 / 292 : « سموه بهذا الاسم لكثرة قتله الأنفس ولا يفرق بين الأخبار والأشرار ، وقد جمع الطموش الكثيرة من العسكر والغز والعرب وأسافل العشيرة » !
وفي مستدركات أعيان الشيعة : 2 / 122 : « كانت نكبة جبل عامل بأحمد باشا الجزار من النكبات القاصمة . . . أطلق جنوده يعملون التخريب والتقتيل والسلب !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 273 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وكان من أفجع ما لقيه جبل عامل في تلك المحنة نهب مكتباته نهباً عاماً ، وحمل كتبها إلى عكا . . إلى أصحاب الأفران يوقدون بها أفرانهم » !
في تلك المدة هاجر العديد من علماء جبل عامل وبلاد الشام إلى إيران والهند هرباً من سيف بني أمية العثماني ، وكان أشهر المهاجرين المحقق الكركي ( قدس سره ) وهو معاصر للسلطان سليم وتوفي سنة 940 ، وكان المرجع الديني لإيران في زمن الشاه إسماعيل والشاه طهماسب ، وله مؤلفات وأجوبة استفتاءات تعطينا أضواء مهمة عن حالة الشيعة في عصره في إيران ، وتحت حكم الدولة العثمانية .
ومنهم العبقري الشيخ محمد بن حسين بن عبد الصمد العاملي الحارثي الهمداني المعروف باسم الشيخ البهائي ( قدس سره ) ، المعاصر للشاه طهماسب والشاه عباس ، توفى 1031 ، كان نابغةً في عدد من العلوم ، وله مؤلفات مهمة ، وآثارٌ معمارية هندسية متميزة .
ومنهم الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي ( قدس سره ) ( 1033 - 1104 ) وهو معاصر للمجلسي صاحب البحار ( قدس سره ) ، كان مرجعاً في إيران ، وأشهر كتبه الموسوعة الفقهية : وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة .
* *
نشأتُ في وسط جبل عامل من جنوب لبنان ، وسمعتُ من كبار السن قصصاً عن الحكم العثماني ، ويسمونه الحكم العُصْمَلِّي ! وقصص غارات ( الجَنْدِرْمَا ) على قرانا ، وتعاملهم المغولي مع أهلها ، وفرضهم البقشيش بدون سبب !
ويبقى ذلك أهون من إجبارهم الناس على الجندية في الجيش العثماني ، حيث
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 274 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يُرسل الضابط الإنكشاري في صور في طلب مخاتير القرى ويُحْضرهم ، ويبلغهم أن يكتب كل مختار أسماء أهل قريته من سن 18 إلى 40 سنة ، ويحدد لهم يوماً لحضور المجندين في القشلة ، ثم يرسل عند المدة المضروبة لكل قرية عدداً من الجندرمه الخيالة ليقبضوا على من وجدوه بين سن 18 - 40 ، ويجروه إلى قشلة الدولة العَلِيَّهْ العثمانية ، ثم يسوقونه إلى جبهة الحرب مع روسيا مثلاً ! وهي حرب أحرق فيها الخليفة ألوفاً من المسلمين من أجل عيون فرنسا الجميلة !
وأسوأ منها حرب الخلافة العثمانية ضد أهل اليمن ، التي استمرت سنين طويلة ، وكلفت المسلمين عشرات الألوف !
كانت حروب الدولة العثمانية : الذاهب إليها مفقود والعائد منها مولود ! ومن هؤلاء المولودين جدي لأمي المرحوم الحاج نصرالله كريِّم ، الذي كان يحدثنا عن حربهم مع روسيا التي اعتمدت على المدفعية والبنادق والمواجهة القريبة ، لأن مدى المدفعية كان قصيراً ، فكان يتقدم مئات المقاتلين أو ألوفهم في أرض سهلة أو صعبة ، ويجرُّون مدافعهم بواسطة الحيوانات أو الجنود ، ليضعوها في أماكن تفاجئ العدو وتقتل من جنوده أكبر عدد ممكن . وكثيراً ما تفاجؤهم مدافع العدو فتحصد منهم المئات دفعة واحدة ، ثم يهجم عليهم المشاة الروس ببنادقهم فيشتبكون معهم .
قال ( رحمه الله ) : كانت جثث القتلى تترك مُجَدَّلةً على وجه الأرض بلا صلاة ولا دفن ، لتأكلها الوحوش والطيور !
أما في اليمن فقالوا إن الدولة العثمانية أمرت بعد مدة بجمع عظام قتلاها ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 275 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فكانوا يجمعونها أكواماً كبيرة في الوديان ، ويطمرونها بالتراب !
ثم سمعت في النجف الأشرف قصصاً أبلغ عن ظلم العثمانيين واضطهادهم للشعب العراقي . ومع ذلك أفتى مراجع الشيعة بوجوب جهاد الإنكليز إلى جنب جيش الخلافة العثمانية ، واستنفر العلماء ورؤساء العشائر ، وأقاموا معسكرات في البصرة والشعيبة وغيرها ، وحاربوا جنباً إلى جنب مع ظالميهم ومضطهديهم الأتراك ، واختلط الدم الشيعي بالدم التركي للدفاع عن الوطن الإسلامي . بينما اختلط دم النواصب بالدم الإنكليزي في الجهة الأخرى !
وسمعت القصص عن جنرالات الجيش التركي ، كيف كانوا يأتون إلى معسكرات المجاهدين مؤدبين ، يُقَبِّلون أيدي كبار العلماء ويشكرونهم ، وكيف انهزم الجيش التركي قبل المجاهدين ، وكيف ضمَّتْ سجون الإنكليز ومنفاهم إلى الهند ضباط الأتراك وعلماء الشيعة معاً . . إلى آخر قصص الثورة والهزيمة ، وفيها عبرٌ عن حالة جيش بني عثمان ، وعوامل انهيار دولتهم ، وشهادةٌ بأصالة الشيعة واندفاعهم للجهاد ، مع أنهم لا يملكون مقوماته ، ولا ظروفه .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 276 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

4 - التعصب المذهبي ودوره في صناعة التاريخ

1 - سياسة إجبار الشيعة على ولاية أبي بكر وعمر !

يقول بعض المثقفين : من الخطأ تفسير التاريخ بعامل الصراع المذهبي ، وتصوير أن كل أحداثه كان يحركها الصراع السني الشيعي !
فالقضية انتهت من يومها ، بعد أن رضي علي ( عليه السلام ) وبايع أبا بكر وعمر .
والقضية انتهت من يوم انتهت الدولة الدينية ، وجاءت الدولة العصرية .
والقضية انتهت ، من فكر الجيل المعاصر الذي يهتم بالقضايا المعاصرة ، ولا يهتم بالتسنن والتشيع ولا بالخلاف الذي كان بين علي وأبي بكر وعمر .
والقضية انتهت ، حيث بدأ العالم في الغرب والشرق يتشكل في أوطان ومجموعات بشرية ، تتعايش وتتعاون وتتحد على أساس الحقوق الإنسانية في الحرية والديمقراطية ، بعيداً عن الإنتماء القومي والديني والمذهبي !
يقول مثل هذا المثقف : إن تفسير تاريخنا وحاضرنا بالعامل المذهبي ، خطأ من ناحية علمية ، بل هو خطرٌ على المجتمع ، لأنه يثير حساسيات ماضية ويحيي أضغاناً زائلة ، ويبث الفرقة بين الناس !
نقول لهؤلاء : شكراً لكم على هذا الكلام الجميل ، لكنه ينطبق فقط على أمثالكم من المنفتحين على مفاهيم العصر وحقوق الإنسان والتعايش مع من يخالفهم في الرأي والمذهب . . لكن كم يبلغ هؤلاء في الذين حولكم ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 277 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إنهم نسبة قليلة أيها السادة ، أما عامة الناس وملايينهم الذين يعيشون في الرباط والقاهرة وبيروت والرياض وبغداد وطهران وكراتشي وجاوة ، فهذا عندهم كلامٌ نظري لا واقع له ، لأن الواقع عندهم ضده تماماً !
إنه كلامٌ فيما ينبغي ، ومشكلتنا فيما هو موجود اليوم الذي هو ابن الأمس القريب ، وحفيد الماضي الذي هو ديكتاتورية الحكومات وأتباع المذاهب ، الذين يؤمنون بحكم تربيتهم بالجبر والقهر ، وبالتعتيم والعزل !
الجبر على أن تتولى أبا بكر وعمر وتعتقد فيهما ، في داخل عقلك وفي عمق قلبك ! وإلا فجزاؤك القمع والقهر والحرمان من كل الحقوق المدنية ، بل من حق الحياة ! فهم يُفْتُونَ بهدر دمك ووجوب قتلك ، وبأن أموالك غنائم شرعية حلالٌ زلالٌ لهم ، وعِرْضُكَ أي زوجتك وأختك وأمك ، يَصِرْنَ إماءً مملوكات شرعاً لمن يستولي عليهن منهم !
يقول أصحاب الكلام الشاعري الجميل : هذا كلامٌ فيه مبالغة وتضخيم !
ونقول لهم : نعذركم لأنكم لم تروا ملفات محاكم البلد الفلاني ، ومئات أحكام الإعدام التي أصدرها ( القضاة ) بتهمة المساس بأبي بكر وعمر !
ولا اطلعتم على فتاوى تكفير ملايين المسلمين ، وهدر دمائهم بسبب أنهم لا يعتقدون ما يعتقده أصحاب الفتاوى في أبي بكر وعمر !
ولا عرفتم أن ألوف الشيعة سفك دماءهم الطالبان في أفغانستان ، وسَبَوْا بناتهم ونسائهم واسْتَرَقُّوهن ، بسبب أبي بكر وعمر !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 278 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولا عرفتم كيف طبق الزرقاوي والوهابية فتواهم ، وطبقها حلفاؤهم الجدد جماعة صدام ، فسفكوا الدماء الزكية لرجال ونساء وأطفال باسم أبي بكر وعمر !
يقولون لك : هذه مواقف المتعصبين من الوهابيين السلفيين ، فلا يقاس عليها الوضع في كافة بلاد المسلمين !
نقول : نشكركم لأنكم اعترفتم بأن العامل المذهبي عامل فعالٌ في صناعة الأحداث عند هؤلاء الذين تسمونهم متعصبين ، لكن ألا ترون أن أفكارهم المتعصبة هي المسيطرة والمتبناة في عامة البلاد ؟ !
نسألكم لو أن إمام مسجد صغير في مصر ، وهي ألْيَنُ البلاد السنية وأكثرها مرونةً ، قال أنا لا أعتقد بإمامة أبي بكر وعمر ، ورأيي فيهما سلبي ، فماذا سيكون موقف الناس منه ثم موقف السلطة ؟ !
سيفتحون عليه قضية في المحكمة بأنه عدو لصحابة النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وعدو لله تعالى ودينه ! فهل هذا إلا الإكراه والقمع الفكري ؟ !
أليس معناه أن حزب أبي بكر وعمر ، لهم الحق في أن يفرضوا مزاجهم على عقلك وقلبك ، فهم يأمرونك أن تدخل في قلبك ولاية أبي بكر وعمر ، وأنهما إمامان بعد النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وإلا فياويلك !
تسألهم : لماذا تصادرون حرية المسلم في أن يفكر ويعتقد ما اقتنع به ، فمن أعطاكم هذا الحق والولاية على الناس ؟ فيقولون لك : الله أعطانا ذلك !
تقول لهم : إن القناعة والحب ليس أمراً اختيارياً ، فكيف تطلبون مني غير
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 279 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
المقدور ! فيقولون : لا ، نحن نأمرك أن تقنع نفسك وقلبك !
أليس معناه أنهم حزبُ : من لم يكن معنا فهو علينا ، وحكمه القتل !
أليس هو نفس منطق الذين هاجموا بيت علي وفاطمة ( عليهما السلام ) ، يوم وفاة النبي ( صلى الله عليه وآله ) وقالوا لهم : من لم يبايع أبا بكر فحكمه أن نحرق عليه بيته !
أليس معناه : أن الله تعالى فَوَّض أبا بكر وعمر ما لم يفوضه لنبي ولا لصحابة نبي طوال التاريخ ! فأعطاهما الحق في أن يفرضا على هذه الأمة رأيهما ، ويحرِّما عليها الرأي الآخر ، تحت طائلة العقوبة بالقتل ، ولهذا استحق أهل البيت والسبعون صحابياً الذين امتنعوا عن بيعتهما القتل أو الحرق !
ومعناه : أنه لا يجوز لأحد من الأمة أن يطرح الرأي الآخر حتى لو كان حديثاً نبوياً عن وصية النبي ( صلى الله عليه وآله ) بإمامة أهل بيته ( عليهم السلام ) !
ومعناه : أنه لا يجوز لأحد أن يتكلم بما يعتبر عند حزب أبي بكر وعمر إساءةً لهما حتى لو كان كلامه آيةً قرآنيةً أو حديثاً نبوياً !
ومعناه : أنك لتكون مسلماً يجب أن تقبل بمصادرة عقلك وحريتك ، وتدخل في دولة الرأي الواحد ، والحزب الواحد ، وديكتاتوريتها !
هذا هو واقع تاريخنا البعيد والقريب والحاضر ! وهو واقعنا وليس الكلام الجميل الذي يقوله المنادون بالإنسان وحقه في الرأي والتعبير ! فهل اقتنعت أن خطة فرض إمامة أبي بكر وعمر كانت وما زالت عاملاً في صناعة الأحداث ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 280 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

2 - الوحدة الإسلامية من وجهة نظر أهل البيت ( عليهم السلام )

من أساليب أتباع الخلافة لإجبار مخالفيهم على تولي أبي بكر وعمر وبني أمية ، أنهم يرفعون شعار : الوحدة الإسلامية ! يقولون لك : ألا تعتقد أن وحدة الأمة فريضةٌ على جميع المسلمين ؟ فتقول : بلى . فيقولون : إذن حَكَمْتَ على نفسك ! فلا تطالب بالحرية التي تضر بالوحدة ، ويجب عليك أن تتولى أبا بكر وعمر ولا تنتقدهما ، لأن انتقادهما يثير أولياءهما ، ويضر بالوحدة ! ثم يقولون لك إن من يتولونهما هم الأكثرية ، وعلى الأقلية أن تطيع الأكثرية !
وهو كلام ظاهره حقٌّ وباطنه باطل ، لأنه يعني مصادرة قناعتك ومصيرك ! تسألهم : ألا يوجد حلٌّ آخر لا يضر بالوحدة ، ولا يسلبني حرية التفكير والتعبير والاعتقاد والعبادة ؟ فيقولون : لا !
إن نقطة التحريف في منطقهم أنهم يحصرون مشاريع الوحدة في الإجبار على مذهب الحاكم ! وهي الوحدة التي طبقها أبو بكر وعمر وعثمان وبنو أمية وبنو العباس ، والأدارسة في المغرب ، والأمويون في الأندلس ، والمماليك في مصر ، ودولة أبناء عثمان جُق في تركيا ! وهي الوحدة التي يتبناها الوهابيون وكل الإسلاميين أصحاب مشاريع الحكم الإسلامي في عصرنا ، حتى الشيعة منهم ! فكلها تقوم على القهر وفرض البيعة بلا شورى ، وتسلب الحق حتى في الحياد !
إنهم يريدون إعادة نظام السقيفة القرشي الذي قمعت به قريش الأنصار وأهل البيت ( عليهم السلام ) ، وسَلَّطَت على الأمة زعماء قريش ثم المماليك والأتراك المغول !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 281 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أما مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) فمشروعه وحدة المسلمين بدون قهر ولا غلبة ، وحدةٌ تحترم حرية الإنسان المسلم في التفكير والاعتقاد والتعبير والممارسة .
فهذه هي وحدة ( لا إكراه في الدين ) التي دعا إليها النبي ( صلى الله عليه وآله ) وأهل البيت ( عليهم السلام ) ، وهي الوحدة العصرية التي يتبناها الفكر الحديث ، فلا يجبر أحداً على عقيدة !

3 - مثل تاريخي لجهاد الشيعة لإحياء سنة النبي ( صلى الله عليه وآله )

كافح الشيعة عصوراً طويلاً ، وما زالوا يكافحون ، من أجل حريتهم المذهبية . ومن مفردات مطاليبهم التي سجلها التاريخ ، فقرة : حَيَّ على خير العمل ، في الأذان ، التي صارت علامةً للإمامية والزيدية والإسماعيلية ، وشعاراً يرفعه الثوار على الحكومات !
فقد كانت هذه الفقرة فصلاً من الأذان في عهد النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وعهد أبي بكر ، وقسمٍ من عهد عمر ، ثم حذفها عمر بحجة أن الناس قد يتصورون أن الصلاة خيرٌ من الجهاد ، ويتركون فتح البلاد ! واعترض عليه أهل البيت ( عليهم السلام ) وبعض الصحابة والتابعين ، وكان ابنه عبد الله بن عمر يؤذن بها !
وقد ألف العلماء أكثر من خمسين بحثاً ورسالة في إثبات كونها جزءً من الأذان ، الذي أوحاه الله تعالى إلى نبيه ( صلى الله عليه وآله ) ، وعلمه إياه جبرئيل ( عليه السلام ) .
قال في الإيضاح / 201 : « ورويتم عن أبي يوسف القاضي ، رواه محمد بن الحسن وأصحابه ، عن أبي حنيفة قالوا : كان الأذان على عهد رسول الله ، وعلى عهد أبي بكر ، وصدر من خلافة عمر ، ينادى فيه : حيَّ على خير العمل ، فقال عمر بن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 282 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الخطاب : إني أخاف أن يتكل الناس على الصلاة إذا قيل : حي على خير العمل ويَدَعوا الجهاد ! فأمر أن يطرح من الأذان حيَّ على خير العمل » !
وقال القاضي المغربي في دعائم الإسلام : 1 / 142 : « وروينا عن أبي جعفر محمد بن علي صلوات الله عليه قال : كان الأذان بحي على خير العمل على عهد رسول الله وبه أمروا في أيام أبي بكر وصدر من أيام عمر ، ثم أمر عمر بقطعه وحذفه من الأذان والإقامة ، فقيل له في ذلك فقال : إذا سمع الناس أن الصلاة خير العمل تهاونوا بالجهاد وتخلفوا عنه ! والعامة تروي مثل هذا ، وهم بأجمعهم إلى اليوم مصرون على اتِّباع عمر في هذا وترك اتباع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) واحتجوا بقول عمر هذا !
وظاهر هذا القول يغني عن الإحتجاج على قائله ، وإنما أمر الله عز وجل بالأخذ عن رسوله ( صلى الله عليه وآله ) فقال : وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا . وقال : فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أمره أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ . وقال : وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أمرهمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً . وقال رسول الله ( عليهما السلام ) : اتبعوا ولا تبتدعوا ، فكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار ! أفكان عمر عند هؤلاء الرعاع أعلم بمصالح الدين والمسلمين ، أم الله ورسوله ( صلى الله عليه وآله ) ؟ وقد أنزل الله عز وجل في كتابه من الرغائب والحضَّ على الصلاة وعلى الجهاد ، وعلى كثير من أعمال البر ، ما أنزله وافترض فرائضه ! فهل لأحد أن يُسقط من كتاب الله عز وجل شيئاً مما حض به على فريضة من فرائضه ؟ أو هل وسع لأحد في ترك فريضة لأنه حض ورغب في غيرها أكثر مما حض ورغب فيها ؟ ! هذا ما لا يقوله
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 283 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عالم ولا جاهل ، ولا بلغنا عن أحد من الناس أنه توهمه » .
« أورد القوشجي قول عمر : ثلاثٌ كنَّ على عهد رسول الله وأنا أحرمهنَّ وأعاقبُ عليهنّ : متعة النساء ومتعة الحج وحيَّ على خير العمل ! ثم قال : إن ذلك ليس مما يوجب قدحاً فيه ، فإن مخالفة المجتهد لغيره في المسائل الاجتهادية ليس ببدع ! وهو كلام عجيب حقاً فهل تحريم الرسول الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحيٌ يوحى ، كان رأياً واجتهاداً منه ( صلى الله عليه وآله ) حتى يعارضه القوشجي باجتهاد آخرين ؟ ! وهل يصح اجتهاد عمر في مقابل النص القرآني والتشريع النبوي ؟ ! وإذا كان عمر قد اجتهد في هذا الأمر ولنفرض أن الرسول ( صلى الله عليه وآله ) قد اجتهد فيه أيضاً نعوذ بالله من خطل القول ، فأيهما أحق أن يتبع ؟ وأيهما قال الله في حقه : ما آتاكم الرسول فخذوه ؟ وماذا على من ترك اجتهاد عمر لعمر وأخذ بالنص القرآني والتشريع الإلهي الوارد على لسان النبي الأمي ؟ !
وماذا يصنع القوشجي بقول الرازي : إن ذلك يوجب تكفير الصحابة ، لأن من علم أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) حكمَ بإباحة المتعة ثم قال : إنها محرمةٌ محظورةٌ من غير نسخ لها ، فهو كافر بالله ؟ ! ومن الواضح أن القوشجي وصاحب المنار والرازي وغيرهم لم يستطيعوا أن يدركوا وجه العذر لعمر في إقدامه على تحريم المتعة وغيرها فتشبثوا بالطحلب ، بل صدر منهم ما فيه أيضاً نيل من كرامة الرسول الأعظم ( عليهما السلام ) وتصغير لشأنه من حيث يعلمون أو من حيث لا يعلمون » ! ( شرح التجريد للقوشجي / 484 ، وكنز العرفان / 158 ، عن الطبري في المستنير ، والصراط المستقيم : 3 / 277 ، والغدير : 6 / 213 ، وجواهر الأخبار والآثار المستخرجة : 2 / 192 ، عن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 284 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
التفتازاني في حاشيته على شرح العضدي ، والنص والاجتهاد / 199 ، وعدَّ في شرح النهج : 3 / 363 ، تحريم عمر للمتعة من اجتهاده ، وزواج المتعة : 3 / 8 ، للسيد جعفر مرتضى ) .
أقول : ومن يوم حرَّم عمر ما فرضه النبي ( صلى الله عليه وآله ) تحركت شرطة الخلافة لقمع كل مسلم يطيع النبي ( صلى الله عليه وآله ) ولا يطيع عمر ! وما زالت شرطتهم تطارد الشيعة باسم الدين إلى يومنا هذا ! وقد كان مطلب الشيعة منهم وما زال أن يتركوهم يؤذنون في مساجدهم ومناطقهم كما يعتقدون ، ولم تفرض أي حكومة شيعية على أحد الأذان بحيَّ على خير العمل ! فالقهر والإجبار دين الخلافة القرشية !
وهذا شريط تاريخي يوضح إصرار الشيعة على سنة النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وإصرار أتباع الخلافة على منعهم منها ، وفرض سنة عمر بدلها !
1 - في سير الذهبي : 15 / 164 : « قلت : ظهر هذا الوقت الرفض وأبدى صفحته وشمخ بأنفه في مصر والشام والحجاز والغرب بالدولة العبيدية ، وبالعراق والجزيرة والعجم بيني بويه ، وكان الخليفة المطيع ضعيف الدست والرتبة مع بني بويه ، ثم ضعف بدنه وأصابه فالج وخرس ، فعزلوه وأقاموا ابنه الطائع له ، وله السكة والخطبة وقليل من الأمور ، فكانت مملكة هذا المعز أعظم وأمكن . . وأعلن الأذان بالشام ومصر بحي على خير العمل . فلله الأمر كله » .
2 - في تاريخ أبي الفداء / 507 : « وفي هذه السنة ( 444 ) كانت الفتنة ببغداد بين السنية والشيعة ، وأعادت الشيعة الأذان بحي على خير العمل ، وكتبوا في مساجدهم : محمد وعلي خير البشر » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 285 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
3 - في النهاية : 12 / 96 : « وأعادت الروافض الأذان بحي على خير العمل ، وأذن به في سائر نواحي بغداد ( في مساجدهم ) في الجمعات والجماعات ، وخطب ببغداد للخليفة المستنصر العبيدي على منابرها وغيرها ، وضربت له السكة على الذهب والفضة ، وحوصرت دار الخلافة » .
4 - في النجوم الزاهرة : 5 / 281 : « وهي سنة ثلاث وأربعين وخمس مائة ، فيها أزال السلطان نور الدين محمود بن زنكي صاحب دمشق من حلب الأذان بحي على خير العمل وسب الصحابة بها ، وقال : من عاد إليه قتلته ، فلم يعد أحد » .
أقول : لم يكن الشيعة يسبُّون الصحابة ، نعم كانوا وما زالوا يلعنون ظالمي أهل البيت ( عليهم السلام ) ، وهو مبدأ متفق عليه ، فقد لعن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ظالمي أهل بيته بأحاديث صحيحة عند الجميع ، بل لعنهم الله في صريح قرآنه بقوله : فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأرض وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ! أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ . وقد استدل أحمد بن حنبل بهذه الآية على لعن يزيد .
لكن بمجرد أن يقول الشيعي لعن الله ظالمي آل محمد ، يقولون إنك تلعن وتسب الصحابة وتقصد أبا بكر وعمر ! ويصورون الشيعة كأن شغلهم الشاغل في ليلهم ونهارهم شتم الصحابة ! وغرضهم بذلك التهريج ، ومنع لعن ظالمي أهل بيت النبي ( صلى الله عليه وآله ) ومضطهديهم وقاتليهم !
5 - وصف أبو الفرج في مقاتل الطالبيين / 297 ، حركةً للعلويين في المدينة فقال : « فاجتمعوا ستة وعشرين رجلاً من ولد علي ( عليه السلام ) وعشرةٌ من الحاج ، ونفرٌ من
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 286 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الموالي ، فلما أذَّن المؤذن للصبح دخلوا المسجد ثم نادوا : أحدٌ ، أحد ، وصعد عبد الله بن الحسن الأفطس المنارة التي عند رأس النبي ( صلى الله عليه وآله ) عند موضع الجنائز فقال للمؤذن : أذِّنْ بحيَّ على خير العمل ، فلما نظر إلى السيف في يده أذن بها ، وسمعه العمري ( حاكم المدينة من قبل المنصور العباسي ) فأحس بالشر ، ودهش وصاح : أغلقوا البغلة ( يقصد الباب ) وأطعموني حبتي ماء ! قال علي بن إبراهيم في حديثه : فوُلده إلى الآن بالمدينة يُعرفون ببني حبتي ماء » !
6 - قال ابن الجوزي في المنتظم : 5 / 28 : « وفي أول يوم من شوال حضر الموكب النقباء والأشراف والقضاة والشهود ، فنهض بعض المتفقهة وأورد أخباراً في مدح الصحابة وقال : ما بال الجنائز تمنع من ذكر الصحابة عليها بمقابر قريش وربع الكرخ ، والسنة ظاهرة ، ويد أمير المؤمنين قاهرة ؟ !
فطولع بما قال ، فخرج التوقيع بما معناه : أُنهيَ ما ارتُكب بمقابر قريش من إخمال ذكر صاحبي رسول الله ( ص ) وتورطهم في هذه الجهالة ، واستمرارهم على هذه الضلالة ، التي استوجبوا بها النكال ، واستحقوا عظيم الخزي والوبال ، وإنما يتوجه العتب في ذلك نحو نقيب الطالبيين ، ولولا ما تدرَّع به من جلباب الحكم ، وأسباب يتوخاها ، لتقدم في فرضه ما يرتدع به الجهال ، فليؤمر بإظهار شغل السنة في مقابر باب التبن ، ورَبْع الكًرْخ ، من ذكر الصحابة على الجنائز ، وحثهم على الجمعة والجماعة والتثويب بالصلاة خير من النوم ، وذكر الصحابة على مساجدهم ومحاريبهم أسوة بمساجد السنة ، والتقدم بمكاتبة ابن مزيد ( الشيعي حاكم الحلة ) ليجري على هذه السيرة في بلاده ، فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 287 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أمره أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ » .
أقول : أنظر إلى أسلوب الخلافة العدواني ! فحيثية المرسوم هو : إخمال ذكر الصحابة ، ومعناه أن الشيعة في مساجدهم ومناطقهم يذكرون أهل البيت ( عليهم السلام ) ولا شغل لهم بغيرهم ، وذلك إخمالٌ لذكر أبي بكر وعمر وعثمان ، الذي يجب على الشيعة إحياؤه ! فحيثية المرسوم أن ذكر الشيخين واجب ( والسنة ظاهرة ويد أمير المؤمنين قاهرة ) ! أي قادرة على إجبار الشيعة على مذهب الحكومة ! وكلما أمكن إجبارهم وجب ! وإن لم يستطيعوا إجبارهم صاحوا وبكوا من ظلم الشيعة ! وهذا حالهم إلى يومنا هذا !
7 - قال ابن الجوزي في المنتظم : 6 / 217 : « ثم دخلت سنة إحدى وستين وخمس مائة . . وظهر في هذه الأيام من الروافض أمر عظيم ، من ذكر الصحابة وسبهم ، وكانوا في الكرخ إذا رأوا مكحول العين ضربوه » ! ( ومثله الذهبي في تاريخه : 39 / 5 )
أقول : يقصد أن الشيعة في مجالس عزائهم على الإمام الحسين ( عليه السلام ) يلعنون ظالمي آل محمد ( صلى الله عليه وآله ) وقاتليهم ! ولم يذكر لماذا كان بعض الشيعة يضربون مكحول العين إذا دخل إلى محلاتهم في الكَرْخ أو غيرها ! وهو بذلك يغطي على المجرم ويظهره مظلوماً ! والقضية أن الشيعة يتخذون أيام عاشوراء أيام حزن ويلبسون السواد ، ويعقدون مجالس النوح والرثاء وذكر فضائل أهل البيت ( عليهم السلام ) ، فكان أتباع الخلافة يعملون لتعطيل تلك المراسم ، ويُظهرون الفرح ويلبسون الثياب الجديدة ، ويتخذون تلك الأيام عيداً ! وكانوا في بغداد والشام يلبسون الثياب الجديدة ويكتحلون ، ويذهبون إلى محلات الشيعة ليغيضوهم ! فيواجه شباب الشيعة النواصب المكحَّلين والمكحَّلات
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 288 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الذين يَتَحَدَّوْنَهم ! ومن العجيب أن الدولة العباسية ( الهاشمية ) لم تمنع الشماتة والفرح بقتل الإمام الحسين ( عليه السلام ) الذي ثارت باسمه ، بل كانت تشجع النواصب على إظهار الفرح لإغاضة الشيعة ، ثم تدافع عن النواصب وتدعي أنهم مظلومون !
قال إمامهم البكري في إعانة الطالبين : 2 / 301 : « يكره الكحل يوم عاشوراء لأن يزيداً وابن زياد اكتحلا بدم الحسين هذا اليوم ! وقيل بالإثمد ، لتقرَّ عينهما بفعله ! قال العلامة الأجهوري : ولقد سألت بعض أئمة الحديث والفقه عن الكحل وطبخ الحبوب ولبس الجديد وإظهار السرور ، فقال : لم يرد فيه حديث صحيح عن النبي ( ص ) ولا عن أحد من الصحابة ، ولا استحبه أحد من أئمة المسلمين » .
وهذا يدل على أن بغضهم لأهل البيت ( عليهم السلام ) جعلهم يكذبون على النبي ( صلى الله عليه وآله ) لتبرير عمل يزيد وشيعته ، وجعل الفرح بعاشوراء شرعياً !
8 - في تاريخ أبي الفداء / 503 : « وفيها ( سنة 441 ) وقعت الفتنة ببغداد بين السنية والشيعة ، وعظم الأمر حتى بطلت الأسواق وشرع أهل الكرخ في بناء سور عليهم محيطاً بالكرخ ، وشرع السنية من القلابين ومن يجري مجراهم في بناء سور على سوق القلابين ، وكان الأذان بأماكن الشيعة بحي على خير العمل » .
9 - في كامل ابن الأثير : 9 / 576 ، في أحداث سنة 443 : « وكان سبب هذه الفتنة أن أهل الكرْخ شرعوا في عمل باب السمَّاكين وأهل القلائين في عمل ما بقي من باب مسعود ، ففرغ أهل الكرخ وعملوا أبراجاً كتبوا عليها بالذهب محمد وعلي خير البشر ، وأنكر السنية ذلك وادعوا أن المكتوب محمد وعلي خير البشر ، فمن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 289 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
رضي فقد شكر ، ومن أبى فقد كفر ! وأنكر أهل الكرخ الزيادة وقالوا : ما تجاوزنا ما جرت به عادتنا فيما نكتبه على مساجدنا ، فأرسل الخليفة القائم بأمر الله أبا تمام نقيب العباسيين ونقيب العلويين وهو عدنان بن الرضا ، لكشف الحال وإنهائه ، فكتبا بتصديق قول الكرخيين ، فأمر حينئذ الخليفة ونواب الملك الرحيم ( آخر السلاطين البويهيين ) بكف القتال فلم يقبلوا !
وانتدب ابن المذهب القاضي والزهيري وغيرهما من الحنابلة أصحاب عبد الصمد أن يحمل العامة على الإغراق في الفتنة ، فأمسك نواب الملك الرحيم عن كفهم غيظاً من رئيس الرؤساء لميله إلى الحنابلة ، ومنع هؤلاء السنية من حمل الماء من دجلة إلى الكرخ . . . وتشدد رئيس الرؤساء على الشيعة فمحوا خير البشر وكتبوا : عليهما السلام ، فقالت السنية لا نرضى إلا أن يقلع الآجر الذي عليه محمد وعلي وأن لا يؤذَّن بحيَّ على خير العمل ! وامتنع الشيعة من ذلك ودام القتال إلى ثالث ربيع الأول » !
10 - وفي تاريخ الذهبي : 30 / 9 : « سنة ثلاث وأربعين وأربع مائة . . فلما كان في ربيع الآخر خطب ( وزير الخليفة ) بجامع براثا مأوى الشيعة ، وأسقط من الأذان حي على خير العمل ، ودق الخطيب المنبر بالسيف ، وذكر في خطبته العباس » . انتهى .
أقول : لاحظ فعل الخطيب بحضور وزير الخليفة ، متحدياً الشيعة في مسجدهم الكبير في العاصمة : ودق الخطيب المنبر بالسيف ! وتلك أخلاق خلافة قريش في الإجبار واضطهاد من خالفهم في الرأي ، حتى في مسجده وعبادته ووضوئه وصلاته !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 290 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
11 - في النجوم الزاهرة : 5 / 59 : « وهي سنة ثمان وأربعين وأربع مائة . فيها عمَّ الوباء والقحط بغداد والشام ومصر والدنيا . وفيها أقيم الأذان في مشهد موسى بن جعفر ومساجد الكرخ بالصلاة خير من النوم على رغم أنف الشيعة ! وأزيل ما كانوا يقولونه في الأذان من حي على خير العمل » .
12 - في المواعظ للمقريزي / 1677 : « وفي إمارة هارون بن خمارويه بن أحمد بن طولون ، أنكر رجل من أهل مصر أن يكون أحد خيراً من أهل البيت ، فوثبت إليه العامة ( عوام الحكومة وغوغاؤها ) فضرب بالسياط يوم الجمعة في جمادى الأولى سنة خمس وثمانين ومائتين ! وما زال أمر الشيعة يقوى بمصر إلى أن دخلت سنة خمسين وثلاث مائة ، ففي يوم عاشوراء كانت منازعة بين الجند وبين جماعة من الرعية عند قبر كلثوم العلوية بسبب ذكر السلف والنوح ، قتل فيها جماعة من الفريقين ، وتعصب السودان ( غلمان الحكومة ) على الرعية ( المصريين ) فكانوا إذا لقوا أحداً قالوا له : من خالك ؟ فإن لم يقل معاوية بطشوا به وشَلَّحُوه ! ثم كثر القول معاوية خال علي ! وكان على باب الجامع العتيق شيخان من العامة يناديان في كل يوم جمعة في وجوه الناس من الخاص والعام : معاوية خالي وخال المؤمنين وكاتب الوحي ، ورديف رسول الله ! وكان هذا أحسن ما يقولونه ، وإلا فقد كانوا يقولون معاوية خال علي من هاهنا ، ويشيرون إلى أصل الأذن . . . !
وفي شهر رمضان سنة ثلاث وخمسين وثلاث مائة ، أخذ رجل يعرف بابن أبي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 291 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الليث الملطي ينسب إلى التشيع ، فضرب مائتي سوط ودرة ، ثم ضرب في شوال خمسمائة سوط ودرة ، وجعل في عنقه غِلٌّ وحُبس ، وكان يُتفقد في كل يوم لئلا يخفف عنه ، ويبصق في وجهه ، فمات في محبسه ! فحمل ليلاً ودفن فمضت جماعة إلى قبره لينبشوه ، وبلغوا إلى القبر ، فمنعهم جماعة من الإخشيدية والكافورية فأبوا » !
أقول : أنظر إلى سياستهم الوحشية مع هذا المؤمن الملطي الذي كان مسيحياً فأسلم ، وملطية مدينة رومية في تركية على اسم جزيرة مالطة الأوربية . ( معجم البلدان : 5 / 193 ) .
13 - في المواعظ للمقريزي / 1546 ، وسلك الدرر للمرادي / 887 : « ولم يزل الأذان بحلب يزاد فيه حي على خير العمل ومحمد وعلى خير البشر ، إلى أيام نور الدين محمود ، فلما فتح المدرسة الكبيرة المعروفة بالحلاوية ، استدعى أبا الحسن علي بن الحسن بن محمد البلخي الحنفي إليها ، فجاء ومعه جماعة من الفقهاء وألقى بها الدروس ، فلما سمع الأذان أمر الفقهاء فصعدوا المنارة وقت الأذان وقال لهم : مُرُوهم يؤذنوا الأذان المشروع ، ومن امتنع كُبُّوهُ على رأسه ! فصعدوا وفعلوا ما أمرهم به ، واستمر الأمر على ذلك !
وأما مصر فلم يزل الأذان بها على مذهب القوم ، إلى أن استبدَّ السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب بسلطنة ديار مصر ، وأزال الدولة الفاطمية ، في سنة سبع وستين وخمس مائة ، وكان ينتحل مذهب الإمام الشافعي وعقيدة الشيخ أبي الحسن الأشعري ، فأبطل من الأذان قول حي على خير العمل » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 292 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
14 - وفي نهاية ابن كثير : 12 / 355 : « ثم سار إلى حلب فنزل على جبل جوشن ، ثم نودي في أهل حلب بالحضور في ميدان باب العراق ، فاجتمعوا فأشرف عليهم ابن الملك نور الدين فتودد إليهم وتباكى لديهم ، وحضَّهم على قتال صلاح الدين ، وذلك عن إشارة الأمراء المقدمين ، فأجابه أهل البلد بوجوب طاعته على كل أحد ، وشرط عليه الروافض منهم أن يعاد الأذان بحي على خير العمل وأن يذكَّر في الأسواق بذكر فضائل أهل البيت ، وأن يكون لهم في الجامع الجانب الشرقي ، وأن يُذكر أسماء الأئمة الاثني عشر بين يدي الجنائز ، وأن يكبروا على الجنازة خمساً ، وأن تكون عقود أنكحتهم إلى الشريف أبي طاهر بن أبي المكارم حمزة بن زهرة الحسيني ، فأجيبوا إلى ذلك كله ! فأذن بالجامع وسائر البلد بحي على خير العمل » .
15 - في النجوم الزاهرة : 5 / 120 : « وكان بدر الجمالي أرمني الجنس فاتكاً جباراً ، قتل خلقاً كثيراً من العلماء وغيرهم ، وأقام الأذان بحي على خير العمل ، وكبر على الجنائز خمساً ، وكتب سب الصحابة على الحيطان ! قلت : وبالجملة إنه كان من مساوئ الدنيا جزاه الله ، وغالب من كان بمصر في تلك الأيام كان رافضياً خبيثاً ، بسبب ولاة مصر بني عبيد ، إلا من ثبته الله تعالى على السنة » . انتهى .
أقول : شهد التاريخ لقائد الجيش المصري الفاطمي الملك الأفضل الجمالي ، بالعدل والنزاهة والشجاعة ، فقد قاتل الصليبين في مصر والشام وفلسطين ، وحقق انتصارات للمسلمين ، ثم جاء بعده صلاح الدين فقاتلهم قليلاً وصالحهم ، وأعطاهم امتيازات
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 293 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ومناطق لم يحلموا بها زمن القائد الشيعي بدر الجمالي ( رحمه الله ) ! ولا مجال للتفصيل .
16 - في رحلة ابن جبير / 51 : « وللحرم أربعة أئمة سنية وإمام خامس لفرقة تسمى الزيدية . وأشراف أهل هذه البلدة على مذهبهم ، وهم يزيدون في الأذان : حي على خير العمل ، إثر قول المؤذن حي على الفلاح ، وهم روافض سبابون والله من وراء حسابهم وجزائهم ، ولا يُجَمِّعُون مع الناس ، إنما يصلون ظهراً أربعاً ، ويصلون المغرب بعد فراغ الأئمة من صلاتها » .
17 - في نهاية ابن كثير : 12 / 323 : « ثم دخلت سنة خمس وستين وخمس مائة ، في صفر منها حاصرت الفرنج مدينة دمياط من بلاد مصر خمسين يوماً ، بحيث ضيقوا على أهلها وقتلوا أمماً كثيرة . . . وفيها قطع صلاح الدين الأذان بحي على خير العمل من ديار مصر كلها ، وشرع في تمهيد الخطبة لبني العباس على المنابر » .
لاحظ أن التشدد الداخلي ضد الشيعة ، يرافقه ضعف خارجي في مقاومة الغزاة !
18 - في تاريخ الذهبي : 42 / 127 : « صالح بن عيسى بن عبد الملك الفقيه الصالح . . لما زالت دولة العبيديين ، كان يخرج إلى البلاد المصرية ويخطب بها ، وينسخ ما كان بها من الأذان بحي على خير العمل ، ثم ينتقل إلى بلد آخر احتساباً » .
ولا بد أن هذا الشيخ كان معه شرطة تفرض على قرى مصر أذان الدولة !
19 - في النجوم الزاهرة : 6 / 103 : « وفيها دخل سيف الإسلام أخو صلاح الدين إلى مكة ، ومنع من الأذان في الحرم بن حي على خير العمل » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 294 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
20 - في النجوم العوالي للعصامي / 1436 : « واستولى الزيدية على غالب حضرموت ثم في سنة سبعين استولى على حضرموت كلها ، وأمرهم أن يزيدوا في الأذان حي على خير العمل ، وترك الترضي عن الشيخين » .
21 - في كامل ابن الأثير : 9 / 592 : « وأعاد الشيعة الأذان بحي على خير العمل ، وكتبوا على مساجدهم محمد وعلي خير البشر وجرى القتال بينهم وعظم الشر » .
22 - في سير الذهبي : 15 / 159 : « المعز لدين الله ، أبو تميم معد بن المنصور إسماعيل بن القائم ، العبيدي المهدوي المغربي ، الذي بنيت القاهرة المعزية له ، كان صاحب المغرب وكان ولي عهد أبيه . وليَ سنة إحدى وأربعين وثلاث مئة ، وسار في نواحي إفريقية يمهد ملكه فذلل الخارجين عليه . . . وساروا في أول سنة ثمان وخمسين في أهبة عظيمة وكانت مصر في القحط فأخذها جوهر ، وأخذ الشام والحجاز . ونفذ يعرِّف مولاه ( المعز ) بانتظام الأمر ، وضربت السكة على الدينار بمصر وهي : لا إله إلا الله ، محمد رسول لله ، علي خير الوصيين . والوجه الآخر اسم المعز والتاريخ . وأعلن الأذان بحيَّ على خير العمل ، ونودي : من مات عن بنت وأخ أو أخت فالمال كله للبنت . فهذا رأي هؤلاء » .
23 - في أعيان الشيعة : 9 / 91 : « جاء البساسيري بجيش عظيم من مصر إلى بغداد وقبض على الخليفة وسجنه في الحديثة ، وفي بغداد جعل الخطبة والسكة مدة عامين باسم المستنصر الذي كان خليفة الإسماعيلية في مصر ، وفي النهاية علم طغرل بك بذلك ، فأسرع من خراسان وقصد البساسيري في جيش جرار ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 295 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقبض عليه وقتله ، وأخرج الخليفة من السجن وأعاده إلى بغداد ، وأجلسه على عرش الخلافة » .
وقال ابن كثير في النهاية : 12 / 96 ، عن هاتين السنتين : « وأعادت الروافض الأذان بحي على خير العمل ، وأذن به في سائر نواحي بغداد في الجمعات والجماعات ، وخطب ببغداد للخليفة المستنصر العبيدي على منابرها وغيرها ، وضربت له السكة على الذهب والفضة ، وحوصرت دار الخلافة » .
ومعناه أن شعبية الفاطميين في بغداد ، كانت أكثر من شعبية العباسيين .
24 - في النجوم الزاهرة : 5 / 89 : « السنة السابعة والثلاثون من ولاية المستنصر معد على مصر ، وهي سنة أربع وستين وأربع مائة . فيها بعث الخليفة القائم بأمر الله الشريف أبا طالب الحسن بن محمد أخا طراد الزينبي ، إلي أبي هاشم محمد أمير مكة بمال وخلع وقال له : غيِّر الأذان وأبطل حيَّ على خير العمل ، فناظره أبو هاشم المذكور مناظرة طويلة ، وقال له : هذا أذان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب فقال له أخو الشريف : ما صح عنه ، وإنما عبد الله بن عمر بن الخطاب روي عنه أنه أذن به في بعض أسفاره ، وما أنت وابن عمر ؟ ! فأسقطه من الأذان » !
25 - في الدرر الكامنة : 2 / 8 : « ثم تزوج بنت بيبرس فتضاعفت حرمته ، ولما كانت وقعة شقحب انهزم هزيمة قبيحة ، فغضب منه السلطان ثم عفا عنه بشفاعة الأمراء ، فأمره على الحج سنة 702 ، فأبطل الأذان بحي على خير العمل ، وجمع الزيدية ومنعهم من الإمامة بالمسجد الحرام » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 296 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
26 - في صبح الأعشى : 4 / 171 : « ثم تغلب عليها أتسز بن أرتق الخوارزمي ، أحد أمراء السلطان ملكشاه السلجوقي في سنة ثمان وستين وأربع مائة ، وقطع الخطبة بها للمستنصر الفاطمي وخطب للمقتدي العباسي ، ومنع من الأذان بحي على خير العمل ، ولم يخطب بعد ذلك بالشام لأحد من الفاطميين » .
27 - في نهاية ابن كثير : 12 / 137 : « الأقسيس هذا . . أول من استعاد بلاد الشام من أيدي الفاطميين وأزال الأذان منها بحي على خير العمل ، بعد أن كان يؤذن به على منابر دمشق وسائر الشام مائة وست سنين ، كان على أبواب الجوامع والمساجد مكتوب لعنة الصحابة رضي الله عنهم ( يقصد لعنة ظالمي آل محمد ! ) فأمر هذا السلطان المؤذنين والخطباء أن يترضوا عن الصحابة أجمعين ، ونشر العدل وأظهر السنة » ! انتهى .
أقول : لاحظ أن مطلب الشيعة كان دائماً حريتهم في مساجدهم ، وأن يكتبوا في محلاتهم محمد وعلي خير البشر ، وأن يقولوا في مجالسهم : لعن الله ظالمي آل محمد . فكل مطلبهم حرية عقيدتهم في مناطقهم ، لا فرضها على أحد ! بينما مطلب مخالفيهم أن يفرضوا عليهم في حذف حي على خير العمل ، ويجبروهم على الترضي على أبي بكر وعمر وعثمان ، ومدحهم !
وقد وصف ابن كثير سيطرة السلاجقة على بغداد وفرضهم مذهبهم بالقوة ، وإلغائهم الحرية التي كانت زمن الدولة البويهية الشيعية ! فقال في النهاية : 12 / 86 :
« وفيها أُلْزِمَ الروافض بترك الأذان بحي على خير العمل ، وأمروا أن ينادي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 297 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مؤذنهم في أذان الصبح بعد حي على الفلاح : الصلاة خير من النوم مرتين ، وأزيل ما كان على أبواب مساجدهم من كتابة : محمد وعلي خير البشر ، ودخل المنشدون من باب البصرة إلى باب الكرخ ينشدون بالقصائد التي فيها مدح الصحابة ! وذلك أن نَوْءَ الرافضة اضمحل لأن بني بُويَهْ كانوا حكاماً وكانوا يقوونهم وينصرونهم ، فزالوا وبادوا وذهبت دولتهم ، وجاء بعدهم قوم آخرون من الأتراك السلجوقية ، الذين يحبون أهل السنة ويوالونهم ويرفعون قدرهم ، والله المحمود أبداً على طول المدى . وأمر رئيس الرؤساء الوالي بقتل أبي عبد الله بن الجلاب شيخ الروافض ، لمَا كان تظاهر به من الرفض والغلو فيه ، فقتل على باب دكانه ، وهرب أبو جعفر الطوسي ونهبت داره » .
أقول : هكذا يحمدون الله على توفيقهم لمصادرة حريات الناس وإكراهم على العبادة على مذهبهم ، ويفتخرون بقتل أحد علماء الشيعة أمام دكانه ، ويتأسفون لأنهم لم يقتلوا مرجع الشيعة حيث هرب من بغداد إلى النجف ! فعوضوا بنهب داره ومكتبته !
وفي مقابل هذا القمع السني ، لم يسجِّل الرواة أن الشيعة أجبروا أحداً على أذانهم ومذهبهم ، أو قتلوا أحداً من علماء السنة من أي مذهب طوال دولة السلاطين البويهيين ، ودولة الخليفة الناصر العباسي الشيعي ، ودولة السلاطين المغول الشيعة ، بل كان علماء المذاهب محترمين مقربين من الحكام وعلماء الشيعة .
وبهذا صح قول ابن الصيفي ( رحمه الله ) : وكل إناء بالذي فيه ينضحُ !
( تم الكتاب ، والحمد لله رب العالمين ) .