مصر وأهل البيت ( عليهم السلام )ـ

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 1 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مصر وأهل البيت ( عليهم السلام )
بقلم
علي الكَوْراني العاملي
الطبعة الأولى 1432 ه‍ - 2011 م
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 2 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 3 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، وأفضل وأتم السلام على سيدنا ونبينا
محمد وآله الطيبين الطاهرين .
وبعد ، فقد لاحظت في بعض أحاديث مدح الشام تعابير تشبه مفاهيم الإسرائيليات وتعصبات اليهود . ثم رأيت أن بعض هذه الأحاديث لا يكتفي بمدح الشام حتى يذم الحجاز والعراق ومصر .
وقد انتقد السيوطي وهو محدث واسع الاطلاع ، المحدثين بأنهم ضعَّفوا بعض الأحاديث الصحيحة التي تمدح مصراً ، تحكُّماً وهوىً !
ثم رأيت أن أئمة أهل بيت النبوة ( عليهم السلام ) ردوا عدداً من أحاديث مدح الشام ، وكان ردهم أحياناً شديداً ، كأنه رد عدوان على الإسلام !
من ذلك ما رواه في الكافي : 4 / 239 : « عن زرارة قال : كنت قاعداً إلى جنب أبي جعفر ( الإمام الباقر ( عليه السلام ) ) وهو مُحْتبٍ مستقبلَ الكعبة ، فقال : أما إن النظر إليها عبادة . فجاءه رجل من بجيلة يقال له عاصم بن عمر فقال لأبي جعفر : إن كعب الأحبار كان يقول : إن الكعبة تسجد لبيت المقدس في كل غداة ! فقال أبو جعفر : فما تقول فيما قال كعب ؟ فقال : صدق القولُ ما قال كعب ! فقال أبو جعفر : كذبت وكذب كعب الأحبار معك ، وغضب ! قال زرارة : ما رأيته استقبل أحداً
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 4 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بقول كذبت غيره ، ثم قال : ما خلق الله عز وجل بقعة في الأرض أحب إليه منها ، ثم أومأ بيده نحو الكعبة ، ولا أكرم على الله عز وجل منها ، لها حرَّم الله الأشهر الحرم في كتابه يوم خلق السماوات والأرض ، ثلاثة متوالية للحج : شوال وذو العقدة وذو الحجة ، وشهر مفرد للعمرة وهو رجب » .
وعندما تتبعت مصدر أحاديث الغلو في مدح الشام ، وجدت أن ناشرها كعب الأحبار وتلاميذه ، وحامل رايتها معاوية وأعوانه . لذا قررت التوقف في كل حديث يمدح بلاد الشام وأهلها ، وحتى بيت المقدس وأهله ، حتى يثبت من طريق ليس فيها رائحة اليهود وبني أمية .
وكان آخر ما صادفته في الموضوع من أحاديث أهل البيت ( عليهم السلام ) حديث صحيح لعلي ( عليه السلام ) يفضل فيه مصر وأهلها على الشام وأهلها ! فتعجبت منه وأهديته إلى صديق عزيز من علماء مصر ، هو السيد محمد عامر حفظه الله ، فطلب مني بقية أحاديث أهل البيت ( عليهم السلام ) في الموضوع ، فأهديت له ما تيسر منها .
فعاودني قائلاً إن أصدقاءنا قالوا إن هذا الموضوع يحتاج إلى كتابة بقلمك ، خاصة وأن مصر تنفست بثورتها عَبَق الحرية ، وهو عبق أهل البيت ( عليهم السلام ) .
فأجبت طلبه بكتابة هذا الموضوع ، آملاً أن يكون فيه خدمة للعلم ، ورضاً لله تعالى ، ورسوله وأهل بيته الطاهرين ، صلوات الله عليهم .
كتبه : علي الكَوْراني العاملي
غرة رجب الأصب 1432 ه‍ . 4 / 6 / 2011 م .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 5 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الأول : تفضيل النبي ( صلى الله عليه وآله ) وعلي ( عليه السلام ) لمصر على غيرها

معاني تفضيل البلاد وأهلها
1 . قد يكون تفضيل البلد بسبب بقعة فيه ، كتفضيل مكة بسبب الكعبة والمسجد الحرام ، فعندما تقول مكة أفضل بقاع الأرض ، فإنك تُفضل البقعة لا ساكنيها . وعندما تقول المدينة أفضل بقاع الأرض ، فأنت تقصد البقعة التي ضمت جسد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أو بقعة مسجده ، ولا تقصد تفضيل كل بقاع المدينة ، ولا ساكنيها .
قال الشوكاني في نيل الأوطار : 5 / 99 : « قال القاضي عياض : إن موضع قبره ( صلى الله عليه وآله ) أفضل بقاع الأرض وإن مكة والمدينة أفضل بقاع الأرض ، واختلفوا في أفضلها ما عدا موضع قبره ( صلى الله عليه وآله ) فقال أهل مكة والكوفة والشافعي وابن وهب وابن حبيب المالكيان : إن مكة أفضل ، وإليه مال الجمهور . وذهب عمر وبعض الصحابة ومالك وأكثر المدنيين إلى أن المدينة أفضل . . . وقد استدل القائلون بأفضلية المدينة بأدلة ، منها حديث : ما بين قبري ومنبري روضةٌ من رياض الجنة ، كما في البخاري وغيره » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 6 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال ابن حجر في فتح الباري : 3 / 55 : « استثنى عياض البقعة التي دفن فيها النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، فحكى الاتفاق على أنها أفضل البقاع » .
2 . قال الإمام محمد الباقر ( عليه السلام ) عن الكعبة إنها أحب بقعة إلى الله : ( ما خلق الله عز وجل بقعة في الأرض أحب إليه منها ) . ( الكافي : 4 / 239 ) .
وكونها أحب البقاع إلى الله تعالى ، لا يمنع أن يكون غيرها أفضل منها كالتربة التي دفن فيها النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، ومنها التربة التي دفن فيها سبطه الحسين ( عليه السلام ) ، لأن حسيناً منه وهو منه ، وتربته من تربته ( صلى الله عليه وآله ) .
3 . أما تفضيل أهل بلد على غيرهم ، فالمقصود بهم المعاصرون لصدور النص ، أو من رضي بفعلهم ، وليس أبناءهم ولا كل كل من سكن ذلك البلد من الأجيال . فعندما يذم النبي ( صلى الله عليه وآله ) أهل مكة فمقصوده المعاصرون له منهم ، أو من فعل فعلهم ورضي به ، وليس كل جيل منهم ، ولا كل من سكن مكة .
وعندما يذم علي ( عليه السلام ) أهل الكوفة ، أو أهل العراق ، فمقصوده الجيل المعاصر له ، وليس كل جيل منهم ، إلا من رضي بفعلهم .
4 . وقد يكون تفضيل أهل بلد على بلد في المستقبل في ظرف معين كالتفضيلات التي وردت لأهل بعض البلدان والأقوام الذين ينصرون الإمام المهدي ( عليه السلام ) ، أو يعادونه ويقفون ضده ، فهو تفضيل خاص بذلك
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 7 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الظرف ، ولا يشمل كل جيل ، أوكل قومية .
وبكلمة : لا يوجد في مفهوم الإسلام سمات ذمٍّ لجنس أو سكان بلد مطلقاً .
5 . وهناك تفضيل لأهل البلد بمعنى أنَّ فيه ما يقتضي أفضلية أهله بسبب تكوينه ومقوماته الاجتماعية . وبهذا المعنى تفضيل النبي ( صلى الله عليه وآله ) لأهل اليمن على أهل نجد ، كالذي رواه البخاري : 4 / 98 : « الإيمان يمانٍ . ألا إن القسوة وغلظ القلوب في الفدادين ، عند أصول أذناب الإبل ، حيث يطلع قرنا الشيطان في ربيعة ومضر » .
وفي صحيح مسلم : 1 / 52 : « الإيمان يمانٍ والكفر قبل المشرق . والسكينة في أهل الغنم . والفخر والرياء في الفدَّادين أهل الخيل والوبر » .
فالأفضلية هنا اقتضائية ، بمعنى أن بقعة نجد وطبيعة الحياة فيها تقتضي أن يكون أهلها بهذه الصفات ، وبقعة اليمن والحياة فيها تقتضي أن يكون أهلها أفضل . فالأفضلية هنا للمجموع الكلي ، وليس لكل فردٍ فرد بالعموم الإستغراقي .
وبهذا المعنى قول علي ( عليه السلام ) : إن مصر أعظم من الشام خيراً ، وخير أهلاً ، فهو يعني أن مصر خير من بلاد الشام ، لأن في تكوينها وطبيعة حياتها ما يقتضي تفضيل أهلها على أهل الشام .
والمفضل هو المجموع الكلي لأهلها ، لا أن كل فردٍ فردٍ في مصر أفضل من
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 8 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كل فرد في الشام ، فقد يكون شاميٌّ ما أفضل من مصريٍّ ما .
6 . ويوجد معنى آخر لتفضيل البلاد ، هو تفضيل شخصية البلد الاجتماعية وسلوكه الجمعي العام على غيره ، فإن الأسر والعشائر والقرى والمدن والبلدان والأقاليم ، لها شخصيات متفاوتة ، فمنها القوي والضعيف ، ومنها الحسن والسئ .
ولذلك تعرف الأسر بصفات لمجموع أفرادها ، فتقول إن أسرة حاتم الطائي أسرة كرم وجود ، تقصد مجموعها لا جميعها فقد يكون فيهم بخيل .
وتقول : اليهود جبناء تقصد مجموعهم كشعب ، وقد يكون فيهم شجاع .
وعندما تقول : أهل مصر أهل فهم ورقة قلب ، تقصد مجموعهم كشعب ، وقد يكون فيهم غبي وقاسي القلب ، لكنه لا يمنع تفضيل مجموعهم .

حديث الصحابي عمرو بن الحمق الخزاعي رضي الله عنه

رواه الحاكم في المستدرك : 4 / 448 : « عن عمرو بن الحمق رضي الله عنه ، عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قال : ستكون فتنة أسلم الناس فيها ، أو قال لخير الناس فيها الجند الغربي ، فلذلك قدمت مصر . هذا حديث صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه » . والطبراني في المعجم الأوسط : 8 / 315 ، والكبير : 8 / 315 ، وتاريخ البخاري الكبير : 6 / 313 ، ومجمع الزوائد : 5 / 281 ، وغيرها .
قال السيوطي في شرح مسلم : 4 / 513 : « روى الطبراني والحاكم وصححه ، عن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 9 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عمرو بن الحمق قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : تكون فتنة أسلم الناس فيها الجند الغربي . قال ابن الحمق : فلذلك قدمت عليكم مصر .
وأخرجه محمد بن الربيع الجيزي في مسند الصحابة الذين دخلوا مصر ، وزاد فيه : وأنتم الجند الغربي ، فهذه منقبة لمصر في صدر الملة ، واستمرت قليلة الفتن معافاة طول الملة ، لم يعترها ما اعترى غيرها من الأقطار ، وما زالت معدن العلم والدين ، ثم صارت في آخر الأمر دار الخلافة ومحط الرحال ، ولا بلد الآن في سائر الأقطار بعد مكة والمدينة ، يظهر فيها من شعائر الدين ما هو ظاهر في مصر » . انتهى .
والجُند : بضم الجيم أصله للجيش ، ويستعمل بمعنى المدينة والبلد .
قال ابن منظور في لسان العرب : 3 / 132 : « والجُند : المدينة ، وجمعها أَجناد . . يقال الشام خمسة أَجناد : دِمَشْق ، وحِمْص ، وقِنَّسْرِين ، والأُرْدُنُّ ، وفِلَسْطِين ، يقال لكل مدينة منها جُند » .
وتفسير عمرو بن الحمق رضي الله عنه للجند الغربي بمصر بقوله : « ولذلك قدمت عليكم مصر » حجةٌ ، لأنه تفسير صحابيٍّ معاصر لصدور النص . ومعنى الحمِق : خفيف اللحية . وهو صحابي جليل يشبه أويساً القرني رضي الله عنهما ، فقد أخبر عنه النبي ( صلى الله عليه وآله ) المسلمين قبل أن يسلم ، وبعث إليه سلامه ودعاه إلى الإسلام ، فأسلم وجاء إلى النبي ( صلى الله عليه وآله ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 10 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي مصنف ابن أبي شيبة : 7 / 437 : « أنه سقى النبي ( صلى الله عليه وآله ) لبناً فقال : اللهم أمتعه بشبابه . فلقد أتت عليه ثمانون سنة لا يرى شعرة بيضاء » !
وكان من خاصة شيعة علي ( عليه السلام ) . وقد اتهمه معاوية بالتحريض على قتل عثمان ، وطارده سنوات ليقتله فجاء إلى مصر ، ثم تخفى في الموصل فقبض عليه والي معاوية وقتله ، وأرسل رأسه إلى معاوية !
قال الشعبي : « أول رأس حمل في الإسلام رأس عمرو بن الحمق » . ( الطبقات : 6 / 25 ، وتاريخ خليفة / 146 ، وثقات ابن حبان : 3 / 275 ، وتاريخ دمشق : 45 / 496 و 503 و : 69 / 40 ، واليعقوبي : 2 / 231 ، وابن أبي شيبة : 8 / 357 ، وأوائل ابن أبي عاصم / 71 ، وشرح النهج : 2 / 289 ) .
فكتب له الحسين ( عليه السلام ) : « أوَلستَ قاتل عمرو بن الحمق صاحب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) العبد الصالح الذي أبلته العبادة ، فنحل جسمه واصفر لونه . بعدما آمنته وأعطيته من عهود الله ومواثيقه ، ما لو أعطيته طائراً لنزل إليك من رأس الجبل ! ثم قتلته جرأة على ربك ، واستخفافاً بذلك العهد » ( الكشي : 1 / 252 ) .
أما حديثه في تفضيل مصر وجندها على الشام فلا يعجبهم ، لأن أهل مصر اعترضوا على عثمان وحاصروه !
وقد تبنى الأمويون قول كعب الأحبار في تفضيل الشام على العالمين !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 11 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

أحاديث نبوية أخرى في مدح مصر وأهلها

روت المصادر بضعة أحاديث نبوية حول مصر ، وعقد لها ابن تغري فصلاً في كتابه النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة ( 1 / 27 ) .
واستوفاها السيوطي في كتابه : ( حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة ) .
وأشهرها ما رواه مسلم ( 7 / 190 ) عن أبي ذر رضي الله عنه ، قال : « قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : إنكم ستفتحون مصر وهي أرض يسمى فيها القيراط ، فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها ، فإن لهم ذمة ورحماً ، أو قال ذمة وصهراً فإذا رأيت رجلين يختصمان فيها في موضع لبنة فأخرج منها . قال : فرأيتُ عبد الرحمن بن شرحبيل بن حسنة وأخاه ربيعة يختصمان في موضع لبنة ، فخرجتُ منها » .
ومعناه أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) أخبر المسلمين بفتح مصر وأوصاهم بأهلها ، وأوصى أبا ذر أن يغادرها إذا رأى نزاع رجلين من المسلمين على موضع منزل ، فلما رأى أبو ذر ابني شرحبيل بن حسنة يتنازعان على منزل ، غادرها .
وليس في هذا الحديث كبير مدح لأهل مصر إلا الوصية للفاتحين بأن لا يظلموهم ! وروي بألفاظ مثل : إذا ملكتم القبط فاستوصوا بهم . فاتقوا الله في القبط ، لا تأكلوهم أكل الخضر ! ( فتوح مصر / 52 ) .
وفي لفظ الحديث إشكال ، فلعل الوصية النبوية صدرت ، لكن الرواة رووها
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 12 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بصيغة تبرر ظلم الولاة لأهل مصر ، وكأن النبي ( صلى الله عليه وآله ) قال لهم : ستملكون أهل مصر وتأكلونهم ، وعليكم بالعافية ، لكن كلوهم وأبقوا منهم ، ولا تأكلوهم كما تأكلون الخضار وتستوفونها كلها !
ولفظ مصادرنا أبلغ : عن أم سلمة أنه ( صلى الله عليه وآله ) قال : « الله في القبط ، فإنكم ستظهرون عليهم ويكونون لكم عدة وأعواناً في سبيل الله » . ( وسائل الشيعة : 11 / 101 )
ومهما يكن ، ففي حديث عمرو بن الحمق ، وما ثبت عن أهل البيت ( عليهم السلام ) ، غنى عن البقية .

جواب ملك مصر المؤدب للنبي ( صلى الله عليه وآله )

قال الأحمدي في مكاتيب الرسول ( صلى الله عليه وآله ) : 1 / 181 : « لما تم صلح الحديبية في شهر ذي القعدة سنة ست من الهجرة ، رجع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) إلى المدينة . . فعندئذ كتب إلى الملوك من العرب والعجم ورؤساء القبائل والأساقفة والمرازبة والعمال وغيرهم ، يدعوهم إلى الله تعالى وإلى الإسلام ، فبدأ بإمبراطوري الروم وفارس ، وملكي الحبشة والقبط ، ثم بغيرهم ، فكتب في يوم واحد ستة كتب ، وأرسلها مع ستة رسل » .
فكان أحسن رد جواب المقوقس ملك مصر ، وأسوأ رد جواب كسرى ، فقد مزق كتاب النبي ( صلى الله عليه وآله ) وطرد الرسول وحمله كيس تراب !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 13 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال الأحمدي في مكاتيب الرسول ( صلى الله عليه وآله ) : 2 / 416 : « كتابه ( صلى الله عليه وآله ) إلى المقوقس : بسم الله الرحمن الرحيم . من محمد بن عبد الله ، إلى المقوقس عظيم القبط : سلام على من اتبع الهدى ، أما بعد ، فإني أدعوك بدعاية الإسلام ، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين ، فإن توليت فإنما عليك إثم القبط و : يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ .
قال المقوقس : إني نظرت في أمر هذا النبي فوجدته لا يأمر بمزهود فيه ولا ينهى عن مرغوب فيه . ولم أجده بالساحر الضال ، ولا الكاهن الكذاب . ووجدت معه آلة النبوة بإخراج الخبء والإخبار بالنجوى ، وسأنظر . ثم أخذ الكتاب وجعله في حق من عاج وختم عليه ، ودفعه إلى جاريته .
وأرسل المقوقس يوماً إلى حاطب فقال : أسألك عن ثلاث . فقال : لا تسألني عن شئ إلا صدقتك ، قال : إلى مَ يدعو محمد ؟ قلت : إلى أن نعبد الله وحده ، ويأمر بالصلاة خمس صلوات في اليوم والليلة ، ويأمر بصيام رمضان ، وحج البيت ، والوفاء بالعهد ، وينهى عن أكل الميتة والدم . . إلى أن قال : فوصفته فأوجزت ، قال : قد بقيت أشياء لم تذكرها : في عينيه حمرة قلما تفارقه ، وبين كتفيه خاتم النبوة ، يركب الحمار ، ويلبس الشملة ، ويجتزي بالتمرات والكسر ، ولا يبالي من لاقى من عم أو ابن عم .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 14 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم قال المقوقس : هذه صفته ، وكنت أعلم أن نبياً قد بقي ، وكنت أظن أن مخرجه بالشام ، وهناك تخرج الأنبياء من قبله ، فأراه قد خرج في أرض العرب في أرض جهد وبؤس ، والقبط لا تطاوعني في اتِّباعه ، وأنا أظِنُّ بملكي أن أفارقه ، وسيظهر على البلاد وينزل أصحابه من بعد بساحتنا هذه حتى يظهروا على ما هاهنا ! وأنا لا أذكر للقبط من هذا حرفاً واحداً ، ولا أحب أن تعلم بمحادثتي إياك !
ثم دعا كاتبه الذي يكتب له بالعربية ، فكتب إلى النبي ( صلى الله عليه وآله ) : بسم الله الرحمن الرحيم , لمحمد بن عبد الله ، من المقوقس عظيم القبط : سلام عليك ، أما بعد ، فقد قرأت كتابك وفهمت ما ذكرت فيه ، وما تدعو إليه ، وقد علمت أن نبياً قد بقي ، وقد كنت أظن أنه يخرج بالشام ، وقد أكرمت رسولك وبعثت إليك بجاريتين لهما مكان في القبط عظيم ، وبثياب ، وأهديت إليك بغلة لتركبها ، والسلام عليك » .
ثم عدد الأحمدي هدية المقوقس للنبي ( صلى الله عليه وآله ) : أربعة جوار ، مارية أم إبراهيم بن رسول الله ، وسيرين أخت مارية ، وقيسر أخت مارية أيضاً ، وجارية أخرى سوداء اسمها بريرة ، وغلاماً خصياً أسود اسمه مابور . وبغلة شهباء وهي دَلْدَل ، وحماراً أشهب يقال له يَعْفور . وقيل وألف دينار وعشرين ثوباً ، وألف مثقال ذهباً ، وفرساً وهو اللَّزَّاز .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 15 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأهدى إليه عسلاً من عسل نبها من قرى مصر ، ومكحلة ومربعة توضع فيها ، وقارورة دهن ، ومقصاً ومسواكاً ومشطاً ومرآة . وقيل عمائم وقباطي وطيباً وعوداً ومسكاً ، مع ألف مثقال من ذهب مع قدح من قوارير ، وخفين ساذجين أسودين ، وطبيباً يداوي مرض المسلمين . . .
وقال حاطب : كان المقوقس لي مكرماً في الضيافة وقلة اللبث ببابه ، وما أقمت عنده إلا خمسة أيام ، ودفع له مائة دينار وخمسة أثواب . . . ذكر بعضهم أن هرقل لما علم ميل المقوقس إلى الإسلام عزله . . . راجع المناقب : 1 / 139 ، و : 2 / 65 ، وابن هشام : 1 / 3 ، و 123 ، والشفا : 1 / 115 .

علاقة المصريين بعثمان وعلي ( عليه السلام )

عرف أهل مصر محمد بن أبي بكر رضي الله عنه وأحبوه من أول فتح مصر ، ثم كان يتردد إليها مع صديقه الشاب محمد بن أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة الأموي رضي الله عنه ، وقد شاركا في فتح إفريقيا الذي انطلق من مصر .
وفي عهد عثمان طمع الروم باحتلال مصر وغزوها بسفنهم ، فكان المحمدان القائدين الميدانيين لجيش المسلمين في غزوة ذات الصواري البحرية التي رد فيها المسلمون غزو الروم .
وكان أهل مصر يحبانهما ويكرهان الوالي الأموي عبد الله بن أبي سرح ، لسوء إدارته ، ولأنه وأباه كان عدوين لله ولرسوله ( صلى الله عليه وآله ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 16 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال أبو داود في سننه : 2 / 328 ، والنسائي في سننه : 7 / 107 : « كان عبد الله بن سعد ابن أبي سرح يكتب لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فأزله الشيطان فلحق بالكفار ، فأمر به رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أن يقتل يوم الفتح » .
وفي الكافي : 8 / 201 ، عن الإمام الباقر ( عليه السلام ) في قوله تعالى : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِىَ إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيئٌ : « نزلت في ابن أبي سرح الذي كان عثمان استعمله على مصر ، وكان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يوم فتح مكة هدر دمه ، وكان يكتب لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فإذا أنزل الله عز وجل : إن الله عزيز حكيم . كتب : إن الله عليم حكيم » !
وقال ابن حبان في لثقات ( 3 / 214 ) : « وكان أبوه سعد بن أبي سرح من المنافقين الكبار ، وهو أخو عثمان من الرضاعة » .
وسنذكر وفود المصريين إلى عثمان ، وطلبهم منه أن يولي عليهم محمد بن أبي بكر ، والحركة التي قادها محمد بن أبي حذيفة فبايعه المصريون بالإمارة عليهم ، وطردوا والي عثمان ابن أبي سرح .
وعندما تولى أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) الخلافة ، أرسل محمد بن أبي بكر رضي الله عنه والياً على مصر ، وكتب له عهد الولاية ، وجاء فيه كما في نهج البلاغة : 3 / 27 : « واعلم يا محمد بن أبي بكر أني قد وليتك أعظم أجنادي في
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 17 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
نفسي أهل مصر ، فأنت محقوق أن تخالف على نفسك ، وأن تنافح عن دينك ولو لم يكن لك إلا ساعة من الدهر .
ولا تسخط الله برضا أحد من خلقه ، فإن في الله خلفاً من غيره ، وليس من الله خلف في غيره . صل الصلاة لوقتها الموقت لها ولا تعجل وقتها لفراغ ، ولا تؤخرها عن وقتها لاشتغال ، واعلم أن كل شئ من عملك تبعٌ لصلاتك » .
وتعبيره الإمام ( عليه السلام ) : ( أعظم أجنادي في نفسي أهل مصر ) يعني أن مصر كانت يومها أهم بلد برأيه في فتوح الإسلام وحمل رسالته . فهو يفضلها كبلد وشعب ، على كافة بلاد الدولة الإسلامية يومها ، ويشير إلى ترشيحها لهذا الدور في المستقبل . وكفى بذلك فخراً .

تفضيل علي ( عليه السلام ) لمصر على بلاد الشام

روى الثقفي في الغارات : 1 / 288 ، وهو أقدم من الطبري وأوثق ، عن جندب بن عبد الله قال : « والله إني لعند عليٍّ ( عليه السلام ) جالس ، إذ جاءه عبد الله بن قعين جد كعب يستصرخ من قبل محمد بن أبي بكر ، وهو يومئذ أمير على مصر ، فقام علي فنادى في الناس : الصلاة جامعة فاجتمع الناس فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي ( صلى الله عليه وآله ) ثم قال : أما بعد فهذا صريخ محمد بن أبي بكر وإخوانكم من أهل مصر ، وقد سار إليهم ابن النابغة عدو الله وعدوكم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 18 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فلا يكونن أهل الضلال إلى باطلهم والركون إلى سبيل الطاغوت ، أشد اجتماعاً على باطلهم وضلالتهم منكم على حقكم ، فكأنكم بهم قد بدؤوكم وإخوانكم بالغزو ، فاعجلوا إليهم بالمواساة والنصر .
عباد الله إن مصر أعظم من الشام خيراً ، وخير أهلاً ، فلا تُغلبوا على مصر فإن بقاء مصر في أيديكم عزٌّ لكم ، وكبت لعدوكم . أخرجوا إلى الجرعة ( مكان بين الكوفة والحيرة ) لنتوافى هناك كلنا غداً إن شاء الله » .
أي أن مصر خير للمسلمين بمواردها الاقتصادية ، وأهلها كشعب خير من أهل الشام .

مدح نهر النيل

في كامل الزيارات / 111 : « عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : نهران مؤمنان ونهران كافران ، نهران كافران : نهر بلخ ، ودجلة . والمؤمنان : نيل مصر ، والفرات ، فحنكوا أولادكم بماء الفرات » .
وفي الخصال / 291 : « عن حفص بن البختري ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : إن جبرئيل كرى برجله خمسة أنهار ولسان الماء يتبعه : الفرات ، والدجلة ، ونيل مصر ، ومهران ، ونهر بلخ ، فما سقت أو سقي منها فللإمام » .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 19 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الثاني : مصر في خلافة عمر وعثمان

تم فتح مصر بدون قتال وأسلم قسم من أهلها

أثبتنا في كتاب « قراءة جديدة للفتوحات الإسلامية » أن المصريين طلبوا من ملكهم المقوقس أن يعقد اتفاقية مع المسلمين ، ويعترف بهم حكاماً ، بعد أن هزموا الروم في فلسطين وسوريا ، وانسحب هرقل إلى القسطنطينية وسحب قواته من بلاد الشام ومصر . فدخلها عمرو العاص في ثلاثة آلاف وخمس مئة رجل ، واستقبله ملكها المقوقس ووقَّع معه عهد الصلح على أن يدفع عن كل مصري دينارين سنوياً ، ويدفع مبلغاً فعلاً .
وقد تم ذلك بدون ضربة سيف ولا سوط ، وحكم المسلمون مصر بدل الروم ، وأخذوا يديرونها ، ويأتون إليها للسكنى ، وأسلم قسم من أهلها .
ويدل على ذلك : قول عمرو بن العاص نفسه لعمر بن الخطاب إن موقف المصريين أن لا يقاتلوا المسلمين ، ليقنعه بغزو مصر .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 20 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال ابن الحكم المصري في كتابه : فتوح مصر / 131 : « قال : يا أمير المؤمنين إئذن لي أن أسير إلى مصر ، وحرضه عليها وقال : إنك إن فتحتها كانت قوة للمسلمين وعوناً لهم ، وهي أكثر الأرض أموالاً ، وأعجزها عن القتال والحرب . فتخوف عمر بن الخطاب على المسلمين وكره ذلك ، فلم يزل عمرو يعظم أمرها عند عمر بن الخطاب ويخبره بحالها ويهون عليه فتحها ، حتى ركن عمر لذلك ، فعقد له على أربعة آلاف رجل كلهم من عكّ ، ويقال بل ثلاثة آلاف وخمس مائة » . ونحوه تاريخ اليعقوبي : 2 / 147 ، وغيره .
وفي فتوح مصر وأخبارها / 136 : « وكان بالإسكندرية أسقف للقبط يقال له أبو ميامين ، فلما بلغه قدوم عمرو بن العاص إلى مصر كتب إلى القبط ، يعلمهم أنه لا تكون للروم دولة وأن ملكهم قد انقطع ، ويأمرهم بتلقي عمرو ، فيقال أن القبط الذين كانوا بالفرما كانوا يومئذ لعمرو أعواناً . . ثم توجه عمرو لا يدافع إلا بالأمر الخفيف ، حتى نزل القواصر . .
سمع رجلاً من لخم يحدث . . كنت أرعى غنماً لأهلي بالقواصر ، فنزل عمرو ومن معه ، فدنوت إلى أقرب منازلهم ، فإذا بنفر من القبط فكنت قريباً منهم فقال بعضهم لبعض : ألا تعجبون من هؤلاء القوم يُقْدِمون على جموع الروم وإنما هم قلة من الناس ! فأجابه رجل آخر منهم فقال : إن هؤلاء القوم لا يتوجهون إلى أحد إلا ظهروا عليه » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 21 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد روى المؤرخون نص عقد الصلح بين المسلمين والأقباط ، وأن الروم غضبوا على الأقباط بسببه ، فتحداهم المقوقس وأصرَّ على الصلح .
قال المؤرخ المصري القرشي المتوفى 257 ه - . في كتابه فتوح مصر / 152 : « وشرط المقوقس للروم أن يخُيَّروا ، فمن أحب منهم أن يقيم على مثل هذا أقام على ذلك ، لازماً له مفترضاً عليه ، ممن أقام بالإسكندرية وما حولها من أرض مصر كلها ، ومن أراد الخروج منها إلى أرض الروم خرج ، وعلى أن للمقوقس الخيار في الروم خاصة ، حتى يكتب إلى ملك الروم يعلمه ما فعل ، فإن قبل ذلك ورضيه جاز عليهم وإلا كانوا جميعاً على ما كانوا عليه . وكتبوا به كتاباً .
وكتب المقوقس إلى ملك الروم كتاباً يعلمه على وجه الأمر كله ، فكتب إليه ملك الروم يُقَبِّحُ رأيه ويُعَجِّزُه ويَرُدُّ عليه ما فعل ، ويقول في كتابه إنما أتاك من العرب اثنا عشر ألفاً وبمصر من بها من كثرة عدد القبط ما لا يحصى ، فإن كان القبط كرهوا القتال ، وأحبوا أداء الجزية إلى العرب ، واختاروهم علينا ، فإن عندك من بمصر من الروم ، وبالإسكندرية ومن معك أكثر من مائة ألف ، معهم السلاح والعدة والقوة ، والعرب وحالهم وضعفهم على ما قد رأيت ، فعجزت عن قتالهم ورضيت أن تكون أنت ومن معك من الروم في حال القبط أذلاء ، إلا تقاتلهم أنت ومن معك من الروم حتى تموت أو تظهر عليهم ، فإنهم فيكم على قدر كثرتكم وقوتكم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 22 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وعلى قدر قلتهم وضعفهم ، كأكْلة ! فناهضهم القتال ولا يكون لك رأي غير ذلك . وكتب ملك الروم بمثل ذلك كتاباً إلى جماعة الروم !
فقال المقوقس لما أتاه كتاب ملك الروم : والله إنهم على قلتهم وضعفهم أقوى وأشد منا على كثرتنا وقوتنا ، وإن الرجل الواحد منهم ليعدل مائة رجل منا ، وذلك أنهم قوم الموت أحب إلى أحدهم من الحياة ، يقاتل الرجل منهم وهو مستقتل ، يتمنى أن لا يرجع إلى أهله ولا بلده ولا ولده ، ويرون أن لهم أجراً عظيماً فيمن قتلوه منا ، ويقولون إنهم إن قتلوا دخلوا الجنة وليس لهم رغبة في الدنيا ولا لذة إلا على قدر بلغة العيش من الطعام واللباس ، ونحن قوم نكره الموت ونحب الحياة ولذتها ، فكيف نستقيم نحن وهؤلاء وكيف صبرنا معهم ! واعلموا معشر الروم والله إني لا أخرج مما دخلت فيه ولا مما صالحت العرب عليه ، وإني لأعلم أنكم سترجعون غداً إلى رأيي وقولي ، وتتمنون أن لو كنتم أطعتموني ! وذلك أني قد عاينت ورأيت وعرفت ما لم يعاين الملك ولم يره ولم يعرفه !
ويْحكم ! أما يرضى أحدكم أن يكون آمناً في دهره على نفسه وماله وولده بدينارين في السنة !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 23 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم أقبل المقوقس إلى عمرو بن العاص فقال له : إن الملك قد كره ما فعلتُ وعجَّزني ، وكتب إليَّ وإلى جماعة الروم أن لا نرضى بمصالحتكم ، وأمرهم بقتالكم حتى يظفروا بك أو تظفر بهم !
ولم أكن لأخرج مما دخلت فيه وعاقدتك عليه ، وإنما سلطاني على نفسي ومن أطاعني ، وقد تم صلح القبط فيما بينك وبينهم ، ولم يأت من قبلهم نقض ، وأنا متم لك على نفسي ، والقبط متمون لك على الصلح الذي صالحتهم عليه وعاقدتهم .
وأما الروم فإني منهم برئ ، وأنا أطلب إليك أن تعطيني ثلاث خصال . فقال له عمرو : ما هن ؟ قال : لا تنقض بالقبط ، وأدخلني معهم وألزمني ما ألزمتهم ، وقد اجتمعت كلمتي وكلمتهم على ما عاهدتك عليه ، فهم متمون لك على ما تحب .
وأما الثانية ، فإن سألك الروم بعد اليوم أن تصالحهم فلا تصالحهم حتى تجعلهم فيئاً وعبيداً ، فإنهم أهل ذلك ، فإني نصحتهم فاستغشوني ، ونظرت لهم فاتهموني .
وأما الثالثة ، أطلب إليك إن أنا متُّ ، أن تأمرهم أن يدفنوني في كنيسة أبي يحنس بالإسكندرية .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 24 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فأنعم له عمرو بن العاص بذلك ، وأجابه إلى ما طلب ، على أن يضمنوا له الجسرين جميعاً ، ويقيموا له الأنزال والضيافة والأسواق والجسور ، ما بين الفسطاط إلى الإسكندرية ، ففعلوا ، وصارت القبط أعواناً للمسلمين على الروم » . ونهاية الإرب : 19 / 301 .
إن أي عاقل يقرأ هذه الحقائق ، لا يمكنه أن يقبل ما ادعاه عمرو العاص ورواة السلطة بعد ذلك ، من معارك مخترعة في فتح مصر !
وإني لأعجب لبعض الباحثين ، كيف يخالف عقله ، فيسرد المعارك والبطولات المزعومة ، مصدقاً بأنها وقعت في فتح مصر مع القبط أو الروم ، مع أنه يروي ما يناقضها وينفيها !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 25 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

سبب ادعاء الحكام أن مصر فتحت عُنوة

يظهر أن أحاديث معارك فتح مصر ، اختُرعت فيما بعد ، لإثبات أنها فتحت عُنْوَةً لا صلحاً ، وذلك لسببين :
الأول : أن المدن والأراضي المفتوحة صلحاً يجب أن يتقيد الوالي فيها بالجزية السنوية التي نص عليها عقد الصلح ، التي تشبه الضريبة لحماية السكان ، وهي عادة دينار ذهبي أو ديناران عن كل بالغ ، عدا الصغار والنساء والشيوخ ، ولا يجوز للوالي أن يزيد عليها .
أما المفتوحة عُنْوَةً ، أي بالقوة والحرب ، فتكون أراضيها وعقاراتها ملكاً للمسلمين أي للدولة ، ويجوز للوالي رفع الجزية على أهلها ، لأنهم مستأجرون غير مالكين . لذلك حاول الولاة إثبات أن فتح هذه المنطقة أو تلك كان عُنْوَةً ، ليحق لهم رفع الجزية كما يحبون !
والسبب الثاني : ادعاء البطولات المكذوبة لزيد وعمرو ، باختراع المعارك الوهمية وتضخيم قوة العدو ومقاومته ! فصرت تجد في فتح مصر بطولات عمرو العاص الأسطورية ، ومغامراته البوليسية ! وهي تفترض مقابله قوات للعدو حاربها أو احتال عليها فانتصر ، فيجعلونها قوات رومية تارة ، مع أنه لم يبق جندي رومي في مصر ، وتارة قوات للمقوقس ، مع أنه أعلن المصالحة ورفض الحرب !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 26 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وجعلوها تارة عشرة آلاف جندي مرافقين للملكة أرمانوسة بنت المقوقس ، يزفونها إلى ابن هرقل ، مع أن هذا الزواج لا أصل له !
واليك هذه الرواية التي تتضمن معارك مزعومة وتكذيبها معاً !
قال الطبري ( 3 / 199 ) : « لما نزل عمرو على القوم بعين شمس ، وكان الملك بين القبط والنُّوب ، ونزل معه الزبير عليها ، قال أهل مصر لملكهم : ما تريد إلى قوم فلُّوا كسرى وقيصر وغلبوهم على بلادهم . صالحِ القومَ واعتقد منهم ( أبرم عقداً ) ولا تَعْرُض لهم ولا تُعَرِّضْنَا لهم ، وذلك في اليوم الرابع ، فأبى وناهدوهم فقاتلوهم ، وارتقى الزبير سورها فلما أحسوه فتحوا الباب لعمرو وخرجوا إليه مصالحين ، فقبل منهم ، ونزل الزبير عليهم عنوة ، حتى خرج على عمرو من الباب معهم ، فاعتقدوا ، بعد ما أشرفوا على الهلكة ، فأجروا ما أخذوا عنوة مجرى ما صالح عليه ، فصاروا ذمة » .
فالرواية تصرح بأن المصريين قرروا الصلح مع المسلمين ، لكنها تريد إثبات بطولة للزبير ، فزعمت أن ملكهم أبى الصلح إلى اليوم الرابع ، فتسلق الزبير سور الإسكندرية أو غيرها فلم يمنعه أحد ، فخافوا وقبلوا بالصلح ، ونزل من السور إلى المدينة فخافوا منه ولم يشهر أحد عليه سيفاً ولا ضربه بسهم ! فقبلوا بالصلح وخرجوا معه إلى عمرو العاص فوقَّعوا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 27 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الصلح ، وكفى الله المؤمنين القتال بتسلق الزبير ، فصارت مفتوحة عُنوةً ، لكن الفاتحين تفضلوا عليهم فجعلوها صلحاً ، فيجوز للوالي زيادة الجزية !
ومن الواضح أن هذا تلاعب وادعاء ، لا يقبله العقل .
وقد أثبتنا في كتابنا قراءة جديدة في الفتوحات أن الإسكندرية فتحت صلحاً بلا قتال ، وأن عَمْرو العاص ادعى بعد خمس سنين أن أهلها نقضوا الصلح ، فغزاهم وسبى منهم ، فكذَّبه الخليفة عثمان ، وأمره برد السبي والأموال التي أخذها ، فعمرو العاص هو الذي نقض عهد الصلح ، وليس المصريين !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 28 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

أول حركة رقابة على نظام الحكم الإسلامي كانت مصرية

سجل التاريخ أن المصريين ، وهم الذين سكنوا في مصر من العرب أو أسلموا من الأقباط ، كانوا أول من طالب الخليفة عمر بتطبيق القرآن ، وهذا يدل على أنهم عكفوا على قراءة القرآن والتدبر فيه ، وقايسوا أوامره ونواهيه بسياسة عمر وعماله ، فرأوا أن أكثر القرآن لا يطبق ، فذهبوا إليه يطالبونه بتطبيقه ، لكن عمر أحبط مسعاهم ، وهددهم !
فقد روى السيوطي في الدر المنثور ( 2 / 145 ) والطبري في تفسيره ( 5 / 63 ) وابن كثير في تفسيره ( 4 / 497 ) وكنز العمال ( 2 / 330 ) : « عن الحسن ، أن ناساً لقوا عبد الله بن عمرو بمصر ، فقالوا : نرى أشياء من كتاب الله أمَر أن يُعمل بها ، لا يُعمل بها ! فأردنا أن نلقى أمير المؤمنين في ذلك .
فقدم وقدموا معه ، فلقي عمر فقال : يا أمير المؤمنين أن ناساً لقوني بمصر فقالوا إنا نرى أشياء من كتاب الله أمر أن يعمل بها لا يعمل بها ، فأحبوا أن يلقوك في ذلك . . فقال : متى قدمت ؟ قال : منذ كذا وكذا . قال : أبإذن قدمت ؟ قال : فلا أدري كيف رد عليه ! فقال : يا أمير المؤمنين إن ناساً لقوني بمصر فقالوا إنا نرى أشياء من كتاب الله تبارك وتعالى أمر أن يعمل بها لا يعمل بها ، فأحبوا أن يلقوك في ذلك . فقال : إجمعهم لي .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 29 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال فجمعتهم له ، قال ابن عون أظنه قال في نهر ، فأخذ أدناهم رجُلاً فقال : أنشدك بالله وبحق الإسلام عليك ، أقرأت القرآن كله ؟ قال : نعم . قال : فهل أحصيته في نفسك ؟ قال : اللهم لا . قال ولو قال نعم لخصمه . قال : فهل أحصيته في بصرك ، هل أحصيته في لفظك ، هل أحصيته في أثرك ؟ قال : ثم تتبعهم حتى أتى على آخرهم فقال : ثكلت عمر أمه أتكلفونه أن يقيم الناس على كتاب الله ! قد علم ربنا أن ستكون لنا سيئات ، قال : إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيمًا .
هل عَلِم أهل المدينة ، أو قال هل علم أحدٌ ، بما قدمتم ؟ قالوا : لا .
قال : لو علموا لوعظت بكم » !
ومعناه أن هؤلاء المصريين جاؤوا وفداً ليسألوا الخليفة عن آيات من القرآن فيها أوامر إلهية في الأمور الإدارية والسياسية والمالية والاجتماعية ، ولا يرون تطبيقها في دولته ! فلم يعطهم الخليفة « العادل » فرصةً للكلام ، وهاجمهم بالجواب بأنهم مخطئون يطلبون منه تطبيق القرآن على نفسه وولاته ، والقرآن عظيم لا يمكن لأحد أن يطبقه !
واستدل عمر على عدم إمكان تطبيق القرآن ، بأنه لا يمكن لأحد أن يحصي كلماته وحروفه فيراها كلها دفعة واحدة ، أو يستحضرها في ذهنه دفعة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 30 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
واحدة . وكل دستور لا يرى الحاكم مواده وسطوره وكلماته وحروفه دفعة واحدة ، يسقط عنه تطبيقه !
ثم استدل بأن القرآن عظيم ، لا يمكن لأحد أن يطبقه كله ، فيكفي أن يطبق منه جزءاً يسيراً ، والله يعفو عن الباقي .
وهذا الجزء موكول إلى الخليفة نفسه ، فقد يكون أخذ الزكوات وتأديب الناس بالسوط ! واستدل على ذلك بأن الله وعد من اجتنب كبائر المحرمات أن يغفر له ، فيكفي للخليفة أن يطبق كبائر الواجبات !
ثم قال لهم إنكم مفسدون في الأرض ! فقد جئتم تحركون المسلمين عليَّ للمطالبة بتطبيق القرآن ، لكني أحضرتكم قبل أن يعرف أهل المدينة بكم ، ولو عرفوا لجعلتكم عبرة لمن اعتبر ، وأقمت عليكم الحد ! الذي قد يصل إلى ضرب أعناقكم ، فاحمدوا الله واسلموا بجلدكم ، وارضوا بما ترونه يخالف القرآن مني ومن عمالي ، ولا تثيروا علينا المشاكل !
وأمام هذه الإستدلال العمري العجيب ، والتهديد الأعجب ! جمع الوفد المصري متاعهم ، وغادروا إلى مصر ، ليستعيدوا هدوءهم من صدمتهم !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 31 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

صبيغ التميمي ناشط مصري وقع في قبضة عمر

وقد سجل التاريخ قصة عمر العجيبة مع صبيغ التميمي ، وهو مسلم مثقف من البصرة ، كان أبوه يقرأ كتب التاريخ ، وقد أعجب كغيره من المثقفين بالقرآن وكان يحمل تساؤلات المصريين ، فاعتقله عمرو بن العاص وأرسله مخفوراً إلى عمر ، فضربه بعراجين النخل حتى أدمى ظهره ووجهه ، ثم حبسه ، ثم أرسل عليه وضربه ثانية ، ثم حبسه ، ثم أرسل عليه للثالثة !
ثم توسط له ناس فأرسله عمر مخفوراً إلى بلده الأصلي البصرة ، وكتب إلى حاكمها أبي موسى الأشعري أن يلبسه تباناً ، ويُركبه على حمار بالمقلوب ، ويطوف به في البصرة ، وينادي عليه إنه مجرم ، لأنه سأل عن آيات من القرآن ، وإن الخليفة حرم مجالسته والكلام معه !
روى الدارمي في سننه ( 1 / 55 ) : « عن نافع مولى عبد الله ، أن صبيغاً العراقي جعل يسأل عن أشياء من القرآن في أجناد المسلمين حتى قدم مصر ، فبعث به عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب ، فلما أتاه الرسول بالكتاب فقرأه فقال : أين الرجل ؟ فقال : في الرحل . قال له عمر : أبصر أن يكون ذهب ، فتصيبك مني به العقوبة الموجعة ! فأتاه به فقال عمر : تسأل ( مسائل ) مُحْدَثَة ؟ فأرسل عمر إلى رطائب من جريد فضربه بها حتى ترك ظهره دَبْرَة ( مليئاً من
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 32 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الجروح ) ثم تركه حتى برأ ، ثم عاد له ، ثم تركه حتى برأ فدعا به ليعود له ، قال فقال صبيغ : إن كنت تريد قتلي فاقتلني قتلاً جميلاً ، وإن كنت تريد أن تداويني فقد والله برئت !
فأذن له إلى أرضه ، وكتب إلى أبي موسى الأشعري : أن لا يجالسه أحد من المسلمين ، فاشتد ذلك على الرجل ، فكتب أبو موسى إلى عمر أن قد حسنت توبته ، فكتب عمر أن يأذن للناس بمجالسته » !
ورواه السيوطي في الدر المنثور : 2 / 7 ، وتاريخ دمشق : 23 / 411 ، وقد فصلنا قصة هذا المظلوم صبيغ في كتاب تدوين القرآن / 209 .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 33 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

حركة المصريين ضد الخليفة عثمان

عرف المصريون بسعة صدرهم مع حكامهم ، ومع ذلك ضاقت صدورهم بالحاكم الأموي فكتبوا يشكونه إلى الخليفة عثمان فلم يقبل منهم ، فذهبوا وفداً إلى المدينة ووسَّطوا علياً ( عليه السلام ) لحل المشكلة ، لكن عثمان وسكرتيره مروان رفضا طلبهم ، فعادوا إلى مصر غاضبين ، ثم عاقبهم الوالي في مصر وضرب أحدهم حتى مات !
فرأى المصريون أن يذهبوا إلى المدينة في وفد كبير ليكون ضغطهم على الخليفة أكبر ، فيستجيب لمطلبهم ويُغيِّر الوالي ، فشكلوا وفداً من سبع مئة رجل برئاسة صحابي من أهل بيعة الرضوان ، هو عبد الرحمن بن عديس البلوي ، وعسكروا قرب المدينة ، وأرسلوا إلى الخليفة عثمان رسولاً ، وأرسل إليهم مبعوثين ، ثم جاءهم هو . ثم ذهبوا إلى عثمان ، وطلبوا من علي ( عليه السلام ) أن يساعدهم فحضر معهم ، وكان موقف عثمان ألين من السابق .
ثم ذهبوا إلى العمرة ورجعوا ، وواصلوا ضغطهم على عثمان فقبل بتغيير الوالي وتولية محمد بن أبي بكر بدله ، وكتب لهم المرسوم فذهبوا مسرورين ومعهم وإليهم الجديد . لكنهم في الطريق وجدوا رسولاً من عثمان إلى الوالي الأموي يأمره أن يحبس الوفد ومحمد بن أبي بكر ، أو يقتلهم !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 34 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فغضبوا ورجعوا إلى عثمان فعاتبوه ، فأقر بأن الرسول موظف عنده وأن الختم ختمه ، لكنه نفى أن يكون كتب الرسالة ، وأبى أن يُحمل المسؤولية لصهره مروان بن الحكم ، فازداد غضبهم وحاصروا دار الخلافة أربعين يوماً ، وساعدهم في الحصار وفدان جاءا شاكيين مثلهم ، أحدهما من البصرة والثاني الكوفة ، وعددهم خمس مئة ، وطالبوا عثمان بعزل ولاته ، أو الإستقالة وخلع نفسه من الخلافة ، فلم يفعل حتى قتل .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 35 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

المحمدان يحركان مصر

ذكر المؤلفون ظلم ولاة عثمان والأمويين للمصريين ، كما في كتاب : الولاة والقضاة للكندي / 87 ، وحسن المحاضرة في تاريخ مصر للسيوطي : 1 / 46 ، وفتوح مصر وأخبارها / 51 ، والخطط للمقريزي : 1 / 288 .
وفي النجوم الزاهرة : 1 / 231 : ( قال الكندي : كتب سليمان بن عبد الملك بن مروان إلى أسامة : إحلب الدرَّ حتى ينقطع ، واحلب الدم حتى ينصرم ) ! !
أي أفرض على الناس الضرائب ، كمن يحلب الحليب ، ولا يبقي منه شيئاً ، ثم يقسو على البقرة فيحلب منها الدم !
وقد اتهم رواة السلطة المُحَمَّدَيْن : محمد بن أبي بكر ومحمد بن أبي حذيفة رضي الله عنهما ، بأنهما قد حرَّكا المصريين ضد عثمان ودفعاهم إلى قتله ، لكن أهل مصر كانوا قبلهما ناقمين على عمال عثمان لسوء سيرتهم ، كما أن النقمة على عثمان لم تقتصر على المصريين ، ففي أنساب الأشراف : 5 / 365 : « حدثني محمد بن سعد عن الواقدي في إسناده قال : مرَّ عثمان بن عفان على جبلة بن عمرو الساعدي وهو على باب داره وقد أنكر الناس عليه ما أنكروا فقال له : يا نعثل والله لأقتلنّك ولأحملنّك على قلوص جرباء ولأخرجنَّك إلى حرّة النار ! ثم أتاه وهو على المنبر فأنزله وكان أول من اجترأ على عثمان وتجهّمه بالمنطق الغليظ ! وأتاه يوماً بجامعة فقال : والله
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 36 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لأطرحنَّها في عنقك أو لتتركنَّ بطانتك هذه ، أطعمت الحارث بن الحكم السوق وفعلت وفعلت . وكان عثمان ولَّى الحارث السوق فكان يشتري الجلب بحكمه ويبيعه بسومه ويجبي مقاعد المتسوّقين ويصنع صنيعاً منكراً فكُلَّم في إخراج السوق من يده فلم يفعل . وقيل لجبلة في أمر عثمان وسئل الكفّ عنه فقال : والله لا ألقى الله غداً فأقول إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلَّونا السبيلا . . خطب عثمان في بعض أيامه فقال له جهجاه بن سعيد الغفاري : يا عثمان إنزل ندرِّعك عباءة ونحملك على شارف من الإبل إلى جبل الدخان كما سيَّرت خيار الناس . . . وكان جهجاه ممن بايع تحت الشجرة . .
عن صالح ابن كيسان عن عمر بن عبد العزيز ، أن محمد بن أبي حذيفة ومحمد بن أبي بكر حين أكثر الناس في أمر عثمان قدما مصر وعليها عبد الله بن سعد بن أبي سرح ، ووافقا بمصر محمد بن طلحة بن عبيد الله وهو مع عبد الله بن سعد . .
وغزا ابن أبي سرح إفريقية فأعدَّ لهما سفينة مفردة لئلَّا يفسدا عليه الناس ، فمرض ابن أبي بكر فتخلَّف وتخلَّف معه ابن أبي حذيفة ، ثم إنّهما خرجا في جماعة الناس فما رجعا من غزاتهما إلَّا وقد أوغرا صدور الناس على عثمان ، فلما وافى ابن أبي سرح مصر وافاه كتاب عثمان بالمصير إليه ، فشخص إلى
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 37 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
المدينة وخلَّف على مصر رجلاً كان هواه مع ابن أبي بكر وابن أبي حذيفة ، فكان ممن شايعهم وشجّعهم على المسير إلى عثمان .
وبعث عثمان إلى ابن أبي حذيفة بثلاثين ألف درهم ، وبجمل عليه كسوة فأمر به فوضع في المسجد ، وقال : يا معشر المسلمين ألا ترون إلى عثمان يخادعني عن ديني ويرشوني عليه ! فازداد أهل مصر عيباً لعثمان وطعناً عليه واجتمعوا إلى ابن أبي حذيفة فرأَّسوه عليهم ، فلما بلغ عثمان ذلك دعا بعمار بن ياسر ، فاعتذر إليه مما فعل به واستغفر الله منه ( كان ضرب عثمان وداس عليه ) وسأله أن لا يحقده عليه ، وقال : بحسبك من سلامتي لك ثقتي بك ، وسأله الشخوص إلى مصر ليأتيه بصحة خبر ابن أبي حذيفة ، وحق ما بلغه عنه من باطله . وأمره أن يقوم بعذره ويضمن عنه العتبي لمن قدم عليه ، فلما ورد عمار مصر حرَّض الناس على عثمان ودعاهم إلى خلعه وأشعلها عليه ، وقوَّى رأي ابن أبي حذيفة وابن أبي بكر وشجَّعهما على المسير إلى المدينة ، فكتب ابن أبي سرح إلى عثمان يعلمه ما كان من عمار ويستأذنه في عقوبته ، فكتب إليه بئس الرأي رأيت يا ابن أبي سرح ، فأحسن جهاز عمار واحمله إليَّ ، فتحرَّك أهل مصر وقالوا : سيَّرَ عمار ( نفاه ) ودبَّ فيهم ابن أبي حذيفة ، ودعاهم إلى المسير ، فأجابوه » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 38 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي تاريخ الطبري : 3 / 548 : « عن عباس بن سهل الساعدي أن محمد بن أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف هو الذي كان سرَّب المصريين إلى عثمان بن عفان ، وأنهم لما ساروا إلى عثمان فحصروه وثب هو بمصر على عبد الله بن سعد بن أبي سرح أحد بني عامر بن لؤي القرشي ، وهو عامل عثمان يومئذ على مصر ، فطرده منها وصلى بالناس ، فخرج عبد الله بن سعد من مصر ، فنزل على تخوم أرض مصر مما يلي فلسطين ، فانتظر ما يكون من أمر عثمان ، فطلع راكب فقال : يا عبد الله ما وراءك خبرنا بخبر الناس خلفك . قال : أفعل ، قَتل المسلمون عثمان . فقال عبد الله بن سعد : إنا لله وإنا إليه راجعون ، يا عبد الله ثم صنعوا ماذا ؟ قال : ثم بايعوا ابن عم رسول الله علي بن أبي طالب . قال عبد الله بن سعد : إنا لله وإنا إليه راجعون ! قال له الرجل : كأن ولاية علي بن أبي طالب عدلت عندك قتل عثمان ! قال : أجل . قال فنظر إليه الرجل فتأمله فعرفه وقال : كأنك عبد الله بن أبي سرح أمير مصر ! قال : أجل . قال له الرجل : فإن كان لك في نفسك حاجة فالنجاء النجاء ، فإن رأي أمير المؤمنين فيك وفي أصحابك سيئ ، إن ظفر بكم قتلكم أو نفاكم عن بلاد المسلمين ، وهذا بعدي أمير يقدم عليك . قال له عبد الله : ومن هذا الأمير ؟ قال : قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري . . . فخرج عبد الله بن سعد هارباً حتى قدم على معاوية بن أبي سفيان دمشق » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 39 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أقول : هذا النص الذي روته أو روت شبيهاً به عامة المصادر ، يدل على حب أهل مصر للمحمدين وطاعتهم لهما ، بل تدل نصوص الفتوحات الإفريقية التي قام بها المصريون ، ونصوص معركة ذات الصواري التي رد المصريون فيها غزوة الروم البحرية ، على أن المحمدين قادا المصريين فيها ، فقد كانوا يحبونهما أكثر من وإليهم .

أرسل عثمان وفوداً إلى مصر

أرسل عثمان عمار بن ياسر وغيره إلى مصر ، ليعالج مشكلة الوالي مع أهلها فزاد غضب المصريين ، فكتب له الوالي كما في تاريخ المدينة ( 3 / 1123 ) : « أما بعد فإنك بعثت قوماً ليقوموا بضررك وإنهم يحرضون عليك ، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في ضرب أعناقهم فليفعل ! فكتب إليه عثمان : بئس الرأي رأيت يا ابن أبي سرح ، حتى تستأذن في قتل قوم فيهم عمار بن ياسر ! أنا بقضاء الله أرضى من أن آذن لك في ذلك ، فإذا أتاك كتابي هذا فأحسن صحبتهم ما صحبوك ، فإذا أرادوا الرحلة فأحسن جهازهم ، وإياك أن يأتيني عنك خلاف ما كتبت به إليك » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 40 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

معركة ذات الصواري

فتح المسلمون أفريقيا من مصر ، وشارك في غزواتها المحمدان وعدد من الصحابة ، لكن رواة السلطة نسبوا النصر فيها إلى ولاة عثمان ، وخاصة عبد الله بن أبي سرح ، الذي شكاه أهل مصر ، وكان النبي ( صلى الله عليه وآله ) هدر دمه !
وكانت معركة ذات الصواري على أثر فتح المسلمين لأفريقيا وتحريرها من النفوذ الرومي ، فقام قسطنطين ملك الروم ، بغزو الإسكندرية بخمس مئة سفينة وقيل ست مئة وقيل ألف ، وفي السفينة عادة مئة مقاتل ، ووصلوا إلى ساحل الإسكندرية ، فقصدهم المسلمون في مئتي سفينة ، واشتبكوا مع بعض سفنهم ، وكان القائد الرسمي للمسلمين والي مصر الأموي ، وكان المحمدان القائدين الميدانيين للمقاتلين !
على أن سبب انتصار المسلمين في معركة ذات الصواري كان الريح التي أرسلها الله تعالى على الروم فحطمت بعض سفنهم وشتتت الباقي ، لكن رواة السلطة يهملون العوامل الربانية ودور الأبطال الحقيقين ، وينسبون النصر إلى الولاة أياً كانوا !
قال القرش المصري في فتوح مصر وأخبارها / 323 : « مشت الروم إلى قسطنطين بن هرقل في سنة خمس وثلاثين فقالوا : تترك الإسكندرية في أيدي العرب ، وهي مدينتنا الكبرى ؟ ! فقال : ما أصنع بكم ، ما تقدرون أن تتمالكوا ساعة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 41 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إذا لقيتم العرب ! قالوا : فأخرُج على أنا نموت ، فتبايعوا على ذلك ، فخرج في ألف مركب يريد الإسكندرية ، فسار أياماً غالبة من الريح ، فبعث الله عليهم ريحاً فغرقتهم ، إلا قسطنطين نجا بمركبه فألقته الريح بسقلية ، فسألوه عن أمره فأخبرهم ، فقالوا : أشمتْتَ بالنصرانية أعداءها ، وأفنيت رجالها ، لو دخل العرب علينا لم نجد من يردهم !
فقال : خرجنا مقتدرين فأصابنا هذا ! فصنعوا له الحمام ودخلوا عليه فقال : ويلكم تذهب رجالكم ، وتقتلون ملككم ؟ قالوا : كأنه غرق معهم ، ثم قتلوه ، وخلوا من كان معه في المركب » !
وفي فتوح مصر / 323 : « فلقوهم فاقتتلوا بالنبل والنشاب ، وتأخر هرقل لئلا تصيبه الهزيمة ، وجعلت القوارب تختلف إليه بالأخبار فقال : ما فعلوا ؟ قالوا : قد اقتتلوا بالنبل والنشاب . فقال : غُلبت الروم . ثم أتوه فقال : ما فعلوا ؟ قالوا : قد نفذ النبل والنشاب فهم يرتمون بالحجارة . قال : غُلبت الروم . ثم أتوه فقال : ما فعلوا ؟ قالوا : قد نفذت الحجارة وربطوا المراكب بعضها ببعض يقتتلون بالسيوف . قال : غُلبت الروم . .
عن يزيد بن أبي حبيب قال : وكانت السفن إذ ذاك تُقرن بالسلاسل عند القتال فقال : فقرن مركب عبد الله يومئذ وهو الأمير ، بمركب من مراكب العدو ، فكاد مركب العدو يجتر مركب عبد الله إليهم ، فقام علقمة بن يزيد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 42 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الغطيفي ، وكان مع عبد الله بن سعد في المركب ، فضرب السلسلة بسيفه فقطعها ، فسأل عبد الله امرأته بعد ذلك بسيسة ابنة حمزة بن ليشرح وكانت مع عبد الله يومئذ ، وكان الناس يغزون بنسائهم في المراكب : من رأيتِ أشدَّ قتالاً ؟ قالت علقمة صاحب السلسلة » .
وفي فتوح مصر / 449 : « روى بعض الناس : سمعت عمار بن ياسر بذي الصواري » .
وقال المسعودي في التنبيه والإشراف / 135 : « قسطنطين بن قسطنطين أخي هرقل ، وقيل إنه ابن هرقل ن ملك تسع سنين وستة أشهر ، في خلافة عثمان بن عفان ، وهو الذي غزا في البحر في نحو ألف مركب حربية وغيرها فيها الخيل والخزائن والعَدد ، يريد الإسكندرية من بلاد مصر ، وكان عامل مصر والإسكندرية لعثمان عبد الله بن سعد بن أبي سرح ، فالتقوا في البحر فكانت على قسطنطين ، فعطبت مراكبه وهلك أكثر رجاله ، ونجا في مركب ، فوقع في جزيرة سقلية من بلاد إفريقية ، فقتله جرجيق ملكها تشاؤما به لإهلاكه النصرانية . وسميت هذه الغزاة ذات الصواري لكثرة المراكب وصواريها وهي الأدقال ، وكان ذلك في سنة 34 للهجرة » .
وقال الطبري في تاريخه : 3 / 340 : « عن مالك بن أوس بن الحدثان قال : كنت معهم فالتقينا في البحر ، فنظرنا إلى مراكب ما رأينا مثلها قط ، وكانت
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 43 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الريح علينا فأرسينا ساعة وأرسوا قريباً منا ، وسكنت الريح عنا ، فقلنا الأمن بيننا وبينكم . قالوا : ذلك لكم ولنا منكم . ثم قلنا : إن أحببتم فالساحل حتى يموت الأعجل منا ومنكم ، وإن شئتم فالبحر . قال : فنخروا نخرة واحدة وقالوا : الماء ! فدنونا منهم فربطنا السفن بعضها إلى بعض حتى كنا يضرب بعضنا بعضاً على سفننا وسفنهم ، فقاتلنا أشد القتال ، ووثبت الرجال على الرجال يضطربون بالسيوف على السفن ، ويتواجؤون بالخناجر ، حتى رجعت الدماء إلى الساحل تضربها الأمواج ، وطرحت الأمواج جثث الرجال ركاماً . . .
عن حنش بن عبد الله الصنعاني قال : كان أول ما سُمع من محمد بن أبي حذيفة حين ركب الناس البحر سنة 31 ، لما صلى عبد الله بن سعد بن أبي سرح بالناس العصر ، كبَّر محمد بن أبي حذيفة تكبيراً ورفع صوته حتى فرغ الإمام عبد الله بن سعد بن أبي سرح !
فلما انصرف سأل ما هذا ؟ فقيل له : هذا محمد بن أبي حذيفة يُكَبِّر ، فدعاه عبد الله بن سعد فقال له : ما هذه البدعة والحدث ؟ فقال له : ما هذه بدعة ولا حدث ، وما بالتكبير بأس ! قال : لا تعودن .
قال : فسكت محمد بن أبي حذيفة ، فلما صلى المغرب عبد الله بن سعد كبر محمد بن أبي حذيفة تكبيراً أرفع من الأول ، فأرسل إليه إنك غلام أحمق ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 44 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أما والله لولا أني لا أدري ما يوافق أمير المؤمنين لقاربت بين خطوك ! فقال محمد بن أبي حذيفة : والله مالك إلى ذلك سبيل ، ولو هممت به ما قدرت عليه ! قال : فكُفَّ خيرٌ لك ، والله لا تركب معنا . قال : فأركب مع المسلمين . قال : إركب حيث شئت . قال : فركب في مركب وحده ما معه إلا القبط حتى بلغوا ذات الصواري ، فلقوا جموع الروم في خمس مائة مركب أو ست مائة ، فيها القسطنطين بن هرقل فقال : أشيروا عليَّ . قالوا : ننظر الليلة ، فباتوا يضربون بالنواقيس ، وبات المسلمون يصلون ويدعون الله .
ثم أصبحوا وقد أجمع القسطنطين أن يقاتل فقربوا سفنهم وقرب المسلمون فربطوا بعضها إلى بعض ، وصفَّ عبد الله بن سعد المسلمين على نواحي السفن ، وجعل يأمرهم بقراءة القرآن ، ويأمرهم بالصبر . ووثبت الروم في سفن المسلمين على صفوفهم حتى نقضوها ، فكانوا يقاتلون على غير صفوف . قال : فاقتتلوا قتالاً شديداً . ثم إن الله نصر المؤمنين فقتلوا منهم مقتلة عظيمة ، لم ينج من الروم إلا الشريد .
قال : وأقام عبد الله بذات الصواري أياماً ، بعد هزيمة القوم ، ثم أقبل راجعاً ، وجعل محمد بن أبي حذيفة يقول للرجل : أما والله لقد تركنا خلفنا الجهاد حقاً ، فيقول الرجل : وأي جهاد ؟ فيقول : عثمان بن عفان فعل كذا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 45 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وكذا وفعل كذا وكذا ، حتى أفسد الناس فقدموا بلدهم وقد أفسدهم ، وأظهروا من القول ما لم يكونوا ينطقون به .
قال محمد بن عمر فحدثني معمر بن راشد عن الزهري قال : خرج محمد بن أبي حذيفة ومحمد بن أبي بكر عامَ خرج عبد الله بن سعد ، فأظهرا عيب عثمان وما غيَّر ، وما خالف به أبا بكر وعمر ، وأن دم عثمان حلال . ويقولان : استعمل عبد الله بن سعد رجلاً كان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أباح دمه ونزل القرآن بكفره ! وأخرج رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قوماً وأدخلهم ( يقصدان الحكم وولده ) ونزع أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، واستعمل سعيد بن العاص ، وعبد الله بن عامر » .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 46 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

ملاحظات

1 . نستنتج من نصوص غزوة ذات الصواري أنه لم يكن فيها معركة مهمة ، وأن سفن المسلمين رست على الشاطئ ، ورست سفن الروم مقابلها في البحر ، وأن اليوم الأول كان هدنة ولم يكن فيه اشتباك ، وكان الاشتباك في اليوم الثاني مع مراكب محدودة ، وسرعان ما بعث الله الريح والموج فنسفت مراكب الروم نسفاً ، فغرق أكثرها ونجا بعضها .
ولهذا لا تجد في نصوص ذات الصواري وصفاً للمعركة إلا القول إنهم بعد أن ربطوا بعض السفن بسفن الروم هاجمهم الروم ، ومعناه أن الروم كانوا مهاجمين ، فهم الذين ربطوا السفن وهاجموا ، لكن الله تعالى سخر عليهم الريح . ويكفي أن تقرأ : « فبعث الله عليهم ريحاً فغرقتهم إلا قسطنطين نجا بمركبه فألقته الريح بسقلية ، فسألوه عن أمره فأخبرهم ، فقالوا : أشْمَتَّ بالنصرانية أعداءها وأفنيت رجالها ، لو دخل العرب علينا لم نجد من يردهم ! فقال : خرجنا مقتدرين فأصابنا هذا . . . وطرحت الأمواج جثث الرجال ركاماً » .
وإذا صح أن قسطنطين جُرح فقد يكون جرحه من الأمواج لا من القتال . وكانت جزيرة صقلية مملكة تحت حكم الروم .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 47 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال ابن سالم الكلاعي في الاكتفاء : 2 / 367 ، عن حنش الصنعاني قال : « ثم أصبحوا وقد أجمع القسطنطين فقربوا سفنهم ، وقرب المسلمون ، فربطوا بعضها إلى بعض ، وصفَّ عبد الله المسلمين على نواحي السفن وأمرهم بقراءة القرآن وبالصبر ، ووثبت الروم في سفن المسلمين على صفوفهم حتى نقضوها ، واقتتلوا على غير صفوف قتالاً شديداً ، ثم إن الله نصر المؤمنين ، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة لم ينج من الروم إلا الشريد ، و أقام عبد الله بذات الصواري أياماً بعد هزيمة القوم ، ثم أقبل راجعاً .
وذكر ابن عبد الحكم : أن عبد الله بن سعد لما نزل ذات الصواري . . قال : وإنما مراكب المسلمين مائتا مركب ونيف ، فقام فقال : أشيروا علىَّ ، فما كلمه رجل من المسلمين ، فجلس قليلاً لترجع إليهم أفئدتهم ، ثم استشارهم فما كلمه أحد ، ثم قال الثالثة : إنه لم يبق شئ ، فأشيروا علىَّ فقال رجل من أهل المدينة كان متطوعاً : أيها الأمير إن الله تعالى يقول : كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ . فقال عبد الله : إركبوا باسم الله فركبوا ، وإنما في كل مركب نصف شحنته ، قد خرج النصف الآخر مع بسر في البر ، فلقوهم فاقتتلوا بالنبل والنشاب ، وتأخر ابن هرقل لئلا تصيبه الهزيمة ، وجعل تختلف القوارب إليه بالأخبار فقال : ما فعلوا ؟ قالوا : اقتتلوا بالنبل والنشاب . قال : غُلبت الروم . . .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 48 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال يزيد بن أبي حبيب : وكانت السفن إذ ذاك تقرن بالسلاسل عند القتال . . . وفى بعض ما تقدم من الأخبار ما يقتضى أن ذات الصواري موضع يسمى هكذا » .
2 . لو افترضنا أي اشتباك أو معركة في ذات الصواري ، فلا بد أن يكون المحمدان في طليعتها ، لأنهما مطاعان في الجيش المصري أكثر من الوالي ، بدليل أن المصريين بايعوا محمد بن أبي حذيفة بعد أيام ، ونفوا وإليهم ابن أبي سرح .
3 . قال البلاذري في أنساب الأشراف ( 5 / 539 ) : ( فكتب ابن أبي سرح إلى عثمان إن محمد بن أبي بكر ومحمد بن أبي حذيفة ، قد أنغلا عليَّ المغرب وأفسداه ، فكتب إليه عثمان : أما محمد بن أبي بكر فإني أدعه لأبي بكر الصديق وعائشة أم المؤمنين ، وأما محمد بن أبي حذيفة فإنه ابني وابن أخي وأنا ربيته ، وهو فرخ قريش » .
وهذا يدل على أن تأثيرهما ظهر في المسلمين في فتح أفريقيا ، ويرد ما قيل من أن تحريكهما للمصريين بدأ من غزوة ذات الصواري ، كما يدل على دورهما المؤثر في فتح إفريقيا والمغرب . .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 49 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

زاد نشاط المحمديْن في جيش ذات الصواري

عندما أراد الوالي التوجه إلى معركة ذات الصواري ، منع المحمدين من ركوب السفن مع الجيش المصري لئلا يحركا المصريين ضده ، ولكنهما ذهبا مع الجيش ، وكان ابن أبي حذيفة يقول لهم : نذهب إلى جهاد الروم ، لكن الجهاد الأفضل وراءنا وهو جهاد عثمان !
وقد استقطب محمد تأييد جيش ذات الصواري ، ثم استقطب أكثرية المصريين ، فقد ذهب الوالي بعد ذات الصواري إلى المدينة لمدة قليلة فسيطر محمد على مصر وبايعه أهلها ، وأرسل جيشه ليمنع الوالي من دخول مصر ، فمنعوه وطردوه إلى فلسطين .
وأرسل محمد وفداً عسكرياً إلى المدينة ، ليطالبوا عثمان بالتوبة ، وإصلاح الأوضاع ، أو يخلع نفسه .
قال البلاذري في أنساب الأشراف : 5 / 540 : « عن عمر بن عبد العزيز أن محمد بن أبي حذيفة ومحمد بن أبي بكر ، حين أكثر الناس في أمر عثمان قدما مصر وعليها عبد الله بن سعد بن أبي سرح ، ووافقا بمصر محمد بن طلحة بن عبيد الله وهو مع عبد الله بن سعد ، وأن ابن أبي حذيفة شهد صلاة الصبح في صبيحة الليلة التي قدم فيها ففاتته الصلاة فجهر بالقراءة ، فسمع ابن أبي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 50 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
سرح قراءته فسأل عنه فقيل رجل أبيض طوال وضئ الوجه ، فأمر إذا صلَّى أن يؤتى به ، فلما رآه قال : ما جاء بك إلى بلدي ؟ قال : جئت غازياً . قال : ومن معك ؟ قال محمد بن أبي بكر ، فقال : والله ما جئتما إلَّا لتفسدا الناس وأمر بهما فسجنا ، فأرسلا إلى محمد بن طلحة يسألانه أن يكلَّمه فيهما لئلَّا يمنعهما من الغزو ، فأطلقهما ابن أبي سرح ، وغزا ابن أبي سرح إفريقية فأعد لهما سفينة مفردة لئلَّا يفسدا عليه الناس ، فمرض ابن أبي بكر فتخلَّف وتخلَّف معه ابن أبي حذيفة ، ثم إنهما خرجا في جماعة الناس ، فما رجعا من غزاتهما إلَّا وقد أوغرا صدور الناس على عثمان ، فلما وافى ابن أبي سرح مصر وافاه كتاب عثمان بالمصير إليه ، فشخص إلى المدينة ، وخلَّفَ على مصر رجلاً كان هواه مع ابن أبي بكر وابن أبي حذيفة ، فكان ممن شايعهم وشجعهم على المسير إلى عثمان » .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 51 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

طرد أهل مصر وإليهم وبايعوا محمد بن أبي حذيفة !

كان في مصر حركة قوية ضد عثمان ، شارك فيها عدد من الصحابة ، منهم عمار بن ياسر ، وأبو ذر الغفاري ، وعمرو بن الحمق الخزاعي ، لكن قائديها المحمدان : محمد بن أبي بكر ومحمد بن أبي حذيفة .
وقد تميز الأخير بحكم صفاته الشخصية ، وأنه من علياء بني أمية ، فهو حفيد زعيمهم الكبير عتبة بن ربيعة ، الذي قتل في بدر ، وبيته عندهم أشرف من بيت أبي سفيان ، فضلاً عن بيت عثمان وبقية بني العاص والعيص . لذلك كانت عين محمد قوية على عثمان وعلى واليه ابن أبي سرح ، فعجزا عن إخضاعه .
وحاول عثمان كسبه ، فأرسل له ثلاثين ألف درهم وهدايا ، فوضعها محمد في المسجد وقال للمسلمين إن عثمان يرشوه ليسكت عن انحرافه عن الإسلام ، فزادت نقمة المصريين على عثمان .
وفي تاريخ دمشق ( 29 / 26 ) : « ثم وفد ( الوالي ) على عثمان بن عفان واستخلف على مصر السائب بن هشام بن عمرو العامري ، فانتزى ( أي قفز ) محمد بن أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس ، فخلع السائب وتأمَّر على مصر
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 52 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ورجع عبد الله بن سعد من وفادته ، فمنعه ابن أبي حذيفة من دخول الفسطاط ، ومضى إلى عسقلان فأقام بها » .
وفي الغارات للثقفي : 1 / 205 : « فطرده منها وصلى بالناس ، فخرج ابن أبي سرح من مصر ونزل على تخوم أرض مصر مما يلي فلسطين ، وانتظر ما يكون من أمر عثمان ، فطلع عليه راكب فقال : يا عبد الله ما وراءك ، خبرنا بخبر الناس ، فقال : أقعد ، قتل المسلمون عثمان . فقال ابن أبي سرح : إنا لله وإنا إليه راجعون . يا عبد الله ، ثم صنعوا ماذا ؟ قال : بايعوا ابن عم رسول الله علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) . قال : إنا لله وإنا إليه راجعون ! قال له الرجل : كأن ولاية علي عدلت عندك قتل عثمان ؟ قال أجل . . . وخرج ابن أبي سرح حتى قدم على معاوية بدمشق » .
وفي الإصابة ( 6 / 10 ) : « بايع أهل مصر محمد بن أبي حذيفة بالإمارة إلا عصابة منهم معاوية بن حديج وبسر بن أرطاة ، فقدم عبد الله بن سعد حتى إذا بلغ القلزم ، وجد هناك خيلاً لابن أبي حذيفة ، فمنعوه أن يدخل ، فانصرف إلى عسقلان ، ثم جهز ابن أبي حذيفة الذين ثاروا على عثمان وحاصروه ، إلى أن كان من قتله ما كان » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 53 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

وأرسل أهل مصر رسالة نصيحة إلى الخليفة عثمان

روى عمر بن شبة في كتابه تاريخ المدينة : 3 / 1120 : « عن محمد بن إسحاق عن مخلد بن خفاف عن عروة بن الزبير قالا : كتب أهل مصر إلى عثمان : من الملأ المسلمين إلى الخليفة المبتلى ، أما بعد : فالحمد لله الذي أنعم علينا وعليك واتخذ علينا فيما آتاك الحجة ، وإنا نذكرك الله في مواقع السحاب ، فإن الله قال في كتابه : قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلالاً قُلْ أاللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ . أن تحل ما شئت منه بقولك ، وتحرم ما شئت منه بقولك . ونذكرك الله في الحدود ، أن تعطلها في القريب وتقيمها في البعيد ، فإن سنة الله واحدة ، ونذكرك الله في أقوام أخذ الله ميثاقهم على طاعة ليكونوا شهداء على خلقه ، نصحوا لك فاغتششت نصيحتهم ، وأخرجتهم من ديارهم وأموالهم ، وقال الله في كتابه : وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ .
فنذكرك الله وننهاك عن المعصية ، فإنك تدعي علينا الطاعة ، وكتاب الله ينطق لا طاعة لمن عصى الله ، فإن تعط الله الطاعة نؤازرك ونوقرك ، وإن تأب فقد علمنا أنك تريد هلكتنا وهلكتك ، فمن يمنعنا من الله إن أطعناك وعصيناه ، وأنت العبد الميت المحاسب ، والله الخالق البارئ المصور الذي لا يموت » !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 54 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

وذهب المصريون في جيش صغير إلى عثمان

في تاريخ المدينة : 3 / 1124 : « فخرج ست مائة أو أربع مائة ، وجعلوا أمرهم إلى أربعة منهم رؤساء : عبد الرحمن بن عبد قيس بن عباد التجوبي ، وجماع أمرهم إلى محمد بن أبي حذيفة ، ويقال عبد الرحمن بن عديس ، وكان اسمه في الجاهلية علقمة فتسمى عبد الرحمن ، وكان معهم عروة بن شتيم الليثي ، وأبو رومان الأسدي ، وسودان بن عمران التجوبي . . وفي ذلك يقول الشاعر :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] خرجن من أليون بالصعيد * مستحقبات حلق الحديد
يطلبن بحق الله في الوليد * وفي ابن عفان وفي سعيد
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] فقدموا فنزلوا بذي خشب في رمضان » .
وفي تاريخ دمشق : 39 / 423 : « عن يزيد بن أبي حبيب : قال محمد بن أبي حذيفة : من يشترط في هذا البعث ؟ فكثر عليه من يشترط ، فقال لهم : إنكم إنما تنطلقون إلى شيعة لكم ، إنما يكفينا منكم ست مائة رجل ، فاشترط من أهل مصر ست مائة رجل ، وأمر عليهم محمد بن أبي حذيفة عبد الرحمن بن عديس البلوي فساروا إلى أهل المدينة . وسجن رجالاً من أهل مصر في دورهم ، منهم بسر بن أبي أرطأة ، ومعاوية بن حديج » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 55 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الحركة ضد عثمان من غير المصريين

قال البلاذري في أنساب الأشراف : 5 / 548 : « التقى أهل الأمصار الثلاثة : الكوفة والبصرة ومصر ، في المسجد الحرام قبل مقتل عثمان بعام ، وكان رئيس أهل الكوفة كعب بن عبدة النهدي ، ورئيس أهل البصرة المثنى بن مخرمة العبدي ورئيس أهل مصر كنانة بن بشر بن عتاب بن عوف السكوني ثم التجيبي ، فتذاكروا سيرة عثمان وتبديله وتركه الوفاء بما أعطى من نفسه وعاهد الله عليه ، وقالوا لا يسعنا الرضا بهذا ! فاجتمع رأيهم على أن يرجع كل واحد من هؤلاء الثلاثة إلى مصر فيكون رسول من شهد مكة من أهل الخلاف على عثمان إلى من كان على رأيهم من أهل بلده ، وأن يوافوا عثمان في العام المقبل في داره ويستعتبوه ، فإن أعتب وإلا رأوا رأيهم فيه ، ففعلوا ذلك » .
وروى ابن كثير في النهاية : 7 / 195 : « وذكر ابن جرير من هذه الطريق أن الصحابة كتبوا إلى الآفاق من المدينة يأمرون الناس بالقدوم على عثمان ليقاتلوه ، وهذا كذب على الصحابة ، وإنما كتبت كتب مزورة عليهم ، كما كتبوا من جهة علي وطلحة والزبير إلى الخوارج كتباً مزورة عليهم أنكروها وهكذا زُوِّر هذا الكتاب على عثمان أيضاً ، فإنه لم يأمر به ولم يعلم به أيضاً » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 56 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أقول : يدافع ابن كثير عن عثمان بتكذيب النصوص بدون دليل ، فمن الواضح أن الصحابة كانوا بين معارض لعثمان ثائر عليه ، أو ناقم ساكت لم يحرك يده ولا لسانه للدفاع عنه مع أن محاصرته طالت أربعين يوماً وأكثر !
وقد روى المؤرخون كالبلاذري في أنساب الأشراف : 5 / 141 ، أن الصحابة تكاتبوا وتشاكوا أمر عثمان : « لما كانت سنة 34 كتب بعض أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) إلى بعض يتشاكون سيرة عثمان وتغييره وتبديله ، وما الناس فيه من عماله ، ويكثرون عليه ، ويسأل بعضهم بعضاً أن يقدموا المدينة إن كانوا يريدون الجهاد ، ولم يكن أحد من أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يدفع عن عثمان ولا ينكر ما يقال فيه ، إلا زيد بن ثابت ، وأبو أسيد الساعدي ، وكعب بن مالك بن أبي كعب من بني سلمة من الأنصار ، وحسان بن ثابت » .
ويكفي أن الصحابة أفتوا بكفره وتحريم دفنه في مقابر المسلمين ، فقد وثق الهيتمي ذلك في مجمع الزائد : 9 / 95 ، قال : « فحملوه على باب وإن رأسه تقول على الباب طَقْ طَقْ ، حتى أتوا البقيع . . ثم أرادوا دفنه فقام رجل من بني مازن فقال : لئن دفنتموه مع المسلمين لأخبرن الناس غداً ! فحملوه حتى أتوا به حش كوكب » . وهو مقبرة اليهود .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 57 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

محاصرة الجيش المصري لعثمان التي انجرت إلى قتله

قال ابن حبان في الثقات : 2 / 256 : « خرج جماعة من أهل مصر إلى عثمان يشكون بن أبي سرح ويتكلمون فيه ، فكتب إليه عثمان كتاباً وهدده فيه ، فأبى ابن أبي السرح أن يقبل من عثمان ، وضرب بعض من أتاه من قبل عثمان متظلماً ، وقتل رجلاً من المتظلمة !
فخرج من أهل مصر سبع مائة رجل فيهم أربعة من الرؤساء : عبد الرحمن بن عديس البلوى ، وعمرو بن الحمق الخزاعي ، وكنانة بن بشر بن عتاب الكندي ، وسودان بن حمران المرادي ، فساروا حتى قدموا المدينة ، ونزلوا مسجد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وشكوا إلى أصحاب محمد ( صلى الله عليه وآله ) في مواقيت الصلاة ما صنع بهم بن أبي سرح ، فقام طلحة بن عبيد الله إلى عثمان بن عفان وكلمه الكلام الشديد . وأرسلت إليه عائشة : قدم عليك أصحاب محمد وسألوك عزل هذا الرجل فأبيت ذلك بواحدة ، وهذا قد قتل منهم رجلاً ، فأنصفهم من عاملك ! وكان عثمان يحب قومه .
ثم دخل عليه علي بن أبي طالب فقال : سألوك رجلاً مكان رجل ، وقد ادعوا قبله دماً فاعزله عنهم ، واقض بينهم ، فإن وجب عليه حق فأنصفهم منه . فقال لهم عثمان : اختاروا رجلاً أوليه عليكم مكانه ، فأشار الناس عليه بمحمد بن أبي بكر ، فقالوا لعثمان : استعمل علينا محمد بن أبي بكر ، فكتب
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 58 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عهده وولاه مصر ، فخرج محمد بن أبي بكر والياً على مصر بعهده ومعه عدة من المهاجرين والأنصار ، ينظرون فيما بين أهل مصر وبين بن أبي سرح ، فلما بلغوا مسيرة ثلاثة ليال من المدينة ، إذا هم بغلام أسود على بعير له يخبط البعير خبطاً ، كأنه رجل يطلب أو يُطلب . فقالوا له : ما قصتك وما شأنك كأنك هارب أو طالب ؟ قال : أنا غلام أمير المؤمنين وجهني إلى عامل مصر . قالوا : هذا عامله معنا . قال : ليس هذا أريد ، ومضى فأخبر محمد بن أبي بكر بأمره ، فبعث في طلبه أقواماً فردوه ، فلما جاؤوا به قال له محمد : غلام من أنت ؟ فأقبل مرة يقول أنا غلام أمير المؤمنين ، ومرة يقول أنا غلام مروان ، فعرفه رجل منهم أنه لعثمان ، فقال له محمد بن أبي بكر : لمن أرسلت ؟ قال : إلى عامل مصر . قال : بماذا ؟ قال برسالة . قال أمعك كتاب : قال : لا . ففتشوه فلم يجدوا معه كتاباً ، وكان معه إداوة قد يبست وفيها شئ يتقلقل ، فحركوه ليخرج فلم يخرج ، فشقوا الإداوة ، فإذا فيها كتاب من عثمان إلى بن أبي سرح ! فجمع محمد بن أبي بكر من كان معه من المهاجرين والأنصار وغيرهم ، ثم فك الكتاب بحضرتهم فإذا فيه : إذا أتاك محمد بن أبي بكر وفلان وفلان فاحتل لقتلهم ، وأبطل كتابه وقُرَّ على عملك ، واحبس من يجئ إليَّ يتظلم منك ، حتى يأتيك رأيي في ذلك إن شاء الله . فلما قرؤوا الكتاب فزعوا وأزمعوا ورجعوا إلى المدينة ، وختم محمد بن أبي بكر الكتاب
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 59 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بخواتم جماعة من المهاجرين معه ، ودفع الكتاب إلى رجل منهم ، وانصرفوا إلى المدينة فلما قدموها جمع محمد بن أبي بكر علياً وطلحة والزبير وسعداً ، وكان بها من أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، ثم فك الكتاب بحضرتهم عليه خواتم من معه من المهاجرين ، وأخبرهم بقصة الغلام ، فلم يبق أحد من المدينة إلا حنق على عثمان !
وقام أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فلحقوا بمنازلهم ما منهم أحد إلا هو مغتم ، وكانت هذيل وبنو زهرة في قلوبها ما فيها على عثمان ، لحال بن مسعود ، وكانت بنو مخزوم قد حنقت على عثمان لحال عمار بن ياسر ، وكانت بنو غفار وأحلافها ومن غضب لأبي ذر في قلوبهم ما فيها . وأجلب عليه محمد بن أبي بكر من بنى تيم ، وأعانه على ذلك طلحة بن عبيد الله وعائشة .
فلما رأى ذلك عليٌّ وصح عنده الكتاب ، بعث إلى طلحة والزبير وسعد وعمار ونفر من أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) كلهم بدريون ، ثم جاء معهم حتى دخل على عثمان ومعه الكتاب والغلام والبعير ، فقال له : هذا الغلام غلامك ؟ قال : نعم . قال : والبعير بعيرك ؟ قال : نعم . قال : فأنت كتبت هذا الكتاب ؟ قال : لا ، وحلف بالله أنه ما كتب هذا الكتاب ، ولا أمر به . فقال له عليُّ : فالخاتم خاتمك ؟ قال : نعم . قال عليٌّ : فكيف يخرج غلامك على بعيرك بكتاب عليه خاتمك لا تعلم به ؟ فحلف عثمان بالله ما كتبت هذا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 60 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الكتاب ، ولا أمرت به ، ولا وجهت هذا الغلام قط إلى مصر ، وأما الخط فعرفوا أنه خط مروان ، فلما شكوا في أمر عثمان ، سألوه أن يدفع إليهم مروان فأبى ، وكان مروان عنده في الدار ، وكان خشي عليه القتل .
فخرج من عنده عليٌّ وأصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وعلموا أن عثمان لا يحلف باطلاً ، ثم قالوا : لا نسكت إلا أن يدفع إلينا مروان حتى نبحث ونتعرف منه ذلك الكتاب ، وكيف يأمر بقتل رجل من أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بغير حق ؟ فإن يك عثمان كتب ذلك عزلناه ، وإن يك مروان كتبه على لسان عثمان نظرنا ما يكون في أمر مروان . ولزموا بيوتهم وفشا الخبر في المسلمين من أمر الكتاب ، وقعد أصحاب رسول الله عن عثمان .
وخرج من الكوفة عدي بن حاتم الطائي ، والأشتر مالك بن الحارث النخعي ، في مائتي رجل ، وخرج من البصرة حكيم بن جبلة العبدي في مائة رجل ، حتى قدموا المدينة يريدون خلع عثمان . وحوصر عثمان قبل هلال ذي القعدة بليلة ، وضيق عليه المصريون والبصريون وأهل الكوفة ، بكل حيلة ، ولم يدعوه يخرج ولا يدخل إليه أحد ، إلا أن يأتيه المؤذن فيقول الصلاة ، وقد منعوا المؤذن أن يقول يا أمير المؤمنين ، فكان إذا جاء وقت الصلاة بعث أبا هريرة يصلى بالناس ، وربما أمر ابن عباس بذلك ، فصعد يوماً عثمان على السطح ، فسمع بعض الناس يقول : إبتغوا إلى قتله سبيلاً .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 61 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فقال : والله ما أحل الله ولا رسوله قتلي . ثم أشرف عليهم فقال : أفيكم عليٌّ ؟ قالوا : لا . قال : أفيكم سعد ؟ قالوا : لا . فقال : أذكركم بالله هل تعلمون أن رومة ( بئر ) لم يكن يشرب منها أحد إلا بشئ فابتعتها من مالي وجعلتها للغني والفقير وابن السبيل ؟ فقالوا : نعم . قال فاسقوني منها . ثم قال : ألا أحد يبلغ علياً فيسقينا ماء ، فبلغ ذلك علياً فبعث إليه بثلاث قرب مملوءة ، فما كادت تصل إليه حتى جرح في سببها عدة من بني هاشم وبني أمية حتى وصل الماء إليه . . . » .
وفي تاريخ المدينة : 4 / 1152 ، عن ابن أبي ليلى قال : « قدم أهل مصر على عثمان وقد نقموا عليه أشياء ، فأعتبهم فرجعوا راضين ، فلحقهم غلام لعثمان في الطريق معه كتاب إلى ابن أبي سرح يأمره فيه بقتلهم ! فأخذوه ثم رجعوا إلى المدينة . وبلغ أهل مصر فأخرجوا ابن أبي سرح من مصر فألحقوه بفلسطين ، وبلغ أهل الكوفة رجوع أهل مصر الثانية ، فخرج الأشتر في مائتين من أهل الكوفة ، وبلغ أهل البصرة ، فخرج حكيم ابن جبلة في مائة ، فتوافوا بالمدينة فحصروا عثمان » .
وفي تاريخ دمشق : 39 / 423 ، عن أبي ثور الفهمي قال : « قدمت على عثمان فبينا أنا عنده فخرجت ، فإذا بوفد أهل مصر قد رجعوا ، فدخلت على عثمان فأخبرته فقال : كيف رأيتهم ؟ قلت : رأيت في وجوههم الشر ، عليهم ابن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 62 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عديس البلوي ، فصعد ابن عديس منبر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فصلى بهم الجمعة وتنقَّصَ عثمان في خطبته » .
« وكان عليهم عبد الرحمن بن عديس البلوي ، وكان ممن بايع رسول ( صلى الله عليه وآله ) تحت الشجرة » . ( تاريخ المدينة : 4 / 1155 ) .
وروى المفيد في كتاب الجمل / 68 ، عن محمد بن إسحاق ، عن الزهري ، قال : « لما قدم أهل مصر في ست مائة راكب ، عليهم عبد الرحمن بن عديس البكري ، فنزلوا ذا خشب ، وفيهم كنانة بن بشير الكناني ، وأبو عمر بن بديل بن ورقاء الخزاعي ، وأبو عروة الليثي ، واجتمع معهم حكيم بن جبلة العبدي ، في طائفة من أهل البصرة ، وكميل بن زياد ومالك الأشتر وصعصعة بن صوحان ، وحجر بن عدي ، في جماعة من قراء الكوفة ، الذين كانوا سيرهم عثمان منها إلى الشام ، حين شكوا أحداثه التي أنكرها عليه المهاجرون والأنصار ، فاجتمع القوم على عيب عثمان ، وجهروا بذكر إحداثه ، فمر بهم عمر بن عبد الله الأصم وزياد بن النظر ، فقالا : إن شئتم بلغنا عنكم أزواج النبي ( صلى الله عليه وآله ) فإن أمرنكم أن تقدموا فاقدموا فقالوا لهما : إفعلا ، واقصدوا علياً آخر الناس ، فانطلق الرجلان فبدءا بعائشة وأزواج النبي ( صلى الله عليه وآله ) بعدها ، ثم أنبآ أصحابه ( صلى الله عليه وآله ) فأخبروهم الخبر ، فأمروهم أن يقدموا المدينة وصاروا إلى أمير المؤمنين فأخبراه ، واستأذناه للقوم في دخول
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 63 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
المدينة ، فقال لهما : أتيتما أحداً قبلي ؟ قالا نعم أتينا عائشة وأزواج النبي ( صلى الله عليه وآله ) بعدها وأصحابه من المهاجرين والأنصار ، فأمروا أن يقدموا فقال علي لكني لا آمرهم إلا أن يستغيثوا بمن قرب ، فإن أغاثهم فهو خير لهم وإن أبى فهم أعلم ، فخرج الرجلان إليهم جميعاً ، وتسرع إليهم جماعة من المدينة واجتمعوا مع أهل حسب وذو مروات ، فلما بلغ عثمان اجتماعهم أرسل إلى علي ( عليه السلام ) وقال : أخرج يا أبا الحسن إلى هؤلاء القوم وردهم عما جاؤوا إليه . فخرج إليهم فلما رأوه رحبوا به وقالوا له : قد علمت يا أبا الحسن ما أحدثه هذا الرجل من الأعمال الخبيثة ، وما يلقاه المسلمون منه ومن عماله ، وكنا لقيناه واستعتبناه فلم يعتبنا ، وكلمناه فلم يصغ إلى كلامنا وأغراه ذلك بنا ، وقد جئنا نطالبه بالإعتزال عن إمرة المسلمين . واستأذنا في ذلك الأنصار والمهاجرين وأزواج النبي أمهات المؤمنين ، فأذنوا لنا في ورود المدينة ونحن على ذلك . فقال لهم أمير المؤمنين يا هؤلاء تريثوا لا تسرعوا إلى شئ لا تعرف عاقبته فإنا كنا قد عتبنا على هذا في شئ وإنه قد رجع عنه فارجعوا ، فقالوا هيهات يا أبا الحسن لا نقنع منه إلا بالإعتزال عن هذا الأمر ليقدم به من يوثق بإمامته . فرجع أمير المؤمنين إلى عثمان وأخبره بمقالتهم ، فخرج عثمان حتى أتى المنبر فخطب الناس وجعل يتكلم ويدعو إلى نصرته ودفاع القوم عنه ، فقام إليه عمرو بن العاص فقال :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 64 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يا عثمان إنك قد ركبت بالتهمة وقد ركبوها منك فتب إلى الله . فقال له عثمان : وإنك لهاهنا يا ابن النابغة ! ثم رفع يده إلى السماء وقال : أتوب إلى الله اللهم إني أتوب إليك ; فأنفذ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) إلى القوم بما جرى من عثمان ، وما صار إليه من التوبة والإقلاع .
فساروا إلى المدينة بأجمعهم ، وسار إليهم عمرو بن معدي كرب في ناس كثيرين ، فجعل يحرض على عثمان ، ويذكر إثرته فقال :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] أما هلكنا ولا يبكي لنا أحد * قالت قريش ألا تلك المقادير
والحر في الصيف قد تدمي جوارحه * نعطي السوية مما أخلص الكير
نعطي السوية يوم الضرب قد علموا * ولا سوية إذ كانت دنانير
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] وانضم إليهم من المهاجرين طلحة والزبير ، وجمهور الأنصار على ذلك ، فخرج إليهم أمير المؤمنين ( عليه السلام ) فقال لهم : يا هؤلاء إتقوا الله ، ما لكم وللرجل أما رجع عما أنكرتموه ، أما تاب على المنبر توبة جهر بها ! ولم يزل ( عليه السلام ) يلطف بهم حتى سكنت فورتهم .
ثم سأله أهل مصر أن يلقاه في عزل عبد الله بن سعيد بن أبي سرح عنهم ، واقترح أهل الكوفة عزل سعيد بن العاص عنهم ، وسأل أهل النهروان أن يصرف ابن كريز عنهم ، ويعدل عما كان عليه من منكر الأفعال .
فدخل عليه أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ولم يزل ، حتى أعطاه ما أراد القوم من ذلك وبذل لهم العهود والأيمان .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 65 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فخرج أمير المؤمنين إلى القوم بما ضمنه له عثمان ولم يزل بهم حتى تفرقوا . فلما سار أهل مصر ببعض الطريق نظروا ، وإذا براكب على الطريق ، مسرع ، فلما دنا تأملوه فإذا هو غلام عثمان على ناقة من نوقه ، فاسترابوا به فقالوا له : أين تذهب ؟ فقال : بعثني عثمان في حاجة له . قالوا : إلى أين بعثك ؟ فأُرْتِجَ عليه وتلعثم في كلامه ، فنهروه وزبروه فقال : أنفذني إلى مصر . فقالوا : فيمَ أنفذك ؟ قال : لا علم لي . فزاد استرابهم فيه ، ففتشوه فلم يجدوا معه شيئاً ، فأخذوا أدواته ففتشوها وإذا فيها كتاب من عثمان إلى عبد الله بن أبي سرح ، وهو : إذا أتاك كتابي هذا فاضرب عنق عمرو بن بديل وعبد الرحمن البكري ، واقطع أيدي وأرجل علقمة وكنانة وعروة ، ثم دعهم يتشحطون في دمائهم ، فإذا ماتوا فأوقفهم على جذوع النخل !
فلما رأوا ذلك قبضوا على الغلام وعادوا إلى المدينة ، فاستأذنوا على علي بن أبي طالب ودفعوا إليه الكتاب ففزع ( عليه السلام ) لذلك ، فدخل على عثمان فقال : إنك وسطتني أمراً بذلت الجهد فيه لك وفي نصيحتك ، واستوهبت لك من القوم . فقال عثمان : فماذا ؟ فأخرج إليه الكتاب ففضه وقرأه فأنكره ، فقال له عليٌّ : أتعرف الخط ؟ قال : الخط يتشابه . قال : أتعرف الختم ؟ قال : الختم ينقش عليه . قال : فهذا البعير الذي على باب دارك تعرفه ؟ قال : هو بعيري ولم آمر أحداً ولا يركبونه . قال : فغلامك من أنفذه ؟ قال : أنفذ بغير أمري .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 66 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فقاله له أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : أما أنا فمعتزلك وشأنك وأصحابك ، وخرج من عنده ودخل داره وأغلق عليه بابه ، ولم يأذن لأحد من القوم في الوصول إليه . وخرج إليهم طلحة والزبير وقالا لهم : قد اعتزل علي بن أبي طالب وانتدبنا معكم على هذا الرجل فاجتمع القوم على حصره . فلما علم أن القوم قد حصروه وحقق العزيمة على خلعه ، كتب إلى معاوية يستدعيه بجنود الشام ، وكتب إلى عبد الله بن عامر يستدعيه بجنود البصرة وفارس ، لينتصر بهم ويدفعهم عن نفسه .
وعرف أهل مصر وأهل العراق والحجاز إنه قد استفز عليهم أهل الشام ، وشيعته من أهل البصرة وفارس وخوزستان ، فجدوا في حصاره ، وتولى ذلك منه طلحة والزبير ومنعاه الماء وضيقا عليه ! وكان طلحة على حرس الدار ، يمنع كل أحد يدخل إليه شيئاً من الطعام والشراب ، ويمنع من في الدار أن يخرج عنها إلى غيرها .
فصلٌ : فهل يخفى على عاقل براءة أمير المؤمنين ( عليه السلام ) مما قرفوه به ناكثوا عهده من التأليب على عثمان والسعي في دمه ، مع ما رويناه من الحديث عمن سميناه ، أم هل يرتاب عاقل فيما فعله طلحة والزبير ، فيما تولياه من حصر عثمان ، حتى آل ذلك إلى قتله ، وهما من بعده يقرفان علياً ( عليه السلام ) بما تولياه ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 67 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ويدعيان لأنفسهما البراءة بما صنعاه ، ويجعلان شبهتهما في استحلال قتاله دعوى الباطل المعروف بهتاناً ممن ادعاه .
وهذا يكشف أن الأمر فيما ادعياه وأظهراه من الطلب بدم عثمان كان بخلافه على ما بيناه مما جاءت به الأخبار فيما تولاه طلحة والزبير في عثمان ، ما رواه أبو إسحاق جبلة بن زفر قال : رأيت طلحة والزبير يرفلان في أدراعهما في عثمان ، ثم جاءا من بعد إلى علي فبايعاه طايعين غير مكرهين ، ثم صنعا ما صنعا .
وروى أبو حذيفة القرشي عن الحصين بن عبد الرحمان عن عمرو بن جاران عن الأحنف بن قيس قال : قدمت المدينة ، وساق حديثاً طويلاً من أمر عثمان ، إلى أن قال : لما لقيت الفتنة والناس قد اجتمعوا على حصر عثمان وهو على خطر ، فأتيت طلحة والزبير فقلت لهما : ما أرى هذا الرجل إلا مقتولاً ، فمن تأمراني أن أبايع وترضونه لي ؟ فقالا : علياً . فخرجت حتى أتيت مكة وبها عائشة ، فدخلت عليها فقلت : إني لأحسب هذا الرجل مقتولاً ، فمن تأمريني أن أبايع ؟ فقالت : بايع علياً . فقضيت حجتي ثم مررت بالمدينة وقد قتل عثمان ، فبايعت علياً ، ثم عدت إلى البصرة ، فإذا عائشة وطلحة والزبير قد جاؤونا يطلبون بدم عثمان ويأمروننا بقتال علي بن أبي طالب ، فطال تعجبي من ذلك » !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 68 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي نهج البلاغة : 2 / 233 : « ومن كلام له ( عليه السلام ) قاله لعبد الله بن عباس وقد جاءه برسالة من عثمان وهو محصور ، يسأله فيها الخروج إلى ماله بينبع ، ليقلَّ هتف الناس باسمه للخلافة :
يا ابن عباس ما يريد عثمان إلا أن يجعلني جملاً ناضحاً بالغرب أقبل وأدبر ! بعث إليَّ أن أخرج ، ثم بعث إليَّ أن أقدم ، ثم هو الآن يبعث إليَّ أن أخرج . والله لقد دفعت عنه حتى خشيت أن أكون آثماً » .
وذهب علي ( عليه السلام ) الى ينبع ، فاشتد الحصار على عثمان فكتب اليه كما في مجمع الأمثال للميداني ( 1 / 114 ) : « أما بعد فإن السيل قد بلغ الزبى ، وجاوز الحزام الطبيين ، وتجاوز الأمر بي قدره ، وطمع فيَّ من لا يدفع عن نفسه ، ورأيت القوم لا يقصرون دون دمي :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] فإن كنتُ مأكولاً فكن أنتَ آكلي * وإلا فأدركني ولمَّا أُمَزَّقِ » .
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ]

تظاهرة المهاجرين والأنصار يهتفون باسم علي ( عليه السلام )

وجاء علي فوجد عثمان قد قتل : « وجاء الناس كلهم يهرعون إلى علٍّي ( عليه السلام ) حتى دخلوا عليه داره فقالوا له : نبايعك فمُدَّ يدك فلا بد من أمير . فقال علي : ليس ذلك إليكم ، إنما ذلك لأهل بدر ، فمن رضي به أهل بدر فهو خليفة ، فلم يبق أحد من أهل بدر إلا أتى علياً فقالوا : ما نرى أحداً أحق
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 69 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بها منك ، مد يدك نبايعك فقال : أين طلحة والزبير ؟ فكان أول من بايعه طلحة بلسانه وسعد بيده ، فلما رأى ذلك علي خرج إلى المسجد فصعد المنبر فكان أول من صعد إليه طلحة فبايعه بيده ، ثم بايعه الزبير وسعد وأصحاب النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، ثم نزل فدعا الناس ، وطلب مروان فهرب منه وطلب نفراً من ولد مروان وبني أبي معيط ، فهربوا منه .
وخرجت عائشة ( في مكة ) باكية تقول : قتل عثمان ، وجاء علي إلى امرأة عثمان فقال لها : من قتل عثمان ؟ قالت : لا أدري ، دخل عليه رجلان لا أعرفهما إلا أن أرى وجوههما ، وكان معهما محمد بن أبي بكر . وأخبرت علياً والناس ما صنع محمد ، فدعا علي محمداً فسأله عما ذكرت امرأة عثمان فقال : محمد لم تكذب ، قد والله دخلت عليه وأنا أريد قتله فذكر لي أبي فقمت عنه وأنا تائب إلى الله تعالى ، والله ما قتلته ، ولا أمسكته . فقالت : امرأته صدق ، ولكنه أدخلهما » . ( تاريخ دمشق : 39 / 419 ، وأسد الغابة : 4 / 32 ، وتاريخ الذهبي : 3 / 460 ) .
وقد وصف علي ( عليه السلام ) بيعة الناس له ، كما في نهج البلاغة : 1 / 37 ، فقال : ( فيا لله وللشورى ، متى اعترض الريب في مع الأول منهم حتى صرت أقرن إلى هذه النظائر . لكني أسففت إذ أسفوا وطرت إذ طاروا ! فصغى رجل منهم لضغنه ، ومال الآخر لصهره ، مع هنٍ وهن . إلى أن قام ثالث القوم ، نافجاً حضنيه بين
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 70 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
نثيله ومعتلفه ، وقام معه بنو أبيه يخضمون مال الله خضم الإبل نبتة الربيع ! إلى أن انتكث فتله ، وأجهز عليه عمله ، وكبت به بطنته !
فما راعني إلا والناس كعرف الضبع إليَّ ، ينثالون علي من كل جانب حتى لقد شُق عطفاي ، مجتمعين حولي كربيضة الغنم .
فلما نهضت بالأمر نكثت طائفة ، ومرقت أخرى وقسط آخرون .
كأنهم لم يسمعوا كلام الله حيث يقول : تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ . بلى والله لقد سمعوها ووعوها ، ولكنهم حليت الدنيا في أعينهم ، وراقهم زبرجها . أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ، لولا حضور الحاضر ، وقيام الحجة بوجود الناصر ، وما أخذ الله على العلماء أن لا يقاروا على كظة ظالم ولا سغب مظلوم ، لألقيت حبلها على غاربها ، ولسقيت آخرها بكأس أولها ، ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز ) !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 71 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الثالث : مصر في عهد أميرالمؤمنين علي ( عليه السلام )

اهتمام علي ( عليه السلام ) بمصر

تناسبَ اهتمامُ أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) بمصر مع رأيه الإيجابي فيها ، وقد تقدم حديثه ( عليه السلام ) في تفضيل مصر وأهلها على الشام .
فقد ولَّى عليها قيس بن سعد بن عبادة زعيم الأنصار ، فبايعه أهلها لعلي ، إلا شرذمة كانت متعصبة لعثمان وبني أميه ، فأمره الإمام ( عليه السلام ) أن يُلزمهم بالطاعة أويقاتلهم ، فلم يفعل قيس وتهاون معهم ، حتى أمدهم معاوية فتكاثروا وقووا ، فعزل الإمام قيساً ، وولى مكانه محمد بن أبي بكر ، ولعله بطلب المصريين ، وكان أهل مصر يحبونه .
وكتب الإمام ( عليه السلام ) عدة رسائل الى عامله محمد وأهل مصر ، كما كتب رسائل لمحمد في سياسته المالية والإجتماعية .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 72 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وكتب لأهل مصر رسالة مع مالك الأشتر لما بعثه والياً ، وكتب له عهداً مفصلاً ، وهو برنامج عمل شامل لكل حاكم ، في سلوكه الشخصي ، وعمله السياسي ، والإداري .

مصر عند مقتل عثمان وخلافة علي ( عليه السلام )

في الإصابة ( 6 / 10 ) : ( فلما علم بذلك ( بمقتل عثمان ) من امتنع من مبايعة بن أبي حذيفة ، اجتمعوا وتبايعوا على الطب بدمه ، فسار بهم معاوية بن حديج إلى الصعيد ، فأرسل إليهم بن أبي حذيفة جيشاً آخر فالتقوا ، فقتل قائد الجيش .
ثم كان من مسير معاوية بن أبي سفيان إلى مصر ، لما أراد المسير إلى صفين ، فرأى ألا يترك أهل مصر مع ابن أبي حذيفة خلفه ، فسار إليهم في عسكر كثيف ، فخرج إليهم بن أبي حذيفة في أهل مصر فمنعوه من دخول الفسطاط ، فأرسل إليهم إنا لا نريد قتال أحد وإنما نطلب قتلة عثمان ، فدار الكلام بينهم في الموادعة .
واستخلف بن أبي حذيفة على مصر الحكم بن الصلت بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف ، وخرج مع جماعة منهم عبد الرحمن بن عديس وكنانة بن بشر وأبو شمر بن أبرهة بن الصباح ، فلما بلغوا به غدر بهم عسكر معاوية ، وسجنوهم إلى أن قتلوا بعد ذلك .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 73 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وذكر أبو أحمد الحاكم ، أن محمد بن أبي حذيفة لما ضبط مصر وأراد معاوية الخروج إلى صفين بدأ بمصر أولاً ، فقاتله محمد بن أبي حذيفة بالعريش إلى أن تصالحا ، وطلب منه معاوية ناساً يكونون تحت يده رهناً ليأمن جانبهم إذا خرج إلى صفين ، فأخرج محمد رهناً عدتهم ثلاثون نفساً فأحيط بهم وهو فيهم فسجنوا ، وقال أبو أحمد الحاكم : خدع معاوية محمد بن أبي حذيفة حتى خرج إلى العريش في ثلاثين نفساً ، فحاصره ونصب عليه المنجنيق حتى نزل على صلح ، فحبس ثم قتل . . . فسجن ابن أبي حذيفة ومن معه في سجن دمشق ، وسجن بن عديس والباقين في سجن بعلبك » .
أقول : حكم محمد بن أبي حذيفة مصر شهوراً قبل مقتل عثمان ، وفي أول خلافة علي ( عليه السلام ) حتى جاء والي مصر قيس بن عبادة .
ثم انقطعت أخبار محمد ، فلم يرد له ذكر مع قيس ، والمرجح أنه خرج من مصر ليلتحق بعلي ( عليه السلام ) فنصب له معاوية كميناً وقبض عليه وحبسه في الشام حتى لا ينصر علياً ( عليه السلام ) ، وروي أن زوجة معاوية كانت ترسل له طعاماً الى السجن ، ثم تمكن من الفرار من السجن ، فأرسل معاوية من قبض عليه وقتله رضي الله عنه .
وقد وردت أخبار متضاربة في شهادة محمد رضي الله عنه ، منها ما رأيت من أن معاوية غزا مصر بجيش مع عمرو العاص ، فخرج اليه محمد ومنعه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 74 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
من دخولها ، فاتفق معه أن يخرج منها جماعة شاركوا في قتل عثمان ، أو يخشى منهم معاوية على الشام ، فقبل محمد بذلك ، وكان هو في الرهن ! فحبسه معاوية في الشام وحبس الباقين في بعلبك . لكن ابن أبي حذيفة لم يكن بهذه السذاجة وهذا الضعف الذي زعموه ، فالأرجح أنه كان مسافراً مع عدة من أصحابه ليلتحقوا بعلي ( عليه السلام ) فكمن لهم معاوية وأسرهم .
قال في تاريخ دمشق : 50 / 258 : « قال فحدثنا الوليد بن مسلم حدثنا عبد الله بن لهيعة الحضرمي عن يزيد بن أبي حبيب قال ثم تواقع معاوية بن حديج وجيش بعثهم إليه محمد بن أبي حذيفة ، عليهم قيس بن حرمل اللخمي ، ويقول آخرون كان عليهم يومئذ رجل من بلي يقال له ابن الحثما ، فاقتتلوا بخربتا في أول يوم من شهر رمضان سنة ست وثلاثين ، فقتل قيس بن الحرمل وابن الحثما وأصحابهما ، وخرج أصحاب ابن حديج وابن حديج حتى صرع في القتلى ، فجنح عليه ابن أخيه عبيد الله بن عبد الله بن حديج ، فأكب عليه يقول لحمي يحمي لحمك ، وتناول الراية قيس بن سفيان الأزدي فقال : أنا معاوية بن حديج . وكان على مجنبة معاوية يومئذ خيار بن مرثد الأبدوي ، ودرع بن الحارث الخولاني ، وكان عدة من مع معاوية بن حديج يومئذ ممن تابعه في . . . قيس بن حبشي ألف ومائة سوى أهل خربتا من بني مدلج كانوا معه لما غشيهم معاوية بن حديج حين خرج إليهم من
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 75 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ناحية الصعيد ، فقال : إن كنتم تريدون نصرة بني مدلح فألصقوا برحالهم عند حلولكم بهم ففعلوا ذلك ، فقالت بنو مدلج : تزحزحوا عنا فإن أيدينا مع أيديكم ، فأبوا عليهم ثم إنهم ساروا إلى أنطابلس . قال : وقدم معاوية بن أبي سفيان في سنة ست وثلاثين ، فنزل عين شمس وكان على مجنبة محمد بن أبي حذيفة أبوعريب البلوي ، وعلى اليسرى عزيز بن فارع الأصبحي ، فمنعوا معاوية وأصحابه أن يدخلوا الفسطاط ، فلما رأى معاوية أنه لا يستطيع الدخول كتب إلى محمد بن أبي حذيفة إنا لا نريد قتال أحد من المسلمين ، إنما جئنا نسأل القود بعثمان ، إدفعوا إلينا قاتله ابن عديس وكنانة بن بشر وهما رأس القوم ، وأمر معاوية عمراً أن يكتب إلى ابن أبي حذيفة بمثل ذلك فكتب عمرو . فكتب محمد بن أبي حذيفة : إني لم أكن لأقيد بعثمان جدياً أرطب السرة ، وأمر بصحيفة أخرى فطويت ليس في جوفها شئ وكتب عنوانها : من محمد بن أبي حذيفة إلى عمرو بن العاص ، فلما فضها عمرو بن العاص لم ير فيها شيئاً ، فقال له معاوية : ما كتب إليك ابن أبي حذيفة ؟ قال : زعم أني لست شيئاً ، سيعلم أينا يدحض في بول أمه ! فقال معاوية لابن أبي حذيفة : إجعلوا بيننا وبينكم رهناً منا ومنكم ، لا يكون بيننا وبينكم حرب حتى يستخلف الله ويجمع الأمة على من يشاء ، فقال ابن أبي حذيفة : فإني أرضى بذلك على أني أستخلف على جدني وانطلق
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 76 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مع الرهن وكان ذلك منه جبناً . فقال معاوية عند ذلك واغتنم قول ابن أبي حذيفة فمن تستخلف ؟ قال : أستخلف أمية بن شييم . قال معاوية : كلا . قال : فإذ كرهت فإني أستخلف الحكم بن الصلت . فقال معاوية : نعم ، فانطلق ابن أبي حذيفة مع معاوية حتى دخل بهم الشام ففرقهم نصفين ، فسجن ابن أبي حذيفة ومن معه في سجن دمشق وسجن ابن عديس والنصف الثاني في سجن بعلبك .
قال : فبينا معاوية في مسيره ذلك جاءه بريد فأخبره أن قيس بن عدي اللخمي ثم الراشدي صاحب مصر ، قد أغار على خيل حتى بلغ فلسطين ، ثم جاءه آخر فأخبره أن محمد بن أبي حذيفة قد خرج من السجن ، ثم جاءه آخر فأخبره أن ابن عديس وأصحابه قد خرجوا من السجن ، فكان رأس القوم بعد ابن أبي حذيفة عبد الرحمن بن عديس وكنانة بن بشر .
ثم جاءه بريد آخر فأخبره أن ابن هرقل قد نزل الدرب ، ثم جاءه بريد آخر فأخبره أن علي بن أبي طالب قد شارق !
جاءته خمسة برد في ليلة واحدة ، فأرسل معاوية إلى عمرو بن العاص ما ترى في خمسة أمور شتى في ليلة واحدة ما منها أمر إلا يهدُّ المريَّ ذا القوى . فقال : وما هن فأخبره الخبر ، فقال : أما قيس بن عدي فإنما هو سارق ولن يضر أحداً ، وأما ابن عديس وأصحابه فإنهم قد خرجوا من سجن الناس
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 77 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إلى سجن الله ، فابعث إلي سفيان الأزدي صاحب بعلبك فيبعث لمن خرج منهم من سجن بعلبك الرصد ، فإنهم لن يعجزوا الله . وابعث إلى أبي راشد صاحب فلسطين يبعث بمن عرج منهم إلى أرضه ، فبعث أبو راشد عمرو بن عبد الله الخثعمي في طلب الرهن .
قال : فخرجت نبطية من أنباط فلسطين تطلب حماراً ، فاتبعت الحمار حتى وصل إلى غار فرأت محمد بن أبي حذيفة وأصحابه في الغار ، وكانوا يسيرون الليل ويكمنون النهار ، فدلت النبطية عليهم عمرو بن العاص فزعم من زعم أن ابن أبي حذيفة وكنانة بن بشر ، عرض عليهما أن يستبقيا فكرها ذلك ، فقتلوا » .
أقول : لا يمكن قبول مثل هذه الرواية ، لتهافتها ، فهي تفرض أن محمد بن أبي حذيفة انتصر على معاوية وابن العاص ، ومنعهما من دخول مصر ، ثم تقول إنه قبل أن يكون رهناً في أيديهما !
وتفرض أن غزو معاوية كان سنة ست وثلاثين قبل صفين ، وأن كنانة بن بشر كان مع الرهن ، مع أنه كان في سنة 38 قائد جيش محمد بن أبي بكر ، الذي قاوم غزو معاوية لمصر .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 78 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فالمرجح أن محمد بن أبي حذيفة ( رحمه الله ) خرج من مصر ليلتحق بعلي ( عليه السلام ) فنصب له معاوية كميناً وقبض عليه وحبسه ، ثم تمكن من الفرار من السجن ، فأرسل معاوية من قتله .
والمؤكد في هذه الفترة أن محمد بن أبي حذيفة رضي الله عنه ، حمى مصر من معاوية ، وخاض معركة مع جماعته في خربتا ، ومنعه من دخول مصر ، لكن قيس بن سعد غفر الله له قبل منهم أن لا يبايعوا علياً ( عليه السلام ) بل أعطاهم امتيازات فقووا ، وساعدهم معاوية فقادوا انقلاباً في مصر بعد معركة صفين وقتلوا واليها محمد بن أبي بكر رضي الله عنه ، قتلةً وحشية ، وسيطروا على مصر ! ( راجع : الأنساب للسمعاني : 1 / 396 ، والوافي للصفدي : 2 / 244 ، وتاريخ دمشق : 21 / 358 ، و : 35 / 111 ، و : 50 / 258 ) .

الخطأ الذريع الذي وقع فيه قيس بن سعد !

عندما تولى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) الخلافة كانت مصر بيد محمد بن أبي حذيفة ، فقد طرد أهلها وإليهم ابن أبي شرح وبايعوا محمداً .
وكان باستطاعة أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أن يقره والياً عليها ، وكان محمد شيعياً متحمساً لعلي ( عليه السلام ) ، معادياً لعثمان ومعاوية ومن معهما من عشيرته بني أمية ، وكان عامة بني أمية مع عثمان ومعاوية ، عدا محمد هذا ، وعدا قسم من أولاد سعيد بن العاص ، أبي أحيحة .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 79 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لكن أن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) لم يعين محمد بن أبي حذيفة والياً ، وعيَّن قيس بن سعد بن عبادة ، فما هو السبب ؟
الذي أرجحه أن الأنصار ، الذين لاقوا إجحافاً في زمن أبي بكر وعمر وعثمان ، طالبوا الإمام بحكم مصر فعيَّن رئيسهم والياً عليها .
وقد يكون الإمام ( عليه السلام ) استدعى ابن أبي حذيفة إلى المدينة ، أو جاء هو من نفسه ، فوقع في قبضة معاوية ، فكان أول خسارة لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، لأنه مؤمن جريئ ، قوي العين على ابن عمته معاوية ، يستصغره ولا يحترمه .
وذهب قيس إلى مصر فبايعه أهلها ، ما عدا بقايا النظام الذين كانوا في قرية « خربتا » في الصعيد ، وكان يرأسهم شخصان من أخبث الناس وأسفكهم للدماء : معاوية بن حديج السكوني ، وبسر بن أبي أرطاة ، وكان محمد بن أبي حذيفة ( رحمه الله ) حبسهما في بيتيهما ، ومنعهما من الخروج ، حتى لا يفسدا مصر ، ( تاريخ دمشق : 39 / 423 ) فأطلقهما قيس ، فاتخذا قرية خَرَبْتَا قاعدة لهما !
وقد اشترطا على قيس للبيعة أن يعلن علي ( عليه السلام ) الطلب بدم عثمان ، أي يقاتل الجيش الذي حاصر عثمان ، ومن ساعدهم من البصريين والكوفيين ، ومن حماهم من قبائل العرب وأهل الأمصار !
ومعناه أن يتصرف كأنه رئيس قبيلة بني أمية ، ويكون برنامج حكومته فتح الحرب على العرب ثأراً لعثمان !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 80 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال الطبري : 3 / 462 : « فافترق أهل مصر فرقاً : فرقة دخلت في الجماعة وكانوا معه ، وفرقة وقفت واعتزلت إلى خربتا وقالوا إن قتل قتلة عثمان فنحن معكم ، وإلا فنحن على جديلتنا حتى نُحرك أو نُصيب حاجتنا . وفرقة قالوا نحن مع علي ما لم يُقِدْ إخواننا . وهم في ذلك مع الجماعة » . انتهى .
أي ما لم يقتص من المشاركين في محاصرة عثمان .
وعندما رفض قيس بن سعد شروط أهل خربتا ، طلبوا منه أن يعفيهم من البيعة ، فأجابهم ، وصالحهم على ذلك .
وتصور قيس أنه حقق بذلك نصراً وكف عنه عدواً ، بينما كان عمله اعترافاً بوجود الخط الأموي في مصر ، فقواهم بذلك وحولوا القرية إلى معسكر يجمعون فيه الجنود ، لينقضُّوا على مصر في أول فرصة ! ولهذا فرح معاوية ، واعتبر أنه حقق أكبر نصر على قيس !
قال الطبري : 3 / 553 : « كان معاوية يحدث رجالاً من ذوي الرأي من قريش يقول : ما ابتدعت مكايدة قط كانت أعجب عندي من مكايدة كدت بها قيساً من قبل علي وهو بالعراق حين امتنع مني قيس . قلت لأهل الشام : لا تسبوا قيس بن سعد ، ولا تدعوا إلى غزوه ، فإنه لنا شيعة يأتينا كيس نصيحته سراً ، ألا ترون ما يفعل بإخوانكم الذين عنده من أهل خربتا ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 81 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يُجرى عليهم أعطياتهم وأرزاقهم ، ويؤمِّن سِرْبهم ، ويحسن إلى كل راكب قدم عليه منكم ، لا يستنكرونه في شئ » !
وهكذا تبنى قيس بسذاجته الأنصارية ، رعاية قاعدة عسكرية موالية لمعاوية يتجمع فيها المعادون له ولعلي ( عليه السلام ) في مصر ، وقاعدة دعاية أموية .
وقد حاول أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أن يفهِّم قيساً خطورة ما أقدم عليه ، لكن بساطة قيس وعدم وعيه لعصمة الإمام ( عليه السلام ) ، منعاه من فهم الأمر ، فأصرَّ على موقفه ، بل خَطَّأ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) .
واستغل معاوية الوضع وأخذ يرسل إلى قاعدته أموالاً وقادة ومبلغين ليكسبوا له مؤيدين مصريين ، حتى صاروا مئاتٍ وآلافاً !
وكان أسوأ من أرسلهم معاوية : مسلمة بن مخلدة الأنصاري ، وهو ثاني اثنين من الأنصار كانا مع معاوية ، ولم يكن معه غيرهما .
ومسلمة هذا وزميله النعمان بن بشير ، من صبيان الأنصار من عوائل عادية جداً ، وُلدا بعد هجرة النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وكانا من خدم عثمان ومروان ، وتربيا على حب بني أمية وبغض علي ( عليه السلام ) والعترة النبوية !
ولما وصل مسلمة إلى مصر أعلن شعار الطلب بدم عثمان ، فغضب قيس ، فطمأنه مسلمة بأنك ما دمت أنت والياً ، فلا أثور عليك !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 82 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ففرح قيس بحيلة مسلمة ، ورفض تطبيق أمر علي ( عليه السلام ) أن يجتث بؤرة الفساد ، بل ذهب قيس بعيداً فقال : إن سلطاناً لا يتم إلا بقتل مسلمة بن مخلد لسلطان سوء ، والله ما أحب أن لي سلطان الشام مع سلطان مصر وإني قتلت ابن مخلد ! كل ذلك لأن ابن مخلد أنصاري نسباً !
لكن دارت الأيام وأدرك قيس خطأه في ترك ابن حديج ومسلمة ، فقد كان قيس قائداً مع علي ( عليه السلام ) في صفين والتقى بين المعسكرين مع النعمان بن بشير وكان قائداً مع معاوية ، فقال له قيس ، كما في فتوح ابن الأعثم ( 3 / 167 ) : « ولكن انظر يا نعمان هل ترى مع معاوية إلا طليقاً وأحزابياً ! وانظر أين المهاجرون والأنصار ، وأين التابعون بإحسان الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه ، وانظر هل ترى مع معاوية غيرك وغير صويحبك مسلمة بن مخلد ، والله ما أنتما بدريين ولا عقبيين ولا لكما في الإسلام سابقة ، ولئن شغبت علينا اليوم فقد شغب علينا أبوك من قبلك في سقيفة بني ساعدة ، فاعزب عني قبحك الله من ابن عم ، وقبح ما جئت به !
قال : فانصرف النعمان بن بشير إلى عسكره وهو يقول : لقد كنت غنياً عن كلامك يا ابن سعد بن عبادة » !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 83 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لكن ندم قيس كان بعد فوات الأوان ، وبعد أن رعا تكوين سرطان الأمويين في مصر ، فثاروا على خلفه محمد بن أبي بكر ، وقتلوا سلفه محمد بن أبي حذيفة ، ثم قتلوا مالك الأشتر ، الذي سارع لنجدة مصر قبل أن يذبحها الأمويون !
ثم تسلط عمرو العاص والأمويون مجدداً على مصر ، وجعلوها مفتوحة عُنوة ، يحق لهم تملك أهلها وأرضها ، فكان شعار ولاتهم كما في النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة : 1 / 231 : ( إحلب الدرَّ حتى ينقطع ، واحلب الدم حتى ينصرم ) !

نقاط عن شخصية قيس بن سعد بن عبادة رضي الله عنه

1 . قال الثقفي في الغارات : 1 / 205 : ( لما قُتل عثمان ووليَ علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) دعا قيس بن سعد فقال : سرْ إلى مصر فقد وليتكها ، وأخرج إلى رحلك فاجمع فيه من ثقاتك من أحببت أن يصحبك ، حتى تأتيها ومعك جند ، فإن ذلك أرهب لعدوك وأعز لوليك .
فإذا أنت قدمتها إن شاء الله ، فأحسن إلى المحسن واشتدَّ على المريب ، وارفق بالخاصة والعامة ، فإن الرِّفْقَ يُمْنٌ .
فقال له قيس بن سعد : رحمك الله يا أمير المؤمنين ، قد فهمت ما ذكرت ، أما قولك أخرج إليها بجند ، فوالله إن لم أدخلها بجند آتيها به من المدينة لا أدخلها أبداً ، فإذا أدع ذلك الجند لك ، فإن احتجت إليهم كانوا منك قريباً وإن أردت بعثهم إلى وجه من وجوهك كانوا عدة لك ، ولكني أسير إليها
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 84 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بنفسي وأهل بيتي . وأما ما أوصيتني به من الرفق والإحسان ، فإن الله تعالى هو المستعان على ذلك .
قال : فخرج قيس بن سعد في سبع نفر من أصحابه ، حتى دخل مصر فصعد المنبر ، فأمر بكتاب معه فقرئ على الناس ، فيه :
بسم الله الرحمن الرحيم . من عبد الله علي أمير المؤمنين ، إلى من بلغه كتابي هذا من المسلمين ، سلام عليكم ، فإني أحمد الله إليكم الذي لا إله إلا هو . أما بعد ، فإن الله بحسن صنعه وتقديره وتدبيره اختار الإسلام ديناً لنفسه وملائكته ورسله ، وبعث به الرسل إلى عباده ، وخص من انتجب من خلقه ، فكان مما أكرم الله عز وجل به هذه الأمة وخصهم من الفضيلة أن بعث محمداً ( صلى الله عليه وآله ) إليهم ، فعلمهم الكتاب والحكمة والسنة والفرائض ، وأدَّبهم لكيما يهتدوا ، وجمعهم لكيما لا يتفرقوا ، وزكاهم لكيما يتطهروا ، فلما قضى من ذلك ما عليه قبضه الله إليه ، فعليه صلوات الله وسلامه ورحمته ورضوانه إنه حميد مجيد . . ألا وإن لكم علينا العمل بكتاب الله وسنة رسوله ( صلى الله عليه وآله ) والقيام بحقه والنصح لكم بالغيب ، والله المستعان وحسبنا الله ونعم الوكيل . وقد بعثت إليكم قيس بن سعد أميراً فوازروه وأعينوه على الحق ، وقد أمرته بالإحسان إلى محسنكم ، والشدة على مريبكم ، والرفق بعوامكم وخواصكم .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 85 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وهو ممن أرضى هديه ، وأرجو صلاحه ونصيحته ، نسأل الله لنا ولكم عملاً زاكياً ، وثواباً جزيلاً ، ورحمةً واسعة . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته . وكتب عبيد الله بن أبي رافع في صفر سنة ست وثلاثين .
قال : لما فرغ من قراءة الكتاب قام قيس بن سعد خطيباً ، فحمد الله وأثنى عليه وقال : الحمد لله الذي أمات الباطل وأحيا الحق وكبت الظالمين ، أيها الناس : إنا بايعنا خير من نعلم بعد نبينا ( صلى الله عليه وآله ) فقوموا فبايعوا على كتاب الله وسنة نبيه ، فإن نحن لم نعمل فيكم بكتاب الله وسنة رسوله ، فلا بيعة لنا عليكم . فقام الناس فبايعوا .
2 . واستقامت له مصر وأعمالها فبعث عليها عماله إلا أن قرية منها قد أعظم أهلها قتل عثمان ، وبها رجل من بني كنانة يقال له يزيد بن الحارث ، فبعث إلى قيس بن سعد : ألا إنا لا نأتيك فابعث عمالك والأرض أرضك ، ولكن أقرنا على حالنا حتى ننظر إلى ما يصير أمر الناس .
قال : ووثب مسلمة بن مخلد بن صامت الأنصاري ، فنعى عثمان ودعا إلى الطلب بدمه ، فأرسل إليه قيس : ويحك أعليَّ تثب ! والله ما أحب أن لي ملك الشام إلى مصر وإني قتلتك ، فاحقن دمك .
فأرسل إليه مسلمة أني كافٌّ عنك ، ما دمت أنت والي مصر .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 86 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال : وكان قيس له حزم ورأي ، فبعث إلى الذين اعتزلوا أني لا أكرهكم على البيعة ، ولكني أدعكم وأكف عنكم ، فهادنهم وهادن مسلمة بن مخلد ، وجبى الخراج ، وليس أحدٌ ينازعه .
3 . قال : وخرج أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) إلى الجمل وهو على مصر ، ورجع إلى الكوفة من البصرة وهو بمكانه ، فكان أثقل خلق الله على معاوية لقربه من الشام ، مخافة أن يُقبل إليه علي بأهل العراق ويُقبل إليه قيس بأهل مصر فيقع بينهما . فكتب معاوية إلى قيس بن سعد ، وعلي يومئذ بالكوفة قبل أن يسير إلى صفين : بسم الله الرحمن الرحيم ، من معاوية بن أبي سفيان إلى قيس بن سعد ، سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو ، أما بعد فإنكم إن كنتم نقمتم على عثمان في أثرة رأيتموها ، أو في ضربة سوط رأيتموه ضربها ، أو في شتمة رجل أو تعييره واحداً ، أو في استعماله الفتيان من أهله فإنكم قد علمتم إن كنتم تعلمون أن دمه لم يحل لكم بذلك ، فقد ركبتم عظيماً من الأمر وجئتم شيئاً إداً ، فتب إلى ربك يا قيس إن كنت من المجلبين على عثمان ، إن كانت التوبة من قتل المؤمن تغني شيئاً .
وأما صاحبك فإنا قد استيقنا أنه أغرى الناس به ، وحملهم على قتله حتى قتلوه ، وأنه لم يسلم من دمه عظم قومك ، فإن استطعت يا قيس أن تكون ممن يطلب بدم عثمان فافعل ، وبايعنا على أمرنا هذا ولك سلطان العراقين
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 87 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إن أنا ظفرت ما بقيت ، ولمن أحببت من أهل بيتك سلطان الحجاز ما دام لي سلطان ، وسلني من غير هذا ما تحب فإنك لا تسألني من شئ إلا أوتيته ، واكتب إلي برأيك فيما كتبت به إليك . والسلام .
فلما جاء قيساً كتاب معاوية ، أحب أن يدافعه ، ولا يبدي له أمره ، ولا يعجل له حربه . فكتب إليه : أما بعد فقد وصل إلى كتابك ، وفهمت ما ذكرت من قتل عثمان ، وذلك أمر لم أقاربه ، وذكرت أن صاحبي هو الذي أغرى الناس بعثمان ودسهم إليه حتى قتلوه ، وهذا أمر لم أطلع عليه ، وذكرت أن عظم عشيرتي لم تسلم من دم عثمان ، فلعمري إن أولى الناس كان في أمره عشيرتي .
وأما ما سألتني من متابعتك على الطلب بدمه وعرضت عليَّ ما عرضت فقد فهمته ، وهذا أمر لي فيه نظر وفكر ، وليس هذا مما يعجل إليه ، وأنا كافٌّ عنك ، وليس يأتيك من قبلي شئ تكرهه حتى ترى ونرى ، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته .
قال : فلما قرأ معاوية كتابه لم يره إلا مقارباً مباعداً ، ولم يأمن أن يكون له في ذلك مخادعاً مكايداً ، فكتب إليه معاوية أيضاً :
بسم الله الرحمن الرحيم . أما بعد فقد قرأت كتابك ، فلم أرك تدنو فأعدك سلماً ، ولم أرك تتباعد فأعدك حرباً ، أنت هاهنا كجمل جرور ، وليس مثلي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 88 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
من يصانع بالخدائع ولا يختدع بالمكايد ، ومعه عدد الرجال وأعنة الخيل ، فإن قبلت الذي عرضت عليك فلك ما أعطيتك ، وإن أنت لم تفعل ، ملأت عليك مصر خيلاً ورجلاً . والسلام .
قال : فلما قرأ قيس بن سعد كتاب معاوية ، وعلم أنه لا يقبل منه المدافعة والمطاولة ، أظهر له ما في قلبه فكتب إليه :
بسم الله الرحمن الرحيم . من قيس بن سعد إلى معاوية بن أبي سفيان : أما بعد فالعجب من استسقاطك رأيي ، واغترارك بي ، وطمعك في أن تسومني لا أباً لغيرك ، الخروج من طاعة أولى الناس بالأمر ، وأقولهم بالحق ، وأهداهم سبيلاً ، وأقربهم من رسول الله وسيلة ، وتأمرني بالدخول في طاعتك طاعة أبعد الناس من هذا الأمر ، وأقولهم بالزور ، وأضلهم سبيلاً وأبعدهم من رسول الله وسيلة ، ولديك قوم ضالون مضلون ، طواغيت إبليس !
وأما قولك : إنك تملأ عليَّ مصر خيلاً ورجلاً ، فلئن لم أشغلك عن ذلك حتى تكون نفسك أهمَّ إليك ، إنك لذو جَدّ ، والسلام .
فلما أتى معاوية كتاب قيس بن سعد أيس منه ، وثقل مكانه عليه وكان أن يكون بالمكان الذي هو به غيره أعجب إليه ، واشتد على معاوية لما يعرف من بأسه ونجدته ، فأظهر للناس قبله أن قيساً قد بايعكم فادعوا الله له ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 89 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقرأ عليهم كتابه الذي لان فيه وقاربه ، واختلق معاوية كتاباً نسبه إلى قيس فقرأه على أهل الشام :
بسم الله الرحمن الرحيم . إلى الأمير معاوية بن أبي سفيان من قيس بن سعد ، أما بعد فإن قتل عثمان كان حدثاً في الإسلام عظيماً ، وقد نظرت لنفسي وديني لم أر يسعني مظاهرة قوم قتلوا إمامهم مسلماً محرماً براً تقياً ، ونستغفر الله لذنوبنا ، ونسأله العصمة لديننا .
ألا وإني قد ألقيت إليك بالسلم ، وأجبتك إلى قتال قتلة إمام الهدى المظلوم فعول عليَّ فيما أحببت من الأموال والرجال ، أعجله إليك إن شاء الله تعالى ، والسلام عليك .
3 . قال : فشاع في أهل الشام كلها أن قيساً صالح معاوية ، فسرحت عيون عليِّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) إليه بذلك ، فلما أتاه ذلك أعظمه وأكبره وتعجب له ، ودعا ابنيه الحسن والحسين وابنه محمداً ، ودعا عبد الله بن جعفر ، فأعلمهم بذلك وقال : ما رأيكم ؟ فقال عبد الله بن جعفر : يا أمير المؤمنين دع ما يريبك إلى ما لا يريبك إعزل قيس بن سعد عن مصر . فقال لهم : إني والله ما أصدق بهذا على قيس . فقال له عبد الله بن جعفر : إعزله يا أمير المؤمنين ، فوالله إن كان ما قد قيل حقاً ، لا يعتزلك إن عزلته .
قال : وإنهم لكذلك ، إذ أتاهم كتاب من قيس بن سعد فيه :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 90 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بسم الله الرحمن الرحيم . أما بعد فإني أخبر أمير المؤمنين أكرمه الله أن قبلي رجالاً معتزلين سألوني أن أكف عنهم ، وأن أدعهم على حالهم ، حتى يستقيم أمر الناس فنرى ويرون ، وقد رأيت أن أكف عنهم وألا أعجل ، وأن أتألفهم فيما بين ذلك ، لعل الله أن يقبل بقلوبهم ويفرقهم عن ضلالتهم إن شاء الله ، والسلام .
فقال له عبد الله بن جعفر : ما أخوفني يا أمير المؤمنين أن يكون هذا مما اتهم عليه ، إنك إن أطعته في تركهم واعتزالهم استشرى الأمر وتفاقمت الفتنة ، وقعد عن بيعتك كثير ممن تريده على الدخول فيها ، ولكن مره بقتالهم .
فكتب إليه علي ( عليه السلام ) : بسم الله الرحمن الرحيم ، أما بعد فسر إلى القوم الذين ذكرت ، فإن دخلوا فيما دخل فيه المسلمون ، وإلا فناجزهم . والسلام .
فلما أتى قيس بن سعد الكتاب فقرأه ، لم يتمالك أن كتب إلى أمير المؤمنين : أما بعد يا أمير المؤمنين ، فالعجب لك تأمرني بقتال قوم كافِّين عنك ، ولم يمدوا إليك يداً للفتنة ، ولا أرصدوا لها . فأطعني يا أمير المؤمنين وكفَّ عنهم ، فإن الرأي تركهم يا أمير المؤمنين . والسلام .
فلما أتاه هذا الكتاب قال له عبد الله بن جعفر : يا أمير المؤمنين ابعث محمد بن أبي بكر إلى مصر يكفك أمرها ، واعزل قيساً فوالله لبلغني أن قيساً يقول : إن سلطاناً لا يتم إلا بقتل مسلمة بن مخلد لسلطان سوء ! والله ما أحب أن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 91 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لي سلطان الشام مع سلطان مصر وإني قتلت ابن مخلد . وكان عبد الله بن جعفر أخاً لمحمد بن أبي بكر لأمه ، وكان يحب أن يكون له إمرة وسلطان .
4 . قال : فبعث علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) محمد بن أبي بكر إلى مصر ، وعزل قيساً ، وكتب معه إلى أهل مصر كتاباً ، فلما قدم على قيس قال له قيس : فما بال أمير المؤمنين ، ما غيَّرَهُ ، أدخل أحد بيني وبينه ؟ قال : لا وهذا السلطان سلطانك . وكان بينهما نسب ، إذ كانت تحت قيس قريبة بنت أبي قحافة أخت أبي بكر ، فكان قيس زوج عمته ، فقال قيس : لا والله لا أقيم معك ساعة واحدة ، وغضب حين عزله علي عنها فخرج منها مقبلاً إلى المدينة ، ولم يمض إلى علي بالكوفة . .
ثم أقبل قيس حتى دخل المدنية ، فجاءه حسان بن ثابت شامتاً به وكان عثمانياً فقال له : نزعك علي بن أبي طالب وقد قتلتَ عثمان فبقي عليك الإثم ولم يحسن لك الشكر !
فزجره قيس وقال له : يا أعمى القلب يا أعمى البصيرة ، والله لولا أن ألقى بين رهطي ورهطك حرباً لضربت عنقك ، أخرج عني !
ثم إن قيساً وسهل بن حنيف خرجا حتى قدما على علي ( عليه السلام ) الكوفة فخبره قيس الخبر وما كان بمصر ، فصدقه ، وشهد هو وسهل بن حنيف مع علي ( عليه السلام ) صفين .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 92 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وكان قيس بن سعد طوالاً أطول الناس وأمدهم قامة ، وكان سناطاً ، أصلع ، شيخاً ، شجاعاً ، مجرباً ، مناصحاً لعلي وولده ، حتى توفي » . والسناط : الكوسج الذي ليس له شعر لحية .
5 . وفي الغارات : 1 / 223 : ( وأتى المدينة فجعل الناس يغرُّونه ( ليبعدوه عن علي ( عليه السلام ) ) ويقولون له : نصحت فعزلك ، فلحق بعلي ( عليه السلام ) وبايعه ومعه اثنا عشر ألفاً على الموت . . عن هشام بن عروة عن أبيه قال : كان قيس بن سعد بن عبادة مع علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) على مقدمته ، ومعه خمسة آلاف ، قد حلقوا رؤوسهم » .
ملاحظات
1 . ينبغي التنبيه إلى أن التشيع لعلي ( عليه السلام ) كان بمستويين ، الأول : التشيع بالمعنى الخاص ، الاصطلاحي وهو اتباع علي ( عليه السلام ) لأنه إمام معصوم مفترض الطاعة من الله تعالى ، بنص النبي ( صلى الله عليه وآله ) .
وبهذا المعنى كان تشيع عمار بن ياسر ، وأبي ذر الغفاري ، والمقداد الكندي وحذيفة بن اليمان ، وسلمان الفارسي ، وخالد بن سعيد ، وعدد كبير من الصحابة . فكان هؤلاء يلتزمون بطاعة علي ( عليه السلام ) كطاعة النبي ( صلى الله عليه وآله ) حرفياً ونصياً .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 93 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والثاني : التشيع العام ، بالمعنى اللغوي ، وهو تأييد علي ( عليه السلام ) لأنه أولى بالخلافة من غيره من الصحابة .
وبهذا المعنى كان تشيع قيس بن سعد بن عبادة وعدد الصحابة ، فهم لا يرون فيه أنه معصوم ، ولذلك نرى قيساً يخالفه في التعامل مع العثمانية في مصر ، ويحاول إقناعه برأيه ! بينما لا يصدر ذلك من محمد بن أبي بكر أو الأشتر أو محمد بن أبي حذيفة ، لأنهم يعتقدون أن علياً إمام رباني مؤيد من الله تعالى ، فرأيه ليس اجتهاداً قابلاً للخطأ كغيره ، بل تكليف شرعي يجب تنفيذه .
2 . يبدو بالنظرة الأولى أن موقف قيس باستعمال الليونة مع الأموية المخالفين في مصر أصح من موقف أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بتخييرهم بين أن يبايعوا ويدخلوا فيما دخل فيه المسلمون ، وإلا فهم خارجون على الإمام الشرعي ، يجب قتالهم .
وقد ظهرت صحة رأي الإمام ( عليه السلام ) ، وأنهم كانوا خطراً على المصريين لأنهم يرفعون شعار الثأر لعثمان ويتهمون المصريين به ، ولأنهم بؤرة يضمون إليهم جنوداً من داخل مصر وخارجها ، ويمدهم معاوية .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 94 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ونلاحظ أنهم كانوا قرية صغيرة من بضع مئات ، فاستفادوا من لين قيس وإعطائهم كل مخصصات الجنود ، حتى كثروا أنفسهم ، وبلغوا عشرة آلاف مقاتل !
3 . حكم رواة السلطة بصواب رأي قيس في مهادنة جماعة معاوية ، وخطأ رأي علي ( عليه السلام ) في قتالهم ، واعتبروا أن قتل ابن أبي بكر وابن أبي حذيفة والأشتر ، كان بسبب إصرار علي ( عليه السلام ) على القتال !
قال الطبري : 3 / 553 : « فلما بلغ ذلك علياً اتهم قيساً ، وكتب إليه يأمره بقتال أهل خربتا ، وأهل خربتا يومئذ عشرة آلاف فأبى قيس بن سعد أن يقاتلهم وكتب إلي علي إنهم وجوه أهل مصر وأشرافهم وأهل الحفاظ منهم ، وقد رضوا مني أن أومن سربهم وأجرى عليهم أعطياتهم وأرزاقهم ، وقد علمت أن هواهم مع معاوية ، فلست مكايدهم بأمر أهون علي وعليك من الذي أفعل بهم ، ولو أني غزوتهم كانوا لي قرناً وهم أسود العرب ، ومنهم بسر بي أرطاة ومسلمة بن مخلد ومعاوية بن خديج ، فذرني فأنا أعلم بما أداري منهم . فأبى علي إلا قتالهم وأبى قيس أن يقاتلهم ، فكتب قيس إلى علي إن كنت تتهمني فاعزلني عن عملك ، وابعث إليه غيري .
فبعث علي الأشتر أميراً إلى مصر ، حتى إذا صار بالقلزم شرب شربة عسل كان فيها حتفه ، فبلغ ذلك معاوية وعمرو بن العاص ، فقال عمرو بن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 95 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
العاص : إن لله جنوداً من عسل ، فلما بلغت علياً وفاة الأشتر ، بعث محمد بن أبي بكر أميراً على مصر ، فلما حدث به قيس بن سعد قادماً أميراً عليه ، تلقاه فخلا به وناجاه وقال : إنك قد جئت من عند امرئ لا رأي له في الحرب ، وإنه ليس عزلكم إياي بمانعي أن أنصح لكم ، وإني من أمركم على بصيرة ، وإني أدلك على الذي كنت أكايد به معاوية وعمرو بن العاص وأهل خربتا فكايدهم به ، فإنك إن كايدتهم بغيره تهلك ، فوصف له قيس المكايدة التي كايدهم بها ، فاغتشه محمد بن أبي بكر ، وخالفه في كل شئ أمره به ، فلما قدم محمد بن أبي بكر مصر خرج قيس قبل المدينة ، فأخافه مروان والأسود بن أبي البختري ، حتى إذا خاف أن يؤخذ ويقتل ، ركب راحلته فظهر إلى علي ، فكتب معاوية إلى مروان والأسود بن أبي البختري يتغيظ عليهما ، ويقول : أمددتما علياً بقيس بن سعد ، وبرأيه ومكايدته ، فوالله لو أمددتماه بثمانية آلاف مقاتل ما كان ذلك بأغيظ لي من إخراجكما قيس بن سعد إلى علي .
فقدم قيس بن سعد إلى علي وباثَّه الحديث ، ثم جاءهم قتل محمد بن أبي بكر ، عرف علي أن قيس بن سعد كان يداري منهم أموراً عظاماً من المكايدة التي قصر عنها رأي علي ، ورأي من كان يؤازره على عزل قيس ، فأطاع علي قيساً في الأمر كله ، وجعله على مقدمة أهل العراق » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 96 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لكن الصحيح رأي علي ( عليه السلام ) ، لأنه كان يجب تخليص مصر من الوباء الأموي وإلزام جماعة معاوية ببيعته ، لكن قيساً أخطأ خطأً سبَّب تقوية الخوارج ، وما نتج عنه من قتل محمد بن أبي بكر وخسارة مصر .
كما أن الصحيح أن الحق مع علي ( عليه السلام ) في لومه محمد بن أبي بكر ( رحمه الله ) لفراره في الحرب ، مع أنه مدحه من جهات أخرى .
ففي الغارات : 1 / 301 : « عن مالك بن الجون الحضرمي أن علياً ( عليه السلام ) قال : رحم الله محمداً كان غلاماً حدثاً ، أما والله لقد كنت أردت أن أولي المرقال هاشم بن عتبة بن أبي وقاص مصر . والله لو أنه وليها لما خلى لعمرو بن العاص وأعوانه العرصة ، ولما قُتل إلا وسيفه في يده ، بلا ذم لمحمد بن أبي بكر ، فلقد أجهد نفسه وقضى ما عليه .
قال فقيل لعلي ( عليه السلام ) : لقد جزعت على محمد بن أبي بكر جزعاً شديداً يا أمير المؤمنين . قال : وما يمنعني ؟ إنه كان لي ربيباً ، وكان لبنيَّ أخاً ، وكنت له والداً ، أعده ولداً » .
فإن قلت : لماذا نصب محمد بن أبي بكر والياً على مصر ، ولم يولَّ هاشم المرقال أو الأشتر ، وهو يعلم خطورة جماعة معاوية ؟
وجوابه : أن أهل مصر طالبوا بتولية محمد بن أبي بكر ، وأن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) كان بحاجة إلى الأشتر والمرقال في حرب صفين .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 97 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لكن الجواب الذي أقتنع به : أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) والأئمة المعصومين ( عليهم السلام ) مع علمهم بالأمور ، فلكل منهم برنامجه الخاص ، فهو يتعامل مع ظاهر الأمور ومعادلاتها العادية ، ولا يتعامل بعلمه ، إلا أن يؤمر بذلك .
وقد روى الجميع أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) نص على أن علياً ( عليه السلام ) لا يفعل إلا ما يؤمر به ! قال بريدة : « فوقعت في علي حتى فرغت ، ثم رفعت رأسي فرأيت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) غضب غضباً لم أره غضب مثله إلا يوم قريظة والنضير ، فنظر إلي فقال : يا بريدة أحب علياً فإنما يفعل ما يؤمر به » ! ( المعجم الأوسط : 5 / 117 ومسند أحمد ، وعدة مصادر أخرى ) .
4 . ينبغي التنبيه إلى أن المستوى الإيماني العام للأنصار قد انخفض في حنين يوم ابتلاهم الله تعالى فأمر نبيه ( صلى الله عليه وآله ) أن يعطي غنائم هوازن الكبيرة إلى القرشيين ليتألفهم ، ويحرم منها الأنصار ليمتحنهم !
روى في الكافي : 2 / 411 ، بسند صحيح عن الإمام الباقر ( عليه السلام ) : « إن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يوم حنين تألف رؤساء العرب من قريش وسائر مضر ، منهم أبو سفيان بن حرب وعيينة بن حصن الفزاري ، وأشباههم من الناس ، فغضبت الأنصار واجتمعت إلى سعد بن عبادة ، فانطلق بهم إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بالجعرانة فقال : يا رسول الله أتأذن لي في الكلام ؟ فقال : نعم ، فقال : إن كان هذا الأمر من هذه الأموال التي قسمت بين قومك شيئاً أنزله الله رضينا ، وإن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 98 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كان غير ذلك لم نرض ! قال زرارة : وسمعت أبا جعفر ( عليه السلام ) يقول : فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : يا معشر الأنصار أكُلُّكُمْ على قول سيدكم سعد ؟ فقالوا : سيدنا الله ورسوله ، ثم قالوا في الثالثة : نحن على مثل قوله ورأيه ! قال : زرارة فسمعت أبا جعفر ( عليه السلام ) يقول : فحط الله نورهم » !
وفي مجمع البيان : 5 / 32 : « فمشى سعد بن عبادة إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فقال : يا رسول الله إن هذا الحي من الأنصار قد وجدوا عليك في قسمك هذه الغنائم في قومك وفي سائر العرب ، ولم يكن فيهم من ذلك شئ ! فقال ( صلى الله عليه وآله ) : فأين أنت من ذلك يا سعد ؟ فقال : ما أنا إلا امرؤ من قومي ! فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة . . . » .
أقول : من عجائب التاريخ موقف الأنصار عند غنائم حنين ، ورئيسهم سعد بن عبادة ! فقد رأوا معجزات النبي ( صلى الله عليه وآله ) وآمنوا به ، وبذلوا في سبيله أموالهم وأرواحهم ، ولما أعطى غيرهم ولم يعطهم اتهموه بأنه يميل إلى قومه ! فغلبهم هواهم عند الامتحان ، وفقدوا توازن عقولهم ، فانخفض مستوى إيمانهم ، فحط الله نورهم !
وقد سأل النبي ( صلى الله عليه وآله ) سعداً عن موقفه في اتهام الأنصار لنبيهم ( صلى الله عليه وآله ) بأنه مال لقومه في تقسيم الغنائم ، فأجابه بأنه رجل من قومه !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 99 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لذلك ينبغي أن يقسم تاريخ الأنصار إلى : مرحلة ما قبل غنائم حنين ، ومرحلة ما بعدها !
وقد عالج النبي ( صلى الله عليه وآله ) هذا الهبوط في إيمانهم ، بتطييب خاطرهم ، وهي معالجة تهدؤهم ، لكنها لا ترفع مستواهم ، فذلك بأيديهم .
وهذا يفسر لنا نقضهم لبيعتهم للنبي ( صلى الله عليه وآله ) في بيعة العقبة بأن يحموه ويحموا أهل بيته بعده مما يحمون منه أنفسهم وذراريهم ! فعندما رأى سعد أن قريشاً مجمعة على إبعاد عترة النبي ( صلى الله عليه وآله ) عن خلافته ، لم ينصر أهل بيت نبيه ، بل أخذ يعمل لأن تكون الخلافة له لأنه أحق بالإسلام وخلافته من بطون قريش ! لذلك ورد فيه الذم من فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) وغيرها من أئمة العترة ( عليهم السلام ) . ثم لم يتهنأ سعد بموقفه المتخاذل عن أهل البيت ( عليهم السلام ) ، فقد نفاه عمر إلى حوران ، ثم قتله وقيل قتلته الجن !
5 . كان قيس بن سعد بن عبادة كأبيه زعيم الخزرج ، وعامة الأنصار ، ثابتاً على موقفه ضد خلافة أبي بكر وعمر وعثمان ، وقد شارك مع علي ( عليه السلام ) بفعالية في حروبه هو وكافة الأنصار ، ولم يشارك منهم مع معاوية إلا شخصان من صبيانهما العاديين هما النعمان بن بشير ومسلمة بن مخلد !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 100 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولكن موقف الأنصار إلى جانب العترة النبوية كان بعد أن ذاقوا الأمرَّين من طلقاء قريش الذين يبغضونهم ، فكان موقفهم أشبه بالتكفير عن الذنب بعد فوات الأوان .
لهذا يعتبر سعد وابنه قيس شيعة بالمعنى العام ، وليسوا كعمار ، وسلمان ، والمقداد ، وأبي ذر ، وحذيفة ، والأشتر ، ومحمد بن أبي بكر ، وخالد بن سعيد ، وعشرات المعتقدين بأن إمامة علي ( عليه السلام ) والعترة فريضة ، بنص النبي ( صلى الله عليه وآله ) سواء أطاعت الأمة أم عصت .
وبهذا نفسر مخالفة قيس لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) في أهل خَرَبْتَا العثمانيين ، فهادنهم وأعطاهم امتيازات حتى تفاقم أمرهم وأمدهم معاوية فأخذوا مصر وقتلوا محمد بن أبي بكر بوحشية !
وكأن قيساً أراد التكفير عن ذلك ن فكان موقفه مع الإمام الحسن ( عليه السلام ) مشرفاً ، فقد ثبت أمام إغراء معاوية إلى آخر مرحلة ، وجرت بينهم مراسلات وانتهت بلهجة شديدة جداً ، ولم يقبل الصلح حتى أرسل له معاوية رقاً مختوماً ليشترط فيه ما شاء ، كالذي أرسله إلى الإمام الحسن ( عليه السلام ) .
قال الطبري في تاريخه : 4 / 125 : « واشترط الحسن لنفسه ثم بايع معاوية وأمَّرت شرطة الخميس قيس بن سعد على أنفسهم ، وتعاهدوا هو وهم على قتال معاوية حتى يشترط لشيعة علي ولمن كان اتبعه ، على أموالهم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 101 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ودمائهم وما أصابوا في الفتنة ، فخلص معاوية حين فرغ من عبد الله بن عباس والحسن إلى مكايدة رجل هو أهمُّ الناس عنده مكايدةً ومعه أربعون ألفاً ، وقد نزل معاوية بهم وعمرو وأهل الشام ، وأرسل معاوية إلى قيس بن سعد يذكره الله ويقول : على طاعة من تقاتل وقد بايعني الذي أعطيته طاعتك ؟ ! فأبى قيس أن يلين له حتى أرسل إليه معاوية بسجلٍّ قد ختم عليه في أسفله ، فقال : أكتب في هذا السجل ما شئت فهو لك ! قال عمرو لمعاوية : لا تعطه هذا وقاتله ! فقال معاوية : على رسلك ، فإنا لا نخلص إلى قتل هؤلاء حتى يقتلوا أعدادهم من أهل الشأم ، فما خير العيش بعد ذلك ! وإني والله لا أقاتله أبداً حتى لا أجد من قتاله بداً . فلما بعث إليه معاوية بذلك السجل اشترط قيس فيه له ولشيعة عليٍّ الأمان على ما أصابوا من الدماء والأموال ، ولم يسأل معاوية في سجله ذلك مالاً ، وأعطاه معاوية ما سأل ، فدخل قيس ومن معه في طاعته » .
أقول : الصحيح أن جيش قيس كان اثني عشر ألفاً لا أربعين ألفاً ، بل ورد أن الذين ثبتوا معه وجددوا له البيعة منهم أربعة آلاف ، ويظهر أنهم طليعة الأربعين ألفاً الذين بايعوا أمير المؤمنين ( عليه السلام ) قبل شهادته على حرب معاوية حتى الموت . وأخيراً بايع قيس في الكوفة بأمر الإمام الحسن ( عليه السلام ) !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 102 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال الطبري : 4 / 125 : « كانوا يعدون دهاة الناس حين ثارت الفتنة خمسة رهط فقالوا : ذوو رأى العرب ومكيدتهم : معاوية بن أبي سفيان ، وعمرو بن العاص ، والمغيرة بن شعبة ، وقيس بن سعد .
ومن المهاجرين : عبد الله بن بديل الخزاعي ، وكان قيس وابن بديل مع علي وكان المغيرة بن شعبة وعمرو مع معاوية ، إلا أن المغيرة كان معتزلاً بالطائف حتى حكم الحكمان » .
وفي مقاتل الطالبيين / 47 : « ولما تم الصلح بين الحسن ومعاوية أرسل إلى قيس بن سعد بن عبادة يدعوه إلى البيعة ، فأتيَ به وكان رجلاً طويلاً يركب الفرس المشرف ورجلاه تخطان في الأرض ، وما في وجهه طاقة شعر ، وكان يسمى خِصْيَ الأنصار ، فلما أرادوا أن يدخلوه إليه قال : إني قد حلفت أن لا ألقاه إلا بيني وبينه الرمح أو السيف ! فأمر معاوية برمح أو سيف ، فوضع بينه وبينه ، ليبرَّ يمينه » !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 103 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

ولاية محمد بن أبي بكر على مصر :

أسرة محمد بن أبي بكر رضي الله عنه

تزوج أبو بكر في الجاهلية قتيلة بنت عبد العزى ، فولدت له عبد الله وأسماء . وجاء إلى مكة رجل أزدي اسمه الحارث بن سخبرة ، ومعه زوجته أم رومان الكنانية وابنه الطفيل ، فتحالف مع أبي بكر ، وكان له عبد اسمه فهيرة ، فزوجه سوداء فولدت عامر بن فهيرة .
وأسلم الحارث وغلامه عامر قبل أبي بكر ، ثم مات الحارث فورثه ابنه الطفيل وهو صغير فصار عامر غلامه ، وتزوج أبو بكر أمه أم رومان ، فولدت له عبد الرحمن وعائشة ، فهما أخوا الطفيل من أمه ( الطبري : 2 / 616 ، والبخاري : 5 / 43 ، وابن سعد : 8 / 278 ) .
وتزوج أبو بكر حبيبة بنت خارجة ، فولدت له بنتاً اسمها أم كلثوم ، تزوجها طلحة بن عبيد الله فولدت له زكريا وعائشة . ( الإستيعاب : 2 / 417 ) .
وتزوج أسماء بنت عميس بعد شهادة زوجها جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه ، فولدت له محمد بن أبي بكر .
لكن أكثر زوجة أثرت في نفس أبي بكر هي أم بكر ، التي قال لها :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] تَحَيَّيْ بالسلامة أمَّ بكرٍ * وهل لك بعد رهطك من سلامِ
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 104 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] ذريني أصطبح يا بكر أني * رأيت الموت نقَّبَ عن هشام
فودَّ بنو المغيرة أن فدوْهُ * بألف من رجال أو سوام
فكائن بالطويِّ طويِّ بدر * من القينات والخيل الكرام
فكائن بالطويِّ طويِّ بدر * من الشيزى تُكلل بالسنام
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] فبلغ ذلك النبي ( صلى الله عليه وآله ) فقام معه جريدة يجرُّ إزاره حتى دخل عليه ، فلما نظر إليه قال : أعوذ من سخط الله ومن سخط رسوله والله لا يلج لي رأساً أبداً ! فذهب عن رسول الله ما كان فيه وخرج ونزل عليه : فَهَلْ أنتمْ مُنْتَهُون ؟ ! فقال عمر : انتهينا والله » . ( ابن هشام : 2 / 549 ) .
ورواها ابن حجر في الإصابة : 7 / 39 ، عن الفاكهي في كتاب مكة ، وفيها : « شرب أبو بكر الخمر فأنشأ يقول : فذكر الأبيات فبلغ ذلك رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فقام يجر إزاره حتى دخل فتلقاه عمر وكان مع أبي بكر ، فلما نظر إلى وجهه محمراً قال : نعوذ بالله من غضب رسول الله ! والله لا يلج لنا رأسا أبداً » !
وذكر في فتح الباري : 10 / 31 ، أن تلك الجلسة كانت حفلة خمر في بيت أبي طلحة ، وكانوا عشرة صحابة أو أكثر وساقيهم أنس بن مالك !
ثم قال : « ولأحمد عن يحيى القطان عن حميد عن أنس : كنت أسقي أبا عبيدة وأبي بن كعب وسهيل بن بيضاء ، ونفراً من الصحابة عند أبي طلحة . ووقع عند عبد الرزاق عن معمر بن ثابت وقتادة وغيرهما عن أنس ، أن القوم كانوا أحد عشر رجلاً ، وقد حصل من الطرق التي أوردتها تسمية
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 105 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
سبعة منهم ، وأبهمهم في رواية سليمان التيمي عن أنس . . . ومن المستغربات ما أورده ابن مردويه في تفسيره من طريق عيسى بن طهمان عن أنس ، أن أبا بكر وعمر كانا فيهم ! وهو منكر مع نظافة سنده ، وما أظنه إلا غلطاً » !
يقصد ابن حجر أن حديث شربهم الخمر صحيح السند ، لكن معناه مستنكر ! لكن إذا صح سند الحديث ، فلا يردُّ باستغراب معناه !
وروى البخاري في صحيحه : 4 / 263 ، عن عائشة قالت : « أن أبا بكر تزوج امرأة من كلب يقال لها أم بكر ، فلما هاجر أبو بكر طلقها فتزوجها ابن عمها هذا الشاعر الذي قال هذه القصيدة ورثا كفار قريش » .
ووقت القصة عند نزول سورة المائدة أي قبل وفاة النبي ( صلى الله عليه وآله ) بشهر أو شهرين ! لأن آية : فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ، من سورة المائدة وهي آخر ما نزل من القرآن قبيل وفاة النبي ( صلى الله عليه وآله ) . ( راجع تفصيل القصة في : ألف سؤال وجواب : 3 / 113 ) .
وقد ولد محمد بن أبي بكر ( رحمه الله ) في حجة الوداع ، وعاش مع أبيه أبي بكر أقل من ثلاث سنوات ، ثم تزوج علي ( عليه السلام ) أمه أسماء بنت عميس ، فكان محمد ربيب الإمام ( عليه السلام ) ، وكان يعده كأحد أولاده . وكان عمره عندما ولاه أمير المؤمنين ( عليه السلام ) مصر ، ستاً وعشرين سنة .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 106 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

ولاية محمد بن أبي بكر لمصر

عن الحارث بن كعب عن أبيه قال : كنت مع محمد بن أبي بكر حيث قدم مصر فلما أتاها قرأ عليهم عهده :
بسم الله الرحمن الرحيم . هذا ما عهد عبد الله علي أمير المؤمنين إلى محمد بن أبي بكر حين ولاه مصر ، أمره بتقوى الله في السر والعلانية ، وخوف الله في المغيب والمشهد ، وباللين للمسلم وبالغلظة على الفاجر ، وبالعدل على أهل الذمة ، وبالإنصاف للمظلوم ، وبالشدة على الظالم ، وبالعفو عن الناس ، وبالإحسان ما استطاع ، والله يجزي المحسنين . وأمره أن يدعو من قبله إلى الطاعة والجماعة ، فإن لهم في ذلك من العاقبة وعظيم المثوبة ما لا يقدرون قدره ولا يعرفون كنهه .
وأمره أن يجبي خراج الأرض على ما كانت تجبى عليه من قبل ، ولا ينتقص منه ولا يبتدع فيه ، ثم يقسمه بين أهله كما كانوا يقسمونه عليه من قبل . وأمره أن يلين لهم جناحه ، وأن يساوي بينهم في مجلسه ووجهه ، وليكن القريب والبعيد عنده في الحق سواء .
وأمره أن يحكم بين الناس بالحق ، وأن يقوم بالقسط ، ولا يتبع الهوى ، ولا يخاف في الله لومة لائم ، فإن الله مع من اتقاه وآثر طاعته على ما سواه ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 107 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والسلام . وكتبه عبيد الله بن أبي رافع مولى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لغرة شهر رمضان سنة ست وثلاثين .
قال : ثم إن محمد بن أبي بكر قام خطيباً فحمد الله وأثنى عليه وقال : أما بعد فالحمد لله الذي هدانا وإياكم لما اختلف فيه من الحق ، وبصرنا وإياكم كثيراً مما عميَ عنه الجاهلون .
ألا إن أمير المؤمنين ولاني أموركم ، وعهد إلي بما سمعتم ، وأوصاني بكثير منه مشافهة ، ولن آلوكم خيراً ما استطعت ، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب . فإن يكن ما ترون من آثاري و أعمالي لله طاعة وتقوى ، فاحمدوا الله على ما كان من ذلك ، فإنه هو الهادي له ، وإن رأيتم من ذلك عملاً بغير حق ، فادفعوه إلي وعاتبوني عليه ، فإني بذلك أسعد ، وأنتم بذلك جديرون . وفقنا الله وإياكم لصالح العمل برحمته . ثم نزل ) .

رسالة أمير المؤمنين ( عليه السلام ) إلى أهل مصر وواليهم

تقدمت منها فقرة : « واعلم يا محمد بن أبي بكر أني قد وليتك أعظم أجنادي في نفسي ، أهل مصر » وروى بعضه في نهج البلاغة ( 3 / 27 ) وروت بقية المصادر فقرات منه ، وننقله من منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة للخوئي : 19 / 73 ، عن أبي إسحاق الهمداني قال :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 108 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
« لما ولَّى أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب محمد بن أبي بكر مصر وأعمالها كتب له كتاباً ، وأمره أن يقرأه على أهل مصر ويعمل بما وصاه به ، فكان الكتاب :
بسم الله الرّحمن الرّحيم . من عبد الله أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب إلى أهل مصر ومحمد بن أبي بكر :
سلام عليكم ، فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلَّا هو ، أما بعد فإني أوصيكم بتقوى الله فيما أنتم عنه مسؤولون وإليه تصيرون ، فإنّ الله تعالى يقول : كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ، ويقول : ويُحَذِّرُكُمُ الله نَفْسَه وإِلَى الله الْمَصِيرُ . ويقول : فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ .
واعلموا عباد الله أن الله عزَّ وجلَّ سائلكم عن الصغير من أعمالكم والكبير فإن يعذِّب فنحن أظلم ، وإن يعفُ فهو أرحم الرّاحمين .
يا عباد الله إنّ أقرب ما يكون العبد إلى المغفرة والرحمة حين يعمل لله بطاعته وبنصحه في التوبة . عليكم بتقوى الله ، فإنها تجمع الخير ولا خير غيرها ، ويدرك بها من الخير ما لا يدرك بغيرها ، من خير الدنيا والآخرة قال الله عزّ وجلّ : وقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِه الدُّنْيا حَسَنَةٌ ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ ولَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ .
إعلموا يا عباد الله أنّ المؤمن يعمل من الثواب لثلاث : أمّا الخير فإنّ الله يثيبه بعمله في دنياه ، قال الله سبحانه لإبراهيم : وآتَيْناه أَجْرَه فِي الدُّنْيا وإِنَّه فِي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 109 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ، فمن عمل لله تعالى أعطاه أجره في الدّنيا والآخرة وكفاه المهمّ فيهما ، وقد قال الله تعالى : يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِه الدُّنْيا حَسَنَةٌ وأَرْضُ الله واسِعَةٌ إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ ، فما أعطاهم الله في الدّنيا لم يحاسبهم به في الآخرة ، قال الله تعالى : لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وزِيادَةٌ ، والحسنى هي الجنّة ، والزيادة هي الدّنيا ، وإنّ الله تعالى يكفِّر بكل حسنة سيئة ، قال الله عزَّ وجلَّ : إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ ، حتى إذا كان يوم القيامة حسبت لهم حسناتهم ثمّ أعطاهم بكلّ واحدة عشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف ، قال الله عزّ وجلّ : جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً ، وقال : إِلا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ . فارغبوا في هذا رحمكم الله واعملوا له وتحاضّوا عليه .
واعلموا يا عباد الله ، أن المتّقين حازوا عاجل الخير وآجله ، شاركوا أهل الدنيا في دنياهم ولهم يشاركهم أهل الدنيا في آخرتهم أباحهم في الدنيا ما كفاهم به وأغناهم ، قال الله عزَّ اسمه : قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِه والطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ، سكنوا الدنيا بأفضل ما سكنت ، وأكلوها بأفضل ما أكلت ، شاركوا أهل الدنيا في دنياهم ، فأكلوا معهم من طيبات ما يأكلون ، وشربوا من طيبات ما يشربون ، ولبسوا من أفضل ما يلبسون ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 110 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وسكنوا من أفضل ما يسكنون ، وتزوجوا من أفضل ما يتزوجون ، وركبوا من أفضل ما يركبون . أصابوا لذة الدنيا مع أهل الدنيا ، وهم غداً جيران الله ، يتمنون عليه فيعطيهم ما يتمنون ، لا يردُّ لهم دعوة ، ولا ينقص لهم نصيباً من اللَّذة . فإلى هذا يا عباد الله يشتاق إليه من كان له عقل ويعمل بتقوى الله ، ولا حول ولا قوّة إلَّا بالله .
يا عباد الله ، إن اتقيتم وحفظتم نبيكم في أهل بيته ، فقد عبدتموه بأفضل ما عبد ، وذكرتموه بأفضل ما ذكر ، وشكرتموه بأفضل ما شكر ، وأخذتم بأفضل الصبر والشكر ، واجتهدتم أفضل الإجتهاد ، وإن كان غيركم أطول منكم صلاة وأكثر منكم صياماً ، فأنتم أتقى لله منه وأنصح لأولى الأمر .
إحذروا يا عباد الله الموت وسكرته ، فأعدُّوا له عُدَّته فإنه يفجؤكم بأمر عظيم : بخير لا يكون معه شرٌّ أبداً ، أو بشرٍّ لا يكون معه خيرٌ أبداً ، فمن أقرب إلى الجنة من عاملها ، ومن أقرب إلى النار من عاملها . إنه ليس أحد من الناس تفارق روحه جسده حتى يعلم إلى أيَّ المنزلتين يصير إلى الجنة أم النار ، أعدوٌّ هو لله أو وليٌّ ، فإن كان وليّاً لله فُتحت له أبواب الجنة ، وشُرعت له طرقها ، ورأى ما أعدَّ الله له فيها ، ففرغ من كل شغل ، ووضع عنه كل ثقل .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 111 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وإن كان عدوَّاً لله فتحت له أبواب النار ، وشرع له طرقها ، ونظر إلى ما أعدّ الله له فيها فاستقبل كل مكروه ، وترك كل سرور .
كل هذا يكون عند الموت وعنده يكون بيقين ، قال الله تعالى : الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ . ويقول : الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلى إِنَّ الله عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ . فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ .
عباد الله إنّ الموت ليس منه فوت ، فاحذروا قبل وقوعه ، وأعدوا له عدته فإنكم طرداء الموت : إن أقمتم له أخذكم ، وإن فررتم منه أدرككم ، وهو ألزم لكم من ظلَّكم ، الموت معقود بنواصيكم ، والدنيا تُطوى خلفكم ، فأكثروا ذكر الموت عندما تنازعكم إليه أنفسكم من الشهوات ، وكفى بالموت واعظاً .
وكان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) كثيراً ما يوصى أصحابه بذكر الموت فيقول : أكثروا ذكر الموت ، فإنه هادم اللذّات ، حائل بينكم وبين الشهوات .
يا عباد الله ، ما بعد الموت لمن لا يغفر له أشد من الموت : القبر . فاحذروا ضيقه وضنكه وظلمته وغربته ، إن القبر يقول كل يوم : أنا بيت الغربة ، أنا بيت التراب ، أنا بيت الوحشة ، أنا بيت الدُّود والهوام . والقبر روضة من رياض الجنة ، أو حفرة من حفر النار ، إن العبد المؤمن إذا دفن قالت له
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 112 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأرض مرحباً وأهلاً ، قد كنت من أحبُّ أن تمشي على ظهري ، فإذْ وليتُك فستعلم كيف صنيعي بك ، فيتسع له مدَّ البصر .
وإن الكافر إذا دفن قالت له الأرض : لا مرحباً بك ولا أهلاً ، لقد كنت من أبغض من يمشي على ظهري ، فإذا وليتُك فستعلم كيف صنيعي بك ، فتضمُّه حتى تلتقي أضلاعه !
وإن المعيشة الضنك الَّتي حذَّر الله منها عدوه عذاب القبر أنه يسلَّط على الكافر في قبره تسعةً وتسعين تنيناً فينهشن لحمه ويكسرن عظمه ، ويترددن عليه كذلك إلى يوم البعث ، لو أن تنيناً منها نفخ في الأرض لم تنبت زرعاً !
يا عباد الله ، إنّ أنفسكم الضعيفة ، وأجسادكم الناعمة الرقيقة الَّتي يكفيها اليسير ، تضعف عن هذا ، فإن استطعتم أن تجزعوا لأجسادكم وأنفسكم ممّا لا طاقة لكم ولا صبر لكم عليه ، فاعملوا بما أحبَّ الله واتركوا ما كره الله .
يا عباد الله ، إن بعد البعث ما هو أشدُّ من القبر ، يومٌ يشيب فيه الصغير ، ويسكر فيه الكبير ، ويسقط فيه الجنين ، وتذهل كل مرضعة عما أرضعت ، يوم عبوس قمطرير ، يوم كان شره مستطيراً .
إن فزع ذلك اليوم ليرهب الملائكة الذين لا ذنب لهم ، وترعد منه السبع الشداد ، والجبال الأوتاد ، والأرض المهاد ، وتنشق السماء فهي يومئذ واهية
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 113 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وتصير وردة كالدهان ، وتكون الجبال كثيباً مهيلاً بعد ما كانت صُمّاً صِلاباً وينفخ في الصور فيفزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله .
فكيف من عصى بالسمع والبصر واللسان واليد والرجل والفرج والبطن إن لم يغفر الله له ويرحمه من ذلك اليوم ، لأنه يقضي ويصير إلى غيره ، إلى نار قعرها بعيد ، وحرها شديد ، وشرابها صديد ، وعذابها جديد ، ومقامعها حديد . لا يفتر عذابها ، ولا يموت سكانها . دار ليس فيها رحمة ، ولا يسمع لأهلها دعوة .
واعلموا يا عباد الله ، أن مع هذا رحمة الله التي لا تعجز عن العباد ، جنة عرضها كعرض السماء والأرض ، أعدت للمتقين ، خيرٌ لا يكون معها شرٌّ أبداً ، لذَّاتها لا تمل ، ومجتمعها لا يتفرق ، سكانها قد جاوروا الرحمن ، وقام بين أيديهم الغلمان ، بصحاف من الذهب فيها الفاكهة والريحان .
ثم اعلم يا محمد بن أبي بكر ، أني قد وليتك أعظم أجنادي في نفسي : أهل مصر ، فإذْ وليتك ما وليتك من أمر الناس ، فأنت حقيق أن تخاف منه على نفسك ، وأن تحذر منه على دينك ، فإن استطعت أن لا تسخط ربك عز وجل برضا أحد من خلقه فافعل ، فإن في الله عز وجل خلفاً من غيره ، وليس في شئ سواه خلف منه .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 114 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إشتدَّ على الظالم وخذ عليه ، ولن لأهل الخير وقربهم ، واجعلهم بطانتك وإخوانك . وانظر إلى صلاتك كيف هي ، فإنك إمام القوم ينبغي لك أن تتمها ولا تخففها ، فليس من إمام يصلي بقوم يكون في صلاتهم نقصان إلا كان عليه . وتممها وتحفظ فيها يكن لك مثل أجورهم ، ولا ينقص ذلك من أجرهم شيئاً .
ثم انظر إلى الوضوء فإنه من تمام الصلاة ، وتمضمض ثلاث مرات ، واستنشق ثلاثاً ، واغسل وجهك ، ثم يدك اليمنى ، ثم يدك اليسرى ، ثم امسح رأسك ورجليك ، فإني رأيت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يصنع ذلك . واعلم أن الوضوء نصف الإيمان .
ثم ارتقب وقت الصلاة فصلها لوقتها ، ولا تعجل بها قبله لفراغ ، ولا تؤخرها عنه لشغل ، فإن رجلاً سأل رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) عن أوقات الصلاة فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : أتاني جبرئيل ( عليه السلام ) فأراني وقت الصلاة فصلى الظهر حين زالت الشمس فكانت على حاجبه الأيمن ، ثم أراني وقت العصر فكان ظل كل شئ مثله ، ثم صلى المغرب حين غربت الشمس ، ثم صلى العشاء الآخرة حين غاب الشفق ، ثم صلى الصبح فغلس بها والنجوم مشتبكة ، فصل لهذه الأوقات ، والزم السنة المعروفة ، والطريق الواضح .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 115 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم انظر ركوعك وسجودك ، فإن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) كان أتم الناس صلاة ، وأخفهم عملاً فيها . واعلم أن كل شئ من عملك تبعٌ لصلاتك ، فمن ضيع الصلاة ، فإنه لغيرها أضيع .
أسأل الله الذي يرى ولا يرى وهو بالمنظر الأعلى ، أن يجعلنا وإياك ممن يحب ويرضى ، حتى يعيننا وإياك على شكره وذكره وحسن عبادته وأداء حقه ، وعلى كل شئ اختار لنا في دنيانا وآخرتنا .
وأنتم يا أهل مصر فليصدق قولكم فعلكم ، وسركم علانيتكم ، ولا تخالف ألسنتكم قلوبكم ، واعلموا أنه لا يستوي إمام الهدى وإمام الردى ، ووصي النبي وعدوه . وقد قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : إني لا أخاف على أمتي مؤمناً ولا مشركاً ، أما المؤمن فيمنعه الله بإيمانه وأما المشرك فيخزيه الله ويقمعه بشركه ولكني أخاف عليكم كل منافق حلو اللسان ، يقول ما تعرفون ويفعل ما تنكرون ، ليس به خفاء . وقد قال النبي ( صلى الله عليه وآله ) : من سرته حسناته وساءته سيئاته فذلك المؤمن حقاً . وكان يقول ( صلى الله عليه وآله ) : خصلتان لا يجتمعان في منافق : حسن سمت ، وفقه في سنة .
يا محمد بن أبي بكر ، إعلم أن أفضل الفقه الورع في دين الله ، والعمل بطاعته ، وإني أوصيك بتقوى الله في سر أمرك وعلانيتك وعلى أي حال كنت عليه .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 116 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الدنيا دار بلاء ، والآخرة دار الجزاء ودار البقاء ، فاعمل لما يبقى ، واعدل عما يفنى ، ولا تنس نصيبك من الدنيا .
إني أوصيك بسبع هن جوامع الإسلام : تخشى الله عز وجل ولا تخشى الناس في الله ، وخير القول ما صدقه العمل ، ولا تقض في أمر واحد بقضاءين مختلفين فيختلف أمرك وتزيغ عن الحق ، وأحب لعامة رعيتك ما تحب لنفسك وأهل بيتك ، واكره لهم ما تكره لنفسك وأهل بيتك ، فإن ذلك أوجب للحجة وأصلح للرعية ، وخض الغمرات إلى الحق ولا تخف في الله لومة لائم ، وانصح المرء إذا استشارك ، واجعل نفسك أسوة لقريب المسلمين وبعيدهم ، واجعل نفسك أسوة لقريب المسلمين وبعيدهم . وأمر بالمعروف وَأنْهَ عن المنكر واصبر على ما أصابك ، إن ذلك من عزم الأمور .
جعل الله عز وجل مودتنا في الدين ، وحلانا وإياكم حلية المتقين ، وأبقى لكم طاعتكم ، حتى يجعلنا وإياكم بها إخواناً ، على سرر متقابلين .
أحسنوا أهل مصر مؤازرة محمد أميركم ، واثبتوا على طاعتكم تردوا حوض نبيكم ( صلى الله عليه وآله ) . أعاننا الله وإياكم على ما يرضيه . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته » . ( وراجع : تحف العقول لابن شعبة الحراني / 176 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 117 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

ملاحظة على هذه الرسالة

تضمنت الرسالة حقائق هامة عن عقيدة الإسلام ، ونظرته إلى الحياة الدنيا والحياة الآخرة ، وكيفية تعامل الإنسان المسلم معهما .
وهدف أم ? ر المؤمن ? ن ( عليه السلام ) منها تثبيت عقائد الإسلام في نفوس المصريين . ونلاحظ أنه يخاطبهم كما يخاطب خاصة المسلمين ، مما يدل على أن إيمانهم ووعيهم كان عالياً ، وأنهم أهلٌ لاستيعاب حقائق الإسلام والقرآن ، وسلوك الأبرار الأتقياء أهل حقائق العمل للآخر ة .
ولا شك أن للحضارة المصرية والديانة المسيحية التي كانت منتشرة فيها ، تأثيرهما في رفع مستوى فهم المصريين لحقائق الإسلام .
فحريٌّ بكل مصري أن يقرأ هذه الرسالة ويتدبر فيها ، لأنه مخاطب بها من أمير المؤمنين ، وباب مدينة علم النبي ( صلى الله عليه وآله ) .

أجوبة أمير المؤمنين ( عليه السلام ) على مسائل محمد بن أبي بكر

في كتاب الغارات للثقفي : 1 / 230 : « كتب محمد بن أبي بكر إلى علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، وهو إذ ذاك بمصر يسأله جوامع من الحرام والحلال والسنن والمواعظ ، فكتب إليه : لعبد الله أمير المؤمنين من محمد بن أبي بكر : سلام عليك ، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو ، أما بعد فإن رأى أمير المؤمنين أرانا الله وجماعة المسلمين فيه أفضل سرورنا وأملنا فيه ، أن يكتب
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 118 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لنا كتاباً فيه فرائض وأشياء مما يبتلى به مثلي من القضاء بين الناس فعل ، فإن الله يعظم لأمير المؤمنين الأجر ويحسن له الذخر .
فكتب إليه علي ( عليه السلام ) : بسم الله الرحمن الرحيم . من عبد الله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب إلى محمد بن أبي بكر وأهل مصر .
سلام عليكم ، فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو ، أما بعد فقد وصل إلي كتابك فقرأته وفهمت ما سألتني عنه ، وأعجبني اهتمامك بما لا بد لك منه ، وما لا يصلح المسلمين غيره ، وظننت أن الذي دلك عليه نية صالحة ورأي غير مدخول ولا خسيس . وقد بعثت إليك أبواب الأقضية جامعاً لك فيها ، ولا قوة إلا بالله ، وحسبنا الله ونعم الوكيل .
وكتب إليه عما سأله من القضاء ، وذكر الموت ، والحساب ، وصفة الجنة والنار ، وكتب في الإمامة ، وكتب في الوضوء ، وكتب إليه في مواقيت الصلاة ، وكتب إليه في الركوع والسجود ، وكتب إليه في الأدب ، وكتب إليه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وكتب إليه في الصوم والاعتكاف وكتب إليه في الزنادقة ، وكتب إليه في نصراني فجر بامرأة مسلمة ، وكتب إليه في أشياء كثيرة لم يحفظ منها غير هذه الخصال ، وحدثنا ببعض ما كتب إليه .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 119 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال إبراهيم : فحدثنا يحيى بن صالح . . . عن عباية أن علياً ( عليه السلام ) كتب إلى محمد بن أبي بكر ، وأهل مصر :
أما بعد ، فإني أوصيك بتقوى الله في سر أمرك وعلانيته ، وعلى أي حال كنت عليها ، واعلم أن الدنيا دار بلاء وفناء ، والآخرة دار بقاء وجزاء ، فإن استطعت أن تؤثر ما يبقى على ما يفنى فافعل ، فإن الآخرة تبقى وإن الدنيا تفنى ، رزقنا الله وإياك بصراً لما بصرنا ، وفهماً لما فهمنا ، حتى لا نقصر عما أمرَنا به ، ولا نتعدى إلى ما نهانا عنه ، فإنه لا بد لك من نصيبك من الدنيا وأنت إلى نصيبك من الآخرة أحوج ، فإن عرض لك أمران أحدهما للآخرة والآخر للدنيا ، فابدأ بأمر الآخرة .
ولتعظم رغبتك في الخير ، ولتحسن فيه نيتك ، فإن الله عز وجل يعطي العبد على قدر نيته ، وإذا أحب الخير وأهله ولم يعمله كان إن شاء الله كمن عمله ، فإن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قال حين رجع من تبوك : لقد كان بالمدينة أقوام ما سرتم من مسير ولا هبطتم من واد ، إلا كانوا معكم . ما حبسهم إلا المرض يقول : كانت لهم نية .
ثم إعلم يا محمد أني وليتك أعظم أجنادي في نفسي : أهل مصر ، وإذ وليتك ما وليتك من أمر الناس ، فأنت محقوق أن تخاف فيه على نفسك ، وتحذر فيه على دينك ، ولو كان ساعة من نهار ، فإن استطعت أن لا تسخط فيها ربك
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 120 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لرضى أحد من خلقه فافعل ، فإن في الله خلفاً من غيره ، وليس في شئ غيره خلف منه ، فاشتد على الظالم ، ولِنْ لأهل الخير ، وقربهم إليك ، واجعلهم بطانتك ، وإخوانك . والسلام .
« بعث علي ( عليه السلام ) محمد بن أبي بكر أميراً على مصر فكتب إلى علي ( عليه السلام ) يسأله عن رجل مسلم فجر بامرأة نصرانية ، وعن زنادقة فيهم من يعبد الشمس والقمر ، وفيهم من يعبد غير ذلك ، وفيهم مرتد عن الإسلام ، وكتب يسأله من مُكاتب مات وترك مالاً وولداً ؟
فكتب إليه علي ( عليه السلام ) : أن أقم الحد فيهم على المسلم الذي فجر بالنصرانية ، وادفع النصرانية إلى النصارى يقضون فيها ما شاؤوا .
وأمره في الزنادقة أن يقتل من كان يدعي الإسلام ، ويترك سائرهم يعبدون ما شاؤوا ، وأمره في المكاتب إن كان ترك وفاء لمكاتبته فهو غريم بيد مواليه يستوفون ما بقي من مكاتبته ، وما بقي فلولده » .

كُتُب علي ( عليه السلام ) لمحمد بن أبي بكر تقع في يد معاوية

كان فيما استولى عليه ابن العاص الكتب التي كتبها علي ( عليه السلام ) إلى محمد بن أبي بكر ، فأرسلها عمرو إلى معاوية .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 121 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال الثقفي في الغارات : 1 / 251 : « فلما ظهر عليه وقتل أخذ عمرو بن العاص كتبه أجمع ، فبعث بها إلى معاوية بن أبي سفيان ، وكان معاوية ينظر في هذا الكتاب ويعجبه ، فقال الوليد بن عقبة وهو عند معاوية لما رأى إعجاب معاوية به : مُرْ بهذه الأحاديث أن تحرق . فقال له معاوية : مه يا ابن أبي معيط إنه لا رأي لك ، فقال له الوليد : إنه لا رأي لك ، أفمن الرأي أن يعلم الناس أن أحاديث أبي تراب عندك تتعلم منها وتقضي بقضائه ، فعلام تقاتله ؟ ! فقال معاوية : ويحك أتأمرني أن أحرق علماً مثل هذا ! والله ما سمعت بعلم أجمع منه ، ولا أحكم ، ولا أوضح !
فقال الوليد : إن كنت تعجب من علمه وقضائه ، فعلامَ تقاتله ؟
فقال معاوية : لولا أن أبا تراب قتل عثمان ، ثم أفتانا لأخذنا عنه !
ثم سكت هنيئة ثم نظر إلى جلسائه فقال : إنا لا نقول : إن هذه من كتب علي بن أبي طالب ، ولكنا نقول : إن هذه من كتب أبي بكر الصديق كانت عند ابنه محمد ، فنحن نقضي بها ونفتي .
فلم تزل تلك الكتب في خزائن بني أمية حتى وليَ عمر بن عبد العزيز ، فهو الذي أظهر أنها من أحاديث علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 122 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أقول : يظهر أن سياسة النبي ( صلى الله عليه وآله ) والأئمة ( عليهم السلام ) أن يكون العلم في الأمة حتى ظهور المهدي ( عليه السلام ) ، محصوراً بالقرآن ، وما روته الأمة عن النبي والأئمة صلوات الله عليهم ، بطرقها العادية .
لذلك أملى النبي ( صلى الله عليه وآله ) كتباً وقال لعلي ( عليه السلام ) : أكتب لك ولشركائك . وجعلها عند علي والأئمة ( عليهم السلام ) حتى يظهر المهدي ( عليه السلام ) فيظهرها .
وكأن ذلك عملٌ بقوله تعالى : وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ .
ويبدو أن ما كتبه أمير المؤمنين ( عليه السلام ) لمحمد بن أبي بكر كان علماً خاصاً به ، لا يريد أن يصل إلى أعدائه .
وقد روي أن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) تأسف على وقوع تلك الكُتب في يد معاوية ، ووصف عمله بأنه خطأ وعثرة ! ففي الغارات : 1 / 252 ، عن عبد الله بن سلمة قال : صلى بنا علي ( عليه السلام ) فلما انصرف قال :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] لقد عثرتُ عثرةً لا أعتذرْ * سوف أكِيسُ بعدها وأستمرْ
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] وأجمع الأمر الشَّتيتَ المنتشر
قلنا : ما بالك يا أمير المؤمنين ، سمعنا منك كذا ؟ قال : إني استعملت محمد بن أبي بكر على مصر ، فكتب إلي أنه لا علم لي بالسنة ، فكتبت إليه كتاباً فيه السنة فقتل وأخذ الكتاب ) . وإذا صح ذلك فهو خطأ بمعنى ترك الأولى ، لا بمعنى فعل الحرام . على أنه ( عليه السلام ) استهد ببيت الشعر ، وليس في ذلك تصريح بالخطأ .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 123 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

رسالة محمد بن أبي بكر إلى معاوية وجوابه

« كتب محمد بن أبي بكر إلى معاوية احتجاجاً عليه :
بسم الله الرحمن الرحيم من محمد بن أبي بكر ، إلى الغاوي معاوية بن صخر ، سلام الله على أهل طاعة الله ممن هو أهل دين الله ، وأهل ولاية الله .
أما بعد ، فإن الله بجلاله وسلطانه خلق خلقاً بلا عبث منه ، ولا ضعف به ، ولكنه خلقهم عبيداً فمنهم شقي وسعيد وغوي ورشيد . ثم اختارهم على علم منه واصطفى وانتخب منهم محمداً ( صلى الله عليه وآله ) واصطفاه لرسالته وائتمنه على وحيه ، فدعا إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة . فكان أول من أجاب وأناب ، وأسلم وسلم أخوه وابن عمه علي بن أبي طالب ، فصدقه بالغيب المكتوم ، وآثره على كل حميم ، ووقاه من كل مكروه ، وواساه بنفسه في كل خوف .
وقد رأيتك تساويه وأنت أنت ، وهو هو المبرز والسابق في كل خير ، وأنت اللعين ابن اللعين ، لم تزل أنت وأبوك تبغضان وتبغيان في دين الله الغوائل ، وتجتهدان على إطفاء نور الله ، تجمعان الجموع على ذلك ، وتبذلان فيه الأموال ، وتُحالفان عليه القبائل .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 124 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
على ذلك مات أبوك ، وعليه خلفته أنت ، فكيف لك الويل تعدل بعلي وهو وارث علم رسول الله ووصيه ، وأول الناس له اتباعاً ، وآخرهم به عهداً ، وأنت عدوه وابن عدوه !
فتمتع بباطلك ما استطعت ، وليمددك ابن العاص في غوايتك ، فكأن أجلك قد انقضى وكيدك قد وهى ، ثم تستبين لك لمن تكون العاقبة العليا . والسلام على من اتبع الهدى .
فأجابه معاوية : هذا إلى الزاري على أبيه ، محمد بن أبي بكر ، سلام على أهل طاعة الله ، أما بعد فقد أتاني كتابك تذكر فيه ما الله أهله في قدرته وسلطانه ، مع كلام ألفته ورصفته لرأيك فيه ، وذكرت حق علي وقديم سوابقه وقرابته من رسول الله ، ونصرته ومواساته إياه في كل خوف وهول وتفضيلك علياً وعيبك لي بفضل غيرك لا بفضلك ، فالحمد لله الذي صرف ذلك عنك ، وجعله لغيرك .
وقد كنا وأبوك معنا في زمن نبينا نرى حق عليٍّ لازماً لنا ، وسبقه مبرزاً علينا ، فلما اختار الله لنبيه ما عنده ، وأتم له ما وعده ، وقبضه الله إليه ، كان أبوك وفاروقه أول من ابتزه وخالفه على ذلك واتفقا ، ثم دعواه إلى أنفسهما فأبطأ عليهما ، فهمَّا به الهموم وأرادا به العظيم ، فبايع وسلم لأمرهما لا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 125 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يشركانه في أمرهما ، ولا يطلعانه على سرهما ، حتى قضى الله من أمرهما ما قضى .
ثم قام بعدهما ثالثهما يهدي بهداهما ويسير بسيرتهما ، فعبته أنت وأصحابك حتى طمع فيه الأقاصي من أهل المعاصي ، حتى بلغتما منه مناكما ، وكان أبوك مهد مهاده .
فإن يك ما نحن فيه صواباً فأبوك أوله ، وإن يك جوراً فأبوك سنه ، ونحن شركاؤه وبهداه اقتدينا ، ولولا ما سبقنا إليه أبوك ما خالفنا علياً ولسلمنا له . ولكنا رأينا أباك فعل ذلك فأخذنا بمثاله ، فعب أباك أو دعه . والسلام على من تاب وأناب » . ( الإحتجاج : 1 / 269 ) .

رسالة الإمام ( عليه السلام ) إلى محمد عندما عين الأشتر مكانه

في نهج البلاغة : 3 / 59 : « ومن كتاب له ( عليه السلام ) إلى محمد بن أبي بكر ، لما بلغه توجَّده من عزله بالأشتر عن مصر ، ثم توفي الأشتر في توجهه إلى مصر قبل وصوله إليها :
أما بعد فقد بلغني موجدتك من تسريح الأشتر إلى عملك ، وإني لم أفعل ذلك استبطاءً لك في الجهد ، ولا ازدياداً في الجد . ولو نزعت ما تحت يدك من سلطانك ، لوليتك ما هو أيسر عليك مؤونة ، وأعجب إليك ولاية . إن الرجل الذي كنت وليته أمر مصر كان لنا رجلاً ناصحاً ، وعلى عدونا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 126 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
شديداً ناقماً ، فرحمه الله فلقد استكمل أيامه ولاقى حمامه ، ونحن عنه راضون ، أولاه الله رضوانه ، وضاعف الثواب له . فأصحر لعدوك ، وامض على بصيرتك ، وشمر لحرب من حاربك ، وادع إلى سبيل ربك ، وأكثر الاستعانة بالله يكفك ما أهمك ويُعِنْك على ما نزل بك ، إن شاء الله » .
وفي الغارات : 1 / 301 : « عن مالك بن الجون الحضرمي أن علياً ( عليه السلام ) قال : رحم الله محمداً ، كان غلاماً حدثاً ، أما والله لقد كنت أردت أن أولِّي المرقال هاشم بن عتبة بن أبي وقاص مصر ، والله لو أنه وليها لما خلى لعمرو بن العاص وأعوانه العرصة ، ولما قتل إلا وسيفه في يده ، بلا ذم لمحمد بن أبي بكر ، فلقد أجهد نفسه وقضى ما عليه » .

غزو معاوية لمصر بعد معركة صفين

روى الثقفي في الغارات : 1 / 270 ، عن عبد الله بن حوالة الأزدي : « إن أهل الشام لما انصرفوا من صفين كانوا ينتظرون ما يأتي به الحكمان .
فلما انصرفا وتفرقا ، وبايع أهل الشام معاوية بالخلافة ، فلم يزدد معاوية إلا قوة ، واختلف أهل العراق على علي ( عليه السلام ) ، فما كان لمعاوية همٌّ إلا مصر ، وقد كان لأهلها هائباً لقربهم منه وشدتهم على من كان على رأي عثمان ، وقد كان
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 127 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
علم أن بها قوماً قد ساءهم قتل عثمان وخالفوا علياً ( عليه السلام ) مع أنه كان يرجو أن يكون له فيها معاونة إذا ظهر عليها على حرب علي ( عليه السلام ) ، لعِظم خراجها .
قال : فدعا معاوية من كان معه من قريش : عمرو بن العاص السهمي ، وحبيب بن مسلمة الفهري ، وبسر بن أرطاة العامري ، والضحاك بن قيس الفهري ، وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد . ودعا من غير قريش نحو شرحبيل بن السمط ، وأبي الأعور السلمي ، وحمزة بن مالك الهمداني ، فقال : أتدرون لماذا دعوتكم ؟
قالوا : لا ، قال : فإني دعوتكم لأمر هو لي مهم ، وأرجو أن يكون الله قد أعان عليه ، فقال له القوم كلهم : أو من قال له منهم : إن الله لم يطلع على غيبه أحداً وما ندري ما تريد ؟
فقال له عمرو بن العاص : أرى والله إن أمر هذه البلاد لكثرة خراجها وعدد أهلها قد أهمك ، فدعوتنا لتسألنا عن رأينا في ذلك ، فإن كنت لذلك دعوتنا وله جمعتنا ، فاعزم واصرم ، ونعم الرأي ما رأيت ، إن في افتتاحها عزك وعز أصحابك وكبت عدوك وذل أهل الخلاف عليك . فقال له معاوية مجيباً : أهمك يا ابن العاص ما أهمك ؟ وذلك أن عمرو بن العاص كان بايع معاوية على قتال علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) وأن له مصر طُعْمَةً ما بقي !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 128 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فأقبل معاوية على أصحابه وقال : إن هذا يعني ابن العاص قد ظن وقد حقق ظنه ، قالوا له : لكنا لا ندري ولعل أبا عبد الله قد أصاب . فقال عمرو : وأنا أبو عبد الله إن أشبه الظنون ما شابه اليقين .
ثم إن معاوية حمد الله وأثنى عليه وقال : أما بعد فقد رأيتم كيف صنع الله لكم في حربكم هذه على عدوكم ، ولقد جاؤوكم وهم لا يشكون أنهم يستأصلون بيضتكم ويحوزون بلادكم . ما كانوا يرون إلا أنكم في أيديهم ، فردهم الله بغيظهم لم ينالوا خيراً وكفى الله المؤمنين القتال وكفاكم مؤونتهم وحاكمتموهم إلى الله فحكم لكم عليهم ، ثم جمع لنا كلمتنا ، وأصلح ذات بيننا ، وجعلهم أعداء متفرقين ، يشهد بعضهم على بعض بالكفر ، ويسفك بعضم دم بعض ، والله إني لأرجو أن يتم الله لنا هذا الأمر .
وقد رأيت أن أحاول حرب مصر ، فماذا ترون ؟
فقال له عمرو : قد أخبرتك عما سألت ، وأشرت عليك بما سمعت . فقال معاوية للقوم : ما ترون ؟ فقالوا : نرى ما رأى عمرو . فقال معاوية : إن عمراً قد عزم وصرم بما قال ، ولم يفسر كيف ينبغي أن نصنع . قال عمرو : فإني أشير عليك كيف تصنع ، أرى أن تبعث جيشاً كثيفاً ، عليهم رجل صارم تأمنه وتثق به ، فيأتي مصر فيدخلها فإنه سيأتيه من كان من أهلها على مثل رأينا فيظاهره على من كان بها من عدونا ، فإن اجتمع بها جندك ومن كان بها
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 129 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
من شيعتك على من بها من أهل حربك ، رجوت أن يعز الله نصرك ويظهر فَلَجك .
قال له معاوية : هل عندك شئ غير هذا نعمله فيما بيننا وبينهم قبل هذا ؟ قال : ما أعلمه . قال معاوية : فإن رأيي غير هذا ، أرى أن نكاتب من كان بها من شيعتنا ومن كان بها من عدونا ، فأما شيعتنا فنأمرهم بالثبات على أمرهم ونمنيهم قدومنا عليهم ، وأما من كان بها من عدونا فندعوهم إلى صلحنا ونمنيهم شكرنا ونخوفهم حربنا فإن صلح لنا ما قبلهم بغير حرب ولا قتال فذلك ما أحببنا ، وإلا فحربهم بين أيدينا ، إنك يا ابن العاص لامرؤ بورك لك في العجلة ، وأنا أمرؤ بورك لي في التؤدة .
قال له عمرو : فاعمل بما أراك الله ، فوالله ما أرى أمرك وأمرهم يصير إلا إلى الحرب العوان .
قال : فكتب معاوية عند ذلك إلى مسلمة بن مخلد الأنصاري ، وإلى معاوية بن حديج الكندي ، وكانا قد خالفا علياً ( عليه السلام ) :
بسم الله الرحمن الرحيم ، أما بعد فإن الله عز وجل قد ابتعثكما لأمر عظيم أعظم به أجركما ورفع به ذكركما وزينكما به في المسلمين ، طلبتما بدم الخليفة المظلوم ، وغضبتما لله إذ ترك حكم الكتاب ، وجاهدتما أهل الظلم والعدوان ، فأبشرا برضوان الله ، وعاجل نصرة أولياء الله ، والمواساة لكما
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 130 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
في دار الدنيا وسلطاننا ، حتى ينتهي ذلك إلى ما يرضيكما ويؤدى به حقكما ، فالزما أمركما ، وجاهدا عدوكما ، وادعوا المدبرين عنكما إلى هداكما ، فكأن الجيش قد أظل عليكما فانقشع كل ما تكرهان ، ودام كل ما تهويان ، والسلام عليكما . وبعث بالكتاب مع مولى له يقال له : سبيع فخرج الرسول بكتابه حتى قدم به عليهما بمصر ، ومحمد بن أبي بكر يومئذ أميرها قد ناصبه هؤلاء النفر الحرب بها ، وهم عنه متنحون يهابون الإقدام عليه ، فدفع الكتاب إلى مسلمة بن مخلد ، فلما قرأه قال له : إلق به معاوية بن حديج ، ثم إلقنى به حتى أجيب عني وعنه .
فانطلق الرسول بكتاب معاوية فأقرأه إياه ، ثم قال له : إن مسلمة قد أمرني أن أرد الكتاب إليه لكي يجيب معاوية عنك وعنه .
قال : قل له فليفعل ، فأتى مسلمة بالكتاب فكتب مسلمة الجواب عنه وعن معاوية بن حديج :
إلى معاوية بن أبي سفيان : أما بعد فإن هذا الأمر الذي قد ندبنا له أنفسنا وابتعثنا الله به على عدونا ، أمر نرجو به ثواب ربنا والنصر على من خالفنا ، وتعجيل النقمة على من سعى على إمامنا ، وطأطأ الركض في جهادنا . ونحن بهذه الأرض قد نفينا من كان بها من أهل البغي ، وأنهضنا من كان بها من أهل القسط والعدل ، وقد ذكرت مؤازرتك في سلطانك وذات يدك
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 131 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وبالله إنه لا من أجل مال غضبنا ولا إياه أردنا ، فإن يجمع الله لنا ما نريد ونطلب ، ويؤتنا ما نتمنى فإن الدنيا والآخرة لله رب العالمين ، وقد يؤتيهما الله معاً عالماً من خلقه ، كما قال في كتابه : فَآتَاهُمُ اللهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ . عجل علينا بخيلك ورجلك ، فإن عدونا قد كان علينا حرباً ، وكنا فيهم قليلاً ، وقد أصبحوا لنا هائبين وأصبحنا لهم منابذين فإن يأتنا مدد من قبلك يفتح الله عليك . ولا قوة إلا به وهو حسبنا ونعم الوكيل .
قال : فجاء هذا الكتاب معاوية وهو يومئذ بفلسطين ، فدعا النفر الذين سميناهم من قريش وغيرهم وأقرأهم الكتاب وقال لهم : ماذا ترون ؟ قالوا : نرى أن تبعث إليهم جنداً من قبلك ، فإنك مفتتحها إن شاء الله .
قال معاوية : فتجهز إليها يا أبا عبد الله يعني عمرو بن العاص فبعثه في ستة آلاف رجل ، فخرج يسير وخرج معه معاوية يودعه فقال له معاوية عند وداعه إياه : أوصيك بتقوى الله يا عمرو ، وبالرفق فإنه يمن ، وبالتؤدة فإن العجلة من الشيطان ، وبأن تقبل من أقبل ، وأن تعفو عمن أدبر ، أنظره فإن تاب وأناب قبلت منه ، وإن أبى فإن السطوة بعد المعرفة أبلغ في الحجة وأحسن في العاقبة ، وادع الناس إلى الصلح والجماعة ، فإن أنت ظفرت ، فليكن أنصارك آثر الناس عندك ، وكل الناس فأول حسناً .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 132 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال : فسار عمرو في الجيش حتى دنا من مصر فاجتمعت إليه العثمانية فأقام وكتب إلى محمد بن أبي بكر : أما بعد فتنحَّ عني بدمك يا ابن أبي بكر ، فإني لا أحب أن يصيبك مني ظفر ، وإن الناس بهذه البلاد قد اجتمعوا على خلافك ، ورفض أمرك ، وندموا على اتباعك ، وهم مُسْلِمُوكَ لو قد التقت حلقتا البطان ، فأخرج منها إني لك من الناصحين . والسلام .
قال : وبعث عمرو أيضاً مع هذا الكتاب بكتاب معاوية إليه وفيه : أما بعد فإن غب البغي والظلم عظيم الوبال ، وإن سفك الدم الحرام لا يسلم صاحبه من النقمة في الدنيا ، والتبعة الموبقة في الآخرة ، وما نعلم أحداً كان أعظم على عثمان بغياً ، ولا أسوأ له عيباً ، ولا أشد عليه خلافاً منك . سعيت عليه في الساعين ، وساعدت عليه مع المساعدين ، وسفكت دمه مع السافكين ، ثم أنت تظن أني عنك نائم ، ثم تأتي بلدة فتأمن فيها وجل أهلها أنصاري ، يرون رأيي ويرقبون قولي ويستصرخونني عليك .
وقد بعثت إليك قوماً حناقاً عليك ، يستسفكون دمك ، ويتقربون إلى الله بجهادك ، قد أعطوا الله عهداً ليقتلنك ، ولو لم يكن منهم إليك ما قالوا لقتلك الله بأيديهم أو بأيدي غيرهم من أوليائه ، فأحذرك وأنذرك ، وأحب أن يقتلوك بظلمك ووقيعتك وعدوانك على عثمان يوم الدار ، تطعن بمشاقصك فيما بين أحشائه وأوداجه ، ولكني أكره أن تقتل ولن يسلمك
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 133 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الله من القصاص أين كنت . والسلام . قال : فطوى محمد بن أبي بكر كتابيهما وبعث بهما إلى علي ( عليه السلام ) وكتب إليه : أما بعد فإن العاصي ابن العاص قد نزل أداني مصر ، واجتمع إليه من أهل البلد كل من كان يرى رأيهم ، وقد جاء في جيش جرار ، وقد رأيت ممن قبلي بعض الفشل ، فإن كان لك في أرض مصر حاجة فامددني بالأموال والرجال . والسلام .
فكتب إليه علي ( عليه السلام ) : أما بعد فقد جاءني رسولك بكتابك تذكر أن ابن العاص قد نزل أداني مصر في جيش جرار ، وأن من كان على مثل رأيه قد خرج إليه ، وخروج من كان يرى رأيه خير لك من إقامته عندك ، وذكرت أنك قد رأيت ممن قبلك فشلاً ، فلا تفشل وإن فشلوا ، حصن قريتك ، واضمم إليك شيعتك ، وأذك الحرس في عسكرك ، واندب إلى القوم كنانة بن بشر المعروف بالنصيحة والتجربة والبأس ، وأنا نادب إليك الناس على الصعب والذلول ، فاصبر لعدوك وامض على بصيرتك ، وقاتلهم على نيتك ، وجاهدهم محتسباً لله ، وإن كانت فئتك أقل الفئتين ، فإن الله يعز القليل ويخذل الكثير .
وقد قرأت كتابي الفاجرين المتحابين على المعصية ، والمتلائمين على الضلالة والمرتشيين الذين استمتعا بخلاقهما ، فلا يهدنك ارعادهما وإبراقهما ، وأجبهما إن كنت لم تجبهما بما هما أهله ، فإنك تجد مقالاً ما شئت . والسلام .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 134 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال : فكتب محمد بن أبي بكر إلى معاوية جواب كتابه : أما بعد فقد أتاني كتابك تذكر من أمر عثمان أمراً لا أعتذر إليك منه ، وتأمرني بالتنحي عنك كأنك لي ناصح ، وتخوفني بالمثلة كأنك علي شفيق ، وأنا أرجو أن تكون الدائرة عليكم وأن يهلككم الله في الواقعة ، وأن ينزل بكم الذل وأن تولوا الدبر ، فإن يكن لكم الأمر في الدنيا فكم وكم لعمري من ظالم قد نصرتم ، وكم من مؤمن قد قتلتم ومثلتم به ، وإلى الله المصير ، وإليه ترد الأمور ، وهو أرحم الراحمين ، والله المستعان على ما تصفون .
قال : وكتب محمد بن أبي بكر إلى عمرو بن العاص جواب كتابه : أما بعد فقد فهمت كتابك وعلمت ما ذكرت ، وزعمت أنك لا تحب أن يصيبني منك ظفر ، فأشهد بالله إنك لمن المبطلين ، وزعمت أنك لي ناصح ، وأقسم أنك عندي ظنين ، وزعمت أن أهل البلد قد رفضوني وندموا على أتباعي ، فأولئك حزبك وحزب الشيطان الرجيم ، حسبنا الله رب العالمين ونعم الوكيل ، وتوكلت على الله العزيز الرحيم ، رب العرش العظيم .
قال : وأقبل عمرو بن العاص فقصد مصر فقام محمد بن أبي بكر في الناس ، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على محمد ( صلى الله عليه وآله ) ثم قال : أما بعد يا معشر المؤمنين فإن القوم الذين كانوا ينتهكون الحرمة ، وينعشون الضلالة ، ويشبون نار الفتنة ، ويستطيلون بالجبرية ، قد نصبوا لكم العداوة وساروا إليكم بالجنود
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 135 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فمن أراد الجنة والمغفرة فليخرج إلى هؤلاء القوم فليجالدهم في الله . إنتدبوا إلى هؤلاء رحمكم الله ، مع كنانة بن بشر ، ومن يجيب معه من كندة .
فانتدب معه ألفا رجل ، وخرج محمد في نحو ألفين ، واستقبل عمرو كنانة وهو على مقدمة محمد ، فأقبل عمرو نحو كنانة ، فلما دنا منه سرح نحوه الكتائب كتيبة بعد كتيبة ، فجعل كنانة لا يأتيه كتيبة من كتائب أهل الشام ، إلا شد عليها بمن معه فيضربها حتى يلحقها بعمرو ، ففعل ذلك مراراً ، فلما رأى عمرو ذلك بعث إلى معاوية بن حديج الكندي ، فأتاه في مثل الدهم فلما رأى كنانة ذلك الجيش ، نزل عن فرسه ونزل معه أصحابه ، فضاربهم بسيفه وهو يقول : وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلا بِإِذْنِ اللهِ كِتَابًا مُؤَجَّلاً وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ . ثم ضاربهم بسيفه حتى استشهد ( رحمه الله ) .
وإن عمرو بن العاص لما قتل كنانة أقبل نحو محمد بن أبي بكر ، وقد تفرق عنه أصحابه ، فلما رأى ذلك محمد خرج يمضي في الطريق حتى انتهى إلى خربة في ناحية الطريق فآوى إليها ، وجاء عمرو بن العاص حتى دخل الفسطاط ، وخرج معاوية بن حديج في طلب محمد بن أبي بكر ، حتى انتهى إلى علوج على قارعة الطريق فسألهم : هل مر بكم أحد تنكرونه ؟ قالوا : لا ، فقال أحدهم : إني دخلت تلك الخربة فإذا أنا فيها برجل جالس .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 136 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فقال ابن حديج : هو هو ورب الكعبة ، فانطلقوا يركضون حتى دخلوا عليه واستخرجوه وقد كاد يموت عطشاً ، فأقبلوا به نحو الفسطاط . قال : ووثب أخوه عبد الرحمن بن أبي بكر إلى عمرو بن العاص ، وكان في جنده فقال : والله لا يقتل أخي صبراً ، ابعث إلى معاوية بن حديج فانهه عن قتله ! فأرسل عمرو إلى معاوية أن إئتني بمحمد ، فقال معاوية : أقتلتم كنانة بن بشر ابن عمي وأخلي عن محمد ! هيهات ، أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر ! فقال محمد : إسقوني قطرة من الماء . فقال معاوية : لا سقاني الله إن سقيتك قطرة أبداً ، إنكم منعتم عثمان أن يشرب الماء حتى قتلتموه ظامياً محرماً فسقاه الله من الرحيق المختوم ، والله لأقتلنك يا ابن أبي بكر وأنت ظمآن ، فيسقيك الله من الحميم والغسلين !
فقال له محمد بن أبي بكر : يا ابن اليهودية النساجة : ليس ذلك إليك ولا إلى من ذكرت ، إنما ذلك إلى الله يسقي أولياءه ويظمئ أعداءه ، وهم أنت وقرناؤك ، ومن تولاك وتوليته . والله لو كان سيفي في يدي ما بلغتم مني ما بلغتم !
فقال له معاوية بن حديج : أتدري ما أصنع بك ! أدخلك جوف هذا الحمار الميت ثم أحرقه عليك بالنار ! فقال محمد : لئن فعلتم ذلك بي فطالما فعلتم ذلك بأولياء الله ، وأيم الله إني لأرجو أن يجعل الله هذه النار التي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 137 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
تخوفني بها عليَّ برداً وسلاماً ، كما جعلها على إبراهيم خليله ، وأن يجعلها عليك وعلى أوليائك كما جعلها على نمرود وأوليائه ، وإني لأرجو أن يحرقك الله وإمامك ، يعني معاوية بن أبي سفيان ، وهذا وأشار إلى عمرو بن العاص بنار تلظى عليكم ، كلما خبت زادها الله سعيراً .
فقال له معاوية : إني لا أقتلك ظلماً إنما أقتلك بعثمان . فقال له محمد : وما أنت وعثمان ؟ إن عثمان عمل بغير الحق وبدل حكم القرآن وقد قال الله عز وجل : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ . وأولئك هم الظالمون ، وأولئك هم الفاسقون ، فنقمنا عليه أشياء عملها ، فأردنا أن يختلع من عملنا فلم يفعل ، فقتله من قتله من الناس .
فغضب معاوية بن حديج فقدمه فضرب عنقه ، ثم ألقاه في جوف حمار وأحرقه بالنار . . ! وكان معاوية بن حديج ملعوناً خبيثاً ، وكان يسب علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) . . .
قال : وكتب عمرو بن العاص إلى معاوية بن أبي سفيان عند قتل محمد بن أبي بكر وكناية بن بشر : أما بعد فإنا لقينا محمد بن أبي بكر وكناية بن بشر في جموع من أهل مصر ، فدعوناهم إلى الكتاب والسنة فعصوا الحق وتهوكوا في الضلال ، فجاهدناهم فاستنصرنا الله عليهم فضرب الله وجوههم وأدبارهم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 138 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ومنحنا أكتافهم ، فقتل محمد بن أبي بكر ، وكنانة بن بشر ، والحمد لله رب العالمين . والسلام » .
وفي نهاية الإرب : 1 / 110 : « فلما رأى كنانة ذلك ترجل عن فرسه وترجل أصحابه وقرأ : وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلا بِإِذْنِ اللهِ . . . فقاتل حتى قتل ، بعد أن قتل من أهل الشام مقتلة عظيمة ، فلما رأى أصحاب محمد ذلك تفرقوا عنه فنزل محمد عن فرسه ، ومشى حتى انتهى إلى خربة فأوى إليها . . واستخرجوه وقد كاد يموت عطشاً ، فأقبلوا به على الفسطاط ، ووثب أخوه عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق إلى عمرو بن العاص وكان في جنده فقال : أيقتل أخي صبراً ! فأرسل عمرو إلى معاوية بن حديج يأمره أن يأتيه بمحمد بن أبي بكر كرامة لأخيه عبد الرحمن بن أبي بكر ، فقال معاوية : أيقتل كنانة بن بشر وأخلي أنا محمداً ، هيهات هيهات . . !
فقال له معاوية : أتدري ما أصنع بك ، أدخلك في جوف حمار ثم أحرقه عليك بالنار ! قال محمد : إن فعلتم ذلك لطالما فعلتموه بأولياء الله تعالى ! ثم طال الكلام بينهما حتى أخذ معاوية محمداً ثم ألقاه في جيفة حمار ميت ، ثم حرقه بالنار . وقيل إنه قطع رأسه وأرسله إلى معاوية بن أبي سفيان بدمشق وطيف به ، وهو أول رأس طيف به » !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 139 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال الدكتور إبراهيم حسن في : تاريخ عمرو بن العاص / 268 : « قال المقريزي إن الموقعة المذكورة كانت في مدينة يقال لها المنشأة . وقد ذكرها اليعقوبي المسناة أما المنشأة فقد ذكرها المرحوم علي مبارك باشا في خططه فقال : يوجد من هذا الاسم عدة قرى أكبرها وأشهرها منشأة أخميم ، ثم منشأة بكار ، من مديرية الجيزة ، ومنشأة سدود من مديرية المنوفية ، ومنشأة سيوط ، ومنشأة عاصم ، وهي قرية من مديرية الدقهلية بمركز دكرنس على الشاطئ الشرقي للبحر الصغير . والظاهر أن الواقعة كانت في هذه القرية وباسمها سميت » .
وقال الأستاذ صالح الورداني في كتاب الشيعة في مصر / 109 : « ويقع مرقده في بلدة ميت دمسيس التابعة للمنصورة ، وهناك قبر ناحية الفسطاط يقال له محمد الصغير ، والعامة يعتقدون أنه محمد بن أبي بكر ، إلا أن الراجح أن مرقده ناحية المنصورة » .

محاولة علي ( عليه السلام ) نصرة محمد بن أبي بكر رضي الله عنه

تسلم محمد رضي الله عنه حكم مصر من قيس بن سعد ، وأخذ يعالج مشكلة جماعة معاوية ، التي كبرت وصارت ألوف المقاتلين !
وتفاقم الخطر على محمد ، فكتب إلى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ليمده بجيش ، فتباطأ المسلمون عن إجابة أمير المؤمنين ( عليه السلام ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 140 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأرسل الإمام ( عليه السلام ) قائداً قوياً في الإدارة والحرب ، هو مالك الأشتر رضي الله عنه ، لكن معاوية وأنصاره في خربتا تعاونوا ودبَّروا له السم عند مشارف القاهرة ، فاستشهد قبل أن يتسلم عمله من محمد بن أبي بكر ، رضي الله عنهما .
ونشطت المجموعة العثمانية في خَرَبْتَا ، بقيادة مسلمة بن مخلد ومعاوية بن حديج ، وبسر بن أرطاة ، وكانوا بموجب اتفاقهم مع قيس بن سعد دولة داخل الدولة ، وأعلنوا الحرب على محمد بن أبي بكر ، ووعدهم معاوية أن يرسل لهم جيشاً .
روى الثقفي في الغارات : 1 / 288 ، عن جندب بن عبد الله قال : « والله إني لعند عليٍّ ( عليه السلام ) جالس ، إذْ جاءه عبد الله بن قعين جد كعب يستصرخ من قبل محمد بن أبي بكر وهو يومئذ أميرٌ على مصر فقام علي ( عليه السلام ) فنادى في الناس : الصلاة جامعة ، فاجتمع الناس ، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ، وصلى على النبي ( صلى الله عليه وآله ) ثم قال :
أما بعد ، فهذا صريخ محمد بن أبي بكر وإخوانكم من أهل مصر ، وقد سار إليهم ابن النابغة عدو الله وعدوكم ، فلا يكونن أهل الضلال إلى باطلهم والركون إلى سبيل الطاغوت ، أشد اجتماعاً على باطلهم وضلالتهم منكم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 141 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
على حقكم ، فكأنكم بهم قد بدؤوكم وإخوانكم بالغزو ، فاعجلوا إليهم بالمواساة والنصر .
عباد الله إن مصر أعظم من الشام خيراً وخير أهلاً فلا تُغلبوا على مصر فإن بقاء مصر في أيديكم عزٌّ لكم ، وكبت لعدوكم . أخرجوا إلى الجرعة ( بين الكوفة والحيرة ) لنتوافى هناك كلنا غداً ، إن شاء الله .
فلما كان الغد خرج يمشي فنزلها بكرةً فأقام بها حتى انتصف النهار يومه ذلك فلم يوافه منهم مائة رجل فرجع ، فلما كان العشي بعث إلى الأشراف فجمعهم فدخلوا عليه القصر وهو كئيب حزين فقال :
الحمد لله على ما قضى من أمر ، وقدر من فعل ، وابتلاني بكم أيتها الفرقة التي لا تطيع إذا أمرتُ ولا تجيب إذا دعوتُ ! لا أباً لغيركم ما تنتظرون بنصركم ربكم والجهاد على حقكم : الموتَ ، أو الذلَّ لكم في هذه الدنيا في غير الحق ! والله لئن جاءني الموت ، وليأتيني فليفرقن بيني وبينكم وإني لصحبتكم لقال .
ألا دينٌ يجمعكم ، ألا حميةٌ تغضبكم إذْ أنتم سمعتم بعدوكم ينتقص بلادكم ، ويشن الغارة عليكم ! أوليس عجباً أن معاوية يدعو الجفاة الظلمة الطغام فيتبعونه على غير عطاء ولا معونة ، فيجيبونه في السنة المرة والمرتين والثلاث ، إلى أي وجه شاء . ثم إني أدعوكم وأنتم أولوا النهى
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 142 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وبقية الناس ، على المعونة وطائفة منكم على العطاء ، فتختلفون وتتفرقون عني ، وتعصونني وتخالفون عليَّ .
فقام إليه مالك بن كعب الأرحبي فقال : يا أمير المؤمنين أندُب الناس معي فإنه لا عطر بعد عروس ، لمثل هذا اليوم كنت أدخر نفسي ، وإن الأجر لا يأتي إلا بالكره .
ثم التفت إلى الناس وقال : اتقوا الله وأجيبوا إمامكم وانصروا دعوته وقاتلوا عدوكم ، وأنا أسير إليهم يا أمير المؤمنين .
قال : فأمر عليٌّ مناديه سعداً مولاه فنادى : ألا سيروا مع مالك بن كعب إلى مصر ، وكان وجهاً مكروهاً ، فلم يجتمعوا إليه شهراً ، فلما اجتمع له منهم ما اجتمع ، خرج بهم مالك بن كعب فعسكر بظاهر الكوفة ، ثم إنه خرج وخرج معه أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) فنظروا فإذا جميع من خرج معه نحو من ألفي رجل ، فقال علي ( عليه السلام ) : سيروا على اسم الله ، فوالله ما إخالكم تدركون القوم حتى ينقضي أمرهم ! قال : فخرج مالك بهم ، وسار بهم خمس ليال . ثم إن الحجاج بن غزية الأنصاري قدم على علي ( عليه السلام ) من مصر ، وقدم عليه عبد الرحمن بن المسيب الفزاري من الشام ، فأما الفزاري فكان عينه ( عليه السلام ) بالشام ، وأما الأنصاري فكان مع محمد بن أبي بكر بمصر فحدثه الأنصاري بما عاين وشهد بهلاك محمد ، وحدثه الفزاري أنه لم يخرج من الشام حتى قدمت البشرى من قبل عمرو بن العاص تترى يتبع بعضها على أثر بعض
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 143 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بفتح مصر وقتل محمد بن أبي بكر ، وحتى أذَّن معاوية بقتله على المنبر ، فقال له : يا أمير المؤمنين ما رأيت يوماً قط سروراً مثل سرور رأيته بالشام حين أتاهم هلاك ابن أبي بكر !
فقال علي ( عليه السلام ) : أما إن حزننا على قتله على قدر سرورهم به ، لا بل يزيد أضعافاً . قال : فسرح علي ( عليه السلام ) عبد الرحمن بن شريح الشامي إلى مالك بن كعب ، فرده من الطريق » .
وفي نهاية الإرب للنويري ( 1 / 112 ) : « فبعث إلى مالك بن كعب فرده من الطريق ، وذلك لأنه خشي عليهم من أهل الشام قبل وصولهم إلى مصر .
واستقر أمر العراقين على خلاف علي ( عليه السلام ) فيما يأمرهم به وينهاهم عنه ، والخروج عليه والتنقد على أحكامه وأقواله وأفعاله ، لجهلهم وقلة عقلهم وجفائهم وغلظتهم ، وفجور كثير منهم .
فكتب علي عند ذلك إلى ابن عباس وهو نائبه على البصرة ، يشكو إليه ما يلقاه من الناس من المخالفة والمعاندة . . . » .
وقال اليعقوبي في تاريخه : 2 / 193 : « وجه معاوية بن أبي سفيان عمرو بن العاص على مصر على شرطٍ له ، فقدِمها سنة 38 ومعه جيش عظيم من أهل الشام ، فكان على أهل دمشق يزيد بن أسد البجلي ، وعلى أهل فلسطين شمير الخثعمي ، وعلى أهل الأردن أبو الأعور السلمي ومعاوية بن حديج الكندي على الخارجة .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 144 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فلقيهم محمد بن أبي بكر بموضع يقال له المسنَّاة ، فحاربهم محاربة شديدة ، وكان عمرو يقول : ما رأيت مثل يوم المسناة ، وقد كان محمد استذمَّ إلى اليمانية فمايل عمرو بن العاص اليمانية ، فخلَّفوا محمد بن أبي بكر وحده ! فجالد ساعة ثم مضى فدخل منزل قوم خرابة ، واتبعه ابن حديج الكندي فأخذه وقتله ، وأدخله جيفة حمار وحرقه بالنار ، في زقاق يعرف بزقاق الحوف ! وبلغ علياً ضعف محمد بن أبي بكر ، وممالأة اليمانية معاوية وعمرو بن العاص ، فقال : ما أُتيَ محمد من حَرَض » !
معناه : ما غلبه أعداؤه لضعف دينه أو عقله ، ولكنها المقادير .
وفي الغارات : 2 / 756 : ( فدخلوا إليه وربطوه بالحبال وجروه على الأرض وأمر به أن يحرق بالنار في جيفة حمار ! ودفن في الموضع الذي قتل فيه . فلما كان بعد سنة من دفنه أتى غلامه وحفر قبره ، فلم يجد فيه سوى الرأس ، فأخرجه ودفنه في المسجد تحت المنارة » .
وفي المواعظ للمقريزي : 3 / 75 : ( فكانت ولاية محمد بن أبي بكر خمسة أشهر ، ومقتله لأربع عشرة خلت من صفر ، سنة ثمان وثلاثين » .
أقول : تدل روايات غزو معاوية لمصر على أن قوات المسلمين فيها لم تكن كبيرة ، فقد كان مع محمد بن أبي بكر أربعة آلاف ، ألفان مع قائد جيشه كنانة بن بشر ، وألفان معه . ولم يثبتوا في المعركة مع قادتهم . وكان مع
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 145 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عمرو العاص ستة آلاف ، جاء بهم من الشام ، ولعل أهل خَرَبْتا مع معاوية بن حديج وزملائه كانوا ألفين .
وهذا يدل على أن رواية الطبري ( 3 / 353 ) بأن عددهم عشرة آلاف مبالغة . ويبدو أنه لم يكن في الطرفين مقاتلون أولي بأس ، فأقوى جيش محمد كنانة بن بشر المتهم بقتل عثمان فقد قاتل قتالاً شديداً . ومحمد مقاتل متوسط .
أما جيش معاوية فلم يكن فيهم مقاتل مميز ، لكن الموجة السياسية كانت لهم ، وكانوا أكثر ، فهزموا جيش محمد وكنانة ، وقتلوهما رضي الله عنهما .
كما يدل على أن الأقباط لم يدخلوا طرفاً في صراع الحكم في مصر حتى بعد مضي ربع قرن على الحكم الإسلامي فيها ، ودخول كثير منهم في الإسلام .

حزن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) على محمد بن أبي بكر

قال الثقفي في الغارات : 1 / 295 : « وحزن علي ( عليه السلام ) على محمد بن أبي بكر حتى رؤيَ ذلك فيه وتبين في وجهه ، وقام في الناس خطيباً فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : ألا وإن مصر قد افتتحها الفجرة أولياء الجور والظلم ، الذين صدوا عن سبيل الله ، وبغوا الإسلام عوجاً . ألا وإن محمد بن أبي بكر قد استشهد ( رحمه الله ) ، فعند الله نحتسبه .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 146 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أما والله لقد كان ما علمت لممن ينتظر القضاء ويعمل للجزاء ، ويبغض شكل الفاجر ، ويحب هَيْن المؤمن .
وإني والله ما ألوم نفسي على تقصير ولا عجز ، وإني بمقاساة الحرب لجد بصير ، وإني لأقدم على الأمر وأعرف وجه الحزم ، وأقوم بالرأي المصيب فأستصرخكم معلناً ، وأناديكم نداء المستغيث معرباً ، فلا تسمعون لي قولاً ولا تطيعون لي أمراً ، تُصَيِّرُون الأمور إلى عواقب المساءة ! فأنتم القوم لا يدرك بكم الثار ، ولا تنقض بكم الأوتار !
دعوتكم إلى غياث إخوانكم منذ بضع وخمسين يوماً ، فجرجرتم عليَّ جرجرة الجمل الأشدق ، وتثاقلتم إلى الأرض تثاقل من ليس له نية في جهاد العدو ، ولا رأي له في اكتساب الأجر .
ثم خرج إلي منكم جُنيد متذائب ضعيف ، كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون ، فأفٍّ لكم ! ثم نزل ، فدخل رحله .
قال : كتب علي ( عليه السلام ) إلى عبد الله بن العباس وهو على البصرة :
بسم الله الرحمن الرحيم ، من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى عبد الله بن العباس : سلام عليك ورحمة الله وبركاته ، أما بعد فإن مصر قد افتتحت ، وقد استشهد محمد بن أبي بكر فعند الله عز وجل نحتسبه . وقد كنت كتبت إلى الناس وتقدمت إليهم في بدء الأمر ، وأمرتهم بإغاثته قبل الوقعة ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 147 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ودعوتهم سراً وجهراً ، وعوداً وبدءاً ، فمنهم الآتي كارهاً ، ومنهم المعتل كاذباً ، ومنهم القاعد خاذلاً !
أسأل الله تعالى أن يجعل لي منهم فرجاً ومخرجاً ، وأن يريحني منهم عاجلاً . فوالله لولا طمعي عند لقاء عدوي في الشهادة ، وتوطيني نفسي على المنية ، لأحببت أن لا أبقى مع هؤلاء يوماً واحداً .
عزم الله لنا ولك على الرشد ، وعلى تقواه وهداه ، إنه على كل شئ قدير . والسلام .
قال ابن أبي الحديد في شرحه ( 16 / 146 ) : « أنظر إلى الفصاحة كيف تعطي هذا الرجل قيادها وتملكه زمامها . واعجب لهذه الألفاظ المنصوبة ، يتلو بعضها بعضاً كيف تواتيه وتطاوعه ، سلسةً سهلةً ، تتدفق من غير تعسف ولا تكلف ، حتى انتهى إلى آخر الفصل فقال : يوماً واحداً ، ولا ألتقي بهم أبداً .
وأنت وغيرك من الفصحاء إذا شرعوا في كتاب أو خطبة ، جاءت القرائن والفواصل تارة مرفوعة ، وتارة مجرورة ، وتارة منصوبة ، فإن أرادوا قسرها بإعراب واحد ظهر منها في التكلف أثرٌ بين ، وعلامةٌ واضحة .
وهذا الصنف من البيان أحد أنواع الاعجاز في القرآن ، ذكره عبد القاهر ، قال : أنظر إلى سورة النساء وبعدها سورة المائدة : الأولى منصوبة الفواصل ، والثانية ليس فيها منصوب أصلاً ، ولو مزجت إحدى السورتين بالأخرى
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 148 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لم تمتزجا ، وظهر أثر التركيب والتأليف بينهما . ثم إن فواصل كل واحد منهما تنساق سياقةً بمقتضى البيان الطبيعي ، لا الصناعة التكلفية .
ثم انظر إلى الصفات والموصوفات في هذا الفصل ، كيف قال : ولداً ناصحا ، وعاملاً كادحا ، وسيفاً قاطعا ، وركناً دافعا . ولو قال ولداً كادحاً وعاملاً ناصحاً ، وكذلك ما بعده لما كان صواباً ، ولا في الموقع واقعاً .
فسبحان من منح هذا الرجل هذه المزايا النفيسة والخصائص الشريفة ! أن يكون غلام من أبناء عرب مكة ، ينشأ بين أهله ، لم يخالط الحكماء ، وخرج أعرف بالحكمة ودقائق العلوم الإلهية من أفلاطون وأرسطو ! ولم يعاشر أرباب الحكم الخلقية والآداب النفسانية ، لأن قريشاً لم يكن أحد منهم مشهوراً بمثل ذلك ، وخرج أعرف بهذا الباب من سقراط !
ولم يرب بين الشجعان ، لأن أهل مكة كانوا ذوي تجاره ، ولم يكونوا ذوي حرب ، وخرج أشجع من كل بشر مشى على الأرض !
قيل لخلف الأحمر : أيما أشجع عنبسة وبسطام أم علي بن أبي طالب ؟ فقال : إنما يذكر عنبسة وبسطام مع البشر والناس ، لا مع من يرتفع عن هذه الطبقة ! فقيل له : فعلى كل حال . قال : والله لو صاح في وجوههما لماتا قبل أن يحمل عليهما .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 149 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وخرج أفصح من سحبان وقس ، ولم تكن قريش بأفصح العرب ، كان غيرها أفصح منها . قالوا : أفصح العرب جرهم ، وإن لم تكن لهم نباهة .
وخرج أزهد الناس في الدنيا ، وأعفهم ، مع أن قريشاً ذووا حرص ومحبة للدنيا . ولا غرو فيمن كان محمد ( صلى الله عليه وآله ) مربيه ومخرجه ، والعناية الإلهية تمده وترفده ، أن يكون منه ما كان » !
وفي الغارات للثقفي : 1 / 300 : « فكتب إليه عبد الله بن عباس : بسم الله الرحمن الرحيم . لعبد الله علي أمير المؤمنين من عبد الله بن عباس : سلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته ، أما بعد فقد بلغني كتابك تذكر فيه افتتاح مصر وهلاك محمد بن أبي بكر ، وأنك سألت الله ربك أن يجعل لك من رعيتك التي ابتليت بها ، فرجاً ومخرجاً . وأنا أسأل الله أن يُعلي كلمتك ، وأن يُعينك بالملائكة عاجلاً ، وأعلم أن الله صانع لك ذلك ، ومعزك ومجيب دعوتك وكابتُ عدوك ، وأخبرك يا أمير المؤمنين أن الناس ربما تباطؤوا ثم نشطوا ، فارفق بهم يا أمير المؤمنين ودارهم ومَنِّهم ، واستعن بالله عليهم كفاك الله المهم . والسلام .
قال : وأخبرني ابن أبي سيف أن عبد الله بن عباس قدم على علي ( عليه السلام ) من البصرة فعزاه بمحمد بن أبي بكر ( رحمه الله ) » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 150 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

منشور أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في أبي بكر وعمر

رواه الكليني بسنده قال : « كتب أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بعد منصرفه من النهروان كتاباً وأمر أن يقرأ على الناس ، وذلك أن الناس سألوه عن أبي بكر وعمر وعثمان ، فغضب لذلك وقال : قد تفرغتم للسؤال عما لا يعنيكم وهذه مصرُ قد افتتحت وقَتل معاوية بن خديج محمد بن أبي بكر ، فيا لها من مصيبة ما أعظمها مصيبتي بمحمد ، فوالله ما كان إلا كبعض بنيَّ . سبحان الله ، بينا نحن نرجو أن نغلب القوم على ما في أيديهم ، إذ غلبونا على ما في أيدينا ، وأنا أكتب لكم كتاباً فيه تصريح ما سألتم إن شاء الله تعالى .
فدعا كاتبه عبيد الله بن أبي رافع فقال له : أدخل عليَّ عشرةً من ثقاتي ، فقال : سمِّهم يا أمير المؤمنين ، فقال : أدخل أصبغ بن نباتة ، وأبا الطفيل عامر بن واثلة الكناني ، وزر بن حبيش الأسدي ، وجويرية بن مسهر العبدي ، وخندف بن زهير الأسدي ، وحارثة بن مضرب الهمداني ، والحارث بن عبد الله الأعور الهمداني ، ومصابيح النخعي ، وعلقمة ابن قيس ، وكميل بن زياد ، وعمير بن زرارة ، فدخلوا إليه فقال لهم : خذوا هذا الكتاب وليقرأه عبيد الله بن أبي رافع وأنتم شهود ، كل يوم جمعة ، فإن شغب شاغب عليكم فأنصفوه بكتاب الله بينكم وبينه .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 151 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بسم الله الرحمن الرحيم . من عبد الله علي أمير المؤمنين ، إلى شيعته من المؤمنين والمسلمين ، أما بعد فإن الله يقول : وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لإِبْرَاهِيمَ ، وهو إسمٌ شرفه الله تعالى في الكتاب ، وأنتم شيعة النبي محمد ( صلى الله عليه وآله ) كما أنه من شيعة إبراهيم ، إسمٌ غير مختص وأمر غير مبتدع ، وسلام الله عليكم ، والله هو السلام ، المؤمِّن أولياءه من العذاب المهين ، الحاكم عليكم بعدله . . » .
إلى آخر المنشور وهو طويل ، وفيه موقفه ( عليه السلام ) من الخلافة وما حدث بعد النبي ( صلى الله عليه وآله ) . ورواه الثقفي في الغارات : 1 / 302 ، وابن طاووس في كشف المحجة / 173 ، وآخرون .

حزن أسماء على ابنها وعائشة على أخيها محمد

قال الثقفي في الغارات : 1 / 285 : « فلما بلغ ذلك عائشة أم المؤمنين جزعت عليه جزعاً شديداً ، وقنتت في دبر كل صلاة تدعو على معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص ومعاوية بن حديج ، وقبضت عيال محمد أخيها وولده إليها ، فكان القاسم بن محمد بن أبي بكر في عيالها . . . عن أبي إسحاق : أن أسماء بنت عميس لما أتاها نعيُ محمد بن أبي بكر وما صنع به كظمت حزنها ، وقامت إلى مسجدها حتى تشخبت دماً » . وفي رواية تشخب ثدياها دماً .
وفي الغارات : 2 / 756 : ( ولما سمعت أمه أسماء بنت عميس بقتله كظمت الغيظ حتى شخبت ثدياها دماً . ووَجَدَ ( حزن ) عليه علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) وجْداً عظيماً وقال : كان لي ربيباً ، وكنت أعده ولداً ، ولبنيَّ أخاً » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 152 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي مقابل حزن أسماء بنت عميس على ابنها ، وحزن عائشة على أخيها ، كانت فرحة ضرتها أم حبيبة « أم المؤمنين » بنت أبي سفيان أخت معاوية ، فقد ابتكرت بكيدها أسلوباً للشماتة بمقتل محمد !
ففي الغارات للثقفي : 2 / 757 : « لما قتل ووصل خبره إلى المدينة مع مولاه سالم ومعه قميصه ، ودخل به داره اجتمع رجال ونساء ! فأمرت أم حبيبة بنت أبي سفيان زوج النبي ( صلى الله عليه وآله ) بكبش فشُوِيَ ، وبعثت به إلى عائشة وقالت : هكذا قد شُوِيَ أخوك ! فلم تأكل عائشة بعد ذلك شواء حتى ماتت » ! ( وروى نحوه البلاذري في أنساب الأشراف / 4 ، ورواه الدميري في الحيوان : 1 / 404 .
وفي الغارات : 1 / 287 : « حلفت عائشة لا تأكل شواءً أبداً ، فما أكلت شواءً بعد مقتل محمد حتى لحقت بالله ! وما عثرت قط إلا قالت : تعس معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص ومعاوية بن حديج » .
لكن عائشة مع ذلك لم تُحرض على معاوية ، كما فعلت مع عثمان !
ففي سير الذهبي : 2 / 186 : « إن معاوية لما حج قدم فدخل على عائشة ، فلم يشهد كلامها إلا ذكوان مولى عائشة فقالت لمعاوية : أأمنتَ أن أخبئ لك رجلاً يقتلك بأخي محمد ؟ قال : صدقت » ! والطبري : 4 / 205 .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 153 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي شرح الأخبار : 2 / 171 ، قال معاوية : « لا أخاف ذلك لأني في دار أمان ، لكن كيف أنا في حوائجك ؟ ! قالت : صالح . قال : فدعيني وإياهم حتى نلتقي عند الله » . ومعناه : أنه أرضاها بالمال فسكتت !
وكذلك سكت عبد الرحمن بن أبي بكر عن أخذ ثأر أخيه سكوتاً ذليلاً ، فقد كان في جيش عمرو العاص ، واعترض على قتل أخيه محمد ، لكن ابن حديج أصر عليه لأنهم قتلوا كنانة بن بشر ، وهو كندي من قبيلته ! فسكت عبد الرحمن ولم يقل شيئاً !
وكذلك سكت بنو تَيْم عن الأخذ بثأر محمد بن أبي بكر من بني أمية . مع أن القبائل لا تسكت عادة عن ثأر ابنها ، وحتى عن ثأر حليفها وغلامها !

معاوية خال المؤمنين ومحمد بن أبي بكر ليس خالهم !

قال إمام المعتزلة أبو جعفر الإسكافي في كتابه المعيار والموازنة / 21 : « وأبين من هذا في جهل الأنعام الضالة والحمُر المستنفرة ، أن عائشة عندهم في أزواج النبي ( صلى الله عليه وآله ) أفضل من بنت أبي سفيان وأكثر في الشهرة والمعرفة ، فإذا ذكر معاوية بسوء غضبوا وأنكروا ولعنوا ، وعلتهم أنه خال المؤمنين ! وإذا ذكر محمد بن أبي بكر بسوء رضوا وأمسكوا ومالوا مع ذاكره ، وخؤولته ظاهرة بائنة .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 154 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد نفرت قلوبهم من علي بن أبي طالب ، لأنه حارب معاوية وقاتله وسكنت قلوبهم عند قتل معاوية عماراً ومحمد بن أبي بكر ، وله حرمة الخؤولة ، وهو أفضل من معاوية ، وأبوه خير من أبي معاوية .
فتدبروا فيما ذكرناه ، لتعلموا أن علة القوم الخديعة والجهالة ، وإلا فما بالهم لا يستنكرون قتل محمد بن أبي بكر ، ولا يذكرون خؤولته للمؤمنين ؟ قاتلهم الله أنى يؤفكون .
وقد مالوا عن إمامة علي بن أبي طالب وضعفوها ، وبعضهم نفاها بما كان من خلاف عائشة وطلحة والزبير ، وقعود ابن عمر ومحمد بن مسلمة وأسامة بن زيد ، وهؤلاء النفر الذين أوجبوا الشك في علي عندهم وضعفوا إمامته بقولهم ، هم الذين طعنوا على عثمان وألبوا عليه وذكروه بالتبديل والإستيثار ، وأولهم بادرةً عليه عائشة ، كانت تخرج إليه قميص رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وهو على المنبر وتقول : يا عثمان هذا قميص رسول الله لم يَبْلَ وقد أبليت سنته !
فوالله ما قدح الشك في قلوبهم في عثمان بقولهم ، ولا قصروا عن تفصيله وتقديمه بطعنهم ، ولا أثر ذلك في صدورهم . . . !
وكيف تمت بيعة أبي بكر عندكم بأبي عبيدة بن الجراح وعمر بن الخطاب ، مع خلاف سعد وامتناعه من البيعة ، وخلاف الأنصار ، وأبو بكر الساعي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 155 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إليها والداعي لها ؟ ! ولم تتم بيعة علي بن أبي طالب بالمهاجرين والأنصار والسابقين إلى الإيمان ، وهم الطالبون له والمجتمعون عليه ، وليس له نظير في زمانه يشاكله ويعادله .
أفٍّ لهذا من مقال ، ما أبين تناقضه وأقل حياء الدائن به » !
وقال الكراجكي في كتابه : التعجب من أغلاط العامة / 104 : ( ومن عجيب أمر الحشوية ووقاحتهم في العناد والعصبية ، أنهم يقولون : إن معاوية بن أبي سفيان خال المؤمنين . . . فلم لا يسمون محمد بن أبي بكر خال المؤمنين ، ويكون أحق بذلك من معاوية بن أبي سفيان . . . وكيف يجب أن تحفظ أم حبيبة في أخيها معاوية ، ولم يجب أن تحفظ عائشة في أخيها محمد » ! ؟
وقال ابن كثير في تفسيره : 3 / 477 : ( وهل يقال لمعاوية وأمثاله : خال المؤمنين ؟ فيه قولان للعلماء ، ونص الشافعي على أنه لا يقال ذلك .
وهل يقال لهن أمهات المؤمنات فيدخل النساء في جمع المذكر السالم تغليباً ؟ فيه قولان ، صح عن عائشة أنها قالت لا يقال ذلك ، وهذا أصح الوجهين في مذهب الشافعي » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 156 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

لم يتهنأ ابن العاص بملك مصر !

وفي تاريخ دمشق : 49 / 427 : « وقدم عمرو بن العاص على معاوية بعد فتحه مصر فعمل معاوية طعاماً فبدأ بعمرو وأهل مصر فغداهم ، ثم خرج أهل مصر واحتبس عمرواً عنده ، ثم أدخل أهل الشام فتغدوا ، فلما فرغوا من الغداء قالوا : يا أبا عبد الله بايع ! قال : نعم ، على أن لي عُشْراً ، يعني مصر !
فبايعه على أن له ولاية مصر ما كان حياً . فبلغ ذلك علياً فقال ما قال » .
يقصد قول أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : « كرَّ على العاصي بن العاصي فاستماله فمال إليه ، ثم أقبل به بعد أن أطعمه مصر ! وحرامٌ عليه أن يأخذ من الفئ دون قَسْمه درهماً » . ( الخصال / 378 ) .
أو قوله : « إنه لم يبايع معاوية حتى شرط له أن يؤتيه أتيَّة ، ويرضخ له على ترك الدين رضيخة » ! ( نهج البلاغة : 1 / 148 ) .
وفي تاريخ اليعقوبي : 2 / 221 : « وكانت مصر والمغرب لعمرو بن العاص طُعْمَةً شرطها له يوم بايع ! ونسخة الشرط : هذا ما أعطى معاوية بن أبي سفيان عمرو بن العاص ، مصرَ ، أعطاه أهلها ، فهم له حياته » !
أقول : لاحظ أن معاوية يرى مصراً وشعبها ملك له ، فيهبهما لابن العاص ! والحمد لله أن ابن العاص كان في آخر عمره ، فلم يتمتع بحكم مصر ووارداتها ، إلا سنتين وكسراً !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 157 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
روى الحاكم : 3 / 452 : « لما حضرت عمرو بن العاص الوفاة قال : كِيلوا مالي ، فكالوه فوجدوه اثنين وخمسين مُداً ، فقال : من يأخذه بما فيه ، يا ليته كان بعراً ! قال : وكان المد ستة عشر أوقية والأوقية منه مكوكان . ومات عمرو بن العاص يوم الفطر وقد بلغ أربعاً وتسعين سنة » .
ونقل الرواة عن عمرو حالة صحو وجرأة اعترف فيها بالحق على نفسه ! ففي تاريخ عمرو بن العاص للدكتور حسن إبراهيم / 270 : « قال عمرو بن العاص : أعجب الأشياء أن المبطل يغلب المحق ! يُعَرِّض بعلي ومعاوية ! فقال معاوية : بل أعجب الأشياء أن يعطى الإنسان ما لا يستحق . يعرض بعمرو ومصر التي أخذها له طُعمة » !
وفي الإستيعاب لابن عبد البر : 3 / 1190 ، عن الشافعي قال : « دخل ابن عباس على عمرو بن العاص في مرضه فسلَّم عليه وقال : كيف أصبحت يا أبا عبد الله ؟ قال : أصلحت من دنياي قليلاً وأفسدت من ديني كثيراً ! فلو كان الَّذي أصلحت هو الَّذي أفسدت والَّذي أفسدت هو الَّذي أصلحت لفُزت . ولو كان ينفعني أن أطلب طلبت ولو كان ينجيني أن أهرب هربت ، فصرت كالمنجنيق بين السماء والأرض ، لا أرقى بيدين ولا أهبط برجلين » !
وهكذا اعترف بأنه أفسد دينه بالظلم والقتل والمعاصي ، لكنه اعتراف بعد فوات الأوان ! فمعاصيه تركت بصماتها على تاريخ المسلمين وعقائدهم !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 158 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وروى أحمد في مسنده : 4 / 200 ، وصححه الهيتمي في الزوائد : 9 / 353 : « جزع عمرو بن العاص عند الموت جزعاً شديداً ، فلما رأى ذلك ابنه عبد الله بن عمرو قال : يا أبا عبد الله ما هذا الجزع وقد كان رسول الله يدنيك ويستعملك ؟ قال : أي بنيَّ قد كان ذلك وسأخبرك عن ذلك : إني والله ما أدري أحباً ذلك كان أم تألفاً يتألفني ! ولكن أشهد على رجلين أنه قد فارق الدنيا وهو يحبهما : ابن سمية وابن أم عبد » .
ومعناه أنه أحس أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) كان يَعُدُّه من المؤلفة قلوبهم ، لا من المؤمنين !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 159 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

شخصية محمد بن أبي حذيفة رضي الله عنه

1 . هو محمد ، بن أبي حذيفة ، بن عتبة ، بن ربيعة ، بن عبد شمس . وجده عتبة زعيم بني أمية ، وكان من أشد المشركين على النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، ومع ذلك كان أعقلهم ، يفكر في حل وسط بين قريش والنبي ( صلى الله عليه وآله ) فعرض عليه يوماً أن يعبدوا ربه يوماً ويعبد أصنامهم يوماً ! فأنزل الله تعالى : قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ . لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ . وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ .
وكانوا يوماً في دار الندوة ( ابن هشام : 1 / 190 ) فعرض عليهم عتبة أن يكلم النبي ( صلى الله عليه وآله ) لعله يتوصل معه إلى حل ، فذهب إليه وكلمه فقرأ عليه النبي ( صلى الله عليه وآله ) سورة السجدة فذهل عتبة : « فقال بعضهم لبعض : نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به . فلما جلس إليهم قالوا : ما وراءك يا أبا الوليد ؟ قال : ورائي أني قد سمعت قولاً والله ما سمعت مثله قط ! والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة . يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها بي ، خَلُّوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه ، فاعتزلوه ، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم ، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم ، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم وعزه عزكم ، وكنتم أسعد الناس به . قالوا : سَحَرَكَ والله يا أبا الوليد بلسانه ! قال : هذا رأيي فيه ، فاصنعوا ما بدا لكم » !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 160 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وكان عتبة أبرز قادة المشركين في بدر ، فقال النبي ( صلى الله عليه وآله ) عنه ( ابن هشام : 2 / 453 ) : « إن يكن في أحد من القوم خير ، فعند صاحب الجمل الأحمر ، فإن يطيعوه يرشدوا » !
ولما رأوا عزم النبي ( صلى الله عليه وآله ) على القتال قال له حكيم بن حزام : « يا أبا الوليد إنك كبير قريش وسيدها والمطاع فيها ، هل لك إلى أن لا تزال تذكر فيها بخير إلى آخر الدهر ؟ فقال : وما ذاك يا حكيم ؟ قال : تُرجع الناس ، وتحمل أمر حليفك عمرو بن الحضرمي ( الذي كان قتله جيش النبي ( صلى الله عليه وآله ) ) قال : قد فعلت ، أنت عليَّ بذلك ، إنما هو حليفي فعليَّ عقله وما أصيب من ماله ، فأت ابن الحنظلية ، قال ابن هشام : والحنظلية أم أبي جهل . . فإني لا أخشى أن يشجر أمر الناس غيره . . ثم قام عتبة خطيباً ، فقال : يا معشر قريش إنكم والله ما تصنعون بأن تلقوا محمداً وأصحابه شيئاً ، والله لئن أصبتموه لا يزال الرجل ينظر في وجه رجل يكره النظر إليه ، قتل ابن عمه أو ابن خاله أو رجلاً من عشيرته ، فارجعوا وخلوا بين محمد وبين سائر العرب ، فإن أصابوه فذاك الذي أردتم ، وإن كان غير ذلك ألفاكم ولم تعرضوا منه ما تريدون . . . فقال : انتفخ والله سحره حين رأى محمداً وأصحابه ، كلا والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد ! وما بعتبة ما قال ، ولكنه قد رأى أن محمداً وأصحابه أكلة جزور ، وفيهم ابنه قد تخوفكم عليه » . ( ابن هشام : 2 / 454 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 161 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يقصد أبو جهل أن عتبة انتفخت أوداجه وجَبُنَ ، وخاف أن يقتلوا ابنه أبا حذيفة وكان مع المسلمين ! فأثاره أبو جهل بذلك فكان أول المبارزين هو وأخوه شيبة وابنه الوليد ، فقتلهم الله بيد علي وحمزة وعبيدة بن عبد المطلب .
« ولما أمر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بهم أن يلقوا في القليب ، أخذ عتبة بن ربيعة فسحب إلى القليب ، فنظر رسول الله فيما بلغني في وجه أبي حذيفة بن عتبة فإذا هو كئيب قد تغير لونه ، فقال : يا أبا حذيفة لعلك قد دخلك من شأن أبيك شئ ؟ أو كما قال ( صلى الله عليه وآله ) . فقال : لا والله يا رسول الله ، ما شككت في أبي ولا في مصرعه ، ولكنني كنت أعرف من أبي رأياً وحلماً وفضلاً ، فكنت أرجو أن يهديه ذلك إلى الإسلام ، فلما رأيت ما أصابه ، وذكرت ما مات عليه من الكفر بعد الذي كنت أرجو له ، أحزنني ذلك . فدعا له رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بخير ، وقال له خيراً » . ( ابن هشام : 2 / 468 ) .
2 . أسلم أبو حذيفة بن عتبة ، وهاجر إلى الحبشة مع زوجته سهلة بنت سهيل بن عمرو رئيس بني سهم ، وولد ابنه محمد في الحبشة .
وتزوج أبو حذيفة امرأة أنصارية تسمى ثبيتة بنت يعار ، ثم طلقها وكان لها غلام فارسي هو سالم مولى أبي حذيفة ، فأعتقته ، فتبناه أبو حذيفة وزوجه بنت أخيه الوليد بن عتبة .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 162 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
واشتهر سالم من صغره بذكائه ودهائه ، فأعجب به عمر وأبو بكر وكان يصلي بهم على صغر سنه لأنه يحفظ القرآن : « وروى البخاري من حديث ابن عمر : كان سالم مولى أبي حذيفة يؤم المهاجرين الأولين في مسجد قباء ، فيهم أبو بكر وعمر » . ( الإصابة : 3 / 12 ) .
ثم كان سالم وأبو عبيدة شريكي الشيخين في عملهم لأخذ الخلافة وكأنهم اتفقوا على التناوب عليها ! قال في تاريخ المدينة : 3 / 140 : « لما طعن عمر قيل له : لو استخلفت ؟ قال : لو شهدني أحد رجلين استخلفته أني قد اجتهدت ولم آثم أو وضعتها موضعها : أبو عبيدة بن الجراح ، وسالم مولى أبي حذيفة » . وسالم فارسي ، لا عربي ولا قرشي .
وقد اشترك أبو حذيفة وسالم مولاه في حرب مسيلمة الكذاب ، التي عرفت بحرب اليمامة ، واستشهدا معاً فيها .
وقد اشتهر سالم بأنه رضع وهو كبير من سهلة زوجة أبي حذيفة ليحرم عليها ، ولم يُروَ ذلك عن سالم ولا عن سهلة مباشرةً ، بل زعمت عائشة أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) أجاز لسهلة ذلك ، وتحججت به عائشة فأرضعت بضعة رجال من أختها وزوجة أخيها ليحرموا عليها ، واستنكر ذلك نساء النبي ( صلى الله عليه وآله ) ! وقد روى عبد الرزاق في مصنفه : 7 / 458 نحو خمسين رواية في باب رضاع الكبير ، وفيها استنكار المسلمين لعمل عائشة ، وأسماء بعض من أرضعتهم ليحرموا عليها ويدخلوا عليها !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 163 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
3 . عندما استشهد أبوه ، كان محمد بن أبي حذيفة شاباً دون العشرين ، ويظهر أنه عاش بعيداً عن أمه سهلة ، ففي الإصابة : 8 / 193 : « ثم تزوجت شماخ بن سعيد بن قائف بن الأوقص السلمي ، فولدت له عامراً ، ثم تزوجت عبد الله بن الأسود بن عمرو من بني مالك بن حسل فولدت له سليطاً ، ثم تزوجت عبد الرحمن بن عوف فولدت له سالماً ، فهم إخوة محمد بن أبي حذيفة لأمه » .
وقد شارك محمد في فتوح الشام ، وذات يوم ركب سفينة مع كعب الأحبار الذي كان المفتي لعمر وعثمان ، وكان يرافق جيش الفتح أحياناً إلى المناطق الآمنة ويزعم أنه يعرف المغيبات ويحدثهم بها ! فكان محمد بن أبي حذيفة ( رحمه الله ) يسخر منه ومن علمه المزعوم ! قال عمر ابن شبة في تاريخ المدينة : 3 / 1117 : « عن محمد بن سيرين قال : ركب كعب الأحبار ومحمد بن أبي حذيفة في سفينة قِبَلَ الشام ، زمن عثمان في غزوة غزاها المسلمون ، فقال محمد لكعب : كيف تجد نعت سفينتنا هذه في التوراة تجري غداً في البحر ! فقال كعب : يا محمد لا تسخر بالتوراة فإن التوراة كتاب الله . قال : ثم قال له ( محمد ) ذاك ثلاث مرات » !
وهذا يشير إلى أن محمداً كان شيعياً ، لا يقبل علم كعب ، حاخام الحكومة .
وكان محمد ( رحمه الله ) يجيد القرآن ، فقد وصفت رواية البيهقي ( 3 / 225 ) خطبته يوم الجمعة في مصر ، فقالت : « خرج محمد بن أبي حذيفة فاستوى على المنبر فخطب وقرأ سورة ، وكان من أقرأ الناس » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 164 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
4 . تمكن معاوية من القبض على ابن خاله محمد بن أبي حذيفة ، وقتله . وأشاع روايات متضاربة في قتله ، ليبعد التهمة عن نفسه ، فلا ننسَ أن آل عتبة بن ربيعة الذين منهم محمد ، أشرف في الحساب القبلي من آل حرب الذين منهم معاوية . وأن آل حرب الذين منهم معاوية أشرف من آل العاص الذين منهم عثمان !
لذا اهتم معاوية أن يبعد عن نفسه قتل ابن خاله لئلا يكون لآل عتبة ثأر عنده ، فصرت تجد روايات متضاربة في مقتل محمد رضي الله عنه ، كرواية أنه هرب من السجن فلحقه غلام لمعاوية بحوارين قرب حمص وقتله دون علم معاوية ! مع أن الغلام والجندي لا يجرأ على قتل شخص من الأسرة الحاكمة بدون أمر الحاكم .
وتجد رواية أخرى أن مالك بن هبيرة الكندي ، الذي توسط عند معاوية لحجر بن عدي الكندي فلم يقبل وساطته وقتل حِجراً ، ف غضب وقتل محمد بن أبي حذيفة ثأراً بحجر . . وتجد رواية ثالثة ، ورابعة !
قال الطبري : 3 / 548 : « وفي هذه السنة أعني سنة 36 قتل محمد بن أبي حذيفة ، وكان سبب قتله أنه لما خرج المصريون إلى عثمان مع محمد بن أبي بكر ، أقام بمصر ، وأخرج عنها عبد الله بن سعد بن أبي سرح وضبطها ، فلم يزل بها مقيماً حتى قتل عثمان وبويع لعلي .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 165 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأظهر معاوية الخلاف وبايعه على ذلك عمرو بن العاص ، فسار معاوية وعمرو إلى محمد بن أبي حذيفة قبل قدوم قيس بن سعد مصر فعالجا دخول مصر فلم يقدرا على ذلك ، فلم يزالا يخدعان محمد بن أبي حذيفة حتى خرج إلى عريش مصر في ألف رجل فتحصن بها ، وجاءه عمرو فنصب المنجنيق عليه حتى نزل في ثلاثين من أصحابه وأخذوا وقتلوا رحمهم الله » !
وفي الإصابة : 6 / 11 : « ذكر خليفة بن خياط في تاريخه أن علياً لما ولي الخلافة أقرَّ محمد بن أبي حذيفة على إمرة مصر ، ثم ولاها محمد بن أبي بكر .
واختُلف في وفاته ، فقال ابن قتيبة : قتله رُشدين مولى معاوية . وقال ابن الكلبي : قتله مالك بن هبيرة السكوني » .
وقال الطبري في : 4 / 80 : « اختلف أهل السير في وقت مقتله ، فقال الواقدي : قتل في سنة 36 ، وذكر خبر تحصنه في العريش ثم قال : وأما هشام بن محمد الكلبي فإنه ذكر أن محمد بن أبي حذيفة إنما أخذ بعد أن قتل محمد بن أبي بكر ، ودخل عمرو بن العاص مصر وغلب عليها ، وزعم أن عمراً لما دخل هو وأصحابه مصر أصابوا محمد بن أبي حذيفة ، فبعثوا به إلى معاوية وهو بفلسطين فحبسه في سجن له ، فمكث فيه غير كثير ، ثم إنه هرب من السجن ، وكان ابن خال معاوية فأرى معاوية الناس أنه قد كره انفلاته فقال لأهل الشام : من يطلبه ؟ قال : وقد كان معاوية يحب فيما يرون أن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 166 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ينجو . فقال رجل من خثعم يقال له عبد الله بن عمرو بن ظلام وكان رجلاً شجاعاً وكان عثمانياً : أنا أطلبه ، فخرج في حاله حتى لحقه بأرض البلقاء بحوران ، وقد دخل في غار هناك ، فجاءت حمر تدخله وقد أصابها المطر ، فلما رأت الحمر الرجل في الغار فزعت فنفرت ، فقال حصادون كانوا قريباً من الغار : والله إن لنفر هذه الحمر من الغار لشأناً ، فذهبوا لينظروا فإذا هم به ، فخرجوا ويوافقهم عبد الله بن عمرو بن ظلام الخثعمي فسألهم عنه ووصفه لهم ، فقالوا له : ها هوذا في الغار ، فجاء حتى استخرجه ، وكره أن يرجعه إلى معاوية فيخلى سبيله ، فضرب عنقه » .
ورووا أنه فرَّ مع أصحابه من السجن فلحقه جند معاوية وقتلوه في فلسطين ! ففي تاريخ دمشق : 52 / 272 : « كان رجال من أصحاب النبي يحدثون أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قال : يقتل في جبل الجليل والقطران من أصحابي أو من أمتي ناس ، فكان أولئك النفر الذين قتلوا مع محمد بن أبي حذيفة وأصحابه ، بجبل الجليل والقطران هناك » .
وروى البلاذري في أنساب الأشراف : 2 / 407 ، عدة أقوال في شهادته ( رحمه الله ) قال :
« ويقال أيضاً : إن ابن أبي حذيفة توارى فطلبه عمرو بن العاص حتى قدر عليه وحمله إلى معاوية فحبسه ، ثم هرب من حبسه فلُحق فقتل . . . عن الليث بن سعد قال : بلغنا أن محمد بن أبي حذيفة لما ولِيَ قيس بن سعد ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 167 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
شَخَصَ عن مصر يريد المدينة أو يريد علياً ، وبلغ معاوية خبر شخوصه فوضع عليه الأرصاد حتى أخذ وحمل إليه فحبسه ، فتخلص من الحبس ، واتبعه رجل من اليمانية فقتله . . .
عن صالح بن كيسان قال : لما اجتمع أمر معاوية وعمرو بن العاص بعد الجمل وقبل صفين ، سار عمرو في جيش إلى مصر ، فلما قرب منها لقيه محمد بن أبي حذيفة في الناس ، فلما رأى عمرو كثرة من معه أرسل إليه فالتقيا واجتمعا فقال له عمرو : إنه قد كان ما ترى وقد بايعت هذا الرجل وتابعته ، وما أنا راض بكثير من أمره ولكن له سناً ، وإني لأعلم أن صاحبك علياً أفضل من معاوية نفساً وقدماً وأولى بهذا الأمر ، ولكن واعدني موعداً ألتقي أنا وأنت فيه على مهل في غير جيش ، تأتي في مائة راكب ليس معهم إلا السيوف في القرب وآتي في مثلهم . فتعاقدا وتعاهدا على ذلك ، واتعدا العريش لوقت جعلاه بينهما ، ثم تفرقا ورجع عمرو إلى معاوية فأخبره الخبر ، فلما حل الأجل ، سار كل واحد منهما إلى صاحبه في مائة راكب ، وجعل عمرو له جيشاً خلفه ، وكان ابن أبي حذيفة يتقدمه فينطوي خبره . فلما التقيا بالعريش قدم جيش عمرو على أثره ، فعلم محمد أنه قد غدر به ، فانحاز إلى قصر بالعريش فتحصّن فيه فرماه عمرو بالمنجنيق حتى أخذه أخذاً ، فبعث به عمرو إلى معاوية فسجنه عنده ، وكانت ابنة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 168 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قرظة امرأة معاوية ابنة عمة محمد بن أبي حذيفة ، أمها فاطمة بنت عتبة بن ربيعة ، تصنع له طعاماً وترسل به إليه وهو في السجن ، فلما سار معاوية إلى صفين أرسلت ابنة قرظة بشئ فيه مساحل من حديد إلى ابن أبي حذيفة فقطع بها الحديد عنه ، ثم جاء فاختبأ في مغارة بجبل الذيب بفلسطين ، فدُلَّ عليه رشدين مولى أبي حذيفة أبيه ، وكان معاوية خلَّفه على فلسطين فأخذه فقال له محمد : أنشدك الله لما خلَّيت سبيلي ، فقال له : أخلي سبيلك فتذهب إلى ابن أبي طالب وتقاتل معه ابن عمتك وابن عمك معاوية ، وقد كنت فيمن شايع علياً على قتل عثمان ، فقدمه فضرب عنقه .
وقال المدائني : وقد قيل إن محمد بن أبي حذيفة كان في جيش محمد بن أبي بكر ، فأخذ وبعث به إلى معاوية . والله أعلم .
وقوم يقولون : أن ابن أبي حذيفة حين أخذ لم يزل في حبس معاوية إلى بعد مقتل حجر بن عدي ، ثم إنه هرب فطلبه مالك بن هبيرة بن خالد الكندي ثم السكوني ، ووضع الأرصاد عليه فلما ظفر به قتله غضباً لحجر » .
أقول : هكذا أبعد معاوية دم ابن خاله عن نفسه ، بروايات متناقضة !
وتقدم أنا نرجح أنه توجه إلى المدينة قبل صفين ليلتحق بأمير المؤمنين ( عليه السلام ) مع عدد قليل من أصحابه ، قبل صفين وقبل وصول قيس بعد سعد بن عبادة والياً عليها لأن قيساً كان وقت حرب الجمل في مصر ، فتمكن معاوية
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 169 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
من القبض على محمد وأصحابه في الطريق ، وحبسهم في دمشق ، حتى احتال عليهم وقتلهم !
وتقدم في رواية البلاذري : « فلما ولِيَ قيس بن سعد ، شَخَصَ عن مصر يريد المدينة أو يريد علياً ، وبلغ معاوية خبر شخوصه فوضع عليه الأرصاد حتى أخذ وحمل إليه فحبسه » .
ويؤيده ما رواه الكشي : 1 / 286 : « عن أبي الحسن الرضا ( عليه السلام ) قال : كان أمير المؤمنين ( عليه السلام ) يقول : إن المحامدة تأبي أن يعصى الله عز وجل . قلت : ومن المحامدة ؟ قال محمد بن جعفر ، ومحمد بن أبي بكر ، ومحمد بن أبي حذيفة ، ومحمد بن أمير المؤمنين .
أما محمد بن أبي حذيفة هو ابن عتبة بن ربيعة وهو ابن خال معاوية أخبرني بعض رواة العامة عن محمد بن إسحاق قال : حدثني رجل من أهل الشام قال : كان محمد بن أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة مع علي بن أبي طالب ومن أنصاره وأشياعه ، وكان ابن خال معاوية ، وكان رجلاً من خيار المسلمين ، فما توفى عليٌّ ( عليه السلام ) أخذه معاوية وأراد قتله فحبسه في السجن دهراً ، ثم قال معاوية ذات يوم : ألا نرسل إلى هذا السفيه محمد بن أبي حذيفة فنُبَكِّتَهُ ونخبره بضلاله ، ونأمره أن يقوم فيسب علياً ؟ قالوا : نعم .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 170 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فبعث إليه معاوية فأخرجه من السجن ، فقاله له معاوية : يا محمد بن أبي حذيفة ألم يَأْنَ لك أن تبصر ما كنت عليه من الضلالة بنصرتك علي بن أبي طالب الكذاب . ألم تعلم أن عثمان قتل مظلوماً ، وأن عائشة وطلحة والزبير خرجوا يطلبون بدمه ، وأن علياً هو الذي دس في قتله ، ونحن اليوم نطلب بدمه ؟
قال محمد بن أبي حذيفة : إنك لتعلم أني أمسُّ القوم بك رحماً ، وأعرفهم بك ؟ قال : أجل . قال فوالله الذي لا إله غيره ، ما أعلم أحداً شرك في دم عثمان ، وألَّب الناس عليه غيرك ، لما استعملك ومن كان مثلك ، فسأله المهاجرون والأنصار أن يعز لك فأبى ، ففعلوا به ما بلغك !
ووالله ما أحد اشترك في قتله بدءً وأخيراً إلا طلحة والزبير وعائشة ، فهم الذين شهدوا عليه بالعظيمة وألبوا عليه الناس ، وشركهم في ذلك عبد الرحمن بن عوف ، وابن مسعود ، وعمار ، والأنصار جميعاً .
قال : قد كان ذلك . قال : فوالله إني لأشهد أنك مذ عرفتك في الجاهلية والإسلام لعلى خلق واحد ، ما زاد فيك الإسلام قليلاً ولا كثيراً ، وإن علامة ذاك فيك لبينة !
تلومني على حب علي ! خرج مع علي كل صوام قوام مهاجري وأنصاري ، وخرج معك أبناء المنافقين والطلقاء والعتقاء ، خدعتهم عن دينهم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 171 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وخدعوك عن دنياك ، والله ما خفي عليك ما صنعت ، وما خفي عليهم ما صنعوا إذ أحلوا أنفسهم لسخط الله في طاعتك !
والله لا أزال أحب علياً لله ولرسوله ( صلى الله عليه وآله ) وأبغضك في الله ورسوله ، أبداً ما بقيت ! قال معاوية : وإني أراك على ضلالك بعد . ردوه ، فردوه وهو يقرأ : قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ » .
وقد انفردت هذه الرواية بأن محمداً رضي الله عنه ، بقي في سجن معاوية إلى ما بعد شهادة أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 172 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

ولاية مالك الأشتر على مصر

روى الثقفي في الغارات ( 1 / 254 ) عن المدائني قال : « فلم يلبث ابن أبي بكر شهراً كاملاً حتى بعث إلى أولئك المعتزلين ، الذين كان قيس بن سعد موادعاً لهم ، فقال : يا هؤلاء إما أن تدخلوا في طاعتنا ، وإما أن تخرجوا من بلادنا . فبعثوا إليه : إنا لا نفعل فدعنا حتى ننظر إلى ما يصير إليه أمر الناس فلا تعجل حربنا ، فأبى عليهم ، فامتنعوا منه وأخذوا حذرهم .
ثم كانت وقعة صفين وهم لمحمد هائبون ، فلما أتاهم خبر معاوية وأهل الشام وصارت أمورهم إلى الحكومة ، وأن علياً وأهل العراق قد رجعوا عن معاوية وأهل الشام إلى عراقهم ، اجترؤوا على محمد بن أبي بكر وأظهروا المنابذة له ، فلما رأى ذلك محمد بعث ابن جمهان البلوى إليهم ، وفيهم يزيد بن الحارث من بني كنانة فقاتلهم فقتلوه ، ثم بعث إليهم رجلاً من كلب فقتلوه أيضاً .
وخرج معاوية بن حديج السكسكي فدعا إلى الطلب بدم عثمان ، فأجابه ناس كثير آخرون ، وفسدت مصر على محمد بن أبي بكر ، فبلغ علياً توثبهم عليه فقال : ما لمصر إلا أحد الرجلين : صاحبنا الذي عزلناه عنها بالأمس يعني قيس بن سعد ، أو مالك بن الحارث .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 173 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وكان علي ( عليه السلام ) حين رجع عن صفين قد رد الأشتر إلى عمله بالجزيرة ، وقال لقيس بن سعد : أقم أنت معي على شرطتي حتى نفرغ من أمر هذه الحكومة ، ثم اخرج إلى آذربيجان ، فكان قيس مقيماً على شرطته . فلما انقضى أمر الحكومة كتب علي إلى مالك الأشتر وهو يومئذ بنصيبين :
أما بعد فإنك ممن أستظهر به على إقامة الدين ، وأقمع به نخوة الأثيم ، وأسدُّ به الثغر المخوف ، وقد كنت وليت محمد بن أبي بكر مصر ، فخرجت عليه خوارج وهو غلام حدث السن ، ليس بذي تجربة للحروب ولا مجرباً للأشياء ، فأقدم عليَّ لننظر فيما ينبغي ، واستخلف على عملك أهل الثقة والنصيحة من أصحابك . والسلام .
فأقبل مالك إلى علي ( عليه السلام ) واستخلف على عمله شبيب بن عامر الأزدي ، وهو جد الكرماني الذي كان بخراسان صاحب نصر بن سيار ، فلما دخل مالك على علي ( عليه السلام ) حدثه حديث مصر ، وخبره خبر أهلها وقال : ليس لها غيرك فأخرج إليها رحمك الله ، فإني إن لم أوصك اكتفيت برأيك ، واستعن بالله على ما أهمك . أخلط الشدة باللين ، وارفق ما كان الرفق أبلغ ، واعتزم على الشدة حين لا يغني عنك إلا الشدة » .
أقول : لا يصح عندنا أن الإمام ( عليه السلام ) ندم على عزله قيساً ، وأنه كان يفكر بتوليته مصر مرة ثانية .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 174 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
هذا ، وقد كتب الإمام ( عليه السلام ) عهداً لمالك الأشتر ، يعتبر برنامج عمل للحاكم ، وكتب معه رسالة إلى أهل مصر :

رسالة الإمام ( عليه السلام ) إلى أهل مصر لما أراد معاوية غزوها

( من كتاب له ( عليه السلام ) إلى أهل مصر لما ولي عليهم الأشتر ( رحمه الله ) : من عبد الله عليٍّ أمير المؤمنين ، إلى القوم الذين غضبوا لله حين عصى في أرضه وذُهب بحقه ، فضرب الجور سرادقه على البر والفاجر ، والمقيم والظاعن ، فلا معروف يستراح إليه ، ولا منكر يتناهى عنه .
أما بعد فإني قد بعثت إليكم عبداً من عباد الله ، لا ينام أيام الخوف ، ولا ينكل عن الأعداء حذر الدوائر . لا نأكلٍ من قدم ، ولا واهٍ في عزم ، من أشد عباد الله بأساً ، وأكرمهم حسباً ، أضر على الفجار من حريق النار ، وأبعد الناس من دنس أو عار ، وهو مالك بن الحارث الأشتر ، حسام صارم ، لا نابي الضريبة ، ولا كليل الحد . حليم في السلم ، رزين في الحرب ، ذو رأى أصيل ، وصبر جميل .
فاسمعوا له وأطيعوا أمره ، فإن أمركم بالنفر فانفروا ، وإن أمركم أن تقيموا فأقيموا ، فإنه لا يقدم ولا يحجم إلا بأمري .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 175 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد آثرتكم به على نفسي نصيحة لكم وشدة شكيمة على عدوكم ، عصمكم الله بالهدى ، وثبتكم بالتقوى ، ووفقنا وإياكم لما يحب ويرضى . والسلام عليكم ورحمة الله » . ( نهج البلاغة : 3 / 63 ، والاختصاص / 80 ) .
وقال ابن أبي الحديد في شرحه : 16 / 156 : « هذا الفصل يُشكل عليَّ تأويله لأن أهل مصر هم الذين قتلوا عثمان ، وإذا شهد أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أنهم غضبوا لله حين عصيَ في الأرض ، فهذه شهادة قاطعة على عثمان بالعصيان وإتيان المنكر !
ويمكن أن يقال وإن كان متعسفاً : إن الله تعالى عُصيَ في الأرض لا من عثمان بل من ولاته وأمرائه وأهله ، وذهب بينهم بحق الله وضرب الجور سرادقه بولايتهم ، وأمرهم على البر والفاجر ، والمقيم والظاعن ، فشاع المنكر ، وفقد المعروف .
يبقى أن يقال : هب أن الأمر كما تأولت ، فهؤلاء الذين غضبوا لله إلى ماذا آل أمرهم ، أليس الأمر آل إلى أنهم قطعوا المسافة من مصر إلى المدينة فقتلوا عثمان ! فلا تعدو حالهم أمرين ، إما أن يكونوا أطاعوا الله بقتله فيكون عثمان عاصياً مستحقاً للقتل ، أو يكونوا أسخطوا الله تعالى بقتله ، فعثمان إذا على حق وهم الفساق العصاة .
فكيف يجوز أن يبجلهم أو يخاطبهم خطاب الصالحين !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 176 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يمكن أن يجاب عن ذلك بأنهم غضبوا لله وجاءوا من مصر وأنكروا على عثمان تأميره الأمراء الفساق ، وحصروه في داره طلباً أن يدفع إليهم مروان ليحبسوه ، أو يؤدبوه على ما كتبه في أمرهم ، فلما حُصر طمع فيه مبغضوه وأعداؤه من أهل المدينة وغيرها ، وصار معظم الناس إلباً عليه ، وقلَّ عدد المصريين بالنسبة إلى ما اجتمع من الناس على حصره ومطالبته بخلع نفسه ، وتسليم مروان وغيره من بنى أمية إليهم ، وعزل عماله والإستبدال بهم ، ولم يكونوا حينئذ يطلبون نفسه ، ولكن قوماً منهم ومن غيرهم تسوروا داره ، فرماهم بعض عبيده بالسهام فجرح بعضهم ، فقادت الضرورة إلى النزول والإحاطة به ، وتسرع إليه واحد منهم فقتله ، ثم إن ذلك القاتل قتل في الوقت ، وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم ، وشرحناه ، فلا يلزم من فسق ذلك القاتل وعصيانه أن يفسق الباقون ، لأنهم ما أنكروا إلا المنكر ، وأما القتل فلم يقع منهم ، لا راموه ولا أرادوه ، فجاز أن يقال : إنهم غضبوا لله ، وأن يثنى عليهم ويمدحهم » . هذا ، وسنذكر شهادة الأشتر ( رحمه الله ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 177 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

رسالة أخرى بعثها الإمام ( عليه السلام ) إلى أهل مصر

ويظهر أنها تمهيد لإرسال مالك الأشتر ، وذكر بعضهم أنه أرسلها معه :
« أما بعد فإن الله سبحانه بعث محمداً ( صلى الله عليه وآله ) نذيراً للعالمين ومهيمناً على المرسلين ، فلما مضى ( صلى الله عليه وآله ) تنازع المسلمون الأمر من بعده ، فوالله ما كان يُلقى في روعي ولا يخطر ببالي أن العرب تُزعج هذا الأمر من بعده ( صلى الله عليه وآله ) عن أهل بيته ، ولا أنهم منحوه عني من بعده . فما راعني إلا انثيال الناس على فلان يبايعونه ، فأمسكت يدي ، حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام يدعون إلى محق دين محمد ( صلى الله عليه وآله ) فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلماً أو هدماً ، تكون المصيبة به عليَّ أعظم من فوت ولايتكم ، التي إنما هي متاع أيام قلائل ، يزول منها ما كان كما يزول السراب ، أو كما يتقشع السحاب ، فنهضت في تلك الأحداث ، حتى زاح الباطل وزهق ، واطمأن الدين وتنهنه .
ومنها : إني والله لو لقيتهم واحداً وهم طِلاع الأرض كلها ، ما باليت ولا استوحشت ! وإني من ضلالهم الذي هم فيه والهدى الذي أنا عليه ، لعلى بصيرة من نفسي ، ويقين من ربي . وإني إلى لقاء الله وحسن ثوابه لمنتظر راج . ولكنني آسى أن يلي أمر هذه الأمة سفهاؤها وفجارها ، فيتخذوا مال الله
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 178 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
دِولاً ، وعباده خَوَلاً ، والصالحين حرباً ، والفاسقين حزباً ، فإن منهم الذي قد شرب فيكم الحرام ، وجلد حداً في الإسلام ، وإن منهم من لم يسلم حتى رضخت له على الإسلام الرضائخ . . !
انفروا رحمكم الله إلى قتال عدوكم ، ولا تثاقلوا إلى الأرض فتقروا بالخسف وتبوؤوا بالذل ، ويكون نصيبكم الأخس . وإن أخا الحرب الأرق ومن نام لم ينم عنه . والسلام » . ( نهج البلاغة : 3 / 118 ) .

شهادة مالك الأشتر رضي الله عنه

قال ابن تغري في النجوم الزاهرة : 1 / 103 : « فخرج الأشتر من عند علي وأتى رحله ، وتهيأ للخروج إلى مصر ، وكتب عيون معاوية إليه بولاية الأشتر على مصر فشق عليه وعظم ذلك لديه ، وكان قد طمع في مصر وعلم أن الأشتر متى قدمها كان أشد عليه . فكتب معاوية إلى الخانْسِيَار رجل من أهل الخراج ، وقيل كان دهقان القلزم يقول إن الأشتر واصل إلى مصر قد وليها فإن أنت كفيتني إياه لم آخذ منك خراجاً ما بقيتُ ، فأقبل لهلاكه بكل ما تقدر عليه .
فخرج الخانسيار حتى قدم إلى القلزم فأقام به ، وخرج الأشتر من العراق يريد مصر حتى قدم القلزم ، فاستقبله الخانسيار فقال له : إنزل فإني رجل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 179 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
من أهل الخراج وقد أحضرت ما عندي ، فنزل الأشتر فأتاه بطعام وعلف ، وسقاه شربة من عسل جعل فيها سُمّاً فلما شربه مات . وبعث الخانسيار من أخبر بموته معاوية ، فلما بلغ معاوية وعمرو بن العاص موت الأشتر ، قال عمرو بن العاص إن لله جنوداً من عسل .
وقال ابن الكلبي عن أبيه : لما سار الأشتر إلى مصر أخذ في طريق الحجاز فقدم المدينة فجاءه مولى لعثمان بن عفان يقال له نافع ، وأظهر له الود وقال له : أنا مولى عمر بن الخطاب ، فأدناه الأشتر وقربه ووثق به وولاه أمره ، فلم يزل معه إلى عين شمس ، أعني المدينة الخراب خارج مصر بالقرب من المطرية ، وفيها ذلك العمود المذكور في أول أحوال مصر من هذا الكتاب ، فلما وصل إلى عين شمس تلقاه أهل مصر بالهدايا ، وسقاه نافع المذكور العسل فمات منه » .
قال الطبري : 2 / 72 : « وأقبل معاوية يقول لأهل الشأم : إن علياً وجَّهَ الأشتر إلى مصر فادعوا الله أن يكفيكموه ، فكانوا كل يوم يدعون الله على الأشتر . وأقبل الذي سقاه إلى معاوية فأخبره بمهلك الأشتر ، فقام معاوية في الناس خطيباً فحمد الله وأثنى عليه وقال : أما بعد فإنه كانت لعلي بن أبي طالب يدان يمينان ، قَطعتُ إحداهما يوم صفين يعنى عمار بن ياسر ، وقَطعت الأخرى اليوم يعني الأشتر » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 180 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي تاريخ دمشق : 56 / 376 ، أن معاوية قال لأهل الشام : « يا أهل الشام إنكم منصورون ومستجاب لكم الدعاء فادعوا الله على عدوكم ! فرفع أهل الشام أيديهم يدعون عليه ، فلما كانت الجمعة الأخرى خطب فقال : يا أهل الشام إن الله قد استجاب لكم وقتل عدوكم ! وإن لله جنوداً في العسل ، فرفع أهل الشام أيديهم حامدين الله على كفايتهم إياه » . ( ونحوه تاريخ اليعقوبي : 2 / 179 ، وشرح النهج : 6 / 76 ) .
وفي مجمع الأمثال : 2 / 215 : « لا جِدَّ إلا ما أقْعَصَ عنك . يقال ضربه فأقعصه أي قتله مكانه . يقول : جدك الحقيقي ما دفع عنك المكروه ، وهو أن تقتل عدوك دونك . قاله معاوية حين خاف أن يميل الناس إلى عبد الرحمن بن خالد بن الوليد ، فاشتكى عبد الرحمن فسقاه الطبيب شربة عسل فيها سُمٌّ فأخرقته ، فعند ذلك قال معاوية هذا القول » .
وفي محاضرات الأدباء للراغب : 1 / 531 : « قال معاوية لما أتاه خبر موت أمير المؤمنين علي : لا جدَّ إلا ما أقعص عنك » .

حزن الإمام ( عليه السلام ) على مالك الأشتر

« عن صعصعة بن صوحان قال : فلما بلغ علياً ( عليه السلام ) موت الأشتر قال : إنا لله وإنا إليه راجعون ، والحمد لله رب العالمين . اللهم إني أحتسبه عندك فإن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 181 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
موته من مصائب الدهر ، فرحم الله مالكاً فقد وفى بعهده ، قضى نحبه ولقي ربه ، مع أنا قد وطنا أنفسنا على أن نصبر على كل مصيبة بعد مصابنا برسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فإنها أعظم المصائب . .
عن فضيل بن خديج ، عن أشياخ النخع قالوا : دخلنا على علي ( عليه السلام ) حين بلغه موت الأشتر ، فجعل يتلهف ويتأسف عليه ويقول : لله در مالك ، وما مالك ! لو كان جبلاً لكان فِنداً ، ولو كان حجراً لكان صَلْداً ، أما والله ليهدن موتك عالماً وليفرحن عالماً ، على مثل مالك فلتبك البواكي ، وهل موجود كمالك ؟ ! فقال علقمة بن قيس النخعي : فما زال عليٌّ ( عليه السلام ) يتلهف ويتأسف حتى ظننا أنه المصاب به دوننا ، وقد عُرف ذلك في وجهه أياماً » .
وفي الإختصاص / 81 : « وبكى عليه أياماً ، وحزن عليه حزناً شديداً ، وقال : لا أرى مثله بعده أبداً » .
وفي أمالي المفيد / 81 : « ولما بلغ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وفاة الأشتر جعل يتلهف ويتأسف عليه ويقول : لله در مالك ، لو كان من جبل لكان أعظم أركانه ، ولو كان من حجر لكان صلداً . أما والله ليهدن موتك عالماً ، فعلى مثلك فلتبك البواكي . ثم قال : إنا لله وإنا إليه راجعون ، والحمد لله رب العالمين ، إني أحتسبه عندك ، فإن موته من مصائب الدهر ، فرحم الله مالكاً فقد وفى بعهده وقضى نحبه ولقي ربه » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 182 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وشهد أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في الأشتر شهادة عظيمة فقال : « رحم الله مالكاً وما مالك ! عزَّ عليَّ به هالكاً . لو كان صخراً لكان صَلداً ( لصلابته ويقينه ) ولو كان جبلاً لكان فِنداً ( مميزاً عن الجبال ) وكأنه قُدَّ مني قداً » ( رجال الكشي : 1 / 283 ) .
وأعظم منها شهادة النبي ( صلى الله عليه وآله ) بحق المقداد رضي الله عنه ! « كان عظيم الشأن كبير المنزلة حسن الرأي ، قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : قُدَّ منِّي قَدّاً » . ( نهج الحق / 304 ) .

قبر مالك الأشتر رضي الله عنه في مصر

« لما سار الأشتر إلى مصر أخذ في طريق الحجاز فقدم المدينة ، فجاءه مولى لعثمان يقال له نافع وأظهر له الود . . فلم يزل معه إلى عين شمس ، فلما وصل إلى عين شمس تلقاه أهل مصر بالهدايا ، وسقاء نافع العسل فمات !
وهذه الرواية أقرب الروايات إلى الواقع ، وتؤكد صحة موضع قبره بمنطقة القلج ، وهي من أحياء المرج ، والمرج مدخل القاهرة من شمالها الشرقي وهي قرب بلدة الخانكة ، وهي ضمن مدينة عين شمس القديمة » . ( الشيعة في مصر للورداني / 108 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 183 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

عهد الإمام ( عليه السلام ) إلى مالك الأشتر

من كنوز الأمة الإسلامية عهد أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) إلى الصحابي الجليل مالك الأشتر رضي الله عنه ، عندما ولاه مصر ( نهج البلاغة : 3 / 82 ) وهو برنامج عمل شامل للحاكم ، في سلوكه الشخصي ، والسياسي ، والعمراني .
ولم يعرف قدره عالمنا الإسلامي مع الأسف ، وعرفه بعض الحقوقيين الغربيين فترجموه إلى الألمانية وغيرها ، وجعلوه مصدراً للتقنين . ولا يتسع المجال للإفاضة فيه ، فنكتفي بإيراد نصه ، ووضع عناوين لفقراته :
هدف الحكم
( بسم الله الرحمن الرحيم . هذا ما أمر به عبد الله علي أمير المؤمنين مالك بن الحارث الأشتر ، في عهده إليه حين ولاه مصر : جباية خراجها ، وجهاد عدوها ، واستصلاح أهلها ، وعمارة بلادها .
أصول الفكر والسلوك للحاكم
أمره بتقوى الله وإيثار طاعته ، واتباع ما أمر به في كتابه : من فرائضه وسننه التي لا يسعد أحد إلا باتباعها ، ولا يشقى إلا مع جحودها وإضاعتها ، وأن ينصر الله سبحانه بقلبه ويده ولسانه ، فإنه جل اسمه قد تكفل بنصر من نصره ، وإعزاز من أعزه .
وأمره أن يكسر نفسه من الشهوات ، ويزعها عند الجمحات ، فإن النفس أمارة بالسوء إلا ما رحم الله .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 184 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كيف يجب أن تكون نظرة الحاكم إلى نفسه ؟
ثم اعلم يا مالك أني قد وجهتك إلى بلاد قد جرت عليها دول قبلك ، من عدل وجور ، وأن الناس ينظرون من أمورك في مثل ما كنت تنظر فيه من أمور الولاة قبلك ويقولون فيك ما كنت تقول فيهم . وإنما يستدل على الصالحين بما يجري الله لهم على ألسن عباده . فليكن أحب الذخائر إليك ذخيرة العمل الصالح . فاملك هواك ، وشح بنفسك عما لا يحل لك ، فإن الشح بالنفس الإنصاف منها ، فيما أحبت أو كرهت .
أهم صفات الحاكم محبة المواطنين كلهم
وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم ، ولا تكونن عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم ، فإنهم صنفان : إما أخ لك في الدين وإما نظير لك في الخلق ، يفرط منهم الزلل ، وتعرض لهم العلل ، ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ . فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب أن يعطيك الله من عفوه وصفحه ، فإنك فوقهم ، ووالي الأمر عليك فوقك ، والله فوق من ولاك . وقد استكفاك أمرهم وابتلاك بهم .
خطأ شعور الحاكم بالصراع بينه وبين فئة من المواطنين
ولا تنصبن نفسك لحرب الله فإنه لا يدي لك بنقمته ، ولا غنى بك عن عفوه ورحمته . ولا تندمن على عفو ، ولا تبجحن بعقوبة ، ولا تسرعن إلى بادرة وجدت منها مندوحة ولا تقولن إني مؤمر آمر فأطاع ، فإن ذلك إدغال في القلب ، ومنهكة للدين ، وتقرب من الغير .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 185 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كيف يجاهد الحاكم نفسه ويتخلص من غروره ؟
وإذا أحدث لك ما أنت فيه من سلطانك أبهة أو مخيلة ، فانظر إلى عظم ملك الله فوقك وقدرته منك على ما لا تقدر عليه من نفسك ، فإن ذلك يطامن إليك من طماحك ، ويكف عنك من غربك ، ويفئ إليك بما عزب عنك من عقلك . إياك ومساماة الله في عظمته والتشبه به في جبروته ، فإن الله يذل كل جبار ويهين كل مختال . أنصف الله وأنصف الناس من نفسك ، ومن خاصة أهلك ، ومن لك فيه هوى من رعيتك ، فإنك إلا تفعل تظلم ، ومن ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده ، ومن خاصمه الله أدحض حجته ، وكان لله حرباً حتى ينزع ويتوب . وليس شئ أدعى إلى تغيير نعمة الله وتعجيل نقمته ، من إقامة على ظلم ، فإن الله سميع دعوة المضطهدين وهو للظالمين بالمرصاد .
موقف الحاكم إلى جنب الجمهور وليس البطانة
وليكن أحب الأمور إليك أوسطها في الحق ، وأعمها في العدل وأجمعها لرضى الرعية فإن سخط العامة يجحف برضى الخاصة ، وإن سخط الخاصة يغتفر مع رضى العامة .
وليس أحد من الرعية أثقل على الوالي مؤونة في الرخاء ، وأقل معونة له في البلاء ، وأكره للإنصاف ، وأسأل بالإلحاف ، وأقل شكراً عند الإعطاء ، وأبطأ عذراً عند المنع وأضعف صبراً عند ملمات الدهر ، من أهل الخاصة . وإنما عماد الدين وجماع المسلمين والعدة للأعداء العامة من الأمة ، فليكن صغوك لهم وميلك معهم .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 186 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
موقف الحاكم من المخابرات والمتملقين والنمامين
وليكن أبعد رعيتك منك وأشنؤهم عندك ، أطلبهم لمعائب الناس ، فإن في الناس عيوباً الوالي أحق من سترها . فلا تكشفن عما غاب عنك منها ، فإنما عليك تطهير ما ظهر لك ، والله يحكم على ما غاب عنك . فاستر العورة ما استطعت ، يستر الله منك ما تحب ستره من رعيتك .
أطلق عن الناس عقدة كل حقد . واقطع عنك سبب كل وتر . وتغاب عن كل ما لا يضح لك ، ولا تعجلن إلى تصديق ساع ، فإن الساعي غاش وإن تشبه بالناصحين .
ولا تدخلن في مشورتك بخيلاً يعدل بك عن الفضل ويعدك الفقر ، ولا جباناً يضعفك عن الأمور ، ولا حريصاً يزين لك الشره بالجور ، فإن البخل والجبن والحرص غرائز شتى يجمعها سوء الظن بالله .
صفات الوزراء الحسنة والسيئة
إن شر وزرائك من كان للأشرار قبلك وزيراً ، ومن شركهم في الآثام . فلا يكونن لك بطانة ، فإنهم أعوان الأثمة ، وإخوان الظلمة ، وأنت واجد منهم خير الخلف ، ممن له مثل آرائهم ونفاذهم ، وليس عليه مثل آصارهم وأوزارهم ، ممن لم يعاون ظالماً على ظلمه ، ولا آثما على إثمه . أولئك أخف عليك مؤونة ، وأحسن لك معونة ، وأحنى عليك عطفاً ، وأقل لغيرك إلفاً ، فاتخذ أولئك خاصة لخلواتك وحفلاتك ، ثم ليكن آثرهم عندك أقولهم بمُرِّ الحق لك ، وأقلهم مساعدة فيما يكون منك ، مما كره الله لأوليائه ، واقعاً ذلك من هواك حيث وقع ، والصق بأهل الورع والصدق ، ثم رُضْهم على أن لا يطروك ، ولا يبجحوك بباطل لم تفعله ، فإن كثرة الإطراء تحدث الزهو ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 187 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وتدني من العزة .
محاسبة الوزراء
ولا يكون المحسن والمسئ عندك بمنزلة سواء ، فإن في ذلك تزهيداً لأهل الإحسان في الإحسان ، وتدريباً لأهل الإساءة على الإساءة ، وألزم كلاً منهم ما ألزم نفسه .
سياسة إعطاء الحرية للمواطنين وحسن الظن بهم
واعلم أنه ليس شئ بأدعى إلى حسن ظن راع برعيته ، من إحسانه إليهم ، وتخفيفه المؤونات عليهم ، وترك استكراهه إياهم على ما ليس قبلهم ، فليكن منك في ذلك أمر يجتمع لك به حسن الظن برعيتك ، فإن حسن الظن يقطع عنك نصباً طويلاً ، وإن أحق من حسن ظنك به لمن حسن بلاؤك عنده ، وإن أحق من ساء ظنك به لمن ساء بلاؤك عنده .
احترام العادات الاجتماعية وتحسينها
ولا تنقض سنة صالحة عمل بها صدور هذه الأمة ، واجتمعت بها الألفة ، وصلحت عليها الرعية . ولا تحدثن سنة تضر بشئ من ماضي تلك السنن ، فيكون الأجر لمن سنها ، والوزر عليك بما نقضت منها .
المشارون في القضايا الإستراتيجية
وأكثر مدارسة العلماء ، ومنافثة الحكماء ، في تثبيت ما صلح عليه أمر بلادك ، وإقامة ما استقام به الناس قبلك .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 188 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
طبيعة المجتمع وواقع كونه فئات وطبقات
واعلم أن الرعية طبقات لا يصلح بعضها إلا ببعض ، ولا غنى ببعضها عن بعض . فمنها جنود الله . ومنها كتاب العامة والخاصة . ومنها قضاة العدل . ومنها عمال الإنصاف والرفق . ومنها أهل الجزية والخراج من أهل الذمة ومسلمة الناس . ومنها التجار وأهل الصناعات . ومنها الطبقة السفلى من ذوي الحاجة والمسكنة .
وكلا قد سمى الله سهمه ، ووضع على حده فريضته ، في كتابه أو سنة نبيه ( صلى الله عليه وآله ) عهداً منه عندنا محفوظاً ! فالجنود بإذن الله حصون الرعية ، وزين الولاة ، وعز الدين ، وسبل الأمن ، وليس تقوم الرعية إلا بهم .
ثم لا قوام للجنود إلا بما يخرج الله لهم من الخراج ، الذي يقوون به في جهاد عدوهم ، ويعتمدون عليه فيما يصلحهم ، ويكون من وراء حاجتهم .
ثم لا قوام لهذين الصنفين إلا بالصنف الثالث من القضاة والعمال والكتاب لما يحكمون من المعاقد ، ويجمعون من المنافع ، ويؤتمنون عليه من خواص الأمور وعوامها . ولا قوام لهم جميعاً إلا بالتجار ، وذوي الصناعات ، فيما يجتمعون عليه من مرافقهم ، ويقيمونه من أسواقهم ، ويكفونهم من الترفق بأيديهم ، ما لا يبلغه رفق غيرهم . ثم الطبقة السفلى من أهل الحاجة والمسكنة الذين يحق رفدهم ومعونتهم ، وفي الله لكل سعة ، ولكل على الوالي حق بقدر ما يصلحه .
وليس يخرج الوالي من حقيقة ما ألزمه الله من ذلك ، إلا بالاهتمام والاستعانة بالله ، وتوطين نفسه على لزوم الحق ، والصبر عليه فيما خف عليه أو ثقل .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 189 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
سياسة الحاكم مع القوات المسلحة
فول من جنودك أنصحهم في نفسك لله ولرسوله ولإمامك ، وأنقاهم جيباً ، وأفضلهم حلماً ، ممن يبطئ عن الغضب ، ويستريح إلى العذر ، ويرأف بالضعفاء وينبو على الأقوياء . وممن لا يثيره العنف ولا يقعد به الضعف .
ثم ألصق بذوي الأحساب ، وأهل البيوتات الصالحة ، والسوابق الحسنة ، ثم أهل النجدة والشجاعة ، والسخاء ، والسماحة ، فإنهم جماع من الكرم ، وشعب من العرف .
ثم تفقد من أمورهم ما يتفقده الوالدان من ولدهما ، ولا يتفاقمن في نفسك شئ قويتهم به . ولا تحقرن لطفاً تعاهدتهم به وإن قل ، فإنه داعية لهم إلى بذل النصيحة لك وحسن الظن بك .
ولا تدع تفقد لطيف أمورهم اتكالاً على جسيمها ، فإن لليسير من لطفك موضعاً ينتفعون به ، وللجسيم موقعاً لا يستغنون عنه . وليكن آثر رؤوس جندك عندك من واساهم في معونته ، وأفضل عليهم من جِدته ، بما يسعهم ويسع من وراءهم من خلوف أهليهم ، حتى يكون همهم هماً واحداً في جهاد العدو . فإن عطفك عليهم يعطف قلوبهم عليك .
سياسة الحاكم مع قادة الجيش الحكام
وإن أفضل قرة عين الولاة استقامة العدل في البلاد ، وظهور مودة الرعية . وإنه لا تظهر مودتهم إلا بسلامة صدورهم ، ولا تصح نصيحتهم إلا بحيطتهم على ولاة أمورهم ، وقلة استثقال دولهم ، وترك استبطاء انقطاع مدتهم . فافسح في آمالهم ، وواصل في حسن الثناء عليهم ، وتعديد ما أبلى ذوو البلاء منهم . فإن كثرة الذكر
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 190 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لحسن أفعالهم تهز الشجاع ، وتحرض الناكل إن شاء الله . ثم اعرف لكل امرئ منهم ما أبلى ، ولا تضيفن بلاء امرئ إلى غيره ، ولا تقصرن به دون غاية بلائه ، ولا يدعونك شرف امرئ إلى أن تعظم من بلائه ما كان صغيراً ، ولا ضعة امرئ إلى أن تستصغر من بلائه ما كان عظيماً .
واردد إلى الله ورسوله ما يضلعك من الخطوب ، ويشتبه عليك من الأمور فقد قال الله تعالى لقوم أحب إرشادهم : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَئْ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ . فالرد إلى الله الأخذ بمحكم كتابه ، والرد إلى الرسول الأخذ بسنته الجامعة غير المفرقة .
سياسة الحاكم مع القوة القضائية
ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك ، ممن لا تضيق به الأمور ، ولا تمحكه الخصوم ، ولا يتمادى في الزلة ، ولا يحصر من الفئ إلى الحق إذا عرفه ، ولا تشرف نفسه على طمع ، ولا يكتفي بأدنى فهم دون أقصاه ، وأوقفهم في الشبهات ، وآخذهم بالحجج ، وأقلهم تبرماً بمراجعة الخصم ، وأصبرهم على تكشف الأمور ، وأصرمهم عند اتضاح الحكم ، ممن لا يزدهيه إطراء ، ولا يستميله إغراء ، وأولئك قليل . ثم أكثر تعاهد قضائه ، وافسح له في البذل ما يزيل علته ، وتقل معه حاجته إلى الناس ، وأعطه من المنزلة لديك ما لا يطمع فيه غيره من خاصتك ، ليأمن بذلك اغتيال الرجال له عندك . فانظر في ذلك نظراً بليغاً ، فإن هذا الدين قد كان أسيراً في أيدي الأشرار ، يُعمل فيه بالهوى ، وتطلب به الدنيا .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 191 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
سياسة الحاكم مع ولاة المحافظات
ثم انظر في أمور عمالك فاستعملهم اختباراً ، ولا تولهم محاباة وأثرةً ، فإنهما جماع من شعب الجور والخيانة ، وتوخ منهم أهل التجربة والحياء ، من أهل البيوتات الصالحة والقدم في الإسلام المتقدمة ، فإنهم أكرم أخلاقاً ، وأصح أعراضاً ، وأقل في المطامع إشرافاً ، وأبلغ في عواقب الأمور نظراً .
ثم أسبغ عليهم الأرزاق ، فإن ذلك قوة لهم على استصلاح أنفسهم ، وغنىً لهم عن تناول ما تحت أيديهم ، وحجة عليهم إن خالفوا أمرك ، أو ثلموا أمانتك .
جهاز المخابرات الخاص برئيس الدولة
ثم تفقد أعمالهم ، وابعث العيون من أهل الصدق والوفاء عليهم ، فإن تعاهدك في السر لأمورهم حدوة لهم على استعمال الأمانة والرفق بالرعية . وتحفظ من الأعوان ، فإن أحدٌ منهم بسط يده إلى خيانة ، اجتمعت بها عليه عندك أخبار عيونك ، اكتفيت بذلك شاهداً ، فبسطت عليه العقوبة في بدنه ، وأخذته بما أصاب من عمله ، ثم نصبته بمقام المذلة ، ووسمته بالخيانة ، وقلدته عار التهمة .
السياسة المالية والضرائبية
وتفقد أمر الخراج بما يصلح أهله ، فإن في صلاحه وصلاحهم صلاحاً لمن سواهم ، ولا صلاح لمن سواهم إلا بهم ، لأن الناس كلهم عيال على الخراج وأهله . وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج ، لأن ذلك لا يدرك إلا بالعمارة . ومن طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد وأهلك العباد ، ولم يستقم أمره إلا قليلاً ، فإن شكوا ثقلاً ، أو علة ، أو انقطاع شرب ، أو بالة ، أو إحالة أرض
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 192 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
اغتمرها غرق ، أو أجحف بها عطش ، خففت عنهم بما ترجو أن يصلح به أمرهم . ولا يثقلن عليك شئ خففت به المؤونة عنهم ، فإنه ذخر يعودون به عليك في عمارة بلادك وتزيين ولايتك ، مع استجلابك حسن ثنائهم وتبجحك ، باستفاضة العدل فيهم ، معتمداً فضل قوتهم بما ذخرت عندهم من إجمامك لهم ، والثقة منهم بما عودتهم من عدلك عليهم في رفقك بهم . فربما حدث من الأمور ما إذا عولت فيه عليهم من بعد احتملوه طيبة أنفسهم به ، فإن العمران محتمل ما حملته ، وإنما يؤتى خراب الأرض من إعواز أهلها ، وإنما يعوز أهلها لإشراف أنفس الولاة على الجمع ، وسوء ظنهم بالبقاء ، وقلة انتفاعهم بالعبر .
الجهاز الإداري الخاص بالحاكم
ثم انظر في حال كُتَّابك ، فولِّ على أمورك خيرهم ، واخصص رسائلك التي تدخل فيها مكائدك وأسرارك بأجمعهم ، لوجود صالح الأخلاق ، ممن لا تبطره الكرامة فيجترئ بها عليك في خلاف لك بحضرة ملأ ، ولا تقصر به الغفلة عن إيراد مكاتبات عمالك عليك ، وإصدار جواباتها على الصواب عنك ، وفيما يأخذ لك ويعطي منك . ولا يضعف عقداً اعتقده لك ، ولا يعجز عن إطلاق ما عقد عليك ، ولا يجهل مبلغ قدر نفسه في الأمور ، فإن الجاهل بقدر نفسه يكون بقدر غيره أجهل .
ثم لا يكن اختيارك إياهم على فراستك واستنامتك وحسن الظن منك ، فإن الرجال يتعرفون لفراسات الولاة بتصنعهم وحسن خدمتهم ، وليس وراء ذلك من النصيحة والأمانة شئ ، ولكن اختبرهم بما ولوا للصالحين قبلك ، فاعمد لأحسنهم كان في العامة أثراً ، وأعرفهم بالأمانة وجهاً ، فإن ذلك دليل على نصيحتك لله ولمن وليت أمره .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 193 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
واجعل لرأس كل أمر من أمورك رأساً منهم ، لا يقهره كبيرها ، ولا يتشتت عليه كثيرها ، ومهما كان في كتابك من عيب فتغابيت عنه ألزمته .
سياسة الدولة مع التجار والكسبة
ثم استوص بالتجار وذوي الصناعات وأوص بهم خيراً : المقيم منهم ، والمضطرب بماله ، والمترفق ببدنه ، فإنهم مواد المنافع وأسباب المرافق ، وجلابها من المباعد والمطارح ، في برك وبحرك ، وسهلك وجبلك ، وحيث لا يلتئم الناس لمواضعها ، ولا يجترئون عليها ، فإنهم سلم لا تخاف بائقته ، وصلح لا تخشى غائلته . وتفقد أمورهم بحضرتك وفي حواشي بلادك .
واعلم مع ذلك أن في كثير منهم ضيقاً فاحشاً ، وشحاً قبيحاً ، واحتكاراً للمنافع ، وتحكماً في البياعات ، وذلك باب مضرة للعامة وعيب على الولاة . فامنع من الإحتكار فإن رسول الله ( عليهما السلام ) منع منه ، وليكن البيع بيعاً سمحاً ، بموازين عدل ، وأسعار لا تجحف بالفريقين من البائع والمبتاع . فمن قارف حكرة بعد نهيك إياه فنكل به ، وعاقب في غير إسراف .
سياسة الدولة مع الطبقة الفقيرة
ثم الله الله في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة لهم ، والمساكين والمحتاجين ، وأهل البؤسى والزمنى ، فإن في هذه الطبقة قانعاً ومعتراً . واحفظ لله ما استحفظك من حقه فيهم ، واجعل لهم قسماً من بيت مالك ، وقسماً من غلات صوافي الإسلام في كل بلد ، فإن للأقصى منهم مثل الذي للأدنى ، وكل قد استرعيت حقه ، فلا يشغلنك عنهم بطر ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 194 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فإنك لا تعذر بتضييعك التافه لإحكامك الكثير المهم ، فلا تشخص همك عنهم ، ولا تصعر خدك لهم ، وتفقد أمور من لا يصل إليك منهم ، ممن تقتحمه العيون ، وتحقره الرجال ، ففرغ لأولئك ثقتك من أهل الخشية والتواضع ، فليرفع إليك أمورهم ، ثم اعمل فيهم بالإعذار إلى الله يوم تلقاه ، فإن هؤلاء من بين الرعية أحوج إلى الإنصاف من غيرهم ، وكل فأعذر إلى الله في تأدية حقه إليه .
وتعهد أهل اليتم ، وذوي الرقة في السن ، ممن لا حيلة له ، ولا ينصب للمسألة نفسه ، وذلك على الولاة ثقيل ، والحق كله ثقيل ، وقد يخففه الله على أقوام طلبوا العاقبة فصبروا أنفسهم ، ووثقوا بصدق موعود الله لهم .
سياسة الحاكم مع المراجعين
واجعل لذوي الحاجات منك قسماً ، تفرغ لهم فيه شخصك ، وتجلس لهم مجلساً عاماً فتتواضع فيه لله الذي خلقك ، وتقعد عنهم جندك وأعوانك من أحراسك وشرطك ، حتى يكلمك متكلمهم غير متتعتع ، فإني سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول في غير موطن : لن تقدس أمة لا يؤخذ للضعيف فيها حقه من القوي غير متتعتع . ثم احتمل الخرق منهم والعي ، ونح عنك الضيق والأنف ، يبسط الله عليك بذلك أكناف رحمته ، ويوجب لك ثواب طاعته . وأعط ما أعطيت هنيئاً ، وامنع في إجمال وإعذار .
برنامج أمير المؤمنين ( عليه السلام ) لعمل الحاكم اليومي
ثم أمورٌ من أمورك لا بد لك من مباشرتها : منها إجابة عمالك بما يعيا عنه كُتابك . ومنها إصدار حاجات الناس يوم ورودها عليك ، مما تحرج به صدور أعوانك . وأمض لكل يوم عمله ، فإن لكل يوم ما فيه ، واجعل لنفسك فيما بينك وبين الله أفضل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 195 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
تلك المواقيت ، وأجزل تلك الأقسام ، وإن كانت كلها لله ، إذا صلحت فيها النية وسلمت منها الرعية . وليكن في خاصة ما تخلص به لله دينك ، إقامة فرائضه التي هي له خاصة ، فأعط الله من بدنك في ليلك ونهارك ، ووف ما تقربت به إلى الله من ذلك كاملاً غير مثلوم ولا منقوص ، بالغاً من بدنك ما بلغ .
وإذا أقمت في صلاتك للناس فلا تكونن منفراً ولا مضيعاً ، فإن في الناس من به العلة وله الحاجة . وقد سألت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) حين وجهني إلى اليمن كيف أصلي بهم فقال : صل بهم كصلاة أضعفهم ، وكن بالمؤمنين رحيما .
لقاءات الحاكم المباشرة مع الناس
وأما بعد فلا تطولن احتجابك عن رعيتك ، فإن احتجاب الولاة عن الرعية شعبة من الضيق ، وقلة علم بالأمور . والإحتجاب منهم يقطع عنهم علم ما احتجبوا دونه ، فيصغر عندهم الكبير ، ويعظم الصغير ، ويقبح الحسن ويحسن القبيح ، ويشاب الحق الحق بالباطل ، وإنما الوالي بشر لا يعرف ما توارى عنه الناس به من الأمور ، وليست على الحق سيماء تتعرف بها ضروب الصدق من الكذب ، وإنما أنت أحد رجلين : إما امرؤ سخت نفسك بالبذل في الحق ، ففيم احتجابك من واجب حق تعطية ، أو فعل كريم تسديه ، أو مبتلى بالمنع ، فما أسرع كف الناس عن مسألتك إذا أيسوا من بذلك ، مع أن أكثر حاجات الناس إليك مما لا مؤونة فيه عليك ، من شكاة مظلمة ، أو طلب إنصاف في معاملة . ثم إن للوالي خاصة وبطانة ، فيهم استئثار ، وتطاول ، وقلة إنصاف في معاملة ، فاحسم مادة أولئك ، بقطع أسباب تلك الأحوال .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 196 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
سياسة الحاكم مع أقاربه وحاشيته
ولا تقطعن لأحد من حاشيتك وحامتك قطيعة ، ولا يطمعن منك في اعتقاد عقدة تضر بمن يليها من الناس ، في شرب أو عمل مشترك ، يحملون مؤونته على غيرهم ، فيكون مهنأ ذلك لهم دونك ، وعيبه عليك في الدنيا والآخرة . وألزم الحق من لزمه من القريب والبعيد ، وكن في ذلك صابراً محتسباً ، واقعاً ذلك من قرابتك وخاصتك حيث وقع . وابتغ عاقبته بما يثقل عليك منه ، فإن مغبة ذلك محمودة ، وإن ظنت الرعية بك حيفاً فأصحر لهم بعذرك ، واعدل عنك ظنونهم بإصحارك ، فإن في ذلك رياضة منك لنفسك ، ورفقاً برعيتك ، وإعذاراً تبلغ به حاجتك ، من تقويمهم على الحق .
سياسة السلم والحذر مع العدو والالتزام الكامل بالإتفاقيات
ولا تدفعن صلحاً دعاك إليه عدوك ولله فيه رضى ، فإن في الصلح دعة لجنودك ، وراحة من همومك ، وأمناً لبلادك . ولكن الحذر كل الحذر من عدوك بعد صلحه ، فإن العدو ربما قارب ليتغفل ، فخذ بالحزم واتهم في ذلك حسن الظن . وإن عقدت بينك وبين عدوك عقدة ، أو ألبسته منك ذمة ، فحط عهدك بالوفاء ، وارع ذمتك بالأمانة ، واجعل نفسك جنة دون ما أعطيت ، فإنه ليس من فرائض الله شئٌ الناس أشد عليه اجتماعاً مع تفرق أهوائهم وتشتت آرائهم ، من تعظيم الوفاء بالعهود . وقد لزم ذلك المشركون فيما بينهم دون المسلمين ، لما استوبلوا من عواقب الغدر . فلا تغدرن بذمتك ، ولا تخيسن بعهدك ، ولا تختلن عدوك ، فإنه لا يجترئ على الله إلا جاهل شقي . وقد جعل الله عهده وذمته أمناً أفضاه بين العباد برحمته ، وحريماً يسكنون
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 197 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إلى منعته ، ويستفيضون إلى جواره . فلا إدغال ولا مدالسة ولا خداع فيه .
ولا تعقد عقداً تجوز فيه العلل ، ولا تعولن على لحن قول بعد التأكيد والتوثقة ، ولا يدعونك ضيق أمر لزمك فيه عهد الله إلى طلب انفساخه بغير الحق ، فإن صبرك على ضيق أمر ترجو انفراجه وفضل عاقبته ، خير من غدر تخاف تبعته ، وأن تحيط بك من الله فيه طلبة ، فلا تستقيل فيها دنياك ولا آخرتك .
تحذير الحاكم من سفك الدماء
إياك والدماء وسفكها بغير حلها ، فإنه ليس شئ أدعى لنقمة ولا أعظم لتبعة ولا أحرى بزوال نعمة وانقطاع مدة ، من سفك الدماء بغير حقها . والله سبحانه مبتدئ بالحكم بين العباد فيما تسافكوا من الدماء يوم القيامة . فلا تقوين سلطانك بسفك دم حرام ، فإن ذلك مما يضعفه ويوهنه بل يزيله وينقله . ولا عذر لك عند الله ولا عندي في قتل العمد ، لأن فيه قود البدن . وإن ابتليت بخطأ وأفرط عليك سوطك أو سيفك أو يدك بعقوبة ، فإن في الوكزة فما فوقها مقتلة ، فلا تطمحن بك نخوة سلطانك عن أن تؤدي إلى أولياء المقتول حقهم . وإياك والإعجاب بنفسك ، والثقة بما يعجبك منها وحب الاطراء ، فإن ذلك من أوثق فرص الشيطان في نفسه ، ليمحق ما يكون من إحسان المحسنين .
الخطوط العامة لسياسة الحاكم مع المواطنين
وإياك والمن على رعيتك بإحسانك ، أو التزيد فيما كان من فعلك ، أو أن تعدهم فتتبع موعدك بخلفك ، فإن المن يبطل الإحسان ، والتزيد يذهب بنور الحق ، والخلف يوجب المقت عند الله والناس ، قال الله تعالى : كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 198 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
التثبت والاعتدال في اتخاذ القرارات
وإياك والعجلة بالأمور قبل أوانها ، أو التسقط فيها عند إمكانها ، أو اللجاجة فيها إذا تنكرت ، أو الوهن عنها إذا استوضحت ، فضع كل أمر موضعه ، وأوقع كل عمل موقعه . وإياك والإستئثار بما الناس فيه أسوة ، والتغابي عما يعنى به مما قد وضح للعيون ، فإنه مأخوذ منك لغيرك . وعما قليل تنكشف عنك أغطية الأمور ، وينتصف منك للمظلوم .
كيف يكون الحاكم حاكم نفسه ويسيطر على غضبه ؟
أملك حمية أنفك ، وسورة حدك ، وسطوة يدك ، وغرب لسانك . واحترس من كل ذلك بكف البادرة ، وتأخير السطوة ، حتى يسكن غضبك ، فتملك الاختيار .
ولن تحكم ذلك من نفسك ، حتى تكثر همومك بذكر المعاد إلى ربك ، والواجب عليك أن تتذكر ما مضى لمن تقدمك من حكومة عادلة ، أو سنة فاضلة ، أو أثر عن نبينا ( صلى الله عليه وآله ) ، أو فريضة في كتاب الله ، فتقتدي بما شاهدته مما عملنا به فيها ، وتجتهد لنفسك في اتباع ما عهدت إليك في عهدي هذا ، واستوثقت به من الحجة لنفسي عليك لكيلا تكون لك علة عند تسرع نفسك إلى هواها .
دعاء أمير المؤمنين ( عليه السلام ) للتوفيق في تحقيق أهدافه في الحكم
وأنا أسأل الله بسعة رحمته وعظيم قدرته على إعطاء كل رغبة ، أن يوفقني وإياك لما فيه رضاه ، من الإقامة على العذر الواضح إليه ، وإلى خلقه ، مع حسن الثناء في العباد ، وجميل الأثر في البلاد ، وتمام النعمة وتضعيف الكرامة ، وأن يختم لي ولك بالسعادة والشهادة ، وإنا إليه راغبون » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 199 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الإمام يرسل الملك الصالح والياً على مصر !
قال السيد الأمين في أعيان الشيعة : 7 / 396 : « فارس المسلمين ، أبو الغارات ، طلائع بن رزيك ، الملقب الملك الصالح وزير مصر . ولد تاسع عشر ربيع الأول سنة 495 ، ومات مقتولاً سنة 556 » .
وقال المقريزي في الخطط : 3 / 18 : « طلائع بن رزيك : أبو الغارات ، الملك الصالح ، فارس المسلمين ، نصير الدين ، قدم في أول أمره إلى زيارة مشهد الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه بأرض النجف من العراق في جماعة من الفقراء ، وكان من الشيعة الإمامية ، وإمام مشهد علي رضي الله عنه يومئذ السيد ابن معصوم ، فزار طلائع وأصحابه وباتوا هنالك ، فرأى ابن معصوم في منامه علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو يقول له : قد ورد عليك الليلة أربعون فقيراً ، من جملتهم رجل يقال له طلائع بن رزيك من كبار محبينا ، قل له : إذهب فقد وليناك مصر !
فلما أصبح أمر أن ينادي : من فيكم طلائع بن رزيك ، فليقم إلى السيد ابن معصوم . فجاء طلائع وسلم عليه ، فقص عليه ما رأى ، فسار حينئذ إلى مصر ، وترقى في الخدم حتى وليَ مُنية بني خصيب .
فلما قَتَلَ نصر بن عباس الخليفة الظافر ، بعث نساء القصر إلى طلائع يستغثن به في الأخذ بثأر الظافر ، وجعلن في طيِّ الكتب شعور النساء ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 200 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فجمع طلائع عندما وردت عليه الكتب ، الناس ، وسار يريد القاهرة لمحاربة الوزير عباس ، فعندما قرب من البلد فرَّ عباس ودخل طلائع إلى القاهرة ، فخُلع عليه خِلَع الوزارة ، ونُعت بالملك الصالح ، فارس المسلمين ، نصير الدين . فباشر البلاد أحسن مباشرة ، واستبد بالأمر لصغر سن الخليفة الفائز بنصر الله إلى أن مات ، فأقام من بعده عبد الله بن محمد ، ولقَّبه بالعاضد لدين الله وبايع له ، وكان صغيراً لم يبلغ الحلم ، فقويت حرمة طلائع وازداد تمكنه من الدولة .
فثقل على أهل القصر لكثرة تضييقه عليهم واستبداده بالأمر دونهم ، فوقف له رجال بدهاليز القصر وضربوه حتى سقط على الأرض على وجهه وحُمل جريحاً لا يعي إلى داره ، فمات يوم الاثنين تاسع عشر شهر رمضان سنة ست وخمسين وخمس مائة ، وكان شجاعاً كريماً ، جواداً فاضلاً ، محباً لأهل الأدب ، جيد الشعر ، رجل وقته ، فضلاً وعقلاً ، وسياسة وتدبيراً .
وكان مهاباً في شكله ، عظيماً في سطوته ، وجمع أموالاً عظيمة ، وكان محافظاً على الصلوات فرائضها ونوافلها ، شديد المغالاة في التشيع ، صنف كتاباً سماه : الاعتماد في الرد على أهل العناد ، جمع له الفقهاء وناظرهم عليه ، وهو يتضمن إمامة علي بن أبي طالب رضي الله عنه والكلام على الأحاديث
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 201 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الواردة في ذلك . وله شعر كثير يشتمل على مجلدين في كل فن ، فمنه في اعتقاده :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] يا أمةً سلكَتْ ضلالاً بيناً * حتى استوى إقرارها وجحودها
ملتم إلى أن المعاصي لم يكن * إلا بتقدير الإله وُجودها
لو صح ذا كان الإلهُ بزعمكُم * مَنَعَ الشريعَة أنْ تُقامَ حدودها
حاشا وكلاّ أن يكونَ إلهنا * ينهى عن الفحشاء ثم يريدها
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] وله قصيدة سماها : الجوهرية في الرد على القدرية .
وجدد الجامع الذي بالقرافة الكبرى ، ووقف ناحية بلقس على أن يكون ثلثاها على الأشراف من بني حسن وبني حسين ابني علي بن أبي طالب رضي الله عنهم ، وسبع قراريط منها على أشراف المدينة النبوية ، وجعل فيها قيراطاً على بني معصوم إمام مشهد عليّ رضي الله عنه .
ولما وليَ الوزارة مال على المستخدمين بالدولة وعلى الأمراء ، وأظهر مذهب الإمامية وهو مخالف لمذهب القوم ، وباع ولايات الأعمال للأمراء بأسعار مقررة ، وجعل مدة كل متولٍّ ستة أشهر ، فتضرر الناس من كثرة تردد الولاة على البلاد ، وتعبوا من ذلك .
وكان له مجلس في الليل يحضره أهل العلم ويدوِّنون شعره ، ولم يترك مدة أيامه غزو الفرنج وتسيير الجيوش لقتالهم في البرّ والبحر ، وكان يُخرج البعوث في كل سنة مراراً .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 202 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وكان يحمل في كلّ عام إلى أهل الحرمين مكة والمدينة من الأشراف سائر ما يحتاجون إليه من الكسوة وغيرها ، حتى يحمل إليهم ألواح الصبيان التي يكتب فيها ، والأقلام والمداد ، وآلات النساء ، ويَحمل كل سنة إلى العلويين الذين بالمشاهد جملاً كبيرة ، وكان أهل العلم يغدون إليه من سائر البلاد ، فلا يخيب أمل قاصد منهم .
ولما كان في الليلة التي قُتِل صبيحتها قال : هذه الليلة ضُرِبَ في مثلها أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه ، وأمر بقربة ممتلئة فاغتسل ، وصلى على رأي الإمامية مائة وعشرين ركعة ، أحيا بها ليله ، وخرج ليركب فعثر وسقطت عمامته عن رأسه وتشوشت ، فقعد في دهليز دار الوزارة وأمر بإحضار ابن الضيف ، وكان يتعمم للخلفاء والوزراء ، وله على ذلك الجاري الثقيل ، فلما أخذ في إصلاح العمامة قال رجل للصالح : نعيذ بالله مولانا ، ويكفيه هذا الذي جرى أمراً يتطير منه ، فإن رأى مولانا أن يؤخر الركوب فعل ، فقال : الطيرة من الشيطان ، ليس إلى تأخير الركوب سبيل ، وركب فكان من ضَرْبِهِ ما كان ، وعاد محمولاً فمات منها كما تقدم » .
أقول : كان إرسال طلائع بن رزيك كرامة لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) في ظرف حساس على مصر ، حيث ضعفت الدولة الفاطمية ، بسبب مؤامرات خصومها ، وترف خلفائها وبَذْخهم ، فطمع فيها الصليبيون .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 203 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وحكم طلائع سبع سنين ، وتقدم قول المقريزي « لم يترك مدة أيامه غزو الفرنج وتسيير الجيوش لقتالهم في البرِّ والبحر ، وكان يُخرج البعوث في كل سنة مراراً . وقد يكون الصليبيون أو عملاء الدولة العباسية وراء اغتياله ، وقد حكم بعده ابنه رُزيك سنتين ، فثار عليه والي الصعيد شاوُر عندما عزله فاستعان عليه بالفرنج وقتله ، وأدخل الفرنج مصر وأجبر الخليفة الفاطمي العاضد على توزيره ، فاستعان العاضد بنور الدين محمود زنكي حاكم سوريا من قبل العباسيين ، والمتصدي لدفع الفرنج ، فأرسل له جيشاً صغيراً بقيادة شيركوه أي أسد الجبل ، وهو كردي معروف بالشجاعة ، فحارب الصليبيين في القاهرة فانهزموا منها إلى الإسكندرية ، ثم حاربهم في الإسكندرية ومعهم شاور ، لكن شيركوه صالح شاور والفرنج على أموال ، وترك مصر وعاد إلى الشام ، فسيطر الفرنج على القاهرة ثانيةً ، وعاثوا فساداً في مصر !
ثم طلب العاضد من نور الدين إرسال قوات ، فأرسل شيركوه ، فكرر ما عمله سابقاً ! ثم عاد الفرنج فاستنجد العاضد بجند الشام وجاء بشيركوه ثالثةً واستوزره ، فغدر به !
قال ابن تغري في النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة : 5 / 343 : « فتحرك شاور بن مجير السعدي من بلاد الصعيد ، وجمع أوباش الصعيد من العبيد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 204 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والأوغاد ، وقدم إلى القاهرة تحراباً لرزيك ، فخرج إليه رزيك بن طلائع وقاتله ، والعاضد في الباطن مع شاور فانهزم رزيك ، ودخل شاور إلى القاهرة وملكها ، وأخرب دور الوزارة ودور بني رزيك ، واختفى الوزير رزيك المذكور إلى أن ظفر به شاور وقتله » .
وقال في النجوم الزاهرة : 5 / 348 : « وأقام شاوُر بالقاهرة على عادته يظلم ويقتل ويصادر الناس ، ولم يبق للعاضد معه أمر ولا نهي . . . وسار أسد الدين ( شيركوه ) ومعه ابن أخيه صلاح الدين يوسف بن أيوب ، حتى نزل بر الجيزة غربي مصر على بحر النيل ، وكان شاور قد أعطى الفرنج الأموال وأقطعهم الإقطاعات ، وأنزلهم دور القاهرة وبنى لهم أسواقاً تخصهم ، وكان مقدم الفرنج الملك مري وابن نيرزان ، فأقام أسد الدين على الجيزة شهرين ، وعدا إلى بر مصر والقاهرة ، في خامس عشرين جمادي الآخرة ، وخرج إليه شاور والفرنج ، ورتب شاور عساكره فجعل الفرنج على الميمنة مع ابن نيرزان ، وعسكر مصر في الميسرة ، وأقام الملك مري الفرنجي في القلب في عسكره من الفرنج ، ورتب أسد الدين عساكره ، فجعل صلاح الدين في الميمنة وفي الميسرة الأكراد ، وأسد الدين في القلب ، فحمل الملك مري على القلب فتعتعه ، وكانت أثقال المسلمين خلفه فاشتغل الفرنج بالنهب ، وحمل صلاح الدين على شاور فكسره وفرق جمعه ، وعاد أسد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 205 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الدين إلى ابن أخيه صلاح الدين وحملا على الفرنج فانهزموا ، فقتلا منهم ألوفاً ، وأسرا مائة وسبعين فارساً ، وطلبوا القاهرة ، فلو ساق أسد الدين خلفهم في الحال ملَكَ القاهرة ، وإنما عدل إلى الإسكندرية ، فتلقاه أهلها طائعين فدخلها وولَّى عليها صلاح الدين ، فأقام صلاح الدين بها ، وسار أسد الدين إلى الصعيد فاستولى عليه ، وأقام يجمع أمواله .
وخرج شاور والفرنج من القاهرة ، فحصروا الإسكندرية أربعة أشهر ، وأهلها يقاتلون مع صلاح الدين ويقوونه بالمال ، وبلغ أسد الدين فجمع عرب البلاد وسار إلى الإسكندرية ، فعاد شاور إلى القاهرة ، وراسل أسد الدين حتى تم الصلح بينهم ، وأعطى شاور أسد الدين إقطاعاً بمصر ، وعجل له مالاً ، فعاد أسد الدين إلى الشام ومعه صلاح الدين ، واعتذر أسد الدين إلى الملك العادل نور الدين محمود بكثرة الفرنج . . .
ثم إن الفرنج طلبوا من شاور أن يكون لهم شحنة بالقاهرة ، وتكون أبوابها بأيدي فرسانهم ، وتحمل إليهم في كل سنة مائة ألف دينار ، ومن سكن منهم بالقاهرة يبقى على حاله ، ويعود بعض ملوكهم إلى الساحل ، فأجابهم شاور إلى ما طلبوا منه . كل ذلك تقرر بين شاور والفرنج ، والعاضد لا يعلم بشئ منه . . . هذا وقد تلاشى أمر الديار المصرية من الظلم ، ولم يبق للعاضد من الخلافة سوى الاسم والخطبة لا غير !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 206 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فلما بلغ شاور فعل الفرنج بالأرياف ، أخرج من كان بمصر من الفرنج بعد أن أساء في حقهم قبل ذلك ، وقتل منهم جماعة كبيرة وهرب الباقون ، ثم أمر شاور أهل مصر بأن ينتقلوا إلى القاهرة ، ففعلوا ، وأحرق شاور مصر ، وسار الفرنج من بلبيس حتى نزلوا على القاهرة في سابع صفر وضايقوها وضربوها بالمجانيق ، فلم يجد شاور بداً أن كاتب الملك العادل نور الدين محموداً بأمر العاضد » .
وفي طبقات الشافعية للسبكي ( 7 / 19 ) : « فاعترضه صلاح الدين يوسف بن أيوب وجماعة من الأمراء النورية فقبضوا عليه ، فجاءهم رسول العاضد يطلب رأس شاور ، فذبح وحمل رأسه إليه ، واستقل أسد الدين ( صار الوزير الأول ) ولم يلبث أن حضرته المنية بعد خمسة وستين يوماً من ولايته ، فقلد العاضد صلاح الدين يوسف ، ولقبه الملك الناصر ، وكتب تقليده القاضي الفاضل ، وبدت سعادة صلاح الدين ، وضعف أمر العاضد » .
وفي طبقات الشافعية ( 7 / 14 ) أن صلاح الدين خاف من الخطبة لبني العباس حذراً من الشيعة ، فوقف الخبوشاني أمام المنبر بعصاه ، وأمر الخطيب أن يذكر بني العباس ففعل ولم يكن إلا الخير ، ووصل إلى بغداد الخبر فزينوها ، وأظهروا من الفرح فوق الوصف . . .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 207 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم قال السبكي : « وتوفي العاضد بعد ذلك في يوم عاشوراء بالقصر ، وجلس السلطان صلاح الدين بعد ذلك للعزاء وأغرب في الحزن والبكاء ، وتسلم القصر بما فيه من خزائن ودفائن وأموال لا تعد ولا تحصى وأمتعة ، استمر البيع فيها بعدما أهدى ووهب وأطلق وادخر ، عشر سنين .
ويحكى أن صلاح الدين قال : لو علمت أن العاضد يموت بعد عشرة أيام ما قطعت خطبته ، وأنه قال : ما رأيت أكرم من العاضد ، أرسلت إليه مدة مقام الإفرنج على دمياط ، أطلب منه نفقة ، فأرسل إلي ألف ألف دينار مصرية ، نصفها خمس مائة ألف دينار ، غير الثياب والأمتعة .
ثم أودع صلاح الدين أقارب العاضد السجن وقرر لهم النفقات . . .
حكي أن العاضد رأى في منامه أن حية خرجت من مسجد معروف بمصر ، ولسعته ، فأرسل جماعة في صبيحة ليلته إلى ذلك المسجد فما رأوا فيه إلا شخصاً أعجمياً فقيراً ، فردوا إليه وقالوا : لم نرَ إلا فقيراً أعجمياً . وتكررت الرؤيا وهو يرسل فلا يرون إلا ذلك الأعجمي ، فقيل له : هذه أضغاث أحلام ، وكان الأعجمي هو الخبوشاني » .
وفي تاريخ أبي الفدا : 3 / 48 : « لما فوض الأمر إلى صلاح الدين ، تاب عن شرب الخمر ، وأعرض عن أسباب اللهو » . ونحوه سير الذهبي : 21 / 282 .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 208 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء : 15 / 207 : « ثم سيَّر العاضد يستنجد بشيركوه على الفرنج ، فسار وهزم الفرنج بعد أن كادوا يأخذون البلاد ، وهمَّ شاور باغتيال شيركوه وكبار عسكره ، فناجزوه وقتلوه في ربيع الآخر سنة أربع وستين ، قتله جرد يك النوري وصلاح الدين . . . فاستوزر العاضد شيركوه فلم يطول ومات بالخانوق بعد شهرين وأيام ، وقام بعده ابن أخيه صلاح الدين . . . شرع صلاح الدين يطلب من العاضد أشياء ، من الخيل والرقيق والمال ، ليقوي بذلك ضعفه ، فسيرني إلى العاضد أطلب منه فرساً ، فأتيته وهو راكب في بستانه الكافوري فقلت له ، فقال : مالي إلا هذا الفرس ونزل عنه ، وشق خفيه ورمى بهما ، فأتيت صلاح الدين بالفرس .
قلت ( الذهبي ) : تلاشى أمر العاضد مع صلاح الدين ، إلى أن خلعه وخطب لبني العباس ، واستأصل شأفة بني عبيد ، ومحق دولة الرفض . . . وكانت دولتهم مئتي سنة وثمانياً وستين سنة ، وقد صنف القاضي أبو بكر بن الباقلاني كتاب كشف أسرار الباطنية ، فافتتحه ببطلان انتسابهم إلى الإمام علي ، وكذلك القاضي عبد الجبار المعتزلي .
هلك العاضد يوم عاشوراء سنة سبع وستين وخمس مئة بذرب مفرط . . . وقيل سقيَ ، وقيل مص خاتما له مسموماً .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 209 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وتسلم صلاح الدين القصر بما حوى من النفائس والأموال ، وقبض أيضاً على أولاد العاضد وآله ، فسجنهم في بيت من القصر ، وقمع غلمانهم وأنصارهم ، وعفى آثارهم .
قال العماد الكاتب : وهم الآن محصورون محسورون لم يظهروا ، وقد نقصوا وتقلصوا ، وانتقى صلاح الدين ما أحب من الذخائر ، وأطلق البيع بعد في ما بقي ، فاستمر البيع فيها مدة عشر سنين » .
أقول : لا يترك الذهبي تعصبه ، ولا يأخذ في الاعتبار أن الخليفة العاضد هو الذي استدعى القوة الكردية من الشام للدفاع عن مصر ، وأمدهم بالمقاتلين والمال حتى انتصروا على الفرنج وحليفهم شاوُر ، ثم غدروا به وأجبروه على استيزار شيركوه ، ثم صلاح الدين ، ثم غدروا به فخلعوه ، وأعلنوا مصر تابعة للخلافة العباسية .
ومن تعصب الذهبي أنه يغطي على خيانة شيركوه ، وقبضه مبلغاً من شاوُر والفرنج وانسحابه من مصر مرتين ، وأنه عندما رجع في المرة الثالثة أبرم معهم اتفاقاً أيضاً أعطاهم بموجبه امتيازات في مصر ! وكان كل ذلك بدون علم العاضد ، كما صرح المؤرخون .
ومن تعصبه أيضاً نفيه نسب الفاطميين إلى علي ( عليه السلام ) تعصباً لبني أمية وبني العباس ، واستشهادة بالباقلاني الذي ألف كتابه تقرباً للعباسيين في بغداد .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 210 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بينما نجد المؤرخين والنسابين أثبتوا نسبهم ، ويكفينا شهادة الشريف الرضي في أبياته ، كما في شرح النهج : 1 / 38 :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] ( ما مُقامي على الهَوَانِ وعندي * مِقْوَلٌ صارمٌ وأنفٌ حَمِيُّ
وإباءٌ محلقٌ بي عن الضيم * كما زاغ طائرٌ وحشُّي
أي عذر له إلى المجد إن * ذلَّ غلاماً في غمده المشرفي
أحمل الضيم في بلاد الأعادي * وبمصرَ الخليفة العلوي
من أبوه أبي ومولاه مولاي * إذا ضامني البعيد القصي
لف عرقي بعرفة سيدا الناس * جميعاً محمدٌ وعلي » .
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] * *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 211 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الرابع : علاقة المصريين بأئمة العترة ( عليهم السلام )

في عهد أمير المؤمنين ( عليه السلام )

دخل عدد من أصحاب أمير المؤمنين ( عليه السلام ) إلى مصر أول فتحها ، مثل مالك الأشتر ، والمقداد بن عمرو ، وأبي ذر الغفاري ، وعبادة بن الصامت ، وعمار بن ياسر ، ومحمد بن أبي بكر ، ومحمد بن أبي حذيفة ، وغيرهم ، رضي الله عنهم ، ثم لم ينقطع التشيع من مصر .
وكان المصريون يلتقون بعلي ( عليه السلام ) في المدينة ، وفي موسم الحج ، ثم وسَّطه الوفد المصري في حل مشكلتهم مع عثمان .
ثم اتسعت العلاقة بين علي ( عليه السلام ) والمصريين ، وكان بعضهم يقصد الكوفة في شهر رمضان ليتعبد في مسجدها . فقد جاء في رواية مقتل أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ( روضة الواعظين للنيسابوري / 133 ) عن عبد الله بن محمد الأزدي قال : « إني لأصلي في تلك الليلة في المسجد الأعظم ، مع رجال من أهل مصر ، كانوا يصلون في ذلك الشهر من أوله إلى آخره ، إذ نظرت إلى رجال يصلون في تلك
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 212 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الليلة في المسجد قريباً من السدة ، وخرج علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) لصلاة الفجر ، فأقبل ينادي : الصلاة الصلاة ، فما أدري أنادى ، أم رأيت بريق السيف . . » !

سكن النسائي في مصر وقتله أهل الشام !

نلاحظ أن الشافعي والنسائي لما سكنا مصر تأثرا بأهلها ، فصارا محبين للعترة النبوية ( عليهم السلام ) . وبعض الناس يتصور أن الأمر بالعكس ، وأنهما أثرا على أهل مصر .
قال الحاكم النيسابوري في معرفة علوم الحديث / 82 : « ومع ما جمع أبو عبد الرحمن من الفضائل ، رُزق الشهادة في آخر عمره ، فحدثني محمد بن إسحاق الأصبهاني قال : سمعت مشايخنا بمصر يذكرون أن أبا عبد الرحمن فارق مصر في آخر عمره وخرج إلى دمشق ، فسئل بها عن معاوية بن أبي سفيان وما روى من فضائله ؟ فقال : لا يرضى معاوية رأساً برأس حتى يفضل ! قال : فما زالوا يدفعون في خصييه حتى أخرج من المسجد ، ثم حمل إلى الرملة ومات بها سنة ثلاث وثلاث ماية ، وهو مدفون بمكة » !
وفي الوافي للصفدي : 6 / 256 : « أنكر عليه قوم كتاب الخصائص لعلي رضي الله عنه ، وتركه تصنيف فضائل الشيخين ، فذكر له ذلك فقال : دخلت دمشق والمنحرف بها عن علي كثير ، فصنفت الخصائص رجاء أن يهديهم الله
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 213 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
تعالى ، ثم صنف بعد ذلك فضائل الصحابة فقيل له : ألا تخرج فضائل معاوية ؟ فقال : أي شئ أخرج : اللهم لا تشبع بطنه ! فسكت السائل » !
وفي تاريخ أبي أبي الفداء : 2 / 68 : « ثم عاد إلى دمشق فامتحن في معاوية ، وطُلب منه أن يروى شيئاً من فضائله فامتنع ، وقال : ما يرضى معاوية أن يكون رأساً برأس حتى يفضل » .
وفي فيض القدير للمناوي : 1 / 33 : « دخل دمشق فذكر فضائل علي رضي الله عنه فقيل له : فمعاوية ؟ فقال : ما كفاه أن يذهب رأساً برأس حتى نذكر له فضائل ! فدفع في خصيتيه حتى أشرف على الموت ، فأخرج فمات بالرملة أو فلسطين » . وتهذيب الكمال : 1 / 339 ، وسير أعلام النبلاء : 14 / 132 ، والمنتظم : 13 / 156 ، ووفيات الأعيان : 1 / 77 .
وفي تذكرة الحفاظ للذهبي : 2 / 700 ، وغيرها : « قال الدارقطني : خرج حاجاً فامتحن بدمشق ، وأدرك الشهادة فقال : إحملوني إلى مكة » .
« سئل عن مولده فقال : أشبه أن يكون سنة 215 » ( معجم البلدان : 5 / 282 )

مصر ملجأ العلويين المضطهدين

قال البلاذري في أنساب الأشراف : 3 / 137 ، ونحوه الطبري : 6 / 416 : « كان إدريس بن عبد الله بن حسن في وقعة فخ مع الحسين بن علي ، فهرب في خلافة الهادي إلى مصر ، وعلى بريدها يومئذ واضح مولى صالح بن منصور ، الذي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 214 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يعرف بالمسكين ، وكان واضح يتشيع ، فحمله على البريد إلى المغرب فوقع إلى أرض طنجة وأتى بعض مدنها ، فاستجاب له من بها من البربر ، فلما استخلف الرشيد بعد موسى الهادي أُعلم ذلك ، فضرب عنق واضح ودس الشماخ مولى المهدي ، وكتب له إلى إبراهيم بن الأغلب وهو عامله على إفريقية ، فأنفذه إلى بلاد طنجة ، فادعى الشماخ الطب ، فدعاه إدريس ليسأله عن وجع عرض له في أسنانه فأعطاه سنوناً فيه سُمٌّ كان معه ، ثم هرب فطلب فلم يُقدر عليه ، ومات إدريس وصار مكانه ابن له يقال له إدريس » .
وقال القاضي النعمان في شرح الأخبار : 3 / 331 : « أخرجه مولى له يقال له راشد ، مختفياً حتى سار به إلى مصر . . . وخلف إدريس حملاً بأم ولد ، فولدت ولداً سمي إدريس ، وبلغ وضبط الأمر ، وولد له فسماه محمد فتناسلوا وكثروا ، وهم في المغرب » .
وفي مقاتل الطالبيين / 325 : « فخرج به في جملة حاج مصر وإفريقية وكان إدريس يخدمه ويأتمر له ، حتى أقدمه مصر فنزلها ليلاً فجلس على باب رجل من موالي بني العباس فسمع كلامهما وعرف الحجازية فيهما فقال : أظنكما غريبين . قالا : نعم . قال : وحجازيين . قالا : نعم . فقال له راشد : أريد أن ألقي إليك أمرنا على أن تعاهد الله أنك تعطينا خلة من خلتين : إما أن تؤوينا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 215 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وتؤمننا ، وإما سترت علينا أمرنا حتى نخرج من هذا البلد . قال : أفعل . فعرفه نفسه وإدريس بن عبد الله ، فآواهما وسترهما .
وتهيأت قافلة إلى إفريقية ، فأخرج معها راشداً إلى الطريق وقال له : إن على الطريق مسالح ومعهم أصحاب أخبار تفتش كل من يجوز الطريق ، وأخشى أن تعُرف ، فأنا أمضي به معي على غير الطريق ، حتى أخرجه عليك بعد مسيرة أيام وهناك تنقطع المسالح ، ففعل ذلك وخرج به عليه » .

الكعبة لا تأكل ولا تشرب

روى في الكافي : 4 / 242 ، بسنده عن سعيد بن عمرو الجعفي ، عن رجل من أهل مصر قال : « أوصى إليَّ أخي بجارية كانت له مغنية فارهة ، وجعلها هدياً لبيت الله الحرام ، فقدمت مكة فسألت فقيل : إدفعها إلى بني شيبة وقيل لي غير ذلك من القول ، فاختلف عليَّ فيه ، فقال لي رجل من أهل المسجد : ألا أرشدك إلى من يرشدك في هذا إلى الحق ؟ قلت : بلى ، قال : فأشار إلى شيخ جالس في المسجد فقال : هذا جعفر بن محمد ( عليهما السلام ) فسله .
قال : فأتيته فسألته وقصصت عليه القصة فقال : إن الكعبة لا تأكل ولا تشرب ، وما أهدي لها فهو لزوارها . بعِ الجارية ، وقم على الحجر فناد هل من منقطع به ، وهل من محتاج من زوارها ، فإذا أتوك فسل عنهم ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 216 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأعطهم واقسم فيهم ثمنها . قال فقلت له : إن بعض من سألته أمرني بدفعها إلى بني شيبة ؟
فقال : أما إن قائمنا لو قد قام لقد أخذهم وقطع أيديهم ، وطاف بهم وقال : هؤلاء سراق الله فاعرفوهم » .
أقول : يقصد ( عليه السلام ) ببني شيبة المستأكلين باسم الكعبة ، سواء كانوا من بني شيبة نسباً ، أو مثلهم عملاً وحسباً .

زنديق يؤمن على يد الإمام الصادق ( عليه السلام )

روى الصدوق في التوحيد / 293 ، عن علي بن منصور قال : « قال لي هشام بن الحكم : كان زنديق بمصر يبلغه عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) علم ، فخرج إلى المدينة ليناظره فلم يصادفه بها ، فقيل له : هو بمكة ، فخرج الزنديق إلى مكة ونحن مع أبي عبد الله ( عليه السلام ) ، فقاربنا الزنديق ونحن مع أبي عبد الله في الطواف فضرب كتفه كتف أبي عبد الله ، فقال له أبو عبد الله ( عليه السلام ) : ما اسمك ؟ قال : اسمي عبد الملك . قال : فما كنيتك ؟ قال : أبو عبد الله . قال : فمن الملك الذي أنت له عبد ، أمن ملوك السماء أم من ملوك الأرض ؟ ! وأخبرني عن ابنك أعبد إله السماء ؟ أم عبد إله الأرض ؟
فسكت . فقال أبو عبد الله ( عليه السلام ) : قل ما شئت تخصم !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 217 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال هشام بن الحكم : قلت للزنديق : أما ترد عليه ؟ ! فقبح قولي . فقال له أبو عبد الله ( عليه السلام ) : إذا فرغت من الطواف فأتنا .
فلما فرغ أبو عبد الله ( عليه السلام ) أتاه الزنديق فقعد بين يديه ونحن مجتمعون عنده ، فقال للزنديق : أتعلم أن للأرض تحتاً وفوقاً ؟ قال : نعم ، قال : فدخلت تحتها ؟ قال : لا ، قال : فما يدريك بما تحتها ؟ قال : لا أدري إلا أني أظن أن ليس تحتها شئ .
قال أبو عبد الله ( عليه السلام ) : فالظن عجز ما لم تستيقن . قال أبو عبد الله ( عليه السلام ) : فصعدت السماء ؟ قال : لا ، قال : فتدري ما فيها ؟ قال : لا ، قال : فأتيت المشرق والمغرب فنظرت ما خلفهما ؟ قال : لا .
قال : فعجباً لك ، لم تبلغ المشرق ولم تبلغ المغرب ، ولم تنزل تحت الأرض ولم تصعد السماء ، ولم تخبر هنالك فتعرف ما خلفهن وأنت جاحد ما فيهن ، وهل يجحد العاقل ما لا يعرف ؟ فقال الزنديق : ما كلمني بهذا أحد غيرك !
قال أبو عبد الله ( عليه السلام ) : فأنت في شك من ذلك ، فلعل هو أو لعل ليس هو . قال الزنديق : ولعل ذاك .
فقال أبو عبد الله ( عليه السلام ) : أيها الرجل ليس لمن لا يعلم حجة على من يعلم ، فلا حجة للجاهل على العالم .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 218 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يا أخا أهل مصر تَفَهَّمْ عني ، فإنا لا نشك في الله أبداً ، أما ترى الشمس والقمر والليل والنهار يلجان ولا يشتبهان ، يذهبان ويرجعان قد اضطرا ، ليس لهما مكان إلا مكانها ، فإن كانا يقدران على أن يذهبا فلا يرجعان فلمَ يرجعان ؟ وإن لم يكونا مضطرين فلمَ لا يصير الليل نهاراً والنهار ليلاً ؟
اضطُرَّا والله يا أخا أهل مصر إلى دوامهما ، والذي اضطرهما أحكم منهما وأكبر منهما . قال الزنديق : صدقت .
ثم قال أبو عبد الله ( عليه السلام ) : يا أخا أهل مصر ، الذي تذهبون إليه وتظنونه بالوهم ، فإن كان الدهر يذهب بهم لم لا يردهم ، وإن كان يردهم لم لا يذهب بهم . القوم مضطرون يا أخا أهل مصر ، السماء مرفوعة والأرض موضوعة لمَ لا تسقط السماء على الأرض ، ولمَ لا تنحدر الأرض فوق طاقتها ؟ فلا يتماسكان ، ولا يتماسك من عليهما ؟
فقال الزنديق : أمسكهما والله ربهما وسيدهما . فآمن الزنديق على يدي أبي عبد الله ( عليه السلام ) . فقال له حمران بن أعين : جعلت فداك إن آمنت الزنادقة على يديك ، فقد آمنت الكفار على يدي أبيك .
فقال المؤمن الذي آمن على يدي أبي عبد الله ( عليه السلام ) : إجعلني من تلامذتك . فقال أبو عبد الله ( عليه السلام ) لهشام بن الحكم : خذه إليك فعلمه ، فعلمه هشام ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 219 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فكان معلم أهل مصر وأهل الشام ، وحسنت طهارته ، حتى رضي بها أبو عبد الله ( عليه السلام ) » .
أقول : نبَّهه الإمام ( عليه السلام ) إلى خطأ الملحدين بنفي وجود الله تعالى ، بدون علم ولا إحاطة بهذا الكون المادي ، فضلاً عما وراءه .
ثم نبهه إلى دليل النظم في الكون الذي يدل على القصد والحكمة والهدف ، وأن القاصد الهادف عز وجل لا بد أن يكون أقوى من الطبيعة المادية حتى يجبرها ويضطرها للخضوع لقوانينه وأنظمته .

ذو النون المصري يروي عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) فلسفة الحج

في علل الشرائع للصدوق : 2 / 443 : « قال : سألت ذا النون المصري ، قلت : يا أبا الفيض ، لمَ صيَّر الموقف بالمشعر ، ولم يصيره بالحرم ؟
قال : حدثني من سأل الصادق ( عليه السلام ) ذلك فقال : لأن الكعبة بيت الله والحرم حجابه والمشعر بابه ، فلما أن قصده الزائرون أوقفهم بالباب حتى أذن لهم بالدخول ، ثم أوقفهم بالحجاب الثاني وهو مزدلفة ، فلما نظر إلى طول تضرعهم ، أمرهم بتقريب قربانهم ، فلما قربوا قربانهم وقضوا تفثهم وتطهروا من الذنوب التي كانت لهم حجاباً دونه ، أمرهم بالزيارة على طهارة .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 220 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال فقلت : فلم كره الصيام في أيام التشريق ؟ فقال لأن القوم زوار الله وهم أضيافه ، ولا ينبغي للضيف أن يصوم عند من زاره وأضافه .
قلت : فالرجل يتعلق بأستار الكعبة ما يعني بذلك ؟ قال : مثل ذلك مثل الرجل يكون بينه وبين الرجل جناية ، فيتعلق بثوبه يستخذي له ، رجاء أن يهب له جرمه » .

مصريون مع الإمام الرضا والجواد ( عليهما السلام )

في بصائر الدرجات / 258 ، والكافي : 1 / 384 ، عن علي بن أسباط قال : « رأيت أبا جعفر ( عليه السلام ) قد خرج عليَّ فأحددت النظر إليه والى رأسه والى رجله ، لأصف قامته لأصحابنا بمصر ، فخرَّ ساجداً فقال : إن الله احتج في الإمامة مثل ما احتج في النبوة ، قال الله تعالى : وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا . وقال الله : حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً . فقد يجوز أن يؤتى الحكمة وهو صبي ، ويجوز أن يؤتى وهو ابن أربعين سنة » . ومعناه أن الراوي المصري كان في المدينة ورأى الإمام الجواد ( عليهما السلام ) ، وتأمل صفته ليخبر الشيعة في مصر عن إمامهم بعد الرضا ( عليه السلام ) .

مصريون يزورون قبر الإمام الرضا ( عليه السلام )

في عيون أخبار الرضا ( عليه السلام ) : 2 / 313 ، عن محمد بن أبي القاسم بن محمد بن الفضل التميمي الهروي قال : « سمعت أبا الحسن علي بن الحسن القهستاني قال : كنت بمرو الرود فلقيت بها رجلاً من أهل مصر مجتازاً اسمه حمزة ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 221 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فذكر أنه خرج من مصر زائراً إلى مشهد الرضا ( عليه السلام ) بطوس ، وأنه لما دخل المشهد كان قرب غروب الشمس فزار وصلى ، ولم يكن ذلك اليوم زائرٌ غيره ، فلما صلى العتمة أراد خادم القبر أن يخرجه ويغلق الباب ، فسأله أن يغلق عليه الباب ويدعه في المشهد ليصلي فيه ، فإنه جاء من بلد شاسع ولا يخرجه وأنه لا حاجة له في الخروج ، فتركه وغلق عليه الباب وأنه كان يصلي وحده إلى أن أعيا ، فجلس ووضع رأسه على ركبتيه ليستريح ساعة ، فلما رفع رأسه رأى في الجدار مواجهة وجهه رقعة عليها هذان البيتان :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] من سره أن يرى قبراً برؤيته * يفرج الله عمن زاره كُرَبَهْ
فليأت ذا القبر إن الله أسكنه * سلالةٌ من نبي الله مُنتجبهْ
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] قال فقمت وأخذت في الصلاة إلى وقت السحر ، ثم جلست كجلستي الأولى ووضعت رأسي على ركبتي ، فلما رفعت رأسي لم أرَ على الجدار شيئاً وكان الذي أراه مكتوباً رطباً ، كأنه كتب في تلك الساعة . قال : فانفلق الصبح وفتح الباب وخرجت من هناك » .
مصريون يبحثون عن ولادة الإمام المهدي ( عجل الله تعالى فرجه الشريف )
في الكافي : 1 / 523 : « عن الحسن بن عيسى العريضي أبي محمد ، قال : لما مضى أبو محمد ( عليه السلام ) ( الإمام الحسن العسكري ) ، ورد رجل من أهل مصر بمال إلى مكة للناحية ( للإمام ) فاختُلف عليه ، فقال بعض الناس إن أبا محمد مضى من غير
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 222 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
خلف ، والخلف جعفر ، وقال بعضهم : مضى أبو محمد عن خلف ، فبعث رجل يكنى بأبي طالب ، فورد العسكر ( سامراء ) ومعه كتاب ، فصار إلى جعفر وسأله عن برهان فقال : لا يتهيأ في هذا الوقت . فصار إلى الباب وأنفذ الكتاب إلى أصحابنا فخرج إليه : آجرك الله في صاحبك ، فقد مات وأوصى بالمال الذي كان معه إلى ثقة ليعمل فيه بما يحب ، وأجيب عن كتابه » .
وفي كمال الدين / 491 ، والهداية / 369 : « عن الأعلم المصري ، عن أبي رجاء المصري قال : خرجت في الطلب ، بعد مضي أبي محمد ( عليه السلام ) بسنتين ، لم أقف فيهما على شئ ، فلما كان في الثالثة كنت بالمدينة في طلب ولد لأبي محمد ( عليه السلام ) بصرياء ( قرب المدينة ) وقد سألني أبو غانم أن أتعشى عنده ، وأنا قاعد مفكر في نفسي وأقول : لو كان شئ لظهر بعد ثلاث سنين ، فإذا هاتف أسمع صوته ولا أرى شخصه ، وهو يقول : يا نصر بن عبد ربه ، قل لأهل مصر : آمنتم برسول الله ( صلى الله عليه وآله ) حيث رأيتموه ؟ قال نصر : ولم أكن أعرف اسم أبي ، وذلك أني ولدت بالمدائن فحملني النوفلي وقد مات أبي ، فنشأت بها . فلما سمعت الصوت قمت مبادراً ولم أنصرف إلى أبي غانم ، وأخذت طريق مصر فقلت إن صاحب الزمان بعد أبيه حق ، وإن غيبته حق ، وإنه الهاتف بي . فزال عني الشك وثبت اليقين » .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 223 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الخامس : المصريون ينصرون الإمام المهدي ( عليه السلام )

مصر في عصر ظهور الإمام المهدي ( عليه السلام )

وردت عدة أحاديث عن مصر في عصر ظهور الإمام المهدي ( عليه السلام ) وفيها أحاديث ضعيفة ، وفيها ما يتعلق بحركة الفاطميين ودخولهم إلى مصر وقد خلطها بعضهم بأحاديث خروج السفياني وظهور المهدي ( عليه السلام ) .
لكن بعض أحاديثها صحيح ، وهو يمدح نجباء مصر وأنهم وزراء للإمام المهدي ( عجل الله تعالى فرجه الشريف ) ومنها ما يذكر أن الإمام ( عليه السلام ) سيجعل مصر منبراً عالمياً للإسلام . وقد عقدنا لها فصلاً في : المعجم الموضوعي لأحاديث الإمام المهدي ( عجل الله تعالى فرجه الشريف ) .

نجباء مصر وزراء الإمام المهدي ( عليه السلام )

وقد روت حديث نجباء مصر مصادر الطرفين . فمن مصادرنا : غيبة الطوسي / 284 : « عن جابر الجعفي ، عن الإمام الباقر ( عليه السلام ) قال : يبايع القائم بين الركن والمقام ثلاث مائة ونيف عدة أهل بدر ، فيهم النجباء من أهل مصر ، والأبدال من أهل الشام ، والأخيار من أهل العراق ، فيقيم ما شاء الله أن يقيم » .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 224 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي دلائل الإمامة للطبري الشيعي / 248 ، بسنده عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) قال : « قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : يا علي ، عشر خصال قبل يوم القيامة ، ألا تسألني عنها ؟ قلت : بلى يا رسول الله ، قال : اختلافٌ وقتل أهل الحرمين ، والرايات السود وخروج السفياني ، وافتتاح الكوفة ، وخسف بالبيداء ، ورجل منا أهل البيت يبايع له بين زمزم والمقام ، يركب إليه عصائب أهل العراق ، وأبدال الشام ، ونجباء أهل مصر ، ونصير أهل اليمن ، عدتهم عدة أهل بدر » .
وفي الإختصاص للمفيد / 208 : « عن حذيفة قال : سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول : إذا كان عند خروج القائم ، ينادي مناد من السماء : أيها الناس قُطع عنكم مدة الجبارين ، وولي الأمر خير أمة محمد فالحقوا بمكة . فيخرج النجباء من مصر والأبدال من الشام وعصائب العراق ، رهبانٌ بالليل ليوثٌ بالنهار ، كأن قلوبهم زبر الحديد ، فيبايعونه بين الركن والمقام .
قال عمران بن الحصين : يا رسول الله صف لنا هذا الرجل ، قال : هو رجل من ولد الحسين كأنه من رجال شنوءة ، عليه عباءتان قطوانيتان ، اسمه اسمي ، فعند ذلك تفرح الطيور في أوكارها ، والحيتان في بحارها ، وتمُد الأنهار ، وتفيض العيون ، وتُنبت الأرض ضعف أكلها ، ثم يسير ، مقدمتُه جبرئيل ، وساقته إسرافيل ، فيملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً » . ومجمع البيان : 4 / 398 ، وإثبات الهداة : 3 / 621 ، ونحوه عقد الدرر للسلمي / 83 .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 225 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ورواه ابن حماد في الفتن : 1 / 356 : « قادة المهدي خير الناس ، أهل نصرته وبيعته ، من أهل كوفان ، واليمن ، وأبدال الشام . مقدمته جبريل وساقته ميكائيل ، محبوب في الخلائق ، يطفئ الله تعالى به الفتنة العمياء ، وتأمن الأرض ، حتى إن المرأة لتحج في خمس نسوة ما معهن رجل . لا يتقي شيئاً إلا الله تعطي الأرض زكاتها والسماء بركتها » .
وفي سنن الداني / 104 ، بسنده عن حذيفة قال : « قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) . . بنحو حديث الإختصاص ، وفيه : « فقام عمران بن الحصين الخزاعي فقال : يا رسول الله كيف لنا بهذا حتى نعرفه ؟ فقال : هو رجل من ولدي كأنه من رجال بني إسرائيل ، عليه عباءتان قطوانيتان ، كأن وجهه الكوكب الدري في اللون ، في خده الأيمن خال أسود ، ابن أربعين سنة ، فيخرج الأبدال من الشام وأشباههم ، ويخرج إليه النجباء من مصر ، وعصائب أهل المشرق وأشباههم ، حتى يأتوا مكة فيبايع له بين زمزم والمقام . . . الخ . » . وفردوس الأخبار للديلمي : 5 / 523 ح 8963 ، بعضه ، كما في الداني . وتفسير الطبري : 15 / 17 ، بعضه ، عن حذيفة ، كما في الداني . والفائق للزمخشري : 1 / 87 ، وتهذيب ابن عساكر : 1 / 62 ، و 63 ، و 96 ، وفيه : « عن علي ( عليه السلام ) : الأبدال من الشام ، والنجباء من أهل مصر ، والأخيار من أهل العراق » . « قبة الإسلام بالكوفة ، والهجرة بالمدينة ، والنجباء بمصر ، والأبدال بالشام ، وهم قليل » .
أقول : هذه فضيلة كبيرة لمصر وأهلها ، لأن أصحاب المهدي ( عليه السلام ) الخاصين لهم مقام عظيم ، فهم ممدوحون على لسان النبي ( صلى الله عليه وآله ) وأهل بيته ( عليهم السلام ) . وهم في
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 226 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
دولة العدل الإلهي حكام في العالم .
وفي تاريخ بغداد : 3 / 289 : « عبيد الله بن محمد العيشي قال : سمعت الكتاني يقول : النقباء ثلاث مائة ، والنجباء سبعون ، والبدلاء أربعون ، والأخيار سبعة ، والعُمَد أربعة ، والغوث واحد . فمسكن النقباء المغرب ، ومسكن النجباء مصر ، ومسكن الأبدال الشام ، والأخيار سياحون في الأرض ، والعمد في زوايا الأرض ، ومسكن الغوث مكة ، فإذا عرضت الحاجة من أمر العامة ابتهل فيها النقباء ، ثم النجباء ، ثم الأبدال ، ثم الأخيار ، ثم العمد ، ثم أجيبوا وإلا ابتهل الغوث ، فلا يتم مسألته حتى تجاب دعوته » وتاريخ دمشق : 1 / 300 ، والشعراني / 178 ، والعجلوني : 1 / 25 ، والداني 5 / 1092 .
وفي الفائق : 1 / 87 ، وتهذيب ابن عساكر : 1 / 62 ، عن علي ( عليه السلام ) : « قبة الإسلام بالكوفة ، والهجرة بالمدينة ، والنجباء بمصر ، والأبدال بالشام وهم قليل » .
أقول : هذا فضيلة كبيرة لمصر وأهلها ، لأن أصحاب المهدي ( عليه السلام ) الثلاث مئة وثلاثة عشر لهم مقام عظيم ، فهم ممدوحون على لسان النبي وأهل بيته ( صلى الله عليه وآله ) . وهم وزراء المهدي ( عليه السلام ) وحكام العالم في دولة العدل الإلهي .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 227 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

وفد مصر الذي يحمل البيعة للإمام المهدي ( عليه السلام )

في الإرشاد / 360 : « عن الإمام الرضا ( عليه السلام ) قال : كأني برايات من مصر مقبلات خضر مصبغات ، حتى تأتي الشامات فتؤدى إلى ابن صاحب الوصيات » . وفي رواية : تهدي البيعة .
وهذا الوفد غير النجباء من أصحابه ، الذين يأتون إليه عند ظهوره في مكة . ومعنى تؤدي إليه البيعة أو تهديها : أنها تبايعه نيابة عن أهل مصر ، وهو إشارة إلى أن حكومة موالية للمهدي ( عليه السلام ) تقوم في مصر .

أمير الأمرة في مصر سنة ظهور المهدي ( عليه السلام )

روى النعماني في كتاب الغيبة / 283 ، بسنده عن عبيد الله بن العلاء ، عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) قال : « إن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) حدث عن أشياء تكون بعده إلى قيام القائم ، فقال الحسين : يا أمير المؤمنين ، متى يطهر الله الأرض من الظالمين ، فقال أمير المؤمنين : لا يطهر الله الأرض من الظالمين حتى يسفك الدم الحرام ثم ذكر أمر بني أمية وبني العباس في حديث طويل ، ثم قال : إذا قام القائم بخراسان ، وغلب على أرض كوفان والملتان ، وجاز جزيرة بني كاوان . وقام منا قائم بجيلان ، وأجابته الآبر والديلمان ، ظهرت لولدي رايات الترك متفرقات في الأقطار والجنبات ، وكانوا بين هنات وهنات . إذا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 228 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
خربت البصرة وقام أمير الإمرة بمصر » .
وتدل الفقرة الأخيرة على أن حركة أمير الإمرة مؤيدة للإمام ( عليه السلام ) ، وأمير الأمرة أي الأمير المطاع من الجميع ، فهو قائدٌ لقادة ، وقد يكون صاحب رتبة في الجيش أو أنه بعد نجاحه يكون حاكم مصر .
وقد جعل قيامه علامة لظهور الإمام ( عليه السلام ) ، فيكون قبله من مقدماته والتمهيد له ، أو مرافقاً لظهوره ( عليه السلام ) .
ويؤيد ذلك ذكر القائم بخراسان وجيلان ورايات الترك بآذربيجان ، وقد ورد أنها في سنة ظهور الإمام ( عليه السلام ) .

الإمام المهدي ( عليه السلام ) يدخل مصر ويجعلها مركزه الإعلامي

روت مصادرنا عن علي ( عليه السلام ) أنه قال : « لأبنين بمصر منبراً ، ولأنقضن دمشق حجراً حجراً ، ولأخرجن اليهود من كل كور العرب ، ولأسوقن العرب بعصاي هذه . فقال الراوي وهو عباية الأسدي : قلت له : يا أمير المؤمنين كأنك تخبر أنك تحيا بعدما تموت ؟ فقال : هيهات يا عباية ، ذهبت غير مذهب . يفعله رجل مني ، أي المهدي ( عليه السلام ) » . ( معاني الأخبار : 406 ، والإيقاظ / 385 ) .
وهو يشير إلى معركة المهدي ( عليه السلام ) مع السفياني في دمشق ومن وراءه من اليهود ، فينتصر عليهم ويدخل القدس كما نصت الروايات ، وأنه بعد انتصاره يُخرج اليهود من بلاد العرب ، ويجعل مصر مركزاً إعلامياً عالمياً .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 229 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد وصفت خطبة رويت عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) تسمى خطبة المخزون ، حركة المهدي ( عليه السلام ) وحروبه ، وذكرت دخوله إلى مصر ، وهي خطبة طويلة رواها الحسن بن سليمان في مختصر بصائر الدرجات / 195 ، وفي طبعة / 210 ، وطبعة / 519 ، عن السيد بن طاووس بسنده عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) ، جاء فيها : « وإن لكل شئ إنّاً يبلغه ، لا يعجل الله بشئ ، حتى يبلغ أناه ومنتهاه ، فاستبشروا ببشرى ما بشرتم به ، واعترفوا بقربان ما قرب لكم ، وتنجزوا من الله ما وعدكم .
إن منا دعوة خالصةً ، يظهر الله بها حجته البالغة ، ويتم بها النعمة السابغة ، ويعطى بها الكرامة الفاضلة ، من استمسك بها أخذ بحكمة منها ، آتاكم الله رحمته ومن رحمته نور القلوب ، ووضع عنكم أوزار الذنوب ، وعجل شفاء صدوركم وصلاح أموركم ، وسلام منا لكم دائماً عليكم تسلمون به في دول الأيام ، وقرار الأرحام أين كنتم ، وسلامه لسلامه عليكم في ظاهره وباطنه . . . فإن الله عز وجل اختار لدينه أقواماً انتجبهم للقيام عليه ، والنصرة له ، بهم ظهرت كلمة الإسلام ، وأرجاء مفترض القرآن ، والعمل بالطاعة في مشارق الأرض ومغاربها . . .
إن أمرنا صعب مستصعب ن لا يحتمله ملك مقرب أو نبي مرسل أو عبد امتحن الله قلبه للإيمان . لا يعي حديثنا إلا حصون حصينة ، أو صدور أمينة أو أحلام رزينة . يا عجباً كل العجب بين جمادى ورجب . . .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 230 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ألا أيها الناس سلوني قبل أن تشرع برجلها فتنة شرقية ، وتطأ في خطانها بعد موت وحياة أو تشب نار بالحطب الجزل غربي الأرض ، ورافعة ذيلها تدعو يا ويلها ، بذحلة أو مثلها ، فإذا استدار الفلك قلتم مات أو هلك ، بأي واد سلك ، فيومئذ تأويل هذه الآية : ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ . . .
ولذلك آيات وعلامات ، أولهن إحصار الكوفة بالرصد والخندق ، وتحريق الزوايا في سكك الكوفة ، وتعطيل المساجد أربعين ليلة ، وتخفق رايات ثلاث حول المسجد الأكبر يشبهن بالهدى ، القاتل والمقتول في النار ، وقتل كثير وموت ذريع ، وقتل النفس الزكية بظهر الكوفة في سبعين ، والمذبوح بين الركن والمقام . . .
ثم يسير إلى مصر فيعلو منبره ، ويخطب الناس ، فتستبشر الأرض بالعدل ، وتعطى السماء قطرها ، والشجر ثمرها ، والأرض نباتها ، وتتزين لأهلها ، وتأمن الوحوش حتى ترتعي في طرف الأرض كأنعامهم ، ويقذف في قلوب المؤمنين العلم ، فلا يحتاج مؤمن إلى ما عند أخيه من العلم . . . فيومئذ تأويل هذه الآية : أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ . وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ . قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ . فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 231 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فيمكث فيما بين خروجه إلى يوم موته ثلاث مائة سنة ونيفاً ، وعدة أصحابه ثلاث مائة وثلاثة عشر » .
وهذا يدل على أن المهدي ( عليه السلام ) يحتل دمشق بعد معركة كبرى مع السفياني ، ويكون اليهود متواجدين في عصره في بلاد العرب ، فيخرجهم منها ، وأنه يجعل مصر مركز إعلامياً للعالم .
وروى في مختصر البصائر / 210 ، وصف علي ( عليه السلام ) دخول الإمام المهدي ( عليه السلام ) إلى مصر واستقبال أهلها له ، قال : « ويسير الصديق الأكبر براية الهدى . . . ثم يسير إلى مصر فيعلو منبره ويخطب الناس فتستبشر الأرض بالعدل . . » .
كما تذكر رواية أن للإمام المهدي ( عليه السلام ) في هرمي مصر ، كنوزاً وذخائر من العلوم ، رواها الصدوق في كتابه كمال الدين / 564 ، عن أحمد بن محمد الشعراني ، الذي هو من ولد عمار بن ياسر رضي الله عنه ، عن محمد بن القاسم المصري ، قال : « إن ابن أحمد بن طولون شغَّل ألف عامل في البحث عن باب الهرم سنة ، فوجدوا صخرة مرمر وخلفها بناء لم يقدروا على نقضه ، وأن أُسْقُفاً من الحبشة قرأها ، وكان فيها عن لسان أحد الفراعنة قوله : « وبنيت الأهرام والبراني ، وبنيت الهرمين وأودعتهما كنوزي وذخائري . فقال ابن طولون : هذا شئ ليس لأحد فيه حيلة إلا القائم من آل محمد ( صلى الله عليه وآله ) . ورُدَّت البلاطة كما كانت مكانها » . وفي الرواية نقاط ضعف ، لكنها تصلح مؤيداً .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 232 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الأبقع الذي تسانده مصر

ذكرت روايات حركة السفياني أن الأبقع يخرج قبله على حاكم الشام الأصهب ، ويكون بينهما صراع ، ثم يأتي بالسفياني من جهة حوران فيقاتلهما وينتصر عليهما ، ويسيطر على سوريا . وورد في وصف الأبقع أن أنصاره من مصر ، أو هو مصري الأصل .
ففي فتن ابن حماد / 77 عن علي ( عليه السلام ) قال : « تخرج بالشام ثلاث رايات : الأصهب والأبقع من مصر ، فيظهر السفياني عليهم » .
وفي تفسير العياشي ( 1 / 65 ) : « وإن أهل الشام يختلفون عند ذلك على ثلاث رايات : الأصهب والأبقع والسفياني » .

دخول جيش المغرب إلى مصر

روى ابن حماد في كتابه الفتن وغيره روايات عن علاقة مصر بأحداث خروج السفياني ، تذكر دخول أهل المغرب إلى مصر ، وغالبها مراسيل وأقوال أشخاص ، ويبدو انها من تحريف الرواة لأحاديث دخول جيش المغرب الفاطمي إلى مصر والشام ، ولا علاقة لها بظهور الإمام المهدي ( عليه السلام ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 233 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال ابن حماد : 1 / 222 : « عن عمار بن ياسر قال : وخروج ثلاثة نفر بالشام ، وخروج أهل المغرب إلى مصر ، وتلك أمارة السفياني » . والداني / 78 .
وقال ابن حماد : 1 / 285 : « عن أرطاة قال : إذا اجتمع الترك والروم ، وخسف بقرية بدمشق وسقط طايفة من غربي مسجدها ، رُفع بالشام ثلاث رايات : الأبقع والأصهب والسفياني ، ويحصر بدمشق رجل فيقتل ومن معه ويخرج رجلان من بني أبي سفيان فيكون الظفر للثاني ، فإذا أقبلت مادة الأبقع من مصر ، ظهر السفياني بجيشه عليهم فيُقتل الترك والروم بقرقيسيا ، حتى تشبع سباع الأرض من لحومهم » . والأبقع : في وجهه بقع . والأصهب : اسم للأسد ، وصفة للأصفر الوجه . ومادة الأبقع : أنصاره .
والصحيح أن حركة الأبقع تكون في الشام ، وهو مؤيد من مصر ، أو أصله من مصر . أما دخول جيش المغرب إلى مصر ، فينطبق على حركة الفاطميين ولا علاقة لها بظهور المهدي ( عليه السلام ) . وأحاديث السفياني قبيل ظهور المهدي ( عليه السلام ) متواترة ، لكن لم يثبت علاقتها بدخول المغربيين إلى مصر .
وكذلك الروايات التي تتحدث عن أزمة اقتصادية في الحجاز بسبب منع المواد التموينية عنها من مصر ، فهي تخص القرون الأولى ، حيث كانت مصر مصدر تموين الحجاز ، لكن الرواة خلطوها بأحاديث المهدي ( عليه السلام ) ، كما في مسند أحمد : 2 / 262 ، عن أبي هريرة : قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : « مَنَعت العراق
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 234 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قفيزها ودرهمها ، ومَنَعت الشام مدها ودينارها ، ومَنَعت مصر إرْدَبَّها ودينارها ، وعدتم من حيث بدأتم « ثلاثاً » وقال : يشهد على ذلك لحم أبي هريرة ودمه » ! والقفيز والمد والإردب : مكاييل للغلات . ونحوه مسلم : 4 / 2220 ، وأبو داود : 3 / 166 ، والبيهقي : 9 / 137 ، ودلائل النبوة : 6 / 329 ، كلها عن أبي هريرة .
وهي ترتبط بقطع التموين عن الجزيرة يومذاك من العراق والشام ومصر .
ولعل من نوعها الرواية عن حاكم مصر الذي يأتي بالروم ويبسط يدهم في حكمها ، رواها ابن المنادي / 33 : « عن أبي ذر ( رحمه الله ) قال عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) : سيكون رجل من بني أمية بمصر يلي سلطاناً ثم يغلب على سلطانه أو ينزع منه ، ثم يفر إلى الروم فيأتي بالروم إلى أهل الإسلام ، فذلك أول الملاحم » . وتهذيب ابن عساكر : 4 / 147 ، والجامع الصغير : 2 / 63 .
ومضافاً إلى الإشكال في سندها ، فقد يكون حدثها وقع وانتهى ، ولا ينافي ذلك قوله : فذلك أول الملاحم ، فهو يستعمل بمعنى أحداث ظهور المهدي ( عليه السلام ) ، وقد يقصد به ملاحم في ذلك العصر .
والنتيجة : أنه لا يصح عد هذه الروايات من علامات ظهور المهدي ( عليه السلام ) ، مضافاً إلى ضعفها وإرسالها .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 235 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

كذبة كعب في أن الدجال من مصر

قال ابن حجر في فتح الباري : 13 / 277 : « وأخرج أبو نعيم أيضاً من طريق كعب الأحبار أن الدجال تلده أمه بقوص من أرض مصر قال : وبين مولده ومخرجه ثلاثون سنة ! قال : ولم ينزل خبره في التوراة والإنجيل ، وإنما هو في بعض كتب الأنبياء .
وأخلق بهذا الخبر أن يكون باطلاً ، فإن الحديث الصحيح أن كل نبي قبل نبينا أنذر قومه الدجال ، وكونه يولد قبل مخرجه بالمدة المذكورة مخالف لكونه ابن صياد ، ولكونه موثوقاً في جزيرة من جزائر البحر . . . وأقرب ما يجمع به بين ما تضمنه حديث تميم وكون ابن صياد هو الدجال ، أن الدجال بعينه هو الذي شاهده تميم موثوقاً ، وأن ابن صياد شيطان تبدَّى في صورة الدجال في تلك المدة ، إلى أن توجه إلى أصبهان فاستتر مع قرينه إلى أن تجئ المدة التي قدر الله تعالى خروجه فيها » !
ثم اعترف ابن حجر بتناقض أحاديثهم الصحيحة في الدجال فقال : « ولشدة التباس الأمر في ذلك سلك البخاري مسلك الترجيح فاقتصر على حديث جابر عن عمر في ابن صياد ، ولم يخرج حديث فاطمة بنت قيس في قصة تميم ، وقد توهم بعضهم أنه غريب فرده وليس كذلك ، فقد رواه مع فاطمة بنت قيس أبو هريرة وعائشة وجابر . أما أبو هريرة فأخرجه أحمد من
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 236 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
رواية عامر الشعبي عن المحرز بن أبي هريرة عن أبيه بطوله ، وأخرجه أبو داود مختصراً وابن ماجة عقب رواية الشعبي عن فاطمة » .
أقول : يقصد كعب أن الدجال الذي هو ملك اليهود سيولد في مصر كموسى ( عليه السلام ) ، ويقود بني إسرائيل !
وقد روى المسلمون قبل كعب أن الدجال يهودي ، ففي مسند أحمد : 3 / 224 ، قال أنس : « قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : يخرج الدجال من يهودية أصبهان ( محلة في أصفهان ) معه سبعون ألفاً من اليهود ، عليهم التيجان » . ونحوه مسلم : 8 / 207 .
لكن كعباً جعل الدجال عربياً ، وجعل أنصاره عرباً ! ففي مصنف ابن أبي شيبة : 8 / 671 ، و : 15 / 182 : « كأني بمقدمة الأعور الدجال ست مائة ألف من العرب يلبسون السيجان » . ( والدر المنثور : 5 / 354 » . وفي كنى البخاري / 65 ، وغيره ، عن ابن عمر : « يتبع الدجال أربعون ألفاً من صلب العرب » .
ثم جعل كعب الدجال عراقياً ، لأن أهل العراق وخاصة القبائل اليمانية كانوا يعرفون زيف كعب ويكذبونه ! فقال كعب كما في عبد الرزاق : 11 / 396 : « يخرج الدجال من العراق » !
وقال كعب لعمر لما أراد أن يسكن العراق : « لا تفعل فإن فيها الدجال ، وبها مردة الجن ، وبها تسعة أعشار السحر ، وبها كل داء عضال يعني الأهواء » . عبد الرزاق : 11 / 251 ، والدر المنثور : 5 / 354 .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 237 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد فصلنا حديث الدجال في معجم أحاديث الإمام المهدي ( عليه السلام ) . وبينا أن حركته بعد ظهور الإمام المهدي ونزول عيسى ( عليهما السلام ) ، وبينا اضطراب روايات أتباع السلطة فيه وتناقضها .
والمشكلة عندهم أنها كلها صحيحة ! فقد قال عمر إن الدجال هو ابن صياد المعاصر له ، وقال تميم الداري إنه رآه موثقاً في جزيرة في البحر ، وقال كعب إنه في جزيرة باليمن موثق من زمن سليمان ( عليه السلام ) !

بغض كعب الأحبار لمصر وكذبه عنها

نشط كعب الأحبار في نشر مدح الشام وذم الحجاز ومصر والعراق ، وتحولت أقواله على يد تلاميذه إلى أحاديث نبوية ! منها حديث ابن عمر أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) قال : « دخل إبليس العراق فقضى حاجته ، ثم دخل الشام فطردوه ، ثم دخل مصر فباض فيها وفرخ ، وبسط عَبْقَريَّه » ! أي فرش بساطه ، واستقر في مصر !
( رواه الطبراني في الأوسط : 6 / 286 ، والكبير : 12 / 262 ، ووثقه في الزوائد : 10 / 60 ) .
وفي تاريخ دمشق : 1 / 317 و 318 : « ثم دخل الشام فطردوه حتى بلغ بُسَاق » وعقبة بُساق : في طريق الذاهب إلى مصر ! ( معجم البلدان : 1 / 413 ) .
وفي معجم الطبراني الأوسط : 6 / 286 ، والكبير : 12 / 262 ، وتاريخ دمشق : 1 / 99 ، عن إياس بن معاوية : قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : « إن الله تعالى قد تكفل لي بالشام وأهله ، وإن إبليس أتى العراق فباض فيها وفرخ ، وإلى مصر فبسط عبقريه واتكأ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 238 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال : جبل الشام جبل الأنبياء » .
كما روى الحاكم : 4 / 462 ، نبوءة كعب وأحلامه بخراب مصر ، قال : « الجزيرة آمنة من الخراب حتى تخرب أرمينية ، ومصر آمنة من الخراب حتى تخرب الجزيرة ، والكوفة آمنة من الخراب حتى تخرب مصر ، ولا تكون الملحمة حتى تخرب الكوفة ، ولا تفتح مدينة الكفر حتى تكون الملحمة ، ولا يخرج الدجال حتى تفتح مدينة الكفر » .
وكل هذا من مكذوباته ، ولعله اتفق مع الروم فأشاع في المسلمين أنهم إذا فتحوا القسطنطينية فسيخرج الدجال ، وتخرب مكة والمدينة ، وتخرب مصر وبلاد المسلمين !
وروى ابن حماد : 1 / 236 : « عن كعب قال : رأس الأرض الشام وجناحاها . ولا مصر والعراق والذنباء أي الحجاز ! وعلى الذنباء يسلح الباز » !
وهذا ذم يهودي خبيث لمصر والعراق والحجاز مركو النبوة ! والعجيب أن رواة الخلافة وعلماء المذاهب ، قبلوه ورووه ، ولم يردوا عليه !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 239 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

ختام في مشاهد أهل البيت وذرياتهم في مصر

هذا العنوان موضوع لكتاب أو كتب ، وإنما أردنا منه الإشارة إلى هذه الحقيقة المهمة التي تكشف عن العلاقة العقائدية العريقة لأهل مصر بأهل البيت ( عليهم السلام ) . ونكتفي هنا بإيراد موضوعات وصفية لمشهد الإمام الحسين ( عليه السلام ) في القاهرة ، كتبها الأخ العزيز الصحفي الدكتور نبيل شرف الدين ، وهو من كُتَّاب صحيفة الأهرام وغيرها من الصحف المصرية والعربية ، وكان يكتب باسم « مالك الحزين » .
كتب هذه المقطوعات في شبكة هجر الثقافية ، منها بتاريخ ( 3 / 4 / 2001 ) بعنوان : سَيِّدْنَا ، قال :
إنه لمركز صميم البؤرة ، والمنطلق إلى الجهات الأربع ، أصلية وفرعية في القاهرة أو غيرها من مدن مصرية . . تلك منزلة مسجد وضريح سيدنا الحسين رضي الله عنه عند المصريين قاطبة .
إذا ما قيل على مسمع من القوم : سيدنا . . فهذا يعني الحسين . وإذا ما قيل مولانا . . فهذا يعني الحسين .
وإذا ما قيل : الحسين . . فهذا يعني كثيراً . . يعني الاستشهاد من أجل الحق ، وإقرار العدل ، وافتداء الجمع بحياة الفرد ، لكي يتحول الوجود المادي إلى معنوي ممتد ، فلا زمن يحده ، ولا مكان يقيده . .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 240 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد شاء لي حظي أن أقيم سنوات على مقربة من مسجده ، الذي يحوي ضريحاً يضم رأسه الشريف ، فارتبطت حواسي كلها به ، بمعالمه ونقوشه ومعماره ، وما ينبعث من أرجائه . . ذلك العطر الخفي ، والظلال الهادئة ، وطوابير الساعين إلى الصلاة في رحابه وزيارة مرقد الرأس الشريف ، لا ينقطعون ليلاً أو نهاراً ، يسعون إليه من القرى النائية ، والواحات المعزولة في الصحراء ، والمدن القريبة والبعيدة ، تنتظم حوله الحياة في أجمل مشاهدها ، يفيض المكان بالطمأنينة ، بالسكينة ، بالرضا .
منذ صدر شبابي كنت أتطلع إلى الآية الكريمة : قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ، مكتوبة بخط جميل ، حروف خضراء على خلفية من اللون البني ، ومحفورة في الجدران ، أقرأها فأرق ، وأرددها فأستكين ، وقد صاحبتني طوال مراحل عمري ، ومع بلوغ العمر نقطة متقدمة أستعيدها . . فأحن وأفهم ، وأسترجع مغزى ودلالات استشهاد : سيدنا . . و . . مولانا .
إذا ما قيل : الحسين . . فهذا يعني مكاناً أيضاً . . تُعرف مناطق القاهرة القديمة بمراقد آل البيت . . السيدة زينب ، السيدة نفيسة ، السيد عائشة ، سيدي زين العابدين . المركز هو : الحسين . إنه المركز الروحي لمصر كلها وليس القاهرة فقط بل في العالم الإسلامي كله . وانظر لما يقوله المقريزي في موسوعة المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار ، ما نصه : « قال الفاضل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 241 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
محمد بن علي بن يوسف بن ميسر : وفي شعبان سنة إحدى وتسعين وأربع مائة خرج الأفضل ابن أمير الجيوش بعساكر جمة إلى بيت المقدس وبه « سكان » والغازي « أرفق » في جماعة من أقاربهما ورجالهما وعساكر كثيرة من الأتراك ، فراسلهما الأفضل يلتمس منهما تسليم القدس إليه بغير حرب فلم يجيباه لذلك ، فقاتل البلد ونصب عليها المنجنيق ، وهدم منها جانباً ، فلم يجدا بداً من الإذعان له وسلماها إليه ، فخلع عليهما وأطلقهما ، وعاد في عساكره ، وقد ملك القدس .
فدخل عسقلان وكان بها مكان دارس فيه رأس الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما فأخرجه . . وعطره وحمله في سفط إلى أجلِّ دارٍ بها ، وعمر المشهد ، فلما تكامل حمل الأفضل الرأس الشريف على صدره وسعى به ماشياً إلى أن أحله في مقره .
وقيل إن المشهد بعسقلان بناه أمير الجيوش بدر الجمالي ، وكمله ابنه الأفضل . . وكان حمل الرأس إلى القاهرة من عسقلان ووصوله إليها في يوم الأحد ثامن جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين وخمس مائة ، وكان الذي وصل بالرأس من عسقلان الأمير سيف المملكة تميم واليها ، والقاضي المؤتمن . . ويذكر أن هذا الرأس الشريف لما أخرج من المشهد بعسقلان ، وجد دمه لم يجف ، وله كريح المسك ، فقدم به الأستاذ مكنون في عشاري
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 242 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
من عشاريات الخدمة ، وأنزل به إلى الكافوري ، ثم حمل في السرداب إلى قصر الزمرد ، ثم دفنه عند قبة باب الديلم بباب دهليز الخدمة ، فكان كل من يدخل الخدمة يقبل الأرض أمام القبر ، وكانوا ينحرون في يوم عاشوراء عند القبر الإبل والبقر والغنم . هذا ما ذكره المقريزي في خططه الشهيرة .
* *
وكتب الدكتور شرف الدين بتاريخ ( 19 / 12 / 1999 ) بعنوان : مسجد الحسين ومنزلته في نفوس المصريين :
يُعَدُّ جامع سيدنا الحسين بن علي بن أبي طالب من أهم معالم القاهرة الذي يحرص أي مسلم زائر لمصر على زيارته .
وبلغ تقديس المصريين له أقصى المدى مما دفع الكثير من المؤرخين إلى إطلاق اسم مسجد الحرم المصري عليه ، نظراً لإيمان المصريين المطلق بأن رأس الحسين مدفون في هذا المسجد الذي يقع في قلب القاهرة ، رغم اختلاف الروايات حول هذه الحقيقة . . ففي مظفر التذكرة للشعراني : أنه قد ثبت أن الصالح طلائع ، الذي بنى المشهد الحسيني بالقاهرة ، نقل الرأس إلى هذا المشهد ودفع في ذلك نحو أربعين ألف دينار ، وخرج هو وعسكره فنقلوه من خارج مصر .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 243 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كما يذكر الرحالة العربي ابن جبير أن من مشاهد القاهرة المشهد العظيم الشأن ، حيث رأس الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما ، وهو في تابوت فضة مدفون تحت الأرض ، وقد بني عليه بنيان مجلل بأنواع الديباج ، فيه من أنواع الرخام المجزع غريب الصنع ، بديع الترصيع مالا يتخيله المتخيلون .
ويقع جامع الحسين قرب الجامع الأزهر الشريف ، وسوق خان الخليلي الشهير ، وأنشأه الفاطميون سنة 549 هجرية ، تحت إشراف الوزير الصالح طلائع . . بني الجامع بالحجر المنحوت ، ويضم ثلاثة أبواب مبنية بالرخام الأبيض ، تطل على خان الخليلي ، وباباً آخر بجوار القبة ، ويعرف بالباب الأخضر .
ويضم الجامع منبراً خشبياً دقيق الصنع مطلياً بالذهب ، نقل إليه من جامع أزبك بك بالعتبة الخضراء أربعة وأربعون عموداً ، عليها بوائك تحمل السقف المصنوع من الخشب ، متقن الصنع والمنقوش باللازورد ، والمطعَّم بالذهب . وفي السقف ثلاث مناور مرتفعة مسقوفة ، بها ثلاثون شباكاً من النحاس المطلي بالذهب ، يعلوها في الجهة البحرية شبابيك صغيرة ، دوائرها من الرخام .
وعلى المشهد الشريف نقش من الأبنوس المكسو بالإستبرق الأحمر
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 244 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
المزركش ، في أعلاه كمامة من الحرير الأخضر ، وبجوانبه أربعة عساكر من الفضة ، وبدائرة مقصورة الجامع ، وقبته ألواح مزخرفة بخطوط مذهبة ، مكتوبة بالخط الثلث والكوفي . وبأعلى الباب الذي يلي المنبر نقشت العبارات البليغة : الشفاء في تربته ، والإجابة تحت قبته ، والأئمة في ذريته .
وقد اهتم أمراء وأكابر مصر في كل عصر بهذا الجامع الكبير فنمَت عمارته وزخرفته ، وأُضيئت قاعاته وطرقاته وممراته ، وفرشت أرضياته بالسجاجيد النفيسة . وقد عمره الأمير عبد الرحمن كتخدا في سنة 1175 ميلادية .
كما عزم والي مصر عباس باشا على توسعته وزيادة مساحته ، فقام بشراء الأملاك المجاورة له وهدمها ، وشرع في بناء الأساس ثم توقفت الإنشاءات بعد أن وافته المنية ، وبقي الحال على ما هو عليه حتى تقدم مصطفى بك العناني لشراء الأرض التي كان اشتراها عباس باشا ، وعمرها لنفسه وأقام عليها فنادق وخانات وبنايات لحسابه . ويقال أنه اكتشف كنزاً خلف قبة المشهد الحسيني .
وفي سنة 1199 ميلادية أمر الخديوي إسماعيل باشا بتجديد الجامع وتوسعته ، وكلف على مبارك باشا برسم التصور المعماري لتجديد الجامع ، بحيث يتسع لاستقبال أحباء ومريدي الإمام الحسين رضي الله عنه ، وكلف الأمير راتب باشا ناظر ديوان الأوقاف المصرية أن يشرف بنفسه على تنفيذ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 245 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إنشاءات الجامع الجديدة ، التي صممها علي باشا مبارك . وفي إطار هذا التجديد هدم كل الجامع ، ما عدا القبة والضريح الشريف .
وبدأت الإنشاءات في سنة 1282 هجرية وانتهت في 1290 هجرية بالشكل الذي سبق وصفه ، ومن العناصر التي تخلفت من المشهد القديم حتى الآن :
الباب المعروف باسم الباب الأخضر ، ومبني من الحجر وعلى يساره دائرة مفرغة بزخارف ، وتعلوه بقايا شرفة جميلة . كما تخلف من المنارة الأيوبية التي أنشأها فوق هذا الباب أبو القاسم السكري القسم الأسفل منها وهو المربع الذي يحتوى على زخارف جصية نادرة وعلى تاريخ الإنشاء .
أما التابوت الخشبي ، فهو أيوبي الطراز ويعتبر تحفة نادرة تمثل طراز الحفر على الخشب في عصر الأيوبيين في مصر ، وهو محفوظ حالياً بمتحف الفن الإسلامي بالقاهرة .
وهناك الحجرة التي شيدت عام 1893 ميلادية لتحتوي على الآثار النبوية ، وهي مجاورة للقبة من الجهة القبلية وتشمل من الآثار النبوية الشريفة على قطعة من قميصه الشريف ، ومكحلة ، وقطعة من العصا الشريفة وشعرتين من اللحية الشريفة ، وبها أيضاً مصحفان بالخط الكوفي .
وإلى الآن يعتبر مسجد سيدنا الحسين من أهم المزارات الدينية التي يحرص المصريون والمسلمون عموماً على زيارتها والتبرك بها ، فكثيراً ما نرى داخل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 246 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
المسجد أو المشهد أشخاصاً يقومون بإيقاد الشموع لسيدنا الحسين بعد شفاء مريض لهم ، أو خروجه من أزمة ما ، كما يلجأ العامة للدعاء بداخله .
أما مولد سيدنا الحسين ، فيعد من المناسبات التي ينتظرها الكثيرون ، حيث تتحول ساحة المسجد والميدان الذي يطل عليه إلى مهرجان عظيم ، يكتظ بحلقات الذكر والإنشاد الديني وقراءة القرآن . . وهو يجتذب الزائرين والمريدين ، من جميع أنحاء مصر والعالم العربي .
فاتني أن أذكر اللوحة الرخامية الكبيرة المعلقة على باب المسجد المؤدي للمشهد الحسيني ، وقد كتب عليها بالذهب حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : الحسن والحسين مني ، من أحبهما أحببته ، ومن أبغضهما أبغضته .
وللعلم هناك أضرحة لا حصر لها لآل البيت في القاهرة ، ومنهم : السيدة زينب ، والسيدة نفيسة ، والسيد أحمد البدوي في طنطا ، ولهذه الأضرحة منزلة عالية في نفوس المصريين . وقد حاول بعض المتطرفين من عينة « السلفجية » فلم تفعل الحكومة شيئاً ، بل تصدى لهم الناس ، ولما كادت تحدث فوضى ، تدخلت الشرطة لوقف هذه المشاكل ، حدث ذلك في السبعينات إبان ظهور هؤلاء الهمج .
والمصريون البسطاء يذهبون لأضرحة الحسين والسيدة نفيسة ، وغيرهما
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 247 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
للتبرك بهما ، ولم نسمع أن ذلك شركٌ وحرامٌ ، إلا مع ظهور هؤلاء الهمج !
هناك قدر هائل من العادات الشيعية في مصر ، كالإحتفال بيوم عاشوراء والأذكار ، والتبرك بآل البيت ، وغير ذلك مما يتطلب جهداً بحثياً كبيراً لرصده وتحليله ودراسة ما إذا كانت تلك من بقايا تراث العصر الفاطمي ، أول دولة شيعية في التاريخ . . ولذلك تجد المصريين السنة ، بما فيهم علماء الأزهر لا يكفرون الشيعة ، ولا يحملون كل هذا العداء الذي صدمت حينما رأيته في مواقع الحوار عبر الشبكة ! فإذا سألت مصرياً عن الشيعة فسيرد عليك ببساطة ، هذا مذهب الذين تشيعوا لعلي وآل البيت .
كل ما أريد أن أقوله إن هناك بالفعل تجارب عملية وإنسانية على التقارب بين السنيين والشيعة ، وتعالوا مصر لتروها ، ولعل البعض لا يعرف أن الأزهر الشريف نفسه كان أول جامعة شيعية في العالم ، قبل مدينة قم وغيرها ، وأدعو المهتمين بدراسة التاريخ أو علم الاجتماع ، أو التأصيل أن يولوا هذه الفكرة اهتمامهم باعتبارها تجربة هامة ، ربما لا يلتفت إليها الكثيرون .
* *
وكتب بتاريخ ( 4 / 5 / 2000 ) بعنوان : المشهد الحسيني في القاهرة :
على باب ضريح الإمام الحسين في القاهرة لوحة رخامية كبيرة كتب عليها بالذهب الحديث النبوي الشريف : الحسن والحسين مني . . من أحبهما
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 248 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أحببته ، ومن أبغضهما أبغضته . .
وداخل المسجد أكبر ثريا « نجفة » في العالم العربي ، كما يؤكد إمام المسجد ، وهي للحق آية في الجمال والبهاء ، ووزنها كما هو مثبت في دليل تاريخ الضريح وصاحبه يصل إلى خمسة أطنان ، من الكريستال المحلى بالذهب الخالص ، وقوائمه من الفضة الخالصة . .
أما السجاد فحدث ولا حرج ، فقد تبرع العام الماضي أحد كبار التجار من طائفة البهرة « يقيمون حول الضريح » بسجادة فارسية تعود إلى القرن العاشر الميلادي ، وحجمها يبلغ 16 متراً مربعاً ، وهي من الحرير الخالص ، وقد فرشت في المقام « الضريح » الذي يقع في الجانب الشرقي داخل المسجد . .
ويعقد داخل المسجد يومياً أكثر من خمس مائة عقد قران ، تصل أيام الخميس والجمعة إلى الألف ، حيث يحرص آلاف المصريين على عقد قرانهم داخل المسجد الحسيني ، وبعضهم يأتي من مدن مصرية بعيدة ، قد تبتعد عن القاهرة أكثر من سبع مائة كيلو متراً .
للحسين ، ومسجده ، وضريحه ، ومشهده ، منزلة خاصة في نفوس المصريين . وفي شهر رمضان يستحيل على المرء أن يجد موضعاً لقدم في هذا الميدان المعروف بالمشهد الحسيني .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 249 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
باعة المصوغات الذهبية للتحف والفنون اليدوية . . مكتبات ضخمة . . مقاهي شديدة الجمال . . مطاعم شهيرة . . حلقات ذكر . . ندوات دينية وأخرى ثقافية . . مواكب زواج . . سياح أجانب يقفون مذهولين لروعة المكان وتلك الأعداد الغفيرة من الزوار . .
كل هذا في كفة . . و . . مجاذيب الحسين . . في كفة أخرى ، فهناك حول الضريح تجد عشرات ممن ارتدوا الخرقة الصوفية . . وتركوا بيوتهم وأعمالهم واستأنسوا بالحسين . . أقاموا حول الضريح يلتحفون السماء ويفترشون الأرض . . يأكلون ما يجود عليهم به أهل الخير . . وما أكثرهم هناك . . ويصلون الصلوات الخمس في المسجد . .
في رمضان لست مضطراً لأن تدفع نقوداً لكي تفطر ، إذا ما كنت في ميدان الحسين ، فأهل الخير يحملون آلاف الوجبات ، ويقدمونها مجاناً للصائمين وعابري السبيل . . وفي كل شهور السنة يحرص الكثير من الأغنياء على توزيع زكواتهم وصدقاتهم على الناس حول الضريح . .
أما في صلاة العيدين فحدث ولا حرج . . تغسل الأرض والله العظيم غسلاً . . لا تكاد تميز بين عامل النظافة الموظف رسمياً لهذا الغرض ، وبين مئات الشباب والشيب ، الذين يشمرون عن سواعدهم ويحملون المقشات ليكنسوا الميدان . . بعضهم أطباء ومهندسون وضباط وأساتذة جامعات
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 250 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وتجار أثرياء . .
وكلهم يعتقدون أن الله تعالى سيبارك لهم ، عندما يتواضعون ويكنسون الميدان ، ويرشون الماء . .
في الفجر يحضر الركب الرسمي لرئيس الجمهورية ، ومعه كل الوزراء وشيخ الأزهر . . ويحظر سير السيارات في هذا الميدان ، وكافة الشوارع المؤدية إليه . . لكن يتجاوز عدد المصلين المليون شخص كل عيد . . . طيلة الوقت تستمع لابتهالات الشيخ سيد النقشبندي . . وإنشاد الشيخ ياسين التهامي . . حتى يرفع المؤذن الآذان . . الله أكبر الله أكبر . . فيتحول الكون كله لمستمعين لهذا النداء السماوي الجليل . .
عجائز أتين من أقصى الصعيد ، حملن بضع قروش يوزعنها وفاء لنذر تحقق . . سيدات يتعلقن بأستار الضريح راجيات تحقيق أملهن في إنجاب طفل حرمن منه ، أو عودة ابن غريب اضطرته الحياة الصعبة للرحيل في بلاد الله . . وثمة رجل طاعن في السن يذرف دمعة حرى وهو يناجي صاحب الضريح قضاء حاجة يعلمها الله وحده . .
يتعامل الناس هنا في مصر مع الحسين ، كأنه ما زال حياً داخل الضريح . . يتحاكمون إليه في منازعاتهم . . يتحدثون إليه في كروبهم . . بعضهم يرسل إليه خطابات عبر البريد . .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 251 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وصلت خلال العام الماضي إلى أكثر من مليون رسالة كما أكدت هيئة البريد المصرية ، التي تسلمها لخادم الضريح . .
المرسل : . . . المرسل إليه : حضرة الإمام سيد شهداء الجنة الحسين بن علي رضوان الله عليهما . . العنوان : القاهرة . . . مسجد الإمام الحسين .
رائحة العطور تغمر أنوف زوار الضريح . . وأنوار لا تنطفئ . . ولم تنطفئ منذ قرون . . وجلال لا يضاهيه حتى ضريح السيدة زينب التي يحلو للمصريين إطلاق عدة ألقاب عليها . . منها أم العواجز . . ورئيسة الديوان . . و . . الطاهرة .
في المسافة الممتدة بين الضريحين تقع أجمل وأبهى أحياء القاهرة . . الدرب الأحمر . . القلعة . . الحسينية . . باب الخلق . . باب النصر . . باب الفتوح . . الباطنية . . الجمالية . . الكحكيين . . المغربلين . . الخ .
لأهل البيت في مصر منزلة ، لا يشعر بها إلا من يعرف المصريين جيداً . . . . فحينما حاول بعض المتطرفين ذات يوم تفجير قنبلة في منطقة الحسين . . خان الخليلي . . لم يسلمهم الناس للشرطة ، بل فتكوا بهم . . فحينما وصلت قوات الأمن لم تجد سوى جثث هامدة . . ولم يزل الفاعل مجهولاً حتى اليوم ، فقد تفرقت دماؤهم بين القبائل . .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 252 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

تعقيب المرجع الشيخ الصافي على الموضوع

نشرنا هذه المواضيع في المجلد التاسع من كتاب الإنتصار ، وهو قطاف من مناظراتنا مع الوهابية ، مع تعقيبات عدد من الإخوة الكتاب على الموضوع . وقد اطلع عليه يومها المرجع الديني الكبير الشيخ لطف الله الصافي حفظه الله ، فكتب ما يلي :
بسم الله الرحمن الرحيم
بعد الحمد والصلاة ، فإني لا أقدر على وصف ما حصل لي من الوجد والشوق ، والإحساس بالقرب والحضور ، والجلوس على بساط المحبة والأنس والخشوع لله تعالى . . عندما طالعت ما كتبه بعض الأدباء العارفين عن الحالات العطرة والروحانية القدسية ، التي تحصل لزوار مشهد مولانا سيد أهل الإباء ، وواحد أهل المباهلة والعباء ، أبي عبد الله الحسين ( عليه السلام ) في مصر ، القطعة الشريفة من وطننا الإسلامي الكبير ، التي حازت شرف ولاء أهل البيت ( عليهم السلام ) من أول ما أشرق عليها نور شمس الدعوة المحمدية والرسالة الإلهية .
لقد كررت مطالعة هذا التصوير الجميل لمظاهر الولاء ومحبة النبي والآل صلوات الله عليهم ، والاجتماعات والإحتفالات والحلقات في مشاهدهم النورانية ، العامرة بذكر الله تعالى وعبوديته .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 253 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إن مشهد الإمام الحسين ( عليه السلام ) ، من البيوت التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه ، بل هو من أفاضلها كما رواه السيوطي ، ولو لم يكن بيت علي وفاطمة الزهراء وسيدي شباب أهل الجنة ، بعد بيت النبي ( صلى الله عليه وآله ) أفضل تلك البيوت ، فبيت من يكون ؟
وجدت نفسي بعد قراءة هذا المقال ، مفعمةً شوقاً وحضوراً وأنساً بالله تعالى ، ورغبةً في زيارة هذا الضريح الشريف ، والمشهد الجليل ، الذي تسطع منه أنوار الجمال المحمدي ، والجلال العلوي ، المشعة من جلال الله تعالى وجماله الأزلي السرمدي . . وهي معان يدركها ويشعر بها من يدرك بحقيقة إيمانه بالله ورسوله ما لهذه المشاهد المرفوعة التي تخدمها ملائكة الله تعالى ، من قدر عند الله تعالى ورسوله ( صلى الله عليه وآله ) .
وجدت نفسي كأني في مصر ، في جوار الضريح الشريف والحضرة الحسينية ، بين إخواني الزائرين المصريين الوالهين ، الموالين لأهل البيت ( عليهم السلام ) ، وهم يتبركون بالمقام ويغتنمون الفوز فيه بالصلاة والابتهال ومناجاة الله تعالى ، يطلبون حاجاتهم من ربهم عنده ، ويصلون على النبي وعلى شهيد الإخلاص والإباء ، شهيد معالم الإنسانية الكبرى ، شهيد كل المكارم ، أبي عبد الله الحسين . . حسين التضحية والجهاد والإيثار ، حسين الصبر والشجاعة ، حسين الإسلام والإنسانية .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 254 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
اللهم كحِّل بصري بمشاهدة تراب ضريحه في مصر وكربلاء .
نعم ، وجدت نفسي في هذه البقعة المباركة التي شرفها الله تعالى بكرامة الانتساب إلى سبط النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، فرأيت بعين قلبي ملائكة الله تعالى محدقين بها . . فهنيئاً لزوار تلك البقعة المباركة ، مركز تقرب أولياء الله ، ومهبط ملائكة الله . . وهنيئاً لإخواننا أهل مصر ما هم فيه من جوار ضريح سيد شباب أهل الجنة . هنيئاً لهم هذا الفوز العظيم ، ثم هنيئاً لهم ما هم فيه من ولاء أهل البيت ( عليهم السلام ) . هنيئاً لشيوخهم وشبانهم ، رجالهم ونسائهم ، علمائهم وتلاميذهم ، أساتيذهم وطلاب جامعاتهم . فياليتنا معهم فنفوز بما يفوزون به عند هذا الضريح المبارك .
ويا مولاي يا حسين ، يا أبا عبد الله ، يا ابن رسول الله ، يا من استنقذت عباد الله بتضحيتك الكبرى من جهالة الضلالة .
أشهد أنك رفعت أعلام الدين ، وكسرت صولة المستكبرين والمستعبدين ، ونصرت الله ورسوله ، مجاهداً صابراً .
وأشهد أن الله يحب من أحبك ، ويبغض من أبغضك ، وأن الله طهركم يا أهل البيت من الرجس تطهيراً . والسلام عليك ورحمة الله وبركاته .
12 صفر المظفر - 1421 ه‍ . لطف الله الصافي
* *